موسوعة عبد الله بن عبّاس- الجزء 4
التجميع متون حديثية
الکاتب السيد حسن الموسوي الخرسان
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404







تقديم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن الصحابة المرضيين المهتدين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين ، وبعد :

فقد سايرنا في الأجزاء الثلاثة من الحلقة الاُولى من موسوعة (عبد الله بن عباس حبر الاُمة وترجمان القرآن) ، شطراً كبيراً من حياته ، وقرأنا شيئاً كثيراً من صفاته وسماته ، والآن نحن على أبواب عهد جديد من فصول سيرته ، نبدأ الحديث فيه من ولايته على البصرة بعد انتهاء مأساتها ، إذ وضعت الحرب أوزارها ، وكانت أوّل حرب ضروس بين أهل القبلة ، وقد قرأنا كيف كانت سيرة الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) مع أولئك المحاربين ، ولولا تلك السيرة المثلى ، لما عرف الفقهاء أحكام المحاربين من أهل القبلة ، إذ يقتل المقاتلة ، ولا تُسبى النساء ولا الذراري ، وليس من غنائم إلاّ ما حوته حومة الحرب ، ثمّ الناس آمنون ، كما مرّت الإشارة إلى ذلك.


ولمّا كان الإمام (عليه السلام) من عزمه الرحيل عن البصرة وقاصداً إلى الكوفة ، فلابدّ له من تعيين والي عليها من أصحاب الكفاءات ، مثل باقي ولاته ، لينعم المسلمون وغيرهم من أهل البصرة في ظل ولايته بالأمن والطمأنينة والرخاء.

وكان المرشح الأوّل والأمثل هو عبد الله بن عباس رحمه الله.

فلنقرأ ماذا عن ولايته على البصرة ، إذ هي الثغر الّذي تتبعه ولايات كور فارس والأهواز شمالاً ، وولايات الساحل العربي حت الزارة وخليج عُمان وما بعدها شرقاً ، سوى ما في الجنوب من قبائل في البوادي حتي نجد ـ وما والاهاز فهي ـ البصرة ـ صنو الكوفة أهمية ، وهما معاً العرفان النابضان في حياة الخلافة الإسلامية ، لأهميتهما موقعاً حيث الشرف الإسلامي بجميع ولاياته وأمصاره تابع لهما.

فالآن إلى قراءة تاريخ ابن عباس في أيام ولايته على البصرة :


حبر الأمة وولايته على البصرة



ولايته على البصرة :

قبل التحدّث عن تلك الولاية ، لابدّ لنا أن نتعرف ـ ولو بايجاز ـ جوانب تلك الولاية ، بدءاً من بلد الولاية من خلال معرفة طبيعته الجغرافية والسكّانية وسعتها الإدارية ، ثمّ معرفة مهمة الوالي من خلال واجباته ومدى صلاحياته. وأخيراً : لماذا تم إختيار ابن عباس بالذات دون غيره؟ وهذه المحاور الثلاثة سوف تعرّفنا البصرة بنية وملامح وحدوداً ، كما تعرّفنا أهميّة اختيار الإمام الشخص المناسب في الموقع المناسب في الظرف المناسب.

والآن فإلى :

المحور الأوّل :

وهو معرفة طبيعة البصرة من خلال موقعها الجغرافي ، ومن خلال التركيبة السكانية فيها ، وبالتالي معرفة سعتها الإدارية.

أمّا عن موقعها الجغرافي فهي تقع موقعاً وسطاً تلتقي عنده الطرق البرية والبحرية الّتي تربط الحجاز جنوباً ببلاد الخليج شرقاً وحتى بلاد خراسان وما والاها. كما تتصل من خلال تلك الطرق بالكوفة شمالاً وبالشام غرباً ، وذلك الموقع هيأ لها جوّ التلاقح الفكري بين مختلف الأجناس الّتي كانت فيها أو الّتي تمرّ بها.


وأمّا عن التركيبة السكانية فيها ، فقد كانت خليطاً من العرب والأنباط والفرس ـ وقد عرفوا بالأساورة ـ والهنود والزنج والزطّ ـ وهم من الهند أو السند ومن فصيلتهم السبابجة ـ الذين كانوا يتولون حراسة السجون وبيت المال. وقد قتل منهم أربعمائة ظلماً وعدواناً ، قتلهم جيش الناكثين بقيادة عائشة وطلحة والزبير ، وذلك يوم الجمل الأصغر.

ثمّ إنّ العرب أنفسهم كانوا قبائل مختلفة متفاوتة في الطباع ، ففيهم الحملان وداعة ، ومنهم القساة الجفاة كالضباع والسباع.

فبلد تمازجت فيه حضارات مدنية أعجمية قبل دخول حضارة الإسلام العربية ، لابدّ أن تتصادم فيه الرغبات والميول وتتعدد فيه المناحي حسب الأهواء ، ولو رجعنا إلى ما ذكره الجغرافيون والمؤرخون من خطط سكانية في تلك الأيام ، لوجدنا بعض الخطط تضم قبائل مضرية وأخرى ربعية وثالثة قحطانية ، ومع كلٍ خليط من غير العرب كالموالي يشاركون في العمل والسكن كما يشاركون في الجهاد وأخذ العطاء. ولم يعرف خلافٌ أوقع شرخاً كبيراً بين القبائل العربية كما أوقعته حرب الجمل ، فقد كانت لها مخلفات مريعة وفظيعة ، فعاشت البصرة بعد يوم الجمل في جوّ قلق واضطراب. ولم لا تكون كذلك وهي تعيش مخلّفات حرب ظالمة أودت بحياة اكثر من عشرين الف قتيل في يوم واحد!

إذن ليس من السهل ولا بالمستطاع لأيّ والٍ أن يمحو أثر ذلك من النفوس بجرّة من القلم ، لتستقر له البلاد بين عشية وضحاها. ومهما تمكّن من محو الفوارق الجنسية ، فلن يتمكن من توحيد الأهواء النفسية. لذلك فلا مناص من


مواجهة صعوبات في الاستقرار السياسي خاصة ، مضافاً إلى النوازع العصبية الداخلية كالنفرة بين المضرية والرَبعيَة والقحطانية ، وهذه كلها عوامل مثيرة للقلق في الحياة الإجتماعية.

وأمّا عن سعتها الإدارية ، فحسبك أن تعرف أنّ الأقطار الشرقية التابعة لها تبدأ من كور الأهواز وتنتهي حيث وصل الفتح الإسلامي في بلاد خراسان وما والاها. وتشمل كثيراً من بلاد فارس ما بين العراقين. مضافاً إلى المقاطعات التابعة لها في العراق.

وإلى القارئ كشفاً بأسماء تلك البلدان التابعة في حكومتها إلى إيالة البصرة :

1 ـ كور دجلة ـ ويشتمل هذا القطر على المقاطعات التالية ـ : الأبّلة ـ فرات البصرة ـ ميسان.

2 ـ الأهواز ـ ويشتمل هذا القطر على : مناذر ـ سرّق ـ الأهواز ـ السوس ـ جنديسابور ـ رامهرمز.

3 ـ فارس ـ ويشتمل هذا القطر على : أرد شيرخرّة ـ سابور ـ اصطخر ـ دارا بجرد ـ توج ـ فساو دارا بجرد.

4 ـ سجستان ـ بما يشتمل عليه القطر من توابع وقصبات.

5 ـ كرمان ـ كسابقه.

6 ـ ثغر الهند ـ وما فيه من بلاد افتتحها المسلمون.

7 ـ اصفهان ـ وما يتبعها من القصبات.


8 ـ خراسان ـ ويشتمل قطرها على : مرو ـ أبرشهر ـ مرو الروذ ـ الطالقان ـ فارياب ـ هراة ـ بادغيس ـ جوشنج.

9 ـ البحرين وملحقاتها من الجزر.

10 ـ اليمامة وما يتبعها من منازل الأعراب(1) .

كلّ هذه المقاطعات بما فيها من بلدان وقصبات ومنازل البادية كلها تابعة لولاية البصرة ، يراجع ولاتها وحكامها والي البصرة ، وإليه يحملون ما يجتمع عندهم من الخراج ، وهو الّذي يتولى نصب وعزل الأمراء فيها ، وله حق النظر في أعمالهم ومحاسبتهم. هذا كله من جهة سعتها الإدارية ، أمّا عن شؤون البلاد الداخلية فهذا ما نقرؤه في :

المحور الثاني :

وللتعرف على شؤون البلاد الداخلية علينا أن نعرف واجبات الوالي ومدى صلاحياته ، فإنّ تلك الشؤون داخلة فيها. وهذا يتم من خلال الإلمام بالنقطة التالية لمعنى الإمارة :

قال الماوردي الشافعي في الأحكام السلطانية : « وإذا قلد الخليفة أميراً على أقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين : عامة وخاصة ، فأمّا العامة فعلى ضربين : إمارة استكفاء بعقد عن اختيار ، وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار ، فأمّا إمارة الإستكفاء الّتي تنعقد عن اختياره فتشتمل على عمل محدود ونظر معهود ، والتقليد فيها أن يفوّض إليه الخليفة إمارة بلد أو أقليم ولاية على جميع أهله

____________

(1) فارسي نامه ناصري / 6 ط ايران ، التنظيمات الإجتماعية والإقتصادية في البصرة للدكتور صالح أحمد العلي ّ / 300 ـ 309 ط المعارف بغداد سنة 1953.


ونظراً في المعهود من سائر أعماله فيصير عام النظر فيما كان محدوداً من عمل ومعهوداً من نظر ، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور :

أحدها : النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم إلاّ أن يكون الخليفة قدّرها فيذرها عليهم.

والثاني : النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام.

والثالث : جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما ، وتفريق ما استحق منهما.

والرابع : حماية الدين والذبّ عن الحريم ، ومراعات الدين من تغيير أو تبديل.

والخامس : إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين.

والسادس : الإمامة في الجمع والجماعات حتى يؤمّ بها أو يستخلف عليها.

والسابع : تسيير الحجيج من عمله ومن سلكه من غير أهله ، حتى يتوجهوا معانين عليه. فإن كان هذا الأقليم ثغراً متاخماً للعدو اقترن بها.

والثامن : وهو جهاد من يليه من الأعداء وقسّم غنائمهم في المقاتلة وأخذ خمسها لأهل الخمس. وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض »(1) .

« وتلك الشروط هي شروط الإمامة إلاّ النسب وحده ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكّل إليه من أمري الحرب والخراج له خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما »(2) .

____________

(1) الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي / 27 ـ 28 ط المحمودية بمصر بلد ـ ، وقارن الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي / 17 ـ 18 تح ـ حامد الفقي.

(2) نفس المصدر / 20.


وستأتي شواهد على ما قام به ابن عباس أيام إمارته بالبصرة في مهام الأعمال كتولية القضاء وديوان الخراج وبيت المال وشؤون الأمن إلى غير ذلك ممّا سيوافينا الحديث عنها فيما نقرأ من تاريخ حياته في أيام ولايته.

المحور الثالث :

لماذا تم اختيار ابن عباس بالذات دون غيره؟ وهل أثار النقمة؟

والجواب على السؤال الأوّل : هو أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما في حديث ابن عباس قال : (من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أنّ فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين)(1) .

وهذا الحديث يجعلنا على يقين بأنّ الإمام لم يجاوزه في اختيار ولاته وعماله فهو الّذي كان على وتيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في اتباع سنته.

وأمّا الجواب على السؤال الثاني : هو أنّ مسألة اختيار الولاة منذ عهد عثمان كانت تعيش في أذهان المسلمين عقدة مستعصية ولدت النقد له والنقمة عليه ، إذ كانت وقفاً على الأقرباء والأنسباء ، ولم تزل بعدُ نفوس المسلمين في تخوّف من أن تعود الكرّة في عهد الإمام كما كانت في عهد عثمان.

ولا شك أنّ الإمام كان يدرك ما في نفوس المسلمين من تخوّف ، ولمّا كان بصيراً بأصحابه الذين لهم قابليات الولاية حسب الكفاءة والمؤهلات ، فهو سيختار منهم مَن لا تأخذه في تعيينه لومة لائم ، فذلك هو الإجراء الملائم

____________

(1) أنظر تفسير المنار 5 / 215 ـ 216 باختصار نقلاً عن صحيح مسلم وأبي داود.


وسلوكية الإمام وسياسته. ولو استعرضنا الذين ولاّهم بالمدينة إبّان حكمه ، لوجدنا الأبعدين منهم أكثر من الأقربين وأنه لم يكن ليولي ذوي الأرحام على حساب القربى وهو يعلم نقمة المسلمين.

ولو عدنا نستذكر حديث أوّل والٍ أراده ولم يتمّ له الأمر ، لوجدناه أراد تولية عبد الله بن عباس على الشام ، ومعلوم أن ابن عباس هو ابن عمه ، ونسخة مصغرة عنه ـ لو صح التعبير ـ فلنقرأ ما رواه الطبري في ذلك في حديث مشورة المغيرة وابن عباس وقد مرّ ، وقد جاء فيه : « فقال لابن عباس : سر إلى الشام فقد وليتكها ، فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام ، ولست آمن من أن يضرب عنقي ، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم عليّ. فقال عليّ : ولم؟ قال : لقرابة ما بيني وبينك ، وان كلّ ما حُمل عليك حُمل عليّ ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعِده ، فأبى عليّ وقال : والله لا كان هذا أبداً »(1) .

إذن كلّ ما حُمل على الإمام حُمل على ابن عباس ، للقرابة الّتي بينهما. ومن الطبيعي هكذا محاولة لا تثير لغطاً ولا تساؤلاً أو نقمة بين المسلمين ، لأنها حديث خاص بين الإمام وبين ابن عمه ، ولم يتسرب إلى الخارج إلاّ بعد حين ، فهم لم يعلموا به في حينه لنعرف مدى تأثيره في مجتمعهم.

لكن الّذي لا شك فيه أنّهم علموا بأسماء الولاة الذين أرسلهم إلى الأقطار بعد تولّيه الحكم ، وهم على ما في الطبري من حديث سيف (؟) في حوادث سنة36 هـ : « بعث عليّ عمّاله على الأمصار فبعث عثمان بن حنيف على البصرة ،

____________

(1) تاريخ الطبري 4 / 440 ، وطبقات ابن سعد 1 / 173 تح ـ السُلمي.


وعمارة بن شهاب على الكوفة وكانت له هجرة ، وعبيد الله بن عباس على اليمن ، وقيس بن سعد على مصر وسهل بن حنيف على الشام وقد عاد إثنان منهم سهل بن حنيف وعمارة بن شهاب لمقاومة ردّتهما »(1) .

فهذه أسماء خمسة من العمال لم يكن بينهم هاشمي من ذوي القربى إلاّ عبيد الله بن عباس ، فهو واحد من خمسة ، وهذا لا يثير تساؤلاً فضلاً عن نقمته. ثمّ ذكر الطبري من حديث الزهري : « فبلغ عليّاً مسيرهم ـ يعني الناكثين ـ فأمّر على المدينة سهل بن حنيف »(2) .

وذكر ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة قثم : « ولمّا ولي عليّ بن أبي طالب الخلافة استعمل قثم بن العباس على مكة فلم يزل عليها حتى قتل عليّ قاله خليفة. وقال الزبير : استعمله عليّ على المدينة »(3) .

وأحسب أنّ قول خليفة هو الأصح لأنّا وجدنا في نهج البلاغة كتابين ذكرهما الشريف الرضي بعنوان الأوّل : ومن كتاب إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة ، أقول : وفي هذا الكتاب يحذّره من جواسيس معاوية في عمله(4) . والثاني : من كتاب إلى قثم بن العباس وهو عامله بمكة ، أقول : وفيه يأمره بإقامة الحج وينهاه عن الاحتجاب ، ويحظر على أهل مكة أخذ أجرة للسكنى من الحجاج(5) .

____________

(1) نفس المصدر / 442.

(2) نفس المصدر / 452.

(3) اُسد الغابة 3 / 197 ط افست إسلامية.

(4) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 3 / 65.

(5) نفس المصدر / 140.


فهذان الكتابان خير دليل على خطأ الزبير بن بكار في زعمه تولية قثم على المدينة. نعم ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة فقال : « واستخلف على المدينة قثم بن العباس ـ وكان له فضل وعلم ـ وأمره أن يشخص إليه من أحبّ الشخوص ولا يحمل أحداً على ما يكره »(1) . فلعل هذا الاستخلاف في فترة معينة لأمر معيّن ، تخيّله الزبير ـ بن بكار ـ ولاية عامة ، مع أنّ الثابت ان الوالي كان سهل بن حنيف ، ويؤكد ذلك ما جرى للناكثين بالبصرة مع أخيه عثمان بن حنيف حين أرادوا قتله قال لهم : ما شئتم ، أمّا أنّ سهل بن حنيف وال على المدينة وإن قتلتموني انتصر(2) .

والآن وبعد تولية قثم على مكة أصبح اثنان من ذوي القربى وليا لابن عمهما مكة واليمن ، ولم نسمع نفثة سخط ولا تأفف ناقم لولايتهما(3) ، ولكن سنفاجيء القارئ برواية مجهولة الراوي تجعل من ولاية عبد الله بن عباس مثار نقمة وسخط ، وإثارة لغط استطال لسانه قائلاً : لماذا قتلنا الشيخ بالأمس. وتجعل

____________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 50.

(2) نفس المصدر / 474.

(3) نسب الصولي شعراًً للمأمون العباسي ذكره في حديثه مع الراضي بالله العباسي ، بيّن فيه سبب إحسان المأمون إلى العلوية وهو قوله :

ألام على شكر الوصِيّ أبي الحسن

وذلك عندي من عجائب ذا الزمَن

خليفة خير الناس والأوّل الذي

أعان رسول الله في السرّ والعلَن

ولولاه ما عُدّت لهاشَم إمرة

وكانت على الأيام تُقصى وتُمتَهن

فولى بني العباس ما اختصّ غيرهم

ومن منه أولى بالتكرّم والمنن

فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى

وفاض عبيد الله جوداً على اليَمن

وقسّم اعمال الخلافة بينَهم

فلا زلت مربوطاًً بذا الشكر مُرتَهن

مروج الذهب 4 / 334 تح ـ محي الدين ط التجارية سنة 377 هـ.


الأشتر رفيق عبد الله بن عباس في درب الكفاح والسلاح وكأنّه هو الناقم والساخط ، وتجعل الإمام في موقف استلطاف لامتصاص النقمة ، فلابدّ لنا من وقفة تنقيب عن صحة الراوية.

لماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟

ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج في ترجمة مالك الأشتر فقال : « وكان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصره ، وقال فيه بعد موته : رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ولمّا قنت عليّ (عليه السلام) على خمسة ولعنهم وهم معاوية وعمرو بن العاص وأبو الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطاة ، قنت معاوية على خمسة وهم عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) وعبد الله ابن العباس والأشتر ولعنهم.

وقد روي أنّه قال ـ لمّا ولّى عليّ (عليه السلام) بني العباس على الحجاز واليمن والعراق ـ : فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟ وأنّ عليّاً (عليه السلام) لمّا بلغته هذه الكلمة أحضره ولاطفه واعتذر إليه وقال له : فهل وليتُ حسناً أو حسيناً أو أحداً من ولد جعفر أخي أو عقيلاً أو واحداً من ولده ، وإنّما وليت ولد عمي العباس لأنّي سمعت العباس يطلب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمارة مراراً فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : ياعم إنّ الإمارة إن طلبتها وُكلتَ إليها ، وإن طلبتك اُعنتَ عليها ، ورأيت بنيه في أيام عمر وعثمان يجدون في أنفسهم إن ولّي غيرهم من أبناء الطلقاء ولم يول أحداً منهم ، فأحببت أن أصل رحمهم وأزيل ما كان في أنفسهم ، وبعد


فإن علمتَ أحداً هو خير من أبناء الطلقاء فأتني به ، فخرج الأشتر وقد زال ما في نفسه اهـ »(1) .

هذه هي الرواية المجهولة الهوية راوياً ومصدراً من قبل ابن أبي الحديد ، ولم أقف عليها عند المؤرخين قبله بهذا اللفظ ، وصار هو المصدر لمن رواها بعده ، كالمجلسي في البحار(2) ؟ ولم يعقّب على الرواية بشيء ، مع أنّها تستبطن بطلانها ـ فيما أرى ـ بأدنى التفات ومن دون عناء كبير ، وذلك في مساواة الإمام بين بني العباس من ولاته وبين أبناء الطلقاء ، فقد ورد وصفهم بذلك مرتين ، مع أن لفظ الطلقاء إنّما أطلقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم فتح مكة على مشركي قريش حين قال لهم منّاً منه عليهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وكان عمه العباس ممّن هاجر إليه قبل الفتح فلقيه بالسقيا أو بالجحفة ثمّ عاد معه ، فهو ليس من هؤلاء الطلقاء قطعاً وباتفاق المؤرخين ، فكيف نصدّق الرواية في وصف الإمام لبني عمّه بالطلقاء؟

نعم إذا أخذنا معنى الطلقاء بمفهومه العام كما فسّره ابن أبي الحديد في شرح النهج في شرح قول الإمام (عليه السلام) في كتابه إلى معاوية : (ولا المهاجر كالطليق) حيث قال : « فإن قلت فهل معاوية من الطلقاء؟ قلت نعم ، كلّ من دخل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكة عنوة بالسيف فملكه ثمّ منّ عليه عن إسلام او غير إسلام فهو من الطلقاء ممّن لم يسلم كصفوان بن أمية ومن أسلم كمعاوية بن أبي سفيان ، وكذلك كلّ من أسر في حرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ امتنّ عليه بفداء أو بغير فداء فهو طليق فمن امتن عليه بفداء كسهيل بن عمرو ،

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 416 ط مصر الاُولى.

(2) بحار الأنوار 9 / 727 ط تبريز.


وممّن امتنّ عليه بغير فداء أبو عزة الجمحي وممّن امتن عليه معاوضة أي اطلق لأنّه بأزاء أسير من المسلمين عمرو بن أبي سفيان بن حرب كلّ هؤلاء معدودون من الطلقاء اهـ »(1) .

فعلى ما ذهب إليه المعتزلي يمكن عدّ العباس من الطلقاء باعتبار أسره في حرب بدر هو وعقيل ونوفل بن الحارث وحليف لهم وقد أمره رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن يفدي نفسه وهؤلاء ففداهم.

لكن لم نسمع ولم نقرأ أنّ أحداً زعم أنّ عقيلاً من الطلقاء أو نوفلاً منهم ، وهذا يكشف أنّ يد السياسة لعبت دوراً في دمغ أبناء العباس بأنّهم من أبناء الطلقاء. هذا أوّلاً.

وثانياً : سيأتي في مكاتبات جرت بين ابن عباس ومعاوية في صفين ومحاورات بعدها في أيام تولي معاوية للسلطة ، دمغ معاوية بوصفه من الطلقاء وأبناء الطلقاء ولم يردّ معاوية في شيء منهما الحجر على ابن عباس بأنّك أيضاً من أبناء الطلقاء.

وثالثاً : هل كان الإمام ملزماً بتولية أبناء الطلقاء فقط دون غيرهم من الأكفاء من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، حتى يقول للأشتر فإن علمتَ أحداً هو خير من أبناء الطلقاء منهم فإتني به (؟؟).

ورابعاً : نعود إلى الدلالة اللفظية في كلمة (والعراق) فهل كانت ولاية البصرة هي ولاية كلّ العراق؟

ثمّ في قول مالك : « فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس » هل أن مالكاً كان من قتلة عثمان؟ فهو كيف يعترف الآن بذلك بعد أن كان بالأمس يدين الناكثين بدمه؟

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 422.


ولو سلّمنا أنّه كان مع الثوار وممّن أجلب على عثمان ، فهل صار الآن يسمّيه بالشيخ؟ وهو تعبير محفوف بالاحترام ـ بعد أن كانت تسمية الثوّار له بنعثل!

إنّها تناقضات تنفي الركون إلى الرواية جملة وتفصيلاً.

ومن الغريب أن أقرّ بعض المحدثين في كتاباتهم عن مالك فذكر المقولة وكأنّها ثابتة ثمّ صار إلى انتزاع العذر له بوجه وآخر ، مع أنّه لا يخفى خبث الراوي المجهول حين ضرب بحجر واحد ثلاثة حقول عصافير! فقائد كالأشتر ناقم على إمامه تولية ابن عمه ، وإمام يعتذر منه ويتلطف معه ، ووالٍ كابن عباس صار من أبناء الطلقاء بشهادة ابن عمه؟ فماذا يريد زعانفة الأمويين بعد هذا؟

نعم ليس من دخان إلاّ ووراءه نار ـ كما يقولون ـ وأحسب أنّ منشأ انتزاع ما ذكره ابن أبي الحديد هو ما أخرجه ابن سعد في الطبقات ، قال ـ ابن سعد ـ : « أخبرنا أبو عبيد عن مجالد عن الشعبي وغيره قال : أقام عليّ بعد وقعة الجمل بالبصرة خمسين ليلة ، ثمّ أقبل إلى الكوفة واستخلف عبد الله بن عباس على البصرة ، ووجّه الأشتر على مقدمته إلى الكوفة ، فلحقه رجل. فقال : من استخلف أمير المؤمنين على البصرة؟ قال : عبد الله بن عباس ، قال : ففيم قتلنا الشيخ بالمدينة أمس ، قال : فلم يزل ابن عباس على البصرة

وقد علّق السُلمي على الخبر فقال : إسناده ضعيف. مجالد بن سعيد ليس بالقوي الشعبي ثقة مشهور »(1) .

____________

(1) طبقات ابن سعد 1 / 175 تح ـ د. محمّد صادق السٌلمي.


أقول : فإن كان مجالد بن سعيد ليس بالقوي ـ فيما يرى ـ فانّ الشعبي ـ فيما أرى ـ ناصبي كذاب تالف ، ولا أتجنّ عليه في تكذيبه فإنّه قال : « من زعم أنّه شهد الجمل من أهل بدر إلاّ أربعة فكذّبه ، كان عليّ وعمّار في ناحية وطلحة والزبير في ناحية »(1) مع أنّه قد روى الذهبي وغيره قول المطلّب بن زياد عن السُدي : « شهد مع عليّ يوم الجمل مائة وثلاثون بدرياً وسبعمائة من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) »(2) فمن هو الكذّاب الأشر؟!

ومع ذلك فلم يروَ لنا اعتذار الإمام وملاطفته وما جرى بينه وبين الأشتر من كلام كما مر عن ابن أبي الحديد في الرواية المجهولة الهويّة!!

وذكرها الطبري في تاريخه في خبر عن كليب الجرمي قال فيه : « واستعمل ـ عليّ ـ عبد الله بن عباس وهو يريد أن يقيم حتى يُحكم أمرها ، فأمرني الأشتر أن اشتري له أثمن بعير بالبصرة ففعلت فقال إئت به عائشة واقرئها مني السلام ففعلت فدعت عليه وقالت : اردده عليه ، فأبلغته فقال : تلومني عائشة ان أفلتّ ابن اختها. وأتاه الخبر باستعمال عليّ ابن عباس فغضب وقال : على ما قتلنا الشيخ إذاً ، اليمن لعبيد الله ، والحجاز لقثم ، والبصرة لعبد الله ، والكوفة لعليّ ، ثمّ دعا بدابته فركب راجعاً ، وبلغ ذلك عليّاً فنادى الرحيل ، ثمّ أجدّ السير فلحق به ، فلم يُره أنّه قد بلغه عنه ، وقال : ما هذا السير سبقتنا ، وخشي إن تُرك والخروج أن يوقع في أنفس الناس شراً »(3) .

____________

(1) العقد الفريد 4 / 328.

(2) سير أعلام النبلاء 2 / 639 ط دار الفكر.

(3) تاريخ الطبري 5 / 194 ط الحسينية.


وهذا الّذي ذكره الطبري مضافاً إلى جهالة (شيوخ) في اسناده(1) ، فهو لا يلائم ما ذكره ابن أبي الحديد ، كما لا يتفق وما رواه ابن سعد. ففي رواية ابن أبي الحديد : « أحضره الإمام ولاطفه الخ » ، وفي رواية ابن سعد : « ليس من ذلك شيء ، بل أنّ الأشتر كان خرج على مقدمة الإمام وبأمر منه فبلغه خبر تولية ابن عباس فقال ما قال » ، وفي رواية الطبري : « كان الأشتر بعد حاضراً في البصرة فلمّا بلغه خبر التولية خرج مغاضباً فأدركه الإمام ».

وهكذا نجد خبر المغاضبة مهلهلاً سنداً ومتناً ، ولعل من أفظع ما قرأت عن الأشتر ما رواه عمر بن شبة في كتابه تاريخ المدينة قال : « حدّثنا معمر بن بكار ابن معمر قال حدّثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان قال : جاءت امرأة الأشتر إلى عليّ (رضي الله عنه) فقالت : يا أمير المؤمنين سمعت من عدو الله مقالة ما وسعني القيام معه عليها.

قال : وماذا سمعتِ؟ قالت سمعته يقول : قتلنا بالأمس خير خلق الله واستعملنا شر خلق الله ، يعنيك يا أمير المؤمنين. قال : فلم يزل في نفسي عليه حتى هاج هيج مصر ، فقال عليّ (رضي الله عنه) : من لها؟ واستشار ابن عباس (رضي الله عنه) فقال : الأشتر ، وكيف به مع ما قد كان.

قال احمل العبد على الفرس ، فإن هلك هلك ، وإن ملك ملك.

قال : فبعثه على ذلك ، فلمّا أتاه مصابه قال : بالانف لا بالفم »(2) .

فهذا الخبر مضافاً إلى وجود مجهول مثل معمر بن بكار ، ومطعون فيه كإبراهيم بن سعد الّذي كان مغنّياً ومولَعاً به فليم في ذلك فانزعج على المحدثين

____________

(1) نفس المصدر / 192 في أوّل الخبر.

(2) تاريخ المدينة 2 / 1236 تح ـ فهيم محمّد شلتوت ط قم.


وحلف أنّه لا يحدّث حتى يغني قبله(1) ، وشيخه صالح بن كيسان كان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز وهو تلميذ الزهري الّذي كان على شرطة بني مروان ، مضافاً إلى ذلك حسبنا ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة : « قال (عليه السلام) وقد جاءه نعي الأشتر (رحمه الله) : (مالك وما مالك ، والله لو كان جبلاً لكان فندا ، ولو كان حجراً لكان صلداً ، لا يرتقيه الحافر ، ولا يوفى عليه الطاهر). قال الرضي : والفند : المنفرد من الجبال »(2) .

ويبقى علينا أن نذكر تتمة لما سبق أنّ تعيين ابن عباس لولاية البصرة كان بمشورة رجل حيادي من المعتزلين للحرب مع الطرفين ، وذلك هو زياد ابن أبيه فيما رواه الطبري قال : « وكان زياد بن أبي سفيان ممّن اعتزل ولم يشهد المعركة ، قعد ، وكان في بيت نافع بن الحارث ، وجاء عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين مسلّما بعد ما فرغ عليّ من البيعة فقال له عليّ : وعمّك المتربص المقاعد بي! فقال : والله يا أمير المؤمنين ، إنّه لك لوادّ ، وإنه على مسرّتك لحريص ، ولكنه بلغني أنّه يشتكي ، فأعلم لك علمَه ثمّ آتيك. وكتم عليّاً مكانه حتى استأمره ، فأمره أن يعلمه فأعلمه ، فقال عليّ : أمشِ أمامي فاهدني إليه ، ففعل ، فلمّا دخل عليه قال : تقاعدت عنّي وتربّصت ـ ووضع يده على صدره وقال : هذا وجع بيّن ـ فاعتذر إليه زياد ، فقبل عذره واستشاره ، وأراده عليّ على البصرة ، فقال رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس ، فانّه أجدر أن يطمئنوا أو ينقادوا ، وسأكفكيه وأشير عليه ، فافترقا على ابن عباس ، ورجع عليّ إلى منزله.

____________

(1) سير أعلام النبلاء للذهبي 7 / 552 ط دار الفكر.

(2) نهج البلاغة الحكمة / 443.


وأمّر ابن عباس على البصرة ، وولى زياداً الخراج وبيت المال ، وامر أبن عباس أن يسمع منه ، فكان ابن عباس يقول : استشرته عند هنة كانت من الناس ، فقال : إن كنت تعلم أنك على الحقّ ، وأن من خالفك على الباطل ، أشرت عليك بما ينبغي ، وإن كنت لا تدري ، أشرتُ عليك بما ينبغي كذلك.

فقلت : إني على الحقّ وإنهم على الباطل ، فقال : إضرب بمن أطاعك من عصاك ، ومن ترك أمرك ، فإن كان أعز للإسلام وأصلح له أن يضرب عنقه فاضرب عنقه. فاستكتبه ، فلمّا ولّى رأيت ما صنع ، وعلمت أنّه قد اجتهد لي رأيه »(1) .

هذا ما رواه الطبري إلاّ أنّ ابن الأثير وابن كثير ذكرا في تاريخيهما أنّ المستشار في ذلك هو أبو بكرة أخو زياد لأمه.

قال ابن الأثير : « وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضاً فبايعه ، فقال عليّ : وما عمل المتربص المتقاعد بي أيضاً ـ يعني أباه أبا بكرة ـ فقال : والله إنّه لمريض ، وانّه على مسرّتك لحريص ، فقال عليّ : امش أمامي فمشى معه إلى أبيه فلمّا دخل عليه عليّ قال له : تقاعدت بي وتربّصت بي ووضع يده على صدره وقال : هذا وجع بيّن ، واعتذر إليه ، فقبل عذره ، وأراده على البصرة فامتنع وقال : رجل من أهلك يسكن إليه الناس وسأشير عليه ، فافترقا على ابن عباس ».

قال أبو بكرة : « قدم علينا ابن عباس البصرة وما في العرب مثله حشماً وعلماً وثياباً وجمالاً وكمالاً »(2) .

____________

(1) تاريخ الطبري 4 / 543 ط دار المعارف.

(2) الإصابة ترجمة ابن عباس 2 / 322 ط مصطفى محمّد بمصر.


« وولى زياداً الخراج وبيت المال ، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع ، وكان زياد معتزلاً »(1) .

إعلان الولاية :

قال الشيخ المفيد في كتاب الجمل : « وروى أبو مخنف لوط بن يحيى قال : لمّا استعمل أمير المؤمنين عبد الله بن العباس على البصرة ، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبيّ ثمّ قال : (معاشر الناس قد استخلفت عليكم عبد الله بن العباس فاسمعوا له ، وأطيعوا أمره ما أطاع الله ورسوله ، فإن أحدث فيكم ، أو زاغ عن الحقّ فاعلموا أنّي أعزله عنكم ، فإنّي أرجو أن أجده عفيفاً تقياً ورعا ، وإني لم أولّه عليكم إلاّ وأنا أظن ذلك به ، غفر الله لنا ولكم) »(2) .

وهذه أوّل ولاية في تاريخ الخلافة الإسلامية يقوم فيها الخليفة فيعلن بنفسه أمر الاستخلاف على المسلمين! إذ لم يُعهد مثل ذلك من قبل حتى من الإمام يوم استخلف سهل بن حنيف على المدينة وهو يريد الخروج إلى ملاحقة الناكثين ، كما لم تتكرر ثانية منه (عليه السلام) ، فإنّه حينما استقرّ في الكوفة ، ثمّ أراد الخروج إلى صفين واستعمل على الكوفة أبا مسعود الأنصاري ، لم يذكر لنا التاريخ صعوده المنبر وإعلان استخلاف الوالي بمكانه.

____________

(1) الكامل في التاريخ 3 / 110 ط بولاق بمصر ، وقارن البداية والنهاية لابن كثير 7 / 245 ط السعادة بمصر.

(2) كتاب الجمل / 208 ط الحيدرية سنة 1368 هـ.


قال طه حسين : « وأمّر عليّ على البصرة عبد الله بن عباس ، وما نرى أنّه كان يستطيع أن يؤمّر غيره ، فالكثرة في البصرة مضرّية ، وما ينبغي أن يؤمّر عليها بعد الفتنة إلاّ رجل من مضر شديد القرابة من عليّ »(1) .

وما ذكره لا يخلو من صحة ، فإنّ القبائل المضرية بالبصرة كانت تفوق التركيبة السكانية كما بيّنت من قبل. ولعل تأكيد المستشار ـ أبي بكرة أو زياد ـ على أن يكون الوالي رجلاً من أهل الإمام يسكن إليه الناس يشير إلى ذلك.

وقد ذكرت فيما مضى حديث حذيفة وفيه خروج عائشة ، فقال : « تقاتل معها مضر مضرّها الله في النار ، وأزد عمان سلت الله أقدامها ، وإنّ قيساً لن تنفك تبغي دين الله شراً حتى يركبها الله بالملائكة فلا يمنعوا ذنب تلعة »(2) . وسيأتي في حادثة مجيء الجاسوس ابن الحضرمي إلى البصرة لإفساد الأمر من قبل معاوية قال له معاوية : « فانزل في مضر ، وتودد الأزد فإنّهم كلّهم معك ، ودع ربيعة ، فلن ينحرف عنك أحد سواهم ، لأنّهم كلّهم ترابية فاحذرهم ».

فهذا جميعه يقرّب صحة نظر الدكتور طه حسين في أنّ الإمام ما كان يستطيع أن يؤمّر غير ابن عباس لأنّه مضري وشديد القرابة منه ، مضافاً إلى بقية مؤهلاته الشخصية.

____________

(1) الفتنة الكبرى 2 / 60 ط دار المعارف.

(2) ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث 2 / 250 ، وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 41 : وهذا الحديث من أعلام نبوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لانه إخبار عن غيب تلقاه حذيفة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وحذيفة أجمع أهل السيرة على انّه مات في الأيام الّتي قتل عثمان فيها واتاه نعيه وهو مريض فمات وعليّ (عليه السلام) لم يتكامل بيعة الناس ولم يدرك الجمل.


وذكر الشيخ المفيد في كتاب الجمل : « انّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كتب بعد فتح البصرة إلى أهل الكوفة يخبرهم بالفتح ، وجاء في آخر الكتاب : واخترت لهم عاملاً واستعملته عليهم وهو عبد الله بن عباس وإنّي سائر إلى الكوفة إن شاء الله تعالى. وكتب عبيد الله بن أبي رافع في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين »(1) .

ويعنينا في المقام تاريخ الكتاب ، فقد تبيّن أنّ استعمال الإمام على أهل البصرة عامله ابن عباس كان في جمادى الأولى. وإذا عرفنا أنّ مغادرة الإمام للبصرة كانت في شهر رجب بعد إقامة خمسين ليلة ، بعد الحرب تبيّن أنّ معايشة العامل الجديد لإمامه وخليفته استدامت قرابة شهرين. وهي فترة كافية للإفادة والاستفادة ، فمباشرة من العامل في عمله وما أنيط به ، ورقابة من الإمام على أعمال وإليه ومن يمتّ إليه وقد كانت في تلك الفترة قضايا شهدها ابن عباس وذكروا له فيها ذاتية نشير إلى بعضها :

ففي تلك الفترة الّتي قضاها الإمام في البصرة وضع أساس علم النحو.

فقد روى أبو القاسم الزجاجي في أماليه بسنده عن أبي الاسود الدؤلي قال : « دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) فرأيته مطرقاً مفكّراً ، فقلت : فيم تفكّر يا أمير المؤمنين؟

قال : إني سمعت ببلدكم هذا لحناً ، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية.

فقلت : إن فعلت هذا أحييتَنا وبقيت فينا هذه اللغة.

____________

(1) كتاب الجمل / 195 و 197.


ثمّ أتيته بعد ثلاث فألقي إليَّ صحيفة فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم : الكلام. كلّه اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل.

ثمّ قال : تتّبعه وزد فيه ما وقع لك ، واعلم يا أبا الأسود : أنّ الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر ، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.

قال أبو الأسود : فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها : إنّ وأنّ ، وليت ولعل وكأنّ ، ولم أذكر لكن ، فقال لي : لم تركتها؟

فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : بلى هي منها فزدها فيها »(1) .

وهذا ما تكاد المصادر المعنية تجمع عليه ، ويبدو من ابن جني في الخصائص (باب صدق النقلة وثقة الرواة والحملة) في معرض كلامه عن أوليّة النحو ، أنّ لابن عباس في ذلك أيضاً تحقق في المقام فقد قال : « هذا موضع من هذا الأمر لا يعرف صحته إلاّ من تصوّر أحوال السلف فيه تصوّرهم ورآهم من الوفور والجلالة بأعيانهم ، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له ، وعلم أنّه لم يوفّق لاختراعه ، وابتداء قوانينه وأوضاعه ، إلاّ البرّ عند الله سبحانه الحظيظ بما نوّه به وأعلى شأنه ، أو لا يعلم أنّ أمير المؤمنين عليّاً ـ (رضي الله عنه) ـ هو البادئ والمنبّه عليه ، والمنشئ والمرشد إليه.

____________

(1) أنظر الأشباه والنظائر للسيوطي 1 / 7 ط حيدر اباد.


ثمّ تحقق ابن عباس (رضي الله عنه) به ، واكتفال أبي الاسود ـ (رحمه الله) ـ إياه ، هذا بعد تنبيه رسول الله ـ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ـ عليه وحضّه على الأخذ بالحظ منه. ثمّ تتالى السلف »(1) .

وفي تلك الفترة أيضاً علّم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كميل بن زياد الدعاء المعروف باسمه ، وهو دعاء الخضر (عليه السلام).

كما روى ذلك السيّد ابن طاووس في كتابه الإقبال : « فقد قال كميل بن زياد : كنت جالساً مع مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه في مسجد البصرة ومعه جماعة من أصحابه ، فقال بعضهم : ما معنى قول الله (عزّ وجلّ)( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (2) ؟

قال (عليه السلام) : هي ليلة النصف من شعبان ، والّذي نفسي بيده إنّه ما من عبد إلاّ وجميع ما يجري عليه من خير وشر مقسوم له في ليلة النصف من شعبان إلى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة ، وما من عبد يحييها ويدعو بدعاء الخضر (عليه السلام) إلاّ أجيب له.

فلمّا انصرف طرقته ليلاً فقال (عليه السلام) : ما جاء بك يا كميل؟ قلت : يا أمير المؤمنين دعاء الخضر (عليه السلام).

فقال : اجلس يا كميل إذا حفظت هذا الدعاء فادع به كلّ ليلة جمعة ، أو في الشهر مرة ، أو في السنة مرة ، أو في عمرك مرة ، تكف وتنصر وترزق ، ولن تعدم المغفرة ، يا كميل أوجب لك طول الصحبة لنا أن نجود لك بما سألت.

____________

(1) الخصائص 3 / 309.

(2) الدخان / 4.


ثمّ قال : اكتب وذكر له الدعاء المعروف بدعاء كميل »(1) .

وفي تلك الفترة أيضاً حدثت بالبصرة حادثة الغلاة من الزطّ.

فقد روى الكليني في الكافي بسنده عن الصادق (عليه السلام) : « انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا فرغ من أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزطّ فسلّموا عليه وكلّموه بلسانهم فردّ عليهم بلسانهم ، ثمّ قال لهم : إنّي لست كما قلتم أنا عبد الله مخلوق ، فأبوا عليه وقالوا : أنت هو ، فقال لهم : لئن لم تنتهوا وترجعوا عمّا قلتم فيّ وتتوبوا إلى الله (عزّ وجلّ) لأقتلنكم ، فأبوا أن يرجعوا ويتوبوا ، فأمر لهم أن تحفر لهم آبار فحفرت ثمّ خرق بعضها إلى بعض ، ثمّ قذفهم فيها ، ثمّ خمّر رؤوسها ثمّ ألهب النار في بئر منها ليس فيها أحد منهم ، فدخل الدخان عليهم فماتوا »(2) .

وهذه الحادثة الّتي ذكرت العامة أنّ ابن عباس نقد فيها فعل الإمام ، وسيأتي الكلام في ذلك في روايات تافهة ، في آخر خلافة الإمام ، وأوفى من ذلك في الحلقة الثالثة في بحث (مسألة التحريق بين التشريع والتطبيق).

وصية الإمام للوالي :

قال الشيخ المفيد في كتابه الجمل : « وممّا رواه الواقدي عن رجاله قال : لمّا أراد أمير المؤمنين الخروج من البصرة استخلف عليها عبد الله بن العباس ووصّاه ، وكان في وصيته له أن قال : يا بن عباس عليك بتقوى الله والعدل بمن ولّيت عليه ، وأن تبسط للناس وجهك ، وتوسّع عليهم مجلسك وتسعهم بحلمك ، وإياك

____________

(1) راجع الإقبال في أعمال ليلة النصف من شعبان.

(2) الكافي 5 / 259 ط إسلامية ، والزطّ : جيل من الناس ، الواحد : زطي مثل الزنج وزنجي والروم ورومي (الصحاح / 1129) ، وفي قطر المحيط 1 / 843 : طائفة من أهل الهند وهم المعروفون في الشام بالنوَرَ.


والغضب فإنّه طيرة الشيطان ، وإياك والهوى فإنّه يصدّك عن سبيل الله ، واعلم أنّ ما قرّبك من الله فهو مباعدك من النار ، وما باعدك من الله فمقرّبك من النار ، واذكر الله كثيراً ولا تكن من الغافلين »(1) .

وقد روى ـ ومن قبل المفيد ـ ابن قتيبة في الإمامة والسياسة هذه الوصية بتفاوت في اللفظ يسير(2) ، كما رواها من بعده الشريف الرضي في نهج البلاغة بعنوان : (ومن وصية له (عليه السلام) لعبد الله بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة)(3) ، ويبدو من بعض نسخ النهج أنّ الوصية كانت تحريرية وليست شفاهاً لأنّ الشريف الرضي عنونها ومن كتاب له (عليه السلام)(4) ، ورواها السيّد يحيى بن حمزة الزيدي المتوفى سنة 749 في الطراز بتفاوت في اللفظ(5) .

حياته في إمارة البصرة :

لا أريد استعراض جميع جوانب حياة حبر الأمة في أيام امارته بالبصرة. فإنّها حياة أمير دامت إمارته قرابة خمس سنين ـ من شهر ج1 سنة 36 إلى أن خرج من البصرة ـ وقد مرّت به ملابسات ومعاكسات ، وأحداث زادت وغر الصدور له وعليه ، ووسّعت الانقسام في الرأي بين ناصريه ومناوئيه. فما ظنّك بحياة أمير يتولى إمرة أناس فرّقتهم الفروق القبلية الظاهرة البيّنة ، وزادتهم فرقة الإحن فيما بينهم ـ وتلك إحدى مخلّفات الحرب بالأمس ـ وبينهم يعيش كثيرون

____________

(1) كتاب الجمل / 207 ط الحيدرية سنة 1368 هـ.

(2) الإمامة والسياسة / 76.

(3) شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده 3 / 149.

(4) لاحظ مصادر نهج البلاغة 3 / 477.

(5) الطراز عن وجوه الإعجاز 2 / 293 ط مصر.


قلق الضمائر الخفيّ ، فمنهم الراغب الطامع في المال والجاه على استحياء وبدون استحياء ، وبينهم الراهب المستخفى بكراهيته لو يتاح له إعلان الخلاف ، فهو خاضع رَهَبا ليس من الرضا وراحة الضمير بحيث يحبّ ، وقليل ما هم المناصحون له في السر والعلن. فهكذا حياة يصعب تأريخها مستوفىً لكل شاردة وواردة.

إذن لابدّ من جمع الشذرات المتناثرة ، واللمحات الإجتماعية المتباعدة لتكون نواة دراسة قريبة من التكامل تكفي لإعطاء صورة عن حياة ذلك الأمير في ولاية ذلك البلد المترامي الأطراف سعة على اختلاف طبائع أهله من حيث التركيبة السكانية ، وهذا هو النهج الّذي سوف أسير عليه لتأريخ تلك الفترة المليئة بالمفاجآت والمفارقات.

وذلك هو السبيل لمعرفة الحياة العملية الّتي عاشها ابن عباس ، ويتمّ من خلال عرض نماذج من جوانب حياته : النشاط الإداري والسياسي ، والتوجيه العلمي والديني ، والسلوك الشخصي.

1 ـ النشاط الإداري والسياسي :

لقد تولّى مهامّ الولاية العامة بعد مغادرة الإمام إلى الكوفة ، فواجهته الانقسامات الفكرية من مخلّفات الحرب فثمة طبقة القرّاء ، وهؤلاء أقرب إلى العثمانية ، وبعدُ فهم من أصحاب أبي موسى الأشعري يوم كان والياً بالبصرة من أيام عمر حتى عزله عثمان. ويمكن أن نعدّهم نواة للخوارج الذين خرجوا على طاعة الإمام في صفين.


وواجهته الإنقسامات القبلية وهي أشدّ عنفاً وشراسة ، فالقبائل المضرية والأزد ـ وتميم منهم ـ إن لم تكن جميعها تبغض الحكم القائم ، فلا شك في أنّ كثيراً منهم خصوصاً بعض قبائل بني تميم كانت تبغضه ، وتنتقد علانية الحكم والنظام القائم المتمثل بشخصية الوالي من دون خوف ولا حياء ، وكلما تسامح معهم ازدادوا غيّاً ، وكلما نصح صمّوا أسماعهم عن نصائحه كأن رغاء (عسكر) لا يزال ملأ أسماعهم ، مصرّين على الخلاف ، واستداموا على ذلك ـ فيما يبدو ـ إلى أمد بعيد وأحسب أنّها ـ كما سمّاها ابن عباس ـ الهناة الّتي كانت من الناس فاستشار فيها زياداً ، وهي أوّل تجربة له في اختباره زياداً وهل بقي في نفسه بعدُ من درن الاعتزال شيء؟

فقال له : إن كنت تعلم أنّك على الحقّ ، وأنّ من خالفك على الباطل أشرت عليك بما ينبغي ، وإن كنت لا تدري أشرت عليك بما ينبغي كذلك.

فقال له ابن عباس : إنّي على الحقّ وإنّهم على الباطل.

فقال : اضرب بمن أطاعك مَن عصاك ومَن ترك أمرك ، فإن كان أعزّ للإسلام وأصلح له أن يضرب عنقه فاضرب عنقه(1) .

ومع أنّ زياداً اجتهد له رأيه ، فإنّ ابن عباس لم يكتف بذلك فكان عليه أن يستطلع رأي الإمام ، فكتب إليه فيما ينبغي له عمله في معالجة الأمور. فكان جواب الإمام إليه :

(من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس ، أمّا بعد فالحمد لله ربّ العالمين وصلّى على سيّدنا محمّد عبده ورسوله. أمّا بعد فقد قدِم عليَّ

____________

(1) تاريخ الطبري 4 / 543 ط دار المعارف.


رسولك (أتاني كتابك) وذكرت ما رأيت (تذكر فيه ما رأيت من أهل البصرة بعد خروجي منهم وإنّما ينقمون لرغبة يرجونها أو عقوبة يخافونها) وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي وسأخبرك عن القوم : هم بين مقيم لرغبة يرجوها ، أو عقوبة يخشاها ، فأرغب راغبهم بالعدل عليه ، والانصاف له ، والاحسان إليه ، وحلّ عقدة الخوف عن قلوبهم ، فإنّه ليس لأمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم إلاّ قليل منهم ، وانته إلى أمري ولا تعدُه ، وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة وكلّ من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت ان شاء الله والسلام). وكتب عبيد الله بن أبي رافع في ذي القعدة سنة 37(1) .

فانتهى الحبر لأمر الإمام ، إلاّ أنّ من بني تميم من لم يزالوا على تنكّرهم ، حتى كانوا يترصدون عليه أعماله وأقواله لعلهم يصيبوا منه غرّة عن غفلة ، فهيّأوا له ناساً يردّون عليه وهو على المنبر ، وهذا أزرَى ما تقوم به الرعية مع الراعي ، كما حدث أنّه كان يخطب مرة بعد العصر ، فلم يزل يخطب حتى غربت الشمس وبدت النجوم في السماء ، فطفق رجل من بني تميم يقول : الصلاة الصلاة ، ولا شك أنّه قصد استفزاز الناس للنقمة بتلك النغمة. لكن ابن عباس وهو حبر الأمة لم يحفل به ، بل قال له : لا أم لك أنت تعلّمني السنّة ، فقد جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين الصلاتين بين المغرب والعشاء ، ثمّ أقبل على الناس وأتمّ خطبته ، ثمّ نزل فصلّّّى بالناس(2) .

وإذ تجاوز عتوّ بني تميم حدود الصبر عليه ، تنمّر لهم ابن عباس بإقصائهم عن مجلسه ، وكلّمه بعض الأشراف فيهم فسمّاهم له : شيعة الجمل وأنصار عسكر

____________

(1) نهج السعادة 4 / 129 نقلاً عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ، وشرح ابن أبي الحديد ، وبحار الأنوار ، ونزهة الناظرللحلواني. وما بين القوسين منها.

(2) سيأتي المصدر مع بيان أكثر حول هذه الواقعة في (التوجيه العلمي والديني).


ـ اسم جمل عائشة ـ وحزب الشيطان ، واشتدّ عليهم ، فكبر ذلك على رجال منهم ممّن أخلصوا للإمام في الطاعة وكانوا من شيعته كجارية بن قدامة السعدي الّذي كتب إلى الإمام يخبره بجفاء ابن عباس وإضرار ذلك بهم ، فكتب الإمام إلى ابن عباس يأمره بالعفو عنهم ، وتقريبهم ليتألف بذلك قلوبهم.

(أمّا بعد فخير الناس عند الله غداً أعلمهم بطاعته فيما عليه وله ، وأقواهم بالحقّ وإن كان مرّاً ، ألا وإنّه بالحقّ قامت السموات والأرض فيما بين العباد ، فلتكن سريرتك فعلاً ، وليكن حملك واحداً ، وطريقتك مستقيمة ، واعلم أنّ البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن ، فحادث أهلها بالإحسان إليهم ، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم ، وقد بلغني تنمرّك لبني تيم وغلظتك عليهم ، وإنّ بني تميم لم يغب منهم نجم إلاّ طلع لهم آخر ، وأنّهم لم يسبقوا بوغم(1) في جاهلية ولا إسلام ، وإنّ لهم بنا رحماً ماسّة(2) ، وقرابة خاصة(3) ، نحن مأجورون على صلتها ،

____________

(1) الوغم : الحرب ، والحقد ، والثار أي لم يسبقهم أحد في البأس.

(2) حكى ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 425 ط مصر الأولى عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ذكر في كتابه التاج : ان لبني تميم مآثر لم يشركهم فيها غيرهم وحكى عنه في / 427 انّه قال : ولبني عمرو بن تميم خصال تعرفها لهم العرب ولا ينازعهم فيها أحد : فمنها اكرم الناس عماً وعمّة وجداً وجدة ، وهو هند بن أبي هالة واسم أبي هالة نباش بن زرارة أحد بني عمرو بن تميم ، كانت خديجة بنت خويلد قبل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت أبي هالة ، فولدت له هنداً ثمّ تزوجها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهند بن أبي هالة غلام صغير فتبناه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ ولدت خديجة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القاسم والطاهر وزينب ورقية وام كلثوم وفاطمة ، فكان هند بن أبي هالة أخاهم لأمهم ، ثمّ أولد هند بن أبي هالة هند بن هند ، فهند الثاني اكرم الناس جداً وجدة يعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخديجة وأكرم الناس عماً وعمة يعني بني النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبناته.

أقول : ما ذكره أبو عبيدة يثبت لهم الرحم الماسّة الّتي أشار اليها الإمام.

(3) أمّّا القرابة الخاصة لعل المراد بها مصاهرة الإمام لهم حيث كانت عنده ليلى بنت مسعود الحنظلية من بني تميم وهي أم ولديه عبيد الله وأبي بكر كما في تاريخ اليعقوبي 2 / 189.


مأزورون على قطيعتها ، فاربع أبا العباس ـ رحمك الله ـ فيما جرى على يدك ولسانك من خير وشر ، فإنا شريكان في ذلك ، وكن عند صالح ظني بك ، ولا يفيلنّ رأيي فيك والسلام)(1) .

ويبدو أنّ تميماً ـ وهم أكبر قطاع عربي في البصرة ـ لم يستطع ابن عباس أن يحوّل العثمانية منهم عن رأيهم وروحهم العدائي ، لذلك فقد تسلل منهم ـ ولنسمّيهم خوارج كما فعل ابن الأثير في تاريخه(2) حيث ذكر قصد الخوارج ـ إلى سجستان حين نكث أهلها بيعة الإمام.

قال ابن خلدون : « ولمّا فرغ الناس من هذه الوقعة ـ يعني حرب الجمل ـ اجتمع صعاليك من العرب وعليهم جبلة بن عتاب الحنظلي ، وعمران بن الفضل البرجمي وقصدوا سجستان وقد نكث أهلها ، وبعث عليّ اليهم عبد الرحمن بن جرو الطائي فقتلوه ، فكتب إلى عبد الله بن عباس أن يبعث إلى سجستان والياً ، فبعث ربعي بن كاس العنبري في أربعة آلاف ومعه الحصين بن أبي الحر ، فقتل جبلة وانهزموا وضبط ربعي البلاد واستقامت »(3) .

وأحسب أنّ رواية ابن خلدون غير متكاملة الصحة ، لتحريف في بعض الأسماء ، وبالرجوع إلى رواية البلاذري في فتوح البلدان يتضح الحال.

____________

(1) روي هذا الكتاب في النهج 3 / 20 من دون المقدمة ، وروي معها في شرح النهج لابن ميثم 4 / 395 وعنه في بحار الأنوار 8 / 634 ط الكمپاني.

وروى أبو هلال العسكري في الصناعتين / 270 ط الثانية محمّد عليّ صبيح بمصر فقرات منه ، والباقلاني في اعجاز القرآن 1 / 103 ، وفي الطراز للسيد يحيى الزيدي طرفاً منه راجع 1 / 219 و 416 ط مصر.

(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 113 ط بولاق.

(3) تاريخ ابن خلدون 2 / 1090 ط التربية ودار الكتاب اللبناني بيروت.


قال البلاذري : « ولمّا فرغ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من أمر الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطي وعمران بن الفصيل البرجمي في صعاليك من العرب ، حتى نزلوا (زالِق)(1) وقد نكث أهلها فأصابوا مالاً وأخذوا جد البختري ، الأصم ابن مجاهد مولى شيبان ، ثمّ أتوا (زرنج)(2) وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ودخلوها وقال الراجز :

بشّر سجستان بجوع وحَرَب

بابن الفصيل وصعاليك العرب

لا فضة تغنيهم ولا ذهب

وبعث عليّ بن أبي طالب عبد الرحمن بن جزء الطائي إلى سجستان فقتله حسكة ، فقال عليّ : لأقتلنّ من الحبطات أربعة آلاف ، فقيل له : إنّ الحبطات لا يكونون خمسمائة. فتخيل السامعون أنّه أراد الحبطات نسباً ولم يفقه السامعون معنى كلامه (عليه السلام) ، إنّما أراد مَن كان على رأيهم ومعهم من الخوارج وإلاّ كيف يقتل من الحبطات مَن لم يشترك في الخروج مع حسكة ابن عتاب الحبطي »(3) .

قال البلاذري في فتوح البلدان : « وقال أبو مخنف : وبعث عليّ (رضي الله عنه) عون بن جعدة بن هبيرة المخزومي إلى سجستان فقتله بهدالي اللص الطائي في طريق العراق ، فكتب عليّ إلى عبد الله بن العباس يأمره أن يولي سجستان رجلاً في أربعة آلاف ، فوجّه ربعي بن الكاس العنبري في أربعة آلاف ، وخرج معه

____________

(1) زالِق : لامه مكسورة : رستاق كبير من نواحي سجستان في قصور وحصون.

(2) زرنج : كسمند قصبة سجستان.

(3) فتوح البلدان / 402 ـ 403.


الحصين بن أبي الحرّ ـ واسم أبي الحر مالك بن الخشخاش ـ العنبري ، وثات بن ذي الحرة الحميري ، وكان على مقدمته ، فلمّا وردوا سجستان قاتلهم حسكة فقتلوه ، وضبط ربعيّ البلاد فقال راجزهم :

نحن الّذين اقتحموا سجستان

على ابن عتاب وجند الشيطان

يقدمنا الماجد عبد الرحمن

إنّا وجدنا في منير الفرقان

أن لا نوالي شيعة ابن عفّان

وكان ثات يسمى عبد الرحمن اهـ »(1) .

ولمّا وردت الأخبار مبشرة بقتل حسكة (الخارجي) وضبط ربعيّ بن كاس (القائد المظفر) للبلاد ، فمن الطبيعي أن يسرّ ابن عباس كثيراً لأنّه تمّ له بفضل اختياره للقائد ورجاله قمع أوّل خارجة على النظام في حكومة الإمام. كما أنّ من الطبيعي خفّف وغر الصدور بينه وبين بني تميم ، حين ولى ربعي بن كاس العنبري وهو من بني تميم.

ومن الطبيعي أيضاً إنّه كتب بخبر ذلك الفتح المبين وقطع دابر المفسدين إلى الإمام فسرّه بذلك ، ولا شك في انتشار الخبر في الكوفة ففتّ ذلك في عضد المتربصين.

وفي أعقاب هذا الحدث جرت مكاتبات بين الإمام وبين ابن عباس ، وذلك في غضون سبعة عشر شهراً الّتي أقامها الإمام في الكوفة قبل حرب صفين كاتب فيها معاوية وعمرو بن العاص ، كما في حديث الشعبي حيث قال : « إنّ عليّاً قدم

____________

(1) نفس المصدر / 403.


البصرة مستهل رجب الكوفة وأقام بها سبعة عشر شهراً يُجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص »(1) .

ولمّا كان المعنيّ لنا فعلاً كتب الإمام إلى ابن عباس في مختلف الشؤون خلواً من التاريخ ، فلم يسعني تحديد زمان صدورها إلاّ إجمالاً ، وأنّها في الفترة الّتي سبقت حرب صفين ، فأنا أوردها حسب ورودها في كتاب (وقعة صفين) لنصر بن مزاحم المتوفى 213 هـ فهو أقدم وثيقة تاريخية يمكنني الاعتماد عليها في المقام بعد تصحيح عنوان الأوّل منها لما سيجيء :

1 ـ قال نصر : « وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر (؟) والصواب : عباس.

أمّا بعد : فإنّ خير الناس عند الله (عزّ وجلّ) أقومهم لله بالطاعة فيما له وعليه ، وأقولهم بالحقّ ولو كان مراً ، فإن الحقّ به قامت السموات والأرض ، ولتكن سريرتك كعلانيتك ، وليكن حكمك واحداً ، وطريقتك مستقيمة ، فإنّ البصرة مهبط الشيطان ، فلا تفتحن على يد أحد منهم باباً لا نطيق سدّه نحن ولا أنت. والسلام ».

أقول : روى نصر ذلك في كتابه(2) باسم (عبد الله بن عامر) وذلك من غلط النسخة إمّا من سهو الرواة أو غلط النساخ ، لأنّ الإمام لم يولّ عبد الله بن عامر على البصرة يوماً ما ، والصواب : إلى عبد الله بن عباس.

2 ـ قال نصر : « وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس.

____________

(1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري ط الاُولى بالقاهرة سنة 1365 هـ.

(2) نفس المصدر / 119 ، وط حجرية بايران / 57 سنة 1300.


أمّا بعد : فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم ، فاقسمه على من قبلك حتى تغنيهم ، وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا والسلام »(1) .

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : « وكان العمال يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عباس فيكون هو الّذي يبعث به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) »(2) .

3 ـ قال نصر : « وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس أمّا بعد : فإنّ الإنسان قد يسرّه ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه فوتُ ما لم يكن ليدركه وإن جهد ، فليكن سرورك فيما قدّمت من حكم أو منطق أو سيرة ، وليكن أسفك على ما فرّطت لله فيه من ذلك ، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزناً ، وما أصابك فيها فلا تبغ به سروراً ، وليكن همّك فيما بعد الموت. والسلام »(3) .

أقول : لقد روى الشريف الرضي (رحمه الله) هذا الكتاب مرّتين في نهج البلاغة.

الأولى : قال الشريف الرضي : « ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس وكان ابن عباس يقول : ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام.

أمّا بعد : فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فَرَحاً ، وما فاتك فلا تأسَ عليه جزعاً ، وليكن همّك فيما بعد الموت »(4) .

____________

(1) نفس المصدر.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 270 ط مصر الاُولى.

(3) وقعة صفين / 119 ط 1 بمصر بتحقيق هارون.

(4) شرح النهج البلاغة لمحمد عبده3 / 23 ط الاستقامة.


الثانية : قال الشريف الرضي : « ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس ، وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية : أمّا بعد : فإنّ المرء ليفرح بالشيء الّذي لم يكن ليفوته ويحزن على الشيء الّذي لم يكن ليصيبه ، فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حقّ ، وليكن سرورك بما قدّمت ، وأسفك على ما خلّفت ، وهمّك فيما بعد الموت »(1) .

ورواه غير الشريف الرضي مَن كان قبله ، ومَن كان بعده بتفاوت يوحي بتعدد الروايات عند أصحاب المصادر ، ولما كان جوّ الكتاب وفحوى الخطاب يوحي بوقوع حَدَث استوجب حزن ابن عباس ، فكان الكتاب تسلية له عمّا فاته ، وموعظة له في شأن تقلّبات الحياة بأنّ عظة الإنسان واعتباره فيما بعد الموت. وفي بعض مصادر الكتاب ما يؤكد ذلك.

فاليعقوبي في تاريخه ذكر سبب ذلك فقال : « وكتب أبو الأسود الدؤلي ـ وكان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة ـ إلى عليّ (عليه السلام) يعلمه أن عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه يأمره بردّها فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردّنها ، فلمّا ردّها عبد الله بن عباس أو ردّ أكثرها كتب إليه عليّ (عليه السلام) : أمّا بعد فان المرء يسرّه ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً ، واجعل همك لما بعد الموت والسلام. فكان ابن عباس يقول : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين »(2) .

____________

(1) نفس المصدر 3 / 139.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 181 ط النجف.


وورد في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ما يؤكد صدور ذلك الكتاب في جوّ مماثل لما رواه اليعقوبي(1) .

ولمّا كان الأمر يتعلق بمسألة أخذه من بيت مال البصرة من دون إذن الإمام ، وهي إحدى الطعون الموجّهة إليه ، وكانت محل النقض والإبرام بين الأعلام ، فالكلام في بحثها يأتي محققاً في الحلقة الرابعة (عبد الله بن عباس في الميزان) ضمن مسائل الطعون الأخرى ، ونكتفي في المقام بذكر مصادر هذا الكتاب إجمالاً على اختلاف رواية أصحابها ويأتي التفصيل في محله إن شاء الله وهي :

1 ـ أدب الدنيا والدين للماوردي / 64.

2 ـ إعجاز القرآن للباقلاني1 / 121 ط السلفية سنة 1349 هـ.

3 ـ أمالي القالي2 / 94.

4 ـ بحار الأنوار 8 / 475 ط الكمپاني.

5 ـ البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي / 353.

6 ـ تاريخ دمشق لابن عساكر (ترجمة الإمام) 3 / 220.

7 ـ تاريخ اليعقوبي 2 / 181 ط النجف.

8 ـ تحف العقول / 197 ط كتابفروشي اسلامية.

9 ـ تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي / 160.

10 ـ الحكمة الخالدة لابن مسكويه / 179.

11 ـ دستور معالم الحكم للقضاعي / 96.

____________

(1) تذكرة الخواص / 160 ط حجرية سنة 1285.


12 ـ روضة الكافي شرح ملا صالح المازندراني برقم 327. 12 / 310.

13 ـ الرياض النضرة للمحب الطبري 2 / 222.

14 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 430 و 4 / 222.

15 ـ شرح نهج البلاغة لابن ميثم 5 / 215.

16 ـ شرح نهج البلاغة للخوئي 18 / 344.

17 ـ شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده 3 / 23 و 139.

18 ـ الطراز في دلائل الاعجاز للسيد الزيدي 2 / 370.

19 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 142 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

20 ـ عين الادب والسياسة لابن هذيل / 210.

21 ـ قوت القلوب لأبي طالب المكي 1 / 158.

22 ـ الكشكول للبهائي 284 ط نجم الدولة.

23 ـ المثل السائر لابن الأثير 1 / 104 ط سنة 1354 وألحق في آخره : « ولا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة بطول الأمل وكأن قد والسلام ».

24 ـ مجالس ثعلب / 186.

25 ـ محاضرات الراغب 2 / 173.

26 ـ مرآة العقول للمجلسي 4 / 354 ط الحجرية.

27 ـ مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي / 55 ط حجرية في أوّل النوع الرابع في الحكم والأمثال.

28 ـ مناقب الخوارزمي / 270 ط النجف.

29 ـ الوافي للفيض الكاشاني 14 / 63.


30 ـ وقعة صفين / 119 ط الأولى بالقاهرة سنة 1365 هـ.

31 ـ كتاب الكتّاب وصفة الدواة والقلم وتعريفها تصنيف أبي القاسم عبد الله عبد العزيز مؤدب المهتدي بن الواثق العباس ، سنة 218 هـ المتوفى سنة 256 هـ (مجلة المورد العدد الثاني المجلد الثاني / 61 ط بغداد).

فهذه أكثر من ثلاثين مصدراً للكتاب وهو وثيقة مهمة تنفي حديث الخيانة جملة وتفصيلاً ، وتبدد كثيراً من الشكوك والأوهام. كما سيأتي تفصيل ذلك في الحلقة الرابعة إن شاء الله.

ونعود إلى ذكر كتب الإمام إلى ابن عباس وهو على ولاية البصرة فمن ذلك :

4 ـ ما رواه الحسن بن شعبة ـ من أعلام القرن الرابع الهجري ـ في كتابه تحف العقول قال : « وكتب إلى عبد الله بن العباس : أمّا بعد فاطلب ما يعنيك ، واترك ما لا يعنيك ، فإنّ في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك ، وإنّما تقدم على ما أسلفت لا على ما خلّفت ، وابن ما تَلقاه على ما تُلقّاه والسلام »(1) .

5 ـ ومن كتبه (عليه السلام) إلى ابن عباس ما ذكره الشريف الرضي في نهج البلاغة قال : « ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس : أمّا بعد : فانّك لست بسابق أجلَك ، ولا مرزوق ما ليس لك ، واعلم بأن الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك ، وأن الدنيا دار دول ، فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك »(2) .

____________

(1) تحف العقول ، قصار المعاني رقم 122 / 209.

(2) نهج البلاغة المختار / 72.


6 ـ ومن كتبه (عليه السلام) إليه ما رواه الحافظ السروي في مناقب آل أبي طالب : « وكتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ابن عباس : أمّا بعد ، فلا يكن حظك في ولايتك مالاً تستفيده ، ولا غيظاً تشفيه ، ولكن إماتة باطل وإحياء حقّ »(1) .

ولنقف نحن عند هذا الكتاب ولنستعرض الشواهد في سيرة ابن عباس أيام ولايته فكم أمات باطلاً وأحيى حقاً.

فمن ذلك ما رواه أبو عبيد في كتاب الأموال عن الحسن البصري ، قال : « جاء رجل إلى ابن عباس فقال أتقبّل منك الأبلّة بمائة ألف ، قال : فضربه ابن عباس مائة وصلبه حياً »(2) .

فكان هذا منه بعضاً من إماتة الباطل الّتي أمره الإمام (عليه السلام) بأخذها حظاً من ولايته. فإنّ ابن عباس لمّا كان يقول : « القبالات حرام »(3) ؟ فأي طلب يتقدم به إليه إنسان يعتبره مخالفة شرعية لابدّ من تأديبه بما يقتضيه نظره ، ولمّا كانت العقوبة التأديبية شديدة فلابدّ أن تكون الجناية كبيرة ، ولا نعرف عظم الجناية إلاّ إذا عرفنا ما هي الأبلّة.

يقول ياقوت في معجم البلدان : « الأبلّة بلدة على شاطيء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الّذي يدخل إلى مدينة البصرة وهي أقدم من البصرة ، لأنّ البصرة مصّرت أيام عمر ، وكانت الأبلّة حينئذٍ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى وقائد.

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 1 / 370 ط الحيدرية.

(2) كتاب الأموال / 99 ط الكليات الأزهرية تح ـ محمّد خليل هراس سنة 1388 هـ.

(3) نفس المصدر / 100.


وكان خالد بن صفوان يقول : ما رأيت أرضاً مثل الأبلّة مسافةً ، ولا أغذى نطفة ، ولا أوطأ مطية ، ولا أربح لتاجر ، ولا أخفى لعائذ »(1) .

وقال الأصمعي : « جنان الدنيا ثلاث : غوطة دمشق ونهر بلخ ، ونهر الأبلّة ، وحشوش الدنيا خمسة : الأبلّة ، وسيراف ، وعُمان ، وأردبيل ، وهيت »(2) .

فإذا عرفنا أنّ الأبلة بما تقدم من وصفها وعرفنا أنّها تابعة في شؤونها الإدارية لحكومة البصرة ، ولمّا كان ابن عباس هو أمير البصرة ، وهو يرى حرمة القبالات كما مرّ ، فربّما اعتبر هذا الطلب تحدياً لأمر الشريعة بحرمة القبالات ، لذلك عاقبه ليكون عبرة لغيره فلا يجرأ على مخالفة أحكام الشرع.

ومن ذلك ما سنقرؤه في التوجيه العلمي والديني من شواهد على إحياء حق وإماتة باطل.

ومن ذلك ما سوف نقرؤه أيضاً في السلوك الشخصي بعض ما استفاده في ولايته من إماتة باطل وإحياء حقّ.

أمّا عن موظفي إدارته في البلاد. فقد استكتب زياد بن أبيه فترة ثمّ أرسله الإمام إلى فارس. فكان كاتبه أبو الاسود الدؤلي ـ كما ذكر ذلك أبو الفرج الاصفهاني ـ كما أنّه لمّا أراد الخروج إلى صفين استخلف أبا الأسود على الصلاة وزياداً على الخراج(3) .

____________

(1) معجم البلدان 1 / 77 دار صادر.

(2) باقتضاب من معجم البلدان.

ومن الطريف تعليق محقق كتاب الأموال ـ محمّد خليل هراس ـ على كلمة الأبّلة فقال : لعلها ضيعة لابن عباس كانت على النهر المسمى بهذا الاسم. وهذا منتهى الغفلة منه ، والصواب ما ذكرناه أعلاه.

(3) انظر أنساب الاشراف (ترجمة الإمام).


والاستخلاف يعني القيام بجميع وظائف المستخلِف إلاّ ما استثناه هو ، كما أنّ الاستكتاب هو الاستيزار. ووظيفة الكاتب أنّه صاحب تدبير الأمور والنائب عنه في أموره عند غيابه.

واستقضى لفترة أبا الاسود ثمّ الضحاك بن عبد الله الهلالي(1) . وفي رواية : عبد الرحمن بن يزيد(2) .

ثمّ لم تخل فترة حياته في البصرة من افتراء وتلبيس شأنها شأن غيرها من بقية أيام عمره ، وأهمّ ما كان من تلك الشوائب المفتراة هو حديث خيانة بيت مال البصرة ، وقد استوفينا في الحديث عنه جميع ملابسات القضية في الحلقة الرابعة كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

وثمة ثآليل طفحت على السطح في تلك الفترة ، ليس لها من سند مقبول ، فضلاً عن تناقض متنها لسلوك ابن عباس العملي في البصرة وغيرها.

وإلى القارئ ما وقفت عليه فعلاً في كتاب (تاريخ المدينة) لبصري عاش في القرن الثالث وذلك هو عمر بن شبّة المتوفى سنة 262 هـ

فقد قال : « حدّثنا محمّد بن عباد بن عباد قال حدّثنا بعض أصحابنا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : انّ ابن عباس (رضي الله عنه) خطب بالبصرة فذكر عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فعظّم أمره وقال : « لو أنّ الناس لم يطلبوا بدمه لأمطر الله عليهم حجارة من السماء(3) »(4) .

____________

(1) أنظر أخبار القضاة لوكيع / 281 ، 284 فما بعد.

(2) نفس المصدر / 288.

(3) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 63 ، وأنساب الأشراف 5 / 101 والرياض النضرة 2 / 135.

(4) تاريخ المدينة / 1254.


ويكفي في سقوطه جهالة بعض أصحابه ، ولو سلم سنداً ففي المتن ما يكفي في تكذيبه فان ابن عباس ممّن قاتل الذين طالبوا بدم عثمان فلماذا قاتلهم إذن؟.

وقال أيضاً : « حدّثنا موسى بن إسماعيل قال حدّثنا الصعق ابن حزن قال سمعت قتادة يقول حدّثنا زهدم الجرمي قال قال ابن عباس (رضي الله عنه) لأحدثنكم حديثاً ما هو بسرّ ولا علانية ، أمّا أنا فلا أسرّ ، دونكم وأمّا أنتم فلا أحب أن تعلنوه ، لمّا قتل عثمان (رضي الله عنه) قلت لعليّ (رضي الله عنه) اعتزل هذا الأمر قال : ألاقي استقداماً فيه ، وأيم الله ليظهرّن عليه معاوية تصديق قول الله( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) (1) وأيم الله لتحملنكم قريش على فارس والروم ، فإن تكونوا قوماً تكفرون وإلاّ تهلكوا وتكونوا كقرن من القرون هلك »(2) .

وحسبك في كذب الخبر أوّلاً : أنّ ابن عباس لم يكن حاضراً بالمدينة لمّا قتل عثمان بل كان أمير الموسم يقيم الحج للناس. وثانياً : لم يكن معاوية وليّ دم عثمان ، وإنّما أولياء دمه هم بنوه. فهل يجهل ذلك ابن عباس وإذا كان يرى أنّ معاوية ولي دم عثمان فلماذا حاربه في صفين؟

وقال أيضاً : « حدّثنا موسى بن إسماعيل قال حدّثنا حماد بن زيد عن أبي التيّاج عن غالب عن زهدم قال قال ابن عباس (رضي الله عنه) ، لأحدثنكم حديثاً ما أدري أحديث سر هو أم حديث علانية ، إنّي قلت لعليّ (رضي الله عنه) لمّا قتل عثمان (رضي الله عنه) : اركب رواحلك فالحق بمكة ، فان الناس سيتبعونك ولا يجدون منك بُدّاً ، فعصاني ، وأيم الله

____________

(1) الاسراء / 33.

(2) تاريخ المدينة / 1255 ، وانظر مختصراً في العقد الفريد 4 / 291.


ليظهرن عليه معاوية ، لأنّ الله قضى من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ، ثمّ لتملكنكم قريش ولتركبّن بكم دبّة فارس والروم فمن أخذ بما يعرفُ نجا ، ومن ترك ـ وأنتم تاركون ـ كان كقرن من القرون هلك. قال فقلت لابن عباس (رضي الله عنه)(1) »(2) .

فهذا الخبر رواه زهدم أيضاً كسابقه وبالمقارنة نجد التفاوت بينهما. والجواب عنه كما تقدم في سابقه وبعده حديث سقط السند وشيئاً من أوّل المتن ، وهو مشابه لما مرّ أيضاً.

فهذه هي الأخبار الّتي شبّهتها بالثآليل الطافحة ، وقد بيّنت للقارئ ما في أسانيدها ومتونها من عيوبها ما يسقطها عن الاعتبار.

ولعمر بن شبّة كتاب (أخبار البصرة) أورد فيه قصة الجمل مطوّلة ، فلخّص منه ابن حجر(3) واقتصر على ما أورده بسند صحيح أو حسن ، وترك ما عداه ممّا بيّنه. كما قال ذلك ، ولو قدّر لي أن أقف بعد هذا على كتاب أخبار البصرة فسأذكر ما أجده فيه ممّا يتعلق بابن عباس سلباً وايجاباً.

7 ـ قال ابن خلدون في تاريخه : « وأوّل من دعا للخليفة على المنبر ابن عباس ، دعا لعليّ (رضي الله عنهما) في خطبته وهو بالبصرة عامل له عليها فقال : اللّهمّ انصر عليّاً على الحقّ »(4) .

واتصل العمل على ذلك فيما بعد.

____________

(1) بياض لا يدري مقداره.

(2) تاريخ المدينة / 1255.

(3) انظر فتح الباري 16 / 164 ط مصطفى محمّد.

(4) تاريخ ابن خلدون 1 / 477 ط دار الكتاب اللبناني سنة 1956.


وقد ذكر ذلك قبل ابن خلدون أبو نعيم(1) .

وحسبنا الآن بما مرّ معرفة جانباً من نشاطه الإداري والسياسي ، وسيتبع هذا نماذج أخرى فيما يأتي عند الحديث عن حرب صفين وما تلاها ، وفتنة ابن الحضرمي وما أبلاها ، وخروج الخريت بن راشد ثمّ فتنة مصقلة بن هبيرة ، وحرب النهروان ، وما أتى بعدها حتى استشهاد الإمام (عليه السلام) وبعده حتى صلح الإمام الحسن (عليه السلام).

2 ـ التوجيه العلمي والديني :

لقد سبق ابن عباس في ولايته البصرة مَن تقدمه من الولاة في تثقيف أهلها سبقاً بعيداً ، فإنّ الذين كانوا قبله وتعاقبوا على الولاية تفاوتت مداركهم لاستيعاب أحكام الإسلام ، كما تباينت مسالكهم في إدارة البلاد ، ولم يواجهوا ما واجهه ابن عباس من مشاكل اجتماعية أبعدت ، وبالاصح شغلت الكثير من الناس عن تعلمهم الأحكام الشرعية ، مضافاً إلى مخلّفات حرب الجمل الفكرية ، حيث نشأت مسائل لم يكن المجتمع الإسلامي على هدى منها ، ومنها مسألة قتال المسلمين بعضهم بعضاً وهم جميعاً من أهل القبلة ، ولمّا كان قتل المسلم من الكبائر فهل أنّ مرتكب الكبيرة يُعدّ كافراً أم يظل مسلماً؟ وهذا سؤال ضخم واجه العالم الإسلامي فأنبت الفكرة الّتي صارت ركيزة لما بنت عليها المعتزلة من رأي تجاذبته أصحاب الفرق الكلامية بين الدين والسياسة ، والأخذ والردّ.

____________

(1) كما في ذكر أخبار اصبهان 2 / 229 ط افست / ليدن.


كما أنّ من مخلفات الحرب الفكرية الّتي واجهت المسلمين يومئذ في عقائدهم مسألة القضاء والقدر الّتي طرحتها عائشة كعذر مبرّر لخروجها(1) .

وانصاع لهذه المسألة غير واحد من البصريين ، واستمر الخلاف حولها بعد ذلك حتى انفصل واصل بن عطاء عن الحسن البصري وانضم إلى واصل عمرو ابن عبيد ، وعلى ذلك انبثقت الفرق النظامية والهذيلية والحائطية والجاحظية وكلّها فرق بصرية المنشأ بغدادية الثمر حتى قال أحمد : « إنّ ثلث أهل البصرة قدرية »(2) .

فهذه المخلّفات شكّلت تركة ثقيلة يصعب على الوالي الجديد تصريفها ومعالجتها من دون وعي وحزم مع صبر وأناة ، مضافاً إلى التعقيدات الفكرية الّتي كان أصحاب الديانات الأخر كاليهود والنصارى ممّن كانوا في البصرة يلقونها في أذهان المسلمين فيشوّشوا أفكارهم ، وقد ورد اسم أبي الجلد ممّن كان يقرأ التوراة والقرآن ، وذكروا له لقاءات مع ابن عباس ، وسيأتي مزيد بيان عنه في الحلقة الثالثة من الموسوعة ان شاء الله تعالى ، فكل تلك التراكمات والتداعيات تستدعي من ابن عباس أن يبذل جهداً مضاعفاً لهداية الناس وتوجيههم نحو السبيل الأمثل والطريق الأقوم ، وقد فعل ذلك بكلّ حنكة ودربة ، وتحمّل من العناء جهداً كبيراً.

ولابدّ لنا من المرور ببعض الشواهد الدالة على التخلف الديني عند بعض شرائح المجتمع البصري ـ يومئذ ـ ولنأخذ بعض المسائل العبادية مثلاً

____________

(1) كما مرّ في جوابها لابن عباس فراجع محاوراتها برواية البدء والتاريخ للمقدسي.

(2) تهذيب التهذيب لابن حجر 8 / 114.


وجهلهم بالحكم الشرعي فيها مع أنّها من المسائل الّتي يعمّ الإبتلاء بها عند الفرد المسلم :

1 ـ فمثلاً في الصلاة كانوا ـ أولئك ـ يجهلون جواز الجمع بين الصلاتين.

فقد أخرج الطبراني في معجمه بسنده عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : « خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غابت الشمس وبدت النجوم ، وعلق الناس(1) ينادونه الصلاة ، وفي القوم رجل من بني تميم ينادي ، فقال ابن عباس : تعلّمني السنّة لا أم لك ، إنّي شهدت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع بين العصر والظهر ، والمغرب والعشاء. فلقيت أبا هريرة فوافقه »(2) .

أقول : وهذا أخرجه أحمد في مسنده وفيه : « قال عبد الله : فوجدت في نفسي من ذلك شيئاً فلقيت أبا هريرة فسألته فوافقه »(3) ، ورواه أحمد ثانية في كتابه(4) وصححهما معاً أحمد شاكر ، وروى الحديث أيضاً مسلم في صحيحه(5) .

ولا يخفى على القارئ أنّ عبد الله بن شقيق هذا كان عثمانياً ترجمه ابن حجر في تهذيبه وحكى فيه بأنّه كان عثمانياً يبغض عليّاً ويحمل عليه(6) ، فلا غرابة منه لو ارتاب في نفسه المريضة من حديث ابن عباس وان كان هو حبر الأمة وترجمان القرآن ، وراح يستثبت حديثه من أبي هريرة ، لكن الغرابة حين

____________

(1) علق الناس أي طفقوا.

(2) المعجم الكبير للطبراني 12 / 162 ط 2.

(3) مسند أحمد 4 / 70 برقم 2269.

(4) نفس المصدر 5 / 100 برقم 3293.

(5) صحيح مسلم 1 / 197.

(6) تهذيب التهذيب 5 / 254.


نقرأ في ترجمته قول ابن معين فيه : « من خيار المسلمين لا يطعن في حديثه »(1) ، وقول الجريري فيه : « كان مجاب الدعوة كانت تمرّ به السحابة فيقول : اللّهمّ لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر ، فلا تجوز ذلك الموضع »(2) ؟ إذا كان مثل هذا من خيار المسلمين وهو يبغض عليّاً ويحمل عليه ، فما بالك بشرارهم! نعوذ بالله من شرّ هكذا أخيار ، كما نستيعذ به من شرّ الأشرار.

