مات علي شهيد عظمته...

شأن جميع الانبياء الباصرين الذين يأتون إلى بلد ليس ببلدهم والى قوم ليسوا بقومهم في زمن ليس بزمنهم.

جبران خليل جبران

عظيم من عظماء البشرية...

انبتته ارض عربية ولكنها ما استأثرت به وفجر ينابيع مواهبه الاسلام ولكنه ما كان للاسلام وحده.

ميخائيل نعيمة


بسم الله الرّحمن الرّحيم

والصلاة والسّلام على أشرف البرية محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته الهادية المرضية.

وعند رحلتي إلى القاهرة في عام 1398 هـ ذهبت لزيارة الأخ الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود وكنت قد صحبت معي كتاب الاستاذ الدكتور نوري جعفر: (فلسفة الحكم عند الإمام) وطلبت منه أن يكتب تقديما للكتاب فتفضل سيادته مشكوراً على ما كتبه.

أسأل الله أن يتقبل أعمالنا ويجعلها خالصة له ولأمة سيد أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويجعل مستقبل أمرنا خيراً من ماضيه وما بذلناه من جهد في نشر آثار أهل البيت عليهم السلام مرفوعاً إليه ومقبولا عنده أنه سميع الدعاء قريب مجيب؟

القاهرة: السّيد مرتضى الرضوي


بسم الله الرّحمن الرّحيم

إحتواني أبو السبطين: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ولى الرسول، وموضع سره ولجأ علمه، وأصل الأئمة الأطهار - في رحابه نيفاً وثلاثين عاماً عشتها تحت ظله الوارف الممدود. فما رأيت نفسي نعمت مع غيره - بعد محمد عليه الصلاة والسلام - بمثل ما نعمت معه من ذخائر المعارف، وكرائم الأخلاق، وروائع الأفكار التي تفتح طرائق وآفاقاً بلا حدود لمن أراد التماس الحق كاملاً غير منقوص، والحكمة صافية غير مشوبة..

ولقد استعصى على، كما استعصى على بلا ريب سواى، الإحاطة بكل ما أوتيه، والأخذ بكل ما أعطاه، لأن بلوغ الكمال محال، ولأن النفس البشرية، مهما ارتقت في مدارج النقاء، خليقة بأن تخطئ وإن هي حاولت مباعدة الأخطاء فالعصمة لله. وابن آدم خطاء، والحرص على التزام المحجة البيضاء لا يمنع إنسانا من الإنحراف عن سوء السبيل، آونة أو آونات، فيرى في القبيح المليح، ويرى في المليح القبيح، وقد يجيء هذا نتيجة محاولة بريئة لتفهم جديد، أو تبرير وضع طارئ، أو اجتهاد رأى في مشكلة بيئية تربت على تغير في الظروف والاحوال.. هذا بالإضافة إلى أن الطبيعة الآدمية كما فيها من النور فإن فيها من الظلام.

2

من السلوك البشرى.. وإن اختلف باختلاف المواقع والأفراد.. وإن كان وليد تفاعلات نفسية معقدة.


فإنه أيضاً على وجه من الوجوه ظاهرة اجتماعية عامة تقوم أساساً على ركيزتين هما. التلقين والتقليد.. ومن هنا فإن قادة الشعوب، ودعاة الإصلاح أو التغيير، يعمدون من خلال هاتين الركيزتين إلى تطور مجتمعاتهم وإعادة صياعتها من جديد. فإذا هم يبثون فيها - بالدعوة المستمرة الدائبة - ما اختاروا لها من آراء، يلقنونها الكبار والصغار. ثم يقرنون مرحلة البث بمرحلة التقليد أو تثبيت تلك الآراء في أذهان الناس عن طريق التطبيق العملي، بضرب الأسوة، حملا لهم على الاقتداء والأداء..

وذلك هو ما يحدث بالنسبة لجميع الأديان.. تتنزل رسالات السماء على من يجتبيهم الله من عباده المرسلين، فيخص كل رسول إلى تبليغ من بعث فيهم ويكون هو نفسه القدوة والمثال.

3

ولم يعرف التاريخ، فيما إخال هاديا تصدى لإصلاح حال قومه، وأخذهم بمبادئ الإسلام كالإمام..

نعم: يكن مجرد داعية إلى الله، وبينهم كتاب الله ما أيسر رجوعهم إليه لو شاءوا الاهتداء.. ولكنه ترجم الدين إلى أسلوب حياة وإعادة نقله - بعد خلو حياتهم العامة من محمد - إلى حيز التطبيق.. وعندما ترنو إلى سعيه في هذا المضمار نكاد نجد جهده امتداداً لجهد الرسول، وعهده امتداداً لعهده عليه الصلاة والسلام.

وليس معنى هذا أن الألى سبقوه إلى حكم الأمة فرطوا في الكتاب، ولكنه يعني أن الدنيا - حين آل اليه الأمر - كانت قد أقبلت على الناس كل


الاقبال،( فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) ، وانشغل الأكثرون منهم بالعروض من متاع ومال وجاه حتى لكأنهم آثروا العيش على مظاهر الدين دون اللباب، وعلى المقولات دون المعقولات.. واستفاض بهم هذا الانشغال الاستفاضة التي تنذر بجاهلية جديدة توشك أن تستأثر الجميع.. وظن ومن يظنون أن دور الإمام، في تلك الفترة القصيرة التي تولى فيها السلطان - كان مجرد العناية - بتذكير الأمة بأوامر الله ونواهيه، أو الاقتصار على الكشف لها عن أسرار القرآن وخفاياه، إنما هو محض خيال..

ذلك لأن الثابت قطعاً أنه أخرج للناس سياسة عامة للاصلاح وإعادة بناء الإنسان، لا تأخذه بالقسور، بل تقوم - قبل أي شيء وكل شيء على جوهر الدين..

رسم فيها خطة شاملة لشئون الداخل والخارج ولاءاً بها بين الصالح العام ونفع الأفراد. تحسن السير بالأمور كما تحسن قيادة الناس، مطوعا إياها لمقابلة كافة الاحتمالات في تطورات الأحداث، وتغيرات الظروف، وانطلاقة الزمن بالحكمة، وسعة الافق، ودقة التفكير، وأحكام التقدير مع مرونة المداولة بين مختلف أساليب المجابهة الكفيلة بكبح شرة الأزمات، وتفاقم الأخطار، وانحرافات الأنفس ثم يلقاها بأنسب الحلول..

4

ونكاد نجمل هذه السياسة الشاملة في عبارة قصيرة للامام يقول:

(الناس إما أخ في الدين أو نظير في الخلق).

فشعاره إذاً هو (مساواة)


مساواة بين جميع الناس وإن تباينوا في الأديان واختلفوا في العناصر والألوان.

مساواة ميسرة لا تشق على إنسان، معلومة لا تغمض على إنسان. قاصدة بغير تقصير. سمحة بغير مغالاة. نسبية بغير إطلاق. تعيش في الممكن المتاح وأكد هذا مرة ومرات، فكان مما قاله في هذا المجال:

(إنما أنتم إخوان على دين الله، ما فرق بينكم إلا خبث السرائر..).

ودين الله هو الإسلام. فالاسلام هو الرسالة الإلهية الوحيدة التي بعث الله بها رسله إلى أقوامهم على فقرات، ثم كانت للناس كافة ببعثة محمد خاتم الرسل والانبياء.

5

وليست المساواة شعاراً يرفع، ولا كلمة تقال، بل هي جهد يبذل، وعمل يعمل، ومفهوم يطبق في المجتمع تطبيقا جاداً بلا مفاوتة بين إنسان وإنسان، وبلا ترخص لإنسان دون إنسان..

وإذا كان ثمة من الناس من يمقتك فأحرى بمن يقول بها أن يلتزمها ليتبعه على نهجها كل من عداه، ولتكون هي السلوك العام..

وقد صارح الإمام أمته، منذ ولي الأمر، بأنه هو قائد سيرتهم على هذا الطريق..

ففي يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة عام ولايته، على قول..

أو في الخامس والعشرين من نفس الشهر من السنة الخامسة والثلاثين


للهجرة، الموافق الثالث والعشرين من شهر يونيو سنة ستة وخمسين وستمائة للميلاد.. وقف بعد أن تمت له البيعة، يعين المسلمين:

(إنما أنا رجل منكم.. لي ما لكم.. وعلى ما عليكم..)

فلا تفرقة.. لا امتياز له على غيره من الناس..

ولا شك في أنه حين قال قولته هذه لم يأت بجديد. فكلمته هي كلمة الإسلام، ورأيه هو رأى الإسلام.. ودين الله الذي ختم الاديان كان، كما يقضي بوحدة الربوبية الآلهية، يقضى أيضا بوحدة العبودية البشرية، لأن الإسلام دين الفطرة التي فطر الله عليها الناس أجمعين، قبل أن تفسدهم الانحرافات المتسربة إلى النفوس والعقول من خلال طوارئ المعتقدات، والأفكار، وتحكم العادات والتقاليد، وفوارق العنصريات والاجناس، وتباعد حدود الزمان والمكان.. إنه يعيدهم سيرتهم الأولى، على سجيتهم النقية كبدء نشأتهم، مطهرين من الأدران، خالصين من الشوائب، كانهم يلدهم من جديد..

هو بهذا يسوى بينهم كافة لأن الفطرة هي العامل الوحيد الذي يشتركون فيه فأساس المقارنة بينهم - على هذا الوضع - ثابت غير قابل للتغير، أو مساواة كاملة، لا سبيل معها إلى المفاضلة والترجيح.

فإذا هم تفاوتوا من بعد، فبمعايير غير هذا المعيار..

هذه حقيقة عصية على الانكار، بعيدة بعداً مطلقا عن المماراة.. ليس أدل عليها من نأى الاسلام - في دعوته - عن التمحيص، بالاتجاه إلى التعميم..

فالقرآن الكريم كما تؤكد آياته، حين يدعو دعوته الايمانية لا يخاطب إلا (الناس) أو (بني آدم) آو (الانسان) أو (عباد الله).


لا يختص بها جنساً، ولا عنصراً، ولا قوماً، ولا لوناً، ولا طائفة، ولا مجتمعاً من المجتمعات بالخطاب..

6

واستقامة السلوك العام في الأمة رهن باستقامة السلوك الخاص لأولئك الذين بيدهم مقادر الأمور ومن ثم فقد حرص أميرالمؤمنين على أن تظل عينه على تصرفات عماله ورجاله الأدنين الذين يتقدمون الصفوف، خشية أن يميلوا عن (المساواة) استجابة لضغوط بيئية، أو نتيجة هوى أو ضعف أو عصبية.

ذلك لأنهم بأوضاعهم تلك هم المؤدبون والمهذبون. ولأنهم أيضا القدوة التي يحتذيها الجمهور..

لذلك يأمر الإمام كل عامل من عماله أن يرعى المساواة لأنها إنصاف لله كما هي إنصاف للناس، فيقول:

(ألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حينما وقع..).

ويقول:

(أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك وخاصة أهلك ومن لك هوى فيه من رعيتك. فإنك إلا تفعل تظلم!..).

ثم يؤكد وجوب المساواة بين الحاكم والمحكوم فيقول:


(إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة..).

وهو يعلم علم يقين وكما تشير الأمثال في مختلف العصور، أن الثناء إغراء وأن بطانة الحاكم ومشيريه أقوى عليه تأثيراً، وأدنى إليه حظوة، وأعلم بما يكرهه وبما يرضيه فلا عجب إن استطاعوا - بالملق أو طيب الثناء - أن يقودوه كيف يشاءون..

لذلك حذر عماله مغبة هذا الانقياد، وأمرهم أن يدقق كل في اختيار المشيرين والأعوان:

يقول:

(استعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة. ورضهم على ألا يطروك، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو، وتدنى من الغرة.. وليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق..).

7

ويطول بي الحديث لو استطردت إلى ما تفصح عنه سيرة أمير المؤمنين من سياسة جهد بها لترويض الناس، وتطويع الأحداث.. يطول بي إلى مدى ما له حدود أو هو جد بعيد.

فلعل الاخ الاستاذ الدكتور نورى جعفر يغفر لي هذا التقصير.

إن بيدي الآن كتابه الجليل: (فلسفة الحكم عند الإمام) الذي أودعه خلاصة قيمة لهذه الفلسفة التي بزت غيرها من فلسفات، وسبقت بمبادئها القويمة كل ما ارتآه الأقدمون والمعاصرون..


وإذا كان الصديق الفاضل السيد مرتضى الرضوي قد شاء لي أن أديج كلمة تتصدر الكتاب، فالكتاب، في رأيي غنى عن التصدير والتقديم بمادته وبجهد مؤلفه، وقدرته الفائقة على الغوص في السيرة العلوية لالتقاط الدرر، باستخلاصها من الأصداف.

على أن يروق لي أن أختم هذه السطور بعبارة موجزة جرت على لسان أمير المؤمنين فإذا هي تتحدى بمضمونها كل ما استنبط الفلاسفة وذوو الآراء من مبادي لإصلاح حال الشعوب، ومداواة ما تعوزه الطبقية من عدالات.

قال الإمام:

(لكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه)

فهل بغير صلاح الرعية يصلح الولاة؟

لقد تصارع الناس. وتصارعت الطبقات. وجاءنا صانعوا الفلسفات من أقدم العصور بألوان من المبادئ تحاول الاصلاح وإفادة السلام الاجتماعي على المواطنين، فلم تبلغ أحدث مبادئهم، ولا أكثرها (تقدمية) كما تقول لغة عصرنا الحديث - شأو كلمة الامام. ولا احتوت مثل ما احتوت عبارته من مضمون.

الاسكندرية 14 سبتمبر سنة 1978عبد الفتاح عبد المقصود


تقديم

بدأت الدراسة التاريخية المنظمة للتراث الإسلامي والعربي في أوائل نشوء الدولة العباسية قبل أكثر من ألف عام. وساهم في في ذلك فريق كبير من الكتاب اللامعين، وفي مقدمتهم:

ابن قتيبة (الذي توفى عام 270 هـ) والبلاذري (279 هـ) واليعقوبي (284 هـ) والدينوري (290 هـ) والطبري (310 هـ) والمسعودي (346 هـ) وابن مسكويه (441 هـ) والخطيب البغدادي (463 هـ) وابن عساكر (571 هـ).

وابن الأثير (630 هـ) وابن خلكان (681 هـ) وابن الفداء (732 هـ) وابن خلدون (808 هـ)

والمقريزي (845 هـ)...

وألفت كتب كثيرة في هذا الباب وعلى رأسها:

(أنساب الأشراف) و (مروج الذهب...) و (تاريخ الأمم والملوك) و (تجارب الأمم) و (تاريخ بغداد) و (الكامل في التاريخ) و (أسد الغابة...) و (وفيات الأعيان) و (فوات الوفيات) و (كتاب العبر...) و (إمتاع الأسماع...).


هذا بالإضافة إلى الكتب التي ألفها مؤرخو السيرة النبوية كابن هشام والواقدي..

وكتب التراجم لابن سعد وابن حجر... وكتب الحديث:

للبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل...

وكتب الأدب (التي تحتوى على دراسة التاريخ أيضاً) الجاحظ والمبرد وأبى حيان والأصبهاني...

ولم ينقطع البحث في هذا التراث - منذ نشوئه - حتى يومنا هذا (مع ما رافق ذلك من اختلاف كبير في مقوماته ونتائجه نظراً لاختلاف ثقافة الباحثين وتغير طبيعة الأوضاع الاجتماعية العامة التي يواجهونها مع ما يرافقها من اختلاف في مزاج العصر الذي يعيشون فيه).

وقد تصدى للبحث في التراث الآنف الذكر - في الوقت الحاضر - رعيل من أبرز الكتاب العرب وفي مقدمتهم:

الشيخ محمد رضا الشبيبي، والدكتور طه حسين، والأستاذ عباس محمود العقاد، والدكتور محمد حسين هيكل، والأستاذ توفيق الحكيم، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والشيخ عبد الله العلائلي، والأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود، والأستاذ جورج جرداق...

بحث هؤلاء الذوات - وكثيرون غيرهم - في أكثر من وجه من وجوه هذا التراث وألف أكثرهم أكثر من كتاب فيه. فصدرت كتب قيمة في هذا الباب وفي مقدمتها:

(مؤرخ العراق ابن الفوطي) و (عثمان بن عفان) و (على وبنوه) و (عبقرية الإمام) و (معاوية بن أبي سفيان في الميزان) و (حياة محمد) و (الإمام علي بن أبي طالب) و (الإمام علي: صوت العدالة الإنسانية)...


يضاف إلى ذلك أن غالبية (الأساتذة) الذين تخرجوا بجامعات الغرب وبالجامعات الموجودة في بعض أرجا العالم العربي قد قدمت رسائلهم - لإحراز الشهادة العالية في التاريخ الإسلامي أو الأدب العربي - وهي منظوية على البحث في التراث الآنف الذكر: تارة في أحد جوانبه وطوراً في البحث الذي يجمع بين القديم والجديد!! فالمحفزات على البحث فيه كثيرة تأتي من التاريخ الإسلامي نفسه ومن طبيعة الأوضاع العامة التي يتعرض لتأثيرها العرب والمسلمون في هذا العصر الذي نعيش فيه.

على أن القراء - مع ذلك - سيقفون من هذا الكتاب مواقف متناقضة فيما يتصل بتقدير قيمته من حيث موضوعه بالنسبة للظروف العالمية الراهنة من جهة، وفيما يتعلق بمحتوياته نفسها وطبيعة الأحكام التي ينطوي عليها من جهة أخرى.

ويعود ذلك على ما أرى إلى اختلاف مستوياتهم الفكرية وظروفهم العامة وعنعناتهم واتجاهاتهم الفلسفية والاجتماعية. وسيتخذ بعضهم - دون شك - (وخاصة الذين اتخذوا الدين الإسلامي والتاريخ وسيلة للكسب المادي والمتاجرة) من هذا الكتاب قميصا جديداً لعثمان - لمهاجمة المؤلف وتأليب الناس عليه. وسيغفل - في زحمة ذلك - أمر التحدث عن الكتاب وينشغل أولئك بالتحدث عن مؤلف الكتاب.

قال علي - في هؤلاء ومن هم على شاكلتهم من القدامي والمحدثين من وعاظ السلاطين -: (يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا إسمه: مساجدهم - يومئذ - عامرة من البناء خراب من الهدى. سانها وعمارها شر أهل الأرض - منهم تخرج الفتنة وإليهم تأوى الخطيئة).

وهناك فريق آخر من القراء سيقول (بحكم ثقافته الحديثة): نحن في عصر الذرة وفي عالم الأقمار الطائرة - التي لا تنسجم بطبيعتها مع هذا النوع من الأبحاث.


وجوابنا على ذلك: نعم: إننا نعيش - دون شك - في عصر الذرة وفي عالم الأقمار الطائرة. ولكننا نعيش أيضاً (وإلى المدى الأكبر) - في العراق وخارجه - في عالم العلاقات الاجتماعية والصلات التاريخية البعيدة والقريبة على السواء.

ولو كان الأمر على خلاف ذلك لتعطل معظم أوجه النشاط العلمي والاجتماعي (في أغلب حقول المعرفة الإنسانية) في المجتمع الإنساني الحديث، ولتوقفت الدراسة في معظم الجامعات ودور العلم في أرجاء المعمورة.

على أننا (في العراق، مع هذا لا نعيش - في الواقع - إلا على هامش الذرة والأقمار الطائرة. ولا يخرج (عيشنا) هذا عن نطاق التحدث عن الذرة والأقمار الطائرة أحاديث على جانب كبير من الضحالة من الناحية العلمية.

على أن موضوع هذا الكتاب - مع ذلك - لا يحول بأية حال من الأحوال بين (فطاحل) علماء الذرة والصواريخ والأقمار الطائرة من العراقيين وبين البحث فيها وإنتاجها.

ولا يعرقل ما هو متوافر لديهم من مقومات البحث كالأجهزة العلمية والمختبرات. ولكن هذا الأمر (مع كل ما ذكرناه) أعمق من ذلك بكثير:

فالبحث في الذرة وفي القمر الطائر، ما هو في واقعة (بعد التحليل الدقيق) إلا وجه واحد فقط من أوجه الصراع المرير بين فلسفتين في الحكم مختلفتين كل الاختلاف: تسعى كل واحدة من الفلسفتين - ضمن إطارها النظرى في السياسة والاقتصاد - (بنظر حملتها) إلى تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية بأوسع مدى ممكن في شتى ميادين الحياة بين أفراد المجتمع الإنساني في اختلاف مواقعهم الجغرافية ولغاتهم وألوان بشراتهم.

ولا يتسنى لكل منهما أن تحقق ذلك، من الناحية الواقعية التطبيقية (بنظر حملتها) إلا إذا أزيلت معالم الأخرى من عالم الوجود.


وفلسفة الإمام - التي نحن بصدد البحث في أهم مقوماتها - كانت قد سمعت (من الناحيتين النظرية والتطبيقية) إلى نشر مبدأ العدالة الاجتماعية بين الناس - في حدود إطارها النظري في السياسة والاقتصاد.

فإذا نظرنا إلى موضوع الكتاب من هذه الزاوية أصبح بمقدورنا أن إحدى شخصياته.

فألفت في هذا الباب كتب كثيرة منها - على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

(الأصمعي) و (المعتزلة) و (نقائض جرير والفرزدق) و (الطبيعة في الشعر العربي) و (ابن خلدون) و (الغزل في الشعر العربي) و (أبو حيان التوحيدي) و (القصص في القرآن) و (الشعر السياسي في العراق في القرن التاسع عشر) و (أدب الشريف المرتضى) و (الصراع بين العرب والموالي)...

هذا عدا الأبحاث الأخرى التي قام بها فريق آخر من الكتاب: صدر منها مثلا: (هارون الرشيد

) و (وعاظ السلاطين) و (عصر المأمون) و (وعمرو بن العاص) و (خالد بن الوليد) و (أبو العلاء المعري) و (ابن الرومي) و (أبو الطيب المتنبي)...

أما المقالات والمحاضرات المتعلقة بهذا النوع من الأبحاث فلا تكاد تقع تحت حصر.

أما مناهج الدراسة الحكومية - في أرجاه العالمين العربي والإسلامي - فمملوءة هي الأخرى بهذا النوع من الأبحاث في مختلف وجوهها وبمقدار يحتل (حصة الأسد من الغنيمة) كما يقولون.. فلست إذن أول من تصدى للبحث في هذا الموضوع، أو الذي اقتصر بحثه عليه، على أن لولعي في البحث فيه قصة طريفة أود أن أروى خطوطها العامة للقاري بشيء من الإيجاز غير المخل:


عدت إلى العراق في أواخر عام 1949 بعد أن أنهيت دراستي خارجه. ولم يدر بخلدى آنذاك أن أنصرف إلى دراسة موضوع التاريخ الإسلامي بله الكتابة فيه. غير أنى رغبت - بعد رجوعي بأشهر قليلة - في الاطلاع المباشر على أمهات كتب اللغة والأدب الغربي. فتناولت (قدفة) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد بمجلداته الأربعة. وكان غرضي - بالدرجة الأولى - لغوياً. فلم أعر، والحالة هذه، وقائع التاريخ التي كانت تمر على (بصورة مستمرة) في ثنايا الكتاب إلا جانباً ضئيلا من الاهتمام والتبع.

غير أنى (بحكم استرسالي بمطالعة الكتاب) أصبحت غير قادر - على الرغم مما أبديته من مقاومة في بادئ الأمر - على تجنب الاهتمام بتلك الحوادث:

فقد فرض بعضها نفسه على فرضاً الأمر الذي اضطرني (أثناء مطالعة ما يتصل بخلافة عثمان بن عفان بصورة خاصة) أن أعود من جديد إلى قراءة الكتاب المذكور (قبل إنجازى مطالعته) - هذه المرة لغرض الاطلاع على حوادثه التاريخية بالدرجة الأولى، مع الاهتمام العرضى بجوانبه اللغوية في المتن والشرح على السواء..

فظهر لي 0 بعد أن أنجزت مطالعة الكتاب بمجلداته الأربعة) أن هناك بوناً شاسعاً بين ما دونه ابن أبي الحديد، وبين ما درسته في دروس التاريخ الإسلامي أثناء مراحل الدراسة الثلاث (الابتدائية، والثانوية، ودار المعلمين العالية):

سواء أكان الذي درسته مسطوراً في كتب التاريخ المدرسي أم متصلا بما ذكره المدرسون.

فطفقت أبحث عن (الحقيقة) في أمهات كتب التاريخ الإسلامي.

وقد أتاح لي إقصائي عن خدمة الحكومة (كما استلزمت ذلك المصلحة العامة التي


قدرها السيد أرشد العمري رئيس الوزراء والدكتور عبد الحميد كاظم وزير المعارف آنذاك) فرصة نادرة البحث في هذا الموضوع بالذات.

وقد بقي هذا الموضوع يلاحقني منذ ذلك الحين: فبرز على بن أبي طالب أمامي كالعملاق: كلما (انتهيت) من البحث في أحد جوانبه تجسمت ضآلة ذلك البحث (على الرغم مما أبذله من جهد في تهيئنه).

واندفعت إلى البحث في جانب تلك الحياة الزاخرة بضروب الفضيلة والمجد. فكأنني لا أنتهى من البحث في جانب معين من جوانبها إلا لأتفرغ إلى البحث في جانب آخر.

ولست أدري - وأيم الحق - متى أنتهى من هذا. نقول:

إنه يستمد مقوماته العامة في البحث من طبيعة مشلات المجتمع الإنساني المعاصر في الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وإن كانت حوادثه قد وقعت - من الناحية التاريخية - قبل زهاء ثلاثة عشر قونا.

لقد بحثت كما سيرى القارئ عند مطالعته هذا الكتاب حياة (على) مجردة من كال شيء إلا من مقوماته الشخصية وتصرفاته العامة في القول وفي العمل - كما يبحث الكتاب المعاصرون في حياة السياسة ورجال الفكر من القدامي والمحدثين أمثال: أفلاطون ونابليون وموسوليني وروزفلت وستمالين وجرجل...

وقد ساقنى البحث بحكم تشعبه - واستكمالا لمستلزماته من الناحية التاريخية إلى التحدث عن الموازنة بين على ومعاصريه من الحكام - وخاصة في الفصل الرابع من الكتاب. فأطلقت طائفة من الأحكام الاجتماعية - التي قد تبدو صارمة بنظر بعض القراء -


على أن تلك الأحكام - مع هذا - تحتمل الخطأ والصواب. وهي قابلة للنقد والتجريح من قبل المعنيين بدراسة أمثال هذه الأبحاث.

ولهذا فإني أرحب غاية الترحيب بكل تعليق نزيه ومناقشة علمية يصدرها المختصون في هذا الباب.

بغداد في: 16/11/1957

(نوري جعفر)


مقدمة

يسرني أن أضع بين يدي القارئ هذه الدراسة عن فلسفة الحكم عند الإمام. بحثت في الفصل الأول منها: الجانب الأخلاقي، وفي الفصل الثاني الجانب السياسي وفي الفصل الثالث الجانب المالي.

أما الفصل الرابع فيروى للقارئ فلسفة الإمام - في جوانبها الثلاثة - من حيث صلتها بظروف التاريخ وملابساته في النصف الأول من القرن الأول الهجري.

وهذا الفصل مكون من قسمين.

يبحث القسم الأول منهما في أوجه الشبه بين سيرة النبي وسيرة الإمام من جهة، ويتطرق إلى جوانب الاختلاف بين الظروف التي عاش كل منهما فيها من جهة أخرى. وقد سميته بين رسول الله وعلي بن أبي طالب.

ويتناول القسم الثاني منه ضروب المقاومة التي أبداها الانتهازيون وذوو المصالح المركزة لإحباط سياسة الإمام الرامية إلى تطبيق مبدأ المساواة بين المسلمين في شتى مناحى الحياة وفق نصوص القرآن وسيرة النبي وقد سميته: (الإمام وقوى الشر).

لقد ساقى البحث في الفصول الثلاثة الأولى من هذه الدراسة إلى الاعتقاد بأن فلسفة الحكم عند الإمام فلسفة أخلاقية في جوهرها. تستند إلى الفضيلة: تشجعها


وتغرسها في نفوس الناس. وتكافح الرذيلة وتدعو إلى استئصالها من عالم الوجود. تفعل ذلك في الحالتين (الإيجابية والسلبية) في موقفها من الفضيلة والرذيلة في مجال الفكر واليد واللسان.

وهذا يعني أن الأخلاق عند الإمام فكرة وسلوك في آن واحد: سلوك في القول، وسلوك في العمل. أي أن فلسفة الحكم عند الإمام، بعبارة أخرى، فلسفة تستند - من حيث الأساس - إلى وحدة الوسائل والغايات.

وهي بهذا المعنى تمقت الوصولية أو الانتهازية بشتى صورها ومختلف مجالاتها. والسير وفق المثل الأخلاقية العليا التي جاء بها الإسلام - عقيدة وقولا وفعلا - في ميدان الإدارة العامة لتعيين الصلة (نوعها ومداها) بين الحكومة والشعب من حيث حقوق الأفراد وواجباتهم العامة هو الجانب السياسي لفلسفة الحكم عند الإمام.

ويتجلى هذا الجانب من جوانب فلسفة الحكم عند الإمام بأروع أشكاله إذا تذكرنا أن السياسة ترتبط (من حيث الصلة بين جوانبها النظرية والعملية) بأذهان كثير من الناس ببعدها عن مستويات الأخلاق الرفيعة.

وسبب ذلك على ما يبدو هو أن السياسة - كالشعراء بنظر القرآن - يقولون ما لا يفعلون. وبعبارة أدق يفعلون نقيض ما يقولون. وقد أفرد الكاتب الايطالي الذائع الصيت - ميكافيلي - كتابا خاصا وضعه في مطلع القرن السادس عشر (للموازنة بين أقوال السياسة في مجتمعه وبين أفعالهم التي تناقضها) سماه (الأمير). فوصف السياسي الحاكم بأنه (الشخص الذي يكون خلقه مزمجا من الإنسانية. فلا هو بالإنسان الصرف ولا الحيوان الصرف في تصرفاته تجاه الخاضعين له).

على أنه في الجانب الحيواني يكون كالأسد تارة وكالثعلب تارة أخرى.


فالأسد لا يستطيع أن يتغلب على الخصم أو أن يتملص من شراكه بالحيلة والمراوغة أو المداهنة إذا اقتضى الأمر ذلك.

ولا يستطيع الثعلب أن يتغلب على الخصم أو يتخلص من شراكه بالقوة الجسمية إذا استلزمت الظروف ذلك.

ومن أبرز صفات السياسي الناجح انتفاء وجود أية عقيدة لديه اللهم إلا عقيدة اللاعقيدة. لأن اعتناق عقيدة معينة والسير وفق مستلزماتها لا يتفق دائما هو ومصلحة السياسي ز فهو كالماء يتكيف حسب الاناء الذي يحل فيه.

أما الجانب المالي من فلسفة الحكم عند الإمام فهو المسير في النهج الذي ذكرناه في مجال الثروة والخدمات العامة من حيث الإنتاج والتداول والاستهلاك، وما يتصل بذلك من روابط اجتماعية في الحالتين: السلبية، والايجابية بين أفراد الشعب من جهة وبينهم - منفردين ومجتمعين - وبين الحكومة من جهة أخرى.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول:

أن الامام سعى - عن طريق تصرفاته العادلة - الخاصة والعامة في العقيدة والقول والفعل مع أنصاره وخصومه - إلى تهيئة الظروف الاجتماعية الملائمة لنمو الفضيلة وازدهارها في شتى ميادين الحياة.

وسبب ذلك هو أن الفضيلة - بنظره - كالبذرة تحتاج في نموها الكامل إلى أرض صالحة وإلى ظروف مناخية تلائمها.

أما محاولة نشر الفضيلة عن طريق الوعظ (وعدم الترفع عن تعاطى الرذيلة في العمل) فقد ثبت فشلها.

ومما تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد أن أية فلسفة في الحكم يراد تطبيقها في مجتمع


من المجتمعات لا تعمل (في جوانبها النظرية والعملية التطبيقية) إلا ضمن إطار اجتماعي تنتشر فيه آثار الماضي القريب والبعيد من الناحيتين المادية والفكرية.

ولا يتسنى تنقية الجو الاجتماعي وتهيئته لقبول فلسفة جديدة في الحكم إلا عن طريق تبديل عادات أفراده وعقائدهم القديمة التي لا تنسجم هي والفلسفة الجديدة في الحكم.

غير إن ذلك الأمر على جانب من الصعوبة كبير. وهو - مع ذلك - أصعب في جوانبه التطبيقية منه في جوانبه النظرية.

فقد يرضخ كثير من الناس للأمر الواقع - كما يقال - ويستسلمون (راضين أو مكرهين، مؤمنين أو متظاهرين) للفلسفة الجديدة. ولكنهم يتمردون عليها - من الناحية العملية التطبيقية - وبخاصة إذا كان ذلك يعمل على حفظ مصالحهم.

يضاف إلى ذلك أن التسليم - الحقيقي - بالجوانب النظرية لفلسفة معينة في الحكم لا يسور صاحبه إلى العمل وفق مستلزمات تلك الفلسفة إلا إلى الهدى الذي يتناسب هو وعمق ذلك التسليم. فهو كالطاقة التي تنشط صاحبها إلى أمد ثم تزول. ويتجلى مقدار تعلق الشخص بفلسفة معينة بمدى التضحية التي يقدمها في سبيلها وخاصة في جوانبها التطبيقية.

أما الحاكم فيقاس ذلك عنده بمدى التزامة في القول وفي العمل - في تصرفاته العامة والخاصة مع خصومه وأنصاره على السواء.

وقد بلغ (على) الذروة في هذا الباب.

إن مقياس نجاح الحاكم - بنظر الإمام - ليس هو البقاء في دست الحكم والتخلص من المناوئين والمعارضين والخصوم واستمالة الناس بالوسائل الفاسدة مثل الضغط والتخويف أو الرشوة والملاينة. كلا.

إن مقياس نجاح الحاكم، بنظر الإمام ينحصر بمدى الوعي الذي يثيره في


الرعية لتفهم طبيعة مشكلات المجتمع الذي يعيشون فيه والمساهمة الايجابية المباشرة وغير المباشرة في علاج تلك المشكلات بالأسلوب السليم وضمن إطار يتجه سيره العام نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في جميع مناحى الحياة.

ووظيفة الحاكم الناجح - في هذه الناحية - هي قيادة سفينة المجتمع في الاتجاه الآنف الذكر.

وهذا الأمر - كما لا يخفى - من أصعب الأمور وخاصة في جوانبه الواقعية العملية.

وإذا كان الأمر كذلك فإن تحقيقه لا يتم في نطاقه الواسع أثناء حياة ذلك الحاكم من الناحية الزمنية.

وإذا صح ما ذهبنا إليه جاز لنا أن نقول أن الحاكم الناجح هو الذي يسير بالاتجاه السليم في فترة حكمه.

أما الاستمرار على ذلك الاتجاه بعد وفاته فأمر لابد من حدوثه في المدى البعيد رغم ما يعترضه من صعوبات ومزالق يضعها في طريقه الحكام الفاسدون.

هذا من جهة ومن جهة ثانية فليس الاسلام بنظرنا مقصورا على مجموعة من العقائد والطقوس والعبادات، بل هو - بالاضافة إلى ذلك - مجموعة من المثل العليا والمبادئ الاجتماعية السامية في حقل السياسة والأخلاق. وجوانبه الاجتماعية - بنظرنا - لا تقل أهميتها عن جوانبه العقائدية في مجال الطقوس والعبادات.

ومن يدرى فلعل الجوانب العقائدية وسيلة لرفع مستويات الأخلاق عند الناس وتبدو أهمية ذلك واضحة في تصرفات الحاكم تجاه المحكومين.

وعلى هذا الأساس تصبح رسالة الإسلام غير مستوفية الشروط، في جوانبها


العامة، من الناحية السياسية إذا لم يكافح الحاكم وثنية المحكومين في الذوق والسياسة والأخلاق.

ولعل اهتمام الإمام بهذا الجانب من جوانب الدين أحد أسرار خلوده على مر الأزمان.

ذلك ما يتصل بالفصول الثلاثة الأولى من هذه الدراسة.

أما الفصل الرابع فيروى للقارئ - كما ذكرت - فلسفة الإمام في جوانبها الثلاثة، من حيث صلتها بظروف التاريخ وملابساته في النصف الأول من القرن الأول للهجرة.

وقد ظهر لي - أثناء بحثي في هذا الوجه من وجوه الموضوع - بأن هناك أوجه شبه كثيرة بين الفترة التي عاش فيها الرسول - منذ نزول الوحي عليه حتى وفاته - وبين الفترة التي عاش فيها الإمام منذ ارتقائه منبر النبي حتى مصرعه.

فكان تاريخ الفترة التي قضاها النبي مبشرا بالإسلام - والتي بلغ طولها زهاء ربع قرن - قد أعيد مضغوطا - في خطوطه العامة بالطبع - اثناء السنوات الخمس التي حكم فيها الإمام. وهناك من جهة ثانية، أوجه شبه كثيرة بين سيرة الرجلين وبين طبيعة المشاكل التي تعرض لها كل منهما. وقد فطن إلى ذلك أو جعفر بن أبي زيد الحسين نقيب البصرة قبل زهاء سبعة قرون فأوجز الخطوط العامة السيرتين - في مواقع التشابه.

وفي الظروف والملابسات التي أحاطت بكل منهما حين قال:

(أنه لا فرق عند من قرأ السيرتين: بين سيرة النبي وسياسة أصحابه أيام حياته وبين سيرة أميرالمؤمنين وسياسة أصحابه أيام حياته.


فكما أن عليا لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه وكثرة الفتن والحروب فكذلك كان النبي... فمن تأمل حال الرجلين وجدهما متشابهين في جميع أمورهما أو في أكثرها. وذلك لأن حروب رسول الله مع المشركين كانت سجالا: انتصر يوم بدر وانتصر المشركون عليه يوم أحد وكانت يوم الخندق كفافا... ثم حارب بعدها قريش يوم الفتح فكان له الظفر.

وهكذا كانت حروب على: انتصر يوم الجمل وخرج الأمر بينه وبين معاوية على سواء في صفين ثم حارب بعد صفين ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له.

ومن العجب أن أول حروب رسول الله كانت بدراً، وكان هو المنصور فيها، وأول حروب (على) الجمل وكان هو المنصور فيها. ثم كان من صحيفة الصلح والهدنة يوم الحديبية ويوم صفين.

ثم دعا معاوية - في آخر أيام على - إلى نفسه وتسمى بالخلافة، كما أن مسيلمة والأسود العنسى دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام النبي.

ولم يحارب رسول الله أحد من العرب إلا قريش ما عدا يوم حنين.

ولم يحارب عليا من العرب أحد إلا قريش ما عدا يوم النهروان(1) ).

لقد حاول رسول الله أن يرفع العرب من حضيض الجاهلية إلى الإسلام بمستوياته الرفيعة في الدين وفي الذوق وفي الأخلاق. وبالرغم من الجهود التي بذلها النبي في هذا السبيل فقد بقي الكثيرون من العرب وثنيين - مقنعين - نماذج سلوكهم الشراسة والمساجة ولا ذوق لدى الكثيرين منهم بحيث أن بعضهم يبول في المسجد بمحضر من رسول الله(2) وبعضهم يناديه بمنتهى الخشونة والقحة من وراء

____________________

(1) ابن أبي الحديد (شرح نهج البلاغة) م 573 - 575.

(2)الغزالي، إحياء علوم الدين 2 / 254.


الحجرات(1) ، وبعضهم يدخل بيوت النبي دون إذن منه(2) وبعضهم يترك الرسول خطيباً يوم الجمعة ويلحق بدحية بن خليفة عند قدومه بتجارة من الشام(3) . وما شاكل ذلك مما نستطيع أن نسمى منه الكثير.

غير إن الرسول - مع هذا - قد نجح قبل وفاته في التبشير برسالته الاصلاحية الخالدة المستمدة من القرآن العزيز. وقد اقتفى على أثره في هذا السبيل.

ترى ما الذي حال بين الإمام وبين انتشار نهجه القويم في الحكم؟ وبعبارة أخرى لماذا صرع الامام قبل انجاز رسالته الخالدة المستمدة من القرآن وسنة النبي؟

أي لماذا أخفق خصوم النبي في القضاء عليه أو تعطيل رسالته ولم يخفق خصوم الإمام؟

هناك على ما أرى أربعة عوامل كبرى أدت إلى ذلك. هي:

1 - كان المجال الذي تحدث فيه تصرفات الرسول أكثر سعة ومرونة من المجال الذي تحدث فيه تصرفات الإمام، وسبب ذلك أن الوحي بجانب النبي ينزل عليه بالتدريج وبصورة مستمرة ولم يفارقه منذ نبوته حتى وفاته.

فكان الوحي ينزل عليه طريا في كل مناسبة ليعين له النهج الذي ينبغي له أن

____________________

(1) سورة الحجرات:( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ )

(2) سورة الأحزاب:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ.. ) (وفي سورة النور:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا... ) .

(3) سورة الجمعة:( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا.. )


يسير عليه - في حياته الخاصة والعامة مع خصومه وأنصاره على السواء - ضمن نطاق الإسلام الذي كان إذ ذاك في طريقه إلى النمو والتكامل.

فكان الوحي يخرج النبي من المآزق الحرجة - في حالة مواجهته إياها - أحيانا، ويعمل على صيانته من التعرض لها قبل وقوعها أحيانا أخرى.

وهذا يعني: أن إطار تصرفات النبي كان يتسع بصورة مستمرة: يتكيف أحيانا بتكيف الزمان والمكان ويكيفهما أحيانا أخرى حسب مستلزمات الدين الحنيف.

أكان ذلك يتم أحيانا عن طريق النسخ - كما جاء في سورة البقرة - مثلا -:

( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ... ) ،

وفي سورة الرعد:

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ( 38 ) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) .

وعن طريق الخروج على المألوف أحيانا أخرى - كما جاء في سورة البقرة:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ... ) هذا في الأمور العامة.

أما في الأمور الخاصة التي تتصل مباشرة بشخص النبي أو زوجاته فإن الأمر يسير بالاتجاه الذي ذكرناه.

وإذا تردد الرسول - أحيانا - في تنفيذ بعض ما يرى فيه مصلحة المسلمين


نزل عليه الوحي واضحاً صريحاً لا يخلو من العنف في كثير من الحالات. ولعل قضية زينب بنت جحش (بنت عمة أميمة بنت عبد المطلب وأخت عبد الله بن جحش) من أوضح الأمثلة على ما نقول.

أما على فكان يتصرف ضمن حدود الإطار الثابت الذي خلفه له الرسول في القرآن والسيرة المحمدية. ولقد كان بإمكان الامام - لو أراد - أن يخرج على تلك الحدود إذا استلزمت ذلك مصلحة زمينة عارمة كما فعل غيره من الخلفاء ولكنه بقي مقيداً بقيود الدين في تصرفاته كلها.

