موسوعة عبد الله بن عبّاس- الجزء 5
التجميع متون حديثية
الکاتب السيد حسن الموسوي الخرسان
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404







تقديم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

به نستعين

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن الصحابة المهتدين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد فهذا هو الجزء الخامس من الحلقة الأولى من ( موسوعة عبد الله بن عباس ) حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله تعالى عنه ، أسأل المولى سبحانه أن يوفقني لإتمامه وإخراجه ، ويتقبّل جهد هذا العبد المقلّ بأحسن القبول ، ويثيبني بأحسن المأمول ، إنّه ولي ذلك ، وهو السميع المجيب.



الفصل الأول :

بداية عهد جديد



وآذنت شمس الخلافة بالغروب :

لقد آذنت شمس الخلافة بالغروب في آخر يوم موادعة الإمام الحسن ( عليه السلام ) مع معاوية بن أبي سفيان. وفي ذلك اليوم بدأ فيه الملك العضوض للشجرة الملعونة في القرآن ، وأنغض شياطينها برؤوسهم كرؤوس الشياطين ، فصالح الإمام وهو السيّد ـ كما سمّاه جده في حديث أبي هريرة وابي بكرة وابي جحيفة ـ معاوية الصعلوك ـ كما سماه النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في حديث فاطمة بنت قيس(1) .

وفي ذلك اليوم صدق الله رسوله الرؤيا الّتي رآها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وانزل فيها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ، فقال تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (2) .

وإلى القارئ أقوال بعض علماء أهل السنّة في ذلك :

1 ـ قال الجاحظ ـ وهو المعروف بعثمانيته ـ : « إلى أن كان من اعتزال الحسن ( رضي الله عنه ) الحرب ، وتخلية الأمور عند انتشار أصحابه ، وما رأى من الخلل في عسكره ، وما عرف من اختلافهم على أبيه وكثرة تلوّنهم عليه.

فعندها استبد معاوية على الملك ، واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الّذي سمّوه ـ عام الجماعة ـ وما كان عام

____________________

(1) أنظر مسند أحمد 6 / 412 ط الأولى.

(2) الإسراء / 60.


جماعة ، بل كان عام فُرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام الّذي تحوّلت فيه الإمامة ملكاً كسروياً ، والخلافة منصباً قيصرياً ، ولم يعدُ ذلك أجمع الضلال والفسق.

ثمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتّبنا ، حتى ردّ قضيّة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) رداً مكشوفاً وجحد حكمه جحداً ظاهر ، في ولد الفراش وما يجب للعاهر ، مع إجماع الأمة أنّ سميّة لم تكن لأبي سفيان فراشاً وإنّه إنّما كان بها عاهراً ، فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار.

وليس قتل حجر بن عدي ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر ، وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفيء ، واختيار الولاة على الهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة ، والسنن المنصوبة ، وسواء في باب ما يستحق الكفار جحد الكتاب وردّ السنّة إذا كانت السنّة في شهرة الكتاب وظهوره ، إلاّ انّ أحدهما أعظم ، وعقاب الآخرة عليها أشدّ.

فهذه أوّل كفرة كانت من الأمة ، ثمّ لم تكن إلاّ فيمن يدّعي إمامتها والخلافة عليها ، على أنّ كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره ، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ، ومبتدعة دهرنا ، فقال : لا تسبّوه فإنّ له صحبة ، وسبّ معاوية بدعة ، ومن يبغضه فقد خالف السنّة فزعمت أنّ من السنّة ترك البراءة وجحد السنّة »(1) .

2 ـ قال ابن حجر المكي الهيتمي في صواعقه في حديثه عن الإمام الحسن ( عليه السلام ) : « هو آخر الخلفاء الراشدين بنص جدّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ولي الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة ، فأقام بها ستة أشهر وأياماً خليفة حقّ ، وإمام عدل

____________________

(1) رسائل الجاحظ / 292 فما بعدها الرسالة الحادية عشرة جمع ونشر حسن السندوبي ط الأولى بمط الرحمانية سنة 1352 هـ.


وصدق ، تحقيقاً لما أخبر به جده الصادق المصدوق ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بقوله : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، فإن تلك الستة الأشهر هي المكمّلة لتلك الثلاثين ، فكانت خلافته منصوصاً عليها وقام عليها اجماع من ذكر فلا مرية في حقيّتها ، ولذا ناب معاوية عنه ، وأقرّ له بذلك كما ستعلمه ممّا يأتي قريباً في خطبته حيث قال : إن معاوية نازعني حقاً وهو لي دونه فنظرت إصلاح الأمة وقطع الفتنة »(1) .

3 ـ قال أبو الثناء الألوسي في تفسيره في تفسير قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (2) :

« وقد اجتمعت لمعاوية أقطار البلاد الإسلامية كلّها بعد أن صالح الحسن ابن عليّ ( رضي الله عنه ) ، فسمى نفسه أمير المؤمنين ، ولكنه لم يسر مسيرة مَن عرفنا من أمراء المؤمنين ، وإنّما جعل الخلافة ملكاً ، وأورثها ابنه من بعده ، استباح أشياء حرّمها الله في القرآن ، فاستلحق زياداً ، ورغب به عن أبيه عبيد ، والله ينهى أشدّ النهي في القرآن عن هذا الاستلحاق وأمثاله في قوله في سورة الأحزاب :( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللاّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (3) .

____________________

(1) الصواعق المحرقة / 133 ط محققة.

(2) الإسراء / 60.

(3) الأحزاب / 4 ـ 5.


وكان زياد يعرف أباه عبيد الرومي حين قبل هذا الاستلحاق وفرح به ، وقد نهى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عن هذا الإستلحاق وأمثاله حين قال : ـ فيما روى الشيخان ـ ( ومن ادّعي لغير أبيه فليتبوأ مقعده من النار ) وحين قال : ـ فيما رواه الشيخان أيضاً ـ ( من رغب عن أبيه فهو كفر )(1) »(2) .

4 ـ قال الدكتور عليّ سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام : « ولو عاد الأمر ـ بعد عليّ إلى المسلمين الخلّص لكي يحكموا المسلمين وحرم منه ابنا فاطمة الزهراء ـ لما تضخمت المسائل وكبر الحب وعظم ، وكبرت السخيمة وعظمت ، ولكن الأمر عاد إلى معاوية بن أبي سفيان ، ولم يكن المسلمون قد تناسوا أباه الغنوصي القائم هذا الثنوي المجوسي الّذي لم يؤمن أبداً ، وسرعان ما أطلقوا على معاوية الطليق ابن الطليق والوثني ابن الوثني ، ومهما قيل في معاوية ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر وبعض أهل السنّة

____________________

(1) من السخرية بعقول المسلمين ما قاله ابن تيمية في مسألة الاستلحاق هذه ، فهلمّ فاقرأ ما يقول : « وكذلك استلحاق معاوية ( رضي الله عنه ) زياد بن أبيه المولود على فراش حارث بن كلدة ، لكون أبي سفيان كان يقول : إنّه من نطفته مع ان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد قال : ( من ادعى لغير أبيه فالجنة عليه حرام ) وقال : ( من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ) حديث صحيح ، قضى أن الولد للفراش ، وهو من الأحكام المجمع عليها ، فنحن نعلم أن من انتسب إلى غير الأب الّذي هو صاحب الفراش فهو داخل في كلام رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مع انّه لا يجوز أن يعيّن أحداً دون الصحابة فضلاً عن الصحابة ( رضي الله عنهم ) فيقال : ( إن هذا الوعيد لاحق به لإمكان أنّه لم يبلغهم قضاء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأن الولد للفراش واعتقدوا لمن أحبل أمه ، واعتقدوا أن أبا سفيان ( رضي الله عنه ) هو المحبل لسمية أم زياد ، فإن هذا الحكم قد يخفى على كثير من الناس قبل انتشار السنّة ، مع أن العادة في الجاهلية كانت هكذا ، أو لغير ذلك من الموانع المانعة هذا المقتضي للوعيد أن يعمل عمله من حسنات يمحو السيئات غير ذلك ) نقلاً عن رفع الملام عن الأئمة الأعلام / 32 نشر المكتبة العلمية ( باب الرحمة ـ المدينة المنورة ). فاقرأ ولا تعجب فكم له من نظير.

(2) روح المعاني الجزء / 15 ط المنبرية.


من وضعه في نسق صحابة رسول الله ، فإنّ الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام ، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً ، ولكنه لم يستطع أكثر من هذا ، وبدأ ابنا فاطمة يكتبون بدمائهم أكبر الملاحم »(1) .

وقال أيضاً : « وكان خليفة دمشق غارقاً لأذنيه في جاهليته الأولى بين جواريه ومغانيه وملاهيه وطربه ، يرتكب الكبائر سراً أو علانية ، ويحطم بناء المجتمع الإسلامي الخُلقي كما حطّم بناءه السياسي والاقتصادي ، وظن خطأ انّه حلل المجتمع الإسلامي ، وأنّه أشاع الفاحشة بين الناس ، فعاد واقعهم إلى الخمر والنساء والرذائل العادية الشاذة ، وأنّه أنهكهم بما حمّلهم من أوزار وخطايا ، وبهذا يسهل عليه حكمهم ، ظن خطأ أنّ الناس على دين ملوكهم ، وأنّهم لا يفعلون غير ما يفعل ، ولا يأتمرون إلاّ بما أمر »(2) .

5 ـ قال المؤرخ الشهير السيّد أمير عليّ الهندي في كتابه مختصر تاريخ العرب : « لم ينجم عن تولّي الأمويين دفة الحكم تغيير معالم الخلافة فحسب ، بل أدى أيضاً إلى قلب المبدأ الأساس »(3) .

وقال في كتابه روح الإسلام : « ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم الأوليغاشية الوثنية السابقة ، فاحتل موقع ( ديموقراطية الإسلام ) وانتعشت الوثنية بكلّ ما يرافقها من خلاعات ، وكأنها بعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذّل الخلُقي لنفسها متّسعاً في كلّ مكان ارتادته رايات حكام الأمويين من قادة جند الشام »(4) .

____________________

(1) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2 / 18 ـ 19 ط السابعة دار المعارف سنة 1977 م.

(2) نفس المصدر 1 / 231 ط.

(3) مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي / 63 تعريب رياض رأفت.

(4) روح الإسلام / 296 تعريب عمر الديراوي ط دار العلم للملايين بيروت.


6 ـ قال أحمد أمين في كتابه يوم الإسلام : « وبمعاوية انتقل الأمر من خلافة إلى ملك عضود ، الفرق بينهما أنّ الخلافة أساسها اقتفاء أثر الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والإعتماد في حل المشاكل على شورى أهل الحل والعقد ، واختيار الخليفة منهم حسبما يرون أنّه الأصلح.

أمّا المُلك فيشبه الملوك الأقدمين من فرس وروم ، واستبداد بالرأي ، وقصر الخلافة على الأبناء والأقرباء ، ولو لم يكونوا صالحين لذلك ، وهذا كلّه ما فعله معاوية

والحقّ أنّ معاوية ساد الناس بالغلبة لا بالاختيار ، ثمّ استبد بتسيير الأمور ، ثمّ عهد بالخلافة إلى ابنه يزيد ، ولم يكن أكفأ الناس ، ثمّ ساس الناس سياسة ميكافيلية استبدادية ، لا عهد للناس بها من قبل ، وجرى المسلمون بعد ذلك على أثره من بيت عباسي بعد بيت أموي وهكذا ، وضاع معنى الخلافة الّتي سار عليها الخلفاء الراشدون ، كما ضاع معنى العدل الّذي تشدّد الإسلام في العمل والتعامل به ، وأصبح الأمر أمر سياسة حسبما تتطلبه الغلبة لا عدل حسبما يتطلبه الإسلام »(1) .

7 ـ قال الدكتور طه حسين في الفتنة الكبرى : « ومهما يقل الناس في معاوية من أنّه كان مقرّباً إلى النبيّ بعد إسلامه ، ومن أنّه كان من كتّاب الوحي ، ومن أنّه أخلص الإسلام بعد أن ثاب إليه ، ونصح للنبي وخلفائه الثلاثة ، مهما يقل الناس في معاوية من ذلك فقد كان معاوية هو ابن أبي سفيان قائد المشركين يوم أحد ويوم الخندق ، وهو ابن هند الّتي أغرت بحمزة حتى قتل ، ثمّ بقرت بطنه ولاكت كبده ، وكادت تدفع النبيّ نفسُه إلى الجزع على عمه الكريم ، وكان المسلمون

____________________

(1) يوم الإسلام / 66 ـ 67 ط دار المعارف سنة 1952 م.


يسمون معاوية وأمثاله من الّذين أسلموا بآخرة ومن الّذين عفا النبيّ عنهم بعد الفتح بالطلقاء لقول النبيّ لهم : اذهبوا فأنتم الطلقاء »(1) .

8 ـ قال عباس محمود العقاد في كتابه معاوية في الميزان : « فليس أضل ضلالاً ولا أجهل جهلاً من المؤرخين الّذين سمّوا سنة ( احدى وأربعين هجرية ) بعام الجماعة ، لأنّها السنة الّتي استأثر فيها معاوية بالخلافة ، فلم يشاركه أحد فيها ، لأنّ صدر الإسلام لم يعرف سنة تفرّقت فيها الأمة كما تفرّقت في تلك السنة ، ووقع فيها الشتات بين كلّ فئة من فئاتها كما وقع فيها ، إذ كانت خطة معاوية في الأمن والتأمين قائمة على فكرة واحدة وهي التفرقة بين الجميع »(2) .

وقال أيضاً : « فلو أنّه استطاع أن يجعل من كلّ رجل في دولته حزباً منابذاً لغيره من رجال الدولة كافة لفعل ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح لما وصفه بغير مفرّق الجماعات »(3) .

وأحسب أنّ القارئ كيف ما كان رأيه في معاوية له أو عليه ، فقد تبيّن له صحة ما مرّ في العنوان من غروب شمس الخلافة وبدء عهد الملك العضوض ، كما أحسبه آمن بصدق أقوال الجاحظ ومن تلاه فيما مرّ ، وخرج بنتيجة أنّ معاوية قد استيقظت فيه عقدة النقص الّتي أورثها إياه الكفر حين ظهر أمر الله ولو كره الكافرون ، وقد تبدّت حين انغضت برأسها يوم تولى عثمان وسمع أباه

____________________

(1) الفتنة الكبرى 2 / 15 ط دار المعارف.

(2) موسوعة العقاد ( معاوية في الميزان ) 3 / 663.

(3) نفس المصدر / 585.

وراجع في تصديق ذلك إغراؤه بين مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وبين سعيد ابن العاص بن أمية في المصادر التالية : أنساب الأشراف للبلاذري 1ق4 / 33 تح ـ احسان عباس وفي الهامش تجد ذكر الطبري وتذكرة ابن حمدون وابن عساكر وابن كثير والبيان للجاحظ وكامل المبرد وعيون الأخبار لابن قتيبة وربيع الأبرار والعقد الفريد ومروج الذهب واليعقوبي والتاج للجاحظ.


يقول : « تلقّفوها يا بني أمية تلقّف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة »(1) . والولد سرّ أبيه.

ولا شك أنّ معاوية ازداد حنقاً على الإسلام بعد تولي الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قيادة الأمة ، فلم يرضخ لحكمه ، بل أعلن تمرّده بعتو وجبروتية ظالمة ، فكان كما قال الجاحظ ومن تلاه.

ولا شك أنّ أهل البيت أصبحوا في وضع خطير وجهاد مرير مع معاوية.

ولمّا كان الإمام الحسن ( عليه السلام ) وهو صاحب الحقّ في الخلافة وأولى الناس بالناس قد وادع مضطراً ، وسمع الكثير من شيعته ومواليه عتاباً مرّاً ، فلا شك في ابن عباس وهو من أبرز بني هاشم قد واجه المحنة في تلك الفترة بصبر أمرّ من الصبر ، وليس أمامه في ذلك الاختبار العسير سوى الصمود وخوض المعركة مع معاوية لصيانة مبادئ الإمام الّتي هي مبادئ الإسلام ، والّتي قاتل عليها في صفين. ولمّا شيم السيف الّذي كان يشهره في حروبه مع الإمام ، فعليه أن يشهر سلاحه الآخر الّذي هو أنكى في العدو ، وذلك سلاح الرواية في نشر فضائل الإمام وأهل بيته خوفاً عليها من الضياع بعد منع معاوية عن التحدّث بها ، وعقوبة من يرويها ببراءة الذمة وهي تعني القتل. كما جد في نشر فضائح الأمويين بكلّ جرأة وإقدام ، وعلينا أن نقرأ بعض مواقفه في محاربته معاوية وبني أمية عن طريق الرواية ، ثمّ مواجهته الساخنة في محاوراته معهم.

ابن عباس في حكومة معاوية :

إذا أردنا معرفة موقف ابن عباس من الحكم والحاكم الأموي الجديد ، يجب أن لا ننسى النزاع والتخاصم القائم بين بني أمية وبني هاشم ، وما بقي من

____________________

(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 410 ـ 411 ط مصر الأولى.


موروث الإنتماء لدى الأبناء ، وهو الّذي كان يتنامى يوماً بعد يوم ، بالرغم من وجود ما يدعو إلى تناسي الترات وشدّ الأواصر المنافية ، كالمصاهرات والمصالح التجارية. لكن كلّ ذلك لم يُزل ما في النفوس من كامن الأحقاد عند تذكّر الآباء والأجداد ، فقد روي : « أنّ عقيل بن أبي طالب لمّا تزوج فاطمة بنت عتبة برغبة وبذل منها ، فكانت تبرمه بخلافها وتقول له يا بني هاشم لا يحبكم قلبي أبداً ، أين أبي؟ أين عمي؟ أين أخي؟ كأنّ أعناقهم أباريق فضة ، ترد آنافهم الماء قبل شفاههم. قال : إذا دخلتِ جهنم فخذي على شمالك ، فشدّت ثيابها وأتت عثمان فشكت عليه ، فبعث عبد الله بن عباس ومعاوية حكَمين ، فقال ابن عباس : لأفرّق بينهما ، وقال معاوية : ما كنت لأفرّق بين شيخين من قريش ، فلمّا أتياهما وجداهما قد أغلقا بابهما واصطلحا »(1) .

كما لم تجدِ القرابات النسبية سبيلاً إلى إزالة الكوامن في الصدور ، فقد ذكر البلاذري في الأنساب : « أنّ صفية بنت حزن الهلالية هي أم أبي سفيان بن حرب وهي عمة لبابة بنت الحارث أم عبد الله بن عباس »(2) ، كما روى أيضاً عن ابن عباس قال : « دخلت على أبي سفيان بن حرب وهو يتغدى ، فذكرت له حاجتي ثمّ قلت : فما منعك من أن تدعوني إلى غدائك؟ فقال إّنما وضع الطعام ليؤكل ، فإن كانت بك إليه حاجة فكل »(3) .

وهذا منتهى البخل والعذر أقبح من الفعل.

ولو استعرضنا جميل بني هاشم على بني أمية وأياديهم البيضاء لطال بنا الحديث ، وحسب القارئ أن يعلم أنّ صنائع المعروف الّتي أسداها الهاشميون

____________________

(1) الدرجات الرفيعة / 164 ط الحيدرية.

(2) أنساب الأشراف 1ق 4 / 3.

(3) نفس المصدر / 10.


بدءاً من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في فتح مكة ، ومروراً بموقف العباس في إنجاء أبي سفيان من موت محقق ، فلولاه لاحتوشته يومئذ سيوف الله من كلّ جانب ، فقد أتى به مردفه معه على بغلة لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فاستأمن له. فمع هذه الأيادي البيضاء والقرابات من الأمهات كيف سيكون حال ابن عباس مع الحاكم الأموي المتغطرس وماذا ينتظره من صعلوك الأمس وقيصر اليوم؟ وهاهو اعتلى عرش الحكم ابتزازاً ، ليجعل منه عرش كسرى وقيصر ، وقد اتخذ منه مقصلة ليجزر عليها بني هاشم ومن يواليهم.

فلا شك أنّ ابن عباس لم يكن يتوقع الخير في ظل ذلك الحكم الغاشم ، ان لم يكن يتوقع المزيد من الشر ، لأن طبيعة الحاكم شر ، وهل يستدعي الشرّ إلاّ الشر.

وهنا نقطة أرى لزاماً عليّ تنبيه القارئ عليها. وهي أنّه لا يمكن لنا دراسة مواقف ابن عباس في العهد الأموي بشكل علمي وموضوعي بمعزل عن استذكار تاريخه في العهد العلوي ، وتبيّن آثاره وأفكاره ، لنرى مدى تأثير إستاذه ومعلمه وإمامه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الّذي تولى تربيته بعد ابن عمه الرسول الكريم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فأودعه عملياً سيرته المثلى في مقارعة الظالمين ، وأنهله من صفو مبادئه ـ وكلّها صفو ـ ما كاد أن يكون نسخة مصغرة منه ، حيث بدت مواقفهما متشابهة في أكثر من ميدان وفي غالب الأحيان.

وبشيء من الدقة وبعيداً عن العاطفة ، فإنا نستطيع أن نرى ابن عباس في الفترة الّتي عاشها مع الإمام من قبل توليه الحكم ومن بعده أيام جهاده الناكثين والقاسطين والمارقين كان ساعده الأيمن ومستشاره الأمين ، حتى أنّ معاوية أشدّ الناس عداوة لهما كان يراه رأس الناس بعد الإمام ، كما مرّ بنا كتابه إليه في ذلك


في حرب صفين ، وفيه : « فإنك راس الناس بعد عليّ » ولم يخدع ابن عباس بتلك المخاتلة والمغازلة.

وإنّ الخط البياني للعلاقة بين ابن عباس المأموم وبين ابن عمه الإمام لم يشهد منحيات تباعد بينهما فكراً وأسلوباً ومنهجاً ، وإن جهد المناؤون أن يوجدوا زاوية حادة لينفذوا منها في ثغرة فيوسعوها حتى النُفرة ، ولكنّا حين تبينّا الدسّ فقد تبنّينا العكس ، كما سيأتي توضيح ذلك بتفصيل في الحلقة الرابعة ( ابن عباس في الميزان ).

ولم نلاحظ أي تغيير في رأيه تجاه مبادئ الإمام بعد وفاته ، فهو على أنماط سلوكه في حياته ، بل ازدادت مواقفه الجهادية في الدفاع عنه ومقارعة أعدائه ضراوة وقساوة ، ولم يزل صامداً في خط المواجهة الساخن كجندي محارب ، ضد معاوية وأشياعه ، وحتى مع الخوارج والنواصب.

وعلى ذلك فقد ناصبوه العداء ، سواء المعلَن أو المبطّن ، وحسبنا دليلاً على ذلك محاوراته مع المناوئين وسيأتي الكثير منها في الحلقة الثانية إن شاء الله في صفحة احتجاجاته.

جهاد ابن عباس بسلاح الرواية :

ليس من شك في أنّه لا يوجد في جميع بني هاشم رهط الإمامين الحسنين ( عليهما السلام ) بعدهما ـ من يوازي ابن عباس في رصيده العالي في رواية الحديث. وحتى من كان يمتلك بعض ذلك فلم يرو الرواة عنه انّه استعمل رصيده ضدّ الحاكمين كما استعمله ابن عباس. كما لا شك في أنّه لا يوجد في حملة الحديث من الصحابة من يمتلك جرأة كجرأة ابن عباس في التحديث


بمساوئ الحاكمين ، وأخيراً لا يوجد في المسلمين يومئذ مَن كان لا يقبل حديث ابن عباس إذا حدّث بما يرويه في الحكّام الظالمين ، اللّهمّ إلاّ أن يكون أموي النسب أو النزعة.

وفيما أحسبه قد استقلّ وحده في المواجهة مع عدوّه اللدود معاوية خصوصاً حين بلغه تجبّره وطغيانه ، وقد بسط على الناس سلطانَه ، فأعلن بسبّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على منابر المسلمين ، ثمّ كتابته إلى الآفاق ينهى عن التحدث بفضائل الإمام ، وأعلن ببراءة الذمة ممّن روى في ذلك شيئاً ، والبراءة معناها إهدار دمه ، ثمّ هيأ من مرتزقة المحدثين زمرة تضع له الأحاديث في عثمان وأهل بيته ، فما كان أحدٌ يقوى على خوض تلك المعركة الظالمة الّتي بدأها معاوية إلاّ ابن عباس ، فكان منه الردّ السريع والمريع والحاسم والحاكم في نشر أحاديث فضائل الإمام ( عليه السلام ) ، كما كانت الضربة الموجعة لمعاوية في رواياته الّتي سمعها من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في معاوية وفي بني أمية سوى ما كان منه في توجيه الصفعة بعد الصفعة لهم.

لا أشبع الله بطنه :

وأخال أوّل تلك الضربات الموجعة لمعاوية رواية ابن عباس لحديث : ( لا أشبع الله بطنه ) وهو حديث ثابت ، وقد أخرجه مسلم ، باب من لعنه النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أو سبّه أو دعا عليه ، وليس هو أهلاً لذلك كانت له زكاة وأجراً ورحمة (؟) ، ولفظه : « بسنده عن أبي حمزة القصاب عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فتواريت خلف باب ، قال : فجاء فحطأني حطأة وقال : اذهب وادع


لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، قال : ثمّ قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، فقال : ( لا أشبع الله بطنه ) »(1) .

وأعاد ذكره مسلم مرة أخرى بسند آخر إلى أبي حمزة وبتفاوت يسير(2) .

فهذا الحديث صريح في دعاء النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على معاوية ، كما هو صريح في عدم مبالاة معاوية باستدعاء الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) واستمراره بالأكل ، وقد مرّ في الجزء الأوّل في حياة ابن عباس في عهد الرسول في شواهد ومشاهد ذكر الحديث. وسيأتي أيضاً تعقيبنا على هذا الحديث في مرويات مفتريات على ابن عباس.

وقفة تنوير مع علماء التبرير :

وهنا لابدّ من وقفة تنوير عن موقف علماء التبرير أزاء هذا الحديث ، بدءاً من شرّاح صحيح مسلم وأولهم النووي ولعله أهمّهم فقد قال :

« وأمّا دعاؤه على معاوية أن لا يشبع حين تأخر ففيه الجوابان السابقان ، أحدهما : انّه جرى على اللسان بلا قصد ، والثاني : انّه عقوبة له لتأخره. وقد فهم مسلم ( رحمه الله ) من هذا الحديث أنّ معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب ، وجعله غيره من مناقب معاوية ، لأنّه في الحقيقة يصير دعاء له »(3) .

وقال الوشتاني الآبي المالكي : « قوله : ( لا أشبع الله بطنه ) ( م ) يحمل على أنّه من القول السابق إلى اللسان من غير قصد إلى وقوعه ولا رغبة في إجابته ( ط ) وهو دعاء حقيقة فلعله لتراخيه في الإجابة ، وإجابته ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على الفور ، ويحتمل انّه

____________________

(1) صحيح مسلم 8 / 27 ط محمّد عليّ صبيح في البرّ والصلة.

(2) المصدر السابق.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي 16 / 156 ط مصر.


معذور في تراخيه لجوع كان به أو خوف فساد الطعام ، ولهذا المعنى أدخله بعضهم في فضائل معاوية من حيث انّه ليس من أهل الدعاء عليه ، فيقال ما تقدم من قوله : اللّهمّ من دعوت عليه من أمتي وليس بأهل لها فاجعلها له طهوراً وزكاة وقربة تقرّبه بها يوم القيامة »(1) .

وهذا ذكره بعينه السنوسي الحسيني في شرحه مكمّل إكمال الإكمال ولم يزد عليه بشيء. فراجع هامش المصدر السابق.هذا ما عند شرّاح صحيح مسلم.

أمّا عن المصادر الأخرى : فقد رواه أحمد في مسنده أربع مرات وليس في شيء منها ذكر الدعاء ( لا أشبع الله بطنه )(2) ، ورواه الطيالسي في مسنده(3) ، وابن الأثير في أسد الغابة(4) ، وابن أبي الحديد في شرح النهج(5) ، وابن كثير في البداية والنهاية(6) وذكر أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ارسل ابن عباس خلف معاوية ثلاث مرات وقال في الثالثة : ( لا أشبع الله بطنه ) قال ـ ابن عباس ـ فما شبع بعدها. فعقب ابن كثير على ذلك بقوله :

« وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وآخراه ، أمّا في دنياه فانه لمّا صار إلى الشام أميراً ، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ومن الحلوى

____________________

(1) اكمال اكمال المعلم 7 / 47 ط دار الكتب العلمية بيروت.

(2) مسند أحمد 3 / 19 برقم 2150 تح ـ أحمد محمّد شاكر ط مكتبة التراث الإسلامي ، و 3 / 226 برقم 2651 ، و 4 / 42 برقم 3104 و 4 / 51 برقم 3131 فستجد الحديث متفاوت الألفاظ ومبتوراً من الدعاء.

(3) مسند الطياليسي 2 / 359.

(4) أسد الغابة 4 / 386.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 444 ط الأولى.

(6) البداية والنهاية 8 / 119.


والفاكهة شيئاً كثيراً ، ويقول : والله ما أشبع وإنما أعيى ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كلّ الملوك. وأمّا في الآخرة فقد اتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الّذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( اللّهمّ إنّما أنا بشر فأيّما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلاً فاجعل ذلك كفارة وقربة تقرّبه بها عندك يوم القيامة ) فركّب مسلم من الحديث الأوّل وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد له غير ذلك »(1) .

وهذا الحديث الثاني من رواية أبي هريرة نصرة للأمويين ، وإلاّ فالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم يكن يلعن من لا يستحق اللعن ، وعن أنس : « لم يكن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فاحشاً ولا لعّاناً ولا سبّاباً »(2) ، فلعنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لطوائف من أمته ثابت لا شك فيه ، إنّما الّذي زعمه الزاعمون من علماء التبرير أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد يلعن من لا يستحق اللعن ، وهذا معناه غلبة البشرية عليه( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) (3) حتى صار يتجاوز في سبّه ولعنه وحتى جلده من لا يستحق ذلك بغلبة هوى البشرية ، فأين العصمة الّتي هي من خصائصه؟ وأين المدح الالهي له( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (4) ؟

وأين قوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد نهته قريش كلّ شيء يسمعه من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فذكر ذلك للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فأومأ النبيّ باصبعه إلى فيه وقال : ( اكتب فوالّذي نفسي بيده لا يخرج عنه إلاّ حقّ )(5) .

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 119.

(2) الأدب المفرد للبخاري / 154.

(3) فصلت / 6.

(4) القلم / 4.

(5) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر / 36 باب الرخصة من كتاب العلم.


وأغرب من ذلك ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ، وقد ذكر الحديث وفيه الدعاء ثمّ قال : « وفسّره بعض المحبّين قال : لا أشبع الله بطنه حتى لا يكون ممّن يجوع يوم القيامة ، لأنّ الخبر عنه : أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة ». ثمّ قال الذهبي : « قلت : هذا ما صحّ والتأويل ركيك ، وأشبه منه قوله ( عليه السلام ) : ( اللّهمّ من سببته أو شتمته من الأمة فاجعلها له رحمة ) أو كما قال : وقد كان معاوية معدوداً من الأكلة »(1) .

أقول : ولا يعنينا الحديث عن نهم معاوية في الطعام فقد ذكر المؤرخون له شواهد كثيرة ونوادر يطلبها من شاء في مضانها. إنّما الّذي يعنينا في المقام نهم أصحاب الكلام في الدفاع عن معاوية ، الّذي قدمنا ما يكفي بتبصرة القارئ بحقيقته نقلاً عن أعلام لا يتهمون في أمره. ولكن الأهواء الشامية والنصب المبطّن حمل المعذّرين من علماء التبرير على الخوض في المستنقع العفن مع معاوية ولو على حساب كرامة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ولو كانت لديهم مسكة من دين لكانوا مثل الحافظ النسائي ( رحمه الله ) ، فقد دخل بلاد الشام فرأى النُصب بها فكتب خصائص الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وحدّث به ، فسئل عن معاوية وما روي في فضائله فقال : أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتى يفضّل ، ما أعرف له فضيلة إلاّ ( لا أشبع الله بطنه ) فما زالوا يدفعون في حضنيه ( خصييه ) وداسوه حتى أخرجوه من المسجد! قال أبو نعيم : لمّا داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس وهو منقول(2) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 287 ط دار الفكر.

(2) راجع في ذلك ترجمة النسائي في مصادرها تجد القصة مذكورة ومنها تاريخ ابن خلكان 1 / 77 تح ـ إحسان عباس.


والشجرة الملعونة في القرآن :

لئن كان ابن عباس في روايته لحديث ( لا أشبع الله بطنه ) قد وجّه ضربته الموجعة والمفزعة لمعاوية ، فلقد أشفعها بأخرى أشدّ إيلاماً لمعاوية ولسائر بني أمية ، وتلك روايته في تفسير قوله تعالى :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (1) أنّهم بنو أمية.

فقد ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس : انّه ( عليه السلام ) رأى في المنام بني مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، فقيل : إنّما هي الدنيا أعطوها فسرّي عنه(2) . وذكر ذلك غير القرطبي وقالوا وفي ذلك نزل قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (3) .

وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس أنّه قال : « هذه الشجرة بنو أمية »(4) .

وقال أيضاً : « الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة الّتي تلتوي على الشجر فتقتله يعني الكشوث »(5) .

وأحسب أنّ قوله : ( يعني الكشوث ) ادراج من الراوي!

ومهما يكن ففي تفسيره للشجرة الملعونة بالشجرة الّتي تلتوي على الشجر فتقتله معنى كنائي وتشبيه له مغزاه ، إذ أنّ الكشوث نبات طفيلي ، لا جذر له ولا

____________________

(1) الإسراء / 60.

(2) تفسير القرطبي 10 / 282.

(3) الإسراء / 60.

(4) تفسير القرطبي 10 / 286.

(5) نفس المصدر.


ورق تلتف ساقه على حاضنه وتنشب فيه زوائد ماصة تمص نسغه يضر على الأخص بمروج القُضُب ، وسواء صح أنّه قال ذلك التفسير وسماه الكشوث أو لم يصح فإنّه قد أصاب الهدف في التشبيه ، فبنو أمية أتوا إلى الحكم كالنبات الطفيلي المشبه به فلا جذر لهم فيه ولا ورق ، وإنّما ابتزوا الحكم من أصحابه كهيئة من سرق ، ثمّ امتصوا من الأمة دماءها وعرقها وكدها وجهدها كما يمتص الكشوث النسغ من الشجرة وهو السائل الّذي تمتصه الجذور من الأرض ويجري في الساق والأوراق بواسطة العروق ـ

روايته في آية النبأ :

روى الطبري في تفسيره بسنده عن ابن عباس في قوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) (1) الآية ، قال : « كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعث الوليد بن عقبة ابن أبي معيط ، ثمّ أحد بني عمرو بن أمية ، ثمّ أحد بني أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات ، وإنّه لما أتاهم الخبر فرحوا ، وخرجوا ليتلقوا رسول رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وإنّه لمّا حُدِّث الوليد أنّهم خرجوا يتلقّونه ، رجع إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : يا رسول الله إنّ بني المصطلق قد منعوا الصدقة ، فغضب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) غضباً شديداً ، فبينما هو يحدّث نفسه أن يغزوهم ، إذ أتاه الوفد ، فقالوا : يا رسول الله إنّا حُدِّثنا أنّ رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنّا خشينا أن يكون رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنّا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فأنزل الله عذرهم في الكتاب فقال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (2) »(3) .

____________________

(1) الحجرات / 6.

(2) الحجرات / 6.

(3) تفسير الطبري 26 / 123 ـ 124.


وذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية وقال أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن ابن عباس.

وقد روى ذلك غير ابن عباس أيضاً ، وكان المسلمون يعرفون الوليد بالفاسق ، وهو المحدود في الخمر حدّه الإمام أمام عثمان بعد أن ثبت ذلك عليه ، وقصته مشهورة في التاريخ حين ولاّه عثمان ـ وكان أخاه لأمه ـ على الكوفة فشرب الخمر ثمّ قاءها في المحراب فشكاه أهل الكوفة وشهد عليه بذلك جماعة بعد أن أخذوا خاتمه من يده وهو سكران لا يعي ، وكاد عثمان يتستر عليه ولكن الإمام طالبه بإقامة الحد عليه فوكل الأمر إليه فجلده ، فكانت هذه الحادثة ممّا عمّقت الخلاف وأوغرت صدور الأمويين على الإمام.

وكان ابن عباس يحدّث بما كان بين الإمام وبين الوليد منذ أيام الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقد أخرج الحاكم الحسكاني والبلاذري في أنساب الأشراف في ترجمة الإمام ، وابن المغازلي المالكي في المناقب والعصامي المكي في سمط النجوم وغيرهم جميعاً عن ابن عباس إن الوليد بن عقبة قال لعلي أنا أسلط منك لساناً وأحدّ سناناً واربط جناناً وأملأ حشواً للكتيبة فقال له عليّ : أسكت يا فاسق ، فأنزل الله ( عزّ وجلّ ) :( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) (1) .

لعنه معاوية في يوم عرفة :

أخرج أحمد في مسنده بسنده عن سعيد بن جبير قال : « أتيت على ابن عباس بعرفة وهو يأكل رماناً ، فقال : أفطر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعرفة ، وبعثت إليه اُم الفضل بلبن فشربه. وقال : لعن الله فلاناً ، عمدوا إلى أعظم أيام الحج فمحوا زينته ، وإنّما زينة الحج التلبية »(2) .

____________________

(1) السجدة / 18.

(2) مسند أحمد 3 / 264 رقم 1870 تحـ أحمد محمّد شاكر.


وفي كنز العمال ذكر اللعن المبهم نقلاً عن ابن جرير ، وهذا رواه ابن جرير أيضاً كما روى أيضاً عن ابن عباس قال : « لعن الله فلاناً انّه كان ينهى عن التلبية في هذا ـ يعني يوم عرفة ـ لأنّ عليّاً كان يلبّي فيه »(1) .

ويبدو غلب على علماء الدولة التعتيم الإعلامي فلم يصرّحوا باسم معاوية ، وكنّوا عنه فقالوا : ( فلانا )! ولكن النسائي في السنن(2) وكذا في صحيح ابن خزيمة(3) والسنن الكبرى للبيهقي(4) صرّحوا باسمه.

وإليك الحديث بلفظ البيهقي : « عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس بعرفة ، فقال : يا سعيد ما لي لا أسمع الناس يلبّون؟ فقلت : يخافون معاوية فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال : لبيك اللّهمّ لبيك وان رغم أنف معاوية اللّهمّ ألعنهم فقد تركوا السنة من بغض عليّ ( عليه السلام ) ».

وموقف ابن عباس في هذا المقام يشبه موقف ابن عمه الإمام حين أعلن بعمرة وحجة في تلبيته بعسفان أيام عثمان ، حين كان ينهى عن العمرة في أشهر الحج ، وقد مرّ الحديث عنه في أيام عثمان.

وهكذا توالت ضرباته على رؤوس الأمويين عن طريق الرواية والقول والعمل ، ولا شك أنّ ذلك كان يبلغ معاوية عن طريق ولاته في الحرمين ، ولا شك أنّ ذلك كان يغيظه ، وما يدرينا لعله فكّر في الحج سنة 44 للحدّ من نشاط ابن عباس ، وإذا لم يكن ذلك هو الغاية فلا شك انّه باعث قويّ.

____________________

(1) كنز العمال 5 / 79 ط الثانية ( حيدر آباد ).

(2) سنن النسائي ( كتاب الحجّ ، التلبية بعرفة ) 2 / 419 رقم 3993.

(3) صحيح ابن خزيمة 4 / 260 برقم 2830.

(4) السنن الكبرى 5 / 113.


وعلينا الآن الرجوع إلى الرواة لنقرأ ما ذكروه عن أوّل لقاء بينهما بعد قطيعة استدامت قرابة عقد من الزمن ، فهما لم يجتمعا منذ أيام عثمان ، ولعل آخر اجتماع بينهما حين بعثهما عثمان حكمَين بين عقيل وزوجته فاطمة بنت عتبة وقد مرّ الحديث عن ذلك. ومهما يكن فلا شك انّه ازدادت القطيعة سوءاً في حرب صفين ، ولم ننس ما مرّ بنا من محاولة معاوية استدراجه بخديعة المراسلة حين ضاق به الخناق من جيش الإمام وبسالة قوّاده ومنهم ابن عباس الّذي كان على الميسرة ، ومرت بنا مواقفه قيادة ومنازلة ومقاتلة في تلك الحرب الطاحنة الضروس ، لكن معاوية لم يفلح بل ندم على فعله حين قرأ جواب ابن عباس كما مرّ ذكر ذلك كلّه.

فإلى الحديث عن أوّل لقاء بينهما. فمتى كان؟ وأين كان؟ وماذا كان بينهما؟

ماذا في معرفة التاريخ؟

لابدّ لي من التنبيه على أمر ذي بال في تاريخ ابن عباس أيام الحكم الأموي في عهد معاوية ، وذلك معرفة تاريخ المواجهات الكلامية الّتي كانت تحدث بينه وبين معاوية طيلة حكمه الّذي دام عشرين عاماً ، وفي بعض تلك المحاورات نجد حضور بعض زمرة معاوية كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه وعتبة بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن أم الحكم ويزيد بن معاوية وهؤلاء كانت لهم مشاركة في محاورة جرت بالشام وأحسبها سنة 42 وهي السنة أتى فيها زياد إلى معاوية بعد استلحاقه أو هي في سنة 43 وهي السنة الّتي مات فيها عمرو بن العاص وذلك قبل ليلة الفطر لأنّ عمراً مات فيها.


وربّما حضر غير من ذكرنا عند معاوية كسعيد بن العاص ولم يذكر أنّه دسّ أنفه في الحديث. فإن معرفة تاريخ تلك المحاورات هو تسليط الضوء على مدى تشنج العلاقات بين الطرفين مداً وجزراً ، كما يستعين الباحث على معرفة نفسيات المتحاورَين ، وهذا ما ينبغي ملاحظته بدقة ، ولا ينبغي تجاوزه ، لأنّا من خلال تلك المحاورات يمكننا تقييم المتحاورَين زماناً ومكاناً وقدرات وتكافؤا.

فابن عباس يعلم في نفسه أنّه واقع تحت طائلة التهديد ، وعرضة للإنتقام لأنّه لم يجر بينه وبين معاوية صلح ، وإنّما هو تبع لإمامه الحسن ( عليه السلام ) في إمضاء الصلح. وقد مرّ بنا تهديد معاوية له بذلك يوم كان في البصرة وقد جاء في بعض كتابه إليه : « وما جرى بيني وبينك صلحٌ فيمنعك مني ولا بيدك أمان ».

كما أنّ ابن عباس كبقية بني هاشم الّذين عصبهم معاوية بدم عثمان ، وقد صارحه بذلك في كتابه المشار إليه آنفاً.

كلّ ذلك لم يكن ليغيب عن ذاكرة ابن عباس ، وهو كفيل بزرع الخوف في نفسه لو يجد الخوف إلى نفسه سبيلا.

كما لم يغب عن معاوية انّه سيلتقي إنساناً من بني هاشم يتمتع برصيد عال من العلم والمعرفة بالسياسة فلا يُخدع ولا يَضرع ، وله من عزة الهاشميين ما يشمخ بأنفه على معاوية ، وعنده اعتداد لا يضارعه اعتداد معاوية بالملك.

وتتحدّث الأخبار عن عدة لقاءات ربما بلغت العشرين أو تزيد ، لكنها لم تتحدث عن تاريخها زماناً ولا مواقعها مكاناً.

وبحسب اطلاعي على تلك المحاورات ، وجدت بينها ما يساوي ربعها يمكن تحديد زمانه ومكانه من خلال نصوص المحاورات ، أمّا الباقي فلا أستطيع البتّ بتحديد الزمان والمكان ، لكنها في أغلب الظن إنّها كانت في الشام أيام


وفادته على معاوية ، وهي في جميعها نجد ابن عباس يحاور فيها بلغة الاعتزاز والاستعلاء ، ونجد معاوية وإن بدأ بلغة التهديد أحياناً فإنّه يختتم المحاورة بلغة الإنكسار والإستخذاء. وليست بلغة الحاكم مع المحكوم.

والأمر الّذي لا يفوتني تنبيه القارئ عليه أيضاً ، هو خلوّ مخاطبة ابن عباس لمعاوية بأمير المؤمنين ، بل كان يخاطبه باسمه ، إذ لا يرى صحة خلافته فكان يسميه باسمه ، وإن وجد في واحدة أو أكثر من محاوراته خطابه له بأمير المؤمنين ، فإنّ أثر الصنعة ظاهر على المحاورة كما سنشير إلى ذلك عند ذكر المحاورات في الحلقة الثانية إن شاء الله.

والآن إلى نماذج من تلكم المحاورات ، ولنبدأ بذكر ما كان في الحرمين الشريفين لشرفهما ، ثمّ نعقّب بذكر الشام بملاحظة شرف المكان ، وإن كانا مختلفين ، وعلى العكس في الزمان ، فمحاورة الأولى في الشام هي قبل المحاورة الأولى في الحرمين.

في مكة المكرمة أو المدينة المنورة :

أخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين بسنده عن معروف بن خرّبوذ المكي قال : « بينا عبد الله بن عباس جالس في المسجد ونحن بين يديه إذ أقبل معاوية فجلس إليه ، فأعرض عنه ابن عباس ، فقال له معاوية : ما لي أراك معرضاً؟ ألست تعلم أنّي أحق بهذا الأمر من ابن عمك؟ قال : لم؟ لأنّه كان مسلماً وكنت كافراً؟ قال : ولكني ابن عم عثمان قال : فابن عمي خير من ابن عمك. قال : إنّ عثمان قتل مظلوماً. قال ـ وعندهما ابن عمر ـ فقال ابن عباس : فإنّ هذا أحق


بالأمر منك. فقال معاوية : إنّ عمر قتله كافر وعثمان قتله مسلم. فقال ابن عباس : ذاك والله أدحض لحجتك »(1) .

ولهذه المحاورة روايات أخرى ذكرتها في الحلقة الثالثة في صفحة احتجاجاته أذكر منها :

صورة أخرى :

ما رواه سليم بن قيس وعمرو بن سلمة قالا : « قدم معاوية حاجاً في خلافته المدينة بعد ما قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه وصالح الحسن ( عليه السلام ) مر بحلقة من قريش ، فلمّا رأوه قاموا له غير عبد الله بن عباس فقال له : يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ موجدة في نفسك عليّ بقتالي إياكم يوم صفين. يابن عباس انّ عمي عثمان قتل مظلوماً.

فقال له ابن عباس : فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً فسلّم الأمر إلى ولده وهذا ابنه.

فقال : إنّ عمر قتله مشرك. قال ابن عباس : فمن قتل عثمان؟

قال : قتله المسلمون. قال : فذلك أدحض لحجتك ، وأحلّ لدمه إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحقّ.

قال معاوية : فإنّا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته ، فكفّ لسانك يا بن عباس وأربع على نفسك.

فقال له ابن عباس : أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال : لا.

قال : أفتنهانا عن تأويله؟ قال : نعم.

____________________

(1) مستدرك الحاكم 3 / 467.


قال : فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به؟ قال : نعم.

قال : فأيّما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال معاوية : العمل به.

قال : فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟

قال : سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك.

قال : إنّما أُنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان؟ أو أسأل عنه آل أبي معيط؟ أو اليهود والنصارى والمجوس؟

قال له معاوية : فقد عدلتنا بهم وصيّرتنا منهم!

قال له ابن عباس : لعمري ما أعدلك بهم ، غير أنك نهيتنا أن نعبد الله بالقرآن وبما فيه من أمر ونهي أو حلال أو حرام ، أو ناسخ أو منسوخ ، أو عام أو خاص ، أو محكم أو متشابه ، وإن لم تسأل الأمة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا.

قال معاوية : فاقرؤ القرآن وتأولوه ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم من تفسيره ، وما قاله رسول الله فيكم ، وارووا ما سوى ذلك.

قال ابن عباس : قال الله في القرآن :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .

قال معاوية : يا بن عباس اكفني نفسك ، وكفّ عني لسانك ، وإن كنت لا بد فاعلاً ، فليكن ذلك سراً ولا يسمعه أحد منك علانية. ثمّ رجع إلى منزله ، فبعث إليه بخمسين ألف درهم »(2) . وفي رواية : « ثمّ رجع إلى منزله فبعث إليه بمائة ألف درهم »(3) وفي نسخة أخرى بمائتي ألف درهم.

____________________

(1) التوبة / 32.

(2) كتاب سليم بن قيس الهلالي 2 / 777 ـ 782 ـ 784 ط الهادي تح ـ الأنصاري.

(3) بحار الأنوار 33 / 179 عن سُليم ط بيروت دار إحياء التراث.


ولابدّ لنا من وقفة عند هذه المحاورة لتحقيق زمانها ومكانها ، ثمّ ملاحظة تفاوت الرواة النقلة في روايتها وقبل ذلك التنبيه على أمرين :

أوّلاً : طلب معاوية من ابن عباس ، أن يُسأل عن تأويل القرآن ممّن يتأوله على خلاف ما يتأوله ابن عباس وأهل بيته ، وهذا يعني وجود أناس هيأهم معاوية أو كانوا مهيئين من قبل للقيام بتأويل القرآن على خلاف ما يتأوله أهل البيت وابن عباس ، فمن أين لأولئك العلم بالتأويل وهم ليسوا من أهله وممّن نزل عليهم أو في بيوتهم القرآن؟ ولماذا صاروا المرجع الرسمي الّذي يدعو معاوية بالرجوع إليه؟ وهل في القرآن من ألغاز وطلاسم يحتاج في حلّها إلى مرجع رسمي ينصبه الحاكمون؟ أو ليس الله سبحانه يقول في كتابه :( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (1) ، وقال :( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (2) .

إذن ليس المطلوب منا إلاّ التدبّر في معرفة معاني القرآن كما يلزمنا معرفة قراءته تلاوة صحيحة ، وهذا ما كان يقوله ابن عباس : « لئن أقرأ البقرة وآل عمران فأتدبرهما خير من أن أقرأ القرآن كلّه هذرمة » ، وكان يرى في قوله تعالى :( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (3) انّه من الراسخين في العلم العالمين بتأويل القرآن.

إذن فمعاوية في طلبه يريد فصل الناس عن أهل البيت وتأويلهم وتفسير ما نزل فيهم ، والأخذ عمن يقول في ذلك بالرأي والهوى ، وبذلك يكون معاوية قد

____________________

(1) القمر / 32.

(2) محمّد / 24.

(3) آل عمران / 7.


عطل الإستفادة من قراءة القرآن كما عطّل نشاط أهل البيت ، وضرب عصفورين بحجر كما يقول المثل.

ثانياً : في آخر المحاورة ورد ( فبعث إليه بخمسين ألف درهم ) ، وفي رواية ( بمائة ألف درهم ) ، وفي ثالثة ( بمائتي ألف ) ، ولا يعنينا تحديد الرقم بمقدار ما يعنينا معرفة موقف ابن عباس من ذلك المال ، إذ لا شك أنّ معاوية إنّما أرسل إليه المال ـ قلّ أو كثر ـ رشوة لشراء سكوته ، ولكن هذا لم يحدث ، بل صار الأمر أكثر حدّة وشدّة ، واستمرّ ابن عباس في تبليغ رسالته ولم يعبأ بسخط معاوية أو رضاه ، كما لم يمتنع من أخذ ما يصله من عطاياه ، لأنّه يرى في نفسه وأهل بيته هم أصحاب الحقّ ، ولهم في بيت المال من الحقّ أكثر ممّا يعطيهم معاوية ، وله في ذلك محاورة سيأتي ذكرها.

ونعود إلى المحاورة لمعرفة زمانها ومكانها واختلاف الرواة فيها.

أمّا عن زمانها : فهو سنة 44 من الهجرة حيث عزم معاوية على الحج وهي أوّل حجة له في حكومته. وإذا استقرينا الحوادث الّتي ارتكبها فأحاق شرّها بالمسلمين منذ توليه الحكم ، نجد أهمّها ممّا هو بالغ الشنعة في مخالفة الكتاب والسنّة هي :

1 ـ إعلانه سبّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على منابر المسلمين في جميع أمصار حكومته بقرار رسمي في سنة 41.

2 ـ كتابته إلى الآفاق ببراءة الذمة ممّن روى حديثاً في مناقب الإمام وأهل بيته كسابقه.

3 ـ استلحاقه زياد بن أبيه سنة 44 ، وتسليطه له على المسلمين في العراقين الكوفة والبصرة ، فأذاقهم مرّ العذاب ، ومن الطبيعي أن يكون قد أغضب ذلك


جماعة المسلمين بحكم إسلامهم فاستنكروه ، إلاّ أنّ تفاوت الإستنكار على حسب درجات إيمانهم ، فمنهم المعلن ذلك لساناً في الملأ ، ومنهم مَن هو دونه حتى تصل النوبة إلى الانكار القلبي وهو أضعف الإيمان.

ومع ذلك لم يشأ معاوية أن يقطع شعرته الّتي هي مضرب المثل ، فكان يشدّ ويشتد إذا رأى الريح رُخاءً ، أمّا إذا رآها عاصفة فهو يلين وإذا اشتدت إعصاراً انحنى لها ، وهذا ما قرأناه في المحاورة السابقة وسنقرأ مثله قريباً وقد عرفنا زمانها.

وأمّا عن مكانها : فقد قال اليعقوبي في تاريخه : « وحج معاوية سنة 44 وقدم معه من الشام بمنبر فوضعه عند البيت الحرام ، فكان أوّل من وضع المنبر في المسجد الحرام. ولمّا صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم وكلّموه في أمورهم فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن نقرّ عليكم دماءكم وقد قتلتم عثمان حتى تقولوا ما تقولون ، فوالله لأنتم أحلّ دماً من كذا وكذا ـ وأعظم القول ـ فقال له ابن عباس : كلما قلتَ لنا يا معاوية من شرٍ بين دفتيك ، وأنت والله أولى بذلك منا. أنتَ قتلتَ عثمان ثمّ قمتَ تغمص على الناس أنك تطلب بدمه.

فانكسر معاوية ، فقال ابن عباس : والله ما رأيتك صدقتُ إلاّ فزعتَ وانكسرتَ ، قال : فضحك معاوية وقال : والله ما أحبّ أنكم لم تكونوا كلمتموني »(1) .

ولنقف هنا قليلاً ونتأمل في موقف ابن عباس من معاوية كيف لوى أخادعه حتى أبان انكساره للناس ، وأجهز عليه ابن عباس ليؤكد ذلك الإنكسار ،

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 198 ط الغري.


فلم ير معاوية بأساً من أن ينحني لذلك الإعصار الهادر بضحكة خادعة ومقالة خانعة. ولنقرأ بقية ما عند اليعقوبي في تاريخه :

قال : « ثمّ كلّمه الأنصار فأغلظ لهم في القول وقال لهم : ما فعلت نواضحكم قالوا أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك ، ولكنا نفعل ما أوصانا به رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). قال : ما أوصاكم به ، قالوا : أوصانا بالصبر ، قال : فاصبروا ، ثمّ أدلج معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة اهـ »(1) .

أرأيتم جبروتية الملك العضوض كيف شمخت بأنفها على الأنصار أوّلاً ولمّا واجهوها بالحقائق ازدادت عتواً ، ثمّ أدلجت إلى جحرها حيث طغام أهل الشام ، ولم يقض معاوية لهم حاجة. والّذي أستشفّه من ضمير ( لهم ) وإن كان ظاهراً في الأنصار لكنه يشمل الهاشميين والأنصار معاً ، لأنّ اليعقوبي لم يزل وهو في حديثه مسترسلاً يذكر بعض محدثات معاوية فيقول : وفي هذه السنة عمل معاوية المقصورة في المسجد ( الحرام ) وأخرج المنابر إلى المصلى في العيدين ، وخطب الخطبة قبل الصلاة ، وذلك إن الناس كانوا إذا صلوا انصرفوا لئلا يسمعوا لعن عليّ ( عليه السلام ) ، فقدّم معاوية الخطبة قبل الصلاة ، ووهب فدكاً لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

فمن كان بهذه المثابة من التنمّر والحقد أتراه يقضي لبني هاشم حاجة ولا يقضي للأنصار حوائجهم وهم جميعاً عنده في خندق واحد ، وعلى شاكلة واحدة؟ لذلك رأيت أنّ الضمير في قول اليعقوبي ( ولم يقض معاوية لهم حاجة ) لا يبعد شموله لجميع بني هاشم والأنصار ، ويؤكد ما رأيت ما ذكره المقدسي في البدء والتاريخ فقد قال : « فلمّا حج معاوية جاءه الحسن

____________________

(1) نفس المصدر 2 / 199.


والحسين وابن عباس ( رضي الله عنه ) وسألوه أن يفي لهم بما ضمن ، فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن نوفّر عليكم دماءكم وأنتم قتلة عثمان ، ولم يعطهم ممّا في الصحيفة شيئاً »(1) .

ويبدو من حديث اليعقوبي الآنف الذكر أنّ اجتماع بني هاشم مع معاوية كان بالمدينة ، ولمّا ساق الحديث لم نجد ذكراً للمحاورة السابقة الّتي مر ذكرها أوّلاً ، ومن خلال معرفة هويّة الرواة وسياق حديثهم تيقنت أنّ مكان المحاورة الأولى هو المسجد الحرام واللقاء كان بمكة لا بالمدينة!

فمعروف بن خرّبوذ ـ راوي الخبر عند الحاكم في المستدرك ـ رجلٌ مكيّ ، وأمّا سليم بن قيس وعمرو بن سلمة وإن كانا مدنيين إلاّ أنّهما يمكن حضورهما بمكة للحج ، على أنّ القاضي نعمان المغربي ذكر في شرح الأخبار(2) أنّ المحاورة كانت بالمدينة وكان ممّن حضر المحاورة سعد بن أبي وقاص وقد جرى له كلام مع معاوية استشهد عليه بأم سلمة وذلك قول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعليّ ( عليه السلام ) ( أنت مع الحقّ والحقّ مع عليّ ).

وهناك بقية من الرواة أبهموا المكان ، فقالوا : حج معاوية فجلس إلى ابن عباس فأعرض عنه ، كما في ( الموفقيات )(3) . وهذا يشير من طرف خفيّ إلى أنّ المحاورة وقعت بمكة ، حيث كان ابن عباس له مجلس عند قبة الشراب عند زمزم يجتمع عليه الناس فيسألونه ـ كما سيأتي وصف ذلك فيما بعد.

____________________

(1) البدء والتاريخ 6 / 5.

(2) شرح الأخبار 2 / 66.

(3) أنظر كشف الغمة 1 / 406 منشورات مكتبة الشريف الرضي وهذا النص ممّا سقط من مطبوع الموفقيات بتحقيق د. سامي مكي العاني كغيره من نصوص استدركتها على المحقق واشرت إليها في نسختي بلغت خمسة عشر نصاً.


ومن الرواة من تردّد في مكانها كما في رواية السيوطي(1) نقلاً عن العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال : « قدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر فأقبلوا عليه وأعرض عنه ابن عباس فقال : وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه.

فقال ابن عباس : ولم؟ ألتقدم في الإسلام؟ أم مع سابقة رسول الله؟ أو قرابة منه؟ قال : لا ولكني ابن عم المقتول. فقال : فهذا أحق به ـ يريد ابن أبي بكر ـ قال : إنّ أباه مات موتاً ، قال : فهذا أحق به ـ يريد ابن عمر ـ قال : إنّ أباه قتله كافر ، قال : فذاك أدحض لحجتك إن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه ». وتردد الراوي في ذكر المكان يكشف عن عدم حضوره وقت المحاورة ، وإنّما رواها سماعاً ، وهذا يدل على شيوعها بين الناس ، وذلك شيء طبيعي ، فحاكمٌ مستحوذ على خلافة المسلمين بحجة واهية ، يتلقّى صفعة مؤلمة من موتور مغلوب على أمره ، كيف لا يُذاع ما جرى بينهما وينتشر خبره. واللافت للنظر في رواية السيوطي هذه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر مع الحاضرين وذكر ابن عباس له.

محاورة ثانية :

وتبعاً لاختلاف الرواة فقد وقفت على محاورة جرت بين ابن عباس وبين معاوية تزيد في جوّها المحموم والمواقف المتشنجة على ما مرّ في المحاورة الأولى ، وفيها من قوة الحجة والحجاج وشدة اللجاج ، ما يحملنا على اعتقاد

____________________

(1) تاريخ الخلفاء / 134.


التغاير بينهما ، وإن جاء فيها بعض ما مرّ في الأولى ، وذلك لا يعني أنّها هي وقد تزيّد فيها الرواة ، خصوصاً إذا لاحظنا المصدر وما فيه ممّا يحمل على سوء الظن والإتهام ، فإنّ البيان المحبوك بصنعة الإنشاء يشبه نتاج صنّاعي الأدب في العصر العباسي الأوّل ، حيث كان حمّاد الراوية وحمّاد عجرد ، أو العصر الثاني حيث كان الجاحظ وحتى نسج أبي حيّان فلا يغيب عن الأذهان ، ولربّما تزيّد الرواة إسماً أو رسماً فازدادوا إثماً ، لكن لا يعقل أن تكون المحاورة جميعها من نسج الخيال.

ومهما يكن الحال ، فإلى القارئ صورة ما وجدته في كتاب أخبار الدولة العباسية قال فيه : « دخل ابن عباس على معاوية وعنده جماعة من قريش فيهم عبد الله بن عمر ، فلمّا جلس قال له معاوية : إنّك يا بن عباس لترمقني شزراً ، كأني خالفت الحقّ أو أتيت منكراً.

قال ابن عباس : لا منكر أعظم من ذبحك الإسلام بشفرة الشرك ، واغتصابك ما ليس لك بحق اعتداءً وظلماً.

فقال معاوية : إنّما ذبح الإسلام من قتل إمام الأمة ونقض العهد ، وخفر الذمة ، وقطع الرحم ولم يرع الحرمة وترك الناس حيارى في الظلمة.

قال ابن عباس : كان الإمام من سبق الناس إلى الإسلام طراً ، وضرب خيشوم الشرك بسيف الله جهراً ، حتى انقاد له جماهير الشرك قهراً ، وأدخلك وأباك فيه قسراً ، فكان ذلك الإمام حقاً ، لا من خالف الحقّ حمقاً ، ومزّق الدين فصار محقاً.

فقال معاوية : رفقاً يا بن عباس رفقا ، فقد أتيت جهلاً وخُرقاً ، فوالله ما قلتَ حقاً ، ولا تحريت في ( كلامك / ظ ) صدقاً ، فمهلاً مهلاً ، لقد كان من ذكرته إماماً


عادلاً ، وراعياً فاضلاً ، يسلك سبيلاً ، مليء حلماً وفهماً ، فوثبتم عليه حسداً ، وقتلتموه عدواناً وظلماً.

قال ابن عباس : انّه اكتسب بجهده الآثام ، وكايد بشكّه الإسلام ، وخالف السنّة والأحكام ، وجار على الأنام وسلّط عليهم أولاد الطغام ، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام.

قال معاوية : يا بن عباس يحملك شدة الغضب على سوء الأدب ، حتى لتخلّ في الجواب ، وتحيد عن الصواب ، تقعد في مجلسنا ، تشتم فيه أسلافنا ، وتعيب فيه كبراءنا وخيار أهلنا ، ما ذنب معاوية إن كان عليّ خانه زمانه ، وخذله أعوانه ، وأخذوا سلطانه ، وقعدوا مكانه ، أمّا معاوية فأعطي الدنيا فأمكنكم من خيرها ، وباعدكم من شرّها ، وكان لكم صفوها وحلوها ، ولي كدرُها ومرّها.

قال ابن عباس : ذنب معاوية ركوبه الآثام ، واستحلاله الحرام ، وقصده لظلم آل خير الأنام ، ما رعى معاوية للنبوّة حقّها ، ولا عرف لهاشم فضلها وقوتها ، وبنا اكرم الله معاوية فأهاننا ، وبنا أعزه الله فأهاننا ، ثمّ ها هو ذا يصول بعزّنا ، ويسطو بسلطاننا ، ويأكل فيئنا ، ويرتع في ثروتنا ، ثمّ يمتنّ علينا في إعلامنا إيانا بأنه لا يعتذر إلى الله من ظلمنا.

قال معاوية : يا بن عباس إن افتخارك علينا بما لا نقر لك إفكٌ وزور ، وتبجّحك بما لا نشهد لك به هباء منثور ، واتكال أبناء السوء على سيادة الآباء ضعف وغرور ، ونحن للورى أنجم وبحور ، نفي بالنذور ، ونصل بالبدور ، وبساحتنا رحى السماحة تدور.

قال ابن عباس : لئن قلت ذلك يا معاوية لطالما أنكرتم ضوء البدور ، وشعاع النور ، وسميتم كتاب الله بيننا أسطوراً ، ومحمداً صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم


ساحراً وصنبوراً(1) ولقول القائل تلقفوها يا بني أمية تلقّف الكرة لا بعث ولا نشور ، وتغنموا نسيم هذا الروح فما بعده أوبة ولا كرور ، وكان لعمر الله القطب الّذي عليه رحى الضلالة تدور.

فغضب معاوية وقال : يا بن عباس اربع على نفسك ، ولا تقس يومك بأمسك ، هيهات صرّح الحقّ عن محضه ، وزلق الباطل عن دحضه ، أمّا إذا أبيت فأنا كنت أحق بالأمر من ابن عمك.

قال ابن عباس : ولم ذاك ، وعليّ كان مؤمناً وكنت كافراً ، وكان مهاجراً وكنت طليقاً.

قال : لا ولكني ابن عم عثمان.

قال : فإنّ ابن عم رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم خير من ابن عم عثمان.

قال معاوية : إنّ عثمان كان خيراً من عليّ وأطيب.

قال ابن عباس : كلا ، عليّ أزكى منه وأطهر ، وأعرف في ملكوت السموات وأشهر ، أتقرن يا معاوية رجلاً غاب عن بدر ولم يشهد بيعة الرضوان ، وفرّ يوم التقى الجمعان ، ابن مخنّث قريش ، الّذي لم يسلّ سيفاً ، ولم يدفع عن نفسه ضيماً ، إلى قريع العرب وفارسها ، وسيف النبوّة وحارسها ، أكثرها علماً ، وأقدمها سلماً ، إذن قسمة ضيزى أبا عبد الرحمن.

قال معاوية : إنّ عثمان قتل مظلوماً.

قال ابن عباس : فكان ماذا؟ فهذا إذن أحقّ بها منك ، قتل أبوه قبل عثمان ـ يعني ابن عمر ـ

____________________

(1) الصنبور : الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر ، وكان كفار قريش يقولون محمّد صنبور. انظر لسان العرب وتاج العروس مادة ( صنبر ).


قال معاوية : ان هذا قتله مشرك ، وعثمان قتله المؤمنون.

قال ابن عباس : فذلك أضعف لقولك ، وأدحض لحجتك ، ليس من قتله المشركون كمن نحره المؤمنون.

فقال معاوية : ترى يا بن عباس أن تصرف غَربَ لسانك وحدة نبالك ، إلى من دفعكم عن سلطان النبوة ، وألبسكم ثوب المذلة ، وابتزكم سربال الكرامة ، وصيّركم تبعاً للأذناب بعد ما كنتم عز هاماتٍ لسادات ، وتدع أمية ، فإنّ خيرها لك حاضر ، وشرها عنك غائب.

قال ابن عباس : أمّا تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبيّنا صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، عدواً علينا فظلمونا ، وشفوا صدور أعداء النبوّة منا ، وأمّا بنو أمية فإنهم شتموا أحياءنا ولعنوا موتانا ، وجاوزوا حقوقنا ، واجتمعوا على إخماد ذكرنا وإطفاء نورنا ، فيأبى الله لذكرنا إلاّ علوّا ، ولنورنا إلاّ ضياء ، والله للفريقين بالمرصاد.

قال معاوية : ما نرى لكم علينا من فضل ، ألسنا فروع دوحة يجمعنا عبد مناف؟

قال ابن عباس : هيهات يا معاوية ، حدت عن الصواب ، وتركت الجواب ، بيننا وبينكم برزخ وحجاب ، أنتم الحثالة ونحن اللباب ، ولشتان ما بين العبد والأرباب ، أتجعل أمية كهاشم؟ إن هاشماً كان صميماً كريماً ولم يكن لئيماً ولا زنيماً ، أوّل من هشم الثريد وسنّ الرحلتين وله يقول القائل :

عمروا الّذي هشم الثـريد لقومه

ورجـال مـكـة مسنتون عجافِ


سفرَين سنّهما له ولقومِه

سفر الشتاء ورحلة الأصياف »(1)

وفي هذه المحاورة ـ إن صحت ـ قرأنا خصومة أشبه بالمناظرة والمفاخرة ، فكلٌّ من ابن عباس ومعاوية يردّ على الآخر بعنف وشدة ويذكر مفاخر قومه وآبائه ، ومن الطبيعي أن تكون الغلبة لابن عباس في ذكرها. لكن معاوية الحاقد يحاول انكار ذلك الفضل بحجة أنّ الجميع يجمعهم عبد مناف. فذكر ابن عباس له من الفروق بينهما ما أسكته ودحض حجته. ولم يكن معاوية في قرارة نفسه لا يعرف ذلك ، لكنه الحسد ودفائن الأضغان ، ولم يكن أحد يقوى على رده وهو في عنفوان سلطانه إلاّ أهل البيت ، وفي مقدمتهم الإمام الحسن والإمام الحسين ثمّ عبد الله بن عباس ، وهو أكثر بني هاشم إصابة في عدوه ، وأقوى حجة في دفع خصومه ، وسيأتي في صفحات احتجاجاته في الحلقة الثالثة ما يغني ويقني إن شاء الله تعالى.

ومع هذا كلّه نجد البلاذري في أنسابه روى انّ ابن عباس قال : « لله درّ ابن هند ولَينا عشرين سنة فما آذانا على ظهر منبر ولا بساط ، صيانة منه لعرضه وأعراضنا ، ولقد كان يحسن صلتنا ويقضي حوائجنا »(2) !.

وما أدري كيف استساغ الراوي أن يذكر ذلك منسوباً إلى ابن عباس ومحاوراته مع معاوية تنبئ بخلاف ذلك.

ونتحف القارئ بذكر محاورة أخرى ورد ذكرها في تاريخ اليعقوبي(3) وأخبار الدولة العباسية(4) نعرف منها مدى الحقد المتأصل في نفس معاوية على

____________________

(1) أخبار الدولة العباسية / 47 تح ـ الدكتور الدوري والمطلبي ط دار صادر بيروت سنة 1971.

(2) أنساب الأشراف 1ق4 / 83 تح ـ احسان عباس.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 199 ـ 200.

(4) أخبار الدولة العباسية / 50.


بني هاشم وعلى الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ). كما نعرف مدى شجاعة ابن عباس وقوّة جنانه فلا يخشى بطش معاوية وهو في عنفوان سلطانه :

« قال معاوية لابن عباس : كيف رأيت صنع الله بي وبأبي الحسن؟

فقال ابن عباس : صنعاً والله غير مختلّ ، عجّله إلى جنة لن تنالها ، وأخّرك إلى دنيا كان أزالها.

فقال : وإنك لتحكم على الله؟

فقال : الله حكم على نفسه( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) (1) .

قال : أما والله لو عاش أبو عمرو عثمان حتى يراني لرأى نعم ابن العم.

فقال : والله لو عاش لعلم أنّك خذلته حين كانت النصرة له ، ونصرته حين كانت النصرة لك.

قال : وما دخولك بين العصا ولحاها؟

قال : والله ما دخولي بينهما إلاّ عليهما لا لهما ، فدعني ممّا أكره أدعك من مثله ، لأن تحسن فأجازي أحبّ الي من أن تسيء فأكافئ ، ثمّ نهض ، فاتبعه معاوية بصره وهو يقول :

حصيد اللسان ذليق الكـ

لام غير عيّ ولا مسهب

يبذّ الجياد بتقريبه

ويأوي إلى حُضَرِ ملهَب »

جرأة وشجاعة :

قال اللغويون : اجترأ ـ الرجل ـ على القول ـ بالهمز ـ أسرع بالهجوم عليه من غير توقف ، والاسم الجراة وزان غرفة.

____________________

(1) المائدة / 45.


وقالوا : شجُع الرجل ـ بالضم ـ قوي قلبُه واستهان بالحروب جرأة وإقداماً(1) .

وهاتان الصفتان ممّا تميز بهما ابن عباس. فلقد تميز بجرأة نادرة وشجاعة فائقة في مواجهة خصومه ، سواء من بيدهم الحكم أم من كان خارج الحكم ، فما خاصم أحداً إلاّ خصمه ، ولا جادل أحداً إلاّ أفحمه ، ولا فاخر أحداً إلاّ ألزمه ، وما هادن أحداً منهم على حساب دين أو دنيا ، يقول كلمة الحقّ حتى يصفع وجه خصمه فيجعله كسيراً حسيرا ، وأظهر الشواهد دلالة ما كان يجري بينه وبين معاوية ، وقد مرّت بنا بعض محاوراته ، وستأتي شواهد أخرى كثيرة في الحلقة الثالثة في صفحة احتجاجاته. وكلّها على نمط واحد في اختياره الطريق الوحيد لنصرة أئمة الحقّ ، وإن كان ذلك الطريق هو الصعب والمحفوف بالمخاطر ، وقد سبّب له معاناة كبيرة وكثيرة ، إلاّ انّه ممّن يستسهل الصعب ليبلغ المنى ، ولم نقرأ عن أحد من أهل البيت في زمانه سوى الحسنين ( عليهما السلام ) أشد جرأة من ابن عباس ولا أقوى حجة وبرهاناً في إفحام معاوية حتى اضطره كثيراً ـ لا حيناً ـ إلى المراوغة فيبدي الأنكسار مع عتوه وجبروته ، ومع تلك القوة الشخصية فلم يكن بمعزل عن الدعاء والاستعانة بالله سبحانه في أن يدفع عنه شرور أعدائه ، فقد علّم سعيد بن جبير فقال له : « إذا دخلت على السلطان وهو مهيب تخاف أن يسطو عليك فقل : الله أكبر وأعزّ ممّا أخاف وأحذر ، اللّهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم ، كن لي جاراً من عبدك فلان وجنودَه وأشياعَه وأتباعَه ، تبارك اسمك جلّ ثناؤك وعزّ جارك ولا إله غيرك »(2) .

____________________

(1) المصباح المنير : جرى ، شجع.

(2) العقد الفريد 3 / 224 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.


فهو إذن كان متسلّحاً بسلاح الدعاء الّذي يدفع البلاء ، مضافاً إلى ما عنده من سلاح الحجة والبيان ، ومن كان كذلك فهو حليف الغلبة في حضره وسفره وفي صحته ومرضه.

فهلم لنقرأ معاً ما رواه صاحب كتاب نزهة السامع ، فقد روى : « إنّه دخل على معاوية يوماً ، وكان مريضاً ، فرآه معاوية على تلك الحال فطمع فيه. فقال : يا بن عباس الله أعلم حيث يجعل رسالته.

فقال له ابن عباس : الحمد لله الّذي أنطقك حقّنا ، وعرّفك فضلنا ، والحمد لله الّذي جعل الخير منّا ، والنبوّة فينا ، وجعلنا أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيرا.

قال : وكان معاوية متكئاً فجلس وقال : كيف رأيتم الله حرمكم هذا الأمر الّذي عرّضتم له مناكبكم؟

فقال له ابن عباس : يا معاوية إن الله لم يزل يذود أولياءه عن الدنيا ذياد الراعي إبله عن موارد الهلكة ، وقد قال سبحانه :( قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) (1) وأيم الله لولا حقّ النبوة وحرمة الإسلام ، ووصية النبيّ بهما عند ( عدم ) الناصر وغلبة العدو ، لعلمت أنّه يقصر باعك ويضيق منكبك أن تقذف دلواً في طوىً(2) شدّ عليها هاشمي رشاءً.

فقال له معاوية : يا بن عباس لا أزال أمازحك ولم تحلم.

فقال ابن عباس : إنّ الحلم عمّن يرى له الفضل عليك صعب ، فاتق الله يا معاوية واعرف الحقّ لأهله ، ولعمري إنّك لتعرفه ولكنك تنكره »(3) .

____________________

(1) إبراهيم / 30.

(2) الطوى : البئر المبنية بالحجارة.

(3) نقلاً عن كتاب غرر الأخبار ودرر الآثار للديلمي ـ نسخة مخطوطة ـ ناقصة عند شيخنا العلاّمة الحجة الشيخ شير محمّد الهمداني الجورقاني ( رحمه الله ).


إنّها كلمة الحقّ الّتي أزهقت الباطل زهوقاً. أيّ جرأة هذه وأيّ شجاعة؟ تذل معاوية حتى يستكين ، فيحاول خداع نفسه قبل غيره بأنّ الأمر كان مزاحاً ، إنّما بن هند سرعان ما يقلب الحقّ باطلاً ، والجد هزلاً ومزاحاً.

في الشام :

وإذا كان معاوية في المرة السابقة مازحاً كما يزعم فلننظر إلى موقف له آخر أشدّ صرامة وصراحة ، وقد جمع له معاوية زبانيته ، ويبدو من صدر المحاورة ربما كانت أوّل لقاء له مع معاوية وزمرته بالشام.

فقد روى المدائني قال : « وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة ، فقال معاوية : لابنه يزيد ولزياد بن سمية وعتبة بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن أم الحكم : انّه قد طال العهد بعبد الله بن عباس ، وما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ، ولقد كان نصبه للتحكيم فدُفع عنه. فحرّكوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته ، ونقف على كنه معرفته ، ونعرف ما صُرف عنا من شبا حدّه ، ووري عنا من دهاء رأيه ، فربّما وصف المرء بغير ما هو فيه ، وأعطي من النعت والاسم ما لا يستحقه.

ثمّ أرسل إلى عبد الله بن عباس ، فلمّا دخل عليه واستقرّ به المجلس ، ابتدأه عتبة بن أبي سفيان فقال : يا بن عباس ما منع عليّاً أن يوجّه بك حكماً؟

فقال : أما والله لو فعل لقرن عمراً بصعبة من الإبل يوجع كتفيه مراسُها ، ولأذهلتُ عقله ، وأجرضته بريقه ، وقدحت في سويداء قلبه ، فلم يبرم أمراً ولم ينفض تراباً إلاّ كنت منه بمرأىً ومسمع ، فإن نكثه أرمت قواه ، وإن أرمه فصمت عراه ، بغرب مقولٍ لا يفلّ حدّه ، وأصالة رأي كمتاح الأجل ، لا وزر فيه ، أصَدّعُ به أديمه ، وأفلّ به شبا حدّه ، واشحذ به عزائم المتقين ، وأزيح به شُبَه الشاكين.


فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم أوّل الشر ، وأفول آخر الخير ، وفي حسمه قطع مادته ، فبادره بالحملة ، وانتهز منه الفرصة ، واردع بالتنكيل غيره ، وشرّد به مَن خلفه.

فقال ابن عباس : يا بن النابغة ضلّ والله عقلك ، وسفه حُلمك ، ونطق الشيطان على لسانك ، هلاّ تولّيت ذلك بنفسك يوم صفين ، حين دعيت نزال ، وتكافحَ الأبطال ، وكثرت الجراح ، وتقصّفت الرماح ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولاً ، فانكفأ نحوك بالسيف حاملاً ، فلمّا رأيت الكواثر من الموت ، أعددتَ حيلة السلامة قبل لقائه ، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه ، فمنحته رجاء النجاة عورتك ، وكشفت له خوف بأسه سوأتك ، حذراً أن يصطلمك بسطوته ، أو يلتهمك بحملته ، ثمّ أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته ، وحسّنت له التعرّض لمكافحته ، رجاء أن تكتفي مؤنته ، وتعدم صورته ، فعلم غلّ صدرك وما انحنت عليه من النفاق أضلعك ، وعرف مقرّ سهمك في غرضك ، فاكفف غرب لسانك ، واقمع عوراء لفظك ، فإنك لمن أسدٍ خادر ، وبحر زاخر ، ان تبرّزت للأسد افترسك ، وإن عُمت في البحر قمسَك.

فقال مروان بن الحكم : يا بن عباس إنّك لتصرّف بنابك ، وتوري نارك ، كأنّك ترجو الغلبة ، وتؤمل العافية ، ولولا حلم أمير المؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله ، فأوردكم منهلاً بعيداً صَدرُه ، ولعمري لئن سطا بكم ليأخذنّ بعض حقه منكم ، ولئن عفا عنكم جرائركم فقديماً ما نسب إلى ذلك.

فقال ابن عباس : وإنّك لتقول يا عدو الله وطريد رسول الله ، والمباح دمه ، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه ، وركوب أثباجه ، أما والله لو طلب معاوية ثاره لأخذك به ، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله


وآخره ، وأمّا قولك لي : إنّك لتصرّف بنانك وتوري نارك ، فسل معاوية وعمرواً يخبراك ليلة الهرير كيف ثباتنا للمثلات ، واستخفافنا بالمعضلات ، وصدق جلادنا عند المصاولة ، وصبرنا على اللأواء والمطاولة ، ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة ، ومباشرتنا بنحورنا حدّ الأسنة. هل خمنا عن كرائم تلك المواقف؟ أم لم نبذل مهجنا للمتالف؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ، ولا يوم مشهود ، ولا أثر معدود ، وإنّهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك ، فاربع على ظلعك ، ولا تتعرض لما ليس لك ، فإنّك كالمغروز في صفد ، لا يهبط برجل ولا يرقى بيد.

فقال زياد : يا بن عباس إنّي لأعلم ما منع حسناً وحسيناً من الوفود معك على أمير المؤمنين ، إلاّ ما سوّلت لهما أنفسهما وغرّهما به مَن هو عند البأساء يسلمهما ، وأيم الله لو وليتهما لأدأبا في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما ، ولقلّ بمكانهما لبثهما.

فقال ابن عباس : إذن والله يقصر دونهما باعك ، ويضيق بهما ذراعك ، ولو رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صُدُقا صُبُرا على البلاء ، لا يخيمون عن اللقاء ، فلعركوك بكلاكلهم ، ووطئوك بمناسمهم ، وأوجروك مشق رماحهم ، وشفار سيوفهم ، ووخز أسنتهم ، حتى تشهد بسوء ما أتيت ، وتتبيّن ضياع الحزم فيما جنيت ، فحذار من سوء النية ، فإنها ترد الأمنية ، وتكون سبباً لفساد هذين الحيّين بعد صلاحهما ، وسعياً في اختلافهما بعد إئتلافهما ، حيث لا يضرّهما إبساسك ، ولا يغني عنهما إيناسك.

فقال عبد الرحمن بن اُم الحكم : لله در ابن ملجم ، فقد بلغ الأمل ، وأمن الوَجل ، وأحدّ الشفرة ، وألان المهرة ، وأدرك الثار ، ونفى العار ، وفاز بالمنزلة العليا ، ورقى الدرجة القصوى.


فقال ابن عباس : أما والله لقد كرع كأس حتفه بيده ، وعجّل الله إلى النار بروحه ، ولو أبدى لأمير المؤمنين صفحته ، لخالطه الفحل القطم والسيف الخذم ، ولألعقه صابا وسقاه سماما ، وألحقه بالوليد وعتبة وحنظلة ، فكلّهم كان أشدّ منه شكيمة ، وأمضى عزيمة ، ففرى السيف هامهم ، ورملهم بدمائهم ، وقرى الذئاب أشلاءهم ، وفرّق بينهم وبين أحبائهم أولئك حصب جهنم هم لها واردون فـ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) (1) ولا غرو أن ختل ، ولا وصمة أن قتل ، فإنّا لكما قال دريد بن الصمة :

فإنّا للحم السيف غـير مكـرّه

ونلحمه طوراً وليس بذي نكر

يـغار عـلينـا واتـريـن فيُشتفى

بنا إن أصبنا أو نـغير على وتـر

فقال المغيرة بن شعبة : أما والله لقد أشرت على عليّ بالنصيحة ، فآثر رأيه ، ومضى على غلوائه ، فكانت العاقبة عليه لا له ، وإنّي لأحسب أنّ خلفه يقتدون بمنهجه.

فقال ابن عباس : كان والله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أعلم بوجوه الرأي ومعاقد الحزم وتصريف الأمور ، من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه ، وعنّف عليه ، قال سبحانه :( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ

____________________

(1) مريم / 98.


الْمُفْلِحُونَ ) (1) ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوّة( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) (2) وهل كان يسوغ له أن يحكّم في دماء المسلمين وفيء المؤمنين مَن ليس بمأمون عنده ، ولا بموثوق به في نفسه ، هيهات هيهات ، هو أعلم بفرض الله وسنّة رسوله ، أن يبطن خلاف ما يظهر إلاّ للتقية ، ولات حين تقية ، مع وضوح الحقّ ، وثبوت الجنان ، وكثرة الأنصار ، يمضي كالسيف المصلت في أمر الله ، مؤثراً لطاعة ربّه والتقوى على آراء أهل الدنيا.

فقال يزيد : يا بن عباس إنك لتنطق بلسان طَلِق ، تنبئ عن مكنون قلب حَرِق ، فاطو ما أنت عليه كشحا ، فقد محا ضوءُ حقنا ظلمةَ باطلكم.

فقال ابن عباس : مهلاً يزيد ، فوالله ما صفت القلوب لكم منذ تكدّرت بالعداوة عليكم ، ولا دنت بالمحبة لكم مذ نأت بالبغضاء عنكم ، ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالأمس من أفعالكم ، وإن تدل الأيام نستقضي ما شُذّ عنا ، ونسترجع ما ابتُزّ منّا ، كيلاً بكيل ووزناً بوزن ، وإن تكن الأخرى فكفى بالله ولياً لنا ووكيلاً على المعتدين علينا.

فقال معاوية : إنّ في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم ، وإنّي لخليق أن أدرك فيكم الثأر ، وأنفي العار ، فإن دماءنا قِبلكم ، وظلامتنا فيكم.

فقال ابن عباس : إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أسُداً مخدّره ، وأفاعي مطرّقة ، لا يفثؤها كثرة السلاح ، ولا تعضّها نكاية الجراح ، يضعون أسيافهم على عواتقهم ، يضربون قُدماً قُدماً من ناوأهم ، يهون عليهم نباح الكلاب ، وعواء

____________________

(1) المجادلة / 22.

(2) الكهف / 51.


الذئاب ، لا يُفاتون بوتر ، ولا يُسبقون إلى كريم ذكر ، قد وطّنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم إلى العلياء هممهم ، كما قالت الأزدية :

قوم إذا شهدوا الهياج فلا

ضربٌ ينهنههم ولا زجر

وكأنّهم أساد غينةَ قد

غرثت وبلّ متونها القطر

فلتكوننّ منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همّك سلامة حشاشتك ، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم ، وبذلوا دونك مهجهم ، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلوله الدمار ، رفعوا المصاحف مستجيرين بها ، وعائذين بعصمتها ، لكنت شلواً مطروحاً بالعراء ، تسفي عليك رياحها ، ويعتورك ذبابها ، وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ، ولا إزالتك عن معقود نيّتك ، لكن الرحم الّتي تعطف عليك ، والأواصر الّتي توجب صرف النصيحة إليك.

فقال معاوية : لله درّك يا بن عباس ، ما تكشف الأيام منك إلاّ عن سيف صقيل ورأي أصيل ، وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثّرهم. ثمّ نهض ، فقام ابن عباس وانصرف »(1) .

فهذه المحاورة زماناً كانت في سنة 42 أو 43 حيث ورد ذكر زياد فيها وهذا أتى معاوية في سنة 42 ، كما ورد ذكر عمرو بن العاص فيها وهذا مات ليلة الفطر 43 ، فالمحاورة وقعت في تلك الفترة ما بين 42 و 43 ، ومكانها في الشام ، ولم يكن ابن عباس قد أتى معاوية بالشام قبل ذلك فيما أحسب ، لأنّ تاريخ الصلح كان في سنة 41 كما مرّ ، وابن عباس لم يحضر الصلح ولم يجر معه صلح

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 6 / 298 ـ 303 ط دار إحياء الكتب العربية.


ولا معه أمان من معاوية كما مر في كتاب معاوية إليه وهو بالبصرة ، ولم يذكر أنّه بعد مغادرته لها في سنة 41 أتى الشام ، فلا أستبعد أن تكون المحاورة المذكورة هي الأولى في لقاءاته مع معاوية ، وفي صدرها ما يشير إلى ذلك حيث قال معاوية لجلسائه : « انّه قد طال العهد بعبد الله بن عباس وما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ».

وفي رواية عند ابن عساكر في ترجمة ابن عباس ورواها عنه ابن كثيرعن ابن عباس قال : « دخلت على معاوية حين كان الصلح وهو أوّل ما التقيت أنا وهو ، فإذا عنده أناس فقال : مرحباً بابن عباس ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعزّ عليّ بُعداً ولا أحب إليَّ قرباً ( منك ) الحمد لله الّذي أمات عليّاً ، فقلت له : ان الله لا يغلب ( يذمّ ) في قضائه ، وغير هذا الحديث أحسن منه. قال ما هو؟ قلت له : أحب أن تعفيني من ذكر ابن عمي وأعفيك من ذكر ابن عمك. قال : ذلك لك »(1) .

وفي لفظ البلاذري قال معاوية : « ما حالت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز عليّ فقداً وأحبّ إليّ قرباً منك ، فالحمد لله الّذي قتل عليّاً.

فقال ابن عباس : أو غير هذا ، تدع لي ابن عمي وأدع لك ابن عمك. قال : ذاك لك.

ثمّ قال : أخبرني عن أبي سفيان؟ قال اللّهمّ انّه تجر فأربح ، وأسلم فأفلح ، وكان رأس الشرك حتى انقضى.

فقال : يا بن عباس في علمك ما تسرّ به جليسك ، ولولا أن اقارضك الثناء لأخبرتك عن نفسك »(2) .

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 301 ط السعادة.

(2) أنساب الأشراف 1ق 4 / 130 تح ـ احسان عباس.


فظهر ممّا مرّ في رواية ابن عساكر أنّه أوّل لقاء كان بين ابن عباس ومعاوية هو الّذي جرى فيه ذكر معاوية للإمام وحمده الله على قتله ، وهذا ما أثار في ابن عباس الحمية فقال له ما مرّ ، وفي الخبر انّه دخل عليه وعنده أناس ، فمن هم أولئك الأناس غير جلسائه وخلطائه ، وهم الّذين مرّ ذكرهم في المحاورة السابقة.

يبقى الكلام حول فصول المحاورة مع شخوصها إلى الحلقة الثالثة إن شاء الله ، إلاّ أنّا ننبّه القارئ إلى أنّ ابن عباس كان حقّاراً لمعاوية وجريئاً عليه كما يقول بعض الرواة عنه في صدر محاورة رواها ابن عبد ربه في العقد الفريد والحلواني في نزهة السامع وهي طويلة نتركها إلى الحلقة الثالثة ، ونذكر ما هو أخصر منها وفيه من الجرأة على معاوية ما بلغ حتى التهديد.

فقد روى ابن عبد ربه في العقد الفريد(1) والجاحظ في أمل الآمل(2) والابشيهي في المستظرف(3) والحموي في ثمرات الأوراق(4) وأنساب الأشراف للبلاذري(5) .

قال أبو عثمان الحرامي : « اجتمعت بنو هاشم عند معاوية فأقبل عليهم فقال : يا بني هاشم والله إنّ خيري لكم لممنوح ، وإنّ بابي لكم لمفتوح ، فلا يقطع خيري عنكم علة ، ولا يوصد بابي دونكم مسألة ، ولمّا نظرت في أمري وأمركم ، رأيت أمراً مختلفاً ، إنّكم لترون أنّكم أحق بما في يدي مني ، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقكم ، قلتم أعطانا دون حقنا ، وقصّر بنا عن قدرنا ،

____________________

(1) العقد الفريد 2 / 317 ط الأولى و 4 / 9 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(2) أمل الآمل / 28 ـ 29 تح ـ رمضان ششن ط دار الكتاب الجديد بيروت سنة 1387.

(3) المستظرف 1 / 58.

(4) ثمرات الأوراق بهامش المستظرف 1 / 135.

(5) أنساب الأشراف 1ق 4 / 111 ـ 113.


فصرت كالمسلوب ، والمسلوب لا حمد له ، وهذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم.

قال : فأقبل عليه ابن عباس فقال : والله ما منحتنا شيئاً حتى سألناه ، ولا فتحتَ لنا باباً حتى قرعناه ، ولئن قطعتَ عنا خيرك ، الله أوسع منك ، ولئن أغلقتَ دوننا بابك ، لنكفنّ أنفسنا عنك.

وأمّا هذا المال فليس لك منه إلاّ ما لرجل من المسلمين ، ولنا في كتاب الله حقّان : حقّ في الغنيمة ، وحقّ في الفيء ، فالغنيمة ما غُلبنا عليه ، والفيء ما احتبيناه ، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر ، يحمله خفّ ولا حافر. أكفاك أم أزيدك؟

قال : كفاني فإنّك لا تفرّ ولا تشج. ( وفي لفظ البلاذري : فإنّك تكوي ولا تغوي ).

فقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب :

ألا أبلغ معاوية بن صخر

فإنّ المرء يعلم ما يقول

لنا حقان حقّ الخمس وافٍ

وحقّ الفيء جاء به الرسول

فكلّ عطية وصلت الينا

وإن سحبت لخدعتها الذيول

ففي حكم القران لنا مزيد

على ما كان لا قال وقيل

أنأخذ حقنا وتريد حمدا

له هذاك تأباه العقول

فقال له ابن عباس مجيبا

فلم يدر ابن هند ما يقول

فلا تَهجِ ابنَ عباس مجيبا

فإنّ جوابه جدع أصيل »


وفي أخبار الدولة العباسية تفاوت يسير في المحاورة والشعر(1) .

ومن هذه المحاورة يعرف القارئ رأي ابن عباس وسائر بني هاشم بما فيهم الإمام الحسن والإمام الحسين ( عليهما السلام ) في مسألة الأموال الّتي كان يبعث بها معاوية إليهم أو يفدون عليه لأخذها ، إنّما هي من حقوقهم المفروضة كما بيّنه ابن عباس ، بل هي دون ما يستحقونه لكن معاوية يريد التطوّل والمنّة إلاّ أنّ ابن عباس أسكت نامته ، وأبطل حجته ، حتى استكفاه معاوية واعترف له بأنّه يكوي ولا يغوي.

وكان معاوية يوصي أصحابه باجتناب محاورة رجلين الحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس لقوة بداهتهما(2) .

إلاّ أنّ ابن العاص فيما يبدو لم يلتزم بوصية صاحبه. فقد روى البلاذري : « انّ عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عباس : يا بني هاشم أما والله لقد تقلدتم من دم عثمان كفرم الإماء العوارك ، وأطعتم فسّاق أهل العراق في عيبه ، وأجزرتموه مرّاق أهل مصر ، وآويتم قتلته ، وإنّما نظر الناس إلى قريش ونظرت قريش إلى بني عبد مناف ، ونظر بنو عبد مناف إلى بني هاشم.

فقال ابن عباس لمعاوية : ما تكلم عمرو الا عن رأيك ، وإن أحق الناس أن لا يتكلم في قتل عثمان لأنتما. أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما صنع ، حتى إذا حُصر طلب نصرك ، فأبطأت عنه وتثاقلت ، وأحببت قتله ، وتربّصت لتنال ما نلت.

وأمّا أنت يا عمرو فأضرمتَ المدينة عليه ناراً ، ثمّ هربت إلى فلسطين ، فأقبلت تحرّض عليه الوارد والصادر ، فلمّا بلغك قتله دعتك عداوة عليّ إلى أن لحقت بمعاوية ، فبعت دينك منه بمصر.

____________________

(1) راجع أخبار الدولة العباسية / 54 ـ 56.

(2) أنظر الأعلام للزركلي سنة 230.


فقال معاوية : حسبك يرحمك الله ، عرّضني لك ونفسه فلا جزي خيراً »(1) .

وسيأتي في الحلقة الثالثة مزيدٌ ممّا جرى بين ابن عباس وابن العاص في الحجاز وفي الشام ، غير أنّا نذكر الآن ما رواه عبد الملك بن مروان :

« قال : كنا عند معاوية ذات يوم وقد اجتمع عنده جماعة من قريش ، وفيهم عدة من بني هاشم.

فقال معاوية : يا بني هاشم بم تفخرون علينا؟ أليس الأب والأم واحداً؟ والدار والمولد واحداً؟

فقال ابن عباس : نفخر عليكم بما اصبحت تفخر به على سائر قريش ، وتفخر به قريش على الأنصار ، وتفخر به الأنصار على سائر العرب ، وتفخر به العرب على العجم ، برسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وبما لا تستطيع له إنكاراً ولا منه فراراً.

فقال معاوية : يا بن عباس لقد أعطيت لساناً ذلقاًً تكاد تغلب بباطلك حقّ سواك.

فقال ابن عباس : فان الباطل لا يغلب الحقّ ، ودع عنك الحسد ، فلبئس الشعار.

فقال معاوية : صدقت ، أما والله إنّي لأحبّك لخصال أربع مع مغفرتي لك خصالاً أربعاً ، فأمّا ما أحبّك : فلقرابتك من رسول الله. وأمّا الثانية : فانك رجل من أسرتي وأهل بيتي ومن مصاص عبد مناف. وأمّا الثالثة : فإنّ أبي كان خلاً لأبيك ، وأمّا الرابعة : فإنك لسان قريش وزعيمها وفقيهها.

____________________

(1) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 94 تح ـ احسان عباس ، تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 238 سير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 49.


وأمّا الأربع الّتي غفرت لك : فعدوك عليّ بصفين فيمن عدان ، وإساءتك في خذل عثمان فيمن أساء ، وسعيك على عائشة أم المؤمنين فيمن سعى ، ونفيك عني زياداً فيمن نفى. فضربت أنف هذا الأمر وعينه حتى استخرجت عذرك من كتاب الله ( عزّ وجلّ ) وقول الشعراء.

أمّا ما وافق كتاب الله ( عزّ وجلّ ) فقوله( خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ) (1)

وأمّا ما قالت الشعراء فقول أخي بني دينار.

ولست بمستبق أخاً لا تلمّه

على شعث أيّ الرجال المهذّب

فاعلم انّي قبلت فيك الأربع الأولى ، وغفرت لك الأربع الأخرى ، وكنت في ذلك كما قال الأوّل :

سأقبل ممّن قد أُحبّ جميلَه

واغفر ما قد كان من غير ذالكا

ثمّ أنصت.

فتكلم ابن عباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه. أمّا ما ذكرت أنّك تحبني لقرابتي من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فذلك الواجب عليك وعلى كلّ مسلم آمن بالله ورسوله ، لأنّه الأجر الّذي سألكم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على ما أتاكم به من الضياء والبرهان المبين ، فقال ( عزّ وجلّ ) :( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) فمن لم يجب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى ما سأله خاب وخزي وكبا في جهنم.

وأمّا ما ذكرت أنّي رجل من أسرتك وأهل بيتك فذلك كذلك ، وإنّما أردتَ به صلة الرحم ، ولعمري إنّك اليوم وَصول مع ما قد كان منك فيما لا تثريب عليك فيه اليوم.

____________________

(1) التوبة / 102.

(2) الشورى / 24.


وأمّا قولك إنّ أبي كان خلاً لأبيك فقد كان ذلك كذلك ، وقد علمت ما كان من أبي إليه يوم فتح مكة ، وكان شاكراً كريماً ، وقد سبق فيه قول الأوّل :

سأحفظ من آخى أبي في حياته

وأحفظه من بعده في الأقارب

ولست لمن لا يحفظ العهد واقعاً

ولا هو عند النائبات بصاحبي

وأمّا ما ذكرت أني لسان قريش وزعيمها وفقيهها ، فإنّي لم أعط من ذلك شيئاً إلاّ وقد أوتيته ، غير انّك قد أبيت بشرفك وكرمك إلاّ أن تفضّلني وقد سبق في ذلك قول الأوّل :

وكلّ كريم للكرام مفضّلٌ

يراه له أهلاً وإن كان فاضلا

وأمّا ما ذكرت من عدوي عليك بصفين فوالله لو لم أفعل ذلك لكنت من شر الأم العالمين. أكانت نفسك تحدثك يا معاوية إنّي كنت أخذل سيدي وابن عمي أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وقد حشد له المهاجرون والأنصار والمصطفون الاخيار؟ ولِم يا معاوية أشكاً في ديني؟ أم جبناً؟ أم حيرة في سجيتي؟ أم ضناً بنفسي؟ والله إن لو فعلت ذلك لاختبأته فيَّ وعاتبتني عليه.

وأمّا ما ذكرت من خذلان عثمان ، فقد خذله مَن كان أمسّ رحماً به مني ، وأبعد رجاءً مني ، ولي فيه الأقربين والأبعدين أسوة ، وإنّي لم أعد عليه فيمن عدا ، بل كففت عنه كما كفّ أهل المروءات والحجى.


وأمّا ما ذكرت من سعيي على عائشة ، فإن الله تبارك وتعالى أمرها أن تقرّ في بيتها وتحتجب في سترها ، فلمّا عصت ربّها ، كشفت جلباب الحياء ، وخالفت نبيّها ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وسعنا ما كان منّا إليها.

وأمّا ما ذكرت من نفيي زياداً فإني لم أنفه بل نفاه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إذ قال : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) وإنّي من بعد هذا لأحب ما يراك في جميع أمورك »(1) .

أقول : إلى هنا أخرج المحاورة صاحب كتاب مختصر تاريخ الخلفاء وقال : « وإنّما أوردنا هذه الحكاية على وجهها ، لأنّ فيها مسائل يقع الشك فيها لكل من تأمّلها ويشتهي المخرج منها ، والمظنون أن من جعل عبد الله ابن العباس قدوة في ذلك ، مع علمه وحلمه وقرباه برسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وكونه في الفتن واختياره لنفسه ، وسار بسيرته وحكم بمثل حكمه كان من الفايزين اهـ »(2) .

ونعود إلى بقية المحاورة برواية الشيخ ابن بابويه الصدوق وقد رواها في كتابه الخصال فقال : « فتكلم عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين والله ما أحبَّك ساعة قط ، غير أنّه قد أعطي لساناً ذربا يقلّبه كيف شاء ، وان مثلك ومثله كما قال الأوّل ( وذكر بيت شعر ).

فقال ابن عباس : إن عمراً داخل بين العظم واللحم ، والعصا واللحا ، وقد تكلم فليستمع فقد وافق قرنا. أما والله يا عمرو إنّي لأبغضك في الله وما اعتذر منه ، انك قمت خطيباً فقلت : إنا شانئ محمّد ، فأنزل الله ( عزّ وجلّ )( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر ) (3)

____________________

(1) أنساب الأشراف 1 ق4 / 94 تح ـ احسان عباس.

(2) مختصر تاريخ الخلفاء ط موسكو سنة 1967 من ورقة 240ب إلى ورقة 241 ب.

(3) الكوثر / 3.


فأنت أبتر الدين والدنيا ، وأنت شانئ محمّد في الجاهلية والإسلام ، وقد قال الله تبارك وتعالى :( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (1) وقد حاددتَ الله ورسوله قديماً وحديثاً ، ولقد جهدتَ على رسول الله جهدك ، وأجلبتَ عليه بخيلك ورجلك ، حتى إذا غلبك الله على أمرك ، وردّ كيدك في نحرك ، وأوهن قوتك ، وأكذب أحدوثتك ، نزعت وأنت حسير ، ثمّ كدت بجهدك لعداوة أهل بيت نبيّه من بعده ، ليس بك في ذلك حبّ معاوية ولا آل معاوية إلاّ العداوة لله ( عزّ وجلّ ) ولرسوله ، مع بغضك وحسدك القديم لأبناء عبد مناف ، ومثلك في ذلك كما قال الأوّل :

تعرّض لي عمرو وعمرو خزاية

تعرّض ضبع القفر للأسد الورد

فما هو لي ندّ فاشتم عرضه

ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد

فتكلم عمرو بن العاص فقطع عليه معاوية وقال : أما والله يا عمرو ما أنت من رجاله ، فإن شئت فقل ، وإن شئت فدع ، فاغتنمها عمرو وسكت.

فقال ابن عباس : دعه يا معاوية فوالله لأسمنّه بميسم يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة ، تتحدث به الإماء والعبيد ، ويتغنى به في المجالس ويتحدث به في المحافل.

ثمّ قال ابن عباس : يا عمرو ما تبدأ في الكلام ، فمدّ معاوية يده فوضعها على في ابن عباس وقال له : أقسمت عليك يا بن عباس إلاّ أمسكت ، وكره أن يسمع أهل الشام ما يقول ابن عباس ، وكان آخر كلامه ، إخسأ أيها العبد وأنت مذموم ، وافترقوا »(2) .

____________________

(1) المجادلة / 22.

(2) الخصال 1 / 99 ـ 101 بتقديمي ط الحيدرية.


إنّك لا تشاء أن تَغلِب إلاّ غَلبَت :

ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد(1) والنويري في نهاية الإرب(2) : « إنّ عبد الله بن عباس قدم على معاوية وعنده زياد ، فرحّب به معاوية وألطفه وقرّب مجلسه ، ووسّع إلى جنبه ، وأقبل عليه يسائله ويحادثه وزياد ساكت ولم يكلّمه شيئاً. فابتدأ ابن عباس وقال له : ما لك أبا المغيرة كأنّك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرة؟ قال : لا ، ولكن لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين ، فقال له ابن عباس : ما أدركت الناس الا وهم يسلّمون على إخوانهم ، ما ترك الناس التحية بينهم وبين يدي أمرائهم. فقال له معاوية : كفّ عنه يا بن عباس فإنّك لا تشاء أن تغلب إلاّ غلبت ».

ولا شك أنّ هذا الموقف الجاف من زياد الّذي أثار ابن عباس فقال له ما قال ، قد ترك في نفسه حقداً صار معه يتحيّن الفرصة بالإيقاع بابن عباس ، وقد مرّت بنا في أوائل حديثنا عن وفادة ابن عباس إلى الشام ولعلها الأولى كانت ، وقد جرى فيها حوار ساخن دار بين معاوية وجلسائه بمن فيهم زياد وبين ابن عباس ، وكانت الغلبة له حتى قال له معاوية : لله درّك يا بن عباس ما تكشف الأيام منك إلاّ عن سيف صقيل ورأي أصيل

كما مرّ بنا أنّ ابن عباس كان معلناً بنفي زياد ـ فيما يبدو من كلام معاوية معه في ذلك ، وردّ ابن عباس عليه ـ. ولجميع ذلك تراكمات في نفس زياد ، وكلّما كانت مواقف ابن عباس مع معاوية أشدّ كلما حاول زياداً أن ينفذ من خلالها بحجة الإنتقام لمعاوية ، لكن معاوية كان أبعد نظراً من زياد في ذلك ، فقد

____________________

(1) العقد الفريد 1 / 19 و 2 / 459 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(2) نهاية الارب 6 / 14.


ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد قال : « وفي كتاب زياد إلى معاوية يخبره بطعن عبد الله بن عباس في خلافته » ، وكرر ذكره في مكان آخر(1) وانّه كتب إليه : « انّ عبد الله بن عباس يُفسد الناسَ عليّ ، فإن أذنت لي أن أتوعّده فعلتُ.

فكتب إليه : انّ أبا الفضل وأبا سفيان كانا في الجاهلية في مسلاخ واحد وذلك حلفٌ لا يحلّه سوء رأيك ( أدبك ) »(2) .

أقول : إنّ من معاني المسلاخ : الإهاب ، وهو الجلد ، والثوب ، ومنه سلخت المرأة ثوبها نزعته ، ومن المجاز : فلان حمار في مسلاخ إنسان ، وفي حديث عائشة ما رأيت امرأة أحبّ اليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة ، وتمنت أن تكون في هيئتها وطريقتها ، ورجل سليخ مليخ شديد الجماع ولا يلقح(3) .

فيا هل ترى أنّ معاوية أشار على استحياء ، ومن طرف خفي إلى أنّ العباس وأبا سفيان كانا في الجاهلية في مسلاخ واحد ، يعني بذلك كناية عن إتيانهما معاً إلى هند أمه؟ والّذي يقرّب الينا هذا المعنى الكنائي ـ وربّ كناية أبلغ من تصريح ـ ما صرح به لابنه يزيد حين جرى بينه وبين إسحاق بن طابة بن عبيد كلام بين يدي معاوية وهو خليفة فقال يزيد لاسحاق : إن خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنة ـ أشار يزيد إلى أنّ أم إسحاق كانت تتهم ببعض بني حرب ـ فغالطه إسحاق : إن خيراً لك أن يدخل بنو العباس كلّهم الجنة ، فلم يفهم يزيد قوله وفهم معاوية ، فلمّا قام إسحاق قال معاوية ليزيد : كيف تشاتم الرجال قبل أن تعلم ما يقال فيك؟ قال : قصدت شين إسحاق قال : وهو كذلك أيضاً ، قال :

____________________

(1) العقد الفريد 5 / 11.

(2) نفس المصدر 4 / 206.

(3) تاج العروس 2 / 262 سلخ.


وكيف؟ قال : أما علمت ان بعض قريش في الجاهلية يزعمون أنّي للعباس ، فسقط في يدي يزيد(1) .

وممّا يؤكد هذا المعنى حديث بيعة النساء يوم فتح مكة ومنهنّ هند أم معاوية ، فقال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مشترطاً عليهنّ شرائط الإسلام : ( وان لا تزنينّ ) فقالت هند : « وهل تزني الحرّة » فنظر إلى عمه العباس وتبسم(2) .

وذكر الزمخشري : « انّ معاوية كان يعزى إلى أربعة : مسافر بن عمرو وعمارة بن الوليد والعباس بن عبد المطلب والصباح مغنٍّ أسود كان لعمارة »(3) .

إنّا كتبنا في الآفاق :

لقد مرّت بنا في أولى محاوراته في الحرمين قول معاوية له : « فإنّا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته ، فكفّ لسانك يا بن عباس واربع على نفسك ». فأجابه ابن عباس وحاوره حتى خصمه وانتهت المحاورة يقول معاوية وقد بان عليه الفشل والخجل أمام جموع المسلمين الّذين كانوا يستمعون إلى النقض والإبرام ، بين المتحاورين في المسجد الحرام فقال : يا بن عباس اكفني نفسك ، وكفّ عني لسانك ، وإن كنت لابدّ فاعلاً فليكن ذلك سراً ولا يسمعه أحد منك علانية. ثمّ تقول الرواية فرجع معاوية إلى منزله فبعث إليه بخمسين ألف درهم ، وثمة روايات زاد فيها الرقم إلى مائة ومائتين. وليس معرفة الرقم الصحيح بذي بال. إنمّا المهم أن نعرف موقف ابن عباس بعد هذه المحاورة هل استجاب لطلب معاوية فلم يتحدث إلى الناس بفضائل الإمام أمير

____________________

(1) المثالب للكلبي نسخة المرحوم الشيخ السماوي بخطه.

(2) الفخري في الآداب السلطانية لابن الطقطقي / 104 ط صادر.

(3) ربيع الأبرار 3 / 551 باب القرابات والأنساب.


المؤمنين ( عليه السلام )؟ وهل كان للمال تأثيره في تغيير المواقف؟ مع أنّ الجواب عن مسألة أخذ ابن عباس للمال قد تبيّن ممّا مرّ في محاورته الّتي لخصها الفضل بن العباس اللهبي في أبياته فراجع. لكن يبقى الجواب عن مدى استجابة ابن عباس لطلب معاوية في عدم ذكره مناقب عليّ ( عليه السلام ) وأهل بيته. تحت تأثير الترغيب بالمال أو الترهيب بالقوة فنقول : من خلال متابعتي لمواقف ابن عباس مع أعداء الإمام تبيّن لي إنّه كان ابن جلاها وطلاع ثناياها في تحدي السلطة وإعلان معارضته ، عن طريق التحدث بفضائل الإمام ( عليه السلام ) ، وكلّ تلك المواقف تنتهي بفوزه على خصومه ، وجملة منها كانت في أيام حكم معاوية ، فهو لم تلن له قناة ، ولم تقرع له صفاة ، بل كان مثجاً يسيل غربا ، واذا أردت عرض جميع ما وقفنا عليه فاحتاج إلى وقت طويل يعيقنا عن متابعة تاريخه ونحن بهذا السبيل ، إلاّ أني أعرض بعض نماذج فيها تحدٍ تسافر لبيان السلطة وصاحبها ، ولم أقف على مورد واحد فيه عقاب أو عتاب جوبه به ، وهذا يعني أنّ ابن عباس في هذا الميدان كان أقوى من سلطة معاوية ، وسلاحه فيه أمضّ وأمضى.

فإلى نماذج من مرويّاته ومواقفه في هذا الباب :

1 ـ تسعة رهط يفسدون في الأرض :

قد روى هذه الواقعة أحمد في مسنده ، والنسائي في الخصائص ، والحاكم في المستدرك ، والذهبي في تلخيصه وآخرون نيّفوا على العشرة كما سيأتي ذكرهم وموارد رواياتهم في مصادرهم جميعاً في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.

أمّا الآن فإلى الحديث برواية عمرو بن ميمون قال : « إنّي لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط. فقالوا : يا بن عباس إمّا أن تقوم معنا وإمّا أن يخلونا هؤلاء؟ ـ وأشاروا إلى جلسائه ـ فقال ابن عباس : بل أقوم معكم ـ وهو يومئذ


صحيح قبل أن يذهب بصره ـ فانتبذوا وابتدأوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا. قال عمرو : فجاء ابن عباس ، وهو ينفض ثوبه وهو يقول : أفّ وتفّ ، وقعوا في رجل له بضعة عشرة فضيلة ليست لأحد غيره ، وقعوا في رجل قال له رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : لأبعثنّ رجلاً يحبّ الله ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولهُ ، لا يخزيه الله أبداً. قال : فاستشرف لها من استشرف فقال : أين ابن أبي طالب؟ قالوا هو في الرحى يطحن ، قال : وما كان أحدكم ليطحن ، فدعاه وهو أرمد لا يكاد يبصر ، فنفث في عينيه وهزّ الراية ثلاثاً ثمّ دفعها إليه. فجاء بصفية بنت حي.

وبعث أبا بكر بسورة التوبة ، وأرسل عليّاً خلفه فأخذها منه ، فقال أبو بكر للنبيّ : أنزل فيَّ شيء؟ فقال : لا ولكن لا يذهب بها رجل إلاّ مني وأنا منه.

وقال لبني عمه أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ ـ قال : وعليّ معهم جالس ـ فقال عليّ : أنا أواليك في الدنيا والآخرة فقال له : أنت أخي في الدنيا والآخرة.

وجمع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فاطمة وعليّاً وحسناً وحسيناً فقال : اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وقال :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) .

وكان ـ عليّ ـ أوّل من آمن ( أسلم ) من الناس بعد خديجة.

وشرى عليّ نفسه ، فلبس ثوب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ثمّ نام مكانه ، فجعل المشركون يرمونه كما كانوا يرمون رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو على فراش النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فجعل يتضور ، وجعلوا يستنكرون ذلك ، فجاء أبو بكر وعليّ نائم وهو يظنه رسول الله فقال : يا نبيّ الله ، فقال انّ نبيّ الله قد انطلق إلى بئر ميمون فأدركه ، فاتبعه ودخل معه الغار ، وبات عليّ يُرمى بالحجارة كما كان يُرمى نبيّ الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو يتضوّر ، وقد لفّ

____________________

(1) الأحزاب / 33.


رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح ، ثمّ كشف عن رأسه ، فقالوا : إنك للئيم ، كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك.

قال ابن عباس : وخرج رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالناس في غزوة تبوك فقال له عليّ : أخرج معك؟ فقال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : لا ، فبكى عليّ فقال له : أما ترضى بأن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلاّ إنّك لست بنبيّ ، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي.

قال : وقال له رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : أنت وليي في كلّ مؤمن بعدي.

قال ابن عباس : وسدّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أبواب المسجد غير باب عليّ فكان يدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره.

قال : وأخذ بيد عليّ فقال : من كنت مولاه فان مولاه عليّ ، وقال : من كنت وليّه فعلي وليّه. وقال : اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله.

قال : وأخبرنا الله ( عزّ وجلّ ) في القرآن أنّه قد رضي عن أصحاب الشجرة ، فعلم ما في قلوبهم ، هل حدثنا أحد انّه سخط عليهم بعدُ ، قال : وقال نبيّ الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعمر حين قال : إئذن لي فلأضرب عنقه ، قال : أو كنت فاعلاً؟ وما يدريك لعل الله اطلّع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم »(1) .

وسيأتي إن شاء الله في الحلقة الثالثة تخريج هذه الفضائل من مصادرها والتعليق عليها بما يسرّ المؤمنين ويكبت المعاندين(2) . غير أنّا نود لفت نظر القارئ إلى أدب حبر الأمة مع جلسائه وزواره ، فحين طلب التسعة رهط منه إما

____________________

(1) مسند أحمد 1 / 331 ط مصر الأولى وخصائص النسائي / 50 تح ـ محمّد الكاظم وفي الهامش مجموعة من مصادره.

(2) راجع نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 16 / 175 ـ 227 حول هذا الحديث ومن أخرجه وما يتعلق به.


القيام معهم أو يخلوهم جلساؤه ، فاختار القيام معهم إكراماً لجلسائه ، لأنّه يرى جليسه أكرم الناس عليه ـ كما سيأتي كلامه في ذلك في أدبيات حكمه في الحلقة الثالثة ـ لذلك اختار القيام مع أولئك الرهط ، ولمّا انتبذ معهم مكاناً قصياً وجلسوا نديا ليوفّر لهم حرية الكلام ، ولكن عناصر الشرّ أسمعوه في الإمام ما أثار حفيظته ، فلم يتمالك على نفسه دون أن قام عنهم ينفض ثوبه مغضباً وهو يقول : ( أف وتف ). وهما كلمتا تضجر وتأفف ، أي قذَراً وبعداً عليهم. ولم يحدّث جلساءه بما قالوه إلاّ أنّه ذكر أنّهم وقعوا في رجل له وأخذ يعدّد فضائل الإمام كما مرّ ، ولم يذكر الرواة لنا عن مصير أولئك النفر بعد سماعهم حديث ابن عباس.

2 ـ أيكم السابّ لله؟

روى ابن المغازلي المالكي في مناقبه(1) والخوارزمي الحنفي في مناقبه(2) وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول(3) وغيرهم وقد نيّفوا على العشرين كما سيأتي بيانهم في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.

وإليكم الحديث بلفظ الخوارزمي الحنفي : « عن سعيد بن جبير قال : بلغ ابن عباس أنّ قوماً يقعون في عليّ ( عليه السلام ) فقال لابنه عليّ بن عبد الله : خذ بيدي فاذهب بي اليهم ، فأخذه ولده بيده حتى انتهى اليهم فقال : أيكم السابّ لله؟

فقالوا : سبحان الله من سبّ الله فقد أشرك.

فقال : أيكم السابّ لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟

____________________

(1) مناقب ابن المغازلي / 394.

(2) مناقب الخوارزمي / 81.

(3) مطالب السؤول / 105.


فقالوا : سبحان الله من سبّ رسول الله فقد كفر.

فقال : أيكم السابّ لعليّ بن أبي طالب؟

فقالوا : قد كان ذلك.

فقال لهم : فاشهدوا لقد سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : من سب عليّاً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله فقد أكبّه يوم القيامة على وجهه في النار ، ثمّ ولى عنهم فقال لابنه : كيف رأيتهم؟ فأنشأ يقول :

نظروا إليك بأعين محمّرة

نظر التيوس إلى شفار الجازر

قال : زدني فداك أبوك يا بني ، فأنشأ يقول :

خزر الحواجب ناكسوا أذقانهم

نظر الذليل إلى العزيز القاهر

قال : زدني فداك أبوك ، قال : ما أجد مزيداً قال : لكني أجد :

أحياؤهم عار على أمواتهم

والميّتون فضيحة للغابر »

أقول : يوجد بين مرويات المصادر لهذه الواقعة تفاوت غير قليل ، سنأتي على ذكره في الحلقة الثالثة إن شاء الله ، ولعل أهمّ ما وجدته في بعض المصادر المتأخرة تعيين هوية النفر الّذين كانوا يسبّون الإمام وأنّهم من بني أمية.