اللّهمّ احفظ عقول أمة محمّد من هذا التخبط والتخليط ، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لعليّ (عليه السلام) : (لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق)(3) ، وابن معين يقول : هو من خيار المسلمين!!( إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ) (4) ، فقد أخرج ابن عساكر بسنده عن محمّد بن منصور الطوسي قال : « سمعت أحمد بن حنبل وقد سأله رجل عن قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (عليّ قسيم النار) فقال : هذا حديث يضطرب طريقه عن الأعمش ، ولكن الحديث الّذي ليس عليه لبس قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (يا عليّ لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق) وقال الله (عزّ وجلّ) :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ) (5) فمن أبغض عليّاً فهو في الدرك الأسفل من النار »(6) .

____________

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر.

(3) راجع كتاب (علي إمام البررة 1 / 93 ط دار الهادي).

(4) سورة المدثر / 35.

(5) النساء / 145.

(6) تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام 2 / 253 ، وهذا أخرجه أيضاً الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / 72 ط الحيدرية سنة 1390 هـ كما ذكره ابن أبي يعلى الحنبلي في طبقات الحنابلة 1 / 320.


2 ـ وفي الزكاة كانوا يجهلون زكاة الفطر.

فقد أخرج أبو داود(1) والنسائي(2) وأحمد(3) والدار قطني(4) والزيلعي واللفظ له عن الحسن عن ابن عباس : « انّه خطب في آخر رمضان على المنبر بالبصرة ، فقال : أخرجوا صدقة صومكم ، فكأن الناس لم يعلموا ، قال : مَن ههنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلّموهم فإنّهم لا يعلمون فرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الصدقة ، صاعاً من تمر أو شعير ، أو نصف صاع من قمح على كلّ حر أو مملوك ، ذكر أو أنثى صغير أو كبير »(5) .

وفي لفظ أحمد المطول : « فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض ».

لماذا صار الناس ينظر بعضهم إلى بعض؟ لأنّه فاجأهم بحكم شرعي مفروض من الله على لسان نبيّه ، وهم يجهلونه ، ولو كان الولاة قبل ابن عباس قد ذكروه لهم أو عملوا به لمّا استغربوا خطبة ابن عباس في ذلك. (فظن بالولاة شراً ولا تسأل عن الخبر).

3 ـ وحتى صدقات البقول لم يكن يعطونها حتى أخذها منهم ابن عباس.

روى يحيى بن آدم القرشي في كتابه الخراج بسنده عن أبي رجاء العطاردي قال : « كان ابن عباس بالبصرة يأخذ صدقاتها حتى دساتج الكرّاث »(6) .

____________

(1) سنن أبي داود 2 / 114 بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد باب من روى نصف صاع من قمح.

(2) سنن النسائي في باب الحنطة وفي الجمعة في باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة.

(3) مسند أحمد برقم 2018 مختصر 3291 مطولة بتحقيق أحمد محمّد شاكر ط مكتبة التراث الإسلامي.

(4) سنن الدارقطني / 225.

(5) نصب الراية 2 / 418 ط الأولى 1357.

(6) الخراج لأبي يوسف / 144ط السلفية.


4 ـ وفيما يخرج من البحر من حلية وعنبر ففيه الخمس.

وذلك فيما رواه طاووس عن ابن عباس : « أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) استعمل يعلى بن أمية على البحر فكتب إليه في عنبرة وجدها رجل على الساحل يسأله عنها وعمّا فيها فكتب إليه عمر : أنّه سيب من سيب ، فيها وفيما أخرج الله جل ثناؤه من البحر الخمس. قال : وقال عبد الله بن عباس : وذلك رأيي »(1) . والبصرة يحدّها البحر من جهة الشرق.

5 ـ وفي التعريف خارج عرفة لا يعلمون جواز ذلك لولا ما أعلمهم به ابن عباس عملياً.

فقد أخرج ابن سعد في ترجمة ابن عباس : « انّ الحكم بن أيوب المرسل إلى الحسن ـ البصري ـ يسأله : من أوّل من جمع بالناس في هذا المسجد يوم عرفة؟

فقال : أوّل من جمع ابن عباس قال : وكان مثجّة ـ أحسب في الحديث ـ يثير العلم.

قال : وكان يصعد المنبر فيقرأ سورة البقرة فيفسّرها آية آية »(2) .

وهذا رواه عبد الرزاق في المصنف(3) ، والبيهقي في السنن الكبرى(4) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء(5) .

____________

(1) نفس المصدر / 70.

(2) طبقات ابن سعد / 157 تح ـ السُلمي ط الطائف.

(3) المصنف 4 / 376.

(4) السنن الكبرى 5 / 118.

(5) سير أعلام النبلاء 3 / 35.


وفي رواية الجاحظ في البيان والتبيين : « وقال الحسن : كان عبد الله بن عباس أوّل من عرّف بالبصرة ، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسّرهما حرفاً حرفاً ، وكان والله مثجّاً يسيل غَرباً »(1) . والخبر في لسان العرب (ثجج ، غِرب).

ومن الغريب تفسير عبد السلام محمّد هارون لكلمة (أوّل من عرّفَ بالبصرة) فقال : « كذا ضبطت هذه الكلمة في ل ، ب. والتعريف هنا بمعنى التعليم »(2) ، ولم يتنبّه إلى معنى التعريف في الخبر وأنّ المراد به جمع الناس في يوم عرفة كما مرّ في تفسير الحسن البصري حسب رواية طبقات ابن سعد.

6 ـ وفي مسألة إحرام من أرسل الهدي إلى الحرم وواعد بتقليد الهدي.

فقد روى مالك في الموطأ بسنده عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير : « أنّه رأى رجلاً متجرّداً بالعراق فسأل الناس عنه فقالوا : انّه أمر بهديه أن يُقلّد فلذلك تجرّد ، قال ربيعة : فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال : بدعة وربّ الكعبة »(3) .

وهذا الخبر بما أحاطه من الضبابية على جهالة اسم المتجرّد ولعل مالكاً لم يذكره رعاية للعباسيين الذين أحاطوه بإفضالهم فكتب لهم الموطأ ، لكن الراوي نمّ على أن ذلك الشخص المتجرّد ممّن له شأن يذكر فسأل عنه ، وفي جواب ابن الزبير أيضاً ما يدلّ على التعريض به. وإذا بحثنا لمعرفة تلك الشخصية الّتي لفّها

____________

(1) البيان والتبيين 1 / 331 تح ـ هارون.

(2) هامش المصدر السابق.

(3) الموطأ 1 / 249.


الضباب عند مالك سنجد ابن أبي شيبة في المصنف يفصح عنه حين يذكر نفس الخبر عن ربيعة أنّه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان عليّ بن أبي طالب متجرّداً على منبر البصرة فسأل الناس عنه ، فقالوا : إنّه أمر بهديه أن يُقلّد فلذلك تجرّد ـ قال ربيعة ـ فلقيتُ ابن الزبير فذكرت ذلك له فقال : بدعة ورب الكعبة(1) . قال ابن حجر : « فعرف بهذا اسم المبهم في رواية مالك »(2) .

أقول : لقد مرّ الحديث عن هذا في حديث واحد خير شاهد فراجع.

7 ـ وفي مسألة تحريم تصوير ذوات الأرواح لم يكن المصورون يعلمون الحكم فيه. حتى إذا صار عبد الله بن العباس والياً عليهم وفقّههم ، أتاه من المصوّرين مَن يسأله عن عمله.

فقد روى أحمد في مسنده بسنده عن سعيد بن أبي الحسن ـ وهو أخ الحسن البصري ـ قال : « جاء رجل إلى ابن عباس فقال : يا بن عباس إني رجل أصوّر هذه الصور وأصنع هذه الصور فأفتني فيها؟ قال : أدن مني ، فدنا منه حتى وضع يده على رأسه ، قال : أنبئك بما سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : (كلّ مصوّر في النار يُجعل له بكل صورة صوّرها نفس تعذبه في جهنم) ، فإن كنت لابدّ فاعلاً فاجعل الشجر وما لا نَفسَ له »(3) . وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه.

وكان يتبع في تهذيب أهل البصرة دينياً مختلف الأساليب التربوية قولاً وعملاً ، فربّما رغّبهم وربّما رهبّهم ، فهو لا يصعد المنبر حتى يؤدي حقّ ذلك

____________

(1) المصنف 4ق1 / 88 ط باكستان.

(2) فتح الباري 4 / 294 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.

(3) مسند أحمد 4 / 290 برقم 2811.


الصعود ، إمّا بتفسير آيٍ من الذكر الحكيم ، أو حديث عن النبيّ الكريم ، وللتدليل على ذلك بشاهد فلنقرأ :

8 ـ ما رواه ابن سعد في ترجمة ابن عباس بسنده عن الحسن البصري قال : « أوّل من عرّف بالبصرة عبد الله بن عباس. قال : وكان مثجة كثير العلم ، قال : فقرأ سورة البقرة ففسّرها آية آية.

فمن غيره من الولاة الذين كانوا قبله صنع مثل ذلك؟ »(1) .

وكان يعلّمهم الدعاء كما يعلّمهم السورة من القرآن ـ كما يقول طاووس ـ : « يقول ابن عباس قولوا : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات »(2) . وعلى نمط هذا.

9 ـ ما رواه أحمد في مسنده بسنده عن أبي نضرة قال : « كان ابن عباس على منبر أهل البصرة فسمعته يقول : إنّ نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يتعوّذ في دُبر صلاته من أربع يقول : أعوذ بالله من عذاب القبر ، وأعوذ بالله من عذاب النار ، وأعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأعوذ بالله من فتنة الأعور الكذاب »(3) .

10 ـ ومن خطبه في ولايته بالبصرة الّتي أمات فيها باطلاً وأحيى بها حقاً كما أمره الإمام في كتابه إليه كما تقدم ، ما أخرجه الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن عبد الوارث قال : « بينا ابن عباس (رحمه الله) يخطب عندنا على منبر البصرة

____________

(1) طبقات ابن سعد / 158 تح ـ السُلمي ط الطائف.

(2) مسند أحمد 4 / 27 برقم 2168 تح ـ أحمد محمّد شاكر.

(3) نفس المصدر 4 / 231 وأخرجه ثانيه في / 275 برقم 2779 واسناده في المرتين صحيح.


إذ أقبل على الناس بوجهه ثمّ قال : أيتها الأمة المتحيّرة في دينها أم والله لو قدّمتم من قدّم الله ، وأخّرتم من أخّر الله ، وجعلتم الوراثة والولاية حيث جعلها الله ما عال سهم من فرائض الله ، ولا عال ولي الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، فذوقوا وبال ما فرّطتم فيه بما قدّمت أيديكم :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون ) (1) .

11 ـ ومن تكريمه لأهل العلم ، صنيعه مع أبي العالية رُفيع بن مهران ، قال : « دخلت على ابن عباس وهو أمير البصرة فناولني يده حتى استويت معه على السرير ، فقال رجل من بني تميم انّه مولى ، قال : وعليَّ قميص ورداء وعمامة بخمسة عشر درهماً »(2) .

وعند الذهبي : « فتغامزت بي قريش ، فقال ابن عباس : هكذا العلم يزيد الشريف شرفاً ، ويجلس المملوك على الأسرّة »(3) . وستأتي ترجمة أبي العالية وفيها شواهد عن ولائه لأهل البيت (عليهم السلام) في الحلقة الثالثة إن شاء الله.

12 ـ أتاه رجل بسعاية فقال له : « يا هذا إن كنت صادقاً مقتناك ، وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن شئت أقلناك. فقال : أقلني »(4) .

وهذا مأخوذ من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قولاً وفعلاً ، فقد أتاه رجل يسعى إليه برجل فقال : « يا هذا نحن نسأل عمّا قلت ، فإن كنت صادقاَ مقتناك ، وإن كنت كاذباً عاقبناك ، وإن شئت أن نقيلك. فقال : أقلني يا أمير المؤمنين »(5) .

____________

(1) أمالي الطوسي 1 / 62 و 97 مط النعمان والآية من سورة الشعراء / 227.

(2) انظر طبقات ابن سعد 7 / 80 ـ 85.

(3) سير أعلام النبلاء 5 / 208.

(4) إحياء العلوم للغزالي بشرح اتحاف السادة المتقين 9 / 352.

(5) نفس المصدر.


13 ـ ومن خطبه الترغيبية في البصرة ما أخرجه أحمد أيضاً في روايتين واللفظ بينهما وكلاهما بسند ـ صحيح ـ عن أبي نضرة قال : « خطبنا ابن عباس على هذا المنبر منبر البصرة فقال : قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم : إنّه لم يكن نبيّ إلاّ له دعوة قد تنجزّها في الدنيا ، وإنّي قد اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي ، وأنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، آدمُ فمن دونه تحت لوائي ولا فخر ، قال ويطول يوم القيامة على الناس ، فيقول بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر ، فليشفع لنا إلى ربّنا (عزّ وجلّ) فليقض بيننا ، فيأتون آدم صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، فيقولون : يا آدم أنت الّذي خلقك الله بيده ، وأسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، اشفع لنا إلى ربنا فليقض بيننا ، فيقول : إنّي لست هُناكمُ ، إنّي قد أخرجت من الجنة بخطيئتي ، وانّه لا يهمّني اليوم إلاّ نفسي ، ولكن ائتوا نوحاً رأس النبيين ، فيأتون نوحاً فيقولون يا نوح اشفع لنا إلى ربّنا فليقض بيننا فيقول : إنّي لست هُناكم ، إنّي دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض ، وإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ، ولكن إئتوا إبراهيم خليل الله (عليه السلام) ، فيأتون إبراهيم (عليه السلام) فيقولون يا إبراهيم اشفع لنا إلى ربّنا فليقض بيننا ، فيقول : إنّي لست هُناكمُ ، إنّي كذبت في الإسلام ثلاث كذبات (!؟) فإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ـ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : إن حاوَلَ بهن إلاّ عن دين الله ، قوله :( إِنِّي سَقِيمٌ ) (1) وقوله :( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) (2) وقوله لامرأته : إنّها أختي ، ولكن ائتوا موسى (عليه السلام) الّذي اصطفاه برسالته

____________

(1) الصافات / 89.

(2) الأنبياء / 63.


وكلامه ، فيأتون موسى ، فيقولون : يا موسى أنت الّذي اصطفاك الله برسالته وكلّمك ، فاشفع لنا إلى ربّك فليقض بيننا ، فيقول : إنّي لست هُناكم ، إنّي قتلت نفساً بغير نفس ، وإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ، ولكن إئتوا عيسى روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى ، فيقولون : يا عيسى أنت روح الله وكلمته ، فاشفع لنا إلى ربّك فليقض بيننا ، فيقول : إنّي لست هُناكم قد أُتخِذّت إلهاً من دون الله ، وإنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ثمّ قال : أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه ، أكان يُقدَر على ما في الوعاء حتى يفضّ الخاتم؟ فيقولون : لا فيقولون انّ محمّداً صلّى الله عليه (وآله) وسلّم خاتم النبيين قد حضر اليوم ، وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم : فيأتوني فيقولون : يا محمّد اشفع لنا إلى ربّك فليقض بيننا ، فأقول : نعم ، أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى ، فإذا أراد الله (عزّ وجلّ) أن يصدع بين خلقه نادى منادٍ : أين أحمد وأمتُه؟ فنحن الآخرون الأولون ، فنحن آخر الأمم وأوّل من يحاسَب ، فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّاً محجلّين من أثر الطهور ، وتقول الأمم : كادت هذه الأمة أن تكون أنبياءً كلّها.

قال : ثمّ آتي باب الجنة فأخذ بحلقة باب الجنة فأقرع الباب ، فيقال : من أنت؟ فأقول : محمّد ، فيُفتح لي ، فأرى (نور) ربّي (عزّ وجلّ) وهو على كرسّيه أو سريره ، فأخرّ له ساجداً ، وأحمده بمحامد لم يحمده


بها أحد كان قبلي ، ولا يحمده بها أحد بعدي ، فيقال : إرفع رأسك ، وقل تُسمع ، وسل تُعطه ، واشفع تشفّع ، قال : فارفع رأسي فأقول : أي ربّ أمتي أمتي ، فيقال لي : أخرِج من النار مَن كان في قلبه مثقال كذا وكذا ، فأخرجهم ، ثمّ أعود فأخرّ ساجداً ، وأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي ، ولا يحمده بها أحد بعدي ، فيقال لي : ارفع رأسك ، وقل يُسمع لك ، وسل تُعطه ، واشفع تُشفّع ، فأرفع رأسي فأقول : أي ربّ أمتي أمتي ، فيقال : أخرج من النار من كان في قلبه مثقال كذا وكذا ، فأخرجهم قال : وقال في الثالثة مثل هذا أيضاً »(1) .

وختاماً لحديثنا عن جهود ابن عباس في حقل التوجيه الديني والعلمي نختم بما جاء في أخبار الدولة العباسية بالسند عن أبي عرابة الهجيمي قال : « كان ابن عباس يفطّر الناس في شهر رمضان بالبصرة ، فكانوا لا ينقلبون في كلّ ليلة أن يسمعوا فائدة في دين أو دنيا ، فكانوا إذا فرغوا من العشاء تكلّم فأقل وأوجز ، فقال لهم ليلة : ملاك أمركم الدين ، وزينكم العلم ، وحصون أعراضكم الأدب ، وعزّكم الحلم ، وصلتكم الوفاء ، وطَولكم في الدنيا والآخرة المعروف ، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يُسرا.

فقال رجل : يا أبا العباس من أشعر الناس؟ فإنا قد تمارينا في ذلك منذ اليوم فكان كلّ قوم يقول شاعرنا. وأقبل عبد الله على أبي الأسود فقال : يا أبا الأسود من أشعر الناس؟ فقال أبو الأسود الّذي يقول :

ولقد اغتدى يدافع ركني

أجوليٌ ذو ميعة إضريجُ

مخلطٌ مزيلٌ مِعَنٌ مِغَنٌ

مِنفحٌ مِطرَحٌ سبوحٌ خَروجُ

سَلهبٌ شرجَبٌ كأنّ رَماحاً

حملته وفي السراة دُموجُ

تتعادى به قوائم لأمٍ

وحوامٍ صُمّ الحوافر عُوجُ

____________

(1) مسند أحمد 4 / 187 برقم 2546 و 4 / 241 برقم 2692 تح ـ أحمد محمّد شاكر.


مقبلاتٌ في الجري أو مدبراتٌ

بهوى طائعٍ بهن يهيج(1)

هذا الشعر لأبي داود الأيادي وكان أبو الأسود يفضله.

فقال ابن عباس : إنّ شعراءكم قد قالوا فبلغ كلّ رجل منهم بعض ما أراد ، ولو كانت لهم غاية يستبقون إليها يجمعهم فيها طريق واحد ، لعلمنا أيهم أسبق إلى تلك الغاية ، فإن يك قال ولم يقل عن رغبة ولا رهبة فامرؤ القيس بن حجر »(2) .

وقد روي هذا الخبر برواية راو آخر في نفس المصدر قال : « كان ابن عباس مثجاً ينحدر غَرَبا ، وكان أمير البصرة يعشّي الناس في شهر رمضان ، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم ، وكان إذا كانت آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ، ويتكلم بكلام يردعهم ويقول : ملاك أمركم الدين ، وصلتكم الوفاء ، وزينتكم العلم ، وسلامتكم الحلم ، وطَولكم المعروف ، إن الله كلّفكم الوسعَ فاتقوا الله ما استطعتم.

قال : فقام أعرابي فقال : من أشعر الناس أيها الأمير؟

قال : أفي أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود ، قال فقال أبو الأسود الدؤلي : أشعر الناس الّذي يقول :

فإنك كالليل الّذي هو مدركي

وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسع

قال : نابغة بني ذبيان »(3) .

____________

(1) الأبيات في الأغاني 16 / 376 بتفاوت في اللفظ.

(2) أخبار الدولة العباسية / 29.

(3) نفس المصدر / 33 ـ 34.


والّذي أراه في إحالة ابن عباس على أبي الأسود والسؤال منه من أشعر الناس؟ لأنّه لم يستسغ لنفسه الخوض في ذلك على أثر العظة وقد استنكر سؤال الأعرابي لذلك السبب ، وإلاّ فابن عباس أعلم الناس بذلك كما في محاورة له مرت في أيام عمر وقد سأله نفس السؤال فأجابه بأنّ ذلك زهير بن أبي سُلمى المزني لقوله يمدح قوماً من غطفان يقال لهم بنو سنان واستنشده من شعره فيهم فأنشده :

لو كان يخلد أقوام بمجدهم

أو ما تقدّم من أيامهم خلدوا

أو كان يقعد فوق الشمس من

كَرَمٍ قومٌ بأولهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم

طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

إلى آخر ما أنشده.

فجثا عمر على ركبتيه ثمّ قال : ما لهذا الشاعر قاتله الله ، لقد قال كلاماً حسناً ما كان ينبغي أن يقال إلاّ في أهل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما خصّهم الله به من النبوة والكرامة. إلى آخر ما جرى بين ابن عباس وعمر حول صرف قريش الخلافة عن أهل البيت ، وأنتهت المحاورة بقول عمر لجلسائه : « لله در ابن عباس ، واهاً لابن عباس والله ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه ».

وهذه المحاورة مع أمثالها ستأتي في الحلقة الثانية من الموسوعة إن شاء الله تعالى.

وحسبنا ما ذكرنا من شواهد دلّت على جهوده وجهاده في نشر الوعي الديني في المجتمع البصري الّذي كان متخلّفاً كثيراً في هذا الجانب ، ولا شك في أنّ الولاة قبل ابن عباس يتحملون نصيباً كبيراً من وزر ذلك التخلّف ، ومن


شك في ذلك فليقرأ تاريخ ولايتهم فهل يجد فيهم من كان مشابهاً لابن عباس ، ولولا الاطناب لعرضت نماذج من سير أولئك للمقارنة.

ومع ما كان عليه ابن عباس من فهم وعلم ، إذا استعصى عليه أمر كتب إلى الإمام فيه فيكتب الإمام إليه بالجواب كما في مسألة ميراث الجد مع ستة أخوة ، فكتب إليه : « إجعله كأحدهم وامح كتابي » كما في المصنف(1) ، ويبدو لي وقوع تصحيف في آخره ، وأنّ الصواب كما في كتاب ذكر أخبار اصبهان ، فقد ذكر أبو نعيم الاصبهاني في ترجمة محمّد بن الحارث الصيداوي الأسدي حديثاً رواه عن قيس بن الربيع عن سليمان وفراس المكتب : « كتب ابن عباس إلى عليّ في سبعة أخوة وجدة فكتب إليه أقسم المال بينهم ، وانسخ كتابي ولا تجلّده »(2) ، وهذا النصّ يدلنا على أنّ ابن عباس كان ينسخ كتاب الإمام وأنّه كان يجلّد الكتب الّتي ترده من الإمام (عليه السلام) ، وعليه فيمكن عدّ ابن عباس من الأوائل الذين جمعوا كلام الإمام في مجلد. وإن لم يشر إلى ذلك دارسو نهج البلاغة ، وهذا نص له دلالته الإيجابية.

ثمّ إنّه قد وردت عن ابن عباس مرويات في شتى فنون المعرفة رواها عنه رواة بصريون يعدّون بالعشرات ، ستأتي تراجمهم في الحلقة الثالثة من الموسوعة إن شاء الله تعالى ، وهؤلاء كانوا امتداداً لمدرسته في البصرة.

3 ـ السلوك الشخصي :

أمّا عن سلوكه الشخصي في البصرة ، فهو جزء متشابك مع النشاط الإداري والسياسي والتوجيه الديني والعلمي ولما كانت البصرة مهبط إبليس ـ كما مر

____________

(1) مصنف أبي شيبة 11 / 293 ط باكستان.

(2) أخبار اصبهان 2 / 113ط أفست إسماعيليان عن ط ليدن.


وصفها عن الإمام ـ فإنّ جند الشيطان بها كثير ، ولا ريب أنّهم يطمعون في التسلل إلى مراكز القوة لنيل أمانيهم ، وهل مطمع فوق مركز رأس السلطة ، فمتى نفذوا إليه واستحوذوا عليه ، تمّ لهم ما أرادوا ونالوا مبتغاهم ، ولا يضيق السبيل على ابليس وجنده ، ولهم في النميمة خير وسيلة لاختداع الوالي والتقرب منه ، وتلك سيرتهم مع الولاة والحاكمين في كلّ زمان ومكان ، فإن وجدوا أذناً صاغية لقد نجحوا في مسعاهم ونالوا مبتغاهم ، وإن لم يجدوا وكان الوالي له أذن عن الفحشاء صمّاء مثل ابن عباس ، فليس أبور من سلعتهم ، إذ لا نَفَاق للنِفَاق ، وقد ابتلي ابن عباس في ولايته بنماذج من يريدون أن يأكلوا المال بالباطل ، فمنهم النمامّون ، ومنهم الشعراء الهجّاؤن الذين يثلبون أعراض الناس ، وأضراب أو لا وأولئك كثيرون.

غير أنّه بما أتاه الله من قوة الشخصية مع حدّة الفهم وبُعد النظر ما ينفذ به إلى بواطن الأمور ، وكان على حدّ قول الإمام فيه ، وهو مربّيه ومولّيه : (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق)(1) ، ثمّ هو على حدّ وصفه له في خطبة ولايته بالفقه والتقوى والورع ، فلمّا كان كذلك كان من الطبيعي أن لا يفسح المجال أمام الإنتهازيين ، فكان شديداً بلا عُنف ، وليّناً بلا ضعف.

وإلى القارئ نموذجَين من مواقفه : أحدهما مع نمّام ، وآخر مع هجّاء.

فقد روي أنّ رجلاً أتاه بنميمة ، فقال له : يا هذا إن شئت سألنا عما جئت به ، فإن كنت صادقاً مقتناك ، وإن كنت كاذباً عاقبناك ، وإن شئت أقلناك ، فاستعفى الرجل ، ومن الطبيعي أن يعرف ذلك المتزلّفون إلى الحكّام بالنميمة ، فقد

____________

(1) جاء في فيض القدير للمناوي 1 / 60 قال فيه ـ ابن عباس ـ عليّ كرّم الله وجهه (كأنّما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق).


قطع عليهم الطريق ، فلا يعرَضوا أنفسهم إلى حساب ابن عباس وربّما أدّى إلى العقاب.

أمّا عن شريحة الشعراء الهجّائين فيكفي ما صنعه ابن عباس مع عيينة بن مرداس ـ وحديثه : « قالوا : أتى عيينة بن مرداس ـ وهو ابن فسوة ـ عبد الله بن العباس (عليهما السلام) ، وهو عامل لعليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه على البصرة ـ وتحته يومئذ شميلة بنت جنادة ابن بنت أبي أزهر الزهرانية ، وكانت قبله تحت مجاشع بن مسعود السُلمي ـ فاستأذن عليه فأذن له ـ وكان لا يزال يأتي أمراء البصرة فيمدحهم فيعطونه ويخافون لسانه ـ فلمّا دخل على ابن عباس قال له ما جاء بك إليَّ يا بن فسوة؟ فقال له : وهل عنك مقصراً ، ووراءك معدَى ، جئتك لتعينني على مرؤتي وتصل قرابتي.

فقال له ابن عباس : وما مرؤة من يعصي الرحمن ويقول البهتان ، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل ، والله لئن أعطيتك لأعيننك على الكفر والعصيان ، انطلق فأنا أقسم بالله لئن بلغني أنّك هجوت أحداً من العرب لأقطعنّ لسانك.

فأراد الكلام فمنعه مَن حضر ، وحبسه يومه ذلك ، ثمّ أخرجه من البصرة ، فوفد إلى المدينة بعد مقتل عليّ (عليه السلام) ، فلقي الحسن بن عليّ (عليه السلام) وعبد الله بن جعفر (عليهما السلام) فسألاه عن خبره مع ابن عباس (عليه السلام) فأخبرهما ، فاشتريا عِرضه بما أرضاه ، فقال يمدح الحسن وابن جعفر (عليهما السلام) ويلوم ابن عباس (رضي الله عنهما) :

أتيت ابن عباس فلم يقض حاجتي

ولم يرج معروفي ولم يخش منكري

حبست فلم أنطق بعذر لحاجة

وشُدّ خِصاص البيت من كلّ منظر

وجئت وأصوات الخصوم وراءه

كصوت الحمام في القليب المغوّر


وما أنا إذ زاحمت مصراع بابه

بذي صولة باقٍ ولا بحزوّر

فلو كنت من زهران لم ينس حاجتي

ولكنني مولى جميل بن معمر(1)

وباتت لعبد الله من دون حاجتي

شميلة تلهو بالحديث المقتّر

ولم يقترب من ضور نار تحتَها

سُميلة إلاّ أن تصلي بمجمر

تطالع أهل السوق والباب دونها

بمستفلك الذفرى أسيل المدثّر

إذا هي همت بالخروج يردّها

عن الباب مصراعاً منيف محبّر(2)

فليت قلوصي عريت أو رحلتها

إلى حسن في داره وابن جعفر

إلى ابن رسول الله يأمر بالتقى

وللدين يدعو والكتاب المطهّر

إلى معشر لا يخصفون نعالهم

ولا يلبسون السَبت ما لم يخصّر

فلما عرفت اليأس منه وقد بدت

أيادي سبا الحاجات للمتذكر

تسنّمت حرجوجاً كأن بغامها

أحيح ابن ماء في يراع مفجّر

فما زلت في التسيار حتى أنختها

إلى ابن رسول الأمة المتخيّر

فلا تدعني إذ رحلتُ اليكم

بني هاشم أن تصدروني لمصدر

وهي قصيدة طويلة هذا ذكر في الخبر منها اهـ. »(3) .

فهذا الّذي رواه صاحب الأغاني رواه أيضاً غيره ، فالبلاذري روى ذلك بأخصر ممّا رواه الاصفهاني ، وجاء عنده : « فقال له ابن جعفر : أنا أعطيك ما

____________

(1) وكان حليفاًَ لجميل بن معمر القرشي.

(2) وجدت بخط إسحاق الموصلي : محيّر.

(3) الأغاني 19 / 143.


تريد على أن تمسك عن ابن عباس فلا تذكره بعد هذه الكلمة فأعطاه وأرضاه

وقال : إنّ عبد الله بن عباس دعا على ابن فسوة فخرس وأصابه خبل مات فيه »(1) . وروى الخبر ابن قتيبة(2) .

وقد يساور الشك بعض القراء فيتخيل البخل في ابن عباس حيث لم يتق شر لسان ابن فسوة ، فيسد فمه بلهوة ، ولكن سرعان ما يتبدد ذلك الخيال حين يقرأ نماذج من أقوال معاصريه في سخائه.

كقول عطاء : « ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر علماً وأعظم جفنة »(3) .

وقول مجاهد : « كان ابن عباس أمدّهم قامة ، وأعظمهم جفنة ، وأوسعهم علماً »(4) .

وقول الضحاك : « ما رأيت بيتاً أكثر خبزاً ولحماً من بيت ابن عباس »(5) .

فمن كان كذلك في بذله الطعام ، وإكرام الكرام ، لا يذهب الوهم بالقارئ أنّه منع ابن فسوة بخلاً ، وإنّما رأى في إعطائه معونة على الكفر والعصيان فلا يحلّ له إكرامه ، وهو يعصي الرحمن ويقول البهتان.

وحسبنا دليلاً على وضعه الكرم موضعه حديث وفادة أبي أيوب الأنصاري على ابن عباس بالبصرة وإكرامه ، حتى خرج عن داره فأنزله فيها ـ كما أنزل

____________

(1) أنساب الأشراف (ترجمة ابن جعفر) 2 / 49 تح ـ المحمودي.

(2) الشعر والشعراء / 137.

(3) أنظر تاريخ بغداد 1 / 174.

(4) أنظر طبقات ابن سعد ترجمة ابن عباس تح ـ السُلمي ص203.

(5) أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 451 ط دار الفكر.


رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في داره ، وملّكه كلّ ما أغلق عليها بابها ، إلى غير ذلك ممّا يأتي حديثه مفصلاً في أخريات أيام ولايته.

وكذلك ما روي في أخبار الدولة العباسية قال : وقدم ركب من بني عبد الله بن بلال ـ كذا والصواب : هلال ـ بن عامر البصرة ، فبلغ ذلك عبد الله بن العباس وهو يومئذ عامل عليّ بن أبي طالب على البصرة فأرسل إليهم فأتوه فقال : ما منعكم من النزول على ابن اختكم ـ وكانوا أخواله ـ فقالوا : نزلنا في بني هلال ، وكرهنا جماعة الناس وغمّ الأزقة ، وأحببنا فسحة هذا الظهر نسرح فيه.

قال : إذن لا تبعدوا من أن يأتيكم القرى ، فكانت الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام ، فقال ابن المنتخب الهلالي :

انّ ابن عباس وجود يمينه

كفى كلّ معتلّ قراناً وباخل

وأرحلنا عنه ولم ينأ خيرُه

ولا غاله عن برّنا أم غافل

تروح وتغدو كلّ يوم جفانُهُ

بكل سديف النيّ للجوع قاتل(1)

وروى الغزالي(2) ، والقاضي التنوخي في المستجاد(3) ، والفيض الكاشاني(4) ، وعبد الحفيظ أبو السعود(5) ، وغيرهم : « انّه اجتمع قرّاء البصرة إلى ابن عباس وهو عامل بالبصرة ، فقالوا : لنا جارٌ صوّام قوّّام يتمنى كلّ واحد منّا

____________

(1) أخبار الدولة العباسية / 124 تح ـ الدوري والمطلبي.

(2) إحياء العلوم 3 / 215.

(3) المستجاد من فعلات الأجواد / 34 تح ـ محمّد عليّ كرد علي ّط الترقي بدمشق سنة 1365.

(4) المحجة البيضاء 6 / 67.

(5) محمّد وصحبه ط دار الكتاب العربي بمصر سنة 1367.


أن يكون مثله ، وقد زوّج ابنة له من ابن أخيه وهو فقير ، وليس عنده ما يجهزها به. فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم فأدخلهم داره ففتح صندوقاً فأخرج منه ست بُدرٌ ثمّ قال : احملوا فحملوا. فقال ابن عباس : ما أنصفناه أعطيناه ما يشغله عن صيامه وقيامه ، ارجعوا نكن أعوانه على تجهيزها ، فليس للدنيا من القدر ما يشغل به مؤمناً عن عبادة ربّه تعالى ، وما بنا من التكبّر ما لا نخدم معه أولياء الله تعالى ، ففعل وفعلوا ».

وروى البلاذري : « إنّ ابن عباس كان يعشّي الناس بالبصرة في شهر رمضان ويحدّثهم ويفقههم فإذا كانت آخر ليلة من الشهر ودّعهم ثمّ قال : ملاك أمركم الدين ، ووصلتكم الوفاء ، وزينتكم العلم ، وسلامتكم في الحاكم ، وطَولكم في المعروف ، إنّ الله كلّفكم الوسع فاتقوه ما استطعتم »(1) .

هذه نبذة مقتطفة من تاريخ حياته في البصرة. ولم أقف على أصدق واصف له في أيام ولايته من صعصعة بن صوحان العبدي (رحمه الله) ، وذلك عندما قدم إلى الكوفة فسأله الإمام عنه فقال : « يا أمير المؤمنين ، إنّه آخذ بثلاث وتارك لثلاث :

آخذ بقلوب الناس إذا حَدّثَ ، وبحسن الاستماع إذا حُدِّث ، وبأيسر الأمر إذا خولف. وتارك المراء ، ومقارنة اللئيم ، وما يعتذرَ منه »(2) .

ولم يخطيء صعصعة في وصفه ، كما أنّه لم يبالغ ، فقد كان ابن عباس كذلك منذ كان فتى لم تستو شؤون رأسه كما قال عمر في حقه ، ولقد رآه

____________

(1) أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) برقم 117 نسخة مخطوطة بقلمي.

(2) مختصر تاريخ دمشق 12 / 313.


الحطيئة الشاعر في مجلس عمر وقد علا القوم بلسانه ونزل عنهم بسنّه فسأل عنه فقيل له هذا ابن عباس حبر الأمة ولسان قريش فأنشأ يمدحه بأبيات منها :

إنّي وجدت بيان المرء نافلة

تُهدى له ووجدت العيّ كالصمم

والمرء يبلى ويبقى الكلم سائرة

وقد يلام الفتى يوماً ولم يلم(1)

وصدق وصف القائل فيه :

صموت إذا ما زين الصمت أهله

وفتّاق أبكار الكلام المختّم

وعن ماحوى القرآن من كلّ حكمة

وسيطت له الآراء باللحم والدم(2)

حل مشكلة في التاريخ :

نقرأ أحياناً في التاريخ أحداثاً لفّها الغموض الزماني بضبابية تكاد تخفي حقائقها ، وإذا دققنا النظر فيها ملاحظين البُعد الزماني والمكاني ، نجد ما حَدَث من تشويش إنّما هو من فعل المؤرخين ، حين يذكرون النصوص المختلفة وأحياناً متضادة ومتنافرة ، ثمّ لا يتحمّلون عناء معالجتها ، مكتفين بسياقها مسندة ـ كما فعل الطبري وابن اعثم ـ أو نسبتها إلى القيل ، وبذلك يحسبون أنهم رفعوا عن أنفسهم إصر التبعة ، غافلين عن حساب البُعد الزماني والمكاني في تكوين الحَدَث ، ومهما كان عذرهم ، فإنّ المشكلة الّتي تواجهنا فعلاً ، هي تحديد الفترة الّتي أقامها الإمام في الكوفة بدءاً من دخوله إليها في 12 رجب سنة 36 إلى أن

____________

(1) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 229 ط دار الكتب ، والإصابة 2 / 352 ، والاستيعاب بهامش الإصابة 2 / 346 ط مصطفى محمّد.

(2) الروض الأنف للسهيلي 2 / 313 ط مصر.


غادرها إلى حرب معاوية بصفين ، فإنّ تحديد الفترة بدقة إنّما ينفعنا فعلاً وفي المستقبل لترتيب الأحداث فيما بعدها ، وما ولّدته من تداعيات أفرزت مفاهيم خاطئة وجسيمة ، ومع ذلك فإنّما علينا الأناة ، ولابدّ لنا من الاستهداء بما ذكره المؤرخون على علاّته ، ثمّ علينا الموائمة بين أقوالهم ورواياتهم المتضاربة ما وسع التوفيق لذلك.

ولنأخذ نموذجاً منهم المسعودي المتوفى سنة 346 هـ ، فقد قال : « وولى على البصرة عبد الله بن عباس وسار إلى الكوفة ، فكان دخوله لأثنتي عشرة ليلة مضت من رجب وصرف عن همدان جرير بن عبد الله البجلي وكان عاملاً لعثمان ووجّه بجرير بن عبد الله إلى معاوية ، فلمّا قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص فقدم جرير على عليّ فأخبره خبرهم »(1) .

وقال : « وكان سير عليّ من الكوفة إلى صفين لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين »(2) .

وقال : « ولمّا كان أوّل يوم من ذي الحجة بعد نزول عليّ على هذا الموضع ـ يعني شريعة الماء بصفين ـ بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة ، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم سنة سبع وثلاثين »(3) .

فهذا نموذج واحد ولم يبعد عنه الآخرون في ضبط الأحداث باليوم والشهر والسنة ، وهذا ما يبعث على العجب! وأعجب منه ما رواه أبو هلال

____________

(1) مروج الذهب 2 / 381 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) نفس المصدر / 348.

(3) نفس المصدر / 387.


العسكري بسنده عن الزهري قال : « ورد عليّ الكوفة بعد الجمل في شهر رمضان سنة ست وثلاثين »(1) !!

فإنّ الزمن الّذي حددوه ـ ومنهم المسعودي ـ من دخول الإمام إلى الكوفة في 12 رجب سنة 36 هـ وبين خروجه منها إلى صفين في 5 شوال سنة 36 هـ لم يبلغ ثلاثة أشهر ، مع أنّ المسعودي بالذات ذكر في كتابه قولاً : « أن كان بين دخول الإمام الكوفة وبين التقائه معاوية للقتال بصفين ستة أشهر وثلاثة عشر يوماً »(2) ولم يعقب على ذلك القول بشيء ، ممّا دل على رضاه به. وهذا التحديد على ما فيه أحسبه أقرب إلى الواقع إذا ما جعلناه ستة عشر شهراً وثلاثة عشر يوماًَ ، واحتملنا سقوط (عشر) من بعد الستة من الناسخ. وحينئذ يتفق مع قول الشعبي الّذي رواه نصر بن مزاحم : « إنّ عليّاً قدم من البصرة مستهل رجب وأقام بها سبعة عشر شهراً يجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص »(3) .

فإنّا إذا اعتمدنا هذا القول في تحديد الفترة تكشفت بعض الجوانب من الضبابية ، لأنّها ـ الفترة ـ حينئذٍ تسع لتلك الأحداث المذكورة.

وللتوضيح وعلى سبيل المثال ، فلنأخذ حدثاً له أبعاد زمانية ومكانية تنير الدرب أمامنا. ذلك هو كتاب الإمام إلى جرير بن عبد الله وكان عاملاً لعثمان على همدان وإرساله إلى معاوية ولنرجع في حكايته على طولها إلى أقدم مصدر بين أيدينا هو كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم المتوفى سنة 212 هـ.

____________

(1) جمهرة الأمثال 2 / 158.

(2) مروج الذهب 2 / 360.

(3) وقعة صفين / 89 ـ 90.


قال : « فكتب إليه مع زحر بن قيس الجعفي : أمّا بعد فإنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال ، وإنّي أخبرك عن نبأ من سرنا إليه من جموع طلحة والزبير عند نكثهم بيعتهم ، وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف. إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار ، حتى إذا كنت بالعُذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس وعمّار بن ياسر وقيس بن سعد بن عُبادة ، فاستنفروهم فأجابوا ، فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في الدعاء ، وأقلت العثرة ، وناشدتهم عقد بيعتهم ، فأبوا إلاّ قتالي ، فاستعنت بالله عليهم فقُتل من قُتل وولوا مدبرين إلى مصرهم ، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء ، فقبلت العافية ، ورفعت السيف ، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس ، وسرت إلى الكوفة ، وقد بعثت اليكم زحر بن قيس فاسأل عما بدا لك »(1) .

ثمّ ذكر نصر : خطبة جرير في الناس وخطبة زحر بن قيس وذكر من الشعر لابن أخت جرير ولجرير ولغيرهما ممّا لا يعنينا ولا يغنينا ذكره ، سوى أنّ الّذي يعنينا قول الراوي : « فأجاب جرير وكتب جواب كتابه بالطاعة »(2) ، وهذا الّذي جرى كلّه يحتاج إلى زمان لا يقل عن الشهر.

وقال أيضاً : « ثمّ أقبل جرير سائراً من ثغر هَمَدان حتى ورد على عليّ (عليه السلام) بالكوفة فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس من طاعة عليّ واللزوم لأمره »(3) .

____________

(1) نفس المصدر / 19 فما بعدها.

(2) نفس المصدر / 20.

(3) نفس المصدر / 24.


وقال أيضاً : « عن عامر الشعبي انّ عليّاً (عليه السلام) حين قدم من البصرة نزع جريراً عن هَمَدان فجاء حتى نزل الكوفة ، فأراد عليّ أن يبعث إلى معاوية رسولاً فقال له جرير : ابعثني إلى معاوية فإنّه لم يزل لي مستنصحاً ووُدّا ، آتيه فأدعوه على أن يسلّم لك هذا الأمر ، ويجامعك على الحقّ ، على أن يكون أميراً من أمرائك ، وعاملاً من عمّالك ما عمل بطاعة الله ، واتبع في كتاب الله ، وأدع أهل الشام إلى طاعتك وولايتك ، وجلّهم قومي وأهل بلادي وقد رجوت ألاّ يعصوني.

فقال له الأشتر : لا تبعثه ودعه ، ولا تصدّقه ، فوالله إنّي لأظن هواه هواهم ، ونيّته نيّتهم.

فقال له عليّ : دعه حتى ننظر ما يرجع به الينا ، فبعثه عليّ (عليه السلام) وهذا أيضاً يجب أن يحسب له مقدار من الزمان ولا أقل من شهر »(1) .

وقال أيضاً : « فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية فدخل عليه »(2) .ثمّ ذكر كلام جرير في الإمام وبيعة أهل الإسلام له إلاّ الشام ودفع إليه كتاب الإمام (عليه السلام) ـ وذكر نسخة الكتاب.

ثمّ ذكر خطبة جرير وهي خطبة بليغة : « ثمّ قعد فقال معاوية : أنظِر وننظُر واستطلعُ رأي أهل الشام ثمّ خطب معاوية فيهم ودعاهم إلى أنّه ولي دم عثمان فأجابوه إلى الطلب بدمه »(3) .

وقال أيضاً : « واستحثه جرير بالبيعة فقال يا جرير إنّها ليست بخلسة ، وإنه أمر له ما بعده ، فأبلعني ريقي حتى أنظر ، ودعا ثقاته فقال له عتبة بن أبي سفيان ـ

____________

(1) نفس المصدر / 32.

(2) نفس المصدر / 33.

(3) نفس المصدر / 34 ـ 36.


وكان نظيره ـ إجتمعنّ على هذا الأمر بعمرو بن العاص وأثمن له بدينه ، فإنّه من قد عرفت ، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشدّ اعتزالاً إلاّ أن ير فرصة »(1) .

وقال أيضاً : « وكتب معاوية إلى عمرو وهو بالسبع من فلسطين فلمّا قرأ الكتاب على عمرو استشار ابنيه فاشار عليه عبد الله بما هو خير له في دينه ، واشار عليه محمّد بما هو خير له في دنياه ـ وأخيراً ذكر تردده حتى قطع عليه ذلك غلامه وردان ـ فسار حتى قدم على معاوية ، وعرف حاجته إليه ، فكايد كلّ منهما صاحبه حتى تمت الصفقة فاعطى معاوية مصر طعمة لعمرو وكتبا بذلك كتاباً »(2) .

وذكر بعد ذلك : « قال ـ معاوية لعمرو ـ ما ترى في عليّ؟ فأشار عليه بأن يرسل إلى شرحبيل بن السمط الكندي وهو عدو لجرير المرسَل إليك ، فأرسل إليه ووطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس عليّاً قتل عثمان

فكتب ـ معاوية ـ إلى شرحبيل أن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند عليّ ابن أبي طالب بأمر فظيع فأقدم.

ودعا معاوية رؤوس قحطان واليمن وكانوا ثقات معاوية وخاصته وبني عم شرحبيل ، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن عليّاً قتل عثمان ، واستشار شرحبيل أهل اليمن ، فنهاه عبد الرحمن بن غنم الأزدي وهو صاحب معإذ بن جبل وختنه وكان أفقه أهل الشام وبعث إليه عياض الثمالي وكان ناسكاً بشعر ينصحه فيه ،

____________

(1) نفس المصدر / 38.

(2) نفس المصدر / 39 ـ 42.


لكنه لم يقبل النصيحة ، وأتى معاوية وتلقاه الناس وعظّموه بأمر معاوية ، فدخل على معاوية وقد حشي دماغه بأنّ عليّاً قتل عثمان. فقال يا معاوية أبى الناس إلاّ أنّ عليّاً قتل عثمان ، ووالله لئن بايعت له لنخرجنّك من الشام أو لنقتلنّك. قال معاوية : ما كنت لأخالف عليكم ، وما أنا إلاّ رجل من أهل الشام. قال : فردّ هذا الرجل إلى صاحبه إذاً.ثمّ أمر حصين بن نمير أن يحضر له جريراً فأحضره وتجادلا هو وشرحبيل إلى أن كتب جرير رسالة شعرية إلى شرحبيل ينصحه فيها ، فتراجع عن رأيه وبلغ معاوية ذلك فلفق له رجالاً يدخلون عليه ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به عليّاً فأعادوه إلى رأيه الأوّل. وبلغ ذلك قومه فأرسل إليه ابن أختٍ له من بارق بشعرٍ ينصحه ويعيّره بمتابعة ابن هند ، فعزم على قتاله إلاّ أنّه هرب إلى الكوفة ، ثمّ أتى معاوية وجعل يحرّضه على الطلب بدم عثمان فقال له جرير يا شرحبيل ، مهلاً فإنّ الله حقن الدماء ولمّ الشعث وجمع أمر الأمة فإياك أن تفسد بين الناس ، وأمسك عن هذا القول قبل أن يظهر منك قول لا تستطيع ردّه ثمّ قام فتكلم فصدّقه الناس ، فعندها أيس جرير »(1) .

وهذا كلّه يحتاج إلى حساب الزمان الّذي استغرقته تلك المفاوضات والمكاتبات.

وقال أيضاً : « أتى معاوية جريراً في منزله فقال يا جرير انّي قد رأيت رأياً قال : هاته قال اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية ، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي ، وأسلّم له هذا الأمر واكتب إليه بالخلافة ، فقال : جرير أكتب بما أردت وأكتب معك ، فكتب معاوية بذلك إلى عليّ.

____________

(1) نفس المصدر / 49.


فكتب عليّ إلى جرير : أمّا بعد فإنّما أراد معاوية ألاّ يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحب وأراد أن يريّثك حتى يذوق أهل الشام ، وان المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة ، فأبيت ذلك عليه ، ولم يكن الله ليراني اتخذ المضلين عضدا ، فإن بايعك الرجل ، وإلاّ فأقبل.

وقال : وفشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة ـ وهذا كان في المدينة ـ وذكر مقطوعتين من الشعر يحرّضه على الحرب »(1) .

وقال أيضاً : « فخرج جرير يتجسس الأخبار فإذا هو بغلام يتغنى على قعود له ـ ثمّ ذكر شعره يسمّي قاتلي عثمان والمحرّضين عليه ، وقال في الإمام :

فأمّا عليّ فاستغاث ببيته

فلا آمر فيها ولم يك ناهيا

إلى آخر أبياته.

فسأله جرير من أنت؟ قال من قريش واصلي من ثقيف ، أنا ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق قتل أبي مع عثمان يوم الدار ، فعجب جرير من قوله وكتب بشعره إلى عليّ. فقال عليّ : والله ما اخطأ الغلام شيئاً »(2) .

وقال أيضاً : « أبطأ جرير عند معاوية حتى أتّهمه الناس. وقال عليّ : وقّتُ لرسولي وقتاً لا يقيم بعده إلاّ مخدوعاً أو عاصياً ، وأبطأ على عليّ حتى أيس منه »(3) .

____________

(1) نفس المصدر / 58.

(2) نفس المصدر / 60.

(3) نفس المصدر / 61 ، وفي شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 219 كلام له (عليه السلام) في ذلك.


وقال أيضاً : « وكتب عليّ إلى جرير بعد ذلك : أمّا بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، وخذه بالأمر الجزم ، ثمّ خيّره بين حرب مُجلية ، أو سلم مُحظية. فإن اختار الحرب فانبذ له وان اختار السلم فخذ بيعته.

فلمّا انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب فقال له يا معاوية ، إنّه لا يطبع على قلب إلاّ بذنب ، ولا يُشرح صدر إلاّ بتوبة ، ولا أظن قلبك إلاّ مطبوعاً ، أراك قد وقفت بين الحقّ والباطل كأنّك تنتظر شيئاً في يدي غيرك.

فقال معاوية : ألقاك بالفيصل أوّل مجلسي إن شاء الله.

فلمّا بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال : يا جرير الحقّ بصاحبك وكتب إليه بالحرب »(1) ، ولم يذكر نص الكتاب إلاّ أنّ المبرّد ذكره في الكامل وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج(2) .

وقال نصر : « لمّا رجع جرير إلى عليّ كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية »(3) .

ثمّ ذكر ما جرى بين الأشتر وجرير من كلام وتبادل التهم وحتى الشتم ممّا أغضب جريراً فخرج مغاضباً إلى قرقيسيا ولحق به أناس من قسر من قومه ، ولم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر ، ولكن أحمس شهدها منهم سبعمائة رجل.

____________

(1) وقعة صفين / 62.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 252.

(3) وقعة صفين / 66 ـ 67.


وقال أيضاً : « وخرج عليّ إلى دار جرير فشعث منها وحرّق مجلسه ، وخرج أبو زرعة بن عمر بن جرير فقال : أصلحك الله إن فيها أرضاً لغير جرير ، فخرج عليّ منها إلى دار ثوير بن عامر فحرّقها وهدم منها. وكان لحق بجرير »(1) .

وفي رواية ابن سعد في طبقاته في ترجمة جرير بسنده عنه قال : « بعث إليَّ عليّ ابن عباس والأشعث بن قيس قال : فأتياني وأنا بقرقيسيا فقالا : انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقرئك السلام يخبرك أنّه نعم ما آراك الله من مفارقتك معاوية ، وإنّي أنزلك منزلة نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي أنزلكها ، فقال لهما جرير : إنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وآله بعثني إلى اليمن أُقاتلهم وأدعوهم إلى الإسلام ، فإذا قالوا لا إله إلاّ الله حرمت أموالهم ودماؤهم ، ولا أُقاتل رجلاً يقول لا إله إلاّ الله أبداَ فرجعا على ذلك »(2) .

فهذا الخبر يضيف أبعاداً زمانية أُخرى مضافاً إلى ما تقدم.

ولنقف هنا وقفة تأمل وحساب لأبعاد الزمان والمكان لجميع ما مرّ بنا منذ كتاب الإمام إلى جرير وهو بهمدان وحتى نهاية مفارقة جرير الكوفة إلى قرقيسيا ، فذلك كلّه جرى والإمام بعدُ في الكوفة لم يخرج إلى حرب صفين ، فياترى كم يستغرق جميع ما جرى من زمان؟

ولا يفاجأ القارئ إذا ما أتيناه بنص عند ابن اعثم جاء فيه : « فأمر جرير فقُدّمت أثقاله ثمّ استوى على فرسه وسار حتى قدم على عليّ (رضي الله عنه) بعد عشرين ومائة ليلة فأخبره بأخبار معاوية »(3) !

____________

(1) نفس المصدر / 68.

(2) طبقات ابن سعد 6 / 294 ط 1 تح ـ الدكتور عليّ محمّد عمر نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.

(3) كتاب الفتوح لابن أعثم 2 / 404 ط دار الندوة الجديدة بيروت.


فإذا كانت مدة مكث جرير بالشام وحدها كانت أربعة أشهر ، وهي تزيد على ما ذكروه من مدة دخول الإمام الكوفة 12 رجب إلى خروجه منها إلى صفين في 5 شوال سنة 36 هـ ، إذن فالصحيح أن لا نبهر بأسماء المؤرخين ، كما أنا لا نبخسهم حقّهم ، ولكن الحقّ أحق أن يتّبع ، ونذهب إلى أن حرب صفين كانت سنة 37 هـ إلى سنة 38 هـ ، ويؤكد صحة ما ذهبنا إليه قول الشعبي في فترة المكث كانت سبعة عشر شهراً يجري الكتب فيها فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص.

ويزيدنا إيماناً بصحة ذلك ، أنّ ابن عباس أقام الحج سنة 36 هـ(1) فحج الناس بأمر من الإمام ، ولو كان الإمام قد خرج في شوال أو ذي القعدة إلى حرب معاوية وكان ابن عباس معه ، لا يمكن أن يحج بالناس في تلك السنة ، لأنّ الحرب بدأت في ذي الحجة وكان قد ولاّه الإمام على الميسرة ، ولم يرد في شيء من التواريخ أنّه ترك الحرب وتوجه إلى الحج.

وأحسب أنّي بصّرت القارئ بعرض المشكلة وحلّها بما يتفق ومنطق العقل وحساب الزمان والمكان. فإنّ الناس يومئذ كانوا يستعملون في مراكبهم الخيل والإبل ـ والبغال على ندرة ـ وتلك وسائطهم لنقل رسائلهم ، ولابدّ لرسلهم من قطع المسافات ، كما لابدّ من ملاحظة حال الرسول وحال المرسل وحال المرسل إليه ، فكلّ ذلك يستدعي منا فرض مدة زمنية على أقل تقدير. ومهما افترضناها من قلة فهي تبلغ أضعاف ممّا ذكره المؤرخون ومنهم المسعودي ـ كما قدمنا ـ فلم يكن لدى الناس يومئذ وسائل الإتصالات كما هي اليوم فلا طائرات ولا فاكس ولا أنترنيت ولا موبايل ، ولا هم يحزنون.

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 244 ط الحسينية ، وتاريخ اليعقوبي 2 / 190 ط الغَر ، ومروج الذهب 2 / 567 ط العامرة البهية سنة 1346 هـ.


معاوية والمخاتلة :

قال صاحب الحدائق الوردية : « ولمّا انقضى ـ كذا ـ حرب الجمل بالفتح المبين لأمير المؤمنين ، وبلغ إلى معاوية ذلك كتب إلى عليّ (عليه السلام).

بسم الله الرحمن الرحيم ، لعليّ بن أبي طالب من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد : فوالله ما بقي أحد أحبّ أن يكون هذا الأمر إليه منك ، ولقد عرفتَ رأي أبي قبل ، لقد جاءك يوم توفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعوك إلى البيعة ، فأنا على ذلك اليوم أسرع إن أعطيتني النَصَفَ ، وتحاملتَ على نفسك لقرابتي إن استعملتني على الشام ، وأعطيتني ما أثلج به لا تنزلني عنه ، بايعتُ لك ومَن قِبَلي ، وكنا اعوانك ، فقد رأيت عمر قد ولاّني فلم يجد عليّ ، وإن لم تفعل فوالله لأجلبنّ عليك خمسين ألف حصان قارح في غير ذلك من الخيل.

فلمّا قرأ عليّ (عليه السلام) الكتاب استشار فيه عبد الله بن عباس والحسن بن عليّ وعمّار بن ياسر رجلاً رجلاً.

فقال عمّار : والله ما أرى أن تستعمله على الزرقاء ، وإنّما فيها خمسة أنفس.

فقال عليّ : أطو ذلك.

ثمّ دعا الحسن وابن عباس ، فقالا : قد كنّا أشرنا عليك أن تقرّه على عمله ، ولا تحرّكه ، حتى إذا بايع الناس أخذت ما أردت وأقررته إن رأيته أهلاً لذلك »(1) .

____________

(1) الحدائق الوردية / 35 نسخة مخطوطة بمكتبة الإمام كاشف الغطاء. وقد طبع الكتاب أخيراً في صنعاء بتحقيق د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني سنة 1423 والخبر في 1 / 66 وأشار في الهامش إلى أنّه في المصابيح / 308.


قال صاحب الحدائق : وروينا عن السيّد أبي العباس بإسناده أنّ عليّاً (عليه السلام) قال : كان المغيرة بن شعبة قد أشار عليّ ان استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة فأبيت عليه ، ولم يكن الله ليراني أن اتخذ المضلين عضدا.

قال : قال الواقدي في حديثه : فلمّا علم معاوية ذلك من عليّ ، قال : والله ما كتبت إليه وأنا أريد أن أليَ له شيئاً ولا أبايعه ، ولكن أردت أن أخدعه وأقول لأهل الشام انظروا إلى عليّ وإلى ما عرض عليّ فيزيدهم بصيرة ويختلف أهل العراق عليه.

وروى غير واحد : أنّ معاوية أرسل أبا هريرة وأبا الدرداء إلى الإمام يدعوانه ليعيد الأمر شورى بين المسلمين ، وقد مرّا في رجوعهما من الإمام بحمص فعاتبهما عبد الرحمن بن غنم بن كريب الأشعري صاحب معإذ بن جبل وكان أفقه أهل الشام ، فكان ممّا قال لهما : عجبت منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليّاً إلى أن يجعلها شورى ، وقد علمتُما أنّه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق ، وأنّ من رضيَه خيرٌ ممّن كرهه ، ومن تبعه خير ممّن لم يتابعه ، وأيّ مدخلٍ في الشورى لمعاوية ، وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة ، وهو وأبوه رؤوس الأحزاب(1) .

إلى جهاد القاسطين :

لمّا عزم الإمام على المسير بنفسه إلى حرب معاوية ، وكان ذلك قصده الأوّل منذ كان في المدينة ، لولا أنّ الناكثينَ ـ طلحة والزبير ـ ومن لفّ لفهما من بني أمية واستغوائهم عائشة خرجوا معلنين الخلاف على الإمام ، صرفه عن قصده

____________

(1) أنظر المقفّى الكبير للمقريزي 4 / 47 دار الغرب الإسلامي.


الأوّل ، ولولاهم لعاجله الحرب ، ولكن جرى القدر الماضي على قدر ، فلمّا قضى على الزمرة الناكثة واتباعهم ، وأتى الكوفة أخذ في إسداء النصائح قبل أن يعلن الحرب ، وجرت مكاتبات دامت سبعة عشر شهراً ، لم تردع معاوية ولم تخضعه ، فصمّم حينئذٍ على الإستعداد والمسير بنفسه ، فكتب إلى عماله وأمراء الأجناد أن يوافوه بأجنادهم إلى النخيلة. وكان ابن عباس أحد من كتب إليه الإمام في ذلك.

روى نصر في كتابه بسنده عن عبد الله بن عوف بن الأحمر : « أنّ عليّاً لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة ، وكان كتب عليّ إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة :

أمّا بعد فأشخص إليَّ مَن قِبلك من المسلمين والمؤمنين ، وذكّرهم بلائي عندهم ، وعفوي عنهم ، واستبقائي لهم ، ورغّبهم في الجهاد ، وأعلمهم الّذي لهم في ذلك من الفضل.

فقام فيهم ابن عباس فقرأ عليهم كتاب عليّ ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (أيّها الناس ، استعدّوا للمسير إلى إمامكم ، وانفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ، فإنكم تقاتلون المحلّين والقاسطين ، الذين لا يقرءون القرآن ، ولا يعرفون حكم الكتاب ولا يدينون دينَ الحقّ ، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، والصادع بالحقّ والقيّم بالهدى ، والحاكم بحكم الكتاب ، الّذي لا يرتشي في الحكم ولا يداهن الفجّار ، ولا تأخذه في الله لومة لائم).

فقام الأحنف بن قيس ، فقال : نعم والله لنجيبنّك ، ولنخرجنّ معك على العسر واليسر ، والرضا والكره ، نحتسب في ذلك الخير ، ونأمل من الله العظيم من الأجر.


وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي ، فقال : وفّق الله أمير المؤمنين ، وجمع له أمر المسلمين ، ولعن المحلّين القاسطين ، الذين لا يقرءون القرآن ، نحن والله عليهم حنقون ، ولهم في الله مفارقون. فمتى أردتنا صحبتك خيلُنا ورجلُنا.

وأجاب الناس وخفّوا ، فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدؤلي ، وخرج حتى قدم على عليّ ومعه رؤوس الأخماس :

خالد بن المعمّر السدوسي(1) على بكر بن وائل ، وعمرو بن مرحوم العبدي(2) على عبد القيس ، وصبرة بن شيمان الأزدي(3) على الأزد ، والأحنف بن قيس(4) على تميم وضبة والرباب ، وشريك بن الأعور الحارثي(5) على أهل العالية.

____________

(1) خالد بن المعمّر السدوسي ، من رؤساء بني بكر في عهد عمر ، وكان مع الإمام عليّ في الجمل وصفين ومن أمراء جيشه أدرك عصر النبوة وبقي حتى عهد معاوية فولاّه إمرة إرمينية فقصدها فمات في طريقه إليها بنصبين. الأعلام للزركلي 2 / 340.

(2) عمرو بن مرحوم العبدي كانت إليه رئاسة عبد القيس وله موقف مشرّف ومشكور في فتنة ابن الحضرمي كما سيأتي الحديث عنها في أيام الإمام الحسن (عليه السلام) ، وقد عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

(3) صبرة بن شيمان الأزدي ، رأس الأزد في أيامه وقائدهم في وقعة الجمل ، كان مع عائشة على يسارها ، وله كلام مع معاوية وقد اجتمعت الوفود عنده فتكلموا فأكثروا فقام صبرة فقال يا أمير المؤمنين ، إنا حيّ فعال ولسنا بحيّ مقال ، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن فعالهم ، فقال : صدقت. الأعلام للزركلي 3 / 286.

(4) الأحنف بن قيس سيّد بني تميم ، أحد عظماء الدهاة الفصحاء الشجعان ، يضرب به المثل في الحلم ، اعتزل الحرب يوم الجمل ثمّ شهد صفين مع الإمام عليّ (عليه السلام) ولما تولى معاوية الأمر بعد الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام) عاتبه معاوية فأغلظ له في الجواب فسئل معاوية عن صبره عليه فقال : هذا الّذي إذا غضب غضب له مئة ألف لا يدرون فيم غضب. توفي بالكوفة سنة / 72 هـ وأخباره كثيرة جمع الجلودي كتاب (أخبار الأحنف) وللزركلي أيضاً نحو ذلك.

(5) شريك بن الأعور الحارثي هو ابن عبد الله الأعور البصري كان من شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة جليل القدر شهد صفين وقاتل مع عمار بن ياسر ، وهو الّذي أتى به ابن زياد معه من البصرة إلى الكوفة حين قدمها لضبطها من الثورة على الأمويين وقد دخلها مسلم بن عقيل ، فنزل شريك على هاني بن عروة وبها مسلم فحرّضه على اغتيال ابن زياد حين يأتي لعيادته وكان مريضا ، ومات بالكوفة سنة 60 ودفن بالثوية ، وصلّى عليه ابن زياد ، ولما علم ابن زياد انّه كان يحرّض على قتله قال : والله لا أصلي على جنازة عراقي أبداً ، ولولا ان قبر زياد فيهم لنبشت شريكاً. تاريخ الطبري 6 / 202 ط الحسينية.


فقدموا على عليّ بالنخيلة »(1) .

قال البلاذري : « وقد كان الأحنف وشريك قدما الكوفة مع عليّ ، فردّهما إلى البصرة ليستنفرا هؤلاء الذين ساروا معهما إلى الكوفة ، ويقال إنهما شيّعاه فردهما قبل أن يبلغا الكوفة ليستنفرا الناس إليه ففعلا ، ثمّ أشخصهما ابن عباس معه »(2) .

إلى صفين :

قال الخضري في محاضراته : « لم تكن واقعة الجمل على شدة هولها وفظاعة أمرها إلاّ مقدمة لما هو أشد منها وأفظع أمراً وهو الحرب في صفين ».

قال أبو حنيفة الدينوري : « فلمّا اجتمع إلى عليّ قواصيه ، وانضمت إليه أطرافه ، تهيأ للمسير من النخيلة ، ودعا زياد بن النضر وشريح بن هانيء فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس. ـ وذكر وصية الإمام لهما ـ ثمّ قال : فلمّا كان اليوم الثالث من مخرجهما قام في أصحابه خطيباً فقال : أيّها الناس نحن سائرون غداً في آثار مقدمتنا ، فإيّاكم والتخلّف ، فقد خلّفت مالك بن حبيب اليربوعي ، وجعلته على الساقة ، وأمرته ألاّ يدع أحداً إلاّ ألحقه بنا.

____________

(1) وقعة صفين / 130 ـ 131.

(2) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2 / 295 ـ 296.


فلمّا أصبح نادى في الناس بالرحيل ، وسار ـ ثمّ ذكر منازله الّتي مرّ بها من رسوم بابل إلى ساباط المدائن وقد هيئت له فيه الأنَزال ، ثمّ إلى الأنبار وهكذا قطع المنازل حتى وصل إلى صفين فوجد معاوية قد نزل على شريعتها الوحيدة الّتي لم يصلح غيرها للرواء ، لأن ما عداها أخراق عالية وأماكن وعرة ، وغياض ملتفّة ، فيها نزور طولها نحو من فرسخين ، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلاّ طريق واحد مفروش بالحجارة ، وسائر ذلك خِلاف وغرب ملتف لا يسلك ، وجميع الغيضة نزور ووحل »(1) . هكذا وصفها الدينوري.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : « وكان وصول عليّ (عليه السلام) إلى صفين لثمان بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين »(2) .

وذكر نصر بن مزاحم في وقعة صفين القتال على شريعة الماء حتى ملكها العراقيون : وأرادوا منع أهل الشام منه فيموتوا عطشا ، لكن الإمام منعهم من ذلك وأبت نفسه الشريفة إلاّ تكرّما ، وأباح الماء للواردين منهم أسوة بجنده ، فالناس فيه شرع سواء(3) .

وقال نصر : « ومكث عليّ يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه من قبل معاوية أحد »(4) .

وقال أبو حنيفة في الأخبار الطوال : « ثمّ توادع الناس وكفّ بعضهم عن بعض ، وأمر على ألاّ يُمنع أهل الشام من الماء فكان يسقون جميعاً ، ويختلط

____________

(1) الأخبار الطوال / 166.

(2) شرح النهج 1 / 292.

(3) وقعة صفين / 185 ـ 208.

(4) المصدر السابق / 209.


بعضهم ببعض ، ويدخل بعضهم في معسكر بعض ، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلاّ بخير ، ورجوا أن يقع الصلح فلم يزالوا يتراسلون شهر ربيع ـ الأوّل والثاني ـ وجمادى الأولى »(1) .

وقال نصر : « فتراسلوا ثلاثة أشهر ربيع الآخر وجمادين ، فيفزعون الفزعة فيما بين ذلك »(2) .

وقال أبو حنيفة : « ويفزعون فيما بين ذلك يزحف بعضهم إلى بعض ، فيحجز بينهم القراء والصالحون ، فيفترقون من غير حرب ، حتى فزعوا في هذه الثلاثة أشهر خمساً وثمانين فزعة ، كلّ ذلك يحجز بينهم القرّاء. فلمّا انقضت جمادى الأولى بات عليّ (رضي الله عنه) يعبيء أصحابه ويكتّب كتابه ، وبعث إلى معاوية يؤذنه بحرب ، فعَبى معاوية أيضاً أصحابه وكتّب كتابه ، فلمّا أصبحوا تزاحفوا وتواقفوا تحت راياتهم في صفوفهم ، ثمّ تحاجزوا فلم تكن حرب ، وكانوا يكرهون أن يلتقوا بجميع الفيلقين مخافة الاستئصال غير أنّه يخرج الجماعة من هؤلاء إلى الجماعة من أولئك ، فيقتتلون بين العسكرين ، فكانوا كذلك حتى أهلّ هلال رجب ، فأمسك الفريقان »(3) .

وقال نصر : « حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن يبايع القرّاء عليّاً على القتال ، أخذ في المكر ، وأخذ يحتال للقرّاء لكيما يحجموا عنه ، ويكفّوا حتى ينظروا ـ وان معاوية كتب في سهم : من عبد الله الناصح فإنّي أخبركم أنّ معاوية يريد أن يفجّر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم.

____________

(1) الأخبار الطوال / 169.

(2) وقعة صفين / 213.

(3) الأخبار الطوال / 169.


ثمّ رمى معاوية بالسهم في عسكر عليّ (عليه السلام) فوقع في يدي رجل من أهل الكوفة فقرأه ثمّ أقرأه صاحبه ، فلمّا قرأه وأقرأه الناس فلم يزل حتى رفع إلى أمير المؤمنين. فقال : ويحكم إنّ الّذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوى عليه ، وإنّما يريد أن يزيلكم عن مكانكم ، فالهوا عن ذلك ودَعَوه ».

ثمّ ذكر نصر عدم طاعتهم وخلافهم ونجاح معاوية بمكره حتى اضطروا إلى القتال مرة ثانية على الماء ، فاسترجعوا الشريعة وأرادوا منع الماء على معاوية وجنده ، فمنعهم الإمام وقال : « أيّها الناس انّ الخطب أعظم من منع الماء »(1) .

والآن فلنقرأ :

ماذا عن ابن عباس في صفين؟

لقد مرّ بنا قول المؤرخين : إنّ الإمام لم يبرح النخيلة حتى وافاه ابن عباس. ومرّ بنا قولهم : إنّه أتاه من البصرة ومعه أجناده ورؤوس الأخماس. وفارقناه منذ النخيلة وحتى صفين فلم نقف له على ذكر في تلك المنازل الّتي قطعها مع الإمام ، ولمّا كان هو مع الإمام لم يفارقه في حلّه وترحاله ، ولم يزل معه من بدء الحرب وحتى نهايتها المحزنة بخدعة التحكيم ، ثمّ لم يفارقه حتى عاد معه إلى الكوفة ، فلا شك أنّه كانت له في خلال تلك المدة الّتي استدامت شهوراً طويلة مواقف كثيرة ، وإذا كنا لا نحصيها عدداً ، لأنّا لم نحط بتفاصيلها خبراً ، لكن ما ظهر منها أثرى الموضوع دلالة وأصالة ، حيث وجدناه رأساً منظوراً في موقفه القيادي ، وقائداً عسكرياً في قتاله الميداني ، ومناوراً بارعاً صلباً مع المخادعين ، وخطيباً بليغاً في تعبئة أجناده.

____________

(1) وقعة صفين / 213.


وما علينا الآن إلاّ أن نلمّ ببعض النصوص التاريخية لنستعلم منها صفحات جهاده في صفين ، لتبدو مواقفه الناصعة النيّرة المشرقة.

أوّلاً : مركزه القيادي

قال نصر وأبو حنيفة الدينوري : « وقد استعمل على الميسرة عبد الله بن عباس وجعل في الميسرة ربيعة وجعل على قريش وأسد وكنانة عبد الله بن عباس »(1) ، وهذا الّذي تكاد تتفق عليه المصادر الأولى التاريخية ، وفي بعضها نجد : « وعبّأ عليّ بن أبي طالب أصحابه وجعل على خيل القلب عبد الله بن عباس والعباس بن ربيعة بن الحارث »(2) ، ويصح جميع ذلك إذا عرفنا أنّ الحرب استدامت شهوراً وشهورا ، فلا مانع من تغيير مكان القيادة تبعاً لما تمليه حالة الحرب وتعبئة العدوّ.

فقد قال نصر : « فمكثوا على ذلك حتى كان ذو الحجة فجعل عليّ يأمر هذا الرجل الشريف فيخرج معه جماعة فيقاتل ، ويخرج إليه من أصحاب معاوية رجل معه آخر فاقتتل الناس ذا الحجة كلّه ، فلمّا مضى ذو الحجة تداعى الناس أن يكفّ بعضهم عن بعض إلى ان ينقضي المحرم ، لعل الله أن يجري صلحاً واجتماعاً ، فكفّ الناس بعضهم عن بعض »(3) .

ثمّ ذكر نصرَ وغيره أيضاً ـ تبادل الرسل بالمساعي الحميدة لكن معاوية بعناده لم يرضخ لقبول الحقّ.

____________

(1) وقعة صفين / 213 ، الأخبار الطوال / 171.

(2) تاريخ الفتوح لابن اعثم الكوفي 3 / 32.

(3) وقعة صفين / 219 ـ 221.


قال أبو حنيفة : « فلمّا انسلخ المحرم ـ أي من سنة 38 ـ بعث عليّ منادياً فنادى في عسكر معاوية عند غروب الشمس : إنّا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحرم وقد تصرمت ، وإنّا ننبذ إليكم على سواء ، إنّ الله لا يحب الخائنين.

فبات الفريقان يكتّبون الكتائب ، وقد أوقدوا النيران في العسكرين ، فلمّا أصبحوا تزاحفوا »(1) .

هذا ما ذكره الدينوري ، ولم يبعد عن رواية نصر بن مزاحم في وقعة صفين كثيراً. إلاّ أنّ نصراً ذكر في موضع آخر فقال : « فلمّا انسلخ المحرم واستقبل صفر وذلك سنة تسع وثلاثين »(2) ، وأحسب وهماً أو تصحيفاً جرى في تحديد السنة.

والصحيح فيما أراه كما بيّناه بين شارحتين عند ذكر رواية الدينوري أنّها سنة ثمان وثلاثين ، لأنّه قد مرّ بنا قول ابن أبي الحديد في تاريخ وصول الإمام إلى صفين (لثمانٍ بقين من المحرم من سنة سبع وثلاثين) ، ومرّ بنا عن نصر والدينوري ذكر المراسلة طيلة الأشهر ربيع الأوّل والثاني وجمادى الأولى والآخرة ، ومرّ بنا ذكر الفزعات الّتي تخللت تلك الشهور ، ثمّ ذكر الموادعة في رجب ، ثمّ استمرت الحال على نحو ذلك اللون من الحرب إلى نهاية شهر ذي الحجة وهو نهاية سنة سبع وثلاثين فلابدّ أن يكون هذا المحرّم الّذي تمت فيه الموادعة وقد انسلخ هو بداية سنة ثمان وثلاثين ، ولمزيد من الإيضاح ارجع إلى حلّ مشكلة في التاريخ ستجد مزيداً من التوضيح.

____________

(1) الأخبار الطوال / 171.

(2) وقعة صفين / 228.


ونعود إلى ابن عباس فلا نجد طروّ تبديل على مركزه القيادي منذ بدء الحرب حتى نهايتها ، محافظاً على السلامة الفكرية عند قواد أجناده ، ورفع المعنويات القتالية عند الأفراد ، ولم يذكر مؤرخو الأحداث انّ الميسرة أصابها ما أصاب الميمنة من تضعضع وحتى انكشاف بدت آثاره السيئة على القلب ، حتى قالوا انّ الإمام انحاز إلى الميسرة فاستقلت ربيعة في حمايته وتحالفت على الموت دونه ، وكان خطيبهم يقول لهم يا معشر ربيعة لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم.

وما رجعت الميمنة إلى مراكزها وانتظمت صفوفها إلاّ بعد أن اعترضهم الإمام وأرسل إليهم الأشتر فثابوا وتابوا ، والميسرة مستمرة في قتالها ، وقد ذكر نصر مشاهد قتالية دلت على بطولات نادرة ، ومع ذلك فقد ذكر ريبة ناسٍ في أحد رؤوس الأخماس وذلك هو خالد بن المعمر السدوسي ، واتهموه بأنّه كاتب معاوية وخافوا خيانته وهذا من ربيعة البصرة الذين جاؤا مع ابن عباس فأتوا الإمام وأخبروه بخشيتهم ، واتخذ الإمام الإجراء المناسب والحيطة ، ولم يذكر عن قبائل ربيعة أيّ شائبة في صدق القتال وبذل النصيحة ، وما ذلك إلاّ بفضل القيادة الحكيمة الّتي كانت تحت إمرة ابن عباس.

ثانياً : منازلته الحربية

لم نجد ابن عباس يباشر الحرب بنفسه إلاّ في أيام معلومات ، وهذا يفرض سؤالاً وجيهاً لماذا لم يباشر الحرب؟ مع أنّه بحكم مركزه القيادي يجب أن يكون مع المقاتلين في كلّ حملة فضلاً عن المبارزة الانفرادية.


وللجواب على ذلك : وجدنا نهياً من الإمام ـ وهو القائد الأعلى ـ ينهى جماعة عن مباشرة القتال كان منهم ابن عباس.

فقد روى ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار قال : « قال أبو الأغر التميمي : بينا أنا واقف بصفين مرّ بي العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ، مكفّرا بالسلاح ، وعيناه تبصّان من تحت المغفر كأنّهما عينا أرقم وبيده صفيحة يمانية يقلّبها وهو على فرس له صعب ، فبينا هو يمغته ويلين من عريكته ، هتف به هاتف من أهل الشام يعرف بعرار بن أدهم ، يا عباس هلمّ إلى البراز ، قال العباس : فالنزول إذا فإن أيأس من القفول ، فنزل الشامي وهو يقول :

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا

أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُل

وثنى العباس رجله وهو يقول :

ويصد عنك مخيلة الرجل العريض موضحة عن العظم

بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم

ثمّ عصّب فضلات درعه في حجزته ، ودفع فرسه إلى غلام له أسود يقال له : أسلم ، كأنّي والله انظر إلى فلافل شعره ، ثمّ دلف كلّ واحد منهما إلى صاحبه فذكرت قول أبي ذؤيب :

فتنازلا وتواقفت خيلاهما

وكلاهما بطل اللقاء مخدّع

وكفّت الناس أعنّة خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين ، فتكافحا بسيفيهما مليّاً من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته ، إلى أن لحظ العباس وهناً في درع الشامي فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته ، ثمّ عاد لمجادلته وقد أصحر له مفتق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره ،


فخرّ الشاميّ لوجهه وكبّّر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم ، وسما العباس في الناس ، فإذا قائل يقول من ورائي :( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ) (1) فالتفت فإذا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقال لي يا أبا الأغر من المنازل لعدونا؟

قلت : هذا ابن أخيكم ، هذا العباس بن ربيعة. فقال : وإنّه لهو ، يا عباس ألم أنهك وابن عباس أن تخلاّ بمراكزكما وأن تباشرا حرباً؟ قال : انّ ذلك كان ، قال : فما عدا ممّا بدا؟ قال : يا أمير المؤمنين أفادعى إلى البراز فلا أجيب؟ قال : نعم طاعة أمامك أولى من إجابة عدوك ، ثمّ تغيّظ واستطار ، حتى قلت : الساعة الساعة ، ثمّ سكن وتطامن ورفع يديه مبتهلاً فقال : اللّهمّ اشكر للعباس مقامه واغفر ذنبه انّي قد غفرت له فاغفر له »(2) .

فهذا الخبر فيه صراحة النهي لابن عباس أن يخلّ بمركزه ـ القيادي ـ وأن يباشر حرباً ـ بنفسه ـ ويبدو من الخبر الآتي أنّه قد علم بهذا النهي معاوية وخاصته ، إلاّ أنّهم فسّروه حفاظاً من الإمام على سلامة ابن عباس والنفر الآخرين. وذلك فيما رواه لنا نصر بن مزاحم في كتابه قال : « وحدّثنا عمر بن سعد عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة قال : ثمّ إنّ معاوية جمع كلّ قرشي بالشام فقال : العجب يا معشر قريش إنّه ليس لأحد منكم في هذه الحرب فعال يطول به لسانه غداً ما عدا عمراً ، فما بالكم

____________

(1) التوبة / 14 ـ 15.

(2) عيون الأخبار 1 / 179.


وأين حميّة قريش؟ فغضب الوليد بن عقبة وقال : وأيّ فعالٍ تريد ، والله ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق مَن يغني غناءنا باللسان ولا باليد.

فقال معاوية : بل إن أولئك قد وقوا عليّاً بأنفسهم.

قال الوليد : كلا بل وقاهم عليّ بنفسه.

قال : ويحكم أما منكم من يقوم لقرنه منهم مبارزة أو مفاخرة.

فقال مروان : أمّا البراز فإنّ عليّاً لا يأذن لحسن ولا لحسين ولا لمحمّد بنيه فيه ، ولا لابن عباس وأخوته(1) ويصلى بالحرب دونهم ، فلأيّهم نبارز؟

وأمّا المفاخرة فبماذا نفاخرهم أبالإسلام أم بالجاهلية؟ فإن كان بالإسلام فالفخر لهم بالنبوة ، وإن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن ، فإن قلنا قريش قالت العرب فأقروا لبني عبد المطلب »(2) .

فبدلالة هذين الخبرين عرفنا نهي الإمام لابن عباس عن مباشرة الحرب مبارزة ، وإنّما كان النهي لئلا تخل المبارزة والمباشرة بالمركز الّذي منه تنطلق الأوامر إلى رؤساء الأخماس بالتوجيه بما تمليه الحرب في الساعة

____________

(1) لعل الصواب في العبارة أن تكون هكذا : ولا لابن عباس ولا بني اخوته. أي بني اخوة الإمام الذين كانوا معه بصفين من أبناء جعفر وعقيل. أمّا اخوة ابن عباس فلم يذكر في أسماء من حضر صفين اسم أحدٍ منهم إلاّ ان ابن عبد البر في الاستيعاب ذكر في آخر ترجمة الحبر ابن عباس فقال : شهد عبد الله بن عباس مع عليّ (رضي الله عنهما) الجمل وصفين والنهروان ، وشهد معه الحسن والحسين ومحمّد بنوه وعبيد الله وقثم ابنا العباس ومحمّد وعبد الله وعون بنو جعفر بن أبي طالب والمغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وعبد الله بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب اهـ.

أقول : وهذا لا يخلو من نظر ، فان عبيد الله وقثم كانا واليين على اليمن ومكة ، وعقيل لم يحضر أي من الحروب الثلاثة ، نعم ورد ذكر مسلم بن عقيل في صفين وربّما كان معه بعض اخوته.

(2) وقعة صفين / 527 ـ 528.


والساحة ، من تنظيم وتوجيه أو منازلة أو مرابطة ، أو هجوم عام ، وذلك كله إنّما يتم من خلال البقاء في المركز القيادي وليتلقى الأوامر أيضاً من الإمام (عليه السلام) ، فهذا هو المدلول لكلمة الإمام : (ألم أنهك وابن عباس أن تخلاّ بمراكزكما وأن تباشرا حرباً).

وأمّا تفسير مروان لذلك الموقف فهو خطأ محض ، ولو كان لما ذكره وجه من الصحة لشمل الذكر بقية من حضر الحرب من بني هاشم كأبناء أخيه جعفر الطيار وهم محمّد وعبد الله وعون ، وكالمغيرة بن نوفل بن الحارث وعمه عبد الله بن ربيعة أخ العباس بن ربيعة وبقية الهاشميين ، فإنّ شفقة الإمام كانت على الجميع سواسية ، مع أنّ أبناء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا يخوضون الحرب معه ويحوطونه ويتقون النبال دونه ، ولا يمنع ذلك من الشفقة عليهم ، والتصدي بنفسه للعدو دونهم إذا خشي عليهم منه.

فقد روى نصر بسنده عن زيد بن وهب قال : « مرّ عليّ يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة ومعه ربيعة وحدها ، وإني لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه ، وما من بنيه أحد إلاّ يقيه بنفسه ، فيكره عليّ ذلك ، فيتقدم عليه ويحول بينه وبين أهل الشام ، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو من ورائه »(1) .

ويبدو من خلال وقائع الحرب الّتي استدامت طويلاً ، كانت لابن عباس بعض المنازلات الميدانية ، ولابدّ أنّها كانت بإذن من الإمام (عليه السلام) ، وقد وجدت له ثلاثة مواقف قتالية مع أقطاب قادة أهل الشام المميّزين : كعمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعبيد الله بن عمر ، وذي الكلاع الحميري.

____________

(1) وقعة صفين / 280.