أي أن النبي كان مشرعا بأمر الله بالطبع ولم يكن على كذلك.

أي أن الوحي - في زمن الرسول - كان إذا نزل انقطع الخلاف (في حالة وقوعه) بين رسول الله وبين أصحابه وتبددت المعارضة وانصاع المسلمون جميعاً للأحكام والتوجيهات التي يتضمنها الوحي النازل في كل حالة من الحالات.

أما (على) فكان عليه أن يستعين بوحي نزل على غيره لمعالجة مشكلة تواجهه لم تكن هي نفسها - بتفاصيلها وظروفها وملابساتها - كتلك التي واجهت الرسول والتي نزل الوحي حسب مستلزماتها - وإن تشابهت الخطوط العامة للمشكلتين.

يرافق ذلك وينتج عنه أن استعانة الامام بالوحي الذي نزل على غيره لمعالجة المشكلة التي بين يديه لا تعمل من نفسها دائماً على قطع الخلاف الذي وقع بينه وبين أتباعه وبذلك لا تتبدد المعارضة ولا ينصاع المسلمون جميعاً للأحكام والتوجيهات التي يتضمنها الوحي الذي يستعين به الإمام.

2 - كان خصوم الرسول مشركين. وكان بإمكانه أن يؤلب المسلمين على حربهم والتنكيل بهم. وكان القرآن بجانبه في هذا السبيل. وكان المشركون - بدورهم - يحاربون رسول الله للقضاء (بصورة مكشوفة وصريحة) على العقيدة الإسلامية وإعلاء راية الشرك وعبادة الأوثان.


فكان الصراع بين النبي وخصومه صراعا مكشوفاً بين عقيدتين، الإيمان بالله بجميع مستلزماته والكفر بالله بمستلزماته جميعها.

وسار الخصمان المتنازعان على ذلك في السر والعلانية دون تستر أو مجاملة أو وجل أو خوف. وكانت الملائكة والريح تقاتل معه في الحالات التي يحتاج بها إليها.

كما جاء في سورة الأحزاب:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) .

وكان القرآن يمنع أصحاب النبي من الاتصال بالمشركين أو الإصغاء إلى تخرصات اليهود والمنافقين ويحذرهم عواقب ذلك. جاء في سورة آل عمران:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ) نزلت هذه الآية على ما يقول الزمخشري(1) عندما (مرشاس ابن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم - على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاضه ذلك: حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة...

فأمر شاباً - من اليهود - أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار - وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس. ففعل ذلك فتنازع القوم - عند ذلك - وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا السلاح السلاح. فبلغ ذلك رسول الله فخرج إليهم - فيمن معه من المهاجرين والأنصار.

فقال: أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع

____________________

(1) تفسير الكشاف 1 / 301.


به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم؟). وجاه في سورة المجادلة:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) .

عندما كان المنافقون يتولون اليهود ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين(1) .

ولما أتت رسول الله بالمدينة - وهو يتجهز للفتح - سارة (مولاة أبي عمرو بن صيفي ابن هاشم) وهي مشركة تريد منه معونة مالية - فأعطاها ورجعت إلى مكة حامله رسالة إلى المشركين من حاطب بن أبي بلتعة يخبرهم بعزم الرسول على فتح مكة نزل قوله في سورة الممتحنه:

( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدّةِ ) (2) .

وعندما استلزمت مصلحة المسلمين أن يغزو الرسول بني النضير وينتصر عليهم خاطبه الله في سورة الحشر:

( هُوَ الّذِي أَخْرَجَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنّوا أَنّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللّهِ... ) .

كما نزل قوله - في سورة الحشر أيضا - مؤيداً للاجراءات التي اتخذها الرسول ضدهم وفي مقدمتها أمره بقطع نخيلهم:

( مَا قَطَعْتُم مِن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى‏ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ) (3) .

____________________

(1) الزمخشري الكشاف 4 / 395.

(2) الزمخشري الكشاف 4 / 407.

(3) المصدر نفسه ص 359.


أما خصوم الامام فكانوا - في الظاهر - مسلمين كإسلامه فلم يكن باستطاعته أن يحمل الكثيرين من أتباعه - وخصومهم - على مواصلة القتال ضد المتمردين عليه.

ولم يكن بجانبه وحى لأنه ليس بنبي.

3 - لقد شهدت الفترة التي أعقبت وفاة النبي وانتهت بمصرع عثمان تساهلا في تطبيق حدود الله على المستحقين: بدأ ذلك التساهل خفيفاً في عهد أبي بكر واشتد في زمن عمر وبلغ الذروة في عهد ابن عفان.

فقد أسقط أبوبكر وعمر وعثمان سهم ذي القربى من الغنائم وسهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات خلافا لصريح القرآن والسيرة المحمدية. جاء في سورة الأنفال نص صريح على سهم ذي القربى - وعمل به الرسول -:

( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ ... ) .

وورد في سورة التوبة نص صريح على سهم المؤلفة قلوبهم - من الصدقات - وعمل به النبي:

( إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ. .. ) .

وعطل أبوبكر حداً من حدود الله في قضية المغيرة بن شيعة وفي قبضة غلمان عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة وفي قضية أبي جندل كما سنرى -.

وأما عثمان فقد كثر خروجه على نصوص القرآن وسيرة النبي - كما سنرى.

وكان ذلك من جنس تعطيله حداً من حدود الله في قضية عبيد الله بن عمر ابن الخطاب حين قتل المهرمزان وأبا لؤلؤة وزوجته وطفلته. وأما تعطيله حدود


الله فيما يتصل بالحقوق العامة المسلمين، من الناحيتين الإدارية والمالية، فلا تكاد حوادثه تقع تحت حصر كما سنرى.

وقد ألف كثير من الناس ذلك وأصبح له أنصار ومحبذون من المنتفعين به ومن أصحاب المصالح المركزة.

فلا عجب - والحالة هذه - أن تعرضت سياسة الإمام (الرامية إلى تطبيق حدود الله على المستحقين في جميع مناحى الحياة) إلى مقاومة عنيفة من جانب المتنفذين. وقد انتهت بمصرعه على الشكل المعروف.

4 - وهناك أمر آخر أقرب إلى أن يكون مزيجا مما ذكرناه من أن يكون أمراً قائماً بذاته. وفحواه: أن عليا ارتقى منبر النبي في ظروف مضطربة قلقة انتهت بدايتها بمصرع عثمان.

وهذا يعني أن الخلافة قدمت للامام بعد ثورة دامية لم يساهم هو في إحداثها.

أي إن الامام - بعبارة أخرى - اقتطف ثمار ثورة قام بها غيره -: من حيث التمهيد لحدوثها ومن حيث الاشتراك الفعلي في حوادثها.

فطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعمرو بن العاص - وهم رؤوس الفتنة على عثمان - قد راعهم انتقال الخلافة لعلى فقاوموه (لتعارضه مع مصالحهم) تحت ستار المطالبة بدم الخليفة القتيل.

ورجال الثورة من المصريين والكوفيين والبصريين لم ينتفعوا بالوضع الجديد كما كانوا يتوقعون - فقاوموه. نقم هؤلاء وأولئك - الثائرون والمحرضون - على (على) كما نقموا على عثمان من قبل - مع اختلاف في عوامل النقمة بين الحالتين:


فقد نقموا على عثمان خروجه في سياسته العامة على الدين ولكنهم نقموا على على تمسكه بالدين في سياسته العامة.

والشيء الذي لا يرقى إليه الشك - بقدر ما يتعلق الأمر برغبة الإمام في تسنم إمرة المسلمين - هو أنه أراد عن ذلك الطريق إشاعة العدل بين الناس وفق مستلزمات الدين الحنيف.

(اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام. ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك: فيأمن المظلومون وتقام المعطلة من حدودك).

فالإمام لا يريد الخلافة للأبهة أو الانتفاع الهادى أو المعنوي - كما فعل غيره.

وإنما أرادها وسيلة يعيد بها للإسلام هيبته في الحكم بعد التصدع الذي أصابه منذ وفاة الرسول حتى مصرع عثمان.

وبما أن الكثيرين من أفراد الشعب قد ألفوا حياة التساهل في تطبيق حدود الله لذلك لم يسهل عليهم أن يتجرعوا مرارة الحق وصرامة العدل فقصروا عن اللحاق بالإمام وضعفوا عن الالتفاف حوله.

وشعر الإمام بذلك فأوسعهم بأمض العتاب وأعنف التأنيب:

(كم أداريكم كما تداري البكار العمدة والثياب المتداعية كلما حيضت من جانب تهتكت من آخر).

فلم يكن جمعهم سهلا على الإمام لأنهم بالاضافة إلى ما ألفوه بعد وفاة النبي من تساهل في تطبيق حدود على المستحقين كما ذكرنا - كانوا يدعون دائماً من قبل خصوم الإمام (في الشام ومناطق أخرى من العراق) إلى الحصول على المال، والجاه، والنفوذ على حساب الدين. ولم يخف ذلك على الإمام (ولم يكن من غير


المستطاع لو أراد الإمام - حاشاه -) أن يداوى الباطل بباطل مثله فيكون كما قال الشاعر:

تداويت من ليلى بليلى ولم يكن

دواء ولكن كان سقما معاكسا

(إني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم. ولكني لا أرى إصلاحكم في إفساد نفسي).

ولو أصلحهم الإمام بإفساد نفسه لما حصل هذا البون الشاسع بينه وبين مناوئيه.

ولما أصبح الإمام في خلقه كالطود ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير. فليس أمره وأمرهم واحداً (إني أريد كم لله وتريدوني لأنفسكم.

أيها الناس أعينوني على أنفسكم: وأيم الحق لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأفودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً).

ويتلخص روح فلسفة الحكم عند الإمام بعبارات لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة قالها الإمام وهذا نصها:

(الحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف: لا يجرى لأحد إلا جرى عليه ولا يجرى عليه إلا جرى له...

وقد جعل الله من حقوقه حقوقاً لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضاً ولا يستوجب بعضها إلا ببعض.

وأعظم ما افترض الله من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي...

فليست تصلح الرعية إلا بصلاح ولاتها ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية.

لقد حدد الإمام في كلمته الآنفة الذكر الصلة بين الحكومة والشعب وفق فلسفته


العامة في الحكم. فوصف تلك الصلة بأنها تقوم على وحدة المصالح المشتركة من جهة وعلى قيام كل من الشعب والحكومة بالتزاماته من جهة أخرى.

أما الهيكل العام لفلسفة الحكم عند الإمام فيمكن وضعه على الشكل الآتي: يتألف المجتمع - بنظره.

من أفراد وعلاقات تربطهم ببعضهم من النواحى الأخلاقية والسياسية والاقتصادية.

ومن دستور تستند إليه تلك العلاقات وما يتصل بها من قوانين وأنظمة في جوانبها النظرية.

ومن هيئة حكومية تتولى الإشراف على ذلك وتنفذ.. والدستور الذي تستند إليه فلسفة الحكم عند الإمام هو كتاب الله.

ووظيفة الهيئة الحكومية - بنظره - هي السير وفق مستلزمات ذلك الدستور النواحي الخلقية والسياسية والمالية في تصرفاتها العامة والخاصة تجاه نفسها وتجاه أتباعها وذوى قرباها وتجاه الرعية قولا وعقيدة وفعلا.

فنقطة البداية في الإصلاح الاجتماعي الشامل عند الإمام إذن هي صلاح الحكام في عقائدهم وأقوالهم وأفعالهم في مجال الخلق والسياسة والاقتصاد. وإذا حصل العكس تدهور المجتمع وسار في طريق الفوضى والانحطاط.

تلك هي الخطوط العامة لفلسفة الحكم عند أبي تراب. وأقواله التي سنذكر جانباً منها ستبقى خالدة تتحدى الزمان والمكان - مع اختلاف في التعابير والمصطلحات حسب مواج العصر الذي تبحث فيه. وأفعاله - المنسجمة مع تلك الأقوال - ستبقى هي الأخرى في عالم الخلود.

فعظمة الإمام كامنة في أقواله بقدر ما هي كامنة في تصرفاته العامة والخاصة مع خصومه وأنصاره على السواء.

ولم يشهد التاريخ على ما نرى حاكماً عادلا مستقيما في العقيدة والقول والفعل كابن أبي طالب.


قال على في إحدى خطبه:

(يا أيها الناس: إني والله ما أحثكم على طاعة إلا أسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا أتناهى قبلكم عنها).

ولهذا أصبح الإمام من الفضيلة إنسان عينها بل عين إنسانها كما يقول البلغاء. ولعل عظمته تبدو بأوضح أشكالها إذا وازنا تصرفاته الديمقراطية بنشأته الأرستقراطية.

فقد كان على يشارك الجماهير في وحدة المشاعر والنزعات على الرغم من كونه (بالإضافة إلى مقوماته الشخصية) قد تعلق في نسبه (بمقاييس العرب) - من الثريا بأقراطها - وهو أمر له قيمته الكبرى في المجتمع العربي، وكثيراً ما كان ذلك يعمل على إبعاد صاحبه عن الاحتكاك بمن هم دونه في العلم الاجتماعي.

وعندي أن الأجيال القادمة ستشهد انصراف كثير من الباحثين - من غير العرب والمسلمين - إلى البحث العلمي النزيه في هذه الشخصية التاريخية الفذة.

فكلما تاهت البشرية في صحاري الحيرة من الناحية الأخلاقية.

وكلما اختلت موازينها في السياسة والاقتصاد - وهو أمر على ما يبدو لا سبيل إلى التغلب عليه من الناحية الواقعية في المدى البعيد - برز اسم ابن أبي طالب في مقدمة المرشدين إلى الصراط المستقيم(1) .

بغداد في: 15/10/1957

نوري جعفر

____________________

(1) لقد اقتبسنا كلمات الإمام (التي ذكرناها في هذه المقدمة والكلمات التي سنذكرها في الفصول القابلة من هذه الدراسة) من شرح (نهج البلاغة) لابن أبي الحديد بمجلداته الأربعة، وسوف نشير في آخر هذه الدراسة إلى رقم المجلد ورقم الصفحة التي اخذت منها كلمات الإمام. وغرضنا من ذلك هو عدم ارتباط القارئ أثناء المطالعة بإشارات وهوامش كثيرة العدد قد تقطع عليه سلسلة قراءته.


الجانب الأخلاقي

يستطيع المرء - إذا ما درس (فلسفة الحكم عند الإمام) بشيء من التحليل والتعمق - أن يصفها بأنها أخلاقية في جوهرها. تستند إلى الفضيلة: تشجعها وتغرسها في نفوس. وتكافح الرذيلة وتدعو إلى استئصالها من عالم الوجود. تفعل ذلك في مجال الفكر واليد واللسان.

وهذا يعني: أن الأخلاق عند الإمام فكرة وسلوك في آن واحد: سلوك في العمل. والناس بنظره ثلاثة أصناف:

(فمنهم المنكر للمنكر بيده وقلبه ولسانه فذلك المستكمل لخصال الخير.

ومنهم المفكر بلسانه وقلبه والتارك بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير ومضيع خصلة.

ومنهم المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه فذلك الذي ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة.

ومنهم تارك الإنكار بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الأحياء. فالتوافق التام بين عقيدة الإنسان وبين قوله وعمله هو الغاية القصوى التي يدعو الإمام إلى غرسها في نفوس الناس. والعقيدة - بالطبع - هي الأساس الذي يستند إليه المرء في قوله وعمله.


فإذا سلمت العقيدة - من الناحية الخلقية -. سلمت الأقوال والأفعال المنبثقة عنها وبالعكس. ولا فرق عند الإمام بين فساد العقيدة وصلاحها إذا لم يكن السلوك - في القول وفي العمل - منسجما معها في حالة سلامتها.

ومن يدري فلعل العقيدة الفاسدة أقل ضرراً بالمجتمع من العقيدة السليمة التي لا تنسجم أقوال من يدعى أنه يحملها مع أفعاله في المدى القريب على أحسن الفروض.

ذلك لأن الناس يسلمون مقدما بفساد تلك العقيدة - باعتراف صاحبها - فيحزمون أمرهم على مقاومته ومقاومتها بجميع الوسائل المتيسرة لديهم.

أما المتظاهر بحمل عقيدة سليمة فليس من السهل إجماع الناس على مقاومته وبخاصة إذا ما وجد من يبرر بعض أقواله وأعماله غير المنسجمة معها.

يتضح ذلك بأجلى مظاهره في صفوف الحكام - القدامى والمحدثين - أكثر منه في صفوف الرعية. ولذلك سهلت مقاومة الحاكم الفاجر المكشوف وصعبت مقاومة الحاكم الفاجر المستور.

وفي التاريخ أمثلة كثيرة تعزز ما نقول.

وقد وضع الإمام القاعدة الأخلاقية (والتي ذكرناها في تصنيفه الناس) بشكلها السلبي لعلمه أن إنكار المنكر - باليد واللسان والقلب - معناه، من الناحية الإيجابية، التهيؤ لإشاعة غير المنكر فكرة وقولا وعملا. على أن ذلك بنظره من أصعب الأمور.

(فما أصعب اكتساب الفضائل وأيسر إتلافها!!).

وما أصعب (على من استعبدته الشهوات أن يكون فاضلا.) ولكن إشاعة غير المنكر، مع هذا، أصعب من مقاومة المنكر في الأعم الأغلب.


ومقاومة المنكر في اليد أصعب منها في اللسان هي في اللسان أصعب منها في القلب.

ولهذا نجد الإمام يخاطب الناس بقوله:

(إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم ثم بقلوبكم).

وقد سمى مقاومة المنكر جهاداً في سبيل الله مجاهد المسلمون به ولاة السوء كما يجاهدون المشركين.

وقد صدق ظن الإمام في هذا الباب كما صدق ظنه حين قال:

(يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا إسمه. مساجدهم يومئذ عامرة من البناء خراب من الهدى. سكانها وعمارها شر أهل الأرض: منهم تخرج الفتنة وإليهم تأوى الخطيئة.) فقد لوثت السياسة (التي قاومها الإمام) منذ مصرعه إلى الوقت الحاضر فئة خاصة من رجال الدين وأغدقت عليهم الجاه والمال والنفوذ والألقاب لمعاونتها في تثبيت مظاهر الفساد في الحكم وإيجاد مخارج (شرعية) لموبقات الحاكمين من جهة وصرف الناس عن التحدث عن اعتداء الحكام على مبادئ الدين - وإلهائهم بوعظ تافه لا يمس جوهر الدين - من جهة أخرى.

ثم خص الإمام بالذكر الحاكم فقال:

(من نصب نفسه إماماً للناس فعليه أن يبدأ بتأديب نفسه قبل تأديبه غيره).

وليكن تأديبه بسيرته قبل تأيبه بلسانه و إلا (كان بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم ذلك العود.) لأن (الداعي بلا عمل كالراي بلا وتر) وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون. والعمل دون شك أكثر أثراً في النفس من القول عند الفاعل نفسه وعند من يشاهد العمل أو يسمع عنه لغرض الاقتداء به أو العزوف عنه.


والعمل الصالح الذي يقوم به شخص متواضع الحسب يرفع - بنظر الإمام - منزلة ذلك الشخص فيشرف حسبه. وبالعكس.

فمن (أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه.) و (شتان بين عملين. عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤنته ويبقى أجره.) فلا (تكن ممن ينهى ولا ينتهى ويأمر بما لا يأتى...

يصف العبرة ولا يعتبر.. في على الناس طاعن ولنفسه مداهن.) وإذا كان ذلك الخلق خطراً على كيان المجتمع (إذا اتصف به أفراد الشعب) فهو على كيان المجتمع أخطر إذا اتصف به الحاكم.

قال الإمام في هذا المعنى:

(إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا: أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيمنعه الله بشركة. ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون) فهو يريد من الحاكم أن يتبع ما أمره الله به في سوره (ص) حين قال:

( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى‏ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) .

وعلى هذا الأساس يصبح بنظر الإمام (السلطان الفاضل هو من يحرس الفضائل ويجود بها لمن دونه ويرعاها من خاصته وعامته حتى تكثر في أيامه ويتحسن بها من لم تكن فيه.)

هذا من جهة ومن جهة ثانية (فإن من لم تستقم له نفسه فلا يلومن من لم يستقم له.) وإن (من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها لا واعظ ولا زاجر.)


ثم عاد إلى الناس يخاطبهم فقال: (إياكم وتهزيع الأخلاق وتصريفها. اجعلوا اللسان واحداً. ليخزن الرجل لسانه فإن هذا اللسان جموح بصاحبه... إن لسان المؤمن من وراء قلبه وقلب المنافق من وراء لسانه) وإن من (عدم الصدق في منطقه فقد فجع بأكرم أخلاقه.) وما (السيف الصارم في كف الشجاع بأعز له من الصدق.

إذن فالكلام في وثاقك (ما لم تتكلم به. فإذا تكلمت بماصرت في وثاقه.)

فاجعل أقوالك منسجمة مع عقيدتك وأفعاله منسجمة مع أقوالك.

ولتكن عقيدتك سليمة لتصبح أقوالك وأفعالك المنسجمة معها سليمة كذلك.

والعقيدة السليمة من وجهة نظر الإمام هي الإيمان بالله على الطريقة الإسلامية مع جميع مستلزماته من الناحيتين النظرية والتطبيقية العلمية.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول: إن فلسفة الحكم عند الإمام تستند من حيث الأساس على وحدة الوسائل والغايات. وهي بهذا المعنى تمقت الانتهازية أو الوصولية بشتى صورها ومختلف مجالاتها. فلا يمكن على هذا الأساس أن يحق المرء غاية نبيلة باتباعه وسيلة فاسدة. وبالعكس.

لأن الوسائل الفاسدة ترافقها وتنتج عنها غايات فاسدة ووسائل أخرى فاسدة كذلك. وبالعكس. وإلى هذا المعنى يشير الإمام بقوله:

(والله ما معاوية بأدهى منى. ولكنه يغدر ويفجر.).

والدهاء ينظر الإمام هو قراءة صفحة المستقبل في ضوء ملابسات الحاضر وإمكانياته بالاستناد إلى الماضي القريب والبعيد.

أما الانتهازية وفساد الوسائل - مع فساد الغايات لانبلها -


والمداهنة والمصانعة ونقض العهد والكذب وأضرابها من الموبقات - التي تقترن عادة باسم معاوية في تاريخنا العربي - فليست دهاء بالمعنى الذي أشار إليه الإمام.) إلى ذلك يشير الإمام - من الناحية المبدئية العامة - بقوله:

(قديري الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.)

ذكرنا أن فلسفة الحكم عند الإمام تستند من الناحية الأخلاقية إلى الفضيلة وتمقت الرذيلة. ترى ما الفضيلة؟ وما الرذيلة بنظر الإمام ظ ومن يعينهما؟ وما المقياس الذي يتخذه الشخص للتمييز بينهما؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة من وجهة نظر الإمام يمكننا أن نقول:

تتضمن الفضيلة كل عمل أو قول ينطوى - بطريقة مقصودد أو غير مقصودة - على الخير.

أما الرذيلة فهي كل عمل أو قول ينطوى - بطريقة مقصودة أو غير مقصودة - على الشر.

والقصد أو عدمه - في القول أو العمل - سيان في عملية التمييز بين الفضيلة والرذيلة بمقدار ما يتعلق الأمر بطبيعة العمل نفسه.

أما الفرق الكبير بين الفضيلة والرذيلة فيما يتصل بالقصد أو عدمه فيقع في تعيين مسئولية الشخص الذي يتعاطى فعلهما.

فالكذب رذيلة بغض النظر عن نية الكاذب أو قصده.

والصدق فضيلة على الأساس نفسه.

أما الخير الذي وصفنا الفضيلة بأنها مشتملة عليه فهو كل عمل أو قول يشيع العدل بين الناس وينشر بينهم الأمن والطمأنينة ويشجعهم على التعاون في خدمة مصالحهم الخاصة ضمن إطار المصلحة العامة لا خارجه أو على حسابه.


الفصل الثاني

الجانب السياسي

لقد مر بنا القول بأن فلسفة الحكم عند الإمام أخلاقية في جوهرها. فيصيح على هذا الأساس جانبها السياسي تطبيقاً لجوهرها الأخلاقي في مجال الإدارة العامة من حيث علاقة الحكومة بالشعب ومن حيث علاقة أفراد الشعب ببعضهم وبالحكومة.

كما يصبح جانبها المالي سائراً في الاتجاه السابق نفسه فيما يتصل بالثروة العامة من حيث إنماؤها وتوزيعها واستهلاكها.

ويتلخص جوهر سياسة الإمام من الناحية السياسية في إشاعة العدل بين الناس في شتى ضروب الحياة وفي مختلف المجالات الاجتماعية.

والعدل عند الإمام أفضل من الشجاعة (لأن الناس لو استعملوا العدل عموما في جميعهم لاستغنوا عن الشجاعة).

والمراد بالشجاعة في هذا الباب القوة المادية المتمثلة في الجسم أو المال أو السلاح أو النفوذ عندما يستعين المرء بذلك لاسترداد حق مهضوم أو لاغتصاب حق من حقوق الناس.

ويلجأ الإنسان في العادة إلى هذا التصرف إذا فقد العدل وانعدم ناصروه ومنفذوه. ويتجلى ذلك بأوضح أشكاله في عالم الحيوان وفي المجتمعات البدائية وفي الحالات التي ينعدم فيها تطبيق العدالة الاجتماعية في المجتمعات الراقية الحديثة.


والعدل عند الإمام يحتاج إلى تعهد ورعاية في اتباعه وفي قبوله.

وهو يحتاج كذلك إلى ضبط النفس وجلد وبخاصة في تحمل مضضه عند الشخص الذي يطبق عليه. لأن الإنسان في العادة يميل - بطريقة لا شعورية أحياناً - إلى عدم إلزام نفسه في اتباع الحق - في القول وفي العمل - إذا كان في دم الإلزام.

هذا ما يخدم مصالحه أو مصالح من يعطف عليهم من الناس. وربما وقف موقف المحايد أو عدم المكترث بالباطل والحق في الحالات التي لا تتعلق به من قريب أو بعيد.

أما إذا كان الأمر متصلا بمصالحه الخاصة أو بمصالح من يعطف عليهم فإن عدم اتباع الحق - كما يبدو له - يصبح مثار نقمته وامتعاضه وتحديه. على أن كثيراً من الناس يميلون - بطريقة غير مقصودة أحياناً - إلى اظهار الباطل بمظهر الحق لإحراز نفع، أو لتجنب ضرر محتمل الوقوع.

وسبب ذلك على ما يبدو هو أن ظهور الشخص بمظهر الباطل - بشكل مكشوف وصريح - لا يضمن حصوله على المنافع ولا يدفع الأضرار عن طريقه في كثير من الأحيان. يحصل هذا حتى في المجتمعات التي ينعدم فيها تطبيق الحق على تصرفات المواطنين. لأن الاعتراف بالتزام الحق (بغض النظر عن نوعه) من الناحية النظرية أمر مسلم به في جميع المجتمعات البشرية المعروفة قديماً وحديثاً.

والعدل عند الإمام (صورة واحدة والجور صور كثيرة. ولهذا سهل ارتكاب الجوز وصعب تحرى العدل. وهما يشبهان: الإصابة في الرماية والخطأ فيها. وإن الإصابة تحتاج إلى تعهد ورعاية والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك).

والعدل عند الإمام ينتظم الناس جميعاً - مسلمين وغير مسلمين، عرباً وغير عرب حكاماً ومحكومين -. لأن الناس بنظر الإمام صنفان:


(إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

أخ لك في الدين يعني مسلماً عربياً أو غير عربي، ونظير لك في الخلق يعني: إنساناً مثلك بغض النظر عن دينه وجنسه.

ويجمل بنا أن نذكر هنا: أن أحب شيء للإمام هو تطبيق العدل بين المواطنين. وكانت الخلافة بنظره إحدى الوسائل الفعالة التي تعينه على تطبيق ذلك العدل بأوسع مدى ممكن.

ويتجلى شعور الإمام بضرورة تطبيق العدل على الناس بأروع أشكاله - قبل أن تنتقل إليه الخلافة، وبخاصة في شطر من خلافة عمر وفي أغلب سنى خلافة عثمان - إذا تذكرنا أن الإمام كثيراً ما كان يتولى بنفسه تطبيق حدود الله على المستحقينكلما قصر الخليفة القائم عن ذلك أو تهاون فيه.

وفي التاريخ الإسلامي - بين وفاة الرسول ومصرع ابن عفان - أمثلة كثيرة في هذا الباب.

ذكرنا أن الخلافة لم تكن بنظر الإمام وسيلة الأبهة أو الإثراء غير المشروع أو مجالا لتوزيع المناصب والجاه والنفوذ على الأصهار والأتباع وذوى القربى.

وإنما هي مجال يتسنى به للإمام أن يطبق العدل على المواطنين.

وقال ابن عباس: دخلت على على بذى قار وهو يخصف نعله.

فقال لي ما قيمة هذه النعل؟ فقلت لا قيمة لها، فقال: والله لهى أحب إلى من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلا).

وكتب على إلى سهل بن حنيف:

(أما بعد: فقد بلغني أن رجالا من قبلك يتسللون إلى معاوية. فلا تأسف


على ما يفوتك من عددهم... قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه. وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الإثرة... إنهم والله لم يفروا من جور ولم يلحقوا بعدل).

فإذا كانت الغلبة تعنى كثرة الأتباع على الباطل - وهي ليست كذلك بالطبع - (فاختر أن تكون مغلوباً وأنت منصف ولا تختر أن تكون غالباً وأنت ظالم).

فأفضل شيء بنظر الإمام إطفاء باطل وإحياء الحق (فلا يكن أفضل ما نلت من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ولكن: إطفاء باطل وإحياء حق.

وليكن سرورك بما قدمت من ذلك وأسفك على ما خلقت منه.

وموقف الإمام هذا - كما ذكرنا - ينتظم الرعية جميعاً: عرباً وغير عرب، مسلمين وغير مسلمين.

أما ما يتصل بالمسلمين (العرب وغير العرب) فيتضح موقف الإمام تجاههم بقوله: (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم... والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم. وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا). ليأخذ كل ذي حق حقه وفق نصوص القرآن والسنة النبوية.

وهذا لا يتم بالطبع إلا إذا أعيد النظر في علاقات المسلمين ببعضهم وبالخليفة وفق ما ذكرناه.

وهذا يعني - من الناحية السلبية - القضاء على كل ما لا يتفق مع ذلك مما حصل عليه بعض المسلمين - على حساب غيرهم أو على حساب الدين - في الفترة التي تقع بين وفاة النبي ومقتل عثمان بن عفان.

فالحق عند الإمام هو الشيء المشروع الذي يستحقه الشخص وإن لم يتمتع به


من الناحية العملية الواقعية نتيجة لسوء تصرف الحكام، أي إن الحق بنظر الإمام (دي جوري) كما يعبر عن ذلك المشرعون الحديثون. والباطل بنظره يشمل (من جملة ما يشمل) حقوقاً اكتسبها بعض الناس بطريقة غير مشروعة. فهو بنظره: (دي فاكتو) كما يقول: المشرعون. أي أن تطبيق الحق بنظر الإمام له أثر رجعي.

قال علي (فيما رده على المسلمين من فظائع عثمان:

والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته. ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق).

وأما موقفه من غير المسلمين فقد كان يجري ضمن الإطار الذي وصفناه. وتتجلى روعة ذلك الموقف إذا تذكرنا قوة إيمان الإمام بمبادئ الدين الإسلامي واعتباره إياه أرقى الأديان. ولعل إيمانه العميق بذلك هو الذي جعله يقف من غير المسلمين ذلك الموقف العادل المعروف.

قال علي: (من آذى ذمياً فكأنما آذاني). أي إن من اعتدى على يهودي أو مسيحي - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبشكل مادي أو معنوي - فكأنما اعتدى على جوهر الإسلام المتمثل بالإمام آنذاك.

وفي هذا الموقف من الروعة في اتباع العدل ما يعجز عن وصفه البيان.

ثم علل الإمام موقفه من أولئك الناس بقوله: (إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا) يجري عليهم ما يجري علينا من الحقوق والواجبات العامة.

ولتحقيق العدالة الاجتماعية من الناحية السياسية وضع الإمام شروطاً خاصة لتكوين الجهاز الحكومي وتعيين وابجاته العامة تجاه الشعب. والأساس الذي يرتكز عليه الجهاز الحكومي هو من الناحية الإدارية كما قال الإمام:


(لا تقبلن في استعمال عمالك وأمرائك شفاعة إلا شفاعة الكفاءة والأمانة.) هذا من جهة الحاكم

أما أنت - أيها المواطن - فمن النقص عليك (أن يكون شفيعك شيئاً خارجاً عن ذاتك وصفاتك.) وأنت - أيها الحاكم - أنظر مرة أخرى - في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً. ولا تولهم محاباة وإثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة) فيجب ألا يتم تعيين الموظف محاباة له أو لمن يشفع فيه، ولا إنعاماً عليه، لأنهما - أي المحاباة والإثرة - جماع من شعب الجور والخيانة. ومعنى ذلك كما يقول ابن أبي الحديد إن هذا النوع من التعيين (يجمع ضروباً من الجور والخيانة:

أما الجور فإنه - أي الحاكم - يكون قد غدل عن المستحق. ففي ذلك جور على المستحق.

وأما الخيانة: فلأن الأمانة تقضي تقليد الأعمال الأكفاء. فمن لم يعتمد ذلك فقد خان من ولاه.) على أن الأمر - على ما نرى - أبعد أثراً مما ذكره ابن أبي الحديد.

فالجور في هذا الموضوع - لا يقتصر على عدول الحاكم في التعيين عن المستحق إلى غير المستحق فقط وإنما هو يمس غير المستحق في الصميم. فقد حل غير المستحق - على حد تعبير يحيى بن خالد (محل من نهض بغيره. ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلا).

يضاف إلى ذلك إن هذا الموظف - إذا ما قصر عن أداء واجبه أو خانه - عرض نفسه للفصل والعقاب. فكأن تعينه - محاباة أو إثرة - قد مهد السبيل إلى إقصائه عن الخدمة وتطبيق حدود الله عليه في حالة الخيانة.

ولكن الأمر مع هذا كلّه يتعدى ضرره المستحق وغير المستحق فينظم المصلحة العامة ومصالح المواطنين - الذي يعنيهم الأمر - على السواء.


هذا ما يتصل بموضوع الجور في تعيين الموظفين على أسس غير أسس الكفاءة والأمانة.

أما الخيانة فينطبق عليها ما ذكرناه. لأن من لم يعتمد تقليد الأعمال الأكفاء فقد خان من ولا وخان من ولى عليهم وخان المستحق وغير المستحق على السواء.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول:

لقد وضع الإمام الذي عاش قبل زهاء أربعة عشر قرناً مقياساً للتوظيف لم يصل إليه أرقى القوانين في المجتمع الغربي الحديث. فلم يكتف الإمام بأن تسند الوظائف الحكومية لذوى الكفاءة والاختصاص - دون غيرهم - بل أضاف إلى ذلك جانباً آخر لا يقل أهمية عن الكفاءة هو الأمانة ونزاهة النفس.

فالموظف الكفؤ (غير الأمين) قد يتجاوز ضرره الاجتماعي ضرر الموظف غير الكفؤ: فيتخذ من كفاءته وسيلة لإتقان فن الخيانة، وإتقان فن التواري عن الأنظار من جهة، وإتقان فن التباكى على المصلحة العامة من جهة أخرى.

أما الموظف الأمين غير الكفؤ فيكون ضرره الاجتماعي - في حالة وقوعه - غير مقصود في العادة من جهة وغير موجه نحو الناس على حساب بعض آخر من جهة أخرى.

والخيانة (بنظر الإمام) تشمل من يتعاطاها بشكل مباشر بقدر ما تشمل من يعطف على من يتعاطاها أو يغض النظر عنه. ولهذا قال الإمام ك

(كفاك خيانة أن تكون أميناً للخونة)

لقد مر بنا القول بأن مقياس التوظيف عند الإمام هو الكفاءة والأمانة. ترى ما الكفاءة؟ وما الأمانة؟ بنظر الإمام؟ وكيف نقيس كلا منهما؟ وللإجابة عن السؤال الأول نقول:


إن الكفاءة هي قدرة الشخص على إنجاز الواجب الذي يسند إليه بشكل مرضى. وتقاس الكفاءة في العادة بالدراسة والتخصص وبالشهادة المدرسية. غير أن تلك الأمور (بشكلها الحاضر) لم تكن موجودة في عهد الإمام. فكان مقياس الكفاءة بنظره هو توسم قيام الشخص بالواجب المنوط به بشكل مرضى. فإذا عين الشخص بمنصبه ولم يثبت (بعد فترة من الزمن الكفاءة المطلوبة) تحتم فصله عن العمل وتطبيق حدود الله عليه. وبخاصة إذا لم يعمل وجوده في الوظيفة على جعله قادراً على أداء واجبه على شكله الصحيح.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد هو: أن الخبرة (أو وجود الشخص في الوظيفة) كثيراً ما تكون عاملا من عوامل تخصصه في ذلك العمل وتدريبه على انجازه على الوجه المطلوب. وبالتالي عاملا من العوامل التي تجعله موظفاً كفؤاً.

أما الأمانة: فهي الامتناع عن الاعتداء على أموال الآخرين وحقوقهم.

فالأمانة ذات جانبين: جانب مادى وآخر معنوي يعملان معاً في الأعم الأغلب. فالموظف الأمين هو الذي لا يقبل الرشوة ولا تمتد يده إلى ما تحتها من أموال الدولة.

هذا من الناحية المادية.

أما من الناحية المعنوية: فالموظف الأمين هو الذي يعطى كل ذي حقه في المجال الذي يعمل فيه. فلا يجعل بعض الناس يعتدى على حقوق بعض آخر، ولا يجعل الدولة تعتدي على حقوق الناس أو بالعكس.

وأما مقياس الأمانة بنظر الإمام فهو (في بدايته) سمعة الشخص ومركز عائلته من الناحية الدينية.


كل ذلك بالطبع يسبق عملية التوظيف. فإذا ظهر الشخص (بعد التوظيف) بمظهر الخائن وثبت ذلك عليه وجب إقصاؤه عن الخدمة وتطبيق حدود الله عليه.

فالموظف الأمين غير الكفؤ يكتفي (كما ذكرنا) بإقصائه عن الخدمة.

أما غير الأمين فيقصى عن الخدمة ثم تطبق حدود الله عليه. وسبب ذلك هو أن خيانة غير الكفؤ تحصل عفواً دون قصد في الأعم الأغلب.

أما إذا ثبتت خيانته مع عدم كفاءته فيجب أن يعزل ثم يعاقب: يعزل لعدم كفاءته ويعاقب لخيانته بعد ثبوت ذلك عليه بالطبع. ويعكس الأمر عند الخائن الكفؤ. ويمكن أن يشبه عمل الأول منهما (في حالة حدوثه بسبب عدم الكفاءة) بما يحدثه وقوع حجر من مكان مرتفع على أحد المارة. وعمل الثاني بقذف ذلك الشخص بذلك الحجر من قبل بعض الناس بصورة مقصورة: فتنتفي المسئولية في الحالة الأولى مع ما يتبعها من العقاب.

هذا بالإضافة إلى أن في موضوع الخيانة (عند الموظف الكفؤ غير الأمين) أمراً خلقياً عاهراً، هو وإن كان ذا صلة بعدم كفاءته إلا أنه شيء مستقل عنه.

أما الخيانة - عند غير الكفؤ - فهي ناتجة عن عدم الكفاءة، اللهم إلا إذا كان ذلك الموظف يجمع بين الصفتين: الخيانة وعدم الكفاءة.

أما القضاء فيجب أن تتوافر فيهم (بالإضافة إلى ما ذكرنا) شروط أخرى هي كذلك على جانب كبير من الأهمية والروعة. وقد نص عليها الإمام بقوله:

(ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك: ممن لا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه. أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج،


وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطرا. ولا يستميله إغراء).

ومن طريف ما يروى عن الإمام في موضوع الإطراء أنه حذر المسلمين عامة عن إطرائه - لغرض المصانعة - على ما يقوم به من الأعمال وذلك لتعويد الحكام على إلتزام الحق الحق نفسه دون إطراء أو إغراء من جهة، وتعويد الرعية على عدم الإطراء على موظف لمجرد قيامه بواجب هو ملزم أن يقوم به لقاء ما يتقاضاه من أجور ويتمتع به من نفوذ. قال علي:

(بما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا على بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لا بد من إمضائها. فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا إعظام لنفسي. فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه).

لقد مر بنا ذكر الشروط التي وضعها الإمام لانتقاء القضاة وهي شروط لا يتوافر وجودها إلا في القليلين من الناس.

وقد فطن الإمام إلى ذلك حين قال - بعد ذكر صفاتهم -: (وأولئك قليل).

فينبغي البحث عنهم والتقاطهم على القدر المستطاع. على أن هؤلاء - مع هذا - كما سلف أن ذكرنا من الممكن أن يكتسبوا (عن طريق الخبرة أثناء ممارستهم العمل) كثيراً من المزايا التي جعلها الإمام أساساً لانتقائهم، وأن يبرعوا في الوقت نفسه في المزايا التي كانت عليهم قبل التوظيف.

ومن الممكن أن يحصل ذلك كله إذا تذكر هؤلاء أنهم عرضة للفصل والإهانة


والعقاب إذا ما نصروا في أداء واجبهم. وبالعكس فإنهم مؤهلون المكافأة والترفيع إذا ما قاموا بواجبهم على الوجه المرضى.

فالموظفون - بعد أن يتم تعيينهم على الشكل الذي وصفناه - يجب أن يخضعوا الرقابة حكومية شديدة وأن يتعرضوا بصورة مستمرة لتفتيش دقيق ليعرف الصالح منهم فيكافأ على صلاحه والطالح ليلقى جزاءه.

وقد أشار إلى ذلك الإمام بقوله:

(ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية).

أي أن المفتشين الحكوميين يجب أن يكونوا من أهل الصدق والوفاء لكي يزودوا الوالي والخليفة بأوثق الأخبار وأدق المعلومات عن الموظفين - لأن على تقاريرهم وأخبارهم يتوقف مصير الموظف في حالتي الثواب والعقاب.

فإذا كذب المفتش أو تحيز أو خان ما ائتمن عليه تعرضت إجراءات الوالى، أو الخليفة (المستندة إلى تلك الأمور) إلى الزلل والشطط.

والغاية من مراقبة الموظفين (مراقبة سرية كما ذكرنا) هي أن تقدم عنهم تقارير سرية وهم على حقيقتهم غير متظاهرين أو مغالطين.

يضاف إلى ذلك أن هذا النوع من المراقبة يحفزهم على القيام بواجباتهم على الوجه المطلوب.