وعندي لا استبعاد في ذلك وإن لم يرد في المصادر التاريخية الأولى ، كما لا استبعاد أيضاً أن يكون أولئك التسعة رهط الّذين تقدم حديثهم أيضاً منهم ، والّذي لا شك فيه إنّهم إن لم يكونوا من بني أمية نسباً فهم منهم ذَنَبا.

وستأتي بصورة أوسع ممّا هنا في زيادة الأبيات(1) .

____________________

(1) نقلاً عن منتخب الطريحي / 157 ـ 158 ط الحيدرية الثالثة سنة 1369 هـ ـ 1959 م.


3 ـ لقد سبقت لعليّ سوابق :

روى العاصمي في زين الفتى(1) ، وروى فرات بن إبراهيم في تفسيره عن ميمون بن مهران قال : « كنت مع عبد الله بن عباس في الطواف ، فإذا هو بشاب متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من عليّ بن أبي طالب ، وممّا أحدث في الإسلام.

فقال لي ابن عباس : ادع لي ذلك الشاب. قال : فدعوته إليه ، فجاء فجلس عن يمين ابن عباس.

فقال له ابن عباس : من أنت؟ وما أسمك؟ قال : أنا زمعة بن خارجة الخارجي.

قال : فقال له ابن عباس : يا زمعة وما أحدث عليّ في الإسلام؟ قال : إنّه قتل المسلمين يوم الجمل وصفين.

فقال له ابن عباس : إّنك لغبيّ الرأي مخذول الرأس ، إن عليّ بن أبي طالب شهر سيفه على من خرج على الأمة وقاتل الأئمة ، لو لم يكن لعلي إلاّ أربع خصال كانت له سوابق فوالله لقد سبقت لعليّ سوابق لو قسمت واحدة منهنّ على جميع الخلائق ( أهل الأرض ) لوسعتهم.

قال الرجل : وما هي يا بن عباس أعددها على لأتوب إليك ، إخبرني بواحدة منهن.

قال : أمّا أولاهن أنّه كان أوّل الناس إسلاماً ، فانّه صلّى مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) القبلتين وهاجر معه ، ولم يعبد صنماً قط ، ولم يشرب خمراً.

قال : يا بن عباس زدني فإني تائب.

____________________

(1) زين الفتى / 43 مخطوطة مكتبة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) العامة.


قال : والثانية : إنّه كان يسمع حسّ جبرئيل على محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بالوحي دوننا.

والثالثة : لمّا أراد الله أن يزوّج كريمته فاطمة من عليّ أمر الحور العين أنّ يتزيّنَّ وأمر طوبى أن تنثر فنثرت الدرّ مثل القِلال ، فكنّ يلقطن وهن يتهادين إلى يوم القيامة ، ويقلن هذه هدايا فاطمة بنت محمّد.

قال : ولمّا فتح النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مكة دخلها فإذا هو بصنم لخزاعة على الكعبة يُعبد من دون الله ، فقال النبيّ لعليّ : يا عليّ انطلق بنا حتى نكسر صنم بني خزاعة ـ وكان لبني خزاعة صنم عند الميزاب ـ فانطلقا فلمّا انتهيا إليه ، فقال عليّ ( عليه السلام ) للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أطمئن لك فترقى عليّ ، ثمّ انحنى عليّ وقال : ارق يا رسول الله ، فوضع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) رجله على كتف عليّ فكاد عليّ يتكسر فاستغاث بالنبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وقال : ألا تأنّ يا رسول الله فقد كادت أعضائي يختلف بعضها في بعض ، فرفع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) رجله عن كتف عليّ وقال : يا عليّ ذلك ثقل النبوة ، لو أنّ أمتي اطمأنوا لي لم يُعلوني لموضع الوحي ، ثمّ قال : ولكن أطمئن لك فترقى عليّ ، فاطمأن له فرقى عليٌ وكان طول الكعبة أربعين ذراعاً فقال له النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : يا عليّ هل وصلت؟ قال : يا رسول الله لو أردت أن أمس السماء لمسستها ، فأخذ الصنم فضرب به الصفا فصار إرباً إربا ثمّ وثب إلى الأرض وهو ضاحك ، فقال له ما أضحكك يا عليّ؟ قال : عجبت لسقطتي ولم أجد لها ألما ، قال : وكيف تألم منها ، وإنّما حملك محمّد وأنزلك جبرئيل.

قال : فتاب زمعة الخارجي ووالى عليّاً ( عليه السلام ).

قال محمّد بن حرب ـ أحد رواة الخبر ـ وزادني فيه إبراهيم بن محمّد التميمي عن عبد الله بن داود عنه ـ ميمون بن مهران ـ انّه قال : قال عليّ : لقد رفعني رسول الله يومئذ ، ولو شئت أن أنال السماء لنلتها.


قال فقال الرجل لابن عباس زدني فإنّي تائب.

قال : أخذ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بيدي ويد عليّ بن أبي طالب فانتهى إلى سفح الجبل ، فرفع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يده فقال : اللّهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به أزري.

فقال ابن عباس للرجل : ولقد سمعت منادياً ينادي من السماء : لقد أعطيت سؤلك يا محمّد. قال النبيّ لعلي : ادع فقال عليّ ( عليه السلام ) : اللّهمّ اجعل لي عندك عهداً ، اللّهمّ اجعل لي عندك ودّا. فأنزل الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) (1) »(2) .

4 ـ فرّجت عني :

روى البيهقي في المحاسن والمساوي(3) ، والقاضي نعمان في كتاب الهمة في آداب أتباع الأئمة(4) ، وابن شاذان في الفضائل(5) ، وابن طاووس في اليقين(6) ، قالوا :

« كان عبد الله بن عباس بمكة يحدّث الناس على شفير زمزم ونحن عنده ، فلمّا قضى حديثه قام إليه رجل من الملأ.

فقال : يا بن عباس إنّي امرؤ من أهل الشام. فقال : أعوان كلّ ظالم إلاّ من عصمهم الله منهم ، فسل عمّا بدا لك.

____________________

(1) مريم / 96.

(2) تفسير فرات / 90.

(3) المحاسن والمساوي 1 / 30.

(4) الهمة في آداب اتباع الأئمة / 75.

(5) الفضائل / 160.

(6) اليقين / 106 و 129.


قال : يا بن عباس إنّي رجل من أهل حمص إنّهم يتبرأون من عليّ بن أبي طالب ويلعنونه.

فقال ابن عباس : بل لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهينا ، أَلِبُعد قرابته من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ أو أنّه لم يكن أوّل ذكران العالمين إيماناً بالله ورسوله ، وأوّل من صلّى وركع وعمل بإعمال البرّ؟

فقال الشامي : انّهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته ، غير أنّهم يزعمون أنّه قتل الناس ، وإنّما جئتك لأسألك عن عليّ وقتاله أهل لا إله إلاّ الله ، لم يكفروا بقبلة ولا قرآن ولا بحج ولا بصيام رمضان.

فقال ابن عباس : ثكلتك أمك سل عمّا يعنيك ولا تسل عمّا لا يعنيك.

فقال : يا بن عباس ما جئت أضرب إليك من حمص لحج ولا لعمرة ، ولكني جئتك لأسألك لتشرح لي من أمر عليّ وقتاله أهل لا إله إلاّ الله.

فقال ابن عباس : ثكلتكم أمهاتكم إنّ عليّاً أعرف بالله ( عزّ وجلّ ) وبرسوله وبحكمهما منكم ، فلم يقتل إلاّ من استحق.

قال يا بن عباس : إنّ قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك ، وأمينهم ولا يسعك أن تردني بغير حاجتي فإن القوم هالكون في أمره ففرّج عنهم فرّج الله عنك.

فقال ابن عباس : ويحك إنّ علم العالم صعب ولا يحتمل ولا تقبله القلوب إلاّ قلب من عصمه الله ، ولا تقرّبه قلوب أكثر الناس. يا أخا أهل الشام إنّما مثل عليّ في هذه الأمة في فضله وعلمه كمثل موسى والعالم ، وذلك ان الله تبارك


وتعالى يقول في كتابه :( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ) (1) .

قال :( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (2) .

فكان موسى يرى أنّ جميع الأشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم أنّ علماءكم أثبتوا لكم جميع الأشياء ، فلمّا انتهى موسى إلى ساحل البحر لقي العالِم فاستنطقه ، فأقرّ له بفضل علمه ، ولم يحسده كما حسدتم أنتم عليّاً في علمه ، فقال له موسى :( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) (3) فعلم العالم أنّ موسى لا يطيق صحبته ولا يصبر على علمه ، فقال له العالم :( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (4) قال موسى وهو يعتذر :( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (5) فعلم أنّ موسى لم يصبر على علمه فقال له :( فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ) (6) وكان خرقها لله ( عزّ وجلّ ) رضىً ولأهلها صلاحاً. وكان عند موسى ( عليه السلام ) سخطاً وفساداً ، فلم يصبر ( عليه السلام ) وترك ما ضمن له فقال :( أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) (7) فكفّ عنه العالم( فَانطَلَقَا

____________________

(1) الأعراف / 144.

(2) الأعراف / 145.

(3) الكهف / 66.

(4) الكهف / 67 ـ 68.

(5) الكهف / 69.

(6) الكهف / 70 ـ 71.

(7) الكهف / 71.


حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ ) (1) وكان قتله لله ( عزّ وجلّ ) رضىً ولأبويه صلاحاً ، وكان عند موسى ( عليه السلام ) ذنباً عظيماً ، قال موسى ولم يصبر :( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ) (2) قال العالم :( أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ) (3) قال :( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ) (4) ،( فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ) (5) وكانت إقامته لله ( عزّ وجلّ ) رضىً وللعالمين صلاحاً ، فقال :( لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) (6) ،( قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) (7) ، وكان العالم أعلم بما يأتي من موسى ( عليه السلام ) وكبر على موسى الحقّ وعظم إذ لم يكن يعرفه ، هذا وهو نبيّ مرسل من أولى العزم ممّن قد أخذ الله ( عزّ وجلّ ) ميثاقه على النبوة ، فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك؟

إنّ عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) لم يقتل إلاّ من كان يستحل قتله ولله رضىً ولأهل الجهالة من الناس سخطاً. إجلس أخبرك الّذي سمعته من رسول الله وعاينته. أخبرك إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تزوج زينب بنت جحش فأولم ، وكانت في وليمته الحبشة ، فكان يدعو عشرة عشرة من المؤمنين فكانوا إذا أصابوا طعام النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) استأنسوا لحديثه واشتهوا النظر إلى وجهه ، وكان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يشتهي

____________________

(1) الكهف / 74.

(2) الكهف / 74.

(3) الكهف / 75.

(4) الكهف / 76.

(5) الكهف / 77.

(6) الكهف / 77.

(7) الكهف / 78.


أن يخففوا عنه فيخلوا له المنزل ، لأنّه كان حديث عهد بعرس ، وكان محباً لزينب وكان يكره أذى المؤمنين فأنزل الله تبارك وتعالى فيه قرآناً قوله ( عزّ وجلّ ) :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (1) الآية ، فكانوا إذا أصابوا طعاماً لم يلبثوا أن يخرجوا

قال : فمكث رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ثلاثة أيام ولياليهن ثمّ تحوّل إلى أم سلمة بنت أبي أمية وكانت ليلتها من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وصبيحة يومها ، فلمّا تعالى النهار انتهى عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) إلى الباب يريد الدخول على النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فنقر نقراً خفيّاً ، فعرف رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نقره فقال : يا أم سلمة قومي فافتحي الباب ، فقالت يا رسول الله مَن هذا الّذي يبلغ خطره أن أفتح له الباب وقد نزل فينا بالأمس حيث يقول :( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (2) من هذا الّذي يبلغ من خطره أن استقبله بمحاسني ومعاصمي؟

فقال لها نبيّ الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كهيئة المغضب يا أم سلمة إن طاعتي طاعة الله ، الله ( عزّ وجلّ ) قال :( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (3) قومي يا أم سلمة وافتحي له الباب ، فإنّ بالباب رجلاً ليس بالخرق ولا النزق ولا بالعجل في أمره ، يحب الله ورسوله. يا أم سلمة انّه آخذ بعضادتي الباب إن تفتحي له الباب فليس بفاتحه حتى تتواري ولا

____________________

(1) الأحزاب / 53.

(2) الأحزاب / 53.

(3) النساء / 8.


داخل البيت حتى يخفى عليه الوطء ان شاء الله ، فقامت أم سلمة وهي لا تدري من بالباب غير أنّها قد حفظت المدح فمشت نحو الباب وهي تقول : بخ بخ لرجل يحب الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، ففتحت ، وأمسك عليّ بعضادتي الباب فلم يزل قائماً حتى غاب عنه الوطء ، ودخلت أم سلمة خدرها ففتح الباب ودخل فسلّم على النبيّ فردّ عليه السلام وقال : يا أم سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت نعم فهنيئاً له هذا عليّ بن أبي طالب.

فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : نعم صدقت هو عليّ سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي ، وهو مني بمنزلة هرون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي ، يا أم سلمة إسمعي واشهدي هذا عليّ سيّد مبجّل مؤمل المسلمين وأمير المؤمنين ، وموضع سري وعيبة علمي ، وبابي الّذي أؤتى منه يؤى إليه ، وهو الوصي على الأموات من أهل بيتي ، والخليفة على الأحياء من أمتي ، وهو أخي في الدنيا والآخرة ، وهو معي في السنام الأعلى ، إشهدي يا أم سلمة إن عليّاً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

قال ابن عباس : وقتلهم لله رضىً وللأمة صلاح ولأهل الضلالة سخط.

قال الشامي : يا بن عباس مَن الناكثون؟ قال : الّذين بايعوا عليّاً بالمدينة ثمّ نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل ، والقاسطون معاوية وأصحابه ، والمارقون أهل النهروان ومن معهم.

فقال الشامي : يا بن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة ، وفرّجت عني فرّج الله عنك ، وأشهد أنّ عليّاً ( رضي الله عنه ) مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة ».


5 ـ انّه من أهل بيت النبوة :

عن عكرمة قال : « بينا ابن عباس يحدّث الناس ، إذ قام إليه نافع بن الأزرق(1) .

فقال : يا بن عباس تفتي في النحلة والقملة ، صف لي إلهك الّذي تعبده.

فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله ، وكان الحسن ( عليه السلام ) جالساً في ناحية ، فقال : إليّ يا بن الأزرق ، قال : لست إياك أسأل.

قال ابن عباس : يا بن الأزرق انّه من أهل ( بيت ) النبوة ، وهم ورثة العلم(2) فأقبل نافع نحو الحسن ( عليه السلام ).

فقال له الحسن : يا نافع إنّه من وضع دينه على القياس لم يزل دهره في التباس قابلاً غير المنهاج ، ظاعناً في الإعوجاج ، ضالاً عن السبيل ، قائلاً غير الجميل.

يا بن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه ، وأعرّفه بما عرّف به نفسه : لا يدرك بالحواس ولا يُقاس بالناس ، فهو قريب غير ملتصق ، وبعيد غير متقصّي ، يُوحَّد ولا يبعّض ، معروف بالآيات ، موصوف بالعلامات ، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.

قال : فبكى ابن الأزرق وقال : يا حسن ما أحسن كلامك! أمّا والله يا حسن لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الاحكام ، حتى بدّلتم فاستبدلنا بكم.

____________________

(1) رأس فرقة الأزارقة من الخوارج ، وهو صاحب المسائل في غريب القرآن الّتي سأل ابن عباس عنها وطلب منه أن يأتيه بشاهد على ذلك من شعر العرب ، وسيأتي في الحلقة الثالثة مزيد بيان عنها.

(2) ستأتي من ابن عباس كلمة له مشابهة قالها لمعاوية في الإمام الحسين ( عليه السلام ) حين أرادهما على بيعة يزيد فانتظر وانظر : إنها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر.


فقال الحسن : إنّي أسألك عن مسألة قال : سل ، قال : هذه الآية( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) (1) يا بن الأزرق ، من حفظ في الغلامين؟ قال : أبوهما ، قال الحسن : فأبوهما خيرٌ أم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ قال ابن الأزرق : قد أنبأنا الله بأنّكم قوم خصمون »(2) .

6 ـ لو كان رسول الله حياً لآذيته :

روى الحاكم بسنده عن أبي مليكة قال : « جاء رجل من أهل الشام فسبّ عليّاً عند ابن عباس ، فحصبه ابن عباس وقال : يا عدو الله آذيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) (3) لو كان رسول الله حياً لآذيته »(4) .

وأخرجه الذهبي في التلخيص وقال : « أنّه صحيح »(5) .

هذه نماذج من مواقف ابن عباس في مقاومته السلطة الغاشمة الّتي فرضت التعتيم الإعلامي على فضائل الإمام وأهل بيته وهو بنشاطه المستمّر ، وكفاحه المستمر كان يشكل عنصراً مهماً في تحدي معاوية لا يوازيه فيه غيره ، وفي كلّ مواقفه الّتي مرّت والّتي سوف تأتي في الحلقة الثالثة كان الوحيد الّذي حفظ التاريخ له مواقفه الكثيرة ، فكان ابن عباس رجل الساعة والساحة بتحديه الصارخ لمعاوية مع شدة إجراءاته التعسفية.

____________________

(1) الكهف / 82.

(2) الحدائق الوردية 1 / 154 مط مكتبة مركز بدر العلمي والثقافي في صنعاء.

(3) الأحزاب / 57.

(4) المستدرك على الصحيحين 3 / 121.

(5) تلخيص الذهبي بهامش المستدرك.


ولعل أشد أثر تلك المواقف على معاوية ، وأكثرها إيلاماً له ما كان أشدها جرأة وتحدياً ، حتى بلغ امتلاك ابن عباس لرصيد شعبي في الشام كوّنه في وفاداته ، فصار يهدد كيان معاوية في عاصمة ملكه ، فقد كان يجلس في الجامع فيحدث الناس بفضائل الإمام ، وينقد معاوية ، فنفذ إلى أعماق سامعيه بحديثه ، واحتل مكانة في نفوسهم توازي هيبة معاوية في سلطانه.

وأخاله اتخذ من السفر إلى الشام وطول المكث فيها وسيلة من وسائل الإعلام المضادّ للإعلام السلطوي الكاذب ، وغزواً فكرياً ثقافياً في عقر داره ، وبذلك تمكن من أداء رسالته في نصرة الحقّ وإنكار الباطل. فلقد حدث المؤرخون عن مدى استقطابه جماهير الشاميين حتى التفوا حوله يحضرون مجلسه ويستمعون حديثه ، ما تبيّن لمعاوية أثر ذلك في خلوّ مجلسه منهم. فضاق به ذرعاً.

7 ـ أرحني من شخصك :

ولقد بلغ الحسد والحقد من معاوية في نفسه مبلغاً لم يكتمه في موقف آخر فقال لابن عباس أرحني من شخصك شهراً ، وذلك حين بلغ من ازدراء ابن عباس بمعاوية أنّ وصمه أمام أهل الشام بميسم عاره ، وذكّره بماضي أصله الأسود وشناره ، والّذي كان في ذمة جده وجواره ، فقال له كلمة أخرجته من اهابه وانقطع عن جوابه فلم يملك سوى كلمته الرعناء.

فلنقرأ ما رواه الجاحظ في المحاسن والأضداد(1) ، والبيهقي في المحاسن والمساوي(2) ، وغيرهما ، قالا :

____________________

(1) المحاسن والأضداد / 116 ط المعاهد بمصر سنة 1350.

(2) المحاسن والمساوي 1 / 67 ط النعساني.


« قدم عبد الله بن عباس على معاوية وعنده جمع من بني أمية ووفود العرب ، فدخل وسلّم وقعد فسأله معاوية مَن الناس؟ فقال ابن عباس : نحن ، قال معاوية : فإذا غبتم؟ قال : فلا أحد ، فقال معاوية : فإنك ترى أني قعدت هذا المقعد بكم؟ فقال ابن عباس : نعم ، فبمن قعدت؟ فقال معاوية : بمن كان مثل حرب بن أمية. فقال ابن عباس : بل بمن أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه ، فغضب معاوية. وقال : أرحني من شخصك شهراً فقد أمرت لك بصلتك وأضعفتها لك.

فخرج ابن عباس وهو يقول لمن معه : ألا تسألونني ما الّذي أغضب معاوية؟ فقالوا : بلى فقل بفضلك. فقال : إن أباه حرب لم يلق أحداً من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلاّ تقدّمه حتى يجوزه ، فلقيه يوماً رجل من بني تميم في عقبة فتقدمه التميمي ، فقال حرب : أنا حرب بن أمية ، فلم يلتفت إليه وجازه ، فقال : موعدك مكة ، فخافه التميمي ، ثمّ أراد دخول مكة فقال : من يجيرني من حرب بن أمية ، فقيل له عبد المطلب ، فقال : عبد المطلب أجل قدراً من أن يجير على حرب ، فأتى ليلاً إلى دار الزبير بن عبد المطلب ، فدقّ بابه ، فقال الزبير لعبده : قد جاءنا رجل إمّا طالب قِرى وإمّا مستجير ، وقد أجبناه إلى ما يريد ، ثمّ خرج الزبير إليه فقال التميمي :

لاقيت حرباً في الثنية مقبلاً

والصبح أبلج ضوؤه للساري

فدعا بصوت واكتنى ليروعني

وسما عليَّ سموّ ليث ضاري

فتركته كالكلب ينبح ظِله

وأتيت قرم معالم وفخار

ليثاً هزبراً يستجار بعزّه

رحبَ المباءة مكرماً للجار

ولقد حلفت بمكة وبزمزمٍ

والبيت ذي الأحجار والأستار

إنّ الزبير لمانعي من خوفه

ما كبّر الحُجّاج في الأمصار


فقدّمه الزبير وأجاره ودخل به المسجد ، فرآه حرب فقام إليه فلطمه ، فحمل عليه الزبير بالسيف ، فولى هارباً يعدو حتى دخل دار عبد المطلب ، فقال : أجرني من الزبير ، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس ، فبقي تحتها ساعة ، ثمّ قال له : أخرج ، قال : وكيف أخرج وعلى الباب تسعة من بنيك قد احتبوا بسيوفهم ، فألقى عليه رداء كان كساه اياه سيف بن ذي يزن له طرتّان خضروان ، فخرج عليهم ، فعلموا أنّه قد أجاره عبد المطلب فتفرقوا عنه ».

فهذه المحاورة تجاوزت المفاخرة فيها إلى حدّ المنافرة ، لأنّه عند اختلال الموازين ترتفع حدة الخلاف ، وتتبدّل لغة الحوار من اللين إلى الشدّة ، وهذه كانت حال ابن عباس مع معاوية في جلّ محاوراته طيلة عشرين عاماً أيام حكمه فكان يبدؤها معاوية بما يستثير به ابن عباس من زخرف القول ، وباطل الإدّعاء ، فيكون جواب ابن عباس ولا مناص له دون ردّ السهم إلى مأتاه ، فيصيب به مرماه ، سواء في حضره أو سفره وفي صحته أو مرضه ، وعندما يعرف معاوية بغلبة ابن عباس عليه في الحوار يلجأ إلى استخدام لغة المصانعة ، الّتي سمّاها بالحلم أو التحلّم ، وإليك الحوار الآتي :

مغازلة واستدراج :

روى ابن عبد ربه ( ت 328 ) في العقد الفريد قال : « أرسل معاوية إلى ابن عباس قال : يا أبا العباس إن أحببت خرجت مع ابن أخيك فيأنسَ بك ، ويقرّبك ، وتشير عليه برأيك ولا يدخل الناس بينك وبينه فيشغلوا كلّ واحد منكما عن صاحبه ، وأقلّ من ذكر حقك ، فإنه إن كان لك فقد تركته لمن هو أبعد منّا حُباً


( حياً / ظ ) ، وإن لم يكن لك فلا حاجة بك إلى ذكره ، مع أنّه صائر إليك وكلّ آت قريب ، ولتجدنّ إذا كان ذلك خيراً لكم منا.

فقال ابن عباس : والله لئن عظمت عليك النعمة في نفسك لقد عظمت عليك في يزيد ، وأمّا ما سألتني من الكف عن ذكر حقي ، فإني لم أغمد سيفي وأنا أريد أن انتصر بلساني ، ولئن صار هذا الأمر إلينا ثمّ وليكم من قومي مثلي كما ولينا من قومك مثلك لا يرى أهلُك إلاّ ما يحبون اهـ »(1) .

وقد ذكر ابن الأثير في الكامل قال : « وفي هذه السنة ـ 49 ـ وقيل سنة خمسين سير معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم للغزاة وجعل عليهم سفيان بن عوف وامر ابنه يزيد بالغزاة معهم فتثاقل واعتل فأمسك عنه أبوه ، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد ، فأنشأ يزيد يقول :

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم

بالغر قدونة من حُمّى ومن موم

إذا اتكأت على الأنماط مرتفعا

بدير مرّان عندي أم كلثوم

وأم كلثوم امرأته وهي ابنة عبد الله بن عامر ، فبلغ معاوية شعره فأقسم عليه ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس ، فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه ، وكان في هذا الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم »(2) .

وهذا الّذي ذكره ابن الأثير لم يذكره من المؤرخين قبله كالطبري والدينوري وابن قتيبة واليعقوبي وفيما مر عن العقد الفريد لا يشعر بخروج ابن عباس في الجيش المذكور.

____________________

(1) العقد الفريد 4 / 367 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(2) الكامل 3 / 197.


كأسان أحلاهما مرّ :

كان معاوية ـ بالرغم ممّا وصفوه به من دهاء ومكر سياسي ـ خلواً من العلم كما كان خلواً من الدين ، بل كان من الجاهلين حتى بأحكام الشريعة الّتي تسنّم باسمها حكومة المسلمين. فضلاً عن معرفة سائر فنون المعرفة. وحسبنا ما جرى بينه وبين سعد بن أبي وقاص بمكة المكرمة حين حج فطلب منه أن يطوف به لأنّه يجهل أحكام الطواف(1) .

وما صلاته بالمدينة المنورة ، وقد أتم القراءة في فرض ثمّ نقص في الآخر ونقده الصحابة على ذلك إلاّ شاهداً مؤيداً لخلوه من العلم كما هو خلو من الدين.

وله مخالفات دينية صريحة في مسائل الشريعة أتى على بعضها السيوطي والسكتواري وغيرهما في كتبهم في الأوائل. وستأتي مسألة الوتر وغيرها في مرويات مفتريات على ابن عباس في فضل معاوية. ولم يجده من ضم معه من حثالات الرجال المتفيقهين ، من صحابة وآخرين تابعين ، حيث كانت تردُ عليه مسائل مستعصية ، لا يهتدون إلى جوابها سبيلا ، فكان يفزع ـ رغم أنفه ـ بأساليبه الملتوية لمعرفة جواب السائلين ، فيرسل إلى الكوفة أيام الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من يسأله ، وستأتي شواهد ذلك أمّا بعد أن استحوذ على حكومة المسلمين عام أربعين ، فقد ازدادت حراجته حيث احتل موقعاً ليس له فيه نصيب ، ولكنه بمكره وخداعه صار خليفة للمسلمين. فكانت ترد عليه من الأطراف مسائل يعيى بحلها فلا يعرف لها جواباً ، وليس في بطانته من يستنقذه من ورطته ليجيب عليها.

____________________

(1) روى ابن عساكر في تاريخه ( ترجمة الإمام ) 1 / 218 تح ـ المحمودي بسنده قال : لمّا حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص فقال : يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا ننسى بعض سننه ، فطف نطف بطوافك


وكان أشدّ ما يلقاه ما يرد عليه من مسائل ملك الروم الّتي لا يهتدى إلى جوابها سبيلا. فكان مضطراً إلى أن يبحث عمّن عنده علم بجوابها. وليس ثمة سوى أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لكنه لعناده واستكباره قد استبعدهم عن مقامهم وموقعهم القيادي ، وظن أنّه سوف يقضي عليهم ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ، حين ضرب الحصار عليهم وعلى شيعتهم ، وابن عباس منهم ، بل هو المنظور إليه عنده بعد الإمامين الحسن والحسين ( عليهما السلام ).

ولم يدر في خلده سوف يضطره الزمن إلى طلب نصرته في خلاصه من ورطته ، ولما لم يكن له بدّ من جواب مسائل ملك الروم ، والا فسوف يسقط من عينه كما سيأتي على حدّ قول بعضهم له ، فلا ضير أن يلجأ إلى ابن عباس يستنجد به ، وإن كان هو الآخر من أعدائه ، لكن أهون الأمرين المرّين اللجوء إليه ، لأنّه مسلم يغار على الإسلام وان لم يكن حاكم وقته كما يبتغي ويروم فهو أهون الشرّين عليه.

معاوية يستنجد بابن عباس في محنته :

لقد كان قياصرة الروم يكيدون المسلمين بارسالهم مسائل تعجيزية يسألون بها الحاكم القائم ، لعلمهم بعجزه وعدم أهليته ، لتبوّئه منصباً ليس له أن يكون فيه ، وهذا بعض أساليب الحرب النفسية ، ومن سوء الطالع أن يلي أمور المسلمين من لا يفقه بسائط أحكام الشريعة فضلاً عن مكنون أسرارها. ولكن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضيع دينه ، فلن يخلي الأرض من حجة يلجأ إليه العلماء الّذين يحفظون دينه ويقيمون شرعه ، ويردون عنه عادية الكفار والمنافقين.


وقد روى الأثبات بعض الشواهد على ذلك ، فقد ذكر الحافظ ابن شهر اشوب مسائل رسول ملك الروم لأبي بكر وجواب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عنه(1) .

وروى سبط ابن الجوزي في التذكرة نقلاً عن أحمد في الفضائل مسائل ملك الروم من عمر وعجزه عن الجواب فأجاب الإمام أيضاً عنه حتى قال ابن المسيب راوي الخبر وسيقول عمر ، أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ، كان هو جواب تلك المسائل.

وروى الحافظ ابن شهر اشوب نماذج أخرى عن معاوية في مسائل سأله عنها قيصر فعجز عن الجواب فاحتال في تحصيل الجواب من الإمام بوسائل ملتوية.

هذا في أيام حياة الإمام ، أمّا بعد وفاته فكان مفزعه في ذلك إلى ابن عباس.

فقد روى ابن قتيبة ( ت 276 ) في عيون الأخبار(2) مسائل قيصر من معاوية فعجز عن جوابها فاستعان بابن عباس ، ورواها الفسوي ( ت 277 ) في المعرفة والتاريخ(3) ، وبين روايتيهما بعض التفاوت.

كما رواها المعلم بطرس البستاني ( ت 1301 هـ ـ 1883 م ) في دائرة المعارف(4) وفي روايته أيضاً بعض التفاوت ، فأنا أذكر الخبر مرتباً منها جميعاً :

قالوا : « كتب قيصر ملك الروم إلى معاوية : سلام عليك أمّا بعد : فأنبأني بأحب كلمة إلى الله ( عزّ وجلّ )؟ وثانية وثالثة ورابعة وخامسة؟ ومَن أكرم عباده عليه؟

____________________

(1) أنظر المناقب 2 / 180 ط الحيدرية.

(2) عيون الأخبار 1 / 199 ط دار الكتب المصرية.

(3) المعرفة والتاريخ 1 / 530 ط الأوقاف ببغداد.

(4) دائرة المعارف 1 / 584.


ومَن أكرم إمائه عليه؟ وعن أربعة أشياء فيهم الروح لم يركضوا في رحم؟ وبقبر يسير بصاحبه؟ وبمكان لم تصبه الشمس إلاّ مرة؟ وبالمجرّة وما موضعها من السماء؟ وبقوس قزح وما بدء أمره؟ قال ابن قتيبة والفسوي : فلمّا قرأ كتابه قال : اللّهمّ ألعنه ما أدري ( ما يدريني ) ما هذا.

وفي لفظ البستاني : ( قال معاوية : أخزاه الله وما علمي بما هنا. فقيل له اكتب إلى ابن عباس ، فكتب إليه بذلك ).

فكتب إليه ابن عباس : إنّ أفضل الكلام لا إله إلاّ الله كلمة الإخلاص لا يقبل عمل إلاّ بها وهي المنجية ، فإذا قالها العبد يقول الله ( عزّ وجلّ ) : أخلص عبدي.

والثانية الّتي تليها : سبحان الله وبحمده ، صلاة الخلق ( الحقّ ) فإذا قال سبحان الله ، قال : عبدني عبدي.

والثالثة الّتي تليها : كلمة الشكر ، فإذا قال الحمد لله ، قال شكرني عبدي.

والرابعة الّتي تليها : الله أكبر فواتح الصلوات والركوع والسجود فإذا قال الله أكبر ، قال : صدق عبدي أنا أكبر.

والخامسة الّتي تليها : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، وإذا قال لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، قال : ألقى إلي عبدي السلم.

وأمّا أكرم عباد الله ( أكرم الخلق على الله ( عزّ وجلّ » فآدم ( عليه السلام ) الّذي خلقه بيده وعلّمه الأسماء كلّها.

وأمّا أكرم إمائه عليه فهي مريم الّتي أحصنت فرجها فنفخ فيه الروح.

وأمّا الأربعة الّتي فيهن الروح ولم يركضن في رحم. فآدم وحواء وعصا موسى حين ألقاها وكانت ثعباناً مبيناً ، ( وفي رواية ناقة صالح بدل العصا )


والكبش الّذي ذبح عن إسماعيل ( وفي هامش الفسوي في الأصل إسحاق ) ( وصوّبه بطرس أيضاً! ).

وأمّا القبر الّذي سار بصاحبه ، فهو بطن الحوت الّذي كان فيه يونس.

وأمّا المكان الّذي لم تصبه الشمس إلاّ مرة واحدة فالبحر حين انفلق لموسى وبني إسرائيل.

وأمّا المجرّة فباب من أبواب السماء.

وأمّا قوس قزح : فأمان من الغرق بعد قوم نوح.

قال الفسوي في روايته : ( فلمّا قرأ قيصر كتابه قال : أيم الله ما علمتَها وما كنت تعلمها إلاّ من رجل من أهل بيت نبيّ ) ».

معاوية يستنجده ثانياً فينجده :

روى العاصمي ( من القرن الرابع ) في زين الفتى(1) ، والابشيهي ( ت 850 ) في المستطرف(2) ، والأمير حيدر الشهابي ( ت 1251 ) في الغرر الحسان(3) ، والخبر مرتباً منهم جميعاً ، قالوا :

« إنّ هرقل ملك الروم كتب إلى معاوية عن الشيء ولا شيء؟ وعن كلمة ( دين ) لا يقبل الله غيرها؟ وعن مفتاح الصلاة؟ وعن غرس الجنة؟ وعن صلاة كلّ شيء؟ وعن أربعة فيهم الروح ولم يركضوا في أصلاب الرجال وارحام النساء؟ وعن رجل لا أب له؟ وعن رجل لا أم له؟ وعن امرأة ولدت من غير أم؟ وعن رجل لا قوم له؟ وعن قبر جرى بصاحبه؟ وعن قوس قزح ما هو؟ وعن بقعة

____________________

(1) زين الفتى في تفسير سورة هل أتى ( مخطوط ).

(2) المستطرف 1 / 46 ط دار إحياء التراث العربي ( أفست ).

(3) الغرر الحسان 1 / 53.


طلعت عليها الشمس مرة واحدة ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها؟ وعن ظاعن ظعن مرة واحدة ولم يظعن قبلها ولا بعدها؟ وعن شجرة نبتت من غير ماء؟ وعن شيء تنفس ولا روح له؟ وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد؟ وعن البرق والرعد وصوته؟ وعن المجرة؟ وعن المحو الّذي في القمر؟.

قيل لمعاوية : لست هناك ومتى أخطأت في شيء من ذلك سقطت من عينه ، فاكتب إلى ابن عباس وسله عن تفسيرهن يخبرك عن هذه المسائل. فكتب إليه فأجابه : أمّا الشيء الماء قال الله تعالى :( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (1) وأمّا لا شيء فإنّها الدنيا تبيد وتفنى ، وأمّا دين لا يقبل الله غيره فشهادة أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأمّا مفتاح الصلاة فهو الله أكبر ، وأمّا غرس الجنة فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم ، وأمّا صلاة كلّ شيء فسبحان الله وبحمده ، وأمّا الأربعة الّذين فيهم الروح ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فآدم وحواء وناقة صالح وكبش إسماعيل ، وأمّا الرجل الّذي لا أب له فالمسيح ابن مريم ، وأمّا المرأة الّتي ولدت من غير أم فهي حواء ، وأمّا الرجل الّذي لا قوم له فأبونا آدم ( عليه السلام ) ، وأمّا القبر الّذي جرى بصاحبه فهو الحوت الّذي ابتلع يونان وسار به في البحر ، وأمّا قوس قزح فأمان من الله لعباده من الغرق ، وليست بقوس قزح ، وانّما قزح شيطان ، وأمّا البقعة الّتي طلعت عليها الشمس مرة واحدة فهي أرض البحر الّذي انشق قدام بني إسرائيل ( حين انفلق لبني إسرائيل ) ، وأمّا الظاعن الّذي ظعن مرة ولم يظعن قبلها ولا بعدها ، فجبل طور سيناء ، كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال ، فلمّا عصت بنو إسرائيل أطاره الله تعالى بجناحين من نور فيه ألوان العذاب ، فنادى مناد : إن قبلتم التوراة كشفته عنكم

____________________

(1) الأنبياء / 30.


وإلاّ القيته عليكم فأخذوا التوراة معذرين ، فرده الله تعالى إلى موضعه فذلك قوله تعالى :( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ) (1) الآية ، وأمّا الشجرة الّتي نبتت من غير ماء فشجرة اليقطين الّتي أنبتها الله تعالى على يونس ( عليه السلام ) ، وأمّا الشيء الّذي تنفس بلا روح فالصبح قال الله تعالى :( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) (2) ، وأمّا اليوم فعمل ، وأمّا أمس فمثل ، وأمّا غد أجل ، وبعد غد فأمل ، وأمّا البرق فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب ، وأمّا الرعد فاسم الملك الّذي يسوق السحاب وصوته زجرة ، وأمّا المجرة فأبواب السماء ومنها ما يفتح أبواب السماء ، وأمّا المحو الّذي في القمر فقول الله تعالى( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) (3) ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل.

قال العاصمي : فبعث معاوية بهذا التفسير إلى هرقل ملك الروم. وفي ذلك قال البراء بن عازب القرشي :

سأل الهرقل ابن هندعن عجائبه

عند التخلف فيه فروة الناس

لمّا أتته أضاقت من مخانقه

حتى استغاث جهاراً بابن عباس

لمّا جلا غيّها عنه ونورّها

باهى الهرقل بما أعيي على الناس

هذا لعمرك أمر ليس ينفعه

علم ابن هند وما بالحق من باس

وقال معاوية لابن عباس : ويح لك يا بن عباس إذا دفنت تحت التراب أيّ علم دفن معك ، وان قريشاً لتغبط بك ، بل جميع العرب بل أمة محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

____________________

(1) الأعراف / 171.

(2) التكوير / 18.

(3) الاسراء / 12.


فقال في ذلك أيمن بن خريم الأسدي :

ما كان يعلم هذا العلم من أحد

بعد النبيّ سوى الحبر ابن عباس

مستنبط العلم غضاً من معادنه

هذا اليقين وما بالحق من باس

دينوا بقول ابن عباس وحكمته

إنّ الفتى فيكُم من أعلم الناس

كالقطب قطب الرحى في كلّ معضلة

أو كاللجام فمنه فروة الراس

من ذا يفرّج فيكم كل معضلة

إذ صار رمساً رميماً بين أرماس

أقول : لقد روى أبو نعيم في الحلية بعض هذه المسائل ، كما لا يفوتني التنبيه على تداخل بعض الصورتين ، فنجد تكرار بعض المسائل ، وفيما عندي انّ ذلك من خلط الرواة. وقد حدّد الأمير الشهابي تاريخ الواقعة بسنة 43 ولم أقف على ذلك عند غيره.

معاوية يستنجد بابن عباس مرة ثالثة :

قال أبو عبيد البكري في فصل المقال : « ذكر أنّ ملك الروم بعث إلى معاوية يسأله عن هذه المسائل : يسأله عن رجل سار به قبره ، وعن رجل لا قبلة له ، وعن خمسة أكلوا في الدنيا وحيوا لم يخلق واحد منهم في رحم ، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء ، وبعث بوفد يسمعون الجواب عنها ، فاستنظرهم معاوية وبعث إلى ابن عباس يسأله عنها.

فقال ابن عباس : أمّا من سار به قبره فيونس حين التقمه الحوت.

وأمّا من لا قبلة له فمن صعد فوق الكعبة فلا قبلة له حتى ينزل.

وأمّا الخمسة الأنفس الّذين أكلوا في الدنيا وعاشوا ولم يخلق واحد منهم في رحم ، فآدم وحواء وكبش إبراهيم أخرجه الله ( عزّ وجلّ ) من الجنة ، وناقة ثمود


أخرجها الله من صخرة صمّاء ، وعصا موسى ألقاها من يده فانقلبت حية تسعى ، والتقمت ما ألقى السحرة.

وأمّا الشيء فالرجل العاقل العامل ترد عليه الأمور فيدّبرها بعقله ويمضيها بعلمه.

وأمّا نصف الشيء فالرجل الممضي لما علم ، المتثبّت فيما جهل ، ترد عليه أمور يعجز عنها علمه ، ويقصر فهمه ، فيلجأ إلى ذوي العقول فيستشيرهم ، فلا تنتشر قواه ، ولا يتبع هواه.

وأمّا لا شيء فالرجل الّذي لا علم له ولا عقل ، ترد عليه الأمور فيتبع فيها هواه ، فيحل به رَداه ، فلا تلقاه إلاّ حائراً ، ولا تجده إلاّ بائراً.

فأخبرهم معاوية بذلك ، فقالوا : ما خرج هذا إلاّ من أهل نبيّ.

فقال معاوية : أجل ، هذا كلام ابن عم نبيّنا ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، قالوا : فاذن لنا نأتيه ، فإذن لهم فأتوه ، فقال : ءأنتم أصحاب المسائل؟ قالوا : نعم ، فقال : إنّ صاحبكم ذكر أنّكم أفضل أهل دينكم ، قالوا : إن قومنا ليقولون ذلك. قال : فقد سألتمونا فأجبناكم ، فهل تجيبوننا إن سألناكم؟ قالوا : سل.

قال : أخبروني عن موضعين أحدهما سهل والآخر جبل ، السهل لم تطلع قط عليه الشمس إلاّ ساعة من الدهر. والجبل رفعه الله ( عزّ وجلّ ) عن الأرض بلا عمد يمسكه ، ولا سبب يحبسه؟

قالوا : ما لنا بذلك علم فأخبرنا.

قال : السهل منفلق البحرين لما فرقه الله تعالى لموسى لم تصل إليه الشمس قط إلاّ في تلك الساعة.

والجبل هو الّذي نتقه الله ( عزّ وجلّ ) فوق بني إسرائيل كأنّه ظلّة.


قالوا : صدقت وانصرفوا مغلوبين »(1) .

ما تقول يا بن عباس؟

روى ابن عبد ربه في العقد الفريد(2) ، والسيّد ابن طاووس في الملاحم والفتن(3) ، واللفظ للأوّل وما بين القوسين من الثاني :

« وقال يوماً معاوية وعنده ابن عباس : إذا جاءت هاشم بقديمها وحديثها ، وجاءت بنو أمية بأحلامها وسياستها ، وبنو أسد بن عبد العزى برفادتها ودياتها ، وبنو عبد الدار بحجابتها ولوائها ، وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها ، وبنو تيم بصدّيقها وجوادها ، وبنو عديّ بفاروقها ومتفكرها ، وبنو سهم بآرائها ودهائها ، وبنو جمح بشرفها وأنفتها ، وبنو عامر بن لؤي بفاروقها وقريعها فمن ذا يجلّي في مضمارها ، ويجري إلى غايتها؟ ما تقول يا بن عباس؟

قال : أقول : ليس حي ( من قريش ) يفخرون إلاّ وإلى جنبهم من يشركهم ( فيه ) إلاّ ( بنو هاشم ) فإنّهم يفخرون بالنبوّة الّتي لا يُشاركون فيها ، ولا يساوون بها ، ولا يدفعون عنها ، وأشهد أنّ الله ( تعالى ) لم يجعل محمداً من قريش إلاّ وقريش خير البريّة ( ولم يجعله في بني هاشم إلاّ وهاشم من خير قريش ) ولم يجعله في بني عبد المطلب إلاّ وهم خير بني هاشم ( ولسنا ) نريد أن نفخر عليكم إلاّ بما تفخرون به ( على العرب ، وهذه أمة مرحومة فمنها نبيّها ومهديّها ومهدي أخرها لأنّ ) بنا فُتح الأمر وبنا يختم ، ولك ملك معجّل ولنا ملك مؤجّل ، فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك ، لأنّا أهل العاقبة ، والعاقبة للمتقين ».

____________________

(1) فصل المقال / 330 ط دار الأمانة بيروت.

ولقد مرّت بعض المسائل مشابهة لما ورد هنا ، ولعل التكرار من وهم الرواة.

(2) العقد الفريد 4 / 10 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(3) الملاحم والفتن / 81 ـ 82.


تمهيد لبيعة يزيد :

فمن هذه المحاورة والّتي قبلها بدت بدايات مريبة توجّس منها ابن عباس خيفة على خروج الأمر من معدنه في بني هاشم ثمّ لا يعود إليهم إلاّ في آخر الزمان ، فأجاب بما وسعه البيان فأسكت خصمه. ولكن بقيت بارقة أمل في وثيقة الصلح وعودة الأمر إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) بعد موت معاوية ، لكن معاوية كما مرّ تعريفه من قدماء ومحدثين ، لم يكن يؤمن بمثُل أو قيم ، ولا يرى لوثيقة الصلح أي اعتبار لديه ، وقد أعلن رفضها قولاً ، وبدأ تطبيق الرفض عملاً ، حيث صار همّه إزالة العناصر الّتي يتطلع إليها الناس كقادة من أولى الحجى والنُهى ، وفي مقدمتهم الإمام الحسن ( عليه السلام ) صاحب الحقّ الشرعي ، تمهيداً لأخذ البيعة لابنه يزيد ، واستشعر ابن عباس من خلال تلك المحاورات بنوايا معاوية السيئة ، فصار يولي اهتمامه في حواره حول المفاضلة بين ولاية بني أمية وبني هاشم ، ومن الطبيعي كان المستمعون لكل المحاورات يروون لمن لم يحضر ما جرى وما دار ، ولا شك أنّ لتلك المحاورات أثرُها ـ سلباً أو ايجاباً ـ في النفوس ، وبالتالي يستفيد منها كلّ من المتحاورَين. وقد مرّت بنا بعض المحاورات حول المفاضلة.

وهلم الآن فاقرأ لوناً جديداً لا يخلو من مساومة خفية وتهديد أخفى رواه ابن عبد ربه عن ابن الكلبي قال : « أقبل معاوية يوماً على ابن عباس ، فقال : لو وليتمونا ما أتيتم الينا ما أتينا اليكم من الترحيب والتقريب ، وإعطائكم الجزيل واكرامكم على القليل ، وصبري على ما صبرتُ عليه منكم ، وإنّي لا أريد أمراً إلاّ أظمأتم صَدرَه ، ولا آتي معروفاً إلاّ صغّرتم خَطرَه ، وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم ، فتأخذونها متكارهين عليها ، تقولون قد نقص الحقّ دون الأمل ، فأي أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم ، ثمّ أكون أسرّ بإعطائها منه بأخذها ، والله


لئن انخدعت لكم في مالي ، وذللت لكم في عرضي ، أرى انخداعي كرماً ، وذلّي حلماً ، ولو وليتمونا رضينا منكم بالانتصاف ، ولا نسألكم أموالكم ، لعلمنا بحالنا وحالكم ، ويكون أبغضها الينا وأحبّها اليكم أن نُعفيكم.

فقال ابن عباس : لو ولينا أحسنا المواساة ، وما ابتلينا بالأثرة ، ثمّ لم نغشم الحي ، ولم نشتم الميت ، ولستم بأجود منا أكفّاً ، ولا أكرم أنفساً ، ولا أصون لأعراض المروءة ، ونحن والله أعطى للآخرة منكم للدنيا ، وأعطى في الحقّ منكم في الباطل ، وأعطى على التقوى منكم على الهوى ، والقسَم بالسويّة والعدل في الرعية يأتيان على المُنى والأمل ، ما رضاكم منّا بالكفاف! فلو رضيتم به منا لم ترض أنفسنا به لكم ، والكفاف رضا مَن لا حقّ له ، فلا تُبخلّونا حتى تسألونا ، ولا تلفظونا حتى تذوقونا تهـ »(1) .

ولم تقف خطوات معاوية عند هذا الحد ، بل بدأ يحاور ويناور ، عسى أن يتم له الأمر بأقل جهد ، فسافر إلى الحجاز وقرر الاجتماع بالعبادلة الأربعة وهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير فدعاهم وذكر لهم مهمته الّتي من أجلها أتاهم. ولنترك الحديث لابن قتيبة فقد قال في كتابه الإمامة والسياسة ( قدوم معاوية المدينة وما فوّض ( فاوض ) فيه العبادلة ) :

« قالوا : فاستخار الله معاوية وأعرض عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة خمسين ، فتلقاه الناس ، فلمّا استقر في منزله ، أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير ، وأمر حاجبه

____________________

(1) العقد الفريد 4 / 8 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.


أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر ، فلمّا جلسوا تكلم معاوية فقال : الحمد لله الّذي أمرنا بحمده ، ووعدنا عليه ثوابه ، نحمده كثيراً كما أنعم علينا كثيراً ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأن محمّداً عبده ورسوله ، أمّا بعد : فإنّي قد كبر سنّي ووهن عظمي ، وقرب أجلي ، وأوشكت أن أدعى فأجيب وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضا وانتم عبادلة قريش وخيارها وأبناء خيارها ، ولم يمنعني أن أحضر حسناً وحسيناً إلاّ أنهما أولاد أبيهما على حسن رأيي فيهما ، وشديد محبتي لهما ، فردوا على أمير المؤمنين خيراً يرحمكم الله.

فتكلم عبد الله بن عباس فقال : الحمد لله الّذي ألهمنا أن نحمده ، واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله وصلّى الله على محمّد وآل محمّد ، أمّا بعد : فإنّك قد تكلّمتَ فأنصتنا ، وقلتَ فسمعنا ، وان الله جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمداً صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لرسالته ، واختاره لوحيه وشرّفه على خلقه ، فاشرف الناس من تشرّف به ، وأولاهم بالأمر أخصهم به ، وإنّما على الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها ، فإنّه إنّما اختار محمّداً بعلمه وهو العليم الخبير. واستغفر الله لي ولكم »(1) .

أقول : وأحسب أنّ نقصاً طرأ في رواية كلام ابن عباس من الرواة ، وذلك فإنّ ما يقتضيه بيانه من أنّ أولى الناس بأمر أخصهم بمحمّد أن يقول وهم آل محمّد وليس أحد اليوم أولى من الحسن والحسين بذلك.

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 142 ط مصر سنة 1328 هـ.


ومهما يكن فقد تتابعت الردود من بقية العبادلة بما لم يعجب معاوية ، فشدّ الرحال وعاد إلى الشام فشلاً في مهمته وصار إلى القضاء على الإمام الحسن ( عليه السلام ) الّذي سمع الهتاف به وبأخيه من العبادلة ، كما قد سمعه من قبل من الأحنف بن قيس وربّما من غيره. فبدت دسائسه للتخلص من الحسن أوّلاً ، لأنّه إن نجح في أمره أحكم قناصته على ما بيده من أمر المسلمين ، وهان عليه أمر الباقين من معارضيه ، فإنّهم مهما أوتوا من حجة في الخصام وقوّة البيان في الكلام لا يخشى منهم حدّ الحسام ، وكان ابن عباس من رؤوس المعارضة فيما يراه معاوية ، ويعلم أنّه إنّما يصول ويجول يفعل ذلك لاسترداد الحقّ المهضوم ، وإعادته إلى صاحبه وهو الإمام الحسن ( عليه السلام ) الّذي سيرجع إليه الحكم لو مات معاوية في أيامه ، وهذا يعني إفلات الحكم من براثن الأمويين بعد أن تصيّدوه بأحابيلهم كما أفلت منهم بعد عثمان ، وهؤلاء ضباع لا تزال ترن في أسماعهم كلمة أبيهم أبي سفيان « تلقفوها يا بني أمية ».

ولقد أدرك الكاتب العصري المصري خالد محمّد خالد في كتابة أبناء الرسول في كربلاء البُعد الحقيقي لهدف معاوية حين قال : « فها هو ذا معاوية لا يكتفي باغتصابه الخلافة ، ثمّ لا يرغب وهو على وشك لقاء ربه في التكفير عن خطئه ، تاركاً أمر المسلمين للمسلمين بل يمعن في تحويل الإسلام إلى مُلك عضوض وإلى مزرعة أموية ، فيأخذ البيعة ليزيد كوليّ عهد له. يأخذها بالذهب وبالسيف »(1) .

فعلى هذا التصور الميكافيلي عند معاوية يجب التخلص بكلّ الوسائل من رموز المعارضة وأولهم الإمام الحسن ( عليه السلام ).

____________________

(1) أبناء الرسول في كربلاء / 20.


سم الإمام الحسن ( عليه السلام ) :

والآن إلى بحث مسألة سم الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، لأنّ من المؤرخين من أنكرها جملة وتفصيلاً كابن خلدون ، ومنهم من برّأ ساحة يزيد وأبيه عن ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء كابن كثير ، ولم يبعد عنه الذهبي كما ستأتي كلماتهم بعد هذا.

أمّا الآن فإلى عرض روايات السمّ وتسمية المحرّض والمباشر.

لقد روى البلاذري في ترجمة الإمام الحسن من كتابه أنساب الأشراف : « ويقال إنّه سُمّ أربع دفعات فمات في آخرهنّ ، وأتاه الحسين وهو مريض فقال له : أخبرني من سقا ك السم؟ قال : لتقتله؟ قال : نعم. قال : ما أنا بمخبرك ، إن كان صاحبي الّذي أظن فألقه أشدّ نقمة ، وإلاّ فهو الله لا يقتل بي برئ »(1) .

وروى البلاذري أيضاً عن الهيثم بن عدي : « أنّ معاوية دسّ إلى زوجة الحسن وهي ابنة سهيل بن عمرو مائة ألف دينار على أن تسقيه شربة بعث بها إليها ففعلت »(2) .

وهذه الرواية لم أقف عليها عند غير البلاذري ، إلاّ أنّ ابن أبي الحديد ذكر عن المدائني خبراً يوحي من طرف خفي بحال تلك المرأة ، فقد ذكر في شرح النهج قال : « تزوج الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) هند بنت سهيل بن عمرو وكانت عند عبد الله بن عامر كريز فطلّقها ، فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية ، فلقيه الحسن ( عليه السلام ) فقال : أين تريد؟ قال : أخطب هند بنت

____________________

(1) أنساب الأشراف ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) 3 / 55 تح ـ المحمودي ط بيروت.

(2) أنساب الأشراف ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) 3 / 59 تح ـ المحمودي ط بيروت.


سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية ، قال الحسن ( عليه السلام ) : فاذكرني لها ، فأتاها أبو هريرة فأخبرها الخبر. فقالت : اختر لي فقال : اختار لك الحسن ، فتزوجته ، فقدم عبد الله ابن عامر فرقّ لها رقة عظيمة ، فقال الحسن : ألا أنزل لك عنها فلا أراك تجد محللاً خيراً لكما مني؟ قال : لا ثمّ قال لها وديعتي ، فأخرجت سفطين فيهما جوهر ففتحهما وأخذ من أحدهما قبضة ، وترك الآخر عليها. وكانت قبل ابن عامر عند عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فكانت تقول : سيدهم جميعاً الحسن ، وأسخاهم ابن عامر ، وأحبّهم إليّ عبد الرحمن بن عتاب »(1) .

هذه رواية المدائني وتبقى لها دلالات غير خفيّة ، فزيجة تتم بما وصفت الرواية لا تمنع المرأة من الاستجابة لاستغواء معاوية لها بالمال من ارتكاب الجريمة ، فهي وإن رأت في الحسن سيّد الأزواج الا ان بريق المائة ألف من الأصفر الرنان يغشي البصر والبصيرة.

كما أنّ معاوية رأى في استغوائها بالمال انتقاماً بها ومنها فهو حين يرملها من زوجها سيّد الأزواج ما دامت تزوجته ولم تتزوج بابنه يزيد ، ثمّ هو ينتقم بها من الحسن ( عليه السلام ) لأنّه خطبها له أبو هريرة فتزوج ممّن سوف تكون مخطوبة يزيد.

وتبقى سلامة الخاطب ـ أبو هريرة ـ إذ لم يصبه ضرر من معاوية ولا من يزيد فيما أعلم. وهنا تنتصب علامة تعجّب واستفهام (!؟).

وهذه المرأة إذ لم يذكرها مؤرخوا الحسن ( عليه السلام ) من أصحاب الكتب المحدثين في قائمة أزواجه فمن الطبيعي أن لا يذكروها فيمن دس إليها معاوية سماً تسم به الحسن ( عليه السلام ).

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 4 ط مصر الأولى.


وهناك بعض خدم الإمام الحسن ( عليه السلام ) اتهم أيضاً بسم الإمام! فقد قال ابن كثير وقد سمعت بعض من يقول : « كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سماً »(1) .

وإنّي لا أمنع ولا أدفع ما رواه الهيثم بن عدي ولا ما سمعه ابن كثير ، ولا منافاة مع ما رواه جملة من المؤرخين من أنّ معاوية دس السم على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس ، فإنّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) كان يقول سقيت السم مراراً ، فيكون من عرفناهم جميعاً شركاء في الجريمة ، وربّما كانت هناك أسماء آخرين غير معلنة لها دور مماثل لدور هند وجعدة وبعض الخدم.

وقضية سم معاوية للإمام الحسن ( عليه السلام ) تظافر نقلها تظافراً يكاد يلحقها بالتواتر فقد ذكرها جملة من المؤرخين من القدامى والمحدثَين ، وجزم بها غير واحد منهم قتادة ، وأبو بكر بن حفص ، والزين العراقي ، كما حكاه عنهم ابن حجر الهيتمي في الصواعق ، وهو منهم في جزمه ، ولم يستبعد ذلك إلاّ بعض الشاذين ممّن هواه مع الأمويين كالذهبي ، وابن كثير ، وابن خلدون من السابقين ، وتبعهم من اللاحقين المعاصرين من غربيين ومغتربين وعرب متغرّبين ، ممّن لا يؤبه بهم.

قال الذهبي ( ت 748 هـ ) بعد أن حكى قول ابن عبد البر في الاستيعاب : « وقالت طائفة : كان ذلك بتدسيس معاوية لها ـ لجعدة ـ وبذله لها على ذلك ». قال الذهبي : « قلت : هذا شيء لا يصح فمن الّذي اطّلع عليه »(2) (؟!).

وقال ابن كثير ( ت 747 هـ ) : « وعندي ان هذا ـ تدسيس يزيد لجعدة بسم الحسن ـ ليس بصحيح ، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى »(3) (؟!)

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 43 ط السعادة.

(2) تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام 2 / 219 ط القدسي بمصر.

(3) البداية والنهاية 8 / 43 ط السعادة.


وقال ابن خلدون ( ت 808 هـ ) : « وما ينقل من انّ معاوية قد دس السم إلى الإمام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية ذلك »(1) (؟!!)

وعلى ما أسس الأولون جرى التالون مستبعدين صدور مثل ذلك من معاوية أو من يزيد ، ولم أجد عندهم من المفيد ما يزيد ، لذلك لم أذكرهم بأسمائهم رغبة عنهم ، ويبقون في دائرة الاستبعاد ، ما داموا قد اختاروه لأنفسهم وفي صدورهم الريب ، وليس هذا من بطن الغيب.

والآن رداً عليهم وعلى من سبقهم من النافين ، كابن كثير ، والذهبي ، وابن خلدون الّذي زاد في الطنبور نغمة فقال في ذلك : « فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية ذلك » ، أذكر قائمة بأسماء جمهرة كبيرة من المؤرخين السابقين المثبتين لحادثة السم ، وفيهم مَن أكدّ ضلوع معاوية في الجريمة ، وجميعهم ليسوا من الشيعة الّذين اتهمهم ابن خلدون. وقد رتبتهم حسب تسلسل وفياتهم على القرون كما يلي :

القرن الثاني :

1 ـ عامر الشعبي ( ت 103 هـ ) قال : « ومصداق هذا القول أنّ الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية : لقد عملت شربتُه ، وبلغ أمنيته ، والله لا يفي بما وعد ، ولا يصدق فيما يقول »(2) .

2 ـ قتادة بن دعامة ( ت 117 ـ 118 هـ ) قال : « سمّت ابنة الأشعث بن قيس الحسن بن عليّ وكانت تحته ورشيت على ذلك مالاً »(3) .

____________________

(1) تاريخ ابن خلدون 2 / 187 ط دار الكتاب اللبناني.

(2) تذكرة الخواص / 121 ط حجرية.

(3) المستدرك على الصحيحين 3 / 176.


3 ـ أبو بكر بن حفص : حكى ابن حجر الهيتمي في الصواعق : قوله وقول سابقه وأنّهما كانا جازمَين بذلك فراجع(1) .

4 ـ السدي ( ت 128 هـ ) : حكى قوله سبط ابن الجوزي في التذكرة(2) .

5 ـ أبو اليقظان عامر بن حفص ( ت 190 هـ ) : حكى قوله سبط ابن الجوزي أيضاً في مرآة الزمان(3) .

القرن الثالث :

1 ـ الواقدي ( ت 207 هـ ) : حكى قوله الذهبي في سير أعلام النبلاء(4) .

2 ـ الهيثم بن عدي ( ت 207 هـ ) : حكى قوله السبط في مرآة الزمان(5) .

3 ـ المدائني ( ت 225 هـ ) حكى قوله السبط في تذكرة الخواص(6) .

4 ـ ابن سعد ( ت 230 هـ ) : ذكر ذلك في الطبقات(7) .

5 ـ ابن قتيبة ( ت 276 هـ ) : ذكر ذلك في كتاب المعارف(8) .

6 ـ يعقوب بن سفيان الفسوي ( ت 277 هـ ) : حكى ذلك عنه ابن الجوزي في صفوة الصفوة(9) .

7 ـ البلاذري ( ت 279 هـ ) : ذكر ذلك في أنساب الأشراف(10) .

____________________

(1) الصواعق المحرقة / 84.

(2) تذكرة الخواص / 121 ط حجرية.

(3) مرآة الزمان.

(4) سير أعلام النبلاء 4 / 397 ط دار الفكر ، وفي الهامش عن مختصر تاريخ دمشق 7 / 39.

(5) مرآة الزمان.

(6) تذكرة الخواص / 121 ط حجرية.

(7) ذكر ذلك في كتاب الطبقات الكبير في ترجمة الإمام الحسن ط الطائف تح ـ صامل.

(8) المعارف / 92.

(9) صفوة الصفوة 1 / 321 ط حيدرآباد.

(10) أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام » 3 / 55 تح ـ المحمودي.


القرن الرابع :

1 ـ الطبري ( ت 310 هـ ) : ذكر ذلك في كتابه المنتخب(1) .

2 ـ ابن أعثم الكوفي ( ت 314 هـ ) : ذكر ذلك في كتابه الفتوح(2) الترجمة الفارسية ، بينما خلت النسخة العربية المطبوعة في حيدر آباد وعنها أفست دار الندوة من ذلك ، فمن تولى كبر ذلك؟

3 ـ أبو الفرج الاصبهاني ( ت 356 هـ ) : ذكر ذلك في مقاتل الطالبيين(3) .

4 ـ الحافظ الطبراني ( ت 360 هـ ) : ذكر ذلك في المعجم الكبير(4) .

القرن الخامس :

1 ـ الحاكم النيسابوري ( ت 405 هـ ) : ذكر ذلك في المستدرك(5) .

2 ـ أبو نعيم الاصبهاني ( ت 430 هـ ) : ذكر ذلك في الحلية(6) .

3 ـ صاحب تاريخ الخلفاء ـ من رجال القرن الخامس ـ(7) .

القرن السادس :

1 ـ ابن عبدون ( ت 529 هـ ) : أشار إلى ذلك في قصيدته العصماء في رثاء بني الأفطس فقال :

وفي ابن هند وفي ابن المصطفى

حسنِ أتت بمعضلة الألباب والفِكَر

____________________

(1) المنتخب من ذيل المذيَل / 15 ط مصر الحسينية.

(2) الفتوح ( الترجمة الفارسية ) / 339 ط الهند.

(3) مقاتل الطالبيين / 73 ط مصر تح ـ صقر.

(4) المعجم الكبير 3 / 71 ط الموصل.

(5) مستدرك الحاكم 3 / 176.

(6) حلية الأولياء 2 / 38.

(7) تاريخ الخلفاء ورقة / 53 ب ط موسكو سلسلة آثار الآداب الشرقية سنة 1967 برقم 11.


فبعضنا قائل ما اغتاله أحد

وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر

2 ـ الزمخشري ( ت 538 هـ ) : ذكر ذلك في ربيع الأبرار(1) .

3 ـ أخطب خوارزم الحنفي ( ت 568 هـ ) : ذكر ذلك في مقتل الحسين(2) .

4 ـ ابن عبد البر ( ت 573 هـ ) : ذكر ذلك في الاستيعاب وحكى أقوال آخرين في ذلك فراجع(3) .

5 ـ ابن عساكر ( ت 573 هـ ) : ذكر ذلك في تاريخ دمشق(4) .

6 ـ ابن الجوزي ( ت 597 هـ ) : ذكر ذلك في المنتظم(5) .

القرن السابع :

1 ـ ابن الأثير الجزري ( ت 630 هـ ) : ذكر ذلك في الكامل وفي أسد الغابة(6) .

2 ـ ابن طلحة الشافعي ( ت 652 هـ ) : ذكر ذلك في مطالب السؤول(7) .

3 ـ سبط ابن الجوزي ( ت 654 هـ ) : ذكر ذلك في مرآة الزمان وفي التذكرة(8) .

____________________

(1) ربيع الأبرار 4 / 208 باب ( الموت وما يتصل ) به ط أوقاف بغداد.

(2) مقتل الحسين 1 / 136.

(3) الاستيعاب ( ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ».

(4) تاريخ مدينة دمشق ( ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ».

(5) المنتظم 5 / 226 ط دار الكتب العلمية ، وفي صفوة الصفوة 1 / 321.

(6) الكامل في التاريخ 3 / 182 ط بولاق ، وفي أسد الغابة في ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ).

(7) مطالب السؤول / 70 ط حجرية.

(8) مرآة الزمان ، تذكرة الخواص / 121 ط حجرية.


4 ـ ابن أبي الحديد ( ت 655 هـ ) : ذكر ذلك في شرح النهج(1) .

5 ـ الكنجي الشافعي ( ت 658 هـ ) : ذكر ذلك في كفايه الطالب(2) .

6 ـ ابن خلكان ( ت 681 هـ ) : ذكر ذلك في الوفيات(3) .

7 ـ المحب الطبري ( ت 694 هـ ) : ذكر ذلك في الذخائر(4) .

القرن الثامن :

1 ـ أبو الفداء ( ت 712 هـ ) : في المختصر(5) .

2 ـ النويري ( ت 723 هـ ) : في نهاية الأرب(6) .

3 ـ ابن الوردي ( ت 749 هـ ) : في تاريخه(7) .

4 ـ جمال الدين الزرندي ( ت 750 هـ ) : في نظم الدرر(8) .

القرن التاسع :

1 ـ الزين عبد الرحيم العراقي ( ت 806 هـ ) : ذكر ذلك في مقدمة شرح التقريب وقد جزم به ، كما حكاه عنه ابن حجر في الصواعق(9) .

2 ـ الدميري ( ت 808 هـ ) : ذكر ذلك في حياة الحيوان(10) .

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 4 ط مصر الأولى.

(2) كفاية الطالب / 268 ط النجف.

(3) وفيات الأعيان 2 / 66 تح ـ إحسان عباس.

(4) ذخائر العقبى / 141 ط القدسي.

(5) المختصر في أخبار البشر 1 / 183.

(6) نهاية الأرب 20 / 322.

(7) تاريخ ابن الوردي 1 / 166 ط الحيدرية.

(8) نظم درر السمطين ط النجف.

(9) الصواعق المحرقة لابن حجر / 84.

(10) حياة الحيوان 1 / 85 ط مصر.


3 ـ ابن الشحنة ( ت 815 هـ ) : ذكر ذلك في روضة المناظر(1) .

4 ـ المقريزي ( ت 845 هـ ) : ذكر ذلك في النزاع والتخاصم(2) .

5 ـ ابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) : ذكر ذلك في الاصابة وفي تهذيب التهذيب وفي التقريب(3) .

6 ـ ابن الصباغ المالكي ( ت 855 هـ ) : ذكر ذلك في الفصول المهمة(4) .

القرن العاشر :

1 ـ السيوطي ( ت 911 هـ ) : ذكر ذلك في تاريخه(5) .

2 ـ الخزرجي ( ت 923 هـ ) : ذكر ذلك في خلاصة تهذيب الكمال(6) .

3 ـ ابن حجر الهيتمي ( ت 974 هـ ) : ذكر ذلك في الصواعق وحكى أسماء من جزم بذلك(7) .

القرن الحادي عشر :

1 ـ الصفوري ( ت 1043 هـ ) : ذكر ذلك في نزهة المجالس(8) .

____________________

(1) المطبوع بهامش تاريخ ابن الأثير 11 / 132 ط بولاق.

(2) النزاع والتخاصم.

(3) الإصابة 1 / 331 ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، تهذيب التهذيب 2 / 300 ، تقريب التهذيب 1 / 55.

(4) الفصول المهمة / 107 ط حجرية.

(5) تاريخ الخلفاء / 129.

(6) خلاصة تهذيب التهذيب الكمال / 67.

(7) الصواعق المحرقة / 83 ـ 84.

(8) نزهة المجالس 2 / 192.


2 ـ ابن علاّن الصدّيقي ( ت 1057 هـ ) : ذكر ذلك في شرح رياض الصالحين(1) .

القرن الثاني عشر :

1 ـ الأمير حيدر الشهابي ( ت 1143 هـ ) : ذكر ذلك في الغرر(2) .

2 ـ الشبراوي ( ت 1171 هـ ) : ذكر ذلك في الاتحاف(3) .

القرن الثالث عشر :

1 ـ الشرقاوي ( ت 1227 هـ ) : ذكر ذلك في تحفة الناظرين(4) .

2 ـ عباس محمود العقاد : ذكر ذلك في كتابه أبو الشهداء(5) .

أضف إليهم من غير المسلمين : رزق الله منقريوس في تاريخه ( دول الإسلام )(6) ، وميخائيل شاروبيم بك في ( الكافي تاريخ مصر )(7) ، فهؤلاء جميعاً نيّفوا على الخمسين وليس بينهم شيعي واحد سوى ابن أعثم الكوفي فقد قيل بتشيعه وليس كذلك. كلّ هؤلاء ذكروا سمّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) وفيهم من صرّح بتدسيس معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس ومنهم من رأى ذلك بتدسيس من يزيد.

ومهما يكن أمر ذلك فهو ثابت لا مجال للقول بأنه من حديث الشيعة كما زعمه ابن خلدون.

____________________

(1) شرح رياض الصالحين 1 / 196.

(2) الغرر الحسان 1 / 54.

(3) الاتحاف بحب الأشراف / 57.

(4) تحفة الناظرين بهامش تاريخ الاسحاقي / 69.

(5) أبو الشهداء / 128.

(6) دول الإسلام 1 / 53.

(7) تاريخ مصر 2 / 87.


تحقيق : أين كان ابن عباس عند موت الحسن ( عليه السلام )؟

لقد ذكر البلاذري في أنساب الأشراف ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) فقال : « حدّثني عباس بن هشام ، عن أبيه عن جده عن أبي صالح قال : قدم معاوية مكة فلقيه ابن عباس. فقال له معاوية : عجباً للحسن شرب عسلة طائفية بماء رومة فمات منها! فقال ابن عباس : لئن هلك الحسن فلن ينسأ في أجلك ، قال : وأنت اليوم سيّد قومك. قال : أمّا ما بقي أبو عبد الله فلا »(1) .

فهذا الخبر على ما في سنده من هناة إلاّ أنّه مقبول في الجملة لموافقة عدة أخبار له في ذكر جواب ابن عباس فهو ممّا يؤكد أنّ لقاءاً تم بين ابن عباس ومعاوية بعد موت الحسن ( عليه السلام ) وكان بمكة ، ولكن لا يشعر ذلك بأنّه أوّل لقاء كان بينهما. غير أنّ البلاذري ساق بعده خبراً آخر مسنداً فقال : « المدائني عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قال : لقي معاوية ابن عباس بمكة فعزّاه عن الحسن فقال : لا يسوءك الله سوءاً يا أبا العباس ، فقال : لن يسوءني الله ما أبقاك يا أمير المؤمنين. فأمر له بمائة ألف درهم ـ قالوا ـ وبأكثر من ذلك وبكسوة ».

ثمّ قال البلاذري : « وسمعت من يحدّث أنّ وفاة الحسن اتت معاوية وعنده ابن عباس فقال له : عجبت للحسن شرب عسلاً بماء رومة فمات ، وعزى ابن عباس عنه فقال : لا يسوءك الله فقال ابن عباس : لا يسوءني الله يا أمير المؤمنين ما أبقاك ، فأمر له بألف ألف درهم »(2) .

فنحن الآن أمام هذه الأخبار الثلاث ، وعند الموازنة بينها نجد الثالث أوهاها حجة لإرساله ، وأمّا الأوّل والثاني فمع الإغماض عمّا في سنديهما من هناة كما

____________________

(1) أنساب الأشراف 3 / 62 تح ـ المحمودي.

(2) نفس المصدر / 63.


ستأتي الإشارة إليهما ، إلاّ أنّ ما سيأتي من حضور ابن عباس عند الإمام الحسن ( عليه السلام ) وسماعه وصيته لأخيه الحسين ( عليه السلام ) : ثمّ مشاركته في تغسيل الإمام وتشييعه ، وموقفه مع عائشة ومع مروان في ممانعتهما من دفنه عند جده ، فكلّ هذا يؤيد وجوده في المدينة عند موت الإمام ، وقد لا يمنع من أن يكون التقى معاوية بمكة ـ كما مرّ عن البلاذري ـ فإنّ موت الإمام كان سنة خمسين كما في خبر أبي بصير في الكافي وهو أظهر الأقوال ـ أو إحدى وخمسين كما عن ابن قتيبة وغيره وهو أبعد الأقوال ، وإذا علمنا بأن معاوية قد أتى الحجاز سنة 50 ، فيمكن أن يكون اللقاء قد تمّ بينه وبين ابن عباس بمكة بعد الإمام الحسن ( عليه السلام ) لكن حديث وجوده بالشام عند موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) وإن لم يثبت بسند قوي قد يمنع من ذلك اللقاء بمكة ، نعم إن قلنا إنّ الثابت هو حضوره بالشام بعد موت الإمام لا في حينه ، وقد جرى بينه وبين معاوية من الكلام كسائر ما كان يجري بينهما من الخصام ، أغلظ فيه ابن عباس في الكلام كما سيأتي خبر ذلك ، فلا مانع من الجمع بين حضور ابن عباس المدينة وحضور الشام.

والآن إلى حديث حضوره عند الإمام في احتضاره وروايته للوصية وما يتبع ذلك ، ثمّ تعقيبنا على ما مرّ عن البلاذري فيما جرى من الكلام :

رواية ابن عباس في موت الإمام :

أخرج الشيخ الطوسي في آماليه(1) ، وفي عيون المعجزات المنسوب للمرتضى ، والشيخ أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم محمّد بن عليّ الطبري في كتابه بشارة المصطفى(2) وغيرهم ، واللفظ للأول :

____________________

(1) أمالي الشيخ الطوسي / 99 ط حجرية سنة 1313 و 1 / 159 مط النعمان.

(2) بشارة المصطفى لشيعة المرتضى / 334.


قال : « حدّثنا أبو الحسن عليّ بن بلال المهلبي قال : حدّثنا مزاحم بن عبد الوارث ابن عباد البصري بمصر قال : حدّثنا محمّد بن زكريا الغلابي قال : حدّثنا العباس بن بكار قال : حدّثنا أبو بكر الهلالي عن عكرمة عن ابن عباس.

قال الغلابي : وحدّثنا أحمد بن محمّد الواسطي قال : حدّثنا عمر بن يونس اليمامي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : وحدّثنا أبو عيسى عبيد الله بن الفضل الطائي قال : حدثنا الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن عمر بن عليّ ابن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : حدثني محمّد بن سلام الكوفي.

قال ـ الغلابي ـ : حدّثنا أحمد بن محمّد الواسطي قال : حدّثنا محمّد بن صالح ومحمّد بن الصلت قال : حدّثنا عمر بن يونس اليمامي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

( حضوره الوصية )

قال : دخل الحسين بن عليّ ( عليهما السلام ) على أخيه الحسن بن عليّ ( عليهما السلام ) في مرضه الّذي توفي فيه فقال له : كيف تجدك يا أخي؟ قال : أجدني في أوّل يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا ، وأعلم أنّي لا أسبق أجلي ، وأنّي وارد على أبي وجدي ( عليهما السلام ) على كره مني لفراقك وفراق إخوتك وفراق الأحبة ، وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه ، بل على محبّة مني للقاء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ولقاء فاطمة وحمزة وجعفر ( عليهم السلام ) ، وفي الله ( عزّ وجلّ ) خلف من كلّ هالك ، وعزاء من كلّ مصيبة ، ودرك من كلّ ما فات.

رأيتُ يا أخي كبدي آنفاً في الطست ، ولقد عرفتُ من دهاني ومِن أين أتيت ، فما أنتَ صانع به يا أخي؟


فقال الحسين ( عليه السلام ) : أقتله والله. قال : فلا أخبرك به أبداً حتى نلقى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). ولكن اكتب : هذا ما أوصى به الحسن بن عليّ إلى أخيه الحسين بن عليّ أوصى انّه يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّه يعبده حقّ عبادته لا شريك له في الملك ، ولا وليّ له من الذلّ ، وأنّه خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا ، وأنّه أولى مَن عُبِد ، وأحق مَن حُمِد ، من أطاعه رَشد ، ومن عصاه غوى ، ومن تاب إليه اهتدى.

فإنّي أوصيك يا حسين بمَن خلّفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن مسيئهم ، وتقبل من محسنهم ، وتكون لهم خلَفاً ووالداً ، وأن تدفنني مع جدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فإنّي أحق به وببيته ممّن أدخل عليه بيته بغير إذنه ، ولا كتاب جاءهم من بعده. قال الله تعالى فيما أنزله على نبيّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (1) فوالله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه ، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته ، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده.

فإن أبت عليك الإمرأة فأنشدك بالقرابة الّتي قرّب الله ( عزّ وجلّ ) منك والرحم الماسّة من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن لا تهريق فيّ محجمة دم حتى نلقى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده ثمّ قبض ( عليه السلام ).

( مشاركته في تغسيل الإمام )

قال ابن عباس : فدعاني الحسين ( عليه السلام ) وعبد الله بن جعفر وعليّ بن عبد الله ابن العباس(2) فقال : أغسلوا ابن عمكم ، فغسّلناه وحنّطناه وألبسناه أكفانه ، ثمّ

____________________

(1) الأحزاب / 53.

(2) لا يخفى ان عمره يومئذ 11سنة ، فلعله كان يناولهم الماء ، كما صنع الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في تغسيل الزهراء ( عليها السلام ) حين كان الحسين يناوله الماء وعمره سبع سنين يومئذ.


خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد وانّ الحسين ( عليه السلام ) أمر أن يفتح البيت ، فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان ومَن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان ، وقالوا : أيدفن أمير المؤمنين عثمان الشهيد القتيل ظلماً بالبقيع بشرّ مكان ويدفن الحسن مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟ والله لا يكون ذلك أبداً حتى تكسر السيوف بيننا ، وتنقصف الرماح وتنفد النبل.

فقال الحسين ( عليه السلام ) : أم والله الّذي حرّم مكّة ، للحسن بن عليّ بن فاطمة أحق برسول الله وبيته ممّن أدخل بيته بغير إذنه ، وهو الله أحق به من حمّال الخطايا مسيّر أبي ذر ( رحمه الله ) الفاعل بعمار ما فعل ، وبعبد الله ما صنع ، الحامي الحمى ، المؤوي لطريد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، لكنكم صرتم بعده الأمراء ، وبايعكم على ذلك الأعداء وأبناء الأعداء.

قال ـ ابن عباس ـ فحملناه فأتينا به قبر أمه فاطمة ( عليها السلام ) فدفناه ، إلى جنبها رضي الله عنه وأرضاه.

( ووجدت عند بعض المتأخرين ان ابن عباس شارك في دفن الإمام الحسن ( عليه السلام ) حيث ذكر ان الحسين ومحمّد بن الحنفية وابن عباس أدخلوه القبر ).

واستمراراً في الحديث السابق نقرأ موقف ابن عباس.

( مع عائشة )

قال ابن عباس : وكنت أوّل من انصرف فسمعت اللغط وخفت أن يعجل الحسين على من قد أقبل ، ورأيت شخصاً علمت الشرّ فيه ، فأقبلت مبادراً ، فإذا أنا بعائشة في أربعين راكباً على بغل مرحّل تقدمهم وتأمرهم بالقتال ، فلمّا رأتني قالت : إليّ إليّ يا بن عباس لقد اجترأتم عليّ في الدنيا ، تؤذونني مرة بعد أخرى تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحبّ (؟!).


فقلت : واسوأتاه يوم على بغل ويوم على جمل تريدين أن تطفئ فيه نور الله ، وتقاتلي أولياء الله ، وتحولي بين رسول الله وبين حبيبه أن يدفن معه ، إرجعي فقد كفى الله تعالى المؤنة ، ودفن الحسن إلى جنب أمه ، فلم يزدد من الله تعالى إلاّ قرباً ، وما ازددتم منه والله إلاّ بُعداً ، يا سوأتاه انصرفي فقد رأيتِ ما سرّكِ.

قال : فقطبّت في وجهي ونادت بأعلا صوتها : أما نسيتم الجمل يا بن عباس ، إنكم لذوو أحقاد فقلت : أم والله ما نسيه أهل السماء فكيف ينساه أهل الأرض ، فانصرفت وهي تقول :

فألقت عصاها فاستقرّ بها النوى

كما قرّ عيناً بالإياب المسافر »

وروى المجلسي في البحار نقلاً عن عيون المعجزات المنسوب للمرتضى قال : « فقام ابن عباس ( رضي الله عنه ) وقال : يا حميراء ليس يومنا منك بواحد يوم على الجمل ويوم على البغلة ، أما كفاك أن يقال : يوم الجمل حتى يقال يوم البغل يوم على هذا ويوم على هذا ، بارزة عن حجاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تريدين إطفاء نور الله والله متمّ نوره ولو كره المشركون ، إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقالت له : إليك عني وأفّ لك ولقومك »(1) .

وروى أيضاً نقلاً عن الخرايج للراوندي : « ثمّ قال ابن عباس ـ لعائشة ـ : واسوأتاه يوماً على بغل ويوماً على جمل.

قال : وفي رواية : يوماً تجمّلت ويوماً تبغّلت وإن عشت تفيّلت. فأخذه ابن الحجّاج الشاعر البغدادي فقال :

تـجـمّـلـت تـبـغّـلـت

وإن عـشـت تـفـيّـلـت

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 141 نقلاً عن عيوان المعجزات.


يا بنت أبي بكر لا كان ولا كنت

لكِ التسع من الثمن وبالكل تملّكت »(1)

وروى ابن شهر اشوب في المناقب كلام ابن عباس مع عائشة وفيه :

« تـجـمّـلـت تـبـغّـلـت

وإن عـشـت تـفـيّـلـت

ثمّ قال : قال الصقر البصري :

ويـوم الحسـن الهادي

على بغلك أسرعت

ومـايـسـتِ ومـانـعـتِ

وخاصـمت وقاتلت

وفي بـيـت رسـول الله

بـالـظـلـم تحـكّـمـت

هـل الـزوجـة أولـى

بالمواريث من البنت

لـك الـتـسع من الثمن

فـبـالـكـل تحـكّـمـت

تجـمّـلـتِ تـبـغـلـتِ

ولـو عـشـتِ تـفيلتِ »(2)

إنّ الزبير لمانعي من خوفه

ما كبّر الحُجّاج في الأمصار

         

وقد روى ابن سعد في ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) من طبقاته بسنده عن عباد ابن عبد الله بن الزبير قال : « سمعت عائشة تقول يومئذ : هذا الأمر لا يكون أبداً ، يدفن ببقيع الفرقد ولا يكون لهم رابعاً ، والله إنّه لبيتي أعطانيه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في حياته ، وما دفن فيه عمر وهو خليفة إلاّ بأمري ، وما أثر عليّ ( رحمه الله ) عندنا بحسن »(3) .

وهذا أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في مختصره لابن منظور(4) ، وأشار إليه الذهبي في سير أعلام النبلاء(5) .

____________________

(1) نفس المصدر / 154 نقلاً عن الخرايج للراوندي. راجع الخرائج 1 / 243 ط مؤسسة الإمام المهدي ( عليه السلام ) قم.

(2) المناقب 3 / 204 ط الحيدرية.

(3) الطبقات الكبرى ( ترحمة الإمام الحسن ) 3 / 393 ط الخانجي بمصر.

(4) مختصر تاريخ دمشق 7 / 45.

(5) سير أعلام النبلاء ( ترجمة الأمام الحسن ) 3 / 276.


( مع مروان )

وفي رواية الشيخ المفيد في الإرشاد قال : « فبادر ابن عباس إلى مروان فقال له ارجع يا مروان من حيث جئت ، فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، لكنا نريد أن نجدّد به عهداً بزيارته ثمّ نردّه إلى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته بذلك ، ولو كان أوصى بدفنه مع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعلمت أنك أقصر باعاً من ردّنا عن ذلك ، لكنه ( عليه السلام ) كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدماً(1) كما طرق ذلك غيره ، ودخل بيته بغير إذنه.

ثمّ أقبل على عائشة وقال لها : واسوأتاه يوماً على بغل ويوماً على جمل ، تريدين أن تطفئ نور الله ، وتقاتلي أولياء الله ، إرجعي فقد كُفيتِ الّذي تخافين ، وبلغتِ ما تحبين ، والله منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين »(2) .

عودة إلى الإشكال :

فقال الإربلي في كشف الغمة : « إنّي نقلت أنّ عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) كان بدمشق وأخبره معاوية بموت الحسن ( عليه السلام ) : وجرى بينهما كلام أغلظ فيه ابن عباس ، وقال له : أصبحت سيّد قومك ، قال : أما والحسين بن عليّ حي فلا.

وقد أوردنا ها هنا انّه حدّثَ مروان وعائشة وقال لهما ما ذكرناه فيجب أن نحقق ، ولا يجوز أن يكون القائل غير عبد الله ، فإن ابن عباس إذا ورد هكذا لم يرد به إلاّ عبد الله اهـ »(3) .

____________________

(1) قارن مناقب ابن شهر آشوب 3 / 204 ط الحيدرية.

(2) الإرشاد / 193 ط الحيدرية.

(3) كشف الغمة 1 / 548 منشورات الشريف الرضي.


أقول : وعلينا الآن أن نستذكر أوّلاً ما مرّ بنا من أخبار البلاذري الثلاثة ، ولنعيد النظر فيها ، ونرى فيها ما اتفقت عليه وما اختلفت فيه ثمّ نبيّن رأينا في دلالاتها ، فنقول :

أ ـ إنّ الخبر الأوّل والثالث يتفقان في ذكر سبب موت الإمام ( عليه السلام ) وأنّه شرب عسلاً بماء رومة فمات منها (؟) وما أدري لماذا مات الإمام من شرب العسل الممزوج بماء رومة؟ ورومة أسم بئر بالمدينة زعم الأمويون أنّ عثمان اشتراها وتصدّق بها على المسلمين كما زعموا أنّه سقط فيها خاتم النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الّذي كان يلبسه عثمان (؟) وزعموا وزعموا ، والآن زعم معاوية أنّ ماءها إذا مزج بالعسل تفاعل حتى يصير سماً (؟) فشرب منه الإمام الحسن ( عليه السلام ) ومات من شربته (؟).

ب ـ والخبر الأوّل والثاني يتفقان في مكان اللقاء بين ابن عباس ومعاوية وهو كان بمكة.

ج ـ بينما يتفق الثاني والثالث في صيغة تعزية معاوية : لا يسوءك الله وفي جواب ابن عباس له : لا يسوؤني الله ما أبقاك يا أمير المؤمنين (؟) وهذا بيت القصيد في مدح أبي يزيد.

د ـ كما أنّهما يختلفان في مقدار المال الّذي أمر به معاوية ، ففي الخبر الثاني مائة ألف درهم وفي الخبر الثالث ألف ألف درهم.

ومهما يكن فإنّ معاوية لم يدع مدح ابن عباس يذهب هدراً ، بل أرسل إليه ما يشتري به ذمته (؟) أليس هذا هو المطلوب كما يبدو من عرض البلاذري لأخباره ، وكأنّه يرتأي أنّ اللقاء كان بمكة ، حيث ساق ذلك بإسناد ، بينما ذكر الخبر الثالث مرسلاً عن سماع ولم يفصح ممّن سمعه (؟) فهو ساقط بالمرّة ، ونعود إلى إسناد الخبرين الأولين.


فالأوّل منهما عن عباس بن هشام عن أبيه عن جده عن أبي صالح

وجهالة حال العباس قد تكفي في رد خبره ، وإن كان أبوه هشام بن محمّد ابن السائب الكلبي ممّن له ترجمة في الرجال وكذلك ، وجده أيضاً وإن أسيء القول فيه من بعضهم لأنّه روى فضيلة لآل محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )(1) .

وأبو صالح هو باذام قال فيه القطان : « أرَ أحداً من أصحابنا تركه ، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً »(2) .

فالخبر على ما في سنده من هناة تمنع من قبوله ولا مؤيداً لما قدّمناه من حضور ابن عباس وصية الإمام الحسن ( عليه السلام ) وتجهيزه ومشاركته في تأنيب عائشة ومروان : فهو لا دلالة فيه على أنّ لقاء مكة كان أوّل لقاء بين ابن عباس ومعاوية بعد موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وقول معاوية : « واعجباً للحسن » لا يدل على أكثر من بداية أموية استفزازية في إثارة ابن عباس.

أمّا الخبر الثاني فسنده عن المدائني عن ابن جعدبة = يزيد بن عياض ـ عن صالح بن كيسان.

وشهرة المدائني تغني عن تعريفه ، غير أنّ ابن جعدبة طعن فيه البخاري ويحيى ومالك ، وقد رماه بالكذب ، وقال فيه النسائي وغيره : « متروك » مع أنّه من رجال الترمذي وابن ماجة عند أصحاب الحديث.

أمّا صالح بن كيسان ، فقالوا فيه : « أحد الثقات والعلماء رُمي بالقدر » ، ونفى ابن حجر في لسان الميزان ذلك عنه فقال : « ولم يصح عنه ذلك » ، وهذا لا يجعل المتن مقبولاً ، ويكفي وجود ابن جعدبة ، فهو ساقط متناً لسقوطه سنداً ، نعم يبقى

____________________

(1) طبقات ابن سعد 8 / 479.

(2) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي 2 / 69.


موافقته في تعيين مكان اللقاء لما ورد في الخبر الأوّل ، لكنا بيّنا أنّ صيغة التعجب من معاوية لا تدل على بداية اللقاء بعد موت الإمام الحسن ( عليه السلام ).

على أنّ ابن سعد ذكر في كتابه الطبقات الكبير في ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام ) أربعة أخبار في لقاء ابن عباس مع معاوية بعد موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) نذكرها بحذافيرها كما هي :

« 327 ـ قال : أخبرنا محمّد بن عمر ، قال حدثنا عبد العزيز بن محمّد ، عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لمّا جاء نعي الحسن ابن عليّ ، استأذن ابن عباس على معاوية ـ وكان ابن عباس قد ذهب بصره ، فكان يقول لقائده : إذا دخلت بي على معاوية فلا تقدني فان معاوية يشمت بي ـ فلمّا جلس قال معاوية : لأخبرنّه بما هو أشدّ عليه من أن أشمت به ، فلمّا دخل قال : يا أبا العباس هلك الحسن بن عليّ ، فقال ابن عباس إنّا لله وإنّا إليه راجعون ـ وعرف ابن عباس أنّه شامت به ـ فقال : أما والله يا معاوية لا يُسدّ حفرتك ، ولا تُخَلّد بعده ، ولقد أصبنا بأعظم منه ، فجبرنا الله بعده ، ثمّ قام.

فقال معاوية : لا والله ما كلّمت أحداً قط أعدّ جواباً ولا أعقل من ابن عباس.

328 ـ قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا سلاّم أبو المنذر قال قال معاوية لابن عباس مات الحسن بن عليّ يبكّته بذلك ، قال : فقال : لئن كان مات فإنّه لا يسدّ بجسده حفرتك ، ولا يزيد موته في عمرك ، ولقد أصبنا بمن هو أشدّ علينا فقداً منه ، فجبر الله مصيبته.

329 ـ قال : أخبرنا عليّ بن محمّد عن مسلمة بن محارب ، عن حرب بن خالد قال : قال معاوية لابن عباس : يا عجباً من وفاة الحسن شرب عسلة بماء رومة


فقضى نحبه ، لا يحزنك الله ولا يسوءك في الحسن فقال : لا يسوءني ما أبقاك الله ، فأمر له بمائة ألف وكسوة.

قال : ويقال إنّ معاوية قال لابن عباس يوماً : أصبحت سيّد قومك ، قال : ما بقي أبو عبد الله فلا.

330 ـ قال : أخبرنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو هلال عن قتادة قال قال معاوية : واعجباً للحسن شرب شربة من عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه ، ثمّ قال لابن عباس : لا يسوؤك الله ولا يحزنك في الحسن ، فقال : أمّا ما بقى الله لي أمير المؤمنين فلن يسؤني ولن يحزنني قال : فأعطاه ألف ألف من بين عرض وعين فقال : أقسم هذه في أهلك »(1) .

فهذه الأخبار على ما في أسانيدها من ضعف كما ذكر المحقق في الهامش ـ فهي لا تذكر مكان اللقاء ، ولا تحديد زمانه سوى أنّه كان بعد موت الحسن ( عليه السلام ) وذلك يمكن أن يكون اللقاء بعد حضور ابن عباس وصية الحسن لأخيه ، ثمّ حضوره تجهيزه ودفنه وحتى بعد كلامه مع عائشة ومروان كما مرّ موثقاً بأسانيد متعددة ، وحينئذ لا تعارض بين حضوره بالمدينة تلك المراسيم والمواقف وبين حضوره بمكة على تقدير صحة روايات البلاذري فهناك كان أوّل اللقاء بينه وبين معاوية.

إذن فمن أين أتى الإشكال في تعارض حضوره بالشام مع حضوره بالمدينة؟

والجواب : إنّما أتى من روايات مسندة ومرسلة أوردها بعض المؤرخين ذكرت انّ معاوية ابتدأ إخبار ابن عباس بموت الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وكان ذلك بالشام فلابدّ لنا من عرض تلك الروايات والوقوف عندها.

____________________

(1) الطبقات الكبرى 1 / 361 ـ 363 تح ـ د محمّد بن صامل السُلمي ط الطائف سنة 1414 هـ.


مواقف متضاربة :

إنّ الباحث المحقق يستلفت نظره اختلاف روايات المؤرخين في حضور ابن عباس في الشام عندما أتى معاوية خبر موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وإظهاره الشماتة بذلك ، حتى أنّه كبّر وسجد وسجد معه كما سيأتي خبر ذلك. وعلى ذلك الاختلاف تضاربت مواقف المؤرخين في هذه القضية ، فمنهم من صرّح بأنّه كان بالشام كالزبير بن بكار في الموفقيات كما حكاه عنه الإربلي في كشف الغمة ، ويظهر من ابن قتيبة واليعقوبي مثل ذلك وربما من آخرين مثلهم.

ومنهم من صرّح بأنه كان بالشام ولكن ليس حين أتى النعي بموت الإمام ( عليه السلام ) ، بل كان بعد ذلك بأيام كما عن ابن أعثم الكوفي وسيأتي خبره.

ومنهم من ارتأى أنّ الّذي كان بالشام هو قثم بن العباس وليس عبد الله كما في الدر النظيم ويأتي خبره.

فالآن إلى عرض النصوص :

أوّلاً : ما رواه الزبير بن بكّار ( ت 256 هـ ) في الأخبار الموفقيات كما حكاه الإربلي ( ت 692 هـ ) في كشف الغمة ، ولولاه لضاع هذا مع ما ضاع من نصوص الأخبار الموفقيات ، إذ لم يوجد في المطبوع منها بتحقيق الدكتور سليم النعيمي كما فاته أن يذكره مع الضائع من الموفقيات ، وقد استدركته عليه فيما استدركت من الموارد وقد بلغت خمسة عشر نصاً. وإليك ذلك بتوسط كشف الغمة :

قال الإربلي : « وحدّث الزبير عن رجاله قال : قدم ابن عباس على معاوية ، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه لمعرفته أنّ معاوية كان يكره إظهاره لشأنه ، وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) ، فسجد شكراً لله تعالى ،


وبان السرور في وجهه ـ في حديث طويل ذكره الزبير وذكرت منه موضع الحاجة إليه ـ وأذن للناس وأذن لابن عباس بعدهم ، فدخل فاستدناه وكان قد عرف بسجدته.

فقال له : أتدري ما حدث بأهلك؟ قال : لا.

قال : فإنّ أبا محمّد توفي ( رحمه الله ) فعظّم الله لك الأجر.

فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، عند الله نحتسب المصيبة برسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن بن عليّ ( رحمه الله ) ، انّه قد بلغتني سجدتك ، فلا أظن ذلك إلاّ لوفاته ، والله لا يسدّ جسده حفرتك ، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك ، ولطال ما رزينا بأعظم من الحسن ثمّ جبر الله.

قال معاوية : كم كان أتى له من العمر؟ قال : شأنه أعظم من أن يجهل مولده.

قال : أحسبه ترك صبية صغاراً ، قال : كلنا كان صغيراً فكبر.

قال : أصبحت سيّد أهلك. قال : أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن عليّ فلا ، ثمّ قام وعينه تدمع فقال معاوية : لله درّه لا والله ما هيّجناه قط إلاّ وجدناه سيّداً.

ودخل على معاوية بعد انقضاء العزاء فقال : يا أبا العباس أما تدري ما حدث في أهلك؟ قال : لا.

قال : هلك أسامة بن زيد فعظّم الله لك الأجر. قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحم الله أسامة وخرج.


وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاقته(1) فصلّى في الجامع يوم الجمعة ، واجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير واحوال الإسلام والجاهلية وهو يجيب ، وافتقد معاوية الناس فقيل : إنّهم مشغولون بابن عباس ، ولو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل.

فقال : نحن أظلم منه حبسناه عن أهله ، ومنعناه حاجته ، ونعينا إليه أحبّته ، انطلقوا فادعوه ، فأتاه الحاجب فدعاه. فقال : إنا بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلي ، أصلي إن شاء الله وآتيه. فرجع ، وصلّى العصر وأتاه فقال : ما حاجتك؟ فما سأله حاجة إلاّ قضاها وقال : أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك ـ وإنّما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا فعرف ما يريده ـ فقال : انّ ذلك ليس لي ولا لك ، فإن أذنت أن أعطي كلّ ذي حقّ حقّه فعلت.

قال : أقسمت عليك إلاّ دخلت فأخذت حاجتك. فدخل فأخذ برنس(2) خزّ أحمر يقال انّه كان لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ثمّ خرج ، فقال : يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة؟ فقال : ما هي؟ قال : عليّ بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته ، وقد كفاكه الموت ، أحبّ أن لا يشتم على منابركم. قال : هيهات يا بن عباس هذا أمر دَين أليس أليس؟ وفعل وفعل؟ فعدّد ما بينه وبين عليّ كرّم الله وجهه.

فقال ابن عباس : أولى لك يا معاوية والموعد القيامة ، ولكل نبأ مستقرّ وسوف تعلمون. وتوجه إلى المدينة اهـ »(3) .

____________________

(1) المحاقّة : المخاصمة واثبات حقه وانه أولى به.

(2) البرنس ثوب يغطي الرأس والبدن كما هو لباس المغاربة في عصرنا.

(3) كشف الغمة / 127 ط حجرية سنة 1294 و 1 / 403 منشورات الشريف الرضي.


فهذا الخبر الّذي رواه الزبير بن بكار عن رجاله كان أفادنا كثيراً لو أنّ الإربلي نقله عنه برمّته ، ولكنه اختصره فحذف ذكر السند ـ وهذا أمر بالغ الأهمية في تعمية السند. ثمّ لم يكتف بذلك حتى حذف من المتن كثيراً حيث قال : في حديث طويل ذكره الزبير وذكرت منه موضع الحاجة إليه. فرحم الله الإربلي فهو بقدر ما أحسن إلينا من حفظ هذا النص الّذي لولاه لضاع فيما ضاع من نصوص الموفقيات ، فقد فوّت أيضاً كبير فائدة بتركه ذكر السند ، وحذفه من المتن الطويل ما لو ذكره ربّما أفادنا كثيراً في جلاء بعض الغموض الّذي اكتنف حضور الشام ، ومهما يكن فجزاه الله خيراً.

ثانياً : ما رواه إنسان معاصر للإربلي ، فقد روى لنا النص بتفاوت وطوى ذكر الاسناد كما صنع الإربلي وذلك هو الفقيه حُميد الشهيد المتوفى سنة 652 ذكر في كتابه الحدائق الوردية في أحوال الأئمّة الزيدية. وإلى القارئ ما ذكره كما في نسخة مكتبة الإمام كاشف الغطاء مخطوطة(1) :

جاء فيه ( ذكر خبر دخول ابن عباس على معاوية وإخباره له بموت الحسن ( عليه السلام » فقال : « ولمّا نُعي الحسن ( عليه السلام ) إلى معاوية وعبد الله بن العباس بباب معاوية فحُجب ابن عباس حتى أخذ الناس مجالسهم ، ثمّ أذن له ، فقال : أعظم أجرك يا بن عباس ، قال : فيمن؟ قال في الحسن بن عليّ.

قال : إذن لا يزيد موته في عمرك ، ولا يدخل عمله عليك في قبرك ، فقد فقدنا من هو أعظم منه قدراً ، وأجل منه أمراً ، فاعقب الله عقبى صالحة ، فخرج ابن عباس وهو يقول أربع أبيات في ذلك وهي :

____________________

(1) طبع الكتاب أخيراً بتحقيق د. المرتضى بن زيد المحظوري الحسني 1423 مطبوعات مكتبة مركز بدر العلمي الثقافي صنعاء والخبر فيه في1 / 184 ـ 186 بتفاوت يسير.


أصبح اليوم ابن هندآمنا ( شامتا خ ل )

ظاهر النخوة إذ مات الحسن

ولقد كان عليه عمره

مثل رضوى وثبير وحضن

فارتع اليوم ابن هند قامصاً ( آمناًخ ل )

إنّما يقمص بالعير السَمَن(1)

فاتق الله وأظهر توبة

إنّما كان كشيء لم يكن »

ثمّ قال المؤلف : « وروينا عن الزهري من طريق السيّد الامام المرشد بالله يحيى بن الإمام الموفق بالله أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل الحسين الجرجاني رواه بإسناده مع ما تقدم آنفاً قال : قدم ابن عباس على معاوية ، فمكث أياماً لا يؤذن له ، ثمّ أذن له ذات يوم ، فدخل فإذا معاوية مستبشر ومن يطيف به. فقال : يا بن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟

قال : أما والله ما أدري ما حدث في أهل بيتي غير أني أراك مستبشراً ومَن يطيف بك.

قال : الحسن بن عليّ مات ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون يكرّرها مراراً. ثمّ قال : أما والله يا معاوية لا يزيد موته في عمرك ، ولا تسد حفرته حفرتك ، ولقد أصبنا بمن كان أعظم منه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فكفانا الله ، ثمّ خرج من عنده. قال : ثمّ مكث أياماً لا يصل إليه ، ثمّ وصل إليه ذات يوم ، فقال معاوية : يا بن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال : وما حدث في أهل بيتي؟ قال : مات أسامة بن زيد.

قال ابن عباس : إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله أسامة بن زيد ، ثمّ خرج من عنده ، وقد كان ابن عباس تقشّف وكره أن يتزيا بزيّه فيشّهره أهل الشام فيضرّ به

____________________

(1) ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار 4 / 197 ط الأوقاف البيت الأوّل الثالث ونسبهما لعبد الله بن عباس في موت الحسن بن عليّ.


ذلك عند معاوية. فلمّا رجع إلى منزله قال : يا غلام هات ثيابي فوالله لئن جلست لهذا المنافق ينعى الي أهلي واحداً واحدا إنّي اذن أحمق ، قال : فقال : عليّ بالمقطّعات فلبسها ، قال : ثمّ قال : عليّ بعمامة له اسمها الحوبية فلبسها ، وكان من أجمل الناس ، أمدّهم جسماً ، وأحسنهم شَعرا ، وأحسنهم وجها.

قال : ثمّ أتى مسجد دمشق فدخل ، فلمّا نظر إليه أهل الشام قالوا : من هذا؟ ما يشبه هذا إلاّ الملائكة ، ما رأينا مثل هذا. قالوا : هذا ابن عباس ، هذا ابن عم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فجلس إلى سارية وتقوّض إليه الخلق ، فما سئل عن شيء إلاّ أجابهم من تفسير كتاب الله ، ولا حلال ولا حرام ، ولا وقعة كانت في جاهلية ولا إسلام ، ولا شعر كان في جاهلية ولا إسلام إلاّ أجابهم به. قال : ومعاوية لا يشعر بشيء من هذا فانتبه ، فقال للآذن : أئذن لمن بالباب ، قال : أو بالباب أحد؟ قال : فأين الناس؟ قال : ذهبوا إلى ابن عباس. قال : هاه قد فعلوها! نحن والله أظلم منه وأقطع للرحم ، اذهب يا غلام فقل له أجب أمير المؤمنين ، فأتاه الرسول ، قال : فقال ابن عباس : انا بنو عبد مناف لا نقوم من عند جليسنا حتى يكون هو الّذي يقوم ، ولكن قد تقاربت الصلاة ، فإذا صلينا أتينا أمير المؤمنين.

قال : فأتاه الرسول فأخبره ، فقال : صدق دعه حتى يصلي.

قال : فلمّا صلّى جاء ابن عباس حتى دخل عليه ، فقال له معاوية : ما حاجتك يا بن عباس؟ قال : دينٌ عليّ قال : قد أداه الله عنك ، قال : وما استعين به على الزمان ، قال : وذلك لك ، أو بقيت لك حاجة؟ قال : لا ، قال : ادخل بيت المال فاحمل ما بدا لك ، قال : انا بنو عبد المطلب لا نأخذ من مال المسلمين إلاّ ما احتجنا إليه ، قال : عزمت عليك إلاّ ما فعلت. قال : فدخل ابن عباس بيت المال فتلفّت يميناً وشمالاً فرأى برنساً من خزّ أدكن ، فتدرّعه ثمّ خرج به ، قال : أخذت


حاجتك؟ قال : نعم ، قال : الحقّ ببلادك ، قال : يا أمير المؤمنين إنّك حيث نعيت إلى الحسن بن عليّ آليت أن لا أسكن المدينة بعد ما بدا ولا أجد مكاناً أجمل من جوار أمير المؤمنين. قال : هيهات ليس إلى ذلك سبيل ، قال : فبقيت لي حاجة هي أهم الحوايج إليّ وهي لك دوني ، قال : فأي حاجة هي لنا دونَك ، إنا نخاف أن نسارع إليها؟ قال : عليّ بن أبي طالب قد كفاك الله مؤنته ومضى لسبيله ، وقد عرفت منزلته وقرابته فكفّ عن شتمه على المنابر. قال : هيهات ليس إلى ذلك سبيل يا ابن عباس هذا موضع دين ، إنّه غشّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وسمّ أبا بكر وذم عمر وقتل عثمان ، فليس إلى الكفّ عنه سبيل.

فقال له ابن عباس : الله حسبك فيما قلت ، ثمّ خرج فلم يلتقيا »(1) .

ثالثاً : ما رواه ابن قتيبة ( ت 270 هـ ) في كتابه الإمام والسياسة ، قال :

« فلمّا كانت سنة احدى وخمسين مرض الحسن بن عليّ مرضه الّذي مات فيه ، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن ، فكتب إليه معاوية : إن استطعت أن لا يمضي يوم بي يمر إلاّ يأتيني فيه خبره فافعل. فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي. فكتب إليه بذلك ، فلمّا أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه فبلغ ذلك عبد الله بن عباس وكان بالشام يومئذ ، فدخل على معاوية فلمّا جلس قال معاوية : يا بن عباس هلك الحسن بن عليّ ، فقال ابن عباس : نعم هلك إنّا لله وإنّا إليه راجعون ترجيعاً مكرراً ـ وقد بلغني الّذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته ، أما والله ما سدّ جسده حفرتك ، ولا زاد نقصان أجله عمرك ، ولقد مات وهو خير منك ، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيراً منه جده رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فجبر الله مصيبته ، وخلف علينا من

____________________

(1) الحدائق الوردية / 109 ـ 111 ( مخطوط ).


بعده أحسن الخلافة ، ثمّ شهق ابن عباس وبكى وبكى من حضر في المجلس وبكى معاوية ، فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم.

فقال معاوية : بلغني أنّه ترك بنين صغاراً؟ فقال ابن عباس : كلنا كان صغيراً فكبر.

قال معاوية : كم أتى له من العمر؟ فقال ابن عباس : أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده.

قال : فسكت معاوية يسيراً ثمّ قال : يا بن العباس أصبحت سيّد قومك من بعده.

فقال ابن عباس : أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا.

قال معاوية : لله أبوك يا بن عباس ، ما استنبأتك إلاّ وجدتك معدّاً »(1) .

رابعاً : ما رواه أبو حنيفة الدينوري ( ت 282 هـ ) في الأخبار الطوال ، قال :

« وانتهى خبر وفاة الحسن إلى معاوية ـ كتب به إليه عامله على المدينة مروان ـ فأرسل إلى ابن عباس وكان عنده بالشام ـ قدم عليه وافداً ـ فدخل عليه فعزّاه وأظهر الشماتة بموته فقال له ابن عباس : لا تشمتن بموته لا تلبث بعده إلاّ قليلاً »(2) .

خامساً : ما رواه اليعقوبي ( ت بعد 292 هـ ) في تاريخه ، قال :

« وتوفي الحسن بن عليّ وابن عباس عند معاوية ، فدخل عليه لمّا أتاه نعي الحسن فقال له يا بن عباس إن حسناً مات.

قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون على عظم الخطب وجليل المصاب ، أما والله يا معاوية لئن كان الحسن مات فما ينسئ موتُه في أجلك ، ولا يسد جسمه حفرتك ، ولقد مضى إلى خير ، وبقيت على شر.

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 144 ـ 145 ط الأمة سنة 1328.

(2) الأخبار الطوال / 222 ط تراثنا بمصر.


قال : لا أحسبه قد خلّف إلاّ صبية صغاراً؟ قال : كلنا كان صغيراً فكبر.

قال : بخٍ بخ يا بن عباس أصبحت سيّد قومك؟ قال : إما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين ابن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فلا »(1) .

سادساً : ما رواه ابن عبد ربه الأندلسي ( ت 328 هـ ) في العقد الفريد ، قال :

« ولمّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ خرّ ساجداً لله ، ثمّ أرسل إلى ابن عباس ـ وكان معه في الشام ـ فعزّاه وهو مستبشر وقال له : ابن كم سنة مات أبو محمّد؟ فقال له : سِنّه كان يُسمع في قريش ، فالعجب من أن يجهله مثلك. قال : بلغني إنّه ترك أطفالاً صغاراً؟ قال : كلّ ما كان صغيراً يكبر ، وإنّ طفلنا لكهل ، وإنّ صغيرنا لكبير.

ثمّ قال : ما لي أراك يا معاوية مستبشراً بموت الحسن بن عليّ؟ فوالله لا يُنسأ في أجلك ، ولا يسد حفرتك ، وما أقل بقاءك وبقاءنا بعده ، ثمّ خرج ابن عباس ، فبعث إليه معاوية ابنه يزيد ، فقعد بين يديه فعزّاه واستعبرَ لموت الحسن ، فلمّا ذهب اتبعه ابن عباس بصره وقال : إذا ذهب آل حرب ذهب الحلم من الناس (؟) »(2) .

سابعاً : ما رواه الزمخشري ( ت 538 هـ ) في ربيع الأبرار ، قال :

« لمّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ ( رضي الله عنه ) سجد معاوية وسجد من حوله شكراً ، فدخل عليه ابن عباس فقال له : يا بن عباس أمات أبو محمّد؟ قال : نعم ، وبلغني سجودك ، والله يا بن آكلة الكبود لا يسدّن حسدك إياه حفرتك ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك »(3) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 200 ط النجف.

(2) العقد الفريد 2 / 361 ـ 362 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(3) ربيع الأبرار 4 / 186 ط الأوقاف ببغداد.


وقال : « وكان ابن عباس بالشام فدخل عليه ـ معاوية ـ وقال له : يا بن عباس هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال : لا أدري ما حدث إلاّ أنّي اراك مستبشراً ومن يطيف بك ، وقد بلغني تكبيرك وسجودك. قال : مات الحسن. قال : إنّا لله رحم الله أبا محمّد ـ ثلاثاً ـ ثمّ قال : والله يا معاوية إنّه لا يسد جسده حفرتك ولا يزيد يومه في عمرك ، ولئن كنّا أصبنا بالحسن لقد أصبنا بإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، فسكن الله تلك العبرة ، وجبر تلك المصيبة ، وكان الله الخلف علينا من بعده »(1) .

ثامناً : ما رواه الموفق بن أحمد المكي اخطب خوارزم ( ت 568 هـ ) في كتابه مقتل الحسين ، قال :

« ( وقيل ) لمّا أتى معاوية نعيه الحسن ـ بعث إلى ابن عباس وهو لا يعلم الخبر ، فقال له هل عندك خبر من بالمدينة؟ قال : لا. قال معاوية : أتاني نعي الحسن وأظهر سروراً ، فقال ابن عباس : إذن لا يُنسأ في أجلك ، ولا يسدّ حفرتك.

قال : أحسبه ترك صبية صغاراً؟ قال : كلنا كان صغيراً فكبُر.

قال : وأحسبَه بلغ الستين؟ قال : أبمثل مولده يجهل.

قال معاوية : لو قال قائل انك أصبحت سيّد قومك؟ قال : أما وأبو عبد الله الحسين حيّ فلا.

فلمّا كان من غد أتى يزيد بن معاوية ابن عباس وهو في المسجد يُعزّى فجلس بين يديه جلسة المعزي وأظهر حزنه ، فلمّا نهض اتبعه ابن عباس بصره وقال : إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش (؟).

____________________

(1) نفس المصدر / 209.


وروي : أنّه لمّا أتى نعي الحسن عزى معاوية ابن عباس ، فاسترجع ابن عباس ثلاثاً ، ثمّ قال : انّه والله يا معاوية لم يمهل من أجلك ، ولم يدفن في حفرتك ، ولقد رزئنا بمن كان خيراً منه فكفانا الله فقده ، ولم يضيّعنا بعده ، يعني النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ثمّ قال : والله لا أقيم ببلدة يُشمت فيها بموت ابن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

أخبرنا صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني بها إجازة ، أخبرنا عبد القادر بن محمّد البغدادي ، أخبرنا الحسن بن عليّ الجوهري ، أخبرنا محمّد بن العباس ، أخبرنا أحمد بن معروف ، حدثنا حسين بن محمّد ، أخبرنا محمّد بن سعد ، أخبرنا محمّد بن عمر ، حدثنا عبد العزيز بن محمّد عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : لمّا جاء معاوية نعي الحسن بن عليّ استأذن ابن عباس على معاوية وكان ابن عباس قد ذهب بصره ، وكان يقول لقائده إذا دخلت بي على معاوية فلا تقدني ، فان معاوية يشمت بي ـ فلمّا جلس ابن عباس ، قال معاوية لأخبرنه بما هو أشدّ عليه من أن أشمت به ثمّ قال : يا بن عباس هلك الحسن بن عليّ ، فقال ابن عباس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعرف ابن عباس انّه شامت به فقال : أم والله يا معاوية لا يسدّ حفرتك ، ولا تخلد ، ولقد أصبنا بأعظم منه فجبرنا الله بعده ، ثمّ قام.

قال معاوية : لا والله ما كلمت أحداً قط أعدّ جواباً ولا أعقل من ابن عباس.

فقال الفضل بن العباس :

أصبح اليوم ابن هند شامتا

ظاهر النخوة إذ مات الحسن

رحمة الله عليه إنّما

طالما أشجى ابن هند وأرن

استراح اليوم منه بعده

إذ ثوى رهناً لأحداث الزمن


فارتع اليوم ابن هند آمناً

إنّما يقمص بالعير السَمَن

لست بالباقي فلا تشمت

به كلّ حي بالمنايا مرتهن

يا بن هند إن تذق كأس الردى

تك في الدهركشيء لم يكن »(1)

تاسعاً : ما رواه الحافظ رشيد الدين ابن شهر اشوب ( ت 588 هـ ) في المناقب(2) ، وقد نقل النص عن الزمخشري وصاحب العقد الفريد ، فليس عنده من جديد.

عاشراً : ما رواه المجلسي ( ت 1111 هـ ) في البحار نقلاً عن كتاب المناقب لابن شهر آشوب(3) . وحيث عرفنا كما مرّ أنّ ما فيه هو ما عند الزمخشري في ربيع الأبرار وابن عبد ربه في العقد الفريد ، وكذلك ما رواه محمّد مير خواند ( ت 903 هـ )(4) وليس فيه مزيد على ما مرّ.

هذه هي النصوص الّتي وقفتُ عليها حسب تتبعي ، وقد سقتها حسب سنّي وفيات أصحابها. ولم يكن في المصادر الثلاثة الأخيرة ما يستدعي ذكرها ، لولا أنّ مؤلفيها نقلوا نصوص من سبقهم ، لكن بالمقارنة وجدت التفاوت ممّا أظن فيهم النقل بالمعنى على أحسن الظنون.

ونعود إلى أوّل النصوص وهو رواية الزبير بن بكار ، فهو أقدم من وصلت إلينا روايته في حضور ابن عباس بالشام حين أتى نعي الإمام الحسن ( عليه السلام ) إلى

____________________

(1) مقتل الحسين 1 / 140 ـ 141 ط الزهراء في النجف.

(2) مناقب آل أبي طالب 3 / 124 ط حجرية.

(3) بحار الأنوار 8 / 579 ط حجرية و 44 / 159 ط الإسلامية.

(4) روضة الصفا 1 ـ 2 / 19 ط بمبئ.


معاوية ، وروايته كما حكاها لنا الأربلي وصلت إلينا مبتورة السند مع نقص في المتن ـ لأنّه حديث طويل ـ أخذ منه الأربلي موضع الحاجة ، ومع ذلك كلّه فهي ـ الرواية ـ ذات فائدة كبيرة ، ويكفي ما ورد فيها من خبر المحاقة إلى آخر الرواية.

