موسوعة عبد الله بن عبّاس- الجزء 3
التجميع متون حديثية
الکاتب السيد حسن الموسوي الخرسان
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404







تقديم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين ، محمّد وآله الطيبين الطاهرين،ورضي الله عن الصحابة المهتدين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد :

فقد انتهيت بالقارئ في الجزء الثاني إلى نهاية عهد عثمان ، وفارقنا حبر الأمة عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) وهو أمير الموسم في سنة 35 من الهجرة بمكة ، والآن سأتابع المسيرة في قراءة بقية أحداث السيرة ، الّتي عاشها أو عايشها ، بدءاً من أوّل خلافة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وبتعبير أصح من يوم تولّى تصريف الأمور ومبايعة الناس له ، وانتهاءاً بيوم شهادته ( عليه السلام ) في 19 شهر رمضان سنة40 هـ وما بينهما من أحداث جسام زلزلت كيان الإسلام.

ولا أكتم القارئ إنّ هذا الجزء من حياة حبر الأمة عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) هو كسابقه طافح بحوادث تاريخية تستدعي دراسة واعية وقراءة متأنية ، لندرك مدى تأثرها وتأثيرها من خلال معرفة مقوماتها زماناً ومكاناً وشخوصاً. لذلك فقد تغيّرت صورة بعض الأبحاث عمّا كانت عليه في كتابتي الأولى ، نتيجة الإطلاع على كثير من المصادر والمؤلفات الحديثة الّتي لم تكن يوم تأليفي أوّلاً ،


وحمدت الله على هذا التأني إذ أزددت اطمئناناً بنتائج ما توصلتُ إليه سابقاً ، كما أزددت اطلاعاً على ما جدّ نشره فتولّدت بعض الأبحاث ، وأستجدّت بعض الآراء.

فإنّ الأحداث التاريخية ـ أيّ حدث كان ـ لابدّ في تحقق وقوعه خارجاً ، من زمان لحدوثه ، ومكان لوقوعه ، وذوات ترسم معالمه ، ولمّا كانت المصادر المعنية بتسجيله جاءت رواياتها متناثرة ، وأغراض رواتها ـ غالباً ـ متنافرة ، فمن الرواة الغالي ومنهم القالي ، وما بين ذا وذا بقيت حلقات فراغ ، ليس من السهل سدّها بجرّة من القلم. فلابدّ لنا ونحن نستقبل عصر الخلافة الإسلامية المليء بالمفارقات العجيبة بالقياس إلى ما مرّ قبله ، أن نتأنّى طويلاً عند القراءة ، ونتمعّن كثيراً في الدلالة ، ليتسنّى لنا درك الحقيقة كما كانت قد حدثت ، وهذا ما أفصح عنه بعض أصحاب الدراسات الحديثة ومنهم الأستاذ عباس محمود العقاد فقد قال : « وما علينا إذا أردنا أن نمتحن حادثة تاريخية أو سلسلة من الحوادث التاريخية ، إلاّ أن نسأل أنفسنا : كيف ينبغي أن تحدث؟ فإذا ارتسمت لنا على الترتيب الّذي يقبله العقل ويطابق الواقع ، فذلك هو الامتحان الصادق ، وما نستخلصه منه هو الصواب كأصدق ما يمكن أن يصوّره تاريخ الحوادث لمن لم يشهدها شهادة العيان »(1) .

أمّا كيف ترتسم لنا على الترتيب الذي يقبله العقل ويطابق الواقع؟ فهذا ما لم يفصح عنه العقّاد ، أمّا أنا فأحسب أن أيسر السبل هو التجرّد عن الرواسب والشوائب حين القراءة ، ثمّ البدء بالسؤال الّذي طرحه العقّّاد بأن نسأل أنفسنا كيف ينبغي أن تحدث؟

____________________

(1) موسوعة العقاد 1 / 475.


ويكون الجواب على ضوء معرفة مقوّمات الأحداث زماناً ومكاناً وشخوصاً مسبّقا ، وليس من خِلال وحي الخيال ، فكم من بارع يستوحي ما قدّره من خياله وبظنّه ، وصوّره بفنّه ، فكانت الصورة من وحي الخيال ، نسيجاً واهي الظِلال هي عين الضلال. فليست العبرة بتكبير الحبّة كبّة ، ولا بتصرير الناموس دُبّة(1) .

بل العبرة أن يكون الباحث المحقق له ميزانه في البحث لا يحيد عنه ، ولا يُخدع بما قاله مَن قبله كحقيقة ثابتة ، بل عليه توخي قولة الحقّ إرضاء لله سبحانه وتعالى ، وإن لم يعجب قولُه الناس ، فإنّ رضاهم غاية لا تدرك ، وإن ذهبوا إلى خلافه.

فقد روى وابصة وقد أتى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يسأله عن البرّ والإثم فجعل ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنامله الثلاث ينكث بهنّ في صدر وابصة ويقول : ( يا وابصة استفتِ نفسك واستفت نفسك ـ ثلاث مرات ـ البرّ ما اطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في نفسك وتردّد في صدرك وإن أفتاك الناس وأفتوك )(2) .

ولمّا كانت الفترة الزمنية الّتي سنقرأ عنها في هذا الجزء قد اشتملت على أحداث جسام وتراكمات ضارّة ، نخرت بنية المسلمين داخلياً بدءاً من حرب الجمل ثمّ صفين ثمّ النهروان ، ثمّ مقتل الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وما تلا ذلك ، ويأتي الكلام عن بدء خلافة الإمام الحسن الزكي الّتي مارس فيها الحكم لمدة ستة أشهر ، وبها أنتهت خلافة النبوّة. ثمّ الموقف الأضطراري الّذي فرض نفسه على إمام الأمة ، فقد هادن معاوية على أن يباشر الحكم ثمّ يعود الأمر من بعده إلى الإمام صاحب الحقّ الشرعي ، ولكن معاوية لم يفِ بشرط واحد من شروط

____________________

(1) دويّبة غبراء كهيئة الذرة ، والدّبة مؤنث الدّب حيوان من السباع.

(2) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 175 ط القدسي ، عن أحمد وأبي يعلى.


الصلح كما سيأتي ذلك مفصلاً ، فاغتال الإمام بالسم وعهد بالأمر لابنه يزيد ، وكانت بلية المسلمين عظيمة إذ بليت براع مثل يزيد ، إذ تولى ثلاث سنين قتل في الأولى الإمام الحسين بن عليّ ( عليه السلام ) سبط النبوة وسيد شباب أهل الجنة ، وأهل بيته وأنصاره في مجزرة كربلاء وسبى عياله ، وفي السنة الثانية كانت وقعة الحرّة حيث أباح المدينة لجيشه ، وفي الثالثة أمر بغزو مكة ورمى جيشه الكعبة بالمنجنيق ، وبدأت تتسع الانقسامات الداخلية سياسياً وفكرياً ، وفي خضمّ جميع تلك الأحداث كان ابن عباس يمارس دوره بما يمليه الواجب عليه إلى أن وافته المنية وهو بالطائف عام 68 هجري. كلّ ذلك نتركه إلى ما بعد هذا الجزء.

وسنجعل الحديث عن ابن عباس في هذه الحقبة في ثلاثة مراحل : المرحلة الأولى وتبدأ من تولي الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الحكم في سنة 35 إلى بداية خلافة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، والمرحلة الثانية من بداية خلافة الإمام الحسن ( عليه السلام ) يتضمن فترة أستحواذ معاوية وابنه يزيد على حكومة المسلمين ، والمرحلة الثالثة ما كان بعد ذلك إلى نهاية حياته.

وممّا لا ريب فيه أنّ المراحل التاريخية الّتي مرّ بها ابن عباس ، تداخلت بتداعياتها بعضها في بعض طبيعة تأثر اللاحقة بمواريث السابقة ، خصوصاً في أولها فهي لا تزال تعيش مع بقايا المتقدمة برهة من الزمن ، ثمّ تتلاشى آثار تلك البقايا كلياً أو الكثير منها ليحلّ ما جدّ وأستجدّ محلّها ، وهذه سنّة التطور في كلّ شيء في هذا العالم.

وليكن نظرنا إلى رجال التاريخ الذين عاشوا الأحداث فصيّروها وصوّروها هُم أناسٌ بشرٌ مثلنا ، فيهم المحسن ومنهم المسيء ، وفيهم المخطيء كما فيهم


المصيب ، فلا تخدعنا الأبازير(1) في النسب والأفاويه في الصحبة ، عن حقيقة الإنسان مهما كان ومَن كان( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) (2) ،( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (3) ،( وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى ) (4) .

نسأله التوفيق والتسديد إنّه حميد مجيد.

( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (5) .

محمّد مهدي السيد حسن

الموسوي الخرسان

عفي عن

____________________

(1) التوابل ونوافج الطيب ، ومثله الأفاويه.

(2) المدثر / 38.

(3) البقرة / 286.

(4) النجم / 39.

(5) الحشر / 10.



حبر الأمة

في عهد أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) قبل ولايته على البصرة



رحلة العودة إلى المدينة :

ومضت أيام الحج المعلومات وابن عباس يترقّب مفاجأة الأيام بما خلّفه وراءه يوم خرج من المدينة وأتى مكة أمير الموسم. فلمّا قضى المناسك كانت العودة والإسراع بقطع المراحل همّه الأهم ، وما يدرينا لعله تعجّل النفر الأوّل في اليومين. فقد روى الطبري في تاريخه في حديث سيف (؟) جاء فيه : « انّ عثمان قتل في ذي الحجة لثمان عشرة خلت منه ، وكان على مكة عبد الله بن عامر الحضرمي ، وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس ، بعثه عثمان وهو محصور ، فتعجّل أناسٌ في يومين فأدركوا مع ابن عباس فقدموا المدينة بعد ما قتل وقبل أن يبايع عليّ ، وهرب بنو أمية فلحقوا بمكة ، وبويع عليّ لخمس بقين من ذي الحجة يوم الجمعة »(1) .

فهذا الخبر وان كان راويه سيف بن عمر وهو ممّن لا يوثق بأخباره منفرداً ، إلاّ أنّ الحبر بمركزه الإمارتي وطبيعة الأحداث يومئذ ، تقضي أن يتعجّل النَفَر على خلاف العادة لأمير الموسم ، إذ كان لا يخرج من منى إلاّ بعد اليوم الثالث عشر ، ولكن غليان المرجل في المجتمع لتطلّع الأخبار في المدينة وما جرى فيها عجّل بالخروج ، كما قضى بانتهاب الرواحل للمراحل ، فإنّ المسافة بين مكة والمدينة على طريق الجادة نحواً من عشر مراحل(2)

____________________

(1) تاريخ الطبري 5 / 448 ط دار المعارف.

(2) الأعلاق النفسية لابن رستة / 180 ط ليدن والمسالك والممالك للأصطخري / 27 ط ليدن ومعجم البلدان لياقوت الحموي 7 / 300.


والمرحلة ما يقطعه المسافر في يومه ، وتقدّر بثمانية فراسخ(1) فتكون رحلة العودة تستغرق عشرة أيام ، ولعلّ الإسراع طوى بعض المسافات لأكثر من مرحلة أحياناً ، فقد وصل إلى المدينة بعد مقتل عثمان بخمسة أيام ، ولما كان قتله لثمان عشرة ليلة مضت من ذي الحجة ، فيكون يوم الدخول هو اليوم الثالث والعشرين من ذي الحجة ، وذلك قبل مبايعة الناس لابن عمه بيومين ـ فيما أرى ـ فهو قد أدرك إذا هياج المسلمين وانثيالهم على الإمام يريدون مبايعته ، وأدرك امتناع ابن عمه من قبول دعوة الناس وسمع قوله : اطلبوا غيري لأن أكون وزيراً خيرٌ لكم من أن أكون أميراً. وسيأتي تحقيق عن زمان عودته.

مبايعة المسلمين للإمام :

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « فما راعني إلاّ والناس كعُرف الضُبع إليّ ، ينثالون عليّ من كلّ جانب حتى لقد وطيء الحسنان ، وشقّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم »(2) .

وقال ( عليه السلام ) : « دعوني والتمسوا غيري ، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول ، وإنّ الآفاق قد أغامت ، والمحجة قد تنكّرت ، واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً »(3) .

____________________

(1) البلدان لليعقوبي.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 67.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 170.


قال ابن حجر المكي في الصواعق : « فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى عليّاً فقالوا : ما نرى أحداً أحقّ بها منك ، مدّ يدك نبايعك فبايعوه »(1) .

قال ابن الأثير في الكامل : « اجتمع أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليّاً فقالوا له : إنه لابدّ للناس من إمام قال : لا حاجة لي في أمركم فمن أخترتم رضيت به. فقالوا ما نختار غيرك وتردّدوا إليه مراراً وقالوا له في آخر ذلك : إنا لا نعلم أحداً أحق به منك لا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فقال : لا تفعلوا فإني أكون وزيراً خيراً من أن أكون أميراً ، فقالوا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك ، قال : ففي المسجد فإنّ بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلاّ في المسجد ، وكان في بيته وقيل في حائط لبني عمرو بن مبذول ، فخرج إلى المسجد وعليه إزار وطاق(2) وعمامة خزّ ونعلاه في يده متوكئاً على قوس ، فبايعه الناس ، وكان أوّل من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله ، فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال : إنا لله ، أوّل من بدأ البيعة يد له شلاّء ، لا يتم هذا الأمر ، وبايعه الزبير وقال لهما : إن أحببتما أن تبايعاني ، وإن أحببتما بايعتكما؟ فقالا : بل نبايعك ، وقالا : بعد ذلك إنّما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا ، وعرفنا انّه لا يبايعنا ، وهربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر »(3) . ونحو ذلك في الطبري(4) .

وهذا ما اتفق عليه الرواة وأخبت بصحته المؤرخون ، فقد قال ابن قتيبة : « فقام الناس فأتوا عليّاً في داره فقالوا : نبايعك فمدّ يدك لابدّ من أمير فأنت

____________________

(1) الصواعق المحرقة / 116 ط محققة.

(2) الطاق : ضرب من الثياب ، والطيلسان او الأخضر منه ( القاموس ).

(3) الكامل لابن الأثير 3 / 190.

(4) تاريخ الطبري 4 / 428 ـ 429 ط دار المعارف.


أحق بها ، فقال : ليس ذلك اليكم ، إنّما هو لأهل الشورى وأهل بدر ، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة ، فنجتمع وننظر في هذا الأمر ، فأبى أن يبايعهم ، فانصرفوا عنه ، وكلّم بعضهم بعضاً فقالوا : يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله ولا يسمعون أنّه بويع لأحد بعده فيثور كلّ رجل منهم في ناحية ، فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد ، فارجعوا إلى عليّ فلا تتركوه حتى يبايَع ، فيسير مع قتل عثمان بيعة عليّ فيطمئن الناس ويسكنون فرجعوا إلى عليّ ».

وروى ابن قتيبة ـ عن أبي ثور أحد قتلة عثمان ـ قال : « فلمّا كانت البيعة له ـ لعليّ ـ خرجت في أثره والناس حوله يبايعونه ، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن فألجؤه إلى نخلة ، وحالوا بيني وبينه فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه تختلف أيديهم على يده »(1) .

وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد : « لمّا قتل عثمان بن عفان ، أقبل الناس يُهرعون إلى عليّ بن أبي طالب ، فتراكمت عليه الجماعة في البيعة ، فقال : ليس ذلك اليكم ، انما ذلك لأهل بدر ليبايعوا ، فقال : اين طلحة والزبير وسعد؟ فاقبلوا فبايعوا ، ثمّ بايعه المهاجرون والأنصار ، ثمّ بايعه الناس ، وذلك يوم الجمعة »(2) .

وروى الطبري عن أبي بشير العابدي قال : « كنت بالمدينة حين قتل عثمان ( رضي الله عنه ) وأجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فأتوا عليّاً فقالوا : يا أبا حسن هلمّ نبايعك ، فقال : لا حاجة لي في أمركم أنا معكم ، فمن أخترتم فقد رضيت به ، فاختاروا والله فقالوا : ما نختار غيرك.

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 42 مط الاُمة سنة 1328.

(2) العقد الفريد 4 / 310 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1363.


قال : فاختلفوا إليه مراراً ثمّ أتوه في آخر ذلك فقالوا له : إنه لا يصلح الناس إلاّ بإمرة وقد طال الأمر ، فقال لهم : إنكم قد اختلفتم إليّ وأتيتم ، واني قائل لكم قولاً إن قبلتموه قبلت أمركم وإلا فلا حاجة لي فيه. قالوا : ما قلتَ من شيء قبلناه إن شاء الله.

فجاء فصعد المنبر ، فاجتمع الناس إليه فقال : إني قد كنت كارهاً لأمركم ، فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وإنه ليس لي أمر دونكم ، إلاّ أن مفاتيح ما لكم معي ، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، رضيتم؟ قالوا : نعم ، قال اللّهمّ أشهد عليهم ، ثمّ بايعهم على ذلك قال أبو بشير وأنا يومئذ عند منبر رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم قائم أسمع ما يقول »(1) .

وهذه المبايعة الإجماعية لم تحصل من قبل لأيّ ممّن سبقه في الحكم ، فبيعة أبي بكر كانت بخمسة نفر في سقيفة بني ساعدة وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وبشير بن سعد وأسيد بن حضير وسالم مولى أبي حذيفة. ثمّ تمّت بحشر الناس اليها من قبل أولئك وهم محتجزون بالأزر الصنعانية وبأيديهم عسيب النخل يخبطون به الناس كما مرّ ذلك مفصلاً في الجزء الأوّل.

وأمّا بيعة الناس لعمر بالخلافة فقد كانت بوصية أبي بكر وقد غشي عليه فيها قبل أن يتمّها ، فكتب عثمان اسم عمر ، وأبو بكر في غشيته ، فلمّا أفاق وقرأ عليه ذلك أمضاه ، وأمر غلامه شديد أن يخرج إلى المسجد ليقرأ الصحيفة على الناس ومعه عمر بيده جريدته ـ عسيب نخل ـ يُجلس الناس وهو يقول : أيها الناس إسمعوا وأطيعوا لقول خليفة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إنّه يقول لكم إني لم آل

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 427 ـ 428 ط دار المعارف.


نصحاً(1) وأمّا بيعة عثمان فقد مرّت تفاصيلها وأنّها خدعة أيّما خدعة ، أحكمت باسم الشورى ، ولم تكن ثمة شورى ، بل كانت ترشيح من عمر لستة نفر ثمّ ترجيح منه لكفّة على كفّة ، ثمّ توضيح مَن صاحب الكفّة الراجحة لإثبات عثمان واستبعاد عليّ عن الخلافة ، وقد مرّت بتداعياتها في الجزء الثاني ، فراجع.

فلا بدع بقول من قال : إنّ بيعة الإمام هي أوّل بيعة صحيحة أجتمعت عليها آراء المسلمين في المدينة من مهاجرين وأنصار ثمّ سائر الناس من ممثلي بقية الأقطار الثلاثة : مصر والكوفة والبصرة ، الذين كانوا ـ وهم الثوّار ـ لا يزالون في المدينة.

وجاء في شرح المقاصد عن بعض المتكلمين : « انّ الإجماع انعقد على ذلك ، ووجه انعقاده في زمن الشورى ، على أنّها له أو لعثمان ، وهذا اجماع على أنّه لولا عثمان لكانت لعليّ ، فحين خرج عثمان بقتله من البين علم أنّها بقيت لعليّ إجماعاً ، ومن ثَم قال إمام الحرمين : ولا اكتراث بقول : من قال لا إجماع على إمامة عليّ ، فإنّ الإمامة لم تجحد له ، وإنّما هاجت الفتنة اُمور اُخرى »(2) .

وقال الدكتور طه حسين في كتابه ( عليّ وبنوه ) وهو يستعرض موقف الإمام من حكومة الخلفاء قبله : « فاستبان لعليّ يومئذ ـ يعني يوم بيعة أبي بكر ـ أن بينه وبين المهاجرين من قريش خلافاً واضحاً فهو يرى لنفسه الحقّ في الخلافة والمهاجرون لا يرون له هذا الحقّ

____________________

(1) نفس المصدر 3 / 429.

(2) أنظر الصواعق المحرقة / 117 تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. تحذير العبقري من محاضرات الخضري 1 / 226.


وقد بايع عليّ ثاني الخلفاء كما بايع أولهم كراهية الفتنة وإيثاراً للعافية ونصحاً للمسلمين وإنّما صبّر نفسه على مكروهها ونصح لعمر كما نصح لأبي بكر. فلمّا طعن عمر وجعل الخلافة في هؤلاء الستة من أصحاب الشورى لم يشك عليّ في أنّ قريشاً لا ترى رأيه ، ولا تؤمن له بحقه ، ورأى ألا يستكره الناس على ما لا يريدون ، ولو قد أراد أن يستكرههم لما وجد إلى ذلك سبيلاً ، فلم تكن له فئة ينصرونه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد ، وإنّما كان نفر يسير من خيار المسلمين يرون رأيه ومن هؤلاء الناس عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود. وقد بايع عليّ عثمان كما بايع الشيخين وهو يرى أنه مغلوب على حقه ، ولم يقصّر في النصح للخليفة الثالث كما لم يقصّر في النصح للشيخين من قبله

فكان طبيعياً إذا حين قتل عثمان أن يفكّر عليّ في نفسه وفيم غُلبَ عليه من حقه. ولكن مع ذلك لم يطلب الخلافة ولم ينصب نفسه للبيعة إلاّ حين استكره على ذلك إستكراهاً ، وحين هدّده بعض الذين ثاروا بعثمان بأن يبدؤا به فيلحقوه بصاحبه المقتول. وحين فزع إليه المهاجرون والأنصار من أهل المدينة يُلحّون عليه في أن يتولّى أمور المسلمين ليخرجهم من هذه الفتنة المظلمة ، ثمّ هو حين قبل البيعة لم يُكره عليها أحداً من أصحاب النبيّ ، وإنّما قبل البيعة ممّن بايَعه وترك من لم يُرد أن يبايعه ، ترك سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة ابن زيد ، وترك جماعة من الأنصار على رأسهم محمّد بن مسلمة ، ولم يستثن إلاّ هذين الرجلين : طلحة والزبير ، خاف منهما الفتنة لموقفهما من عثمان والثائرين به ، فرضي أن يستكرههما على البيعة فيما يقول أكثر المؤرخين ، وأكاد أعتقد أنا أنّهما لم يستكرهما كما زعما وكما زعم كثير من الرواة ، وإنّما أقبلا على البيعة راضيَين ثمّ بدا لهما بعد ذلك حين رأيا من الخليفة ما لم يكونا ينتظران ، كانا


يقدّران في أكبر الظن أن عليّاً محتاج إليهما أشدّ الاحتياج لأحدهما قوة في الكوفة ، ولأحدهما الآخر قوة في البصرة ، وقد شارك أهل الكوفة وأهل البصرة في الثورة مشاركة خطيرة ، وكان الناس يظنون أنهم إنما شاركوا في هذه الثورة عن تحريض ، أو على أقلّ تقدير عن رضى من طلحة والزبير اهـ »(1) .

ولم يكن طه حسين الوحيد في رأيه ذلك حول مبايعة الناس لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بل كثيرٌ من كتّاب العصر يرون ذلك وهم تبعٌ لروايات المؤرخين. وإن تعرّضت لتزييف بعض الحقائق كمسألة استكراه طلحة والزبير على البيعة ، ولكن الحقّ لم يكن شيء من الإكراه لأيّ إنسان في مبايعة الإمام ، وإن ذكر طه حسين أسماء بعضهم فإنّي أذكر له آخرين أغفل ذكرهم. ولا يزيد ذكرهم سوى سلامة البيعة من الإكراه والوعيد.

قال الطبري في تاريخه في حديث عن سعد بن أبي وقاص قال : « قال طلحة : بايعت والسيف فوق رأسي فقال سعد : لا أدري والسيف على رأسه أم لا ، إلاّ أنّي أعلم أنّه بايع كارهاً ، قال : وبايع الناس عليّاً بالمدينة وتربّص سبعة نفر فلم يبايعوه منهم : سعد بن أبي وقاص ، ومنهم ابن عمر ، وصهيب وزيد بن ثابت ، ومحمّد بن مسلمة ، وسلمة بن وقش ، وأسامة بن زيد ، ولم يتخلّف أحد من الأنصار إلاّ بايع فيما نعلم »(2) .

وروى الطبري أيضاً عن محمّد بن الحنفية في حديث البيعة فقال : « وبايعت الأنصار عليّاً إلاّ نُفَيراً يسيراً ، فقال طلحة : ما لنا من هذا الأمر إلاّ كحسّة الكلب أنفه »(3) .

____________________

(1) عليّ وبنوه / 21 ط دار المعارف.

(2) تاريخ الطبري 4 / 431.

(3) نفس المصدر 4 / 429.


وفي حديث عبد الله بن الحسن وردت تسمية أولئك النُفير اليسير فقال : « منهم حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخُدري ، ومحمّد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج وفضالة ابن عبيد ، وكعب بن عجرة ، كانوا عثمانية.

فقال له رجل : كيف أبى هؤلاء بيعة عليّ؟ وكانوا عثمانية ، قال : أمّا حسان فكان شاعراً لا يبالي ما يصنع ، وأمّا زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال ، فلمّا حصر عثمان قال : يا معشر الأنصار كونوا أنصاراً لله مرتين ، فقال أبو أيوب : ما تنصره إلاّ أنه اكثر لك من العضدان(1) فأما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك ما أخذ منهم له »(2) .

وفي حديث الزهري عنه الطبري أيضاً قال : « هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليّاً ، ولم يبايعه قدامة بن مظعون ، وعبد الله بن سلام ، والمغيرة ابن شعبة »(3) .

فهذه أسماء المتخلّفين عن مبايعة الإمام ولم يذكر أنّه أكره أحداً منهم على بيعته. وكيف يستكره أحداً وهو يريدها بيعة صحيحة شرعية ، لذلك ردّ الثوار الذين أتوه أوّل مرة ، وردّهم وغيرهم مراراً حتى قالوا كان يلوذ بحيطان المدينة ، فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ، ويدخل داره ويغلق عليه بابه.

يقول محمّد بن الحنفية في حديثه : « فأتاه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) سلّم فقالوا : إنّ هذا الرجل قد قُتل ، ولابدّ للناس من إمام ، ولا نجد

____________________

(1) العضدان : جمع عضد ، وهي النخلة لها جذع يتناول منه المناول.

(2) تاريخ الطبري 4 / 429 ـ 430 ط دار المعارف.

(3) نفس المصدر 4 / 430.


اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك ، لا أقدَم سابقة ، ولا أقربَ من رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم.

فقال : لا تفعلوا ، فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً ، فقالوا : لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال : ففي المسجد ، فإن بيعتي لا تكون خفياً ، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين.

قال سالم بن أبي الجعد ـ الراوي حديث ابن الحنفية ـ فقال عبد الله بن عباس : فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يُشغّب عليه ، وأبى هو إلاّ المسجد ، فلمّا دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثمّ بايعه الناس »(1) .

وفي رواية أبي مخنف عن ابن عباس قال : « لمّا دخل عليّ ( عليه السلام ) المسجد وجاء الناس ليبايعوه خفت أن يتكلّم بعض أهل الشنآن لعليّ ( عليه السلام ) ممّن قتل أباه أو أخاه أو ذا قرابة في حياة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فيزهد عليّ في الأمر ويتركه ، فكنت أرصد ذلك وأتخوّفه ، فلم يتكلم احد حتى بايعه الناس كلهم راضين مسلّمين غير مكرَهين »(2) .

قال سيديو المستشرق الفرنسي في كتابه ( تاريخ العرب العام ) : « فلم يعارض أحد في اختياره للخلافة ، وعليّ هو من تعلم حرّية ضمير وحضور المجالس المدنية مع ميله إلى القيام بشؤون حيلته المنزلية الهادئة جمع زوج فاطمة في شخصه حقوق الوراثة وحقوق الإنتخاب ، ووجب على كلّ واحد أن ينحني أمام صاحب هذا المجد العظيم الخالص اهـ »(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 427.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 341.

(3) تاريخ العرب العام ترجمة عادل زعيتر / 127 ط عيسى البابي الحلبي سنة 1367 هـ.


قال ابن حزم في جوامع السيرة : « وتأخر عن بيعته قوم من الصحابة بغير عذر شرعي إذ لا شك في إمامته »(1) .

هكذا كانت مبايعة الناس للإمام ( عليه السلام ) بيعة صحيحة شرعية من غير كره ولا إجبار ، ومن دون أي تهديد أو وعيد ، ولم يحدث في تاريخ المسلمين بيعة مثلها لا قبلُ ولا بعدُ سوى بيعة الناس لولده الإمام الحسن ( عليه السلام ) فقد كانت أيضاً عن رضا المسلمين الذين اندفعوا إليها بمجرد دعوة عبد الله بن عباس حبر الأمة الّذي قام بين يديه فدعاهم إليها فاستجابوا كما سوف يأتي الحديث عنها مفصلاً.

وقد نقل المؤرخ الهندي الثقة السيد أمير عليّ عن المؤرخ الفرنسي سيديو إنّه قال : « يخيّل للمرء حينما بويع الإمام عليّ بن أبي طالب أن الكلّ سيطأطئ هامته أمام هذه العظمة المتلألئة النقية ، غير أنه قد كان قدّر غير ذلك »(2) .

وربما خفي على سيديو ومَن على شاكلته أن يدركوا طبيعة المجتمع المدني يومئذ وما فيه من انقسامات ، وزاد الشرخ عمقاً وجود الثوار من الأمصار ، والجميع كانوا ينقمون سيرة عثمان وسيرة عمّاله ، لذلك بادر أبو الحسن ( عليه السلام ) المسلمين بخطبته الّتي تعتبر بحق البيان الخليفي الّذي يلبي طموحات المجتمع الإسلامي عدا شريحة المنتفعين بسياسة عثمان فقال في ثاني يوم بيعته : ( ألا إن كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فان الحقّ القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوّج به النساء ، وفرّق في البلدان لرددته إلى حاله ، فإن في العدل سعة ومن ضاق عنه الحقّ فالجور عنه أضيق )(3) .

____________________

(1) جوامع السيرة / 355 ط دار المعارف.

(2) مختصر تاريخ العرب / 44.

(3) راجع مصادر نهج البلاغة 1 / 295 ـ 296 ط الأعلمي بيروت سنة 1395 هـ.


وهذه الخطبة رواها الكلبي مرفوعة عن أبي صالح عن ابن عباس ( رضي الله عنه )(1) .

قال الكلبي : « ثمّ أمر ( عليه السلام ) بكلّ سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقوّى به على المسلمين فقبض ، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقبضت ، وأمر بقبض سيفه ودرعه. وأمر أن لا يعرض لسلاح وُجد له لم يقاتل به المسلمين ، وبالكف عن جميع أمواله الّتي وجدت في داره ، وغير داره وأمر أن ترتجع الأموال الّتي أجاز بها عثمان حيث أصيبت أو أصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمرو بن العاص وكان بأيلة من أرض الشام أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها ، فكتب إلى معاوية : ما كنت صانعاً فاصنع إذ اقشرك ابن أبي طالب من كلّ ما تملكه كما تقشر عن العصا لحاها »(2) .

وبهذه الخطبة وما اتخذه بعدها من إجراء حاسم ، أوضح الرؤية للمسلمين كحاكم عادل ، يلزمه إقامة الحكم على شريعة من الأمر وفق كتاب الله وسنة نبيّه ، كما أعلن قولاً وعملاً ضرب أصحاب المصالح على حساب المسلمين الذين استثمروا صلاتهم بعثمان نسباً أو سبباً ، فأثروا على حساب الأمة ، وحققوا المكاسب ممّا لم يحل كسبه وجلّ خطبه.

إذن لا محيص لهم إمّا الإستسلام وهذا ما يقشرهم قشر العصا من اللحا ـ كما قال عمرو بن العاص ـ وهذا ما لا يريدونه ، كيف يتخلَّونَ عن ممتلكات وإقطاعات وما اكتسبوه في عهد عثمان؟ وإما العناد ، إذن فليسدروا غياً في التخلف عن البيعة ، ثمّ التمرّد على الشرعية ، ثمّ العناد وتهييج العباد بالإفساد ، وهذا ما حدث حتى قامت بسببهم الحروب في البصرة ثمّ في صفين وأخيراً في النهروان ، وأزهقت نفوس لولاهم لما كانت تراق فيها الدماء.

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 90 ط مصر الأولى.

(2) نفس المصدر.


موقف الإمام مع المتخلفين :

وحسبنا خطبته سلام الله عليه لمّا تخلّف عن بيعته عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمّد بن مسلمة وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد على ما رواه الشعبي ـ وهو غير متهم عليهم ـ قال : « لمّا اعتزل سعد ومن سمّينا أمير المؤمنين وتوقفوا عن بيعته : حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ( أيّها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه مَن كان قبلي ، وانّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم ، وإنّ على الإمام الإستقامة وعلى الرعية التسليم ، وهذه بيعة عامة مَن رغب عنها رغب عن دين الإسلام ، واتّبع غير سبيل أهله ، ولم تكن بيعتكم إياي فلتة ، وليس أمري وأمركم واحداً ، إني أريدكم لله وانتم تريدونني لأنفسكم.

أيّها الناس أعينوني على أنفسكم ، وأيم الله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه ، ولأقودنّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحقّ وإن كان كارهاً ) »(1) .

وزاد المفيد قوله : ( وقد بلغني عن سعد وابن سلمة وأسامة وعبد الله وحسان ابن ثابت أموراً كرهتها والحقّ بيني وبينهم )(2) .

قال المسعودي : « وقعد عن بيعته جماعة عثمانية لم يروا إلاّ الخروج عن الأمر ، منهم : سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر(3) ـ وبايع يزيد بعد ذلك

____________________

(1) مصادر نهج البلاغة 2 / 305 ـ 306 ط الثانية بيروت.

(2) الإرشاد / 130 ط الحيدرية سنة 1381 هـ.

(3) من غرائب العجائب أن يعتذر علماء التبرير عن ابن عمر ، وأغرب ما رأيت اعتذار ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمته قال : ( وكان رحمه الله لورعه أشكلت عليه حروب عليّ وقعد عنه ). وبهذا الاعتذار التافه يستغفل المسلمين لتبرير تخلف ابن عمر عن بيعة أميرالمؤمنين عليه السلام ، وكأن السذاجة والفجاجة غلبت على الرجل الّذي يعتبر حجة في فنه ( الحديث والرجال والفقه ) فقال الّذي قاله من دون التفات إلى عذره في التعليل العليل ، إن قعود ابن عمر عن بيعة الإمام كان قبل الحروب ، فكيف صار السبب قبل


والحجاج لعبد الملك بن مروان ـ ومنهم قدامة بن مظعون ، وأهبان بن صيفي ، ومحمّد بن مسلمة حليف بني عبد الأشهل ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، ونعمان بن بشير ، وفضالة بن عبيد ، وكعب بن عجرة ، ومسلمة بن خالد في آخرين ممّن لم نذكرهم من العثمانية من الأنصار وغيرهم من بني أمية وسواهم ».

وقال المسعودي أيضاً : « وأتاه جماعة ممّن تخلّف عن بيعته من بني أمية منهم : سعيد بن العاص ومروان بن الحكم والوليد بن عُقبة بن أبي معيط ، فجرى بينه وبينهم خطب طويل (؟).

وقال له الوليد : إنا لم نتخلّف عنك رغبة عن بيعتك ، ولكنا قوم وَترَنا الناس ، وخفنا على نفوسنا ، فعذرنا فيما نقول واضح ، أمّا أنا فقتلت أبي صبراً ، وضربتني حداً.

وقال سعيد بن العاص كلاماً كثيراً (؟) وقال له الوليد : أمّا سعيد فقتلت أباه ، وأهنت مثواه ، وأمّا مروان فإنك شتمت أباه وعبت عثمان في ضمّه إياه ».

ثمّ قال المسعودي : « وقد ذكر أبو محنف لوط بن يحيى أنّ حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير قبل نفوذه بالقميص أتوا عليّاً في آخرين من العثمانية ، فقال كعب بن مالك : يا أمير المؤمنين ليس مسيئاً من أعتب ، وخير كفء ما محاه عذر في كلام كثير (؟). ثمّ بايع وبايع من ذكرنا جميعاً »(1) .

____________________

المسبّب؟! وأي ربط بين البيعة وبين الحروب؟ وكثير ممّن بايع ثمّ لم يشارك في الحروب. وما بال ابن عمر لم يستشكل في بيعة يزيد وبيعة عبد الملك مع تلك الحروب الّتي ألحقت بالأمة فجائع وفظائع ، فأين غاب عنه ورعه المزعوم عند ابن عبد البر؟ وندم ابن عمر بعد ذلك أن لا يكون قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين يأبى على ابن عبد البر ما اعتذر به ، وما ذلك إلاّ من زلل الأهواء وخطل الآراء.

(1) مروج الذهب 2 / 361 تح ـ عبد الحميد ، و 2 / 4 ط البهية سنة 1346 هـ.


أقول : ممّا يثير الدهشة أن نجد الفجوة البيّنة في كلام المسعودي أشرت إليها بعلامات الأستفهام ، فهل هو الّذي تكتم على بقية ما جرى بين الإمام وبين أمية فقال : فجرى بينه وبينهم خطب طويل (؟) ماذا كان ذلك الخطب الطويل؟ ولماذا لم يذكره؟ ثمّ ماذا قال سعيد بن العاص من الكلام الكثير (؟).

وأخيراً ماذاكان بقية كلام كعب بن مالك في كلام كثير (؟).

إنّها بليّة التاريخ حين تُكتم الحقائق وتكُمُّ الأفواه.

ولئن كتم المسعودي أو بعض رواة كتابه ما مرّ من كتمان ، فقد وجدنا بعض ذلك قد رواه مؤرخ أقدم منه هو ابن اعثم الكوفي في كتابه الفتوح(1) ومع ذلك فقد بقيت فجوات بيّنة فيما ذكر ، شعراً ونثراً ، فمن شاء الاستزادة فليراجع الفتوح.

كما أنّ اليعقوبي ذكر في تاريخه ما مر من كلام الوليد مع الإمام ومنه : « فتبايعنا على أن تضع عنّا ما أصبنا ، وتعفي لنا عما في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا.

فغضب عليّ ( عليه السلام ) وقال : أمّا ما ذكرت من وتري اياكم فالحق وتركم ، وأمّا وضعي عنكم عمّا في أيديكم فليس لي أن أضع حق الله ، وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم.

وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غداً ، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فمن ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم.

فقال مروان : بل نبايعك ونقيم معك فترى ونرى »(2) .

____________________

(1) الفتوح 2 / 259 ط دار الندوة.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 154 ط النجف.


قال أبو عمر في الاستيعاب في ترجمته : « أجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار ، وتخلّف عن بيعته نفر منهم فلم يُهجهم ولم يكرههم ، وسئل عنهم فقال : أولئك قوم قعدوا عن الحقّ ولم يقوموا مع الباطل.

وفي رواية أخرى : أولئك قوم خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل.

ثمّ قال : وتخلّف أيضاً عن بيعته معاوية ومن معه في جماعة أهل الشام »(1) .

حبر الأمة عند الإمام في مشورة المغيرة :

لقد مرّ بنا في رحلة العودة أن ابن عباس ورد المدينة بعد مقتل عثمان بخمسة أيام وقبل بيعة الإمام ، ولمّا كان قتل عثمان يوم 18 ذي الحجة فيكون ورود ابن عباس إلى المدينة يوم 23 ، ولمّا كانت بيعة الإمام يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة ، فيعني انّ ابن عباس حضر جانباً من المداولات حول مبايعة الإمام. وهذا ما تقدم في رحلة العودة.

لكن الطبري أورد لنا حديثاً بسنده عن أبي هلال قال : « قال ابن عباس : قدمت المدينة من مكة بعد قتل عثمان ( رضي الله عنه ) بخمسة أيام ، فجئت عليّاً أدخل عليه فقيل لي عنده المغيرة بن شعبة ، فجلست بالباب ساعة ، فخرج المغيرة فسلّم عليَّ فقال : متى قدمت؟ فقلت الساعة ، فدخلت على عليّ فسلّمت عليه ، فقال لي : لقيتَ الزبير وطلحة؟ قال : قلت : لقيتهما بالنواصف ، قال : ومن معهما؟ قلت : أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فئة من قريش ، فقال عليّ : أما إنّهم لن يدَعَوا أن يخرجوا يقولان : نطلب بدم عثمان ، والله نعلم أنّهم قتلة عثمان.

قال ابن عباس : يا أمير المؤمنين أخبرني عن شأن المغيرة ولم خلا بك؟

____________________

(1) الاستيعاب 3 / 55 بها متن مش الاصابة ط مصطفى محمد بمصر 1358 هـ.


قال : جاءني بعد مقتل عثمان بيومين فقال : أخلني ففعلت ، فقال : انّ النصح رخيص وأنت بقية الناس وإنّي لك ناصح ، وإني أشير عليك بردّ عمّال عثمان عامك هذا ، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم ، فإذا بايعوا لك واطمأنّ الأمر لك عزلتَ من أحببتَ وأقررتَ من أحببتَ ، فقلت : والله لا أدهّن في ديني ، ولا أعطي الدنيّ في أمري.

قال : فإن كنتَ قد أبيت عليَّ فانزع مَن شئت وأترك معاوية ، فإنّ لمعاوية جرأة ، وهو في أهل الشام يُسمع منه ، ولك حجة في إثباته ، وكان عمر بن الخطاب قد ولاّه الشام كلّها ، فقلت : لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبداً ، فخرج من عندي على ما أشار به ، ثمّ عاد فقال لي : إني أشرت عليك بما أشرتُ به فأبيتَ عليَّ ، ثمّ نظرتُ في الأمر فإذا أنت مصيب ، لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة ، ولا يكون في أمرك دلسة.

قال : فقال ابن عباس : فقلت لعليّ : أمّا أوّل ما أشار به عليك فقد نصحك ، وأمّا الآخر فغشّك ، وأنا أشير عليك بأن تثبت معاوية ، فإن بايع لك فعليَّ أن أقلعه من منزله.

قال عليّ : لا والله ، لا أعطيه إلاّ السيف ، قال : ثمّ تمثّل بهذا البيت :

ما ميتة إن متّها غيرَ عاجز

بعارٍ إذا ما غالت النفس غولُها

فقلت : يا أمير المؤمنين ، أنت رجل شجاع لست بإرب الحرب ، أما سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : ( الحرب خدعة )؟ فقال عليّ : بلى.

فقال ابن عباس : أما والله لئن أطعتني لأصدُرنَّ بهم بعد وِرد ، ولأتركنّهم ينظرون في دُبُر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها ، في غير نقصان عليك ولا إثم


لك ، فقال : يا بن عباس لستُ من هنيئاتك وهنيّات معاوية في شيء ، تشير عليَّ وأرى ، فإذا عصيتُك فأطعني. قال : فقلت : أفعل ، إنّ أيسر ما لك عندي الطاعة »(1) .

فهذا الخبر يوحي بأن بيعة الإمام قد تمت قبل وصول ابن عباس إلى المدينة ، كما يوحي بأنها ـ البيعة ـ كانت بعد مقتل عثمان بيوم ، إذ كان مجيء المغيرة إلى الإمام بعد مقتل عثمان بيومين ، فلو لم تكن البيعة قد تمت لما كان معنى لكلام المغيرة معه في شأن عمّال عثمان ، كما ذكر خروج طلحة والزبير وملاقاة ابن عباس لهما بالنواصف (؟) فهذه الأمور تحملنا على عدم التصديق بالخبر ، ثمّ ليس كبير أثر لتاريخ الوصول في مجرى الأحداث ، بقدر ما للوصول من أثر في سرعة المشاورات والمداولات حول خطّة الإمام في الحكم ، وسماعه الرأي الآخر المخالف ، ولئن تضاربت الرواة في التحديد الزماني فإنّها قد اتفقت على اللقاء المكاني ، فقد ذكرت أنّه التقى المغيرة بباب الإمام أو عنده.

ثمّ إنّ ما دار بين الإمام وبين ابن عباس حول ما أتى به المغيرة من رأي في المرتين حول عمّال عثمان يجعل لنا حق النظر فيما أشار به ابن عباس من تصويب لبعض الرأي.

ولكن قبل ذلك علينا أن نتذكّر ما رواه هو بنفسه ـ وقد مرّ ـ من قول عمر له : « يا بن عباس ، ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاصة؟ قلت : لا أدري. قال : لكني أدري ، إنّكم فضلتموهم بالنبوة ، فقالوا : إن فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئاً ، وان أفضل النصيبين بأيديكم ، بل ما أخالها إلاّ مجتمعة لكم ، وإن نزلت على رغم أنف قريش »(2) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 5 / 44 ـ 441.

(2) العقد الفريد 4 / 280.


وقوله الآخر : « أمّا أنّه سيليها بعد هياط ومياط »(1) .

وهذا ما كان يعلمه المغيرة أيضاً من رأي عمر ، فقد روى حديث اجتماع نفر من الصحابة في دار طلحة جاء فيه قال : « إنّي لعند عمر بن الخطاب ، ليس عنده أحد غيري ، إذ أتاه آت فقال : هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يزعمون أن الّذي فعل أبو بكر في نفسه وفيك لم يكن له ، وأنّه كان بغير مشورة ولا مؤامرة ، وقالوا : تعالوا نتعاهد أن لا نعود لمثلها ، قال عمر : وأين هم؟ قال : في دار طلحة ، فخرج نحوهم وخرجت معه ، وما أعلمني يُبصرني من شدة الغضب ، فلمّا رأوه كرهوه وظنوا الّذي جاء له ، فوقف عليهم ، وقال : أنتم القائلون ما قلتم ، والله لن تتحابّوا حتى يتحابّ الأربعة : الإنسان والشيطان يغويه وهو يلعنه ، والنار والماء يطفئها وهي تحرقه ، ولم يأنُ لكم بعد ، وقد آن ميعادكم ميعاد الشيخ متى هو خارج.

قال : فتفرقوا فسلك كلّ واحد منهم طريقاً.

قال المغيرة : ثمّ قال لي ادرك ابن أبي طالب فاحبسه عليَّ ، فقلت : لا يفعل أمير المؤمنين وهو معدّ ـ أي غضبان ـ فقال : أدركه وإلا قلت لك يا بن الدبّاغة ، قال : فأدركته ، فقلت له قف مكانك لإمامك واحلم فانه سلطان وسيندم وتندم ، قال : فأقبل عمر فقال : والله ما خرج هذا الأمر إلاّ من تحت يدك.

قال عليّ : اتق الله أن لا تكون الّذي نطيعك فنفتنك ، قال : ونحب أن تكون هو؟ قال : لا ، ولكننا نذكّرك الّذي نسيت ، فالتفتَ اليّ عمر فقال : انصرف فقد سمعتَ منا عند الغضب ما كفاك فتنحّيت قريباً ، وما وقفتُ إلاّ خشية أن يكون

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 115.


بينهما شيء فأكون قريباً ، فتكلما كلاماً غير غضبانين ولا راضيَين ، ثمّ رأيتهما يضحكان وتفرّقا.

وجاءني عمر ، فمشيت معه وقلت : يغفر الله لك أغضبتَ؟ قال : فأشار إلى عليَّ وقال : أما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته ، وإن نزلت على رغم أنف قريش »(1) .

فهذان الخبران يدلاّن على سماع كلّ من ابن عباس والمغيرة قول عمر بأن الخلافة سوف تصل إلى الإمام وإن نزلت على رغم أنف قريش ، وها هي الآن فقد وصلت ، وهي كذلك كانت على رغم أنف قريش ، وكان المفروض أن تكون أحب إليهم من خلافة غيره ، لأنّها لم تكن بيعة إكراه ، فلماذا المراغمة؟! ـ لأنّ عليّاً ( عليه السلام ) لا تأخذه في الله لومة لائم ، ولأنّه ( عليه السلام ) كان واضحاً وصريحاً ـ وقد مرّت بنا خطبته فور تسلّمه السلطة وتخلف من تخلّف.

إذن فماذا تعني مشورة المغيرة من دون أن يستشار؟

لقد تضاربت آراء الباحثين حول قصة دخول المغيرة بن شعبة ، فهم بين من رآها مكيدة أراد أن يستعلم بها رأي الإمام في عمّال عثمان ، وبين من رآها نصيحة أراد أن يتقرّب بها إلى قلب الإمام الّذي أصبح وشيكاً ليرجمنّه بأحجاره للحدّ الّذي بجنبه(2) .

____________________

(1) العقد الفريد 4 / 281 ـ 282.

(2) قال أبو جعفر الإسكافي : وكان المغيرة بن شعبة يلعن عليّاً ( عليه السلام ) لعناً صريحاً على منبر الكوفة وكان بلغه عن عليّ ( عليه السلام ) في أيام عمر انه قال : لئن رأيت المغيرة لأرجمنّه باحجاره ، يعني واقعة الزنا بالمرأة الّتي شهد عليه فيها أبو بكرة ، ونكل زياد عن الشهادة ، فكان يبغضه لذاك ولغيره من أحوال اجتمعت في نفسه ( شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 360 ط الأولى بمصر ).


« ومهما يكن من اختلاف فليس من شك في أن عليّاً لم يكن يستطيع أن يستبقي عمّال عثمان ، كان دينه يمنعه من ذلك ، لأنه طالما لام عثمان على تولية هؤلاء العمّال ، وطالما أنكر هؤلاء العمال سيرتهم في الناس ، فلم يكن يستطيع أن يطالب بعزلهم أمس ويثبتهم على عملهم اليوم ، وتمنعه السياسة من هذا ، فهؤلاء الثائرون ومن الذين شبّوا نار الفتنة وقتلوا عثمان لم يكونوا يكتفون بتغيير الخليفة ، وإنّما كانوا يريدون تغيير السياسة كلها وتغيير العمال قبل كلّ شيء »(1) .

قال السيد أمير علي معلّقاً على كلمة المؤرخ الفرنسي سيديو والّتي مرت في مبايعة الناس للإمام : « فلقد أحاط به في بادئ الأمر أعداء بني أمية ، ولكنه لم يحتط للدسائس ، وأبى أن يقرّ عمال عثمان مدفوعاً بشرف الغاية الّتي كانت من أبرز مميّزاته ، وبرغم النصائح الّتي أسديت إليه لمسايرة الظروف ، فقد أنتزع الأملاك الّتي أقطعها عثمان لأتباعه من بيت المال ، وقسم الخراج طبقاً للقواعد الّتي سنّها عمر ، فجلبت عليه هذه الإجراءات الحازمة سخط من أثروا في العهد

____________________

وقد روى أبو الفرج في كتابه الأغاني 14 / 142 قال قال عليّ بن أبي طالب لئن أخذت المغيرة لأتبعنه أحجاره.

وحديث زنا المغيرة ثابتٌ ومشهور ، فمن شاء الوقوف عليه وكيف درأ عمر الحدّ عنه فليراجع الأستيعاب في تراجم زياد ، ونافع ، وابي بكرة ، والمغيرة 1 / 568 و 3 / 389 و 544 و 4 / 23 على التعاقب ، وليراجع الإصابة 3 / 452 و 544 ، وتاريخ الطبري 4 / 207 ط الحسينية ، وتاريخ ابن الأثير حوادث سنة 17 ، وكذا تاريخ أبي الفداء ، وأسد الغابة في تراجم السابقين في الاستيعاب ، ومستدرك الحاكم 3 / 448 وتلخيصه بهامشه للذهبي ، وطبقات الشافعية 2 / 209 ط مصر سنة 1324 هـ ، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2 / 413 ، وفتوح البلدان للبلاذري / 352 ، والأخبار الطوال للدينوري / 113 ، ووفيات الأعيان في ترجمة يزيد بن زياد بن مفرغ 2 / 455 ط حجرية بايران ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 159 ـ 162 ، والبداية والنهاية 7 / 81 وغيرها وغيرها.

(1) عليّ وبنوه لطه حسين / 24 ـ 25.


السابق ، وقد تنازل بعض العمال عن مناصبهم دون مقاومة ، بينما رفض آخرون النزول على أمر الخليفة الجديد ، ومن بينهم معاوية بن أبي سفيان »(1) .

وفي كلامه أكثر من ملاحظة أهمها تقسيمه الخراج بالتساوي وليس طبقاً لما سنّه عمر من التفاضل!

والآن إلى الحوار الّذي جرى بين الإمام وبين ابن عباس حول مجيء المغيرة برأييه في مرتين وما نسب إلى ابن عباس من رأي في ذلك :

قال المسعودي في مروج الذهب : « وأتى المغيرة بن شعبة عليّاً فقال له : إنّ لك حق الطاعة والنصيحة ، وإنّ الرأي اليوم تجوز به ما في غد ، وانّ المضاع اليوم تضيع به ما في غد ، أقرر معاوية على عمله ، وأقرر ابن عامر على عمله ، وأقرر العمال على أعمالهم ، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت. قال : حتى أنظر ، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد ، فقال : إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته برأي ، وإنّما الرأي أن تعاجلهم بالنزع ، فتعرف السامع من غيره وتستقبل أمرك ، ثمّ خرج من عنده ، فتلقاه ابن عباس خارجاً وهو داخل ، فلمّا انتهى إلى عليّ قال : رأيت المغيرة خارجاً من عندك فيم جاءك؟ قال : جاءني أمس بكيت وكيت ، وجاءني اليوم بذيت وذيت. فقال : أمّا أمس فقد نصحك ، وأمّا اليوم فقد غشك قال : فما الرأي؟ قال : كان الرأي أن تخرج حين قتل عثمان أو قبل ذلك ، فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابك ، فإن كانت العرب مائلة مضطرة في أثرك لا تجد غيرك ، فأمّا اليوم فإن بني أمية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر ، ويشبهون فيك على الناس.

____________________

(1) مختصر تاريخ العرب / 44.


وقال المغيرة : نصحته فلم يقبل فغششته ، وذكر أنّه قال : والله ما نصحته قبلها ولا أنصحه بعدها »(1) .

ثمّ ذكر المسعودي ما وجده في وجه آخر وهو ما ذكره الطبري من حديث أبي هلال وقد مرّ آنفاً.

ويعتقد البعض أن مجيء المغيرة إلى الإمام كان دسيسة أموية يستطلع رأيه فيهم بطريقة أنيقة ، وقد فهم كلّ ما يود فهمه بالأخص فيما يتعلق بمعاوية ، وربما شهد لهذا أنّ كلامه عن معاوية في شقه الأخير لا يشبه توجيه النظر ، بل الدفاع.

وتأمل قوله : « ولك في إثباته حجة فقد كان عمر ولاه الشام كلها »! وهل الخليفة في حاجة إلى حجة من عمل غيره في تثبيت عامل أو عزله؟! أو ليس هذا هو حجة الدفاع بعينه.

ثمّ إنّ في رواية أخرى عند الطبري نقرأ لغة المساومة من المغيرة ، فهو يقول للإمام كما روى الطبري بسنده عن ابن عباس : « ...فقلت : ماذا قال لك هذا؟ فقال : قال لي قبل مرّته هذه : أرسل إلى عبد الله بن عامر وإلى معاوية وإلى عثمان بعهودهم تُقرّهم على أعمالهم ويبايعون لك الناس ، فإنهم يهدّئون البلاد ، ويسكّنون الناس ، فأبيت ذلك عليه يومئذ ، وقلت : والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ، ولا ولّيتُ هؤلاء ولا مثلهم يُولّى.

قال : ثمّ انصرف من عندي وأنا أعرف فيه انه يرى أني مخطيء ، ثمّ عاد إليّ الآن فقال : إنّي أشرت عليك أوّل مرّة بالّذي أشرت عليك وخالفتني فيه ، ثمّ

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 363.


رأيت بعد ذلك رأياً ، وأنا أرى أن تصنع الّذي رأيتَ فتنزعهم وتستعين بمن تثق به ، فقد كفى الله ، وهم أهون شوكة »(1) .

فأنظر إلى قوله : « فإنّهم يهدئون البلاد ويسكّنون الناس »! فهو محام دفاع ، وهو مساوم عن الجماعة العثمانية وهو وهو

ولننظر إلى ما قال ابن عباس : « فقلت لعليّ : أمّا المرة الأولى فقد نصحك ، وأمّا المرة الآخرة فقد غشّك.

قال له عليّ : ولم نصحني؟ قال ابن عباس : لأنك تعلم أنّ معاوية وأصحابه أهل دنيا ، فمتى تثبّتهم لا يبالوا بمن ولي هذا الأمر ، ومتى تعزلهم يقولوا : أخَذَ هذا الأمر بغير شورى ، وهو قتل صاحبنا ، ويؤلّبون عليك فينتقض عليك أهل الشام وأهل العراق ، مع إنّي لا آمن طلحة والزبير أن يكرّا عليك.

فقال عليّ : أمّا ما ذكرت من إقرارهم ، فوالله ما أشك أن ذلك خيرٌ في عاجل الدنيا لإصلاحها ، وأمّا الّذي يلزمني من الحقّ والمعرفة بعمّال عثمان ، فوالله لا أولّي منهم أحداً أبداً ، فإن أقبلوا فذلك خير لهم ، وإن أدبروا بذلت لهم السيف.

قال ابن عباس : فأطعني وادخل دارك ، والحقّ بمالك بينبع ، وأغلق بابك عليك ، فإنّ العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك ، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنّك الناس دم عثمان غداً.

فأبى عليّ ، فقال لابن عباس سر إلى الشام فقد وليتكها ، فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام ، ولست آمن أن يضرب عنقي لعثمان ، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكّم عليّ.

____________________

(1) تاريخ الطبري 5 / 439 ط دار المعارف.


فقال له عليّ : ولم؟ قال : لقرابة ما بيني وبينك ، وإنّ كلّ ما حُمل عليك حُمل عليَّ ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنِّه وعِده ، فأبى عليّ وقال : والله لا كان هذا أبداً اهـ »(1) .

وقد وردت رواية أخرى نحواً ممّا مر ، لا تختلف في جوهرها عما سبق ، كما لا أهمية كبيرة لما أخرجه الحافظ أبو حاتم حبّان البستي ( ت 354 ) في كتابه ( روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ) بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم التيمي قال : « لمّا قدم عليّ الكوفة لقيه المغيرة بن شعبة فقال له : إني أستشير عليك برأي فأقبله ، قال : هات ، قال : أقر معاوية على الشام يسمح لك طاعته ، فإن أهل الشام قد ذاقوه فأستعذبوه ، ووليهم عشرين سنة لم يعتبوا عليه في عرض ولا مال ، فقال : والله لو سألني قرية ما وليته إياها. قال فقال المغيرة : أراه سيلي أرضين وقريات »(2) .

فهذا الّذي أخرجه ابن حبّان مضافاً إلى انقطاع في سنده ، فهو مخالف لجميع ما مر ذكره نقلاً عن مصادر موثوقة ، وكان أصحابها أقدم زمناً منه ، كابن قتيبة ( ت 276 ) والبلاذري ( ت 279 ) والطبري ( ت310 ) وابن عبد ربه الأندلسي ( ت 328 ) والمسعودي ( ت 342 ).

وليس من الأهمية البالغة تحقيق أيّ الروايات هي الأصح ، ما دامت جميعاً تتفق في أصل القضية. وإنما المهمّ أن نعرف مدى صواب الرأي في مشورة

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 439 ـ 440.

(2) روضة العقلاْء ونزهة الفضلاء / 195 بتحقيق وتصحيح محمّد محي الدين عبد الحميد ومحمّد عبد الرزاق حمزة المدرس بالمسجد الحرام ومحمّد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنّة المحمّدية ط مطبعة السنّة المحمّدية بمصر سنة 1368 هـ ومما يؤخذ على المحققين عدم انتباههم إلى ما في ذلك من مخالفة تاريخية صريحة.


المغيرة والأهم معرفة الصواب في رأي ابن عباس. فهل كان صواب رأي عند المغيرة؟ أو تصويب رأي من ابن عباس؟

أمّا بالنسبة إلى رأي المغيرة أوّل مرّة : فلا شكّ في أنّه كان لصالح الأمويين وليس لصالح الإمام كما مرّ ، فإنّ الإمام لو أثبتهم لثوّر على نفسه البلاد الّتي كانوا عليها ، لأنّهم كانوا سبب النقمة على عثمان ، والإمام يعلم ذلك وهو الّذي كان ينعى سلوكهم على عثمان ، فكيف يسعه أن يبقيهم في مراكزهم ، هذا من الجانب السياسي فضلاً عن الجانب الديني الّذي يوجب عزلهم لفسقهم وظلمهم.

وقد قال للمغيرة : ( ويحك يا مغيرة والله ما منعني من ذلك إلاّ قول الله تعالى لنبيّه محمّد صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم :( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) (1) والله لا يراني الله تعالى وأنا استعمل معاوية على شيء من أعمال المسلمين أبداً ، ولكني أدعوه إلى ما نحن فيه ، فإن هو أجاب إلى ذلك أصاب رشده ، وإلاّ حاكمته إلى الله ( عزّ وجلّ )(2) .

وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة موقفاً يكشف حقيقة المغيرة وسوء نيته منذ أوّل يوم بيعة الإمام جاء فيه : « فقال له عليّ : هل لك يا مغيرة في الله؟ قال : فأين هو يا أمير المؤمنين؟ قال : تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الأمر فتدرك مَن سبقك ، وتسبق مَن معك ، فإني أرى أموراً لابدّ للسيوف أن تشحذ لها وتقطف الرؤس بها.

فقال المغيرة : إنّي والله يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيباً ، ولا قتله صواباً ، وإنّها لظُلمة تتلوها ظلمات ، فأريد يا أمير المؤمنين إن أذنتَ لي أن أضع

____________________

(1) الكهف / 15.

(2) الفتوح لابن أعثم 2 / 267.


سيفي وأنا في بيتي حتى تنجلي الظلمة ، ويطلع قمرُها ، فنسري مبصرين ، نقفوا آثار المهتدين ، ونتقي سبيل الحائرين.

قال عليّ : قد أذنت لك فكن من أمرك على ما بدا لك.

فقام عمّار فقال : معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيراً يغلبك من غلبتَه ويسبقك من سبقته ، أنظر ما ترى وما تفعل ، فأما أنا فلا أكون إلاّ في الرعيل الأوّل.

فقال له المغيرة : يا أبا اليقظان إياك أن تكون كقاطع السلسلة ، فرّ من الضحل(1) فوقع في الرمضي(2) .

فقال عليّ لعمار : دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلاّ ما خالطته الدنيا ، أما والله يا مغيرة إنّها المثوبة المؤبدة تؤدّي مَن قام فيها إلى الجنة ولما اختار بعدها ، فإذا غشيناك فنم في بيتك.

فقال المغيرة : أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني ، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك فإن يكن ما فعلت صواباً ، فإياه أردت ، وإن خطأ فمنه نجوت ، ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلاّ الإستغفار منها »(3) .

فهذا الموقف كشف لنا حقيقة المغيرة ونواياه السيئة في مجانبة الحقّ الّذي هو مع عليّ ( عليه السلام ) بشهادة قول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الثابت روايته عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة )(4) ، وسيأتي بعد هذا مغادرته المدينة إلى مكة مع الناكثين والحاقدين من الأمويين.

____________________

(1) الضحل : الماء القليل على الأرض لا عمق له.

(2) الرمضي : المطر يأتي قبل الخريف فيجد الأرض حارة محترقة.

(3) الإمامة والسياسة 1 / 46 ط سنة 1328 هـ بمصر.

(4) تاريخ بغداد 14 / 321 ، وقارن مستدرك الحاكم 3 / 119 ، ومجمع الزوائد 9 / 234 وغيرها.


وأمّا بالنسبة لرأي المغيرة الآخر : فهو غشٌ ومكرٌ! أراد استعجال الفتنة لينفخ في رمادها ويوري نارها ، وقد أعترف هو بنفسه! فقد مرّ بنا قوله : « نصحته فلم يقبل فغششته »(1) .

وقد روى ابن أعثم في الفتوح ، والمسعودي في المروج أبيات شعر للمغيرة في ذلك وهي برواية المسعودي :

منحتُ عليّاً في ابن هند نصيحة

فردّت فلا يسمع لها الدهر ثانيه

وقلت له أرسل إليه بعهده

على الشام حتى يستقر معاويه

ويعلم أهل الشام أن قد ملكته

وام ابن هند عند ذلك هاويه

فلم يقبل النصح الّذي جئته به

وكانت له تلك النصيحة كافيه(2)

وروى اليعقوبي في تاريخه قوله : « والله ما نصحت له قبلها ولا أنصح له بعدها »(3) .

فهذا هو المغيرة أزنى ثقيف ، وهذا مبلغ دينه في النصح لإمام المسلمين.

وأمّا رأي ابن عباس في تصويب رأي المغيرة أوّل مرة ، واعتبره نصيحة : فإن صح ذلك ، فهو من خلال منظوره الخاص في تلك الساعة ، وإلاّ فقد تبيّن له بعدُ وجهُ الحقّ ، وأن الرأي الصواب ما كان رآه أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

وقد اعترف هو بذلك في ردّه على المغيرة بعد مدة فقد قال للمغيرة في مجلس معاوية : « كان والله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أعرف بوجوه الرأي ومعاقد الحزم

____________________

(1) راجع مروج الذهب 2 / 363 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد ، وتاريخ ابن الأثير 3 / 84 ط بولاق.

(2) الفتوح 2 / 267 ط سنة 1326 ، مروج الذهب 2 / 16 ـ 17 ط البهية سنة 1346.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 156.


وتصريف الأمور من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه وعنّف عليه ، قال سبحانه :( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) (1) ، ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوّة قوله تعالى :( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) (2) وهل كان يسوغ له أن يحكّم في دماء المسلمين وفيء المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثوق به في نفسه ، هيهات هيهات هو أعلم بفرض الله وسنّة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلاّ للتقيّة ، ولات حين تقيّة مع وضوح الحقّ وثبوت الجنان وكثرة الأنصار ، يمضي كالسيف المصلت في أمر الله مؤثراً لطاعة ربّه والتقوى على آراء أهل الدنيا »(3) .

كما أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أوضح له في حينه أنه لم يخف عليه منظوره لصالح الدنيا فقد قال له : « وأمّا ما ذكرت من إقرارهم ـ يعني عمال عثمان ـ والله ما أشك أنّ ذلك خير في عاجل الدنيا لإصلاحها ، وأمّا الّذي يلزمني من الحقّ والمعرفة بعمّال عثمان ، فوالله لا أولّي منهم أحداً أبداً ، فإن أقبلوا فذلك خير لهم ، وإن أدبروا بذلت لهم السيف ».

هذا كله إذا أعتمدنا روايات الطبري والمسعودي ومن وافقهما في أنّ ابن عباس صوّب رأي المغيرة في اثبات عمّال عثمان ، ولا أقل فمعاوية.

____________________

(1) المجادلة / 22.

(2) الكهف / 5.

(3) أنظر صفحة احتجاجاته على معاوية في الحلقة الثالثة نقلاً عن شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 106.


لكنّا وجدنا عند البلاذري رواية هي أشبه بما يتمتّع به ابن عباس من مواهب وحصافة رأي تسمو بصاحبها عن ذلك الرأي الفج ، والبلاذري هو أقدم من الطبري والمسعودي ، فقد روى في كتابه أنساب الأشراف في ترجمة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بسنده عن أبي مخنف وغيره : « قال المغيرة بن شعبة ( لعليّ ) : أرى أن تقرّ معاوية على الشام وتثبت ولايته ، وتولي طلحة والزبير المصرَين يستقيم لك الناس.