(فإن أحد منهم بسط يده إلى الخيانة اجتمعت عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت العقوبة عليه في بدنه وأخذته بما أصاب عمله. ثم نصبته بمقام المذلة ووصمته بالخيانة وقلدته عار التهمة).


فللوظيفة (بقسميها الإداري والقضائي) إذن بنظر الإمام جانب تربوي تثقيفي بالإضافة إلى جانبها المتصل بإنجاز أمور الناس وفق شروط الشريعة السمحاء.

فينبغي والحالة هذه أن نتوخي من المرشحين للوظيفة: (أهل التربية والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام. فإنهم أكرم أخلاقاً وأقل في المطامع إسرافاً وأبلغ في عواقب الأمور.) من غيرهم.

ثم (لا يكون اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك... ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك. فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثر أو أعرفهم بالأمانة وجهاً. أي أن الامام أوصى إليه أن ينتقي موظفيه من أبناء الأسر الطالحة التي هدمها الإسلام، بل من أبناء الأسر المتواضعة التي رفعها شأنها الإسلام من حضيض الجاهلية إلى مستوياته الرفيعة.

ثم اشترط عليه أن يكون المرشحون للتوظيف مع ذلك - أي مع كونهم من ذوى الأحساب الاسلامية الرفيعة - أحسن أولئك في العامة أثراً وأعرفهم بالأمانة وجهاً. لأن (من أبطأ به عمله - كما ذكرنا - لم يسرع به نسبه) وإن كان ذووه ممن ينطبق عليهم ما ذكرناه.

فالتحدر من الأسر الاسلامية الكريمة شرط أساسي من شروط التوظيف ولكنه بحد ذاته غير كاف كما رأينا. فجعل الإمام ذلك الشرط مشروطاً كذلك (إذا جاز هذا التعبير) حين اشترط أن يكون الشخص المرشح للوظيفة (مع ذلك كله) أحسن أولئك (المتحدرين من الأسر الاسلامية الكريمة) أثراً في العامة وأعرفهم بالأمانة وجهاً. وإذا لم يحل ذلك كلّه بين ذلك الشخص - بعد توظيفه بالطبع - وبين امتداد يده إلى ما تحتها من الأموال والمصالح - للدولة والناس وجب فصله وتطبيق حدود الله عليه حسبما تستلزم الظروف ذلك.

ومن طريف ما يروى عن الإمام في هذا الصدد أنه كتب إلى المنذر بن الجارود


العبدي - وكان قد استعمله على بعض النواحي فخان الأمانة في بعض ما ولاه من أعمال:

(أما بعد فإن صلاح أبيك قد غرني فيك. وظننت أنك تتبع هديه... ولئن كان ما بلغني عنك حقاً لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك... فاقبل إلى حين يصل إليك كتابي).

يتضح من كل ذلك أن الإمام نهى عن التحيز - بشتى صوره ومختلف مجالاته - في هذه القضية (أي موضوع التوظيف) وفي غيرها على السواء. (فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال).

ذلك ما يتصل بانتقاء الموظفين للإدارة والقضاء.

أما ما يتعلق بموقف الوالي منهم فيتجلى - فيما يتصل بالإداريين - بقوله:

(ثم أسبغ عليهم الأرزاق...... فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك).

وهذا الإجراء من أنجح الإجراءات وقاء من الرشوة ومن أعدلها في معاقبة المرتشين.

وأما القاضي فأكثر (تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته وثقل معه حاجته إلى الناس. واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن اغتيال الرجال له عندك).

أي أن الإمام قد خص القاضي - بالإضافة إلى ما ينطبق عليه من شروط التوظيف التي ذكرناها - بمنزلة رفيعة من الناحيتين المادية والمعنوية. وسبب ذلك كما لا يخفى هو دقة مركزه وأهميته من الناحية العامة بالنسبة لحقوق الناس.

فأمر الإمام الوالي - من الناحية المادية - أن يفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس. وهو: إجراء فطن له مؤخراً بعض فطاحل المشرعين البريطانيين كما هو معروف.


على أن الإمام مع هذا الم يكتف بذلك بل سبق هؤلاء المشرعين (الذين جاؤا من بعده بمئات السنين) بأمور لم ينتبهوا إليها على ما نعلم حتى كتابة هذه السطور. فحص القاضي بمنزلة رفيعة من الناحية المعنوية أيضاً وذلك بإيصائه الولاة - والمسئولين الآخرين - أن يصادفوا على قرارات القاضي العادل (لأنها عادلة بالطبع) فلا يسمحوا للتنفذين (الذين لم يتسن لهم التأثير على القاضي نفسه) بالتأثير على من هو فوقه فتنقض قراراته العادلة ويعطل عمله وربما فسد خلقه كذلك.

يضاف إلى ذلك أنه جعل للقاضي (العادل) منزلة رفيعة عند من هم فوقه في سلم الرتب الحكومية ليسد بذلك منافذ الموتورين (والمنافقين والمصطادين في الماء العكر) إلى الوالي لكيلا يوغروا صدره عليه في الباطل وللسعاية. وفي ذلك ما فيه من تشجيع للقاضي (ولغيره من القضاة وأضرابهم) على المضى في توخى العدل في الحكم بين الناس من جهة وتثبيط عزائم مناوئيه وإفساد مؤامراتهم من جهة أخرى.

وأما ما يتعلق بموظفى السلك العسكري (فول من جنودك أنصحهم لله ولرسوله ولإمامك. وأنقاهم جيباً وأفضلهم حلماً. ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء وممن لا يثيره العنف ولا يعقد به الضعف.

فإذا فرغت من انتقائهم على الشكل المذكور (فتنفقد من أمورهم.

ولا يتفاقمن في نفسك شيء قوتهم به ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل. فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك.

ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به وللجسم موقعاً لا يستغنون عنه.).


فرجال الجيش يجب أن يتم انتقاؤهم - بنظر الإمام - حسب شروط خاصة وإن كانت تجري، من حيث الأساس، على المجري العام الذي ذكرناه حين التحدث عن الموظفين المدنيين. وبما أن الناحية العسكرية ترتبط بالذهن عادة مع الشدة والقسوة وأخذ الناس بالصرامة والعنف فقد فطن الإمام إلى ذلك فحدد مجال عمل ذلك من جهة وعمل على إضعافه في المواطن التي تحتاج إلى ذلك الإضعاف من جهة أخرى.

وقد اشترط الإمام أول ما اشترط في الجنود - أي رجال الجيش من مختلف الصنوف المعروفة في عهده - النصيحة العقيدة الإسلامية لأنها (بنظره) الأساس الذي تستند إليه تصرفات الجندى (وغيره من المسلمين) في جميع مجالات الحياة.

ثم نص الإمام (بالإضافة إلى ذلك) على الشرط العام الذي يجب أن يتوافر في جميع أفراد الجهاز الحكمي (المدني والقضائي والعسكري) وهو نقاوة الجيب.

ثم اشترط الإمام في الجندى شرطاً خاصاً - ليزيل جانب الصرامة المرتبط بمنته في المواضع التي تستلزم إزالته:

هذا الشرط هو أن يكون الجندى: (ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف الضعفاء وينبو على الأقوياء).

يبطئ عن الغضب أي لا يوقع العقوبة بمن يعتقد أنه يستحقها أثناء غضبه لينتفى عنصر الانتقام في الموضوع من جهة، وليتسنى له (أي لمن يوقع العقوبة مباشرة أو من له سلطة الأمر بإيقاعها) بعد زوال غضبه أن ينظر في الموضوع برأيه الهادئ لا بعواطفه الثائرة ليكون حكمه سليما من الناحية العقلية.


(فإن من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.) ولا يسهل على من استسلم لعاطفة الغضب أن يستقبل وجوه الآراء ليعرف مواقع الخطأ فيها وفيما يتبعها من الإجراءات كما هو معروف.

(أملك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك.

واحترس من كل ذلك بكف الباردة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك وتملك الاختيار.).

وهناك أمر لابد من الإشارة إليه في هذا الصدد هو: أن الإمام يعتبر العقوبة وسيلة للإصلاح لا للإنتقام. وهي - بنظره - آخر إجراء ينبغي أن يستعان به.

فالمذنب بنظره كالمريض يجب أن يعالج باللطف والإرشاد على القدر المستطاع. على أن العقوبة (إذا كان لابد من الاستعانة بها لتقويم الأخلاق كما نصت على ذلك العقيدة الإسلامية المتمثلة في القرآن والسيرة النبوية) فيجب، مع ذلك، أن يتأخر إنزالها (لفترة مناسبة من الزمن) ليرى المذنب جريرته ونتائجها وما يتبعها من عقوبة لعله يرتدع عن الذنب في المستقبل.

(فلا تتبع الذنب العقوبة واجعل بينهما وقتاً للاعتذار.) هذا من الناحية السلبية.

أما من الناحية الإيجابية فازجر (المسيء بثواب المحسن).

أما الضعفاء فقد أوصى الإمام - كما رأينا - جنوده بضرورة الرأفة بهم فيعاقبونهم عن طريق التهذيب بالتجاوز عن عفواتهم ضمن الحدود المعقولة.

وأما الأقوياء (وأصحاب النفوذ) فابطش بهم - إذا أذنبوا - بطشاً يتناسب


هو مع طبيعة الذنب. وسبب ذلك هو: أن العفو عن القوى ربما يجعله يعتقد بأن ذلك العفو ناتج عن نفوذه فيتمادى في الزلة. هذا من الناحية النفسية.

أما من الناحية الاجتماعية فقد يخيل للآخرين أن نفوذ المجرم المتنفذ (المعفو عنه) كان عاملا من عوامل العفو عنه، الأمر الذي يشجعهم - وبخاصة إذا كانوا من ذوى النفوذ أو ممن يمتون إليهم بصلة - على ارتكاب الباطل. فتنتفي - في الحالتين - الغاية من العفو وهي الإصلاح والتهذيب عن طريق العفو نفسه.

أما ترفيع أفراد الجيش وترقيتهم (بعد تعيينهم وفق الشروط التي ذكرناها) فقد وضع ذلك الإمام بشكل صريح لا يحتاج إلى شرح أو توضيح. ولكي يكون الترفيع عادلا وجب أولا وقبل كل شيء مراقبة أعمالهم وتقديم التقارير الأمينة عنهم والتوصيات العادلة بحق كل منهم. ثم اعطاه كل ذي حق حقه في مجال الترفيع والتقدير.

ويجب مع ذلك كله أن تقاس قيمة كل منهم بنوع عمله بغض النظر عن الأسر والأحساب. (فمن أبطأ به عمله - كما ذكرناه - لم يسرع به حسبه.) ولكن ينبغي مع هذا أن يطرى المسئولون على الأعمال الحسنة التي يقوم بها بعض الجنود مهما كانت بسيطة وذلك تشجيعاً لهم على الاستمرار عليها واستنهاضاً للآخرين على الاقتداء بأصحابها.

وهناك أمران آخران يتصلان بالجيش يجمل بنا أن نشير إليهما قبل الانتقال إلى التحدث عن الولاة.

وأولهما: موقف الإمام بصورة عامة من الجيش من حيث كونه ركناً من أركان جهاز الحكم في البلاد.

وثانيهما: موقفه من القطعات العسكرية التي تجهز للاشتراك الفعلي مع العصم، وموقفها ممن تمر بأرضهم من المواطنين.


وقد لخص الإمام الجانب الأول منهما بقوله: (إن حقاً على الإمام أن لا يغيره على رعيته فضل ناله ولا طول خص به. وأن يزيده ما قسم الله له من نعمة دنواً من عباده وعطفاً على إخوانه. ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سراً إلا في حرب ولا أطوى دونكم أمراً إلا في حكم. ولا أؤخر لكم حقاً عن محله ولا أقف به دون مقطعه وأن تكونوا عندي في الحق سواء. ولى عليكم الطاعة وأن لا تنكصوا عن دعوة ولا تفرطوا في صلاح وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق. فإن أنتم لم تستقيموا لي فلم يكن أحد أهون على ممن أعوج منكم..

فالإمام يريد أن يطبق مبدأ العدالة الاجتماعية تاما غير منقوص. وفق مستلزمات الشريعة الإسلامية على الجنود وعلى غيرهم من أفراد الشعب ومن أعضاء الحكومة. وهو يريد من أفراد الجيش أن يعينوه على ذلك في مجال عملهم. ومع ذلك كله (فلم يكن أحد أهون عليه ممن أعوج منهم) فيجب أن لا يدفعهم مركزهم العسكري (واعتماد الخليفة عليهم في حفظ الأمن والوقوف للأعداء بالمرصاد) إلى الزهو وعدم الإكتراث بالقانون فإن ذلك يعرض أصحابه للعقاب.فليس أحد - من هذا الجيش العزيز - بأهون على الإمام ممن أعوج في تصرفاته من أفراده.

أما ثاني الأمرين اللذين ذكرناهما فقد نص الإمام بقوله:

(في كتاب له إلى العمال الذين يطأ الجيوش عملهم).

(أما بعد فإني سيرت جنوداً هي مادة بكم. وقد أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الأذى وصرف الشذى وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم (يعني اليهود والنصارى) من معرة الجيش... وأنا بين ظهر الجيش (أي في أعقابه)، فارفعوا إلى مظالكم وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم وما لا تطيقون دفعه إلا بالله وبي، أغيره بمعونة الله.).


أي أن الإمام يريد من الجيش (في حالة مسيره إلى المعركة أو رجوعه منها) أن يتحلى بالخلق الإسلامي - الذي وصفناه - فيما يتصل بالأماكن التي يمر بها وفي موقفه من السملمين وغير المسلمين من أهل الذمة. ومن يخالف ذلك يقع - دون شك - تحت طائلة العقاب.

ثم يختتم الامام موقفه من رجال السلك العسكري بالملاحظات التالية:

ثم أفسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل.

ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى. ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرون به دون غاية بلائه. ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما).

وأما الولاة فينطبق عليهم ما ذكرناه مع اختلاف كبير ذي جانبين:

أحدهما: هو أن الامام نفسه يعين الولاة بصورة مباشرة في حين أنهم (- منفردين - في الأعم الأغلب) يعينون الموظفين الآخرين.

وثانيهما: عظم المسئولية الملقاة على عاتق الوالي فيما يتصل بإدارة شئون المصر الذي يخضع له من الناحية السياسية والمالية والخلقية.

فالامام يحكم الأقاليم الاسلامية المختلفة بطريقة غير مباشرة. أي أنه يحكمها عن طريق الولاة.

فالوالي إذن هو الخليفة (مصفراً) في ولايته. فعليه إذن - كما على الخليفة - واجبات خلقية وسياسية ومالية في حدود أضيق، من حدود الخليفة من الناحية المكانية، وأوسع من حدود الموظفين الآخرين. وواجبات الوالي هي - من الناحية الأخلاقية:


(أن ينصر الله بيده وقلبه ولسانه... وأن يكسر من نفسه عند الشهوات وينزعها عند الجمحات.) و (ليكن أحب الذخائر إليك - أيها الوالي - ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لها. فإن الشح بالنفس هو الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت).

والانصاف من النفس فيما أحبت يعني: أن لا يسيء الوالي استعمال منصبه الرفيع فيتخذه وسيلة للانتفاع الشخصى - بطريقة غير مشروعة - بما تحت يديه من ممتلكات ومال ونفوذ، أو لخلع ذلك على ذويه والمقربين إليه. أما الانصاف من النفس فيما كرهت فيستلزم أن يأخذ الحق مجراه - في حالة العقوبة - مع النفس ومع المقربين إليه ومع ذوى قرباه، وفي حالة الثواب - أو المكافأة أو استرجاع حق مهضوم (مع الخصوم ومع من هم على شاكلتهم).

أي أن الوالي يجب أن يكون - بعبارة أخرى.

كالخليفة نفسه في تطبيق حدود الله على المستحقين في جميع الأحوال دون تمييز من أي نوع كان.

وأما واجبات الوالي تجاه الرعية فقد رسمها الإمام بقوله:

(أشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعاً. ضارياً تغتنم أكلهم). لأن الرعية صنفان - كما ذكريا - إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

(فاخفض لهم جناحك وألن لهم جانبك وابسط لهم وجهك وآس بينهم في اللحظة والنظرة.) وبذلك يكون عدلك شاملا لا يشوبه تحيز إلا للحق.

فإذا عرف الناس ذلك منك عندئذ (لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييئس الضعفاء من عدلك عليهم).


فيجب عليك (أن لا تسخط الله برضا أحد من خلقه. لأن سخط الله يحصل من فقدان العدالة الاجتماعية بين الناس نتيجة محاباة الوالي بعضهم وإيثاره إياهم - دون حق - على حساب الآخرين.

(إني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً):

أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه. وأما المشرك فيمنعه الله بشركه. ولكني أخاف عليكم كل منافق اللسان عالم الجنان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون).

فالإمام إذن لا يخش على أمته جوراً من مؤمن لأن نفسه رادعاً من تقوى الله، ولا جوراً من مشرك لعدم احتمال توليته أمور المسلمين لأن الله لا يجيز ذلك اللهم إلا إذا كان ذلك خارج نطاق إرادتهم وهنا ينتفي الشرط من أساسه.

ولكن الإمام يخاف من المشرك المقنع بقناع الإسلام. على أنك - أيها الوالي - يجب أن تتذكر دائماً فيما يتصل بعلاقتك برعيتك (أنك فوقهم وولى الأمر فوقك والله فوق من ولاك) فلا تتعد حدودك التي رسمها لك فإن الخليفة فوقك يحاسبك على ذلك حساباً عسيراً والله فوق من ولاك يحاسبه ويحاسبك على السواء.

وبما أنك بحكم مركزك عرضة للزهو والكبرياء (فإذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم الله فرقك. لأن ذلك يريك صغر نفسك وضآلة شأنك وحقارة سلطانك فيكبح جماحك ويستثير التواضع فيك ويدفعك على تحرى الصواب في أحكامك.

(واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤنات عنهم وترك استكراهه إياهم ما ليس قبلهم) ذلك لأن هذا التصرف يجعل الرعية تشعر بأن الوالي منها وإليها، وأنه ساهر على خدمتها بجميع الوسائل المشروعة المتوافرة لديه.


وهذا يؤدى بدوره إلى تعاونها معه في إقامة الحق وإشاعة العدل ومكافحة الرذائل سواء أكان ذلك عن طريق الترفع عن تعاطيها أم بالكشف عمن يتعاطاها لردعه من قبل الحكومة وازدرائه من قبل أفراد الشعب.

ثم يوجه الخليفة انتباه الوالي إلى ظاهرة اجتماعية عامة تتصل بالرعية بمجموعها فيقول: (إن الرعية تفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ... وإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها. فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإن عليك تظهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك... فتغاب عن كل مالا يضح لك).

وفي هذه النقطة بالذات تتضح فروق رئيسية بين فلسفة الإمام في الحكم وبينها عند عمر بن الخطاب.

فقد سار عمر - كما معروف - على قاعدة تختلف هي وما ذكرناه كل الاختلاف. وفي كتب التاريخ الإسلامي من الأمثلة على ذلك الشيء الكثير(1) .

ذكرنا أن الرعية تفرط منهم الزلل كما قال الإمام:

فيجب عليك أيها الوالى مع ذلك أن تعطيهم (من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه).

ولا يستطيع القارئ أن يتصور مقدار الصفح الذي ينبغي للوالي أن يعطيه لرعيته إلا إذا تذكر أن الإنسان محتاج - من وجهة نظر الإمام - إلى عفو الله في جميع الظروف والأحوال ما دام على قيد الحياة.

هذا مع العلم أن الإمام كان المثل الأعلى في إطاعة أوامر الله ونواهيه في قلبه ولسانه ويده في تصرفاته العامة والخاصة مع خصومه وأنصاره على السواء.

____________________

(1) لقد ذكرنا جانبا منها في كتابنا. (على ومناوئوه) الفصل الثالث وطبع بالقاهرة بمطبعة حسان شارع الجيش، ومطبعة دار العلم للطباعة بالسيدة زينب.


إستمع إليه في إحدى وصايا: (اعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا... وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه... فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك.

واعلم - يا بني - إن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفاً ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً).

فالإمام، مع هذه الحالة من الورع ومخافة الله، كان مؤمناً أشد الإيمان وأعمقه بأنه أحوج ما يكون إلى عفو الله ومغفرته.

أما الوالي (أي وال) فهو بحكم كونه دون ورع الإمام بمراحل أحوج إلى عفو الله ومغفرته دون شك. غير أن عفو الله كما هو معلوم له حدود لا يتعداها وعفو الوالي يجب أن يسير ضمن نطاق الإسلام. والغاية المتوخاة من هذا العفو هي التهذيب والتوجيه لا التسيب وفقدان المحاسبة على الموبقات.

لأن فقدان المحاسبة على الموبقات عامل من عوامل انتشارها - وهو أمر يأباه الإسلام. فعفو الوالي يجب أن يكون واسعاً كسعة عفو الله رقيقا لينا كرقته ولينه صارما كلما مس العمل حداً من حدود الله فتجاوزه أو خرج عليه. على أن العفو مع هذا لابد من اللجوء إليه كلما كان ذلك ممكنا. فلا تندمن على عفو.

ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة. لأن النفس البشرية تميل في العادة إلى التربح بين نقيضين كلما عملت عملا بطريقة معينة وكانت النتيجة على خلاف ما كانت تتوخاه.

فإذا صفح الحاكم مثلا عمن ارتكب جرماً يستحق العقاب (لغرض ردعه وتهذيبه عن طريق العفو عنه) وكانت النتيجة تمادى ذلك للشخص في سلوكه الشائن بدلا عن إقلاعه عنه فإن الحاكم يميل في العادة إلى الاستعانة بالشدة في معالجة أمثال تلك الأمور، لا فيما يتصل بذلك الشخص فقط بل فيما يتصل بغيره من الناس.


أي أن الحاكم (بدلا من أن يعتبر تصرف ذلك الشخص خروجاً على قاعدة الصفح في حالة خاصة - ربما تكون شاذة - فيعاقبه إذا عاد إلى تعاطى ذلك العمل في المستقبل محتفظاً بمبدأ الصفح سليماً قابلا للتطبيق على تصرفات الآخرين) يثور على مبدأ الصفح عنه - إذا جاز هذا التعبير. وبالعكس.

قال الإمام: في هذا المعنى من الناحية الأخلاقية العامة (لا يزهدنك في المعروف من لا يشكره لك. فقد يشكرك عليه من لا ينتفع بشيء).

ثم أوصى الوالي بأمور أخرى تتصل بشخصه فقال له: (أطلق عن الناس عقدة كل حقد وارفع عنها سبب كل وتر... ولا تعجلن على تصدق ساع. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في العدل وأجمعها لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة وغن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة).

ذلك لأنه يستحيل على الوالي - من الناحية العملية - أن يرضى في كل تصرف من تصرفاته جميع الأشخاص الذين يعنيهم الأمر من قريب أو بعيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة. أي أن كل تصرف - مهما كان عادلا - يرضى بعض الناس ويسخط بعضاً آخر. فإذا رضى جميع الذين يعنيهم الأمر بذلك التصرف العادل (وهو ما يهدف إليه الإمام) فلا مشكلة هناك.

أما إذا لم يحصل ذلك فإن رضى العامة هو مقياس سلامة التصرف لأن الخاصة من أصحاب المصالح تميل في العادة نحو المحافظة على مصالحها المركزة بشتى الوسائل ومختلف الجهود. فتغضب وتثور وتحتج وتملأ الدنيا ضجيجا وتهديداً ومغالطة وتضليلا إذا ما تعرضت مصالحها للتصدع أو الانهيار.

ثم أيها الوالي إن طبيعة مركزك - من حيث كونك والياً - تستلزم اتصالك بالرعية بصورة مستمرة لتتفقد شئونها (فلا تطوان احتجابك عن الرعية) لأن (الاحتجاب عنهم يقطع عنهم علم ما اجتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم عندهم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل.


وإنما الوالي بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس من الأمور وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب.) أي أن احتجاب الوالي عن الرعية قد يخلق جواً من الريبة والدعاية الكاذبة التي يقوم بها الموتورون والمستهترون وأصحاب المصالح التي زعزع الباطل منها عدل الحاكم. هذا من جهة.

ومن جهة ثانية فإن الاحتجاب قد يشجع الوالي على تعاطى الموبقات وعلى الارتماء بأحضان أصدقاء السوء.

ثم إنك أيها الوالي (أحد رجلين - إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق فقيم احتجابك من واجب تعطيه أو فعل كريم تسديه؟) فلا معنى لاحتجابك عن الرعية إذن ولا لزوم له. بل لابد من العمل على عكسه. (أو إنك مبتل بالمنع. فما أسرع كف الناس عن مساءلتك إذا أيسوا من بذلك.) وبذلك يفسد احتجابك عنهم وينتفي تحقيق ما كنت تصبو إليه. هذا (مع أن كثرة حاجات الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة.) فواجبك إذن يستلزم عم احتجابك عن الناس.

ثم (الصق بأهل الورع والصدق ورضهم على أن لا يطروك في باطل لم تفعله ويبجحوك بباطل لم تفعله.) لأن ذلك يفسد ورعهم ويلوث صدقهم من جهة وبسوقك إلى صحارى الزهو والخيلاء من جهة أخرى.

(ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء - فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الاساءة).

فضع كل شخص في منزلته وصارحه بحقيقة أمره كي تستقيم لك الناس وتعاونك على القضاء على عوامل الفساد والدس والمواربة والتضليل.

(وأكثر من مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس).


فإن العلماء الحكماء ذوو خبرة واسعة وبصيرة نافذة في الأمور، وذوو إخلاص في إسداء النصح للحكام الصالحين.

والقاعدة العامة التي يجب أن يخضع لها سيرك العام هي (في هذا المجال وأمثاله) إن (رضا الناس غاية لا تدرك. فتحر الخير بجهدك ولا قبال بسخط من لا يرضيه الحق).

ثم أوصاه بعدم العطيش والاندفاع ونهاه عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق فقال له: (إياك والدماء وسفكها بغير حلها... ولا عذر لك عند الله وعندي في قتل العمد.

املك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك. واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار.) فلا تتبع (الذنب العقوبة - كما ذكرنا - واجعل بينهما وقتاً للاعتذار) من قبل المذنب، وفترة لتجنب إيقاع العقوبة بشكل أكثر مما يستحقه الجرم في حالة الغضب والاندفاع.

أما القاعدة العامة التي وضعها الإمام في هذا الباب فهي (ينبغي للوالي أن يعمل بخصال ثلاث: تأخير العقوبة منه في سلطان الغضب، والأناة فيما يرتئيه من رأى، وتعجيل مكافأة المحسن بالاحسان. فإن في تأجيل تأخير العقوبة إمكان العفو).

على أن العفو يجب أن يكون في مواضعه ومع أهله. (لأن العفو يفسد من اللئيم بقدر ما يصلح من الكريم).

اللئيم الذي يعتبر العفو عنه تهرباً من إيذائه فيركب رأسه ويسير سادراً في طريق الضلال.

أما الكريم فهو الذي يعتبر العفو عنه وسيلة لزجره وإرشاده فيسير في طريق الهداية متحاشياً تعاطى الموبقات في تصرفاته اللاحقة.


ذلك ما يتعلق بشخصية الوالى وتصرفاته العامة المباشرة وغير المباشرة تجاه الرعية.

أما ما يتصل بحاشيته والمقربين إليه وتصرفاتهم تجاه الناس - فلكل وال حاشية مقربون وذوو قربى يكونون عوناً له أحياناً في إصلاح الأوضاع العامة ووبالا عليه وعلى الناس أحياناً أخرى فقد ذكره الامام بقوله:

(إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة انصاف في معاملة. فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال.

فلا تقطعن لأحد من خاصتك قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤنته على غيرهم).

ثم أوصاه قائلا: (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوى من رعيتك. (وإنصاف الله يتحقق - في هذا الباب - عن طريق السير وفق شريعته السمحاء. وإنصاف الناس يتحقق بواسطة تطبيق تلك الشريعة على الأحكام والمعاملات.

واعمل (أن من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء.) وقديماً قيل:

إلى الماء يسعى من يغص بريقه فقل أين يسعى من يغص بماء!!

(وليكن أبعد رعيتك أطلبهم لمعايب الناس.) لكيلا يتخذ من التحدث المشين عن أعراض الناس وسيلة يتقرب بها منك فيتمادى - بعد ذلك - في غيه مختلقاً المثالب والموبقات وواصماً بها دون حساب. هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: فإن (في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها... كما سلف أن ذكرنا. (إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيراً، ومن شركهم في


الآثام فلا يكونن لك بطانة.) ذلك لأنه ألف - منذ عهدهم - أساليب الجور وأصبحت له منذ ذلك الحين مصالح مركزة وأتباع ومؤيدون في الباطل.

يضاف إلى ذلك أن تصرفاته الشريرة لابد أن تكون قد أزعجت الصالحين من الناس فشجبوها، الأمر الذي يجعله يتحين الفرص للإيقاع بهم.

ففتش عن وزراء صالحين، وأنت واجد منهم خير الخلف له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه أوضارهم وأزاهم وآثامهم.) ولا يخفى عليك أن الوزراء الجدد يختلفون - مع صلاحهم - في نفاذ البصيرة ودقة الملاحظة وفي الإقدام واتباع الحق فليكن (آثرهم عندك أقولهم للحق).

ذلك هو الجانب السياسي من فلسفة الحكم عند الإمام. وقد لخص خطوطه العامة - من الناحية السياسية التي شرحناها والمالية التي سنبحثها في الفصل القابل - بقوله -: (إنه ليس على الإمام إلا ما حصل من أمر ربه: الإبلاغ في الموعظة والاجتهاد في النصيحة والإحياء للسنة وإقامة الحدود على مستحقيها وإصدار السهمان على أهلها.

أيها الناس: (أنا رجل منكم. لي ما لكم وعلى ما عليكم. والحق لا يبطله شيء(1) .

____________________

(1) جميع الفقرات المقتبسة من كلام الإمام - التي ذكرناها في الفصل السابق وفي هذا الفصل والتي سنذكرها في الفصول القابلة - مأخوذة من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد سوف نشير في آخر فصل من فصول هذا الكتاب إلى مواقعها بالضبط ذاكرين اسم المجلد الذي اقتبسناها منه مع رقم صفحته. وغرضنا من ذلك - كما أن ذكرنا - هو تفادى التكرار من جهة وعدم إرباك القارئ باشارات وهوامش كثيرة قد تفسد عليه تسلسل مطالعته.


ثم استخلف أبوبكر عمر فعمل بطريقته، ثم جعلها شورى بين ستة فأفضى الأمر إلى عثمان، فعمل ما أنكرتم منه... ثم حصر و قتل. ثم جئتموني طائعين... وإني حاملكم على منهج نبيكم).

ومنهج نبيهم، الذي يستند إلى القرآن، هو (من الناحية الاقتصادية) المساواة في العطاء بين المسلمين بغض النظر عن جميع الاعتبارات التي تميز العرب المسلمين عن المسلمين غير العرب من جهة، والتي تميز بين العرب أنفسهم - حسب منزلتهم في الجاهلية التي سجبها الاسلام - من جهة أخرى.

ثم التفت الإمام - بعد فراغه من كلمته - يميناً وشمالا وقال:

(ألا لا يقولن رجال منكم غداً (قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار، ركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الرقيقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً) إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي تعلمون) أنى اعتيدت على حقوقهم المشروعة. فلا يتذمر هؤلاء الذين وصلوا إلى ما هم عليه من الناحية المالية بطرق ملتوية - بعد وفاة الرسول - ويقولون:

(حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا) التي اكتسبناها.

تلك الحقوق والامتيازات المالية حتى حصلت على حساب المسلمين، مع ما يرافقها من نفوذ سياسي واجتماعي، وما يتعلق بذلك من صرف لها في غير أوجهها المشروعة.

ولعل السبب الذي دعا الإمام إلى إعلان سياسته الإقتصادية بالشكل الآنف الذكر - بالإضافة إلى مستلزمات الشريعة السمحاء - هو ذلك التفاوت المالي المريع بين المسلمين: أقلية مترفة مرابية لا تتقيد إلا ببعض مظاهر الدين في المواضع التي لا تتضارب هي ومصالحها، وأكثرية معدمة يبيت أغلبها على الطوى. في حين


أنهم جميعاً (عباد الله والمال مال الله يقسم بينهم بالسوية، لاقضل لأحد على أحد).

ذكر الإمام ذلك كله على مرأى ومسمع ممن حضر الاجتماع - من المهاجرين والأنصار، وأهل السابقة في الإسلام. فاختلفت مواقفهم منه باختلاف مصالحهم، فارتاع ذووا المصالح المركزة وأسروا في أنفسهم الإمتعاض، والحقد، لعلمهم أن ابن أبي طالب يعني ما يقول: وأنه ينجزو عده مهما كلف الأمر من مشقة وتضحية:

ثم التفت إلى السامعين وقال:

(وإذا كان غد إن شاء الله فاغدوا علينا فإن عندنا ما لا نقسمه بينكم، ولا يتخلفن أحد منكم - عربي ولا عجمي - كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر).

وغرضه من هذا بالطبع هو أن يريهم عدله، من الناحية العملية الواقعية، ليكيفوا سلوكهم وفق ذلك في المستقبل.

فلما كان من الغد غدا على وغدا الناس لقبض المال. فأمر على كاتبه (عبد الله ابن أبي رافع) أن: (ابدأ بالمهاجرين فنادهم وأهط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير).

لله أنت يا ابن أبي طالب!! تأمر كاتبك أن يدفع ثلاثة دنانير لطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام - وهو هم على شاكلتهما ممن اعتاد في زمن عثمان خاصة - أن يأخذ من بيت المال مبالغ ضخمة لا يكاد العقل أن يصدقها.

فلا عجب إذن أن امتعض هؤلاء السادة وحقدوا على الذي ساواهم في العطاء مع مواليهم، ومع من هم دونهم في الأحساب - بمقابيس الجاهلية - من المسلمين.

وإذا نظرنا إلى موضوع المساواة في العطاء من زاوية أخرى أمكننا أن تقول إنه يتضمن أكثر من مجرد حرمان أصحاب الإمتيازات المالية من امتيازاتهم المادية


الفصل الثالث

الجانب المالي

ذكرنا في (الفصل الأول) أن فلسفة الحكم عند الإمام فلسفة أخلاقية جوهريا، وأن الجانب المالي منها (وهو موضوع هذا الفصل) ما هو إلا تطبيق للمثل الأخلاقية العليا عند الامام في مجال الثروة والخدمات الاجتماعية، وما يتعلق بذلك من صلات إجتماعية في شتى ميادين الحياة.

وللناحية الأخلاقية، في فلسفة الحكم عند الامام، أهمية خالدة تتخطى حدود الزمان والمكان. ويتجلى أثرها إذا تذكرنا أن السياسة (من حيث هي نظرية في الحكم وأسلوب في العمل) تقترن - في العادة - عند كثير من الناس ببعدها عن المستويات الأخلاقية الرفيعة، وباستنادها إلى المداهنة والمراوغة، أو على الدس والتضليل أو الانتهازية والوصولية - كما هو معروف. ويصدق الشيء نفسه على الاقتصاد في نواحيه النظرية والعملية على السواء.

وقد شذ عن ذلك علي بن أبي طالب في فلسفته الاقتصادية كما سنشرحها، وفي فلسفته السياسية التي شرحناها.

وقد لخص الإمام الجانب الاقتصادي في فلسفته في الحكم في يوم السبت لاحدى عشر ليلة يقين من ذي الحجة سنة 35 هـ، وهو اليوم الذي تلا اليوم الذي بويع فيه خليفة للمسلمين، حين قال:

(أما بعد: فإنه لما قبض رسول الله استخلف الناس أبابكر.


ذلك لأنه يمتد إلى مراكزهم الإجتماعية فيضعضعها. وينعكس الأمر عند طبقة العامة.

ولعل الحرمان المادي لم يثرا متعاض ذوى المصالح ولم يثر أحقادهم (نظراً للإثراء الفاحش الذي كانوا يتمتعون به) بمقدار ما أثار تطبيق مبدأ المساواة نفسه في التقسيم ذلك الامتعاض وهذا الحقد.

فقد عومل أولئك السادة كما يعامل غيرهم من المسلمين، وفي هذا ما فيه (بنظرهم ونظر كثير من الناس) من تصديع لهيبتهم وخدش لكرامتهم.

على أن الأمر لم يقف عند هؤلاء وحدهم لأن مبدأ المساواة قد شمل الأنصار كذلك، فلم يصبح هناك فضل لأحد على أحد.

ولهذا نجد علياً بعد أن فرغ من المهاجرين يخاطب عبد الله بن أبي رافع، كاتبه، على مرأى ومسمع من الناس بقوله:

(ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك) أي أعط كلا منهم ثلاثة دنانير:

قلة في العطاء لم يألفوها منذ وفاة النبي، وضعضعة في النفوذ والجاه.

ثم انتقل الخليفة إلى موضوع المسلمين من غير العرب فقال لكاتبه:

(ومن حضر من الناس كلهم - الأحمر والأسود - فاصنع به مثل ذلك).

إعط ثلاثة دنانير لكل مسلم بغض النظر عن الجنس والمركز الاجتماعي وما شاكلهما من الاعتبارات الجاهلية التي مسخها الإسلام. فارتاع أصحاب المصالح المركزة (كما ذكرنا) وفرح بذلك أغلب المسلمين.

ومن الطريف أن نذكر في هذه المناسبة أن سهل بن حنيف (الصحابي الجليل المعروف) جاء مع المسلمين لتسلم حصته من المال (وجاء معه غلام له كان قد أعتقه في يوم القسمة، فقال للإمام: يا أمير المؤمنين هذا غلامي بالأمس وقد أعتقته


اليوم. فقال علي: نعطيه كما نعطيك. وأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير ولم يفضل أحداً على أحد).

ومما يروى في هذا المجال أن طلحة والزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم (ومن هم على شاكلتهم من أصحاب المصالح المركزة) قد امتنعوا عن تسلم الدنانير الثلاثة التي فرضها لهم الإمام. (فعلوا ذلك بالطبع لعدم حاجتهم إليها أولا، ولأن ذلك يجرح كرامتهم ثانياً). فاجتمع هؤلاء في ناحية من المسجد - على مرأى من الإمام - وتحدثوا نجياً مدة من الزمان، ثم أرسلوا الوليد بن عقبة بن أبي معيط ليعاتب الإمام على تصرفه في التقسيم. فجاء الوليد وشرح للخليفة وجهة نظر القوم، وبين له سابقة بعضهم في الإسلام وما كانوا يمتازون به من العطاء في عهد عمر وعثمان، وناشده الرأفة بهم وبأحسابهم العربية الأصيلة...

وبعد أن انتهى ابن أبي معيط من حديثه مع الخليفة ارتقى على منبر النبي وخاطب الحاضرين:

أما بعد: فأفضل الناس عند الله منزلة وأقربهم من الله وسيلة، أطوعهم لأمره وأعملهم بطاعته وأتبعهم لسنته وأحياهم لكتابه. ليس لأحد عندنا فضل إلا بإطاعة الله وإطاعة رسوله).

فأسقط في أيدي القوم وتأكدوا أن ابن أبي طالب لا يحيد عن تطبيق خطته التي رسمها له القرآن وسار رسول الله وفق مستلزماتها. فأسر بعضهم في نفسه الشر، ولجأ إلى تدبير المؤامرات وإحداث القلق والفوضي في جسم المجتمع الإسلامي آنذاك. فكانت حرب الجمل وصفين والبهروان فالتحكيم فمصرع الإمام كما هو معروف.

الحق إن الخليفة لم يقم بشيء يستوجب تلك الضجة.


إنه سار في التقسيم وفق ما نص عليه القرآن وسار عليه رسول الله. وكان المفروض بطلحة والزبير (بصورة خاصة) أن يكونا عوناً للإمام في ذلك. (فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثرة. وقد فرغ الله من قسمته. فهو مال الله وأنتم عباده).

أمر على جانب كبير من البساطة والوضوح. فالمال لله والمسلمون عباده، والخليفة واسطة لتوزيع المال (بالطريقة التي عينها صاحبه) على عباده - لأن التقسيم على طريقة أخرى خروج على إرادة صاحب المال، وهو أمر يأباه الإمام. (فمن لم يرض به فليقول كيف شاء.) وله كل الحق في ذلك، فإما أن يمتنع عن تسلم العطاء، أو أن يطلب من الإمام عدم التقيد بالقرآن وسنة النبي في هذا الباب. كل ذلك كان بابه مفتوحا أمام الممتعضين.

وهناك، بالإضافة إلى ذلك، باب للشر انفتح أمام على على مصراعيه: هو باب الكيد للخليفة والدس عليه وتأليب البسطاء والحاقدين على الوضع القائم فاتخذ (قميص عثمان) رمزاً لذلك.

وروى أن علياً - بعد أن فرغ من إلقاء كلمته التي ذكرناها - نزل عن المنبر فصلى ركعتين وأمر عمار بن ياسر أن يستدعى طلحة والزبير - وكانا قد انتحيا ناحية من المسجد كما يرأينا - لمواجهته. فقال لهما الإمام:

(نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره لها!؟) قالا نعم. قال: (فما دعاكما بعد إلى ما أرى؟) فقالا إنك استبددت دوننا بالأمر ولم تستشرنا في ما يعرض لك من الأمور، ولم تحفظ لنا مكانتنا الاجتماعية والمالية التي حصلنا عليها في خلافة عمر وابن عفان فخاب ظننا فيك.

فأجاب على: (نقمتما يسيراً وأرجأتما كثيراً). فإذا كانت سياستي في القسمة (التي نص عليها القرآن وسار عليها النبي) لا توافقكما، فإن هناك أموراً أخرى كثيرة في سياستي لا تزعجكما وخاصة في القضايا التي لا تتعلق بمصالحكما:


لقد تناسيتم ذلك كله فامتعضتم من طريقتي في العطاء!! (ألا تخبراني! - أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه!) لكي أرتدع عن ذلك - في حالة حدوثه - لتعيدا النظر في موقفكما الذي يخالف نص القرآن وسيرة النبي. (افوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين فجهلته أوضعفت عنه؟) لكي استشير كما أو أستشير غيركما من ذوى السابقة في الإسلام فأستعين بهم على تفهمه في حالة الجهل به، أو على تنفيذه في حالة ضعفي عن القيام بما يستلزمه إنجازه من متاعب وصعوبات؟ وإذا لم يحصل شيء من هذا القبيل أيجيز الإسلام لكما أن تقفا مني هذا الموقف الغليظ؟ وأنا سائر على نهج الإسلام القويم. أسوق الناس مساقاً واحداً، ولا أرفع ولا أضع إلا وفق نصوص القرآن والسيرة المحمدية؟

فقال طلحة والزبير: معاذ الله أن يحصل جهلك بنصوص القرآن أو سنة النبي. أو أن يحدث ضعفك في وضع الأمور الاسلامية العليا في أماكنها المشروعة - وأنت من نعرف من العلم والاستقامة والحزم.

