بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً.
والصلاة والسلام على محمد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
ورضي الله عن الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان ممن لم يبدّلوا ولم يغيّروا.
وبعد؛ فهذا أوّل الجزء الثاني من الحلقة الثانية من موسوعة « عبد الله ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن » وفيه يكون البحث في الباب الثالث بمقدمته وفصوله وما يتبع بعده.
أمّا المقدمة : ففيها الإشارة أوّلاً إلى جملة معارف ابن عباس ، وثانياً ما هي مناهجه؟ وثالثاً ماذا بقي من آثاره.
وأمّا الفصول : فهي خمسة :
الفصل الأوّل : في معارفه القرآنية؛ بدءاً فيما جاء عنه في أشهر العلوم التي لمع نجمه فيها وهو التفسير ، ثم التأويل ، ثم أسباب النزول ، ثم القصص القرآني ، ثم المتشابه في القرآن ، وذلك في خمسة مباحث.
الفصل الثاني : فيما جاء عنه في الحديث النبوي الشريف ، كمّاً وكيفاً.
الفصل الثالث : فيما جاء عنه في الفقه وما اشتهر عنه من الفتاوى التي خالف فيها الجمهور.
الفصل الرابع : فيما جاء عنه في اللغة العربية وآدابها وتاريخها وأنسابها وأيامها.
الفصل الخامس : فيما جاء عنه من حِكَم الكلم القصار.
المقدمة
إنّ الباحث عن معارف ابن عباس رضي الله عنه يجدها ملأت آثارها مساحات طويلة عريضة من تاريخ الإسلام الثقافي ، فأفاد منها المسلمون علماً جمّاً وفضلاً عظيماً. ويكفي أن نتذكر ما قرأناه في الجزء الأوّل من هذه الحلقة من خلال مدارسه وتلاميذه ، فكان استاذاً لجيل من أعلام التابعين في التفسير والحديث والفقه واللغة والأنساب والحساب وأيام العرب ، فاستحق أن يلقّب « بحبر الأمّة » ، ومن ملأت شهرته دنيا المسلمين منذ عهده وحتى اليوم ، سيبقى خالد الذكر في حديث الأجيال ما دام المسلم متجهاً في ثقافته صوب الثقافة الإسلامية.
وإن أوّل ما يطلّ علينا بإشعاعه من علومه ، هو نبوغه في علم التفسير وما إليه من علوم قرآنية ، مستمدة أنوارها من مشكاة نبويّة علويّة( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ ) (1) .
____________
(1) النور / 35.
فلا بدع لو اختص بلقب « ترجمان القرآن » وهذا يعني اتساع معارفه القرآنية تنزيلاً وتأويلاً وتفسيراً ، وقد شهد له بذلك أكابر الصحابة وأعيان التابعين ، ولعل من أشهر الأقوال في وصف تلك الحال قول عمر بن الخطاب « لقد عُلّمت علماً ما علمناه »(1) .
وما دون هذا قوله لمن عاتبه من المهاجرين : ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال : « ذاكم فتى الكهول إنّ له لساناً سؤولاً وقلباً عقولاً »(2) ، وقد مرّت بنا في الحلقة الأولى كلمات عمر في حقه ، فراجع.
وفي أقوال الباقين نجد صيغة أفعل التفضيل تحتل مكان الصدارة في تعريفه والثناء عليه. فقد قال عنه سعد بن أبي وقاص : « ما رأيت أحداً أحضر فهماً ، ولا ألبّ لبّاً ، ولا أكثر علماً ، ولا أوسع حلماً من ابن عباس ، ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات ثم يقول : قد جاءتك معضلة ، ثم لا يجاوز قوله ، وإنّ حوله لأهل بدر »(3) .
وستأتي شواهد على شموخ صيغة أفعل التفضيل حين تبقي معَلماً بارزاً في جمل الثناء ، ولا غرابة في ذلك بعدما احتل الصدارة في رآسته المفسرين من بعد ابن عمه ومعلّمه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد أحاط علماً بتأويل الكتاب محكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، من ابن عمه أمير المؤمنين عليه السلام ،
____________
(1) أنساب الأشراف 3 / 37 ، الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 2 / 140 ، وسير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 447.
(2) سير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 447.
(3) سير أعلام النبلاء للذهبي 4 / 448.
الذي كان يدعوه فيملي عليه من دقائق التفسير حتى يطلع الفجر ما لم يحظَ ويَخص به سواه ، وقد مرّت بنا في الحلقة الأولى أخباره في ذلك.
ومن بعد علم التفسير كانت براعته في الحديث ، وشهرته في ذلك تغني عن الإطالة في الحديث عنه ، على أنّا لم نغفل فيما مضى ذكره في كثرة مرويّاته وما قيل فيها والدفاع عنه ، وشهرته في السماع والتلقي ، وتشدّده في احتياطه البالغ في ذلك ، حتى كان يسأل عن الحديث الواحد أكثر من واحد.
ثم يأتي دور فقاهته من بعد التفسير والحديث ، وقد بلغ في الفقه مبلغاً عظيماً سبق فيه مَن كان أكبر منه سنّاً من الصحابة ، حتى بذّهم فحدّث عنه طاووس قال : « أدركت نحواً من خمسمائة من الصحابة إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه ، فلم يزل يقرّرهم حتى ينتهوا إلى قوله »(1) .
ولئن تميّز بعض الصحابة في جانب من العلم ، كما قيل عن ابن مسعود ، أو أبيّ بن كعب ، أو زيد بن ثابت ، أو غيرهم ، لكنهم لم يبلغوا شأو ابن عباس في جامعيته وإحاطته بما لم يحيطوا به خبراً من بقية فنون العلم والمعرفة.
وحسبنا أن نقرأ قول أحد الرواة عنه وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
____________
(1) سير أعلام النبلاء 4 / 451 دار الفكر.
ابن مسعود ، قال : « كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال ، بعلم ما سُبق إليه ، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه ، وحلم ونسب ونائل ، وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث النبيّ صلى الله عليه واله وسلم منه ، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه ، ولا أفقه في رأي منه ، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا تفسير للقرآن ، ولا بحساب ولا بفريضة منه ، ولا أعلم فيما مضى ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه.
فلقد كان يجلس يوماً ما يذكر فيه إلاّ الفقه ، ويوماً ما يذكر فيه إلاّ التأويل ، ويوماً ما يذكر فيه إلاّ المغازي ، ويوماً الشعر ، ويوماً أيام العرب.
وما رأيت عالماً قط جلس إليه إلاّ خضع له ، ولا وجدت سائلاً سأله إلاّ وجد عنده علماً ، وربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتاً »(1) .
وما قول عطاء بدون هذا في التقييم والتقسيم ، فقد قال : « ما رأيت مجلساً أكرم من مجلس ابن عباس ولا أكثر فقهاً ، ولا أعظم هيبة ، أصحاب القرآن يسألونه ، وأصحاب العربية يسألونه ، وأصحاب الشعر يسألونه ، فكلّهم يصدر عن واد واسع »(2) .
وثالث الشهود عمرو بن دينار ، يقول بإختصار : « ما رأيت مجلساً أجمع
____________
(1) سير أعلام النبلاء 4 / 450 ، أسد الغابة 3 / 293 ، طبقات ابن سعد 2 ق2 / 122.
(2) البداية والنهاية 8 / 300.
لخير من مجلسه : الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام » (1).
ولمّا كان ابن عباس يعيش الغيرية بكلّ معانيها الإسلامية السامية ، فقد كان يحبّ لغيره من عامّة المسلمين ما يحبّه لنفسه ، وهو القائل لمن شتمه : « أتشتمني وفيَّ ثلاث خصال ، إنّي لأسمع بالحاكم من حكّام المسلمين يعدل في حكمه فأحبّه ، ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً ، وإنّي لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين فأفرح به ، ومالي بها سائمة ولا راغية ، وإنّي لآتي على آية من كتاب الله تعالى ، فوددت أنّ المسلمين كلّهم يعلمون منها مثل ما أعلم »(2) .
وقد تعلّم هذا الخلق السامي الرفيع من ابن عمه الهادي الشفيع النبيّ الكريم صلى الله عليه واله وسلم الداعي إلى مكارم الأخلاق ، وستأتي بعض شواهده.
ومن هذا المنطلق كانت مناهجه التي نهجها لتلامذته ، وحبّذا لو تمثلناها سيرة ومثلاً ، بعد أن قرأناها عنه علماً ولم نتقنها عملاً ، فلننظر ما هي مناهجه.
____________
(1) الإصابة في ترجمته ، حلية الأولياء 1 / 322.
(2) نفس المصدر.
ما هي مناهجه علماً وتعليماً؟
لقد كانت منهجيته في ذلك تتضح من خلال الحالات التالية في مراحل التعليم :
1 ـ كيفية التلقي سماعاً وكتابة.
2 ـ مادة الدرس ، ومنها التخصص.
3 ـ متابعة الدرس ، وأهمها المذاكرة.
4 ـ الترغيب في الطلب.
5 ـ الترهيب من التطاول والإزدراء والغرور العلمي.
6 ـ الإختبار.
7 ـ التخرج مع الشهادات التقريضيّة.
هذه هي النواحي التي يلزمنا معرفتها من مناهجه ، لنتبين منها أنّ بعضها قد سبق فيها ابن عباس العصر الحديث ، كما سيأتي بيان ذلك.
ولنلمّ بكلّ ناحية إلمامة عابرة ولو بشاهد واحد عليها ، إذ استيفاء جميع ما يمتّ إلى ذلك يطول بنا ، فإلى الإلمام بما يقتضيه المقام :
(1) كيفية الإلقاء والتلقي ، سماعاً وكتابة
لقد قرأنا في الجزء الأوّل من الحلقة الأولى كيفية تلقيه هو ، وقرأنا
في أوّل هذه الحلقة سنخ ذلك في منابع معارفه ، وهذا ما لا ينبغي أن نعيده ، كما إنّا لا نغفله ، فهو جزء من سيرته العلمية والعملية حين يتحدث هو عنها ، ويسمعها الرواة منه فيتحدثون بها ويتعلمون منها هم أوّلاً ثم السامعون لها ثانياً.
أليس من يروي لنا قوله في فضل طلب العلم : « تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها »(1) . فهو ممن وعاها فضيلة ، وعمل بها فدعا إلى العمل بها.
ولمّا كان تدارس العلم إنّما يكون في المرحلة الثانية من مراحل الطلب ، إذ كيف تكون المدارسة ما لم يحصل قبلها الدرس. إذن فلنقرأ ما جاء عنه قولاً وعملاً في ذلك :
وأوسع ما وقفت عليه هو ما في كتب الخطيب البغدادي ، فقد ذكر الخطيب الغدادي في كتابه « تقييد العلم » جانباً عن ابن عباس في ذلك ، وفي كتابه « الكفاية » أيضاً ، ولم يقصّر في كتابه « الفقيه والمتفقه » في تناول بعض الجوانب ممّا يمت إلى الموضوع بصلة ، وحتى كتابه « الرحلة في طلب الحديث » لم يخل عن ذكر ابن عباس في روايته وإحتياطه في النقل ، وكذلك كتابه « موضح أوهام الجمع والتفريق » ، وكتابه « الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة » ، فضلاً عن
____________
(1) سنن الدارمي 1 / 149.
كتابه « تاريخ بغداد » ، لم تخل كلّها من إفادات فيما نحن فيه أخذناها منها. وستكون هي مصادرنا الأولية في موضوعنا ، وقد نذكر بعض كتب الآخرين ممّا يمدّنا بمعلومة جديدة ، أو يؤيد معلومة سابقة. ولا حرج في ذلك.
ولنبدأ بتأديبه لأشهر تلامذته وهو عكرمة البربري الخارجي ـ كما كان هو أعقّهم لمولاه حيث صار يكذب عليه بعد موته ـ ، فقد ذكر الخطيب في كتابه « الفقيه والمتفقه » بسنده عن عكرمة قال : « كان ابن عباس يجعل الكبل في رجلي على تعليم القرآن والفقه ». قال أبو النعمان : على تعليم القرآن والسنة(1) .
وذكر الخطيب في كتابه « موضح أوهام الجمع والتفريق » بسنده عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : « حدّث القوم في كلّ جمعة مرّة ، فإن أبيت فمرتين ، فإن أكثرت ـ وقال مرّة أخرى : فإن أبيت ـ فثلاثاً ، ولا تملنّ الناس ، ولا ألفينّك تأتي القوم وهم في حديثهم فتقصّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم ، ولكن أنصت ، فإذا أتوك فحدثهم وهم يشتهونه ، وأنظر السجع من الدعاء فاجتنبه ، فانّي عهدت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه يجتنبونه »(2) .
فهذه الإضمامة من النصائح بينّت لنا جانباً مهمّاً عن كيفية التحديث والإلقاء.
____________
(1) الفقيه والمتفقه 1 / 47. وروى ذلك الدارمي في سننه 1 / 134.
(2) موضح أوهام الجمع والتفريق 1 / 198.
ولنقرأ شيئاً عن أدب التلقي ممّا رواه الخطيب في كتابه « الفقيه » ، قوله : « إذا سأل أحدكم فلينظر كيف يسأل ، فإنّه ليس أحد الاّ وهو أعلم بما سأل عنه من المسؤول »(1) ، وطالما تحدث عن بداية طلبه الحديث بعد موت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد مرّ الحديث في ذلك في الحلقة الأولى ، الجزء الأول ، فراجع.
ومنه قول ابن عباس لسعيد بن جبير ـ وهو من الأوفياء لأستاذه ـ قال : « تذاكروا هذا الحديث لا ينفلت منكم ، فإنّه ليس مثل القرآن مجموع محفوظ ، وانّكم إن لم تذاكروا هذا الحديث ينفلت منكم ، ولا يقولنّ أحدكم حدثتُ أمس فلا أحدّثَ اليوم ، بل حدّث أمس ، ولتحدّث اليوم ، ولتحدّث غداً »(2) .
وقوله الآخر أيضاً رواه سعيد بن جبير ، قال ابن عباس : « ردّوا الحديث واستذكروه فإنّه إن لم تذكروه « كذا والصواب تذاكروه » ذهب ، ولا يقولن رجل لحديث قد حدّثه مرّة ، فانّه من كان سمعه يزداد علماً وتُسمع من لم يسمع »(3) .
ولمّا كان تلامذته مختلفي السنّ والمدارك ، ومتفاوتي الأغراض ، لذلك كلّ وعى ما ساعده التوفيق على وعيه من علم ابن عباس ، أمّا الذين
____________
(1) الفقيه والمتفقه 2 / 183.
(2) سنن الدارمي 1 / 147.
(3) نفس المصدر.
كانت في أخلاقهم زعارة مثل أبي سلمة ، الذي كان يماري كثيراً حتى يزعج أستاذه ابن عباس فقد حرم علماً كثيراً ، وقد ندم بعد ذلك حتى عبّر عن ندمه فقال : « لو رفقت بابن عباس لأصبتُ منه علماً كثيراً » (1). بينما نجد ابن عباس مع غيره من تلامذته الأوفياء كسعيد ابن جبير يسعه خلقه ويوسعه علمه وحلمه ، حتى في السفر في الطريق إلى مكة ، فضلاً عن الحضر ، فقد حدث سعيد وقال : « كنت أسير مع ابن عباس في طريق مكة ليلاً ، وكان يحدثني بالحديث فأكتبه في واسطة الرحل حتى أصبح فأكتبه » (2).
ولمّا كان ابن عباس يرى في سعيد بن جبير أهلية التلقي فكان يسمح له بالكتابة مع تحفظه الكثير في ذلك مع الآخرين ، ومن الشواهد على ذلك التحفّظ ، ما رواه الدارمي في سننه بسنده : « عن هارون بن عنترة ، عن أبيه : حدثني ابن عباس بحديث ، فقلت : أكتبه عنك؟ قال : فرخّص لي ولم يكد »(3) .
وإذا رجعنا إلى أسماء تلامذته والرواة عنه ـ وقد مرّت ـ لم نجد فيهم من اسمه عنترة سوى عنترة بن عبد الرحمن الكوفي الشيباني ، وقد مرّ تعريفه ، فراجع. فالرجل كوفيّ سمع من ابن عباس حديثه فأحبّ أن يكتبه فاستأذنه ، فأذن له بعد أن كاد لا يأذن له ، وهذا معنى كلمة « ولم يكد ».
____________
(1) نفس المصدر 1 / 111 و 137.
(2) نفس المصدر 1 / 128.
(3) نفس المصدر.
وقد روى الخطيب في كتاب « الرحلة في طلب الحديث »(1) خبراً آخر عن عنترة هذا عن ابن عباس هو خبر موسى والخضر بصورة طويلة من شاء أن يقرأها فليرجع إلى المصدر.
وقد مرّت بنا ترجمة سعيد بن جبير وفيها مادلّ على مبلغ اعتناء ابن عباس به وقوله « حدّث » ، ومع ذلك فقد نصحه محذّراً له من إقتحام غمرة الفتاوى بغير علم ، قائلاً له : « من أفتى بفتيا يعمى عنها فإنّما اثمها عليه »(2) ، فنفعت هذه النصيحة سعيداً ، فصار يحتاط من الإدلاء برأيه فيما فيه خلاف ، حتى أنّ الخطيب روى عنه في كتابه الآنف الذكر ، قال : « اختلف أهل الكوفة في هذه الآية :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ) (3) ، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها؟ فقال : لقد أنزلت آخر ما نزل ثمّ ما نسخها شيء »(4) .
وروى الخطيب أيضاً في كتابه « الرحلة في طلب الحديث » بسنده : « عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : انّ نوفاً البكالي يزعم أنّ موسى ليس بصاحب الخضر ، إنّما هو موسى آخر؟ فقال ابن عباس : كذب عدو الله ، قال ابن عباس : حدثنا أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « انّ موسى عليه السلام قام في بني اسرائيل خطيباً ، فسُئل أيّ الناس أعلم؟ فقال : « أنا »
____________
(1) الرحلة في طلب الحديث / 103.
(2) الفقيه والمتفقه 2 / 155.
(3) النساء / 93.
(4) الفقيه والمتفقه 2 / 177.
فعتب الله عليه حيث لم يردّ العلم إليه ، فقال : عبدٌ لي عند مجمع البحرين هو أعلم منك ، قال : أي رب فكيف به؟ قال : تأخذ حوتاً فاجعله في مكتل ـ زنبيل ـ فحيث ما فقدت الحوت فهو ثَمّ ».
ثم إنّ ابن عباس ساق الحديث بطوله ، وفي آخره : « قال ـ سعيد ـ : وكان ابن عباس يقرأ « وأمّا الغلام فكان كافراً » ، قال ابن عباس : « وكان أمامهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة ـ صالحة ـ غصباً “(1) .
والحديث قال عنه محقق الكتاب في الهامش : متفق عليه ، أخرجه البخاري في العلم في عدّة أبواب ، وفي الإجارة ، وفي الشروط وبدء الخلق والأنبياء والتفسير والأيمان والنذور ، وفي التوحيد ، وأخرجه مسلم في الفضائل ، والترمذي في سورة الكهف.
أقول : ومن سبر المواضع المذكورة في صحيح البخاري لا يجدها متفقة لفظاً مع ورودها متحدة سنداً ، فظن خيراً بضبط البخاري ولا تسأل عن الخبر!
ثم إنّ قراءة ابن عباس كانت تأويلية موضحة للتنزيل ، فلا يظنّ ظان أنّه كانت له قراءة تنزيلية على خلاف ما هو الموجود في المصاحف المنتشرة كما سيأتي مزيد بيان حول هذا الموضوع ، وحسبنا الآن بهذا عرضاً عن الإلقاء والتلقي سماعاً وكتابة.
____________
(1) الرحلة في طلب الحديث / 97.
فقد كان يحاضر تلامذته كلّ يوم مادة خاصة ، وتلك بدايات التخصص عند تلامذته ، فنجد بعضهم برع في التفسير ، وبعضهم في الفقه ، وبعضهم في الأدب ، إلى آخر ما هنالك من فنون المعرفة التي كان ابن عباس يحاضر فيها ، وهو بحق يسعنا أن نجعله العالم الموسوعي في رأس قائمة أصحاب التنظيم الدراسي يومئذ ، إذ لم يكن معروفاً لدى الصحابة في عصرهم من يدعو إلى منهج الإختصاص الذي شمخت به المناهج الحديثة في بلادنا مستوردة له من غيرنا ، وعدّته زمرة الناعقين وراء المستشرقين أنّه من حسناتهم ، ولو أنّهم قرأوا تأريخهم المجيد ، لرأوه حافلاً بأحسن ممّا أتاهم من بعيد ، فهو يساير سنة التطور والتجديد.
ولا أطيل في ذلك ، وحسبنا حديث أبي صالح الآتي عليهم من شهيد ، وقبل ذلك الحديث نقرأ قول ابن عباس نفسه لابن خلاد : « العلم كثير ولن تعيه قلوبكم ، ولكن ابتغوا أحسنه ، ألم تسمع قوله تعالى :( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (1) ».
أمّا ما قاله أبو صالح كما أخرجه ابن كثير في « البداية والنهاية » ـ ورواه غيره ـ فقد قال : « لقد رأيت من ابن عباس مجلساً لو أنّ جميع
____________
(1) الزمر / 18.
قريش فخرت به لكان لها به الفخر ، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق ، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب. قال : فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه ، فقال لي : ضع لي وضوءاً ، قال : فتوضأ وجلس ، فقال : أخرج فقل لهم : مَن كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أريد منه فليدخل ، قال : فخرجت فآذنتهم ، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة ، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم عنه ، وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر ، ثم قال : إخوانكم ، فخرجوا.
ثم قال : أخرج فقل : من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل ، قال : فخرجت فآذنتهم ، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة ، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزادهم مثله أو أكثر ، ثم قال : إخوانكم ، فخرجوا.
ثم قال : أخرج فقل : من كان يريد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها ، فليدخل ، فخرجت فآذنتهم ، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة ، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم وزادهم مثله أو أكثر ، ثم قال : إخوانكم ، فخرجوا.
ثم قال : أخرج فقل من كان يريد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل ، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة ، فما سألوه عن شيء إلاّ أخبرهم به وزادهم مثله ، ثم قال : إخوانكم ، فخرجوا.
قال أبو صالح : فلو أنّ قريشاً كلّها فخرت بذلك لكان فخراً ، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس »(1) .
وربما قال مشكك تعقيباً على هذا الخبر : بأنّ أثر الصنعة بادٍ عليه! من خلال وحدة اللهجة في السؤال والجواب والوصف والسياق ، كلّ ذلك ظاهر في كلام ابن عباس وأبي صالح في المرات الأربع ، وهذا النسق عادة ما يكون مثار شك في تفاصيل الخبر لا في أصله وصدقه إجمالاً.
هذا إذا تجاوزنا جهالة أبي صالح الراوي ، فمن هو؟ إذ أنّ الرواة المكنّين بأبي صالح والرواة عن ابن عباس هم أربعة :
1 ـ أبو صالح باذام ـ ذكوان ـ مولى أم هانيء بنت أبي طالب رضي الله عنه. ذكره ابن حجر في تهذيبه ، وحكى توثيقه وتجريحه ، والتوثيق أقوى(2) .
2 ـ أبو صالح سميع بن الزيّات. ذكره الذهبي في « المقتنى في سرد الكنى »(3) .
3 ـ أبو صالح قيلولة. كسابقه(4) .
4 ـ أبو صالح ميزان. ذكره ابن حجر في تهذيبه(5) .
____________
(1) البداية والنهاية 8 / 302 ط السعادة بمصر.
(2) تهذيب التهذيب 1 / 416.
(3) المقتنى في سرد الكنى 1 / 372.
(4) نفس المصدر 1 / 371.
(5) تهذيب التهذيب 12 / 133.
والأشهر منهم هو الأوّل ، وربما قيل هو المتبادر أوّلاً فيكون هو الأظهر.
ومهما أحاط الشك بالخبر من جهالة الراوي سنداً ، أو من جهة السياق متناً ، فيبقى له نصيب من الصحة إجمالاً ، إذ لا دخان من دون نار ، ولا ديار من دون دار ، وعلى ذلك قامت الحجة في دلالة الآثار.