فقال عبد الله بن العبّاس : إن الكوفة والبصرة عين المال ، وإن ولّيتهما إياهما لم آمن أن يضيّقا عليك(1) وإن ولّيت معاوية الشام لم تنفعك ولايته ، فقال المغيرة : لا أرى لك أن تنزع ملك معاوية فإنّه لا يتهمكم بقتل ابن عمه ، وإن عزلته قاتلك فولّه وأطعني ، فأبى وقبل قول ابن عباس »(2) .

ولعل منشأ انتزاع الروايات السابقة في تحوير رأي ابن عباس من عدم تولية معاوية إلى توليته ، هو ما أخرجه البلاذري عن أبي مخنف وغيره : « قال عليّ لعبد الله بن عباس : سر إلى الشام فقد بعثتك عليها ، فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية ابن عم عثمان وعامله ، والناس بالشام معه وفي طاعته ، ولست آمن أن يقتلني بعثمان على الظنّة فان لم يقتلني تحكّم عليّ وحبسني ، ولكن أكتب إليه

____________________

(1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 77 : طلب طلحة والزبير من عليّ ( عليه السلام ) أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة فقال حتى أنظر.

ثمّ أستشار المغيرة بن شعبة فقال له : أرى أن توليهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس. فخلا بابن عباس وقال : ما ترى؟ قال : يا أمير المؤمنين وان الكوفة والبصرة عين الخلافة وبهما كنوز الرجال ومكان طلحة والزبير من الإسلام ما قد علمت ولست آمنهما إن ولّيتهما أن يحدثا أمراً ، فأخذ برأي ابن عباس.

(2) انساب الاشراف ( ترجمة الامام ) / 209 تح المحمودي.


فمنّه وعِدهُ ، فإذا استقام لك الأمر فابعثني إن أردت »(1) . فإنّ قوله : « أكتب إليه فمنّه وَعِدهُ » لا يوحي بالإشارة إلى توليته وإبقائه على عمله ، ولو أوحى بذلك لما كان معنى لقوله : « فإذا استقام لك الأمر فابعثني إن أردت » ، بل غاية ما يدل عليه قوله : « فمنّه وعِدهُ » يعني مخادعة معاوية بالأماني والمواعيد ليطمع هو في مصانعة الإمام فيأخذ له البيعة من أهل الشام ، وإذا تمّ ذلك واستقام الأمر تيسّر إرسال عامل جديد كابن عباس مكانه.

تولية الإمام عمّاله على البلاد :

قال طه حسين : « فقد كان اختيار العمّال على الأقاليم أولَ شيء فكّر فيه عليّ بعد أن فرغ من بيعة أهل المدينة. وقد أختار عمّاله اختياراً حسناً ، فأرسل إلى البصرة عثمان بن حُنيف من أعلام الأنصار ، وأرسل أخاه سهل بن حُنيف إلى الشام ، وأرسل قيس بن سعد بن عُبادة إلى مصر. وهذا يدل على انه أراد ان يرضي الأنصار بهذا الأختيار فهو قد اختار منهم ثلاثة لهذه الأمصار الخطيرة : البصرة والشام ومصر. أمّا الكوفة فيروي بعض المؤرخين : أنه اختار لها عُمارة بن شهاب ، ولكنه لقي في طريقه من أهل الكوفة من ردّه إلى عليّ وأنذره بالموت إن لم يرجع ، وأنبأه بأن اهل الكوفة لا يرضون بغير أميرهم أبي موسى ، فرجع عمارة من حيث أتى »(2) .

وكذلك سهل بن حنيف فقد رجع من الطريق حيث لاقى خيل معاوية بتبوك فأرجعته.

____________________

(1) نفس المصدر / 208.

(2) عليّ وبنوه / 25 ط دار المعارف.


وقال اليعقوبي في تاريخه : « وعزل عليّ ( عليه السلام ) عمّال عثمان من البلدان خلا أبي موسى الأشعري كلّمه فيه الأشتر فأقرّه ، وولى قثم بن العباس مكة ، وعبيد الله ابن العباس اليمن ، وقيس بن سعد بن عبادة مصر ، وعثمان بن حنيف البصرة.

قال : وأتاه طلحة والزبير فقالا : إنّه قد نالتنا بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) جفوة فأشركنا في أمرك ، فقال : أنتما شريكاي في القوة والاستقامة ، وعوناي على العجز والأود.

قال : ( وروى بعضهم ) أنّه ولى طلحة اليمن والزبير اليمامة والبحرين ، فلمّا دفع اليهما عهديهما قالا له : وصلتك رحم ، قال : وأنتما وصلتكما ولاية أمور المسلمين واستردّ العهد منهما ، فعتبا من ذلك وقالا : آثرت علينا. فقال : لولا ما ظهر من حرصكما فقد كان لي فيكما رأي »(1) .

وقال ابن اعثم في الفتوح : « ثمّ دعا بابن اخته جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فعقد له عقداً وولاّه على بلاد خراسان ، وأمره بالمسير اليها ليفتح ما بقي منها.

ثمّ دعا بعبد الرحمن مولى بديل بن ورقاء الخزاعي فعقد له عقداً وأمره بالمسير إلى أرض الماهَينْ أميراً وعاملاً عليها ، ووجّه بعمّاله إلى جميع البلاد الّتي كانت تحت طاعته ، فسمع القوم وأطاعوا »(2) .

وذكر الواقدي في كتاب الجمل : « أنّ الإمام كتب إلى معاوية في أوّل ما بويع له : من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان : أمّا بعدُ فقد علمتَ إعذاري فيكم وإعراضي عنكم ، حتى كان ما لابدّ منه ولا دفع له ،

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 155.

(2) الفتوح 2 / 268 ـ 269.


والحديث طويل ، والكلام كثير ، وقد أدبر ما أدبَر ، وأقبَلَ ما أقبَل ، فبايع مَن قِبَلكَ ، وأقبل الي في وفد من اصحابك »(1) .

قال الطبري في تاريخه : « وكان رسول أمير المؤمنين إلى معاوية سبرة الجُهني ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء ولم يجبه ، وردّ رسوله ، وجعل كلّما تنجّز جوابه لم يزد على قوله :

أدم إدامة حِصن أو خُداً بيدي

حرباً ضروساً تشبّ الجزلَ والضَرَما

في جاركم وابنكم إذ كان مقتله

شنعاءَ شيبّتِ الأصداغ واللَمَما

أعيا المسودُ بها والسيدّون فلم

يوجد لها غيرنا مولىً ولا حَكَما

وجعل الجهني كلما تنجّز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات ، حتى كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر ، دعا معاوية برجل من بني عبس ، ثمّ أحد بني رواحة يدعى قبيصة ، فدفع إليه طوماراً مختوماً عنوانه من معاوية إلى عليّ. فقال : إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ، ثمّ أوصاه بما يقول ، وسرّح رسول عليّ ، وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأوّل لغرتّه فلمّا دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره ، وخرج الناس ينظرون إليه ، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض ، ومضى حتى يدخل على عليّ ، فدفع إليه الطومار ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة ، فقال للرسول : ما وراءك؟ قال : آمن أنا؟ قال : نعم ، ان الرسل آمنة لا تقتل. قال : ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلاّ بالقود ، قال : ممّن؟ قال : من خيط نفسك »(2) .

____________________

(1) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 3 / 149.

(2) تاريخ الطبري 4 / 443 ط دار المعارف.


وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج : « لمّا بويع عليّ ( عليه السلام ) كتب إلى معاوية : أمّا بعد فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا أتاك كتابي فبايع لي وأوفد إليّ أشراف أهل الشام قبلك.

فلمّا قدم رسوله على معاوية وقرأ كتابه بعث رجلاً من بني عُميس وكتب معه كتاباً إلى الزبير بن العوام ، وفيه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أمّا بعد : فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الحلب ، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك اليها ابن أبي طالب ، فانه لا شيء بعد هذين المصرَين ، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك ، فأظهرا الطلب بدم عثمان ، وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجدّ والتشمير ، أظفركما الله وخذل مناويكما.

فلمّا وصل هذا الكتاب إلى الزبير سرّ به ، وأعلم به طلحة وأقرأه إيّاه ، فلم يشكّا في النصح لهما من قبل معاوية ، وأجمعا عند ذلك على خلاف عليّ ( عليه السلام ) »(1) .

وقال الطبري : « وأحبّ أهل المدينة أن يعلموا ما رأي عليّ في معاوية وانتقاضه ، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة ، أيجسر عليه أو ينكل عنه فدسّوا إليه زياد بن حنظلة التميمي ـ وكان منقطعاً إلى عليّ ـ فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثمّ قال له عليّ : يا زياد تيسّر ، فقال : لأي شيء؟ فقال : تغزو الشام ، فقال زياد : الأناة والرفق أمثل ، فقال :

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 77 ، وستأتي أيضاً رواية عن الزبير بن بكار في الموفقيات أنّ معاوية كتب إلى جماعة آخرين يحرّضهم على الإعلان بالخلاف على الإمام والمطالبة بدم عثمان.


ومن لا يصانع في أموركثيرة

يُضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم

فتمثل عليّ وكأنّه لا يريده :

متى تجمع القلب الذكي وصارما

وأنفاً حميّا تجتنبك المظالم

فخرج زياد على الناس والناس ينتظرونه فقالوا : ما وراءك؟ فقال السيف يا قوم ، فعرفوا ما هو فاعل ، ودعا عليّ محمّد بن الحنفية فدفع إليه اللواء ، وولّى عبد الله بن عباس ميمنته ، وعمر بن أبي سلمة ـ أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ـ ولاّه ميسرته ، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجراح ـ ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح ـ فجعله على مقدّمته ، واستخلف على المدينة قثم بن عباس(1) ولم يولّ ممّن خرج على عثمان أحداً.

وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشام ، وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى مثل ذلك ، وأقبل على التهيّؤ والتجهزّ ، وخطب أهلَ المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال اهل الفرقة.

وقال : إنّ الله ( عزّ وجلّ ) بعث رسولاً هادياً مهديّاً بكتاب ناطق ، وأمر قائم واضح ، لا يهلك عنه إلاّ هالك ، وان المبتدعات والشبهات هنّ المهلكات إلاّ من حفظ الله ، وإنّ في سلطان الله عصمة أمركم ، فأعطوه طاعتكم غير ملوّية ولا مستكرَه بها ، والله لتفعلنّ أو لينقُلنّ الله عنكم سلطان الإسلام ، ثمّ لا ينقله اليكم أبداً حتى يأرز الأمر اليها ، انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون أن يفرّقوا جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق ، وتقضون الّذي عليكم »(2) .

____________________

(1) لقد مرّ أنه استعمله على مكة.

(2) تاريخ الطبري 4 / 445 ـ 446.


قال طه حسين : « ثمّ دعا عليّ أعلام الناس في المدينة وبينهم طلحة والزبير فأنبأهم بما ارتفع إليه من أمر معاوية ، وأنبأهم بأنها الحرب ، وبأنّ الخير في أن يميتوا الفتنة قبل أن تستشري ويعظم أمرها ، وفي أن يغزوا الشام قبل أن يغير عليهم أهل الشام ، وكأنه لم يجد من الناس جواباً مقنعاً ولا حماسة للحرب »(1) .

ابن عباس مشيراً وقائداً ووزيراً في حكومة الإمام :

لقد مرّ بنا ذكره مشيراً في الحديث عن مشورة المغيرة ، ومرّ بنا قريباً تعيينه قائداً على الميمنة للجيش الّذي بدأ إعداده لمواجهة التمرّد بالشام. وسيأتي بقية الحديث عن ذلك الجيش وما جرى له. أمّا الآن فإلى معرفة بداية استيزار الإمام له.

قال ابن قتيبة : « وذكروا ان الزبير وطلحة أتيا عليّاً بعد فراغ البيعة فقالا : هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟

قال عليّ : نعم على السمع والطاعة ، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان.

فقالا : لا ، ولكنّا بايعناك على أنا شريكاك في ألامر.

فقال عليّ : لا ، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأودَ.

قال : وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق وطلحة في اليمن ، فلمّا أستبان لهما أن عليّاً غير مولّيهما شيئاً ، أظهرا الشكاة ، فتكلم الزبير في ملأ من قريش فقال : هذا جزاؤنا من عليّ ، قمنا له في أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب ،

____________________

(1) عليّ وبنوه / 27 ط دار المعارف.


وسبّبنا له القتل وهو جالس في بيته ، وكَفي الأمر ، فلمّا نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا.

قال طلحة : ما اللوم إلاّ أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى ، كرهه أحدنا وبايعناه وأعطيناه ما في أيدينا ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا.

قال : فانتهى قولهما إلى عليّ ، فدعا عبد الله بن عباس ـ وكان استوزره ـ فقال له بلغك قول هذين الرجلين؟ قال : نعم بلغني قولهما. قال : فما ترى؟ قال : أرى أنّهما أحبّا الولاية ، فولّ البصرة الزبير ، وولّ طلحة الكوفة فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان.

فضحك عليّ ثمّ قال : ويحك إن العراقين بهما الرجال والأموال ، ومتى تملكا رقاب الناس ، يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القويّ بالسلطان ، ولو كنت مستعملاً أحداً لضرّه ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي.

ثمّ أتى طلحة والزبير إلى عليّ فقالا : يا أمير المؤمنين إئذن لنا إلى العمرة ، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك وإن تسر نتبعك ، فنظر اليهما وقال : نعم والله ما العمرة تريدان ، إن تمضيا إلى شأنكما فمضيا »(1) .

أقول : لقد مرّ بنا ما نقلناه عن البلاذري في حديث مشورة المغيرة قول ابن عباس : « إنّ الكوفة والبصرة عين المال ، وإن ولّيتهما إياهما لم آمن أن يضيّقا عليك » فكيف نصدّق برواية ابن قتيبة في تبدّل رأي ابن عباس في تولية الزبير وطلحة ، ولم يكن بين الموقفين ما يدعو إلى التغيير والتبديل؟!

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 47 ـ 48 ط سنة 1328 بمصر.


ولكن الأمر الّذي لا أشك فيه أن ابن عباس صار له مقام بارز بين أصحاب الإمام من الساسة في تصريف الأمور ، وهو الوحيد من بني هاشم الّذي أختصه الإمام ( عليه السلام ) من بينهم بالإستشارة والوزارة وستأتي شواهد على ذلك.

أمّا الآن فإلى :

قراءة في التاريخ :

فلنقرأ ـ قبل تاريخه الحضور الفاعل والمؤثّر ـ شيئاً عن بوادر الخلاف الّتي استهدفت خلافة الإمام أمير المؤمنين ، وتسليط الضوء على حجج المخالفين ، بدءاً من معاوية ثمّ طلحة والزبير وعائشة وسائر بني أمية وأشياعهم من الناكثين وأتباعهم من القاسطين. فإنّ قراءة ذلك هي جزء من قراءة تاريخ ابن عباس. الّذي شارك الإمام في السرّاء والضرَاء بدءاً من خلافته وحتى مقتله ، وبقي ابن عباس مستمراً في كفاحه من بعده كما كان له في حياته.

وإنّما قدمت ذكر معاوية على غيره من المخالفين الحانقين على الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لأنّي وجدته أوّل من أعلن الخلاف وحرّض عليه ، فقد كتب الرسائل في ذلك إلى كلّ من طلحة والزبير وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر ابن كريز والوليد بن عُقبة ويعلى بن مُنيّة وهو اسم أمه! وإنّما اسم أبيه أمية. وهو الّذي لقنّهم الحجة بطلب دم عثمان.

فلنقرأ ما قاله ابن أبي الحديد في شرح النهج : « وأنا أذكر في هذا الموضع خبراً رواه الزبير بن بكار في الموفقيات(1) ليعلم من يقف عليه أن معاوية لم يكن

____________________

(1) وهذا ممّا لم يرد في نسخة الموفقيات المطبوعة بتحقيق سامي مكي العاني. كما لم يستدركه فيما استدرك ممّا لم يرد ذكره في آخر الكتاب ، وقد استدركته عليه في نسختي مع موارد أخرى فاتته بلغت ثلاثة عشر مستدركاً حتى الآن.


لينجذب إلى طاعة عليّ ( عليه السلام ) أبداً ، ولا يعطيه البيعة ، وأنّ مضادتّه ومباينته إيّاه كمضادّة السواد للبياض لا يجتمعان أبداً ، وكمباينة السلب للإيجاب ، فإنها مباينة لا يمكن زوالها أبداً.

قال الزبير : حدثني محمّد بن محمّد بن زكريا بن بسطام ، قال : حدثني محمّد بن يعقوب بن أبي الليث ، قال : حدثني أحمد بن محمّد بن الفضل بن يحيى المكي عن ابيه عن جده الفضل بن يحيى عن الحسن بن عبد الصمد عن قيس بن عرفجة قال :

لمّا حصر عثمان أبرد مروان بن الحكم بخبره بريدَين أحدهما إلى الشام والآخر إلى اليمن وبها يومئذ يعلى بن منية ، ومع كلّ واحد منهما كتاب فيه : ان بني أمية في الناس كالشامة الحمراء ، وان الناس قد قعدوا لهم برأس كلّ محجّة وعلى كلّ طريق ، فجعلوهم مرمى العرّ والعضيهة(1) ، ومقذف القشب والأفيكة(2) وقد علمتم أنها لم تأت عثمان إلاّ كرهاً تجبذ من ورائها ، وإني خائف إن قتل أن تكون من بني أمية بمناط الثريا ، إن لم نصر كرصيف الأساس المحكم ، ولئن وهَى عمود البيت ليتداعين جدرانه ، والّذي عيب عليه إطعامكما الشام واليمن ، ولا شك أنكما تابعاه إن لم تحذرا ، وأمّا أنا فمساعف كلّ مستشير ، ومعين كلّ مستصرخ ، ومجيب كلّ داع ، أتوقع الفرصة ، فأثب وثبة الفهد ، أبصر غفلة مقتنصة ، ولولا مخافة عطب البريد وضياع الكتب لشرحت لكما من الأمر ما لا تفزعان معه إلى أن يحدث الأمر ، فجدّا في الطلب ما أنتما وليّاه ، وعلى ذلك فليكن العمل ان شاء الله. وكتب في آخره :

____________________

(1) العُرّ : الجرب ، والعضيهة الافك والبهتان.

(2) القشب من الكلام الفري والقاشب الّذي يعيب الناس بما فيه ، والأفيكة : الكذب.


وما بلغت عثمان حتى تخطّمت

رجالٌ ودانت للصغار رجال

لقد رجعت عوداً على بدء كونها

وإن لم تجدّا فالمصير زوال

سيبدي مكنون الضمائر قولُهم

ويظهر منهم بعد ذاك فعال

فإن تقعدا لا تطلبا ما ورثتما

فليس لنا طول الحياة مقال

نعيش بدار الذل في كل بلدةٍ

وتظهر منّا كابة وهزال

فلمّا ورد الكتاب على معاوية أذِّن في الناس : الصلاة جامعة ثمّ خطبهم خطبة المستنصر المستصرخ ، وفي أثناء ذلك ورد عليه قبل أن يكتب الجواب كتاب مروان بقتل عثمان وكانت نسخته :

وهب الله لك أبا عبد الرحمن قوة العزم وصلاح النيّة ، ومنّ عليك بمعرفة الحقّ واتباعه فاني كتبت إليك هذا الكتاب بعد قتل عثمان أمير المؤمنين ، وأيّ قتلة قُتل ، نحر كما ينحر البعير الكبير عند اليأس من أن ينوء بالحَمل ، بعد أن نُقبت صفحتُه بطيّ المراحل وسير الهجير ، وإني معلمك من خبره غير مقصر ولا مطيل : إنّ القوم استطالوا مدّته ، واستقلّوا ناصره ، واستضعفوا بدنه ، وأمّلوا بقتله بسَطَ أيديهم فيما كان قَبضَه عنهم ، واعصوصبوا عليه ، فظل محاصراً ، قد مُنع من صلاة الجماعة ورد المظالم ، والنظر في أمور الرعية ، حتى كأنه هو فاعل لما فعلوه ، فلمّا دام ذلك أشرف عليهم ، فخوّفهم الله وناشدهم ، وذكّرهم مواعيد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له ، وقوله فيه ، فلم يجحدوا فضله ولم ينكروه ، ثمّ رموه بأباطيل اختلقوها ، ليجعلوا ذلك ذريعة إلى قتله ، فوعدهم التوبة ممّا كرهوا ، ووعدهم الرجعة إلى ما أحبّوا. فلم يقبلوا ذلك ، ونهبوا داره ، وانتهكوا حرمته ، ووثبوا عليه فسفكوا دمه ، وانقشعوا عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها ، منكفئين


قِبَلَ ابن أبي طالب انكفاء الجراد إذا أبصر المرعى. فأخلِق ببني أمية أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى العيّوق إن لم يثأره ثائر ، فإن شئت ابا عبد الرحمن أن تكونه فكنه والسلام.

فلمّا ورد الكتاب أمر بجمع الناس ، ثمّ خطبهم خطبة أبكى منها العيون وقلقل القلوب ، حتى علت الرنّة ، وارتفع الضجيج ، وهمّ النساء أن يتسلّحن.

ثمّ كتب إلى طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوّام ، وسعيد بن العاص ، وعبد الله بن عامر بن كريز ، والوليد بن عُقبة ويعلى بن مُنية ـ وهو اسم أمه ـ وإنّما اسم أبيه أمية.

فكان كتاب طلحة : أمّا بعد ، فإنك أقل قريش في قريش وترا ، مع صباحة وجهك وسماحة كفّك ، وفصاحة لسانك ، فأنت بأزاء من تقدّمك في السابقة ، وخامس المبشرين بالجنة ، ولك يوم أحد وشرفُه وفضلُه ، فسارع رحمك الله إلى ما تقلّدك الرعية من أمرها ممّا لا يسعك التخلّف عنه ، ولا يرضى الله منك إلاّ بالقيام به ، فقد أحكمتُ لك الأمر قبلي ، والزبير فغير متقدم عليك بفضل ، وأيكما قدّم صاحبه ، فالمقدّم الإمام ، والأمر من بعده للمقدِّم له ، سلك الله بك قصد المهتدين ، ووهب لك رُشد الموفقّين والسلام.

وكتب إلى الزبير : أمّا بعد ، فإنك الزبير بن العوام ، ابن أبي خديجة وابن عمة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وحوارّيه ، وسلَفَه ، وصهر أبي بكر ، وفارس المسلمين ، وأنت الباذل في الله مهجته بمكة عند صيحة الشيطان ، بعثك المبعث ، فخرجت كالثعبان المنسلخ ، بالسيف المنصلت ، تخبط خبط الجمل الرديع(1) كلّ ذلك قوّة إيمان ، وصدق يقين ، وسبقت لك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم البشارة بالجنّة ،

____________________

(1) الرديع : أي المردوع من ردعه إذا كفّه.


وجعلك عمر أحد المستخلفين على الأمة ، واعلم أبا عبد الله ، إن الرعية أصبحت كالغنم المتفرّقة لغيبة الراعي ، فسارع رحمك الله إلى حقن الدماء ولمّ الشعث ، وجمع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، قبل تفاقم الأمر وانتشار الأمة ، فقد أصبح الناس على شفا جرفٍ هارٍ عمّا قليل ينهار إن لم يُرأب ، فشمّر لتأليف الأمة ، وابتغ إلى ربّك سبيلا ، فقد أحكمت الأمر على مَن قِبَلي لك ولصاحبك على أن الأمر للمقدَّم ، ثمّ لصاحبه من بعده ، جعلك الله من أئمة الهدى ، وبغاة الخير والتقوى. والسلام.

وكتب إلى مروان بن الحكم : أمّا بعد فقد وصل إلي كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين ، وما ركبوه به ونالوه منه ، جهلاً بالله وجرأة عليه ، واستخفافاً بحقّه ، ولأمانيّ لوّح الشيطان بها في شَرَك الباطل ليدهدههم(1) في أهويات الفتن ، ووهدات الضلال ، ولعمري لقد صدق عليهم ظنّه ، ولقد اقتنصهم بأنشوطة فخّه ، فعلى رسلك أبا عبد الله ، يمشي الهوينى ويكون أوّلاً ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلاّ غيلة ، ولا يتشازر(2) إلاّ عن حيلة ، وكالثعلب لا يفلِتُ إلاّ روغانا ، واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكفّ ، وامتهن نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره ، وابحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حبّ الدخن عند فقاسها ، وأَنغِل(3) الحجاز فإني منغلٌ الشام. والسلام.

وكتب إلى سعيد بن العاص : أمّا بعد ، فإن كتاب مروان ورد عليّ من ساعة وقت النازلة ، تقبل به البُرد بسير المطيّ الوجيف(4) تتوجس توجّس الحيّة الذكر

____________________

(1) أي : ليرديهم.

(2) التشازر : النظر بمؤخر العين.

(3) أي احملهم على الضغن والعداوة.

(4) الوجيف : السريع في سيره.


خوف ضربة الفأس ، وقبضة الحاوي(1) ومروان الرائد لا يكذب أهله ، فعلامَ الإفكاك يا بن العاص ، ولات حين مناص ، ذلك أنكم يا بني أمية عمّا قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة فينكركم من كان منكم عارفاً ، ويصد عنكم من كان لكم واصلاً متفرّقين في الشِعاب تتمنون لمظة(2) المعاش ، ان أمير المؤمنين عُتب عليه فيكم ، وقُتل في سبيلكم ففيم القُعود عن نصرته والطلب بدمه ، وأنتم بنو أبيه ، ذوو رَحمه وأقربوه وطلاّب ثأره ، أصبحتم متمسكين بشظف معاشٍ زهيد ، عما قليل يُنزع منكم عند التخاذل وضعف القوى ، فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البُرء في الجسد النحيف ، وسِر سير النجوم تحت الغمام ، واحشد حشد الذرّة(3) في الصيف لانحجارها في الصَّّرَد ، فقد أيدتكم بأسدٍ وتيم وكتب في الكتاب :

تالله لا يذهب شيخي باطلاً

حـتى أبـير مالكاً وكاهلاً

القاتلين الملك الحـلاحلا

خير مُعدّ حسباً ونائـلا(4)

وكتب إلى عبد الله بن عامر : أمّا بعد ، فإن المنبر مركَب ذلول ، سهل الرياضة ، لا ينازعك اللجام ، وهيهات ذلك ، إلاّ بعد ركوب أثباج المهالك ، واقتحام أمواج المعاطب ، وكأني بكم يا بني أمية شعارير(5) كالأوارك تقودها الحُداة ، أو كرُخم الخندمة(6) تذرق خوف العُقاب ، فثب الآن رحمك الله قبلَ أن

____________________

(1) الّذي يرقى الحية ويقبض عليها.

(2) اللمظة واللماظة ، اليسير من السمن تأخذه بإصبعك.

(3) صغار النمل.

(4) الشعر لأمرئ القيس الكندي ديوانه / 134جمع السندوبي.

(5) الشعارير : المتفرقون ، والأوارك النوق الّتي تلزم الأراك فترعاه فهي تتفرق لتتبع الأراك.

(6) اسم موضع فيها مأوى الرُخم تختفي فيه من العُقاب.


يستشري الفساد وندب(1) السوط جديد ، والجرح لما يندمل ، ومن قبل استضراء الأسد ، والتقاء لحييه على فريسته ، وساور الأمرَ مساورة الذئب الأطلس كسيرة القطيع ، ونازل الرأي وأنصب الشَرك ، وارم عن تمكّن ، وضع الهناء مواضع النقب(2) واجعل اكبر عدّتك الحذَر ، وأحدَّ سلاحك التحريض ، واغض عن العوراء ، وسامح اللجوج ، واستعطف الشارد ، ولاين الأشوس ، وقوّ عزم المريد ، وبادر العقبة ، وازحف زحف الحيّة ، واسبق قبل أن تُسبق ، وقم قبل أن يُقام لك ، واعلم أنّك غير متروك ولا مَهمل ، فإني لكم ناصح أمين. والسلام.

وكتب في أسفل الكتاب :

عليك سلام الله قيس بن عامر

ورحمته ما شاء أن يترحّما

تحية من أهدى السلام لأهله

إذا شطّ داراً عن مزارك سلّما

فما كان قيس هلكه هلك واحدٍ

ولكنه بنيان قومٍ تهـدّمـا(3)

وكتب إلى الوليد بن عُقبة : يا بن عُقبة كن الجيش ، وطيب العيش أطيب من سفع سموم الجوزاء عند اعتدال الشمس في أفقها ، ان عثمان أخاك أصبح بعيداً منك ، فاطلب لنفسك ظِلاًّ تستكنّ به ، إني أراك على التراب رَقودا ، وكيف بالرقاد بك؟ لا رقاد لك ، فلو قد أستتبّ هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام ، يفزع من ظلّ الطائر ، وعن قليل تشرب الرنَق ، وتستشعر الخوف ، أراك فسيحَ الصدر ، مسترخيَ اللبَبَ ، رخوَ الحِزام ، قليل الأكتراث ، وعن قليل يُجتثّ أصلَك ، والسلام.

____________________

(1) وندب السوط أثره في البدن.

(2) الهناء القطران يطلى به البعير ، والنقب هو أوّل الجَرب.

(3) الأبيات لعبدة بن الطيّب يرثي قيس بن عاصم المنقري ـ الشعر والشعراء / 707.


وكتب في آخر الكتاب :

أخترتَ نومك إن هبت شآمية

عند الهجير وشرباً بالعشيّات

على طلابك ثأراً من بني حَكَمٍ

هيهاتَ من راقد طلاّب ثارات

وكتب إلى يعلى بن أميّة :

حاطك الله بكلاءته ، وأيّدك بتوفيقه ، كتبت إليك صبيحة ورد عليّ كتاب مروان بخبر قتل أمير المؤمنين ، وشرح الحال فيه ، وإنّ أمير المؤمنين طال به العُمر حتى نقصت قواه ، وثقلت نهضتُه ، وظهرت الرعشة في أعضائه ، فلمّا رأى ذلك أقوام لم يكونوا عنده موضعاً للإمامة والأمانة وتقليد الولاية ، وثبوا به ، والّبوا عليه ، فكان أعظم ما نقموا عليه وعابوه به ، ولايتك اليمن وطولِ مدّتك عليها ، ثمّ ترامى بهم الأمر حالاً بعد حال ، حتى ذبحوه ذبح النطيحة(1) مبادَرا بها الفوت ، وهو مع ذلك صائم معانقٌ المصحف ، يتلو كتاب الله ، فيه عظُمت مصيبة الإسلام ، بصهر الرسول ، والإمام المقتول ، على غير جُرم سفكوا دمه ، وانتهكوا حرمته ، وأنت تعلم أن بيعته في أعناقنا ، وطلب ثاره لازم لنا ، فلا خير في دنيا تعدل بنا عن الحقّ ، ولا في أمرة توردُنا النار ، وان الله جل ثناؤه لا يرضى بالتحذير في دينه ، فشمّر لدخول العراق.

فأمّا الشام فقد كفيتُك أهلَها ، وأحكمتُ أمرَها ، وقد كتبتُ إلى طلحة بن عبيد الله أن يلقاك بمكة حتى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة ، والطلب بدم عثمان أمير المؤمنين المظلوم ، وكتبت إلى عبد الله بن عامر يمهّد لكم العراق ، ويسهّل لكم حزونة عِقابها(2) .

____________________

(1) النطيحة : الشاة المنطوحة.

(2) العِقاب : بالكسر جمع عقبة المرقى الصعب من الجبال.


واعلم يا بن أمية أنّ القوم قاصدوك بادئ بدء لاستنطاف ما حوته يداك من المال ، فاعلم ذلك واعمل على حسبه إن شاء الله ، وكتب في أسفل الكتاب :

ظلّ الخليفة محصوراً يناشدهم

بالله طَورا وبالقرآن أحيانا

وقد تألّف أقوامٌ على حَنقَ

عن غير جُرم وقالوا فيه بهتانا

فقام يذكرهم وعد الرسول له

وقوله فيه إسراراً وإعلانا

فقال كفّوا فإني معتبٌ لكمُ

وصارفٌ عنكم يَعلى ومرونا

فكذّبوا ذاك منه ثم ساوَره

من حاص لَبّته ظلماً وعدوانا(1)

قال : فكتب إليه مروان جواباً عن كتابه :

أمّا بعد : فقد وصل كتابك ، فنعم كتاب زعيم العشيرة ، وحامي الذمار ، وأخبرك أن القوم على سنَنَ استقامة إلاّ شظايا شعب ، شتّتَ بينهم مقولي على غير مجابهة ، حسب ما تقدّم من أمرك ، وإنّما كان ذلك رسيس(2) العصاة ، ورمي أخدر من أغصان الدوحة ، ولقد طويت أديمهم على نغل يحلم(3) منه الجلد ، كذبت نفس الظان بنا ترك المظلمة وحبّ الهجوع ، إلاّ تهويمة الراكب العجل ، حتى تُجذ جماجم وجماجم جذّ العراجين المهدّلة حين إيناعها ، وأنا على صحة نيتي وقوة عزيمتي وتحريك الرَحمِ لي ، وغليان الدم مني غيرُ سابقك بقول ، ولا متقدّمك بفعل ، وانت ابن حرب ، طلاّب الترات ، وآبى الضيم.

____________________

(1) حاص لبّته : حام حولها ، واللبّة موضع القلادة من الصدر.

(2) الرسيس : الشيء الثابت يريد ان ذلك دأبهم وعادتهم.

(3) الحَلَم : دودة تقع في الجلد فتأكله.


وكتابي إليك ، وأنا كحرباء السَبسَبّ في الهجرِ ترقب عين الغزالة ، وكالسبع المفلتِ من الشَركَ يفرَق من صوت نفسه ، منتظراً لما تصح به عزيمتك ، ويَرِدُ به أمرك ، فيكون العمل به والمحتذَى عليه.

وكتب في أسفل الكتاب :

أيقتل عثمانٌ وترقأ دموعُنا

ونرقد هذا الليل لا نتفزّع

ونشرب برد الماء ريّاً وقد مضى

على ظمأ يتلو القُرانَ ويركع

فإني ومَن حجّ الملّبونّ بيته

وطافوا به سعياً وذو العرش يسمع

سأمنع نفسي كلّ ما فيه لذّة

من العيش حتى لا يُرى فيه مطمع

وأقتل بالمظلوم من كان ظالماً

وذلك حكمُ الله ما عنه مدفع

وكتب إليه عبد الله بن عامر : أمّا بعد ، فان أمير المؤمنين كان لنا الجناح الحاضنة تأوي اليها فراخُها تحتها ، فلمّا أقصده(1) السهم صرنا كالنعام الشارد ، ولقد كنت مشترك الفكر ، ضالّ الفهم ، التمس دريئة استجنّ بها من خطأ الحوادث ، حتى وقع اليّ كتابك ، فانتبهت من غفلة طال فيها رقادي ، فأنا كواجد المحجّة ، كان إلى جانبها حائراً ، وكأني أعاينُ ما وصفتَ من تصرّف الأحوال.

والّذي أخبرك به أن الناس في هذا الأمر تسعة لك وواحد عليك ، ووالله للموتُ في طلب العزّ أحسن من الحياة في الذلّة ، وأنت ابن حرب فتى الحروب ، ونُضار(2) بني عبد شمس ، والهمم بك منوطة ، وأنت منهضها ، ( فإذا نهضت فليس حين قعود ) وأنا اليوم على خلاف ما كانت عليه عزيمتي من طلب العافية ، وحبّ

____________________

(1) أقصده السهم : أصابه.

(2) النُضار : الخالص من كلّ شيء.


السلامة قبل قرعك سويداء القلب بسوط الملام ، ولنعم مؤدّب العشيرة أنت وإنا لنرجوك بعد عثمان ، ولها أنا متوقع ما يكون منك لأمتثله ، وأعمل عليه ان شاء الله.

وكتب في أسفل الكتاب :

لا خير في العيش في ذلٍّ ومنقصة

والموتُ أحسنُ من ضيمٍ ومن عار

انا بنو عبد شمس معشرٌ أُنُفٌ

غرٌّ جحاجحةٌ طُلاّب أو تار

والله لو كانَ ذميّا مجاوُرَنا

ليطلب العز لم نقعد عن الجار

فكيف عثمان لم يدفن بمزبلة

على القمامة مطروحاً بها عار

فازحف إلي فإني زاحفٌ لهم

بكل أبيض ماضي الحدّ بتّار

وكتب إليه الوليد بن عُقبة : أمّا بعد ، فإنك أسدّ قريش عقلا ، وأحسنهم فهماً ، وأصوبهم رأياً معك حسن السياسة ، وأنت موضع الرياسة ، توردُ بمعرفة ، وتُصدِر عن منهل روّي ، مناوئك كالمنقلب عن العيّوق(1) يهوي به عاصف الشمال إلى لجّة البحر.

كتبتَ إليّ تذكر طيب الخيش ولين العيش ، فملأ بطني عليّ حرام إلاّ مسكة الرمق حتى أفري أوداج قتلة عثمان فري الأهب(2) بشفاة الشفار ، وأمّا اللين فهيهات إلاّ خيفة المرتقب يرتقب غفلة الطالب إنا على مداجاة ، ولما تبدُ صفحاتنا بعدُ ، وليس دون الدم بالدم مزحل(3) إنّ العار منقصة ، والضعف ذلّ ، إن يخبط قتلة عثمان زهرة الحياة الدنيا ، ويسقَون بَرد المعين ، ولمّا يمتطوا الخوف ،

____________________

(1) نجم أحمر مضيء في طرف المجرّة الأيمن ، يتلو الثريا لا يتقدّمها.

(2) الأهب جمع إهاب وهو الجلد ما لم يدبغ ، وشفاة الشفار : حد السيف.

(3) يقال : ( إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل ) أي مُنقدح.


ويستحلسوا الحذر بعد مسافة الطردَ وامتطاء العقبة الكؤود في الرحلة ، لا دعيت لعُقبة إن كان ذلك حتى أنصب لهم حربا تضع الحوامل لها أطفالها ، وقد ألوت بنا المسافة ، ووردنا حياض المنايا ، وقد عقلتُ نفسي على الموت عَقَل البعير ، وأحتسبت أنّي ثاني عثمان ، أو اقتل قاتله ، فعجّل عليّ ما يكون من رأيك ، فإنا منوطون بك ، متبعون عَقِبك ، ولم أحسب الحال تتراخى بك إلى هذه الغاية ، لما أخافه من إحكام القوم أمرهم.

وكتب في أسفل الكتاب :

نومي عليّ محرّم إن لم أقم

بدم ابن أمي من بني العلاّت

قامت عليّ إذا قعدتُ ولم أقم

بطلاب ذاك مناحة الأموات

عذْبت حياض الموت عندي

بعد ما كانت كريهة مورد النّهلات

وكتب إليه يعلى بن أمية : إنا وأنتم يا بني أمية كالحجر لا يبنى بغير مدَر ، وكالسيف لا يقطع إلاّ بضاربه ، وصل كتابك بخبر القوم وحالهم ، فلئن كانوا ذبحوه ذبح النطيحة بُودر بها الموت لينحرنّ ذابحُه نحر البَدنَة وافى بها الهدي الأجل ، ثكلتني مَن انا ابنها إن نمت عن طلب وتر عثمان ، أو يقال : لم يبق فيه رمق ، إني أرى العيش بعد قتل عثمان مرّا ، إن أدلج القوم فإني مدلج ، وأمّا قصدهم ما حوته يدي من المال ، فالمال أيسر مفقود إن دفعوا إلينا قتلة عثمان ، وإن أبوا ذلك أنفقنا المال على قتالهم ، وان لنا ولهم لمعركة نتناحر فيها نحر القُدار النقائع(1) عن قليل تصل لحومها.

وكتب في أسفل الكتاب :

____________________

(1) القدار : الجزّار ، والنقائع جمع نقيعة وهي ما نحر من إبل النهب.


لمثل هذا اليوم أوصى الناس

لا نُعط ضيماً أو يخرّ الرأسُ

قال : فكل هؤلاء كتبوا إلى معاوية يُحرّضونه ويُغرونه ويحرّكونه ويهيّجونه ، إلاّ سعيد بن العاص فانه كتب بخلاف ما كتب به هؤلاء ، كان كتابه :

أمّا بعد ، فإنّ الحزم في التثبّت ، والخطأ في العجلة ، والشؤم في البدار ، والسهمُ سهمك ما لم ينبض به الوتر ، ولن يردّ الحالبُ في الضرع اللبنَ ، ذكرتَ حق أمير المؤمنين علينا وقرابتنا منه ، وانه قتل فينا ، فخصلتان ذكرهما نقص والثالثة تكذّب ، وأمرتنا بطلب دم عثمان ، فأي جهة تسلك فيها أبا عبد الرحمن ، رُدِمت الفجاج ، وأحكم الأمرُ عليك وولي زمامَه غيرُك ، فدع مناواة من لو كان افترش فراشه صدر الأمر لم يُعدل به غيرُه. وقلت : كأنا عن قليل لا نتعارَف ، فهل نحن إلاّ حيّ من قريش ، إن لم تنلنا الولاية لم يضق عنا الحقّ ، إنها خلافة مُنافية ، وبالله أقسم قسماً مبروراً ، لئن صحّت عزيمتك على ما ورد به كتابك ، لألفينّك بين الحالين ، طليحاً(1) وهبني أخالُك بعد خوض الدماء تنال الظفر ، هل في ذلك عوض عن ركوب المأثم ونقص الدين.

أمّا أنا فلا على بني أمية ولا لهم ، اجعل الحزم داري ، والبيت سجني ، وأتوسّد الإسلام واستشعر العافية ، فاعدل ابا عبد الرحمن زمامَ راحلتك إلى محجة الحقّ ، واستوهب العافية لأهلك ، واستعطف الناس على قومك ، وهيهات من قبولك ما أقول ، حتى يفجّر مروان ينابيع الفتن ، تاجّج في البلاد ، وكأني بكما عند ملاقاة الأبطال تعتذران بالقَدر ، ولبئس العاقبة الندامة ، وعمّا قليل يضح لك الأمر والسلام.

____________________

(1) الطليح : حيوان القُراد ، وزيدٌ بعيره أتعبه كأطلحه وطلّحه فيهما وهو طَلحٌ وطِلحٌ وطليح.


قال ابن أبي الحديد : هذا آخر ما تكاتب القوم به ، ومَن وقف عليه علم أن الحال لم يكن حالاً يقبل العلاج والتدبير ، وأنه لم يكن بدٌّ من السيف ، وأنّ عليّاً ( عليه السلام ) كان أعرف بما عمل »(1) .

أقول : لقد تبيّن من تلك الرسائل المتبادلة الضمائر الحاقدة الّتي استفزّها مجيء الإمام للحكم فتعاوت لقص جناحِها ، وتعاورت بسموم رياحها ، من الشمال إلى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب.( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) .

قال طه حسين في كتابه : « وكذلك استقبل عليّ خلافة المسلمين بما لم يستقبلها أحد من الذين سبقوه ثمّ هو لم يطلب إلى الناس أن يبايعوه على ما كان يرى لنفسه من حق في الخلافة ، وإنما استكرهه الناس على البيعة استكراهاً ، استكرهه الثائرون بعثمان ليأمنوا بعض عواقب ثورتهم ، واستكرهه المهاجرون والأنصار ليقيموا للناس إماماً ينفّذ فيهم أمر الله ولم يكن يستطيع أن يبقى في المدينة منتظراً حتى يغزوه فيها معاوية وأهل الشام ، ولا أن يبقى في المدينة منتظراً حتى يبلغ طلحة والزبير العراق فيجتازا ما وراءه من الثغور وفيها من الفيء والخراج ، ثمّ يكرّان عليه بعد ذلك ليغزواه في المدينة ، لم يكن له بُدّ إذا من أن يستعد للخروج إلى الشام حين أبى معاوية عليه البيعة ، وحجته على معاوية ظاهرة ، فقد بايعته الكثرة الكثيرة من المسلمين في الحجاز والأقاليم وأصبحت طاعته لازمة.

وكان الحقّ على معاوية لو أنصف وأخلص نفسه للحق أن يبايع كما بايع الناس ثمّ يأتي إلى عليّ مع غيره من أولياء عثمان فيطالبون بالإقادة ممّن قتله.

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 579 ط الاُولى بمصر.

(2) سورة الصف / 8.


ولكن معاوية لم يكن يريد أن يثأر لعثمان بمقدار ما كان يريد أن يصرف الأمر عن عليّ ، وآية ذلك أن الأمر استقام له بعد وفاة عليّ ( رحمه الله ) ومصالحة الحسن إياه ، فتناسى ثأر عثمان ولم يتتبع قتلته إيثاراً للعافية وحقناً للدماء وجمعاً للكلمة.

ولم تكن حجة عليّ على طلحة والزبير وعائشة أقلّ ظهوراً من حجته على معاوية ، فقد بايع طلحةُ والزبيرُ وكان الحقّ عليهما أن يَفيا بالعهد ويُخلصا للبيعة الّتي أعطياها ، فإن كرها الإذعان لعليّ أو معونته على بعض ما كان يريد ، فقد كانا يستطيعان أن يعتزلا كما اعتزل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد ومحمّد بن مسلمة وغيرهم فلا ينصبا حرباً ، ولا يدفعا الناس إليها ، ولا يفرّقا المسلمين على هذا النحو المنكر الّذي ستراه.

وأمّا عائشة فقد أمرها الله فيمن أمر من نساء النبيّ أن تقرّ في بيتها. وكان عليها أن تفعل أيام عليّ كما كانت تفعل أيام الخلفاء من قبله ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر دون أن تخالف عما أُمرت به من القرار في بيتها لتذكر ما كان يتلى عليها من آيات الله والحكمة ولتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة كما فعل غيرها من أمهات المؤمنين.

ولو قد أبت أن تبايع عليّاً أو تؤمن له بالخلافة لما وجدت منه شيئاً تكرهه فهي أم المؤمنين وكان من الطبيعي أن تلقى من عليّ مثل ما لقي المعتزلون على أقل تقدير. وآية ذلك أنها لم تلق منه بعد يوم الجمل إلاّ الكرامة والإكبار.

وقد يقال : إنّ القوم لم يكونوا يغضبون لعثمان فحسب ، وإنّما كانوا يريدون أن يختار الخليفة عن مشورة بين المسلمين ، وكانوا يكرهون أن يفرض الثائرون بعثمان عليهم إماماً بعينه ، ولكن أبا بكر لم يبايع بالخلافة عن مشورة المسلمين وإنّما كانت بيعته فلتة ، وقى الله المسلمين شرّها كما قال عمر ، كما أنّ عمر نفسه


لم يبايع عن مشورة من المسلمين وإنّما عهد إليه أبو بكر فأمضى المسلمون عهده ثقة منهم بالشيخين وحباً منهم لهما ، ولم تكن الشورى الّتي تمت بها خلافة عثمان مقنعة ولا مجزئة ، فقد أختص عمر بها ستة من قريش على أن يختاروا واحداً منهم ، فاختاروا عثمان ، وأكبر الظن أنهم نصحوا للمسلمين وتجنّبوا الفتنة والخلاف جهدهم. فكان الحقّ على طلحة والزبير والمعتزلين أيضاً أن يمسكوا الأمر ما استمسك وأن يبايعوا لعليّ عن رضىً لا عن كره ، وأن يجتهدوا معه بعد ذلك في اصلاح ما أفسد الثائرون من جهة ، وفي وضع نظام مستقر دائم لاختيار الخليفة وتدبير الدولة بحيث لا يتعرض المسلمون لمثل ما تعرضوا له من الفتنة والمحنة أيام عثمان من جهة أخرى »(1) .

وقال العلائلي في كتابه تاريخ الحسين : « حملت عائشة راية الثورة من جديد ، كما حملت راية الأستفزاز على عثمان ، والتاريخ لا يحدثنا لماذا خرجت على عليّ ( عليه السلام ) ولم تر بعدُ من سياسته شيئاً ما ، ودعوى أنّها خرجت طلباً بدم عثمان توهيم ، لأنها لم تكن جاهلة بالشريعة الّتي تقضي.

( أ ) بترك الأمر إلى الحاكم المركزي ، فإن لم يكن فلوليّ القتيل ، وليست من أوليائه.

( ب ) بأخذ المباشر دون المسبّب. إذن فلم تخرج عائشة طلباً بدم عثمان ، بل لشيء آخر ، وهو ما لم يذكره التاريخ بصراحة »(2) .

وأكد في الحلقة الأولى من كتابه ( سمو المعنى في سمو الذات ) على أنّ إقامة الحدود من شأن السلطات لا الأفراد ولا الجماعات ، وإلا جرّ ذلك إلى

____________________

(1) عليّ وبنوه / 33 ـ 35.

(2) تاريخ الحسين / 267 ط العرفان.


فوضى التقاضي ، كما أن الشريعة جاءت ـ على ما ذكر ابن نجيم في الأشباه ـ بأن الحكم يضاف إلى المباشر لا المسبّب ـ على فرض أن عليّاً كان مسبّباً ـ.

فكان الّذي يؤخذ من الناس ، قتلة عثمان الذين باشروا القتل بالنفس وهم ثلاثة فقط ، لا أن يؤخذ بدمه أهل المدينة والكوفة والبصرة ومصر ، وبعبارة أخرى الأمة بأسرها ، ومن ثَم تظهر مغالطة الذين نادوا بدم عثمان وطالبوا به. وليست الشريعة جاهلية تقوم على الأنتقام والثأر اهـ »(1) .

أقول : ومن السذاجة أن نوافق على جميع ما مرّ في كلام طه حسين وجميع ما مرّ في كلام العلائلي ففي كلام كلّ منهما بعض فجوات لا تخفى على الناقد البصير. ومع ذلك فقد أتينا بهما كشاهدين غير متهمين على رموز الناكثين والقاسطين المطالبين بدم عثمان من الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

ونضيف إليهما أيضاً أمير الشعراء أحمد شوقي في كتابه ( دول العرب وعظماء الإسلام ) فقد خاطب الإمام بقوله :

يا جبلاً تأبى الجبال ما حمل

ماذا رمت عليك ربّة الجمل

أثأر عثمان الذي شجاها

أم غصةٌ لمْ ينتزع شجاها

قضية من دمه تبنيها

هبّت لها واستنفرت بنيها

ذلك فتق لم يكن بالبال

كيد النساء موهن الجبال

وإنّ أم المؤمنين لامرأة

وإن تك الطاهرة المبرأة

أخرجها من كنّها وسنّها

مالم يُزل طول المدى من ضغنها

وشرّ من عداك مَن تقيه

وملتقي السلاح تلتقيه(2)

____________________

(1) سمو المعنى في سمو الذات / 55 ط العرفان.

(2) دول العرب وعظماء الإسلام / 54 ط مصر 1933.


ومن الجدير بالذكر أنّ شوقي له وصف رائع لأولئك الذين أعلنوا الخلاف على الإمام سخطاً وحنقاً سواء الناكثين والقاسطين وحتى المارقين وهذا ما سنقرؤه في ( نُذُر الشر ) ولكنا في المقام ذكرنا قول شوقي في ربّة الجمل كما سمّاها.

ذكر الثعالبي في كتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب : « وكان يقال : لو كان أبناء أبي بكر كبناته لعزّ على عمر نيل الخلافة ، لأن عائشة صاحبة يوم الجمل ، وأسماء هي الّتي حضت ابنها عبد الله بن الزبير على صدق القتال والجد في المكافحة والتحصن بالكعبة »(1) .

نـُذُر الشر في بوادر الخلاف :

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في كتابه ( دول العرب وعظماء الإسلام ) مخاطباً الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

ما لك والناسَ أبا تراب

ليس الذئابُ لك بالأتراب

هم طّردوا الكليم كلّ مطردِ

وأتعبوا عصاه بالتمرّد

وزُيّن العجل لهم لما ذهب

وافتتنوا بالسامريّ والذهب

وبابن مريم وشوا ونمّوا

واحتشدوا لصَلبه وهمّوا

وأخرجوا محمداً من أرضه

وسرّحت ألسنهم في عِرضه(2)

ليتني أدري هل كان شوقي حسّان زمانه ، فنطق روح القدس على لسانه ، فشبّه الذين ناصبوا الإمام بالعدا ، ونازعوه الحكم بـ ( الذئاب )؟ فكانت التسمية

____________________

(1) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب / 294 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم ط دار نهضة مصر للطبع والنشر سنة 1384 هـ.

(2) دول العرب وعظماء الإسلام / 58.


عفوية ، أم أنّه كان قد فرغ لتوّه من قراءة فاحصة في تاريخهم المتقدم وقد مرت به كما مرّت بنا في مكاتباتهم تشبيه أنفسهم وتشبيه بعضهم بعضاً بالحيوانات المفترسة وغير المفترسة. ألم يشبّه مروان نفسه بالفهد؟ وبذلك شبهه معاوية أيضاً كما شبهه بالثعلب وبالقنفذ. كما شبّه آخرين بالحيوانات وأراد منهم أن يكونوا مثلها في طباعها. فشبّه الزبير بالثعبان وبالجمل الرديع ، وشبّه سعيد بن العاص بالحية الذكر ، وبالذرة ـ وهي صغار النمل ـ وشبه الآخرين بالدجاجه والرخمة والعُقاب والنعام والحرباء.

فهل رأى شوقي في الذين تواثبوا باعلان الخلاف على الإمام طباعَهم كطباع تلك الحيوانات ، وقارن بينهم وبينها فوجدهم أقرب إلى طباع الذئب ، وكأنه فرغ لتوّه من قراءة كتب الحيوان للجاحظ ومقارنته بحياة الحيوان للدميري ، فرأى طبائعهم تتفق وطبائع الذئاب ، في كثرة العواء ما دامت مُرسلة ، فإذا أُخذت وضُربت بالعصّي والسيوف حتى تتقطع أو تهشّم لم يُسمَع لها صوت إلى أن تموت؟

أو رأى أنّ ما قالوه العرب من أمثال في الذئب ينطبق الكثير منها على أولئك الناكثين والقاسطين والمارقين ، فإن العرب قالوا : « أغدر من ذئب ، وأختل ، وأخبث ، وأخون ، و وأعتى ، وأعوى وأظلم وأوقح ، وأعق ، وألأم من ذئب »(1) .

فرأى شوقي ان كثيراً من هذه الأمثال ينطبق عليهم لكثرة مواقف الخيانة فاستدعت منه الإدانة والإهانة. فكان التشبيه عن سابق تفكير وحسن تقدير ، فمنحهم الهوية عن روّية؟

____________________

(1) حياة الحيوان للدميري ـ الذئب.


ربّما هذا وربّما ذلك ، وربّما الجميع ، وما علينا إلاّ أن نقرأ ماذاحفظ لهم المؤرخون من مواقف ضارّة بالمسلمين تسبّبت في إراقة الدماء ، فباؤا بآثامها وجُرمها ، بحجة الطلب بدم عثمان ، ورفعوا شعار : يا لثارات عثمان ، وهم يعلمون أنهم هم كانوا قتلة عثمان تسبيباً وتحريضاً وتقاعساً عن نصرته ، فلكل واحد منهم دورٌ في تهيئة الجو لقتل عثمان. فما بالهم يعصبون قتله بمن هو أبرأ الناس من دمه ، ألم يقل مروان بن الحكم ـ وهو ألد أعداء الإمام ـ لعليّ بن الحسين : ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم ـ يعني عليّاً عن عثمان ـ فقال له ما بالكم تسبّونه على المنابر؟ قال : لا يستقيم الأمر إلاّ بذلك(1) .

ألم يقل عبيد الله بن عمر ـ وهو من أعداء الإمام ـ لمعاوية وقد أراده أن يلزم الإمام بدم عثمان في خطبته ، فلمّا قام خطيباً تكلم بحاجته فلمّا أنتهى إلى أمر عليّ أمسك ولم يقل شيئاً ، فلمّا نزل بعث إليه معاوية يا بن أخي انك بين عيّ وخيانة. فبعث إليه إني كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان ، وعرفت أن الناس محتملوها عني فتركتها(2) ؟

ألم يقل أخوه عبد الله بن عمر ـ وهو مثل أخيه عداوة ـ لمن سأله هل شرك عليّ في دم عثمان؟ فقال : لا والله ما علمت ذلك في سرّ ولا علانية ، ولكنه كان رأساً يُفزع إليه ، فألحق به ما لم يكن(3) ؟

____________________

(1) خلاصة نقض كتاب العثمانية / 14 ط الرحمانية جمع السندوبي ، سير أعلام النبلاء 2 / 613 ط دار الفكر ، وأنساب الأشراف 1ق 1 / 335 ، وشرح النهج في شرح المختار / 231 و 13 / 100 ط محققة و 3 / 255 ، وتاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام 3 / 99 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 139 ط القدسي.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 256 وله شعر في ذلك أدان فيه الزبير وطلحة وبرأ الإمام من دم عثمان.

(3) أنساب الأشراف 1ق 4 / 593 تح ـ احسان عباس.


ألم يقل أبو سعيد الخدري وقد سئل عن مقتل عثمان هل شهده أحد من أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ فقال : نعم شهده ثمانمائة(1) ؟ فما بالهم لا يطالَبون بدم عثمان.

ألم يقل سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وقد قال له شعبة بن الحجاج كيف لم يمنع أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عن عثمان؟ فقال : إنما قتله أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )(2) ؟ فما بالهم لا يطالبون جميعاً بدم عثمان؟

إنّ الذين عَصبوا قتل عثمان بالإمام هم الذئاب كما سماهم شوقي ، بل أغدر وأخبث وأعتى وأظلم وأوقح من ذئب.

المحرّضون على عثمان هم قتلته :

لقد مرت بنا بعض أساليب معاوية في اعلان المطالبة بدم عثمان ووقع شعار يا لثارات عثمان ، وهو الشعار الّذي استمال به أهل الشام ، ورفعته زمرة الناكثين في مكة ، وقاتلوا باسمه في حرب البصرة ، واستمر ذلك حتى أصبح قميص عثمان مضرب المثل لكلّ قضية توهم مغالطة الناس بغير الحقّ.

كما مرّت بنا في الجزء الثاني من شواهد إدانة الناكثين بدم عثمان في مواقف سنّمارية معه ، والآن إلى معرفة أدوار أهم أولئك في تلك القضية الشائكة الشائنة وبشهادة بعضهم على بعض ، وشهد شاهد من أهله ان المطالبين بدمه هم قتلة عثمان تسبيباً ، ولولا المسبّب لم ينجح السبب.

أوّلاً : طلحة والزبير وحسبنا شاهداً على إدانتهما ما رواه المدائني قال : « ولي عبد الملك علقمة بن صفوان ابن المحرّث مكة فشتم طلحة والزبير على

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 231.

(2) نفس المصدر.


المنبر قال لأبان ـ وهو ابن عثمان ـ : أرضيتك في المدهنَين في أمير المؤمنين عثمان؟

قال : لا والله ولكن سؤتني ، بحسبي بليّة أن يكونا شركاء في دمه(1) »(2) .

وروى البلاذري في أنسابه في حديث الزهري قال : « وكان الزبير وطلحة قد أستوليا على الأمر ومنع طلحة عثمان من أن يدخل عليه الماء العذب ، فأرسل عليّ إلى طلحة ـ وهو في أرض له على ميل من المدينة ـ أن دع هذا الرجل فليشرب من مائه ومن بئره ـ يعني بئر رومة ـ ولا تقتلوه من العطش ، فأبى فقال عليّ : لولا أني قد آليت يوم ذي خُشب أنّه إن لم يُطعني لا أرد عنه أحداً لأدخلت عليه الماء »(3) .

قال ابن سيرين : « لم يكن أحدٌ من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم أشد على عثمان من طلحة »(4) .

ومرّ مجمع بن جارية الأنصاري بطلحة فقال : « يا مجمع ما فعل صاحبك؟ قال : أظنكم والله قاتليه فقال طلحة : فإن قتل فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل »(5) ، قال جبير بن مطعم : « حُصر عثمان حتى كان لا يشرب من فقير في داره ، فدخلت على عليّ فقلت : أرضيت بهذا أن يُحصر ابن عمتك حتى والله ما يشرب إلاّ من فقير في داره؟ فقال : سبحان الله أوقد بلغوا به هذه الحال؟ قلت : نعم ، فعمد إلى روايا ماء فأدخلها إليه فسقاه »(6) .

____________________

(1) لقد غيّر ابن عبد ربه هذه الكلمة فجعلها ( حسبي أن يكونا بريئين من أمره ) العقد الفريد 4 / 304 تح ـ أحمد أمين ورفاقه ، والتغيير والتحوير حرفة علماء التبرير.

(2) أنساب الأشراف 1ق 4 / 618 تح ـ احسان عباس.

(3) نفس المصدر 4 / 582.

(4) نفس المصدر / 572.

(5) نفس المصدر / 65.

(6) نفس المصدر / 568.


وقال أبو مخنف وغيره : « واشتد عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار ومنع من أن يدخل إليه الماء حتى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك ، فأدخلت عليه رَوايا الماء »(1) .

ألم يرو عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة : « أن عثمان اخذ بيده فأسمعه كلام من على بابه ، فمنهم من يقول ما تنتظرون به ، ومنهم من يقول انظروا عسى أن يراجع قال فبينما نحن واقفون إذ مرّ طلحة فقال : أين ابن عديس؟ فقام إليه فناجاه طويلاً ثمّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه : لا تتركوا أحداً يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده.

فقال لي عثمان : هذا ما أمر به طلحة ، اللّهمّ اكفني طلحة فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألّبهم عليّ والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً وأن يسفك دمه »(2) .

ألم يقل سعيد بن العاص لمروان بن الحكم وهو ممّن نهضوا مع طلحة والزبير وعائشة ، وقد لقيه بذات عرق فقال : « أين تذهبون وثأركم على أعجاز الإبل ، اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم »(3) .

ألم يرو الطبري عن أبي حبيبة قال : « نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثمّ خرج من عنده وهو يسترجع ممّا يرى على الباب فقال له مروان : الآن تندم أنت أشعرته »(4) .

ألم يقل عبد الله بن خلف لطلحة والزبير : « إنّه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شيء إلاّ وقد بلغ أهل العراق ، وقد كان منكما في عثمان من

____________________

(1) نفس المصدر / 561.

(2) تاريخ الطبري 4 / 379 ط دار المعارف ، وتاريخ ابن الأثير 3 / 73 ط بولاق.

(3) تاريخ الطبري 3 / 472 ، وابن خلدون 2 / 155.

(4) تاريخ الطبري 4 / 377.


التخليب والتأليب ما لا يدفعه جحود ، ولا ينفعكما فيه عذر ، وأحسن الناس فيكما قولاً من أزال عنكما القتل ، وألزمكما الخذل ، وقد بايع الناس عليّاً بيعة عامة ، والناس لاقوكما غداً فما تقولان؟ فقال طلحة ننكر القتل ونقرّ بالخذل ، ولا ينفع الإقرار بالذنب إلاّ مع الندم عليه ، ولقد ندمنا على ما كان منّا.

وقال الزبير : بايعنا عليّاً والسيف على أعناقنا حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا ، لم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية ، ولا عمداً فيجب علينا القصاص.

فقال عبد الله بن خلف : عذركما أشدّ من ذنبكما »(1) . « وأعيذ عثمان أن يكون قتله عليّ »(2) .

وأخيراً يكفينا ما كانت تقوله بعضُ بنات أبي سفيان فيما رواه المدائني عن ابن جُعدبة قال : « مرّ عليّ بدار بعض آل أبي سفيان فسمع بعض بناته تضرب بدفّ وتقول :

ظلامة عثمان عند الزبير

وأوتر منه لنا طلحَة

هما سعّراهما بأجذالها

وكانا حقيقين بالفَضَحة

يهرّان سُرّاً هرير الكلاب

ولو أعلنا كانت النَبحة

فقال عليّ : قاتلها الله ما أعلمها بموضع ثارها »(3) .

وسيأتي في وقائع حرب البصرة شواهد كثيرة فانتظر ما قاله مروان حين رمى طلحة بسهم فأصابه : « والله لا أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم أبدا » ، وانتظر ما قاله محمّد بن طلحة للغلام الجهني ، إلى غير ذلك.

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 56 ط سنة 1328 بمصر.

(2) العقد الفريد 4 / 304.

(3) أنساب الأشراف 1ق 1 / 600 ، وتاريخ الفتوح لابن أعثم 2 / 272 وفيه أبيات اُخر.


ونقول باختصار ما قاله ابن الطقطقي في الفخري : « وأمّا طلحة فإنّه كان من أكبر المساعدين على عثمان وهذا ما تشهد به جميع التواريخ »(1) .

ثانياً : عائشة ، لقد مرت بنا جملة من أقوالها الّتي كانت تشهّر بها على عثمان ، في مواقفها مع الساخطين.

مثل قولها : « إنّ عثمان أبطل الحدود وتوعّد الشهود »(2) .

وقولها وقد أطلعت شعراً من شعر الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وثياباً من ثيابه ثمّ قالت : « ما أسرع ما تركتم سنّة نبيكم »(3) .

قال اليعقوبي في تاريخه : « وكان بين عثمان وعائشة منافرة وذلك إنه نقصها ممّا كان يعطيها عمر ، وصيرها أسوة غيرها من نساء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فإنّ عثمان يوماً ليخطب إذ دلّت عائشة قميص رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ونادات يا معشر المسلمين هذا جلباب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم يبل وقد أبلى عثمان سنته ، فقال عثمان : ربِ أصرف عني كيدّهن إن كيدّهن عظيم »(4) .

ولم ننس قولها لمروان بن الحكم وزيد بن ثابت حين أتياها مستعطفين لها على عثمان : « يا مروان وددت والله انه في غرارة من غرائري وأني طُوقت حمله حتى ألقيه في البحر »(5) .

ولا قولها لابن عباس وقد صادفها في الصلصل في طريق مكة : « فإياك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية »(6) .

____________________

(1) الفخري في الأدب السلطانية والدول الإسلامية لإبن الطثطقى / 85 ط دار صادر.

(2) أنساب الأشراف 1ق1 / 522.

(3) نفس المصدر / 580.

(4) تاريخ اليعقوبي 2 / 152 ط الغري 1358.

(5) أنساب الأشراف 1ق1 / 56.

(6) نفس المصدر / 565.


وكانت تؤلب عليه بمكة ، وهذا كله تقدم ذكره آنفاً.

لذلك ليس بغريب من طه حسين لو قال : « وكانت من أشد نساء النبيّ إنكاراً على عثمان »(1) ، ولا غرابة أيضاً في قول أحمد أمين : « وكانت من أكبر الشخصيات البارزة في محاربته وتأليبها الناس عليه عائشة بنت أبي بكر »(2) .

ولكنها تبدّل موقفها حين بلغها بيعة الناس للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ). وقد جاء في حديث الزهري : « وكانت عائشة تؤلب على عثمان فلمّا بلغها أمره وهي بمكة أمرت بقبتها فضربت في المسجد الحرام وقالت : إني أرى عثمان سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر »(3) .