فقال على: (فما الذي كرهتماه من أمري حتى رأيتما خلافى؟) بينا ذلك لي وتدوالا معي. فإن كان رأيكما وجيهاً - من الناحية الاسلامية - كيفت سلوكي وفقاً له، وإن لم يكن كذلك وجب عليكما - إن كنتما مسلمين حقاً - الإقلاع عن منابذتي ومحاولة صدى عن تطبيق مبادئ الدين الحنيف.

إني أتوقع منكما أكثر من ذلك - أكثر من عدم معارضتي - وهو الجانب السلبي من الوقوف من سياستي. إنني أتوقع أن تكونا لي عوناً في تنفيذ تلك السياسة والحد من نشاط من يحاول عرقلتها - هذا إذا كنتما جادين في اعتناق الاسلام واتباع أوامره ونواهيه.

فتململ الرجلان ووجما فترة من الزمن كأن على رؤوسهما الطير. ثم قالا في صوت واحد:

إننا ننقم عليك اختلافك عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في القسمة.


فقد حطمت آمالنا وأهنت عزتنا وجرحت كرامتنا بمساواتنا بالدهماء والرعاع من العرب والعجم.

فارتاع الامام وغضب لله أشد الغضب. ولكنه كعادته كظم غيظه وضغط على أعصابه التي عودها على ذلك في أمثال تلك الأمور (وما أكثرها في حياته).

ثم قال بكل هدوء ورقة مشيراً إلى موقفه وموقفهما من بيعته وزعمهما أنه لم يستشرهما في تنفيذ سياسته العامة:

(فأما ما ذكرتما من استشارة فو الله ما كان لي في الولاية رغبة، ولكنكم دعوتموني إليها وجعلتموني عليها فخفت أن أردكم فتختلف الأمة).

وموقفكما من عثمان - الذي تساهل معكما في العطاء إلى درجة الافراط - معروف فلقد ألبتما الناس عليه حتى لقي حتفه، وبقي المسلمون بعد ذلك دون خليفة زمني يصرف شؤونهم. ومن ثمة انثال الناس على من كان جانب، وأنتما في المقدمة، مع علمكما برأيي في السياسة والاقتصاد. (فلما أفضت الخلافة إلى نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما دلني عليه واتبعته. ولم أحتج إلى رأيكما فيه ولا رأى غيركما ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه.) ولعلى، في المستقبل ن واجد شيئاً من هذا القبيل، فأنتما عندئذ من أولى الناس بالاستشارة.

أما الآن (ولم يحدث ما يستلزم الاستشارة) أو الاستعانة لفهم حكم من الأحكام أو لتنفيذه فلا مبرر لهذا الامتعاض وهذه الضجة الفارغة المفتعلة.

وأما القسم والأسوة فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء. قد وجدت أنا وأنتما رسول الله يحكم بذلك، وكتاب الله ناطق به.) فليس هناك وجه للاعتراض.

وإنني لم أضع التشريع المذكور ولم أكن البادئ بتطبيقه - فقد وضعه الله


وطبقه رسوله، وأنتما تعرفان ذلك كما أعرفه. فإذا كان لكما اعتراض فليوجه إلى الله عن طريق نقد شريعته، أو إلى رسول الله عن طريق نقد سيرته. فإذا حصل ذلك كان موقفكما صريحاً وجريئاً، ويكون للخليفة عندئذ معكما شأن آخر.

أما إنكما تتظاهران بالموافقة على المبدأ النظرى كما جاء في القرآن، وبالاستسلام لتطبيقه في عهد النبي، وتنقمان على في الوقت نفسه سيرى في ذلك الاتجاه فأمر لا يقره العقل ولا ترتضيه الشريعة ولا يتفق مع الانصاف والمروءة.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول أن المبدأ العام لفلسفة الامام في الحكم (من الناحية الاقتصادية) هو المساواة بين المسلمين في العطاء من بيت المال.

والسبب الذي دعا الإمام إلى اتباع مبدأ المساواة في التقسيم هو، كما ذكرنا، نص القرآن وسيرة النبي.

وقد سار الإمام على ذلك بـ كل صراحة وحزم على الرغم من عتاب العاتبين وتذمر المتذمرين وحقد الحاقدين من ذوي المصالح المركزة. وكان الإمام في ذلك كله عادلا إلى أقصى حدود العدل فلا غرو أن خاطب الحاقدين وذوي النفوس المريضة بمرض الجاهلية الخبيث فقال:

(أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه!! والله لا أطور به ما سمر سمير -... ولو كان المال مالي لسويت بينكم، فكيف وإنما المال مال الله!! إن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله، أما إذا كانت المطالبة (بتغيير سياسة الإمام) مبنية على الدعوة إلى إحداث تغيير في أسس التشريع الذي جاء به الإسلام فذلك أمر آخر.

غير أن المتذمرين لم يطلبوا ذلك، وإنما دعوا الإمام إلى الخروج عليه من الناحية العملية. وسبب ذلك واضح وبسيط: هو أن تلك المطالبة تخرجهم - عند


الناس - من حضيرة الإسلام لذلك فقد صمتوا عن نص القرآن واكتفوا بمطالبة الخليفة بمخالفة ذلك النص.

وعندي لو أن الخليفة انصاع لما أرادوه وخالف القرآن والسيرة النبوية لما رضى عنه أولئك المتذمرون الحاقدون - بل لاتخذوا (على العكس من ذلك) خروجه على القرآن والسنة وسيلة جديدة من وسائل التأليب عليه.

لقد مر بغا القول أن الإمام سار في سياسته العامة، من الناحية الاقتصادية، على مبدأ المساواة في التقسيم بين بين المسلمين جميعاً بما فيهم الخليفة نفسه وخاصة أهله وذوو قرباه. وقد فعل ذلك كله ليقيم العدل بين الناس.

قال عبد الله ابن عباس: دخلت على على بذى قار (وهو يخصف نعله) فقال لي ما قيمة هذه النمل؟ فقلت لا قيمة لها. فقال والله لهي أحب إلى من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً.

وذكر الشعبي: (قال دخلت الرحبة بالكوفة - وأنا غلام - فإذا أنا بعلى قائماً على صبرتين مر فضة وذهب - ومعه مخفقة - وهو يطرد الناس بمخفقته ثم يرجع إلى المال فيقسمه حتى لم يبق منه شيء. ثم انصرف ولم يحمل معه إلى بيته قليلا ولا كثيراً.

ورجعت إلى أبى فقلت له: لقد رأيت اليوم خير الناس (أو أحمق الناس).

قال: من هو يا نبي؟ قلت علي بن أبي طالب. رأيته يصنع كذا - فقصصت عليه. فبكى وقال يا بني بل رأيت خير الناس.

وروى محمد بن فضيل عن هارون بن عنترة عن زادان قال انطلقت (مع قنبر غلام علي) فإذا هو يقول: قم يا أمير المؤمنين فقد خبأت لك خبيئة! قال وما هو ريحك؟ قال قم معي.


فقال وانطلق به غلى بيته وإذا بغرارة مملوءة جا مات ذهباً وفضة، فقال يا أمير المؤمنين رأيتك لا تترك شيئاً غلا قسمته. فادخرت لك هذا من بيت المال، فقال على: ريحك يا قنبر! لقد أحببت أن تدخل بيتي ناراً عظيمة. ثم سل سيفه وضرب ضربات كثيرة فانتثرت: من بين إناء مقطوع نصفه وآخر ثلثه ونحو ذلك، ثم دعا الناس فقال: اقسموه بالحصص، ثم قام إلى بيت المال فقسم ما وجد فيه...

وروى مجمع التميمي قال: كان على يكنس بيت المال كل جمعة ويصلى فيه ركعتين...

وروى هرون بن سعيد قال: قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلى:

يا أمير المؤمنون لو أمرت لي بمعونة أو نفقة! فو الله مالي نفقة إلا أن أبيع دابتي. فقال على لا والله ما أجد شيئاً إلا أن تأمر عمك فيسرق فيعطيك(1) .

____________________

(1) وتتجلى روعة موقف الإمام - في هذه القضية - إذا وازناه بموقف عثمان بن عفان من ذوى قرباه في أمثال هذه الأمور أثناء خلافته آخذين بنظر الاعتبار أن عبد الله - المار ذكره - هو ربيب على وزوج ابنته وابن أخيه جعفر بن أبي طالب الذي كناه رسول الله بأبي المساكين لما رآه من عطفه عليهم واتصاله بهم.

وفي معرض التحدث عن حب رسول الله جعفراً - وجهاده في سبيل الإسلام - يقول الأصبهاني في مقاتل الطالبيين. (ص 11): (لما فتح النبي خيبر قدم جعفر من الحبشة فالتزمه رسول الله وجعل يقبل يبن عينيه ويقول: ما أدرى بأيهما أنا أشد فرحا!! بقدوم جعفر! أم بفتح خيبر!...

ولما قدم جعفر من أرض الحبشة بعثه رسول الله إلى مؤته... لسنة ثمان من الهجرة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيذ فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس. (وقد قتل جعفر آنذاك كما هو معروف. أقول نتجلى روعة موقف الإمام في هذه القضية إذا وازناه بموقف عثمان بن عفان - أثناء خلافته - من دوى قرباه في أمثال هذه الأمور. فقد أغدق عثمان العطايا غير المشروعة إلى الاسراف على ذوى قرباه، مع مواقفهم الخشنة من الاسلام ومن رسول الله وامتنع على بإحجام عن =


وروى إسحق الهمداني أن امرأتين أتيا علياً: إحداهما من العرب والأخرى من الموالي - فسألتاه: فدفع إليهما دراهم وطعاما بالسواء. فقالت إحداهما إني امرأة من العرب والأخرى من العجم.

فقال إني والله لا أرى لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحق...

وروى علي بن يوسف المدائني أن طائفة من أصحاب على مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين إعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم واستمل من تخاف خلافه من الناس وفراره - وإنما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال. فقال لهم: أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور!! لا والله لا أفعل ذلك ما طلعت شمس وما لاح في السماء نجم. والله لو كان المال مالي لو اسيت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم!!(1) ).

يتضح مما ذكرنا أحد الجوانب العامة لفلسفة الحكم عند الإمام من الناحية الاقتصادية. وكتب التاريخ الإسلامي والأدب العربي طافحة بأمثلة من جنس ما رويناه.

وبما أن دراستنا منصبة من حيث الأساس (في الفصول الثلاثة الأولى من هذه الدراسة) كما ذكرنا في المقدمة، على نهج البلاغة، فقد اكتفينا بذكر طائفة من الأمثلة التي وردت في الكتاب المذكور. وباستطاعة الذين يريدون المزيد من ذلك استشارة أمهات كتب التاريخ والأدب.

فالأمثلة على ذلك تنطق جميعها بأن الإمام حرم على نفسه (وعلى أو فرد من أفراد

____________________

= تلبية أبسط الطلبات لمن هم على شاكلة نجل من كان سرور النبي بعودته من الحبشة (التي هاجر إليها في سبيل الاسلام) لا يقل عن سررره بفتح خيبر وما نتج عنه من نتائج بعهدة المدى في النصر المؤزر لرسول الله على المشركين.

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، المجلد الأول ص 181 - 182.


المسلمين) الاستئثار بدرهم واحد من أموال المسلمين - وكان باستطاعته (لو أراد) أن يستأثر بالمال والجاه والنفوذ كما فعل غيره. (ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة. ولعل بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع. أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثي وأكباد حرى!! وأكون كما قال القائل:

وحسبك عاراً أن تبيت ببطنة

وحولك أكباد تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر!! أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش! فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها).

لقد كان الإمام سائراً على ذلك المنوال (المساواة في العطاء) تجاه المسلمين وتجاه نفسه وذوى قرباه كما رأينا، وكان يهدف من وراء ذلك إلى تحقيق أمرين: تطبيق مبادئ الدين على شئون الحياة تطبيقاً تاماً عادلا، وتشجيع المسلمين على الاقتداء به على قدر ما يستطيعون. لأن: (لكل مأموم إماما يقتدى به... ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك: ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد).

وكان على يقول وهو يروى قصة أخيه عقيل: (لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً أو أجر في الأغلال مصفداً أحب إلى من أن ألقى الله ورسوله، يوم القيامة ظالماً لبعض عباده وغاصباً لشيء من الحطام.

وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها!!


والله لقد جاءني عقيل(1) وقد أملق حتى استماحتى من بركم صاعا. ورأيت صببانه شعث الشعور غير الألوان: عاودني مردداً وكرر على القول مؤكداً - فأصغيت إليه - سمعي، فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقاً طريقتي. فأحميت له حديدة ثم أذيتها من جسمه ليعتبر بها. فضج ضجيج ذي دنف من ألمها وكاد يحترق من مسها.

فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل!! تئن من حديدة حماها إنسانها للعبه!! وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه(1) ).

ومن طريف ما يروى عن عقيل بن أبي طالب (من جنس ما ذكرناه) ما كتبه ابن الأثير (أسد الغابة ج 4 ص 423 - 425) وملخصه: أن عقيلا (لزمه دين فقدم على على بن أبي طالب في الكوفة - أثناء خلافته - فأمر على ابنه الحسن فكساه. فلما أمسى دعا على بعشائه فإذا خبز وملح وبقل...

____________________

(1) كان لأبي طالب أربعة أولاد: طالب وعقيل وجعفر وعلى. وكان أبو طالب يحب عقيلا أكثى من سائر بنيه، لذلك قال للنبي وللعباس - حين أتياة ليقتسما بنيه في عام المحل فيخففا عنه ثقلهم - دعوا إلى عقيلا وخذوا من شئتم. فأخذ العباس جعفراً وأخذ النبي علياً. وكان عقيل يكنى أبا يزيد. قال رسول الله يا أبا يزيد إني أحبك حبين: حباً لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حب عمى إياك. أقبل عقيل مسلماً مهاجراً قبل الحديبية وشهد غزاة مؤنة مع أخيه جعفر، وتوفى أثناء حكم معاوية في سنة 50 هـ. ولم يشهد مع أخيه على شيئاً من حروبه أيام خلافته، وعرض نفسه وولده عليه فأعفاه. وكان أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله فيصلى عليها وبجتمع إليه الناس في علم النسب وأيام العرب، وكان حينئذ ذهب بصره وكان أسرع الناس جواباً وأشدهم عارضة. قال معاوية لعقيل: يا أبا يزيد أين يكون عمك أبو لهب اليوم؟ قال إذا دخلت جهنم فاطلبه تجده مضاجعاً لعمتك أم جميل بنت حرب بن أمية. وكان في قريش أربعة يتحاكم إليهم في علم الأنساب وفي أيام العرب وهم: عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل الزهري وأبو الجهم ابن حذيفة العدوى وحو يطب بن عبد العزى العامري.


فقال عقيل: فتقضى ديني؟؟ قال قال وكم دينك؟ قال أربعون ألفاً. قال ماهي عندى ولكن إصبر حتى يخرج عطائي فإنه أربعة آلاف فأدفعه إليك.

فقال له عقيل بيوت المال بيدك وأنت تسوقنى بعطائك؟ فقال أتأمرني أن أدفع إليك أموال المسلمين وقد ائتمنوني عليها؟

قال فإني آت معاوية. فأذن له. فأتى معاوية فقال له (معاوية) يا عقيل كيف تركت علياً وأصحابه؟ قال: كأنهم أصحاب محمد إلا إني لم أر رسول الله فيهم. وكأنك وأصحابك أبو سفيان وأصحابه إلا إني لم أر أبا سفيان فيكم).

ذلك ما يتصل بفلسفة الحكم عند الإمام من الناحية الاقتصادية بقدر ما يتعلق الأمر بالعطاء.

أما ما يتعلق بصلة الإمام بموظفى الدولة، وصلة الحكومة بالشعب - من الناحية الاقتصادية - فهو ما سنبحثه في الفقرات التالية:

تتكون الرعية بنظر الإمام من طبقات يعتمد بعضها على بعض (ولا يصلح بعضها إلا ببعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب الخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوى الحاجات والمسكنة.) فليس المجتمع (بنظره) مكونا من طبقتين: مستغلة (بكسر الغين) ومستغلة (بفتحها) كما ذهب إلى ذهب بعض المفكرين الحديثين. بل هو مكون، في زمنه على كل حال، من الطبقات الكثيرة التي ذكرناها.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن المجتمع (بطبقاته المذكورة) ليس متنافراً بطبيعته - إذا ساد العدل بين أبنائه - وإنما هو متعاون ومتضامن. وقد ذكر على هذا المعنى (من الناحية السياسية العامة) مخاطباً رعيته - كما سلف أن ذكرنا - حين قال:


(أما بعد: فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم: ولكم على من الحق مثل الذي لي عليكم. والحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقا في التناصف. لا يجرى لأحد إلا جرى عليه. ولا يجري عليه إلا جرى له.. ثم جعل الله من حقوقه حقوقاً لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضاً ولا يستوجب بعضها إلا ببعض.

وأعظم ما افترض الله من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي... فليست تصلح الرعية إلا بصلاح ولاتها ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية. فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إلى الرعية حقها عز الحق بينهم وإذا غلبت الرعية واليها أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور... فليس أحد وإن اشتد على رضي الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة. ولكن من أوجب حقوق الله على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون في إقامة الحق بينهم.

وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته... بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه. ولا امرؤ وإن حقرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه).

يتضح من العبارة السالفة الذكر الأساس الذي يجب أن ترتكز عليه صلة الحكومة بالشعب وواجبات كل منهما تجاه الآخر. فللحكومة على الشعب حقوق معينة في المقدار وفي النوع. ولأفراد الشعب على بعضهم وعلى الحكومة مثل ذلك.

على أن تعيين حقوق أفراد الشعب على بعضهم، وتعيين حقوق الحكومة على الشعب، وتحقيق ذلك من الناحية العملية الواقعية لا يتم إلا عن طريق الحكومة نفسها. فنقطة البداية في الإصلاح الاجتماعي الشامل عند الإمام إذن - كما سلف


أن ذكرنا - هي صلاح الحكام. فليست تصلح الرعية على حد قوله إلا بصلاح ولاتها. وصلاح الولاة لا يتحقق - على وجه الأتم - بنظر الأيام (كما ذكرنا) إلا إذا كانوا صالحين، بالمقاييس الإسلامية المعروفة التي نص عليها القرآن وأعلنتها سيرة النبي، في القلب واللسان واليد.

ولا يستطيع الحاكم - كما هو معروف - أن يسير وفق ما ذكرناه إلا إذا ارتفعت الرعية في سلوكها - عقيدة وقولا وفعلا - من حضيض العنعنات الجاهلية والمصالح الفردية الضيقة إلى المستويات الرفيعة التي جاء بها الإسلام. ولهذا قال الإمام (ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية) أي أن الولاة لا يستطيعون أن يستجيبوا للعدل الاجتماعي من حيث تطبيقه على الناس إلا إذا استجاب الرعية إلى ذلك فيما يتصل بما لها وما عليها.

على أن سلوك الرعية - بمظاهره الثلاثة - أو بأحدها - إذا كان ملوثاً (نتيجة تعرض الرعية لفترة من الحكم غير المستقيم في السابق) فغن تلك الرعية تعمل بدورها على تلويث سلوك حكامها. وقد تنجح محاولتها تلك (إذا صادفت هوى في الفؤاد) كما يقول المتنبي.

وقد جرت تلك المحاولة عبثا في عهد الامام. فأشار إلى ذلك بقوله:

(إني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم. ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي). يصلحكم أي يجعلكم أقل تمرداً على النظام. ولا يتم هذا إلا إذا روعيت مصالحهم الخاصة على حساب الدين.

ولو أن الإمام (أصلحهم) بتلك الطريقة لما حصل هذا البون الشاسع بينه وبين مناوئيه ولما أصبح من الفضيلة إنسان عينها أو عين إنسانها كما ذكرنا. فليس أمره وأمرهم واحداً. (إني أريدكم لله وتريدوني لأنفسكم).


أيها الناس (أعينوني على أنفسكم. وأيم الحق لانصفن المظلوم من ظلله ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً).

فلا تصلح الولاة إذن إلا باستقامة الرعية. فإذا استقامت الرعية، في القلب واللسان واليد، للحاكم الصالح وانصاعت لأوامره ونواهيه العادلة سار المجتمع في طريق التقدم والفلاح من الناحيتين المادية والفكرية. وإذا غلبت الرعية وإليها، أي إذا ترمدت على القانون العادل (في تطبيقه عليها خاصة) وسدرت في طريق الغواية والضلال أو إذا تنكر الحاكم لمبادئه الإنسانية و (أجحف برعيته) ساد الشقاق في المجتمع (وظهرت معالم الجور).

فالتعاون بين الحاكم والمحكوم إذن في نشر العدل وإشاعة الأمن والطمأنينة بين الناس، دون تمييز من أي نوع كان، ضروري لاستدامة الحياة من هذه الناحية. والحاكم (مهما سمت منزلته المادية والمعنوية) محتاج لكي يحقق ما ذكرناه إلى معاونة أبسط فرد من رعاياه. والعكس صحيح بالطبع.

ويجري مجرى ما ذكرناه قوله:

ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء. فلا تثنوا على بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وغليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرص عليه كان العمل بهما أثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل. فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك في فعلي).

إن في هذه العبارة جملة أمور تسترعى انتباه الباحثين - أهمها أن الإمام (رغم انصرافه الكلي إلى تطبيق مبادئ الحق والعدالة الاجتماعية بين الناس (يعلن -


وهو على حق - أن هناك حقوقاً أخرى وفرائض سياسية واجتماعية واقتصادية في بعض نواحي الحياة آنذاك قد حال بينه وبين تحقيقها - مؤقتاً - انشغاله بتحقيق أمور من نوعها استلزمتها الظروف العامة كما قدرها.

ومع ذلك فالامام يحث رعيته على تنبيهه بصورة مستمرة إلى الأمور التي يرون أن الخليفة ملزم - بحكم القرآن والسنة المحمديه - بتنفيذها من الناحية الشرعية في مختلف مجالات الحياة. كما أنه يطلب إليهم أن لا يظنوا أنه يمتعض من ذلك التنبيه لأن من يمتعض من سماع قول الحق فهو من فعل الحق أكثر امتعاضاً.

وقد حل الإمام من الفضيلة في ذؤايتها حين قال - وهو الواثق من تصرفاته:

إن الإنسان الذي هو بمنزلته ربما ساقه اجتهاده إلى رأى لم تساعده الظروف والملابسات إلى التوصل إلى أحسن منه في القول وفي العمل ولهذا فهو يحتاج إلى التنبيه المستمر من جانب الرعية.

فكل فرد من أفراد المجتمع إذن قد سمى الله له سهمه، ووضع على حده وفريضته في كتابه وسنة نبيه.) أي إن لكل صنف من أصناف المن في المجتمع سهماً مالياً يتناسب مع طبيعة عمله نص عليه الله في كتابه. فإذا فهم ذلك وأعطى الناس حقوقهم كما هي كاملة غير منقوصة ساد العدل المجتمع وانتشر بين أبنائه النظام والتعاون. وإذا حدث العكس شاع التذمر وسادت الفوضى وتزعزع النظام (فالجنود - بإذن الله حصن الرعية وسبل الأمن. ثم لاقوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج. ثم لاقوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب، ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوى الصناعات... ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم).

(أما الخراج فتفقد أمره بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لسواهم. ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم. لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله).


ولما كانت الأرض هي المصدر الوحيد للإنتاج آنذاك فلا غرو أن تعهدها الخليفة بعطفه ورعايته.

(ولكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج. لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أرمه إلا قليلا.) ولا تتم عمارة الأرض إلا بالعناية بالفلاحين وسد حاجاتهم الزراعية وفي مقدمتها العناية بالري. (فإن شكا الفلاحون ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤنة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك).

والعناية بالفلاح - كما لاحظنا - لا تتم عن طريق تخفيف ما يدفعه للحكومة من عوائد فقط، أو إعفائه عن ذلك، بل تم أحياناً عن طريق مد الحكومة يد المساعدة له بالمقدار الذي يحتاج إليه من المال، وبالشكل الذي يستلزمه وضعه الاقتصادي والزراعي. على أن ثمرة ذلك كله تعود - في المدى البعيد - على الحكومة وعلى للشعب بالنفع العميم. (فلا يثقلن عليك - أيها الحاكم - شيء خففت به المؤنة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك).

ثم أوصاه بالتجار وذوى الصناعات القريبين منهم والبعيدين على السواء. أي الذين يتعاطون أعمالهم التجارية في دار الخلافة - وهم القريبون منه - أو خارجها في الأطراف.

وقد نص الإمام على البعيدين لعلمه أن الحكومة تميل في العادة إلى العناية بشكان العاصمة أكثر من العناية بسكان الأطراف أحياناً، وعلى حصابهم أحياناً أخرى.

هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن التجار وذوى الصناعات التريبين منهم يكونون أكثر خوفاً من الحكومة - إلا إذا سندهم المتنفذون من رجال الحكومة لسبب


من الأسباب - وأكثر تعرضاً لمراقبتها وعقابها من البعيدين - اللهم إلا إذا سندهم المتهنفذون من رجال الحكم لسبب من الأسباب وهو ما لا ينبغي أن يحدث من وجهة نظر الإمام كما رأينا.

ولكي يتحقق العدل الاجتماعي على مقياسه الكبير - بنظر الإمام - يجب أن يشمل في هذه القضية مراقبة التجار وذوى المهن في شتى أرجاء العالم الإسلامي آنذاك.

ثم قال له واعلم مع هذا (أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات - وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة. وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالطرفين من البائع والمبتاع).

أي أن الضيق الفاحش والشح القبيح واحتكار المنافع والتحكم في البياعات توجد في بعض التجار وذوى الصناعات لا فيهم كلهم. وسبب ذلك راجع دون شك إلى تقصير الحكومة عن أداء واجبها في هذا الشأن في الماضي القريب والبعيد. هذا مع العلم أن ذلك الضيق الفاحش والشح القبيح إلخ... يظهر في الأسعار أحياناً كما يظهر في المكاييل أحياناً ثانية وفيهما أحياناً ثالثة. وفي هذا ما فيه من ضرر للمستهلك وخاصة طبقة العامة من ذوى الدخل الضئيل.

هذا بالإضافة إلى كونه مظهراً من مظاهر فساد الحكم - وهو أمر يتنافى مع مبادئ الحكم السليم. فيجب إذن أن تراقب الحكومة النجار وذوى الصناعات - القريبين منهم والبعيدين - من حيث الأسعار ومن حيث الأوزان ولتضع ذلك كله بشكل لا يجحف بأي فريق من الفرقاء الذين يعنيهم الأمر.

ولا يتم تحقيق ذلك إلا إذا أعلن ذلك للناس ومن ثم روقبوا. فإذا خالف بعضهم ذلك تحتم تطبيق القانون عليه وعقابه من غير إسراف.


وهذا يعني أن يأخذ المخالف عقوبة تتفق هي ونوع مخالفته، لا أن يشبع الحاكم عاطفة الغضب عنده فيأخذ الناس بالأحقاد والضغينة، وهو أمر نهى الإمام عنه كما سلف أن ذكرنا.

على أن العقوبة التي تناسبب المخالفة يجب أن لا تأخذ بحراها إلا بعد أن يثبتها التحقيق النزيه.

(ثم الله الله في الطبقه السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين. اجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد. فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى... ولا يشغلنك عنهم بطر.) لأنهم أحوج إليك من غيرهم.

(فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم) لأن ذلك يعمل على تشجيعهم على مقابلتك والاتصال بل للتداول معك في حاجاتهم ومشاكلهم.

(وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال) لأن فيهم من العقد النفسية ما يمنعهم من الوصول إليك. (ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع. ليرفع إليك أمورهم). لأنهم كثيرون وليس من السهل عليك تفقد أحوالهم بنفسك مع ما لديك من مشاغل كثيرة تتصل بهم وبغيرهم من الرعية. فأوكل أمرهم (لأهل الخشية والتواضع) ممن تعتمد عليهم وتثق بإخلاصهم وصدقهم، أما خشيتهم وتواضعهم فيعملان على جعلهم يخفضون (لأولئك المساكين) جناح الرحمة والشفقة، ويجعل أولئك المساكين - بدورهم - يطمعون في ذلك فلا يترددون عن التصريح بخوالج النفس ومتاعب الحياة. (فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم). وذلك لضيق ذات يدهم وضآلة مراكزهم الاجتماعية وتفاهة حياتهم بصورة عامة.

ولا تنس أن تتعهد (أهل اليتم وذوى الرقة في السن ممن لا حيلة له.) كل ذلك صعب عليك دون شك (والحق كله ثقيل).


(واجعل لذوى الحاجات منك قسما تفرغ فيه لهم شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما تتواضع فيه لله الذي خلقك.) كي تشجعهم على حضور مجلسك وعرض ظلاماتهم عليك.

ولا تنس أن في حاشيتك وحرسك أحيانا من الغلظة والشدة ما يزم أولئك المحتاجين عنك فاقعد (عنهم جندك وأعوانك من حرسك وشرطك حتى يكلمك مكلمهم غير متعتع). وتذكر أن في بعضهم تردداً وتلكؤاً في الحديث (فاحتمل الخرق منهم والعى ونح عنهم الضيق والأنف).

(وهناك أمور أخرى لا بد لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما يعيي عنه كتابك. ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك. وامض لكل يوم عمله فإن لكل ما فيه... واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت. وأجزل تلك الاقسام - وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية...

وإذا قمت في صلاتك فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة) فلا تعطل عمل اليوم إلى الغد ولا تهمل عمالك بعدم إجابتهم أو تأخير تلك الإجابة، فإن في ذلك ما لا يشجعهم على الاستمرار في الكتابة إليك، وفيه أيضاً ما لا يردعهم عن الرذيلة إذا علموا أنك مشغول عنهم بغيرهم.

ولا تنس عبادتك - مع العلم أن قيامك بواجباتك حسب مستلزمات الدين الحنيف هو عبادة في حد ذاته. أما صلاتك في الجماعة فلا ينبغي أن تكون ثقيلة أو طويلة أو مملة...

تلك هي أهم جوانب فلسفة الحكم من الناحية الاقتصادية عند الإمام.

أما جوانبها الأخرى فتتضح في الوصايا التي يزود بها عمال الصدقات. (لا تروعن مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً) أي لا تفزعن مسلما ولا تمرن على


منازل لا يجوز لك أن تمر بها لتتجنب الاعتداء على الناس وتتوخى ممانعتهم إياك بسبب ذلك.

(فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم). أي كن بعيداً عنهم ولا تفاجئهم فتدخل بيوتا لا يجوز لك أن تدخلها. أو تطلع على أمور عائلية لا يجوز لك أن تطلع عليها نتيجة لدخولك المفاجئ الذي ربما لا نقصد به الاطلاع على أغراض الناس وأموالهم، وما شاكلها من أمور لا يرغب أصحابها في أن تطلع عليها بحكم كونك غريباً عن أهلها من جهة، وموظفا مالياً للحكومة من جهة أخرى.

ثم امض إليهم بالسكينة والوقار - حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولى الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم. فهل في أموالكم لله حق فتؤدوه إلى وليه؟.

أي إن الإمام أمر عامل الصدقات - بعد الذي ذكرناه - أن يمضى إلى القوم بهدوء وتؤدة فيسلم عليهم سلاماً كاملاً غير منقوص، ثم يخبرهم بمهمته (بذلك الشكل المؤدب الرفيق) ليشعرهم بأن الموظف خادم للشعب لا سيد كما هي الحال في الحكومات الظالمة المستبدة. ثم ينتظر إجابتهم. (فإن قال قائل لا، فلا تراجعه) فلعله دفع ما عليه لجاب قبلك، أو لعله متمرد على الحكومة فليس من حقك الدخول في جدل معه أو إلزامه دفع ما عليه من الصدقات (في حالة التمرد) أو مطالبته فالبينة في حالة زعمه أن دفع ما عليه إلى غيرك.

إن ذلك من واجبات الوالي: فارفع إسمه إليه بعد فراغك من ذلك.

وهناك جانب آخر في هذا التصرف الحكيم. هو عدم تأليب الآخرين من أبناء الحي على الجابي، بحكم العصبية التي تربطهم بالشخص الممتنع، وتتجسم الحكمة في ذلك إذا علمنا أن الجابي أعزل من السلاح، وإن الغاية من قدومه ليست إجبار


القوم على الدفع بل تنبيههم بحلول موسم الدفع، وأخذ ما يعطيه إباه بعضهم من الأموال وإيصال ذلك إلى الجهة المسئولة أما الممتنعون عن الدفع فلا يعنيه أمرهم لأن هناك جهة مسئولة أخرى غيره تحاسبهم على ذلك.

(وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه. فخذ ما آتاك من ذهب أو فضة). سر معه بلطف فإنه أخوك في الدين وزميلك في المواطنة ومصدر من مصادر عيشك وعيش عائلتك. وخذ منه ما أعطاك دون تبرم أو تخويف أو توعد أو إظهار شك في نواياه.

وإن (كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذن منه فإن أكثرها له). فإذا دخلت على الماشية أو الإبل أماكنها (فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به). ليشعر بأنك لا تريد إرغامه أو إهانته، وإنما تطلب منه بلطف ومروءة تأدية ما عليه من واجبات فرضها الإسلام في ما تملكه يمينه من ثروة وماشية. وليس لك أن تروع الحيوان فتربكه عليه: (فلا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوأن صاحبها فيها).

ثم اقسم الحصص، واترك له الخيار (فاصدع المال صدعين. ثم خيره. فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. فاقبض حق الله منه). وقبل أن تتوجه إلى غيره (فإن استقالك فأقله).

فإذا أخذت حق الله منه فلا تأخذن عوداً ولاهرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار). أي لا تأخذ المسن من الإبل ولا العجوز من إناثها ولا المريضة.

فإذا انتهى ذلك فابعث ما حصلت عليه مع من تثق به. (ولا تأمنن عليها


إلا من تثق بدينه، رافقاً بمال المسلمين. حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم. ولا توكل بها ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً غير معنف ولا مجف ولا مغلب ولا متعب أي لا ترسل الماشية أو الإبل مع ذي عتف (الذي هو ضد الرفق) أو مع المجحف الظالم أو المتعب المعيي. بل أرسلها مع ذي الرفق والشفقة. (فإذا أخذها أمينك فأوعز له أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يحصر لبنها فيضر ذلك بولدها، ولا يجهد بها ركوباً، ويعدل بينها وبين صويحباتها في ذلك. وليرفه على اللاغب، وليستأن بالتعب والضالع ويوردها ما تمر به من الغدر ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق، وليروحها في الساعات، وليميليا عند النطاف والأمشاب) أوصاه أن لا يسوقه جشعه أو تدفعه قساوته (في حالة وجودهما) إلى الحيلولة بين الناقة وطفلها، وأن لا يستنزف جميع لبنها فلا يترك منه ما يكفى لرضاع الطفل ثم أمره أن لا يتبعها في الركوب ولا يسير بها بمشقة دون راحة، وأن يداري التعب في الركوب وفي السير، وأن يفعل مثل ذلك مع الضالع...

وأوصاه أيضاً أن يتبع الطريق التي يمر بها الماء ويتوافر فيها العشب.. حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا منهوكات). أي أن تجلب لنا إبلا سمينة سليمة مستريحة (لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه بين المسلمين).

والخلاصة - أن الجانب المالي لفلسفة الحكم عند الإمام يتضح جوهره (في خطوطه العامة) في وصيته إلى عماله على الخراج. وهذا نصها: (أنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية ووكلاء الأمة وسفراء الأئمة.

ولا تحتشموا أحداً عن حاجته لا تحبسوه عن طلبه ولا تبيعن الناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها ولا تضربن أحداً سوطاً مكان درهم ولا تمسن مال أحد من الناس من مسلم ولا معاهد.


ولا تدخروا أنفسكم نصيحة ولا الجند حسن سيرة ولا الرعية معونة).

لابد أن القارئ قد لاحظ معنا الجوهر الأخلاقي الذي تستند إليه أقوال الإمام الآنفة الذكر في معرض تحدثه مع الجباة وغيرهم من المختصين بالنواحي المالية لبلاد المسلمين.

ولا شك أن السير وفق مستلزماتها يجنب الحكومة أو الشعب كثيراً من المتاعب ويبعد الجانبين عن كثير من أوجه الكفاح السلبي الهادم، الذي نشاهده منتشراً في كثير من الأقطار في التاريخ القديم والحديث.


الفصل الرابع

فلسفة الحكم عند الإمام في ضوء ملابساتها التاريخية

استعرضنا في الفصول السابقة فلسفة الحكم عند الإمام في جوانبها الثلاثة: الخلقي والسياسي والاقتصادي وقلنا أن ابن أبي طالب كان يسير (في سياسته العامة من الناحيتين النظرية والعملية) وفق مستلزمات كتاب الله. ولقد كان الرسول كذلك سائراً في سياسته العامة من الناحيتين النظرية والعملية وفق مستلزمات القرآن. ترى ما الذي حال بين الإمام وبين انتشار نهجه القويم في الحكم؟

وبعبارة أخرى: لماذا صرع الإمام قبل إنجازه رسالته الخالدة (المستمدة من القرآن وسنة الرسول)؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في هذا الفصل من فصول الكتاب.

ولكي نستزف جميع إمكانيات البحث المتيسرة لدينا فقد رأينا أن نقسم هذا الوجه من وجوه الدراسة قسمين: سمينا الأول منهما (بين رسول الله وعلي بن أبي طالب) وأطلقنا على الثاني عبارة (الإمام وقوى الشر).

أ - بين رسول الله وعلي بن أبي طالب

هناك أوجه شبه كثيرة بين الفترة التي عاش فيها الرسول - منذ نزول الوحي عليه حتى وفاته - وبين الفترة التي عاش فيها الإمام منذ تسنمه منصب الخلافة حتى مصرعه. فكأن تاريخ الفترة قضاها النبي مبشراً بالإسلام - (ويبلغ طولها زهاء ربع قرن قضى رسول الله منها أربعة عشرة سنة في مكة قبل الهجرة وإحدى عشرة سنة في المدينة) قد أعيد مضغوطاً - في خطوطه العامة بالطبع - في السنين الخمس التي حكم أثناءها الإمام.


هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن هناك أوجه شبه كثيرة أيضاً بين سيرة الرجلين وبين طبيعة المشاكل التي تعرض لها كل منهما من جهة وبين أسلوب معالجته إياها من جهة أخرى.

وقد فطن إلى ذلك أبو جعفر بن أبي زيد الحسين نقيب البصرة قبل زهاء سبعة قرون، فأوجز الخطوط العامة للسيرتين - في مواقع التشابه - وفي الظروف والملابسات التي أحاطت بكل منهما. وإلى القارئ نص ملاحظات الغيب في هذا الموضوع الطريف كما ذكرها ابن أبي الحديد(1) (إنه لا فرق عند من قرأ السيرتين: بين سيرة النبي وسياسة أصحابه أيام حياته، وبين سيرة أمير المؤمنين وسياسة أصحابه أيام حياته فكما أن علياً لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه وكثرة الفتن والحروب، فكذلك كان النبي لم يزل ممنواً بنفاق المنافقين وأذاهم وخلاف أصحابه عليه وهرب بعضهم إلى أعدائه وكثرة الحروب والفتن. ألست ترى القرآن العزيز مملوء بذكر المنافقين والشكوى منهم والتألم من أذاهم!! كما أن كلام على مملوء بالشكوى من منافقي أصحابه والتألم من أذاهم له والنوائهم عليه.

وذلك نحو قوله تعالى: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول... إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد أن المنافقين لكاذبون. ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم... أرأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف. أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن يخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 2/373 - 75 م الطبعة الأولى بمصر.


فلعرفتهم بسيمائهم... سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا...

وأصحاب النبي هم الذين نازعوا في الأنفال وطلبوها لأنفسهم حتى أنزل الله: (قل الأنفال لله والرسول)...

وهم الذين التووا عليه في الحرب يوم بدر وكرهوا لقاء العدو حتى خيف خذلانهم وذلك قبل أن تتراءى الفئتان، وأنزل الله فيهم (يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) وهم الذين كانوا يتمنون لقاء العدو حتى أنهم ظفروا برجلين في الطريق فسألوهما عن العير فقالا: لا علم لنا منها، وإنما رأينا جيش قريش وراء ذلك الكثيب - فضربوهما، ورسول الله قائم يصلى - فلما ذاقا من الضرب قالا بل العير أمامكم فاطلبوها. فلما رفعوا الضرب عنهما قالا والله ما رأينا العير، ولا رأينا إلا الخيل والسلاح والجيش. فأعادوا الضرب عليهما مرة ثانية. فقالا - وهما يضربان - العير أمامكم فخلوا عنا.

فانصرف رسول الله من الصلاة وقال إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذبا خليتم عنهما!! دعوهما فما رأيا إلا جيش أهل مكة.

وأنزل الله: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين... وهم الذين فروا عنه يوم أحد وأسلموه وأصعدوا في الجبل وتركوه حتى شج الأعداء وجهه... ونزل في ذلك قوله: إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم - أي ينادي فيسمع نداءه آخر الهاربين لأن أولهم أوغلوا في الفرار وبعدوا..

وهم الذين عصوا أمره في ذلك اليوم حيث أقامهم على الشعب في الجبل - وهو الموضع الذي خاف أن تكر عليه خيل العدو من ورائه، وهم أصحاب عبد الله بن


جبير فإنهم خالفوا أمره وعصوه فيما تقدم به إليهم ورغبوا في الغنيمة... وذلك ما أشار إليه تعالى بقوله: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم كما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.

وهم الذين عصوا أمره في غزاة تبوك بعد أن أكد عليهم الأوامر، وخذلوه وتركوه ولم يشخصوا معه فأنزل الله فيهم قوله: يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. الا تنفروا يعذبكم الله عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير... - حتى لقد كاشفوه مراراً فقال لهم يوم الحديبية احلقوا وانحروا مراراً فلم يحلقوا ولم ينحروا ولم يتحرك أحد منهم عند قوله، وقال له بعضهم - وهو يقسم الغنائم. اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. وقالت الأنصار له مواجهة يوم حنين أتأخذ ما أفاء الله به علينا بسيوفنا فتدفعه إلى أقربائك من أهل مكة!! حتى أفضى الأمر إلى أن قال لهم في مرض موته ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم ما لا تضلون بعده فعصوه...