لقد مرّت بنا قراءة بعض أقواله لتلامذته في ذلك من فضل مدارسة العلم ، وأوضح من ذلك كان قوله لهم : « إذا سمعتم منّي حديثاً فتذاكروه بينكم ، فإنّه أجدى وأحرى ألاّ تنسوه ».
وكذلك ما مرّ من قوله لسعيد بن جبير : « تذاكروا هذا الحديث لا يتفلت منكم ».
وقوله الآخر أيضاً وقد مرّ : « ردّوا الحديث واستذكروه ، فإن لم تذكّروه ذهب » ، وأحسب أنّ الصحيح « فإن لم تذاكروه ذهب ».
(4) الترغيب في طلب العلم
لقد روى الخطيب بسنده : عن عنترة ، قال : « سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وسأله رجل أيّ الأعمال أفضل؟ قال : ذكر الله أفضل ، فأعادها عليه ثلاث مرات ثم أنشأ يحدّث ، فقال : ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلاّ كانوا أضياف الله ، وأظلّت
عليهم الملائكة بأجنحتها ما داموا فيه حتى يخوضوا في حديث غيره ، وما سلك رجل في طريق يبتغي فيه العلم إلاّ سهّل له به إلى الجنّة ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه » (1).
وأعاده الخطيب ثانية عن أبي عمرو الشيباني عن ابن عباس.
وأيضاً جاء عنه في تفضيل طلب العلم على الجهاد ، ما رواه عنه علي الأزدي ، فقال : « سألت ابن عباس عن الجهاد؟ فقال : « ألا أدلّك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تبني مسجداً تعلّم فيه القرآن وسنن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والفقه في الدين »(2) .
وجاء عنه أيضاً أنّه قال : « إنّ الشياطين قالوا لإبليس : يا سيدنا ما لنا نراك تفرح بموت العالم ما لا تفرح بموت العابد ، والعالم لا تصيب منه والعابد تصيب منه ، قال : انطلقوا ، فانطلقوا إلى عابد فأتوه لعبادته فقالوا : إنّا نريد أن نسألك فانصرف ، فقال له ابليس : هل يقدر ربّك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟ فقال : لا أدري ، فقال : أترونه كفر في ساعة! ثم جاؤا إلى عالم في حلقته يضاحك أصحابه ويحدّثهم ، فقال له : إنّا نريد أن نسألك ، فقال : سل ، فقال : هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟ قال : نعم. قال : وكيف؟ قال : يقول : كن فيكون ، فقال : أترون ذلك لا يعدو نفسه ، وهذا يفسد علي عالماً كثيراً »(3) .
____________
(1) موضح أوهام الجمع والتفريق 2 / 457.
(2) جامع بيان العلم لابن عبد البر 1 / 62.
(3) الفقيه والمتفقه للخطيب 1 / 26 ط دار احياء السنة النبوية.
ونحو قوله الآخر : « إذا كان يوم القيامة يؤتى بالعابد والفقيه فيقال ـ يعني للعابد ـ أدخل الجنّة ، ويقال للفقيه : إشفع »(1) .
(5) الترهيب والتحذير من التطاول والكذب والازدراء بالآخرين نتيجة الغرور العلمي
وذلك من خلال نصائحه التي كان يُسمعها لمن حضر من تلامذته وغيرهم ، نحو ما قاله لسعيد بن جبير « من أفتى بفتيا يعمى عنها فإنّما إثمها عليه »(2) .
ونحو قوله لعثمان بن حاضر الأزدي وقد سأله أن يوصيه ، فقال : « نعم عليك بتقوى الله ، عليك بالإستقامة ، اتبع ولا تبتدع »(3) .
وكم فرق بين النصيحتين بين قوله لسعيد وبين قوله لعثمان!
وإذا عرفنا أنّ ابن عباس كان حرباً على القصاصين بالرغم من دعم السلطة الحاكمة لهم ، فلا نعجب ممّا روي أنّه مرّ بقاص فركله برجله ، فقال : « أتدري ما الناسخ من المنسوخ؟ ، قال : ومن يعرف الناسخ من المنسوخ ، قال : وما تدري ما الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت »(4) .
____________
(1) نفس المصدر 1 / 20.
(2) الفقيه والمتفقه 1 / 155.
(3) نفس المصدر 1 / 173 ، سنن الدارمي 1 / 53.
(4) معرفة الناسخ والمنسوخ لابن حزم بهامش تنوير المقياس 2 / 309.
وما قوله لطاووس بدون هذا ، فقد أخرج الدارمي في سننه : « عن عبيد الله بن سعيد ، عن سفيان بن عيينة ، عن هشام بن حجر ، قال : كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر ، فقال له ابن العباس : أتركهما ، قال : إنّما نهي عنها أن تتخذ سلّماً ، قال ابن عباس : فانّه قد نهي عن صلاة بعد العصر ، فلا أدري أتعذّب عليها أم تؤجر ، لأنّ الله يقول :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (1) .
قال سفيان : تتخذ سلّماً ، يقول يصلي بعد العصر إلى الليل »(2) .
كما أنّه ليس بدون ذلك إنكاره وتخويفه من ضمّ أقوال الآخرين مع قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد كان حرباً على أولئك الذين يحتجوّن بسيرة الشيخين مثل إحتجاجهم بالكتاب والسنة ، وقد مرّت نماذج من أقواله نحو قوله : « أما تخافون أن تعّذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال فلان »(3) .
وأيضاً عن طاووس : أنّ ابن عباس كان يقول : « كنّا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ركبتم الصعب والذلول »(4) .
____________
(1) الاحزاب / 36.
(2) سنن الدارمي 1 / 115.
(3) نفس المصدر 1 / 114.
(4) نفس المصدر.
فمن ذلك قوله لتلميذه عبيد الله بن عتبة : « يابن عتبة تعلَم آخر سورة من القرآن أنزلت؟ قال : نعم( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (1) ، قال : صدقت »(2) .
وكذا قوله لتلميذه الآخر وهو أبو العالية وقد سأله عن شيء ، فقال : « يا أبا العالية أتريد أن تكون مفتياً؟ فقال : لا ولكن لا آمن أن تذهبوا ونبقى ، فقال : صدق أبو عالية »(3) .
وقد مرّ التعريف بأبي العالية وتكريم ابن عباس له حتى كان يجلسه معه على السرير.
لقد مرّت شواهد على ذلك في تراجم بعض تلامذته ، من تكريم وتقديم ، كما صنع مع أبي العالية رفيع بن مهران ، حتى كان يجلسه معه على السرير.
فقد روى الخطيب بسنده عن أبي العالية ، قال : « كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش ، فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير ، فيغامزني قريش ، ففطن لهم ابن عباس ، فقال : كذاك هذا العلم يزيد الشريف شرفاً ، ويجلس المملوك على الأسرة »(4) .
____________
(1) النصر / 1.
(2) المعجم الأوسط للطبراني 7 / 199.
(3) سنن الدارمي 1 / 133.
(4) الفقيه والمتفقه 1 / 31.
ونحو هذا التكريم صنيعه مع تلميذ آخر من تلامذته هو أبو حمزة ، فقد روى الخطيب بسنده عنه ، قال : « كنت أقعد مع ابن عباس فكان يجلسني معه على سريره ، فقال لي : أقم عندي حتى أجعل لك سهماً من مالي »(1) .
وعن تكريمه لسعيد بن جبير ، فقد فاق ما ذكرت حتى كان يشركه معه في الإجابة ، ولم نجد مثل هذا مع غيره.
فقد روى الخطيب بسنده عن سعيد بن جبير ، قال : « كنت عند ابن عباس فسئل عن مسألة فالتفت إليّ فيها ، فقال : ما تقول يا سعيد بن جبير؟ فقلت : أنت ابن عباس وإنّما جئت أقتبس منك. فقال ابن عباس : إذا كان لك جليس فسله ، فإنّما هو فهم يؤتيه الله من يشاء »(2) .
الكتابة عنه بين التنقيد والتقييد
لئلا نغرق في تفاصيل الحديث عن بداية إختلاف الآراء في موضوع كتابة الحديث سلباً وإيجاباً ، تنقيداً وتقييداً ، نمرّ بما ورد عن ابن عباس في ذلك ، وقد مرّ بنا في الحلقة الأولى في الجزء الأول ، وفي بداية هذه الحلقة أيضاً ، ما يوضح لنا رأيه ومن خلال سلوكه العملي ، ثم نحن الآن نستعرض ما روي عنه ممّا يوحي بالتناقض والتضاد ، وكأنّه نتيجة التناضل السياسي بينه وبين السلطات الحاكمة كانت المواقف المرويّة عنه متناقضة.
____________
(1) نفس المصدر 2 / 117.
(2) نفس المصدر 2 / 185.
فهو إذ يأبى ويمنع من الكتابة ويبيّن ضلالة صاحبها ، وإذا به يأمر بها ويدعو لها ويبيّن فضلها ، إنّها ظاهرة تقضى بالعجب! كيف يتم التعليل لإختلاف المواقف ، وتضادّ الأخبار؟
وقبل اليوم نجد الخطيب البغدادي « ت463 هـ » في كتابه « تقييد العلم » قد وافانا بجملة ما ورد عن ابن عباس نفياً وإثباتاً ، فلنقرأ ذلك ، فقد كفانا مؤنة الطلب وفيما ذكره مبلغ الأرب ، فعنه نذكر ما يلي :
قال في كتابه المذكور في القسم الأوّل في الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتابة العلم في الفصل الثاني منه : « في ذكر الرواية عن عبد الله ابن عباس في ذلك
ثم ساق خمس روايات بأسانيده ، فنحن نذكر متونها ، وهي كما يلي :
1 ـ عن طاووس ، قال : سأل ابن عباس رجل من أهل نجران ، فأعجب ابن عباس حسن مسألته ، فقال الرجل « أكتبه لي » ، فقال ابن عباس : « إنّا لا نكتب العلم ».
2 ـ عن طاووس ، قال : إن كان الرجل يكتب إلى ابن عباس يسأله عن الأمر فيقول للرجل الذي جاء : « أخبر صاحبك إنّ الأمر كذا وكذا ، فإنّا لا نكتب في الصحف إلاّ الرسائل والقرآن ».
3 ـ عن طاووس ، قال : كنّا عند ابن عباس ، قال ، وكان سعيد بن جبير يكتب ، قال : فقيل لابن عباس : « إنّهم يكتبون » ، قال : « أيكتبون؟ » ، ثم قام ، قال : وكان حسن الخلق ، قال : « ولولا حسن خُلقه لغيّر بأشدّ من القيام ».
4 ـ قال طاووس : لمّا عمي ابن عباس ، جعل ناس من أهل العراق يسألونه ويكتبون ، قال : فجاء إنسان من أهله ، فالتقم أذنه فلم يتكلم حتى قام.
5 ـ عن سعيد بن جبير : انّ ابن عباس كان ينهى عن كتابة العلم ، وأنّه قال : « إنّما أضلّ من قبلكم الكتب »(1) .
هذه جملة ما أورده الخطيب عن كراهة ابن عباس للكتابة والتقييد.
ونقرأ ما ذكره عن ابن عباس من الرخصة والإباحة في كتابة العلم والحديث ، ثم نعود إلى الموازنة بين الموقفين.
قال : « ذكر الرواية عن عبد الله بن عباس في ذلك
ثم ساق خمس روايات في الترخيص في التقييد ذكرها بأسانيده ، ونحن نذكر متونها فقط وهي كما يلي :
1 ـ عن عبيد الله بن أبي رافع ، قال : « كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول : « ما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم كذا؟ ما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم كذا؟ » ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها.
2 ـ عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : « قيّدوا العلم ، وتقييده كتاتبه ».
3 ـ عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : « خير ما قيّد به العلم الكتاب ».
4 ـ عن الأعرج ، عن عبد الله بن عباس ، قال : « قيّدوا العلم بالكتاب ».
____________
(1) تقييد العلم / 42.
5 ـ عن يحيى بن أبي كثير ، عن ابن عباس ، قال : « قيّدوا العلم بالكتاب ، من يشتري مني علماً بدرهم »(1) .
هذه أيضاً خمس روايات فيها الرخصة من ابن عباس قولاً وعملاً. خمس بخمس! فأيّهما أرجح ميزاناً وأظهر برهاناً؟
فنقول : إنّ الروايات التي ذكرت الكراهة أربع منها عن طاووس وواحدة عن سعيد بن جبير ، وروايات طاووس متفاوتة الألفاظ والمعاني ، ممّا يبعث الشك في ضبط الراوي لها! ومع غض النظر عن ذلك ، فيمكن حمل الكراهة فيها على خوف الإنكباب على درسها ممّا يؤدي إلى الانصراف عن القرآن ، وهذا ما ذكره الخطيب وغيره في وجه المنع.
أمّا روايات الجواز ، فقال فيها : « إنّما اتسع الناس في كتب العلم وعوّلوا على تدوينه في الصحف بعد الكراهة لذلك ، لأنّ الروايات انتشرت والأسانيد طالت ، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت ، والعبارات بالألفاظ اختلفت ، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا ، وصار علم الحديث في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ ، مع رخصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن ضعف حفظه في الكتاب »(2) .
وهذا لا يبعد كثيراً عمّا قاله الرامهرمزي « ت360 هـ » قبله ، فقد قال : « وإنّما كره الكتاب من كره من الصدر الأوّل لقرب العهد ، وتقارب
____________
(1) نفس المصدر / 91.
(2) نفس المصدر.
الإسناد ، ولئلا يعتمده الكاتب فيهمله ، أو « و » يرغب عن حفظه « تحفظه » والعمل به » (1).
ولعلّ ابن عبد البر في « جامع بيان العلم » كان أكثر وضوحاً وأحسن بياناً وتصريحاً ، حيث قال : « من كره كتاب العلم إنّما كرهه لوجهين : أحدهما ألاّ يتخذ مع القرآن كتاباً يضاهي به ، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتب فلا يحفظ فيقلّ الحفظ » ، يؤول بهذا أخبار الكراهة.
ثم يقول : « وقد رخّص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب العلم ورخص فيه جماعة من العلماء وحمدوا ذلك »(2) .
أقول : فلا يبعد أن تكون أخبار الكراهة عن ابن عباس أيضاً كذلك ، وتبقى أخبار الرخصة كالناسخة لما مرّ عليها ، لأنّا وجدنا عنه عدّة كتب أجاب فيها عن المسائل ، كما أنّه كان لديه كاتباً اسمه يزيد بن هرمز(3) ، وهو يروي بعض تلكم الكتب.
ومنها روايته : « إنّ نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال؟
فقال ابن عباس : إنّ الناس يقولون انّ ابن عباس يكاتب الحرورية ، ولولا أنّي أخاف أن أكتم علماً فلم أكتب به إليه.
____________
(1) المحدث الفاصل للرامهرمزي / 386.
(2) جامع بيان العلم 1 / 70.
(3) أنظر موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي 1 / 339 و 340.
فكتب إليه نجدة : أمّا بعد فأخبرني هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهنّ بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ وأخبرني متى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخُمس لمن هو؟
فكتب إليه ابن عباس : كتبت إليّ تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزو بالنساء؟ قد كان يغزو بهنّ فيداوين المرضى ، ويُحذَين من الغنيمة ، أمّا سهم فلم يضرب لهنّ بسهم.
وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يقتل الصبيان ، فلا تقتل الصبيان إلاّ أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتله ، فتميّز الكافر وتدع المؤمن.
وكتبت إليّ : متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري أنّ الرجل لتنبت لحيته وأنّه لضعيف الأخذ لنفسه ، ضعيف الإعطاء ، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقطع عنه اليتم.
وكتبت تسألني عن الخُمس؟ وإنّا كنّا نقول : هو لنا ، فأبى ذلك علينا قومنا »(1) .
وسيأتي ذكر مجموعة من كتبه في الفصل الرابع من الباب الثالث من هذه الحلقة إن شاء الله تعالى.
وقد أضاء ما نقلناه آنفاً عن سعيد بن جبير من جواز الكتابة ما نقله
____________
(1) نفس المصدر 1 / 337.
عنه أحمد في العلل (1) ، أنّه كان يكتب عند ابن عباس على ألواح حتى يملؤها ثم يكتب على نعله (؟! » ، والألواح هي الصحف التي كانت معروفة ومتداولة بينهم يومئذ ، وقد استعمل سعيد هذه اللفظة في قوله ، كما في طبقات ابن سعد : « ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملأها ، وكتبت في نعلي حتى أملأها ، وكتبت في كفي ، وربما أتيته فلم أكتب حديثاً حتى أرجع لا يسأله أحد عن شيء » (2).
وهذا يعني أنّ سعيد بن جبير كان يكتب ما يمليه ابن عباس من أجوبة السائلين ، فيمكن أن يُعدّ سعيد أوّل من دوّن الأمالي عن ابن عباس ، كما يبدو من هذا الخبر إنّ استخدام النعل والكفّ في الكتابة عند الضرورة كان أمراً مقبولاً ، وإن صرنا نراه مستهجناً في عصرنا ، وقد روى ابن النديم عن استخدام الخفّ لإخفاء الكتاب عن الفتح بن خاقان(3) .
____________
(1) العلل 1 / 50.
(2) الطبقات الكبرى 6 / 257 ط بيروت.
(3) قال أبو هفان : ثلاثة لم أر قط ولا سمعت أحبّ إليهم من الكتب والعلوم : الجاحظ والفتح بن خاقان واسماعيل بن اسحاق القاضي. فأما الجاحظ فإنه لم يقع بيده كتاب قط الاّ استوفى قراءته كائناً ما كان ، حتى انه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر ، والفتح بن خاقان فانه كان يحضر لمجالسة المتوكل فاذا اراد القيام لحاجة أخرج كتاباً من كمّه أو خفّه وقرأه في مجلس المتوكل والى عوده إليه حتى في الخلاء. وأما اسماعيل بن اسحاق فإني ما دخلت اليه إلا رأيته ينظر في كتاب أو يقلّب كتباً أو ينفضها ، ( فهرست ابن النديم / 130 ) ( تجدد ) وهذه الحكاية حكاها ابن النديم مرة أخرى عن غير ابي هفان بتفاوت يسير في ص208 فلتراجع.
كما إنّه كان جميل الذكر فهو أيضاً جليل الأثر ، وقد فرض بعلمه في شتى فنون معارف عصره خلوده بآثاره ، فهو حيّ ما دام له أثر في التفسير يذكر ، وحديث يسطر ، وفقه به يشهر ، وخلّ عنك باقي آثاره في اللغة العربية وآدابها ، وأيام العرب وأنسابها. وتلكم هي حياة العلماء المعطاءة الباقية ما بقي الدهر ، لأنّهم أعيانهم مفقودة لكن آثارهم في الحياة موجودة ، فهم بإستمرار عطائها يُذكرون فيُشكرون.
وابن عباس رضي الله عنه ممن ملك ناصية الحياة في هذا الباب ، فخلّف من التراث ما هو كفيل بخلوده ، ولولا عوادي الزمان ، وأبناء الشيطان ، لوصل ذلك الكمّ الهائل من التراث الذي قدّر بعضه حمل بعير.
فقد روى ابن سعد وغيره : أنّ كريب بن أبي مسلم « ت97 هـ » ـ وهو أحد موالي ابن عباس النابهين ـ قد أودع عند موسى بن عقبة حمل بعير من كتب ابن عباس ، فكان علي بن عبد الله بن عباس « ت118 هـ » إذا إحتاج إلى بعضها كتب إلى موسى بن عقبة أن يرسل إليه صحيفة من كتب أبيه لينسخها ، ثم ينسخها ويعيدها إليه(1) .
ولئن لم يصل إلينا من تلك الثروة العلمية إلاّ خبرُها ، فكذلك ثمّة قائمة طويلة بأسماء كتب لابن عباس ذكرها الشيخ النجاشي في رجاله في ترجمة
____________
(1) الطبقات الكبرى 5 / 293.
عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي الأزدي البصري أبو أحمد شيخ البصرة وأخباريّها ، فقال : « وله كتب قد ذكرها الناس منها كتاب مسند أمير المؤمنين عليه السلام ـ ثم ذكر جملة كثيرة وكان منها : ـ الكتب المتعلقة بعبد الله بن عباس عنه ـ كذا ـ مسندة عنه ».
وهذا النص يوحي بأنّ الجلودي روى ما حصل عليه من آثار لابن عباس فصنّفها حسب موضوعاتها كما يظهر ذلك من أسمائها ، وهي ثروة لو وصلت إلينا لأغنتنا عن كثير ممّا يقوله المبطلون ، وهذه أسماء تلك الكتب :
« كتاب التنزيل عنه ، كتاب التفسير عنه ، كتاب المناسك عنه ، كتاب النكاح والطلاق عنه ، كتاب الفرائض عنه ، كتاب تفسيره عن الصحابة ، كتاب القراءات عنه ، كتاب البيوع والتجارات عنه ، كتاب الناسخ والمنسوخ عنه ، كتاب نسبه ، كتاب ما أسنده عن الصحابة ، كتاب بقية قوله في الطهارة ، كتاب الصلاة والزكاة ، كتاب ما رواه من رأي الصحابة ، كتاب الذبائح والأطعمة واللباس ، كتاب الفتيا والشهادات والأقضية والجهاد والعدة وشرايع الإسلام ، كتاب قوله في الدعاء والعوذ وذكر الخير وفضل ثواب الاعمال والطب والنجوم ، كتاب قوله في قتال أهل القبلة وإنكار الرجعة والأمر بالمعروف ، كتاب في الأدب وذكر الأنبياء وأوّل كلامه في العرب ، كتاب بقية كلامه في العرب وقريش والصحابة والتابعين ومن ذمّه ، كتاب قوله في شيعة علي عليه السلام ،
كتاب بقية رسالته « كذا / رسائله / ظ » وخطبه وأوّل مناظرته ، كتاب بقية مناظراته وذكر نسائه وولده ، آخر كتب ابن عباس » (1).
وقد روى ابن القيم الجوزي في « زاد المعاد » عن الواقدي عن عكرمة أنّه قال : « وجدت هذا الكتاب ـ وهو كتاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المنذر ابن ساوى ـ في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته فإذا فيه فذكر الكتاب »(2) .
كما وقد أورد ابن النديم المتوفى سنة « 380 هـ » أسماء بعض الكتب عن ابن عباس من مدوناته أو مدونات بعض تلاميذه رواية عن :
1 ـ فقد جاء في « ص36 » « تجدد » في تسميته الكتب المصنفة في تفسير القرآن : كتاب ابن عباس ، رواه مجاهد ، ورواه عن مجاهد حميد بن قيس ، وورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد ، وعيسى بن ميمون ، عن أبي نجيح ، عن مجاهد.
2 ـ أيضاً في « ص36 » « تجدد » : كتاب تفسير عكرمة عن ابن عباس.
3 ـ وفي الكتب المؤلفة في نزول القرآن « ص40 » : كتاب عكرمة عن ابن عباس.
4 ـ وفي الكتب المؤلفة في أحكام القرآن « ص41 » : ذكر كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عباس.
5 ـ وذكر في « ص 287 » « تجدد » : إبراهيم الحربي « ت285 هـ » له من
____________
(1) رجال النجاشي / (167) ـ 169ط بمبئ سنة 1317 هـ.
(2) زاد المعاد 3 / 83.
الكتب : كتاب غريب الحديث ، والذي خرج منه : مسند علي عليه السلام مسند العباس مسند عبد الله بن العباس
أمّا عن الآثار الباقية المنسوبة إليه ، فهي بين مطبوع وبين مخطوط. ولكلّ منها حديث مفصّل يأتي في الحلقة الثالثة إن شاء الله.
أمّا الآن فأكتفي بفهرسة أسمائها وهي كما يلي :
1 ـ تفسير ابن عباس ، المطبوع باسم تنوير المقباس ، جمعه المجد الفيروز آبادي الشافعي صاحب القاموس ، وهو مطبوع مكرراً.
2 ـ كتاب قصة الإسراء والمعراج ، طبع بدمشق منسوباً إليه ، وهو ليس كذلك!