ثالثاً : موقف خطابي ومنازلة ميدانية مع عمرو بن العاص

روى نصر بسنده عمن سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين وهو يحرّض أصحابه بصفين : « فقام محنيّاً على قوس ، فقال ـ ثمّ ذكر الخطبة وجاء في آخرها : مع أنّ القوم ـ ويعني أهل العراق ـ قد وطِئوا بلادكم وبغوا عليكم ، فجدّوا في قتال عدوكم ، واستعينوا بالله ربكم ، وحافظوا على حُرماتكم »(1) .

وقال نصر : « ثمّ إنّه جلس فقام عبد الله بن العباس خطيباً فقال :

الحمد لله رب العالمين ، الّذي دحا تحتنا سبعاً ، وسمك فوقنا سبعاً ، ثمّ خلق فيما بينهنّ خلقاً وأنزل لنا منهنّ رزقاً ، ثمّ جعل كلّ شيء يبلى ويفنى غير وجهه الحي القيوم الّذي يحيا ويبقى.

ثمّ إنّ الله بعث أنبياء ورسلا فجعلهم حججاً على عباده ، عُذراً أو نُذراً ، لا يطاع إلاّ بعلمه وإذنه ، يمنّ بالطاعة على من يشاء من عباده ثمّ يثيب عليها ، ويعصى بعلم منه فيعفو ويغفر بحلمه ، لا يقدر قدره ، ولا يبلغ شيء مكانه ، أحصى كلّ شيء عدداً ، وأحاط بكل شيء علماً.

ثمّ إني أشهد أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إمام الهدى والنبيّ المصطفى ، وقد ساقنا قدر الله إلى ما قد ترون ، حتى كان فيما اضطرب من حبل هذه الأمة ، وانتشر من أمرها ، أنّ ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعواناً على عليّ بن أبي طالب ابن عم رسول الله وصهره ، وأول ذكرٍ صلّى معه ، بدري قد شهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّ مشاهده الّتي فيها الفضل ، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام.

____________

(1) نفس المصدر / 358.


واعلموا والله الّذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله ، لقد قاتل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ يقول : صدق الله ورسولهُ ، ومعاوية وأبو سفيان يقولان : كذب الله ورسوله.

فما معاوية في هذه بأبّر ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم ، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر ، والله إنّكم لعلى الحقّ وإنّ القوم لعلى الباطل ، فلا يكوننّ أولى بالجدّ في باطلهم منكم في حقكم ، أما والله إنّا لنعلم أنّ الله سيعذّبهم بأيديكم وبأيدي غيركم.

اللّهمّ ربّنا أعنّا ولا تخذلنا ، وانصرنا على عدوّنا ، ولا تَخلُّ عنا ، وافتح بيننا وبين قومنا بالحقّ ، وأنت خير الفاتحين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم »(1) .

ثمّ جرت منازلة ميدانية واشتد القتال فيها ، فقد قال ابن اعثم الكوفي : « خرج عمرو بن العاص في خيل عظيمة ، فأخرج إليه عليّ (رضي الله عنه) عبد الله بن عباس في خيل مثلها ، فانصرفوا عن قتلى وجرحى »(2) .

رابعاً : يوم من أيام صفين مع الوليد بن عقبة

قال نصر في كتابه وقعة صفين : « فلمّا أن كان اليوم الخامس ـ من شهر صفر ـ خرج عبد الله بن العباس ، والوليد بن عقبة ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة ، فأخذ الوليد يسبّ بني عبد المطلب وأخذ يقول : يابن عباس قطعتم أرحامكم ، وقتلتم إمامكم ، فكيف رأيتم صنع الله بكم ، لم تعطوا ما طلبتم ، ولم تدركوا ما أمّلتم ، والله ـ إن شاء الله ـ مهلككم وناصرنا عليكم.

____________

(1) نفس المصدر / 359.

(2) كتاب الفتوح 3 / 30.


فأرسل إليه ابن عباس : أن ابرز إليّ ، فأبى أن يفعل ، وقاتل ابن عباس يومئذ قتالاً شديداً ».

ثمّ قال نصر : « ثمّ انصرفوا عند الظهر وكلّ غير غالب وذلك يوم الأحد »(1) .

هذا ما ذكره نصر من عدم الغلبة لأي من الطرفين ـ يخالفه ما رواه المسعودي فقد قال : « وأكثر الوليد من سب بني عبد المطلب بن هاشم ، فقاتله ابن عباس قتالاً شديداً وناداه : ابرز إليَّ يا صفوان ـ وكان لقب الوليد ـ وكانت الغلبة لابن عباس ، وكان يوماً صعباً »(2) .

وقد ورد ذكر هذا اليوم عند الطبري(3) ، وفي تاريخ ابن الأثير(4) ، والبداية والنهاية لابن كثير(5) ، وتاريخ ابن خلدون(6) . وغيرها من المصادر ، وجميعها متفقة على أنّ المنازلة كانت بين ابن عباس وبين الوليد. إلاّ أنّ البلاذري بعد أن روى ما هو المذكور عند المؤرخين عقب قائلاً : ومن قال : إنّ الوليد اعتزل القتال ، قال : كان القتال في اليوم الخامس بين عبد الله بن عباس وملحان(7) بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي وهو من أهل الشام ، وفيه يقول الشاعر :

____________

(1) وقعة صفين / 249.

(2) مروج الذهب 2 / 389 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(3) تاريخ الطبري 5 / 13 ط دار المعارف.

(4) تاريخ ابن الأثير 3 / 127 ط بولاق.

(5) البداية والنهاية 7 / 261 ط السعادة.

(6) تاريخ ابن خلدون 1 / 1103 ط دار الكتاب اللبناني.

(7) هو ابن عم حاتم الطائي الجواد المشهور. فحاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي ، وهذا ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي وله ذكر في اخبار حاتم في الاغاني 16 / 95 و 98 ط الساسي وفيها : وكان ـ حاتم ـ لا يسافر إلاّ وهو ـ يعني ملحان بن حارثة ـ معه.


ليبك على ملحان ضيف مدقّع

وأرملة تزجى مع الليل أرملا(1)

خامساً : مع عبيد الله بن عمر وذي الكلاع الحميري في قتال شديد

قال أبو حنيفة في الأ خبار الطوال : « وخرج يوماً ذو الكلاع في أربعة آلاف فارسي من أهل الشام قد تبايعوا على الموت ، فحملوا على ربيعة ، وكانوا في ميسرة عليّ ، وعليهم عبد الله بن عباس ، فتصدعت جموع ربيعة ، فناداهم خالد ابن المعمّر ـ وهو أحد رؤساء الأخماس من البصرة ـ : يا معشر ربيعة أسخطتم الله ، فثابوا إليه فاشتد القتال حتى كثرت القتلى ، ونادى عبيد الله بن عمر : انا الطيب ابن الطيب ، فسمعه عمار فناداه : بل أنت الخبيث ابن الطيّب.

فاقتتلوا بين الصفين ، وعبيد الله أمامهم يضرب بسيفه ، فحمل عليه حُريث ابن جابر الحنفي فطعنه في لبّته فقتله »(2) .

وقال أيضاً : « وخرج ذو الكلاع في كتيبة من أهل الشام من عك ولخم ، فخرج إليه عبد الله بن عباس في ربيعة فالتقوا ، ونادى رجل من مذحج العراق : يا آل مذحج خدّموا(3) فاعترضت مذحج عكاً يضربون سوقهم بالسيوف فيبركون ، فنادى ذو الكلاع : يا آل عك بروكاً كبروك الإبل ، وحمل رجل من بكر بن وائل يسمّى خندفا على ذي الكلاع فضربه بالسيف على عاتقه ، فقدّ الدرع وفرى عاتقه

____________

(1) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2 / 305.

(2) الأخبار الطوال / 178.

(3) خدّموا أي اضربوا السُوق ، والتخديم ضرب مكان الخلخال من الرجل. وقد وهم محقق كتاب الأخبار الطوال طبع وزارة الثقافة والارشاد القومي ـ الاقليم الجنوبي ـ الإدارة العامة. حيث ذكر النص (خذموا) بالذال المعجمة وعلق في الهامش بقوله : في الاصل خدموا والصواب : خذموا أي أسرعوا في السير. وهذا مبلغ علمه فلا غرابة لكن الأغرب مراجعة الدكتور جمال الدين الشيال للكتاب ولم يلتفت إلى خطأ ذلك.


فخرّ ميتاً ، فلمّا قُتل ذو الكلاع تمحكت عكّ ، وصبروا لعضّ السيوف ، فلم يزالوا كذلك حتى أمسوا »(1) .

هذه رواية الدينوري في الأخبار الطوال ، لكن نصر بن مزاحم روى مقتل ذي الكلاع قبل مقتل عبيد الله بن عمر كما ذكر له مخاتلة فاشلة ولنذكر روايته باقتضاب. قال : « إنّ زياد بن خصفة أتى عبد القيس ـ وهم من ربيعة البصرة ـ يوم صفين ، وقد عُبيّت قبائل حمير مع ذي الكلاع ـ وفيهم عبيد الله بن عمر ـ لبكر بن وائل ، فقاتلوا قتالاً شديداً خافوا فيه الهلاك فقال زياد لعبد القيس : لا بكر بعد اليوم ، إنّ ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة ، فانهضوا لهم وإلاّ هلكوا ، فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء ، فشدّت إزاء الميسرة فعظم القتال ، فقتل ذو الكلاع الحميري قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف ، وتضعضعت أركان حمير ، وثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر وبعث عبيد الله بن عمر إلى الحسن بن عليّ فقال : إنّ لي اليك حاجة فالقني ، فلقيه الحسن فقال له عبيد الله : إنّ أباك قد وتر قريشاً أوّلاً وآخراً ، وقد شنئوه فهل لك أن تخلعه ونوليك هذا الأمر؟

قال : كلا والله لا يكون ذلك ، ثمّ قال له الحسن : لكأنّي أنظر إليك مقتولاً في يومك أو غدك ، أما إنّ الشيطان فقد زيّن لك وخدعك حتى أخرجك مخلّقاً بالخلوق تري نساء أهل الشام موقفك ، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلاً.

قال : فوالله ما كان إلاّ كيومه أو كالغد وكان القتال ، فخرج عبيد الله في كتيبة رقطاء ـ وهي الخضراء ـ كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر ، ونظر

____________

(1) الأخبار الطوال / 179.


الحسن فإذا هو برجل متوسد رِجل قتيل قد ركز رمحه في عينه ، وربط فرسه برجله ، فقال الحسن لمن معه : انظروا من هذا ، فإذا هو برجل من همدان ، فإذا القتيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب قد قتله وبات عليه حتى أصبح ، ثمّ سلبه واخذ سيفه ذا الوشاح ، فـأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل حين بويع فقالوا : إنّما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح ، فبعث معاوية إليه بالبصرة فأخذ السيف منه »(1) .

____________

(1) وقعة صفين / 334.

ولقد اختلف الرواة في قاتل عبيد الله بن عمر فقالوا من همدان وقالوا من حضرموت وقالوا من ربيعة وهذا هو الّذي استقر به ابن أبي الحديد في شرح النهج 140 / 499 مستدلاً بشعر كعب بن جعيل في رثائه حيث ذكر اسم اسماء وهي بنت عطارد إحدى زوجتي عبيد الله والأخرى بحرية بنت هاني الشيبانية ، وكان عبيد الله أخرجهما معه إلى الحرب ذلك اليوم لينظرا إلى قتاله فوقفتا راجلتين. ويبدو من رواية المسعودي ان نساءه كانت أكثر من اثنتين.

قال المسعودي في مروج الذهب 2 / 395 : وكان عبيد الله إذا خرج إلى القتال قام إليه نساؤه فشددن عليه سلاحه ما خلا الشيبانية بنت هاني بن قبيصة ، فخرج في هذا اليوم ـ يوم مقتله ـ وأقبل على الشيبانية وقال لها : إني قد عبأت اليوم لقومكِ ، وأيم الله إني لأرجو أن أربط بكل طنب من أطناب فُسطاطي سيداً منهم. فقالت له : ما أبغض إلاّ أن تقاتلهم ، قال : ولم؟ قالت : لأنّه لم يتوجه اليهم صنديد في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر إلاّ أبادوه ، وأخاف أن يقتلوك ، وكأني بك قتيلاً وقد أتيتهم أسالهم أن يهبوا لي جيفتك ، فرماها بقوس فشجها ، وقال لها ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك ، ثمّ توجه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله ، وقيل ان الاشتر النخعي هو الّذي قتله ، وقيل ان عليّاً ضربه ضربة فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حُشوة جوفه ، وان عليّاً قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان : لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره. وكلّم نساؤه معاوية في جيفته فأمر أن تأتين ربيعة فتبذلن في جيفته عشرة آلاف ، ففعلن ذلك ، فاستأمرت ربيعة عليّاً فقال لهم : إنّما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها ، ولكن إذا أحببتم فاجعلوا جيفته لبنت هانئ بين قبيصة الشيباني زوجته ، فقالوا لنسوة عبيدالله : إن شئتن شددنا ، إلى ذنب بغل ثمّ ضربناه حتى يدخل إلى عسكر معاوية فصرخن وقلن : هذا أشدّ علينا ، واخبرن معاوية بذلك فقال لهن : ائتوا الشيبانية فسلوها ان تكلّمهم في جيفته ، ففعلن وأتت القوم وقالت : انا بنت هانئ بن قبيصة ، وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذّرته ما صار إليه فهبوا لي جيفته ففعلوا ، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه اليها ، فمضت به ، وكان قد شد في رجله إلى طنب فُسطاط من فساطيطهم ، قارن البلاذري في أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2 / 326.


سادساً : مشهد من مشاهد صفين برواية ابن عباس

روى فرات بن إبراهيم بسنده عن ضرار بن الأزور(1) : « أنّ رجلاً من الخوارج سأل ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، فأعرض عنه ثمّ سأله فقال : كان والله عليّ أمير المؤمنين يشبه القمر الزاهر ، والأسد الخادر ، والفرات الزاخر ، والربيع الباكر ، فأشبه من القمر ضوؤه وبهاؤه ، ومن الأسد شجاعته ومضاؤه ، ومن الفرات جوده وسخاؤه ، ومن الربيع خِصبه وحياؤه.

عقمت النساء أن يأتين بمثل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

تالله ما سمعت ولا رأيت إنساناً مثله ، لقد رأيته يوم صفين وعليه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجان »(2) إلى آخر ما سيأتي.

وروى هذا أبو جعفر محمّد بن محمّد بن عليّ الطبري بسنده عن عكرمة عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) قال : « عقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ما كشفت النساء ذيولهنّ عن مثله ، لا والله ما رأيت فارساً محرباً يوزن به ، لرأيته يوماً ونحن معه بصفين وعلى رأسه عمامة سوداء ، وكأنّ عينيه سراجا سليط تتواقدان من تحتهما ، يقف على شرذمة شرذمة يخطبهم حتى انتهى

____________

(1) هذا ليس هو المعدود في الصحابة والّذي قتل مالك بن نويرة فانّه قيل مات في أيام أبي بكر وقيل في أيام عمر راجع الإصابة في ترجمته وإنّما هذا رجل آخر غيره لم أقف على من ذكره في الرجال عندنا. فهو مجهول. ولكن اتفاق جمهرة من المؤرخين على رواية المشهد عن ابن عباس يجعلنا من المطمئنين برواية فرات بن إبراهيم.

(2) في تفسيره / 163 ط الحيدرية.


إلى نفر أنا فيهم ، وطلعت خيل لمعاوية تدعى بالكتيبة الشهباء ، عشرة آلاف دارع على عشرة آلاف أشهب ، فاقشعرّ الناس لها لمّا رأوها ، وانحاز بعضهم إلى بعض. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما النخع والخنع يا أهل العراق؟ هل هي إلاّ أشخاص مائلة فيها قلوب طائرة ، لو مسّتها سيوف أهل الحقّ لرأيتموها كجراد بقيعة سفته الريح في يوم عاصف.

ألا فاستشعروا الخشية ، وتجلببوا بالسكينة ، وادّرعوا الصبر ، وغضّوا الأصوات ، وقلقلوا الأسياف في الأغماد قبل السلّة ، وانظروا الخزر ، واطعنوا الشزر ، وكافحوا بالظُبا ، وصلوا السيوف بالخطّي والنبال بالرماح ، وعاودوا الكر ، واستحيوا من الفرّ ، فإنه عار في الأعقاب ، ونار يوم الحساب ، فطيبوا عن أنفسكم نفساً ، وامشوا إلى الموت مشياً سجحاً ، فإنّكم بعين الله (عزّ وجلّ) ، ومع أخ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليكم بهذا السرادق الأدلم ، والرواق المظلم ، فاضربوا ثبجه ، فإنّ الشيطان راقد في كسره ، نافش حضنيه ، مفترش ذراعيه ، قد قدّم للوثبة يداً ، وأخرّ للنكوص رجلاً ، فصمدا صمداً ، ينجلي لكم عمود الحقّ وأنتم الأعلون( وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) (1) ها أنا شادّ فشدّوا باِسْمِ اللَّهِ حم لا ينصرون.

ثمّ حمل عليهم أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حملة وتبعته خويلةٌ لم تبلغ المائة فارس ، فأجالهم فيها جولان الرحى المسرحة بثقالها ، فارتفعت عجاجة منعتني النظر ، ثمّ انجلت فأثبتت النظر فإذا أمير المؤمنين قد أقبل وسيفه ينطف ، ووجهه كشقة القمر وهو يقول : قاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا إيمان لهم.

____________

(1) محمّد / 35.


قال عكرمة : وكان ابن عباس (رضي الله عنه) يحدث فيقول : أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّا (عليه السلام) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين »(1) .

أقول : لقد أخرج هذه الخطبة ـ كلاً أو بعضاً ـ كثير من الأعلام بدءاً من فرات ابن إبراهيم (المعاصر للإمام الرضا (عليه السلام) المتوفى سنة 203 هـ) فقد رواها بسنده كما مر ، ثمّ رواها نصر بن مزاحم المتوفى سنة 212 في كتابه وقعة صفين كما حكاها عنه ابن أبي الحديد(2) وإن خلت النسخة المطبوعة من كتاب صفين عن ذلك ، ورواها الجاحظ المتوفى سنة 255 هـ(3) ، ورواها ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ(4) ، والمسعودي المتوفى سنة 346 هـ في مروج الذهب(5) ، والشريف الرضي المتوفى سنة 406 هـ(6) ، والقاضي القضاعي المتوفى سنة 454 هـ(7) ، والبيهقي المتوفى سنة 458 هـ(8) ، والزمخشري المتوفى سنة 538 هـ(9) ، وابن عساكر المتوفى سنة 57 هـ(10) ، والطبري الإمامي من علماء القرن السادس(11) ، والمتقي الهندي(12) ، وغير هؤلاء من المتأخرين عنهم ، فجميع الذين ذكروا الخطبة بتمامها مروية عن ابن عباس (رضي الله عنه) وروايته لها

____________

(1) بشارة المصطفى لشيعة المرتضى / 172 ط الحيدرية.

(2) شرح النهج 1 / 483 ط مصر الأولى.

(3) البيان والتبيين 2 / 24.

(4) عيون الأخبار 1 / 110 ط.

(5) مروج الذهب 2 / 389.

(6) نهج البلاغة المختار / 64.

(7) دستور معالم الحكم / 124.

(8) المحاسن والمساوي / 45.

(9) الفائق مادة (زنن) و (نتر) وغيرهما.

(10) تاريخ دمشق (ترجمة الإمام) 3 / 145 ـ 150.

(11) بشارة المصطفى / 172.

(12) كنز العمال 11 / 338 ط حيدر آباد الثانية.


بألفاظها في ذلك الموقف الرهيب على ما فيه من تداعيات القلق ، وحفظه لها بنصها وفصّها ـ كما يقولون ـ لتبرز لنا احدى معالم النبوغ عنده ، وتظهر احدى ملامح العبقرية الفذة النادرة الّتي كان يمتاز بها.

فهذه احدى مفردات مواقفه الحربية في صفين مضافاً لما قدّمنا ذكره من شواهد على مركزه القيادي ومنازلته الحربية.

والآن إلى لون آخر من تلك المواقف الّتي تتجلّى من خلالها رهبة العدوّ منه ، فجهد محاولاً خداعه. وإليك :

حديث الخديعة :

قبل ذكر الحديث لابدّ من توثيقه لأنّ هشام بن عمّار الدمشقي كان يقول للبلاذري وهو من شيوخه : « هذا الحديث ممّا صنعه ابن دأبكم لأنّ البلاذري رواه عن المدائني عن عيسى بن يزيد »(1) ـ وهو ابن دأب ـ وإذا رجعنا إلى الجاحظ وجدناه يقول : « يزيد بن بكر بن دأب وكان عالماً ناسباً وراوية شاعراً وهو القائل :

الله يعلم في عليّ علمه

وكذاك علم الله في عثمان

ثمّ قال : وولد يزيد بن يحيى وعيسى ، فعيسى هو الّذي يعرف في العامة بابن دأب ، وكان من أحسن الناس حديثاً وبياناً ، وكان شاعراً راوية ، وكان صاحب رسائل وخطب ، وكان يجيدهما جداً.

ومن آل دأب حذيفة بن دأب وكان عالماً ناسباً. وفي الدأب علم بالنسب والخبر »(2) .

____________

(1) أنساب الأشراف 2 / 310 تح ـ المحمودي.

(2) كتاب البيان والتبيين 1 / 323 ـ 324 تح ـ هارون.


فهؤلاء بنو دأب ، ومنهم عيسى بن دأب الّذي اتهمه هشام بن عمار الدمشقي ، وهشام على ما ورد في ترجمته في تهذيب التهذيب من مدح فقد ورد فيه من القدح ما ينسف مدحه. ويكفي أنّه كان يُلقّن فيتلقّن ولا يفهم بما يحدّث.

ثمّ إنّ الحديث رواه غير ابن دأب فلاحظ سند نصر بن مزاحم فقد رواه عن محمّد بن اسحاق عن عبد الله بن أبي يحيى عن عبد الرحمن بن حاطب وهذا صحأبي مولود على عهده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتوفى سنة 68 هـ وقيل قتل يوم الحرة كما في الإصابة.

ولاحظ سند الجاحظ فقد رواه(1) عن محمّد بن سعيد عن إبراهيم بن حويطب إلاّ أنّه ذكره مقالة قالها عمرو بن العاص لابن عباس ، وليس ذلك بضائر.

وأمّا ابن أعثم فقد ذكر ما جرى من الكتب لما عضّهم سلاح أهل العراق وبدأها بلفظ (قال) : وإذا رجعنا نلتمس القائل نجد الرجل قد ذكر في ابتداء خبر وقعة صفين عدة أسانيد ليس بين أسماء رجالها عيسى بن دأب ، وقال بعد ذكرهم وغير هؤلاء وقد جمعت ما سمعت من رواياتهم على اختلاف لغاتهم فألّفته حديثاً واحداً على نسق واحد فعرفنا أنّه هو القائل.

أ ـ بين عمرو بن العاص وابن عباس :

والآن إلى رواية الحديث بلفظ نصر واضافة ما عند البلاذري بين قوسين وكذا ما عند ابن اعثم من زيادة وقال : « وإنّ معاوية لمّا يئس من جهة الأشعث قال لعمرو بن العاص :

____________

(1) نفس المصدر 2 / 298 تح ـ هارون.


إنّ رأس الناس بعد عليّ هو عبد الله بن عباس ، فلو ألقيت إليه كتاباً لعلك ترققه به ، فإنّه إن قال شيئاً لم يخرج عليّ منه ، وقد أكلتنا الحرب ، ولا أرانا نصل إلى العراق إلاّ بهلاك أهل الشام.

فقال له عمرو : إنّ ابن عباس (أريب) لا يُخدع ، ولو طمعت فيه لطمعت في عليّ.

فقال معاوية : صدقت إنّه لأريب ولكن على ذلك فاكتب إليه (رقعة لطيفة وتنظر ما عنده فتعمل على حسب ذلك).

(قال) فكتب إليه عمرو : (من عمرو بن العاص إلى عبد الله بن العباس) : أمّا بعد ، فإن الّذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء ، وساقه سفه العافية ، وأنت رأس هذا الأمر بعد عليّ (ابن عمك) ، فانظر فيما بقي ودع ما مضى ، فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياةً ولا صبراً ، واعلم انّ الشام لا تملك إلاّ بهلاك العراق ، وإنّ العراق لا تملك إلاّ بهلاك الشام ، وما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم ، وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منّا ، ولسنا نقول ليت الحرب عادت ، ولكنا نقول ليتها لم تكن ، وإنّ فينا من يكره القتال ، كما أنّ فيكم من يكرهه ، وإنّما هو أمير مطاع (أو مأمور مطيع) ، أو مؤتمن مشاور وهو أنت ، وأمّا الأشتر الغليظ الطبع القاسي القلب فليس بأهل أن يُدعى في الشورى ، ولا في خواص أهل النجوى (وقد طال هذا بيننا حتى لقد ظننا انّ فيه الفناء وفي ذلك أقول) وكتب في أسفل الكتاب :

طال البلاء وما يُرجى له آسى

بعد الإله سوى رفق ابن عباس(1)

____________

(1) أسا الجرح أسواً وأساً : داواه ، وأسا بينهم أصلح ، والآسي : الطبيب.


قولاً له قول مَن يرضى بحظوته

لا تنس حظّك إن الخاسر الناسي(1)

يا بن الّذي زمزم سقيا الحجيج له

أعظم بذلك من فخرٍ على الناس

كلٌ لصاحبه قرنٌ يساوره

أسد العرين أسودٌ بين أخياس(2)

لو قيس بينهم في الحرب لاعتدلوا

العجز بالعجز ثم الرأس بالرأس

فانظر فدىً لك نفسي قبل قاصمة

للظهر ليس لها راق ولا آسي

إنّ العراق وأهل الشام لن يجدوا

طعم الحياة مع المستغلق القاسي(3)

بسرٌ وأصحاب بُسرٍ والذين هُم

داء العراق رجال أهل وسواس

قوم عراة من الخيرات كلهمُ

فما يساوي به خلق من الناس(4)

قالوا يرى الناس في ترك العراق لكم

واللّه يعلم ما بالسلم من باس

إنّّي أرى الخير في سلم الشآم لكم

واللّه يعلم ما بالشام من ناس

أنت الشجاء شجاها في حلوقهم

مثل اللجام شجاه موضع الفاس(5)

(فاصدع بأمرك أمر القوم إنّهم)

خشاش طير رأت صقراً بحسحاس(6)

____________

(1) الحُظُوة ، بالضم والكسر ، والحِظة كِعدة المكانة والحظ من الرزق ، وفي نسخة : قول من يرجو مودته ، وفي أنساب الأشراف والفتوح : قول مسرور بحظوته.

(2) في انساب الأشراف (قرنٌ يعادله) وفي المصدر : يساوره أي يواثبه ، وهو أصح أيضاً ممّا يوجد في بعض المصادر : (يشاوره). والأخياس : جمع خيس ـ بالكسر ـ وهو الشجر الكثير الملتفّ. وفي أنساب الأشراف : (أسُدٌ تلاقي أسوداً بين أخياس).

(3) استغلقني في بيعته لم يجعل لي خياراً في رده واستغلقت عليّ بيعته صار كذلك (لقاموس) وفي أنساب الأشراف :

أهل العراق وأهل الشام لن يجدوا

طعم الحياة لحرب ذات أنفاس

(4) في طبعة صفين بمصر / 469 : فما يُساوي به أصحابه كاسي.

(5) اللجام ككتاب للدابة ويكون في حلق الدابة لذلك فهو الشجا ، وكلّ ما يعترض الحلق من عظم ونحوه فهو شجاً.

(6) كذا في أنساب الأشراف 2 / 308 (تلرجمة الإمام علي) ، وخشاش الطير كالعصافير ونحوها ، والحساس : السيف المبير.


فيها التقى وأمور ليس يجهلها

إلاّ الجهول وما النوكى كأكياس(1)

قال : فلمّا فرغ من شعره عرضه على معاوية ، فقال معاوية : لا أرى كتابك على رقة شعرك.

فلمّا قرأ ابن عباس الكتاب (والشعر) أتى به عليّاً فأقرأه شعره فضحك وقال : قاتل الله ابن العاص (ابن النابغة) ما أغراه بك يا بن عباس ، أجبه وليردّ عليه شعره الفضل بن العبّاس فإنّه شاعر.

فكتب ابن عباس إلى عمرو : أمّا بعد فإني لا أعلم رجلاً من العرب أقلَّ حياء منك ، إنّه مال بك معاوية إلى الهوى ، وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثمّ خبطت بالناس في عشوة (عشواء طخياء) (مظلمة) طمعاً في الملك فلمّا لم تر شيئاً أعظمت الدنيا إعظام أهل الذنوب (الدين) وأظهرت فيها (زهادة) نزاهة أهل الورع ، فإن كنت (أردت) (تريد أن) ترضي الله (عزّ وجلّ) بذلك فدع مصر وارجع إلى بيتك (أهل بيت نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم » ، (فإنّ) هذه الحرب ليس معاوية فيها كعليّ ، ابتدأها عليّ بالحقّ وانتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالبغي وانتهى فيها إلى السَرَف ، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام ، بايع أهل العراق عليّاً وهو خير منهم ، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه ، ولست أنا وأنت فيها بسواء ، أردتُ الله وأردتَ أنت مصر وقد عرفتُ الشيء الّذي باعدك مني ، ولا أرى الشيء الّذي قرّبك من معاوية ، فإن ترد شراً لا نسبقك إليه ، وإن ترد خيراً لا تسبقنا إليه والسلام.

____________

(1) النوكى : الحمقى ، والكيّس خلاف الحُمقى.


ثمّ دعا الفضل بن العباس ، فقال له يا ابن أم(1) أجب (عني) عمراً (على شعره هذا).

فقال الفضل :

يا عمرو حسبك من خدع ووسواس

فاذهب فليس لداء الجهل من آسي(2)

إلاّ تواتر طعن في نحوركم

يشجي النفوس ويشفي نخوة الرأس

(بالسمهريّ وضرب في شواربكم

يردي الكماة ويذري قبة الرأس)

هذا الدواء الّذي يشفي جماعتكم

حتى تطيعوا عليّاً وابن عباس

أمّا عليّ فإنّ اللّه فضّله

بفضل ذي شرف عالٍ على الناس

إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيّسة

أو تبعثوها فإنا غير أنكاس(3)

قد كان منّا ومنكم في عجاجتها

مالا يردّ وكلٌّ عرضة البأس(4)

____________

(1) في قول ابن عباس يا ابن أم ـ على تقدير صحة النسخة ـ نحو تجوّز له ما يبرّره في الاستعمال والمخاطبات بين الناس لشدّ العزيمة وطلب المعونة. والا فمن المعلوم الثابت ان أخاه الفضل بن العباس بن عبد المطلب قد مات في طاعون عمواس سنة 17 ـ أو 18 ـ بالشام. وانما المخاطب في المقام هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب ، وهو ابن اخت عبد الله بن عباس ، فان أمه آمنة بنت العباس ، ويقال لها : أمينة ـ قال البلاذري : كانت عند العباس بن عتبة بن أبي لهب فولدت له الفضل الشاعر. ولما كان الاشتراك في الاسم واسم الأب بين الشاعر اللهبي وبين خاله ، فظن من لا خبرة له أن الشاعر هو الفضل بن عباس بن عبد المطلب ، غافلاً عن تقدم وفاته ومن تفطن إلى ذلك فقد احتمل تصحيف الندبة (يا بن ام) عن (يا بن عم) باعتبار الشاعر من ذرية أبي لهب وهو من أعمام عبد الله بن عباس ، لكن الصواب في نظري (يا بن اختي) لأنّه هو ابن اخته كما تقدم.

(2) في الفتوح (فاذهب فما لك في ترك الهدى آسي).

(3) المخَيّسة من الإبل : ـ بالفتح ـ الّتي لم تسرح ولكنها حُبست للنحر أو للقسم فشبه الحرب بالابل في اعتقالها ، وأنكاس جمع نِكس وهو المقصّر عن غاية الكرم.

(4) في الفتوح (من لا يفرّ وليس الليث كالجاسي كالخاسي).


قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة

هذا بهذا وما بالحق من باس

لا با رك الله في مصر لقد جلبت

شراً وحظك منها حسوة الكأس

يا عمرو إنك عارٍ من مغارمها

والراقصات لأثواب الخنا كاسي

ان عادت الحرب عدنا فالتمس هرباً

فيالأرض أوسلماًفي الأفق ياقاسي)(1)

ثمّ عرض الشعر والكتاب على عليّ فقال : (أحسنت) ولا أراه يجيبك بشيء بعدها إن كان يعقل ، ولعله يعود فتعود عليه.

فلمّا انتهى الكتاب إلى عمرو أتى به معاوية فقال : أنت دعوتني إلى هذا ، ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب.

فقال : إنّ قلب ابن عباس وقلب عليّ قلب واحد ، كلاهما ولد عبد المطلب ، وإن كان قد خشن فلقد لان ، وإن كان قد تعظّم أو عظّم صاحبه فلقد قارب وجنح إلى السلم ».

قال ابن اعثم(2) : « فلمّا وصل الكتاب والشعر إلى عمرو فأتى به معاوية فأقرأه إياه ، ثمّ قال : ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب.

فقال معاوية : صدقت أبا عبد الله ، ولكنك قد علمت ما مرّ علينا بالأمس من القتل والهلاك ، وأظن عليّاً سيباكرنا الحرب غداً ويعمل على المناجزة ، وقد رأيت أن أشغله أنا غداً عن الحرب بكتاب أكتبه إلى ابن عباس ، فإن هو أجابني إلى ما أريد فذلك ، وإلا كتبت إلى عليّ وتحمّلت عليه بجميع من في عسكره فإن أجاب ، وإلا صادمته وجعلتها واحدة لي أم عليّ ، فهذا رأيي وإنّما أريد بذلك

____________

(1) الأبيات المقوسة من الفتوح لابن أعثم 3 / 253 ـ 254.

(2) في الفتوح 3 / 254 ـ 255.


أن أجمّ الحرب أياماً ، فقد تعلم ما نزل بنا في هذه الأيام وإن كان عندك رأي غير هذا فهاته؟

فقال عمرو : أمّا أنا فأقول إنّ رجاءك لا يقوم رجاءه ، ولست بمثله ، وهو رجل يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره ، وهو يريد الفناء وأنت تريد البقاء ، وليس يخاف أهل الشام من عليّ إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم ، وأظنك تريد مخادعة عليّ ، واين أنت من خديعته.

فقال معاوية : فكيف ذلك؟ ألسنا ببني عبد مناف؟

فضحك عمرو ثمّ قال : بلى لعمري أنت وهو من بني عبد مناف كما تقول ولكن لهم النبوة من دونك ، فإن شئت فاكتب ».

ب ـ بين معاوية وابن عباس :

قال نصر : « وإنّ معاوية كان يكاتب ابن عباس ، وكان يجيبه بقول ليّن ، وذلك قبل أن يعظم الحرب »(1) .

أقول : ولم أقف على شيء من تلك المكاتبات سوى ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ونقله المتقي الهندي قال : « عن عبد الملك بن حميد قال : كنّا مع عبد الملك بن صالح بدمشق فأصاب كتاباً في ديوان دمشق :

بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عباس إلى معاوية بن أبي سفيان ، سلام عليك ، فإنّي أحمد الله إليك الّذي لا إله إلاّ هو ، عصمنا الله وإياك بالتقوى ، أمّا بعد فقد جاءني كتابك فلم اسمع منه إلاّ خيراً ، وذكرت شأن المودة بيننا ،

____________

(1) وقعة صفين / 471.


وإنّك لعمر الله لودود في صدري من أهل المودة الخالصة والخاصة ، وإنّي للخلّة الّتي بيننا لراع ، ولصالحها لحافظ ولا قوّة إلاّ بالله.

أمّا بعد فإنّك من ذوي النهى من قريش وأهل الحلم والخلق الجميل منها ، فليصدر رأيك بما فيه النظر لنفسك والتقية (البقية ظ) على دينك ، والشفقة على الإسلام وأهله ، فإنّه خير لك وأوفر لحظك في دنياك وآخرتك ، وقد سمعتك تذكر شأن عثمان بن عفان فاعلم إنّ انبعاثك في الطلب بدمه فرقة وسفك للدماء ، وانتهاك للمحارم ، وهذا لعمر الله ضرر على الإسلام وأهله ، وإنّ الله سيكفيك أمر سافكي دم عثمان ، فتأنّ في أمرك ، واتق الله ربّك ، فقد يقال لك : إنك تريد الإمارة ، وتقول : إن معك وصية من النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم بذلك ، فقول نبيّ الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم الحقّ فتأن في أمرك ، ولقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يقول للعباس أنّ الله يستعمل من ولدك اثني عشر رجلاً منهم السفاح والمنصور والمهدي والأمين والمؤتمن وأمير العصب ، أفتراني استعجل الوقت أو أنتظر قول رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم؟ وقوله الحقّ ، وما يرد الله من أمر يكن ولو كره العالم ذلك ، وأيم الله لو أشاء لوجدت متقدماً وأعواناً وأنصاراً ولكني أكره لنفسي ما أنهاك عنه فراقب الله ربّك ، واخلف محمداً في أمته خلافة صالحة ، فأمّا شأن ابن عمك عليّ بن أبي طالب فقد استقامت له عشيرته وله سابقته وحقه ، وبحوله على الحقّ أعوان ونصحاء لك وله ولجماعة المسلمين.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.


وكتب عكرمة ليلة البدر من صفر سنة ست وثلاثين اهـ »(1) .

فهذا الكتاب نموذج من تلك الأجوبة الليّنة والّتي لم تجد الأرض الصالحة لتثمر نفعاً وقد استمر معاوية في خداعه وهو الآخر لم يجد الأذن الصاغية لاستماعه ، حتى إذا عظم الخطب ، واشتعلت نار الحرب ، تغيّرت اللهجة ، وتقارعت الحجة بالحجة وصار إلى المخادعة والمخاتلة بطريقة ايقاع الفرقة بين الهاشميين ، واغراء بعضهم على بعض ، وليس ذلك ببدع منه فقد كان ـ على حدّ قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ : « يودّ ما ترك من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه »(2) .

وهل في الهاشميين بعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل ابن عباس في فهمه وعلمه ، وعقله وفضله ، فليجهد معاوية نفسه فيما يفرّق به بين المرء وإمامه ، وذلك بخديعة ابن عباس وإنّه الرأس بعد الإمام.

وهذه الفكرة لم تبارح معاوية طيلة حكمه ، فسيأتي من الشواهد عليها بعد موت الإمام الحسن (عليه السلام) وقوله لابن عباس : « أصبحت سيّد أهلك » ، ولكن ابن عباس الذكي الألمعي لا ينخدع بزبرج الألفاظ فرد عليه قائلاً : « أمّا ما بقي أبو عبد الله الحسين بن عليّ فلا ».

والآن إلى حديثه في صفين برواية نصر بن مزاحم :

قال نصر بن مزاحم : « فلمّا قتل أهل الشام قال معاوية : إنّ ابن عباس رجل من قريش ، وأنا كاتب إليه في عداوة بني هاشم لنا ، وأخوّفه عواقب هذه الحرب لعله يكف عنّا. فكتب إليه :

____________

(1) كنز العمال 11 / 333 ـ 335 ط حيدر آباد الثانية برقم 1326.

(2) الفائق للزمخشري (نيط).


أمّا بعد فإنكم يا معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع بالمساءة منكم إلى أنصار عثمان بن عفان ، حتى أنكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما بدمه ، واستعظامهما ما نيل منه ، فإن يكن ذلك لسلطان بني أمية فقد وليها عدي وتيم (قبل بني أمية) فلم تنافسوهم وأظهرتم لهم الطاعة ، وقد وقع من الأمر ما قد ترى (وأدالت هذه الحروب منا ومنكم) ، وأكلت هذه الحرب بعضها من بعض حتى استوينا فيها ، فما أطمعكم فينا أطمعنا فيكم ، وما آيسكم منّا آيسنا منكم ، وقد رجونا غير الّذي كان وخشينا دون ما وقع ، ولستم بملاقينا اليوم بأحدّ من حدّ أمس ، ولا غداً بأحد من حدّ اليوم ، وقد قنعنا بما كان في أيدينا من ملك الشام ، فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق ، وأبقوا على قريش (واتقوا الله ربكم) فإنّما بقي من رجالها ستة : رجلان بالشام ورجلان بالعراق ورجلان بالحجاز ، فأمّا اللذان بالشام فأنا وعمرو وأمّا اللذان بالعراق فأنت وعليّ ، وأمّا اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر ، واثنان من الستة ناصبان لك (ولابن عمك) واثنان واقفان فيك ، وأنت رأس هذا الجمع اليوم ، ولو بايع لك الناس بعد عثمان لكنّا إليك (إلى طاعتك) أسرع منّا إلى عليّ (فرأيك فيما كتبت إليك) »(1) .

قال نصر في كلام كثير كتب إليه : « فلمّا انتهى الكتاب إلى ابن عباس (تبسم ضاحكاً) أسخطه ثمّ قال : حتى متى يخطب ابن هند إليّ عقلي؟ وحتى متى اجمجم على ما في نفسي؟ فكتب إليه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد فقد أتاني كتابك وقرأته (وفهمت ما سطرت فيه) ، فأمّا ما ذكرت من سُرعتنا اليك بالمساءة في أنصار ابن عفان ،

____________

(1) وقعة صفين / 471.


وكراهيتنا لسلطان بني أمية ، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره ، حتى صرتَ إلى ما صرتَ إليه ، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عُقبة.

وأمّا طلحة والزبير فإنّهما أجلبا عليه وضيّقا خناقه ، ثمّ خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك ، فقاتلناهما على النكث ، وقاتلناك على البغي ، وأمّا قولك : إنّه لم يبق من قريش غير ستة ، فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها ، وقد قاتلك من خيارها مَن قاتلك ، ولم يخذلنا إلاّ من خذلك.

وأمّا إغراؤك إيانا بعديّ وتيم ، فأبو بكر وعمر خير من عثمان ، كما أنّ عثمان خير منك (وأمّا ذكرك الحرب) فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما (كان) قبله ، وتخاف ما (يكون) بعده.

وأمّا قولك : إنّه لو بايع الناس لي لاستقاموا لي (لأسرعت إلى طاعتي) ، فقد بايع الناس عليّاً (وهو أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وابن عمه ووصيه ووزيره) وهو خير مني فلم تستقيموا له ، وإنّما الخلافة لمن كانت له في المشورة ، (وأمّا أنت فليس لك فيها حق) وما أنت يا معاوية والخلافة ، وأنت طليق وابن طليق (رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد) ، والخلافة للمهاجرين الأولين ، وليس الطلقاء منها في شيء »(1) .

قال نصر في روايته : فلمّا انتهى الكتاب إلى معاوية قال : هذا عملي بنفسي ، لا والله لا أكتب إليه كتاباً سنة كاملة. وقال معاوية في ذلك :

دعوت ابن عباس إلى حدّ خطة

وكان امرَأً أهدي إليه رسائلي

____________

(1) نفس المصدر / 272.


فأخلف ظنّي والحوادثُ جمّةٌ

ولم يك فيما قال مني بواصلي

وما كان فيما جاء ما يستحقه

وما زادَ أن أغلى عليه مراجلي

فقل لابن عباس تراك مفرّقا

بقولك مَن حولي وأنّك آكلي

وقل لابن عباس تُراك مخوّفا

بجهلك حلمي إنّني غير غافل

فأبرق وأرعد ما استطعت فإنّني

إليك بما يشجيك سبط الأنامل(1)

(وصفين داري ما حييت وليس ما

تربّص من ذاك الوعيد بقاتلي)(2)

قال نصر في روايته : « فلمّا قرأ ابن عباس الشعر قال : لن أشتمك بعدها.

وقال الفضل بن عباس :

ألا يا بن هند إنّني غير غافل

وإنّك ما تسعى له غير نائل

لأنّ الّذي إجتبّت إلى الحرب نابها

عليك وألقت بركها بالكلاكل(3)

فأصبح أهل الشام (صرعى فكلّهم)

كفقعةُ قاع أو كشحمة آكل(4)

وأيقنتَ أنا أهل حق وإنّما

دعوتَ لأمر كان أبطل باطل

دعوت ابن عباس إلى السلم خُدعةً

وليس لها حتى تدينَ بقابل

فلا سلم حتى تشجر الخيل بالقنا

وتُضرب هامات الرجال الأماثل

وآليتَ : لا تهدي إليه رسالةٌ

إلى أن يحول الحول من رأس قابل

____________

(1) سبط اليدين ، وسبط الأنامل هو السخي.

(2) وقعة صفين / 473. والفتوح 3 / 59 ، والبيت ما بين القوسين منه.

(3) الكلاكل : جمع كلكل.

(4) الفقعة : الكمآة البيضاء الرخوة ، ويقال للذليل وهو اذل من فقع بقرقرة لأنّه لا يمتنع على من اجتناه ، أو لأنّه يوطأ بالأرجل.


أردتَ به قطع الجواب وإنّما

رماك فلم يخطئ بنانَ المقاتل

وقلتَ له لو بايعوك تبعتهم

فهذا عليّ خير حافٍ وناعل

وصي رسول الله من دون أهله

وفارسه إن قيل هل من منازل

فدونكه إن كنت تبغي مُهاجراً

أشمَّ كنصل السيف غير حُلاحل(1)

فعرض شعره على عليّ فقال : أنت أشعر قريش ، فضرب بها الناس إلى معاوية »(2) .

قال ابن اعثم : « فوصل الكتاب إلى معاوية فقرأه وفهم الشعر فلم يرد على ذلك إلى أن كتب إلى عليّ »(3) .

أقول : في صحة نسبة هذه الأبيات إلى الفضل بن عباس عندي توقف ، لأنّ ابن شهر اشوب المتوفى سنة 588 هـ ذكر منها البيت الخامس منسوباً إلى عبد الله ابن عباس بتغيير في القافية من (بقائل) إلى (بخادع) واحتمال وهم النساخ جارٍ في المقام ، خصوصاً وقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج(4) البيتين الأخيرين مصرّحاً بنسبتهما إلى عبد الله بن عباس ، وتابعه السيّد شرف الدين في المراجعات(5) على ذلك وأيضاً خلو ما ذكر من اشعار الفضل بن العباس اللهبي من الأبيات المذكورة ، ولا يبعد أن تكون جميعها لعبد الله بن عباس ووهم

____________

(1) نعل السيف : حديدة في أسفل غمد السيف ، غير حُلاحل ، غير سيّد شجاع أي فدونكه وأنت كنعل السيف غير حُلاحل. وفي الفتوح (أشم بنصل السيف ليس بناكل).

(2) وقعة صفين / 474.

(3) الفتوح 3 / 259.

(4) شرح النهج لابن أبي الحيد 1 / 50.

(5) المراجعات / 282.


الراوي أو الناسخ فنسبها إلى الفضل بن عباس لقرب ذكره فيما تقدم له من الشعر في المقام.

ومهما كان الصحيح في نسبة الشعر فإنّه شعر صادق في التعبير عما كان أدخله كتاب ابن عباس والشعر الأوّل في نفس معاوية من انهيار معنوي حتى حلف أن لا يكتب إلى ابن عباس كتاباً سنة كاملة. وأبياته المذكورة تنبئ عن فشله وندامته ولكنه على عادته في المكابرة ختمها بقوله :

فأبرق وأرعد ما استطعت فإنّني إليك بما يشجيك سبط الأنامل

أي سخيّ بما يشجيك ، ولم يكن يتوقع أن يأتيه من قبل ابن عباس ما يشجيه هو أيضاً ، ولقد صدقت فراسة عمر بن الخطاب في ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص حين ذكر نفر عنده معاوية وابن العاص ، فقال لهم : أين أنتم عن عبد الله بن عباس؟ فقالوا : والله انّه ـ أي كما ذكرت ـ ولكنهما أذكى سنّاً وأطول تجربة. فقال عمر : إنّ هذا لهما عليه ، ولئن بقي يجري في عنانهما ليبرحنّ بهما تبريح الأشقر مقراً وشيحاً(1) .

نعم لقد برّح بهما أيّما تبريح ، حتى قال معاوية بعد وصول الجواب إليه : هذا عملي بنفسي ، لا أكتب والله إليه كتاباً سنة كاملة.

ومرّ بنا قول عمرو بن العاص معانياً ومعاتباً معاوية على حمله أن يكتب إلى ابن عباس وجاءه الجواب المليء تقريعاً وتسفيهاً فقال : أنت دعوتني إلى هذا ، ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب.

____________

(1) أنباء نجباء الأبناء لابن ظفر المكي / 80 ط مصر. والمعنى برّح به الأمر تبريحاً أي جهده ، والأشقر مَن الخجل حمرته صافية يحمّر معها العرف والذنب ، والمقر ـ ساكن ـ دقّ العنق ، والشيح ـ في لغة هذيل ـ الجادّ في الأمور.


ليلة الهرير :

ليلة كان الموت أقرب إلى المقاتلين من حبل الوريد ، لم تغمد السيوف ولم تسكن الرجال ـ وكانت تلك ليلة الجمعة ـ اقتتل الناس فيها حتى الصباح ، فتضاربوا بالسيوف حتى أعذرت ، وتطاعنوا بالرماح حتى تقصّفت ، وتراموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ، لم يصلّوا لله إلاّ إيماء ـ صلاة الخوف والمطاردة ـ لشدّة الجلاد والمسايفة ، حتى بلغ من قتالهم أن تكادموا بالأفواه والفارس يعتنق الآخر مثله فيقعان معاً إلى الأرض عن فرسيهما. وهذا هو الموقف الّذي توعدّ به ابن عباس معاوية حين هدده فيما كتب به إليه (وقد بقي لك منّا يوم ينسيك ما قبله).

فقد روى السيّد ابن طاووس عن ابن عباس قال : « قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) ليلة صفين : أما ترى الأعداء قد أحدقوا بنا؟ فقال : وقد راعك هذا؟ قلت : نعم. فقال : اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضام في سلطانك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضلّ في هداك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضيع في سلامتك ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أُغلب والأمر إليك (لك) »(1) .

قال أبو مخنف : « فاقتتل الناس تلك الليلة كلّها حتى الصباح ، وهي ليلة الهرير ، حتى تقصّفت الرياح ونفد النبل ، وصار الناس إلى السيوف ، وأخذ عليّ يسير فيما بين الميمنة والميسرة ، ويأمر كلّ كتيبة من القرّاء أن تقدم على الّتي تليها ، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ، ويقوم بهم حتى أصبح ، والمعركة كلها خلف

____________

(1) مهج الدعوات / 103 ط حجرية سنة 1323 ، والأمان من أخطار الأسفار والأزمان / 114ط الحيدرية سنة 1370.


ظهره ، والأشتر في ميمنة الناس ، وابن عباس في الميسرة ، وعليّ في القلب ، والناس يقتتلون من كلّ جانب وذلك يوم الجمعة ، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها ، وكان قد تولاّها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى ، وأخذ يقول لأصحابه : إزحفوا قيد هذا الرمح ، وهو يزحف بهم نحو أهل الشام »(1) .

قال أبو مخنف : « فلمّا رأى عمرو بن العاص انّ أمر أهل العراق قد اشتدّ ، وخاف في ذلك الهلاك ، قال لمعاوية : هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلاّ اجتماعاً ، ولا يزيدهم إلاّ فُرقة؟ قال : نعم ، قال : نرفع المصاحف ثمّ نقول : ما فيها حَكَم بيننا وبينكم ، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول : بلى ، ينبغي أن نقبل ، فتكون فرقة تقع بينهم ، وإن قالوا بلى ، نقبل ما فيها ، رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين »(2) .

قال نصر بسنده عن تميم بن حذيم : « يقول : لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام صفّ أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية ، فلمّا أسفرنا إذا هي المصاحف قد رُبطت على أطراف الرماح ، وهي عظام مصاحف العسكر ، وقد شدّوا ثلاثة أرماح جميعاً وقد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم ، يمسكه عشرة رهط.

وقال أبو جعفر وأبو الطفيل : استقبلوا عليّاً بمائة مصحف ، ووضعوا في كلّ مجنّبة مائتي مصحف ، وكان جميعها خمسمائة مصحف.

____________

(1) أنظر تاريخ الطبري 5 / 47 ط المعارف.

(2) نفس المصدر 5 / 48.


قال أبو جعفر : ثمّ قام الطفيل بن أدهم حيال عليّ ، وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة ، وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة ثمّ نادوا : يا معشر العرب الله الله في نسائكم وبناتكم ، فمن للروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم. الله الله في دينكم. هذا كتاب الله بيننا وبينكم ، فقال عليّ : اللّهمّ إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون ، فاحكم بيننا وبينهم إنك أنت الحكيم الحقّ المبين.

فاختلف أصحاب عليّ في الرأي فطائفة قالت القتال ، وطائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب ، فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها. فقال محمّد بن عليّ : فعند ذلك حُكّم الحكمان »(1) .

رأي طـه حسين في مكيدة ابن العاص :

قال في كتابه الفتنة الكبرى : « وأكاد أعتقد أن مكيدة عمرو بن العاص تلك الّتي كادها برفع المصاحف لم تكن من عند نفسه ، لا لأنّه قلّد فيها عليّاً فحسب ، بل لشيء آخر سنراه قريباً ، فقد ينبغي أن نذكر أنّ عليّاً إنّما رفع المصاحف بين الصّفين في حرب البصرة قبل أن ينشب القتال ، يريد أن يُعذر إلى خصمه ، وقد ينبغي أن نذكر أيضاً أنّ مكان طلحة والزبير وأم المؤمنين من النبيّ ، كان يدعوه إلى أن يحتاط ويتأنّى ، ويذكّرهم بالقرآن وما فيه ، ولا يقاتلهم حتى يستيئس من إستجابتهم إلى ما دعاهم إليه ، فلمّا رشق أهل البصرة ذلك الفتى الّذي أمره عليّ فرفع المصحف بين الصفّين بالنبل حتى قتلوه ، قال عليّ : الآن طاب الضراب.

____________

(1) وقعة صفين / 546.


فلو قد أراد أهل الشام أن يتقوا الفتنة والحرب حقاً لرفعوا المصاحف ودعوا إلى ما فيها قبل بدء القتال ، ولكنهم لم يفعلوا ، وما أكثر ما ذكّروا بالقرآن فلم يذكروه ، وما أكثر ما ردّوا سفراء عليّ دون أن يعطوهم الرضا أو شيئاً يشبه الرضا ، فما كان رفعهم للمصاحف بعد أن اتصلت الحرب أياماً وأسابيع ، وبعد أن توادع الجيشان شهر المحرم كله ، إلاّ كيداً لا يتقون به الفتنة ، وإنّما يتقون به الهزيمة.

وأكبر الظن انّ بعض الرؤساء من أصحاب عليّ لم يكونوا يُخلصون له نفوسهم ولا قلوبهم ، ولم يكونوا ينصحون له ، لأنّهم كانوا أصحاب دنيا لا أصحاب دين ، وكانوا يندمون في دخائل أنفسهم على تلك الأيام الهيّنة الليّنة الّتي قضوها أيام عثمان ينعمون بالصلات والجوائز والإقطاع.

ولست أذكر من هؤلاء إلاّ الأشعث بن قيس الكندي ، ذلك الّذي أسلم أيام النبيّ ثمّ ارتدّ بعد وفاته ، وألّب قومه حتى ورطّهم الحرب ثمّ أسلمهم وأسرع إلى المدينة تائباً ، فلم يعصم دمه من أبي بكر فحسب ، ولكنه أصهر إليه وتزوّج اخته أم فروة ، ثمّ خمل في أيام عمر وظهر في أيام عثمان فتولى له بعض أعماله في فارس ، فلمّا همّ عليّ أن ينهض إلى الشام عزله عن ولايته ، ويقال انّه طالبه بشيء من مال المسلمين ، ثمّ استصحبه واستصلحه ، فلمّا رُفعت المصاحف ودُعي إلى التحكيم كان أشدّ الناس على عليّ في الدعاء إلى قبول التحكيم.

ويجب أن نذكر أيضاً انّ عليّاً لم ينهض إلى الشام بأهل الكوفة وبمن تابعه من أهل الحجاز وحدهم ، وإنّما نهض كذلك بألوف من أهل البصرة كان منهم


من وفى له يوم الجمل ، وكان منهم من اعتزل الناس في ذلك اليوم أيضاً ، وكان منهم مع ذلك كثير من الذين انهزموا بعد مقتل طلحة الزبير.

فهم إذاً كانوا عثمانية ، لا يقاتلون مع عليّ عن رضىً وصدق ، وإنّما يقاتلون معه كارهين ، وهم إذاً كانوا واجدين عليه لأنّه قتل منهم من قتل واضطرهم إلى الهزيمة اضطراراً.

لم يكن أصحاب عليّ إذا كلهم مخلصين له مؤمنين به ، وإنّما كان منهم المخلص والمدخول.

وقد قدّمنا ان الفريقين كانا يلتقيان في أمنٍ ودعة أثناء شهر المحرم الّذي توادعا فيه ، ونضيف الآن أن القتلى كثروا ذات يوم ، فطلب عليّ هدنة موقوتة ليدفن الناس قتلاهم ، وأجيب إلى ما طلب.

وإذاً فقد كان أهل الشام وأهل العراق يلتقون ويختلطون في غير موطن ، ولم يكن من العسير أن يتناجوا ولا أن يأتمروا بينهم بما يشاؤون ، فما استبعد أن يكون الأشعث بن قيس ، وهو ماكر أهل العراق وداهيتهم ، قد اتصل بعمرو بن العاص ، ماكر أهل الشام وداهيتهم ، ودبّروا أن يقتتل القوم فإن ظهر أهل الشام فذاك ، وإن خافوا الهزيمة أو أشرفوا عليها رفعوا المصاحف فأوقعوا الفرقة بين أصحاب عليّ وجعلوا بأسهم بينهم.

وقد تمّ لهم ما دبّروا إن كانوا قد دبّروا شيئاً ، واستكره الأشعث ومن أطاعه عليّاً على كفّ القتال ، فلم ير بُدّاً من الإذعان لما أرادوا.

وأكبر الظن عندي كذلك أن المؤامرة لم تقف عند هذا الحد ، وإنّما تجاوزته إلى ما هو أشد منه خطراً ، وهو اختيار الحكمين فلأمرٍ ما ألحّ الأشعث


ومن تبعه من اليمانية في أن يختار عليّ أبا موسى الأشعري ، ولم يطلقوا له الحرية في اختيار حَكَم يثق به ويطمئن إليه ، وهم يعلمون أن أبا موسى قد خذّل الناس عن عليّ في الكوفة حتى عزله عن عمله ، فقد كان عليّ إذاً مكرهاً على قبول التحكيم ، ومكرهاً على اختيار أحد الحكمين ، ولم تأت الأمور مصادفة ، وإنّما جاءت عن ائتمار وتدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب عليّ وأصحاب معاوية جميعاً اهـ »(1) .

أقول : لقد أصاب الدكتور طه حسين وأجاد في تحليله لمكيدة عمرو ابن العاص. فلم يخطيء في ذكره الأشعث نموذجاً للخائنين في صفّ العراقيين. وأنا أضيف إليه تدليلاً على صحة رأيه في النموذجين القذرين عمرو بن العاص والأشعث بن قيس ، أنّ الأشعث كان قد قام في ليلة الهرير يخطب في أصحابه من كندة ويقول لهم : « قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي ، وما قد فني فيه من العرب ، فوالله لقد بلغت من السنّ ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب ، أنا ان نحن تواقفنا غداً انّه لفناء العرب وضيعة الحرمات ، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعاً من الحتف ، ولكني رجل مسنّ أخاف على النساء والذراري غداً إذا فنينا »(2) .

قال صعصعة ـ الراوي ـ : « فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فقال : أصاب وربّ الكعبة ، لئن نحن التقينا غداً لتميلنّ الروم على ذرارينا ونسائنا ،

____________

(1) الفتنة الكبرى 2 / 88 ـ 90.

(2) وقعة صفين / 549 ، والأخبار الطوال / 188.


ولتميلن أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم ، وإنّما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى ، اربطوا المصاحف على أطراف القنا »(1) .

فلم تكن الصدفة هي الّتي دعت الأشعث إلى خطبته ، ولم تكن الصدفة هي الّتي احضرت عيون معاوية فسمعت الخطبة ثمّ انطلقت إليه بحاجته ، ولم تكن الصدفة هي الّتي جعلت الأشعث من أعظم الناس قولاً في إطفاء الحرب والركون إلى الموادعة ، ولم تكن الصدفة هي الّتي أعجلت الأشعث فبادر أن يذهب إلى معاوية وليسأله ماذا يريد ، بل كلّ ذلك كان عن تدبير وائتمار كما يراه طه حسين ، ولم يكن بدعاً في رأيه ، ولا متجنّ في قوله على الأشعث ، بل ذلك ما ذكره عنه التاريخ.

ففي تاريخ اليعقوبي : « فرفعوا المصاحف ودعوهم إلى التحكيم بما فيها وقالوا ندعوكم إلى كتاب الله.

فقال عليّ (عليه السلام) إنّها مكيدة ، وليسوا بأصحاب قرآن. فاعترض الأشعث ابن قيس الكندي ـ وقد كان معاوية استماله وكتب إليه ودعا إلى نفسه ـ فقال : قد دعوا القوم إلى الحقّ ، فقال عليّ (عليه السلام) إنهم إنّما كادوكم وأرادوا صرفكم عنهم.

فقال الأشعث : والله لئن لم تجبهم انصرفت عنك ، ومالت اليمانية مع الأشعث ، فقال الأشعث والله لتجيبنّهم إلى ما دعوا إليه أو لندفعنّك اليهم برمتّك ، فتنازع الأشتر والأشعث في هذا كلاماً عظيماً حتى كاد أن يكون الحرب بينهم

____________

(1) نفس المصدر / 550 و 189.


وحتى خاف عليّ (عليه السلام) أن يفترق عنه أصحابه ، فلمّا رأى ما هو فيه أجابهم إلى الحكومة »(1) .

وقال المسعودي في خدعة رفع المصاحف : « فلمّا رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه ، وأحبّ القوم الموادعة ، وقيل لعليّ قد أعطاك معاوية الحقّ ، ودعاك إلى كتاب الله فاقبل منه ، وكان اشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس ، فقال عليّ : أيها الناس ، إنّه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب ، وقد والله أخذت منكم وتركت ، وإنّي كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً وقد أحببتم البقاء وقال : وما رفعوها لكم إلاّ خديعة ودهاء ومكيدة ويحكم إنّما قاتلتم ليدينوا بحكم الكتاب فقد عصوا الله فيما أمرهم به ، ونبذوا كتابه ، فامضوا على حقكم وقصدكم وخذوا في قتال عدوكم ، فإنّ معاوية وابن العاص وابن أبي مُعيط وحبيب بن مسلمة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، وأنا أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالاً ورجالاً فهم شرّ أطفال ورجال.

قال المسعودي : وجرى له مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه ، وتهددوه أن يصنع به ما صنع بعثمان ، وقال الأشعث : ان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد »(2) .

قال نصر بن مزاحم في كلام له عن الأشعث : « فإنّه لم يرض بالسكوت ، بل كان من أعظم الناس قولاً في إطفاء الحرب والركون إلى الموادعة »(3) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 164 ـ 165 ط الغري.

(2) مروج الذهب 2 / 400 ـ 401.

(3) وقعة صفين / 553.


ابن عباس وابن العاص في كفتـي ميزان :

لست في مقام الموازنة بينهما من جهة السياسة الّتي هي اللف والدوران ، ولا من جهة الأحساب والأنساب ، ولا من جهة الفضائل الخُلقية ، ففي جميع تلك الجهات بينهما البون الشاسع بُعد اليمين من الشمال ، أو قل بُعد المشرقين.

ولكن أردت التنبيه على ما يقتضيه المقام لنعرف لماذا كان يأبى معاوية وعمرو بن العاص أن يكون ابن عباس حَكَماً لأهل العراق؟ ولماذا كان يصرّ الأشعث واليمانية على أن يكون الحَكَم أبا موسى لا سواه؟

وإنّ الّذي يقرأ حقبة تلك الحرب الطاحنة ـ حرب صفين ـ من بدايتها لابدّ وأن يمر بحديث مساومة عمرو بن العاص لمعاوية في مناصرته على حرب الإمام ، ولا يغيب عنه حديث اشتراط مصر طعمة له وبيده صك على ذلك فيما يقولون. فهو من أحرص الناس على إنجاح التحكيم لصالح معاوية ليصيب مصلحته المحققة ويملك مصر طعمة له ، ويزداد من عاجل الدنيا ثمن دينه الّذي باعه لمعاوية بثمن بخس.

أمّا ابن عباس فهو منذ بداية الحرب وحتى منتهاها لم نجد له نبوة أو هفوة في قول أو فعل تنافي الدين. وهو لم يكن يرجو مطمعاً أو مطعماً في شيء يناله أزاء ما كان يبذله من جهد أو عمل ، وحتى لو أدى ذلك إلى ذهاب نفسه طعمة للرماح ودريئة للسيوف في سوح القتال ، وتلك سمة المخلصين من المؤمنين الذين كانوا مع الإمام (عليه السلام) ، فلم يكن أحدهم يبتغي سوى مرضاة الله تعالى والمثوبة منه سبحانه على نصرتهم للحقّ لوجه الحقّ ،


فأين من يعمل بإخلاص ويقين إبتغاء مرضاة الله ممّن يعمل لنيل العاجل من الحطام كابن العاص وأهل الشام؟

إذن فهم إنّما يخشون ابن عباس لو صار حكماً أن يُغِصّ عمراً بريقه ، ويسدّ عليه منافذ رأيه ، وبالتالي يفسد عليه خطته ، ويرد كيده في نحره ، فيخسر بالتالي صفقته الّتي باع بها دينه من معاوية.

فقد روى الشريف المرتضى : « أنّ عتبة بن أبي سفيان قال لعبد الله بن عباس : ما منع عليّاً أن يجعلك أحد الحكَمين؟

فقال : منعه والله من ذلك حاجز القدَر ، وقِصر المدة ، ومحنة الإبتلاء. أما والله لو بعثني مكانه ، لاعترضت لعمرو في مدارج أنفاسه ، ناقضاً ما أبرم ومبرماً ما أنقضه ، اسفّ إذا طار ، وأطير إذا أسفّ ، ولكن مضى قدر وبقي أسف ، ومع اليوم غد ، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى »(1) .

فتبيّن من هذا الكلام ـ الّذي جمع من أسرار البلاغة والفصاحة ما ضمّ المعنى الخطير الكثير في القول اليسير ـ أنّه لو كان حَكَماً لأفشل كلّ خطط عمرو بن العاص وبالتالي هي افشال لخطط معاوية. لذلك كان إصراهم بعناد على رفضه حَكَماً من خلال الأشعث واليمانية الذين سدّوا منافذ الاختيار على الإمام بالوعيد والتهديد. فقال : (فاصنعوا ما أردتم. اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من صنيعهم). كما سيأتي عن قريب. كما وسيأتي أيضاً قوله : (ما أصنع أنا مضطهد).

____________

(1) الأمالي للمرتضى 1 / 287. وقارن إعجاز القرآن / 122 ، والعقد الفريد للملك السعيد / 14 ، وشرح النهج ابن أبي الحديد 1 / 195 ، وأسرار البلاغة بذيل المخلاة المنسوبة للبهائي / 4 وغيرها.


وقد اعترف عمرو بن العاص بخوفه من أن يكون ابن عباس حَكَماً لعجزه وقصوره عن مقابلته حتى كان يقول : « ما اتقيت جواب أحد من الناس غير جواب ابن عباس لبداهته »(1) . وستأتي محاورة جرت بينهما بعد انقضاء أمر صفين وقد جمعهما الموسم جاء فيها : « وذكرت يومك مع أبي موسى فلا أراك فخرت إلاّ بالغدرة ولا منيت إلاّ بالفجور والغش ولعمري ، أنّ من باع دينه بدنيا غيره لحري حزنه على ما باع واشترى ، أمّا إن لك بياناً ولكن فيك خطل ، وإن لك لرأياً ولكن فيك فشل ، وان أصغر عيبك فيك لأعظم عيب في غيرك »(2) .

والآن إلى قراءة بعض النصوص الدالة على الآثار السيئة الّتي خلفتها خدعة التحكيم :

لقد روى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين بسنده عن ابن عباس قال : « لقد حدّثني معاوية (بعد حين) انّه كان يومئذ قد قرّب إليه فرساً أنثى بعيدة البطن من الأرض ليهرب عليها حتى أتاه آت من أهل العراق فقال له : إنّي تركت أصحاب عليّ في مثل ليلة الصَدَر من منى فأقمت.

قال (ابن عباس) فقلنا له : فأخبرنا مَن هو ذلك الرجل فأبى وقال : لا أخبركم مَن هو »(3) .

أقول : لئن لم يخبر عنه معاوية مَن هو ، فقد نمّ على أنّ له في أهل العراق بعض العيون يوافونه بما يحدث ، وهذا يؤكد رواية صعصعة عن أولئك

____________

(1) محاضرات الأدباء للراغب باب ذم المراء في المناظرة مخطوطة الرضوية برقم 4403 ، و / 36 من المطبوع.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 196 ط مصر الأولى.

(3) نفس المصدر 1 / 188.


الجواسيس ، وقد مرّت نقلاً عن نصر في وقعة صفين وأبي حنيفة في الأخبار الطوال ، ولئن لم يفصح عن اسمه معاوية فقد مرّ ذكر الأشعث وما كان له من مواقف خيانته ، فلم لا كان هو ذلك الآتي بخبر أهل العراق إلى معاوية؟ وستأتي شواهد على تآمر الأشعث ومواقفه الخيانية. وفيما مرّ كفاية حيث رأيناه وجماعة كانوا سفراء بين أهل العراق وأهل الشام ، وانهم تحدثوا إلى أهل الشام في أمر الحَكَم الّذي وقع عليه اختيار الإمام ، وإنّ أهل الشام لم يرضوا بابن عباس ، ومن هم أهل الشام الذين لم يرضوا بابن عباس؟ أليس هم معاوية وعمرو بن العاص؟ ولماذا لم يرضوا بابن عباس؟ أليس لما يعلمان من قوة حجته في بيانه ولسانه؟ ثمّ العجب كلّ العجب أن يعترض أهل الشام وعلى رأسهم معاوية وعمرو بن العاص على اختيار ابن عباس حَكَماً ، ويسمع اعتراضهم الأشعث ويناصره؟ ولا يسمع اعتراض الإمام على اختيار أبي موسى ليكون حَكَماً فضلاً عن عدم اعتراض الأشعث على اختيار عمرو بن العاص! إنّ هذا من المفارقات في المواقف ، ولا تخفى دلالتها على تبييت التآمر على ما يريده معاوية من الأشعث وجماعته اليمانية ، ولننظر لماذا أبى الأشعث وبالأحرى أبى معاوية وعمرو بن العاص ان يكون حَكَم اهل العراق هو ابن عباس؟ والجواب بكل بساطة انّه كان يتمتع بألمعية وذكاء مع تقوى الله سبحانه ، فهو سوف يدفع كيد عمرو وما دبّره ، فلا يغلبه عمرو بدهائه ، ولنضع لهما موازين القسط ، ولننظر أي الكفتين هي الراجحة؟


آثار خدعة التحكيم السيئة :

1 ـ قال الذهبي : « روى أبو عبيد القاسم بن سلام عمّن حدثه عن أبي سنان العجمي قال قال ابن عباس لعليّ : ابعثني إلى معاوية فوالله لأفتلنّ له حبلاً لا ينقطع وسطه ، قال : لست من مكرك ومكره في شيء ، لا أعطيه إلاّ السيف ، حتى يغلب الحقُ الباطلَ.

فقال ابن عباس : أو غير هذا؟ قال : كيف؟ قال : لأنّه يطاع ولا يُعصى ، وأنت عن قليل تعصى ولا تطاع.

قال : فلمّا جعل أهل العراق يختلفون على عليّ (رضي الله عنه) قال : لله درّ ابن عباس إنّه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق »(1) .

فهذا الخبر وإن اشتمل على جهالة في السند فلا يجوز الإعتماد عليه فيما انفرد ، لكن مرّ بنا ما يشبهه في أوّل خلافة الإمام وأحسب أنّ هذا هو ذاك حين قال لابن عباس : (دعني من هنيّاتك وهنيّّّات معاوية في شيء) ، كما ورد في حديث عند البلاذري(2) قول الإمام في ابن عباس : (لله در ابن عباس إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق) ، والسند عنده ينتهي إلى محمّد بن السائب والشرقي بن القطامي ، قال : سمعنا الناس يتحدثون.

إذن فالخبر قد شاع وذاع حتى صار يتحدث الناس به ومهما يكن مدى صحته ، فالذي لا شك فيه أنّ ابن عباس كان مستشاراً أميناً عند الإمام ، وكان هو أيضاً مشيراً صادقا ، فلا غضاضة لو أختلفا في الرأي كلّ حسب نظره وتكليفه ،

____________

(1) تاريخ الإسلام 2 / 167ط مكتبة القدسي.

(2) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2 / 347 تح ـ المحمودي.


كما لا غضاضة لو قرّظ الإمام ابن عمه عندما تتكشّف الحقيقة للناس كما رآها ابن عباس ، وإن كان هو تلميذه ومن بحره ينزف وهو القائل ما علمي وعلم أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر. وقد دلّت الأحداث الآتية على صحة مضمون الخبر.

قال الدينوري : « وقال الأشعث ومَن كان معه من قرّاء أهل العراق : (قد رضينا نحن بأبي موسى) فقال لهم عليّ : (لست أثق برأي أبي موسى ولا بحزمه ، ولكن أجعل ذلك لعبد الله بن عباس).

قالوا : والله ما نفرّق بينك وبين ابن عباس ، وكأنك تريد أن تكون الحاكم ، بل اجعله رجلاً هو منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى أحدٍ منكما بأدنى منه إلى الآخر.

قال عليّ (رضي الله عنه) : (فلم تَرضَون لأهل الشام بابن العاص وليس كذلك؟).

قالوا : أولئك أعلم ، إنّما علينا أنفسنا »(1) .

وفي حديث نصر وقد ذكر رجوع الأشتر عن القتال وكلامه مع القرّاء والأشعث ـ إلى أن قال : « فسبّهم وسبّوه وضربوا بسياطهم وجه دابته وضرب بسوطه وجوه دوابّهم ، فصاح بهم عليّ فكفّوا.

فتصايحوا : إنّ عليّاً أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضي بحكم القرآن ولم يسعه إلاّ ذلك فأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين ، وهو ساكت لا يبضّ بكلمة ـ (أي لا يتكلم) ـ مطرق إلى الأرض »(2) .

____________

(1) الأخبار الطوال / 192 ط تراثنا.

(2) وقعة صفين / 563.


قال السيّد أمير عليّ الهندي : « ووقع الخيار لسوء الطالع على رجل كبير السن ضعيف الرأي اسمه أبو موسى الأشعري »(1) .

نعم والله ، هو من سوء الطالع عند العراقيين الذين اختاروه حَكَماً وهو من المنافقين الذين اتخذوا القرآن عضين.

2 ـ قال ابن اعثم الكوفي في الفتوح في ذكر الحكمين : « ثمّ اجتمع قرّّاء أهل العراق وقرّاء أهل الشام بين العسكرين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوه واجتمعوا على ما فيه أن يحيوا ما أحيى القرآن ، وأن يميتوا ما أمات القرآن قال : فرضي الفريقان جميعاً بالحكمين ، وجعلوا المدة فيما بين ذلك إلى سنة كاملة.

فقال أهل الشام : قد رضينا بعمرو بن العاص.

وقال الأشعث بن قيس والذين صاروا خوارج بعد ذلك ، فإننا قد رضينا بأبي موسى الأشعري ، فإنّه وافد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى اليمن ، وصاحب مقاسم أبي بكر ، وعامل عمر بن الخطاب.

فقال عليّ (رضي الله عنه) : ولكني لا أرضى أبا موسى ولا أوليه هذا الأمر.

فقال الأشعث بن قيس وزيد بن حصن ومسعر بن فدكي وعبد الله بن الكوّاء : فإنّنا لا نرضى إلاّ به ، لأنّه قد كان حذّرنا ما وقعنا فيه.

فقال عليّ (رضي الله عنه) : فإنّه ليس لي برضاً ، وقد كان فارقني وخذّل الناس عني ، ثمّ هرب حتى آمنته بعد ستة أشهر ، ولكن هذا عبد الله بن عباس قد جعلته حكماً لي.

____________

(1) مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي / 45.


فقال القوم : والله لا نبالي أنت كنت أو ابن عباس ، ألا إنّنا لا نريد رجلاً هو منك وأنت منه.

فقال عليّ (رضي الله عنه) : فأنا أجعل الأشتر حَكَماً.

فقال الأشعث : وهل سعّر الأرض علينا إلاّ الأشتر؟ وهل نحن إلاّ في حكم الأشتر؟

قال عليّ : وما حكمه؟

فقال الأشعث : حكمه أن يضرب الناس بعضهم بعضاً بالسيوف حتى يكون ما أردتَ وما أراد.

فقال له الأشتر : أنت إنّما تقول هذا القول لأنّ أمير المؤمنين عزلك عن الرئاسة ولم يرك أهلاً لها.

فقال الأشعث : والله ما فرحت بتلك الرئاسة ، ولا حزنت لذلك العزل.

فقال عليّ (رضي الله عنه) : ويحكم إنّ معاوية لم يكن ليختار لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه ونظره إلاّ عمرو بن العاص وانّه لا يصلح للقرشي إلاّ مثله ، وهذا عبد الله بن عباس فارموه به ، فان عمراً لا يعقد عقدة إلاّ حلّها ، ولا يبرم أمراًً إلاّ نقضه ، ولا ينقض أمراً إلاّ أبرمه.

فقال الأشعث ومن معه : لا والله لا يحكم فينا مضريّان أبداً حتى تقوم الساعة ، ولكن يكون رجل من مضر ورجل من اليمن.

فقال عليّ (رضي الله عنه) : إنّي أخاف أن يخدع يمانيكم ، فإنّ عمرو بن العاص ليس من الله في شيء.


فقال الأشعث : والله لأن يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من اليمن أحبّ الينا من أن يكون ما نحب وهما مضريان.

فقال عليّ (رضي الله عنه) : وقد أبيتم إلاّ أبا موسى؟

قالوا : نعم.

قال : فاصنعوا ما أردتم ، اللّهمّ إنّي أبرأ اليك من صنيعهم »(1) .

وفي مناقب ابن شهر اشوب : « قال الأعمش : حدّثني من رأى عليّاً (عليه السلام) يوم صفين يصفق بيديه ويقول : يا عجباً أعصى ويطاع معاوية؟ وقال : قد أبيتم إلاّ أبا موسى قالوا : نعم قال : فاصنعوا ما بدا لكم ، اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من صنيعهم »(2) .

3 ـ روى البلاذري عن المدائني بسنده عن علقمة بن قيس قال : « قلت لعليّ : أتقاضي معاوية على أن يحكم حكمان؟

فقال : ما أصنع أنا مضطهد »(3) .

4 ـ روى البلاذري عن المدائني بسنده عن داود بن الحصين قال : « قيل لابن عباس : ما دعا عليّاً إلى الحكمين؟

فقال : انّ أهل العراق ملّوا السيف ، وجزعوا منه جزعاً لم يجزعه أهل الشام ، واختلفوا بينهم ، فخاف عليّ لمّا رأى من وهنهم أن ينكشفوا منه ويتفرّقوا عنه ، فمال إلى القضية مع انّه أخذ بكتاب الله حين أمر بالحكمين في الصيد والشقاق ، ولو كان معه من يصبر على السيف لكان الفتح قريباً »(4) .

____________

(1) الفتوح 4 / 1 ـ 4.

(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 365 ط الحيدرية.

(3) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام) 2 / 337.

(4) نفس المصدر 2 / 337.


وإلى هنا فقد لاحظنا اتفاق المؤرخين الأوائل لحديث مأساة التحكيم على الدور الفاعل والمؤثر للأشعث بن قيس ونشاطه المحموم هو والقرّاء معه في ترجيح كفّة معاوية على كفّة عليّ ، بدءاً من رفع المصاحف وانتهاءً بسكوت الإمام على مضض لما يريدون ، حتى أنّ بعض المؤرخين نمّ على نفسه في حديثه عن تلك المأساة باقتضابه بعد حديثهما.

ولقد مرت بنا كلمة اليعقوبي : « فتنازع الأشتر والأشعث في هذا كلاماً عظيماً حتى كاد أن يكون الحرب بينهم ».

ومرّ بنا قول المسعودي : « وجرى له ـ للإمام ـ مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه ».

فيا ترى ما ذلك الخطب الطويل؟ ولماذا كتمه المسعودي؟

ومهما يكن فإنّ الإمام ـ كما مرّ ـ كان مضطهداً ، وكما قال ابن عباس : « فخاف أن ينكشفوا منه ويتفرقوا عنه ولو كان معه من يصبر على السيف لكان الفتح قريباً ».

5 ـ قال نصر : « وذكروا أنّ ابن الكوّاء قام إلى عليّ فقال : هذا عبد الله بن قيس وافد أهل اليمن إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وصاحب مقاسم أبي بكر ، وعامل عمر ، وقد رضي به القوم ، وعرضنا على القوم عبد الله بن عباس فزعموا أنّه قريب القرابة منك ظَنون في أمرك اهـ »(1) .

ولم يذكر لنا نصر ما ردّ به الإمام على ابن الكوّاء؟ إلاّ أنّه قال : « فبلغ ذلك أهلَ الشام ، فبعث أيمن بن خُريم الأسدي ـ وهو معتزل لمعاوية ـ هذه الأبيات ، وكان هواه أن يكون هذا الأمر لأهل العراق فقال :

____________

(1) وقعة صفين / 575 ط مصر سنة 1365.


لو كان للقوم رأي يعصمون به

من الضَلال رموكم بابن عباس

لله درّ أبيه أيُّماً رجلٍ

ما مثله لفصال الخطب في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن

لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس

إن يخل عمروٌ به يقذفه في لجج

يهوي به النجم تيساً بين أتياس

أبلغ لديك عليّاً غير عائبه

قول امرئ لا يرى بالحق من بأس

ما الأشعري بمأمون أبا حسن

فاعلم هديت وليس العجز كالرأس

فاصدم بصاحبك الأدنى زعيمهم

انّ ابن عمك عباس هو الآسي(1)

قال : فلمّا بلغ الناس قول أيمن طارت أهواء قوم من أولياء عليّ (عليه السلام) وشيعته إلى عبد الله بن عباس وأبت القرّاء إلاّ أبا موسى »(2) .

ومهما قيل من شعر أو نثر في تجدّد الوعي ويقظة الضمير عند البعض من أولياء الإمام وشيعته حتى طارت أهواؤهم إلى ابن عباس ، فإن القرّاء والأشعث ابن قيس أبوا إلاّ أبا موسى الأشعري وهذا الإصرار في تحكيمه هو جزء من المؤامرة الّتي أشار إليها طه حسين كما تقدم.

وإنّها لمحنة الإمام ، وإنّها لمحنة أولياء الإمام ، وكيف لا تكون المحنة ، والأشعث بن قيس ذي السابقة السيئة في الإسلام يملي إرادته بكل صَلَف وتكون له الكلمة النافذة. ويُعصى الإمام وهو الخليفة وأمير المؤمنين ، إنّها لقاصمة الظهر. ولله صبر الإمام ومَن معه على تلك المحنة.

____________

(1) لقد ورد البيتان الأولان في الأخبار الطوال للدينوري / 193 ، ومروج الذهب 2 / 410 ، وكذا في البدء والتاريخ 2 / 221 إلاّ انّه لم يسم القائل ، وفي سمط النجوم العوالي للعصامي المكي 2 / 459 نسب الشعر لخزيمة بن مالك الأسدي.

(2) وقعة صفين / 576.


ولتنوير القارئ بشيء من سابقتي الرجلين الأشعث وأبي موسى نذكرهما بما قيل فيهما بشهادة سادة الصحابة :

أمّا الأشعث فقد كان ذا سابقة سيئة في الإسلام ، فقد أسلم أيام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ ارتدّ بعد وفاته ، وألّب قومه حتى ورّطهم الحرب ، ثمّ أسلمهم وأسرع إلى المدينة إلى أبي بكر ليعصم دمه بالتوبة ، ولم يكتف حتى أصهر إلى أبي بكر على اخته أم فروة ، وخمل أيام عمر إلاّ أنّ عثمان في أيامه ولاه اذربيجان ، ولمّا تولى الإمام الخلافة عزله لخيانته ، وقد وصفه (عليه السلام) وصفاً رائعاً ودقيقاً فقال : (أمّا هذا الأعور ـ يعني الأشعث ـ فإنّ الله لم يرفع شرفاً إلاّ حسده ، ولا أظهر فضلاً إلاّ عابه ، وهو يمنّي نفسه ويخدعها ، يخاف ويرجو فهو بينهما لا يثق بواحد منهما ، وقد منّ الله عليه بأن جعله جباناً ، ولو كان شجاعاً لقتله الحقّ)(1) .

قال ابن أبي الحديد : « كلّ فساد كان في خلافة عليّ (عليه السلام) ، وكلّ اضطراب حدث فأصله الأشعث ، ولولا محاقة أمير المؤمنين (عليه السلام) في معنى الحكومة في هذه المرّة لم يكن حرب النهروان ، ولكان أمير المؤمنين (عليه السلام) ينهض بهم إلى معاوية ويملك الشام ، فإنّه صلوات الله عليه حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض والمواربة ، وفي المثل النبوي صلوات الله على قائله : الحرب خدعة ، وذاك إنّهم قالوا له تب إلى الله ممّا فعلت كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام ، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء والمعصومون وهي قوله : استغفر الله من كلّ ذنب ، فرضوا بها وعدّوها إجابة لهم إلى سؤالهم ، وصفت له (عليه السلام) نيّاتهم واستخلص بها ضمائرهم من غير أن تتضمن تلك الكلمة اعترافاً

____________

(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 545 في الحكم المنثورة برقم 478.


بكفر أو ذنب ، فلم يتركه الأشعث وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً عن الحال وهاتكاً ستر التورية والكناية ، ومخرجاً لها من مظلة الإجمال وستر الحيلة إلى تفسيرها بما يفسد التدبير ويوغر الصدور إلى المقال »(1) .

وهكذا الدول الّتي تظهر فيها إمارات الانقضاء والزوال يتاح لها أمثال الأشعث من أولى الفساد في الأرض( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) (2) .