فمن تأمل حال الرجلين وجدهما متشابهين في جميع أمورهما أو في أكثرها. وذلك لأن حرب رسول الله مع المشركين كانت سجالا: انتصر يوم بدر، وانتصر المشركون عليه يوم أحد، وكانت يوم الخندق كفافا - خرج هو وهم سواء لا عليه ولا له لأنهم قتلوا رئيس الأوس سعد بن معاذ وقتل منهم فارس قريش - وهو عمرو بن عبد ود، وانصرفوا عنه يوم الأحزاب بغير حرب بعد تلك الساعة التي كانت. ثم حارب بعدها قريشاً يوم الفتح فكان له الظفر. وهكذا كانت حروب على: انتصر يوم الجمل، وخرج الأمر بينه وبين معاوية على سواء - قتل من أصحابه رؤساء ومن أصحاب معاوية رؤساء، وانصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه. ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له.


ومن العجب أن أول حروب رسول الله كانت بدراً، وكان هو المنصور فيها، وأول حروب على الجمل، وكان هو المنصور فيها. ثم ما كان من صحيفة الصلح والهدنة يوم الحديبية وصفين.

ثم دعا معاوية في آخر أيام على إلى نفسه وتسمى بالخلافة، كما أن مسيلمة والأسود العنسى دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام النبي وتسميا بالنبوة - واشتد على على ذلك كما اشتد على رسول الله أمر الأسود ومسيلمة، وأبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي، وكذلك أبطل أمر معاوية وبني أمية بعد وفاة على. ولم يحارب رسول الله أحد من العرب إلا قريش ما عدا يوم حنين، ولم يحارب علياً من العرب أحد إلا قريش ما عدا يوم النهروان. ومات على شهيداً بالسيف، ومات رسول الله شهيداً بالسم، وهذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت، وهذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت.

ذلك هو كلام النقيب أبي جعفر في معرض التحدث عن وجوه التشابه بين سيرة النبي وسيرة علي بن أبي طالب.

وقبل أن ننتقل إلى عرض جوانب أخرى من تشابه السيرتين - فات النقيب أن يذكرها - يجمل بنا أن نعرض للقارئ - بشيء من الإيجاز غير المخل - أهم ما ورد في كلام النقيب من حوادث تاريخية اكتفى هو بمجرد الإشارة إليها.

ولكي يكون عرض تلك الحوادث مستوفياً شروطه التاريخية فسوف نجعل مؤرخي السيرة المحمدية يخاطبون القارئ مباشرة فيقصون عليه - كل بأسلوبه الخاص - تلك الحوادث حسب التسلسل الذي ذكره السيد النقيب.

1 - فيما يتصل بالأنفال: قال ابن هشام: (فلما انقضى أمر بدر أنزل الله فيه من القرآن سورة الأنفال بأسرها: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. فكان عبادة بن الصامت


- فيما بلغني - إذا سئل عن الأنفال قال فينا معشر أهل بدر نزلت حين اختلفنا في النفل يوم بدر فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا فرده على رسول الله فقسمه بيننا عن سواء - أي على السواء).

2 - موقف المسلمين من النبي في بدر: قال ابن هشام(1) ثم ذكر الله في سورة الأنفال القوم وسيرهم مع رسول الله حين عرف القوم أن قريشاً قد ساروا إليهم، وإنما خرجوا يريدون الغير طمعا في الغنيمة فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون. يجادلونك بالحق بعد ما تبين لهم كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون - أي كراهية للقاء القوم وإنكاراً لمسير قريش حين ذكروا لهم. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن لو غير ذات الشوكة تكون لكم - أي الغنيمة دون الحرب ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين - أي بالوقيعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر.

إذ تستغيثون ربكم - أي لدعائهم حين نظروا إلى كثرة عدد العدو وقلة عددهم. فاستجاب لكم - أن بدعاء رسول الله ودعائكم - إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين.

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون - أي لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله وتزعمون أنكم منه. ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون - أي المنافقين.. ولو علم الله بهم خيراً لأسمعهم... ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون..

يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم. - أي للحرب

____________________

(1) سيرة النبي محمد 2/312 - 313.

(2) سيرة النبي محمد 3/312 - 315.


التي أعزكم الله بها بعد الذل.. واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض.. فآواكم وأيدكم بنصره)...

3 - موقفهم في أحد: ذكر ابن هشام (سيرة النبي محمد ج 3 ص 66 - 68) (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم. - لقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف - أي القتل بإذني وتسليطي أيديكم وكفى أيديهم عنكم... حتى إذا فشلتم - أي تخاذلتم - وتنازعتم في الأمر، أي أتلفتم في أمري، أي تركتم أمر نبيكم وما عهد إليكم - يعني الرماة - من بعد ما أراكم ما تحبون - أي الفتح وهزيمة القوم من تسائهم وأموالهم.

منكم من يريد الدنيا - أي الذين أرادوا النهب في الدنيا وترك ما أمرا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة... ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم وهم يدعون ولا يعطفون عليه لدعائه إياهم.. ثم قال لنبيه ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

4 - موقفهم منه في تبوك: جاء في السيرة(1) تخلف عنه في غزوة تبوك عشرة منهم أبو لبانه (فلما رجع أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد - منهم أبو لبانة -. فلما مربهم رسول الله قال من هؤلاء؟ قالوا أبو لبانة وأصحابه تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم.

قال: وانا اقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم ويعذرهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين. فلما بلغهم ذلك قالوا

____________________

(1) السيرة الحلبية 3/167.


نحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله: وآخرون اعترفوا بذنوبهم... إلى قوله: وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم أو يتوب عليهم - وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري. عند ذلك أطلق رسول الله أبا لبانة وأصحابه الستة.

5 - تفاصيل قصة الحديبية: ذكر ابن هشام(1) . أمر الحديبية في العام السادس للهجرة عن ابن إسحق أن رسول الله خرج من المدينة إلى مكة معتمراً (يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه الهدى سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل...

حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش سمعت بمسيرك فخرجوا... وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم... فأمر رسول الله الناس فقال اسلكوا ذات اليمين... فسلك الجيش ذلك الطريق.

فلما رأت خيل قريش فترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم رجعوا راكضين إلى قريش... وخرج رسول الله حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته. فقال الناس خلأت الناقة - أي حرنت - فقال رسول الله ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة).

وحانت صلاة الظهر فصلاها النبي بالمسلمين، وفات المشركين أن يهجموا على الرسول وصحبه أثناء الصلاة. غير أن خالد بن الوليد، أحد أبطال المشركين آنذاك، أخبر قومه بوجوب التريث حتى تحين صلاة العصر للانقضاض على النبي وأتباعه أثناءها. فنزل القرآن على النبي يأمره بأداء فريضة العصر بطريقة خاصة عرفت

____________________

(1) سيرة النبي محمد 3/355 - 358.


بعد ذلك بصلاة عسفان أو صلاة الخوف. تفادياً لغدر المشركين وإفساداً لمؤامرة ابن الوليد.

وإلى القارئ نص ذلك القرآن كما جاء في سورة النساء: (وإذا كنت فيهم فأقمت الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً).

لقد أصر المشركون على منع النبي وأصحابه من دخول مكة. وحدثت مداولات بين الفريقين المتنازعين تمهيداً لعقد صلح بينهما(1) .

ويقول المقريزي. (بينا الناس قد اصطلحوا والكتاب لم يكتب أقيل أبو جندل ابن سهيل بن عمرو.. وقد أفلت يرسف في قيد.. حتى أتى رسول الله وهو يكاتب أباه سهيلا... ففرح المسلمون به فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبيبه - فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شراً إلى ما بهم.

وقال سهيل بن عمرو هذا أول من قاضيتك عليه... فرده النبي عليه.

وعاد عمر بن الخطاب إلى رسول الله فقال: ألست رسول الله؟ قال بلى. قال ألست على الحق؟ قال بلى. قال أليس عدونا على الباطل؟ قال بلى. قال فلم نعطى الدنية في ديننا؟ فقال إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني... فوثب عمر إلى

____________________

(1) امتاع الاسماع 1/393.


أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب.. يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله، والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله. فرجل برجل. فقال أبو جندل مالك لا تقتله أنت! قال عرم نهاني رسول الله عن قتله وقتل غيره. فقال أبو جندل ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني).

فلما التأم الجمع دعا النبي علي بن أبي طالب فقال أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا. ولكن أكتب باسمك اللهم.

ثم قال الرسول أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك. ولكن أكتب اسمك واسم أبيك(1) .

فقال النبي لعلي بن أبي طالب: (امح رسول الله... واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو.. فإن لك مثلها... إشارة لما سيقع بين على ومعاوية: فإنهما بصفين وقعت بينهما المصالحة... فلما كتب الكاتب: هذا ما صالح عليه أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان قال عمرو بن العاص لا تكتب أميرالمؤمنين... وأرسل معاوية أيضاً لعمرو بن العاص يقول لا يكتب أميرالمؤمنين، لو كنت أعلم أن علياً أميرالمؤمنين ما قاتلته... ولكن اكتب علي بن أبي طالب... فقال أصحاب على لا تمح إمارة المؤمنين... فلم يسمع منهم، وقال للكاتب امحها... ثم تذكر قول رسول الله إن لك مثلها فقال الله أكبر مثلا بمثل(2) .

وبعد أخذ ورد طويلين بين النبي وسهيل بن عمرو من جهة، وبين النبي وأصحابه من جهة أخرى كتب كتاب الصلح بين الطرفين، وهذا نصه:

____________________

(1) سيرة ابن هشام 3/265 - 366.

(2) سيرة دحلان 2/212 - 213.


(باسمك اللهم - هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو: اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. على أنه لا أسلال ولا أغلال، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وإنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعهدها فعل. وإنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه، وإنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه. وإن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحابه ويدخل علينا في قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا - لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر: السيوف في القرب(1) ).

(وفي رواية لمسلم من حديث أنس أن قريشاً صالحت النبي على أن من جاء منكم لا نرده إليكم ومن جاءكم منا رددتموه إلينا. فقالوا يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال نعم... فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه. فأبى سهيل بن عمرو إلا ذلك. فكاتبه النبي على ذلك، فقال المسلمون متعجبين: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ وكان ممن قال ذلك عمر بن الخطاب.

وفي رواية أن عمر قال يا رسول الله أترضى بهذا؟ فتبسم رسول الله وقال من ذهب منا إليهم فقد أبعده الله، ومن جاء منهم إلينا رددناه فسيجعل الله لهم فرجا ومخرجا(2) ).

(فلما فرغ رسول الله من الكتاب وانطلق سهيل بن عمرو وأصحابه قال رسول الله لأصحابه قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا فلم يجبه أحد إلى ذلك. فرددها ثلاثا فلم يفعلوا. فدخل على أم سلمة - وهو شديد الغضب - فاضطجع. فقالت مالك يا رسول الله! مراراً ولم يجبها. ثم قال: عجبا يا أم سلمة!! إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مراراً فلم يجبني أحد من الناس وهم يسمعون كلامي

____________________

(1) المقريزي، امتاع الأسماع 1/297.

(2) سيرة دحلان م 2 ص 215 - 216.


وينظرون في وجهي. فقالت يا رسول الله انطلق أنت إلى هديك فانحره فإنهم سيقتدون بك.

فاضطبع بثوبه وخرج وأخذ الحربة ويمم هديه وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعاً صوته بسم الله والله أكبر - ونحر. فتواثب المسلمون إلى الهدى وازدحموا ينحرون.. فلما فرغ رسول الله من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء فيها الحلاق فحلق رأسه، ثم أخرج رأسه من قبته وقال رحم الله المحلقين والمقصرين... فحلق ناس وقصر آخرون(1) ).

وبعد أن انتهى النبي من ذلك كله (قال عمر ورجال آخرون: يا رسول الله ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟ فقال عمر لا. فقال الرسول إنكم ستدخلون وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة وأعرف مع المعرفين.

ثم أقبل على عمر وقال: أنسيتم يوم أحد؟ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد!! وأنا أدعوكم في أخراكم! أنسيتم يوم الأحزاب! إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم! وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر(2) !!).

(وروى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية الأنصاري الأوسى - قال: شهدنا الحديبية. فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله واقفاً عند كراع الغميم... وقد جمع الناس وقرأ عليهم: إنا فتحنا لك فتحاً مبينا... لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا. السورة

____________________

(1) المقريزي، المصدر السابق ج 1 ص 299 - 300.

(2) المصدر نفسه ج 1 ص 293.


التي نزلت عند اتصرافهم من الحديبية. فقال رجل يا رسول الله أو فتح هذا؟ قال أي والذي نفسي بيده إنه لفتح.

وروى موسى بن عقبة والزهري والبيهقي عن عروة بن الزبير قال: أقبل النبي راجعاً فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت، وصد هدينا، ورد رسول الله رجلين من المسلمين كانا خرجا إليه - أبا جندل بن سهيل بن عمرو وأبا بصير -. فبلغ النبي قول ذلك الرجل فقال بئس الكلام، بل هو أعظم الفتح(1) ).

لا شك أن القارئ قد لاحظ معنا - في قضية الحديبية التي ذكرناها - جملة أمور على جانب كبير من الخطورة. فقد تعرض النبي إلى عدد من الصعوبات والمشاكل التي أثارها خصومه من جهة، وبعض أنصاره - وفي مقدمتهم عمر من جهة أخرى. غير أن رسول الله - كما لاحظنا - قد تغلب على ذلك كله بالوحي الذي نزل عليه آنذاك أولا وقبل كل شيء. فقد حبس ناقته - كما رأينا. حابس الفيل عن مكة، ونزل قرآن يأمره بإقامة صلاة الخوف أثناء تلك المحنة، وكانت سورة الفتح خاتمة المطاف. أما على فلم يحصل له شيء من هذا القبيل أثناء التحكيم.

6 - قصة الرجل الذي أمر النبي بالتقوى: ذكر مسلم عن أبي سعيد الخدري. (قال:

بعث على - وهو باليمن - بذهبة وهي بتربتها إلى رسول الله. فقسمها رسول الله بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة وزيد الخير. فغضبت قريش وقالوا: يعطى صناديد نجد ويدعنا!! فقال رسول الله إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل وقال اتق الله يا محمد. فقال رسول الله

____________________

(1) سيرة دحلان ج 2 ص 227.


فمن يطع الله إن عصيته!! يأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ وهناك حوادث أخرى تجري هذا المجري. نذكر منها ما يلي:

(1) جلس النبي بعد غزوة الطائف (وفي ثوب بلال فضة يقبضها للناس على ما أراه رسول الله. فأتى ذو الخويصرة التميمي - واسمه حرقوص - فقال اعدل يا رسول الله. فقال ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل(1) .

(ب) (وقال معتب بن قشير العمري (بعد الطائف - والرسول يعطى العطايا): إنها العطايا ما يراد بها وجه الله!! فتغير لونه، ثم قال: يرحم الله أخي موسى فقد أوذى بأكثر من هذا فصبر(2) ).

(ج) ذكر الغزالي في إحياء علوم الدين (ج 2 ص 253) أنه (أتى رسول الله بقلادة من ذهب وفضة فقسمها بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل!! فقال ويحك فمن يعدل عليك بعدي؟...

وروى جابر أن الرسول كان يقبض الناس - يوم خيبر - من فضة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا رسول الله إعدل.

وروى المؤلف المذكور (المصدر السابق ج 2 ص 254) شيئاً آخر يجرى هذا المجرى حين قال: (جاء إعرابي يطلب من الرسول شيئاً، فأعطاه ثم قال له أحسنت إليك؟ قال الأعرابي لا ولا أجملت. فغضب المسلمون وقاموا إليه. فأشار إليهم النبي أن كفوا. ثم قام النبي ودخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئاً. ثم قال أحسنت إليك؟ قال نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فقال له النبي

____________________

(1) المقريزي، المصدر السابق ج 1 ص 425.

(2) المصدر نفسه ج 1 ص 426.


إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي منك شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك!! قال نعم.

فلما كان الغد أو العشى جاء، فقال النبي إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضى - أكذلك؟ فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فقال النبي إن مثلي ومثل الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحب الناقة ك خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها وأعلم. فتوجه لها صاحب الناقة فأخذ من قمام الأرض فردها هوناً هوناً حتى استناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها).

لقد ذكرنا بأن هناك وجوهاً أخرى تتماثل فيها السيرتان - سيرة النبي وسيرة الإمام - لم يشر إليها أبو جعفر النقيب. وإلى القارئ أهم ما عثرنا عليه منها:

1 - خروج النبي مهاجراً من مكة إلى المدينة، وخروج على من المدينة إلى الكوفة.

2 - ظهور المستهزئين بالنبي، من كفار قريش، وظهور زملائهم من الخوارج: مع التشابه الكبير بين موقف النبي من المستهزئين وموقف الإمام من الخوارج المستهزئين.

3 - تأليب الأمويين الناس على حرب النبي وحرب على على السواء، قاد أبو سفيان المشركين لحرب الرسول وقاد ابنه معاوية الناس لحرب الإمام(1) .

4 - تحمس أصحاب النبي - بعد ظفرهم ببدر - للخروج إلى أحد. وتحمس أصحاب الإمام - بعد ظفرهم بالجمل - للخروج إلى صفين.

____________________

(1) ومن الغريب أن يصادف الباحث لكل هاشمي خصماً من الأمويين - في الجاهلية والإسلام - يسير كل منهما في الاتجاه الذي يسير فيه أجداده. فهذا هاشم وذاك أمية. وهذا عبد المطلب وذاك حرب وهذا محمد وذاك أبو سفيان. وهذا على وذاك معاوية. وهذا الحسين وذاك يزيد. راجع كتابنا (الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام).


5 - التشابه بين مواقع رايات الإمام - اثناء حربه مع مناوئيه - وبين مواقع رايات النبي في حربه المشركين.

6 - التشابه بين فتح النبي مكة وسيرته فيها وبين فتح على البصرة وسيرته فيها.

7 - هذا التراث اللغوي الفكري الرائع الذي خلفه النبي في أحاديثه وخلفه على في (نهجه).

8 - تماثل السيرتين في الخلق والسياسة العامة.

(ا) تطبيق حدود الله على المستحقين من الناس دون استثناء.

(ب) المساوة في العطاء.

(ج) المروءة وسعة الصدر. وإلى القارئ تفصيل ما ذكرناه.

1 - هاجر النبي من مكة إلى المدينة عندما تآمر عليه كفار قريش ليقتلوه فوجد في المدينة أنصاراً بذلوا للمحافظة عليه وصيانة دعوته حياتهم وأموالهم. وخرج على إلى الكوفة عندما تآمر عليه أصحاب الجمل، فوجد فيها أنصاراً ومحبين - غير الذين أفسدهم دعاة الأمويين وغير المخذلين وفي مقدمتهم أبو موسى الأشعري - بذلوا في سبيل نصرته أموالهم وأرواحهم.

2 - تعرض رسول الله إلى أذى جماعة من الأوباش أطلق عليهم مؤرخو المسلمين اسم المستهزئين - وفي مقدمتهم العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، والحكم ابن أبي العاص أبو مروان، وتعرض على إلى أذى مجموعة من الأوباش أطلق عليهم اسم الخوارج. وكان رسول الله حليما مع المستهزئين إلى أقصى حدود الحلم. وسار على على منواله.


وبما أن المستهزئين كانوا أفرادا متفرقين، وكان أذاهم منصباً على شخص النبي في الأمم الأغلب - بسبب رسالته بالطبع - لذلك نجده يقف منهم موقف المتسامح، لذاته، المتعالي بنفسه. وإلى هذا الحد يصدق الشيء نفسه على الإمام.

ولما تجاوز إعتداء الخوارج حدود شخص الإمام فشمل المسلمين وعرض أمن البلاد إلى الاضطراب والفوضى، والعقيدة الإسلامية إلى الاعتداء نهض الإمام فوضع في رقابهم السيف، كما فعل النبي قبل ذلك مع المستهزئين.

3 - تعرض رسول الله لفتنة مصلحة قادها الأمويون ضده تحت زعامة أبي سفيان، وتعرض على لفتنة مسلحة قادها الأمويون ضده تحت زعامة معاوية بن أبي سفيان. وقد أنكر أبو سفيان على النبي نبوته، كما أنكر معاوية على على خلافته. وحارب أبو سفيان النبي رافعاً اللات والعزى بين يديه، وحارب معاوية علياً وبيده قميص عثمان.

4 - تحمس أصحاب النبي للخروج إلى المشركين في أحد، وتحمس أتباع الإمام لملاقاة القاسطين في صفين. وأراد أصحاب النبي جهاد المشركين: إما الظفر أو الاستشهاد في ساحات القتال، وأراد أصحاب على (جهاد) القاسطين: إما الظفر أو الاستشهاد في ساحات القتال. (فقال مالك بن سنان - أبو أبي سعيد الخدري - يا رسول الله نحن بين إحدى الحسنين: إما أن يظفرنا الله بهم - فهذا الذي نريده، والأخرى يا رسول الله يرزقنا الله الشهادة. والله يا رسول الله لا أبالي أيهما كان: إن كلا لفيه الخير.

وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة - أخو بني سالم - يا رسول الله لا تحرمنا الجنة، فو الذي لا إله إلا هو لأدخلنها.

وقال خيثمة - أبو سعيد - يا رسول الله إن قريشاً مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن تبعها من أحابيشها. ثم جاؤونا. فلنخرج إليهم:


عسى الله أن يظفرنا بهم أو تكون الأخرى وهي الشهادة. لقد أخطأتي وقعة بدر وقد كنت عليها حريصاً.

وقال أنس بن قتادة: يا رسول الله هي إحدى الحسنين: إما الشهادة وإما الغنيمة والظفر بهم(1) ).

وقال عمار بن ياسر لعلى: (يا أميرالمؤمنين إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل. اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة. فوالله إن سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله، وهو كرامة... وقال قيس بن سعد بن عبادة: يا أمير المؤمنين انكمش بنا إلى عدونا ولا تعرد. فو الله لجهادهم أحب إلى من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين الله واستذلالهم أولياء الله.

وقال عتبة بن جويرية... قد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل حين فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم. ألا وإني متعرض ساعتي هذه لها وقد طمعت ألا أحرمها. فما تنتظرون عباد الله من جهاد أعداء الله(2) .)

كان ذلك قبل الخروج للمعركتين: أحد وصفين. أما أثناء وقوعهما فمن أروع ما عثرنا عليهم (في أحد) قصة عمرو الجموح (وكان عمرو الجموح رجلا أعرج. فلما كان يوم أحد - وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي أمثال الأسد - أراد بنوه أن يحبسوه... فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله إن أولادي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله أما أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك. فأبى عمرو إلا الخروج معهم إلى أحد.

____________________

(1) وقال آخرون مثل ذلك - راجع الواقدي. مغازي رسول الله ص 164 - 165.

(2) نصر بن مزاحم، صفين ص 104 - 106، 298 - 299.


فقال أبو طلحة نظرت إلى عمرو بن الجموح في الرعيل الأول يقول أنا والله مشتاق إلى الجنة، وإبنه في أثره حتى قتلا)(1) .

وفي صفين (خرج ابن مقيد الحمار الأسدي - وكان ذا بأس وشجاعة - وهو من أهل الشام فنادى ألا من مبارز؟ فقام المقطع العامري، وكان شيخاً كبيراً فقال له على أقعد إنك شيخ كبير... فقال يا أمير المؤمنين والله لا تردني: إما أن يقتلني فأتعجل الجنة، أو أقتله فأريحك منه.

وقال أبو عرفاء - جبلة بن عطية الذهلي - الحصين بن المنذر يوم صفين: هل لك أن تعطيني رايتك أحملها فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها؟ فقال الحصين وما غناى يا عم عن أجرها مع ذكرها. فقال لا غنى بك عن ذلك. أعرها إلى عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك!!

فعلم أنه يريد أن يستقتل. قال فما شئت. فأخذ الراية أبو عرفاء وقال يا أهل هذه الراية إن عمل الجنة كره كله، وهو ثقيل... وإن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره، وليس شيء مما افترض الله على عباده أشد من الجهاد... فإذا رأيتموتي قد شددت فشدوا. ويحكم!! ما تشتاقون إلى الجنة!! فقاتل أبو عرفاء حتى قتل)(2) .

5 - سعى على إلى الاقتداء برسول الله في كل شيء حتى في مواقع راياته بالنسبة لمواقع رايات خصومه. فركز راياته - في صفين مثلاً - في الاتجاه الذي كان الرسول يضع راياته فيه أثناء حربه مع المشركين، ووضع معاوية راياته في مواقع رايات أسلافه المشركين.

____________________

(1) الواقدي، مغازي رسول الله ص 169.

(2) نصر بن مزاحم، صفين ص 315 و 343.


ذكر أسماء بن حكيم الفزاري - على ما يروى نصر بن مزاحم(1) ، قال:

(كنا بصفين - مع على - تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى وقد استضللنا برداء أحمر إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا وقال: أيكم عمار ابن ياسر؟ فقال عمار أنا. قال أبو اليقظان؟ قال نعم. قال إن لي إليك حاجة، أفأنطق بها سراً أو علانية؟ قال اختر لنفسك أيهما شئت. قال لا بل علانية. قال فانطق بها. قال إني خرجت من أهلي مستبصراً حتى ليلتى هذه فإني رأيت مناديا تقدم فأذن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونادى بالصلاة. ونادى ماديهم مثل ذلك. ثم اجتمعت الصلاة فصلينا صلاة واحدة وتلونا كتابا واحداً: ودعونا دعوة واحدة.

فأدركني الشك في ليلتي هذه. فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت فأتيت أميرالمؤمنين فذكرت ذلك له. فقال هل لقيت عمار بن ياسر؟ قلت لا. قال فالقه فانظر ماذا يقول لك عمار فاتبعه. فجئتك لذلك.

قال عمار: تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي؟ فإنها راية عمرو بن العاص قاتلها رسول الله ثلاث مرات وهذه الرابعة - فما هي بخيرهن ولا أبرهن بل شرهن وأفجرهن. أشهدت بدراً واحداً ويوم حنين؟ أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟ قال لا. قال فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإن رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب).

6 - دخل النبي مكة فاتحاً بعد أن استعمل قسم كبير من أهلها شتى صنوف القسوة والاعتداء عليه (ولكنه عاملهم بالصفح والتسامح. وسار على على منواله

____________________

(1) المصدر نفسه ص 303 - 364.


عندما دخل البصرة ظافراً بعد معركة الجمل. فعفا رسول الله عن هند أم معاوية وعن زوجها أبي سفيان، وعن هبار الأسود الذي اعتدى على زينب ابنته - ومن هم على شاكلتهم من الطلقاء.

ولما دخل على البصرة ذهب إلى عائشة - وهي في دار عبد الله بن خلف... وكانت صفية زوج عبد الله مختمرة... فلما رأته كلمته بكلام غليظ. فلم يرد عليها شيئا، ودخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها. ثم قال جبهتنا صفية... فلما خرج أعادت صفية عليه قولها. فكف بغلته وقال هممت أن افتح هذا الباب - وأشار إلى باب الدار - وأقتل من فيه، وكان فيه ناس من الجرحى، فأخبر بمكانهم فتغافل عنهم... وكان مذهبه ألا يقتل مدبراً ولا يذفف على جريح ولا يكشف ستراً ولا يأخذ مالا.

ولما خرج على قال له رجل من أسد: والله لا تغلبنا هذه المرأة.

فقال لا تهتكن ستراً ولا تدخل داراً ولا تهيجن امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم.

ومضى فلحقه رجل فقال: يا أميرالمؤمنين قام رجلان على الباب فتناولا من هو أمض شتمالك من صفية.

قال ويلك!! لعلها عائشة! قال نعم. فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه. فأحالوا رجلين عن أزد الكوفة - وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مئة سوط وأخرجهما من ثيابهما.

ثم جهز عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، وأعد لها أربعين امرأة من نساء البصرة


المعروفات. وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر... وشيعها على أميالا وسرج بنيه معها يوما(1) ).

7 - ومن أبرز الأدلة على تشابه السيرتين هذا التراث الخالد - في التفكير والتعبير - الذي خلفه النبي في أحاديثه وخطبه ورسائله والذي تركه على في رسائله وخطبه وأقواله.

فقد جاءت أحاديث الرسول - وخطبه - ورسائله آية في روعة الأداء وسمو المعنى ونفاذ البصيرة في مكنونات النفس البشرية وتحليل نوازعها ودوافعها وعمق المعرفة في أثر البيئة في الفرد من الناحية الفكرية والعاطفة وفي التوجيه السليم من الناحيتين الفردية والاجتماعية.

وقد سار على على منوله وافتفى أثره إلى حد يستحيل معه على الباحث - في كثير من الأحيان - أن يميز بين ما تركه على - في هذا الباب - وبين ما خلفه رسول الله.

8 - وهناك جوانب أخرى تتماثل فيها السيرتان كل التماثل بحيث تصبح إحداهما صورة الأخرى للثانية: فتتماثل السيرتان في تطبيق حدود الله على المستحقين، وفي المساواة في العطاء والمعاملة بين المسلمين من خضد شوكة العصبية الجاهلية فيما يتصل بموقف العرب المسلمين من المسلمين غير العرب، وفي موقف قريش من سائر العرب وفي موقف ذوى الأحساب والمكانة من قريش تجاه ذوى الأحساب المتواضعة والمكانة غير المرموقة (بمقاييس العهد الجاهلي).

ويتجلى التماثل بين السيرتين كذلك في المروءة والإسماح أو العفو وسعة الصدر

____________________

(1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ ج 5 ص 105 - 132.


والوفاء بالعهد للخصوم. والأمثلة على ذلك تكاد لا تقع تحت حصر. نذكر منها الأمثلة التالية:

(قال أبو سفيان لنفر من قريش (ألا أحد يقتل محمداً؟ فإنه يمشى في الأسواق فأتاه رجل من الأعراب - في منزله - فقال قد وجدت أجمع الرجال قلباً وأشدهم بطشاً وأسرعهم شداً - أي جريا - فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى اغتاله، ومعي خنجر مثل خافية النسر.

فقال أبو سفيان أنت صاحبنا. فأعطاه بعيراً ونفقة، وقال اطو أمرك. فخرج ليلا... ثم أقبل يسأل عن رسول الله حتى دل عليه... فأقبل على رسول الله وهو في مسجد بني عبد الأشهل، فأقبل الرجل ومعه خنجر ليغتاله... فذهب لينحنى على رسول الله فجذبه أسيد بن حضير بداخلة إزاره - أي طرفه وحاشيته - فإذا بالخنجر. فأسقط في يده - أي ندم - فقال رسول الله أصدقني ما أنت؟ قال وأنا آمن!! قال نعم. فأخبره بخبره. فخلى سبيله.(1)

وذهب النبي إلى سعد بن عبادة يعوده من شكوى أصابته (فمر بعبد الله بن أبي وحوله رجال من قومه. فلما رآه رسول الله نزل فسلم ثم جلس قليلا فتلا القرآن ودعا إلى الله. حتى إذا فرغ قال ابن أبي إنه لا أحسن من حديثك!! إن كان حقاً فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه ومن لم يأتك فلا تغته به ولا تأتيه في مجلس بما يكره منه... فقام رسول الله فدخل على سعد بن عبادة.)(2)

____________________

(1) سيرة دحلان ج 2 ص 190.

(2) ابن هشام، سيرة النبي محمد ج 3 ص 218 - 219. ومن الطريف أن نذكر في هذه المناسبة أن عبد الله بن رواحة كان جالساً في رجال عنده من المسلمين، فلما سمع قول ابن أبي للنبي قال أغشنا في حديثك في مجالسنا ودورنا وبيوتنا... فتمثل ابن أبي - حين سمع ذلك - بقول القائل:

متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل

تذل ويصرعك الذين تصارع

وهل ينهض البازي بغير جناحه

وإن جذ يوما ريشه فهو واقع


وعندما أراد الرسول المسير إلى آحد لمقابلة المشركين قال لأصحابه: (من رجل يخرج بنا على القوم من كثب من طريق لا يمر بنا عليهم؟ فقال أبو خيثمة - أخو بني حارثة - بن الحرث: أنا يا رسول الله. فنفذ في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي - وكان رجلا منافقا ضرير البصر - فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم، وأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال والله لو أنى أعلم لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك؟ فابتدره القوم ليقتلوه. فقال رسول الله لا تقتلوه.)(2)

واقترح أحدهم على النبي أن يأتي عبد الله بن أبي سلول (متألفاً له ليكون ذلك سبباً لإسلام من تخلف من قومه وليزول ما عنده من النفاق. فانطلق رسول الله وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون معه فلما أتاه النبي قال: إليك عني لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه. فغضب لكل واحد منهما أصحاب فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال. فكفهم رسول الله وعفا عنه)(3) .

ذلك ما يتعلق بالنبي. أما ما يتصل بعلي فهو كثير. وقد مر بنا ذكر جانب منه ويتجلى ضبط الإمام لأعصابه وعفوه وسعة صدره في مواقفه من الخوارج على باطلهم.

وإلى القارئ مثلا واحداً من مئات الأمثلة في هذا الباب:

دخل أحد الخوارج مسجد الكوفة وعلى فيه (والناس حوله. فصاح لا حكم إلا لله ولو كره المشركون فتلفت الناس. فنادى لا حكم إلا لله ولو كره المتلفتون

____________________

(1) ابن هشام سيرة النبي محمد ج 3 ص 9.

(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 68 - 69.


فوجه على برأسه إليه. فقال لا حكم إلا لله ولو كره أبو حسن. فقال على إن أبا الحسن لا يكره أن يكون الحكم لله.

وكان على يوما يؤم الناس - وهو يجهر بالقراءة - فجهر ابن الكواء من خلفه: ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين. فلما جهر ابن الكواء بها - وهو خلفه - سكت على فلما أنهاها ابن الكواء عاد على فأتم قراءته. فلما شرع على في القراءة أعاد ابن الكواء الجهر بتلك الآية. فسكت على فلم يزل كذلك مراراً حتى قرأ على: فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. فسكت ابن الكواء، وعاد على إلى قراءته)(1) .

أما الوفاء بالعهد فيتجلى - في السيرتين - بأروع أشكاله في القصتين التاليتين:

ذكر البخاري في صحيحه (ج 2 ص 89) بأسانيده المختلفة عن خذيفة بن اليمان انه قال:

(ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبو حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمداً!! فقلنا إننا ما نريده، نريد المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله فخبرناه الخبر فقال انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عزوجل).

وحدث مثل ذلك لعلى في حرب البصرة فوقف منه كموقف الرسول كما ذكرنا قال الأحنف بن قيس بينما أنا في البصرة (إذ أتاني آت فقال هذه عائشة وطلحة والزبير قد نزلوا جانب الحريبة. فقلت ما جاء بهم؟ قالوا أرسلوا إليك يستنصرون بك على دم عثمان. فقلت لهم اختاروا مني واحدة من ثلاث خصال: إما أن

____________________

(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة المجلد الأول ص 216.


تفتحوا لي جسراً فألحق بأرض العجم حتى يقضى الله من أمره ما قضى، أو ألحق بمكة فأكون فيها حتى يقضى الله من أمره ما قضى، أو أعتزل فأكون قريباً. قالوا نأتمر ثم نرسل إليك. فائتمروا وقالوا اجعلوه ههنا قريباً. فاعتزلت بالجلجاء من البصرة على فرسخين. وقدم على فنزل الزاوية وأقام أياماً. فأرسلت إليه إن شئت أتيتك!! فأرسل إلى علي: كيف بما أعطيت من أصحابك من الاعتزال؟ قلت إن من الوفاء لله قتالهم. فأرسل إلى أن كف من قدرت عليه)(1) .

تلك هي أهم وجوه التشابه بين سيرة النبي وسيرة ابن عمه. ترى لماذا أخفق خصوم النبي في القضاء عليه أو تعطيل رسالته، ولم يخفق خصوم الامام؟ وبعبارة أخرى: لماذا لم يتسع المقام لعلى لنشر رسالته المستندة إلى القرآن وسنة النبي؟ هناك على ما أرى أربعة عوامل كبرى أدت إلى ذلك:

أولا - كان المجال الذي تحدث فيه تصرفات الرسول أوسع مدى من المجال الذي تحدث فيه تصرفات الإمام. وكان الوحي بجانب النبي ينزل عليه بالتدريج وبصورة مستمرة، ولم يفارقه منذ نبوته حتى وفاته فكان الوحي ينزل عليه طريا في كل مناسبة ليعين له النهج الذي ينبغي له أن يسير عليه - في حياته الخاصة والعامة مع خصومه وأنصاره على السواء.

وكان ذلك كله يحدث بالطبع ضمن نطاق الاسلام الذي كان آنذاك في طريقه إلى النمو والتكامل. فكان الوحي يخرج النبي من المآزق الحرجة - في حالة مواجهته إياها - أحياناً، ويعمل على صيانته من التعرض لها - قبل وقوعها - أحيانا أخرى. وهذا يعني أن إطار تصرفات النبي كان يتسع بصورة مستمرة:

____________________

(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 197.


يتكيف للزمان والمكان أحياناً، ويكيفهما له أحياناً أخرى - حسب مستلزمات المصلحة العليا للدين الحنيف.

أما على فكان يتصرف ضمن حدود الإطار الثابت الذي خلفه له النبي في القرآن والسيرة المحمدية.

ولقد كان بإمكانه - لو أراد - أن يخرج على تلك الحدود (إذا استلزمت مصلحة زمنية عارمة) كما فعل غيره من الخلفاء. ولكنه بفي مقيدا بقيود الدين في تصرفاته العامة والخاصة مع خصومه وأنصاره على السواء. فإذا حصل خلاف بين على وبين خصومه من جهة، أو بينه وبين أتباعه من جهة ثانية استعان على بنصوص قرآنية ثابتة وبتصرفات محمدية هي الأخرى ثابتة أيضاً. على حين أن خصومه والمعارضين من أتباعه يلجأون إلى المغالطة والدس والتضليل لأنهم يؤمنون - في الظاهر - بما هو مؤمن به، ولا ينكرون تلك النصوص القرآنية والتصرفات المحمدية بل يفسرونها لصالحهم أو لغير صالحه(1) .

أي أن الرسول كان مشرعاً - بأمر الله بالطبع - ولم يكن على كذلك. وإلى القارئ نماذج مما ذكرناه سقناها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

1 - فيما يتصل بالعبادات: لم يكن بإمكان على - دون أن يتعرض لنقد أو تجريح أو تكفير - مثلا أن يصلى العصر بعد المغرب، أو أن يصلى الصبح

____________________

(1) وفي هذه النقطة بالذات يكمن سر العامل الثاني الكبير الدى حال بين الإمام وبين نشر رسالته (من الناحية العملية) - تلك الرسالة المستندة إلى القرآن وسنة النبي، وهو ما سنبحثه بعد فراغنا من العامل الأول الذي هو بين أيدينا الآن.


بعد فوات أو انه، أو أن يصلى العصر بجماعة من المسلمين بطريقة غير مألوفة، أو أن يصلى دون وضوء، أو أن يفطر يوماً من رمضان - بعد الظهر - ويستمر على ذلك الإفطار مدة تتجاوز نصف رمضان، أو أن يحول قبلة المسلمين.

أما النبي فقد فعل ذلك كله بأمر من الله - عندما استلزمت ذلك المصلحة العليا للدين بالطبع. وإلى القارئ تفاصيل ذلك.

روى صاحب السيرة(1) (أن رسول الله صلى المغرب فلما فرغ قال: أحد منكم علم أني صليت العصر. قالوا يا رسول الله ما صلينا لا نحن ولا أنت. فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب)(2) .

واستيقظ النبي في إحدى غزواته بعد فوات صلاة الصبح فقال: لا ضير ارتحلوا فارتحلوا. فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودى بالصلاة فصلى بالناس.

وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعض الصحابة: وبعد أن صلينا وركبنا جعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما ضعناه بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال النبي ما هذا الذي تهمسون دوني؟ فقلنا يا رسول الله بتفريطنا في صلاتنا. قال أما لكم في أسوة حسنة. ثم قال ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت أخرى)(3) .

____________________

(1) السيرة الحلبية 2/344.

(2) السيرة الحلبية 2/344.

(3) السيرة الحلبية 1/475 - 476.


وتفصيل ما ذكرناه - في رواية أبي قتادة(1) . بينما نحن نسير مع رسول الله وهو قافل من تبوك وأنا معه إذ خفق خفقة - أي نام نومة خفيفة - وهو على راحلته فمال على شقه. فدنوت منه فدعمته فانتبه فقال من هذا؟ قلت أبو قتادة يا رسول الله خفت أن تسقط فدعمتك... ثم سار غير كبير، ثم فعل مثلها فادعمته فانتبه فقال:

يا أبا قتادة هل لك في التعريس؟ - أي الاستراحة لما تبقى من الليل - فقلت ما شئت يا رسول الله. فقال أنظر من خلفك؟ فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة. فقال أدعهم. فقلت أجيبوا رسول الله، فجاؤا فعرسنا، ونحن خمسة ومعي إدارة فيها ماه فنمنا فما انتهينا إلا بحر الشمس. فقلت إنا لله! فاتنا الصبح. فقال رسول الله لنغيظن الشيطان كما أغاظنا. فتوضأ من ماء الإداوة... ثم صلى بنا الفجر بعد طلوع الشمس... وركب فلحق الجيش عند زوال الشمس، ونحر معه.

وحانت صلاة الظهر أثناء الحديبية (فصلاها النبي بالمسلمين فقال خالد بن الوليد وهو على شركه - قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم. ولكن ستأتى الساعة صلاة أخرى فنزل جبرائيل بين الظهر والعصر بقوله تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت الصلاة فلتقم طائفة منهم معك - الآية.

فحانت صلاة العصر والعدو وجهه للقبلة فصلى النبي صلاة الخوف: فرتب القوم صفين وصلى بهم. فلما سجد سجد معه صف وحرس صف. فلما قام - هو ومن سجد معه - سجد من حرس ولحقوه. وسجد معه في السجدة الثانية من حرس أولا وحرس الآخرون. فلما جلس سجد من حرس. وتشهد بالصفين وسلم. وهذه الكيفية تعرف بصلاة عسفان)(2) .

وقد ذكر ذلك بشيء من الاختلاف المقريزي (إمتاع الأسماع ج 1 ص 188 - 191).

____________________

(1) المقريزي، امتاع الأسماع ج 1 ص 475 - 476.

(2) سيرة دحلان ج 2 ص 195 - 191.


ثم كانت غزاة ذات الرقاع سنة 4 هـ وسببها ان قادماً قدم بجلب له - أي ما يجلب من خيل وإبل - من نجد إلى المدينة وأخبر أن بني أنمار بن بغيض وبني سعد بن ثعلبة قد جمعا لحرب المسلمين. فخرج النبي في أربعمائة. وصلى صلاة الخوف، فكان أول ما صلاها يومئذ. وقد خاف أن يغيروا عليه - وهم في الصلاة - فاستقبل القبلة وطائفة خلفه وطائفة مواجهة العدو. فصلى بالطائفة التي خلفه ركعة وسجدتين ثم سلموا وجاءت الطائفة الثانية فصلى بهم ركعة وسجدتين، والطائفة الأولى مقبلة على العدو. فلما صلى بهم ثبت جالسا حتى أتموا لأنفسهم ركعة وسجدتين. ثم سلم.