وقد قال عنه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي محذراً منه في كتابه « فقه السيرة » فقال : « إحذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى بـ « معراج ابن عباس » ، فهو كتاب ملفّق من مجموع أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند ، وقد شاء ذاك الذي فعل فعلته الشنيعة هذه أن يلصق هذه الأكاذيب بابن عباس رضي الله عنه ، وقد علم كلّ مثقف ، بل كلّ إنسان عاقل أنّ ابن عباس برئ منه ، وأنّه لم يؤلف أيّ كتاب في معراج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل وما ظهرت حركة التأليف إلاّ في أواخر العهد الأموي.
ولمّا وقف دعاة السوء على هذا الكتاب ووجدوا فيه من الأكاذيب
المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يكفل زعزعة الكثيرين من الناس ، راحوا يروّجون له ، ويدعون إليه.
وكان من جملة من كتب عنه مادحاً ومعظماً الدكتور لويس عوض « وما أدراك من هو لويس عوض؟ » ، مع أنّهم يعلمون قبل سائر الناس أنّه كتاب مكذوب على ابن عباس ، وأنّ أحاديثه كلّها باطلة ، ولكن الكذب سرعان ما ينقلب عندهم صحيحاً إذا كان فيه ما يشوّش أفكار المسلمين ويلبس عليهم دينهم »(1) .
أقول : ونحن معه في نفي صحة النسبة ، لكنّا لا نصادقه على زعمه في ظهور حركة التأليف في أواخر العهد الأموي. ولو رجع إلى المصادر المعنيّة بذلك لوجد إختلافاً كبيراً معه ، وقد مرّت بنا رواية كتب ابن عباس التي حملها كريب مولاه فأودعها عند موسى بن عقبة ، ومعلوم أنّ ابن عباس توفي سنة 68 هـ في أيام عبد الملك بن مروان وهذا ليس من أواخر العهد الأموي! ثم ما رأيه في الصحيفة الصادقة كما يسمونها ـ هو وأصحابه ـ التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص في عهد الرسالة؟ وخلّ عنك ما صح من كتب أهل البيت عليهم السلام ولا تزال الصحيفة السجادية في متناول الأيدي.
3 ـ اللغات في القرآن ، حققه وطبعه الدكتور صلاح الدين المنجد بالقاهرة سنة 1946 م. وسيأتي الكتاب بنصه في الحلقة الثالثة.
4 ـ دعاء سرياني ، طبع في ميسور 1870 م ؛ 1897 م مع ترجمة فارسية
____________
(1) فقه السيرة / 155 ط دار الفكر.
الهند سنة 1872 م (1).
أمّا المدونات الباقية مخطوطة ، فقد ذكرها الدكتور فؤاد سزكين في « تاريخ التراث العربي »(2) ، فهي :
ـ « مسند » ، جمعه مجهول في القرن الرابع والخامس الهجري ، سيأتي الحديث عنه في الحلقة الثالثة.
ـ « غريب القرآن » بتنقيح عطاء بن أبي رباح ، كذلك الحديث عنه في الحلقة الثالثة.
ـ « خواص بعض الأدعية » ، نسخته في المكتبة الوطنية بمدريد تاريخ التراث العربي سزكين.
وسيأتي الحديث عن أثره الباقي في تقويم التفاسير المنسوبة إليه.
____________
(1) تاريخ التراث العربي د فؤاد سزكين 1 / 184 ، ط الهيئة المصرية سنة 1971 م.
(2) نفس المصدر 1 / (181) ـ 184.
في معارفه القرآنية
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : « إنّ القرآن ذو شجون وفنون ، وظهور وبطون لا تنقضي عجائبه ، ولا تبلغ غايته ، فمن أوغل فيه برفق نجا ، ومن أوغل فيه بعُنف غوى.
أخبار وأمثال ، وحرام وحلال ، وناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وظهر وبطن ، فظهره التلاوة وبطنه التأويل ، فجالسوا به العلماء ، وجانبوا به السفهاء ، وإياكم زلّة العالم »(1) .
فهذا الأثر عنه يكشف عن سعة مداركه في معارفه القرآنية ، حيث ذكر علوم القرآن وما اشتملت عليه من المعارف التي كان متضلعاً بها فأفاض بذكرها.
وكان يقول : « القرآن كلّه إياك أعني وأسمعي يا جارة »(2) .
ولا شك في أنّه أخذ جميع ذلك من مصدر الوحي الذي كان يقول
____________
(1) الدر المنثور 2 / 6ط أفست إسلامية.
(2) مجمع البيان 7 / 465.
له : « يا بن عباس : إذا قرأت القرآن فرتله ترتيلاً.
فقال : وما الترتيل؟
قال : بينّه تبينّاً ، ولا تنثره نثر الدقل(1) ، ولا تهذّه هذّ(2) الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحرّكوا به القلوب ، ولا يكونن هّم أحدكم آخر السورة »(3) .
ونحن سنقرأ بعض آثاره فيها ، وذلك من خلال خمسة مباحث :
المبحث الأوّل : معرفته بالتفسير.
المبحث الثاني : معرفته بالتأويل.
المبحث الثالث : معرفته بأسباب النزول.
المبحث الرابع : معرفته بالقصص القرآني.
المبحث الخامس : معرفته بوجوه الجمع بين الآيات المتشابهة الموهمة للتناقض ، ومسائل أخرى.
____________
(1) الدقل : رديء التمر ويابسه ، فهو لا يلتزق بعضه ببعض.
(2) الهذّ : سرعة القراءة.
(3) مجمع البيان 7 / 295.
معرفته بالتفسير
ولابدّ لنا أوّلاً من معرفة معنى التفسير لغة واصطلاحاً ، ثم نرى مدى معرفة مؤسس مدارس التفسير في العالم الإسلامي في عصره بذلك العلم ، مع دقة علم ومزيد فهم في تبيان الحقائق.
يقول أهل اللغة : التفسير : مأخوذ من الفسر بمعنى الإيضاح والتبين ، ومنه قوله تعالى :( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ) (1) أيّ أحسن بياناً ، كما أنّ من معانيه كشف المغطى ، وهو هو في معناه وإن إختلف لفظه في مبناه ، فعلى هذا لا نجد كبير فرق بين المعنى اللغوي وهو كما مرّ ، وبين المعنى الإصطلاحي الذي هو : العلم بما يفهم من كلام الله تعالى في كتابه المجيد ، وتبيانه للناس بما يغني ويفيد.
وتبقى أدوات التفسير كالمقدمات الموصلة إلى فهم النتائج ـ فهي لازمة للمفسّر ـ كالدلالة اللغوية في الترادف والحقيقة والمجاز ، ومعرفة اللهجات ، وتركيبة الجمل التي يفرّق فيها بين العام والخاص ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، ممّا هو ألصق بالتأويل منه بالتفسير ، وكذلك
____________
(1) الفرقان / 33.
أسباب النزول كما سيأتي بيان ذلك.
وممّا لا ريب فيه أنّ ابن عباس كان رأساً في كلّ تلكم المعارف والأدوات والنتائج ، وحسب القارئ دليلاً أنّ فيما جاء عنه في أشهر العلوم التي سطع نجمه فيها هو تفسير القرآن وعلومه ، وهو لا زال نيّراً مادام المسلم يقرأ القرآن ويطلب تفسيره ، لأنّه الحكمة كما قاله رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى :( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (1) قال : « المعرفة بالقرآن ».
وهذا ممّا لا شك فيه هو التفسير الصواب ، لأنّ المعرفة بالقرآن بما تشتمل عليه هاتان المفردتان مجتمعتين يعني معرفته من ناحية إعجازه ، وترتيب سوره ، وأسباب نزوله ، ومعرفة مكيّهِ ومدنيّهِ ، وحضره وسفره ، وتفسيره وتأويله ، ومعرفة محكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وعامّه وخاصه ، وحتى وجوه قراءاته.
وهو كان يرى وجوب المعرفة ببعض أنحاء التفسير ، بما لا يعذر المرء بجهالته ، لقد كان في روايته تقسيم التفسير مصيباً وبصيراً خبيراً ، حيث قال مرفوعاً عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسّره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلاّ الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب »(2) . وقد
____________
(1) البقرة / 269.
(2) التبيان 1 / 7 ، الإتقان 2 / 4.
روي عنه ذلك أيضاً موقوفاً ، ثم قال : « نؤمن بالمحكم وندين به ، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به ، وهو من عند الله كلّه » (1).
ولمّا كانت المعرفة بالقرآن التي هي الحكمة كما فسرّها ابن عباس :( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (2) ، وفي القرآن تبيان كلّ شيء ، قال تعالى :( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (3) ، وقال تعالى :( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (4) ، ففيه مكارم الأخلاق ، وفيه أصول العلوم ، وفيه جواهر البلاغة ، فنرى أصحاب علم الكلام حجتهم من القرآن ، وأصحاب علم الفقه جلّ مآخذهم منه ، وكذلك علم الحديث واللغة.
وكان ابن عباس في جميع هذا الشأن ابن بجدتها ، حفظ المحكم فوعاه وهو ابن عشر سنين ، وبرع في علوم القرآن حتى اختص بلقب « ترجمان القرآن » ولم يحظ بهذا اللقب أحد غيره ، كما أنّه احتل مكان الصدارة عند المفسرين بعد ابن عمه عليه السلام ، فقالوا عنه : « رئيس المفسرين ».
قال السيوطي في « الإتقان » : « اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة : الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن الزبير ».
____________
(1) الإتقان 2 / 4.
(2) البقرة / 269.
(3) النحل / 89.
(4) الأنعام / 31.
ثم قال : « أمّا الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم عليّ بن أبي طالب ، والرواية عن الثلاثة ندرة ـ نزرة ـ جدّاً ، وكان السبب في ذلك تقدّم وفاتهم ، كما أنّ ذلك هو السبب في قلّة رواية أبي بكر رضي الله عنه للحديث ، ولا أحفظ عن أبي بكر رضي الله عنه في التفسير إلاّ آثاراً قليلة جداً لا تكاد تجاوز العشرة »(1) .
أقول : فمن كانت روايته محدودة بهذه الندرة ، والنزرة ، فمن أين إذن جاءته الشهرة؟ وهي لا تأتي إعتباطاً!
ثم قال السيوطي : « وأمّا عليّ فروي عنه الكثير ، وقد روى معمّر عن وهب ابن عبد الله عن أبي الطفيل قال : شهدت عليّاً يخطب وهو يقول : « سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل »(2) .
وزاد البلوي في روايته : « ولو شئت أوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب »(3) .
ولا غرابة في ذلك بعدما حدّث عنه تلميذه البارّ الأمين ابن عباس ، فقال : « قال لي عليّ رضي الله عنه : يا بن عباس إذا صليت العشاء الآخرة فالحق إلى الجبّانة ، قال : فصلّيت ولحقته ـ وكانت ليلة مقمرة ـ قال : فقال لي : ما تفسير الألف؟ من الحمد قلت : لا أعلم ، فتكلم في تفسيرها ساعة تامة ، قال : ثم قال : ما تفسير اللام من الحمد؟ قلت : لا أعلم ، فتكلم فيها ساعة تامة ، ثم قال : ما تفسير الحاء من الحمد؟ قال : قلت : لا أعلم ، قال : فتكلم في تفسيرها ساعة تامة ، ثم قال : ما تفسير
____________
(1) الإتقان 2 / 187 ط حجازي بمصر.
(2) نفس المصدر.
(3) ألف باء للبلوي 1 / 222.
الميم من الحمد؟ قال : قلت : لا أعلم ، قال : فتكلم في تفسيرها ساعة تامة ، قال : فما تفسير الدال من الحمد؟ قال : قلت : لا أدري ، فتكلم فيها إلى أن برق عمود الفجر ، قال : وقال لي : قم يا بن عباس إلى منزلك فتأهب لفرضك ، فقمت وقد وعيت ما قال ، ثم تفكرت فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة في المثعنجر ».
قال : القرارة : الغدير الصغير ، والمثعنجر : البحر.
وقال ابن عباس رضي الله عنه : « علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علم الله ، وعلم عليّ رضي الله عنه من علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلمي من علم عليّ ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر ».
ثم قال البلوي : « أنظر كيف تفاوت الخلق في العلوم والفهوم »(1) .
وأخرج أبو نعيم في « الحلية » عن ابن مسعود ، قال : « إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلاّ وله ظهر وبطن ، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن »(2) .
قال الزركشي في كتابه « البرهان » : « وصدور المفسرين من الصحابة عليّ ثم ابن عباس ، إلاّ أنّ ابن عباس كان قد أخذ عن عليّ »(3) .
وقال أيضاً : « كان لعليّ فيه ـ التفسير ـ اليد السابقة قبل ابن عباس ، وهو القائل : « لو أردت أن أملي وقر بعير عن الفاتحة لفعلت »(4) .
ولم يكن الزركشي والسيوطي وحدهما في هذا الرأي ، بل هو موضع إتفاق بين المفسرين ، فابن عطية « ت546 هـ » أيضاً قال في مقدمة تفسيره
____________
(1) ألف باء للبلوي 1 / 222.
(2) حلية الأولياء 1 / 65 ط مطبعة السعادة مصر.
(3) البرهان 2 / 157.
(4) البرهان 1 / 8.
« الجامع المحرر » كلاماً في هذا المعنى ننقله بطوله ، قال :
« فأمّا صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويتلوه عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، وهو تجرّد للأمر وكمّله ، وتتبعه وتبعه العلماء عليه كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما ، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن عليّ بن أبي طالب.
وقال ابن عباس : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب ».
وكان عليّ بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ، ويحض على الأخذ عنه.
وكان عبد الله بن مسعود يقول : « نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس » ، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « اللهم فقهه في الدين » ، وحسبك بهذه الدعوة.
وقال عنه عليّ بن أبي طالب : « ابن عباس كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ».
ويتلوه ـ أي ابن عباس ـ عبد الله بن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكلّ ما أُخذ عن الصحابة فممن تقدّم « فحسن متقدم »(1) ، انتهى كلام ابن عطية.
____________
(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 1 / 41 ، مقدمتان في علوم القرآن / (263) ـ 264 ط السنة المحمدية 1954 م.
وهو أكثر دقة من السيوطي وأمثاله ممن حشر أسماء الخلفاء الثلاثة مع المشهورين من المفسرين ، ولسنا في مقام تجريدهم من معارفهم القرآنية ، ولا إبعادهم عن حقل التفسير إبعاداً كلّياً ، فحسب أوّلهم أبو بكر حين سئل عن معنى الأب في قوله تعالى :( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) (1) ؟ فقال : « أيّ سماء تظلّني وأيّ أرض تقلّني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم »(2) .
وكذلك كان مثله في هذا عمر بن الخطاب فيما رواه أنس : « أنّ عمر بن الخطاب قرأ على المنبر( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) (3) ، فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه ، فقال : إنّ هذا لهو التكلف يا عمر »(4) .
وليس هذا بعار على من لم يعرف شيئاً أن يقول لا أعلم ، فإنّ ابن عباس كان يقول : « إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله »(5) .
أمّا عن ثالث الخلفاء فلم أقف له على شيء يذكر!
فذكرهم ضمن مشهوري المفسرين من الصحابة كما عند السيوطي قول جزاف ، مبعثه رواسب الحكم الخليفي.
ويبقى حديثنا عن ابن عباس ، فهو المصلي بعد أستاذه وابن عمه الإمام عليه السلام حيث كان هو المجلّي ، لذلك كانت آراؤه في التفسير تلقى قبولاً
____________
(1) عبس / 30.
(2) الإتقان 1 / 115 ، نقلاً عن أبي عبيد في الفضائل.
(3) عبس / 30.
(4) الإتقان 1 / 115.
(5) البيان والتبيين 1 / 398 و 2 / 90 تحقيق هارون ، وعيون الأخبار 2 / 125 ط دار الكتب بمصر ، ومنية المريد للشهيد / 116.
عند الصحابة وترجيحاً عند المفسرين من عهده وحتى اليوم ، لما له من الأفضلية ، والشواهد على ذلك كثيرة ، وسيأتي بعضها.
وقد عرفنا سابقاً ينابيع معارفه القرآنية وغيرها في بداية تاريخه العلمي في الجزء الأوّل من هذه الحلقة ، وعرفناها لاحقاً بخصوص علوم القرآن وأنّها نبع عين صافية ، لا يخفي صاحبها على واردها من خافية ، حين يدعوه في ليلة مقمرة إلى الجبانة فيفسّر له كلمة « الحمد » من أوّل الليل بعد العشاء حتى مطلع الفجر ، ثم هو الوارد الواحد المستفيد ، يقولها بصراحة لا لبس فيها ولا غموض : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب ».
وقد مرّت الإشارة في مناقشة ما قيل في أخذه عن عمر ، وابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وآخرين من أهل الكتاب ، حشرت أسماؤهم في كتب السير والتفسير ، وكانت تلك المناقشات بنحو الإختصار في ذكر بعضهم ، وأحلت البيان إلى ما بعد ذلك.
وفاتني ذكر تابعيّ ورد أسمه في تلقي ابن عباس منه تفسير القرآن ، وأحسب تلك المعلومة حقيقة مغيّبة ، لا يعرفها كثير من القرّاء ، إن لم يكن كلّهم ، وتلك هي تلقّيه التفسير من ميثم التمّار التابعي « الشهيد سنة 60 هـ على يد العتلّ الزنيم ابن مرجانة ».
وأحسب أنّ كثيراً من القراء لا يعرف مَن هو ميثم التمار؟ إذ لم يشهر أسمه بين المفسّرين ، بل لم يرد ذكره في طبقاتهم وتفاسيرهم ممّا يرفع علامة التعجب في أخذ ابن عباس « صدر المفسرين » من هذا التابعي الجليل دون ذكره ضمن قائمة شيوخه وقد مرّت.
إذن علينا أن نلم سراعاً بتاريخ ميثم بداية ونهاية ، ليزول العجب عند معرفة السبب ، فنقول :
ابن عباس كتب عن ميثم في التفسير
إنّ ميثم التمّار كان عبداً لامرأة من بني أسد ، اشتراه أمير المؤمنينعليه السلام منها ، فأعتقه ، وتولى تربيته وتهذيبه ، حتى كان أثيراً عنده ، وقد أطلعه على بعض أخبار الملاحم ممّا عهد به إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان ممّا أخبره به ما سيجري عليه في نهاية حياته ، وقد وجده أهلاً لما حمّله من أسراره.
روى الكشي في « معرفة الرجال » حديثه نقلاً عن ابنه يحيى بن ميثم ، عنه ، قال : « لمّا خرج إلى العمرة فأتى أم سلمة رضي الله عنها ـ وذكر ما جرى بينهما من كلام ـ ثم قال : فخرجت فإذا ابن عباس رحمة الله عليهما جالس ، فقلت : يابن عباس سلني ما شئت من تفسير القرآن ، فإنّي قرأت تنزيله على أمير المؤمنين عليه السلام وعلّمني تأويله ، فقال : ياجارية هاتي الدواة والقرطاس ، فأقبل يكتب ، فقلت : يا بن عباس كيف بك إذا رأيتني مصلوباً تاسع تسعة ، أقصرهم خشبة ، وأقربهم إلى المطهرة؟ فقال لي : أتكهّن ، أيضاً خرّق الكتاب ، فقلت مه احتفظ بما سمعت مني ، فإن يك ما أقول لك حقاً أمسكته ، وإن يك باطلاً خرّقته ، قال : هو ذلك »(1) .
هذا هو الخبر الذي هو مثار العجب من حيث أخذ ابن عباس بعض التفسير عن ميثم! ويبقى السؤال عن الكمّ والكيف وهل أبقى ابن عباس ما
____________
(1) إختيار معرفة الرجال / 81 تحقيق المصطفوي ، معجم رجال الحديث 19 / 117 ط الاداب في النجف الاشرف سنة 1395 هـ.
كتبه بعدما همّ بتخريقه أوّلاً أم لا؟
كلّ ذلك لا جواب عليه ، لعدم ذكره في أخبار ابن عباس التي ملأت المصادر قديماً وحديثاً ، وكثير منها معنيّ بمعارفه القرآنية لتبرزه في التفسير حتى دعي بترجمان القرآن وصدر المفسرين ، وهذا ما يثير الشك في صحة الخبر؟ ويبقى خبر الكشي من دون شاهد يقوّيه ، مضافاً إلى الخدشة في راويه ، فإنّ أحد رجال السند فيه اسمه عبد الله بن خداش المهري ، قال فيه الشيخ النجاشي : « ضعيف جداً ، في مذهبه ارتفاع »(1) ، فالخبر ساقط بالمرّة ، وإن حاول بعض أصحاب المقاتل إعتماده وليس بشيء(2) .
هل كان عمر أستاذ ابن عباس في التفسير وغيره؟
مقولة اعتمدها البعض وجعلها أساساً في بحثه ، وأقام عليها هرماً من الوهم! فمن أين جاءوا بها؟ مَن ذكروها في مقدمات كتبهم حول تفسير ابن عباس؟
إنّها مرسلة معمّر ، قال : « عامّة علم ابن عباس من ثلاثة : عمر وعليّ وأبيّ بن كعب » ، رواها ابن كثير(3) .
والبحث حول صحة هذا الزعم من معمّر وعدمه ، ينبثق منه :
____________
(1) رجال النجاشي / 158 ط بمبي 1317 هـ.
(2) مقتل الحسين عليه السلام للمقرّم / 195 في الهامش ط الآداب 1973 م.
(3) البداية والنهاية 8 / 298.
أوّلاً السؤال : هل أخذ ابن عباس عامّة العلم عن هؤلاء الثلاثة؟
والجواب : يصح تماماً في ثلث الرجال المذكورين في السؤال ، ويصح جزئياً في الثلث الثاني ، ولا يصح في الثلث الثالث.
ومعنى صحته تماماً هو في أخذه عن عليّعليه السلام وقد مرّ مكرراً تأكيد ذلك. ومعنى صحته جزئياً هو في أخذه عن أبيّ بن كعب ، لورود بعض الشواهد في التفسير على ذلك. ومعنى عدم صحته في الثلث الباقي هو أخذه عن عمر بما تصح معه نسبة الأخذ عنه ، لا يعني سماعه الحديث الواحد منه بل ولا العشرة.
فعلينا قبل أن نحرّر السؤال ثم نتلمّس الجواب.
فنقول : إنّ عامة علم ابن عباس كما مرّ يشمل عدّة فروع : منها في التفسير ، ومنها في الحديث ، ومنها في الفقه وفي الشعر والأنساب وأيام العرب ، وغير ذلك من فنون المعرفة.
ولمّا كان بعض الباحثين اعتمد مرسلة معمّر في دراسته عن تفسير ابن عباس ، ممّا يعني ذلك أخذه في التفسير عنه ، وهذا هو الذي ينبغي لنا صياغة السؤال بموجبه على الشكل التالي : هل أخذ ابن عباس في التفسير عن عمر ، عن عليّعليه السلام ، عن أبيّ بن كعب إلى أخره؟
فإلى تفكيك مرسلة معمّر على النحو التالي :
هل صح أنّ عليّاًً عليه السلام أستاذ ابن عباس في التفسير وغيره؟
الجواب : نعم.
لقد مرّت بنا كلمة ابن عباس : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ ابن أبي طالب »(1) .
وقوله : « علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علم الله ، وعلم عليّ من علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلمي من علم عليّ ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر »(2) .
ولهذا قلت : يصح تماماً قول معمّر في ثلث الرجال الذين ذكرهم!
هل صح أنّ أبيّ بن كعب كان استاذ ابن عباس في التفسير وغيره؟
الجواب : يصح في الجملة.
فابن عباس كان قد سمع من أبيّ بن كعب بعض قراءاته التي اختصّ بها ، وربما كان يقرأ بها فسمعها منه عمر فأنكرها.
فقد أخرج الحاكم في « المستدرك » بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال : « بينما أنا
____________
(1) مناهل العرفان 2 / 486 ، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 1 / 41 ، وقد مر سابقاً فراجع.
(2) الف باء البلوي 1 / 222.