أقول : ومن قرأ مثلثات أبي بكر عند موته يجد ندمه على عدم قتله الأشعث يوم أتي به أسيراً. فقد قال : « وأمّا الثلاث الّتي تركتهن فوددت أنّي كنت فعلتهنّ فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ولم أستحيه ، فإنّه تخيّل إليَّ أنّه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه »(3) .

فمثل هكذا إنسان حسود وحقود وتافه تكون له الكلمة النافذة ، إنّها لإحدى الكبر!

وأمّا أبو موسى الأشعري فهو أخزى ، فقد كان من المنافقين الذين لعنهم الله ورسوله بشهادة الصحابيين الجليلين عمّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان الّذي كان عارفاً بالمنافقين وقد أسرّ إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرهم وأعلمه أسماءهم.

أمّا شهادة عمّار بن ياسر : فقد أخرج ابن عدي في الكامل وابن عساكر في التاريخ عن أبي نجا حكيم قال : « كنت جالساً مع عمّار فجاء أبو موسى فقال : ما

____________

(1) نفس المصدر 1 / 216 ط مصر (الأولى).

(2) الاحزاب / 62.

(3) راجع تاريخ الطبري 4 / 52 ط الحسينية ، ومروج الذهب 1 / 408 تح ـ محمّد محي الدين ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 19 ط سنة 328 ، والعقد الفريد 3 / 68.


لي ولك؟ ألستُ أخاك؟ قال : ما أدري ولكن سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يلعنك ليلة الجبل.

قال : انّه استغفر لي. قال عمّار : قد شهدت اللعن فلم أشهد الاستغفار »(1) .

وأمّا شهادة حذيفة : فقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي موسى قال : « فلمّا قتل عثمان عزله عليّ (عليه السلام) عنها ـ الكوفة ـ فلم يزل واجداً لذلك على عليّ (عليه السلام) حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه ، فقد روى حذيفة فيه كلاماً كرهت ذكره والله يغفر له اهـ »(2) ـ قال ابن أبي الحديد بعد نقل ذلك : « قلت : الكلام الّذي أشار إليه أبو عمر ابن عبد البرّ ولم يذكره قوله فيه وقد ذكر عنده بالدين : أمّا أنتم فتقولون ذلك ، وأمّا أنا فأشهد أنّه عدوّ لله ولرسوله وحربٌ لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين أسرّ إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرهم وأعلمه أسماءهم »(3) .

وذكر الفسوي في المعرفة والتاريخ : « حدّثني ابن نمير قال حدّثني أبي عن الأعمش عن شقيق قال : كنا مع حذيفة جلوساً فدخل عبد الله (يعني ابن مسعود)

____________

(1) أنظر كنز العمال 16 / 219 ط حيدر آباد الثانية ، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 / 234.

(2) نقلاً عن شرح الصمدية 3 / 288 وما في الاستيعاب بهامش الإصابة 4 / 174 ط مصفى محمّد بمصر : (فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان ثمّّ كان منه الصفين وفي التحكيم ما كان ، وكان منحرفاً عن علي رضي الله عنه لأنّه عزله ولم يستعمله ، وغلبه أهل اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجزه ، وكان لحذيفة قبل ذلك فيه كلام رحمة الله عليهم أجمعين).

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 288.


وأبو موسى (يعني الأشعري) المسجد فقال (حذيفة) : أحدهما منافق ثمّ قال : إن أشبه الناس هدياً ودلاًّ وسناً برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عبد الله اهـ »(1) .

فهذا نص له قيمته الدلالية في أنّ أبا موسى هو المنافق الّذي أشار إليه حذيفة بقوله : أحدهما منافق.

وقال ابن أبي الحديد : « وروى أنّ عمّاراً سئل عن أبي موسى فقال : لقد سمعت فيه من حذيفة قولاً عظيماً سمعته يقول : صاحب البرنس الأسود ، ثمّ كلح كلوحاً ، علمت منه انّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط »(2) .

فبعد هذا العرض الموجز تبيّن للقارئ أنّ الأشعث وأبا موسى لم يكونا من الصحابة المؤمنين الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان ، بل كانا من المنافقين الذين لعنهم الله ورسوله.

وحسبنا بما قدمنا دلالة لمن يريد أن يتعرّف دخيلة الرجلين الأشعث وأبا موسى تحت المجهر ، ولعل من السخرية بعقول الناس أن يكون أبو موسى هو الراوي لقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون في هذه الأمة حكَمان ضالان ضالٍ من تبعهما ، فقال له سويد بن غفلة : يا أبا موسى انظر لا تكن أحدهما.

ثمّ ينبري علماء التبرير لتضعيف الحديث حفاظاً على أبي موسى(3) . ثمّ هم يروون : كان أبو موسى يحدّث قبل وقعة صفين ويقول : انّ الفتن لم تزل في بني اسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمينَ يحكمان بحكم لا يرضى به من

____________

(1) المعرفة والتاريخ 2 / 771.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 288.

(3) مجمع الزوائد 7 / 245 ـ 246 ط القدسي قال الهيثمي رواه الطبري وقال : هذا عندي باطل لأن جعفر بن عليّ شيخ مجهول لا يُعرف؟ قلت ـ والقائل هو الهيثمي ـ إنّما ضعفه من عليّ بن عابس الأسدي فإنه متروك.


اتبّعهما ، وانّ هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمينَ يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما.

فقال له سويد بن غفلة : إياك إن ادركتَ ذلك الزمان أن تكون أحد الحكمينَ.

قال : أنا؟! قال : نعم أنت.

قال : فكان يخلع قميصه ويقول : لا جعل الله لي إذاً في السماء مَصعَداً ، ولا في الأرض مَقعَداً.

فلقيه سويد بن غفلة بعد ذلك فقال : يا أبا موسى أتذكر مقالتك؟ قال : سل ربّك العافية(1) .

وهنا أيضاً ينبري علماء التبرير بالتزوير فيرووا لنا حديث سويد بن غفلة أنّه قال : « إنّي لأمشي مع عليّ بشط الفرات فقال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنّ بني اسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكَمَينَ فضلاّ وأضلاّ ، وإنّ هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمَينَ فيَضِلاّن ويُضِلاّن من اتبعهما ». وهذا قد رواه البيهقي في الدلائل وحكاه عنه ابن كثير ولم يرق له ذلك فتعقّبه بقوله : « فإنّه حديث منكر ، ورفعه موضوع والله أعلم. إذ لو كان هذا معلوماً عند عليّ لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سبباً لإضلال الناس ، كما نطق به هذا الحديث ، وآفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى وهو الكندي الحميري الأعمى قال ابن معين : ليس بشيء »(2) .

____________

(1) مروج الذهب 2 / 403 ، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2 / 363 ط الحيدرية نقلاً عن ابن مردويه.

(2) البداية والنهاية 7 / 283 ـ 284.


أرأيت كيف كان دفاع ابن كثير المستميت حفاظاً على كرامة الحكَمين (؟). وتلبيساً منه على القارئ باسم الدفاع عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

وما أدري كيف يكون دفاعه عمّا رواه ياقوت؟!

قال ياقوت في معجمه : « وقرأت في كتاب الخوارج قال : حدّثنا محمّد بن قلابة بن إسماعيل عن محمّد بن زياد قال حدّثنا محمّد بن عون قال حدّثنا عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : مررت مع أبي موسى بدومة الجندل فقال : حدّثني حبيبي أنّه حكَمَ في بني إسرائيل في هذا الموضع حَكَمان بالجور ، وأنّه يحكم في أمتي في هذا المكان حكَمان بالجور. قال : فما ذهبت إلاّ أيام حتى حكم هو وعمرو بن العاص بما حَكَما. قال : فلقيته فقلت له : يا أبا موسى قد حدّثتني عن رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم بما حدّثتني؟ فقال : والله المستعان »(1) .

6 ـ روى المدائني في كتاب صفين قال : « لمّا أجمع أهل العراق على طلب أبي موسى وأحضروه للتحكيم على كُره من عليّ (عليه السلام) أتاه عبد الله بن العباس وعنده وجوه الناس وأشرافهم. فقال له : يا أبا موسى إن الناس لم يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه ، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمتقدمين قبلك ، ولكن أهل العراق أبوا إلاّ أن يكون الحَكَم يمانياً ، ورأوا أنّ معظم أهل الشام يمان ، وأيم الله إنّي لأظن ذلك شرّاً لك ولنا ، فإنّه قد ضُمّ اليك داهية العرب ، وليس في معاوية خلّة يستحق بها الخلافة ، فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه ، وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك. واعلم

____________

(1) معجم البلدان 2 / 488 ـ 489.


يا أبا موسى إن معاوية طليق الإسلام ، وأنّ أباه رأس الأحزاب ، وأنّه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة ، فإن زعم لك انّ عمر وعثمان استعملاه ، فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه ، بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره ، ثمّ استعمله عثمان برأي عمر ، وما أكثر ما استعملا ممّن لم يدع الخلافة.

واعلم أنّ لعمرو مع كلّ شيء يسرّك خبأ يسؤك ، ومهما نسيت فلا تنس أنّ عليّاً بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، وانّها بيعة هدىً ، وانّه لم يقاتل إلاّ العاصين والناكثين.

فقال أبو موسى : رحمك الله والله ما لي إمام غير عليّ ، وإنّي لواقف عندما أرى ، وانّ حقّ الله أحبّ إليَّ من رضا معاوية وأهل الشام ، وما أنت وأنا إلاّ بالله »(1) .

قال ابن أبي الحديد : وروى في الموفقيات أيضاً الخبر الّذي رواه المدائني وقد ذكرناه آنفاً من كلام ابن عباس لأبي موسى وقوله : انّ الناس لم يرضوا بك لفضل عندك لم تشارك فيه ، وذكر في آخره : فقال بعض شعراء قريش :

والله ما كلّم الأقوام من بشر

بعد الوصي عليّ كابن عباس

أوصى ابن قيس بأمر فيه عصمته

لو كان فيها أبو موسى من الناس

إنّي أخاف عليه مكرَ صاحبه

أرجو رجاء مخوف شيب بالياس(2)

7 ـ قال المسعودي في مروج الذهب : « ولمّا وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً ، وأقبل بعضهم يتبرأ من بعض ، يتبرأ الأخ من أخيه ، والابن من أبيه ، وأمر

____________

(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 195.

(2) نفس المصدر 1 / 201.


عليّ بالرحيل ، لعلمه باختلاف الكلمة ، وتفاوت الرأي ، وعدم النظام لأمورهم ، وما لحقه من الخلاف منهم ، وكثر التحكيم في جيش أهل العراق ، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف ، وتسابّوا ، ولام كلّ فريق منهم الآخر في رأيه »(1) .

8 ـ قال أبو مخنف : « حدّثني إسماعيل بن يزيد عن حُميد بن مسلم عن جندب بن عبد الله ، إنّ عليّاً قال للناس يوم صفين : لقد فعلتم فعلةً ضعضعت قوةً ، وأسقطت مُنّة ، وأوهنت وأورثت وَهناً وذلة ، ولما كنتم الأعلين ، وخاف عدوكم الاجتياح ، واستحرّ بهم القتل ووجدوا ألم الجراح ، رفعوا المصاحف ، ودعوكم إلى ما فيها ليفثئوكم عنهم ، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم ، ويتربصوا بكم ريب المنون خديعة ومكيدة ، فأعطيتموهم ما قد سألوا ، وأبيتم إلاّ أن تُدهِنوا وتجوزّوا ، وأيم الله ما أظنكم بعدها توافقون رَشَدا ، ولا تصيبون باب حزم »(2) .

9 ـ عن أبي الودّاك قال : « لمّا تداعى الناس إلى الصلح بعد رفع المصاحف قال عليّ : إنّما فعلتُ ما فعلت لمّا بدا فيكم الخورَ والفَشَل ـ والضعف ـ »(3) .

10 ـ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف(4) وعنه في كنز العمال(5) وأنساب الأشراف(6) عن عبد الله بن الحسن قال : « قال عليّ للحكمينَ : على أن تحكما بما في كتاب الله ، وكتاب الله كله لي ، فإن لم تحكما بما في كتاب الله فلا حكومة لكما ».

____________

(1) مروج الذهب 2 / 405.

(2) أنظر تاريخ الطبري 5 / 56 دار المعارف.

(3) أنظر وقعة صفين / 596.

(4) المصنف 15 / 294 ط باكستان (إدارة القرآن).

(5) كنز العمال 11 / 308 ط حيدر آباد الثانية.

(6) أنساب الأشراف 2 / 338 تح ـ المحمودي.


وفي حديث آخر عن جعفر قال : « قال عليّ : أن تحكما بما في كتاب الله فتحييا ما أحيى القرآن ، وتميتا ما أمات القرآن ولا تزنيا »(1) .

11 ـ أخرج البلاذري في أنسابه بسنده عن الشعبي قال : « لمّا اجتمع عليّ ومعاوية على أن يحكّما رجلين اختلف الناس على عليّ فكان عظمهم وجمهورهم مقرّين بالتحكيم راضين به ، وكانت فرقة منهم ـ وهم زهاء أربعة آلاف من ذوي بصائرهم والعبّاد منهم ـ منكرة للحكومة ، وكانت فرقة منهم وهم قليل متوقفين. فأتت الفرقة المنكرة عليّاً فقالوا : عُد إلى الحرب ـ وكان عليّ يحبّ ذلك ـ فقال الذين رضوا بالتحكيم ، والله ما دعانا القوم إلاّ إلى حقّ وإنصاف وعدل ، وكان الأشعث بن قيس وأهل اليمن أشدهم مخالفة لمن دعا إلى الحرب ، فقال عليّ للذين دعوا إلى الحرب : يا قوم قد ترون خلاف أصحابكم وأنتم قليل في كثير ، ولئن عدتم إلى الحرب ليكونّن هؤلاء أشدّ عليكم من أهل الشام ، فإذا اجتمعوا وأهل الشام عليكم أفنوكم ، والله ما رضيت ما كان ولا هويته ، ولكن ملتُ إلى الجمهور منكم خوفاً عليكم ثمّ أنشد :

وما أنا إلاّ من غزيّة إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد

ففارقوه ، ومضى بعضهم إلى الكوفة قبل كتاب القضية ، وأقام الباقون على إنكارهم التحكيم ناقمين عليه يقولون : لعلّه يتوب ويراجع »(2) .

____________

(1) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 294 نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي باكستان سنة 1406 هـ.

(2) أنساب الأشراف 2 / 338 تح ـ المحمودي.


12 ـ قال ابن البطريق في كتابه العمدة : « فلمّا حضروا لكتابة المقاضاة وكان عبد الله بن العباس (رضي الله عنه) كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فلمّا كتب : هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان.

قال له عمرو بن العاص : امح أمير المؤمنين فإنّا لا نعرفه ، فلو عرفنا انّه أمير المؤمنين لما نازعناه.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عباس امحه. فقال ابن عباس : لا أمحوه ، فمحاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن قال لعمرو بن العاص : يا بن النابغة ألا تعرف أنّي أمير المؤمنين. فقال ابن العاص : والله لا جمعني وإياك مجلس أبداً. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : أرجو أن يطهّر الله تعالى مجلسي منك ومن أمثالك »(1) .

وقد ذكر اليعقوبي في تاريخه : « وكتبوا كتابين بالقضية كتاباً من عليّ (عليه السلام) بخط كاتبه عبيد الله بن أبي رافع وكتاباً من معاوية بخط كاتبه عمر بن عبّاد الكناني ، واختصموا في تقديم عليّ أو تسمية عليّ بأمرة المؤمنين ، فقال أبو الأعور السلمي لا نقدّم عليّاً. وقال أصحاب عليّ : لا نغيّر اسمه ولا نكتب إلاّ بأمرة المؤمنين ، فتنازعوا على ذلك منازعة شديدة حتى تضاربوا بالأيدي. فقال الأشعث : أمحوا هذا الاسم. فقال له الأشتر : والله يا أعور لهممت أن أملأ سيفي منك ، فلقد قتلت قوماً ما هم بأشرّ منك ، وإني أعلم انك ما تحاول إلاّ الفتنة ، وما تدور إلاّ على الدنيا وإيثارها على الآخرة. فلمّا اختلفوا قال عليّ (عليه السلام) : الله أكبر قد كتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الحديبية »(2) .

____________

(1) العمدة / 172 ط حجرية ، وقارن الدرجات الرفيعة / 117 ط الحيدرية سنة 1382 هـ ، ووقعة صفين / 508 ط الثانية بمصر 1382 هـ.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 165 ط الغري قضية الكتاب.


وقال أيضاً : « وكتب كتاب القضية على الفريقين يرضون بذلك بما أوجبه كتاب الله ، واشترط على الحكمين في الكتابين أن يحكما بما في كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته ، لا يتجاوزان ذلك ولا يحيدان عنه إلى هوى أو ادهّان ، وأخذ عليهما أغلظ العهود والمواثيق ، فإن هما جاوزا بالحكم كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته فلا حكم لهما »(1) .

لقد صدقت نبوءة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين قال للإمام يوم صلح الحديبية حين أبى الإمام أن يمحو اسم رسول الله لأنّ سهيل بن عمرو لم يرض بذلك ، فمحاه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيده وقال للإمام : (إنّك ستدعى إلى مثلها).

وصدق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال : (إنّ ممّا عهد إليَّ النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم أنّ الأمة ستغدر بي من بعده)(2) .

وأخيراً صدق ابن عباس في وصفه للإمام في محنة تلك الحرب الضروس الطاحنة وموقف الناس منه ، فقد سئل عن سبب قبوله التحكيم فأجاب بما ذكرناه من قبل وختم ذلك بقوله : (ولو كان معه من يصبر على السيف لكان الفتح قريباً).

والّذي يبدو لي ممّا تقدّم أنّ ابن عباس كان هو الّذي افتتح كتابة كتاب القضية ، ولمّا وقع الاختلاف حول كلمة (أمير المؤمنين) وأبى محوها فمحاها الإمام بيده كما ذكر ذلك ابن البطريق الحلي في العمدة كما مرّ ، تولى كتابة الكتاب لنسخة اهل العراق عبيد الله بن أبي رافع كاتب الإمام ، وتولى كتابة نسخة لأهل العراق كاتب معاوية عمير بن عبّاد الكناني كما مر عن اليعقوبي. ومهما

____________

(1) نفس المصدر / 166.

(2) أنظر كنز العمال 11 / 284 ط حيدرآباد الثانية ، نقلاً عن مصنف ابن أبي شيبة ومسند الحارث ومسند البزار ودلائل البيهقي وغيره.


يكن من أمر الكتابة والكتاب ، فقد تم الإتفاق على أن يوافي عليّ ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان مع كلّ واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه(1) .

واشترط على الحكمين أن يرفعا ما رفع القرآن ، ويخفضا ما خفض القرآن ، وأن يختارا لأمة محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم وأنّهما يجتمعان بدومة الجندل(2) فإن لم يجتمعا لذلك ، اجتمعا من العام المقبل بأذرح(3) .

قال أبو مخنف : « فكان الكتاب في صفر والأجل رمضان إلى ثمانية أشهر ، إلى أن يلتقي الحكمان ، ثمّ انّ الناس دفنوا قتلاهم ، وأمر عليّ الأعور ـ يعني الحارث ـ فنادى في الناس بالرحيل »(4) .

قال أبو مخنف : « حدثنا أبو جناب الكلبي عن عمارة بن ربيعة قال : خرجوا مع عليّ إلى صفّين وهم متوادون أحباء ، فرجعوا متباغضين أعداء ، ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم ، ولقد اقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط ، يقول الخوارج : يا أعداء الله دهنتم في أمر الله (عزّ وجلّ) وحكّمتم. وقال الآخرون : فارقتم إمامنا وفرّقتم جماعتنا ، فلمّا دخل عليّ الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حروراء(5) ، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً ، ونادى

____________

(1) أنظر تاريخ الطبري 5 / 57.

(2) مكان وسط بين أهل الشام وأهل العراق إذ هي على عشر مراحل من الكوفة وكذلك من الشام (الأعلاق النفسية لابن رستة / 177).

(3) تاريخ الطبري 5 / 57.

(4) نفس المصدر 4 / 89.

(5) حروراء كجلولاء ، بالمد وقد تقصر قرية بالكوفة على ميلين منها ، نزل بها جماعة خالفوا عليّاً من الخوارج ، تاج العروس 3 / 137.


مناديهم : أنّ أمير القتال شبث بن ربعي التميمي ، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوّاء اليشكري ، والأمر شورى بعد الفتح ، والبيعة لله (عزّ وجلّ) ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر »(1) .

والآن لنقرأ محاورات ابن عباس مع المحكَمة أوّلاً في حروراء ثمّ في الكوفة ، ونأتي على البقية في مواردها حسب ورودها تاريخياً مع الأحداث.

قال البلاذري في أنساب الأشراف وابن عساكر في تاريخه وغيرهما بالسند عن الزهري قال : « لمّا قدم عليّ بن أبي طالب إلى الكوفة من صفين ، خاصمت الحرورية عليّاً ستة أشهر ، وقالوا شككت في أمرك ، وحكّمت عدوك وطالت خصومتهم لعليّ فأرسل إليهم عليّ عبد الله بن عباس وصعصعة بن صوحان فدعوا هم إلى الجماعة وناشداهم »(2) .

محاورة ابن عباس مع المحكمة في حروراء :

قال ابن اعثم في الفتوح وغيره : « فبينا عليّ كرّم الله وجهه مقيم بالكوفة ينتظر انقضاء المدة الّتي كانت بينه وبين معاوية ثمّ يرجع إلى محاربة أهل الشام ، إذ تحركت طائفة من أصحابه في أربعة آلاف فارس ، وهم من النساك العبّاد أصحاب البرانس ، فخرجوا عن الكوفة وتحزّبوا وخالفوا عليّاً كرم الله وجهه ، وقالوا : لا حكم إلاّ لله ولا طاعة لمن عصى الله.

قال : وانحاز إليهم نيّف عن ثمانية آلاف رجل ممّن يرى رأيهم ، فصار القوم في اثني عشر ألفاً وساروا حتى نزلوا بحروراء ، وأمّروا عليهم عبد الله بن الكوّاء.

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 63.

(2) أنساب الأشراف 2 / 353 ، وتاريخ مدينة دمشق (ترجمة ابن الكواء).


قال : فدعا عليّ (رضي الله عنه) بعبد الله بن عباس فأرسله إليهم وقال : يا بن عباس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا؟

[ وأوصاه بقوله : لا تخاصمهم بالقرآن فقال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم ، في بيوتنا نزل.

قال : صدقت ، ولكن القرآن حمّال ذو وجوه تقول ويقولون ، ولكن حاججهم بالسنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصاً(1) فخرج ابن عباس اليهم فحاججهم بالسنن فلم يبق بأيديهم حجة ](2) .

قال ابن اعثم في حديثه : فأقبل عليهم ابن عباس حتى إذا شرف عليهم ونظروا إليه ناداه بعضهم وقال : ويلك يا بن عباس أكفرت بربك كما كفر صاحبك عليّ بن أبي طالب؟

فقال ابن عباس : إنّي لا أستطيع أن أكلمكم كلكم ، ولكن انظروا أيكم أعلم بما يأتي ويذر فليخرج إليَّ حتى أكلّمه.

قال : فخرج إليه رجل منهم يقال له عتاب بن الأعور التغلبي ، حتى وقف قبالته ، وكأن القرآن إنّما كان ممثلاً بين عينيه ، فجعل يقول ويحتج ويتكلم بما يريد ، وابن عباس ساكت لا يكلمه بشيء ، حتى إذا فرغ من كلامه ، أقبل عليه ابن عباس فقال : إنّي أريد أن أضرب لك مثلاً ، فإن كنت عاقلاً فافهم. فقال الخارجي : قل ما بدا لك.

____________

(1) الإتقان للسيوطي 1 / 175 ، ولابن أبي الحديد المعتزلي في شرح هذه الوصية كلام بدأه بقوله : هذا الكلام لا نظير له في شرفه وعلو معناه

(2) الدر المنثور للسيوطي 1 / 15عن ابن سعد.


فقال له ابن عباس : خبّرني عن دار الإسلام هذه هل تعلم لمن هي؟ ومن بناها؟

فقال الخارجي : نعم ، هي لله (عزّ وجلّ) ، وهو الّذي بناها على أيدي أنبيائه وأهل طاعته ، ثمّ أمر من بعثه إليها من الأنبياء أن يأمروا الأمم أن لا يعبدوا إلاّ إياه ، فآمن قوم وكفر قوم ، وآخر من بعثه إليها من الأنبياء محمّداً صلّى الله عليه (وآله) وسلّم.

فقال ابن عباس : صدقت ، ولكن خبّرني عن محمّد حين بعث إلى دار الإسلام فبناها كما بناها غيره من الأنبياء ، هل أحكم عمارتها وبيّن حدودها ، وأوقف الأمة على سبلها وعملها ، وشرائع أحكامها ومعالم دينها؟

فقال الخارجي : نعم قد فعل محمّد ذلك.

قال ابن عباس : فخبّرني الآن عن محمّد هل بقي فيها أو رحل عنها؟

قال الخارجي : بل رحل عنها.

قال ابن عباس : فخبّرني رحل عنها وهي كاملة العمارة بيّنة الحدود؟ أم رحل عنها وهي خربة ولا عمران فيها؟

قال الخارجي : بل رحل عنها وهي كاملة العمارة بيّنة الحدود قائمة المنار.

قال ابن عباس : صدقت. الآن فخبّرني هل كان لمحمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم أحد يقوم بعمارة هذه الدار من بعده أم لا؟

قال الخارجي : بلى قد كان له صحابة وأهل بيت ووصي وذريّته يقومون بعمارة هذه الدار من بعده.

قال ابن عباس : ففعلوا أم لم يفعلوا؟


قال الخارجي : بلى قد فعلوا وعمروا هذه الدار من بعده.

قال ابن عباس : فخبّرني الآن عن هذه الدار من بعده هل هي اليوم على ما تركها محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم من كمال عمارتها وقوام حدودها؟ أم هي خربة عاطلة الحدود؟

قال الخارجي : بل هي عاطلة الحدود خربة.

قال ابن عباس : أفذريّته وليت هذا الخراب أم أمته؟

قال : بل أمته.

قال ابن عباس : فأنت من الأمة أم من الذرية؟

قال : أنا من الأمة.

قال ابن عباس : يا عتاب فخبرني الآن عنك كيف ترجو النجاة من النار وأنت من أمة قد أخربت دار الله ودار رسوله ، وعطلت حدودها؟

فقال الخارجي : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ويحك يا بن عباس احتلت والله حتى أوقعتني في أمر عظيم وألزمتني الحجة حتى جعلتني ممّن أخرب دار الله. ولكن ويحك يابن عباس فكيف الحيلة في التخلص ممّا أنا فيه؟

قال ابن عباس : الحيلة في ذلك أن تسعى في عمارة ما أخربته الأمة من دار الإسلام.

قال : فدلني على السعي في ذلك.

قال ابن عباس : إنّ أوّل ما يجب عليك في ذلك أن تعلم من سعى في خراب هذه الدار فتعاديه ، وتعلم من يريد عمارتها فتواليه.


قال : صدقت يا بن عباس والله ما أعرف أحداً في هذا الوقت يحبّ عمارة دار الإسلام غير ابن عمك عليّ بن أبي طالب ، لولا أنّه حكّم عبد الله بن قيس في حقّ هو له.

قال ابن عباس : ويحك يا عتاب إنا وجدنا الحكومة في كتاب الله (عزّ وجلّ) انّه قال تعالى :( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) (1) ، وقال تعالى :( يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (2) .

قال : فصاحت الخوارج من كلّ ناحية وقالوا : فكأنّ عمرو بن العاص عندك من العدول؟ وأنت تعلم أنّه كان في الجاهلية رأساً وفي الإسلام ذَنباً ، وهو الأبتر بن الأبتر ، ممّن قاتل محمّداً صلّى الله عليه (وآله) وسلّم وفتن أمته من بعده.

فقال ابن عباس : يا هؤلاء إنّ عمرو بن العاص لم يكن حَكَماً (لنا) أفتحتجون به علينا؟ إنّما كان حَكَماً لمعاوية وقد أراد أمير المؤمنين عليّ (رضي الله عنه) أن يبعثني أنا فأكون له حَكَماً فأبيتم عليه وقلتم : قد رضينا بأبي موسى الأشعري ، وقد كان أبو موسى لعمري رضىً في نفسه وصحبته واسلامه وسابقته ، غير انّه خُدِع فقال ما قال ، وليس يلزمنا من خديعة عمرو بن العاص لأبي موسى ، فاتقوا ربّكم وارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعة أمير المؤمنين ، فإنّه وإن كان قاعداً عن طلب حقّه ، فإنّما ينتظر انقضاء المدة ثمّ يعود إلى محاربة القوم ، وليس عليّ (رضي الله عنه) ممّن يقعد عن حقّ جعله الله له.

____________

(1) النساء / 35.

(2) المائدة / 95.


قال : فصاحت الخوارج وقالوا : هيهات يا بن عباس نحن لا نتولى عليّاً بعد هذا اليوم أبداً ، فارجع إليه وقل له فليخرج إلينا بنفسه حتى نحتج عليه ونسمع كلامه ويسمع من كلامنا ، فلعلنا إن سمعنا منه شيئاً يعلق أمّا أن نرجع عمّا اجتمعنا عليه من حربه.

قال : فخرج عبد الله بن عباس إلى عليّ (رضي الله عنه) فخبرَ بذلك.

قال : فركب على إلى القوم في مائة رجل من أصحابه حتى وافاهم بحروراء »(1) .

هذا جزء من أولى محاورات كانت لابن عباس مع الخوارج وقد كان معه في هذه المرة جماعة من أصحاب الإمام منهم صعصعة بن صوحان وزياد بن النضر الحارثي(2) كما كان معه عبد الله بن شداد ـ وهو ابن خالته ـ وقد حدّث هذا عن ذهابه معه إلى حروراء وذلك حين سألته عائشة عن الخوارج وكان ذلك بعد رجوعه من العراق إلى المدينة. وحديثه من الأحاديث الصحيحة فقد أخرجه أحمد والطبراني والحاكم والضياء المقدسي وأبو يعلى والبيهقي وغيرهم كما سيأتي ذكرهم.

وإلى القارئ لفظ الحديث بلفظ البيهقي في سننه الكبرى بسنده عن عبد الله بن شداد بن الهاد :

____________

(1) الفتوح 4 / 89 ، وقارن مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2 / 319 ط الحيدرية ، وناسخ التواريخ 3 / 575 ط حجرية.

(2) أنظر الكامل للمبرد 3 / 210 ط نهضة مصر تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم ، والبدء والتاريخ المنسوب لأبي زيد البلخي 5 / 222.


قال : « قدمت على عائشة (رضي الله عنها) فبينا نحن جلوس عندها مرجعها من العراق ليالي قوتل عليّ ـ قتل عليّ ـ (رضي الله عنه) ، إذ قالت لي يا عبد الله بن شداد هل أنت صادق عمّا أسألك عنه حدّثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ ، قلت : وما لي لا أصدقك؟ قالت : فحدّثني عن قصتهم :

قلت : إنّ عليّاً لمّا أن كاتب معاوية وحكم الحَكَمين ، خرج عليه ثمانية آلاف من قرّاء الناس ، فنزلوا أرضاً من جانب الكوفة يقال لها حروراء ، فإنهم انكروا عليه فقالوا : انسلخت من قميص ألبسكه الله وأسماك به ، ثمّ انطلقت فحكّمت في دين الله ولا حكم إلاّ لله ، فلمّا أن بلغ عليّاً ما عتبوا عليه وفارقوه ، أمر فأذّن مؤذّن لا يدخلن على أمير المؤمنين إلاّ رجل قد حمل القرآن ، فلمّا أن امتلأ من قرّاء الناس الدار ، دعا بمصحف عظيم فوضعه عليّ (رضي الله عنه) بين يديه فطفق يصكه بيده ويقول : أيها المصحف حدّث الناس ، فناداه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين ما تسأله عنه ، إنّما هو ورق ومداد ، ونحن نتكلم بما روينا منه فماذا تريد؟

قال : أصحابكم الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله تعالى. يقول الله (عزّ وجلّ) في امرأة ورجل( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ) (1) فأمة محمّد أعظم حرمة من امرأة ورجل.

ونقموا عليَّ إنّي كاتبت معاوية وكتبتُ عليّ بن أبي طالب. وقد جاء سهيل بن عمرو ، ونحن مع رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم بالحديبية حين صالح قومه قريشاً ، فكتب رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم : بسم الله الرحمن الرحيم.

____________

(1) النساء / 35.


فقال سهيل : بسم الله الرحمن الرحيم لا تكتب قلت : فكيف أكتب؟ قال : أكتب باسمك اللّهمّ.

فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم : اكتبه ، ثمّ قال : اكتب من محمّد رسول الله ، فقال : لو نعلم أنّك رسول الله لم نخالفك ، فاكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله قريشاً ، يقول الله في كتابه :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) (1) .

فبعث إليهم عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) عبد الله بن عباس. فخرجتُ معه حتى إذا توسّطنا عسكرهم قام ابن الكوّاء فخطب الناس فقال : يا حملة القرآن إنّ هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله ، هذا من نزل فيه وفي قومه( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (2) فردّوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله (عزّ وجلّ) ، فقام خطباؤهم فقالوا : والله لنواضعنّه كتاب الله ، فإذا جاءنا بحقّ نعرفه اتبعناه ، ولئن جاءنا بالباطل لنبكتّنه بباطله ، ولنردنّه إلى صاحبه ، فواضعوه على كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب ، فأقبل بهم ابن الكواء حتى أدخلهم على عليّ (رضي الله عنه) ، فبعث عليّ إلى بقيّتهم فقال قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم ، قفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، وتنزلوا فيما حيث شئتم ، بيننا وبينكم أن نقيكم رماحنا ما لم تقطعوا سبيلاً وتُطِلّوا دماً ، فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء انّ الله لا يحب الخائنين.

____________

(1) الأحزاب / 21.

(2) الزخرف / 58.


فقالت عائشة (رضي الله عنها) يا بن شداد فقد قتلهم؟ فقال والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء وقتلوا ابن خباب واستحلوا أهل الذمة.

فقالت : آلله؟ قلت : آلله الّذي لا إله إلاّ هو لقد كان.

قالت : فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثون به يقولون : ذو الثُدّي ذو الثُدّي؟

قلت : قد رأيته ووقفت عليه مع عليّ (رضي الله عنه) في القتلى ، فدعا الناس فقال : هل تعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي ، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي ، فلم يأتوا بثبت يعرف إلاّ ذلك.

قالت : فما قول عليّ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قلت : سمعته يقول : صدق الله ورسوله.

قالت : فهل سمعت أنت منه قال غير ذلك؟ قلت : اللّهمّ لا.

قالت : أجل صدق الله ورسوله ، يرحم الله عليّاً إنّه من كلامه ، كان لا يرى شيئاً يعجبه إلاّ قال : صدق الله ورسوله »(1) .

____________

(1) سنن البيقهي 8 / 179 ط دار الفكر وط دار الباز بمكة.

أخرج حديث عبد الله بن شدّاد بن الهاد جملة من الحفاظ منهم أحمد والطبراني والحاكم وعنهم نقله ابن حجر في فتح الباري 12 / 296 ط بيروت دار المعرفة ، وأخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة / 223 ط مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة 1410 ، وأخرجه أبو يعلى في مسنده 1 / 367 ط دار المأمون بدمشق سنة 1404 ، وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى 8 / 179 ط دار الفكر وكذلك ط دار الباز بمكة ، وأخرجه الزيلعي في نصب الراية 3 / 461 ط دار الحديث بمصر سنة 1357 ، وأخرجه ابن حجر أيضاً في الدراية لتخريج أحاديث الهداية ط دار المعرفة بيروت ، وأخرجه الشوكاني في نيل الأوطار 7 / 349 ط دار الجيل بيروت سنة 1973 وهؤلاء كلهم من جهابذة الحفاظ ، سوى غيرهم من المؤرخين كالطبري وابن اعثم وآخرين كثيرين ، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة الإمام / 153تحـ المحمودي. ولم يكن محاققة عائشة لعبد الله بن


أقول : إنّما ذكرت هذه المحاورة بنصّها كما وردت في مصادر أهل الحديث بأسانيدهم الصحيحة فضلاً عن ورودها في المصادر التاريخية والأدبية ، لأنّي وقفت في كتاب العقود الفضية في أصول الأباضية على ذكر المحاورة الّتي دارت بين ابن عباس وبين الخوارج وفيها من الدسّ والإفتراء ما يدعو إلى العجَب ، كما سنأتي على ذكرها فيما بعد.

ونعود إلى تتمة حديث الحرورية. فقد اختلف المؤرخون في ذكر عدد الذين رجعوا إلى الطاعة والجماعة.

فمنهم المقلّ ، فقال : رجع منهم ألفان ، كالمبرّد في كامله(1) ، والخوارزمي في مناقبه(2) ، وابن عبد ربه في العقد الفريد(3) ، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب(4) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم(5) وآخرين غيرهم.

____________

شداد نشأت من فراغ ، لولا أن ابن العاص كتب إليها بأنه قتل ذا الثدية بنيل مصر أخرج البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن مسروق قالت عائشة : عندك علم عن ذي الثديّة الّذي أصابه عليّ في الحرورية؟ قلت : لا ، قالت فاكتب لي بشهادة من شهدهم ، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع فكتبت شهادة عشرة من كلّ سُبع ثمّ اتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها ، قالت : أكل هؤلاء عاينوه ، قلت : لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينوه فقالت : لعن الله فلاناً فإنه كتب إلي انّه أصابهم بنيل مصر ، ثمّ أرخت عينيها فبكت ، فلمّا سكنت عبرتها قالت رحم الله عليّاً لقد كان على الحقّ ، وما كان بيني وبينه إلاّ كما يكون بين المرأة وأحمائها. راجع البداية والنهاية 7 / 303 ـ 304 ط السعادة بمصر.

ولئن كُتم اسم الكاتب الكاذب الملعون على لسان عائشة فكني عنه (فلاناً) ، فان ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 202 نقل عن كتاب صفين للمدائني التصريح باسمه فقال : عن مسروق ان عائشة قالت له لما عرفت ان عليّاً (عليه السلام) قتل ذا الثدية : لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب الي يخبرني أنّه قتله بالأسكندرية وهكذا تُضيّع الحقائق.

(1) الكامل 3 / 212 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(2) مناقب الخوارزمي / 126 ط حجرية.

(3) العقد الفريد 1 / 342.

(4) شذرات الذهب 1 / 50.

(5) جامع بيان العلم 2 / 104.


ومنهم المكثر ، فذهب إلى أنّه رجع من الخوارج عشرون ألفاً ، كأبي نعيم في حلية الأولياء(1) ، وهذا لا شك عندي فيه وهم من أبي نعيم ، لأنّ الخوارج الحرورية لم يبلغ عددهم جميعاً يومئذ هذا القدر وقد مرّ أنّهم إثنا عشر ألفاً فكيف رجع منهم عشرون ألفاً. وقال ابن تيمية في كتابه الفرقان بين الحقّ والباطل : « فأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع نصفهم والآخرون أغاروا على ماشية الناس واستحلوا دماءهم فقتلوا ابن خباب فقاتلهم عليّ »(2) .

وما بين المقل والمكثر أقوال ، أقومها وأقسطها عندي ما ذكره عبد الله بن شداد بن الهاد في حديثه وقد مرّ أنّهم أربعة آلاف ، وقد رواه عنه سوى من تقدم ذكره آنفاً وصححه الحاكم في المستدرك(3) وأقره الذهبي في تلخيصه ، وذكره القسطلاني في إرشاد الساري(4) نقلاً عن الطبراني والحاكم وأبي يعلى من طريق أفلح بن عبد الله.

وهذا ما يظهر من كلام المحب الطبري في ذخائر العقبى حيث قال : « فرجع ثلثهم ، وانصرف ثلثهم ، وقتل سائرهم على الضلالة »(5) . ولم يبعد عن ذلك ابن كثير مع التحوير في التعبير فقد قال في البداية والنهاية : « فرجع بعضهم واستمر بعضهم على ضلالهم »(6) . وربّما تبع في ذلك غيره.

____________

(1) حلية الأولياء 1 / 318.

(2) مؤلفات ابن تيمية 13 / 208 ط الثانية.

(3) مستدرك الحاكم 2 / 153.

(4) إرشاد الساري 10 / 88.

(5) ذخائر العقبى / 223.

(6) البداية والنهاية 7 / 279.


وحسبنا مثلاً قول ابن سعد في طبقاته : « فرجع منهم قوم كثير ، وثبت قوم على رأيهم »(1) .

محاورة ابن عباس مع المحكمة في الكوفة :

أ ـ بين يدي المحاورة :

قال المبرّد : « ويروى أنّ عليّاً في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي ـ وقد كان وجّهه إليهم وزياد بن النضر الحارثي مع عبد الله بن العباس ـ فقال لصعصعة : بأي القوم رأيتهم أشد إطافة؟ فقال : بيزيد بن قيس الأرحبي.

فركب عليّ إليهم إلى حروراء ، فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلّى فيه ركعتين ثمّ خرج فاتكأ على قوسه وأقبل على الناس ثمّ قال : هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة.

أنشدكم الله ، أعلمتم أحداً منكم كان أكره للحكومة مني؟ قالوا : اللّهمّ لا.

قال : أفعلمتم أنكم أكرهتموني حتى قبلتها؟ قالوا : اللّهمّ نعم.

قال : فعلامَ خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا : إنّا أتينا ذنباً عظيماً ، فتبنا إلى الله ، فتب إلى الله منه وأستغفره نَعُد لكَ. فقال عليّ : إنّي أستغفر الله من كلّ ذنب ، فرجعوا معه وهم ستة آلاف ، لمّا استقروا بالكوفة أشاعوا أنّ عليّاً رجع عن التحكيم ورآه ضلالاً ، وقالوا : إنّما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمنَ الكراع ويُجبى المال ، فينهض إلى الشام.

____________

(1) طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 210.


فأتى الأشعث بن قيس عليّاً (عليه السلام) فقال : يا أمير المؤمنين إنّ الناس قد تحدثوا أنّك رأيت الحكومة ضلالاً ، والإقامة عليها كفراً.

فخطب عليّ الناس فقال : من زعم إنّي رجعت عن الحكومة فقد كذب ، ومن رآها ضلالاً فهو أضلّ ، فخرجت الخوارج من المسجد فحكّمت ، فقيل لعليّ : إنهم خارجون عليك فقال : لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون ، فوجّه إليهم عبد الله بن العباس »(1) .

ب ـ توثيق المحاورة :

والآن فلنقرأ ما رواه ابن عباس عما جرى له مع أولئك المحكمة وهم في الكوفة وقد اعتزلوا في دار ، ولنوثق ذلك أوّلاً ، وحديثه رواه النسائي في السنن(2) ، وفي الخصائص(3) ، وتاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام(4) ، كما رواه الطبراني في المعجم(5) ، ورواه الحاكم في المستدرك(6) وقد صححه وأقره الذهبي في التلخيص ، ورواه البيهقي في السنن الكبرى(7) ، ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة بأسانيد متعددة آخرها ذكر أنّه برواية أبي داود صاحب السنن(8) ، ورواه الفسوي في المعرفة والتاريخ(9) ، ورواه الهيثمي في مجمع

____________

(1) الكامل للمبرد 3 / 210.

(2) السنن الكبرى 5 / 105 ـ 169.

(3) الخصائص / 48 ط مصر سنة 1348 و 2 / 195 ـ 200 ط مكتبة المعلا بالكويت سنة 1406.

(4) تاريخ مدينة دمشق (ترجمة الإمام) 2 / 150.

(5) المعجم الكبير 10 / 257 ط الموصل.

(6) مستدرك الحاكم 2 / 165 ط افست بيروت.

(7) السنن الكبرى 8 / 179.

(8) الأحاديث المختارة / 411 ـ 416.

(9) المعرفة والتاريخ 1 / 522 ـ 524 ط أوقاف بغداد.


الزوائد(1) وقال رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح ، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية(2) نقلاً عن أحمد وقال : واسناده صحيح ، والذهبي في تاريخ الإسلام(3) .

وإليكم نص المحاورة برواية أبي زميل سماك الحنفي عن ابن عباس ـ وأبو زميل هذا كان قد هوى نجدة بن عويمر الخارجي فهو خارجي الهوى غير متهم في حديثه عن ابن عباس عند أصحابه فيما جرى بينهم ـ :

ج ـ نص المحاورة :

قال ابن عباس : « لمّا اعتزلت الخوارج الحرورية دخلوا داراً واعتزلوا في دار على حدتهم وكانوا ستة آلاف(4) وأجمعوا أن يخرجوا على عليّ بن أبي طالب وأصحاب النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم معه.

قال : وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول : يا أمير المؤمنين إنّ القوم خارجون عليك. فيقول : دعوهم فإنّي لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون. فلمّا كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له : يا أمير المؤمنين أبردَ بالصلاة ـ بالظهر أي أخّرها حتى يبرد الوقت ـ لعليّ آتي هؤلاء القوم فأكلّمهم ، قال : إنّي أخافهم عليك. قال : قلت : كلاّ.

قال : فخرجت آتيهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن ، فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية وترجّلت ، فأتيتهم ودخلت عليهم وهم

____________

(1) مجمع الزوائد 6 / 241.

(2) البداية والنهاية 7 / 280 ـ 281.

(3) تاريخ الإسلام 2 / 183 ط القدسي بمصر سنة 1368 هـ.

(4) أنظر سنن النسائي 5 / 105 ، والخصائص له أيضاً وسنن البيهقي والمعرفة والتاريخ وغيرها ذكر هذا العدد ، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 183 وهم ستة آلاف أو نحوها.


مجتمعون في دار ، وهم قائلون في نحر الظهيرة نصف النهار فسلّمت عليهم ، فقالوا : مرحباً بك يا أبا عباس فما هذه الحلة؟ قال قلت : ما تعيبون عليّ ، لقد رأيت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحسن ما يكون من الحلل ، ونزلت( قل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ) (1) .

قالوا : فما جاء بك؟

قلت : أتيتكم من عند أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المهاجرين والأنصار ، ومن عند ابن عم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصهره ، لأبلّغكم ما يقولون ، وتُخبرون بما يقولون ، فعليهم نزل القرآن وهم أعلم بالوحي منكم ، وفيهم أنزل ، وليس فيكم منهم أحد.

فقال بعضهم : لا تخاصموا قريشاً فإنّ الله يقول( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (2) .

قال ابن عباس : وأتيت قوماً لم أر قوماً قط أشدَّ اجتهاداً منهم ، مسهمة وجوههم من السهر كأنّ أيديهم ورُكبهم كأنّها ثفن الإبل ووجوههم معلَّمة من آثار السجود وعليهم قمص مرحضة مشمرين.

فقال اثنان أو ثلاثة : لو كلّمتهم ، فانتحى لي نفر منهم قال بعضهم : لنكلمنّه ولننظرن ما يقول.

قلت : أخبروني هاتوا ما نقمتم على ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصهره والمهاجرين والأنصار؟

قالوا : ثلاثاً ، قلت : ما هنّ؟ قالوا : أمّا إحداهنّ فإنّه حكّم الرجال في أمر الله ، قال الله (عزّ وجلّ) :( إِنْ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ ) (3) ما شان الرجال والحكم. فقلت : هذه واحدة.

____________

(1) الأعراف / 32.

(2) الزخرف / 58.

(3) الأنعام / 57.


قالوا : وأمّا الثانية فإنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، فلئن كان الذين قاتل كفاراً لقد حلّ سبيهم وغنيمتهم ، ولئن كانوا مؤمنين ما حلّ سبيهم ولا قتالهم.

قلت : هذه ثنتان فما الثالثة؟

قالوا : إنّه محا اسمه من أمير المؤمنين ، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.

قلت : هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا : حسبنا هذا.

فقلت لهم : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يردّّ به قولكم أترضون؟ أترجعون؟.

قالوا : نعم ، فقلت لهم : أمّا قولكم حكّم الرجال في أمر الله فإني اقرأ عليكم ما قد ردّ حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوه من الصيد ، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه ، أرأيتم قول الله تبارك وتعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (1) وكان من حكم الله أنّه صيّره إلى الرجال يحكمون فيه ، ولو شاء يحكم فيه ، فجاز من حكم الرجال ، فنشدتكم بالله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم؟ قالوا : بل هذا أفضل.

وقال الله (عزّ وجلّ) في المرأة وزوجها :( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) (2) فنشدتكم بالله حكم

____________

(1) المائدة / 95.

(2) النساء / 34.


الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بُضع امرأة؟ فجعل حكم الرجال سنة ماضية ، أخرجت من هذه؟ قالوا : نعم.

قلت : وأمّا قولكم : قاتل ولم يسب ولم يغنم ، افتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم ، فإن قلتم إنّا نستحل منها ما نستحلّ من غيرها فقد كفرتم ، وإن قلتم : ليست بأمنا فقد كفرتم فإنّ الله تعالى يقول :( النبيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (1) فأنتم تدورون بين ضلالتين أيّهما صرتم اليها صرتم إلى ضلالة فاتوا منها بمخرج فاختاروا أيتهما شئتم ـ فنظر بعضهم إلى بعض ـ قلت : أفخرجت من هذه؟ قالوا : نعم. قال : قلت : وأمّا قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين ، فأنا آتيكم بما ترضون أراكم قد سمعتم أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يوم الحديبية كاتب المشركين سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لأمير المؤمنين اكتب يا عليّ : هذا ما أصطلح عليه محمّد رسول الله ، فقال المشركون : لا والله ما نعلم أنك رسول الله ، لو نعلم أنّك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم : اللّهمّ إنّك تعلم أنّي رسولك ، أكتب يا عليّ : هذا ما أصطلح عليه محمّد بن عبد الله. فوالله لرسول الله خير من عليّ ، وقد محا نفسه ، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوّة أخرجت من هذه؟ قالوا : نعم.

قال عبد الله بن عباس : فرجع منهم ألفان ، وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالهم ، قتلهم المهاجرون والأنصار ».

____________

(1) الأحزاب / 6.


أقول : لقد ذكر عبد الرزاق في المصنف هذه المحاورة(1) ، ولم يذكر في أولها أنّهم كانوا ستة آلاف. وذكر في آخرها فرجع منهم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا ، وأحسبه قد وهم في ذكر رجوع عشرين ألفاً ، والصواب ما مر من رجوع الفين وبقي منهم أربعة آلاف على ضلالتهم ، فصاروا جميعاً ستة آلاف ، وهو ما مرّ ذكره عن سنن النسائي والخصائص له وسنن البيهقي والمعرفة والتاريخ للبسوي وغيرهم.

ولمّا كانت المحاورات متعددة ومتشابهة في النقض والإبرام كما أنّها كانت متعاقبة من الحبر ابن عباس والإمام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فهي مظنة للإيهام ومزلّة الأقلام على تعاقب الأيام.

ومن شاء الاستزادة في المقام فليراجع المصادر التالية مضافاً إلى ما مر ذكره :

1 ـ مصباح الأنوار للشيخ الجليل هاشم بن محمّد ، مخطوط.

ومن المطبوعات :

2 ـ بحار الأنوار 8 / 611 ـ 619 ط كمپاني.

3 ـ درر البحار 3 / 285 ط حجرية.

4 ـ شرح نهج البلاغة للمعتزلي 1 / 216 ط مصر الأولى.

5 ـ مناقب الخوارزمي 175 ـ 176 ط حجرية.

6 ـ كنز العمال 6 / 79 ط حيدر آباد الأولى.

7 ـ أحكام القرآن للجصاص 3 / 494.

____________

(1) المصنف 10 / 157 ـ 160 منشورات المجلس العلمي.


8 ـ كفاية الطالب للشنقيطي / 81 ط الإستقامة بمصر.

9 ـ رغبة الآمل 5 / 170.

10 ـ ترجمة الأعثم لابن اعثم / 319 ط حجرية.

11 ـ ناسخ التواريخ 3 / كتاب 3 / 575 ط حجرية.

12 ـ الفرق الإسلامية للبشبيشي ط الرحمانية بمصر.

13 ـ مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي / 152 ط حجرية.

وحان الأجل الموعود :

قال الطبري : « وقدم معن بن يزيد بن الأخنس السلّمي في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعليّ : إنّ معاوية قد وفى ، ففِ أنت ، لا يَلفتنّك عن رأيك أعاريب بكر وتميم ـ يعني الخوارج ـ.

فأمر عليّ بإمضاء الحكومة ، وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحَكَمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل »(1) .

وذكر أيضاً عن أبي مخنف بسنده عن زياد بن النضر الحارثي : « أنّ عليّاً بعث أربعمائة رجل ، عليهم شريح بن هاني الحارثي ، وبعث معهم عبد الله بن عباس وهو يصلي بهم ويلي أمورهم ، وأبو موسى الأشعري معهم ، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام ، حتى توافوا بدُومة الجندل بأذرح »(2) .

قال المسعودي في حديثه عن التقاء الحكمين بدومة الجندل : « فلمّا تدانى القوم من الموضع الّذي كان فيه الاجتماع. قال ابن عباس لأبي موسى : إنّ عليّاً لم

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 66 ط المعارف.

(2) نفس المصدر.


يرض بك حَكَماً لفضل عندك ، والمتقدمون عليك كثير ، وإنّ الناس أبوا غيرك ، وإنّي لأظن ذلك لشرّ يُراد بهم ، وقد ضمّ داهية العرب معك ، إن نسيت فلا تنس أنّ عليّاً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، وليس فيه خصلة تباعده من الخلافة ، وليس في معاوية خصلة تقرّبه من الخلافة.

قال : ووصّى معاوية عمراً حين فارقه وهو يريد الاجتماع بأبي موسى فقال : يا أبا عبد الله إن أهل العراق قد أكرهوا عليّاً على أبي موسى ، وأنا وأهل الشام راضون بك ، وقد ضمّ إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأخّر الحزّ وطبّق المفصل ولا تلقه برأيك كلّه »(1) .

قال الطبري في حديثه : « فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يُدرى بما جاء فيه ، ولا بما رجع به ، ولا يسأله أهل الشام عن شيء.

وإذا جاء رسول عليّ جاؤا إلى ابن عباس فسألوه ما كتب به اليك أمير المؤمنين؟ فإن كتمهم ظنوا به الظنون فقالوا : ما نراه كتب إلاّ بكذا وكذا.

فقال ابن عباس : أما تعقلون!؟ أما ترون رسول معاوية يجيء لا يُعلم بما جاء به ، ويرجع لا يُعلم ما رجع به ، ولا يُسمع لهم صياح ولا لفظ ـ كذا والصواب لغط ـ أنتم عندي كلّ يوم تظنّون الظنون! »(2) .

وفي حديث نصر بن مزاحم (ذكر كلام ابن عباس) فقال : « فأنّب ابن عباس أهل الكوفة بذاك وقال : إذا جاء رسول قلتم بأي شيء جاء ، فإن كتمتكم قلتم فلم تكتمنا؟ جاء بكذا وكذا ، فلا تزالون توقَفَون وتقاربون حتى تصيبوا فليس لكم سرّ.

____________

(1) مروج الذهب 2 / 406.

(2) تاريخ الطبري 5 / 67.


قال نصر في حديثه : ثمّ انّهم خلّوا بين الحكمين ، فكان رأي عبد الله بن قيس أبو موسى في ابن عمر وكان يقول : والله أن لو استطعت لأحييّن سنة عمر »(1) .

قال المسعودي وهو يذكر حديث استدراج عمرو لأبي موسى ـ إلى أن قالـ : « قال أبو موسى : قد علمت أنّ أهل العراق لا يحبّون معاوية أبداً ، وأنّ أهل الشام لا يحبّون عليّاً أبداً ، فهلمّ نخلعهما جميعاً ونستخلف عبد الله بن عمر ـ وكان عبد الله بن عمر على بنت أبي موسى ـ قال عمرو : أيفعل ذلك عبد الله بن عمر؟ قال أبو موسى : نعم إذا حمله الناس على ذلك فَعل ، فعمد عمرو إلى كلّ ما مال إليه أبو موسى فصوّبه ، وقال له : هل لك في سعد؟ قال له أبو موسى : لا فعدّد له عمرو جماعة وأبو موسى يأبى ذلك إلاّ ابن عمر ، فأخذ عمرو الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه بعد أن ختماها جميعاً »(2) .

ولنقرأ عن موقف ابن عباس في تلك الساعة الحرجة كيف كان حاله فيها؟ ولا أظن وصفاً بالغاً صاحبُه فيه ما أراد أبلغ من وصف عمرو بن العاص له ، فقد روى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه(3) ، وعنه المعتزلي في شرح النهج(4) : « أنّ عمرو بن العاص قال لعتبة بن أبي سفيان يوم الحكمين : أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه ، ولو قدر أن يتكلم بهما فعل ، وإنّ غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته ، وهي ساعتنا الطولى فاكفنيه.

____________

(1) وقعة صفين / 614.

(2) مروج الذهب للمسعودي 2 / 408.

(3) الأمالي 2 / 477 تح ـ هارون ط دار المعارف لمصر.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 107.


قال عتبة : بجهدي ، قال فقمت فقعدت إلى جانبه ، فلمّا أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث ، فقرع يدي وقال : ليست ساعة حديث ، قال : فأظهرت غضباً وقلت : يابن عباس إنّ ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا ، وقد والله تقدم من قَبلِنا العذر ، وكثر منا الصبر ، ثمّ أقذعته ، فجاش لي مرجله ، وارتفعت أصواتنا فجاء القوم ، فأخذوا بأيدينا فنحوه عني ونحونّي عنه ، فجئت فقربت من عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينيه إني ما صنعت؟ فقلت : كفيتك التقوالة ، فحمحم كما يحمحم الفرس للشعير.

قال : وفات ابن عباس أولُ الكلام فكره أن يتكلم في آخره ».

وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج : « قال : وذكر محمّد بن القاسم ابن يسار الأنباري في أمإليه : قال : قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : حضرت الحكومة ، فلمّا كان يوم الفصل ، جاء عبد الله بن عباس فقعد إلى جنب أبي موسى ، وقد نشر أذنيه حتى كاد أن ينطق بهما فعلمت أنّ الأمر لا يتم لنا ما دام هناك ، وانّه سيفسد على عمرو حيلته ، فأعملت المكيدة في أمره فجئت حتى قعدت عنده ، وقد شرع عمرو وأبو موسى في الكلام ، فكلّمت ابن عباس كلمة استطعمت جوابها فلم يجب ، فكلمته أخرى فلم يجب ، فكلمته ثالثة فقال : إنّي لفي شغل عن حوارك الآن ، فجبهته وقلت : يا بني هاشم لا تتركون بأوكم وكبركم أبداً ، أما والله لولا مكان النبوة لكان لي ولك شأن قال : فحمي وغضب واضطرب فكره ورأيه ، وأسمعني كلاماً يسوء سماعه ، فأعرضت عنه وقمت فقعدت إلى جانب عمرو بن العاص ،


فقلت قد كفيتك التقواله ، أي شغلت باله بما دار بيني وبينه فأحكم أنت أمرك ، قال : فذهل والله ابن عباس عن الكلام الدائر بين الرجلين حتى قام أبو موسى فخلع عليّاً »(1) .

ولمّا كانت محادثات الجلسة يلفّها الطابع السري للمفاوضات ، فربّما يستشكل على تسرّب ما دار بين عمرو بن العاص وعتبة إلى الخارج ، بل وحتى ما رواه الانباري في أمإليه من خبر عبد الرحمن بن خالد ، ولكن ذلك لا يلزم منه أن يكون الرواة قد خبروه في تلك الجلسة ، بل رووه عما حدّثا به عتبة وعبد الرحمن بن خالد بعد حين ، ومهما يكن فقد كان ذلك يحكي جوّ الحال الّذي هو يصدّق المقال.

وهكذا تمّ التآمر المعادي المعاوي على ابن عباس ، وهكذا كانت الخشية كلّ الخشية من حضوره لفطنته ، وهكذا كان هو أيضاً الحذر الفطِن إلى تلكم المكايد والمصايد ، ومع ذلك كله فلم يأل جهداً في اتخإذ الحيطة لأبي موسى الشانيء المناوئ الّذي فرضه اليمانية أن يكون حكم أهل العراق ، فقد بادره ناصحاً ، ومحذراً غدرة عمرو بن العاص حين تقدم أبو موسى ليتكلم بما اتفق عليه.

ولنقرأ الخبر في ذلك برواية نصر بن مزاحم من بدايته :

قال نصر : « عمر بن سعد قال حدّثني أبو جناب الكلبي ، إنّ عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل ، أخذ عمرو يقدّم عبد الله بن قيس في الكلام ويقول : إنّك قد صحبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبلي ، وأنت أكبر مني ، فتكلّم ثمّ أتكلّم ،

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 200 ط الأولى بمصر.


وكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدمه في كلّ شيء ، وإنّما اغترّه بذلك ليقدّمه فيبدأ بخلع عليّ.

قال : فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه. فأراده عمرو على معاوية فأبى ، وأراده على ابنه فأبى ، وأراده أبو موسى على عبد الله بن عمر فأبى عليه عمرو. قال : فأخبرني ما رأيك يا أبا موسى؟ قال : رأيي أن أخلع هذين الرجلين عليّاً ومعاوية ثمّ نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاؤا ومن أحبّوا.

فقال له عمرو : الرأي ما رأيت قال : فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون ، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه فقال : إنّ رأيي ورأي عمرو قد أتفق على أمر نرجو أن يُصلح الله به أمر هذه الأمة.

قال عمرو : صدق ، ثمّ قال : يا أبا موسى فتكلم ، فتقدم أبو موسى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال : ويحك إنّي لأظنه قد خدعك ، إن كنتما قد أتفقتما على أمر فقدّمه قبلك ، فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثمّ تكلم أنت بعده ، فإنّ عمراً رجل غدّار ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت به في الناس خالفك ـ وكان أبو موسى رجلاً مغفّلاً ـ فقال : إيهاً عنك إنّا قد اتفقنا.

فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال أيها الناس ، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأمة ، فلم نر شيئاً هو أصلح لأمرها ، وألمّ لشعثها من ألاّ تتباين أمورها ، وقد اجمع رأيي ورأي صاحبي عمرو على خلع عليّ ومعاوية ، وأن نستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين ، فيولّون أمورهم من أحبّوا ،


وإني قد خلعت عليّاً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولّوا من رأيتم لها أهلاً. ثمّ تنحى فقعد.

وقام عمرو بن العاص مقامه ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ان هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبَه ، وأنا أخلع صاحبَه كما خلعَه ، وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة ، فإنّه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. فقال أبو موسى : ما لَك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت ، وإنّما مثلك مثل الكلب( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) إلى آخر الآية(1) .

قال فقال له عمرو : إنّما مثلك مثل( الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) (2) إلى آخر الآية وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل على شريح ابنٌ لعمرو بن العاص فضربه بالسوط ، وقام الناس فحجزوا بينهم ، فكان شريح يقول بعد ذلك : ما ندمت على شيء ندامتي أن لا ضربته بالسيف بدل السوط ، والتمس اصحاب عليّ أبا موسى فركب ناقته فلحق بمكة »(3) .

وفي رواية المسعودي : « فقال له عمرو : بل إياك يلعن الله كذبت وغدرت إنّما مثلك مثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ، ثمّ ركز ـ ركل ـ أبا موسى فألقاه لجنبه ، فلمّا رأى ذلك شريح بن هانئ قنّع عمراً بالسوط ، وانخزل أبو موسى فاستوى على راحلته ولحق بمكة وهو يقول : لقد حذّرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه ، وظننت أنّه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة »(4) .

____________

(1) الأعراف / 176.

(2) الجمعة / 5.

(3) وقعة صفين / 625.

(4) مروج الذهب 2 / 410 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.


فكان ابن عباس ـ كما في رواية نصر ـ يقول : « قبّح الله أبا موسى ، حذّرته وأمرته بالرأي فما عقل »(1) .

وفي رواية غيره : « قبح الله أبا موسى لقد نبّهته فما انتبه ، وحذّرته ما صار إليه فما انحاش ، وهديته إلى الرأي فما عقل. وكثر اللوم والتقريع من الناس لأبي موسى ، كما كان الندم من نصيبه حين ولات مندم »(2) .

وممّن روي عنه الشعر في ذلك الموقف المخزي المحزن ما رواه المسعودي من نسبته إلى ابن عباس ، ونسبه غيره إلى غيره وذلك قوله :

أبا موسى بليت وأنت شيخ

قريب القعر مخزون اللسان

رمى عمرو صفاتك يا بن قيس

بأمر لا ينوء به اليدان

وقد كنا نجمجم عن ظنون

فصرّحت الظنون عن العيان

فأمسيتَ العشية ذا اعتذار

ضعيف الركن منكوب الجنان

تعض الكف من ندم وماذا

يردّ عليك عضُك بالبنان(3)

وذكر المسعودي أيضاً انّ أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي قال في فعل الحكمين :

لو كان للقوم رأي يُعصمون به

عند الخطوب رموكم بابن عباس

لكن رموكم بوغد من ذوي يمنٍ

لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس(4)

____________

(1) وقعة صفين / 628 ط مصر سنة 1365 تحقيق عبد السلام محمّد هارون.

(2) الأخبار الطوال للدينوري / 201.

(3) مروج الذهب 2 / 410 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(4) نفس المصدر.


آراء حرّة من دون تعليق :

من الخَيرة المستساغة تعريف القارئ ببعض الآراء الحرّة الّتي شجبت نتائج التحكيم من خلال إدانة الحكمين ، وأصحاب تلك الآراء ليسوا من شيع الإمام (عليه السلام) حتى تمسّهم التهم ، لكنهم أصحاب مشاعر وجدانية تطغى على العاطفة فتصوّر لنا مدى تأثير تلك المهزلة أو المأساة ـ كما سماها العقاد ـ في نفوسهم.

1 ـ قال الدكتور طه حسين : « ولم يكن أبو موسى مغفلاً كما قال المؤرخون ، ولو كان مغفلاً لما اختاره عمر لولاية الأمصار ، ولما اختاره أهل الكوفة لولاية مصرهم حين ظهرت الفتنة واشتدت أيام عثمان ، ولكنه كان رجلاً تقياً ورعاً سمح النفس رضي الخلق ، يظن أنّ المسلمين ولا سيّما الذين صحبوا النبيّ منهم خاصة أرفع مكانة في أنفسهم وفي دينهم من أن ينزلوا إلى الغدر ، فأخلف ظنه عمرو ، ولا أكثر من ذلك ولا أقل ، وهو من أجل ذلك فرّ بدينه إلى مكة فاعتزل فيها مجاوراً نادماً على أنّه لم يسمع لابن عباس »(1) .

2 ـ قال الشيخ عبد الله العلائلي : « ولقد أخطأ من ظن من المستشرقين وسواهم أنّ الّذي أظفر معاوية بهذه الحكومة هو عمرو بدهائه وغفلة أبي موسى ، والحقيقة أنّ الّذي أظفر معاوية وأكسبه النجاح هو أبو موسى نفسه الّذي لم يكن ما أتاه غفلة وأفُوناً ، بل سوء نية ومكر حيث اقترح إقالة عليّ وترشيح عبد الله بن عمر فقد يحتمل أن يكون غفلة لو كان يعمل لحساب عليّ كرّم الله وجهه ، ولكن أمّا وهو يسعى لترشيح عبد الله بن عمر باستغلال الظرف فممّا لا يحتمل أبداً »(2) .

____________

(1) عليّ وبنوه / 111 ط دار المعارف سنة 1953 م.

(2) سمو المعنى في سمو الذات لعبد الله العلائلي / 56 ـ 57 ط عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر سنة 1358 هـ.


3 ـ قال عبد المتعال الصعيدي المدرس بكلية اللغة العربية من كليات الجامع الأزهر : « ولا شك أنّ هذا التحكيم من الناحية القضائية لا قيمة له ، لأنّ الحكمين لم يتفقا فيه على شيء يلزم المتخاصمَين ولكنه كان من الناحية السياسية فوزاً سياسياً لـ (معاوية) وشيعته ، فقد أمكنه أن ينجو به من هزيمة محققة ، وأن يوقع به خلافاً كبيراً في شيعة (عليّ) وان يحمل الحَكم الّذي اختاره (عليّ) على خلعه ، وهذا انتصار سياسي له قيمته.

وإنّي أرى ـ بعد هذا ـ أنّ فشل الحكمين يرجع إلى عدم تعيين أمر التحكيم ، لأنّ خلافة (عليّ) صارت ثابتة باختيار جمهور المسلمين له ، وإنّما كان النزاع بينه وبين (معاوية) في دم (عثمان) وكان الواجب أن يقتصر أمر التحكيم على هذه المسألة ، وألاّ يترك مبهماً من غير تعيين ، ولو أنّه اقتصر على ذلك لأمكن اتفاق الحكمين فيه ، لأنّه يرجع إلى أمر معلوم حكمه في الشرع ، أمّا مسألة الخلافة فأمرها متشعب كلّ التشعب ، وللسياسة إصبع ظاهرة فيها ، وقلّما يتفق الناس في أمر تدخل السياسة فيه بإصبعها ، على أنّ الخلافة يرجع أمرها إلى المسلمين كافة ، فلا يصح أن يقضى فيها بمثل هذا التحكيم ، وإنّما يجب أن يترك أمرها للمسلمين ، ولكن في غير الحال الّتي اجتمع فيها الحكمان ، لأنّه حال الخلافة قائمة باختيار المسلمين ، فلا يملكون عزل الخليفة القائم إلاّ بسبب يوجب العزل.

كما أرى أيضاً أنّ (أبا موسى) يتحمل تبعة فشل هذا التحكيم اكثر من (عمرو) لأنّه ذهب فيه مذهباً لا يمكن تحقيقه ، وإن كان له فيه عذر المجتهد الّذي يخطئ في اجتهاده ، أمّا (عمرو) فقد رأى أنّه لا يمكنه مجاراة (أبي موسى)


في مثل هذا الرأي ، ولم يكن أمامه إلاّ أن يمضي في رأيه في (معاوية) لأنّهما لم يصلا إلى رأي يراه أحسن منه »(1) .

4 ـ قال عبد الكريم الخطيب في كتابه : « لم يكن ما انتهى إليه الحكمان ليحسم الفتنة الّتي كانت دعوة أصحاب المصاحف ، تشير بكتاب الله ليقضي فيها بحكمه ، ويقضي عليها بعدله بل إن ما انتهى إليه الحكمان كان فتنة إلى فتنة ، وبلاء إلى بلاء.

فالحكمان اللذان ارتضاهما المسلمون ليحكما بكتاب الله قد خانا عليّاً ومعاوية ، فلم يضعا كلّ واحد منهما بموضعه! بل إنّهما خانا كتاب الله ولم يقضيا به ، حين سوّيا بين أوّل الناس إسلاماً وآخر قريش دخولاً في الإسلام ، ثمّ بين المهاجر والطليق ، وبين من لم يضرب بسيفه إلاّ في سبيل الله ، ومن ضرب بسيفه في وجوه المؤمنين بالله. ثمّ لم يرعيا ما لقرابة رسول الله والصهر إليه ، من حقّ في ترجيح الأكفاء والنظراء ، بل وأكثر من هذا فإنّ الحكمين قد خانا أنفسهما ، فلم يرع أحدهما عهد صاحبه وميثاقه الّذي واثقه به فقال أحدهما قولاً ، وقال الآخر قولاً ، وكان الخلاف بين القولين في حاجة إلى من يحتكم إليه فيه! »(2) .

5 ـ وبالتالي لقد كان الحكمان والتحكيم كما قال الاستاذ عباس محمود العقاد في كتابه عبقرية الإمام : « كلب وحمار فيما حكما به على نفسيهما غاضبَين ، وهما يقضيان على العالم بأسره ليرضى بما قضياه »(3) .

____________

(1) القضايا الكبرى في الإسلام / 172 ط الثانية سنة 1960.

(2) عليّ بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة / 513 ط الأولى سنة 1368 هـ دار الفكر العربي.

(3) العبقريات الإسلامية / 748 ط دار الكتاب العربي بيروت.


(وانتهت المأساة بهذه المهزلة ، أو انتهت المهزلة بهذه المأساة).

(وبان أنّ اجتماع الحكمين لم يفض إلى اتفاق بين الحكمين ، فعاد الخلاف إلى ما كان عليه اهـ) ولنعم ما قال ونحن أيضاً ننهي عرض الآراء الحرة من دون تعليق ، وحسبنا منها أنّ ألسنة الخلق أقلام الحقّ ، مقولة شائعة ذائعة وهي كلمة سائغة بالغة تصدق أحياناً كثيرة ، وقد تنقص قائلها الحيطة في القول فتتخلف عن الصدق حيناً ما ، كما أحسب أنّ القارئ أدرك مغزى مقالة أصحاب الآراء ورأى شيئاً من هذا وضغثاً من ذاك ، والحقيقة لا تخفى.

ورحم الله هشام بن الحكم فقد سأله بعض المخالفين : إنّ الحكَمين لقبولهما الحكم كانا مريدين للإصلاح بين الطائفتين.

فقال هشام : بل كانا غير مريدين للإصلاح بين الطائفتين.

فقال المخالف : من أين قلت هذا؟

قال هشام : من قول الله (عزّ وجلّ) في الحكمين حيث يقول :( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) (1) فلمّا اختلفا ولم يكن بينهما اتفاق على أمر واحد ولم يوفّق الله بينهما علمنا أنّهما لم يريدا إصلاحاً(2) .

وصدق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : ( يكون في هذه الأمة حكمان ضالاّن ، ضال من اتبعهما )(3) .

____________

(1) النساء / 35.

(2) من لا يحضره الفقيه 3 / 337 ط النجف.

(3) وقد مر ذكر هذا الحديث في رقم (5) من تقسيمات آثار خدعة التحكيم السيئة.


ماذا بعد التحكيم؟

قال أبو حنيفة الدينوري : « وأقبل ابن عباس وشريح بن هانئ ومن كان معهما من أهل العراق إلى عليّ فأخبروه الخبر ، فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال : والله لو اجتمعا على الهدى ما زادانا على ما نحن عليه بصيرة. ثمّ تكلم عامة الناس بنحو من هذا »(1) .

قال ابن قتيبة : « وانصرف القوم إلى عليّ فقال عدي : أما والله يا أمير المؤمنين لقد قدّمت القرآن وأخّرت الرجال ، وجعلت الحكم لله ، فقال عليّ : أمّا إنّي قد أخبرتكم انّ هذا يكون بالأمس ، وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم عليَّ ، ولا سبيل لحرب القوم حتى تنقضي المدة »(2) .

وفي رواية المسعودي قال : « ولمّا بلغ عليّاً ما كان من أمر أبي موسى وعمرو قال : إنّي كنت تقدمت إليكم في هذه الحكومة ونهيتكم عنها ، فأبيتم إلاّ عصياني ، فكيف رأيتم عاقبة أمركم إذ أبيتم عليّ؟

والله إنّي لأعرف من حملكم على خلافي والترك لأمري ، ولو أشاء أخذه لفعلت ، ولكن الله من ورائه ـ يريد بذلك الاشعث بن قيس والله اعلم ـ وكنت فيما أمرت به كما قال أخو بني خثعم :

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضُحى الغد

من دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه قتله الله ولو كان تحت عمامتي هذه ، إلاّ أنّ هذين الرجلَين الخاطئَين اللذين اخترتموهما حكمَين قد تركا حكم الله ،

____________

(1) الأخبار الطوال / 202 ط تراثنا.

(2) الإمامة والسياسة 1 / 116 مط الأمة سنة 1328 هـ.


وحكما بهوى أنفسهما بغير حجة ولا حقٍّ معروف. فأماتا ما أحيا القرآن ، وأحييا ما أماته ، واختلفا في حكمهما كلامُهما ، ولم يرشدهما الله ولم يوفقهما ، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين ، فتأهبوا للجهاد ، واستعدوا للمسير ، وأصبحوا في عساكركم إن شاء الله تعالى »(1) .

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(2) ، وابن عبد ربه في العقد الفريد(3) ، وابن شهر اشوب في المناقب(4) ، ثمّ قال : « قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين أبي موسى وعمرو.

فقام الحسن فتكلم فقال : أيها الناس قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو ، وإنّما بُعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى فحكما بالهوى دون القرآن على الكتاب فمن كان هكذا لم يسم حَكَماً ولكنه محكوم عليه ، وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها لعبد الله بن عمر فاخطأ في ثلاث خصال : خالف ـ يعني أبا موسى ـ أباه إذ لم يرضه لها ولم يره أهلاً لها ، وكان أبوه أعلم به من غيره ، ولا أدخله في الشورى إلاّ على انّه لا شيء له فيها شرطاً مشروطاً من عمر على أهل الشورى فهذه واحدة. وثانية : لم تجمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمامة ويحكمون على الناس. وثالثة : لم يستأمر الرجل في نفسه ولا علم ما عنده من ردّ أو قبول. وأمّا الحكومة فقد حكّم النبيّ عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ في بني قريظة ، فحكم بما

____________

(1) مروج الذهب 2 / 412.

(2) الإمامة والسياسة 1 / 116.

(3) العقد الفريد 4 / 350 ط محققة أحمد أمين ورفيقاه.

(4) المناقب 3 / 373 ط الحيدرية.


يُرضي الله به ولا شك ، ولو خالف لم يرضه رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ثمّ جلس.

ثمّ قال لعبد الله بن عباس قم فتكلّم ، فقام عبد الله بن عباس وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه :

أيها الناس إنّ للحق أناساً أصابوه بالتوفيق والرضا ، والناس بين راضٍ به وراغب عنه ، وإنّما سار ـ بعث ـ عبد الله بن قيس بهدى إلى ضلالة ، وسار ـ بعث ـ عمرو بضلالة إلى الهدى ، فلمّا التقيا رجع عبد الله بن قيس عن هداه ومشى عمرو على ضلالته ، فوالله لئن كانا حُكّما بالكتاب لقد حَكما عليه ، وإن حُكّما بما اجتمعا عليه معاً ما اجتمعا على شيء ، وإن كانا حُكّما بما سارا به ، فقد سار عبد الله ـ أبو موسى ـ وعليّ إمامه ، وسار عمرو ومعاوية إمامه ، فما بعد هذا من عيب ينتظر ولكن سئموا الحرب وأحبّوا البقاء ودفعوا البلاء ، وجاء كلّ قوم صاحبهم ، ثمّ جلس.

فقال عليّ لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب : قم فتكلم ، فقام فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس ، إن هذا الأمر كان النظر فيه إلى عليّ والرضا فيه لغيره ، فجئتم بأبي موسى عبد الله بن قيس مبرنساً فقلتم لا نرضى إلاّ به. وأيم الله ما استفدنا به علماً ، ولا انتظرنا منه غائباً ، وما نعرفه صاحباً ، وما أفسدا بما فعلا أهل العراق ، وما أصلحا أهل الشام ، ولا وضعا حق عليّ ، ولا رفعا باطل معاوية ، ولا يُذهب الحقّ رقية راقٍ ، ولا نفخة شيطان ، ونحن اليوم على ما كنا عليه أمس. ثمّ جلس ».


أنماط من الحجة مع البرهان ساقها أهل البيت (عليهم السلام) بألوان من البيان ، تبصّر المستبصر ، وتعرّف المخدوع زيف الباطل ، وتدمغ الماكرين النهازّين ، فهم لم يتركوا شبهة إلاّ دحضوها ، ولا بيّنة إلاّ أقاموها ، ولكن أنّى لهم برتق أمر استوسع فتقه ، واستعصى على أولياء الأمور رتقه ، وتدارك ما خلّفته فتنة التحكيم من أولها وحتى منتهاها. فها هي الكوفة منقسمة على نفسها ، تفرقت كلمة أهلها أشتاتاً. فمنهم المحكّمة الذين ينغضون رؤوسهم كلّ حين ومنهم المكرة الخداعون كالأشعث بن قيس وأضرابه ، ممّن كانوا يتعاونون مع أولئك من حيث يريدون أو لا يريدون ، وبين هؤلاء وأولئكم أناس مخلصون امتحن الله قلوبهم بالإيمان فهم يدرأون بالحسنة السيئة بقياً على وحدة الكلمة ، وقليل ما هم.

لمّا انتهت خدعة التحكيم وعاد ابن عباس إلى الإمام مع الوفد العراقي ، وحضر بلبلة الأفكار الّتي أحدثتها تلك الفتنة ، وبدأت المحكمة تنشط في إعلان الخلاف في الكوفة ، وكان لهم في البصرة وغيرها أشباه كانوا معهم في صفين وعادوا إلى بلدانهم ، فبدأ التحرّك المريب ، وأخذ الخلاف يطفو على السطح ، وصار المحكّمة قوة ممعنة في الشقاق ، وهذا شر مستطير داخلي يقابله خطر خارجي سوف يداهم المسلمين من قبل معاوية ، فأصبح الإمام ومن معه بين عدوّين لدودين ، أهل الشام من الخارج والخوارج من الداخل ، وكلا الفريقين خطر ما فوقه خطر. فكان لابدّ له من معالجة ذلك بكل ما له من حول وطول. وكان لابدّ والحال تلك أن يعود ابن عباس إلى مقرّ عمله ، ليحفظ ذلك الثغر من


الفتن الداخلية والخارجية الّتي بدت تنغض برؤوسهما. فعاد بعد غياب طويل ، وبدأ أعماله بحزم يتطلّب أخبار الناس عمن يعلمه بأخبارهم ، فبثّ العيون لترصد له تحركات المشبوهين.

وثمة مسألة يجب أن نبحثها في المقام :

وهي مسألة لعن الإمام لمعاوية وأشياعه ، وإنّما أوجبت بحثها ، لأنّ الإمام إنّما فعل ذلك بعد عودة ابن عباس إليه مع الوفد من مؤتمر التحكيم المهين المُشين ، ولأن ابن عباس مكث في الكوفة برهة سمع الإمام يلعن معاوية وأشياعه في قنوته ، ولأنّه لمّا عاد إلى مقر عمله في البصرة قنت هو أيضاً في صلاة الغداة ، لذلك رأيت بحث مسألة اللعن لزاماً عليّ لما تقدم ولما سمعت وقرأت أنّ نابتة الأمويين يستنكرون ذلك بحجة كيف يلعن الإمام عليّ معاوية ومن معه وهم جميعاً من المسلمين ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)(1) وهم في الوقت نفسه ينكرون أن يكون معاوية سبّ الإمام وأنّ بني أمية من بعده اتخذوا ذلك سنّة في خطبهم على منابر المسلمين. فرأيت الإلمام ولو بنحو الإيجاز بهذه المسألة بقدر يتناسب والمقام ، ولم يكن ذلك في بحثي عن ابن عباس في هيكله الأوّل ، وإنّما استجدّ لما بيّنت من استنكار وإنكار لفعلة معاوية المنكرة الآثمة الجائرة ، فدفعاً في صدور تلك النابتة الخاسرة ، وكمّاً لأفواههم البخرة ، وللمسلمين فيه عظة وتبصرة.

فلنقرأ :

____________

(1) صحيح البخاري 1 / 17 و 7 / 84 و 8 / 91 ، وصحيح مسلم 1 / 58.


لعن الإمام لمعاوية وأشياعه :

تكاد المصادر الحديثية والتاريخية المعنية ، تتفق على أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لعن معاوية وأشياعه ، وصار لعنه حجة في جواز لعن المحاربين ، ولابدّ لي في المقام من إلمامة عابرة جواباً لنابتة حائرة.

فأقول : قال نصر بن مزاحم : « وكان عليّ (عليه السلام) إذا صلّى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول : اللّهمّ العن معاوية وعمراً وأبا موسى وحبيب بن مسلمة والضحاك ابن قيس والوليد بن عقبة وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد »(1) . فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليّاً وابن عباس وقيس بن سعد والحسن والحسين.

وفي تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير وأبي الفداء وغيرهم تفاوت في ذكر الأشخاص الملعونين وأوقات اللعن كمّاً وكيفاً ، حتى ذكرت بعض المصادر : الأشتر ومحمّد بن الحنفية ، وعبد الله بن جعفر ، وشريح بن هانئ فيمن كان معاوية يلعنهم(2) .

ومهما كان الإختلاف في الكمّ والكيف فذلك لا يغيّر من جوهر القضية ، فإنّ الإمام (عليه السلام) كان يلعن أولئك النفر ، ولعل تفاوت صيغ اللعن كان من الرواة ، أو أنّ الإمام (عليه السلام) نفسه كان يلعن كذلك في آنات مختلفة.

فقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن عبد الرحمن بن مغفل قال : « صليت مع عليّ صلاة الغداة قال : فقنت فقال في قنوته : اللّهمّ عليك بمعاوية وأشياعه ، وعمرو بن العاص وأشياعه ، وأبا الأعور السلمي وأشياعه ، وعبد الله بن قيس وأشياعه »(3) . وعبد

____________

(1) وقعة صفين / 636.

(2) راجع تذكرة الخواص / 59 ط حجرية ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 200.

(3) المصنف 2 / 108 ط مكتبة الرشيد في الرياض سنة 1409.


الله بن قيس هذا هو أبو موسى الأشعري ، ولقد تقدم منا ما يبصّر القارئ بحاله ، وأنّه كان ممّن لعنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليلة العقبة بشهادة حذيفة وعمار فراجع.

وروى لنا ابن أبي الحديد فقال : « وكان عليّ (عليه السلام) يقول : اللّهمّ العن معاوية أوّلاً وعمرواً ثانياً وأبا الأعور السُلمي ثالثاً وأبا موسى الأشعري رابعاً فهذه صورة أخرى من صيغ اللعن »(1) .

ومهما يكن من أمر فعلينا أن نعرف شرعية هذا الفعل على ضوء الكتاب والسنة ، لأن في نابتة العصر من ضاقَ ذرعاً بذلك ، بحجة (سُباب المسلم فسوق وقتاله كفر)(2) أو بغيرها فهل يجوز لمثل الإمام في علو مقامه وكرم أخلاقه أن يلعن؟ وهذا سؤال لمن جاشت به بعض الصدور ولم تقو على الظهور ، فقد كان لهؤلاء أسلاف فيما مضى(3) ومنذ عهد الإمام (عليه السلام) كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.