هكذا ذكر ابن اسحق والواقدي وغيرهما من أهل السير. وهو مشكل: فإنه قد جاء في رواية الشافعي وأحمد والنسائي عن أبي سعيد - أن رسول الله حبسه المشركون يوم الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعاً، وذلك قبل نزول صلاة الخوف.

قالوا نزلت صلاة الخوف بعسفان كما رواه أبو عياش الزرقي قال:

كنا مع النبي بعسفان فصلى بنا الظهر - وعلى المشركون يومئذ خالد بن الوليد - فقالوا لقد أصبنا منهم غفلة... ثم قالوا إن لهم صلاة بعد هذا هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم. فنزلت - يعني صلاة الخوف - بين الظهر والعصر. فصلى بنا العصر ففرقنا فرقتين. وقد ذكر خلاف ذلك أن صلاة عسفان كانت بعد الخندق فاقتضى هذا أن ذات الرقاع بعدها.. وقد قال بعض من أرخ أن غزوة ذات الرقاع حدثت أكثر من مرة: فواحدة كانت قبل الخندق وأخرى بعدها).

وفقدت السيدة عائشة عقداً لها في إحدى غزوات النبي - غير العقد الذي فعقدته في غزوة بني المصطلق التي نزلت فيها آيات الإفك - (فأرسل النبي في طلبه رجلين من المسلمين أحدهما أسيد بن حضير. فحضرت الصلاة. صلاة الصبح - وكانوا على غير ماء، فنزلت آية التيمم.

فعن عائشة قالت لما كان من أمر عقدى ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا


فخرجت مع النبي في غزوة أخرى فسقط أيضاً عقدى حتى حبس التماسه الناس. وجاء الناس إلى أبي بكر وشكوا إليه ما نزل بهم. فجاء إلى عائشة - ورسول الله واضع رأسه الشريف على فخذها - فقال لها حبست رسول الله والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجعل يطعن بيده في خاصرتها ويقول: في كل سفرة تكونين عناء وبلاء. فاستيقظ رسول الله وحضرت الصلاة فلم يجد ماء فأنزل الله الرخصة بالتيمم. آية النساء. فقال أبو بكر عند ذلك - والله يا بني إنك - ما علمت - مباركة، وقال لها رسول الله ما أعظم قلادتك، وقال أسيد بن حضير ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر.. جزاك الله خيراً فما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله منه مخرجا وللمسلمين فيه خيراً(1) .

وخرج النبي إلى بدر في رمضان (فصام يوماً أو يومين ثم نادى مناديه يا معشر العصاة إني مفطر فافطروا - وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذلك أفطروا أفطروا فلم يفعلوا)(2) .

وخرج النبي إلى فتح مكة (يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان - بعد العصر ولما خرج من المدينة نادى مناديه من أحب أن يصوم فليصم ومن أحب أن يفطر فليفطر. وصام هو حتى إذا كان بالعرج صب على رأسه ووجهه الماء من العطش. فلما كان بالكديد - بين الظهر والعصر - أخذ إناء في يده حتى رآه المسلمون ثم أفطر تلك الساعة. ويقال كان فطر يومئذ بعد العصر. وبلغه أن قوماً صاموا فقال أولئك العصاة. وقال بمر الظهران: إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم)(3) .

ذلك ما يتصل بالصلاة والصيام. أما ما يتعلق بتغير القبلة فغن ابن اسحق قال عنه ما يأتى: (لما صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة - على رأس سبعة عشر شهراً -

____________________

(1) السيرة الحلبية ج 2.

(2) المقريزي، امتاع الأسماع ج 1 ص 73.

(3) المقريزي، المصدر السابق 1 - 364 - 365.


من مقدم رسول الله المدينة. - أتى رسول الله رفاعة بن قيس وآخرون فقالوا يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها - وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ إرجع إلى قبلتك التي كنت عليها ونصدقك. فأنزل الله.

سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كنت عليها - قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.

ثم قال قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها: فول وجهك شطر البيت الحرام، وحيث كنتم فولوا وجهكم شطره)(1) .

أما كيف حصل ذلك من الناحيتين التشريعية النظرية والواقعية العملية فقد ذكره الزمخشري فقد جاء، من الناحية النظرية التشريعية، في سورة البقرة: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون. ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذن لمن الظالمين.

أما من الناحية العملية الواقعية: فعن البراء بن عازب (على رواية الزمخشري) قدم رسول الله المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً. ثم وجه وجهه إلى الكعبة. وقيل كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمى المسجد مسجد القبلتين).

____________________

(1) ابن هشام (سيرة النبي محمد) 2 176 - 177.


2 - فيما يتصل بالحروب: لم يكن باستطاعة على أن يحارب خصومه بأمر من الله ينزل خصيصاً لذلك، ولم ينزل قرآن في وصف خصومه وموقف أنصاره منه أثناءها، ولم يؤذن له أن يقاتل خصومه في الأشهر الحرم، أو تحارب الملائكة إلى جانبه بحيث يراها بعض الناس، أو أن تنزل بحقه (براءة من الله لمن عاهدتم من المشركين) عندما ألح عليه الخوارج بضرورة استئناف القتال ضد أهل الشام بعد التحكيم.

ولكن ذلك كله قد حصل للرسول - وإليك تفاصيله:

ذكر ابن هشام(1) أنه لم يؤذن للرسول - قبل بيعة العقبة - أن يقاتل المشركون، بل كان يؤمن بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه - من المهاجرين - حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم.

وكانت أول آية نزلت في إذنه له بالحرب أذن الله للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله... ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز... وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة).

أما ما نزل من الآيات أثناء معركة بدر وبعدها فقد ذكرناه.

(وكان مما أنزل الله في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران... فمنها): (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون 9 أي لكم تكون العاقبة (إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم صدقتم نبي بما جاءكم به عني - (إن يمسكم قرح) أي جراح (فقد مسّ القوم قرح مثله) - أي جراح مثلها -.

(وتلك الأيام نداولها بين الناس) - أي نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص - (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) - أي ليميز بين


المؤمنين والمنافقين ويكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة - والله لا يحب الظالمين - أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية - وليمحص الله الذين آمنوا - أي يختبرهم بالبلاء الذي نزل بهم وكيف صبرهم ويقينهم - ويمحق الكافرين - أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به. ثم قال: - (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) -.. (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون).

أي لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم، يعني الذين استنهضوا رسول الله إلى خروجه بهم إلى عدوهم لما فاتهم من حضور اليوم الذي كان قبله ببدر، ورغبة في الشهادة التي فاتتهم به.

ثم قال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزى الله الشاكرين). أي لقول الناس قتل محمد وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم... (وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتاباً مؤجلا - أي لمحمد أجل هو بالغه فإذا أذن الله في ذلك كان. ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها وسيجزى الله الشاكرين(1) ).

أما الإذن للمسلمين بمقاتلة خصومهم في الأشهر الحرم فقد ذكره ابن هشام بقوله:

قال ابن إسحق: عاد إلى المدينة عبد الله بن جحش وأصحابه من الشرية التي أوفدها الرسول وقد قاتلوا عدوهم في الأشهر الحرم. فقال لهم النبي. ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم. فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. فلما قال ذلك رسول الله سقط في أيدي القوم... فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله

____________________

(1) ابن هشام، سيرة النبي محمد ج 3 ص 63 - 64.


على رسوله: يسألونك عن الشهر الحرام قتال؟ قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله - أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله، مع الكفر، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم. والفتنة أشد من القتل - أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل. - ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا - أي ثم هم مقيمون على أخبث من ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. -

فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه - حين نزل القرآن - طمعوا في الأجر فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله:

(إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله والله غفور رحيم(1) ). وأما قتال الملائكة في بدر فقد مر بنا ذكره. وإلى القارئ ذكر شهود العيان في هذا الصدد:

قال ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف على بدر - ونحن مشركان - ننتظر على من تكون الدائرة فننهب من ننهب. فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها جمجمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم.

وقال ابن اسحق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة عن ابن أسيد - مالك بن ربيعة - وكان شهد بدراً قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت

____________________

(1) المصدر نفسه ج 2 ص 241 - 242. والزمخشري الكشاف 1 176/177/196.


اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى).

وقال ابن هشام بإسناده إلى أبي داود المازني - وكان شهد بدراً - (قال إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى. فعرفت أنه قتله غيري.

وقال ابن اسحق حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحرث عن عبد الله بن عباس قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراً(1) .

ويتصل بذلك ما يلي: (جلس النبي في المسجد يقسم غنائم تبوك فدفع لكل واحد سهما، ودفع لعلى سهمين، فقام زائدة بن الأكوع وقال يا رسول الله أوحى من السماء؟ أم أمر من نفسك؟ فقال النبي أنشدكم الله هل رأيتم في ميمنتكم صاحب الفرس الأغر المحجل والعمامة الخضراء بها ذؤابتان مرخاتين على كتفه، بيده حربة قد حمل بها على الميمنة؟ قالوا نعم. قال هو جبرئيل، وإنه أمرني أن أدفع سهمه لعلى. فقال زائدا حبذا سهم مسهم(2) .

وأما نزول براءة فإليك تفاصيله: نزلت براءة في نقض ما بين رسول الله وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم(3) : براءة من الله إلى الذين عاهدتم من المشركين - أي لأهل العهد العام من المشركين - فسيحوا في الأرض

____________________

(1) المصدر نفسه (أي ابن هشام) ج 2 ص 273 - 274.

(2) السيرة الحلبية 3/161.

(3) أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك. وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة. فنزلت فيه وفيمن تخاف من المنافقين عنه أن تبوك.


أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى الله وأن الله مخزى الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر إن الله برئ من المشركين ورسوله. - أي بعد هذه الحجة - فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم. إلا الذين عاهدتم من المشركين. - أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى - ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين.

فإذا انسلخ الأشهر الحرم - يعني الأربعة التي ضرب لهم أجلا - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد.

ثم قال: كيف يكون للمشركين - الذين كانوا وأنتم على العهد العام أن لا يخيفوكم في الحرمة - ولا في الشهر الحرام - عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام. وهي قبائل من بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله وبين قريش فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو الديل من بني بكر بن وائل الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وأمر بإتمام لمن لم يكن نقض من بني بكر إلى مدته. فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين.

ثم أمر الله رسوله بجهاد أهل الشرك ممن نقض العهد الخاص ومن كان من أهل العهد العام بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم آجالا أن يعدو فيها عاد منهم فيقتل بعدائه فقال: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزيهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين(1) ).

وهناك أمر آخر يتصل بما ذكرنا أشد الاتصال. هو أن الرسول عند مقاتلته

____________________

(1) ابن هشام، سيرة النبي محمد ج 4 ص 201 - 204.


خصومه وانتصاره عليهم كان يقسم غنائم الحرب على أتباعه كما هو معلوم. هذا إلى أن كيفية التقسيم نفسها وإن كانت تجري ضمن الإطار العام للإسلام إلا أن النبي كان يدخل عليها تغييرات كبيرة وفقاً لمستلزمات الظروف وضمن ذلك الإطار.

وقد مر بنا ذكر إعطائه علياً سهمين من غنائم تبوك - وقد حرم النبي الأنصار بكاملهم - إلا رجلين محتاجين هما سهل بن حنيف وأبو دجانة - من غنائم بني النضير.

قال المقريزي(1) (فلما غنم رسول الله بني النضير بعث ثابت بن قيس بن شماس فدعا الأنصار كلها من الأوس والخزرج. فحمد النبي الله وأثنى عليه وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وإثرتهم على أنفسهم. ثم قال: إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله على من بني النضير!! وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكن في مساكنكم وأموالكم. ولو إن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم!!

فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله بل تقسمه المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار رضينا وسلمنا يا رسول الله... فقسم النبي ما أفاء الله عليه على المهاجرين دون الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين: سهل بن حنيف وأبو دجانة).

أما على فلم يكن باستطاعته أن يعتبر ما يتركه خصومه (بعد الحرب) غنائم حرب أو (أن يقسم ذلك على أتباعه) لأنهم مسلمون - في الظاهر - كما ذكرنا.

قال الغزالي(2) (بعث علي بن أبي طالب بن عباس إلى الخوارج فكلمهم فقال ما تنقمون على إمامكم؟ قالوا قاتل ولم يسب ولم يغنم. فقال ذلك في قتال الكفار.

____________________

(1) امتاع الأسماع ج 1 ص 182 - 183.

(2) إحياء علوم الدين 1 / 85.


أرأيتم لو سبيت عائشة في يوم الجمل فوقعت في سهم أحدكم أكنتم تستحلون منها ما تستحلون من ملككم؟ فقالوا لا. فرجع منها للطاعة ألفان وبقى آخرون).

3 - نزول الوحي في المآزق الحرجة: لقد كان الرحى - كما ذكرنا - الرسول في المواقف الحرجة والأزمات التي تعرض لها مع خصومه وأنصاره على السواء. ولم يكن على كذلك بالطبع. وقد مر بنا جانب كبير من الأمثلة على ذلك.

وإلى القارئ الأمثلة التالية سقناها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:

(ا) معركة بدر: قال المقريزي: (وجاءت ريح شديدة ثم هبت ريح أشد منها ثم هيت ريح ثالثة أشد منهما: فكانت الأولى جبرائيل في ألف من الملائكة مع رسول الله، والثانية ميكائيل في ألف عن ميمنته، والثالثة في ألف عن ميسرته.

ويقال نزل جبرائيل بألف من الملائكة في صور الرجال... وهم الآلاف المذكورة في آل عمران - الآيات من 123 - 127... وكان يحدث أن الملائكة(1) نزلت يوم بدر على خيل باق عليها عمائم صفر. وقال سهيل ابن عمرو: ولقد رأيت يوم بدر رجالا بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون.

وقال أبو أسيد الساعدي بعد أن ذهب بصره - لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة... وقال رسول الله إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة. قال أبو أسيد الساعدي فذهبنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء).

____________________

(1) امتاع الاسماع 1/80، 87، 150.


(ب) في أعقاب معركة أحد: جاء في سيرة دحلان (ج 2 ص 77) أنه (لما رجع المشركون عن أحد قالوا لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم. بئسما صنعتم. إرجعوا. فسمع رسول الله بذلك فندب المسلمين فانتدبوا(1) فخرج بهم حتى بلغ حمراء الأسد - أو بئر أبي عتبة - فأنزل الله. الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. وخرج رسول الله وهو مجروح في وجهه أثر الحلقتين، ورباعيته مكسورة وشفته السفلى مشقوقة وركبتاه مجرحتان من وقعة الحفيرة).

(ج) الخندق: (أنزل الله في شأن الخندق - يذكر نعمته وكفايته عدوهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من تكلم بالنفاق - قوله: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً - الآيات من 9 - 27 من سورة الأحزاب(2) ).

(د) جوانب أخرى من الحديبية: جاء في السيرة الحلبية (ج 3 ص 10، 29) (وسبب غزوة الحديبية أن رسول الله راى في النوم أنه دخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، وأنه دخل البيت وأخذ مفتاحه. فتجهز المسلمون للسفر وخرج رسول الله معتمرا... فلما صدوا عن البيت قالوا له: أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق - الآية(3) ).

(فركض الناس وهم يقولون أنزل الله على رسوله، حتى توافوا عنده وهو يقرؤها.

____________________

(1) يذكرنا هذا الموقف بموقف أنصار الإمام منه عندما تخاذلوا وصموا آذانهم عن ندائه في معرص استنهاضه هممهم لمحاربة خصومه وخصومهم بعد صفين خاصة كما هو معروف.

(2) المقريزي. امتاع الاسماع ج 1 ص 240.

(3) السيرة الحلبية 3/10، 39.


ويقال لما نزل جبريل عليه قال أهنئك يا رسول الله. فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون(1) ).

وكان الوحي بجانب النبي كذلك في موقفه من النساء اللائي جئن من معسكر المشركين. وملخص ذلك أنه لما كان النبي بالحديبية بعد الصلح الذي وقعه عن المشركين سهيل بن عمرو، والذي كان من شروطه كما ذكرنا أن لا يدخل النبي مكة في ذلك العام، وأن يرد النبي على المشركين من يأتيه منهم، ولا يرد المشركون إلى النبي من يأتيهم من أصحاب النبي، جاءته جماعة من النساء المؤمنات مهاجرات من مكة، من جملتهن سبيعة بنت الحرث. فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالبا لها. وأراد

مشركو مكة أن يردهن النبي إلى مكة فنزل جبرائيل بهذه الآية. يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن. فإن علمتموهن مؤمنات فلا تردو من إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن(3) ).

أما موقف النبي من المسلمين الفارين من قريش - بعد الحديبية - فكان مغايراً لموقفه من المسلمات كما رأينا. وقد مر بنا ذكر جانب منه عندما تحدثنا عن قصة أبي جندل أثناء الحديث عن الحديبية. وإلى القارئ قصة أبي بصير.

قال المقريزي(3) (ولما قدم رسول الله المدينة من الحديبية جاءه أبو بصير - عتبة بن أسيد -... مسلماً قد انفلت من قومه وسار على قدميه سبعاً وكتب

____________________

(1) السيرة الحلبية 3/10، 39.

(2) المقريزي، امتاع الاسماع 1/30.

(3) المصدر السابق. وكان بين أولئك النسوة - باضافة إلى سبيعة بنت الحرث - كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، واميمة بنت بشر الأنصاري التي كانت تحت حسان بن الدحداح وهو يومئذ مشرك فزوجها النبي سهل بن حنيف فولدت له عبد الله. راجع السيرة الحلبية 3/30.


الأخنس بن شريق وأزهر بن عبد عوف الزهري إلى رسول الله كتاباً مع حنيس بن جابر من بني عامر، واستأجراه ببكرين لبون وحملاه على بعير. وخرج معه مولى يقال له كوثر. وفي كتابهما ذكرا الصلح وأن يرد عليهم أبابصير. فقد ما بعد أبي بصير بثلاثة أيام. فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول الله فإذا فيه. قد عرفت ما شار طناك عليه وأشهدنا بيننا وبينك من رد من قدم عليك من أصحابنا فابعث إلينا أبا بصير. فأمر رسول الله أبا بصير أن يرجع معهم، ودفعه إليهما.

فقال أبو بصير يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني!! فقال يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر. وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا).

(هـ) غزوة بئر معونة. (ثم كانت غزوة بئر معونة - وهي ماء لبني عامر ابن صعصعة -... في صفر على رأس سنة ثلاثة وثلاثين شهراً. وسببها أن عامر بن مالك... قدم على رسول الله وأهدى له فرسين وراحلتين فقال الرسول لا أقبل هدية مشرك. وردهما وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إني أرى أمرك هذا حسناً شريفاً، وقومى خلفي فلو أنك بعثت نفراً من أصحابك معي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك.

فقال النبي إني أخاف عليهم أهل نجد. فقال عامر لا تخف عليهم أنا لهم جار أن يعرض لهم أحد من أهل نجد. وكان من بينهم سبعون رجلا شببة - أي شباناً - يسمون القراء... فبعثهم النبي... وكتب معهم كتابا... حتى إذا كانوا ببئر معونة.. عسكروا بها... وقدموا حرام بن ملحان الأنصاري بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر. فلم يقرؤا الكتاب ووثب عامر بن الطفيل على حرام فقتله واستصرخ قبائل بني سليم فنفروا معه حتى وجدوا القراء فقاتلوهم - أي قتلوا القراء... ولم يجد رسول الله على قتلى ما وجد قتلى بئر معونة. وأنزل الله فيهم قرآنا(1) ).

____________________

(1) المقريزي، امتاع الاسماع 1 / 170 - 173.


ثانياً - أما العامل الثاني الذي حال بين الإمام وبين تطبيق رسالته المستندة إلى القرآن وسيرة النبي فهو أن خصوم الرسول كانوا مشركين، وكان من السهل عليه أن يؤلب المسلمين على حربهم والتنكيل بهم. وكان القرآن إلى جانبه في هذا السبيل. وكان المشركون - بدورهم - يحاربون النبي للقضاء - بصورة مكشوفة وصريحة - على العقيدة الإسلامية ورفع راية الشرك وعبادة الأوثان.

فكان الصراع بين الرسول وخصومه إذن صراعا مكشوفاً بين عقيدتين: الإيمان بالله بجميع مستلزماته، والكفر بالله بمستلزماته جيمعها. وسار الخصمان المتنازعان - على ذلك - في السر والعلانية دون تستر أو وجل أو مجاملة أو خوف.

أما خصوم الإمام فكانوا - في الظاهر - مسلمين كإسلامه، وكانوا يقاتلونه للمطالبة بدم ابن عفان.

وكان أشدهم وطأة عليه معاوية بن أبي سفيان وأمشاجه من الأمويين الذين تظاهروا بالإسلام للإجهاز عليه. فغرروا بكثير من السذج والبسطاء ودفعوهم أمامهم لحرب خليفة رسول الله. فلم يكن والحالة هذه باستطاعة الإمام أن يحمل الكثيرين من أتباعه على مواصلة القتال، وليس بجانبه وحى لأنه ليس بنبي. ولم يكن باستطاعة المخلصين من أتباعه - والعارفين بخفايا الأمور - أن يقنعوا المترددين من أنصار الإمام على السير بالقتال إلى نتيجته الطبيعية كما سار به رسول الله من قبل. فلا عجب أن ذهبت محاولاتهم - التي ذكرنا طرفا منها - أدراج الرياح. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى التحكيم ومصرع الإمام كما هو معروف. فانتقل الحكم الإسلامي إلى الأمويين وارتقى معاوية بن أبي سفيان منبر النبي يتصرف بشئون المسلمين كيفما شاء: معاوية الذي لم يصلح بنظر الإمام لولاية الشام بله خلافة المسلمين.

ثالثاً - وأما العامل الثالث فيتلخص في أمام الإمام ارتقى منبر النبي في ظروف


مضطربة قلقة انتهت بدايتها بمصرع عثمان. وهذا يعني أن الخلافة قدمت لعلى بعد ثورة دموية لم يساهم هو في إحداثها.

أي أن الإمام بعبارة أخرى اقتطف ثمار ثورة قام بها غيره من حيث التمهيد لحدوثها ومن حيث المساهمة الفعلية في حوادثها.

فطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعمرو بن العاص مثلاً - وهم رؤوس الفتنة وشيوخ التأليب على عثمان - قد راعهم انتقال الأمر إلى على (لتعارضه مع مصالحهم) فقاوموه تحت ستار المطالبة بدم الخليفة القتيل. ورجال الثورة من المصريين والكوفيين والبصريين لم ينتفعوا أيضاً بالوضع الجديد فقاوموه. نقم هؤلاء وأولئك: الثائرون والمحرضون معاً على على كما نقموا على عثمان من قبل - مع فرق كبير بين عوامل النقمة في الحالتين. فقد نقموا على عثمان خروجه في سياسته العامة على الدين، ولكنهم نقموا على على تمسكه بالدين في سياسته العامة.

رابعاً - وأما العامل الرابع فيتلخص في أن الفترة التي أعقبت وفاة الرسول وانتهت بمصرع عثمان قد شهدت تساهلا في تطبيق حدود الله على المستحقين. بدأ ذلك التساهل خفيفاً في عهد أبي بكر واشتد في زمن عمر وتجاوز الحد في عهد عثمان. وقد ألف الناس ذلك وأصبح له أنصار ومحبذون من المنتفعين به ومن أصحاب المصالح المركزة. فلا عجب والحالة هذه أن تعرضت سياسة الإمام التي شرحنا جانباً منها في الفصول السابقة من هذه الدراسة إلى مقاومة عنيفة مر بنا ذكر جانب كبير منها.

وإلى القارئ هذه الأمثلة من تصرفات الخلفاء الذين سبقوا علياً سقناها على سبيل التمثيل لاعلى سبيل الحصر.

1 - خالف أبوبكر نصوصاً صريحة في القرآن والسيرة المحمدية في موضوع الخلافة، وفدك، وخالد بن الوليد. وقد بحثنا ذلك في كتابنا: (على ومناوئوه).


2 - أسقط أبوبكر وعمر وعثمان سهم ذي القربى وسهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات خلافا لنص القرآن وسنة النبي. فقد جاء في سورة الأنفال نص صريح على سهم ذي القربى - وعمل به النبي -: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير). وورد في سورة التوبة نص على سهم المؤلفة قلوبهم - وعمل به الرسول -: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم).

ومن طريف ما يروي عن النبي في موضوع المؤلفة قلوبهم ما ذكره ابن هشام (سيرة النبي محمد ج 4 ص 129 - 141) حين قال: (أعطى رسول الله المؤلفة قلوبهم - وكانوا أشرافا من أشراف الناس - يتألفهم ويتألف بها قومهم فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير، وأعطى ابنه معاوية مئة بعير، وأعطى حكيم بن حزام مئة، وأعطى الحرث بن الحرث بن كلدة - أخا بني عبد الدار - مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو مئة بعير، وأعطى الحرث بن هشام مئة بعير، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مئة بعير، وأعطى العلاء بن جارية الثقفي - حليف بني زهرة - مئة بعير، وأعطى عيينة بن حصن مئة بعير وأعطى الأقرع بن حابس مئة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصري مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصري مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير، وأعطى دون المئة رجالا من قريش منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمر بن وهب الجمحي وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤى. وأعطى عباس ابن مرداس أباعر فسخطها فعاتب فيها رسول الله.

كانت نهاباً تلافيتها

بكرى على المهر في الاجرع

وإيقاضى القوم إن رقدوا

إذا هجع الناس لم أهجع

فأصبح نهبي ونهب العبيد

بين عيينة والأقرع


وما كان حصن ولا حابس

يفوقان مرداس في المجمع

وما كنت دون امرئ منهما

ومن تضع اليوم لا يرفع(1)

3 - عطل عمر بن الخطاب حداً من حدود الله في قضية زنى المغيرة ابن شعبة، وفي موضوع سرقة غلمان حاطب بن أبي بلتعة. وعطل عثمان حداً من حدود الله في قضية قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة وبنت أبي لؤلؤة. وإلى القارئ خلاصة ذلك كله:

(ا) زنى المغيرة بن شعبة: ذكر بن خلكان(2) قصة المغيرة مفصلة هذه أهم عناصرها: (وأما حديث المغيرة بن شعبة والشهادة عليه فإن عمر بن الخطاب كان قد رتب المغيرة أميراً على البصرة. وكان يخرج من دار الإمارة نصف النهار. وكان أبو بكرة يلقاه فيقول أين يذهب الأمير؟ فيقول حاجة. فيقول أبو بكرة إن الأمير يزار ولا يزور...

وكان المغيرة يذهب إلى امرأة يقال لها أم جميل بنت عمرو... فبينما أبو بكرة في غرفة مع إخوته - لأمه سمية - وهم نافع وزياد وشبل بن معبد كانت أم جميل المذكورة في غرفة أخرى قبالة هذه الغرفة. فضربت الريح باب غرفة أم جميل ففتحته ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة مع امرأة على هيئة الجماع.

فقال أبو بكرة هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا حتى أثبتوا. فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة. فقال له إن كان من أمرك ما قد علمت فاعتز لنا.

____________________

(1) الضمير المستتر في (كانت) يعود إلى الإبل والتهاب جمع نهب. والأجرع المكان السهل. والعبيد اسم فرس العباس بن مرداس. وحصن هو أبو عيينة. وحابس هو: أبو الاقرع. ومرداس هو: أبو عباس. وروى بموضع (مرداس)، (شيخي) أو (شيخي) بالتثنية يعني أباه وجده.

(2) وفيات الأعيان 2/ ص 297 - 298.


وذهب المغيرة ليصلى بالناس الظهر، ومضى أبو بكرة فقال لا والله لا تصل بنا... وكتبوا إلى عمر فأمرهم أن يقدموا عليه جميعاً: المغيرة والشهود. فلما قدموا عليه جلس عمر فدعا بالشهود والمغيرة فتقدم أبو بكرة فقال له عمر رأيته بين فخذيها؟ قال نعم: والله لكأني أنظر تشريم جدري بفخذيها... فقال عمر لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة. فقال نعم أشهد على ذلك. فقال عمر إذهب مغيرة فقد ذهب ربعك.

ثم دعا عمر نافعاً فقال له علام تشهد؟ قال على شهادة أبي بكرة. قال عمر لا: حتى تشهد أنه ولج فيها ولوج الميل في المكحلة. قال نعم... فقال عمر للمغيرة إذهب يا مغيرة فقد ذهب نصفك. ثم دعا الثالث فقال له علام تشهد؟ فقال على مثل شهادة صاحبي. فقال عمر: إذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك.

ثم كتب إلى زياد - وكان غائباً - وقدم. فلما رآه جلس في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار. فلما رآه مقبلا قال إني أرى رجلا لا يخزى الله على لسانه رجلا من المهاجرين...

فقال زياد: يا أمير المؤمنين رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً ورأيته رافعاً رجليها فرأيت خصيتيه تردد ما بين فخذيها ورأيت حفزاً شديداً وسمعت نفساً عالياً.

فقال عمر: رأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكخلة؟ فقال لا. قال عمر الله أكبر! قم يا مغيرة إليهم فاضربهم فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين. وضرب الباقين... فقال أبو بكرة - بعد أن ضرب - أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا. فهم عمر أن يضربه حداً ثانياً فقال على: إن ضربته فارجم صاحبك. فتركه.

واستتاب عمر أبا بكرة فقال أبو بكرة إنما تستتبني بقبول شهادتي. فقال أجل. لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا.

تلك هي قصة المغيرة. وقبل أن نعلق عليها نرى لزاماً علينا - لكي يستوفى


البحث شروطه التاريخية في القضية - أن نذكر للقارئ الأمور التالية:

1 - قال أحد الرواة (كان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح... وكان المتوسط من عمره الغش والفجور وإعطاء البطن والفرج سؤلهما، وممالأة القاسطين وصرف الوقت في غير طاعة الله)(1) .

2 - ذكر ابن الأثير(2) أن المغيرة قال لعمر بن الخطاب في معرض الدفاع عن نفسه: (والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها).

3 - ذكر ابن خلكان(3) أن المغيرة - عندما ضرب أبا بكرة وأخويه الحد بأمر من عمر - قال (الله أكبر!! الحمد لله الذي أخزاكم. فقال عمر: بل أخزى الله مكانا رأوك فيه).

4 - وروى ابن خلكان(4) (أن أم جميل وافت عمر بن الخطاب بالموسم - والمغيرة هناك - فقال له عمر: أتعرف هذه المرأة يا مغيرة؟ فقال نعم: هذه كلثوم بنت علي بن أبي طالب. فقال له عمر أتتجاهل على!! والله ما أظن أبا بكرة كذت عليك. وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء).

5 - ذكر ابن حجر(3) أن المغيرة قال: (أنا أول من رشا في الإسلام، جئت إلى يرفأ حاجب عمر - وكنت أجالسه - فقلت له خذ هذه العمامة فالبسها فإن عندي أختها. فكان يأنس بي ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب. فكنت آتى فأجلس في القائلة فيمر المار فيقول: إن للمغيرة عند عمر منزلة: إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها عليه أحد غيره...

____________________

(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 4/453.

(2) الكامل في التاريخ 2/379.

(3) وفيات الاعيان 2/298.

(4) المصدر نفسه 2/399.

(5) الاصابة في تمييز الصحابة 3/432.


وأخرج البغوي من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:

استعمل عمر المغيرة على البحرين فكرهوه وشكوا منه فعزله فخافوا أن يعيده عليهم فجمعوا مئة ألف درهم فأحضرها الدهقان إلى عمر فقال: إن المغيرة اختان هذه وأودعها عندي فدعاه عمر فسأله فقال كذب إنما كانت مئتي ألف. فقال عمر ما حملك على ذلك؟ قال كثرة العيال. فسقط في يد الدهقان فحلف وأكد الإيمان أنه لم يودع عنده لا قليلا ولا كثيراً. فقال عمر للمغيرة وما حملك على هذا؟ فقال إنه افترى على فأردت أن أخزيه).

6 - كتب أحد المؤرخين(1) عن عمر بن شبة في أخبار البصرة (أن العباس ابن عبد المطلب قال لعمر أقطعني البحرين. فقال ومن يشهد لك بذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة. فأبى عمر أن يجيز شهادته).

7 - لما جاء عروة بن مسعود الثقفي إلى رسول الله عام الحديبية نظر إلى المغيرة قائماً على رأس رسول الله مقلداً سيفه فقال من هذا؟ قيل ابن أخيك المغيرة. قال: وأنت ههنا يا غدر!! والله إني إلى الآن ما غسلت سوأتك(2) .

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نجزم بثبوت جريمة الزنى على المغيرة في القضية الآنفة الذكر. أما الأدلة على ذلك فتتلخص في الأمور التالية:

1 - لقد شهد كل من أبي بكرة ونافع وشبل وزياد - بكل صراحة ووضوح -

____________________

(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 4/453. والإشارة هنا إلى قصة غدر المغيرة بجماعة من العرب - أثناء شركه المكشوف - حينما كانوا في طريق عودتهم من بعض الملوك حاملين الهدايا. فقتلهم بعد أن اسكرهم. ثم انتهب أموالهم وقدم على رسول الله فتظاهر بالاسلام كما هو معروف. ومن طريف ما يروى عن المغيرة (البلاذري: أنساب الأشراف 5/17) أنه قال لعثمان أثناء توليته الخلافة (أما والله لو ولي غيرك ما بايعته فقال عبد الرحمن ابن عوف كذبت يا أعور: لو ولي غيره لبايعته ولقلت له مثل هذا القول).

(2) الغزالي، احياء علوم الدين 3/149.


أنهم رأوا المغيرة وأم جميل (التي لا تربطها بالمغيرة أية رابطة مشروعة) في مكان معين وهما على هيئة الجماع. وقد ذكر كل من أبى بكرة ونافع وشبل أنه رآه - على حد قوله - (يلج فيها ولوج المرود في المكحلة.

أما زياد فقد رأى - على حد زعمه - (مجلساً وسمع نفساً حثيثاً وانتهازاً ورآه رافعاً رجليها، ورأى خصيتيه تردد إلى ما بين فخذيها، ورأى حفزاً شديداً وسمع نفساً عالياً). وكل هذا يدل - دون شك - على أنه ولج فيها (ولوج الميل في المكحلة).

2 - إن مجرد خلوة المغيرة بأم جميل كاف لإدانته بالزنى وذلك لاشتهاره بالفسق والفجور وإعطائه (البدن والفرج سؤلهما) كما قال أحد المؤرخين.

3 - وخلوة أم جميل هي الأخرى من عوامل ثبوت الزنى لاشتهارها به بين الناس آنذاك.

4 - عدم قيام أم جميل أو وليها بما يشبه المطالبة بالشرف ممن اتهمها بأعز شيء لديها، وهو أمر يمجه الذوق العربي الرفيع وتأباه الأخلاق الاجتماعية السليمة.

5 - قول المغيرة لعمر - في معرض الدفاع عن نفسه - بأن أم جميل تشبه زوجته هو الآخر دليل على زناه. ولا ندري كيف عرف المغيرة وجه الشبه بين زوجته وبين أم جميل!! دون أن يرى أم جميل أو يجتمع بها!

(ب) سعى عمر لتبرءة المغيرة من فعله الشنيع. أما الأدلة على ذلك فهي:

1 - طبيعة الأسئلة التي وجهها للشهود.

2 - قوله لأحد الشهود - قبل إدلائه بشهادته -: (إني أرى رجلا لا يخزى الله على لسانه رجلا من المهاجرين.) وهذا يوحى للشاهد - دون شك - رغبة الخليفة في تبرئة المتهم.

(ج) شعور نفسي لدى عمر بعدم براءة المغيرة. وللتدليل على ذلك نذكر مايلي:


1 - قول عمر للمغيرة (- على رواية ابن الأثير التي ذكرناها - عندما جاءت أم جميل إلى عمر في أحد المواسم، وعندما طلب عمر من المغيرة أن يشخصها فأخبره المغيرة بأنها أم كلثوم بنت على): (والله ما أظن أن أبا بكرة كذب عليك. وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء).

2 - قول عمر للمغيرة - الذي ذكره ابن خلكان كما رأينا -: (بل أخزى الله مكانا رأوك فيه). وذلك عندما قال المغيره للشهود: (الحمد لله الذي أخزاكم).

3 - عدم قبول لشهادة المغيرة كما رأينا.

4 - عزله إياه من ولاية البصرة بعد الحادثة المذكورة مباشرة.

يتضح مما ذكرنا أن تاريخ المغيرة والقرائن التي ذكرناها وشهادة الشهود الأربعة تدين المغيرة. ومن المحزن حقاً أن يتخلص المغيرةمن العقوبة الشرعية. وأنكى من ذلك أن ينزل المغيرة نفسه الحد بمن شهد عليه.

على أن قصة المغيرة مع ذلك كله ذات مغزى بعيد الأثر عميق الغور في حياة المسلمين. ذلك لأنها حملت بين ثناياها المؤلمة ردعاً ضمنياً للناس عن قول والوقوف بوجه الفجرة من الولاة والأمراء.

(د) قضية غلمان حاطب بن أبي بلتعة: يتجلى الاختلاف بين نص القرآن وسيرة النبي من جهة وبين سيرة عمر بن الخطاب من جهة ثانية بأوضح أشكاله في إعفاء عمر عن غلمان حاطب بن أبي بلتعة من العقوبة الشرعية في قضية سرقتهم ناقة رجل من مزينة واعترافهم بذلك.

وخلاصة القصة: أن عمر - أثناء تحقيقه في موضوع السرقة المشار إليها وثبوتها له بعد أو اعترف الغلمان أنفسهم بالسرقة - رق لهم لبؤسهم. فاستدعى


سيدهم - عبد الرحمن بن حاطب - وأنبه على إهماله لهم وتركه إياهم فريسة للجوع والفاقة، وأصدر أوامره بتغريمه ضعف ثمن الناقة المسروقة ثم خلى سبيل الغلمان. وقد خالف عمر - بموقفه هذا - نصاً صريحاً من نصوص القرآن وعطل حداً من حدود الله.

جاء في سورة المائدة: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله)...

وربما كان لموقف عمر ما يبرره من ناحية ظروف هذه القضية بالذات، فاجتهد بالذي اجتهد به لمصلحة خاصة رآها. ولكن القرآن لا يجيز ذلك وقد نص على العقوبة نصاً صريحاً لا لبس فيه ولا غموض. ولا اجتهاد في معرض النص كما هو معلوم. هذا مع العلم أن عمر مطالب باتباع نص القرآن في أحكامه العامة لأنه يحكم المسلمين باسم الدين باعتباره خليفة رسول الله - أي نائبه في تصريف شئون المسلمين.

(هـ) قصة أبي جندل (لما بلغ عمر أن أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب قابل التوبة، شديد العقاب: الآية(1) ).

في حين أن سيرة النبي كانت - في هذا الباب - على خلاف ذلك فقد أتى للرسول بشارب خمر (فأمر النبي من عنده فضربوه بما كان في أيديهم وحثا عليه التراب...)(2) ولم يقرأ عليه النبي الآية الآنفة الذكر، ولا نظن أن عمر كان ملماً بمواقع الاستشهاد بالآيات أكثر من رسول الله.

____________________

(1) المقريزي: امتاع الاسماع 1 / 396 و 415.

(2) ابن أبي الحديد. شرح نهج البلاغة 1 / 242 الطبعة الأولى.


(ز) قضية عبيد الله بن عمر بن الخطاب: وهي قضية على جانب كبير من الأهمية لذلك نرى ضرورة عرضها على القارئ بشيء من الإيجاز غير المخل.

بعد أن قتل أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب تناول عبيد الله بن عمر بن الخطاب السيف فقتل أبا لؤلؤة وزوجته وابنته، كما قتل الهرمزان دون أن يثبت اشتراكهم في عملية القتل. وقد عفا عنه عثمان بن عفان بعد أن ارتقى منبر النبي على أثر وفاة ابن الخطاب. وقد تذرع الخليفة - بإعفائه عبيد الله من العقوبة - بأن ذلك من شأنه ألا يثير الشماتة في نفوس أعداء الإسلام. فلا يقولون قتل المسلمون خليفتهم أمس ثم قتلوا ابنه بعد ذلك. وقد كان الواجب على عبيد الله أن يتقدم بالشكوى إلى الخليفة حسب الأصول المعروفة ليجرى التحقيق الدقيق في هذه القضية وينزل العقاب المشروع بالمستحقين.

أما وقد وقع القتل فكان من واجب الخليفة أن لا يعفو عن عبيد الله. وكان على الخليفة كذلك - بقدر ما يتعلق الأمر بالهرمزان على الأقل - أن لا يعتبر نفسه ولي دمه. فالهرمزان كما هو معروف أمير فارسي مسلم ولم يكن له ولي في في المدينة يطالب بدمه حسب منطق الآية (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا).

وإذا سلمنا جدلا بأن الخليفة هو ولي دم الهرمزان (فإن عثمان ليس ولي دمه لأنه قتل أثناء خلافة عمر فصار عمر ولي دمه. وقد أوصى عمر - على ما جاءت به الروايات الظاهرة - بقتل ابنه عبيد الله إن لم تقم البينة العادلة على الهرمزان وجفينة - زوج أبي لؤلؤة - أنهما أمرا أبا لؤلؤة بقتله(1) .

____________________

(1) إحياء علوم الدين 3/242. (وروى بعضهم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: يغفر الله لحفصة فإنها شجعت عبيد الله على قتلهم). تاريخ اليعقوبي 3/138.


أما حديث الشماتة فهو مضحك وسخيف. وأي شماتة للعدو في إقامة حد الله!

إنما الشماتة كلها من أعداء الإسلام في تعطيل حدود الله. وأى حرج في الجمع بين قتل الإمام وابنه!! نقد قتل أحدهما ظلماً والآخر عدلا).

أحدهما بغير أمر الله والآخر بأمره.

ذلك ما يتصل بالخروج الصريح على النصوص القرآنية. أما ما يتعلق بالقيام بأعمال لا تتفق هي وسيرة النبي - وخاصة ما يتعلق منها بالإدارة العامة - فإلى القارئ الأمثلة التالية:

(ا) فيما يتصل بعمر: ذكر الغزالي(1) جملة قضايا في هذا الباب منها:

(تزوج رجل على عهد عمر بن الخطاب، وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته. فرفعه أهل المرأة إلى عمر فرد نكاحه وأوجعه ضرباً، وقال: غررت القوم بالشباب ولبست عليهم شيبتك.