أمّا رواية حُميد الشهيد في الحدائق الوردية فقد شاركت الأولى في عدم ذكر الاسناد إلاّ انها تميّزت بذكر الأبيات الأربعة الّتي قالها ابن عباس في رثاء الإمام الحسن ( عليه السلام ). وبقية الرواية تساوق رواية الزبير بن بكار وتقاربها في تفاصيلها ، بل تتفق معها في جل نصوص المحاورة.

أمّا ما ذكره ابن قتيبة واليعقوبي وابن عبد ربه والزمخشري فهؤلاء كلّهم ذكروا ما عندهم مرسلاً وباختصار ، سوى ابن عبد ربه فقد تزيّد في روايته ذكر تعزية يزيد بن معاوية وقول ابن عباس وقد اتبعه بصره : إذا ذهب آل حرب ذهب الحلم من الناس (؟) وهذه شنشنة أموية تميّز بها ابن عبد ربه الأموي الهوى والولاء فهو صاحب الأرجوزة الّتي ذكر فيها الخلفاء ولم يذكر معهم الإمام أمير المؤمنين ولا ابنه الإمام الحسن ( عليهما السلام ) ، مع ذكره للمروانيين والساقطين. فلا غرابة منه ، لكن الغرابة من الخوارزمي روى ذلك في كتابه مقتل الحسين ( عليه السلام ) وان ذكره مرسلاً وأشعر بتمريضه حيث قال : ( وقيل ). بينما ذكر بعده في الخبر الثاني من مروياته مرسلاً قول ابن عباس : والله لا أقيم ببلدة يُشمت فيها بموت ابن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وهذا ما لم أقف عليه عند غيره من قبل ، بل قرأنا ما ذكره حُميد الشهيد بعكس ذلك حيث أراد سكنى الشام ومجاورة معاوية فأبى عليه ، وإذا صحّ ذلك فقد أراد أن يقيم ليفسد أهل الشام على معاوية ، وقد مرّ شاهد ذلك في روايتي الزبير بن بكار


وحُميد الشهيد. أمّا ما رواه الخوارزمي مسنداً فهو مختصر لما مرّ في روايتي الزبير وحُميد ، وليس عنده من مزيد ، سوى ذكره ستة أبيات نسبها للفضل بن العباس ، وقد تقدم منها أربعة أبيات بتفاوت يسير منسوبة إلى عبد الله بن عباس كما في رواية حُميد الشهيد ، ولعل الّذي يؤكد أنّها له تصريح الزمخشري في ربيع الأبرار قال : « عبد الله بن عباس في موت الحسن :

أصبح اليوم ابن هند آمناً

ظاهر النخوة إذ مات الحسن

ارتع اليوم ابن هند قامصاً

إنّما يقمص بالعير السَمَن »(1)

وجميع ما مرّ من النصوص دل على حضور ابن عباس بالشام حين أتى نعي الحسن ( عليه السلام ) إلى معاوية ، وانّه فاجأ ابن عباس بالخبر ، ولمّا كنا قد ذكرنا ما رواه الشيخ الطوسي وغيره بأسانيدهم من حضوره بالمدينة عند الوفاة ومشاركته في التجهيز إلى آخر ما مرّ ، فأربك ذلك غير واحد ممّن ذكر ابن عباس في تلك الفترة أصالة أو تبعاً ، لظهور التعارض بين الحضورين وتعذر الجمع عندهم ، خصوصاً وقد رأوا مثل الإربلي ذكر الإشكال عليه ولم يحلّ عقال ، أمّا غيره كالشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي ـ من رجال القرن السابع(2) فقد ذكر في كتابه الدر النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم في باب وفاة الحسن ( عليه السلام ) : « أنّ الداخل على معاوية والمحاور له في تلك الواقعة هو قثم بن العباس لا عبد الله ، وعنده بهذا يحلّ الإشكال ، لكن هذا غير مستقيم لتصريح ابن قتيبة من أصحاب النصوص بأن المحاور كان عبد الله مصرحاً باسمه ، فضلاً عن الآخرين الّذين

____________________

(1) ربيع الأبرار باب الموت وما يتصل به 4 / 197 ط أوقاف بغداد.

(2) هو تلميذ المحقق الحلي ( ت 676 هـ ) ومجاز من السيّد رضي الدين ابن طاووس ( ت 664 هـ ).


ذكروه بكنيته ( ابن عباس ) الّتي لم يعرف بها أحد سواه من أخوانه. ورأى بعض الباحثين احتمال رواية حضور المدينة لعبيد الله ، وحضور الشام لعبد الله ، لتشابه الاسمين خطاً ، وفاته تفاوتهما حظاً ممّا يستبعد ذلك الإحتمال فاين الصغير من الكبير ، وأين الرعديد الفطير من الصنديد الخبير ، ولغة الحوار في كلّ من الحضورين سواء في المدينة وما جرى له مع عائشة ومع مروان أو في الشام وما جرى له مع معاوية تأبى أن تكون لغير عبد الله بن عباس حبر الأمة. إذن كيف التوفيق بين الحضورين في آن واحد تقريباً؟

وعندي إنّ خير علاج لرفع التعارض هو ما ذكره ابن أعثم الكوفي ( ت 314 هـ ) في كتابه الفتوح(1) ، حيث ذكر اغراء معاوية لجعدة بسم الإمام ووعدها مبلغاً من المال كما وعدها بتزويجها من يزيد فوفى بالمال ولم يفِ بالزواج وانها تزوجت من آل طلحة فولدت فكان ابنها يعيّر ويقال له يا بن مسمة الأزواج وهذا ما ذكره غير واحد من المؤرخين ثمّ قال ما ترجمته :

« وأتى ابن عباس في يوم مجلس معاوية فقال له معاوية شامتاً : يا أبا العباس سمعت ان الحسن هلك ، فاسترجع عبد الله ثمّ قال : لا يسد موته حفرتك ، ولست بباق بعده طويلاً ، ونحن أهل بيت النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أصبنا باعظم من ذلك فجبر الله مصابنا ، ثمّ نهض وخرج ، فقال معاوية متعجباً من سرعة الجواب على وجه الصواب : لم أر في عمري أحضر جواباً ولا أعقل من عبد الله بن عباس »(2) .

____________________

(1) الفتوح الترجمة الفارسية / 339 ط بمبئ.

(2) ولقد أشار محقق الطبعة العربية لكتاب الفتوح ط دار المعارف بحيدر آباد وعنها افست ط دار الندوة الجديدة بيروت إلى سقوط النص من النسخة العربية فأكمله بالنص الفارسي في الهامش راجع 4 / 208 فما بعدها.


وهذا لا يعني حضوره بالشام حين الوفاة ، بل ظاهر في غيره ، على أنّ في رواية حُميد الشهيد المتقدمة ما يشعر أنّ ابن عباس قدم الشام فمكث أياماً لا يصل إلى معاوية ثمّ وصل إليه ذات يوم ثمّ ذكر الحوار ، ولا يبعد عندي أنّ ابن عباس بعد أن حضر في المدينة موت الإمام وتجهيزه بادر بالخروج إلى الشام لإكمال رسالته في نصرة إمامه الجديد الحسين بن عليّ ( عليه السلام ) حيث سبق لمعاوية تمهيده البيعة لابنه يزيد ، ولا مانع من أن يكون دخل الشام مع دخول رسول مروان بخبر النعي إلى معاوية وتجاهل ابن عباس لمسائل معاوية هل تدري؟ هل تدري؟ لا يلزم منه عدم سبقه وعلمه بموت الإمام الحسن ( عليه السلام ). ولما ذكر له ذلك شامتاً انفجر مسترجعاً وموبّخاً إلى آخر ما جرى. على أنا لو أعملنا الوسائل عند التعارض لرجح حضور المدينة كما قدّمناه آنفاً.

ولا يفوتني التنبيه على ما مرّ من طلب ابن عباس رفع السبّ عن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لأنّه يراه جزءاً من رسالته.

كيف لا وهو الّذي قال : بعثني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى عليّ بن أبي طالب فقال له : ( أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني ، وحبيبك حبيبي ، وحبيبي حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله ، والويل لمن أبغضك )(1) .

وهو الّذي يروي لقد سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( من سبّ عليّاً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله ( عزّ وجلّ ) أكبّه الله على منخره )(2) فأراد أن يثبت عداوة معاوية لله ولرسوله بعداوته للإمام عليّ ( عليه السلام ).

____________________

(1) أخرجه أحمد في المناقب كما في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، للملا عليّ القاري 11 / 256 ط دار الكتب العلمية بيروت.

(2) أخرجه أبو عبد الله الجلالي كما في مرقاة المفاتيح 11 / 256 واحسب ( الخلال ) هو الصواب.


أوّل ذل دخل العرب :

كان ابن عباس بفضل ذهنه الوقاد يستطلع المستقبل الموبوء الّذي سيواجهه العرب بعد موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، ولا غرابة منه بعد أن مرّت بنا كلمة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فيه وأنّه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق(1) ، وتعني أنّه كان مخترقاً زمان المستقبل بوعيه العميق للواقع ، ولمّا كان موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) فضلاً عن المأساة هو نذير شر للعرب بكارثة سوف تحلّ قريباً بهم وبديارهم ، تضربهم بذل شامل.

لذلك قال ـ وهو يعيش مرارة المأساة والشعور بالإحباط ـ : « أوّل ذل دخل العرب موت الحسن بن عليّ ( عليهما السلام ) ».

روى ابن أبي الحديد عن أمالي أبي جعفر محمّد بن حبيب ( ت 245 هـ ) قال ابن عباس : « أوّل ذل دخل على العرب موت الحسن بن عليّ ( عليهما السلام ) »(2) .

وروى ابن سعد ( ت 231 هـ ) هذه الكلمة لعمرو بن بعجة(3) .

ولدى التحقيق لمعرفة مَن هو قائل تلك الكلمة الّتي تنذر العرب بذلٍ شامل ، راجعنا ترجمة عمرو بن بعجة ، فوجدنا الذهبي يزنه في ميزانه بقوله : « لايعرف » ومن كان لا يُعرف كيف له أن يَعرف مدى تأثير موت الحسن ( عليه السلام ) على الأمة العربية(4) ؟

وعندي رواية ابن حبيب الّتي ذكرها ابن أبي الحديد أولى بالقبول ، لأنّ قائل الكلمة هو ابن عباس الّذي لا يعرف أثر فقد الإمام الحسن ( عليه السلام ) على العرب

____________________

(1) العقد الفريد 2 / 181.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 4 ط مصر الأولى.

(3) طبقات ابن سعد ( ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام » ط الطائف.

(4) طبقات ابن سعد ( ترجمة الإمام الحسن ( عليه السلام » ط الطائف.


بل على المسلمين جميعاً غيره ، حيث تجمعه والإمام قربى النسب ، ومشاركة في الحكم أيام خلافته ، ومجاهدة عدو مشترك على ارض الواقع ، فهو قد كان يرجو الخير للأمة بعد هلاك معاوية والإمام الحسن حيّ ، إذ سوف تعود الأمور إلى نصابها الصحيح ، ويتولى أمر الخلافة صاحبُها الشرعي ـ كما نصت عليه وثيقة الصلح ـ أما وقد ارتكب معاوية جريمته الشنعاء ، فقد ضرب الأمة بذلّ شامل سيبقي لها العار والشنار ، وستبتلي براعٍ مثل يزيد. وإذا ابتليت بذلك فعلى الإسلام السلام كما قال سيّد الشهداء الإمام الحسين بن عليّ ( عليه السلام ).

وستحيى فكرة تلاقف الكرة الّتي أوصاهم بها أبو سفيان. فهذا هو الذلّ أشار إليه ابن عباس في كلمته ، لأنّه أدرك أنّ الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام سيرافقه بوائق الحكم الغاشم فيشيع الظلم والنفاق ، ويسلب الأمة محاسن الأخلاق ، وتحل المداهنة والتملق السياسي محل الكرامة والصرامة ، لرواج سوق الشرور عند الحاكمين والناس على دين ملوكهم ، وهذا الذل حقيقة حتمية أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى :( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) (1) .

وتوالت المحن على شيعة الإمام فقتل حجر بن عدي وسبعة نفر آخرين معه بمرج عذراء وهم الّذين أخبر عنهم النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كما روت ذلك عائشة حين قالت لمعاوية وقد دخل عليها حين أتى المدينة : « يا معاوية أقتلت حجراً وأصحابه ، فأين عزب حلمك عنهم؟ أما إنّي سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات »(2) .

____________________

(1) النمل / 34.

(2) أنظر تاريخ اليعقوبي 2 / 206.


وقتل عمرو بن الحمق الخزاعي وحمل إليه رأسه وهو أوّل رأس طيف به في الإسلام من بلد إلى بلد وقد حبس زوجته ، ومعاوية هو أوّل من حبس النساء بجرائر الرجال(1) .

وقد سرى مفهوم كلمة ابن عباس عند الناس وصدى نبوءته حتى قال أبو إسحاق السبيعي وقد سئل متى ذلّ الناس؟ فقال : « حين مات الحسن ، وادعي زياد ، وقتل حجر بن عدي »(2) ، وقال ابن الأثير وكان الناس يقولون : « أوّل ذل دخل الكوفة موت الحسن بن عليّ وقتل حجر بن عدي ودعوة زياد »(3) ، وحتى روى ابن أبي الحديد عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) وهو يستعرض ظلم قريش لأهل البيت ـ إلى أن قال ـ : « وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن ( عليه السلام ) فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة ، وقطّعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يُذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره »(4) .

وروى أيضاً عن المدائني في كتاب الأحداث قوله في استعراض محدثات معاوية في وضع الأحاديث المكذوبة في فضائل الصحابة ، ثمّ نسخته إلى جميع البلدان بنسخة واحدة : « اُنظروا إلى من أقامت عليه البينة انّه يحب عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره ، قال المدائني : فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة فلم يزل كذلك حتى مات

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 18 ط مصر الأولى نقلاً عن أبي الفرج.

(3) الكامل في التاريخ 3 / 209 ط بولاق.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 15.


الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض »(1) .

ماذا كان موقف ابن عباس من السلطة بعد موت الحسن :

والآن فلننظر إلى حال ابن عباس من بعد موت الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وهو الّذي قد استشعر دخول الذل على العرب بموته فماذا لحقه من هوان وهو من سادة العرب؟ وماذا كان موقف معاوية منه في تلك الفترة؟

روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : « لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن ( رحمه الله ) إلاّ يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام وكتب ببيعته إلى الآفاق ، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فكتب إليه يذكر الّذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد (؟؟؟) ويأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ثمّ يبايعوا ليزيد.

فلمّا قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريش وكتب إلى معاوية في ذلك ، قال فعزله وولى سعيد بن العاص. وكتب إليه في ذلك وان يكتب إليه بمن يسارع ومن لم يسارع. فلمّا أتاه الكتاب دعا الناس إلى البيعة وأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة ، وسطا بكلّ من أبطأ عن ذلك.

قال : فأبطأ الناس عنها إلاّ اليسير لا سيما بني هاشم فإنّه لم يجبه منهم أحد

فكتب سعيد إلى معاوية يعلمه بتباطوء الناس عن البيعة لا سيما أهل البيت من بني هاشم فإنّه لم يجبني منهم أحد ، وبلغني عنهم ما أكره فكتب معاوية

____________________

(1) نفس المصدر 3 / 16.


إلى عبد الله بن عباس وإلى عبد الله بن الزبير وإلى عبد الله بن جعفر وإلى الحسين بن عليّ ( رضي الله عنهم ) كتباً وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها

وكتب إلى ابن عباس : أمّا بعد فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد بن أمير المؤمنين ، وإنّي لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إليَّ ، لأنّك ممّن ألّب عليه وأجلب ، وما معك من أمان فتطمئن به ، ولا عهد فتسكن إليه ، فإذا أتاك كتابي هذا فاخرج إلى المسجد ، والعن قتلة عثمان وبايع عاملي ، فقد أعذر من أنذر ، وأنت بنفسك أبصر والسلام »(1) .

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : « فكان أوّل من أجابه عبد الله بن عباس فكتب إليه : أمّا بعد فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت ، وأن ليس معي منك أمان ، وانّه والله ما منك يطلب الأمان يا معاوية ، وإنّما يطلب الأمان من الله رب العالمين ، وأمّا قولك في قتلي ، فوالله لو فعلت للقيت الله ومحمّداً صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم خصمك ، فما أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه ، وأمّا ما ذكرت من أنّي ممّن ألّب على عثمان وأجلب ، فذلك أمر غبت عنه ، ولو حضرته ما نسبت إليَّ شيئاً من التأليب عليه ، وأيم الله ما أرى أحداً غضب لعثمان غضبي ، ولا أعظم أحد قتله إعظامي ، ولو شهدته لنصرته أو أموت دونه ، ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان ليت الّذي قتل عثمان لقيني فقتله معه ولا أبقى بعده ، وأمّا قولك لي العن قتلة عثمان ، فلعثمان ولد وخاصة وقرابة هم أحق بلعنهم مني ، فإن شاؤا أن يلعنوا فليلعنوا ، وإن شاؤا أن يمسكوا فليمسكوا والسلام »(2) .

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 145 ـ 147 ط سنة 1328.

(2) نفس المصدر 1 / 148.


والّذي يلفت النظر أنّ معاوية ما زالت حجته المزعومة لاستباحة دماء بني هاشم هي قتل عثمان ، وكأنهم هم الّذين قتلوه ، مع أنّهم أبعد الناس عن تلك التهمة وهم براء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، لكن معاوية لا يمنعه من الافتراء مانع ، فليس له من الدين وازع ، وقد مرّ أن كتب لابن عباس يوم كان في البصرة كتاباً ضمّنه نفس تلك التهمة ، وردّ عليه ابن عباس بجواب مرّ ذكره وقد رد التهمة عليه ، أمّا جوابه في هذه المرة فلا يخلو من ملاحظة تجعلنا في شك ممّا تزيّد فيه الرواة. في غضبه لعثمان غضباً لم يغضبه لأحد إلى آخر ما فيه من دسّ. تفضحه مواقفه في الجمل وصفين ضد المطالبين بدم عثمان فيما يزعمون ، ثمّ محاوراته مع معاوية وعمرو بن العاص وقد مرت بما فيها في جرأة وشجاعة فراجع.

معاوية في المدينة :

لمّا فشل ولاة معاوية ـ مروان وسعيد بن العاص ـ في حمل الناس بالمدينة على بيعة يزيد ، رغم الترهيب والترغيب ، والّذي أقلق معاوية امتناع النفر الّذين ينظر الناس إليهم على أنّهم أهل الحل والعقد ، وهم أولى بالبيعة لهم من يزيد. وفي مقدمتهم بنو هاشم ورأسهم الإمام الحسين ( عليه السلام ) ثمّ العبادلة وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس ، ولمّا وافته جوابات الكتب تحمل النذير بخلاف مستطير ، قرّر أن يذهب بنفسه إلى المدينة ، ويأخذ البيعة لابنه قهراً وقسراً ، ويبدو من حديث ابن قتيبة وابن أعثم إنّه هيأ الأجواء لاستقباله عن طريق واليه ورجاله ، قال :

« فقدم معاوية المدينة حاجاً فلمّا أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه ما بين راكب وماشي

قال : حتى إذا كان بالجرف ـ موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام ـ لقيه الحسين بن عليّ وعبد الله بن عباس.


فقال معاوية : مرحباً بابن بنت رسول الله وابن صنو نبيّه ، ثمّ انحرف إلى الناس فقال : هذان شيخا بني عبد مناف ، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه ، فرحّب وقرّب ، فجعل يواجه هذا مرّة ويضاحك هذا أخرى ، حتى ورد المدينة ، فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلّمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل. فانصرفا عنه ، فمال الحسين إلى منزله ومضى ابن عباس إلى المسجد فدخله »(1) . هذا ما رواه ابن قتيبة.

إلاّ أنّ ابن الأثير قال : « سار ـ معاوية ـ إلى الحجاز في ألف فارس ، فلمّا دنا من المدينة لقيه الحسين بن عليّ أوّل الناس فلمّا نظر إليه قال : لا مرحباً ولا أهلاً ، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه. قال : مهلاً فإني والله لست بأهل لهذه المقالة ، قال : بلى ولشرّ منها.

ولقيه ابن الزبير فقال : لا مرحباً ولا أهلاً ، خبّ ضبّ تلعة ، يدخل رأسه ويضرب بذنبه ، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدقّ ظهره ، نحيّاه عني ، فضُرب وجه راحلته.

ثمّ لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له معاوية : لا أهلاً ولا مرحباً شيخ قد خرف وذهب عقله ثمّ أمر فضرب وجه راحلته. ثمّ فعل بابن عمر نحو ذلك ، فاقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتى دخل المدينة ، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما يحبّون فخرجوا إلى مكة فأقاموا بها ثمّ ذكر خطبة معاوية يتهدد الممتنع عن البيعة وخصوصاً أولئك النفر بالقتل بما فيهم الحسين ، وذكر دخوله على عائشة وجرى ذكر امتناع أولئك النفر وتهديده بقتلهم فقالت له : فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله »(2) .

____________________

(1) نفس المصدر.

(2) الكامل في التاريخ 3 / 216 ـ 217 ط بولاق.


وهذا الّذي ذكره ابن الأثير لعلّه أشبه بسيرة معاوية الرعناء في تلك الفترة ، وقد ذكر ابن كثير أيضاً في تاريخه في حوادث سنة 56 أخذ البيعة ليزيد فقال : « فبايع له الناس في الأقاليم إلاّ عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر والحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير وابن عباس ، فركب معاوية إلى مكة معتمراً ، فلمّا اجتاز بالمدينة ـ مرجعه من مكة ـ استدعى كلّ واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدده بانفراده »(1) .

وأحسب أنّ ما ذكره ابن الأثير وابن كثير أخذاه من الطبري بصورة مخففة »(2) ، ففي تاريخه ذكر امتناع النفر الخمسة ، ثمّ ذكر كلام معاوية مع كلّ واحد من الأربعة على انفراد ، قال : ولم يذكر ابن عباس ، وهذا ممّا يلفت النظر لماذا لم يذكره؟ وهل ساءت العلاقة لحد القطيعة ، أم أنّه رضي بالبيعة فلم يرسل عليه فيتهدده؟ أم أنّ معاوية أراد أن لا يقطع الشعرة بحد الشفرة؟ لابدّ لنا من البحث في ذلك.

لعمر الله إنّها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر :

ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة كلام معاوية مع النفر مهدداً ومتوعداً بالقتل كما مرّ ، ثمّ قال : « فلمّا كان صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش فوضع له وسوّيت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله ، ثمّ خرج وعليه حلة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه ، وقد تغلّف وتعطّر فقعد على سريره ، وأجلس كتّابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به ، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 79.

(2) تاريخ الطبري 5 / 303 ـ 304 ط محققة.


الناس وإن قرب ، ثمّ أرسل إلى الحسين بن عليّ وعبد الله بن عباس ، فسبق ابن عباس ، فلمّا دخل وسلّم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليّاً.

ثمّ قال : يا بن عباس لقد وفّر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول ( عليه السلام ).

فقال ابن عباس : نعم أصلح الله أمير المؤمنين وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكلّ ، أوفر.

فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجادلة ، ويعدل إلى ذكر الأعمال على اختلاف الغرائز والطباع. حتى أقبل الحسين بن عليّ ، فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه ، فدخل الحسين وسلّم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة ، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثمّ سكت. قال : ثمّ ابتدأ معاوية فقال : فالحمد لله وليّ النعم ومنزل النقم ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله المتعالي عمّا يقول الملحدون علواً كبيراً ، وأن محمداً عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، فأدى عن الله وصدع بأمره ، وصبر على الأذى في جنبه ، حتى أوضح دين الله وأعزّ أولياءه ، وقمع المشركين وظهر أمر الله وهم كارهون ، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بُذل له ، واختار منها الترك لما سخّر له ، زهادة واختياراً لله وأنفة واقتداراً على الصبر ، بغياً لما يدوم ويبقى ، فهذه صفة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ثمّ خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك ، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعاً ، وما أعلم منه فوق ما تعلمان. وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه ، وقد علم ما أحاول به من أمر الرعية من سد الخلل ولمّ الصدع بولاية يزيد بما


أيقظ العين وأحمد الفعل ، هذا معناي في يزيد ، وفيكما فضل القرابة ، وحظوة العلم ، وكمال المرؤة ، وقد أصبت من ذلك في يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما ، مع علمه بالسنة وقراءة القرآن ، والحلم الّذي يرجح بالصم الصلاب ، وقد علمتما أنّ الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدّم على الصدّيق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ، ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة ، فقادهم الرجل بأمره ، وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيأهم ، وقال ولم يقل معه ، وفي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أسوة حسنة ، فمهلاً بني عبد المطلب فإنّا وأنتم شعباً نفع وجد ، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما ، فما يقول القائل إلاّ بفضل قولكما ، فردّا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما ، وأستغفر الله لي ولكما.

قال : فتيسّر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة ، فأشار إليه الحسين وقال : على رسلك ، فأنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر ، فأمسك ابن عباس ، فقام الحسين فحمد الله وصلّى على الرسول ثمّ قال : أمّا بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وان أطنب في صفة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من جميع جزءاً ، وقد فهمت ما لبّست به الخلف بعد رسول الله من ايجاز الصفة ، والتنكّب عن استبلاغ البيعة ، وهيهات هيهات يا معاوية فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السُرج ، ولقد فضّلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى أجحفت ، ومنعت حتى بخلت ، وجرت حتى جاوزت ، ما بذلت لذي حقّ من أتم حقّه بنصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه الأكمل ، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمّد ، تريد أن توهم الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو


تخبر عمّا كان احتويته بعلم خاص ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السّبق لأترابهن ، والقينات ذوات المعازف ، وضروب الملاهي ، تجده ناصراً ، ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه ، فوالله ما برحت تقدم باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم ، حتى ملأت الأسقية ، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص ، ورأيتك عرّضت بنا هذا الأمر ، ومنعتنا عن آبائنا تراثنا ، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول ( عليه السلام ) ولادة ، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك ، وردّه الإيمان إلى النَصَف ، فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل ، وقلتم كان ويكون ، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار. وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وتأميره له ، وقد كان ذلك ، ولعمرو بن العاص فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له ، وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم أمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدّوا عليه أفعاله ، فقال ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف يحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً ، وحولك من يؤمن في صحبته ، ويعتمد في دينه وقرابته ، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون ، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنيا ، وتشقى بها في آخرتك ، وإنّ هذا لهو الخسران المبين وأستغفر الله لي ولكم.

قال : نظر معاوية إلى ابن عباس فقال : ما هذا يا بن عباس ولما عندك أدهى وأمرّ.


فقال ابن عباس : لعمر الله إنها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر ، فاله عمّا تريد فإن لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.

فقال معاوية : أعود الحلم التحلم ، وخيره التحلم عن الأهل انصرفا في حفظ الله »(1) .

وعيد وتهديد لمن لم يبايع يزيد :

روى ابن أعثم الكوفي ( ت 314 هـ ) في الفتوح قال :

« وخرج معاوية من منزله إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ ذكر ابنه يزيد في خطبته وقال : من أحق بالخلافة من ابني يزيد في فضله وهديه ومذهبه وموضعه من قريش؟ والله اني لأرى قوماً يعيبونه ، وما أظنهم بمقلعين ولا منتهين حتى يصيبهم مني بوائق تجتث أصولهم ، فليربع أولئك على ضلعهم من قبل أن تصيبهم مني فاقرة لا يقومون لها ، فقد أنذرت إن نفع الإنذار ، وبينت إن نفع البيان ، ثمّ جعل يتمثل بهذه الأبيات ويقول :

قد كنتُ حذّرتك آل المصطلق

وقلت يا عامر ذرني وانطلق

إنّك إن كلفتني ما لم أطق

ساءك ما سرّك مني من خُلق

دونك ما استسقيته فاحس وذق

قال : ثمّ ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسين بن عليّ وقال : والله لئن لم يبايعوا ليزيد لأفعلن ولأفعلن ثمّ ذكر اجتماعه مع عائشة وما جرى بينهما ممّا لا يعنينا ذكره

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 152.


قال : وأرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير فأخبر أنّهم قد مضوا إلى مكة ـ وذكر غيره انّ الحسين أيضاً ممّن خرج إلى مكة ـ قال ابن اعثم : فسكت ساعة يفكر في أمرهم ، ثمّ أرسل إلى عبد الله بن عباس فدعاه ، فلمّا دخل عليه قرّب مجلسه ثمّ قال : يا بن عباس أنتم بنو هاشم وأنتم أحق الناس بنا ، وأولاهم بمودتنا ، لأننا بنو عبد مناف ، وإنّما باعد بيننا وبينكم هذا الملك ، وقد كان هذا الأمر في تيم وعدي فلم تعترضوا عليهم ، ولم تظهروا لهم من المباعدة ثمّ قتل عثمان بين أظهركم فلم تغيّروا ، ثمّ وليت هذا الأمر فوالله لقد قرّبتكم وأعطيتكم ورفعت مقداركم ( أقداركم ) فما تزدادون مني إلاّ بُعداً ، وهذا الحسين بن عليّ قد بلغني عنه هنات غيرها خير له منها ، فاذكروا عليّ بن أبي طالب ومحاربته إياي ومعه المهاجرون والأنصار ، فأبى الله تبارك وتعالى إلاّ ما قد علمتم ، أفترجون بعد عليّ مثله؟ أم بعد الحسن مثله؟

قال : فقطع عليه ابن عباس الكلام ثمّ قال : صدقت يا معاوية نحن بنو عبد مناف ، وأنتم أحق الناس بمودتنا وأولاهم بنا ، وقد مضى أوّل الأمر بما فيه فأصلح آخره فإنّك صائر إلى ما تريد ، وأمّا ما ذكرت من عطيّتك علينا فلعمري ما عليك في جود من عيب.

وأمّا قولك : ذهب عليّ أفترجون مثله؟ فمهلاً يا معاوية رويداً لا تعجل ، فهذا الحسين بن عليّ وهو حيّ وهو ابن أبيه ، واحذر أن تؤذيه يا معاوية ، فيؤذيك أهل الأرض ، فليس على ظهرها اليوم ابن بنت نبيّ سواه.

فقال معاوية : إنّي قد قبلت منك يا بن عباس.


قال : ثمّ رحل معاوية إلى مكة ورحل معه كافة أصحابه وعامة أهل المدينة وفيهم عبد الله بن عباس »(1) .

وأظن نحو إيهام في العبارة : ( ورحل معه كافة وفيهم عبد الله بن عباس ) إذ لا يعني أنّ عبد الله بن عباس ممّن خرج مع معاوية في ركابه كما قد يتوهم ذلك. بل كان خرج منفصلاً عن معاوية ، فقد كان له موكب كما كان لمعاوية موكب. فقد أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب وابن حجر في الصواعق عن يزيد ابن الأصم قال : « خرج معاوية حاجاً معه ابن عباس ، فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممّن يطلب العلم. فالمعيّة معه إنّما هي معيّة الطريق بدلالة تعدّد الموكبين ، كما أنّهما اجتمعا في الطواف ، فكان معاوية يستلم الأركان كلّها فأنكر عليه ابن عباس ذلك »(2) .

وحديثه كما رواه أحمد في مسنده بسنده عن مجاهد عن ابن عباس : « أنّه طاف مع معاوية بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلّها ، فقال له ابن عباس : لم تستلم هذين الركنين ، ولم يكن رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يستلمهما؟

فقال معاوية : ليس شيء من البيت مهجوراً ، فقال ابن عباس :( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (3) فقال معاوية : صدقت.

قال شاكر : اسناده صحيح وروى الترمذي معناه مختصراً باسناد آخر عن ابن عباس »(4) .

____________________

(1) الفتوح لابن أعثم الكوفي 4 / 235 ـ 239.

(2) الاستيعاب 2 / 352 ، والصواعق المحرقة / 107.

(3) الأحزاب / 21.

(4) مسند أحمد 3 / 266 برقم 1877 تح ـ أحمد محمّد شاكر ، وأنظر صحيح الترمذي 2 / 92.


وقد تلاعبت الأهواء بهذا الخبر فقلبت المسألة وجعلت ابن عباس الفاعل ومعاوية هو المنكر ، وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.

تضليل وأحابيل :

قال المؤرخون : « ولمّا قرب من مكة خرج الناس يستقبلونه وفيهم النفر الّذين توعّدهم وهدّد بقتلهم. فلمّا رأى الحسين قال : مرحباً بابن رسول الله وسيّد شباب المسلمين ، قربّوا لأبي عبد الله دابة ، وقال لعبد الله بن الزبير مرحباً بابن حواري رسول الله وابن عمته هاتوا له دابة ، وقال لابن عمر : مرحباً بصاحب رسول الله وابن الفاروق ، هاتوا له دابة ، وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر : مرحباً بشيخ قريش وسيدها وابن الصدّيق هاتوا له دابة.

وجعلت ألطافه تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس ، ويحسن إذنهم وشفاعتهم ، وحملهم على الدواب ، وخرج حتى أتى مكة فقضى حجه ، ولما أراد الشخوص أمر بأثقاله فقدّمت ، وأمر بالمنبر فقرّب من الكعبة ، ثمّ أرسل إلى النفر الخمسة وهم الحسين ابن عليّ وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي بكر فأحضرهم وقال لهم : قد علمتم نظري لكم وتعطفي عليكم ، وصلتي أرحامكم ، ويزيد أخوكم وابن عمكم ، وإنّما أردت أن أقدّمه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون. فسكتوا ، فقال : أجيبوا. فابتدر ابن الزبير فقال : نخيّرك بعدُ إحدى ثلاث أيها أخذت فهي لك رغبة وفيها خيار : إن شئت فاصنع فينا ما صنعه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قبضه الله ولم يستخلف أحداً ، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر فدع هذا الأمر حتى يختار الناس لأنفسهم.


وإن شئت فما صنع أبو بكر عهد إلى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلاً.

وإن شئت فما صنع عمر جعلها شورى في ستة نفر من قريش يختارون رجلاً منهم ، وترك ولده وأهل بيته ، وفيهم من لو وليها لكان لها أهلاً.

فقال معاوية : هل غير هذا. قال : لا. ثمّ قال للآخرين ما عندكم؟ قالوا نحن على ما قال ابن الزبير.

فقال معاوية : إنّي أتقدم اليكم وقد أعذر من أنذر ، إنّي قائم فقائل مقالة فأقسم بالله لئن رد عليَّ رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يضرب رأسه ، فلا ينظر امرؤ منكم إلاّ إلى نفسه ، ولا يبقي إلاّ عليها.

وأمر أن يقوم على رأس كلّ واحد منهم رجلان بسيفيهما ، فإن تكلم بكلمة يرد بهما عليه قوله قتلاه »(1) .

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : « وأمر معاوية من حرسه وشرطته قوماً أن يحضروا هؤلاء النفر الّذين أبوا البيعة وهم الحسين بن عليّ وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر وأوصاهم معاوية قال : إنّي خارج العشيّة إلى أهل الشام فأخبرهم أنّ هؤلاء النفر قد بايعوا وسلّموا ، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه ، فحذر القوم ذلك.

فلمّا كان العشي خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وهو يضاحكهم ويحدّثهم ، وقد ألبسهم الحلل ، فألبس ابن عمر حلة حمراء ، وألبس الحسين حلة

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 157.


صفراء ، وألبس عبد الله بن عباس حلة خضراء وألبس ابن الزبير حلة يمانية ـ ولم يذكر عن حلة ابن أبي بكر شيئاً ـ ثمّ خرج بينهم ، وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم وأنّهم بايعوا فقال : يا أهل الشام إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين مطيعين وقد بايعوا وسلّموا. قال ذلك والقوم سكوت لم يتكلموا شيئاً حذر القتل ، فوثب أناس من أهل الشام فقالوا يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب فخلّ بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم ، فقال معاوية سبحان الله ما أحلّ دماء قريش عندكم ، يا أهل الشام لا أسمع لهم ذكراً بسوء ، فإنهم قد بايعوا وسلّموا وارتضوني فرضيت عنهم ( رضي الله عنهم ).

ثمّ ارتحل معاوية راجعاً وقد أعطى الناس أعطياتهم وأجزل العطاء ، وأخرج إلى كلّ قبيلة جوائزها وأعطياتها ، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء ، وذلك فيما تخيّله سيحمل بني هاشم على الضغط على الحسين ( عليه السلام ) ليبايع ، ولكنه فشل في تصوره فقد خرج عبد الله بن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء ـ.

فجلس ببابه فجعل معاوية يقول مَن بالباب؟ فيقال عبد الله بن عباس ، فلم يأذن لأحد ، فلمّا استيقظ قال : من بالباب؟ فقيل عبد الله بن عباس ، فدعا بدابته فأدخلت إليه ثمّ خرج راكباً فوثب إليه عبد الله بن عباس فأخذ بلجام البغلة ثمّ قال : أين تذهب؟ قال إلى الشام قال : فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا؟ فأومأ إليه معاوية فقال : والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم.


قال ابن عباس : فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد ، وأبى عبد الله ابن عمر فأخرجت جائزة بني عدي. فما لنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا؟ فقال معاوية : لستم كغيركم لا والله لا أعطيكم درهماً حتى يبايع صاحبكم. فقال ابن عباس : أما والله لئن لم تفعل لألحقن بساحل من سواحل الشام ثمّ لأقولنّ ما تعلم ، والله لأتركنّهم عليك خوارج فقال معاوية : لا بل أعطيكم جوائزكم فبعث بها من الروحاء ومضى راجعاً إلى الشام »(1) وقد فشل في سياسته من الضغط على الحسين ( عليه السلام ) عن طريق منع الهاشميين جوائزهم ، ولم يزدهم إلاّ تضامناً مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) في رفضهم بيعة يزيد وقد أخذها لهم ابن عباس لسانهم المعبّر عنهم وكبير شأنهم ، فأرغم معاوية على الإنصياع خاسئاً وهو حسير.

قال ابن أعثم في الفتوح ـ وقد ذكر نحو ما تقدم ـ ثمّ قال : « فتبسم معاوية وقال : بل تعطون وتكرمون وتزادون أبا محمّد. قال : ثمّ أمر معاوية لبني هاشم بجوائز سنية ، فكلٌ قبل جائزته إلاّ الحسين بن عليّ فإنّه لم يقبل من ذلك شيئاً »(2) .

والّذي يلفت النظر تكنية معاوية لابن عباس بأبي محمّد ، ولم يذكر ذلك أحد في كناه فقد كان يكنى أبا العباس باسم ابنه العباس وهو أكبر ولده(3) ، على انّه كان له ولد اسمه محمّد ذكره ابن الكلبي في جمهرة النسب وقال : « لا بقية له »(4) . فلعلّه كانت ولادته في تلك الأيام فكنّاه معاوية باسمه استلطافاً واستدراجاً والله العالم بحقائق الأمور.

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 157.

(2) الفتوح 4 / 244 ـ 245.

(3) مرّّ بالجزء الأوّل ما يتعلق بهذا فراجع.

(4) أنظر جمهرة النسب / 140.


سنّة كسرى وقيصر(1) :

إنّ للجاحظ رسالة في بني أمية مطبوعة وهي الرسالة الحادية عشرة : قال فيها ـ بعد استعراضه ما حدث للأمة منذ عهد الرسالة ـ : « إلى أن كان من اعتزال الحسن ( رضي الله عنه ) الحرب ، وتخليته الأمور عند انتشار أصحابه ، وما رأى من الخلل في عسكره فعندها استبد معاوية على الملك واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الّذي سموه ( عام الجماعة ) وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة قهر وجبرية وغلبة ، والعام الّذي تحوّلت فيه الامامة ملكاً كسروياً ، والخلافة منصباً قيصرياً ، ولم يعُد ذلك أجمع الضِلال والفسق ، ثمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتبنا ، حتى ردّ قضية رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) رداً مكشوفاً ، وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر مع اجماع الأمة على أنّ سميّة لم تكن لأبي سفيان فراشاً ، وانه إنما كان بها عاهراً ، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفار ، وليس قتل حجر بن عدي واطعام عمرو بن العاص خراج مصر وبيعة يزيد الخليع والاستئثار بالفيء واختيار الولاة على الهوى وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس جحد الاحكام المنصوصة والشرائع المشهورة ، والسنن المنصوبة ، وسواء في باب ما يستحق من الكفّار جحد الكتاب وردّ السنّة إذا كانت السنّة في شهرة الكتاب وظهوره إلاّ انّ أحدهما أعظم ، وعقاب الآخرة عليها أشدّ ، فهذه أوّل كفرة كانت من الأمة ثمّ لم تكن إلاّ فيمن يدّعي إمامتها والخلافة عليها ، على أنّ كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره ، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة

____________________

(1) ممّا ألحق جديداً بالكتاب.


دهرنا فقال : « لا تسبّوه فإن له صحبة ، وسبّ معاوية بدعة ، ومن يبغضه فقد خالف السنّة » فزعمت أنّ من السنّة ترك البراءة ممّن جحد السنة اهـ »(1) .

فهذا الجاحظ وهو المعروف بعثمانيته المتشدّدة جعل عام تولي معاوية الحكم ـ العام الّذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً والخلافة منصباً قيصرياً ـ ولم يكن بدعاً في مقالته فقد سبقه عمر فكان إذا رأى معاوية قال : « هذا كسرى العرب »(2) ، ولحقه آخرون قالوا بذلك ونحوه. وقد مرت الإشارة إلى بعض ذلك ، إلاّ أنّ الّذي دعاني إلى إعادة التذكير به هو ما قرأت حديثاً في كتاب ( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ ) تأليف الدكتور إبراهيم عليّ شعوط الاستاذ بجامعة الأزهر.

وهذا الكتاب شأن سائر الكتب فيه الغث والسمين ، إلاّ أنّ الغث غلب طبعه حتى نخر العثُّجذعه ، ولست بصدد بيانه في المقام ، غير أنّي رأيت المؤلف في ازدواجية معاييره بالنسبة إلى المصادر التاريخية يتبّع الهوى ويقلّد محبّ الدين الخطيب في تعليقاته على كتاب العواصم من القواصم لابن العربي المالكي ، وحال الجميع يعرف من دفاعهم المستميت عن معاوية وبني أمية. وقد بلغت القحة بشعوط في الفصل الخامس انكاره لعن معاوية للإمام عليّ على منابر بني أمية فقال : « لم يصح أبداً عن معاوية ( رضي الله عنه ) انّه سبّ عليّاً كرّم الله وجهه أو لعنه مرة واحدة ، فضلاً عن التشهير به على المنابر »(3) ، وهذا من الغرابة بمكان!! فإنّ مسألة اللعن جازت الشهرة والتظافر إلى حد التواتر ، وما أكثر الشواهد المثبتة لذلك الحدث المهين المشين ، وقريباً مرّ بنا حديث ابن عباس مع معاوية في رفع الشتم

____________________

(1) راجع الرسالة الحادية عشرة في رسائل الجاحظ جمع السندوبي طبع مصر بمطبعة الرحمانية سنة 1352 هـ.

(2) تاريخ ابن كثير 8 / 125.

(3) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ / 214 ط السادسة 1408 هـ نشر المكتب الإسلامي.


من على منابر المسلمين فقال معاوية : هيهات يا بن عباس ، وقد مرّ نقله عن الموفقيات للزبير بن بكار والحدائق الوردية فراجع ( مع النصوص ) ، ثمّ حديث معاوية مع سعد بن أبي وقاص وقد طلب منه أن يسب أبا تراب فأبى ، حديث رواه مسلم(1) ، والترمذي(2) ، والحاكم(3) ، والطبري والمسعودي وغيرهم وغيرهم.

روى البلاذري في أنسابه : « خطب معاوية بالمدينة وذكر عليّاً فنال منه والحسن بن عليّ تحت المنبر فقال : يا أهل الشام إنّ معاوية يخدعكم بهذا الخاتم الّذي من كان في يده جازت كتبه في الآفاق »(4) .

وروى ابن حجر في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة عن شهر بن حوشب قال : « أقام فلان ـ يعني معاوية ـ خطباء يشتمون عليّاً »(5) .

وفي العقد الفريد وغيره : « انّ الأحنف قال لمعاوية وقد سمع خطيب أهل الشام يلعن عليّاً : إنّ هذا القائل لو يعلم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم »(6) .

وفي أنساب الأشراف : « وكتب معاوية إلى المغيرة : أظهر شتم عليّ وتنقصه »(7) .

وفيه أيضاً : « إنّ معاوية كان قد أوصاه حين أراد توليته قال : لا تكفكفن عن شتم عليّ وذمّه »(8) .

____________________

(1) صحيح مسلم 7 / 120 ط صبيح.

(2) سنن الترمذي 13 / 171.

(3) مستدرك الحاكم 3 / 109.

(4) أنساب الأشراف 1ق 4 / 113.

(5) الإصابة 1 / 77 ، وأسد الغابة 1 / 134.

(6) العقد الفريد 2 / 144.

(7) أنساب الأشراف ( بنو عبد شمس ) 1ق 4 / 23.

(8) نفس المصدر / 243 ، وأنظر كلٌّ من تاريخ الطبري 2 / 111 ـ 113 ، وتاريخ ابن الأثير 3 / 392 ـ 396.


وحديث المغيرة مع صعصعة بن صوحان كما في مسند أحمد ومستدرك الحاكم والأذكياء لابن الجوزي(1) ، وحديث رفع عمر بن عبد العزيز لسنّة السبّ ، كلّ ذلك ممّا ذاع وشاع ، ويجده من له أدنى اطلاع في المصادر التاريخية وغيرها(2) . وحديث شتم بسر للإمام عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس فعلاه بعصاً فشجّه لأنّه جده من قبل أمه أم كلثوم رواه الطبري وابن الأثير(3) ، وقد شتم بسر بن أبي أرطأة على منبر البصرة ثمّ قال : « نشدت الله رجلاً علم أني صادق إلاّ صدقني أو كاذب إلاّ كذبني ، فقال أبو بكرة : الله انّا لا نعلمك إلاّ كاذباً ، قال فأمر به فخنق »(4) ، وبنى زياد مساجد لشيعة بني أمية ومن يبغض عليّاً يسبّونه فيها ـ فمنها مسجد بني عدي ومسجد بني مجاشع ومسجد الأساورة ومسجد الحُدان(5) ، وشتم كثير بن شهاب على منبر الري وكان يكثر ذلك(6) .

وشتم مروان بن الحكم على منبر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وبحضور الحسن بن عليّ(7) . روى الذهبي في تاريخه : « كان مروان أميراً بالمدينة ست سنين فكان يسب عليّاً »(8) .

وشتم عمرو بن سعيد الأشدق وبالغ في الشتم فاصابته اللقوة(9) .

____________________

(1) مسند أحمد 1 / 188 ، ومستدرك الحاكم 1 / 385 ، والأذكياء لابن الجوزي.

(2) راجع تاريخ اليعقوبي 3 / 48 ، والمسعودي 2 / 167 ، وابن الأثير 7 / 17 ، وتاريخ السيوطي / 161.

(3) رواه الطبري 5 / 335 ، وابن الأثير 3 / 5 ط بولاق.

(4) تاريخ الطبري 6 / 96.

(5) أنساب الأشراف 1ق 4 / 232.

(6) الكامل لابن الأثير 3 / 179.

(7) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 127.

(8) تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 288 ط القدسي.

(9) إرشاد الساري 4 / 368 ، وتحفة الباري الأنصاري بذيل الإرشاد.


وقد ودّع معاوية الحياة بسماعه شتم الإمام(1) .

ثمّ إنّهم سبّوا عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وقالوا فيه القبيح وقال مروان لعليّ بن الحسين : « ما كان في القوم ادفع عن صاحبنا من صاحبكم ـ يعني عليّاً ـ عن عثمان ، قال عليّ : فما بالكم تسبّونه على المنابر؟ قال : لا يستقيم الأمر إلاّ بذلك »(2) .

ومع هذا كلّه وغيره ، أنكر الاستاذ الأزهري شعوّط بجرة من القلم وبوقاحة فقال : « لم يصح أبداً عن معاوية ( رضي الله عنه ) انّه سبّ عليّاً كرّم الله وجهه أو لعنه مرة واحدة فضلاً عن التشهير به على المنابر ». ولم يقف عند هذا الحد ، بل جاوز الحزام الطبيين فانتهى إلى جعل عنوان بارز ( الصحيفة البيضاء لمعاوية بن أبي سفيان ) فقال : « بمعايير العدل ومقاييس الإنصاف يعرض علينا جملة من الرواة ومجموعة من رواد الحقّ مكانة معاوية وصورته الحقيقية الّتي ينبغي أن يعرفه الناس بها ، وينزعوا من عواطفهم كلّ رواسب البغض والضغينة الّتي خلّفتها ـ في أعماق نفوسهم ـ الروايات المغرضة ووشايات السوء الحاقدة »(3) .

ثمّ ساق ثمانية شواهد لاثبات زعمه كان سادسها شهادة ابن عباس لمعاوية يرويها الطبري وابن كثير هكذا : « ما رأيت أحداً أخلق للملك من معاوية ، إن كان يرد الناس منه على أرجاء واد رحب »(4) .

وحيث أورد ذكر ابن عباس شاهداً فعلينا أن نحقق ما رواه لتعريف القارئ بأمانته في النقل فنقول :

____________________

(1) راجع ابن أعثم 4 / 254 في خبر موته وأخذ البيعة لابنه يزيد ودخول سبعين رجلاً من صناديد قريش وأهل الشام.

(2) رواه الذهبي في تاريخ الإسلام 2 / 129 ط القدسي وقال رواه ابن أبي خيثمة باسناد قوي.

(3) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ / 214.

(4) تاريخ الطبري 5 / 337 ، والبداية والنهاية 8 / 135.


نحن راجعنا المصدرين المذكورين فرأينا كلمة ابن عباس في الطبري هكذا : « حدّثني عبد الله بن أحمد قال حدّثني أبي قال حدّثني سليمان قال : حدّثني عبد الله عن معمر عن همّام بن منبّه قال سمعت ابن عباس يقول : ما رأيت أحداً أخلق للمُلك من معاوية ، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رَحِب ، ولم يكن كالضيّق الخصخص ، الحصير ـ يعني ابن الزبير ». وفي البداية والنهاية أيضاً كذلك مع اختصار في السند وفي المتن ، وأحسبه أخذه عن الطبري. والخبر رواه البلاذري بسنده عن المدائني عن أبي عبد الله عن رجل قال : « قال عبد الله ابن العباس : ما رأيت أحداً كان أحق بالملك من معاوية ، لله درّه إن كان حليماً وإن كان الناس لينزلون منه بأرجاء واد خصب ، لم يكن بالضيّق الليّق المتصعّب الحصوص. يعني الّذي يُحاصّ في كلّ شيء »(1) . وذكر المحقق في الهامش تخريجاته(2) .

أقول : وفي ابن الأثير : « ولم يكن كالضيّق الحصحص الحصر يعني ابن الزبير ، وكان مغضباً »(3) .

ومهما يكن فإنّ خبر الطبري الّذي اعتمده مع الإغماض عمّا في سنده ويكفي وجود معمّر الّذي قال فيه الذهبي ومع كون معمر ثقةً ثبتاً فله أوهام لا سيما لمّا قدم البصرة(4) . وقد اعترف معمّر نفسه بعد أن احتجم فقال : « فقمت

____________________

(1) أنساب الأشراف 1ق 4 / 48 برقم 172.

(2) عن مصنف عبد الرزاق ج 11 / 453 ، والطبري 2 / 215 ، وابن الأثير 4 / 9 وقال : وأنظر تاريخ الإسلام 2 / 321 ، وسير الذهبي 3 / 101 ، وتاريخ البخاري 4 / 327 ، وابن كثير 8 / 135 ، واللسان 5 / 269 و 8 / 321 ، ونهاية ابن الأثير 1 / 233 و 3 / 102 و 116 وحكى عن الذهبي وعبد الرزاق : العصعص وقال : وهو الأصوب.

(3) تاريخ ابن الاثير 3 / 5 ط بولاق.

(4) سير أعلام النبلاء 7 / 13.


وما أقدر من القرآن على حرف حتى كنت لأصلي فأمر من يلقّنني »(1) . وخبر البلاذري فيه جهالة الرجل الراوي عن ابن عباس ، ومع الاغماض عمّا في أسانيده فإن آخر الخبر ظاهر في الموازنة بين معاوية وبين ابن الزبير ، وتفضيل معاوية على ابن الزبير ، وهذا لا يعني شهادة من ابن عباس في حقّ معاوية تزكّيه عمّا اقترف ، وحسبنا غروره مع ما أساء واعترف ، فمن غروره ما قاله إسماعيل بن قيس : « دخلنا على معاوية في مرضه الّذي مات فيه فقال : هل الدنيا إلاّ ما جرّ بنا ، لوددت أنّي لا أقيم فيكم إلاّ ثلاثاً حتى ألقى الله ، فقلنا إلى رحمة الله ، فقال إلى ما شاء الله ، إنّي لم آل فيكم إذ وليتكم فإن الله لو كره أمراً غيّره »(2) .

قال ابن عيينة : « هذا والله الاغترار ، ألم تكن مقاتلته عليّاً وقتله حجراً وبيعته يزيد ممّا يكره الله تعالى »(3) وحسبنا تعقيباً في المقام قول عائشة وقد رواه ابن عساكر وعنه ابن كثير(4) بالاسناد عن الأسود بن يزيد قال : « قلت لعائشة : ألا تعجبين لرجل من الطلقاء وينازع أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الخلافة؟

فقالت : وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر ، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة وكذلك غيره من الكفّار »(5)

مرويات مفتريات على ابن عباس في فضل معاوية :

والآن إلى قراءة مرويات مفتريات على ابن عباس في فضل معاوية ، انتقيناها من البداية والنهاية لابن كثير ، لأنّ شعوط اعتمدها كما مرّ ، ولا غرابة

____________________

(1) المصنف لعبد الرزاق ـ وهو أحد الرواة عن معمر ـ 11 / 30.

(2) محاضرات الراغب 2 / 222.

(3) نفس المصدر.

(4) البداية والنهاية 8 / 131.

(5) تجد التحريف في تاريخ ابن عساكر وكذا في مسند الطيالسي في هذا الحديث مع ان ابن كثير نقله عنهما.


فابن كثير شاميّ البلد والهوى ، وهو يروي ذلك عن ابن عساكر وهو مثله وكلّهم في حب معاوية سوا.

1 ـ قال المسيّب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : « أتى جبرئيل إلى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال : يا محمّد أقرئ معاوية السلام واستوصى به خيراً ، فإنّه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الأمين ».

قال ابن كثير : ثمّ أورده ابن عساكر من وجه آخر عن عبد الملك بن أبي سليمان ثمّ أورده أيضاً من رواية عليّ وجابر بن عبد الله ولكن في الأسانيد اليهما غرائب(1) .

أقول : وهذا يعني بنظره سلامة الإسناد إلى ابن عباس فلننظر حال رجاله ، وحسبنا سقوط السند لوجود المسيب بن واضح الّذي قال فيه ابن عدي : « قلت لعبدان أيهما أحبّ إليك عبد الوهاب بن الضحاك أو المسيب بن واضح؟ فقال : كلاهما سواء »(2) . وإذا عرفنا أنّ عبد الوهاب من الكذّابين الوضّاعين المعروفين متروك ضعيف جداً كثير الخطأ والوهم فيكفي ذلك في رد روايته(3) ، وقد ضعّفه الدارقطني في أماكن من سننه(4) ، ودع عنك جهالة أبي إسحاق الفزاري ، وقول شعبة في عبد الملك بن أبي سليمان لتفرّده عن عطاء بخبر الشفعة للجار وقال : « لو روى عبد الملك حديثاً آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه »(5) .

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 120.

(2) الكامل لابن عدي 5 / 295.

(3) مجمع الزوائد 9 / 357 ، وفيه قال البخاري : عنده عجائب كما في الكامل لابن عدي 5 / 295.

(4) ميزان الاعتدال 4 / 117.

(5) الكامل لابن عدي 5 / 302.


أقول : وحسبنا بالمثلية روايته عن عطاء هذا الحديث ، فإذا تم هذا فقد سقط إذن الحديث المذكور عن عطاء عن ابن عباس في معاوية.

وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث بسند آخر رواه الطبراني في الأوسط ، فقال الهيثمي : « وفيه محمّد بن فطر ولم أعرفه وعليّ بن سعيد الرازي فيه لين »(1) .

وذكره السيوطي نقلاً عن الطبراني في الأوسط وذكر في سنده رجلان مجهولان كما ذكر قبله حديثاً آخر نحو ما مرّ عن ابن عباس أيضاً وعقّب على إسناده فقال : « فيه مجاهيل ومولى غفرة لا يحتج به ، وهذا هو قول ابن الجوزي في الموضوعات فراجع »(2) .

2 ـ قال : « ومن رواية ابن عباس : ( الأمناء سبعة : القلم واللوح واسرافيل وميكائيل وجبرائيل وأنا ومعاوية ). قال ابن كثير : وهذا أنكر من الأحاديث الّتي قبله وأضعف إسناداً »(3) . وحسبنا شهادة ابن كثير في رد هذه الرواية.

3 ـ روى ابن عدي وغيره من حديث عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن عطاء عن ابن عباس قال : « قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( اللّهمّ علّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب ) »(4) .

أقول : لقد ترجم الذهبي في ميزانه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي هذا وحكى قول أبي حاتم فيه : لا يحتج به ، وقول ابن عدي : منكر الحديث. قال : ثمّ ساق ـ ابن عدي ـ في ترجمته عدة أحاديث منكرة ، منها ثمّ ذكر الحديث المذكور آنفاً وقال : فوهم ابن عدي ، وإنّما هذا الوقاصي لا الجمحي(5) .

____________________

(1) مجمع الزوائد 9 / 357.

(2) اللئالى المصنوعة 2 / 218 ط مصر الأولى.

(3) البداية والنهاية 8 / 120.

(4) الكامل لابن عدي 5 / 161.

(5) ميزان الاعتدال 3 / 47.


أقول : ورجعنا إلى ترجمة عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي فوجدنا البخاري قال : تركوه ، وابن معين قال : ليس بشيء ، وقال ـ مرة ـ : يكذب ، وضعّفه عليّ جداً ، وقال النسائي والدار قطني : متروك.

وسواء كان راوي الحديث هو الجمحي كما عن ابن عدي وابن كثير ، أو هو الوقاصي كما يراه الذهبي ، فهما معاً ساقطان لا يحتج بهما.

قال الدكتور جواد عليّ في كتابه المفصّل : « وقد وضعت أحاديث في مدح معاوية وبني أمية ، وأرى أنّ الحديث المذكور ، يعني ( اللّهمّ علّمه الكتاب والحساب قاله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لمعاوية ) وُضع في مقابل حديث ( اللّهمّ علّمه الحكمة ) الّذي روي أنّ الرسول قاله في ( ابن عباس ) وحديث ( اللّهمّ فقهه في الدين وعلّمه التأويل ) أو ( اللّهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب ) و ( اللّهمّ بارك فيه وانشر منه ) وأحاديث أخرى ذكر انّها قيلت فيه »(1) .

أقول : ولا يبعد صحة ما رآه.

4 ـ قال ابن كثير بعد ايراد ما مرّ وغيره نقلاً عن ابن عساكر : « ثمّ ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية أضربـنا عنها صفحـاً ، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عمّا سواها من الموضوعات والمنكرات. ثمّ قال ابن عساكر : وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة ـ والصواب أبي حمزة ـ عن ابن عباس : « انّه كان كاتب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) منذ أسلم » أخرجه مسلم في صحيحه »(2) . وقد سبق لابن كثير أن أخرجه(3) ولم يعلّق عليه بشيء.

____________________

(1) المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام 8 / 303 ط الأولى.

(2) البداية والنهاية 8 / 122.

(3) نفس المصدر 6 / 169.


أقول : وقبل أن نعرّج على صحيح مسلم ، نود لفت نظر القارئ إلى وصف ابن كثير لما انتقاه بالصحاح والحسان والمستجادات ومن البديهي أنّ ما سبق منا ذكره نقلاً عنه ممّا يتعلق بابن عباس كان ممّا انتقاه ، وقد بيّنا زيفه سنداً ، فهو إذن ليس من الصحاح ولا الحسان ولا المستجادات ، بل هو من الموضوعات والمنكرات فلماذا ذكرها؟

أمّا ما ذكره عن صحيح مسلم منسوباً إلى ابن عباس فليس ثمة ما هو كذلك وأحسبه أراد ما أخرجه عن أبي حمزة القصّاب عن ابن عباس قال : « كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فتواريت خلف باب ، قال : فجاء فحطأني حطأة وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، قال ثمّ قال لي اذهب فادع لي معاوية قال : فجئت فقلت هو يأكل فقال : لا أشبع الله بطنه ».

قال ابن المثنى قلت لأمية : ما حطأني قال : قفدني قفدة(1) . ( أي ضربني بكفّه بين كتفيّ ).

وقد أعاد مسلم ذكر الحديث بسند آخر مختصراً للمتن(2) ومن هذا الحديث ـ فيما أظنه ـ نحت ابن عساكر الحديث عن أبي جمرة ـ والصحيح أبي

____________________

(1) صحيح مسلم 8 / 127 طبع محمّد عليّ صبيح.

(2) لقد مرّ ذكر هذا الحديث في الجزء الأوّل في حياة ابن عباس في عهد الرسول في شواهد ومشاهد كما مرّ في هذا الجزء في جهاد ابن عباس بسلاح الرواية وعقبنا عليه بما يقتضي المقام وذكرنا سند أحمد في مسنده أخرجه مكرراً مختصراً ومطولاً أربع مرات وليس في شيء منها جملة ( لا أشبع الله بطنه ) فهل ابتلعها من لم يشبع الله بطنه؟ راجع 2150 و 2651 و 3104 و 3131 تح ـ أحمد محمّد شاكر.

وأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده برقم 2746 كما وأشار إليه ابن حجر في تهذيب التهذيب 8 / 136.

والذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاوية وابن عبد البر في الاستيعاب ( ترجمة معاوية ) وابن الأثير في أسد الغابة ( ترجمة معاوية ).


حمزة ـ فجعل معاوية ( كان كاتب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) منذ أسلم ) ، ومهما يكن فإنّ ذلك لا يدل على فضيلة لمعاوية بل هو يدل على مثلبة ، وإن حاول مسلم وجَرى من بعده على أن ينحتوا منه منقبة لمعاوية ، وقدّم لذلك مسلم بأحاديث ( فأيّما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة ) ، أو ( إنّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهوراً وزكاة وقربة تقرّبه بها منه يوم القيامة ) ، وبهذا اللون من الإسفاف ـ ولو على حساب كرامة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ جعلوا من دعاء الرسول على معاوية ( لا أشبع الله بطنه ) كرامة له وفضيلة.

ومن السخرية بعقول الناس ما قاله ابن كثير تعقيباً على الحديث المذكور بعد أن حكاه عن أحمد ومسلم والحاكم وذكر في آخره : فما شبع بعدها. فقال : « وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ، أمّا في دنياه فإنّه لمّا صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ، ويقول والله ما أشبع وإنّما أعيا وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كلّ الملوك (؟!). وأمّا في الآخرة فقد اتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الّذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة : أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( اللّهمّ إنّما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس بذلك أهلاً فاجعل ذلك كفّارة وقربة تقرّبه بها عندك يوم القيامة ) فركّب مسلم من الحديث الأوّل وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ولم يورد له غير ذلك ». انتهى ما عند ابن كثير من التعقيب.


ونحن لا نناقشه في انتفاع معاوية بالدعوة في الدنيا فدلائل نهمه كثيرة(1) ، ولكن من أين له إثبات ذلك في الآخرة؟! وهي غيبٌ محجوب ، لا يعلمه إلاّ علاّم الغيوب ، وما ذكره من تركيب مسلم فضيلة لمعاوية ، فهو كسائر تمحلاته الآتية وما أدراك ما هي؟ على أنّ الحديث ليس فيه ( أنّه كان كاتب النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) منذ أسلم ).

قال النووي : « وأمّا دعاؤه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن لا يشبع حين تأخر ففيه الجوابان السابقان : أحدهما أنّه جرى على اللسان بلا قصد ( ونحن نقول : غفرانك اللّهمّ ان هذا إلاّ بهتان عظيم ) ، والثاني أنّه عقوبة له لتأخره ، وقد فهم مسلم ( رحمه الله ) من هذا الحديث أنّ معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب ، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنّه في الحقيقة يصير دعاءً له »(2) (؟!).

وقال الذهبي : « فسرّه بعض المحبّين قال : لا أشبع الله بطنه حتى لا يكون ممّن يجوع يوم القيامة لأن الخبر عنه أنّه قال : أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة.

____________________

(1) راجع على سبيل المثال أنساب الأشراف تح ـ احسان عباس ( بنو عبد شمس ) 14 برقم 44 ـ وهذا بعضه في المستطرف 1 / 165 ـ و 42 برقم 155 وذكر في الهامش هذا في الطبري 2 / 208 والبخلاء / 139 وعيون الأخبار 3 / 228 والبصائر 4 / 242 وربيع الأبرار / 219 أ والعقد 6 / 299 وابن الأثير 4 ـ 7 ـ 8 وقوت القلوب 4 / 79 وابن كثير 8 / 141 وتاريخ ابن عساكر / 10 / 157.

وراجع أيضاً أنساب الأشراف / 125 برقم 357 وفي الهامش هذا في أخبار الظراف / 24.

وأيضاً في أنساب الأشراف 125 برقم 358 وفي الهامش هذا في نهاية الإرب 3 / 343 والمروج 5 / 74 والمستظرف 1 / 165 وابن كثير 8 / 119 وربيع الأبرار 211 / أسبع أكلات.

وقال البلاذري في فتوح البلدان / 479 ط مصر سنة 1319 : ودعاه يوماً وهو يأكل فأبطأ فقال : لا أشبع الله بطنه ، فكان يقول : لحقتني دعوة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وكان يأكل في اليوم سبع أكلات وأكثر وأقل.

وقد أضحى معاوية في نهمه مورد النكتة حتى قيل في ذلك :

وصاحب لي بطنه زاويه كأنّما في بطنه معاوية

(2) شرح صحيح مسلم 2 / 325 ط الهند و 16 / 156 ط مصر.


قلت ـ والقائل هو الذهبي ـ هذا ما صحّ والتأويل ركيك ، وأشبه منه قوله ( عليه السلام ) : ( اللّهمّ من سببته أو شتمته من الأمة فاجعلها له رحمة ) ، أو كما قال : وقد كان معاوية معدوداً من الأكلة »(1) . انتهى ما عند الذهبي في المقام بنصّه وفصّه.

لكن الألباني تلاعب بالنص على ما فيه من هنات فقد أورد الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشرّق وغرّب إلى أن حكى عن النووي ما ذكرناه آنفاً ، ثمّ قال بعده بلا فصل : « وقد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني ، فقال في سير أعلام النبلاء ( 9 / 171 / 2 ) : قلت : لعل أن يقال : هذه منقبة لمعاوية لقوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : اللّهمّ من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة »(2) .

فقارن الآن بينه وبين ما نقلناه حرفياً عن الذهبي لتعرف مدى الخيانة ممّن يزعم لنفسه الأمانة.

ومع ذلك فقد تحامل ـ الألباني بغير حقّ ـ على من أنكر حديث : ( اللّهمّ من سببته ) لمسّه بكرامة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حين يكون سبّه بغير حقّ وجلده بغير حقّ وقتله بغير حقّ(3) ، اللّهمّ غفرانك إن هذا إلاّ بهتان عظيم.

ولم يكن الألباني بدعاً في قومه ، فكم له من نظير استحوذ عليهم حبّ معاوية ، ففتشوا له عن منقبة فلم يجدوا ، فصاروا يقلبون المفاهيم فجعلوا من المثالب مناقب ، والدعاء عليه دعاءً له( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (4) فهم( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) (5) ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (6) .

____________________

(1) سير أعلام النبلاء 4 / 287 ـ 288 ط دار الفكر بيروت.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم / 82.

(3) سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم / 84.

(4) الحج / 46.

(5) المائدة / 13.

(6) البقرة / 79.


وأعود إلى ابن عساكر الّذي اعتبر هذا الحديث من أصح ما ورد في حقّ معاوية ، وتابعه ابن كثير على ذلك!! فهلاّ بحثاً عن رجال سنده أوّلاً ، ولا أقل عن أبي حمزة القصاب راوي الحديث عن ابن عباس.

فقد ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فقال : لا يتابَع على حديثه ولا يعرف إلاّ به ، وحكى عن سفيان قوله : قدم علينا أبو حمزة صاحب ابن عباس فلم آته(1) .

وذكره ابن حجر وحكى عن أبي زرعة انّه ليّن ، وعن أبي حاتم والنسائي قولهما : ليس بالقوي ، وعن الآجري عن أبي داود قوله : ليس بذاك وهو ضعيف(2) .

وقال النووي : « ليس له عن ابن عباس عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) غير هذا الحديث ، وله عن ابن عباس من قوله : إنّه يكره مشاركة المسلم اليهودي ، وكلّ ما في الصحيحين أبو جمرة عن ابن عباس فهو بالجيم والراء وهو نصر بن عمران الضبعي ، إلاّ هذا القصاب ـ بياع القصب ـ فله في مسلم هذا الحديث وحده ، لا ذكر له في البخاري »(3) .

أقول : فهذا حال الراوي عن ابن عباس ويكفي أنّه لا يتابَع على حديثه كما قال العقيلي ، وليكن ابن عساكر يراه من أصح ما ورد في فضل معاوية ، وليتابعه ابن كثير على ذلك( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) (4) .

5 ـ قال ابن كثير : « وقد قال البخاري في كتاب المناقب ( ذكر معاوية بن أبي سفيان ) : حدّثنا الحسن بن بشر ثنا المعافى عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة قال :

____________________

(1) الضعفاء الكبير 3 / 299.

(2) تهذيب التهذيب 8 / 135.

(3) شرح صحيح مسلم 11 / 155 ط دار الكتاب العربي سنة 1407.

(4) محمّد / 16.


أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال : أوتر معاوية بركعة بعد العشاء؟ فقال : دعه فإنّه قد صحب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) »(1) .

6 ـ « حدّثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر ثنا ابن أبي مليكة قال : قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلاّ بواحدة. قال : أصاب ، إنّه فقيه »(2) .

أقول : ذكر البخاري هذين الخبرين في صحيحه ، وكأنه لم يشأ أن يتخطى معاوية فلا يخط له ذكراً مع أصحاب السوابق والمناقب من الصحابة ، ولمّا لم يجد له منقبة تؤهله لذلك فنازعته نفسه وغلبه هواه فعمد إلى حشر معاوية فقال : ( باب في ذكر معاوية ) ، وفي اختياره هذا العنوان قال ابن حجر : « تنبيه : عبّر البخاري في هذه الترجمة بقوله ذكر ولم يقل فضيلة ولا منقبة ، لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب ، لأنّ ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير ، وقد صنف ابن أبي عاصم جزءاً في مناقبه ، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب وأبو بكر النقاش ، وأورد ابن الجوزي في الموضوعات بعض الأحاديث الّتي ذكروها ثمّ ساق عن إسحاق بن راهويه انّه قال : لم يصح في فضائل معاوية شيء ، فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ منقبة اعتماداً على قول شيخه ، لكن بدقيق نظره استنبط ما يدفع ( يدمغ ظ ) به رؤوس الروافض ، وقصة النسائي في ذلك مشهورة(3) ، وكأنه اعتمد أيضاً على قول شيخه ، وكذلك في

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 122.

(2) البداية والنهاية 8 / 122.

(3) رواها الذهبي في تذكرة الحفاظ / 699 ط دمج بيروت وابن خلكان في وفيات الاعيان 1 / 77 والمقريزي في المقفى الكبير 1 / 402 وغيرهم وخلاصتها خرج من مصر إلى دمشق والمنحرف بها عن عليّ كثير فصنف كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله ( عزّ وجلّ ). فسئل عن فضائل معاوية فقال أي شيء أخرّج ما اعرف له من فضيلة إلاّ حديث : ( اللّهمّ لا تشبع بطنه ) فضربوه في الجامع وداسوا في خصييه ( حضنيه ) حتى اخرج من الجامع ، ثمّ


قصة الحاكم(1) ، وأخرج ابن الجوزي أيضاً من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل. سألت أبي ما تقول في عليّ ومعاوية؟ فأطرق ثمّ قال : اعلم إنّ عليّاً كان كثير الاعداء ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كياداً منهم لعليّ. فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له ، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما والله أعلم »(2) .

أقول : ومع هذه الاستماتة من ابن حجر في تبرير ذكر البخاري لمعاوية وأنّه استنبط بدقيق نظره ما يدفع ( يدمغ ظ ) به رؤوس الروافض ، فنقول له :

أوّلاً : ما شأن الروافض في المقام ، وهل أنّ من ذكر أسماءهم من لا يرى فضيلة لمعاوية هم من الروافض؟

فهل إنّ إسحاق بن راهويه رافضي؟ وهل النسائي رافضي؟ وهل أحمد بن حنبل رافضي؟ وهل ابن الجوزي رافضي؟ وهؤلاء الّذين ذكرهم ابن حجر وصرّحوا بأنّه لم تصح فضيلة لمعاوية.

____________________

حمل إلى مكة فمات بها سنة 303 هـ وروى المقريزي في المقفى الكبير 1 / 403 : ان الأمير أبو منصور تكين قال قرأ عليّ أبو عبد الرحمان النسائي كتاب الخصائص ، فقلت : حدثني بفضائل معاوية ، فجاءني بعد جمعة بورقة فيها حديثان فقلت بهذه بس؟ فقال : وليست بصحاح! هذه غرم معاوية عليها الدراهم

(1) راجع طبقات الشافعية للسبكي 3 / 67 ط مصر الأولى و 4 / 161 ط محققة بمصر. تجد العنوان التالي ذكر البحث عمّا رُمي به الحاكم من التشيع ) وحكى السبكي قول ابن طاهر المقدسي وكان منحرفاً غالياً عن معاوية وأهل بيته فيتظاهر به ولا يعتذر منه وحكى عن أبي عبد الرحمن السلمي قوله : دخلت على أبي عبد الله الحاكم وهو في داره لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرّام وذلك أنّهم كسروا منبره ، ومنعوه من الخروج فقلت له : لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثاً لاسترحت من هذه الفتنة فقال : لا يجيء من قلبي ـ يعني معاوية.

(2) فتح الباري 8 / 105 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378.


ونزيده في المقام.

ثانياً : ذكر جماعة تتم بهم العشرة :

1 ـ عبد الله بن المبارك قال : « ها هنا قوم يسألونا عن فضائل معاوية ، وبحسب معاوية أن يُترك كفافاً »(1) .

2 ـ ابن تيمية ـ وهو عدو الروافض رقم واحد ـ فقد قال : « طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في ذلك كلّها كذب »(2) .

3 ـ الفيروزآبادي صاحب القاموس وغيره قال في خاتمة كتابه سفر السعادة : « ( باب فضائل معاوية ) ليس فيه حديث صحيح »(3) .

4 ـ العيني صاحب عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري قال في شرح الحديث المذكور : « فإن قلت : قد ورد في فضله ـ يعني معاوية ـ أحاديث كثيرة ، قلت : نعم ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الإسناد »(4) .

5 ـ الشوكاني صاحب نيل الأوطار قال في كتابه الفوائد المجموعة : « اتفق الحفاظ على أنّه لم يصح في فضل معاوية حديث »(5) .

6 ـ العجلوني قال في كشف الخفاء : « ( باب فضائل معاوية ) ليس فيه حديث صحيح »(6) .

7 ـ الذهبي في سير أعلام النبلاء قال : « وقد ساق ابن عساكر في الترجمة أحاديث واهية وباطلة طوّل بها جداً. وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه

____________________

(1) أنساب الأشراف ( بنو عبد شمس ) / 129.

(2) منهاج السنّّة 2 / 207.

(3) سفر السعادة / 143 ط دار العصور بمصر سنة 1332.

(4) عمدة القاري 16 / 249.

(5) كما في الغدير 11 / 97 نقلاً عن الفوائد المجموعة / 423 ح 162.

(6) كشف الخفاء / 420.


ويفضلونه ، إمّا قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء ، وإمّا قد وُلدوا في الشام على حبّه ، وتربّى أولادهم على ذلك ، وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة ، وعدد كثير من التابعين والفضلاء وحاربوا معه أهل العراق ونُشّؤوا على النُصب ، نعوذ بالله من الهوى »(1) .

والآن فلننعم النظر في رجال السند :

فالخبر الأوّل بدأه البخاري بروايته عن شيخه الحسن بن بشر فمن ذا هو؟

ترجمه ابن حجر فذكر في ترجمته قول أحمد : « روى عن زهير أشياء مناكير. وقول النسائي ليس بالقوي ، وقول ابن خراش : منكر الحديث » ، وختم ابن حجر ترجمته بقوله : « وذكره الساجي وأبو العرب في الضعفاء »(2) .

أقول : فحسبك من القلادة ما أحاط العنق.

أمّا سند الخبر الثاني ففيه نافع بن عمر ، ضعّفه ابن سعد بقوله : « قليل الحديث فيه شيء »(3) ، فتعقبه الذهبي بقوله : قلت هذا نوع من العنت والرجل فكما قال الإمام أجهد وكما قال ابن مهدي فيه كان من الناس ثم حكى توثيقه عن غير واحد(4) . وسواء صح ما قاله أم لم يصح ، فإنّ المتن يستبطن بطلانه من جهات بالبيان التالي :

الأوّل : اختلاف الراوي في نقله مع أنّ الواقعة واحدة كما مرّ في الخبرين عند البخاري ، فابن المليكة ـ وهذا قاضي ابن الزبير ومؤذّنه(5) وحسبك بهذا دليلاً

____________________

(1) سير أعلام النبلاء ( ترجمة معاوية ) 4 / 291.

(2) تهذيب التهذيب 2 / 255 ـ 256.

(3) طبقات ابن سعد 8 / 56 ط الخانجي.

(4) ميزان الاعتدال 2 / 525 ط الهند.

(5) الطبري 5 / 330 وفي المصدر المذكور زيادات اختصرها ابن كثير ، وقارن ابن الأثير 4 / 7 ، وابن كثير 8 / 140 ، وأنساب الأشراف ( بنو عبد شمس ) 1ق4 / 31 تح ـ احسان عباس بتفاوت ليس بينها.


على هويّته الناصبة ـ قد روى الخبرين معاً وتفاوت في نقله الجواب عن ابن عباس ، فهو إمّا أن يكون نطق بهذا أو بهذا ، فلماذا الاختلاف في نقل الجواب؟ وهذا الاختلاف يجعل رصيداً لمعاوية عند أحبابه ، فهو من الصحابة ، فلا يُسأل عمّا فعل ( دعه فإنّه قد صحب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم »!.

وهو كذلك مصيبٌ فيما فعل ( أصاب إنّه فقيه ) وقد مرّ بنا قول ابن حجر : « لأن ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير » مع أنّ ابن عباس لم يكن نطق بهما معاً كما هو صريح الخبرين ، بل بأحدهما على تقدير صحة الخبر وأنّى ذلك؟ فلاحظ.

الثانية : منافاة تلك الشهادة المزعومة لجملة مواقف ابن عباس مع معاوية بدءاً من أوّل لقاء بينهما بعد صلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) وقد مرّت الإشارة إليه ، وفي ذلك الموقف يقول ابن عباس لمعاوية : « لأنّه ـ يعني الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ مسلم وأنت كافر » ، فأين صارت الصحبة العاصمة؟ ثمّ من قرأ المحاورات الّتي كانت تجري بينهما طيلة عشرين سنة من حكم معاوية يجد أنّ ابن عباس لم يكن يرى لمعاوية أيّة حرمة فضلاً عن وصفه له بالفقه.

ومن ذا يصدّق بما في البخاري من خبر ابن أبي مليكة هذا ، ولابن عباس موقف يعلن استنكاره على معاوية في لبسه الحرير ، ويقول : « من عذيري من معاوية بن أبي سفيان أنا أقول له : قال رسول الله ، وهو يقول : وأنا لا أرى به بأساً » ـ كما ستأتي المحاورة بنصها في الحلقة الثانية في صفحة احتجاجاته ـ فلو كان يراه فقيهاً لاغتفر له ذلك لإجتهاده.

كما أنّه لعنه في قطعه التلبية يوم عرفة ولم يغتفر له ذلك ـ وقد مر ذكر ذلك.


الثالثة : ولنغضّ الطرف عن جميع ما مرّ ، ولنضع غشاوة على العيون لئلا نقرأ جرائم معاوية الّتي ارتكبها وكان ابن عباس ضده فيها ، ولكن هلم نتسائل من أنصار معاوية عن تخريج بعض أفعال معاوية فقاهةً :

1 ـ فهل كان الفقه يجيز له المطالبة بدم عثمان لأنّه ابن عمه ، مع وجود أبنائه وهم أولياء الدم إن كان لهم حقّ المطالبة؟ وقد مرّ بنا من أجوبة ابن عباس لمعاوية في مسألة دم عثمان في بعض محاوراته ممّا يغني عن الإعادة.

ومن المفارقات أن نجد الذهبي وغيره يروي أنّ ابن عباس قال في كلام له مع بعض سمّاره واسمه زهدم الجرمي : « وأيم الله ليتأمرنّ عليكم معاوية ، وذلك أنّ الله يقول :( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ) (1) ». وهذا الخبر أورده الطبراني(2) والهيثمي وعزاه للطبراني ، وقال : وفيه من لم أعرفهم(3) ، وأورده ابن كثير(4) .

وهكذا تناقلته رواة التبرير مع رواياتهم أنفسهم لما يصادم ذلك من مواقف ابن عباس ضد معاوية في المطالبة بدم عثمان.

ورحم الله الأعمش فقد ذكر عنده معاوية وقالوا : كان حليماً فقال : كيف يكون حليماً وقد قاتل عليّاً وطلب ـ وزعم ـ بدم عثمان من لم يقتله؟ وما هو ودم عثمان ، وغيره كان أولى بعثمان منه ، وقال شريك القاضي : ليس بحليم من سفه الحقّ وقاتل عليّاً(5) .

____________________

(1) الاسراء / 33.

(2) المعجم الكبير 10 / 263برقم 10613.

(3) مجمع الزوائد 7 / 236.

(4) البداية والنهاية 8 / 130 ـ 131.

(5) أنظر البداية والنهاية 8 / 130.


2 ـ وهل كان الفقه يجيز له التمرّد على خليفة بايعه المهاجرون والأنصار في المدينة وبقية الأمصار إلاّ الشام الّتي أنغلها معاوية ، وقد قال سفيان بن عيينة : « ما كانت في عليّ خصلة تقصر به عن الخلافة ، ولم يكن في معاوية خصلة ينازع بها عليّاً »(1) .

3 ـ وهل كان الفقه يجيز له الحرب الضروس على إمام زمانه ومن معه حتى قتل فيها أكثر من مائة ألف مسلم ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول لعليّ : ( حربك حربي وسلمك سلمي ).

4 ـ وهل كان الفقه يجيز له تبرير قتل عمار بأنّ عليّاً هو الّذي قتله ، حين استعظم بعض زبانيته ذلك للحديث النبوي الشريف الثابت المتواتر : ( عمّار تقتله الفئة الباغية )؟ إنّ عليّاً هو الّذي قتله أتى به فألقاه بين رماحنا ، فبلغ ذلك الإمام ( عليه السلام ) فقال : وحمزة قتله رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) (؟؟).

5 ـ وهل كان الفقه يجيز له استلحاق الدعي زياد بن أبيه فيناقض القرآن والسنّة؟

6 ـ وهل كان الفقه يجيز له استخلاف ابنه الفاسق الفاجر على المسلمين وفيهم من هو صاحب الأمر والحقّ؟

ودع عنك تلك الأمور لأنّها في سبيل الحكم ، ولكن هلم الخطب في موارد غيرها ممّا تنبئ عن استخفافه بالدين وأحكامه ، وإليك الإشارة إلى بعضها وجميعها في البداية والنهاية الّتي يعتمدها شعّوط في كتابه ( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ ).

____________________

(1) نفس المصدر.


أ ـ قال الزهري : مضت السنّة أن لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر ، وأوّل من ورّث المسلم من الكافر معاوية(1) وقضى بذلك بنو أمية من بعده ، حتى كان عمر بن عبد العزيز فراجع السنة ، وأعاد هشام ما قضى به معاوية وبنو أمية من بعده ، وبه قال الزهري.

ب ـ ومضت السنّة أنّ دية المعاهد كدية المسلم ، وكان معاوية أوّل من قصرها إلى النصف ، وأخذ النصف لنفسه(2) .

ج ـ قال ابن كثير : وذكر ابن جرير أنّ عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية ، فقال لهم في الطريق : إذا دخلتم على معاوية فلا تسلّموا عليه بالخلافة فانه لا يحبّ ذلك. فلمّا دخل عليه عمرو قبلهم قال معاوية لحاجبه : أدخلهم ، وأوعز إليه أن يخوّفهم في الدخول ويرعبهم ، وقال : إنّي لأظن عمراً قد تقدم إليهم في شيء؟ فلمّا أدخلوهم عليه ـ وقد أهانوهم ـ جعل أحدهم إذا دخل يقول : السلام عليك يا رسول الله ، فلمّا نهض عمرو من عنده قال : قبّحكم الله ، نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوّة(3) .

وأخيراً : فاقرأوا ما رواه ابن عساكر في ترجمة خديج الخصي مولى معاوية قال : « اشترى معاوية جارية بيضاء ، فأدخلتها عليه مجردة ، وبيده قضيب ، فجعل يهوي به إلى متاعها ـ يعني فرجها ـ ويقول هذا المتاع لو كان لي متاع ، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية ، ثمّ قال : لا ، ادع لي ربيعة بن عمرو

____________________

(1) تاريخ ابن كثير 8 / 139.

(2) نفس المصدر.

(3) تاريخ الطبري 5 / 330 وفي المصدر المذكور زيادات اختصرها ابن كثير ، وقارن ابن الأثير 4 / 7 ، وابن كثير 8 / 140 وأنساب الأشراف ( بنو عبد شمس ) 1ق4 / 31 تح ـ احسان عباس بتفاوت يسير بينها.


الجرشي ـ وكان فقيهاً ـ فلمّا دخل عليه ، قال : انّ هذه اتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك ، وإنّي أردت أن أبعث بها إلى يزيد؟ قال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنها لا تصلح له ، فقال : نعم ما رأيت. قال : ثمّ وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وكان أسود فقال له : بيّض بها ولدك.

وهذا من فقه معاوية وتحريّه حيث كان نظر إليها بشهوة ولكنه استضعف نفسه عنها ، فتحرّج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى :( وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ) (1) وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الدمشقي اهـ ».

وإلى هنا فلنختم فقه معاوية بما ذكره ابن كثير(2) عن ابن عساكر فيما رواه في فضائل معاوية.

وليس لنا من تعليق على ما ذكره سوى إنّا نقول : أنّ زوجته ميسون الكلبية كانت أفقه منه حين دخل عليها يوماً ومعه خادم خصيّ فاستترت منه وقالت : ما هذا الرجل معك؟ فقال : إنّه خصيّ فاظهري عليه ، فقالت : ما كانت المثلة لتحل له ما حرّم الله عليه ، وحجبته عنها. قال ابن كثير : وفي رواية إنّها قالت له : إنّ مجرّد مثلتك له لن تحلّ ما حرّمه الله عليه.

هذه نماذج من موارد فقهه الّتي خالف فيها الكتاب والسنّة ، ثمّ ينسب أولياؤه ـ وبلا حياء ـ إلى ابن عباس الّذي هو حبر الأمة وترجمان القرآن أنّه قال فيه : « أصاب إنّه فقيه »!؟ وهب أنا صدقنا الراوي في شهادة ابن عباس

____________________

(1) النساء / 22.

(2) أنظر البداية والنهاية 8 / 140.


فإنّ ابن عباس روى أيضاً أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( آفة الدين ثلاثة : فقيه فاجر ، وإمام جائر ، ومجتهد جاهل ) ، وفي قول ابن عباس ـ لو صح الخبر ـ دعه ، ما يدل على سخريته بمعاوية لمخالفته السنّة ، ولو لم يكن كذلك لأمره بالاقتداء به.

وتعقيباً منا على ما نسب إليه أيضاً من تبرير عمل معاوية بأنّه صحب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وهذه الشهادة أيضاً يبطلها تقسيم ابن عباس نفسه للصحابة ، فقد كان له رأي في تقسيمهم ، ذكرناه في الجزء الأوّل حيث قال : « ترك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الناس يوم توفي على أربع مراتب ( منازل ) » فراجع. ونضيف إليه هنا ما روي عنه في تقييمهم وقد قاله لمعاوية : « يا معاوية إنّ الله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، خصّ نبيّه محمداً صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال ، وبذلوا النفوس دونه في كلّ حال ، ووصفهم في كتابه فقال :( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (1) الآية ، قاموا بمعالم الدين ، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين ، حتى تهذّبت طرقه ، وقويت أسبابه ، وظهرت آلاءُ الله ، واستقرّ دينُه ، ووضحت أعلامه ، وأذلّ الله بهم الشرك ، وأزال رؤوسه ، ومحا دعائمه ، وصارت كلمة الله العليا ، وكلمة الّذين كفروا السفلى ، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية ، والأرواح الطاهرة العالية ، فقد كانوا في الحياة لله أولياء ، وكانوا بعد الموت أحياء ، وكانوا لعباد الله نصحاء ، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها ، وخرجوا من الدنيا وهم بعدُ فيها.

فقطع عليه معاوية الكلام وقال : إيها يا بن عباس حديثاً في غير هذا »(2) .

____________________

(1) الفتح / 29.

(2) مروج الذهب 3 / 61 ـ 62 ط عبد الحميد.


وأخيراً نختم الكلام عن رأيه في الصحبة ومن يتشدّق بها انتماءً بما رواه البزار بسند صحيح عن ابن عباس قال : « يقول أحدهم أبي صحب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وكان مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ولَنعلٌ خَلِِقٌ خير من أبيه » ، قال الهيثمي : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح(1) .

فهو لا يقيم الوزن لمجرد الصحبة العامة إذ ليس كلّ من رأى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أو صحبه يستحق شرف الصحبة ما لم يحسن الصحبة في حياة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ويؤدي حقّ الصحبة بعد وفاته. فذلك هو الّذي يحظى بوصف الصحبة الحقيقية على ضوء ما ذكره ابن عباس أخذاً من التخصيص الشرعي الّذي استفاده من القرآن الكريم. أمّا الّذين أساؤا إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الحياة ، ولم يحسنوا بعد الممات فهم في الدرك الأسفل من النار وإن شملهم الإطلاق اللغوي ، وضمّت تراجمهم معاجم الصحابة ، ويكفينا دليلاً أخبار الحوض الصحيحة الّتي تُخرج الكثير الكثير من حظيرة القدس وشرف الصحبة إلى مهاوي الحضيض في نار جهنم(2) .

فقد روى البخاري بسنده عن جبير بن نفير ـ في حديث مع المقداد بن عمرو قال فيه المقداد : « والله لقد حضر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أقوامٌ كبّهم الله على مناخرهم في جهنم( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) (3) »(4) .

____________________

(1) مجمع الزوائد 1 / 113.

(2) لي رسالة في ذلك أسميتها ( قطف الروض من أحاديث الحوض ) جمعت فيها الأحاديث المتعلقة بذلك من الصحاح والمسانيد والسنن ، والتاريخ مع اعترافات خطيرة لأكابر الصحابة بأنهم أحدثوا بعد النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أحداثاً يخشون منها ، المؤلف.

(3) الأعراف / 157.

(4) الأدب المفرد / 33 باب الولد قرة العين تح ـ محمّد فؤاد عبد الباقي ط السلفية سنة 1375 بمصر.


فهل كان ابن عباس يرى معاوية ممّن حظي بشرف الصحبة ، ومن حظي بهما فلا يُسأل عمّا فعل كما هو رأي علماء التبرير؟! اللّهمّ لا ، لأنّه قد لعنه في يوم عرفة على ملأ من المسلمين لأنّه ترك التلبية ، وهو بالأمس قد حاربه في صفين وهو لا يزال يروي فيه ما سمعه من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من لعنه والدعاء عليه. فكيف نصدّق برواية البخاري الّتي فيها أكثر من ملاحظة!

والأعجب عندي من ذلك رواية هذا الخبر عند الشافعي في مسنده فرواه بإسناده إلى كريب مولى ابن عباس : « أنّه رأى معاوية صلّى العشاء ثمّ أوتر بركعة واحدة لم يزد ، فأخبر ابن عباس ، فقال : أصاب ، وأي بنيّ ليس أحدٌ منا أعلم من معاوية ، هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر اهـ »(1) !!

وهذه الشهادة بالأعلمية أفظع وأفضح المفتريات على ابن عباس ، فقد استعر أوار المزايدات المناقبية في هذا الخبر عند الشافعي ، ولست أدري كيف لم يذكرها ابن حجر وهو المتهالك على جمع الرمّ والطمّ لمعاوية؟ ولعله رآها فلم يعتن بها لوضوح كذبها. وما أدري ما جواب الشافعي والبخاري وأضرابهما ممّن روى المفتريات على ابن عباس في حقّ معاوية عمّا رواه ابن عباس من لعن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لمعاوية وعمرو بن العاص عندما سمعهما يغنّيان (؟)

فقد أخرج الطبراني في المعجم قال : « حدّثنا أحمد بن عليّ الجارودي الاصبهاني ، ثنا عبد الله بن سعيد الكندي ، ثنا عيسى بن سوادة النخعي عن ليث عن طاووس عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : سمع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) صوت رجلين يغنّيان وهما يقولان :

ولا يزال حواريٌ يلوحُ عظامُه

زوى الحربُ عنه أن يُجَنَّ فيقبرا

____________________

(1) مسند الشافعي 1 / 108.


فسأل عنهما ، فقيل : معاوية وعمرو بن العاص ، فقال : ( اللّهمّ أركسهما في الفتنة رَكساً ودعّهما إلى النار دعّا ) »(1) . وهذا الحديث صريح في ذمّهما ولعنهما والدعاء عليهما وبالتالي فهما من أهل النار ، لأنّ دعاءه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مستجاب.

وقد أقلق هذا الحديث علماء التبرير ، ولهم حوله غمغمة وجعجعة من غير طحين ، فقد رواه غير ابن عباس جماعة منهم :

1 ـ أبو برزة الاسلمي وحديثه في مسند أحمد(2) ، ورواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين(3) ، إلاّ أنّ الأوّل تستر على الاسمين بينما الثاني صرح بهما ، وفي مجمع الزوائد قال : رواه أحمد والبزار ، وأبو يعلى بنحوه ولم يخفى محاولته التستر على الرجلين ، فلم يصرّح باسميهما وقال : فلان وفلان(4) .

2 ـ المطلب بن ربيعة وحديثه رواه الطبراني في الأوسط وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد(5) ، وخدشه سنداً ولا ضير فله شواهد.

3 ـ صالح شقران مولى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فقد روى حديثه ابن قانع في معجمه ـ كما في لئالي السيوطي(6) بسنده عن سيف بن عمر ـ الكذّاب الوضّاع المتهم بالزندقة ـ ومع ذلك فقد تهلل وجه الراوي ـ السيوطي ـ لأنّ روايته كشفت الغمة

____________________

(1) المعجم الكبير 11 / 32 برقم 10970 ط الموصل.

(2) مسند أحمد 4 / 421 ط الأولى.

(3) كتاب صفين / 246 ط مصر سنة 1365 وقد عيّنا سنة الطبع ومكانه ، لأن يد الخيانة في طبعة بيروت بالمطبعة العباسية سنة 1340 حذفت هذا وما قبله وما بعده ما يقابل صفحتين ونصف ضمّت ستة أخبار في ذم معاوية كما أسقطوا الأسانيد في الكتاب ، وما درى الأغبياء ان ذلك لا يعني اخفاء الحقّ عن الباحثين ، فله مصادر أخرى لم تنلها أيديهم ، كما له شواهد ذكرناها في المتن.

(4) مجمع الزوائد 8 / 121.

(5) نفس المصدر.

(6) اللئالي المصنوعة للسيوطي 1 / 222 ط مصر الأولى سنة 1317.


عن علماء التبرير ، فجعلت الغناء والدعاء على عمرو بن رفاعة أحد المنافقين وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين فقال السيوطي ـ مبتهجاً ـ وهذه الرواية أزالت الإشكال وبينت أنّ الوهم وقع في الحديث الأوّل في لفظة واحدة وهي قوله ابن العاصي وإنّما هو ابن رفاعة.

وهذا من أغرب الغرائب!! حيث أنّ ما ذكره بسنده إنّما هو عن سيف بن عمر ، وهذا هو نفسه قد طعن في روايته ، فقال في حديث غير هذا : « إنّه وضّاع » ، وقال في حديث آخر : « فيه ضعفاء أشدّهم سيف »(1) ، فكيف يزول الاشكال برواية من هو وضّاع وضعيف؟ مع أنّ نصر بن مزاحم المتوفى سنة 212 ذكر الإسمين من دون أي همهمة أو غمغمة. وهو أوثق رواية من سيف الوضّاع الّذي قال الحاكم فيه : « اتهم بالزندقة »(2) وهو في الرواية ساقط ، وقال البرقاني عن الدار قطني : « متروك »(3) ، وقال ابن حجر : « وقرأت بخط الذهبي مات سيف زمن الرشيد »(4) .

( أقول : ) فإن صح ذلك فهو معاصر لنصر ، ونصر أوثق منه ، قال ابن أبي الحديد فيه : « ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال ، وهو من رجال أصحاب الحديث »(5) ، وذكره ابن حبان في الثقات(6) .

فهذه جملة من المفتريات على ابن عباس في فضل معاوية ذكرها ابن كثير وحكاها عن ابن عساكر ، وآخرها ممّا أخرجه البخاري في صحيحه ، وبيّنا ما في

____________________

(1) نفس المصدر 1 / 223.

(2) تهذيب التهذيب 4 / 296.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 183.

(6) الثقات 5 / 549 ط دار الكتب العلمية.


تلك المفتريات من الآفات الّتي تسقطها عن الاعتبار ، وقد يعظم على بعضهم أن يكون البخاري يروي بعضها في فضل معاوية وإن عنون باب ذكر معاوية.

ولكن هلم الخطب فيما وجدناه وأعظم من تلك الطامات في صحيح مسلم ممّا مر ما افتري به على ابن عباس ، ما رواه في فضل أبي سفيان والد معاوية ، إنّها لأحدى الكُبر. فاقرأ وتدبّر ، ولا تأخذك بهرجة الألقاب ، والإطناب في مدح إنسان أو كتاب ، وكأنّ الصحاح فيها الكذب مباح.

أخرج مسلم في صحيحه : « حدّثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد ابن جعفر المعقري قالا : حدّثنا النضر ـ وهو ابن محمّد اليمامي ـ حدّثنا عكرمة حدّثنا أبو زميل حدّثني ابن عباس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : يا نبيّ الله ثلاث أعطنيهنّ ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجها؟ قال : نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟ قال : نعم ، قال : وتومّرني. حتى أقاتل الكفّار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال : نعم.

قال أبو زميل : ولولا أنّه طلب ذلك من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ما أعطاه ذلك ، لأنّه لم يكن يُسأل شيئاً إلاّ قال : نعم اهـ »(1) .

ومن حقنا الكلام تعقيباً منا على ذلك من جهات :

أوّلاً : فلندع جانباً المغالاة في الصحيحين سواء كان صحيح البخاري الّذي قيل فيه إنّه أصح كتاب بعد كتاب الله ، ومن روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة ، أو كان صحيح مسلم الّذي قيل فيه : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب

____________________

(1) صحيح مسلم 7 / 171 كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ط محمّد عليّ صبيح بمصر.


مسلم(1) ، فجميع تلك من المزايدات الرخيصة ، ولكن هلمّ لنسأل مسلماً أو أي مسلم آخر هل قامت عند مسلم صاحب الصحيح الحجة بصحة هذا الخبر وهو الّذي يقول : « ما وضعت شيئاً في كتابي هذا المسند إلاّ بحجة ، وما أسقطت منه شيئاً إلاّ بحجة »(2) ؟

ثانياً : هل أنّ عنوان الباب الّذي ذكره ( باب من فضائل أبي سفيان ) يعني أنّ لأبي سفيان فضائل غير ما ذكره لمكان ( من ) التبعيضية ، وكلمة ( فضائل ) الّتي تعني الجمع؟ فهل هذا كان حقيقة أم على العين غشاوة؟

ثالثاً : هل كان يعرف زمن تلك الأحدوثة الكاذبة وأنّها لا بدّ أن تكون من بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة الّتي أظهر فيها أبو سفيان كلمة الشهادتين بعد معاناته من صراع نفسيّ مرير؟ فكيف تصحّ وقد كان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان في السنة السادسة من الهجرة أي قبل إسلام أبيها بسنتين؟ وهذا ما عليه اتفاق المؤرخين وأهل السير.

قال ابن الأثير في أسد الغابة : « لا اختلاف بين أهل السير في ذلك إلاّ ما وقع عند مسلم أنّ أبا سفيان لمّا أسلم طلب من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن يزوجها أياها فأجابه إلى ذلك؟ وهو وهم من بعض الرواة »(3) .

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : « وقد ذكر الزبير في ذلك أخباراً كثيرة كلّها تشهد بتزويج النجاشي اياها بأرض الحبشة »(4) .

____________________

(1) تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 389 افست طبع حيدر اباد.

(2) نفس المصدر / 390.

(3) أسد الغابة ( ترجمة أم حبيبة ).

(4) الاستيعاب ( ترجمة رملة بنت صخر أم حبيبة ) 4 / 298 بهامش الإصابة.


وقال ابن حجر في الإصابة : « وتزوج النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ابنته أم حبيبة قبل أن يسلم ، وكانت أسلمت قديماً وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة فمات هناك »(1) .

وقد تهالك ابن حجر في تبرير ما وقع عند مسلم حتى أنّه رد على ابن الأثير قوله : « وهو وهم من بعض الرواة » ، فقال : « وفي جزمه بكونه وهماً نظر ، فقد أجاب بعض الأئمّة باحتمال أن يكون أبو سفيان أراد تجديد العقد »(2) ؟!!

فاقرأ واضحك على ذقن ذلك البعض ، فأي تجديد عقد لنكاح صحيح وقع قبل عامين؟ وليتني أدري كيف سوّغ ابن حجر لنفسه أن يكتب ذلك وهو نفسه ذكر : « أنّه لا خلاف أنّه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) دخل على أم حبيبة قبل إسلام أبي سفيان » ثمّ ساق عن ابن سعد قصة دخول أبي سفيان المدينة قبل إسلامه ، ليزيد في مدّة الهدنة ، فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله دونه لئلا يجلس عليه فقال لها : يا بنيّة أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت : بل هو فراش رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنت أمرؤ نجس مشرك ، فقال : لقد أصابكِ بعدي شرّ »(3) .

وبعد هذا العرض السريع لملابسات رواية مسلم هل علينا إثم لو رددناها وقلنا لا تصح نسبتها إلى ابن عباس فإنّه أوعى وأورع من أن يروي ما لا يصح؟

وقد أدرك شرّاح صحيح مسلم ما في هذه الرواية من هنات وقذاة فأربكهم إيرادها في الصحيح ، وهم لا يريدون أن ينزلوه من برجه العاجي ويجعلوه كسائر الكتب لداته يؤخذ منه ويترك. كما لم يمكنهم أن يمروا على الرواية بسلام ويعني ذلك تصديقهم لما هو بيّن الإفتراء ، فخاضوا مخاضاً عسيراً

____________________

(1) الإصابة ( ترجمة أبي سفيان صخر بن حرب ) 2 / 172.

(2) نفس المصدر 4 / 299.

(3) نفس المصدر.


وبالتالي تمخض الجبل عن فارة ، واعترفوا بغرابته ومخالفته لما هو ثابت قطعاً. وعلى سبيل المثال نورد بعض أقوالهم :

1 ـ قال النووي ـ وهو أشهر من شرح صحيح مسلم وأكثرهم عناية واستيعاباً ـ : « واعلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال ، ووجه الاشكال : أنّ أبا سفيان إنّما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة ، وهذا مشهور لا خلاف فيه ، وكان النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل.

قال أبو عبيدة وخليفة بن خياط وابن البرقي والجمهور : تزوجها سنة ست ، وقيل سنة سبع »(1) .

ثمّ حكى عن القاضي عياض وابن حزم :

2 ـ وقال القاضي ـ عياض ـ : « والّذي في مسلم هنا أنّه زوّجها أبو سفيان غريب جداً ، وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور ». ولم يزد القاضي على هذا(2) .

3 ـ وقال ابن حزم : « هذا الحديث وهم من بعض الرواة لأنّه لا خلاف بين الناس أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تزوّج أم حبيبة قبل الفتح بدهر بأرض الحبشة وأبوها كافر » ، وفي رواية عن ابن حزم أيضاً أنّه قال : موضوع قال : والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل(3) .

ثمّ حكى النووي عن أبي عمرو بن الصلاح حملته على ابن حزم تبريراً لصحة رواية مسلم ، وليس تبريره سوى مكابرة ومصادرة.

____________________

(1) شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد الساري 9 / 397 ـ 398 ط دار الكتاب العربي بيروت.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.


4 ـ قال الآبي ألوشتابي المالكي : « هذا الّذي ذكره أبو زميل عن ابن عباس أنّه زوّجه إياها بعد إسلامه غريب جداً عند أهل السير ، فإنّ المعروف أنّه إنّما تزوّجها قبل الفتح »(1) .

5 ـ قال السنوسي الحسني نقلاً عن القرطبي في المفهم في شرح صحيح مسلم : « المتفق عليه عند أهل التاريخ أنّه إنّما تزوجها قبل الفتح وقبل إسلام أبيها ، وأنّ أبا سفيان قدم قبل الفتح طالباً تجديد العهد بينه وبين رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وانّه دخل بيت أم حبيبة ابنته فأراد أن يجلس على بساط رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فنزعته من تحته وقالت : إنّه بساط رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأنت مشرك ، فقال : أي بنية قد أصابك بعدي شرّ ، ثمّ طلب من عليّ وفاطمة وغيرهما أن يكلموا النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فأبوا فرجع إلى مكة غير حاصل له ما قصد ، وهذا كلّه معلوم لا شك فيه.

ثمّ ذكر حديث التزويج وختم كلامه بقوله : فيكون ما وقع في هذا الحديث من طلب أبي سفيان أن يزوّجها منه بعد إسلامه خطأ ووهماً ، وقد بحث النقّاد عمن وقع ذلك الوهم منه فوجدوه وقع من عكرمة بن عمار ، وقد ضعّف أحاديثه يحيى بن سعيد وابن حنبل ، ولذلك لم يخرّج عنه البخاري. وإنّما خرّج عنه مسلم ، لأنّه قد قال فيه يحيى بن سعيد هو ثقة.

قال بعضهم : وممّا يحقق الوهم فيه قول أبي سفيان : أريد أن تؤمرني فقال : نعم ، ولم يسمع قط أنّه أمّره إلى أن توفي. وكيف يخلف رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الوعد ، هذا ممّا لا يجوز عليه »(2) .

____________________

(1) إكمال إكمال المعلم 6 / 34.

(2) مكمل إكمال الإكمال بهامش سابقه ط دار الكتب العلمية ، وقد ذكر الآبي عين ما ذكره الحسني عن القرطبي فراجع.


ثمّ حكى تأويل من صح عنده الحديث بما لا يستحق أن يذكر ، فهو تبرير من غير حجة.

ولنقف عند هذا الخبر من المفتريات على ابن عباس في فضائل معاوية وأبيه أبي سفيان ، وستأتي جملة وافرة من هذه الشاكلة في الحلقة الثالثة عند البحث عن أحاديثه ما صحّ وما لم يصح.

والّذي دعاني إلى تقديم هذه النماذج من الزبارج ما ساقه شعوط من شهادة ابن عباس المفتراة عليه ليبيض بها صحيفة معاوية ، وما درى أنّه سوّد صفحته وصحيفته.

ويبقى معاوية كما قال الدكتور سامي على النشار ـ وقد تقدم قوله ـ : « ومهما قيل في معاوية ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر وبعض أهل السنّة من وضعه في نسق صحابة رسول الله ، فإنّ الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام ، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً ولكنه لم يستطع أكثر من هذا » ، ولا نستكثر اذن قول ابن أبي الحديد : « ومعاوية عند أصحابنا مطعون في دينه ، منسوب إلى الإلحاد ، قد طعن فيه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) »(1) .

شواهد كفر محمومة :

لقد كانت لمعاوية نفثات محمومة مسمومة ، شاهدة عليه بالكفر ، ولم يتجن التاريخ عليه حين روى بعضها :

فمنها : عن المغيرة بن شعبة ما سمعه منه ليلة فعاد مغتماً متبرماً متأففاً فسأله ابنه المطرف بن المغيرة عن سبب غمّه فقال : يا بني جئت من أكفر الناس

____________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 537 ط مصر الأولى.


وأخبثهم ـ ثمّ حدثه بما سمعه من معاوية وكان في آخره قول معاوية : ـ وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات ( أشهد أنّ محمّداً رسول الله ) فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك؟ لا والله إلاّ دفناً دفناً.

رواه الزبير بن بكارفي الموفقيات(1) ، والمسعودي في مروج الذهب(2) ، والإربلي في كشف الغمة(3) ، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه(4) .

ـ وليس دونها كلمته الأخرى وقد سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمداً رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فقال : لله أبوك يا بن عبد الله لقد كنت عالي الهمة ما رضيت لنفسك ألا أن يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين(5) .

ـ وثالثة الأثافي ما ذكره البلاذري في أنسابه بسنده : « قال معاوية : يا معشر بني أمية إن محمداً لم يدع من المجد شيئاً إلاّ حازه لأهله ، وقد أعنتم عليهم بخلتين : في ألسنتهم ذرَبَ وفي العرب أنَفُ وهم محدودون ثمّ جعل يوصيهم فيما يفعلون بما يبلغوا به مرادهم وعنادهم »(6) .

ـ وأنكى من ذلك كلّه : أنّ يهودياً تناول الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فوصفه بالغدر بمحضره ـ واستغفر الله ـ فلم ينكر عليه!

روى البلاذري بسنده قال : « محمّد بن مسلمة الأنصاري عند معاوية قتل كعب بن الأشرف اليهودي ، فقال يهودي ( اسمه عند الواقدي / 192 ابن يمين

____________________

(1) الموفقيات / 576 ط أوقاف بغداد.

(2) مروج الذهب 4 / 40 في أواخر ترجمة المأمون العباسي.

(3) كشف الغمة 1 / 556.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 176.

(5) نفس المصدر 2 / 537 و 10 / 101 ط محققة.

(6) أنساب الأشراف 1 / 51 ق 4 تح ـ احسان عباس.


النضري ) كان عند معاوية : غُدر به ، فقال محمّد : يا معاوية أتمسك عنه وقد نسب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى الغدر؟

فقال لليهودي : أخرج عنا ، وطلبه محمّد فلم يقدر عليه ، وقال لمعاوية : والله لا كلّمتك أبداً ، ولأقتلنّ اليهودي إن قدرت عليه »(1) .

وهذا ما ذكره أيضاً ابن تيمية في كتابه ( الصارم ) وسمى اليهودي ( بنيامين النضري )(2) .

ـ وقد تجاوز الحدّ حين سلّم عليه وفد أهل مصر بالرسالة فلم يردعهم ، فقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه : « أنّ عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو : اُنظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلّموا عليه بالخلافة فإنّه أعظم لكم في عينه ، وصغّروه ما استطعتم ، فلمّا قدموا عليه ، قال معاوية لحجّابه : إنّي كأنّي أعرف ابن النابغة وقد صغّر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها فلا يبلغني رجل منهم الا وقد همّته نفسه بالتلف ، فكان أوّل من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط فدخل وقد تُعتع فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فتتابع القوم على ذلك ، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو : لعنكم الله ، نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة فسلّمتم عليه بالنبوة »(3) .

والخبر رواه البلاذري في الأنساب(4) ، ورواه ابن الأثير وابن كثير وفي الجميع تفاوت يسير.

____________________

(1) نفس المصدر 1 / 160.

(2) الصارم المسلول في كفر شاتم الرسول 2 / 285 ط الأولى دار ابن حزم بيروت سنة 1417 هـ.

(3) تاريخ الطبري 5 / 230 ـ 331 دار المعارف.

(4) أنساب الأشراف 1 / 31 ق 4.


( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ ) (1) ،( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ) (2) .

ـ أمّا عن تهكمه واستخفافه بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فحسبك ما رواه السيّد ابن عقيل في النصائح الكافية نقلاً عن كتاب المعمّرين لأبي حاتم السجستاني ـ وهذا ممّا ابتلعته بطون الآثام وهو بعض جنايات الأقلام فلم يذكر في المطبوع من كتاب المعمرين بتحقيق عبد المنعم عامر ط دار احياء الكتب العربية سنة 1961 وكم له من نظير ـ قال في أثناء محاورة ذكرها لمعاوية مع المعمّر أمد بن أبد الحضرمي قال : « قال معاوية : أرأيت هاشماً؟ قال : نعم والله طوالاً حسن الوجه ، يقال انّ بين عينيه بركة ، قال : فهل رأيت أمية؟ قال : نعم رأيته رجلاً قصيراً أعمى يقال انّ في وجهه لشراً أو شؤماً ، قال : أفرأيت محمداً؟ قال : ومن محمّد؟ قال : رسول الله ، قال : أفلا فخّمت كما فخّمه الله فقلت رسول الله؟ »(3) .

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ ) (4)

خاتمة السوء :

لقد طال الكلام حول أباطيل الدكتور إبراهيم عليّ شعوط الاستاذ بجامعة الأزهر فيما يتعلق بجملة مفتريات على ابن عباس ساقها شعوّط وقد تبع فيها ابن كثير وابن عبد ربه وأضرابهما ممّن زكموا بحب معاوية حتى غلب الزكام على

____________________

(1) يونس / 32.

(2) الأنعام / 93.

(3) النصائح الكافية / 118 ط الحيدرية.

(4) الفرقان / 31.


الأفهام( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (1) .

والآن نختم الكلام مع شعوط بآخر ما في جعبته من افتراء على ابن عباس في حقّ معاوية وابنه يزيد :

فقد قال في كتابه : « وهذه شهادة أخرى لابن عباس ( رضي الله عنه ) في معاوية ، نقلها ابن عبد ربه فقال : سئل عبد الله بن عباس عن معاوية فقال : سما بشيء أسرّه ، واستظهر عليه بشيء أعلنه ، فحاول ما أسرّ بما أعلن فناله ، كان حلمه قاهراً لغضبه ، وجوده غالباً لمنعه ، يصل ولا يقطع ، ويجمع ولا يفرّق ، فاستقام له أمره ، وجرى إلى مدته. قيل : فأخبرنا عن ابنه؟ قال : كان في خير سبله ، وكان أبوه قد أحكمه ، وأمره ونهاه فتعلق بذلك ، وسلك طريقاً مذللاً له ( المختار من العقد الفريد ص2343 ط وزارة الثقافة والارشاد ، هامش الكتاب ) »(2) .

ويبدو أنّ شعوّط استروح الرجوع إلى المختار من العقد ـ وهو اختيار لجنة من علماء وأدباء مدرّسي مدرسة القضاء الشرعي ـ صحّحه وراجعه الاستاذ محمّد محمود ، هكذا كتب على ظهر الطبعة الثانية من الكتاب وقد طبعته المكتبة المحمودية التجارية بمصر سنة 1389 ، ولدى الرجوع إلى هذه الطبعة فلم أقف على النص في الكتاب ، ولعل تفاوت الطبعات نتيجة لتلاعب من لا حريجة له في الدين ، ومهما يكن فإنّ الرجوع إلى المصدر الثانوي الحديث مع وجود المصدر الأوّل القديم أمرٌ معيب لا يُغفر عند الباحثين. وقارنت بين النص في العقد الفريد ـ وهو في الجزء الرابع ص363 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه ـ وبين ما نقله شعوّط

____________________

(1) الحج / 46.

(2) أضاليل يجب أن تمحى من التاريخ / 232.


فلم أجد فارقاً يذكر سوى قوله في يزيد : « كان في خير سبله » عند شعوط ، بينما الموجود في العقد الفريد : « كان في خير سبيله » وأخاله الصحيح ، ومع غض النظر عن هذه الملاحظات فإنّ النص مرسل لا يُعلم من رواه ، ولا من أين نقله ابن عبد ربه ، ولم أقف عليه عند غيره فيما بحثت. ولعل الباحث المتتبع يجده فيفيدنا مشكوراً.

وإذا تجاوزنا ذلك أيضاً والإشارة إلى ظاهر أثر الصنعة عليه فنقول : إنّ النص على فرض صحته ـ وأنّى ذلك ـ فليس فيه ما يدل على فضل معاوية وابنه يزيد من جديد ، فإنّ وصف معاوية بأنّه كان ويسرّ ويبطن خلاف ما يعلن ، ويعلن غير ما يبطن ، وبذلك بلغ مراده وأحكم قياده ، فهذا وصف له بالمكر والخديعة والنفاق ، فهو بالذم أظهر منه بالمدح لأنّ ذلك من صفات المنافقين الّذين ذمّهم الله سبحانه في كتابه بقوله( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (1) .

وأمّا ما ورد من وصفه بالحلم والجود ، فأحسبه على أحسن تقدير من تزيد الرواة ، وعلى أسوء تقدير فمن غير المقبول والمعقول نسبته إلى ابن عباس للمجافاة والمنافاة مع طبيعته ، إذ كيف يمكن تصديق النص بأن ابن عباس وصف معاوية بالحلم وهو في محاوراته الّتي نيّفت على العشرين ، وهو في لقاءاته طيلة حكم معاوية لم تبدر منه يوماً بادرة رضى عليه ، ولم يقصر عن قولة حقّ يصك بها سمعه ، فيردُ معاوية أحياناً كثيرة بالتهديد والوعيد ، إلاّ انّه يصادف سيلاً يدمغه ، وحجة تقمعه ، فيتراجع مخذولاً ، فأين هو الحلم الّذي يصفه به ابن عباس فيما يزعمون؟ ألا يكفي موقف معاوية بالأمس بصفين وهو يريد قتل

____________________

(1) البقرة / 9.


الإمام وابن عمه وجميع من كانوا معه في نفي الحلم عنه؟ أليس ذلك الموقف كان حجة الأعمش وسفيان بن عيينة في نفي الحلم عنه؟ فهل كان ابن عباس دونهما فهماً وعلماً؟ ألم يقل معاوية : « ما أعد نفسي حليماً بعد قتلي حجراً واصحاب حجر »(1) ومعلوم تاريخياً أنّ قتل حجر كان سنة إحدى وخمسين من الهجرة ، وفحوى ما نسب إلى ابن عباس من الوصف كان بعد عشر سنين تقريباً وفي أيام يزيد بعد عهد معاوية الّذي هلك سنة 60 من الهجرة ، وتولى ابنه بعده ، وكم جرائم رآها وشتائم سمعها تبعد وصف الحلم عن معاوية.

وأمّا وصفه بالجود فيكفي في تكذيبه حوار ابن عباس معه وقد مرّ قريباً حيث لحقه إلى الروحاء ليأخذ عطاء بني هاشم وقد حرمهم معاوية لعدم مبايعة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ليزيد ، فأخذه ابن عباس بعد تهديد ووعيد فراجع.