قال : « وخرجت عائشة من مكة حتى نزلت بسرف فمر راكب فقالت : ما وراءك؟ قال : قتل عثمان ، فقالت : كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة وأصبعه تحسّ أيديهم. ثمّ جاء راكب آخر فقال : قتل عثمان وبايع الناس عليّاً فقالت : واعثماناه ، ورجعت إلى مكة فضربت لها قبتها في المسجد الحرام وقالت : يامعشر قريش إنّ عثمان قد قتل ، قتله عليّ بن أبي طالب ، والله لأنملة ـ أو قالت لليلة ـ من عثمان خير من عليّ الدهر كله »(4) .

وفي رواية ابن قتيبه والطبري : أنّها لمّا وصلت سرف ـ موضع قرب التنعيم ـ لقيها عبيد بن أم كلاب فقالت له : مهيم ـ أي ما وراءك؟ ـ قال : قتلوا عثمان. قالت بُعداً وسحقاً ، ثمّ قالت : ثمّ ماذا صنعوا؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم إلى خير مجاز ، اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب.

____________________

(1) عليّ وبنوه / 29 ط دار المعارف.

(2) يوم الإسلام / 75 ط دار المعارف.

(3) أنساب الأشراف 1ق1 / 583.

(4) نفس المصدر / 583 ـ 584.


فقالت : والله ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك. ردونّي ردونّي ، فانصرفت راجعة إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه ، فقال لها عبيد : ولم؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ ، وجرى بينهما كلام فاعتذرت إليه فقال لها عذر ضعيف يا أم المؤمنين ثمّ أنشأ يقول :

منكِ البداء ومنكِ الغَير

ومنكِ الرياح ومنكِ المطر

وأنتِ أمرتِ بقتل الإمام

وقلتِ لنا إنه قد كفر

فهبنا أطعناكِ في قتله

وقاتله عندنا من أمر(1)

وزاد الطبري في تاريخه قوله :

ولم يسقط السقف من فوقنا

ولم تنكسف شمسُنا والقمر

وقد بايع الناس ذا ندرُءٍ

يزيل الشبا ويقيم الصَعر

ويلبس للحرب أثوابها

ومامن وفى مثل من قد غدر(2)

ولهذا التبدّل المفاجيء في موقفها من عثمان نقدها الأولون كما نقدها الباحثون المحدّثون وقد مر بنا كلام طه حسين وعبد الله العلائلي ولم يقصر عنهما أحمد شوقي في شعره ، وقال عبد الوهاب النجارفي كتابه تاريخ الخلفاء بعد ما ذكر بيتين من أبيات ابن أم كلاب قال : « فهؤلاء الرهط لم يقوموا للطلب بدم عثمان في الواقع ، ولكن ـ كلّ إلى حيّزه يجذب ـ وإذا صح ان طلحة كان نادماً على ما كان منه في حق عثمان فليس السبيل إلى تكفير خطيئته ان يقاتل عليّاً ، بل كان يصبر حتى تجتمع كلمة الأمة ثمّ يعمد إلى أصحاب رسول الله

____________________

(1) الإمامة والسياسية 1 / 48 ط مصر 1328 ، تاريخ الطبري 4 / 459 دار المعارف.

(2) تاريخ الطبري 4 / 459 دار المعارف.


ويدعوهم إلى مؤتمر يديرون الرأي فيه كما يجب أن يصار إليه في امر القتلة ورؤوس المؤلبين »(1) .

وقال أيضاً : « فإنّ طلحة والزبير وعائشة خرجوا ـ كما يقولون ـ للمطالبة بدم عثمان ولا نرى كيف فهموا أن ذلك ممكن من غير أن يكون للمسلمين إمام يرجع إليه الأمر في تحقيق هذه القضية وإقامة الحد على من يستحقه؟

وإذا كانوا لا يرون لإمامة عليّ صحة فقد كان المفهوم دعوة أهل الحل والعقد من كبّار المسلمين أوّلاً للنظر في الخلافة واعطائها لمن يرضاه الناس ثمّ ينظرون بعد ذلك في إقامة الحدّ ولا ندري كيف غاب كلّ ذلك عنهم مع سابقتهم وفضلهم ، ولكنهم يقولون : إنّ الفتن إذا أقبلت تشابهت ، وإذا أدبرت تبيّنت »(2) .

ولقد كانت تعترف هي بأنّها ممّن ألّبت على عثمان ، ألم تقل : « ليتني كنت نسياً منسياً قبل أمر عثمان فوالله ما أحببت شيئاً إلاّ ومُنيت بمثله ، حتى لو أحببتُ أن يُقتل لقتلت »(3) .

ألم يقل لها عمرو بن العاص : « لوددت أنّكِ كنتِ قُتلتِ يوم الجمل ، فقالت : ولِمَ لا أباً لك؟ فقال : كنتِ تموتين بأجلك وتدخلين الجنة ، ونجعلكِ أكبر التشنيع على عليّ »(4) . ولئن كان ابن العاص لم يقل لها : ونصيب بذلك ثأر عثمان منك ، أو قال ذلك ولكن الرواة ابتلعوه.

ونجد المغيرة بن شعبة صارحها بذلك فيما رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد قال : « انّ المغيرة بن شعبة دخل على عائشة فقالت له : يا أبا عبد الله لو

____________________

(1) تاريخ الخلفاء / 400 ط السلفية.

(2) نفس المصدر / 412.

(3) أنساب الأشراف 5 / 101.

(4) الكامل للمبرّد 1 / 267 ط دار نهضة مصر.


رأيتني يوم الجمل قد أنفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي ، قال لها المغيرة : وددت والله أن بعضها كان قتلك ، قالت : يرحمك الله ولِمَ تقول هذا؟ قال : لعلها تكون كفارة في سعيك على عثمان.

قالت : أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله أني أردت قتله ، ولكن علم الله أني أردت أن يقاتل فقوتلت ، وأردتُ أن يُرمى فرُميت ، وأردتُ أن يُوصى فعُصيت ، ولو علم مني أنّي أردت قتلَه لقُتلت »(1) .

هذه اعترافات خطيرة يجب على أنصار عثمان من الكتاب المحدثين أن يقرءوها بإمعان!!

وأخيراً كانت عائشة كما قال عمر فرّوخ : ولم تبرز عائشة في أيام أبي بكر وعمر على مسرح السياسة ، ولكن لمّا تولى عثمان ـ وكان لينا مستنيما إلى قومه بني أمية ـ رجت أن تولي مكانه اخاها محمد بن ابي بكر ، ولذلك يُروى أنّها كانت تقول : اقتلوا نعثلاً(2) فقد كفر ، ثمّ قتل عثمان

ولمّا انتخب عليّ خليفة وقضت عائشة في صف الذين كانوا يطالبون عليّاً بدم عثمان مرّة ، وبالاقتصاص من الّذين قتلوا عثمان مرّة ثانية ، ولا ريب أنّ عائشة هي الّتي أثارت على الإمام عليّ حرب الجمل ، وأفسدت بذلك خلافته السياسية إفساداً كاملاً(3) .

وستأتي إدانة معاوية وبني أمية بدم عثمان فيما نستقبل من تاريخ التآمر والمتآمرين بدءاً من حرب الجمل وإلى صفين وما بعد صفين. فقد أجاب أبو أيوب الأنصاري معاوية على كتاب منه إليه جاء فيه : « انّ الّذي تربّص بعثمان

____________________

(1) العقد الفريد 4 / 296 ط محققة.

(2) صيغة تحقير لعثمان.

(3) تاريخ الفكر العربي الى ايام ابن خلدون / 190ط دار العلم للملايين بيروت.


وثبّط أهل الشام عن نصرته لأنت »(1) ، وكتب ابن عباس في جواب معاوية في أيام صفين : « فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه وبيني وبينك في ذلك ابن عمك واخو عثمان الوليد بن عُقبة »(2) ، وقال له ولعمرو بن العاص في قتل عثمان : « وإنّ أحق الناس أن لا يتكلم في قتل عثمان لأنتما ، أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما صنع ، حتى إذا حُصر طلب نصرك فأبطأت عنه وتثاقلت وأحببت قتله ، وتربّصت لتنال ما نلت.

وأمّا أنت يا عمرو فأضرمت المدينة عليه ناراً ثمّ هربت إلى فلسطين ، فأقبلت تحرّض عليه الوارد والصادر ، فلمّا بلغك قتله ، دعتك عداوة عليّ إلى أن لحقت بمعاوية ، فبعتَ دينك منه بمصر فقال معاوية : حسبك يرحمك الله ، عرّضني لك ونفسه فلا جُزي خيراً »(3) .

وجاء في كتاب من الإمام إلى معاوية : « أمّا بعد فوالله ما قتل ابن عمك غيرك »(4) .

ولنترك أقوال الإمام ومن والاه ، وهلمّ بنا إلى ما دار بين عثمان وبين معاوية من مكاتبات : استنصار من عثمان وتربّص معاوية به :

روى الطبري في تاريخه قال : « فلمّا رأى عثمان ما قد نزل به كتب إلى معاوية : بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة ، فابعث الي مَن قبلك من مقاتلة أهل الشام على كلّ صعب وذلول.

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 95 ط سنة 1328 بمصر.

(2) نفس المصدر 1 / 98.

(3) أنساب الأشراف 1ق4 / 95 تح ـ احسان عباس ، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 238 ، وسير اعلام النبلاء 3 / 49.

(4) العقد الفريد 4 / 334.


فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به ، وكره اظهار مخالفة أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وقد علم اجتماعهم فلمّا أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد بن كريز وإلى أهل الشام يستنفرهم و فان عندكم غياث فالعجل العجل ، فإنّ القوم معاجلي »(1) .

وروى الذهبي نقلاً عن محمّد بن سعد ـ صاحب الطبقات ـ بأسانيده عن ابن عباس وابن الزبير ومسور بن مخرمة ، قالوا : « بعث عثمان المسوّر بن مخرمة إلى معاوية يعلمه انّه محصور ، ويأمره أنّ يجهز إليه جيشاً سريعاً ، فلمّا قدم على معاوية ، ركب معاوية لوقته هو ومسلم بن عقبة وابن حديج فساروا من دمشق إلى عثمان عشراً ، فدخل معاوية نصف الليل ، وقبّل رأس عثمان فقال أين الجيش؟ قال : ما جئت إلاّ في ثلاثة رهط ، فقال عثمان : لا وصل الله رحمك ، ولا أعزّ نصرك ، ولا جزاك خيراً فوالله لا أقتل إلاّ فيك ، ولا ينقم عليَّ إلاّ من أجلك.

فقال : بأبي أنت وأمي ، لو بعثت إليك جيشاً فسمعوا به عاجلوك فقتلوك ، ولكن معي نجائب فاخرج معي ، فما يشعر بي أحد ، فوالله ما هي إلاّ ثلاث حتى نرى معالم الشام. فقال : بئس ما أشرت به ، وأبى أن يجيبه ، فأسرع معاوية راجعاً ، وورد المسوّر يريد المدينة بذي المروة راجعاً ، وقدم على عثمان وهو ذامّ لمعاوية غير عاذر له.

فلمّا كان في حصره الآخر ، بعث المسور ثانياً إلى معاوية لينجده فقال : إنّ عثمان أحسن الله به ، ثمّ غيّر فغيّر الله به ، فشددتُ عليه ، فقال : تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حُنجرته قلتم : اذهب فادفع عنه الموت ، وليس ذلك بيدي ، ثمّ أنزلني في مشربة على رأسه ، فما دخل عليّ داخل حتى قتل عثمان »(2) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 368 ط دار المعارف.

(2) تاريخ الإسلام 2 / 133 ط القدسي ، وسير أعلام النبلاء 2 / 606.


وروى أيضاً عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال : « أقام عبد الله بن سعد ـ وهو ابن أبي سرح أخو عثمان لأمه ـ بعسقلان بعد قتل عثمان ، وكره ان يكون مع معاوية وقال : لم أكن لأجامع رجلاً قد عرفته إن كان ليهوى قتل عثمان »(1) .

وقفة عابرة :

ولنا وقفة عابرة مع استاذ من اساتذة التاريخ الإسلامي هو الدكتور أحمد شلبي فهو إذ يسوق نقاط النقمة على عثمان من قبل الثوّار حتى حاصروه. قال متسائلاً : « ما موقف كبار المسلمين من الدفاع عن عثمان؟ وما موقف بني أمية من ذلك؟ ثمّ أجاب فقال : يروي لنا التاريخ أن بعض كبّار المسلمين هجروا المدينة في الفتنة ، وان بعضهم اعتزل الفتنة خوفاً منها ولزم داره ، ولكن كثيرين من شباب المسلمين وقفوا بباب عثمان يحرسونه ويذودون عنه ، وكان في مقدمة هؤلاء الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير.

أمّا بنو أمية فإنّ موقفهم يحيط به بعض الغموض ، لقد كان معاوية يدرك ما سوف ينزل بابن عمه الخليفة ، فعرض معاوية على عثمان أن يذهب معه للشام فامتنع فعرض عليه أن يرسل له حرساً فأبى ثمّ تأزمت الأمور بعد ذلك ، ولكن معاوية لم يسرع لنجدة الخليفة وقتل عثمان قبل أن تصل للمدينة القوة الصغيرة الّتي أرسلها معاوية ، فعادت أدراجها من منتصف الطريق ، ويروى أن عامر بن وائلة الصحابي دخل على معاوية إبّان خلافته فقال له معاوية : ألست من قتلة عثمان؟ فقال عامر : لا ولكني ممّن حضره فلم ينصره ثمّ سأل عامر معاوية :

____________________

(1) سير أعلام النبلاء 4 / 227 ط دار الفكر ، وقارن المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 254 ، ومختصر تاريخ دمشق 11 / 231.


وما منعك أنت من نصره ومعك اهل الشام؟ فأجاب معاوية : أليس طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك عامر وقال : أنت وعثمان كما قال الشاعر :

لا ألفينك بعد الموت تندبني

وفي حياتي ما زودتني زادي(1)

ثمّ ساق الدكتور شلبي ، ما سبق أن ذكرته عن أبي أيوب ثمّ قال : وأوضح تعليل أعتقده لموقف بني أمية أنهم ظنوا أن تدخلهم سينقل الخلاف من دائرة إلى دائرة ، سينقله من خلاف بين المسلمين وبين خليفة المسلمين إلى خلاف بين المسلمين وبني أمية ، ولم يكن بنو أمية بطبيعة الحال يريدون ذلك »(2) .

أقول : وهذا تعليل عليل ، فإنّ الخلاف الّذي بين المسلمين وبين عثمان إنّما كان من أقوى أسبابه هم بنو أمية واستحواذهم على عثمان ومقدّرات المسلمين.

ولمّا حوصر عثمان لم يتركه مَن كان منهم في المدينة معه ، فقد روى التاريخ أنّ مروان كان من المدافعين عنه وأنه أصيب بضربة على رقبته من خلفه. وفي الطبري : « وخرج عليهم ـ الثوار ـ مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة ، وخرج سعيد بن العاص في عصابة وخرج المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة في عصابة فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وكان الّذي حداهم على القتال أنّه بلغهم أن مدداً من اهل البصرة قد نزلوا صراراً ـ وهي من المدينة على ليلة ـ وأنّ أهل الشام قد توجهوا مقبلين »(3) .

____________________

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 200.

(2) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية 1 / 329 ط الخامسة سنة 1970.

(3) تاريخ الطبري 4 / 382.


فها هم وقفوا مع عثمان مناصرين له من دون أيّ خشية أو خوف. ولما قتل عثمان لم يخنسوا في جحورهم ، بل بدأوا بالتحرك والتآمر ضد حكومة الإمام بكلّ صلف وقد مرّت بنا مكاتبات معاوية مع رجالاتهم ومع طلحة والزبير يؤلّبهم على التمرّد على الإمام ، وقرأنا جواباتهم واستجاباتهم لما دعاهم إليه معاوية ، فأين الغُموض في مواقفهم خصوصاً معاوية من قبل مقتل عثمان ومن بعد ما قتل ، وإنّما هو التربص به ليقتل فينتهزوها غنيمة باسم المطالبة بدمه.

قال طه حسين : « ثمّ جاءه ـ معاوية ـ كتاب عثمان يستغيثه كما استغاث غيره من العمّال ، فأبطأ عن نصره كما أبطأوا ، وظل متربّصاً حتى قتل الشيخ ، وهنالك نهض بدمه ، وكان خليقاً به لو أراد أن يحقن هذا الدم قبل أن يُراق. ولكنه أقام في الشام مُطرقاً اطراق الشجاع ينتظر الفرصة المواتية ، وقد واتته الفرصة فاهتبلها غير مقصّر في اهتبالها »(1) .

وفي نظري أنّ سعيد الأفغاني أكثر صراحة من شلبي ، حيث يقول : « وأمّا بنو أمية فقد أصبحوا مغلوبين من حين قوي أمر الثائرين ، فلمّا وقعت الواقعة بعثمان ثمّ بويع عليّ وهم أشد مايكونون كراهة لولايته ، اختفوا ، وجعلوا يتسللون هُرّاباً إلى مكة ، استعداداً لإحباط أمر عليّ أو اللحاق بمعاوية في الشام ، ومعهم الرجال والأموال ، إذ كان أغلبهم ولاة لعثمان ، فلمّا تركوا ولاياتهم تحمّلوا بما استطاعوا أخذه من الأموال والظهر والسلاح »(2) .

وإليك مزيد بيان عن مواقف الأمويين مع المتآمرين :

____________________

(1) عليّ وبنوه / 62.

(2) عائشة والسياسة / 71 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر.


تآمر الناكثين مع الحاقدين :

ذكر ابن أبي الحديد : « قال روى شيخنا أبو عثمان قال أرسل طلحة والزبير إلى عليّ ( عليه السلام ) قبل خروجهما إلى مكة مع محمّد بن طلحة وقالا : لا تقل له يا أمير المؤمنين ، ولكن قل يا أبا الحسن لقد فال(1) فيك رأينا ، وخاب ظننّا ، أصلحنا لك الأمر ، ووطّدنا لك الإمرة ، وأجلبنا على عثمان حتى قتل ، فلمّا طلبك الناس لأمرهم جئناك وأسرعنا إليك وبايعناك ، وقدنا إليك أعناق العرب ، ووطىء المهاجرون والأنصار أعقابنا في بيعتك ، حتى إذا ملكت عنانك استبددتَ برأيك عنا ، ورفضتنا رفض التريكة ، وأذللتنا إذالة الإماء ، وملكت أمرك الاشتر وحكيم ابن جبلة وغيرهما من الأعراب ونُزّاع الأمصار ، فكنّا فيما رجوناه منك ، وأمّلناه من ناحيتك كما قال الأوّل :

فكنت كمهريق الّذي في سقائه

لرقراق آلٍ فوق رابية صلدِ

فلمّا جاء محمّد بن طلحة أبلغه ذاك ، فقال : إذهب إليهما فقل لهما فما الّذي يرضيكما؟ فذهب وجاءه فقال : إنّهما يقولان : ولّ أحدنا البصرة والآخر الكوفة. فقال : لاها الله ، إذن يحلم الأديم ويستشري الفساد وتنتقض عليَّ البلاد من أقطارها ، والله إنّي لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين ، اذهب إليهما فقل : أيها الشيخان احذرا من سطوة الله ونقمته ، ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيدا ، وقد سمعتما قول الله تعالى :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (2) .

____________________

(1) فال الرأي خاب وأخطأ ولم يصب.

(2) القصص / 83.


فقام محمّد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه ، وتأخرّا عنه أياماً ثمّ جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة ، فأذن لهما بعد أن أحلفهما أن لا ينقضا بيعته ، ولا يغدرا به ، ولا يشقّا عصا المسلمين ولا يوقعا الفُرقة بينهم ، وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة ، فحلفا على ذلك كله.

ثمّ خرجا ففعلا ما فعلا »(1) . هذا ما ذكره ابن أبي الحديد عن شيخه أبي عثمان وقد كشف حديثه عن سريرة الشيخين وطمعهما في الولاية.

وسبق بنا كلمة طلحة : « ما لنا من هذا الأمر إلاّ كحسّة أنف الكلب »(2) ! ولا عجب في ذلك ، ولكن الأعجب!! محاولة اغتيال الإمام من قبل الزبير ، روى الطبري بسنده عن أبي حبيبة مولى الزبير قال : « لمّا قتل الناس عثمان وبايعوا عليّاً جاء عليّ إلى الزبير فاستأذن عليه ، فأعلمته به ، فسلّ السيف ووضعه تحت فراشه ثمّ قال : ائذن له ، فأذنت له ، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف ثمّ خرج ، فقال الزبير : لقد دخل لأمر ما قضاه ، قم مقامه وانظر هل ترى من السيف شيئاً فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته فقال : ذاك أعجل الرجل »(3) .

قالت أم راشد : « سمعت طلحة والزبير يقول أحدهما لصاحبه : بايعته أيدينا ولم تبايعه قلوبنا ، فقلت لعليّ فقال عليّ ( عليه السلام ) :( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (4) »(5) .

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 6 ط دار الكتب.

(2) تاريخ الطبري 4 / 429.

(3) تاريخ الطبري 4 / 432 ط دار المعارف ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 7.

(4) الفتح / 10.

(5) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 / 441.


وروى البلاذري بسنده عن أبي مخنف : « انّ طلحة والزبير استأذنا عليّاً في العمرة فقال : لعلكما تريدان الشام أو العراق؟ فقالا : اللّهمّ غفراً إنّما نوينا العمرة ، فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان : لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة ، وما بايعناه إلاّ مكرَهين تحت السيف.

فبلغ ذلك عليّاً فقال : أخذهما إلى أقصى دار وأحرّ نار »(1) .

قال الشيخ المفيد في كتاب الجمل : « فلمّا خرجا من عنده لقيهما ابن عباس فقال لهما : أذن لكما أمير المؤمنين؟ قالا : نعم.

فدخل على أمير المؤمنين فابتدأه ( عليه السلام ) فقال : يا بن عباس أعندك الخبر؟ قال : قد رأيت طلحة والزبير فقال ( عليه السلام ) : إنّهما استأذناني في العمرة فأذنت لهما بعد أن استوثقت منهما بالأيمان أن لا يغدرا ولا ينكثا ولا يحدثا فساداً ، والله يا بن عباس وإنّي أعلم أنّهما ما قصدا إلاّ الفتنة فكأنّي بهما وقد صارا إلى مكة ليسعيا إلى حربي ، فان يعلى بن منية الخائن الفاجر قد حمل أموال العراق وفارس لينفق ذلك وسيفسدان هذان الرجلان عليَّ أمري ، ويسفكان دماء شيعتي وانصاري.

قال عبد الله بن عباس : إذا كان ذلك عندك يا أمير المؤمنين معلوماً فلم أذنت لهما؟ وهلاّ حبستهما وأوثقتهما بالحديد وكفيت المسلمين شرّهما.

فقال له ( عليه السلام ) : يا بن عباس أتأمرني بالظلم أبدأ وبالسيئة قبل الحسنة ، وأعاقب على الظنة والتهمة ، وأواخذ بالفعل قبل كونه ، كلا والله لا عدلت عما أخذ الله عليَّ من الحكم والعدل ، ولا ابتدئ بالفصل. يا بن عباس أنّني أذنت لهما وأعرف ما يكون منهما ، ولكني استظهرت بالله عليهما ، والله لأقتلنّهما ولأخيبنّ

____________________

(1) أنساب الأشراف 2 / 222 تح ـ المحمودي.


ظنهما ، ولا يلقيان من الأمر مُناهما ، وان الله يأخذهما بظلمهما لي ونكثهما بيعتي وبغيهما عليَّ »(1) .

قال طه حسين : « ومهما يكن من شيء فقد خرجا إلى مكة عن رضىً أو عن كره من عليّ : وجعل عليّ يتجهز لحرب أهل الشام يريد أن يغير عليهم قبل أن يغيروا عليه. وانّه لفي ذلك ، إذ جاءته من مكة أنباء مقلقة غيّرت رأيه وخطته ومصير أمره كلّه تغييراً تاماً »(2) .

وقال : « ومنذ ذلك اليوم أصبحت مكة مثابة لكلّ من كان ينكر إمامة عليّ من غير أهل الشام »(3) .

قال الشيخ المفيد : « ولحق إلى مكة جماعة من منافقي قريش ، وصار إليها ـ عائشة ـ عمال عثمان الذين هربوا من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولحق بها عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبيد الله أخوه ، ومروان بن الحكم بن أبي العاص ، وأولاد عثمان وعبيده وخاصته من بني أمية ، وانحازوا اليهما وجعلوها الملجأ لهم فيما دبّروه من كيد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وجعل يأتيها كلّ من تحيّز عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حسداً له ومقتاً وشنآناً له ، أو خوفاً من استيفاء الحقوق عليه ، أو لاثارة فتنة او إدغال في الملّة. وهي ـ عائشة ـ على ملتها وسُنتّها تنعى إليهم عثمان و وتحث على فراق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والإجتماع على خلعه »(4) .

____________________

(1) كتاب الجمل للشيخ المفيد / 73 ط الحيدرية سنة 1368 هـ.

(2) عليّ وبنوه / 27.

(3) نفس المصدر / 30.

(4) كتاب الجمل للشيخ المفيد / 228 ط دار المفيد.


قال ابن أعثم : وتكلّمت بنو أمية ورفعت رؤوسها عند قدوم طلحة والزبير على عائشة ، ولم يزالوا يحرضوها على الطلب بدم عثمان.

قال :وكتب الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط إلى من كان بالمدينة من بني هاشم أبياتاً :

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم

و لا تنهبوه لا تحلّ مناهبه

فإن لم تردوه عليه فإنه

سواء علينا قاتلوه وسالبه

بني هاشم انا وما كان بيننا

وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه

غدرتم بعثمان بن عفان ظلةٌ

كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه(1)

قال ابن أبي الحديد : فأجابه عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب بأبيات طويلة من جملتها :

فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم

أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه

وشبهته كسرى وقد كان مثله

شبيهاً بكسرى هديه وضرائبه(2)

قال الزهري : « ثمّ ظهرا ـ يعني طلحة والزبير ـ إلى مكة بعد قتل عثمان ( رضي الله عنه ) بأربعة أشهر وابن عامر بها يجرّ الدنيا ، وقدم يعلى بني أمية معه بمال كثير ، وزيادة على أربعمائة بعير ، فاجتمعوا في بيت عائشة ( رضي الله عنها ) فأداروا الرأي

____________________

(1) الفتوح 2 / 276 ط دار الندوة.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد / 90 ، وقال ابن أبي الحديد : أي كان كافراً كما كان كسرى كافراً ، وكان المنصور إذا أنشد هذا البيت يقول : لعن الله الوليد هو الّذي فرّق بين بني عبد مناف بهذا الشعر ، قارن أنساب الأشراف 1ق4 / 598 ، والفتوح لابن أعثم 2 / 276 ـ 277 ، والأغاني 5 / 149 ـ 151 ، والنصرة في حرب البصرة أو الجمل للمفيد / 96 ط الثانية بالحيدرية سنة 1368.


فقالوا : نسير إلى عليّ فنقاتله ، فقال بعضهم : ليس لكم طاقة بأهل المدينة ، ولكنّا نسير حتى ندخل البصرة أو الكوفة ، ولطلحة بالكوفة شيعة وهوى ، وللزبير بالبصرة هوىً ومعونة »(1) .

وروى الطبري حديث الأئتمار : « قالت عائشة : فائتمروا أمراً ثمّ انهضوا إلى هذه الغوغاء وتمثلت :

ولو أنّ قومي طاوعتني سراتهم

لأنقذتُهم من الحبال أو الخبل(2)

وقال القوم فيما ائتمروا به : الشام ، فقال عبد الله بن عامر : قد كفاكم الشام من يستمر في حوزته؟

فقال له طلحة والزبير : فأين؟ قال : البصرة فإنّ لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى ، قالوا : قبحك الله؟ فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب ، هلاّ أقمت كما أقام معاوية فنكتفي بك ، ونأتي الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهبَ ، فلم يجدوا عنده جواباً مقبولاً ، حتى إذا استقام لهم الرأي على البصرة

فنادى المنادي : انّ أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة ، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلّين والطلب بثأر عثمان ومن لم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز ، فهذا جهاز وهذه نفقة ، فحملوا ستمائة رجل على

____________________

(1) الطبري 4 / 452 ، قال ابن قتيبة في غريب الحديث 2 / 156 في حديث الزبير انه يسأل عائشة ( رضي الله عنها ) بالخروج إلى البصرة فأبت عليه فما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته.

(2) هكذا تمثلت السيدة وهي الّتي قيل عنها وعن معرفتها بالشعر كثيراً ، ولكن يبدو غلبة سورة الغضب عليها أنستها عجز البيت فأتمته من عندها ، والبيت الشاهد رواه الطبري وابن الأثير وغيرهما أن الإمام سبق أن تمثل به عندما أتاه الثوار فأبى عليهم وقال :

ولو أن قومي طاوعتني سراتهم

أمرتُهم أمراً يديخ الأعاديا

أنظر تاريخ الطبري 4 / 433 ط دار المعارف ، وتاريخ ابن الأثير 3 / 83 ط بولاق.


ستمائة ناقة سوى من كان له مركب ـ وكانوا جميعاً ألفاً ـ وتجهزوا بالمال ، ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين »(1) .

وذكر الطبري في تاريخه : « أنّ حفصة أرادت الخروج مع عائشة فأتاها عبد الله بن عمر فطلب اليها أن تقعد فقعدت.

وبعثت أم الفضل بنت الحارث رجلاً من جُهينة يدعى ظفراً ، فاستأجرته على أن يطوي ويأتي عليّاً بكتابها ، فقدم على عليّ بكتاب أم الفضل بالخبر »(2) .

وروى الطبري بسنده عن علقمة بن وقّاص الليثي قال : « لمّا خرج طلحة والزبير وعائشة عرضوا الناس بذات عرق ، واستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فردوهما »(3) .

وروى أيضاً عن عتبة بن المغيرة بن الأخنس قال : « لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق ، فقال : أين تذهبون وثأركم على أعجاز الإبل ، اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم ، قالوا : بل نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعاً.

فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال : إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني ، قالا : لأحدنا أيّنا اختاره الناس. قال : بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه ، قالا : ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم؟ قال : أفلا أراني أسعى لأخرجها من بني عبد مناف. فرجع ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد ، فقال المغيرة بن شعبة : الرأي ما رأى سعيد ، مَن كان ها هنا من ثقيف فليرجع ، فرجع »(4) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 450 ـ 451.

(2) نفس المصدر 4 / 451.

(3) نفس المصدر.

(4) تاريخ الطبري 4 / 453.


وفي رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة قال : « ولمّا نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس من أرض خيبر أقبل عليهم سعيد بن العاص على نجيب له فأشرف على الناس ومعه المغيرة بن شعبة ، فنزل وتوكأ على قوس له سوداء فأتى عائشة فقال لها : أين تريدين يا أم المؤمنين؟ قالت : أريد البصرة ، قال : وما تصنعين بالبصرة قالت : أطلب بدم عثمان ، قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك ثمّ أقبل على مروان فقال له : وأين تريد أيضاً؟ قال : البصرة ، قال : وما تصنع بها؟ قال : اطلب قتلة عثمان ، قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك إن هذين الرجلين قتلا عثمان ( طلحة والزبير ) وهما يريدان الأمر لأنفسهما فلمّا غلبا عليه قالا : نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة.

ثمّ قال المغيرة بن شعبة. أيّها الناس إن كنتم إنّما خرجتم مع أمكم فارجعوا بها خيراً لكم ، وان كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان ، وإن كنتم نقمتم على عليّ شيئاً فبيّنوا ما نقمتم عليه ، أنشدكم الله فتنتين في عام واحد! وأبوا إلاّ أن يمضوا بالناس ، فلحق سعيد بن العاص باليمن ولحق المغيرة بالطائف فلم يشهدا شيئاً من حروب الجمل ولا صفين اهـ »(1) .

ومضى القوم ومعهم أبان بن عثمان والوليد بن عثمان ، فاختلفوا في الطريق فقالوا : من ندعو لهذا الأمر؟ فخلا الزبير بابنه عبد الله وخلا طلحة بعلقمة بن وقّاص الليثي وكان يؤثره على ولده ، فقال أحدهما أئت الشام وقال الآخر : ائت العراق وحاور كلّ واحد منهما صاحبه ثمّ اتفقا على البصرة.

كما اختلفا على إمامة الصلاة(2) وقول قائلهم : « والله لو ظفرنا لافتتنّا ، ما خلّى الزبير بين طلحة والأمر ، ولا خلّى طلحة بين الزبير والأمر ».

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 57 سنة 1328 بمصر.

(2) أنظر تاريخ الطبري 4 / 454 ـ 455 ط دار المعارف.


وإلى هنا فلنقف عن سرد الأحداث ، وننهي قراءتنا في هذه المرحلة من بعد أن بيّنا للقارئ ما كان يهمّنا بيانه من مسيرة المتآمرين والحاقدين.

والآن فعودة الى صوب الناصحين المؤمنين ، فلنقرأ :

أم سلمة من الناصحين :

لاشك إنّ إعلان التمرّد على خلافة الإمام الشرعية أحدث إرتباكاً عند المسلمين المعتمرين يومئذ بمكة ، وكان اختلاف مواقف أمهات المؤمنين اللائي كنّ قد اعتمرن عمرة المحرّم وبقين بمكة قد زاد المسلمين حيرة. فعائشة تجهزّت لتقود جيشاً باسم الطلب بدم عثمان. وراودت حفصة على المشاركة في ذلك فوافقت وكادت أن تخرج مع عائشة لولا منع أخيها عبد الله لها من ذلك كما مرّ. وطمعت عائشة في إغراء أم سلمة أيضاً ـ وكانت معتمرة بمكة ـ فلم تفلح في إغرائها وكان لها موقف على خلاف موقف عائشة.

قال أبو مخنف : « جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعُها على الخروج للطلب بدم عثمان ، فقالت لها : يا بنت أبي أمية ، أنتِ أوّل مهاجرة من أزواج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأنتِ كبيرة أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقسم لنا من بيتكِ ، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلكِ. فقالت أم سلمة : لأمر ما قلتِ هذه المقالة ، فقالت عائشة : إنّ عبد الله أخبرني أنّ القوم استتابوا عثمان ، فلمّا تاب قتلوه صائماً في شهر حرام ، وقد عزمتٌ على الخروج إلى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة ، فأخرجي معنا ، لعلّ الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا.

فقالت أم سلمة : إنّكِ كنتِ بالأمس تحرّضين على عثمان ، وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلاّ نعثلاً ، وإنكِ لتعرفين منزلة عليّ بن أبي طالب عند رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، أفأذكركِ؟ قالت : نعم ، قالت : أتذكرين يوم أقبل ( عليه السلام )


ونحن معه ، حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال ، خلا بعليّ يناجيه ، فأطال ، فأردتِ أن تهجمين عليهما ، فنهيتكِ فعصيتِني فهجمت عليهما ، فما لبثتِ أن رجعتِ باكية ، فقلتُ : ما شأنكِ؟ فقلتِ : إنّي هجمت عليهما وهما يتناجيان فقلتُ لعليّ : ليس لي من رسول الله إلاّ يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي؟

فأقبل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليَّ وهو غضبان محمرّ الوجه ، فقال : ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحدٌ من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلاّ وهو خارج من الإيمان ، فرجعتِ نادمة ساقطة قالت عائشة : نعم أذكر ذلك.

قالت : وأذكّرك أيضاً ، كنت أنا وأنتِ مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنتِ تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيساً ـ وكان الحيس يعجبه ـ فرفع رأسه وقال : ( يا ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأزبب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط ) فرفعتُ يدي من الحيس ، فقلت : أعوذ بالله وبرسوله من ذلك ، ثمّ ضرب على ظهركِ وقال : ( إياكِ أن تكونيها يا بنت أبي أميةٌ ، إياكِ أن تكونيها يا حميراء ) أمّا أنا فقد أنذرتكِ.

قالت عائشة : نعم أذكر هذا.

قالت : وأذكّرك أيضاً ، كنت أنا وأنتِ مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في سفرٍ له ، وكان عليّ يتعاهد نعليّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فيخصفها ، ويتعاهد أثوابه فيغسلها ، فنقبت له نعل ، فأخذها يومئذ يخصفها ، وقعد في ظل سمرة ، وجاء أبوكِ ومعه عمر ، فاستأذنا عليه ، فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحادثانه فيما أراد ، ثمّ قالا : يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا مَن يستخلف علينا ، ليكون لنا بعدك مفزعا؟ فقال لهما : ( أما إنّي قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرّقتم عنه ، كما تفرّقت


بنو إسرائيل عن هارون بن عمران ) ، فسكتا ثمّ خرجا ، فلمّا خرجنا إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قلتِ له وكنتِ أجرأ عليه منّا : مَن كنت يا رسول الله مستخلفاً عليهم؟ فقال : ( خاصف النعل ) ، فنظرنا فلم نر أحداً إلاّ عليّاً ، فقلتِ : يا رسول الله ما أرى إلاّ عليّاً! فقال : ( هو ذاك ).

فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك.

فقالت : فأيّ خروج تخرجين بعد هذا؟ فقالت : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس ، وأرجو فيه الأجر إن شاء الله ، فقالت : أنتِ ورأيكِ.

فانصرفت عائشة عنها ، وكتبت أم سلمة بما قالت وقيل لها إلى عليّ ( عليه السلام ) »(1) .

فقد روى هشام الكلبي في كتاب الجمل : « انّ أم سلمة كتبت إلى عليّ ( عليه السلام ) من مكة : أمّا بعد فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة ومعهم ابن الحزان عبد الله بن عامر بن كريز ، ويذكرون أنّ عثمان قتل مظلوماً ، وأنّهم يطلبون بدمه ، والله كافيهم بحوله وقوته ، ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج ، وأمرنا به من لزوم البيوت لم أدع الخروج إليك والنصرة لك ، ولكني باعثة نحوك ابني عدل نفسي عمر بن أبي سلمة ، فاستوص به خيراً(2) »(3) .

____________________

(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 77 ـ 78.

(2) قال الكلبي : فلمّا قدم عمر على عليّ ( عليه السلام ) أكرمه ولم يزل مقيماً معه حتى شهد مشاهده كلها ، ووجهه أميراً على البحرين ، وقال لابن عم له بلغني أن عمر يقول الشعر فابعث إليَّ من شعره ، فبعث إليه بأبيات له أولّها :

جزتك أمير المؤمنين قرابة

رفعتَ بها ذكري جزاءً موفّرا

فعجب عليّ ( عليه السلام ) من شعره واستحسنه.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 78.


قال ابن قتيبة : « وقال في حديث أم سلمة ، أنّها أتت(1) لمّا أرادت الخروج إلى البصرة فقالت لها : إنك سُدّة(2) بين رسول الله وأمته ، وحجابك مضروب على حرمته ، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه(3) ( وبعضهم يرويه فلا تبدحيه )(4) وسكّن عُـقيراك(5) فلا تصحريها(6) ، الله من وراء هذه الأمة. لو أراد رسول الله أن يـعهد إليك عهداً عُلتِ عُلتِ(7) . بل قد نهاكِ رسول الله عن الفرطة(8) في البلاد ، إنّ عمود الإسلام لا يثاب(9) بالنساء إن مال ، ولا يُرأبَ(10) بهن إن صُدِع ،

____________________

(1) سيأتي عن بعض المصادر أنها كتبت كتاباً إلى عائشة كان فيه ذلك. وعلى هذا فقد ارتأى أحمد زكي صفوت فأدرجه في كتابه جهرة رسائل العرب 1 / 353 ط الأولى سنة 1356 هـ.

(2) السُدّة : الباب ، قال ابن قتيبة : وأرادت انك باب بين النبيّ وبين الناس ، فمتى أصيب ذلك الباب بشيء فقد دخل على رسول الله في حريمه وحوزته ، واستبيح ما حماه. تقول : فلا تكوني أنت سبب ذلك بالخروج الّذي لا يجب عليك ، فتحوجي الناس إلى أن يفعلوا ذلك

(3) فلا تندحيه : أي لا تفتحيه وتوسّعيه بالحركة والخروج ، يقال : ندحت الشيء إذا وسّعته ، ومنه يقال : أنا في مندوحة عن كذا ، أي في سعة ، تريد قول الله ( عزّ وجلّ )( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) .

(4) فلا تبدحيه : فانه من البداح وهو المتسع من الأرض ، وهو بمعنى الأوّل.

(5) وقولها : وسكّن عُقيراكِ ، من عُقر الدار وهو أصلها ، يقال : أخرج فلان من عقر داره أي من أصلها فكأن عُقيرى اسم مبنيٌ من ذاك على التصغير قال ابن قتيبة : ولم أسمع بعُقيرى إلاّ في هذا الحديث.

(6) فلا تُصحريها : أي فلا تُبرزيها وتباعديها وتجعليها بالصحراء.

(7) عُلتِ عُلتِ من العول والعول : الميل والجور قال الله تعالى( ذَلِكَ أَدْنَى أَلاّ تَعُولُوا ) .

قال ابن قتيبية : وسمعتُ من يرويه : عِلتِ عِلتِ ، بكسر العين ، فان كان ذلك هو المحفوظ ، فإنّ عِلتِ بمعنى : غَرتِ ، يقال عال في البلاد إذا ذهبت فهو يعيل ، ومنه قيل للذئب عيّال.

(8) والفُرطة في البلاد ، من الفَرط وهو السبق والتقدم ، يقال فرطتهم إلى الماء إذا سبقتهم ، ويقال : فرط مني كلام لم أحببه ، أي سبق مني. والفُرطة اسم للخروج والتقدم.

(9) أي لا يرجع ولا يرد بهنّ إلى استوائه من قولك : ثُبتُ إلى كذا أي عدت إليه.

(10) أي لا يُشدّ بهنّ يقال : رأبت الصدع ولأمته ، إذا شددته فانضمّ.


حُماديات(1) النساء ، غض الأطراف(2) وخَفَرُ الأعراض(3) ، وقصر الوهازة(4) ، ما كنتِ قائلة لو أن رسول الله عارضكِ ببعض الفلوات ، ناصةً قلوصاً(5) من منهل إلى آخر ، إنّ بعين الله صهواكِ ، وعلى رسول الله تردين ، قد وجّهتِ سِدافتَه(6) ( يروي : سجافته )(7) وتركتِ عُهيداه ، ولو سرتُ مسيركِ هذا ثمّ قيل ادخلي الفردوس لاستحييتُ أن ألقى محمّداً هاتكةً حجاباً قد ضربه عليَّ ، اجعليّ حصنكِ بيتكِ ووقاعة الستر(8) قبركِ ، حتى تلقيه وأنتِ على تلك أطوع ما تكونين لله ما لزمتِه ، وأنصر ما تكونين للدين ماجلستِ عنه ، لو ذكّرتكِ قولاً تعرفينه ، نَهشتِه نهشَ الرقشاء المطرق(9) »(10) .

____________________

(1) حُماديات النساء جمع حُمادي يقال : قصاراك إن تفعل ذاك وحماداك كأنه تقول جهدك وغايتك.

(2) غضّ الاطراف يعني جمع طَرف العين.

(3) وخَفر الإعراض. والخَفر : الحياء ، والإعراض عن كلّ ما كَُرِه لهنّ أن ينظرن إليه أي لا يلتفتن نحوه وقال ابن قتيبة : وإن كانت الرواية : الأعراض بفتح الهمزة ، فانه جمع عِرض وهو الجسد ، أرادت إنهنّ للخَفَر ينشرن.

(4) وقولها : وقصر الوهازة أي الخطو.

(5) وقولها ناصّة قلوصاً من منهل. أي رافعة لها في السير ، والنصّ سير مرفوع ، والمنهل الماء المورود.

(6) والسِّدافة والسُدافة : الحجاب والستر ، وقولها : وجهت سدافته تريد أخذت وجهها أي هتكت الستر قال ابن قتيبة : يدلك على ذلك قولها : لو قيل لي ادخلي ادخلي الفردوس لاستحييت أن القى محمداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) هاتكةً حجاباً قد ضربه عليّ.

(7) والسجافة مثل السدافة.

(8) ووقاعة الستر : موقعه على الأرض إذا أرسلته.

(9) الرقِشاء : الأفعى سميت بذلك للترقيش في ظهرها وهو النقط ، وهي توصف بالإطراق.

(10) أخذت ما تقدم من تفسير باقتضاب من كلام ابن قتيبة في غريب الحديث / 487 ـ 494.

ولقد شك سعيد الأفغاني في كتابه ( عائشة والسياسة ) في صحة ما سبق ذكره أوّلاً نقلاً عن ابن أبي الحديد. وما شكه إلاّ صيانة لمقام عائشة عن مخالفة أمر الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فهو


____________________

دفعٌ بالصدرَ ومع ذلك فهو ينقل ذلك ثمّ يقول : ان بعض هذا ـ لو صحّ وقوعه ـ كافٍ في إقلاع السيدة عن خروجها ، وفي حملها على الرجوع إلى بيتها. وسنتكلم على حديث الحوأب هذا. ثمّ قال : أمّّا الرواية الّتي لا تحمل من الشك مثل ما تحمل الرواية المتقدمة ، فهي النصيحة المشهورة الّتي تذكرها كتب الأخبار وكتب الأدب وكتب اللغة معاً وإليك إياها : ثمّ نقلها ومع ذلك فقد عقّب عليها بقوله :

وهذا كلام ـ على تكلّفه وتصنعه ـ يجوز أن يدور بين أم سلمة وعائشة ، وهو أشبه بالواقع وأقل حظاً من الشك ، ووجود كثير من مفرداته في معاجم اللغة : تشرح ويشار اليها أنها في كلام أم سلمة لعائشة باعث على بعض الإطمئنان ، وإن كنت لا أمنع جواز الزيادة في الرواية ، وإني من الجملة الأخيرة في قول أم سلمة ـ خاصة ـ لفي بعض الشك. ثمّ أشار في الهامش فقال : أورد كلام أم سلمة هذا ابن أبي طاهر في كتابه ( بلاغات النساء ) عقب كلامها أيضاً في نصيحتها لعثمان وجوابه لها ثمّ قال : ( ( زعم لي ابن أبي سعد : أنه صح عنده أن العتّابي كلثوم بن عمرو صنع هذين الحديثين ، وقد كتبتهما على ما فيهما ) ) أنظر ص11 وما قبلها في ( بلاغات النساء ) ـ فتأمل.

أقول : لئن أوحى الأفغاني بالشك إلى نفوس قرّائه بما ذكره من تعقيب ابن أبي طاهر في كتاب ( بلاغات النساء ) فأنا أذكر للقارئ أن ما سبقت روايته أوّلاً كان برواية أبي مخنف المتوفى سنة 157 وهو قبل أن يخلق العتابي المتوفى سنة 220 الّذي زعم ابن أبي سعد أنه الّذي صنع ذلك. ثمّ ما رواه ابن أبي طاهر ثانياً لم يكن متفرداً بروايته ، بل رواه ابن قتيبة المتوفى سنة 276 في كتابيه الإمامة والسياسة وساقه بقوله : وكتبت أم سلمة إلى عائشة ، وغريب الحديث إلاّ انه فيه قال في حديث أم سلمة انها أتت عائشة فقالت لها ثمّ عقب على ذلك بقوله في غريب الحديث 2 / 487 : حدثنيه شيخ بالري من أهل الأدب ، ورأيته عند بعض المحدثين ، غير أنه كان لا يقيم ألفاظه ثمّ أخذ يشرح ألفاظ ذلك الحديث من ص 487 ـ إلى ص 494 كما مرّ نقله عنه. وعنه نقل ابن أبي الحديد ذلك في شرح النهج 2 / 79. وهذا كله ليس من طريق ابن أبي طاهر ، وأيضاً رواه ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد 4 / 316 وجعله كتاباً من أم سلمة إلى عائشة ، وكذلك ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 / 78 وليس ثمة ما يشير إلى انه من رواية ابن أبي طاهر.

ومهما كان تشكيك سعيد الأفغاني فهو ليس بفيء بعد رواية أصحاب الحديث واللغة والأدب لذلك فراجع مضافاً إلى ما تقدم الجمل للمفيد / 110 ط الحيدرية ، الفائق للزمخشري 1 / 290 و 2 / 168 ـ 171 ، ولسان العرب ( عقر ) 4 / 597 و 2 / 407 و 4 / 434 و 7 / 368 و 1 / 247 ، والنهاية لابن الأثير 3 / 326 و 353 و 374 ، وراجع هوامش غريب الحديث تجد مصادر غيرها.


فقالت عائشة رحمها الله : ما أقبلني لوعظكِ ، وليس الأمر كما تظنين ، ولنعم المسير مسيرٌ فزعت إليّ فيه فئتان متناحرتان ( أو متناجزتان ) إن أقعد ففي غير حرج ، وإن أخرج فإلى ما لابدّ من الازدياد منه ».

قال ابن قتيبة : حدثنيه شيخ بالريّ من أهل الأدب ، ورأيته عند بعض المحدّّّثين ، غير أنّه كان لا يقيم ألفاظه(1) .

وروى الواقدي(2) بسنده عن أم سلمة وذكرت طلب طلحة والزبير منها الخروج معهما كعائشة فردّتهما ووعظتهما.

وقال سبط ابن الجوزي في حديثه : ولمّا عزمت عائشة على المسير نهتها أم سلمة وقالت لها : يا هذه ان حجاب الله لن يرفع وما أنتِ يا هذه وهذا الأمر وقد تنازعته الأيدي وتهافت فيه الرجال وتسكينه أصلح للمسلمين ، فاتقي على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من الافتضاح في زوجته ، واتقي دماً لم يبحه الله لكِ ، فلمّا رأتها لا تصغي إلى قولها قالت :

نصحتُ ولكن ليس للنصح قابلٌ

ولو قبلتْ ما عنّفتها العواذل

كأنّي قد ردت الحرب رحلها

وليس لها إلاّ الترجّل راحل(3)

وذكر البيهقي في المحاسن : « انّ أم سلمة حلفت أن لا تكلّم عائشة من أجل مسيرها إلى حرب عليّ ، فدخلت عائشة عليها يوماً وكلّمتها ، فقالت أم سلمة : ألم أنهك؟ ألم أقل لك ، قالت : إني أستغفر الله كلّميني ، فقالت أم سلمة : يا حائط ألم أنهكَ؟ ألم أقل لكَ ، فلم تكلمها أم سلمة حتى ماتت »(4) .

____________________

(1) غريب الحديث 2 / 482 تح ـ د. عبد الله الجبوري مط العاني بغداد سنة 1977.

(2) كما في الجمل للشيخ المفيد / 108.

(3) التذكرة / 38 ط حجرية.

(4) المحاسن والمساوي 1 / 231.


استنكار البصريين على الناكثين :

روى الطبري : أنّ جارية بن قدامة السعدي أقبل فقال : يا أم المؤمنين لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجكِ من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنّه قد كان لك من الله ستر وحرمة ، فهتكتِِِ سِترَكِ وأبحتِ حرمتكِ ، إنّه من رأى قتالكِ فإنّه يرى قتلكِ ، وإن كنتِ أتيتنا طائعة فأرجعي إلى منزلكِ ، وإن كنتِ أتيتِنا مستكرهة فاستعيني بالناس.

قال : فخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال : أمّا أنت يا زبير فحواري رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأمّا أنت يا طلحة فوقيت رسول الله بيدك ، وأرى أمّكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا : لا ، قال فما أنا منكما في شيء واعتزل ، وقال السعدي في ذلك :

صنتم حلائلكم وقدتم أمّكُم

هذا لعمرك قلة الإنصاف

أمرتْ بجرّ ذيولها في بيتها

فهوت تشقّ البيد بالإيجاف

غرضاً يُقاتِلُ دونها أبناؤها

بالنبل والخطَي والأسياف

هُتكتْ بطلحة والزبير ستورها

هذا المخبر عنهم والكافي

وأقبل غلام من جهينة على محمّد بن طلحة ـ وكان محمّد رجلاً عابداً ـ فقال : أخبرني عن قتلة عثمان؟ فقال : نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث ، ثلث على صاحبة الهودج ـ يعني عائشة ـ وثلث على صاحب الجمل الأحمر ـ يعني طلحة ـ وثلث على عليّ بن أبي طالب ، وضحك الغلام وقال : ألا أراني على ضلال! ولحق بعليّ ، وقال في ذلك شعراً.

سألت ابن طلحة عن هالك

بجوف المدينة لم يُقبر


فقال ثلاثة رهطٍ هَمُ

أماتوا ابن عفان واستعبرِ

فثلث على تلك في خدرها

وثلث على راكب الأحمر

وثلث على ابن أبي طالبٍ

ونحن بدرّيةٍ قرقر

فقلت صدقت على الأولَين

وأخطأت في الثالث الأزهر(1)

مغالطة عائشة لنفسها :

لقد مرّ بنا قولها لأم سلمة : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر.

فمن كانت تعتقد بذلك لماذا كانت تتم صلاتها في سفرها ذلك؟

فقد ذكر الشوكاني أنّ عائشة كانت تتم صلاتها في السفر ، وقال : « وقد أخرج ابن جرير في تفسير سورة النساء أنّ عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً ، فإذا احتجوا عليها تقول : إنّ النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم كان في حروب وكان يخاف فهل أنتم تخافون؟

ثمّ قال : وقيل في تأويل عائشة : أنّها أتمت في سفرها إلى البصرة لقتال عليّ ( عليه السلام ) ، والقصر عندها إنّما يكون في سفر طاعة اهـ »(2) .

ولمّا كان هذا التأويل يصدع القوارير فقد انبرى بعض علماء التبرير وهو ابن حجر في فتح الباري فأبطله من دون بيان وجه البطلان ، وإنّما كان منه دفعاً بالصدر(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 467.

(2) نيل الأوطار 3 / 211 باب من اجتاز في بلد فتزوج فيه صلاة المسافر.

(3) راجع إتمام عثمان الصلاة بمنى.


وقس على هذا موقفها عند ماء الحوأب وقد نبحتها كلابه ، فسألت عن المكان فأخبروها ، فقالت : « ردوني ردوني » ، لولا أنّ عبد الله بن الزبير أتاها بأربعين شاهد زور شهدوا أنّه ليس الحوأب ـ فكانت تلك أوّل شهادة زور في الإسلام ـ فطاوعت وساورت ولم يدر في خلد المسلمين أن أمهم سوف تخرج للقتال مع فئة الناكثين ، فإذا روى أحدٌ لهم في ذلك حديثاً أو أثراً لا يكادون يصدقوه!

ورحم الله حذيفة بن اليمان فقد كان عنده من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعض العلم بأحداث المستقبل ، كما كانت له معرفة بالمنافقين ، فكان يحدّث ويحذّر ، ولكن أين السميع الفهيم.

والآن لنقرأ بعض ما جاء عنه ( رحمه الله ) :

فقد روى أبو البختري قال : « قال حذيفة : أرأيتم لو حدثتكم أن أمّكم تخرج في فئة تقاتلكم أكنتم مصدّقي؟

قال : قلنا : سبحان الله يا أبا عبد الله ولم تفعل؟

قال : أرأيتم لو قلت لكم تأخذون مصاحفكم فتحرقونها وتلقونها في الحشوش أكنتم مصدّقي؟

قالوا : سبحان الله ولم نفعل؟

قال : أرأيتم لو حدثتكم أنكم تكسرون قبلتكم أكنتم مصدّقي؟

قالوا : سبحان الله ولم نفعل؟

قال : أرأيتم لو قلت لكم انه يكون منكم قردة وخنازير أكنتم مصدّقي؟

فقال رجل : يكون فينا قردة وخنازير؟


قال : وما يؤمنك لا أم لك »(1) .

وأخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال : « بينما نحن حول حذيفة إذ قال : كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف؟ قلنا : يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك؟ قال : انظروا إلى الفرقة الّتي تدعو إلى أمر عليّ بن أبي طالب فإنها على الهدى »(2) .

وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن الزبير بن عدي عن حذيفة أنّه قال لرجل : ما فعلت أمك؟ قال : قد ماتت ، قال : أمّا إنك ستقاتلها ، قال : فعجب الرجل من ذلك حتى خرجت عائشة(3) . وقد أورده المتقي الهندي من طريق ابن أبي شيبة(4) .

وأورد ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث(5) في حديث حذيفة انه ذكر خروج عائشة فقال : تقاتل معها ، معها مضر مضرّها(6) الله في النار ، وأزد عُمان سَلَت(7) الله أقدامها ، وإنّ قيساً لن تنفكّ تبغي دين الله شراً حتى يُركبها الله بالملائكة ، ولا يمنعوا ذَنَب تلعة(8) .

____________________

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 15 / 103 ( كتاب الفتن ) ، وعنه السيوطي في جمع الجوامع 2 / 365 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 11 / 333 وكلاهما من طريق ابن أبي شيبة. وأخرجه ابن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف / 17 ط افست المثنى.

(2) فتح الباري لابن حجر 16 / 165 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1387 هـ.

(3) المصنف 15 / 256 ( كتاب الجمل ).

(4) كنز العمال 11 / 324.

(5) غريب الحديث 2 / 250.

(6) أي جمعها في النار ، قال ابن قتيبة : أشتق لذلك لفظاً من أسمها

(7) أي قطعها ، قال ابن قتيبة : سلت المرأة الخضاب إذا مسحته وألقته ، وسلت الحلاق رأس الرجل

(8) التلعة : سيل ما ارتفع من الأرض إلى بطن الوادي.


وأخرج الحاكم عن خيثمة بن عبد الرحمن قال : « كنا عند حذيفة ( رضي الله عنه ) فقال بعضنا حدّثنا يا أبا عبد الله ما سمعت من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، قال : لو فعلت لرجمتموني ، قال قلنا : سبحان الله أنحن نفعل ذلك؟!

قال : أرأيتم لو حدثتكم أنّ بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عددها شديد بأسها صدّقتم به؟

قالوا : سبحان الله ومن يصدّق بهذا!

ثمّ قال حذيفة : أتتكم الحميراء في كتيبة يسوقها أعلاجها حيث تسود وجوهكم ، ثمّ قام فدخل مخدعاً »(1) .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي في تلخيصه.

أقول : وقد روى هذا ابن أبي الحديد ثمّ قال : « قلت : هذا الحديث من أعلام نبوّة سيّدنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، لأنّه إخبار عن غيب تلقّاه حذيفة عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وحذيفة أجمع أهل السيرة على أنّه مات في الأيام الّتي قتل عثمان فيها ، أتاه نعيه وهو مريض فمات وعليّ ( عليه السلام ) لم يتكامل بيعة الناس ولم يدرك الجمل.

وهذا الحديث يؤكد مذهب أصحابنا في فسق أصحاب الجمل إلاّ من ثبتت توبته منهم وهم الثلاثة (؟) »(2) .

وذكر المسعودي في مروج الذهب : « أنّه لمّا قتل الأمين دخل إلى زبيدة بعض خدمها فقال لها : ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين محمّد؟ فقالت : ويلك

____________________

(1) مستدرك الحاكم 4 / 471 ط ـ حلب أفست ط حيدرآباد.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 41.


وما أصنع؟ فقال : تخرجين فتطلبين بثأره كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان. فقالت : إخسأ لا أم لك ، ما للنساء وطلب الثأر ومنازلة الأبطال؟ »(1) .

الإمام مع مستشاريه في المدينة :

قال ابن أعثم : « وكتبت أم الفضل بنت الحارث إلى عليّ ( رضي الله عنه ) :

بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عليّ أمير المؤمنين من أم الفضل بنت الحارث : أمّا بعد فإن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة يريدون البصرة ، وقد استنفروا الناس إلى حربك ، ولم يخفّ معهم إلى ذلك إلاّ مَن كان في قلبه مرض ، ويد الله فوق أيديهم ـ والسلام.

قال : ثمّ دفعت أم الفضل هذا الكتاب إلى رجل من جهينة له عقل ولسان يقال له ظفر(2) ، فقالت : خذ هذا الكتاب وأنظر أن تقتل في كلّ مرحلة بعيراً وعليّ ثمنه ، وهذه مائة دينار قد جعلتها لك فجدّ السير حتى تلقى عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) فتدفع إليه كتابي هذا.

قال : فسار الجهني سيراً عنيفاً حتى لحق أصحاب عليّ ( رضي الله عنه ) وهم على ظهر المسير ، فلمّا نظروا إليه نادوه من كلّ جانب : أيها الراكب ما عندك؟

قال : فنادى الجهني بأعلى صوته شعراً يخبر فيه بقدوم عائشة وطلحة والزبير ـ إلى البصرة ـ.

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 423 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) في تاريخ الطبري 4 / 455 دار المعارف : وجاءه بالخبر عطاء بن رئاب مولى الحارث بن حزن. فلا يبعد أن يكون هو ظفر وذلك لقبٌ له. ويكون أختيار أم الفضل له لأنه كان مولىً لأبيها الحارث بن حزن وتفاؤلاً باسمه ظفر والخبر في تاريخ ابن خلدون 2 / 408.


قال : فلمّا سمع عليّ ذلك دعا محمّد بن أبي بكر وقال له : ألا ترى إلى أختك عائشة كيف خرجت من بيتها الّذي أمرها الله ( عزّ وجلّ ) أن تقرّ فيه ، وأخرجت معها طلحة والزبير يريد ان البصرة لشقاقي وفراقي؟

فقال له محمّد : يا أمير المؤمنين لا عليك ، فإن الله معك ولن يخذلك ، والناس بعد ذلك ناصروك والله تبارك وتعالى كافيك أمرهم إن شاء الله »(1) .

هذا ما رواه ابن أعثم.

ولكن رواية الشيخ المفيد : « فقال : ولمّا جاءه كتاب يخبره بخبر القوم دعا ابن عباس ومحمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر وسهل بن حنيف وأخبرهم بذلك وبما عليه القوم من المسير.

فقال محمّد بن أبي بكر : ما يريدون يا أمير المؤمنين؟ فتبسّم ( عليه السلام ) وقال : يطلبون بدم عثمان.

فقال محمّد : والله ما قتله غيرُهم.

ثمّ قال عليّ ( عليه السلام ) : أشيروا عليّ بما أسمع منكم القول فيه.

فقال عمّار : الرأي أن نسير إلى الكوفة فإنّ أهلها لنا شيعة ، وقد انطلق هؤلاء القوم إلى البصرة.

وقال ابن عباس : الرأي عندي يا أمير المؤمنين أن نقدّم رجالاً إلى الكوفة فيبايعوا لك ، وتكتب إلى الأشعري أن يبايع لك ، ثمّ بعده المسير حتى نلحق بالكوفة فنعاجل القوم قبل أن يدخلوا البصرة ، وتكتب إلى أم سلمة فتخرج معك ، فإنّها لك قوّة.

____________________

(1) كتاب الفتوح لابن أعثم 3 / 285.


فقال أمير المؤمنين : بل أنهض بنفسي ومن معي في اتباع الطريق وراء القوم ، فإن أدركتهم بالطريق أخذتهم ، وإن فاتوني كتبت إلى الكوفة واستمددت الجنود من الأمصار وسرتُ اليهم.

وأمّا أم سلمة فإنّي لا أرى إخراجها من بيتها كما رأى الرجلان اخراج عائشة.

فبينما هم في ذلك إذ دخل عليهم أسامة بن زيد وقال لأمير المؤمنين : فداك أبي وأمي لا تسر وحدك وانطلق إلى ينبع وخلّف على المدينة رجلاً ، وأقم بمالك ، فإنّ العرب لهم جولة ثمّ يصيرون إليك.

فقال له ابن عباس : إنّ هذا القول منك يا أسامة على غير غلٍ في صدرك فقد أخطأت وجه الرأي منه ليس هذا برأي بصير ، يكون والله كهيئة الضبع في مغارتها.

فقال أسامة : فما الرأي؟ قال : ما أشرت به إليه وما رأى أمير المؤمنين لنفسه »(1) .

قال الطبري : « وخرج عليّ يبادرهم في تعبيته الّتي كان تعبّى بها إلى الشام ، وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل ، وهو يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج ، وسار حتى انتهى إلى الربذة فبلغه ممرّهم ، فأقام حين فاتوه يأتمر بالربذة »(2) ، « وكان خروجه من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين »(3) .

____________________

(1) كتاب الجمل للشيخ المفيد / 112 ط الحيدرية سنة 1368 هـ.

(2) تاريخ الطبري 4 / 455.

(3) نفس المصدر 4 / 478.


قال ابن قتيبة : « شخص من المدينة في تسعمائة من وجوه المهاجرين والأنصار من أهل السوابق مع رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، ومعهم بشر كثير من أخلاط الناس ، واستخلف على المدينة قثم بن عباس ـ وكان له فضل وعقل ـ وأمره أن يشخص إليه من أحبّ الشخوص ، ولا يحمل أحداً على ما يكره ، فخفّ الناس إلى عليّ بعده »(1) . قال السدي : « شهد مع عليّ يوم الجمل مائة وثلاثون بدرياً وسبعمائة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم »(2) .

في الربذة :

قال الشيخ المفيد(3) : ولمّا توجه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى البصرة نزل الربذة ، فلقيه بها آخر الحاج فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه ، وهو في خبائه.

قال ابن عباس ( رضي الله عنه ) : فأتيته فوجدته يخصف نعلاً ، فقلت له نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع ، فلم يكلّمني حتى فرغ من نعله ثمّ ضمها إلى صاحبتها وقال لي قوّمهما ، فقلت : ليس لهما قيمة ، قال على ذاك ، قلت : كسر درهم ، قال : والله لهما أحبّ إلي من أمركم إلاّ أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً ، قلت : أنّ الحاج قد أجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسناً كان منك ، وإن كان غير ذلك كان مني ، قال : لا أنا أتكلم. ثمّ وضع يده على صدري ـ وكان شثن الكفين ، فآلمني ـ ثمّ قام فأخذت بثوبه وقلت : نشدتك الله والرحم ، قال : لا تنشدني ، ثمّ خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد فإنّ الله تعالى بعث محمّداً ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وليس في العرب أحد يقرأ كتاباً ولا يدعي

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 50 ط مصر سنة 1328 هـ.

(2) أنظر سير أعلام النبلاء 1 ـ 2 / 639 ط دار الفكر.

(3) الإرشاد / 132 ط الحيدرية.


نبوّة ، فساق الناس إلى منجاتهم ، أما والله ما زلت في ساقتها ما غيّرت ولا بدّلت ولا خنت حتى تولّت بحذافيرها ، ما لي ولقريش ، أما والله لقد قاتلتهم كافرين ، ولأقاتلنّهم مفتونين ، وإنّ مسيري هذا عن عهد إليَّ فيه(1) أما والله لأبقرنّ الباطل حتى يخرج الحقّ من خاصرته ، ما تنقم منا قريش إلاّ أنّ الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيّزنا وأنشد :

أدمتَ لعمري شربَك المحض صابحا

وأكلك بالزبد المقشّرةَ التمرا

ونحن وهبناك العَلاءَ ولم تكن

عَلياً وحُطنا حولك الجُرد والسُمرا(2)

قال الطبري في تاريخه : « كان عليّ في همّ من توجه القوم لا يدري إلى أين يأخذون ، وكان أن يأتوا البصرة أحبّ إليه ، فلمّا تيقّن أنّ القوم يعارضون طريق البصرة سرّ بذلك وقال : الكوفة فيها رجال العرب وبيوتاتهم.