ومر عمر برجل يكلم امرأة على قارعة الطريق فعلاه بالدرة، فقال يا أمير المؤمنين إنها امرأتي. فقال: هلا حيث لا يراك أحد!!..

وعن عبد الرحمن بن عوف قال: خرجت مع عمر ليلة في المدينة فبينما نحن نمشى إذ ظهر لنا سراج فانطلقنا نحوه. فلما دنونا منه إذا باب مغلق على قوم لهم أصوات ولغط. فأخذ عمر بيدي وقال: أتدري بيت من هذا؟ قلت لا. فقال هذا بيت ربيعة بن أميةة بن خلف وهم الآن على شرب فما ترى؟ قلت: أرى إنا قد أتينا ما نهانا الله عنه: قال تعالى: ولا تجسسوا - فرجع عمر...

وروى أن عمر كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى. فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر.

____________________

(1) الغزالي: احياء علوم الدين 1/127 و 178 و 2/138 و 139 و 3/96.


فقال يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته!!

قال: وأنت يا أمير المؤمنين فلا تعجل، فإن كنت قد عصيت الله في واحدة فقد عصيت الله في ثلاثا.

قال الله (ولا تجسسوا) وقد تجسست.

وقال الله (وليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها) وقد تسورت على.

وقد قال الله. ولا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم - الآية: وقد دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام...

وروى إن ابي عذرة الدؤلي - وكان في خلافة عمر - كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن. فصارت له من ذلك في الناس أحدوثة يكرهها. فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به منزله ثم قال لامرأته: أنشدك بالله هل تبغضيني؟

قالت لا تنشدني بالله.

قال فإني أنشدك.

قالت نعم. فقال لابن الأرقم أتسمع؟ ثم انطلقا إلى عمر فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها. فقال عمر: أنت التي تتحدثين لزوجك إنك تبغضينه؟

فقالت أول من تاب وراجع أمر الله. أنه ناشدني فتحرجت أن أكذب. أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال نعم فإكذبي فإن كانت أحدا كن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فأن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس يتعاشرون...

وروى مؤرخ(1) آخر (إن أهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص وقالوا

____________________

(1) اليعقوبي 2/133.


إنه لا يحسن الصلاة فعزله عمر... وولى مكانه عمار بن ياسر... ثم قدم عليه أهل الكوفة فقال كيف خلفتم عمار بن ياسر أميركم؟ قالوا مسلم ضعيف فعزله عمر ووجه جبر بن مطعم. فمكر به المغيرة وحمل عنه خبراً إلى عمر.

وقال المغيرة والتي يا أمير المؤمنين. قال أنت رجل فاسق. فقال المغيرة وما عليك؟ فسقى على نفسي. فولاه الكوفة فسأل عمر أهلها عن المغيرة فقالوا أنت أعلم بفسقه.

فقال ما لقيت منكم يا أهل الكوفة!! إن وليت مسلماً تقياً قلتم هو ضعيف، وإن وليت مجرما قلتم هو فاسق) كأن بلاد المسلمين قد عقمت من الولاة الصالحين الأقوياء في الحق.

وذكر أن عمر قاطر جماعة من عماله أموالهم: (قيل أن منهم سعد بن أبي وقاص عامله على الكوفة، وعمرو بن العاص عامله على مصر، وأبا هريرة عامله على البحرين، والنعمان بن عدي بن حرثان عامله على ميسان، ونافع بن عمرو الخزاعي عامله في مكة، ويعلى بن منية عامله على اليمن. وامتنع أبو بكرة من المشاطرة وقال والله لئن كان هذا المال لله فلا يحل لك أن تأخذ بعضاً ونترك بعضاً، وإن كان لنا فما لك أخذه(1) ).

(ب) فيما يتصل بعثمان: (أخذ عثمان الزكاة على الخيل - وكان النبي قد أعفى من زكاة الخيل... وحمى عثمان الحمى - والله ورسوله قد أباحا الماء والهواء والكلأ للناس جميعاً... وأخذ من أموال الصدقة فأنفق منها في الحرب وفي غير الحرب من المرافق العامة في حين أن ذلك لا يجوز بنص القرآن... وأتم الصلاة في منى وقد قصرها النبي(2) . أما تصرفات عثمان في الإدارة العامة وفي بيت المال

____________________

(1) اليعقوبي 2/133 - 135. ولعل لموقف أبي بكرة هذا من عمر علاقة بموقف عمر منه أثناء شهادته في قضية المغيرة.

(2) الدكتور طه حسين: الفتنة الكبرى: عثمان بن عفان ص 175 - 186.


وانفاقه أموال المسلمين على أصهاره وأصدقائه وذوى قرباه، وتوليته الفاسقين أمور المسلمين، واعتدائه على فريق من خيرة أصحاب النبي - كأبي ذر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود - لتنبيههم إياه بضرورة اتباع سيرة النبي فاشهر من أن تذكر. وقد ذكرنا شطراً منها في كتابينا (على ومناوئوه) و (الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام). على أن هذه التصرفات (واضرابها) برأينا هي العامل المباشر الذي أي إلى مصرع عثمان وهي كذلك العامل غير المباشر في إثارة المقاومة الصارمة غير العادلة التي أبداها ذوو عثمان وأتباعه ضد سياسة الأمام العادل الأمر الذي أدى في النهاية إلى مصرعه كما هو معلوم.


فلسفة الإمام في ضوء ملابساتها التاريخية

ب: الامام وقوى الشر

نقصد بقوى الشر في هذه الدراسة رؤوس الفتنة ودعاة الانتقاض على حكم الإمام، وفي مقدمتهم بالطبع بنو أمية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان. أما أغلب المسلمين الذين حاربوا علياً فكانوا إما ضحايا تضليل الأمويين وخداعهم، أو ضحايا الجاه والمال والنفوذ الذي خلعه عليهم الأمويون على حساب الدين.

لقد حاربت قوى الشر الإمام - حربا متواصلة اصطلي بها من بعده بنوه وأتباعه إلى اليوم - في جبهتين: جبهة السيف وجبهة القلم. ولكنهم مع هذا لم ينالوا منه في الحالتين وبقى كالطود ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير. وإلى القارئ تفصيل ذلك:

1 - جبهة السيف: لقد شنها خصوم الإمام عليه حرباً شعواء لا هوادة فيها منذ أن بويع له بالخلافة بعد مصرع عثمان إلى أن لقى حتفه بسيف ابن ملجم. ثم تابعوا السير - في ذلك الانجاه - ضد ذويه وأتباعه على السواء وما زالت تلك الحرب قائمة على قدم وساق مع اختلاف في نوع السلاح وميادين القتال.

وقد ذكرناه طائفة من الأمثلة على ذلك في كتابنا: (على ومناوئوه) (والصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام) وفي كتابنا الماثل للطبع عن الدولة العباسية.

2 - جبهة القلم -: لقد أعلن خصوم الإمام حرب القلم عليه وعلى تعاليمه في أكثر من ميدان واحد، وفي الوقت الذي كانت فيه جبهة السيف مستعرة الأوار. وقد استمرت تلك الحرب منذ عهده ولم تفتر إلى اليوم، وتعرض - نتيجة لها - ذكره وتعاليمه إلى شتى صنوف التشويه والامتهان. فكأن اسم الإمام كان يخيف خصومه ومناوئيه كما كان خيفهم جسمه أثناء الحياة. ولعلهم كانوا


يرهبون الإسم أكثر من رهبتهم للجسم. فللجسم حدوده الزمانية والمكانية الضيقة، وميدان الفرار منه رحيب. وللجسم أيضاً حفرة من الأرض تحتضنه بعد الممات. أما الإسم فيتحدى الزمان والمكان.

ولكن محاولاتهم على سعتها واستمرارها قد باءت بفشل ذريع. فتعلق ذكره من الثريا بأقراطها، (وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله. فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف ووضع المعايب والمثالب له ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضل ويرفع له ذكر حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه. فما زاده ذلك إلا رفعة وسمواً. وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره. وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت عنه عيناً واحدة أدركته عيون كثيرة(1) .

ومن مفارقات التاريخ أن تعمل محاولات الأمويين لطمس ذكر الإمام على تخليد اسمه. (فمناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلى... وقال غيره كان سبب ذلك بغض بني أمية له. فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته. وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدث بما فيه لا يزداد انتشاراً(2) ).

لقد بدأت حرب القلم ضد الإمام - على يبدو - بعد وفاة النبي مباشرة وزادت سعة ووضوحاً أثناء خلافة عثمان وبلغت الذروة أثناء تمرد معاوية ابن أبي سفيان على الخليفة.

____________________

(1) ابن أبي الحديد: (شرح نهج البلاغة) 1 / 5 - 6 الطبعة الأولى.

(2) ابن حجر (الاصابة في تمييز الصحابة) 2 / 501 - 502.


وكانت حرباً ذات جانبين: جانب سلبي وجانب إيجابي. يتصل الأول منهما بتلفيق أحاديث وقصص ينصب أكثرها على مدح الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا علياً في الزمن، ويمجه بعضها نحو مدح معاوية نفسه. وينطوى هذا الجانب من جوانب الموضوع - بنظر موجديه ومحبذيه - على ذم ضمن للإمام. هذا إلى أن (إطراء)، الرسول على أبي بكر إضعاف - بنظر معاوية ومن هم على شاكلته - لحجة على في الخلافة.

أما ما يتصل بعمر فهناك - من وجهة نظر معاوية - عاملان:

أحدهما أن عمر عين معاوية أميراً على الشام. وفي الكذب على النبي من أجله نوع من الاعتراف بالجميل من جهة، وإضعاف لموقف على من معاوية وعزله عن الشام من جهة أخرى.

أما العامل الثاني فهو أن عمر قد رفع سهم المؤلفة قلوبهم - وكان معاوية وأبوه وأخوه - في مقدمتهم، وفي هذا من الخدمة لمعاوية ما يعجز عن رده اختلاق بضعة أحاديث. كيف لا!! وقد أنسى ذلك المسلمين موقف معاوية من الاسلام وكيفية دخوله فيه!! وأما (إطراء) النبي على عثمان فهو إطراء للبيت الأموي وعلى رأسه معاوية آنذاك.

ذلك ما يتصل بالجانب السلبي من الحرب القلية.

أما الجانب الايجابي فيتلخص في وضع أحاديث ملفقة وروايات مزورة في ذم الامام وانتقاص منزلته الرفيعة. وهي - بنظر واضعيها - مدح ضمن لخصومه وخدمة عامة لقضيتهم.

(فقد روى عن عبد الله بن ظالم أنه قال لما بويع لمعاوية أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون علياً. فقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - ألا ترون إلى الرجل الظالم يأمر بلعن رجل من أهل الجنة!!...


وعن علي بن الحسين قال: قال لي مروان ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم - أي ما كان أحد أكثر من على دفاعا عن عثمان أثناء حصاره قبل مصرعه - قلت فما بالكم تسبونه على المنابر!! قال إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك.

وقال عمر بن عبد العزيز: كان أبي يخطب فلا يزال مستمراً في خطبته، حتى إذا سار إلى ذكر على وسبه تقطع لسانه واصفر وجهه وتغيرت حاله. فقلت له في ذلك. فقال أو فطنت لذلك!! إن هؤلاء لو يعلمون من على ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم رجل.

وقام رجل من ولد عثمان إلى هشام بن عبد الملك يوم عرفة فقال: إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب.

وعن أشعث بن سوار قال: سب عدى بن أرطأة علياً على المنبر فبكى الحسن البصري وقال: لقد سب اليوم رجل إنه لأخو رسول الله في الدنيا والآخرة.

وقال إسماعيل بن إبراهيم: كنت أنا وإبراهيم بن يزيد في المسجد يوم الجمعة مما يلي أبواب كندة فخرج المغيرة فخطب... ثم وقع في علي. فضرب إبراهيم على فخذى وركبتي ثم قال: أقبل على فإنا لسنا في جمعة ألا تسمع هذا.

وعن عبد الله الجدلي قال دخلت على أم سلمة فقالت: أيسب رسول الله فيكم وأنتم أحياء؟ قلت وأنى يكون هذا؟ قالت أليس يسب على ومن يحبه.

وعن الزهري قال ابن عباس لمعاوية: ألا تكف عن شتم هذا الرجل؟ قال ما كنت أفعل حتى يربو عليه الصغير ويهزم فيه الكبير. فلما ولى عمر بن عبد العزيز كف عن شتمه. فقال الناس ترك السنة.(1) ) وما يجري هذا المجري يكاد لا يقع تحت حصر.

____________________

(1) رسائل الجاحظ ص 14 - 15.


ترى لماذا كان على عرضة للسب بهذا الشكل الرخيص؟ أتجيز سنة الرسول أن يسب أحرص الناس بعده على اتباعها؟

أكان في تصرفات على - الخاصة والعامة مع خصومه ومع أنصاره - ما يجيز مثل ذلك الشتم؟

لقد كفانا عبد العزيز - أبو عمر - مؤنة البحث في الإجابة عن الأسئلة الآنفة الذكر.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول مرة أخرى إن هذه الحرب التي أعلنها معاوية على الإمام ذات جانبين سلبي وأيجابي. يتصل الأول منهما بتلفيق أحاديث وروايات عن (مناقب) الخلفاء الراشدين الدين سبقوا علياً من الناحية الزمانية، ويتحدث بعضه عن (مناقب) ابن أبي سفيان. ويتعلق الثاني بوضع (مثالب) في الإمام.

وإلى القارئ بعض الأمثلة على ذلك:

1 - الجانب السلبي - لفق معاوية بالاشتراك مع المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وأبي هريرة وبعض اليهود المندسين في الإسلام آنذاك طائفة من الأحاديث والأخبار المتضمنة مدحاً مفرطاً (هو في حقيقته ذم وهو أمر لا يرتضيه الرسول ولا من قيل في حقهم ولا الخلق الإسلامي الرفيع) لأبي بكر وعمر وعثمان منفردين أحياناً ومجتمعين أحياناً أخرى. ولم ينس معاوية نفسه فأخذ نصيبه من ذلك ووضعت فيه أحاديث غير قليلة. وقد عاونه فيما يتصل بالتلفيق نفر من المحدثين (بالإضافة إلى المغيرة وعمرو بن العاص) في مقدمتهم أبو هريرة وسمرة ابن جندب وعروة بن الزبير.

وفي الأحاديث الملفقة - التي سنذكر شطراً منها على سبيل الحصر - إساءة لرسول الله بقدر ما فيها من الإساءة للشيخين وللذوق الإسلامي الرفيع. فقد خدم


معاوية على ما يبدو قضيته على حساب النبي وعلى حساب الشيخين وعلى حساب الذوق الإسلامي على السواء.

ومن المحزن حقاً أن ينطلي ذلك على كثير من المؤرخين والمحدثين ممن عرفوا باستقامة العقيدة ومتانة الأخلاق. وقد أعرضنا عن ذكر كثير من تلك الأحاديث الملفقة لافتقارها إلى الذوق السليم ولهبوطها عن مستويات الأخلاق الإسلامية الرفيعة، وكان بودنا أن نفعل ذكرها جميعاً لو لا اضطرارنا - وفقاً لمستلزمات البحث - إلى الاستشهاد بطائفة منها للتدليل على وجاهة ما ذهبنا إليه.

روى الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك قال صعد رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان جبل أحد فزحف بهم. فقال النبي: أنت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان(1) .

لقد وضع معاوية الرسول والخلفاء الراشدين الثلاثة فوق جبل أحد وحدهم دون سائر المسلمين. ثم أمر الجبل الجامد المسكين أن يتحرك. ثم جعل النبي مرات. كذب في وضعهم على الجبل وكذب بحركة الجبل وكذب بتنبيه النبي الجبل وكانت غايته من ذلك كله أن يجعل المسلمين آنذاك يعتقدون بأن عثمان قد قتل شهيداً باعتراف النبي ليؤلب الناس على على.

وعن عبد الله بن عمر (أنه قال أن رسول الله قال: أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبوبكر ثم عمر(2) ) دون سائر الأنبياء والصالحين. والغاية من هذا الكذب على النبي هي إضعاف حجة على في موضوع الخلافة أثناء نزاعه مع الشيخين. وفي ذلك إسناد ضمنى لموقف معاوية من على.

____________________

(1) سيرة دحلان: 3 / 146.

(2) السيرة الحلبية ج 3 ص 341.


وعن عائشة أن رسول الله قال لها (أخبرك أن أباك الخليفة من بعدي فاكتمي ذلك على(1) ) ولا ندري لماذا طلب الرسول منها أن تكتم ذلك عليه؟ أيخاف الناس؟ وإذا كان لابد من كتمان الأمر فلماذا أخبرها بذلك؟

(وعن ابن عباس والله إن خلافة أبي بكر لفي كتاب الله). لقد كذب معاوية على الله وعلى رسوله وعلى القرآن وعلى ابن عباس في آن واحد. أما إسناده الحديث إلى ابن عباس ففيه إضعاف لحجة من يطعن بصحته لموقف ابن عباس الودى المعروف من على في هذا الموضوع بالذات.

وروى البخاري بأسانيده المختلفة عن عمرو بن العاص(2) أنه قال: إن النبي (بعثني على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت له أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة. فقلت من الرجال؟ قال أبوها. فقلت ثم من؟ قال عمر بن الخطاب). ولسنا واجدين أية علاقة بين المسير إلى الحرب وبين هذا النوع من الأسئلة، اللهم إلا رغبة معاوية في خدمة قضيته في موضوع الخلافة.

وروى البخاري أيضاً(3) بأسانيده المختلفة عن محمد بن الحنفية أنه قال:

قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله؟ قال أبو بكر. قلت ثم من؟ قال عمر).

وروى البخاري كذلك(4) بأسانيده المختلفة عن سعيد ابن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج فقال (لألزمن رسول الله ولأكونن

____________________

(1) المصدر نفسه: 3 / 353.

(2) صحيح البخاري 4 / 192.

(3) المصدر نفسه 4 / 195.

(4) المصدر نفسه 4 / 196.


معه يومى هذا. فجئت المسجد فسألب عن رسول الله فقالوا لي إنه خرج ووجهه همنا. فخرجت على أثره أسأل حتى دخل بئر إدريس. فجلست عند الباب حتى قضى رسول الله حاجته. فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر إدريس وقد توسء قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر. فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكونن بواب رسول الله اليوم.

فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت من هذا؟ فقال أبو بكر فقلت على رسلك ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبوبكر يستأذن؟ فقال ائذن له وبشره بالجنة... فدخل أبوبكر وجلس عن يمين رسول الله معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله وكشف عن ساقيه.

ثم أقبل عمر فقلت له على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله فسلمت عليه فقلت عمر بن الخطاب يستأذن!! فقال ائذن له وبشره بالجنة... فدخل فجلس مع رسول الله في القف ودلى رجليه في البئر...

ثم أقبل عثمان... فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه.) يلوح لي أن (الحديث) الآنف الذكر قد وضع بذلك الشكل الطويل المعقد إيهاماً السامع - أو القارئ - بأنه قد حصل بالفعل.

(والحديث) كما يبدو يصور لنا الرسول وكأنه رغب في أن يصرف يومه ذاك دون أن يقوم يعمل ذي أهمية من الناحية الدينية أو الاجتماعية: فلم يكن للرسول من عمل آنذاك سوى الجلوس على حافة البئر والكشف عن ساقيه ليستقبل الذوات الثلاثة ويجعلهم يجلسون كجلوسه ويبشرهم بالجنة. وقد فعل الرسول ذلك كله - على ما يبدو - ليخبر عثمان ببلوى تصيبه لينتفع بذلك معاوية كما هو معروف. وقد فات معاوية أن يتذكر أن عثمان يدخل الجنة - حسب صيغة هذا (الحديث) بسبب البلوى التي تصيبه. ولا ندري أية بلوى أحسن من تلك


التي يدخل المرء بسببها الجنة!!

وذكر صاحب السيرة(2) أن النبي قال لأبي بكر: (مثلك - يا أبا بكر - في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة... ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم حيث يقول (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم). مثلك - يا أبابكر - مثل عيسى بن مريم إذ قال إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم... ومثلك - يا عمر - في الملائكة مثل عزرائيل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله... ومثلك - في الأنبياء - مثل نوح إذ قال ربي لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً. ومثلك في الأنبياء مثل موسى إذ قال ربتا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب(2) ).

قال علي بن برهان الدين الشافعي الحلبي(3) :

إن رسول الله قال (ليس من أحد أمن على - في أهل ومال - من أبي بكر. وفي رواية أخرى ما من أحد أمن على - في صحبته وذات يده - من أبي بكر. وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر... وفي رواية ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه خلا أبا بكر فإن له عندنا يد الله يكافئه بها يوم القيامة...

وقال رسول الله لأبي بكر ما أطيب مالك: منه بلال مؤذني وناقتي التي هاجرت عليها وزوجتني ابنتك، وواسيتني بمالك: كأني أنظر إليك على باب الجنة تشفع لأمتي).

وروى صاحب السيرة الحلبية أيضاً (ج 2 ص 38 و 41) أن النبي وأبابكر (لما انتهيا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبي والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله

____________________

(1) السيره الحلبية 2 / 201 - 202.

المصدر نفسه: 2 / 34.


قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك.

فدخل أبو بكر فجعل يلتمس بيده كلما رأى جحراً أقال بشوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بجميع ثوبه. فبقى جحر - وكان فيه حية - ثم إن الحية جعلت تلسع أبابكر وصارت دموعه تنحدر... وقد كان الرسول وضع رأسه في حجر أبي بكر ونام. فسقطت دموع أبي بكر على رسول الله، فقال مالك يا أبابكر؟ قال لدغت فداك أمي وأبي. فتفل رسول الله على محل اللدغة فذهب ما يجده.

قال بعضهم والسر في اتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رؤوسهم تعظيما الحية التي ادغت أبابكر...

ولما أصبح رسول الله قال لأبي بكر: أين ثوبك؟ فأخبره الخبر. وزاد في رواية أنه رأى على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه فقال من لدغة الحية. فقال رسول الله هلا أخبرتني؟ قال كرهت أن أوقظك. فمسحه النبي فذهب ما به من ورم...

وحين أخبره أبوبكر بذلك رفع رسول الله يديه وقال: اللهم اجعل أبابكر معي في درجتي في الجنة. فأوحى الله إليه قد استجاب الله لك.

ثم إن أبابكر عطش في الغار فقال رسول الله له اذهب إلى صدر الغار فاشرب فانطلق أبو بكر إلى صدر الغار فوجد ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأزكى رائحة من المسك فشرب منه. فقال له رسول الله إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن يخرق نهراً من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب.

قال أبوبكر يا رسول الله ولي عند الله هذه المنزلة!! فقال النبي نعم، وأفضل والذي بعثني بالحق لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان عمله عمل سبعين نبياً).


وذكر الغزالي(1) في معرض تفسير رفض أبي بكر التداوي في علته التي مات بها: (إن للتداوي أسباباً. السبب الأول أن يكون المريض من المكاشفين - وقد كوشف - أبو بكر - بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه. ويكون ذلك معلوما عنده تارة برؤيا صادقة وتارة بحدس وظن وتارة بكشف محقق.

ويشبه أن يكون ترك الصديق التداوي من هذا السبب فإنه كان من المكاشفين: فانه قال لعائشة - في أمر الميراث - إنما هن أختاك، وإنما كانت لها أخت واحدة، ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى. فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضاً بانتهاء أجله...

وروى الغزالي(2) أن النبي قال: (لو وزن إيمان أبي بكر بايمان العالم لرجح).

وذكر صاحب السيرة(3) أن الرسول قال (اتخذني الله خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وإنه لم يكن نبي إلا وله خليل ألا وإن خليلي أبوبكر) - قال النبي ذلك، على رواية الغزالي، قبل موته بخمسة أيام!!

وقد جاء أن الإنسان - بحسب رواية صاحب السيرة(4) يدفن في التربة التي خلق منها. وهو يدل على أن النبي وأبابكر وعمر خلقوا من تربة واحدة.

وقد روى عن أبي بكر - لما حضرته الوفاة - أنه قال لمن حضره إذا مت وفرغتم من جهازى فاحملوني حتى تقفوا بباب البيت الذي فيه قبر النبي. فقفوا بالباب وقولوا: السلام عليك يا رسول الله. هذا أبو بكر يستأذن. فإن أذن لكم

____________________

(1) الغزالي: احياء علوم الدين 2 / 279.

(2) احياء علوم الدين 3 / 157.

(3) السيرة الحلبية 2 / 383.

(4) المصدر نفسه 2 / 403.


بأن فتح الباب - وكان الباب مغلقا بقفل - فأدخلوني وادفنوني. وإن لم يفتح الباب فأخرجوني وادفنوني بالبقيع.

فلما وقفوا على الباب وقالوا ما ذكر سقط القفل وانفتح الباب وسمع هاتف من داخل البيت يقول: أدخلوا الحبيب فإن الحبيب مشتاق). - وكانت السيدة عائشة - بنت أبي بكر - وحدها بالدار كما هو معروف من الناحية التاريخية.

ذلك ما يتصل بأبي بكر -. أما ما يتعلق بعمر فإليك الأمثلة التالية:

ذكر صاحب السيرة(1) أن بلالا كان إذا أذن قال: (أشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة. فقال عمر على أثرها: أشهد أن محمداً رسول الله. فقال رسول الله لبلال: قل كما قال عمر). أي أن ابن الخطاب، في هذا الحديث، يشرع الأذان ويضع صيغته. ولا نظن أن عمر نفسه يقبل بذلك لما فيه من تعريض بالنبي.

وروى البخاري(2) بأسانيده المختلفة عن أبي هريرة أنه قال: (بينا نحن عند رسول الله إذ قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا لعمر).

وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: (من أحب عمر فقد أحبني ومن أبغض عمر فقد أبغضني(3) ).

وروى الطبراني وابن حيان والحاكم والبيهقي بأن (سعد بن سعنة - أحد أحبار اليهود الذين أسلموا - قال... ما بقى شيء من نعت محمد في التوراة إلا وقد

____________________

(1) السيرة الحلبية 3 / 104.

(2) صحيح البخاري 4 / 198.

(3) سيرة دحلان 3 / 373.


عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أجدهما فيه: يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل إليه إلا حلماً. فكنت أتلطف له توصلا أن أخالطه فأعرف حلمه وجهله. فابتعت منه تمراً إلى أجل... فلما كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني حقى!! إنكم يا بني عبد المطلب مطل...

فنظر عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير فقال: أي عدو الله!! تقول لرسول الله ما أسمع! وتفعل به ما أرى!! فو الله لو لا أحاذر فوته - أي من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه - لضربت بسيفي رأسك. ورسول الله ينظر إلى عمر بسكون وتؤدة، وتبسم وقال: (أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر: أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة. وفي رواية: تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضى(1) ).

رسول الله يرجو من عمر أن يأمره بحسن الأداء أو بحسن القضاء، ويأمر صاحبه بحسن التباعة. وفي هذا، على ما نظن، إساءة لرسول الله ولعمر في آن واحد. ولكن معاوية لا يضيره أن يساء غلى أحد ما دام ذلك يخدم قضيته ويشبع نزواته.

وذكر أن النبي أراد (أن يصلى على جثمان عبد الله بن أبي - فمنعه عمر من ذلك وصار يجذبه ويقول يا رسول الله أتصلى على رأس المنافقين!! فنثر النبي ثوبه من عمر - أي جذبه بقوة - وقال إليك عني يا عمر... فنزل قوله تعالى: ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره - الآية. فما صلى على منافق بعد ولا قام على قبره.

وهذه من الآيات التي جاءت موافقة لرأي عمر(2) .

____________________

(1) سيرة دحلان 3 / 267 - 268.

(2) المصدر نفسه 3 / 271 - 272.


وفي حديث أبي هريرة: (أن النبي خرج في بعض مغازيه. فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف. فقال لها إن كنت نذرت فاضربي. فجعلت تضرب. ثم دخل عمر فألقت الدف عنها وقعدت عليه. فقال النبي إن الشيطان يخاف منك يا عمر... وإذا كان الشيطان يخاف منك فما بالك بامرأة ضعيفة العقل(1) !!).

وعندما أراد عمر أن يشتري خشبتين للناقوس الذي كان مزمعاً نصبه لتنبيه الناس للصلاة (إذ رأى في المنام: لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة فذهب عمر إلى النبي ليخبره بالذي رأى - وقد جاء النبي الوحي بذلك. فما راع عمر إلا بلال يؤذن. فقال رسول الله - حيث أخبره عمر بذلك - قد سبقك بذلك الوحي(2) ).

وروى أن عمر بن الخطاب (كان يسقط من الخوف إذا سمع آية من القرآن مغشياً عليه، فكان يعاد أياماً... وكان في وجه عمر خطان أسودان من الدموع ولما قرأ عمر: إذا الشمس كورت، وانتهى إلى قوله تعالى: وإذا الصحف نشرت خر مغشياً عليه.

ومر يوماً بدا إنسان - وهو يصلى ويقرأ سورة الطور - فوقف يستمع، فلما بلغ قوله تعالى: إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع نزل عن حماره واستند إلى الحائط ومكث زماناً ورجع إلى منزله فمرض شهراً يعوده الناس ولا يدرون ما مرضه(3) ).

وذكر ابن سعد (الطبقات الكبرى ج 4 ص 152) بأسانيده المختلفة عن

____________________

(1) السيرة الحلبية: 2 / 66.

(2) ابن هشام، سيرة النبي 2 / 129.

(3) الغزالي احياء علوم الدين ج ص 180.


عائشة (إن رسول الله قال: ما من نبي إلا في أمته معلم أو معلمان، وإن يكن في أمتي أحد فابن الخطاب: إن الحق يدور على لسان عمر(1) ).

وذكر الغزالي(2) أن النبي قال في عمر: (لو لم أبعث لبعثت أنت يا عمر).

وذكر ابن الأثير (أسد الغابة ج 4 ص 64) أن أبا بكر قال (لقد سمعت رسول الله يقول ما طلعت شمس على رجل خيراً من عمر). - لاحظ كلمة (رجل) وضعت بهذا الإطلاق فهي تشمل الجنس أو النوع الإنساني في الماضي والحاضر والمستقبل ما دامت هناك شمس ونوع إنساني بما فيه من أنبياء وغيرهم.

وجاء في الفخري لابن الطقطقي (ص 277) أن رسول الله قال: (لي وزير ان من أهل السماء - جبرائيل وميكائيل -، ووزيران من أهل الأرض - أبو بكر وعمر -).

وعن ابن عمر (على ما يذكر ابن الأثير)(3) أنه (ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر... إلا نزل قرآن فيه على نحو ما قاله عمر). وقد قال رسول الله (في رواية ابن الأثير)(4) - عندما خطب عمر بن الخطاب إلى قوم فردوه - (لقد ردوا رجلا ما في الأرض رجل خيراً منه).

وقال جبرائيل (على ما يروى الزمخشري(5) ) (أن عمر فرق بين الحق والباطل فقال رسول الله أنت الفاروق).

وذكر الزمخشري أيضاً(6) (أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة، وكان ممره

____________________

(1) ابن سعد الطبقات الكبرى 4 / 152.

(2) احياء علوم الدين 3 / 157 وكذا ابن الاثير (أسد الغابة ج 4 ص 64).

(3) أسد الغابة 4 / 63.

(4) المصدر نفسه 4 / 94.

(5) تفسير الكشاف 1 / 406.

(6) المصدر نفسه 1 / 126.


على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم... ثم سألهم عن جبريل فقالوا ذاك عدونا: يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وأن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم وما منزلتهما من الله؟ قالوا أقرب منزلة: جبريل عن يمينه وميكائيل عن ياسره. وميكائيل عدو لجبريل. فقال عمر لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير. ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر. ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله.

ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي لقد وافقك ربك يا عمر). إشارة إلى قوله تعالى(1) (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين).

وأما عثمان فقد وضعت فيه أحاديث ولفقت حوله روايات كثيرة لا تقل في الكمية وفي النوع عما قيل في صاحبيه.

قال صاحب السيرة الحلبية (ج 2 ص 217 - 218): (لما خطب على فاطمة قال له رسول الله: ما تصدقها؟ قال ليس عندي شيء. قال فأين درعك التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ قال عندي. فباعها من عثمان بن عفان بأربعمائة وثمانين درهماً.

ثم إن عثمان رد الدرع إلى على. فجاء على بالدرع والدراهم إلى رسول الله. فدعا رسول الله لعثمان بدعوات... فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس في كل كيس أربعمائة درهم مكتوب على كل درهم: هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان. فأخبر جبريل النبي بذلك. فقال النبي هنيئاً يا عثمان).

وإذا كان في السماء معمل لسك النقود - بهذا الشكل - فلماذا لم تنزل تلك النقود على النبي مباشرة ليأخذ منها حاجته دون اللجوء إلى هذه العملية الطويلة!!

____________________

(1) البقرة.


وعن أبي سعيد الخدري (في رواية صاحب السيرة الحلبية ج 2 ص 148) (قال رأيت رسول الله من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعاً يديه الكريمتين يدعو لعثمان بن عفان. يقول: اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه).

وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب (أن الرسول ذكر فتنة فقال يقتل فيها هذا مظلوما - يعني عثمان - وإن الله عصى أن يلبسه قميصاً وأنهم يريدون خلعه!! وأن النبي قال لعثمان فلا تخلعه(1) ).

وعن ابن عباس أن رسول الله قال: (قال لي جبريل إن أردت أن تنظر - من الأرض - شببه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان، ولتزوجه بنتي رسول الله(2) ).

وذكر ابن الجوزي أن المصريين عندما دخلوا على عثمان بعد حصاره الذي انتهى بمصرعه كان المصحف في حجره يقرأ فيه: (فمدوا إليه أيديهم فمد يده فضربت فسأل الدم - وقيل وقعت قطرة على عبارة: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم...

وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس: أن رسول الله قال لعثمان: تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من ذلك على: فسيكفيكهم الله(3) ).

وعن أبي سعيد الخدري: (قال رأيت رسول الله من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعاً يديه الكريمتين يدعو لعثمان بن عفان يقول: عثمان رضيت عنه فارض عنه(4) .

____________________

(1) سيرة دحلان 3 / 205.

(2) السيرة الحلبية 2 / 194.

(3) السيرة الحلبية 2 / 83.

(4) المصدر نفسه 2 / 148.


وعن عبد الله بن سلام أنه قال: (أتيت أخي عثمان لأسلم عليه وهو محصور فدخلت عليه فقال مرحباً يا أخي: رأيت رسول الله الليلة في هذه الخوخة - وهي البيت - فقال يا عثمان حصروك؟ قلت نعم. قال عطشوك؟ قلت نعم. فأدلى إلى دلواً فيه ماء فشربت حتى رويت حتى إني لأجد برده بين ثدى وبين كتفى. فقتل ذلك اليوم(1) ).

وسأل عبد الله بن سلام من حضر مقتل عثمان فقال: (تشحط عثمان في الموت حين جرح؟ ماذا قال عثمان وهو يتشحط؟ قالوا سمعناه يقول اللهم اجمع أمة محمد - قالها ثلاثا. قال والذي نفسي بيده لو دعا الله أن لا يجتمعوا أبداً ما اجتمعوا إلى يوم القيامة(2) ).

هذا ما يتصل بعثمان بن عفان من الأحاديث التي لفقها معاوية وأعانه عليها من هم على شاكلته ممن ذكرنا أسماءهم، وربما اشترك في ذلك بعض عقلاء اليهود لإشاعة الفتن في الإسلام.

أما معاوية فلم ينس نصيبه من تلك (الأحاديث) والروايات. وإلى القارئ نماذج منها: فهند أم معاوية لا تمسها النار على الرغم مما فعلته بالنبي كما هو معروف، وسبب ذلك أنها شقت بطن حمزة وأخرجت كبده فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها فلفظتها. (ولما بلغ النبي ذلك قال إن الله قد حرم النار تذوق من لحم حمزة شيئاً. ولو أكلت منه - أي استقر في جوفها - لم تمسها النار أيضاً... ورأيت في بعض السير أنها شوت منه ثم أكلت. وقد يقال لا منافاة لجواز حمل الأكل على مجرد المضغ من غير إساغة(3) ).

____________________

(1) الغزالي احياء علوم الدين 3 / 463.

(2) المصدر نفسه 3 / 463.

(3) السيرة الحلبية 2 / 257.


وروى عبد الله بن عمر عن النبي أنه قال: (لمعاوية أنت مني وأنا منك: لتزاحمني على باب الجنة كهاتين - وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها(1) .

وعن معاوية أنه قال: (فلما كان عام الفتح أظهرت إسلامي ولقيت رسول الله فرحب بي، وكتبت له - بعد أن استشار فيه جبرائيل فقال استكتبه فإنه أمين(2) ).

وذكر صاحب السيرة الحلبية أن الرسول أردف معاوية يوماً خلفه (فقال ما يليني منك؟ معاوية بطني، فقال النبي اللهم املأه حلماً وعلماً.

وعن العرباص بن سارية قال سمعت النبي يقول لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب ومكن له في البلاد.

وعن بعض الصحابة أنه سمع النبي يدعو لمعاوية يقول اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به ولا تعذبه(3) ). وما يجري هذا المجري لا يكاد يقع حصر. وجميعه كما ذكرنا يقع ضمن ما سميناه (الجانب السلبي).

الجانب الإيجابي. لفق معاوية بالاستعانة بمن ذكرنا أسماءهم (وربما ساهم في ذلك عقلاء اليهود لإشاعة الفتن في الإسلام كما ذكرنا) طائفة أخرى من الأحاديث الملفقة والروايات المفتعلة للحط من قدر الإمام بنذر السندج من المسلمين وهذا طرف منها:

(روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه قال حدثتني عائشة قالت كنت عند رسول الله إذ أقبل العباس وعلى. فقال النبي يا عائشة هذان يموتان على غير قبلتي...

____________________

(1) سيرة دحلان 2 / 325.

(2) السيرة الحلبية 2 / 109.

(3) المصدر نفسه 2 / 109.


وزعم عروة أن عائشة حدثته فقالت: كنت عند النبي إذ أقبل العباس وعلى فقال الرسول: يا عائشة إن سرك أن تنظرى إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا!! فإذا العباس وعلي بن أبي طالب(1) ).

وذكر الطبري (أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية أنزلت في على: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها يهلك الحرث والنسل) وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي قوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله. فلم يقبل. فبذل له مئتي الف درهم فلم يقبل. فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل وروى ذلك(2) ).

ومن طريف ما عثرنا عليه في هذا الباب - وهو أمر يتعلق باتباع على أي أنه يتعلق به بصورة غير مباشرة - ما رواه (البزاز والطبراني - بسند صحيح - من أن رسول الله قال: يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون أفياءكم ويضربون رقابكم... وإن رسول الله أيضاً أخبر بظهور الرافضة في أحاديث رواها البيهقي من طرق متعددة منها: يكون في أمتي قوم يسمو الرافضة فارفضوهم. وفي رواية اقتلوهم فإنهم مشركون).

وأطرف من ذلك (ما جاء عن على كرم الله وجهه قال: صنع لنا عبد الرحمن ابن عوف طعاماً - أي شراباً من الخمر - فأكلنا وشربنا فأخذت الخمر، وحضرت الصلاة - أي الجهرية - وقدموني فقلت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، إلى أن قلت وليس لي دين وليس لكم دين ()). وما إلى

____________________

(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 1 / 358.

(2) المصدر نفسه.

(3) سيرة دحلان 3 / 213.

(4) السيرة الحلبية 3 / 35.


ذلك من هذا الدس الرخيص.

وما دمنا في معرض التحدث عما وضع في على وماوئيه من أحاديث ملفقة وروايات مزورة فإننا نود أن نختتم هذه الدراسة بذكر (الرسائل) المتبادلة - على زعم واضعها - بين أبي بكر وعمر من جهة وبين على من جهة أخرى.

ويجمل بنا قبل أن نفعل ذلك أن ننبه القارئ إلى أن ابن أبي الحديد - كما سنرى - قد اتهم أبا حيان التوحيدي بوضع تلك الرسائل وإننا نتفق معه فيما ذهب إليه. وإلى القارئ نص تلك الرسائل، وتعليق ابن أبي الحديد عليها، وتعليقنا على ذلك التعليق.

ذكر أبو العباس أحمد القلقشندي أن أبا حيان - علي بن محمد التوحيدي البغدادي - قال: (سمرنا ليلة عند القاضي أبي حامد - أحمد بن بشر المرروزي - بغداد. فتصرف في المديث كل متصرف، وكان غزير الرواية، لطيف الدراية. فجرى حديث السقيفة، فركب كل مركباً وقال قولا وعرض بشيء ونزع إلى فن فقال: هل فيكم من يحفظ رسالة لأبي بكر إلى علي بن أبي طالب وجواب على عليها؟ ومبايعته إياه عقيب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة لا والله. فقال هي والله من بنات الحقائق ومخبآت الصناديق، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبي محمد المهلبي في وزارته. فكتبها عني بيده، وقال لا أعرف رسالة أعقل ولا أبين، وإنها لتدل على علم وحلم وفصاحة ونباهة وبعد غور وشدة غوص.

فقال العباداتي: أيها القاضي فلو أتممت المنة علينا بروايتها!! أسمعناها: فنحن أوعى لك من للهلبي وأوجب زماما عليك.

فاندفع وقال: حدثنا الخزاعي بمكة عن أبي ميسرة قال حدثنا محمد بن أبي

____________________

(1) صبح الأعشى 1 / 237، 247.


فليح عن عيسى بن دوأب بن المتاح، قال سمعت مولاي أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبي بكر - بين المهاجرين والأنصار - بعد فتنة كاد الشيطان بها فدفع الله شرها ويسر خيرها، بلغ أبابكر عن على تلكؤ وشماس وتهمم ونفاس(1) . فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة وتشتعل الجمرة وتتفرق ذات البين. فدعاني بحضرته في خلوة، وكان عنده عمر بن الخطاب وحده. فقال. يا أبا عبيدة ما أيمن ناصيتك وابين الخير بين عينيك!! وطالما أعز الله بك الإسلام وأصلح شأنه على يديك!! ولقد كنت من رسول الله بالمكان المحوط والمحل المغبوط، ولقد قال فيك - في يوم مشهود -. لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة. ولم تزل للدين ملتجأ وللمؤمنين مرتجى، ولأهلك ركناً ولإخوانك رداء. قد أردتك لأمر خطره محوف وإصلاحه من أعظم المعروف، ولئن لن يندمل جرحه بيسارك ورفقك ولم تجب حيته برقيتك وقع اليأس وأعضل البأس واحتيج - بعد ذلك - إلى ما هو أمر منه وأعلق وأعسر منه وأغلق. والله أسأل تمامه بك ونظامه على يديك. فتأت له - أبا عبيدة - وتلطف فيه وانصح لله ولرسوله وهذه العصابة غير آل جهداً ولا قال حمداً، والله كالئك وناصرك وهاديك ومنصرك. إمض إلى على واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك. وأعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن فقدناه بالأمس مكانه. وقل له - البحر مغرفة والبر مفرقة والجو أكلف والليل اغدف والسماء جلواء والأرض صلعاء(2) والصعود متعذر والهبوط متعسر والحق عطوف رؤف والباطل عنوف عسوف والعجب قداحة الشر والضعن رائد البوار والتعريض شجار الفتنة والقحة ثقوب العداوة. وهذا الشيطان متكئ على شماله متحيل بيمينه، نافخ خصيتيه لأهله ينتظر الشتات والفرقة ويدب بين الأمة الشحناء والعداوة، عناداً لله أولا ولآدم ثانياً ولنبيه ودينه ثالثاً. يوسوس بالفجور ويدلي بالغرور ويمنى أهل الشرور. يوحى

____________________

(1) الشماس المعاندة، والتهمم الطلب والتجسس، والنفاس المنافسة.