أمّا الآن فإلى توجيه السؤال الّذي فرض نفسه وهو :

سؤال1 : هل للإمام أن يلعن أولئك النفر؟

ويستتبع هذا السؤال أسئلة أخرى هي :

سؤال2 : ما الحجة في ذلك لو كان له الحقّ في اللعن؟

سؤال3 : وما دام له الحقّ لماذا يلعن قبل ذلك التاريخ ـ أي قبل عودة الوفد العراقي من التحكيم بالنتائج المخزية المحزنة لخيانة الحكمَينَ ، وجناية المتآمرين ـ؟

سؤال4 : هل كان لمعاوية حقّ الرد بالمثل؟

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 288 ط الأولى.

(2) مر تخريج مصادره.

(3) لاحظ تاريخ الخلفاء لعبد الوهاب النجار / 450 ط السلفية بمصر.


سؤال 5 : هل أنّ ابن عباس كان بالبصرة يفعل فعل الإمام؟

ولابدّ لنا قبل الإجابة معرفة شرعية لعن أولئك النفر من خلال آيات الكتاب وروايات السنّة عن أهل السنّة تجنّباً عن التهمة وسوء الظِنة.

فنقول : لقد وردت طائفة من الآيات الكريمة تناولت لعن من حارب الله ورسوله ، ومن حادّ الله ورسوله ، ومَن كتم ما أنزل الله من الحقّ والهدى وبيّنه رسوله ، ومن نقض عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ، ومن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ورسوله ، ومن آذى الله ورسوله إلى غير ذلك ، وحسبنا الآيات التالية : قول الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاّعِنُونَ ) (1) ، وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (2) ، وقوله تعالى :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (3) ، وقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (4) .

فإنّ هذه الآيات دلالتها واضحة في انطباقها على معاوية وأشياعه ، فهم مشمولون باللعن المذكور فيها ، والمسلمون في حلّ من لعنهم لأنهم مصاديق للموصوفين في الآيات من مستحقي اللعن.

____________

(1) البقرة / 159.

(2) الرعد / 25.

(3) هود / 18.

(4) الأحزاب / 57.


وثمة آية أخرى صريحة باللعن وقد فسّرها المفسرون ورووا عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شأن نزولها وأنّها في بني أمية خاصة ، وهي قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (1) .

فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن يعلى بن مرّة والسيوطي في الدر المنثور : « أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : رأيت بني أمية على منابر الأرض ، ويملكونكم فتجدونهم أرباب سوء ، واهتم رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لذلك ، فأنزل الله تعالى( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الآية) »(2) .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيّب قال : « رأى رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم بني أمية على المنابر فساءه ذلك ، فأوحى الله إليه : إنّما هي دنيا أعطوها ، فقرّت عينُه وذلك قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ) الآية »(3) .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة (رضي الله عنها) انّها قالت لمروان بن الحكم سمعت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يقول لأبيك وجدك : انّكم الشجرة الملعونة في القرآن(4) .

____________

(1) الإسراء / 60.

(2) الدر المنثور 4 / 191.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.


وروى القرطبي في تفسيره(1) ، والنيسابوري في تفسيره بهامش الطبري(2) وغيرهما عن ابن عباس : « انّ الشجرة الملعونة هم بنو أمية ».

وللآلوسي في تفسيره كلام في تفسير الآية المذكورة في ذم بني أمية وقبايح أعمالهم إلى أن قال : « وجاء لعنهم في القرآن إمّا على الخصوص كما زعمته الشيعة ، أو على العموم كما نقول ، فقد قال سبحانه وتعالى( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (3) ، وقال (عزّ وجلّ) :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (4) إلى آيات أخر ، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولاً أولياً »(5) إلى آخر كلامه.

ولا شك أنّ معاوية من تلك الشجرة الملعونة ، فحسبنا بما ذكرنا من الآيات بلاغاً لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وأمّا جواز اللعن من السنّة النبوية كما جاء عن أهل السنّة :

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للحكم بن أبي العاص :

فقد روى الحاكم في المستدرك وصححه(6) ، والبلاذري في الأنساب(7) ، والواقدي كما في السيرة الحلبية(8) بالاسناد عن عمرو بن مرة قال : « استأذن

____________

(1) الجامع لأحكام القرآن 10 / 283.

(2) جامع البيان 15 / 55 ، وبهامشه تفسير النيسابوري.

(3) الأحزاب / 57.

(4) محمّد / 22.

(5) روح المعاني 15 / 100 ط المنيرية.

(6) مستدرك الحاكم 4 / 481.

(7) أنساب الأشراف 5 / 126.

(8) السيرة الحلبية 1 / 337.


الحكم ـ بن أبي العاص ـ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فعرف صوته فقال : ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ المؤمنين وقليل ما هم ، ذوو مكر وخديعة ، يُعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق ».

وذكره الدميري في حياة الحيوان(1) ، وابن حجر في الصواعق(2) ونقله السيوطي ـ كما في كنز العمال(3) ـ عن أبي يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي وابن عساكر.

وذكره ابن حجر في تطهير الجنان بلفظ : « ائذنوا له فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وما يخرج من صلبه ، يشرفون في الدنيا ، ويترذلون في الآخرة ، ذوو مكر وخديعة ، إلاّ الصالحين منهم وقليل ما هم »(4) .

وقال ابن حجر أيضاً في تطهير الجنان وبسند رجال الصحيح عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : « ليدخلن الساعة عليكم رجل لعين ، فوالله ما زلت أتشوّف داخلاً وخارجاً حتى دخل فلان ـ يعني الحكم كما صرّحت به رواية أحمد.ـ »(5) .

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحياء من بني سليم :

قنت (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلعن أحياء من بني سليم قتلوا أصحاب بئر معونة ، ومن ذلك كان مفتاح القنوت كما يقول عكرمة ، فقد روى عن ابن عباس قال : « قنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم شهراً متتابعاً في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة

____________

(1) حياة الحيوان 2 / 299.

(2) الصواعق المحرقة / 108.

(3) كنز العمال 6 / 90 ط الأولى.

(4) الصواعق المحرقة / 147 ، وبهامشه تطهير الجنان.

(5) نفس المصدر / 144.


الصبح في دبر كلّ صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم ، على رعل وعلى ذكوان وعصية ويؤمّن مَن خلفه.

قال عكرمة : وهذا مفتاح القنوت »(1) .

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا الأعور السُلمي :

قنت (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلعن أولئك ولعن معهم أبا الأعور السُلمي كما في حديث سعيد ابن زيد قال : « قنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فقال : اللّهمّ العن رعلاً وذكوان وعصيّة عصت الله ورسوله ، والعن أبا الأعور السلمي »(2) .

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنافقين :

قنت (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلعن أناس من المنافقين قد سمّاهم لولا تعتيم الرواة عليهم لعرفناهم.

فقد أخرج البخاري في صحيحه(3) ، والنسائي في السنن(4) ، والبيهقي في سننه الكبرى(5) بالإسناد عن الزهري عن سالم عن أبيه ـ عبد الله بن عمر ـ : « أنّه

____________

(1) أنظر صحيح ابن خزيمة 1 / 313 ط المكتب الإسلامي بيروت ، مسند أحمد 1 / 301 ط مؤسسة قرطبة بمصر ، المنتقى لابن الجارود 2 / 60 ط مؤسسة الكتاب الثقافية بيروت ، سنن أبي داود 2 / 68 دار الفكر ، سنن البيهقي الكبرى 2 / 200 ، تحفة المحتاج لابن الملقن 1 / 308 دار حراء بمكة المكرمة ، نيل الاوطار للشوكاني 3 / 1 دار الجيل بيروت ، تلخيص الجير لابن حجر 1 / 246 مختصر كتاب الوتر للمقريزي مكتبة المنار الزرقاء بالأردن.

(2) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 2 / 108 ط مكتبة الرشد الرياض سنة 1409 هـ.

(3) صحيح البخاري 6 / 99 باب غزوة أحد باب ليس لك من الأمر شيء وكتاب الدعوات 8 / 83. وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة باب قول الله تعالى ليس لك من الأمر شيء 9 / 106.

(4) سنن النسائي 1 / 226 ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1411 هـ.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 2 / 198 و 207 ط دار الفكر.


سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين رفع رأسه في صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال : اللّهمّ العن فلاناً وفلاناً ، دعا على ناس من المنافقين ».

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا موسى الأشعري وأصحاب العقبة :

لعن (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصحاب العقبة ، ومنهم أبو موسى الأشعري كما مرّ ذلك في حديث عمار وحذيفة وقد ذكرته في آثار خدعة التحكيم السيئة فراجع.

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستة أصناف من الناس :

ومن الموارد لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أناساً بأعيانهم سوى ما ورد عنه بطرق صحيحة من لعن أصناف تشمل أوصافُهم معاوية وأشياعه ، روته عائشة بسند صحيح عنها أنّه قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : « ستة لعنتهم ولعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب :

(1) الزائد في كتاب الله.

(2) والمكذّب بقدر الله.

(3) والمتسلّط بالجبروت ليعزّ من أذلّه الله ويذلّ من أعزّه الله.

(4) والمستحل لحُرم الله.

(5) والمستحل من عترتي ما حرّم الله.

(6) والتارك لسنتي »(1) .

____________

(1) أخرجه البغوي في المصابيح ، والخطيب والتبريزي في مشكاة المصابيح 1 / 38 برقم / 109 وقال : رواه البيهقي في المدخل ورزين في كتابه ، وجاء في الهامش من الالباني محقق الكتاب : أخرجه الترمذي في القدر 2 / 22 ـ 23 ، والطبراني في المعجم الكبير 1 / 291 ق 1 ، والحاكم 1 / 36 وقال : صحيح الإسناد ، ولا أعرف له علة ، ووافقه الذهبي ، وأعله الترمذي بالإرسال وقال : انّه أصح. ورواه النبهاني في الفتح الكبير 2 / 152 كذلك بلفظ ستة ، ورواه أيضاً في / 53 بلفظ سبعة فزاد فيهم : والمستأثر بالفيء.


لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من تخلف عن جيش أسامة :

أخرج ابن سعد في الطبقات(1) ، وابن عساكر في تاريخه(2) ، وابن الأثير في تاريخه(3) ، والمتقي في كنز العمال(4) أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : « أنفذوا بعث أسامة أو جهزوا جيش أسامة ، وبتروا صيغة اللعن ». إلاّ انّ الشهرستاني في الملل والنحل(5) ذكر لعن من تخلف عن جيش أسامة.

إلى غير ذلك من مواطن لعن فيها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أناساً وأصنافاً يعسر حصرها.

وفيما ذكرناه كفاية لإثبات شرعية اللعن لمن يستحق اللعن ومنهم معاوية وأشياعه.

كما عرفنا أنّ لعن الإمام لمعاوية وبقية الذين لعنهم معه كان له ذلك بحق شرعي ، لأنّهم أعداء لله ولرسوله ولأمير المؤمنين ، وكانوا من الظالمين. وقد ورد عنه (عليه السلام) لعنهم بصيغ مختلفة ، وأحسب إنّما ذلك لاختلاف مواردها.

فمنها : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن عبد الرحمن بن معقل قال : « صليت مع عليّ صلاة الغداة ، قال : فقنت فقال في قنوته : اللّهمّ عليك بمعاوية وأشياعه ، وعمرو بن العاص وأشياعه ، وأبا الأعور السلمي وأشياعه ، وعبد الله بن قيس وأشياعه »(6) .

____________

(1) الطبقات 2ق2 / 41.

(2) تاريخ مدينة دمشق 2 / 391.

(3) الكامل في التاريخ 2 / 129.

(4) كنز العمال 5 / 312.

(5) الملل والنحل 1 / 23 ط الثانية سنة 1395 هـ.

(6) المصنف لابن أبي شيبة 2 / 108 ط مكتبة الرشد الرياض سنة 1409.


وعبد الله بن قيس هذا هو أبو موسى الأشعري. وهؤلاء الأربعة هم أشد الناس عداوة للإمام لذلك لعنهم بأسمائهم.

ومنها : ما قاله ابن أبي الحديد في شرح النهج : « كان عليّ (عليه السلام) يقول : اللّهمّ العن معاوية أوّلاً ، وعمراً ثانياً ، وأبا الأعور السُلمي ثالثاً وأبا موسى الأشعري رابعاً »(1) .

وحيث انتهينا إلى هنا وعرفنا شرعية اللعن من الكتاب والسنّة برواية أهل السنّة ، يحسن بنا تنبيه القارئ إلى أنّ فعل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بلعن معاوية وأشياعه كما هو حجة لشيعته ، فكذلك احتج به فقهاء أهل السنّة كما كانوا يحتجون بفعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وإلى القارئ بعض أقوالهم :

1 ـ روى أبو حنيفة في مسنده عن حمّاد بن إبراهيم عن علقمة قال : « ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ حتى حارب أهل الشام فكان يقنت »(2) .

2 ـ قال ابن قدامة المقدسي ـ من الحنابلة ـ : « إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثمّ تركه(3) . وإنّ عليّاً قنت وقال : إنّما استنصرنا على عدونا »(4) .

ولئن أخفى ابن قدامة ذكر المدعوّ عليهم في قنوت عليّ فقد تبع أسلافه في ذلك. فإنّ الشعبي ـ الناصبي ـ قال : « لمّا قنت عليّ في صلاة الصبح أنكر الناس ذلك قال فقال : إنّما استنصرنا على عدونا »(5) .

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 288 ط الأولى بمصر.

(2) الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي 2 / 204.

(3) قال البيهقي في سننه 2 / 213 : وقد روينا عن عبد الرحمن بن مهدي انّه قال إنّما ترك اللعن.

(4) المغني 1 / 450.

(5) المصنف لابن أبي شيبة 2 / 103 ط مكتبة الرشد الرياض سنة 1409 هـ.


3 ـ وذكر الطحاوي ـ وهو من الأحناف ـ باسناده عن إبراهيم ـ النخعي ـ قال : « كان عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ لا يقنت في الفجر ، وأوّل من قنت فيها عليّ ، وكانوا يرون إنّما فعل ذلك لأنّه كان محارباً.

وذكر أيضاً عن إبراهيم قال : إنّما كان عليّ (رضي الله عنه) يقنت فيها ـ الصلاة ـ ههنا بالكوفة ـ لأنّه كان محارباً فكان يدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب ».

ثمّ قال الطحاوي : « فثبت بما ذكرنا أنّ مذهب عليّ (رضي الله عنه) في القنوت هو مذهب عمر (رضي الله عنه) الّذي وصفنا ، ولم يكن عليّ يقصد بذلك إلى الفجر خاصة ، لأنّه قد كان يفعل ذلك في المغرب فيما ذكر إبراهيم »(1) .

4 ـ حكى الزيلعي عن إبراهيم النخعي قال : « وأهل الكوفة إنّما أخذوا القنوت عن عليّ ، قنت يدعو على معاوية حين حاربه ، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على عليّ »(2) .

فتبيّن من جميع ما تقدم جواب السؤالين الأوّل والثاني (هل للإمام أن يلعن معاوية ومن معه)؟ ، و (ما الحجة في ذلك)؟.

أمّا جواب السؤال الثالث (لماذا أخّر اللعن حتى عاد ابن عباس ومن معه من مؤتمر التحكيم وأخبره بغدر عمرو بن العاص وأبي موسى الاشعري ونتيجة التحكيم المخزية والمحزنة)؟

فأرى ـ والله أعلم ـ أنّ الإمام (عليه السلام) كان قبل ذلك اليوم يرجو استصلاح أولئك المحاربين بما يرسل اليهم من كتب وعظية ورسل إصلاح لغرض إنابتهم

____________

(1) شرح معاني الآثار 1 / 251 ط دار الكتب العلمية سنة 1399 بيروت.

(2) نصب الراية 2 / 131.


إلى الحقّ والطريق المستقيم ، وحتى بعد أن شبّت الحرب وقامت على ساق ، لم يألو جهداً في سبيل ذلك ، وتلك سيرته المثلى مع كلّ محاربيه من قبلُ ومن بعدُ ، ولكن معاوية وأشياعه طُبع على قلوبهم فلم تنفع معهم نصائح الإمام ودعواته الإصلاحية ، حتى إذا ألجأوه إلى التحكيم ، وكانت خيانة الحكمَين اللذين حكما على الكتاب ولم يحكما به ، وكانت جنايتهما على الأمة الإسلامية آخر ما تضاءل معه أمل الإمام في الاستصلاح ، إن لم يكن هي الانقطاع التام ، ولم يبق إلاّ إعلان الدعاء عليهم ليعلم المسلمون ضلالة الحكمَين وضلالة معاوية وأشياعه فدعا عليهم ولعنهم في صلواته ، وكان في ذلك مع الحقّ والحقّ معه ـ كما في الحديث النبوي الشريف(1) لذا صار فعله حجة يحتج بها فقهاء المسلمين من شيعته وغيرهم.

وأمّا جواب السؤال الرابع (هل كان من حقّ معاوية أن يردّ بالمثل) لأنّ الإمام بدأ باللعن؟

فالجواب : ليس له ذلك ، لأنّ بداية الظلم كانت منه حين عتا وتمرّد على الإمام فلم يبايعه مع أنّ بيعته لزمته منذ أوّل خلافته (عليه السلام) ، ولمّا استمر

____________

(1) أخرج الخطيب في تاريخ بغداد 14 / 320 ، والحاكم في المستدرك 3 / 124 وصححه الذهبي في التلخيص وصدقه ، بالاسناد عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال : دخلت على ام سلمة فرايتها تبكي وتذكر عليّاً وقالت : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : (عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي) (عليّ مع القرآن والقرآن مع علي) ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ، ورواه ابن عساكر في ترجمة الإمام ، وروى الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 235 عن سعد بن أبي وقاص ـ قال في حديث له مع معاوية ـ فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ. وفي الحديث الثالث من مناقب عليّ في سنن الترمذي قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : رحم الله عليّاً اللّهم ادر الحقّ معه حيث دار ، ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 124.


في عدوانه بدءاً من ذلك اليوم وحتى ساعة التحكيم ، كان هو الظالم في جميع مواقفه ، فكيف يحقّ للظالم الدعاء على المظلوم ، وقد مرّت بنا رواية عائشة الّتي فيها لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستة أصناف ، فكان منهم معاوية لدخوله في زمرة تلك الأصناف فإن لم يكن مع كلّهم فلا شكّ في دخوله تحت عناوين الخمسة الأخيرة : (المتسلّط بالجبروت ليعزّ من أذله الله ويذل من أعزه الله ، والمستحل لحُرم الله ، والمستحل من عترتي ما حرّم الله ، والتارك لسنتي ، والمستأثر بالفيء).

فبعد هذا هل يحق لمن لعنه الله ولعنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يردّ اللعن على نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو عليّ بنص آية المباهلة وأنفسنا؟!

وبدعة السبّ الّتي استحدثها معاوية ، أثارت مشاعر المسلمين ، وازداد عتواً حين خلا له الجوّ ، فقد أمر ولاته على الأمصار أن يعلنوا بسب الإمام على منابر المسلمين تحدياً وتمادياً.

وما أكثر الشواهد على ذلك ، سيأتي بعضها في صفحات احتجاج ابن عباس على معاوية لعنه الله.

وحسبنا في المقام ما رواه الديلمي في الفردوس(1) ، والهيثمي في مجمع الزوائد(2) وقال : « رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (من سبّ عليّاً فقد سبني ومن سبني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله أدخله الله نار جهنم وله عذاب عظيم) ».

____________

(1) الفردوس 4 / 189.

(2) مجمع الزوائد 9 / 130.


وما أخرجه الحاكم في المستدرك ، وذكره الذهبي في تلخيصه وأقر تصحيحه عن أبي مليكة قال : « جاء رجل من أهل الشام فسبّ عليّاً عند ابن عباس ، فحصبه ابن عباس وقال : يا عدو الله آذيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (1) لو كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حياً لآذيته »(2) .

وأخرج الحاكم أيضاً وصححه الذهبي في تلخيصه وصدّقه ، والنسائي في الخصائص ، وابن أبي شيبة في المصنف ، والهيثمي في مجمع الزوائد وقال : رواه الطبراني في الثلاثة ـ يعني معاجمه الكبير والأوسط والصغير ـ وأبو يعلى ، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة. والحديث بلفظ الأوّل بإسناده عن أبي عبد الله الجدلي : « قال : حججت وأنا غلام فمررت بالمدينة ، وإذا الناس عنق واحد ، فاتبعتهم فدخلوا على أم سلمة زوج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسمعتها تقول : يا شبث بن ربعي ، فأجابها ـ رجل جلف جاف : لبيك يا أمتاه ، قالت : أيسبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ناديكم؟ قال : وأنّى ذلك؟ قالت : فعليّ بن أبي طالب؟ قال : إنا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا ، قالت : فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : (من سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله تعالى) »(3) .

ولأحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ومنهم النابتة ـ مقال مع استدلال يقطع جهيزة كلّ قيل وقال. فقد روى ابن عساكر باسناده : « انّه سأل رجل أحمد بن حنبل عن قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (عليّ قسيم النار) فقال : هذا حديث يضطرب طريقه

____________

(1) الأحزاب / 57.

(2) مستدرك الحاكم 3 / 121 وصححه.

(3) نفس المصدر 3 / 121.


عن الأعمش ، ولكن الحديث الّذي ليس عليه لبس هو قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (يا عليّ لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق) وقال الله (عزّ وجلّ) :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ) (1) »(2) .

فمن أبغض عليّاً فهو في الدرك الأسفل من النار.

فلينظر المسلم المنصف إلى مقال أحمد واستدلاله! فهل ثمة عنده ريب في أنّ معاوية وأشياعه مشمولون لما قاله أحمد؟

أو ليس إنّما سبّه لأنّه كان يبغضه؟

أو ليس هو الّذي ابتدع تلك السنّة السيئة بدعة سبّ الإمام؟ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)(3) .

إذن فليتبوأ مقعده في الدرك الأسفل من النار.

ويعجبني ذكر ما قاله الخياط المتكلم رئيس الفرقة الخياطية من معتزلة بغداد قال : « ما قطعني إلاّ غلام قال لي : ما تقول في معاوية؟ قلت : إني أقف فيه.

قال : ما تقول في ابنه يزيد؟ قلت : ألعنه.

قال : فما تقول فيمن يحبّه؟ قلت : ألعنه.

قال : أفترى معاوية كان لا يحبّ ابنه؟! »(4) .

____________

(1) النساء / 145.

(2) تاريخ مدينة دمشق (ترجمة الإمام) 1 / 253.

(3) أُنظرعلى سبيل المثال مسند أحمد 4 / 359 ، وصحيح مسلم 3 / 87.

(4) ربيع الأبرار للزمخشري 1 / 680 ـ 681 ـ ط أوقاف بغداد.


وأحسب أنّي ذكرت فيما فيه كفاية في جواب النابتة الغاوية ، الذين يرون من حقهم الدفاع عن خالهم معاوية.

وللمطارفة ما أدري وليتني كنت أدري لماذا يرون معاوية خالاً للمؤمنين لمكان اخته أم حبيبة احدى زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يرون غيره من اخوان أمهات المؤمنين كذلك؟ فهلا رأوا خوؤلة محمّد بن أبي بكر وراعوا حرمته وحرمة أخته عائشة وهي عند أولئك النابتة أهم زوجات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ أفهل من رعاية حقّها أن يقتلوا أخاها محمّد بن أبي بكر أشنع قتلة ثمّ يدخلوه جوف حمار ميت ، ثمّ يحرقوه؟!

أيّ فظاظة وقسوة؟ أيّ همجية ووحشية؟ وقد روى المؤرخون كالطبري(1) ، وابن الأثير(2) ، وابن كثير(3) ، وابن أبي الحديد(4) ، والبلاذري(5) : « انّ عائشة لمّا بلغها قتل محمّد بن أبي بكر جزعت عليه جزعاً شديداً ، وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص » ، وقال البلاذري : « فلمّا بلغ ذلك عائشة (رضي الله عنه) جزعت عليه وقبضت عياله وولده إليها ، ولم تأكل شواء حتى توفيت(6) ولم تعثر قط إلاّ قالت : تعس معاوية بن خديج ـ قاتل محمّد ـ ».

____________

(1) جامع البيان 6 / 60 ط الحسينية و 5 / 105 ذخائر العرب.

(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 155.

(3) البداية والنهاية 7 / 314.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 33.

(5) أنساب الأشراف 2 / 403 تح ـ المحمودي.

(6) ذكر ابن الجوزي في المنتظم 5 / 151 بسنده عن يزيد بن أبي حبيب قال بعث معاوية بن خديج بمولى له يقال له سليم إلى المدينة بشيراً بقتل محمّد بن أبي بكر ومعه قميص محمّد بن أبي بكر ودخل به دار عثمان ، فاجتمع إليه آل عثمان من رجال ونساء وأظهروا السرور بمقتله وأمرت ام حبيبة بنت أبي سفيان بكبش يشوى وبعثت بذلك إلى عائشة وقالت : هكذا يشوى أخوكِ ، فلم تأكل عائشة شواء حتى لحقت بالله (عزّ وجلّ).


ودع عنك حديث محمّد بن أبي بكر وإعراضهم عنه لأنّه كان ربيب الإمام ، فهلم إلى عبد الله بن عمر ، فهذا ممّن لم يبايع الإمام ، وقد شايع الأمويين وبايعهم ، لماذا لم يمنحوه فخرية لقب الخوؤلة وهو ابن عمر بن الخطاب الخليفة واخته حفصة إحدى أمهات المؤمنين؟!

وأخيراً نودع أولئك النابتة الذين أغراهم الشيطان فأغواهم ، وغلبهم الهوى فأرداهم ، بآيات من الذكر الحكيم قال الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة :( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ) (1) ، وقال تعالى في سورة المجادلة :( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (2) ، وقال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ ) (3) ، وقال تعالى :( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) (4) .

وأمّا جواب السؤال الخامس (هل أنّ ابن عباس في البصرة كان يفعل كما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة فيقنت بلعن معاوية وأشياعه)؟

____________

(1) التوبة / 63.

(2) المجادلة / 5.

(3) المجادلة / 20.

(4) المجادلة / 22.


فالجواب : نعم كان يفعل ذلك.

فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف(1) بالإسناد عن أبي رجاء العطاردي قال : « صلّى بنا ابن عباس الفجر بالبصرة فقنت ». وقال التركماني في الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي : « وهذا سند صحيح »(2) .

وعنه أيضاً قال : « رأيت ابن عباس يمدّ بضبعيه في قنوت صلاة الغداة إذا كان بالبصرة ».

وعنه أيضاً قال : « صليت مع ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة فقنت بنا قبل الركوع ».

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً ذلك عن أبي العالية.

وأخرج البيهقي في سننه بسنده عن أبي رجاء قال : « صلّى ابن عباس صلاة الصبح في هذا المسجد فقنت وقرأ هذه الآية( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) (3) »(4) .

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن خلاس بن عمرو الهجري عن ابن عباس : « انّه صلّى فقنت بهم في الفجر بالبصرة فرفع يديه حتى مدّ ضبعيه »(5) .

فهذه الآثار الّتي وقفت عليها في ان ابن عباس كان بالبصرة يصلي الغداة فيقنت قبل الركوع ويقرأ قوله تعالى :( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) (6) وهو يرفع يديه حتى يمدّ بضبعيه.

____________

(1) المصنف 2 / 312 ط باكستان إدارة القرآن.

(2) السنن الكبرى 2 / 205 ، وبهامشه الجوهر النقي.

(3) البقرة / 238.

(4) السنن الكبرى 2 / 205.

(5) المصنف ابن أبي شيبة 2 / 316 ط باكستان إدارة القرآن.

(6) البقرة / 238.


ولسائل أن يسأل أين غاب اللعن الّذي كان يقوله الإمام في الكوفة عن ابن عباس بالبصرة؟

فنقول له : وإن لم نجد ذلك صريحاً فيما تقدّم من الآثار ، إلاّ أنّي أرى ذلك بدلالة ما تقدم من أنّ لعن الإمام لمعاوية وأشياعه لأنّهم من المحاربين فقنت عليهم يدعو باللعن ، ولمّا سئل عن ذلك قال : (استنصرنا عليهم). فابن عباس أيضاً كان معه يومئذ ولمّا أتى البصرة فهو لا يزال في حالة حرب مع أولئك ، ولمّا كان يقنت فيرفع يديه حتى يمدّ بضبعيه فذلك منه مبالغة في التضرّع وطلب النصر من الله تعالى ، ولو لم يكن كذلك ، لما بالغ تلك المبالغة ، ولمّا قرأ على المأمومين قوله تعالى :( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) (1) أراد ـ والله أعلم ـ ليقطع على من لا يرى ذلك ما يدور في هاجسه ، لأنّ في البصرة من العثمانية ممّن لا يرضى بالحكم القائم وقد مرّت بنا شواهد على ذلك.

فهو بقراءته الآية الكريمة ضمن ما يتلو من دعاء كأنّه يخاطبهم بالصبر على ما يسمعون ، ويفهمهم شرعية فعله فلا يسخطون فإنّ من معاني قوله تعالى :( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) (2) طول القيام(3) ، وكأن ذلك مأخوذ من المعنى اللغوي في أصل القنوت الّذي هو الدوام على الشيء ، والله أعلم. وفوق كلّ ذي علم عليم.

عودة ابن عباس إلى البصرة :

عاد ابن عباس إلى البصرة ، فوجد أجواءها مكفهّرة بالإشاعات والأكاذيب ، ووجد الخوارج تنقّ أصواتهم مع العثمانية في نقد الحكم القائم ، فكانت البصرة ـ

____________

(1) البقرة / 238.

(2) البقرة / 238.

(3) أنظر الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 3 / 214.


وهي مهبط ابليس على حد تعبير الإمام ـ تروج فيها المزاعم الباطلة ، وتنفق فيها أساليب المكر والخداع من لدن معاوية ، حيث وجد في عثمانيتها أنصاراً عرف بعضهم في صفين وتعرّف على بعضهم عن طريق عيونه وجواسيسه. فهي ـ البصرة ـ أضحت بعد حرب صفين أشد عرضة للخطر الداهم سواء السياسي أو الديني المتطرف من قبل معاوية أو الخوارج ، لذلك عظمت مسؤولية ابن عباس ، فاتخذ لحزمه وبصيرته في الأمور ، التدابير اللازمة من رقابة صارمة ويقظة هادئة ، فبثّ العيون مترصدين تحركات المشبوهين ، يعاونه في ذلك المخلصون من شيعة الإمام. فأخبروه بأن الخوارج اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي وقد خرجوا فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي فلحقهم في ألف فارس ، فأدركهم بالجسر الأكبر ـ جسر تستر ـ فتواقفوا حتى حجز الليل بينهم ، وأدلج مسعر بأصحابه. وأقبل يعترض الناس ، وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر(1) .

فعاد أبو الأسود إلى ابن عباس فأخبره.

وليس من شكّ في أنّ الإشاعات وجدت سوقاً نافقة عما سوف يفعله الخوارج ، ومن الطبيعي أن يكثر التساؤل عما سيتخذه الإمام أزاء خروجهم ، فلم يلبث الناس حتى وافى البصرة عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر رسولا يحمل كتاب الإمام إلى ابن عباس ، وفيه : (أمّا بعد فإنّا قد عسكرنا بالنخيلة. وقد أزمعنا على السير إلى عدونا من أهل الشام. فاشخص إليَّ فيمن قبلك حين يأتيك رسولي والسلام).

____________

(1) أنظر جامع البيان للطبري 5 / 76 ـ 77 ط المعارف ، والأخبار الطوال / 205 ط تراثنا بمصر.


وقبل الإسترسال في الحديث عن موقف ابن عباس أزاء الكتاب ، لابدّ من وقفة تحقيق مع رواة الكتاب ، فثمة تحريف في بعض المصادر ربّما كان متعمداً لما يترتب عليه من نتائج سلبية بالنسبة إلى ابن عباس.

فأقول : إنّ النص الّذي ذكرته آنفاً رواه أبو حنيفة الدينوري(1) بيد أنّ الطبري ذكره في تاريخه بلفظ آخر وهو : « أمّا بعد فإنّا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة ، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب ، فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي ، وأقم حتى يأتيك أمري والسلام »(2) .

وهذا قريب ممّا ذكره ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ففيها : « أمّا بعد فانا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام فأشخص إليَّ مَن قبلك من الناس وأقم حتى آتيك والسلام »(3) ، وقد نقله أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب(4) نقلاً عن الطبري والإمامة والسياسة من دون ذكر التفاوت.

وما ذكرناه عن أبي حنيفة الدينوري أصح ممّا ذكره الآخران ، لأنّ الأحداث الّتي جرت بعد هذا الكتاب تدل على صحته ، فمنها حضوره مع عدد معيّن في النخيلة ، ثمّ حضوره مع الإمام بالنهروان ، وذكر وروده المدائن ، واحتجاجه على الخوارج قبل الحرب ، كلّ ذلك يؤكد صحة ما رواه الدينوري في الأخبار الطوال (فاشخص إليَّ فيمن قبلك حين يأتيك رسولي).

____________

(1) الأخبار الطوال / 206.

(2) تاريخ الطبري 5 / 78.

(3) الإمامة والسياسة 1 / 121.

(4) رسائل العرب رقم / 468.


وأمّا ما رواه الطبري وابن قتيبة فإنّه لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ قول الإمام (عليه السلام) في آخر كتابه : (وأقم حتى يأتيك أمري والسلام) أو (وأقم حتى آتيك) يمنع ابن عباس من التحرّك من البصرة حتى يأتيه أمره. ولم يذكر المؤرخون بما فيهم الطبري نفسه أنّ الإمام أمره بعد ذلك بالتوجّه إليه. وليس ثمة غير الكتاب المذكور ، وهذا لا يتفق بلفظه (وأقم) مع تأكيد حضوره عند الإمام ومعه بدءاً من معسكر النخيلة ومروراً بالمدائن وانتهاءً مع الخوارج بالنهروان وأخيراً حضوره بالكوفة عند مقتل الإمام (عليه السلام).

والآن إلى موقف ابن عباس من ذلك الكتاب ، وموقف الناس منه وبالتالي موقف ابن عباس من الناس. فلنقرأ بعض نصوص المؤرخين :

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة والطبري في تاريخه واللفظ بينهما : « فلمّا قدم كتاب عليّ على ابن عباس فقرأه على الناس ، ثمّ أمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس ، فشخص معه الف وخمسمائة رجل ، فاستقلّهم ابن عباس ، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : يا أهل البصرة قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف بن قيس ، فلم يشخص إليه منكم إلاّ ألف وخمسمائة ، وأنتم في الديوان ستون ألفاً سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ، ألا فانفروا مع جارية بن قدامة السعدي ولا يجعلنّ امرؤ على نفسه سبيلاً ، فإنّي موقع بكلّ من وجدته تخلّف عن دعوته (مكتبه) عاصياً لإمامه ، حزناً يعقب ندماً ، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه إلاّ نفسه.


قال : فحشد أبو الأسود الناس بالبصرة فاجتمع إليه ألف وسبعمائة ، فأقبل هو والأحنف بن قيس حتى وافيا عليّاً بالنخيلة ، فلمّا رأى عليّ انّه إنّما قدم عليه من أهل البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل جمع إليه رؤساء الناس وأمراء الأجناد ووجوه القبائل ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحقّ ، ومجيبيّ إلى جهاد المحلَين ، بكم أضرب المدبر ، وأرجو إتمام طاعة المقبل ، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف ومائتين ، فأعينوني بمناصحة سمحة خليّة من الغشّ ، وإني آمركم أن يكتب إليّ رئيس كلّ قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة وأبنائهم الذين أدركوا القتال ، والعبدان والموالي ، وارفعوا ذلك إليّ ننظر فيه إن شاء الله اهـ »(1) .

وهذا النص مرّ وليس فيه ذكر لشخوص ابن عباس من البصرة مع الجيش. غير أنّ الدينوري قال في الأخبار الطوال : « فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصرة وكانوا زهاء سبعة آلاف رجل »(2) .

وإذا أضفنا هذا الرقم إلى ما تقدم برواية ابن قتيبة والطبري كانوا جميعاً عشرة آلاف ، وهذا ما ذكره المسعودي في مروج الذهب قال : « وأتاه من البصرة مع ابن عباس ـ وكان عامله عليها ـ عشرة آلاف فيهم الأحنف بن قيس وجارية ابن قدامة السعدي وذلك سنة ثمان وثلاثين »(3) .

____________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 121 ، تاريخ الطبري 5 / 78.

(2) الأخبار الطوال / 206 ط تراثنا بمصر.

وفي مصباح الأنوار لمحمّد بن هاشم 2 باب 32 مخطوط ذكر انّهم تسعة آلاف ، واحتمال التصحيف وارد.

(3) مروج الذهب 2 / 36 ط العامرة البهية سنة 1346 هـ.


وهنا لا يفوتني التنبيه إلى تفاوت في هذا النص وقع في مروج الذهب فقد ورد : « وأتاه من البصرة (من قبل) ابن عباس بدل : وأتاه من البصرة (مع ابن عباس) »(1) كما مرّ في ط العامرة البهية. وهذا التفاوت يغيّر كثيراً في مجريات الأمور بالنسبة إلى ابن عباس ، ولا أعلم هل أنّ ما في طبعة تحقيق عبد الحميد كان من المزيد والتنقيح الّذي امتازت به طبعته؟ بعد ثلاثين سنة من تاريخ الطبعة الأولى ، ولا يحضرني فعلاً طبعات أخر للمقارنة ، إلاّ أنّ الّذي سبق لي ذكره من إمارات وجود ابن عباس مع الإمام في تلك الحرب تؤيد نص طبعة العامرة البهية (وأتاه من البصرة مع ابن عباس).

ومع جميع تلك الإمارات فلم يأخذ بها بعض الباحثين المحدثين ومنهم طه حسين فقد قال في كتابه عليّ وبنوه : « وكتب عليّ إلى أهل البصرة فجاء منهم جند صالح ، ولم يشخص ابن عباس هذه المرة ، وإنّما اكتفى بتسريح الجند إلى عليّ »(2) وكأنّه يحاول ترتيب مقدمات الإدانة لحديث الخيانة والله العالم.

إلى النهروان :

ذكر غير واحد من مترجمي حبر الأمة عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) حضوره مع الإمام في حربه الخوارج بالنهروان ، فمنهم ابن عبد البر في الاستيعاب(3) ، والدياربكري في تاريخ الخميس(4) ، والمسعودي في مروج الذهب كما مرّ ،

____________

(1) مروج الذهب طبعة مصرية بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد الطبعة الثالثة سنة 1377 هـ مكتوب عليها (مزيدة ومنقحة).

(2) عليّ وبنوه / 112 ط المعارف.

(3) الاستيعاب 2 / 352.

(4) تاريخ الخميس 1 / 189.


والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ذكره فيمن ورد المدائن مع الإمام (عليه السلام)(1) ، كما ذكر ابن شهر آشوب في المناقب(2) بعث الإمام ابن عباس إلى الخوارج في النهروان فقال له : (يا بن عباس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه ولماذا اجتمعوا؟ الخ ثمّ ذكر محاججته إياهم بعين ما مرّ منّا ذكره في محاورة ابن عباس مع المحكمة في حروراء نقلاً عن ابن أعثم).

وقال ابن حجر في فتح الباري : « ومقتضى ما ذكره أهل العلم بالأخبار كالمدائني ان ابن عباس كان استنفر أهل البصرة بأمر عليّ ليعاودوا محاربة معاوية بعد الفراغ من أمر التحكيم ثمّ وقع أمر الخوارج فسار ابن عباس إلى عليّ فشهد معه النهروان »(3) .

وقال المدني في الدرجات الرفيعة : « وعن عبد الله بن عوف بن الأحمر أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس من البصرة »(4) .

وقال سبط ابن الجوزي : « وكانت الخوارج بالنهروان ، فقال له ابن عباس : قد تجدّد أمر فاكتب إليهم قبل لقائك إياهم ، فكتب إليهم يخبرهم بأمر الحكمين فاقبلوا إلينا لنجاهد القوم فإنّا على الأمر الأوّل.

فكتبوا إليه : إنّك لم تغضب لله تعالى وإنّما غضبت لنفسك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا فيما بيننا وبينك ، وإلاّ نابذناك على سواء إنّ الله لا يحب الخائنين.

____________

(1) تاريخ بغداد 1 / 174.

(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 369 ط الحيدرية.

(3) فتح الباري 13 / 28 تح ـ محمّد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب ط بيروت.

(4) الدرجات الرفيعة / 110.


فلمّا قرأ كتابهم يئس منهم »(1) .

إذن تبين لنا عدم الشك في حضور الحبر ابن عباس مع جند أهل البصرة عند الإمام في النخيلة ، وهو (عليه السلام) لم يبرح حتى تكامل جيشه ، ولمّا عزم على المسير إلى أهل الشام ، بلغه مقالة الناس : « أن لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم ، فإذا فرغنا منهم وجّهنا من وجهنا ذلك إلى المحلّين » ، فقام في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (أمّا بعد فإنّه قد بلغني قولكم لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة الّتي خرجت عليه فبدأنا بهم ، فإذا فرغنا منهم وجّهنا من وجهنا ذلك إلى المحلّين ، وإنّ غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم ، فدعوا ذكرهم وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكاً ، ويتخذوا عباد الله خولا).

فتنادى الناس من كلّ جانب سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت.

فلمّا همّ بالمسير بلغه ما صنع الخوارج بعبد الله بن خبّاب وقتلهم امرأته وهي حامل متم فشقّوا بطنها.

قام إليه ناس فقالوا : يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ، سر بنا إلى القوم ، فإذا فرغنا فيما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام.

فارتضى ذلك الرأي وأمر الناس بالرحيل ، ثمّ سار والناس معه حتى أتى النهروان ، وسار بأصحابه حتى نزل على فرسخين من النهروان ثمّ راسلهم وكاتبهم فلم يرتدعوا(2) .

____________

(1) التذكرة / 110 ط حجرية.

(2) مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي / 45 ط حجرية.


وبعث إلى الخوارج يطلب قتلة ابن خباب ومن معه ، فبعثوا إليه كلنا قتلتهم ، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم وقد أرسل تلك المرة قنبر غلامه فعاد بجوابهم فأرسل ابن عباس إليهم.

قال حميد الدين في الحدائق الوردية : « قال : يا بن عباس انهض إلى القوم فادعهم بمثل الّذي دعاهم به قنبر ، فإنّي أرجو أن يجيبوك ، فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين ألقي عليَّ حلّتي أو ألبس عليَّ سلاحي فإنّي أخافهم على نفسي؟

قال : بلى فانهض اليهم في حلّتك :

فمن أيّ يوميك تفرّ

أيوم لم يقدر أم يوم قُدر(1)

« فنهض إليهم ابن عباس وقد لبس أحسن ثيابه ، وتطيّب أفضل طيبه ، وركب أحسن مراكبه. فلمّا رأوه ضجّوا في وجهه يا بن عباس أنت أفضل الناس بينا تأتينا في لباس الجبابرة ومراكبهم »(2) .

وفي رواية ابن أعثم : « أنّ الإمام (عليه السلام) قال له : تقدم فها أنا ذا من ورائك.

قال فتقدم عبد الله بن عباس حتى واجه القوم ثمّ قال : أيها الناس ما الّذي نقمتم على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟

فقالوا له : يا بن عباس الّذي نقمناه عليك في وقتنا هذا أشد ممّا نقمناه على عليّ ، وذلك انّك قد جئتنا في حلة يمانية ، ونحن نريد حربك وحرب ابن عمك.

____________

(1) الحدائق الوردية 1 / 83 ط صنعاء.

(2) من زيادات مخطوطة مكتبة الشيخ كاشف الغطاء قدس سره ولم يوجد في المطبوعة بصنعاء.


فقال ابن عباس : أمّا هذه الحلة فقد رأيت خيراً منها على مَن هو خير مني وهو أبو القاسم محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، وأمّا الحرب فقد دنت منا ومنكم ولا شك في ذلك ، فهاتوا ما الّذي نقمتم على عليّ (رضي الله عنه)؟

قالوا : نقمنا عليه أشياء ، لوكان حاضراً لكفّرنا بهنّ ، وعليّ وراءه يسمع ذلك.

فالتفت ابن عباس إلى عليّ فقال : يا أمير المؤمنين إنّك قد سمعت الكلام فأنت أحق بالجواب »(1) .

وروى السبط عن ابن عباس قال : « لمّا خرجنا إلى قتال الخوارج سمع عليّ (عليه السلام) رجلاً منهم يتهجّد بالقرآن فقال : نومٌ على يقين خير من صلاة في شك »(2) ـ ما أبلغها من كلمة تصلح أن تكون ميزاناً توزن به أعمال الرجال ـ.

قال ابن أعثم في تاريخه(3) ، وابن طلحة الشافعي واللفظ له : « فتقدم عليّ حتى واجه القوم وقال : أيّها الناس أنا عليّ بن أبي طالب فتكلموا بما نقمتم به عليَّ؟ فقالوا : نقمنا عليك أوّلاً قاتلنا بين يديك بالبصرة ، فلمّا أظفرك الله بهم أبحتنا ما كان في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية ، فكيف تستحل ما كان في العسكر ولا تستحل النساء والذرية؟

فقال لهم (عليه السلام) : يا هؤلاء انّ أهل البصرة قاتلونا وبدأونا بالقتال ، فلمّا ظفرتم أقتسمتم سلب من قاتلكم ، ومنعتكم من النساء والذرية ، فإنّ النساء لم يقاتلن ، والذرية ولدوا على الفطرة ولم ينكثوا ولا ذنب لهم ، وقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

____________

(1) تاريخ ابن أعثم 4 / 121.

(2) تذكرة الخواص / 61.

(3) تاريخ ابن أعثم 4 / 123 ـ 125.


منّ على المشركين فلا تعجبوا أن مننت على المسلمين ، فلم أسب نساءهم ولا ذريتهم.

وقالوا : نقمنا عليك يوم صفين وقت الكتاب انّك قلت لكاتبك اكتب هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، فأبى معاوية أن يقبل منك أنّك أمير المؤمنين ، وقلت للكاتب هذا ما تقاضى عليه عليّ ابن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، فإن لم تكن أمير المؤمنين ، فنحن المؤمنون فلست أميرنا.

فقال : يا هؤلاء أنا كنت كاتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الحديبية ، فقال لي النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله وسهيل بن عمرو ، فقال سهيل : لو علمنا أنّك رسول الله لما صددناك ولا قاتلناك. فأمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فمحوت اسمه من الكتاب وكتب هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد الله. وانّما محوت اسمي من إمرة المؤمنين كما محا رسول الله اسمه من الرسالة ، وكانت لي به أسوة.

قالوا : فإنّا نقمنا عليك أنّك قلت للحكَمين : انظرا في كتاب الله فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة ، وإن كان معاوية أفضل مني فاثبتاه في الخلافة ، فإن كنت شاكاً في نفسك أنّ معاوية أفضل منك فنحن فيك أعظم شكاً.

فقال لهم عليّ : إنّما أردت بذلك النصفة لمعاوية ، فإنّني لو قلت للحكمين أحكما لي وذرا معاوية كان لا يرضى بذلك. والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لو قال لنصارى نجران لما قدموا عليه فقالوا نبتهل واجعل لعنة الله عليكم كانوا لا يرضون بذلك ، ولكنه أنصفهم من نفسه ، فقال كما أمره الله تعالى به( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ


وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (1) فأنصفهم من نفسه فكذا أنصفت من نفسي ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خديعة أبي موسى.

قالوا : فإنّا نقمنا عليك أنّك حكّمت حَكَماً في حق هو لك.

فقال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حكّم سعد بن معإذ في بني قريظة ، ولو شاء لم يفعل ، فحكم فيهم سعد بما علمتم ، وانما أقمت حكماً كما أقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فهل عندكم شيء غير هذا تحتجون به عليّ؟ فسكت القوم ، ثمّ صاح جماعة منهم من كلّ ناحية : التوبة التوبة يا أمير المؤمنين ، واستأمن منهم ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف ، فأقبل على هؤلاء الذين استأمنوا إليه وقال : اعتزلوا في وقتكم هذا عني وذروني والقوم ، فاعتزل أولئك عنه اهـ »(2) .

وذكر الطبري في تاريخه من حديث أبي مخنف قال : « ورفع عليّ راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري فناداهم أبو أيوب : من جاء هذه الراية منكم ممّن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن ، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن ، إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة اخواننا منكم في سفك دمائكم.

فقال فروة بن نوفل الأشجعي : والله ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليّاً ، لا أرى إلاّ أن أنصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتّباعه ، وانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنجين والدسكرة.

____________

(1) آل عمران / 61.

(2) مطالب السؤول / 45 ط حجرية سنة 1287 هـ.


وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الكوفة. وخرج إلى عليّ منهم نحو من مائة. وكانوا أربعة آلاف ، فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم الفين وثمانمائة ، وزحفوا إلى عليّ ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فوالله ما لبثوهم أن أناموهم »(1) .

وفي لفظ آخر عند الدينوري : « وقتلت الخوارج كلها ربضة واحدة »(2) .

وقال ابن خلدون في تاريخه : « فهلكوا كلّهم في ساعة واحدة كأنّما قيل لهم موتوا »(3) .

وقال المبرّد في الكامل : « وقد قال لهم ـ يعني الإمام ـ انّه والله ما يقتل منكم عشرة ولا يفلت منهم عشرة ، فقتل من أصحابه تسعة وأفلت منهم ثمانية »(4) .

قال أبو مخنف في حديثه عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله : « انّه لم يقتل من أصحاب عليّ إلاّ سبعة »(5) .

وقال في حديثه الآخر قال : « كان عليّ لمّا فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : إنّ الله قد أحسن بكم ، وأعزّ نصركم ، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدوكم معاوية وأشياعه القاسطين الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون.

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 86.

(2) الأخبار الطوال / 210.

(3) تاريخ ابن خلدون 2 / 1123 ط دار الكتاب اللبناني سنة 1956.

(4) الكامل 3 / 187 مطبعة نهضة مصر.

(5) تاريخ الطبري 5 / 89.


فقالوا : يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا ، وكلّت أذرعنا ، وتقطّعت سيوفنا ، ونصلت أسنّة رماحنا ، فارجع بنا إلى مصرنا فلنستعد بأحسن عدّتنا ، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا فإنّه أقوى فإنّه أوفى (أقوى) على عدونا »(1) .

قال الطبري وغيره : « وكان الّذي تولّى هذا الكلام هو الأشعث بن قيس »(2) . قال البلاذري : « وكان الأشعث طنيناً وسماه عليّ عرف النار »(3) .

فأقبل الإمام راجعاً حتى نزل النخيلة ، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ، ويوطنّوا على الجهاد أنفسَهم ، وأن يقلّوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوّهم ، فأقاموا أياماً ، ثمّ تسللوا من معسكرهم ، فدخلوا إلاّ رجالاً من وجوه الناس قليلاً ، وتُرك المعسكر خالياً ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة ، وأنكسر عليه رأيه في المسير.

قال الطبري : « وكان غير أبي مخنف يقول : كانت الوقعة بين عليّ وأهل النهر سنة ثمان وثلاثين ، وهذا القول عليه أكثر أهل السير »(4) . بينما رأى اليعقوبي(5) ، وابن تغري بردى(6) أنّها سنة 39 هـ وصحح ذلك.

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 89.

(2) المصدر السابق.

(3) أنساب الأشراف 2 / 379 ، وأحسب تصحيفاً وقع في قوله (طنيناً) وفسره في الهامش أي رفع الصوت فسمع الناس قوله هذا فركنوا إليه. ولعل الصواب (ظنيناً) أي متهماً في دينه. وهذا ما يتناسب مع وصف الإمام له بانه عُرف النار.

(4) تاريخ الطبري 5 / 91.

(5) تاريخ اليعقوبي ه2 / 169.

(6) النجوم الزاهرة 1 / 117.


وعندي أنّ بداية المسير كان في آخر سنة ثمان وثلاثين ، ولمّا كانت الوقعة في اليوم التاسع من صفر كما في أنساب الأشراف(1) فلابدّ أن تكون سنة تسع وثلاثين. فقد قال اليعقوبي : « وكانت وقعة النهروان سنة تسع وثلاثين »(2) ، وقال ابن تغري بردى : « فيها ـ سنة تسع وثلاثين ـ أيضاً كانت وقعة الخوارج مع عليّ بن أبي طالب بحروراء ، وبالنخيلة قاتلهم عليّ فكسرهم وقتل رؤوسهم ، وسجد شكراً لمّا أتي بمخدّج اليد مقتولاً وكان رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي ، وقد تقدم ذكرها في السنّة الماضية ، والأصح أنّها في هذه السنّة »(3) .

ومهما يكن الإختلاف في تعيين السنّة ، فلا خلاف في أنّ الإمام قاتل أهل النهروان فقتلهم وهم المارقون الذين حذّر منهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنّهم شر الخليفة وأخبر عنهم : (يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يقتلهم خير الخلق والخليقة). وهو أمير المؤمنين.

وله (عليه السلام) كلام قاله بعد تلك الوقعة رواه البرقي المتوفى سنة (274 هـ أو 280 هـ) في كتابه : « قال : (والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد شهدنا في هذا الموقف أناس لم يخلق الله آباءهم ولا أجدادهم بعد) ، فقال الرجل : وكيف يشهدنا قوم لم يُخلقوا؟! قال (عليه السلام) : (بلى ، قوم يكونون في آخر الزمان يشركوننا فيما نحن فيه ، ويسلّمون لنا ، فأولئك شركاؤنا فيما كنّا فيه حقّاً حقّا) »(4) .

اللّهمّ فاشهد إنّا على ذلك وأنت خير الشاهدين.

____________

(1) أنساب الأشراف للبلاذري 2 / 362 و 375.

(2) تاريخ اليعقوبي ه2 / 169.

(3) النجوم الزاهرة 1 / 118 ط دار الكتب المصرية.

(4) المحاسن / 263 برقم 323 تح ـ السيّد جلال الدين الحسيني ط ايران.


محض هراء وافتراء من دون حياء(1) :

لقد اتفقت المصادر الحديثية والتاريخية وحتى كتب المقالات والفِرق ، القديمة والحديثة ، على انّ ابن عباس حاور الخوارج سواء في حروراء أو في الكوفة ، أو في النهروان ، واتفقت على غلبته عليهم بالحجة في موقفه معهم في حروراء والكوفة حتى استجاب لنصحه أعداد مر ذكرها عند ذكر المحاورتين مفصلة.

أمّا عن محاورته الثالثة في النهروان ، فقد كان رسولاً إليهم بين يدي الإمام ، ولمّا بلّغهم الرسالة وسألهم عمّا يريدون وطلبوا أن يكون الإمام هو الّذي يتولى جوابهم تقدّم الإمام وحاججهم حتى خصمهم ، فأناب منهم من أناب ، واعتزل من اعتزل ، وأخيراً دخل بعضهم تحت راية الأمان ، وبقي الآخرون الذين حصدتهم السيوف حتى كأنّهم قيل لهم موتوا فماتوا ، ولم يرد في شيء من تلك المصادر عن ابن عباس انقطاع حجة أو عجز عن بيان محجة ، فضلاً عن غلبة الخوارج عليه.

غير أنّ من العجيب الغريب أن أجد كاتباً من الأباضية وأحسبه من المعاصرين كما ورد بخطه في أوّل الكتاب تاريخ سنة 1394 هـ يذكر هذا الكاتب ـ واسمه سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي العاني الأباضي في كتابه (العقود الفضية في أصول الأباضية)(2) ـ صورة محاورة جرت بين ابن عباس وبين الخوارج على خلاف جميع ما مرّ في تلك المصادر القديمة

____________

(1) ممّا استجدّ بحثه وإلحاقه بالكتاب.

(2) العقود الفضية في أصول الأباضية ط دار اليقظة العربية في سوريا ولبنان.


والحديثة ، ولم يكتف بانقطاع حجة ابن عباس مخصوماً ، بل تعدى إلى جعله في صفهم خصماً خصوماً ، وبالتالي مفارقاً للإمام عاقاً ظلوماً.

ولم أكن أتوقع أن أقرأ يوماً عند كاتب من البهتان ما يصادم الوجدان بلا أيّ برهان ، لأنّ الناس في هذا الزمان قد تخطّوا في ثقافاتهم حواجز الزمان والمكان ، ولم تعد تنطلي عليهم أساليب الغش والخداع ، ولابدّ لمن يحكي قولاً أو رأياً أو يزعم زعماً ، أن يذكر مصدره ، ليصدّق نقله ، وليبرأ من عهدته. ثمّ يترك الأمر إلى قناعة القارئ تصديقاً أو تكذيباً.

أمّا أن يذكر شيئاً على خلاف ما هو ثابت تاريخياً ثمّ يحكيه مرسلاً عن كتاب هيّان بن بيّان عن كتاب شختي بن بختي فذلك أمرٌ مرفوض جملة وتفصيلا ، ولم أكُن يوماً شاكاً في صحة ما ورد عن بعض الخوارج وأنّهم كانوا إذا هوَوا أمراً صيّروه حديثاً ، كما روى ذلك الخطيب البغدادي في كتابيه(1) ، وكذلك روى القرطبي في تفسيره عن شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب قال : « إنّ هذه الأحاديث دين فانظروا ممّن تأخذون دينكم ، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً »(2) .

فأنا لم أكن شاكاً في صحة ذلك عنهم ، لكني كنت أستغرب تلك المقولة ، مع ما أعطى الله الإنسان من نعمة العقل كيف يتجاهل المرء عقله فينبذه ويتّبع هواه مع ما هم عليه حيث يراؤون الناس من صلاح الظاهر وثفنات السجود.

____________

(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1 / 137 ط مكتبة المعارف الرياض ، والكفاية في علم الرواية / 123 ط المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

(2) الجامع لأحكام القرآن 1 / 78 ط دار الشعب.


لقد صدق الله مولانا العليّ العظيم حيث يقول في سورة البقرة :

( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين َ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * ألا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (1) . وقال سبحانه وتعالى في سورة القصص :( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (2) .

ولئلا أتجنّى على مؤلف الكتاب وزمرته ، وتنويراً للقارئ بما أشرت إليه في العنوان لابدّ لي من نقل ما ساقه في كتابه بنصّه وفصّه كما يقولون ثمّ التعقيب عليه بعد ذلك.

فقد قال : « وأرسل عليّ ابن عباس ليناظرهم. نقلاً من شرح اللامية للقطب ، وأصله في كتاب السير العُمانية من سيرة شبيب بن عطية من علماء القرن الثاني للهجرة هكذا : طلب ابن عباس اليهم الرجوع ، وقالوا له : انّ صاحبك ترك اسم أمير المؤمنين وطلب الحكومة ، وخلع سربالاً ألبسه الله إياه.

فقال ابن عباس (رضي الله عنهما) : أما علمتم أنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لمّا عاهد أهل مكة ومشركي العرب ـ ومشركي قريش عام الحديبية حين صدّه

____________

(1) البقرة / 8 ـ 13.

(2) القصص / 50 ـ 51.


المشـركـون عـن المسجد الحرام إلى مضيّ المـدة الّتـي سماهـا لهـم (من ترك فيها) (؟) القتال والدماء ، وأمّا ما ذكرتم من خلعه نفسه من اسم أمير المؤمنين فقد فعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم حين كتب الكتاب لقريش وأملاها (؟) رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، هذا ما قاضى به محمّد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قريشاً ، فقال المشركون : لو علمنا أنك رسول الله ما خالفناك ، فكتب من محمّد بن عبد الله.

وأمّا ما ذكرتم من الحكومة وأنّها لا تجوز فقال عز من قائل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) (1) ، وقال عزّ من قائل :( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) (2) .

فقالوا : قد سمعنا قولك والّذي أرسلت به واحتجاجك ، فنذكرك الله لما سمعت قولنا وفهمت حجّتنا ثمّ كنت عدلاً بيننا وبين من أرسلك.

قال : اللّهمّ نعم.

قالوا : أخبرنا عمّن قتل الصيد وهو محرم هل يسعه أن يحكّم من يرى استحلال الصيد المحرّم ، ويستحل قتل صيد الحرم؟ قال : لا.

قالوا : وكيف يسع عليّاً أن يحكّم في دين الله مَن يدين باستحلال ما حرّم الله من دماء المسلمين ، ويحرّم ما أحلّ الله من قتال الفئة الباغية ، ومَن يدين

____________

(1) المائدة / 95.

(2) النساء / 35.


بولاية من عادى الله ورسوله وبعداوة أولياء الله ، ويدين بخلاف ما عليه المسلمون من الحقّ الّذي هم عليه ، وفارقوهم على خلافه ، فوالله لو كانت الحكومة حقاً لكان عليّ ترك الحقّ بتحكيمه في دين الله مَن يدين بخلاف دين الله فيما استحل من قتل المؤمنين وسفك دمائهم وما حرّم الله من قتال الفئة الباغية مع ما يدين به من ولاية من عادى الله ورسوله وعداوة أولياء الله ، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والله سبحانه يقول :( وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (1) .

ثمّ قالوا : نذكرك الله يا بن عباس هل تعلم أنّ أبا موسى كان شاكاً في قتال الفئة الباغية يحرّم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية ، ويخذّل الناس عن القتال؟

قال : اللّهمّ نعم.

قالوا : انّ عليّاً حكّم فيمن قتل الصيد وهو محرم من يعتقد أنّه لا يحرم قتل الصيد في الحرم ، ولا يحرم قتل الصيد في الحلّ على المحرم ، أكان بتحكيمه من كان هذا أمره وصفته على هذا الوجه ضلالاً إذ حكّم شاكاً ـ مرتاباً فيما حكم الله به من تحريم قتل الصيد في الحرم إذ كان محرماً لضلّ بتحكيمه مَن هذا أمره وصفته ، ولو كانت الحكومة عدلاً لكان بحكومة مَن يستحل قتل المؤمنين ويعاديهم ويكفر بدينهم ضالاً ، وقد أضل بحكومته من يحرّم ما أحل الله للمؤمنين من قتال من بغى عليهم ، واتبع سبيلاً غير سبيلهم ، وأبى أن يقرّ بحكم القرآن فيما خالفوا فيه ، فنذكرك الله يا بن عباس هل تعلم انّ عمرو بن العاص استحلّ ما حرّم الله من دماء المسلمين ، وحرّم ما أحلّ الله من قتال من بغى على

____________

(1) النساء / 115.


المسلمين ، وتولى من عادى الله ، وعادى المسلمين ومن دان بدينهم ، وما هم عليه من الحقّ ومن قتال أهل البغي؟

فقال : اللّهمّ نعم قد خصمتم عليّاً بهذا وقولكم الحقّ (؟).

ثمّ قالوا : أمّا ما ذكرت من قول الله( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ـ إلى قوله (عزّ وجلّ) ـيُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) (1) فأخبرنا عن رجل من المسلمين عنده يهودية أو نصرانية وكان بينهما اختلاف ومنازعة هل ينبغي له ولمن حضره من المسلمين أن يدعو اليهود أو النصارى يحكمونهم بما هم به كافرون من أحكام المؤمنين؟

قال : لا.

قالوا : كيف حكّم عليّ عمرو بن العاص وهو يكفر بما حكّمه فيه ويستحل ما حرّم الله من دماء المسلمين ويدين بغير دينهم ، ويوالي من عادوا ويعادي من والوا ، فنذكرك الله هل يسع عليّاً هذا؟

قال : لا يجوز هذا لمن فعله ولا يسعه.

وقالوا : أمّا ما ذكرت من أمر الموادعة والقضية الّتي كانت بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين المشركين ، فإنّها كانت منازل ونقل عنها منزلة منزلة ، وكلّ منزلة نقل الله عنها نبيّه أو أمره بغيرها حرّم عليه الإقامة عليها وحرّم على المسلمين أيضاً أن يقيموا على ما نقل عنه ، من ذلك القبلة الّتي كانت بيت المقدس نقل الله نبيّه والمؤمنين عنها باستقبال البيت الحرام ، ومثل الخمر كانت حلالاً ثمّ نهى الله

____________

(1) النساء / 35.


عنها أوّلاً تأديباً ثمّ حرّمها بعد ذلك من نعمه وطوله ومنّته على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى المؤمنين ، وكذا مفاداة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأهل بدر ، ولا أمر ولا نهي ولا وعيد ، وقال تعالى :( لَوْلاَ كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (1) وقد كان سبق من الله العفو عنهم والمغفرة لهم فيما فعلوا ، (وقيل) (؟) سبق من الله أن لا يعذّب أحداً إلاّ بعد بيان ، (أو سبق) (؟) من الله (جلّ جلاله) أن يحلّ لهذه الأمة ما غنموا من عدوّهم إذا حاربوا ، وأنزل الله (عزّ وجلّ) على نبيّه بعد ذلك تحريم معاهدة المشركين فقال( بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ـ إلى قوله جلّ وعلا : ـإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ـ وإلى قوله : ـلا يَعْلَمُونَ ) (2) (؟) فجاءت براءة بنقض كلّ عهد وتحريم أمان المشركين وقتلهم حيث ما وجدوا وحصرهم والقعود لهم بكل مرصد وتحريم الجنوح اليهم ، ولا يقبل منهم إلاّ الدخول في الإسلام والاقرار به ولاهل الكتاب الجزية ، فما لهم إلاّ الإسلام أو الجزية ولم يحل الله أمان أحد منهم إلاّ من استجار ليسمع كلام الله فان لم يؤمن أبلغه مأمنه. وقال الله (عزّ وجلّ) :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ـ إلى قوله ـبَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) (3) فلا إقامة لأحد على ما نقل الله نبيّه عنه. فما حجة صاحبك علينا فيما نقل الله نبيّه والمؤمنين عنه ، وحرّم ذلك عنه ، وان جوّز ذلك فليرجع إلى استقبال بيت المقدس وإلى كلّ ما نسخ.

ثمّ قالوا نذكرك الله يا بن عباس هل تعلم أنّ الّذي احتج به صاحبك علينا منتقض غير جائز في الدين؟

____________

(1) الأنفال / 68.

(2) براءة / 1.

(3) براءة / 28.


قال : اللّهمّ نعم.

قالوا : يا بن عباس ألست تعلم أنّ الله (عزّ وجلّ) قال في كتابه :( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) الآية(1) ،( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ) الآية(2) .

(قالوا) (؟) : اللّهمّ نعم.

قالوا : فهل تعلم ان قتال الفئة الباغية حد من حدود الله كالجلد والقطع؟

قال : نعم.

قالوا : فأخبرنا (عمن زنا) (؟) أو سرق فأراد امام المسلمين أن يقيم عليه الحد فامتنع وقامت معه طائفة تمنعه عن إقامة الحد أليس يحل قتالهم؟

قال : بلى.

قالوا : فان المسلمين قاتلوهم حتى قتلوا منهم قتلى ثمّ ابتغوا الحكومة أيسع المسلمين قبولها وتحريم القتال وتعطيله؟

قال : اللّهمّ لا.

قالوا : فكيف يسوغ لنا أن نحكّم في دين الله من يدين بتعطيل الحدود وتحريم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية مع انّه حد من حدود الله ، وكلّ ما حكم الله فيه فلا تخيير فيه لعباده قال الله (عزّ وجلّ) :( وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) ـ إلى قوله (عزّ وجلّ) ـ( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (3) وقال :( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ) الخ(4) وقال :

____________

(1) النور / 2.

(2) المائدة / 38.

(3) المائدة / 49.

(4) الأنعام / 114.


( إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ـ إلى قوله ـلا يَعْلَمُونَ ) (1) وما جعل الله (عزّ وجلّ) الحكم فيه للرجال فليحكم فيه ذوا عدل ولا حكم في غير ذلك للرجال ، قال الله جلّ وعلا :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ ) ـ إلى قوله ـ( ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ) (2) وقال :( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) ـ إلى قوله (عزّ وجلّ) ـ( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (3) فكيف يحكّم في دين الله من لم يحكّمه الله ورسوله ، ووجد في نفسه حرجاً ممّا قضى الله ورسوله وأبى أن يسلّم تسليماً ، واستحل قتل من حكّم الله ورسوله وسلّم لحكمه تسليماً ، فان معاوية وعمرو ابن العاص أبيا أن يسلمّا لحكم الله ورسوله؟

قال : اللّهمّ نعم.

ثمّ قالوا : يا بن عباس ان كان معاوية وعمرو بن العاص سلما لحكم الله وما أنزل من القرآن ورجعا عمّا كانا عليه وفاءاً إلى أمر الله ورجعا إلى دين المسلمين فالحق علينا أن نقبل عنهما ونتولاّهما ، لأنّ الله أمر بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله ، فإذا فاءوا إلى أمر الله قبل ذلك منهم ، ولم يسع أحداً يردّ ذلك عليهما ، وأمّا أن نحكّم الرجال فيما قد فرغ الله من الحكم فيه ، فإن كان حكموا بنقض ما جاءنا من الله فننتقل عما نحن عليه من البينات إلى الضلال والعمى والترك لحكم الله ، والإيمان الّذي نحن عليه حتى يستحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله ، ونوالي من كنا نعاديه بدين وفريضة ، ونعادي من كنا نوإليه بدين الله

____________

(1) الأنعام / 57.

(2) الأحزاب / 36.

(3) النساء / 65.


وبحكم كتاب الله وما افترض علينا من ولاية من أقر بديننا ، فمعاذ الله أن نفعل ذلك إن شاء الله حتى تذهب أنفسنا أو نظهر على عدونا.

فقال ابن عباس : اللّهمّ هذا هو الحقّ.

وقالوا : ألست تعلم أنّ فيما اشترط عليّ ومعاوية كلّ واحد منهما على صاحبه ، انّه أيّما رجل أحدث حدثاً من أصحاب عليّ ودخل في دين معاوية وحكمه فليس لعليّ إقامة الحد عليه لدخوله في دين معاوية وحكمه ، وأيما رجل أحدث حدثاً من أصحاب معاوية ودخل في دين عليّ وحكمه فليس لمعاوية إقامة الحد عليه لدخوله في دين عليّ وحكمه ، فكيف يدخل في دين قوم قد أقروا على أنفسهم بأنّه من أحدث حدثاً منهم ففر من حكم الله عليه وكره إقامة الحد بأن يقول دخل في دين معاوية زال ذلك الحكم والحد عنه؟ وكيف يدخل في دين عليّ وامره كذلك ، وزاد بأن خلع نفسه من إمرة المؤمنين ولم يرجع ولم يستغفر ممّا قد أتى ممّا وصفناه وذكرناه من أمره فيما سوى ذلك قد استحق من امر الله البراءة والخلع حتى يتوب ويستغفر ربّه ويرجع من ذنبه. ألست تقول انّ عليّاً قاتل طلحة والزبير بكتاب الله وبما افترض الله عليه من قتال الفئة الباغية ، وعلى ذلك الأمر قاتل معاوية؟

قال : اللّهمّ نعم.

قالوا : وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاتل عمار بن ياسر ومن معه بصفين حتى قتل عمّار بن ياسر ومن معه من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتابعين باحسان ، وبأمر الله وإذنه قاتلوا الفئة الباغية؟

قال : اللّهمّ نعم.


قالوا : أخبرنا عن عليّ حين حكّم الحكمين أليس قد حرّم القتال الّذي أحلّ الله من معاوية وجنده حتى يحكم الحكمان ويأذنا به؟

قال : اللّهمّ نعم.

قالوا : فاخبرنا عن عليّ أحرّم دماءهم بتوبة من معاوية وجنده ، ودخول منهم في الإسلام؟ أم حرّم دماءهم بغير توبة منهم ولا دخول في الإسلام؟

قال : بل حرّم دماءهم بالعهد الّذي أعطاهم حتى يحكم (الحكمين) (؟) بغير توبة ولا دخول في الإسلام.

قالوا : أليس قد حرّم عليّ منهم ما أحلّ الله من قتالهم من غير انتقال منهم عن الّذي أحلّ دماءهم ، واستحل قتال من قتل بلا حدث ، (فمن أقام) (؟) الآن بكتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبما قام به عمّار ومن معه من المسلمين فقاتل من قاتله عمار واستحل من استحل عمّار فهو من الكافرين عند صاحبك؟ وكيف يكون عمار من المهتدين المؤمنين ويضل من عمل عمله واقتدى بهداه بعده ، فإن (كان) (؟) قاتلهم عمّار هدى ، فقد اهتدى من اهتدى بهداه ، وإن كان ضلالاً فقد ضل عليّ وأتباعه بولاية عمّار ومن معه من المسلمين ، لقتالهم معاوية؟ وكيف يكون القتال لمعاوية ضلالاً ومعاوية على الدين الّذي استحل منه عمار قتاله وقتال من معه ثمّ لم يتوبوا ولم يرجعوا عمّا هم عليه من دين المسلمين وقولهم؟ وكيف لم يكن القتال لطلحة والزبير على البغي ضلالاً وقد كانا افضل من معاوية ، ويكون القتال لمعاوية ومن معه ضلالاً فهم على الدين الّذي كان عليه طلحة والزبير ، هذا ما نعرف من خطأ عليّ ورجعته عما كان عليه من الحقّ ورغبته عما مضى عليه خيار المسلمين؟ وكيف يحل الله قتال قوم ويأمر به ثمّ


يهتدي من حرّمه وهم على ذلك الدين ويضل من استحله ، وكيف يحل الله قتال قوم ويأمر به ويأذن فيه ثمّ يكفّر من استحله حتى يأذن فيه من يستحل تحريمه من الحكمين ، وذلك انّ عليّاً حرّم القتال الّذي أحلّه الله من معاوية وجنده ، حتى يأذن فيه عمرو بن العاص وأبو موسى وزعم عليّ أنّه من قام بكتاب الله جلّ وعلا وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ويستحل ما أحل الله من قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فهو من الكافرين حتى يأذن فيه من يدين بتحريم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله بغير كتاب من الله حدث يحرّم ما أحل الله من قتالهم وحتى يأذن فيه من يدين بتحريمه ويستحل ما حرّم الله من دماء المسلمين ، ويحرّم ما أحل الله من قتال الفئة الباغية ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله. فنذكرك الله يا بن عباس هل يسع هذا من فعله ويهتدي به؟

قال : اللّهمّ لا. (وانصرف عنهم وهو مقرّ لهم ومعترف لهم أنّهم قد خصموه ، ونقضوا عليه ممّا جاء به ممّا احتج به عليهم) (؟)

(فرجع ابن عباس إلى عليّ ، فلمّا رآه قام إليه وناجاه وكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم الّتي احتجوا بها) (؟)

فقال له عليّ : ألا تعينني على قتالهم؟

فقال ابن عباس : لا والله لا أقاتل قوماً قد خصموني في الدنيا وإنّهم يوم القيامة لي أخصم وعليّ أقوى وإن لم أكن معهم لم أكن عليهم.

واعتزل عنه ابن عباس (رضي الله عنه) ثمّ فارقه ، وكتب إليه عليّ (يؤنبه) (؟) بمال أخذه من البصرة من بيت المال.


فقال له : قد عرفت وجه أخذي المال انّه كان بقية دون حقي من بعد ما أعطيت كلّ ذي حق حقه ، قد علمت أخذي المال من قبل قولي في أهل النهروان ، ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن اشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم فأبى ، والله أعلا وأعلم ، انتهى »(1) .

فهذا ما سطره سالم بن حمد العماني في كتابه ، ولابدّ لنا من تعقيب يكشف للقارئ زيف ما ذكره وسطره.

ويتم ذلك من خلال النقاط التالية :

تعقيب بلا تثريب(2) :

لنقف وقفة عابرة عند تلك المحاورة ، ولننظر كم عليها من علامات الاستفهام ، ممّا يسقطها عن الاعتبار في هذا المقام.

1 ـ ذكر المؤلف أسماء ثلاثة كتب أخذ بعضها عن بعض فجعلها مصادر للمحاورة ، فقال : « نقلاً عن شرح اللامية للقطب وأصله في كتاب السير العُمانية من سيرة شبيب بن عطية ».

ولمّا كانت تلك الأسماء مجهولة الهوية عند أصحاب المعجمات الببلوغرافية المعنية ، بدءاً من ابن النديم صاحب الفهرست ، ومروراً بكاتب جلبي صاحب كشف الظنون ، انتهاءً بإسماعيل البغدادي صاحب ذيل كشف الظنون فمن أين السبيل إلى معرفة أصحابها وتقييم كتبهم فضلاً عن توثيقهم؟!

____________

(1) العقود الفضية في أصول الأباضية / 50 ـ 59.

(2) ممّا استجد بحثه فالحقناه بالكتاب.


2 ـ ذكر المؤلف اسم اثنين من علمائهم هما القطب صاحب شرح اللامية ، وشبيب بن عطية صاحب السيرة ، وقال عنه : « من علماء القرن الثاني للهجرة » ، وحسبنا أن نبحث عنه وحده ، ولو عرفناه فهو الأصل لمن بعده ، ولكنّا بعد البحث المضني والأستعانة بالحاسوب الآلي في المكتبة الألفية وكتب العقائد والفرق بعد هذا كلّه لم نجد له ذكراً في كتب أصحاب الرجال والتراجم والتاريخ وكتب الفرق والمقالات. فمن ذا يكون هذا الإنسان المجهول الّذي ذكره في (ص253) وقال عنه في حديثه الجليل من أئمة الأباضية في عمان فقال : « وتوفي في زمانه خلف بن زياد البحراني ، وبقي في منزلة إمام بعده شبيب بن عطية الأباضي العماني ومحمّد بن أبي عفان وفي زمانهما بعض جور وقتل »؟

وحبّذا لو ذكر عنه شيئاً من ترجمته أسوة بمن ترجم لهم من أئمة الأباضية ، حيث ترجم لأبي الشعثاء جابر بن زيد في (ص93) ، ولأبي بلال مرداس بن حدير في (ص107) ، ولعبد الله بن أباض (ص121) ، ولأبي عبيد مسلم بن أبي كريمة في (ص139) ، وللربيع بن حبيب في (ص149) ، فبقي على جهالته ، ولا تجدينا معرفة الباقين ما دام الأصل مجهولاً.

3 ـ ولو سلّمنا جدلاً أنّ (شبيب بن عطية) كان شخصاً واقعياً له وجود خارجي ، ولم يكن اسماً موهوماً ، فلماذا لم يسند روايته بإسناد يرفع عنه إصر الوضع ، وقد كان الإسناد في عصره هو الوسيلة الوحيدة لبراءة عهدة الرواة ، وبقي الإسناد كذلك إلى قرون بعده ، أنظرالطبري المتوفى سنة310 هـ ، والبلاذري المتوفى سنة 276 ، وحتى المسعودي واليعقوبي وابن أعثم ، كلهم اعتمدوا الإسناد في الرواية ، إما في أوائل كتبهم أو في أوّل كلّ حدث أو حديث.


4 ـ شيوع الأخطاء الاملائية والنحوية وقد وضعتها بين أقواس وأتبعتها بعلامة استفهام بين قوسين. ولم تقتصر تلك الأخطاء على الاملائية والنحوية ، بل تسرّب الخطأ حتى نال الآي القرآني ، فغلط في نقلها ، وذلك قوله تعالى في سورة براءة فقال : (وإلى قوله لا تعملون) ولدى مراجعة الآية الكريمة كانت قوله تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) (1) ، ولم يرد تصحيح ما ذكرت في جدول (تصويب) في آخر الكتاب.

5 ـ هلهلة اللغة الفجّة الّتي ساق بها المحاورة مع كثرة التكرار المملّ فيها ، ولم يعهد ذلك في شيء من محاورات الخوارج وخطبهم ، بل وصفوا بالبلاغة وحسن البيان ، ولندع الشكليات ، ولننظر إلى الأهم منها.

6 ـ قال : « وانصرف عنهم وهو مقرّ لهم أنهم قد خصموه ونقضوا عليه ممّا جاء به ممّا احتج به عليهم ». وهنا لابدّ من وقفة تأمّل!

لماذا انصاع ابن عباس لحجتهم؟ وهم لم يأتوه بشيء جديد ، وإنّما حشروا في حوارهم المزيد من غير المفيد ، هو اجترار وتكرار لما سبق أن سمعه منهم من إشكاليات تافهة مرّت به في حروراء وفي الكوفة ، حينما أتاهم في منزلهم ، ومرت بنا محاوراته وفيها قرأناه مخاصماً جدلاً بقوة جنان وحسن بيان مع انارة المحجة ببليغ الحجة ، فاستطاع أن يقنع منهم من أناب فتاب ، وآب إلى جادة الصواب ، فما باله في هذه المرة احرنجم عن الجواب؟

7 ـ وإذا صحّ ما ذكره المؤلف في المحاورة من انصياع ابن عباس لحجتهم ، وبالأحرى انقطاع حجته عن جوابهم ، فما باله لم يتبدّل نظره إليهم بعد

____________

(1) براءة / 6.


ذلك ، بل كانت مواقفه هي الأولى ، وهي الأقوى في إظهار موالاة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومعاداة أعدائه ، ومنهم الخوارج ، وستأتي شواهد على ذلك في صفحة احتجاجاته.

وللتدليل أذكر موقفاً واحداً يفنّد زعم المؤلف : فقد روى الشيخ الطوسي بسنده عن سعيد بن المسيب قال : « سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب ، فقال له ابن عباس : إن عليّ بن أبي طالب صلّى القبلتين ، وبايع البيعتين ، ولم يعبد صنماً ولا وثناً ، ولم يضرب على رأسه بزلَم ولا بقدح ، ولد على الفطرة ، ولم يشرك بالله طرفة عين أبداً.

فقال الرجل : إني لم أسألك عن هذا ، وانما أسألك عن حمله سيفه على عاتقه يختال به حتى أتى البصرة فقتل بها أربعين ألفاً ، ثمّ صار إلى الشام فلقي حواجب العرب فضرب بعضهم ببعض حتى قتلهم ، ثمّ أتى النهروان وهم مسلمون فقتلهم عن آخرهم.

فقال له ابن عباس : أعليّ أعلم عندك أم أنا؟

فقال : لو كان عليّ أعلم عندي منك لما سألتك.

قال سعيد بن المسيب فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثمّ قال :

ثكلتك أمك. عليّ علّمني وكان علمه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه فعلم النبيّ من الله ، وعلم عليّ من النبيّ ، وعلمي من علم عليّ ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر »(1) .

____________

(1) الأمالي 1 / 11 مط النعمان في النجف.


وستأتي له مواقف مع بعض الخوارج منها مع ذلك الّذي كان متعلقاً بأستار الكعبة وهو يعلن براءته من الإمام وحديثه رواه ميمون بن مهران ، ولولا طوله لذكرته.

ومنها مع السائل الخارجي الّذي سأله عن الإمام فأعرض ثمّ سأله ثانياً فأجابه بجواب بليغ وحديثه عن ضرار بن الأزور.

ومنها ما رواه الأصبغ بن نباتة عن إسلام الاعرأبي على يد الإمام ، وما كساه الإمام ، وتعرّض الخوارج له حتى شككوه في الإمام فأتى ابن عباس وهو في مسجد الكوفة فسأله عما جرى له فأجابه حتى أقنعه ، والحديث طويل سيأتي في صفحة احتجاجاته.

8 ـ قال : « فرجع ابن عباس إلى عليّ ، فلمّا رآه قام إليه وناجاه وكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم الّتي احتجوا بها ».

أقول : وهذا أمرٌ لم يُعهد من الإمام مثله من ذي قبل ، كما لم يعهد من ابن عباس كذلك.

ولو أغمضنا عن مناقشة ذلك فلنا أن نسأل المؤلف : من أين علم الإمام بأنّ ابن عباس أتاه مخصوماً فكره أن يسمع أصحابه قولهم وحجتهم الّتي احتجوا بها ، حتى احتاط للأمر بالنجوى؟ على أنّ ذلك التصرّف منه أدعى إلى اثارة الفضول ولفت النظر ثمّ التساؤل عما جاء به ابن عباس ، مع أنّا قد مرّ بنا في الحديث عن مؤتمر التحكيم مضايقة الكوفيين لابن عباس في السؤال عما تجيء به رسُل الإمام حتى تبرّم ساخطاً عليهم فضولهم غير المستحب قائلاً كما في الطبري : (أما تعقلون! أما ترون رسول معاوية يجيء لا يُعلم بما جاء به ، ويرجع لا يُعلم ما


رجع به ، ولا يسمع لهم صياح ولا لفظ (لغط) وأنتم عندي كلّ يوم تظنون الظنون).

فمن مرّت به هكذا تجربة كيف يُعقل تناسيها ، ولا يحتاط بعدم إثارة الفضول والشكوك؟

وأيضاً كيف لم يثر ذلك المشهد فضول الأصحاب وفيهم أمثال الأشعث ابن قيس الّذي كان يدس أنفه في كلّ شيء ، وتفتح شهيته إثارة الفتنة؟

9 ـ قال : « إنّ عليّاً قال له : ألا تعينني على قتالهم؟ فقال ابن عباس : لا والله لا أقاتل قوماً قد خصموني في الدنيا وإنّهم يوم القيامة لي أخصم وعليّ أقوى ، إن لم أكن معهم لم أكن عليهم ».

أقول : ما دام الحديث كان سراً ونجوى بين الإمام وابن عباس ولم يكن معهم ثالث ، فمن ذا يا ترى أذاع النجوى؟

هل هو الإمام الّذي حرص على عدم معرفة أصحابه بما جاء به ابن عباس؟ وهذا لا يعقل لأنّ إذاعته على خلاف مصلحته.

أو هو ابن عباس لأنّه الطرف الآخر؟ وهنا سؤال يقفز في الذهن : فإذا كان هو ابن عباس فلابدّ أنّه حدّث به لآخر أو آخرين فسُمع منه وروي عنه ، فمن هو الراوي لذلك؟ لماذا لم يذكر اسمه في المحاورة؟

10 ـ قال : « واعتزل ابن عباس (رضي الله عنه) ثمّ فارقه وكتب إليه عليّ يأنّبه (وهذا غلط إملائي وصوابه : يؤنّبه) بمال أخذه من البصرة من بيت المال : فقال له : قد عرفت وجه أخذي المال قد علمت أخذي للمال من قبل قولي في أهل النهروان ».


أقول : وهنا تبدّى الصبح لذي عينين ، وصكّ الحجر العصفورين كما يقول المثل السائر.

فابن عباس اعتزل وفارق ، وأخذ من بيت مال البصرة ، وبرّر أخذه ، وأصرّ مستكبراً بقوله : « ولو كان أخذي المال باطلاً كان أهون من أن أشرك في دم مؤمن فاكفف عن القوم » ، والإمام علم بذلك من قبل قول ابن عباس في أهل النهروان ولم يؤاخذه أو يعاتبه ، وسكت على خيانته ، ليكون شريكاً له في جنايته ، فكلاهما أصابه حظ من ذرو هذا القول في المحاورة.