وأمّا نسبة وصف يزيد بأنّه كان في خير سبيله وكان أبوه قد أحكمه وأمره ونهاه فتعلق بذلك وسلك طريقاً مذللاً له فأحسن ما أراه لو صحت الأنباء هو حكاية واقع حال ، فقد وطأ له أبوه المسالك ، وذلّل المصاعب بارتكاب الموبقات والمهالك ، وتعجبني كلمة طه حسين فقد قال : « وكان يزيد فتى من فتيان قريش صاحب لهو وعبث ، محباً للصيد ، مسرفاً على نفسه في لذاته ، مستهتراً لا يتحفظ وكان ربّما أضاع الصلاة ، فأخذه أبوه بالحزم ، وأغزاه الروم ، وأمّره على الحج ، يمهد بهذا كلّه لتوليته العهد ، فلمّا رأى من سيرة يزيد ما أرضاه ، حزم أمره وأعلن تولية يزيد عهده ، وكتب في ذلك إلى الآفاق

وكذلك استقر في الإسلام لأوّل مرة هذا الملك الّذي يقوم على البأس والبطش والخوف ، والّذي يرثه الأبناء عن الآباء ، وأصبحت الأمة كأنها ملك

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 206 ط الغري.


لصاحب السلطان ينقله إلى من أحبّ من أبنائه ، كما ينقل إليه من سائل المال وجامده اهـ »(1) .

ثمّ كيف لنا أن نصدّق شعوّط عن ابن عبد ربه عن مرسل الأنباء بأنّ ابن عباس قال ذلك في معاوية وابنه ، ورأي ابن عباس في معاوية ومن يواليه من آله وبنيه ، وصحبه ومواليه ، معروف لا يقبل التأويل.

فهم عنده القاسطون(2) وقد قال الله تعالى :( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) (3) ، وهم عنده من حزب إبليس(4) وقد قال الله تعالى :( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ ) (5) ، وقال تعالى :( إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير ) (6) ، وهم عنده من الكفّار(7) ، ولا أقول كفّار نعمة ، بل كفّار تنزيل وتأويل

____________________

(1) الفتنة الكبرى 2 / 247 ط دار المعارف.

(2) راجع محاورة الشامي مع ابن عباس في المصادر التالية : المحاسن والمساوي للبيهقي 1 / 30 ، وكتاب الهمة في اداب اتباع الأئمة للقاضي نعمان ن س ط القاهرة ، واليقين لابن طاووس / 106 و 129 ، وفضائل ابن شاذان / 106 ط حجرية ، والدر النظيم مخطوط ، ومصباح الأنوار مخطوط ، وقارن بحار الأنوار 8 / 464 و 5 / 294 ط حجرية ، وتمام المحاورة تأتي في الحلقة الثانية ان شاء الله.

(3) الجن / 15.

(4) راجع مستدرك الحاكم 3 / 149 فقد روى عن رواته عن ابن عباس قال قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ). قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.

أقول : ومخالفة معاوية وبني أمية لأهل بيته ظاهرة العيان ، غنية عن اقامة البرهان. وحسبك دليلاً على مدى بغضه انّه لم يطق سماع اسم عليّ وكنيته وقد قال لابن عباس في ابنه عليّ لك اسمه وقد كنيته أبا محمّد العقد الفريد 5 / 103.

(5) سبأ / 20.

(6) فاطر / 6.

(7) راجع كنز العمال 12 / 203 ط حيدر اباد الثانية فقد روى عن الدار قطني في الإفراد عن ابن عباس مرفوعاً عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( عليّ بن أبي طالب باب حطة من دخل منه كان


ـ قال الله تعالى :( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ) (1) ، ومعلوم أنّ استلحاق زياد حكم بغير ما أنزل الله تعالى.

ومن شاء الاستزادة من معرفة رأي ابن عباس فليرجع إلى محاوراته ومراسلاته مع معاوية وأصحابه ، فسيجد الكثير الكثير ممّا يكذّب المفتريات عليه الّتي تشدّق بها شعوّط في أضاليله المضلِلة ، وقد بيّنا عوار المسندة منها والمرسلة( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا ) (2) ،( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) (3) ،( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (4) .

ابن عباس ومعاوية في أكذوبة شعر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) :

وما دمنا بعدُ نعيش تاريخ ابن عباس أيام حكم معاوية ، وقد ذكرنا بعض ما افتراه الّذين لا يوقنون على ابن عباس ممّا ظنوه يرفع خسيسة معاوية ، ولو بالزور والبهتان ، عسى أن تنطلي تلك الأكاذيب على السذّج من الناس ، وقد غفلوا أنّ حبل الكذب قصير ، والباحث ناقدٌ بصير ، لا يغشّه التزوير والتحوير.

وإنّي لأعجب من أئمّة الحديث أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد كيف تهالكوا في سبيل معاوية ليثبتوا له ما ظنّوه له فضيلة ، وقد مرّت بنا شواهد ذلك ،

____________________

مؤمناً ، ومن خرج منه كافراً ) ولا شك أن معاوية كان خارج ذلك الباب ، قال الله تعالى :( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) البقرة / 58 ـ 59.

(1) المائدة / 44.

(2) الكهف / 5.

(3) الكهف / 104.

(4) البقرة / 79.


أمّا الآن إلى أكذوبة افتراها معاوية نفسه ليزعم لنفسه نحو خدمة قام بها للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فيتبجح بها على من لا دربة له بحقيقة الحال ، وبلغت القحة به أن استشهد عليها ، وبالأحرى طلب تصديق زعمه من ابن عم النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عبد الله بن عباس ، ليكون ذلك له سنداً فيما افترى. ولكن باء بالفشل ، بل ساءه ما حصل ، حيث كشف ابن عباس حقيقة كان معاوية ينكرها وهي مسألة التمتع بالعمرة إلى الحج فألزمه بها لو صح زعمه. وإليك الحديث عن تلك الفرية :

أخرج البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وأحمد والروداني والبيهقي وغيرهم في دواوينهم الحديثية ، وكلّ منهم رواه أكثر من مرة وبأكثر من صورة ، حتى أنّ أحمد روى ذلك أكثر من عشر مرات ، وفي جل الصور يقتصرون على صدر الخبر ويحذفون ما قاله ابن عباس في آخره. لماذا؟ لأن ابن عباس الذكي الألمعي لم تخف عليه فرية معاوية ، فبدل أن ينتزع منه معاوية تصديقه ، بادره ابن عباس بدحض فريته ثمّ بإدانته.

فلنقرأ ذلك بلفظ مسلم في صحيحه قال ابن عباس : « قال لي معاوية أعلمتَ أني قصّرت من رأس رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عند المروة بمشقص؟ فقلت : له لا أعلم هذا إلاّ حجة عليك »(1) .

فهذه رواية عند مسلم وإذا قارناها مع رواية عند النسائي نجد فرقاً واضحاً في جواب ابن عباس فقد روى النسائي بسنده : « قال معاوية لابن عباس : أعلمتَ أني قصَرت من رأس رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عند المروة؟ قال : لا ، يقول ابن عباس : هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة ، وقد تمتع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) »(2) .

____________________

(1) صحيح مسلم 4 / 58 كتاب الحج ط صبيح بمصر.

(2) سنن النسائي 5 / 244 ـ 245.


واضطرب معاوية في روايته أضطراباً فاحشاً حتى كان الناس ينكرون ذلك عليه ، فمن شواهد اضطرابه : قال في رواية عند أبي داود في صحيحه والطبراني في المعجم : « في حجته »(1) وهذا ما أربك شرّاح الصحيحين ، حيث أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان في حجة الوداع قارناً فلم يحل هو إلاّ بالحلق؟ بعد أداء مناسك الحج في منى. بينما أمر من كان معه ممّن لم يسق معه الهدي أن يحل ، وكان منهم الزبير فأحل وسطع المجمر بينه وبين زوجته أسماء ، وهو أوّل مجمر سطع يومئذ ، وبذلك كان رد ابن عباس على عبد الله بن الزبير في أيامه حين أنكر على ابن عباس فتياه بالمتعة فقال له : « سل أمك عن بردي عوسجة » ، وستأتي المحاورة بطولها في الحلقة الثانية إن شاء الله. فكيف يزعم معاوية أنّه قصّر من شعر رأس رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عند المروة في حجته؟ إن هذا إلاّ اختلاق.

ولرفع الإصر عنه فقد تمحّل غير واحد في توجيه ذلك ، فقال الألباني في ضعيف أبي داود : « إنّ ذلك ـ يعني ( في حجته ) ـ ضعيف »(2) ، وهذا منه دفع بالصدر من دون بيان حجة.

وقال النووي والطيبي : « إنّ ذلك ـ يعني تقصير معاوية لشعر رأس رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ كان في عمرة الجعرانة »(3) . لأنّ عمرات النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كانت أربعاً معدودات معلومات وهي : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة ، وعمرة التمتع إلى الحج مع حجة الوداع ، ولمّا كان معاوية لم يسلم في العمرتين الأوليين ، وإنّما أدرك العمرتين الأخيرتين لأنّه من مسلمة الفتح ، لذلك رأى النووي والطيبي أنّ خبر معاوية إنّما هو في عمرة الجعرانة ، وهذا لو صح لما كان معنى

____________________

(1) المعجم الكبير 19 / 267 ط الثانية.

(2) ضعيف سنن أبي داود / 142 مكتبة المعارف الرياض.

(3) أنظر فتح الباري 4 / 313 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده سنة 1378.


لإنكار ابن عباس عليه وقوله : « هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة وقد تمتع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) » كما مرّ.

ومن شواهد اضطرابه الدالة على كذبه ـ إذ ليس لكذوب حافظة ـ تعيين صاحب المشقص الّذي زعم أنّه استخدمه في التقصير. ففي رواية عند أبي داود والنسائي(1) وغيرهما ( بمشقص اعرابي ) ، وفي رواية عند النسائي : « قال معاوية : أخذت من أطراف شعر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بمشقص كان معي بعدما طاف بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر » (؟).

وفي رواية ثالثة عند الطبراني : « بمشقص من كنانته »(2) يعني كنانة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

ولذلك الاضطراب فقد اضطر المحدثون ستراً على معاوية فرووا ( بمشقص ) ولم يعيّنوا لمن هو(3) ! وما بال المحدثين لم يذكروا عن المشقص في عُمرُات النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الأخرى هل كان تقصيره بمشقص أو بجَلَم ـ مقص ـ؟ وهل أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان أعدّ لنفسه من يقصّر له وما يقصّر به ، أو أنّه كان تاركاً ذلك لمن يتيحه الله كما أتاح لمعاوية؟

ومن شواهد اضطرابه الدال على كذبه : انّه روى صريحاً أنّه المتولي للتقصير كما هو في البخاري ومسلم وغيرهما. بينما روى أحمد وأبو داود قوله : « أو رأيته يُقصر عنه بمشقص على المروة »(4) وهذا يعني أنّه لم يكن هو الّذي تولى التقصير.

____________________

(1) سنن النسائي 5 / 245.

(2) المعجم الكبير / 19 / 268 ط / الثانية بالموصل.

(3) راجع صحيح البخاري آخر باب الحلق والتقصير عند الإحلال.

(4) أنظر مسند أحمد 4 / 96 ط الأولى.


وأحسب أنّ قول قيس بن سعد الراوي عن عطاء عن معاوية الخبر عند النسائي : « والناس ينكرون هذا على معاوية »(1) قول صحيح لا مرية فيه.

والآن هلم الخطب في تفسير المشقص ، فإنّه سهم فيه نصل عريض ( يرمى به الوحش كما في القاموس ) وليس يستعمل في تقصير الشعر ، ولم يسمع أنّه استعمل إلاّ من معاوية ، وهذا أيضاً زاد في إرباك بعضهم ، لذلك قال الملا عليّ القاري في مرقاته : « وقيل : المراد به المقص وهو الأشبه في هذا المحل »(2) (؟!) وهذا تكلف زائد بارد.

والآن وقد عرفت جانباً من التهالك على اثبات خبر معاوية ، أتدري لماذا كان ذلك؟

إنّهم يريدون تصحيح ما رووه عن معاوية عند حضور أجله أوصى أن يكفّن في ثوب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الّذي زعموا إنّه كساه إياه ، وكان مدّخراً عنده لهذا اليوم ، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه(3) .

وروى لنا الذهبي : « قال معاوية ليزيد : إنّ أخوف ما أخاف شيئاً عملته في أمرك ، وإنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قلّم أظفاره وأخذ من شعره ، فجمعت ذلك ، فإذا مت فاحش به فمي وأنفي »(4) . وهذا أيضاً لم يحصل لأنّ معاوية مات وابنه يزيد بحوارين ، وتولى كفنه ودفنه الضحاك بن قيس.

فقد روى الطبري عن رجاله أنّ معاوية لمّا مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه تلوح فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

____________________

(1) سنن النسائي 5 / 245 المطبعة المصرية بالأزهر.

(2) مرقاة المفاتيح 5 / 552 ط دار الكتب العلمية بيروت.

(3) تاريخ ابن كثير 8 / 143.

(4) تاريخ الإسلام 2 / 323 ط القدسي بمصر.


« إنّ معاوية فهذه أكفانه فنحن مدرجوه ومدخلوه قبره ومخلّون بينه وبين عمله ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة ، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى ـ يعني الظهر ـ وبعث البريد إلى يزيد »(1) . فلو كان لأصل القضية المزعومة أساس ثابت لأعلنه الضحاك ، ولا أقل من الإشارة والإشادة بأنّ في أكفانه هذه ثوب كساه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأدخره لهذا اليوم ، ونحن مكفنوه فيه ، وأنّ ثمة شعر وقلامة ظفر (؟) ولكن القضية كلّها من نسج الهوى فلا قميص ولا شعر ولا قلامة ظفر( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ) (2) .

وجاءت سكرة الموت بالحق :

لقد مرّ بنا تهديد ووعيد لمن لم يبايع يزيد ، ومرّ بنا إقامة معاوية الحرس بالسيوف على رؤوس الأربعة ممّن أبى مبايعته ، وخادع الناس وضلّلهم بأنّ أولئك النفر قد بايعوا ، ومرّ بنا حرمان بني هاشم من جوائزهم أسوة ببقية قريش كوسيلة ضغط على الحسين ( عليه السلام ) ولا أقل من بذر الخلاف بين بني هاشم لتفتيت مجتمعهم وتشتيت تضامنهم. ومرّ بنا لحوق ابن عباس له فادركه بالروحاء ـ موضع على خمسة أو ستة وثلاثين ميلاً من المدينة وبه آبار كثيرة معروفة(3) وهدده إن لم يخرج جوائز بني هاشم ليلحقنّ بساحل من سواحل الشام ويقول ما يعلم وليتركنّهم عليه خوارج ، فأحسّ معاوية بخطر ذلك التهديد فانصاع وقال : بل أعطيكم جوائزكم وكان هذا الموقف آخر لقاء بين ابن عباس وبين معاوية ، وآخر ما سمعه معاوية من تهديد ينذر بنجوم خطر عليه ما لم يعط بني هاشم

____________________

(1) تاريخ الطبري 5 / 328.

(2) آل عمران / 62.

(3) المناسك تحقيق محمّد الجاسر / 445.


جوائزهم فبعث بها من الروحاء ، ومضى راجعاً إلى الشام وقد أصابته اللقوة ـ داء يكون في الوجه يعوّج منه الشدق ـ لأنّه لمّا مرّ بالأبواء ـ وهو موضع منه إلى الجحفة ثلاثة وعشرون ميلاً ، وبالابواء بئر تعرف بعثمان بن عفان وآبار غير ذلك(1) اطّلع في بئر عادية(2) فضربته اللقوة.

« قال الشعبي : لمّا أصاب معاوية اللقوة بكى ، فقال له مروان : ما يبكيك؟ قال : راجعت ما كنت عزوفاً ، كبرت سنّي ودق عظمي ، وكثر دمعي ، ورُميت في أحسني وما يبدو مني ، ولولا هوي في يزيد لأبصرت قصدي »(3) ، وفي أنساب الأشراف ، والبصائر والذخائر ، ومختصر تاريخ دمشق ، ومحاضرات الراغب : « ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي »(4) ، وفي مجمع الزوائد : « ولولا هواي في يزيد أبصرت قصدي »(5) ، ومثله في تطهير الجنان واللسان(6) ، وفي معجم الطبراني : « ولولا هوىً مني في يزيد أبصرت قصدي »(7) .

وفي فتوح ابن أعثم الكوفي : « فأخاف أن يكون عقوبة عجّلت لي لما كان مني من دفعي بحق عليّ بن أبي طالب ، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي »(8) .

____________________

(1) نفس المصدر / 454.

(2) أي قديمة ، نسبة إلى عاد بن شداد من العرب البائدة.

(3) سير أعلام النبلاء 4 / 310 دار الفكر.

(4) أنساب الأشراف 1 / 28 ق 4 ، والبصائر والذخائر لأبي حيان 1 / 19 ، والفاضل للمبرّد / 123 ، ومختصر تاريخ دمشق 25 / 78 ، ومحاضرات الراغب 1 / 155 و 2 / 22.

(5) مجمع الزوائد 3 / 355.

(6) تطهير الجنان واللسان لابن حجر الهيثمي المكي / 25 ط محققة.

(7) المعجم الكبير للطبراني 19 / 269 ط الثانية.

(8) الفتوح 4 / 250.


قال ابن حجر المكي : « وقوله : ولولا هواي الخ ، فيه غاية التسجيل على نفسه بأن مزيد محبته ليزيد أعمت عليه طريق الهدى ، وأوقعت الناس بعده مع ذلك الفاسق المارق في الردى ، لكنه قضاء انحتم ، وقدر انبرم ، فسلب عقله الكامل ، وعلمه الشامل ، ودهاءه الّذي كان يضرب به المثل ، وزيّن له من يزيد حسن العمل وعدم الانحراف والخلل ، كلّ ذلك لما أشار إليه الصادق المصدوق ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من أنّه إذا أراد الله انفاذ أمره سلب ذوي العقول عقولهم حتى ينفذ ما أراده تعالى ، فمعاوية معذور فيما وقع منه ليزيد ، لأنّه لم يثبت عنده نقص فيه. بل كان يزيد يدس على أبيه من يحسّن له حاله حتى اعتقد انّه أولى من أبناء بقية أولاد الصحابة كلّهم ، فقدّمه مصرّحاً بتلك الأولوية الّتي تخيلها ممّن سلّط عليه ليحسّنها له واختياره للناس على ذلك ، إنّما هو لظن أنّهم إنّما كرهوا توليته لغير فسقه من حسد أو نحوه ، ولو ثبت عنده أدنى ذرة ممّا يقتضي فسقه بل واثمه لم يقع منه ما وقع ، وكلّ ذلك دلّت عليه هذه الكلمة الجامعة المانعة وهي قوله : ولولا هواي في يزيد أبصرت قصدي »(1) .

أقول : اللّهمّ احفظ على أمة محمّد نبيّك عقولها ليميّزوا بين الحقّ والباطل ، ولا تجعله عليهم متشابهاً فيهرفوا مثل ابن حجر الهيتمي دفاعاً عن معاوية وبوائقه ، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه المنزل على نبيّه المرسل :( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (2) ، وابن حجر محبّر يقول بالجبرية كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله :( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا

____________________

(1) تطهير الجنان واللسان / 125 ـ 126.

(2) الإنسان / 3.


بِهَا ) (1) ، وقد رد في محكم التنزيل تلك المقولة فقال :( إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) (2) ، وقال :( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (3) ، ورسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يقول : ( انّ الله لم يسترع عبداً برعيته الا وهو سائله عنها )(4) ، أمّا ابن حجر فهو يبرر استخلاف معاوية لابنه حيث اعتقد أنّه أولى من أبناء بقية أولاد الصحابة كلّهم (؟!) يعني بما فيهم الحسين وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأضرابهم من الصحابة فضلاً عن أبنائهم ممّن لا يساوي يزيد شسع نعل واحد منهم في هديه وسمته.

ومع اصرار ابن حجر على تصحيح الاستخلاف حيث قال : « ولو ثبت عنده أدنى ذرة ممّا يقتضي فسقه بل وإثمه لم يقع منه ما وقع ». كيف يصح هذا ومعاوية يعترف بأن استخلافه إنّما هو لهواه فيه على ما هو فيه؟ ولذلك لمّا حاق به ما كان عزوفاً عنه في مرضه عند موته فقال الكثير ممّا يُدين به نفسَه ، حتى ظهر منه ما تخيلوه من الهجر والهذيان وما هو إلاّ سوء الخاتمة حيث كانت تتراءى له جرائم أعماله فيفزع ويقول ما يقول.

فقد روى البلاذري عن أبي الهيثم الرحبي قال : « قال معاوية ليزيد : ما ألقى الله بشيء أعظم في نفسي من استخلافك »(5) ، فلو كان معتقداً صلاحه كما يقول ابن حجر فلماذا هذا التهويل والتسويل.

____________________

(1) الأعراف / 28.

(2) الأعراف / 28.

(3) ص / 27 ـ 28.

(4) تطهير الجنان / 60.

(5) أنساب الأشراف 1 / 60 ق 4.


وروى ابن قتيبة ـ في حديث معاوية ويزيد ـ : « قال معاوية : وقد علمت أني تخطأت الناس كلّهم في تقديمك ونزلتهم لتوليتي إياك ، ونصبتك إماماً على أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وفيهم من عرَفت ، وحاولت منهم ما علمت »(1) .

وحسب القارئ في تكذيب ابن حجر نفسه ما ذكره هو في كتابه تطهير الجنان واللسان من وصية معاوية لابنه لمّا حضره الموت قال ليزيد : « قد وطأتُ لك البلاد وفرشتُ لك الناس ، ولست أخاف عليك إلاّ أهل الحجاز فإن رابك منهم ريب فوجّه اليهم مسلم بن عقبة المرّي فإني جرّبته »(2) .

وروى البلاذري في أنسابه(3) ، وابن الأثير في الكامل(4) عن الوليد بن مسلم انّه قال : « معاوية يهذي في مرضه ويقول كم بيننا وبين الغوطة؟ فقالت ابنته : واحزناه فأفاق وقال : إن تنفري فقد رأيتُِ منفَرا ».

وروى البلاذري أيضاً : « إنّ معاوية لمّا احتضر جعلوا يقلّبونه فيقول أيّ جسد يقلّبون إن نجا من ابن عدي ـ يعني حجر بن عدي ـ »(5) .

وفي رواية ابن كثير قال : « إن نجاه الله من عذاب النار غداً »(6) .

وفي رواية الطبري عن ابن سيرين قال : « فبلغنا أنّه لمّا حضرته الوفاة جعل يُغرغر بالصوت ويقول : يومي منك يا حجر طويل »(7) .

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 160 مط الأمة بمصر سنة 1328 هـ.

(2) تطهير الجنان واللسان / 60.

(3) أنساب الأشراف 1 / 152 ق 4.

(4) الكامل في التاريخ 4 / 3 ط بولاق.

(5) أنساب الأشراف 1 / 266 ق 4.

(6) تاريخ ابن كثير 8 / 142.

(7) تاريخ الطبري 5 / 257 ط دار المعارف.


وفي رواية ابن أعثم الكوفي قال : « وكان في مرضه يرى أشياء لا تسرّه كأنّه يهذي هذيان المدنف ، وهو يقول اسقوني اسقوني ، فكان يشرب بالماء الكثير فلا يروى ، وكان ربما غشي عليه اليوم واليومين ، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلا صوته : ما لي ولك يا حجر بن عدي ، ما لي وما لك يا عمرو بن الحمق ، ما لي وما لك يا بن أبي طالب. إن تعاقب فبذنوبي وإن تغفر فإنك غفور رحيم »(1) .

( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) (2) ،( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (3) ،( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (4) ،( وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) (5) .

ومع هذه الخاتمة السيئة واعترافه ببعض جرائمه يطالعنا الذهبي في سير أعلام النبلاء فيقول : « ومعاوية من خيار الملوك الّذين غلب عدلهم على ظلمهم ، وما هو ببريء من الهنات والله يعفو عنه »(6) .

____________________

(1) الفتوح 4 / 251.

(2) ق / 19.

(3) الملك / 11.

(4) النساء / 17 ـ 18.

(5) الأنعام / 93.

(6) سير أعلام النبلاء 4 / 312 ط دار الفكر بيروت.


( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً ) (1) . ألم يقرأ الذهبي قوله تعالى :( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) (2) ؟ وهل يسع الذهبي ومن على مذهبه وذهبه إحصاء من أزهقت نفوسهم ظلماً وعدواناً أيام حكم معاوية؟ فكم هي الدماء الطاهرة الزكية الّتي أريقت على رمال صفين مع عمار وابن التيهان والمرقال وبقية المؤمنين؟

وكم هم شهداء بلاد المسلمين الّتي جاست خيول الضلالة بأمر معاوية ديارهم فنهبت أموالهم وأزهقت أرواحهم وحتى سبيت نساؤهم؟ من المدينة المنورة إلى اليمن جنوباً ومن هيت وعانة إلى القادسية وعين التمر شرقاً سوى من قتلوا بمصر مع محمّد بن أبي بكر غرباً ودع عنك جرائم زياد وسمرة ، في الكوفة والبصرة ، وكم لهذين المسخَين من نظائر ، ومع هذه الجرائم كلّها يسميها الذهبي هنات :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (3) .

وبموت معاوية تفاقم الخطب والخطر على النفر الّذين كانوا يمثّلون المعارضة وفي مقدمتهم الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعبد الله بن عباس وبقية العبادلة.

أمّا كيف استقبل أولئك النفر نبأ موت معاوية فليس يعنينا فعلاً إلاّ معرفة موقف ابن عباس ، ولا شك أنّه قد تسرّب إلى نفسه اليأس من استصلاح الحال بعد موت معاوية ، وقد رويت عنه رواية تمسّك بها بعض الباحثين في بيعته ليزيد وهي لا تصح سنداً ولا دلالة.

____________________

(1) الكهف / 5.

(2) النساء / 93.

(3) القصص / 50.


فقد روى البلاذري عن المدائني عن عبد الرحمن بن معاوية قال : « قال عامر بن مسعود الجحمي : إنّا لبمكة إذ مرّ بنا بريدٌ ينعى معاوية ، فنهضنا إلى ابن عباس وهو بمكة وعنده جماعة وقد وضعت المائدة ولم يؤتَ بالطعام فقلنا له : يا أبا العباس ، جاء البريد بموت معاوية ، فوجم طويلاً ثمّ قال : اللّهمّ أوسع لمعاوية ، أما والله ما كان مِثل مَن قبله ، ولا يأتي بعده مثله ، وإنّ ابنه يزيد لمَن صالحي أهله ، فالزموا مجالسكم واعطوا طاعتكم وبيعتكم ، هات طعامك يا غلام ، قال : فبينا نحن كذلك إذ جاء رسول خالد بن العاص وهو على مكة يدعوه للبيعة ، فقال : قل له اقض حاجتك فيما بينك وبين مَن حضرك ، فإذا أمسينا جئتك ، فرجع الرسول فقال : لابدّ من حضورك فمضى فبايع »(1) .

وسند هذا الخبر فيه ما يسقطه عن الاعتبار :

فعامر بن مسعود راوي هذا الخبر كان عامل ابن الزبير على الكوفة فهو وإن ذكره ابن حبان في ثقات التابعين إلاّ أنّه قال : « يروي المراسيل ، ومن زعم أنّ له صحبة فقد وهم »(2) فهو غير مأمون في حديثه على ابن عباس للخلاف مع ولي نعمته ابن الزبير.

والراوي عنه عبد الرحمن بن معاوية هو ابن الحويرث الانصاري الزرقي أبو الحويرث المدني الّذي قال فيه مالك : ليس بثقة ، قال ابن عدي : ليس له كثير حديث ومالك أعلم به لأنّه مدني ولم يرو عنه شيئاً. وقال أبو حاتم : ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به ، وعن ابن معين : ليس يحتج بحديثه. وقال مالك : قدم علينا سفيان فكتب عن قوم يذمون بالتخنيث يعني أبا الحويرث منهم ، قال أبو

____________________

(1) أنساب الأشراف 1 / 289 ق 4 تح ـ احسان عباس.

(2) أنظر تهذيب التهذيب 5 / 91.


داود : وكان يخضب رجليه وكان من مرجيء أهل المدينة ، وقال النسائي : ليس بذاك(1) .

وذكر ابن قتيبة هذا الخبر مرسلاً ، وبتفصيل أوسع وفيه أكثر من مؤاخذة سنذكرها بعد ايراد الخبر بروايته.

قال في الإمامة والسياسة ( وفاة معاوية رحمه الله ) : « وذكروا أنّ عتبة بن مسعود قال : مرّ بنا نعي معاوية بن أبي سفيان ونحن بالمسجد الحرام ، قال : فقمنا فأتينا ابن عباس فوجدناه جالساً قد وضع له الخوان وعنده نفر ، فقلنا : أما علمت بهذا الخبر يا بن عباس؟ قال : وما هو؟ قلنا : هلك معاوية ، فقال : ارفع الخوان يا غلام ، وسكت ساعة ثمّ قال : جبل تزعزع ثمّ مال بكلكله ، أما والله ما كان كمن قبله ولما يكن بعده مثله ، اللّهمّ أنت أوسع لمعاوية فينا وفي بني عمنا هؤلاء الّذين لبّ معتبر ، اشتجرنا بيننا فقتل صاحبَهم غيرُنا ، وقتل صاحبَنا غيرُهم ، وما أغراهم بنا الا أنّهم لا يجدون مثلنا ، وما أغرانا بهم إلاّ أنّا لا نجد مثلهم ، كما قال القائل : ما لك تظلمني؟ قال : لا أجد من أظلم غيرك ، ووالله ان ابنه لخير أهله ، أعد طعامك يا غلام.

قال : فما رفع الخوان حتى جاء رسول خالد بن الحكم إلى ابن عباس أن انطلق فبايع ، فقال للرسول : أقرئ الأمير السلام وقل له : والله ما بقي فيّ ما تخافون ، فاقض من أمرك ما أنت قاض ، فإذا سهل الممشى وذهبت حطمة الناس جئتك ففعلت ما أحببت.

قال : ثمّ أقبل علينا فقال : مهلاً معشر قريش أن تقولوا عند موت معاوية ذهب جد بني معاوية وانقطع ملكهم ، ذهب لعمر الله جدّهم وبقي ملكهم وشرّها بقية هي أطول ممّا مضى ، إلزموا مجالسكم وأعطوا بيعتكم.

____________________

(1) نفس المصدر 6 / 272 ـ 273.


قال : فما برحنا حتى جاء رسول خالد فقال : يقول لك الأمير لابدّ لك أن تأتينا.

قال : فإن كان ل بدّ فلا بدّ ممّا لابدّ منه ، يا نوار هلمي ثيابي ، ثمّ قال : وما ينفعكم إتيان رجل إن جلس لم يضرّكم.

قال : فقلت له أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر ويلهو بالقيان ويستهتر بالفواحش؟

قال : مه فأين ما قلت لكم ، وكم بعده من آت ممّن يشرب الخمر أو هو شرّ من شاربها أنتم إلى بيعته سراع ، أما والله إنّي لأنهاكم وأنا أعلم أنكم فاعلون ما أنتم فاعلون حتى يصلب مصلوب قريش بمكة يعني عبد الله بن الزبير »(1) .

فأوّل ما في هذا الخبر : أنّ ابن قتيبة رواه مرسلاً.

وثانياً : رواه عن عتبة بن مسعود ، وهذا الرجل أخو عبد الله بن مسعود ، وقد ذكره ابن قتيبة نفسه في كتابه المعارف وقال : « إنّه مات في خلافة عمر »(2) .

وثالثاً : ذكر اسم الوالي بمكة الّذي أرسل إلى ابن عباس بانّه خالد بن الحكم ، وهذا غلط فاضح فليس بين ولاة معاوية عند موته ولا ولاة يزيد من اسمه خالد بن الحكم ، على أنّه كرر ذكره في ولاية المدينة حين دعا الحسين ( عليه السلام ) وابن الزبير إلى البيعة ، وهذا ممّا يوهّن الخبر ، وقد مرّ بنا في رواية البلاذري للخبر أنّ عامل مكة اسمه خالد بن العاص ، وهو أيضاً غلط فإنّ عامل مكة يومئذ عمرو بن سعيد بن العاص كما عن ابن خلدون(3) ، وهو كذلك عند

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 167 مط الأمة سنة 1328 هـ و 1 / 193 ط مصطفى محمّد.

(2) كتاب المعارف / 110.

(3) تاريخ ابن خلدون 3 / 19.


البلاذري وفيه : « وقيل الحرث بن خالد بن العاص »(1) ـ فمهما يكن فهو ليس الّذي ورد ذكره في الخبر.

رابعاً : إنّ ابن عباس لم يبايع ليزيد مطلقاً. فقد ورد ما يؤيد هذا ما سنقرأ من تاريخ حياته في عهد يزيد.

ومن الغريب العجيب أن يُستنَد إلى هذا الخبر في مبايعته ليزيد دون تمحيص وفحص عن السند وفي الدلالة!!

والآن إلى خبر ثالث رواه الزبيدي في أتحاف السادة المتقين ، وإليك ما لفظه : « قال محمود بن محمّد بن الفضل ، حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن الكزبراني ، حدّثنا الحسن بن محمّد بن أعين حدّثنا عد بن عبد الرحمن بن محمّد بن مروان عن أبيه قال قال عامر بن مسعود الجمحي كنا جلوساً في مجلس عند الكعبة إذ مرّ بريد ينعى معاوية ، فقلت لأصحابي : قوموا بنا إلى ابن عباس ـ وهو يومئذ بمكة وقد كفّ بصره ـ فنكون أوّل من نخبره ونسمع ما يقول ، فأتيناه فاستأذنا عليه فدخلنا فإذا بين يديه خوان عليه الكفري(2) ولم يوضع الخبر فسلّمنا وقلنا : هل أتاك الخبر يا بن عباس؟ قال : وما هو؟ قلنا بريد ينعى معاوية ، فقال : ارفع خوانك يا غلام ، ثمّ ظل واجماً كئيباً مطأطئاً رأسه لا يتكلم طويلاً ثمّ رفع رأسه وقال :

جبل تزعزع ثمّ مال بركنه

في البحر لا ارتفعت عليه الأبحر

ثمّ قال : اللّهمّ فإنّك أوسع لمعاوية »(3) إلى آخر ما مرّ عن ابن قتيبة بتفاوت وزيادات يسيرة لا يعنينا أمرها.

____________________

(1) أنساب الأشراف 4 / 12.

(2) وعاء طلع النخل.

(3) أتحاف السادة المتقين 14 / 193.


وسند هذا الخبر فيه ينتهي إلى عامر بن مسعود وقد مرّ حاله في خبر البلاذري ، غير أنّ الراوي عنه هنا غير الّذي مرّ في خبر البلاذري ، فلا بدّ من بيان حال رجاله من أوّل السند :

1 ـ محمود بن محمّد بن الفضل صاحب كتاب المتفجعين الّذي نقل عنه الزبيدي هذا الخبر ولم أعرف عنه شيئاً بالرغم من البحث عنه في مظانه فهو مجهول عندي.

2 ـ أحمد بن عبد الرحمن الكزبراني مجهول كسابقه.

3 ـ الحسن بن محمّد بن أعين مولى أم عبد الملك : بنت محمّد بن مروان ، قال أبو حاتم : « أدركته ولم أكتب عنه »(1) .

4 ـ محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن مروان مجهول الحال.

5 ـ عبد الرحمن بن محمّد بن مروان مجهول الحال.

ويكفي في سقوط الخبر وجوده وابنه ثمّ مولاهم الأموي وكلّهم متهمون في روايتهم لأنّهم يجرون نفعاً بتصحيح خلافة يزيد ومبايعة ابن عباس لواليه.

وثمة خبر يرويه أبو الفرج في الأغاني فيه جملة ممّا مرّ في خبري ابن قتيبة والزبيدي من قول ابن عباس في القرابة بين بني عبد مناف ، غير أنّ ذلك كان في أيام ابن الزبير حين نفى بني أمية عن الحجاز ، فلعل الأمويون ركّبوا من ذلك وما أضافوه إليه الخبر الّذي رواه الزبيدي ، واليك خبر أبي الفرج بسنده عن ابن أبي مليكة : « قال : رأيتهم ـ يعني بني أمية ـ يتتايعون(2) نحو ابن عباس حين نفى ابن الزبير بني أمية عن الحجاز ، فذهبت معهم وأنا

____________________

(1) أنظر تهذيب التهذيب 2 / 317.

(2) والتتايع : التتابع في الشر والتهافت من غير رويّة.


غلام فلقينا رجلاً خارجاً من عنده فدخلنا عليه ، فقال له عبيد بن عمير ما لي أراك تذرف عيناك؟

فقال له : إنّ هذا ـ يعني عبد الرحمن بن الحكم ـ قال بيتاً أبكاني وهو :

وما كنت أخشى أن ترى الذل نسوتي

وعبد مناف لم تغلها الغوائل

فذكر قرابة ما بيننا وبين بني عمّنا بني أمية ، وإنا إنّما كنا أهل بيت واحد في الجاهلية حتى جاء الإسلام فدخل الشيطان بيننا أيّما دخل »(1) .

ومهما يكن نصيب تلك الأخبار من الصحة لدى من رواها من المصنفين فليس لها عندي أيّ وزن.

____________________

(1) الأغاني 13 / 264 ط دار الكتب.


الفصل الثاني :

حبر الأمة أيام حكومة يزيد



في عهد يزيد :

( وإذ بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد فعلى الإسلام السلام ) هكذا قال سيّد الشهداء أبيّ الضيم ، وهكذا كانت النتيجة المتوقعة ، فقد طرق المدينة شر عظيم ، حين أتى كتاب يزيد إلى الوالي ، وكان هو ابن عمه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وفي آخر الكتاب :

« فبايع لنا قومنا ومَن قِبلك من رجالنا بيعة منشرحة بها صدوركم ، طيّبة عليها أنفسكم ، وليكن أوّل من يبايعك من قومنا وأهلنا الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر ، ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة ، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها ، وحرية رقيقهم ، وطلاق نسائهم بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم ، ولا قوّة إلاّ بالله والسلام ». هكذا روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(1) .

غير أنّ البلاذري(2) والطبري(3) وابن الاثير(4) ذكروا : « أنّه كتب إليه في صحيفة كأنّها أذن فارة : أمّا بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة ولا هوادة حتى يبايعوا والسلام » ، فلم يرد

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1 / 168 ط سنة 1328 هـ بمصر.

(2) أنساب الأشراف 1ق 4 / 299.

(3) تاريخ الطبري 5 / 338 ط دار المعارف.

(4) تاريخ ابن كثير 4 / 6 ط بولاق.


ذكر ابن عباس مع النفر المذكورين. إلاّ أنّ البلاذري قال : « وكتب يزيد إليه ـ إلى ابن عباس ـ كتاباً يأمره فيه بالخروج إلى الوليد بن عتبة ومبايعته له وينسبه إلى قتل عثمان والممالأة عليه ، فكتب ابن عباس إليه أيضاً كتاباً يقول فيه : إنّي كنت بمعزل عن عثمان ، ولكن أباك تربّص به وأبطأ عنه بنصره ، وحبس مَن قَبلَه عنه حين استصرخه واستغاث به ، ثمّ بعث إليه الرجال معذّراً حين علم أنّهم لا يدركونه حتى يهلك »(1) .

ويبدو من هذا الجواب الّذي صح عندي أنّه لم يبايع ليزيد إلى حين الكتاب ، ولو أنّ البلاذري قد ذكر لنا كتاب يزيد وتمام جواب ابن عباس لتبيّن ما هو أفصح وأصرح وإن كان فيما ذكره ما كشف عن زيف ما تقدّم منّا ذكره نقلاً عن البلاذري وابن قتيبة من خبر مبايعته وبيّنا أنّه لم يصح سنداً ولا دلالة ، وأنّه تمسك به بعض الباحثين ورأى مبايعته ليزيد ، ولعل ما أغراه به ذكر ابن قتيبة له من دون التفات إلى ما في خبره من هنات ومهما يكن فقد توجّس ابن عباس الشر كلّ الشر في حكومة يزيد ، وزاد في قلقه مواقف بقية رجال المعارضة الّتي اختلفت أهدافُهم ، فبين راغب كابن عمر وراهب كابن الزبير ، ومستنكرٍ رافض لكل العروض والمغريات كالإمام الحسين ( عليه السلام ) فهو ابن أبيه في إنكار المنكر ودحض الباطل ، لا تأخذه في الحقّ لومة لائم. وابن عباس كان ـ مع انّه اليائس المتشائم ـ يقارب الحسين ( عليه السلام ) في موقفه الهادف لتحقيق العدالة ، ولكن يأسه من الناس أضمَر من عزيمته ، وفقدانه لبصره أوهى من شكيمته ، فصار إمّا أن يصول بيد جذّاء أو يصبر على طخية عمياء ، كحال ابن عمه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فيما سلف من الأيام. وعنده في خزين علمه

____________________

(1) أنساب الأشراف 1ق 4 / 306 تح ـ احسان عباس.


الموروث عن النبيّ المصطفى وابن عمه المرتضى من أخبار وإخبار بما ستلاقي عترته من بعده في عهد يزيد ، فهو في حال اضطراب شديد لما سيحلّ بالمسلمين من الفوادح. ولات حين مناص من مزيد ترقّب ، لتتابع الأحداث سراعاً منذرة بالخطر.

فمع الأحداث المتتابعة :

كتاب يزيد الى ابن عباس :

لعل أوّل حدَث غامت به نفس ابن عباس كتاب يزيد إليه بمبايعته ، وقد مرّ جواب ابن عباس عليه. وأحسب أنّه كان في المدينة بعد رجوعه من مكة عمرة رجب ، وقد مرّ بنا كتاب يزيد إلى واليه الوليد بن عتبة بأخذ البيعة من الحسين وابن الزبير وابن عمر نقلاً عن الطبري وقلنا إنّه لم يرد لابن عباس ذكر معهم ، وربما لأن ابن عباس لم يكن يومئذ بالمدينة وكان بمكة معتمراً عمرة رجب وكان موت معاوية في رجب ، فلمّا عاد إلى المدينة أتاه كتاب يزيد بأمره فيه بالخروج إلى الوليد بن عتبة ومبايعته له ولم يذكر أنّه ذهب إلى الوليد ، كما لم يذكر أنّ الوليد أرسل عليه ، كما أرسل على الحسين وابن الزبير ، قال الدينوري : « وأمّا عبد الله بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة »(1) ، وقد روى ابن الأثير(2) وابن كثير(3) في تاريخهما وغيرهما أنّه وابن عمر لقيا الحسين وابن الزبير في الأبواء منصرفهما من العمرة ـ وكان الحسين وابن الزبير قد خرجا من المدينة بعد طلب الوليد منهما مبايعتهما ليزيد ـ فسألاهما عمّا وراءهما فقالا :

____________________

(1) الأخبار الطوال / 228.

(2) تاريخ ابن الأثير 4 / 7 ط بولاق.

(3) تاريخ ابن كثير 8 / 148 نقلاً عن الواقدي.


موت معاوية والبيعة ليزيد ، فقال ابن عمر : لا تفرقا جماعة المسلمين(1) وقدم هو وابن عباس المدينة(2) .

قال ابن الأثير : « فلمّا بايع الناس بايعا ».

إلاّ أنّ ابن كثير قال : « فلمّا جاءت البيعة من الأنصار بايع ابن عمر مع الناس ». ولم يذكر في هذا المقام(3) عن ابن عباس شيئاً فهو أدق من ابن الأثير في تعبيره ، لذلك قلت وأحسب ان كتاب يزيد المشار إليه آنفاً اتى ابن عباس في ذلك الظرف لأنّه لم يبايع ليزيد.

خروج الحسين من المدينة إلى مكة وإقامته بها :

قال الدينوري في الأخبار الطوال : « ومضى ـ الحسين حتى وافى مكة ، فنزل شعب عليّ(4) »(5) .

وقال ابن كثير في تاريخه : « فنزل الحسين دار العباس(6) »(7) .

وحكى الخوارزمي في مقتل الحسين عن الإمام أحمد بن أعثم الكوفي قوله : « ولمّا دخل الحسين مكة فرح به أهلها فرحاً شديداً وجعلوا يختلفون إليه

____________________

(1) ومن هنا قلنا ان ابن عمر انّه راغب فيما زهد فيه غيره من المعارضة.

(2) في طبقات ابن سعد ذكر عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة هو الّذي كان مع ابن عمر حين التقيا الحسين وابن الزبير بالابواء ، لكن في تاريخ دمشق وسير أعلام النبلاء وتاريخ ابن الأثير وابن كثير انّه ابن عباس ولعله تصحيف توارد عليه النسّاخ.

(3) احترازاً عمّا ذكره في / 151 من قوله : بايع ابن عمرو ابن عباس.

(4) هو شعب أبي طالب ، ولا يزال يعرف حتى اليوم بشعب عليّ وبجانبه سوق الليل قارن أخبار مكة للأزرقي 2 / 233 تح ـ رشدي الصالح محسن ط الثانية سنة 1385 هـ مطابع دار الثقافة مكة المكرمة.

(5) الأخبار الطوال / 229.

(6) هي بالقرب من مولد النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وصارت لخالصة والدة الخيزران قارن / ن م.

(7) تاريخ ابن كثير 8 / 162.


غدوة وعشية ( وكان قد نزل بأعلى مكة وضرب هناك فسطاطاً ضخماً ثمّ تحول الحسين إلى دار العباس حوّله إليها عبد الله بن عباس )(1) »(2) .

قال ابن أعثم في تاريخه : « وأقام الحسين بمكة في شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة.

قال : وبمكة يومئذ ـ أحسب مراده في ذي القعدة ـ عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) وعبد الله بن عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) فأقبلا جميعاً حتى دخلا على الحسين وقد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة ، فقال له ابن عمر : أبا عبد الله رحمك الله اتق الله الّذي إليه معادك فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت لكم وظلمهم إياكم ، وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد بن معاوية ، ولست آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء والبيضاء فيقتلونك ويهلك فيك بشر كثير ، فإني قد سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو يقول : حسين مقتول ، ولئن قتلوه وخذلوه ولن ينصروه ليخذلهم الله إلى يوم القيامة ، وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس ، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل ، فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين.

فقال له الحسين أبا عبد الرحمن أنا أبايع يزيد وأدخل في صلحه ، وقد قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فيه وفي أبيه ما قال؟

فقال ابن عباس : صدقت أبا عبد الله ، قال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في حياته : ما لي وليزيد ، لا بارك الله في يزيد ، وانّه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين ( رضي الله عنه ) والّذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه الا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم ، ثمّ

____________________

(1) ما بين القوسين لم نجده في تاريخ ابن أعثم ط دار الندوة ، فظن خيراً ، وازدد خُبراً بمطبوعات العصر الحديث. ودار العباس كانت بين الصفا والمروة ، منقوشة عندها العَلَم الّذي يسعى منه من جاء من المروة إلى الصفا قارن نفس المصدر في المتن.

(2) مقتل الحسين 1 / 190 ط الزهراء في النجف.


بكى ابن عباس وبكى معه الحسين وقال : يا بن عباس تعلم أني بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟

فقال ابن عباس : اللّهمّ نعم نعلم ونعرف أنّ ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) غيرك ، وأن نصرك لفرضٌ على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة الّتي لا يقدر أن يقبل إحداهما دون الأخرى.

قال الحسين : يا بن عباس فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من داره وقراره ومولده وحرم رسوله ومجاورة قبره ومولده ومسجده وموضع مهاجره ، فتركوه خائفاً مرعوباً ، لا يستقر في قراره ولا يأوي في موطن ، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه ، وهو لم يشرك بالله شيئاً ، ولا اتخذ من دونه ولياً ، ولم يتغيّر عمّا كان عليه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والخلفاء من بعده؟

فقال ابن عباس : ما أقول فيهم إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم( كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاّ قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (1) وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى ، واما أنت يا بن بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فإنّك رأس الفخار برسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وابن نظيره البتول ، فلا تظن يا بن بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) انّ الله غافل عمّا يعمل الظالمون. وأنا أشهد أنّ من رغَب عن مجاورتك وطمع في محاربتك ومحاربة نبيّك محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فما له من خلاق.

فقال الحسين : اللّهمّ اشهد.

فقال ابن عباس : جعلت فداك يا بن بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كأنك تنعى إليّ نفسك وتريد مني أن أنصرك؟ والله الّذي لا إله إلاّ هو أن لو ضربت بين يديك

____________________

(1) النساء / 142 ـ 143.


بسيفي حتى ينقطع وتنخلع يداي جميعاً من كتفي لما كنت ممّن أوفى من حقك عشر العشير ، وها أنا بين يديك مرني بأمرك.

فقال ابن عمر : مهلاً ذرنا من هذا يا بن عباس.

قال : ثمّ أقبل ابن عمر على الحسين فقال : أبا عبد الله مهلاً عمّا قد عزمت عليه ، وارجع من هنا إلى المدينة وادخل في صلح القوم ، ولا تغب عن وطنك وحرم جدّك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ولا تجعل لهؤلاء الّذي لا خلاق لهم على نفسك حجة وسبيلاً ، وإن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتى ترى برأيك ، فإنّ يزيد ابن معاوية ـ لعنه الله ـ عسى أن لا يعيش الا قليلاً فيكفيك الله أمره.

فقال الحسين : أفّ لهذا الكلام أبداً ، ما دامت السماوات والأرض ، أسألك بالله يا عبد الله أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟ فإن كنت عندك على خطأ فردني فإنّي أخضع وأسمع وأطيع.

فقال ابن عمر : اللّهمّ لا ، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ ، وليس مثلك من طهارته وموضعه من الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أن يسلم على مثل يزيد ابن معاوية ـ لعنه الله ـ باسم الخلافة ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف ، وترى من هذه الأمة ما لا تحب ، فارجع معنا إلى المدينة ، وان شئت أن لا تبايع فلا تبايع أبداً ، واقعد في منزلك.

فقال له الحسين : هيهات يا بن عمر إن القوم لا يتركوني ، إن أصابوني وان لم يصيبوني ، فإنّهم يطلبوني أبداً حتى أبايع وأنا كاره أو يقتلوني ، ألا تعلم أبا عبد الرحمن أنّ من هوان هذه الدنيا على الله أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل ، والرأس ينطق بالحجة عليهم ، فلم يضر ذلك يحيى بن زكريا ، بل سارو الشهداء فهو سيدهم يوم القيامة؟ ألا تعلم أبا عبد الرحمن ان


بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّهم لم يصنعوا شيئاً ، فلم يعجل الله عليهم ، ثمّ أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام؟ فاتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتي ، واذكرني في صلاتك ، فوالذي بعث جدي محمداً بشيراً ونذيراً لو أنّ أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني نصرني كما نصر جدي ، ولقام من دوني كقيامه من دون جدي.

يا بن عمر فإن كان الخروج معي يصعب عليك ويثقل فأنت في أوسع العذر ، ولكن لا تتركنّ لي الدعاء في دبر كلّ صلاة. ثمّ أقبل على عبد الله بن عباس.

وقال له : وأنت يا بن عباس ابن عم أبي ، ولم تزل تأمر بالخير مذ عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرشاد والسداد ، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك وتشير عليه بالصواب ، فامض إلى المدينة في حفظ الله ، فلا تخفي عليَّ شيئاً من أخبارك ، فإنّي مستوطن هذا الحرم ومقيم به ، ما رأيت أهله يحبونني وينصرونني ، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم ، واستعصمت بالكلمة الّتي قالها إبراهيم يوم ألقي في النار ، حسبي الله ونعم الوكيل ، فكانت النار عليه برداً وسلاماً.

فبكى ابن عباس وابن عمر ذلك الوقت بكاء شديداً ، وبكى الحسين معهما ، ثمّ ودّعهما فصار ابن عباس وابن عمر إلى المدينة »(1) .

____________________

(1) تاريخ ابن أعثم 5 / 38 ـ 44 ط دار الندوة.

وهذا الخبر بطوله رواه الخوارزمي في مقتل الحسين 1 / 190 ـ 193 نقلاً عن أبن اعثم وما حكاه عنه أصح من المطبوع من فتوحه ط دار الندوة بيروت.


كتاب يزيد إلى ابن عباس في أمر الحسين ( عليه السلام ) :

روى السبط ابن الجوزي في التذكرة : « وقال الواقدي : ولمّا نزل الحسين مكة كتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس : أمّا بعد فإنّ ابن عمك حسيناً وعدو الله ابن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكة مرصدَين للفتنة ، معرّضين أنفسهما للهلكة. فأمّا ابن الزبير فإنّه صريع الفناء وقتيل السيف غداً ، وأمّا الحسين فقد أحببت الإعذار اليكم أهل البيت ممّا كان منه ، وقد بلغني انّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم ، ويمنّونه الخلافة ، ويمنّيهم الإمرة ، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الأرحام ، وقد قطع ذلك الحسين وبتّه ، وأنت زعيم أهل بيتك وسيّد أهل بلادك فالقه فاردده عن السعي في الفرقة ، وردّ هذه عن الفتنة ، فإن قبل منك وأناب إليك فله عندي الأمان والكرامة الواسعة ، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه ، وإن طلب الزيادة فاضمن له ما أراك الله أنفذ ضمانك ، وأقوم له بذلك ، وله عليَّ الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكدة بما تطمئن به نفسه ويعتمد في كلّ الأمور عليه ، عجّل بجواب كتابي وبكل حاجة لك إليَّ وقبلي والسلام.

قال هشام بن محمّد : وكتب يزيد في أسفل الكتاب :

يا أيها الراكب الغادي لطيته(1) »(2) .

جواب ابن عباس إلى يزيد :

قال السبط في التذكرة : « فكتب إليه ابن عباس أمّا بعد : فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكة ، فأما ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه

____________________

(1) الابيات الآتية.

(2) تذكرة الخواص ط حجرية و 215 ط منشورات الشريف الرضي بقم.


وهواه ، يكاتمنا مع ذلك أضغانا يسرّها في صدره يوري علينا وري الزناد ، لا فكّ الله أسيرها فارء في أمره ما أتيت رأيه.

وأمّا الحسين فإنه لما نزل مكة وترك حرم جده ومنازل آبائه ، سألته عن مقدمه فأخبرني أنّ عمّالك في المدينة أساؤا إليه وعجّلوا عليه بالكلام الفاحش ، فاقبل إلى حرم الله مستجيراً به ، وسألقاه فيما أشرت إليه ، ولن أدع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة ، ويطفئ به الثائرة ، ويخمد به الفتنة ، ويحقن به دماء الأمة ، فاتق الله في السر والعلن ، ولا تبيتنّ ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة ، ولا ترصده بمظلمة ، ولا تحفر له مهواة ، فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه ، وكم من مؤمّل أملاً لم يؤتَ أمله ، وخذ بحظك من تلاوة القرآن ونشر السنّة ، وعليك بالصيام والقيام ، لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها ، فإنّ كلّ ما شغلت به عن الله يضرّ ويفنى ، وكلّ ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى والسلام »(1) .

هذه صورة الكتابين ، وقد رواهما السبط عن الواقدي وعن الكلبي كما ذكرهما ، وروايته أتم ممّا رواه ابن سعد والطبري فضلاً عن المتأخرين الّذين أخذوا عنهما. ويبدو أنّ السبط حصل على بعض كتب الواقدي وهشام بن محمّد الكلبي ، كما يبدو أنّ اختزالاً متعمداً عند ابن سعد والطبري ، وإلى القارئ صورة ما ذكره ابن سعد في طبقاته.

قال ابن سعد في الطبقات : « وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة : ونحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنّوه الخلافة ، وعندك علم منهم خبرة وتجربة ، فإنّ كان فعل فقد قطع واشج القرابة ، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه ، فاكففه عن السعي في الفُرقة.

____________________

(1) التذكرة / 216.


وكتب بهذه الأبيات إليه والى من بمكة والمدينة من قريش :

يا أيها الراكب الغادي لطيّته(1)

على عذافرة(2) في سيرها قحم(3)

أبلغ قريشاً على نأي(4) المزار بها

بيني وبين حسين الله والرحم

وموقف بفناء البيت أنشده

عهد الإله وما توفى به الذمم(5)

عنّيتم(6) قومكم فخراً بأمّكمُ

أمّ لعمري حَصانٌ عفةٌ(7) كرم

هي الّتي لا يداني فضلها أحدٌ

بنت الرسول وخير الناس قد علموا(8)

وفضلها لكم فضلٌ وغيركمُ

من قومكم لهمُ في فضلها قِسَمُ

____________________

(1) طيّته : حاجته.

(2) العذافرة : الناقة الشديدة العظيمة ( اللسان 4 / 555 ).

(3) قحم : أي سريعة تطوي المنازل وتتقحمها منزلاً بعد منزل ( نفس المصدر 12 / 464 ).

(4) تاريخ الطبري 8 / 202 ط دار المعارف على شحط المزار.

(5) تاريخ الطبري : وما ترعى له الذمم.

(6) وفيه : عنّفتم وببالي في بعض المصادر هُنّيتم.

(7) في الطبري وتاريخ دمشق وتاريخ ابن كثير ( بَرّة ) ، وفي مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 218 ط الزهراء : ( عمّها الكرم ).

(8) في مقتل الخوارزمي ( وكلّ الناس قد علموا ).


إنّي لأعلم أو ظناً كعالمه

والظن يصدق أحياناً فينتظم

أن سوف يترككم ما تدعون به(1)

قتلى تهاداكمُ العِقبان والرَخَم

يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ سكنت(2)

ومسّكوا بحبال السلم واعتصموا(3)

قد غرَت الحرب(4) من قد كان قبلكم

من القرون وقد بادت بها الأمم

فانصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً(5)

فربّ ذي بذخٍ زلّت به القدم(6)

قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس : إنّي لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه ، ولست أدع النصيحة له فيما يجمع الله به الإلفة ، ويطفي به النائرة.

____________________

(1) في الطبري ( ما تطلبون بها ).

(2) في الطبري ( إذ خمدت ).

(3) في الطبري بعد هذا البيت :

وإن شارب كأس البغي يتخّم

لا تركبوا البغي ان البغي مَصرَعةٌ

(4) في الطبري ( قد جرت الحرب ) ، وفي مقتل الخوارزمي ( قد عضّت الحرب ).

(5) في مقتل الخوارزمي ( لا تشمخوا بذخاً ).

(6) في كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي ومقتل الخوارزمي ، واحسبه نقله من الأوّل قال :

فنظر أهل المدينة إلى هذه الأبيات ثمّ وجهوا بها وبالكتاب إلى الحسين بن عليّ ( رضي الله عنه ) فلمّا نظر فيه علم انّه كتاب يزيد بن معاوية فكتب الحسين الجواب.

بسم الله الرحمن الرحيم( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) والسلام. والآية في سورة يونس / 41 ( وَإِنْ كَذَّبُوكَ ) فاقتبس الإمام معنى الآية.


ودخل عبد الله بن عباس على الحسين فكلّمه ليلاً طويلاً ، وقال : أنشدك الله أن تهلك غداً بحال مضيعة ، لا تأتي العراق ، وإن كنت لابدّ فاعلاً فأقم حتى ينقضي الموسم ، وتلقى الناس وتعلم على ما يصدرون ثمّ ترى رأيك ـ وذلك في عشر ذي الحجة سنة ستين. فأبى الحسين الا أن يمضي إلى العراق. فقال له ابن عباس : والله إنّي لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته ، والله إنّي لأخاف أن تكون الّذي يقاد به عثمان ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

فقال الحسين : أبا العباس إنّك شيخ قد كبرت.

فقال ابن عباس : لولا أن يزُري ذلك بي أو بك لنشبّت يديّ في رأسك ، ولو أعلم أنا إذا تناصينا أقمتَ لفعلت ، ولكن لا أخال ذلك نافعي.

فقال له الحسين : لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ أن تستحل بي ـ يعني مكة ـ قال : فبكى ابن عباس وقال : أقررت عين ابن الزبير ، فذلك الّذي سلا بنفسي عنه.

ثمّ خرج عبد الله بن عباس من عنده وهو مغضب وابن الزبير على الباب ، فلمّا رآه قال : يا بن الزبير قد أتى ما أحببت ، قرّت عينك هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز.

يا لك من قنبرة بمعمر

خلالك الجو فبيضي واصفري

ونـقـرّي مـا شـئـت أن تـنـقـري »(1)

____________________

(1) الطبقات في ترجمة الإمام الحسين ( عليه السلام ) تح ـ د محمّد بن صامل السُلمي ط الطائف ، والحسين والسنّة تح ـ الطباطبائي.


لماذا الإصرار وحوار بعد حوار :

لقد مرّ بنا قريباً أنّ ابن عباس قد كلّم الحسين ( عليه السلام ) ليلاً طويلاً ، ولم تكن تلك هي المرّة الأولى والأخيرة ، بل لقد تكررت الزيارات ، وتتابعت النصائح والمحاولات والمحاورات. وفي جميعها كان ابن عباس يبذل جهداً متواصلاً في صرف نظر الحسين ( عليه السلام ) عن التوجه إلى العراق ، لأن أهله قوم غدر ، قتلوا أباه وخذلوا أخاه ، ويخشى أن يسلموه عند الوثبة.

وقد قرأت له أكثر من محاورة تشابهت لغتها ، ولم تخرج في بيانها عن المحور الأساس هو الحيلولة دون خروج الحسين ( عليه السلام ) إلى العراق ، ولم يرد في شيء منها صدّه عن القيام ضد حكومة يزيد ، بل كان هو من رأيه القيام ضد حكومة يزيد ذلك الجبّار كما سيأتي نعته له بذلك في احدى محاولاته ومحاوراته.

ولا أستغرب منه ذلك الإصرار ، لأنّه كان على علم يقين بأن الحسين ( عليه السلام ) سيقتل في كربلاء بالعراق ، أخذ ذلك من حديث النبيّ المصطفى ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فهو أحد رواة حديث التربة الّتي أتى بها الروح الأمين إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

فقد روى ابن كثير قال : « أخرج البزار في مسنده عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : كان الحسين جالساً في حجر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقال جبريل : أتحبه؟ فقال : وكيف لا أحبّه وهو ثمرة فؤادي : فقال : إنّ أمتك ستقتله ، ألا أريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة ، فإذا تربة حمراء »(1) .

وهو الّذي روى عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ما سمعه من خطبته عند رجوعه من سفر له وهو متغير اللون محمرّ الوجه ، فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه تهملان دموعاً

____________________

(1) البداية والنهاية 6 / 230.


قال فيها : ( أيّها الناس إنّي خلفت فيكم الثقلين(1) : كتاب الله وعترتي وأرومتي ، ومزاج مائي وثمرتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي أن أسألكم به المودة في القربى ، فانظروا لا تلقوني على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم ، ألا وإنّه سترد عليَّ في القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة :

راية سوداء ثمّ ترد عليّ راية أخرى أشد سواداً من الأولى ثمّ ترد عليَّ راية أخرى تلمع نوراً ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء ، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر ). قال ابن عباس : « ثمّ نزل عن المنبر ، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلاّ وتيقن بأن الحسين مقتول »(2) .

ولقد ازداد علماً على علم ويقيناً على يقين حين مرّ وهو مع الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بكربلاء في طريقه إلى صفين ، وحديثه كما رواه الشيخ الصدوق في إكمال الدين بسنده عن مجاهد ـ وكلّ رواته من العامة ـ عن ابن عباس قال : « كنت مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في خرجته إلى صفين ، فلمّا نزل نينوى وهو شط الفرات صاح بأعلا صوته : يا بن عباس أتعرف هذا الموضع؟ قال : قلت : ما أعرفه يا أمير المؤمنين. قال : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي. قال : فبكى طويلاً حتى اخضلت لحيته ، وسالت على خديه ـ وبكينا معه ـ وهو يقول :

____________________

(1) من الأحاديث المتواترة قد رواه أكثر من أربعين صحابياً ، وقد قاله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في أكثر من موقف وخطبة وقد أحصيت المناسبات في رسالتي عن الحديث المذكور فكانت ستاً ، أولها يوم الطائف ثمّ يوم عرفة في حجة الوداع ثمّ في مسجد الخيف بمنى ، ثمّ يوم الغدير ثمّ في المدينة قبل موته ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بأيام يسيرة ، وآخرها في حجرته وقد غصت بأصحابه.

(2) تاريخ ابن أعثم الكوفي 4 / 217 ـ 218 ط دار الندوة ، وعنه الخوارزمي في مقتل الحسين 1 / 162 ط الزهراء في النجف الأشرف.


أوه أوه ، ما لي ولآل أبي سفيان ، ما لي ولآل حزب الشيطان وأولياء الكفر ، صبراً يا أبا عبد الله ، فقد لقي أبوك مثل الّذي تلقى منهم ـ ثمّ ذكر ابن عباس كلاماً طويلاً قاله الإمام إلى أن قال :

ـ والّذي نفسي بيده لقد حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا ، وهذه أرض كرب وبلاء ، يدفن فيها تسعة عشر رجلاً كلّهم من ولدي وولد فاطمة ( عليها السلام ) ، وإنّها لفي السماوات معروفة تذكر أرض كرب وبلاء ، كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس.

ثمّ قال : يا بن عباس أطلب لي حولها بعر الظباء ، فوالله ما كذبت ولا كذبني قط ، وهي مصفرة لونها لون الزعفران.

فقال ابن عباس : فطلبتها فوجدتها مجتمعة ، فناديته يا أمير المؤمنين قد أصبتها على الصفة الّتي وصفتها لي.

فقال ( عليه السلام ) : صدق الله ورسوله ، ثمّ قام يهرول إليها ، فحملها وشمها ، وقال : هي هي بعينها ، أتعلم يا بن عباس ما هذه البعر؟ ـ ثمّ حدثه بحديثها إلى أن قال ابن عباس : ثمّ بكى بكاءً طويلاً ، وبكينا معه ، حتى سقط لوجهه وغشي عليه طويلاً ، ثمّ أفاق فأخذ البعر فصرّها في ردائه ، وأمرني أن أصرّها كذلك ثمّ قال : يا بن عباس إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ، فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قتل بها ودفن.

قال ابن عباس : فوالله لقد كنت أحفظها أشد حفظي ، لما افترض الله عليَّ

والله ما كذبني عليّ قط في حديث حدثني ، ولا أخبرني بشيء قط أنّه يكون إلاّ كان كذلك ، لأنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره »(1) .

____________________

(1) اكمال الدين وإتمام النعمة في المجلس / 87 بتقديمي ط الحيدرية ، وقارن ص284 الخرايج والجرايح للراوندي المطبوع منضماً إلى الأربعين للمجلسي وكفاية الأثر للخزاز ط حجرية ، والدر النظيم في باب مقتل الحسين ( عليه السلام ) ( مخطوط ).


فبعد هذا كلّه كيف يستغرب من ابن عباس إصراره على صرف نظر الحسين ( عليه السلام ) عن التوجه إلى العراق. فهو حين يصرّ كان مستبصراً بالمصير المحتوم ، ومتشائماً ممّا ستنتهي إليه تلك الرحلة ، ومتيقناً إن ذلك اليوم سيكون آخر العهد بأبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ). وليست المسألة قضية غلبة العاطفة فحسب وإن كان لها دورها ، ولكن ابن عباس كان يخشى وقوع المحذور ، ويترجى بلعل وعسى تأخير المقدور ، ومهما يكن فها هو الحسين قد شاع في الناس خبر عزمه على الخروج ، فاهتزت لذلك النبأ المشاعر الصادقة منها والكاذبة حتى وصف ابن عباس حالهم بالإرجاف ، وهو وصف دقيق في التعبير وبليغ في التصوير. فالناس إذا خاضوا في أخبار الفتن ونحوها قيل أرجفوا ، ومن ذلك قوله تعالى :( وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ ) (1) ، والإرجاف كالزلزال يعمّ الصديق والعدو ، والمؤمن والمنافق ، والذكر والأنثى.

روايات في المحاورات :

لقد وردت عدة روايات عدا ما تقدم من حوار بين ابن عباس وبين الحسين حول عزم الحسين على الخروج إلى العراق :

أ ـ فمنها ما روى ابن جرير الطبري العامي وابن أعثم الكوفي والخوارزمي وغيرهم بتفاوت وألفاظ متقاربة ، واللفظ للأوّل :

قال أبو مخنف : « وحدّثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان أنّ حسيناً لمّا أجمع المسير إلى الكوفة ، أتاه عبد الله بن عباس فقال : يا بن عم إنّك قد أرجف الناس أنّك سائر إلى العراق فبيّن لي ما أنت صانع؟

____________________

(1) الأحزاب / 60.


قال : إنّي قد أجمعت المسير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى.

فقال له ابن عباس : فإنّي أعيذك بالله من ذلك. أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؛ فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم ، وإن كانوا إنّما دعوك اليهم وأميرهم عليهم ، قاهر لهم ، وعماله تجبي بلادهم ، فإنّهم دعوك إلى الحرب والقتال ، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ، وأن يُستَنفروا إليك ، فيكونوا أشدّ الناس عليك.

فقال له حسين : وإنّي أستخير الله وانظر ما يكون.

قال : فخرج ابن عباس من عنده

قال : فلمّا كان من العشي أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال : يا بن عم إنّي أتصبّر ولا أصبر ، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، إنّ أهل العراق قوم غُدر ، فلا تقربنّهم ، أقم بهذا البلد فإنك سيّد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا ، فاكتب اليهم : فلينفوا عدوهم ثمّ أقدم عليهم ، فإن أبيت إلاّ أن تخرج ، فسر إلى اليمن ، فإنّ بها حصوناً وشعاباً ، وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن الناس في عزلة ، فتكتب إلى الناس ، وترحل فتبث دعاتك ، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الّذي تحب في عافية.

فقال له الحسين ( عليه السلام ) : يا بن عم إنّي والله لأعلم أنّك ناصح مشفق ، ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير.

فقال ابن عباس : فإن كنت سائراً ، فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فوالله إنّي لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثمّ قال ابن عباس : لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها ، وهو اليوم لا


ينظر إليه أحد معك ، والله الّذي لا إله إلاّ هو لو أعلم انّك ـ إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليّ وعليك الناس ـ أطعتني لفعلت ذلك.

قال : ثمّ خرج ابن عباس من عنده فمرّ بعبد الله بن الزبير ، فقال : قرّت عينك يا بن الزبير ثمّ قال :

يا لك من قنبرة بمعمر

خلالك الجو فبيضي واصفري

ونـقـرّي مـا شـئـت أن تـنـقـري »(1)

هذا حسين يخرج بالعراق وعليك بالحجاز »(2) .

ب ـ ومنها ما روي ابن جرير الطبري الإمامي بسنده عن أبي مخنف لوط ابن يحيى قال : « حدّثنا عباس بن عبد الله عن عبد الله بن عباس قال : أتيت الحسين وهو يخرج إلى العراق فقلت له يا بن رسول الله لا تخرج ، فقال يا بن عباس : أما علمت إن منعتني من هناك فإنّ مصارع أصحابي هناك. قلت له فأنى لك ذلك؟ قال : بسرّ سُرّ لي وعلم أعطيته »(3) .

ج ـ ومنها ما روى المجلسي عن الشهيد الثاني باسناده عن ابن قولويه وهو بسنده عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) جاء فيه قول الصادق ( عليه السلام ) : « لمّا تجهز الحسين ( عليه السلام ) إلى الكوفة أتاه ابن عباس فناشده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطف ، فقال : أنا أعرف بمصرعي منك ، وما وكدي من الدنيا إلاّ فراقها.

____________________

(1) الرجز لطرفة بن العبد قاله وهو صغير بصطاد القنبر وهو ضرب من الطير قال ابن قتيبة في الشعر والشعراء / 140 انّه أوّل شعر قال طرفة وقال ابن بري : هو لكليب بن ربيعة التغلبي وليس لطرفة. اللسان ( قنبر ) وانظر الحيوان للجاحظ 3 / 66 و 5 / 227.

(2) تاريخ الطبري 3 / 293 ط الحسينية بمصر ، والفتوح لابن أعثم 5 / 111 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 216 ـ 217.

(3) دلائل الإمامة / 74 ط الحيدرية سنة 1369.


ألا أخبرك يا بن عباس بحديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والدنيا فقال له : بلى لعمري إنّي لأحبّ أن تحدّثني بأمرها » ثمّ ذكر الحديث(1) .

د ـ ومنها ما ورد في ناسخ التواريخ ما تعريبه : « إنّ ابن عباس لمّا أكثر في إلحاحه على الحسين في منعه من التوجّه إلى العراق ، تفاءل بالقرآن فكانت الآية الكريمة( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (2) »(3) .

وأحسب أنّ هذه كانت آخر المحاولات والمحاورات ، وقد وردت روايات أخرى على بعض ما فيها بعض التحفظّات نذكر منها :

1 ـ ما ورد في قول ابن عباس في محاورة ذكرها ابن أعثم : « وإنّك تعلم أنّه ـ العراق ـ بلد قد قتل فيه أبوك ، واغتيل فيه أخوك ، وقتل فيه ابن عمك (!؟) وبويع يزيد بن معاوية ، وعبيد الله بن زياد في البلد يُعطي ويفرض ، والناس اليوم إنّما هم عبيد الدينار والدرهم ولا آمن عليك أن تقتل ، فاتق الله والزم هذا الحرم.

فقال له الحسين ، والله إن أقتل بالعراق أحبّ إليَّ من أن أقتل بمكة ، وما قضى الله فهو كائن ، وانا مع ذلك استخير الله وأنظر ما يكون »(4) .

ففي قوله : « وقتل فيه ابن عمك » ـ وفي بعض الروايات زيادة قوله : « وقد بايعه أهله » ـ دلالة على وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل إلى الحسين وهو بمكة ، بينما دلّت روايات أخرى هي الأشهر والأظهر أنّه علم بذلك في الطريق إمّا في زرود أو فيما بعدها.

____________________

(1) بحار الأنوار 8 / 273.

(2) آل عمران / 185.

(3) ناسخ التواريخ 2 / 122.

(4) الفتوح 5 / 112.


2 ـ وممّا ورد أيضاً كذلك ممّا لا يقبل ، بل ولا يعقل ممّا ورد عن الفوادح الحسينية ، وكما في أسرار الشهادة قال : « فالتفت الحسين ( عليه السلام ) إلى ابن عباس فقال له : ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت نبيّه من وطنه وداره وقراره وحرم جده ، وتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقر في قرار ، ولا يأوي إلى جوار ، يريدون بذلك قتله وسفك دمائه ، لم يشرك بالله شيئاً قال له ابن عباس : جعلت فداك يا حسين إن كان لا بدّ من السير إلى الكوفة فلا تسر بأهلك ونسائك.

فقال : يا بن العم إنّي رأيت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في منامي وقد أمر بأمر لا أقدر على خلافه ، وإنّه أمرني بأخذهم معي.

وقال : يا بن العم إنّهنّ ودائع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ولا آمن عليهنّ أحداً ، وهنّ أيضاً لا يفارقنني.

فسمع ابن عباس بكاء من ورائه وقائلة تقول يا بن عباس تشير على شيخنا وسيدنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده ، لا والله بل نحيى معه ونموت معه ، وهل أبقى الزمان لنا غيره. فبكى ابن عباس بكاءً شديداً وجعل يقول : يعزّ والله عليَّ فراقك يا بن العم ، ثمّ أقبل على الحسين وأشار عليه بالرجوع إلى مكة والدخول في صلح بني أمية (!؟!؟!؟)

فقال الحسين : هيهات هيهات يا بن عباس إنّ القوم لن يتركوني وانهم يطلبونني أين كنت حتى أبايعهم كرهاً ويقتلونني ، والله لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه وقتلوني ، والله إنّهم ليعتدون عليَّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت وإنّي ماض في أمر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حيث أمرني ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون »(1) .

____________________

(1) أسرار الشهادة / 227 ط حجرية سنة 1319 هـ.


فإنّ الأمر الّذي قلنا إنّه غير مقبول ولا معقول هو مشورة ابن عباس على الإمام الحسين بالرجوع إلى مكة والدخول في صلح بني أمية. وهو ما عقبته بعلامات التعجب والاستفهام استنكاراً له ، إذ لم يرد في أي مصدر مقبول أنّ ابن عباس أشار بمثل ذلك ، وإنّ في الخبر : « وأشار عليه بالرجوع إلى مكة » فذلك يعني أنّ الحوار جرى في الطريق بعد مغادرة الحسين مكة فلحقه ابن عباس وجرى بينهما ما تقدم. وهذا أيضاً لم يرد في أيّ مصدر مقبول فلاحظ!

وأظن ـ وظن الألمعي يقين ـ أنّ وهماً من وقع الراوي فخلط بين ابن عباس وبين ابن عمر ، فإنّ المشير بالصلح هو ابن عمر كما في الملهوف ، قال السيّد ابن طاووس : « وجاءه عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير فأشارا عليه بالإمساك فقال لهما : إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه ، قال : فخرج ابن العباس وهو يقول : واحسيناه ، ثمّ جاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذّره من القتل والقتال.

فقال : يا أبا عبد الرحمن أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله تعالى أنّ رأس يحيى بن زكريا أهدي إلي بغيّ من بغايا بني اسرائيل؟ أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبياً ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً؟ فلم يعجّل الله عليهم ، بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام. اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدع نصرتي »(1) .

أقول : وقد تقدم هذا بصورة أوسع عن الفتوح لابن أعثم فراجع خروج الحسين من المدينة إلى مكة وإقامته بها.

____________________

(1) الملهوف لابن طاووس / 26 ـ 27.


وراجع أيضاً أوّل هذه الفصلة لماذا الإصرار وحوار بعد حوار ، فستجد أنّ ابن عباس يشارك الحسين ( عليه السلام ) في رأيه في جهاد يزيد وسماه الجبّار ، وحسبك أن تقرأ ما رواه المسعودي في المروج قال : « فلمّا همّ الحسين بالخروج إلى العراق أتاه ابن العباس فقال له : يا بن عم قد بلغني أنّك تريد العراق ، وإنّهم أهل غدر ، وإنّما يدعونك للحرب ، فلا تعجل ، وإن أبيت إلاّ محاربة هذا الجبّار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن »(1) .

فمن يسمي يزيد بالجبّار ، ويصوّب محاربة الحسين له كيف يُقبل أو يعقل أنّه يشير عليه بمصالحته؟

3 ـ وممّا ورد أيضاً والعهدة على راويه ، وهو لا يخلو من مناقشة ما رواه الحافظ ابن شهر اشوب نقلاً عن كتاب التخريج (؟) عن العامري بالاسناد عن هبيرة بن يريم عن ابن عباس قال : « رأيت الحسين قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه ، وجبرئيل ينادي : هلموا إلى بيعة الله. وعنّف ابن عباس على تركه الحسين فقال : إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً ، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم »(2) .

فإنّ هذا الخبر ممّا لا يمكن قبوله بوجه ما لم تسدّ ثغرات سنده ومتنه. ففي إسناده :

أوّلاً : جهالة مؤلف كتاب التخريج (؟) ونقل ابن شهر اشوب عنه لا يضفي الوثاقة عليه.

ثانياً : جهالة رواته وانقطاع سنده بين العامري وهبيرة.

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 64 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) مناقب ابن شهرآشوب 3 / 211 ط الحيدرية.


ثالثاً : جهالة حال العامري وهبيرة عندنا. وقد ذكر ابن حجر(1) هبيرة وذكر أقوالاً مختلفة فيه فليراجع.

أمّا ما في متنه من ثغرات فهي :

أوّلاً : كيف رأى ابن عباس الحسين بباب الكعبة وكف جبرئيل في كفه ، وهو يومئذ كان مكفوف البصر؟

ثانياً : لو أغمضنا عن الرؤية البصرية فمن أين علم أنّ المرئي كان جبرئيل ولعله ملك آخر؟

ثالثاً : لو سلّمنا بأنه جبرئيل لإخبار المعصوم له بذلك ، فلماذا لم يبادر هو إلى بيعة الله ويستجب لندائه.

رابعاً : إنّه أجاب لمّا عنّف على تركه نصرة الحسين ( عليه السلام ) : بأنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً ، فهذا الجواب لا يرفع عنه إصر العتاب بل وحتى العقاب ، إذ لا فائدة من نداء جبرئيل ودعوته الناس إلى بيعة الله؟ وهو يرويه.

خامساً : إنّ ذلك ينافي القول بالبداء والمحو والإثبات ، ولقوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( إعملوا فكلٌ ميسّر لما خلق له ) ، وسيأتي مزيد بيان عن هذا في الحلقة الرابعة إن شاء الله تعالى.

والآن إلى بعضه.

سؤال يتبعه سؤال :

لماذا تخلف ابن عباس عن الخروج مع الحسين؟ ولماذا لم يرسل معه بعض أولاده؟ سؤالان مترتبان أوّلاً وثانياً منشأهما واحد ويصعب تجنّبهما ، ولكن

____________________

(1) تهذيب التهذيب 11 / 23 ـ 24.


لا تستعصي الإجابة على الأوّل منهما بقدر ما تستعصي الإجابة على الثاني منهما. وكلاهما سؤال وجيه ويفرض نفسه ، وقد طرحا ـ وخصوصاً الأوّل ـ قديماً ، وأجيب عنه بجوابات مختلفة جلّها تحمل طابع التعذير فترفع إصر التقصير.

ومهما يكن الأمر فإنّ بعض أعلام المتأخرين قد اتخذ من تخلف ابن عباس ذريعة للنيل منه ، ووسيلة طعن فيه بل في بقية بني هاشم بما فيهم محمّد بن الحنفية وعبد الله بن جعفر وأضاف إليهم ابن عمر وابن الزبير وآخرين ، وقد ذكرت مقالته وأجبت عن بعض مؤاخذاته على ابن عباس وابن الحنفية وابن جعفر ، وسوف يأتي ذلك في الحلقة الرابعة من الموسوعة ( عبد الله بن عباس في الميزان ) ولربّما استعجلنا القارئ بالجواب ولو باختصار :

فنقول له في جواب السؤال الأوّل : لماذا تخلف ابن عباس عن الخروج مع الحسين ( عليه السلام )؟

إعلم إنّ ابن عباس كان يومئذ مكفوف البصر ، وعن مثله يسقط التكليف بالجهاد ، على أنّه قد مرّ بنا في أولى محاوراته قوله للحسين ( عليه السلام ) بعد كلام جرى بينهما : « جعلت فداك يا بن بنت رسول الله كأنك تنعى الي نفسك وتريد مني أن أنصرك فوالله الّذي لا إله إلاّ هو لو ضربت بين يديك بسيفي حتى ينقطع وتنخلع يداي جميعاً من كتفي لما كنت ممّن أوفى من حقك عشر العشير ، وها أنا بين يديك فمرني بأمرك.

فقال ابن عمر ـ وكان حاضراً ـ : مهلاً ذرنا من هذا يا بن عباس ».

وأحسبه إنّما قال ذلك خشية أن يحرج هو ليقول مثل مقالة ابن عباس ، بينما هو ممّن يرى مسالمة يزيد بالبيعة ، بل ودعا الحسين إلى المصالحة معه. كما أنّي لا أستبعد أن يكون غرض ابن عباس من كلامه كان استدراج ابن عمر إلى بذل


نصرته ولو باللسان ، ولكن ابن عمر أخطأ حظه وقد واتته الفرصة ، ولا غرابة منه فهو هو منذ اعتزاله بيعة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالخلافة ثمّ مبايعته لمعاوية ولابنه يزيد واستمر على وتيرته حتى بايع الحجاج لعبد الملك بن مروان.

ويشمّ ذلك من عدم تعقيب للإمام الحسين ( عليه السلام ) على ذلك بشيء ، كما أنّه مرّ في آخر تلك المحاورة من جملة كلام الإمام الحسين ( عليه السلام ) مع ابن عباس قوله له : « فامض إلى المدينة في حفظ الله ، ولا تخفي عليّ شيئاً من أخبارك ».

فهذا إذن بالإنصراف لكنه قبل التصميم والعزم على التوجه إلى العراق ، ولكن المحاورات اللاحقة بعد ذلك كانت بعد التصميم والعزم ، وهنا كان محورها نصيحة ابن عباس بعدم التوجه إلى العراق والتحذير من خيانة أهله ، والتذكير بأفعالهم وغدرهم. وفي جميعها لم يرد من الحسين ( عليه السلام ) أي دعوة لنصرته لا من ابن عباس ولا من غيره من بني هاشم.

نعم وردت دعوة ترغيب صريحة في كتابه الّذي كتبه من مكة إلى أخيه محمّد بن الحنفية وإلى من كان قبله بالمدينة من بني هاشم ، وهو مروي بسند صحيح في كامل الزيارات وإليك نصه : قال ابن قولويه مؤلف الكتاب : « وحدّثني أبي رحمه الله وجماعة مشايخي عن سعد بن عبد الله عن عليّ بن إسماعيل بن عيسى ومحمّد بن الحسين ابن أبي الخطاب عن محمّد بن عمرو بن سعيد الزيّات عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كتب الحسين بن عليّ من مكة إلى محمّد بن عليّ : بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبلَه من بني هاشم : أمّا بعد فإنّ من لحق بي استشهد ، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام »(1) .

____________________

(1) كامل الزيارات / 75.


وعلى هذا النحو من الترغيب والترهيب كان كتابه الآخر الّذي رواه ابن قولويه بعد الكتاب السابق وبنفس السند إلى محمّد بن عمرو ، وهو سند صحيح ، ورواه محمّد بن عمرو عن كرام عبد الكريم بن عمرو عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : « كتب الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ من كربلا : من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومَن قِبلَه من بني هاشم : أمّا بعد فكأنّ الدنيا لم تكن وكأنّ الآخرة لم تزل والسلام »(1) .

فهذان الكتابان لا تشمل دعوتهما الترغيبية والترهيبية لابن عباس ، لأنّه أوّلاً كما قلنا كان مكفوف البصر ، وثانياً فان عنوانهما إلى محمّد بن عليّ ومَن قبله من بني هاشم ، وهو يومئذ كان بالمدينة ، وابن عباس حين كتابة الأوّل كان مع الحسين بمكة وهو غير مشمول بالدعوة.

أمّا جواب السؤال الثاني لماذا لم يرسل بعض أولاده مع الحسين ( عليه السلام )؟ فهو يشارك الأوّل في صعوبة تجنبه ، وتستعصي الإجابة عنه بالتعذير ، فإنّ الكتاب الّذي ذكرنا أنّ الحسين ( عليه السلام ) أرسله من مكة إلى محمّد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم الّذين كانوا بالمدينة ، لا شك في انّه دعوة ترغيبية للإلتحاق بركبه الحسيني ، والتخلف عنه بغير عذر شرعي غير فائز بعظيم الأجر ، لأنّه لم يبلغ مبلغ الفتح ، وعلى هذا فإنّ بني هاشم الّذين كانوا بالمدينة ولم يلحقوا بالحسين ( عليه السلام ) هم أولى بالتقصير منهم بالتعذير ، وأولاد ابن عباس الّذين كانوا بالمدينة من جملة أولئك غير المعذّرين.

ويبقى اللوم ـ إن صح التعبير ـ متوجهاً إلى أبيهم ـ فهو إن كان معذوراً لأنّه مكفوف البصر ، أما كان الأجدر به أن يصنع مثل صنع ابن جعفر حين أرسل ابنين من ولده مع الحسين لنصرته؟

____________________

(1) نفس المصدر.


وأمّا اعتذار بعض الباحثين ممّن أجلّه معذّراً بأنّهم ربما كانوا صغاراً ، قول تعوزه الدقة في المعرفة التاريخية ، فإنّ في أبناء ابن عباس من ناهز العشرين سنة بل جاوزها. كابنه العباس الأعنق وبه كان يكنى وهو أكبرهم ، أمّا أصغرهم فابنه عليّ ـ والد العباسيين ـ فإنّه ولد قبل شهادة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبارك الإمام لأبيه ولادته وهو الّذي سماه عليّاً ، وله بينهما محمّد والفضل وعبيد الله وزاد المسعودي عبد الرحمن(1) ، فهم كلّهم له قابلية حمل السلاح ويتوجه عليه التكليف ، وقد شملتهم دعوة الحسين ( عليه السلام ) في كتابه الآنف الذكر. هذا كلّه إذا احتملنا أنّهم كانوا بالمدينة ، ولم يكونوا بمكة مع أبيهم ، خصوصاً وإنّ أباهم كان إليه أمر السقاية وهم في موسم الحج وهو بحاجة إلى بعض ولده ممّن يساعده في الإشراف على إدارة شؤون السقاية وتدبير أمرها خصوصاً بعدما كفّ بصره.

ولو تنزلنا عن هذا أيضاً وعدنا إليهم في المدينة ، أما كان عليه أن يرسل عليهم فيحضرهم ليذهبوا مع الحسين فينالوا شرف المفاداة؟ وهكذا يبقى السؤال ناقص الإجابة ، عصيّ التعذير ، وحيّ التقصير ، والله العالم بحقائق الأمور.

وكان ابن عباس على جانب من المودة والمصافاة مع الحسين ( عليه السلام ) ما يبعد عنه سوء الظن والتقصير ، وكذلك كان الحسين ( عليه السلام ) يوليه عطفاً لطفاً ويسديه نصيحة ، حتى روى ابن عباس قال لي الحسين بن عليّ ( عليه السلام ) : « يا بن عباس ، لا تتكلمنّ بما لا يعنيك فإنّي أخاف عليك الوزر ، ولا تتكلمن بما يعنيك حتى ترى له موضعاً ، فربّ متكلم قد تكلم بحقّ فعيب ، ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً ، فإنّ الحليم يقليك ، والسفيه يرديك ، ولا تقولنّ خلف أحد إذا توارى عنك إلاّ مثل ما تحب أن يقول

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 109.


عنك إذا تواريت عنه ، واعمل عمل عبد يعلم أنّه مأخوذ بالإجرام مجزي بالإحسان ، والسلام »(1) .

وسوف يأتي في الحلقة الرابعة من الموسوعة ( عبد الله بن عباس في الميزان ) مزيد إيضاح وبيان.

واحسيناه :

ندبة المتفجّع لفقده ، قالها ابن عباس ، بعد أن يأس من بقاء الحسين بمكة ، ورأى من تصميمه وعزمه ما تيقّن معه أنّ الحسين سائر في طريقه إلى الشهادة ، وأن لا تلاقي بينهما بعد اليوم في الحياة ، وسوف يضمر في نفسه بصيص الأمل بصلاحها ، وقد صح في غياب الأمل يزداد الخوف والوجل ، وسوف تبقى النفوس حائرة خائرة ، تجتاحها الهواجس وتنتابها الوساوس. فصار ابن عباس يترقب المحذور وقد بدت علائمه ، ولم لا يترقب فهو أسير العاطفة الإنسانية ، وهو رهين الرحم القريبة ، وهو قبل ذلك وفوقه يتملكه الدين بشرعية الحفاظ على حياة إمامه ، فتصاعد وجيب قلبه فيما أحسب حين سمع صوت الركائب والنجائب ترغو لتحمل ركب الحسين الميمون المحزون. وهو يسمع أصوات الناس يهللون وهم يخرجون إلى منى يوم التروية ، بينما الركب يتوجه صوب العراق ، فلم يتمالك على نفسه فخرج مغضباً محزوناً وهو يقول واحسيناه(2) ندبة المفجوع المكروب.

____________________

(1) كنز الفوائد / 194 ، وأعلام الدين للديلمي / 145.

(2) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي / 216 ط الشريف الرضي بقم والملهوف لابن طاووس / 26 ـ 27.


وسارت القافلة وكلّما ابتعدت في سيرها عن مكة اقتربت من موطن الخطر الّذي يخشى ابن عباس فيه نزول البلاء ، فيزداد وجله ووجيب قلبه ، وبقي يتطلع الأخبار عمّا حلّ بالركب الميمون المحزون ، وبلغه نزولهم بأرض الطف ـ فيما أحسب ـ من كتاب الحسين ( عليه السلام ) إلى أخيه محمّد بن عليّ ومَن قبله من بني هاشم الّذي بعثه من كربلا وفيه : « أمّا بعد فكأنّ الدنيا لم تكن وكأنّ الآخرة لم تزل والسلام » وهذا كتاب رواه ابن قولويه(1) . وعلم ابن عباس أنّه قد حُمّ القضاء ، وهذا ما حاول دفعه من قبل وقوعه. ولكن لا راد لأمر الله تعالى.

وروى الرواة : أنّه لمّا أحاط العدو بأهل البيت ومنعوهم الماء وخطبهم الحسين ( عليه السلام ) وتعالت صيحات الأطفال والنساء وسمعهم الحسين ( عليه السلام ) قال الرواة : إنّه قال : لا يبعد الله ابن عباس(2) . وقالوا : فظننا أنّه إنّما قالها حين سمع بكائهن ، لأنّه قد كان نهاه أن يخرج بهن.

وإنّي على شك من صحة هذا الخبر! لأنّه مقولة إنسان حائر خائر ، كمن يعضّ بضرس الندم ، وهذا يبعده عن الحقيقة الّتي كان الحسين ( عليه السلام ) يعلمها وقد صمم على بلوغها : ( شاء الله أن يراني قتيلاً. شاء الله أن يراهنّ سبايا ).

نبأ الفاجعة في الرؤيا المحزنة :

لقد كانت رؤيا ابن عباس للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في منامه وسط النهار بمثابة نذير شر مستطير سيحيق بالأمة من جراء حكم يزيد ، وهذا ما حدث فعلاً ـ كما سيأتي بيانه.

____________________

(1) كامل الزيارات / 75 وسنده صحيح.

(2) تاريخ ابن كثير 8 / 179 ط السعادة بمصر.


ولمّا كانت الرؤى ـ كما في الحديث الشريف ـ على ثلاثة أنواع : ( بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والّذي يحدّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه )(1) ، فرؤيا ابن عباس للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في المنام يخبره بقتل الحسين ( عليه السلام ) ليست هي من البشرى قطعاً ، وليست هي من تحزين الشيطان أيضاً ، بل هي من القسم الثالث وهو الّذي يحدّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه ، فإنّه لم يكن تبارح فكره قضية الحسين ( عليه السلام ) ، فهي تعيش في نفسه ليله ونهاره ويقظته ومنامه ، فلا غرابة لو رأى تلك الرؤيا ، والّتي لم تكن نهاية لذلك القلق الّذي كان يعيشه بقدر ما هي بداية لحزن مستديم ، ووهن في القوى وخيبة في الآمال يعفيه عن أيّ نشاط سياسي بعد اليوم. وهي أيضاً رؤيا حقّ لأن الشيطان لا يتشبّه بصورة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )(2) وقد روى لنا الرواة خبر الرؤيا بأسانيد متعددة لا تدع مجالاً للشك في صحتها ، وقد أخرج حديثها أكثر من عشرين محدّثاً ومؤرخاً حسبك منهم ابن سعد وأحمد بن حنبل والطبراني والحاكم والخطيب وغيرهم(3) .

____________________

(1) الدر المنثور للسيوطي 3 / 313 ، والبحار 61 / 191 نقلاً عن التبصرة لعليّ بن بابويه.

(2) اخرج الخطيب في تاريخه 8 / 334 و 10 / 35 / 284 و 454 والدولابي في الكنى والأسماء 1 / 101 ط حيدر آباد واللفظ له : عن البراء بن عازب ان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( من رآني في المنام فقد رآني فان الشيطان لا يتشبه بصورتي ).

(3) أنظر طبقات ابن سعد ترجمة الإمام الحسين ( عليه السلام ) / 427 تح ـ السُلمي ط الطائف ، فضائل الصحابة أحمد بن حنبل برقم / 1380 ، مسند أحمد بن حنبل 1 / 242 ، مستدرك الحاكم 4 / 397 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، تلخيص المستدرك بهامشه للذهبي ، معجم الطبراني الكبير 3 / 110 ط الموصل ، تاريخ بغداد 1 / 142 ، مجمع الزوائد 9 / 194 وقال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي / 281 ، مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 94 ، الاستيعاب بهامش الإصابة 1 / 381 ، الإصابة 1 / 335 ، تاريخ ابن الأثير 4 / 38 ط بولاق ، تاريخ ابن كثير 8 / 200 نقلاً عن ابن أبي الدنيا ، تاريخ ابن عساكر في ترجمة الحسين / 261 تح ـ المحمودي ، تاريخ الخلفاء للسيوطي / 139 ، ذخائر العقبى للمحب الطبري / 148 نقلاً عن الحافظ أبي عمرو السلفي وابن بنت منيع ، نظم درر السمطين للزرندي / مخطوط ، كشف الغمة للإربلي


وهي كما في طبقات ابن سعد بسنده عن عمّار بن أبي عمّار ـ والسند إليه حسن ـ عن ابن عباس قال : « رأيت النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فيما يرى النائم بنصف النهار ، وهو قائم أشعث أغبر ، بيده قارورة فيها دم ، فقلت بأبي وأمي ما هذا؟ قال : دم الحسين وأصحابه ، أنا منذ اليوم التقطته. قال ـ والقائل هو عمّار ابن أبي عمّار ـ فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم ».

وفي لفظ الإربلي وكشف الغمة : « معه قارورتان فيهما دم »(1) .

وفي نص آخر : « فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة : أنّه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة »(2) .

ولمّا انتبه ابن عباس من نومه فزعاً مرعوباً أخذ يسترجع مكرراً ، فسئل عن سبب استرجاعه فحدّثهم بالرؤيا المحزنة ، وقد فزع ابن عباس إلى ما اختزنه من أبعار الظباء الّتي كان قد صرّها في طرف كمّه محافظاً عليها أشد الحفظ ، فرآها قد انبجست هي الأخرى بدم سال منها ، فعظم حزنه وكثر بكاؤه.

ولقد حدّث سليم بن قيس التابعي الجليل عن حال ابن عباس وبكائه بعد شهادة الحسين ( عليه السلام ) وما سمعه منه ممّا يعبّر عن مشاعره وسخطه ، وبالتالي فهو حديث يمكن أن نعتبره مشعل ثورة ، كما هو بثّ فكرة عن طريق العَبرة في رثاء العترة.

قال سليم بن قيس : « لمّا قتل الحسين بن عليّ ( عليه السلام ) بكى ابن عباس بكاءً شديداً ثمّ قال : ما لقيت هذه الأمة بعد نبيها ، اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي

____________________

/ 192 ط حجرية ، مرآة الجنان لليافعي 1 / 134 ، الملاحم والفتن لابن طاووس / 127 ط الحيدرية.

(1) كشف الغمة 1 / 597 ط الشريف الرضي بقم.

(2) نفس المصدر.


طالب ولولده وليّ ، ومن عدوّه وعدوّهم بريء ، وإنّي سلم لأمرهم لقد دخلت على عليّ ( عليه السلام ) ( ابن عم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم » بذي قار فأخرج إليّ صحيفة وقال لي : يا بن عباس هذه صحيفة أملاها عليَّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وخطي بيدي ، فقلت : يا أمير المؤمنين اقرأها عليَّ فقرأها ، فإذا فيها كلّ شيء منذ قبض رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى مقتل الحسين ( عليه السلام ) وكيف يقتل ومَن يقتله ، ومَن ينصره ومَن يستشهد معه. فبكى بكاءً شديداً وأبكاني.

... حتى انتهى إلى قتل الحسين فسمعت ذلك ، ثمّ كان كما قرأ لم يزد ولم ينقص ، فرأيت خطه أعرفه في صحيفة لم تتغير ولم تصفرّ ، فلمّا أدرج الصحيفة قلت : يا أمير المؤمنين لو كنتَ قرأت عليَّ بقية الصحيفة.

قال ( عليه السلام ) : لا ، ولكني محدّثك ، ما يمنعني فيها ما نلقى من أهل بيتك وولدك ، وهو أمر فظيع من قتلهم لنا وعداوتهم إيانا وسوء ملكهم وشوم قدرتهم ، فأكره أن تسمعه فتغتم ويحزنك ولكني أحدّثك

يا بن عباس إنّ ملك بني أمية إذا زال كان أوّل ما يملك من بني هاشم وُلدك فيفعلون الأفاعيل.

فقال ابن عباس : لأن يكون نسخت ذلك الكتاب فإنّه أحب إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس »(1) .

وكان يقول : « لا يمهل الله يزيد بعد قتله الحسين وأنّه قال : سبب زوال الدولة عن يزيد بن معاوية والله قتله الحسين ( عليه السلام ) »(2) .

____________________

(1) سليم بن قيس / 915 نشر دار الهادي ، وفضائل شاذان بن جبرئيل / 141 والروضة وعنهما في البحار 28 / 73 ط الإسلامية.

(2) تاريخ السلامي البيهقي بتوسط مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 183 ط الزهراء.


سبع سنيّ عجاف :

تلك هي السبع العجاف الّتي عاشها ابن عباس بعد مقتل أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) ، فقد رأى فيها من أذى يزيد ما لم يتوقع أن يراه مَن هو في سنّه وهو ينيف على الستين من عمره ، وهو هو في شأنه وفضله مع فقده بصره ، لكن بني أمية لم يتركوا حرمة مسلم إلاّ انتهكوها ، وزاد عليهم في ابتلاء ابن عباس مضايقة ابن الزبير له حيث أراده على مبايعته فامتنع ، فصار ابن الزبير يشهّر به حتى على المنبر كما سيجيء بيان ذلك ، وهو مع ذلك الحال لم يترك كلمة الحقّ ينطق بها سرّاً وإعلاناً ، تحريراً وبياناً ، وكان أشدّ ما يزعجه شماتة الأعداء كابن الزبير وأشباهه ، لذلك فيما يبدو كان يكتم خبر شهادة الحسين ( عليه السلام ) بمكة وقد وافاها قبل بلوغ الخبر إلى أهلها.

شماتة الأعداء :

وروى ابن سعد بسنده عن ابن أبي مليكة ـ وسنده فيه ضعيف ـ قال : « بينما ابن عباس جالس في المسجد الحرام وهو يتوقع خبر الحسين بن عليّ إلى أن أتاه آتٍ فسارّه بشيء فأظهر الإسترجاع فقلنا : ما حدث يا أبا العباس؟ قال : مصيبة عظيمة نحتسبها أخبرني مولاي أنّه سمع ابن الزبير يقول : قتل الحسين بن عليّ. فلم يبرح حتى جاءه ابن الزبير فعزّاه ثمّ انصرف.

فقام ابن عباس فدخل منزله ودخل عليه الناس يعزّونه. فقال : إنّه ليعدل عندي مصيبة حسين شماتة ابن الزبير أترون مشي ابن الزبير إليّ يعزّيني ، إنّ ذلك منه إلاّ شماتة »(1) .

____________________

(1) طبقات ابن سعد في ترجمة الحسين ( عليه السلام ) / 493 تح ـ السُلمي ، وتاريخ ابن عساكر ترجمة الحسين / 264 تح ـ المحمودي.


ولم يكن ابن عباس متجنياً على ابن الزبير في قوله فيه ، بل قد روى ابن سعد أيضاً بسنده عن ابن جريج قال : « كان المسور بن مخرمة بمكة حين جاء نعي الحسين بن عليّ ، فلقي ابن الزبير ، فقال له : جاءك ما كنت تمنّى موت حسين ابن عليّ ، فقال ابن الزبير : يا أبا عبد الرحمن تقول لي هذا؟ فوالله ليته بقي ما بقي بالجمّاء حجر ، والله ما تمنيت ذلك له. قال المسور : أنت أشرت عليه بالخروج إلى غير وجه. قال : نعم أشرت به عليه ولم أدر أنّه يقتل ، ولم يكن بيدي أجله ، ولقد جئت ابن عباس فعزّيته ، فعرفت أنّ ذلك يثقل عليه مني ، ولو أنّي تركت تعزيته قال : مثلي يترك لا يعزيني بحسين فما أصنع؟ أخوالي وغرة(1) الصدور عليّ ، وما أدري على أي شيء ذلك؟ فقال المسور : ما حاجتك إلى ذكر ما مضى ونثه(2) دع الأمور تمضي وبرّ أخوالك ، فأبوك أحمد عندهم منك »(3) .

ولم يكن ابن عباس يخفي كراهيته لابن الزبير لشماتته بموت الحسين ( عليه السلام ) على حد قوله ، كما قال ذلك لابن صفوان الجمحي.

فقد روى ابن سعد في خبره : « أنّ ابن صفوان كان عند ابن عباس وعنده محمّد بن الحنفية لمّا كان الناس يعزونهم بالحسين ( عليه السلام ) فقال ابن صفوان : إنّا لله وإنّا إليه راجعون أي مصيبة ، رحم الله أبا عبد الله وآجركم الله في مصيبتكم.

فقال ابن عباس : يا أبا القاسم ـ يخاطب محمّد بن الحنفية ـ ما هو إلاّ أن خرج من مكة فكنت أتوقع ما أصابه.

قال ابن الحنفية : وأنا والله ، فعند الله نحتسبه ونسأله الأجر وحسن الخلف.

____________________

(1) أي ممتلئة غيظاً وحنقاً ( لسان العرب : وغر ).

(2) نثّ الحديث نشر ما كان كتمه أحق من نشره ( اللسان : نثث ).

(3) طبقات ابن سعد في ترجمة الحسين ( عليه السلام ) / 494 ، وكذا في تاريخ ابن عساكر / 265 ترجمة الحسين تح ـ المحمودي.


قال ابن عباس : يا أبا صفوان أما والله لا يخلد بعدُ صاحبُك الشامت بموته.

فقال ابن صفوان : يا أبا العباس والله ما رأيت ذلك منه ، ولقد رأيته محزوناً بمقتله ، كثير الترحّم عليه.

قال : يريك ذلك لما يعلم من مودّتك لنا ، فوصل الله رحمك ، لا يحبّنا ابن الزبير أبداً.

قال ابن صفوان : فخذ بالفضل فأنت أولى به منه »(1) .

وقعة الحرة :

لقد عاشت الأمة الإسلامية في الحرمين الشريفين في المدينة المنورة ومكة المكرمة من بعد شهادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) حالة من التفكك والانقسام لحد الإنفصام ، فالولاة والحاكمون من الأمويين يشعرون بغضب إسلامي عارم عام لمقتل سيّد الشهداء ، فذرّ بينهم وبين المسلمين قرن الخلاف وشعروا بالمهانة والكراهية ، وزاد الطين بلة تشهير ابن الزبير بهم ، وقد التفّ حوله جمهورٌ من الحرمين فبايعوه وخلعوا بيعة يزيد ، وبين هؤلاء وهؤلاء مَن هم على الحياد ـ لو صح التعبير ـ كابن عباس وبقية بني هاشم ، وبعد أولئك وأولا رهط الأنصار ومَن شايعهم من أبناء المهاجرين الّذين خلعوا بيعة يزيد وأمّروا عليهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وعبد الله بن مطيع على قريش ، وفي خضم الإنقسامات لابدّ من التدافع حتى ولو أشهرت السيوف اللوامع ، وهكذا بقي بنو هاشم بمنأى عن ذلك التنازع ، وكأنّهم يعيشون خارج الزمن وإن كانوا بعد أحياء ، ومع ذلك الاعتزال فلا يزالون

____________________

(1) نفس المصدر / 494.


طرفاً مستهدفاً لكل من الأمويين وابن الزبير ، كلٌ يبتغي جرّهم إلى صفّه ، ويصانعهم الودّ حيناً ، ويراوغهم أحياناً ، ويكاشفهم العداء بالتالي ، ولكنهم لم يستجيبوا لرغبة ولم ينساقوا لرهبة ، فقد اتخذ ابن عباس ومعه ابن الحنفية موقفاً صلباً في الحياد ، وإن بلغ تشنّج الحاكمين حدّ الوعيد ، فسكنى ابن عباس بمكة يسّرت له الإشراف على شؤون السقاية الّتي كانت تهمه كثيراً ، لما يرى من فضل زمزم حتى انّه كان إذا أراد أن يتحف رجلاً بتحفة سقاه من زمزم(1) والرفادة عن قرب ، وله في المدينة بقية أهله ، ولمّا بلغته أخبار المدينة في تحالف الأنصار وقريش في وقعة الحرة لم يكن متفائلاً بنجاح أهلها لأنّهم أمّروا عليهم أميرين : عبد الله بن مطيع العدوي على قريش وعبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة على الأنصار. ولمّا وقعت الواقعة « وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس ومن بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس ، فممّن قتل من آل أبي طالب ابنان لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب(2) ولجعفر بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب ، ومن

____________________

(1) ذكر أخبار أصبهان 1 / 333.

(2) لم يذكر المؤرخون اسمهما إلاّ ان الفسوي في المعرفة والتاريخ ذكر بسنده خبراً عن واهب بن عبد الله المعافري قال : قدمت المدينة فأتيت منزل زينب بنت فاطمة بنت عليّ لأسلّم عليها ، فدخلت عليها الدار فإذا عندها جماعة عظيمة واذا هي جالسة مسفرة ، واذا امرأة ليست بالحليلة ولم تطعن بالسنّ ، فاحتملتني الحمية والعفّة لها فقلت : سبحانك الله ، قدركِ قدركِ وموضعكِ موضعكِ وأنت تجلسين للناس كما أرى مسفرة؟

فقالت : إن لي قصة ، قال قلت وما تلك القصة؟

فقالت : لمّا كان ايام الحرة ووفد أهل الشام المدينة وفعلوا فيها ما فعلوا ، وكان لي يومئذ أبن قد ناهز الاحتلام ، قالت : فلم أشعر به يوماً وأنا جالسة في منزلي إلاّ وهو يسعى وبسر بن أبي أرطاة خلفه حتى دخل عليّ ّ ، فألقى نفسه عليّ وهو يبكي يكاد البكاء أن يفلق كبده ، فقال لي بسر : إدفعيه إليّ فأنا خير له قالت : فقلت له اذهب مع عمك ، قالت :


بني هاشم من غير آل أبي طالب : الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب ، وبضع وتسعون رجلاً من سائر قريش ، ومثلهم من الأنصار ، وأربعة آلاف من سائر الناس ممّن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف »(1) .

ومن أعجب العجب بعد ما مرّ ذكره وغيره من جرائم جيش الأمويين في المدينة المنوّرة ، نقرأ موقفاً عن ابن عمر ، متهالكاً في طاعتهم ، يرويه البخاري في صحيحه في ( باب إذا قال عند قوم شيئاً ثمّ خرج خلافه ) من كتاب التوحيد ، بسنده عن نافع ، قال : « لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ، جمع ابن عمر حشمه وولده ، فقال : إنّي سمعت النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( ينصب لكلّ غادر لواء يوم القيامة ) ، وإّنا قد أيدنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله ، وإنّي لا أعلم غدراً أعظم

____________________

فقال : لا والله لا أذهب معه يا أمّه هو والله قاتلي. قالت : فقلت أترى عمك يقتلك؟ لا ، إذهب معه ، قالت : قال لا والله يا أمه لا أذهب معه هو والله قاتلي. قالت : وهو يبكي يكاد البكاء أن يفلق كبده قالت : فلم أزل أترفق به وأسكّنه حتى سكن.

قالت : ثمّ قال لي بسر إدفعيه إلي فأنا خير له ، قالت : فقلت اذهب مع عمك ، قالت فقام فذهب معه. قالت : فلمّا خرج من باب الدار قال للغلام امشي بين يدي ، قالت فإذا بسر قد اشتمل على السيف فيما بينه وبين ثيابه ، قالت فلمّا ظهر إلى السكّة رفع بسر ثيابه عن عاتقه وشهر عليه السيف من خلفه ثمّ علاه من خلفه ، فلم يزل يضربه به حتى يرد ، قالت : فجاءتني الصيحة ادركي ابنك فقد قطّع ، قالت فقمت أتعثر في ثيابي ما معي عقلي.

قالت : فإذا جماعة قد أطافوا به فإذا هو قتيل قد قُطّع.

قالت : فألقيت نفسي عليه وأمرت به فحُمل.

قالت : فجعلت على نفسي من يومئذ لله أن لا أستتر من أحد ، لأن بُسراً هو أوّل من هتك ستري وأخرجني للناس فالله حسيبه.

أقول : والخبر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 10 / 13 ـ 14.

(1) مروج الذهب 3 / 79 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.


من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثمّ ينصب له القتال ، وإنّي لا أعلم أحداً منكم خلعه ، ولا بايع في هذا الأمر إلاّ كانت الفيصل بيني وبينه »(1) .

وقد مرّ بنا آنفاً أنّه أشار على الحسين بمبايعة يزيد ، فقال له الحسين ( عليه السلام ) : ( هيهات يا بن عمر فاتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتي ، فوالذي بعث جدي محمداً بشيراً ونذيراً لو أنّه أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرتي ).

ولو لم يجد يزيد في ابن عمر وأمثاله أنصاراً له على جرائمه في المدينة وغيرها ، لما ارتكب موبقاته فيها فأباحها لجيشه ثلاثة أيام ، ارتكبوا فيها كلّ قبيح.

وكان ابن عباس يقول : جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ) (2) قال : لأعطوها ، يعني ادخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة(3) .

وهذا ما حذّر منه الإمام الحسين سلام الله عليه أمة جدّه ممّن زاغ عن الحقّ وراغ مع الباطل فقال في يوم عاشوراء في إحدى خطبه : ( يا أمة السوء بئسما خلفتم محمّداً في عترته ، أما إنّكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله الصالحين فتهابوا قتله ، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي ).

فكلّ إناء بالّذي فيه ينضح :

روى أبو الفرج الاصبهاني بسنده عن ابن أبي مليكة قال : « رأيتهم ـ يعني بني أمية ـ يتتايعون(4) نحو ابن عباس حين نفر ابن الزبير بني أمية عن الحجاز ، فذهبت معهم وأنا غلام ، فلقينا رجلاً خارجاً من عنده ، ودخلنا عليه فقال له عُبيد

____________________

(1) صحيح البخاري 9 / 57 ط بولاق سنة 1313 هـ.

(2) الأحزاب / 14.

(3) المعرفة والتاريخ للبسوي 3 / 327 ط أوقاف بغداد.

(4) التتايع : التتابع في الشر والتهافت والاسراع إليه ، ويرمي بنفسه من غير تثبّت.


ابن عُمير ، ما لي أراك تذرف عيناك؟ فقال له : إن هذا ـ يعني عبد الرحمن بن الحكم ـ قال بيتاً أبكاني وهو :

وعبد مناف لم تغلها الغوائل

وما كنت أخشى أن ترى الذل نسوتي

فذكر قرابةً بيننا وبين بني عمنا بني أمية ، وإنّا إنّما كنا أهل بيت واحد في الجاهلية ، حتى جاء الإسلام فدخل الشيطان بيننا أيّما دخل »(1) .

وروى الطبري في تاريخه ، وابن الأثير في الكامل : « أنّ مروان بن الحكم كلّم ابن عمر لمّا أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية في أن يغيّب أهله عنده فلم يفعل ، وكلّم عليّ بن الحسين وقال : يا أبا الحسن إنّ لي رحَماً وحُرمي تكون مع حُرمك ، فقال : أفعل ، فبعث بحُرمه إلى عليّ بن الحسين ، فخرج بحُرمه وحُرَمِ مروان حتى وضعهم بينبع »(2) .

قال أبو مخنف كما في الطبري : « وخرجت عائشة بنت عثمان بن عفان إلى الطائف فتمرّ بعلي بن حسين وهو بمال له إلى جنب المدينة قد اعتزلها ، كراهية أن يشهد شيئاً من أمرهم ، فقال لها احملي ابني عبد الله معك إلى الطائف ، فحملته إلى الطائف حتى انفضّت أمور أهل المدينة »(3) .

هذه بعض أيادي أهل البيت على الأمويين في محنتهم مع ما كان منهم من شرّ صدمة أوقعوها بهم بقتلهم الحسين وأهل بيته وسبي عياله و و.

فلم يمنعهم ذلك من إسداء المعروف إليهم والتعاطف معهم في المحنة ، فهلم الآن لنقرأ بعض صور الجزاء المخزي المفزع ، لتؤمنوا بأنّ الّذي خبث لا يخرج إلاّ نكدا.

____________________

(1) الأغاني 13 / 264 ط دار الكتب.

(2) تاريخ الطبري 5 / 485 ط دار المعارف ، الكامل في التاريخ4 / 49 ط بولاق.

(3) تاريخ الطبري 5 / 485.


قال ابن أعثم ـ في حديثه عن مسلم بن عقبة المري قائد الحملة التدميرية على المدينة المنورة ، وما سفكه من دماء الأبرياء ، وأخذه البيعة من الناس على أنّهم عبيد خول ليزيد.

قال : « ثمّ أتي بعليّ بن عبد الله بن عباس ، فلمّا قدم إليه قامت قبائل كندة من كلّ ناحية فقالوا : أيها الأمير إنّ هذا الّذي قَدم عليك منا وإلينا ، وذلك أنّ عبد الله بن العباس خطب إلينا ، فزوجناه بنت عم لنا يقال لها زرعة بنت مشوح ، فأولدها هذا الفتى ابن اختنا فخلّ سبيله ، فقال : يا معشر كندة خلعتم أيديكم من الطاعة ، فقالوا : ما خلعنا أيدينا من الطاعة ، ولكنا لا نمكنك من ابن اختنا تقتله ، فقال لهم : إذاً فيبايع أمير المؤمنين يزيد فقالوا : أمّا البيعة فانه يبايع ، على أنّه والله أشرف من يزيد وأكرم منه أباً وأماً.

قال : فبايع عليّ بن عبد الله بن عباس يزيد بن معاوية ، وتنحى ناحية من بين يدي مسلم بن عقبة »(1) .

وقال : « وسمع مسلم بن عقبة صياحاً وصراخاً فقال : ما هذا؟ فقيل : إنّه قد أتي بعلي بن الحسين بين يديه وهؤلاء أقاربه يصيحون ، فقال أعلموه انّه لا بأس عليه.

قال : فلمّا أتي بعليّ بن الحسين ، وثب مسلم بن عقبة فصافحه وقبّل بين عينيه وأقعده معه على سريره ثمّ قال له : لا بأس عليك وأمير المؤمنين يزيد يقرأ عليك السلام ويقول لك : لا تلمني على حبس عطائي لك ، إنّما شغلني عنك عبد الله بن الزبير ، وأنا موجّه إليك بعطائك موفراً. قال : ثمّ أمر له مسلم بن عقبة بألف درهم ، وقال : احملوه إلى منزله »(2) .

____________________

(1) الفتوح 5 / 299 ط دار الندوة.

(2) نفس المصدر / 300.


وقال المسعودي : « ونظر الناس إلى عليّ بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو ، فأتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه ، فتبرأ منه ومن آبائه فلمّا رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له ، وأقعده إلى جانبه ، وقال له : سلني حوائجك ، فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلى السيف الا شفّعه فيه ، ثمّ انصرف عنه ، فقيل لعلي : رأيناك تحرّك شفتيك فما الّذي قلت؟ قال : قلت : اللّهمّ ربّ السموات السبع وما أظللن ، والأرضين السبع وما أقللن ، ربّ العرش العظيم ربّ محمّد وآله الطاهرين ، أعوذ بك من شره ، وأدرأ بك في نحره ، أسألك أن تؤتيني خيره ، وتكفيني شرّه.

وقيل لمسلم : رأيناك تسبّ هذا الغلام وسلفه ، فلمّا أتي به إليك رفعت منزلته ، فقال : ما كان ذلك لرأي مني ، لقد مليء قلبي منه رعباً »(1) .

وقال المسعودي أيضاً : وأمّا عليّ بن عبد الله بن العباس فإن أخواله من كندة منعوه وأناس من ربيعة كانوا في جيشه فقال عليّ في ذلك :

أبي العباس قرم بني لؤي

وأخوالي الملوك بنو وليعه

هم منعوا ذماري يوم جاءت

كتائب مسرف وبني اللكيعه

أراد بي الّتي لا عزّ فيها

فحالت دونه أيدي ربيعه

لقد همّ يزيد بقتل ابن عباس؟

قال سبط ابن الجوزي : « ذكر الواقدي وهشام وابن إسحاق وغيرهم قالوا : لمّا قتل الحسين ( عليه السلام ) بعث عبد الله بن الزبير إلى عبد الله بن عباس ليبايعه وقال : أنا أولى من يزيد الفاسق الفاجر وقد علمت سيرتي وسيرته ، وسوابق أبي الزبير مع

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 80.


رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وسوابق معاوية ، فامتنع ابن عباس وقال : الفتنة قائمة وباب الدماء مفتوح ، وما لي ولهذا ، إنّما أنا رجل من المسلمين. فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فكتب إلى ابن عباس »(1) .

وروى الفسوي بسنده عن شقيق بن سلمة قال : « لمّا قتل الحسين بن عليّ ابن أبي طالب ثار عبد الله بن الزبير ، فدعا ابن عباس إلى بيعته ، فامتنع ابن عباس وظن يزيد بن معاوية أنّ امتناع ابن عباس تمسكاً منه ببيعته فكتب إليه »(2) .

وروى الطبراني في المعجم ـ وعنه الهيثمي ـ بسنده عن أبان بن الوليد قال : « كتب عبد الله بن الزبير إلى ابن عباس في البيعة فأبى أن يبايعه ، فظن يزيد بن معاوية أنّه إنّما امتنع عليه لمكانه ، فكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس »(3) .

ولمّا كانت روايات الرواة لهذا الكتاب تتفاوت في بعض الألفاظ ، فأنا اخترت للقارئ رواية الطبراني الّتي اختارها الهيثمي في مجمع الزوائد ، ونقلتها بلفظه ، لأنّ المطبوع من معجم الطبراني فيه تصحيف لبعض الألفاظ مخرج للمعنى ، ولم يتنبه إليه محقق الكتاب ، وإليك نسخة ما كتب به يزيد وما أجاب به ابن عباس برواية مجمع الزوائد بعد تصحيح الأخطاء المطبعية فيه :

قال : « فكتب يزيد بن معاوية أمّا بعد : إنّه بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته ليدخلك في طاعته فتكون على الباطل ظهيراً وفي المأثم شريكاً ، فامتنعت عليه ، وانقبضت ، لما عرفك الله في نفسك من حقنا أهل البيت ، فجزاك الله أفضل ما جزى الواصلين عن أرحامهم ، الموفين بعهودهم ، ومهما أنس من

____________________

(1) تذكرة الخواص / 155 ط حجرية و 247 ط منشورات الشريف الرضي بقم.

(2) المعرفة والتاريخ 1 / 531 ط الأوقاف ببغداد.

(3) المعجم الكبير 10 / 241 ط الأوقاف الثانية ، مجمع الزوائد 7 / 250 ط القدسي.


الأشياء فلن أنس برّك وصلتك وحسن جائزتك الّتي أنت أهلها ، في الطاعة والشرف والقرابة لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فانظر مَن قبلك من قومك ومن يطرأ عليك من أهل الآفاق ممّن يسحره ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله ، فخذّلهم عنه ، فإنّهم لك أطوع ، ومنك أسمع منهم للملحد والخارق المارق والسلام.

فكتب ابن عباس إليه : أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه دعاء ابن الزبير إياي للذي دعاني إليه ، وإنّي امتنعت عليه معرفة لحقك ، فإن يكن ذلك كذلك فلست برّك أرجو بذلك ولكن الله بما أنوي به عليم.

وكتبت إليّ أن أحثّ الناس عليك وأجذبهم عن ابن الزبير فلا ، ولا سروراً ولا حبوراً ، بفيك الكثكث(1) ولك الأثلب(2) إنك العازب إن منّتك نفسك ، وانك لأنت المفقود المثبور.

وكتبت إليَّ بتعجيل بري وصلتي ، فاحبس أيها الإنسان عني برّك وصلتك ، فإنّي حابس عنك ودي ونصرتي. ولعمري ما تعطينا ممّا في يدك لنا إلاّ القليل ، وتحبس منه الطويل العريض لا أباً لك.

أتراني أنسى قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلب ، مصابيح الدجى ونجوم الأعلام ، وغادرتهم خيولك بأمرك ، فأصبحوا مصرّعين في صعيد واحد ، مزمّلين بالدماء ، مسلوبين بالعراء ، لا مكفّنين ولا موسّدين ، تسفيهم الرياح ، وتغزوهم الذئاب ، وتنتابهم عوج الضباع ، حتى أتاح الله لهم قوماً لم يشركوا في دمائهم فكفنوهم وأجنّوهم.

وبهم والله وبي منّ الله عليك فجلست في مجلسك الّذي أنت فيه.

____________________

(1) صغار الحجارة والتراب.

(2) الحصى والحجر.


ومهما أنس من الأشياء فلست أنسى تسليطك عليهم الدعيّ ابن الدعي ، الّذي كان للعاهرة الفاجرة ، البعيد رحما ، اللئيم أباً وأماً ، الّذي اكتسب أبوك في ادعائه له العار ، والمأثم ، والذلة ، والخزي في الدنيا والآخرة ، لأن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وإن أباك يزعم أنّ الولد لغير الفراش ، ولا يضير العاهر ويلحق به ولده كما يلحق ولد البغي الرشيد ، ولقد أمات أبوك السنة جهلاً ، وأحيى الأحداث المضلّة عمداً.

ومهما أنس من الأشياء فلست أنس تسييرك حسيناً من حرم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى حرم الله ، وتسييرك إليه الرجال. وإدساسك إليهم ان هو نذر بكم فعاجلوه ، فما زلت بذلك وكذلك ، حتى أخرجته من مكة إلى أرض الكوفة ، تزأر إليه خيلك وجنودك زئير الأسد ، عداوة مثلك لله ولرسوله ولأهل بيته ، ثمّ كتبت إلى ابن مرجانة يستقبله بالخيل والرجال والأسنة والسيوف ، ثمّ كتبت إليه بمعاجلته وترك مطاولته ، حتى قتلته ومن معه من فتيان بني عبد المطلب أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

نحن أولئك لا كآبائك الأجلاف الجفاة أكباد الحمير ، ولقد علمت أنّه كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً ، وأعزّه بها حديثاً لو ثوى بالحرمين مقاما ، واستحلّ بها قتالا ، ولكنه كره أن يكون هو الّذي يستحل حرم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وحرمة البيت الحرام ، فطلب الموادعة ، وسألكم الرجعة ، فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته ، كأنّكم تقتلون أهل بيت من الترك أو كابل.

وكيف تحدوني على ودّك وتطلب نصري ، وقد قتلت بني أبي ، وسيفك يقطر من دمي ، وأنت أحد ثاري ، فإن يشأ الله لا يطلّ لديك دمي ، ولا تسبقني


بثاري ، وإن تسبقنا به ، فقبلنا ما قُتلت النبيون وآل النبيين ، فطلّت دماؤهم في الدنيا ، وكان الموعد الله ، وكفى بالله للمظلومين ناصراً ، ومن الظالمين منتقماً.

والعجب كلّ العجب وما عشت يريك الدهر العجب ، حملك بنات عبد المطلب وحملك أبناءهم أغيلمة صغاراً إليك بالشام ، تُري الناس أنّك قد قهرتنا ، وأنّك تذلّنا ، وبهم والله وبي منّ الله عليك وعلى أبيك وأمك من السباء.

وأيم الله إنّك لتصبح وتمسي آمناً لجراح يدي ، وليعظمن جرحك بلساني وبناني ، ونقضي وإبرامي فلا يستعزّنك(1) الجذل ، فلن يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلاّ قليلاً ، حتى يأخذك الله أخذاً أليماً ، ويخرجك من الدنيا آثماً مذموماً ، فعش لا أباً لك ما شئت فقد أرداك عند الله ما اقترفت.

فلمّا قرأ يزيد الرسالة قال : لقد كان ابن عباس مضبّاً(2) على الشرّ ».

ولقد ذكر هذا الكتاب غير واحد من المؤرخين والمحدّثين ، وبين رواياتهم تفاوت في الألفاظ فمن شاء مزيد الأطلاع فليرجع إلى المصادر التالية :

1 ـ المعرفة والتاريخ للفسوي ( ت 277 ) : 1 / 531 ط الأوقاف ببغداد.

2 ـ أنساب الأشراف للبلاذري ( ت 279 ) : 1ق4 / 305 تح ـ احسان عباس وذكر شطراً من الكتاب.

3 ـ تاريخ اليعقوبي ( ت بعد 292 ) : 2 / 220 مط الغري بالنجف الأشرف.

4 ـ المعجم الكبير للطبراني ( ت 360 ) : 10 / 241 ط الثانية بالموصل.

____________________

(1) في جملة من المصادر تصحيف ، والصواب ما أثبتناه ، ومعناه لا يغلب عليك ، يقال استعزّ به الحال أي غلب عليه.

(2) في جملة من المصادر تصحيف ، والصواب ما أثبتناه ، ومعناه أخفى غلّه في قلبه وأمسكه.


5 ـ مقتل الحسين للخوارزمي ( ت 568 ) : 2 / 77 ط الزهراء في النجف الأشرف.

6 ـ تاريخ ابن الأثير ( ت 630 ) : 4 / 54 ط بولاق.

7 ـ تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ( ت 654 ) : 155 ط حجرية و 274 ط منشورات الشريف الرضي.

8 ـ مجمع الزوائد للهيثمي ( ت 807 ) : 7 / 250 ط القدسي.

9 ـ تطهير الجنان لابن حجر الهيتمي ـ بالتاء المثناة ـ ( ت 974 ) : / 135 بهامش الصواعق المحرقة.

10 ـ بحار الأنوار للمجلسي ( ت 1111 ) : 45 / 323.

فهذه عشرة كاملة وحسبي بها ، فضلاً عن مصادر ثانوية كثيرة كالدرجات الرفيعة وأعيان الشيعة والمجالس السنية واقناع اللائم ومشكوة الأدب وناسخ التواريخ ( فارسي ) وغيرها. وقد ورد في جملة من المصادر الأولية أنّ يزيد لمّا وصلت إليه رسالة ابن عباس غضب غضباً شديداً وهمّ بقتل ابن عباس ، ولكن الله شغله بأمر ابن الزبير ثمّ أخذه أخذ عزيز مقتدر ، فمات السكران بحوارين.

وقد جاءت الرسالة في بلاغتها كأنّها مستقاة من نهج إمامه وابن عمه سيّد البلغاء في نهج البلاغة ، في قوّة الحجة وبليغ الكلام.

كما أنّها تعتبر وثيقة تاريخية تدين يزيد بجرائمه ، وتدمغ الّذين برؤوه من جريمة القتل وأدانوا بها ابن زياد ، وأخيراً فقد كانت آخر ما عُرف عن ابن عباس من موقف سياسي مع يزيد ، ولم يكد جور السلطة الأموية ينتهي بموته ، فإنه سيأتي لابن عباس مع عبد الملك بن مروان ما سنذكره ، ولقد أعجبت الرسالة بعضهم فقال :


نصرت ابن عباس حسين بن فاطم

بحدّ لسان ما عن السيف ينقص

دعتك إليه شمية هاشمية

لعمرك أنت الهاشمي المخلّص(1)

غداة ابن هند أسلس القول طامعاً

بودّك حاشا الله ودّك ينكص

فلقّيته صعباً شديداً مراسه

فتى ثأر أهليه به يتربّص

وتالله لولا حكمة الله لانثنت

لكم غارة منها السماء تقلّص(2)

ويبقى هذا الكتاب خير شاهد على تفجّر غيظه جُملاً حمماً ، تطاير حرفُها فصكّ بها وجه يزيد حتى همّ بقتله ، لولا أنّه شُغل بأمر ابن الزبير. وهو في وضعه المؤثّر المعبّر عن عظم المأساة وشدة النكبة الّتي مُني بها المسلمون ، لم يتعدّ عن الواقع يومئذ ، كما أنّه في كتابه استبان عظيم حزنه المتصل ، فهو في حداد مستمر وبكاء دائم ، وهذا حال بقية الهاشميين والهاشميات حتى لقد روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت ، ولا رؤي في دار هاشمي دخان خمس سنين ، حتى قتل عبيد الله بن زياد »(3) .

ويبقى كتاب ابن عباس يعطي المسلمين صورة واضحة عن مدى ما وصلت إليه الأمور من الشدة ، والمشاعر من التوتر بالنسبة لأكثر الناس حكمة ، وأوفرهم علماً ، وأرجحهم عقلاً مثل ابن عباس ، فكيف بمن هو دونه من عامة الناس.

ويبقى ابن عباس في موقفه الرافض والناقم على بني أمية ، فقد جاءه رجل منهم فقال : أريد أن أسألك عن سؤال ، فقال له : سل عمّا تريد ، فقال : يا عبد الله ما

____________________

(1) الدرجات الرفيعة / 145 ط الحيدرية.

(2) زيادة في مجموع المرحوم السيّد جعفر الخرسان بخطه ( عندي ).

(3) أصدق الأخبار للسيّد الأمين / 91 ط صيدا.


تقول في دم البعوضة هل ينقض الوضوء أم لا؟ وهل هو طاهر أم نجس؟ فقال له : ثكلتك أُمك يا عديم الرأي تسأل عن دم البعوضة؟ فلِمَ لا سألت عن دم الحسين ابن بنت رسول الله ، فكيف سفكتم دمه وقطعتم لحمه وكسرتم عظمه ، وقتلتم أولاده وأطفاله وأنصاره ، وسبيتم حريمه ، ومنعتموه من شرب الماء ، ألا لعنة الله على الظالمين.

ثمّ التفت عبد الله إلى جلسائه وقال : أنظروا إلى هذا اللعين كيف يسألني عن دم البعوضة ولا يخاف الله يسأله عن دم الحسين ( عليه السلام ) ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ثمّ قال لأصحابه : والله إنّي سمعت بها بهاتي أذني من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول مراراً كثيرة : الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ريحانتاي من الدنيا ، وهما مني وأنا منهما ، أحب الله من أحبهما ، وأبغض الله من أبغضهما ، وآذى الله من آذاهما ، ووصل الله من وصلهما ، وقطع الله من قطعهما ، فإنّهما ابناي وسبطاي وقرتا عيني وسيّدا شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين.

قال ابن عباس : فقلت : يا رسول الله أي أهل بيتك أحب إليك؟ فقال : الحسن والحسين أحبّ الناس إليَّ(1) .

____________________

(1) المنتخب للطريحي / 119 ط الثالثة بالحيدرية سنة 1329 هـ ـ 1949 م.



الفصل الثالث :

حبر الأمة أيام ابن الزبير والمروانيين



أخرج أحمد والترمذي وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه قال : ( أشد الناس بلاءً الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، يبتلى المرء على حسب دينه ، فان كان في دينه صلباً اشتدّ بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي وما عليه خطيئة )(1) .

ولمّا كان أهل البيت ( عليهم السلام ) ومَن كان منهم ومعهم حسباً ونسباً ، هم أهل البلاء والاصطفاء ارتضاهم الله سبحانه لمرضاته بنزول بلائه ، لأنّهم أصدق الناس ايماناً وأرسخهم يقيناً ، فلا بدع لو اكتنفتهم البأساء والضرّاء ، فهم أولى الناس بمواقف الشرف والإباء ، والبطولة والفداء.

وكان ابن عباس من أولئك الصفوة الّذين توالى عليهم البلاء ، فكان صبوراً لم يجزع عند المحنة ولم يخنع من قلة أو ذلّة. ومن يقرأ التاريخ في أيام ابن الزبير وحكومة المروانيين ، يقرأ تاريخاً مليئاً بالمآسي والآلام ، طافحاً بجرائم الآثام ، بما حلّ بالمسلمين من تشرذم في الأهواء وسفك للدماء.

ولابدّ لنا أن نذكر بعض ما قاساه ابن عباس من مرارة الحياة في تلك الفترة العصيبة ، وما أصابه من طغاة الحكام وجورهم ، حيث لم يخضع لواحدٍ منهم سواء ابن الزبير أو المروانيين.

أحداث متتابعة :

في فتنة ابن الزبير بمكة المكرمة ، حدثت لابن عباس مع ابن الزبير أحداث متتابعة ، عاش محنتها بقية السنين السبع العجاف من بعد مقتل سيّد الشهداء الحسين بن عليّ ( عليه السلام ).

____________________

(1) مسند أحمد 1 / 172 ، سنن الترمذي 4 / 28.


حياة ضنك وضيق ، مليئة بالتحديات والاعتداءات ، وأشدها المعاناة النفسية ممّا كان يحسّه من شماتة ابن الزبير فقد كابد أذاه وقد خلا له الجوّ ، كما كان يتوقعه من قبل حين مرّ به يوم خرج الحسين ( عليه السلام ) إلى العراق ، فمرّ به وضربه على كتفه وتمثل برجز طرفة بن العبد :

يا لك من قنبرة بمعمر

خلالك الجو فبيضي واصفري

ونـقـرّي مـا شـئـت أن تـنـقـري

ثمّ أردفه بقوله : هذا حسين خارج فاستبشري.

وقد صدقت نبوءته حين نصب ابن الزبير نفسه ، ودعا الناس إلى مبايعته ، بعد أن كان يختدع الناس ويخادعهم بأنّه زاهد في الحياة الدنيا ، مردداً اكذوبته بقوله : « إنّما بطني شبر فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا ، وأنا العائذ بالبيت ، والمستجير بالربّ »(1) فسمّي العائذ والمستجير.

ولكنه لمّا بدت بوادر انهيار الحكم الأموي بعد مقتل الحسين ( عليه السلام ) ، وأكثر الناس في ثلب الأمويين وذكر معائبهم ، استغل ابن الزبير ذلك الظرف ، ورآه مواتياً فأنغض برأسه متطلباً الحكم. فاستجاب له كثيرون لا رغبة فيه بل مقتاً لبني أمية ، حتى الخوارج تصافوا معه على بني أمية برهة من الزمان ، لكنهم فارقوه حين ظهرت منه حسيكة النفاق وسمل منه جلباب الدين ، وظهر حبّه للدنيا وتهالكه في سبيلها. فمقتوه وفارقوه بعد ما ناصروه في حربه مع جيش الأمويين بمكة المكرمة ، مستحلين جميعاً حرمة البلد الحرام.

وبدت بوادر الاشمئزاز منه تتنامى وتظهر ، والناس يسمعون من رجالات بعض الصحابة عن ذم المستحل للبيت الحرام أحاديث مرفوعة عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ويرون منهم مواقف شائنة وشانئة لابن الزبير.

____________________

(1) شرح النهج للمعتزلي 20 / 145 ط محققة.


وأولئك أرجح ميزاناً وأعلى شأناً من ابن الزبير ، فأين هو من ابن عباس أو ابن عمر أو عبد الله بن عمرو بن العاص أو أبي برزة الأسلمي وغيرهم ، ممّن كانوا يتحدثون بما سمعوه من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في المستحل لحرمة البيت فابن عباس يسمي ابن الزبير وبني أمية بالمستحلين لحرم الله ، ويتمنى لو فسح له عن بصره لكان له مع ابن الزبير وبني أمية شأن كما سيأتي بيان ذلك. وكان يبخّل ابن الزبير ويبكّته على بخله ، وستأتي شواهد ذلك أيضاً. وكان يغضّ منه على رؤوس الملأ المسلمين غير هيّاب له ، ويضع من كبريائه حين يراه يشمخ ويستعلي على الناس بكلامه.

فقد روى الإمام يحيى بن الحسين المرشد بالله ـ أحد أئمة الزيدية ـ في كتابه الأمالي الخميسية بسنده عن الشعبي : « أنّ عبد الله بن عباس دخل المسجد الحرام وقد سار الحسين بن عليّ ( عليه السلام ) إلى العراق ، فإذا هو بعبد الله بن الزبير في جماعة من قريش وقد استعلاهم بالكلام ، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده على عضد ابن الزبير فقال : أصبحت والله كما قال الأوّل :

يا لك من قنبرة بمعمر

خلالك الجو فبيضي واصفري

ونـقـرّي مـا شـئـت أن تـنـقـري

خلت والله يا بن الزبير الحجاز من الحسين بن عليّ ، فأقبلت تهدر في جوانبها.

فغضب ابن الزبير وقال : والله يا بن عباس إنّك لترى أنّك أحق بهذا الأمر مني.

فقال ابن عباس : يا بن الزبير إنّما يرى من كان في شك ، وأنا من ذلك على يقين.

قال ابن الزبير : بأي شيء استحق عندك أنّكم أحق بهذا الشأن مني؟


فقال ابن عباس : لأنّا أحق بحق من تدلي بحقه. وبأيّ شيء استحقّ عندك أنّك أحق بهذا من سائر العرب إلاّ بنا؟

قال ابن الزبير : استحق عندي أنّي أحق بها منهم لشرفي عليهم قديماً وحديثاً لا ينكرون ذلك.

قال ابن عباس : فأنت أشرف أو من شرفت به؟

فقال ابن الزبير : مَن شرفت به زادني شرفاً إلى شرف قد كان لي قديماً.

قال ابن عباس : يا بن الزبير فالزيادة أشرف أم المزيد عليه؟ والزيادة مني أو منك؟

فأطرق ثمّ قال : منك ولم أبعد.

قال : صدقت يا بن الزبير.

قال ابن الزبير : دعني من لسانك يا بن عباس هذا الّذي تقلّبه كيف شئت ، والله لا تحبونا يا بني هاشم أبداً.

فقال ابن عباس : صدقت نحن أهل بيت مع الله لا نحب من أبغضه الله أبداً.

وكان مع ابن الزبير ابن اخيه فنازع ابن عباس ، فأخذ ابن الزبير نعله فعلا به رأس ابن أخيه وقال : ما أنت والكلام لا أم لك ، ألابن عباس تنازع؟

فقال ابن عباس : لم يستحق الضرب من صدق ، وإنّما يستحقه من مرق ومزق.

فقال ابن الزبير : يا بن عباس أما ينبغي أن تصفح عن كلمة ، كأنّك قد أعددت لها جواباً.

فقال ابن عباس : إنّما الصفح عمّن أقر ، وأمّا عمن هرّ فلا.

فقال ابن الزبير : فأين الفضل؟


فقال ابن عباس : عندنا أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلِم ، ولا تضعه في غيرهم فتندَم.

فقال ابن الزبير : بلى إن نبذت الحسد ، ولزمت الجدد ، ثمّ تفرقا »(1) .

وفي رواية ابن أبي الحديد : « واعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما ».

وهذه المحاورة أخرجها البيهقي ( كان حياً قبل320 )(2) ، وابن أبي الحديد(3) ، والسيّد المدني الشيرازي(4) ، وأشار إليها فرهاد ميرزا(5) .

وستأتي أمثال هذه المحاورة بين ابن عباس وبين ابن الزبير ، تصل في عنفها إلى حدّ المنافرة ، وكلّها كانت بمثابة تنبيه للناس بحقيقة ابن الزبير. وساعده عن غير قصد مواقف صحابة آخرين ، كانوا يرون زيف دعوى ابن الزبير.

فمنهم ابن عمر الّذي يصفه لزوجته صفية بنت أبي عبيد بأنّ ابن الزبير يقاتل على البغلات الشهب الّتي كان يركبها معاوية. وسيأتي حديثه.

وعبد الله بن عمرو بن العاص يحذره أن يكون الملحد في البيت الّذي ذكره النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأبو برزة يقول عن بني أمية وعن ابن الزبير إنّما يقاتلون على الدنيا ، وسيأتي حديثه.

فهذه الأحاديث كانت بمثابة توعية لمن اختدعهم ابن الزبير بزهده مرائياً ، سرعان ما انفضّ من حوله الخوارج بعد أن قاتلوا جيش يزيد معه ، لما ظهر منه من تهالك على حب الدنيا ، والخوارج كانوا قوة لا يستهان بها ، فقاطعوه واعتزلوه

____________________

(1) الأمالي الخميسية 1 / 189 ط عالم الكتب بيروت مكتبة المتنبي بالقاهرة.

(2) المحاسن والمساوي 1 / 66 ط النعساني بمصر سنة 1325 هـ.

(3) شرح النهج 4 / 491 ط دار الكتب العربية بمصر.

(4) الدرجات الرفيعة / 130 ط الحيدرية و / 138 مخطوطة الشيخ السماوي رحمه الله.

(5) قمقام ( فارسي ) / 279.


وصاروا يراجعون في أحكامهم ابن عباس ، فكان نجدة بن عامر رئيس النجدات يكاتبه في مسائله ، وكان هو ونافع بن الأزرق ـ رئيس الأزارقة ـ يأتون إليه بمكة فيسألونه ، ومسائل نافع بن الأزرق في غريب القرآن مشهورة وهي مسائل حظيت بالجمع والشرح من بعض الدارسين وستأتي في الحلقة الثالثة ان شاء الله تعالى.

ومن الطبيعي أن تثير تلك المراجعة حفيظة ابن الزبير وتزيد من حنقه على ابن عباس ، مضافاً إلى عوامل أخرى أجّجت في نفسه نار البغضاء ، سنأتي على ذكرها. فصار يخشى الثورة عليه من جانب ابن عباس لو أراد ذلك ، فتجسّس عليه وتحسس رأيه على لسان ابن أبي مليكة قاضيه ومؤذنه ـ كما سيأتي حديثه ، وهكذا بقي ابن الزبير يترقّب الفرصة للوقيعة بابن عباس ، وقد وافته في أخريات أيام ابن عباس ، وسيأتي خبر ما جرى بتفصيل.

والآن إلى بيان ما أشرنا إليه من الأحداث المتتابعة :

آراء صحابية في تفسيق صحابي :

لقد أسرف كثيرون في القول كثيراً حين قالوا بعاصمية الصحبة لكل الصحابة ، كما أفرط آخرون فقالوا بعكس ذلك ، والوسط خير من جميع ذلك ، فالصحابة أناس من البشر يجري منهم وبينهم كما يجري من وبين سائر الناس من حب وبغض ، وطاعة ومعصية ، وأحاديث الحوض الّتي رواها الشيخان البخاري ومسلم في أكثر من مكان في صحيحهما ، تكفي في إدانة من يقول بعصمة الصحابة أجمعين. فبعد هذا لا غرابة إذا ما قرأنا عن الصحابة ابن عباس وابن عمر وعبيد الله بن عمرو بن العاص وأبي برزة ما يفسق ابن الزبير المعدود من الصحابة ، وأنّهم جميعاً على حجتهم الواضحة في ذلك التجريح ، فقد وصفوه بالمستحل لحرم الله تعالى ، وحسبنا ما رواه الحاكم بإسناده عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : « قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( ستة لعنتهم ولعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب : المكذّب بقدر الله ،


والزائد في كتاب الله ، والمتسلّط بالجبروت ليذلّ ما أعزّ الله ويعزّ ما أذل الله ، والمستحل لحرم الله والمستحل من عترتي ما حرّم ، والتارك لسنتي ). قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرّجاه »(1) .

فماذا قال ابن عباس في ابن الزبير؟

أ ـ روى البلاذري في أنسابه عن المدائني بسنده عن مجاهد عن ابن عباس أنّه قال : « إنّ هذا الأمر بدأ بنبوة ورحمة وخلافة ، وإنّه اليوم ملك عقيم ، فمن سمع مقالتي فليهرب من بني أمية وآل الزبير فإنهم يدعون إلى النار(2) .

ب ـ وروى أخطب خوارزم الحنفي : « إنّ ابن عباس كان يقول : أيّها الناس لو فسح لي عن بصري لكان لي ولابن الزبير ولبني أمية شأن ، ألا وإنّ الله ( عزّ وجلّ ) قد حرّم هذا الحرم منذ خلق السموات والأرض ، وهؤلاء القوم قد أحلّوه ، ولكن انظروا متى يقصمهم الله ويغيّر ما بهم.

فقيل : أتعني ابن الزبير أم الحصين بن نمير السكوني؟ فقال : بل أعنيهما وأعني يزيد بن معاوية »(3) .

ج ـ روى البلاذري في أنسابه بسنده عن أبي حمزة ، قال : « قلت لابن عباس إنّي بايعت ابن الزبير ، فأعطاني وحملني على فرس أفأقاتل معه؟ قال : لا تقاتل معه وردّ عليه ما أعطاك ، واشتر بغلاً أو بغلين وغلاماً واغز المشركين ، فإن قُتلت على ذلك كنت شهيداً ان شاء الله تعالى.

قال : فرددت على ابن الزبير ما أخذت منه »(4) .

____________________

(1) مستدرك الحاكم 4 / 90.

(2) أنساب الأشراف 5 / 195 أفست المثنى.

(3) مقتل الحسين ( عليه السلام ) 2 / 252 مط الزهراء في النجف الأشرف.

(4) أنساب الأشراف 5 / 196 ط أفست المثنى.


وماذا قال ابن عمر في ابن الزبير؟

أ ـ روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن الحنتف بن السجف قال : « قلت لابن عمر ما يمنعك من أن تبايع هذا الرجل ـ أعني ابن الزبير ـ قال : إنّي والله ما وجدت بيعتهم إلاّ ققّة ، أتدري ما ققة؟ أما رأيت الصبي يسلح ثمّ يضع يده في سلحه فتقول له أمه : ققّة »(1) .

ب ـ وروى أيضاً بسنده عن عبد الله بن عُبيد بن عمير قال : « قال ابن عمر : انّما كان مثلنا في هذه الفتنة ، كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة يعرفونها ، فبينا هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة ، فأخذ بعضنا يميناً وبعضنا شمالاً فأخطأ الطريق وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى تجلّى عنّا ذلك ، حتى أبصرنا الطريق الأوّل ، فعرفناه فأخذنا فيه ، إنّما هؤلاء فتيان قريش يتقاتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ، والله ما أبالي ألاّ يكون ما يقتل فيه بعضهم بعضاً بنعلي »(2) .

وروى ذلك الذهبي وقال في آخره : « بنعلي هاتين الجرداوين »(3) .

ج ـ روى الذهبي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله قال : « أقبل ابن عمر علينا فقال : ما وجدت في نفسي شيئاً من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي ، من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله.

قلنا : ومن ترى الفئة الباغية؟ قال : ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم ، فأخرجهم من ديارهم ، ونكث عهدهم »(4) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى 4 ق 1 / 126 ط ليدن.

(2) نفس المصدر 4 ق 1 / 126 ط ليدن.

(3) سير أعلام النبلاء 4 / 371 ـ 372 في ترجمة ابن عمر ط دار الفكر.

(4) سير أعلام النبلاء 4 / 365 ط دار الفكر.


د ـ روى أبو الفرج قال : « كانت صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فمشى ابن الزبير إليها ، فذكر لها أنّ خروجه كان غضباً لله ( عزّ وجلّ ) ولرسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وللمهاجرين والأنصار من إثرة معاوية وابنه بالفيء ، وسألها مسألة زوجها عبد الله ابن عمر أن يبايعه ، فلمّا قدّمت له عشاءه ذكرت له امر ابن الزبير وعبادته واجتهاده وأثنت عليه وقالت : انّه ليدعو إلى طاعة الله ( عزّ وجلّ ) وأكثرت القول في ذلك.

فقال لها : ويحك! أما رأيت البغلات الشهب(1) الّتي كان يحجّ معاوية عليها وتقدم إلينا من الشام؟ قالت : بلى قال : والله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهن »(2) .

____________________

(1) لقد روى ابن عبد ربه في العقد الفريد 4 / 420 بتحـ أحمد أمين وأحمد الزين وابراهيم الأبياري ، عن هشام بن عروة قال قال عبد الله بن عباس للجائز به جنبني خشبة ابن الزبير فلم يشعر ليلة حتى عثر فيها فقال : ما هذا؟ فقال خشبة ابن الزبير ، فوقف ودعا له ، وقال : لئن علّتك رجلاك لطالما وقفت عليها في صلاتك. ثمّ قال لأصحابه : أما والله ما عرفته إلاّ صوّاماً قوّاماً ، ولكنني ما زلت أخاف عليه منذ رأيته ( أن ) تعجبه بغلات معاوية الشهب ، قال : وكان معاوية قد حج فدخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء عليها رحائل الأرجوان ، فيها الجواري عليهن الجلابيب والمعصفرات ، ففتن الناس.

أقول : لقد نبّه المحققون في الهامش رقم / 1 إلى اختلاف الأصول في كلمة للجائز به أو ( للجائزة ) وكأن الواجب عليهم هذا فحسب ، فهذا منهم أمر حسن ، ولكن كان الواجب عليهم والأحسن ، أن يتنبّهوا إلى كذب الخبر فينبّهوا عليه ، لأن وفاة ابن عباس قبل مقتل ابن الزبير بأربع سنين أو بخمس فقد مات سنة / 68 بالطائف وقد أخرجه ابن الزبير إليه كما سيأتي تفصيل ذلك ، ومقتل ابن الزبير كان سنة / 72 ـ 73 فكيف يصح الخَبر؟ وأحسبه على نحو خبر ابن أبي مليكة الآتي ، فيه تزيد كثير لا يخفي على الناقد البصير ، والّذي أراه صحيحاً من خبر هشام بن عروة هو تعريض ابن عباس بابن الزبير وما كان يريده بقيادته هو البغلات الشهب ، على نحو ما قاله ابن عمر. ولا يفوتني التنبيه على أن المحقق محمّد سعيد العريان حقق أيضاً العقد الفريد في طبعة أخرى ولم يتنبّه هو الآخر لينبّه على كذب الخبر.

(2) الأغاني 1 / 22 ـ23 ط دار الكتب.


هـ ـ روى أبو القاسم الكعبي للبلخي في كتابه قبول الأخبار سنده عن عمير ابن هاني قال : « كنت أسمع ابن عمر يقول : لَعبد الملك بن مروان ولابن الزبير دُيّان النار »(1) .

و ـ أخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن بسنده عن ابن عمر قال لرجل يسأله عن القتال مع الحجاج أو ابن الزبير فقال له ابن عمر : « مع أي الفريقين قاتلت؟ فقتلت : ففي لظى »(2) .

ز ـ وأخرج أيضاً ( بسند صحيح كما في الهامش ) عن عمير بن هانىء قال : « رأيت ابن عمر ( رض ) يقول ابن الزبير ونجله والحجاج يتهافتون في النار تهافت الذبان في المرق ، فإذا سمع المنادي أسرع إليه »(3) .

وماذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص في ابن الزبير؟

روى أحمد في مسنده بسنده عن سعيد بن عمرو قال : « أتى عبد الله بن عمرو ابنَ الزبير وهو جالسٌ في الحجر فقال : يا بن الزبير إياك والإلحاد في حرم الله ، فإنّي أشهد لَسمعتُ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : يُحلّها ويَحُلّ به رجل من قريش ، لو وُزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها ، قال : فانظر أن لا تكون هو يا بن عمرو ، فإنّك قد قرأت الكتب وصحبت الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، قال : فإنّي أشهدك أنّ هذا وجهي إلى الشام مجاهداً »(4) .

وهذا الخبر رواه أحمد أيضاً في مسند ابن عمر غير أنّ محقق الكتاب رجّح أنّه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقال في الهامش : اسناده

____________________

(1) قبول الأخبار ومعرفة الرجال 1 / 234 نشر دار الكتب العلمية بيروت.

(2) الفتن / 136 برقم 424.

(3) نفس المصدر / 145 برقم 469 بسند صحيح كما في الهامش.

(4) مسند أحمد 12 / 9 برقم 7043 تح ـ أحمد محمّد شاكر.


صحيح ، وذكره الهيثمي(1) وقال : رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح ، وذكره الألباني في الصحيحة برقم 2462.

وماذا قال أبو برزة الأسلمي في ابن الزبير؟

أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي المنهال قال : « لمّا كان ابن زياد ومروان بالشام ووثب ابن الزبير بمكة ، ووثب القرّاء بالبصرة ، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل عليّة له من قصب ، فجلسنا إليه ، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث ، فقال : يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به : إنّي احتسبت عند الله إنّي أصبحت ساخطاً على أحياء قريش ، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الّذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة ، وان الله أنقذكم بالاسلام ومحمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حتى بلغ بكم ما ترون ، وهذه الدنيا الّتي أفسدت بينكم ، إن ذاك الّذي بالشام والله إن يقاتل إلاّ على الدنيا. وإن هؤلاء الّذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلاّ على الدنيا. وإن ذاك الّذي بمكة والله إن يقاتل إلاّ على الدنيا »(2) .

هذه أقوال بعض الصحابة ممّن لهم مكانة مرموقة عند المسلمين ، ولم نذكرهم إلاّ للتدليل على انحراف ابن الزبير عن جادة الصواب ، ومع ذلك نجد الذهبي وابن كثير وأضرابهما يصفونه بأمير المؤمنين!؟!

____________________

(1) مجمع الزوائد 3 / 284 ـ285.

(2) صحيح البخاري 9 / 57 باب إذا قال عند قوم شيئاً ثمّ خرج بخلافه ، وأخرج الحديث أيضاً البخاري في التاريخ الصغير / الأوسط 1 / 138 ط دار الوعي مكتبة التراث ، ونعيم بن حماد في الفتن / 123 ( المتوفى 229 ) تح ـ أبو عبد الله أيمن محمّد محمّد معرفة انتشارات المكتبة الحيدرية ، وأخرجه أحمد في المسند4 / 424 ط مؤسسة قرطبة بمصر ، وابو يعلى في مسنده 6 / 323 ط دار المأمون للتراث دمشق سنة 1404 ، والروياني في مسنده 2 / 341 مؤسسة قرطبة بمصر سنة 1416 وفيها تسمية عبد الملك بالشام وابن الزبير بمكة وذكر نافع بن الازرق رأس الأزارقة من الخوارج.


ولسنا في مقام الردّ عليهما ، يكفينا بيان عدم أهليته للخلافة قول ابن عبد البر في ترجمته في الاستيعاب قال : « إلاّ أنّه كانت في ابن الزبير خلال لا تصلح معها الخلافة ، لأنّه كان بخيلاً ضيّق العطن سيء الخلق حسوداً كثير الخلاف أخرج محمّد بن الحنفية ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف »(1) .

والأنكى من ذلك أنّه كان يتطلب الخلافة في مبايعته بني هاشم له ، ويتطلب بيعة ابن عباس وابن الحنفية بشتى وسائل الترهيب مع ما يكنّه لهما من بغض وحقد دفين منذ يوم الجمل ، وهو بذلك الهوى والهوس صار يتعرّض لهم بالأذى ، وقد مرّت بنا مطالبته ابن عباس بالبيعة فامتنع عليه ، وبلغ ذلك يزيد بن معاوية فكتب إلى ابن عباس يستميله ويخادعه ، فأجابه بكتابه الّذي ذكرناه آنفاً ، ومع ذلك الحال فقد كان ابن عباس يدفع عنه شرّ الأمويين ما استطاع بقدر ما يسمح له الدين حفاظاً على حرمة البيت الحرام.

فقد روى البلاذري في أنسابه : « انّ عمرو بن سعيد الأشدق قدم المدينة والياً عليها وحج في تلك السنة في جماعة من مواليه وهو خائف من ابن الزبير ، وكان يزيد قد ولاه الموسم ، فأتاه ابن الزبير فسكن لذلك. وأتى عمرو ابن عباس فشكا ابن الزبير ، فقال : عليكم بالرفق ، فإن له قرابة وحقاً »(2) .

وأخرج الطبري في تفسيره بسنده عن عطاء قال : « أخذ ابن الزبير سعداً مولى معاوية ـ وكان في قلعة بالطائف ـ فأرسل إلى ابن عباس مَن يشاوره فيه فإنهم لنا عين ـ عدو ـ فأرسل إليه ابن عباس : لو وجدتُ قاتل أبي لم أعرض له.

____________________

(1) الاستيعاب 3 / 906 تح ـ البجاوي ، وط حيدرآباد 1 / 353.

(2) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 309 تح ـ احسان عباس.


قال : فأرسل إليه ابن الزبير : ألا نخرجهم من الحرم؟ قال : فأرسل إليه ابن عباس ، أفلا قبل أن تدخلهم الحرم؟

قال الطبري : أبو السائب ـ أحد شيوخه ـ في حديثه : فأخرجهم فصلبهم ، ولم يصغ إلى قول ابن عباس »(1) .

وروى الأزرقي أخبار مكة بسنده عن عطاء : « انكر ابن عباس قتل ابن الزبير سعد مولى عتبة وأصحابه »(2) .

ولكن الّذي خبُث لا يخرج إلاّ نكدا ، فإنّه اشتد على بني هاشم بالرغم من مبايعة بعضهم له فقد روى المدائني بسنده انّ عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب بايعه وبايعه عبد الله ابن جعفر ، وأراد ابن الحنفية على البيعة فلم يبايع(3) .

وكان ذلك كلّه بعد موت يزيد واضطراب أمر بني أمية فيما بينهم ، حيث استغل ذلك الظرف ، فبسط عمّاله في الحجاز والعراق ، وصار يحمل الناس على البيعة له بالإكراه فمقته ـ كما مرّ ـ الخوارج وكثير من الناس ، وأخذ بالعنف والشدة والاكراه مَن لم يبايعه ، ونال بأذاه بني هاشم عموماً ، وابن عباس ومحمّد ابن الحنفية خاصة لأنّ كثيراً من المسلمين انحازوا إليهما ، خصوصاً الخوارج الّذين صار بعضهم يأخذون العلم من ابن عباس.

هدم ابن الزبير للكعبة وموقف ابن عباس منه :

قال اليعقوبي : « وهدم ابن الزبير الكعبة في جمادى الآخرة سنة 64 حتى ألصقها بالأرض ، وذلك أنّ الحصين بن نمير لمّا أراد ابن الزبير هدمها امتنع

____________________

(1) تفسير الطبري 4 / 12 ط مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1373 و 7 / 31 بتحـ محمود شاكر وأخيه أحمد.

(2) أخبار مكة 2 / 111.

(3) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 352.


وامتنع الناس من الهدم ، فعلا عبد الله بن الزبير على البيت فهدم ، فلمّا رآه الناس يهدم هدموا ، فلمّا ألصقها بالأرض خرج ابن عباس من مكة ـ إلى الطائف ـ إعظاماً للمقام بها وقد هدمت الكعبة وقال له : اضرب حوالي الكعبة الخشب لا تبق الناس بغير قبلة »(1) .

وقال الأزرقي في أخبار مكة : « دعا ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم وشاورهم في هدم الكعبة فأشار عليه ناس غير كثير بهدمها ، وأبى أكثر الناس هدمها ، وكان أشدهم عليه إباءً عبد الله بن عباس وقال له : دعها على ما أقرّها عليه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فإنّي أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم وتبنى ، فيتهاون الناس في حرقها ولكن أرقعها »(2) .

وقال : « ولم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها ، وأرسل إلى ابن الزبير : لا تدع الناس بغير قبلة وأنصب لهم حول الكعبة الخشب واجعل عليها الستور ، حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ، ففعل ذلك ابن الزبير »(3) .

وقال الفاسي في شفاء الغرام : « رأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيها فوافقه على ذلك نفر قليل وكره ذلك نفر كثير منهم ابن عباس ( رضي الله عنهما ). وكان هدم ابن الزبير لها يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة 64 »(4) .

وقال : « فقال له ابن عباس ( رضي الله عنهما ) : إنّي أرى أن تصلح ما وهى منها ، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه ، وحجارة أسلم الناس عليها وبعث عليها النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم »(5) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 3 / 6 ط الغري.

(2) أخبار مكة 1 / ط الماجدية بمكة المكرمة سنة 1352.

(3) نفس المصدر / 134 ، وراجع نفس المصدر / 142 ـ 143 فثمة نحو ذلك بأسانيد أخرى.

(4) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 1 / 97 ط دار إحياء الكتب العربية سنة 1956.

(5) نفس المصدر / 98 ، وقارن تفسير ابن كثير 1 / 183 ط دار الفكر بيروت.


أقول : ولا يبعد أن يكون نظر ابن عباس إلى كون درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، وهي قاعدة مشهورة ومعتمدة ، ولمّا خالفه ابن الزبير فهدمها فقد خرج إلى الطائف ، وهذه الخرجة هي أوّل مرة خرج فيها أيام ابن الزبير ، وكان خروجه باختياره إعظاماً لهدم الكعبة ، بخلاف المرة الثانية فإنّها كانت تحت ضغط ابن الزبير المتعسّف ، فخرج هو ومحمّد بن الحنفية ومن معهما بحماية جند المختار الّذين أرسلهم بقيادة أبي عبد الله الجدلي. ثمّ عاد منها إلى مكة.

كما أنّ المرة الثالثة هي الّتي أخرجه ابن الزبير إخراجاً قبيحاً ـ كما يقول اليعقوبي في تاريخه(1) وهي بعد مقتل المختار فأقام بها حتى مات كما سيأتي الحديث عنها.

وفيما أحسب أنّ ما رواه الشعراني من استنكار تركه مكة وسكناه الطائف ، قد كان في المرة الأولى لما في جوابه ولو كان بضغط ابن الزبير لذكره ، لكنه ذكر في كتابه لواقح الأنوار القدسية : « وقالوا لابن عباس لمّا سكن الطائف لم لا تقيم بمكة؟ فقال : لا أقدر على حفظ خاطري من إرادة ظلمي للناس ، أو ظلمي لنفسي ، فكيف لو وقعت في الفعل؟ فإنّ الله تعالى لم يتوعد أحداً على مجرّد إرادته السوء دون الفعل له إلاّ بمكة »(2) .

أقول : يشير بذلك إلى قوله تعالى :( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) ، وقد روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 3 / 9.

(2) لواقح الأنوار القدسية للشعراني / 59 ط الأولى نشر البابي الحلبي سنة 1380.

(3) الحج / 25.


زيد ، فقد قالوا انّ هذه الآية تدل على أنّ الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله(1) .

ولهم في ذلك حجة شرعية من الكتاب المجيد قوله تعالى :( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) فقد جعل إرادة الفعل سبباً للعذاب. كما أنّ قوله تعالى في سورة القلم ( 17 ـ 20 ) دالة على ذلك ، قال تعالى :( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) .

فقد عوقبوا بمجرّد العزم على أن يفعلوا وهم بعدُ لم يفعلوا ، وسيأتي مزيد بيان حول ذلك في الحلقة الثالثة في تفسيره إن شاء الله تعالى. فابن عباس إنّما خرج من مكة خشية أن يرى من ابن الزبير مزيداً من التهاون بأمر الكعبة ، فهو لا يقدر على حفظ خاطره من إرادة ظلمه للناس أو ظلمه لنفسه ، فكيف لو وقع في الفعل من مشادة ابن الزبير وكثير من الناس يَرون رأيه ، فربّما أدّى ذلك الجدال إلى الجلاد ، وهذا ما حمل ابن عباس إلى سكنى الطائف تلك الفترة. وبقي هناك كما يبدو من نص في كتاب المناسك وأماكن طريق الحج جاء فيه : « عن مجاهد قال ابن عباس : أفرغوا منها؟ ـ يعني الكعبة ـ قلت : نعم ، قال : كأني أنظر إليها كرجل أبيض ، أما إنّهم لو تركوها كما كانت على عهد محمّد صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم كان خيراً »(2) .

____________________

(1) راجع تفسير القرطبي 12 / 35 ط دار احياء التراث العربي.

(2) المناسك وأماكن طريق الحج ومعالم الجزيرة / 490 تح حمد الجاسر ط دار اليمامة ـ الرياض.


وإذا عرفنا أنّ الراوي هو مجاهد وهو من المكيين وكان من تلامذة ابن عباس المبرزّين ، فكان يأتي الطائف لزيارة استاذه فيسأله هو عن بناء الكعبة ، وأحسبه رجع إلى مكة بعد هذا الحديث.

وقد استغل عبد الملك بن مروان الموقف بالشام ، فمنع أهل الشام من الحج وذلك ان ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة ، فلمّا رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة ، فضجّ الناس وقالوا : تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض من الله علينا.

فقال لهم : هذا ابن شهاب الزهري يحدّثكم أنّ رسول الله قال : ( لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس ) ، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام ، وهذه الصخرة الّتي يروي أنّ رسول الله وضع قدمه عليها لمّا صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة ، فبنى على الصخرة قبة وعلّق عليها ستور الديباج ، وأقام لها سدنة ، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة ، وأقام أهل الشام يأتون بذلك أيام بني أمية(1) .

مواقف ابن الزبير العدائية لبني هاشم :

لقد مرّ بنا قول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للزبير حين تواقفا في يوم الجمل : « قد كنّا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك »(2) .

____________________

(1) أنظر تاريخ اليعقوبي 3 / 7 ـ 8.

(2) تاريخ الطبري 5 / 204 حوادث 36 ط الحسينية بمصر.


واشتهر عنه ( عليه السلام ) قوله : « ما زال الزبير منا حتى نشأ ابنه المشؤم عبد الله »(1) .

وقال أيضاً فيه : « خبّ ضبّ يروم أمراً لا يدركه ، نصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا ، وهو بعدُ مصلوب قريش »(2) .

وهذا من بعض ما كان يخبر به قبل وقوعه من الحوادث ، وهو ممّا علّمه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من لدن عليم حكيم.

روى الذهبي عن الواقدي قال : « حدثنا ربيعة بن عثمان وابن أبي سبرة وغيرهما قالوا : جاء نعي يزيد في ربيع الآخر سنة أربع وستين فقام ابن الزبير فدعا إلى نفسه ، وبايعه الناس ، فدعا ابن عباس وابن الحنفية إلى بيعته ، فامتنعا ، وقالا : حتى يجتمع لك الناس ، فداراهما سنتين ثمّ أنّه أغلظ لهما ودعاهما فأبيا »(3) .

وقد ذكر المؤرخون له مواقف عدائية تنمّ عن كامنٍ حقد ونُصب بغيض.

وإلى القارئ بعض ما ذكروه فقد روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن عطية العوفي قال : « فلمّا جاء نعي يزيد بن معاوية وبايع ابن الزبير لنفسه ودعا الناس إليه ، دعا ابن عباس ومحمّد بن الحنفية إلى البيعة فأبيا يبايعان له ، وقالا حتى يجتمع لك البلاد ويتسق لك الناس ، فأقاما على ذلك ما أقاما ، فمرة

____________________

(1) شرح النهج للمعتزلي 4 / 480 ط الأولى بمصر ، وشرح النهج محمّد عبده 3 / 260 حكمة 354 ط الاستقامة ، وقد روى أبو عمر في الاستيعاب هذه الكلمة في ترجمة ابن الزبير بدون لفظ المشؤم ، وأحسب أنها ثقلت عليه فحذفها.

ورواها ابن الأثير في أسد الغابة 3 / 162 في ترجمة ابن الزبير. كما ذكرها ابن عبد ربه في العقد الفريد 5 / 72 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وفي 3 / 96 طبعة أخرى ، وذكرها المفيد في الجمل / 192 ، وهي في نهج البلاغة نسخة جديدة محققة وموثقة ، تحقيق وتوثيق دكتور صبري إبراهيم السيّد ، جامعة عين شمس وجامعة قطر.

(2) أنظر سفينة البحار 3 / 33.

(3) سير أعلام النبلاء 4 / 465 ط دار الفكر ، مختصر تاريخ دمشق 12 / 190 هامش المصدر.


يكاشرهما ومرة يلين لهما ، ومرة يباديهما ، ثمّ غلظ عليهما ، فوقع بينهم كلام وشرّ ، فلم يزل الأمر يغلظ حتى خافا منه خوفاً شديداً ، ومعهما النساء والذرية ، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم ، وقصد لمحمد بن الحنفية فأظهر شتمه وعيّبه ، وأمره وبني هاشم أن يلزموا شعبهم بمكة ، وجعل عليهم الرقباء ، وقال لهم فيما يقول : لتبايعُنّ أو لأحرقنّكم بالنار ، فخافوا على أنفسهم »(1) .

وروى ذلك أيضاً وفيه : « حتى إذا كانت سنة ست وستين غلظ عليهما ودعاهما إلى البيعة فأبيا »(2) . وسيأتي خبر عطية بأوسع ممّا ذكرنا في حبس ابن الزبير لبني هاشم.

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي : « قطع عبد الله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) جُمعاً كثيرة ، فاستعظم الناس ذلك فقال : إنّي لا أرغب عن ذكره ، ولكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم ، فأنا أحبّ أن أكبتهم.

وقال : لمّا كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم وأظهر بُغضهم وعابهم ، وهمّ بما همّ به في أمرهم ، ولم يذكر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في خطبته ، لا يوم جمعة ولا غيرها ، عاتبه على ذلك قوم من خاصته ، وتشاءموا بذلك منه ، وخافوا عاقبته ، فقال : والله ما تركت ذلك علانية إلاّ وأنا أقوله سرّاً وأكثر منه ، لكنّي رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبّوا واحمرّت ألوانهم ، وطالت رقابهم ، والله ما كنتُ لآتي لهم سُروراً وأنا أقدر عليه ، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثمّ أضرمها عليهم ناراً ، فإنّي لا أقتل منهم إلاّ آثماً كفّاراً سحّاراً ، لا أنماهم الله ولا بارك عليهم ، بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر. والله ما ترك نبيّ الله فيهم خيراً ، استفرع نبيّ الله صدقهم فهم أكذب الناس.

____________________

(1) الطبقات 5 / 73 ـ74 ط أفست ليدن.

(2) نفس المصدر / 184 تح ـ السُلمي ط الطائف.


فقام إليه محمّد بن سعد بن أبي وقاص فقال : وفّقك الله يا أمير المؤمنين أنا أوّل من أعانك في أمرهم. فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال : والله ما قلت صواباً ، ولا هممت برشد ، أرهط رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) تعيب! وإياهم تقتل! والعرب من حولك ، والله لو قتلت عِدّتهم أهل البيت من الترك مسلمين ما سوّغه الله لك ، والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره.

فقال : أجلس أبا صفوان فلست بناموس(1) »(2) .

هذا بعضٌ من مواقفه الّتي أصحر فيها بعداوته من على المنبر في المسجد الحرام. ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أنّ الّذي بادر فأعلن مناصرته هو أخ عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الحسين ( عليه السلام ) ، فلا غرابة بالخبث إذا خرج من معدنه ، ولم ينكر عليه في ذلك الموقف العدائي سوى عبد الله بن صفوان الجمحي ، وهذا الرجل فيما يقول الذهبي : « وكان سيّد أهل مكة في زمانه لحلمه وسخائه وعقله »(3) . غير أنّ ابن الزبير وصفه بما لا يليق به فقال له : « فلست بناموس » أي لست الحاذق المطلّع على بواطن الأمور ولا صاحب السرّ ، ومع هذه الإهانة ، فقد بقي معه حتى قتل وهو متعلق بأستار الكعبة ، وقد حملوا رأسه مع رأس ابن الزبير ورأس عبد الله بن مطيع إلى المدينة المنورة(4) وسيأتي له حديث آخر مع ابن الزبير ممّا يتعلق بابني العباس عبد الله حبر الأمة وأخيه عبيد الله حين رأى الناس عكوفاً عليهما هذا للفقه وهذا لبذل الطعام ، فأساء القول كلّ منهما في الآخر مع أنّه من أصحابه حتى انّه قتل معه ، لكن الرجل لم يمنعه ذلك من قول كلمة حقّ

____________________

(1) الناموس : الحاذق وصاحب السرّ المطلع على باطن الامور.

(2) شرح النهج 4 / 489 ط الأولى بمصر و 2 / 127 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(3) سير أعلام النبلاء للذهبي 5 / 167 ط دار الفكر.

(4) نفس المصدر.


عند سلطان جائر ، وإن لم ينفعه ذلك إذ لم يغيّر شيئاً من طبع ابن الزبير ، لأنّه لا يرعوي لنصح ، وأنّى له أن يقبل كلمة النصيحة وهو قد اشتمل في مكنونه على حقد دفين يغلي مرجله في صدره باعترافه منذ أربعين سنة ، لذلك نصب العداوة لأهل البيت ، وقد اعترف هو بذلك مصحراً أمام حاضريه حين دخل عليه ابن عباس فقال بكلّ وقاحة وصلف : ( إنّي لأكتم بغضكم منذ أربعين سنة ).

روى المسعودي في مروج الذهب فقال : « وذكر سعيد بن جبير أنّ عبد الله ابن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير : أنت الّذي تؤنّبني وتبخلني؟

قال ابن عباس : نعم ، سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : ليس المسلم الّذي يشبع ويجوع جاره.

فقال ابن الزبير : إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة ، وجرى بينهما خطب طويل ، فخرج ابن عباس من مكة خوفاً على نفسه ، فنزل الطائف فتوفى هنالك ».

ثمّ قال المسعودي : « ذكر هذا الخبر عمر بن شَبّة النميري عن سويد بن سعيد يرفعه إلى سعيد بن جبير ، فيما حدّثنا به المهراني بمصر ، والكلابي بالبصرة وغيرهما عن عمر بن شبّة »(1) .

أقول : ليت المسعودي ذكر لنا تمام ما جرى بينهما من الخطب الطويل ( ليت وهل تنفع شيئاً ليت؟ ).

وهذا الخبر رواه الجاحظ في رسالة الحاسد والمحسود فقال : « حُدثنا عن عليّ بن مسهر عن الأعمش عن طلح بن حباب عن سعيد بن جبير أنّه قال : قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير فقال له ابن الزبير : أنت الّذي تؤنّبني؟ قال :

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 102 ط مصر و 3 / 89 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد بمصر.


نعم لأنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : ليس بمؤمن من بات شبعانَ وجاره طاو ، فقال له ابن الزبير : قلت ذاك وأتبعه بقول يدل على حسد كان ابن عباس من شره معصوماً ، وكان ذاك بما في قلبه لبني هاشم مهزوماً ، وكانت وخزة ثقيلة فلم يبدها له وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة ، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية ، ومجالس بني هاشم من أعاليها غامرة ( عامرة ظ ) ، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة ، وأنجمها بالهدى زاهرة ، فلمّا تجلت ( تخلت ظ ) البطحاء من صناديدها استقبله بما أكمن في نفسه ، والحاسد لا يغفل عن فرصته ، إلى أن يأتي الموت على رمّته ، وما استقبل ابنَ عباس بذلك إلاّ لمّا رأى عمر قدّمه على أهل القِدم ، ونظر إليه وقد أطاف به الحرم ، فأوسعهم حكما ، وتعقبوا منه رأياً وفهماً ، وأشبعهم علماً ولحماً.

ويروي عن ابن سيرين انّه قال : ما رأيت أكثر علماً ولحماً من منزل ابن عباس »(1) .

ويؤيد ما قاله الجاحظ ما قاله صاحب مشكاة الأدب : « إنّ ابن عباس أوّل من وضع موائد الطعام في الطرقات للناس ، ولم يكن يعود إلى رفعه. وانّه كان ما يصرفه في اليوم خمسمائة دينار ، وهذا ما ذكره الوطواط في غرر الخصائص أيضاً »(2) .

وفي محاضرات الراغب : « كان يسمى معلّم الجود لسخائه ، وحثّه على ذلك قولاً وفعلاً »(3) .

____________________

(1) أنظر مجموعة رسائل الجاحظ 7 ـ 8 ط نشر الساسي بمصر بمطبعة التقدم.

(2) مشكاة الأدب / 915.

(3) محاضرات الراغب 1 / 278.


فهذه الأقوال مهما شككنا في صحتها فإنّها لم تنشأ من فراغ ، بل فيما سيأتي من الشواهد على بواعث حسد ابن الزبير ما يدل على صحتها ، وحسبنا منها أن نقرأ الأوّل والثاني والثالث منها. وفيها وفي غيرها ما يؤجج نيران الحسد والحقد في نفس ابن الزبير البخيل ويسرّ بغضهم ، وهو يقرَ بذلك معترفاً على نفسه.

قال ابن عبد ربه : « ولمّا توطد لابن الزبير أمرُه وملك الحرمين والعراقين ، أظهر بَعض بني هاشم الطعن عليه ، وذلك بعد موت الحسن والحسين ، فدعا عبد الله بن عباس ومحمّد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم إلى بيعته ، فأبوا عليه ، فجعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر ، وأسقط ذكر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من خطبته ، فعوتب على ذلك فقال : والله ما يمنعني أنّي لا أذكره علانية من ذكره سراً وأصلي عليه ، ولكن رأيت هذا الحيّ من بني هاشم إذا سمعوا ذكره أشرأبت أعناقهم ، وأبغض الأشياء إليّ ما يسرّهم »(1) .

ألا ترون من حقّ ابن عباس أن يثأر لنفسه ولقومه فيجابهه راداً عليه افتراءه ، بما يزيد حنقه وبغضاءه. لذلك كان يتمثل بأبيات عنترة بن الأخرس المعنيّ من طيء :

أطل حمل الشناءة لي وبغضي

بجهدك وانظرن من ذا تضير

فما بيديك خير أرتجيه

وغير صدودك الخطب الكبير

إذا أبصرتني أعرضت عني

كأنّ الشمس من قبلي تدور(2)

____________________

(1) العقد الفريد 4 / 413 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(2) الأبيات من أربعة في شرح حماسة أبي تمام للتبريزي 1 / 219 مطبعة حجازي بالقاهرة تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد ، ومن خمسة أبيات في المؤتلف والمختلف للآمدي / 225 بتحقيق عبد الستار أحمد فراج.


وقد تحاشى كثير من المحدّثين والمؤرخين ذكر كلمة ابن الزبير « إنّي لأكتم بغضكم منذ أربعين سنة »!! ومن الطبيعي أن لا يذكروها لأنّها تكشف عن سوء طويّة أنفوا منها ، وأحسبهم على أحسن تقدير أنّهم استفظعوا وقع الكلمة ، فاستعظموا ذكرها لفظاعتها ، فألقوها في سلة المهملات في غيابة الجبّ ، ولا ضير ما دام الجاحظ قد نمّ بها على استحياء ، وذكرها المسعودي بدون خفاء ، ونقلها أيضاً ابن أبي الحديد في شرح النهج ، والسيّد عليّ خان المدني الشيرازي في الدرجات الرفيعة وغيرهما ، وأخال هؤلاء نقلوها عن المسعودي الّذي هو أيضاً تكتّم على ما جرى بين ابن عباس وابن الزبير من خطب طويل. ولكنه لم يسعه كتمان تلك الكلمة الّتي كبرت أن تخرج من أفواههم ، والّتي هي حالقة الإيمان.

فإنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال في خطبة له رواها جابر بن عبد الله : « ( أيّها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً ) ، قال جابر : فقلت : يا رسول الله وإن صام وصلّى؟ قال : ( وإن صام وصلّى وزعم انّه مسلم ، احتجر بذلك من سفك دمه ، وأن يؤدّى الجزية عن يد وهم صاغرون ) »(1) .

وفي حديث ثان رواه ابن عباس قال : « قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( فلو أنّ رجلاً صفن ـ أي وقف ـ بين الركن والمقام وصلّى وصام ثمّ مات وهو مبغض لآل بيت محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) دخل النار ) »(2) .

____________________

(1) مجمع الزوائد 9 / 172 عن الطبراني في الأوسط.

(2) نفس المصدر 9 / 171 ، وكتاب السنة لابن أبي عاصم 2 / 642 برقم 1546 ط المكتب الإسلامي تح ـ الألباني وفيه تصحيف كلمة ( يبغض ) بـ ( ينقص ) ، والحاكم في المستدرك / 149 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.


وفي حديث ثالث رواه أبو سعيد الخدري عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : « قال : ( والّذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار ) »(1) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي جعلت بغض بني هاشم من الكفر(2) .

لك الله يا بن عباس ماذا لقيت من حسد ابن الزبير وحقده ، وعنت بني أمية وبغضهم ، وما ذلك إلاّ أنّك بلغت دونهم الذرى في مجدك ، وسموت إلى العلياء في محتدك ، وقديماً قالوا :

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

فالقوم أعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلنَ لوجهها

حسداً وبغياً إنّه لذميم

ولأنت كما قال الآخر :

ان يحسدوك على علاك فإنّما

متسافل الدرجات يحسد من علا

( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (3) ،( قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (4) .

وقفة تحقيق لا ترفاً ولا سرفاً :

لقد قرأنا رواية المسعودي الّتي وثّقها بسماعه لها بمصر من المهراني وبالبصرة من الكلابي وغيرهما ، وهي بدلالتها الواضحة الصريحة دلّت على مدى الانفصام والتنافر بين ابن عباس وبين ابن الزبير ، كما كشفت عن نُصب مستحكم

____________________

(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم 2246.

(2) المعجم الكبير للطبراني 11 / 118 ، ومجمع الزوائد 9 / 172.

(3) النساء / 54.

(4) آل عمران / 73 ـ 74.


في نفس ابن الزبير لأهل البيت أقرّ به على نفسه. وعرفنا منها أيضاً شدة وصرامة ابن عباس في قولة الحقّ ودحر الباطل.

كما قرأنا مقالة الجاحظ وهو على عثمانيته لم يستسغ في المقام الإغضاء عن ابن الزبير وكلمته ، ولكنه قصّر في صراحته إلاّ أنّه لم يتخلّ عن أدبه الجاحظي حين كنّى ، والكناية أبلغ من التصريح ، فأشار بابن عم الكلام عمّا يقتضيه المقام ، فنمّ على كلمة ابن الزبير النابية « إنّي لأكتم بغضكم » على استحياء ، بعكس المسعودي الّذي ذكرها بدون خشية أو خفاء. وقد وردت الكلمة عند أصحاب مصادر متأخرين عن الجاحظ والمسعودي ، وكلّهم أدوا أمانة النقل فلا تثريب عليهم. لكن هلمّ الخطب فيمن تولوا كبر حذفها وهم على أحسن تقدير استفظعوها فاستعظموا ذكرها لفظاعتها فألقوها في سلة المهملات وفي غيابة الجبّ ، ولكني لم أدر لماذا تخاذلوا عن ذكر كلمة ابن الزبير الأخرى الّتي واجه بها ابن عباس حين دخل عليه فقال له : « أنت الّذي تؤنّبني وتبخّلي »؟! وما بالهم سرت عدوى دائهم إلى خبر آخر صنو ما سبق؟ رواه عبد الله بن مساور قال : « سمعت ابن عباس ( وهو يبخّل ابن الزبير ) » فحذف الجملة ( بعضهم ) وصحّفها آخرون تصحيفاً سخيفاً؟ فلا بد إذن من وقفة تحقيق دقيق تحذيراً للقارئ من مغبّة الاغترار ببهرجة ألقاب المحدثين الّذين جعلوا الحديث عضين ، آمنوا ببعض وكفروا ببعض ـ كما قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى :( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) (1) .

وبين يدي ذلك عرضاً بأصحاب المصادر الّتي روت كلمة عبد الله بن المساور أو ما في معناها :

____________________

(1) الحجر / 91.


1 ـ الحافظ عبد بن حُميد ( ت 249 هـ ) روى الحديث في مسنده بسنده عن عبد الله بن مساور : « سمعت ابن عباس ذكر ابن الزبير فبخّله »(1) ثمّ ساق الحديث إلى آخره ، وأحسبه أوّل محدّث ذكر الكلمة بمعناها.

2 ـ البخاري ( ت 256 هـ ) في تاريخه قال : « فقال عبد الله بن مساور : إنّ ابن عباس بخّل ابن الزبير وقال : ليس المؤمن الّذي يأكل وجاره جائع ، قاله أبو نعيم ومعاوية بن هشام »(2) ثمّ ساق ثلاثة أسانيد لهذا الخبر جاء في ثالثها عبد الله بن أبي مساور.

3 ـ أبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجاج المروزي ( ت 294 هـ ) روى في كتابه تعظيم قدر الصلاة بسنده عن سعيد بن جبير قال : « دخل ابن عباس على ابن الزبير فقال له ابن الزبير : أنت الّذي تؤنّبني وتبخّلني؟ قال ابن عباس : نعم ، إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( إنّ المسلم الّذي يشبع ويجوع جاره ليس بمؤمن ) ». ثمّ ذكر بعده بسند آخر عن عبد الله بن المساور : « انّه سمع ابن عباس وهو يبخّل ابن الزبير يقول : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( ليس المسلم من شبع وجاره جائع إلى جنبه ) »(3) .

4 ـ ابن أبي الدنيا القرشي ( ت 281 هـ ) روى في كتابه مكارم الأخلاق نشر مكتبة الفرات بالقاهرة سنة 1411 بسنده حديث ابن المساور وفيه : « سمعت ابن عباس ( وهو يبخّل ) ابن الزبير يقول سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( ليس المؤمن ) »(4) .

____________________

(1) أنظر منتخب مسند ابن حميد تح ـ صبحي البدري السامرائي ومحمود خليل الصعيدي نشر مكتبة السنة القاهرة سنه 1411.

(2) التاريخ الكبير ( ترجمة عبد الله بن مساور ) 3 ق 1 / 195 ط أفست المكتبة الإسلامية ديار بكر تركيا وكذا في ط دار الفكر بيروت في ترجمة عبد الله بن مساور.

(3) تعظيم قدر الصلاة 2 / 593 ط الأولى نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة.

(4) مكارم الأخلاق نشر مكتبة الفرات بالقاهرة سنة 1411.


5 ـ الحاكم النيسابوري ( ت 405 هـ ) روى الحديث كسابقه في المستدرك على الصحيحين وقال : « هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرّجاه »(1) .

6 ـ البيهقي ( ت 458 هـ ) روى في سننه الخبر كما في سابقه(2) .

7 ـ الخطيب البغدادي ( ت 461 هـ ) روى الحديث في تاريخ بغداد في ترجمة عبد الملك بن أبي بشير كسابقه(3) .

8 ـ الحافظ المزي ( ت 742 هـ ) روى الحديث في تهذيب الكمال في ترجمة عبد الله بن المساور وقال : « في أصل القطان : ابن أبي المساور قال : سمعت ابن عباس ( وهو يبخّل ابن الزبير ) »(4) .

9 ـ الحافظ الذهبي ( ت 748 هـ ) روى الحديث في تلخيص المستدرك على الصحيحين للحاكم ، ووافق على تصحيح الحاكم ، كما رواه أيضاً في سير أعلام النبلاء فقال : « عيب ابن الزبير بشحّ فروى الثوري ـ ثمّ ساق السند إلى عبد الله بن مساور ـ سمع ابن عباس يعاتب ابن الزبير في البخل ويقول : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( ليس المؤمن الّذي يبيت شبعان وجاره جائع ) ـ ثمّ قال : ـ وروى عبيد الله بن عمر عن ليث قال : كان ابن عباس يكثر أن يعنف ابن الزبير بالبخل فقال : كم تعيرني؟ »(5) .

10 ـ الحافظ ابن كثير ( ت 774 هـ ) روى الحديث في تاريخه(6) ، وكأنّه استثقل الكلمة فصنع كما صنع الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال كقوله.

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 4 / 167.

(2) السنن الكبرى 10 / 3 ط مكتبة دار الباز بمكة المكرمة سنة 1414.

(3) تاريخ بغداد 10 / 391.

(4) تهذيب الكمال ( ترجمة عبد الله بن المساور ) 16 / 120 تح ـ بشار عواد ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1400 هـ.

(5) سير أعلام النبلاء 3 / 374 ـ 375 ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1413.

(6) البداية والنهاية 8 / 339 ط السعادة بمصر.


11 ـ الطحاوي ذكر الخبر بسنده عن عبد الله بن المساور ـ او ابن أبي المساور ـ : « قال سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير في البخل ويقول : ليس المؤمن الّذي يبيت شبعانَ وجاره إلى جنبه جائع ». ثمّ قال الطحاوي : « فلم يرد بذلك انّه ليس بمؤمن إيماناً خرج بتركه إياه إلى الكفر ، ولكنه أراد به انّه ليس في أعلى مراتب الإيمان »(1) .

12 ـ ناصر الدين الألباني في الأحاديث الصحيحة(2) ، وقد أفاض القول بذكر مصادر الحديث النبوي وعقب عليها بما اقتضاه المقام وختم كلامه مندّداً بالبخلاء الّذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.

فهؤلاء اثنا عشر حافظاً من مشاهير الحفّاظ من المحدّثين كلّهم ذكروا جملة ( وهو يبخّل ابن الزبير ) أو ما في معناها كما مر عن عبد بن حميد والبخاري والذهبي وابن كثير والطحاوي ولا تثريب عليهم.

إنّما التثريب بل والتتريب على أولئك الّذين لم يستمرؤا الحقّ فعافوه وحذفوا الكلمة نصاً ومعنى ، وهم :

1 ـ هنّاد ابن السري الكوفي ( ت 243 هـ ) في كتابه الزهد(3) ، وأخاله أوّل من تولى كبر ذلك.

2 ـ الحافظ أبو يعلى الموصلي ( ت 307 هـ ) روى الحديث في مسنده(4) ، ولم يذكر الكلمة.

____________________

(1) شرح معاني الآثار 1 / 28 ط بيروت دار الكتب العلمية سنة 1399 بتحـ محمّد زهري النجار.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 229 برقم 149 ط 14 نشر المكتب الإسلامي سنة 1405.

(3) الزهد 2 / 507 ط الأولى نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت.

(4) مسند أبي يعلى 2 / 549 نشر دار الكتب العلمية.


3 ـ ابن أبي حاتم الرازي ( ت 327 هـ ) في كتابه العلل ، فقد ساق الحديث بدون كلمة ابن المساور سمعت ابن عباس ( وهو يبخل ابن الزبير ) ، ثمّ أبدى إهتماماً بالغاً بتفاوت النقلة في اسم ( المساور ) أو ( المسور ) أو ( أبي المساور ) فقال : « سئل أبو زرعة عن حديث رواه قبيصة وثابت بن محمّد ووكيع وأبو نعيم عن الثوري فاختلفوا. فقال قبيصة عن الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عبد الله بن أبي المساور عن ابن عباس عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : ( ليس المؤمن الّذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه ).

وقال ثابت عن الثوري عن عبد الملك عن عبد الله المسور عن ابن عباس

وقال وكيع عن سفيان عن عبد الملك عن عبد الله بن مساور عن ابن عباس

قال أبو زرعة : وَهِمَ ثابت فيما قال ، وأبو نعيم أثبت في هذا الحديث من وكيع كأنّه حكم لأبي نعيم »(1) .

أقول : ليت بعض هذا الإهتمام بتحقيق أبي المساور ـ المسور ـ مساور ـ كان من أبي حاتم لتحقيق المتن.

ومن الطريف قوله وكأنّه حكم لأبي نعيم مع أنّه لم يذكر سنداً لأبي نعيم فلاحظ!

4 ـ تمام بن محمّد الرازي ( ت 414 هـ ) في كتابه الفوائد(2) .

5 ـ البيهقي الشافعي ( ت 458 هـ ) في شعب الإيمان ، مع أنّه ذكر الكلمة في سننه الكبرى صحيحة ، ووردت في شعب الإيمان مصحفة(3) كما سيأتي.

____________________

(1) علل الحديث 2 / 329 ط السلفية بمصر.

(2) الفوائد2 / 105 تح ـ حمدي عبد المجيد السلفي ط مكتبة الرشد بالرياض سنة 1412 هـ.

(3) الترغيب والترهيب 3 / 243 نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1417 و 5 / 42 ط السعادة بمصر سنة 1381 بتحـ محمّد محي الدين عبد الحميد.


6 ـ المنذري ( ت 656 هـ ) في كتابه الترغيب والترهيب(1) .

7 ـ ابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) في القول المسدد ، نقلاً عن البخاري في تاريخه والطبراني وأبي يعلى(2) ، وقد مرت بنا الإشارة إلى ما في تاريخ البخاري وفيه التصريح بأنّ ابن عباس بخّل ابن الزبير فلاحظ.

فهؤلاء الّذين لم يذكروا تبخيل ابن عباس لابن الزبير ، ولعلهم حفاظاً على كرامة الأصحاب!؟

أمّا الّذين وردت الكلمة محرفة أو مصحفة في تصانيفهم تحريفاً مهيناً أو تصحيفاً مشيناً فهم :

1 ـ البخاري في كتابه الأدب المفرد فقد ذكر الخبر بسنده إلى عبد الله بن مساور قال : « سمعت ابن عباس ( يخبر ) ابن الزبير يقول سمعت النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ».

فظننت لأول وهلة أنّ ذلك غلط مطبعي فات مصحح الكتاب تصحيحه ، لكني تيقنت أنّه تحريف متعمّد جرى لكلمة ( يبخّل ) حيث ورد كذلك في طبعتين من الكتاب(3) ، وأكّد صحة يقيني وروده كذلك في شرح كتاب الأدب المفرد(4) . وهذا تحريف مَهين فمن تولى كبر ذلك من النساخ أو الرواة عن البخاري ، لأنّ البخاري روى معنى كلمة عبد الله بن مساور بلفظ : « إنّ ابن عباس

____________________

(1) الترغيب والترهيب 3 / 243 نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1417 و 5 / 42 ط السعادة بمصر سنة 1381 بتحـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) القول المسدد في الذب عن مسند أحمد / 21 ط مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنة 1401.

(3) وهما طبعة إسلامبول سنة 1309 ص 25 وطبعة مصرية محققة بتحـ محمّد فؤاد عبد الباقي فراجع ص 39 ط السلفية سنة 1375.

(4) الأدب المفرد المسمى بفضل الله الصمد لفضل الله الجيلاني 1 / 201 ط السلفية سنة 1378 هـ.


بخّل ابن الزبير » وقد مرّ ذكره في النمط الأوّل برقم 2 ، فراجع تجده ذكر ذلك في التاريخ الكبير.

2 ـ الطبراني ( ت 360 هـ ) ذكر الخبر في معجمه بسنده إلى عبد الله بن المساور ، قال : « سمعت ابن عباس ( وهو ينحل ) ابن الزبير »(1) .

فظننت أنّه تصحيف غير متعمد ، وأنّه غلط مطبعي ، فراجعت الطبعة الثانية من الكتاب وقد كتب عليها مزيدة ومنقحة(2) فوجدتها كذلك ، وازدادت حيرتي من محقق الكتاب الّذي نعت طبعته الثانية بمزيدة ومنقحة وهو لم يزد في المقام شيئاً ولم ينقح تلك الكلمة!! بل زاد الأمر إيهاماً وإبهاماً حيث ذكر في الهامش مصادر ذكر الخبر فقال : « ورواه البخاري في الأدب المفرد / 112 ، والحاكم 4 / 167 وصححه ، ووافقه الذهبي وابن أبي شيبة في كتاب الإيمان والخطيب في تاريخ بغداد ، وابن عساكر 9 / 136 / 2 ، والضياء في المختارة 62 / 192 / 1 ، وأبو يعلى 136 / 2 قال في المجمع 8 / 167 ورجاله ثقات ، وله شواهد أنظر سلسلة الصحيحة ( برقم 148 ) لشيخنا محمّد ناصر الدين الألباني ». انتهى ما ذكره السلفي.

وعندما راجعت سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ، وجدت السلفي قد أخطأ في ذكر الرقم وصوابه ( 149 )(3) ، ووجدته قد أخذ المصادر حتى الضياء المختارة عن الألباني نقل المسطرة ـ كما يقولون ـ وليته ذكر بقية ما ذكره الألباني من كلام وتعقيب فهو قد ذكر الخبر عن الضياء المختارة

____________________

(1) المعجم الكبير / 12 ط الأولى بمطبعة الوطن العربي.

(2) المعجم الكبير 12 / 119 ط الثانية مطبعة الزهراء الموصل.

(3) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 229 ط الرابعة ط المكتب الإسلامي.


( وفيه قال : سمعت ابن عباس ذكر ابن الزبير فبخّله ثمّ قال سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم » فذكر الحديث.

ولست بمتجنّ على السلفي في ذلك السطو على جهد الألباني ، لأنّه لو كان قد راجع بنفسه تلك المصادر الّتي ذكرها لوجد الحاكم والذهبي والخطيب قد ذكروا كلمة ( وهو يبخّل ) فزهٍ بهكذا تحقيق!!

3 ـ البيهقي ذكر الخبر في سننه ـ كما مر ـ وفيه ( وهو يبخّل ) لكن في كتابه شعب الإيمان اختلفت روايته ، ففي الجزء الثالث لم يذكر الكلمة(1) ، وفي الجزء الخامس : « قال لابن الزبير ( وهو يخبر ) ( وهو ينحار ) »(2) ، وفي الجزء السابع ( وهو ينحل )(3) ، فأي هاتيك هو الصحيح؟

ومن الطرافة ما ذكره في الجزء الخامس من تحقيق حول لفظي ( وهو يخبر ) ( وهو ينحار ) : فالأولى بسنده عن الدارمي والثانية بسنده عن الفريابي(4) ، فمن كان محتاطاً إلى هذا الحد في النقل في الفرق بين الروايتين ، لماذا لم يحقق لنا معنى ( وهو ينحار ) الّتي ذكرها؟

ثمّ ما باله ذكر الخبر هنا بسنده عن عبد الله بن المساور ، وفي الجزء السابع صار عبد الله بن أبي المساور؟(5) .

وما باله ذكر هناك كلمة ( وهو ينحل )؟ وما هو معناها؟ كلّ ذلك التحريف والتصحيف من التخريف ، وسرت عدواه إلى الخبر الّذي رواه بعد الخبر

____________________

(1) شعب الإيمان 3 / 225 تحـ محمّد السعيد بسيوني زغلول نشر دار الكتب العلمية بيروت.

(2) نفس المصدر 5 / 31.

(3) نفس المصدر 7 / 76.

(4) نفس المصدر 5 / 31.

(5) نفس المصدر 7 / 76.


المذكور بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : انّه دخل على ابن الزبير وأنا معه ، فقال ابن الزبير : أنت الّذي تنحلني وتدّنني فقال ابن عباس : نعم إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فما هو معنى تنحلني وتدنني؟

هل تنحلني من النحلة بمعنى العطية؟ أو من تنحّله ادعاه لنفسه وهو لغيره؟ أو من نحله القول نسبه إليه؟

وهل تدنني من الدنو بمعنى القرب؟ أو من الدناوة بمعنى القرابة؟ أو من الدناءة بمعنى الحقارة؟ ومن الدنيّ كغنيّ الساقط الضعيف؟ أو من دنّى في الأمور تدنية تتبع صغيرها وكبيرها؟ كلّ ذلك لم يفصح عنه رواته.

مع أنّ خبر سعيد بن جبير الّذي رواه المسعودي وقد مرّ آنفاً وفيه قول ابن الزبير ( أنت الّذي تؤنبني وتبخلّني ) صريح صحيح ، وقد رواه محمّد بن نصر المروزي مسنداً في كتابه تعظيم قدر الصلاة(1) . فبعد هذا التصريح لا معنى للتحريف والتصحيف ، بل يعد ذلك من التزييف والتخريف.

4 ـ نور الدين الهيثمي ( ت 807 ) ذكر الخبر في مجمع الزوائد ، وقال : « رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات »(2) .

وهذا الرجل أكبر همه النظر في رجال الأسانيد ـ شأن قومه ـ دون إعارة المتون قليلاً من الإلتفات ، فما دام الرواة عنده ثقات ، فعلينا التسليم بما رووه وإن كان من الترهات؟!

ويبدو من المصحّفين أنّهم تبعوا مَن قبلهم في التعتيم على ما يخدش كرامة أحدٍ الصحابة مثل ابن الزبير المعيّر بالبخل ، وإن تمّ ذلك على إهدار

____________________

(1) راجع رقم / 3.

(2) مجمع الزوائد 8 / 167 ط القدسي سنة 1353.


حقّ صحابي آخر له حقّ القرابة والصحابي مثل ابن عباس ، لتأنيبه ابن الزبير على بخله.

وعندي أنّ هؤلاء أشدّ بخلاً من ابن الزبير الّذي ضنّ بمال المسلمين عليهم ، فإنّهم بخلوا حتى برواية الحقيقة وكتموا الحقّ. فالله أولى بهم( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (1) .

ولم تكن هذه الوقفة الطويلة والجولة العريضة في تفتيش المصادر المعنيّة عن كلمة عبد الله بن المساور ـ أبي المساور ـ إنّه سمع ابن عباس وهو يبخّل ابن الزبير ، لاثبات بخل ابن الزبير ، فذلك معروف ومشهور لا مناقشة فيه ، وإنّما أردت تنوير القارئ عمّا يتخلل الكتب الحديثية من تحريف وتخريف ، كنّا نود أن لا نجد عليه شاهداً واحداً ، ولكنا وجدنا منها عليها شواهد ، وقد مرّت بنا الحقائق مكشوفة الغطاء ، تنبئ عن النُصب والعداء ، أعمت بصائر الرواة وأبصار النساخين والمصنّفين ، عن ذكر حقيقة بخل ابن الزبير ، وكأنّهم بفعلهم هذا محو سيئة بخل ابن الزبير من صحيفته ، وهم بفعلهم هذا سيلقون آثاماً.

وبالتالي تحذير القرّاء من اللهاث وراء أولئك الحفاظ الّذين أكبر همهم ذكر الاسناد وتصحيحه بتوثيق رجاله ، دون الالتفات إلى صحة ما يرونه ويروونه ، ولا يُخدعوا ببهرجة الألقاب الّتي منحوها لهم بغير حساب.

بواعث حسد ابن الزبير لابن عباس :

يقول علماء الأخلاق : إنّ دواعي الحسد سبعة :

الأوّل : خبث النفس وشحّها بالخير والعياذ بالله.

____________________

(1) البقرة / 79.


الثاني : العداوة والبغضاء وهي أشد أسبابه.

الثالث : حب الرآسة وطلب المال والجاه والتفرّد بالثناء.

الرابع : الخوف من فوت المقاصد ، وهو يختص بالمتزاحمين المتنافسين في بلوغ غاية واحدة.

الخامس : التعزز بأن يثقل عليه أن يترفع عليه بعض أقرانه.

السادس : التكبر على الناس لأنّ طبعه يميل إلى الترفّع على بعض الناس فإذا أصابت النعمة ذلك البعض حسده.

السابع : التعجب بأن يكون المحسود في نظر الحاسد أقل شأناً منه ، فإذا علا نجمه حسده وتعجب من فوزه كحسد الأمم لانبيائهم.

وقد تجتمع كلّ هذه الأسباب أو أكثرها في شخص واحد ، فيعظم لذلك حسده ويمكن إرجاع بعض هذه الأسباب وتداخلها مع بعضها فيكون أهمها ثلاثة :

الأوّل : بغض المحسود فيأسى عليه الحاسد بفضيلة تظهر أو منقبة تشكر ، فيثير حسداً قد خامر بُغضاً ، وهذا النوع لا يكون عاماً وإن كان أضرّها ، لأنّه ليس يبغض كلّ الناس.

الثاني : أن تتجدد له نعمة أو يوفّق لعمل يُكسِبه حمداً يتفوّق به على الأقران ، فيثير ذلك حسد الحاسدين ، ولولا ما تجدد له لم يصبه الحسد ، وهذا أخص ممّا سبق إذ لا يكون إلاّ فيما بين الأقران.

الثالث : وهو أخبثها أن يكون الحاسد بخيلاً لا بما في يديه ، بل يشح حتى بالفضائل والنعم الّتي أنعم الله بها على عباده ، فهو ساخط على الله تعالى وعدو لنعمه ، وهذا أشد أنواع البخل وأخبث أنواع الحسد ، لأنّ البخيل يمنعك ما في


يده وأمّا هذا فيريد منعك ما في يد الله تعالى. وفي هذا النمط ورد قوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( إنّ لنعم الله أعداءً فقيل : ومن هم؟ قال الّذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ).

فإن صادف الحاسد قدرة نزع إلى الشر والوقيعة بالمحسود ، وان صادف عجزاً كان في حرب نفسية داخلية لا تهدأ ثورتها ولا تسكن حرارتها حتى يحل البوار بمحسوده ، أو يبقى هو حرضاً أو يكون من الهالكين.

وإذا رجعنا نتصفح مواقف ابن الزبير العدائية السيئة مع بني هاشم عموماً وابن عباس خاصة ، نجده تقمص الدواعي الثلاث في حسده فهو يراهم تفوقواً عليه شرفاً في الجاهلية والإسلام ، ولم ينل ما ناله إلاّ بهم ، وهذا هو الداعي الأوّل من بواعث حسده ، وسيأتي في بعض محاورات ابن عباس معه ما يشير إلى هذا.

ثمّ هو يرى نعم الله سبحانه تتوالى عليهم كلّ حين فلم يخل بيتهم من رجال قصر عنهم شأوه ، فلا يسعه أن يطاولهم في منكب أو موكب ، وهذا هو الداعي الثاني من بواعث حسده أيضاً.

وثالثة الأثافي يراهم قد سبقوا بفضائلهم علماً وحلماً وكرماً وجوداً شأواً بعيداً يقصر عن بلوغ مداه بخله وجهله ، فهو يريد الوقيعة بهم حتى همّ بإحراقهم ، وهذا هو الثالث من أهم بواعث حسده أيضاً وأضرّها عليه.

ولابدّ لنا من ذكر بعض الشواهد على تلك الدواعي نتبيّن منها ما لحق بابن عباس من أذاه لأنّه المحسود الأوّل من بني هاشم.

الشاهد الأوّل :

رحم الله أبا تمام حيث يقول :

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود


لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيب عرَف العود

لولا التخوف للعواقب لم يزل

للحاسد النعمى على المحسود

قال مؤرّج السدوسي المتوفى سنة 195 في كتابه حذف ـ أي قطع من طرفه ـ من نسب قريش نشرة صلاح الدين المنجّد : « وكان منادٍ يُنادي بمكة : من يريد العلم واللحم فليأت منزل عبد الله بن عباس »(1) .

ولقد روى ابن عبد البر في الاستيعاب(2) ، والبُرّي التلمساني في الجوهرة(3) ، والخرائطي في مكارم الأخلاق(4) ، وابن عساكر(5) ، وأبو الفرج في الأغاني(6) وغيرهم. قالوا :

« انّ عبد الله بن صفوان بن أمية ـ وهو من أخص أصحاب ابن الزبير ـ مرّ يوماً بدار عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه ، ومرّ بدار أخيه فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام ، فدخل على ابن الزبير فعيّره وقال له : أصبحت والله كما قال الشاعر :

فإن تصبك من الأيام قارعة

لم نبك منك على دنيا ولا دين(7)

فتميّز غيظاً وغضباً وقال : وما ذاك يا أعرج؟

____________________

(1) نسب قريش / 8 نشرة صلاح الدين النجّد.

(2) الاستيعاب 1 / 373 ط حيدرأباد و 2 / 347 بهامش الإصابة ط مصطفى محمّد سنة 1358.

(3) الجوهرة 2 / 19.

(4) مكارم الأخلاق / 58 السلفية بمصر سنة 1350.

(5) أنظر تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 7 / 202.

(6) الأغاني 15 / 151 ـ 152 ط دار الكتب المصرية.

(7) البيت لذي الأصبع العدواني وقصيدته مشهورة في المفضليات.


قال : هذان ابنا عباس عبد الله يفقّه الناس ، وعبيد الله أخوه يطعم الناس ، فما أبقيا لك مكرمة.

فدعا صاحب شرطته عبد الله بن مطيع العدوي وقال له انطلق إلى ابني عباس فقل لهما : أعمدتما إلى راية ترابية(1) قد وضعها الله فنصبتماها ، بدّدا عني جمعكما ، واخرجا عني ومن انضوى إليكما من ضُلاّل أهل العراق ، وإلاّ فعلتُ وفعلتُ. فجاء ابن مطيع فبلّغ. فقال له عبد الله بن عباس : قل لابن الزبير يقول لك ابن عباس ثكلتك أمك ، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين : رجل يطلب فقهاً ورجل يطلب فضلاً ، فأي هذين تمنع؟

وكان بالحضرة أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني فجعل يقول :

لا درَّ درُّ الليالي كيف تضحكنا

منها خطوبٌ أعاجيبٌ وتبكينا

ومثل ما تحدث الأيام من غيرٍ

في ابن الزبير عن الدنيا تسلّينا

كنا نجيء ابن عباس فيسمعنا

فقهاً ويكسبنا أجراً ويهدينا

ولا يزال عبيد اللّه مترعةٌ

جفانُه مطعما ضيفاً ومسكينا

فالبر والدين والدنيا بدارهما

ننال منها الّذي نبغي إذا شينا

إن النبيّ هو النور الّذي كشطت

به عمايات ماضينا وباقينا

ورهطه عصمة في ديننا ولهم

فضل علينا وحقّ واجب فينا

ففيم تمنعنا منهم وتمنعهم

عنا وتؤذيهم فينا وتؤذينا؟

ولستَ فاعلم بأولاهم به رحِماً

يا بن الزبير ولا أولى به دينا

لن يؤتي الله إنساناً ببغضهم

في الدين عزاً ولا في الأرض تمكينا »

____________________

(1) منسوبة إلى أبي تراب وهي كنية الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومن أحب كناه إليه لأن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كنّاه بها.


الشاهد الثاني :

روى أبو الفرج في الأغاني بسنده عن العتبي ، قال : « قدم معن بن أوس مكة على ابن الزبير فأنزله دار الضيفان وكان ينزلها الغرباء وأبناء السبيل والضيفان ، فأقام يومه لم يطعم شيئاً ، حتى إذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتيس هرم هزيل فقال : كلوا من هذا ، وهم نيف وسبعون رجلاً ، فغضب معن وخرج من عنده فأتى عبد الله بن العباس فقراه وحمله وكساه ، ثمّ أتى عبد الله بن جعفر وحدّثه حديثه فأعطاه حتى أرضاه ، وأقام عنده ثلاثاً حتى رحل ، فقال يهجو ابن الزبير ويمدح ابن جعفر وابن عباس ( رضي الله عنه ) :

ظللنا بمتن الرياح غدية

إلى أن تعالى اليوم في شرّ محضر

لدى ابن الزبير حابسين بمنزل

من الخير والمعروف والرفد مقفر

رمانا أبو بكر وقد طال يومنا

بتيس من الشاه الحجازي أعفر

وقال اطعموا منه ونحن ثلاثة

وسبعون إنساناً فيا لؤم مخبر

فقلنا له لا تقرباً فأمامنا

جفان ابن عباس العلا وابن جعفر

وكن آمناً وارفق بتيسك فإنّه

له أعنزٌ ينزو عليها وأبشر »(1)

ولمعن بن أوس حديث مكارم من ابن عباس أنعم عليه فمدحه فيها.

فقد روى أبو الفرج بسنده عن عبد الله بن عليّ بن منجوف ، قال : « مرّ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بمعن بن أوس المزني وقد كفّ بصره فقال له يا معن كيف حالك؟ فقال له : ضعف بصري وكثر عيالي وغلبني الدَين ، قال : وكم

____________________

(1) الأغاني 10 / 157 ط الساسي.


دينك؟ قال : عشرة آلاف درهم فبعث بها إليه ، ثمّ مرّ به من الغد فقال له كيف أصبحت يا معن؟ فقال :

أخذت بعين المال لما نهكته

وبالدين حتى ما أكاد أدان

وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى

وردّ فلان حاجتي وفلان

فقال له عبد الله : الله المستعان ، إنّا بعثنا إليك بالأمس لقمة فما لكتها حتى انتزعت من يدك ، فأي شيء للأهل والقرابة والجيران؟ وبعث إليه بعشرة آلاف درهم أخرى فقال معن يمدحه :

إنّك فرع من قريش وإنّما

تمجّ الندى منها البحور الفوارع(1)

ثووا قادة للناس بطحاء مِكة

لهم وسقايات الحجيج الدوافع

فلمّا دعوا للموت لم تبك منهم

على حادث الدهر العيون الدوامع »(2)

الشاهد الثالث :

روى المقريزي في كتابه المقفى عن ابن جريج ـ وهو عبد الملك قاضي مكة ـ قال : « قال لي ابن أبي مليكة ـ وهو عبد الله بن عبيد الله قاضي ابن الزبير ومؤذنه ـ جاء ابن الزبير مال أوّل ما جاءه ، فانطلق ابن عباس إليه ، وهو في قيقعان ـ جبل بمكة ـ فقال : انك قد دعوت الناس إلى ما قد علمت ، وقد جاءك مال وبالناس حاجة ، فقال ابن الزبير : وما أنت وهذا؟ إنك أعمى ، أعمى الله قلبك.

فقال ابن عباس : بل أعمى الله قلبك.

____________________

(1) قوله : إنك فرع الخ هو مخروم وروى وانك بالواو فلا خرم ، والفرع مستعار من فروع الشجرة وهي أغصانها ، والفوارع جمع فارع وهو العالي أ هـ من خزانة الأدب.

(2) الأغاني 10 / 157 ط الساسي.


فقال ابن الزبير : والله ما أنت بفقيه.

قال ابن عباس : والله لأنا أفقه منك ومن أبيك.

فلمّا خرج قال لقائده : مَن عنده؟ قال : ابنته وامرأته.

قال : فهلاّ أخبرتني؟ فوالله لو علمتُ ما أسمعتهما شتمه.

قال ـ ابن أبي مليكة ـ ثمّ أرسل إليه ابن الزبير أبا قيس الزرقي بأنا لسنا أوّل ابني عم استبّا ، فاكفف عني وأكفّ عنك.

قال ابن عباس : إن كفّ كففت ، وإن أذاع أذعت »(1) .

ويبدو أنّ ابن الزبير لم يكفّ أذاه عن ابن عباس بل وعن سائر بني هاشم ، بل كان يتطاول لنُصبه فينال حتى من مقام الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بما لا يليق بأيّ مسلم أن ينال ذلك. وقد مرت بنا كلمة ابن الزبير : ( إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة )( وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدا ) (2) لذلك كان ابن عباس يرد عليه.

وفي الشاهد التالي ما يدلنا على مدى التزام ابن عباس بالكفّ عن ابن الزبير ما وسعه ذلك ، إلاّ أنّ ابن الزبير كان يثير الفتنة ويستثير ابن عباس ، فيجيبه بما يسمه على الخرطوم حتى أمام أهله وصحبه ، فلنقرأ :

الشاهد الرابع :

ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج(3) ، وابن حجة الحموي في ثمرات الأوراق(4) ، والسيّد عليّ خان المدني في الدرجات الرفيعة فقال : « وروي ان عبد

____________________

(1) المقفى الكبير 4 / 504 ط دار الغرب الإسلامي.

(2) الأعراف / 58.

(3) شرح النهج 2 / 501 ط مصر الأولى.

(4) ثمرات الأوراق بهامش المستظرف 1 / 135.


الله بن الزبير تزوج امرأة من فزارة يقال لها أم عمرو بنت منظور فلمّا دخل بها وخلا بها قال لها : أتدرين من معك في حجلتك؟ قالت : نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد ، قال : ليس هذا أردت ، قالت : فأي شيء تريد؟

فقال : معك في حجلتك من أصبح الغداة في قريش بمنزلة الرأس في الجسد ، لا بل العينين من الرأس.

فقالت : أما والله لو أنّ بعض الهاشميين حضرك لكان خليقاً أن لا يقر لك بذلك.

فقال لها : إنّ الطعام والشراب عليَّ حرام حتى أحضرك الهاشميين وغيرهم ممّن لا يستطيع لذلك انكاراً.

قالت : إن أطعتني فلا تفعل ، وأنت أعلم بشأنك.

فخرج ابن الزبير إلى المسجد فإذا بحلقة فيها جماعة من قريش ، وفيها من بني هاشم عبد الله بن عباس وعبد الله بن نوفل بن الحرث ابن عبد المطلب ، فقال لهم : أحبّ ان تنطلقوا معي إلى منزلي في حاجة عرضت ، فقام القوم بأجمعهم حتى قاموا على باب منزله ، فقال ابن الزبير : يا هذه اطرحي عليك سترك ، وأذني للقوم يدخلوا ، ففعلت ، فلمّا أخذوا مجلسهم دعا ابن الزبير بالمائدة ، فأكل القوم جميعاً ، فلمّا فرغوا من الغذاء ، قال لهم : إنما جمعتكم لحديث أوردته على صاحبة هذا الستر ، فزعمت أن لو كان بعض الهاشميين حضرني ما أقرّ لي به ، وقد حضرتم أيها الملأ جميعاً ، وأنت يا بن عباس ما تقول؟ أخبرتها أنّ معها في خدرها من أصبح الغداة في قريش بمنزلة الرأس من الجسد ، لا بل العينين من الرأس ، فردّت عليّ ما قلت.


فقال له ابن عباس : أراك قصدت قصدي ، فإن شئت أن أقول قلت ، وإن شئت أن أكف كففت؟

فقال ابن الزبير : لا بل قل ، وما عسيت أن تقول ، ألست تعلم انّ أبي حواري رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأنّ أمي أسماء بنت صدّيق رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأنّ خديجة سيّدة نساء رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عمتي ، وأنّ صفية عمة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) جدتي ، وأنّ عائشة أم المؤمنين خالتي ، فهل تستطيع لهذا انكاراً يا بن عباس؟ فإن قدرت أن تنكر ذلك فافعل.

فقال ابن عباس : لقد ذكرت شرفاً شريفاً ، وفخراً فاخراً ، غير أنك بنا نلت هذا كلّه ، وأدركت سنامه وعلوه ، فأنت تفاخر مَن بفخره فخرت ، وتسامي مَن بفضله سموت.

فقال ابن الزبير : هلمّ أنافرك قبل أن يبعث محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

فقال ابن عباس : قد أنصف القارة من راماها ، أسألكم يا معشر الحضور أعبد المطلب كان أضخم في قريش أم خويلد؟

فقالوا : اللّهمّ بل عبد المطلب.

فقال : أسألكم بالله أهاشم كان أضخم في قريش أم أسد؟

فقالوا : اللّهمّ بل هاشم.

فقال : أسألكم بالله أعبد مناف كان أضخم في قريش أم عبد العزى؟

قالوا : اللّهمّ بل عبد مناف.

فأنشأ ابن عباس يقول :

تنافرني يا بن الزبير وقد قضى

عليك رسول الله لا قول هازل

فلو غيرنا يا بن الزبير فخرته

ولكنما فاخرت شمس الأصائل


قضى عليك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بقوله : ما افترقت فرقتان إلاّ كنت في خيرهما ، فقد فارقتنا من لدن قصي بن كلاب فنحن في فرقة الخير ، فإن قلت : لا ، كفرت ، وإن قلت : نعم ، قهرت ، فضحك بعض القوم.

فقال ابن الزبير : أما والله يا بن عباس لولا تحرّمك بطعامنا وكراهة الإخساس بالذين معك لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك هذا.

فقال ابن عباس : ولم؟ أفبالباطل ، فبالباطل لا يغلب الحقّ ، أم بالحقّ فالحقّ لا يخسّ بالذين معي ، ولا يعنيه عليَّ ولا عليك من معي.

فقالت المرأة من خلف الستر : أما والله لقد نهيته يا بن عباس عن هذا المجلس فأبى إلاّ ما ترى.

فقال ابن عباس : أيتها المرأة اقنعي ببعلك ، فما أعظم الخطر وأكرم الخبر.

ثمّ أخذ القوم بيد ابن عباس ( رحمه الله ) وقالوا : انهض أيها الرجل لقد فضحته في منزله غير مرة. فنهض ابن عباس ( رحمه الله ) وهو يقول شعراً :

ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا

فلو ترك القطا ليلاً لناما

فقال ابن الزبير : يا صاحب القطا ارجع واقبل عليَّ ، أما والله ما كنت لتدعني حتى أقول ، وأيم الله لقد عرف القوم أنّي سابق غير مسبوق ، وابي حواري وصدّيق ، يتبجح في الشرف الأنيق غير طليق ولا ابن طليق.

فقال ابن عباس : هذا الكلام مردود من امريء حسود فإن كنت سابقاً فبمن سبقت؟ وان كنت فاخراً فبمن فخرت؟ فإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا فالفخر لك علينا ، وإن كنت أدركته بأسرتنا فالفخر لي عليك ، والكثكث في فمك ويديك.


وأمّا ما ذكرت من الطليق ، فوالله لقد ابتلي فصبر ، وأنعم عليه فشكر ، وإن كان لوفيّاً كريماً غير ناقض بيعة بعد توكيدها ، ولا مسلم كتيبة بعد التآمر عليها ، ولا بفرّار جبان.

فقال : أتعيّر الزبير بالجبن ، والله انك لتعلم منه خلاف تلك.

فقال ابن عباس : والله إنّي لا أعلم إلاّ أنّه قد فرّ وما كرّ ، وحارب فما قرّ ، وبايع فما برّ ، وأنكر الفضل ، ورام ما ليس له بأهل. وأنشأ ابن عباس ( رحمه الله ) يقول :

وما كان إلاّ كالهجين أمامه

عناقٌ فجاراه العناق فأجهدا

فأدرك منها بعض ما كان يرتجي

وقصّر عن جري الكرام مبلّدا

فقال عبد الله بن نوفل بن الحرث : ويلك يا بن الزبير أقمناه عنك فتأبى إلاّ منازعته ، فوالله لو نازعته من ساعتك هذه إلى انقضاء عمرك ما كنت إلاّ كالمزداد من الريح ، فقل إن شئت أو فدع.

فقال ابن الزبير : والله يا بني هاشم ما بقي إلاّ المحاربة والمضاربة بالسيوف.

فقال عبد الله بن نوفل بن الحرث : أما والله لقد جرّبت ذلك فوجدت غيّه وخيماً ، فإن شئت فعد حتى نعود.

وانصرف القوم وافتضح ابن الزبير »(1) .

الشاهد الخامس :

قال ابن أبي الحديد بعد ما سبق ذكره من مكاشفة ابن الزبير لبني هاشم بالعداوة وناصره على ذلك محمّد بن سعد بن أبي وقاص ، وأنكر عليه عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي قال :

____________________

(1) الدرجات الرفيعة / 132 ط الحيدرية.


« فبلغ الخبر عبد الله بن العباس ، فخرج مغضباً ومعه ابنه حتى أتى المسجد فقصد قصد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ثمّ قال : أيها الناس إنّ ابن الزبير يزعم أن لا أوّل لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ولا آخر فيا عجباً كلَ العجَبَ لافترائه ولكذبه! والله إنّ أوّل من أخذ الإيلاف وحمى عيران قريش لَهاشم.

وإنّ أوّل من سقى بمكة عذبا وجعل باب الكعبة ذَهَبا لَعبد المطلب.

والله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش وإن كنا لقالتهم إذا قالوا ، وخطباءهم إذا خطبوا ، وما عُدّ مجد كمجد أولنا ، ولا كان في قريش مجدٌ لغيرنا ، لأنّها في كفر ماحق ، ودين فاسق ، وضلّة وضلالة ، في عشواء عمياء ، حتى اختار الله تعالى لها نوراً ، وبعث لها سراجاً ، فانتجبه طيّبا من طيّبين ، لا يسبّه بمسّبة ، ولا يبغي غائلة فكان أحدنا وولدنا وعمنا وابن عمنا ، ثمّ إنّ أسبق السابقين إليه منا وابن عمنا ، ثمّ تلاه في السَبق أهلنا ولحمتنا واحداً بعد واحد.

ثمّ إنّا لخير الناس بعده وأكرمهم أدباً ، وأشرفهم حسباً ، وأقربهم منه رحماً.

واعجباً كلّ العجب لابن الزبير! يعيب بني هاشم ، وإنّما شرف هو وأبوه وجده بمصاهرتهم ، أما والله إنّه لمصلوب قريش ، ومتى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب؟؟

قيل للبغل : من أبوك يا بغل؟ فقال : خالي الفرس. ثمّ نزل »(1) .

وذكر المبرّد في الكامل آخر الخطبة فقال : « وقال عبد الله بن العباس في كلام يجيب به ابن الزبير : والله إنّه لمصلوب قريش(2) ومتى كان عوّام بن

____________________

(1) شرح النهج 4 / 489 ط مصر الأولى و 20 / 128 ط محققة.

(2) ان هذه الكلمة سبق أن قالها الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في ابن الزبير كما مر ذكرها في مواقف ابن الزبير العدائية ، فلا غرابة لو قالها ابن عباس ، وهو قد سمعها من ابن عمه باب مدينة العلم ، وقد يستغربها من لا معرفة له بان الإمام كان عنده سبعون عهداً من


عَوّام يطمع في صفية بنت عبد المطلب؟ من أبوك يا بغل؟ فقال : خالي الفرس »(1) !

وأحسب وهماً وقع في ( عوام بن عوّام ) ، والصواب ( العوام بن خويلد ) كما مرّ في رواية ابن أبي الحديد.

الشاهد السادس :

روى المسعودي في مروج الذهب ، فقال : « حدّثنا ابن عمّار عن عليّ بن محمّد بن سليمان النوفلي قال : حدّثني ابن عائشة والعتبي جميعاً عن أبويهما وألفاظهما متقاربة قالا : خطب ابن الزبير فقال : ما بال أقوام يفتون في المتعة وينتقصون حواريّ الرسول وأم المؤمنين عائشة؟ ما بالهم أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم ، يعرّض بابن عباس. فقال ابن عباس : يا غلام أصمدني صمده(2) فقال : يا بن الزبير :

قد أنصف القارة من راماها

إنا إذا ما فئة نلقاها

نرد أولاها على أخراها

أمّا قولك في المتعة فسل أمك تخبرك ، فإنّ أوّل متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بين أمك وأبيك ، ـ يريد متعة الحج ـ وأمّا قولك : أم المؤمنين فبنا سُميّت أم المؤمنين ، وبنا ضُرب عليها الحجاب ، وأمّا قولك : حواريّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فقد لقيتُ أباك في الزحف وأنا مع إمام هدى ، فإن يكن على ما أقول فقد كفر بقتالنا ،

____________________

النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم يعهدها إلى احد غيره كما يقول ابن عباس ، وكان ابن عباس عنده دقائق علم يخفيها عن غير أهلها وسيأتي المزيد في ذلك في الحلقة الثانية ان شاء الله تعالى.

(1) الكامل لابن الأثير 2 / 126 ط مكتبة نهضة مصر.

(2) أي أقصدني قصده ووجّهني نحوه.


وإن يكن على ما تقول فقد كفر بهربه عنّا ، فانقطع ابن الزبير ، ودخل على أمه أسماء فأخبرها فقالت : صدق ».

قال المسعودي : « وفي هذا الخبر زيادات من ذكر البردة والعوسجة وقد أتينا على الخبر بتمامه في كتابنا المترجم بكتاب ( الاستبصار ) وفي كتاب ( الصفوة ) وفي كتابنا المترجم بالكتاب ( الواجب في الفروض اللوازم ) »(1) .

أقول : لقد أخرج الخبر مسلم بسنده عن ابن شهاب ـ وهو الزهري ـ قال : « أخبرني عروة ابن الزبير أنّ عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال : إنّ ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة ـ يعرّض برجل فناداه فقال : إنك لجلفٌ جافٍ ، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين ـ يريد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ.

فقال ابن الزبير : فجرّب بنفسك ، فوالله لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك.

قال ابن شهاب : فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنّه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري مهلاً ، قال ما هي والله لقد فُعِلت في عهد امام المتقين »(2) .

أقول : لقد ذكر مسلم هذا الخبر وكنّى عن اسم المفتي بالمتعة ( رجل ) ، ولم يذكر بقية المسائل الّتي نقد فيها ابن الزبير ذلك الرجل ، وقد علّق شرّاح صحيحه وغيرهم على ذلك وأبانوا أنّ المراد برجل هو ابن عباس حتى قال ابن الهمام الحنفي في شرح الفتح : « ولا تردد عندنا في ان ابن عباس هو

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 103 ط مصطفى محمّد و 3 / 89 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) صحيح مسلم 4 / 133 ط محمّد عليّ صبيح.


الرجل المعرّض به ، وكان قد كفّ بصره فلذا قال ابن الزبير كما أعمى أبصارهم »(1) .

وقد روى الحادثة أيضاً النسائي وغيره من أصحاب الحديث والفقه وسيأتي مزيد بحث عن ذلك في الحلقة الثانية حيث احتجاجاته على ابن الزبير ، وفي الحلقة الثالثة حيث نذكره فقهه وفتاواه الفقهية ، وفي الحلقة الرابعة ( ابن عباس في الميزان ) مع ذكر بقية المصادر التاريخية والأدبية الّتي روت الخبر بصورة أوفى ، وحسبنا الآن بهذا وكفى ، أن نذكر أبيات ايمن بن خريم في ذلك :

يا بن الزبير لقد لاقيت بائقة(2)

من البوائق فالطف لطف محتال

لاقيته هاشمياً طاب منبته

في مغرسيه كريم العم والخال

ما زال يقرع منك العظم مقتدراً

على الجواب بصوت مسمع عال

حتى رأيتك مثل الكلب منحجراً

خلف الغبيط(3) وكنت الباذخ العالي

إنّ ابن عباسٍ المعروف حكمته

خير الأنام له حال من الحال

عيّرته المتعة المتبوع سنّتها

وبالقتال وقد عيّرت بالمال

لما رماك على رسل بأسهمه

جرت عليك كسوف الحال والبال

فاحتزّ مقولك الأعلى بشفرته

حزاً وحيّاً(4) بلا قيل ولا قال

واعلم بأنّك إن عاودت غيبته

عادت عليك مخازٍ ذات أذيال(5)

____________________

(1) شرح الفتح 2 / 386.

(2) البائقة : النازلة وهي الداهية والشر الشديد ، وباقت الداهية إذا نزلت والجمع بوائق.

(3) الغبيط : الرّحل يشد عليه الهودج.

(4) الوحيّ : السريع.

(5) شرح النهج للمعتزلي 4 / 490 ط دار الكتب العربية بمصر.


تصاعد حمّى العداء عند ابن الزبير :

لقد تصاعدت حمّى الخلاف والعداء بين ابن الزبير وبين بني هاشم حين لم يبايعه منهم أحد إلاّ عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر فقد بايعاه كما رواه البلاذري ، ولم يتركهم ابن الزبير بمعزل عنه ، إذ لم يقنعه أنّهم لم يبايعوا عبد الملك بن مروان ، وازداد حنقاً وغيظاً حين هتف المختار بالكوفة باسم محمّد بن الحنفية ، فصار يصب جام غضبه على ابن عباس وعلى ابن الحنفية ، لأنّهما الرأسان المنظوران يومئذ.

وليس من شك في معرفة الناس بامتناعهما عن مبايعته وتلك المعرفة تفسد عليه ما يرومه من تولي خلافة المسلمين ليدعى بأمير المؤمنين ، فصار يشتد عليهما ، ويشهّر بهما على المنبر بحضورهما وفي غيابهما ، وكان نصيب ابن عباس أوفى ، وقد مرّت بنا بعض الشواهد على ذلك ، ولأنه عكفت عليه الناس يمتارون من علمه ، فهو الوحيد الّذي كان يرد الناس منه على وادٍ رحب في شتى فنون المعارف ، وحتى الخوارج فقد كانوا يسألونه ويكاتبونه في معرفة الأحكام ، وستأتي في الحلقة الثالثة مسائل نافع بن الأزرق الخارجي في غريب القرآن كما ستأتي أيضاً مكاتبات نجدة بن عويمر ـ عامر ـ الخارجي في معرفة أحكام الخمس وأطفال المشركين وسهم النساء والمماليك في غنائم الحرب ، ولما كان للخوارج قوّة يخشاها ابن الزبير إذ كانوا معه في أيام يزيد بن معاوية ثمّ نبذوه لما رأوا حرصه على الإمارة ، فهو يخشى أن يدعوهم ابن عباس يوماً إلى الثورة عليه ، كما كان يخشى من محمّد بن الحنفية أن تتسع دعوة المختار إلى إمامته فينهض لقتاله ، وغاب عنه


أنّهما أتقى لله منه ، فلا يستحلان حرمة البلد الحرام والبيت الحرام ، وتحت وطأة ذلك الهاجس صار يتحسّس من التفاف الناس حولهما ويتوجّس منهما خيفة ، فيزداد في تنمّره كلما بلغه التقاء بعض عناصر المعارضة معهما حيث كان يتجسّس عليهما ، وما حديث ابن أبي مليكة في صحيح البخاري مع ابن عباس إلاّ بعض ذلك التجسس والتوجّس ، وللذهبي رأي في ذلك المنع مقاربٌ مع ما قلناه قال : ولأبي الطفيل الكناني حين منع ابن الزبير عبد الله بن عباس من الاجتماع بالناس كان يخافه.

وإنّما أخّر الناس عن بيعة ابن عباس ـ أن لو شاء الخلافة ـ ذهاب بصره(1) .

ثمّ ذكر أبيات أبي الطفيل وقد ذكرناها في الشاهد الأوّل.

فهذا الهاجس والتوجّس أقضّا مضجع ابن الزبير ، فاتخذ إجراءاته الصارمة ضدّ ابن عباس وابن الحنفية وبني هاشم بوحشية وعنف ، ممّا ذكر المؤرخون بعض جوانبه ، ولم تخف على أحد ، ومع ذلك نجد البخاري في صحيحه قد ذكر أربعة أخبار ثلاثة منها برواية ابن أبي مليكة تتعلق بابن عباس وابن الزبير ومساعيه المشبوهة في ذلك فلنقرأ :

ماذا عند البخاري؟

لقد عوّدنا البخاري على إيراد بعض الأحاديث في أبواب تغاير عناوينها فلا تمتُّ لها بصلة أو تمتّ على نحو ضعيف ، كالخيوط الشمسية أو نسج العنكبوت. ولست بصدد بيانها وما لا يستساغ معها إيرادها في أبواب لا تشملها ، لكني في المقام أرى لزاماً عليَّ ذكر ما أخرجه البخاري في صحيحه ( كتاب التفسير باب

____________________

(1) سير أعلام النبلاء 4 / 455 ط دار الفكر بيروت.


125 ) في تفسير قوله تعالى :( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (1) ، وبشرح فتح الباري لابن حجر(2) ، وبشرح إرشاد الساري للقسطلاني(3) ، فقد روى في هذا الباب أربعة أحاديث(4) ، ثلاث منها هي على الصحيح أخبار وليست بأحاديث لأنّها ليست مرفوعة نسوقها إلى القاريء كما هي قال :

1 ـ حدّثنا عبد الله بن محمّد حدّثنا حَبّان حدثّنا همّام حدّثنا ثابت حدّثنا أنس قال : حدّثني أبو بكر ( رضي الله عنه ) قال : كنت مع النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في الغار فرأيت آثار المشركين ، قلت : يا رسول الله لو أنّ أحدهم رفع قدمه رآنا قال : ما ظنّك باثنين الله ثالثهما.

2 ـ حدّثنا عبد الله بن محمّد(5) حدّثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أنّه قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير ، قلت أبوه الزبير وأمه أسماء وخالته عائشة وجده أبو بكر وجدته صفية. فقلت لسفيان إسناده؟ فقال : حدّثنا ، فشغله إنسان ولم يقل ابن جريج(6) .

____________________

(1) التوبة / 40.

(2) فتح الباري 9 / 395 ـ 399 ط مصطفى محمّد وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.

(3) إرشاد الساري 7 / 149 ـ 150 ط أفست دار الكتاب العربي بيروت.

(4) صحيح البخاري ( كتاب التفسير 58 باب 125 ) 6 / 66 ـ 67 ط بولاق.

(5) كان يحيى بن معين سيء الرأي فيه هدى الساري 2 / 181.

(6) لقد روى خبر ابن أبي مليكة مسلم في صحيحه كما في هدى الساري لابن حجر 2 / 70 ط مصطفى البابي الحلبي ، والمقريزي في كتابه المقفى ( 4 / 504 ـ 505 ط دار الغرب الإسلامي ) كما رواه غيره وجميعهم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة. ولم يحدث بذلك غيره وكأنه لم يسمعه غيره من ابن عباس إذ لم يحضره من أولاده ومواليه وزائريه أحد؟ وكأنه كان معه في خلوة خاصة بابن أبي مليكة ، فهل يعقل ذلك؟ إن هذا الا اختلاق.