(2) تجب تقطع، اكلف اسود تعلوه حمرة، اغدف مظلم، جلواء مصحية، صلعاء خالية لا شجر فيها.


إلى أوليائه زخرف القول غروراً بالباطل دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم، وعادة له منذ أهانه الله في سالف الدهر - لا منجى منه إلا بعض الناجذ على الحق وغض الطرف عن الباطل ووطء هامة عدو الله بالأشد فالأشد والآكد فالآكد وإسلام النفس لله في ابتغاء رضاه. ولابد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت وخيف غبه ولقد أرشدك من أفاء ضالتك وصافاك من أحيا مودته بعتابك وأراد بك الخير من آثر البقاء معك.

ما هذا الذي تسول لك نفسك ويدوى به قلبك ويلتوى عليه رأيك ويتخاوص دونه طرفك ويسرى فيه ظعنك ويتراد معه نفسك وتكثر عنده صعداؤك ولا يفيض به لسانك؟ أعجمة بعد إفصاح! أتلبيس بعد إيضاح! أدين غير دين الله! أخلق غير خلق القرآن! أهدى غير هدى النبي! أمثلى تمشى له الضراء وتدب له الخمر!(1) أم مثلك ينقبض عليه الفضاء ويكسف في عينه القمر!! ما هذه القعقعة بالسنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ إنك - والله - جد عارف باستجابتنا لله ولرسوله وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا: هجرة إلى الله ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كن الصبا وخدر الغرارة وعنفوان الشبيبة - غافل عما يشيب ويريب - لا تعى ما يراد ويشاد ولا تحصل ما يساق ويقاد سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك وعندها حط رحلك، غير مجهول القدر ولا مجحود الفضل. ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي ونقاسي أهوالا تشيب النواصي: خائضين غمارها راكبين تيارها نتجرع صابها ونترع عيابها ونحكم آساسها ونبرم أمراسها(2) . والعيون تحدج بالحسد والأنوف تعطس

____________________

(1) افاء ارجع، يتخاوص يغض من بصره، الضراء الاستخفاء، ما واراك من شجر وهو مثل يضرب لمن يخدع صاحبه، الشنان جمع شن وهي القربة البالية الصغيرة. وتدب له الخمر مثل بضرب لمن يختل صاحبه.

(2) نشرح عيابها ننضدها ونضم بعضها إلى بعض، والعياب جمع عيبة وهي زنبيل من آدم تجعل فيه الثياب، امراص جمع مرس وهو الحبل.


بالكبر والصدور تستعر بالغيظ والأعناق تتطاول بالفخر والشفار تشحذ بالمكر والأرض تميد بالخوف: لا ننتظر عند المساء صباحا ولا عند الصباح مساء ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه ولا نبلغ مراداً إلا بعد الإياس من الحياة عنده: فادين في جميع ذلك رسول الله بالأب والأم والخال والعم والمال والنشب والسبد واللبد والهلة والبلة - بطيب أنفس وقرة أعين وحب أعطان وثبات عزائم وصحة عقول وطلاقة أوجه وذلاقة السن، مع خفيات أسرار ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا - ولو لا سنك لم تكن عن شيء منها ناكلا: كيف وفؤادك مشهوم وعودك معجوم.

والآن قد بلغ الله بك وأنهض الخير لك وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع: فارتقب زمانك وقلص أردانك ودع التقعس والتجسس لمن لا يظلع لك إذا خطا ولا يتزحزح عنك إذا عطا. فالأمر غض والنفوس فيها مض وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم مجاجا، وسيفها العضب فلا تنبت اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا. ولقد سألت رسول الله عن هذا الأمر فقال لي: يا أبابكر هو لمن ترغب عنه لا لمن يجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن يتنفج إليه. هو لمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي.

ولقد شاورني رسول الله في الصهر فذكر فتياناً من قريش فقلت أين أنت من على! فقال إني أكره لفاطمة ميعة شبابه وحداثة سنه. فقلت له متى كنفته يدك ورعته عينك حفت بهما البركة وأسبغت عليهما النعمة - مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك لا جوجاء ولا لوجاء(1) . فقلت

____________________

(1) السبد الشعر واللبد الصوف، الهلة من الفرح والاستهلاك والبلة من البلل والخير. عطا مد إليك عنقه وأقبل نحولا. مشهوم زكى متوقد، حلم الجلد فسد وتثقيب، يجاحش عليه يطلبه ويدافع عنه. يتنفج غليه يتطلع غليه ويفتخر به. ما كنت عرفت منك لا جوجاء ولا لوجاء أي ما كنت عرفت منك شيئاً.


ما قلت وأنا أرى مكان غيرك وأجد رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيراً لك منك الآن لي. ولئن كان عرض بك رسول الله في هذا الأمر فلم يكن معرضاً عن غيرك وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك. وإن تلجلج في نفسك شيء فهلم فالحكم مرضى والصواب مسموع والحق مطاع.

ولقد نقل رسول الله وهو عن هذه العصابه راض وعليها حذر: يسره ما يسرها ويسوءه ما ساءها ويكيده ما كادها ويرضيه ما أرضاها ويسخطه ما أسخطها. أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وأقاربه وسجرائه إلا أبانه بفضيلة وخصه بمزية وأفرده بحالة!! أتظن أنه ترك الأمة سدى بدداً عباهل مباهل طلاحى مفتونة بالباطل مغبونة عن الحق لا رائد ولا ذائد ولا ضابط ولا حائط ولا ساقى ولا واقى ولا هادى ولا حادى! كلا. والله ما اشتاق إلى ربه إلا بعد أن ضرب المدى وأوضح الهدى وأبان الصوى وأمن المسالك والمطارح وسهل المبارك والمهايع، وإلا بعد أن شدخ الشرك بإذن الله وشرم وجه النفاق لوجه الله وجدع أنف الفتنة في ذات الله وتفل في عين الشيطان بعون الله وصدع بملء فيه ويده بأمر الله(1) .

وبعد فهؤلاء المهاجرون والأنصار - عندك ومعك - في بقعة واحدة ودار جامعة: إن استقالوني لك وأشاروا عندي بك فأنا واضع يدي في يدك وصائر إلى رأيهم فيك - وإن تكن الأخرى فادخل فيما دخل فيه المسلمون وكن العون على مصالحهم والفاتح لغالقهم والمرشد الضالتهم والرادع لغوايتهم، فقد أمر الله بالتعاون على البر والتقوى والتناصر على الحق. ودعنا نقضى هذه الحياة الدنيا بصورة بريئة من الغل، ونلقى الله بقلوب سليمة من الضغن.

وبعد فالناس تمامة فاوفق بهم واحن عليهم ولن لهم ولا تشق نفسك بنا

____________________

(1) سجرائه أصدقائه مباهل أي مهملة، الصوى الأعلام، المهايع: الطرق.


خاصة فيهم، واترك ناجم الحقد حصيداً، وطائر الشر واقعاً وباب الفتنة مغلقاً، فلا قال ولا قيل ولا لوم ولا تبيع. والله على ما نقول شهيد وبما نحن عليه بصير.

قال أبو عبيدة فلما تأهبت للنهوض قال عمر: كن لدى الباب هنيهة فلى معك دور في القول. فوقفت وما أدرى ما كان بعدى. إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا وقال لي: قل لعلى الرقاد محلمة والهوى مقحمة وما منا إلا له مقام معلوم وحق مشاع أو مقسوم ونبأ ظاهر أو مكتوم. وإن أكيس الكيس من منح الشارد تألفاً وقارب البعيد تلطفاً ووزن كل شيء بميزانه ولم يخلط خبره بعيانه ولم يجعل فترة مكان شبرة ديناً كان أو دنياً، ضلالا كان أو هدى. ولا خير في علم مستعمل في جهل، ولا خير في معرفة مشوبة بنكر. ولسنا كجلدة رفع البعير بين العجان والذنب. وكل صال فبناره وكل سيل فإلى قراره. وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعى وشي ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق. وقد جدع الله أنف كل ذي كبر وقصم ظهر كل جبار وقطع لسان كل كذوب. فماذا بعد الحق إلا الضلال!!

ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك؟ ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك؟ ما هذه القذاة التي تغشت ناظرك؟ وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك(1) ؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر واشتملت عليه بالشحناء والنكر؟ ولسنا في كسرواية كسرى ولا في قيصرية قيصر. تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر قد جعلهم الله جزراً لسيوفنا ودريئة لرماحنا ومرمى لطعاننا وتبعاً لسلطاننا، بل نحن في نور نبوة وضياء رسالة وثمرة حكمة وأثر رحمة وعنوان نعمة وظل عصمة بين أمة مهدية بالحق والصدق مأمونة على الرتق والفتق، لها من

____________________

(1) الرفع أسل النخذ من باطن، العجان الأست: يريد أن منزلتهم ليست حقيرة. الشيء انباع للعي. الخنزوانة الكبر. الوحرة الحقد، الشراسيف جمع شرسوف وهو مقطع الضلع.


الله قلب أبي وساعد قوى ويد ناصرة وعين باصرة.

أتظن ظناً - يا علي - أن أبابكر وثب على هذا الأمر مفتئتاً على الأمة خادعاً لها أو متسلطاً عليها!! أتراه حل عقودها وأحال عقولها! أتراه جعل نهارها ليلا ووزنها كيلا ويقظتها رقاداً وصلاحها فساداً!!

لا والله: سلا عنها فولهت له وتطامن لها فلصقت به ومال عنها فمالت إليه واشمأز دونها فاشتملت عليه - حبوة حباه الله بها وعاقبة بلغه الله إليها ونعمة سربله جمالها ويد أوجب الله عليها شكرها وأمة نظر الله اليها. والله أعلم بخلقه وأرأف بعباده يختار ما كان لهم الخيرة.

وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ومعدن الرسالة ولا يجحد حقك فيما أتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك وقرب أمس من قرابتك وسن أعلى من سنك وشيبة أروع من شبيبتك وسيادة لها أصل في الجاهلية وفرع في الإسلام ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة ولا تذكر فيها في مقدمة ولا تضرب فيها بذراع ولا أصبع ولا تخرج منها ببازل ولا هبع(1) .

ولم يزل أبوبكر حبة قلب رسول الله وعلاقة نفسه وعيبة سره ومفزع رأيه ومشورته وراحة كفه ومرمق طرفه - وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار، شهرته مغنية عن الدليل عليه.

ولعمري أنك أقرب إلى رسول الله قرابة، ولكنه أقرب منك قربة، والقرابة لحم ودم القرية نفس وروح. وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا إليه أجمعون.

____________________

(1) البازل الجمل القوى الذي دخل في سنة التاسعة، والهبع الذي ينتج في الصيف فيكون ضعيفاً.


ومهما شككت في ذلك فلا تشك أن يد الله مع الجماعة ورضوانه لأهل الطاعة فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع لك غدا، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك فإن يك في الأمد طول وفي الأجل فسحة فستأكله مريئاً أو غير مرئ وستشربه هنيئاً أو غير هنئ حين لا راد لقولك إلا من كان آيساً منك ولا تابع لك إلا من كان طامعاً فيك، يمض أهابك ويعرك أديمك ويزرى على هديك. هنالك تقرع السن من ندم وتجرع الماء ممزوجا بدم وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك ودارج قوتك فتود أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها ورددت إلى حالتك التي استغويتها. ولله فينا وفيك أمر هو بالغه وغيب هو شاهد وعاقبة هو المرجو لسرائها وضرائها وهو الولي الحميد الغفور الودود.

قال أبو عبيدة: فتمشيت متزملا أنوء كأنما أخطو على رأسى، فرقاً من الفرقة وشقاً على الأمة حتى وصلت إلى على في خلاء فأبثثته بثى كله وبرئت إليه منه ورفقت به. فلما سمعها ووعاها وسرت في مفاصله حمياها قال خلت معلوطة وولت مخروطة وأنشأ يقول:

احدى لياليك فهيسى هيسي

لا تنعمى الليلة بالتعريس

نعم يا أبا عبيدة أكل هذا في أنفس القوم!! ويحسون به ويضطغنون على!

قال أبو عبيدة فقلت: لا جواب لك عندي إنما أنا قاض حق الدين وراتق فتق المسلمين وساد ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي وقرارة نفسي.

فقال على والله ما كان قعودي في كن هذا البيت قصداً للخلاف ولا إنكاراً للمعروف ولا زراية على المسلمين، بل لما قد وقذني رسول الله من فراقه وأودعنى من الحزن لفقده، وذلك إنني لم أشهد بعده مشهداً إلا جدد على حزناً وذكرني شجنا. وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه وأجمع ما تفرق رجاء ثواب معهد لمن أخلص لله عمله وأسلم لعلمه ومشيئته وأمره ونهيه.


على أنى ما علمت أن التظاهر على واقع ولا عن الحق الذي سيق إلى دافع، وإذ قد أفعم الوادي وحشد النادى من أجلى فلا مرحباً بما ساء أحداً من المسلمين وسرني وفي النفس كلام لو لا سابق عقد وسالف عهد لشفيت غيظي بخنصري وبصري وخضت لجته بأخمصي ومفرقي. ولكنني ملجم إلى أن ألقى ربي وعنده أحتسب ما نزل بي، وإني غاد إلى جماعتكم مبايع صاحبكم، صابر على ما ساءني وسركم ليقضى الله أمراً كان مفعولاً.

قال أبو عبيدة فعدت إلى أبي بكر فقصصت عليه القول على غرة ولم أختزل شيئاً من حلوه ومره، وبكرت غدوة إلى المسجد. فلما كان صباح يومئذ وإذا على مخترق الجماعة إلى أبي بكر فيايعه وقال خيراً ووصف جميلاً وجلس زميتاً. واستأذن للقيام فمضى وتبعه عمر مكرماً له مستأثراً لما عنده.

فقال على ما قعدت عن صاحبكم كارهاً ولا أتيته فرقاً ولا أقو لما أقول تعلة وإني لأعرف منتهى طرفى ومحط قدمى ومنزع قومى وموقع سهمي. ولكن قد أزمت على فاسى ثقة بربي في الدنيا والآخرة.

فقال عمر كفكف غربك واستوقف سربك ودع العصى بلحائها والدلاء على رشائها فأنا من خلفها وورائها: إن قدحنا أورينا وإن متحنا أروينا وإن قرحنا أدمينا. ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت بها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت لقلت على مقالتك ما أن سمعته ندمت على ما قلت. وزعمت أنك قعدت في كن بيتك لما وقذك به رسول الله من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك؟ بل مصابه أعظم وأعم من ذلك وإن من حق مصابه أن لا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها. هذه العرب حولنا والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه.

وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، فمن علامة الشوق إليه نصرة ومؤازرة أوليائه ومعونتهم.


وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله والرأفة على خلق الله وبذل ما(1) يصلحون به ويرشدون عليه.

وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر واقع عليك: وأي حق لط دونك؟ قد سمعت وعلمت ما قال الأنصار بالأمس سراً وجهراً وتقلبت عليه بطناً وظهراً فهل ذكرت أو أشارت بك أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه أنك تصلح لهذا الأمر؟ أو أومأ بعينه أو هم في نفسه؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك؟ وعادوا كفارا فيك؟ وباعوا الله تحاملا عليك؟ لا والله لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجي في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي وقالوا: إن علياً ينتظر الإمامة ويزعم أنه أولى بها من غيره وينكر على من يعقد الخلافة. فأنكرت عليهم ورددت القول في نحرهم حيث قالوا: إنه ينتظر الوحي ويتوكف مناجاة الملك فقلت ذاك أمر طواه الله بعد نبيه محمد. أكان الأمر معقوداً بأنشوطة أو مشدوداً بأطراف ليطة(2) ؟ كلا. والله لا عجماء بحمد الله إلا أفصحت ولا شوكاء إلا قد تفتحت.

ومن أعجب شأنك قولك: ولو لا سالف عهد وسابق عقد لشفيت غيظي. وهل ترك الإسلام لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان؟ تلك جاهلية قد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها وهور ليلها وغور سيلها وأبدل منها الروح والريحان والهدى والبرهان. وزعمت أنك ملجم. ولعمري أن من اتقى الله وآثر رضاه

____________________

(1) معلوطة مفتحمة من غير روية، مخروطة مسرعة، هسى سيرى أي سير كان، يضطغنون يحقدون، جلجلان قلبي أي حبته، على غرة أي كما هو، زميتا حليما، أزم الفرس على فاس اللجام أي عضها وقبض عليها. وفاس اللجام الحديدة المعترضة منه في الحنك: يريد أنه ألجم نفسه.

(2) لط جحد، يتوكف ينتظر، الانشوطة عقدة يسهل انحلالها إذا أخذ بأحد طرفيها انفتحت، الليطة قشرة القصبة التي تليط بها أي تلزق.


وطلب ما عنده أمسك لسانه وأطبق فاه وجعل سعيه لما وراه.

فقال على مهلا يا أبا حفص!! والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغى حولا عنه. وأن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق واحتضن الشقاق، وفي الله سلوة عن كل حادث وعليه التوكل في جميع الحوادث. ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب مبرود الغليل فسيح اللبان فصيح اللسان فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشد الأزر ويحط الوزر ويضع الأصر ويجمع الألفة بمشيئة الله وحسن توفيقه.

قال أبو عبيدة فانصرف على وعمر. وهذا أصعب ما مر على بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تلك هي الرسائل الشفوية التي تبودلت - على ما يزعم أبو حيان التوحيدي - بين أبي بكر وعمر من جهة وبين علي بن أبي طالب من جهة أخرى. وقد تبودلت تلك الرسائل - على حد زعمه - في أوائل خلافة أبي بكر - عن طريق أبي عبيدة - عندما امتنع على من مبايعة أبي بكر بالخلافة. وقد أسند أبو حيان - كما رأينا - قصة الرسائل المذكورة إلى أبي حامد (أحمد بن بشر المرروذي) الذي أسندها بدوره غلى الخزاعي بمكة عن أبي ميسرة عن محمد بن أبي فليح عن عيسى بن دوأب بن المتاح (مولى أبي عبيدة) عن أبي عبيدة. والرسائل المزعومة إما أن تكون صحيحة الوقوع من الناحية التاريخية، أو أن تكون موضوعة وملفقة (كلها أو بعضها) سواء أكان ذلك من حيث الأفكار إلى تضمنتها - دون الأسلوب - أم من حيث تلك الأفكار والأسلوب معا.

وإذا كانت الرسائل المذكورة ملفقة فإما أن يكون أبو حيان هو الذي لفقها أو أن يكون قد لفقها شخص آخر (عاش قبل أبي حيان أو عاصره).

وقد وقف الذين تصدوا البحث في تلك الرسائل موقفين متناقضين: ادعى


أحدهما أنها موضوعة وزعم الثاني أنها ليست كذلك.

أما نحن فنميل إلى الاعتقاد بأنها موضوعة على ألسنة من نسبت اليهم، ويغلب على ظننا أن أبا حيان التوحيدي هو الذي وضعها. وقد سبقنا إلى ذلك - بالطبع - ابن أبي الحديد.

وإلى القارئ نص رأيه فيها(1) (قلت الذي يغلب على ظني أن هذه المراسلات والمحاورات والكلام كله مصنوع موضوع، وأنه من كلام أبي حيان التوحيدي لأنه بكلامه ومذهبه في الخطابة والبلاغة أشبه. وقد حفظنا كلام عمر ورسائله وكلام أبي بكر وخطبه فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب... وهذا كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى. وأين أبوبكر وعمر من البديع وصناعة المحدثين!! ومن تأمل كلام أبي حيان عرف هذا الكلام من ذلك المعدن خرج.

ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضى أبي حامد المروذي وهذه ءادته في كتاب البصائر: يسند إلى القاضي أبي حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه إذا كان كارهاً لأن ينسب إليه...

ومما يوضح لك أنه مصنوع أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من المعتزلة والشيعة والأشعرية وأصحاب الحديث وكل من صنف في علم الكلام والإمامة لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية.

ولقد كان الرضى يلتقط من كلام أميرالمؤمنين اللفظ الشاذ والكلمة المفردة عنه...

وكان الرضى إذا ظفر بكلمة من هذه فكأنما ظفر بملك الدنيا، ويودعها كتبه وتصانيفه. فأين كان الرضى عن هذا الحديث؟... وكذلك من قبله من

____________________

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 597 الطبعة الأولى بمصر.


الإمامية كابن النعمان وبني نوبخت وبني بابويه وغيرهم، وكذلك من جاء بعده من متأخرى متكلمي الشيعة وأصحاب الأخبار والحديث منه إلى وقتنا هذا.

وأين كان أصحابنا عن كلام أبي بكر وعمر لعلى؟ وهلا ذكره قاضى القضاة في المعنى مع احتوائه على كل ما جرى بينهم حتى أنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير مفرد في أخبار السقيفة؟!

وهلا ذكره من كان قبل قاضى القضاة من مشايخنا وأصحابنا؟ ومن جاء بعده من متكلمينا ورجالنا؟ وكذلك القول في متكلمي الأشعرية وأصحاب الحديث كابن الباقلاني وغيره.

وكان ابن الباقلاني شديداً على الشيعة عظيم العصبية على على، فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر وعمر في هذا الحديث لملأ الكتب والتصانيف بها وجعلها هجيراه ودأبه؟ والأمر فيما ذكرناه من صنع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان ومعرفة كلام الرجال ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير وأقل أنس بالتواريخ.

يتضح مما ذكرناه أن ابن أبي الحديد يعتبر (الرسائل) المذكورة موضوعة من قبل أبي حيان التوحيدي لأنها بكلامه أشبه وذلك لما عليها من أثر التوليد وألوان البديع الشائعة في عصره، وأنه - كعادته في أمثال تلك الأمور - أسندها إلى غيره ليتملص من مسئوليتها وأن الرسائل المذكورة لا تشبه رسائل عمر المعروفة، ولا تقرب من خطب أبي بكر في أسلوبها.

ومما يدل على أنها من وضعه أنه لم يعثر عليها إلا عنده.

وإن الباحث لا يستطيع العثور على تلك الرسائل - أو على جزء منها - عند المتكلمين على اختلاف مذاهبهم ومقالاتهم وأن رسالة على خاصة كان من الممكن - لو صحت - أن يلتقطها الشريف الرضي، كما أن رسالتي أبي بكر وعمر


- لو وجدتا حقا - لا لتقطهما قاضى القضاة أو الباقلاني. فوضع هذه الرسائل إذن واضح وميسور لمن له أدنى ذوق في علم البيان وأقل اطلاع في التاريخ...

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول أن لما ذكره ابن أبي الحديد صلة قوية بأخلاق أبي حيان وطريقته في التأليف.

فإذا تصدى الباحث لدراسة أخلاق أبي حيان - عن طريق مؤلفاته - أمكنه أن يزعم أنه (أكثر الرواية عن غيره وأن أغلب ما أورده من آراء في اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والفقه عزاه إلى أساتذته أو معاصريه.

شهد الناقدون ومؤرخو الأدب هذا الإكثار من الرواية مع وحدة الأسلوب وطريقة العرض على الأغلب. فاتهموا الرجال باصطناع الآراء ونسبتها إلى غيره إما تخفيا من وزرها وإما رفعاً لشأنها بنسبتها إلى محدث أو فيلسوف ذي شأن. ونتيجة نتبعي لمروياته... وجدتها تنقسم ثلاثة أقسام:

قسم يأخذ فيه الفكرة غفلا فيدخل فيها وسائل التهذيب... ثم يعرضها بأسلوبه... وهو عندها يحتفظ بحق صاحب الفكرة من نسبتها له، ثم يشير إلى ما أدخل في سبيل استقامتها واستوائها من تغيير وزيادة.

وقسم يحافظ فيه على الفكرة بحدودها التامة فلا يزيد ولا ينقص، ولا يهذب ولا يشذب، ولكن يلبسها أسلوبه وعبارته.

وقسم ثالث يحتفظ فيه بالفكرة والعبارة جميعاً ولا يدخل عليه من عمله شيئاً... وعلى هدى التقسيم السابق يصح أن نسأل: في أي قسم من مروياته يتجه الاتهام بالوضع؟ أفي ذلك الذي اعترف بما أدخل عليه من زيادة ونقص وتحوير وتبديل وخرق ورقع؟ إن كان في هذا فما سبيلنا إلى اتهامه؟... لا سبيل لنا إلى اتهامه إلا بثبات أن الأفكار في نفسها ليست لهؤلاء الذين نسبت إليهم...

إنني على بليغ تتبعي لم أعثر على اتهام له - استثنى شيئاً قليلاً -... ويلحق


القسم الثاني بالأول في هذه الناحية... ولم يبق مجال الاتهام مقبولا إلا في هذا الذي ادعى أبو حيان روايته فكرة وعبارة...

وأستطيع أن أزعم أن هذا القسم الأخير لم يتهم فيه إلا في موارد محدودة ألبست ثوب التعميم والشمول...

بعض هذه التهم يتصل بتحريف - يقال - أنه أدخله على الأحاديث النبوية، وبعضها بنصوص أدبية رواها عن مشايخه ومعاصريه... ومنها الرسائل المتبادلة بين أبي بكر وعمر وعلى بحادثة السقيفة(1) ).

يتضح مما ذكرنا أن أبا حيان متهم، وإن كان ذلك الاتهام مبالغاً فيه من حيث الكثرة العددية (بنظر بعض الباحثين). ولم يستطع المدافعون عن أبي حيان نفي التهمة عنه، بل بالعكس: فقد أقروها من حيث الأساس وإن حددوا مجالها.

أما نحن فلا يعنينا - في هذه الدراسة - سعة مجال الوضع عند أبي حيان بمقدار ما يهمنا اتصافه به، وخاصة عندما أخفق المعتذرون عنه في محاولاتهم تبرئة ساحته عن تلفيق أحاديث على النبي وتزوير رسائل على الخلفاء الراشدين.

ومما يؤيد وجاهة ما ذهبنا إليه أن أبا نصر الشجرى ذكر أنه سمع المالنين يقول:

قرأت الرسالة المنسوبة إلى أبي بكر وعمر - مع أبي عبيدة - إلى على، على أبي حيان فقال: هذه الرسالة عملتها رداً على الرافضة.

وسببه أنهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء فيغلبون على حال على(2) ).

____________________

(1) عبد الرازق محي الدين، أبو حيان التوحيدي ص 78 - 84.

(2) المصدر نفسه ص 108.


وهناك بالإضافة إلى ما ذكرناه - أمور أخرى تثبت أن الرسائل الآنفة الذكر - بالشكل الذي جاءت فيه - ملفقة من الناحية التاريخية (بغض النظر عمن لفقها). وأدلتنا على ذلك هي:

1 - أسلوبها الذي أشرنا إليه. فهي بالإضافة إلى كثرة السجع المنبث بين جملها تحتوى على ألوان من البديع لم يألفه النثر في صدر الإسلام في الرسائل وفي الخطب على السواء. فقد كان النثر آنذاك - كما هو معروف - تؤدى معانيه بأيسر أساليب التأدية، وبألفاظ أغلبها يجري مجرى ألفاظ القرآن والحديث. وهذا يعني بعبارة أخرى مساوقة الذوق والابتعاد عن التكلف والتقعر في الأسلوب، وتجنب الإطالة والتكرار.

أما الرسائل المذكورة فمحشوة بصنوف ألوان البديع: وفي مقدمتها - كما لاحظنا - الجناس، التام منه وغير التام، والطباق (الإيجابي منه بصورة خاصة)، والمقابلة وهي أمور شاعت في الرسائل بعد عهد الخلفاء الراشدين، وألف الكتاب استعمالها - على نطاق كبير - في القرن الرابع الهجري - وهو الزمن الذي عاش فيه أبو حيان.

ومما يلفت النظر أن الرسائل الآنفة الذكر تكاد كل جملة منها أن تشتمل على لون واحد أو أكثر من المحسنات البديعية التي أشرنا إليها.

أما الجمل التي خلت من ذلك فيلوح الباحث أن أبا حيان تقصد أن يجعلها كذلك إيهاما للباحثين.

2 - تماثل تلك الرسائل في الأسلوب تماثلا تاما بحيث لا ينتبه السامع أو القارئ إلى أنها رسائل مختلفة لأشخاص مختلفين في أساليبهم التعبيرية على الأقل. ولو لا إشارة أبي حيان إلى أسماء (أصحابها) لخيل المرء أنها تعود لشخص واجد.


3 - قدرة أبي عبيدة العجيبة على حفظها - بمجرد سماعها - على ما فيها من ألفاظ غريبة: وهو أمر لا يصدقه العقل ولا تقره الخبرة إلا في معرض الأساطير والروايات الخيالية.

4 - إطناب أبي بكر في الثناء على أبي عبيدة في صدر رسالته بشكل لا يجيزه أبو بكر لنفسه أو أنه كان صاحبها. كما أنه ليس لأبي عبيدة من المآثر في عهد النبي ما يستحق معه مثل ذلك الإطراء.

5 - التناقض الكبير بين قول أبي بكر لأبي عبيدة (امض إلى على واخفض له جناحك واغضض عنده صوتك واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن فقدناه بالأمس مكانه).

وبين تأنيبه علياً وغمزه إياه ولمزه في ثنايا الرسالة: فقد قال أبو بكر لعلي: (أعجمة بعد إفصاح!... أدين غير دين الله!!).

هذا مع العلم أنه لم تكن هناك ضرورة لاستمال هذه العبارات القاسية خاصة أن أبابكر - لو صحت الرسالة - كان راغباً في استمالة على ليبايع له بالخلافة دون استثارة أو تحد.

وهناك أيضاً عدم انسجام بين قول أبي بكر لأبي عبيدة: (قد أردتك لأمر خطره مخوف وإصلاحه من أعظم المعروف ولئن لم يندمل جرحه... وقع اليأس وأعضل البأس) وبين قوله لعلى:

(ما هذه الوعوعة باللسان!! والقعقعة بالشنان!) فموقف من الخطورة على ما رأيناه هو أكثر دور شك من وعوعة باللسان وقعقعة بالشنان.

6 - لو صحت رسالة أبي بكر فليس هناك مبرر لرسالة عمر التي احتوت من حيث الأساس على عبارات ذكرها أبوبكر من حيث المعنى مضافا إليها عبارات مثيرة لا لزوم لها!!


7 - الرد المتهافت في (رسالة) على فقد جاءت تلك الرسالة خلواً من مناقشة الحجج التي اشتملت عليها رسالة أبي بكر المزعومة. كما أن علياً بدا - في معرض النقاش مع عمر - على غير حقيقته من الرجولة والشجاعة وقوة العارضة.

8 - إشارة عمر في رسالته على استيلاء العرب على سلطان كسرى - وذلك في أوائل خلافة أبي بكر في حين أن ذلك الاستيلاء لم يتم كما هو معلوم إلا في خلافة عمر. فكان واضع الرسائل نسى ذلك أو تناساه - وهو من أبسط حقائق التاريخ الإسلامي.

والخلاصة: إننا نقول - في واضع تلك الرسائل - ما قاله أبو جعفر الإسكافي في الجاحظ الذي وضع رسالة مماثلة سماها العثمانية.

(أما القول... فممكن والدعوى سهلة سيما على مثل الجاحظ: فإنه ليس على لسانه - من دينه وعقله - رقيب، وهو من دعوى الباطل غير بعيد. فمعناه نزر وقوله لغو ومطلبه سجع وكلامه لعب ولهو. يقول الشيء وخلافه، ويحسن القول وضده: ليس له من نفسه واعظ ولا لدعواه حد قائم(1) ).

ذلك ما يتصل بالشق الأولى من الموضوع: وهو التحدث عز تلك الرسائل الملفقة من حيث أسلوبها وملابساتها العامة. أما الشق الثاني من الموضوع فهو التحدث عن تلك الرسائل من حيث مادتها والأفكار التي انطوت عليها.

وقبل أن نفعل ذلك يجمل بنا أن ننبه القارئ إلى أنه ربما لاحظ معنا - أثناء قراءته تلك الرسائل - أنها تحتوى على طائفة كبيرة من الأفكار، وأن مناقشتها بتفاصيلها تحتاج إلى دراسة خاصة قائمة بذاتها. ولهذا فسوف نحصر البحث في المناطق البارزة منها:

____________________

(1) رسالة الجاحظ ص 38.


1 - وضع أبو حيان التوحيدي - على لسان أبي بكر - طائفة من الأمور التي تسترعى انتباه الباحثين:

(ا) قال مخاطباً علياً (أدين غير دين الله؟ أخلق غير خلق القرآن؟ أهدى غير هدى النبي؟) أهو على - يا أبا حيان - من يريد ديناً غير دين الله!! وخلقاً غير خلق القرآن!! وهدياً غير هدى النبي! أم هو غيره؟ هل في سيرة الإمام - منذ نشأته حتى مصرعه - حادثة واحدة لا تنسجم هي ونصوص القرآن وسيرة النبي؟.

(ب) (إنك والله عارف باستجابتنا لله ولرسوله وبخروجنا عن أوطاتنا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا: هجرة لله ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كن الصبا وخدر الغرارة وعنفوان الشبيبة - غافل عما يشيب ويريب لا تعى ما يراد ويشاد.

ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي، ونقاسى أهوالا تشيب النواصي... لا ننتظر عند الصباح مساء...

ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه ولا نبلغ مراداً إلا بعد الإياس من الحياة عنده).

نعم يا أبا حيان: على عارف بخروجهم. ولكنك أغفلت عليهم بخروجه في سبيل الله. ثم هل تعتبر الحصول على الخلافة - يا أبا حيان - ثمناً لذلك الخروج؟

وإذا كان الأمر كذلك فقد خرج آخرون في سبيل الله فلماذا حرمتهم من الخلافة؟

وإذا كان الخروج والتعذيب في سبيل الله هو مقياس الكفاءة للحصول على الخلافة ألا يكون عمار بن ياسر أولى بها من غيره؟


ثم هل كان على آنذاك في كن الصبا وخدر الغرارة؟ وما الأهوال التي قاساها أبوبكر مع النبي وقصر على عنها؟!

أكان ذلك أثناء حصار بني عبد المطلب في الشعب؟ أم أثناء المبيت على فراش النبي عندما تآمر على قتله كفار قريش؟ أم عند الثبوت معه في أحد؟ أم عند مبارزة فارس العرب عمرو بن عبد ود أثناء حصار المدينة في حرب الخندق؟ أم عند خيبر وملاقاة بطلها مرحب؟

(ج) (أتظن يا علي أن الرسول ترك الأمة سدى: عباهل مباهل، طلاحى مفتونة بالباطل مغبونة عن الحق لا رائد ولا ذائد). إن هذا القول عليك لا لك يا أبا حيان. إن علياً هو القائل أن الرسول (لم يترك أمته سدى عباهل مباهل...).

(د) (لقد شاورني الرسول في الصهر فذكر فتياناً من قريش فقلت: أين أنت من على؟ فقال إني أكره لفاطمة ميعة شبابه وحداثة سنه).

كذبت يا أبا حيان على رسول الله في هذا الأمر العائلي المحض.

كذبت في ذلك كذبة مزدوجة: في الاستشارة ذاتها وفي اتهام الرسول لعلى بميعة الشباب.

(هـ) (ولقد سألت رسول الله عن هذا الأمر فقال لي: يا أبابكر، هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه ولمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي؟).

هل ذهب المسلمون إلى أبي بكر وهو بداره في النسخ وقدموا له الخلافة؟

وهل ذهب أبوبكر إلى للسقيفة ليعبر عن رغبته عن الخلافة؟

وهل ترك جثمان النبي مسجى على فراش الموت ليفهم المسلمين آنذاك أنه غير راغب فيها؟


2 - ووضع أبو حيان على لسان عمر طائفة من الأمر تستلزم البحث والاستقصاء:

(ا) (أتظن يا علي أن أبابكر وثب على هذا الأمر مفتانا على الأمة خادعاً لها أو متسلطاً عليها؟... سلا عنها فولهت له وتطامن لها فلصقت به ومال عنها فمالت إليه واشمأز دونها فاشتملت عليه). أية أمة هذه التي يتكلم عنها ابن الخطاب هل الذين اجتمعوا في السقيفة هم الأمة؟ وهل سئل أبوبكر تلك (الأمة) المجتمعة في السقيفة فولهت له عندما نازع الأنصار خلافة النبي؟

(ب) (وإنك بحيث لا يجهل موضعك من الرسالة... ولكن لك من يزاحمك بمنسكب أضخم من منكبك وقرب أمس من قرابتك وسن أعلى من سنك وشيبة أروع من شبيبتك وسيادة لها أصل في الجاهلية وفرع في الإسلام ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة...) ما هي تلك المواقف التي انفرد بها أبوبكر دفاعا عن الإسلام وقصر دونها الإمام؟ وأي أصل في الجاهلية لأبي بكر يفوق به الإمام؟ وإذا كانت شروط الخلافة لا تتجاوز ما ذكره ابن الخطاب فلماذا زاحم أبوبكر سعد بن عبادة في أمر الخلافة مع توافر تلك الشروط فيه؟

(ج) (ولم يزل أبو بكر حبة قلب النبي وعلاقة نفسه وعيبة سره ومفزع رأيه ومشورته وراحة كفه ومرمق طرفه). إذ هذا القول يا أبا حيان ذم ضمنى لرسول الله. إن رسول الله أسمى من أن يلجأ إلى بشر في رأيه وسره: إنه يفزع إلى الله عند الشدائد، إلى الله دون سواه حسب تعاليم الإسلام وبنص كتاب الله العزيز.

(د) (ولعمري إنك أقرب إلى رسول الله قرابة ولكنه أقرب منك قربة: والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح). إن علياً - يا أبا حيان - أقرب إلى رسول الله قرابة وقربة: فهو قريبه في النسب وقريب منه في العقيدة والأخلاق. وقد سار على منواله - كما رأينا - في تصرفاته العامة والخاصة على السواء.


(هـ) ذكر أبو حيان - على لسان عمر - قول عمر لعلي (بعد البيعة) (إن الإسلام لم يترك لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان، وإن تلك (أي محاولة شفاء الغيظ باليد أو باللسان) جاهلية استأصل الله شأفتها...) في حين أن (رسالته) الأولى والثانية (قبل البيعة المزعومة وبعدها) من أشد أنواع شفاء المرء غيظه باللسان ومن أكثرها إيغالا في الجاهلية التي استأصل الله شأفتها من الناحية التشريعية النظرية ولم تستطع الوراثات الاجتماعية أن تستأصلها من نفوس القوم (كأبي حيان ومن هم على شاكلته من القدامي والمحدثين) أو تخفف من حدتها وتقلل من صرامتها على الأقل.

تم والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله


ثبت الكتاب

مقدمة21

الجانب الأخلاقي 39

الفصل الثاني 45

الجانب السياسي 45

الفصل الثالث 75

الجانب المالي 75

الفصل الرابع 100

فلسفة الحكم عند الإمام في ضوء ملابساتها التاريخية100

أ - بين رسول الله وعلي بن أبي طالب 100

ب: الامام وقوى الشر157


اهم مصادر البحث

1 - القرآن.

2 - ابن الاثير، الكامل في التاريخ، المطبعة المنيرية في القاهرة.

3 - ابن الاثير، اسد الغابة في معرفة الصحابة - المطبعة الوهبية في القاهرة، 1280 هـ.

4 - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، المطبعة الميمنية في القاهرة، 1306 هـ.

5 - ابن خلكان، وفيان الاعيان، المطبعة الميمنة في القاهرة، 1310 هـ.

6 - ابن سعد، الطبقات الكبرى - مطبعة لجنة نشر الثقافة الاسلامية في القاهرة، 1358 هـ.

7 - ابن هشام، سيرة النبي محمد، مطبعة حجازي في القاهرة.

8 - ابو الفداء، فوات الوفيات، المطبعة الحسينية المصرية - الطبعة الأولى.

9 - احمد بن حنبل، المسند، المطبعة الميمنية في القاهره.

10 - البخاري، صحيح البخاري، دار الطباعة العامرة في اسطنبول.

11 - برهان الدين الحلبي، السيرة الحلبية، مطبعة مصطفى محمد في القاهرة و سيرة دحلان في هامشها.

12 - البلاذري، انساب الاشراف، المطبعة العربية في القدس - 1936.

13 - الزمخشري، الكشاف، مطبعة الاستقامة في القاهرة، 1953.

14 - الطبري: تاريخ الامم والملوك، المطبعة الحسينية في القاهرة.

15 - الغزالي، احياء علوم الدين، المطبعة الميمنية في القاهرة، 1913.

16 - القلقشندي: صبح الاعشى في صناعة الانشا - المطبعة الاميرية في القاهرة - 1913.

17 - المقريزي: امتاع الاسماع بما للرسول من الابناء والاموال والحفدة والمتاع - مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة - 1941.

18 - نصر بن مزاحم: وقعة صفين - دار احياء الكتب العربية في القاهرة - الطبعة الأولى.

19 - الواقدي: مغازي رسول الله - مطبعة السعادة في القاهرة - 1942.

اما مجلدات شرح نهج البلاغة (التي اخذت منها كلمات الامام الموجودة في ثنايا الكتاب وخاصة في الفصول الثلاثة الأولى) وارقام صحائفها فهي:

(أ) المجلد الأول: 90 و 91 و 176 و 180 - 182 و 216 و 906.

(ب) المجلد الثاني: 35 - 38 و 172 و 173 و 305 و 378 و 403 و 490 و 513 و 556 و 572.

(ج) المجلد الثالث: 3 و 29 و 34 و 80 و 239 و 434 و 435 و 439 و 440 و 442.

(د) المجلد الرابع: 24 و 30 و 33 و 35 و 36 و 39 و 106 و 119 - 152 و 163 و 222 و 230 و 268 و 275 و 286 و 314 و 316 و 334 و 400 و 408 و 411 و 413 و 416.