فقال له ابن عباس : إن الّذي يسرّك من ذلك ليسؤوني ، إن الكوفة فسطاط فيه أعلام من أعلام العرب ، ولا يحملهم عِدّة القوم ، ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمر لا يناله فإذا كان كذلك ، شغب على الّذي قد نال ما يريد حتى تكسر حدته(3) ، وحتى يفشأه فيفسد بعضهم على بعض. فقال عليّ : إنّ الأمر ليشبه ما

____________________

(1) أخرج الحاكم في المستدرك 3 / 139 بسنده عن أبي أيوب قال أمر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليّ بن أبي طالب : بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وقد حدث أبو أيوب بذلك في خلافة عمر. وراجع تاريخ بغداد 8 / 340 ، وأسد الغابة 4 / 32 ، وكنز العمال 6 / 319 ط الأولى حيدر آباد ، والرياض النضرة 2 / 240 وغيرها ، والسيوطي في الخصائص الكبرى 2 / 138 ط حيدر آباد.

(2) روى الشريف الرضي في النهج الكلام المتقدم من ابن عباس والإمام كان بذي قار وعلى ذلك شراح النهج ، لكن الشيخ المفيد وهو استإذ الرضي وأقدم منه زمناً رواه ـ كما ذكرنا عنه ـ انه كان في الربذة. وهو الصحيح فيما أرى.

(3) أنظرتاريخ ابن الأثير 3 / 86 ط بولاق.


تقول ، ولكنّ الأُثرة لأهل الطاعة ، وألحق بأحسنهم سابقة وقُدمه ، فإن أقنعهم ذلك كان خيراً لهم ، وإن لم يقنعهم كلّفونا إقامتهم ، وكان شرّاً على من هو شرّ له.

فقال ابن عباس : إنّ ذلك لأمر لا يدرك إلاّ بالقنوع »(1) .

هذا حديث بين إمام تُحمّله مسؤلية الإمامة مواجهة تداعيات المواقف في المستقبل القريب بما فيها من عناء ، وبين مأموم تُحمّله مسؤلية الطاعة والإخلاص محضَ النصيحة لإمامه ، مضافاً إلى أوامر القربى القريبة ، فهو حديث لا يخلو من مرارة يتجرّعها المشير والمستشير على أختلاف الرأي في المنظور بينهما ، مع بُعد النظر عند كليهما. فعليهما معاً أن يستعدّا لمواجهة المستقبل بما تواتيه الظروف وتحمله المفاجآت.

قال ابن الأثير : « ولمّا قدم عليّ الربذة وسمع بها خبر القوم أرسل منها إلى الكوفة محمّد بن أبي بكر الصديق ومحمّد بن جعفر وكتب إليهم : إنّي اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث ، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً وانهضوا إلينا فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخوانا »(2) .

ثمّ قال ابن الأثير : « فمضيا وبقي عليّ بالربذة وأرسل إلى المدينة فأتاه ما يريده من دابة وسلاح وأمر أمره »(3) .

وقال ابن الأثير : « وسار عليّ من الربذة وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح والراية مع محمّد بن الحنفية ، وعليّ على ناقة حمراء يقود فرساً كميتا ، فلمّا نزل بفيد أتته أسد وطيء فعرضوا عليه أنفسهم فقال : الزموا قراركم ، في

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 459.

(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 95.

(3) نفس المصدر.


المهاجرين كفاية ، وأتاه رجل بفيد من الكوفة فقال له من الرجل؟ قال : عامر بن مطر الشيباني قال : اخبر عمّا وراءك فأخبره ، فسأله عن أبي موسى فقال : إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه ، وإن أردت القتال فليس بصاحبه. فقال عليّ : والله ما أريد إلاّ الصلح حتى يردّ علينا »(1) .

وقال ابن الأثير : ولمّا نزل عليّ الثعلبية أتاه الّذي لقي عثمان بن حنيف وحرسه فأخبر أصحابه الخبر فقال : اللّهمّ عافني ممّا ابتليت به طلحة والزبير.

فلمّا انتهى إلى الآساد أتاه ما لقي حكيم بن جبلة وقتلة عثمان فقال : الله أكبر أما ينجيني من طلحة والزبير إن أصابا ثارهما. وقال :

دعا حكيم دعوة الزماع

حل بها منزلة النزاع(2)

وقال ابن الأثير : « فلمّا انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعرة. وقيل أتاه بالربذة وكانوا قد نتفوا شعر رأسه ولحيته فقال يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد فقال : أصبت أجراً وخيراً وأقام بذي قار ينتظر محمّداً ومحمّدا ، فأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس وعرضت عليه بكر بن وائل فقال لهما ما قال لطيء وأسد »(3) .

وقال ابن الأثير : « وأمّا محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر فأتيا أبا موسى بكتاب عليّ وقاما في الناس بأمر فلم يجابا إلى شيء فغضب محمّد ومحمّد وأغلظا لأبي موسى فقال لهما : والله أن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما فانطلقا إلى عليّ فأخبراه الخبر وهو بذي قار. فقال للأشتر وكان معه : أنت

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر / 96.

(3) نفس المصدر.


صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كلّ شيء. اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت »(1) .

ماذا عن سفارة ابن عباس إلى الكوفة؟

إنّ اختلاف الرواة بتفاوت الروايات يصكّ الباحث بدوامة من الشك حول سفارة ابن عباس إلى الكوفة فهل كانت مرة واحدة؟ أم كانت متعددة؟

ثمّ هل كانت من الربذة؟ أو من فيد؟ أو من ذي قار؟ أو منها جميعاً؟

من هنا حدثت البلبلة الّتي شوّشت على الباحث حين واجهته روايات المؤرخين المتفاوتة ، وربما كانت متضاربة. فلنقرأ بعض ما وقفت عليه في المقام متسلسلين مع المصادر الأقدم فالأقدم :

أوّلاً : ما رواه أبو مخنف المتوفى سنة 157 هـ في كتاب الجمل قال : « وبعث عليّ ( عليه السلام ) من الربذة بعد وصول المحل بن خليفة اخي طيء عبد الله بن عباس ومحمّد بن أبي بكر إلى أبي موسى وكتب معهما :

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس ، أمّا بعد يا بن الحائك يا عاض أبيه ، فوالله إنّي كنت لأرى أنّ بُعدك من هذا الأمر الّذي لم يجعلك الله له أهلاً ، ولا جعل لك فيه نصيباً ، سيمنعك من ردّ أمري والانتزاء عليَّ ، وقد بعثت إليك ابن عباس وابن أبي بكر فخلّهما والمصر وأهله ، واعتزل عملنا مذموماً مدحوراً. فإن فعلت وإلاّ فإنّي قد أمرتهما أن ينابذاك على سواء ، إنّ الله لا يهدي كيد الخائنين ، فإذا ظهرا عليك قطّعاك إرباً إربا والسلام على من شكر النعمة ، ووفى بالبيعة وعمل برجاء العاقبة.

____________________

(1) نفس المصدر.


قال أبو مخنف : فلمّا أبطأ ابن عباس وابن أبي بكر عن عليّ ( عليه السلام ) ولم يدر ما صنعا رحل عن الربذة إلى ذي قار فنزلها ، فلمّا نزل ذا قار بعث إلى الكوفة الحسن ابنه وعمّار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد بن عبادة ومعهم كتاب إلى أهل الكوفة »(1) .

أقول : وسيأتي حديث أبي مخنف برواية البلاذري بسنده عنه بتفاوت عما ذكرناه.

ثانياً : ما رواه ابن قتيبة في الإمامة والسياسة قال : « وذكروا أنّ عليّاً لمّا نزل قريباً(2) من الكوفة بعث عمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر إلى أبي موسى الأشعري وإلى أهل الكوفة يستفزهم ( يستنفرهم ظ )

وقال : فلمّا انصرفا إلى عليّ من عند أبي موسى وأخبراه بما قال أبو موسى ـ في تثبيط الناس ـ بعث إليه الحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد وكتب معهم إلى أهل الكوفة :

أمّا بعد فاني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سامعُه كمن عاينَه : إن الناس طعنوا على عثمان فكنتُ رجلاً من المهاجرين أُقِلّ عيبَه وأُكثِر استعتابَه ، وكان هذان الرجلان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه شدة اللهجة والوجيف ، وكان من عائشة فيه قول على غضب

وقد بعثت ابني الحسن وابن عمي عبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد فكونوا عند ظننا بكم والله المستعان »(3) .

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 291 ط الأولى و 14 / 9 ـ 10ط محققة.

(2) لا يبعد أن يكون هو العذيب لما سيجيء ذكره في كتاب الإمام إلى جرير والعذيب بين القادسية والمغيثة بينه وبين القادسية اربعة أميال وإلى المغيثة اثنان وثلاثون ميلاً ، وهو من منازل حاج الكوفة ( معجم البلدان / العذيب ).

(3) الإمامة والسياسة 1 / 59 ـ 60.


ثالثاً :

أ ـ ما رواه البلاذري في الأنساب : قال أبو مخنف باسناده : « وبعث عليّ من الربذة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري إلى أبي موسى بكتاب منه يأمره فيه بدعاء الناس واستنفارهم إليه ، فجعل أبو موسى يخذلهم ولم ينهض معه أحد ، وتوعّد هاشماً بالحبس ، فلمّا قدم هاشم على عليّ دعا عبد الله بن عباس ومحمّد بن أبي بكر فبعثهما إليه وأمرهما بعزله وكتب إليه معهما كتاباً ينسبه وأباه إلى الحياكة ، فعزلاه وصيّرا مكانه قرظة بن كعب الأنصاري.

وارتحل عليّ بن أبي طالب من الربذة حتى نزل بفيد فاتته جماعة طيء ، ووجّه ابنه الحسن بن عليّ وعمّار بن ياسر إلى الكوفة لاستنفار أهلها ، فلمّا قدما انصرف ابن عباس ومحمّد بن أبي بكر الصديق ، ويقال : بل أقاما حتى كان انصرافهم جميعاً.

ـ قال البلاذري : ـ وقال قوم : كان قيس بن سعد بن عبادة مع الحسن وعمّار. والثبت ان عليّاً ولّى قيساً مصر وهو بالمدينة حين ولّى عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب اليمن وانه لم يوجّه مع الحسن إلاّ عمّار بن ياسر »(1) .

ب ـ وروى البلاذري أيضاً بسنده عن صالح بن كيسان : « قال صالح : ووجّه عليّ من ذي قار إلى اهل الكوفة ـ لينهضوا إليه عبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر فلمّا دعا ابن عباس وعمّار الناس إلى عليّ واستنفراهم لنصرته ، قام أبو موسى وجعل يثبط الناس ، فرجع عبد الله بن عباس وعمّار إلى عليّ فأخبراه بذلك ، فكتب إليه يا بن الحائك ، وبعث الحسن بن عليّ ليندب الناس إليه ، وأمر

____________________

(1) أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) حديث 291 تح ـ المحمودي.


بعزل أبي موسى فعزله وولّى الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري ، فانتدب معه عشرة آلاف أو نحوهم فخرج بهم إلى أبيه »(1) .

رابعاً : ما رواه ابن جرير وابن الأثير وابن كثير وابن مسكويه وتبعهم ابن خلدون وغيره في حوادث سنة 36 هـ في أخبار الجمل أنّ الإمام أرسل ابن عباس إلى الكوفة ومعه الأشتر وذلك بعد رجوع المحمدين ( محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر ).

وقد مرّ عن ابن الأثير قول الإمام للأشتر : ( اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت ) إشارة إلى يوم طلب الأشتر من الإمام إقرار الأشعري على ولاية الكوفة وتعهدّه به.

وهذا ما رواه الطبري وقال : « فخرج عبد الله بن عباس ومعه الأشتر فقدما الكوفة وكلّما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة ثمّ قال : إنّ ابن عباس رجع إلى عليّ »(2) ولم يصرّح برجوع الأشتر معه. إلاّ أنّ من ذكرنا من المؤرخين آنفاً صرحوا برجوعهما معاً. ثمّ ذكر الطبري أنّ الإمام دعا ابنه الحسن وعمّار بن ياسر وأرسلهما إلى الكوفة بعد ما رجع ابن عباس.

خامساً : ما قاله الشيخ المفيد : « ولمّا سار ( عليه السلام ) من المدينة انتهى إلى فيد(3) وكان قد عدل إلى جبلي طيء حتى سار معه ستمائة مع عدي بن حاتم من قومه. فقال عليّ ( عليه السلام ) لابن عباس : ما الرأي عندك في أهل الكوفة وأبي موسى الأشعري؟

____________________

(1) نفس المصدر حديث / 289.

(2) تاريخ الطبري 4 / 482.

(3) فيد : نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة قريب من أجاوسُلمى جبلي طيء ( معجم البلدان 4 / 282 ) ط صادر.


فقال له ابن عباس : أنفذ عمّاراً فإنّه رجل له سابقة وقد شهد بدراً ، فإنّه إن تكلم هناك صرف الناس إليك وأنا أخرج معه وابعث معنا الحسن ابنك. ففعل ذلك فخرجوا حتى قدموا على أبي موسى. ـ فلمّا وصلوا الكوفة قال ابن عباس للحسن ولعمّار : إنّ أبا موسى عاق فإذا رفقنا به أدركنا حاجتنا منه.

فقالا : افعل ما شئت ـ فقال ابن عباس لأبي موسى : إنّ عليّاً أرسلنا إليك لما يطرقه سرعتك إلى طاعة الله تعالى ورسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ومصيرك إلى ما أحببنا أهل البيت ، وقد علمت فضله وسابقته في الإسلام ، ويقول لك أن تبايع له الناس ، ويقرّك على عملك ويرضى عنك.

فانخدع أبو موسى وصعد المنبر فبايع لعليّ ساعة من النهار ثمّ نزل »(1) . ثمّ ذكر خطب عمّار والحسن وابن عباس كما سيأتي.

هذه هي الروايات المتفاوتة زماناً المختلفة نصاً ، كلها ورد فيها أنّ الإمام أرسل ابن عباس إلى الكوفة لاستنفار الناس ، غير أنّها اختلفت في المكان الّذي أرسله منه ، ففي النصوص الأوّل والثالث فقرة ( أ ) والرابع كان ذلك من الربذة. بينما نجد في النص الثاني جهالة المكان غير أنّه قريب من الكوفة ، أمّا النص الثالث فقرة ( ب ) فقد كان ذلك من ذي قار. والنص الخامس فيه أنّه من فيد.

كما أنّها اختلفت في رفقاء السفر معه ، ففي الأوّل والثالث ( أ ) هو وابن أبي بكر ، وفي الثاني هو مع الحسن وعمّار وقيس ، وفي الخامس مثله من دون ذكر قيس. وفي الثالث فقرة ( ب ) هو وعمّار ، وفي الرابع هو والأشتر. وإذا اعتمدنا جميع ذلك فيكون قد تكرر إرساله إلى الكوفة أربع مرات بموجب ذكر الأماكن

____________________

(1) كتاب الجمل / 124 ط سنة 1368 هـ ط الحيدرية.


وذكر الرفقة ولا مانع من ذلك ما دام الزمن يسع لذلك ذهاباً وإياباً وإقامة في الكوفة ، فإنّ الزمن المحدود أوّلاً من خروج الإمام من المدينة وذلك في آخر شهر ربيع الآخر ، والمحدود أخيراً بورود البصرة والتقاء العسكرين وذلك في النصف من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين(1) فيمكن أن يقع فيه كلّ ذلك.

وتصوير ذلك فيما أرى : أنّ الإمام ( عليه السلام ) لمّا وصل إلى الربذة بعث أوّلاً هاشم بن عتبة إلى الكوفة مستنفراً أهلها فلم يتمكن من اقناع أبي موسى الأشعري عامل الإمام على الكوفة بالتعاون معه ، بل خذل الناس فأرسل هاشم إلى الإمام كتاباً مع المحل بن خليفة الطائي ـ كما في رواية أبي مخنف ـ فبعث الإمام محمّد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر ـ على رواية الطبري ـ ورجعا ولم يتمكنّا من أبي موسى ، فبعث ابن عباس ومعه محمّد بن أبي بكر وكتب معهما إلى أبي موسى الكتاب الّذي أغلظ له فيه وفيه عزله. وأبطأ خبرهما على الإمام فرحل من الربذة إلى ذي قار ويبدو أنّهما رجعا إلى الإمام قبل أن يصل إلى فيد ، وهناك سأل الإمام من ابن عباس : ما الرأي عندك في أهل الكوفة وأبي موسى. وفي هذا مؤشر على أنّ ابن عباس كان قد وصل الكوفة وخُبر أهلها وعرف موقف الأشعري المتصلب العنيد ، وإلاّ فلا معنىً لاستشارة رجل مدني لا يعرف عن الكوفة وعن أبي موسى شيئاً. وفي جواب ابن عباس أيضاً مؤشّر آخر على دخوله الكوفة حيث قال : الرأي أن تنفذ عمّاراً فإنّه رجل له سابقة وقد شهد بدراً ، فإنّه إن تكلم هناك صرف الناس إليك ، وأنا أخرج معه ، وابعث معنا ابنك الحسن.

____________________

(1) الطبري 4 / 478 و 501.


فهذا رأي خبير بالداء وما ينفع من الدواء ، فهو يصف للإمام ما ينفع مع أهل الكوفة من تأليف الوفد من عناصر مؤثرةً ، فأخذ الإمام برأيه وكتب معهم كتاباً كشف لهم فيه زيف دعوى الطلب بدم عثمان.

إلاّ أنه قد مرّ في رواية ابن قتيبة(1) وأنه أرسلهم من مكان قريب من الكوفة ، وهذا المكان هو العذيب ـ فيما أرى ـ ويؤيد ذلك ما ورد في كتاب للإمام أرسله إلى جرير بن عبد الله يخبره فيه بما وقع من الأحداث بعد مقتل عثمان فقد جاء فيه : « حتى إذا كنت بالعُذيب بعثت إلى أهل الكوفة الحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد فاستنفرتهم فأجابوا »(2) .

نعم تبقى النصوص الدالة على ان البعثة الرباعية كانت من ذي قار كما مر في النص الثالث الفقرة ( ب ) ، ولم يذكر فيه سوى ابن عباس وعمّار. فلمّا عادا بعث الإمام ابنه الحسن وكتب إلى أبي موسى : يا بن الحائك ، وفيه ذكر عزله وتولية قرظة بن كعب الأنصاري ، وفي هذا أحسب أنّ خلطاً وخبطاً وقع الرواة في ذلك ، لأنّ الشيخ محمّد بن هاشم ذكر في مصباح الأنوار : أنّ البعثة الأربعة الحسن وابن عباس وعمّار وقيس كانت من ذي قار ومعهم كان الكتاب بعزل أبي موسى وتولية قرظة(3) .

وإلى هنا تيقنا بورود ابن عباس إلى الكوفة مكررا. فلنقرأ ما جرى له هو والوفد بمعيّة الإمام الحسن ( عليه السلام ) وكيف داوى ودارى أبا موسى الأشعري ذلك الأفن الماكر حتى تغلب عليه.

____________________

(1) راجع النص الثاني.

(2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم / 19 تح ـ هارون ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 246 ط مصر الأولى.

(3) مصباح الأنوار 2 / باب 34 مخطوط.


مع الأشعري في الكوفة :

قال الشيخ المفيد : « فلمّا وصلوا ـ الحسن وابن عباس وعمّار ـ الكوفة قال ابن عباس للحسن ولعمّار : انّ أبا موسى عاق فإذا رفقنا به ادركنا حاجتنا منه. فقالا : إفعل ما شئت.

ويبدو أنّ ابن عباس فتح له هذا التفويض والإذن باستعمال الإستدراج والخداع كما يسميه علماء البيان ، فعمد إلى مخادعة أبي موسى فقال له :

يا أبا موسى إنّ أمير المؤمنين عليّاً ( عليه السلام ) أرسلنا إليك لما يطرقه سرعتك إلى طاعة الله ( عزّ وجلّ ) ومصيرك إلى ما أحبّنا أهل البيت ، وقد علمت فضله وسابقته في الإسلام ، ويقول لك أن تبايع له الناس ، ويقرّك على عملك ويرضى عنك ، فانخدع أبو موسى وصعد عمّار وخطب ثمّ صعد الإمام الحسن ( عليه السلام ) وخطب وأبو موسى بعدُ على مراوغته. فكان دواؤه عند ابن عباس »(1) .

وقال الشيخ المفيد أيضاً : « وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كتب مع ابن عباس كتاباً إلى أبي موسى الأشعري وأغلظ فيه ، فقال ابن عباس : قلت في نفسي أقدم على رجل وهو أمير بمثل هذا الكتاب أن لا ينظر في كتابي. ونظرت أن أشقّ كتاب أمير المؤمنين وكتبت من عندي كتاباً عنه لأبي موسى :

أمّا بعد فقد عرفت مودتك إيانا أهل البيت ، وانقطاعك الينا وإنما نرغب إليك لما نعرف من حسن رأيك فينا ، فإذا أتاك كتابي فبايع لنا الناس والسلام

فدفعته إليه ، فلمّا قرأه أبو موسى قال لي : أنا الأمير أو أنت؟ قلت : أنت الأمير ، ( فانخدع أبو موسى وصعد المنبر )(2) ، فدعا الناس إلى بيعة عليّ ( فبايع

____________________

(1) كتاب الجمل / 124 ط الحيدرية سنة 1368 هـ.

(2) ما بين القوسين من حديث الشيخ المفيد الأوّل.


ساعة من النهار )(1) ، فلمّا بايع قمت وصعدت المنبر ، فرام إنزالي منه فقلت : أنت تنزلني عن المنبر؟ وأخذت بقائم سيفي فقلت : أثبت مكانك ، والله لئن نزلتُ إليك هذّبتك به.

فلم يبرح ، فبايعت الناس لعليّ ، وخلعت أبا موسى في الحال ، واستعملت مكانه قرظة بن كعب ( عبد الله ) الأنصاري. ولم أبرح من الكوفة حتى سيّرت في البر والبحر من أهلها سبعة آلاف رجل ولحقته بذي قار »(2) .

رحمك الله أبا العباس ، نعمت الخدعة ونعم الإستدراج ، وإنّها وقدة ذهن ونفوذ بصيرة تختبر بها الرجال ، فلمّا علمت دخيلة الأشعري تقدمت إليه بما استدرجته به حتى تملكت به مشاعره وملكت به قياده ، وكشفت للناس حقيقته حين أوقعته في الفخ ، فهو بالأمس يقول للناس : « إنّها فتنة صماء وعمياء تطأ في خطاها ، النائم فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ». واليوم يصعد المنبر ويدعو الناس إلى مبايعة الإمام!!

إنّه التناقض الّذي سلب ثقة الناس به وبدأ الناس يتجهزون للمسير ، وتهيأ رسُل الإمام للخروج إلى ذي قار ، وخفّ معهم كثير من أهل الكوفة فوردوا على الإمام وهو لم يزل بذي قار ينتظرهم ، ويبدو أنّ ابن عباس سبقهم بالخروج فوصل إلى الإمام فأخبره بما عليه الناس من الجد والعزم وأنّهم لاحقون به عن قريب ، فسرّه ذلك.

في ذي قار :

روى أبو مخنف عن الكلبي عن أبي صالح عن زيد بن عليّ عن ابن عباس قال : « لمّا نزلنا مع عليّ ( عليه السلام ) ذا قار قلت : يا أمير المؤمنين ما أقل من يأتيك من

____________________

(1) ما بين القوسين من حديث الشيخ المفيد الأوّل.

(2) كتاب الجمل / 126.


أهل الكوفة فيما أظن فقال : والله ليأتيني منهم ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً ، لا يزيدون ولا ينقصون.

قال ابن عباس : فدخلني والله من ذلك شك شديد في قوله ، وقلت في نفسي : والله إن قدموا لأعدنّهم ».

قال أبو مخنف : فحدّث ابن إسحاق عن عمّه عبد الرحمن بن يسار قال : « نفر إلى عليّ ( عليه السلام ) إلى ذي قار من الكوفة في البحر والبرستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً ، أقام عليّ بذي قار خمسة عشر يوماً ، حتى سمع صهيل الخيل وشحيج البغال حوله ، قال : فلمّا سار بهم منقلة(1) قال ابن عباس : والله لأعدنّهم فإن كانوا كما قال ، وإلاّ أتممتهم من غيرهم ، فإنّ الناس قد كانوا سمعوا قوله. قال : فعرضتهم فوالله ما وجدتهم يزيدون رجلاً ولا ينقصون رجلاً ، فقلت : الله أكبر! صدق الله ورسوله ، ثمّ سرنا ».

أقول : هاتان روايتان رواهما لنا أبو مخنف كلٌ بسند غير الآخر ، وحكاهما عنه ابن أبي الحديد(2) . ويبدو أنّ أبا مخنف لم يكن دقيقاً في نقله في المقام خصوصاً في سند الرواية الأولى الّتي رواها زيد بن عليّ عن ابن عباس! فإنّ ابن عباس مات سنة 68 من الهجرة وزيد بن عليّ ولد في سنة 80 من الهجرة أي بعد موت ابن عباس بما يقرب من اثنتي عشرة سنة فكيف يتصور روايته عنه!!

والصحيح أنّ زيد بن عليّ روى ذلك إلاّ أنّه لم يذكر روايته لها عن ابن عباس ، فهي كما رواها الشيخ المفيد نقلاً عن نصر ـ بن مزاحم ـ عن عمرو بن سعد عن الأجلح عن زيد بن عليّ قال : « لمّا أبطأ على عليّ ( عليه السلام ) خبر أهل البصرة وكانوا في فلاة ، قال عبد الله بن عباس : فأخبرت عليّاً بذلك ، فقال لي : أسكت

____________________

(1) المنقلة كمرحلة السفر زنة ومعنى ( القاموس المحيط ).

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 176.


يابن عباس فوالله ليأتينا في هذين اليومين من الكوفة ستة آلاف وستمائة رجل ، وليُغلبنّ أهل البصرة ، وليقتلنّ طلحة والزبير ، فوالله إنّني استشرف الأخبار واستقبلها ، حتى إذا أتى راكب فاستقبلته واستخبرته ، فأخبرني بالعدة الّتي سمعتها من عليّ ( عليه السلام ) لم تنقص برجل واحد »(1) .

قال الطبري في تاريخه(2) ، وقال ابن الأثير في الكامل بلفظ الثاني إلاّ ما بين القوسين من الأوّل : « وقيل : إنّ عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل. قال أبو الطفيل : سمعت عليّاً يقول ذلك قبل وصولهم فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلاً ولا نقصوا رجلاً.

وكان على كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي ، وكان على سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار ، وعلى بكر وتغلب وعلة بن محدوج الذهلي ، وكان على مذحج والاشعريين حجر بن عدي ، وعلى بجيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي ، فقدموا على أمير المؤمنين بذي قار ، فلقيهم في ناس معه فيهم ابن عباس فرحّب بهم وقال : يا أهل الكوفة أنتم قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت اليكم مواريثهم ، فمنعتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم ، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا اخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فذاك الّذي نريد ، وإن يلجّوا داويناهم بالرفق ( وباينّاهم ) حتى يبدؤنا بظلم ، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلاّ آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله ، واجتمعوا عنده بذي قار ، وعبد القيس بأسرها في الطريق بين عليّ والبصرة ينتظرونه وهم ألوف ( وفي الماء ألفان وأربعمائة ) »(3) .

____________________

(1) كتاب الجمل / 141 ط الحيدرية سنة 1368.

(2) تاريخ الطبري 4 / 487 ط دار المعارف.

(3) الكامل 3 / 98 ط بولاق.


وفي ذي قار كان خبر الصحيفة الّتي رآها ابن عباس عند الإمام ، والّتي حدّث عنها بعد أكثر من ربع قرن وذلك في سنة 61 من الهجرة لمّا بلغه الخبر بمقتل الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته.

والخبر كما رواه المجلسي نقلاً عن فضائل ابن شاذان بالإسناد عن سليم بن قيس أنّه قال : « لمّا قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( عليهم السلام ) بكى ابن عباس بكاءً شديداً ثمّ قال : ما لقيت هذه الأمة بعد نبيّها ، اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب ولولده ولي ، ولعدوه عدو ، ومن عدوّ ولده بريء ، وأنّي سلم لأمرهم ، ولقد دخلت على ابن عم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بذي قار فأخرج لي صحيفة وقال لي : يا بن عباس هذه صحيفة أملاها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وخطي بيدي ، فقلت : يا أمير المؤمنين إقرأها عليّ ، فقرأها وإذا فيها كلّ شيء منذ قبض رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). وكيف يقتل الحسين ( عليه السلام ) ومَن يقتله ومَن ينصره ومَن يستشهد معه ، وبكى بكاءً شديداً وأبكاني ، وكان فيما قرأه كيف يصنع به ، وكيف تستشهد فاطمة ( عليها السلام ) ، وكيف يستشهد الحسن ( عليه السلام ) ، وكيف تغدر به الأمة ، فلمّا قرأ مقتل الحسين ( عليه السلام ) ومَن يقتله أكثر البكاء ، ثمّ أدرج الصحيفة وفيها ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.

وكان فيما قرأ أمر أبي بكر وعمر وعثمان ، وكيف يملك كلّ إنسان منهم ، وكيف يقع على عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ووقعة الجمل ومسير عائشة والزبير. ووقعة صفين ومَن يقتل بها. ووقعة النهروان وأمر الحكمين وملك معاوية ، ومَن يقتل من الشيعة ، وما تصنع الناس بالحسن ( عليه السلام ) ، وأمر يزيد بن معاوية ، حتى أنتهى إلى قتل الحسين ( عليه السلام ) ، فسمعت ذلك ، فكان كما قرأ لم يزد ولم ينقص. ورأيت خطه في الصحيفة لم يتغير ولم يعفّر ، فلمّا أدرج الصحيفة ، قلت : يا أمير المؤمنين لو كنت قرأت على بقية الصحيفة؟ قال : لا ، ولكن أحدّثك بما فيها من أمر بنيك وولدك ،


وهو أمر فظيع من قتلهم لنا وعداوتهم لنا وسوء ملكهم وشؤم قدرتهم ، فأكره أن تسمعه فتغتّم ، ولكني أحدّثك : أخذ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عند موته بيدي ففتح لي ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب ، وأبو بكر وعمر ينظران إليَّ وهو يشير إليَّ بذلك ، فلمّا خرجت ، قالا لي : ما قال لك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ فحدثتهما بما قال لي ، فحرّكا أيديهما ثمّ حكيا قولي ، ثمّ ولّيا. يا بن عباس إنّ ملك بني أمية إذا زال أوّل من يملك ولدك من بني هاشم فيفعلون الأفاعيل.

قال ابن عباس : لأن نسخت ذلك الكتاب فلهو أحب إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس »(1) .

وقال ابن أعثم : « فاجتمع الناس بذي قار مع عليّ بن أبي طالب ستة آلاف من أهل المدينة وأهل مصر وأهل الحجاز ، وتسعة آلاف من أهل الكوفة ، وجعل الناس يجتمعون حتى صاروا في تسعة عشر ألف رجل من فارس وراجل. وسار عليّ ( رضي الله عنه ) من ذي قار يريد البصرة في جميع أصحابه ، والناس يتلاحقون به من كلّ أوب »(2) .

وأخرج الطبراني عن الأجلح بن عبد الله عن زيد بن عليّ عن أبيه عن ابن عباس قال : « لمّا بلغ أصحاب عليّ حين ساروا إلى البصرة قد أجتمعوا لطلحة والزبير شقّ عليهم ووقع في قلوبهم. فقال عليّ : والّذي لا إله غيره ليظهرنّ على أهل البصرة ، وليقتلنّ طلحة والزبير ، وليخرجنّ اليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلاً ـ أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلاً ـ شك الأجلح.

____________________

(1) البحار 8 / باب إخبار الله تعالى نبيّه ، وإخبار النبيّ بما جرى على أهل بيته من الظلم والعدوان ، نقلاً عن فضائل ابن شاذان / 131 ط حجرية ، والروضة ملحقاً بعلل الشرائع / 141.

(2) الفتوح 2 / 293.


قال ابن عباس : فوقع ذلك في نفسي ، فلمّا أتى أهل الكوفة خرجت فقلت لأنظرنّ ، فإن كان كما تقوّل فهو أمر سمعه ، وإلاّ فهي خديعة حرب ، فلقيت رجلاً من الجيش فسألته ، فوالله ما عتم أن قال ما قال عليّ. قال ابن عباس : وهو ممّا كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يخبره »(1) .

وأخرج المفيد والطوسي عن المنهال بن عمرو قال : « أخبرني رجل من تميم قال : كنا مع عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) بذي قار ونحن نرى أنّا سنتخطّف في يومنا فسمعته يقول : والله لنظهرنّ على هذه الفرقة ، ولنقتلن هذين الرجلين ـ يعني طلحة والزبير ـ ولنستبيحنّ عسكرهما ، قال التميمي : فأتيت إلى عبد الله بن عباس فقلت : أما ترى إلى ابن عمك وما يقول؟ فقال : لا تعجل حتى تنظر ما يكون. فلمّا كان من أمر البصرة ما كان أتيته فقلت : لا أرى ابن عمك إلاّ قد صدق فقال : ويحك إنّا كنّا نتحدّث اصحاب محمّد أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عهد إليه ثمانين عهداً لم يعهد شيئاً منها إلى أحد غيره ، فلعل هذا ممّا عهد إليه »(2) .

إلى البصرة :

قال الشيخ المفيد : « وروى إسماعيل بن عبد الملك بن يحيى بن شبل عن أبي جعفر محمّد بن عليّ ( عليه السلام ) قال : لمّا سار عليّ من ذي قار قاصداً البصرة حتى نزل الخريبة في أثني عشر ألف. وعلى الميمنة عمّار بن ياسر في ألف رجل وعلى الميسرة مالك الأشتر في ألف رجل ، ومعه في نفسه عشرة آلاف رجل ،

____________________

(1) المعجم الكبير 10 / 305.

(2) آمالي المفيد / 335 ط دار المفيد ، آمالي الطوسي 1 / 112 ط النعمان وقارن بشارة المصطفى / 247 ، وكشف الغمة للإربلي 1 / 368 ط منشورات الشريف الرضي بقم ، وينابيع المودة / 78 ط اسلامبول.


وخرج إليه من البصرة ألفا رجل ، وخرجت إليه ربيعة كلّها إلاّ مالك بن مسمع منها ، وجاءته عبد القيس بأجمعها سوى رجل واحد تخلف عنها ، وجاءته بنو بكر يرأسهم شقيق بن ثور السدوسي ، ورأس عبد القيس عمر بن جرموس العبدي ، وأتاه المهلب بن أبي صفرة فيمن تبعه من الأزد اهـ »(1) .

وقد روى المسعودي : بسنده عن المنذر بن الجارود العبدي قال : « لمّا قدم عليّ ( رضي الله عنه ) البصرة ، دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية ، فخرجت أنظر إليه ، فورد موكب في نحو ألف فارس ـ ثمّ ذكر أصحاب الألوية إلى أن قال ـ : ثمّ مرّ بنا فارس آخر على فرس أشهل ، ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء ، قد سدلها من بين يديه بلواء ، قلت : من هذا؟ قيل هو عبد الله بن العباس في عدة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم »(2) .

ويقرب من هذا الوصف ما رواه محمّد بن زكريا الغلابي المتوفي سنة 298 هـ في كتابه الجمل بسنده عن معن بن عيسى أبي عيسى بن معن العبدي قال : « حدثني أبي قال : حدثني شيخاننا وعجائزنا قالوا : لمّا قدم عليّ بن أبي طالب ـ ( عليه السلام ) ـ البصرة دخل من الزاوية ، فجلسنا على سطوح لنا وفي طرقنا ننظر إليهم فمر راكب ـ إلى أن قال ـ : فمر بنا فارس آخر ما رأينا أحسن منه وجهاً ، عليه عمامة سوداء متقلداً سيفاً ، متنكّبا قوساً ، وبيده لواء أبيض ، فقلنا من هذا؟ فقيل : عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وهذا معه لواء رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم »(3) .

____________________

(1) كتاب الجمل / 142 ط الحيدرية سنة 1368 هـ.

(2) مروج الذهب 2 / 368 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(3) وقعة الجمل / 30.


ولحديث المنذر بن الجارود العبدي عند المسعودي ، وحديث معن بن عيسى العبدي عند الغلاّبي. دلالة على ان الطريق السالك لجيش الإمام كان يمرّ ببني عبد القيس ، كما لهما دلالة على التنظيم في تصنيف القادة والمتبوعين من حيث ألوان اللباس وألوان الألوية وألوان الخيل بأوصاف رائعة.

وقد روى ذلك الوصف من المتأخرين شارح شافية أبي فراس(1) ومحمّد تقي خان حكيم(2) والسيد الأمين(3) .

وقال المسعودي : « فساروا حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية ، فصلى ـ يعني الإمام ـ أربع ركعات وعفّر خديه على التراب ، وقد خالط ذلك دموعه ، ثمّ رفع يديه يدعو : اللّهمّ ربّ السموات وما أظلّت ، والأرضين وما أقلّت ، وربّ العرش العظيم ، هذه البصرة أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرّها ، اللّهمّ أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين ، اللّهمّ ان هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي ، وبغوا عليَّ ونكثوا بيعتي ، اللّهمّ احقن دماء المسلمين.

وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء ، وقال : علام تقاتلونني؟ فأبوا إلاّ الحرب »(4) .

وروى الطبري بسنده عن قتادة قال : « سار عليّ من الزاوية يريد طلحة والزبير وعائشة ، وساروا من الفُرضة يريدون عليّاً ، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد في النصف من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين يوم الخميس »(5) .

____________________

(1) شرح الشافية / 79 ط حجرية.

(2) كنج دانش / 117 ط ايران.

(3) أعيان الشيعة 1 / 39.

(4) مروج الذهب 2 / 370 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(5) تاريخ الطبري 4 / 501 ط المعارف.


سفارات إبن عباس لحقن الدماء :

( الأولى ) قال ابن أعثم : « فلمّا كان من الغد دعا عليّ ( رضي الله عنه ) بزيد بن صوحان وعبد الله بن عباس فقال لهما : امضيا إلى عائشة فقولا لها : ألم يأمركِ الله تبارك وتعالى أن تقرّي في بيتك؟ فخُدعتِ وانخدعتِ ، واستُنفرتِ فنفرتِ ، فاتقي الله الّذي إليه مرجعكِ ومعادكِ ، وتوبي إليه فإنّه يقبل التوبة عن عباده ، ولا يحملنّكِ قرابة طلحة وحبّ عبد الله بن الزبير على الأعمال الّتي تسعى بكِ إلى النارِ.

قال ابن أعثم : فانطلقا اليها وبلّغاها رسالة عليّ ( رضي الله عنه ) فقالت عائشة : ما أنا برادّة عليكم شيئاً ، فإنّي أعلم أنّي لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب »(1) .

وجاء أيضاً في المناقب لابن شهر اشوب فقال ابن عباس : « لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق؟

فرجعا إلى الإمام وأخبراه فقال ( عليه السلام ) : الله المستعان »(2) .

( الثانية ) قال المفيد في كتاب الجمل : « ثمّ دعا عبد الله بن عباس فقال : انطلق إليهم فناشدهم وذكّرهم العهد الّذي لي في رقابهم »(3) .

مع طلحة :

قال ابن عباس : « جئتهم فبدأت بطلحة فذكّرته العهد. فقال لي : يا بن عباس والله لقد بايعت عليّاً واللج(4) على رقبتي ، فقلت له إنّي رأيتك بايعت طائعاً ، أو لم يقل لك عليّ قبل بيعتك له إن أحببتَ أبايعك؟ فقلت : لا بل نحن نبايعك.

____________________

(1) الفتوح 2 / 306.

(2) مناقب ابن شهر اشوب 3 / 339.

(3) الجمل / 150.

(4) اللج : السيف تشبيهاً بلجّ الماء ( المنجد ).


فقال طلحة : إنّما قال لي ذلك وقد بايعه قوم فلم استطع خلافهم ، والله يا بن عباس انّ القوم الّذين معه يغرّونه إن لقيناه فسيسلمونه ، أما علمت يا بن عباس اني جئت إليه والزبير ولنا من الصحبة ما لنا مع رسول الله والقِدم في الإسلام ، وقد أحاط به الناس قياماً على رأسه بالسيوف ، فقال لنا : ـ بهزل ـ إن أحببتما بايعت لكما ، فلو قلنا نعم ، أفتراه يفعل وقد بايع الناس له؟ فيخلع نفسه ويبايعنا لا والله ما كان يفعل ، وحتى يغري بنا مَن لا يرى لنا حرمة ، فبايعناه كارهين. وقد جئنا نطلب بدم عثمان ، فقل لابن عمك إن كان يريد حقن الدماء وإصلاح أمر الأمة ، فليمكننا من قتلة عثمان فهم معه ، ويخلع نفسه ويردّ الأمر ليكون شورى بين المسلمين ، فيولّوا من شاؤا ، فإنّما عليّ رجل كاحدنا ، وإن أبى أعطيناه السيف ، فما له عندنا غير هذا.

قال ابن عباس : يا أبا محمّد لست تنصف ( ألست تتعسف؟ ) ألم تعلم أنّك حصرت عثمان حتى مكث عشرة أيام يشرب ماء بئره وتمنعه من شرب الفرات ـ القراح ـ حتى كلّمك عليّ في أن تخلّي الماء له وأنت تأبى ذلك ، ولمّا رأى أهل مصر فعلك وأنت صاحب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه.

ثمّ بايع الناس رجلاً له من السابقة والفضل والقرابة برسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والبلاء العظيم ما لا يُدفع ، وجئت أنت وصاحبك طائعَين غير مكرهين حتى بايعتما ثمّ نكثتما.

فعجبٌ والله اقرارك لأبي بكر وعمر وعثمان بالبيعة ، ووثوبك على عليّ بن أبي طالب ، فوالله ما عليّ دون أحدٍ منهم ، وأمّا قولك : يمكنني من قتلة عثمان ، فما يخفى عليك مَن قتل عثمان ، وأمّا قولك : ان أبى عليّ فالسيف ، فوالله إنّك تعلم أنّ عليّاً لا يخوّف.

فقال طلحة : إيهاً الآن عنا من جدالك.


قال ـ ابن عباس ـ فخرجت إلى عليّ وقد دخل البيوت بالبصرة ، فقال : ماوراء؟ فأخبرته الخبر ، فقال : اللّهمّ افتح بيننا بالحقّ وأنت خير الفاتحين.

مع عائشة :

ثمّ قال : ارجع إلى عائشة ، واذكر لها خروجها من بيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وخوّفها من الخلاف على الله ( عزّ وجلّ ) ونبذها عهد النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وقل لها : إنّ هذه الأمور لا تصلحها النساء ، وأنّك لم تؤمري بذلك ، فلم يرض بالخروج عن أمر الله في تبرّجك ببيتك الّذي أمرك النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالمقام فيه ، حتى أخرجت إلى البصرة فقتلتِ المسلمين ، وعمدتِ إلى عمّالي فأخرجتهم ، وفتحتِ بيت المال ، وأمرتِ بالتنكيل بالمسلمين ، وأمرتِ بدماء الصالحين فأريقت فراقبي الله ( عزّ وجلّ ) فقد تعلمين أنّك كنتِ أشد الناس على عثمان فما هذا ممّا وقع؟

قال ابن عباس : فلمّا جئتها وأدّيت الرسالة وقرأت كتاب عليّ ( عليه السلام ) عليها.

قالت : يا بن عباس ابن عمك يرى أنّه قد تملّك البلاد ، لا والله ما بيده منها شيء إلاّ وبيدنا أكثر منه.

فقلت : يا أماه إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) له فضل وسابقة في الإسلام وعظم وعناء.

قالت : ألا تذكر طلحة وعناه يوم أحد؟

قال : فقلت لها والله ما نعلم أحداً أعظم عناءً من عليّ ( عليه السلام ).

قالت : أنت تقول هذا ومع عليّ أشباه كثيرة.

قلت لها : الله الله في دماء المسلمين.

قالت : وأي دم يكون للمسلمين إلاّ أن يكون عليّ يقتل نفسه ومن معه.

قال ابن عباس : فتبسمت ، فقالت : ممّا تضحك يا بن عباس؟

فقلت : والله معه قوم على بصيرة من أمرهم يبذلون مهجهم دونه.


قالت : حسبنا الله ونعم الوكيل.

مع الزبير وابنه :

قال ـ ابن عباس ـ : وقد كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أوصاني أن ألقى الزبير ، وإن قدرت أن أكلّمه وابنه ليس بحاضر ، فجئت مرة أو مرتين كلّ ذلك أجده عنده ، ثمّ جئت مرة أخرى فلم أجده عنده ، فدخلت عليه ، وأمر الزبير مولاه سرجس أن يجلس على الباب ، ويحبس عنا الناس. فجعلت أكلّمه فقال : عصيتم إن خولفتم ، والله لتعلمنّ عاقبة ابن عمك ، فعلمت أنّ الرجل مغضّب فجعلت ألاينه فيلين مرة ويشتد أخرى ، فلمّا سمع سرجس ذلك أنفذ إلى عبد الله بن الزبير ، وكان عند طلحة ، فدعاه فأقبل سريعاً حتى دخل علينا فقال : يا بن عباس دع بيّنات الطريق ، بيننا وبينكم عهد خليفة ، ودم خليفة ، وانفراد واحد واجتماع ثلاثة ، وأم مبرورة ، ومشاورة العامة.

قال ـ ابن عباس ـ : فأمسكت ساعة لا أكلّمه ثمّ قلت : لو أردت أن أقول لقلت.

فقال ابن الزبير : ولم تؤخر ذلك وقد لحم الأمر وبلغ السيل الزبى.

قال ابن عباس : فقلت أمّا قولك : عهد خليفة ، فإنّ عمر جعل المشورة إلى ستة نفر ، فجعل النفر أمرهم إلى رجل منهم يختار لهم منهم ويخرج نفسه منها ، فعرض الأمر على عليّ ( وعلى عثمان ) فحلف عثمان وأبى عليّ أن يحلف ، فبايع عثمان ، فهذا عهد خليفة.

وأمّا دم خليفة : فدمه عند أبيك ، لا يخرج أبوك من خصلتين : إمّا قتل أو خذل.

وأمّا انفراد واحد واجتماع ثلاثة ، فإنّ الناس لمّا قتلوا عثمان فزعوا إلى عليّ ( عليه السلام ) فبايعوه طوعاً وتركوا أباك وصاحبَه ولم يرضوا بواحد منهما.


وأمّا قولك : إنّ معكم أماً مبرورة ، فإنّ هذه الأم أنتما أخرجتماها من بيتها ، وقد أمرها الله أن تقرّ فيه. فأبيت أن تدعها ، وقد علمتَ أنت وأبوك أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حذّرها من الخروج وقال : يا حميراء إياك أن تنبحك كلاب الحوأب ، وكان منه ما قد رأيت.

وأمّا دعواك مشاورة العامة ، فكيف يشاور فيمن قد أُجمع عليه ، وأنت تعلم أنّ أباك وطلحة بايعاه طائعَينَ غير كارهَين.

فقال ابن الزبير : الباطل والله ما تقول يا بن عباس ، وقد سُئل عبد الرحمن بن عوف عن أصحاب الشورى فكان صاحبكم أخسّهم عنده ، وما أدخله عمر في الشورى إلاّ وهو يعرفه ، ولكنه خاف فتنة في الإسلام.

وأمّا قتل خليفة فصاحبك كتب إلى الآفاق حتى قدموا عليه ثمّ قتلوه وهو في داره بلسانه ويده وأنا معه أقاتل دونه حتى جُرحتُ بضعة عشر جُرحاً.

وأمّا قولك إنّ عليّاً بايعه الناس طائعين ، فوالله ما بايعوه إلاّ كارهَين والسيف على رقابهم ، غصبهم أمرهم. فقال الزبير : دع عنك ما ترى يا بن عباس ، جئتنا لتوفينا؟

فقال له ابن عباس : أنتم طلبتم هذا ، والله ما عددناكم قط إلاّ منّا بني هاشم في برّك لأخوالك ومحبّتك لهم ، حتى أدرك ابنك هذا فقطع أرحامهم.

فقال الزبير : دع عنك هذا. فرجع ابن عباس وأخبر الإمام بإصرار القوم على الخلاف ، فلم يبرح الإمام يبعث مَن يعظهم ويحذرهم مغبّة العواقب ، وكان أكثر رُسله سفارة هو ابن عمه عبد الله بن عباس.

( الثالثة ) فقد دخل على عائشة بالبصرة قال : فذكّرتها هذا الحديث ـ يعني به حديثها معه يوم الصلصل وقد مرّ في الجزء الأوّل ـ فقالت : ذاك المنطق الّذي تكلمت به يومئذ هو الّذي أخرجني ، لم أر لي توبة إلاّ الطلب بدم عثمان ، ورأيت أنّه قتل مظلوماً.


قال ابن عباس : فقلت لها : فأنتِ قتلتيه بلسانك ، فأين تخرجين ، توبي وأنتِ في بيتكِ أو أرضي ولاة دم عثمان ولده.

قالت دعنا من جدالك فلسنا من الباطل في شيء.

( الرابعة ) قال الشريف الرضي في نهج البلاغة : « من كلام له ( عليه السلام ) لابن عباس لمّا أرسله إلى الزبير يستفيئُه إلى طاعته قبل حرب الجمل : ( لا تلقينّ طلحة ، فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه ، يركب الصعبَ ويقول هو الذلول ، ولكن ألقَ الزبير ، فإنّه ألين عريكة ، فقل له يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق ، فما عَدا ممّا بدا؟ ).

قال الرضي : أقول : هو أوّل من سُمعت منه هذه الكلمة أعني ( فما عدا ممّا بدا ).

قال الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس قال : « فأتيت الزبير فوجدته في بيت يتروّح في يوم حار ، وعبد الله ابنه عنده فقال : مرحباً بك يا بن لبابة ، أجئت زائراً أم سفيراً؟ قلت : كلاً ان ابن خالك يقرأ عليك السلام ـ ( وذكر الرسالة ) ويقول لك يا أبا عبد الله كيف عرفتنا بالمدينة وأنكرتنا بالبصرة. فقال :

علقتهم أنّي خلفت عصبة

قتادة تعلقت بنشبة

لن أدعهم حتى أولّف بينهم. قال ـ ابن عباس ـ فأردت منه جواباً غير ذلك فقال لي ابنه عبد الله قل له بيننا وبينك دم خليفة قال : فعلمت أنّه ليس وراء هذا الكلام إلاّ الحرب فرجعت إلى عليّ ( عليه السلام ) فأخبرته »(1) .

____________________

(1) قال الزبير بن بكار : هذا الحديث كان يرويه عمي مصعب ثمّ تركه وقال : إني رأيت جدي أبا عبد الله الزبير بن العوام في المنام وهو يعتذر من يوم الجمل ، فقلت له كيف تعتذر منه وأنت القائل : علقتهم أنّى خلفت عصبة قتادة تعلقت بنشبة ، لن أدعهم حتى أولّف بينهم؟ فقال : لم أقله. وهذا من النصوص الضائعة من كتاب الموفقيات المطبوع ولم


أقول : قال السيد عليخان المدني الشيرازي(1) : « وروى أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : من كان له ابن عم مثل ابن عباس فقد أقرّ الله عينه ».

وكلمة الإمام « فما عدا ممّا بدا » لم يقلها أحد قبله. قال ابن خلكان(2) : « وفي وقعة الجمل قبل مباشرة الحرب أرسل عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ابن عمه عبد الله بن العباس ( رضي الله عنهما ) إلى طلحة والزبير ( رضي الله عنهما ) برسالة يكفّهما عن الشروع في القتال ، ثمّ قال له : لا تلقينّ طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً أنفه يركب الصعب ويقول هو الذلول ، ولكن القَ الزبير فإنّه ألين عريكة منه ، وقل له : يقول ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا ممّا بدا؟ قال ابن خلكان : وعليّ ( رضي الله عنه ) أوّل من نطق بهذه الكلمة فأخذ ابن المعلم المذكور هذا الكلام وقال :

منحوه بالجزع الكلام وأعرضوا

بالغور عنه « فما عدا ممّا بدا »

وهذا القول من جملة قصيدة طويلة ».

( الخامسة ) قال ابن أبي الحديد : « وقد روى المدائني قال : بعث عليّ ( عليه السلام ) ابن عباس يوم الجمل إلى الزبير قبل الحرب فقال له : إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لكم : ألم تبايعني طائعاً غير مكرَه فما الّذي رابَك مني فاستحللت به قتالي؟ قال فلم يكن له جواب إلاّ انه قال : إنا مع الخوف الشديد لنطمع ، لم يقل غير ذلك.

____________________

يستدركه المحقق ، وقد بلغ ما استدركته عليه أربعة عشر نصاً ، وقد ذكر هذه الرسالة المفضل بن سلمة في الفاخر / 301 ط مصر وابن عبد ربه في العقد الفريد 4 / 314 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(1) الدرجات الرفيعة / 108.

(2) وفيات الأعيان في ترجمة أبي الغنائم الواسطي المعروف بابن المعلم المتوفى سنة 592.


قال أبو إسحاق ـ الراوي للخبر ـ فسألت محمّد بن عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) ما تراه يعني بقوله هذا؟ فقال : والله ما تركت ابن عباس حتى سألته عن هذا؟ فقال يقول : إنّا مع الخوف الشديد ممّا نحن عليه نطمع أن نلي مثل الّذي ولّيتم »(1) .

وقد روى هذه السفارة كلّ من الجاحظ في البيان والتبيين عن عبد الله بن مصعب(2) ، ورواها أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني بأسانيد متعددة ، ولعل روايته أوسع ممّا مرّ ، وإليك نصها قال : « حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي الكوفي ، وجعفر بن محمّد بن الحسن العلوي الحسني ، والعباس بن عليّ بن العباس ، وأبو عبيد الصيرفي قالوا : حدثنا محمّد بن عليّ بن خلف العطار قال حدثنا عمرو بن عبد الغفار عن سليمان النوري عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) قال : حدّثني ابن عباس قال قال لي عليّ صلوات الله عليه : إئت الزبير فقل له يقول لك عليّ بن أبي طالب نشدتك الله ألستَ قد بايعتني طائعاً غير مكره فما الّذي أحدثت فاستحللتَ به قتالي.

وقال أحمد بن يحيى في حديثه : قل لهما : إنّ أخاكما يقرأ عليكما السلام ويقول : هل نقمتما عليّ جوراً في حكم أو استئثاراً بفيء؟ فقالا : لا ولا واحدة منهما ، ولكن الخوف وشدة الطمع.

وقال محمّد بن خلف في خبره : فقال الزبير : مع الخوف شدة المطامع(3) . فأتيت عليّاً ( عليه السلام ) فأخبرته بما قال الزبير ، فدعا بالبغلة فركبها وركبت معه فدنوا حتى اختلفت أعناق دابتيهما ، فسمعت عليّاً صلوات الله عليه يقول : نشدتك الله يا زبير ، أتعلم أنّي كنت أنا وأنت في سقيفة بني فلان تعالجني وأعالجك فمر بي ـ

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 499.

(2) البيان والتبيين 3 / 221 تح ـ عبد السلام محمّد هارون ط الأولى.

(3) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 267 ط باكستان.


يعني النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : كأنّك تحبّه ، فقلتُ : وما يمنعني قال : أما انّه ليقاتلنك وهو لك ظالم؟

فقال الزبير : اللّهمّ نعم ذكرتني ما نسيت ، وولّى راجعاً »(1) .

وروى البلاذري ، والذهبي ، وابن عساكر في تاريخه واللفظ له : « انّ ابن عباس قال للزبير يوم الجمل : يا بن صفية هذه عائشة تمتلك الملك لطلحة وأنت على ماذا تقاتل قريبك؟ فرجع »(2) .

( السادسة ) وهي آخر مرة لإتمام الحجة ، وللإعذار قبل الإنذار وقبل أن يسبق السيف العَذل ، فقد أرسله الإمام إلى الناكثين وهو يحمل مصحفاً منشوراً يدعوهم إلى ما فيه.

قال محمّد بن إسحاق : « حدّثني جعفر بن محمّد ـ الصادق ـ عن أبيه ـ الباقر ( عليهما السلام ) عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : بعثني عليّ ( عليه السلام ) يوم الجمل إلى طلحة والزبير وبعث معي بمصحف منشور ، وان الريح لتصفق ورقه. فقال لي : قل لهما : هذا كتاب الله بيننا وبينكم فما تريدان. فلم يكن لهما جواب إلاّ أن قالا : نريد ما أراد ، كأنّهما يقولان الملك ، فرجعت إلى عليّ فأخبرته »(3) .

ولهذه السفارة حديث أوفى فيما رواه الشيخ المفيد في كتاب الجمل قال : « ثمّ إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رحل بالناس إلى القوم غداة الخميس لعشر مضين

____________________

(1) الأغاني 16 / 127 ط الساسي. وفي تاريخ الطبري 5 / 204 حوادث سنة 36 ط الحسينية : ( قال له : كنا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك وعظم عليه أشياء فذكر ان النبيّ ( ص ) مرّ عليهما فقال لعلي : ما يقول ابن عمّك ليقاتلنك وهو لك ظالم ).

(2) تهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 367 ط دار المسيرة بيروت ، أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) / 252 تح ـ المحمودي ، تاريخ الإسلام 2 / 151 ط القدسي.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 499 ط مصر الأولى.


من جمادي الأولى ، وعلى ميمنته الأشتر وعلى ميسرته عمّار بن ياسر ، وأعطى الراية محمّد بن الحنفية ابنه ، وسار حتى وقف موقفاً ثمّ نادى في الناس : ( لا تعجلوا حتى أعذر إلى القوم ). ودعا عبد الله بن العباس فاعطاه المصحف وقال : ( امض بهذا المصحف إلى طلحة والزبير وعائشة ، وادعهم إلى ما فيه ، وقل لطلحة والزبير : ألم تبايعاني مختارَين فما الّذي دعاكما إلى نكث بيعتي ، وهذا كتاب الله بيني وبينكما ).

قال عبد الله بن العباس : فبدأت بالزبير وكان عندي أبقاهما علينا ، وكلّمته في الرجوع ، وقلت له : إنّ أمير المؤمنين يقول لك : ألم تبايعني طائعاً فبم تستحل قتالي ، وهذا المصحف وما فيه بيني وبينك فإن شئت تحاكمنا إليه.

قال : ارجع إلى صاحبك فإنّا بايعنا كارهَين وما لي حاجة في محاكمته.

فانصرفت عنه إلى طلحة ، والناس يشتدون والمصحف في يدي ، فوجدته قد لبس الدرع وهو محتب بحمائل سيفه ودابته واقفة. فقلت له : إنّ أمير المؤمنين يقول لك ما حملك على الخروج وبما استحللت نقض بيعتي والعهد عليك؟

قال : خرجت أطلب بدم عثمان ، أيظن أبن عمك انه قد حوى على الأمر حين حوى على الكوفة وقد والله كتبت إلى المدينة يؤخذ لي بمكة.

فقلت له : أتق الله يا طلحة فإنّه ليس لك أن تطلب بدم عثمان وولده أولى بدمه منك ، هذا أبان بن عثمان ما ينهض في طلب دم أبيه.

قال طلحة : نحن أقوى على ذلك منه ، قتله ابن عمك وابتزّ أمرنا.

فقلت له : اذكرك الله في المسلمين وفي دمائهم ، وهذا المصحف بيننا وبينكم ، والله ما أنصفتم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إذ حبستم نساءكم في بيوتكم ، وأخرجتم حبيسة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فأعرض عني ، ونادى أصحابه ناجزوا القوم فإنكم لا تقومون لحجاج ابن أبي طالب.


فقلت : يا أبا محمّد أبالسيف تخوّف ابن أبي طالب ، أما والله ليعاجلنك للسيف.

فقال : ذلك بيننا وبينكَ.

قال : فانصرفت عنهما إلى عائشة وهي في هودج مدقق بالدفوف(1) على جملها عسكر ، وكعب بن سور القاضي آخذ بخطامه ، وحولها ألازد وضبّة ، فلمّا رأتني قالت : ما الّذي جاء بك يا بن عباس؟ والله لا سمعت منك شيئاً ، ارجع إلى صاحبك فقل له : ما بيننا وبينك إلاّ السيف ، وصاح مَن حولها : ارجع يا بن عباس لا يسفك دمك.

فرجعت إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأخبرته الخبر وقلت : ما تنتظر والله ما يعطيك القوم إلاّ السيف فاحمل إليهم قبل أن يحملوا عليك. فقال : ( لنستظهر بالله عليهم ) ، قال ابن عباس : فوالله ما رمت من مكاني حتى طلع عليَّ نشّابهم كأنّه جراد منتشر ، فقلت : ما ترى يا أمير المؤمنين إلى ما يصنع القوم ، مرنا ندفعهم ، فقال : ( حتى أعذر إليهم ثانية ) ، ثمّ قال : ( من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إليه وهو مقتول وأنا ضامن له على الله الجنة ) ، فلم يقم أحد إلاّ غلام عليه قباء أبيض حدث السنّ من عبد القيس ، يقال له مسلم كأنّي أراه ، فقال : أنا أعرضه يا أمير المؤمنين عليهم وقد احتسبت نفسي عند الله تعالى.

فأعرض عنه ( عليه السلام ) إشفاقاً عليه ، ونادى ثانية : ( من يأخذ هذا المصحف ويعرضه على القوم ، وليعلم أنه مقتول وله الجنة ) ، فقام مسلم بعينه وقال : أنا أعرضه ، ونادى ثالثة فلم يقم غير الفتى.

فدفع المصحف إليه وقال : امضِ إليهم واعرضه عليهم ، وادعهم إلى ما فيه.

____________________

(1) أي مثبت بالسرج.


فأقبل الغلام حتى وقف بأزاء الصفوف ونشر المصحف وقال : هذا كتاب الله ( عزّ وجلّ ) وأمير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه. فقالت عائشة : اشجروه بالرماح قبّحه الله ، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كلّ جانب ، وكانت أمه حاضرة فصاحت وطرحت نفسها عليه وجرّته من موضعه ، ولحقها جماعة من عسكر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أعانوها على حمله ، حتى طرحته بين يدي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهي تبكي وتقول :

يا ربّ إنّ مسلماً دعاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم

يأمر بالمعروف من مولاهم

فخضّبوا من دمه قناهم

وأمهم قائمة تراهم

تأمرهم بالقتل لا تنهاهم(1)

ولم يبرح إذ جاء من الميمنة عبد الله بن عباس ومعه عبد الله بن بديل ، يحملان ابناً لابن بديل ـ أو أخاً له ـ قد قتل بسهام القوم الطائشة ، فقال ابن بديل : حتى متى يا أمير المؤمنين ندلي نحورنا للقوم يقتلونا رجلاً رجلاً ، قد والله أعذرتَ إن كنت تريد الإعذار.

وعندها تهيأ للحرب ورفع يديه إلى السماء وقال : ( اللّهمّ إليك شخصت الأبصار ، وأفضت القلوب وأتقرب إليك بالأعمال ، ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين ) ، وأعطى الراية ولده محمّد ابن الحنفية ، ثمّ نادى : ( أيّها الناس لا تقتلوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تهيجوا امرأة ، ولا تمثلوا بقتيل ) ، فبينما يوصي أصحابه إذ أظلّتهم نبال القوم فقتل رجل من أصحابه فقال : اللّهمّ اشهد.

____________________

(1) قارن الطبري 4 / 511 ـ 512 ط دار المعارف ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 431 ، والفتوح لابن أعثم 2 / 313 ، وأنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 240 ـ 241 تح ـ المحمودي.


ـ قال المفيد : ـ ودعا بدرعه البتراء ولم يلبسها بعد النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلاّ يومئذ ، فكان بين كتفيه منها متوهّياً فجاء وفي يده شسع نعل ، فقال له ابن عباس ( رضي الله عنه ) : ما تريد بهذا الشسع يا أمير المؤمنين؟

فقال : ( اربط بها ما قد توهى من هذه الدرع من خلفي ).

فقال ابن عباس : أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل هذا.

فقال ( عليه السلام ) : ( ولم؟ ) قال : أخاف عليك. قال ( عليه السلام ) : ( لا تخف أن أوتى من ورائي ، والله يا بن عباس ما وليت في زحفٍ قط ). ثمّ قال. ( إلبَس يا بن عباس ) ، فلبس درعاً سعدية اهـ »(1) .

وكان ابن عباس يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان(2) .

وقد رأى الإمام ابن عمه وهو يمشي بين الصفين فقال : ( أقرّ الله عين من له ابن عم مثل هذا ) ، وهذه كلمة تنبيء عن صورة انطباع معبّر ومؤثر في نفس الإمام لذلك المشهد الّذي رأى فيه ابن عمه ، فابن عمه لم يكن يمشي بين الصفين تمشي نزهة ، وإنّما كان مشي في ساحة حرب وقتال سوف تتطاير فيه رؤوس وتتقطع فيه الأيدي وهذه الكلمة رواها لنا شاهد عيان ـ وأي شاهد ذلك؟! ـ هو الإمام الحسين ( عليه السلام ) ونقلها عنه ولده الإمام عليّ بن الحسين ، وعنه الزهري(3) ، وما أكثر ما كان يمشي ابن عباس بين الصفين ، في ذهابه وايابه إلى كلّ من طلحة والزبير وعائشة حين يبعثه الإمام عسى أن يفيئوا إلى الطاعة ولكن فيما يبدو أن جميع تلك المساعي لم تجد نفعاً ، حتى تولى الإمام بنفسه بذل النصيحة في دعوته لحقن الدماء.

____________________

(1) كتاب الجمل / 163 ط الحيدرية.

(2) المخصص لابن سيده 4 / 79 ، ولسان الميزان 3 / 127.

(3) أنظر البداية والنهاية لابن كثير 8 / 299.


فقد روى الطبري في تاريخه : من حديث قتادة قال : فلمّا تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح ، فقيل لعليّ هذا الزبير ، قال : أما إنه احرى إن ذكّر بالله أن يذكره ، وخرج طلحة ، فخرج إليهما عليّ فدنا منهما حتى اختلفت أعناق دوابّهم ، فقال عليّ : لعمري لقد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً ، إن كنتما أعددتما عند الله عذراً ، فاتقيا الله سبحانه ، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. ألم أكن أخاكما في دينكما؟ تحرّمان دمي وأحرّم دماءكما ، فهل من حدثٍ أحلّ لكما دمي؟.

قال طلحة : ألّبت الناس على عثمان ( رضي الله عنه ).

قال عليّ :( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) (1) يا طلحة تطلب بدم عثمان! فلعن الله قتلة عثمان. يا زبير أتذكر يوم مررت برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم في بني غنم ، فنظر إليّ فضحك وضحكتُ إليه فقلتّ : لا يدع ابن أبى طالب زهوه ، فقال لك رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم : ( صه(2) إنّه ليس به زهو ، ولتقاتلنّه وأنتَ له ظالم )؟ فقال : اللّهمّ نعم ، ولو ذكرت ما سرتُ مسيري هذا ، والله لا أقاتلك أبداً.

فانصرف عليّ إلى أصحابه فقال : أمّا الزبير فقد أعطى الله عهداً ألاّ يقاتلكم.

ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها : ما كنتُ في موطن منذ عقلت إلاّ وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا فقالت : فما تريد أن تصنع؟ قال : أريد أن أدعهم وأذهب. فقال له ابنه عبد الله : جمعتَ بين هذين الغارين(3) حتى إذا حددّ بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب! أحسست رايات ابن أبي طالب ، وعلمتَ أنّها

____________________

(1) النور / 25.