3 ـ حدّثني عبد الله بن محمّد قال حدّثني يحيى بن معين حدّثنا حجاج(1) قال ابن جريج قال ابن أبي مليكة : وكان بينهما شيء فغدوت على ابن عباس فقلت : أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحلّ حرم الله؟! فقال : معاذ الله ، إنّ الله كتب ابن الزبير وبني أمية من المحلّين ، وإنّي والله لا أحلّه أبداً. قال : قال الناس بايع لابن الزبير فقلت : وأين بهذا الأمر عنه؟ أمّا أبوه فحواريّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يريد الزبير ، وأمّا جده فصاحب الغار يريد أبا بكر ، واُمّه فذات النطاق يريد أسماء ، وأمّا خالته فأم المؤمنين يريد عائشة ، وأمّا عمته فزوج النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يريد خديجة ، وأمّا عمة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فجدته يريد صفية ، ثمّ عفيف في الإسلام ، قارئ للقرآن ، والله إن وصلوني وصلوني من قريب ، وإن رَبّوني ربّني أكفاء كرام ، فآثر التويتات والأسامات والحَميدات ـ يريد أبطناً من بني أسد بني تويت وبني أسامة وبني أسد ـ إنّ ابن أبي العاص برز يمشي القدمّيه ـ يعني عبد الملك بن مروان ـ وإنّه لوى ذنبه ـ يعني ابن الزبير ـ.

4 ـ حدّثنا محمّد بن عبيد بن ميمون(2) حدّثنا عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد قال أخبرني ابن أبي مليكة دخلنا على ابن عباس فقال : ألا تعجبون لابن الزبير قام في أمره هذا فقلت : لأحاسبنّ نفسي له ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر ، ولَهما كانا أولى بكلّ خير منه. وقلت : ابن عمة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وابن الزبير وابن أبي

____________________

(1) ذكره ابن حجر في هدى الساري 2 / 157 ضمن الّذين تكلّموا فيهم بجرح من رجال البخاري وقال : ذكره أبو العرب الصقلي في الضعفاء بسبب انّه تغيّّر في آخر عمره واختلط لكن ما ضرّه الاختلاط ، فان إبراهيم الحربي حكى أن يحيى معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحداً.

(2) من شيوخ أحمد بن حنبل قال : انّه كان صدوقا ولكن يعلى أخوه أثبت منه ، وقال في رواية أخرى : كان يخطئ ويصيب. وهذا على ما يختار أحمد يكون ساقط الحديث ( هدى الساري 2 / 209 ).


بكر وابن اخي خديجة وابن اخت عائشة ، فإذا هو يتعلّى عني ولا يريد ذلك فقلت : ما كنت أظن أنّي أعرض هذا من نفسي فيدعه ، وما أراه يريد خيراً ، وإن كان لابدّ لأن يُربّني بنو عمي أحبّ إليّ من أن يُربّني غيرهم.

وحيث انتهينا من إيراد ما رواه البخاري فيما يتعلق بابن عباس مع ابن الزبير ، لابدّ وأن أدرك القارئ معنى ما سبق أن قلته من انّ البخاري يورد أحاديث ليس بينها وبين عنوان الباب صلة أو بصلة ضعيفة ، وفي المقام فجميع ما أورده ليس فيه شيء من تفسير الآية الكريمة الّتي جعلها عنواناً للباب ، ومع غض النظر عن هذا ، فليس فيها ما يمكن حمله ولو على بُعدٍ على آية الغار سوى الأوّل منها ، أمّا الثلاثة التالية فهي أجنبية ـ بتمام معنى الكلمة ـ عن تفسير الآية الكريمة. ولو تنزلنا عن ذلك أيضاً فليس فيها ذكر للغار إلاّ في ثانيهما في وصف أبي بكر ، وأين هذا من تفسير الآية الكريمة؟ ويبدو لي أنّ البخاري إنّما عقد الباب باسم الآية الكريمة إيهاماً للقارئ واستدراجاً له ، والحال إنّما حشر أخباراً مكذوبة على ابن عباس ـ على أسوء تقدير ـ أو مزيد فيها على أحسن تقدير ، لأنّ راوي الأخبار الثلاثة هو ابن أبي مليكة ، وهو متهمٌ في روايته في هذا المقام ، لأنّه كان مؤذناً لابن الزبير وقاضياً عنده ، وخبره بأسانيد البخاري إنّما هي بمثابة انتزاع شهادة من ابن عباس بحق ابن الزبير وأهليته للخلافة ، وجعل من مؤهلاته انّ أبا بكر صاحب الغار جدّه ، وما أدري كيف استساغ البخاري ايراد الخبر بأسانيده فجعله ثلاثة أخبار ، مع انها تستظهر البطلان سنداً كما تستبطن الكذب متناً. وحسبنا ما ذكر في أوّلهما من مطالبة الراوي عن ابن عيينة له بالاسناد ، ولا عجب فإنّ ابن عيينة كان


من المدلسين(1) وقد اختلط في سنة 197 بشهادة القطان وقال : اشهدوا انّ سفيان بن عيينة اختلط سنة 197 فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء(2) فما يدرينا أن يكون الخبر سُمع منه في فترة الاختلاط؟

وأمّا استبطانها الكذب فإنّ جميع ما رواه لابن أبي مليكة على لسان ابن عباس من المؤهلات فقد كانت موجودة فيه وفي محمّد بن الحنفية بصورة أتم وأكمل وأعلا وأجل ، فلماذا لم يدع الناس إلى نفسه أو إلى ابن عمه محمّد بن الحنفية؟ ما دامت المؤهلات لدى ابن الزبير هي شرف الانتساب إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عن طريق الرجال والنساء بينما كان ابن عباس ومحمّد بن الحنفية أقرب قربى وأشد لصوقاً بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لأنّهم من آله الّذين حرمت عليهم الصدقة ، ومن أهله الّذين وجبت على الناس مودتهم ، وهما في غنى عن نسبة الرجال والنساء المذكورين في خبر ابن أبي مليكة. وقد مرّت بنا شواهد قال فيها ابن عباس لابن الزبير أقوالاً تكذب خبر ابن أبي مليكة ، فقد نافره مرة أمام أهله وقد مر ذكر المنافرة في الشاهد الرابع ، وكذلك ما مرّ في بقية الشواهد وابن عباس في جميعها يقدح في ابن الزبير ويجرّده من كلّ شرف وفضيلة ، إلاّ شرف وفضيلة خؤلتهم لأبيه الزبير ، وقد سخر منه حين ضرب فيه المثل : قيل للبغل من أبوك فقال : خالي الفرس.

فكيف يمكن تصديق ابن أبي مليكة في زعمه أنّه سمع ابن عباس قال في ابن الزبير تلك المؤهلات؟ ونحن نعلم يقيناً رأي ابن عباس في مسألة

____________________

(1) أنظر طبقات المدلسين. وفي قبول الأخبار ومعرفة الرجال لأبي القاسم الكعبي 2 / 298 ذكر الكرابيسي انّه مدلس وفي الهامش حكى قول الذهبي فيه : انّه كان مشهوراً بالتدليس عمد إلى أحاديث رفعت إليه من حديث الزهري فيحذف اسم من حدّثه ويدلّسها ، إلاّ أنّه لا يدلس إلاّ عن ثقة.

(2) تهذيب التهذيب لابن حجر 4 / 120 ترجمة سفيان بن عيينة.


الخلافة ، وأنها بالنص ، وليست بالمؤهلات الواهية الّتي ساقها ابن أبي مليكة. وذلك معلوم وثابت عنه منذ عهد عمر ، وقد مرّت بنا في الجزء الثاني بعض المحاورات بينه وبين عمر حول الخلافة ، حيث كان ابن عباس يرى النص وعمر يرى الاختيار فراجع. واذا أردنا أن لا نجشّم القارئ معاناة الرجوع إلى الجزء الثاني ، فسنختصر له الطريق ونبقى في المقام ، ونطلب منه إعادة قراءة صدر الخبر الثاني من اخبار ابن أبي مليكة ، وهو الثالث من أخبار البخاري ، فسيجد ابن عباس بصف ابن الزبير وبني أمية من المحلّين لحرمة البيت الحرام ، فكيف يكون قارئ القرآن محلاً لحرمة البيت الحرام أو ليس ذلك من التناقض الّذي لا يخفى على أحد؟

ثمّ ما بال ابن أبي مليكة لم يُحسن كذبته في حبكته حتى افتضح بحبقته ، حين ذكر بزعمه وصف ابن عباس لابن الزبير بقوله : « عفيف في الإسلام قارئ للقرآن » ، ثمّ أردف بلا فصل قوله : « والله إن وصلوني وصلوني من قرب ». مَن هم هؤلاء الّذين عناهم ابن عباس؟ والقارئ لا يجد الربط بين الوصف وما بعده ، إذ لم يتقدم ذكرهم ليصح إرجاع الضمائر إليهم.

وهذا ما أربك شراح الصحيح ، فذهبت بهم المذاهب مشرّقين ومغربين فقال ابن حجر في فتح الباري : « وظاهر هذا أنّ مراد ابن عباس بالمذكورين بنو أسد رهط ابن الزبير ، وكلام أبي مخنف الإخباري يدل على أنّه أراد بني أمية فالأوّل مجرّد احتمال ، والثاني من دون استدلال »(1) .

أمّا القسطلاني فهو أنبه في المقام حيث قال بعد قوله : قارئ القرآن : « زاد ابن أبي خيثمة في تاريخه هنا : وتركت بني عمي بني أمية ( والله إن وصلوني

____________________

(1) فتح الباري 8 / 247 ط دار المعرفة بيروت.


وصلوني من قريب ) » ، ثمّ ذكر القربى النسبية المنافية نسبتهم إلى عبد مناف ، ثمّ قال : « وهذا شكر من ابن عباس لبني أمية وعتب على ابن الزبير »(1) .

وهكذا بقي بقية شراح البخاري في دوّامة لتوجيه ما رواه لهم البخاري بأسانيده عن ابن أبي مليكة ، وكأنّهم جميعاً جبنوا أو لم يمر ببالهم أن يقولوا ولو لمرة واحدة كلمة حقّ واحدة ، فإما أن يدينوا ابن عباس لأنّه لم يبايع لابن الزبير مع ما رواه عنه ابن أبي مليكة من دعوته الناس إلى مبايعة ابن الزبير ، أو يدينوا ابن أبي مليكة لأنّه روى لهم ما هو كذب ومتناقض ، ولكنهم أنّى لهم التناوش لا من قريب ولا من بعيد ، بل أحسبهم جميعاً على خلاف أهل الكهف رقود وهم أيقاظ ، ولكنهم إنما أعرضوا رعاية لمقام الصحبة ، وحفاظاً على مقامات الصحابة سواء المصلح منهم والمفسد وبالتالي حفاظاً على كتاب البخاري الّذي هو عندهم أصح كتاب بعد كتاب الله؟ ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

فبعد هذا كلّه كيف نصدق ابن أبي مليكة على ابن عباس الّذي لم يكن يرى لابن الزبير أيّ أهلية للحكم بل لا يرى له فضلاً ، ثمّ هو يقسم أنّه سيحاسب له نفسه كما حاسبها لأبي بكر وعمرو (؟) إن هذا إلاّ اختلاق ، وقد مرّ بنا بعض حديث عطية العوفي في مواقف ابن الزبير العدائية ، وسيأتي بتمامه ، وهو يدفع صدق خبر ابن أبي مليكة ، مضافاً إلى ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات(2) عن سُليم أبي عامر قال : فرأيت محمّد بن الحنفية محبوساً في زمزم والناس يمنعون من الدخول عليه ، فقلت والله لأدخلنّ عليه فدخلت فقلت : ما بالك وهذا الرجل؟ فقال : دعاني إلى البيعة فقلت : إنّما أنا من المسلمين فإذا اجتمعوا عليك فانا

____________________

(1) إرشاد الساري 7 / 150.

(2) الطبقات الكبرى ( ترجمة محمّد بن الحنفية ) 5 / 74 ط ليدن.


كأحدهم ، فلم يرض بهذا مني ، فاذهب إلى ابن عباس فأقرئه مني السلام وقل : يقول لك ابن عمك ما ترى.

قال سُليم : فدخلت على ابن عباس وهو ذاهب البصر ، فقال : من أنت؟ فقلت : أنصاري ، فقال : رب أنصاري هو أشد علينا من عدونا ، فقلت : لا تخف أنا ممّن لك كلّه ، قال : هات فأخبرته بقول ابن الحنفية ، فقال : قل له لا تطعه ولا نعمة عين إلاّ ما قلتُ لا تزده عليه ، فرجعت إلى ابن الحنفية فأبلغته ما قال ابن عباس ، فهمّ ابن الحنفية أن يقدم إلى الكوفة.

وأخال أنّ ما رواه البلاذري من كلام ابن عباس مع ابن الزبير في إخراجه محمّد بن الحنفية ومن معه من مكة كان بعد حبسهم الأوّل في قبة زمزم وان ذكره البلاذري في تسييرهم إلى الطائف. ولنقرأ عن موقف ابن عباس مع ابن الزبير في حبسه لبني هاشم :

حبس ابن الزبير لبني هاشم :

قال ابن خلدون في تاريخه : « وقيل انّ ابن الزبير بعث إلى ابن عباس وابن الحنفية في البيعة ( فأبيا وقالا )(1) حتى يجتمع الناس على إمام ، فإن هذه فتنة ، فحبس ابن الحنفية في زمزم ، وضيّق على ابن عباس في منزله ، وأراد احراقهما ، فأرسل المختار جيشه كما تقدم ونفّس عنهما ، ولما قتل المختار قوي ابن الزبير عليهما ، فخرجا إلى الطائف »(2) .

وهذا من ابن خلدون نحو اقتضاب سار عليه غيره من المؤرخين أيضاً ، ولا حاجة بنا إلى مزيد من البحث فيه ، بعد أن عرفنا أنّ ابن الزبير حبس محمداً في

____________________

(1) سقط في المطبوعة يقتضيه المقام ويدل عليه ما في رواية ابن سعد التالية له.

(2) تاريخ ابن خلدون 3 / 64 ـ 65 ط دار الكتاب اللبناني.


قبة زمزم ، أمّا ابن عباس فقد ضيّق عليه في منزله ، وهذا هو الحبس الأوّل وكان في سنة 64.

أمّا الحبس الثاني فكان سنة 67 وكان ابن عباس في جملة المحبوسين من بني هاشم ، فقال ابن أبي الحديد : « جمع عبد الله بن الزبير محمّد بن الحنفية وعبد الله بن عباس في سبعة عشر رجلاً من بني هاشم منهم الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وحصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب عارم وقال : لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا إلي أو أضرب أعناقكم وأحرّقكم بالنار ، ثمّ نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار ، فالتزمه ابن مسور بن مخرمة الزهري ، وناشده الله أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة ، فلمّا كان يوم الجمعة دعا محمّد بن الحنفية بغسول وثياب بيض ، فاغتسل وتلبّس وتحنّط ، لا يشك في القتل ، وقد بعث المختار بن أبي عبيد من الكوفة أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف ، فلمّا نزلوا ذات عرق ، تعجّل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة ، ينادون يا محمّد يا محمّد! وقد شهروا السلاح حتى وافوا شعب عارم فاستخلصوا محمّد بن الحنفية ومن كان معه ، وبعث محمّد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادي : مَن كان يرى أنّ لله عليه حقاً فليشم سيفه ، فلا حاجة لي بأمر الناس ، إن أعطيتها عفواً قبلتها ، وان كرهوا لم نبتزهم أمرهم.

وفي شعب عارم وحصار ابن الحنفية فيه يقول كثير بن عبد الرحمن :

ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى

من الناس يعلم أنّه غير ظالم

سمّي النبي المصطفى وابن عمه

وحمّال أثقال وفكّاك غارم

تخبّر من لاقيت أنك عائذٌ

بل العائذ المحبوس في سجن عارم »(1)

____________________

(1) شرح النهج 20 / 123 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.


وروى ابن سعد بسنده عن عطية العوفي قال : « لمّا وقعت الفتنة بين عبد الله ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان ، ارتحل عبد الله بن عباس ومحمّد بن الحنفية بأولادهما ونسائهما حتى نزلوا مكة ، فبعث عبد الله بن الزبير اليهما تبايعان فأبيا وقالا : أنت وشأنك لا نعرض لك ولا لغيرك ، فأبى وألحّ عليهما إلحاحاً شديداً وقال لهما فيما يقول : والله لتبايُعنّ أو لأحرقنّكما بالنار ، فبعث أبا الطفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة وقالا : إنا لا نأمن هذا الرجل ، فمشوا في الناس ، فانتدب أربعة آلاف فحملوا السلاح حتى دخلوا مكة فكبّروا تكبيرة سمعها أهل مكة ، وابن الزبير في المسجد فانطلق هارباً حتى دخل دار الندوة ، ويقال : تعلّق بأستار الكعبة وقال : أنا عائذ الله.

قال : ثمّ ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفية وأصحابهما وهم في دور قريب من المسجد قد جمع الحطب فأحاط بهم حتى بلغ رؤوس الجُدر ، لو أنّ ناراً تقع فيه ما رؤي منهم أحد حتى تقوم الساعة ، فأخّرناه عن الأبواب ، وقلنا لابن عباس : ذرنا نريح الناس منه ، فقال : لا هذا بلد حرام ، حرّمه الله ما أحلّه لأحد إلاّ للنبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ساعة ، فامنعونا وأجيرونا ، قال : فتحمّلوا وإن منادياً ينادي في الجبل : ما غنمت سرية بعد نبيّها ما غنمت هذه السرية ، وإن السرايا تغنم الذهب والفضة ، وإنّما غنمتم دماءنا ، فخرجوا بهم حتى أنزلوهم منى فأقاموا ما شاء الله ، ثمّ خرجوا بهم إلى الطائف »(1) .

وعندي هذا الإخراج هو الثاني ، وفيه كان كلام ابن عباس مع ابن الزبير فيما أرى ، فقد روى البلاذري في الأنساب : « قالوا : ولمّا أخرج عبد الله بن الزبير محمّد بن الحنفية عن مكة أغلظ له ابن عباس وقال له : أتخرج بني عبد المطلب عن حرم الله وهم أحق به منك؟! فقال : وأنت أيضاً فالحق به »(2) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى ( ترجمة ابن عباس ) / 187 تح ـ السلمي.

(2) أنساب الأشراف ( ترجمة ابن عباس ) برقم / 122.


وقال ابن الأثير في تاريخه : « فلمّا استولى المختار على الكوفة وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضابه ، فألح عليه وعلى أصحابه في البيعة له ، فحبسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والاحراق وإعطاء الله عهداً إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به ، وضرب لهم في ذلك أجلاً ، فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار يعلمه حالهم ، فكتب إلى المختار بذلك وطلب منه النجدة ، فقرأ المختار الكتاب على الناس وقال : انّ هذا مهديكم وصريخ أهل بيت نبيّكم ، قد تركوه ومن معه محصوراً عليهم ، كما يحصر على الغنم ، ينتظرون القتل والتحريق في الليل والنهار ، لست أبا اسحق إن لم أنصرهم نصراً مؤزراً ، وإن لم أسرّب الخيل في إثر الخيل كالسيل يتلوه السيل : حتى يحل بابن الكاهلية الويل ـ يعني ابن الزبير وذلك ان أم خويلد أبي العوام زهرة بنت عمرو من بني كاهل بن اسد بن خزيمة ـ فبكى الناس ، وقالوا سرّحنا إليه وعجّل ، فوجّه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكباً من أهل القوّة ، ووجّه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة ، وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم ، وسيّر أبا المعمّر في مائة ، وهاني بن قيس في مائة ، وعمير بن طارق في أربعين ، ويونس بن عمران في أربعين ، فوصل أبو عبد الله الجدلي إلى ذات عرق فأقام بها حتى اتاه عمير ويونس في ثمانين راكباً ، فبلغوا مائة وخمسين رجلاً ، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الرايات وهم ينادون يا لثارات الحسين ، حتى انتهوا إلى زمزم ، وقد أعدّ ابن الزبير الحطب ليحرقهم ، وكان قد بقي من الأجل يومان ، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا : خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير ، فقال لهم اني لا أستحل القتال في الحرم.


فقال ابن الزبير : واعجباً لهذه الخشبية ينعون الحسين كأني أنا قتلته ، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم ـ وإنّما قيل لهم خشبية لأنّهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السيوف في الحرم ، وقيل : لأنّهم أخذوا الحطب الّذي أعدّه ابن الزبير ـ.

وقال ابن الزبير : أتحسبون أني أخلي سبيلهم دون أن يبايع ويبايعون؟ فقال الجدلي : أي ورب الركن والمقام لتخلّين سبيله أو لنجادلنّك بأسيافنا جدالاً لا يرتاب منه المبطلون ، فكف ابن الحنفية أصحابَه وحذّرهم الفتنة ، ثمّ قدم باقي الجند ومعهم المال حتى دخلوا المسجد الحرام ، فكبّروا وقالوا يا لثارات الحسين ، فخافهم ابن الزبير ، وخرج محمّد بن الحنفية ومن معه إلى شعب عليّ وهم يسبّون ابن الزبير ويستأذنون محمداً فيه ، فأبى عليهم ، فاجتمع مع محمّد في الشعب أربعة آلاف رجل فقسّم بينهم المال وعَزّوا وامتنعوا ، فلمّا قتل المختار تضعضعوا واحتاجوا ، ثمّ إن البلاد استوثقت لابن الزبير بعد قتل المختار ، فأرسل إلى ابن الحنفية أدخل في بيعتي وإلاّ نابذتك ، وكان رسوله عروة بن الزبير ، فقال ابن الحنفية : بؤساً لأخيك ما ألجّه فيما أسخط الله ، وأغفله عن ذات الله ، وقال لأصحابه : إنّ ابن الزبير يريد أن يثور بنا ، وقد أذنت لمن أحب الإنصراف عنا فإنّه لا ذمام عليه منا ولا لوم ، فإنّي مقيم حتى يفتح الله بيني وبين ابن الزبير وهو خير الفاتحين.

فقام إليه أبو عبد الله الجدلي وغيره فأعلموه أنّهم غير مفارقيه ، وبلغ خبره عبد الملك بن مروان فكتب إليه يعلمه انّه إن قدم عليه أحسن إليه ، وإنّه ينزل إلى الشام إن أراد حتى يستقيم أمر الناس ، فخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشام ، وخرج معه كثيّر عزة وهو يقول شعراً :


أنت الّذي نرضى به ونرتجي

هديت يا مهدينا ابن المهتدي

أنت إمام الحقّ لسنا نمتري

أنت ابن خير الناس من بعد النبي

يا بن علـيّ سـرو من مثـل علـيّ

فلمّا وصل مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد فندم على إتيانه وخافه ، فنزل أيلة ، وتحدث الناس بفضل محمّد وكثرة عبادته وزهده وحسن هديه ، فلمّا بلغ عبد الملك ندم على إذنه له في قدومه بلده ، فكتب إليه إنّه لا يكون في سلطاني من لم يبايعني.

فارتحل إلى مكة ونزل شعب أبي طالب ، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه ، وكتب إلى أخيه مصعب بن الزبير يأمره أن يسيّر نساء مَن مع ابن الحنفية ، فسيّر نساءً منهنّ امرأة أبي الطفيل عامر بن واثلة ، فجاءت حتى قدمت عليه فقال أبو الطفيل :

إن يـك سـيّرها مصعبٌ

فـإنّي إلـى مصعب متعِب

أقود الكتيبة مستـلئـمـاً

كأنّي أخـو عـزة أحـرب

وهي عدّة أبيات.

وألحّ ابن الزبير على ابن الحنفية بالانتقال إلى مكة ، فاستأذنه أصحابه في قتال ابن الزبير فلم يأذن لهم وقال : اللّهمّ ألبس ابن الزبير لباس الذل والخوف ، وسلّط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الّذي يسوم الناس ، ثمّ سار إلى الطائف.

فدخل ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له فجرى بينهما كلام كرهنا ذكره (؟) وخرج ابن عباس أيضاً فلحق بالطائف »(1) .

وهذا هو الخروج الثاني إلى الطائف.

____________________

(1) الكامل في التاريخ 4 / 105 ط بولاق.


كأسان أحلاهما مرّ :

لقد مرّ بنا ( أوّلاً ) ذكر خروج محمّد بن الحنفية إلى الشام بدعوة من عبد الملك بن مروان. وأنّه لمّا وصل مدين وبلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد ندم على إتيانه وخافه ، فنزل أيلة وقد ذكر جمال الدين بن يوسف الشامي من أعلام القرن السابع في كتابه ( الدر النظيم ) صورة كتاب من ابن عباس إلى عبد الملك بن مروان يوصيه بمحمّد بن الحنفية ورعاية حقه ، فقال :

« كتب عبد الله بن عباس إلى عبد الملك بن مروان لمّا عزم محمّد بن الحنفية على التوجه إلى بلاد الشام :

أمّا بعد فإنّه توجّه إلى بلادك رجل منّا ، لا يَبدأ بالسوء ، ولا يكافيء على الظلم ، ولا بعجول ولا بجهول ، سميع إلى الحقّ أصم عن الباطل ، ينوي العدل ، ويعاف الحيف ، ومعه نفر من أهل بيته وعدة رجال من شيعته ، لا يدخلون داراً إلاّ بإذن ، ولا يأكلون شيئاً إلاّ بثمن ، رهبان الليل ليوث بالنهار ، فاحفظنا فيهم رحمك الله ، فإنّ ابن الزبير قد نابذنا بالعداوة ونابذناه والسلام.

فأجابه عبد الملك بكتاب يقول فيه :

أمّا بعد فقد أتاني كتابك توصيني فيه بمن توجّه إلى ما قبلي من أهل بيتك ، فما أسرّني بصلة رحمك ، وحفظ وصيتك وكلما هويت من ذلك فمفعول ومتّبع ، فأنزل بي حوائجك رحمك الله كيف أحببت ، فلن أتحرج حاجة عرضت لك قبلي ، فإنّك قد أصبحت عظيم الحقّ عليَّ ، مكيناً لديّ ، وفقنا الله وإياك لأفضل الأمور ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته »(1) .

____________________

(1) الدر النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم ج2 ( مخطوط بمكتبة السماوي ).


فهذا الكتاب يكشف لنا عن عظيم بلوى ابن عباس ومحمّد بن الحنفية في تلك المحنة أيام ابن الزبير ، حتى استساغا على مضض وفضّلا تجرّع مرارة المصافاة مع عبد الملك على مجافاة ابن الزبير وهما كأسان أحلاهما مرّ.

ومرّ بنا ( ثانياً ) قول البلاذري في روايته : « ولمّا أخرج عبد الله بن الزبير محمّد بن الحنفية عن مكة أغلظ له ابن عباس وقال له : أتخرج بني عبد المطلب عن حرم الله وهم أحق به منك ».

وزاد ابن الأثير في روايته على ذلك التعتيم بما يثير التساؤل ، فقال : « فدخل ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له فجرى بينهما كلام كرهنا ذكره » (؟).

فليت شعري ما الّذي جرى من كلام استعظم ابن الأثير فكره ذكره (؟) إنّه التضبيب والتعتيم لإخفاء الحقائق ، وهذا ليس بمستساغ ولا بمقبول من مؤرخ ينبغي أن يستعمل عقله فيضعه فوق قلبه ، ويدرك عظم الأمانة الّتي تحمّل وزرها ، ألا ساء ما يفعلون وما يزرون وما يحكمون. ومهما كانت غلظة الكلام فلن تبلغ ما قرأناه وما سنقرؤه من محاورات جرت بينهما هي بالمحاربات الكلامية أشبه ، فثمة عتاب هو أقسى من عقاب ، وثمة جواب هو أفظع من سباب ، فلماذا الكراهة ، إنّها البلاهة!

ألم يقل ابن عباس لابن مطيع وقد أتاه من قبل ابن الزبير برسالة فيها تهديد ووعيد فقال له ابن عباس : « قل لابن الزبير يقول لك ابن عباس ثكلتك أمك »؟ وقد مرّ ذلك في الشاهد الأوّل فراجع.

ألم يقل لابن الزبير ـ كما في الشاهد الثالث وقد مرّ ـ بعد أن عيّره بالعمى فقال له : « بل أعمى الله قلبك ، وقال له : والله لأنا أفقه منك ومن أبيك »؟


ألم يشبهه بالبغل حين ردّ على ابن الزبير ما قاله في رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وأهل بيته؟ راجع الشاهد الخامس.

ألم يقل لابن أبي مليكة ـ وهو قاضي ابن الزبير ومؤذنه ـ : « إنّ الله كتب بني أمية وابن الزبير محلّين »؟ وقد مرّ ذكر الخبر في ذلك.

ألم يقل لمن قال له : « إنّ ابن الزبير ينتقصك فقال : دُبى حجل(1) لو ذات سوار لطمتني(2) أما والله إنّي لأعرف دخلاًً ودُخيلاً »(3) .

فأيّ كلام أغلظ من هذا فكره ابن الأثير ذكره؟ ولن يبق الجواب مقبوراً في الصدور إلى يوم النشور ، ما دمنا نقرأ حواراً جرى بين ابن الزبير وبين ابن عباس بعد مقتل المختار.

فقد رواه البلاذري في أنسابه وباقتضاب : قالوا : « وقال عبد الله بن الزبير لابن عباس وأخبره بأمر المختار ، فرأى منه توجّعاً وإكباراً لقتله ، أتتوجع لابن أبي عبيد ، تكره أن تسمّيه كذّاباً؟ فقال له : ما جزاؤه ذلك منا ، قتل قتلتنا وطلب بدمائنا وشفى غليل صدورنا »(4) .

وإلى القارئ ما جرى بتفصيل أوفى ـ وهو الّذي أشار إليه ابن الأثير بقوله : « فدخل ابن عباس على ابن الزبير وأغلظ له فجرى بينهما كلام كرهنا ذكره » فلئن كره هو ذكره ، فإنّ الخوارزمي الحنفي المتوفى سنة 568 هـ لم يكره ذلك فقد أورده بنصه وفصه ـ

____________________

(1) الدبى : المشي رويداً والحجل هو نزو الغراب في مشيته يعني ان ابن الزبير نزا في مشيته نحو الخلافة.

(2) مثل يضرب ، الكريم يظلمه دنيء لئيم فلا يقدر على احتمال ظلمه ، ويعني أنّه لو ظلمني من هو كفؤ لي لهان عليّ ، ولكن ظلمني من هو دوني ودنيء.

(3) أنساب الأشراف ( ترجمة ابن عباس ) بخطي برقم / 79.

(4) أنساب الأشراف 5 / 265 ط أفست المثنى ببغداد ، وقارن ابن الأثير 4 / 117 ط بولاق.


ابن الزبير يشتد على بني هاشم بعد مقتل المختار :

قال الخوارزمي في مقتل الحسين : « ثمّ بعث مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير ، فأمر عبد الله برأس المختار فنصب بالأبطح ، وكان قبل ذلك أبى أن ينصب محمّد بن الحنفية رأس ابن زياد خارج الحرم. ثمّ أرسل عبد الله ابن الزبير إلى ابن عباس فقال له : يا بن عباس ان الله قد قتل المختار الكذاب. فقال ابن عباس : رحم الله المختار ، فقال : كأنّك لا تحب أن يقال الكذاب؟ قال : فإن المختار كان محباً لنا عارفاً بحقنا ، وإنّما خرج بسيفه طالباً لدمائنا ، وليس جزاؤه منّا أن نشتمه ونسمّيه كذّاباً ».

وقال : « وبقي عبد الله بن الزبير يجدّ في مناوأة محمّد بن الحنفية وابن عباس وبقية أهل البيت حتى حبسهما إذ لم يجيباه إلى البيعة ، وكان قبل ذلك حبس محمّد ابن الحنفية في قبة الشراب ، فعلم المختار بذلك فأرسل إليه أبا عبد الله الجدلي في جيش عظيم فخلّصه ، وتوعّد ابن الزبير إن أخافه ، فأمسك ابن الزبير إلى ان قتل المختار ، فعاد إلى ما كان عليه من العداوة ، حتى قال يوماً لابن عباس : انّه قد قتل المختار الكذاب الّذي كنتم تمدون أعينكم إلى نصرته.

فقال ابن عباس : دع عنك المختار ، فإنّه قد بقيت لك عقبة تأتيك من الشام ، فإذا قطعتها فأنت أنت ، وإلاّ فأنت أهون من كلب في درب الجامع. فغضب وقال : إنّي لم أعجب منك ، ولكن أعجب مني إذ أدعك تتكلم بين يدي بملء فمك ، فتبسم ابن عباس وقال : تكلمت والله بين يدي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وعند أبي بكر غلاماً ، وعند عمر وعثمان وعليّ رجلاً ، وكانوا يرونني أحق من نطق ، يسمعون رأيي ، ويقبلون مشورتي ، وهؤلاء الّذين ذكرتهم بعد رسول الله خير منك ومن


أبيك ، فازداد غضبه وقال له : لقد علمتُ أنّك ما زلتَ لي ولأهل بيتي مبغضاً ، ولا زلتُ لكم يا بني هاشم منذ نشأت مبغضاً ، ولقد كتمتُ بغضكم أربعين سنة.

فقال ابن عباس له : فازدد في بغضنا فوالله ما نبالي أحببتنا أم أبغضتنا.

فقال ابن الزبير : أخرج عني فلا أراك بعد هذا تقربني.

فقال ابن عباس : أنا زاهد فيك من أن تراني عندك.

ثمّ عاد ابن الزبير فقال : دع عنك هذا وارجع إلى ابن عمك ـ يعني محمّد ابن عليّ ( عليه السلام ) ـ وقل له فليخرج من جواري ، لا يتربص فإني لا أظنه سالماً مني أو يصيبه ظُفر.

فقال ابن عباس : مهلاً يا بن الزبير فإنّ مع اليوم غداً.

فقال ابن الزبير : صدقت مع اليوم غد ، وليس يجب عليك أن تكلمني في رجل ضعيف سخيف ، ليس له قدم ولا أثر محمود.

قال فتنمّر ( فتميز ظ ) ابن عباس غضباً وقال : ليس على هذا صبر يا بن الزبير ، والله إنّ أباه لخير من أبيك ، وإن أسرته لخير من أسرتك ، وإنّه في نفسه لخير منك ، وبعد فرماه الله بك إن كان شراً منك في الدنيا والدين.

ثمّ نهض مغضباً وخرج وهو يقول : لأنملة من محمّد بن الحنفية أحبّ إليَّ من ابن الزبير وآل الزبير ، إنّه والله لأوفر منهم عقلاً ، وأفضل ديناً ، وأصدق حياءً ، وأشدّ ورعاً ».

قال الخوارزمي : « ثمّ خرج ابن الزبير في عدة من أصحابه ، وقام في الناس خطيباً فقال : أيها الناس إنّ فيكم رجلاً أعمى الله بصره ، يزري على عائشة أم المؤمنين ، ويعيب طلحة والزبير حواري رسول الله ـ يريد بذلك ابن عباس ـ وكان ابن عباس حاضراً في المسجد ، فلمّا سمعه وثب قائماً وقال : يا بن الزبير أمّا ما


ذكرت من أم المؤمنين عائشة ، فإنّ أوّل من هتك حجابها أنت وأبوك وخالك طلحة ، وقد أمرها الله أن تقرّ في بيتها فلم تفعل ، فتجاوز الله عنها ورحمها ، وأمّا أنت وأبوك وخالك فقد لقيناكم يوم الجمل فإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين ، وإن كنّا كفاراً فقد كفرتم بفراركم من الزحف(1) .

فقال ابن الزبير : أخرج عني ولا تجاورني.

فقال ابن عباس : نعم والله لأخرجن خروج من يقلاك ويذمّك.

ثمّ قال ابن عباس : اللّهمّ إنّك قادر على خلقك ، قائم على كلّ نفس بما كسبت ، اللّهمّ إن هذا الرجل قد أبدى لنا العداوة والبغضاء ، اللّهمّ فارمه منك بحاصب ، وسلّط عليه من لا يرحمه »(2) .

فمن هذا النص الّذي رواه لنا الخوارزمي الحنفي يمكننا معرفة ما أعرض ابن الأثير وغيره عن ذكره واكتفى بالقول : « وأغلظ له فجرى بينهما كلام كرهنا ذكره » ، ومن هذا النص أيضاً عرفنا مبلغ الحقد المتأصل في نفسية ابن الزبير على ابن عباس والمتخوف من لذع لسانه ، وحجة بيانه ، حيث خرج في عدّة من أصحابه ولم يخرج وحده ، فقام في الناس خطيباً فذكر ابن عباس بما يهيج عليه العامة ، وتشويه صفحته لديهم ، كردة فعل غاضبة ، ناتجة عمّا أسمعه ابن عباس من قوارص كلمه وقوارع حججه ، ولكنه باء بالفشل حتى لم يستطع ابن الزبير أن يردّ عليه حججه ، فقال له اخرج عني ولا تجاورني.

____________________

(1) وقد لقن نافع بن الأزرق الخارجي هذه الحجة من ابن عباس ، فذكرها في كتابه إلى ابن الزبير ، وقد ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 / 395 تح ـ أحمد أمين : وان القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس ( رحمه الله )

(2) مقتل الحسين ( عليه السلام ) 2 / 250 ـ 251 مط الزهراء في النجف الأشرف.


فأجابه ابن عباس بما أسكت به نامته ، وطأطأ به هامته ، فقال له : « نعم والله لأخرجنّ خروج من يقلاك ويذمّك ».

ما تقول يا عرية؟

لقد بقي ابن عباس في أخريات حياته بمكة يكابد ـ مع تقدّم سنّه وفقدانه بصره ـ معاناة عداوة آل الزبير ، وتلك المعاناة أورثته حزناً مقيماً وكمداً دائماً ، لأن عدوّه لدود معلنٌ بنصبه العداء لبني هاشم ، ولا يرعى فيهم إلاّ ولا ذمة ، ولا يخشى من الله سبحانه أن يستحل قتلهم وحرقهم في البلد الحرام ، بينما ابن عباس لا يستحلّ ذلك منه ، وهو لا يمتلك من قوّة يمكنه استعمالها ، سوى قوة البيان وحجة البرهان. فحين يشهّر به ابن الزبير بفتياه في المتعة وحمله مال البصرة ومقاتلته عائشة ، يسمعه ابن عباس من الجواب ما يدحض به دعاواه ، لكن هل الخطب في عروة بن الزبير الّذي تناسى إحسان ابن عباس إليه يوم وفد عليه في البصرة وهو حدَثَ فقال له :

أمتّ بأرحام إليكم قريبة

ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب

فقال له ابن عباس : أتدري مَن قاله؟ قال عروة : أبو أحمد بن جحش.

فقال : فهل تدري ما قال له رسول الله؟ قال : لا ، قال : قال له : صدقت(1) .

فأحسن إليه مع سابق إساءة أبيه وأخيه إلى ابن عباس في الأمس القريب بمحاربتهم له وللإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يوم الجمل.

لكن عروة بقي على ما ورثه من العداوة والمناواة لابن عباس وبني هاشم ، فقد روى الذهبي في ذيل ترجمة محمّد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج عن

____________________

(1) ربيع الأبرار 2 / 181 نسخة الشيخ السماوي بخطه ، و 3 / 578 ط الأوقاف ببغداد.


سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « تمتع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، فقال عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس : ما تقول يا عريّة؟ قال : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ـ ابن عباس ـ : أراهم سيهلكون! أقول : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ويقولون : قال أبو بكر وعمر.

قال ابن حزم : إنّها لعظيمة ما رضي بها قط أبو بكر وعمر »(1) .

وازداد عروة عتواً حين جرت الرياح لصالح أخيه وتعدّى في سلطانه على بني هاشم حتى أراد إحراقهم ، فأنجاهم الله تعالى من كيده بإغاثة المختار لهم بجيش أرسله مع أبي عبد الله الجدلي ـ كما مرّ ذكر ذلك ـ وصار الناس ينقدون ابن الزبير على فعله ذلك ، وخشية انفضاض من معه عنه.

« كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم ، وحصره إياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريضهم ويقول : إنما أراد بذلك ألاّ تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون ، وأن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة ، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر ، فإنّه أحضر الحطب ليحرّق عليهم الدار »(2) . قال المسعودي في مروج الذهب بعد ذكره هذا الخبر

____________________

(1) تذكرة الحفاظ 3 / 837 ط حيدرأباد.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي 20 / 147 بتحـ محمّد أبو الفضل إبراهيم. نقلاً عن المسعودي ، ولدى الرجوع إلى المطبوع من مروج الذهب نجد الاختلاف في الطبعات القديمة والحديثة وحسبنا أن ننقل لكم ما في طبعة بولاق سنة 1283 ، 2 / 79 وطبعة الأزهرية سنة 1303 وبهامشها روضة الناظر لابن الشحنة 2 / 72 ، وطبعة مصرية ثالثة بهامش تاريخ ابن الأثير 6 / 160 ـ 161 وطبعة العامرة البهية سنة 1346 ففيها : كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ، ليدخلوا في طاعته ، كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ، إذ هم أبوا البيعة فيما سلف

أمّا في الطبعات الحديثة بمصر وبيروت فثمة حذف متعمد ، ستراً على السلف. واليكم نص ما في طبعة مصر بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد سنة 1367 مطبعة


باقتضاب : « وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا ، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب ( حدائق الأذهان ) ».

أقول : وهذا الكتاب من آثاره المفقودة فيما أعلم.

وأمّا الخبر الّذي أشار إليه ولم يحتمل ذكره في المقام ، فهو من الأخبار الثابتة تاريخياً ، ولا مجال لإنكارها أو كتمانها لاستنكارها ، فقد رواه من المؤرخين من غير الشيعة من لا يتهم في نقله :

1 ـ أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج(1) .

2 ـ ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(2) .

3 ـ البلاذري في أنساب الأشراف(3) .

4 ـ النظام وأقرّه الشهرستاني في الملل والنحل(4) وبهامش الفصل لابن حزم(5) .

____________________

السعادة ، وأيضاً الطبعة الثالثة سنة 1377 وقد كتب عليها مزيدة ومنقحة في 3 / 86 ، وطبعة بيروت دار الفكر وكذلك طبعة دار الأندلس فجميعها حذف منها جملة « كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لاحراقهم إذ هم أبوا البيعة فيما سلف » وقد عمي المحققون لهذه الطبعات عمّا نمّ به السارق على نفسه بإثباته جملة « إذ هم أبوا البيعة فيما سلف » فهي لا تتفق ولا تتسق إلاّ مع الجملة المحذوفة « كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم » فكيف استساغوا تمرير العبارة مع وضوح الإشارة؟ أما شارل بلا في تحقيقه لمروج الذهب منشورات الشريف الرضي 3 / 276 برقم 1934 فقد ذكر ذلك في الهامش عن نسخة م.

(1) شرح النهج 1 / 132 ط مصر الأولى.

(2) الإمامة والسياسة 1 / 12 ط مصطفى محمّد.

(3) أنساب الأشراف 1 / 586 دار المعارف بتحـ الدكتور محمّد حميد الله.

(4) الملل والنحل 1 / 57 ط بيروت.

(5) هامش الفصل لابن حزم 1 / 65 ط محمّد عليّ صبيح.


5 ـ ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد(1) .

6 ـ ابن أبي شيبة(2) .

7 ـ ابن الشحنة في تاريخه(3) .

8 ـ أبو الفداء في تاريخ المختصر في أخبار البشر(4) .

9 ـ المتقي الهندي في كنز العمال نقلاً عن ابن أبي شيبة كما مرّ(5) .

10 ـ حافظ إبراهيم شاعر النيل في قصيدته العمرية كما في ديوانه المطبوع بمصر حيث قال :

وقولة لعليّ قالها عمر

أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرّقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها

أمام فارس عدنان وحاميها

فهذا ما احتج به عروة تعذيراً لأخيه في عزمه على تحريق بني هاشم ، لولا أن أنجاهم الله من كيده على يد جيش المختار بقيادة أبي عبد الله الجدلي كما مرّ.

وهذا ما أعرض عنه المسعودي فلم يروه في مروجه ، وذكره غيره ولكلّ وجهةٌ هو مولّيها بين مشرّق ومغرّب ، وهكذا تضيع الحقائق.

ولنعم ما فعل الشاطبي ( ت 790 ) في كتابه الاعتصام حين ساق الشواهد على مخالفة الناس للسنّة ومؤالفتهم للبدعة فقال : « إذ ما من بدعة تحدث إلاّ

____________________

(1) العقد الفريد 4 / 259 ـ 260 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر بتحقيق أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري.

(2) أنظر كنز العمال 3 / 140 ط حيدر آباد الأولى و 5 / 381 ط حيدر آباد الثانية.

(3) روضة الناظر بهامش تاريخ ابن الأثير 11 / 113 ط ذات التحرير بمصر سنة 1303 هـ.

(4) تاريخ المختصر في أخبار البشر 1 / 156 ط أفست بيروت عن الطبعة المصرية.

(5) كنز العمال 5 / 381 ط حيدر آباد الثانية.


ويموت من السنّة ما هو في مقابلتها حسبما جاء عن السلف في ذلك ، فعن ابن عباس قال : ما يأتي على الناس من عام إلاّ أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنّة ، حتى تحيى البدعة وتموت السنن »(1) .

وكأنّ فعل عمر وقوله في التحريق لبيت عليّ وفاطمة ( عليهما السلام ) صار سنة يقتدى بها ، أمّا وقوف النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على باب ذلك البيت وتلاوته( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (2) طيلة تسعة أشهر ، فيعرض عنه ، مع أنّ فعله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وقوله حجة ملزمة للمسلمين ، وسنّة تفرض المودّة والولاء ، لكن المسلمين أعرضوا عن تلك السنّة ، والتزموا سنّة عمر عملياً واحتجوا بها كما فعل أبناء الزبير.

ورحم الله ابن عباس الّذي وقف مجاهداً في سبيل إحياء السنّة وإماتة البدعة بشتى الوسائل المتاحة له يومئذ. فهو لم يبرح يحدّث الناس في ذلك.

فتارة يقول : « من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سنّة من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله ( عزّ وجلّ ) »(3) .

وأخرى يقول لهم : « إنّما هو كتاب الله وسنّة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فمن قال بعد ذلك رأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته »(4) .

وثالثة ينكر على من يعارض ما بلغه من السنّة بقوله قال أبو بكر وعمر ، ويقول : « يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وتقولون : قال أبو بكر وعمر »(5) .

____________________

(1) الاعتصام 1 / 213.

(2) الأحزاب / 33.

(3) أعلام الموقعين 1 / 48 ط المنيرية.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر 2 / 171.


ورابعة يقول : « كيف لاتخافون أن يخسف بكم أو تعذّبون ، وأنتم تقولون : قال رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم وقال فلان »(1) .

الطائف دار الهجرة الآخرة إلى الآخرة :

لقد كان ابن عباس يرى في إقامته بمكة فضلاً لا يدركه في أيّ مكان آخر ، كما أنّ أهل مكة كانوا يفتخرون على بقية الأقطار بعبد الله بن عباس.

وفي النجوم الزاهرة : « وكان ابن عباس يقول : ما أعلم على وجه الأرض بلدة تدفع فيها بالحسنة مائة إلاّ مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يكتب لمن صلّى فيها ركعة بمائة ركعة غير مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يتصدق فيها بدرهم فيكتب له ألف درهم إلاّ مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة هي مأوى الأبرار ومصلى الأخيار غير مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ما مسّ منها شيء إلاّ وفيه تكفير للخطايا إلاّ مكة ، ولا أعلم بلدة يحشر فيها الأنبياء غير مكة ، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كلّ يوم من روح الجنة ما ينزل بمكة »(2) .

ولشدّة المعاناة الّتي لاقاها من ابن الزبير وأصحابه صار يتمنى الخروج إلى أي مكان وليس فيه سلطان للظالمين وهو القائل : « لولا مخافة الوسواس لرحلت إلى بلاد لا أنيس فيها وأقمت فيها إلى أن ألقى الله تعالى ، فما يفسد الناس إلاّ الناس »(3) .

ولم يهاجر ابن عباس إلى الطائف في هذه المرة وهي الثالثة ، إلاّ مرغماً ومراغِماً من ابن الزبير ، فقد قاسى منه الأمرّين مكابَداً و مكايَداً حتى تفتت من

____________________

(1) تاريخ جرجان للسهمي / 427 ط أفست عن طبعة أوربا.

(2) النجوم الزاهرة 1 / 197.

(3) الحكمة الخالدة لأبي عليّ بن مسكويه / 173 تح ـ عبد الرحمن بدوي ط مصر سنة 1952.


أذاه كبده كما أخبر عن نفسه ، فقد روى الشيخ يوسف البحراني : « أنّ بقرة ذبحت فوجد كبدها قد تفتت فقال له ابنه عليّ يخبره : أما ترى كبد هذه البقرة يا أبت قد تفتت ، فقال له : يا بنيّ هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك »(1) .

وقال المسعودي في المروج : « فخرج ابن عباس من مكة خوفاً على نفسه فنزل الطائف »(2) .

وقال اليعقوبي في تاريخه : « ولمّا لم يكن بابن الزبير قوة على بني هاشم وعجز عمّا دبّره فيهم أخرجهم عن مكة ، وأخرج محمّد بن الحنفية إلى ناحية رضوى ، وأخرج عبد الله بن عباس إلى الطائف إخراجاً قبيحاً »(3) .

ومهما تكن كيفية الخروج أو الأخراج فقد نزل ابن عباس وهو في طريقه إلى الطائف بنَعمان ـ وهو بلد بين مكة والطائف غزاه النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ وقيل واد لهذيل بين أدناه ومكة نصف ليلة(4) ـ فنزل وصلّى ركعتين ثمّ رفع يديه يدعو فقال : « اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن بلد أحبّ إليَّ من أن أعبدك فيه من البلد الحرام ، وإنّني لا أحب أن تقبض روحي إلاّ فيه ، وإنّ ابن الزبير أخرجني منه ليكون الأقوى في سلطانه ، اللّهمّ فأوهن كيده ، واجعل دائرة السوء عليه »(5) .

وبلغ أهل الطائف خبر مجيئه فخرجوا لاستقباله يهرعون فتلقوه بالترحاب وقالوا له : مرحباً يا بن عم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، أنت والله أحبّ إلينا وأكرم علينا ممّن أخرجك ، هذه منازلنا تخيّرها فانزل منها حيث أحببت. فنزل الطائف وحلّ بين

____________________

(1) الكشكول 2 / 13 ط النجف.

(2) مروج الذهب 3 / 89.

(3) تاريخ اليعقوبي 3 / 9 ط الغري.

(4) معجم البلدان ( نعمان ).

(5) شرح نهج البلاغة للمعتزلي 20 / 124 ط محققة.


ظهرانيهم ، وشاع خبر إخراج ابن الزبير له عن مكة فعظم ذلك على المسلمين ، وورد إليه كتاب تسلية من محمّد بن الحنفية ـ الّذي كان برضوى فيما أخال ، وربّما كان بعدُ في طريقه إياباً أو ذهاباً إلى الشام ـ جاء فيه :

أمّا بعد فقد بلغني أنّ ابن الكاهلية ـ ابن الجاهلية ـ سيّرك إلى الطائف ، فرفع الله ( عزّ وجلّ ) اسمه بذلك لك ذكراً ، وأعظم لك أجراً ، وحطّ به عنك وزرا ، يا بن عم إنما يبتلى الصالحون ، وإنما تهدى الكرامة للأبرار ، ولو لم تؤجر إلاّ فيما نحب وتحب إذاً قلّ الأجر ، فاصبر فان الله تعالى قد وعد الصابرين قال الله ( عزّ وجلّ ) :( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (1) وهذا ما لست أشك أنّه خير لك عند بارئك ، وعظم الله لك الصبر على البلوى والشكر في النعماء انّه على كلّ شيء قدير ).

فكتب إليه ابن عباس مجيباً عن ذلك :

( أمّا بعد فقد أتاني كتابك تعزّيني فيه على تسييري ، وتسأل ربّك جلّ اسمه ان يرفع لي به ذكراً ، وهو تعالى قادر على تضعيف الأجر ، والعائدة بالفضل ، والزيادة من الإحسان ، ما أحب أنّ الّذي ركب مني ابن الزبير كان ركبه مني أعدى خلق الله لي ، احتساباً ، وذلك في حسناتي ولما أرجو أن أنال به رضوان ربّي ، يا أخي الدنيا قد ولّت وإن الآخرة قد أظلّت ، فاعمل صالحاً تجز صالحاً ، جعلنا الله وإياك ممّن يخافه بالغيب ، ويعمل لرضوانه في السرّ والعلانية ، إنّه على كلّ شيء قدير )(2) .

____________________

(1) البقرة / 216.

(2) لقد روى الكتاب والجواب الشيخ المفيد في أماليه / 186 ط الحيدرية سنة 1367 وعنه رواه الشيخ الطوسي في أماليه أيضاً 1 / 119 ـ 120 وبين الكتابين تفاوت لفظي يسير ليس بشيء إلاّ أن الحسن بن شعبة الحراني ـ من القرن الرابع الهجري ـ روى في كتابه تحف العقول / 58 ط حجرية سنة 1299 ص250 طبعة كتابفروشي إسلامية هذا الكتاب بزيادة


نشاط ابن عباس في الطائف :

قال أبو عبد الله النقاش فأجاد :

إذا وجد الشيخ من نفسه

نشاطاً فذلك موت خفي

ألست ترى أنّ ضوء السراج

له لهب قبل أن ينطفي(1)

وهكذا لقد نشط ابن عباس وهو بذلك السنّ وقد جاوز السبعين من العمر ، نشاطاً ملحوظاً في تثقيف أهل الطائف وان كان نشاطه كنور ذبالة السراج قبل إنطفائها وقد نفد زيتها ، فهو يؤدي بذلك رسالته الإصلاحية الّتي تحمّلها. فكان يجلس لأهل الطائف الّذين يتوافدون عليه مغتبطين بحلوله عندهم ، يستفتونه فيفتيهم ، ويتطلبون المزيد من حديثه فيحدّثهم ، ينهلون من نمير علومه ما وسعهم ، وهو على ما به من تقدم السنّ وفقدان البصر وضعف الحال ، لم يترك أداء رسالته الّتي أخذ الله على العلماء أن يؤدّوها ، وأن ( لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم ) كما قال إمامه وابن عمّه ومربّيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في آخر شقشقته الّتي وعاها ابن عباس عنه دراية ، فأدّاها إلى الأمة رواية ، فمن هو أولى بها رعاية وحماية ، فاتخذها نهجاً يخطب في أهل الطائف ويبلّغهم ـ غير هيّاب ولا خائف ـ

____________________

في آخره : ولا أشمت بنا ولا بك عدواً حاسداً أبداً والسلام. ونسبه إلى الحسين ( عليه السلام ) ، فقد رواه فيما روي عن الحسين فقال : وكتب إلى عبد الله بن العباس حين سيّره عبد الله بن الزبير إلى اليمن وذكر الكتاب. ولما كان التبعيد من ابن الزبير أيام حكومته وهي بعد شهادة الحسين ( عليه السلام ) فلا يعقل أن يكون الكتاب منه ( عليه السلام ) ، واحتمال انّه من عليّ بن الحسين بعيد ، لأنّ ابن عباس خاطب المكتوب إليه بـ ( يا أخي ) ممّا يكشف أنّه من أقرانه سنّاً ، وعليّ بن الحسين ليس كذلك في سنّه. فاحتمال وهم المؤلف أو من روى عنهم وارد ، ويؤكد أن مرسل الكتاب هو محمّد بن الحنفية رواية اليعقوبي له في تاريخه 3 / 9 ط الغري فقد ذكره مرسلاً من دون ذكر الجواب.

(1) الخريدة ق 3 / 1 / 50.


ما وعى وحوى من العلم النافع ، وكثر عكوف الناس عليه ، فصار يخطب فيهم مندداً بابن الزبير من غير أن يسمّيه ، ويكنّي عنه كناية أبلغ من التصريح ، وبلغ خبره ابن الزبير فغاضه ذلك.

وقد حدّث المدائني عن جانب من ذلك فقال : « كان يحمد الله ويذكر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والخلفاء بعده ويقول : ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم ولا أشباههم ولا من يدانيهم ، ولكن بقي أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، ويلبسون جلود الضأن تحتها قلوب الذئاب والنمور ، ليظن الناس أنّهم من الزاهدين في الدنيا ، ويراؤون الناس بأعمالهم ، ويسخطون الله بسرائرهم ، فادعوا الله أن يقضي لهذه الأمة بالخير والإحسان ، فيولّي أمرها خيارها وأبرارها ، ويهلك فجّارها وأشرارها. ارفعوا أيديكم إلى ربّكم وسلوه ذلك »(1) ، فيفعل ذلك أهل الطائف ذلك ويؤمّنون على دعائه.

وتطايرت الأخبار إلى ابن الزبير بواسطة رجاله عن نشاط ابن عباس في الطائف وحاله ، ومدى تأثيره في الناس واستجابتهم لمقاله ، فأقلقه ذلك وتميّز غيظاً وغضباً ، فكتب إليه كتاباً يفيض بالحقد والشنآن والإحن والأضغان يقول فيه : « أمّا بعد فقد بلغني أنّك تجلس بالطائف العصرين ، فتفتيهم بالجهل ، وتعيب أهل العقل والعلم ، وإنّ حلمي عليك ، واستدامتي فيأك جرأك عليَّ ، فاكفف لا أباً لغيرك من غربك ، واربع على ضلعك ، واعقل إن كان لك معقول ، وأكرم نفسك ، فإنّك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هواناً ، ألم تسمع قول الشاعر :

فنفسك أكرمها فإنّك إن تهَن

عليك فلن تلق لها الدهر مكرما

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 20 / 125.


وإنّي أقسم بالله لئن لم تنته عمّا بلغني عنك لتجدنّ جانبي خَشِناً ، ولتجدنني إلى ما يردعك عني عجلا ، فرأيك ، فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلاّ نفسك ». فهذا كتاب فيه تنديد وفيه تهديد ووعيد.

فأجابه ابن عباس : « أمّا بعد فقد بلغني كتابك قلت إنّي أفتي الناس بالجهل ، وإنّما يفتي بالجهل من لم يعرف من العلم شيئاً ، وقد أتاني الله من العلم ما لم يؤتك ، وذكرت أنّ حلمك عني واستدامتك فيئي جرأني عليك ، ثمّ قلت اكفف من غربك ، واربع على ظلعك ، وضربت لي الأمثال ، أحاديث الضبع ، متى رأيتني لعرامك هائبا ، ومن حدك ناكلاً ، وقلت : لئن لم تكفف لتجدنّ جانبي خشناً ، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا أرعى إليك إن أرعيت ، فوالله لا أنتهي عن قول الحقّ ، وصفة أهل العدل والفضل ، وذم الأخسرين أعمالاً الّذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً والسلام »(1) .

وهذا جواب فيه تقريع وزراية ، وفيه إهانة واستهانة نافت على الغاية. وأيّ غايةٌ بعد قوله : « فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا أرعى إليك إن أرعيت »؟ ولعل ابن عباس إنّما أجابه على كتابه لأنّه كان يقول : « إنّي لأرى ردّ جواب الكتاب حقاً عليَّ كردّ السلام »(2) ولئلا يظن به الجبن والانهزامية أمام تهديد ووعيد ابن الزبير ، وهو هو لا يزال في صلابة موقفه المتماسك ، وقوة شخصيته المتعالية.

روى البلاذري في أنسابه خبر ذلك بسنده عن أبي مخنف قال : « لمّا نزل ابن عباس الطائف حين نافره ابن الزبير ، كان صلحاء الطائف يجتمعون إليه ،

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 20 / 125.

(2) الطبقات الكبري لابن سعد / 166 تح ـ السُلمي.


ويأتيه أبناء السبيل يسألونه ويستفتونه ، فكان يتكلم في كلّ يوم بكلام لا يدعه وهو : ( الحمد لله الّذي هدانا للإسلام ، وعلّمنا القرآن ، وأكرمنا بمحمّد ( عليه السلام ) ، فانتاشنا به من الهلكة ، وانقذنا به من الضلالة ، فأفضل الأئمة أحسنها لسنّته اتّباعاً ، وأعلمهم بما في كتاب الله احتساباً ، وقد عمل بكتاب الله ربّكم وسنة نبيكم قوم صالحون ، على الله جزاؤهم ، وهلكوا فلم يدعوا بعدهم أمثالهم ، ولا موازياً لهم ، وبقي قوم يريغون الدنيا بعمل الآخرة ، يلبسون جلود الضأن لتحسبوهم من الزاهدين ، يرضونكم بظاهرهم ، ويسخطون الله بسرائرهم ، إذا عاهدوا لم يوفوا ، واذا حكموا لم يعدلوا ، يرون الغدر حزماً ، ونقض العهد مكيدة ، ويمنعون الحقوق أهلها ، فنسأل الله أن يهلك شرار هذه الأمة ويولّي أمورَها خيارَها ).

فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إليه : ( إنّك تجلس العصرين فتفتي بالجهل ، وتعيب أهل البرّ والفضل ، وأظنّ حلمي عنك واستدامتي إياك جرّءاك عليَّ ، فاكفف عني من غربك ، واربع على ظلعك ، واربح على نفسك ).

فكتب إليه ابن عباس : ( فهمت كتابك ، وإنّما يفتي بالجهل من لم يؤت من العلم شيئاً ، وقد أتاني الله منه ما لم يؤته إياك ، وزعمت أنّ حلمك عني جرأني عليك ، فهذه أحاديث الضبع أستها ، متى كنت لعرامك هائباً ، وعن حدّك ناكلاً ثمّ تقول : إنّي إن لم أنته وجدت جانبك خشناً ، وجدتك إلى مكروهي عجلاً ، فما أكثر ما طرت إليَّ بشقّة من الجهل ، وتعهدتني بفاقرة من المكروه ، فلم تضرر إلاّ نفسك ، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت ، ولا أرعى إن رعيت ، فوالله لا انتهيت عن ارضاء الله بإسخاطك »(1) .

____________________

(1) أنساب الأشراف ( في ترجمة ابن عباس ) بخطي.


معطيات ابن عباس في الطائف :

أمّا أنّ معطياته لكثيرة وكبيرة إذا ما تدبّرنا ما جاء في كتاب ابن الزبير ما يعرب عن قلق ، يخشى أن يستمر العطاء فيفلت منه الوكاء لذلك هدّد وتوعّد ، ولكن ابن عباس كما قرأنا جوابه قد أقسم بالله أن لا ينتهي عن قولة الحقّ وصفة أهل العدل والفضل ، وذمّ الأخسرين أعمالاً وقد أبرّ قسمه ولم يحنث ، بل وفى وأوفى ، وقد وردت أخبار متفرقة في معانيها ، مجتمعة في مبانيها ، دلّت على ما كان يبذله من عطاء مثمر ومستمر حتى آخر أيامه ، بل وحتى ساعة موته.

فلنقرأ ما وصل إلينا من تلك الأخبار :

1 ـ روى السيّد ابن طاووس ( ت 664 ) في فلاح السائل قال : « ورواية أخرى في أسرار الأذان مروية عن ابن عباس رضوان الله عليه ، وهو تلميذ مولانا عليّ ( عليه السلام ) ، ورواياته في مثل هذا إمّا إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وأمّا إلى مولانا عليّ ( عليه السلام ).

قال السعيد أبو جعفر ابن بابويه(1) : حدّثني أبو الحسن محمّد بن عمرو بن عليّ بن عبد الله البصري ، قال : حدّثنا أبو محمّد خلف بن محمّد البلخي بها عن أبيه محمّد بن أحمد قال : حدّثنا عياش بن الضحاك عن مكي بن إبراهيم عن ابن جريج عن عطاء قال : كنا عند ابن عباس بالطائف أنا وأبو العالية وسعيد بن جبير وعكرمة ، فجاء المؤذن فقال الله أكبر الله أكبر ـ واسم المؤذن قثم بن عبد الرحمان الثقفي ـ قال فقال ابن عباس : أتدرون ما قال المؤذّن؟ فسأله أبو العالية وقال : أخبرنا بتفسيره.

قال ابن عباس : إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر يقول : يا مشاغيل الأرض قد وجبت الصلاة فتفرّغوا لها.

____________________

(1) معاني الأخبار / 38 ط الحيدرية بتقديمي سنة 1391.


وإذا قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله يقول : يقوم يوم القيامة ويشهد لي ما في السموات وما في الأرض على أنّي أخبرتكم في اليوم خمس مرات.

وإذا قال : أشهد أنّ محمّداً رسول الله يقول : يقوم يوم القيامة ومحمّد يشهد لي عليكم أن قد أخبرتكم بذلك في اليوم خمس مرات وحجتي عند الله قائمة.

وإذا قال : حي على الصلاة يقول : ديناً قيّماً فأقيموه.

وإذا قال : حي على الفلاح يقول : هلمّوا إلى طاعة الله وخذوا سهمكم من رحمة الله ـ يعني الجماعة ـ.

وإذا قال العبد : الله أكبر يقول : حرمت الأعمال.

وإذا قال : لا إله إلاّ الله يقول : أمانة سبع سماوات وسبع أرضين والجبال والبحار وُضعت على أعناقكم ، إن شئتم فأقبلوا ، وإن شئتم فأدبروا »(1) .

وفي هذا النص إيماءة إلى أنّ ابن عباس كان يصلي بهم جماعة ، وتلك الايماءة هي قول عطاء : « فجاء المؤذن فقال لماذا جاء وأذّن؟ أليس للصلاة؟ » فمن ذا يكون الإمام إذا لم يكن هو ابن عباس ، ولو كان غيره لذكر لنا عطاء اسمه كما ذكر اسم المؤذن. هذا ما أراه وفوق كلّ ذي علم عليم.

2 ـ أخرج الحاكم النيسابوري بسنده عن عبد الله بن مليك العجلي : « قال سمعت ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قبل موته بثلاث يقول : اللّهمّ إنّي أتوب إليك ممّا كنت أفتي الناس في الصرف ».

ثمّ قال الحاكم : « هذا حديث صحيح الإسناد وهو من أجلّ مناقب عبد الله ابن عباس ، إنّه رجع عن فتوى لم ينقم عليه في شيء غيرها »(2) . ووافقه الذهبي(3) .

____________________

(1) فلاح السائل / 137 ط الحيدرية بتقديمي سنة 1385.

(2) المستدرك 3 / 542.

(3) التلخيص / 543 بهامش المستدرك على التصحيح.


وأشار إلى ذلك ابن أبي الحديد في شرحه ، فقال : « وأنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الصرف وسفّهوا رأيه حتى قيل إنّه تاب من ذلك عند موته »(1) .

أقول : لقد روى ابن حزم عدم رجوعه عن سعيد بن جبير وهو من المختصين به. ومهما يكن فسوف يأتي البحث حول هذه الفتيا الّتي أثارت عليه نقد الصحابة في الحلقة الثالثة في فقهه. وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّه لم يكن وحده يرى ذلك ، فقد كان ابن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم يرون مثل رأيه أيضاً كما في الخلاف للشيخ الطوسي(2) والمغني(3) .

3 ـ أخرج الخزاز في كفاية الأثر بسنده عن عطاء قال : « دخلنا على ابن عباس وهو عليل بالطائف في العلة الّتي توفي فيها ـ ونحن رهط ثلاثين رجلاً من شيوخ الطائف ـ وقد ضعف ، فسلّمنا عليه وجلسنا ، فقال لي : يا عطاء من القوم؟ قلت : يا سيدي هم شيوخ هذا البلد منهم عبد الله بن سلمة الحضرمي الطائفي وعمارة بن الأجلح وثابت بن مالك فما زلت أعدّ له واحداً بعد واحد ، ثمّ تقدموا إليه فقالوا : يا بن عم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وسمعت منه ما سمعت ، فأخبرنا عن أختلاف هذه الأمة ، فقوم قد قدّموا عليّاً على غيره ، وقوم جعلوه بعد ثلاثة؟

قال ـ عطاء ـ فتنفّس ابن عباس وقال : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ، وهو الإمام والخليفة من بعدي ، فمن تمسّك به فاز ونجا ، ومن تخلف عنه ضل وغوى ، يلي تكفيني وتغسيلي ، ويقضي ديني ، وأبو سبطيّ

____________________

(1) شرح النهج 4 / 459.

(2) الخلاف 3 / 42 ـ 43 ط جماعة المدرّسين بقم.

(3) المغني لابن قدامة الحنبلي المقدسي 4 / 1 ط دار المنار.


الحسن والحسين ، ومن صلب الحسين تخرج الأئمة التسعة ، ومنا مهدي هذه الأمة ) فقال له عبد الله بن سلمة الحضرمي : يا بن عم رسول الله فهلاّ كنت تعرفنا قبل هذا؟

فقال : قد والله أدّيت ما سمعت ، ونصحت لكم ولكنكم لا تحبّون الناصحين. ثمّ قال :

أتقوا الله عباد الله تقاة من اعتبر بهذا ، واتقى في وجل ، وكمش في مهل ، ورغب في طلب ، ورهب في هرب ، واعملوا لآخرتكم قبل حلول آجالكم ، وتمسكوا بالعروة الوثقى من عترة نبيكم ، فإني سمعته ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( من تمسك بعترتي كان من الفائزين ).

ثمّ بكى بكاءً شديداً ، فقال له القوم : أتبكي ومكانك من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مكانك؟

فقال لي : يا عطاء إنما أبكي لخصلتين : هول المطّلع وفراق الأحبّة. ثمّ تفرّق القوم »(1) .

4 ـ روى الذهبي عن عكرمة : « إنّ الناس من أهل الطائف ومعهم علم من علمه أو قال كتب من كتبه ، فجعلوا يستقرؤونه ، وجعل يقدّم ويؤخّر ، فلمّا رأى ذلك قال : إنّي قد تلهت من مصيبتي هذه ، فمن كان عنده علم من علمي ، فليقرأ عليَّ ، فإنّ إقراري له كقراءتي عليه. قال : فقرأوا عليه »(2) .

تلهت : تحيرت ، والأصل : ولهت كما قيل في وجاه تجاه.

____________________

(1) كفاية الأثر ( باب ما جاء عن عبد الله بن عباس ) ط حجرية و 20 ط محققة إيران.

(2) أنساب الأشراف ترجمة ابن عباس بخطي برقم / 53 ، سير أعلام النبلاء 4 / 454 ط دار الفكر.

تلهت : تحيرت ، والأصل : ولهت كما قيل في وجاه تجاه.


ورواه المقريزي في كتابه المقفى الكبير(1) .

5 ـ أخرج الكشي في معرفة الناقلين ، قال : « حمدويه وإبراهيم قالا : حدّثنا أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن عاصم بن حميد عن سلام بن سعيد عن عبد الله بن عبد ياليل ( ثاليل / خ ) ـ رجل من أهل الطائف ـ قال : أتينا ابن عباس ( رحمة الله عليهما ) نعوده في مرضه الّذي مات فيه ، قال : فأغمي عليه في البيت فأخرج إلى صحن الدار. قال : فأفاق فقال : إنّ خليلي رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قال : إنّي سأهجر هجرتين ، وإنّي سأخرج من هجرتي ، فهاجرت هجرة مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وهجرة مع عليّ ( عليه السلام ) ، وإنّي سأعمى فعميت ، وإنّي سأغرق ، فأصابني حكة فطرحني أهل في البحر فغفلوا عني فغرقت ثمّ استخرجوني بعد.

وأمرني أن أبرأ من خمسة من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام ، ومن الخوارج وهم أهل النهروان ، ومن القدرية وهم الّذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا : لا قدر ، ومن المرجئة الّذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا : الله أعلم »(2) .

وسيأتي عنه بعض الأخبار الغيبية ممّا قد يرتاب فيها المبطلون ، لكنّا لا نشك في إنّها من عين صافية وهو صادق أمين ، وفي هذا الخبر الآنف الذكر دليل على صحة ما نراه.

6 ـ إنّ بداية هجرته الآخرة إلى الطائف كانت فيما أحسب بعد مقتل المختار الّذي هو في 14 رمضان سنة 67 هـ ، وقد مرّ بنا شماتة ابن الزبير به حين

____________________

(1) المقفى الكبير 4 / 501 ط دار الغرب الإسلامي بيروت.

(2) معرفة الناقلين كما في اختياره للشيخ الطوسي / 38 ط بمبئ و 56 بتحـ حسن المصطفوي ط دار مشكاة مشهد.


أخبره بقتل المختار وجوابه اللاذع البارع حتى استهانّ به ، أهون من كلب في درب الجامع على حدّ تعبيره ، أمّا نهايتها فكانت سنة 68 ، ومن المؤسف حقاً أن لا يذكر لنا رواة وفاته الّذين حضروها وشاركوا في تجهيزه والصلاة عليه ، وحتى ذكروا ما قيل في تأبينه ساعة دفنه ، فلم يذكروا لنا تاريخ موته يوماً وشهراً ، وحتى السنة الّتي ذكروها ، قد خالفهم من ذكر أنّها كانت في غير سنة 68 كما سيأتي تحقيق ذلك.

ماذا عنه في مرض موته؟

لقد ذكر ابن سعد في طبقاته من حديث عطية بن سعد العوفي ، قال : « فمرض عبد الله بن عباس ، فبينما نحن عنده إذ قال في مرضه : إنّي أموت في خير عصابة على وجه الأرض ، أحبهم إلى الله ، وأكرمهم عليه ، وأقربهم إلى الله زلفى ، فإن متّ فيكم فأنتم هم. فما لبث إلاّ ثماني ليال بعد هذا القول حتى توفي رحمه الله »(1) . وحكى ذلك أيضاً ابن الأثير(2) .

ونحن أزاء هذا الخبر لا نستبعد أن يكون ابن عباس قد تلقى ذلك إمّا من ابن عمه النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وإمّا من ابن عمه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولا أحسب أنّه قاله من عنده لأنّه من الغيبيات المبشّرة ، وهو مع سموّ مكانته العلمية ، فلم يكن من أهل الغيبيات من عنده ، كيف وهو يتلو ويفسّر قوله تعالى :( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) (3) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى ( ترجمة ابن عباس ) / 188 بتحـ السلمي.

(2) أسد الغابة 3 / 195 مط أفست الإسلامية.

(3) الجن / 26 ـ 27.


فقد حكى السيوطي في الدر المنثور عن ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :( فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) قال : أعلم الله الرسلَ من الغيب الوحي وأظهرهم عليه فيما أوحى إليهم من غيبه ، وما يحكم الله فإنّه لا يعلم ذلك غيره(1) .

وإذا أردنا أن نتعامل مع النص السابق كوثيقة تاريخية أمكننا أن نعرف أنّ مدة مرضه كانت أكثر من الّتي حدّدها عطية بن سعد بثماني ليال ، فإنّها الليالي الّتي عاشها بعد قوله القول ، ولو أنّ عطية ذكر لنا تاريخ المرض أو تاريخ الوفاة لأفاد كثيراً.

وصاياه لابنه عليّ :

ومهما يكن فإنّ لابن عباس وصية أوصى بها ولده عليّاً لعلها كانت في تلك الفترة الّتي ذكرها عطية.

فقد ورد في مختصر تاريخ الخلفاء : « إنّه لمّا دنا موت عبد الله أوصى إلى ابنه عليّ فقال له : إنّ أفضل ما أوصيك به تقوى الله الّذي هو دعامة الأمر ، وبه يقوم الدين والدنيا ، ومن بعد ذلك فاعلم يا بني إن الناس قد أصبحوا ـ إلاّ قليلاً ـ في عمىً من أمرهم ، يضرب بعضهم بعضاً على دنيا فانية قد نعاها الله إليهم ، وقد سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول لجدّك : هذا الأمر كائن في ولدك عند زواله عن بني أمية ، فمن منهم ولي أمر الأمة فليتق الله وليعمل بالحقّ ، وليقتد برسول الله ، فإنّ أحق الناس باتباع أثره أمسّهم به رحماً ، وليست الحجاز لكم بدار بعدي ، فإذا أنت واريتني ، فالمم شعث أهلك

____________________

(1) الدر المنثور 6 / 275.


والحقّ بالشام ، فإنّ لبني أمية أُكُلاً لابدّ أن يستوفوه ، وهم وإن كانوا على ضلالتهم وعتوّهم أرأف بك وبأهلك من آل الزبير ، للرحم الّتي بينك وبينهم ، وتوقّ حركات بني عمك عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأوص بذلك ولدك ، فإنّ لهم حركات يُقتَل الشاخص فيها »(1) .

وقيل : إنّه قال له : الحقّ بابن عمك عبد الملك فإنّه أقرب وأخلق بالإمارة ، ودع ابن الزبير ، فإنّي رأيته لا يعرف صديقه من عدوه ، ومن يكون كذلك لم يتم أمره ولم يَصفُ له ، إنّ عبد الملك مشى اليقدمية ، وابن الزبير مشى القهقري وتمثل :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهن أبناء الرجال الأباعد

ثمّ قال له : يا بني إن أتيت الشام وخيّرك عبد الملك المنازل فانزل بالشراة فإنّ الملك إذا تحوّل من بني أمية تحوّل إلى رجل من أهل الشراة من أكثر أهل بيت في الناس ، وأنتم أولئك

ولا شك أنّ ابن عباس لم يكن ليقول ذلك من عنده ، إنّما تلقاه من لدن مدينة العلم ، أو من بابها ، وقد حدّثت هند بنت المهلب أنّ عكرمة أخبرها ـ وكان يدخل عليها كثيراً ويحدّثها ـ قال قال ابن عباس : لا يزال هذا الأمر في بني أمية ما لم يختلف بينهم رمحان ، فإذا اختلفوا خرجت منهم إلى يوم القيامة(2) . وله نحو هذا عدّة أقوال.

____________________

(1) مختصر تاريخ الخلفاء ط موسكو / ورقة 242 ب.

(2) كتاب الفتن لنعيم بن حماد ( نسخة مصورة ـ ميكروفلم ـ عن مكتبة المتحف البريطاني في لندن بمكتبتي ) ، والملاحم والفتن للسيد ابن طاووس / 13 نقلاً عن الفتن لنعيم بن حماد وعنه في كنز العمال 14 / 87.


منها ما رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن ، قال : « عن سعيد بن جبير عن ابن عباس انّهم ذكروا عنده اثني عشر خليفة ثمّ الأمير فقال ابن عباس : والله إنّ منّا بعد ذلك السفاح والمنصور والمهدي يدفعها إلى عيسى بن مريم »(1) .

ومنها : ما روه نعيم أيضاً بسنده عن أبي هريرة يقول : « كنت في بيت ابن عباس فقال : اغلقوا الباب ، ثمّ قال : هاهنا من غيرنا أحد؟ قالوا : لا ، وكنت في ناحية من القوم فقال ابن عباس : إذا رأيتم الرايات السود تجيء من قبل المشرق فأكرموا الفُرس ، فإنّ دولتنا فيهم.

قال أبو هريرة : فقلت لابن عباس : أفلا أحدّثك ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه و ( آله ) وسلّم؟

قال : وإنك لهاهنا؟ قلت : نعم ، قال : حدّث ، فقلت : سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : إذا خرجت الرايات السود فإنّ أولها فتنة وأوسطها ضلالة وآخرها كفر »(2) .

ولابن عباس وصايا لابنه عليّ ، غير ما تقدم :

منها : ما رواه أبو نعيم في تاريخه : « قال لابنه يا بني عليك بالاعتبار فإنّه يذهب بالإغترار ، وعليك بتقصير الأمل وتقريب الأجل ، فإنّه يذهب بالكسل ويحض على العمل »(3) .

ومنها : ما رواه الشيخ المفيد في أماليه وعنه الشيخ الطوسي في أماليه(4) وعنهما المجلسي في البحار(5) ، واللفظ للأوّل بسنده عن عكرمة قال : « سمعت

____________________

(1) الفتن 1 / 96 ، وعنه في كنز العمال 11 / 246 ط مؤسسة الرسالة سنة 1409 بيروت.

(2) الفتن 1 / 202 ـ 203 و 551 ط القاهرة سنة 1412 تح ـ سمير ابن أمين الزهري.

(3) تاريخ اصبهان 1 / 356 ط أوروبا.

(4) أمالي الطوسي 1 / 110 ط النعمان.

(5) بحار الأنوار 17 / 335 ط حجرية.


عبد الله بن عباس يقول لابنه عليّ بن عبد الله : ليكن كنزك الّذي تدّخره العلم ، كن به أشد اغتباطاً منك بكنز الذهب الأحمر ، فإنّي مودعك كلاماً إن أنت وعيته اجتمع لك به خير أمر الدنيا والآخرة :

لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخر التوبة لطول الأمل ، ويقول في الدنيا قول الزاهدين ، ويعمل فيها عمل الراغبين ، إن أعطي منها لم يشبع ، وإن منع منها لم يقنع ، يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي ، ويأمر بما لا يأتي ، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ، ويبغض الجاهلين ـ الفجار ـ وهو أحدهم ، ويقول لِمَ أعمل فأتعنّى ، ولا أجلس فأتمنّى ، فهو يتمنى الغفرة وقد دئب في المعصية ، قد عمّر ما يتذكر فيه من تذكّر ، يقول فيما ذهب لو كنت عملت ونصبت كان ذخراً لي ، ويعصي ربّه ـ تعالى ـ عزّ اسمه فيما بقي ، غير مكترث ، إن سقم ندم على العمل ، وإن صحّ أمن واغترّ وأخّر العمل ، معجبٌ بنفسه ما عوفي ، وقانط إذا بشيء ابتُلي ، إن رغب أَشِر ، وإن بسط له هلك ، تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن ، لا يثق من الرزق بما قد ضُمِن له ، ولا يقنع بما قُسِم له ، لم يرغب قبل أن ينصب ، ولا ينصب فيما يرغب ، إن استغنى بَطِر ، وان افتقر قنط ، فهو يبتغي الزيادة وان لم يشبع ، ويضيّع من نفسه ما هو أكره ، يكره الموت لإساءته ، ولا يدع الإساءة في حياته ، إن عرضت شهوته واقع الخطيئة ثمّ تمنى التوبة ، وإن عرض له عمل الآخرة دافع ، يبلغ في الرغبة حين يسأل ، ويقصّر في العمل حين يعمل ، فهو بالطول مدلّ ، وفي العمل مقلّ ، يبادر في الدنيا يعيى بمرض ، فإذا أفاق واقع الخطايا ولم يعوّض ، يخشى الموت ولا يخاف الفوت ، يخاف على غيره بأقلّ من ذنبه ، ويرجو لنفسه بدون عمله ، وهو على الناس طاعن ، ولنفسه مداهن ، يرى الأمانة ما رضي ، ويرى الخيانة إن سخط ، إن عوفي ظنّ أنّه قد تاب ، وإن ابتلي طمع في العافية وعاد ، لا يبيت قائماً ، ولا يصبح صائماً ، يصبح وهمّه الغذاء ،


ويمسي ونيّته العشاء وهو مفطر ، يتعوّذ بالله مَن فوقه ، ولا ينجو بالعوذ مَن هو دونه ، يهلك في بغضه إذا أبغض ، ولا يقصّر في حبّه إذا أحبّ ، يغضب من اليسير ، ويعصي على الكثير ، فهو يطاع ويعصي ، والله المستعان »(1) .

أقول : قارن هذه الوصية مع الحكمة ( 150 ) نهج البلاغة بشرح محمّد عبده(2) ، تجدها مأخوذة منها مع تغيير بعض ألفاظها بما يرادفها ، ولا تكاد تفرّق بينهما ، وتلك الحكمة هي الّتي قال عنها الشريف الرضي ( رحمه الله ) : « لو لم يكن في الكتاب إلاّ هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، وحكمة بالغة ، وبصيرة لمبصر ، وعبرة لناظر مفكّر »(3) .

وهي بحق كذلك ، ولا غرابة فقد وصفها حبر الأمة لابنه أبلغ وصف حين قال له : إنّي مودعك كلاماً إن وعيته اجتمع لك به خَير الدنيا والآخرة.

وأخرج الطبراني في المعجم بسنده عن زاذان قال : « مرض ابن عباس مرضة ثقل منها فجمع إليه بنيه وأهله ، فقال لهم : إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : ( من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إليها فله بكلّ خطوة سبع مائة حسنة من حسنات الحرم ) ، فقال بعضهم : وما حسنات الحرم؟ قال : ( كلّ حسنة بها ألف حسنة ) »(4) . وأحسب أنّ هذا كان منه في الطائف في مرضه الّذي توفي فيه ( رحمه الله ).

وكان ابن عباس ( رحمه الله ) يقول : « آخر شدّة يلقاها ـ ابن آدم ـ المؤمن الموت »(5) .

____________________

(1) أمالي المفيد / 176 ط الحيدرية سنة 1367 هـ.

(2) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده / 189 حكمة ( 150 ).

(3) المصدر نفسه.

(4) المعجم الكبير 12 / 82 ط الموصل.

(5) صفة الصفوة 1 / 319.


فها هو الآن يودّع الحياة الّتي قاسى آخر أيامه فيها الشدائد من ظلم ابن الزبير الّذي أخرجه عن مكة حرم الله ، وكان يودّ أن يموت فيها كما مرّ في دعائه بنُعمان ، ولكن لله أمر هو بالغه.

وها هي آخر شدة من شدائد الحياة يلقاها بأحسن عدة وخير زاد ليوم المعاد.

ملاك العمل خواتيمه(1) :

لقد ورد في الحديث النبوي الشريف : ( وإنّما الأعمال بخواتيمها ) ، وهو حديث صحيح لا غبار عليه سنداً ومتناً(2) ، وهو ميزان يعرف به تقويم الناس في الحياة الدنيا.

ولمّا كانت خاتمة ابن عباس في حسنها فريدة في بابها ، يحسن بنا أن نذكرها ونقدم عليها ذكر من رواها توثيقاً لها.

فقد رواها أحمد بن حنبل ـ وهو أقدم من رواها ـ في كتابه فضائل الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : « حدّثنا الحسن بن عليّ البصري قال حدّثنا محمّد بن يحيى قال حدّثنا أبي قال حدّثنا الحاكم بن ظهيرة عن السدي عن أبي صالح »(3) الخبر.

وروى الخبر بهذا السند أيضاً أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ الطبري ـ من علماء الإمامية في القرن السادس ـ في كتابه بشارة المصطفى(4) ، وأحسبه أخذه من كتاب أحمد.

____________________

(1) حديث نبوي شريف رواه عن ابن عباس ، أنظر كنز العمال 20 / 187 ط حيدر آباد الثانية.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاص ، وأحمد في مسنده 5 / 335 من حديث سهل بن سعد ، وغيرهما.

(3) فضائل الصحابة ( الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام » 1 / ورقة 101 أ نسخة مصورة بمكتبتي.

(4) بشارة المصطفى لشيعة المرتضى / 239 ط الحيدرية سنة 1383 هـ.


كما رواه عن أحمد العصامي المكي في سمط النجوم العوالي(1) ، وكذلك الباعوني في جواهر المطالب(2) .

وروى حسن الخاتمة أيضاً عطاء المكي ، وهو من تلامذة ابن عباس المحظيين عنده ، وكان معه في الطائف ملازماً له كسعيد بن جبير وأبي العالية وهما من خيرة التابعين.

وحديثه أخرجه الخزاز في كفاية الأثر بسنده في باب ما جاء عن عبد الله ابن عباس(3) .

وروى حسن الخاتمة أيضاً عبد الله بن عبيد ياليل ( ثاليل ) ، وعنه الكشي بسنده في رجاله(4) .

وعنه مبثوثاً في مصادر المتأخرين كالدرجات الرفيعة(5) ، وغيرها.

حديث الخاتمة :

فلنقرأه أوّلاً برواية عطاء بن أبي رباح المكي في آخر ما حدّث به عن اُستاذه حبر الأمة ، وقد مرّ في معطيات الطائف صدر الخبر :

« وتفرّق مَن كان عنده من أهل الطائف ، ووصيته لهم بتقوى الله والعمل للآخرة والتمسك بالعروة الوثقى من عترة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لما سمعه منه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( من تمسك بعترتي كان من الفائزين ).

____________________

(1) سمط النجوم العوالي 2 / 384 ط السلفية بمصر.

(2) جواهر المطالب في آخر الباب الثالث عشر من كتابه ورقة 17 أ ( نسخة مصورة بمكتبتي ).

(3) كفاية الأثر ط حجرية سنة 1305.

(4) كما في اختياره / 56 ط محققة.

(5) الدرجات الرفيعة / 140 ط الحيدرية.


قال عطاء : فقال لي : يا عطاء خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار ، فأخذنا بيده أنا وسعيد ، وحملناه إلى صحن الدار ، ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال : « اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بمحمّد وآله ، اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بولاية الشيخ عليّ بن أبي طالب » فما زال يكررها حتى وقع إلى الأرض ، فصبرنا عليه ساعة ، ثمّ أقمناه فإذا هو ميت رحمة الله عليه ».

ولنقرأ الخبر ثانية برواية عبد الله بن عبد ياليل ( ثاليل ) كما في رواية الكشي : « قال : اللّهمّ إنّي أحيى على ما حيي به عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأموت على ما مات عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ثمّ مات ».

ومرة ثالثة برواية أبي صالح كما رواها أحمد بن حنبل قال : « لمّا حضرت عبد الله بن عباس الوفاة قال : اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب ».

هذه ثلاث روايات عن ثلاثة ممّن حضروا ساعة الوفاة ، وكلّهم اتفقوا على رواية تقرّبه إلى الله تعالى بولاية عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فأيّ خاتمة أحسن من هذه الخاتمة : حبر الأمة يتقرب إلى الله سبحانه بولاية الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليثقّل بها ميزانه ، فهو في آخر رمق من حياته يدعو مبتهلاً إلى الله تعالى أن يجعل الولاية أفضل قرباه إليه ، مستودعاً لها عنده لتكون من وسائل فوزه يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

ولقد مرّ عنه أيضاً عندما بلغه خبر استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) فقال : « اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب ولولده وليّ ، ومن عدوه وعدوهم بريء ، وإنّي سلم لأمرهم. كيف لا وقد أوصاه بذلك رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) »(1) ، وأوصاه بذلك أبوه العباس(2) .

____________________

(1) كما مر في الجزء الأوّل.

(2) كما مر في الجزء الأوّل.


وهو الّذي روى عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قوله : ( أيها الناس الزموا مودتنا أهل البيت ، فإنّه من لقي الله بودّنا دخل الجنة بشفاعتنا ، فوالذي نفس محمّد بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفتنا وولايتنا )(1) .

فهو إذن يعيش الولاء ملء إهابه ، ولا يفتر عن إعلانه ، فهو ذكره المفضل لديه ، عاش وناضل دونه ، وها هو اليوم مات عليه.

ـ اللّهمّ وإنّا عبيدك المذنبون نتقرّب إليك أيضاًً بما تقرّب به إليك ابن عباس حبر الأمة من ولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولتجعلنا من الفائزين بقربه والناجين بحبّه إنّك سميع الدعاء قريب مجيد.

فقد روى أحمد بن حنبل بسنده عن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : ( طلبني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فوجدني في حائط نائماً فضربني برجله قال : قم فوالله لأرضينّك أنت أخي ، وأبو ولدي ، تقاتل على سنتي ، من مات على عهدي فهو في كنز الله ، ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه ، ومن مات بحبّك بعد موتك ختم له بالأمن والإيمان ما طلعت شمسٌ أو غربت )(2) ـ.

اللّهمّ اختم لنا بالأمن والإيمان.

ماذا بعد موته؟

لقد ذكر المؤرخون عن الرواة الّذين حضروا مراسيم تجهيزه أموراً بعضها شرعية ، وبعضها ظاهرة غير طبيعية ، وجميعها يسترعي الأنتباه ، ويستوجب الوقوف عندها لبحثها ، بدءاً من دخول الطير في أكفانه ثمّ الصلاة عليه ، ومروراً بكيفية إجنانه ، وسماعهم تلاوة آية قرآنية تدل على

____________________

(1) أمالي المفيد / 75 ط الحيدرية سنة 1367.

(2) فضائل الصحابة ( الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام » ورقة 96 / أ.


عظم شأنه ، وتسطيح قبره في بنيانه ، والسحابة الّتي أمطرته بوابلها ، وأخيراً ضرب الفسطاط على قبره.

فنحن الآن وقد أشرفنا على توديعه في تاريخه ، فينبغي لنا أن نودّعه بوقفة تحقيق وتأمل في تلك المرويّات الّتي لم تخل من مناقبية ربّما تخيّلها البعض أنها وضعت أيام حكومة بني العباس تزلفاً إليهم ، لذلك قلت أنها أسترعت الإنتباه فاستوجبت البحث ، فنقول :

أوّلاً : دخول الطائر الأبيض في أكفانه :

رواه غير واحد ممّن حضر تجهيز ابن عباس وقالوا : « أنّ طائراً دخل في أكفانه ودفن معه »!؟ وهذا أمر عجيب وغريب ، إذ لم يحدث مثله فيما أعلم مع غيره. ولنقرأ بعض الروايات في ذلك :

1 ـ روى ابن سعد(1) والفسوي(2) وأحمد(3) وغيرهم عن بجير بن سالم أبي عبيد الطائفي : « أنّ ابن عباس مات بالطائف فلمّا أخرج بنعشه جاء طائرٌ أبيض عظيم من قبل وجّ ـ واد بالطائف ـ حتى خالط أكفانه لم يُدر أين ذهب ».

قال عفان ـ شيخ ابن سعد ـ فكانوا يرون أنّه عمله ـ علمه خ ل ـ.

2 ـ وروى ابن سعد والفسوي(4) وأحمد(5) ، واللفظ للأوّل بسنده عن عبد الله بن ياسين قال : « أخبرني أبي أنّه لمّا مرّ بجنازة ابن عباس بالجيزة ـ وهو وادٍ لهم ـ جاء طائر أبيض يقال له الغرنوق فدخل في النعش فلم يُر »(6) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى ( ترجمة ابن عباس ) / 207.

(2) المعرفة والتاريخ 1 / 39.

(3) فضائل الصحابة برقم 1949.

(4) المعرفة والتاريخ 1 / 539.

(5) فضائل الصحابة برقم 1902 و 1907.

(6) الطبقات الكبرى ( ترجمة ابن عباس ) / 206.


3 ـ وروى ابن سعد بسنده عن شعيب بن يسار قال : « لمّا مات ابن عباس ( رضي الله عنه ) وأدرج في كفنه دخل فيه طائر أبيض فما رؤي حتى الساعة »(1) .

4 ـ وروي أبو نعيم في الحلية بسنده عن ميمون بن مهران قال : « شهدت جنازة عبد الله بن عباس ( رضي الله عنه ) بالطائف ، فلمّا وُضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه ، فالتمس فلم يوجد »(2) . ورواه الذهبي مختصراً(3) .

5 ـ وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي الزبير ـ المكي ـ قال : « شهدت جنازة عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) بالطائف فرأيت طيراً أبيض جاء حتى دخل في أكفانه تحت الثوب فلم يزحزح بعدُ »(4) .

6 ـ غيلان بن عمر بن أبي سويد قال : « شهدت جنازة ابن عباس بالطائف فلمّا حملناه جاء طائر أبيض فدخل في أكفانه ولم نره خرج ». وقد رواه المحب الطبري في الذخائر عن معجم البغوي(5) .

7 ـ وروى الحاكم(6) والطبراني(7) والذهبي(8) بلفظه وسنده عن سعيد بن جبير قال : « مات ابن عباس بالطائف فجاء طائر لم يُر على خلقته فدخل نعشه ، ثمّ لم يُر خارجاً منه »(9) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى / 206.

(2) حلية الأولياء 1 / 329.

(3) سير أعلام النبلاء 4 / 456.

(4) المستدرك 3 / 543. هكذا في مطبوع مكتب المطبوعات الإسلامية بالأفست عن طبعة حيدر آباد ، وفي آخر الخبر تصحيف لم ينبّه عليه إذ الصواب ( فلم ير خرج بعد ) ، وقد رواه الذهبي في التلخيص وسكت عنه.

(5) ذخائر العقبى / 237.

(6) المستدرك 3 / 543.

(7) المعجم الكبير 10 / 236.

(8) سير أعلام النبلاء 4 / 456.

(9) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 285 ط القدسي نقلاً عن الطبراني فقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.


فهذه سبع روايات عن سبعة من التابعين كلّهم ادعوا المشاهدة لظاهرة غريبة لم يسبق لها مثيل ، وهؤلاء أربعة منهم ـ وهم الثلاثة الأوائل والسادس كانوا من أهل الطائف ، والثلاثة الآخرون كانوا من تلاميذ ابن عباس ، واحتمال تواطئهم على الكذب في ذلك مستبعد جداً ، لا لأنّهم جميعاً فوق مستوى الشُبهة ، بل لو كان ذلك عن تواطؤ لما اختلفت رواياتهم في وصف الطائر بعد اتفاقهم على أنّه طير أبيض ، فوصفه الأوّل بأنه عظيم ، وقال الثاني : يقال له الغرنوق ، وقال السادس لم يُر على خلقته ، وهذا التفاوت في النقل يوحي باطمئنان رؤيتهم على نحو الكشف ، وهو أمر ممكن الوقوع ، ولا استحالة عقلية فيه ، بل اتفاق من ذكرنا من المحدثين والمؤرخين على روايته من دون تعقيب بما يوحي بالريب والتشكيك ، يعني إخباتهم بصحته ، وأمّا تعقيب عفان ـ شيخ ابن سعد ـ على الرواية الأولى بقوله : فكانوا يرون أنّه علمه ـ عمله خ ل ـ فهو يؤيد الوقوع بناء على القول بتجسيد الأعمال كما هو الصحيح ، وقد ورد في أحاديث البرزخ والقيامة ما يدفع معرّة الإنكار.

وحسبنا في المقام دليلاً على تجسم العمل قبل القيامة حديث الرسول الكريم مع قيس بن عاصم النقري سيّد أهل الوبر وقد وفد مع بني تميم ، فقد طلب من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) موعظته ، فوعظه موعظة حسنة جاء فيها : ( وإنّه لا بدّ لك يا قيس من قرين يُدفن معك وهو حيّ وأنت ميّت ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ، ثمّ لا يحشر إلاّ معك ولا تحشر إلاّ معه ، ولا تسأل إلاّ عنه ، فلا تجعله إلاّ صالحاً ، فإنّه إن صلح أنستَ به ، وإن فسد لا تستوحش إلاّ منه وهو فعلك الخير )(1) .

____________________

(1) أنظر بحار الأنوار 3 / 257 ط الكمياني حجرية و 7 / 228 ط الإسلامية نقلاً عن الشيخ البهائي القائل بتجسم الأعمال.


فقال قيس بن عاصم : « أحب أن يكون هذا الكلام أبياتاً من الشعر نفتخر به على من يلينا وندّخرها ، فأمر من يأتيه بحسّان فقال الصلصال ـ ابن الدلهمس وكان حاضراً ـ : يا رسول الله قد حضرتني أبيات أحسبها توافق ما أراد قيس ، فقال : هاتها ، فقال :

تخيّر خليطاً من فعالك إنما

قرين الفتى في القبر ما كان يفعل

ولابدّ الموت من أن تعدّه

ليوم ينادى المرء فيه فيقبل

فإن كنت مشغولاً بشيء فلا تكن

اتكن بغير الذي يرضى به الله تُشغل

ولن يصحب الإنسان من قبل موته

ومن بعده إلاّ الّذي كان يعمل

ألا إنّما الإنسان ضيف لأهله

يقيم قليلاً بينهم ثم يرحل(1)

وقد روى الكليني في الكافي بسنده عن أبي عبد الله قال : « إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبرّ يطلّ عليه ويتنحى الصبر ناحية ، وإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته ، قال الصبر للصلاة والزكاة دونكما صاحبكما ، فإن عجزتم عنه فأنا دونه »(2) . وفي فتح الباري(3) عن أبي هريرة بنحو ذلك.

فمسألة تجسم الأعمال ثابتة بأدلتها ومن شاء الإستزادة فعليه بمراجعتها في مظانّها من كتب الفريقين(4) .

____________________

(1) أنظر الإصابة 2 / 186 ـ 187 ط مصطفى محمّد سنة 1358 هـ أمالي الصدوق / 2 ، والخصال 1 / 110 ، ومعاني الأخبار / 221 جميعها ط الحيدرية بتقديمي ، وبحار الأنوار 77 / 175 ط الإسلامية.

(2) الكافي ( الفروع ) 3 / 240 ط دار الكتب الإسلامية.

(3) فتح الباري 3 / 480 ط مصطفى محمّد.

(4) التذكرة للقرطبي / 107 ـ 108 ط دار المنار سنة 1418 ، ومنازل الآخرة للقمي والمرآة الناظرة للهمداني وإرشاد القلوب للديلمي وغيرها.


إذن لا مانع من تصديق أولئك الرواة الّذين رأوا دخول الطائر في أكفانه.

نعم يبقى التنبيه على أنّ الكشي كما في اختيار رجاله للطوسي روى بسنده عن أبي عبد الله ـ الصادق ـ ( عليه السلام ) : « انّ ابن عباس لمّا مات وأخرج ، خرج من كفنه طير أبيض يطير ، ينظرون إليه يطير نحو السماء حتى غاب عنهم »(1) . فمضمون هذا الخبر مروي أيضاً مرسلاً في ذخائر العقبى قال : « ويروى أنّ طائراً أبيض خرج من قبره فتأولوه علمه خرج إلى الناس »(2) .

وقال الصفدي في النكت : « وروي أنّ طائراً أبيض خرج من قبره ، فتأولوه علمه خرج إلى الناس ويقال : بل دخل قبره طائر أبيض ، فقيل إنّه بصره بالتأويل. وقيل جاء طائر أبيض فدخل نعشه حين حمل فما رؤي خارجاً منه »(3) ، وقال الذهبي بعد ذكره أخبار الرواة لقصة الطائر : « فهذه قصة متواترة »(4) .

ومهما يكن أمر التأويل فلا مانع من التصديق بأمر الطائر ، ما دام تجسّد العمل قد ثبت كتاباً وسنّة. قال سبحانه وتعالى :( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) (5) ، قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنّ العمل الصالح يذهب إلى الجنة فيمهد لصاحبه كما يبعث الرجل غلامه فيفرش له ، ثمّ قرأ الآية )(6) .

ولولا تجسد الأعمال يوم القيامة لما نُصبت الموازين يوم القيامة ، والله سبحانه تعالى يقول :( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (7) .

____________________

(1) اختيار معرفة الرجال 1 / 57 تح ـ المصطفوي.

(2) ذخائرالعقبى للمحب الطبري / 237 ط القدسي.

(3) نكت الهميان / 182 ط الجمالية بمصر سنة 1321 هـ.

(4) سير أعلام النبلاء 4 / 456 ط دار الفكر.

(5) الروم / 44.

(6) أمالي المفيد / 104 ط الحيدرية 171.

(7) الأنبياء / 47.


وفي الحلية لأبي نعيم عن وهب بن منبّه قال : « إنّما يوزن من الأعمال خواتيمها ، وإذا أراد الله بعبد خيراً ختم له بخير ، وإذا أراد الله به شراً ختم له بشر عمله »(1) .

وقال تعالى :( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) (2) .

وقد روي عن ابن عباس : « أنّ الله تعالى يقلب الأعراض أجساماً فيزنها يوم القيامة »(3) .

ثانياً : مسألة الصلاة عليه :

لقد جاء في ذخائر العقبى عن أبي حمزة : « لمّا مات ابن عباس وليه ابن الحنفية »(4) .

وهذا الّذي رآه أبو حمزة فرواه أمر طبيعي ، ينبغي أن يكون كذلك ولا سواه ، لأنّ العلاقة بين ابن عباس وابن الحنفية ، ليست وقفاً على النسب فحسب ، بل هما شريكان في الرأي والعمل والنضال والقتال منذ أيام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقد شاركا معاً في الحروب الثلاث الجمل وصفين والنهروان ، ومواقفهما فيها متشابهة ومتشابكة ، وتنامت تلك العلاقة قوّة وشدة في أيام الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، ثمّ امتدّت تتنامى قوتها أيام الحسين ( عليه السلام ) ، وبلغت ذروتها بعد شهادته حيث واجها عدواً مشتركاً يتربّص بهما الدوائر ، وقد استهدفهما بالأذى حتى أراد تحريقهما ومن معهما ، وذلك هو ابن الزبير وقد مرّ الحديث عنه.

____________________

(1) حلية الأولياء 4 / 33.

(2) المؤمنون / 102 ـ 103.

(3) التذكرة للقرطبي / 287.

(4) أنظر ذخائر العقبى / 237 ط القدسي.


فلا غرابة في الأمر لو تولى ابن الحنفية أمر ابن عباس وتجهيزه بعد موته ، ومَن هو أولى منه بذلك شرعاً سوى أبناء عبد الله بن عباس لأنّهم الأقرب نسباً ، لأن أولى الناس بالميت أولاهم بميراثه. ولا مانع من أن يكونوا هم الّذين فوّضوا الأمر إلى زعيم الهاشميين وقد حضر عندهم ، أو أنّ ابن عباس أوصى إليه بذلك.

وروى أبو حمزة(1) وعمران بن أبي عطاء(2) كلّ يقول : « شهدت ابن الحنفية صلّى على ابن عباس فكبّر عليه أربعاً ».

ولمّا كانت الصلاة على الجنائز هي خمس تكبيرات كما عليه اجماع الشيعة سلفاً وخلفاً تبعاً لإمامهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأبنائه الأئمّة الطاهرين ، وبه قال من الصحابة زيد بن أرقم(3) وحذيفة(4) ، وبه قالت الظاهرية(5) إلاّ أنّ أصحاب المذاهب الأخرى قالوا : إنّ التكبيرات أربع ، وذكروا أنّ عمر هو الّذي جمع

____________________

(1) طبقات ابن سعد ترجمة ابن عباس / 205 ، مستدرك الحاكم 3 / 544 ، المعرفة والتاريخ 1 / 518.

(2) المعجم الكبير للطبراني 10 / 234.

(3) صحيح مسلم 3 / 56 ط محمّد عليّ صبيح ، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 36 ، والاستذكار لابن عبد البر 3 / 31 ط دار الكتب العلمية.

(4) الانتصار للمرتضى / 59 ط الحيدرية ، والاستذكار 3 / 31.

(5) المحلى لابن حزم 4 / 125 ـ 126 ، وقال في / 127 بعد مناقشته لمن ادعى الإجماع على ان التكبير أربعاً قال أبو محمّد : أف لكل إجماع يخرج منه عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس والصحابة بالشام ( رضي الله عنهم ) ثمّ التابعون بالشام وابن سيرين وجابر بن يزيد وغيرهم بأسانيد في غاية الصحة ، ويُدعى الإجماع بخلاف هؤلاء بأسانيد واهية ، فمن أجهل ممّن هذا سبيله؟ فمن أخسر صفقة ممّن يدخل في عقله أن إجماعاً عرفه أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وخفي علمه على عليّ وابن مسعود وزيد بن أرقم وأنس بن مالك وابن عباس حتى خالفوا الإجماع؟ حاشا لله من هذا؟


الناس عليها(1) ، فلا يبعد ـ إن صحت الرواية ـ أن يكون ابن الحنفية صلّى تقية بأربع تكبيرات ظاهرة برفع الأيدي عند كلّ تكبيرة ثمّ كبّر خفية بخامسة للإنصراف ، فلم يشعر الراويان بذلك ، ويكون في ذلك قد اقتدى بأبيه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث صلّى على يزيد بن الكفيف فكبّر عليه أربعاً ـ وقالوا ـ وسلّم واحدة(2) ، فهذه الواحدة الّتي ظنها الرواة تسليمة هي التكبيرة الخامسة للإنصراف ، خصوصاً وأنّها خفية كما في حديث مجاهد عن ابن عباس انّه كان سلّم في الجنازة تسليمة خفية(3) .

وحكى ابن عبد البر في الاستذكار ذلك عن عليّ وابن عباس وأبي امامة ابن سهل بن حنيف وسعيد بن جبير(4) .

وفي المغني : « وكان أصحاب معاذ يكبرون خمساً على الجنائز »(5) .

ولمّا كانت صلاة الجنازة ليس فيها دعاء موقت وليس فيها تسليم(6) فتخيل الرواة التكبيرة الخامسة وهي خفيّة أنّها تسليم. على أنّ في أحاديث الفريقين أنّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) صلّى على حمزة سيّد الشهداء سبعين مرّة ، وصلّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على سهل بن حنيف خمس مرات بخمس وعشرين

____________________

(1) روى البيهقي في السنن الكبرى 4 / 37 بسنده عن أبي وائل قال : كانوا يكبّرون على عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سبعاً وخمساً وستاً أو قال أربعاً ، فجمع عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فأخبر كلّ رجل بما رأى فجمعهم عمر ( رضي الله عنه ) على أربع تكبيرات كأطول الصلاة.

(2) السنن الكبرى للبيهقي 4 / 43 ، وكنز العمال 20 / 215 ط حيدر آباد الثانية.

(3) السنن الكبرى 4 / 43.

(4) الاستذكار 3 / 51.

(5) المغني 2 / 514.

(6) الكافي ( الفروع ) 3 / 185 ط دار الكتب الإسلامية طهران.


تكبيرة(1) ، وفي خبر رواه البيهقي بسنده عن عبد خير عن عليّ ( رضي الله عنه ) : « أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستاً ، وعلى أصحاب محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خمساً ، وعلى سائر الناس أربعاً »(2) ، فليس من المعقول ولا المقبول أن لا يعلم ذلك محمّد بن الحنفية ، كما أنّه ليس من المعقول ولا المقبول أن يعلمه ثمّ هو لا يفعله ، فيكبّر على ابن عباس وهو من الصحابة ـ أربعاً ، ( وإنّ من يشابه أبه فما ظلم ) كيف وهو قد تبعه في فعل سنة مستحبة وهي :

ثالثاً : مسألة الدفن :

أ ـ روى الراويان السابقان أبو حمزة وعمران : أنّ ابن الحنفية أخذهُ وأدخله في قبره من قبل القبلة معترضاً.

أقول : وهذه سنّة شرعية يستحب فعلها ، فقد روي في ذلك فعل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مع يزيد بن المكفف ، قال ابن حزم في المحلى : « وقد صح عن عليّ أنّه أدخل يزيد بن المكفف من قبل القبلة ، وعن ابن الحنفية أنّه أدخل ابن عباس من قبل القبلة ، وروى ذلك عن إبراهيم مرسلاً ـ أنّه ( عليه السلام ) ـ يعني النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ أدخل من قبل القبلة »(3) .

وحكى ابن قدامة عن إبراهيم النخعي ، قال : « حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأوّل يدخلون موتاهم من قبل القبلة ، وأنّ السلّ شيء أحدثه أهل المدينة »(4) .

____________________

(1) نفس المصدر / 186.

(2) السنن الكبرى 4 / 37.

(3) المغني لابن قدامة 2 / 505 ط دار المنار بمصر.

(4) نفس المصدر 2 / 496 ـ 497.


ب ـ قال الواقدي : « فنزل في قبره وتولى دفنه عليّ بن عبد الله ومحمّد بن الحنفية ( والعباس بن محمّد بن عبد الله بن عباس ) وصفوان وكريب وعكرمة وأبو معبد مواليه ».

وفي هذا النص الّذي رواه لنا المقريزي في كتابه المقفى(1) وهمٌ من غلط النساخ لم يتنبه له محقق الكتاب محمّد اليعلاوي جعلته بين القوسين والصواب ( والعباس ومحمّد ابني عبد الله بن عباس ) وعلى هذا يكون الّذين تولوا دفنه وإجنانه ثمانية أشخاص أربعة من ذويه وهم محمّد بن الحنفية وثلاثة من أولاده وهو بحسب أسنانهم العباس وهو أكبرهم ومحمّد وعليّ وهو أصغرهم سناً وأكبرهم شأناً ، وأربعة من مواليه وهم : صفوان وكريب وعكرمة وأبو معبد.

ج ـ أخرج الحسن بن عرفة في جزئه(2) ، والخطيب في تاريخه(3) في ترجمة مروان بن شجاع ، وأحمد بن حنبل في فضائله(4) باسناد حسن ، والطبراني في المعجم(5) وعنه الهيثمي في المجمع(6) وقال رجاله رجال الصحيح ، والحاكم في المستدرك(7) ، والذهبي في التلخيص بهامشه ، كلّهم بأسانيدهم عن سعيد بن جبير ، وأخرجه أبو نعيم في الحلية باسناده عن ميمون بن مهران قال : « شهدت جنازة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه بالطائف ، فلمّا وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى دخل كفنه فالتمس فلم يوجد ، فلمّا سوّي عليه سمعنا صوتاً نسمع صوته ولا

____________________

(1) المقفى الكبير 4 / 22 ط دار الغرب الإسلامي بيروت.

(2) جزء ابن عرفة / 71.

(3) تاريخ بغداد ( ترجمة مروان بن شجاع ) 13 / 147.

(4) فضائل الصحابة / برقم 1879.

(5) المعجم الكبير 10 / 236 ط الثانية بالموصل.

(6) مجمع الزوائد 9 / 285.

(7) المستدرك 3 / 543.


نرى شخصه( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (1) »(2) ، وقد رواه الطبري في ذيل تاريخه والذهبي في سير أعلام النبلاء والمحب الطبري في ذخائر العقبى في ترجمة ابن عباس. فاتفاق المؤرخين على روايته يكاد يلحقه بالتواتر.

رابعاً : غيث السحابة قد بلّ ترابه :

أ ـ أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن مجاهد روى أبياتاً ليزيد بن عتبة بن أبي لهب في رثاء ابن عباس ويذكر السحابة الّتي سقت قبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال :

صبّت ثلاث سماء الله رحمتها

بالماء مرت على قبر ابن عباس

قد كان يخبرنا هذا ونعلمه

علم اليقين فمن واع ومن ناسي

انّ السماء يروي القبر رحمتَه

هذا لعمري أمرٌ في يد الناس

لو كان للقوم رأي يعصمون به

عند الخطوب رموكم بابن عباس

لله در أبيه أيّما رجل

هل مثله عند فصل الخطب في الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن

لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس(3)

أقول : لقد رواها الحاكم ولم يعقب عليها بشيء كما ان الذهبي لم يذكرها في تلخيصه ، ومن الغريب منهما ذلك مع ان فيها أكثر من ملاحظة ، أظهرها الخلط بين أبيات يزيد اللهبي وهي الثلاثة الأولى وبين أبيات لايمن بن خريم قالها في مسألة التحكيم وقد مرت ، فراجع.

____________________

(1) الفجر / 27 ـ 30.

(2) حلية الأولياء 1 / 329.

(3) المستدرك 3 / 544.


ومنها قوله صبت ثلاث والصواب ( ثلاثاً ) ومنها تذكير السماء الخ وهي مؤنثة قال الله سبحانه :( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) (1) .

ب ـ روى ابن سعد في طبقاته عن أبي سلمة الحضرمي قال : « رأيت ابن الحنفية قائماً على قبر ابن عباس يأمر به أن يسطّح »(2) .

أقول : وهذه سنة شرعية أخرى أمر بها ابن الحنفية تبع فيها رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) سطّح قبر ابنه إبراهيم ( عليه السلام ).

قال الشافعي : « تسطيحه أفضل وقال : بلغنا أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إذ سطّح قبر ابنه إبراهيم »(3) .

ومن الطريف أنّ أصحاب المذاهب الإسلامية السنّة والشيعة كادوا أن يجمعوا على أنّ التسطيح هو السنّة ، لكن أهل السنّة قالوا : لما صار شعار الرافضة كان الأولى مخالفتهم إلى التسنيم؟!(4) .

خامساً : تأبين :

أخرج ابن سعد في طبقاته بسنده عن أبي كلثوم قال : « رأيت ابن الحنفية يوم دفن ابن عباس قال : اليوم مات ربّاني هذه الأمة »(5) .

____________________

(1) الذاريات / 47.

(2) الطبقات الكبرى ( ترجمة ابن عباس ) / 206.

(3) المغني لابن قدامة 2 / 505 ط دار المنار بمصر.

(4) قال ابن أبي هريرة : ان الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم ، لأن التسطيح صار شعاراً للروافض ، فالأولى مخالفتهم وصيانة الميت وأهله عن الاتهام بالبدعة!!! ( فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي 5 / 55 ).

أقول : ويلزمهم على ذلك ترك سنن كثيرة والله المستعان على إغواء الشيطان.

(5) الطبقات الكبرى ( ترجمة ابن عباس ) / 210 تح ـ السُلمي ، ورواه أحمد في فضائل الصحابة مكرراً برقم / 1842 ، ورقم / 1855 ، ورقم / 1897 ، كما رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ


وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده عن مجاهد قال : « لقد مات ابن عباس وإنّه لحَبر هذه الأمة ، وما رأيت مثله قط. أو قال : ما سمعت إلاّ أن يقول رجل : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) »(1) .

وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده : « انّ جابر بن عبد الله حين بلغته وفاة ابن عباس صفق احدى يديه على الأخرى وقال : مات أعلم الناس وأحلم الناس ، ولقد أصيبت به الأمة مصيبة لا ترتق »(2) .

وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده عن رافع بن خديج قال : « ـ حين أخبر بوفاة ابن عباس ـ : مات والله من بين الشرق والغرب ومَن بينهما يحتاجون إلى علمه »(3) .

وقد روى ذلك كثير من المؤرخين ومنهم ابن كثير(4) .

ثمّ هو قد انفرد فيما أعلم بخبر ذكره الواقدي بسنده عن عكرمة قال سمعت معاوية يقول : مات والله أفقه من مات ومن عاش. وهذا كذبٌ صريح ولم أدر كيف أدرجه ابن كثير في كتابه فإنّ معاوية مات سنة 60 هـ وابن عباس مات 68 هـ ، فكيف سمع عكرمة معاوية يقول في ابن عباس : مات والله أفقه من مات ومن عاش؟

____________________

1 / 517 ، وأبو نعيم في الحلية 1 / 316 ، والخطيب في تاريخه 1 / 175 ، والبغوي في معجمه كما في ذخائر العقبى / 237 ، والصفدي في نكت الهميان / 180 ط الجمالية سنة 1329 ، والذهبي في سير أعلام النبلاء 4 / 455 ، والبلاذري في أنساب الأشراف في ترجمة ابن عباس برقم / 127 نسخة مخطوطة بقلمي وغيرهم وغيرهم.

(1) طبقات ابن سعد 6 / 347 ط الخانجي.

(2) طبقات ابن سعد 2 / 320 ط الخانجي ، أنساب الأشراف برقمي / 30 نسخة بقلمي ، والإرشاد لأبي يعلى القزويني 1 / 185 تح ـ محمّد سعيد عمر ادريس ط مكتبة الرشد ـ الرياض 1309 ، والاستيعاب والإصابة واسد الغابة في ترجمة ابن عباس.

(3) طبقات ابن سعد 2 / 321 ط الخانجي ، أنساب الأشراف برقم / 131 نسخة مخطوطة بقلمي.

(4) البداية والنهاية 8 / 300 ـ 301.


وأحسب تحريفا في ذلك والصحيح ما ذكره ابن سعد في الطبقات بسنده عن عكرمة قال : « سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول : مولاك والله أفقه من مات ومن عاش. وليس يعني ذلك قاله بعد موته »(1) .

سادساً : ضرب ابن الحنفية فسطاط على قبره :

لقد ذكر غير واحد من المحدثين والمؤرخين(2) أنّ محمّد بن الحنفية أمر بضرب فسطاط على قبر ابن عباس ثلاثة أيام. وهو لم يكن بدعاً في ذلك ، فقد صنعه من قبل عمر بن الخطاب فقد مرّ على حفّارين يحفرون قبر زينب في يوم صائف فقال : لو اني ضربت عليهم فسطاطاً ، وكان أوّل فسطاط ضرب على قبر بالبقيع ، وقد صار ذلك سنّة لمن بعده ، فعمله عثمان مع عمه الحكم وكان رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قد لعنه وطرده إلى الطائف فأعاده عثمان أيام خلافته ، ولما مات صلّى عليه وضرب على قبره فسطاطاً(3) .

وصنعته عائشة مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ، فإنّها قدمت ذي طوى حين رفعوا أيديهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأمرت بفسطاط فضرب على قبره ، ووكّلت به إنساناً وارتحلت(4) . وقد ذكره البخاري في صحيحه في الجنائز؟(5) وأربك ذلك شراح صحيحه في تلمس المناسبة بينه وبين الباب.

____________________

(1) الطبقات الكبرى 2 / 319 تح ـ د. عليّ محمّد عمر ط 1 الخانجي بمصر.