أليس كذلك؟ وعرفنا منذ الآن أنّ عنصراً رابعاً دسّ أنفه في مسألة مال البصرة ولم أكن قد وقفت عليه من قبل ، فتعاونت تلك العناصر على غير مودّة بينها على تشويه صفحة ابن عباس فهو ضحية : أموية حانقة ، وعباسية بغيضة ، وشيعة موتورة ، وأخيراً خوارج ثائرة.

11 ـ ولنعد إلى عدم انتظام سياق الكلام في المقام ، فقد قال المؤلف : « وكتب إليه عليّ يأنّبه (؟) » ، وهذا يعني البُعد المكاني ليصح التعبير بقوله : وكتب إليه ولا أقل عن مجلسه إن لم يكن عن بلده كما هو المتعارف.

ثمّ قال المؤلف : « فقال له : قد عرفت وجه أخذي المال » ـ وهذا يعني الحضور ليصح التعبير بقوله : فقال له فكيف التوافق والاتساق بين (كتب) وبين (فقال (؟ » أليس الجمع بين الغائب والحاضر في آن واحد يعني التنافي كما في المثل المعروف (أكوس عريض اللحية).

12 ـ وأخيراً ختم المؤلف تلك المحاورة بقول ابن عباس : « فاكفف عن القوم ».


ولنا أن نسأل : مَن هم القوم الذين يطلب ابن عباس من الإمام الكف عنهم؟

أهم الخوارج ـ كما هو المتبادر للقرينة المقامية ـ؟ فهؤلاء سبق للإمام أن حاربهم بالنهروان واستأصل شأفتهم ولم ينج منهم إلاّ ثمانية فرّوا كما مرّ ذكر ذلك. وابن عباس على علم بذلك ، فأيّ معنى للكف عن أناس انتهى أمرهم وقضي عليهم بالنهروان؟

وإن كان القوم غيرهم فمن هم؟

والّذي يبدو لي أنّ المحاورة من نسج غبّي لم يحسن الصنعة ولا شك أنّه من أولئك الذين إذا هَووُا أمراً صيّروه ديناً كما مرّت الإشارة إليه آنفاً ، ولكنه من قوم لا يفقهون.

ويبدو أنّ المؤلف الأباضي صاحب العقود الفضية لم يقف على ما ذكره البلاذري في الأنساب : « قالوا : وكتب عليّ إلى عبد الله بن عباس بمقتل محمّد ابن أبي بكر وعبد الله بالبصرة ، قبل أن يكتب أبو الأسود الدئلي إلى عليّ فيه ، وقبل أن يقع بينهما المنافرة ، وكان عبد الله قد نافر عليّاً بالنهروان ولحق بمكة »(1) .

قلت : يبدو أنّ الأباضي لم يقف على هذا ، وإلا لجعل منها أساساً يعليّ عليه بنيانه ، ويدعم هذيانه على أنّ ذلك لا يجديه شيئاً ، لأنّ وقعة النهروان ـ فيما رواها البلاذري ـ كانت في 9 صفر سنة 38 هـ ، وفي قول غيره سنة تسعة وثلاثين ، ومقتل محمّد كان في سنة 39 هـ لكنه لم يكن قبل وقعة النهروان ، فإذا (كان ابن عباس قد نافر عليّاً بالنهروان ولحق بمكة) كيف يصح أنّه كتب إليه بمقتل محمّد وهو بالبصرة ...؟

____________

(1) أنساب الأشراف 2 / 405 تح المحمودي.


ومهما شككنا في القبلية والبعدية بين النهروان ومقتل محمّد ، فإنّا لا نشك في حضور ابن عباس بالكوفة بعد حرب النهروان وقد أرسله الإمام داعياً بقية الخوارج في النخيلة فأبوا.

والآن لنقرأ ما قاله أبو العباس المبرّد(1) : « وكان أهل النخيلة جماعة بعد أهل النهروان ممّن فارق عبد الله بن وهب ، وممّن لجأ إلى راية أبي أيوب ، وممّن كان أقام بالكوفة فقال : لا أقاتل عليّاً ولا أقاتل معه ، فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا وتأسّفوا على خذلانهم أصحابَهم ـ ثمّ ذكر قيام المستورد فيهم خاطباً يدعوهم إلى الجهاد ـ فكلٌّ أجاب وبايع.

قال المبرّد : فوجّه إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن العباس داعياً ، فأبوا ثمّ قال ثمّ سار إليهم فطحنهم جميعاً لم يفلت منهم إلاّ خمسة

قال المبرّد : وفيهم يقول عمران بن حطان :

إنّي أدين بما دان الشراة به

يوم النخيلة عند الجوسق الخربِ(2)

وعاد المبرّد فذكر مناظرة أهل النخيلة لابن عباس ، فقال : وكان أصحاب النخيلة قالوا لابن عباس : إن كان عليّ على حق لم يشكك فيه ، وحَكّم مضطراً فما بالُه حيث ظفر لم يسب ، فقال لهم ابن عباس : قد سمعتم الجواب في التحكيم ، فأمّا قولكم في السباء ، أفكنتم سابين أمكم عائشة! فوضعوا أصابعهم في آذانهم وقالوا : أمسك عنا غَرب لسانك فانّه طلق ذلق ، غواصّ على موضع الحجة »(3) .

____________

(1) الكامل 3 / 336 ط نهضة مصر بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(2) الجوسق الخرب بظاهر الكوفة عند النخيلة ، والبيت في معجم البلدان 3 / 170 من أبيات نسبها إلى قيس بن الأصم الضبي.

(3) الكامل 3 / 238.


في مقتل محمّد بن أبي بكر :

لمّا انقضى أمر الحكمين ، وعاد أهل الشام مع عمرو بن العاص سلموا على معاوية بالخلافة ، ولم يكونوا بايعوه من قبل إلاّ على الطلب بدم عثمان ، أمّا الآن فقد تصيّدت الدنيا رجالاً بفخّها ، فمعاوية صار نداً لعليّ في دعوى الخلافة ، وعمرو بن العاص يريد طعمته الّتي شايع معاوية عليها وهي مصر ، ومصر لا تزال تحت حكم الإمام ، إذن لابدّ من التحرّك لافتتاحها وما أيسره إذ لا تزال بمصر عثمانية الهوى ، ومهما كان محمّد بن أبي بكر والي الإمام على درجة عالية من الحنكة السياسية فهو بين عدوين لدودين ، من الداخل والخارج وهما أقوى منه لو أراد المجالدة ، لكنه كان يمكنه أن يكون هو الأقوى منهما لو استعمل المجادلة بالحسنى مع العدو الداخلي كما فعل ذلك قيس بن سعد يوم كان عامل الإمام على مصر ، أمّا محمّد بن أبي بكر فلم يهادن العثمانية ولم يهادن أهل خربتا بل قاتلهم في أوّل ولايته فهم ناصبوه العداء كما ناصبهم فأصبحت مصر فريسة مستساغة لمعاوية ، فأرسل إليها عمرو بن العاص مع ستة آلاف لأخذها وطرد محمّد منها ولكن محمّد لم يكن لين العريكة بل كان أقوى شكيمة وعزيمة فلم يكن يتخلى عن مصر ويسلّم أمانته إلى عمرو بن العاص وداهمه الخطر وأحدق به فاستنصر الإمام يطلب منه المدد ، وفي العدة والعدد ، فأمر الإمام بأن ينادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس فخطبهم وحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ قال : (أمّا بعد فان هذا صريخ محمّد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار اليهم ابن النابغة عدو الله وولي من عادى الله ، فلا يكونن اهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعاً منكم على حقكم هذا فإنّهم قد بدأوكم وإخوانكم بالغزو فأعجلوا اليهم بالمواساة والنصر ، عباد الله


إنّ مصر أعظم من الشام أكثر خيراً ، وخير أهلاً ، فلا تغلبوا على مصر ، فان بقاء مصر في أيديكم عزّ لكم وكبت لعدوكم ، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة فوافوني بها هناك غداً إن شاء الله).

وبكّر من الغد إلى الجرعة وأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه من الناس مائة رجل ، وعلى رواية الطبري فلم يوافه منهم رجل واحد ، فرجع وقد ساءه تخاذل أصحابه وتثاقلهم عن نصرة محمّد. فلمّا كان العشي بعث إلى رؤساء الناس وأشرافهم فدخلوا عليه وهو حزين كئيب فلمّا حضروا خطبهم عاتباً وغاضباً فقال : (الحمد لله على ما قضى من أمري ، وقدّر من فعليّ ، وابتلاني بكم أيّتها الفرقة ممّن لا يطيع إذا أمرتُ ، ولا يجيبُ إذا دعوتُ ، لا أباً لغيركم ، ما تنتظرون بصبركم والجهاد على حقكم! الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ ، فوالله لئن جاء الموت ـ وليأتينّ ـ ليفرقنّ بيني وبينكم ، وأنا لصحبتكم قالٍ ، وبكم غير ضنين ، لله أنتم ألا دين يجمعكم! ألا حميّة تغضبكم! ألا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم! ويشن الغارة عليكم ، أو ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجناة الطغاة الظلمة فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ويجيبونه في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أيّ وجه شاء ، ثمّ أنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة منكم على العطاء فتقومون عني وتعصونني ، وتختلفون عليَّ!)(1) .

فقام إليه مالك بن كعب الهمداني ثمّ الأرحبي فقال : يا أمير المؤمنين اندب الناس فإنّه لا عطر بعد عروس ، لمثل هذا اليوم كنت أدّخر نفسي ، والأجر لا يأتي

____________

(1) أنظر تاريخ الطبري 5 / 107 ط دار المعارف.


إلاّ بالكرة ، اتقوا الله واجيبوا إمامكم وانصروا دعوته ، وقاتلوا عدوه أنا أسير إليها يا أمير المؤمنين.

فأمر الإمام سعداً ـ مولاه ـ فنادى في الناس : ألا فانتدبوا إلى مصر مع مالك ابن كعب.

ثمّ إنّه خرج وخرج معه عليّ ، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل ، فقال : سِر ما أخالك تدرك القوم حتى ينقضي أمرهم.

قال : فخرج بهم فسار خمساً.

ثمّ إنّ الحجاج بن غزية الأنصاري قدم على عليّ من مصر ، وقدم عبد الرحمن بن شبيب الفزاري. فأمّا الفزاري فكان عينه بالشام ، وأمّا الأنصاري فكان مع محمّد بن أبي بكر ، فحدّثه الأنصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمّد ، وحدّثه الفزاري أنّه لم يخرج من الشام حتى قدمت البُشراء من قبل عمرو بن العاص تترى ، يتبع بعضها بعضاً بفتح مصر وقتل محمّد بن أبي بكر ، وحتى أذّن بقتله على المنبر ، وقال : يا أمير المؤمنين قلّما رأيت قوماً قط أسرّ ، ولا سروراً قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمّد بن أبي بكر.

فقال عليّ : حزننا عليه على قدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافاً(1) .

وقد روى الطبري وغيره من المؤرخين كتاب الإمام أمير المؤمنين إلى ابن عباس وهو بالبصرة يخبره بمقتل محمّد بن أبي بكر ويشكو إليه تخاذل أصحابه ، ويبثّه بعض شجونه.

____________

(1) نفس المصدر 5 / 108.


وكان مقتل محمّد من أنكى الرزايا الّتي اقترفها معاوية وأشياعه ، فقد مرّ بنا أن ذكرنا كيفية قتله البشعة ، وذكرنا مدى وقع نبأ الفاجعة على أخته عائشة على ما كان بينهما من نبوة في الرأي حتى صارت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص. فما ظنك بمدى حزن الإمام عليه وهو ربيبه ، ومدى حزن ابن عباس عليه وهو ابن خالته وصاحبه ، ولم يكن كتاب الإمام إلى ابن عباس بنبأ الفاجعة لمجرد الإخبار وبث الشكوى فيما أرى ـ بل فيه إيماء إلى اتخإذ ابن عباس الحيطة واليقظة في ضبط البلاد لأنّ البصرة هي ثالث المعسكرات الإسلامية الّتي كانت تضمها حكومة الإمام ، وقد سقطت مصر منها بيد العدو ، فلم يبق إلاّ الكوفة والبصرة ، وهي مطمح نظر معاوية ، لعلمه بأن فيها من العثمانية والموتورين بحرب الجمل ما يكفيه لإثارة الشغب ، وبالتالي الانقضاض عليها ، فهو سوف يتحيّن الفرصة لذلك ، وكما حدث بعدُ في فتنة ابن الحضرمي وسنأتي على ذكرها.

ونعود إلى كتاب الإمام إلى ابن عباس ونذكره برواية الشريف الرضي في نهج البلاغة. قال : « ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمّد ابن أبي بكر : (أمّا بعدُ فإنّ مصر قد افتتحت ومحمّد بن أبي بكر (رحمه الله) قد استُشهد ، فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً ، وعاملاً كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً. وقد كنتُ حثثت الناس على لحاقه ، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ، ودعوتهم سراً وجهراً وعوداً وبدءاً ، فمنهم الآتي كارهاً ، ومنهم المعتلّ كاذباً ، ومنهم القاعد خاذلاً ، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً عاجلاً ، فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة ، وتوطيني نفسي على المنيّة لأحببتُ أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً) ».


وهذا الكتاب كما يفيض أسىً ولوعة ، مع حرارة لها لذعة ، هو آية في الفصاحة والبلاغة ، قال ابن أبي الحديد في تعقيبه عليه : « أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها وتملكه زمامها؟ واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة ، يتلو بعضها بعضاً كيف تواتيه وتطاوعه ، سهلة سلسة ، تتدفق من غير تعسّف ولا تكلّف حتى انتهى إلى آخر الفصل ، فقال : يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً. وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة ، جاءت القرائن والفصائل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثر بيّن ، وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر قال : « انظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلاً ، ولو مزجت احدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما.ثمّ انّ فواصل كلّ واحدة منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية ».

ثمّ انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل كيف قال : ولداً ناصحاً وعاملاً كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً ، لو قال : ولداً كادحاً ، وعاملاً ناصحاً ، وكذلك ما بعده لما كان صواباً ، ولا في المواقع واقعاً ، فسبحان من منح هذا الرجل بهذه المزايا النفسية ، والخصائص الشريفة ، أن يكون غلام من أبناء مكة ينشأ بين أهله ، لم يخالطه الحكماء وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الآلهية من افلاطون وأرسطو ، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية ، لأن قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من


سقراط ، ولم يربّ بين الشجعان لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كلّ بشر مشى على الأرض.

قيل لخلف الأحمر : أيّما أشجع عتيبة وبسطام أم عليّ بن أبي طالب؟ قال : إنّما يذكر عتيبة وبسطام مع البشر والناس ، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة ، فقيل له : فعلى كلّ حال.

قال : والله لو صاح في وجهيهما لماتا قبل أن يحمل عليهما.

وخرج أفصح من سحبان وقسّ ، ولم تكن قريش بأفصح العرب ، كان غيرها أفصح منها. قالوا : أفصح العرب جرهم وإن لم تكن لهم نباهة ، وخرج أزهد الناس ، وأعفّهم مع أنّ قريشاً ذووا حرص ومحبة للدنيا ، ولا غرو فيمن كان محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مربّيه ومخرجّه ، والعناية الآلهية تمدّه وترفده أن يكون منه ما كان »(1) .

قال أبو محنف في كتابيه مقتل محمّد بن أبي بكر والأشتر ، وقد ذكر كتاب الإمام إلى ابن عباس بصورة أوسع ممّا مر وهي : « بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس ، سلام عليك فإنّي أحمد الله إليك الّذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد ، فإن مصر قد افتتحت ، ومحمّد بن أبي بكر قد استشهد ، فعند الله نحتسبه وندّخره ، وقد كنت قمت في الناس في بدئه ، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ، ودعوتهم سراً وجهراً ، وعَوداً وبدءاً ، فمنهم من أتى كارهاً ، ومنهم من اعتل كاذباً ، ومنهم القاعد حالاً (خاذلاً) ، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً ومخرجاً ، وأن يريحني منهم عاجلاً ، والله لولا طمعي عند لقاء

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 54 ـ 55.


عدوي في الشهادة ، لأحببت ألاّ أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً ، عزم الله لنا ولك على الرشد ، وعلى تقواه وهداه ، إنّه على كلّ شيء قدير والسلام ».

وهذا الكتاب كما تضمن إعلام ابن عباس بفتح مصر وقتل محمّد بن أبي بكر ، كذلك تضمّن إعلامه بحال الناس معه في عدم استجابتهم حين يدعوهم لما يحييهم ، فهو يبثّ ابن عمه شكواه منهم ، ومن تمنّيه مفارقتهم يُعلم مبلغ حزنه (عليه السلام) ، ولا ريب أنّ ابن عباس أحزنه جميع ذلك ، فبادر بالجواب معزّياً ومواسياً ، ومخفّفاً بعض ما يجده الإمام من الناس بمداراتهم فكتب إليه :

« بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس ، سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، أمّا بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر ، وهلاك محمّد بن أبي بكر ، فالله المستعان على كلّ حال ، ورحم الله محمّد بن أبي بكر ، وآجرك يا أمير المؤمنين ، وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيّتك الّتي ابتليت بها فرجاً ومخرجاً ، وأن يُعزّك بالملائكة عاجلاً بالنصرة ، فإن الله صانع لك ذلك ، ومعزّك ومجيب دعوتك ، وكابت عدوك ، أخبرك يا أمير المؤمنين أنّ الناس ربّما تثاقلوا ثمّ ينشطون ، فأرفق بهم يا أمير المؤمنين ، وداجنهم ومنّهم ، واستعن بالله عليهم ، كفاك الله المهمّ والسلام »(1) .

ويبدو أنّ حزن الإمام على مقتل محمّد قد ألقى بظلاله الحزينة على ابن عباس من خلال كتابه إليه وجوابه هو الآخر عليه وشقّ على ابن عباس ذلك

____________

(1) أنظر تاريخ الطبري 5 / 109 ط دار المعارف.


التشرذم الّذي عرا المجتمع بالكوفة ، فرأى أنّ جوابه على كتاب الإمام وحده لن يخفف من غلواء حزنه ، فصمّم على التوجّه إلى الكوفة بنفسه ليسلّي الإمام عن تلك الفوادح الّتي تضافرت عليه فانتابته غرضاً ، وأورثته حزناً كاد معه أن يكون حَرَضاً.

فقد ذكر الطبري : بسنده عن أبي نعامة قال : « لمّا قتل محمّد بن أبي بكر بمصر ، خرج ابن عباس من البصرة إلى عليّ بالكوفة واستخلف زياداً »(1) .

وقال إبراهيم بن محمّد الثقفي : « في حديثه عن فتنة ابن الحضرمي بالبصرة ـ كما سيأتي ـ وإنّ الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس وقدم على عليّ (عليه السلام) إلى الكوفة يعزّيه عن محمّد بن أبي بكر »(2) .

فتنة ابن الحضرمي بالبصرة :

لقد ذكر المؤرخون أنّ معاوية بعد أن افتتحت له مصر ، صوّب نظره إلى العراق والحجاز واليمن وهي البلاد الّتي كانت تتبع في حكوماتها إلى الإمام ، والّذي لا شك فيه أن كان قد نفذ إلى تلك الولايات من خلال بقايا العثمانية ، فكان همه الأوّل بعد مصر أن يفتح البصرة ، وهي أقرب منالاً لطبيعة تركيبها السكانية ، ففيها قبائل بني تميم وهم من العناصر الّتي لم تخف تذمّرها من الحكم العلوي ، إلاّ أنفار وقليل ما هم ، وقد مرّ بنا تنمّر ابن عباس معهم لولا كتاب الإمام إليه ، ولم تكن بقية مضر دونهم ، وحتى الأزد كانوا كذلك إلاّ قليلاً منهم ، وهذا ما كان يعرفه معاوية معرفة تامة ، وله فيها مَن يوإليه. لذلك صمّم على قطعها عن

____________

(1) نفس المصدر 5 / 110 ط دار المعارف.

(2) الغارات / 387 تح ـ الأرموي.


مركز الخلافة بكل حول وطول ، والعقبة الكأداء في طريقه وجود عبد الله بن عباس فيها وهو العامل اليقظ الّذي لم يترك بحزمه وعزمه مجالاً ينفذ فيه معاوية ، فكان عليه أن يتربص خلوّ البلاد منه ، وهذا ما حدث ويترقب ما يأتيه من عيونه ، حتى إذا كتب إليه صحار بن عباس العبدي ـ وهو ممّن كان يرى رأي العثمانية ويخالف قومه في حبهم عليّاً (عليه السلام) ونصرتهم إياه ـ « أمّا بعد : فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على امامهم ، وقتلوا خليفتهم ظلماً وبغياً ، فقرّت بذلك العيون فإن رأيت أن تبعث إلينا أميراً طيباً ذكياً ذا عفاف ودين يدعو إلى الطلب بدم عثمان فعلت ، فإنّي لا أخال الناس إلاّ مجتمعين عليك ، فإنّ ابن عباس غائب عن الناس (المصر) والسلام.

فلمّا قرأ معاوية كتابه قال : « لا عزمت رأياً سوى ما كتب به إليّ هذا ، وكتب إليه جوابه »(1) .

قال ابن الأثير : « سيّر معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة وقال له : إنّ جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان ، وقد قتلوا في الطلب بدمه ، فهم لذلك حنقون يودّون أن يأتيهم من يجمعهم وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم ، فانزل في مضر ، وتودّد الأزد فإنّهم كلّهم معك ، ودع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم ، لأنّهم كلّهم ترابية فاحذرهم ».

فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة ، وكان ابن عباس قد خرج إلى عليّ بالكوفة واستخلف زياد بن أبيه على البصرة فلمّا وصل ابن الحضرمي إلى البصرة

____________

(1) الغارات / 385 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 350 ، وجمهرة رسائل العرب / 575 ـ 576 نقلاً عن شرح النهج.


نزل في بني تميم ، فأتاه العثمانية مسلّمين عليه ، وحضره غيرهم فخطبهم وقال : إنّ عثمان إمامكم إمام الهدى قتل مظلوماً قتله عليّ فطلبتم بدمه فجزاكم الله خيراً.

فقام الضحاك بن قيس الهلالي ـ وكان على شرطة ابن عباس ـ فقال : قبّح الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه ، أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير أتيانا وقد بايعنا عليّاً واستقامت أمورنا فحملانا على الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضاً ، ونحن الآن مجتمعون على بيعته ، وقد أقال العثرة وعفا عن المسيء ، أفتأمرنا أن ننتضي أسيافنا ويضرب بعضنا بعضاً ليكون معاوية أميراً ، والله ليوم من أيام عليّ خير من معاوية وآل معاوية.

فقام عبد الله بن خازم الأسدي فقال للضحاك : أسكت فلست بأهل أن تتكلم ، ثمّ أقبل على ابن الحضرمي فقال : نحن أنصارك ويدك والقول قولك فاقرأ كتابك ، فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم وحبه العافية وسدّه ثغورهم ، ويذكر قتله ويدعوهم إلى الطلب بدمه ، ويضمن أنّه يعمل فيهم بالسنّة ويعطيهم عطاءين في السنّة. فلمّا فرغ من قراءته قام الأحنف بن قيس فقال : لا ناقتي في هذا ولا جملي واعتزل القوم.

وقام عمرو بن مرجوم العبدي فقال : أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة. وكان عباس(1) بن صحار العبدي مخالفاً لقومه في حب عليّ ، فقام وقال : لننصرنك بأيدينا وألسنتنا.

فقال له المثنى بن مخربة العبدي : والله لئن لم ترجع إلى مكانك الّذي جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا ، ولا يغرنّك هذا الّذي يتكلم ـ يعني ابن صحار ـ

____________

(1) هكذا في تاريخ ابن الأثير وقد مر أن اسمه صحار بن عباس ، ولعل سهواً في أحد النقلين.


فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان : أنت نابٌ من أنياب العرب فانصرني ، فقال : لو نزلت في داري لنصرتك. فلمّا رأى زياد ذلك خاف فاستدعى حضين ابن المنذر ومالك بن مسمع فقال : أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته ، وقد كان من ابن الحضرمي ما ترون وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين.

فقال حضين بن المنذر : نعم ، وقال مالك ـ وكان رأيه مائلاً إلى بني أمية ـ هذا أمر لي فيه شركاء استشير فيه وأنظر. فلمّا رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة ، فأرسل إلى صبرة بن شيمان الحدّاني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين ، فقال : إن حملته إلى داري أجرتكما ، فنقله إلى داره بالحدّان ، ونقل المنبر أيضاً ، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدّان ويطعم الطعام »(1) .

قال إبراهيم بن محمّد الثقفي : « وكتب إلى عبد الله بن عباس

للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد سلام عليك أمّا بعد فإنّ عبد الله ابن عامر الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم ونعى ابن عفان ودعا إلى الحرب ، فبايعه جلّ أهل البصرة ، فلمّا رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان وقومه ، لنفسي ولبيت مال المسلمين ، فرحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم وإنّ الأزد معي ، وشيعة أمير المؤمنين من سائر القبائل تختلف إليَّ ، وشيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي ، والقصر خالٍ منّا ومنهم ، فارفع ذلك

____________

(1) الكامل 3 / 156 ط بولاق.


إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه واعجّل عليّ بالّذي ترى أن يكون فيه منه والسلام.

قال : فرفع ذلك ابن عباس إلى عليّ (عليه السلام) فشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك »(1) .

قال ابن أبي الحديد : « وروى الواقدي : أنّ عليّاً (عليه السلام) استنفر بني تميم أياماً لينهض منهم إلى البصرة مَن يكفيه أمر ابن الحضرمي ويرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها ، فلم يجبه أحد ، فخطبهم وقال : (أليس من العجب أن ينصرني الأزد وتخذلني مضر ، وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي وخلاف تميم البصرة عليَّ وأن استنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فيدعوهم إلى الرشاد فإن أجابت وإلاّ فالمنابذة والحرب ، فكأنّي أخاطب صمّاً بكماً لا يفقهون حواراً ولا يجيبون نداءاً ، كلّ هذا جبناً عن البأس وحباً للحياة لقد كنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً إلى أن قال : وأيم الله لتحتلبنّها دماً ولتتبعنّها ندماً).

قال : فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال : إنّا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب ، وأتكفّل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة ، فأمره بالتهيّوء للشخوص فشخص حتى قدم البصرة ـ ثمّ ساق حديثه إلى أن ذكر تبييت نفر من المارقة الخارجة له في بيته وقتله (رحمه الله) ، فكتب زياد بذلك إلى الإمام (عليه السلام) ، فدعا جارية بن قدامة السعدي وكلّمه في ذلك ثمّ بعثه إلى البصرة ومعه خمسين رجلاً ، وكتب معه كتاباً إلى أهل البصرة يوبّخهم على النكث

____________

(1) الغارات / 390.


والتخاذل ، ويتوعدهم إن أصروا على ذلك بوقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلاّ كلعقة لاعق. وورد جارية البصرة ونهض معه جماعة من الأزد ، وانتهى أمر ابن الحضرمي إلى أن حصر ومعه جماعة وأبى أن يستسلم فأحرق جارية عليهم البيت ، فهلك ابن الحضرمي وسبعون من أتباعه ، وسمي جارية من ذلك اليوم محرّقا. وانتهت فتنة ابن الحضرمي ، وخاب سعي معاوية ، وبلغ الإمام الخبر فأثنى على جارية ومن ناصره وقال في البصرة : (أوّل القرى خراباً إمّا غرقاً أو حرقاً حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة) »(1) .

وهنا نقف قليلاً لنتساءل : لماذا لم يرجع ابن عباس إلى البصرة ـ مقر عمله ـ فيتولى هو معالجة الموقف بنفسه حسب ما يقتضي به الحال ، وهو الخبير به لسابق معرفته مع حنكته وتجربته؟

وهذا سؤال يبدو وجيهاً ، ولابدّ له من جواب.

وإذا تلمسنا الجواب نعرفه من خلال ما مرّ بنا من مجريات الأحداث بدءاً من أوّل أيام ولايته على البصرة وانتهاءً به إلى حادثة فتنة ابن الحضرمي.

فإنّه لا يخفى على من استذكر ما مرّ بنا من تاريخ حياته بالبصرة ، وأعدنا قراءة نشاطه الإداري والسياسي ، وعرفنا كيف كان يتعامل مع أهل البصرة على ضوء التركيبة السكانية ، ولا يهمل جانب الموالاة للحكم ـ بل لم يتسامح ـ مع الذين كانوا في حرب الجمل قد وقفوا ضدّه. فهو قد تنمّر لبني تميم ، وهم أيضاً قد تنمّروا له ، وقد كتب إليه الإمام (عليه السلام) في ذلك ليخفّف من شدّته وتغيير موقفه معهم.

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 352.


ثمّ لو أعدنا قراءة ما خطب به في الأمس القريب حين استنهضهم إلى الخروج لمعاودة حرب أهل الشام ، فرأى التقاعس والتخاذل فأعاد الخطبة ثانية مع وعيد وتهديد.

أقول : فإذا استذكرنا ذلك كلّه من موقف ابن عباس بالبصرة ، وأضفنا إليه ما جرى أمامه مع إمامه بالكوفة حيث استنفر الإمام تميم الكوفة لرد عادية تميم البصرة في فتنة ابن الحضرمي حين أجاروه وأجابوه وناصروه. فلم يجب الإمام من تميم الكوفة أحد ، وهو يستنهضهم أياماً ولا من مجيب حتى خطبهم بما مرّت روايته عن الواقدي.

فكان هذا كلّه بمرأى ومسمع من ابن عباس ، ولا شك كانت تجري مشاورات بينه وبين الإمام في كيفية معالجة الموقف المتأزم ، وما يدرينا لعل من رأيه كانت العودة وتولي حسم الموقف حسب نظره إلاّ ان الإمام لم يأذن له بذلك. وهذا لئن كان مجرد احتمال من دون استدلال. فإن الّذي لا شك فيه أنّه لو عاد لزاد الموقف حراجة ، فالبصرة حين يغلي مرجلها لا يصلح لها من يزيدها غلياناً ، وربّما تزهق نفسه ، كما زهقت نفس محمّد بن أبي بكر. وتذهب البصرة كما ذهبت مصر بالأمس القريب.

فإنّ ابن عباس وما يجد في نفسه على بني تميم سابقاً قد زاده الموقف الحاضر عليهم حنقاً ، ولا ريب لو رجع إلى البصرة فلسوف يستعمل معهم أقسى العقوبات فيضع السيف أمام السوط ، ولا يبقي ولا يذر ، وهذا ما سيزيد النار أواراً ، ويفسد تميم الكوفة ، ويزيد في حنقهم عليه وعلى الإمام ، ولا تؤمن عاديتهم ، وربّما ثارت ثائرتهم وحينئذ يتسع الخرق ، فلا يرتق الفتق. خصوصاً مع


تربّص ذوي الإحن والأحقاد لمثل ذلك الإنشقاق ، فيدسّوا آنافهم ، ويزيدوا خلافهم ليصطادوا في الماء العكر ، لأنّ إحن الترات القديم بين القبائل في المجتمع العربي لا تزال آثاره في النفوس.

وإلى القارئ رواية مشهد واحد جرى في الكوفة في تلك القضية أمام الإمام وأمام ابن عباس ، وكادت الفتنة تنغض برأسها ، لولا أن تداركها الإمام بحكمته وحنكته فأخمد جذوتها :

فقد روى أبو الكنود : « أنّ شبث بن ربعي قال لعليّ (عليه السلام) : يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فادعهم إلى طاعتك ولزوم بيعتك ، ولا تسلّط عليهم أزد عُمان البُعداء البُغضاء ، فإنّ واحداً من قومك خير لك من عشرة غيرهم.

فقال له مخنف بن سليم الأزدي : إنّ البعيد البغيض من عصى الله وخالف أمير المؤمنين وهم قومك ، وإنّ الحبيب القريب من أطاع الله ونصر أمير المؤمنين وهم قومي ، وأحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة من قومك.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : مَه تناهوا ، أيّها الناس وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي ، ولتجتمع كلمتكم والزموا دين الله الّذي لا يقبل من أحد غيره ، وكلمة الإخلاص الّتي هي قوام الدين ، وحجة الله على الكافرين ، واذكروا إذ كنتم قليلاً مشركين متباغضين متفرقين ، فألّف بينكم بالإسلام فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم فلا تفرّقوا بعد إذ اجتمعتم ولا تتباغضوا بعد إذ تحاببتم ، وإذا رأيتم الناس بينهم النائرة وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل ، فاقصدوا لهامهم ووجوههم بالسيف حتى يفزعوا إلى الله وإلى كتابه وسنّة نبيّه.


فأمّا تلك الحميّة من خطرات الشياطين ، فانتهوا عنها لا أباً لكم تفلحوا وتنجحوا »(1) .

فهذا الخبر الّذي نتعامل معه كوثيقة تاريخية له دلالته الحقيقية المؤسفة ، فلا نهدر مدلوله ، فإنّه كما يتسق مع مجرى الأحداث ، فهو يلتقي مع الواقع المرير الّذي يعيشه المجتمع الإسلامي العربي يومئذ ، فإحن الأضغان لا تزال كامنة في النفوس المرضى من تلك القبائل الّتي يتألف منها المجتمع سواء في الكوفة أو البصرة أو غيرهما من البلاد. ومتى أهيجت هاجت ، وثارت الفتنة وماجت.

فإذن لم يكن من المصلحة أن يُرجَع الإمام ابن عمه إلى مقر عمله في ذلك الجو الملتهب الصاخب وهو يعرفه ذلك الحازم الغاضب. ولكنه أعاده بعد إخماد فتنة ابن الحضرمي.

ولم تقف محنة الإمام عند هذا الحد ، بل تجاوزته إلى شرّ منه ، فقد بدأت عشائر الخوارج تنغض إليه رؤوسها ، فيقطعون عليه خطبته ، ويردّون عليه دعوته ، ويثبّطون الناس عن نصرته. ولم يتحرّجوا حتى عن مواجهته ، لأنّهم أمنوا سطوته ، ولا أدل على ذلك من خبر الخريت بن راشد السامي ـ من ولد سامة بن لوي ـ كما سيأتي :

روى الطبري عن عمر بن شبة بسنده عن الشعبي قال : « لمّا قتل عليّ (عليه السلام) أهل النهروان خالفه قوم كثير ، وانقضت عليه أطرافه ، وخالفه بنو ناجية ، وقدم ابن الحضرمي البصرة ، وانتقض أهل الأهواز ، وطمع أهل الخراج في كسره ، ثمّ أخرجوا سهل بن حنيف من فارس ـ وكان عامل عليّ عليها ـ

____________

(1) شرح النهج لابن أ [ ي الحديد 1 / 352.


فقال ابن عباس لعليّ : أكفيك فارس بزياد ، فأمره عليّ أن يوجّهه إليها ، فقدم ابن عباس البصرة ، ووجّهه إلى فارس في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس فأدوا الخراج »(1) ، وسيأتي شيء من حديثه.

ومن خبر الشعبي هذا عرفنا زمن رجوع ابن عباس إلى البصرة ، وقد بقي بها يدبّر أمرها وأمر كور الأهواز الخمس التابعة لولايته. ولمّا حدثت مفارقة الخريّت كان هو بالبصرة.

ولعل من الغريب أن يصرّ بعض الباحثين على مفارقة ابن عباس عمله بالبصرة مغاضباً لإمامه مستندين إلى ما رأوا من روايات تشير إلى ذلك! وغفلوا عن عدم استقامتها مع ما يرويه التاريخ من أحداث وقعت بالبصرة بعد حرب النهروان كحادثة ابن الحضرمي وقد مرّت ، وكحادثة الخريت بن راشد الناجي وسيأتي ذكرها ، وغيرهما ممّا دل على أنّ ابن عباس كان لا يزال أميراً على البصرة.

ومن أولئك كان طه حسين حيث جعل من حادثة ابن الحضرمي حجة على مفارقة ابن عباس فقال : « وبعض المؤرخين يزعم أنّ هذه الأحداث حدثت حيث كان ابن عباس قد ذهب إلى الكوفة مواسياً لعليّ بعد مقتل محمّد بن أبي بكر ، واحتياز عمرو بن العاص لمصر ، وهذا كلام لا يستقيم. فلو قد كان ابن عباس عند عليّ لعاد إلى البصرة مُسرعاً حين بلغته هذه الأنباء ، ولما أقام عند عليّ ينتظر أن يغني عنه زياد وأعين بن ضبيعة وجارية بن قدامة اهـ »(2) .

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 122 ط دار المعارف.

(2) عليّ وبنوه / 164.


أقول : وهذا كلام لا يخلو من تجنّ على ابن عباس ، وقد بيّنت فيما مرّ الجواب على ذلك فراجع.

والآن إلى حديث مفارقة الخريّت في بني ناجية :

مفارقة الخريت بن راشد في بني ناجية :

روى الطبري بسنده عن أبي مخنف عن الحارث الأزدي عن عمه عبد الله ابن مُقَيم قال : « جاء الخريّت بن راشد إلى عليّ ـ وكان مع الخريّت ثلثمائة رجل من بني ناجية مقيمين مع عليّ بالكوفة ، قدموا معه من البصرة ، وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل ، وشهدوا معه صفين والنهروان ـ فجاء إلى عليّ في ثلاثين راكباً من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدي عليّ فقال له : والله لا أطيع أمرك ، ولا أصلّي خلفك ، وإنّي غداً لمفارقك ـ وذلك بعد تحكيم الحكمين ـ.

فقال له عليّ : ثكلتك أمك إذا تعصي ربّك ، وتنكث عهدك ، ولا تضرّ إلاّ نفسك ، خبّرني لم تفعل ذلك؟.

قال : لأنّك حكّمت في الكتاب ، وضعفت عن الحقّ إذ جدّ الجدّ ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم ، فأنا عليك زارٍ ، وعليهم ناقم ، ولكم جميعاً مباين. فقال له عليّ : هلمّ أدارسك الكتاب ، وأناظرك في السنن ، وأفاتحك أموراً من الحقّ أنا أعلم بها منك ، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر ، وتستبصر ما أنت عليه الآن جاهل.

قال : فإنّي عائد اليك.

قال : لا يستهويّنك الشيطان ، ولا يستخفنّك الجهل ، ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلتَ مني لأهدينّك سبيل الرشاد.


فخرج من عنده منصرفاً إلى أهله ، فعجلت في أثره مسرعاً ، وكان لي من بني عمه صديق ، فأردت أن ألقى ابن عمه ذلك فأعلمه بشأنه ، ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته ، ويخبره أنّ ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني ، فقمت عند باب داره. وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخولَه على عليّ. قال : فوالله ما خرم شيئاً ممّا قال ، وممّا ردّ عليه ، ثمّ قال لهم : يا هؤلاء إنّي قد رأيت أن أفارق هذا الرجل ، وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ، ولا أراني إلاّ مفارقه من غد.

فقال له أكثر أصحابه : لا تفعل حتى تأتيه ، فإن أتاك بأمر تعرفه قبلتَ منه ، وإن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه.

فقال لهم : فنعم ما رأيتم ».

ثمّ ذكر الطبري مفارقته في أصحابه ، وبلغ الإمام ذلك : « فقال : قد فعلوها ، بعداً لهم كما بعدت ثمود ، أمّا لو قد أشرعت لهم الأسنة ، وصبّبت على هامهم السيوف لقد ندموا. إنّ الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلّهم ، وهو غداً متبرئ منهم ومخلّ عنهم.

قال : فقام إليه زياد بن خصفة فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه لو لم يكن من مضرّة هؤلاء إلاّ فراقهم إيّانا لم يعظم فقدُهم فنأسى عليهم ، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا ، وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا ، ولكنّا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممّن يقدمون عليه من أهل طاعتك ، فإذن لي في إتّباعهم حتى أردّهم عليك إن شاء الله.


فقال له عليّ : وهل تدري أين توجه القوم؟ فقال : لا ، ولكني أخرج فأسأل واتّبع الأثر.

فقال له : أخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى ، ثمّ لا تتوجه حتى يأتيك أمري ، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة ، فإنّ عمّالي ستكتب إليَّ بذلك ، وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم. وسأكتب إلى عمّالي فيهم. فكتب نسخة واحدة فأخرجها إلى العمّال :

أمّا بعد ، فإنّ رجالاً خرجوا هُرّابا ونظنّهم وجّهوا نحو بلاد البصرة ، فسَل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضك ، واكتب إليّ بما ينتهي إليك عنهم ، والسلام.

فخرج زياد بن خصفة وجمع أصحابه فخرجوا حتى نزل دير أبي موسى فأقام فيه بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين »(1) .

وروى أبو مخنف بسنده عن عبد الله بن وال التيمي : « انّ رسول قرظة بن كعب الأنصاري ورد على الإمام بكتاب منه فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد فإنّي أخبر أمير المؤمنين إنّ خيلاً مرّت بنا من قبل الكوفة متوجهة نحو نِفّر(2) وإنّ رجلاً من دهاقين أسفل الفرات قد صلّى يقال له زاذان فرّوخ أقبل من قبل أخواله بناحية نفرّ فعرضوا له فقالوا أمسلم أنت أم كافر؟ فقال : بل أنا مسلم ، قالوا فما قولك في عليّ؟ قال : أقول فيه خيراً ، أقول : إنّه أمير المؤمنين وسيّد البشر ، فقالوا له : كفرت يا عدوّ الله.

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 113 ط دار المعارف.

(2) نفّر : بلدة أو قرية من نواحي بابل ، وقيل من أعمال البصرة (مراصد الاطلاع).


ثمّ حملت عليه عصابة منهم فقطّعوه ، ووجدوا معه رجلاً من أهل الذمة فقالوا : ما أنت؟ قال : رجل من أهل الذمة ، قالوا : أمّا هذا فلا سبيل عليه ، فأقبل إلينا ذلك الذمّي فأخبرنا هذا الخبر ، وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشيء ، فليكتب اليَّ أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه والسلام ».

وذكر أبو مخنف جواب الإمام وكتابه إلى زياد بن خصفة يأمره باتّباع إثرهم : « فسار زياد قاصداً نفّر فوصلها فلم يجدها ووجد خبرهم أنّهم ارتفعوا إلى جرجرايا(1) فتبعهم وسأل عنهم فقيل له إنّهم أخذوا نحو المذار(2) فلحقهم وأدركهم وقد مسّه وأصحابه التعب ، وأضناهم النصب وهم سغب(3) لغب(4) فلمّا رأوا الخريت ومن معه واقفوه وجرى بينهما كلام لاينهم فيه زياد وطلب منهم النزول ثمّ الاجتماع والتفاهم حول ما حملهم على المجيء به ، فقبل الخريّت ونزل الطرفان واستراح زياد وأصحابه ، ثمّ تم الاجتماع بينه وبين الخريّت ومع كلّ واحد منهما خمسة من أصحابه ، ولم يسفر الاجتماع إلاّ عن الحرب فقتل من أصحاب زياد إثنان هما مولاه سويد ورجل آخر ، بينما قتل خمسة من أصحاب الخريّت وفشا الجراح في الطرفين وحجز بينهما الليل ، وأدلج الخريّت بمن بقي معه فلمّا أصبح زياد فلم ير منهم أحداً ، سار يطلبهم وأتاه الخبر بأنّهم

____________

(1) جرجرايا : بفتح الجيمين وتسكين الراء الأولى وفتح الثانية ، بلد من أعمال النهروان الاسفل بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي (مراصد الاطلاع).

(2) المذار : بالفتح وآخره راء بلدة في ميسان بين واسط والبصرة ، وهي قصبة ميسان بينها وبين البصرة نحو من أربعة أيام (نفس المصدر).

(3) سغب : سغبا وسغوبا جاع فهو ساغب وهم سُغَب ولا يكون السغب إلاّ الجوع مع التعب وربّما سمي العطش سغبا (المصباح المنير).

(4) لغب : لغبا ولغوبا تعب وأعيا (نفس المصدر).


بلغوا الأهواز ونزلوا جانباً منه ، وتلاحق مع الخريت مَن كان على رأيه من أهل الكوفة نحو من مائتين ، فأتى زياد بن خصفة إلى البصرة ، وكان ابن عباس يومئذ بها ، فأخبره وكتب إلى الإمام بتفصيل ما جرى له ، فندب الإمام ألفين من أهل الكوفة مع معقل بن قيس ، وكتب إلى ابن عباس : (أمّا بعد فابعث رجلاً من قبلك صليباً شجاعاً معروفاً بالصلاح في ألفي رجل فليتبع معقلاً ، فإذا ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا ، فإذا لقي معقلاً فمعقل أمير الفريقين ، وليسمع من معقل وليُطعه ، ولا يخالفه ، ومر زياد بن خصفة فليُقبل ، فنعم المرء زياد ، ونعم القبيل قبيله والسلام).

فندب ابن عباس الناس مع خالد بن معدان الطائي ـ وكان من ذوي البأس والنجدة والحزم والرأي ـ وأوصاه بطاعة معقل إذا لقيه ، وأنّه الأمير عليه ، وخرج خالد ومعه ألفان من مقاتلة البصرة ، وأرسل ابن عباس بفيج(1) يشتد ليلحق معقل ومعه كتاب فيه :

أمّا بعد فإن أدركك رسولي بالمكان الّذي كنت فيه مقيماً ، أو أدركك وقد شخصت منه فلا تبرح المكان الّذي ينتهي فيه إليك رسولي واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الّذي وجّهناه اليك. فإنّي قد بعثت إليك خالد بن معدان الطائي ، وهو من أهل الإصلاح والدين والبأس والنجدة فاسمع منه واعرف ذلك والسلام.

فأدرك الفيج معقلاً وقد سار من الأهواز فلمّا قرأ الكتاب أقام حتى أتاه خالد ومن معه من مقاتلة البصرة ، فسار يتتبع آثار الخريّت فبلغه أنّه وأصحابه

____________

(1) الفيج : هو رسول السلطان يسعى على قدمه (المصباح المنير).


يرتفعون نحو جبال رامهرمز(1) يريدون قلعة حصينة بها ، فخرج معقل في إثرهم ولحقهم وقد دنوا من الجبل ، فأوقع بهم وقعة انجلت عن قتل ثلثمائة من العلوج والاكراد الذين كانوا مع الخريت وجرح سبعين من قومه ومن غيرهم ، وهزيمته ومن بقي معه شر هزيمة حتى لحق بأسياف البحر ، وكان هناك جماعة من قومه ، وكتب معقل إلى الإمام يخبره بكل ما جرى فأتاه الجواب باتباع الخريّت وجماعته واستئصال شأفتهم.

فسار معقل يطلبه وقد بلغه انّه انتهى إلى أسياف البحر ، وقد ردّ قومه عن طاعة الإمام ، وأفسد مَن قِبَله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب ، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضاً ، فكان عليهم عقالان ، فسار إليهم معقل في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة ، فبلغ الخريّت خبره ، فأقبل على من كان معه وهم فرق أشتات في آرائهم ، منهم نصارى ، ومنهم كانوا نصارى وأسلموا ، ومنهم نصارى ارتدوا ، ومنهم خوارج محكمة ، وخوارج غير محكمة ، ومنهم عثمانية ، فأقبل على كلّ فرقة يوعدهم وإن حكم الإمام لضرب العنق ساعة يستمكن منهم ، ولمّا وصل معقل رفع راية أمان وقال من أتاها فهو آمن إلاّ الخريت وأصحابه الذين حاربونا وبدأونا أوّل مرة ، فانحاز إليها كثير ، وتفرق عن الخريت جلّ من كان معه من غير قومه ، ولم يبق معه غير قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة منهم. فقاتلهم معقل فقتل الخريّت ومائة وسبعون من أصحابه ، وذهب الباقون يميناً وشمالاً ، فغنم معقل ما كان في رحالهم وسبى أناساً كانوا هناك ، فنظر فيمن كان مسلماً جدّد البيعة عليه

____________

(1) رامهرمز : مدينة مشهورة بنواحي خوزستان (مراصد الاطلاع).


وخلّى سبيله ، ومن كان مرتداً عرض عليه الإسلام فمن أبى منهم قتله ، وأخذ من المسلمين عقالين صدقة عام صفين وذلك العام ، وساق السبي معه راجعاً نحو الكوفة ، فمرّ بمصقلة بن هبيرة الشيباني وكان عامل الإمام على اردشير خرّة(1) فاستغاث السبايا به ، فساوم معقلاً على شرائهم ، فاشتراهم وكانوا خمسمائة إنسان بألف ألف ، ودفعهم معقل إليه وقال له عجّل بالمال إلى أمير المؤمنين ، فقال : أنا باعث الآن بصدر ، ثمّ أبعث بصدر آخر كذلك حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى.

وعاد معقل بمن معه من أهل الكوفة إليها وأخبر الإمام بفعل مصقلة وأنه خلّى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء ، فقال الإمام : ما أظن مصقلة إلاّ قد تحمّل حَمالة ، ولا أراكم إلاّ سترونه مبلّداً ـ المبلّد : ضعيف الرأي عاجز الهمّة ـ وكتب إليه يستعجله بإرسال المال ، وإلاّ يقدم عليه بنفسه. وعاد خالد بن معدان بمن معه من أهل البصرة اليها ، وبلغ ابن عباس خبر مصقلة ، ولما كان تابعاً في عمالته إلى ولاية البصرة بقي ينتظر إرسال المال ».

قال الطبري : « وكان عمّال البصرة يحملون ـ المال ـ من كور البصرة إلى ابن عباس ، ويكون ابن عباس هو الّذي يبعث به إلى عليّ.

وأتى مصقلة بنفسه يريد الإمام ، فنزل في طريقه بالبصرة فطالبه ابن عباس بالمال ، فقال له : نعم أنظرني أياماً ، ثمّ أتى الإمام بالكوفة فأقرّه أياماً ثمّ سأله المال

____________

(1) اردشير خرّة : من أجل كور فارس ومنها مدينة شيراز وجور وخبروميمند والخوار وسيراف وكازرونا وغيرها من اعيان مدن فارس وأكثرها ممتد على البحر قصبتها سيراف (مراصد الاطلاع).


فأدّى منه مائتي ألف ، وعجز عن الباقي ففرّ هارباً إلى معاوية وبلغ الإمام ذلك فهدم داره وقال : (ما له برّحه الله فعل فعل السيّد ، وفرّ فرار العبيد ، وخان خيانة الفاجر ، أما والله لو أنّه أقام فعجز ما زدنا على حبسه ، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه ، وإن لم نقدر على مال تركناه) »(1) .

وهنا لابدّ لي من وقفة مع الذين نقدوا سياسة الإمام في تلك الحالة. وإنّما هم على شاكلة مصقلة بن هبيرة الّذي كان يقول : « أما والله لو أنّ ابن هند أو ابن عفان لتركها لي.

ويقول لصديق له : ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف في كلّ سنة. فقال له صاحبه وهو يحاوره : إنّ هذا لا يرى هذا الرأي ، لا والله ما هو بباذل شيئاً كنت أخذته »(2) .

قال الدكتور طه حسين : « وكان أمر مصقلة هذا من أوضح الأدلة وأقواها على طبيعة الطاعة الّتي كان كثيراً من أشراف أهل العراق يبذلونها لعليّ ، فقد التوى بدَينه ، وحُمل إلى ابن عباس ، فلمّا طالبه ابن عباس بأداء الدين قال : لو قد طلبت أكثر من هذا إلى ابن عفان ما منعني إياه

فلم تكن طاعة مصقلة إذا لعليّ طاعة الرجل الّذي يُصدر في كلّ ما يأتي عن معرفة الحقّ والإيمان به والقيام دونه والصبر على ما يكون من نتائج هذا كلّه ، وإنّما كانت طاعته طاعة رجل من الناس لخليفة من الخلفاء ، رجل يؤثر

____________

(1) تاريخ الطبري 6 / 65 ـ 75 ط الحسينية ، و 5 / 113 ـ 130 ط دار المعارف ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 264 ـ 271 ط مصر الأولى.

(2) تاريخ الطبري 5 / 130 ط دار المعارف.


العافية وينتهز الفرصة ويبتغي لنفسه الخير مهما يكن مصدره ، يعنيه أمر نفسه قبل أن يعنيه أي شيء آخر.

ولم يكن مصقلة فَذّا في ذلك ، وإنّما كان له أشباه من أشراف الناس فضلاً عن عامتهم في الكوفة والبصرة جميعاً ، فهو يشتري الأسرى ويعتقهم لا يبتغي ثواب الله ، ولا يبتغي حسن الأحدوثة ، وإنّما يستجيب للعصبية وحدها ، ويتخذ المكر بالسلطان وسيلة إلى إرضائها ، فإذا علم السلطان مكره وطالبه بالحقّ لم يصطبر له ، ولم يؤدّ منه ما لزمه ، وإنّما فرّ إلى الذين يحاربون الخليفة ، ويكيدون له ، فأصبح عدواً بعد ان كان وليّاً. ولم يكن لقاء معاوية له وترحيبه به وإيثاره إياه بالمعروف خيراً من التوائه هو بالدَين وفراره هو إلى الشام ، وإنّما كان كيداً من الكيد ، ومكراً من المكر ، ومكافأة على ما لا يحسُن أن يكافأ عليه المسلم الصدوق ، إنّما كان ذلك يحسُن لو قد فرّ إلى معاوية رجل من الروم ليكيد معه لقيصر ، ويُعينه على غزو العدو ، فأمّا أن يؤوي مَن كاد معه لإمامه لا بشيء ، ونكث عهده لا لشيء ، إلاّ لأنّه قد يعينه على إفساد أمر العراق ، فهذا هو الّذي يبيّن وجهاً خطيراً من وجوه السياسة الّتي أراد معاوية أن يقيم عليها أمر السلطان الجديد ، سياسة الدنيا بأعراضها وأغراضها ، وبمنافعها ومآربها ، وباهوائها وشهواتها »(1) .

وهنا يظهر الفرق واضحاً بين مذهب عليّ في السياسة الّتي تُخلص للدين ، ومذهب معاوية في السياسة الّتي تخلص للدنيا.

____________

(1) عليّ وبنوه / 127 ـ 128 ط دار المعارف.


وقال : « ومضى امتحان عليّ على هذا النحو المرّ ، خيانةً من الوليّ وكيداً من العدو ، وهو بين ذلك كله مصمّم على خطّته الواضحة ، لا يرضى الدنيّة من الأمر ، ولا يُدهن في دينه ، ولا يتحوّل عن سياسته الصريحة قليلاً ولا كثيراً ، والمحن تتابع عليه ويقفو بعضها إثر بعض ، وهو ماضٍ في طريقه لا ينحرف عنه إلى يمين أو إلى شمال ، يبلغ منه الغيظ أقصاه ، ويضيق بحياته أشد الضيق ، فلا يزيد على أن يجمجم ويُظهر غيظه دون أن يَلفته شيء من ذلك عمّا صمّم عليه »(1) .

بوائق معاوية :

لم يدع معاوية فرصة تمرّ به دون أن ينتهزها للكيد للإمام (عليه السلام) ، من غارات على أطراف البلاد الّتي تتبع الإمام في حكومته ، فشاع الخوف والرعب في نفوس الناس من جراء تلك الغارات ، وقد ذكر المؤرخون كثيراً منها ، وجمع منها بعضهم ما سمى بها كتاب الغارات وذلك هو محمّد بن إبراهيم الثقفي المتوفى سنة 283 هـ ، ولم يقصر عنه ابن أعثم المتوفى سنة 314 هـ في كتابه الفتوح في ذكرها وكذلك الطبري المتوفى سنة 310 هـ.

فذكروا أنّ معاوية وجّه النعمان بن بشير سنة تسع وثلاثين إلى عين التمر في ألفي رجل فأغاروا عليها ، وكان بها مالك بن كعب مسلحة للإمام في مائة رجل فكتب مالك إلى عليّ يخبره بأمر النعمان ومن معه ، فخطب عليّ الناس وأمرهم بالخروج فتثاقلوا ، وواقع مالك النعمان ، والنعمان في ألفي رجل ومالك في مائة رجل ، وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جُدُر القرية في ظهورهم. وكتب

____________

(1) نفس المصدر / 129.


إلى مخنف بن سُليم يسأله أنّ يمدّه ـ وهو قريب منه ـ ووجه ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً فانتهوا إلى مالك وأصحابه وقد كسّروا جفون سيوفهم ، واقتتلوا أشد قتال ، واستقتلوا ، فلمّا رآهم أهل الشام ظنوا أنّ لهم مدداً فانهزموا عند المساء ، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة

وبلغ الخبر إلى الإمام فاستنهض الناس فتثاقلوا ، فخطبهم وقال : (يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمنسرٍ من مناسر أهل الشام أظلكم وأغلق بابه ، انحجر كلّ امرئ منكم في بيته انحجار الضبّ في جحره والضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه ، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، لا أحرارٌ عند النداء ، ولا اخوان ثقة عند النجاء ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ماذا مُنيت به منكم ، عميٌ لا تبصرون ، وبكمٌ لا تنطقون ، وصمٌ لا تستمعون ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون)(1) .

وإلى القارئ عرضاً سريعاً بأسماء من بعثهم معاوية في تلك الغارات انتقاءً من الجزء الرابع من كتاب الفتوح لابن أعثم ط دار الندوة الجديدة. بيروت :

1 ـ غارة الضحاك بن قيس الفهري : نزل الثعلبية ثمّ سار إلى القطقطانة وهي على بعدٍ قريب من الكوفة.

فأرسل الإمام حجر بن عدي في ألف فارس فطاردهم وأدركهم في بلاد كلب فقاتلهم فقتل من أهل الكوفة ومن أهل الشام سبعة ورجع الضحاك إلى معاوية مفلولاً مهزوماً(2) .

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 133 ـ 134 ط دار المعارف باقتضاب.

(2) الفتوح 4 / 37 ـ 38.


2 ـ تسيير يزيد بن شجرة الرهاوي في ثلاثة آلاف إلى مكة المكرمة ، ليطردوا لي الإمام ـ وهو يومئذ قثم بن العباس ـ فدخلها الرهاوي وكادت الفتنة أن تقع لولا رعاية قثم لحرمة البيت الحرام وتوسط أبي سعيد الخدري في أن يقيم الحج للناس شيبة بن عثمان العبدري واستنجد قثم بالإمام فأرسل الإمام (1700) رجلاً من فرسان العرب فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة الحنفي وأبا الطفيل عامر بن واثلة فخرجوا من الكوفة أوّل ذي الحجة وقد فات الوقت ، فأدركوا الرهاوي قافلاً في وادي القرى فاصابوا عشرة من الشاميين فأسروهم وعادوا إلى الإمام فأمر بحبسهم وقال : لنا في يد معاوية أسارى فإذا أطلقهم أطلقنا نحن هؤلاء إن شاء الله تعالى(1) .

3 ـ غارة الحارث بن نمير التنوخي في الف على بلاد الجزيرة فأغاروا على قوم من بني تغلب ممّن كانوا في طاعة الإمام فأسروا منهم ثمانية وانصرفوا راجعين ، فكتب الإمام إلى معاوية في شأن الأسارى ، وتمّ إطلاق الأسارى من الطرفين(2) .

4 ـ غارة سفيان بن عوف الغامدي على أراضي العراق فبلغوا هيت والأنبار ، فبلغ الإمام ذلك وهمّ أن يسير إليهم بنفسه ثمّ سيّر إليهم خيلاً بقيادة سعيد بن قيس الهمداني ، وسار فلم يلحق به(3) .

5 ـ غارة عبد الرحمن بن أشيم على بلاد الجزيرة ، فصدّه شبيب بن عامر ـ وكان مقيماً بنصيبين في ستمائة رجل ـ وكميل بن زياد ـ وكان مقيماً في هيت

____________

(1) نفس المصدر 4 / 38 ـ 45.

(2) نفس المصدر 4 / 45 ـ 47.

(3) نفس المصدر 4 / 47 ـ 50.


في أربعمائة رجل ـ ووقعت الهزيمة في أهل الشام فقتل منهم بشر كثير ، وقُتل من أصحاب شبيب أربعة ومن أصحاب كميل اثنان(1) .

6 ـ غارة بسر بن أبي أرطأة على الحجاز واليمن وأوصاه معاوية : واقتل كلّ من نابذك حتى تدخل أرض اليمن. فأتى المدينة فقتل بها خلقاً كثيراً وأمر بدور من الأنصار فحرقت وهدمت.

وسار إلى مكة فخافه أهلها فخرجوا هاربين. وسار إلى الطائف فلم يؤذ أهلها لشفاعة المغيرة بن شعبة ، ولكنه أرسل إلى تبالة ـ وهي قرية ـ بها يومئذ قوم من شيعة الإمام فأمر بقتلهم جميعاً.

ثمّ سار إلى نجران فقتل من كان من شيعة الإمام ، وسار إلى بلاد همدان وبها قوم من أرحب من شيعة الإمام فقتلهم عن آخرهم.

وسار إلى صنعاء وقد خرج منها عبيد الله بن العباس ـ وهو الوالي ـ هارباً واستخلف عمرو بن اراكه فقتله بسر صبرا وقتل كلّ من كان شيعة للإمام حتى لم يبق منهم أحداً ـ وفي الطبري : « ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما ، وقد قال بعض الناس انّه وجد ابني عبد الله بن عباس عند رجل من كنانة من أهل البادية ، فلمّا أراد قتلهما قال الكناني : علام تقتل هذين ولا ذنب لهما ، فإن كنت قاتلهما فاقتلني قال : افعل فبدأ بالكناني فقتله ثمّ قتلهما »(2) ـ وفي قتلهما قالت أمهما أم حكيم بنت قارظ اشجى رثاء فقالت :

____________

(1) نفس المصدر 4 / 50.

(2) الطبري 5 / 140.


ها من أحسّ بابنيّ اللذَين هما

كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف

ها من أحسّ بابنَي اللذَين هما

سمعي وقلبي فقلبي اليوم مزدهف

ها من أحسّ بابنَي اللذَين هما

مخ العظام فمخّي اليوم مختطف

نبئت بسراً وما صدّقت ما زعموا

من قولهم ومن الإفك الّذي اقترفوا

أنحى على ودجي ابنيّ مرهفة

مشحوذة وكذاك الإفك يُقترف

حتى لقيت رجالاً من أرومته

شمّ الأنوف لهم في قومهم شرف

فالآن ألعن بسراً حق لعنته

هذا لعمر أبي بسر هو السرف

من دلّ والهةً حرّى مدّلهةً

على صبيَين ضلاّ إذ غدا السلف

وكان اسم أحدهما عبد الرحمن والآخر قثم(1) .

ولأمهما فيهما أشعار كثيرة(2) قال ابن الأثير(3) : وهي أبيات مشهورة.

روى الذهبي : « إنّ معاوية لمّا بويع وبلغه قتال عليّ أهل النهر كاتب وجوه مَن معه مثل الأشعث ، ومنّاهم وبذل لهم حتى مالوا إلى معاوية ، وتثاقلوا عن المسير مع عليّ فكان يقول فلا يلتفت إلى قوله ، وكان معاوية يقول : لقد حاربت عليّاً بعد صفين بغير جيش ولا عتاد »(4) .

وهكذا حارب معاوية الإمام في بلاده التابعة لحكمه ، حتى بان الخلل في الأطراف الشرقية منها ، فقد أراد أهل فارس وكرمان أن يكسروا الخراج وطمعوا

____________

(1) الفتوح 4 / 59.

(2) دائرة المعارف للبستاني 1 / 383 ط بيروت.

(3) تاريخ ابن الأثير 3 / 167.

(4) سير أعلام النبلاء 44 / 302 ط دار الفكر بيروت (ترجمة معاوية).


فيه ، وتجاوزوا ذلك إلى طرد سهل بن حنيف الأنصاري وكان عامل الإمام بفارس استضعافاً منهم له ، وبلغ ذلك الإمام فساءه الخبر ، وشاور أصحابه ومنهم ابن عباس فقال : أكفيك فارس ، وأرسل زياد ابن أبيه ومعه من الجند ما استطاع به أن يخضع تلك البلاد وضبطها حتى قال قائلهم : ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنو شروان من سيرة هذا العربي.

وبقي عاملاً على فارس بقية خلافة الإمام وأيام خلافة الإمام الحسن السبط ، واحتال عليه معاوية بعدُ حتى استلحقه ، فصار عدواً بعد أن كان ولياً ، كالّذي آتيناه آياتنا فاستهوته الشياطين فأنسلخ منها فأصبح من الغاوين.

وصار ابن عباس بعد ذلك إذا خرج إلى الكوفة استخلف على البصرة أبا الأسود الدؤلي.

ابن عباس في الكوفة :

لقد مرّت بنا بعض النصوص لها دلالتها على مدى ما اعتورت الإمام من محنٍ داخلية وخارجية حين صار أعداؤه يكيدونه بها ، وصار هو يتميّز غيظاً ، ويتفجر غضباً ، فهو حين يخطب ـ ولا أبلغ منه خطيب ـ لا يلفي السامع المجيب ، ولمّا استنهضهم وجدهم ثقالاً ، هم سمّاعون للكذب ، صمٌّ بكمٌ عن مواعظه ، فزاد ذلك في ألمه وبرمه ، وبلغ الحزن منه مبلغه. ومما جاوز الحد في ذلك دخول (عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبّة العَرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدما افتتحت مصر وهو مغموم حزين فقالوا له بيّن لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم عليّ (عليه السلام) : وهل فرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت. أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عمّا


سألتم ، وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيّعتم ، فاقروؤه على شيعتي وكونوا على الحقّ أعواناً).

ثمّ ذكر الرواة نسخة الكتاب ، وأحسب أنّ أقدم نص في ذلك هو رواية ابن قتيبة المتوفى سنة 270 هـ في الإمامة والسياسة(1) ، ومن بعده رواية إبراهيم بن محمّد الثقفي المتوفى سنة 283 هـ في الغارات(2) ، وقد ذكر الشريف الرضي بعض الفقرات بعنوان (ومن خطبة له : أنّ الله بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم » وفقرات أخر متفرقة ، وذكر الكتاب أيضاً ابن جرير الطبري الإمامي في المسترشد(3) .

فمن شاء الكتاب فليرجع إلى المصادر المذكورة فإنّه يفيض ألما ويتفجّر سأماً وبرما ، ولا شك أنّ ذلك الحال والمقال كلّه كان يبلغ ابن عباس وهو بالبصرة من خلال مراسلات الإمام إليه ورسله ، فضلاً عمّا يتحدث به الناس ويتناقلونه من أخبار تخاذل المجتمع الكوفي ، ومن الطبيعي كان لذلك تأثيره على المجتمع البصري الّذي لم يكن هو الآخر أحسن حالاً من المجتمع الكوفي إن لم يكن أسوأ لتركيبته السكانية ، واتساع رقعة ولاياته التابعة لإمارته ، وقد قرأنا أخبار ما جرى في بعض الولايات التابعة للبصرة في حكومتها نحو ما مرّ عن فارس وكور الأهواز ، وخبر الخريّت بن راشد في سيف البحر من أطراف رامهرمز ، وعامل أردشير خرّة. إلى غير ذلك ممّا لم نذكره ممّا دل على عُنف الزلزال الّذي بدأ يهزّ المجتمع الإسلامي الّذي يحكمه الإمام ، وينخر بنية المجتمع في البصرة والكوفة بل واليمن وغيرها على حدٍّ سواء.

____________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 129 ـ 133 ط سنة 1328 بمصر.

(2) الغارات 1 / 302 ـ 322 تح ـ السيّد جلال الدين الحسيني (محدّث).

(3) المسترشد / 95 ـ 103 ط الحيدرية مع زيادات.


وكان والحال هذه لابدّ لابن عباس من الذهاب إلى الكوفة بين فترة وأخرى ما وسعه ذلك ، لمواساة الإمام والتخفيف عنه بعض حزنه ، وقد مرّ بنا حضوره بعد مقتل محمّد بن أبي بكر (رحمه الله) ليعزي الإمام بمقتل محمّد ، فقتله كان الفادحة العظمى الّتي سلبت مصر من حكومة الإمام ، وجريمة شنعاء ارتكبها ابن العاص وجنده في قتله.

ولما لم تكن لدينا تواريخ محدّدة باليوم والشهر لذلك الحضور ولا غيره ممّا يشابهه ، فصرنا نستعين في التحديد التقريبي بنصوص الوثائق الّتي يرد فيها ما يشير إجمالاً إلى حَدَث معيّن. ونحن من خلال تلك النصوص نستشفّ تاريخ الحضور.

ولدينا الآن نصّان لهما أهميتهما القصوى في تصوير الحزن الّذي أحاط بالإمام من ست جهاته ـ كما يقال في المثل ـ وهما متشابهان شبهاً كثيراً في المضمون ممّا جعلنا نذكرهما كصنوين. مضافاً إلى الزمان والمكان فكلّ منهما حَدَثَ في الكوفة ، وكلّ منهما يرويه ابن عباس رواية حضور ولا يخفى أنّ عنصر المشاهدة أكثر ضبطاً للخصوصيات ويمتاز بها الراوي على غيره من رواة السماع.

كما أنّ كلاً منهما فيه لابن عباس أثر ذاتي يعكس مشاركته للإمام في أحزانه بوجدانه.

كما نرى فيهما الإمام يفضي إليه بما يعتلج بصدره ممّا لحقه من ظلم الأمة له وهضمها لحقوقه ، ومن غريب الصدف أن نجدهما معاً ينتهيان بمفاجأة تعرض فينهي الإمام كلامه عندها.


فما هما النصّان؟

إنّهما الخطبة الشقشقية وصنوها ، ولا مشاحة في الاصطلاح لو سمينا النص الثاني بذلك لما مرّ من أوجه الشبه بينهما.

والآن إلى قراءة عابرة لهما :

أوّلاً : الخطبة الشقشقية :

ولمّا كانت شهرتها وفيما كتب عنها ما يغني عن الإفاضة في أدلة إثباتها(1) فلا نطيل الوقوف عند ذلك. إلاّ أنّا لا مناص لنا من التنبيه على أمور اقتضى المقام ذكرها :

1 ـ إنّ المصادر الّتي روت الخطبة كلها تقريباً روت النص عن ابن عباس ، اللّهمّ إلاّ ما وجدناه في سند واحد عند الشيخ الطوسي تنتهي روايته إلى الإمام الباقر (عليه السلام) ، فقد روى الخطبة عن ابن عباس كما رواها عن أبيه عن جده ـ يعني الإمام الحسين (عليه السلام).

2 ـ ممّا يثير الغرابة والتساؤل ، كيف تكون خطبة على المنبر يسمعها من حضر ، ولا شك بأنهم كانوا كثيرين وإن لم نعلم عددهم بالضبط ، فلا تشتهر روايتها إلاّ عن ابن عباس فلماذا لم يروها الآخرون؟

ثمّ ما بال الرواة عن ابن عباس لهذه الخطبة لم نعرف منهم إلاّ الإمام الباقر الطاهر (عليه السلام) ، وإلا عطاء بن أبي رباح وعكرمة الخارجي الخاسر مع كثرة الذين يروون عنه؟

____________

(1) راجع مصادر نهج البلاغة للمرحوم السيّد عبد الزهراء الخطيب 1 / 309 ـ 324 ط الأعلمي ـ بيروت.


والّذي يدفع الإستغراب ويُقنع السائل بالجواب ، هو أنّ الخطبة تناول فيها الإمام حكومة الخالفين قبله ، وندّد بهم حتى وصف كلاً منهم بأوصاف لم تدع مجالاً للشك في أنهم تآمروا على استبعاده عن حقه المشروع ، ولمّا شاعت ووصلت أنباؤها حتى الشام ، اتخذها معاوية وحزبه ذريعة للتنديد بالإمام ـ كما سيأتي ذلك في حديثنا عن الصنو ـ ولما ولي معاوية بعد ذلك متغلباً على الأمة ومنع الناس من التحدّث بفضائل الإمام ، وأمر بإشاعة احاديث موضوعة في فضائل الصحابة ، كان من الطبيعي أن ينال التعتيم الإعلامي تلك الخطبة ، فلا يجسر أحد على روايتها ، اللّهمّ إلاّ الإمام الحسين الّذي رواها عنه ابنه الإمام السجاد ، وعنه ولده الإمام الباقر (عليهم السلام) ، وإلاّ ابن عباس الّذي كان معلناً بمر الحقّ في مجابهة معاوية وسلطانه ـ كما ستأتي الشواهد على ذلك في الحديث عن أيام معاوية ـ وفي صفحة احتجاجاته.

لذلك قلّت الرواية عنه إلاّ من طريق ثلاثة فحسب ، هم الإمام الباقر (عليه السلام) ، وعطاء وعكرمة ولما كان الثالث هو مولى ابن عباس ، فلعل روايته عنه ورواية عطاء كانتا حين سماعهما منه وهو يحدّث بها الإمام الباقر (عليه السلام) ، لذلك قلّ رواتها عنه ، وكانت سلسلة الرواة عن عكرمة تنتهي إلى أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) ، فقد رواها عنه أبان بن تغلب وعليّ بن خزيمة ـ كما في أسانيد الصدوق ـ فذلك يقرّب صحة ما احتملناه في سماع عكرمة لها ، لذلك لم يتطرّق الريب إليه في روايته للخطبة على أنّه خارجي.

3 ـ ورد في إرشاد الشيخ المفيد وشرح النهج للقطب الراوندي أنّ الخطبة كانت بالرحبة ، ويبدو أنّ المكان كان منتدى القوم وقد ورد ذكر الرحبة في


حديث المناشدة الّذي استنشد فيه الإمام من سمع حديث الغدير فشهد أقوام وأبلس آخرون كان منهم أنس بن مالك وزيد بن أرقم فدعا عليهما فبرص أنس وعمي زيد. والرحبة المشار إليها إنّما هي رحبة الجامع بالكوفة وهي الفناء الّذي أمامه. وليس في تعيين ذلك المكان كبير شأن لولا ما وجدته في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي وهو يذكر الخطبة فقال : « خطبة أخرى ، وتعرف بالشقشقية ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخلّ بالبعض وقد أتيت بها مستوفاة. أخبرنا بها شيخنا أبو القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عباس قال : لمّا بويع أمير المؤمنين بالخلافة ناداه رجل من الصف وهو على المنبر ما الّذي أبطأ بك إلى الآن؟ فقال : بديهاً : والله لقد تقمصها »(1) .

وهذا أمر منه غريب فإنّ بيعة الإمام كانت بالمدينة ، والخطبة تناولت ذكر الناكثين والقاسطين والمارقين فكيف يصح ما ذكره السبط؟ ولو أنّه ذكر لنا تمام سند شيخه النفيس لكان أولى.

والآن إلى رواية النص بأسانيد المشايخ الأعلام الثلاثة : الصدوق ، والطوسي ، والقطب الراوندي.

فقد رواه الصدوق فقال : « حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه) قال : حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي قال : حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عمّار ابن خالد ، قال : حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني ، قال : حدّثنا عيسى بن راشد ، عن عليّ بن خزيمة عن عكرمة عن ابن عباس »(2) .

____________

(1) تذكرة الخواص / 73 ط حجرية.

(2) معاني الأخبار / 343 ط الحيدرية بتقديمنا ، وعلل الشرائع 1 / 205 ط مكتبة الرضي بقم.


ثمّ قال الصدوق : « وحدّثنا محمّد بن عليّ بن ماجيلويه عن عمه محمّد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان ابن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس ».

ورواه الطوسي فقال : « وبهذا الإسناد أخبرنا الحفّار قال حدّثنا أبو القاسم الدعبلي قال : حدّثنا أبي قال : حدّثني أخي دعبل ، قال : حدّثنا محمّد بن سلامة الشامي عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليه السلام) عن ابن عباس.

ثمّ قال الطوسي : وعن محمّد عن أبيه عن جده »(1) .

ورواه القطب الراوندي فقال : « وأمّا الرواية للخطبة فعن الشيخ أبي نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم ابن البونارتي عن الحاجب أبي الوفا محمّد بن بديع وأبي الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذكواني عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الاصبهاني عن سليمان بن أحمد الطبراني ، أخبرنا أحمد بن عليّ الأبّار أخبرنا إسحاق بن سعيد أبو سلمة الدمشقي أخبرنا خليد بن دعلج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس »(2) .

(النص) برواية الصدوق المتوفى سنة 381 في كتابيه وهما أقدم مصدر وصل إلينا. وإليك لفظه :

« عن ابن عباس قال : ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال : (أمّا والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة أخو تيم وانّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إليّ الطير ،

____________

(1) الأمالي 1 / 382 مط النعمان في النجف.

(2) منهاج البراعة 1 / 131 ـ 133 ط قم منشورات مكتبة السيّد المرعشي.


فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يشيب فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ، حتى إذا مضى لسبيله ، فأدلى بها لأخي عديّ بعده ، فيا عجباً بينما هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها الآخر بعد وفاته ، فصيّرها في حوزة خشناء ، يخشن مسّها ، ويغلظ كلمها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن عنف بها حزن ، وإن أسلس بها غسق ، فمني الناس بتلوّن واعتراض وبلوى ، وهو مع هن وهن. فصبرت على طول المدة ، وشدة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي منهم ، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم ، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر؟ فمال رجل لضغنه ، وأصغى الآخر لصهره ، وقام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبت الربيع ، حتى أجهز عليه عمله ، وكبت به مطيته ، فما راعني إلاّ والناس إليَّ كعرف الضبع قد انثالوا عليَّ من كلّ جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشُقّ عطفاي ، حتى إذا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، وفسقت أخرى ، ومرق آخرون كأنّهم لم يسمعوا الله تبارك وتعالى يقول :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (1) بلى والله لقد سمعوها ووعوها ، لكنهم أحلولت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، أما والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لولا

____________

(1) القصص / 83.


حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقرّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه عندي أزهد من عفطة عنز).

قال ـ ابن عباس : وناوله رجل من أهل السواد كتاباً فقطع كلامه وتناول الكتاب. فقلت : يا أمير المؤمنين لو اطّردت مقالتك إلى حيث بلغت ، فقال : هيهات هيهات يا بن عباس ، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت.

قال ابن عباس : فما أسفي على كلام قط كأسفي على كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ لم يبلغ به حيث أراد ».

مطايبة ابن الخشاب لابن عباس :

قال ابن أبي الحديد بعد ذكره الخطبة : « حدثني شيخي أبو الخير مصدّق ابن شبيب الواسطي(1) في سنة ثلاث وستمائة قال : قرأت على الشيخ أبي محمّد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب(2) هذه الخطبة فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع ـ يعني قول ابن عباس : ما أسفت الخ ـ قال لي : لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له : وهل بقي في نفس ابن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد؟ والله ما رجع عن الأولين ولا عن

____________

(1) بغدادي المولد والوفاة ، كان أعلم معاصريه بالعربية ، وعالم بعلوم الدين وله المام بالفلسفة والحساب والهندسة وقف كتبه على أهل العلم قبل وفاته ، توفي سنة 567 هـ (أعيان الشيعة 38 / 94 وروضات الجنات 5 / 22 والأعلام للزركلي 4 / 67).

(2) اللغوي النحوي الأديب المفسر الشاعر صاحب تاريخ مواليد ووفيات أهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، كان من تلامذة الجواليقي وابن الشجري. وكان خطه في نهاية الحسن توفى ببغداد سنة 567 ودفن بقرب قبر بشر الحافي) الكنى والألقاب 1 / 272 ط الحيدرية سنة 1376 هـ).


الآخرين ، ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلاّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). قال مصدق : وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل ، قال : أتقول إنّها منحولة؟

فقال : لا والله ، وإنّي لأعلم أنّها كلامه كما أعلم أنّك مصدّق.

فقلت له : إنّ كثيراً من الناس يقولون : إنّها من كلام الرضي (رحمه الله) تعالى.

فقال : أنّى للرضي ولغير الرضي هذا النَفَس وهذا الأسلوب ، فقد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور ، وما يقع في هذا الكلام في خل ولا خمر. ثمّ قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها ، وأعرف خطوط مَن هو من العلماء وأهل الأدب ، قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي ».

وعقب ابن أبي الحديد على ذلك بقوله : « قلت : وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة. وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة

ووجدت كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب (الإنصاف) وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي (رحمه الله) تعالى ، ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي (رحمه الله) موجودا ً »(1) .

والآن إلى النص الثاني وهو الّذي سميته :

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 69.


ثانياً : الصنو :

لقد تيقظت في نفس الإمام ذكريات مريرة ، فصار يستعرض صفحات من تاريخه البعيد والقريب ، وفي استعادته ذكرياته الماضيات عاف النوم واستولى عليه الأرق ، وهذا ما رواه السيّد ابن طاووس المتوفى سنة 664 في كتاب اليقين(1) ورواه المجلسي في البحار(2) وقد رمز له بعلامة (شف) ويعني ذلك الرمز كتاب (كشف اليقين للعلامة الحلي 726 هـ) وقد بحثت في نسخته المطبوعة قديماً على الحجر وحديثاً فلم أقف عليه ، ولعل في المطبوع سقط لم يتنبّه له الطابعون ، أو أنّ سهواً من النساخ وقع في الرمز. ومهما يكن فأنا أنقله عن السيّد ابن طاووس كما ذكره.

قال (فيما ذكره) : « عن أحمد بن محمّد الطبري المعروف بالخليلي(3) المقدّم ذكره من كتابه المشار إليه من تسمية مولانا عليّ (عليه السلام) أمير المؤمنين في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمره بالتسليم عليه بذلك فقال : أخبرنا أحمد بن محمّد بن ثعلبة الحماني قال حدّثنا مخول بن إبراهيم النهدي قال حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) قال : قال ابن عباس : كنت أتتبع غضب أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا ذكر شيئاً أو هاجه خبر ، فلمّا كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام يذكر في كتابه أنّ معاوية

____________

(1) اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الباب / 122 ط الحيدرية سنة 369.

(2) بحار الأنوار 8 / 261 ط حجرية الكمباني.

(3) ويقال له غلام خليل أبو عبد الله محدث سكن بغداد وحدث بها من تصانيفه : الوصول إلى معرفة الأصول ، الكشف وفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) توفى سنة 275 هـ (أعيان الشيعة 9 / 455).


وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان اجتمعوا عند معاوية فذكروا أمير المؤمنين فعابوه وألقوا في أفواه الناس أنّه ينتقص أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ويذكر كلّ واحد منهم ما هو أهله ، وذلك لمّا أمر أصحابه بالانتظار له بالنخيلة فدخلوا الكوفة وتركوه ، فغلظ ذلك عليه. وجاء هذا الخبر ، فأتيت بابه في الليل ، فقلت يا قنبر أيّ شيء خبر أمير المؤمنين؟ قال : هو نائم ، فسمع كلامه فقال : مَن هذا؟ فقال : ابن عباس يا أمير المؤمنين. قال : ادخل ، فدخلت فإذا هو قاعد ناحية عن فراشه في ثوب جالس كهيئة المهموم. فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين الليلة؟

فقال : ويحك يا بن عباس وكيف تنفس المصدر عينا قلبٍ مشغول؟

يا بن عباس مَلِكُ جوارحك قلبُك ، فإذا أرهبه أمرٌ طار النوم عنه ، ها أنذا كما ترى من أوّل الليل اعتراني الفكر والسهر لما تقدم من نقض عهد أوّل هذه الأمة ، المقدّر عليها نقض عهدها ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر من أمر من أصحابه بالسلام عليَّ في حياته بإمرة المؤمنين ، فكنت أوكد أن أكون كذلك بعد وفاته. يا بن عباس أنا أولى الناس بالناس بعده ولكن أمور اجتمعت على رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها وصرف قلوب أهلها عني ، وأصل ذلك ما قال الله تعالى في كتابه :( أم يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبراهيم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (1) فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ، لكان بتبليغ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فرضٌ على الناس اتباعه ، والله (عزّ وجلّ) يقول :( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا

____________

(1) النساء / 54.


نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (1) أتراهم نُهوا عني فأطاعوه ، والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، وغدا بروح أبي القاسم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجنّة لقد قرنت برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث يقول (عزّ وجلّ) :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (2) .

ولقد طال ـ يا بن عباس ـ فكري وهمّي وتجرّعي غصة لأمر ورود أقوام على معاصي الله ، وحاجتهم إليّ في حكم الحلال والحرام ، حتى إذا أتاهم أمن الدنيا أظهروا الغنى عني ، كأن لم يسمعوا الله (عزّ وجلّ) يقول :( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (3) الآية ، ولقد علموا أنّهم احتاجوا إليَّ ولقد غنيت عنهم( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (4) فمضى من مضى قالٍ عليَّ بضغن القلوب ، وأورثها الحقد عليَّ ، وما ذاك إلاّ من أجل طاعته في قتل الأقارب مشركين ، فامتلأ غيظاً واعتراضاً ، ولو صبروا في ذات الله لكان خيراً لهم ، قال الله (عزّ وجلّ) :( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (5) الآية ، فأبطنوا مَن ترك الرضا بأمر الله ما أورثهم النفاق ، وألزمهم بقلة الرضا الشقاق ، وقال الله (عزّ وجلّ) :( فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) (6) .

فالآن يا بن عباس قرنت بابن آكلة الأكباد وعمرو وعتبة والوليد ومروان وأتباعهم وصار معهم في حديث ، فمتى اختلج في صدري وألقي في رُوعي أنّ

____________

(1) الحشر / 7.

(2) الأحزاب / 33.

(3) النساء / 83.

(4) محمّد / 24.

(5) المجادلة / 22.

(6) مريم / 84.


الأمر ينقاد إلى دنيا يكون هؤلاء فيها روساء يطاعون ، فهم في ذكر أولياء الرحمان يثلبونهم ويرمونهم بعظائم الأمور من إفكٍ مختلق ، وحقدٍ قد سبق ، وقد علم المستحفظون ممّن بقي من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ عامة أعدائي ممّن أجاب الشيطان عليَّ ، وزهّد الناس فيَّ ، وأطاع هواه فيما يضره في آخرته وبالله (عزّ وجلّ) الغنى وهو الموفق للرشاد والسداد.

يا بن عباس ويل لمن ظلمني ودفع حقي ، وأذهب عني عظيم منزلتي ، أين كانوا أولئك وأنا أصلي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صغيراً لم يكتب عليّ صلاة ، وهم عبدة الأوثان وعصاة الرحمن ، ولهم توقد النيران ، فلمّا قرب إصعار الخدود وإتعاس الجدود أسلموا كرهاً ، وأبطنوا طمعاً في أن يطفئوا نور الله ، وتربّصوا انقضاء أمر الرسول وفناء مدته ، لما أطمعوا أنفسهم في قتله ، ومشورتهم في دار ندوتهم. قال الله (عزّ وجلّ) :( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (1) ، وقال :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) .