أقرأ آية من كتاب الله عزوجل وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة ، فإذا أنا برجل يناديني من بعدي : اتبع ابن عباس ، فإذا هو أمير المؤمنين عمر ، فقلت اتبعك على أبيّ بن كعب ، فقال : أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ؟ قلت : نعم ، قال : فأرسل معي رسولاً ، قال : أذهب معه إلى أبيّ بن كعب فأنظر أيقرأ أبيّ كذلك؟ قال : فانطلقت أنا ورسوله إلى أبيّ بن كعب ، قال : فقلت : يا أبيّ قرأت آية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر بن الخطاب اتبع ابن عباس ، فقلت : اتبعك على أبيّ بن كعب ، فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت؟ قال أبيّ : نعم ، قال فرجع الرسول إليه ، فانطلقت أنا إلى حاجتي ، قال : فراح عمر إلى أبيّ فوجده قد فرغ من غسل رأسه ووليدته تدري لحيته (1) بمدراها ، فقال أبيّ : مرحباً يا أمير المؤمنين أزائراً جئت أم طالب حاجة؟ فقال عمر ، بل طالب حاجة ، قال : فجلس ومعه موليان له حتى فرغ من لحيته ، وادرت جانبه الأيمن من لمّته ، ثم ولاّها جانبه الأيسر ، حتى إذا فرغ أقبل إلى عمر بوجهه ، فقال : ما حاجة أمير المؤمنين؟ فقال عمر : يا أبيّ على ما تقنط الناس؟ فقال أبي : يا أمير المؤمنين أنّى تلقيت القرآن من تلقاء جبريل وهو رطب ، فقال عمر ، تالله ما أنت بمنته وما أنا بصابر ـ ثلاث مرات ـ ثم قام فانطلق ». قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه على تصحيحه (2).
أقول : وكلاهما أخطأ في إخراجه فضلاً عن تصحيحه ، لأنّ ما
____________
(1) تدري لحيته أي تسرّحها يقال : أدرت المرأة إذا سرحت شعرها.
(2) المستدرك 2 / 225.
أخرجاه يعني على خلاف ما في المصحف ، وتصحيحهما يعني الطعن في كتاب الله تعالى فلا يمكن قبوله بحال.
وهذا لا يعني أنّ ابن عباس لم يقرأ على أبيّ ولم يأخذ ، فقد روى الحاكم في « المستدرك » خبر قراءة ابن عباس على أبيّ بن كعب ، وقال ابن عباس : « قرأ أبيّ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم »(1) ، ولكن ليس كلّ ما روي عنه نأخذ به ، لأنّ في بعضه قراءات شاذّة ، أمّا ما أخرجه الحاكم عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه ، قال : أقرأني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم( وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ) (2) يعني بجزم السين ونصب التاء(3) ، فهو صحيح.
وكذلك ما أخرجه أيضاً عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ :( إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا ) (4) مهموزتين(5) ، فهو صحيح أيضاً.
أمّا ما خالف كتابة المصحف نحو ما أخرجه الحاكم في « المستدرك » وصححه وكذلك الذهبي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : قرأت على أبيّ بن كعب :( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْتّاً ـ بالتاء ـوَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) ، قال أبيّ : أقرأني
____________
(1) المستدرك 2 / 230.
(2) الانعام / 105.
(3) المستدرك 2 / 239 ، وصححه.
(4) الكهف / 76.
(5) المستدرك 2 / 243 ، وصححه.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْتّاً ـ بالتاء ـ وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ـ بالتاء ـ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ـ بالياء » (1). فهذا غير صحيح ، لأنّ الآية المباركة في سورة البقرة هكذا :( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) (2).
وقد ذكر ابن أبي داود في كتابه « المصاحف »(3) زهاء ثلاثين رواية فيها قراءات منسوبة إلى ابن عباس ، وهي من شواذ القراءات سوف أذكرها ، لإطلاع القارئ عليها وإن كنت معتقداً بكذبها ، بل وبكذب ابن أبي داود وقد أكذبه أبوه ، وقد مرّ أن ذكرت شيئاً عنه عند ذكري لأبي الجلد المعدود زوراً ممن أخذ عنه ابن عباس ، وكذبت ذلك في شبهات كاذبة ، وذكرت ابن أبي داود وما قيل في تجريحه ، لذلك أعرضت عن مروياته في القراءات التي ذكرها منسوبة إلى ابن عباس ، وهو بريء منها.
والآن نعود إلى إعادة السؤال حول صحة كلمة معمّر : « عامّة علم ابن عباس من ثلاثة عمر وعليّ وأبيّ بن كعب »؟
فنقول : إنّ ابن عباس روى عن عمر قوله : « أقرؤنا أبيّ ، وأقضانا عليّ ، وإنّا لندع من قول أبيّ ، وذاك أنّ أبيّاً يقول : لا أدع شيئاً سمعته من رسول
____________
(1) نفس المصدر 2 / 233.
(2) البقرة / 48.
(3) المصاحف / (73) ـ 81.
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قال الله تعالى :( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ) (1) » (2).
فهل هذا القول من عمر؛ ويعني به محتجاً على أبيّ؟ إلى أنّه ربّما قرأ ما نسخت تلاوته لكونه لم يبلغه النسخ ، وعنه رواه ابن عباس كما مرّ.
فهل يعني هذا شيئاً من عامّة العلم في التفسير مثلاً ، لأنّ عمر ذكر النسخ في الآية؟ فيصح عندها السؤال حينئذ ما لم يكن على خلاف ما هو المقروء في المصحف لأنّ هذا متواتر ، وما رواه البخاري وغيره عن أبيّ وعن غيره من إختلاف القراءات إنّما هو أخبار آحاد لا تثبت علماً ولا عملاً.
أمّا ما صح نحو ما أخرجه الحاكم في « المستدرك » وصححه ، وكذلك الذهبي في « التلخيص » : عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبيّ : « إنّي أقرؤك سورة ، فقال له أبيّ : أمرت بذاك بأبي أنت؟ قال : نعم فقرأ :( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ) (3) »(4) ، فلا مانع من قبوله.
____________
(1) البقرة / 106.
(2) شرح صحيح البخاري بفتح الباري 9 / (233) ـ 234.
(3) البينة / (1) ـ 2.
(4) المستدرك 2 / 256.
هل أخذ ابن عباس في التفسير شيئاً من عمر؟
لقد مرّ بنا في الحلقة الأولى من تاريخ حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، حديثه عن رزية يوم الخميس ، وبحثنا هناك ما يتعلق بذلك ، وكان منه عرض مواقف علماء التبرير ، وكان منهم النووي الذي حاول دفع معرّة قول الهجر عن عمر ، وذهب إلى القول بترجيح رأي عمر في منعه من الإتيان بالدواة والكتف على رأي ابن عباس حبر الأمة الذي كان يدين المعارضة بشدة بما فيهم عمر ، فكان صامداً عند رأيه ، ثابتاً على قوله ، باكياً عند ذكره ـ للحديث ـ بكاءً مُرّاً حتى يبلّ دمعه الحصى.
ومع ذلك كلّه فقد انتهى النووي في دفاعه المستميت إلى القول : « فكان عمر أفقه من ابن عباس »!
وكان لنا ـ هناك ـ تعقيب على زعمه بما يفنّده ، فليرجع القارئ إليه ، وليقرأ « أيّهما أفقه عمر أم ابن عباس؟ »(1) .
كما مرّ بنا أيضاً في الحلقة الأولى عند الكلام في تاريخ حبر الأمة في عهد عمر ، ذكر الشواهد على مدى إحتياج عمر إلى ابن عباس ، فكان يسأله ويأخذ بقوله ويترك أقوال من حضره من شيوخ المهاجرين
____________
(1) موسوعة عبد الله بن عبس / الحلقة الأولى / ج1 / الفصل 2.
والأنصار الذين كانوا يحوطونه ، فراجع تجد ذلك مفصلاً. فلا حاجة بنا إلى إعادته إلاّ ما اقتضى المقام التذكير به ، لتنبيه القارئ إلى بطلان زعم الزاعم أنّ عامّة علم ابن عباس ـ حبر الأمة ـ كان من ثلاثة عمر وعليّ وأبيّ ابن كعب؟
وهذا إن صح في أخذه عن عليّ عليه السلام وإن صح بعضه في أخذه عن أبيّ ، فلا يصحّ في أخذه عن عمر كما أشرنا إلى ذلك!
ولو بحثنا عن منشأ مقولة الزعم هذا ، لوجدناها رواية يرويها ابن كثير بقوله : « وقال أحمد : عن عبد الرزاق ، عن معمّر ، قال : عامّة علم ابن عباس من ثلاثة : عمر وعليّ وأبيّ بن كعب »(1) .
وهذه المقولة رواها ابن كثير نقلاً عن أحمد ولم يذكر مصدره في حكايته لها عن أحمد!
وقد بنى على هذه المقولة بعض الدارسيَن من المحدَثين في دراسته « تفسير ابن عباس » ، وكان حذراً إذ لم يجد شاهداً فاكتفى بذكرها ولم يعقب عليها(2) .
ولكن الدارس الآخر(3) حاول أن يبني هرماً من الوهم ـ على أحسن الظنّ به في التقدير ـ فجعل من الشواهد على ذلك سؤال ابن
____________
(1) البداية والنهاية 8 / 298.
(2) الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي ، تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة. جامعة ام القرى بمكة المكرمة.
(3) عبد المجيد محمد أحمد الدوري ، تفسير ابن عباس دراسة وتحليل ـ اطروحة مقدمة إلى كلية الشريعة في جامعة بغداد لنيل الماجستير.
عباس من عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا أقوى شواهده ، وأمتن ما عنده!
وفاته أن يتفطن إلى أنّ السؤال من عمر لم يكن سؤال إستفهام حقيقي عن أمر يجهله ابن عباس ، بل كان على حدّ ما هو معروف « وكم سائل عن أمره وهو عالم »! فهو بمثابة إنتزاع اعتراف من عمر بأنّهما ـ عائشة وحفصة ـ لإدانتهما بذلك التوبيخ المنزل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المرسَل ، كما يدل عليه قول عمر له « واعجباً لك » ، ومبادرته بالجواب قبل إكمال السؤال ، كما سيأتي.
ولو أمعن ذلك الدارس النظر في الحديث الذي ذكره في روايات البخاري في صحيحه ـ وهو أصح كتاب عنده بعد كتاب الله ـ لما إستدل على زعمه بذلك.
كما أنّه ومن سبقه لو قرءا ترجمة معمّر في مصادرها المعتمدة عندهما لما إعتمدا مقولته تلك ـ فمن الخير ولتنوير القارئ « أيضاً » ـ تعريفه بمعمّر من هو؟
ونكتفي نحن بما عند الذهبي فهو غير متهم عليه.
قال في « ميزان الإعتدال » : « أحد الأعلام الثقات له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن » ، وحكى فيه قول أبي حاتم : صالح الحديث ، وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط(1) .
____________
(1) ميزان الاعتدال 4 / 154 ، وقارن تقريب التهذيب لابن حجر 2 / 266 ، وتهذيب الكمال للمزي 18 / 268 رقم 6696.
وذكره أيضاً في « سير أعلام النبلاء » ، فقال : « ومع كون معمّر ثقة ثبتاً فله أوهام لا سيّما لمّا قدم البصرة »(1) . كما ذكره في كتابه « المغني في الضعفاء »(2) .
أقول : فمن كان هذا حاله في روايته فكيف برأيه؟!
ولنقرأ ما جاء عنه باعترافه وقد احتجم ، قال : « فقمت وما أقدر من القرآن على حرف حتى كنت لأصلي فأمر من يلقنني »(3) ، فهذا حاله في رأيه وروايته!!
أضف إلى ذلك كلّه لسائل أن يسأل : من أين عَلِمَ معمّر أنّ عامّة علم ابن عباس من ثلاثة عمر وعليّ وأبيّ بن كعب؟!
وهذا السؤال إنّما يفرض نفسه لإنتفاء المعاصرة بين معمر وابن عباس ، فإن بين موتهما ما يقرب من قرن ، حيث مات ابن عباس سنة 68 هـ ، ومات معمر سنة 154 هـ ، ولم يكن معمّر معمَّراً في عمره ، فمن أين علم معمّر بأنّ عامّة علم ابن عباس من عمر وعليّ وأبيّ بن كعب؟!
فهل روى ذلك عن غيره؟ فمن هو ذلك الغير لينظر حاله وصدق مقاله؟
أم استقرأ هو بنفسه جميع أحاديث ابن عباس فرأى أنّ عامّة علمه من الثلاثة المذكورين؟
وهذا ربّما لا يناقش لو كان كلّ علم ابن عباس مجموعاً في كتاب واطّلع عليه معمّر ، ولكن ذلك لم يكن ، على أنّ الأحاديث عنه ، منها المدوّن في السطور عند تلامذته ، ومنها غير المدوّن وبقي مخزوناً في الصدور ، فمن أين علم أنّ عامّة علم ابن عباس من عمر وعليّ وأبيّ بن كعب؟
____________
(1) سير أعلام النبلاء 7 / 13.
(2) المغني في الضعفاء 2 / 671.
(3) المصنف لعبد الرزاق 11 / (30) ـ وهو أحد الرواة عن معمر! ـ.
وأحسن القول فيه إن كان هذا هو رأيه فعليه وزره.
أمّا أن يجعل الباحث منه أساساً في بحث علمي ، ويخلص منه إلى نتيجة هي أبعد ما تكون عن الحقيقة ، بل على العكس منها ، كما صنع صاحب « تفسير ابن عباس دراسة وتحليل » فذلك غير مقبول.
ولنمرّ بما قاله هذا في مقدمة أطروحته لنيل الماجستير « تفسير ابن عباس دراسة وتحليل » :
قال : « شيوخه من الصحابة ونستطيع أن نحدّد أهم الشيوخ الذين أخذ عنهم في التفسير على الترتيب الآتي وبحسب الأهمية والتأثير فيه. وقال أحمد عن عبد الرزاق عن معمر قال : عامّة علم ابن عباس من ثلاثة من عمر وعليّ وأبيّ بن كعب(1) ».
ثم قال : « عمر بن الخطاب :
وقد أخذ ابن عباس التفسير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان كثيراً (؟) ما يسأله عن تفسير القرآن إذ هو يعدّ أوّل شيخ من الصحابة تتلمذ عليه ابن عباس ، حيث كانت بينهما صلة علمية قويّة تعبّر عن مدى تبادل الآراء وصدق التلقي ، فقد كان ابن عباس يهاب عمر بن الخطاب ، وكانت بينهما تساؤلات عديدة لمعرفة معاني آيات كتاب الله العزيز ، فهذا ابن عباس يمكث سنتين وهو يريد أن يسأل ابن الخطاب
____________
(1) ذكر الكاتب في هامش ص45 من الرسالة المطبوعة بالآلة الكاتبة : نفس المصدر السابق 8 / 298 ، ويعني بالمصدر : البداية والنهاية لابن كثير.
عن تفسير آية من كتاب الله ، فهذا يدلّ دلالة واضحة على مدى هيبة ابن الخطاب في نفس تلميذه ، وكانت العقلية الفذة تجمعهما فهي تصدر من مشكاة واحدة. وممّا يدلّ على أنّ ابن عباس أخذ الشيء الكثير (؟) عن ابن الخطاب أنّ أصح أسانيد تفسير عمر بن الخطاب سنده ابن عباس ، وقد توصّل أخيراً بعض الباحثين إلى جمع تفسير ابن الخطاب حيث رأيت أنّ أغلب روايات التفسير عن عمر بن الخطاب مروية عن طريق ابن عباس ، وهذا التفسير المروي عن عمر بن الخطاب كثير (؟) الحجم حيث يصل إلى ثمانمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير ، وقد جعل جامع التفسير ان من أصح طرق تفسير عمر بن الخطاب هو طريق ابن عباس وجعله الطريق الأول (1) وكان ابن عباس كثيراً (؟) ما يختلف على عمر بن الخطاب الذي كان كثير (؟) الإعجاب به لما يرى من نبوغه في تفسير بعض آيات القرآن ، وكانا كثيراً (؟) ما يتفقان في وجوه التفسير » (2).
هذا ما قاله بنصّه وفصّه(3) ، وأظن أنّ القارئ أوّل ما لفت نظره
____________
(1) قال الكاتب في الهامش : انظر إبراهيم حسن ـ التفسير المأثور لعمر بن الخطاب ـ رسالة دكتوراه الدار العربية للكتاب سنة 1983.
(2) تفسير ابن عباس دراسة وتحليل. اطروحة مقدمة إلى مجلس كلية الشريعة في جامعة بغداد. وهي جزء من متطلبات درجة الماجستير في الدين من قبل عبد المجيد محمد أحمد الدوري بإشراف الدكتور محسن عبد الحميد. مطبوعة بالآلة الكاتبة في محرم 1409 هـ أيلول 1988 م.
(3) تفصّّى الشيء : استقصاه ( قطر المحيط 2 / 1602 ط بيروت سنة 1869 م ).
إستهلاك الكاتب لمادة « الكثرة » بكثرة! ولم يثبت مدّعاه في مواردها بشواهدها ولو لمرّة ، لذلك وضعت عليها علامات الإستفهام.
1 ـ فقد قال : « فابن عباس كان كثيراً ما يسأل عمر عن تفسير القرآن ».
أقول : وحبّذا لو ذكر شاهداً واحداً من ذلك الكثير.
2 ـ وقال : « وممّا يدلّ على أنّ ابن عباس أخذ الشيء الكثير من ابن الخطاب إنّ أصح أسانيد تفسير عمر بن الخطاب سنده عن ابن عباس وقد توصّل أخيراً بعض الباحثين إلى قوله : وجعله الطريق الأول ».
أقول : وهذا زعم آخر يحتاج إلى إثبات ، والزعم على الزعم لا يثبت الوهم ، كما أنّ ذكره ضخامة صفحات المصدر ، لا تعني شيئاً فربّما تمخض الجبل عن فأرة ، وكان على الكاتب دعم ما رآه عند غيره فارتآه ، فيذكر شواهده ليثبت مدعاه. فإنّ صحة الكلام ليست بتضخيم الألقاب والأحجام ، وتبقى ثابتة عليها علامات الإستفهام! بل القاعدة المتينة الرصينة تقول : « إن كنت مخبراً فالصحة ، وإن كنت مدعياً فالدليل ».
3 ـ وقال : « وكان ابن عباس كثيراً ما يختلف على عمر بن الخطاب الذي كان كثير الإعجاب به لما يرى من نبوغه في تفسير بعض آيات القرآن ».
أقول : وهذا الاختلاف الكثير صحيح في نفسه ، إلاّ أنّه ربما دلّ على عكس المطلوب للباحث ، إذ كان نبوغ ابن عباس في التفسير
مدعاة الإعجاب به عند عمر ، فهو يجد عنده من التفسير ما لا يعلمه هو ، ولو قال الباحث ذلك لوجد من الشواهد ما يثبته ، كما سيأتي ما يدلّ على ذلك.
4 ـ وأخيراً قال : « وكانا كثيراً ما يتفقان في وجوه التفسير ».
وهذا أيضاً كسوابقه في عدم ذكر ما يثبته ولو بشاهد واحد فضلاً عن زعمه الكثير.
هذه هي موارد إستعمال الكاتب للكثرة ، وقد استهوته فساقها بكثرة دون حساب ما تعنيه مادة « الكثرة » التي هي نقيض « القلّة » من دون شاهد ، فكيف إذا لم يكن لديه شاهد واحد حتى على القلّة؟
وإذا لم يكن من حق القارئ مناقشته فيما استهواه فليدعه وهواه. ولكن أليس من حق القارئ أن يسأله عن الدليل على صحة دعواه؟ فإنّ المبالغة والإفراط بما ظنّه يُعلي من قدر عمر ويرفع من شأنه العلمي في التفسير ، لا يثبته بمجرد الكلام الخطابي ، وكان الأجدر به أن يكون موضوعياً في بحثه ، فيكتب لنا ما يمكنه أن يثبت به صحته ، وأنّى له بذلك ، وإثبات العكس أيسر من ذلك.
وقد يفاجأ القارئ إذا ذكرت له قول الشيخ محمد حسين الذهبي في كتابه « التفسير والمفسرون » : « فأبو بكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم في التفسير إلاّ النزر اليسير
أمّا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فهو أكثر الصحابة الراشدين رواية عنه في
التفسير
وكذلك كثرت الرواية في التفسير عن عبد الله بن عباس ، وعبد الله ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب
إلى أن قال : ولو أنّا رتّبنا هؤلاء الأربعة حسب كثرة ما روي عنهم لكان أوّلهم عبد الله بن عباس ، ثم عبد الله بن مسعود ، ثم عليّ بن أبي طالب ، ثم أبيّ بن كعب »(1) .
وقال الذهبي أيضاً في كتابه السابق الذكر : « وسؤال عمر له ـ لإبن عباس ـ مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى :( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (2) وجوابه بالجواب المشهور عنه ، يدل على أنّ ابن عباس كان يستخرج خفيّ المعاني التي يشير إليها القرآن ولايدركها إلاّ من نفحه الله بنفحة من روحه ، وكثيراً ما ظهر ابن عباس في المسائل المعقّدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم الذي ينظر إلى الغيب من ستر رقيق كما وصفه عليّ رضي الله عنه ، الأمر الذي جعل الصحابة يقدّرون ابن عباس ويثقون بتفسيره ، ولقد وجد هذا التقدير صداه في عصر التابعين ، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس استقرت هذه المدرسة بمكة ، ثم غذّت بعلمها الأمصار المختلفة ، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجاباً وتقديراً إلى درجة أنّه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر. وقد صرّح الزركشي(3)
____________
(1) التفسير والمفسرون 1 / (63) ـ 64 ط الأولى بمصر سنة 1381 هـ.
(2) النصر / 1.
(3) الإتقان 2 / 183 عن هامش المصدر.
بأنّ قول ابن عباس مقدّم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم في التفسير » (1).
أعود فأقول : وقد كان على صاحب الدراسة « تفسير ابن عباس دراسة وتحليل » أن ينظر المصادر المعنيّة بالتفسير ، ولا أقل منها أوائلها والتي اعتمدها مَن أتى بعدُ. مثل تفسير ابن جرير الطبري فإنّه أجل التفاسير وأعظمها كما قاله السيوطي(2) ، وقال النووي : « أجمعت الأمّة على أنّه لم يصنف مثل تفسير الطبري »(3) ، وقال ابن تيمية : « وأمّا التفاسير التي في أيدي الناس فأصحّها تفسير محمد بن جرير الطبري »(4) .
فلو نظر الدارس في هذا التفسير وحده نظرة باحث منصف لكان له رأي غير ما ذكره ، ولكنه قد رجع إليه وهو محكوم لهواه وما شبّ عليه من الرواسب ، وإلاّ بماذا يفسّر لنا خلوّ تفسير ابن جرير من مقدمته إلى نهاية سورة الفاتحة من ذكر أثر مروي عن عمر في التفسير إلاّ مرّة واحدة؟ وهو مع ذلك ليس من التفسير في شيء!
ذكر الطبري في القول في تأويل الإستعاذة : « قوله : « من الشيطان » وقال عمر رحمة الله عليه ، وركب برذوناً فجعل يتبختر ، فجعل يضربه فلا يزداد إلاّ تبختراً فنزل عنه ، وقال : ما حملتموني إلاّ على شيطان ، ما نزلت
____________
(1) التفسير والمفسرون 1 / 70.
(2) تفسير السيوطي 2 / 190.
(3) نفس المصدر.
(4) فتاوى ابن تيمية 2 / 192.
عنه حتى أنكرت نفسي » (1). فأين هذا من التفسير؟
بينما نجد ابن جرير ذكر في تفسيره من مقدمته إلى نهاية سورة الفاتحة ما يقرب من ثلاثين أثراً عن ابن عباس ، وليس في شيء منها أثراً واحداً أخذه عن عمر ، فأين التفسير الذي أخذه عنه؟
ولندع هذا التفسير الكبير الذي يعسر علينا ـ فعلاً ـ إجراء مسح شامل لجميع أجزائه ، وفي « أجهزة الكمبيوتر » لمن عنده خير معين ، ليقف من خلاله على ما روي عن كلّ من عمر وابن عباس ، ومن هو الذي أخذ عن صاحبه.