(2) اسم فعل بمعنى : أسكت وهو بلفظ واحد للجميع في المذكر والمؤنث.

(3) الغاران هنا بمعنى : الجيشان.


تحملها فتية أنجاد. قال : إني قد حلفت ألاّ أقاتله ، وأحفظه ما قال له ، فقال : كفّرَ عن يمينك وقاتله ، فدعا بغلام له يقال له مكحول فأعتقه ، فقال عبد الرحمن بن سليمان التميمي :

لم أر كاليوم أخا إخوان

أعجَبُ من مكفّر الأيمان

بالعتق في معصية الرحمن

وقال رجل من شعرائهم :

يعتق مكحولاً لصون دينه

كفـارة لله عن يمينه

والنـكـث قد لاح علـى جـبـيـنه(1)

ويبدو من حديث البلاذري في أنساب الأشراف(2) أن العتق لم يكن لذلك بل لأنّه عزم أن يلحق بمعاوية فقد روى بسنده عن يحيى بن سعيد قال : كتب معاوية إلى الزبير : أن أقبل إليّ أبايعك ومن يحضرني ، فكتم الزبير ذلك عن طلحة وعائشة ، ثمّ بلغها فكبر ذلك عليها ، وأخبرت عائشة به ابن الزبير ، فقال لأبيه : أتريد أن تلحق بمعاوية؟ فقال : نعم ولم لا أفعل وابن الحضرمية ينازعني في الأمر! ثمّ بدا له في ذلك. وأحسبه كان حلف ليفعلنّ فدعا غلاماً له فأعتقه وعاد إلى الحرب.

ومهما كان السبب فهو قد أوقد الحرب ثمّ ولّى عنها راجعاً حتى لحقه ابن جرموز بوادي السباع فقتله ، كما سيأتي حديث مقتله(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 501.

(2) في أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 257 ـ 258 تح ـ المحمودي.

(3) رحم الله أبا سعيد بن عقيل بن أبي طالب فقد قال لابن الزبير في كلام جرى بينهما في مجلس معاوية : دع عنك عليّاً والزبير ، إنّ عليّاً دعا إلى أمر فاتبع وكان فيه رأساً ، ودعا الزبير إلى أمر كان فيه الرأس امرأة ، فلمّا تراءت الفئتان والتقى الجمعان نكص الزبير


وقامت الحرب على ساق :

ليس اعتباطاً اخترت هذا العنوان ، فقد قال أبو مخنف : « أمر عليّ ( عليه السلام ) ولده محمّداً أن يحمل الراية ، فحمل وحمل معه الناس ، واستحر القتل بين الفريقين ، وقامت الحرب على ساق »(1) .

وقد كانت العرب تقول ذلك كناية عن منتهى الشدّة ، وبذلك فسّر ابن عباس ترجمان القـرآن قوله تعالى :( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) (2) كمـا في أجوبة نافع ابن الأزرق وقد سأله عن ذلك فقال : شدّة الآخرة ، واستشهد له بقول الشاعر :

إصبر عناق إنه شرّ باق

قد سنّ لي قومك ضرب الأعناق

وقامت الحرب بنا على ساق

كما فسر له أيضاً قوله تعالى :( وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) (3) فقال : الشدّة بالشدّة وأنشده شاهداً قول الشاعر :

____________________

على عقبيه ، وأدبر منهزماً قبل أن يظهر الحقُ فيأخذه أو يدحض الباطلُ فيتركه ، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر ، فضرب عنقه وأخذ سلبه وجاء برأسه. ومضى عليّ قُدماً كعادته مع ابن عمه ونبيّه صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فرحم الله عليّاً ولا رحم الزبير.

فقال ابن الزبير : أمّا والله لو أن غيرك تكلّم بهذا يا أبا سعيد لعلم ، قال : إنّ الّذي تعرّض به يرغب عنك. وأخبرت عائشة بمقالتهما ، فمرّ أبو سعيد بفنائها فنادته : يا أحول يا خبيث أنت القائل لابن أختي كذا وكذا؟ فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئاً فقال : ان الشيطان ليراك من حيث لا تراه ، فضحكت عائشة وقالت : لله أبوك ما أخبث ( ما أذلق ) لسانك.

شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 7 ، عقد الفريد 4 / 14 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر تح ـ أحمد أمين ، أحمد الزين ، إبراهيم الأبياري.

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 431 ط مصر الأولى.

(2) القلم / 42.

(3) القيامة / 29.


أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها

وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا(1)

إذن فليس اعتباطاً اخترت لك هذا العنوان ما دامت الشدّة في حرب الجمل قد بلغت أقصاها بشهادة المتحاربين.

فلنقرأ بعض الشهادات من الفريقين :

1 ـ قال محمّد بن الحنفية : دفع إلي أبي الراية يوم الجمل وقال : تقدّم ، فتقدمت حتى لم أجد متقدّماً إلاّ على رمح ، قال : تقدّم لا أم لك فتكأكأتُ وقلت : لا أجد متقدماً إلاّ على سنان رمح ، فتناول الراية من يدي متناوِل لا أدري مَن هو؟ فنظرت فإذا أبي بين يدي وهو يقول :

أنتِ الّتي غرّك مني الحسنى

يا عيشَ إنّ القوم قوم أعدا

الخفض خير من قتال الأبنا(2)

2 ـ وقال عبد خير في حديث له عن حرب الجمل : فمشى بعضنا إلى بعض ، وشجرنا بالرماح حتى لو شاء الرجل أن يمشي عليها مشى ، ثمّ أخذتنا السيوف فما شبهتها إلاّ دار الوليد(3) .

3 ـ وقال عبد الله بن سنان الكاهلي : لمّا كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى فنيت ، وتطاعنّا بالرماح حتى تشبكّت في صدورنا وصدورهم ، حتى لو سيّرت

____________________

(1) روى البلاذري في أنسابه / 51 ط بولس آبل سنة 1884 عن أبي مخنف : ان ابن الزبير كان يقاتل لما أتاه الحجاج يقاتله في المسجد الحرام :

قد قامت بنا الحرب على ساق

قبلك سنّ الناس ضرب الأعناق

صبـراً عِفـاق إنه شرٌ باق

(2) تاريخ الطبري 4 / 514 ـ 515 ط دار المعارف.

(3) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 277 ط باكستان.


عَليها الخيل لسارت. ثمّ قال عليّ : السيوف يا أبناء المهاجرين ، قال الشيخ : فما دخلت دار الوليد إلاّ ذكرت ذلك اليوم(1) .

4 ـ وقال أبو بشير : كنت مع مولاي زمن الجمل ، فما مررت بدار الوليد قط فسمعت أصوات القصّارين يضربون إلاّ ذكرت قتالهم(2) .

5 ـ وقال عيسى بن حطّان : حاص الناس حيصة(3) ، ثمّ رجعنا وعائشة على جمل أحمر في هودج أحمر ما شبهته إلاّ بالقنفذ من النبل(4) .

6 ـ قال حريث بن فحش : ما شهدت يوماً أشد من يوم ابن عليس إلاّ يوم الجمل(5) .

وهلمّ فاقرأ ما رواه ابن عبد ربّه الأندلسي(6) عن غندر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال : سمعت عبد الله بن سلمة ـ وكان مع عليّ بن أبي طالب ـ والحارث بن سويد ـ وكان مع طلحة والزبير ـ وتذاكرا وقعة الجمل ، فقال الحارث بن سويد : والله ما رأيت مثل يوم الجمل ، لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا ، وأشرعنا رماحنا في صدورهم ، ولو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت ، يقول هؤلاء : لا إله إلاّ الله والله أكبر ، ويقول هؤلاء : لا إله إلاّ الله والله أكبر ، فوالله لوددت أنّي لم أشهد ذلك اليوم ، وأنّي أعمى مقطوع اليدين والرجلين. وهذا أخرجه ابن أبي شيبة(7) .

____________________

(1) تاريخ الطبري / 532.

(2) نفس المصدر.

(3) جالوا جولة يطلبون الفرار ( لسان العرب حاص ).

(4) تاريخ الطبري 4 / 532.

(5) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 277 ط باكستان.

(6) في العقد الفريد 4 / 327 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(7) في مصنفه ـ كتاب الجمل ـ 15 / 258.


وقال عبد الله بن سلمة : والله ما يُسرّني أنّي غبتُ عن ذلك اليوم ولا عن مشهد شهده عليّ بن أبي طالب بحُمر النَعم.

ولم يكن الرجال أبلغ من النساء اللائي حضرن يوم الجمل في التصوير إن لم يكنّ أشجى في التعبير ، فقد روى المسعودي فقال : خرجت امرأة من عبد القيس تطوف القتلى ، فوجدت ابنين لها قد قتلا ، وقد كان قتل زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء عليّ البصرة ، فأنشأت تقول :

شهدت الحروب فشيّبني

فلم أرَ يوماً كيوم الجمل

أضرّ على مؤمن فتنة

وأقتله لشجاع بطل

فليت الظغينة في بيتها

وليتك عسكر لم ترتحل(1)

وثمة امرأة ثكلى من المعسكر الآخر فقدت أبناءها أربعة أو خمسة وهم كعب بن سور الأزدي القاضي وأخوته فقتلوا جميعاً يوم الجمل ، فجاءت أمهم حتى وقفت عليهم فقالت :

يا عينُ جودي بدمع سَرِب

على فتية من خيار العرب

وما لهمُ غير حَين النفو

س أيُّ أميري قريش غلب(2)

وحسبنا حديث المدائني وقد رواه البلاذري(3) وغيره ، قال : « المدائني عن أبي خيران الحِمّاني عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال : رأيت

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 369 ط بيروت ، وقارن العقد الفريد 4 / 325 ونسب الأبيات لرجل شهد الجمل ، وفي أنساب البلاذري ( ترجمة الإمام ) 2 / 370 نسبها لشاعر ثمّ قال : ويقال هو عثمان بن حنيف.

(2) الكامل للمبرد 4 / 22 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(3) في أنسابه ( ترجمة الإمام ) 2 / 266 تح ـ المحمودي.


رجلاً(1) مصطلم الأذن فقلت له : أخلقة أم حادث؟ قال : بل حادث ، بينا أنا يوم الجمل أجول في القتلى إذ مررت برجل فيهم صريع يخفض رأسه ويرفعه ، وهو يفحص برجليه ويقول :

لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا

فما صدرت إلاّ ونحن رواء

أطعنا قريشاً ضلة من حلومنا

ونصرتنا أهل الحجاز عناء

لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه

وشيّعتها مندوحة ومباء

أطعنا بني تيم بن مرة شقوةً

وما تيم إلاّ أعبد وإماء

فقلت : سبحان الله أتقول هذا عند الموت ، قل : لا إله إلاّ الله ، فقال : يا بن اللخناء إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ قال : فولّيت عنه متعجباً منه ، فصاح بي أدن مني لقنّي الشهادة ، فصرت إليه ، فلمّا قربت منه استدناني وقال : ادن مني ولقنّي فإنّ في أذني وَقراً ، فدنوت منه فقال لي من أنت؟ قلت : رجل من أهل الكوفة ، فوثب عليّ فاصطلم أذني كما ترى ، فجعلت ألعنه وأدعو عليه ، فقال : إذا صرت إلى أمك فأخبرها أن عُمير بن الأهلب الضبي فعل بك هذا ، مخدوع المرأة الّتي أرادت أن تكون أمير المؤمنين »(2) .

قال ابن أعثم : « وانقلب الهمداني بغير اذن ، ثمّ أن كرّ عليه بسيفه حتى قطعه إرباً إربا.

____________________

(1) سمّاه ابن اعثم في الفتوح 2 / 335 بـ ( مسعود بن عمرو الهمداني ).

(2) مروج الذهب 2 / 379 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد ، وقارن الطبري 4 / 523 ـ 524 ط دار المعارف ، وابن الأثير 3 / 108 ط بولاق ، ومروج الذهب 2 / 370 ط بيروت وسمط النجوم العوالي وتاريخ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن شمر وفي تهذيبه 6 / 130 ، والفتوح لابن أعثم 2 / 335 وغيرها.


ولم يتجنّ القتيل الضبيّ على أمّه حين قال أرادت أن تكون أمير المؤمنين ، فقد قال عنها أبو بكرة في حديثه عن امتناعه عن نصرة طلحة والزبير قال : لمّا قدم طلحة والزبير البصرة تقلّدت سيفي وأنا أريد نصرهما ، فدخلت على عائشة وإذا هي تأمر وتنهى ، وإذا الأمر أمرها ، فذكرت حديثاً كنت سمعته عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( لن يفلح قوم تدبّر أمرهم امرأة ) ، فانصرفت واعتزلتهم »(1) .

وحديث أبي بكرة عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أخرجه البخاري في صحيحه(2) .

وهكذا بقي يوم الجمل مثلاً في شدة القتال وتفاني المتحاربين حتى روى المبرّد(3) قول اسحاق بن خلف البهراني يخاطب عليّ بن عيسى القمي :

وللكرد منك إذا زرتهم

بكيدك يوم كيوم الجمل

شوقي وحرب الجمل :

ولقد صوّر أمير الشعراء أحمد شوقي الحرب من بدايتها إلى نهايتها فأجمل تصويرها ، فقال في كتابه(4) مخاطباً الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب :

يا جبلاً تأبى الجبال ما حمَل

ماذا رمت عليك ربّة الجَمل

أثأر عثمان الذي شجاها

أم غُصةٌ لم ينتزع شجاها(5)

قضية من دمه تبنيها

هبّت لها واستنفرت بنيها

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 81.

(2) راجع فتح الباري 16 / 166 ط الحلبي سنة 1387 هـ.

(3) الكامل 2 / 19 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(4) دول العرب وعظماء الإسلام / 54.

(5) يشير الى ما في نفسها من ضغن على الإمام منذ قضية الأفك ، وإنما اتخذت الطلب بدم عثمان وسيلة لاغواء السذج ممّن اوردتهم حومة الموت.


ذلك فتقٌ لم يكن بالبال

كيد النساء موهن الجبال

وإنّ أم المؤمنين لامرأة

وإن تك الطاهرة المبرأة

أخرجها من كنّها وسنّها

ما لم يُزل طول المدى من ضغنها

وشرّ من عداك من تقيه

ومُلقي السلاح تلتقيه

جهّزها طلحة والزبير

ثلاثة فيهم هدى وخير

صاحبة الهادي وصاحباه

فكيف يمضون لما يأباه

يا ليت شعري هل تعدوا وبغوا؟

أم دم ذي النورين بالحقّ بغوا؟(1)

جاءت إلى العراق بالبنينا

قاضي حق الأم محسنينا

فانصدعت طائفتين البصره

فريقُ خَذلٍ وفريقٌ نُصره

أو ذادة البيعة والذمام

وقادة الفتنة والزمام

وانتهك الحيّ دماء الحيّ

من أجل ميت غابرٍ وحيّ

وجاء في الأسُد أبو تراب(2)

على متون الضمّر العِراب(3)

يرجو لصدع المؤمنين رأبا

وأمّهم تدفعه وتأبى

وعجز الرأي وأعيا الحِلمُ

وخُطبت بالمرهفات السِلمُ

من كلّ يوم سافك الدِماء

تعوذ منه الأرض بالسماءِ

تجرّ ذات الطهر فيه عسكرا(4)

وتذمُر الخيلَ وتغري العسكرا(5)

____________________

(1) لقد مر ذكر مواقف الثلاثة من عثمان وأنهم من أبرز المحرضين على قتله.

(2) كانت احب الكنى الى أمير المؤمنين عليه السلام لأن رسول الله رسول ( ص ) كناه بها.

(3) الخيل المضمّرة هي الضامرة وهو مدح فيها ، والعراب : الخالصة من الهجنة وتلك كرائم الخيل.

(4) كان اسم جمل عائشة ( عسكر ).

(5) تذمّر الخيل أي تحثها كناية عن تحريض عائشة لأصحابها.


ظل الخِطام من يدٍ إلى يدٍ

كالتاج للأصيد بعد الأصيد(1)

مستلَماً توهى الغيوث دونه

وبالدماء أنهراً يفدونه

حتى أراد اللّه إمساك الدم

في كرم لسيفه المقدّم(2)

وظفرت ألوية الإمام

وألقت البصرة بالزمام

فرُدّت الأم إلى مقرّها

مبالَغاً في نقلِها وبرِّها

فأمير الشعراء أجمل الحادثة ، فلم يعرّج على مقتل الزبير ، ولا مقتل طلحة ، ولا على سيرة الإمام ( عليه السلام ) في الأسرى ومنهم عائشة ، إلى غير ذلك ممّا لم يذكره!

فينبغي لنا أن نذكر شيئاً عن ذلك على نحو الإجمال تنويراً للقارئ :

مقتل الزبير :

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد في ( الفتن ) وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن الزبير ( رضي الله عنه ) قال : « لقد قرأنا زماناً وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيّون بها :( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) (3) »(4) .

____________________

(1) تعاقبت الأيدي على الخطام حتى كلها قطعت وقالوا انها سبعون يداً.

(2) روى المحب الطبري في ذخائر العقبى / 92 عن أنس بن مالك قال : صعد رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) سلم المنبر فذكر قولاً كثيراً ثمّ قال : أين عليّ بن أبي طالب؟ فوثب إليه فقال : ها أنا ذا يا رسول الله ، فضمه إلى صدره وقبّل بين عينيه ، وقال بأعلى صوته : معاشر المسلمين هذا أخي وابن عمي وختني ، هذا لحمي ودمي وشعري ، هذا أبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، هذا مفرّج الكروب عني هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه ، على مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين ، والله منه بريء ، فمن أحب أن يبرأ من الله ومني فليبرأ من عليّ ، وليبلّغ الشاهدَ والغائبَ ثمّ قال : أجلس يا عليّ قد عرف الله لك ذلك. ثمّ قال المحب الطبري : أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة.

(3) الدر المنثور 3 / 177 ط افست الإسلامية.

(4) الانفال / 25.


قال طه حسين : « ورجع ـ الزبير إلى أم المؤمنين فقال لها : إني لا أرى في هذا الأمر بصيرة ، قالت : فتريد ماذا؟ قال : أريد أن اعتزل الناس. وهنا يختلف المؤرخون ، فقوم يرون أنه مضى لوجهه حتى أدركه ابن جرموز فقتله في وادي السباع بأمر من الأحنف بن قيس أو عن غير أمر منه. وقوم يقولون : إن ابنه عبد الله عيّره بالجبن وقال له : رأيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أن تحتها الموت فجبُنت. وما زال به حتى أحفظه فقال له الزبير ويلك إني قد حلفت لا أقاتل عليّاً. فقال عبد الله : ما اكثر ما يكفّر الناس عن أيمانهم فأعتق غلامك سرجيس وقاتل عدوك ، ففعل وانهزم مع الناس ».

ثمّ قال طه حسين : « ونحن إلى الرواية الأولى أميل ، فقد كان الزبير رقيق القلب شديد الخوف من الله شديد الحرص على مكانته من رسول الله ، وكانت حيرة شديدة منذ وصل إلى البصرة ورأى ما رأى من افتتان الناس واختلافهم ، وازدادت حيرته حين عرف أن عمّار بن ياسر قد أقبل في أصحاب عليّ ، وكان المسلمون يتسامعون بقول النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لعمار : ويحك يا بن سميّة! تقتلك الفئة الباغية ، فلمّا عرف أن عمّاراً في جيش عليّ أصابته رعدة شديدة إشفاقاً من أن يكون من هذه الفئة الباغية ، وقد تماسك مع ذلك حتى لقي عليّاً وسمع منه ما سمع ، وهنالك استبانت له بصيرته ، فانصرف عن القوم ولم يقاتل ، حتى قتل غيلة بوادي السباع »(1) .

ولا تعقيب لنا على ما قاله طه حسين سوى ما ختم به كلامه من قوله : « وهنالك استبانت به بصيرته فانصرف عن القوم ولم يقاتل » فأي بصيرة تلك الّتي استبانت له فانصرف عن القوم ولم يقاتل؟ فإن انصرافه وحده كافٍ في إدانته!

____________________

(1) الفتنة الكبرى ( عليّ وبنوه ) / 49 ط دار المعارف.


ولو أنّ الدكتور طه حسين استحضر بعض أقوال ابن عباس لابن الزبير في ذلك الموقف لما قال ذلك. فان ابن عباس قال لابن الزبير في ملاحاة بينهما في المسجد الحرام بعد مضي أكثر من ربع قرن على مرور واقعة الجمل : « فقد لقيتُ أباك في الزحف وأنا مع إمام هدى ، فإن يكن على ما أقول فقد كفر بقتالنا ، وإن يكن على ما تقول فقد كفر بهربه عنا »(1) فكان على الزبير ـ لو استبانت له بصيرته أن يتحول مع الإمام لا أن يفرّ بنفسه من القتال.

ومهما يكن فقد قتله ابن جرموز بوادي السباع فأخذ سلاحه وفرسه وخاتمه كما في فتوح ابن اعثم(2) ونحوه في رواية الطبري(3) وابن الأثير(4) .

وقال المسعودي : « وأتى عمرو ـ ابن جرموز ـ بسيف الزبير وخاتمه ورأسه ، وقيل : إنّه لم يأت برأسه فقال عليّ : سيف طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، لكنه الحَين ومصارع السوء »(5) .

قال ابن كثير الشامي : « ثمّ دخلت ست وثمانين وثلثمائة في محرّمها كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه ، فظنّوه الزبير بن العوام ، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه واتخذوا عند قبره مسجداً ، ووقف عليه أوقاف كثيرة. وجعل عنده خدام وقوام وفرش وتنوير اهـ »(6) .

أقول : فبناءً على ذلك فقد أخطأهم الظن ، فإنّ الزبير كما مر عن الطبري وابن اعثم والمسعودي وغيرهم أيضاً قد سلبه ابن جرموز سيفه وسلاحه وخاتمه.

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 490 ومحاضرات الراغب 2 / 94 ، والدرجات الرفيعة 1 / 142.

(2) الفتوح لابن أعثم 2 / 313.

(3) تاريخ الطبري 4 / 535.

(4) تاريخ ابن الاثير 3 / 104 ط بولاق.

(5) مروج الذهب 2 / 373 تح عبد الحميد.

(6) البداية والنهاية 11 / 319 ، ورواه ابن الجوزي في مرآة الزمان في حوادث سنة 386.


وأتى بسيفه إلى الإمام كما مر. فليس مَن كشفوا عنه كان هو الزبير قطعاً. ولا يبعد أن يكون هو بعض من استشهد مع الإمام ، لأنّه ( عليه السلام ) قد أمر بدفن أصحابه المستشهدين بثيابهم وسلاحهم. ومهما يكن فقد أخرج الفسوي بسنده عن سنبلة عن مولاتها الوحيدية(1) الّتي كانت تزوجها عليّ بن أبي طالب قالت : « أستأذن ابن جرموز قاتل الزبير على عليّ ( رضي الله عنه ) فقال عليّ : ( إئذنوا له وبشروه بالنار ) »(2) ، ولقد سأل ابن عباس الإمام فقال : إلى أين قاتل ابن صفية؟ قال : إلى النار(3) .

وفي تهذيب ابن عساكر : « وقيل : انّ مروان قال : لمّا انصرف الزبير : إن لم أدرك ثاري اليوم لم أدركه أبداً ، فرماه بسهم فقتله (؟) »(4) وهذا على ذمة الرواة ، والأشهر الأوّل.

وروى البلاذري بسنده عن أبي نضرة قال : « قال رجل لطلحة والزبير : إنّ لكما صحبة وفضلاً ، فأخبراني عن مسيركما هذا وقتالكما أشيء أمركما به رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟ أم رأي رأيتماه؟ فأما طلحة فسكت ، وأمّا الزبير فقال : حُدّثنا أن ههنا بيضاء وصفراء ـ يعني دراهم ودنانير ـ فجئنا لنأخذ منها »(5) . وهذا ما رواه الطبري عن عوف الأعرأبي أيضاً بتفاوت يسير(6) ، وأخرجه ابن أبي شيبة وفيه : « عن أبي نضرة عن رجل من بني ضبيعة قال : لمّا قدم طلحة والزبير نزلا في بني طاحية ، فركبت فرسي فأتيتهما فدخلت عليهما

____________________

(1) وهذه الوحيدية الّتي كانت زوجة الإمام هي أم البنين فاطمة بنت حزام أم أولاده الأربعة العباس وأخوته.

(2) المعرفة والتاريخ 2 / 816.

(3) طبقات ابن سعد 3 / ق 1 / 77.

(4) تهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 368.

(5) أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 270 تح ـ المحمودي.

(6) تاريخ الطبري 4 / 475 ط المعارف.


المسجد ، فقلت : إنّكما رجلان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فأمّا طلحة فنكس رأسه فلم يتكلم ، وأمّا الزبير فقال : حُدّثنا أن ههنا دراهم كثيرة فجئنا نأخذ منها »(1) .

وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن أبي الأسود الدؤلي : « أن الزبير بن العوام لمّا قدم البصرة دخل بيت المال فإذا هو بصفراء وبيضاء فقال : يقول الله( وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ) (2) فقال : هذا لنا »(3) .

فأين إذن صار الطلب بدم عثمان؟! ثمّ ما باله يطلب المال بالبصرة وهو من أغنى الناس ، ألم تكن وصيته لابنه يوم الجمل وقد أخرجها ابن أبي شيبة وابن سعد : « قال عبد الله بن الزبير : لمّا وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال : يا بني إنه لا يقتل اليوم إلاّ ظالم أو مظلوم وإني أراني سأقتل اليوم مظلوماً ، وإن من أكبر همي لديني ثمّ قال : يا بني بع ما لنا واقض ديني وأوص بالثلث قال : وقتل الزبير ولم يدع ديناراً ولا درهماً إلا أرضين فيها الغابة واحدى عشرة داراً بالمدينة ، ودارين بالبصرة وداراً بالكوفة وداراً بمصر »(4) .

قال عروة بن الزبير : « كان للزبير بمصر خطط وبالاسكندرية خطط وبالكوفة خطط وبالبصرة دور ، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة »(5) .

____________________

(1) المصنف ( كتاب الجمل ) 15 / 283.

(2) الفتح / 20 ـ 21.

(3) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 75 ط أفست إسلامية.

(4) المصنف 15 / 279 ، وطبقات ابن سعد 3 ق 1 / 75 ـ 77.

(5) طبقات ابن سعد 3 / 110.


قال عبد الله : « وكان للزبير أربع نسوة قال : ورُبّع الثمن فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائة ألف ، قال : فجميع ماله : خمسة وثلاثون ألف ألف ومائتا ألف »(1) .

قال سفيان بن عيينة : « اقتسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف »(2) .

فلا غرابة لو قرأنا عجب الحس البصري منه فقد قال عنه : « يا عجباً للزبير أخذ بحقوي أعرابي من بني مجاشع أجرني أجرني حتى قتل ، والله ما كان له بقرين ، أما والله لقد كنت في ذمّة منيعة »(3) فمن كان بهذه المثابة من الجاه والمال يستحوذ الهوى والطمع عليه حتى يرديانه بوادي السباع.

إنّه الحَين ومصارع السوء كما قال الإمام.

مقتل طلحة :

روى البلاذري في أنساب الأشراف : « قالوا : أحيط بطلحة عند المساء ومعه مروان بن الحكم يقاتل فيمن يقاتل فلمّا رأى مروان الناس منهزمين قال : والله لا

____________________

(1) قال ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 249 ط السعادة : وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جداً ، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله فلمّا قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائة ألف فوفوها عنه ، وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الّذي أوصى به ، ثمّ قسّمت التركة بعد ذلك فأصاب كلّ واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن الف الف ومائتي الف درهم ، فعلى هذا يكون مجموع ما قسّم بين الورثة ثمانية وثلاثين الف الف وأربعمائة ألف ، والثلث الموصى به تسعة عشر الف الف ومائتا الف فتلك الجملة سبعة وخمسون الف الف وستمائة الف ، والدين المخرّج قبل ذلك الفا الف ومائتا الف ، فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف ، وإنما نبهنا على هذا لأنه وقع في صحيح البخاري ما فيه نظر ينبغي أن ينبّه له والله أعلم.

(2) طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 77.

(3) نفس المصدر 3 ق 1 / 79.


أطلب ثاري بعثمان بعد اليوم أبداً ، فانتحى لطلحة بسهم فأصاب ساقه فأثخنه ، والتفت إلى ابان بن عثمان فقال له : قد كفيتك أحد قتلة أبيك.

وجاء مولى لطلحة ببغلى له فركبها وجعل يقول لمولاه : أما من موضع نزول؟ فيقول : لا قد رهقك القوم ، فيقول : ما رأيت مصرع شيخ أضيع ، ما رأيت مقتل شيخ أضيع(1) ، اللّهمّ أعط عثمان منّي حتى يرضى ، وادخل داراً من دور بني سعد بالبصرة فمات فيها.

ـ وروى حديث قيس بن أبي حازم ـ وهو شاهد عيان ـ قال : قال مروان يوم الجمل لا أطلب ثاري بعد اليوم فرمى طلحة فأصاب ركبته بسهم ، فكان الدم يسيل ، فإذا أمسكوا ركبته انتفخت ، فقال : دعوه فإنّما هو سهم أرسله الله ، اللّهمّ خذ لعثمان منّي اليوم حتى يرضى »(2) .

وروى ابن سعد بسنده عمن سمع عبد الملك بن مروان يقول : « لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه هو الّذي قتل طلحة ، ما تركت من ولد طلحة أحداً إلاّ قتلته بعثمان بن عفان »(3) . وهذا رواه ابن حجر أيضاً(4) ، وحكى ابن حجر أيضاً عن نوادر الحميدي قال : « دخل موسى بن طلحة على الوليد ، فقال له الوليد : ما دخلت عليّ قط إلاّ هممت بقتلك لولا أنّ أبي أخبرني انّ مروان قتل طلحة »(5) .

____________________

(1) وكان الحسن البصري إذا سمع هذا وحكي له يقول : ذق عقق ( شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 431 ).

(2) أنساب الأشراف 2 / 246 ( ترجمة الإمام ) تح ـ المحمودي ، والمعارف لابن قتيبة / 101ط الأولى بمصر تح ـ ثروت عكاشة ، والبدء والتاريخ 5 / 214 ، ومستدرك الحاكم 3 / 171 ، وتهذيب ابن عساكر لابن بدران 7 / 84 ـ 85 ، وسير أعلام النبلاء 2 / 640 ط دار الفكر ، وتاريخ خليفة / 136 ، والإصابة لابن حجر ( ترجمة طلحة ) ، والأستيعاب ( ترجمة طلحة ) ، وأسد الغابة ( ترجمة طلحة ) وغيرها.

(3) طبقات ابن سعد 3ق1 / 159.

(4) تهذيب التهذيب 5 / 21.

(5) نفس المصدر.


وقال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب ( ترجمة طلحة ) : « ولا يختلف العلماء الثقات في أنّ مروان قتل طلحة يومئذ وكان في حزبه »(1) .

وقد نظم ذلك السيد الحميري بقوله :

واختلّ من طلحة المزهوّ خبّته

سهم بكف قديم الكفر غدّار

في كفّ مروان مروان اللعين

رهط الملوك ملوك غير أخيار(2)

وللحسن البصري كلام ينقد فيه طلحة والزبير في مجيئهما إلى البصرة لطلب الدنيا وعندهما منها ما يغنيهما فقد قال عن طلحة : إنّ طلحة بن عبيد الله باع أرضاً له من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه فقال طلحة : إن رجلاً تتسق هذه عنده وفي بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله ( عزّ وجلّ ) لغرير بالله سبحانه ، فبات ورسوله يختلف بها في سكك المدينة يقسمها حتى أصبح ، فاصبح وما عنده درهم.

ثمّ قال الحسن : وجاء ههنا يطلب الدينار والدرهم ـ وفي لفظ : الصفراء والبيضاء ـ(3) .

ولا بدع من الحسن البصري لو قال ذلك! لأنّ طلحة كان من الأثرياء المعدودين بالثراء الفاحش وحسبنا شهادة أبنائه. فهذا عيسى بن طلحة قال : « كان أبو محمّد طلحة يُغلّ كلّ يوم من العراق ألف ألف درهم ودانقين »(4) فانتبه إلى دقة الحساب عند الرجل حتى لم يفته حساب الدانقين!!

____________________

(1) الاستيعاب 2 / 766.

(2) أنظر مناقب ابن شهر آشوب 3 / 93.

(3) أنساب الأشراف 2 / 260 ( ترجمة الإمام ) تح ـ المحمودي وروى المدائني ان طلحة لما أدبر وهو جريح يرتاد مكاناً ينزله وهو يقول لمن يمرّ به من أصحاب عليّ : انا طلحة من يجيرني؟ يكررّها قال : فكان الحسن البصري إذا ذكر ذلك يقول : لقد كان في جوار عريض ( شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 431 ).

(4) طبقات ابن سعد 3 ق1 / 157.


فمن كانت هذه غلته من العراق فقط فكم كانت من بقية البلاد الّتي له فيها دور وضياع؟

وهذا ما أجاب عليه حفيده محمّد بن إبراهيم ( بن طلحة ) قال : « كان طلحة بن عبيد الله يُغل بالعراق ما بين اربعمائة إلى خمسمائة الف ، ويغلّ بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر ، وبالأعراض له غلاّت »(1) .

وقالت سعدى بنت عوف المرّية ـ وهي احدى زوجات طلحة وأم ابنه يحيى ـ : « قتل طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم ومائتا الف درهم ، وقوّمت أصولُه وعَقارهُ ثلاثون ألف ألف درهم »(2) .

ولا يستغرب قول عمرو بن العاص حين قال : « حُدّثت أن طلحة بن عبيد الله ترك مائة بُهار ، في كلّ بُهار ثلاث قناطر ذهب ، وسمعت أن البُهار جلد ثور »(3) .

فمن كان عنده ما ذكروه أما كان الأجدر به أن يقنع بما لديه ، ويقبع في بيته ، ولا يغرّر بنفسه وبالآخرين فيأتي البصرة يطلب الصفراء والبيضاء كما يقول الحسن البصري ، متخذاً شعار الطلب بدم عثمان وسيلة لإغراء الناس وإغواء الرعاع.

ولكنه الحَين ومصارع السوء كما قال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ).

أم المؤمنين تقود المعركة :

ذكر المؤرخون أن عائشة تولّت قيادة الجيش بعد رجوع الزبير ومقتل طلحة ، فكانت تحرّض على القتال ، وهذا ما أثار السخط والعجب في آن واحد ، فهي أم المؤمنين ثمّ هي تحرّض من معها من بنيها المؤمنين على قتل من ليس

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر 3 ق1 / 158.

(3) نفس المصدر.


معها من بنيها المؤمنين ، ولقد ذكر الجاحظ في كتابه الحيوان فقال : وشبّه السيد ابن محمّد الحميري عائشة ( رضي الله عنها ) في نصبها الحرب يوم الجمل لقتال بنيها ، بالهرّة حين تأكل أولادها فقال :

جاءت مع الأشقين في هودج

تزجي إلى البصرة أجنادهـا

كأنهـا في فعلهـا هرّة

تريد أن تأكل أولادها(1)

وقد أثارت نقدها من الكتاب المحدثين حتى قال سعيد الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة : وكان مقامها فيها ـ فتنة الجمل ـ أقوى ما حفّز الجماهير على التطوّع لها ، وعلى تهافتهم على الاستماتة بين يدي جمل عائشة ، لقد كان في طبعها ولوع عظيم بالبطولة ، واعجاب بالشجاعة ومقت للجبن ، لذلك لم تنفكّ عن تحريض الناس ، وتقوية قلوبهم ، وكان لهذا التحريض والتقوية أثرهما البالغ في الاستماتة بين يديها

هذا وقد أكثر لها الناصحون من أخواتها أمهات المؤمنين وأصحاب رسول الله الإجلاء ، وعقلاء أهل المصرين البصرة والكوفة ، فلم تستجب لنصح أحد ، ونفذ قضاء الله.

____________________

(1) الحيوان للجاحظ 1 / 197 تح ـ عبد السلام هارون. ومن التحريف السخيف ما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى 2 / 51 حيث نقل عن الجاحظ البيتين بتحريف صدر البيت الأوّل فقال : ( جاءت مع الأفشين في هودج ) ولم يذكر ما ذكره الجاحظ من اسم الشاعر ، ووجه التشبيه ممّن؟ ولمن؟ وهذا بلا ريب من التحريف المتعمد الّذي لا يغتفر ، مع العلم ان الأفشين قائد تركي قاد جيوش المعتصم في غزوات بلاد الروم في آسيا الصغرى ، حارب بابك الخرّمي ، وانتصر في معركة عمورّية ، رمي بالكفر ومات في السجن سنة 226 هـ ( المنجد في الأعلام ط التاسعة ). ومع ذلك فلا نبريء محققي الكتاب من الوزر لإهمالهم التعليق على ذلك في تصحيح المعلومة ، إذا أحسنا الظن بهم ولم نتهمهم بالتحريف.


والله سبحانه أعفى النساء من الدخول فيما هو من شأن الرجال ، فلم يكلفهنّ سياسة ولا إدارة ، ولا إثارة جماهير ، ولا تجييش جيوش ، ولا تأليباً على الخلفاء ، فإن باشرن شيئاً من هذا كان ذلك هو الفتنة عينها ، وكان المجتمع حينئذ يعالج داء دخيلاً في كيانه ينذر بالشر المستطير(1) .

وقال عبد الكريم الخطيب : « والسيدة عائشة ( رضي الله عنها ) ان سخطها على عليّ وبغضها له هو المحرّك الأوّل لموقفها منه ولثورتها عليه.

ولولا أنها كانت تحمل لعليّ هذه الكراهية لما ألقت بنفسها في هذا الموقف الّذي لم يكن من شأن امرأة أن تقفه ديانة أو عصبية ، فما عرف العرب امرأة تقود معركة كتلك المعركة وتدبّر لها ، وتتولى توجيه سيرها ، ورسم خطوطها ، والرجال كثير ، والأبطال لم يذهبوا بعد.

وما عرف في الإسلام مكان للنساء في ميدان القتال ، ولا صوت مسموع لهنّ في شؤون الحرب فكيف بازواج الرسول وأمهات المؤمنين؟ »(2) .

وقال : « إنّ هذا الموقف الّذي أتخذته أم المؤمنين من عثمان أوّلاً ومن عليّ ثانياً لم يكن مطلوباً ، بل ولا مقبولاً »(3) .

وقال : « نقول الواقع المؤلم والحقّ المرّ ، نقول على مضض وفي أسى وحزن

وحسبنا أن نروي ما يتحدث به التاريخ ، بقيت أم المؤمنين وحدها تخوض المعركة وتقودها. وكان جملها ـ عسكر ـ هو الراية الّتي يقاتل الناس تحتها ، ويتساقطون حولها »(4) .

____________________

(1) أنظر عائشة والسياسة / 207.

(2) عليّ بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة / 349.

(3) نفس المصدر / 351.

(4) نفس المصدر / 353.


قال عبد الله عفيفي : « وإن يك عثمان قد مات مظلوماً ، فقد عاش من بعده عليّ مظلوماً ، ومن أشد مظلمته أن تؤلب أم المؤمنين عليه المسلمين ، وأن تقود الجنود إلى قتاله في وقعة الجمل »(1) .

جانب من عملياتها القيادية :

لقد كانت بارعة في ادارة العمليات من داخل هودجها ، فصارت تحرّض المقاتلين حولها بما توزّعه عليهم من أوسمة الفخار الكلامية لتشدّ من عزائمهم وقد استحر القتل فيهم. فاستقطبت القبائل بمهارة لم يسبق أن رأوها أو سمعوها من قبل.

1 ـ فقد روى المؤرخون أنها أمرت الناس أن يلعنوا قتلة عثمان فلعنوا ، وضجوا بذلك ضجيجاً صكّ مسامع الجيش ، فسمع الإمام الضجة فسأل عنها ، فقالوا له : عائشة تدعو ويدعون معها بلعن قتلة عثمان وأشياعهم ، فأقبل هو يدعو ودعا من معه ويقول :

فلعن الله قتلة عثمان ، فوالله ما قتله غيرهم ، وما يلعنون إلاّ أنفسهم ولا يدعون إلاّ عليها(2) .

2 ـ وروى المؤرخون أيضاً أنّها قالت : ناولوني كفاً من الحصاة ، فأخذت وحصبت وجوه أصحاب الإمام وصاحت بأعلى صوتها : شاهت الوجوه ـ كما صنع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يوم حنين مع المشركين ـ فناداها رجل

____________________

(1) المرأة العربية في جاهليتها واسلامها 2 / 117.

(2) أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 241 تح ـ المحمودي ، وقارن الطبري 4 / 514 ط دار المعارف.


من أصحاب الإمام : وما رميتِ إذ رميتِ ولكن الشيطان رمى(1) ثمّ جعل يقول شعراً :

قد جئت يا عيش لتعلمنا

وتنشري البرد لتهزمينا

وتفذفي الحصباء جهلاً فينا

فعن قليل سوف تعلمنا(2)

3 ـ وروى المؤرخون أيضاً : أنّها كانت تمنح أوسمة الفخار للمقاتلين لتبث فيهم روح الحماس والتضحية. فقد نظرت من يسارها فقالت : مَن القوم؟ قال صبرة بن شيمان : بنوك الأزد ، فقالت : يا آل غسّان حافظوا اليوم ، فجلادكم الّذي كنّا نسمع به وتمثّلت :

وجالد من غسان أهل حفاظها

وكعب وأوس جالدت وشبيب

فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمّونه ويقولون : بعر جمل أمّنا ريحه ريح المسك(3) .

وقالت لمن عن يمينها : مَن القوم عن يميني؟ قالوا : بكر بن وائل ، قالت : لكم يقول القائل :

وجاؤا الينا في الحديد كأنهم

من العزة القعساء بكر بن وائل

إنّما بأزائكم عبد القيس ، فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك.

____________________

(1) لقد حرّفت الكلمة في بعض المصادر فذكرت بدلها الآية الكريمة قوله تعالى( وَمَا رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) الأنفال / 17 ، راجع شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 85.

(2) الفتوح لابن أعثم 2 / 325 ـ 326 ط دار المسيرة ، وقارن كتاب الجمل للشيخ المفيد / 170 ط الحيدرية سنة 1368 هـ ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 85.

(3) تاريخ ابن الأثير 3 / 105 ـ 106 ط بولاق ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 81 ط مصر الأولى.


وأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت : مَن القوم؟ قالوا : بنو ناجية ، قالت : بخٍ بخٍ سيوف أبطحية قرشية ، صبراً يا بني ناجية ، فإني أعرف فيكم شمائل قريش ، فجالدوا جلاداً يتفادى منه حتى قتلوا حولها جميعاً. ( وبنو ناجية مطعون في نسبهم في قريش )

ثمّ أطافت بها بنو ضبّة فقالت : ويهاً جمرة الجمرات ، وكانت تقول : ما زال جملي معتدلاً حتى فقدت أصوات ضبّة.

وكان رجال منهم ـ كما مرّ عن الأزد ـ يأخذون بعر الجمل فيشمّونه ويقول بعضهم لبعض : ألا ترون إلى بعر جمل أمّنا كأنّه المسك الأذفر(1) .

فلمّا رقّوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة وكثروا حولها فقالت : من أنتم؟ قالوا : بـنـي عـدي خـالـطنا إخـواننا ، فأقاموا رأس الجمل وضربوا ضرباً شديداً ليس بالتعذير ولا يعدلون التطريف(2) ، وقتل بنو ضبة حول الجمل فلم يبق منهم إلاّ من لا نفع عنده(3) .

4 ـ وروى المؤرخون أيضاً عنها موقفاً خسرت فيه رجلاً من بني ضبّة كان آخذاً بزمام جملها ثمّ سرعان ما تركه وتحوّل إلى جيش الإمام. وذلك الموقف تفجّر من عمق لا وعيها ، إذ لم تستطع أن تخفي ما في نفسها من ضغن على الإمام حتى أفقدها صوابها.

فقد روى البيهقي بسنده عن الزهري فقال ـ بعد أن ذكر حديث نبح كلاب الحوأب لعائشة ـ : « فلمّا كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد ، وهي تنظر من منظر قد صُيّر لها في هودجها.

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) تاريخ ابن الاثير 3 / 106 ، وتاريخ الطبري 4 / 516 ط دار المعارف.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 81.


فقالت لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها ـ أو بعيرها ـ : أين عليّ بن أبي طالب؟ قال : ها هو ذا واقف رافع يده إلى السماء ، فنظرت فقالت : ما أشبهه بأخيه.

قال الضبي : ومن أخوه؟ قالت : رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم.

قال : فلا أراني أقاتل رجلاً هو أخو رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فنبذ خطام راحلتها من يده وتحوّل إليه »(1) .

اعقروا الجمل :

حمى الوطيس وتصادمت المجنبتان ، ولاذ الناس بجمل عائشة ، وانّ الميمنتين والميسرتين تضربان ، في احداهما عمّار وفي الأخرى عبد الله بن عباس ومحمّد بن أبي بكر(2) .

فلمّا رأى عليّ ( عليه السلام ) أن الموت عند الجمل ، وأنّه ما دام قائماً فالحرب لا تُطفأ ، وضع سيفه على عاتقه وعطف نحوه ، وأمر أصحابه بذلك ومشى نحوه ، والخطام مع بني ضبّة ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، واستحر القتل في بني ضبّة ، فقتل مقتلة عظيمة ، وخلص عليّ ( عليه السلام ) في جماعة من النخع وهمدان إلى الجمل فقال لرجل من النخع اسمه بجير : دونك الجمل يا بجير ، فضرب عجز الجمل بسيفه ، فوقع لجنبه ، وضرب بجرانه الأرض وعج عجيجاً لم يسمع بأشد منه ، فما هو إلاّ أن صُرع الجمل حتى فرّت الرجال كما تطير الجراد في الريح الشديدة الهبوب ، فنادى عليّ : أقطعوا أنساع الهودج ، واحتملت عائشة بهودجها ، وأمر بالجمل أن يحرق ثمّ يذرى في الريح وقال : لعنه الله من دابة ، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل

____________________

(1) المحاسن والمساوي 1 / 35 ط السعادة.

(2) الإمامة والسياسة 1 / 68 ط سنة 1328 هـ.


ثمّ قرأ( وَانظُرْ إلى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) (1) »(2) .

قال المسعودي : « ولمّا سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمّد بن أبي بكر فأدخل يده فقالت : من أنت؟ قال : أقرب الناس منك قرابة ، وأبغضهم إليك ، أنا محمّد أخوك ، يقول لكِ أمير المؤمنين هل أصابك شيء؟ قالت : ما أصابني إلاّ سهم لم يضرني »(3) .

موقف الإمام مع صاحبة الهودج :

ثمّ جاء الإمام حتى وقف عليها فضرب الهودج بقضيب وقال : ( يا حميراء ، رسول الله أمركِ بهذا؟ ألم يأمركِ أن تقرّي في بيتك؟ والله ما أنصفكِ الذين أخرجوكِ إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك؟ )(4) . قال السبط ابن الجوزي في التذكرة : « فلم تتكلم بكلمة »(5) .

وفي رواية الطبري عن حديث الزهري : « فقال لها : ( استفززت الناس وقد فزّوا ، وألّبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً ) في كلام كثير؟ »(6) .

فيا ترى ما هو ذلك الكلام الكثير الّذي غصّ الطبري ورواته بذكره فابتلعه؟! وأظن أنّ من ذلك الكلام الكثير ما جاء في رواية لدى البلاذري قال :

____________________

(1) طه / 97.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 89.

(3) مروج الذهب 2 / 376 تح ـ محي الدين.

(4) مروج الذهب 2 / 376 ، وفي الجمل للمفيد : قال لها يا شقيراء بهذا وصّاك رسول الله ، وقارن طبقات ابن سعد 8 / 50 تجد وصف النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لها أيضاً بالشقيراء ، فهي تسمى حميراء وشقيراء.

(5) تذكرة الخواص / 43.

(6) تاريخ الطبري 4 / 519 ط دار المعارف.


« وانتهى عليّ إلى الهودج فضربه برمحه وقال : ( كيف رأيتِ صنيع الله بكِ يا أخت إرم )؟ فقالت : ملكت فاسحج »(1) .

وفي رواية أخرى عنده رواها بسنده عن ابن حاطب قال : « أقبلت مع عليّ يوم الجمل إلى الهودج وكأنّه شوك قنفذ من النبل ، فضرب الهودج ثمّ قال : ( إنّ حميراء إرم أرادت أن تقتلني كما قتلت عثمان بن عفان ) »(2) .

والآن فقد حصحص الحقّ فتبين أن ما رواه البلاذري هو من بعض ذلك الكلام الكثير الّذي غصت به ألسنة الرواة ـ ومنهم الطبري ـ فلم تبح به ، حفاظاً على مقام أم المؤمنين لديهم ، وتعتيماً على ما جرى منها على أمير المؤمنين وعلى أبنائها المؤمنين.

ولم أقف على وصف الإمام لعائشة بأخت إرم وحميراء إرم في المصادر القديمة إلاّ في رواية البلاذري ، وربما تجاهله الآخرون لما عرفوا من معناه ، فإنّ إرم كعلم وزناً ومعنى ، اسم موضع قريب من النباج بين البصرة والحجاز ، كانت فيه حرب أشعلتها امرأة اسمها الكلبة ماتت ودفنت هناك فنسب اليها الإرم وهو العَلَم ، ويوم إرم الكلبة من أيام العرب(3) فشبّهها الإمام بتلك المرأة.

ولم أقف على ذكر لكلمة الإمام ( عليه السلام ) عند مَن ذكرها من الكتّاب المحدّثين سوى طه حسين فقد ذكرها في الفتنة الكبرى وزاد في آخرها تبادل الدعاء بالمغفرة بين الإمام وعائشة ، ولم يذكر لنا مصدره في ذلك ، وأحسب أنّ

____________________

(1) أنساب الأشراف 2 / 249 ( ترجمة الإمام ) تح ـ المحمودي.

(2) نفس المصدر 2 / 250.

(3) معجم البلدان 1 / 157 ط صادر.


التزيّد بالدعاء كان منه تخفيفاً لوقع ضرب الهودج بالرمح ، وشدّة التوبيخ بتلك الكلمة فقد قال : « ويأتي عليّ مغضباً ، ولكنه على ذلك متماسك يملك نفسه ويضبطها أشد الضبط ، فيضرب الهودج برمحه ويقول : ( كيف رأيت صنيع الله يا أخت إرم )؟ فتقول : يا بن أبي طالب ملكت فأسحج ، فيقول عليّ : غفر الله لك ، وتجيب عائشة : وغفر لك »(1) .

فتبادل الدعاء بالمغفرة لم يرد في رواية البلاذري وهو الّذي سبق المؤرخين إلى رواية أخت إرم ـ كما تقدم ـ فمن أين أتى طه حسين بتلك الزيادة؟

وكيف يتم تبادل الدعاء بالمغفرة ممّن وصفه مغضباً. وأحسبه لفّق بين رواية البلاذري المشعرة بمنتهى الغضب ، وبين مرويات علماء التبرير الذين أخذوا روايات سيف اعتماداً على شيخ المؤرخين الطبري فهو الّذي رواها ، قال : « فانتهى اليها ـ عائشة ـ عليّ فقال : أي أمّه يغفر الله لنا ولكم قالت : غفر الله لنا ولكم »(2) . وهذا ما رواه ابن الأثير(3) والنويري(4) وابن كثير(5) وابن خلدون الّذي تزيّد في الرواية فقال : « وجاء إليها عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلّماً فقال : كيف أنتِ يا أمّه؟ قالت : بخير فقال : يغفر الله لك وجاء وجوه »(6) وسيأتي مزيد بيان عن هذا الخداع والتظليل.

____________________

(1) الفتنة الكبرى 2 / 53.

(2) تاريخ الطبري 4 / 534.

(3) تاريخ ابن الأثير 3 / 109 ط بولاق.

(4) نهاية الارب 20 / 79.

(5) البداية والنهاية 7 / 244.

(6) تاريخ ابن خلدون 2 / 1086 ط دار الكتاب اللبناني.


ونعود إلى طه حسين لنقول له : ما هكذا تورد يا سعد الإبل. كيف تصدّق أنّ عليّاً دعا لعائشة بالمغفرة وهي دعت له كذلك ، وأهدرا معاً تلك الدماء الّتي بلغت عشرات الآلاف حتى قالوا : كانت حصيلة الحرب ثلاثين ألفاً(1) ، ( وفي حديث ) جدة المعلّى أبو حاتم قالت : خرجنا إلى قتلى الجمل فعددناهم بالقصب فكانوا عشرين ألفاً(2) !

فليس المقام مقام ( عفا الله عما سلف ) وبجرّة من القلم تبادلا الدعاء بالمغفرة ، وكأنّهما كانا تلاقيا على الشوق والمحبة بعد سفر نزهة أو حج. فإنّ ذلك كله من تضبيب علماء التبرير ، لتضييع معالم الجريمة وليلبسوا الحقّ بالباطل. وكيف يخفى على مسلم آمن بالله وبرسوله ما جاء عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّ عليّاً مع الحقّ والحقّ معه(3) ، ومن كان على الحقّ ومع الحقّ فلا يتأتى منه إلاّ ما هو الحقّ ، وتابع عليّ يكون على الحقّ ومن ناوى عليّاً وحاربه(4) فهو على الضلال قال الله سبحانه :( فَمَاذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ ) (5) .

____________________

(1) مرآة الجنان لليافعي 1 / 97 / 33 ألفاً.

(2) تاريخ خليفة ابن خياط 1 / 166 تح ـ أكرم ضياء العمري.

(3) حديث ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ( ترجمة الإمام ) 3 / 120 ، وتاريخ بغداد 14 / 32 ، ومجمع الزوائد 9 / 135.

(4) حديث ( حربك حربي وسلمك سلمي ) أخرجه ابن المغازلي في المناقب / 50 ط المكتبة الإسلامية بتقديم السلم على الحرب. وذكره غير واحد بلفظ الحرب قبل السلم ، راجع مناقب الخوارزمي / 86 ط حجرية ، وميزان الأعتدال للذهبي 1 / 35 ، ولسان الميزان لابن حجر 2 / 483 ط حيدر آباد ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 221 و 520 ط مصر الأولى ، وينابيع المودة / 81 ط اسلامبول وغيرها.

(5) يونس / 32.


وإلى القارئ شهادات أعلام المسلمين من أئمة المذاهب بأن عليّاً كان على الحقّ في قتاله أهل الجمل ومن حاربه كان باغياً ظالماً له :

من فمك أدينك :

1 ـ قال أبو حنيفة ـ إمام المذهب ـ : « ما قاتل أحد عليّاً إلاّ وعليّ أولى بالحقّ منه ، ولولا ما سار عليّ فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين ، ولا شك أنّ عليّاً إنّما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفي يوم الجمل سار عليّ فيهم بالعدل ، وهو علّم المسلمين ، فكانت السنّة في قتال أهل البغي »(1) .

2 ـ قال سفيان الثوري ـ من أئمة الحديث ـ : « ما قاتل عليّ أحداً إلاّ كان عليّ أولى بالحقّ منه »(2) .

3 ـ قال أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ : « لم يزل عليّ بن أبي طالب مع الحقّ والحقّ معه حيث كان »(3) .

4 ـ قال أبو منصور الماتريدي البغدادي : « أجمعوا ـ أهل السنّة ـ على أن عليّاً كان مصيباً في قتال أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة ، وأهل صفين معاوية وعسكره »(4) .

5 ـ قال النووي في شرح صحيح مسلم : « وكان عليّ هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنّة »(5) .

____________________

(1) مناقب أبي حنيفة للخوارزمي 2 / 83 ط حيدر اباد ، ومناقب أبي حنيفة للكردري بهامش المصدر السابق.

(2) حلية الأولياء 7 / 31.

(3) تاريخ دمشق ( ترجمة الإمام ) 3 / 66 تح ـ المحمودي.

(4) التذكرة للقرطبي / 495 ط دار المنار ـ تحذير العبقري من محاضرات الخضري 1 / 228.

(5) شرح صحيح مسلم 18 / 11ط 1349 بمصر.


وقال في حديث عمّار تقتله الفئة الباغية : « قال العلماء : هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليّاً كان محقاً مصيباً »(1) .

6 ـ قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة : « أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي أهل الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المسلمين والمتكلمين : على أنّ عليّاً مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل ، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ، لكن لا يكفرون ببغيهم (؟) »(2) .

7 ـ قال ابن العربي المالكي : « فكلّ من خرج على عليّ باغٍ ، وقتال الباغي واجب حتى يفيء إلى الحقّ وينقاد إلى الصلح ، وأنّ قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة ، وأهل الجمل ، والنهروان والذين خلعوا بيعته ، حق ، وكان حق الجميع أن يصلوا بين يديه ويطالبوه بما رأوا ، فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بغاة ، فتناولهم قوله تعالى :( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ ) (3) »(4) .

8 ـ قال ابن الهمام الحنفي : « كان عليّ على الحقّ في قتال أهل الجمل وقتال معاوية بصفين »(5) .

9 ـ قال ابن حجر العسقلاني : « كان الإمام عليّ بن أبي طالب على الحقّ ، والصواب في قتال من قاتله في حروبه الجمل وصفين وغيرهما »(6) .

____________________

(1) نفس المصدر / 252.

(2) التذكرة للقرطبي / 494 ط دار المنار ، فيض القدير 6 / 466 ، وراجع نصب الراية للزيلعي 4 / 69 ، وتحذير العبقري 1 / 228.

(3) الحجرات / 9.

(4) أحكام القرآن 2 / 224.

(5) فتح القدير 5 / 461.

(6) فتح الباري ( كتاب استتابة المرتدين ) 15 / 328 ـ 329 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.


10 ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي : « وأمّا القول في البغاة عليه فهو على ما أذكره لك :

أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا ـ يعني المعتزلة ـ لا يحكم لأحد منهم إلاّ بالنار لإصرارهم على البغي وموتهم عليه ، رؤساؤهم والأتباع جميعاً ، وأمّا الخوارج فإنهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوي المجمع عليه ، ولا يختلف أصحابنا في أنهم من أهل النار.

وجملة الأمر أنّ أصحابنا ـ يعني المعتزلة ـ يحكمون بالنار لكلّ فاسق مات على فسقه ، ولا ريب في أن الباغي على الإمام الحقّ والخارج عليه بشبهة أو بغير شبهة فاسق »(1) .

11 ـ وقال ابن تيمية بعد ذكر حديث عمّار تقتله الفئة الباغية : « وهذا أيضاً يدل على صحة إمامة عليّ ووجوب طاعته ، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة ، والداعي إلى مقاتله داع إلى النار ـ وإن كان متأولاً ـ وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال عليّ ، وعلى هذا فمقاتله مخطيء وإن كان متأولاً ، أو باغٍ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا. وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليّاً ، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين »(2) .

12 ـ قال الذهبي : « لا نرتاب أنّ عليّاً أفضل ممّن حاربه ، وأنّه أولى بالحقّ »(3) .

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 4.

(2) مجموع فتاوي ابن تيمية 4 / 437.

(3) سير أعلام النبلاء 8 / 210.


13 ـ قال القرطبي المالكي : « فتقرّر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أنّ عليّاً ( رضي الله عنه ) كان إماماً وإنّ كلّ من خرج عليه باغٍ وأنّ قتاله واجب يفيء إلى الحقّ وينقاد إلى الصلح »(1) .

14 ـ قال الآلوسي : « وصرّح بعض الحنابلة بأن قتال الباغين أفضل من الجهاد احتجاجاً بأنّ عليّاً كرّم الله تعالى وجهه اشتغل في زمان خلافته بقتالهم دون الجهاد »(2) .

15 ـ قال أبو بكر الجصاص الحنفي في أحكام القرآن : « قاتل عليّ ابن أبي طالب ( رضي الله عنه ) الفئة الباغية بالسيف ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم ، وكان محقاً في قتاله لهم لم يخالف فيه أحد إلاّ الفئة الباغية الّتي قابلته وأتباعها »(3) .

فهذه جملة من أقوال أئمّة أهل السنّة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ، أدانوا مَن حارب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سواء أهل الجمل أو صفين أو الخوارج ، فكلّهم بغاة ، وكان الحقّ معه في قتالهم ، والضلال معهم في قتاله.

فكان الأحرى بطه حسين ومَن على شاكلته أن يكون متحرراً من رواسب الموروث ، وينظر إلى رموز أهل الجمل وإلى عائشة خاصة نظرة جدّ ، ولا تأخذه بهرجة التبرير ، وتزييف الأعذار فهي خاصة تتحمل من مسؤولية الحرب بقدر نشاطها فيها ، ومواقفها لا تخفى.

وقال عبد الوهاب النجار في تاريخه : « أمّا عائشة أم المؤمنين فما كان لها أن تتولى كبر هذا الأمر ولا أن تطالب كما تزعم بدم عثمان ، فإنّ أولياء دم

____________________

(1) الجامع لأحكام القرآن 16 / 318 ط دار إحياء التراث العربي بيروت.

(2) روح المعاني 26 / 137.

(3) أحكام القرآن للجصاص 3 / 400 افست دار الكتاب العربي بيروت.


عثمان كثيرون يفوت عدّهم الاحصاء (؟) وقد علمت أنّ معاوية بالشام غير وانٍ في أمره ولا متخاذل فيه وهو على العمل أقدر منها وأولى بعثمان وأمسّ به رحماً وأقرب قرابة وليست رحمها الله ممّن جعل الله لهم سلطان هذا الأمر ، ولولا وجودها في هذا الجيش لما كانت الفتنة في هذه الناحية ولم يكن لهم نظام ولا حميّة ، فكانت سبباً لاشتداد البلاء على المسلمين ومثاراً لأمور أنتجت الحزن والأسى »(1) .

16 ـ وقال ناصر الدين الألباني ـ بعد نقله حديث الحوأب ـ : « إنّ الحديث صحيح الإسناد ولا إشكال في متنه فإن غاية ما فيه أن عائشة ( رضي الله عنها ) لما علمت بالحوأب كان عليها أن ترجع ، والحديث يدل أنّها لم ترجع ، وهذا ممّا لا يليق أن ينسب إلى أم المؤمنين ، وجوابنا على ذلك : أنّه ليس كلّ ما يقع من الكُمّل يكون لائقاً بهم ، إذ لا عصمة إلاّ لله وحده ، والسني لا ينبغي له أن يغال فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافّ الأئمة الشيعة المعصومين ، ولا نشك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله ، ولذلك همّت بالرجوع حين علمت بتحقيق نبوءة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عند الحوأب ، ولكن الزبير ( رضي الله عنه ) أقنعها بترك الرجوع بقوله : عسى الله أن يصلح بك بين الناس ، ولا نشك أنّه كان مخطئاً في ذلك أيضاً ، والعقل يقطع بأنّه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى(2) ولا شك أنّ عائشة ( رضي الله عنها ) هي المخطئة لأسباب كثيرة وأدلة واضحة ، ومنها : ندمها على خروجها ، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها ، وذلك ممّا يدل على أنّ خطأها من الخطأ المغفور بل المأجور (؟)(3) .

____________________

(1) تاريخ الخلفاء الراشدين / 410.

(2) سيأتي ان أحصائية القتلى تجاوزت الآلاف.

(3) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 775.


أقول : ولئن جانب الصواب في آخر كلامه ، لأنّه لم يتخلص من عقدة الموروث ، فقد كان غيره أشدّ غيرة على أمه لكنه أكثر صراحة وصرامة في لومه لها.

17 ـ قال عبد الكريم الخطيب : « وقد أحصى المحصون عدّة قتلى هذه الحرب من المسلمين فبلغ بها بعضهم أكثر من ثلاثين ألفاً »(1) ، بينما وقف بعضهم عند ستة آلاف ، فالطبري يروي في بعض رواياته أن عدد القتلى من الفريقين كانوا أكثر من ستة آلاف ، وابن أعثم يروي أن قتلى أصحاب عليّ كانوا سبعمائة ، أمّا أصحاب عائشة فكانوا تسعة آلاف ، وصاحب العقد الفريد يروي أنّ عدد قتلى أصحاب عائشة عشرون ألفاً ، وأنّ من قتل من أصحاب عليّ كانوا خمسمائة.

وأياً كان الخلاف في هذه المرويات ، فإنّ دماء غزيرة جرت في هذا الإلتحام ، وأرواحاً كثيرة طيبة أزهقت في تلك المعركة.

وما نريد أن نلقي تبعة كلّ هذا على أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) ، فقد كانت دوافع جانبية كثيرة ، تحرّك هذه الحرب وتذكي ضرامها ، ولكن الّذي لا شك فيه أنّ زمام الموقف كلّه كان في يد السيدة عائشة. وأنّها لو أشارت بيدها إلى الجيش المجتمع حولها إشارة سلام وانصراف لما بقي أحد في أرض المعركة.

ولكن ثبات أم المؤمنين في الميدان ووقوفها في أرض المعركة جعل الذين قاتلوا معها لا يقاتلون إلاّ دفاعاً عنها ، وإلاّ دفعاً لما قد يتعرض لها من سوء ، ولهذا فقد استماتوا في حمايتها(2) .

____________________

(1) مرآة الجنان لليافعي 1 / 97 وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفاً على ما ذكر أهل التواريخ.

(2) عليّ بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة / 355 ـ 356.


18 ـ قال سعيد الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة : « وأمّا السيدة عائشة فنقدها عثمان كان أشدّ عليه لما لها من الحرمة والإجلال ونفاذ الكلمة ، وقد عرف الأمويون وطلحة والزبير ما يكون لدعواهم من القوة إذا نهضت بها معهم عائشة ، وعرفوا ما تكنّ من الكره لخلافة عليّ ، فما زالوا يفتلون لها في الذروة والغارب حتى نهضت لما أنهضوها ، وحملت من هذه الفتنة نصيبها ».

ثمّ قال : « وأنا أقطع أنّ الأمور لم تكن لتصل إلى العاقبة السيئة الّتي رأيناها لو غابت عائشة عن فتنة الجمل ، لقد كانت السيدة لهذه الفتنة ـ من حيث لا تريد ـ روحها ، وكان مقامها فيها أقوى ما حفّز الجماهير على التطوع لها وعلى تهافتهم على الإستماتة بين يدي جمل عائشة ».

وقال : « هذا وقد أكثر لها الناصحون من اخواتها امهات المؤمنين وأصحاب رسول الله الأجلاء ، وعقلاء أهل المصرَين البصرة والكوفة ، فلم تستجب لنصح أحد ، ونفذ قضاء الله.

والله سبحانه أعفى النساء من الدخول فيما هو من شأن الرجال ، فلم يكلفهنّ سياسة ولا إدارة ولا إثارة جماهير ، ولا تجييش جيوش ، ولا تأليباً على الخلفاء ، فإن باشرن شيئاً من هذا كان ذلك هو الفتنة عينها ، وكان المجتمع حينئذٍ يعالج داءً دخيلاً في كيانه ينذر بالشر المستطير ، وسترى بعد قليل أنّ السيدة ذاتها حكمت على نفسها هذا الحكم ، ورأت أنّها أتت أمراً إدّاً لا يغتفر »(1) .

____________________

(1) عائشة والسياسة / 207.