(2) راجع طبقات ابن سعد ومصنف عبد الرزاق والمعجم الكبير للطبراني والاستيعاب وأنساب الأشراف وذخائر العقبى في ترجمة ابن عباس. وقارن الإرشاد لأبي يعلى القزويني 1 / 185 تح ـ محمّد سعيد عمر ادريس ط الرياض وغيرها.

(3) الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد للكلاباذي 2 / 715 ط دار المعرفة في ترجمة مروان.

(4) فتح الباري 3 / 466 ط مصطفى محمّد.

(5) صحيح البخاري كتاب الجنائز باب / 81 باب الجريد.


كما صنعته فاطمة بنت الحسين ( عليه السلام ) مع زوجها الحسن بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالب فقد ضربت على قبره فسطاطاً سنة كاملة(1) . وهذا ذكره البخاري أيضاً في صحيحه في الجنائز(2) ، وتلمّس له ابن حجر في فتح الباري المناسبة بينه وبين عنوان الباب(3) .

ومهما يكن فقد كان ضرب الفسطاط على القبر معروفاً ومألوفاً ، ولم ينقل انكاره الا عن ابن عمر أنكر ضربه على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر وقال للغلام انزعه فإنما يظله عمله ، ولعل انكاره ذلك لحاجة في نفسه لم يبدها لهم ، وإلا لماذا لم ينكر ذلك يوم ضرب عثمان فسطاطاً على قبر الحكم الطريد اللعين؟ وقد نهى أبو سعيد الخدري أن يضربوا على قبره فسطاطاً(4) .

كما روى أحمد في المسند(5) والبيهقي في سننه(6) : « انّ أبا هريرة قال حين حضرته الوفاة : لا تضربوا على قبري فسطاطاً ».

وهذا يدل أيضاً على أنّ ضرب الفسطاط من السنن العرفية ، فما رواه ابن حجر في اعتذاره عن ايراد البخاري لخبر الفسطاط الّذي ضربته فاطمة بنت الحسين تلو عنوان ( باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ) غير وجيه ، فقد

____________________

(1) مستدرك الحاكم 3 / 651 ط دار الكتب العلمية تح ـ مصطفى عبد القادر والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 4.

(2) صحيح البخاري كتاب الجنائز باب / 61 ( ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ).

(3) فتح الباري 3 / 443 ، وذكره ابن حجر أيضاً في كتابه تعليق التعليق 2 / 482 ط الأردن عمان سنة 1405 وابن أبي الدنيا في كتاب الهواتف 2 / 92 تح ـ مصطفى عبد القادر عطا مؤسسة الكتب الثقافية بيروت سنة 1413 هـ.

(4) المستدرك للحاكم 3 / 651 ط دار الكتب العلمية تح ـ مصطفى عبد القادر والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 4.

(5) مسند أحمد 15 / 39 تح ـ محمّد شاكر.

(6) السنن الكبرى 4 / 21.


قال : « ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أنّ المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر ، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة »(1) . ومهما يكن تعليله العليل ، فلا شك في أنّ الميت ينتفع بوجود من يبقى عند قبره لما يتلوه من قرآن ودعاء وحتى الصلاة ، كما يستدعي توافد الناس على المصاب للتعازي والسلوان. وفي ذلك إعزاز للميت وتخفيف من ألم فقده على أهله.

سابعاً : أخطاء يجب التنبيه عليها :

لئن ظلم ابن عباس في حياته بتجاهل قدره من قبل أعدائه الأمويين والزبيريين ، فقد لاحقه الظلم بعد وفاته من قبل الرواة والمؤرخين ، فقد نحمّل تبعات ما أسميناه بالظلم الرواة أكثر ممّا نحمّله على المؤرخين ، خاصة أولئك الرواة الّذين أدركوا ابن عباس فشاهدوه ، ثمّ هم رووا لنا تاريخ حياته. فقد ذكروه وأطروه علماً وفهماً وسيرة وسلوكاً ، ثمّ هم سكتوا عمداً أو غير عمد عمّا له مزيد أثر في ضبط تاريخه ، فجرى المؤرخون على نحو ما رواه الراوون. ومن ذلك على سبيل المثال الاختلاف في سنة ولادته كما مرت الإشارة إليه في الجزء الأوّل ، والآن وجدنا الاختلاف في سنة وفاته يتبع بعضه ما تقدم وبعضه الآخر حدث جديداً. ومن ذلك أيضاً الأختلاف في مكان وفاته. وكأنّ الاختلاف في ضبط ولادة ووفيات الأعلام سنة جارية ، فمن راجع تاريخ الرسول الكريم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يجد ذلك في ولادته وهجرته ووفاته. وكذلك في تواريخ الإمام أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنين ( عليهم السلام ) ، وحتى في أبي بكر وعمر وعثمان نجد نحو ذلك الاختلاف. فلا بدع لو أخذ تاريخ ابن عباس نصيبه من ذلك الاختلاف.

____________________

(1) فتح الباري3 / 443.


والآن إلى نماذج من تلك الأخطاء نتيجة ذلك الإختلاف :

أوّلاً ـ في سنة الوفاة.

لقد ذكر ابن سعد في طبقاته في ترجمته وأحمد بن حنبل والواقدي والطبري في تاريخه والحاكم في المستدرك وابن عساكر وابن كثير وغيرهم : أنّ وفاته كانت سنة 68 ، وهذا هو المشهور عند الحفاظ كما يقول ابن كثير.

غير أنّ ثمة أقوال شاذة وغريبة ذكرها مترجموه منها ، وقيل : سنة ثلاث وسبعين ، وقيل : سنة سبع وستين ، وقيل : تسع وستين ، وقيل : سنة سبعين. وأغرب منها جميعاً ما رواه الحاكم بسنده عن شعبة مولى ابن عباس قال : « وتوفي ابن عباس سنة ثمان وسبعين وهو ابن احدى وثمانين سنة »(1) .

قال ابن كثير في تاريخه : « والأوّل أصح ، وهذه الأقوال كلّها شاذة وغريبة ومردودة والله سبحانه وتعالى أعلم »(2) .

وليت الرواة الّذين ذكروا ذلك ذكروا لنا اليوم والشهر ممّا لم ترد عنهما أي إشارة في كتاب ، بالرغم من كثرة فحصي الكثير عن ذلك. نعم يمكن أن نستفيد من آخر نص قد أورده الذهبي في ترجمة محمّد بن الحنفية في كتابه سير أعلام النبلاء نقلاً عن الواقدي جاء فيه : « ...ثمّ خرجوا إلى الطائف ، وبها توفي ابن عباس وصلّى عليه محمّد ، فبقينا معه فلمّا كان الحج وافى محمّد بأصحابه فوقف ، ووقف نجدة بن عامر الحنفي في الخوارج ناحية ، وحجت بنو أمية على لواء »(3) . فمن هذا النص عرفنا أنّ موت ابن عباس كان قبل أيام الحج من سنة68 هـ.

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3 / 544.

(2) تاريخ ابن كثير 8 / 308.

(3) سير أعلام النبلاء 5 / 144.


ثانياً ـ في مكان الوفاة :

ما كنت أحسب أن يشذ أحد في تعيين مكان الوفاة ، لشهرة موته بالطائف ودفنه بوادي وجّ بالطائف وشاهد قبره قائم إلى سنة 1217 هـ حيث هدمه الوهابيون ، غير أنّ أبا بكر بن أبي عاصم ذكر أنّ ابن عباس مات بمكة ، حكاه عنه غير واحد ، قال المحب الطبري في الذخائر : « خرّجه ابن الضحاك »(1) ، وأغرب منه ابن الطقطقي أورد اسم عبيد الله بدل عبد الله!!(2) . وكيفما كان الصحيح في الإسم ، فإنّ ذلك من غرائب الأوهام أن يقول ابن الطقطقي : فإنّ عبد الله ـ عبيد الله ـ تولى إمارة سمرقند وبها مات وفيها قبره؟!

وقد وقع في نفس الخطأ عبد الرزاق الحصّان(3) .

ثامناً : قبره مزار شريف :

لقد بنى خلفاء بني العباس على قبره مسجداً كبيراً رآه الرحالة ناصر خسرو وقد ذكره في رحلته وقال : « وبجوارها ـ الطائف ـ قبر عبد الله بن العباس ، وبني خلفاء بغداد هناك مسجداً كبيراً يقع القبر في زاويته على يمين المحراب والمنبر ، وبنى الناس هناك بيوتاً كثيرة »(4) .

قال تقي الدين الحسني الفاسي المكي المتوفى سنة 832 هـ في العقد الثمين في أواخر ترجمة ابن عباس بعد ذكر ما مرّ من صلاة وتأبين محمّد بن الحنفية ودخول الطائر الأبيض في أكفانه وسماع المشيّعين صوت قارئ لا يرون

____________________

(1) ذخائر العقبى / 237.

(2) الفخري / 53 ط مصر الأولى وفي / 73 ط صادر.

(3) كتاب الحسبة / 34 ط التفيض الأهلية ببغداد.

(4) رحلة ناصر خسرو / 88 سفرنامة ناصر خسرو.


شخصه يقرأ الآية المباركة( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) (1) الآية ، قال : « وقبره مشهور بالطائف في مسجد كبير بُني في زمن الناصر لدين الله العباسي ثمّ قال : وأخبرني غير واحد أنّه يشم من قبره رائحة المسك »(2) .

أقول : وإذ علمنا أنّ التقي الفاسي هو حسني النسب وكان من أهل القرن التاسع ، فلا يتهم بمالاة العباسيين لأنّهم قد انقرضوا قبل عصره بقرنين من الزمان تقريباً ، وحسنيته النسبية تبعده عن التهمة بالممالاة ، لما هو معروف من عداء بين الحسنيين والعباسيين ، وأوّل ثورة كانت على العباسيين هي ثورة بني الحسن بقيادة محمّد النفس الزكية وأخيه إبراهيم احمر العينين في أيام المنصور الدوانيقي.

فما رواه لنا الفاسي الحسني أنّه أخبره غير واحد أنّه يشم من قبره ـ ابن عباس ـ رائحة المسك لا استبعاد فيه.

وذكر الفاسي أيضاً في كتابه شفاء الغرام : « ومنها ـ الآثار النبوية بالطائف مسجد ينسب للنبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم في مؤخر المسجد الّذي فيه قبر السيّد عبد الله بن العباس رضي الله عنهما ، لأنّ في جداره القبلي من خارجه حجراً مكتوباً فيه : أمرت السيدة أم جعفر بنت أبي الفضل أم ولاة عهد المسلمين أطال الله بقاءها بعمارة مسجد رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم بالطائف ، وفيه أنّ ذلك سنة اثنتين وتسعين ومائة. والمسجد الّذي فيه قبر ابن عباس رضي الله عنهما أظن أنّ المستعين العباسي عمّره مع ضريح ابن عباس رضي الله عنهما بسبب عمارته لها »(3) .

____________________

(1) الفجر / 27.

(2) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين 5 / 192 تح ـ فؤاد سيّد ط القاهرة سنة 1385 هـ.

(3) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 1 / 89 ـ 90 ط دار إحياء الكتب العربية.


وذكر السمهودي في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى في حديثه عن مسجد النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم بالطائف فقال : « قال المطري : وهو جامع كبير فيه منبر عالٍ عمل في أيام الناصر أحمد بن المستضيء. وفي ركنه الأيمن القبلي قبر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في قبّة عالية

قلت ـ والقائل هو السمهودي ـ قال التقي الفاسي : إنّ المسجد الّذي ينسب للنبيّ صلّى الله عليه و ( آله ) وسلّم هناك في مؤخر المسجد الّذي فيه قبر عبد الله ابن عباس ، لأن في جداره القبلي من خارجه حجراً فيه : أمرت أم جعفر »(1) .

ومهما يكن فقد بقي قبره مشيداً معموراً مقصوداً بالزيارة ، فقد زاره هياج الفقيه(2) مفتي مكة في القرن الخامس الهجري ، وأرخ زيارته ابن الجوزي في المنتظم وابن القيسراني في الأنساب المتفقة(3) .

وبقي مزاراً يتبرّك به ويتوسل إلى الله تعالى بصاحبه في قضاء الحوائج ، حتى أنّ الشيخ يوسف بن عبد الكريم الأنصاري المدني الحنفي المتوفى سنة 1177 هـ والمترجم في سلك الدرر ، زاره وتوسّل به فاستجيبت دعوته وقضيت حاجته فقال ممتدحاً له :

____________________

(1) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى 2 / 185 ط مصر سنة 1327 هـ.

(2) قال ابن القيسراني في الأنساب المتفقة / 43 ـ 44 الفقيه الزاهد أبو محمّد هيّاج بن عبيد الحطيني المقيم بالحرم سمع من أبي الفرج النحوي ببيت المقدس وجماعة من مشايخ الشام ومصر والعراق ، وانتخب له أبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي. وكان هياج أوحد عصره في الزهد والورع ، كان يصوم ويفطر بعد ثلاث ، ويعتمر كلّ يوم ثلاث عُمَر ، ويدرّس عدة من الدروس ، ولم يكن يدّخر شيئاً ولا يملك غير ثوب واحد ، وكان قد نيّف على الثمانين ، يزور رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في كلّ سنة ماشياً حافياً ، ويزور كذلك عبد الله بن عباس بالطائف ، وكان يأكل بمكة أكلة ، وبالطائف أخرى ، استشهد بمكة في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة ، فحمله أميرها محمّد بن أبي هاشم. وضربه ضرباً شديداً على كبر السنّ ، ثمّ حُمل إلى منزله بمكة فمات وذلك سنة 472.

(3) الأنساب المتفقة / 44.


بالحبر لذ وببابه المعروف

بالجبر والإحسان والمعروف

تلقاك منه كرامة فورية

عجلاء مذهبة لكلّ مخوف

فلطالما والله أنقذ لائذاً

فيما مضى بجنابه الموصوف

رحب الفناء أبي عليّ ذي التقى

حامي الذمار وملجأ الملهوف

يحمي ويمنع جاره ونزيله

بين الورى من حادث وصروف

مذ كان أيام الحياة وهكذا

بعد الممات بحاله المألوف

يا ربّ بلّغنا المرام بجاهه

وأبيه عمّ نبيّك الغطريف

فلقد مددنا للنوال أكفّنا

يا من نوالك ليس بالمكفوف

أمنن علينا بالسماح وبالرضا

عنا فإن القلب في تخويف

ثمّ الصلاة على الموافي رحمة

للعالمين وخصّ بالتشريف

والآل والأصحاب أقمار الدجى

مَن بالصلاة نخصّهم بألوف

ما أنشد الوجِل المجرّب قائلاً

بالحبر لذ وببابه المعروف(1)

وزاره العلاّمة السيّد عليخان المدني الشيرازي المتوفى سنة 1120 مراراً فقد قال في أواخر ترجمته لابن عباس في كتابه الدرجات الرفيعة قال المؤلف عفي عنه : « زرت قبر عبد الله بن العباس مراراً بالطائف ، وهو معظم بتلك الديار ، وعليه قبة عظيمة يقصده الناس للزيارة من الأطراف ، وينذرون له النذور ، ويعتقدون فيه اعتقاداً عظيماً ، وهو أهل لذلك رحمه الله تعالى »(2) .

____________________

(1) سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي 4 / 248 ط أفست مكتبة المثنى ببغداد.

(2) الدرجات الرفيعة / 141.


ورأيت بهامش نسخة مخطوطة من كتابه الدرجات الرفيعة بمكتبة الإمام كاشف الغطاء برقم 46 تراجم ، أنّه أقام عشرة أيام في زيارته وذلك سنة 1304 هـ ( كذا في النسخة والصواب 1104 هـ )(1) .

أقول : ولا ينقضي أسفي أني تشرفت في حج البيت الحرام للمرة الثانية سنة 1398 هـ عن طريق الطائف ومكثت فيها سويعات ولم أتشرف بزيارته ، وحاولت بعدها مراراً فلم يتيسر لي ذلك ، عسى الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لزيارته والاستشفاع إليه به إنّه على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير. ومن المؤسف حقاً أنّ الوهابيين هدموا قبته لمّا أغاروا على الحجاز سنة 1217 هـ قال الجبرتي : « وهدم المضايفي قبة ابن عباس بالطائف الغريبة الشكل والوصف »(2) .

وإلى هنا فلنختم الفصل الثالث من تاريخ حياته في أيام حكومة ابن الزبير والأمويين.

وهو هنا قد فارق الحياة بأحسن خاتمة يغبط عليها ، ولم ينقل التاريخ مثلها عن غيره ، وهي تقربه إلى الله ( عزّ وجلّ ) بولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فمات ولسانه رطب بذكرها ، وهي آخر ما سُمع منه رضوان الله تعالى عليه ، لما كان يعلمه من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في أمرها ، وأنها شرط قبول الأعمال ، وقد أثبتها النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لعليّ ، وإنّ المرء المسلم مسؤول عنها يوم القيامة(3) ، وقد روى الحاكم

____________________

(1) كتبت النسخة سنة 1326 هـ في رمضان في كربلاء في محلة العباسية.

(2) كشف الأرتياب للسيد الأمين « قدّس سرّه » / 18 وجاء في / 59 منه : لمّا دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس كما فعلوه في المرة الأولى.

(3) أنظر مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي 1 / 41 ، و فرائد السمطين للحمويني الشافعي 1 / 79.


الحسكاني(1) والحمويني(2) عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في قوله ( عزّ وجلّ ) :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) (3) قال : ( عن ولاية عليّ بن أبي طالب ).

وحكى الحمويني عن الواحدي قوله : « والمعنى أنّهم يُسألون هل والوه حقّ الموالاة كما أوصاهم به رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ). وتلك وصية رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى أمته كما روى عمّار بن ياسر قال قال رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم : أوصي من آمن بي وصدقني بولاية عليّ بن أبي طالب ، من تولاّه فقد تولاّني ، ومن تولاّني فقد تولّى الله ( عزّ وجلّ ) ، ومن أحبّه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله تعالى ، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله ( عزّ وجلّ ) »(4) .

وقال أنس بن مالك : « والله الّذي لا إله إلاّ هو لسمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( عنوان صحيفة المؤمن حب عليّ بن أبي طالب ) »(5) .

فهنيئاً لك أبا العباس على حسن تلك الخاتمة الّتي تميّزت بها عن سائر شيعة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقد حفظت وصية النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في ابن عمه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتوليته حتى الممات.

____________________

(1) شواهد التنزيل 2 / 106.

(2) فرائد السمطين 1 / 79.

(3) الصافات / 24.

(4) رواه الطبراني وعنه في مجمع الزوائد 9 / 108 ـ 109 وقال الهيثمي : رواه الطبراني باسنادين احسب فيهما جماعة ضعفاء وقد وثقوا كما رواه الحمويني في فرائد السمطين 1 / 55.

(5) تاريخ بغداد 4 / 410 ، والجامع الصغير للسيوطي 2 / 182 ط دار الفكر ، كنز العمال 11 / 601 ط مؤسسة الرسالة ، فيض القدير للشوكاني 4 / 481 ط دار الكتب العلمية ، ينابيع المودة 1 / 272 و 376 ط دار الاسوة ببيروت و 2 / 78 و 97 و 230 و 401 ، ومناقب ابن المغازلي / 243 ط المكتبة الإسلامية ، وتاريخ ابن عساكر كما في منتخبه 1 / 454 ، ولسان الميزان 4 / 471 ، وذيل اللئاليء للسيوطي / 63.


وهنيئاً لك أبا العباس على الكرامة الّتي رآها الناس ، فتحدثوا بها عن الطائر وجثمانك الطاهر.

وهنيئاً لك على ما سمعه المشيّعون من تلاوة هاتف لا يرون شخصه يتلو الآية الكريمة( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (1) .

ولئن كانت السحابة تهمي فوق قبرك ثلاثة أيام ـ كما مرّ ـ من محض الصدفة ـ كما ربما يقال ـ فليس الطائر وتلاوة الآية كذلك.

فسلام عليك يوم ولدت ويوم قبضت ويوم تبعث حياً

____________________

(1) الفجر / 27 ـ 30.



الفصل الرابع

في بقية تاريخ حياته بامتداد أبنائه وبناته وأسماء زوجاته



لقد ذكر المؤرخون والنسابون لابن عباس ذراري ذكوراً واناثاً أنهاهم بعضهم إلى عشرة ، سبعة منهم ذكور والباقي إناث.

وهم على النحو التالي :

الأبناء الذكور :

1 ـ العباس وهو أكبر ولده ، وبه كان يكنى ، وأحسب انّه سمّاه باسم أبيه إحياء لذكره ، وكان يلقب بالأعنق. وأمه وأم إخوته محمّد والفضل وعبيد الله وعليّ زرعة بنت مشرح الكندية. ولم يعرف عنه شيء من العلم وإن ذكره ابن سعد في الطبقات فقال : « وقد روي عن العباس بن عبد الله بن عباس ، بل وحتى تاريخ حياته ليس فيه ما يذكر ، نعم ورد انّه اشترك في تجهيز أبيه ونزل مع أخويه مع محمّد بن الحنفية في قبره ، وورد أيضاً أنّه لمّا توفي أبوه لحق بمصعب بن الزبير ، ولا شك أنّ هذا على خلاف سيرة أبيه ، اللّهمّ إلاّ أن تكون الظروف القاهرة وراء ذلك ، وقد ذكر ابن سعد وغيره أنّه لمّا توفي أبوه لحق بمصعب بن الزبير بالعراق ، ولما انتهى أخوه عليّ إلى عبد الملك ـ حسب وصية أبيه إليه في ذلك ـ فسأله عن أخيه العباس فقال : أتى العراق لحاجة له. فقال : لا بل اختار مصعباً ، أمّا إنّي إن ظفرت به عرفت حقه ، ووصلت قرابته ، ولم اعتد عليه بذلك »(1) ، وقال ابن الكلبي في جمهرة النسب : « لا عقب له »(2) . وقال ابن سعد : « وقد انقرض ولد العباس فلم يبق منهم أحد ».

____________________

(1) الطبقات الكبرى 5 / 111 تح ـ السلمي ، وأخبار الدولة العباسية / 131 ونسب قريش لمصعب الزبيري / 28 و 31.

(2) جمهرة النسب / 138 تح ـ عبد الستار أحمد فرّاج ط الكويت.


2 ـ محمّد بن عبد الله أمه زرعة بنت مشرح الكندية ذكره ابن سعد في الطبقات في ترجمة أبيه كما ذكره ابن الكلبي في جمهرته(1) ، وأحسب أنّه سمّاه تيمناً باسم النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وإحياء لذكره لأنّه ولد بعد وفاته ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، قال النيسابوري : « ولا بقية له وقد توفي سنة 124 »(2) .

3 ـ الفضل بن عبد الله أمه أم أخوته زرعة بنت مشرح ، ذكره ابن سعد في الطبقات في ترجمة أبيه ، وابن الكلبي في جمهرته(3) ، وابن حزم في جمهرته(4) وغيرهم وهذا لا بقية له.

4 ـ عبيد الله بن عبد الله ذكره ابن الكلبي في جمهرته(5) ، والبُرّي في كتابه الجوهرة(6) ، ولا عقب له ، وأمه أم أخوته زرعة بنت مشرح الكندية ، وقد تزوج بابنة عمه أم محمّد بنت عبيد الله بن العباس(7) .

5 ـ عبد الرحمن بن عبد الله ذكره في تاريخ الخلفاء(8) ، وابن حزم في الجمهرة(9) ، ولا بقية له ، وذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار عنه قال : « رأيت ابن عباس في وليمة فأكل وألقى للخبّاز ودرهماً »(10) .

____________________

(1) نفس المصدر / 149.

(2) أنظر المحبر / 30 ط حيدر آباد.

(3) جمهرة النسب / 140.

(4) جمهرة أنساب العرب / 19.

(5) جمهرة النسب / 139.

(6) الجوهرة 2 / 22 نشر دار الرفاعي.

(7) أنظر المحبر لمحمّد بن حبيب الهاشمي ط حيدرآباد.

(8) تاريخ الخلفاء ط موسكو سنة 1967 في ورقة / 241 ب.

(9) جمهرة أنساب العرب / 19.

(10) عيون الأخبار 3 / 234.


6 ـ عليّ بن عبد الله وهو أصغر أخوته سناً وأكبرهم شأناً وأمه أم أخوته زرعة بنت مشرح الكندية ، وقد مرّ بنا خبر ولادته في الكوفة وأن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أتى أباه عبد الله بن عباس فهنّأه به ، وهو الّذي سمّاه عليّاً وكناه أبا الحسن حين أخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة لاكها وقال لأبيه خذ إليك أبا الأملاك ، كما مرّ خبر معاوية مع أبيه لا أجمع لك بين الاسم والكنية قد كنيته أبا محمّد فجرت عليه(1) ويبدو أنّ الكنية عادت كما كانت بعد موت معاوية ، لكن في أيام عبد الملك بن مروان جرى التغيير مرة ثانية أيضاً.

فقد ذكر ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة ذلك فقال : « ولد ليلة قتل عليّ في شهر رمضان سنة 40 فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن فقال له عبد الملك بن مروان : لا والله لا أحتمل لك الأسم والكنية جميعاً فغيّر أحدهما فغيّر كنيته فصيّرها أبا محمّد »(2) .

وقال ابن سعد أيضاً : « وكان اصغر ولد أبيه سناً ، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه ، واكثره صلاة ، وكان يقال له السجاد لعبادته وفضله ، وقال : وكان ثقة قليل الحديث »(3) .

وحكى عن الواقدي أنّه توفي سنة 118 هـ ، وقال أبو معشر وغيره توفي بالشام سنة 117 هـ ، وقال أبو حسان الزيادي توفي بالبلقاء من أرض الشام في الحميمة سنة 119 هـ.

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : « وقد حكى ابن حبان الأقوال في وفاته وجزم بما عليه الأكثر إنها سنة 118 هـ ، وكان أبوه يأمره وغلامه عكرمة بالذهاب

____________________

(1) الكامل للمبرّد 2 / 217.

(2) الطبقات الكبرى 5 / 229.

(3) نفس المصدر / 230.


إلى أبي سعيد ـ الخدري ـ لسماع الحديث منه ، فأتياه وكان في حائط له فلمّا رآهما جاء وأخذ رداءه ثمّ قعد فأنشأ يحدثهما حتى أتى على ذكر بناء المسجد النبوي الشريف »(1) .

وقال الزمخشري في ربيع الأبرار : « دخل أبو الأملاك ( رضي الله عنه ) على أبي الذبّان(2) في يوم قر وهو على فراش كاد يُغيب فيها ، فقال : يا بن عباس إنّي لأحسب اليوم أصبح بارداً؟ قال : أجل وان ابن هند عاش في مثل ما ترى أربعين سنة عشرين أميراً وعشرين خليفة ، ثمّ هو ذاك على قبره ثمامة نابتة »(3) .

وقد ذكر ابن سعد في ترجمة معاوية من طبقاته هذه القصة بتفاوت ولفظه : « دخل عليّ بن عبد الله بن عباس على عبد الملك ابن مروان في يوم بارد وبين يديه وقود قد ألقي عليه عود وقد دُخّن.

فقال عبد الملك : ها هنا إليّ يا أبا محمّد فأجلسه معه ، فقال عليّ : أحمد الله يا أمير المؤمنين فيما أنت فيه من الإدفاء والناس فيما هم فيه من شدّة البرد ، فقال : يا أبا محمّد أبعد ابن هند بالشام أربعين سنة أميراً وخليفة ، أمس تهتز على قبره ينبوتة؟! ثمّ دعا بالغداء فتغديا جميعاً »(4) .

____________________

(1) تهذيب التهذيب 7 / 358.

(2) كنية عبد الملك بن مروان لانه كان أبخر فيجتمع الذباب على فمه قال في تاج العروس ( ذبب ) وأبخر من أبي الذباب وكذا أبو الذبان وهما الأبخر وقد غلبا على عبد الملك بن مروان لفساد كان في فمه قال الشاعر :

لعلي ان مالت بي الريح ميلة

على ابن أبي الذبان ان يتندما

يعني هشام بن عبد الملك أ هـ.

وذكر الزمخشري في الفائق 4 / 120 بيتاً لعمرو بن سعيد في عبد الملك حين نافره :

أغر أبا الذبان هيشـة معشـر

فدلوه في جمر من النار جاحم

(3) ربيع الأبرار 1 / 570.

(4) الطبقات الكبرى 6 / 34 ط الخانجي بمصر.


وقال المبرّد في الكامل : « بعد أن ذكر ولادته وتهنئة الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) أباه به وتسميته وكنيته وتغيير معاوية لها قال : وكان عليّ سيّداً شريفاً بليغاً ، وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي في كلّ يوم إلى كلّ أصل ركعتين فكان يدعى ذا الثفنات ».

ثمّ قال : « وضرب بالسوط مرتين ، كلتاهما ضربه الوليد ، احداهما في تزوجه لبابة(1) بنت عبد الله بن جعفر وكانت عند عبد الملك فعضّ تفاحة ثمّ رمى بها إليها ـ وكان أبخر ـ فدعت بسكين فقال : ما تصنعين به؟ قالت : أميط عنها الأذى ، فطلقها فتزوجها عليّ بن عبد الله فضربه الوليد ، وقال : إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منها ، لأن مروان بن الحكم تزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه.

فقال عليّ بن عبد الله : إنّما أرادت الخروج من هذه البلدة ، وانا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها مخرجاً ( محرماً ظ ) »(2) .

وأمّا ضربه إياه في المرة الثانية فإنّا نرويه من غير وجه ، ومن أتمّ ذلك ما حدّثنيه أبو عبد الله محمّد بن شجاع البلخي في اسناد له متصل لستُ أحفظه يقول في آخر ذلك الإسناد : « رأيت عليّاً مضروباً بالسوط يُدار به على بعير ، ووجهه ممّا يلي ذنب البعير وصائح يصيح عليه : هذا عليّ بن عبد الله الكذاب. قال فأتيته فقلت : ما هذا الّذي نسبوك فيه إلى الكذب؟ قال : بلغهم قولي : ان هذا

____________________

(1) سماها ابن قتيبة في المعارف / 207 ( أم أبيها ) وذكر انها كانت عند عبد الملك بن مروان فطلقها ثمّ تزوجها عليّ بن عبد الله بن عباس فهلكت عنده ، وكان سبب طلاقها انّه عض تفاحة ثمّ رمى بها إليها ـ وكان بعبد الملك بخر ـ فدعت بمدية فقال : ما تصنعين؟ قالت : أميط عنها الأذى ففارقها.

(2) الكامل 2 / 217.


الأمر سيكون في ولدي ، والله ليكوننّ فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون ، العراض الوجوه ، الّذين كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة »(1) .

وقال المبرّد أيضاً : « إنّ عليّ بن عبد الله دخل على سليمان بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه أبو العباس وأبو جعفر ـ قال أبو العباس ـ يعني المبرد ـ وهذا غلط لما اذكره لك ، إنّما ينبغي أن يكون دخل على هشام ـ فأوسع له على سريره وسأله حاجته فقال : ثلاثون ألف درهم عليّ تدين ، فأمر بقضائها ، قال له : وتستوصي بابنيّ هذين خيراً ففعل فشكره وقال وصلتك رحم ، فلمّا ولي عليّ قال الخليفة لأصحابه : ان هذا الشيخ قد اختل وأسنّ وخلط فصار يقول : ان هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع ذلك عليّ فالتفت إليه فقال : والله ليكوننّ ذاك وليملكنّ هذان »(2) .

وذكر أيضاً عن جعفر بن عيسى بن جعفر الهاشمي قال : « حضر عليّ عبد الملك وقد أهدي له من خراسان جارية وفصّ وسيف فقال يا أبا محمّد إنّ حاضر الهدية شريك فيها ، فاختر من الثلاثة واحداً ، فاختار الجارية وكانت تسمى سعدى وهي من سبي الصغد من رهط عجيف بن عنبسة ، فأولدها سليمان وصالحاً ابني عليّ وكان عليّ يقول : أكره أن أوصي إلى محمّد ـ وكان سيّد ولده ـ خوفاً من أن أشينه بالوصية. فأوصى إلى سليمان فلمّا دفن عليّ ، جاء محمّد إلى سُعدى ليلاً فقال لها أخرجي اليّ وصية أبي فقالت : إنّ أباك أجلّ من أن تخرج وصيته ليلاً ولكنها تأتيك غداً ، فلمّا أصبح غدا بها عليه سليمان فقال : يا أبي ويا أخي هذه وصية أبيك فقال محمّد : جزاك الله من ابن وأخ خيراً ، ما كنت لأثرّب على أبي بعد موته كما لم أثرّب عليه في حياته »(3) .

____________________

(1) مأخوذ من كلام الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) راجع نهج البلاغة 2 / 14 بشرح محمّد عبده ط الاستقامة.

(2) الكامل 2 / 217.

(3) الكامل 2 / 220.


ونقل الجاحظ في البيان والتبيين بعض كلام عليّ بن عبد الله بن عباس ممّا دلّ على حصافة رأي وبليغ منطق ، فقد ذكر أنّه قال : « من لم يجد مسّ الجهل في عقله ، وذلّ المعصية في قلبه ، ولم يستبن موضع الخلّة في لسانه عند كلال حدّه عن حدّ خصمه ، فليس ممّن ينزع عن ريبة ، ولا يرغب عن حالٍ معجزة ، ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة »(1) .

ولعلي أخبار غير ذلك ربّما تزيّدها أو بعضها الرواة تزلّفاً إلى أبنائه خلفا ، بني العباس ، أعرضنا عن ذكرها.

7 ـ سليط ، وهذا ذكره ابن حزم في الجمهرة وقال : « نفاه عبد الله بن العباس ثمّ استلحقه ثمّ اتهم أخوه عليّ بقتله ، فجلده الوليد بن عبد الملك لذلك مائة سوط ، وادعى أبو مسلم أنّه عبد الرحمن بن سليط هذا ابن عبد الله بن عباس ولا عقب لسليط »(2) .

لكن ابن الطقطقي في كتابه الفخري في الأداب لم يذكر استلحاق ابن عباس لسليط ، فقد قال : « ولسليط هذا خبر هذا موضع شرحه على سبيل الاختصار. كان لعبد الله بن عباس جارية فوقع عليها مرة من المرات ثمّ اعتزلها مدةً ، فاستنكحها عبداً فوطئها فولدت منه غلاماً سمته سليطاً ، ثمّ ألصقته بعبد الله بن العباس وأنكره عبد الله ولم يعترف به ، ونشأ سليط وهو أكره الخلق إلى عبد الله بن عباس ، فلمّا مات عبد الله نازع سليط ورثته في ميراثه ، وأعجب ذلك بني أمية ليغضّوا من عليّ بن عبد الله بن عباس ، فأعانوه وأوصوا قاضي دمشق في الباطن ، فمال إليه في الحكم وحكم له بالميراث ، وجرت في ذلك خطوب ليس هذا موضع لشرحها ، فادّعى أبو مسلم حين قويت شوكته أنّه من ولد سليط هذا »(3) .

____________________

(1) البيان والتبيين 1 / 85.

(2) جمهرة أنساب العرب / 19.

(3) الفخري في الأداب السلطانية في الدول الإسلامية / 139 دار صادر بيروت.


وأحسب أنّ الخبر الّذي أشار إليه ابن الطقطقي هو ما رواه ابن الكلبي في مثالب العرب ، قال : « هشام عن أبي عمرو قال : حدثني إسحاق بن الفضل قال : كانت تحت عبد الملك بن مروان امرأة من ولد عبد الله بن جعفر فرأى منها عبد الملك جفوة فخلّى سبيلها ، وكان عبد الملك قد أكرم عليّ بن عبد الله بن عباس وقدم به معه من الحجاز إلى دمشق فأنزله في قصره ، ومات عبد الملك باكرام عليّ وحفظه ، ثمّ إنّ المرأة الجعفرية أرادت الخروج إلى أهلها فقالت لعليّ بن عبد الله : ليس هاهنا قريب غيرك فأنا أريد أن أخرج معك إلى الحجاز ، فقال لها : أنت ابنة عمي ولست منك ذا محرم ، فأنا أتزوجك فتزوجها. فبلغ ذلك الوليد فغضب وقال : امرأة كانت تحت أمير المؤمنين تتزوجها بغير إذني. قال : هي ابنة عمي ، فسكت وجفاه. وكان سليط الّذي نفاه عبد الله وأمه مع عليّ بالشام ، وكانت أمه بذيّته سليطة تؤذي عليّاً وتخاصمه ، فدسّ الوليد إلى سليط من قتله ودفنه في بستان عليّ بن عبد الله ، فجاءت أمه حين فقدته إلى الوليد ، فأرسل ففتشوا البستان فوجدوه فيه قال : فأخبرني رجل من أهل الشام بواسط ، قال : كنت في حرس الوليد فأتي بعليّ فجلده أربعمائة سوط وحلق رأسه ولحيته وأمر بحبسه في الحجر فأصابته وحشة »(1) ، وقد مرّ عن ابن حزم في ذكر سليط الإشارة إلى هذا.

فهؤلاء الأبناء الذكور الّذين وقفت على أسمائهم ، ولقد روى مسلم في صحيحه(2) ، وأبو داود في سننه(3) ، وأحمد في مسنده واللفظ له بسنده عن كريب مولى ابن عباس قال : « مات لابن عباس ابن بقديد أو عسفان ـ موضعان قرب مكة ـ فقال : يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس ، قال : فخرجت فإذا أناس قد

____________________

(1) مثالب العرب نسخة السماوي المخطوطة / 51.

(2) صحيح مسلم 1 / 260.

(3) سنن أبي داود 3 / 175 ـ 176.


اجتمعوا له فأخبرته قال : يقول : هم أربعون؟ قال : نعم قال : أخرجوه فإنّي سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلاّ شفّعهم الله فيه »(1) .

أقول : ولعل هذا الإبن هو أحد الثلاثة : عبيد الله أو الفضل أو عبد الرحمن ، وإنّما أحتمل ذلك ، لأن الأربعة الباقون العباس ومحمّد وعليّ وسليط لهم ذكر بعد موت ابن عباس ، كما يحتمل أن يكون غيرهم ، ولعله الّذي مات صغيراً فعزّاه به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقد روى الشيخ الجليل الحسن ابن شعبة الحراني ـ من علماء القرن الرابع الهجري ـ في كتابه تحف العقول تلك التعزية فقال : « وعزى ـ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ عبد الله بن عباس عن مولود صغير مات له فقال ( عليه السلام ) : لمصيبة في غيرك لك أجرها أحبّ إليّ من مصيبة فيك لغيرك ثوابها ، فكان لك الأجر لا بك ، وحسن لك العزاء لا عنك ، وعوّضك الله عنه مثل الّذي عوّضه منك »(2) .

البنات :

ذكر النسابون أسمي بنتين له هما :

1 ـ لبابة : سماها بأسم أمه لبابة بنت الحارث ، فذكرها ابن سعد في طبقاته في ترجمة أبيها ، كما ذكرها مصعب الزبيري في نسب قريش(3) ، وقد وقع المحقق في خطأ فاضح لم يتنبه له ، وذلك أنّ مصعب الزبيري قال في كتابه : « كانت لبابة بنت عبد الله عند عليّ بن عبد الله بن جعفر فولدت له ، ثمّ خلف

____________________

(1) مسند أحمد 4 / 174.

(2) تحف العقول / 209 ط المكتبة الإسلامية.

(3) نسب قريش / 29 ط دار المعارف بمصر تح ـ بروفنسال.


عليها إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله فولدت له يعقوب ثمّ فارقها فتزوجها محمّد ابن عبد الله بن العباس أ هـ » هكذا في النسخة المطبوعة ، وهنا فاضح الخطأ إذ كيف يصح ( فتزوجها محمّد بن عبد الله بن العباس ) وهي تكون أخته؟

ولم يتنبه لذلك المحقق ، وجرى على خطئه من أتى بعده وأخذ عن كتابه من المحدثين(1) . مع أنّ الصواب : ( خلف عليها محمّد بن عبيد الله بن العباس ) ، وهذا هو ابن عمها(2) . وهي شقيقة العباس وأخوته وأمها زرعة بنت مشرح الكندية ، وقد تزوجها عليّ بن عبد الله بن جعفر ـ المعروف بالزينبي لأنّ أمه زينب بنت الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ وقد أولدها ولده محمّد ، وهذا كان يدخل على جده عبد الله بن عباس وقد سمع منه وحدث عنه كما في طبقات ابن سعد في ترجمة عبد الله بن عباس والسيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (3) .

2 ـ أسماء ذكرها ابن سعد في ترجمة أبيها وقال : « كانت عند عبد الله بن عبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم ، فولدت له حسناً وحسيناً الفقيه ، وأمها أم ولد »(4) . كما ذكرها مصعب في نسب قريش(5) إلاّ أنّ ابن الكلبي وابن حزم لم يذكراها ولا أختها لبابة فراجع الجمهرة لكل منهما.

____________________

(1) أنظر شدو الربابة ، الصحابة والصحابة ، خليل عبد الكريم ط سينا للنشر.

(2) كما في المحبّر لمحمّد بن حبيب الهاشمي / 440 ط حيدر آباد.

(3) القمر / 48 ـ 49.

(4) الطبقات الكبرى / 113 تح ـ السُلمي.

(5) نسب قريش / 296.


3 ـ وله بنت نُعيت وهو في السفر فاسترجع ثمّ قال : عورة سترها الله ، ومؤنة كفاها الله ، وأجر ساقه الله. وأحسبها غير المتقدمتين الآنفتي الذكر(1) .

ولقد كان حريصاً على تربيتهم تربية صالحة ، حتى هذّبهم على أخلاقه ، ولقنّهم من علومه ، فكلّ منهم أخذ على قدر استعداده ، ومن نماذج تربيته ما مرّ بنا انّه كان يرسل بولده عليّاً مع غلامه عكرمة يسمعا الحديث من أبي سعيد الخدري.

ومن الكذب الفظيع الفاضح ما رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد عن العتبي قال : « كان عند الوليد بن عبد الملك أربع عقائل : لبابة بنت عبد الله بن عباس ، وفاطمة بنت يزيد بن معاوية وزينب بنت سعيد بن العاص ، واُم جحش بنت عبد الرحمن ابن الحارث ، فكنّ يجتمعنّ على مائدته ، ويفترقن فيفخرن. فاجتمعن يوماً فقالت لبابة : أما والله إنّك لتسوّيني بهن ، وإنّك تعرف فضلي عليهن.

وقالت بنت سعيد : ما كنت أرى أن للفخر عليَّ مجازاً ، وأنا ابنة ذي العمامة إذ لا عمامة غيرها. وقالت بنت عبد الرحمن بن الحارث : ما أحب بأبي بدلا ، ولو شئت لقلت فصدقت وصُدّقت. وكانت بنت يزيد بن معاوية جارية حديثة السنّ فلم تتكلم ، فتكلم عنها الوليد ، فقال : نطق من احتاج إلى نفسه ، وسكت من اكتفى بغيره ، أما والله لو شاءت لقالت : أنا ابنة قادتكم في الجاهلية وخلفائكم في الإسلام. فظهر الحديث حتى تحدّث به في مجلس ابن عباس فقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته »(2) .

هذه الكذبة الشنعاء والفرية الصلعاء يرويها العتبي ويذكرها عنه ابن عبد ربه ، وكلاهما عندي في هذا المقام يستغفلان عقول الناس بمثل هذه الأكاذيب

____________________

(1) أنظر العقد الفريد 3 / 196 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(2) نفس المصدر 6 / 104.


ولا غرابة منهما فكلاهما أموي الهوى ، ولكن وهلم الخطب في الأساتذة الثلاثة المحققين للكتاب وهم أحمد أمين ، أحمد الزين ، إبراهيم الأبياري ، كيف انطلت عليهم هذه الأكذوبة ، فلم يتفطنوا ، انّ لبابة بنت عبد الله بن عباس لم تكن زوجة الوليد ، بل كانت زوجة عليّ بن عبد الله بن جعفر كما مرّ ، وإنّ ابن عباس لم يكن حياً أيام الوليد بن عبد الملك بل كان متوفياً ، لأنّه توفي سنة 68 كما مرّ ، والوليد بن عبد الملك إنّما ولي الأمر في سنة 86 بعد موت ابن عباس بثماني عشرة سنة؟!

ثمّ إنّ في الخبر فجوات وهنات غير ذلك ، فمنها أنّه لم يكن ليزيد ابنة اسمها فاطمة بل ولم يذكر له ابن عبد ربه أيّ بنت أخرى في ذكر أولاده ـ كما ستأتي الإشارة إلى ذلك ـ فمن أين أتى بها العتبي وذكرها ابن عبد ربه؟ ولابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد من أعاجيب الأكاذيب ما يضحك منها صبيان الكتاتيب. فمن ذلك ما ذكره في أولاد يزيد فقال : « معاوية وخالد وابو سفيان وأمهم فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ، وعبد الله وعمر وأمهما أم كلثوم بنت عبد الله بن عباس »(1) . وهذا أيضاً من فاضح الكذب إذ لم يكن لابن عباس بنت أسمها أم كلثوم وإنّما له لبابة وأسماء وقد ذكرناهما وأزواجهما وذراريهما. وهذا أيضاً لم يتنبه له المحققون ، فزهٍ بهكذا محققين ، ولتعلّق الكنانة حافر الحمار عليها لئلا تصيبها عين اللاّمة والهامة من الحاسدين لها على هؤلاء المحققين وأمثالهم ممّن بسقوا بألقابهم ، ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل(2) بل أحشفاً وسوء كيلة(3) .

____________________

(1) نفس المصدر 4 / 375.

(2) الدخل العيب الباطن مثل يضرب لذي المنظر لاخبر عنده ( مجمع الأمثال ).

(3) الحشف أردأ التمر ويضرب المثل لمن يجمع بين خصلتين ومكرهتين.


زوجاته :

1 ـ زرعة بنت مشرح الكندية.

2 ـ صعبة بنت عبد الرحمن بن عوف ، كما في المحبّر(1) .

3 ـ شملة بنت ازيهر.

4 ـ أم ولد أم سليط الّذي نفاه ثمّ تبناه وقد مرّ ذكره.

5 ـ أم ولد أم ابنته أسماء الّتي تزوجها ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن عباس كما مرّ.

____________________

(1) المحّبر لمحمد حبيب الهاشمي / 68 ط حيدر آباد.



الفصل الخامس

في أشتات مجموعة من أدوار حياته في أخلاقه وعاداته



هذه باقة تعبق بالشذى مقتطفة من رياض حياة ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ، تضم أشتاتاً مجموعة من أخباره في أدوار حياته ، تحكي لنا غرّ صفاته ، وجميل عاداته ، ولم نجمع معها ما يدل على معارفه وعلومه وسائر قدراته ، فإنّ ذلك سيأتي بعون الله تعالى في الحلقتين التاليتين : الثانية والثالثة.

أمّا أشتات هذه الباقة ففي أزهارها ما يعبق عوده بجوده وسخائه ، ومنها ما يعبق بآدابه وأخلاقه ، ومنها ما يعبق بورعه وتقواه ، إلى غير ذلك من أزاهير رياضه الفوّاحة ، فلنتسنم منها ما عطّر الساحة.

الجود والعطاء :

لمّا كان الجود جبلّة نفسية من غرائز النفس في الإنسان ، فقد تعدم عند الغني وتوجد عند الفقير.

والجواد محبّب بصفاته حتى إلى أضداده ، كما أنّ البخيل مبغوض حتى إلى أولاده.

والجواد هي السخي بما لَه وعنده يتكرم قبل السؤال. أمّا إذا كان بعد السؤال فهو العطاء ثمناً لماء الوجه.

وقد حبّب الإسلام الكرَم ودعا إليه ، وقد ورد في الحديث الشريف :

( السخي قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد عن النار ) ، و ( البخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار ).


ولا تزال الأمة العربية تفخر بأجوادها ، وتذكر المستجاد من فعلاتهم ، وحسبك شهرة حاتم الطائي الّذي صار مضرب المثل فقالوا في المبالغة ( الكرم الحاتمي ).

أمّا أجواد الإسلام المعدودين من بعد المعصومين ( عليهم السلام ) فقد كان ابن عباس في رأس قائمة المعدودين كما ذكره السيوطي في كتابه الكنز المدفون(1) ، وكان يسمّى لفرط سخائه ( معلّم الجود ). وليس في ذلك من مبالغة ما دام هو أوّل من وضع موائد الطعام في الطرقات للناس ، ولم يكن يَعُد إلى رفعه(2) ، وكان ما يصرفه على الناس في كلّ يوم عطاءً وغذاءً خمسمائة دينار(3) . ولمّا كان أخوه عبيد الله كذلك سخياً فقد قالوا : وكان ينحر كلّ يوم جزوراً في مجزرته فيقسمها ، وبه سميت مجزرة ابن عباس ، فغلت الجُزر حتى بلغت خمسة عشر ديناراً وعشرين ديناراً(4) ، فقد اختلطت أخبارهما على الرواة ، وفي تشابه الإسمين خطاً ما يساعد على ذلك ، فلهذا سنقف على بعض أخبار عبد الله في الجود منسوبة إلى أخيه عبيد الله ونشير في الهامش إلى ذلك.

ولا أجانب الصواب إذا ما قلت إنّ شهرة ابن عباس العلمية هي أيضاً غطّت على بقية صفاته ومكارم أخلاقه ، فلم يخلص إلينا منها إلاّ القليل ، أو ليس هو القائل : « سادات الناس في الدنيا الأسخياء ، وفي الآخرة الأتقياء ».

____________________

(1) الكنز المدفون / 122.

(2) المستظرف للأبشيهي 1 / 182 ، وذكر ابن عبد ربه ذلك ونسبه إلى أخيه عبيد الله ، راجع العقد الفريد 1 / 148 ، وزهر الربيع / 326 ط بمبئ سنة 1342 هـ.

(3) أنظر مشكوة الأدب للناصري / 95.

(4) الطبقات الكبرى 6 / 469 ط الخانجي بمصر.


أقول : وهذا منسوب إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كما في محاضرات الراغب ، وليس من شك أنّ علم ابن عباس كان منه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ومن ابن عمه أمير المؤمنين ، فعنهم أخذ ومن بحرهم اغترف وارتوى فأفاض على الناس من نميره.

وقد يتخيّل البعض أنّ أحاديث سخائه ممّا نمقته الأقلام أيام حكومة العباسيين تزلّفاً إلى أبنائه ، ولكن إذا قرأنا جملة من أخباره نجد الشواهد تثبت بيقين أريحيته الّتي كان عليها يستروح للندى على سعة من خلقه ، كما كان بحراً في علمه الّذي طما على باقي صفاته.

فإلى بعض الشواهد :

1 ـ ذكر القاضي التنوخي في كتابه المستجاد من فعلات الأجواد : « أنّ رجلاً أراد أن يؤذي عبد الله بن عباس بمضارّته ، فأتى وجوه البلد وهم جلوس في فضاء الكعبة وقال : يقول لكم ابن عباس : تغدوا اليوم عندي ، فلمّا صار وقت الغداء أتوه فملأوا الدار فقال : ما هذا؟ فأخبروه الخبر ، فرحّب بهم وتباشر بذلك وعظم سروره ، فأمر قوماً من مواليه أن تشتري الفواكه في الوقت ، وأمرقوما بالخبز والطبخ وقوماً لتهيئة الطعام ، فأصلح القِرى وقدّم الفاكهة لهم ، فما فرغوا من أكلها حتى قدّمت الموائد فأكلوا وانصرفوا ، ولمّا فرغ قال لوكلائه : أموجود هذا كلّ يوم إذا أردناه؟ قالوا : نعم ، قال : فليتغد هؤلاء كلّهم كلّ يوم عندنا »(1) .

2 ـ ذكر الأبشيهي في المستظرف ومثله في أسرار البلاغة بهامش المخلاة : « أنّ رجلاً من الأنصار أتاه وقال له : يا بن عم رسول الله انّه ولد لي في هذه الليلة

____________________

(1) المستجاد من فعلات الأجواد / 16 تح ـ محمّد كرد عليّ ط الترقي بدمشق سنة 1365 ، وذكر ذلك الرشيد الوطواط في غرر الخصائص / 73 ، والطرطوشي في سراج الملوك / 178 ، والناصري في مشكوة الأدب / 914.


مولود وإنّي سميته باسمك تبركاً بك وإن أمه ماتت ، فقال له ابن عباس : بارك الله في الهبة ، وأجزل لك الأجر على المصيبة ، ثمّ دعا وكيله وقال انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه ، وادفع للرجل مائتي دينار للنفقة على تربيته ، ثمّ قال للأنصاري : عُد إلينا بعد قليل ، فإنك جئتنا وفي العيش يبس وفي النفقة قلة.

فقال الأنصاري : جعلت فداك والله لو سبقت حاتماً بيوم لم تذكره العرب ، ولكنه سبقك فصرت له تالياً ، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده ، وطلّ كرمك أغزر من وابله »(1) .

3 ـ ذكر أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني : « أنّ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب مرّ بمعن بن أوس المزني ، وقد كفّ بصره ، فقال له : يا معن كيف حالك؟ فقال له : ضعف بصري وكثر عيالي وغلبني الدَين ، قال : وكم دينك؟ قال : عشرة آلاف درهم ، فبعث بها إليه. ثمّ مرّ به من الغد فقال له : كيف أصبحت يا معن؟ فقال :

أخذت بعين المال لما نهكته

وبالدَين حتى ما أكاد أدان

وحتى سألت القرض عند ذوي الغِنى

وردّ فلان حاجتي وفلان

فقال له عبد الله : الله المستعان ، إنّا بعثنا إليك بالأمس لقمة فما لكتها حتى انتزعت من يدك ، فأي شيء للأهل والقرابة والجيران؟ ثمّ مضى وبعث إليه بعشرة آلاف درهم أخرى ، فقال معن يمدحه :

إنّك فرع من قريش وإنما

تمجّ الندى منها البحور الفوارع

____________________

(1) المستظرف 1 / 160.

وذكر هذه القصة كلّ من ابن عبد ربه في العقد الفريد 1 / 343 ط أحمد أمين ورفيقيه ، والغزالي في إحياء العلوم 3 / 213 ونسباها إلى أخيه عبيد الله بن عباس.


ثووا قادة للناس بطحاء مكةٍ

لهم وسقايات الحجيج الدوافع

فلمّا دعوا للموت لم تبك منهم

على حادث الدهر العيون الدوامع »(1)

4 ـ ذكر الملك السعيد في العقد الفريد(2) والقليوبي في نوادره(3) وأحمد جاد المولى في قصص العرب(4) ونحوه في الخلق الكامل(5) عن تميم اليربوعي قال :

« كنت مع عبد الله بن العباس عند منصرفه من دمشق ، فسألته في بعض الأيام وقلت له : بماذا يتم عقل الرجل؟ فقال : إذا صنع المعروف مبتدءاً به ، وجاد بما هو محتاج إليه ، وتجاوز عن الزلة ـ الذلة ـ وجازى على المكرمة ، وتجنّب مواطن الاعتذار فقد تم عقله.

قال تميم : فحفظت ذلك منه وألصقته بقلبي ، ثمّ بعد أيام نزلنا منزلاً فطلبنا طعاماً فلم نجده ولا قدرنا عليه. فإنّ زياداً كان قد نزل بذلك المنزل قبلنا بأيام قليلة في جمع كثير ، فأتوا على ما كان فيه من الطعام ، فقال عبد الله لوكيله : أخرج إلى هذه البرية فلعلك تجد بها راعياً معه طعام.

فمضى الوكيل ومعه غلمان ، فأطالوا التوقّف ، فلمّا كادوا يرجعون لاح لهم خباءٌ فأمّوه ، فوجدوا فيه عجوزاً ، فقالوا لها : هل عندك طعام نبتاعه منك؟ فقالت : أمّا طعام بيع فلا ، ولكن عندي أكلة ، وبأولادي إليها أمسّ حاجة ، قالوا : وأين أولادك؟ قالت : في رعيهم وهذا وقت عودتهم

____________________

(1) الأغاني 10 / 157.

(2) العقد الفريد / 13 نسخة الشيخ السماوي.

(3) نوادر القليوني / 82 ط مصر.

(4) قصص العرب 2 / 93.

(5) الخلق الكامل 4 / 40.

وذكر القصة الخرائطي في مكارم الأخلاق / 62 ونسبها إلى أخيه عبيد الله بن العباس.


قالوا : فما أعددت لهم؟ قالت : خبزة تحت ملّتها انتظر بها أن يجيئوا ، قالوا لها فجودي لنا بنصفها؟

قالت : لا ولكن بها كلّها ، قالوا : ولم منعتِ النصف وجدتِ بها كلّها ، ولا خبز عندك غيرها؟

قالت : إنّ إعطاء الشطر من خبزة نقيصة ، فأنا أمنع ما ينقصني وأجود بما يرفعني.

فأخذ الوكيل والغلمان والخبزة لفرط حاجتهم إليها وانصرفوا ، ولم تسأل من هم ولا من أين جاؤا؟

فلمّا أتوا عبد الله وأخبروه خبر العجوز عجب من ذلك ، وقال : ارجعوا إليها فاحملوها في دعة وأحضروها.

فرجعوا إليها وقالوا لها : انّ صاحبنا أحبّ أن يراك ، قالت : ومن صاحبكم؟ قالوا : عبد الله بن العباس.

قالت : ما أعرف هذا الإسم ، قالوا : العباس بن عبد المطلب وهو عمّ النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ).

قالت : والله هذا الشرف العالي وذروته الرفيعة ، وماذا يريد مني؟

قالوا : يريد أن يكافئك على ما كان منك.

قالت : لقد أفسد الهاشمي ما أثلَ له ابن عمه ( عليه السلام ) ، والله لو كان ما فعلت معروفاً ما أخذت عليه ثواباً ، وإنّما هو شيء يجب على كلّ إنسان أن يفعله.

قالوا : فإنّه يحب أن يراك ويسمع كلامك.

قالت : أصير إليه ، لأنّي أحب أن أرى رجلاً من جناح النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وعضواً من أعضائه.


فلمّا سارت إليه رحّب بها وأدنى مجلسها وقال : ممّن أنت؟ قالت : من كلب ، قال : كيف حالك؟ قالت : لم يبق من الدنيا ما يفرح إلاّ وقد بلغته ، وإنّي الآن أعيش بالقناعة ، وأصون القرابة ، وأنا أتوقع مفارقة الدنيا صباحاً ومساءً.

فقال لها : أخبريني ماذا أعددت لأولادك عند انصرافهم بعد أخذنا الخبزة؟

فقالت : أعددت لهم قول العربي :

حتى أنال به كريم المأكل

ولقد أبيت على الطِوى وأظلّه

فأعجب بها ثمّ قال لبعض غلمانه : انطلق إلى خبائها فإذا أقبل بنوها فجيء بهم.

فقالت العجوز للغلام : انطلق فكن بفناء البيت ، فإنهم ثلاثة فإذا رأيتهم تجد أحدهم دائم النظر نحو الأرض عليه شعار الوقار ، فإذا تكلم أفصح ، وإذا طلُب أنجح ، والآخر حديد النظر كثير الحذَر إذا وعد فعل ، وإن ظلم قتل ، والآخر كأنّه شعلة نار ، وكأنّه يطلب بثار ، فذاك الموت المائت والداء الكابت ، فإذا رأيت هذه الصفة فيهم فقل لهم عني : لا تجلسوا حتى تأتوني.

فانطلق الغلام فأخبرهم ، فما بعُد أمده حتى جاؤا فأدناهم ابن عباس وقال : إنّي لم أبعث إليكم وإلى والدتكم إلاّ لأصلح من أمركم ، واصنع ما يجب لكم.

فقالوا : هذا لا يكون إلاّ عن مسألة أو مكافأة فعل جميل تقدم ، ولم يصدر منا واحدة منهما ، فان كنت أردت التكرم مبتدءاً فمعروفك مشكور وبرّك مقبول مبرور.

فأمر لهم بسبعة آلاف درهم وعشرٍ من النوق ، فقالت العجوز لأولادها ، ليقل كلّ واحد بيتاً من قوله :


فقال الأكبر :

شهدت عليك بحسن المقال

وصدق الفعال وطيب الخبر

وقال الأوسط :

تبرعت بالبذل قبل السؤال

فعال كريم عظيم الخطر

وقال الأصغر :

وحقّ لمن كان ذا فعله

أن يسترقّ رقاب البشر

وقالت العجوز :

فعمّرك الله من ماجد

ووقّيت ما عشت شرّ القدر

قال تميم اليربوعي : فالتفت إليّ ابن عباس وقال : يا تميم وددت لوجدتُ مزيداً في ابتداء المعروف إلى هذه المرأة وبنيها ، وجعل يتأوه من تقصيره عن مراده في ذلك.

فقلت له : لقد أحسنت وأرجحت ، وقد شهد فضلك بما سبق من قولك ، فأنت أتمّ الناس عقلاً وأكملهم مرؤة ».

5 ـ ذكر القاضي التنوخي في كتابه المستجاد ، والغزالي في إحياء العلوم : « أنّه اجتمع قراء البصرة إلى ابن عباس ـ وهو عامل بالبصرة ـ فقالوا لنا جارٌ صوّام قوّام يتمنى كلّ واحد منا أن يكون مثله ، وقد زوّج ابنة له من ابن أخيه وهو فقير ، وليس عنده ما يجهّزها به.

فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم فأدخلهم داره ، ففتح صندوقاً فأخرج منه ست بُدَر ، ثمّ قال : احملوا فحملوا ، فقال ابن عباس : ما أنصفناه أعطيناه ما يشغله عن صيامه وقيامه ، ارجعوا نكن أعوانه على تجهيزها ، فليس للدنيا من القدر ما يشغل به مؤمناً عن عبادة ربّه تعالى ، وما بنا من التكبر ما لا نخدم معه أولياء الله تعالى ، ففعل وفعلوا »(1) .

____________________

(1) المستجاد من فعلات الأجواد / 34 ، إحياء العلوم 3 / 215.

وقارن المحجة البيضاء للفيض الكاشاني 6 / 67 وكتاب محمّد وصحبه لعبد الحفيظ أبو السعود ط دار الكتاب العربي بمصر سنة 1367.


6 ـ روى الخوارزمي في فضائله فقال : « افتخر رجل من بني هاشم ورجل من بني أمية ، فقال الأموي للهاشمي اذهب فسل أهلك واذهب فأسأل أهلي. فاتى الأموي عشيرته فسأل عشرة منهم فأمروا له بمائة ألف درهم ، وأتى الهاشمي عبد الله بن عباس فأمر له بمائة ألف درهم ، ثمّ أتى الحسن ( عليه السلام ) فأمر له بمائة وثلاثين ألف درهم ، ثمّ أتى الحسين فأمر له بمائة وعشرين ألف درهم وقال : لا أساوي أخي بالفضل ، فجاء الأموي بما أعطاه أهله وكذا الهاشمي ، فغضب الأموي فردّها على أصحابها فقبلوها ، وردّها الهاشمي على أصحابها فلم يقبلوها ، فكانت الأخيرة أشدّ على الأموي من الأولى »(1) .

7 ـ ذكر الإبشيهي في المستظرف قال : « قدم ابن عباس على معاوية ، فأهدى إليه من هدايا النوروز حللاً كثيرة ومسكاً وآنية من ذهب وفضة ووجّهها إليه مع حاجبه ، فلمّا وضعها بين يديه نظر ابن عباس إلى الحاجب وهو ينظر إليها ، فقال : هل في نفسك منها شيء؟ قال : نعم والله في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف ( عليه السلام ).

فضحك عبد الله بن عباس وقال : خذها فهي لك. قال : جعلت فداك أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيحقد عليّ ، قال : فاختمها بخاتمك وسلّمها إلى الخازن ، فإذا كان وقت خروجنا حملناها إليك ليلاً ، فقال الحاجب : والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم »(2) .

____________________

(1) شرح شافية أبي فراس / 249 ط حجرية في ايران.

(2) المستظرف للابشيهي 1 / 159 ، وذكر القصة ابن عبد ربه في العقد 1 / 342 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه ونسبها إلى عبيد الله وزاد في آخرها ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه ـ يعني معاوية ـ فظنّ عبيد الله انها مكيدة منه ، قال : دع عنك هذا الكلام فإنا قوم نفي بما وعدنا ولا ننقض ما أكّدنا.


8 ـ ذكر الإبشيهي في المستظرف : « انّ معاوية حبس عن الحسين بن عليّ صلاته ، فقيل له لو وجهت إلى ابن عمك عبد الله بن عباس فإنّه قدم بنحو ألف ألف ، فقال الحسين : وأنّى تقع ألف ألف من عبد الله ، فالله لهو أجود من الريح إذا عصف ، وأسخى من البحر إذا زخر ، ثمّ وجّه إليه مع رسوله بكتاب يذكر فيه حبس معاوية صلاته عنه وضيق حاله ، وانه يحتاج إلى مائة ألف درهم ، فلمّا قرأ عبد الله كتابه انهملت عيناه وقال : ويلك يا معاوية أصبحت لين المهاد رفيع العماد ، والحسين يشكو ضيق المال وكثرة العيال ثمّ قال لوكيله : احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من ذهب وفضة ودواب وأخبره انّي شاطرته فان كفاه وإلاّ فاحمل إليه النصف الثاني.

فلمّا أتاه الرسول قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ثقلت والله على ابن عمي ، وما حسبت أنّه يسمح لنا بهذا كلّه »(1) .

9 ـ ذكر الشيخ المقيلي اليمني ( ت 1108 ) في كتابه العَلَم الشامخ ، قال : « ويحكى ان عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) ـ وكان يعد من الأجواد ـ آوى في بعض أسفاره إلى جنب بعض أهل البادية ولم يكن للبدوي غير شاة وهو لا يعرف ابن عباس ، وذبح له الشاة ، فلمّا ارتحل قال لخازنه أعطه بقية ما عندك قال إنها خمسمائة دينار ، قال أعطه إياها ، قال : يكفيك أن تضاعف له قيمة شاته ، قال : هو أجود منا أعطانا كلّ ما يملك ، وأعطيناه بعض ما نملك ، قال : انّه لا يدري من أنت ، قال أنا ابن عباس لكني أدري من أنا »(2) .

____________________

(1) نفس المصدر 1 / 60 ، وقارن زهر الربيع / 326 ط بمبئ سنة 1342 هـ ، وذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد 1 / 341 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه أن القصة كانت مع عبيد الله بن عباس ، وهذا من التصحيف غير المتعمد لتشابه الإسمين في الخط.

(2) العَلم الشامخ في ايثار الحقّ على الآباء والمشايخ / 577 ط مصر سنة 1328 هـ ، وروى أبو هلال العسكري في كتابه الكرماء مط الشورى بالفجالة بمصر سنة 1326 هـ هذه القصة


____________________

وانها مع عبيد الله بن عباس لكنه وهم فيما أراه ، لأنّه قد رواها بسنده عن مقسم مولى عبد الله بن عباس وعن غيره وفي هذا ما يصحح نقل المقيلي كما في المتن ، خصوصاً وفي الخبر حضور مقسم الحادثة ، وهو إنّما يكون عادة مع مولاه عبد الله ، وروايته : قالوا ـ مقسم وغيره ـ وفد عبيد الله بن العباس على معاوية ، فلمّا كان بعض الطريق أصابته السماء فأمّ أبياتاً من الشعر ، وإذا أعرابي قد قام إليه ـ فلمّا رأى هيئته وبهاءه ـ وكان من أحسن الناس شارة وأحسنهم هيئة ـ قال الاعرابي لامرأته : ان كان هذا من قريش فهو من بني هاشم ، وان كان من اليمن فهو من بني آكل المرار ـ فأنزله ، وذلك في الليل ، فقام الاعرابي إلى عنيزة له يذبحها ـ فجاذبته امرأته وقالت : أكل الدهر مالك وشرب ، ولم يبق لك ولبناتك إلاّ هذه العنيزة ، تضع درتها كمخة عرقوب ، ثمّ تريد أن تفجعهنّ بها. قال : والله لأذبحنّها ، فقالت : والله إذن لا يتركك بناتك ، قال : والله له الموت خير من اللؤم ثمّ قال : ـ وعبيد الله يسمع ـ

قـريـنـة لا تـوقـظـي بُـنيّة

إن توقظيها تنتحب عـليـه

وتنزع الشفرة من يديّـه

أبـغـض بـهـذا وبـهـا إلـيـه

ثمّ ذبح الشاة وجعل يقطع من أطايبها ويلقيه على النار ، ثمّ قرّبه إلى عبيد الله بن العباس ومن معه ، فجعل عبد الله ـ كذا ـ يأكل ويحدّثه في خلال ذلك بما يلهيه ويضحكه ، حتى إذا أصبح وأنجلت السحابة وهمّ بالرحيل ، قال لمقسم : كم معك من نفقتك؟ قال : خمسمائة دينار ، قال : ألقها إلى الشيخ ، قال : ما تريد إلاّ أن تسأل الناس في طريقك إن هذا يرضيه عُشر ما سميتَ ، وتأتي معاوية ولا تدري علام توافقه. قال : ويحك انا نزلنا على هذا وما يملك إلاّ هذه الشاة ، فخرج لنا من دنياه كلّها ، ونحن نعطيه بعض ما نملكه ، فهو أجود منّا قال : فألقاها إليه وارتحل ، فأتى معاوية فقضى حوائجه ، فلمّا انصرف ، قال لمقسم : انظر ما حال صاحبنا فعدل إليه ، فإذا إبل وشاء وحال حسنة ، فلمّا بصر الأعرابي بعبيد الله أكبّ على أطرافه يقبّلها ، ثمّ قال : بأبي أنت وأمي قد مدحتك ، ولا أدري والله من أي خلق أنت وأنشده :

تـوسّـمـته لما رأيت مهابـة

عليه وقلت المرء من آل هـاشم

وإلا فمن آل المرار فإنـهم

مـلـوكوأبـنـاء المـلـوك الأكـارم

فقال عبيد الله أصبت أنا من ولد هاشم ، وقد ولدني آكل المرار. فبلغ معاوية ذلك ، فقال : لله در عبيد الله من أيّ بيضة خرج وفي أي عشّ درج ، هذه والله من فعال عبيد الله معلّم الجود وهو والله كما قال الحطيئة :

أولئكقوم إنبنوا أحـسـنـوا الـبـنـا

وإن عاهدوا وفـوا وإن عقدوا شدّوا

وإن كانت النـعمـاء فيهم جزوا بها

وإنأـعـمـوالاكـدّروهـا ولا كـدّوا


10 ـ وبعث له معاوية بأربعة آلاف دينار ، ففرّقها في بني عبد المطلب ، فقالوا : انا لا نقبل الصدقة ، فقال : إنّها ليست صدقة وإنّما هي هدية(1) .

11 ـ روى أبو بكر الخرائطي في مكارم الأخلاق بسنده : « أنّ سائلاً أتى ابن عباس فسأله ، فقال ابن عباس : يا سائل أتشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )؟

قال : نعم ، قال : وتصلي الخمسَ وتصوم رمضان؟ قال : نعم.

قال : حقّ علينا أن نصلك ، فنزع ابن عباس ثوباً عليه فطرحه عليه ، ثمّ قال : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : من كسا مسلماً ثوباً كان في حفظ من الله ما دام عليه منه رقعة »(2) .

12 ـ قال السمهودي في وفاء الوفاء : « قال ابن شبة : وتصدّق عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما بماله بالصهوة ـ وهو موضع بين يين وبين حورة على ليلة من المدينة ـ وتلك الصدقة بيد الخليفة ـ توكل بها »(3) .

إلى غير ذلك من أخبار جوده وقد قرأنا بعضها في السلوك الشخصي أيام ولايته على البصرة. وحسبنا منها اكرامه وفادة أبي أيوب الأنصاري ، وضيافته لركب من بني هلال وهم في منازلهم فكانت الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام.

حتى قال ابن المنتخب الهلالي :

إنّ ابن عباس وجود يمينه

كفى كلّ معتلّ قرانا وباخل

وأرحلنا عنه ولم ينأ خيره

ولا غاله عن برّنا أمّ غائل

____________________

(1) ذخائر العقبى / 234.

(2) مكارم الأخلاق / 0 ط السلفية بمصر سنة 1350 هـ.

(3) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى 2 / 337 ط مصر سنة 1327.


تروح وتـغـدو كلّ يوم جفانُه

بكلّ سديف النيّ للجوع قاتل

وقرأنا أيضاً أنّه كان يعشّي الناس بالبصرة في شهر رمضان ويحدثهم ويفقههم.

وإذا كان ذلك في أيام ولايته وبيده بيوت المال ، فإنّ في أيام وفاداته على معاوية وأيام إقامته بمكة والمدينة ما يزيد إيمان المستزيد ، ألم يقل مجاهد : كان ابن عباس أمدّهم قامة ، وأعظمهم جفنة ، وأوسعهم علماً؟ وقد مرّ ذلك.

ألم يقل عطاء : ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر علماً وأعظم جفنة؟ وقد مرّ ذلك.

ألم يقل الضحاك : ما رأيت بيتاً أكثر خبزاً ولحماً من بيت ابن عباس؟ وقد مرّ ذلك.

ألم يقل معن بن أوس في ذم ابن الزبير وفي مدح ابن عباس وابن جعفر في أبياته وقد مرّ حديثه في الشاهد الثاني من شواهد بواعث الحسد عند ابن الزبير ومنها :

فقلنا له لا تقرباً فأمامنا

جفان ابن عباس العلا وابن جعفر

وذكر السيّد نعمة الله الجزائري في زهر الربيع : « انّ رجلاً أتاه يوماً فقال : إنّ لي عندك يداً وقد احتجت إليها ، فقال : وما هي؟ قال : رأيتك واقفاً بزمزم وغلامك يملأ لك من مائها فظلّلت عليك من الشمس حتى شربت. فقال : أجل إنّي أذكر ذلك ، ثمّ قال لغلامه ما عندك؟ قال : مائتي دينار وعشرة آلاف درهم ، قال : ادفعها إليه ، وما أراها تفي بحقه عندنا. فقال الرجل : لو لم يكن لإسماعيل


ولد غيرك لكان فيك كفاية ، فكيف وقد ولد سيّد الأولين والآخرين ثمّ شفع بك وبأبيك »(1) .

وختام القول فهو كان يرى الإنفاق في اعالة بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله أحبَ إليه من حجة بعد حجة ، ويرى هدية طبق بدانق يهديه إلى أخ له في الله أحب من دينار ينفقه في سبيل الله ( عزّ وجلّ )(2) ألم يرو لنا مؤرج السدوسي المتوفى سنة 195 في كتابه حذف من نسب قريش قوله : « وكان منادٍ ينادي بمكة : من يريد العلم واللحم فليأت منزل عبد الله بن عباس »(3) .

وقد مرت بنا في تاريخه بالبصرة أيام ولايته ، وفي أيام ابن الزبير في حكومته شواهد أخرى دالة على جوده وسخائه.

الأدب الرفيع والخُلق العالي :

لقد وردت شواهد منثورة دالة على تعامله مع الناس على أختلاف مشاربهم ومواهبهم ، وإنّا إذ نسوقها ذكراً دون تعقيب منا عليها ، لوضوح دلالتها على خلقه العالي الرفيع في سعة الصدر لاحتمال الأذى ، ومنتهى الأدب في تكريم من يستحق التكريم وإن كان من شرائح المجتمع الدون حسب أعراف المجتمع يومئذ ، وبذلك السلوك الشخصي فرض احترامه واكتسب الثناء عليه ، وفيما ورد شعراً ونثراً من مديح أثنى الناس به عليه ما يعبّر عن مبلغ إعجابهم وعظيم تقديرهم.

ولعل أهم شرائح المجتمع الّتي يخشى الناس حصائد ألسنتهم ، وبوادر نزواتهم ، هم زمرة الشعراء ومنهم الهجاؤن خاصة ، ممّن لم تسلم أعراض الناس

____________________

(1) زهر الربيع / 326 ط بمبئ سنة 1342.

(2) البيان والتبيين 1 / 284.

(3) حذف من نسب قريش / 8.


من شتمهم ، وهؤلاء لم يكن ابن عباس بمنأى عنهم ، ولا كان مجهولاً عندهم ، فقد كانوا يأتونه مسترفدين فلا يفسح لهم رحابه ، بل ويعاقبهم بالمنع والتأنيب ، ولا ننسى خبر الشاعر الهجّاء ابن فسوة حين وفد عليه بالبصرة أيام ولايته ، فحرمه وحبسه ثمّ سيّره منها ، فتناوله بهجائه المقذع ، ممّا جعل الإمام الحسن ( عليه السلام ) وعبد الله بن جعفر يعطيانه ليسكت عن ابن عمهما ، إلاّ أنّ الهجّاء الخبيث لم يزل فيما يبدو على سجيته ـ كالطينة السوداء في خبث سجاياها ـ فدعا عليه ابن عباس فأخرس لسانه ، وقد مرّ حديثه فلا حاجة بنا إلى إعادته.

إذن فابن عباس بالرغم ممّا كان عليه من جود بالمال وسخاء طبع ، وقد مرت الشواهد قبل هذا ـ لم يكن يعطي ويمنع لغرض التمجيد والتكريم ليستمطر المديح والثناء ، بل كان يرى في المنع والعطاء ما يسمح له به الشرع ، فهو لا يأبه بشاعر إلاّ بقدر ما يسمح له به دينه ، لئلا يكون في إعطائه معونة على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن.

والآن إلى نماذج من سلوكه الشخصي مع الشعراء ، ثمّ مع العلماء ، ثمّ مع سائر الناس.

فمع الشعراء :

إنّما قدمت ذكرهم على العلماء لأنّهم كما قلت شريحة من شرائح المجتمع تخشى بوادرهم ، وهم بعدُ( فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ) (1) كما وصفهم القرآن الكريم ، وكانوا مع ابن عباس في مكة والمدينة يعيشون في مجتمع واحد ويجدون عنده ضالّتهم في تمييز أشعارهم ، فقد كانت مدرسته تضم في مناهجها

____________________

(1) الشعراء / 225.


ـ ان صح التعبير ـ منهج النقد الأدبي ، وسيأتي في الحلقتين الثانية والثالثة ، ما يعزّز ذلك ، لذلك فهم حضور عنده إن لم يكونوا بأشخاصهم فبأشعارهم. وهم إن حضروا عنده يستظلون بظلاله الوارف أدباً وخُلقاً. وربما تأثر بعضهم في اتجاهاته. والآن إلى نموذجين فريدين منهم ، أولهما عمر بن أبي ربيعة المعروف بشاعر الغزل وثانيهما الحطيئة الشاعر الهجّاء الّذي لم يسلم من هجائه حتى أبويه بل وحتى نفسه(1) .

1 ـ مع ابن أبي ربيعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة :

روى أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني بسنده عن عمر الزكاء وهشام ابن الكلبي قالا : « بينا ابن عباس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه ، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين ممصّرين ، حتى دخل وجلس ، فأقبل عليه ابن عباس ، فقال له عمر متّعني الله بك إنّ نفسي قد تاقت إلى قول الشعر ، ونازعتني إليه ، وقد قلت منه شيئاً أحببت أن تسمعه وتستره عليّ. فقال : أنشدني فأنشده :

أمن آل نُعم أنت غاد فمبكر

غداة غدٍ أم رائحٌ فمهجّرُ

حتى أتى على آخرها. فقال ابن عباس : أنت شاعر فقل ما شئت. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال : الله يا بن عباس إنّا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي

____________________

(1) قال الدكتور شوقي ضيف في تاريخ الأدب العربي في العصر الإسلامي / 99 ط دار المعارف : وتروى له أهاج في زوج أمه وفي أمه وفي ضيفانه وكلّها مزاح حتى لنراه يمزح مع نفسه فيقول :

أرى لي وجهاً شوّه الله خلقه

فقُبّح من وجه وقُبّح حامله


البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا ، ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك :

رأت رجلاً مّا إذا الشمس عارضت

فيخزي وإمّا بالعشي فيخسرُ

فقال : ليس هكذا قال ، قال : فكيف قال؟ فقال قال :

رأت رجلاً مّا إذا الشمس عارضت

فيضحى وإمّا بالعشي فيخصرُ

فقال : ما أراك إلاّ قد حفظت البيت!؟

فقال : نعم وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتكها؟ قال : فإني أشاء. فأنشده إياها حتى أتى على آخرها »(1) .

ـ وفي رواية عمر بن شبة : أنّ ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها ، ثمّ أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة ، وما سمعها قط إلاّ تلك المرّة صفحاً ـ قال الراوي وهذا غاية الذكاء ـ فقال له نافع : يا بن عباس أسمعت هذا الشعر قبل اليوم؟ قال : لا وربّ هذه البنية.

قال : ما رأيت أحفظ منك! قال : لو رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ.

وفي رواية في الأغاني : « انّه قال بعضهم : ما رأيت أذكى منك قط ، فقال : ولكنني ما رأيت قط أذكى من عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه ، رأيت احفظ مني ، كان ليصلي ، فيدع الآية ثمّ يركع ثمّ يقوم ، فإذا قال :( وَلا الضَّالِّينَ ) رجع إلى الموضع الّذي ركع فيقرأها وينظم انتظاماً ، لا يعلم أحد ممّن رآه ما صنع إلاّ حافظ كتاب الله تعالى ».

____________________

(1) الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني 1 / 32 و 36 ط بولاق.


قال عمر بن شبة وأبو هفان والزبير بن بكار وغيرهم : ثمّ التفت ابن عباس إلى ابن أبي ربيعة فقال : أنشدنا ، فأنشده : تشط غداً دار جيراننا. وسكت ، فقال ابن عباس : وللدار بعد غدٍ أبعد ، فقال له عمر : والله كذلك قلت أصلحك الله أفسمعته؟ قال : لا ، ولكن كذلك ينبغي أن يكون كذلك.

وفي آخر حديث الزبير : إنّ ابن عباس كان كثيراً ما يقول بعد ذلك : هل أحدث هذا المغيري شيئاً بعدنا؟ ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة فقال : إنّها ( أمن آل نعم ) يستجيدها(1) .

2 ـ مع الحطيئة في المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة :

روى أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني بسنده قال : « بينا ابن عباس جالس في مجلس رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بعد ما كفّ بصره ، وحوله ناس من قريش ، إذ أقبل أعرابي يخطر وعليه مطرفة خزّ وجبّة وعمامة خزّ ، حتى سلّم على القوم ، فردّوا عليه السلام فقال : يا بن عم رسول الله أفتني ، قال : فيماذا؟ قال : أتخاف عليّ جناحاً إن ظلمني رجل فظلمته وشتمني فشتمته ، وقصّر بي فقصّرت به؟

فقال ابن عباس : العفو خير ، ومن انتصر فلا جناح عليه.

فقال : يا بن عم رسول الله ، أرأيت أمرؤاً أتاني فوعدني وغرّني ومنّاني ، ثمّ أخلفني واستخف بحرمتي أيسعني أن أهجوه؟

____________________

(1) قارن نهاية الارب للنويري 7 / 138 ط دار الكتب ، والعمدة لابن رشيق 2 / 31 ، وبدائع البدائه لابن ظفر المكي / 34 ، وإنّما استنكر نافع سماع ابن عباس للقصيدة لأنّه فيما أرى انطلاقاً من مبدء الخوارج في التقشف الجاف لما في القصيدة من تصوير لمتعة ليلية يمسيها عمر بن أبي ربيعة مع فتيات غامر معهن حتى الصباح على غير إثم حرام؟ ثمّ ينشدها في المسجد الحرام لابن عباس وهو في شرفه وعلمه وسنه ، ثمّ ابن عباس يحفظها ويرويها ، فذلك ما حدا بنافع بن الأزرق إلى تحوير في مطلعها مستنكراً بما يلائم مبدأه ، لكن ابن عباس رفض ذلك وصحّح المعلومة ، ولعله أراد أن يشعره بأنه من اللهو المباح والخيال الّذي لا يتعدى عفة النفس وفسق الألسن.


قال : لا يصلح الهجاء ، لأنّه لابدّ لك من أن تهجو غيره من عشيرته ، فتظلم من لم يظلمك ، وتشتم من لم يشتمك ، وتبغي على من لم يبغ عليك ، والبغي مرتع وخيم ، وفي الصفح ما قد علمت من الفضل.

قال : صدقت وبررت ، فلم ينشب أن أقبل عبد الرحمن بن سيحان المحاربي حليف قريش ، فلمّا رأى الأعرابي أجلّه وأعظمه وألطف في مسألته ، وقال : قرّب الله دارك يا أبا مليكة.

فقال ابن عباس : أجرول؟ ـ وهو اسم الحطيئة ـ قال : جرول ، فإذا هو الحطيئة.

فقال ابن عباس : لله أنت أي مردي قذائف وذائد عن عشيرته ومن بعارفة تؤتاها أنت يا أبا مليكة! والله لو كنت عركت بجنبك بعض ما كرهت من امر الزبرقان كان خيراً لك ، ولقد ظلمت من قومه من لم يظلمك وشتمت من لم يشتمك.

قال : اني والله بهم يا أبا العباس لعالم. قال : ما أنت بأعلم بهم من غيرك.

قال : بلى والله يرحمك الله ، ثمّ أنشأ يقول :

أنا ابن بجدتهم علماً وتجربة

فسل بسعد تجدني أعلم الناس

سعد بن زيد كثير إن عددتهم

ورأس سعد بن زيد آل شمّاس

والزبرقان ذناباهم وشرّهم

ليس الذنابى أبا العباس كالرأس

فقال ابن عباس : أقسمت عليك أن تقول خيراً. قال : أفعل.

ثمّ قال ابن عباس يا أبا مليكة من أشعر الناس؟ قال : أمن الماضين أم من الباقين؟

قال : من الماضين. قال الّذي يقول :

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

يفره ومن لا يتق الشتم يشتم


وما بدونه الّذي يقول :

ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمّه

على شَعثٍ أي الرجال المهذّبِ

ولكن الضراعة أفسدتهما كما أفسدت جرولاً ـ يعني نفسه ـ والله يا بن عم رسول الله لولا الطمع والجشع لكنت أشعر الناس الماضين ، فأمّا الباقون فلا تشكك أنّي أشعرهم وأصردهم سهماً إذا رميت »(1) .

3 ـ مع زهير :

لقد مرّ بنا في الجزء الثاني في عهد عمر صورة من رجوعه إلى ابن عباس في معرفة أشعر الناس فأجابه وكان ذلك هو زهير بن أبي سلمى ، كما مرّ بنا أيضاً في الجزء الرابع صورة لنفس السؤال سأله اياه رجل في شهر رمضان بالبصرة ، فلم يجبه وأحال في الجواب على أبي الأسود الدؤلي ، وقد رواه أبو الفرج في الأغاني فقال : « قام رجل إلى ابن عباس فقال : أي الناس أشعر؟ فقال ابن عباس : أخبره يا أبا الأسود ، فقال : الّذي يقول :

وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع

فإنّك كالليل الّذي هو مدركي

وهذا من شعر النابغة الذبياني. ولم يرو أنّ ابن عباس ردّ عليه رأيه أو ناقشه ، وقد يتخيل تبدّل رأيه فيمن هو أشعر الناس ، ولكن فيما أرى ليس كذلك ، بل إنّما سكت تحرّجاً وكراهية الخوض في الشعر في شهر رمضان ، لذلك فلم يجب السائل أوّلاً ، ولم يعقّب على رأي أبي الأسود ثانياً. إعظاماً لحرمة( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان ) (2) »(3) .

____________________

(1) الأغاني 2 / 55 ط بولاق.

(2) البقرة / 185.

(3) الأغاني 2 / 55 ط بولاق.


4 ـ مع حسان :

روى أبو الفرج في الأغاني بسنده عن سعيد بن جبير قال : « كنا عند ابن عباس فجاء حسان فقالوا قد جاء اللعين ، فقال ابن عباس : ما هو بلعين لقد نصر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بلسانه ويده.

وفي رواية ثانية : انّه جاء رجل إلى ابن عباس فقال : قد جاء اللعين حسان من الشام.

فقال ابن عباس : ما هو بلعين لقد جاهد مع رسول الله بلسانه ونفسه »(1) .

أقول : وفي النفس من هاتين الروايتين شيء يمنع من قبولهما ، وذلك هو دفاع ابن عباس عن حسان بأنه نصر أو جاهد بلسانه ويده أو نفسه ، إذ لا شك في جهاده ونصرته بلسانه ، ولكن جهاده بيده أو نفسه فليس كذلك ، إذ لم يذكر في تاريخه مرة واحدة انّه باشر حرباً مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ولا أدلّ على جبنه من قصته يوم الخندق حيث جعله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مع النساء في الأطم ، ولمّا أتى يهودي محاولاً الصعود إلى من فيه ، ندبته صفية بنت عبد المطلب لينزل إليه فيقتله ، امتنع ، فنزلت إليه بنفسها وقتلته ، ثمّ صعدت فقالت لحسان في سلبه ، فأبى خوفاً وفرّقا كما صرّح هو بذلك عن نفسه ، والقصة مشهورة إذن ، فلا يعقل أن يكون ابن عباس لم يعلم بها فكيف يصفه بأنه جاهد بيده ونفسه؟

5 ـ من كلام النبوة :

روى ابن قتيبة في عيون الأخبار بسنده عن طاووس عن ابن عباس قال : « إنّها كلمة نبيّ :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّد »(2)

____________________

(1) نفس المصدر 9 / 155 ط الساسي.

(2) عيون الأخبار 2 / 191.


أقول : وكلام ابن عباس مأخوذ من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد فقال : « وأنشد النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) هذا البيت فقال : هذا من كلام النبوة ولايعني من جنس كلام النبوة ولا في حكمته ، بل هو هو من كلام النبوّة ، وقد رد ابن عباس على زعم من قال أنّه من قول طرفة بن العبد البكري ـ ( والبيت برقم ( 102 ) من معلقته ، كما في ديوانه 44 ط برطرند في مدينة شالون سنة 1900 م بشرح الأعلم الشنتمري )

فقد روى أبو نعيم في ذكر أخبار اصبهان بسنده عن ابن عباس قال : « إنّ الناس يزعمون أنّ هذا قول طرفة ما قالها إلاّ نبيّ :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لم تُزوّد(1) »(2)

ثمّ مع سائر الناس :

كان ابن عباس يعدّ في سلوكه مع الآخرين نموذجاً فريداً بين الناس ، فهو في صبره واحتماله وجوامع سيرته يتعايش مع الآخرين على حسب مراتبهم في نظره. وهو يعيش الغيرية النبيلة الّتي لا تعرف الأنانية ولا النفعية.

قال ميمون بن مهران سمعت ابن عباس يقول : ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلاّ أنزلته احدى ثلاث منازل ، إن كان فوقي عرفت له قدره ، وإن كان نظيري تفضلت عليه ، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي فمن رغب عنها فأرض الله واسعة(3) وهذه سيرة مُثلى.

وشتمه رجل فقال : إنّك لتشتمني وفيّ ثلاث ، إنّي لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبّه ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً ، وإنّي لأسمع

____________________

(1) ذكر أخبار أصبهان 2 / 191 ط أفست ليدن.

(2) العقد الفريد لابن عبد ربه 5 / 271.

(3) صفوة الصفوة 1 / 317 ط حيدر اباد.


بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين فأفرح به وما لي بها من سائمة ولا راعية ، وإنّي لآتي على آية من كتاب الله فوددت أنّ المسلمين كلّهم يعلمون منها مثل ما أعلم(1) وهذه غيرية فاضلة عزّ نظيرها.

والشواهد على ذلك في أقواله وأفعاله كثيرة ، وفي أخباره المنثورة وحكمه المأثورة شواهد صدق ، نسوق بعضاً من أخباره مع الناس نتعرّف فيها خلقه الرفيع في مداراة الناس ومجاراتهم حسب مداركهم العقلية ، فلم يمنعه علمه وشرفه عن إجابة السائل عن مسألته وإن تكن في نظر الكثير ليست بذي بال أو تافهة ، وفي بعض تلك الشواهد نتعرف على جوانب من جامعيته العلمية فضلاً عن قدراته العقلية الّتي سيأتي الكلام عنها في الحلقتين الثانية والثالثة بعون الله.

وله مع ذلك الخلق الرفيع شجاعة على إنكار المنكر عز نظيرها عند غيره ممّن هو في سنّه ، بل فاق آخرين ممّن كانوا أكبر سناً منه ، ومرت بنا في تاريخه بعض الآثار والأخبار ، عالج فيها اصلاح مواضيع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية عجز عنها غيره ، وقد مرت شواهد كثيرة ، أهمها ما كانت مع الحاكمين ، فلم ترهبه سطوة الحكم ولم يخش بطش الظالمين وكان هو أشد جرأة مع من كانوا في نظره من المتطفلين الّذين اتخذوا الحديث وسيلة لاقتناص المغفّلين من المسلمين ، وحسبنا في المقام قوله : « كلما لعق أحدهم من الإسلام لعقة ، ذهب يقول : حدّثني رسول الله ، ووالله ما حدّثه رسول الله بشيء ، ولا هو ممّن يفقهون حديثاً »(2) .

وستأتي بعض الشواهد الأخرى من هذا النمط في الحلقات الآتية ان شاء الله.

____________________

(1) الاصابة 2 / 330 ، وصفوة الصفوة 1 / 317.

(2) من أين نبدأ / 52 خالد محمّد خالد ط الثامنة سنة 1954 وقد مرّ بلفظ آخر عن مجمع الزوائد ومعجم الطبراني.


أمّا الآن فإلى منثور الأخبار :

1 ـ خرّج ـ ابن وهب ـ عن الثوري : « أنّ رجلاً أتى إلى ابن عباس ( رضي الله عنهما ) فقال : أنا على هواك فقال له ابن عباس : الهوى كلّه ضلالة أي شيء أنا على هواك؟ »(1)

2 ـ روى أبو الفرج في الأغاني ، وثعلب في مجالسه(2) ، والنويري في نهاية الارب(3) ، والقيرواني في زهر الآداب(4) ، وأبو الطيب الوشاء الدؤلي في كتابه الموشّى(5) وغيرهم ، والخبر بلفظ الأوّل : بسنده عن أبي صالح قال : « كنت مع ابن عباس بعرفة فأتاه فتيان يحملون بينهم فتى لم يبق منه إلاّ خياله ، فقالوا له يا بن عم رسول الله ادع له ، فقال : وما به؟ فقال الفتى :

بنا من جوى الأحزان في الصدر لوعة

تكاد لها نفس الشفيق تذوب

ولكنما أبقى حشاشة مقولٍ

على ما به عودٌ هناك صليب

قال : ثمّ خفت في أيديهم ، فإذا هو قد مات.

فقال ابن عباس : هذا قتيل الحب لا عقل ولا قود.

قال أبو صالح : ثمّ ما رأيت ابن عباس سأل الله ( عزّ وجلّ ) في عشيته تلك إلاّ العافية ممّا به ذلك الفتى.

قال : وسألنا عنه فقيل : هذا عروة بن حزام »(6) .

____________________

(1) الاعتصام 3 / 25 ط المنار سنة 1332 هـ بمصر.

(2) مجالس ثعلب / 114.

(3) نهاية الأرب 2 / 182.

(4) زهر الآداب 4 / 131.

(5) الموشّى في الظرف والظرفاء 1 / 58.

(6) الأغاني 20 / 158.


3 ـ روى ابن حجر في الإصابة في ترجمة جندب بن عمرو بن حممة عن ابن دريد بسنده عن الشعبي قال : « كنا عند ابن عباس وهو في صُفة زمزم يفتي الناس إذ قام إليه أعرابي فقال : أفتيتهم فأفتنا.

قال : هات؟ قال : ما معنى قول الشاعر؟

لذي الحكم قبل اليوم ما تقرع العصا

وما عُلّم الإنسان إلاّ ليُعلما

فقال ابن عباس : ذاك عمرو بن حمممة الدوسي قضى بين العرب ثلثمائة سنة فكبر ، فألزموه السابع أو التاسع من ولده ، فكان إذا غفل قرع له العصا ، فلمّا حضره الموت اجتمع إليه قومه ، فأوصاهم بوصية حسنة فيها حَكَم »(1) .

4 ـ ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار والفائق : « أنّه أتى ابن عباس إنسانين من ولد أبي لهب ليصلح بينهما ، فوجأ أحدهما الآخر بخنجر ، فقال ابن عباس : أمّا أنا فأشهد أنّكما ممّا كسب »(2) .

وقد روى هذه القضية الحاكم النيسابوري والذهبي في تلخيصه بصورة أخرى عن أبي الطفيل قال : « كنت عند ابن عباس يوماً فجاء بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم ، فقام يصلح بينهم ، فدفعه بعضهم فوقع على الفراش فغضب ابن عباس وقال : أخرجوا عني الكسب الخبيث ، يعني ولد أبي لهب »(3) .

أقول : وهو يشير بذلك إلى ما جاء في القرآن الكريم في ذم أبي لهب في سورة تبت من قوله تعالى :( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) (4) .

____________________

(1) الإصابة 1 / 249 ط الأولى بنفقة عبد الحفيظ.

(2) ربيع الأبرار باب القرابات والأنساب / 3 نسخة الأوقاف المخطوطة ببغداد رقم 388 ، الفائق 2 / 129 ط حيدر آباد.

(3) مستدرك الحاكم 2 / 539.

(4) المسد / 1 ـ 2.


5 ـ ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار : « قال رجل من همدان لابن عباس ( رضي الله عنه ) : أبا عباس ممّن أنا؟ قال : انت رجل من العرب. قال : فمن أنت؟ قال : من سأل عنّا أهل البيت فإنّا من أهل كوثى(1) . الأصل آدم ، والكرم والتقوى ، والحسب الخُلق ، إلى هذا انتهت نسبة الناس »(2) .

6 ـ ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار والسمعاني في أنسابه قال : « متّ رجل إلى ابن عباس برحم بعيدة ، فألان له وقال : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : إعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم ، فإنّه لا قرب بالرحم إذا قُطعت وإن كانت قريبة ، ولا بُعد بها إذا وُصلت وإن كانت بعيدة »(3) .

7 ـ « سمع أعرابي ابنَ عباس يقرأ قوله تعالى :( وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ) (4) قال الأعرابي : والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها ، فقال ابن عباس : خذوها من غير فقيه »(5) .

8 ـ ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار : « أنّ رجلاً تكلم في مجلس ابن عباس فأكثر الخطأ ، فالتفت إلى عبدٍ له فأعتقه ، فقال الرجل : ما سبب هذا الشكر؟ قال : إذ لم يجعلني الله مثلك »(6) .

____________________

(1) كوثى : قرية قرب الكفل من نواحي الكوفة كان فيها مسكن إبراهيم الخليل ( عليه السلام ).

(2) ربيع الأبرار ( باب القرابات والأنساب ) / 3 نسخة الأوقاف المخطوطة ببغداد رقم 388 و 2 / 174 نسخة الرضوية.

(3) ربيع الأبرار ( باب القرابات والأنساب ) / 3 نسخة الأوقاف المخطوطة ببغداد رقم 388 و 2 / 181 نسخة الشيخ السماوي.

(4) آل عمران / 103.

(5) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 134 ، العقد الفريد 2 / 295 ، محاضرات الراغب 2 / 176 ، كشكول البحراني 1 / 394.

(6) ربيع الأبرار ( باب الجهل والنقص ) نسخة الرضوية ، وقارن نوادر الحمقى والمغفلين / 9.


9 ـ روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن عوف عن يزيد الفارسي قال : « رأيت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم في النوم زمن ابن عباس على البصرة ، قال : فقلت لابن عباس إنّي قد رأيت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فقال ابن عباس : فإنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم كان يقول : إنّ الشيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي فمن رآني في النوم فقد رآني ، فهل تستطيع أن تنعت هذا الرجل الّذي قد رأيت؟ قال : نعم ، أنعت لك رجلاً بين الرجلين ، جسمه ولحمه أسمر إلى البياض ، حسن المضحك ، أكحل العينين ، جميل دوائر الوجه ، قد ملأت لحيته ما لدُن هذه إلى هذه ـ وأشار بيده إلى صُدغيه ـ حتى كادت تملأ نحره.

قال عوف : ولا أدري ما كان مع هذا من النعت.

قال : فقال ابن عباس : لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا »(1) .

10 ـ ذكر الصفوري في نزهة المجالس : « أنّه كان في زمن ابن عباس رجل كثير المال ، فلمّا مات حفروا قبره فوجدوا فيه ثعباناً عظيماً ، فأخبروا ابن عباس بذلك ، فقال : احفروا غيره ، فحفروا فوجدوا الثعبان فيه حتى حفروا سبعة قبور ، فسأل ابن عباس أهله عن حاله ، فقالوا : إنّه كان يمنع الزكاة ، فأمرهم بدفنه معه »(2) .

11 ـ ذكر الصفوري أيضاً في نزهة المجالس : « أنّ رجلاً قال لابن عباس : إنّي كثير النسيان ، فقال له : عليك بالكُندر ، انقعه ليلاً ثمّ اشربه على الريق فإنّه يمنع النسيان »(3) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى 1ق 2 / 125 ط ليدن.

(2) نزهة المجالس 1 / 115.

(3) نفس المصدر 1 / 36.


12 ـ ذكر الراغب الاصبهاني في محاضراته : « أنّ ابن عباس رأى رجلاً يتظلف عن ذكر السوأتين فقال : ( ان تصدق الطير ننك لميسا ) ودخل في الصلاة. يريد أنّ ذكر ذلك ممّا لا يحرج »(1) .

أمّا ابن قتيبة في عيون الأخبار(2) ، وابن منظور في لسان العرب ، والزبيدي في تاج العروس ، وغيرهم ذكروا : أنّه كان محرماً فأخذ بذنب ناقة من الركاب وهو يقول :

إن يصدق الطير ننك لميسا

وهنّ يمشين بنا هميسا

فقيل له يا أبا العباس أترفث وأنت محرم؟ فقال : إنما الرفث ما روجع به النساء.

فرأى ابن عباس في الرفث الّذي نهى الله تعالى عنه بقوله :( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (3) هو ما خوطبت به المرأة وقيل عندها عند الملاعبة ، وأمّا غير ذلك فغير داخل في النهي عنه في الحج.

13 ـ ذكر ابن قتيبة في عيون الأخبار : « خطب رجل إلى ابن عباس يتيمةً له فقال ابن عباس : لا أرضاها لك ، قال : ولم؟ وفي حجرك نشأت؟ قال : لأنّها تتشرف(4) وتنظر ، قال : وما هذا فقال ابن عباس : الآن لا أرضاك لها »(5) .

14 ـ أخرج الصدوق في أماليه بسنده عن عبابة بن ربعي قال : « إنّ شاباً من الأنصار كان يأتي عبد الله بن عباس ، وكان عبد الله يكرمه ويدنيه ، فقيل

____________________

(1) المحاضرات للراغب الأصبهاني 2 / 116.

(2) عيون الأخبار 1 / 321 ط دار الكتب.

(3) البقرة / 197.

(4) أي تتطلع.

(5) عيون الأخبار 4 / 16.


له : إنّك تكرم هذا الشاب وتدنيه ، وهو شاب سوء يأتي القبور فينبشها بالليالي فقال عبد الله بن عباس إذا كان ذلك فأعلموني ، قال : فخرج الشاب في بعض الليالي يتخلل القبور فأعلم عبد الله بن عباس بذلك ، فخرج لينظر ما يكون من أمره ، ووقف ناحية ينظر إليه من حيث لا يراه الشاب ، قال : فدخل قبراً قد حفر ، ثمّ اضطجع في اللحود ونادى بأعلا صوته : يا ويحي إذا دخلت لحدي وحدي ، ونطقت الأرض من تحتي ، فقالت : لا مرحباً بك ولا أهلاً ، قد كنت أبغضك وأنت على ظهري ، فكيف وقد صرت في بطني ، بل ويحي إذا نظرت إلى الأنبياء وقوفاً والملائكة صفوفاً ، فمن عدلك غداً من يخلصني؟ ومن المظلومين من يستنقذني؟ ومن عذاب النار من يجيرني؟ عصيت من ليس بأهل أن يُعصى ، عاهدت ربّي مرة بعد أخرى ، فلم يجد عندي صدقاً ولا وفاءاً ، وجعل يردد هذا الكلام ويبكي ، فلمّا خرج من القبر ، التزمه ابن عباس وعانقه ثمّ قال له : نعم النباش نعم النباش ، ما أنبشك للذنوب والخطايا ، ثمّ تفرقا »(1) .

15 ـ ذكر التوحيدي في البصائر والذخائر : « إنّ عبد الله بن عباس أرعى رجلاً من العرب أبلاً له فأسمنها وردّها كأنها قصور أو عذارى حور ، فقال : كيف تراها ، فقال الراعي تسر الناظر ، وتخصب الزائر. قال : فإنّها لك ولك أجرك ، فبكى الأعرابي ، فقال له : ما يبكيك؟ فقال : أبكي ضنّاً بهذا الوجه أن يعفّر في التراب ، فقال ابن عباس : لهذا القول أحسن من قصيدة »(2) .

____________________

(1) أمالي الصدوق / 294 ط الحيدرية.

(2) البصائر والذخائر للتوحيدي / 200.


16 ـ روى البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد : « أنّ ابن عباس كان يسمي عبيده بأسماء العرب ، عكرمة وسميع وكريب ، وانه قال لهم تزوجوا ، فان العبد إذا زنى نزع منه نور الإيمان ، ردّ الله عليه بعد أو أمسكه »(1) .

شخصية ابن عباس :

لقد كانت في تاريخه عدة جوانب رئيسية لشخصيته ، وقد مرّ بنا منها ما قرأناه عبر تاريخ حياته الطويل ، فعرفناه شخصية فذة توحي بملامح رئيسية ، ربانية في السلوك والتربية ، سياسية في الحزم والحكم ، ثقافية في العلم والمعرفة ، لكل من تلك الملامح أبعاد وأبعاض ، تكشف عن عظيم شخصيته. والآن فلنذكر بعض الشواهد على آثار تلك الملامح في تأثير شخصيته عند الآخرين.

ربانيته في السلوك والتربية :

لقد مرّت بنا في الجزء الأوّل شواهد عند الحديث عن نشأته وأخلاقه ، وقرأنا فيها بعض ما يشير إلى ملامح ربانية في سلوكياته في نفسه ومع غيره ، وثمة الآن بعض الشواهد الأخرى ممّا لم يتقدم لها ذكر ، وهي تمتاز بنقاوة مفاهيمها عنده وان غايرت المغروس في أذهان بعض الناس عن بعض تلك المفاهيم ، فمثلاً عندما نتحدث عن زهده وورعه وعن تقواه وإيمانه وعن عبادته وخشوعه لا نريد سوى الحديث عمّا كان عليه من الأخذ بمبادئ الإسلام النقيّة في توجيه ذاته ، في تهذيب الأنانية حتى نمت عنده الغيرية القائمة على أساس متين من الوظائف العبادية ، فعمل على تنمية روح الجماعة في النفس ، وأشاع فيضها في التعاطف والتماسك مع الغير ، مع الخشية من الله تعالى والتقرّب إليه والإيمان به

____________________

(1) شعب الإيمان 2 / ورقة 115 أ نسخة مصورة ميكروفلم بمكتبتي.


وحده ، وهذا ما لمسناه في صَلاته وصِلاته ، وفي أسرته وفي أمّته ، وذلك هو منهج الإسلام الّذي كان هو أحد سدنته ، وحاملي رسالته.

ونعود إلى ذكر الشواهد الّتي ألمحنا إليها وانّها قد تغاير ما يألفه الناس ، فمثلاً عندما نصفه بالزهد ، وقد عرف الناس الزاهد مَن كان معرضاً عن الدنيا ولذائذها وطيبات الحياة ، واكتفى بلبس المسوح والصوف ، بينما كان ابن عباس يلبس الرداء وقد اشتراه بألف(1) . فأين منه الزهد الّذي يعرفه الناس؟ لكننا إذا تأمّلنا قوله : « لأن أرقّع ثوباً فألبسه فيرفعني عند الله أحبّ إليَّ من أن ألبس ثياباً تضعني عند الخالق وترفعني عند المخلوقين »(2) . فالميزان عنده ليس هو لبس الثياب ، بل هو الرفعة عند الله تعالى لينال بها الثواب ، وهنا أدركنا معنى الزهد الحقيقي الّذي كان يعمر قلبه.

ونزداد إيماناً بذلك حين نقرأ قوله الآخر : « كلّ ما شئت وألبس ما شئت إذا ما أخطأك اثنتان إسراف ومخيلة »(3) .

وقوله الثالث : « ثلاث من كنّ فيه فقد استحق ولاية الله ، حلم أصيل يدفع به سفه السفيه ، وورع يمنعه عن المعاصي ، وحسن خلق يداري به الناس »(4) .

وقوله الرابع : « من لم تكن فيه ثلاث خصال فلا توافه : ورع يحجزه عن معاصي الله ، وحلم يطرد به فحشه ، وخلق يعيش به »(5) .

____________________

(1) أنظر العقد الفريد 1 / 328 ، وربيع الأبرار باب اللباس والحلي.

(2) أنظر اللمع في التصوف / 136.

(3) أنظر عيون الأخبار لابن قتيبة 3 / 296 ، ربيع الأبرار للزمخشري باب اللباس والحلى ، محاضرات الراغب 1 / 300 و 2 / 156.

(4) أنظر نزهة المجالس للصفوري 1 / 175 ط مصر.

(5) أنظر المجتنى لابن دريد / 64 ط حيدر آباد.


وهذا جميعه يلقي الضوء على منهجه المستقيم في الحياة.

وما أبلغ كلمته في الغيرية القائمة على مبادئ الإسلام القيمة حين يقول لرجل وقد سبّه : « أتسبّني وفيَّ ثلاث خصال » وقد مرّت في أوّل شواهد سلوكه مع الناس ، كما أنّه ليس دونها قوله : « لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله ، أحبّ إليَّ من حجة بعد حجة ، ولطبق بدانق أهديه إلى أخ لي في الله ( عزّ وجلّ ) أحبّ إليَّ من دينار أنفقه في سبيل الله ( عزّ وجلّ ) »(1) .

ونكتفي بهذه الشواهد للتدليل على سلوكيته في نفسه ومع غيره ، وأنّها قائمة على مبادئ الإسلام ، وأخرى لم نأتِ عنه بفلسفة جدلية يصعب فهمها ، إنّما الّذي ذكرناه يندر ويصعب وجدانه عند الكثير من الناس.

ولو تدبرنا كلمته في أساس الدين ، عرفنا مبلغ علمه وكمال عقله ومنتهى بصيرته في سلوكه ، فقد قال : « أساس الدين على العقل ، وفرضت الفرائض على العقل ، وربّنا يعرف بالعقل ، ويتوسّل إليه بالعقل ، والعاقل أقرب إلى ربّه من جميع المجتهدين بغير عقل ، ولمثقال ذرّة من برّ العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام »(2) .

أمّا إذا أردنا الإلمام بملامح دالة على ورعه وتقواه وانحاء عبادته فعلينا أن نقرأ أوّلاً بعض أقوال معاصريه ومنهم بعض تلامذته الّذين هم أكثر الناس إحاطة وخبرة بأحواله في سفره وحضره.

1 ـ عن ابن أبي مليكة قال : « صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة ومن المدينة إلى مكة ، وكان يصلي ركعتين فإذا نزل قام شطر الليل ويرتّل القرآن

____________________

(1) أنظر حلية الأولياء لأبي نعيم 1 / 328 ، وصفوة الصفوة 1 / 318.

(2) روضة الواعظين للفتال / 9.


يقرأ حرفاً حرفاً ، ويكثر في ذلك النشيج والنحيب ، ويقرأ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) (1) »(2) . وجاء نحو ذلك عن طاووس كما في التذكار للقرطبي.

2 ـ قال طاووس اليماني : « ما رأيت أحداً كان أشدّ تعظيماً لحرمات الله تعالى من ابن عباس ، والله لو أشاء إذا ذكرته أن أبكي لبكيت »(3) .

3 ـ قال أبو رجاء العطاردي : « رأيت ابن عباس وأسفل عينيه مثل الشراك البالي من البكاء »(4) .

وقال مرّة : « كان في وجه ابن عباس خطان من أثر الدموع »(5) .

4 ـ قيل للحسن ـ البصري ـ يا أبا سعيد إنّ قوماً زعموا أنّك تذم ابن عباس ، فبكى حتى أخضلّت لحيته ثمّ قال : « إنّ ابن عباس كان من الإسلام بمكان ، ان ابن عباس كان من القرآن بمكان ، وكان والله له لسان سؤول وقلب عقول ، وكان والله مثجاً يسيل غربا »(6) .

5 ـ ذكر أبو الجوزاء عن ابن عباس صلاة التسبيح وقال : « انّه لم يكن يدع هذه الصلاة كلّ يوم جمعة بعد الزوال وأخبر بفضلها ما يجل عنه الوصف ».

____________________

(1) ق / 19.

(2) شعب الإيمان للبيهقي 1 / ورقة 29 أ نسخة مصورة ميكروفيلم بمكتبتي ، وسير أعلام النبلاء 3 / 236 ، والتذكار للقرطبي / 141.

(3) المعرفة والتاريخ للفسوي 1 / 542.

(4) سير أعلام النبلاء 3 / 236.

(5) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 295.

(6) البيان والتبيين للجاحظ 1 / 85 تح ـ هارون ، ولسان العرب ( ثج غرب ) وفيه كان من العلم بمكان.


وروي عن عطاء : « أنّ رجلاً دخل على ابن عباس وبين يديه المصحف وهو يبكي وقد أتى على هذه الآية إلى آخرها :( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (1) .

فقال ابن عباس : قد علمت أنّ الله أهلك الّذين أخذوا الحيتان وأنجى الّذين نهوهم ، ولا أدري ما صنع بالذين لم ينهوهم ولم يواقعوا المعصية ، وهي حالنا »(2) .

أمّا الحديث عن أنحاء عباداته فمن نافلة القول الإسهاب فيه ، وحسبنا ما مرّ من عكوفه على التهجّد ليلاً بالصلاة وتلاوة القرآن.

ولا ننسى قوله : « ركعتان مقتصدتان خير من قيام ليلة والقلب ساه »(3) . وفي عوارف السهروردي : « ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة »(4) .

وقوله : « لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام »(5) .

كما لا ننسى قوله في تلاوة القرآن : « لأن أقرأ البقرة وآل عمران في ليلة أرتّلهما وأتدبّرهما وأتفكر فيهما أحبّ إليَّ من أن اقرأ القرآن كلّه هذرمة » هكذا ورد اللفظ في ربيع الأبرار(6) ، وصفوة الصفوة(7) ، وشرح النهج للمعتزلي(8) ،

____________________

(1) الأعراف / 165.

(2) التبيان للطوسي 5 / 19.

(3) رواه ابن أبي الدنيا في التفكر نقلاً عن موسوعة آثار الصحابة 3 / 48 ، والغزالي في الإحياء 3 / 214 و 4 / 364.

(4) أتحاف السادة المتقين 3 / 44.

(5) منهاج العابدين للغزالي / 35 ط مصر سنة 1327 ، وطبقات الشعراني 1 / 22.

(6) ربيع الأبرار باب الدين وما يتعلّق به ( نسخة الرضوية ونسخة السماوي ).

(7) صفوة الصفوة 1 / 317.

(8) شرح النهج للمعتزلي 2 / 477.


والمستظرف للأبشيهي(1) . إلاّ أنّ عبد الرزاق في المصنف بلفظ : « لأن أقرأ البقرة وأرتلها أحبّ إليَّ من أن أهذّ القرآن كلّه »(2) .

ومهما يكن اللفظ فقد دلّ على التزام في أدب التلاوة ، وترغيب في أدب التعليم للآخرين ، وهو في هذا كان نموذجاً فذّاً ، حيث كان من رأيه على حد قوله : « تذاكر العلم بعض ليلة أحبّ إليَّ من إحيائها » ، وعقب على هذا القول منه ابن القيّم فقال : « وفي مسائل إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل قوله : تذاكر العلم بعض ليلة الخ أيّ علم أراد؟

قال : هو العلم الّذي ينتفع به الناس في أمر دينهم ، قلت : في الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحوها؟

قال : نعم. وقال لي إسحاق بن راهويه هو كما قال أحمد »(3) .

وأتاه رجل فقال يا بن عباس كيف صومك؟ قال أصوم الإثنين والخميس ، قال : ولم؟ قال : لأنّ الأعمال ترفع فيها وأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم(4) .

وروى البيهقي في شعب الإيمان خبر اعتكافه في المسجد النبوي الشريف وإنّ رجلاً أتاه في حاجة فخرج معه لقضائها ، ثمّ روى ما دلّ على فضل قضاء الحاجة على فضل الأعتكاف ، وذكر في ذلك حديثاً عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ودمعت عيناه عند ذكر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم )(5) . وسوف نذكر الخبر بتمامه في الحلقة الثالثة في فقهه إن شاء الله.

____________________

(1) المستظرف للأبشيهي 1 / 18.

(2) المصنف لعبد الرزاق 2 / 489.

(3) أتحاف السادة المتقين للزبيدي 1 / 138 ط دار الكتب العلمية بيروت.

(4) سير أعلام النبلاء 3 / 236.

(5) شعب الإيمان 2 / ورقة 29 أ نسخة مصورة ( ميكروفلم ) بمكتبتي.


إلاّ أنا سنذكره الآن برواية أبي نعيم في كتابه ذكر أخبار اصبهان : فقد روى بسنده عن عطاء عن ابن عباس أنّه كان معتكفاً ودخل عليه رجل فسلّم عليه ، فقال له ابن عباس : أراك حزيناً كئيباً؟ قال : نعم يا بن عم رسول الله ، لفلان عليَّ حقّ ، لا وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه. قال : أولا اُكلّمه لك؟ قال : إن أحببت ، قال : فانتعل ابن عباس وخرج من المسجد ، وقال له الرجل : أنسيت ما كنتَ فيه؟ قال : لا ولكن سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب ـ يقول : ( من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان أفضل من اعتكاف عشر سنين ، ومن اعتكف ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ممّا بين الخافقين )(1) .

كما روى البيهقي أيضاً في شعب الإيمان عن محمّد بن عطاء قال : « دخل ابن عباس حجرة خالته ميمونة بعد الجمعة فجاء سائل فقام على الباب فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته ، فقال ابن عباس : انتهوا بالتحية إلى ما قال الله ( عزّ وجلّ ) : ( و )( رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ) (2) .

ثمّ قال ابن عباس : ما آسي على شيء فاتني من الدنيا إلاّ أني لم أحج ماشياً حتى أدركني الكبر ، أسمع الله تعالى يقول :( يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) (3) »(4) .

وقد أخرج الطبراني في معجمه عنه قوله لبنيه : « يا بني أخرجوا من مكة حاجين مشاة فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : ( إنّ

____________________

(1) ذكر أخبار اصبهان لأبي نعيم 2 / 89 ط أفست عن ليدن.

(2) هود / 73.

(3) الحج / 27.

(4) شعب الإيمان 2 / ورقة 30 / أ.


للحاج الراكب بكلّ خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة ، والماشي بكلّ خطوة سبعمائة حسنة ) »(1) .

ما روي عنه من الدعاء وآدابه :

لقد روي عنه في هذا الباب كثيراً مرفوعاً عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، ونجد بعض ذلك روي موقوفاً ، وفي نظري القاصر أنّه في هذا هو أيضاً بحكم الرفع لأنّه من أين تلقّاه؟ ومن الّذي ربّاه؟ أليس قد مرّت بنا في الجزء الأوّل شواهد اختصاصه بمدينة العلم رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ثمّ من بعد بباب مدينة علمه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فحمل عنهما ما وسعه فهمه ، ففاض بذلك علمه ، إذن لا مشاحّة لو رأينا بعض الموقوف في مصدر مرفوعاً في مصدر آخر.

نعم هناك مرويات عنه ظاهرة الوقف نحو قوله في هذا المجال : « كان رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم إذا دعا جعل باطن كفه إلى وجهه »(2) ، وقوله : « إياك والسجع في الدعاء فإني شهدت النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم وأصحابه لا يفعلون ذلك »(3) .