والآن لنرجع فعلاً إلى كتاب التفسير في صحيح البخاري ـ وهو أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون ـ وقد أجرينا كشفاً على مروياته ـ البخاري ـ عن كلّ من عمر وابن عباس فكان البون شاسعاً بينهما.
فكان ما رواه عن عمر لم يزد على العشرة إلاّ قليلاً ، وليس بينها ما يصلح الإستدلال به على أنّه من التفسير إلاّ على وجه ما! بينما روى عن ابن عباس ما يقرب من المائتين ، ولم نجد في مجموع تلكم الموارد ما رواه ابن عباس عن عمر إلاّ رواية واحدة في سورة براءة في قوله تعالى :( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) (2) .
وإلى القارئ لفظها كما رواها البخاري بسنده : « عن ابن عباس ، عن
____________
(1) تفسير الطبري 1 / 111 تح محمود محمد شاكر.
(2) التوبة / 80.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال : لمّا مات عبد الله بن أبيّ بن سلول دُعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليصلي عليه ، فلمّا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه ، فقلت : يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا : كذا وكذا؟ قال : أعدّد عليه قوله. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أخر عني يا عمر ، فلمّا أكثرت عليه ، قال : إنّي خيّرت فاخترت ، لو أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها. قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف ، فلم يمكث إلاّ يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة :( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً ـ إلى قوله ـوَهُمْ فَاسِقُونَ ) (1) ، قال : فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم » (2).
فهذه الرواية الوحيدة التي رأيتها في البخاري ـ كتاب التفسير ـ رواها ابن عباس عن عمر.
وهي وإن أوجبت جرحاً لعمر ، حيث كان يتعجّب بعدُ من جرأته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! ولعلّها لا توجب حرجاً لمن يراه مسدّداً ، وفي كلّ حال فإنّها لا تعني من التفسير شيئاً ، اللهمَّ إلاّ إذا أخذنا بها في شأن النزول.
وبعد هذا أين هي تلك الكثرة التي أخذها ابن عباس من عمر في التفسير كما زعمها الكاتب في دراسته؟
ولو قلنا له : أقلب تصب لما عدونا الصواب ، فالشواهد على ذلك كثيرة.
والى القارئ بعض ما رووه في التفسير خاصة ورجع فيها عمر إلى
____________
(1) التوبة / 84.
(2) صحيح البخاري 6 / 68.
ابن عباس وأخذ بقوله ، نذكر بعض الشواهد ، كلّ شاهد من كتاب يعدّ الأوّل في بابه عند أصحابه.
1 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره : « أنّ عمر سأل الناس عن هذه الآية :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) (1) ، فما وجد أحداً يشفيه حتى قال ابن عباس وهو خلفه : يا أمير المؤمنين إنّي أجد في نفسي منها شيئاً ، فتلفت إليه فقال : تحوّل ههنا ، لم تحقّر نفسك؟ قال : هذا مَثَلٌ ضربه الله عزوجل ، فقال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره وأقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كلّه ، فحرقه أحوج ما كان إليه »(2) .
ولهذا الخبر صورة أوسع ممّا ذكرها ابن جرير(3) .
2 ـ أخرج الطبري في تفسيره بسنده عن ابن عباس : « أنّ عمر بن الخطاب قال له : أرأيت قول الله لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم :( وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) (4) ، هل كانت إلاّ واحدة؟ فقال ابن عباس : وهل كانت من أولى إلاّ ولها آخرة ، فقال عمر : لله درّك يابن عباس كيف قلت؟ فقال : يا أمير المؤمنين : وهل كانت
____________
(1) البقرة / 266.
(2) تفسير ابن جرير 3 / 47.
(3) أنظر الإتقان 2 / 188.
(4) الأحزاب / 33.
من أولى إلاّ ولها آخرة؟ قال : فأتِ بتصديق ما تقول من كتاب الله. قال : نعم( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) (1). كما جاهدهم أوّل مرّة ، قال عمر : فمن أمر بالجهاد؟ قال : قبيلتان من قريش مخزوم وبنو عبد شمس ، فقال عمر : صدقت » (2).
3 ـ أخرج البخاري في صحيحه : « بسنده عن ابن عباس ، قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لِم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر : إنّه من حيث علمتم ، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم ، فما رؤيت أنّه دعاني يومئذ إلاّ ليريهم. قال : ما تقولون في قول الله تعالى :( إذا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (3) ؟ فقال بعضهم : أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً ، فقال لي : أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت : لا ، قال : فما تقول؟ قلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلَمه الله له قال :( إذا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) ، وذلك علامة أجلك ،( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ) (4) ، فقال عمر : ما أعلم منها إلاّ ما تقول »(5) .
4 ـ أخرج عبد الرزاق في « المصنف » بسنده : « أنّ ابن عباس ، قال : إنّي لصاحب المرأة التي أتي بها عمر ، وضعت لستة أشهر ، فأنكر الناس ذلك ،
____________
(1) الحج / 78.
(2) تفسير الطبري 22 / 4 ط مصر الأولى.
(3) النصر / 1.
(4) النصر / 3.
(5) صحيح البخاري ، كتاب التفسير 7 / 179 ط بولاق.
فقلت لعمر : لِمَ تظلم؟ فقال : كيف؟ قال قلت له : إقرأ :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (1) ، وقال :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) (2) كم الحول؟ قال : سنة ، قال قلت : كم السنة؟ قال : إثني عشر شهراً ، قال قلت : فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان ، ويؤخر من الحمل ما شاء الله ويُقدّم ، فاستراح إلى قولي » (3).
هذه ثلاثة موارد من ثلاثة مصادر تعدّ من أوائل المراجع في التفسير والحديث ، ذكرت فيها رجوع عمر إلى ابن عباس في التفسير ، وهي غيض من فيض كما يقولون.
وأمّا رجوعه إليه في الأحكام ، فقد مرّت شواهده كثيرة في الحلقة الأولى « في عهد عمر » ، وحسبنا منها ـ لتذكير القارئ بها ـ أقوال عمر الدالة على مدى إحتياجه إلى ابن عباس لتسديده فيما يطرأ عليه من العُضل :
1 ـ ذكر البلاذري في « أنساب الأشراف » في ترجمة ابن عباس ، أنّ عمر قال له : « لقد علمت علماً ما علمناه »(4) .
2 ـ وذُكر أيضاً أنّه قال له : « قد طرأت علينا عُضل أقضية أنت لها
____________
(1) الأحقاف / 15.
(2) البقرة / 233.
(3) المصنف 7 / 352 برقم 13449. ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم 1 / 135 ، والشاطبي في الموافقات 3 / 349 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 40 ، ومن المحدثين أحمد أمين في فجر الاسلام / 198 ط7 ومحمد حسين الذهبي في ( التفسير والمفسرون ) 1 / 60 ط الأولى
(4) أنساب الأشراف 3 / 372 ، وأنظر سير أعلام النبلاء 3 / 345 ، البداية والنهاية لابن كثير 8 / 329.
ولأمثالها » (1).
3 ـ وروى ابن سعد وغيره أنّ عمر بن الخطاب دخل على ابن عباس يعوده وهو يحمّ فقال عمر : « أخلّ بنا مرضك فالله المستعان »(2) .
4 ـ وروى أيضاً عن سعد بن أبي وقاص قوله في حديث له يطري فيه ابن عباس : « ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات ثم يقول : عندك قد جاءتك معضلة ثم لا يجاوز قوله ، وإنّ حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار »(3) .
5 ـ وروى أيضاً عن ابن عباس نفسه قال : « دخلت على عمر بن الخطاب يوماً فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن وأجبته بها ، فقال عمر : أشهد أنّك تنطِق عن بيت نبوّة »(4) .
إلى غير ذلك من الشواهد الدالة على أخذ عمر من ابن عباس في التفسير والأحكام لا العكس ، لهذا لا يمكن تصديق الزاعمين من قدامى كابن كثير ، ومحدَثين من الدارسين ، كما في « تفسير ابن عباس دراسة وتحليل » ، و « تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنّة » ومن لفّ لفّهم. في إعتماد مقولة معمّر : « عامّة علم ابن عباس من ثلاثة من عمر وعليّ وأبيّ بن كعب »!
____________
(1) أنظر فضائل الصحابة لابن حنبل 2 / 975 ، كنز العمال 13 / 457 ، إعلام الموقعين لابن القيّم 1 / 14 ط المنيرية.
(2) الطبقات الكبرى 2 ق2 / 122.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
ونعود إلى ما زعمه صاحب الدراسة التي بدأنا الحساب معه في مقولته : « كان ابن عباس يهاب عمر بن الخطاب ـ إلى قوله ـ فهذا يدلّ دلالة واضحة على مدى هيبة ابن الخطاب في نفس تلميذه ».
فنقول له : لقد أسرك الوهم فأنت في أساره ، فأسأت الفهم وأنت في عواره ، فليس في هذا الزعم مخض ، فلقد مرّ بنا ـ في الشاهد الثالث على أخذ عمر من ابن عباس نقلاً عن عبد الرزاق في حديثه ـ قول ابن عباس : « فقلت لعمر : لم تظلم؟ » ، وفي لفظ السيوطي في « الدر المنثور » : « لا تظلم »(1) ، فمن كان بهذه المثابة من الجرأة لا يقال فيه أنّه كان يهاب عمرٌ بمعنى كان يخافه ويتّقيه في قولة الحق ، بل المعنى كنت أجلّه وأحذره(2) ، كما يوحي بذلك جوّ الحديث الذي أشار إليه الدارس مستدلاً به وقد غمغم فيه ، إذ لم يكن له فيه دلالة واضحة ـ كما زعم ـ لذلك لم يذكره بتمامه ، ليقف القارئ بنفسه على صحة إستدلاله ، ولئن زاغ عن ذكره فنذكره تنويراً للقارئ نقلاً عن صحيح البخاري ، وليعرف أنّ الهيبة التي زعمها الدارس ، إنّما هي الخشية من إثارة الحفيظة فيغضبه ، فأجلّه وحذره طيلة تلك المدّة التي كان مصرّاً في نفسه على إنتزاع اعتراف من عمر
____________
(1) الدر المنثور 6 / 40.
(2) هابه يهابه ( من باب علم ) هيبا وهيبة ومهابة ، خافه واتقاه وأجلّه وحذره ( قطر المحيط 2 / 2323 ) ط بيروت سنة 1869 م.
يدين المرأتين اللتين تظاهرتا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو يتحين الوقت المناسب.
فلنقرأ الحديث كما أخرجه البخاري في صحيحه : « سورة المتحرم »(1) ، هكذا سمّاها البخاري خلافاً لما في القرآن الكريم من أسمها سورة « التحريم »! ومهما يكن رأي البخاري في ذلك فلسنا بصدد مناقشته فهو له رأيه ونحن لنا روايته ، فقد ذكر حديث ابن عباس مع عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ذكره ثلاث مرات متتابعات جميعها تنتهي روايتها إلى عبيد بن حنين عن ابن عباس ، وبينها من التفاوت ما لا يخفى.
فقد جاء في الرواية الأولى : عن عبيد بن حنين ، أنّه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يحدّث أنّه قال : « مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً فخرجت معه ، فلمّا رجعت وكنّا ببعض الطريق عَدَل إلى الأراك لحاجة له. قال : فوقفتُ له حتى فرغ ثم سرت معه فقلت : يا أميرالمؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبيّ صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال : تلك حفصة وعائشة ، قال : فقلت : والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال : فلا تفعل ، ما ظننت أنّ عندي من علم فاسألني ، فإن كان لي علم خبّرتك به.
قال : ثم قال عمر » ، وذكر بقية الحديث بطوله. وفيه ذكر اعتزال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه وطلاق حفصة ووو(2) .
____________
(1) صحيح البخاري ، كتاب التفسير 6 / 156ط بولاق.
(2) نفس المصدر 6 / (156) ـ 158.
وجاء في الرواية الثانية : عن عبيد بن حنين ، قال : « سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : أردت أن أسأل عمر فقلت : يا أميرالمؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما أتممت كلامي حتى قال : عائشة وحفصة »(1) .
وجاء في الرواية الثالثة : عن عبيد بن حنين ، قال : « سمعت ابن عباس يقول : أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثت سنة فلم أجد له موضعاً حتى خرجت معه حاجاً ، فلمّا كنّا بظهران ذهب عمر لحاجته ، فقال : أدركني بالوضوء ، فأدركته بالأداوة ، فجعلت أسكب عليه ورأيت موضعاً فقلت : يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال ابن عباس : فما أتممت كلامي حتى قال عائشة وحفصة »(2) .
فليلاحظ القارئ التفاوت بين روايات البخاري في الحديث الواحد المروي عن عبيد بن حنين عن ابن عباس ، فسيجد ذكر هيبة ابن عباس لعمر في الرواية الأولى فقط ، وليس لها ذكر في الثانية والثالثة! فأين ذهبت الهيبة من عمر؟! يا للخيبة!
ويجد في الثانية والثالثة مبادرة عمر بالجواب قبل أن يتم ابن عباس كلامه ، وليس لها ذكر في الرواية الأولى!
____________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
ويجد في الأولى والثالثة ذكر المدّة التي مكث ابن عباس فيها يريد مساءلة عمر وهي سنة ، وليس لها ذكر في الثانية!
ولا يعنيني ذكر التفاوت في روايات البخاري ، فذلك الحال منه مألوف ومعروف لدى الباحثين ، لكن الذي يعنيني أنّ الذي ذكره الدارس العراقي مشيراً إليه هو هذا الحديث ، وهو كما ترى ليس فيه ما يصلح للإستدلال على تلمذة ابن عباس عند عمر في التفسير.
كما أنّه ليس فيه مايدلّ « على مدى هيبة ابن الخطاب في نفس تلميذه »؟ على أنّ رواية الهيبة التي ذكرها البخاري ورد فيها أنّ ابن عباس مكث سنة يريد أن يسأل عمر الخ. بينما ذكر الدارس أنّه مكث سنتين! وأحسبه لم يراجع البخاري في هذا المقام ، ولعلّه استفاد ذلك من ابن عبد البر حيث ذكر في « جامع بيان العلم » باب « في هيبة المتعلم للعالم » ، فذكر أوّلاً حديث عبيد بن حنين وفيه « مكث سنة » وليس فيه ذكر الهيبة ، فعقب عليه بقوله : « قال أبو عمر : لم يمنع ابن عباس من سؤال عمر عن ذلك إلاّ هيبته ، وذلك موجود في حديث ابن شهاب »(1) .
ثم ساق بسنده حديثه وفيه ذكر الهيبة كما فيه التزيّد على السنة سنة أخرى فصارتا سنتين.
____________
(1) جامع بيان العلم 1 / 135 باب ( في هيبة المتعلم للعالم ).
وإذا نظرنا في رجال إسناده نجد فيهم محمد بن إسحاق الذي أكذبه مالك ، ويحيى القطان ، ووهيب بن خالد ، كما في « ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي » ، وهو يروي الحديث عن ابن شهاب ، وهذا هو الزهري الذي قال فيه محمد بن اشكاب : كان جندياً ـ فرقّاه الذهبي رتبة فقال : قلت : كان في رتبة أمير ـ.
ونحن نقول له : سواء كان جندياً أو في رتبة أمير فهو ممن رفع بضبعه هشام بن عبد الملك كما في ترجمته ، فتولى القضاء وتولى تربية أولاد هشام وو
على أنّه قد روى أحمد في مسنده هذا الحديث : عن الزهري ، عن عبيد الله ابن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس ، قال : « لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر ابن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال عمر : واعجباً لك يابن عباس ـ قال الزهري : كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه عنه ـ قال هي حفصة وعائشة ، قال : ثم أخذ يسوق الحديث »(1) .
فلاحظ ليس في هذا أيّ ذكر للهيبة ولا للسنة فضلاً عن السنتين ، مع أنّه روي عن الزهري الذي كان من جند بني مروان!
نعم ، ورد عند أحمد في مسنده بسنده عن عبيد بن حنين وليس فيه ذكر للزهري ، ولعلّ الآفة منه(2) .
____________
(1) مسند أحمد 1 / 120 برقم 222 ط محققة.
(2) نفس المصدر 1 / 230 رقم 339.
ولا يعنينا أمره بقدر ما يغنينا مناقشته في الهيبة المزعومة.
فأين غابت حين سأله عمر عن قوله تعالى؟ وهو أيضاً فيما يتعلق بأزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عامّة.
ولنقرأ ما ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ، قال : « وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه : عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال : أرأيت قول الله تعالى لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم :( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) (1) هل كانت الجاهلية غير واحدة؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما سمعت بأولى إلاّ ولها آخرة.
فقال له عمر رضي الله عنه : فأنبئني من كتاب الله ما يصدق ذلك؟
قال : إنّ الله يقول :( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) (2) ، كما جاهدتم أوّل مرّة(3) .
فقال عمر رضي الله عنه : من أمرنا أن نجاهد؟
قال : بني مخزوم وعبد شمس »(4) .
____________
(1) الأحزاب / 33.
(2) الحج / 78.
(3) مابين القوسين هو جزء من آية / 78 سورة الحج والذي هو خارج عن القوس مما زعموا أنه أسقط فيما أسقط من القرآن. (؟! ) وما أدري كيف قال ذلك ابن عباس؟ وكيف قبل ذلك منه عمر؟ وللحديث عن هذا الجانب فيه عجائب وغرائب ولست بصدده ، وإنما أردت تنبيه من يرامي بيوت الناس بالأحجار وبيته أوهي من بيت العنكبوت. فيرمي شطر هذه الأمة بتهمة التحريف ، وعن خليفته وصحابته في مصادره ما يصح معه قلب الدعوى عليه.
(4) الدر المنثور 5 / 197.
وهذا ما أخرجه أيضاً المتقي الهندي في « كنز العمال » وزاد في أوّل مصادره « أبو عبيد في فضائله وابن جرير »(1) .
فهذا الحديث ـ على ما فيه من ملاحظة الزيادة في آخره ممّا ليس هو من القرآن المتلوّ ـ أبان لنا أنّ عمر هو الذي كان يأخذ من ابن عباس ، لا العكس ، وأنّه ما هابه حين ذكر له بني مخزوم وعبد شمس ، وهو يعرف مسبقاً رأي عمر فيهم حين أكرمهم فألغى عنهم سمة العار « المؤلفة قلوبهم » ثم كرّمهم بما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه عنه البيهقي في سننه ، قال : « عن خالد بن أبي عمران قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو على مضر « يعني قريش » إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن أسكت فسكت ، فقال : يا محمد إنّ الله لم يبعثك سبّاباً ولا لعّاناً ، وإنّما بعثك رحمة ولم يبعثك عذاباً ، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (2) ، ثم علّمه القنوت ـ وذكره البيهقي وهو دعاء عرف بسورتي الحفد ـ » ، ثم قال البيهقي : « هذا مرسل وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيحاً موصولاً »(3) .
وبهذا رفع السبّ عنهم فلا يجوز لأحد أن يلعن أحداً منهم. فكيف
____________
(1) كنز العمال 2 / 305.
(2) آل عمران / 128.
(3) سنن البيهقي 2 / 210.
بمن يقول له أمرنا بمجاهدتهم.
ثم ما بال الدارس « الفارس » غاب عنه ما حفلت به المصادر من محاورات ابن عباس مع عمر وفيها من الجرأة ما ينسف أكذوبة الهيبة؟
نحو قوله في جواب عمر حين قال له أنّه ـ يعني عليّاً ـ : استصغره قومه ، فقال ابن عباس : « والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك ».
ونحو قوله أيضاً : « هلاّ سبقتموه بالإسلام »؟
وقوله : « هلا استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبدود وقد كعم عنه الأبطال وتأخرت عنه الشيوخ ، ويوم بدر إذ كان يقطّ الأقران قطاً ».
إلى غير ذلك ممّا مرّ ذكره في الحلقة الأولى « في عهد عمر »(1) .
لكن ذلك كلّه لا يعني أنّ ابن عباس لم يكن يحذر من عمر في سلوكه لما يعرفه من غلظته وزعارة خلقه ، حتى روي أنّه كان إذا غضب على بعض أهله لم يشتف حتى يعضّ يده!(2)
قال ابن أبي الحديد : « وكان في أخلاق عمر وألفاظه جفاء وعُنجهية ظاهرة »(3) .
ومع هذا الخلق الجاف لم يمتنع ابن عباس من الردّ عليه بأعنف
____________
(1) موسوعة عبد الله بن عباس / ج2 / الفصل3.
(2) شرح النهج للمعتزلي 12 / 44 ط محققه
(3) نفس المصدر 1 / 183.
الردّ ما وجد إلى ذلك سبيلاً ، كما في قوله بعد محاورة طويلة جرت بينهما ، وستأتي في إحتجاجاته : « إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى كلّ المسلمين حقاً برسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فمن حفظه فحق نفسه حفظ ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع » (1).
والآن فقد تبيّن لنا وهم الزاعمين بأنّ ابن عباس أخذ عن عمر في التفسير ، وأنّه أوّل شيخ له في ذلك ، وأنّه وأنّه
ومن الغريب أنّهم يزعمون ذلك وأشياخهم يروون عن عمر دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس مرتين : « اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل »(2) ، وهم يروون شهادة ابن مسعود فيه : « نعم ترجمان القرآن ابن عباس »(3) ، وهم يروون قول ابن عمر فيه : « كان ابن عباس أعلم أمّة محمد بما نزل على محمد »(4) . ولم يرد ـ بسند صحيح ـ شيء يشبه ذلك في عمر.
ثم ما بال أصحاب طبقات المفسرين وطبقات القرّاء لم يذكروا أخذ ابن عباس من عمر في شيء من التفسير.
فهذا ابن الجزري ترجم ابن عباس في « غاية النهاية في طبقات القراء » وقال : « بحر التفسير وحبر الأمّة الذي لم يكن على وجه الأرض في زمانه أعلم منه ، حفظ المحكم في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم عرض القرآن كلّه على أبيّ بن كعب
____________
(1) نفس المصدر 12 / 54.
(2) الإصابة 2 / 322.
(3) نفس المصدر 2 / 324.
(4) نفس المصدر 2 / 324.
وزيد بن ثابت. وقيل إنّه قرأ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم » (1) إلى آخر ما ذكر في ترجمته ، ولم يذكر أنّه أخذ عن عمر في التفسير.
وتعقيباً منّا على تمريض ابن الجزري لقراءة ابن عباس على عليّ عليه السلام نذكّر القارئ بما مرّ من قول ابن عباس : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ ابن أبي طالب »(2) !
ومن الطريف أنّ ابن الجزري ترجم لعمر في كتابه « غاية النهاية » ، وقال بعد ذكر اسمه ونسبه : « وردت الرواية عنه في حروف القرآن. وقال أبو العالية الرياحي : قرأت القرآن على عمر أربع مرات وأكلت معه اللحم »(3) إلى آخر ما ذكره في ترجمته ، ولم يرد فيها أخذ أحد عنه في التفسير سوى أبي العالية.
وهذا ممّا يبعث على الدهشة! خليفة للمسلمين وهو بتلك المثابة فلا يسمع منه في التفسير أحد لا ابن عباس ولا غيره سوى أبي العالية الرياحي الذي ترجمه فقال : « من كبار التابعين ، أسلم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين ، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر ، أخذ القرآن عرضاً عن أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس. وصح أنّه عرض على عمر ، فقد روى معتمر وغيره عن هشام ابن حسان عن حفصة بنت سيرين قالت : قال لي أبو العالية : قرأت القرآن على عمر ثلاث مرار ، وهذا سند صحيح كما تراه ، وروى الدارقطني ، وذكر ما مرّ
____________
(1) غاية النهاية في طبقات القرآء 1 / 425.
(2) مناهل العرفان للزرقاني 1 / 486.
(3) غاية النهاية في طبقات القرآء 1 / 591.
عنه في ترجمة عمر ، ثم قال قطع الحافظ العلائي بقراءته على عمر » (1).