يا بن عباس ندبهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حياته بوحي من الله يأمرهم بموالاتي ، فحمل القوم ما حملهم ممّا حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له ، فخرج من روح الله ورضوانه ، وألزم اللعنة لحسده لولي الله. وما ذاك بضارّي إن شاء الله شيئاً.

يا بن عباس أراد كلّ أمرئ أن يكون رأساً مطاعاً تميل إليه الدنيا وإلى أقاربه ، فحمله هواه ولذة دنياه ، واتباع الناس إليه ، أن نوزعت ما جُعل لي ، ولولا

____________

(1) آل عمران / 54.

(2) التوبة / 32.


اتقائي على الثقل الأصغر أن ينبذ فتنقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل الله المتين ، وحصنه الأمين ، ولد رسول ربّ العالمين ، لكان طلب الموت والخروج إلى الله (عزّ وجلّ) ألذّ عندي من شربة ظمآن ونوم وسنان ، ولكني صبرت وفي الصدر بلابل ، وفي النفس وساوس ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ، ولقديماً ظلم الأنبياء ، وقتل الأولياء قديماً في الأمم الماضية والقرون الخالية( فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه ) (1) ، وبالله أحلف يا بن عباس إنّه كما فتح بنا يختم بنا وما أقول لك إلاّ حقاً.

يا بن عباس إنّ الظلم يتسق لهذه الأمة ويطول ويظهر الفسق وتعلو كلمة الظالمين ، ولقد أخذ الله على أولياء الدين ألاّ يقارّوا أعداءه ، بذلك أمر الله في كتابه على لسان الصادق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال :( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (2) الآية.

يا بن عباس ذهب الأنبياء فلا ترى نبياً ، والأوصياء ورثتهم ، عنهم أخذوا علم الكتاب وتحقيق الأسباب قال الله (عزّ وجلّ) :( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) (3) فلا يزال الرسول باقياً ما نفذت أحكامه وعمل بسنته ، وداروا حول أمره ونهيه.

وبالله أحلف يا بن عباس لقد نُبذ الكتاب ، وترك قول الرسول إلاّ ما لا يطيقون تركه من حلال وحرام ، ولم يصبروا على كلّ أمر بينهم( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ

____________

(1) التوبة / 24.

(2) المائدة / 2.

(3) التوبة / 24.


نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ ) (1) ،( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (2) فبيننا وبينهم المرجع إلى الله( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (3) .

يا بن عباس عامل الله في سره وعلانيته تكن من الفائزين ، ودع من اتّبع هواه وكان أمره فُرطا ، وبحسب معاوية ما عمل وما يعمل به مَن بعده ، وليمدّه ابن العاص في غيّه فكأنّ عمره قد انقضى ، وكيده قد هوى( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) (4) .

وأذّن المؤذّن فقال : الصلاة يا بن عباس لا تفت ، استغفر الله لي ولك وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

قال ابن عباس : فغمّني انقطاع الليل وتلهفت على ذهابه »(5) .

وإذا قارنا هذا النص بما مرّ من نص الشقشقية وجدنا وجه الشبه كبيراً وكثيراً كما قلنا آنفاً. فبداية كبداية ونهاية كنهاية ، وما بين البداية والنهاية نفثات أحزان وأشجان متشابهة وحتى أسف ابن عباس في آخر الشقشقية يقابله تلهّف في آخر صنوها.

وإذا رجعنا إلى النصين نتعامل معهما كوثائق تاريخية تستشفّ منهما تحديد البُعد الزماني للحَدَث ، وأنّهما معاً كانا بعد واقعة النهروان. ففي النص

____________

(1) آل عمران / 101.

(2) العنكبوت / 43.

(3) المؤمنون / 115.

(4) الشعراء / 227.

(5) كتاب اليقين في أمرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الباب / 42 ط الحيدرية سنة 1369 هـ.


الأوّل نجد قوله (عليه السلام) : (ومرقت أخرى) والمارقة هم الخوارج الذين قتلهم بالنهروان.

وفي النص الثاني قرأنا في مقدمته قول ابن عباس « وذلك لمّا أمر أصحابه بالانتظار له بالنخيلة ، فدخلوا الكوفة وتركوه فغلظ ذلك عليه » وهذا إنّما كان بعد رجوعهم من النهروان وأرادهم (عليه السلام) على الخروج إلى أهل الشام إلاّ أنّ الأشعث الغادر الفاجر أبى عليه ذلك.

كما انّا عرفنا لولا حضور ابن عباس في كلا الموقفين وروايته لهما ، لضاعت تلك النفثات الحارة الساعرة تحت وطأة الجليد الأموي الّذي جمّد الأفكار وكمّ الأفواه.

ومن خلالهما أيضاً أدركنا عمق الصلة بين الإمام ومأمومه ، وأنّ لابن عباس مكانة عند الإمام سمت به إلى أوج الثقة فصار يبثّه شجونه وشؤونه. كما عرفنا صدق الموالاة والمواساة من ابن عباس المأموم لإمامه المهضوم المظلوم.

وثمة موقف آخر وليس أخيراً لابن عباس حضر فيه إلى الكوفة ، ربّما أتحد مع أحد الموقفين السابقين زماناً ، وربّما غايرهما.

ومهما كان زمانه ، فإنّ أهميته البالغة خير شاهد على تبديد الضبابية الحالكة الّتي أحاطت بابن عباس من أجل تهمة خيانة بيت مال البصرة. ولما كنت قد جعلت الحلقة الرابعة من الموسوعة لبحث جميع ما وقفت عليه من شوائب ونوائب لحقت به وسميتها (ابن عباس في الميزان) فلا أفيض هنا بالحديث عنها ، ولكني أذكر إجمالاً بعض النصوص لاقتضاء المقام ذكرها :


فأقول : لقد مرّت بنا في البحث عن حياته بالبصرة وذكر نشاطه الإداري والسياسي ، بعض كتب الإمام إليه ، وكان منها كتاب ذكرت له أكثر من صورة ، وأكثرت من ذكر مصادره حتى جازت الثلاثين ، ولم يكن ذلك مني عبثاً ولا ترفاً ولا سرفاً وإنّما لغرض تسديد موقفي إزاء تلك التهمة ، فإنّ لذلك الكتاب في نفس ابن عباس أثر بالغ عبّر عنه بقوله : « ما انتفعت بكلام أحد مثل ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم كانتفاعي بكلام كتب به أمير المؤمنين كتب إليَّ » :

« سلام عليك أمّا بعد : فإنّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، ويسره درك ما لم يكن ليفوته ، فليكن سرورك بما نلت من امر آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما فاتك من الدنيا فلا تأسفنّ عليه ، وليكن همك فيما بعد الموت ».

وهذا ما رواه سبط ابن الجوزي بإسناد ينتهي إلى المأمون العباسي وهو يرويه عن آبائه الخالفين عن ابن عباس. وعقب السبط عليه بقوله : « وقد روى السدي هذا عن أشياخه وقال عقيبه : كان الشيطان قد نزغ بين ابن عباس وبين عليّ (عليه السلام) مدة ثمّ عاد الأمر إلى موالاته »(1) . ثمّ ذكر المراسلات الّتي خبط فيها الكثيرون ممّا سنذكرها في الحلقة الرابعة إن شاء الله.

ولعل هذا الّذي أشار إليه السدي إنّما أراد ما ذكره اليعقوبي في تاريخه ، فقد قال : « وكتب أبو الأسود الدؤلي ـ وكان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة ـ إلى عليّ (عليه السلام) يعلمه أنّ عبد الله أخذ من بيت المال عشرة الاف درهم ، فكتب

____________

(1) تذكرة الخواص / 89 ط حجرية سنة 1285 هـ.


إليه يأمره بردّها فامتنع فكتب يقسم له بالله ليردّنها ، فلمّا ردّها عبد الله بن عباس أو ردّ أكثرها كتب إليه (عليه السلام) : أمّا بعد فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً ، واجعل همّك لما بعد الموت والسلام »(1) .

وأخيراً بعد ما ذكرناه من أمر الكتاب فلنقرأ ما وجدناه يتضمن حضوره بالكوفة ، وقد أتى بما عليه من المال :

روى الطبرسي في مكارم الأخلاق خبراً له اتساق واتفاق مع ما مرّ : « عن عبد الله بن عباس لمّا رجع من البصرة وحمل المال ودخل الكوفة ، وجد أمير المؤمنين (عليه السلام) قائماً في السوق وهو ينادي بنفسه : معاشر الناس من أصبناه بعد يومنا هذا يبيع الجرّي والطافي والمارماهي علوناه بدرّتنا هذه ـ وكان يقال لدرّته السبتية ـ.

قال ابن عباس : فسلّمت عليه فردّ عليَّ السلام ثمّ قال : يا بن عباس ما فعل المال؟

فقلت : ها هو يا أمير المؤمنين ، وحملته إليه ، فقرّبني ورحّب بي ، ثمّ أتاه منادٍ ومعه سيفه ينادي عليه بسبعة دراهم. فقال : لو كان لي في بيت مال المسلمين ثمن سواك أراك ما بعته ، فباعه واشترى قميصاً بأربعة دراهم ، وتصدّق بدرهمين ، وأضافني بدرهم ثلاثة أيام »(2) .

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 181 ط النجف.

(2) مكارم الأخلاق (آداب اللباس ـ ترقيع الثياب) / 130 ط حجرية سنة 1376 و / 48 ط مصر سنة 1369 و / 112 ط الحيدرية بتقديمنا سنة 1391 هـ.


فهذا الخبر يتسق مضموناً مع ما مرّ ، فثمة مال أخذه ابن عباس ، وثمة مطالبة به ، وثمة تسليم آنيّ ، ثمّ من بعده تقريب وترحيب ، وأخيراً ضيافة ثلاثة أيام بدرهم.

ثمّ إنّ الخبر بكل مفرداته يتفق مع سيرة إمام عادل شديد في مراقبة ومحاسبة عمّاله القريب منهم والبعيد كلّهم سواسية أمام العدالة. ومع الأسف لم يفصح الخبر عن وجه الأخذ بأيّ اعتبار كان ، فهل كان له على وجه الحقّ الشرعي فيما يراه؟ أو كان على سبيل القرض؟ ومهما كان وجه ذلك فقد ردّه فرضي عنه الإمام : فرواية اليعقوبي أولى بالقبول لأنّها ملتصقة بالمقبول وهو المعقول وهي أنسب بواقع الحدث كما حدث وتلمسنا صحتها بخبر مكارم الأخلاق ، فهو رصين ومقبول أيضاً. كما إنّ الخبر أيضاً أوضح سيرة ذلك الإمام العادل في مراقبة ومعاقبة أصحاب المكاسب المحرّمة حتى الصيّادين فكان ينادي بنفسه. وأوضح جانباً من ورعه عن تناول ما يحتاج من بيت مال المسلمين ، ولو كان له فيه ثمن سواك من أراك لما باع سيفه. ثمّ ها هو قد باعه بسبعة دراهم فأين صرفها؟ اشترى قميصاً بأربعة دراهم ، وتصدّق بدرهمين وأضاف ابن عمه بدرهم ثلاثة أيام فدتك النفوس يا إمام العدالة في الأرض.

وثمة آخر موقف فيه حضور لابن عباس في الكوفة نجد في أخباره دلالات تبعد عنه الشكوك كما تدل على حسن السلوك. وهو آخر حضور له ، ولعله أطول مكثاً في زمانه من غيره ، فقد كان ذلك في شهر رمضان سنة 40 من الهجرة ، وهو الشهر الّذي استشهد فيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).


وهذا الحضور أعتبره معبّراً أكثر منه حضوراً عابراً وليس كالمواقف السابقة على ما مرّ فيها من ايجابيات مؤثرة ومعبّرة ، فقد كان فيه ما يلي :

1 ـ كان الإمام (عليه السلام) يتناول عشاءه عنده مرة في إحدى ليال ثلاث أو أربع من شهر رمضان وأقدم من رواه لنا البسوي المتوفى سنة 277 هـ ، كما روى ذلك أيضاً ثلاثة من الأحناف. وهم المؤيد الخوارزمي في مناقبه ، وشيخ الإسلام الجويني في فرائد السمطين ، وجمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين ، ورواه من الشافعية ابن عساكر في تاريخه ـ ترجمة الإمام ـ ، ورواه من الزيدية محمّد بن سليمان الكوفي في كتابه مناقب أمير المؤمنين(1) .

ومن أصحابنا الشيخ المفيد في إرشاده وكلّ هؤلاء يروونه عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عثمان بن المغيرة وسيأتي مزيد بيان عن هذه الحضور في الحلقة الرابعة (ابن عباس في الميزان) إن شاء الله تعالى.

2 ـ ولادة ابنه عليّ بالكوفة في شهر رمضان قبل مقتل الإمام (عليه السلام) بيوم أو ليلة ، وهذا أمر ذكره جملة من المؤرخين في ترجمته.

فقد ذكر ابن سعد في الطبقات فقال : « ولد ليلة قتل عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه في شهر رمضان سنة أربعين فسُمّي باسمه وكنيته أبي الحسن ، فقال له عبد الملك بن مروان لا والله لا احتمل لك الاسم والكنية جميعاً فغيّر أحدهما ، فغيّر كنيته فغيّرها أبا محمّد. وحكى ذلك غير واحد نقلاً عنه وعن

____________

(1) مناقب أمير المؤمنين عليّ 2 / 71.


غيره ، وعقّب ابن خلكان على قول عبد الملك بقوله : وإنّما قال له عبد الملك هذه المقالة لبغضه في عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، فكره أن يسمع اسمه وكنيته »(1) .

وأحسب أنّ المبرّد المتوفى سنة 285 هـ هو أقدم من وصلت روايته في ذلك إلينا مستوفية للزمان والمكان ، وإلى القارئ ما ذكره في كتابه الكامل :

قال : « يروى عن عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه انّه افتقد عبد الله بن العباس (رحمه الله) في وقت صلاة الظهر فقال لأصحابه : ما بال أبي العباس لم يحضر؟ فقالوا : ولد له مولود ، فلمّا صلّى عليّ (رحمه الله) قال : أمضوا بنا إليه ، فأتاه فهنأه فقال : شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ما سميته؟ قال : أو يجوز لي أن أسمّيه حتى تسمّيه! فأمر به فأخرج إليه فأخذه وحنّكه ودعا له ، ثمّ ردّه إليه وقال : خذه إليك أبا الأملاك ، قد سميته عليّاً وكنيته أبا الحسن.

قال المبرّد : فلمّا قام معاوية قال لابن عباس : ليس لكم اسمه وكنيته ، وقد كنّيته أبا محمّد فجرت عليه »(2) .

قال ابن أبي الحديد : « فإنّ عليّ بن عبد الله لمّا ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى عليّ (عليه السلام) فأخذه وتفل في فيه وحنّكه بتمرة قد لاكها ودفعه إليه وقال خذ اليك أبا الأملاك »(3) .

هكذا الرواية الصحيحة وهي الّتي ذكرها أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل

____________

(1) طبقات ابن سعد 5 / 229 ط أفست ليدن.

(2) الكامل 2 / 217 مطبعة نهضة مصر.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 176 ط مصر الأولى.


وسيأتي أيضاً مزيد تحقيق حول ذلك في الحلقة الرابعة (ابن عباس في الميزان) إن شاء الله تعالى.

ورحم الله المعري حيث يقول :

وقد سمّاه سيده عليّاً

وذلك من علوّ القدر فال(1)

مأساة الشهادة :

لقد كان الإمام (عليه السلام) منتظراً للشهادة ، بل ومنتجزاً لها فيقول : (متى يبعث أشقاها) لشدة ما كان يجده من خلافات مجتمعة ، وما يجده في نفسه من ظلم لحقه من بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحتى يومه ، فهو لئن جاهد الكفار والمشركين أيام الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تنزيل القرآن حتى دخلوا في دين الله ، فقد صار يجاهد المسلمين من بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تأويل القرآن ، حيث ذهبت بهم منازعُهم إلى مُنازعته ، حتى تفلّتوا من أحكام الدين على غير هدى ، فصار يدعو لنفسه وعليهم فيقول : (ما يحبس أشقاكم أن يجيء فيقتلني ، اللّهمّ إني قد سئمتهم وسئموني ، فأرحني منهم وأرحهم مني)(2) . وقد مرّت بنا شواهد على ذلك في حديثه مع ابن عباس في الشقشقية وفي صنوها.

واستجيبت دعوته فقتل غيلة بضربة غادرة آثمة من سيف آثم كفور ، فأورث قتلُه (عليه السلام) المسلمين ذلاً شاملاً ، كما أورث آله وذويه حزناً دائماً.

يقول جورج جرداق : « وقال القدر كلمته الغادرة فأتاه ابن ملجم بسيف مسموم يضرب رأسه الضربة الّتي قال فيها الخبيث إنّها لو كانت بأهل مصر جميعاً لأتت عليهم

____________

(1) الغيث المسجم 1 / 120.

(2) أنساب الأشراف 24 / 501 تح ـ المحمودي بيروت.


وحلّت على ابن ملجم لعنة الله ولعنة اللاعنين ومن وُلدوا ومَن ماتوا ومَن قال لهم الله كونوا فكانوا. لعنةٌ تجفّف النبع ، وتخضم الزرع ، وتحرق النبت في الأرض وهو وسيم ، وجعل الله زفير جهنم وشهيقها في أصول تكوينه ، وأهلكه ألف شيطان كبّوه على وجهه في سواء الجحيم وفيها لفح وفيها أفواه من اللهب ذات أجيج وذات صفير اهـ »(1) .

نعم لقد قضى الإمام شهيد عظمته والصلاة بين شفتيه كما يقول ذلك مسيحي آخر. حتى قالت من كانت أشد الناس شماتة بشهادته وهي عائشة الّتي لمّا بلغها الخبر وتمثلت بقول البارقي :

فألقت عصاها واستقر بها النوي

كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

فقد روى عنها أبو عمر انّها قالت : « فلتصنع العرب ما شاءت فليس أحدٌ ينهاها »(2) .

وهذه كلمة لها مغزاها ، أيان مرساها ، وقد صدقت في مأتاها.

أمّا عظم المأساة في جنبات الصدور فقد فجّرت مصيبته البكاء والرثاء في ذويه ومواليه.

وكان ابن عباس أحد أولئك الذين أشعلهم الحزن أواراً فأرسل دمعه مدراراً ، وأشفع دمعه بكلماته الّتي سالت مع دموعه وهي على وجازتها معربة عن مدى حزنه ، وبأبيات من نظمه ، وهي على قلتها تفيض بعاطفته ، ويشعر القارئ لها بأنّ صاحبها لمتاعٌ أشدّ التياع ، لما فيها من حرارة وافتجاع.

____________

(1) الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية ـ عليّ وعصره ـ 4 / 1003.

(2) الاستيعاب بهامش الاصابة 3 / 57 و 218.


وإلى القارئ ما قام به ابن عباس بعد شهادة الإمام (عليه السلام) :

1 ـ مشاركته في تغسيل الإمام (عليه السلام) :

قال أبو الفرج : « حدّثني أحمد بن عيسى حدّثنا الحسن (الحسين خ ل) ابن نصر قال : حدّثنا زيد بن المعدّل عن يحيى بن شعيب عن أبي مخنف عن فضيل بن خديج عن الأسود الكندي والأجلح قالا : توفي أمير المؤمنين عليّ ـ (عليه السلام) ـ وولي غسله ابنه الحسن بن عليّ وعبد الله بن العباس وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ، وصلّى عليه ابنه الحسن ، وكبر عليه خمس تكبيرات »(1) .

2 ـ تأبين ورثاء :

أ ـ روى ابن شهر اشوب قال : « الزعفراني عن المزني عن الشافعي عن مالك عن سمي عن أبي صالح قال : لمّا قتل عليّ بن أبي طالب قال ابن عباس : هذا اليوم نقص الفقه والعلم من أرض المدينة.

ثمّ قال : انّ نقصان الأرض نقصان علمائها وخيار أهلها ، إنّ الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال ، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم ، اتخذ الناس رؤساءَ جهّالاً فيُسألوا فيفتوا بغير علم فيَضِلّوا وأضلوا »(2) .

____________

(1) مقاتل الطالبيين / 41 ط مصر ، ورواه يحيى بن الحسين الهاروني في أمإليه / 85 ط بيروت سنة 1395 هـ.

(2) مناقب ابن شهرآشوب 3 / 92 ط الحيدرية ، ورواه المجلسي في البحار 9 / 743 ط تبريز على الحجر.


ب ـ ذكر ابن أبي الحديد في ذكر مقتل الإمام (عليه السلام) وموضع قبره وما قيل فيه من الأشعار فقال : « وقال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب :

وهزّ عليّ بالعراقين لحية

مصيبتها جلّت على كلّ مسلم

وقال سيأتيها من الله نازل

ويخضبها أشقى البريّة بالدم

فعاجله بالسيف شلّت يمينُه

لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم

فيا ضربة من خاسر ضلّ سعيه

تبوّأ منها مقعداً في جهنم

ففاز أمير المؤمنين بحظّه

وإن طرقت إحدى الليالي بمعظم

ألا إنّما الدنيا بلاء وفتنة

حلاوتها شيبت بصاب وعلقم »(1)

3 ـ حزن وبكاء :

أ ـ روى فرات بن إبراهيم ـ من علماء القرنين الثالث والرابع ـ في تفسيره قال : « حدّثنا عليّ بن محمّد بن مخلد الجعفي معنعناً عن سليمان بن يسار قال : رأيت ابن عباس لمّا توفي أمير المؤمنين بالكوفة وقد قعد في المسجد محتبياً ووضع مرفقه على ركبته ، وأسند به تحت خده وقال :

يا أيها الناس إنّي قائل فأسمعوا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول : إذا مات عليّ وأخرج من الدنيا ظهرت في الدنيا خصال لا خير فيها ، فقلت وما هي يا رسول الله؟

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 46 ط مصر الأولى ، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب 2 / 472 ط حيدر اباد هذه الأبيات منسوبة إلى بكر بن حماد التاهرني ، ولعله استشهد بها فظنت أنها له والله أعلم.


فقال : تقل الأمانة ، وتكثر الخيانة ، حتى يركب الرجل الفاحشة وأصحابه ينظرون إليه ، والله لتضايق الدنيا بعده بنكبة ، وإن الأرض لا تخلو مني ما دام عليّ حياً في الدنيا بقية من بعدي ، عليّ في الدنيا عوض مني بعدي ، عليّ كجلدي ، عليّ كلحمي ، عليّ (كـ) عظمي ، عليّ كدمي ، عليّ (كـ) عروقي ، عليّ أخي ووصيي في أهلي وخليفتي في قومي ، ومنجز عداتي ، وقاضي ديني ، وقد صحبني عليّ في ملمّات أمري ، وقاتل معي أحزاب الكفار ، وشاهدني في الوحي ، يأكل معي طعام الأبرار ، وصافحه جبرئيل مراراً نهاراً جهاراً ، وقبّل جبرئيل خدّ عليّ اليسار ، وشهد جبرئيل وأشهدني أنّ عليّاً من الطيبين الأخيار ، وأنا أشهدكم معاشر الناس لا تتساءلون من علم أمركم ما دام عليّ فيكم ، فإذا فقدتموه فعند ذلك تقوم الآية :( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) »(2) .

وأخيراً ابيضت عيناه من الحزن :

قال الله سبحانه وتعالى حكاية عن حال نبيّه يعقوب حين فقد ولده( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن ) (3) قال المفسّرون : وإنّما ابيضّت عيناه من البكاء وسبب البكاء هو الحزن. ولا شك أنّ البكاء كما أنّه خير وسيلة لتخفيف الضغط النفسي الّذي يكابده المرء عند ملمّات النوازل ، فهو يأتي على بصر الإنسان

____________

(1) تفسير فرات / 54 ط الحيدرية و / 154 192 ـ 198 ، ورواه المجلسي في البحار 9 / 764 ط تبريز على الحجر.

(2) الأنفال / 42.

(3) يوسف / 84.


فيفقده ، ومع ذلك ففيه تخفيف اللوعة بنزول الدمعة ، ولعل قول ذي الرمة خير معبّر في تصوير تلك الحال :

خليلي عوجا من صدور

الرواحل بجهور حزوى وابكيا في المنازل

لعل انحدار الدمع يعقب راحة

من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل

ولقد ذكر في كتب السيرة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكى عند فقده أحبته ، وآخرهم ابنه إبراهيم فقال : (إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما لا يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون)(1) .

وكلّما عظمت الرزية وجلت المصيبة عظم الحزن بها ، واشتد الوجد بصاحبها ، ومهما بلغ في إيمانه مقاماً رفيعاً لتستولي عليه أحزانه ، فيفزع إلى البكاء ليخفّف من غلواء المصاب ، فان في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته ، وفي ارساله لعبرته ما يعينه على سلوته ، وهذا ممّا لا شك فيه ، لكن ليس انسكاب الدموع يذهب ما في نفس المفجوع ، فلئن سكنت النفس آناً ما إلى رشدها ، وتأسى صاحبها بالصبر على عظيم فقدها ، إلاّ أنّ الذكرى تؤجج جذوة الحزن ، فمتى استثيرت ثارت ، فتحول الحزن إلى بركان يثور ، وعندما يلحّ الواجد الفاقد الحزين بالبكاء وتبيضّ عيناه من الحزن فيفقد بصره ، كما مرّ في أمر يعقوب (عليه السلام). وكان ابن عباس مثله في هذا الباب فيما يروي الرواة ، قال سفيان ابن عيينة : « كانوا يروون أنّ ابن عباس إنّما ذهب بصره لكثرة البكاء على عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) »(2) .

____________

(1) السيرة الحلبية وسيرة زيني دحلان وغيرهما.

(2) تيسير المطالب في امالي الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني المتوفى سنة 424 هـ ط بيروت سنة 1395 هـ.


وذكر ذلك السيّد ابن طاووس نقلاً عن النقاش في المجلد الأوّل من تفسيره ، فقد رواه بإسناده عن الكلبي قال : « وذهب بصر ابن عباس من كثرة بكائه على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) »(1) .

ورواه النبهاني في الشرف المؤبد ونسبه إلى القيل(2) ، وذكره البياضي في الصراط المستقيم(3) ، وقال المسعودي : « وكان ـ ابن عباس ـ قد ذهب بصره لبكائه على عليّ والحسن والحسين »(4) .

ويبدو أنّ بداية ضعف بصره وتقرّح جفونه كانت بعد مقتل الإمام (عليه السلام) ثمّ تزايد ذلك بمرور الزمان ، وكثرة ما أصابه من نوازل الحدثان فيفزع إلى البكاء ، وكاد أن يكفّ بصره تماماً قبل مقتل الحسين (عليه السلام) ، لكنه بعد مقتله وتزايد الحزن عليه فلم ترقأ له دمعة فَكُفّ بصره تماماً ، حتى كان أبو رجاء العطاردي يقول : « رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشراك البالي من البكاء »(5) ، وقد حدّد عليّ بن أبي طلحة زمن العمى بقوله : « وكان أحسن عيناً قبل أن يكفّ بصره ، وكفّ قبل موته بست سنين أو نحوها »(6) ، وهذا التحديد يتسق تقريباً مع ما مرّ عن المسعودي وقول السبط في تذكرته : « ولمّا قتل الحسين لم يزل ابن عباس

____________

(1) سعد السعود / 285.

(2) الشرف المؤبد / 64 ط بيروت سنة 1309 هـ.

(3) الصراط المستقيم 1 / 144.

(4) مروج الذهب 3 / 108 تح ـ عبد الحميد ، وحكاه أيضاً السيّد المدني في الدرجات الرفيعة / 139 ط الحيدرية.

(5) سير أعلام النبلاء 4 / 452 ط دار الفكر.

(6) أنساب الأشراف ـ ترجمة ابن عباس ـ برقم 124مخطوطة بقلمي.


يبكي عليه حتى ذهب بصره »(1) . وسيأتي أنّه لمّا كان يدخل على معاوية كان لا يستبين مكانه بل كان يستعين بقائده.

ومهما يكن تحديد الزمن إلاّ انّ بعض المناقبيين قد اتخذ من مسألة كفّ بصر ابن عباس ذريعة إلى مبتغاه ، فروى أنّ السبب كان رؤيته جبرئيل عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد مرّ في الجزء الأوّل تفنيد ذلك عند الكلام عن حياته في عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فراجع.

ولم يقصّر عن هذا آخر حين قصّر بفهم ابن عباس وفقهه عن إدراك حكم تكليفه حين كفّ بصره وقد أتاه من عرض عليه إجراء عملية جراحية على أن يصلي سبعة أيام مستلقياً يؤمي ايماء ، فزعم الراوي أنّه أرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحابه (؟) كلّ يقول : « أرأيت إن متّ في هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟ قال فترك عينه ولم يداوها »(2) .

فبهذا الخبر أثبت الراوي جهل ابن عباس بوظيفته الشرعية فهو لا يعلم كيف يعمل وما هو حكم تكليفه؟ فاستفتى عائشة وأبا هريرة ، وبعض أصحابه (؟) ممّن لم يكشف الراوي عن هويّتهم المجهولة ، فأتته فتاواهم متفقة : « كلّ يقول : أرأيت إن متّ في هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟ ».

وما أدري كيف استساغ الراوي رواية ذلك وهو يروي بأنّ ابن عباس لو رضي باجراء العملية كان عليه أن يصلي مستلقياً إيماءً ، فهل مَن كان حكمه ذلك يقال له : كيف تصنع بالصلاة؟ فهل هو يترك الصلاة كلية؟ أم انّ فرضه وحكمه

____________

(1) تذكرة الخواص / 90 ط حجرية سنة 1285 هـ.

(2) مستدرك الحاكم 3 / 545 وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.


في تكليفه انتقل من الصلاة قائماً إلى الصلاة مستلقياً مؤدياً للركوع والسجود وباقي أفعاله بالإيماء؟ ومهما يكن فقد أورد راويه هذا الخبر وأورده مخرّجه بسنده توثيقاً له مدلّلين على احتياج ابن عباس إلى عائشة وأبي هريرة وبعض أصحابه (؟) ليعرّفوه حكمه لو فعل ما أشار عليه به الجرّاح.

ألا على العقول العفا تلك الّتي تصدّق بذلك ، فأين أثر دعاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له بأن يفقهه في الدين ويعلمه الحكمة وهم يروونه؟ ثمّ ألم تكن عائشة هي الّتي شهدت له في سنة 35 هـ حين ولي أمر الموسم بأنّه أعلم الناس بالحج ، وهو الّذي كان عمر يستفتيه ويقول له غص يا غواص وقد مرّ ذلك كلّه ، وقال عنه طاووس : « رأيت سبعين من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا تدارأوا صاروا إلى قول ابن عباس »(1) ، وفي لفظ البغوي عنه : « أدركت خمسين أو سبعين من الصحابة إذا سئلوا عن شيء فخالفوا ابن عباس لا يقومون حتى يقولوا هو كما قلت أو صدقت »(2) .

وقال عليّ بن المديني : « لم يكن في أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحد له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلاّ ثلاثة وعدّ ابن عباس منهم »(3) .

وأخيراً لقد مرّ بنا في أعقاب حرب الجمل في مواقف متشنجة شواهد على ما كان بين عائشة وابن عباس من نفور لم تحتمله الصدور حتى بدا فوق السطور. فكيف نصدّق الرواة في استفتائه منها؟

____________

(1) الإصابة ترجمة ابن عباس.

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1 / 274 ط المنيرية.


وقد جعله أبو حامد الغزالي في كتاب كشف علوم الآخرة من أوائل من يعطي الله اجورهم ، لأنّهم فقدوا أبصارهم في الدنيا وحكى ذلك عنه القرطبي(1) . وما أدري كيف استساغ القرطبي حكاية ذلك وهو من الغيب الّذي لم يأت فيه حديث من معصوم.

والآن وقد شارفنا على الإنتهاء من القسم الأوّل من الفصل الأوّل فيما يتعلق بتاريخ ابن عباس حبر الأمة (رحمه الله) في فترة خلافة الإمام (عليه السلام) ، أرى لزاماً عليَّ أن أذكر بعض الروايات الّتي تزيّد فيها الرواة ، فألحق بها من الهناة والقذاة ، ما شوّه صفحة ابن عباس ببعض السيئات.

روايات تافهة :

لقد وردت بعض الروايات الّتي لم تسلم سنداً حتى تستحق الوقوف عندها كثيراً ، تدين ابن عباس في إعلانه مخالفته لإمامه في أحكام فقهية ، أو إجراءات قضائية ، أو آراء سياسية ، فكيف يمكن تصديق الرواة في ذلك ، وهو الّذي كان يقول : « إذا حدّثنا الثقة بفتيا عن عليّ لم نتجاوزها »(2) وفي لفظ : « إذا حدّثنا ثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها »(3) ، ثمّ هو القائل لخارجي سأله عن الإمام فأجابه حتى قال له : « أعليّ أعلم عندك أم أنا؟ فقال : لو كان عليّ أعلم عندي منك لما سألتك فغضب ابن عباس حتى اشتد غضبه ثمّ قال : ثكلتك أمك ، عليّ علّمني ، وكان علمه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه ، فعلم النبيّ من الله ،

____________

(1) التذكرة / 273 ط دار المنار سنة 1418.

(2) طبقات ابن سعد 2ق2 / 100 ط ليدن ، والاستيعاب 3 / 39.

(3) سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 628 ط دار الفكر ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 171.


وعلم عليّ من النبيّ ، وعلمي من علم عليّ ، وعلم أصحاب محمّد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر »(1) .

لذلك فأنا لا أكاد أصدّق الرواة الذين رووا لنا : « انّ ابن عباس أتي إليه بكتاب فيه قضاء عليّ (عليه السلام) فمحاه إلاّ قدر ذراع »(2) .

كيف وهو الّذي كان مجداً في اتباع سنّة الإمام وهديه حتى في أحرج الأوقات الّتي مرّت به في عهد معاوية.

فقد روى النسائي في سننه ، والبيهقي في سننه الكبرى عن سعيد بن جبير قال : « كان ابن عباس بعرفة فقال : يا سعيد ما لي لا أسمع الناس يلبّون؟ فقلت : يخافون معاوية ، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال : لبّيك اللّهمّ لبّيك وان رغم أنف معاوية ، اللّهمّ العنهم فقد تركوا السنّة من بغض عليّ »(3) .

وقال السندي في تعليقه على سنن النسائي : « من بغض عليّ » أي لأجل بغضه ، أي وهو كان يتقيّد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضاً له.

وسيأتي مزيد بيان وايضاح في آرائه الفقهية.

وقد مرّ بنا في حياته بالبصرة في توجيهه العلمي والديني ما يصلح أن يكون شاهداً على مدى التوافق بين ابن عباس وإمامه فتياً وعملاً ، وحسبك مراجعة مسألة تعريفه بالبصرة وقد مرّ بحثها مفصّلاً فراجع.

ومسألة بعث الهدي من مكانه ويبقى محرماً حتى يذبح.

____________

(1) أمالي الطوسي / 7 ط حجرية 1 / 11 مط النعمان ، وعنه في بحار الأنوار 8 / 465 ط حجرية.

(2) مقدمة صحيح مسلم 1 / 11.

(3) سنن النسائي ـ المجتبى ـ 5 / 253 ، والسنن الكبرى 5 / 113.


أمّا الآن فأشير إلى ورود بعض الروايات الّتي وصفتها بالتفاهة لعدم سلامة أسانيدها ، ولا متونها من المناقشة وهي في المسائل التالية :

1 ـ مسألة تحريق الغلاة ـ الزط ـ بالبصرة بعد حرب الجمل.

2 ـ مسألة تحريق الزنادقة بالكوفة بعد حرب الخوارج ، وهاتان المسألتان مختلفتان زماناً ومكاناً ورواة وقد خفى أمرهما على بعض الباحثين فتخيّلهما مسألة واحدة ، فالأولى كانت بالبصرة والثانية بالكوفة ، والأولى بعد واقعة الجمل ، والثانية في أواخر خلافة الإمام (عليه السلام) والأولى يرويها أنس بن مالك والثانية يرويها عكرمة.

قال طه حسين في الفتنة الكبرى : « وقد روى المؤرخون أنّ أناساً من أهل الكوفة ارتدوا فقتلهم ثمّ حرقهم بالنار ، وقد ليمَ في ذلك من ابن عباس. وأظن أنّ هذه القصة هي الّتي غلا خصوم الشيعة فيها فزعموا أنّ هؤلاء الناس ألّهوا عليّاً.

ولكن المؤرخين والثقاة منهم خاصة ، يقفون من هذه القصة موقفَين : فمنهم من يرويها في غير تفصيل كما رويتها ، ومن هؤلاء البلاذري. ومنهم من لا يرويها ولا يشير اليها كالطبري ومن تبعه من المؤرخين.

وإنّما يُكثر في هذه القصة أصحاب الملل والمخاصمون للشيعة. وما أرى إلاّ أنّ القوم يتكثرون فيها ويحمّلونها أكثر ممّا تحتمل كما فعلوا في أمر ابن السوداء اهـ »(1) .

قال شيخنا المفيد قدس الله روحه ـ تعقيباً على مسألة التحريق ونقد ابن عباس وندم الإمام على احراقهم ـ : « وهذا من أظرف شيء سمع وأعجبه ، وذلك

____________

(1) الفتنة الكبرى (عليّ وبنوه) 2 / 166 ط دار المعارف.


أنّ ابن عباس أحد تلامذته والآخذين العلم عنه ، وهو الّذي يقول : كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجلس بيننا كأحدنا ويداعبنا ويباسطنا ، ويقول : والله ما ملأت طرفي منه قط هيبة له ، فكيف يجوز مِن مثل مَن وصفناه التقدّم على أمير المؤمنين في الفتيا وإظهار الخلاف عليه في الدين ، لا سيما في الحال الّتي هو مظهر له فيه الإتباع والتعظيم والتبجيل ، وكيف ندم على احراقهم ، وقد أحرق في آخر زمانه (عليه السلام) الأحد عشر الذين ادعوا فيه الربوبية ، أفتراه ندم على ندمه الأوّل؟ كلا ، ولكن الناصبة تتعلق بالهباء المنثور »(1) .

وقال ابن أبي الحديد : « وهل أخذ عبد الله بن عباس الفقه والتفسير إلاّ عنه (عليه السلام) »(2) .

ومهما يكن أمر هؤلاء وأمر أولئك فسوف نبحث المسألة من الناحية الفقهية في (الحلقة الثالثة) إن شاء الله تعالى في بحث : (مسألة التحريق بين التشريع والتطبيق).

3 ـ مسألة نكاح المتعة.

4 ـ مسألة لحوم الحمر الإنسية(3) .

5 ـ مسألة الصرف الّتي شُنّع عليه فيها كثيراً حتى قالوا انّه رجع عنها وتاب قبل موته بثلاثة أيام.

إلى غير ذلك ممّا سنتعرّض له في (الحلقة الثالثة) في آرائه الفقهية إن شاء الله تعالى.

____________

(1) الدرجات الرفيعة للمدني / 117.

(2) نفس المصدر / 118.

(3) سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 628 ط دار الفكر ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 171.


أمّا عن الروايات الّتي ذكرت له مخالفات في آرائه السياسية : فأول حادث وحديث هو ما مرّت الإشارة إليه في أوّل خلافة الإمام (عليه السلام) في قضية مشورة المغيرة ، ورأي ابن عباس فيها ، واتخذها الكتّاب المحدثون سنداً في تجنّيهم على الإمام في سياسته حتى أشاعوا بين قرّائهم نفثاتهم فشل تلك السياسة حتى جرت عليه خوض الحروب ، فرأيت لزاماً عليّ أن أذكر بعض آراء الذين أنصفوا أنفسهم وأنصفوا قرّاءهم حين وعوا حقيقة الإمام وحقيقة سياسته ، وفنّدوا تلك المفاهيم الخاطئة ، فإلى قراءة في ذلك.

مفاهيم خاطئة عن سياسة الإمام!

لك الله يا أبا الحسن كم تجنّى عليك المسلمون قديماً وحديثاً ، ولئن كان سيفك أزهق الكفار والمشركين فأورثك عداوة أبنائهم من الأولين ، فما بال الآخرين ثارت بلابل أشجانهم وأحزانهم فسفّت أحلامهم وأقلامهم فتجنّوا عليك بأنك رجل حرب وشجاع ، وليس رجل دولة وقيادة ، واتخذوا من سياستك الّتي هي جزء من دينك ، ومن صرامتك وصراحتك ، ذريعة للتطاول عليك. فجعلوا من مشورة المغيرة بن شعبة شاهداً ، ومن رأي ابن عباس عاضداً. حين أعرضت عنهما عامداً ، فيما عرضاه من إبقاء عمّال عثمان عاماً واحداً ، فأبيتَ أن تتخذ المضلّين عضدا ، حتى رووا أنّ ابن عباس قال لك في مشورته ما لا يكاد أن يُصدّق!

فقد روى الطبري وغيره عنه قوله : « أنت رجل شجاع لست بأرب الحرب ، أما سمعت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يقول : (الحرب خدعة) فقلت : بلى ، فقال ابن عباس : أما والله لئن أطعتني لأصدرنّ بهم بعد وِرد ، ولأتركنّهم


ينظرون في دُبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها ، في غير نقصان عليك ولا أثم لك » وقد مرّ ذكرنا له.

فيا لله هل أنّ ابن عباس كان أبصر بصواب الرأي منك؟ انّها لإحدى الكُبر.

فابن عباس هو القائل عنك للمغيرة : « كان والله أمير المؤمنين (عليه السلام) أعرف بوجوه الرأي ومعاقد الحزم وتصريف الأمور من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه وعنّف عليه ـ إلى آخر ما قال » وقد تقدم منا ذكره.

فهل يصح أن نقبل ما رواه الرواة وفي النفس من رواياتهم ما يبعث على الاشمئزاز؟!

وهذا الموقف زلّت فيه أقدام وأقلام فتجنّى غير واحد على الإمام ، حتى بلغت القحة ببعض المستشرقين ـ مثل نيكلسون ـ أن يقول : « كان عليّ يعوزه حزم الحاكم ودهاؤه برغم ما كان يمتاز به من الفضائل الكثيرة ، فقد كان نشيطاً ذكياً بعيد النظر ، بطلاً في الحرب ، مشيراً حكيماً وفياً ، شريف الخصومة ، نبغ في الشعر والبلاغة ، واشتهرت أشعاره وخطبه في الشرق الإسلامي وكانت تنقصه الحنكة السياسية وعدم التردد في اختيار الوسائل أياً كانت لتثبيت مركزه ، ومن ثمّ تغلّب عليه منافسوه الذين عرفوا أوّل الأمر أنّ الحرب خدعة ، والذين كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أيّ جرم يبلغ بهم الغاية ويكفل لهم النصر »(1) .

والعجب كلّ العجب أن يكون قد تبنى هذا الرأي أخوان مسلمان مصريان هما الدكتور حسن إبراهيم حسن وأخوه الدكتور عليّ إبراهيم حسن في كتابهما

____________

(1) أنظر تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي 1 / 294 ط مكتبة النهضة بمصر سنة 1953.


النظم الإسلامية ، فقد قالا : « أراد عليّ أن يحكم وفق التقاليد الّتي سادت زمن النبيّ وأبي بكر وعمر ، مع أنّ الأحوال كانت تستلزم شيئاً من السياسة والدهاء ، فقد بادر بعزل ولاة عثمان ولم يصغ لنصيحة بعض الصحابة له بابقائهم حتى تهدأ الحالة وتستقر الأمور ممّا حدا بالاستاذ نيكلسون إلى القول بأنّه كان ينقصه حزم الحاكم ودهاؤه وتعوزه الحنكة السياسية »(1) .

وهذا منهما يقضي العجب! كيف كتبا ذلك؟

ومهما أغضينا عن الكاتب المسيحي نيكلسون لأنّه على أسوأ الظنون يريد الوقيعة بالإسلام ورجالاته ، وعلى أحسن الظنون فهو بعيد عن الإسلام ولا يعرف أحكام الإسلام ، وما الّذي توجبه على خليفة المسلمين من إقامة صرح حكمه على الحقّ والعدل لا على المخادعة والمواربة ، فإنّا لا نعذر الأخوين المسلمين ، فلديهما من عدة الثقافة ما أتاح لهما التأليف في النظم الإسلامية ، ولا شك أنهما اطّلعا على كثير من المصادر الّتي أوضحت السبب في انتهاج الإمام لتلك السياسة ، وأخص بالذكر الدكتور حسن إبراهيم حسن فقد ذكر في مصادر كتابه تاريخ الإسلام السياسي كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، وفي هذا الكتاب ما يدفع زلة الأقلام ويبين عذر الإمام ، وإلى القارئ نبذة منه ممّا قال : « وأمّا قول ابن عباس له (عليه السلام) : ولّه شهراً واعزله دهراً ، وما أشار به المغيرة بن شعبة فإنّهما قالا ما توهّماه ، وما غلب على ظنونهما وخطر بقلوبهما. وعليّ (عليه السلام) كان أعلم بحاله مع معاوية وأنها لا تقبل العلاج والتدبير ، وكيف يخطر ببال عارف

____________

(1) النظم الإسلامية / 23 ط الثانية.


بحال معاوية ونكره ودهائه وما كان في نفسه من عليّ (عليه السلام) من قتل عثمان ومن قبل قتل عثمان انّه يقبل إقرار عليّ (عليه السلام) له على الشام وينخدع بذلك ويبايع ويعطي صفقة يمينه ، إنّ معاوية لأدهى من أن يكاد بذلك. وإن عليّاً (عليه السلام) لأعرف بمعاوية ممّن ظن أنّه لو استماله بإقراره ليبايع له ، ولم يكن عند عليّ (عليه السلام) دواء لهذا المرض إلاّ السيف ، لأن الحال إليه كانت تؤل لا محالة فجعل الآخر أوّلاً »(1) .

وليتني كنت أدري كيف استساغ الأخوان أن يتبعا أستاذهما نيكلسون في وصفه الإمام بعدم الحزم والدهاء!! ألم يقرأوا ردّ الإمام على المغيرة وعلى ابن عباس في عدم جواز إبقاء عمال عثمان ومعاوية خاصة في مناصبهم؟ ألم يكن عزلهم واستبدالهم بمن هو أنقى وأتقى هو عين الحزم؟ ولو كان رضي بما أشار عليه المشيران ، لانتقضت عليه العرب كلها ، ولأعادوها جذعة ثمّ ساروا إليه فقتلوه كما قتل عثمان.

أليس من الدهاء السياسي فضلاً عن الواجب الديني تطهير الجهاز في مناصب الدولة من عناصر الفساد؟ هل من الدهاء أن يكون ولاة الخليفة اليوم هم الولاة بالأمس ، وهم الذين حكموا البلاد فأكثروا فيها الفساد ، فصب الناس عليهم وعلى خليفتهم سوط النقمة حتى أدى ذلك إلى قتله؟

ولم يكن الاخوان واستاذهما بدعاً. فقد كان لهم أشباه وأشباه. قال الدكتور أحمد شلبي : « ويوشك المؤرخون والمستشرقون أن يجمعوا على لوم عليّ على هذا العمل ـ عزل الولاة واسترداد القطائع ـ وهم جميعاً تقريباً يصرّحون

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 579 ـ 584.


أنّ التوفيق أخطأ عليّاً ، وأن ذلك لم يكن من الحكمة. والّذي اعتقده أنّ ذلك الحكم على عليّ مبالغ فيه ، وانّه من الأقوال الّتي تشاع فيأخذها الناس دون دراسة وبغير تمحيص ، وللتدليل على ذلك نسأل الأسئلة التالية :

1 ـ هل كان من الممكن أن يحتج عليّ على الولاة الظالمين وأن يطلب من عثمان عزلهم حتى إذا تولى هو الخلافة تركهم؟

2 ـ وهل كان من الممكن أن يثور على القطائع الّتي أعطيت ظلماً لأقارب الخليفة حتى إذا تولى هو الخلافة أقرّها؟

3 ـ وهل كان التمرّد الّذي عاناه ناشئاً عن عزل الولاة واسترداد القطائع؟ وإذا كان كذلك فلماذا تمرّد طلحة والزبير(1) وشنّا على عليّ حرب الجمل؟

4 ـ وهل يتخيّل المؤرخون أنّ معاوية كان سيبايع عليّاً ويسير في ركابه لو لم يُعزل؟

5 ـ وأخيراً هل يمكن أن نطلب من عليّ أن يكون شخصاً آخر غير عليّ.

إن مطالبة عليّ بترك والٍ ظالم في الولاية ، أو الإغضاء عن مال أخذ من بيت مال المسلمين من دون حقّ هو بمثابة أن نطلب من الأسد أن يصبح هراً وهيهات أن يكون ذلك.

لعل من الأفضل للمؤرخين أن يقولوا : إنّ ذلك الوقت لم يكن الوقت الملائم لعليّ ليصبح خليفة ، وكان من الخير للمسلمين أن يتولى الخلافة في ذلك الوقت شخص آخر غير عليّ(2) شخص يستطيع أن يدور وأن يداهن ، شخص لم

____________

(1) ونضيف نحن اليهما عائشة لماذا خرجت؟

(2) أنظر تاريخ الطبري 3 / 459.


يشترك في الأحداث السابقة ، او اشترك فيها بنصيب ضئيل ، ولكن يجب ألاّ ننسى أنّ أيّة محاولة لتولية شخص غير عليّ حينذاك كان لابدّ من فشلها ، فتولية عليّ كانت قد أصبحت أمراً طبيعياً كما سبق القول.

والخلاصة أنّ تولية عليّ كانت طبيعية ، وأنّ سلوكه كان طبيعياً ، وأنّ التمرّد الّذي واجهه عليّ كان طبيعياً أيضاً وكان نتيجة لسير الأحداث وكان صراعاً على السلطة وإن اتُخذ من أسبابه قتل عثمان ، أو المطالبة بثاره ، أو عزل الولاة ، او استرداد ما سُلب من بيت المال.

ويقول محمّد بن سيرين : ما علمتُ أنّ عليّاً أتّهم في دم عثمان حتى بويع ، فلمّا بويع اتهمه الناس(1) »(2) .

وأخيراً لقد تبيّن للقارئ مدى الجناية الّتي لحقت بالإمام نتيجة سياسته الحكيمة ، فظن من لا حريجة له في الدين أنّ الخلاف الّذي نشب في أيام خلافته ، لأنّه لم يأخذ بنصائح المغيرة وابن عباس ، وقد بيّنا ما يتعلق بابن عباس وشككنا في صدق الرواة فيما هو الثابت الصحيح عنه.

وأمّا المغيرة كيف يتوقع من الإمام أن يقبل بمشورته ، وهو الّذي كان يعرفه بدءاً وختاماً ، كفراً وإسلاماً ، حرباً وسلاماً؟!

هلم فلنقرأ ما رواه إبراهيم بن محمّد الثقفي في كتابه الغارات عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله قال : « ذكر المغيرة بن شعبة عند عليّ (عليه السلام) وجَدّه مع معاوية. قال : وما المغيرة؟ إنّما كان إسلامه لفجرة وغدرة غدرها بنفر من

____________

(1) العقد الفريد لابن عبد ربه 4 / 305.

(2) التاريخ الإسلامي 1 / 335 ـ 337 ط الخامسة / 1970.


قومه ، فتك بهم وركبها منهم ، فهرب منهم فأتى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كالعائذ بالإسلام ، والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الإسلام خضوعاً وخشوعاً.

ألا وانّه كان من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة يجانبون الحقّ ويسعرون نيران الحرب ويوازرون الظالمين ، ألا إنّ ثقيفاً قَومٌ غُدر لا يوفون بعهد ، يبغضون العرب كأنّهم ليسوا منهم ، ولربّ صالح قد كان فيهم ، فمنهم عروة بن مسعود وأبو عبيد بن مسعود المستشهد يوم قسّ الناطف ، وإنّ الصالح في ثقيف لغريب »(1) .

ولا تزال تعيش الفكرة الخاطئة في كثير من الأدمغة الّتي ترى الميكافلية السبيل الأقوى إلى بلوغ الغاية ، ولا تنظر إلى السبيل الأقوم ، حتى كانوا يرون في بلوغ معاوية إلى سدة الحكم حجة لهم. وانّه كان داهية ولم يكن الإمام كذلك ، وقد فاتهم قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ولكن دونها حاجز من تقوى الله. وللردّ على هؤلاء فلنقرأ أوّلاً : ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) : « والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدُر ويفجُر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى العرب ، ولكن كلّ

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 363 ـ 364 ط مصر الأولى ، وكتاب الغارات / 516 تحقيق السيّد جلال الدين الحسيني ، وغدرة المغيرة وفجرته ، ذكرها من المؤرخين ابن هشام في سيرته عند صلح الحديبية 2 / 313 ط مصر سنة 1375 ، وذكرها ابن جرير الطبري في تاريخه في حوادث السنة السادسة 1 / 1537 ط أوربا. والواقدي في المغازي تحت عنوان : غزوة الحديبية 2 / 595 وهو أوسع من ذكر ذلك. وابن الأثير 2 / 76 وغيرهم وملخصها بلفظ ابن هشام : فقال عروة : من هذا يا محمّد؟ قال : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال : أي غَدر وهل غسلت سوأتك إلاّ بالأمس؟ قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك من ثقيف ، فتهايج الحيّان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين ، والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر.


غدرة فجرة ، ولكلّ فجرة كفرة ، ولكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة ، والله ما أُستغفل بالمكيدة ، ولا أُستغمز بالشديدة »(1) .

ولنذكر في هذا المقام ما حكاه ابن أبي الحديد عن أبي عثمان ـ الجاحظ ـ قال أبو عثمان : « وربّما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز ، وهو من العامة ، ويظن أنّه من الخاصة ، يزعم ان معاوية كان أبعد غوراً ، وأصح فكراً وأجود رويّة ، وأبعد غاية ، وأدّق مَسلكاً ، وليس الأمر كذلك ، وسأومي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه ، والمكان الّذي دخل عليه الخطأ مِن قبله.

كان عليّ (عليه السلام) لا يستعمل في حربه إلاّ ما وافق الكتاب والسنّة ، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة كما يستعمل الكتاب والسنّة ، ويستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها ، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى ، وخاقان إذا لاقى رتبيل ، وعليّ (عليه السلام) يقول : لا تبدؤهم بالقتال حتى يبدؤوكم ولا تتبعوا مُدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مغلقاً. هذه سيرته في ذي الكلاع وفي أبي الأعور السُلمي وفي عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وفي جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية والحشو والأتباع والسفلة ، وأصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيتوا ، وان قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا ، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة ،

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 572 ، وشرح محمّد عبده 2 / 206 وجاء في حديث ابن أبي شيبة في كتاب الجمل من مصنفه 15 / 251 ط باكستان قول كليب الجرمي وقد دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار فقال : قدمت على أدهى العرب ـ يعني علياً ـ وقد أخرج الطبري الحديث بكامله وفيه شهادة الجرمي بأن علياً من أدهى العرب ـ راجع 4 / 491.


وإن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق

فمن اقتصر ـ حفظك الله ـ من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وما لا يتناهى من المكايد ، والكذب ـ حفظك الله ـ أكثر من الصدق ، والحرام أكثر عدداً من الحلال فعليّ (عليه السلام) كان ملجماً بالورع عن جميع القول إلاّ ما هو لله (عزّ وجلّ) رضاً ، فصار ممنوع اليدين من كلّ بطش إلاّ ما هو لله رضاً ولا يرى الرضا إلاّ فيما يرضاه الله ويحبه ، ولا يرى الرضا إلاّ فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة ، دون ما يعوّل عليه أصحاب الدهاء والمكر والمكايد والآراء ، فلمّا أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد وكثرة غرائبه في الخداع ، وما اتفق له وتهيّأ على يده ولم يروا ذلك من عليّ (عليه السلام) ، ظنوا بقصر عقولهم وقلة علومهم ان ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند عليّ (عليه السلام) »(1) .

وهذا الحال ذكره غير واحد من الكتاب المعاصرين.

منهم الكاتب أحمد عباس صالح ، قال في كتابه اليمين واليسار : « وكان عليّ بن أبي طالب يمثل في نظر غالبية المسلمين الرجل الوحيد الأقرب إلى روح الإسلام وأصوله الصحيحة ، ولكنه في نفس الوقت يمثل السياسي المتشدد أو على الأصح الأكثر تشدداً من عمر بن الخطاب نفسه ، وهو الأمر الّذي جعل الكثيرين من القادة والطامحين والمستفيدين ينظرون إلى تولية عليّ بن أبي طالب نظرة حذر وتردّد. وأصحاب المصالح لم يستطيعوا أن يحتملوا عمر ، ابن

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 577 ط مصر الأولى.


الخطاب ، فأولى بهم أن يتخوفوا من عليّ وأن يعملوا جهدهم ألاّ يصل إلى الخلافة »(1) .

ومنهم الدكتور هشام جعيّط (تونسي) ، قال في كتابه الفتنة ما يلي : « هناك في التراث التاريخي العربي ميل شديد إلى إظهار عليّ على أنّه سياسي رديء ، وحتى كأنه رجل محدود(2) وفي المقابل هناك ميل إلى اعتبار معاوية ذا حسّ سياسي عميق. وليس في ذلك فقط انعكاس لواقع ، أو على العكس ، تعبير عن شبكة رقيقة من الروايات المعادية لعليّ ، بل هناك أيضاً الميل الغالب على العقل البشري لرفض الكمال وإلى مساواة اللعبة ، وإلى تمييز مجالات الأنشطة ، فبما ان التقوى هي نصيب عليّ ، فعندئذ تكون السياسة نصيب معاوية.

وحتى أننا نلاحظ في الموروث التاريخي المؤيد لعليّ إلى حد كبير ، نزوعاً غامضاً إلى التشديد على دهاء معاوية ، يكون في آنٍ عبقرية استراتيجية ومكر يستحق الإعجاب والإدانة.

في الواقع ليست الاُمور بهذه البساطة : فقد كان عليّ سياسياً اكثر ممّا يُعتقد ، وكان معاوية استراتيجياً أقل كياسة ، وكان بالأخص أقل مكراً ممّا جرت العادة على وصفه.

وبعد يبقى صحيحاً أنّ عليّاً كان بوجه خاص قد عرف تجربة المرحلة التاريخية النبوية المحصورة في المجال الحجازي والعربي على الأكثر ، وأنه لم

____________

(1) اليمين واليسار في الإسلام / 97 ـ 98 ط المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 1972.

(2) هذه روايات من أصل أموي وأما من أصل عباسي. راجع مثلاً الطبري 4 / 439 حيث يبرز الواقدي على المسرح علياً وابن عباس ، علياً والمغيرة بن شعبة ، وحيث يبدو عليّ مفتقراً إلى الحسّ السياسي بالمقارنة مع الرجلين.


يُرَد له ، أو أنّه هو ذاته لم يُرِد إقحام نفسه في مغامرة الفتح ، وبالتالي توسيع آفاقه ، بينما كان معاوية قد وجد نفسه طيلة / 20 سنة مشاركاً في تنظيم الامبراطورية وإدارتها »(1) .

ومنهم الشيخ العلائلي ، في كتابه القيم سموّ المعنى في سموّ الذات ، وقد بحث (أسباب فشل سياسة عليّ (عليه السلام) ونجاح السياسة المعادية) كما عنون ذلك ، فقال : « والحقّ أنا إذا درسنا سياسة عليّ (عليه السلام) وسياسة معاوية ، على مناهج علوم النفس والسياسة والاجتماع والقانون ، رأينا عمق سياسة عليّ ونفوذها ورجاحة خططه ، ونرى أيضاً كيف يبني ويهدم تبعاً لنظر دقيق وتفكير موفّق ، وانما جاء فشلها من نواح :

(1) انّ التربية الدينية لم تشمل العرب على وجه صحيح ، ولم يعن الخلفاء بنشرها على الطريقة الوجدانية الّتي اختمرت في نفس أبي ذر (رضي الله عنه) فقام ينشرها مجتهداً ثمّ ذكر أسباب ذلك التخلف في الشعور الديني عند العرب ثمّ قال : إذاً فقد كان أخذ عليّ (عليه السلام) لهؤلاء بالسياسة الدينية الصارمة وهم على غير استعداد لها سبباً من أسباب الفشل.

(2) سياسة عليّ (عليه السلام) القانونية ، فقد كان يلتمس لكل اجراآته وجوهاً من القانون أي دينية ، ويجتهد في ايضاحها قبل أن يقوم بحركة ما ، ولا شك في أنّ طبيعة القانون غير طبيعة الظروف المفاجآت هذا سبب ثان للفشل ، بينما كانت

____________

(1) الفتنة / 186 ، جدليّة الدين والسياسة في الإسلام المبكر ـ ترجمة خليل أحمد خليل استإذ المعرفة والفلسفة ـ الجامعة اللبنانية بمراجعة المؤلف. ط دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت ط الثالثة سنة 1995.


سياسة معاوية لا تتقيد بحدود ولا بأوضاع ، وإنّما تركب كلّ صعب وذلول في سبيل أغراضها ، وكذلك كانت سياسة مستشاره عمرو

هذا ميزان نستطيع أن نزن به سياسة عليّ (عليه السلام) ومعاوية ، فقد كان عليّ محافظاً دينياً لا يمكنه أن يحمل الناس إلاّ على قانونه الخاص الّذي يسيطر عليه ، ولا يتحلل من أسره ، ولذلك هو يلتمس لنفسه شواهد من القانون تبرّر عمله ، فإن لم يجدها أحجم إحجام المذعور ، ومن ثمّ لا يعطي أذنه لأي ناصح مهما علم صدقه وصدق رأيه ما دام لا يتفق مع الدين (القانون الّذي يحترمه عليّ (عليه السلام) ويعمل به).

بينما كان معاوية متحللاً من هذا القيد ، فلم تكن سياسته قانونية بل سياسة ظرفية ، ومن ثمّ كانت قمينة بالنجاح وجديرة بأن لا تفشل.

(3) روح العراق الّتي كانت قَبَليّة في ذلك العهد على شكل وبيل فظيع ، إذ كان يجمع أقواماً من قبائل شتى وجهات مختلفة تقوم في مجموعها على التقليد البدوي القديم الّذي لم يؤثر فيه الإسلام شيئاً ، لأنّه لم يهاجمه في محل العقيدة ومكان الضمير ، وإنّما هاجمه في الأعمال الظاهرة والشكل الصوري فقط وبهذا أعلل كلّ الإضطرابات الّتي ثارت في محيط العرب ، وأبرزها إكراه خليفة كعليّ (عليه السلام) لقبول التحكيم وتهديده بأن يفعل به كما فعل بعثمان (رضي الله عنه) ولقد قال عليّ كرّم الله وجهه في كلمة له : (لا رأي لمن لا يطاع)

(4) من القضايا الثابتة أنّ البدوي يؤخذ بالاحتكام والخوف والسيطرة ، وبعث الرعب في نفسه والتظاهر عليه بالقوة

هذه أسباب اجتمعت على فشل سياسة عليّ.


وقال : إنّ المقدرة السياسية لا تقاس بمقدار النجاح بل بمقدار ما تكون مقدماتها التعليلية صحيحة ، لأنّ الفشل كثيراً ما يكون نتيجة مفاجأة لم تكن في الحسبان كما وقع لعليّ (عليه السلام) بالفعل في حركة الخوارج ، ولولاها لكان نجاحها مضموناً أو محتوماً »(1) .

ومنهم الدكتور طه حسين ، يقول في كتابه علي وبنوه في حديثه عن فرار مصقلة بن هبيرة إلى معاوية : « يظهر الفرق واضحاً بين مذهب عليّ في السياسة الّتي تخلص للدين ، ومذهب معاوية في السياسة الّتي تخلص للدنيا »(2) .

وقال : « وهذه السيرة الّتي سارها عليّ في عمّاله هي نفس السيرة الّتي سارها في الناس ، فلم يكن يُطمع الناس في نفسه ، ولم يكن يوئيسهم منها ، وإنّما كان يدنو منهم أشد الدنوّ ما استقاموا على الطريق وأدّوا الحقّ ، فإن انحرفوا عن الجادة أو التووا ببعض ما يجب عليهم بَعُد عنهم أشدّ البعد ، وأجرى فيهم حكم الله غير مصطنع هوادة أو رفقاً »(3) .

وقال أيضاً : « فقل إذاَ في غير تردّد : انّ أوّل الظروف الّتي كانت تقتضي أن يخفق عليّ في سياسته هو ضعف سلطان الدين على نفوس المحدثين من المسلمين ، وتغلّب سلطان الدنيا على هذه النفوس »(4) .

وقال : « كان عليّ يدبّر خلافة ، وكان معاوية يدبّر ملكاً وكان عصر الخلافة قد انقضى وكان عصر الملك قد أظلّ »(5) .

____________

(1) سمو المعنى في سمو الذات / 49 مط عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر سنة 1358.

(2) عليّ وبنوه / 128 ط دار المعارف.

(3) نفس المصدر / 166.

(4) المصدر السابق / 177.

(5) نفس المصدر / 181.


ومنهم الاستاذ عباس محمود العقاد ، يقول في كتابه عبقرية الإمام : « فالسياسة الّتي اتبعها الإمام هي السياسة الّتي كانت مقيّضة له مفتوحة بين يديه ، وهي السياسة الّتي لم يكن له محيد عنها ، ولم يكن له أمل في النجاح إن حاد عنها إلى غيرها

ومهما يكن من حكم الناقدين في سياسة الإمام فمن الجَور الشديد أن يُطالب بدفع شيء لا سبيل إلى دفعه ، وأن يحاسب على مصير الخلافة وهي منتهية لا محالة إلى ما انتهت إليه

ومن الجور الشديد أن يلقى عليه اللوم لأنّه باء بشهادة الخلافة ولابدّ لها من شهيد.

وقد تجمعت له أعباء النقائض والمفارقات الّتي نشأت من قبله ، ولم يكد يسلم منها خليفة من الخلفاء بعد النبيّ صلوات الله عليه

وقد نُقدت سياسة عليّ لفوات الخلافة منه قبل البيعة ، كما نُقدت سياسته لفوات الخلافة منه بعد البيعة ، واحصى عليه بعض المؤرخين أنّه تأخر نيّفاً وعشرين سنة فلم يخلف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يخلف أبا بكر ، ولم يخلف عمر كأنّه كان مستطيعاً أن يخلف أحداً منهم بعمل من جهده وسعي من تدبيره ، فأعياه السعي والتدبير »(1) .

ثمّ ساق العقاد ما براه بمنظوره الخاص من أسباب العوائق الّتي حالت بين الإمام وبين الخلافة قبل وصولها إليه ، فذكر جملة منها ما صح وفيها ما لا يصح ، غير انّه ختم كلامه فقال : « وكلّ سياسة له لم تكن لتحيد به عن الخاتمة

____________

(1) عبقرية الإمام / 773 العبقريات الإسلامية.


المحتومة أقل محيد. وكلّ ما كان من تدبير الحوادث أو من تدبيره فهو على هذا الملتقى الّذي يتلاحق عنده الاسراع والإبطاء ـ إلى أن قال ـ : وتقضي بنا هذه التقديرات جميعاً إلى نتيجة واضحة نلخصها في كلمات وجيزة ونعتقد أنها أعدل الأقوال في وصف تلك السياسة الّتي كثرت مطارح النقد والدفاع.

فسياسة عليّ لم تورّطه في غلطات كان يسهل عليه اجتنابها باتباع سياسة أخرى. وهي كذلك لم تبلغه مآرب مستعصية ، كان يعز عليه بلوغها في موضعه الّذي وضع فيه وعلى مجراه الّذي جرى عليه.

فليست هي علة فشل منتزع ، ولا علة نجاح منتزع ، أو هي لا تستدعي الفشل من حيث لم يخلق ، ولا تستدعي النجاح من حيث لم يسلس له قياد

ورأينا في سياسته فهماً وعلماً ، ولكننا لم نر فيها الحيلة العملية الّتي هي إلى الغريزة أقرب منها إلى الذكاء

فكان نعم الخليفة ، لو صادف أوان الخلافة

وكان نعم الملك لو جاء بعد توطيد المُلك واستغنائه عن المساومة والإسفاف. ولكنه لم يأت في أوان الخلافة ولا في أوان مُلك مُوطّد ، فحمل أعباء النقيضين وأخفق حيث ينبغي أن يخفق أو حيث يعييه أن ينجح ، وتلك آية الشهيد »(1) .

وقال العقاد أيضاً : « ثمّ يفترق الناس في رأيه إلى رأيين وإن لم يكونوا من الشانئين المتحزبّين ، فيقول أناس إنّه كان على قسط وافر من الفهم والمشورة ، ولكنه عند العمل لا يرى ما تقضي به الساعة الحازبة ، ولا ينتفع بما يراه ، ويقول أناس : بل

____________

(1) نفس المصدر / 773.


هو الاضطرار والتحرّج يقيدانه ولا يقيّدان أعداءه ، وإنّهم لدونه في الفطنة والسداد وهو (رضي الله عنه) قد اعتذر لنفسه بمشابه من هذا العذر حين قال : (والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى العرب) »(1) .

ومنهم عبد الوهاب النجار ، قال في كتابه تاريخ الخلفاء : « إننا إذا نظرنا إلى عليّ من جانب الدين وحب الحقّ والزهد في الدنيا والإعراض عن زخارفها وزينتها وجدناه يمشي في صف أبي بكر وعمر لا يتخلف عنهما قيد خطوة.

وإذا نظرنا من جهة الفقه في أحكام الدين والعلم بجزئيات فروع الشريعة وجدناه يسبقهما. أمّا من حيث تدبير الملك وسياسة الرعية ومقاربة العامة ، والتنبّه لدقائق السياسة والأخذ على شكائم القوم والإحاطة بأحوالهم ، فإنّه يتأخر عن الرجلين في هذا المقام. مع سعة درايته وقوة عارضته ، لأنّ الأقوال في السياسة وحسن الملكة والإعراب عن دقائق ذلك شيء ، وإفاضة ذلك على الرعية وبسط النفوذ على الكافة وإخضاعهم للإرادة شيء آخر.

وقد يمر بنا شيء من ذلك ومن تعليل عدم نجاحه في جمع كلمة الأمة. والسرّ في ذلك سوء الأحوال الّتي تولى فيها. وعندي أنّ الوقت لو صفا لعليّ (رضي الله عنه) وواتته المقادير باستتباب الراحة واجتماع الكلمة ، لأذاق الأمة حلاوة العدل ، وحملهم على الجادة وسار بهم في طريق الفتوح ، وبسط نفوذ الإسلام وإعزاز كلمته بما لم يدع مقالاً لقائل ، ولله في خلقه شؤون.

ويكفي من ينظر في أمر عليّ أنّه لم يوجد عنده من المال سوى سبعمائة درهم كان أرصدها لشراء خادم له لم يكن عنده سواها ، وفي رعيته من يملك

____________

(1) نفس المصدر / 699 مجموعة العبقريات الإسلامية.


عشرات الآلاف ومئات الآلاف ، ولم يكن مترفهاً في معيشته ولا متوسعاً كما كان معاوية أو عثمان ، بل كان من طراز أبي بكر وعمر »(1) .

أقول : ومهما كانت آراء من سبق من الباحثين متفاوتة في تقييمهم لسياسة الإمام (عليه السلام) ، لكنها متفقة على أنّه (عليه السلام) كان المصيب في عزله ونصبه ، وسلمه وحربه ، متبعاً أمر ربّه ، لذلك لم تكن الخلافة عنده تساوي شسع نعل إلاّ أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً.

وقد قال أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ : « إنّ عليّاً ما زانته الخلافة ولكن هو زانها ».

وتعقّبه ابن الجوزي بعد أن حكى ذلك عنه بقوله :

مـا زانـه المـلـك إذ حـواه

بـل كـلّ شـيء بـه يـزان

جـرى فـفات الملوك سبقاً

فـلـيـس قُـدّامـه عـنـان

نـالـت يـداه ذُرى مـعـالٍ

يـعجز عن مثلها العيان(2)

وقد أدرك ذلك في الإمام (عليه السلام) حتى غير المسلمين ، وحسبنا نموذجاً واحداً هو جورج جرداق ، فقد قال : « لقد كان عليّ من المهارة والمقدرة على الدهاء بحيث لم يكن غيره من مهرة العرب ودهاتهم ، وكان من بُعد الغَور وعمق النظر في أمور السياسة والقتال ، ومن سَبر النفوس وإدراك الدخائل ، ومن معرفة النتائج قبل الوصول إليها ، والبصر بأهواء الرجال ومطامعهم وأساليبهم في الحيلة ، بحيث لم يكن معاوية بن أبي سفيان ولا عمرو بن العاص ولا غيرهما من أهل الدهاء

____________

(1) تاريخ الخلفاء / 474 ط السلفية بمصر.

(2) التبصرة 2 / 243 ط عيسى البابي الحلبي سنة 1390 تح ـ د. مصطفى عبد الواحد.


والحيلة. ولكنه كان يزدري الحيلة الملتوية ، ويمقت ما يسميه الناس استغلال الفرصة إذا كان فيه ما يخجل الخُلق. وكان يرفع نفسه عن المكر والكيد ، ولو جاءاه بالنصر ، ويأبى إلاّ الصراحة والصدق ، أو ليس هو القائل بصدد ما شاع في زمانه عن دهاء معاوية ، وقعوده هو عن مثل هذا الدهاء ـ (والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى العرب) ـ.

وقد أشبعنا هذه الناحية درساً مباشراً أو غير مباشراً فما بنا حاجة للعودة إليها الآن ، وإنّما نذكرها بمعرض الحديث عن حادثتي صفين ـ يعني استيلاء الإمام على الماء بعد ان أجلى جند معاوية عنه ثمّ أباحه لهم ، ويعني تمكنّه من قتل عمرو بن العاص ثمّ عفته عنه لأنّه شغر برجله وأبدى عورته ـ لنرى إلى أيّ حد يعجز بعض خصومه وبعض محبيه عن إدراك شخصيته إدراكاً صحيحاً شاملاً ، فإذا بأولئك يتهمّونه بالتقصير في الميدان السياسي ، وإذا بهؤلاء يأسفون لفرصتين لم يستغلهما في الميدان الحربي ، وكلّهم مخطئ بمقياس الشخصية العلوية ، لأنّ مفاهيم السياسة وقواعد الحرب عند الإمام نابعة من معين واحد لا يتجزأ ولا يتقطع ، هو الشخصية العلوية ، أو قل : الروح العلوية الّتي يُصدّق بعضها بعضاً ، وتستند مآتيها الواحد إلى الآخر ، ولا مقياس لديها أجلّ وأعظم من الوجدان السليم والخلق الكريم اللذين يكمنان عنده وراء كلّ قاعدة وكلّ شريعة.

ثمّ إنّ قولاً غير هذا نرى من الخير أن نثبته في هذا المقام. تحدّث إليَّ مرة صديق أديب يُعنى بشؤون الإسلام قال : وكأنه ينزع عن ألسنة سائر القائلين : لن تقنعني بأنّ عليّاً كان خبيراً بأحوال السياسة وأمور الرجال ، وبأنّه كان من الموهبة


السياسية بحيث تقول فسألته قائلاً : لنفرض أنّ الصدفة لم تسق عبد الرحمن بن ملجم إلى قتل عليّ ، أو لنفرض أنّ الصدفة شاءت أن يكون إلى جانب عليّ صبيحة مقتله رهط من أنصاره فوقوه الضربة الغادرة فنجا ، ثمّ عاد ثانية لتأديب معاوية تنفيذاً لما كان عازماً عليه ، وانتصر على جند الشام في معركة السيف كما كان مرجّحاً أن يكون! أو لنفرض إن حيلة التحكيم في موقعة صفين لم تجز على قسم من جيش عليّ ، فتابعوا القتال وقبضوا على معاوية وعمرو بن العاص ، وانتهى أمر الموقعة كما انتهى أمر موقعة الجمل!

أقول : لنفرض كلّ هذا أو شيئاً من هذا ، وأنّ عليّاً انتصر أخيراً على معاوية كما انتصر على طلحة والزبير ـ وهو إن لم ينتصر فعلى الصدفة والقدر تقع المسؤولية ـ فماذا كنت تقول في سياسة عليّ عند ذاك؟! وأي مطعن في كفاءاته كنت ترى؟!

أما كنت تقول مع القائلين : إنّ عليّاً جمع إلى البلاغة والحكمة وشرف النفس وصفاء الوجدان ، دهاءً فوق دهاء معاوية في السياسة ، وطاقة فوق طاقة عمرو بن العاص في مواجهة الأحداث ومعالجة المعضلات له.

وما يقال في شأن عليّ بهذا الصدد يقال في شأنه يوم أخذ عليه الآخذون عزل معاوية عن الولاية ، وعزل غيره من الولاة الذين شاءت الصدف وأحوال العصر وسياسة عثمان وأوضاع الناس أن تمدهم بأسلحة لا شأن في مقارعتها للخُلق السليم والإدراك العظيم والكفاءة الخالصة. لقد تعوّد الناس وفيهم الدارسون والمؤرخون أن ينساقوا في تيار المألوف من النظر في الأمور والحكم عليها. وفي مقدّمة هذا المألوف أن تقاس كفاءات الرجال في الصراع بمقياس الانتصار والإنكسار ، دونما نظر إلى الأسلوب المتّبع في إدراك النصر ، ودونما


نظر إلى احتمالات كثيرة يتعلّق بعضها بالأخلاق إذ تنحدر أو تعلو ، ويرتبط بعضها بالصدف والتقادير الّتي لابدّ في دفعها لمنكسر ، ولابدّ في إعدادها وإنزالها منزلة السلاح القادر القاهر لمنتصر أو لذي دهاء.

وعلى كلّ حال فهؤلاء يريدون من عليّ أن يوارب في السياسة ، وأن يستغل الظرف في القتال ويأبى هو ذلك.

إنّهم يريدونه أن يكون معاوية بن أبي سفيان ، وهو عليّ بن أبي طالب؟ اهـ. »(1) .

وفي هذا التصوير والتقدير الّذي رآه جرداق فقد شاركه في التصوير قبله السيّد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام فقال : « والذين يروون في معاوية دهاء وبراعة لا يرونهما في عليّ ، ويعزون إليهما غلبة معاوية في النهاية إنّما يخطئون في تقدير الظروف ، كما يخطئون فهم عليّ وواجبه ، لقد كان واجب عليّ الأوّل والأخير أن يردّ للتقاليد الإسلامية قوتّها ، وأن يردّ إلى الدين روحه ، وأن يجلو الغاشية الّتي غشت هذا الروح على أيدي أمية في كبرة عثمان ووهنه ، ولو جارى معاوية في إقصاء العنصر الأخلاقي من حسابه لسقطت مهمته ، ولمّا كان لظفره بالخلافة خالصة من قيمة في حياة هذا الدين ، فما جدوى استبدال معاوية بمعاوية!؟ إن عليّاً إما أن يكون عليّاً أو فلتذهب الخلافة عنه ، بل فلتذهب حياته معها ، وهذا هو الفهم الصحيح الّذي لم يغب عنه ـ كرّم الله وجهه ـ وهو يقول : (والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس) اهـ »(2) .

____________

(1) الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية (عليّ وعصره) 4 / 987 ط بيروت.

(2) العدالة الإجتماعية في الإسلام / 197 ـ 198 ط 4 سنة 1373 بمصر.


بداية عهد الخلافة الجديدة :

استقبل ابن عباس عهد الخلافة الجديدة بإيمانه الراسخ بأحقيتها الشرعية ، فعليه أن يستلهم بعبقريته ما يستوحيه منها فيما يجب عليه القيام به أزاء الخلافة الجديدة ، وما يلزمه من العمل في سبيل إرساء دعائمها ، فهو في سنّه الّذي تجاوز بداية الكهولة حتى كان هو أكبر الهاشميين الّذين معه في الكوفة سنّاً ، وهو في علمه أوسعهم ـ بعد الحسنين ـ علماً وفهماً ، وهو في تجاربه أيضاً أكثر تجربة ، فمن جميع ذلك له رصيدٌ يؤهله أن يكون هو صاحب الرأي والكلمة في تلك الساعة.

وهكذا كان ، فقد قال الرواة : لمّا توفي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وجهزه أولاده وآله ومنهم ابن عباس ، حتى رووا أنّه شارك الحسنين في تغسيله كما في رواية أبي مخنف عند أبي الفرج في المقاتل(1) ، ورواية الهاروني في تيسير المطالب عن الأسود الكندي والأجلح قالا في حديثهما : « وولي غسله ابنه الحسن بن عليّ (عليه السلام) وعبد الله بن العباس »(2) .

وقال الرواة : حمله بنوه وآله إلى مثواه الأخير حيث أمرهم بدفنه فيه في النجف ـ الغري ـ وذلك في جوف الليل الغابر(3) ، وعادوا إلى الكوفة قبل أن ينبلج عمود الصبح ، فدخلوا دار الإمام ، وما من شك أنّهم تداولوا الحديث حول مواجهة الموقف مع الناس الّذين يترقبون ما يأتيهم من وراء رتاج الباب ، ولابدّ

____________

(1) مقاتل الطالبين / 41 تح ـ السيّد أحمد صقر ط مصر سنة 1368 هـ.

(2) تيسير المطالب في أمالي أبي طالب الهاروني المتوفى سنة 454 / 85 ط بيروت سنة 139.

(3) أنظر الفتوح لابن أعثم 4 / 145 ط حيدر آباد.


لمن في الدار من التفكير في كيفية أخذ البيعة للإمام الحسن (عليه السلام) ، من الناس ، وهم هم أنفسهم في الأمس القريب في مواقفهم المتخاذلة مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى ملّهم وتبرّم بهم ومنهم ، ودعا لنفسه وعليهم أن يريحه الله منهم ، فاستجاب له دعاءه.

وما من شك أيضاً أنّ الناس الّذين اجتمعوا في المسجد في حالة انتظار وترقّب ، وهم على وجل ممّا تحمله معها أيامهم المقبلة من عاديات معاوية الّذي يتربص بهم ويتحيّن الفرصة ، وقد وافته ، وبالأمس القريب كانت غاراته تترى على أطراف بلادهم ، مضافاً إلى ما له في الكوفة من أناس ـ ولنسميهم طابوره الخامس ان صح التعبير ـ سوف يستغلون الفراغ الّذي خلّفه غياب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، إذن فلابدّ من سدّ هذا الفراغ بقيام إمام من بعده ، يسدّد شؤونهم ، ويلوذون به في ملمّاتهم ، وإلاّ فسيكونون عرضة للضياع وانتهاش الضِباع.

وبين خضم المداولات في الدار والتكهنات خارج الدار ، تبدّى الصبح لذي عينين ، كما بدت طلعة الكهل الوقور وقد جلّله الحزن ليطالع الناس بموقف إعلام بصيغة استعلام ، واعلان بلغة استفهام ، فمن ذا هو؟ وماذا قال؟

إعلام واستعلام :

كان ذلك الرجل الثاكل الحزين الّذي بدّد سأم التربّص والترقب لدى الناس ، هو عبد الله بن عباس.

ومن هو أولى منه في تلك الساعة الحرجة فهو مع حزنه البالغ المشوب بالحذر من المفاجأة ، عليه أن يلج الرتاج ويفتح المغلق في صدور الناس ، وعليه أن يهيء الجو المكفهرّ بالحزن لاستقبال بيعة جديدة ، وعليه أن يدعو بدون


ترهيب أو ترغيب ، وعليه أن يخبر ولكنه بلغة المستخبر ، فهو معلن ولكنه بلهجة مستفهم ، لذلك خرج إلى الناس وهم في تطلّع إلى ما يقول ، وهو أيضاً في تطلّع إلى ما في النوايا ، يريد أن يستطلع الآراء ليعرف الخبايا في مدى الإستجابة والاستعداد لقبول البيعة الجديدة ، وذلك قبل أن يعلمهم بالإمام الجديد فقال للناس بصوته الجهوري الموروث : « إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) توفي وقد ترك خَلَفاً ، فإن أحببتم خرج إليكم ، وإن كرهتم فلا أحد على أحد » ، فبكى الناس وقالوا : بل يخرج إلينا.

ولا شك أنّ المقام كان يستدعي أكثر من هذا الكلام ، ويتضح ذلك ممّا جاء في رواية البلاذري : قال : « وخرج عبيد الله (كذا) بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس بعد وفاة عليّ ودفنه فقال : إنّ أمير المؤمنين (رحمه الله) تعالى قد توفي براً تقيا ، عدلاً مرضياً ، أحيى سنة نبيّه وابن عمه وقضى بالحق في أمته وقد ترك خَلَفاً رضيّاً ، مباركاً حليماً ، فإن أحببتم خرج إليكم فبايعتموه ، وإن كرهتم ذلك فليس أحد على أحد. فبكى الناس : وقالوا : يخرج مطاعاً عزيزا »(1) .

لغة تنبئك عمّا تكنّه نفس القائل من حنكة ودربة ودهاء ، كما أنّ جواب الناس بلغة البكاء ، تنبئك عمّا تكنّه نفوس السامعين من الحب والولاء ، وما في دخيلتها من عاطفة ورثاء ، ولا يمنع ذلك من وجود مراض النفوس بينهم ممّن يسرّون حسواً في ارتغاء.

والآن نحن أزاء هذا الموقف في حدود ما قرأناه في الخبر فهل نجد تطوراً في المبدأ الثابت لابن عباس والمعلن في مسألة الإمامة والإمام ، فبعد

____________

(1) أنساب الأشراف 3 / 28 تح ـ المحمودي ط بيروت.


أن كان هو النص والوصاية من السابق إلى اللاحق ـ كما هو مبدأ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)؟ فما باله الآن يقول للناس : إن أحببتم وإن كرهتم وكأنّه ترك النص والتزم الدعوة إلى الشورى والاختيار؟ وهذا ما كان يرفضه هو وجميع أهل البيت من قبل ، وقد ردّه هو بكلّ قوة منذ أيام الخالفين الّذين ابتدعوه. وفي محاوراته مع عمر في أيامه ما يكفي لإثبات مبدأ النص ورفضه مبدأ الإختيار.

أليس هو الرادّ على عمر قوله : « كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فتجحفوا الناس جحفا ، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت فأصابت ووُفقت »؟

فرد عليه ابن عباس بقوله : أمّا قولك إنّ قريشاً كرهت فإنّ الله تعالى قال لقوم :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (1) ، وأمّا قولك : إنّا كنا نجحف ، فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة ، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من أخلاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الّذي قال الله تعالى :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2) ، وقال له :( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) (3) ، وأمّا قولك : فإنّ قريشاً اختارت فأصابت ووُفقت ، فإنّ الله يقول :( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة ) (4) ، وقد علمت يا أمير المؤمنين أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها ،

____________

(1) محمّد / 9.