أو مرفوعة متبوعة منه بقول نحو قوله : « كان النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم إذا نظر في المرآة يقول : ( الحمد لله ربّ العالمين الّذي خلقني وسوّى خلقي وجعلني بشراً سويّا ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ).

قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) : فما تركتها منذ سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم. ثمّ قال : لا يمسّ وجه من قالها سوءٌ أبداً »(4) ، إلى غير ذلك.

____________________

(1) المعجم الكبير 12 / 9 ط الموصل.

(2) المعجم الكبير للطبراني 11 / 344 ط الموصل.

(3) نهاية الإرب للنويري 5 / 285 ط دار الكتب بمصر.

(4) نفس المصدر 5 / 314.


ومن شواهد ما روي عنه موقوفاً في مصدر كما روي عنه مرفوعاً في مصدر آخر ما ورد في كيفية الدعاء ، حيث روي موقوفاً بلفظ عند ابن قتيبة عنه ، قال : « الإخلاص هكذا : وبسط يده اليمنى وأشار بإصبعه من يده اليسرى.

والدعاء هكذا : وأشار براحتيه إلى السماء.

والإبتهال هكذا : ورفع يديه فوق رأسه ظهورها إلى وجهه »(1) .

ورواه ابن عبد ربه أيضاً باستبدال اليمنى باليسرى وبالعكس في المقامين موقوفاً(2) غير أنّ النويري ذكر ذلك عنه مرفوعاً فقال : « وعن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم قال : الإخلاص هكذا ورفع اصبعاً واحداً من اليمنى ، والدعاء هكذا وجعل بطونهما ممّا يلي السماء ، والابتهال هكذا ومدّ يديه شيئاً وجعل ظهر الكف ممّا يلي السماء »(3) .

وممّا روي عنه مرفوعاً وموقوفاً الدعاء الّذي رواه عنه سعيد بن جبير ، وأخرجه الطبراني في معجمه بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو بك فقل : الله أكبر الله أكبر من خلقه جميعاً ، الله أعزّ ممّا أخاف وأحذر ، أعوذ بالله الّذي لا إله إلاّ هو الممسك السماوات السبع أن تقعن على الأرض إلاّ بإذنه ، من شرّ عبدك ـ فلان ـ وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والأنس ، إلهي كن لي جاراً من شرّهم ، جلّ ثناؤك ، وعزّ

____________________

(1) عيون الأخبار 2 / 283 ط دار الكتب بمصر.

(2) العقد الفريد 3 / 221 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(3) نهاية الارب 5 / 84 ط دار الكتب بمصر ، ورويت الكيفية عنه بلفظ آخر في نزهة المجالس للصفوري 1 / 152 و 2 / 43 ( إذا أشار أحدكم باصبع واحدة فهي الإخلاص في الدعاء ، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء ، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظهرهما ممّا يلي وجهه فهو الابتهال ).


جارك ، وتبارك اسمك ، ولا إله غيرك. ثلاث مرات »(1) . وهذا ما رواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال : « ورجاله رجال الصحيح »(2) .

كما رواه أبو نعيم في حليته بتفاوت يسير(3) . ورواه الشعراني في لواقح الأنوار القدسية(4) ، وكلّ هؤلاء رووه موقوفاً. إلاّ أنّ النويري رواه عنه مرفوعاً(5) . ولا ضير.

وممّا روي عنه من الدعاء موقوفاً ما أخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن سعيد ابن جبير قال : « كان ابن عباس يقول : اللّهمّ إنّي أسألك بنور وجهك الّذي أشرقت له السماوات والأرض أن تجعلني في حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك »(6) . ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال : « رواه البزار ورجاله رجال الصحيح »(7) .

وكان من الدعاء الّذي لم يدعه ما سمعه من النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وهو قوله : ( اللّهمّ قنعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه ، واخلف عليّ كلّ غائبة لي بخير )(8) .

ومن أدعيته ما رواه السيّد ابن طاووس في كتابه التشريف بالمنن نقلاً عن كتاب زكريا بن يحيى بن الحارث البزاز ، فقال : « روى باسناده عن ابن عباس قال : من نزل به غمّ أو همّ أو كرب ، أو خاف من سلطان ظلماً فدعا بهذه الدعوات استجيب له ، قال : يقول : أسألك بلا إله إلاّ أنت ربّ السماوات السبع

____________________

(1) المعجم الكبير للطبراني 10 / 258 ط الموصل.

(2) مجمع الزوائد 10 / 137 ط القدسي.

(3) الحلية 1 / 322.

(4) لواقح الأنوار القدسية / 388 ط البابي الحلبي سنة 1381 هـ.

(5) نهاية الإرب 5 / 319.

(6) المعجم الكبير للطبراني 10 / 259.

(7) مجمع الزوائد 10 / 184.

(8) تاريخ جرجان السهمي / 63 ط أفست أوربا.


وربّ العرش العظيم ، وأسألك بلا إله إلاّ أنت ربّ العرش الكريم ، وأسألك بلا إله إلاّ أنت ربّ السماوات السبع وما فيهن إنّك على كلّ شيء قدير. ثمّ تسأل حاجتك »(1) . وهذا أخرجه أحمد في مسنده وفيه : « انّه يقول أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يدعو بهذه الدعوات عند الكرب »(2) ، وقد أخرجه مكرراً مرفوعاً وموقوفاً وفيه تفاوت وفي بعضه ( وربّ الأرض )(3) .

ومرّ بنا دعاء علّمه له الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليلة صفين ـ الهرير ـ. إلى غير ذلك من الأدعية الّتي رواها عن النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، روى في فضلها الكثير ممّا سمعه ، ولعل دعاء التسبيح الّذي أخرجه السيّد ابن طاووس في مهج الدعوات(4) من مهمات تلك الأدعية ، حريّ بأن يُرغب المؤمن في طلبه ولولا طوله لذكرته. كما انّ روايته لدعاء الإمام كتبه لليماني المروي في مهج الدعوات أيضاً وكتابته له ما يشعر بالتزامه به ، فليراجع.

وقد مرّ بنا في حياته بالبصرة أيام ولايته ( 3 / 237 ) عن طاووس انّه كان يعلمهم الدعاء كما يعلّمهم السورة من القرآن

وذكر الشيخ النجاشي في رجاله في ترجمة عبد العزيز بن يحيى الجلودي الأزدي البصري ، من جملة كتبه ممّا يخص ابن عباس بروايته عنه منها : كتاب قوله ـ أي ابن عباس ـ في الدعاء والعَوذ وذكر الخير وفضل ثواب الأعمال والطب والنجوم(5) .

____________________

(1) التشريف بالمنن / 349 ط مؤسسة صاحب الأمر ( عج ).

(2) مسند أحمد 4 / 81.

(3) المصدر نفسه ( مسند ابن عباس ).

(4) مهج الدعوات / 82 ـ83.

(5) رجال النجاشي / 169 ط بمبئ.


وحسبنا بهذا في الحديث عن ملمح ربانيته في السلوك.

أمّا الحديث عن ملامح شخصيته السياسية في الحزم والحكم فقد تقدم عنها ما يغني في تاريخه ج 3 أيام ولايته على البصرة.

وأمّا عن ملامح شخصيته الثقافية في العلم والمعرفة ، فقد مرّ بعض الشواهد عليها ويأتي استيفاء ذلك في الحلقتين الثانية والثالثة ان شاء الله تعالى.

ولنقف هنا مكتفين بما عرضناه ، تاركين لأشتات من أخباره ، ليس في ذكرها كثير إفادة ، وإن جمعت منها الكثير ممّا وصلت إليه يدي من صغيرة وكبيرة وشاردة وواردة ، وصبرت طويلاً وكثيراً على معاناة ذلك الجمع ، إلاّ انّي في ذكرها برمتها قد أكون متجاوزاً في ذلك حدود المألوف في مناهج الباحثين ، وفيما ورد في أجزاء هذه الحلقة الأولى ما يغني عن ذكر جميع تلك الأخبار ، ولا أرى في تركها بأساً ما دامت قناعتي الشخصية رهن إيماني بأني نصرت مظلوماً فيما حبّرته في هذه الأجزاء الخمسة من تاريخ حبر الأمة وترجمان القرآن بما فيه الكفاية.

وسوف نستأنف مسيرتنا مع حبر الأمة من خلال الحلقات الثلاث إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين الّذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على أشرف أنبياء الله ، وأوصيائه حجج الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

ولنختم الحلقة الأولى من موسوعة حبر الأمة وترجمان القرآن ، بما جاشت به القريحة ، من أبيات تعرب عن نفس جريحة ، عاشت الآلام حتى من المتردية والنطيحة نسأل المولى جلّ اسمه ، أن يتفضل علينا بلطفه لإكمال بقية الحلقات


الثلاث ، عسى أن يُنتفع بها في كشف البُهمة عن تاريخ حبر الأمة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تم تحريره وتبييضه بيد مؤلفه الفقير إلى ربه الغني ، المعترف بالتقصير والعصيان محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان عفي عنه يوم الخميس السابع عشر من 5 سنة 1424 هـ حامداً مصلياً.

بسمه تعالى شأنه

آيات فضلك :

آيات فضلك كلّها عنوان

مهما أنتقيتُ فإنّه البرهان

فبليغ نطقك دونه سحبان

وحديث زهدك كلّه إيمان

وعلو كعبك دونه الكيوان

فشذت صفاتك كلّها ريحان

من أين أبدأ في حديثي كلما

خايرتها يتميّزُ القرآن

* * *

تلك الحقيقة قد بدت مزهوة

كالشمس واضحة لديّ عيان

يا حافظاً دون البلوغ لمحكم

ومفسّراً فيما أتى التبيان

يا ترجمان الوحي أنت وعيته

حفظاً ومعنى واستبان لسان

يا حبر أمتنا بنعتٍ صادق

هل يُنكرنْ نور الذَكا إنسان

يا بحر علمٍ قد أفضتَ معارفاً

زخرتْ بطوفان الهدى الوديان

فلأنتَ ربانيّ أمة أحمد

فيما حُبيتَ شهيدُك الفرقان


يُفني البِلا جسداً ويبقى بعده

للمرء ذكرٌ ما أتت أزمان

يحيى بذكر الخالدات لدى الورى

تُروى ليَحيى ذكرَها الإنسان

يا راسخاً في العلم زيّنه التقى

علماً وحلماً زانك الإيمان

فاهنأ أبا العباس يزجيك الثَنا

صوراً صحاحاً دونها البرهان

أخلاقك الغراء شعّت رفعة

أنوار علمك زَيتها القرآن

إيهاً أبا العباس هذي مدحتي

مني الفخار ومنكمُ الإحسان

* * *

يا ناهلاً للعلم من صفو الهدى

بمدينة وببابها تزدان

فقتَ الصحابَ بما سمعتَ وعيتَه

لم تلهك الأسواق والبعران

فمدينة العلم النبيّ صحبته

فسبقتَ من سبقت به الأسنان

وحباك من نبع النبوة منهلاً

ما زال ثراً سيله غُدران

ونعمتَ في بيت النبوة برهةً

فتقاصرت عن شأوها الأزمان

لا غروَ لو فقتَ الصحابَ روايةً

قلبٌ عقولٌ بالسؤال لسان(1)

أنّى يكون السابقون دراية

لو وازنوك لما استوى الميزان

* * *

إيه ابن عباسٍ فدعني سائلاً

عما كتبتُ فهل به بهتان

هل صحّ عندك ما رأيتَ وما روي

فيما أتى الشيخانِ أو نكران

كيف المواثيق الّتي قد أبرمت

عهد النبي ، وبعده مَن خانوا

____________________

(1) قال عمر بن الخطاب : عبد الله فتى الكهول ، له لسان سؤول ، وقلب عقول. الاستيعاب 3 / 935 ومصادر أخرى.


أفهل رأوا في هجرها ومرخَّصاً

منع الوصيةِ مَن هم الخوّان

إيهاً عصيّ الدمع حدّثنا بما

أشجاك حتى فاضت العينان

تبكي الرزية حين قالوا ضلة

قلبَ النبيّ أصابه الهُجران

لم ذا التنازع وهو ينشد صحبَه

صُمّت لهم عن سمعه آذان؟

ماذا جرى حتى أرقت على الثرى

دمعاً تحدّر قيل فيه جُمان؟

لولاك ما عُرف الحديث وشأنُه

كم ذا المعالمُ لفّها الكتمان

أو ليس في يوم الغدير ولايةً

مشهودةً قد لفّها النكران؟

حدّث أبا العباس فيما قد جرى

قد كنت في البيت الّذي قد كانوا

هل صحّت الأخبار حين أتوكم

بالجزل حتى قد بدا الدخان

أفهل رأيتَ عجاجةً لم يّطفها

غير الدماء يقولها سفيان؟(1)

كثر الحديث وما أتى من نثّه

فيه الأسى فليطوه النسيان

* * *

حدّث لمن عايشت بعد محمّد

عن خير مَن سادت به عدنان

حتى إذا مات النبيُّ لزمتَ مَن

هو نفسُه وشهيدك القرآن

صاحبته طفلاً وكهلاً شاخصاً

سلماً وحرباً ضمكم تحنان

حدّث أبا العباس عمّا قلته

كم نفثة صُكّت لها الآذان

فوقفت في صفّ الإمام تحوطه

حرفاً وسيفاً ما أقتضى الميدان

ونصرت حيث الخالفين تقدموا

بمواقف هاجت لها الأحزان

حاججت في أمر الإمامة عصبةً

جحدت بما قد شاده القرآن

____________________

(1) قال أبو سفيان بعد بيعة أبي بكر : أرى عجاجة لا يطفئها إلاّ دم. تاريخ الطبري 3 / 209.


أخرستَ كلّ الناعقين بحجة

لكنّ هاشم حظُها الحرمان

فكعمتَ فاغرةً تلجلج منشداً

فيما يوسوس نُشدها الشيطان

واه ابن عباس يقول مخاصمٌ

وخصمتَه بالحقّ وهو مدان

كم معشر سبقوا ووافى بعدهم

مَن سار سيرهُم فهم أعوان

ما كنتَ يوماً ناكصاً عن موقف

قد شدّ مقولك القويمَ جَنان

حقاً إذا ما عشتَ تبقى ماثلاً

في الخالدين مواقفاً تزدان

* * *

يا خير من عاش الزمان مكابداًً

عَنَتَ الحوادث إذ يفيء زمان

صلب العقيدة في المواقف كلّها

إن يُقتدح زند له نيران

خبّر عن الأمر الذي قد جاءكم

من بعد غاشية الخنوع فدانوا

ثارت شقاشقُ فاستثارت عصبةٌ

فعلا النعيقُ وصاتت الغربان

وتحزّبت فرق الضلال يسوقها

طمعٌ وتعلو فوقَه الأضغان

وعلا نعيقُ بالشئام يجيبه

يرغو رغاءً عسكرٌ شيطان

حدّث لنا عن ذي الحروب وما بها

من محنة طالت بها الأزمان

هبّت ظعينة أحمد في هودج

سارت فسار بسيرها الركبان

مرَحَى أبا العباس كنت موفّقا

في كل ما تخطو لك الإذعان

كم مرة جئت الزبير مناصحاً

ولطلحة ولمثلهم من خانوا

فلقد نصحتَ الناكثين ومذ أبوا

يوم الهياج شهيدُك الميدان

ونهضتَ في تلك الضروس مجاهداً

بضُبا جهادك حجةٌ وسنان

يكفيك من ناءت بحجتك البكا

تبكي وتبكي عندها النسوان


أبدت لك الأضغانَ من مكنونها

الله ماذا تفعل الأضغان

* * *

إيهاً أبا العباس حدّث ما جرى

في حرب صفّينٍ ومن ذا كانوا

حيث الطليق مع اللصيقَ تناغما

في حربكم مذ تعبد الأوثان

كم أشعلوها في القديم بليّةً

طالت وعمّت واستعزّ كيان(1)

حتى إذا الإسلام طنّب ضارباّ

تلك الرؤوسَ فساقَها الإذعان

جاءت إلى الإسلام تبغي مكسباً

من بعد شركٍ حظه الخسران

عصبت علياً بالدماء أراقها

في يوم بدر قالها عثمان(2)

وأتى ابن هند كافراً بقتاله

حتى قضى ما بلّه الإيمان(3)

يا حبر يا من يستلذّ لسامع

تروي له ما ضمّه الميدان

نازلتَ عمرواً والوليد وغيره

وشهيدك البتارُ والخرصان(4)

وبفتنة الحكمين ساء مسارُها

مضريةٌ نقّت فنقَّ يمان

وتجاوبت أصداءَ كل مرنّة

بلهاءُ شاكيةً لها إرنان

كنت المرشّح والمفضّل عندهم

لكن أبوا مذ ساقهم عصيان

____________________

(1) قوي وأشتد.

(2) قال عثمان لعليّ : ما ذنبي إليك إذا لم تحبّك قريش وقد قتلت منهم يوم بدر سبعين كأن وجوههم شنوف الذهب تصرع آنافهم قبل شفاههم ( شرح النهج 9 / 22 ، نثر الدرر 2 / 68 ، معرفة الصحابة لأبي نعيم / 2.

(3) قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( سُباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) والحديث صحيح مروي في أكثر من أربعين مصدراً سنّياً حسبك منها صحيح البخاري 2 / 27 ، ورواه في تاريخه الكبير 4 / 47 و 7 / 384 ، وتاريخه الصغير 1 / 226 ، وأحمد في مسنده 1 / 385 و 411 و 433 و 454.

(4) الخرصان = الرماح.


فتباريا الحكمان هذا خادع

خبّ وذاك مغفّلٌ حيوان

وإذا العراق رهينة في حكمهم

خسروا الرهان إذا همُ إرهان

فتشتتوا زمراً وكنت رقيبَهم

تبغي الهدى ورقيبَهم شيطان

وسرت ركابُهم على غير الهدى

تُحدى كأنّ مسيرهم كوفان

لكنهم نزلوا حروراء انتهى

أمر الحكومة فابتدا الإعلان

فأتيتَ نحوهم بأمر بالغٍ

حتى استجاب إلى الهدى من دانوا

وبقيتَ ترقبهم وتلك عصابة

مرقت من الدين الحنيف فبانوا

* * *

إيهاً أبا العباس خبّر ما جرى

لعصابة المرّاق مهما كانوا

عاثوا فساداً وانتهوا بجموعهم

في النهروان يسوقهم شيطان

ولئن نجا مَن فرّ عاد مكايداً

فتحالفوا قسماً عتاةً مانوا

فأتوا بفاجعة الصيام وجلّلو

بسوادهم واظلمّت الأكوان

وهنا أبا العباس رغم رزية

متجلداً لم تلهك الأحزان

فحمدتَ مشكوراً تعيد لأمةٍ

سفّت وطارت واستشاط دخان

ودعوتَ للسبط الزكي مبايعاً

حتى استجابوا وليتهم ما خانوا

فبقيتَ تسترعي المواقف خلسة

بالشام حيث مقرّه السلطان

أصحرتَ في كلّ المواقف ناصراً

آل النبيّ وأنّك المعوان

ولكم دمغتَ الخصم حجةَ بالغ

مهما تزايد جمعُه الخُوّان

ونصرتَ للسبط الشهيد مناصحاً

فيما رأيت وفاتك النشدان

لولا الشهادة للحسين كما ترى

ما انفّكّ حزنُك ، ما أتى السلوان


آهاً أبا العباس عشت مكابداً

فقد الحبيب وما أتى العدوان

* * *

ماذا لقيتَ من الأذى من معشر

عُفُنِ الرؤوس وعشعش الشيطان

فبقيت ترزح تحت كلّ بلية

طخياءَ قد جاءت بها الأوثان

فبنى على ظلم النبيّ وآله

جورُ ابن هند واعتلى البنيان

فيزيدهُم حَكَم البلاد بكفره

وأتى بما لم يطوه النسيان

قتَلَ الحسين وذاك أعظم فادح

مترنّما شعراً به الكفران

وغزا المدينة واستباح حريمها

وغزا لمكّة هدّه الرحمن

وتسافلت فرص الحياة فساسها

أسفاً وتعساً إذا أتى مروان

وابنُ الزبير وذاك رجس عائذ

بالبيت قد ضجّت به الأركان

فلقد نفاك وكان آخر ظلمه

تباً له إذ حظّه الخسران

ذهب الذين تهضّموك بظلمهم

فجزاؤهم يوم الجزا النيران

وبقيتَ حياً في العلوم لقارئ

هذا ابن عباس يشير بنان

هذا ابن عباس تجده ماثلاً

ملأ القماطر كلها أعيان

يكفيك حياً أن تعيش مخلّداً

إذ ليس من بعدِ العيان عيان

حزتَ الخلودَ وزادك الإيمانُ

ومضى العتاة نصيبهم خسران

* * *

عذراً أبا العباس هذي نفثةٌ

تخز الضلوعَ ونارُها حَرّان

فأقول من أسفٍ تصاعدَ حزنُه

حتى استشاط بأن يبوح لسان

صرتَ الضحية للعدو وللأولى

ما أنصفَ الأعداءُ والخلاّن


عصفت رياح بالعداوة لم تدع

حصناً سليماً أو يُرى بنيان

سنّوا مسبّتكم وتلك رزيةً

باءت بها الأعداء والولدان

خصمان في أمر الخلافة أنحلا

الآباء كلَ رزية تُختان

فالمكرماتُ تبدلت أضدادَها

وغدا هجين يصطفيه هجان

وتسابقا بالطعن حتى أنّهم

مَن دان مَن يبغي عليه يُدان

فلقد جرتْ عبر العصور مصائبٌ

كانت مناقبك العُلا أثمان

لولا بنوك وقد أساؤا سيرة

في آل أحمد ما أتى البرهان

فأبثها شكوى وقلبيَ مؤمن

أني نصرتُ وملؤه إيمان

حسبي بما حبّرتُ فيك موضّحاً

أخطاءَ من بَهتوا عليك فدانوا

مستشرفاً وَضَح الحقيقة معلنا

للناس أن الحق فيه بيان

والله بصّركم عمايةَ مغرضٍ

من نسج أعداء لهم أضغان

لا تعجلوا بالقدح إن وراءكم

يوم الحساب سينصبُ الميزان

* * *

يا خير من نصر الوصيّ مشايعاً

عمراً طويلاً كله تحنان

إيهاً أبا العباس يهنيك الولا

من خير خاتمة حوى إنسان

فولا علي وهو خير وسيلة

قربىً وزلفى يرتضي الرحمن

ولقد عملتَ بما علمتَ وقد أتى

من أحمدَ المختارِ فيه بيان

طوبى أبا العباس قد جزت المدى

في كلّ شوط في الدنا تزدان

* * *

يا حبرُ يا من يستريح محدِّث

يروي حديثَك كله عرفان


فلكم نشرتَ من العلوم صحائفاً

متلوةً تعنو لها الأذقان

ولكم هديتَ من الضلالة حائراً

لم يستبن سبل الهدى حيران

ولكم كشفتَ من الغوامض سرّها

للناس من آي حوى الفرقان

لا غرو لو عشتَ القرون مخلدا

ذكراً حميداً كلّه إحسان

فلأنتَ حي في فنون معارف

بصحائف لم تبلها الأزمان

* * *

يا مجزل الإحسان برّك واسع

كالغيث قد سالت به الوديان

عفواً إذا ما كنت فيك مقصّراً

ومبيّناً ما شابه النقصان

هذا جناي وما جنيتُ مجازفاً

فلقد أتيتُ بما أتى البرهان

خمسون عاماً قد دأبتُ وممعناً

في البحث حتى ملّني الأخوان

حسبي بهذا أن يكون بضاعتي

أرجو بها أن يثقل الميزان

فتثيبني عند النبيّ شفاعةً

ولدى الوصي مكانةً ازدان

ويضمني والحبر أقربُ منزل

عند الآله وعفوه الغفران

أنت الشفيعُ فلا تخيّب حاجتي

حيث الشفيع وبرّه الإحسان

لا شك ترعاني وترعى صحبتي

حسبي بما قد قلت فيك ضمان

* * *

يا حبر أمتي المجيدة إنّني

ما زلت بالحقّ السنيّ أُزان

ها قد حبوت لباب قبري شاخصاً

نحو السماء ليعفو الرحمان

وقطعتُ من عمري سنيناً نيّفت

ما قد قطعتَ وجازه الحسبان

والمرء مهما قيل فيه معمَّر

لابدّ يوماً ينتهي الإنسان


مثل الهلال إذا تكامل نورُه

لابدّ يأتي بعده النقصان

فانعم أبا العباس وأرفع من يدي

كيلا تمسّ لجسمي النيران

فأنا على ما أنتَ كنتَ تقوله

بولاية فيها يصان مدان

تلكم هُويّتيَ التي أعلنتها

بفصيح قول يستطيع لسان

فاقبل بشعريَ إن تخلخل وزنه

لستُ الكميت ولا أنا حسّان

كنت الخليل فلم تدع لي فرصة

لأرى الخليل عروضه الميزان

واقبل بنثريَ إن تناثر نهجه

واقبل بنطقي إنّني ( خرسان )

السبت 28 ـ سنة 1423 هـ



المصادر

1 ـ ( أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ ) لإبراهيم عليّ شعوط الأستاذ بجامعة الأزهر الطبعة السادسة 1408 هـ نشر المكتب الإسلامي.

2 ـ ( أبجد العلوم ) للقنوجي تحقيق عبد الجبار زكار طبعة دار الكتب العلمية بيروت سنة 1978 م.

3 ـ ( أبو الشهداء ) لعباس محمود العقاد ( موسوعة العقاد ).

4 ـ ( الإتحاف بحب الأشراف ) لعبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي الشافعي 1171 هـ طبعة بيروت.

5 ـ ( إتحاف السادة المتقين ) لمحمد مرتضى الزبيدي 1205 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

6 ـ ( الإتقان في علوم القرآن ) لجلال الدين السيوطي الشافعي 911 هـ طبعة حجازي بالقاهرة سنة 1368 هـ.

7 ـ ( إثبات الهداة ) لمحمد حسين الحر العاملي 1104 هـ والكتاب في مجموعته برقم ( 13 ) مجاميع خطية بمكتبة المرحوم المغفور له الشيخ محمد الحسين ال كاشف الغطاء.

8 ـ ( الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ) لبدر الدين الزركشي 794 هـ طبعة دمشق سنة 1358 هـ.

9 ـ ( أحاديث أم المؤمنين عائشة ) للسيد مرتضى العسكري.

10 ـ ( الأحاديث المختارة ) لمحمد بن عبد الواحد المقدسي 643 هـ طبعة مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة 1410 هـ.


11 ـ ( الاحتجاج ) لأحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي 548 هـ طبعة النعمان.

12 ـ ( الأحداث ) لعليّ بن محمد المدائني 225 هـ ( بتوسط شرح النهج للمعتزلي ).

13 ـ ( إحقاق الحق ) للمرعشي النجفي.

14 ـ ( الأحكام السلطانية ) لعليّ بن محمد الماوردي الشافعي 450 هـ طبعة المحمودية بمصر.

15 ـ ( الأحكام السلطانية ) لمحمد بن الحسين أبي يعلى الحنبلي 458 هـ تحقيق حامد الفقي.

16 ـ ( الإحكام في أصول الأحكام ) لعليّ بن حزم الأندلسي الظاهري 456 هـ طبعة السعادة بمصر.

17 ـ ( أحكام القرآن ) لأحمد بن عليّ الرازي الجصاص 370 هـ طبعة افست دار الكتاب العربي بيروت.

18 ـ ( إحياء علوم الدين ) لمحمد بن محمد الغزالي 505 هـ.

19 ـ ( أخبار الدولة العباسية ) لعليّ بن عبد الله بن جعفر المديني 234 هـ تحقيق عبد العزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي طبعة دار الطليعة بيروت.

20 ـ ( الأخبار الطوال ) لأحمد بن داود أبي حنيفة الدينوري 282 هـ طبعة تراثنا بمصر.

21 ـ ( أخبار الظراف والمتماجنين ) لعبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي 597 هـ.

22 ـ ( أخبار القضاة ) لمحمد بن خلف بن حيان الملقب بوكيع 306 هـ طبعة مصر.


23 ـ ( أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ) لمحمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي 250 هـ تحقيق رشدي الصالح محسن مطابع دار الثقافة مكة المكرمة الطبعة الثانية سنة 1385 هـ ، وطبعة الماجدية بمكة المكرمة سنة 1352 هـ.

24 ـ ( الأخبار الموفقيات ) للزبير بن بكار 256 هـ تحقيق د. سامي مكي العاني طبعة أوقاف بغداد.

25 ـ ( اختيار معرفة الرجال / رجال الكشي ) لمحمد بن الحسن الطوسي 460 هـ تحقيق حسن المصطفوي طبعة جامعة مشهد 1348 هـ ش.

26 ـ ( الأداب ) لجعفر بن شمس الخلافة 226 هـ طبعة الخانجي سنة1349 هـ.

27 ـ ( أدب الدنيا والدين ) لعليّ بن محمد الماوردي 450 هـ طبعة دار إحياء التراث العربي ، وطبعة مصر.

28 ـ ( أدب الشافعي ومناقبه ) طبعة مصر.

29 ـ ( أدب القاضي على مذهب أبي حنيفة ) ليعقوب بن إبراهيم القاضي.

30 ـ ( أدب الكاتب ) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة270 هـ.

31 ـ ( الأدب المفرد ) لمحمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ طبعة إسلامبول سنة 1309 هـ ، وطبعة السلفية بمصر سنة 1375 هـ تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.

32 ـ ( الأذكياء ) لعبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي 597 هـ طبعة الحيدرية ، وطبعة مصر.

33 ـ ( الأربعين في أصول الدين ) لمحمد بن عمر الرازي606 هـ.

34 ـ ( أرجح المطالب ) لعبيد الله آمر تسري طبعة لاهور.


35 ـ ( إرشاد الساري ) لأحمد بن محمد القسطلاني 923 هـ طبعة مصر ، وطبعة أفست دار الكتاب العربي بيروت.

36 ـ ( الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ) لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد 413 هـ طبعة الحيدرية ، وطبعة حجرية سنة 1320 هـ ، وطبعة حجرية ثانية سنة 1308 هـ.

37 ـ ( الإرشاد في معرفة علماء البلاد ) لعبد الله بن أحمد القزويني 446 هـ تحقيق محمّد سعيد عمر ادريس طبعة مكتبة الرشد الرياض سنة 1309 هـ.

38 ـ ( إرشاد القلوب ) للحسن بن محمد الديلمي ق 8 هـ طبعة النجف الحيدرية ( الأولى ) ، وطبعة بتوسط سفينة البحار.

39 ـ ( الإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ) لإمام الحرمين الجويني 478 هـ طبعة مصر.

40 ـ ( الإستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار ) ليوسف بن عبد الله بن عبد البر 463 هـ طبعة دار الكتب العلمية.

41 ـ ( الإستقصا لأخبار المغرب الأقصى ) لأحمد بن خالد الناصري السيلاوي 1315 هـ.

42 ـ ( الإستيعاب في معرفة الأصحاب ) ليوسف بن عبد الله بن عبد البر 463 هـ البر طبعة حيدر آباد ، وطبعة مصطفى محمّد سنة 1358 هـ بهامش الإصابة ، وطبعة محققة في تراجم زياد ، ونافع ، وأبي بكرة ، والمغيرة.

43 ـ ( أسد الغابة ) لعليّ بن محمد الشيباني ابن الأثير الجزري 630 هـ طبعة أفست الإسلامية.


44 ـ ( أسرار البلاغة ) لمحمد بن الحسين البهائي 1031 هـ ( بذيل المخلاة المنسوبة للبهائي ).

45 ـ ( أسرار الشهادة ) طبعة حجرية سنة 1319 هـ.

46 ـ ( إسعاف المبطأ ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة مصر ، مع تنوير الحوالك له.

47 ـ ( الأشباه والنظائر ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة حيدر آباد.

48 ـ ( الإصابة في تمييز الصحابة ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني 852 هـ الطبعة الأولى بنفقة عبد الحفيظ في ترجمة جندب بن عمرو بن حممة ، وطبعة مصطفى محمّد بمصر سنة 1358 هـ ، وطبعة البأبي الحلبي ، وطبعة تحقيق البجاوي.

49 ـ ( أصول الدين ) لمحمد حسن البغدادي 1336 هـ طبعة افست المثنى.

50 ـ ( أصول الكافي / الفروع ) لمحمد بن يعقوب الكليني 329 هـ الطبعة الحجرية 1312 هـ ، وطبعة دار الكتب الإسلامية طهران.

51 ـ ( الاعتصام ) لإبراهيم بن موسى الشاطبي 709 هـ طبعة المنار سنة 1332 هـ بمصر.

52 ـ ( إعجاز القرآن ) لمحمد بن الطيب الباقلاني 403 هـ طبعة السلفية سنة 1349 هـ.

53 ـ ( الأعلاق النفسية ) لأحمد بن عمر بن بن رستة ق4 هـ طبعة ليدن.

54 ـ ( أعلام الموقعين عن رب العالمين ) لمحمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية 751 هـ طبعة المنيرية.


55 ـ ( أعلام النبوة ) لعليّ بن محمد الماوردي الشافعي 450 هـ طبعة البهية بمصر سنة 1319 هـ.

56 ـ ( أعلام الورى بأعلام الهدى ) للفضل بن الحسن الطبرسي 548 هـ طبعة الحيدرية.

57 ـ ( الأعلام ) للزركلي سنة 230 هـ طبعة مصر.

58 ـ ( أعيان الشيعة ) للسيد محسن الأمين 1371 هـ طبعة دمشق.

59 ـ ( الأغاني ) لأبي الفرج عليّ بن الحسن الأصفهاني 356 هـ طبعة الساسي ، وطبعة دار الكتب المصرية.

60 ـ ( إقبال الأعمال السنة ) لعليّ بن موسى بن طاووس 664 هـ الطبعة الحجرية دار الكتب الإسلامية سنة 1390 هـ ، والطبعة الثانية.

61 ـ ( الإقتصاد ) لمحمد بن الحسن الطوسي 460 هـ تحقبق الشيخ حسن سعيد.

62 ـ ( إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم ) لمحمّد بن خلفة الوشتاني الآبي المالكي 827 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

63 ـ ( إكمال الدين وإتمام النعمة ) لمحمد بن عليّ بن الحسين الصدوق 381 هـ طبعة الحيدرية.

64 ـ ( الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية ) لجورج جرداق طبعة بيروت.

65 ـ ( الإمامة والسياسة ) لمحمد بن عبد الله ابن قتيبة الدينوري 276 هـ طبعة مصر مطبعة الأمة سنة 1328 هـ ، وطبعة مصطفى محمّد.

66 ـ ( الأمان من أخطار الأسفار والأزمان ) لعليّ بن جعفر الطاوسي 664 هـ طبعة الحيدرية سنة 1370 هـ.


67 ـ ( إمتاع الأسماع ) لأحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزي 845 هـ طبعة مصر.

68 ـ ( أمل الآمل ) للجاحظ تحقيق رمضان ششن طبعة دار الكتاب الجديد بيروت سنة 1387 هـ.

69 ـ ( الأموال ) لأبي عبيد القاسم بن سلام طبعة الكليات الأزهرية تحقيق محمّد خليل هراس سنة 1388 هـ.

70 ـ ( الأموال ) لحميد بن زنجويه 251 هـ طبع مركز الملك فيصل سنة 1406 هـ.

71 ـ ( أمالي ابن الشجري ) هبة الله بن عليّ 572 هـ طبعة حيدر آباد.

72 ـ ( الأمالي الخميسية ) للإمام يحيى بن الحسين المرشد بالله 499 هـ _ أحد أئمة الزيدية ـ طبعة عالم الكتب بيروت مكتبة المتنبي بالقاهرة.

73 ـ ( أمالي الزجاج ) إبراهيم بن محمد النحوي 312 هـ.

74 ـ ( أمالي القالي في اللغة ) إسماعيل بن القاسم اللغوي 356 هـ طبعة دار الكتب.

75 ـ ( الأمالي ) لعليّ بن الحسين المرتضى 436 هـ طبعة مصر.

76 ـ ( الأمالي ) لمحمد بن الحسن الطوسي 360 هـ طبعة حجرية سنة 1313 هـ ، وطبعة النعمان النجف الأشرف.

77 ـ ( الأمالي ) لمحمد بن عليّ بن الحسين الصدوق 381 هـ طبعة الحيدرية.

78 ـ ( الأمالي ) لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد 413 هـ طبعة الحيدرية سنة 1367 هـ.

79 ـ ( أنباء نجباء الأبناء ) لمحمد بن محمد بن ظفر الصقلي المكي 565 هـ طبعة مصر.


80 ـ ( الإنتصار ) لعليّ بن الحسين المرتضى 436 هـ طبعة الحيدرية.

81 ـ ( أنساب الأشراف ) ( ترجمة الإمام عليّ والإمام الحسن ) لأحمد بن يحيى البلاذري 279 هـ ، طبعة بيروت سنة 1417 هـ ، وطبعة أفست المثنى ببغداد ، وطبعة تحقيق المحمودي ، وتحقيق احسان عباس ، وترجمة ابن عباس مخطوط بمكتبتي ، وطبعة دار المعارف بتحقيق الدكتور محمّد حميد الله ، وطبعة بولس آبل سنة 1884 م.

82 ـ ( الأنساب المتفقة ) لمحمد بن طاهر ابن القيسراني 507 هـ.

83 ـ ( الأنساب ) لعبد الكريم بن محمد السمعاني 562 هـ بمكتبة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) العامة في النجف ( مصور ).

84 ـ ( الأنوار الكاشفة ) لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي 1386 هـ طبعة السلفية.

85 ـ ( الأنوار النعمانية ) لنعمة الله بن عبد الله الجزائري 1112 هـ.

86 ـ ( بحار الأنوار ) لمحمد باقر المجلسي طبعة حجرية الكمپاني ، وطبعة المكتبة الإسلامية ، وطبعة تبريز.

87 ـ ( البدء والتاريخ ) المطهر بن طاهر المقدسي طبعة أوربا ، طبعة أفست.

88 ـ ( البدء والتاريخ ) المنسوب لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي طبعة باريس أفست.

89 ـ ( بدائع البدائه ) لعليّ بن ظافر الأزدي المكي 613 هـ طبعة مصر.

90 ـ ( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ) لأبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي 587 هـ طبعة مصر.

91 ـ ( بدائع الفوائد ) لأبن قيم الجوزية 751 هـ طبعة المنيرية بمصر.


92 ـ ( البداية والنهاية / السيرة النبوية ) لاسماعيل بن كثير الدمشقي 774 هـ طبعة السعادة بمصر.

93 ـ ( البديع ) لعبد الله بن المعتز العباسي 296 هـ طبعة أوربا.

94 ـ ( بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ) لمحمّد بن أبي القاسم محمّد بن عليّ الطبري 525 هـ طبعة الحيدرية سنة 1383 هـ ، والثانية.

95 ـ ( البصائر والذخائر ) لعليّ بن محمد أبي حيان التوحيدي 280 هـ طبعة مصر.

96 ـ ( البلدان لليعقوبي ) لأحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي 284 هـ طبعة النجف.

97 ـ ( بلوغ الأرب في أحوال العرب ) لمحمد شكري الالوسي 1342 هـ.

98 ـ ( البيان في تفسير القرآن ) لأبي القاسم الخوئي الطبعة الثانية سنة 1385 هـ.

99 ـ ( البيان والتبيين ) لعمرو بن بحر الجاحظ 255 هـ تحقيق عبد السلام هارون.

100 ـ ( تاج العروس في جواهر القاموس ) لمحمد مرتضى الزبيدي 1205 هـ طبعة مصر ، وطبعة أفست بيروت.

101 ـ ( التاج المكلل ) لصديق حسن خان القنوجي 1307 هـ.

102 ـ ( التاج ) لعمرو بن بحر الجاحظ 255 هـ.

103 ـ ( تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي ) لحسن إبراهيم حسن الطبعة الثالثة بمصر سنة 1953 م.

104 ـ ( تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام / طبقات ) لمحمد بن أحمد الذهبي 748 هـ طبعة القدسي بمصر سنة 1368 هـ.


105 ـ ( التاريخ الإسلامي العام ) لعليّ إبراهيم حسن.

106 ـ ( التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ) لأحمد شلبي طبعة الخامسة سنة 1970 م بمصر.

107 ـ ( تاريخ اصبهان / ذكر أخبار اصبهان ) لأحمد بن عبد الله أبي نعيم الاصبهاني 430 هـ أفست إسماعليان عن طبعة ليدن أوروبا.

108 ـ ( تاريخ الأمم والملوك / تاريخ الطبري ) لمحمد بن جرير الطبري 310 هـ طبعة ليدن ، وطبعة الحسينية الثالثة ، وطبعة دار المعارف بمصر 1970 م ، وطبعة الأستقامة بمصر.

109 ـ ( تاريخ بغداد ) لأحمد بن عليّ الخطيب البغدادي 463 هـ طبعة السعادة بمصر.

110 ـ ( تاريخ بن خلدون ) لعبد الرحمن بن خلدون 808 هـ طبعة دار التربية ، ودار الكتاب اللبناني بيروت سنة 1956 م ، وطبعة النهضة 1355 هـ.

111 ـ ( تاريخ جرجان ) لحمزة بن يوسف السهمي 427 هـ طبعة افست أوربا.

112 ـ ( تاريخ الحسين ) لعبد الله العلائلي طبعة العرفان بصيدا.

113 ـ ( تاريخ الخلفاء الراشدين ) لعبد الوهاب النجار 1360 هـ طبعة السلفية بمصر.

114 ـ ( تاريخ الخلفاء ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة موسكو سلسلة آثار الآداب الشرقية سنة 1967 م ، وطبعة المنيرية سنة 1351 هـ.

115 ـ ( تاريخ خليفة بن خياط / طبقات ) لخليفة بن خياط العصفري 240 هـ.

116 ـ ( تاريخ الخميس ) لحسين بن محمد الديار بكري966 هـ.

117 ـ ( تاريخ دول الإسلام ) لرزق الله منقريوس.


118 ـ ( تاريخ السلامي في ولاة خراسان ) لمحمد بن عبد الله السلامي 393 هـ بتوسط مقتل الحسين للخوارزمي طبعة الزهراء.

119 ـ ( التاريخ الصغير / الأوسط ) لمحمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ طبعة دار الوعي مكتبة التراث.

120 ـ ( تاريخ العرب العام ) للويس ييبر اوجين سيديو المستشرق الفرنسي ، ترجمة عادل زعيتر طبعة عيسى البأبي الحلبي سنة 1367 هـ.

121 ـ ( التاريخ الكبير ) لمحمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ طبعة أفست المكتبة الإسلامية ديار بكر تركيا ، وطبعة دار الفكر بيروت.

122 ـ ( تاريخ المختصر في أخبار البشر ) لإسماعيل بن عليّ أبي الفداء 732 هـ طبعة افست بيروت عن الطبعة المصرية.

123 ـ ( تاريخ مدينة دمشق ) ( ترجمة الإمام عليّ ) لعليّ بن الحسن ابن عساكر 571 هـ تحقيق المحمودي.

124 ـ ( تاريخ المدينة المنورة ) لعمر بن شبة النميري 262 هـ تحقيق فهيم محمّد شلتوت.

125 ـ ( تاريخ مصر ) لأبي سعيد بن يونس 347 هـ طبعة أفست حيدر آباد.

126 ـ ( تاريخ مكة ) لأحمد بن صالح السباعي 1266 هـ.

127 ـ ( تاريخ مكة ) لمحمد بن عبد الله الأزرقي 223 هـ طبعة دار الثقافة بمكة المكرمة سنة 1385 هـ.

128 ـ ( تاريخ اليعقوبي ) لأحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي طبعة الحيدرية سنة 358 هـ ، وطبعة الغري بالنجف الأشرف.

129 ـ ( التاريخ ) لأحمد بن أعثم الكوفي 314 هـ طبعة دار الندوة.


130 ـ ( التاريخ ) لإسماعيل بن عليّ أبي الفداء 732 هـ افست طبعة مصر.

131 ـ ( التاريخ ) لعمر بن مظفر ابن الوردي 749 هـ طبعة الحيدرية.

132 ـ ( التبر السبوك في ذيل السلوك لمعرفة دول الملوك ) لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي 902 هـ.

133 ـ ( التبصرة ) لعبد الرحمن بن عليّ الجوزي 597 هـ طبعة عيسى البأبي الحلبي بمصر.

134 ـ ( التبيان ) لمحمد بن الحسن الطوسي 460 هـ طبعة النجف تحقيق أحمد القصير.

135 ـ ( تحذير العبقري من محاضرات الخضري ) لمحمد العربي التباني طبعة مصر.

136 ـ ( تحف العقول ) للحسن بن عليّ بن الحسين بن شعبة الحراني ق 4 هـ طبعة حجرية سنة 1299 هـ ، وطبعة كتابفروشي إسلامية.

137 ـ ( تحفة الباري ) زكريا الانصاري ، بذيل إرشاد الساري طبعة مصر.

138 ـ ( تحفة المحتاج الى أدلة المنهاج ) لعمر بن عليّ ابن الملقن 804 هـ طبعة دار حراء بمكة المكرمة.

139 ـ ( تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين ) لعبد الله بن حجازي الشرقاوي 1227 هـ ، ( بهامش تاريخ الاسحاقي طبعة مصر ).

140 ـ ( تحقيق الصفا ) لأحمد بن عبد الله محب الدين الطبري 694 هـ طبعة مصر.

141 ـ ( التذكار في أفضل الأذكار ) لمحمد بن أحمد القرطبي 668 هـ / 671 هـ طبعة مصر.


142 ـ ( تذكرة ابن حمدون ) لمحمد بن الحسن البغدادي 562 هـ.

143 ـ ( تذكرة الحفاظ ) لمحمد بن أحمد الذهبي 748 هـ طبعة دمج بيروت.

144 ـ ( تذكرة الخواص ) لسبط ابن الجوزي يوسف بن قزاوغلي 654 هـ طبعة حجرية سنة 1299 هـ ، وطبعة كتابفروشي إسلامية ، وطبعة منشورات الشريف الرضي بقم.

145 ـ ( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ) لمحمد بن إبراهيم الحموي ابن جماعة الكناني 733 هـ طبعة حيدر آباد.

146 ـ ( التذكرة ) لمحمد بن أحمد القرطبي 671 هـ / 668 هـ طبعة دار المنار سنة 1418 هـ.

147 ـ ( الترغيب والترهيب ) لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري 656 هـ تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1417 هـ ، وطبعة السعادة بمصر سنة 1381 هـ.

148 ـ ( تشييد المطاعن ) لمحمد عليّ قلي الكنتوري 1260 هـ طبعة الهند.

149 ـ ( تطهير الجنان واللسان ) لأحمد بن حجر الهيتمي المكي 973 هـ طبعة بهامش الصواعق المحرقة له ، وطبعة الميمنية ، وطبعة تح ـ حمزة.

150 ـ ( تعظيم قدر الصلاة ) لمحمّد بن نصر بن الحجاج المروزي 294 هـ طبعة الأولى نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة.

151 ـ ( تفريج المهج ) لعبد الوهاب بن عليّ السبكي 771 هـ.

152 ـ ( تفسير الخازن ) لعلاء الدين بن إبراهيم الخازن 725 هـ.

153 ـ ( تفسير فرات ) لفرات بن إبراهيم الكوفي 352 هـ طبعة الحيدرية.


154 ـ ( تفسير القرآن العظيم ) لإسماعيل بن كثير الدمشقي 774 هـ طبعة دار الفكر بيروت.

155 ـ ( التفسير الكبير ) لمحمد بن عمر بن حسين الفخر الرازي 606 هـ طبعة البهية بمصر 1357 هـ.

156 ـ ( تفسير الكشاف ) لمحمد بن عمر الزمخشري 538 هـ طبعة مصر.

157 ـ ( تفسير المنار ) لمحمد رشيد رضا الطبعة الأولى بمصر.

158 ـ ( تفسير النيسابوري ) بهامش تفسير الطبري طبعة الأولى بمصر.

159 ـ ( التفكر والاعتبار ) لعبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا 281 هـ.

160 ـ ( تقريب التهذيب ) لأحمد بن عليّ ابن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة مصر.

161 ـ ( تقييد العلم ) لأحمد بن عليّ الخطيب البغدادي 463 هـ طبعة مصر.

162 ـ ( تلخيص الحبير ) لأحمد بن عليّ ابن حجر العسقلاني 852 هـ.

163 ـ ( تلخيص الشافي ) لمحمد بن الحسن الطوسي 460 هـ طبعة ملحقاً بكتاب الشافي حجرية ، وطبعة النجف.

164 ـ ( تلخيص المستدرك ) لمحمد بن أحمد الذهبي 748 هـ بهامش المستدرك طبعة أفست بيروت ، وطبعة دمج.

165 ـ ( التنبيه والإشراف ) لعليّ بن الحسين بن عليّ المسعودي 346 هـ طبعة مصر.

166 ـ ( التنظيمات الإجتماعية والإقتصادية في البصرة ) لصالح أحمد العليّ طبعة المعارف بغداد سنة 1953 م.


167 ـ ( تنوير الحوالك بشرح موطأ مالك ) لجلال الدين السيوطي الشافعي 911 هـ طبعة مصطفى محمّد بمصر.

168 ـ ( تهذيب الأثار ) لمحمد أبن جرير الطبري 310 هـ طبعة مصر.

169 ـ ( تهذيب الأحكام ) لمحمد بن الحسن الطوسي 460 هـ تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان.

170 ـ ( تهذيب الأسماء واللغات ) ليحيى بن شرف النووي 676 هـ طبعة المنيرية بمصر.

171 ـ ( تهذيب تاريخ دمشق ) لأبن بدران طبعة افست دار المسيرة بيروت.

172 ـ ( تهذيب التهذيب ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة أفست عن حيدر آباد.

173 ـ ( تهذيب الكمال ) ليوسف المزي الحافظ 742 هـ تحقيق بشار عواد طبعة مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1400 هـ.

174 ـ ( تهذيب اللغة ) لمحمد بن أحمد بن طلحة للأزهري اللغوي 370 هـ.

175 ـ ( التوحيد ) لمحمد بن عليّ بن الحسين الصدوق 381 هـ طبعة حجرية 1321 هـ.

176 ـ ( تيسير المطالب في امالي أبي طالب ) ليحيى بن الحسين الهاروني 424 هـ طبعة بيروت سنة 1395 هـ.

177 ـ ( الثقات ) لمحمد بن حبان 354 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

178 ـ ( ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ) لعبد الملك بن محمد الثعالبي 430 هـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم طبعة دار نهضة مصر سنة 1384 هـ.


179 ـ ( ثمرات الأوراق في المحاضرات ) لأبي بكر بن عليّ ابن حجة الحموي 837 هـ بهامش المستظرف طبعة مصر.

180 ـ ( جامع البيان / تفسير ) لمحمد بن جرير الطبري 310 هـ طبعة مصر مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1373 هـ ، وطبعة دار المعارف تحقيق أحمد محمد شاكر.

181 ـ ( جامع بيان العلم وفضله ) ليوسف بن عبد الله ابن عبد البر 463 هـ طبعة مصر.

182 ـ ( الجامع الصغير ) لجلال الدين السيوطي 911 هـ طبعة دار الفكر.

183 ـ ( الجامع لأحكام القرآن / تفسير ) لمحمد بن أحمد القرطبي 671 هـ طبعة دار إحياء التراث العربي بيروت ، وطبعة دار الشعب بالقاهرة.

184 ـ ( الجامع لأخلاق الراوي والسامع ) لأحمد بن عليّ الخطيب البغدادي 463 هـ طبعة مكتبة المعارف الرياض.

185 ـ ( جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ) لنعمان بن محمود الالوسي 1317 هـ طبعة بولاق سنة 1298 هـ.

186 ـ ( جمع الجوامع ) لجلال الدين السيوطي الشافعي 911 هـ.

187 ـ ( جمع الجواهر في الملح والنوادر ) لإبراهيم بن عليّ بن تميم الانصاري 453 هـ طبعة عيسى البأبي الحلبي بمصر سنة 1372 هـ تحقيق البجاوي.

188 ـ ( جمع الفوائد ) لمحمد بن سليمان الروداني السوسي 1094 هـ طبعة مكة المكرمة.

189 ـ ( جمهرة الأمثال ) لأبي هلال حسن بن عبد الله العسكري 395 هـ طبعة الأولى بمصر سنة 1384 هـ.


190 ـ ( جمهرة أنساب العرب ) لعليّ ابن حزم الظاهري 456 هـ تحقيق پروفنسال.

191 ـ ( جمهرة خطب العرب ) لأحمد زكي صفوت.

192 ـ ( جمهرة رسائل العرب ) لأحمد زكي صفوت طبعة الأولى بمصر سنة 1356 هـ.

193 ـ ( جمهرة النسب ) لهشاه بن محمد الكلبي 204 هـ تحقيق عبد الستار أحمد فراج طبعة الكويت.

194 ـ ( جوامع السيرة ) لعليّ بن حزم الظاهري 456 هـ طبعة دار المعارف.

195 ـ ( جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ) لمحمّد حسن النجفي 1266 هـ طبعة النجف تحقيق الشيخ عباس القوجاني.

196 ـ ( الجواهر المضيئة ) لعبد القادر بن محمد القرشي الحنفي 775 هـ طبعة حيدر آباد.

197 ـ ( جواهر المطالب ) لمحمد بن أحمد الباعوني الشافعي 871 هـ ( نسخة مصورة بمكتبة المؤلف ).

198 ـ ( الجوهر النقي في الرد على البيهقي ) لأحمد بن عثمان المارديني ابن التركماني بهامش السنن الكبرى للبيهقي طبعة افست عن حيدر آباد.

199 ـ ( الجوهرة للبُرّي ) التلمساني طبعة دار الرفاعي بحلب.

200 ـ ( الحاوي ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة مصر.

201 ـ ( الحدائق الوردية في أحوال الأئمة الزيدية ) لحُميد بن أحمد المحلي الشهيد الزيدي 652 هـ ، نسخة مكتبة الإمام كاشف الغطاء ( مخطوطة ) ، وتحقيق د. المرتضى بن زيد المحظوري الحسني 1423 هـ مطبوعات مكتبة مركز بدر العلمي والثقافي في صنعاء.


202 ـ ( الحسبة ) لعبد الرزاق بن رشيد الحصّان 1384 هـ طبعة التفيض الأهلية ببغداد.

203 ـ ( الحسن بن عليّ ( عليهما السلام ) ، عام الجماعة ) لعبد القادر أحمد اليوسف طبعة بمطبعة الهلال بغداد سنة 1948 م.

204 ـ ( الحسين والسنة ) لابن سعد تحقيق الطباطبائي.

205 ـ ( الحكمة الخالدة ) لأحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه 421 هـ طبعة مصر.

206 ـ ( الحلة السيراء ) لمحمد بن عبد الله القضاعي ابن الأبار 658 هـ تحقيق حسين مؤنس طبعة الأولى بالقاهرة سنة 1963 م.

207 ـ ( حلية الأولياء ) لأحمد بن عبد الله أبو نعيم الأصفهاني430 هـ طبعة السعادة بمصر.

208 ـ ( الحماسة البصرية ) لعليّ ين أبي الفرج أبو الحسن البصري 659 هـ.

209 ـ ( حماسة الظرفاء من أشعار المحدثين والقدماء ) لعبد الله بن محمد بن يوسف الزوزني.

210 ـ ( حياة الحيوان ) لمحمد بن موسى الدميري 808 هـ طبعة بولاق ، وطبعة مصر.

211 ـ ( حياة محمّد ) لمحمّد حسين هيكل.

212 ـ ( الحيوان ) لعمرو بن بحر الجاحظ 255 هـ تحقيق عبد السلام هارون.

213 ـ ( الخراج ) لأبي يوسف طبعة السلفية.

214 ـ ( الخرايج والجرايح ) لسعيد بن هبة الله القطب الراوندي ( مطبوع منضماً الى الأربعين للمجلسي طبعة حجرية ).


215 ـ ( الخريدة ) للعماد الاصبهاني.

216 ـ ( الخصال ) لمحمد بن عليّ بن الحسين ابن بابويه الصدوق 381 هـ طبعة الحيدرية تقديم السيد محمد مهدي الخرسان.

217 ـ ( خصائص أمير المؤمنين عليّ ) لأحمد بن شعيب النسائي 203 هـ طبعة التقدم بمصر سنة 1348 هـ ، وطبعة مكتبة المعلا بالكويت سنة 1406 هـ.

218 ـ ( الخصائص في النحو ) لعثمان بن جني 392 هـ طبعة مصر.

219 ـ ( الخصائص الكبرى ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ تحقيق د. محمد خليل هراس وط حيدر آباد.

220 ـ ( خلاصة تهذيب الكمال ) لأحمد بن عبد الله الخزرجي 923 هـ طبعة مصر.

221 ـ ( خلاصة نقض كتاب العثمانية ) لمحمد بن عبد الله الإسكافي 240 هـ طبعة الرحمانية بمصر.

222 ـ ( الخلاف ) لمحمد بن الحسن الطوسي 460 هـ طبعة جماعة المدرّسين بقم.

223 ـ ( الخلق الكامل ) لمحمد أحمد جاد المولى طبعة مصر.

224 ـ ( دائرة المعارف ) للمعلم بطرس البستاني طبعة بيروت.

225 ـ ( الدر المنثور / تفسير ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة افست الإسلامية.

226 ـ ( الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم ) لجمال الدين يوسف بن حاتم الشامي ق7 هـ ( مخطوط ).


227 ـ ( الدراية لتخريج أحاديث الهداية ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني852 هـ طبعة دار المعرفة بيروت.

228 ـ ( الدرجات الرفيعة ) لعليّ خان المدني الشيرازي 1120 هـ ( مخطوط ) بمكتبة الشيخ السماوي ، وطبعة الحيدرية سنة 1382 هـ.

229 ـ ( درر البحار ) طبعة حجرية.

230 ـ ( دستور معالم الحكم ) للقاضي محمد بن سلامة القضاعي طبعة النجف.

231 ـ ( دلائل الإمامة ) لمحمد بن جرير الطبري الإمامي ق4 هـ طبعة الحيدرية النجف 1369 هـ.

232 ـ ( دلائل النبوة ) لأحمد بن الحسين البيهقي 458 هـ طبعة بيروت.

233 ـ ( دليل الصلحين في شرح رياض الصالحين ) لمحمد عليّ بن محمد ابن علاّن الصدّيقي المكي 1057 هـ طبعة بيروت ( أفست ).

234 ـ ( دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ) لمحمد عليّ بن محمد المكي الصديقي 1057 هـ.

235 ـ ( دور الحجاز في الحياة السياسية العامة ) لأحمد إبراهيم الشريف.

236 ـ ( دول العرب وعظماء الإسلام ) لأحمد شوقي طبعة مصر.

237 ـ ( الديباج ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة دار ابن عفان الخُبر السعودية 1416 هـ.

238 ـ ( ديوان أبي طالب ).

239 ـ ( ديوان أمرئ القيس الكندي ) جمع السندوبي طبعة مصر.

240 ـ ( ديوان البحتري ).

241 ـ ( ديوان حافظ إبراهيم ) شاعر النيل طبعة مصر.


242 ـ ( ديوان زهير بشرح ثعلب ).

243 ـ ( ديوان عمدة المطالب لسيدنا عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام » طبعة بمبيء سنة 1357 هـ.

244 ـ ( ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ) لأحمد بن عبد الله محب الدين الطبري 694 هـ طبعة القدسي سنة 237 هـ.

245 ـ ( ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث ) لعبد الغني بن إسماعيل النابلسي 1142 هـ.

246 ـ ( راموز الأحاديث ) طبعة استانبول سنة 1275 هـ.

247 ـ ( ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ) لمحمد بن عمر الزمخشري 538 هـ طبعة أوقاف بغداد ، ونسخة الشيخ السماوي بخطه ، ونسخة الأوقاف ببغداد رقم 388 ، ونسخة الرضوية.

248 ـ ( رجال النجاشي ) لأحمد بن عليّ النجاشي 450 هـ.

249 ـ ( رسائل الجاحظ ) جمع ونشر حسن السندوبي الطبعة الأولى مصر مطبعة الرحمانية سنة 1352 هـ ، وطبعة نشر الساسي بمصر بمطبعة التقدم ، تحقيق عبد السلام هارون.

250 ـ ( رسالة الشيخ المسند ) لحسن العجيمي.

251 ـ ( رغبة الآمل ) سيد بن عليّ المرصفي.

252 ـ ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية نشر المكتبة العلمية ، باب الرحمة المدينة المنورة.

253 ـ ( روح الإسلام ) لأمير عليّ سعادت عليّ الهندي تعريب عمر الديراوي طبعة دار العلم للملايين بيروت.


254 ـ ( روح المعاني / تفسير ) لأبي الثناء محمود الالوسي1270 هـ طبعة المنيرية بمصر.

255 ـ ( الروض الأنف ) لعبد الرحمن السهيلي 581 هـ طبعة مصر.

256 ـ ( روضات الجنات ) لمحمد باقر بن زين الدين الخونساري 1313 هـ طبعة إسماعيليان.

257 ـ ( روضة الناظر ) لعبد الغني بن أحمد ابن الشحنة الحنفي بهامش تاريخ ابن الأثير طبعة بولاق ، وطبعة ذات التحرير بمصر سنة 1303 هـ ، وطبعة الأزهرية سنة 1303 هـ.

258 ـ ( روضة الواعظين ) لمحمد بن الفتال النيسابوري 508 هـ طبعة الحيدرية.

259 ـ ( رياض الشهادة ) لمحمد حسن القزويني 1240 هـ.

260 ـ ( الرياض المستطابة في معرفة من روى في الصحيحن من الصحابة ) ليحيى بن أبي بكر العامري الحرضي 893 هـ طبعة الشاهجاني بهوبال الهند 1303 هـ.

261 ـ ( الرياض النضرة ) لأحمد بن عبد الله المحب الطبري 694 هـ طبعة بدر الدين النعساني بمصر سنة 1327 هـ.

262 ـ ( زاد المعاد ) لمحمد بن أبي بكر الجوزي 751 هـ.

263 ـ ( الزهد ) لابن أبي عاصم طبعة دار الريان للتراث القاهرة.

264 ـ ( الزهد ) لهشام بن السري الكوفي 234 هـ الطبعة الأولى نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت.

265 ـ ( زهر الآداب وثمر الالباب ) لإبراهيم بن عليّ الحصري القيرواني 453 هـ طبعة مصر.


266 ـ ( زهر الربيع ) لنعمة الله الجزائري طبعة بمبئ سنة 1342 هـ.

267 ـ ( زهرة الأدباء في شرح لامية شيخ البطحاء ) لجعفر نقدي طبعة الحيدرية.

268 ـ ( زين الفتى في شرح سورة هل اتى ) لأحمد بن محمد العاصمي ق4 هـ ( مخطوطة ) في مكتبة الإمام أمير المؤمنين ( ع ) مكتبة الشيخ الأميني.

269 ـ ( سر العالمين ) لمحمد بن محمد الغزالي 505 هـ طبعة بومبي الهند حجرية سنة 1314 هـ.

270 ـ ( سراج الملوك ) لمحمد بن الوليد الفهري الطرطوشي 520 هـ طبعة مصر.

271 ـ ( سفر السعادة ) لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي 817 هـ طبعة مصر.

272 ـ ( السقيفة والخلافة ) لعبد الفتاح مقصود طبعة مصر.

273 ـ ( السقيفة ) لأحمد بن عبد العزيز أبو بكر الجوهري 323 هـ ( بتوسط شرح النهج لابن أبي الحديد ).

274 ـ ( سلسلة الأحاديث الصحيحة ) لناصر الدين الالباني طبعة مكتبة المعارف الرياض ، والمجلد الأول الطبعة الرابعة نشر المكتب الإسلامي 1405 هـ.

275 ـ ( سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر ) لمحمد خليل بن عليّ المرادي طبعة أفست مكتبة المثنى ببغداد.

276 ـ ( سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي ) لعبد الملك بن حسين العصامي المكي 1111 هـ طبعة السلفية بمصر.

277 ـ ( سمو المعنى في سمو الذات ) لعبد الله العلائلي طبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه بمصر سنة 1358 هـ.

278 ـ ( السنّة ) لأبي بكر الخلال طبعة دار الراية الرياض 1410 هـ.


279 ـ ( سنن ابن ماجة ) لمحمد بن يزيد القزويني ابن ماجة 273 هـ الطبعة الأولى بمصر سنة 1313 هـ ، وطبعة تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.

280 ـ ( سنن أبي داود ) لسليمان بن الأشعث السجستاني 275 هـ طبعة محمّد محي الدين عبد الحميد ، وطبعة دار الفكر ، وطبعة هندية.

281 ـ ( سنن الترمذي ) لمحمد بن عيسى الترمذي 279 هـ طبعة تحقيق عطوة ، وطبعة هندية ، وأخرى مصرية بشرح تحفة الاحوذي.

282 ـ ( سنن الدارقطني ) لعليّ بن عمر الدارقطني 385 هـ تحقيق هاشم نشر المدينة المنورة.

283 ـ ( سنن الدارمي ) لعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي 255 هـ طبعة دار المحاسن للطباعة سنة 1386 هـ.

284 ـ ( سنن سعيد بن منصور ) طبعة دار العصيمي الرياض.

285 ـ ( السنن الكبرى / المجتبى ) لأحمد بن الحسين عليّ البيهقي 458 هـ طبعة دار الفكر بيروت افست عن حيدر آباد ، وطبعة دار الباز بمكة المكرمة سنة 1414 هـ ، وطبعة بيروت سنة 1411 هـ ، وطبعة مصر.

286 ـ ( سير أعلام النبلاء ) لمحمد بن أحمد الذهبي 748 هت طبعة مصر ، وطبعة دار الفكر بيروت ، وطبعة مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1413 هـ.

287 ـ ( سير الصحابة والزهاد والعلماء العبّاد ) لأبي محمد عبد السلام بن محمد الخوارزمي الأندرسقاني بتوسط غاية المرام للبحراني.

288 ـ ( السيرة الحلبية / انسان العيون في سيرة الأمين والمأمون ) لعليّ بن برهان الدين الحلبي 1044 هـ طبعة الخيرية بمصر 1329 هـ.

289 ـ ( السيرة النبوية والاثار النبوية ) لأحمد زيني دحلان.


290 ـ ( السيرة النبوية ) لعبد الملك بن هشام برهان الدين الحلبي 218 هـ طبعة البهية بمصر سنة 1320 هـ ، وطبعة الخيرية بمصر سنة 1329 هـ.

291 ـ ( الشافي ) لعليّ بن الحسين المرتضى 436 هـ طبعة حجرية سنة 1301 هـ.

292 ـ ( شدو الربابة ، الصحابة والصحابة ) لخليل عبد الكريم طبعة سينا للنشر.

293 ـ ( شذرات الذهب ) لعبد الحي بن العماد الحنبلي 1089 هـ طبعة مصر.

294 ـ ( شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار ) للنعمان بن محمّد المغربي 363 هـ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي ، وطبعة مصر.

295 ـ ( شرح إكمال إكمال المعلم ) لمحمد بن خليفة الوشتاني الآبي المالكي 827 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

296 ـ ( شرح بهجة المحافل وبقية الاماثل ) لمحمد بن أبي بكر الأشخر اليمني 991 هـ.

297 ـ ( شرح بهجة المحافل ) لمحمد بن أبي بكر للأشخر اليمني 991 هـ طبعة مصر.

298 ـ ( شرح تراجم أبواب صحيح البخاري ) لأحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي 1176 هـ طبعة حيدر آباد.

299 ـ ( شرح حماسة أبي تمام ) ليحيى بن عليّ التبريزي 502 هـ مطبعة حجازي بالقاهرة تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد.

300 ـ ( شرح روضة الكافي ) لملا محمد صالح المازندراني 1081 هـ طبعة المكتبة الإسلامية.

301 ـ ( شرح شافية ) لمحمد أمير الحاج أبي فراس طبعة حجرية.


302 ـ ( شرح صحيح مسلم ) لمحمد بن خليفة الوشتاني الأبي المالكي 827 هـ طبعة دار الكتب العلمية سنة 1349 هـ بمصر.

303 ـ ( شرح صحيح مسلم ) ليحيى بن شرف النووي 676 هـ طبعة الهند ، وطبعة مصر سنة 1349 هـ.

304 ـ ( شرح كتاب الأدب المفرد / المسمى بفضل الله الصمد ) لفضل الله الجيلاني طبعة السلفية سنة 1378 هـ.

305 ـ ( شرح معاني الآثار ) لأحمد بن سلامة القضاعي الطحاوي الحنفي 329 هـ تحقيق محمّد زهري النجار طبعة دار الكتب العلمية سنة 1399 هـ بيروت.

306 ـ ( شرح مكمّل إكمال الإكمال ) لمحمد بن يوسف السنوسي الحسيني 895 هـ طبعة بيروت دار الكتب العلمية.

307 ـ ( شرح المواقف ) لعليّ بن محمد الجرجاني 816 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

308 ـ ( شرح المواهب اللدنية ) لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني 1122 هـ.

309 ـ ( شرح الموطأ ) لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني 1122 هـ.

310 ـ ( شرح نهج البلاغة / منهاج البراعة ) لحبيب الله الخوئي 1324 هـ طبعة الإسلامية.

311 ـ ( شرح نهج البلاغة ) لابن أبي الحديد المعتزلي 656 هـ طبعة مصر الأولى ، وطبعة دار الكتب العربية بمصر الأولى ، والطبعة الحديثة بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

312 ـ ( شرح نهج البلاغة ) لمحمّد عبده 1323 هـ طبعة الاستقامة الأولى بمصر.


313 ـ ( شرح نهج البلاغة ) لميثم بن عليّ بن ميثم البحراني 679 هـ طبعة الإسلامية.

314 ـ ( شعب الإيمان ) لأحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي الشافعي 458 هـ تحقيق محمّد السعيد بسيوني زغلول نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1410 هـ ، ونسخة مصورة ميكروفيلم بمكتبة المؤلف.

315 ـ ( شعب المقال ) لنجم الدين بن محمد النراقي 1319 هـ طبعة إيران.

316 ـ ( الشعر والشعراء ) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة 276 هـ طبعة مصر.

317 ـ ( شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ) لمحمد بن أحمد بن عليّ الفاسي 832 هـ طبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر سنة 1956 م.

318 ـ ( الشفاء ) للقاضي عياض اليحصبي المالكي 544 هـ طبعة اسلامبول سنة 1304 هـ.

319 ـ ( شواهد التنزيل ) لعبد الله بن أحمد الحاكم الحسكاني ق 5 هـ.

320 ـ ( الصارم المسلول في كفر شاتم الرسول ) لابن تيمية 728 هـ طبعة مصر.

321 ـ ( صبح الأعشى في صناعة الانشى ) لأحمد بن عليّ القلقشندي 821 هـ طبعة تراثنا بمصر.

322 ـ ( صحيح ابن حبان / السنن ) لمحمد بن حبان البستي 354 هـ.

323 ـ ( صحيح ابن خزيمة ) لمحمد بن إسحاق النيسابوري 311 هـ طبعة المكتب الإسلامي بيروت.

324 ـ ( صحيح البخاري ) لمحمد بن إسماعيل البخاري 256 هـ طبعة مصر بولاق سنة 1312 هـ ، طبعة مصر بولاق سنة 1314 هـ.


325 ـ ( صحيح مسلم ) لمسلم بن الحجاج القشيري 261 هـ طبعة حجرية سنة 1272 هـ ، وطبعة بولاق بمصر ، وطبعة محمّد عليّ صبيح.

326 ـ ( الصديقة بنت الصديق ) لعباس محمود العقاد.

327 ـ ( الصراط المستقيم ) لعليّ بن يونس البياضي العاملي 877 هـ طبعة الحيدري طهران.

328 ـ ( صفوة الصفوة ) لعبد الرحمن بن عليّ ابن الجوزي 597 هـ طبعة حيدر آباد.

329 ـ ( الصواعق المحرقة ) لأحمد بن حجر المكي الهيتمي 973 هـ طبعة الميمنية 1312 هـ الأولى ، وطبعة تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ، وطبعة محققة بمصر.

330 ـ ( ضياء العالمين ) لأبي الحسن بن محمد بن طاهر الفتوني 1140 هـ ( مصور بمكتبة المؤلف ).

331 ـ ( طبقات الحنابلة ) لمحمد بن أبي يعلى الحنبلي 516 هـ تحقيق حامد الفقي.

332 ـ ( طبقات الشافعية ) لعبد الوهاب بن عليّ السبكي 771 هـ طبعة مصر الأولى ، وطبعة سنة 1324 هـ ، وطبعة تحقيق عبد الفتاح الحلو.

333 ـ ( الطبقات الكبير ) لمحمد بن سعد 230 هـ تحقيق د محمّد بن صامل السُلمي طبعة الطائف ، وتحقيق د محمّد بن صامل السُلمي سنة 1414 هـ ، وطبعة الخانجي بمصر ، وطبعة أفست ليدن ، وطبعة مؤسسة ال البيت بيروت سنة 1414 هـ ، وطبعة لجنة الثقافة القاهرة سنة 1358 هـ.


334 ـ ( الطراز في علوم حقائق الإعجاز ) ليحيى بن حمزة الزيدي 749 هـ طبعة مصر.

335 ـ ( طراز المجالس ) لأحمد بن محمد بن عمر شهاب الدين الخفاجي 1069 هـ.

336 ـ ( طلبة الطالب في شرح لامية أبي طالب ) لعليّ فهمي الموستاري طبعة إسلامبول.

337 ـ ( طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب ) لعبد العزيز بن أحمد الدهري الديريي697 هـ.

338 ـ ( عائشة والسياسة ) لسعيد الأفغاني طبعة لجنة التاليف والترجمة والنشر بمصر.

339 ـ ( عبقرية الإسلام ونظام الحكم ) للعجلاني.

340 ـ ( عبقرية الإمام ) لعباس محمود العقاد ( العبقريات الإسلامية ، موسوعة العقاد ) طبعة دار الكتاب العربي بيروت.

341 ـ ( العثمانية ) لعمرو بن بحر الجاحظ 255 هـ طبعة دار الكتاب العربي بمصر تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هارون.

342 ـ ( العدالة الاجتماعية في الإسلام ) لسيد قطب طبعة مصر.

343 ـ ( العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ) لمحمد بن أحمد تقي الدين الحسني الفاسي المكي المتوفى سنة 832 هـ تحقيق فؤاد سيد مط السنة المحمدية القاهرة سنة 1958 م ـ 1385 هـ.

344 ـ ( العقد الفريد للملك السعيد ) لمحمد بن طلحة القرشي النصيبيني الوزير 652 هـ نسخة عند الشيخ السماوي.


345 ـ ( العقد الفريد ) لأحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي 328 هـ طبعة لجنة التاليف والترجمة والنشر سنة 1363 هـ تحقيق أحمد أمين ، وأحمد الزين ، وإبراهيم الأبياري.

346 ـ ( العقود الفضية في أصول الأباضية ) لسالم بن محمد بن سليمان الحارثي طبعة دار اليقظة العربية سوريا ولبنان.

347 ـ ( علل الحديث ) لابن أبي حاتم عبد الرحمن الرازي 327 هـ طبعة السلفية بمصر.

348 ـ ( علل الشرائع ) لمحمد بن عليّ الصدوق ابن بابويه 381 هـ طبعة منشورات مكتبة الشريف الرضي بقم ، وطبعة الحيدرية.

349 ـ ( العَلَم الشامخ في ايثار الحق على الآباء والمشايخ ) لصالح بن مهدي بن عليّ المقبلي اليمني 1110 هـ طبعة مصر سنة 1328 هـ.

350 ـ ( عليّ بن أبي طالب بقية النبوة ـ وخاتم الخلافة ) لعبد الكريم الخطيب طبعة مصر ، وطبعة دار الفكر العربي سنة 1368 هـ الأولى.

351 ـ ( عليّ وبنوه ) لطه حسين طبعة دار المعارف.

352 ـ ( العمدة في صناعة الشعر ) للحسن بن رشيق القيرواني 456 هـ طبعة مصر.

353 ـ ( عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري ) لمحمود بن أحمد العيني 855 هـ طبعة مصر.

354 ـ ( العمدة ) ليحيى بن الحسن الأسدي ابن البطريق طبعة حجرية.

355 ـ ( عوارق المعارف / العوارف ) لعمر بن محمد السهروردي 632 هـ طبعة مصر.


356 ـ ( عين الأدب والسياسة ) لعليّ بن عبد الرحمن بن هذيل الفزاري ق 8 هـ طبعة مصر.

357 ـ ( عيون الأثر ) لمحمد بن عبد الله ابن سيد الناس 734 هـ.

358 ـ ( عيون الأخبار ) لعبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدنيوري 276 هـ طبعة دار الكتب المصرية.

359 ـ ( عيون المعجزات ) منسوباً للمرتضى ق5 هـ طبعة الحيدرية.

360 ـ ( الغارات ) لمحمّد بن إبراهيم الثقفي 283 هـ تحقيق السيد جلال الدين الحسيني المحدث الأرموي.

361 ـ ( غاية المرام / تفسير ) لمحمد بن العباس بن ماهيار.

362 ـ ( غاية المرام في حجة الخصام ) لهاشم بن سليمان البحراني 1107 هـ طبعة حجرية سنة 1272 هـ.

363 ـ ( الغدير ) لعبد الحسين أحمد الأميني طبعة دار الكتب الإسلامية.

364 ـ ( غرر الأخبار ودرر الآثار ) للحسن بن محمد الديلمي ق8 هـ ( نسخة مخطوطة ناقصة عند شيخنا العلامة الحجة الشيخ شير محمّد الهمداني الجورقاني « قدّس سرّه » ).

365 ـ ( الغرر الحسان ) للأمير حيدر بن أحمد الشهابي 1251 هـ.

366 ـ ( غرر الخصائص الواضحة ) لمحمد بن إبراهيم بن يحيى الوطواط 718 هـ طبعة سنة 1299 هـ بمصر.

367 ـ ( غريب الحديث ) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة 276 هـ تحقيق عبد الله الجبوري مطبعة العاني بغداد سنة 1977 م.


368 ـ ( الغيث المسجم في شرح لامية العجم ) لخليل بن أيبك الصفدي 764 هـ طبعة مصر الأولى ، وطبعة محققة.

369 ـ ( الالف باء ) للبلوي طبعة مصر.

370 ـ ( الفائق ) لمحمود بن عمر الزمخشري 538 هـ طبعة حيدر آباد ، وطبعة تحقيق الطناحي بمصر.

371 ـ ( الفاخر ) للمفضل بن سلمة ق 3 هـ طبعة مصر ( تراثنا ).

372 ـ ( فارسي نامه ) ناصري طبعة إيران.

373 ـ ( الفاضل والمفضول ) لمحمد بن يزيد المبّرد طبعة مصر.

374 ـ ( فاطمة بنت محمد ) لعمر أبو نصر الطبعة الأولى الاهلية بيروت.

375 ـ ( فتح الباري / شرح صحيح البخاري ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده سنة 1378 هـ ، وطبعة دار المعرفة بيروت تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب.

376 ـ ( الفتح الربّاني بترتيب مسند الشيباني ) لأحمد بن عبد المنعم الدمنهوري 1192 هـ طبعة مصر.

377 ـ ( فتح العزيز شرح الوجيز ) لعبد الكريم محمد الرافعي 623 هـ طبعة مصر.

378 ـ ( فتح القدير / تفسير ) لمحمد بن عليّ الشوكاني 1250 هـ.

379 ـ ( الفتح الكبير ) ليوسف النبهاني 1350 هـ طبعة بيروت.

380 ـ ( فتح الملك المعبود / تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ) لأمين بن محمود المصري طبعة الاعتصام بالخيمية سنة 1375 هـ.


381 ـ ( الفتن ) لنعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي 229 هـ تحقيق سهيل زكار طبعة بيروت ، ونسخة مصورة ( ميكروفلم ) عن مكتبة المتحف البريطاني في لندن بمكتبة المؤلف ).

382 ـ ( الفتنة / جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر ) هشام جعيّط ، ترجمة خليل أحمد خليل ، طبعة دار الطليعة.

383 ـ ( الفتنة الكبرى ) لطه حسين طبعة دار المعارف بمصر.

384 ـ ( فتوح البلدان ) لأحمد بن يحيى البلاذري 279 هـ طبعة الأولى بالقاهرة المعزّية سنة 1319 هـ ، وطبعة دار الكتب العربية بمصر سنة 1319 هـ الأولى.

385 ـ ( الفتوح ) لأحمد بن محمد بن عليّ بن أعثم الكوفي ق4 هـ طبعة دار الندوة الجديدة افست بيروت ، وطبعة دار المعارف بحيدر آباد طبعة الأولى ، والترجمة الفارسية طبعة الهند.

386 ـ ( الفتوحات الإسلامية ) لأحمد بن زيني دحلان 1304 هـ طبعة مصر.

387 ـ ( الفخري في الآداب السلطانية في الدول الإسلامية ) لابن الطقطقي طبعة مصر الأولى ، وطبعة دار صادر بيروت.

388 ـ ( فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين ) لإبراهيم بن محمد الجويني الحمويني 722 هـ.

389 ـ ( الفردوس ) لشيرويه بن شهردار الديلمي 509 هـ طبعة بيروت.

390 ـ ( الفرق الإسلامية ) للبشبيشي طبعة الرحمانية بمصر.

391 ـ ( الفرقان بين الحقّ والباطل ) لابن تيمية 728 هـ ( مؤلفات ابن تيمية الطبعة الثانية ).

392 ـ ( الفروع ) لمحمد بن مفلح الحنبلي 763 هـ طبعة مصر.


393 ـ ( الفروق بين الأباطيل والحقوق ) لمحمّد بن بحر الشيباني 340 هـ طبعة مصر.

394 ـ ( فصل المقال في شرح كتاب الأمثال ) لعبد الله بن عبد العزيز بن مصعب البكري 487 هـ طبعة بيروت دار الأمانة.

395 ـ ( الفِصَل ) لعليّ بن حزم الأندلسي 456 هـ.

396 ـ ( الفصول المختارة ) لعليّ بن الطاهر الشريف المرتضى 436 هـ طبعة الأولى بالحيدرية.

397 ـ ( الفصول المهمة في معرفة الأئمة ) لعليّ بن محمد بن أحمد ابن الصباغ المالكي 855 هـ طبعة حجرية.

398 ـ ( فضائل الصحابة ) لأحمد بن حنبل 241 هـ ( نسخة مصورة بمكتبة المؤلف )

399 ـ ( الفضائل ) لابن شاذان ق7 هـ طبعة حجرية ملحقة بعلل الشرائع والروضة.

400 ـ ( فقه السيرة ) لمحمد الغزالي.

401 ـ ( الفقيه والمتفقه ) لأحمد بن عليّ الخطيب البغدادي 463 هـ.

402 ـ ( فلاح السائل ) لعليّ بن موسى ابن طاووس 664 هـ طبعة الحيدرية سنة 1385 هـ.

403 ـ ( فهارس كتاب الثقاة لابن حبان ) طبعة مؤسسة الكتب الثقافية ، وطبعة دار الكتب العلمية.

404 ـ ( الفهرست ) لمحمد بن إسحاق الوراق ابن النديم 438 هـ طبع و تحقيق رضا تجدد.

405 ـ ( الفوائد المجموعة ) لمحمد بن عليّ الشوكاني 1250 هـ طبعة مصر.


406 ـ ( الفوائد ) لتمام بن محمّد الرازي 414 هـ تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي طبعة مكتبة الرشد بالرياض سنة 1412 هـ.

407 ـ ( فيض القدير ) لمحمد بن عليّ الشوكاني 1250 هـ طبعة دار الكتب العلمية ، وطبعة الإستقامة بمصر.

408 ـ ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) لأبن تيمية 728 هـ طبعة مصر سنة 1373 هـ.

409 ـ ( القاموس المحيط ) لمحمد بن يعقوب الفيروزابادي 817 هـ طبعة مصر.

410 ـ ( القصائد العلويات السبع ) لأبن ابي الحديد المعتزلي 656 هـ طبعة حجرية مع المعلقات السبع.

411 ـ ( قصص العرب ) لمحمد أحمد جاد المولى 1363 هـ طبعة مصر.

412 ـ ( القضايا الكبرى في الإسلام ) لعبد المتعال الصعيدي الطبعة الثانية بمصر سنة 1960 م.

413 ـ ( قطر المحيط ) لبطرس بن بولس بن عبد الله البستاني طبعة بيروت.

414 ـ ( قوت القلوب ) لمحمد بن عليّ بن عطية أبو طالب المكي 386 هـ طبعة مصر.

415 ـ ( القول المسدد في الذب عن مسند أحمد ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنة 1401 هـ.

416 ـ ( الكافي في تاريخ مصر ) لميخائيل شاروبيم بك طبعة مصر.

417 ـ ( كامل الزيارات ) لجعفر بن محمد ابن قولويه القمي 368 هـ طبعة حجرية بالنجف الأشرف.

418 ـ ( الكامل في التاريخ ) لعليّ بن محمد ابن الأثير 630 هـ طبعة بولاق.


419 ـ ( الكامل في التاريخ ) لعليّ بن محمد ابن الأثير الجزري 630 هـ طبعة بولاق بمصر.

420 ـ ( الكامل ) لمحمد بن يزيد المبرد 285 هـ طبعة دار نهضة مصر تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

421 ـ ( كتاب الجمل ) لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد 413 هـ الطبعة الثانية بالحيدرية سنة 1368 هـ ، ونسخة مخطوطة في مكتبة المرحوم السيد الوالد « قدّس سرّه » بخطه.

422 ـ ( كتاب سليم ) لسليم بن قيس الهلالي ق1 هـ طبعة الحيدرية ، وطبعة الهادي سنة 1415 هـ تحقيق الشيخ محمد باقر الأنصاري.

423 ـ ( كتاب السنّة ) لعمر بن أبي عاصم الشيباني 287 هـ طبعة المكتب الإسلامي تحقيق الالباني.

424 ـ ( كتاب القمقام الذخار والصمصام البتار ) لفرهاد ميرزا القاجاري 1305 هـ طبعة حجرية.

425 ـ ( كتاب المناسك ) لإبراهيم بن إسحاق الحرب 385 هـ.

426 ـ ( كتاب نقض العثمانية ) لأبي جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي 340 هـ طبعة مصر.

427 ـ ( الكتّاب وصفة الدواة والقلم وتعريفها ) لأبي القاسم عبد الله بن عبد العزيز البغدادي مؤدب المهتدي بن الواثق العباسي سنة 218 هـ ( مجلة المورد البغدادية ).

428 ـ ( الكرماء ) لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري 395 هـ مطبعة الشورى بالفجالة بمصر سنة 1326 هـ.


429 ـ ( الكشاف ) لعليّ بن حزم الأندلسي 456 هـ.

430 ـ ( كشف الأرتياب ) للسيد لمحسن بن عبد الكريم الأمين العاملي « قدّس سرّه » طبعة بيروت.

431 ـ ( كشف الخفاء ) لإسماعيل بن محمد العجلوني 1163 هـ طبعة مصر.

432 ـ ( كشف الظنون عن أسامي الكتب والمتون ) لمصطفى بن عبد الله الجلبي 1067 هـ طبعة المعارف التركية.

433 ـ ( كشف الغمة عن جميع الأئمة ) لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني 973 هـ طبعة مصر.

434 ـ ( كشف الغمة ) لعليّ بن عيسى الأربلي 693 هـ طبعة حجرية 1294 هـ ، وطبعة الحيدرية ، وطبعة مكتبة الشريف الرضي بقم.

435 ـ ( الكشف والبيان / تفسير ) لأحمد الثعلبي 427 هـ.

436 ـ ( كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ) للحسن بن يوسف بن المطهر الحلي 726 هـ طبعة حجرية.

437 ـ ( الكشكول / أنيس المسافر وجليس الخاطر ) ليوسف البحراني طبعة النجف.

438 ـ ( الكشكول ) لمحمد بن عبد الصمد البهائي 1031 هـ طبعة نجم الدولة ، وطبعة الحيدرية.

439 ـ ( كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثنى عشر ) لعليّ بن محمد بن عليّ الخزاز ق4 هـ طبعة حجرية سنة 1305 هـ ، وطبعة محققة إيران.

440 ـ ( كفاية الطالب لمناقب عليّ بن أبي طالب ) لمحمد حبيب الله بن عبد الله الشنقيطي 1363 هـ طبعة الإستقامة بمصر.


441 ـ ( كفاية الطالب ) لمحمد بن يوسف الحافظ الكنجي الشافعي 658 هـ طبعة الحيدرية سنة 1390 هـ.

442 ـ ( الكفاية في علم الرواية ) لأحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي 463 هـ طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.

443 ـ ( كنج دانش ) ( فارسي ) لمحمّد تقي خان طبعة إيران.

444 ـ ( كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ) لعلاء الدين عبد الرحمن المتقي الهندي 975 هـ طبعة مؤسسة الرسالة بحلب ، وطبعة حيدر آباد ، وطبعة بهامش مسند أحمد ، وطبعة حيدر آباد ( الأولى والثانية ).

445 ـ ( الكنز المدفون والفلك المشحون ) منسوب لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي 911 هـ طبعة مصر.

446 ـ ( الكنى والأسماء ) لمحمد بن أحمد بن حماد الدولابي 321 هـ طبعة حيدر آباد سنة 1312 هـ.

447 ـ ( الكنى والالقاب ) لعباس بن محمدرضا القمي 1359 هـ طبعة صيدا ، وطبعة الحيدرية.

448 ـ ( الكنى ) لمحمد بن محمد بن أحمد الحاكم النيسابوري 378 هـ.

449 ـ ( كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري ) لمحمّد الخضر بن عبد الله الجكني الشنقيطي 1354 هـ طبعة مؤسسة الرسالة.

450 ـ ( لسان العرب ) لمحمد بن مكرم ابن منظور 711 هـ طبعة أفست عن بولاق.

451 ـ ( لسان الميزان ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة حيدر آباد.


452 ـ ( لطائف المعارف ) لعبد الله بن محمد بن طاهر الطريشي.

453 ـ ( اللمع في التصوف ) لعبد الله بن عليّ أبي نصر السراج الطوسي 378 هـ طبعة مصر.

454 ـ ( لواقح الأنوار في طبقات الأخبار ) لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني 973 هـ طبعة مصر.

455 ـ ( لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية ) لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني 973 هـ الطبعة الأولى نشر البابي الحلبي سنة 1380 هـ ، و 1381 هـ.

456 ـ ( اللالي المصنوعة ) لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي 911 هـ طبعة مصر الأولى.

457 ـ ( المؤتلف والمختلف ) للآمدي بتحقيق عبد الستار أحمد فراج.

458 ـ ( مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار ) لعبد اللطيف بن عبد العزيز ابن الملك 801 هـ.

459 ـ ( المبسوط ) لمحمد بن أبي سهل السرخسي 482 هـ طبعة بيروت أفست عن مصر.

460 ـ ( المثالب ) لهشام بن محمد الكلبي 205 هـ ( بواسطة ).

461 ـ ( المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ) لنصر الله بن أبي الكرم ابن الأثير 637 هـ طبعة مصر سنة 1354 هـ.

462 ـ ( المجتنى ) لمحمد بن الحسن ابن دريد 321 هـ طبعة حيدر آباد.

463 ـ ( مجالس ثعلب ) لأحمد بن يحيى بن يسار المعروف بثعلب 291 هـ طبعة دار المعارف بمصر.


464 ـ ( مجمع الأمثال ) لأحمد بن محمد الميداني النيسابوري 518 هـ طبعة دار الفكر مصر.

465 ـ ( مجمع البيان / تفسير ) للفضل بن الحسن الطبرسي 548 هـ طبعة صيدا.

466 ـ ( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ) لعليّ بن أبي بكر الهيثمي 807 هـ طبعة القدسي سنة 1353 هـ بمصر.

467 ـ ( مجموعة الوثائق السياسية ) طبعة مصر.

468 ـ ( المحاسن والأضداد ) لعمرو بن بحر الجاحظ 255 هـ طبعة المعاهد بمصر سنة 1350 هـ.

469 ـ ( المحاسن والمساوي ) لإبراهيم بن محمد البيهقي 320 هـ طبعة السعادة ، وطبعة النعساني بمصر سنة 1325 هـ.

470 ـ ( المحاسن ) لأحمد بن محمد بن خالد البرقي 274 هـ تحقيق السيد جلال الدين المحدث الأرموي.

471 ـ ( محاضرات الأدباء / ومحاورات الشعراء والبلغاء ) لحسين بن محمد الراغب الاصفهاني 500 هـ طبعة مصر الأولى ، ومخطوطة الرضوية.

472 ـ ( المحبر ) لمحمد بن حبيب النحوي الهاشمي 245 هـ طبعة حيدر آباد.

473 ـ ( المحجة البيضاء ) لمحمد محسن بن المرتضى الفيض الكاشاني 1091 هـ طبعة الإسلامية إيران.

474 ـ ( المحلى ) لعليّ بن أحمد بن سعيد ابن حزم 456 هـ طبعة افست دار الفكر.

475 ـ ( محمّد وصحبه ) لعبد الحفيظ أبو السعود طبعة دار الكتاب العربي بمصر سنة 1367 هـ.


476 ـ ( مختصر تاريخ دمشق ) لمحمد بن كرم ابن منظور 711 هـ طبعة بيروت.

477 ـ ( مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي ) لأمير عليّ بن سعادت الهندي ترجمة رياض رأفت طبعة التمدن الإسلامي.

478 ـ ( المختصر في أخبار البشر ) لإسماعيل بن عليّ أبي الفداء 732 هـ طبعة بيروت أفست عن بولاق.

479 ـ ( مختصر كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة ) لإسماعيل بن عليّ بن الحسن ابن زنجويه الرازي السمّان 445 هـ.

480 ـ ( مختصر كتاب الوتر ) لتقي الدين المقريزي 845 هـ طبعة مكتبة المنار ، الزرقاء الأردن.

481 ـ ( المخصص ) لعليّ بن إسماعيل الأندلسي ابن سيدة 458 هـ طبعة بولاق.

482 ـ ( المخلاة ) منسوب لمحمد بن الحسين البهائي 1030 هـ طبعة مصر.

483 ـ ( المدخل ) لأحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي 458 هـ طبعة مصر.

484 ـ ( مرآة الجنان وعبرة اليقظان ) لعبد الله بن أسعد اليافعي 768 هـ طبعة بيروت.

485 ـ ( مرآة الزمان في تاريخ الأعيان ) ليوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي 654 هـ.

486 ـ ( المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها ) لعبد الله العفيفي طبعة مصر.

487 ـ ( مرآة العقول ) لمحمد باقر المجلسي 1111 هـ طبعة حجرية.

488 ـ ( المرآة الناظرة لمنازل الآخرة ) للحسين الحسني الهمداني طبعة النجف.

489 ـ ( مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ) لعبد المؤمن بن عبد الحقّ البغدادي 739 هـ طبعة مصر تحقيق البجاوي.


490 ـ ( المردفات من قريش ) لعليّ بن محمد المدائني 225 هـ تحقيق عبد السلام هارون طبعة مصر 1370 هـ.

491 ـ ( المرصّع ) لمجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير 606 هـ.

492 ـ ( مرقاة المفاتيح ) لعليّ القاري 1014 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

493 ـ ( مروج الذهب ) لعليّ بن الحسين بن عليّ المسعودي 346 هـ طبعة مصطفى محمّد ، وطبعة بولاق سنة 1283 هـ ، وطبعة الأزهرية سنة 1303 هـ ، وطبعة مصرية بهامش تاريخ ابن الأثير ، وطبعة العامرة البهية سنة 1346 هـ ، وطبعة مصر بتحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد سنة 1367 هـ مطبعة السعادة ، وطبعة الثالثة سنة 1377 هـ ، وطبعة بيروت دار الفكر ، وطبعة دار الأندلس.

494 ـ ( المستجاد من فعلات الأجواد ) للحسن بن أبي القاسم القاضي التنوخي 384 هـ تحقيق محمّد كرد عليّ طبعة الترقي بدمشق سنة 1365 هـ.

495 ـ ( المستدرك على الصحيحين ) لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري 405 هـ طبعة دار الكتب العلمية تحقيق مصطفى عبد القادر ، وطبعة دمج بحلب أفست عن حيدر آباد.

496 ـ ( المسترشد ) لمحمد بن جرير طبعة الحيدرية.

497 ـ ( المستطرف في كل فن مستظرف ) لمحمد بن أحمد بن منصور الأبشيهي 852 هـ طبعة دار احياء التراث العربي ( أفست ) ، وطبعة مصر.

498 ـ ( المسالك والممالك ) لإبراهيم بن محمد الأصطخري ق 4 هـ طبعة ليدن.

499 ـ ( المسالك والممالك ) لعبيد الله بن عبد الله بن خردازية 300 هـ افست طبعة ليدن.


500 ـ ( مسند أبي حنيفة ) للنعمان بن ثابت 150 هـ طبعة مصر.

501 ـ ( مسند أبي يعلى ) لإسماعيل بن محمد بن فضل الموصلي 307 هـ طبعة دار المأمون للتراث بدمشق سنة 1404 هـ ونشر دار الكتب العلمية.

502 ـ ( مسند أحمد ) لأحمد بن حنبل 241 هـ افست طبعة مصر الأولى ، وطبعة مكتبة التراث الإسلامي تحقيق أحمد محمد شاكر ، وطبعة مصر الأولى ، وطبعة مؤسسة قرطبة بمصر.

503 ـ ( مسند الروياني / مسند الصحابة ) لمحمد بن هارون الروياني الطبري 307 هـ طبعة مؤسسة قرطبة بمصر سنة 1416 هـ.

504 ـ ( مسند الشافعي ) لمحمد بن إدريس الشافعي 204 هـ طبعة مصر.

505 ـ ( مسند الطيالسي ) لسليمان بن داود بن جارود 204 هـ طبعة حيدر آباد.

506 ـ ( مسند عبد بن حميد ) لحافظ عبد بن حميد 249 هـ تحقيق صبحي البدري السامرائي ومحمود خليل الصعيدي نشر مكتبة السنة بالقاهرة سنة 1411 هـ.

507 ـ ( مشكاة الأدب الناصري ) لعباس قلي خان سبهرثاني 1340 هـ.

508 ـ ( مشكاة المصابيح ) لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي 516 هـ طبعة المكتب الإسلامي تحقيق الالباني ، وطبعة مصر ، وطبعة الهند.

509 ـ ( مصابيح السنّة ) للحسين بن مسعود البغوي 516 هـ طبعة الخيرية بمصر.

510 ـ ( المصاحف ) لعبد الله بن سليمان ابن أبي داود السجستاني 316 هـ طبعة الرحمانية 1355 تحقيق آرثر جفري ، طبعة افست المثنى.

511 ـ ( مصادر نهج البلاغة ) لعبد الزهراء الخطيب طبعة الأعلمي بيروت سنة 1395 هـ.


512 ـ ( مصباح الأنوار ) لهاشم بن محمّد ق 6 هـ نسخة ( مخطوطة ) بمكتبة المرحوم السيد حسن الخرسان ( مكتبة ال الخرسان ).

513 ـ ( المصباح المنير ) للفيومي طبعة بولاق.

514 ـ ( المصنف ) لعبد الرزاق بن همام الصنعاني 211 هـ طبعة المكتب الإسلامي المجلس العلمي.

515 ـ ( المصنف ) لعبد الله بن محمد ابن أبي شيبة 235 هـ طبعة نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي باكستان سنة 1406 هـ ، وطبعة مكتبة الرشد في الرياض سنة 1409 هـ.

516 ـ ( مطالب السؤول في مناقب ال الرسول ) لمحمد بن طلحة النصيبي الشافعي 652 هـ طبعة حجرية ملحقاً بتذكرة الخواص.

517 ـ ( المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ) لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة الكويت.

518 ـ ( المعارف ) لعبد الله بن مسلم بن قتيبة270 هـ تحقيق ثروت عكاشة ، وطبعة ليدن سنة 1960 م.

519 ـ ( معاني الأخبار ) لمحمد بن عليّ بن الحسين الصدوق 381 هـ طبعة الحيدرية سنة 1391 هـ.

520 ـ ( معاوية في الميزان ) لعباس محمود العقاد ضمن موسوعة العقاد.

521 ـ ( معجم البلدان ) لياقوت بن عبد الله الحموي 626 هـ طبعة دار صادر.

522 ـ ( معجم الشعراء ) للمرزباني تحقيق عبد الستار أحمد فراج.

523 ـ ( المعجم الكبير / الصغير ) لسليمان بن أحمد اللخمي الطبراني 360 هـ الطبعة الثانية بمطبعة الزهراء بالموصل ، وطبعة الأولى بمطبعة الوطن العربي.


524 ـ ( معرفة الصحابة ) أطروحة دكتوراه تحقيق د محمد راضي بن حاج عثمان سنة 1408 هـ.

525 ـ ( معرفة الصحابة ) لأحمد لن عبد الله بن أحمد أبو نعيم الاصبهاني 430 هـ.

526 ـ ( معرفة علوم الحديث ) لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري 405 هـ طبعة حيدر آباد.

527 ـ ( معرفة الناقلين ) للكشي طبعة بمبئ ، وبتحقيق حسن المصطفوي طبعة دار رانشكاه مشهد.

528 ـ ( المعرفة والتاريخ ) للفسوي طبعة الإرشاد بغداد سنة 1394 هـ.

529 ـ ( معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ) لأبي زيد الأسيدي الدبّاغ تحقيق إبراهيم شبوح طبعة الخانجي بمصر سنة 1968 م.

530 ـ ( المعمرين ) لأبي حاتم السجستاني بتحقيق عبد المنعم عامر طبعة دار احياء الكتب العربية سنة 1961 م.

531 ـ ( المغازي ) لمحمد بن واقد الواقدي 207 هـ طبعة أوربا.

532 ـ ( المغني ) لابن قدامة الحنبلي المقدسي طبعة دار المنار بمصر سنة 1367 هـ.

533 ـ ( مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ) للسيوطي ( ضمن الرسائل المنبرية ).

534 ـ ( المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) لجواد عليّ الطبعة الأولى.

535 ـ ( المفهم في شرح صحيح مسلم ) للقرطبي.

536 ـ ( مقاتل الطالبين ) لأبي الفرج الاصبهاني 356 هـ تحقيق السيد أحمد صقر طبعة مصر سنة 1368 هـ بالقاهرة ، وطبعة الحيدرية.

537 ـ ( المقامة السندسية ) للسيوطي طبعة الجوائب 1298 هـ.


538 ـ ( مقتل الحسين ( عليه السلام » للموفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم الحنفي 568 هـ طبعة الزهراء بالنجف الأشرف.

539 ـ ( المقتل ) للخطي طبعة بمبئ.

540 ـ ( مقدمة ابن خلدون ) لعبد الرحمن بن محمد ابن خلدون طبعة دار الكتاب اللبناني.

541 ـ ( مقدمة شرح التقريب ) للزين عبد الرحيم العراقي طبعة مصر.

542 ـ ( المقفى الكبير ) لأحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزي 845 هـ طبعة دار الغرب الإسلامي بيروت.

543 ـ ( مكارم الأخلاق ) لابن أبي الدنيا القرشي نشر مكتبة الفرات بالقاهرة سنة 1411 هـ.

544 ـ ( مكارم الأخلاق ) لأبي بكر الخرائطي طبعة السلفية بمصر سنة 1350 هـ.

545 ـ ( مكارم الأخلاق ) للطبرسي طبعة مصر ، وطبعة حجرية ، وطبعة الحيدرية.

546 ـ ( مكمل إكمال الإكمال ) للسنوسي الحسني طبعة دار الكتب العلمية.

547 ـ ( الملل والنحل ) لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني 458 هـ طبعة الأزهر الحديثة الثانية سنة 1395 هـ ، وطبعة بيروت.

548 ـ ( الملهوف على قتلى الطفوف ) لعليّ بن موسى ابن طاووس 664 هـ طبعة الحيدرية.

549 ـ ( من أين نبدأ ) لخالد محمّد خالد طبعة الثامنة سنة 1954 م.

550 ـ ( من لا يحضره الفقيه ) لمحمد بن عليّ بن الحسين الصدوق 380 هـ تحقيق المرحوم السيد حسن الخرسان طبعة النجف.

551 ـ ( منازل الآخرة ) لعباس بن محمدرضا القمي 1359 هـ طبعة طهران.


552 ـ ( المناسك وأماكن طريق الحج ومعالم الجزيرة ) بتحقيق حمد الجاسر نشر دار اليمامة الرياض.

553 ـ ( مناقب ال أبي طالب ) لمحمد بن عليّ بن شهر آشوب السروي 588 هـ طبعة الحجرية ، وطبعة الحيدرية.

554 ـ ( مناقب أبي حنيفة ) للخوارزمي طبعة حيدر آباد.

555 ـ ( مناقب أبي حنيفة ) للكردري ( بهامش مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ).

556 ـ ( مناقب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام » للخوارزمي طبعة حجرية ، وطبعة الحيدرية.

557 ـ ( مناقب عمر ) لعبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي 597 هـ طبعة بيروت.

558 ـ ( المناقب ) لأبن المغازلي المالكي طبعة الإسلامية.

559 ـ ( مناهل العرفان ) للزرقاني طبعة مصر.

560 ـ ( منتخب كنز العمال ) بهامش مسند أحمد طبعة مصر الأولى.

561 ـ ( المنتخب من ذيل المذيّل ) للطبري طبعة مصر الحسينية.

562 ـ ( المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ) لعبد الرحمن بن عليّ بن الجوزي 597 هـ طبعة حيدر آباد ، وطبعة دار الكتب العلمية.

563 ـ ( المنتقى من أخبار المصطفى ) طبعة الهند سنة 1296 هـ ، وطبعة مصر.

564 ـ ( المنتقى ) لابن الجارود طبعة مؤسسة الكتاب الثقافية بيروت.

565 ـ ( المنجد في اللغة والاعلام ) طبعة بيروت الطبعة التاسعة ، والطبعة الثالثة والعشرين.

566 ـ ( المنمق ) لمحمد بن حبيب الهاشمي طبعة حيدر آباد.


567 ـ ( منهاج السنة ) لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية 728 هـ طبعة مؤسسة قرطبة سنة 1406 هـ ، وطبعة أفست بولاق سنة 1322 هـ ، وطبعة مصر ( الأولى ).

568 ـ ( منهاج العابدين الى جنة رب العالمين ) لمحمد بن محمد أبو حامد الغزالي 465 هـ طبعة مصر سنة 1327 هـ.

569 ـ ( منية المريد ) لزين الدين بن عليّ العاملي الشهيد 965 هـ طبعة النجف.

570 ـ ( مهج الدعوات ومنهج العنايات ) لعليّ بن موسى ابن طاووس 664 هـ طبعة حجرية.

571 ـ ( المهذب في الفقه الشافعي ) لأبي إسحاق الشيرازي طبعة مصر سنة 1343 هـ.

572 ـ ( الموافقات ) لإبراهيم بن موسى الشاطبي 790 هـ طبعة الرحمانية بمصر.

573 ـ ( الموشّى في الظرف والظرفاء ) لأبي الطيب الوشاء الدؤلي.

574 ـ ( الموطأ لمالك بشرح تنوير الحوالك ) لجلال الدين السيوطي الشافعي 911 هـ طبعة مصطفى محمّد بمصر.

575 ـ ( ميزان الاعتدال ) لمحمد بن أحمد الذهبي 748 هـ طبعة مصر الأولى.

576 ـ ( الميزان في تفسير القرآن ) لمحمد حسين الطباطبائي 1412 هـ طبعة بيروت.

577 ـ ( ناسخ التواريخ ) لمحمّد تقي سبهر ( فارسي ) طبعة حجرية.

578 ـ ( النجوم الزاهرة ) لابن تغري بردي طبعة مصر ( تراثنا ).

579 ـ ( نحو الدستور الإسلامي ) للمودودي ( لجنة الشباب المسلم ) طبعة القاهرة سنة 1373 هـ.


580 ـ ( النزاع والتخاصم ) لأحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزي 845 هـ طبعة مصر سنة 1937 م.

581 ـ ( نزهة المجالس ) للصفوري طبعة مصر.

582 ـ ( نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ) للحسن بن محمد بن الحسن الحلواني ق5 هـ طبعة النجف.

583 ـ ( نسب قريش ) للمؤرّخ السدوسي 195 هـ نشرة صلاح الدين المنجّد.

584 ـ ( نسب قريش ) لمصعب الزبيري طبعة دار المعارف بمصر تحقيق بروفنسال.

585 ـ ( نسب معدّ واليمن الكبير ) لأبي المنذر هشام بن محمد الكلبي تحقيق ناجي حسن طبعة عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية بيروت سنة 1408 هـ 1988 م.

586 ـ ( نسيم الرياض بشرح الشفاء ) لشهاب الخفاجي طبعة افست دار الكتاب العربي بيروت.

587 ـ ( نسيم الرياض في شرح الشفاء ) لأحمد بن محمد بن عمر الخفاجي 1069 هـ.

588 ـ ( نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ) لعليّ سامي النشار طبعة السابعة دار المعارف سنة 1977 م.

589 ـ ( النصائح الكافية ) لمحمّد بن عقيل الحضرمي طبعة بمبئ سنة 1326 هـ.

590 ـ ( نصب الراية لأحاديث الهداية ) لجمال الدين عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي طبعة المجلس العلمي دار الحديث بمصر سنة 1357 هـ الأولى.


591 ـ ( النصرة في حرب البصرة ) لمحمد بن محمد بن النعمان المفيد 413 هـ الطبعة الثانية بالحيدرية سنة 1368 هـ.

592 ـ ( النظريات السياسية الإسلامية ) لمحمد ضياء الدين الريس الطبعة الثانية.

593 ـ ( نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور ) للمودودي طبعة دار الفكر بدمشق سنة 1384 هـ 1964 م الطبعة الأولى.

594 ـ ( نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية ) لأحمد محمود صبحي طبعة دار المعارف بمصر.

595 ـ ( النظم الإسلامية نشأتها وتطوّرها ) لصبحي الصالح طبعة دار العلم للملايين بيروت الطبعة الأولى سنة 1385 هـ 1965 م.

596 ـ ( النظم الإسلامية ) لحسن إبراهيم حسن وعليّ إبراهيم حسن الطبعة الثانية بمصر.

597 ـ ( نظم درر السمطين ) لجمال الدين محمد بن يوسف الزرندي 750 هـ طبعة النجف.

598 ـ ( نفح الطيب ) ( نقلا عن محاضرات المقري الكبير ) طبعة مصر.

599 ـ ( نكت الهميان ) للصفدي طبعة الجمالية بمصر سنة 1329 هـ.

600 ـ ( نهاية الإرب ) للنويري طبعة دار الكتب بمصر.

601 ـ ( نهاية الاقدام في علم الكلام ) لعبد الكريم الشهرستاني طبعة الأزهر الحديثة.

602 ـ ( النهاية في غريب الحديث ) لعليّ بن محمد الشيباني ابن الأثير الجزري 630 هـ طبعة بمط الخيرية بمصر سنة 1322 هـ الأولى ، وطبعة محققة.


603 ـ ( نهج البلاغة ) نسخة جديدة محققة وموثقة ، تحقيق وتوثيق صبري إبراهيم السيد ، جامعة عين شمس وجامعة قطر.

604 ـ ( نهج السعادة ) للمحمودي طبعة النجف.

605 ـ ( نوادر الحمقى والمغفلين ) طبعة مصر.

606 ـ ( نوادر القليوبي ) طبعة مصر.

607 ـ ( نور الأبصار في مناقب ال بيت النبيّ المختار ) لمؤمن بن حسن الشبلنجي 298 هـ طبعة مصر الأولى.

608 ـ ( نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني ) للأنباري طبعة دار الكتب العلمية.

609 ـ ( نيل الأوطار ) لمحمد بن عليّ الشوكاني 1250 هـ طبعة العثمانية بمصر سنة 1357 هـ ، وطبعة دار الجيل بيروت سنة 1973 م.

610 ـ ( الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد ) للكلاباذي طبعة دار المعرفة.

611 ـ ( هدى الساري في مقدمة فتح الباري ) لأحمد بن عليّ ابن حجر العسقلاني 852 هـ طبعة مصطفى البابي الحلبي.

612 ـ ( الهمة في آداب اتباع الأئمة ) للنعمان بن حيون المغربي التميمي القاضي طبعة القاهرة.

613 ـ ( الوافي بالوفيات ) للصفدي طبعة بيروت سنة 1420 هـ دار احياء التراث.

614 ـ ( الوافي ) للفيض الكاشاني طبعة حجرية.


615 ـ ( وفيات الاعيان في أنباء ابناء الزمان ) لأحمد بن محمد ابن خلكان 681 هـ طبعة بولاق تحقيق إحسان عباس ، وبيروت في ترجمة يزيد بن زياد بن مفرغ ، وطبعة حجرية في إيران.

616 ـ ( وقعة الجمل ) لمحمّد بن زكريا الغلأبي تحقيق ال يس.

617 ـ ( وقعة صفين ) لنصر بن مزاحم المنقري تحقيق عبد السلام هارون ، وطبعة حجرية الطبعة الثانية بمصر 1382 هـ ، وطبعة الأولى بالقاهرة سنة 1365 هـ.

618 ـ ( الولاية ) للحافظ السجستاني.

619 ـ ( اليقين باختصاص مولانا أمير المؤمنين عليّ بإمرة المؤمنين ) لعليّ بن موسى ابن طاووس 664 هـ طبعة الحيدرية.

620 ـ ( اليمين واليسار في الإسلام ) لأحمد عباس صالح طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر مصر.

621 ـ ( ينابيع المودة لذوي القربى ) لسليمان بن إبراهيم القندوزي 1294 هـ طبعة اسلامبول سنة 1302 هـ ، وطبعة الحيدرية تقديم محمد مهدي الخرسان.

622 ـ ( يوم الإسلام ) لأحمد أمين طبعة دار المعارف سنة 1952 م.


فهرس الجزء الخامس

تقديم 7

بداية عهد جديد 9

وآذنت شمس الخلافة بالغروب : 11

ابن عباس في حكومة معاوية : 18

جهاد ابن عباس بسلاح الرواية : 21

لا أشبع الله بطنه : 22

وقفة تنوير مع علماء التبرير : 23

والشجرة الملعونة في القرآن : 27

روايته في آية النبأ : 28

لعنه معاوية في يوم عرفة : 29

ماذا في معرفة التاريخ؟ 31

في مكة المكرمة أو المدينة المنورة : 33

محاورة ثانية : 41

جرأة وشجاعة : 47

في الشام : 50

إنّك لا تشاء أن تَغلِب إلاّ غَلبَت : 65

إنّا كتبنا في الآفاق : 67

1 ـ تسعة رهط يفسدون في الأرض : 68

2 ـ أيكم السابّ لله؟ 71

3 ـ لقد سبقت لعليّ سوابق : 73

4 ـ فرّجت عني : 75


5 ـ انّه من أهل بيت النبوة : 81

6 ـ لو كان رسول الله حياً لآذيته : 82

7 ـ أرحني من شخصك : 83

مغازلة واستدراج : 85

كأسان أحلاهما مرّ : 87

معاوية يستنجد بابن عباس في محنته : 88

معاوية يستنجده ثانياً فينجده : 91

معاوية يستنجد بابن عباس مرة ثالثة : 94

ما تقول يا بن عباس؟ 96

تمهيد لبيعة يزيد : 97

سم الإمام الحسن ( عليه السلام ) : 101

القرن الثاني : 104

القرن الثالث : 105

القرن الرابع : 106

القرن الخامس : 106

القرن السادس : 106

القرن السابع : 107

القرن الثامن : 108

القرن التاسع : 108

القرن العاشر : 109

القرن الحادي عشر : 109

القرن الثاني عشر : 110

القرن الثالث عشر : 110

تحقيق : أين كان ابن عباس عند موت الحسن ( عليه السلام )؟ 111

رواية ابن عباس في موت الإمام : 112

عودة إلى الإشكال : 118


مواقف متضاربة : 123

أوّل ذل دخل العرب : 139

ماذا كان موقف ابن عباس من السلطة بعد موت الحسن : 142

معاوية في المدينة : 144

لعمر الله إنّها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر : 146

وعيد وتهديد لمن لم يبايع يزيد : 150

تضليل وأحابيل : 153

سنّة كسرى وقيصر : 157

مرويات مفتريات على ابن عباس في فضل معاوية : 163

شواهد كفر محمومة : 191

خاتمة السوء : 194

ابن عباس ومعاوية في أكذوبة شعر النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : 199

وجاءت سكرة الموت بالحق : 204

حبر الأمة أيام حكومة يزيد 217

في عهد يزيد : 219

كتاب يزيد الى ابن عباس : 221

خروج الحسين من المدينة إلى مكة وإقامته بها : 222

كتاب يزيد إلى ابن عباس في أمر الحسين ( عليه السلام ) : 227

جواب ابن عباس إلى يزيد : 227

لماذا الإصرار وحوار بعد حوار : 232

روايات في المحاورات : 235

سؤال يتبعه سؤال : 242

واحسيناه : 247

نبأ الفاجعة في الرؤيا المحزنة : 248

سبع سنيّ عجاف : 252


شماتة الأعداء : 252

وقعة الحرة : 254

فكلّ إناء بالّذي فيه ينضح : 257

لقد همّ يزيد بقتل ابن عباس؟ 260

الفصل الثالث : 269

حبر الأمة أيام ابن الزبير والمروانيين 269

أحداث متتابعة : 271

آراء صحابية في تفسيق صحابي : 276

فماذا قال ابن عباس في ابن الزبير؟ 277

وماذا قال ابن عمر في ابن الزبير؟ 278

وماذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص في ابن الزبير؟ 280

وماذا قال أبو برزة الأسلمي في ابن الزبير؟ 281

هدم ابن الزبير للكعبة وموقف ابن عباس منه : 283

مواقف ابن الزبير العدائية لبني هاشم : 287

وقفة تحقيق لا ترفاً ولا سرفاً : 295

بواعث حسد ابن الزبير لابن عباس : 305

الشاهد الأوّل : 307

الشاهد الثاني : 310

الشاهد الثالث : 311

الشاهد الرابع : 312

الشاهد الخامس : 316

الشاهد السادس : 318

تصاعد حمّى العداء عند ابن الزبير : 321

ماذا عند البخاري؟ 322

حبس ابن الزبير لبني هاشم : 329


كأسان أحلاهما مرّ : 335

ابن الزبير يشتد على بني هاشم بعد مقتل المختار : 338

ما تقول يا عرية؟ 341

الطائف دار الهجرة الآخرة إلى الآخرة : 346

نشاط ابن عباس في الطائف : 349

معطيات ابن عباس في الطائف : 353

ماذا عنه في مرض موته؟ 358

وصاياه لابنه عليّ : 359

ملاك العمل خواتيمه(1) : 364

حديث الخاتمة : 365

ماذا بعد موته؟ 367

أوّلاً : دخول الطائر الأبيض في أكفانه : 368

ثانياً : مسألة الصلاة عليه : 373

ثالثاً : مسألة الدفن : 376

رابعاً : غيث السحابة قد بلّ ترابه : 378

خامساً : تأبين : 379

سادساً : ضرب ابن الحنفية فسطاط على قبره : 381

سابعاً : أخطاء يجب التنبيه عليها : 383

ثامناً : قبره مزار شريف : 385

في بقية تاريخ حياته بامتداد أبنائه وبناته وأسماء زوجاته 393

الأبناء الذكور : 395

البنات : 403

زوجاته : 407

في أشتات مجموعة من أدوار حياته في أخلاقه وعاداته 409

الجود والعطاء : 411


الأدب الرفيع والخُلق العالي : 424

فمع الشعراء : 425

ثمّ مع سائر الناس : 432

شخصية ابن عباس : 440

ربانيته في السلوك والتربية : 440

ما روي عنه من الدعاء وآدابه : 447

آيات فضلك : 452

المصادر 463

فهرس الجزء الخامس 515