أقول : ولا مانع من قراءته على عمر ثلاث مرّات؟ أو أربع مرّات ، لكن المثير في النفس شكّاً هو : ما بال غيره من المسلمين من صحابة وتابعين لم يقرأوا على عمر منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر؟! وكيف لم يتهيأ أحد منهم ويتنبه لاقتباس التفسير والقراءة من عمر حتى جاءهم من أسلم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين فحظي بتلك النعمة فقرأ القرآن على عمر أربع مرّات وأكل معه اللحم؟! ويبدو أنّ الرجل كان قرماً(2) إلى اللحم فذكره.
ولنرجع الآن إلى طبقات المفسرين لنرى هل أنّ عمر بن الخطاب كان منهم ، ولديّ في ذلك كتاب للسيوطي بهذا الاسم وهو لا يغني في المقام لأنّه استثنى في مقدمته ذكر الصحابة والتابعين لأنّ تراجمهم مذكورة في طبقات الفقهاء(3) ، ولكن ثمّة كتاب آخر بهذا الاسم للداودي ـ وهو تلميذ السيوطي ـ وكتابه أوسع وأجمع ، فقد ذكر ترجمة ابن عباس(4) ، ولم يذكر أخذه عن عمر ، كما لم يذكر لعمر ترجمة في كتابه ، ممّا يكشف عن أنّه ليس معدوداً عنده من المفسّرين.
وأخيراً لا ينقضي العجب من أولئك الذين يزيّفون الحقائق ، فيلبسون الحق
____________
(1) نفس المصدر 1 / 285.
(2) قرم الرجل إلى اللحم : اشتدت شهوته له ( قطر المحيط 2 / 1699 ط بيروت سنة 1869 ).
(3) أنظر طبقات المفسرين للسيوطي / 2 ط سنة 1839 افست طهران سنة 1960.
(4) طبقات المفسرين للداودى 1 / 232 ترجمة ابن عباس.
بالباطل تمويهاً على الناس ، فيزعمون ويوهمون بأنّ ابن عباس أخذ العلم عن عمر ، كما ذهب إليه الدارس البغدادي ، مع أنّ ابن عباس هو الذي كان يقرئ جماعة من المهاجرين ، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف (1).
وحديث إقرائه رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف ، أخرجه الشيخان ، فهو من المتفق عليه ، وأمّا حديث إقرائه لعمر فهو عن أبي رافع خرّجه أبو حاتم كما في « ذخائر العقبى »(2) .
فكيف يصدّق الزاعمون فيما يزعمون؟!( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (3) .
وداء المغالاة في الفضائل فاشٍ في الأواخر والأوائل ، حتى لقد قال ابن أبي نجيح : « كان أصحاب ابن عباس يقولون : ابن عباس أعلم من عمر ومن عليّ ومن عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ ويعدّون أناساً ، فيثب عليهم الناس ، فيقولون لا تعجلوا علينا إنّه لم يكن أحد من هؤلاء إلاّ وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه ، وكان ابن عباس قد جمعه كلّه »(4) .
وإذا شئنا حسم الموقف في المقام من دون تحيّز ، فلنقرأ ما قاله ابن
____________
(1) أنظر ذخائر العقبى للمحب الطبري / 233 ، الرياض النضرة 2 / 70 ط النعساني بمصر.
(2) ذخائر العقبى / 233.
(3) النمل / 64.
(4) أعلام الموقعين لابن القيم 1 / 15ط المنيرية.
عمر عن أبيه ـ وهو غير متهم عليه ـ : « انّ عمر تعلّم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة ، فلمّا ختمها نحر جزوراً » ، وهذا ما أخرجه الخطيب في رواية عن مالك (1) ، وذكره القرطبي في تفسيره وفيه « بضع عشرة سنة » (2) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ، والسيوطي في « الدر المنثور » (3) ، والزمخشري في « ربيع الأبرار » ، وفيه « حفظ » بدل « تعلّم » (4) ، والذهبي في « سير أعلام النبلاء » (5) ، وغيرهم.
وما ورد من إستبدال « تعلم » بـ « حفظ » أحسبه من قبيل الحفاظ على مقام الخليفة ، لأنّا إذا عرفنا تاريخ سنيّ حياة عمر ، تبين لنا أنّ ما روي في مدّة تعلّمه أو حفظه لا يمكن معه تصديق الزعم بأنّه كان مفسراً ، إذ لا يمكن إستيعابه بقية القرآن في مدّة لا تفي له بذلك.
فإنّه قد أسلم في السنة السادسة من البعثة وله سبع وعشرون سنة كما قاله الذهبي(6) ، فلو افترضنا أنّه ابتدأ بتعلمه سورة البقرة في أوّل إسلامه ، فيكون قد أنهاها وعمره تسع وثلاثون سنة ، ولمّا كان تمام عمره على أكثر تقدير (63) سنة كما عن معاوية والشعبي ، أو كان (55) سنة كما عن حفيده
____________
(1) شرح الموطأ للزقاني 2 / 194.
(2) تفسير القرطبي 1 / 40.
(3) الدر المنثور 1 / 21.
(4) ربيع الأبرار 2 / 77.
(5) سير أعلام النبلاء (1) ـ 2 / 520 ط دار الفكر.
(6) نفس المصدر (1) ـ 2 / 509.
سالم بن عبد الله بن عمر ، أو (54) سنة كما عن الزهري ـ وهذا كلّه ذكره المحب الطبري في « الرياض النضرة » في ترجمته نقلاً عن أبي عمر والحافظ السلفي ـ ولنفترض كان عمره (63) سنة على أكثر تقدير ، فيعني أنّه أنهى تعلّمه البقرة قبل موته بأربع وعشرين سنة ، فهل يمكن لمثله أن يتعلم أو يحفظ بقية القرآن وهي (113) سورة في أكثر من سبع وعشرين جزءاً في تلك المدّة؟ مع أنّ أيام حياته كانت حافلة بأحداث شغلته عن التعلم ، وهو الذي كان يلهيه الصفق بالأسواق كما مرّ.
فكيف يمكن لباحث متحرر من الرواسب أن يصدّق من يزعم أنّه كان مفسّراً للقرآن ، وأخذ عنه الناس ومنهم ابن عباس؟!
وحسبنا حديثه مع وافد عليه فسأله عن الناس؟ فقال : « قرأ منهم القرآن كذا وكذا ، فقال ابن عباس : ما أحبّ أن يسأل عن آي القرآن ، قال : فزبرني عمر ، فانطلقت إلى منزلي فقلت : ما أراني إلاّ سقطت من نفسه ، فبينا أنا كذلك إذ جاءني رجل فقال أجب ، فأخذ بيدي ثم خلا بي ، فقال : ما كرهت ممّا قال الرجل؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إن كنتُ أسأتُ فأستغفر الله ، قال : لتحدثني ، قلت : إنّهم متى تنازعوا أختلفوا ، ومتى أختلفوا أقتتلوا ، قال : لله أبوك لقد كنت أكتمها الناس »(1) .
فمن لم يتمكن من تعلّم القرآن تنزيلاً فضلاً عن معرفته تأويلاً ،
____________
(1) الإصابة 2 / 323.
كيف صار يعلّم غيره وذلك مثل ابن عباس؟!
ومن ذا يصدق بأخذ ابن عباس عنه وهو يجهل معنى الأب في قوله تعالى :( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ) (1) ! وقد مرّ اعترافه بذلك على المنبر.
أو ليس ابن عباس هو القائل لسعيد بن جبير : « ألا تسألني عن آية فيها مائة آية؟ قال : ما هي؟ قال : قوله عزوجل :( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) (2) ، قال : كلّ شيء أوتي من خير أو شر كان فتنة ، وذكر حين حمل به أمّه ، وحين وضعته ، وحين التقطه آل فرعون حتى بلغ ما بلغ ، ثم قال : ألا ترى( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) (3) » ، وسيأتي الخبر بطوله.
وأمّا تفسير ابن عباس لسورة البقرة على المنبر ، فلنترك الحديث لمن رآه يخطب وهو على الموسم ، قال : « فقرأ سورة البقرة وفسرها ، فما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله ، إنّي أقول لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت »(4) .
وربّما نتّهم بالغلوّ في ابن عباس لو ذكرنا للقارئ ما ذكره ابن الأبّار في « تكملة الصلة » : « إنّ ابن عباس كان يقول : لو فسّرت( الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (5) على كنهه ما حملت إبل الأرض كتب تفسيرها »(6) . وأحسب أنّها موضوعة من بعض المتزلفين إلى العباسيين!
____________
(1) عبس / (31) ـ 32.
(2) طه / 40.
(3) الأنبياء / 35.
(4) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1 / 138.
(5) الحمد / 2.
(6) تكملة الصلة 2 / 600 ط2.
وحسبه فخراً أنّه تلميذ من كان يقول : « لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب »(1) .
وكان على صغر سنه أيام حظوته بصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يرى المنافقين الذين كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالا تهاوناً منهم ، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة ماذا قال الساعة؟ على جهة الإستهزاء. وذلك قوله تعالى :( وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) (2) .
فكان ابن عباس أحد الذين أوتوا العلم وقد سمّي فيمن سئل(3) .
فبعد هذه الجولة بين مختلف المصادر أحسب أنّه تبيّن للقارئ زيف مزاعم الدارس البغدادي. ولا غضاضة عليه فذاك مبلغ علمه ، وهو بعد في بداية تخصصه ، ويبقى له فضل جهده الذي بذله في أطروحته « تفسير ابن عباس دراسة وتحليل » وهو جهد بالغ استحق عليه منحه القبول لنيل درجة الماجستير في الدين. وفق الله الدارسين لخدمة العلم والدين.
____________
(1) الإتقان للسيوطي 2 / 186 النوع 28 فيما يرجع إلى تفسير القرآن ، احياء علوم الدين للغزالي ( فصل القرآن الباب الرابع ) ، علم القلوب لأبي طالب المكي / 72 ، المحجة البيضاء للفيض الكاشاني 1 / 251 في التفسير بالرأي.
(2) محمد / 16.
(3) الكشاف للزمخشري 3 / 130.
حجية تفسير ابن عباس
قال الحاكم في « المستدرك » : « ليعلم طالب هذا العلم ـ التفسير ـ أنّ تفسير الصحابي الذي يشهد الوحي. والتنزيل عند الشيخين حديث مسند »(1) .
وهذا الإطلاق من الحاكم غير مقبول لدى آخرين كالنووي الذي قال : « من قال تفسير الصحابي مرفوع فذاك تفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحو ذلك ، وغيره موقوف »(2) .
وكذا قال ابن الصلاح في مقدمة في علوم الحديث : « ما قيل من أنّ تفسير الصحابي مسند ، فإنّما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول أخبر به الصحابي ، أو نحو ذلك كقول جابر رضي الله عنه كانت اليهود تقول : من أتى أمرأته من دُبرها في قُبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله عزوجل :( نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) (3) »(4) .
ولمّا كان ابن عباس أكثر الصحابة آثاراً في التفسير ، لذلك اقتضى البحث في حجية تفسيره.
____________
(1) المستدرك 2 / 258.
(2) تدريب الراوي بتقريب النواوي للسيوطي 1 / 192.
(3) البقرة / 223.
(4) مقدمة في علوم الحديث / 45.
فقد قال الشيخ الأزهري محمد حسين الذهبي في كتابه « التفسير والمفسرون » : « روي عن ابن عباس رضي الله عنه في التفسير ما لا يحصى كثرة ، وتعددت الروايات عنده وأختلفت طرقها ، فلا تكاد تجد آية من كتاب الله تعالى إلاّ ولابن عباس رضي الله عنه فيها قول أو أقوال ، الأمر الذي جعل نقاد الأثر ورواة الحديث يقفون إزاء هذه الروايات التي جاوزت الحدّ وقفة المرتاب ، فتتبعوا سلسلة الرواة ، فعدّلوا العدول ، وجرحوا الضعفاء ، وكشفوا للناس عن مقدار هذه الروايات قوة وضعفاً »(1) .
وللباحثين المحدثين من أصحاب الدراسات الخاصة بابن عباس في هذه الروايات مواقف تكاد أن تكون متقاربة في الدفاع عنها ، ولسنا بصدد عرضها.
إلاّ إنّا نقول : لقد قرأنا في الحلقة الأولى مكانته النسبية وعلقته السببية مع أهل بيت الوحي والتنزيل ، مضافاً إلى إستعداده الفطري بما أوتي من فهم وعلم ببركة دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالحكمة وعلم التأويل ما يدحض جميع الشبهات في المقام ، ويبقى علينا غربلة تلك الكثرة الكاثرة عن طريق سلامة السند ، ثم دلالة المتن بما لا ينافي أصول العقيدة وأحكام الشريعة.
ونظرة فاحصة في تلك الروايات عن ابن عباس ، نجد كثيراً منها موافقاً لما روى عن أهل البيت عليهم السلام ، ولإحاطة القارئ بشواهد على ذلك ، نراجع معاً كتاب « مجمع البيان في تفسير القرآن » تأليف الشيخ أمين الإسلام الحسن ابن الفضل الطبرسي من أعلام المفسرين في القرن السادس ، إذ توفي سنة
____________
(1) التفسير والمفسرون 1 / 77.
« 538 هـ » وكتابه خير موسوعة تفسيرية ذكرت ابن عباس بما يقرب من ألف وسبعمائة وخمسين مرّة ، ونتيجة لمسح شامل كانت المئات منها قد صرّح المؤلف بموافقتها لما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام سوى ما لم يصرح به ، وهي كذلك.
وهذا المصدر كما يقول محمد حسين الذهبي المصري في كتابه « التفسير والمفسرون » : « كتاب عظيم في بابه ، يدلّ على تبحر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة ، والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه في تناسق تام وترتيب جميل ، وهو يجيد في كلّ ناحية من النواحي التي يتكلم عنها ، فإذا تكلم عن القراءات ووجوهها أجاد ، وإذا تكلم عن المعاني اللغوية للمفردات أجاد ، وإذا تكلم عن وجوه الإعراب أجاد ، وإذا شرح المعنى الإجمالي أوضح المراد ، وإذا تكلم عن أسباب النزول وشرح القصص استوفى الأقوال وأفاض ، وإذا تكلم عن الأحكام تعرّض لمذاهب الفقهاء ، وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء ، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجُمل ، وأوضح لنا عن حسن السبك وجمال النظم ، وإن أعرض لمشكلات القرآن أذهب الإشكالُ ، وأراح البال ، وهو ينقل أقوال من تقدمه من المفسرين معزوة لأصحابها ، ويرجح ويوجّه ما يختار منها.
وإذا كان لنا بعض المآخذ عليه فهو تشيّعه لمذهبه وإنتصاره له غير أنّه ـ والحق يقال ـ ليس مغالياً في تشيّعه ، ولا متطرفاً في عقيدته ».
فبعد هذا التعريف المسهب بكتاب « مجمع البيان » من لدن باحث لا يتهم
فيه ، فقد رأيت فيه خير وسيلة للقيام بعملية إحصاء ومقارنة بين ما رواه عن ابن عباس وما كان منه موافقاً لأهل البيت عليهم السلام ، وقد استعنت في عملي هذا بفهارس طبعة الأعلمي في بيروت سنة « 1425 هـ » فكانت النتائج كالتالي :
أوّلاً : وردت الروايات والأقوال والنقول عن ابن عباس بما يقرب من ألف وسبعمائة وخمسين موضعاً ، منها ما يزيد على (100) مورد صرح المؤلف بموافقتها لما روي عن أهل البيت عليهم السلام ، بنحو قوله : « وهو المروي عن أئمتنا »(1) ، أو « وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام »(2) ، أو « وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام »(3) ، أو « وهو المروي عن الحسن بن عليّ عليه السلام »(4) ، أو « وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام »(5) ، أو « وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام وأبي الحسن الرضا عليه السلام »(6) ، أو « وروي ذلك عن الصادق عليه السلام »(7) ، إلى غير ذلك ممّا يشعر بالموافقة.
أمّا التي لم يذكر فيها نحو التعقيب بما مرّ ، فلا يعني أنّها كانت مخالفة ، بل رويت عنه وكانت في جوانب أخرى من نحو أسباب النزول أو القصص القرآني أو بعض الأحكام التي عرف بها كنكاح المتعة ومسألة العول في
____________
(1) مجمع البيان 10 / 44.
(2) نفس المصدر 10 / 13.
(3) نفس المصدر 10 / 315.
(4) نفس المصدر 10 / 315.
(5) نفس المصدر 10 / 372.
(6) نفس المصدر 8 / 76.
(7) نفس المصدر 8 / 243.
الفرائض ونفر الحائض قبل الطواف بالبيت وأمثالها ممّا عرف عنه فيها فقيهاً بارعاً ، سيأتي الحديث في ذلك في محله.
ولا يفوتني التنبيه على مناقشة صاحب « مجمع البيان » لبعض آراء ابن عباس أو استئناسه بتأييدها ، بل وحتى الدفاع عنه ، نحو ما ورد في تفسير قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (1) ، فقد ذكر الإختلاف في المعنى ، ثم قال : « وروي عن ابن عباس أنّه قال : إنّها منسوخة بقوله :( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) (2) ، وهذا بعيد لأنّ النسخ لا يجوز أن يدخل الخبر الذي هو متضمن للوعد ، وإنّما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية التي يجوز تغيّرها وتبدلّها بتغير المصلحة ، فالأولى أن يحمل على أنّه لم يصح هذا القول عن ابن عباس(3) .
ونحو ما ورد عنه من تبيين رأي ابن عباس وترجيحه في قوله تعالى :( بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (4) ، قال : « اختلف في السيئة فقال ابن عباس : والسيئة ههنا الشرك ، وقال الحسن : هي الكبيرة الموجبة للنار ، وقال السدي : هي الذنوب التي أوعد
____________
(1) البقرة / 62.
(2) آل عمران / 85.
(3) مجمع البيان 1 / 244.
(4) البقرة / 81.
الله عليها النار ، والقول الأوّل يوافق مذهبنا ، لأنّ ما عدا الشرك يستحق به الخلود في النار عندنا » (1).
وقال : « والذي يليق بمذهبنا من تفسير هذه الآية قول ابن عباس ، لأنّ أهل الإيمان لا يدخلون في حكم هذه الآية »(2) .
وأيضاً جاء عنه في ترجيح قول ابن عباس في تفسيره قوله تعالى :( أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (3) ، بأنّه : « خطاب للزوج والمرأة جميعاً ، وعن الشعبي للزوج وحده ، وقول ابن عباس أقوى لعمومه ، وإنّما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين :
أحدهما : إنّ معناه أقرب إلى من يتقي أحدهما ظلم صاحبه ، لأنّ من ترك لغيره حق نفسه ، كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له. والثاني : إنّ معناه أقرب إلى أن يتقي معصية الله ، لأنّ من ترك حق نفسه كان أقرب إلى أن لا يعصي الله بطلب ما ليس له »(4) .
وأيضاً جاء عنه في ترجيح قول ابن عباس على أقوال الآخر في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) (5) ، فقال : « أي بالعهود عن ابن عباس وجماعة من المفسرين ، ثم اختلف في هذا العهود على أقوال :
____________
(1) مجمع البيان 1 / 281.
(2) نفس المصدر 1 / 282.
(3) البقرة / 237.
(4) مجمع البيان 2 / 125.
(5) المائدة / 1.
أحدهما : إنّ المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضاً فيها على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمهم ، أو بغاهم سوءاً ، وذلك هو معنى الحلف عن ابن عباس
وثانيها : انّها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان وطاعته فيما أحلّ لهم أو حرّم عليهم ، عن ابن عباس أيضاً. وفي رواية أخرى ، قال : هو ما أحلّ وحرّم وما فرض وما أخذ في القرآن كلّه ، أي فلا تتعدوا فيه ولا تنكثوا
وثالثها : إنّ المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ، ويعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان وعقد النكاح وعقد العهد
ورابعها : إنّ ذلك أمر من الله لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق نبيّنا وما جاء به من عند الله
وأقوى هذه الأقوال قول ابن عباس : إنّ المراد بها عقود الله التي أوجبها الله على العباد في الحلال والحرائم والفرائض والحدود ، ويدخل في ذلك جميع الأقوال الأخرى ، فيجب الوفاء بجميع ذلك إلاّ ما كان عقد في المعاونة على أمر قبيح فإنّ ذلك محضور بلا خلاف »(1) .
وأيضاً عنه اعتذار عمّا روي من قول ابن عباس : « أقرأوا بما آمنتم به ، فليس له مثل ، وذلك في قوله تعالى :( فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ
____________
(1) مجمع البيان 3 / 259.
اهْتَدَواْ ) (1) » ، فقال الطبرسي : وهذا محمول على أنّه فسّر الكلام ، لا أنّه أنكر القراءة الظاهرة مع صحة المعنى (2).
إلى غير ذلك من الموارد التي كان فيها صاحب « مجمع البيان » ردءاً لابن عباس في أقواله ، فمن شاء المزيد فليرجع إلى « مجمع البيان ». ولم يكن هو الوحيد الذي اعتمد تفسير ابن عباس ، بل غالب المفسرين كذلك ، كما ستأتي الإشارة إلى ما قاله صاحب المباني في ذلك.
وقبل أن نودع « مجمع البيان » أود التنبيه على أنّ الطبرسي نقل في عدّة مواضع بعنوان « تفسير ابن عباس » ، وهذا يوحي بوجوده نسخة منه عنده ، وسأبحث هذا الموضع في الكلام عن تفسير ابن عباس.
هوية ابن عباس مفسراً
من نافلة القول التدليل على ذلك ، بعدما قرأناه مكرراً فيما مضى ممّا دلّ على ذلك ، وأنّه كان صدر المفسرين ، وأنّه ترجمان القرآن ، أمّا الآن فهل هو أوّل من دوّن التفسير؟ أو هو أوّل من أملى فيه ، ثم هل كان مفسراً أثرياً؟ أم كان لغوياً؟ أم كانت له مشاركة فيهما جميعاً؟
هذه المسائل التي ينبغي للباحث تجليتها من خلال الرجوع إلى ما مرّ بعضه في تراجم تلامذته ويأتي بعضه.
____________
(1) البقرة / 137.
(2) مجمع البيان 1 / 407.
ولا شك إنّ عناية المسلمين بتفسير كتاب الله تعالى بدأت منذ نزوله منجّماً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كانت الصحابة الذين يعون حق الوعي مفاهيم الإسلام ، يرجعون إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيما أشكل عليهم من تفسير القرآن ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن لهم ويوضح ذلك ، ويدعوهم إلى التمسك به وإقامة أحكامه ، وقد نصبه علماً من بعده مقروناً بعترته ليقوموا مقامه في تبيانه ، كما في حديث الثقلين : « إنّى مخلف فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً »(1) .
فقام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام من بعده ، بتلك المهمة ـ لأنّه الوحيد الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « علي مع القرآن والقرآن معه »(2) ـ ولذلك أخذ يبثّ علمه لمن طلبه ، فكان ابن عباس أبرز من أخذ منه وأوعى من حمل عنه.
فكان يختصه بمحاضرات في المسجد النبوي الشريف كما مرّ في الحلقة الأولى وفي مقدمة هذه الحلقة ، في كلمة السيد أمير علي في كتابيه : « روح الإسلام » و « تاريخ التمدن الإسلامي ».
حتى كان على حدّ قول ابن عمر فيه بعد أن كان لا يعجبه من ابن عباس خوضه في التفسير ويسميه جرأة ، إلاّ أنّه عاد وأعترف له بأنّه : « أعلم أمّة محمد بما نزل على محمد »(3) ، وبلفظ الطبري في « تهذيب الآثار » : « أعلم الناس بما
____________
(1) يراجع كتابي علي إمام البررة 1 / 292.
(2) نفس المصدر 1 / 165.
(3) أسد الغابة 3 / 192 ، 195 ، وتهذيب التهذيب 5 / 278.
أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم » (1) ، ولابن عمر ولغيره أقوال في هذا السبيل ستأتي في « شهادات التكريم ».