(2) القلم / 2.

(3) الشعراء / 215.

(4) القصص / 68.


واختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ولوُفقّت وأصابت(1) .

أليس هذا هو المبدأ الثابت والمعلن من رأي ابن عباس؟ إذن فما الّذي يعنيه بقوله : إن أحببتم وإن كرهتم ...؟

إنّه فيما أرى الاستكشاف للخبايا ، والاستعلام للنوايا الّتي انطوت في نفوس ذلك المجتمع المتمزّق المتفرّق ، الّذي يضم أنماطاً شتى ، فمن أقصى اليمين المؤمن المتماسك أمثال حجر بن عدي وعدي بن حاتم وقيس بن سعد بن عبادة وسعيد بن قيس الهمداني وآخرين وقليل ما هم. إلى أقصى اليسار المناوئ كشبث بن ربعي وابن الكواء وبقية الخوارج الّذين ما زالت غدرتهم واضحة ، وما بين أولئك وهؤلاء أنماط منافقون متربصون كالأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله وآخرين أضرابهما ، وسوى هؤلاء من المتخاذلين ممّن لم يتخلّفوا عن وصفهم بما قال الله تعالى :( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون ) (2) ، وأعطف عليهم عشائر الّذين انتقل ولاؤهم إلى معاوية حين فارقوا الإمام كمصقلة بن هبيرة وأمثاله ، ولم يكن لتخفى على ابن عباس دخائل تلك النفوس المراض الّذين كانوا يكاتبون معاوية سراً في أمورهم واتخذوا عنده الأيادي منذ أيام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

وكيف يخفى عليه ذلك ، وهو بالأمس القريب مقيم بين ظهرانيهم يسمع كلام الإمام يخطب فيهم ويذكر فيه أيام معاوية لهم ومن تلاه من يزيد ومروان

____________

(1) لقد تقدم في الجزء الثاني فراجع.

(2) البقرة / 14.


وبنيه ، وذكر الحجاج وما يسومهم من العذاب ، فارتفع الضجيج وكثر البكاء والشهيق ، فقام قائم من الناس فقال : يا أمير المؤمنين لقد وصفت أموراً عظيمة الله إنّ ذلك لكائن؟

فقال عليّ : والله إنّ ذلك لكائن ما كذبت ولا كُذبت.

فقال آخرون : متى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال : إذا خضبت هذه من هذه ، ووضع إحدى يديه على لحيته والأخرى على رأسه فأكثر الناس من البكاء ، فقال : لا تبكوا في وقتكم هذا فستبكون بعدي طويلاً.

فكاتب أكثر أهل الكوفة معاوية سراً في أمورهم واتخذوا عنده الأيادي ، فوالله ما مضت إلاّ أيام قلائل حتى كان ذلك(1) .

فكلّ أولئك الحضور بدءاً بالمتماسك أو المتمسك بولائه إلى المجاهر بعدائه وما بينهما من تفاوت الدرجات كانت شرائح المجتمع الكوفي الّذي واجهه ابن عباس بخطابه مستعلماً نواياه ، ولمّا بكى الناس علم ابن عباس أنّ ذلك البكاء عاطفة ورثاء ، ومع ذلك فقد استروح من تلك العاطفة روح استجابة ، ولم تخل من بارقة أمل ورجاء ، والأمل دائماً يعمر القلوب المؤمنة بصحة القضية الّتي تؤمن بها وتدعو إليها ، ويشدّ من عزيمتها. لذلك عاد إلى الدار وأخبر الإمام الحسن (عليه السلام) بما قاله للناس وبما قالوه له. فخرج الإمام وعليه ثياب سود ـ كما يقول المدائني في روايته(2) .

____________

(1) أنظر مروج الذهب 2 / 430 ط السعادة تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 8 ط الأولى.


خطبة ودعوة للبيعة :

ذكر الشيخ المفيد وأبو الفرج(1) والأربلي(2) وغيرهم واللفظ للأول ، قال : « وروى أبو مخنف لوط بن يحيى قال حدثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق السبيعي وغيره قالوا : خطب الحسن بن عليّ (عليه السلام) في صبيحة الليلة الّتي قبض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ قال : لقد قبض هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه الآخرون بعمل ، لقد كان يجاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيقيه بنفسه ، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه ، ولقد توفي (عليه السلام) في الليلة الّتي عُرج فيها بعيسى بن مريم (عليه السلام) ، وفيها قبض يوشع بن نون وصيّ موسى (عليه السلام) ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله. ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه ، ثمّ قال : أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني (فأنا الحسن بن محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم »(3) أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه ، أنا ابن السراج المنير ، أنا من أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، أنا من أهل بيت افترض الله مودتهم في كتابه فقال تعالى :( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) (4) فالحسنة مودّتنا أهل البيت. ثمّ جلس.

____________

(1) مقاتل الطالبيين / 32 ـ 33 ط الحيدرية.

(2) كشف الغمة 1 / 505 ط منشورات مكتبة الرضي بقم.

(3) كذا في مقاتل الطالبين.

(4) الشورى / 23.


فقام عبد الله بن العباس (رحمه الله) بين يديه فقال : معاشر الناس هذا ابن بنت نبيكم ووصيّ إمامكم فبايعوه. فاستجاب له الناس وقالوا : ما أحبّه إلينا وأوجب حقه علينا ، وبادروا إلى البيعة له بالخلافة. ثمّ نزل عن المنبر وذلك في يوم الجمعة الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، فرتّب العمّال ، وأمّر الأمراء ، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة »(1) .

وقبل الإسترسال في بقية الحديث لابدّ لنا من وقفة تصحيح وتوضيح تفرضها طبيعة البحث والتحقيق في المقام. الأمر الّذي فات بعض الباحثين من المحدثين فلم يتبيّنه ، فجرى مع بعض المصادر من دون أن ينعم النظر في المفارقات الّتي تضمّها تلك المصادر.

وبيان ذلك : إنّه يوجد فيها استبدال الأدوار في مواقف الأخوين عبد الله وعبيد الله ابني العباس بن عبد المطلب ، نتيجة لتشابه الاسمين خطاً ، ممّا أوقع في الوهم خطأ أولئك المحدثين من الباحثين ، ولم يكن ذلك من الرواة بل هو من النسّاخ. وجرى الباحث على ذلك فنسب ما هو لعبد الله إلى أخيه عبيد الله ، وبالعكس أيضاً ، وزاد الأمر إبهاماً أنّهما معاً كانا بالكوفة يومئذ ، ولكلٍ منهما ذكر في خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) وله دور فاعل ، فوقع الإلتباس في :

1 ـ مَن هو من ابني عباس الّذي خرج إلى الناس أوّلاً قبل خروج الإمام الحسن (عليه السلام)؟

____________

(1) الإرشاد / 188 ط الحيدرية.


2 ـ ومَن هو منهما الّذي قام بين يدي الإمام الحسن (عليه السلام) ودعا الناس إلى مبايعته؟

3 ـ ومَن هو منهما الّذي أنفذه الإمام الحسن (عليه السلام) إلى البصرة؟

4 ـ ومَن هو منهما الّذي أرسله الإمام الحسن (عليه السلام) قائداً على مقدمة عسكره؟

5 ـ ومَن هو منهما الّذي كتب إلى الإمام الحسن (عليه السلام) مشيراً عليه في شأن مداراة الناس وما ينبغي له؟

مسائل بعضها آخذ ببعضها الآخر ، وللجواب عليها فلنقرأ ما رواه أشهر المؤرخين الأوائل في هذا المقام وهو : أبو مخنف الّذي اعتمد روايته في المقام كلٌّ من البلاذري 279 هـ ، وأبو الفرج الاصفهاني 356 هـ ، والشيخ المفيد 413 هـ ، وابن أبي الحديد 655 هـ ، لنرى التفاوت في كتبهم ، وإن دلّ ذلك على شيء فإنّما يدل على وهم النساخ الأوائل وسرى ذلك في كتب المصادر.

أقول : فلقد روى البلاذري في أنسابه بسنده عن أبي مخنف باسناده عن صالح بن كيسان : « وخرج عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس بعد وفاة عليّ ودفنه فقال إن أمير المؤمنين رحمه الله تعالى قد توفي وقد ترك خلفاً رضياً حليماً ، فإن أحببتم خرج إليكم فبايعتموه وان كرهتم ذلك فليس أحد على أحد (كذا) فبكى الناس وقالوا : يخرج مطاعاً عزيزاً. فخرج الحسن فخطبهم فبكى الناس ثمّ بايعوه »(1) .

____________

(1) أنساب الأشراف 3 / 27 ـ 28 تح ـ المحمودي.


وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبين : « قال أبو مخنف عن رجاله ، ثمّ قام ابن عباس بين يديه ، فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له »(1) .

وذكر الشيخ المفيد في الإرشاد فقال : « وروى أبو مخنف لوط بن يحيى خطب الحسن بن عليّ (عليهما السلام) في صبيحة الليلة الّتي قبض فيها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ثمّ جلس فقام عبد الله بن العباس (رحمه الله) بين يديه وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة »(2) .

وروى ابن أبي الحديد في شرحه خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) نقلاً عن أبي الفرج ثمّ قال : « قال أبو الفرج : فلمّا انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة قام عبيد الله بن العباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا »(3) هكذا في طبعة دار الكتب العربية بمصر (الاولى) ، ولكن في الطبعة الحديثة : « قام عبد الله بن عباس »(4) بدل عبيد الله ، فدل ذلك على أنّ الخبر في جميع مصادره برواية أبي مخنف ورد فيه ذكر عبد الله بن العباس والّذي ورد فيه اسم عبيد الله إنّما هو من سهو النساخ كما مرّ عن كتاب ابن أبي الحديد.

ويؤكد ذلك ما رواه المدائني وعنه ابن أبي الحديد أيضاً فقد قال : « قال المدائني : ولمّا توفي عليّ (عليه السلام) خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس فقال : ان أمير المؤمنين (عليه السلام) توفي وقد ترك خلفاً فبكى الناس وقالوا : بل يخرج إلينا ، فخرج الحسن (عليه السلام) فخطبهم فبايعه الناس »(5) .

____________

(1) مقاتل الطالبيين / 33 ط الحيدرية و / 52 ط مصر تح ـ السيّد أحمد صقر.

(2) الإرشاد / 168 ط حجرية سنة 1320 هـ ، و 192ط حجرية ثانية سنة 1308 هـ ، و 188ط الحيدرية.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 11 ط مصر الأولى.

(4) نفس المصدر 16 / 30 تح محمّد أبو الفضل براهيم.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 16 / 22 ط محققة.


ويزيدنا اطمئناناً بصحة ما ذهبنا إليه ما رواه الطبرسي 548 هـ في أعلام الورى فقال : « فقد روى جماعة من أهل التاريخ أنّه ـ الإمام الحسن (عليه السلام) ـ خطب صبيحة ثمّ جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال »(1) .

فقول الطبرسي : « فقد روى جماعة من أهل التاريخ » يدل على ثبوت ذلك عند من رواه من أولئك الجماعة الّذين اعتمد روايتهم ، وهو وإن لم يسمّهم لنا بأسمائهم ، إلاّ أنّا عرفنا أنّهم جماعة ، فهم يوثّقون لنا ما تقدم من رواية أبي مخنف ورواية المدائني.

ولم يكن الطبرسي وحده الّذي نقل ذلك عن جماعة من أهل التاريخ ، بل إنّ الاربلي 692 هـ في كشف الغمة أورد نحو ذلك فقال : « وقد روى جماعة فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال »(2) . ثمّ كرر مرة أخرى ذكر الخبر برواية أبي مخنف نقلاً عن الإرشاد للمفيد وهذا يدلنا على أنّ ما رواه أوّلاً من رواية غير أبي مخنف.

وإلى هنا عرفنا جواب السؤال الأوّل (من الّذي خرج إلى الناس قبل خروج الإمام الحسن (عليه السلام » ، وأنّه عبد الله كما مرّ في رواية أبي مخنف عند المفيد ، لا عبيد الله كما في نسخة أنساب الأشراف للبلاذري.

كما عرفنا أيضاً جواب السؤال الثاني (مَن الّذي قام بين يدي الإمام الحسن (عليه السلام) ودعا الناس إلى بيعته) ، وأنّه عبد الله كما في رواية أبي مخنف عند المفيد ، ورواية المدائني عند ابن أبي الحديد لا عبيد الله كما في نسخة ابن أبي الحديد ط الأولى نقلاً عن أبي الفرج وبيّنا أنّ ذلك من غلط النسخة.

____________

(1) أعلام الورى / 208 ـ 209 ط الحيدرية.

(2) كشف الغمة 2 / 500 ـ 501 ط مكتبة الشريف الرضي بقم.


وعرفنا أيضاً جواب السؤال الثالث (من الّذي أنفذه الإمام الحسن (عليه السلام) إلى البصرة) ، وأنّه عبد الله كما في رواية أبي مخنف عند المفيد ، لا عبيد الله كما عن بعض المحدّثين(1) .

أمّا جواب السؤال الرابع (مَن هو الّذي أرسله الإمام الحسن (عليه السلام) قائداً ومعه قيس بن سعد بن عبادة في مقدمة جيشه) : فقد ذكر ابن أبي الحديد نقلاً عن المدائني قوله : « ثمّ وجه عبد الله بن عباس ومعه قيس بن سعد وجعل أصحاب الحسن الّذين وجههم مع عبد الله يتسللون إلى معاوية ، الوجوه وأهل البيوتات. فكتب عبد الله بن العباس بذلك إلى الحسن (عليه السلام) فخطب الناس ووبخهم »(2) . وهنا أيضاً من سهو النساخ كما لا يخفى ، فإنّ عبد الله لم يكن هو الّذي معه في الجيش ، بل ذاك هو عبيد الله أخوه.

وقد وقع مثل هذا الوهم أيضاً في تاريخ الطبري في حديث الزهري ، وقد وجدت التفاوت في النسخ المطبوعة منه. ففي الطبعة الأوروبية ورد في المتن : « وعرف الحسن أنّ قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمّر عبد الله بن عباس ، فلمّا علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن » ، وورد في الهامش رقم(1) و(2) اسم (عبيد الله) بدل عبد الله(3) . أمّا الطبعة المصرية بالحسينية فقد ورد المتن كما في الأوروبية ولم يذكر في الهامش شيء(4) . وأمّا الطبعة المحققة

____________

(1) عبد القادر أحمد اليوسف في كتابه الحسن بن عليّ (عليه السلام) ، عام الجماعة ط مطبعة الهلال بغداد سنة 1948.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 8 و 16 / 22 تح ـ أبو الفضل إبراهيم.

(3) تاريخ الطبري 6 / 1 ـ 2 ط الأوربية.

(4) نفس المصدر 6 / 91 ط المصرية بالحسينية.


بتحقيق محمّد أبو الفضل فقد ذكر المتن والهامش بعكس ما في الأوروبية ، إذ جعل المتن عبيد الله والهامش عبد الله(1) .

ويبدو أنّ ابن الأثير تخيل أنّه قد احتاط لنفسه حين قال في الكامل : « وقيل بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله بن عباس ، فجعل عبد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة »(2) . ولكن الأمر كما بيناه.

أمّا جواب السؤال الخامس (مَن هو الّذي كتب إلى الإمام الحسن (عليه السلام) مشيراً عليه في شأن مداراة الناس) فنقرؤه في :

عودة إلى البصرة :

لقد فارقنا النص « فأنفذ عبد الله بن عباس إلى البصرة » ولمّا كانت دلالة لفظ الفعل (أنفذ) تحمل السرعة قياساً على نفاذ السهم ، وربما استبطن النص أيضاً في دلالته إعادة أمير البصرة إلى بلد إمارته ، ليقوم بدوره هناك في إحكام الأمر كما قام به في الكوفة ، فهو كان والي البلاد الّتي مرّ بنا شيء من حياته فيها ، فهو الأحرى أن ينفذه الإمام الحسن (عليه السلام) إليها لسابق معرفته بطبائع مجتمعها ونزوات أهلها ، فسار ابن عباس مجدّاً ووصلها فوجد خليفته عليها أبا الأسود الدؤلي قد بادر بحزمه فأخذ البيعة للإمام الجديد حين بلغه نعي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

روى أبو طالب الهاروني 424 هـ بسنده عن أبي بكر الهذلي قال : « أتى أبا الأسود الدؤلي نعيُ أميرالمؤمنين (عليه السلام) وبيعة الحسن (عليه السلام) فصعد المنبر فخطب ونعى عليّاً (عليه السلام) وقال في خطبته : إنّ رجلاً من أعداء الله المرّاقة في دينه اغتال أمير

____________

(1) نفس المصدر 5 / 160 تح محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(2) الكامل 3 / 175 ط بولاق.


المؤمنين (عليه السلام) في مسجده ، وهو خارج لتهجّده في ليلة يرجى فيها مصادفة ليلة القدر فقتله ، فيا لله من قتيل ، واكرم به وبروحه من روح عرجت إلى الله بالبر والتقوى والإيمان والهدى والإحسان ، ولقد انطفأ به نوراً لله في أرضه ، لا يرضى (كذا) بعده ، وهدم ركناً من أركان الإسلام لا يشاد مثله ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وعند الله نحتسب مصيبتنا بأمير المؤمنين (عليه السلام) ، ورحمه الله يوم ولد ويوم قتل ويوم يبعث حيّا ـ ثمّ بكى حتى اختلجت أضلاعه. ثمّ قال : ـ وقد أوصى بالإمامة إلى ابن رسول الله وابنه وسليله ، وشبيهه في خُلقه وهديه ، وإنّي لأرجو أن يجبر الله به ما وهى ، ويسدّ به ما انثلم ، ويجمع الشمل ، ويطفي به نيران الفتنة ، فبايعوه ترشدوا.

فبايعت الشيعة كلّها ، وهرب قوم فلحقوا بمعاوية »(1) .

وأخذ ابن عباس يواصل جهوده في استتاب الأمر والأمن في عهد الخلافة الجديدة ، وقد أشار عليه زياد برأي فيه حيفٌ على الناس فلم يقبله ابن عباس. ونحن قد مرّ بنا أنّ زياداً كان عامله على فارس أرسله بأمر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين اضطرب أمر فارس فولاه عليها فضبطها غير أنّه يبدو ممّا رواه الحافظ نعيم بن حمّاد في كتاب الفتن(2) أنّه قد أتى البصرة فاجتمع بابن عباس ـ ولعله أتاه معزياً بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وجرى حديث خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) فقال له : أتريد أن يستقيم لكم الأمر؟ قال ـ ابن عباس ـ : نعم ، قال : فاقتل فلاناً وفلاناً ثلاثة من أصحابه ، فقال له ابن عباس : أصلّوا الغداة اليوم؟ قال : نعم ، قال : فلا سبيل إليهم أراهم في ذمة الله ـ وفي رواية : (فلا والله ما إلى ذلك

____________

(1) تيسير المطالب / 196 ط بيروت سنة 1395.

(2) كتاب الفتن / 94 و 98 تح ـ سهيل زكار ط بيروت. و 139 برقم 443 تح ـ عرفة ط المكتبة الحيدرية قم و 146 أيضاًً.


سبيل) ـ فلمّا بلغ ابن عباس ما صنع زياد بعدُ. قال : ما أراه إلاّ قد كان أشار علينا بالذي هو رآه.

ولم يكن ابن عباس ممّن يقتل على الظنّة والتهمة أناساً من أهل القبلة ، لكن زياداً يرى ذلك في سبيل استقامة الأمور وإن خالف الشرع. ولا يعني ذلك أنّ ابن عباس كان غافلاً عن سبل الوصولية المقيتة ولكن دونها حاجز من تقوى الله. وهو في حزمه وعزمه لم تزل تساوره الشكوك في استقامة الأمور ما دام العدو اللدود يتربّص الدوائر ويتحيّن الفرص وقد وافته ، وزاد في قلق ابن عباس ما بلغه من اختراق معاوية لمجتمع المصرَين ـ الكوفة والبصرة ـ فأرسل إليهما جاسوسين ، رجلاً من حمير إلى الكوفة ، ورجلاً من بني القين إلى البصرة ، يكتبان له بالأخبار ، ويفسدان الرجال ، فدُلّ الإمام الحسن (عليه السلام) على الحميري عند لحام بن جرير ، فأخذه وقتله. ودُلّ ابن عباس على القيني وكان نازلاً في بني سليم بالبصرة فأخذه وقتله ، وكتب إلى معاوية :

أمّا بعد ، فإنك ودسّك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الّذي ظفرت به من يمانيّتك لكما قال أمية بن الأسكر(1) :

لعمرك إنّي والخزاعيّ طارقاً

كنعجة عاد حتفها تتحفّر

أثارت عليها شفرة بكراعها

فظلّت بها من آخر الليل تنحر

شمتّ بقوم من صديقك أهلكوا

أصابهم يوم من الدهر أصفر

____________

(1) الأغاني 18 / 162 ط دار الكتب ، مقاتل الطالبين / 53 ـ 54 ط مصر وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 12 ط مصر الأولى و 16 / 32 ط محققة.


فأجابه معاوية : أمّا بعد ، فإنّ الحسن بن عليّ قد كتب إليَّ بنحو ممّا كتبت به ، وأنبأني بما لم أجز ظناً وسوء رأي وإنّك لم تصب مثلكم ومثلي ، ولكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يجيب أمية عن هذا الشعر :

فوالله ما أدري وإنّي لصادق

إلى أيٍّ من يظنّني أتعذّر

أعنّف أن كانت زبينة أهلكت

ونال بني لحيان شرُّ فأنفروا

ولا أحسب أنّ أحابيل معاوية وأباطيله وصلت هذا الحد من إرسال جواسيسه يكتبون له بالأخبار كما يقول الرواة فما أحسبه بحاجة لأن يرسل من الشام مَن يتجسّس له بالكوفة والبصرة ، وله فيهما من عيون الجواسيس مَن يكفيه ما يبتغيه بدون حساب ، منذ أيام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهم في تزايد مستمر ، ولم ننس خبر ابن الحضرمي الّذي أرسله إلى البصرة ليفسد أهلها على أميرهم وإمامهم ، فلقي مصيره بنار الدنيا قبل نار الآخرة.

والّذي أراه أنّه أراد منهما مساومة الأذناب بإشاعة الإرهاب ، وحسبنا شاهداً على ذلك ما فعله بالكوفة وهي عاصمة الخلافة في محاولته اغتيال الإمام الحسن (عليه السلام) ، فما الّذي يمنعه من فعل ذلك في البصرة وهي ولاية تابعة للكوفة ، وفيها ابن عباس فهو وإن كان دون الإمام الحسن مقاماً ، لكنه ممثله في ثاني العراقين أكبر الأمصار التابعة لحكمه ، فإن تم اغتياله من قبل أذناب معاوية فقد تم له فتحٌ ليس دون فتح مصر من قبل.

روى الشيخ الصدوق ابن بابويه في كتابه علل الشرائع فقال : « دسّ معاوية إلى عمرو بن حريّث ، والأشعث بن قيس ، وإلى حجر بن الحجر (عمرو) وشبث بن ربعي ، دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه : إنّك إن قتلت الحسن بن عليّ فلك مائتا ألف درهم ، وجند من أجناد الشام ، وبنت من بناتي ، فبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك ،


فاستلأم ولبس درعاً وكفرها(1) وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلاّ كذلك ، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة »(2) .

وإذا لم نقف على مثل خطته تلك في البصرة لاغتيال ابن عباس ، فلا يعني عدم محاولته لأنّه لم يصل الينا خبرها ، كيف وهو كان يحسب لابن عباس أيضاً حسابه كثاني عنصر يأتي بعد الإمام الحسن (عليه السلام) عليه أن يتخلص منه ، وحسبنا محاولته اختراق حدود ولايته في تهديده زياد ابن أبيه عامل ابن عباس على فارس.

فقد روى الطبري في تاريخه عن عمر بن شبة بسنده عن الشعبي قال : « كتب معاوية حين قتل عليّ (عليه السلام) إلى زياد يتهدّده فقام خطيباً فقال : العجب من ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق ورئيس الأحزاب كتب إليّ يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ يعني ابن عباس والحسن بن عليّ ـ في تسعين ألفاً واضعي سيوفهم على عواتقهم ، لا ينثنون ، لئن خلص إليّ الأمر ليجدني أحمَز ضرّاباً بالسيف »(3) .

كتاب ابن عباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام) :

ونتيجة لتمادي الأمور سوءاً حين كثرت تجاوزات معاوية ، كتب ابن عباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام) كتاباً يُعتبر بحق من خيرة كتبه بياناً وتبياناً ، يحرّضه على إنتهاج سياسة الترغيب مع الأولياء ، والترهيب مع الأعداء ، ولنقرأ نصه كما ذكره المؤرخون لنتملّى معانيه ، ونتفهّم مبانيه ، ونتعامل معه كوثيقة تاريخية ذات دلالة عالية ، فهو خلاصة تجاربه في الحياة ، ونتيجة دربته وحنكته السياسية ، عاشها في السلم وفي الحرب.

____________

(1) كفر عليه يكفر غطّاه والشيء ستره (قاموس).

(2) علل الشرائع للصدوق 1 / 283 منشورات مكتبة الشريف الرضي بقم.

(3) تاريخ الطبري 7 / 14 افست ليدن ، و 6 / 97 ط الحسينية ، و 5 / 170 ط دار المعارف.


وأقدم من وقفت على رواته من المؤرخين هو شيخهم أبو مخنف المتوفى سنة 157 هـ ، وعوانة بن الحكم 158 هـ(1) ، كما أشار إلى ذلك البلاذري 279 هـ فقال : « ثمّ مكث ـ الحسن (عليه السلام) ـ أياماً ذات عدد يقال : خمسين ليلة ويقال : أكثر منها ـ وهو لا يذكر حرباً ولا مسيراً إلى الشام. وكتب إليه عبد الله بن عباس كتاباً يعلمه فيه أنّ عليّاً لم يجب إلى الحكومة إلاّ وهو يرى في أنّه إذا حكم بالكتاب يردّ الأمر إليه ، فلمّا مال القوم إلى الهوى فحكموا به ونبذوا حكم الكتاب ، رجع إلى أمره الأوّل ، فشمّر للحرب ودعا إليها أهل طاعته ، فكان رأيه الّذي فارق الدنيا عليه جهاد هؤلاء القوم ، ويشير عليه أن ينهد إليهم وينصب لهم ولا يعجز ولا يهن »(2) . هذه إشارة البلاذري.

ولكنه في ترجمة ابن عباس ذكره مختصراً بسنده عن عوانة قال : « كتب ابن عباس إلى الحسن بن عليّ : إن المسلمين قد ولّوك أمورهم بعد عليّ ، فشمّر لحربك ، وجاهد عدوك ، ودار أصحابك ، واشتر من الظنين دينه ولا تسلم دينك ، ووال أهل البيوتات والشرف تستصلح عشائرهم ، واعلم أنّك تحارب من حادّ الله ورسوله ، فلا تخرجن من حقّ أنت أولى به ، وإن حال الموت دون ما تحبّ »(3) . وبنحو هذا رواه ابن قتيبة 276(4) ، وبأخصر من ذلك رواه ابن عبد ربه(5) ، ولم أعرف مغزى اختصارهم جميعاً وإعراضهم عن ذكر جميعه.

____________

(1) نكت الهميان للصفدي / 222.

(2) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) رقم / 43.

(3) أنساب الأشراف (ترجمة ابن عباس) رقم / 107.

(4) عيون الأخبار 1 / 14 ط دار الكتب.

(5) العقد الفريد 1 / 30 و 4 / 361 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.


ولكن أوفى من رواه هو المدائني 225 هـ ، وعنه ابن أبي الحديد 655 هـ في شرح النهج ، وروايته تكاد تكون مطابقة لما رواه ابن أعثم 314 ، وها نحن نذكر الكتاب نقلاً عنه بإضافة ما في رواية المدائني نقلاً عن شرح النهج لابن أبي الحديد(1) جاعلين ذلك بين قوسين للتمييز.

« ذكر كتاب عبد الله بن عباس من البصرة إلى الحسن بن عليّ (رضي الله عنهما)

قال : فلمّا مضى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) إلى سبيل الله اجتمع الناس إلى ابنه الحسن ، فبايعوه ورضوا به وبأخيه الحسين من بعده.

قال : فنادى الحسن في الناس فجمعهم في مسجد الكوفة ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

أيها الناس إنّ الدنيا دار بلاء وفتنة ، وكلّ ما فيها فائل إلى زوال واضمحلال ، وقد نبأنا الله عنها لكي نعتبه وتقدم إلينا فيها بالوعيد لكي نزدجر ، فلا يكون له علينا حجة بعد الإعذار والإنذار ، فازهدوا فيما يفنى ، وارغبوا فيما يبقى ، وخافوا الله في السر والعلانية ، ألا وقد علمتم أنّ أمير المؤمنين عليّاً (رحمه الله) حياً وميتاً عاش بقدر ومات بأجل ، وإنّي أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت وتسالموا من سالمت.

فقال الناس : سمعنا وأطعنا ، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين.

قال : فأقام الحسن بالكوفة بعد أبيه شهرين كاملين لا يُنفّذ إلى معاوية أحداً ، ولا ذكر المسير إلى الشام.

قال : وإذا بكتاب عبد الله بن عباس قد ورد عليه من البصرة فإذا فيه :

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد4 / 8 ط مصر الأولى و 16 / 23 ط محققة.


لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس ، أمّا بعد يا بن رسول الله فإنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد أبيك (رضي الله عنه) (عليّ (عليه السلام » وقد أنكروا أمر قعودك عن معاوية ، وطلبك لحقك ، فشمّر للحرب ، وجاهد عدوّك ، ودار (وقارب) أصحابك ، (واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك ديناً) وولّ (ووال) أهل البيوتات والشرف ما تريد من الأعمال ، فإنك تشتري بذلك قلوبهم (وتستصلح به عشائرهم ، حتى يكون الناس جماعة ، فإنّ بعض ما يكره الناس ـ ما لم يتعدّ الحقّ وكانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل وعز الدين ـ خير من كثير ممّا يحبّه الناس ، إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور وذلّ المؤمنين ، وعز الفاجرين) واقتد بما جاء عن أئمّة العدل من تأليف القلوب والاصلاح بين الناس (فقد جاء عنهم أنّه لا يصلح الكذب إلاّ في حرب أو إصلاح بين الناس) واعلم بأنّ الحرب خدعة ، ولك في ذلك سعة (إذا) ما كنت محارباً ما لم تبطل حقاً) ما لم ينتقص مسلماً حقاً هو له.

(واعلم) وقد علمت أن اباك عليّاً إنما رغب الناس عنه (وصاروا) إلى معاوية ، لأنّه واسى بينهم في الفيء ، وسوّى بينهم في العطاء ، فثقل ذلك عليهم.

واعلم أنك تحاربُ من قد حارب الله ورسوله (في ابتداء الإسلام) حتى أظهره الله أمره ، فلمّا أسلموا ووحدّوا الربّ ، ومحق الله الشرك ، وأعزّ الدين ، وأظهروا الإيمان ، وقرؤا القرآن وهم بآياته مستهزؤن ، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ، وأدّوا الفرائض وهم لها كارهون ، فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في هذا الدين إلاّ الأتقياء الأبرار ، والعلماء الأخيار ، توسّموا أنفسهم بسيماء الصالحين ، ليظن بهم المسلمون خيراً ، وهم عن آيات الله معرضون) فما زالوا بذلك حتى شركوهم في


أماناتهم وقالوا : حسابهم على الله ، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين) وقد مُنيت أبا محمّد بأولئك القوم وأبنائهم وأشباههم ، والله ما زادهم طول العمر إلاّ غيّا ، ولا زادهم في ذلك لاهل الدين إلاّ غشا (مقتا) فجاهدهم رحمك الله ، ولا ترضى منهم بالدنية (ولا تقبل خسفا) فإن أباك عليّاً (رضي الله عنه) لم يجب إلى الحكومة في حقه حتى غُلب على أمره فأجاب ، وهو يعلم (وانهم يعلمون) أنّه أولى بالأمر ان حكم القول بالعدل ، فلمّا حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه ، وعزم على حرب القوم ، حتى أتى عليه (وافاه) أجله ، فمضى إلى ربه (رحمه الله) ، فانظر رحمك الله أبا محمّد ولا تخرجن من حقّ أنت أولى به من غيرك (حتى يحول الموت) إن أتاك دون ذلك.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قال ابن أعثم : فلمّا ورد كتاب عبد الله بن عباس وقرأه سرّه ذلك ، وعلم أنّه قد بايعه (؟) وأنّه قد أمره بما يجب عليه في حقّ الله. دعا بكاتبه وأمره أن يكتب إلى معاوية ـ وذكر الكتاب بطوله »(1) .

وقال الخطي : « لمّا وصل كتاب عبد الله بن عباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام) وقرأه قال : لقد نصح ابن عباس فيما يراه ، ولكن هيهات أن أخالف سنّة سنّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين بعدهما طلباً لالتماس دنيا ، فإنّ في الحقّ سعة عن الباطل »(2) .

وأنا على تحفظ من رواية الخطي الّتي لم يسندها إلى مصدر لنرى مدى صحته ، ومع ذلك لو أغمضنا عنه لم نر في كتاب ابن عباس أيّ مخالفة لسنّة

____________

(1) الفتوح 4 / 148 ـ 150 ط دار الندوة الجديدة أفست حيدر آباد ط الأولى.

(2) المقتل للخطي / 99 ط بمبىء.


رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تعامله مع أعدائه الّذين حاربوه في ابتداء الإسلام كأبي سفيان وابنه معاوية وبقية المشركين ممّن حاربوا الله ورسوله ، ولمّا ظهر أمر الله وهم له كارهون دخلوا في حظيرة الإسلام طوعاً وكرهاً ، فعاملهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمنتهى التلطف وتألّفهم بالعطاء ، وفاضل بينهم فيه ، وغض عينه عن مساويهم وسوابقهم السيئة ، حتى فرض لهم سهماً في الزكاة ، سوى ما كان يمنحهم من الغنائم ، وقصة غنائم هوازن خير شاهد على ذلك ، وقد أثارت سخط الأنصار ، فلم يتراجع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن موقفه غير انّه استرضى الأنصار بحضوره عندهم وسلّ السخيمة من صدورهم فرضوا.

فابن عباس في كتابه يطلب من الإمام الحسن (عليه السلام) أن ينهج ذلك النهج ، وضربه المثل بما جاء عن أئمّة العدل جده وأبيه فيما تفرضه ظروف الحرب ، وأنّ الحرب خدعة ، وله فيها سعة ما لم يبطل حقاً ، وينتقص مسلماً حقاً هو له.

ولمّا كان الإمام الحسن (عليه السلام) في حالة حرب مع معاوية منذ أيام أبيه ، ولم يتغيّر الحال ، فله أن يستعمل أساليب الغلبة ما وسعه ذلك ، وحتى التفاضل في العطاء الّذي رآه ابن عباس ناجحاً في ذلك الظرف لاستمالة قلوب الزعماء لم يخرج عن حدود تألف القلوب الّذي سنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع المؤلفة قلوبهم بذلك ، فأنا من رواية الخطى على تحفظ.

ومهما يكن فقد سبق السيف العذل وجاوز الحزام الطبيَين ، فإنّ المجتمع الكوفي لم يكن في هواه على وتيرة واحدة ، وشرائحه المختلفة والمتباينة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار كما قلناه آنفاً تكفي لزعزعة الثقة بهم. فكيف للإمام الحسن (عليه السلام) أن يجمع كلّ أولئك تحت خيمة واحدة على ما بينهم من


التنافر والعداء بالرغم من انتمائهم البلدي ولكن ليس بالعقدي ، ومع ذلك فقد بذل جهداً كبيراً في سبيل لمّ الشمل وجمع الكلمة ، وقد كتب إلى معاوية يدعوه إلى مبايعته ، وردّ عليه معاوية بمثل ذلك ، وأعلمه الرسل باستعداد معاوية لغزو العراق ، ثمّ خروجه في ستين ألفاً يريد العراق. فعندها كتب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى عمّاله يأمرهم بالإحتراس ثمّ ندب الناس إلى حرب معاوية(1) .

ولنترك الحديث عن بقية المأساة فإنّها بالغة الأسى فمن تخاذل وتقاعس عن الخروج إلى خيانة بعد خيانة ، وجناية بعد جناية حتى الّذين أرسلهم الإمام الحسن (عليه السلام) مقدمة لجيشه مع ابن عمه عبيد الله بن العباس وقيس بن سعد فقد صار الأشراف يتسللون لواذاً إلى معاوية وهو قريب منهم في عسكره ، فكتب قيس إلى الإمام الحسن وهو بالمدائن بذلك فخطب الناس وقال : (يا أهل العراق ما أصنع بجماعتكم معي ، هذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية ، أما والله ما هذا بمنكر منكم ، لأنكم أنتم الّذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين ، فلمّا أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم ، ثمّ دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم ، ثمّ صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه ، ثمّ إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين ، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا والله يعلم ما نويت فيه ، فكان منكم إليَّ ما كان ، يا أهل العراق فحسبي منكم لا تعزوني في ديني فإني مسلّم هذا الإمر إلى معاوية)(2) .

____________

(1) أنظر الفتوح لابن أعثم 4 / 153 ط دار الندوة افست عن طبعة حيدر اباد.

(2) نفس المصدر 4 / 157.


قال اليعقوبي : « وكان معاوية يدسّ إلى معسكر الحسن من يتحدّث أنّ قيس ابن سعد قد صالح معاوية وصار معه ، ووجّه إلى عسكر قيس من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه ، ووجّه معاوية إلى الحسن المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن اُم الحكم وأتوه وهو بالمدائن نازل مضاربه ثمّ خرجوا من عنده وهم يقولون ويُسمعون الناس : إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكّن به الفتنة وأجاب إلى الصلح. فأضطرب العسكر ولم يشكك الناس في صدقهم ، فوثبوا بالحسن وانتهبوا مضاربه وما فيها ، فركب الحسن (عليه السلام) فرساً له ومضى في مظلم ساباط وقد كمن له الجراح بن سنان الأسدي فجرحه بمغول في فخذه ، وقبض على لحية الجراح ثمّ لواها فدقّ عنقه ، وحُمل الحسن (عليه السلام) إلى المدائن وقد نزف نزفاً شديداً ، واشتدت به العلة فافترق عنه الناس ، وقدم معاوية العراق فغلب على الأمر والحسن عليل شديد العلة. فلمّا رأى الحسن أن لا قوة به وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له ، صالح معاوية وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : (أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وقد سالمت معاوية( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (1) »(2) .

أمر الخلافة في وثيقة الصلح :

لقد كانت وثيقة الصلح الّتي أمضاها معاوية وأشهد عليها ، قد نصت صراحة على إرجاع الأمر من بعده إلى الإمام الحسن (عليه السلام). ، وجاء في جملة من المصادر : « وليس لمعاوية أن يعهد بالأمر إلى أحد من بعده ، والأمر بعده

____________

(1) الأنبياء / 111.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 191 ط الحيدرية.


للحسن »(1) . وقال ابن عبد البر : « واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده ، فالتزم بذلك كلّه معاوية »(2) .

ولكن معاوية قد استهان بهذا الشرط اُسوة بجميع بقية الشروط ، ولم يتحرّج من إعلانه ذلك في خطبته على ملأ من المسلمين فقال : « ألا وإنّ كلّ شيء أعطيت الحسن بن عليّ تحت قدميَّ هاتين لا أفي به »(3) .

ونحن إذا أردنا أن نحاسب رجال الإسلام السني على المعنى الّذي صاروا ينادون به تبريراً لحكومة الحاكمين ، وذلك هو مبدأ الشورى ، نجدهم عاجزين عن إثباته ولو لمرة واحدة. وفي يوم من الأيام في تاريخ حكومات الإسلام ، إذ أنّ معنى (الشورى) هو حقّ اختيار الحكام متروك للمسلمين ، وذلك فيه أيضاً من الفراغات ما يعجزون عن سدها ، إذ تبقى أساليب الاختيار مجهولة ، ويبقى اختلاف الرأي في جواز الثورة على الظالمين وعدمه يشكل عائقاً عن تطبيق مبدأ الشورى كما ينبغي أن يكون ، لأن من أكبر العوائق الطرح الّذي أحاطوه بأطار من قداسة الحديث النبوي الشريف : (أطعه وإن ضرب رأسك)(4) وهو طرح زائف لاكته ألسنة وعاظ السلاطين كاستهلاك محلي بحجة اتقاء الفتنة وتبريراً لأعمال الحاكمين الظالمين ، لذلك رفض الشيعة طرح الفكر السياسي السني في مسألة الخلافة ، والتزموا بمبدأ النص الّذي طرحه القرآن وبلّغه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث

____________

(1) أنظر الاصابة 1 / 329 ، وذخائر العقبى / 139 ، وتهذيب الأسماء واللغات 1 / 199.

(2) الاستيعاب 1 / 370.

(3) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد (رواية السبيعي).

(4) في صحيح مسلم كتاب الامارة ، باب الأمر بلزوم الجماعة في حديث حذيفة قال صلى الله عليه (وآله) وسلّم : تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع 6 / 20 ط محمّد عليّ صبيح.


قال الله سبحانه وتعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (1) ، وقال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2) ، وقال تعالى :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (3) ، إلى غير ذلك من آي القرآن المجيد. مضافاً إلى أحاديث الرسول الكريم وبياناته القولية والعملية في تعيين الإمام والخليفة من بعده.

موقف ابن عباس من الصلح :

مع المسيرة المتأنية بين نصوص السير والأخبار التاريخية في فترة خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) ، والّتي استدام حكمه فيها طيلة ستة أشهر قبل وقوع الصلح ، نجد أنفسنا كقرّاء واعين ، أو باحثين متتبعين ، لم تخطئنا العين المدققة ، إدراك الأسباب الّتي حملت الإمام الحسن (عليه السلام) على الصلح والمسالمة ، كما لم تخطئ العين معرفة الراضين من أصحابه بذلك ومعرفة الساخطين. مع أنّه (عليه السلام) في منظورهم جميعاً كان هو الإمام الّذي تجب طاعته سواء حارب أو سالم ، كما أنّه (عليه السلام) في منظور هؤلاء وهؤلاء بل ومنظور الأمة الّتي بايعته وخرجت معه لحرب معاوية ، كان القائد العسكري المحنّك ، الّذي يجب إتباعه عند خوض المعركة ، بعد أن كان قد خطط لها التخطيط السليم الدقيق. أو عدم خوضها ما دامت النتيجة محكومة بالفشل سلفاً. كما حدث فعلاً ذلك عند مباغتة عنصر

____________

(1) الأحزاب / 36.

(2) المائدة / 92.

(3) المائدة / 59.


المفاجأة في تسلّل الأشراف إلى معاوية! كما مرت الإشارة إلى ذلك ، ثمّ مكاشفة الباقين في هزال ولائهم! كما وقد مرّ الدليل على ذلك ، ومن قبل ومن بعد ونشاط الإعلام المعادي المعاوي في خلخلة المعنويات المهزوزة! وقرأنا بعض الشواهد عليه فماذا كان يجب أن يكون الموقف من أولئك الراضين وأولئك الساخطين؟ غير التسليم ، أليس فيما تقدم ما يكفي لإمام معصوم عند من يدين له بالطاعة بالإمامة؟ وما يكفي له حتى عند من يراه قائداً عسكرياً فيجب عليه الطاعة أيضاً؟ فله إذن ومن حقه أن يتخذ ـ وهو الإمام وهو القائد ـ ما يمليه عليه الموقف المتأزم ، من قرار حرب أو سلم ، وبعد أن أصبح واضحاً عنده خسارة الحرب مهما بذل من جهد هو والمخلصون من شيعته ، وأن الشرّ قد دنا فتدلى ، وبانت النذُر في الشعارات الّتي أطلقها الخوارج الّذين كانوا في جيشه ، والبيانات الّتي تلقفها الرواة فحفلت بها السير ارادة القبض عليه وتسليمه إلى معاوية.

فهل بعد ذلك كلّه من فرصة لخوض حرب مع معاوية محكوم عليها سلفاً بالفشل؟ إذن لا بدّ من المسالمة حقناً للدماء وبقياً على الصفوة الباقية ، هكذا فقد تمّ الصلح على شروط ، لكن لم يف معاوية بواحد منها.

ولنعد إلى البصرة حيث كان ابن عباس لا يزال مقيماً بها وأميراً عليها. وعلى توابعها من بلاد فارس وكور الأهواز الخمس ومنها فساوداربجرد الّتي ورد ذكرها في وثيقة الصلح على أن يُحمل خراجها للإمام الحسن (عليه السلام) ، وسيأتي مزيد بيان عن ذلك.


أمّا عن موقفه من الصلح فلم أقف على ما يمكن الإستناد إليه ، إلاّ أنّ في دسائس معاوية الّتي طالت الكوفة والبصرة فدسّ إليها رجلين رجلاً من حمير إلى من الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة فدُلّ عليهما وقتلا. كما مرت الإشارة إلى ذلك وفوق هذا ما يشير إلى أنّ معاوية قد استطالت ذراعه فأراد أن يتناول بها زياد بن أبيه وهو عامل ابن عباس على فارس فكتب إليه يتهدّده فقام زياد خطيباً فقال : « العجب من ابن آكلة الأكباد وكهف النفاق ، ورئيس الأحزاب كتب إليّ يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ـ يعني ابن عباس والحسن بن عليّ ـ في تسعين ألفاً واضعي سيوفهم على عواتقهم لا ينثنون ، لئن خلص إلي الأمر ليجدني أحمز ضراباً بالسيف »(1) .

قال الشعبي في حديثه : « فلم يزل زياد بفارس حتى صالح الحسن (عليه السلام) معاوية ، وقدم معاوية الكوفة فتحصّن زياد في القلعة الّتي يقال لها قلعة زياد »(2) .

ومن المتيقن أنّ زياداً لم يكن ليردّ على تهديد معاوية له من فراغ ، بل كانت بينه وبين معاوية حاميتان ـ الكوفة والبصرة ـ وفيها تسعون ألفاً ، واضعي سيوفهم على عواتقهم لا ينثنون. وانا أحسب أنّ ذلك من طفح الكيل عند زياد ، وإلا فأين هم في الدفاع عن إمامهم الحسن (عليه السلام) ، أوليس حامية الكوفة هي الّتي خانته وغدرت به وانتهبت رحله وسلبته حتى مطرفه؟ ولم تكتف بذلك حتى طعنته في فخذه ، أو ليس أشرافها الّذين كاتبوا معاوية ان شاء قبضوا على الحسن

____________

(1) تاريخ الطبري 6 / 97 ط الحسينية.

(2) نفس المصدر.


وسلموه إليه مكتوفاً؟ فحمله ذلك كلّه على الموادعة والصلح ، أمّا حامية البصرة فلم يذكر عنها شيء في ذلك الحدث ، لذلك لم نستطع أن ندينهم بشيء من إصر الخذلان ، لكن سيأتي لهم مع ابن عباس موقف لا يخلو من إدانة.

أمّا عن موقف ابن عباس من الصلح فلم أقف على ما يشير إليه كما قلنا ، ومن الغرابة انا لم نجد خبراً يشير إلى أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كتب إليه في ذلك ، وهذا من الغرابة بمكان ، وأغرب من ذلك كلّه أنا لم نقف على خبر يثبت استدعاء الإمام الحسن (عليه السلام) مقاتلة أهل البصرة للإشتراك مع الكوفيين في حرب معاوية ، كما كان الشأن في ذلك أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب صفين وحرب النهروان كما مرّ. وهذه نقطة لم يبحثها من كتب عن الإمام الحسن (عليه السلام) وهي حريّة بالبحث ، وليس من الدقة تجاهلها. وقد حاولت كثيراً أن أجد سنداً تاريخياً يصح الاعتماد عليه في المقام فلم أجده. ويبقى المجال للتخمين والظن ، وهذا لا يغني عن الواقع والحقّ شيئاً.

ولا ينقضي العجب من إغفال التاريخ وصمته المطبق إذ لم يذكر شيئاً كان بين الإمام الحسن (عليه السلام) وعامله عبد الله بن عباس بعد كتاب ابن عباس إليه في الحضّ على مداراة أهل البيوتات والشرف وعلى محاربة معاوية ، ولم يذكر التاريخ جواباً من الإمام الحسن (عليه السلام) على ذلك الكتاب ، فهل يعقل أن لا يكون لذلك الكتاب من جواب؟! وهكذا يستمر الصمت المطبق فلا نقف على كلمة تدلّنا على نحو اتصال أو مراجعة في شأن بين ابن عباس وبين الإمام الحسن (عليه السلام).


وأغرب ما رأيت في المقام ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وعنه الهيثمي عن عيسى بن زيد قال : « استأذن الأشعث بن قيس على معاوية بالكوفة فحجبه مليّاً وعنده ابن عباس والحسن بن عليّ فقال : أعن هذين حجبتني يا أمير المؤمنين ، تعلم أنّ صاحبهم جاءنا فملأنا كذباً يعني عليّاً.

فقال ابن عباس : والله عنده مهرة جدك وطعن في أست أبيك.

فقال : ألا تسمع يا أمير المؤمنين ما يقول؟

قال : أنت بدأت.

قال الهيثمي : رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم »(1) .

أقول : لقد كفانا قول الهيثمي مؤنة الرد والمناقشة في هذا الخبر. مضافاً إلى ما حكاه ابن حجر في الإصابة(2) ( عن خليفة وأبي نعيم وغير واحد انّ الأشعث مات بعد قتل عليّ بأربعين ليلة و ).

إذن فما دمنا لم نجد نصاً يشير إلى حضور قول أو عمل من ابن عباس في مسألة الصلح؟ وما دمنا نفتقد الحجة في ذلك ، فعلينا التريّث في تصنيف ابن عباس مع الراضين ، هو أو مع الساخطين. لكنا قد نتبين جواب ذلك التساؤل من خلال كتاب معاوية إليه وجوابه على ذلك الكتاب ، وهو كتاب له دلالته في أنّ ابن عباس لم يكن ـ في رأي معاوية على الأقل ـ ممّن تشمله وثيقة الصلح لتعصم دمه.

قال ابن أبي الحديد : « وكتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن (عليه السلام) له كتاباً يدعوه فيه إلى بيعته ويقول له فيه : ولعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن

____________

(1) مجمع الزوائد 7 / 247.

(2) الإصابة 1 / 16.


يكون ذلك لله رضاً ، وأن يكون رأياً صواباً ، فإنك من الساعين عليه والخاذلين له ، والسافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ، ولا بيدك أمان.

فكتب إليه ابن عباس جواباً طويلاً يقول فيه : أمّا قولك : إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني فأقسم بالله لأنت المتربص بقتله ، والمحب لهلاكه ، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت به(1) حتى بعثت إليه معذراً بأخرة ، أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يقتل ، فقتل كما كنت أردت ، ثمّ علمت عند ذلك إن الناس لن يعدلوا بيننا وبينك ، فطفقت تنعى عثمان ، وتلزمنا دمه ، وتقول قتل مظلوماً ، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين ، ثمّ لم تزل مصوّبا ومصعّدا ، وجاثماً ورابضاً تستغوي الجهال ، وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت ،( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (2) »(3) .

فهذا نص له دلالته ، ولا يعقل أن يكون هذا هو جميع الكتاب والجواب ، خصوصاً مع ملاحظة قول ابن أبي الحديد : « فكتب إليه ابن عباس جواباً طويلاً ». وليته لم يقتضبه ، فرواه لنا بكامله لأفدنا منه أموراً أخرى. ومهما يكن العذر له في ذلك ، فإن فيما ذكره دلالة على زمن المكاتبة إذ في كتاب معاوية

____________

(1) يشير إلى كتاب عثمان إليه يستنصره فلم ينصره ، قال الطبري في تاريخه 5 / 115 فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به

(2) الأنبياء / 111.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 58 ، ولا يخفى تشابه ختام كتابه بختام خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) فكلاهما يرى في تولي معاوية الفتنة وهو متاع إلى حين.


تهديد وتوعيد ، وتأكيد على أنّ ابن عباس لم يكن قد بايع ، ولم يكن جرى له صلح مع معاوية ، فهذا يدل على انّه كان بعد مسالمة الإمام الحسن (عليه السلام) وهي كانت في النصف من جمادى الأولى سنة 41 كما في الاستيعاب وغيره وقيل في ربيع الأوّل أو الثاني ، إذن فابن عباس لم يزل بالبصرة لذلك الوقت ولم يبايع معاوية. ولا يعقل أنّه يكون لم يبلغ علمه ما جرى للإمام الحسن (عليه السلام) من الأحداث الّتي اضطرته إلى المسالمة ، فهو ولا شك لم يستسغ مرارة الصلح الاضطراري ، كيف وهو الّذي كان مصراً على حرب معاوية كما في كتابه إلى الإمام الحسن (عليه السلام) ، ولكن لا يعني ذلك سخطه على خطة الإمام الحسن (عليه السلام) ، بل سيأتي ما يدل على بقائه في ولايته على ولائه حتى فارق البصرة إلى المدينة.

والآن هلمّ الخطب فيما رواه الطبري بسنده عن الزهري في حديث بيعة الحسن (عليه السلام) ففيه من الطامّات ما يسقطه عن الإعتبار :

فمنها قوله : « فلمّا علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن (عليه السلام) أن يأخذه لنفسه ، كتب إلى معاوية يسأله الأمان ، ويشترط لنفسه على الأموال الّتي أصابها ، فشرط ذلك له معاوية »(1) . فإذا كان قد شرط له معاوية ذلك فلماذا إذن الكتاب إليه يتهدده ويتوعدّه كما مرّ؟ ولماذا كان جواب ابن عباس طويلاً؟ كما مرّ.

إنّها إحدى أكاذيب الزهري فهو من المنحرفين عن أهل البيت ، ومن مرتزقة الأمويين وكان على شرطة بعض بني مروان. قال خارجة : « قدمت على الزهري وهو صاحب شرط لبعض بني مروان ، قال : فرأيته يركب وفي يده حربة

____________

(1) تاريخ الطبري 5 / 158 ط دار المعارف و 6 / 2 ط أفست أوربا ، وفي الكامل لابن الأثير 3 / 177ط بولاق عبيد الله بدل عبد الله. واظنه من غلط النساخ وخلط الرواة وقد مرّ تحقيق ذلك.


وبين يديه الناس بأيديهم كافر كوبات ، فقلت : قبح الله ذا من عالم ، فانصرفت فلم أسمع منه »(1) . وقد مرّ بنا في مقدمة الجزء الأوّل نماذج من أكاذيبه.

قبيل المغادرة :

لا شك عندي ان ابن عباس كان في آخر أيام ولايته على البصرة يعاني آلام المرارة الّتي سبّبها تدني الأمور وتلاحق الأحداث ، وأوجعها في نفسه تولي معاوية أمور المسلمين ، ولكنه ما دام تابعاً في ولايته لإمامه الحسن (عليه السلام) فلا بدّ له من التسليم وعليه الرضا بما جرى به قلم القضا ، وإنّي لم أجد خبراً واحداً يدل على وهن في عزيمته أو خلل في ولايته ، بالرغم من عثمانية البصرة ودسائس معاوية ، فهو لم ينحني للعاصفة مع أنّه من خلال موقعه كان في مهبّها ، فلم تزعزعه العواصف ، ولم تهن من عزيمته ونشاطه الأحداث القواصف ، بل وكأنّها زادته في شعوره شموخاً ورفعة ، وفي عزيمته صموداً وصبراً. ولعل في خبر وفادة أبي أيوب الأنصاري عليه في تلك الفترة ما يعطينا ملامح من ذلك الشعور.

فلنقرأ الخبر أوّلاً كما رواه الطبراني في المعجم بسنده قال : « أنّ أبا أيوب ابن زيد الأنصاري ـ الّذي كان رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم نزل عليه حين هاجر إلى المدينة ـ غزا أرض الروم ، فمرّ على معاوية فجفاه ، فانطلق ثمّ رجع من غزوته ، فمرّ عليه فجفاه ، ولم يرفع به رأساً فقال : إن رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم أنبأني أنا سنرى بعده إثرة ، فقال معاوية : فبم أمركم؟ قال : أمرنا

____________

(1) فهارس الثقاة لابن حيان / 122 ط مؤسسة الكتب الثقافية عن كتاب الثقات 8 / 5 و 5 / 5 ط دار الكتب العلمية.


أن نصبر ، قال : فاصبروا إذن. فأتى عبد الله بن عباس بالبصرة وقد أمّره عليّ (رضي الله عنهما) عليها. فقال : يا أبا أيّوب أريد أن أخرج لك عن مسكني كما خرجت لرسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم ، فأمر أهله فخرجوا ، وأعطاه كلّ شيء أغلق عليه الدار ، فلمّا كان انطلاقه قال : حاجتك؟ قال : حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعلمون في أرضي ، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له خمس مرات ، فأعطاه عشرين ألفاً وأربعين عبداً »(1) .

وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك لا يخلو من فوائد واليك بلفظه : « إنّ أبا أيوب الأنصاري أتى معاوية فذكر له حاجة ، قال : ألست صاحب عثمان؟ قال : أمّا إنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قد أخبرنا انّه سيصيبنا بعده إثرة ، قال : وما أمركم؟ قال : أمرنا أن نصبر حتى نرد عليه الحوض ، قال : فاصبروا. فغضب أبو أيوب وحلف أن لا يكلّمه أبداً.

ثمّ إنّ أبا أيوب اتى عبد الله بن عباس فذكر له ذلك ، فخرج له عن بيته كما خرج أبو أيوب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن بيته ، وقال : أيش تريد؟ قال : اربعة أغلمة يكونون في محلي ، قال : لك عندي عشرون غلاماً »(2) .

ورواه مرة أخرى وفيه : « وكان قدم عليه البصرة ، ففرغ له بيته ، وقال : لأصنعنّ بك كما صنعت برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وقال : كم عليك من الدين؟ قال : عشرون ألفاً ، قال : فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً وقال : لك ما في البيت. قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه »(3) . ووافقه الذهبي في

____________

(1) المعجم الكبير 4 / 125 ط الموصل ، ورواه بسند أخر في 4 / 126.

(2) مستدرك الحاكم 3 / 459.

(3) نفس المصدر / 460.


التلخيص وقال : إنّه صحيح(1) . وورد الخبر في سير أعلام النبلاء للذهبي(2) ، وتاريخ ابن كثير(3) .

وتعقيباً منا على الخبر ، فهو نص صريح على وفادة أبي أيوب الأنصاري على ابن عباس وهو بعدُ بالبصرة ، وكانت وفادته بعد وفادة على معاوية كانت مخيبة لآماله ، فلم يرَ الحسن ولم يسمع من معاوية غير السخرية والتهكّم بالانصار وبحديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم). لذلك يمّم وجهه شطر ابن عباس ، فأسدى له ومعه ما مرّ ذكره من تكريم وعطاء لم يكن ليحلم ببعضه عند معاوية.

ولعل خبر هذه الوفادة وصل إلى معاوية فغاضه أن يكون لبني هاشم شأنٌ يذكر ، ورأس يُشار إليه ويُقصد ، وهو الّذي قد كادَ سيّد بني هاشم الإمام الحسن (عليه السلام) حتى استلب الحكم من يده فسالمه مضطراً ، إذن لماذا يترك ابن عباس وشأنه ، وهو لم يبايع سالماً ، ولا يزال يمارس نشاطه مراغماً ، فكتب إليه بما مرّ ذكره ، وأجابه ابن عباس بجواب تقدّم شطره وسطره. وبعد هذا فلا يعني بقاء ابن عباس بالبصرة بعد الصلح محتملاً الا أن يقيم كسائر المواطنين تحت ولاية الوالي الذي سيرسله معاوية ، وما يدريه ماذا تحمله له الأيام مع الوالي الجديد. إلاّ أنّها بلا شك لا تحمل له ما يطمئنه بالراحة ويبشّره بالخير. فعليه أن يرحل وعليه أن يتهيأ للمغادرة ، ويستعد للعودة إلى الحجاز ـ مكة أو المدينة ـ حيث مهبط الوحي ومنتدى الأهل ، وقد عاد من قبلُ إمامُه الحسن (عليه السلام) وأهلُ بيته الكرام ، ففارقوا الكوفة ، وهي في نفس ابن عباس سيدة البصرة ، ولعل مرارة تجرّعه الغيظ

____________

(1) راجع مجمع الزوائد 9 / 323 ، وقال : رواه الطبراني.

(2) سير أعلام النبلاء 3 / 236 ط مصر ، و 4 / 59 و 63 ط دار الفكر ببيروت.

(3) تاريخ ابن كثير 3 / 202.


من البصريين نفثت على لسانه كلمة فقال : « لو كانت البصرة أمة للكوفة فَضَلّت ما طلبتها رغبة عنها »(1) .

طرد أو مطاردة :

روى البلاذري المتوفى سنة 279 هـ في أنساب الأشراف قال : « كتب معاوية كتاباً نسخته :

بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب للحسن بن عليّ من معاوية بن أبي سفيان.

إنّي صالحتك على أنّ لك الأمر من بعدي ، ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد (أن) لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً ، وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال ، وعلى أنّ لك خراج (فسا) و (دارا بجرد) تبعث إليهما عمّالك ، وتصنع بهما ما بدا لك.

شهد عبد الله بن عامر وعمرو بن سلمة الهمداني وعبد الرحمن بن سمرة ومحمّد بن الأشعث الكندي.

وكتب في شهر ربيع الآخر سنة احدى وأربعين.

فلمّا قرأ الحسن الكتاب قال : يطمعني في أمرٍ لو أردته لم أسلّمه إليه »(2) .

هذا أقدم نص ورد إلينا فيه ذكر خراج (فسا ودار ابجرد) يكون خالصاً للإمام الحسن (عليه السلام) يبعث إليهما عمّاله ، ويصنع بهما ما بدا له. ولكن بعد تمام

____________

(1) محاضرات الأدباء للراغب 2 / 263.

(2) أنساب الأشراف 3 / 41 تح ـ المحمودي.


الصلح تبدّل الحال وخان معاوية جميع ما أعطى من عهود وذمم ، وليس بمستغرب ذلك من ابن آكلة الأكباد ، فقد روى ابن عساكر الشافعي(1) والخوارزمي الحنفي(2) : أنّ معاوية دسّ إلى أهل البصرة فطردوا وكيل الحسن وقالوا له : لا تحمل فيئنا إلى غيرنا ، يعنون خراج (فسا ودار ابجرد).

وأكّد ذلك ابن الأثير فقال : « وأمّا خراج دار ابجرد فإنّ أهل البصرة منعوه منه وقالوا : هو فيئنا لا نعطيه أحداً ، وكان منعهم بأمر معاوية أيضاً »(3) .

ولم يبعد ابن خلدون في تاريخه عن ذلك(4) ، إلاّ أنّه تستر على معاوية فلم يذكر أنّ المنع بأمره.

ولا بدّ لنا من وقفة عابرة عند كلمة (فطردوا)! فهل صحيح حصل طردٌ من أهل البصرة لوكيل الحسن (عليه السلام)؟

ولا شك أنّه لم يكن له وكيل في البصرة سوى عامله عليها وهو عبد الله بن عباس.

كما لا شك بأنّه هو الّذي حمل معه المال.

ولا شك أنّه حصلت مناوشات في شأن ذلك ـ كما سيأتي ـ فهل تعني كلمة (فطردوا) يعني فطاردوا؟ إذ أنّ المعنى اللغوي لكلمة (الطرد) هو الإبعاد ، وهذا لم يحصل ، والّذي حصل هو المطاردة ، وهي حمل الأقران بعضهم على بعض(5) ،

____________

(1) تهذيب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر بتهذيب ابن بدران 4 / 221 ط بيروت.

(2) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي 1 / 133 ط الحيدرية النجف.

(3) الكامل 3 / 175 ط بولاق.

(4) تاريخ ابن خلدون / 1137 ط دار الكتاب اللبناني.

(5) راجع القاموس المحيط : طرد.


ولا يبعد أن يكون التصحيف في الخط ، أو سوء الفهم في القراءة أخذ مكانه في النص ، خصوصاً إذا لاحظنا قواعد الخط القديم حيث تحذف الألف المشالة في وسط الكلمة ويعوّض عنها مكانها بألف صغيرة كما في (الصلوة والزكوة). وهذا فيما أرى قريباً من واقع الحَدَث كما رواه البلاذري أيضاً في ترجمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث ذكر مسألة حمل ابن عباس لبيت مال البصرة في عهد الإمام ، وأنّه فارقه. ولمّا كنّا أشرنا سابقاً إلى أنا سوف نبحث ذلك في الحلقة الرابعة (ابن عباس في الميزان) فلا نتعجل التفاصيل الآن ونكتفي بما رواه في خصوص المطاردة.

قال : « ولمّا أراد ابن عباس الخروج دعا أخواله من بني هلال ليعينوه ، فجاءه الضحاك بن عبد الله الهلالي ـ وهو كان على شرطة البصرة ـ وعبد الله بن رزين الهلالي ، وقبيصة بن عبد عون الهلالي وغيرهم من الهلاليين ، فقال الهلاليون : لا غناء بنا عن اخواننا من بني هوازن ، ولا غناء بنا عن اخواننا من بني سليم فاجتمعت قيس كلّها.

وصحب ابن عباس أيضاً سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي ، والحصين بن أبي الحر العنبري ، والربيع بن زياد الحارثي فلمّا رأى عبد الله مَن معه ، حمل المال وهو ستة آلاف الف في الغرائر(1) ثمّ سار.

واتبعه اخماس البصرة كلّهم فلحقوه بالطف على أربعة فراسخ من البصرة ، إرادة أخذ المال منه.

فقالت قيس : والله لا يصلون إليه ومنّا عين تطرف.

____________

(1) الغرائر بالكسر شبه العدل. المصباح المنير غرر.


فقال صبرة بن شيمان بن عكيف ـ كذا ـ وهو رأس الأزد : يا قوم إن قيساً إخواننا وجيراننا في الدار ، وأعواننا على العدو ، ولو ردّ عليكم هذا المال كان نصيبكم منه الأقل ، فانصرفوا.

وقالت بكر بن وائل : الرأي والله ما قال صبرة بن شيمان ، واعتزلوا أيضاً.

فقالت بنو تميم : والله لنقاتلنهم عليه ، فقال لهم الأحنف : أنتم والله أحق ألاّ تقاتلونهم وقد ترك قتالهم مَن هو أبعد منكم رحماً ، فقالوا : والله لنقاتلنهم عليه.

فقال الأحنف : والله لا أساعدكم وانصرف عنهم ، فرأسوا عليهم رجلاً يقال له ابن الجذعة وهو من بني تميم ، وبعضهم يقول : ابن المخدعة.

فحمل عليهم الضحاك بن عبد الله الهلالي فطعن ابن الجذعة فصرعه ، وحمل سلمة بن ذويب على الضحاك فطعنه ، فاعتنقه عبد الله بن رزين الهلالي فسقطا إلى الأرض يعتركان ، وكان ابن رزين شجاعاً ، وكثرت الجرحى بينهم ، ولم يقتل من الفريقين أحد.

فقال من اعتزل من الأخماس : والله ما صنعتم شيئاً حيث اعتزلتم وتركتموهم يتناحرون. فجاؤا حتى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض ، وحجزوا بينهم ، وقالوا لبني تميم : والله لنحن أسخى أنفساً منكم ، تركنا لبني عمكم شيئاً أنتم تقاتلونهم عليه ، فخلّوا عن القوم وعن ابن اختهم ، ففعلوا ذلك

ومضى عبد الله بن عباس ومعه من وجوههم نحو من عشرين سوى مواليهم ومواليه ، ولم يفارقه الضحاك بن عبد الله ، وعبد الله بن رزين ، حتى وافى مكة

وكان ابن عباس يعطي في طريقه مَن سأله ومن لم يسأله من الضعفاء ، حتى قدم مكة.


ويقال : أنّه كان استودع حصين بن الحرّ مالاً فأدّاه إليه »(1) .

هذا ما ذكره البلاذري وهو أقدم نص وصل إلينا عن تلك المطاردة.

ثمّ رواه الطبري عن عمر بن شبة عن جماعة عن أبي مخنف ، بتفاوت في اللفظ ، واتساق في المعنى مع ما ذكره البلاذري من حديث الخيانة والمفارقة والمطاردة إلى آخر ما سيأتي بحثه بتفصيل في الحلقة الرابعة.

وفي الأغاني لأبي الفرج ، خبر فيه : « تبع أبو الأسود ابن عباس حين خرج من البصرة إلى المدينة ليردّه ، فأبى واعتصم بأخواله من بني هلال فمنعوه »(2) .

وجرى التالون على ما أسّس الأولون(3) .

إذن فثمة كانت مطاردة من بعض أهل البصرة لابن عباس ـ وهو وكيل الحسن لأنّه الوالي من قبله ـ لمنعه من حمل ما في مال بيت مال البصرة يعنون خراج (فسا ودار ابجرد) ، وبالتالي تمكن من الاستعانة بأخواله بني هلال ومن معه أن يحمله معه ، وكان يعطي في طريقه من سأله ومن لم يسأله من الضعفاء

والآن لنقرأ شيئاً عن طبيعة ذلك المال لنعرف لماذا الإصرار من ابن عباس على حمله؟ ولماذا الإصرار من بني تميم على منعه؟

طبيعة بيت مال البصرة وموارده :

لقد مرّ بنا في الحديث عن ولاية ابن عباس على البصرة في المحورين الأوّل والثاني التعرّف على طبيعة التركيبة الجغرافية والسكانية والبلاد التابعة في

____________

(1) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام أمير المؤمنين) 2 / 174 تح ـ المحمودي.

(2) الأغاني 12 / 301 ط دار الكتب.

(3) لاحظ ابن عبد ربه في العقد الفريد 4 / 354 ـ 359 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وابن الأثير في الكامل 3 / 167 ـ 168 ط بولاق وغيرهما.


ولايتها للبصرة ، وما يجبى منها من خراج ، وكان منها ولاية فارس وهي تشمل فيما تضم (فسا ودار ابجرد) ولمّا كانت بلاد فارس منها ما فتح عنوة ومنها ما فتح صلحاً. فأمّا الّتي فتحت عنوة فغنائمها لمن قاتل عليها بعد تخميسه ، وأمّا الّتي فتحها المسلمون صلحاً فهي من مختصات الإمام لأنّها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

وبلاد (فسا ودار ابجرد) قد فتحت صلحاً كما في الفتوح. قال البلاذري : « وأتى عثمان بن أبي العاص دار ابجرد ، وكانت شادروان علمهم ودينهم وعليها الهربذ ، فصالحه الهربذ على مال أعطاه إياه ، وعلى أنّ أهل دار ابجرد كلّهم أسوة من فتحت بلاده من أهل فارس »(1) .

إذن فخراج دار ابجرد يكون شأنه شأن البلاد الّتي فتحت صلحاً على عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممّا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب مثل فدك وذلك خاص بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أيامه ، ثمّ من بعده بالإمام أمير المؤمنين وأهل بيته (عليه السلام) لقوله تعالى :( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) (2) .

ولمّا كان الإمام الحسن (عليه السلام) ، هو إمام الخلق بالحق ، وعليه أن يتبع سنة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأراضي المفتوحة صلحاً ، كما له أن يرتزق ويرزق من مال المصالحة بالوجه الّذي يراه ، لذلك اشترط أخذ خراج (دار ابجرد) لأنّه له ومن

____________

(1) فتوح البلدان للبلاذري / 395 ط الأولى سنة 1319 بمطبعة الموسوعات بمصر.

(2) الحشر / 7.


حقه وحده صرفه في موارده كما يرى ، بخلاف بقية وجوه أموال بيت المال من خراج البلاد المفتوحة عنوة والصدقات والعشور والجزية وغيرها ، ممّا ينزّه عنه ، وأحبّ كذلك أن ينزّه عنها من أراد أعطاءهم من أبناء الّذين قُتِل آباؤهم مع أبيه في الجمل وصفين ، لذلك قيل : « لدار ابجرد خطب في شأن الحسن (عليه السلام) بخلاف جميع فارس ».

وإلى هذا الوجه ذهب الشيخ الصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381 في علل الشرائع حيث ذكر جواب الشيخ محمّد بن بحر الشيباني في كتابه المعروف بكتاب (الفروق بين الأباطيل والحقوق) في معنى موادعة الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لمعاوية. إلى أن قال (عليه السلام) :

« فإن قال ـ السائل ـ ما تأويل اختيار مال دار ابجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل وبصفين؟

قيل : لدار ابجرد خطب في شأن الحسن بخلاف جميع فارس ، وقلنا : إنّ المال مالان : الفيء الّذي ادّعوا أنّه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة وعمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة ولأرزاق الأسارى. ومال الصدقة الّذي خصّ به أهل السهام ، وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان ممّا فتح منها صلحاً وما فتح عنوة ، وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات ، وأسباب وأسباب ، بايجاب الشرائط الدالة لها


ولابدّ أن يكون أولاد من قتل من أصحاب عليّ صلوات الله عليه بالجمل وبصفين من أهل الفيء ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام فخاف الحسن (عليه السلام) أنّ كثيراً منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم ، ولا أكل صدقةً كثير منهم ، إذا كانت غسالة ذنوبهم ، ولم يكن للحسن (عليه السلام) في مال الصدقة سهم فخص الحسن (عليه السلام) ما لعله كان عنده أعفّ وأنظف من مال أردشيرخرّه لأنّها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع وعمارات ، ثمّ ميّزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم ، وبين الاصطخر الأوّل والاصطخر الثاني هنات علمها الربّاني الّذي هو الحسن (عليه السلام) فاختار لهم أنظف ما عرف »(1) .

وإذ عرفنا الوجه في خصوص ذلك المال ، وأنّه من أعف وأنظف وجوه الأموال الأخرى ، لذلك استثناه الإمام الحسن (عليه السلام) من بين بقية الأموال ، عرفنا أيضاً وجه إصرار ابن عباس على حمله لأنّه وكيل الإمام وواليه ، ولم تسقط ولايته إلاّ بعد الصلح والتسليم ، والمال قد كانت جبايته في ولايته وسلطته الشرعية من قبل الإمام الحقّ العادل ـ سواء كان في أيام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أو في أيام ابنه الإمام الحسن ، ولمّا كان قد أعطى كلّ ذي حقّ حقه ، وبقيت تلك البقية الّتي كان سابقاً يرسلها إلى الإمام في الكوفة كما في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فاليوم وبعد أن تمت الموادعة ، فليس من المنطق المعقول ولا الشرع المقبول ، أن يترك ذلك المال لمعاوية وأشياعه ، يعيثون فيه فساداً.

____________

(1) أنظر علل الشرائع 1 / 278 ط مكتبة الشريف الرضي بقم.


وهذا هو منطق الصواب في الجواب في شرعية فعله ، وقد ردّ به على ابن الزبير يوم ندّد به فقال : « وأمّا حمل مال البصرة ، فإنّه كان مالاً جبيناه ، ثمّ أعطينا كلّ ذي حقّ حقه ، وبقيت منه بقية هي دون حقنا في كتاب الله وسهامه »(1) .

وبهذا الجواب أخرس ابن الزبير فلم يردّ عليه بشيء ، ولم يذكر التاريخ أنّ أحداً من الحاضرين في المسجد الحرام ـ حيث وقعت المشادّة والمحادّة ـ أنكر على ابن عباس جوابه ، فتبيّن لنا وجه إصرار ابن عباس على حمل المال معه ، وصحة رأيه.

يبقى علينا أن نعرف لماذا أصرّ بنو تميم ـ وبالأصح بعضهم ـ على الممانعة والمجادلة حتى أنتهت إلى المصاولة والمقاتلة؟

فنقول : لقد مرّ بنا في تاريخ حياته في البصرة شواهد التشنّج بينه وبين بني تميم ، وقرأنا كتاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه في الرفق بهم بعد أن جفاهم وأبعدهم وتنكّر لهم ، نكاية بهم لموقفهم المتصلّب يوم الجمل مع الناكثين ، ثمّ ما جرى بعد ذلك لهم معه من مواقف عدائية نتيجة الجفوة والفجوة ، فلا غرابة لو أصرّوا اليوم على العناد ، وقد أمنوا بطشه وسطوته وها هو يغادر البلاد إلى غير رجعة.

وأخيراً هل ترك ابن عباس البصرة هملاً وعرضة للنهب والسلب ، شأن البلاد الّتي تفتقد السلطة؟ أم أنّه استخلف عليها أحداً ينتظم شؤونها حتى يأتيها والي معاوية الحاكم الجديد؟

____________

(1) أنساب الأشراف ترجمة ابن عباس (نسختي المخطوطة بقلمي).


لم يرد في أمهات المصادر التاريخية ذكر استخلافه أحداً بعينه ، وطبيعة الموقف قد يقضي بذلك أيضاً ، غير أنّ بعض المؤرخين كما حكى عنه السيّد المدني الشيرازي في الدرجات الرفيعة ـ ولم يسمه ـ قال : « انّه استخلف عبد الله بن الحرث بن نوفل ، ثمّ قال السيّد : وهذا هو الصحيح »(1) .

أقول : ولا يبعد صحة ذلك القول عند من يعرف حسب ونسب عبد الله بن الحرث بن نوفل عند الهاشميين أوّلاً. وشخصيته في الأمويين ثانياً ، ومقامه عند البصريين ثالثاً.

فأمّا حسبه ونسبه عند الهاشميين فهو منهم ومعهم ، قال السيّد المدني : « وكان عبد الله المذكور مع أمير المؤمنين (عليه السلام) وشهد معه مشاهده كلّها ، ولمّا أراد الحسن (عليه السلام) صلح معاوية وجّه به رسولاً إلى معاوية »(2) .

وأمّا شخصيته في بني أمية فهو ابن أخت معاوية فأمه هند بنت أبي سفيان ابن حرب ، وهي الّتي لقّبته (ببّة) فكانت ترقّصه وتقول : لأنكحنّ ببّة. جاريةً خدّبه ، مكرمة محبّة ، تجبّ أهل الكعبة.

وأمّا مقامه عند البصريين فكانوا يرون فيه الرجل المناسب في الظرف المناسب ، لأنّه واسطة العقد المنافي المنفرط الّذي جمع ولادة الهاشميين من الأب ، والأمويين من الأم ، لذلك فقد اتفقوا عليه بعد موت يزيد وهرب ابن زياد من البصرة فولّوه أمورهم(3) .

____________

(1) الدرجات الرفيعة مخطوط بمكتبة الشيخ السماوي ، قارن / 119 ط الحيدرية.

(2) الدرجات الرفيعة / 188.

(3) راجع ترجمته في طبقات ابن سعد 7 ق1 / 71 ـ 72 ، وسير أعلام النبلاء 5 / 43 ط دار الفكر بيروت ، وتهذيب الكمال للمزي 10 / 74 برقم 3199.


ومع هذا كلّه فلست بالمتيقن باستخلاف ابن عباس له ، كما لا يتنافى دعوى استخلافه وثوب حمران بن أبان على البصرة(1) بعد مغادرة ابن عباس حتى غلب عليها ، فبعث إليها معاوية بسر بن أبي ارطاة ـ السفاك الأثيم ـ وأمره بقتل بني زياد ابن ابيه ـ وهو عامل ابن عباس على فارس ـ لأنّه لم يزل على تمنّعه من مبايعة معاوية ـ وذلك في رجب سنة 41 هـ.

وبناءً على هذا التحديد في التاريخ يمكن معرفة تاريخ مغادرة ابن عباس البصرة بأنها كانت بعد النصف من جمادى الأولى ـ وهو تاريخ صلح الحسن (عليه السلام) ـ وقبل رجب ـ وهو تاريخ مجيء بسر بن أبي أرطاة.

ومهما تكن مسألة تحديد تاريخ المغادرة ليس بذي أهمية عند بعض الباحثين في هذا المقام ، لكن فيما أرى فيه بالغ الأهمية لأنّه يشكّل مؤشراً واضحاً على تكذيب حديث خيانة بيت المال في أيام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبالتالي مفارقة ابن عباس مغاضباً للإمام وذلك قبل مقتله. وقد جرى على تصديق ذلك الحديث جملة من المؤرخين كالبلاذري والطبري وابن الأثير ومن تأخر عنهم. وستأتي محاسبتهم على مرويّاتهم في الحلقة الرابعة إن شاء الله تعالى.

وممّا تجدر الإشارة إليه في المقام أنّ خيانة النساخين والمصححين أيضاً لعبت دوراً كبيراً في إرباك الباحثين. وإليك نموذجاً واحداً ممّا يتعلق بالمقام : فقد ذكر المؤرخ الفاسي في العقد الثمين قول النووي : « واستعمله عليّ (رضي الله عنه) على البصرة ثمّ فارقها بعد قتله وعاد إلى الحجاز »(2) . وعند الرجوع إلى كتاب النووي

____________

(1) راجع عن ثورته وأسبابها تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون في حوادث سنة 41 وتجد في ابن خلدون أن اسمه حمران بن زيد.

(2) العقد الثمين 5 / 191 مط السنّة المحمدية القاهرة في ترجمة ابن عباس سنة 1958.


تهذيب الأسماء وجدنا العبارة هكذا : « واستعمله عليّ (رضي الله عنه) على البصرة ثمّ فارقها قبل قتل عليّ وعاد إلى الحجاز »(1) .

ومعلوم أنّ تغيير كلمة (بعد) بكلمة (قبل) كم له من تأثير في قلب المفاهيم وتضييع الحقائق ، وهذا ما يحملنا على سوء الظن بمن تولى كبر ذلك من النساخين أو المصحّحين ، وكم لهذا من نظير(2) . وتبقى الحقيقة حية لا تموت حتى تظهر ولو بعد حين. والحمد لله ربّ العالمين الّذي لا يحمد على مكروه سواه ، فقد انتهى عصر الخلافة الراشدة فيما يسمونه ، وأطل على المسلمين عهد الملوكية المستبدة الّذي حول الخلافة إلى ملك عضوض.

____________

(1) تهذيب الأسماء واللغات 1 / 276 ط المنيرية بمصر.

(2) راجع خطبة قيس بن سعد بن عبادة بعد مغادرة عبيد الله بن عباس جيشه وذهابه إلى معاوية ، ستجدها في المطبوع من مقاتل الطالبين وفيها ( وإن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط. ان اباه عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج يقاتله ببدر ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري ، فأتي به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين ، وإن أخاه ولاّه عليّ أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين ، فاشترى به الجواري وزعم أن ذلك له حلال ، وإن هذا ولاه على اليمن فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتى قتلوا ، وصنع الآن هذا الّذي صنع ).

وإذا رجعنا إلى ابن أبي الحديد في نهج البلاغة 4 / 15 وهو يروي عن أبي الفرج في مقاتله خطبة قيس نجد التزيّد في المطبوع من المقاتل فإنه لم يذكر سوى قوله : وذكر عبيد الله فنال منه. فأين هذا من ذكر الأب والأخ؟


فهرس الجزء الرابع

تقديم 7

حبر الأمة وولايته على البصرة 9

ولايته على البصرة : 11

المحور الأوّل : 11

المحور الثاني : 14

المحور الثالث : 16

لماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟ 20

إعلان الولاية : 28

ثمّ أتيته بعد ثلاث فألقي إليَّ صحيفة فيها : 31

وصية الإمام للوالي : 33

حياته في إمارة البصرة : 34

1 ـ النشاط الإداري والسياسي : 35

2 ـ التوجيه العلمي والديني : 53

3 ـ السلوك الشخصي : 68

حل مشكلة في التاريخ : 75

معاوية والمخاتلة : 86

إلى جهاد القاسطين : 87

إلى صفين : 90

ماذا عن ابن عباس في صفين؟ 93

أوّلاً : مركزه القيادي 94

ثانياً : منازلته الحربية 96

ثالثاً : موقف خطابي ومنازلة ميدانية مع عمرو بن العاص 101


رابعاً : يوم من أيام صفين مع الوليد بن عقبة 102

خامساً : مع عبيد الله بن عمر وذي الكلاع الحميري في قتال شديد 104

سادساً : مشهد من مشاهد صفين برواية ابن عباس 107

حديث الخديعة : 110

أ ـ بين عمرو بن العاص وابن عباس : 111

ب ـ بين معاوية وابن عباس : 117

ليلة الهرير : 125

رأي طـه حسين في مكيدة ابن العاص : 127

ابن عباس وابن العاص في كفتـي ميزان : 133

آثار خدعة التحكيم السيئة : 137

محاورة ابن عباس مع المحكمة في حروراء : 156

محاورة ابن عباس مع المحكمة في الكوفة : 167

أ ـ بين يدي المحاورة : 167

ب ـ توثيق المحاورة : 168

ج ـ نص المحاورة : 169

وحان الأجل الموعود : 174

آراء حرّة من دون تعليق : 182

ماذا بعد التحكيم؟ 186

لعن الإمام لمعاوية وأشياعه : 191

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للحكم بن أبي العاص : 195

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحياء من بني سليم : 196

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا الأعور السُلمي : 197

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنافقين : 197

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبا موسى الأشعري وأصحاب العقبة : 198

لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستة أصناف من الناس : 198


لعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من تخلف عن جيش أسامة : 199

عودة ابن عباس إلى البصرة : 209

إلى النهروان : 214

محض هراء وافتراء من دون حياء(1) : 224

تعقيب بلا تثريب(2) : 236

في مقتل محمّد بن أبي بكر : 245

فتنة ابن الحضرمي بالبصرة : 252

مفارقة الخريت بن راشد في بني ناجية : 262

بوائق معاوية : 271

ابن عباس في الكوفة : 276

أوّلاً : الخطبة الشقشقية : 279

مطايبة ابن الخشاب لابن عباس : 284

ثانياً : الصنو : 286

مأساة الشهادة : 298

3 ـ حزن وبكاء : 301

وأخيراً ابيضت عيناه من الحزن : 302

روايات تافهة : 307

مفاهيم خاطئة عن سياسة الإمام! 311

بداية عهد الخلافة الجديدة : 331

إعلام واستعلام : 332

خطبة ودعوة للبيعة : 337

عودة إلى البصرة : 343

كتاب ابن عباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام) : 347


أمر الخلافة في وثيقة الصلح : 354

طرد أو مطاردة : 366

وكتب في شهر ربيع الآخر سنة احدى وأربعين 366

فهرس الجزء الرابع 378