فجميع هذه الأقوال تدفع ما ذكره طه حسين من تبادل الاستغفار ليسدل الستار على تلك المشاهد المروعة من القتلى والجرحى وما خلّفته الحرب من دمار. ولا غرابة إذن لو قرأنا إدانة عائشة ـ كما مرّ ـ وليس على من أدانها أيّ عتب حين يخاطبها :

فمنك البكاء ومنك العويل

ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقاتله عندنا من أمر

كما قال لها ذلك عمّار(1) وعلى هذا كان قول القائل :

أذنبت يا عائش في قتالك

أخالطه عافك جمّالك

فهل علينا بعد هذا إثم

اذا تركناك ومنك الظلم

وحسبنا منك أعترفت بالخطا

حين رأيت الأمر أمراً غلطا

19 ـ وقال محمّد بن اسحاق بن خزيمة : « عهدت مشايخنا يقولون : إنّا نشهد بأن كلّ من نازع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في خلافته فهو باغ. وبه قال ابن إدريس »(2) .

20 ـ قال أبو منصور عبد القاهر البغدادي : « أجمع أهل الحقّ على صحة إمامة عليّ وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان ، وأنه كان محقاً مصيباً في التحكيم وفي قتال أصحاب الجمل وأصحاب معاوية بصفين »(3) .

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 371 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) معرفة علوم الحديث / 84.

(3) أصول الدين / 286 ـ 292.


21 ـ وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي : « وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل وقاتل معاوية بصفين وقاتل الخوارج بالنهروان ، استدل بذلك على قتال من خرج عن طاعة الإمام »(1) .

22 ـ وقال إمام الحرمين الجويني : « كان عليّ بن أبي طالب إماماً حقاً في توليته ومقاتلوه بغاة »(2) .

23 ـ وقال الكاساني الحنفي : « قاتل سيدنا عليّ أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة تصديقاً لقوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لسيدنا عليّ : إنّك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل ، والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج ، ودل الحديث على إمامة سيدنا عليّ لأنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) شبّه قتال سيدنا عليّ بقتاله على التنزيل ، وكان رسول الله محقاً في قتاله على التنزيل ، فلزم أن يكون سيدنا عليّ محقاً في قتاله بالتأويل »(3) .

24 ـ وقال الزيلعي : « كان الحقّ بيد عليّ في نوبته فالدليل عليه قول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعمّار : تقتلك الفئة الباغية ، ولا خلاف انه كان مع عليّ وقتله أصحاب معاوية ، ثمّ قال : أجمعوا على أنّ عليّاً كان مصيباً في قتال أهل الجمل وهم طلحة والزبير وعائشة ومَن معهم ، وأهل صفين وهم معاوية وعسكره »(4) .

25 ـ وقال ابن مفلح الحنبلي : « كان عليّ أقرب إلى الحقّ من معاوية ، وأكثر المصنّفين في قتال أهل البغي يرى القتال من ناحية عليّ ، ومنهم من يرى الإمساك ».

____________________

(1) المهذب في الفقه الشافعي 2 / 234 ط مصر سنة 1343.

(2) الإرشاد في أصول الاعتقاد / 433.

(3) بدائع الصنائع 7 / 140 أحكام المرتدين.

(4) نصب الراية 4 / 69 ( كتاب أدب القاضي ).


26 ـ وقال ابن هبيرة في حديث أبي بكرة في ترك القتال في الفتنة أي في قتل عثمان : « فأمّا ما جرى بعده فلم يكن لأحد من المسلمين التخلف عن عليّ. ولما تخلف عنه سعد وابن عمر وأسامة ومحمّد بن مسلمة ومسروق والأحنف ندموا ، وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت : إنّي لم أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة إلاّ تخلفي عن عليّ ، وكذا روي عن مسروق وغيره بسبب تخلّفهم »(1) .

27 ـ وقال محمّد بن الحسن الشيباني ـ تلميذ أبي حنيفة ـ : « لو لم يقاتل معاوية عليّاً ( عليه السلام ) ظالماً له متعدياً باغياً كنا لا نهتدي لقتال أهل البغي »(2) .

28 ـ وقال الشافعي : « السكوت عن قتلى صفين حسن ، وان كان عليّ أولى بالحقّ من كلّ من قاتله »(3) .

لقد وضعت الحرب أوزارها :

خلّفت وراءها مخلّفات كثيرة ، فإن يكن النصر قد حالف جيش الإمام ، فقد خالف بين وجهات نظر أفراده. فثمة مسائل لم يكن المسلمون قد عرفوا حكمها من قبل ، إذ لم يبتلوا بقتال أهل القبلة ، إذن كيف لهم أن يعرفوها اليوم ، وبتعبير أدّق كيف يتهضمّونها وهذه المسائل ظهرت في ثلاثة محاور :

أوّلاً : إعلان العفو العام عن الجرحى والمنهزمين وغيرهم.

ثانياً : عدم الأسرى في هذه الحرب.

ثالثاً : عدم الغنائم إلاّ ما قاتلوا به وعليه.

____________________

(1) الفروع 3 / 542 ـ 543.

(2) الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية 2 / 26.

(3) أدب الشافعي ومناقبه / 314.


ولسنا نعرف مثلاً لذلك في أي عصر من العصور فقد أحتج جيش عليّ لأن غنائم معركته حرمت عليه ، وقال بعضهم : أحل لنا دمهم وحرم علينا أموالهم ، ولكن عليّاً لم يلق بالاً إلى هذا الاحتجاج فقد كان يضع مبادئ عليه أن يقرّها حتى ولو صادفت احتجاجاً أو اعتراضا(1) .

وهذه الثلاثة هي السيرة الّتي تعلّمها المسلمون من الإمام ( عليه السلام ) ولولاه لم يعرفوا أحكامها.

أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال : « فكفّ عليّ يده حتى بدأوه بالقتال ، فقاتلهم بعد الظهر ، فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف ممّن كان يذبّ عنه. فقال عليّ : لا تتموا جريحاً ، ولا تقتلوا مدبراً ، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن »(2) .

وأخرج أيضاً بسنده عن أبي البختري قال : « لمّا انهزم أهل الجمل قال عليّ : لا يطلب عبدٌ خارجاً من المعسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، والمواريث على فرائض الله ، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً.

قالوا يا أمير المؤمنين : تحلّ لنا دماؤهم ولا تحلّ لنا نساؤهم ، قال : فخاصموا. فقال : كذلك السيرة في أهل القبلة ، قال : فهاتوا سهامكم وأقرعوا على عائشة فهي رأس الأمر وقائدهم. قال : ففرقوا وقالوا نستغفر الله ، قال : فخصمهم عليّ »(3) .

____________________

(1) اليمين واليسار في الإسلام / 121 لأحمد عباس صالح.

(2) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 286 ط باكستان كراتشي ، سنن البيهقي 8 / 181 ط دار الفكر فتح الباري لابن حجر 16 / 168 ط الحلبي بتفاوت يسير.

(3) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 263.


قال ابن حزم : « وفي أيامه كانت وقعة الجمل وصفين ، وعلم الناس منه فيها كيف قتال اهل البغي »(1) .

وروى البيهقي بسنده قال عليّ ( رضي الله عنه ) يوم الجمل : « نمنّ عليهم بشهادة أن لا إله إلاّ الله ونورّث الآباء من الأبناء »(2) .

قال أبو حنيفة الدينوري : « فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع فلا يعرض له أحد إلاّ ما كان من السلاح الّذي قاتلوا به ، والدواب الّتي حاربوا عليها.

فقال له بعض أصحابه : يا أمير المؤمنين كيف حلّ لنا قتالهم ولم يحلّ لنا سبيهم وأموالهم؟

فقال عليّ ( رضي الله عنه ) : ليس على الموحدّين سبي ، ولا يغنم من أموالهم إلاّ ما قاتلوا به وعليه ، فدعوا ما لا تعرفون ، والزموا ما تؤمرون »(3) .

وقال المسعودي : « ودخل عليّ بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار ، فنظر إلى ما فيه من العين والوَرِق ، فجعل يقول : يا صفراء غري غيري ويا بيضاء غري غيري ، وأدام النظر إلى المال مفكراً ، ثمّ قال : اقسموه بين أصحأبي ومن معي خمسمائة خمسمائة ، ففعلوا فما نقص درهم واحد ، وعدد الرجال اثنا عشر الف. وقبض ما كان في عسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسّمه بين أصحابه ، وأخذ لنفسه كما أخذ لكلّ واحد ممّن معه من أصحابه وأهله وولده خمسمائة درهم ، فأتاه رجل من أصحابه فقال : يا أمير

____________________

(1) جوامع السيرة / 355 ط دار المعارف.

(2) سنن البيهقي 8 / 182.

(3) الأخبار الطوال / 151 ط تراثنا بمصر.


المؤمنين إنّي لم آخذ شيئاً وخلفني عن الحضور كذا ـ وأدلى بعذره ـ فاعطاه الخمسمائة الّتي كانت له »(1) .

ولقد أخذت مسألة غنائم الحرب بين أهل القبلة بُعداً أوسع بعد حرب صفين لاختلاف الحكم بين الحربين ، وسوف نقرأ لابن عباس حديثاً مع الخوارج الحرورية في ذلك.

ولقد قال ( عليه السلام ) : ( سرت في أهل البصرة سيرة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في أهل مكة )(2) .

تطواف في المعركة :

قال الشيخ المفيد : « لمّا انجلت الحرب بالبصرة وقتل طلحة والزبير ، وحُملت عائشة إلى قصر بني خلف ، ركب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتبعه أصحابه ـ ومنهم ابن عباس ـ وعمّار بن ياسر يمشي مع ركابه حتى خرج إلى القتلى يطوف عليهم. فمرّ بعبد الله بن خلف الخزاعي وعليه ثياب حسان مشهرّة فقال الناس : هذا والله رأس الناس ، فقال ( عليه السلام ) : ( ليس برأس الناس ولكنه شريف منيع النفس ). ثمّ مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فقال : ( هذا يعسوب القوم ورأسهم كما ترونه ) ، ثمّ جعل يستعرض القتلى رجلاً رجلاً ، فلمّا رأى أشراف قريش صرعى في جملة القتلى قال ( عليه السلام ) : ( جدعت أنفي ، أمّا والله ان كان مصرعكم لبغيضاً إليَّ ، ولقد تقدمت إليكم وحذّرتكم عضّ السيوف وكنتم أحداثاً لا علم لكم بما ترون ، ولكن الحَين ومصارع السوء ، نعوذ بالله من سوء المصرع ).

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 380 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد ط السعادة.

(2) أنساب الأشراف 2 / 273 تح ـ المحمودي.


ثمّ صار حتى وقف على كعب بن سور وهو مجدّل بين القتلى وفي عنقه المصحف ، فقال : ( نحّوا المصحف وضعوه في مواضع الطهارة ) ، ثمّ قال : ( أجلسوا لي كعباً ) ، فاجلس ، ورأيته ينخفض إلى الأرض فقال : ( يا كعب بن مسور قد وجدت ما وعدني ربّي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ) ثمّ قال : ( أضجعوا كعباً ) ، فتجاوزه فمرّ ( عليه السلام ) فرأى طلحة صريعاً فقال : ( أجلسوا طلحة ) فأجلس ، وقال : ( يا طلحة بن عبيد الله قد وجدت ما وعدني ربي حقاً فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ) ثمّ قال : ( أضجعوه ). فوقف رجل من القرّاء أمامه وقال : يا أمير المؤمنين ما كلامك هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاماً ولا ترد جواباً؟ فقال ( عليه السلام ) : ( والله إنّهما ليسمعان كلامي كما تسمّع أصحابُ القليب كلام رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ولو أذن لهما في الجواب لرأيت عجباً ). ومرّ بمعبد بن المقداد بن عمرو وهو في الصرعى فقال : ( رحم الله أبا هذا إنّما كان رأيه فينا أحسن من رأي هذا ). فقال عمّار بن ياسر : الحمد لله الّذي أوقعه وجعل خده الأسفل ، إنا والله يا أمير المؤمنين لا نبالي عمّن عَند عن الحقّ من ولد ووالد. فقال ( عليه السلام ) : ( رحمك الله يا عمّار وجزاك عن الحقّ خيراً ).

ومرّ بعبد الله بن ربيعة بن رواح ( دراج )(1) وهو في القتلى فقال : ( هذا البائس ما كان أخرجه نصر عثمان ، والله ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن ).

ومرّ بمعبد بن زهير بن أمية فقال : ( لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام ، والله ما كان فيها بذي مخبره ، ولقد أخبرن من أدركه انّه يلوذ خوفاً من السيف حتى قتل البائس ضياعاً ).

____________________

(1) في نسخة بخط سيدنا المغفور له السيد الوالد تاريخ نسخها سنة 1357 هـ وقد رجعت إليها كلما راجعت المطبوعة بالحيدرية سنة 1368 هـ لأنّها أصح.


ومرّ بمسلم بن قرظة فقال : ( البرّ أخرج هذا ولقد سألني أن أكلّم عثمان في شيء يدّعيه عليه بمكة فلم أزل به حتى أعطاه وقال لي : لولا أنت ما أعطيته ، ان هذا ما علمت بئس العشيرة ، ثمّ جاء لحينه ينصر عثمان ).

ثمّ مرّ بعبد الله بن عُمير بن زهير قال : ( هذا أيضاً ممّن أوضع في قتالنا يطلب بزعمه دم عثمان ولقد كتب إليَّ كتباً آذى عثمان فيها فأعطاه شيئاً فرضي عنه ).

ومرّ بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال : ( هذا خالف أباه في الخروج عليّ ، وإنّ أباه حيث لم ينصرنا بايع وجلس في بيته ما ألوم أحداً إذ كفّ عنا وعن غيرنا ولكن الملوم الّذي يقاتلنا ).

ومرّ بعبد الله بن المغيرة بن الأخنس فقال ( عليه السلام ) : ( أمّا هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج غضباً لمقتل أبيه ، وهو غلام لا علم له بعواقب الأمور ).

ومرّ بعبد الله بن الأخنس بن شريق فقال ( عليه السلام ) : ( أمّا هذا فإنّي أنظر إليه وقد أخذ القوم السيوف وإنّه لهارب يعدو من السيف فنهيت عنه فلم يُسمع نهيي حتى قتل ، وكان هذا ممّن حقد عليّ ، فتيان قريش أغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا واستزلّوا فلمّا وقعوا ألحجوا فقتلوا ).

ثمّ أمر ( عليه السلام ) مناديه فنادى : من أحبّ أن يواري قتيله فليواره. وقال ( عليه السلام ) : ( واروا قتلانا في ثيابهم الّتي قتلوا فيها فإنّهم يحشرون على الشهادة وإنّي الشاهد لهم بالوفاء ) »(1) .

شفيع القرشيين ابن عباس :

روي الشيخ المفيد عن الواقدي قال : « لمّا فرغ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أهل الجمل جاءه قوم من فتيان قريش يسألونه الأمان وأن يقبل منهم البيعة ،

____________________

(1) كتاب الجمل / 193.


فاستشفعوا إليه بعبد الله بن العباس فشفّعه ، وأمر لهم في الدخول عليه ، فلمّا مثلوا بين يديه ، قال لهم : ( ويلكم يا معشر قريش علامَ تقاتلونني؟ على أن حكمتُ فيكم بغير عدل؟ أو قسمت بينكم بغير سويّة؟ أو استأثرت عليكم؟ أو لبعدي عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ أو لقلة بلاء مني في الإسلام )؟

فقالوا : يا أمير المؤمنين نحن أخوة يوسف فاعف عنا واستغفر لنا ، فنظر إلى أحدهم فقال له : ( من أنت )؟ قال : أنا مساحق بن مخرمة ، معترف بالزلّة ، مقر بالخطيئة ، تائب من ذنبي.

فقال ( عليه السلام ) : ( قد صفحت عنكم ، وأيم الله إنّ فيكم من لا أبالي بايعني بكفه أم بأسته ، ولئن بايعني لينكثن ) »(1) .

شفعاء مروان لدى الإمام :

روى البلاذري بسنده عن عليّ بن الحسين أن مروان بن الحكم حدّثه ـ وهو أمير على المدينة ـ قال : « لمّا توافقنا يوم الجمل لم يلبث أهل البصرة أن انهزموا ، فقام صائح لعليّ فقال : لا يقتل مدبر ، ولا يدفف على جريح ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن طرح السلاح فهو آمن.

قال مروان فدخلت داراً ، ثمّ أرسلت إلى حسن وحسين وابن جعفر وابن عباس فكلموه ، فقال : هو آمن فليتوجه حيث ما شاء ، فقلت : لا تطيب نفسي حتى أبايعه ، قال : فبايعته ، ثمّ قال : اذهب حيث شئت »(2) .

وفي شرح النهج : « فقالا ـ الحسن والحسين ـ له : يبايعك يا أمير المؤمنين ، قال ( عليه السلام ) : أو لم يبايعني قبل ـ بعد / ظ ـ مقتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته ،

____________________

(1) كتاب الجمل / 205 نسخة مخطوطة.

(2) أنساب الاشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 262.


إنّها كفّ يهودية ، لو بايعني بيده لغدر بسُبّته ، أمّا إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الاكبش الأربعة ، وستلقى الأمة منه ومن ولده يوماً أحمر ».

قال ابن الحديد في شرح النهج : « قد روي هذا الخبر من طرق كثيرة ، ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب نهج البلاغة ، وهي قوله ( عليه السلام ) في مروان : يحمل راية ضلالة بعدما يشيب صدغاه »(1) .

وفي حديث الواقدي : « أنّ مروان تقدم إليه وهو متكئ على رجل ، فقال ( عليه السلام ) : ما بك هل بك جراحة؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين وما أراني إلاّ لما بي ، فتبسم وقال : لا والله ما أنت لما بك وستلقى هذه الأمة منك ومن ولدك يوماً أحمر ، ثمّ بايعه وانصرف.

وتقدم إليه عبد الرحمن بن هشام ، فلمّا نظر إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : والله إن كنتَ أنت وأهلُ بيتك لأهل دعة ، وإن كان فيكم غنى ، ولكن أعفو عنكم ، ولقد ثقل عليّ حيث رأيتكم في القوم ، وأحببت أن تكون الواقعة بغيركم.

فقال له عبد الرحمن : فقد صار ذلك إلى ما تحب ، ثمّ بايعه وانصرف »(2) .

وفي حديث البلاذري عن ابن عباس قال : « انّ عليّاً أخذ يوم الجمل مروان ابن الحكم وموسى بن طلحة فأرسلهما »(3) .

وفي الخرايج روي عن أبي الصيرفي عن رجل من مراد قال : « كنت واقفاً على رأس أمير المؤمنين يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال : انّ لي حاجة فقال ( عليه السلام ) : ما أعرفني بالحاجة الّتي جئت فيها تطلب الأمان لابن الحكم؟ قال : نعم أريد أن تؤمنه قال : آمنته ، ولكن اذهب وجئني به ولا تجئني به إلاّ رديفاً

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 53.

(2) الجمل للشيخ المفيد / 206 نسخة مخطوطة.

(3) أنساب الاشراف ( ترجمة الإمام ) 2 / 262.


فإنّه أذلّ له ، فجاء به ابن عباس ردفاً خلفه كأنه قرد قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أتبايع؟ قال : نعم وفي النفس ما فيها ، قال : الله اعلم بما في القلوب ، فلمّا بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كفّ مروان فنترها فقال : لا حاجة لي فيها انها كف يهودية ، لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بأسته ، ثمّ قال : هيه يا بن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة ، كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الأمة خسفاً ويسوقونها كأساً مصبّرة »(1) .

حوار الإمام مع القرشيين :

روى أبو مخنف في كتاب الجمل : بسنده عن مساحق القرشي قال : « لمّا انهزم الناس يوم الجمل اجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان بن الحكم فقال بعضهم لبعض : والله لقد ظلمنا هذا الرجل ـ يعنون أمير المؤمنين ـ ونكثنا بيعته من غير حَدَث ، والله لقد ظهر علينا ، فما رأينا أكرم سيرة منه ، ولا أحسن عفواً منه بعد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، تعالوا حتى ندخل عليه ونعتذر إليه فيما صنعناه.

قال : فصرنا إلى بابه فاستأذناه فأذن لنا ، فلمّا مثلنا بين يديه جعل متكلمنا يتكلم.

فقال ( عليه السلام ) : أنصتوا أكفكم ، إنما أنا بشر مثلكم ، فان قلت حقاً فصدّقوني ، وإن قلت باطلاً فردّوا عليّ.

ثمّ قال ( عليه السلام ) : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قبض وأنا أولى الناس به وبالناس من بعده؟ قلنا : اللّهمّ نعم قال : فعدلتم عني وبايعتم أبا بكر فأمسكت ولم أحبّ أن أشق عصا المسلمين وأفرّق بين جماعتهم ، ثمّ ان أبا بكر جعلها لعمر من بعده فكففتُ ولم أهج الناس وقد علمت أني كنت أولى الناس بالله

____________________

(1) أنظر بحار الأنوار 8 / 411 ط الكمباني.


وبرسوله وبمقامه ، فصبرت حتى قتل ، وجعلني سادس ستة ، فكففت ولم أحبّ أن أفرّق بين المسلمين ، ثمّ بايعتم عثمان فطعنتم عليه وقتلتموه وأنا جالس في بيتي ، فأتيتموني وبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر ، فما بالكم وفيتم لهما ولم تفوا لي؟ وما الّذي منعكم من نكث بيعتهما ودعاكم إلى نكث بيعتي؟.

فقلنا له : يا أمير المؤمنين كن كالعبد الصالح يوسف إذ قال :( لا تَثْرِِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (1) .

فقال ( عليه السلام ) : لا تثريب عليكم اليوم ، وإنّ فيكم رجلاً لو بايعني بيده لنكث بأسته ، يعني مروان بن الحكم »(2) .

نماذج من الخداع والتضليل في حرب الجمل :

لقد دأب علماء التبرير على إشاعة الضبابية المكثفة في آفاق التاريخ ، من خلال الدسّ والافتراء ، وإذاعة الروايات المضللة الخادعة ، وفي هذا الموقف ـ موقف الإمام في حرب الجمل خصوصاً مع صاحبة الهودج ـ فقد تبارى القوم في ذلك ، سيّان الأولّين منهم والآخرين.

من الأولين :

نموذجاً أبو جعفر الطبري المتوفى سنة 310 هـ في تاريخه(3) ، فاقرأوا ما رواه من حديث سيف بسنده قال : « وانتهى إليها عليّ فقال : كيف أنت يا أمّه؟ قالت بخير ، قال : يغفر الله لكِ قالت : ولكَ ».

____________________

(1) يوسف / 92.

(2) الجمل للشيخ المفيد / 206 ط الحيدرية ، وأمالي الطوسي 2 / 120 مط النعمان.

(3) تاريخ الطبري 4 / 534.


واقرأوا ما رواه أيضاً من حديث سيف عن محمّد وطلحة قالا : « وغشي الوجوه عائشة ، وعليّ في عسكره ، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أوّل من دخل فسلّم عليها فقالت : إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي وارتجزا بكذا ، فهل تعرف كوفيّك منهما؟ قال : نعم ذلك الّذي قال : ( أعقّ أم نعلم ) وكذب والله ، إنّك لأبّر أم نعلم ، ولكن لم تطاعي ، فقالت : والله لوددت أنّي مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وخرج فأتى عليّاً فأخبره أن عائشة سألته فقال : ويحك من الرجلان؟ قال ذلك أبو هالة الّذي يقول : كيما أرى صاحبه عليّاً.

فقال : والله لوددتُ أني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة فكان قولهما واحداً ».

هذا ما رواه الطبري عن سيف وهو المتهم في أحاديثه وردّده الببغاوات من بعده بدءاً من ابن الأثير وابن كثير وابن خلدون والذهبي والعصامي على تفاوت بينهم في النقل ، وابن كثير مثلاً قال بعد ذكره حديث حرب الجمل : « هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير ( رحمه الله ) عن أئمّة هذا الشأن ، وليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلفة على الصحابة والأخبار الموضوعة الّتي ينقلونها بما فيها ، وإذا دعوا إلى الحقّ الواضح أعرضوا عنه وقالوا : لنا أخبارنا ولكم أخباركم ، فنحن حينئذٍ نقول لهم : سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين »(1) .

والآن فاقرأوا تلخيص ما مرّ نقله عن الطبري من حديث سيف : « فقال : وجاء إليها عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلّماً فقال : كيف أنتِ يا أمّه؟ قالت بخير فقال : يغفر الله لك.

وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون على أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) ».

____________________

(1) القصص / 55.


فأين صار دعاء عائشة لعليّ جواباً على دعائه لها بالمغفرة ، فقالت : ولك ...؟

وأين صارت رواية الندم وتمني كلّ من عائشة وعليّ الموت قبل عشرين سنة؟

هذا كله إن صحت الأنباء وهي لا تصح ، ولنقل له ولأمثاله :( وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) (1) .

وثمة من تحاشى ذكر كلام الإمام الّذي أوردناه آنفاً نقلاً عن البلاذري واكتفى بقوله : « لمّا كان يوم الجمل ما كان وظفر عليّ بن أبي طالب دنا من هودج عائشة فكلمها بكلام. فأجابته : ملكتَ فأسجح »(2) .

« فقال عليّ : صدق رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ثمّ قال : يا هذه أستفززت الناس وألّبت بينهم في كلام كثير ، فقالت : يا بن أبي طالب إذا ملكت فأسجح ، وجاء ابن عباس فقال : إنّما سُميتِ أم المؤمنين بنا؟ قالت نعم ، قال : أولسنا أولياء زوجكِ؟ قالت : بلى قال : فلم خرجت بغير إذننا؟ قالت قضاء وأمر »(3) .

« وإنّ عليّاً وقف على خباء عائشة يلومها على مسيرها ، فقالت : يا بن أبي طالب ملكت فاسجح »(4) .

وهكذا سرعان ما سرت الضبابية في أفق التاريخ فعتمت على الحقيقة حتى جعلت الإمام نادماً على ما صدر منه بدءاً من مسيره من المدينة ومروراً بمنازله في الطريق وانتهاءً بيوم الحرب حتى قال ابن كثير في تاريخه : « حتى جعل عليّ يقول لابنه الحسن : يا بني ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاماً ، فقال له :

____________________

(1) يوسف / 52.

(2) أنظر العقد الفريد لابن عبد ربّه 4 / 328.

(3) البدء والتاريخ للمقدسي 5 / 215.

(4) سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 125 ط ذخائر العرب.


يا أبتِ قد كنت أنهاك عن هذا. قال : يا بني إني لم أرَ أن الأمر يبلغ هذا »(1) . وهذا أيضاً رواه الذهبي(2) .

يا لله ، عليّ لا يدري أنّ الأمر يبلغ هذا؟! أليس هو القائل : ( أمرني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين )(3) .

ألم يرو البزار وأبو يعلى عن عليّ بن ربيعة قال : « سمعت عليّاً ( عليه السلام ) على المنبر وأتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ما لي أراك تستحل الناس استحلال الرجل إبله ، أبعهد من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أو شيئاً رأيته؟ قال : والله ما كَذِبت ولا كُذّبت ، ولا ضللتُ ولا ضلّ بي ، بل عهد من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عهده إلي وقد خاب من افترى ، عهد إليَّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين »(4) .

لماذا يندم وهو القائل : ( لقد ضربتُ هذا الأمر ظهره وبطنه ـ أو رأسه وعينيه ـ فما وجدتُ إلاّ السيف أو الكفر )(5) .

ما باله يندم؟ وهو القائل : ( أنا فقأت عين الفتنة ، لولا أنا ما قوتل أهل النهروان وأهل الجمل ، ولولا اني أخشى أن تتركوا العمل لأنبأتكم بالّذي قضى الله على لسان نبيّكم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لمن قاتلهم مبصراً ضلالتهم عارفاً بالهدى الّذي نحن عليه )(6) ، وهذا أمر يعرفه حتى الصحابة ، فقد سئل أبو أيوب عن قتاله مع الإمام

____________________

(1) البداية والنهاية 7 / 424.

(2) سير أعلام النبلاء 3 / 641.

(3) تاريخ بغداد 8 / 340.

(4) كنز العمال 11 / 317.

(5) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 274 ، ومستدرك الحاكم 3 / 115.

(6) كشف الغمة 1 / 243 ط مكتبة الشريف الرضي بقم ، وراجع كنز العمال 11 / 285 نقلاً عن ابن أبي شيبة وأبي نعيم في الحلية والدورقي.


أهل لا إله إلاّ الله ، فقال للسائل : « يا هذا إنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أمرنا بقتال ثلاثة مع عليّ ، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، فأمّا الناكثون فقد قابلناهم أهل الجمل طلحة والزبير ، وأمّا القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم ـ يعني معاوية وعمراً ـ وأمّا المارقون فهم أهل الطرفاوات ، وأهل السعيفات ، وأهل النخيلات ، وأهل النهروانات ، والله ما أدري أين هم ، ولكن لابدّ من قتالهم إن شاء الله »(1) .

ومن النماذج المضللة :

ما رووه من أقوال الإمام يؤبّن فيها قتلى أهل الجمل بما يضفي عليهم من الثناء ويستمطر لهم الرحمة من السماء ، ويرفع عنهم إصر إراقة الدماء؟

فقد روى الطبري ـ وهو شيخ المؤرخين ومرجعهم ـ من حديث سيف ـ وهو المتهم بالزندقة والكذب في حديثه باعترافهم ـ توجع عليّ على قتلى الجمل فكان من حديثه : « وأقام عليّ بن أبي طالب في عسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة ونُدب الناس إلى موتاهم ، فخرجوا اليهم فدفنوهم ، فطاف عليّ معهم في القتلى ، فلمّا أتي بكعب بن سور قال : زعمتم انّما خرج معهم السفهاء ، وهذا الحبر قد ترون. وأتى على عبد الرحمن بن عتّاب فقال : هذا يعسوب القوم ـ يقول الّذي كانوا يُطيفون به ـ يعني أنّهم قد كانوا اجتمعوا عليه ورضُوا به لصلاتهم.

وجعل عليّ كلّما مرّ برجل فيه خير قال : زعم أنّه لم يخرج إلينا إلاّ الغوغاء ، هذا العابد المجتهد. وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة وعلى

____________________

(1) تاريخ بغداد 13 / 186 ، ومستدرك الحاكم 3 / 139 ، وكنز العمال 6 / 88 ط الأولى بحيدر آباد.


قتلاهم من أهل الكوفة ، وصلّى على قريش من هؤلاء وهؤلاء فكانوا مدنيين ومكيّين »(1) .

وفي العقد الفريد : « ومرّ عليّ بقتلى الجمل فقال : اللّهمّ اغفر لنا ولهم ، ومعه محمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر ، فقال أحدهما لصاحبه : أما تسمع ما يقول؟ قال : اسكت لا يزيدك »(2) .

وفي طبقات ابن سعد : « فسار عليّ ليلته في القتلى معه النيران ، فمرّ بمحمّد بن طلحة قتيلاً فقال : يا حسن ( محمّد السجاد وربّ الكعبة ) ثمّ قال أبوه صرعه هذا المصرع ، ولولا برّه بأبيه ما خرج. فقال الحسن : ما كان أغناك عن هذا ، فقال : ما لي ولك يا حسن وقد كان قال له قبل ذلك يا حسن ودّ أبوك أنّه قد كان مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة »(3) .

وقال ابن كثير : وقد طاف عليّ بين القتلى فجعل كلما مرّ برجل يعرفه ترحمّ عليه ويقول : يعزّ عليّ أن أرى قريشاً صرعى ـ وقد مرّ على ما ذكر ـ على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول فقال : لهفي عليك أبا محمّد ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والله لقد كنت كما قال الشاعر :

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه

إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر(4)

وهكذا بدأوا النول ثمّ بدأ نسيج البرد المهلهل فكفّنوا به أولئك القتلى من القادة ، وليذهب الأتباع إلى جهنم وبئس المصير على حدّ ما قاله الحسن البصري

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 538 ط دار المعارف.

(2) العقد الفريد 4 / 331 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر.

(3) طبقات ابن سعد 5 / 39 ط افست ليدن.

(4) البداية والنهاية 7 / 244 ط السعادة.


وحوشب وهاشم الأوقص وبكر ابن اخت عبد الواحد فقد كانوا يقولون إذا ذكروا يوم الجمل : هلكت الأتباع ونجت القادة(1) (؟) إنّها إحدى الكبر. ولما مرّ بنا ما قاله الإمام عند مروره بالقتلى فلا حاجة بنا إلى إطالة المقام ونختم ذلك بما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة قال : « ومن كلام له ( عليه السلام ) لمّا مرّ بطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل : لقد أصبح أبو محمّد بهذا المكان غريباً ، أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب أدركت وتري من بني عبد مناف ، وأفلتني أعيار بني جُمح ، لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله فوقصوا دونه »(2) .

ومن النماذج المضللة في المقام :

خبر عمر بن شبة الّذي رواه في كتابه تاريخ المدينة قال : « حدّثنا محمّد بن عباد قال حدّثنا بعض أصحابنا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : انّ ابن عباس ( رضي الله عنه ) خطب بالبصرة فذكر عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) فعظّم أمره وقال : لو أنّ الناس لم يطلبوا بدمه لأمطر الله عليهم حجارة من السماء »(3) .

وهذا الخبر رواه البلاذري في أنساب الأشراف(4) والمحب الطبري(5) والسيوطي في تاريخ الخلفاء(6) وغيرهم ، وأحسبهم جميعاً أخذوه عن عمر بن شبة.

____________________

(1) العثمانية للجاحظ / 246 ط دار الكتاب العربي بمصر تح ـ وشرح عبد السلام محمّد هارون.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 41.

(3) تاريخ المدينة 2 / 1254.

(4) ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب في أواخر ترجمة عثمان 3 / 84 بهامش الإصابة.

(5) الرياض النضرة 2 / 137.

(6) ورواه ابن سعد في الطبقات في ترجمة عثمان وعنه ابن عساكر في تاريخه أيضاً في ترجمة عثمان.


ومهما يكن فهو خبر ساقط لا لجهالة في السند ( بعض أصحابنا ) الّذي روى عنه ( محمّد بن عباد ) المجهول أيضاً هو الآخر. ولا لاختلاط سعيد بن أبي عروبة الّذي كان قدرياً وقال أحمد فيه قدري لم يكن له كتاب إنّما كان يحفظ ، وقال رحيم اختلط سنة 145. ولا لتدليس قتادة لأنّه أحد الأئمة الأعلام حافظ مدلّس ، ولم يرو عن ابن عباس؟ لا لذلك كله ، بل إن متن الخبر يستبطن كذبه! كيف يقول ابن عباس ذلك وهو ممّن قاتل الذين طالبوا بدم عثمان ، فلماذا قاتلهم اذن؟!

ومن النماذج المضلّلة :

ما رواه غير واحد من أن طلحة لم يخرج من الدنيا إلاّ وبيعة الإمام في عنقه!

وحديث بيعته من مهازل التاريخ. وإليك ذلك :

روى ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي عن الأصبغ بن نباتة : « انّه لمّا انهزم أهل البصرة ركب عليّ ( عليه السلام ) بغلة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الشهباء ـ وكانت باقية عنده ـ وسار في القتلى ليستعرضهم ، فمر بكعب بن سور القاضي ـ قاضي البصرة ـ وهو قتيل ، فقال : أجلسوه ، فأجلس فقال : ويل أمك كعب بن سور لقد كان لك علم لو نفعك ، ولكن الشيطان أضلّك فأزلّك فعجّلك إلى النار. أرسلوه ، ثمّ مرّ بطلحة بن عبيد الله قتيلاً فقال : أجلسوه فأجلس ، ثمّ قال :

ـ قال أبو مخنف في كتابه ـ : فقال له : ويل أمك طلحة ، لقد كان لك قدم لو نفعك ، ولكن الشيطان أضلّك فأزلّك فعجّلك إلى النار.

قال ابن أبي الحديد : وأمّا أصحابنا فيروون غير ذلك ، يروون أنّه قال لمّا أجلسوه : أعزز عليّ أبا محمّد أن أراك معفّراً تحت نجوم السماء وفي بطن هذا


الوادي ، أبعد جهادك في الله وذبّك عن رسول الله. فجاء إليه إنسان فقال : أشهد يا أمير المؤمنين لقد مررت عليه بعد أن أصابه السهم وهو صريع فصاح بي فقال : مِن أصحاب مَن أنت؟ فقلت : من أصحاب أمير المؤمنين ، فقال أمدد يدك لأبايع لأمير المؤمنين فمددت يدي فبايعني لك. فقال عليّ ( عليه السلام ) : أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلاّ وبيعتي في عنقه »(1) .

انتهى كلام ابن أبي الحديد ، وأنت خبير بما فيه.

أمّا أوّلاً : فلأنّ هذه الرواية ممّا انفرد أصحابه بنقلها فهي غير مسموعة ، والمعروف بين الفريقين ما رواه أبو مخنف.

وثانياً : إنّه ـ ابن أبي الحديد ـ قال في أوائل شرحه عند الكلام على البغاة والخوارج : أمّا أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلّهم إلاّ عائشة وطلحة والزبير ، فإنّهم تابوا ، ولولا التوبة لحكموا لهم بالنار ، لإصرارهم على البغي.

فإنّ هذا الكلام منهم صريح في استحقاقه للنار لولا التوبة ، ولابدّ لهم من اثبات التوبة ، وأنّى لهم بذلك. ثمّ لو صح ـ وأنى يصح ـ خبر مبايعته لرجل من أصحاب الإمام في تلك الحال صريعاً آيساً من الحياة فلا يجدي شيئاً ، لأنه لا يرفع العقاب. لأن الله تعالى قال :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (2) .

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 82 ط مصر الأولى.

(2) النساء / 17 ـ 18.


ونعود إلى رواية أصحاب ابن أبي الحديد في بيعة طلحة فنقول له : إنّها رواية ثور بن مجزأة ، وسندها ضعيف جداً كما قاله ابن حجر في الأطراف ونقله عنه المتقي الهندي(1) ، وكذا قاله ونقل عن السيوطي في الأطراف أنّ سندها ضعيف جداً(2) .

ولو أغمضنا عن ضعف سندها فهي كما تدل على اعتراف طلحة بأحقية الإمام بالخلافة ، فإنّها تشير إلى كذبه حين كان يقول انّه بايع أوّلاً مكرهاً والسيف على رقبته ثمّ نكث البيعة وألقحها حرباً عواناً بين المسلمين ثمّ الآن يبايع مرة ثانية (؟).

وزاد علماء التبرير في الطنبور نغمة فقالوا : « دخل موسى بن طلحة على عليّ فقال له عليّ : إنّي لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممّن قال الله فيهم( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) (3) وأمسى عليّ بالبصرة ذلك اليوم الّذي أتاه فيه موسى بن طلحة فقال ابن الكواء : أمسيت بالبصرة يا أمير المؤمنين؟ فقال : كان عندي ابن اخي. قال : ومن هو؟ قال : موسى بن طلحة فقال ابن الكواء : لقد شقينا إن كان ابن أخيك. فقال عليّ : ويحك ان الله قد أطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم »(4) . إلى آخر ما هنالك من خداع وتضليل.

____________________

(1) كنز العمال كتاب الفتن من قسم الأفعال 6 / 81 ط حيدر آباد الأولى ، و 11 / 316 ط حيدر آباد الثانية.

(2) منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 5 / 441.

(3) الحجر / 47.

(4) الإمامة والسياسة 1 / 70 ط سنة 1328 هـ.


وختاماً فلنذكر للقارئ ما قاله الشريف المرتضى : « فأمّا ما رواه ـ يعني القاضي عبد الجبار ـ من ترحم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ على طلحة ـ وقوله : إنّي لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير اخواناً على سرر متقابلين ، خبر ضعيف لا يوجب العلم ، ويعارضه ما قدمناه من الأخبار الّتي تدل على الإصرار ونفي التوبة ممّا هو أظهر في الرواية وأشهر وأولى من غيره من حيث كانت تلك الأخبار قد تلقتها الفرق المختلفة بالقبول ، وأخباره يرويها قوم وينكرها آخرون »(1) .

خطبة الإمام :

روى الطبرسي عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : « لمّا فرغ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من قتال أهل البصرة ، وضع قتبا على قتب(2) فحمد الله وأثنى عليه فقال : يا أهل البصرة ، يا أهل المؤتفكة ، يا أهل الداء العُضال ، يا أتباع البهيمة ، يا جند المرأة رغا فأجبتم ، وعقر فهربتم ، ماؤكم زعاق ، ودينكم نفاق ، وأحلامكم رقاق

ثمّ نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه ، فمرّ بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال : يا حسن أسبغ الوضوء ، فقال : يا أمير المؤمنين لقد قتلتَ بالأمس أناساً يشهدون أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، ويصلون الخمس ، ويسبغون الوضوء.

فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدونا؟

____________________

(1) الشافي / 290 ط حجرية سنة 1301 هـ.

(2) القتب : الرحل الّذي يوضع على ظهر البعير.


فقال : والله لأصدقنك يا أمير المؤمنين ، لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت عليَّ سلاحي ، وأنا لا أشك في أنّ التخلف عن أم المؤمنين عائشة كفر. فلمّا انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى مناد يا حسن إلى أين ارجع ، فإنّ القاتل والمقتول في النار ، فرجعت ذاعراً وجلست في بيتي.

فلمّا كان اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين هو الكفر ، فتحنطت وصببت عليَّ سلاحي وخرجت أريد القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فنادى مناد من خلفي يا حسن إلى أين مرة بعد أخرى فان القاتل والمقتول في النار.

قال عليّ ( عليه السلام ) : صدقت أفتدري من ذلك المنادي؟ قال : لا. قال ( عليه السلام ) : أخوك إبليس ، وصدقك أنّ القاتل والمقتول منهم في النار.

فقال الحسن البصري : الآن عرفت يا أمير المؤمنين انّ القوم هلكى »(1) .

أقول : وإنّ الخطبة الّتي رواها لنا ابن عباس إنّما هي جزء من خطبة طويلة ، روتها مصادر الفريقين كلّ أخذ منها ما يريد(2) .

وما ذكر من مرور الإمام بالحسن البصري ليس له واقع ، والحسن لم يكن بالبصرة يومئذٍ ، وإنّما دخل البصرة أيام صفين ، قال النسائي وابن المديني وصاحب التنقيح : لم يسمع من ابن عباس ولا رآه قط ، كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة.

____________________

(1) الاحتجاج 1 / 250 ط النعمان.

(2) أنظر نهج البلاغة خطبة / 13 و 14 ، وإرشاد المفيد / 137 ط الحيدرية ، والجمل للمفيد / 407 ط دار المفيد ، والأخبار الطوال للدينوري / 153 ، ومروج الذهب 2 / 377 ، وعيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 217 ، والعقد الفريد لابن عبد ربه 4 / 328 ، وتفسير عليّ بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى ( والمؤتفكة أهوى ) ، وبحار الأنوار 8 / 447.


وقوله : ( خطبنا ابن عباس ) يعني خطب أهل البصرة ، ولم يكن شاهداً لخطبته ، ولا دخل البصرة بعد ، لأن ابن عباس خطب يوم الجمل ، والحسن دخل أيام صفين(1) .

أمر تسيير عائشة إلى المدينة :

لم يبق للإمام أمر أهمّه إلاّ إرجاع عائشة إلى بيتها ، ولمّا كان ( عليه السلام ) يتّبع أمر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في قتاله الناكثين فهو يقتفي ما رسم له ، وقد مرّت أحاديث دالة على ذلك. وثمة أحاديث أُخرى في خصوص تسيير عائشة :

فقد روى أبو رافع عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال لعليّ : ( سيكون بينك وبين عائشة أمر ، فإذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها ). قال ابن حجر : أخرجه أحمد والبزار بسند حسن(2) . وأخرجه السيوطي في الخصائص عنهما وعن الطبراني(3) .

وفي حديث أم سلمة ( رضي الله عنها ) قالت : « ذكر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة ، فقال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( أنظري يا حميراء(4) ألاّ تكوني أنت ).

____________________

(1) تحقيق الغاية ، حافظ ثناء الله الزاهدي / 129 و 131 ط باكستان.

(2) فتح الباري 16 / 165.

(3) الخصائص 2 / 127ط حيدر آباد الأولى.

(4) من الطريف أن ينكر ابن قيم الجوزية ورود حديث فيه لفظ ( الحميراء ) وتبعه في ذلك غير واحد. وكأنهم ـ فيما أحسب ـ من باب سد الذرائع عندهم انكروا ذلك ، لئلا يصدمهم حديث الحوأب وفيه : إياك أن تكونيها يا حميراء ، أو يدمغهم حديث ام سلمة المار ذكره في المتن ، مع أن الأحاديث الّتي ورد فيها لفظ ( الحميراء ) نافت على العشرين ـ فيما أحصيت ـ وربّما فاتني غيرها. فلا يعقل أن تكون جميع تلك الأحاديث موضوعة ، وبينها ما هو ثابت بسند صحيح كحديث الحوأب ، وقد أدرجه ناصر الدين الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 267 ـ 277. وأفاض الكلام في سنده ودلالته ، والرد على من أنكره وهو سعيد الأفغاني ، فراجع ( إشعاع البتيراء على أحاديث الحميراء ) مخطوط للكاتب والبتيراء اسم للشمس كما في القاموس ( بتر ).


ثمّ التفت إلى عليّ فقال : ( يا عليّ إن وليتَ من أمرها شيئاً فارفق بها ) »(1) .

إذن فعلى الإمام أن يتفرغ لذلك.

قال طه حسين : « وكان من الأمور ذات الخطر الّتي أراد عليّ أن يفرغ منها قبل أن يترك البصرة ، ردّ عائشة إلى المدينة لتقرّ في بيتها كما أمرها الله »(2) .

ولمّا كان قد أنزلها في دار عبد الله بن خلف ، فصارت لجأً لفلول الجرحى وغيرهم من أصحابها ، فكان لابدّ له من إنذارها بالتهيوء للرحيل ، قبل أن يتعاظم الخطب بطول بقائها ، ومن ذا هو الرسول الّذي سيرسله اليها ، وهو يعلم منها ـ لما يبلغه عنها ـ صلابة وعناداً. وهل لها إلاّ ابن عمّه عبد الله بن عباس الّذي سبق له أن كان رسوله اليها قبل الحرب. وله مواقف معها من قبلُ دلّت على كفاءة عالية وقدرة في دحض حججها.

وقد ذكرت بعض المصادر ـ كما سيأتي بيانها ـ بأنّ الإمام استدعاه عقب خطبته في ذم أهل البصرة فقال : ( أين ابن عباس؟ ) فدعي له من كلّ ناحية ، فأقبل إليه فقال : ( إئت هذه المرأة ومرها فلترجع إلى بيتها الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه ).

قال ابن عباس : فأتيتها وهي في دار بني خلف فطلبت الإذن عليها فلم تأذن.

وهنا سؤال يفرض نفسه ، لماذا لم تأذن عائشة لابن عباس؟ ولعل في استعراض مواقفه السابقة معها ، وما كان يدور بينهما من تشنج نجد جواب ذلك وهو الّذي فرض على عائشة تصلّب موقفها في عدم الإذن.

____________________

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 136 وصححه ، كما أخرجه البيهقي في الدلائل وغيره.

(2) الفتنة الكبرى 2 / 59.


وإذا رجعنا نستقرئ مواقف ابن عباس معها ، فعلينا أن نبدأ بها من يوم اجتمع بها في الصلصل سنة 35 هـ حيث ضمّهما المنزل وكلاهما في الطريق إلى مكة ، وكان ابن عباس أمير الموسم في تلك السنة ، فحرّضته على عثمان ودعته إلى الهتاف بطلحة ، وقد مرّ بنا في الجزء الثاني خبر ذلك مفصّلاً.

ومن بعد ذلك كانت مواقف سفارته بين الإمام وبين زعماء الناكثين وهي منهم ، وكلّها كانت مواقف نصيحة لها من ابن عباس أن لا تخوض فيما وضع عنها وعن النساء ، وعليها أن ترجع إلى بيتها وتقرّ فيه كما أمرها الله ، ولكنه لم يجد لديها أذناً صاغية.

وآخر موقف كان قبيل نشوب الحرب ، إذ أرسله الإمام وهو يحمل مصحفاً ليدعو القوم إلى ما فيه فاجتمع بطلحة والزبير ، ولمّا أتى عائشة وكانت في هودجها تحفّها الأزد وضبّة ، وقد أخذ كعب بن سور القاضي بخطام الجمل ، فلمّا رأته نادته ما الّذي جاء بك يا بن عباس ، والله ما سمعت منك شيئاً ، ارجع إلى صاحبك وقل له ما بيننا وبينك إلاّ السيف ، وتعاوت الغوغاء من حولها : ارجع يا بن عباس لا يسفك دمك.

فهذا التشنّج المذموم مع رسول يطلب حكم الكتاب لحقن الدماء ، لا شك له أثره في نفس ابن عباس ، كما لا شك أيضاً له ذكراه الأليمة في نفس قيادة مهزومة.

والآن أتاها وقد تبدّل الموقف على الساحة ، فهي كانت رأساً تقود جيشاً ، وأضحت الآن أسيرة حرب ، ورهينة مغلوبة. وأصبح ابن عباس قائداً منتصراً ، ورسولاً لإمام غدا مظفّرا ، فلعل شعورها بالفشل والخيبة دعاها إلى أن تحجب ابن عباس من الدخول عليها ، لئلا تراه في عزّ النصر ، ويراها في ذل الهزيمة.


أو لعلها لم تأذن له لئلا يرى بيوتاً في دار ابن خلف ضمت فلول الناكثين ، أخفتهم معها حيث منحها الإمام الحماية الكافية ، فهي تحميهم بكنفها ، وإن شملهم العفو العام.

وما يدرينا لعلهما معاً اعتملا في نفسها فلم تأذن له.

ومهما يكن مردّ ذلك المنع ، فلم يكن منعها برادع لابن عباس وهو رسول الإمام ، وحبر الأمة لا يخفى عليه وجه فقاهة الدخول بغير إذنها ، إلاّ أنّه الأدب القرآني الّذي كان ابن عباس ترجمانه يأمره بالآية( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (1) .

ولعل عائشة أيضاً تخيّلت أنّها بمنعه من الدخول عليها ، ستغلبه بقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (2) .

ولم تدر أنّ ابن عباس أوعى منها لأحكام القرآن كما سيتبين ذلك عند قراءة نص المحاورة.

ماذا عن نص المحاورة؟

هذا موضوع استجدّ عندي بحثه بعد أن قرأت قريباً كتاب ( عائشة والسياسة ) لسعيد الأفغاني الشامي ، والرجل معروف من خلال كتابه ( الإسلام والمرأة ) ومعنّي بعائشة خاصة من خلال تحقيقه لكتاب ( الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ) للزركشي وقد طبعه بدمشق سنة 1358 هـ وتصاعدت حمّى

____________________

(1) النور / 27.

(2) الأحزاب / 53.


الهيام بها فأخرج كتابه ( عائشة والسياسة ) وطبعه بالقاهرة سنة 1947م. فقرأته من ألفه إلى يائه ـ كما يقولون ـ فرأيته في المقدمة ينأى بنفسه عن التقليد ، ويزعم لنفسه ( التحرّر من كثير من الآراء والمذاهب التاريخية الّتي يتعبد بها بعض الباحثين لعصرنا )(1) .

وقال : « وعلى هذا فلست إذن متبعاً مذهباً ما ، ولن أخضع الحوادث لتفسير ما فأكلّف الأشياء غير طبائعها ، فلا أقول بالعليّة التاريخية المطردّة ، ولا أقرّ ( الجبرية ) في التاريخ ، وأجد أبعد المذاهب عن الواقع وأنآها عن الحقّ والفطرة : مذهب التفسير المادي للتاريخ ».

وهذا نهج جيّد لو استقام على الطريقة ، ويستحق الإجادة حين رأيته قال : « وأحبّ أن أنبّه هنا إلى خطأ يوقع كثيراً من الباحثين في القصور ذلك أنّهم يكتفون في بحوثهم في التاريخ العربي بالمصادر التاريخية فحسب ، فتجيء بحوثهم على ضلع ، ما تكاد تستقل واقفة ، وكم من حقائق تاريخية خلت منها مصادر التاريخ وزخرت بها كتب الأدب ودواوين الشعر وأن ما استفدته أنا من كتب اللغة والفقه والحديث والتفسير والأدب والأخبار لا يقلّ عمّا أصبته في مطوّلات التاريخ ».

فهذا أيضاً جيّد ونهج قويم لو لم يقل : « ولابدّ من الإشارة إلى أنّي جعلت أكثر اعتمادي ـ بعد البحث في المصادر التاريخية ـ على تاريخ الطبري خاصة ، فهو أقرب المصادر من الواقع ، وصاحبه أكثر المؤرخين تحرّياً وأمانة ، وعليه اعتمد كلّ من أتى بعده من الثقات. وليس الكامل لابن الأثير إلاّ تاريخ الطبري منسّقاً مختصراً منه الأسانيد واختلاف الروايات ، وحسبك انّ ابن خلدون فيلسوف

____________________

(1) عائشة والسياسة ، المقدمة / 3.


المؤرخين نقل عنه حوادث الجمل ثمّ أدلى بهذه الشهادة القيّمة : « هذا أمر الجمل ملخصاً من كتاب أبي جعفر الطبري ، اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين »(1) .

فأين التحرّر الّذي زعمه أوّلاً؟! ثمّ أين الدعوة إلى قراءة الحقائق التاريخية في كتب اللغة والفقه والحديث والتفسير ...؟ ولِمَ نعى على الآخرين الاقتصار على المصادر التاريخية فحسب؟ فما دام قد أكثر الاعتماد على الطبري وليكن الباقي مرجعاً ثانوياً أو لا يكون. وهو لئن قارب الصواب حيناً فقد جانبه أحياناً ولست في مقام المؤاخذة والحساب على ما وجدته من هنات وهفوات في كتابه. ولقد سجلت ما عندي على هوامش صفحاته حين قراءتي له.

لكن ممّا ينبغي التنبيه عليه في المقام أن أشير إلى زلة من زلاّته ممّا يتعلق بابن عباس وهذا هو الّذي حداني إلى ذكره في المقام.

فالأفغاني ناقش رواية ابن عباس لحديث الحوأب ، وهذه نقطة أولى تقدمت الإشارة إليها في هامش بعض الصفحات قريباً ، واكتفيت برد ابن بلده ناصر الدين الألباني ، فراجع.

أمّا النقطة الثانية : فهي مناقشته حوار ابن عباس مع عائشة بالبصرة وقد أرسله الإمام اليها يأمرها بالتهيؤ للرحيل والعودة إلى بيتها الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه. فلابدّ لي من عرض جميع ما وقفت عليه من نصوص المحاورة ثمّ عرض مناقشة الأفغاني بعد ذلك.

____________________

(1) تاريخ ابن خلدون 2 / 425 مطبعة النهضة سنة 1355 هـ.

أقول : لقد مرّ بالقارئ ما ذكرته من شواهد خداع وتضليل المؤرخين ما قاله ابن كثير ، ولدى المقارنة تبيّن ما ارتكبه من الخيانة. فراجع.


بين يديّ فعلاً من المصادر الّتي روت المحاورة أكثر من عشرين مصدراً ، تختلف في روايتها مسندة ومرسلة ، مختصرة ومفصّلة ، وهي موزّعة على القرون كالآتي :

فمن القرن الثالث :

1 ـ كتاب الجمل للواقدي المتوفى سنة 207 هـ وهذا بتوسط الشافي للمرتضى.

2 ـ أخبار الدولة العباسية ، مجهول المؤلف من القرن الثالث يميل المحققان له أنّه لابن النطّاح المتوفى سنة 252 هـ(1) .

3 ـ تاريخ اليعقوبي المتوفى سنة 292 هـ.

4 ـ كتاب الفتن لنعيم بن حماد المتوفى سنة 229 هـ.

ومن القرن الرابع :

1 ـ تاريخ الفتوح لابن أعثم الكوفي المتوفى سنة 314 هـ.

2 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي المتوفى سنة 328 هـ.

3 ـ البدء والتاريخ لأبي زيد البلخي المتوفى سنة 343 هـ(2) .

4 ـ مروج الذهب للمسعودي المتوفى سنة 346 هـ.

5 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي المتوفى سنة 363 هـ.

____________________

(1) أخبار الدولة العباسية / 15 المقدمة ط دار الطليعة بيروت.

(2) قال كاتب جلبي في كشف الظنون : وهو كتاب مفيد مهذب عن خرافات العجائز وتزاوير القصاص لأنه تتبع فيه صحاح الأسانيد أقول : وقد طبع في باريس سنة 1916 ميلادية بعناية كليمان هوار ، وكتب في صفحة العنوان المنسوب إلى أبي زيد أحمد بن سهل البلخي وهو لمطهر بن طاهر المقدسي.


6 ـ رجال الكشي ( معرفة أخبار الناقلين ) لأبي عمر والكشي المتوفى قبل سنة 368 هـ. وهذا بتوسط اختيار الرجال للطوسي.

ومن القرن الخامس :

1 ـ الشافي للشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ.

2 ـ تلخيص الشافي للشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.

3 ـ اختيار الرجال له أيضاً.

ومن القرن السادس :

1 ـ مصباح الأنوار للشيخ هاشم بن محمّد المتوفى بعد سنة 552 هـ.

ومن القرن السابع :

1 ـ الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة لمحمّد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التلمساني المشهور بالبرّيّ.

2 ـ الحدائق الوردية لحميد بن أحمد المحلي الشهيد المتوفى سنة 652 هـ.

3 ـ تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 هـ.

4 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي المتوفى سنة 655 هـ.

ومن القرن الثامن :

ومن القرن التاسع :

1 ـ شرح صحيح مسلم للأبي المالكي المتوفى سنة 827 هـ.

ومن القرن العاشر :

ومن القرن الحادي عشر :


ومن القرن الثاني عشر :

1 ـ سمط النجوم العوالي للعصامي المكي المتوفى سنة 1111 هـ.

2 ـ بحار الأنوار للشيخ المجلسي المتوفى سنة 1111 هـ.

3 ـ الدرجات الرفيعة للسيد عليّ خان المدني الشيرازي المتوفى سنة 1120 هـ.

ومن القرن الثالث عشر :

1 ـ شعب المقال لأبي القاسم النراقي المتوفى سنة 1319 هـ.

2 ـ أعيان الشيعة ج3 ق2 للسيد الأمين.

3 ـ أحاديث أم المؤمنين عائشة للسيد مرتضى العسكري من المعاصرين.

4 ـ عائشة والسياسة لسعيد الأفغاني من المعاصرين.

ولمّا كانت مصادر القرون المتأخرة مصادر ثانوية ، خصوصاً القرون 10 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14 فإنّها تستقي معلوماتها من المصادر الأولى لتصريح أربابها بذلك ، إذن لا حاجة بنا إلى الرجوع إليها. إلاّ إذا دعت الحاجة إلى تصحيح المعلومة فيها ، كما سيأتي منا في محاسبة سعيد الأفغاني على ذلك.

أمّا مصادر القرون الأولى من الثالث وحتى التاسع فبعضها يروي المحاورة بسند متصل وقد يختلف عن سند الآخرين ، كما أنّ رواية المحاورة تتفاوت قليلاً أو كثيراً ، وذلك مسؤولية الرواة ولا ضير ، وبمقارنة بين النصوص المتشابهة يجعلنا أكثر إطمئناناً بما ورد في خصوص مصادر القرنين الثالث والرابع.

وسوف نأتي بنص المحاورة نقلاً منها على اختلاف روايتها في القرون الأولى ، ومنها :


نص المحاورة في مصادر القرن الثالث :

1 ـ قال السيد المرتضى : « فإنّ الواقدي روى بإسناده عن شعبة عن ابن عباس قال : أرسلني عليّ ( عليه السلام ) إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين يأمرها أن ترجع إلى بلادها. قال : فجئتها فوقفت على بابها ساعة لا تأذن لي ، ثمّ أذنت ، فدخلت ولم يوضع لي وسادة ولا شيء أجلس عليه ، فالتفت فإذا وسادة في ناحية البيت على متاع فتناولتها ووضعتها ثمّ جلست عليها. فقالت عائشة : يا بن عباس أخطأت السنّة تجلس على متاعنا بغير إذننا ، فقلت لها : ليست بوسادتك ، تركتِِ متاعك في بيتك الّذي لم يجعل الله لكِ بيتاً غيره. فقالت : والله ما أحب أنّي أصبحت في منزل غيره.

قلت : أمّا حين اخترتِ لنفسكِ فقد كان الّذي رأيتِ.

فقالت : أيّها الرجل أنت رسول فهلمّ ما قيل لك؟

قال : فقلت إنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يأمرك أن ترحلي إلى منزلكِ وبلدكِ.

فقالت : ذاك أمير المؤمنين عمر.

قال ابن عباس : فقلت : أمير المؤمنين عمر والله يرحمه وهذا والله أمير المؤمنين.

فقالت : أبيتُ ذلك.

فقلت : أما والله ما كان إلاّ فواق ناقة غير غزير حتى ما تأمرين ولا تنهين كما قال الشاعر الأسدي :

ما زال إهداء القصائد بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب


حتى تركتِ كأنّ أمركِ فيهم

في كل ناحية طنينُ ذباب(1)

قال ابن عباس : فوالله يعلم لبكت حتى سمعت نشيجها. فقالت : أفعل ، ما بلد أبغض إليَّ من بلد لصاحبك مملكة فيه ، وبلد قتل فيه أبو محمّد وأبو سليمان ـ تعني طلحة بن عبيد الله وابنه ـ.

فقلت : أنتِ والله قتلتهما. قالت : وأجلهما إلى سباق.

قلت : لا ولكنكِ لما شجّعوكِ على الخروج خرجتِ ، فلو أقمتِ ما خرجا.

قال : فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الأوّل. ثمّ قالت : والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن ، نخرج لعمري من بلدك ، فأبغض بها والله بلداً إليَّ وبمن فيها.

فقلت : والله ما هذا جزاؤنا وما هي بأيدينا عندك ولا عند أبيك ، لقد جعلنا أباكِ صدّيقاً وجعلناكِ للناس أمّاً.

فقالت : أتمنّون عليَّ برسول الله.

قلت : إي والله لأمنّن بهِ عليكِ والله لو كان لكِ لمننتِ به.

قال ابن عباس : فقمت وتركتها ، فجئت عليّاً ( عليه السلام ) فأخبرته خبرها وما قلت لها.

فقال ( عليه السلام ) :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) »(3) .

____________________

(1) ما أستشهد به الحبر ابن عباس من أبيات للحضرمي بن عامر الأسدي وقد ذكرها ابن دريد في المجتنى / 104 بتفاوت يسير ، وأولها :

ما زال إهداءالضغائن بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتى تركت كأن أمرك فيهم

في كلّ مجمعة طنين ذباب

أهلكت جندك من صديق فالتمس

جنداً تعيش به من الأوغاب

الخ.

(2) آل عمران / 34.

(3) الشافي / 292 ط حجرية.


وهذا رواه الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي أيضاً ملحقاً بالشافي.

2 ـ أخبار الدولة العباسية قال : « لمّا فرغ عليّ رحمة الله عليه ورضوانه من قتال أهل البصرة ، بعث ابن عباس إلى عائشة ( رضي الله عنها ) وهي في ذكر شيء ( والصواب في دار بني خلف ) خلف الستر ، فأتاها ابن عباس فاستأذن في الدخول فلم تأذن له ، فدخل من غير إذن ، فلم تطرح له شيئاً يقعد عليه ، فأخذ وسادة فجلس عليها.

فقالت : أخطأت السنّة يا بن عباس ، دخلتَ علينا من غير إذن ، وجلستَ على مقرمتنا من غير أمرنا.

فقال : ما أنتِ والسنّة ، نحن علّمناكِ وأباكِ السنّة ، ونحن أولى بها منكِ ، والله ما هو بيتكِ ، وإنّما بيتكِ الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فخرجتِ منه ظالمة لنفسكِ ، فأوردتِ من بنيكِ ممّن أطاعكِ موارد الهلكة ، ولو كنتِ في بيتكِ الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لم ندخله إلاّ بإذنكِ ، إن أمير المؤمنين يأمرك بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلّة العرجة.

قالت : أردت عمر بن الخطاب؟ قال : عليّ والله أمير المؤمنين وإن تربّدت فيه وجوه ، وأرغمت فيه أنوف ( معاطس ) والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم ، ظاهر النكد ، وما كان مقدار طاعتك إلاّ مقدار حلب شاة ، حتى صرتِ تأمرين فلا تطاعين ، وتدعين فلا تجابين ، وما مثلكِ إلاّ كما قال أخو بني أسد :

ما زال يهدي والهواجر بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتى تركت كأن أمرك فيهم

في كلّ مجمعة طنين ذباب

فانتحبت حتى سُمع حنينها من وراء الستر ، ثمّ قالت : والله ما في الأرض بلدة أبغض إليَّ من بلدة أنتم بها معاشر بني هاشم.


فقال : والله ما ذاك يدنا عندكِ وعند أبيكِ ، لقد جعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة(1) وجعلناكِ للمؤمنين أمّاً وانت ابنة أم رومان(2) .

قالت : أتمنّون عليَّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟

قال : إي والله أمّن عليكِ بمن لو كان فيكِ قلامةٌ منه مننتِ به على الخلق ، وإنما نحن دمه ولحمه ، وأنتِ حشية من تسع حشايا خلّفهنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، والله ما أنتِ بأطولهنّ طولاً ، ولا أنضرهنّ عوداً.

فانصرف ابن عباس وأخبر عليّاً بالّذي جرى. فقال : أنا كنت سديد الرأي حيث أرسلتك إليها »(3) .

____________________

(1) كان منادي عبد الله بن جدعان على مائدته وأجرته أربعة دوانيق ـ المنمق لمحمّد بن حبيب / 465 ، وإرشاد القلوب بتوسط سفينة البحار ( قحف ).

(2) اختلف مترجموها مع الصحابة في نسبها وفي أسمها وفي وفاتها ، وربّما هناك علة أخرى أغفلوها إكراماً لابنتها ، وإلا فلا معنى لتعبير ابن عباس لها بأمها فيقول لها : وأنت بنت أم رومان. وأكد ذلك تعيير محمّد بن الحنفية لعبد الله بن الزبير بها في المسجد الحرام على رؤوس الأشهاد فلم يردّ عليه. فقد روى اليعقوبي في تاريخه 3 / 8 ط النجف ، والمسعودي في مروج الذهب 3 / 80 ط دار الأندلس واللفظ له : قال : خطب ابن الزبير فنال من عليّ : فبلغ ذلك ابنه محمّد بن الحنفية فجاء حتى وضع له كرسي قدّامه فعلاه وقال : يا معشر قريش شاهت الوجوه أينتقص عليّ وأنتم حضور؟ ان عليّاً كان سهماً صادقاً ( صارماً ) احد مرامي الله على أعدائه يقتلهم لكفرهم فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال عذرت بني الفواطم يتكلمون فما بال ابن الحنفية؟ فقال محمّد : يا بن ام رومان وما لي لا أتكلم الخ. وقبل هذين العلمين ـ ابن عباس ومحمّد بن الحنفية ـ كان تعيير أبيها لها كما في مسند أحمد 4 / 271 ـ 272 فقد روى النعمان بن بشير قال جاء أبو بكر يستأذن على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأذن له فدخل فقال يا ابنة أم رومان وتناولها

فأم رومان التي عيّروا عائشة بها هي غير التي في رواية جابر عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما ، ان امرأة ارتدت عن الإسلام يقال لها ( أم رومان ) فبلغ أمرها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلاّ قتلت كما في المجموع للنووي 19 / 226 ط دار الفكر ، والاقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع 2 / 206 ، ونيل الأوطار 8 / 3 ومصادر أخرى.