وتتبين لنا قيمة تفسير ابن عباس من رجوع بعض الصحابة إليه ، وحسبنا أن فيهم من هم أكبر منه سنّاً وأطول صحبة ، وحتى أنّه كان على صغر سنه يُقرء جماعة من المهاجرين ، عرفنا منهم باسمه عبد الرحمن بن عوف كما في البخاري في حديث الفلتة « باب رجم الحبلى » ، وقد مرّ اسم عمر أيضاً نقلاً عن « ذخائر العقبى » للمحب الطبري ، وكان يرجع إليه عمر حين يسأل الصحابة عن معنى آية من كتاب الله ، فلا يجد عندهم ما يرضيه ، فيسأل ابن عباس فيجيبه بما عجز عنه غيره ، وقد مرّت بعض مسائله منه في الحلقة الأولى في « عهد عمر »(2) وفي هذه أيضاً ، وسوف يأتي في موارد آياتها من التفسير إن شاء الله تعالى في الحلقة الثالثة.
أمّا رجوع التابعين إليه ، فحسبنا ما مرّ بنا من ذكر مدارسه ، وذكر ثمارها.
ولا ننسى قول مجاهد وهو تلميذه ـ وكان قد عرض عليه القرآن ثلاثين عرضة يسأله عن كلّ آية فيفسرها له ـ فكان يقول : « إذا فسّر الشيء رأيت عليه النور ». ومن هذا النص تصح دعوى أنّ ابن عباس أوّل من أملى في التفسير.
____________
(1) أنظر تاريخ بغداد للخطيب 1 / 185 ، البداية والنهاية لابن كثير 8 / 331.
(2) موسوعة عبد الله بن عباس / ج2 / الفصل3.
وقول سعيد بن جبير انّه قال له ابن عباس : « ألا تسألني عن آية فيها مائة آية؟ قال قلت : ما هي؟ قال : قوله عزوجل :( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) (1) كلّ شيء أوتي من خير أو شرّ كان فتنة. وذكر حين حملت به أمّه ، وحين وضعت ، وحين التقطة آل فرعون حتى بلغ ما بلغ ، ثم قال : ألا ترى قوله :( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) (2) »(3) وسيأتي هذا الأثر بأوسع ممّا هنا فانتظر.
وكان يرى الفرق بين معنى التأويل والتفسير ، فهو يقول : « التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله تعالى ذكره »(4) .
ورواه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلاّ الله تعالى ذكره ، ومن أدعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب »(5) .
وقد روى ذلك موقوفاً عليه أيضاً الراغب الاصفهاني ، فقال : قال ابن عباس : « أنزل القرآن على أربعة أوجه ، وجه حلال وحرام لا يسع أحداً
____________
(1) طه / 40.
(2) الأنبياء / 35.
(3) جامع بيان العلم 1 / 139 ط الثانية محققة نشر السلفية 1388 هـ
(4) تفسير الطبري 1 / 75 ط محققة.
(5) تفسير الطبري 1 / 34 ط الباري الحلبي.
جهالته ، ووجه يعرفه العرب ، ووجه تأويله يعلمه العالمون ، ووجه لا يعلم تأويله إلاّ الله ، ومن انتحل فيه علماً فقد كذب » (1).
وروى الثعلبي بسنده عن ابن عباس أنّه قال : « ما من أحد قرأ القرآن ولم يعلم تفسيره إلاّ بمنزلة الأعرابي يقرأ ولا يدري ما هو »(2) .
فتبين ممّا سبق أنّه كان مفسراً ألمعياً جامعاً بين وجوه التفسير التي ذكرها ، إذ كانت له قوة استنباط ونفاذ بصيرة على استيعاب ما أخذه في التفسير من عليّ عليه السلام كما قال ذلك. وبلغت قوة استنباطه أن قال : « لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى »(3) .
ولذلك تهافت عليه التابعون حين رأوه أبعد الباقين من الصحابة نظراً ، وأثقبهم فكراً في تفسير القرآن ، فكان أكثر الصحابة تلاميذ في التفسير وغيره ، وقد مرّت بنا أسماء من عثرنا على روايته عنه ، وهم لاشك يتفاوتون مداركاً وحسن تلقِّ ، وصدق أداء ، فليس سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء مثل عكرمة في الوثاقة ، وإن كان هو أكثرهم لصوقاً بمولاه ، ولكنّه كان يكذب عليه ، وقد مرّ في ترجمته شواهد على ذلك ، وقد نبّهت على أنّ مولى آخر لابن عباس اسمه عكرمة مغمور الذكر معدود في الرواة عن
____________
(1) مقدمة التفسير المطبوع ملحقاً بكتاب تنزيه القرآن على المطاعن للقاضي عبد الجبار ط الجمالية 1329 هـ.
(2) الكشف والبيان 1 / 17 ط دار الكتب العلمية.
(3) الإتقان 2 / 126 ط حجازي بمصر.
ابن عباس من دون تمييز لرواياته عن روايات سميّه عكرمة البربري الحروري.
وفي نظري أنّ ما ورد من روايات مستقيمة مروية عن عكرمة إنّما هي عن هذا المغمور الذكر. وهذه حقيقة مغيّبة ومجهولة لدى جلّ القرآء إن لم يكن كلّهم. ويعود السبب إلى تشابه الأسماء ، وشهرة عكرمة البربري الخارجي ، فكان هو المحظي بالذكر والشهرة بكثرة مروياته عن مولاه ابن عباس ، وكان مبعث الغرابة في تباين مرويّاته صدقاً وكذباً! وهذا ما جعلني أرتاب في صحة نسبة جميع ذلك إليه ، ولكن بعد أن وجدت في موالي ابن عباس شخصاً آخر باسم عكرمة استيقنت أنّ المروّيات المطابقة للواقع هي عن عكرمة الآخر.
ويبقى ابن عباس أستاذ جيل من مفسرين وقرآء التابعين ، وإلى القارئ أسماء المشاهير منهم :
مشاهير التابعين من تلامذته في التفسير والقراءة
لا ريب في أنّه كانت لابن عباس رضي الله عنه مدرسة تفسيرية لها سماتها وخصائصها ، وكان له أصحاب يقومون بعلمه ، ويقولون بقوله ، وهم الذين نشروا علمه على أوسع ما يكون النشر ، وكان أهل مكة هم أشهر من غيرهم في الأخذ عنه.
قال ابن تيمية في مقدمته في « أصول التفسير » : « أعلم الناس بالتفسير
أهل مكة ، لأنّهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس ، وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم » (1).
وقد أخرج ابن جرير في تفسيره عن هؤلاء كثرة كاثرة ، ولا ريب أنّ تخريجه عنهم ، لا يعني إضفاء الوثاقة على جميع مروياتهم ، لكنه أحسن عملاً حين أخرج عنهم بأسانيده ، فخفّف العبء عن كاهله ، وترك الباب مفتوحاً لمن يحقق فيها ، كما أنّه ليس بالضرورة أنّ جميع مروياتهم تحكي رأي شيخهم ابن عباس رضي الله عنه ، بل كانت لهم ذاتية خاصة بهم ، تدلّ على نحو استقلالية تفصلهم أحياناً عن شيخهم في هذا الجانب ، وإن لم ينسلخوا عن عنوان تلمذتهم في أخذهم عنه ، شأنهم شأن الآخرين ممن لم يتنكروا لمن أفاض عليهم وعلّمهم ، فكانوا من ثماره حتى بلغوا به مقاماً يشار إليهم بالذكر.
وإلى القارئ أسماءهم مرتبة أبجدياً مع ذكر ما قيل فيهم بإيجاز :
قال أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » : « عرض على مولاه عبد الله بن عباس روى القراءة عنه عبد الله بن كثير و »(2) .
ذكره أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » ، وقال : « عرض على عبد
____________
(1) أصول التفسير / (23) ـ 24.
(2) طبقات القرآء 1 / 280.
الله بن عباس » (1). وقال الداوودي في « طبقات المفسرين » : « قرأ القرآن على ابن عباس » (2).
ذكره أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » ، وقال : « ورد الرواية عنه في حروف القرآن ، قرأ على ابن عباس »(3) . وذكره طاش كبري زاده في « مفتاح السعادة » وأنّه أخذ القراءة عن ابن عباس(4) .
4 ـ سليمان بن قَتة ـ بفتح القاف ومثناة من فوق مشددة ، وقَتة أمّه ـ التميمي ، مولاهم البصري.
ثقة ، عرض على ابن عباس ثلاث عرضات(5) .
من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام ، قرأ القرآن على ابن عباس سبع مرّات ، كما في « النجوم الزاهرة »(6) .
ذكره أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » ، وقال : « التابعي الكبير المشهور وردت عنه الرواية في حروف القرآن ، أخذ القرآن عن ابن
____________
(1) نفس المصدر 1 / 305
(2) طبقات المفسرين 1 / 181.
(3) طبقات القرآء 1 / 308.
(4) مفتاح السعادة 1 / 357.
(5) طبقات القرآء 1 / 341.
(6) النجوم الزاهرة 1 / 271.
عباس وعظم روايته عنه » (1).
ذكره أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » ، وقال : « تابعي جليل ، أخذ القراءة عرضاً عن أبي هريرة وابن عباس »(2) ، وكذا في « مفتاح السعادة »(3) .
عرض القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات على وجه التفسير ، وأمّا على وجه القراءة فسبعين مرّة(4) .
تابعي ثقة جليل حجة قاله أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » ، ثم قال : « روى القراءة عرضاً عن أصحاب ابن عباس ، ولا يبعد أن يكون عرض عليه. فقد روى عنه كثيراً ، وقطع الحافظ أبو العلاء أنّه قرأ عليه »(5) .
التابعي الكبير ، قال أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » : « ولد قبل الهجرة بأحدى عشرة سنة وكان مخضرماً ، أسلم في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولم
____________
(1) طبقات القرآء 1 / 341.
(2) نفس المصدر 1 / 381.
(3) مفتاح السعادة 1 / 358.
(4) الذريعة 4 / 283 ، تنقيح المقال 2 / 253 ط حجرية.
(5) طبقات القرآء 1 / 515.
يره ، وعرض القرآن على ابن عباس ، وتلقنه من أبي موسى » (1).
أحد الأعلام من التابعين والأئمة المفسرين ، كما وصفه أبو الخير الجزري في « طبقات القراء » ، وقال : « قرأ على عبد الله بن عباس بضعاً وعشرين ختمة ، ويقال : ثلاثين عرضة ، ومن جملتها ثلاث سأله عن كلّ آية فيه كانت »(2) .
وحكى عنه قوله : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحتة إلى خاتمته ، أوقفه عند كلّ آية منه وأسأله عنها(3) .
وعنه أيضاً ، قال : ختمت على ابن عباس تسع عشرة ختمة كلّها يأمرني أكبّر فيها من :( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) (4) .
وترجمه الداوودي في « طبقات المفسرين » ، وقال : « وروى عن عبد الله بن عباس وقرأ عليه القرآن ثلاث عرضات. وحكى عنه قوله : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كلّ آية أسأله فيم نزلت ، وكيف كانت؟ »(5) .
ولا منافاة بين الروايات ، فإنّ الروايات التي فيها الختمة ، يعني القراءة ، والتي
____________
(1) طبقات القرآء 1 / 604 ، مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده 1 / 364.
(2) طبقات القرآء 2 / 41.
(3) نفس المصدر 2 / 42.
(4) الشرح / 1.
(5) طبقات المفسرين 2 / (305) ـ 306.
فيها العرض هي بمعنى الأخذ مع التفسير كما هو صريح العرضات الثلاثة.
وقد قال ابن أبي مليكة : « رأيت مجاهد سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه ، فيقول ابن عباس : أكتب حتى سأله عن التفسير كلّه »(1) . وسيأتي ما يتعلق حول تفسير مجاهد ، وهذا هو معنى ما مرّ أنّ ابن عباس أوّل من أملى في التفسير.
تابعي جليل ، عرض على ابن عمر وابن عباس وعلى أبي الأسود الدؤلي ، وهو أوّل من نقط المصاحف(2) .
أحد القراء العشرة ، تابعي مشهور كبير القدر ، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عباس(3) .
من كبار التابعين ، أخذ القرآن عرضاً عن أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس ، قال الجزري : « وصح أنّه عرض على عمر وأنه قال : قرأت القرآن على عمر بن الخطاب أربع مرات وأكلت معه اللحم »(4) ، وقد مرّ بعض التحفظ على هذا القول فيما مضى.
____________
(1) تفسير الطبري 1 / 62.
(2) غاية النهاية للجزري 2 / 381.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
قال : « جاورت ابن عباس في داره أثنتي عشرة سنة ، ما في القرآن آية إلاّ وقد سألته عنها »(1) .
إلى غير هؤلاء ، ممن وصلت إلينا مروياتهم ، فكانت كثرة لم يأت عن أحد من الصحابة مثلها ، فلا تكاد آية ليس فيها عن ابن عباس أثر.
وقلنا : إنّ كثرة المرويات عن ابن عباس في التفسير ـ وفي الحديث أيضاً ـ صارت سبباً للتشكيك في صحة النسبة ، وزاد الأمر رسوخاً هو ورود المتضّادات في مرويات تلاميذه عنه ، بل حتى في مرويّات الواحد منهم أحياناً ، وهذا ما حمل البعض كالشافعي على رفض الكثير إلاّ القليل منها ، فقال : « لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلاّ شبيه بمائة حديث »(2) ، وسيأتي ردّ هذا الزعم إذ هو لا يخلو من غمط إن لم يكن هو الخبط ، فالإمام الشافعي مع علّو مقامه لا يعقل أنّه رأى كثرة المبثوث في مصادر التفسير من روايات وأقوال مجاهد وأبي الجوزاء وبقية من تقدم ذكرهم. فرابه ذلك ـ فشكّك في صحة جميع ذلك ـ فرفضه بجرّة من قلم « إلاّ شبيه بمائة حديث » ؛ لقد كان عليه بعد قناعته بذلك التحديد العددي ، أن يذكره كلّه أو بعضه ، أو ما يعينّه ، أمّا الرفض بلا حجة فغير مقبول ، وهذا منّا لا
____________
(1) المعارف لابن قتبية 469 ، الكنى والألقاب 1 / 38 ط الحيدرية.
(2) تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1 / 275 نقله عن البيهقي في كتابه مناقب الشافعي في باب ما يستدل به على معرفته بصحة الحديث.
يعني بالضرورة قبول جميع ما نراه منسوباً إلى ابن عباس ، كيف وقد نجد الرأيين المتضادين في تفسير آية واحدة وربما برواية راوٍ واحد ، وفي تفسير الطبري نماذج من ذلك ، فليرجع إليه من شاء خصوصاً في روايات عكرمة وعطية العوفي.
فكان جلّ المفسرين من التابعين هم من تلامذته.
قال صاحب « كتاب المباني » : « وقد أخبرناك فيما تقدم من كتابنا عن حالة ابن عباس وتقدّمه في التفسير وتخصيص الله سبحانه إياه بهذا النوع الجليل الخطير ، وفيه قدوة لصاحب الحجة والتبصير ، ثم من اشتهر بعلم التفسير من التابعين كسعيد بن جبير ، وعكرمة مولى ابن عباس ـ وليس بعكرمة بن أبي جهل ـ وكذلك أبو صالح باذام ـ ومن الناس من يقول باذان مولى أم هانئ ـ ومجاهد بن جبر ، وأبو العالية الرياحي ، والضحاك بن مزاحم ، وعليّ بن أبي طلحة ، وأبو مجلز لاحق بن حميد ، والحسن البصري ، وقتادة بن دعامة ، وهؤلاء كلّهم أخذوا عن ابن عباس ، ما خلا قتادة ، فإنّه لم يُعرف له صحبة مع أحد من الصحابة غير أنس ابن مالك عن أبي الطفيل ، إلاّ أن يكون قد رأى بعضهم ولم تكثر صحبته له ولا سماعه منه. وكذلك الحسن فإنّه لم تعرف له كثير صحبة مع ابن عباس ، وإنّما روى ما روى عنه من خُطب قام بها ابن عباس رضي الله عنه بالبصرة فيما يقال ، وروى عن عبد الملك بن ميسرة ، قال : لم يلق الضحاك ابن عباس ، إنّما لقي سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه ، وهذا بعيد لكثرة ما روى الضحاك عن ابن عباس من غير أن
يذكر سعيد بن جبير ، ولم يكن الضحاك ممن يتهم بكذب أو تدليس » (1).
قال الزرقاني : « وأمّا ابن عباس فهو ترجمان القرآن بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وروى أنّ رجلاً أتى ابن عمر يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ، أي من قوله تعالى :( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) (2) ، قال اذهب إلى ابن عباس ، ثم تعال أخبرني ، فذهب فسأله ، فقال : « كانت السموات رتقاً لا تمطر ، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت ، ففتق هذه بالمطر ، وهذه بالنبات » ، فرجع إلى ابن عمر فأخبره ، فقال : قد كنت أقول ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن ، فالآن قد علمت أنّه أوتي علماً »(3) .
ولابد من نظرة فاحصة في التفاسير التي ملئت بالروايات عن ابن عباس رضي الله عنه ، وذلك من خلال تقويم التفاسير المنسوبة إلى ابن عباس ، لأنّه قد كثر عليه فيها الدس والوضع ، لذلك يجب الحيطة فيما يعُزى إليه في ذلك.
____________
(1) أنظر مقدمتان في علوم القرآن / 196 ط السنّة المحمدية 1954 م.
(2) الأنبياء / 30.
(3) مناهل العرفان 1 / 483.
تقويم بلا تأثيم
قال السيوطي في « الإتقان » : « قد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة ، وفيه روايات وطرق مختلفة فمن جيّدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي ، عنه قال أحمد بن حنبل : بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً. أسنده أبو جعفر النحاس في ناسخه.
قال ابن حجر : وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث ، رواها عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وهي عند البخاري عن أبي صالح ، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيراً فيما يعلّقه عن ابن عباس.
وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيراً بوسائط بينهم وبين أبي صالح.
وقال قوم : لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير ، وإنّما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير.
قال ابن حجر : بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك.
وقال الخليلي في الإرشاد : تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس ،
عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رواه الكبار عن أبي صالح كاتب الليث ، عن معاوية ، وأجمع الحفاظ على أنّ ابن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس.
قال : وهذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضيّة ، ورواتها مجاهيل. كتفسير جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ، وعن ابن جريج في التفسير جماعة رووا عنه.
وأطولها ما يرويه بكر بن سهيل الدمياطي ، عن عبد الغني بن سعيد ، عن موسى بن محمد ، عن ابن جريج ، وفيه نظر.
وروى محمد بن ثور عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار ، وذلك صححه.
وروى الحجاج بن محمد عن ابن جريج نحو جزء ، وذلك صحيح متفق عليه.
وتفسير شبل بن عباد المكي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قريب إلى الصحة.
وتفسير عطاء بن دينار يكتب ويحتج به.
وتفسير أبي روق ، نحو جزء صححوه.
وتفسير إسماعيل السدي ، يورده بأسانيد إلى ابن مسعود وابن عباس ، وروى عن السدي الأئمة مثل الثوري ، وشعبة لكن التفسير الذي جمعه رواه اسباط بن نصر ، واسباط لم يتفقوا عليه ، غير أنّ أمثل التفاسير تفسير السدي.
فأمّا ابن جريج فإنّه لم يقصد الصحة ، وإنّما روى ما ذكر في كلّ آية من الصحيح والسقيم.
وتفسير مقاتل بن سليمان ، فمقاتل في نفسه ضعفوه ، وقد أدرك الكبار من التابعين ، والشافعي أشار إلى أن تفسيره صالح. « انتهى كلام الإرشاد ».
ثم قال السيوطي : وتفسير السدي الذي أشار إليه يورد منه ابن جرير كثيراً ، من طريق السدى عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة ، هكذا ، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئاً ، لأنّه لم يلتزم أن يخرج أصح ما ورد ، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه ، لكن من طريق مرة عن ابن مسعود ، وناس فقط ، دون الطريق الأول.
وقد قال ابن كثير : إنّ هذا الإسناد يروي عن السدي أشياء فيها غرابة.
ومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير عنه ، وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين ، وكثيراً ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه.
ومن ذلك طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد ابن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه ـ هكذا بالترديد ـ وهي طريق جيدة ، وأسنادها حسن ، وقد أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيراً. وفي معجم الطبراني الكبير منها أشياء.
وأوهى طرقه طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب ، وكثيراً ما يخرج منها الثعلبي والواحدي. لكن قال ابن عدي في الكامل : للكلبي أحاديث صالحة وخاصة عن أبي صالح ، وهو معروف بالتفسير ، وليس لأحد تفسير أطول منه ، ولا أشبع ، وبعده مقاتل بن سليمان إلاّ أنّ الكلبي يفضل عليه لما في مقاتل من المذاهب الردّية.
وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة ، فإنّ الضحاك لم يلقه ، فإن أنضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة عن أبي روق فضعيفة لضعف بشر ، وقد أخرج من هذه النسخة كثيراً ابن جرير وابن أبي حاتم ، وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك فأشد ضعفاً ، لأنّ جويبرشديد الضعف متروك ، ولم يخرج ابن جرير ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئاً ، إنّما أخرجها ابن مردويه وأبو الشيخ ابن حبان.
وطريق العوفي عن ابن عباس أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيراً ، والعوفي ضعيف ليس بواهِ ، وربّما حسن له الترمذي
ثم قال السيوطي : ورأيت عن فضائل الإمام الشافعي لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن شاكر القطان أنّه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم ، قال : سمعت الشافعي يقول : لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلاّ شبيه بمائة حديث »(1) .
____________
(1) الإتقان 2 / (188) ـ 189 ط حجازي.
سبق أن قلنا ليت الإمام الشافعي أدلى بحجته في ذلك لنرى فيها رأينا ، وكيف يمكن لباحث أن يعتمد قولاً في المقام من دون حجة ، مع أنّ ابن عباس أشهر من روى عنه التفسير من الصحابة؟ وقد قيل عنه رئيس المفسرين أو شيخهم ، وأطلق عليه لقب ترجمان القرآن وهو لقب لم يحض به أيّ أحد من الصحابة فضلاً عن غيرهم ، وقد أحتل المرتبة الأولى في العدّ لمشهوري المفسرين من الصحابة ، كما أنّ تلامذته أحتلوا المرتبة الأولى من دون تلامذة الآخرين من مفسري الصحابة ، وقد كان علماء العواصم الإسلامية مثل مكة والمدينة والكوفة والبصرة وغيرها في التفسير والحديث والفقه من مشاهير تلامذته ، كمجاهد بن جبر ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة مولى بن عباس ، وطاووس ، وعطاء بن أبي رباح ، وعطية العوفي ، ولكلّ واحد من هؤلاء تفسير ينتهي في روايته إليه.
ولم يكن هؤلاء هم وحدهم الذين أخذوا عنه التفسير ووصلت رواياتهم إلى المتأخرين ، فعلي بن أبي طلحة الوالبي ـ وقد مرّت الإشارة إلى صحة روايته في التفسير عنه ـ وكما قد مرّ ذكر الضحاك في تفسيره عن ابن عباس ، عند ذكر الرواة عنه وتلامذته ، ومنهم أبو صالح المؤذن مولى أم هاني كما في ترجمته من تلامذته والرواة عنه ، فراجع.
وقد استوفى الثعلبي المتوفى سنة « 427 هـ » في مقدمة تفسيره « الكشف والبيان »(1) طرقه ، بأسانيده إلى رواية جملة من التفاسير المروية عن ابن عباس ، وفيها بعض الطرق رجالها موثقون ، وفيهم جملة من رجال الشافعية ، فهلا أعتمد هؤلاء مقالة إمامهم الشافعي وتركوا تلك التفاسير التي هي عن ابن عباس ، ورواياتها أضعاف ما قاله الشافعي(2) .
وقد حكى السيوطي في « الإتقان » عن النووي قوله : « إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
قال ابن تيمية : ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم »(3) .
ومن المعلوم أنّ تفسير مجاهد رواه عن ابن عباس كما مرّ ذلك ، وأنّ في تفسيره أكثر من مائة حديث ، وتبقى مقولة الشافعي على ذمة الرواة عنه.
____________
(1) الكشف والبيان 1 / 5 ـ7 ط دار الكتب العلمية بيروت.