(3) أخبار الدولة العباسية / 125 تح ـ د عبد العزيز الدوري ود عبد الجبار المطلبي ط دار الطليعة بيروت.


3 ـ تاريخ اليعقوبي : « ووجّه ابن عباس إلى عائشة يأمرها بالرجوع ، فلمّا دخل عليها ابن عباس قالت : أخطأت السنّة يا بن عباس مرتَين ، دخلت بيتي بغير إذني ، وجلست على متاعي بغير أمري ، قال : نحن علمنا إياك السنّة ، إنّ هذا ليس ببيتكِ ، بيتكِ الّذي خلّفك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) به ، وأمركِ القرآن أن تقرّي فيه.

وجرى بينهما كلام موضعه في غير هذا من الكتاب (؟) »(1) .

4 ـ كتاب الفتن لنعيم بن حماد عن ابن عباس قال : « دخلت على عائشة فقلت : السلام عليك يا أمهُ قالت : وعليك يا بُني قال : قلت لها : ما أخرجك علينا مع منافقي قريش؟ قالت : كان ذلك قدراً مقدوراً »(2) .

نص المحاورة في مصادر القرن الرابع :

1 ـ كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي المتوفى نحو سنة 314 هـ ( ذكر ما جرى من الكلام بين عبد الله بن عباس وبين عائشة لمّا أنفذه إليها برسالته عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنهم ».

قال : « ثمّ دعا عليّ ( رضي الله عنه ) بعبد الله بن عباس فقال له : اذهب إلى عائشة فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت ولا تقيم بالبصرة ، فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها ، فأبت أن تأذن له ، فدخل عبد الله بغير إذن ، ثمّ التفت فإذا راحلة عليها وسائد فأخذ منها وسادة وطرحها ثمّ جلس عليها ، فقالت عائشة : يا بن عباس أخطأت السنّة ، دخلتَ منزلي بغير إذني.

فقال ابن عباس : لو كنتِ في منزلكِ الّذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لما دخلت عليك إلاّ بإذنكِ ، وذلك المنزل الّذي أمركِ الله ( عزّ وجلّ )

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 159.

(2) كتاب الفتن لنعيم بن حماد نسخة مصورة عن متحف لندن بمكتبتي ( 47 من المطبوع بتحقيق سهيل زكار حديثاً ).


أن تقرّي فيه ، فخرجتِ منه عاصية لله ( عزّ وجلّ ) ولرسوله محمّد صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم. وبعد فهذا أمير المؤمنين يأمركِ بالإرتحال إلى المدينة فارتحلي ولا تعصي.

فقالت عائشة : رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب.

فقال ابن عباس : وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف ، وأربدّت له الوجوه.

فقالت عائشة : أبيتُ ذلك عليكم يا بن عباس.

فقال ابن عباس : لقد كانت أيّامك قصيرة المدة ، ظاهرة الشؤم ، بيّنة النكد ، وما كنتِ في أيامكِ إلاّ كقدر حلب شاة حتى صرتِ ما تأخذين وما تعطين ولا تأمرين ولا تنهَين وما كنت إلاّ كما قال اخو بني أسد حيث يقول :

ما زال إهداء القصائد بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتى تركت كأن أمرك فيهم

في كلّ مجمعة طنين ذباب

قال : فبكت عائشة بكاءً شديداً ثمّ قالت : نعم والله أرحل عنكم ، فما خلق الله بلداً هو أبغض إليّ من بلد أنتم به يا بني هاشم.

فقال ابن عباس : ولم ذلك؟ فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر.

فقالت عائشة : وما بلاؤكم عندي يا بن عباس؟

قال : بلاؤنا عندكِ إنّا جعلناكِ للمؤمنين أماً وأنتِ بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة ، وبنا سُمّيت أم المؤمنين لا بتيم وعديّ.

فقالت عائشة : يا بن عباس أتمنّون عليّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟


فقال : ولم لا نمنّ عليك برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟ ولو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننتِ علينا وعلى جميع العالمين بذلك. وبعد فإنما كنتِ احدى تسع حشايا من حشاياه ، لستِ بأحسنهنّ وجهاً ، ولا بأكرمهنّ حسباً ، ولا بأرشحهنّ عرقاً ، وأنتِ الآن تريدين أن تقولي ولا تُعصَين ، وتأمري ولا تخالفين ، ونحن لحم الرسول صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ودمه ، وفينا ميراثه وعلمه.

فقالت عائشة : يا بن عباس ما باذل لك عليّ بن أبي طالب؟

فقال ابن عباس : أما والله أقرّ له وهو أحق به مني وأولى ، لأنه أخوه وابن عمه ، وزوج الطاهرة ابنته وأبو سبطيه ، ومدينة علمه ، وكشاف الكرب عن وجهه ، وأمّا أنتِ فلا والله ما شكرتِ نعماءَنا عليكِ وعلى أبيكِ من قبلكِ.

ثمّ خرج وسار إلى عليّ فأخبره بما جرى بينه وبين عائشة من الكلام.

فدعا عليّ ببغلة رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فاستوى عليها ، وأقبل إلى منزل عائشة ، ثمّ استأذن ودخل ، فإذا عائشة جالسة وحولها نسوة من نساء أهل البصرة وهي تبكي وهنّ يبكين معها ، قال : ونظرت صفية بنت الحارث الثقفية امرأة عبد الله بن خلف الخزاعي إلى عليّ ، فصاحت هي ومن كان معها هناك من النسوة وقلن بأجمعهنّ : يا قاتل الأحبة ، يا مفرّق بين الجمع ، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله بن خلف.

فنظر إليها عليّ فعرفها فقال : أما إنّي لا ألومك أن تبغضيني وقد قتلت جدك في يوم بدر ، وقتلت عمك يوم أحد ، وقتلت زوجك الآن ، ولو كنت قاتل الأحبة كما تقولين لقتلت مَن في هذا البيت ومن في هذه الدار.

قال : فأقبل عليّ على عائشة فقال : ألا تنحين كلابك هؤلاء عني ، أما إنني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل مَن فيه ، وباب هذا البيت فأقتل مَن فيه ، ولولا حبّي للعافية لأخرجتهم الساعة ، فضربت أعناقهم صبراً.


قال : فسكتت عائشة وسكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهن.

قال : ثمّ أقبل على عائشة فجعل يوبّخها ويقول : أمركِ الله أن تقرّي في بيتك وتحتجبي بستركِ ولا تبرّجي ، فعصيته وخضّبت الدماء ، تقاتليني ظالمة ، وتحرضين عليّ الناس ، وبما ( وبنا / ظ ) شرّفك الله وشرّف أباك من قبلك وسمّاك أم المؤمنين ، وضرب عليكِ الحجاب ، قومي الآن فارحلي ، واختفي في الموضع الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم إلى أن يأتيكِ فيه أجلكِ. ثمّ قام عليّ فخرج من عندها.

قال : فلمّا كان من الغد بعث اليها ابنه الحسن ، فجاء الحسن فقال لها : يقول لك أمير المؤمنين : أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن لم ترحلي الساعة لأبعثنّ عليك بما تعلمين.

قال : وعائشة في وقتها ذلك قد ضفرت قرنها الأيمن وهي تريد أن تضفر الأيسر ، فلمّا قال لها الحسن ما قال وثبت من ساعتها وقالت : رحلوني.

فقالت لها امرأة من المهالبة : يا أم المؤمنين جاءك عبد الله بن عباس فسمعناك وأنت تجاوبينه حتى علا صوتك ثمّ خرج من عندك وهو مغضب ، ثمّ جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقكِ وقد كان أبوه جاءكِ فلم نرَ منكِ هذا القلق والجزع؟

فقالت عائشة : إنما أقلقني لأنه ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فمن أحب أن ينظر رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فلينظر إلى هذا الغلام ، وبعد فقد بعث إليّ أبوه بما قد علمت ولابدّ من الرحيل.

فقالت لها المرأة : سألتك بالله وبمحمّد صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم إلاّ أخبرتني بماذا بعث إليكِ عليّ ( رضي الله عنه )؟


فقالت عائشة ( رضي الله عنها ) : ويحكِ إنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم أصاب من مغازيه نفلاً ، فجعل يقسّم ذلك في أصحابه ، فسألناه أن يعطينا منه شيئاً وألححنا عليه في ذلك ، فلامنا عليّ ( رضي الله عنه ) وقال : حسبكنّ أضجرتنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فتجهمناه وأغلظنا له في القول ، فقال :( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ ) (1) فأغلظنا له أيضاً في القول وتجهّمناه ، فغضب النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم من ذلك وما استقبلنا به عليّاً ، فأقبل عليه ثمّ قال : يا عليّ إنّي قد جعلت طلاقهنّ إليك ، فمن طلقتها منهنّ فهي بائنة ، ولم يوقّت النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم في ذلك وقتاً في حياة ولا موت. فهي تلك الكلمة ، وأخاف أن أبين من رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم »(2) .

2 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي المتوفى سنة 328 : « عكرمة عن ابن عباس قال : لمّا انقضى أمر الجمل دعا عليّ بن أبي طالب بآجرتين فعلاهما ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : يا أنصار المرأة ، وأصحاب البهيمة ، رغا فجئتم ، وعقر فهُزمتم ، نزلتم شرّ بلاد ، أبعدها من السماء ، بها مغيض كلّ ماء ، ولها شر

____________________

(1) التحريم / 5.

(2) كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 2 / 334 ـ 338 ط أفست دار الندوة الجديدة عن الطبعة الاُولى بحيدر آباد.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 234 : وقد قيل ان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فوّض أمر نسائه بعد موته وجعل إليه أن يقطع عصمة أيّهنّ شاء إذا رأى ذلك ، وله من الصّحابة جماعة يشهدون له بذلك فقد كان قادراً على أن يقطع عصمة ام حبيبة ويبيح نكاحها الرجال عقوبة لها ولمعاوية اخيها فانها كانت تبغض عليّاً كما يبغضه أخوها ولو فعل ذلك لانتهش لحمه ، وهذا قول الإمامية وقد رووا عن رجالهم انه ( عليه السلام ) تهدد عائشة بضرب من ذلك. وقارن مناقب ابن شهر اشوب 1 / 397 ط الحيدرية كلام عائشة في ذلك وقول خطيب خوارزم :

عليّ في النساء له وحي

أمين لـم يمانع بالحجاب


أسماء ، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر. أين ابن عباس؟ قال : فدُعيت له من كلّ ناحية ، فأقبلتُ إليه.

فقال : إئتِ هذه المرأة ، فلترجع إلى بيتها الّتي أمرها الله أن تقرّ فيه ، قال : فجئت فاستأذنت عليها فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها.

فقالت : تالله يا بن عباس ما رأيت مثلك ، تدخل بيتنا بلا إذننا ، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا.

فقلت : والله ما هو ببيتكِ ، ولا بيتكِ إلاّ الّذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعليّ ، إنّ أمير المؤمنين يأمركِ أن ترجعي إلى بلدكِ الّذي خرجتِ منه.

قالت : رحم الله أمير المؤمنين ، ذاك عمر بن الخطاب.

قلت : نعم ، وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

قالت : أبيتُ أبيت.

قلت : ما كان إباؤكِ إلاّ فواق ناقة بكيئة(1) ثمّ صرتِ ما تحلين ولا تمرّين ، ولا تأمرين ولا تنهين.

قال : فبكت حتى علا نشيجها ثمّ قالت : نعم ارجع ، فإنّ أبغض البلدان إليَّ بلدٌ أنتم فيه.

قلت : أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منكِ ، إذ جعلناكِ للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً.

قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عباس؟

____________________

(1) الفُواق ( بضم الفاء وفتحها ) : ما بين الحلبتين من الوقت ، لأن الناقة تحلب ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثمّ تحلب ، والبكيئة من النوق : الّتي قلّ لبنها.


قلت : نعم نمنّ عليكِ بمن لو كان منكِ بمنزلته منّا لمننتِ به علينا.

قال ابن عباس : فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقبّل بين عينيّ ، وقال : بأبي( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) »(2) .

3 ـ البدء والتاريخ المنسوب لأبي زيد البلخي المتوفى سنة 340 هـ : « وجاء ابن عباس فقال : إنّما سميتِ أم المؤمنين بنا؟ قالت : نعم ، قال : أولسنا أولياء زوجك؟ قالت : بلى ، قال : فلم خرجت بغير إذننا؟ قالت : قضاء وأمر »(3) .

4 ـ مروج الذهب للمسعودي المتوفى سنة 436 هـ : « وبعث عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة ، فدخل عليها بغير إذنها ، واجتذب وسادة فجلس عليها.

فقالت له يا بن عباس أخطأت السنّة المأمور بها دخلت إلينا بغير إذننا ، وجلست على رحلنا بغير أمرنا.

فقال لها : لو كنتِ في البيت الّذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ما دخلنا إلاّ بإذنكِ ، وما جلسنا على رحلكِ إلاّ بأمركِ ، وإن أمير المؤمنين يأمركِ بسرعة الأوبة ، والتأهب للخروج إلى المدينة.

فقالت : أبيت ما قلت ، وخالفت ما وصفت.

فمضى إلى عليّ فخبّره بامتناعها ، فردّه اليها وقال : ان أمير المؤمنين يعزم عليكِ أن ترجعي فأنعمت وأجابت إلى الخروج ، وجهّزها عليّ.

وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد أخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان. فلمّا

____________________

(1) آل عمران / 34.

(2) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 4 / 328 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه ط مصر والآية.

(3) البدء والتاريخ 5 / 215 ط باريس أفست.


بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن : يا قاتل الأحبة. فقال : لو كنت قاتل الأحبة لقتلت مَن في هذا البيت ، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم. فضرب مَن كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا مَن في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه ، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما : إنّي أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند سيرك.

فقال : بل ارجعي إلى البيت الّذي تركك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم.

فسألته أن يؤمّن ابن اختها عبد الله بن الزبير فأمّنه. وتكلّم الحسن والحسين في مروان فأمّنه ، وأمّن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية ، وأمّن الناس جميعاً »(1) .

5 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي المتوفى سنة 363 هـ : « وبآخر ـ أي سند آخر ـ عن عبد الله بن عباس أنّه قال : لمّا استقر أمر الناس بعد وقعة الجمل ، وأقام عليّ صلوات الله عليه في البصرة بمن معه أياماً بعث بي إلى عائشة يأمرها بالرحيل عن البصرة والرجوع الي بيتها.

قال ابن عباس : فدخلت عليها في الدار الّتي أنزلها فيها ، فلم أجد شيئاً أجلس عليه ، ورأيت وسادة في ناحية من الدار فأخذتها فجلست عليها فقالت لي : يا بن عباس ما هذا؟ تدخل عليّ بغير إذني في بيتي ، وتجلس على فراشي بغير إذني؟ لقد خالفت السنّة.

____________________

(1) مروج الذهب للمسعودي 2 / 337 ط السعادة بمصر سنة 1377 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.


قال ابن عباس : نحن علّمناكِ وغيركِ السنّة ، ونحن أولى بها منك ، إنّما بيتكِ البيت الّذي خلّفكِ فيه رسول الله صلوات الله عليه وآله ، فخرجتِ منه ظالمة لنفسكِ عاتبة على ربّكِ عاصية نبيّكِ ، فإذا رجعت إليه لم أدخله إلاّ بإذنكِ ولم أجلس على ما فيه إلاّ بأمركِ.

قال : فبكت. فقلت لها : إنّ أميرالمؤمنين بعثني إليك يأمرك بالرحيل عن البصرة والرجوع إلى بيتك. قالت : ومن أمير المؤمنين؟ إنّما كان أمير المؤمنين عمر.

فقلت لها : قد كان عمر يدعى أمير المؤمنين ، وهذا والله عليّ أمير المؤمنين حقاًَ كما سمّاه بذلك رسول الله صلوات الله عليه وآله ، وهو والله أمسّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم رحماً ، وأقدم سلماً ، وأكثر علماً ، وأحلم حلماً من أبيك ومن عمر.

قال : فقالت ما شئت ذلك. قال فقلت لها : أما والله لقد أبؤك ( كذا في النسخة والصواب إباؤك ) ذلك قصير المدة عظيم النبعة ظاهر الشوم بيّن النكاد ( النكد ) وما كان إلاّ كحلب شاة حتى صرت ما تأخذين ولا تعطين ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني فهر :

ما زال إهداء القصائد بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتى تُركتِ كأن قولكِ عندهم

في كل محتفل طنين ذباب

فأراقت دمعتها ، وأبدت عولتها ، وظهر نشيجها ثمّ قالت : أرحل والله عنكم ، فوالله ما من أبغض إليَّ من دار تكونون بها. قلت : ولِمَ ذلك؟ والله ما ذلك ببلائنا عندك ، ولا بأثرنا عليك وعلى أبيك ، إذ جعلناك اُماً للمؤمنين وأنت بنت أم رومان وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة ، قالت : تمنّون علينا برسول الله ( صلوات


الله عليه وآله )؟ قلت : ولِمَ لا نمن عليكم بمن لو كانت فيك شعرة لمننتِ بها وفخرت ، ونحن منه واليه لحمه ودمه ، وإنّما أنت حشية من تسع حشيات خلّفهن ، لست بأرشحهن عرقاً ، ولا بأنضرهن ورقاً ، ولا بأمدهنّ ظلاً ، وإنّما أنت كما قال أخو بني أسد :

مننت على قوم فأبدوا عداوة

فقلت لهم كفوا العداوة والفكرا

ففيه رضا من مثلكم لصديقه

وأحرى بكم أن تظهروا البغي والكفرا

قال : فسكتت ، وانصرفت إلى عليّ صلوات الله عليه فأخبرته بما جرى بيني وبينها فقال صلوات الله عليه : أنا كنت أعلم بك إذ بعثتك. وتثاقلت عائشة بعد ذلك عن الخروج إلى بيتها فأرسل إليها عليّ صلوات الله عليه : والله لترجعنَ إلى بيتك أو لألفظنّ بلفظة لا يدعوك بعدها أحد من المؤمنين اُماً ، فلمّا جاءها ذلك قالت : أرحلوني أرحلوني ، فو الله لقد ذكرني شيئاً لو ذكرته قبل ما سرت بسيري هذا ، فقال لها بعض خاصتها : ما هو يا أم المؤمنين؟

قالت : إنّ رسول الله ( صلوات الله عليه وآله ) قد جعل طلاق نسائه إليه وقطع عصمتهنّ منه حيّاً وميتاً ، وأنا أخاف أن يفعل ذلك إن خالفته ، فارتحلت »(1) .

6 ـ رجال الكشي ( اختيار معرفة الرجال ) : « جعفر بن معروف قال : حدّثني الحسن بن عليّ بن النعمان عن أبيه عن معاذ بن مطر قال : سمعت إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال حدثني بعض أشياخي قال : لمّا هزم عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عبد الله بن عباس ( رحمة الله عليهما ) إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل وقلة العرجة(2) .

____________________

(1) شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار 1 / 390 ـ 392 ط مؤسسة النشر الإسلامي.

(2) العُرجة بالضم والفتح : الإقامة بالمكان.


قال ابن عباس : فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة ، قال : فطلبت الإذن عليها فلم تأذن ، فدخلت عليها من غير إذنها ، فإذا بيت قفار(1) لم يعدّ لي فيه مجلس فإذا هي من وراء سترين. قال : فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة(2) قال : فمددت الطنفسة فجلست عليها.

فقالت من وراء الستر : يا بن عباس أخطأت السنّة دخلت بيتنا بغير إذننا وجلست على متاعنا بغير إذننا.

فقال ابن عباس ( رحمة الله عليهما ) : نحن أولى بالسنّة منك ، ونحن علّمناك السنّة ، وإنّما بيتك الّذي خلّفكِ فيه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فخرجتِ منه ظالمة لنفسك ، غاشّةً لدينك ، عاتبة على ربّك ، عاصية لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلاّ بإذنك ، ولم نجلس على متاعكِ إلاّ بأمركِ.

إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) بعث إليكِ يأمركِ بالرحيل إلى المدينة وقلة العُرجة.

فقالت : رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب.

فقال ابن عباس : هذا والله أمير المؤمنين وان تربّدت فيه وجوه ، ورغمت فيه معاطس ، أما والله لهو أمير المؤمنين وأمسّ برسول الله رحماً ، وأقرب قرابة ، وأقدم سبقاً ، وأكثر علماً وأعلى مناراً ، وأكثر آثاراً من أبيك ومن عمر.

فقالت : أبيت ذلك.

فقال : أما والله إن كان إباوك فيه لقصير المدّة ، عظيم التبعة ، ظاهر الشؤم ، بيّن النكَد ، وما كان إباؤك فيه إلاّ حلب شاة ، حتى صرتِ لا تأمرين ولا تنهينَ ،

____________________

(1) الخالي وهو من القفر.

(2) الطنفسة : البساط.


ولا ترفعين ولا تضعين ، وما كان مثلكِ إلاّ كمثل ابن الحضرمي بن نجمان أخي بني أسد ، حيث يقول :

ما زال إهداء القصائد بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتى تركتهم كأنّ قلوبهم

في كل مجمعة طنين ذباب

قال : فأراقت دمعتها ، وأبدت عويلها ، وتبدّى نشيجها ثمّ قالت : أخرج والله عنكم فما في الأرض بلد أبغض إليّ من بلد تكونون فيه!

فقال ابن عباس ( رحمه الله ) : فلم؟ فوالله ماذا بلاؤنا عندكِ ، ولا بصنيعتنا إليكِ ، إنا جعلناكِ للمؤمنين أمّاً وانت بنت أم رومان ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة.

فقالت : يا بن عباس تمنّون عليّ برسول الله؟

فقال : ولم لا نمنّ عليكِ بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به ، ونحن لحمه ودمه ، ومنه وإليه ، وما أنتِ إلاّ حشية من تسع حشايا خلّفهنّ بعده ، لستِ بأبيضهنّ لوناً ، ولا بأحسنهنّ وجهاً ، ولا بأرشحهنّ عرقاً ، ولا بأنضرهنّ روقاً ، ( رونقاً / ظ ) ولا بأطراهنّ أصلاً ، فصرتِ تأمرين فتطاعين ، وتدعين فتجابين ، وما مثلكِ إلاّ كما قال أخو بني فهر :

مننت على قومي فأبدوا عداوة

فقلت لهم كفّوا العداوة والشكرا

ففيه رضاً من مثلكم لصديقه

وأحجَ بكم أن تجمعوا البغي والكفرا

قال : ثمّ نهضت وأتيت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها.


فقال : أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك »(1) .

نص المحاورة في مصادر القرن الخامس :

1 ـ لقد روى المحاورة الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هـ في رسالته الكافية في إبطال توبة الخاطئة. ورواها بسندين احدهما من العامة والآخر من الخاصة(2) .

ومن اللافت للنظر خلوّ كتابه الجمل منها (؟) وهو أحرى بذكره فيها ولعل ذلك من نقصان النسخة الّتي وصلت إلينا.

2 ـ الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ روى المحاورة نقلاً عن الواقدي وله الفضل في حفظ شيء من كتاب الواقدي الّذي عفّى الدهر عليه(3) .

3 ـ الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ روى المحاورة أيضاً عن الواقدي ، في كتابه تلخيص الشافي ، وأحسبه أخذها بتوسط الشافي(4) .

نص المحاورة في مصادر القرن السادس :

1 ـ الشيخ هاشم بن محمّد المتوفى بعد سنة 552 هـ. رواها في كتابه مصباح الأنوار ، فقد قال : « وبالإسناد عن شهردار بن شيرويه الديلمي قال : أخبرنا عبدوس ابن عبد الله بن عبدوس ، عن الشريف أبي طالب المفضل بن طاهر الجعفري بإصبهان ، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الاصبهاني : حدّثنا محمّد بن عبد الله بن الحسين ، حدّثنا عليّ بن الحسين بن إسماعيل ، حدّثنا

____________________

(1) رجال الكشي اختيار معرفة الرجال / 57 ـ 60 تح ـ حسن المصطفوي ط جامعة مشهد سنة 1348 شمسي.

(2) اُنظر البحار 8 / 418 ط الكمپاني.

(3) كتاب الشافي / 292 ط حجرية سنة 1300 هـ.

(4) تلخيص الشافي 4 / 153.


محمّد بن الوليد العقيلي ، حدّثنا قثم بن أبي قباذ الحراني عن وكيع عن خالد النوا عن الأصبغ بن نباتة قال : لمّا أصيب زيد بن صوحان يوم الجمل

وروى أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال لولده محمّد بن الحنفية

وروى عن عبد الله بن عباس قال : لمّا هزم أصحاب الجمل نزلت عائشة في دار عبد الله بن خلف ، فأرسلني أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إليها يأمرها بالمسير عن البصرة والتأهب للمسير إلى المدينة.

قال ابن عباس : فأتيتها فدخلت عليها في بيت قفر لم أجد فيه مجلس إلاّ التراب ، فضربت ببصري ناحية البيت فلم أر شيئاً إلاّ رحلها فتناولت طنفسة فقعدت فوقها.

فقالت : أخطأت السنّة يا بن عباس.

قلت : وما فعلت؟

قالت : دخلت بيتي بغير إذني وتناولت طنفستي بغير أمري.

قلت : نحن علّمناكِ السنّة ، ونحن أحق بها منكِ ، وإنّما بيتك الّذي أجلسكِ الله فيه ورسوله ، لأنّ الله ( عزّ وجلّ ) يقول( يَانِسَاءَ النبيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ ) (1) الآيات ، فخرجتِ من بيتكِ ظالمة لنفسكِ عاتية على ربّك ، عاصية لنبيّك ، فإذا رجعتِ إلى بيتكِ فقعدتِ فيه لم يكن لنا أن ندخله إلاّ بإذنك ، ولم نأخذ متاعك إلاّ بأمركِ ، ان أمير المؤمنين بعثني إليكِ يأمركِ بالمسير إلى المدينة.

فقالت : رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

____________________

(1) الأحزاب / 32.


قلت : صدقت قد كان عمر أمير المؤمنين رغماً ، وهذا والله أمير المؤمنين حقاً ، أم والله لهو أمسّ برسول الله رحماً ، وأوجب حقاً ، وأعلم علماً ، وأحلم حلماً ، وأقدم سلماً من أبيكِ ومن عمر.

قالت : أبيت ذلك يا بن عباس.

قلت : أم والله لقد كان إباؤك لقصير المدة ، ظاهر الشؤم عليك ، بيّن النكال ، وما كنتِ إلاّ كحلب الشاة حتى ما تأخذين ولا تعطين ، ولا تأمرين ولا تنهين ، ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد ( حيث ) يقول :

ما زال إهداء القصائد بيننا

شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتى تُركتِ كأن قولكِ بينهم

في كل مجمعة طنين ذباب

فأوردت دمعتها نشيجها ثمّ قالت : أرحل والله عنكم ، أم والله ما في الأرض بلدة أبغض إليّ من بلدة أراكم فيها يا بني هاشم.

قلت : أم والله ما ذاك ببلائنا عندك ، ولا بأثرنا عليكِ ، جعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنت ابنة أم رومان ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة ، وأنتِ تسمّين بنا أم المؤمنين لا بتيم وعدي.

قالت : تمنّون عليَّ برسول الله يا بن عباس.

قلت : ولِمَ لا نمنّ عليكِ بمن لو كانت فيكِ شعرة منه لمننتِ علينا ، ونحن لحمه ودمه ومنه وإليه ، وإنّما أنتِ حشية من تسع حشايا خلّفها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، لستِ بأرشحهنّ عَرَقاً ، ولا بأنظرهنّ ورقاً ، ولا بأمدهنّ ظلاً ، فصرتِ تأمرين وتنهين فتطاعين ، وتدعين فتجابين ، فما شكرتِ نعمانا عليك ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني فهر :


مننت على قومي فأبدوا عداوة

فقلت لهم كفّوا العداوة والشكرا

ففيه الرضا من مثله لصديقه

وأحجى بكم أن تجمعوا البغي والكفرا

ثمّ نهضت فأتيت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان إذا بعث رجلاً لم يزل مقعداً له حتى يأتيه فأخبرته بما كان بيني وبينها من الكلام ، فقال : أنا كنت أعلم بها منك حيث بعثتك إليها.

يا حسن هلمّ فاذهب إلى عائشة فقل لها : قال لك أمير المؤمنين : والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن لم ترتحلي الساعة لأبعثنّ إليك بما تعلمين.

فلمّا أتاها الحسن دخل عليها بغير إذن فأخبرها بمقالة أمير المؤمنين فقالت : رحّلوني.

فقالت لها امرأة من المهالبة : يا أم المؤمنين أتاكِ ابن عباس شيخ بني هاشم فسمعناك تحاوريه حتى علا صوتكِ ، فخرج من عندك مغضباً ، فأتاك غلام فأقلقكِ؟

فقالت : إنّه والله ابن رسول الله ، فمن أراد أن ينظر إلى مقلتي رسول الله فلينظر إلى هذا الغلام ، وقد بعث أبوه إليّ بما علّّمنيه.

فقالت الإمرأة سألتك بحق محمّد رسول الله ( كلمات مطموسة ) عليك إلاّ أخبرتني بالّذي بعث إليك؟

قالت : إنّ رسول الله جعل طلاق نسائه بيد عليّ فمن طلّقها عليّ في الدنيا بانت من رسول الله في الآخرة(1) .

فقالت لها الإمرأة : أنتِ قد علمتِ مثل هذا وقاتلتيه؟!

____________________

(1) قارن مناقب آل أبي طالب لابن شهر اشوب 1 / 397 ط الحيدرية.


قالت : قد كان ما رأيتِ »(1) .

نص المحاورة في مصادر القرن السابع :

1 ـ الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة لمحمّد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التلمساني المشهور بالبُريّ قال : « وقال عبد الله بن عباس : لمّا فرغ عليّ ( رضي الله عنه ) من أمر الجمل صعد على ربوة من الأرض وخطب فقال : يا أنصار المرأة وأصحاب البيهمة ، رغا فحننتم ، وانخشر ـ هرب جبناً ـ فانهزمتم ، نزلتم شر بلاء ، أبعدها من السماء ، بها مغيض كلّ ماء ، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمُر ، اين ابن عباس؟ قال : فدعيت له من كلّ جانب ، فلمّا حضرت قال لي : سر إلى هذه المرأة ـ يعني أم المؤمنين عائشة ـ وقل لها : تسير إلى الموضع الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه ، قال ابن عباس : فجئتها ، فاستأذنت عليها فلم تأذن لي. فدخلت عليها بغير إذن ، وعمدت إلى وساد كان في البيت فجلست عليه ، فقالت ، تالله ما رأيت مثلك يابن عباس! تدخل بيتي وتجلس على وسادي بغير إذني؟ قال : فقلت لها : والله ما هو بيتك إلاّ الّذي أمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي.

انّ أميرالمؤمنين يأمرك بالمسير إلى المدينة ، فبكت وقالت : رحم الله أميرالمؤمنين ، ذاك عمر بن الخطاب ، فقلت لها : نعم وهذا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ، فقالت : أبيت أبيت ، فقلت لها : ما كان إباؤك إلاّ مثل فواق ناقة بكيّة(2)

____________________

(1) مصباح الأنوار ( مخطوط ).

(2) من المضحك ما جاء في الهامش : بكية كثيرة البكاء ، والصحيح غير ذلك على الناقة البكية التي قلّ لبنها ( قطر المحيط ).


ثمّ صرت لا تحلين ولا تُمرين ، فقالت : نعم أسير ، إن أبغض البلاد إليَّ بلد أنتم فيه ، فقلت والله ما كان هذا جزاؤنا منك ، أن صيّرناك للمؤمنين اُماً ، وصيّرنا أباكِ لهم صدّيقاً. فقالت : أتمنّ عليّ برسول الله يابن عباس؟ قلت : بلى والله نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا »(1) .

2 ـ الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية لحميد بن أحمد المحلي الشهيد الزيدي المتوفى سنة 652 هـ قال : « ولمّا انهزم أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ابن عباس إلى عائشة يأمرها بالانصراف إلى بيتها بالمدينة الّذي تركها فيه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وقال له : قل لها : إن الّذي يردّها خير من الّذي يخرجها »(2) .

3 ـ تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 : « قال علماء السير : ثمّ بعث عليّ ( عليه السلام ) عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالمسير إلى المدينة ، فدخل عليها ابن عباس بغير إذن ، فقالت له أخطأت السنّة دخلت علينا بغير إذن.

فقال لها : لو كنتٍ في البيت الّذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ما دخلنا عليك بغير إذنكِ ثمّ قال : ان أمير المؤمنين يأمرك بالمسير إلى البيت الّذي أمرك الله بالقرار فيه ، فأبت عليه ، فشدّد عليها وقال : هو أمير المؤمنين وقد عرفتيه »(3) .

____________________

(1) الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة لمحمّد بن أبي بكر 2 / 295 ـ 296 تح ـ د. محمّد القوشنجي الاستإذ بجامعة حلب ط دار الرفاعي.

(2) الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية / 34 نسخة مخطوطة في مكتبة الإمام كاشف الغطاء بخط المرحوم الحجة والده الشيخ عليّ وفي المطبوعة بصنعاء 1 / 63.

(3) تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي / 45 ط حجرية سنة 1285 هـ.


4 ـ شرح نهج البلاغة : « بعث عليّ عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة. قال : فأتيتها فدخلت عليها فلم يوضع لي شيء أجلس عليه ، فتناولت وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها.

فقالت : يا بن عباس أخطأت السنّة ، قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا ، فقلت : ليس هذا بيتك الّذي أمرك الله أن تقرّي فيه ، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلاّ بإذنك ، ثمّ قلت : إنّ أمير المؤمنين أرسلني إليك يأمركِ بالرحيل إلى المدينة ، فقالت : وأين أمير المؤمنين ذاك عمر.

فقلت : عمر وعليّ ، قالت : أبيت ، قلت : أما والله ما كان إباؤك إلاّ قصير المدة عظيم المشقة ، قليل المنفعة ، ظاهر الشؤم ، بيّن النكد ، وما عسى أن يكون إباؤك؟ والله ما كان أمرك إلاّ كحلب شاة ، حتى صرت لا تأمرين ولا تنهين ولا تأخذين ولا تعطين ، وما كنتِ إلاّ كما قال أخو بني أسد :

ما زال إهداء الصغائر بيننا

نثّ الحديث وكثرة الألقاب

حتى نزلتِ كأن صوتكِ بينهم

في كل نائبة طنين ذباب

قال : فبكت حتى سمع نحيبها من وراء الحجاب ، ثمّ قالت : اني معجّلة الرحيل إلى بلادي ان شاء الله تعالى ، والله ما من بلد أبغض إليّ من بلد أنتم فيه.

قلت : ولم ذاك فوالله لقد جعلناكِ للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً.

قالت : يا بن عباس أتمن عليّ برسول الله؟

قلت : ما لي لا أمُنّ عليك بمن لو كان منك لمننتِ به عليّ.


ثمّ أتيت عليّاً ( عليه السلام ) فأخبرته بقولها وقولي ، فسرّ بذلك وقال لي :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) وفي رواية : أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك »(2) .

نص المحاورة في مصادر القرن التاسع :

1 ـ إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم لمحمّد بن خلفة الوشتاني الأبي المالكي المتوفى سنة 827 هـ أو 828 هـ : « قال ابن عباس : ولمّا انقضى أمر الجمل دخل عليّ البصرة بعد ثلاثة أيام ثمّ خطب خطبته الطويلة الّتي يقول فيها : يا أهل السبخة ، يا أهل المؤتفكة ، إئتفكت بأهلها ثلاث مرات في الدهر وعلى الله تمام الرابعة ، يا جند المرأة ، يا أتباع البهيمة ، رغا فأجبتم ، وعُقر فانهزمتم أخلاقكم دقاق وأحلامكم رقاق ، ودينكم نفاق ، نزلتم أشرّ بلاد الله وأبعدها من السماء وسُميت بشرّ الأسماء ، هي البصرة والمؤتفكة وتدمر. أين ابن عباس؟

فدعي له من كلّ جانب. فقال : إئتِ هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الّذي أمر الربّ أن تقرّ فيه.

قال : فجئت فاستأذنت فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، ومددت يدي إلى وسادة فجلست عليها.

فقالت : يا ابن عباس ما رأيت مثلك تدخل بيتي بغير إذن ، وتجلس على وسادتي بغير إذن.

____________________

(1) آل عمران / 34.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 81 ـ 82 ط مصر الاُولى.


فقلت : والله ما هو بيتكِ ، وإنما بيتكِ الّذي أمركِ الله أن تقري فيه فلم تفعليّ ، إنّ أمير المؤمنين يأمركِ أن ترجعي إلى بلدكِ الّذي خرجتِ منه.

قالت : رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر.

قلت : نعم وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

قالت : أبيت أبيت.

قلت : ما كان إباؤك إلاّ فواق ناقة ثمّ أبتِ ما تحكمين ولا تأمرين ولا تنهين.

فبكت حتى علا نشيجها ثمّ قالت نرجع ، فإن أبغض البلاد إليّ البلاد أنتم فيها.

فقلت : أما والله ما كان جزاؤنا منك أن جعلناكِ أم المؤمنين ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً لهم.

قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟

قلت : نعم أمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا.

ثمّ أتيت عليّاً فأخبرته ، فقبّل بين عيني ، وقال : بأبي وأمي( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) »(2) .

فنادى ابن عباس؟

ماذا قال سعيد الأفغاني في كتابه ( عائشة والسياسة ) في هذا المقام؟

لقد جعل الفصل الخامس من كتابه في آخر أيام عائشة بالبصرة ، وعنونه : ( دخول عائشة البصرة وتجهيزها إلى الحجاز ). ثمّ بدأ ينقل نصوص الطبري في

____________________

(1) آل عمران / 34.

(2) إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم 6 / 239 ط دار الكتب العلمية بيروت.


ذلك بانتقاء أحاديث سيف خاصة ، وهي لا تخلو من مناقشة سنداً ومتناً ، ثمّ ختم ذلك بقوله : « وظلت السيدة مدة إقامتها بالبصرة راضية عن سيرة عليّ ، فقد كانت خطته مع المخالفين خطة إجمال وكفّ ، وتغافل في الجملة ، وخاصة مع السيدة نفسها ، فقد صانها عن كلّ أذى ومكروه ، ورعاها وكمّ الأفواه عن قولة السوء فيها ، واشتد في ذلك على أصحابه حتى أمسكوا ».

وهنا فصل بنجوم ثلاث بين ما مرّ وما يأتي ، وتبدلت اللهجة الجادة إلى هزل أدبي ، وكأنه كاتب قصصي يصوّر للقارئ بعض مشاهد مسرحياته الخيالية ، ولعله أصابه السأم من مرويات الطبري لأحاديث سيف ـ المتهم حتى بالزندقة والكذب(1) ـ فاستبدل النغم فقال يخاطب قارءه :

« لعلك اشتقت إلى روايات ابن أبي الحديد الطريفة! فقد طال إمساكنا عن أخباره وإضرابنا عن قصصه ، فها نحن أولاء مطلعوكَ على مشهد ممتع وحوار أمتع :

لمّا فرغ عليّ من القتال دعا بآجرتين : فحمد الله وأثنى عليه وخطب في أهل البصرة قائلاً : ( يا أنصار المرأة ، وأصحاب البهيمة! رغا فجئتم ، وعقر فانهزمتم ، نزلتم شر بلاد ، أبعدها عن السماء إلخ ).

ثمّ نادى(2) ابن عباس فاقبل إليه فقال له :

____________________

(1) قال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات. قال وقالوا انه كان يضع الحديث. وبقية كلام ابن حبان : اتهم بالزندقة وقال البرقاني عن الدار قطني : متروك وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط. تهذيب التهذيب 4 / 296.

(2) هكذا يريد ابن أبي الحديد : نداء وصراخا على رؤوس الأشهاد. تعليقة الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة / 193.


( إئتِ هذه المرأة فمرها أن ترجع إلى بيتها الّذي أمرها الله أن تقرّ فيه ) ، ثمّ تمثل :

إني زلَلتُ زلَة فأعتـذر

سـوف أكيس بعدها وأنشمر

واجمـع الأمر الشـتيت المنـتـشر

قال ابن عباس : فجئت فاستأذنت عليها فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، فمددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها ، فقالت عائشة : تالله ما رأيت مثلك يا بن عباس! تدخل بيتنا بلا إذننا ، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا؟ ، ( أخطأت السنّة مرتين ).

فقلت : ( نحن علمناكم السنّة )(1) والله ما هو بيتك ، وما بيتك إلاّ الّذي خلّفك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) به وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعليّ. إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الّذي خرجتِ منه.

قالت : رحم الله أمير المؤمنين ، ذاك ابن الخطاب.

قلت : وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

قالت : أبيت أبيت.

قلت : ما كان إباؤكِ إلاّ فواق(2) ناقة ، ثمّ صرت ما تُحلين ولا تمرِين ، ولا تأمرين ولا تنهين ، وما كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد :

ما زال إهداء الصغائر بيننا

نثّ الحديث وكثرة الألقاب

حتى نزلتِ كأن صوتكِ بينهم

في كل نائبة طنين ذباب

____________________

(1) علق الأفغاني في المقام بقوله : هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 82.

(2) الفواق : ما بين الحلبتين من الوقت ، لأنها تحلب ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ، ثمّ تحلب ـ مختار الصحاح.


فبكت حتى علا نشيجها (!!!) ثمّ قالت : نعم أرجع ، فإن أبغض البلدان إليّ بلدٌ أنتم فيه.

قالت ( كذا في المطبوع والصواب قلت ) : أما والله ما كان هذا جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً.

قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عباس؟.

قلت : نعم ، نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا.

قال ابن عباس : فأتيت عليّاً فأخبرته بما كان ، فقبّل بين عينيّ وقال :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (1) ، أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك(2) انتهت الرواية.

أمّا الّذي لا يمكن أن يقبله امرؤ ذو روية فما رواه المسعودي المؤرخ الحزبي فقد زعم أن عائشة قالت لعليّ بعد خطب طويل كان بينهما : « إني أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند مسيرك.

____________________

(1) آل عمران / 34.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 82 ، وانظر العقد الفريد 3 / 103 ، واليعقوبي 2 / 213 ، ولقد كان هذا الخبر ـ ان صح ـ أجدر أن يوجد في الطبري وأرجّح أنه راج بعده ( مات الطبري سنة 310 ) ولعله علم به وأهمله لكذبه. ومن أمعن في هذه الأقوال استبعد صدورها عن مثل ابن عباس ، فليس ممّا يرضاه ذوق أن تجابه امرأة مهزومة بمثل هذا فكيف بمثل عائشة مكانة وحرمة. والخبر مصنوع بأداة حزبية عصبية طبقية ، والا فابن عباس أصح عقيدة وأتقى لله من أن ينسب إلى أسرته ما هو من صنع الله ، وكلّ مسلم يعلم : أن زواج عائشة كان بوحي من الله ، وأن صديقية أبي بكر كانت هداية من الله وحده ، لا وساماً تمنحه أسرة. وكلّ ما مرّ بك آنفاً وما سيمرّ بك عاجلاً من معاملة عليّ لعائشة ومخالفيه مبعد عن تصديق هذا الخبر الروائي. لقد كان ابن أبي الحديد ( أو صناع بعض أخباره على الأصح ) في كثير ممّا يروى : الصديق الجاهل للإمام كرم الله وجهه. والمشهور من نبل عليّ ودينه وسمو خلقه يجعل المنصفين يضربون بكثير من هذه الروايات عرض الحائط. وقريب منه في ذلك ابن عباس. ( تعليقة سعيد الأفغاني بنصها وفصها ).


فقال عليّ : بل ارجعي إلى البيت الّذي تركك فيه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) »(1) .

وهذا خبر غير معقول البتة وهو مخالف منطق الحوادث ، أمن تجييش الجيوش على عليّ ، إلى القتال معه؟ أهكذا انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بهذه الخفة والسرعة الخاطفة؟؟! ألا قليلاً من العقل والرويّة أيها المؤرخون العصبيون! ».

ثمّ وضع نجومه الثلاث للفاصلة وقال : « ونعود ـ بعد هذه الاستجمامة المسليّة ـ إلى التاريخ الجدّ :

جهز عليّ عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع »(2)

وقفة مع الأفغاني للحساب :

وهنا لابدّ من وقفة عابرة معه لنحاسبه بعد أن استعاد نشاطه في تلك الاستجمامة المسليّة ، فإن في كلامه متناً وهامشاً مواقع للنظر ، وإلى القارئ بعضاً منها :

أوّلاً : لقد ساق المحاورة موهماً قراءه أنّها نقلاً عن ابن أبي الحديد ، وأكّد ذلك في تعليقه على أوّل جملة منها ( ثمّ نادى ابن عباس ) فقال في الهامش ـ كما مرّ ـ : « هكذا يريد ابن أبي الحديد نداءً وصراخاً على رؤوس الجماهير » ، وزاد في تأكيده بذكر الجزء والصفحة ( 2 / 82 )! وهل يشك بعد هذا أحد بأنّه نقلها عن ابن أبي الحديد؟

ونحن لا نعنّي القارئ كثيراً سوى الرجوع إلى ما مرّ من نص المحاورة الّتي رواه ابن أبي الحديد ، وهي في مدوّنات القرن السابع ، فليقرأها بإمعان فهل

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 9 تعليقة سعيد الأفغاني.

(2) عائشة والسياسة / 190.


يجد فيها جملة ( ثمّ نادى ابن عباس ) كما زعم الأفغاني؟ أو سيجدها تبتديء بجملة : ( بعث عليّ عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالرحيل ) فلماذا البهتان والتزوير؟!

وقد يعجب القارئ إذا ما نبّهته إلى إغراق الأفغاني في التعتيم على الواقع حين قال في الهامش بعد ذكر شرح النهج : ( واُنظر العقد الفريد 3 / 103 ، واليعقوبي 2 / 213 ). وهذا يعني أن في المصدرين المذكورَين أيضاً مثل ما سبق نقله عن شرح نهج البلاغة ( 2 / 82 )! وقد مرت المحاورة أيضاً نقلاً عنهما معاً وليس فيهما جملة ( ثمّ نادى ابن عباس ).

نعم ورد في نص العقد الفريد جملة : ( أين ابن عباس ) ولعله أوّل مصدر ترد فيه هذه الجملة ، ثمّ لم ترد بعد إلاّ في نص ورد عند الآبي المالكي في إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم ، وهو من مدونات القرن التاسع. واللافت للنظر أن ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد والآبي صاحب الإكمال كلاهما مغربيّان ، وليست لهما أي صلة بحزبية ابن أبي الحديد كما يحلو للأفغاني رميه بذلك على استحياء كما سيأتي.

وقد يزداد القارئ عجباً إذا أخبرته أن ما ذكره الأفغاني من تمثل الإمام بالشعر الرجز فذكر ثلاثة شطور ليس له في أيّ من المصادر الّتي ذكرها أيّ أثر!! وقد مرّت جميع نصوص المحاورة في مختلف المصادر عبر القرون وليس فيها ذكر لذلك الرجز ، فمن أين أتى به ودسّه سعيد الأفغاني؟

إنّه أتى به من تاريخ الطبري ، ولو أنّه نقله بأمانة لرفع عنه إصر الخيانة ، ولكنه غيّر وبدّل. والأبيات مذكورة في تاريخ الطبري. وهي من حديث سيف ،


فقد ذكرها في حديث بيعة الإمام بالمدينة قال : « ولمّا فرغ عليّ من خطبته وهو على المنبر قال المصريون :

خذها واحذراً أبا حسن

إنـا نمـرّ الأمر إمرار الرسن

وإنّما الشعر : خذها إليك واحذراً أبا حسن.

فقال عليّ مجيباً : إنّي عجزت عجزة ما اعتذر سوف أكيس بعدها واستمرّ ».

ثمّ قال الطبري : « وكتب إليَّ السري عن شعيب عن سيف عن محمّد وطلحة قالا : ولمّا أراد عليّ الذهاب إلى بيته قالت السبيئة :

خذها واحذراً أبا حسن

إنـا نمـرّ الأمر إمرار الرسن

صولة أقوام كأسداد السفن

بمشرفّيـات كـغدران اللبـنَ

ونطعن الملك بلين كالشطن

حتى يُمرّنَ على غير عـنَن

فقال عليّ : وذكر تركهم العسكر والكينونة على عِدةَ ما منّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم ، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى(1)

إنّي عجزت عجزة لا أعتذر

سوف أكيس بعدها واستمر

ارفع من ذيلي ما كنت أجرّ

وأجمع الأمر الشتيت المنتشر

إن لم يشاغبني العجول المنتصر

أو يتركوني والسلاح يبتدر(2)

ثانياً : لقد مرت بنا تعليقة الأفغاني على جملة ( نحن علّمناكم السنّة ) فقال : « هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( 2 / 82 ) ». وهذا كسابقه محض

____________________

(1) هنا نقص في أصول ط ( عن هامش الطبري 4 / 437 ط دار المعارف ).

(2) تاريخ الطبري 4 / 436 ـ 437 ط دار المعارف.


بهتان لا ظل له من الحقيقة. وقد مرّت المحاورة برواية ابن أبي الحديد فارجع البصر إليها كرّتين من جديد فلا تجد فيها ما نسبه إليه كذباً وزوراً. وهكذا تتكشف أمانة الأفغاني في النقل!

ثمّ إنّ جملة : ( نحن علمناكم السنّة ) لم ترد بهذا اللفظ نصاً في أيّ مصدر من المصادر الّتي بين يدي وهي أكثر من عشرين مصدراً!

نعم إنّ الّذي ورد فيها جملة : ( نحن علّمناكِ وأباكِ السنّة )(1) ، أو جملة : ( نحن أولى بالسنّة منكِ ، ونحن علّمناك السنّة )(2) ، أو جملة : ( نحن علمناكِ السنّة )(3) . ثمّ لم ترد في بقية المصادر بأيّ صيغة اخرى ، فأين الأمانة يا سعيد الأفغاني؟!

ثالثاً : لقد مرّ بنا تعليقه في نهاية الخبر تشكيكه في صحته ، ورجّح أنه راج بعد الطبري الّذي مات سنة310 ، ثمّ قال : « ولعله علم به وأهمله لكذبه ». وهذا لعمري يدل على مدى لوذعية الأفغاني وبُعدِ غوره في فهم الأخبار التأريخية (؟) فما دام لم يذكره الطبري فهو بترجيحه راج الخبر من بعده ، أو لعله علم به وأهمله لكذبه

أيّ ميزان هذا؟ فإنّ الطبري رجل جمّاع أخبار وليس بصَنّاع ، وهو يعترف في مواضع من تاريخه بأنّه قد لا يذكر من الحقائق التاريخية لعلة هناك ، وقد يذكر العلة أحياناً وقد لا يذكرها!

وإلى القارئ بعض تلك الموارد في خصوص الفترة من زمن عثمان إلى خلافة الإمام لنقرأ تصريحات خطيرة للطبري ، وهي تعني ضياع الكثير من الحقائق التاريخية.

____________________

(1) كما في أخبار الدولة العباسية راجع رقم / 2 من مصادر القرن الثالث.

(2) كما في رجال الكشي راجع رقم / 4 من مصادر القرن الخامس.

(3) كما في مصباح الأنوار راجع رقم / 1 من مصادر القرن السادس.


( المورد الأوّل ) : قال في تاريخه : « أخبار أبي ذر رحمه الله تعالى :

وفي هذه السنة ـ أعني سنة ثلاثين ـ كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية ، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذُكر في سبب إشخاصه إياه منها أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها.

فأمّا العاذرون معاوية في ذلك فإنّهم ذكروا في ذلك قصة كتب بها الي السري يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف ».

ـ ثمّ ساق القصة ، وأتبعها بخبر آخر بنفس السند الأوّل ، وهكذا بثالث ورابع وكلّها عن سيف المتهم بالزندقة فضلاً عن كونه ساقطاً في الرواية كما مرّ عن الدار قطني ، إلى غير ذلك من الأقوال في تجريحه ـ ثمّ قال : « وأمّا الآخرون ، فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأموراً شنيعة كرهت ذكرها »(1) .

لماذا ذكر أخبار العاذرين ، وكلّها عن سيف فلم يكره ذكرها؟ حتى إذا وصلت النوبة إلى أخبار الآخرين احرنجم عن ذكرها.

( المورد الثاني ) : قال : « ذكر الخبر عن قتل عثمان ( رضي الله عنه ) :

وفي هذه السنة قتل عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ). ذكر الخبر عن قتله وكيف قتل : قال أبو جعفر ( رحمه الله ) : قد ذكرنا كثيراً من الأسباب الّتي ذكر قاتلوه أنهم جعلوها ذريعة إلى قتله ، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعللٍ دعت إلى الإعراض عنها »(2) .

لماذا الإعراض يا شيخ المؤرخين؟

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 283 ط دار المعارف.

(2) نفس المصدر 4 / 365.


( المورد الثالث ) : قال : « خبر وقعة الجمل من رواية أخرى :

قال أبو جعفر : وأمّا غير سيف فإنّه ذكر من خبر هذه الوقعة وأمر الزبير غير الّذي ذكر سيف عن صاحبيه »(1) .

ثمّ قال : « واحتمل محمّد بن أبي بكر عائشة فضُرب عليها فسطاط ، فوقف عليّ عليها فقال : استفززت الناس وقد فزّوا ، فألّبتِ بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً في كلام كثير. فقالت عائشة : يا بن أبي طالب ملكت فاسجح نعم ما أبليتَ قومك اليوم ، فسرّحها عليّ ، وأرسل معها جماعة »(2) .

ماذا كان الكلام الكثير؟ ولماذا غصّ الطبري بذكره؟ ولماذا لم يذكر كيف كان أمر تسريحها؟ ومن الّذي أتاها وأمرها وحاورها وحاورته؟ وهذا ما ذكره غيره ، وأعرض هو عنه ، وهكذا تطمس الحقائق. وهذا ما يتعلق بابن عباس في هذا المقام ، فكم ممّا يتعلق بغيره وطمسته الأقلام؟

( المورد الرابع ) : قال : « وذكر هشام عن أبي مخنف قال : وحدثني يزيد بن ظبيان الهمداني : أن محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما وُلّي ، فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعَها العامة »(3) .

وعلى هذه الموارد فقس ما سواها.

رابعاً : ما ذكره من استبعاد صدور مثل ذلك من ابن عباس مع امرأة مهزومة فكيف بمثل عائشة مكانة وحرمة.

____________________

(1) نفس المصدر 4 / 508.

(2) نفس المصدر 4 / 509 ـ 510.

(3) نفس المصدر 4 / 557.


فنقول له : لماذا الاستبعاد فابن عباس داهية بني هاشم كما سمّيته أنتَ في كتابك ، وهو رسول( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (1) وعائشة تعلم يقيناً بما عليه ابن عباس من قوة الحجة وما عنده من قوة الشخصية ، وهي كما تصفها امرأة مهزومة ، وهي كذلك بالفعل لكنها لم تتخل عن عنادها ، فلم تأذن له ، ولو أذنت له وسمعت منه لجنّبت نفسها كثيراً ممّا جرى حتى أجرى دمعها وسمع نشيجها ، لكنها على نفسها جنت عائش ، وهي بعد لها حرمتها ومكانتها ، فما كان عليها إلاّ الإذن واستماع ما جاء به الرسول ، وتقبل ذلك بعين الرضا ، ولو كان مرّ ذلك كله بسلام ، لما جرى بينها وبين ابن عباس من كلام وخصام ، ولكنها بدأت الشر ، ومن الطبيعي لا يدفع الشر إلاّ بالشر ، ولكل نبأ مستقر.

خامساً : نقده لابن عباس من دون استحياء ، لأنّه نسب سبب أمومة المؤمنين إلى أسرته ، وكذلك صديقية أبيها. وأن ذلك من صنع الله.

فنقول له : لئن غلبتك عائشتك في الدفاع عن أم المؤمنين ، فهل استحوذت على مشاعرك حتى أنستك مباديء المعاني والبيان والمثل القائل ( أنبت الربيع البقل )؟

وإذا كان قد بعد العهد بذلك فقد غاب عنك ما قاله عمر بن الخطاب للحسين بن عليّ ـ سبط الرسول وريحانته ـ وقد صعد إليه على المنبر وقال له : « إنزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك ، فقال عمر : لم يكن لأبي منبر ، فأخذه وأجلسه معه ، ولمّا نزل أخذه معه إلى منزله وقال له من علّمك؟ فقال : والله ما علّمنيه أحد. قال له يا بني لو جعلت تغشانا؟ فأتاه يوماً وهو خال بمعاوية وابن عمر على الباب فرجع فلقيه بعد فقال : لم أرك فقال : جئت وأنت خالٍ بمعاوية

____________________

(1) النور / 54 ، والعنكبوت / 18.


وابن عمر بالباب فرجع ابن عمر ورجعنا معه. فقال عمر : أنت أحق بالإذن من ابن عمر ، وإنّما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثمّ أنتم ». وفي طبقات ابن سعد قال : « ووضع يده على رأسه ».

وهذا ما أخرجه ابن سعد في الطبقات(1) ، والخطيب البغدادي في تاريخه(2) ، ورواه في كنز العمال وقال : أخرجه ابن سعد وابن راهويه والخطيب(3) ، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في المختصر(4) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء وصححه(5) ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة وصححه(6) ، وأخرجه ابن حجرالمكي في الصواعق(7) إلاّ أنّه قال ذلك مع الحسن ( عليه السلام ).

وربّما بعدت عليه الشقّة عن هذه المصادر فهل غاب عنه قول الله سبحانه لعيسى بن مريم روحه وكلمته( إذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) إلى قوله تعالى :( وَإذ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي ) (8) إلى آخر الآية. وأياً ما كان فلا منافاة بين أن يكون الأمر بتوفيق من الله سبحانه وإرادته ثمّ هو يجعل سبب التشريف بالفعل بيد غيره كما مرّ في الآية المباركة وقول عمر والمثل العربي. فتصح نسبة الفعل إلى الغير.

سادساً : قال : « وكلّ مسلم يعلم أنّ زواج عائشة كان بوحي من الله ».

____________________

(1) طبقات ابن سعد 1 / 394 ط الطائف تح ـ د محمّد بن صامل السُلمي.

(2) تاريخ بغداد 1 / 141.

(3) كنز العمال 7 / 105 ط الاُولى حيدر آباد و 16 / 264 أيضاً حيدر آباد ط 2.

(4) مختصر تاريخ ابن عساكر 7 / 127.

(5) أعلام النبلاء 3 / 285.

(6) الإصابة 2 / 77 ـ 78.

(7) الصواعق المحرقة / 107 ط الاُولى.

(8) المائدة / 110.


وهذا زعم باطل لم يصح فيه حديث واحد ، وأنّ ما يراه القارىء في صحاح القوم ومسانيدهم من ذلك فكله من روايات عائشة نفسها ، وضعه سماسرة الحزبية الأموية حين صافتهم وصافقتهم فكانت لهم عوناً وسنداً ، فشادوا بذكرها ورفعوا من أمرها.

ولتنوير القارئ حول هذا الموضوع نقول له :

إنّ أسانيد روايات زواجها ترجع إليها ويرويها غالباً عنها ابن اختها عروة بن الزبير وعنه ابنه هشام بن عروة ، وهو متهم في سماعه وحديثه ، قال يعقوب بن شيبة ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلاّ بعد ما صار إلى العراق فإنّه انبسط في الرواية عن أبيه ممّا كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش : كان مالك لا يرضاه. وقال ابن لهيعة : كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه ، وربّما مكث سنة لا يكلّمه(1) .

وأخيراً فليراجع القارئ معجم الطبراني الكبير سيجد ثلاثة أحاديث حول هذا الزواج المزعوم ، تختلف اختلافاً بيّناً في المتن مع أنّها جميعاً عن هشام عن أبيه عن عائشة ، كما يجد حديثاً عن قتادة فيه : « وقد زعموا أن جبريل قال هذه امرأتك قبل أن يتزوجها ». وهذا أيضاً في اسناده زهير بن العلاء القيسي وقد تكلم فيه ، ومع ذلك فهو مرسل ، لأنّ قتادة لم يدرك عائشة(2) .

وبالتالي : إنّ المتيقن في زواج احدى زوجات النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من السماء ليس إلاّ زواج زينب بنت جحش وهي ابنة عمته فقد نزل في ذلك القرآن وذلك قوله

____________________

(1) تهذيب التهذيب 11 / 50 ـ 51.

(2) المعجم الكبير 23 / 16 ـ 17 ( المتن والهامش ).


تعالى :( فلمّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) الآية(1) . قال محمّد بن حبيب الهاشمي في المحبّر : « وتزويجها احدى مناقب بني أسد ، وكانت زينب تفخر على صواحبها فتقول : أنتنّ زوّجكنّ أولياؤكنّ وأنا زوجني الله ( عزّ وجلّ ) وكان السفير جبريل ( عليه السلام ) »(2) .

ويبقى زعم الأفغاني في تزويج عائشة بأمر الوحي لا يعلمه إلاّ هو ومن على شاكلته ، وكان عليه أن يحتاط في تعميمه العلم في قوله : « وكلّ مسلم يعلم » فليس كلّ مسلم يعلم ذلك ، وما ذكره فهو كسائر خصائصها الّتي نافت عنده على الأربعين فيما ذكرها في مقدمة كتاب ( الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ) ، وهي دعاوى فارغة من دون حجة بالغة.

ولنا عودة مع سعيد الأفغاني حول ما جاء في تحقيقه كتاب الإجابة عند ذكر استدراكها على ابن عباس وهي ثمانية أحاديث ، سوف نذكرها ونناقشها في الحلقة الثالثة من تاريخه العلمي إن شاء الله تعالى.

سابعاً : ما ذكره عن المسعودي متحاملاً عليه بوصفه ( المؤرخ الحزبي ) ومتهجماً عليه بأنّ جعله ممّن لا عقل له ولا رويّة ومن المؤرخين العصبيين ، ولستُ بصدد الدفاع عن المسعودي بقدر ما يهمنّي بيان الخطأ في كلام الأفغاني.

فقد قال : « أمّا الّذي لا يمكن أن يقبله امرؤ ذو رويّة فما رواه المسعودي ( المؤرخ الحزبي ) فقد زعم أنّ عائشة قالت لعليّ بعد خطب طويل كان بينها : إني أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند مسيرك ، فقال عليّ : بل ارجعي إلى البيت الّذي تركك فيه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )(3) .

____________________

(1) الأحزاب / 37.

(2) المحبّر / 86.

(3) مروج الذهب 2 / 9.


وهذا خبر غير معقول البتة ، وهو مخالف منطق الحوادث : أمن تجييش الجيوش على عليّ إلى القتال معه؟ أهكذا انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، بهذه الخفة والسرعة الخاطفة؟؟! ألا قليلاً من العقل والروية أيها المؤرخون العصبيون!؟ ».

فنقول له : أمّا ما ذكرته من حملة مسعورة فلا مبرّر لها ، فالرجل مؤرخ كسائر المؤرخين يروي ما وجده في كتب الأقدمين ، وقد أحصيت من ذكرهم في أوّل كتابه فنافوا على الثمانين ، وهو رقم عالٍ جداً لم يبلغه غيره فيما أحسب. ومن كان يروي عن كتب أولئك والّتي لم يصلنا منها إلاّ بضعه قليلة لا تبلغ العشرة ، أمّا الباقي فقد ضاع ولم نعلم منها وعنها إلاّ ما ذكره المسعودي في كتابه ، فلا سبيل للتحامل عليه بما تهوى النفوس.

ثمّ إنّ الخبر المذكور أقصى مناقشته الأفغاني له ، إنّه يرى في موقف عائشة انقلاباً فجائياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ـ كما يقول ـ ويبدو أن الأفغاني أمرؤ نسيّ ، ألم يمرّ عنده في كتابه ( ص68 ) موقف مشابه لهذا الموقف ، حيث تبدلت عائشة بمنتهى الخفة والسرعة الخاطفة ، فمن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، ولا بأس بأن ننقل للقارئ ما كتبه بنفسه وبلفظه في كتابه قال : « فلمّا قضت عمرتها خرجت متوجهة نحو المدينة ، فلمّا انتهت إلى ( سَرٍف ) لقيها رجل من أخوالها من بني ليث ، وكانت السيدة واصلة لهم رقيقة عليهم يقال له عبيد بن أبي سلمة ويعرف بأمه أم كلاب ، قادماً من المدينة ، فقالت ( مهيم ) فأصمّ ودمدم(1) فقالت : ويحك علينا أم لنا؟ فقال : لا ندري ، قتل عثمان وبقوا

____________________

(1) المصدر السابق ـ الطبري ـ 3 / 468 مهيم كلمة استفهام من معانيها : ماوراءك؟ الدمدمة : الغضب.


ثمانيةً ، فاستعجلت قائلة : ثمّ صنعوا ماذا؟ قال : أخذوا أهل المدينة بالاجتماع على عليّ ، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز. فقالت : ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك! ثمّ قالت : ردوني ردوني. قتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه. فقال لها ابن أم كلاب : ولم؟ فوالله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ ، ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر(1) ، قالت : انّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل. فقال لها ابن أم كلاب :

فمنك البداء ومنك الغير

ومنكِ الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام

وقلت لنا : إنه قد كفر

فهبنا(2) أطعناك في قتله

وقاتله عندنا من أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا

ولم ينكسف شمسنا والقمر

وقد بايع الناس ذا تدراءِ

يزيل الشبا ويقيم الصعر(3)

ويلبس للحرب أثوابها

وما من وفى مثل من غدر(4)

وانصرفت السيدة راجعة إلى مكة وهي لا تقول شيئاً ولا يخرج منها شيء(5) »(6) . هذا ما كتبه.

____________________

(1) مرّ بك دحض هذه الفرية عن السيدة / 44.

(2) هناك رواية ثانية فيها : ( ونحن ) مكان ( فهبنا ).

(3) رجل ذو تُدرَاءٍ : مدافع ذو عز ومنعة ـ الشبا : العلو ، الحد ـ الصعر : إمالة الخد عن النظر إلى الناس تهاوناً وكبراً.

(4) يقع في خلدي أنّ هذه الأبيات مصنوعة لنصرة هوىً سياسي فزيدت في هذا الخبر.

(5) جمعنا بين روايتين للطبري 3 / 468 / 477 ، ويزيد صاحب الإمامة والسياسة / 42 : أن طلحة لما لقيها بمكة وأخبرها بما جرى قائلاً : بايعوا عليّاً ثمّ أتوني فاكرهوني ولببّوني حتى بايعت. قالت : وما لعليّ يستولي على رقابنا؟ لا أدخل المدينة ولعليّ فيها سلطان.

(6) عائشة والسياسة / 68 نفس الصفحة السابقة.

( تنبيه ) الهوامش المذكورة فيما نقلنا عنه كلها للأفغاني ذكرها في كتابه.


أليس في موقفها بسرِف؟ وفي حديثها مع ابن أم كلاب تبدّل مفاجيء وبالسرعة الخاطفة ، فمن نقد لعثمان والدعوة لقتله إلى المطالبة بدمه؟ هذا ما ذكره الأفغاني ملفقاً له من روايتين عند الطبري كلاهما من أخبار سيف.

ثمّ لنرجع البصر الحديد من جديد إلى ما مرّ منه من استبعاد أن يصدر ذلك من ابن عباس مع امرأة مهزومة ثمّ تأكيده عدم تصديق ذلك لما سيمرّ به ـ فيما يقول ـ من معاملة عليّ ونبله لعائشة ومخالفيه ، ممّا يجعل المنصفين يضربون بكثير من روايات ابن أبي الحديد أو صنّاع بعض أخباره ممّا يرويه الصديق الجاهل عرض الحائط. فهل لنا أن نسأله ولنفترضه هو العدو العاقل كيف لنا أن نضرب بجميع ـ أو بكثير على الأصح ـ ممّا رواه أنصار عائشة من مواقفها المتشنجة مع أهل البيت بدءاً من سيدهم عليّ ومروراً بابنائه الحسنين وانتهاءً بالهاشميين؟

مواقف عائشة المتشنجة مع أهل البيت :

ولعل الأفغاني غافل أو جاهل ، أو يتعامى عن ملاحظة ما في تلك المواقف ، الّتي تؤكد صحة مفردات المحاورة الّتي دارت بين ابن عباس وبين عائشة.

وإلى القارئ بعض تلك المواقف :

1 ـ فمع عليّ :

وقد ذكرها هو في كتابه فقال : « الفصل الأوّل في طبيعة علائقهما ـ يعني عليّاً وعائشة ـ الماضية ـ ثمّ ساق أموراً جنح فيها إلى جانب عائشة حسبنا ما ذكره فقال ـ :


5 ـ إشارات عارضة استخرجتها من مواطنها لأنّه ـ كذا والصواب لأنّها ـ عظيمة الدلالة على رأيها في عليّ وعاطفتها نحوه ، أوردها تباعاً قبل الشروع في الكلام على مقدمات حرب الجمل ، إذ أنها ستكون المفتاح لما بعدها ، والمصباح ينير طريق الباحث فيما يستقبل من أحداث :

أمّا الأولى فقد رواها عطاء بن يسار قال جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار ( رضي الله عنهما ) عند عائشة فقالت : « أمّا عليّ فلست قائلة لك فيه شيئاً ، وأمّا عمّار فإني سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما »(1) .

وأمّا الثانية فلهجتها في نفي الوصاية : « سئلت : أكان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أوصى إلى عليّ؟ فقالت : لقد كان رأسه في حجري فدعا بالطست فبال فيها ، فلقد انخنث ( انعطف ) في حجري وما شعرت به ، فمتى أوصى إلى عليّ؟ »(2) .

وأمّا الثالثة وفيها البلاغ ولقد نبّه إليها داهية بني هاشم عبد الله بن عباس فإليك حديثها عن الطبري : « روي عن عائشة أنّها قالت : لمّا أشتد بالرسول وجعه دعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرّض في بيتي ، فأذنّ له ، فخرج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر ، تخط قدماء الأرض عاصباً رأسه حتى دخل بيتي.

قال راوي الحديث : فحدثت بهذا الحديث عنها عبد الله بن عباس فقال : هل تدري من الرجل الآخر؟ قلت : لا ، قال : عليّ بن أبي طالب ، ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع »(3) .

____________________

(1) مسند أحمد 6 / 113.

(2) طبقات ابن سعد 8 / 49 ، والإصابة / 94.

(3) تاريخ الطبري 2 / 433 ـ لكن ابن عبد ربه روى عن السيدة تقريظاً لعليّ موفياً على الغاية في الثناء ، قالت وقد ذكر يوماً عندها : ( ( ما رأيت رجلاً أحبّ إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) منه ، ولا إمرأة كانت أحب إليه من امرأته ) ) ( تريد السيدة فاطمة ) العقد الفريد 3 / 94.


وحتى بعد انقضاء حرب الجمل وانتهاء الأمر بينهما على خير وتبادل ثناء (؟؟!) لم يزل ما في نفسها نحوه ، فقد ذكروا أنه لما انتهى إلى عائشة قتل عليّ قالت متمثلة :

فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

فمن قتله؟ فقيل رجل من مراد فقالت :

فإن يك نائياً فلقد نعاه

غلام ليس في فيه التراب

فذكروا أنّ زينب بنت أبي سلمة كانت حاضرة فقالت : « ألعليّ تقولين؟ فقالت : إنّي أنسى فإذا نسيت فذكّروني »(1) .

قال الأفغاني : وأنا أجد هذا الخبر مفصحاً عن طويّتها نحو عليّ خير إفصاح ، وشارحاً ما قدمت لك من إنها تخضع من حيث لا تريد لتوجيه عاطفتها ( اللاشعورية ) ، ولست أشك أنّها كانت حينئذ شاردة ، وأن عقلها الباطن هو الّذي تمثل بهذين البيتين قبل أن تنبّه إلى ما فيهما من بُعد عن الجميل »(2) .

أقول : ولقد فاته ما هو أصرح دلالة على ما تكنّه عائشة من شنآن لعليّ ، ولعله أعرض عنه عمداً ، ومهما يكن فالخبر رواه ابن سعد في الطبقات بسنده عن

____________________

(1) تاريخ الطبري الطبري 4 / 115.

(2) عائشة والسياسة / 61.

هذا ما اردنا نقله عن الأفغاني متناً وهامشاً ، ولئن اقتصر في تخريجه الأخير على الطبري فانا نضيف إليه طبقات ابن سعد 3 ق1 / 27 ، ومقاتل الطالبين / 42 وفيه انها تمثلت بعد هذا :

ما زال أهـداء الـقصـائـد بـينـنا

باسم الصديق وكثرة الالقـاب

حتى تركت وكأن قولك فيهم

فـي كـل مـجـتمع طـنين ذباب

مضافاً الي الموفقيات للزبير بن بكار / 131 ، وأنساب الأشراف للبلاذري ترجمة الإمام تح ـ المحمودي / 505 ، وكامل ابن الأثير / 157.


أبي غطفان قال : « سألت ابن عباس أرأيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال : توفي وهو مستند إلى صدر عليّ ، قلت : فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أنّها قالت : توفي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بين سحري ونحري فقال ابن عباس : أتعقل والله لتوفّي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وإنّه لمستند إلى صدر عليّ ، وهو الّذي غسّله وأخي الفضل بن عباس وأبى أبي أن يحضر وقال : انّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يأمرنا أن نستتر فكان عند الستر »(1) . فهذا بعض حالها في البغض والشنآن والإحن والاضغان.

وقد جاوز الحزام الطبيين ـ كما في المثل ـ حين قالت : « والله لوددت أني لم أذكر عثمان بكلمة قط وإني عشت في الدنيا برصاء سالخ ، ولأصبع عثمان الّذي يشير بها إلى السماء خير من طلاع الأرض من عليّ »(2) .

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : « على أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أكرمها وصانها وعظم من شأنها ولو كانت فعلت بعمر ما فعلت به ، وشقت عصا الأمة عليه ثمّ ظفر بها لقتلها ومزّقها إربا أربا ، ولكن عليّاً كان حليماً كريماً »(3) .

2 ـ ومع الحسنين :

قال الأفغاني : « ولعل آخر تعبير عن موقفها السلبي من عليّ بن أبي طالب ، انقباضها عن ولديه الحسن والحسين ، فلقد كانت تحتجب منهما وهما لها من المحارم : انّهما سبطا زوجها لا تحل لهما ولا يحلان لها ، ومن المعروف بداهة أنّه ( لا تحل امرأة الرجل لولده ولا لولد ولده ولا لأولاد بناتهم )(4) .

____________________

(1) طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 51.

(2) نعيم بن حماد ـ الفتن تح ـ أبو عبد الله محمّد محمّد عرفة / 80 برقم 208 انتشارات المكتبة الحيدرية.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 17 / 254.

(4) طبقات ابن سعد 8 / 50.


وهي تعرف ذلك حق المرأة ، لكنها ـ على ذلك ـ حجبتهما ولم تكن تأذن لهما إلاّ من وراء حجاب ، مبالغة في مباعدتهما »(1) .

ولقد علّق على هذا الحادث ابن عباس بقوله : « إنّ دخولهما عليها لحلّ »(2) .

أقول : ولعلماء التبرير في هذا مداخلة تضليل!

فقد روى ابن سعد في طبقاته قال : « أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي جعفر محمّد بن عليّ قال : كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين فقال ابن عباس : إنّ رؤيتهن لهما لحلال »(3) ( لأنهنّ زوجات جدهما رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم )(4)

فيا هل ترى يصح ذلك؟ أو ليس هو نحو تحوير وتدجيل لما مرّ من منع عائشة وقول ابن عباس في ذلك.

ولكن من يقرأ سيرتها مع عليّ وآل عليّ ليدرك مدى انقباضها منهم ، وليس منعها دفن الحسن عند جده إلاّ بعض ذلك وإن ناقش الأفغاني في ذلك ولكن سيأتي تحقيقه في مورده.

وحسبنا شهادة ابن أخيها القاسم بن محمّد بن أبي بكر ـ وهو أحد فقهاء المدينة السبعة ـ قال : « كانت أم المؤمنين إذا تعودت خُلُقاً لم تحب أن تدعه »(5) . فهي قد تعوّدت أنقباضها من بني هاشم ولم تكتم بغضها لهم حتى البلد الّذي هم فيه تبغضه كما مرّ في المحاورة.

____________________

(1) عائشة والسياسة / 218.

(2) انظر طبقات ابن سعد 8 / 50 و 128.

(3) طبقات ابن سعد 1 / 279 تح ـ محمّد بن صايل السلمي.

(4) نفس المصدر 8 / 50 و 128.

(5) نفس المصدر 8 / 50.


3 ـ ثمّ مع ابن عباس :

« إنّ في استعراض مواقفها المتشنجة مع ابن عباس ـ نجدها من قبل حرب الجمل كما نجدها عند الحرب وبعد الحرب ، ثمّ لم تقف عند ذلك الحد بل استمرت كذلك حتى وهي في النزع الأخير تلفظ أنفاسها لتفد على ربّها بما كسبت ، كما أنّ ابن عباس لم يكن يكنّ لها البغضاء ، بقدر ما كان شديداً في الحقّ عليها ومعها ، ولئن أعوزتنا الشواهد على ذلك في عهد الرسالة ، فإنها لن تعوزنا من خلال أحاديثه الّتي سمعها من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). وفيها إدانة لعائشة مثل خبر الحوأب الّذي مرّت الإشارة إليه ، ولا عبرة بإنكار الأفغاني رواية أبن عباس له ، بحجة واهية حيث قال : والثاني أن سند الذهبي في هذا الحديث ينتهي في احدى روايتيه ـ إلى ابن عباس. وابن عباس على عدالته ـ ممّن خبّ وأوضع في الحزبية السياسية ، فهو أكبر أنصار عليّ وألد خصوم عائشة في خلافها عليه ، فلعل هذا جعله ـ إن صحت نسبة الحديث إليه ـ يتسامح ويغض عمّا فيه لتأييد مذهبه السياسي؟ وإلاّ فإنّي اسأل : هل كان ابن عباس حاضراً قول النبيّ هذا وهو بين نسائه؟؟ إنّي ـ استناداً إلى سكوت الرواية عن ذلك من جهة ، وإلى ضرورة التصريح بذلك هنا من جهة ثانية ـ اقطع بالنفي ، وإنّ على المثبت أن يأتي بدليل ينص على أن ابن عباس كان حاضراً مجلس النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مع نسائه!! ولا يغني ـ هنا خاصة ـ قولهم : « إن مراسيل الصحابة يحتج بها » لأنّ وجود ابن عباس هنا مع النساء في حديث خاص بهنّ ، غير مألوف ، فيحتاج إثباته إلى النص الصريح. هذا ولم أذكر ما في ذوقي الخاص لقاء هاتين السجعتين في رواية الزمخشري : ( ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ، تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب ) من بُعد عن البلاغة النبوية عند من أكثر إلفه لها.


ولست أدري لم لا يطبّق أولئك الأفاضل قواعد المحدثين على المتن والسند معاً؟ ومهما يكن فقد بينت للقارئ ـ فيما تقدم ـ ماحداني على الشك وفيه بلاغ »(1) .

أقول : إنّ الأفغاني حاول جاهداً تكذيب الحديث برواية ابن عباس وعمدة حجته بأنّه ـ لو صح ـ فهو حديث بين نسائه ويقطع بنفي حضور ابن عباس ذلك المجلس ، ولعل الأفغاني لم يدرك علاقة ابن عباس بالرسول سوى القرابة والتقريب منه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) له ، أنه كان يحضر معه في بعض بيوت أزواجه ويبيت عنده كما بات في بيت خالته ميمونة وقد مرّ في الجزء الأوّل شواهد ذلك فراجع ، وجاء في مسند أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال : « صليت إلى جنب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعائشة خلفنا تصلي معنا وأنا إلى جنب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أصلي معه »(2) .

وأمّا تكذيبه الحديث مطلقاً فقد كفانا في الرد عليه ابن بلده ناصر الدين الألباني(3) .

إنّ ابن عباس كان يتتبع جمع المعلومات الّتي فيها إدانة لعائشة ، فهل يشك الأفغاني في حديثه الّذي أخرجه البخاري في سؤاله من عمر عن المرأتين اللتين تظاهرا عليه فقال له : هما عائشة وحفصة ، وقد ذكرنا ذلك الموقف وما فيه في الجزء الثاني ، فراجع.

ولا شك أنّ عائشة كانت تبدر منها فلتات مناوئة لأهل البيت ومخالفة للحقائق ويتناقلها بعض السامعون إمّا لشكّه في صحتها أو لغرض آخر فيأتي ابن عباس فيسأله عنها فيصحح لهم المعلومة ، وقد مرّ بنا حديث أبي غطفان عن وفاة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنّه سمع عروة يحدّث عن خالته عائشة أنّها تقول :

____________________

(1) عائشة والسياسة / 89 ـ 90.

(2) مسند أحمد 1 / 302 ط مؤسسة قرطبة بمصر.

(3) راجع كتاب سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأوّل / 767 ـ 777 وفي 772 تجد رد الألباني على الأفغاني في عدة مؤاخذات حرية بالمراجعة.


مات بين سحري ونحري ، فقال له ابن عباس : أتعقل؟ وهي لهجة استفزاز وتنبيه على عظم الخطأ في المعلومة المتلقاة من عائشة ، ثمّ أتبع ذلك بالقسَمَ مؤكداً صحة ما لديه في ذلك ، وقد مرّ الحديث قريباً في مواقفها المتشنجة مع عليّ ، فراجع.

كما لاشك أنّ الحال تزايدت توتّراً مع تمادي الإيام ، وبلغت حد المكاشفة منذ يوم الصلصل ، وتفاقم الخطب في حرب الجمل ، وتفجّر البركان حتى كاد يبلغ حد الاقتتال بين مجموعتين من غلمان كلّ منهما حتى رَكبت عائشة على بغلة وخرجت فلقيها ابن أبي عتيق حفيد أخيها عبد الرحمن فقال لها : يا أمي جعلت فداك أين تريدين؟ قالت : بلغني أن غلماني وغلمان ابن عباس اقتتلوا فركبت لأصلح بينهم ، فقال : أعتق ما أملك ان لم ترجعي ، فقالت : ما حملك على هذا؟ قال : ما انتهى يوم الجمل حتى تأتينا بيوم البغلة. ( وفي رواية الجاحظ عن الشرقي بن القطامي قال : عزمت عليك إلاّ ما رجعت فما غسلنا أيدينا من يوم الجمل حتى نرجع إلى يوم البغلة )(1) .

____________________

(1) أنظر عائشة والسياسة / 247 نقلاً عن المراح في المزاح / 38 ، وانظر جمع الجواهر في الملح والنوادر / 4 ط عيسى البابي سنة 1372 تح ـ البيجاوي.

ذكر اليعقوبي في تاريخه 2 / 200 في وفاة الحسن بن علي : أن عائشة ركبت بغلة شهباء وقالت : بيتي لا آذن فيه لأحد ، فأتاها القاسم بن محمد بن أبي بكر فقال لها : يا عمّة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء أهـ. وفي ذلك يقول القائل :

عائش ما نقـول في قتـالك

سلكت في مسالك الـمـهالـك

وحسبـك ما أخـرج البخاري

مـنالـصـحـيـحمـومـئـاً للـدار

قد قيل تبـت وعليّ غمضّا

فلم سجدت الشكر لما قبضا

وقد ركبت البغل في يوم الحسن

تـؤجّـجـيـن نـار هـاتـيك الفتن


فبعد هذا كلّه لابدّ لنا من استذكار جميع تلك المواقف الّتي يستبين فيها ابن عباس بمنتهى اللين والتسامح مع البيان الهاديء الواضح ، بينما نرى من عائشة التجهم ونرى عندها انقباضا ونفوراً.

ربما تعداهما فكان تشنّجاً أظهر الشحناء منها علانية ، والآن فلنمرّ على تلك المواقف مرور الكرام لنعرف مَن كان منهما يريد الوئام والسلام ، ومن كان يريد الخصام ولو بحدّ الحسام. ومن هو أهدى سبيلاً؟

والمواقف هي كما يلي :

1 ـ موقف يوم الصلصل ، وقد ضمهما المكان ، فهي خرجت من المدينة إلى مكة مغاضبة لعثمان ومحرّضة عليه ، وابن عباس خرج أميراً على الموسم ليقيم للناس حجّهم ، فقالت له : « يا بن عباس أنشدك الله ـ فإنك قد أعطيت لساناً ازعيلا(1) ان تخذل عن هذا الرجل ، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم بصائرهم ، وأنهجت(2) ورفعت لهم المنار ، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد حُمّ وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح ، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر.

فقال لها ابن عباس : يا أمه لو حدث بالرجل حَدَثٌ ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا.

فقالت : أيهاً عنك إنّي لست اُريد مكابرتك ولا مجادلتك »(3) .

____________________

(1) الأزعيل : الذلق.

(2) أنهج الطريق : وضُح وبان.

(3) تاريخ الطبري 4 / 407 ط دار المعارف ، وانظر الفتوح لابن اعثم 2 / 226 ، وكتاب الجمل للشيخ المفيد / 61 تجد ذلك بتفاوت راجع الجزء الثاني من كتابنا هذا تجد الروايات كلها مذكورة.


2 ـ موقف ثاني وهو قبل الحرب بالبصرة وقد أتاها هو وزيد بن صوحان أرسلهما الإمام إليها ، وقد مرّ ذكره في أوّل سفارات ابن عباس لحقن الدماء. فراجع تجد الرسالة المليئة بالعطف واللطف والنصيحة ، كما تجد الجواب المهزوز حين تقول لهما : « ما أنا برادّة عليكم شيئاً ، فإنّي أعلم أنّي لا طاقة لي بحجج عليّ ابن أبي طالب.

فقال لها ابن عباس : لا طاقة لكِ بحجج المخلوق فكيف طاقتكِ بحجج الخالق ».

3 ـ موقف آخر ثالث قبل الحرب وقد أتاها رسولاً من قبل الإمام بعد أن اجتمع بطلحة فلم يجد عنده خيراً. وكان معه كتاب من الإمام إليها ينصحها فيه ويخوّفها مغبّة العاقبة. وقد مرّ ذكر ذلك مفصلاً في السفارة الثانية فراجع تجد ابن عباس يبلّغها الرسالة ويقرأ عليها الكتاب ، وإذا به يسمع منها الغلظة والفظاظة : « يا ابن عباس ابن عمك يرى انّه قد تملّك البلاد ، لا والله ما بيده منها شيء إلاّ وبيدنا أكثر منه.

فقال لها ابن عباس : يا أمّاه إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) له فضل وسابقة في الإسلام ، وعظم عناء.

قالت : ألا تذكر طلحة وعناه يوم أحد؟

فقال لها : والله ما نعلم أحداً أعظم عناءً من عليّ ( عليه السلام ).

قالت : أنت تقول هذا ومع عليّ أشباه كثيرة.

قال لها : الله الله في دماء المسلمين.

قالت : وأي دم يكون للمسلمين إلاّ أن يكون عليّ يقتل نفسه ومن معه.

قال ابن عباس : فتبسّمت ، فقالت : ممّا تضحك يا بن عباس؟


فقال : والله معه قوم على بصيرة من أمرهم يبذلون مهجهم دونه.

قالت : حسبنا الله ونعم الوكيل ».

4 ـ موقف آخر رابع دخل عليها فذكّرها بحديث يوم الصلصل وأنّها السبب في قتل عثمان محذّراً لها سوء العواقب ، فقالت له : « ذاك المنطق الّذي تكلمت به يومئذ هو الّذي أخرجني ، لم أر لي توبة إلاّ الطلب بدم عثمان ورأيت أنّه قتل مظلوماً.

فقال لها ابن عباس : أنت قتلتيه بلسانكِ ، فأين تخرجين ، توبي وأنتِ في بيتكِ ، أو أرضي ولاة دم عثمان وولده.

قالت : دعنا من جدالك فلسنا من الباطل في شيء ».

5 ـ وموقف خامس أتاها وهي في الهودج وهو يحمل مصحفاً يدعوها ويدعوهم إلى ما فيه ، فردّته وقالت : « والله لا سمعت منك شيئاً ، ارجع إلى صاحبك فقل له ما بيننا وبينك إلاّ السيف. وصاح من حولها : ارجع يا بن عباس لا يسفك دمك ».

هذه هي المواقف الّتي سبقت المحاورة ، وقد رأينا لغة العطف واللطف في كلام ابن عباس ، وقرأنا لغة الشدة والعنف في كلام عائشة. فبعد هذا العَرض هل يستنكر من ابن عباس لو يرد على عائشة بنفس اللهجة الحادّة ، ولم لا؟ وها هي تستفزّه بكلماتها النابية ، وقد طفح كيلها ، فأبدت كامن صدرها يفيض حقداً وبغضاً. فلا لوم على ابن عباس إذا ما ردّ الحجر من مأتاه ، وأسكت النامّة وقد حلّت بسببها الطامة بالعامة.


وإلى هنا فلنترك الأفغاني ونبعده قصياً ، بعد أن قرأناه نَسِيّاً وفَرِيّاً. ولنبصّر القارئ الآن بأن ابن عباس وعائشة عاشا بعد حرب الجمل متهاجرَيْن تقريباً ، وبقيا على حالهما كذلك ، حتى ماتت عائشة ، ولعله اشتدت المهاجرة والمخاصمة في عهد معاوية حين تناصرت هي وإياه على عداوة أهل البيت. وكان ابن عباس رجل الساحة المناصر لأهل البيت ، كما يظهر بوضوح من مواقفه مع الأمويين وشيعتهم. كما كانت عائشة تدعمهم فيما ترويه لهم من أحاديث ، والشواهد على ذلك متوفرة ، سيأتي بعضها في الحلقة الثالثة : تاريخه العلمي ( في الفقه والحديث والتفسير ) إن شاء الله تعالى فنعجّل منها واحداً :

أخرج الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب وعنه الاربلي في كشف الغمة قال : « روى الكنجي بسنده المنتهى إلى أبي صالح قال ذكر عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) عند عائشة وأبن عباس حاضر ، فقالت عائشة : كان من أكرم رجالنا على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال ابن عباس : وأي شيء يمنعه عن ذاك؟ اصطفاه الله لنصرة رسوله ، وارتضاه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لأخوّته ، واختاره لكريمته ، وجعله أبا ذريته ووصيّه من بعده ، فإن ابتغيتِ شرفاً فهو في أكرم منبت وأورق عود ، وإن اردتِ إسلاماً فأوفر بحظه وأجزل بنصيبه ، وإن أردتِ شجاعته فبهمة حرب وقاضية حتم ، يصافح السيوف أنساً ، لا يجد لوقعها حسّاً ، ولا ينهنه نعنعة ، ولا تقله الجموع ، الله ينجده ، وجبرئيل يرفده ، ودعوة الرسول تعضده ، أحدّ الناس لساناً ، وأظهرهم بياناً ، وأصدعهم بالصواب في أسرع جواب ، عظته أقلّ من عمله ، وعمله يعجز عنه أهل دهره ، فعليه رضوان الله ، وعلى مبغضيه لعائن الله »(1) .

____________________

(1) كشف الغمة 1 / 363 ، كما في البحار 40 / 51 ط الجديدة.


حديث واحد خير شاهد :

أمّا الآن فأكتفي بشاهد واحد ردّت فيه عائشة فتيا فقهية لابن عباس بإصرار وعناد لغرض سياسي أكثر منه بيان حكم شرعي ، وتلك الفتيا فيمن أقام وأرسل الهدي تطوّعاً إلى الحرم ، هل عليه أن يجتنب عمّا يجتنبه المحرم كما هو رأي ابن عباس؟ أو لا يجب كما هو رأي عائشة. ورُوي عنها في ذلك عدة أحاديث نافت على العشرة متفاوتة سنداً ومتناً حتى ليخيّل لناظرها أنها في وقائع متعددة ، مع أنّ الأصل فيها واقعة واحدة ـ كما سيأتي بيانه ـ والأحاديث الّتي رويت عنها ونافت على العشرة ، روى بعضها مالك وعنه البخاري أيضاً ، كما روى بعضها الآخر هو ومسلم وبقية أصحاب السنن والمسانيد. ومدار الجميع على الرواة عن عائشة ، وجميعهم من حامّتها وخاصّتها كعروة ابن أختها ، والقاسم ابن أخيها ، وعمرة بنت عبد الرحمن ربيبتها ، وهؤلاء الثلاثـة جعلهم ابن عيـيـنة أعلم الناس بحديث عائشة(1) ثمّ رواية أبي قلابة وهو عبد الله بن يزيد الجرمي(2) ورواية الأسود بن يزيد النخعي ومسروق بن الأجدع من المختصّين بها(3) ولهؤلاء جميعاً مقام مرموق عند حكام الأمويين أضف إليهم ابن شهاب الزهري فهو من صنائعهم.

____________________

(1) اسعاف المبطأ / 21.

(2) كان ديوانه بالشام ومات بداريا سنة 104 ـ 105 ، وحسبك بذلك تعريفاً. راجع المعارف / 446 ـ 447.

(3) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 269 وروى أبو نعيم عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق قال : ثلاثة لا يؤمنون على عليّ بن أبي طالب : مسروق ومرة وشريح وروي ان الشعبي رابعهم ـ وقال : روى سلمة بن كهيل انهما ـ الأسود بن يزيد ومسروق بن الاجدع ـ كانا يمشيان إلى بعض أزواج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فيقعان في عليّ ( عليه السلام ) فأما الاسود فمات على ذلك ، وأمّا مسروقاً فلم يمت حتى كان لا يصلي لله تعالى صلاة إلاّ صلّى بعدها على عليّ ابن أبي طالب ( عليه السلام ) لحديث سمعه من عائشة في فضله.


والآن إلى صور الحديث الّذي أشرنا إليه نقلاً عن المصادر الثلاث الأولى :

1 ـ الموطأ لمالك بشرح تنوير الحوالك للسيوطي : « حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد عن عَمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن عبد الله بن عباس قال : من أهدى هدياً حَرُمَ عليه ما يحرم على الحاج حتى يُنحر الهديَ ، وقد بعثت بهدي فاكتبي إليّ بأمركِ ، أو مري صاحب الهدي.

قالت عَمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيدَيّ ثمّ قلدَها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيده ، ثمّ بعث بها مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مع أبي فلم يحرم على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) شيء أحلّه الله له حتى نُحِرَ الهدي »(1) .

2 ـ صحيح البخاري : « حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عَمرة بنت عبد الرحمن أنّها أخبرته أنّ زياد ابن أبي سفيان كتب إلى عائشة ( رضي الله عنها ) : أن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : من أهدى هدياً حَرُمَ عليه ما يحرم على الحاج حتى يُنحر هديُه. قالت عَمرة : فقالت عائشة ( رضي الله عنها ) : ليس كما قال ابن عباس ( رضي الله عنه ) ، فتلت قلائد هدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيديّ ثمّ قلّدها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيده ، ثمّ بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) شيء أحله الله حتى نُحر الهديَ »(2) .

3 ـ صحيح البخاري : « حدثنا اسماعيل بن عبد الله قال حدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عَمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته قالت عائشة ( رضي الله عنها ) : أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيديّ ثمّ قلّدها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )

____________________

(1) الموطأ 1 / 248 ـ 249 ط مصطفى محمّد بمصر.

(2) صحيح البخاري ، كتاب الحج ، باب من قلد القلائد بيده 2 / 169ط بولاق.


بيديه ، ثمّ بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) شيء أحلّه الله له حتى نُحر الهدي »(1) .

4 ـ صحيح مسلم : « حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عَمرة بنت عبد الرحمن أنها اخبرته ان ابن زياد كتب إلى عائشة ان عبد الله بن عباس قال : من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي وقد بعثت بهدي فاكتبي إليّ بأمركِ ، قالت عَمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيدي ثمّ قلّدها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيده ، ثمّ بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي »(2) .

هذه هي صور الحديث الواحد وأصله عند مالك في الموطأ ورواه الشيخان ـ البخاري ومسلم ـ عنه ، فليقارن القارئ بين هذه الصور ليعلم مدى الأمانة في النقل ، فمن تزيّد ومن تغيير ومن نقصان. لماذا ذلك؟ ومن أجل أن تبقى تلك الرموز ـ صحاحاً ورجالاً ـ في البروج العاجية ، استبسل علماء التبرير في سدّ بعض الفجوات ، إلاّ أنّهم لم يوفّقوا تماماً. وقد أخترت طائفة من أقوالهم من خلال شروحهم لتلك الصحاح فمن شروح الموطأ : المنتقى لأبي الوليد الباجي ، وشرح الزرقاني ، وتنوير الحوالك للسيوطي.

ومن شروح البخاري : فتح الباري لابن حجر ، وإرشاد الساري للقسطلاني ، والكواكب الدراري للكرماني ، وكوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري للشنقيطي الجكني.

____________________

(1) نفس المصدر ، كتاب الوكالة ، باب الوكالة في البدن وتعاهدها 3 / 102.

(2) صحيح مسلم ( كتاب الحج ) باب استحباب بعث الهدي الى الحرم 1 / 372 ح 11 ط بولاق.


ومن شروح مسلم : شرح النووي ، وإكمال إكمال المعلم للآبي ، ومكمل إكمال إكمال المعلم للسنوسي.

إلى غير ذلك كسنن البيهقي ومصنف ابن أبي شيبة وتكملة المنهل المورود بشرح سنن أبي داود.

ماذا قال علماء التبرير؟

1 ـ قال ابن حجر في فتح الباري : « ( تنبيه ) وقع عند مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك في هذا الحديث : انّ ابن زياد بدل قوله : انّ زياد بن أبي سفيان ، وهو وهم نبّه عليه الغساني ومن تبعه »(1) .

2 ـ وقال النووي في شرح صحيح مسلم : « إنّ ابن زياد كتب إلى عائشة هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم ان ابن زياد ، قال أبو عليّ الغساني والمازري والقاضي وجميع المتكلمين على صحيح مسلم : هذا غلط وصوابه : أن زياد بن أبي سفيان وهو المعروف بزياد بن أبيه ، وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري والموطأ وسنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة ، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة والله أعلم »(2) .

ونحن نقول له : فأين قوله : اتفق العلماء رحمهم الله على أنّ اصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم ، وتلقتهما الأمة بالقبول ، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة(3) ، ولا ضيرَ حتى ولو لم يروه أولئكم ، فإنّ البخاري وحده يكفيهم لأن كتابه عندهم أصح وأكثر

____________________

(1) فتح الباري 4 / 293 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.

(2) صحيح مسلم 9 / 72 ط مصر.

(3) مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي 1 / 14.


فوائد؟ وإن تزيّد في النقل فمنح الترضّي حسب الهواية والمشتهاية ، وإن تنّقص فحذف في روايته في الوكالة بعض ما ذكره في روايته في كتاب الحج فقارن ـ وفي المقامين حذف من رواية المصدر جملة ( أو مري صاحب الهدي ) فهكذا هي الأمانة في النقل (؟!). ولعل هذا من الفوائد والمعارف الغامضة ومهما يكن فنحن لا يهمنا غلط مسلم في ذكره ابن زياد بدل أبيه ، فكلاهما دعيّ وفي النصب سواء ، والاعتذار بأنّ ابن زياد لم يدرك عائشة ، إعتذارٌ واه فقد أدركها ، لأنّها ماتت سنة ( 56 هـ أو 57 هـ أو 58 هـ ) كما في تاريخ اليعقوبي(1) ، وابن زياد ولاه معاوية ـ خراسان بعد وفاة أبيه زياد سنة 54 ، وليس بالضرورة أن يكون سؤاله لها أيام ولايته البصرة فيمكن أنّه سألها أيام أبيه ، وإنّما الّذي يهمنا هو تنبيه القارئ إلى أنّ المرجعية الرسمية للأحكام الشرعية يومئذ هي عائشة دون باقي أمهات المؤمنين وبقية فقهاء الصحابة والتابعين ، ولذلك قلنا أستبسل شرّاح الصحيح في سدّ الثغرات ، وزاد بعضهم فضاعف جهده لإثبات صحة رأي عائشة وتفنيد رأي ابن عباس حتى ولو كان رأيه موافقاً لرأي عمر ورأي عليّ وآراء آخرين من صحابة وتابعين ، بل تصاعدت حمّى الزهري ـ وهو من فقهاء البلاط الأموي ـ فجعل لها المنّة على المسلمين حيث كشفت لهم ما استغلق عليهم فهمه (؟؟؟) كما سيأتي.

3 ـ قال ابن التين : « خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء ، واحتجت عائشة بفعل النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه ، ولعل ابن عباس رجع عنه ، انتهى »(2) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 212.

(2) فتح الباري 4 / 294 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378.


ولفجاجة هذا الرأي وسماجة هذا القول تعقبه ابن حجر بقوله : « وفيه قصور شديد ، فإنّ ابن عباس لم ينفرد بذلك ، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة :

منهم ابن عمر : رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب وابن المنذر من طريق ابن جريح كلاهما عن نافع عن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم إلاّ أنّه لا يلبي(1) .

ومنهم قيس بن سعد بن عبادة : أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك(2) .

وروى ابن أبي شيبة من طريق محمّد بن عليّ بن الحسين عن عمر وعليّ أنّهما قالا في الرجل يرسل ببدنته أنّه يمسك عما يمسك عنه المحرم(3) . وهذا منقطع »(4) .

4 ـ وقال ابن المنذر : « قال عمر وعليّ وقيس بن سعد وابن عمر وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون : من أرسل الهدي وأقام حَرُمَ عليه ما يحرم على المحرم.

وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون : لا يصير بذلك محرماً ، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار »(5) (؟).

5 ـ وقال ابن حجر : « ومن حجة الأولين ما رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه قال : كنت جالساً عند النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقدّ قميصه من جيبه

____________________

(1) أنظر المصنف لابن أبي شيبة 4 ق1 / 88 ط باكستان ادارة القرآن والعلوم الإسلامية.

(2) فتح الباري 4 / 294.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

(5) أنظر فتح الباري 4 / 294 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.


حتى أخرجه من رجليه ، وقال : إنّي أمرت ببُدني الّتي بعثت أن تقلّد اليوم وتشعر على مكان كذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. الحديث ، وهذا لا حجة فيه لضعف اسناده ، إلاّ انّ نسبة ابن عباس إلى التفرد بذلك خطأ »(1) .

6 ـ وقال أيضاً : « وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنّه لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم إلاّ الجماع ليلة جمع. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح »(2) .

7 ـ وقال أيضاً : « نعم جاء عن الزهري ما يدل على أنّ الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عباس ، ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه ، وأخرجه البيهقي من طريقه قال : أوّل من كشف العمى عن الناس وبيّن لهم السنّة في ذلك عائشة فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها. قال : فلمّا بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس(3) »(4) .

8 ـ وقال أيضاً : « وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدي محرماً ، حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق »(5) .

9 ـ وقال أيضاً : « وقال أصحاب الرأي : من ساق الهدي وأمّ البيت ثمّ قلّد وجب عليه الاحرام »(6) .

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر.

(3) سنن البيهقي 5 / 233 ـ 234 فراجع ستجد الدفاع باندفاع عن رأي عائشة.

(4) فتح الباري 4 / 294.

أخرجه الهميثي في مجمع الزوائد 3 / 227 ط القدسي وقال رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات.

(5) نفس المصدر.

(6) نفس المصدر.


10 ـ وقال أيضاً : « وقال الجمهور : لا يصير بتقليد الهدي محرماً ولا يجب عليه شيء »(1) .

11 ـ وقال أيضاً : « ونقل الخطأبي عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس ، وهو خطأ عليهم ، فالطحاوي أعلم بهم منه ، ولعل الخطأبي ظن التسوية بين المسألتين »(2) .

12 ـ وقال أمين محمود خطاب(3) : « وسبب هذا الحديث ما روت عمرة بنت عبد الرحمن أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ـ وذكر الحديث ـ ثمّ قال أخرجه البخاري والطحاوي »(4) .

وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقاً ، لبيان حجة من قال : لا يجب على من بعث هدياً أن يتجرد عن ثيابه ، ولا يترك شيئاً من محظورات الإحرام إلاّ بدخوله فيه بحج أو عمرة. وإلى هذا ذهب أكثر الصحابة والحنفيون ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد.

وعن ابن عباس وعمر وعليّ والنخعي وعطاء وابن سيرين : ان من أرسل هدياً إلى الحرم يلزمه إذا قلده الاحرام. ويحرم عليه كلّ ما يحرم على المحرم ، لحديث عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله ( رضي الله عنهما ) قال : كنت عند النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) جالساً فقدّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : إني أمرت ببُدني الّتي بعثت بها أن

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر.

(3) في فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود 1 / 14 ط الأولى بالاعتصام بالخيمية سنة 1375.

(4) انظر فتح الباري 3 / 354 ( من قلد القلائد بيده ) و / 439 ، وشرح معاني الآثار.


تقلد اليوم وتشعر على ماء كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. وكان قد بعث ببُدنه من المدينة فأقام بالمدينة. أخرجه أحمد والطحاوي والبزار(1) لكن ابن أبي لبيبة ليس ممّن يحتج به فيما ينفرد به ، فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه.

قال الطحاوي في شرح معاني الآثار : اسناد حديث عائشة صحيح لا تنازع بين أهل العلم فيه ، وليس حديث جابر بن عبد الله كذلك ، لأن من رواه دون من روى حديث عائشة ، لكن قال في مجمع الزوائد بعد أن ذكر الحديث : ورجال أحمد ثقات. ( وعن عطاء ) بن يسار عن نفر من بني سلمة قالوا : كان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) جالساً فشق ثوبه. فقال إني واعدت هدياً يشعر اليوم. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ، وبهذا يرد على من قال : الظاهر أنه لا أصل لهذا الحديث.

ماذا وراء الأكمة من غمّة؟

إنّ اندفاع علماء التبرير في دفاعهم المستميت يوحي بدءاً بأنّهم في مقام إثبات حكم شرعي ، وإن دلّ على دعم موقف عائشة في فتياها الّتي ردت بها على فتيا ابن عباس ، كما هو الوجه الظاهر للعملة الّتي يتعاملون بها مع الناس ، وهنا وجه باهت اللون خافت النور إذا قيس بالوجه الآخر الّذي كانوا يتعاملون به مع الحكام فإنّه ليس كذلك ، بل هو ذو لون صارخ أشدّ وهجاً وأكثر رهجاً ، وهو جوهر القضية في الحديث المذكور.

وذلك فيما أرى ـ والله العالم ـ كان لإستصدار قرار عائشي بتصديق نسب زياد بعد الإستلحاق وانه ابن أبي سفيان ، وهذا يتم من خلال جواب الكتاب

____________________

(1) انظر 13 / 33 من الفتح الرباني. و 3 / 227 من مجمع الزوائد ( من بعث هدياً وهو مقيم ) و 1 / 439 من شرح معاني الآثار ( هامش المصدر السابق ).


تحريراً لو تم. وإذا لم يتم ـ كما هو الحال ـ فيكفي أن راوية الحديث عَمرة بنت عبد الرحمن(1) ذكرت ذلك عن عائشة ولم تذكر عنها انكاراً لذلك ، وفي سكوتها على أقل تقدير إمضاء لما جاء في الحديث ، وفي هذا حسب زياد وآل زياد ، وفي مقابل ذلك لا بد من تقديم ثمن لعائشة يساوي ما أخذوه من مثمن وهل من ثمن أكثر قيمة من إذاعة وإشاعة أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يبعث هديه من المدينة ، وعائشة هي الّتي تفتل القلائد للهدي ، وأبوها يسوق الهدي إلى مكة أو إلى منى ، ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لا يجتنب عما يجتنبه المحرم. وهكذا صار الحديث وكأنه مناورة سياسية أكثر من بيان واقعة شرعية واستمرت المناورة ـ فيما يبدو ـ فقد ذكر السيد ابن عقيل ان زياداً كتب إلى عائشة كتاباً فيه : « من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب له : إلى زياد بن أبي سفيان ليحتج بذلك ، فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد »(2) .

وفي رواية ابن أبي الحديد قال : « كتبت عائشة إلى زياد فلم تدر ما تكتب عنوانه ، إن كتبت زياد بن عبيد الله وابن أبيه أغضبته ، وإن كتبت زياد بن أبي سفيان أثمت فكتبت من أم المؤمنين إلى ابنها زياد ، فلمّا قرأه ضحك وقال : لقد لقيت أم المؤمنين من هذا نصبا »(3) .

____________________

(1) أتدري مَن عمرة بنت عبد الرحمن؟ كانت هي وأخواتها في حجر عائشة وعندها ( طبقات ابن سعد 8 / 353 ) افست ليدن.

وهي الّتي كتب عمر بن عبد العزيز في حقها إلى أبي بكر بن محمّد بن حزم : ان انظر ما كان من حديث رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله؟ يا لله يكون حديث عمرة بمنزلة حديث رسول الله ومثل السنّة الماضية في ميزان الاعتبار عند الخليفة الأموي؟ ولزيادة الاطلاع فان ابا بكر بن محمّد بن حزم هو زوج اختها؟ وراوي حديث الفتيا هو ابن اختها فظن خيراً.

(2) النصائح الكافية / 56 ط بمبي سنة 1326 هـ.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 76 ط مصر الأولى و 16 / 204 تح ـ أبو الفضل إبراهيم والقضايا الكبرى في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي / 188.


وأخيراً نجحت بالتالي مؤامرة زياد فكتبت إليه كتاب شفاعة لمرة بن أبي عثمان مولى عبد الرحمن بن أبي بكر ، وقال ابن الكلبي هو مولى عائشة ، سأل عائشة أن تكتب له إلى زياد وتبدأ به في عنوان كتابه ، فكتبت إليه بالوصاة به وعنونته : إلى زياد بن أبي سفيان من عائشة أم المؤمنين ، فلمّا رأى زياد أنها قدّمته ونسبته إلى أبي سفيان سرّ بذلك وأكرم مرّة وألطفه وقال للناس : هذا كتاب أم المؤمنين إليّ وفيه كذا ، وعرضه ليقرأ عنوانه ثمّ أقطعه مائة جريب على نهر الأبّلة ، وأمر أن يحفر لها نهرٌ فنسب إليه(1) .

وهذا ما أدركه علماء التبرير ـ ولا أقل بعضهم ـ إلاّ أنّهم تسللوا من وراء الأكمة لوإذا لئلا تصطدمهم الحقيقة المرّة ، فتزل قدم بعد اهتزازها على أرضية هشة من المبررات الّتي ما أنزل الله بها من سلطان.

حتى قال بعضهم ممعناً في التبرير والتزوير فقال : « وقع التحديث بهذا في زمن بني أمية ، وأمّا بعدهم فما كان يقال له إلاّ زياد بن أبيه وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد ، وكانت أمه سمية مولاة الحرث بن كلدة الثقفي وهي تحت عبيد المذكور فولدت زياداً على فراشه ، فكان ينسب إليه ، فلمّا كان في أيام معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زياداً ولده ، فاستلحقه معاوية بذلك ، وخالف الحديث الصحيح ( إن الولد للفراش وللعاهر الحجر ) وذلك لغرض دنيوي ، وقد أنكر هذه الواقعة على معاوية من أنكرها ، حتى قيلت فيها الأشعار ، ومنها قول القائل :

ألا أبلغ معاوية بن حرب

مغلغلة من الرجل اليماني

أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ

وترضى أن يقال أبوك زاني

____________________

(1) راجع معجم البلدان 5 / 323 ( نهر مرّة ).


وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان ، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فانما هو تقية.

وذكر أهل الأمهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم مع كونهم لم يؤلفوها إلاّ بعد انقراض عصر بني أمية محافظة منهم على الألفاظ الّتي وقعت من الرواة في ذلك الزمان كما هو دأبهم »(1) .

وجاء في كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري للشيخ محمّد الخضر الجكني الشنقيطي المتوفى سنة 1354 هـ ترجمة زياد وكيفية إستلحاقه وأسماء الشهود له بذلك ، وفي آخر الترجمة : غضب بني أمية من إستلحاقه ، وذكر شعر عبد الرحمن بن الحكم نقلاً عن الاستيعاب ، فمن أراد ذلك فليرجع إلى المصدر المذكور(2) .

وذكر الأبي في شرحه صحيح مسلم عند قوله ان ابن زياد كتب ( قلت ) ابن زياد هو عبيد الله بن زياد هذا هو الّذي قتل الحسين بن عليّ ، وزياد هذا هو والده وكان معاوية استلحقه لأبيه أبي سفيان ، وتقدم اشباع الكلام على ذلك وعلى كيفية استلحاقه في حديث : من انتسب لغير أبيه من كتاب الإيمان فراجعه هناك(3) .

نور على الدرب :

لو تفحصنا حديث عائشة في المصادر الّتي مرّ ذكرها لوجدناه ـ كما قلنا ـ يتفاوت بين مصدر وآخر ، بل بين رواية راو واحد في المصدر الواحد ، وللتدليل والاختصار نذكر للقارئ ما في صحيح البخاري فقط ، وعندهم كلّ الصيد في جوف الفرا.

____________________

(1) نيل الأوطار للشوكاني 5 / 107 ط العثمانية بمصر سنة 1357 هـ.

(2) كوثر المعاني 13 / 388 ط مؤسسة الرسالة سنة 1415 هـ.

(3) شرح صحيح مسلم 3 / 413.


لقد ذكر الحديث في ستة أبواب متتابعة بشتى الصور ، وهي كما يلي في كتاب الحج بألفاظها :

1 ـ باب من أشعر وقلّد بذي الحليفة ثمّ أحرم.

قال البخاري : « حدثنا أبو نعيم حدثنا أفلح عن القاسم عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : فتلت قلائد بُدن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيديّ ثمّ قلّدها وأشعرها وأهداها ، وما حُرم عليه شيء كان أحلّ له »(1) .

أقول : وهذا الحديث لم يشرحه ابن حجر في فتح الباري(2) فظن خيراً.

2 ـ باب فتل القلائد للبدن والبقر.

قال البخاري : « حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث حدثنا ابن شهاب عن عروة عن عمرة بنت عبد الرحمن ان عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثمّ لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم »(3) .

أقول : وهذا الحديث أيضاً غض ابن حجر النظر عنه فتعداه بسلام(4) .

3 ـ باب إشعار البدن.

قال البخاري : « حدثنا عبد الله بن سلمة حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : فتلت قلائد هدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثمّ أشعرها وقلّدها أو قلّدتها ، ثمّ بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلّ »(5) .

____________________

(1) صحيح البخاري 2 / 169ح 3 ط بولاق.

(2) فتح الباري 4 / 291.

(3) صحيح البخاري 2 / 169 ح 2ط بولاق.

(4) فتح الباري 4 / 291.

(5) صحيح البخاري 2 / 169 ح 1 ط بولاق.


أقول : وعلى ما عودنا ابن حجر في سابقيه لقد تغاضى عن شرحه إلى شرح معنى الإشعار ومشروعيته واختلاف العلماء فيه(1) .

4 ـ باب من قلد القلائد بيده :

قال البخاري : « عبد الله بن يوسف ، وذكر الحديث الّذي ذكرناه أوّلاً كخير شاهد فلا حاجة إلى إعادة ذكره »(2) .

5 ـ باب تقليد الغنم.

قال البخاري : « حدثنا أبو النعمان حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش حدثنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كنت أفتل القلائد للنبي صلّى الله عليه وسلّم فيقلّد الغنم ويقيم في أهله حلالاً »(3) .

أقول : وقد استبسل ابن حجر في شرح عنوان الباب وذكر من رأى تقليد الغنم ومن لم ير والرد عليه بحديث الباب إلى آخر ما عنده(4) .

6 ـ نفس الباب.

قال البخاري : « حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد حدثنا منصور بن المعتمر ( ح= حيلولة ) وحدثنا محمّد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : كنت أفتل قلائد الغنم للنبي صلّى الله عليه وسلّم فيبعث بها ثمّ يمكث حلالاً »(5) .

____________________

(1) أنظر فتح الباري 4 / 292.

(2) صحيح البخاري 2 / 169 ح 2 ط بولاق.

(3) صحيح البخاري 2 / 169 ح 2ط بولاق.

(4) من شاء الاستزادة فليرجع إلى فتح الباري 4 / 295.

(5) صحيح البخاري 2 / 170 ح 3 ط بولاق.


أقول : ذكر ابن حجر إعلال بعض المخالفين حديث الباب بأنّ الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المنذري وغيره : ليست هذه بعلة لأنه حافظ ثقة لا يضرّه التفرد.

7 ـ الباب نفسه.

قال البخاري : « حدثنا أبو نعيم حدثنا زكرياء عن عامر عن مسروق عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : فتلت لهدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، تعني القلائد قبل أن يحرم »(1) .

8 ـ باب القلائد من العهن.

قال البخاري : « حدثنا عمرو بن عليّ حدثنا معاذ حدثنا ابن عون عن القاسم عن أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) قالت : فتلت قلائدها من عهن كان عندي »(2) .

أقول : وقد أشار ابن حجر في فتح الباري إلى تفاوت رواية يحيى في الباب ، كما أشار إلى رواية مسلم للحديث عن ابن عون مثله وزاد : « فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله ، وهذه الزيادة كشفت لنا غمغمة الأحاديث السابقة في أقوال عائشة : وما حرم عليه شيء كان أحل له ، أو لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم ، أو فما حرم عليه شيء كان له حلّ ، أو قولها : فيقيم في أهله حلالاً ، أو ثمّ يمكث حلالاً »(3) .

وبعد هذا العرض نترك المقارنة لمن أحب ، ليعرف كيف التلاعب بألفاظ الحديث عند الرواة ، من دون حياء.

____________________

(1) صحيح البخاري 2 / 170ح 4 ط بولاق.

(2) صحيح البخاري 2 / 170 ط بولاق.

(3) فتح الباري 4 / 296.


والآن إلى :

نقاط على الحروف :

إذا ما رجعنا ثانية إلى الحديث وقرأناه قراءة ثانية ومتأنّية تساقطت من أجواء المسائل التالية :

1 ـ ما بال زياد يكتب إلى عائشة في ذلك؟ وكان الأحرى به وقد أصبح ابن أبي سفيان أن يكتب إلى أخته أم حبيبة؟ أليس كذلك؟ فهي أخته فيما يزعمون ، وهي من أمهات المؤمنين ، ولا يخفى عليها ذلك من فعل النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فإن لم تكن فتلت القلائد مرة ، فلا أقل أنها رأت أو سمعت من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في ذلك شيئاً. وهذه عاشت كثيراً من سنيّ ولاية زياد وأدرك هو حياتها فقد ماتت سنة 59 هـ كما في اسعاف المبطأ(1) .

2 ـ هل أنّ أحاديث عائشة كلها لواقعة واحدة ، فإن كانت فلماذا تفاوتت صورها وقد بلغت عند مسلم عشرة أحاديث ومرّت ثمانية منها عند البخاري؟ أو هي وقائع متعددة؟

فإن كانت كلّها لواقعة واحدة فلماذا اختلفت اختلافاً فاحشاً حتى في رواية الراوي الواحد عن عائشة وفي المصدر الواحد؟

فانظر روايات عمرة وعروة والقاسم والأسود ، وقارن بين رواياتهم على انفراد فضلاً عن مقارنتها بروايات بعضهم مع بعض؟ وإن كانت لوقائع متعددة فما بال عائشة وحدها تتولى فتل القلائد دون بقية الزوجات في جميع تلك السنين؟

____________________

(1) إسعاف المبطأ / 35.


على أنّه من المستبعد جداً أن لا يكون قد شاركتها مرة غيرَها في ذلك الفتل العظيم الّذي خصّت نفسها به.

وأبعد من ذلك كله عدم ورود حديث واحد عنهن يؤيد ذلك الإختصاص.

3 ـ ثمّ ما بالها لم تذكر ـ ولو لمرة واحدة ـ اسم الشخص الّذي كان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يرسل معه الهدي ، وما ذكرت غير أبيها؟ فهل يعني ذلك أنه وحده كان يتولى سياق الهدي كما كانت ابنته تتولى فتل القلائد في جميع سني الهجرة؟ وهذا ما يكذبه الوجدان ، لأنه لم يذهب إلى مكة أو إلى منى بعد الهجرة إلاّ وهو مع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سواء في عمرة القضاء أو في حجة الوداع ، وفي كلتيهما كان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) موجوداً يتولى هديه بنفسه.

ولو سلّمنا جدلاً زعم بعض علماء التبرير أنه كان ذلك في السنة التاسعة وهي سنة تبليغ براءة ـ بحجة ذهابه أميراً على الموسم ، فما بال الرواة وعلماء التبرير أبلسوا عن مصير الهدي عندما لحقه الإمام وأبلغه أمر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى المدينة ، كيف صار الهدي هل أرجعه معه؟ أو أخذه عليّ كما أخذ آيات براءة؟ أو أرسله أبو بكر مع آخرين غير عليّ؟ وهكذا استفهام بعد استفهام هذا كله إذا صدقت تلكم الأحلام.

ولكي يستبين زيف ذلك الزعم ، فلنقرأ في ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند : « قال عبد الله بن أحمد : حدثنا محمّد بن سليمان لوين ، حدثنا محمّد بن جابر عن سماك عن حنش عن عليّ قال : لما نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) دعا النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أبا بكر ، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ، ثمّ دعاني النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال لي : أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه


فاذهب به إلى مكة فاقرأه عليهم ، فلحقته بالجحفة ، فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فقال : يا رسول الله نزل فيَّ شيء؟ قال : لا. ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك »(1) .

ونعود إلى أوّل السؤال لو سلّمنا جدلاً ان أباها تولى كبر ذلك في السنة التاسعة ، فمن هم أولئك الذين تولوا المهمة في باقي السنوات؟ ولماذا لم تذكرهم؟ وهي لا تخلو أمّا أن تكون تعلمهم وكتمت أسماءهم لحاجة في نفسها ـ كما فعلت ذلك في حديث آخر وذلك في مرض النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فذكرت خروجه يتوكأ على رجلين الفضل بن العباس ورجل ، فسأل السامع ابن عباس فأخبره انه عليّ ، ولكن عائشة لا تطيب لها نفس أن تذكره ـ وهذا لا يليق بها.

وأمّا أن تكون لا تعلمهم وهو بعيد غايته ، كيف وابن عباس كان يعلم بعضاً منهم ، فيذكر ذويب الخزاعي منهم ، وناجية الأسلمي منهم(2) . وأعود إلى الأفغاني الّذي استدرجني إلى هذه الجولة لأقول له في الختام : أرأيت كيف كان ابن عباس أوعى وأذكى وأزكى في حديثه حين سمّى من عَرفهم ، وهو لم يفتل فتلاً ولا حبلاً (!!؟).

____________________

(1) زيادات المسند 1 / 322 برقم 1296.

(2) راجع المحلى لابن حزم 7 / 269 عن ابن عباس قال بعث رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مع فلان الأسلمي ثماني عشرة بدنة وفي سنن ابن ماجة 2 / 1036 برقم 3105 عن ابن عباس ان ذويباً الخزاعي حدث ان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يبعث معه بالبدن وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة سمي الأسلمي وهو ناجية ، وقال الترمذي : حديث ناجية حديث حسن صحيح. وفي المبسوط للسرخسي الحنفي 4 / 145 : ان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعث عام الحديبية الهدايا على يد ناجية بن جندب الأسلمي


وأمّا فتياه فقد كانت هي الفتيا الصحيحة ، ورأيه هو الصواب ، وهو على رأي الإمام ورأي عمر وأبنه وقيس بن سعد وهؤلاء من الصحابة بينهم خليفتان ، مضافاً إلى نفر من فقهاء التابعين كالنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرين.

وحسب ابن عباس انّه كان على رأي عليّ أمير المؤمنين الّذي هو مع الحقّ والحقّ معه كما قال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )(1) ولو بحثنا عن جذور المسألة تاريخياً لوجدناها من أيام كان ابن عباس بالمدينة قبل أن يخرج منها مع الإمام ( عليه السلام ) فكان يبعث هديه ويتجرّد كما كان يفعل ذلك الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أيضاً ، فقد روى الشيخ الطوسي في التهذيب بسنده عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( انّ ابن عباس ( رضي الله عنه ) وعليّاً ( عليه السلام ) كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان ، وإن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوماً معلوماً ، ثمّ يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم ، ويجتنبان كلّ ما يجتنب المحرم ، إلاّ أنّه لا يلبي إلاّ من كان حاجاً أو معتمراً )(2) . والحديث صحيح الإسناد(3) .

وقد استمر كذلك حتى في أيام ولايته على البصرة كما سيأتي مزيد بيان عن ذلك في تاريخ ولايته.

____________________

(1) تاريخ بغداد 14 / 321 بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً فقالت : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ، وهذا ما رواه سعد بن أبي وقاص أيضاً وقد قال سمعت في بيت ام سلمة ، فأرسل معاوية إلى أم سلمة فسألها فقالت قد قاله رسول الله في بيتي ، فقال معاوية لسعد : ما كنت عندي قط ألوم منك الآن فقال : ولم؟ قال : لو سمعت من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم أزل خادماً لعليّ حتى أموت. أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 236 ، ولم يسم معاوية بل كنى عنه بأحد وبالرجل.

(2) تهذيب الأحكام 5 / 424.

(3) كما في الجواهر 20 / 160 ط الآداب النجف.


وختاماً لحديثنا عن حوار ابن عباس مع عائشة وما جرنا إليه كلام الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة نودّع القارئ بما قاله الكاتب الإسلامي المعروف أبو الأعلى المودودي :

فلنقرأ ما يقول أبو الأعلى المودودي في محاضرته تدوين الدستور الإسلامي : « وإذا كان عند من يسوّغون تدخّل المرأة في شؤون السياسة والحكم دليل يؤيد نظريتهم ، فما هو إلاّ أنّ عائشة ( رضي الله عنها ) قد خرجت تطالب بدم عثمان ( رضي الله عنه ) وقاتلت عليّاً كرّم الله وجهه في وقعة الجمل.

إلاّ أنّ هذا الدليل قائم على أساس من الخطأ. وذلك أنّه ما دام هدى الله ورسوله واضحاً في المسألة ، لا يجوز أبداً أن يحتج فيها بعمل شخصي لأحد من الصحابة. ممّا يخالف هدى الله ورسوله باديء الرأي. إنّ سيَر الصحابة رضوان الله عليهم لا ريب هي مشاعل الهدى ومصابيح الدجى ، نستضيء بها في اتباع ما هدانا الله ورسوله إليه ، لا نتبع ما فرط منهم من الهفوات الشخصية معرضين عن الآيات الواضحة وهدى الرسول الثابت. ثمّ كيف يجوز لنا أن نتخذ الفعل الّذي قد خطّأه كبّار الصحابة في تلك الآونة والّذي ندمت عليه أم المؤمنين بنفسها فيما بعد دليلاً على إحداث بدعة في الإسلام.

فهذه أم المؤمنين أم سلمة ( رضي الله عنها ) لمّا بلغها إقدام عائشة ( رضي الله عنها ) على ذلك الأمر ، كتبت اليها كتاباً قد نقله بتمامه ابن قتيبة في الإمامة والسياسة وابن عبد ربه في العقد الفريد فانظر فيه ما أشد الكلمات الّتي تعظ بها أم سلمة ( رضي الله عنها ) : « قد جمع القرآن الكريم ذيلك فلا تندحيه أقد نسيتِ أن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد نهاكِ عن الافراط في الدين وما كنتِ قائلة لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لو عارضكِ بأطراف الجبال والفلوات على قَعود من الإبل من منهل إلى منهل ».


ثمّ اذكروا قول عبد الله بن عمر : ( رضي الله عنه ) « بيت عائشة خير من هودجها ».

واقرأوا قول أبي بكرة هذا في صحيح البخاري : « ما نجوت من فتنة وقعة الجمل إلاّ لما تذكرت من قول رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ».

ومن كان يا ترى أعلم بالشرع من عليّ ( رضي الله عنه ) في ذلك الزمن فقد كتب إلى أم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) بصراحة : « إنّ ما أقدمتِ عليه يتعدى حدود الشريعة » ، ولم يسع أم المؤمنين على فرط ذكائها وكمال فقاهتها أن تجيبه على ذلك بدليل. كانت كلمات عليّ ( رضي الله عنه ) في كتابه : « أمّا بعد فانك خرجت غاضبة(1) لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ، ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس؟ تطلبين بدم عثمان ولعمري لمن عرّضك للبلاء وحملك على المعصية أعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان؟ ».

أُنظر كيف يعدّ عليّ ( رضي الله عنه ) ما أتت به أم المؤمنين مخالفاً للشرع ، ولكنها ما وسعها إلاّ أن تجيبه قائلة : « جلّ الأمر عن العتاب والسلام ».

ثمّ لمّا انتهت وقعة الجمل ودخل عليّ ( رضي الله عنه ) على أم المؤمنين قال لها : « يا صاحبة الهودج : قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك ثمّ خرجت تقاتلين؟ » فكذلك لم تستطع حينئذٍ أن ترد عليه قائلة : « إنّ الله لم يأمرنا معشر النساء بالقعود في البيت ، وإنّ لنا حقاً في معالجة السياسة والحرب ».

ثمّ قد تحقق أيضاً انّ أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) ما زالت في آخر الأمر نادمة على فعلها ، فروى العلاّمة ابن عبد البر في الإستيعاب : « انّ أم المؤمنين شكت إلى عبد

____________________

(1) الصواب ( عاصية ) كما هو في النهج وغيره ، وأرجو أن لا يكون ذلك من التصحيف المتعمد بل من غلط الطبع. ولو صح ما في المتن كان ذلك مدحاً لها كيف والكتاب في معرض التوبيخ والذم فلاحظ.


الله بن عمر ( رضي الله عنه ) فقالت : ما لك يا أبا عبد الرحمن لم تنهني عن الخروج؟ فقال ابن عمر : رأيت أن رجلاً قد غلب على أمركِ ولم أركِ تخالفينه ، فقالت : لو نهيتني لم أخرج. فأي حجة يا ترى بعد هذا كلّه في عمل عائشة ( رضي الله عنها ) يحتج بها ذو علم »(1) .

أقول : فلا بدع ولا مؤاخذة لو قال الشيخ الطوسي في كتابه الاقتصاد : « وأمّا إصرار عائشة فكتاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وما روي من المحاورة بين عبد الله بن العباس وبينها وامتناعها من تسميته بأمير المؤمنين دليل واضح على الإصرار »(2) .

وقال أيضاً : « وروي عن ابن عباس انّه قال لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أبت عائشة الرجوع إلى المدينة : دعها في البصرة ولا ترحلها ، فقال ( عليه السلام ) : لا تألوا شراً ولكني أردها إلى بيتها »(3) .

____________________

(1) طبعت في ( نحو الدستور الإسلامي ) لجنة الشباب المسلم ط القاهرة سنة 1373 / 120 ـ 124 وضمن : نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور ، دار الفكر بدمشق الطبعة الأولى سنة 1384 ـ 1964.

(2) الاقتصاد / 228 تح ـ الشيخ حسن سعيد ط سنة 1400.

(3) نفس المصدر / 229.


فهرس الجزء الثالث

تقديم 7

في عهد أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) قبل ولايته على البصرة 13

رحلة العودة إلى المدينة : 15

مبايعة المسلمين للإمام : 16

موقف الإمام مع المتخلفين : 27

حبر الأمة عند الإمام في مشورة المغيرة : 30

تولية الإمام عمّاله على البلاد : 45

ابن عباس مشيراً وقائداً ووزيراً في حكومة الإمام : 50

قراءة في التاريخ : 52

نـُذُر الشر في بوادر الخلاف : 69

المحرّضون على عثمان هم قتلته : 72

وقفة عابرة : 83

تآمر الناكثين مع الحاقدين : 86

أم سلمة من الناصحين : 94

استنكار البصريين على الناكثين : 101

مغالطة عائشة لنفسها : 102

الإمام مع مستشاريه في المدينة : 106

في الربذة : 109

ماذا عن سفارة ابن عباس إلى الكوفة؟ 113

مع الأشعري في الكوفة : 120

في ذي قار : 121


إلى البصرة : 126

سفارات إبن عباس لحقن الدماء : 129

مع طلحة : 129

مع عائشة : 131

مع الزبير وابنه : 132

وقامت الحرب على ساق : 144

شوقي وحرب الجمل : 149

مقتل الزبير : 151

مقتل طلحة : 156

أم المؤمنين تقود المعركة : 159

جانب من عملياتها القيادية : 162

اعقروا الجمل : 165

موقف الإمام مع صاحبة الهودج : 166

من فمك أدينك : 170

لقد وضعت الحرب أوزارها : 179

تطواف في المعركة : 182

شفيع القرشيين ابن عباس : 184

شفعاء مروان لدى الإمام : 185

حوار الإمام مع القرشيين : 187

نماذج من الخداع والتضليل في حرب الجمل : 188

من الأولين : 188

ومن النماذج المضللة : 192

ومن النماذج المضللة في المقام : 194

ومن النماذج المضلّلة : 195

خطبة الإمام : 198


أمر تسيير عائشة إلى المدينة : 200

ماذا عن نص المحاورة؟ 203

نص المحاورة في مصادر القرن الثالث : 209

نص المحاورة في مصادر القرن الرابع : 213

نص المحاورة في مصادر القرن الخامس : 225

نص المحاورة في مصادر القرن السادس : 225

نص المحاورة في مصادر القرن السابع : 229

نص المحاورة في مصادر القرن التاسع : 232

فنادى ابن عباس؟ 233

وقفة مع الأفغاني للحساب : 237

مواقف عائشة المتشنجة مع أهل البيت : 249

1 ـ فمع عليّ : 249

2 ـ ومع الحسنين : 252

3 ـ ثمّ مع ابن عباس : 254

حديث واحد خير شاهد : 261

ماذا قال علماء التبرير؟ 264

ماذا وراء الأكمة من غمّة؟ 269

نور على الدرب : 272

نقاط على الحروف : 276

فهرس الجزء الثالث 283