(2) وقد مرّ في الجزء الأول الحديث حول هذه المقولة في كثرة المروي عن ابن عباس ، فراجع.
(3) الإتقان 2 / 190.
آراؤه في أوائل السور المبدوءة بالحروف المقطعة
لقد اختلف المفسرون في تفسير الحروف المقطعة المبدوء بها بعض السور ، وهي بدءاً من سورة البقرة وآل عمران ثم العنكبوت والروم ولقمان والسجدة ، وسور آخرى.
وأوّلها جميعاً( ألَم ) في أوّل سورة البقرة وسورة آل عمران ، ثم( ألَمَصَ ) في أوّل سورة الأعراف ، و( ألَر ) في أوّل سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف وسورة إبراهيم وسورة الحجر ، و( ألَمرَ ) في أوّل سورة الرعد ، و( كهيعص ) في أوّل سورة مريم ، و( طسم ) في أوّل سورة الشعراء وفي أوّل سورة القصص ، و( طس ) في أوّل سورة النمل ، و( ص ) في أوّل السورة التي سميت بها ، و( حم ) في أوّل سورة غافر وسورة فصلّت وسورة الزخرف وسورة الدخان وسورة الجاثية وسورة الأحقاف ،( حم عسق ) في أوّل سورة الشورى ، و( ق ) في أوّل السورة التي سميت بذلك ، و( ن ) في أوّل سورة القلم.
فهذه الحروف المقطعة وردت في أوائل سبع وعشرين سورة قد عدّها المفسرون من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاّ الله سبحانه
والراسخون في العلم بفيض منه جلّ وعلا ، بناءاً على أنّ « الواو » عاطفة ، والواو إذا كانت عطف نسق توجب للراسخين فعلين فيكون المعنى :( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ ) (1) ويعلم تأويله الراسخون في العلم وهم يقولون ـ كما أنّهم ـ يقولون آمنا به. وإختلاف المفسرين بعضه من محض الرأي ، وبعضه استفادة من المأثور.
ومهما يكن فقد قال بعضهم : إنّها أسماء لتلك السور المبدؤة بها. ولا مانع من تعدّد الأسماء لبعض السور ، كما لا مانع من اشتراك بعضها مع بعض في اسم واحد ، ويكون تميزها بالاسم الآخر ، كما تقول « ألم » البقرة ، و « ألم » آل عمران ، و « حم » السجدة ، و « حم » الأحقاف ، وهكذا.
وقال بعضهم : إنّها إقسام ـ جمع قسم ـ أقسم الله سبحانه بها.
وقال بعضهم : إنّها حروف مأخذوة من أوّل كلّ صفة من صفات الباري تعالى ، فهي إختصار لصفات. والإختصار من فنون البلاغة ، وتعرفه العرب.
وعلى هذا الرأي يمكن لنا أن نقول أنّه مأخوذ ممّا ورد عن ابن عباس حبر الأمّة في ذلك.
فقد ذكروا عنه مثلاً في تفسير( كهيعص ) ، فقال : « إنّ الكاف من كافٍ ، والهاء من هادٍ ، والياء من حكيم ، والعين من عليم ، والصاد من
____________
(1) آل عمران / 7.
صادق » (1).
وقد أخرج السيوطي في « الدر المنثور » : « عن فاطمة بنت عليّ ، قالت : كان ابن عباس يقول في :( كهيعص ) ، و( حم ) ، و( يس ) وأشباه هذا : هو اسم الله الأعظم »(2) .
وقيل هذا نحو من أنحاء التفسير الباطني الصوفي ، وقد يرتاب الباحث في صحته فكيف بقبوله ، وسيأتي في الحلقة الثالثة في أوّل تفسيره ما يزيد بياناً حول الموضوع وأنّه لا مانع من قبوله فيما إذا صح سنده ، ولم يصادم تفسيره حقيقة من حقائق العقيدة الإسلامية الثابتة ، بوجه من الوجوه.
قراءات منسوبة إلى ابن عباس مكذوبة
تروي بعض الروايات عن ابن عباس قراءات على غير ما في المصحف المتداول المجمع على صحته. وتلك الروايات مردودة جملة وتفصيلاً ، وإنّا حين نذكرها لغرض الردّ عليها وتفنيدها ، لئلا تثار بها الشبهات حول القرآن المجيد ، ومن تلك الروايات ما قيل حول كتابة القرآن ورسمه ، وهي كما يلي :
1 ـ قوله تعالى :( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا ) (3) .
____________
(1) ذكره عن الحاكم ابن حجر في فتح الباري 8 / 324 ، تفسير البغوي 1 / 44 ، الإتقان 2 / 22.
(2) الدر المنثور 4 / 258.
(3) النور / 27.
فروى الحاكم في « المستدرك » بسنده : « عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى :( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) ، قال : أخطأ الكاتب « حتى تستأذنوا »(1) .
قال الزرقاني : « ونجيب :
« أوّلاً » بما أجاب به أبو حيان إذ يقول ما نصه : إنّ من روى عن ابن عباس أنّه قال ذلك ، فهو في الإسلام ملحد في الدين ، وابن عباس بريء من ذلك القول.
« ثانياً » بما أخرجه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنّه فسّر( تَسْتَأْنِسُوا ) ، فقال : أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها ـ يعني أصحاب البيوت ـ »(2) .
2 ـ قوله تعالى :( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ ) (3) .
روى السيوطي في « الدر المنثور » قال : وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه قرأ : « أفلم يتبيّن الذين آمنوا » ، فقيل له : إنّها في المصحف( أَفَلَمْ يَيْأَسِ ) ؟ فقال : أظن الكاتب كتبها وهو ناعس »(4) .
وهذا لا يصح ، لأنّ السيوطي نفسه قال : « أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور
____________
(1) المستدرك 2 / 396.
(2) الزرقاني مناهل العرفان1 / 261 ، وأنظر تفسير الآلوسي 18 / 133.
(3) الرعد / 31.
(4) الدر المنثور 4 / 63.
وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنه : أنّه كان يقرأ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ ) » (1).
مضافاً إلى ذلك ما رواه السيوطي أيضاً : « عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه( أَفَلَمْ يَيْأَسِ ) يقول : يعلم »(2) .
وثالثاً : روى السيوطي عن الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه : أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ ) ؟ قال : أفلم يعلموا بلغة بني مالك ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت مالك بن عوف يقول :
لقد يئس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائياً(3)
ورابعاً : روى السيوطي : « عن ابن جرير وأبي الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنه :( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ ) قال : أفلم يعلم الذين آمنوا »(4) .
فهذا جميعه يدلّ على كذب رواية الكاتب الناعس .
3 ـ قوله تعالى :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) (5) .
روى السيوطي في « الدر المنثور » قال : « أخرج الفريابي وسعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
____________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
(5) الإسراء / 23.
تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) قال : التزقت الواو بالصاد ، وأنتم تقرؤنها( وَقَضَى رَبُّكَ ) » (1).
وقال السيوطي أيضاً : « وأخرج ابن عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنه قال : أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم : « ووصى ربك أن لا تعبدوا إلاّ أياه » ، فالتصقت أحدى الواوين بالصاد ، فقرأ الناس( وَقَضَى رَبُّكَ ) ، ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد »(2) .
ثم قال السيوطي : « وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه ، قال : أعطاني ابن عباس رضي الله عنه مصحفاً فقال : هذا على قراءة أبيّ بن كعب رضي الله عنه فرأيت فيه « ووصى ربك »(3) .
ويكفي في ردّ هذه الروايات أنّ ابن عباس المفترى عليه بما تقدم من الروايات ، قال فيما رواه علي بن أبي طلحة عنه : «( وَقَضَى رَبُّكَ ) قال : أمرَ »(4) ، وعليّ بن أبي طلحة في روايته قد اعتمده البخاري في تعليقه عن ابن عباس في التفسير ، وكذلك ابن جرير وابن أبي حاتم.
4 ـ قوله تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ) (5) .
____________
(1) الدر المنثور 4 / 170.
(2) الإسراء / 23.
(3) الإسراء / 23.
(4) الدر المنثور 4 / 171.
(5) الأنبياء / 48.
روى السيوطي في « الدر المنثور » ، قال : « أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس : أنّه كان يقرأ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء ) ، ويقول : خذوا هذه الواو وأجعلوها ههنا : « ـوالَّذِينَ ـقَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ) (1) »(2) .
وروى السيوطي في « الدر المنثور » ، قال : « وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ) قال : انزعوا هذه الواو واجعلوها في( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ) (3) »(4) .
« الأوّل » : إنّ هذه الروايات ضعيفة ولم يصح شيء منها عن ابن عباس.
« ثانياً » إنّها معارضة للقراءة المتواترة المجمع عليها فهي ساقطة.
« ثالثاً » إنّ بلاغة القرآن قاضية بوجوب الواو لا بحذفها ، لأنّ ابن عباس نفسه فسّر الفرقان في الآية المذكورة بالنصر ، وعليه يكون الضياء بمعنى التوراة أو الشريعة ، فالمقام للواو لأجل هذا التغاير »(5) .
____________
(1) آل عمران / 173.
(2) الدر المنثور 4 / 320.
(3) غافر / 7.
(4) الدر المنثور / 4 / 320.
(5) مناهل العرفان للزرقاني 1 / 270 ط1 ، دار الفكر بيروت1996 م.
5 ـ قوله تعالى :( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) (1) .
روى السيوطي في « الدر المنثور » ، قال : « وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس( مَثَلُ نُورِهِ ) ، قال : هي خطأ من الكاتب ، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة ، قال : مثل نور المؤمن كمشكاة »(2) .
وحسبنا في الرد عليها ما رواه السيوطي نفسه ، قال : « وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (3) ، قال : الله هادي أهل السموات والأرض ، مثل نوره يا محمد في قلبك كمثل هذا المصباح في هذه المشكاة ، فكما هذا المصباح في هذه المشكاة ، كذلك فؤادك في قلبك ، وشبه قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكوكب الدري الذي لا يخبو( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ) (4) تأخذ دينك عن إبراهيم عليه السلام وهي الزيتونة لا شرقية ولا غربية ، ليس بنصراني فيصلي نحو المشرق ولا يهودي فيصلي نحو المغرب ،( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) (5) فيقول : يكاد محمد ينطق بالحكمة قبل أن يوحى إليه بالنور الذي جعل الله في قلبه »(6) .
وأخيراً نختم هذا الموضوع بدفع عام بما قاله الزرقاني في كتابه
____________
(1) النور / 35.
(2) الدر المنثور 5 / 48.
(3) النور / 35.
(4) النور / 35.
(5) النور / 35.
(6) الدر المنثور 5 / 49.
« مناهل العرفان » ـ بتحفظ على بعض ما فيه ـ :
« كل ما روي عن ابن عباس في تلك الشبهات يمكن دفعه ، علماً بأنّ ابن عباس قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت وأبيّ بن كعب ، وهما كانا في جمع المصاحف ، وزيد بن ثابت كان في جمع أبي بكر أيضاً وابن عباس كان يعرف ذلك ويوقن به ، فمحال إذن أن ينطلق لسانه بكلمة تحمل رائحة اعتراض على جمع القرآن ورسم القرآن.
وإلا فكيف يأخذ عن زيد وأبيّ بن كعب ثم يعترض على جمعهما ورسمهما ...؟ »(1) .
أقول : وأقوى دفعاً من هذا ، إنّ ابن عباس فيما روى عنه السيوطي في « الإتقان »(2) نقلاً عن أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم واللفظ له ، كما في « المستدرك » قال ابن عباس : « قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ ) ووضعتموها في السبع الطوال ، فما حملكم على ذلك؟
فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه من السور ذوات العدد ، قال : وكان إذا أنزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب له فيقول : « ضعوا هذه في السورة التي فيها كذا وكذا » ، وكانت
____________
(1) مناهل العرفان 1 / 385.
(2) الإتقان 1 / 62.
الأنفال من أوائل ما نزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنّها منها ، فقبض رسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فلم أكتب بينهما سطر( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ ) ».
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي في تلخيصه على ذلك(1) .
فمن كان يعترض على عثمان وهو خليفة وقته ، ولا يبالي بنقده ، كيف يسكت على ما روي عنه ممّا تقدم وهو يرى المصحف بخلافه؟!
على أنّ حديث ترك كتابة البسملة في أوّل سورة براءة فلي عليه أيضاً تحفّظ! كيف يقول ذلك لعثمان وهو الذي كان قد سأل عنه ابن عمه أمير المؤمنين عليه السلام ، فيما أخرجه الحاكم : « عن يعقوب بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن ابن عباس ، قال : سألت عليّ بن أبي طالب « رضي الله عنه » لِم لَم تكتب في براءة( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ ) ؟ قال : « لانّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ ) أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان »(2) .
6 ـ أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير في سورة :( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (3) بسنده : « عن سعيد ابن جبير ، عن ابن
____________
(1) المستدرك 2 / 330.
(2) مستدرك الحاكم 2 / 330 والحديث مسلسل بالأبناء عن الآباء من يعقوب إلى ابن عباس.
(3) المسد / 1.
عباس رضي الله عنه قال : لمّا نزلت :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ـ ورهطك المخلصين ـ) (1) خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد الصفا ، فهتف يا صباحاه ، فقالوا من هذا؟ فاجتمعوا إليه. فقال : « أرأيتم إن أخبرتكم أنّ خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَ »؟
قالوا : ما جرّبنا عليك كَذِباً.
قال : « فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد ».
قال أبو لهب : تباً لك ، ما جمعتنا إلاّ لهذا؟ ثم قام فنزلت :( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ـ وقد تبّ ـ) ، هكذا قرأها الأعمش يومئذ »(2) ، انتهى ما في الصحيح.
وعلّق ابن حجر على ذلك في آخر شرحه في المقام بقوله : « كذا وقع في رواية أبي أسامة عن الأعمش ، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة الشعراء مع بقية مباحث هذا الحديث وفوائده »(3) .
وقد رجعنا إلى الموضع الذي أشار إليه في تفسير سورة الشعراء ، فقرأنا ما يتعلق بهذه الزيادة « ورهطك منهم المخلصين » ، فقال : « وفي هذه الزيادة تعقب على النووي حيث قال في شرح مسلم : إنّ البخاري لم يخرجها ـ أعني « ورهطك منهم المخلصين » ـ إعتماداً على ما في هذه السورة ، وأغفل كونها موجودة عند البخاري في سورة تبت وهذه
____________
(1) الشعراء / 214.
(2) صحيح البخاري 6 / 94.
(3) فتح الباري 10 / 368.
الزيادة وصلها الطبري من وجه آخر عن عمرو بن مرة أنّه كان يقرؤها كذلك.
قال القرطبي : لعل هذه الزيادة كانت قرآناً فنسخت تلاوتها ، ثم استشكل في ذلك بأن المراد إنذار الكفار ، والمخلص صفة المؤمن.
ثم قال ابن حجر : والجواب عن ذلك أنّه لا يمتنع عطف الخاص على العام ، فقوله :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) عام فيمن آمن منهم ومن لم يؤمن ، ثم عطف عليه الرهط المخلصين تنويها بهم »(2) .
أقول : وكأن ابن حجر إنّما مال إلى التصحيح ، رعاية لما جاء عنده في كتاب الصحيح ، وإن استلزم ذلك التحريف في القرآن الصحيح الموجود بأيدي المسلمين ، فأقرأ وأعجب!! وإن تعجب فعجب قولهم : ومن العجب منه في المقام إذ راعى تصحيح ما في صحيح البخاري على حساب كتاب الله ، فقدّمه على كتاب الله ، بينما هو وقومه يقولون في صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله ، لا قبل كتاب الله!!
ولم أذكر هذا البحث لاستقصاء جميع ما ورد عن ابن عباس في هذا الباب ، كما لا يعني أنّا لا نذكر له بعد هذا من الشواهد ما يؤكد التدليل على أنّ ما روي عنه لا يحظى جميعه بالقبول.
____________
(1) الشعراء / 214.
(2) فتح الباري 8 / (111) ـ 119.
تفسيره القرآن بالقرآن ونماذج من ذلك
لئن كان ابن عباس يتطلب تفسير القرآن من القرآن ، فلأن ما أجمل منه في مكان فقد فسّر في موضع آخر.
وقد مرتّ بنا كلمته : « لو ضاع لي عقال لوجدته في القرآن ».
كما مرّ بنا بيت الشعر المنسوب إليه :
جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال(1)
وكما مرّ في منهجه أيضاً في التفسير هو التأكيد على تفسيره القرآن بالقرآن ، إذ القرآن يفسر بعضه بعضاً.
والآن إلى نماذج تفسيرية في هذا الإتجاه :
1 ـ روى الترمذي ، وابن أبي حاتم في تفسيره ، وابن الأثير في « النهاية » ، أنّه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من كان له مال يبلّغه حج بيت ربّهم أو تجب فيه الزكاة فلم يفعل شيئاً سأل الرجعة عند الموت ـ إشارة إلى قوله تعالى :( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى
____________
(1) تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه / 1 ط2 مصر 1372 هـ.
يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (1) ـ.
فقال رجل : يا بن عباس اتق الله إنّما يسأل الرجعة الكفار.
قال : سأتلوا عليكم بذلك قرآنا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (2) .
قال : فما يوجب الزكاة؟ قال : إذا بلغ المال مائتي درهم فصاعداً.
قال : فما يوجب الحج؟ قال : الزاد والبعير »(3) .
2 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره ، في قوله تعالى :( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (4) :
« عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ما أبتلي أحد بهذا الدين فقام به كلّه غير إبراهيم ، ابتلي بالإسلام فأتمه ، فكتب الله له البراءة ، فقال :( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (5) .
فذكر عشراً في براءة ، فقال :( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ
____________
(1) المؤمنون / (99) ـ 100.
(2) المنافقون / (9) ـ 11.
(3) تفسير ابن أبي حاتم 10 / 3357 ، النهاية ابن الأثير في ( رجع ) ، أحكام القرآن لابن العربي المالكي 4 / 259.
(4) البقرة / 124.
(5) النجم / 37.
لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (1).
وعشراً في الأحزاب :( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) (2) .
وعشراً في سورة المؤمنين :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) (3) .
وعشراً في سأل سائل :( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) (4) »(5) .
____________
(1) التوبة / 112.
(2) الأحزاب / 35.
(3) المؤمنون / (1) ـ 10.
(4) المعارج / (24) ـ 34.
(5) تفسير ابن جرير 1 / 524.
3 ـ أخرج البسوي في كتاب « المعرفة والتاريخ » ، بسنده : « عن سعيد ابن مرجانة ، قال : جلست إلى عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية :( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) .
فبكى حتى سمعت نشيجه ، فقمت حتى أتيت ابن عباس فأخبرته ، بما تلا ابن عمر ، فقال : يغفر الله لأبي عبد الرحمن قد وجد المسلمون منها حين نزلت ما وجد عبد الله ، فأنزل الله عزوجل :( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (2) .
فكانت الوسوسة ممّا لا طاقة للمسلمين به ، وصار الأمر بعد إلى قضاء الله إنّ للنفس ما كسبت وعليها ما أكتسبت في القول والفعل »(3) .
4 ـ أخرج الطبري في تفسيره ، قوله تعالى :( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (4) .
« قال ابن زيد : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السبحة وفرغ دخل مربداً له ، فأرسل إلى فتيان قد قرؤوا القرآن منهم ابن عباس
____________
(1) البقرة / 284.
(2) البقرة / 286.
(3) المعرفة والتأريخ 1 / 404 ط أوقاف بغداد.
(4) البقرة / 206.
وابن أخي عيينة ، قال : فيأتون فيقرءون القرآن ويتدارسونه ، فإذا كانت القائلة أنصرف قال : فمّروا بهذه الآية :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) ، قال ابن زيد : وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله ، فقال ابن عباس : لبعض من كان إلى جنبه أقتتل الرجلان؟ فسمع عمر ما قال ، فقال : وأي شيء قلت؟ قال : لا شيء يا أمير المؤمنين ، قال : ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال : فلمّا رأى ذلك ابن عباس ، قال : أرى ههنا من إذا أُمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم ، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله ، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم ، قال هذا : وأنا أشتري نفسي فقاتله ، فاقتتل الرجلان. فقال عمر : لله تلادك (2) يا ابن عباس » (3).
5 ـ أخرج الطبري في تفسيره قوله تعالى :( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (4) ، بسنده : « عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله :( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) ، ونحو ذلك قال : أخبر الله المؤمنين إنّ الدنيا دار بلاء وأنّه مبتليهم فيها ، وأمرهم بالصبر وبشّرهم ،
____________
(1) البقرة / 207.
(2) التلاد : المال القديم الذي ولد عندك وهو نقيض الطارف ( النهاية ، الصحاح / تلد ).
(3) تفسير الطبري 2 / 319 ط البابي الحلبي.
(4) البقرة / 155.
فقال :( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) ، ثم أخبرهم أنّه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم ، فقال :( مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ) (1) » (2).
6 ـ أخرج الطبري في تفسيره في قوله تعالى :( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) (3) :
« عن الضحاك يقول في قوله :( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) : كان ابن عباس يقول : الورد في القرآن أربعة أوراد : في هود قوله :( وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) ، وفي مريم :( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) (4) ، وورد في الأنبياء :( حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) (5) ، وورد في مريم أيضاً :( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ) (6) .
كان ابن عباس يقول : كلّ هذا الدخول ، والله يردنّ جهنم كلّ بَرّ وفاجر ،( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) (7) .
7 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره ، في قوله تعالى :( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (8) :
« عن ابن عباس ، قال : لمّا أوحى الله تعالى ذكره إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم
____________
(1) البقرة / 214.
(2) تفسير الطبري 2 / 56.
(3) هود / 98.
(4) مريم / 71.
(5) الأنبياء / 98.
(6) مريم / 68.
(7) تفسير الطبري 12 / 143.
(8) سبأ / 23.
دعا الرسول من الملائكة فبعث بالوحي ، سمعت الملائكة صوت الجبّار يتكلم بالوحي ، فلمّا كشف عن قلوبهم سألوا الله عما قال الله ، فقالوا الحق ، وعلموا أنّ الله لا يقول إلاّ حقاً وأنه منجز ما وعد.
قال ابن عباس : وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا ، فلمّا سمعوه خرّوا سجداً ، فلمّا رفعوا رؤوسهم :( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ، ثم أمر الله نبيه أن يسأل الناس :( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (1) »(2) .
8 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره ، في قوله تعالى :( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) (3) :
« عن ابن عباس يقول : من أراد الله أن يضلّه يضيّق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيّقاً ، والإسلام واسع ، وذلك حين يقول :( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (4) ، يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق »(5) .
9 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره :( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (6) :
____________
(1) سبأ / 24.
(2) تفسير ابن جرير 22 / 111.
(3) الأنعام / 125.
(4) الحج / 78.
(5) تفسير ابن جرير 8 / 28 ، ط البابي الحلبي.
(6) الأعراف / 32.
« قال ابن عباس : إنّ الجاهلية كانوا يحرمّون أشياء أحلّها الله من الثياب وغيرها ، وهو قول الله :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً ) (1) ، وهو هذا ، فأنزل الله :( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (2) .
10 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره قوله تعالى :( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (3) :
« عن ابن عباس ، قال : وذلك انّ الله وعد أهل الجنّة النعيم والكرامة ، وكلّ خير علمه الناس ، أو لم يعلموه ، ووعد أهل النار كلّ خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه ، فذلك قوله :( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ) (4) ، قال :( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ ) ، يقول : من الخزي والهوان والعذاب ، قال أهل الجنّة : فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً من النعيم والكرامة ،( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (5) »(6) .
____________
(1) يونس / 59.
(2) تفسير ابن جرير 8 / 187.
(3) الأعراف / 44.
(4) ص / 58.
(5) الأعراف / 44.
(6) تفسير الطبري 8 / 187.
11 ـ روى الآلوسي في تفسيره « روح البيان » ، عن الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة ، قال : « جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل منهم : أرأيت قوله تعالى :( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) (1) ؟
فقال ابن عباس : لم تصل المسألة ، أقرأ ما قبلها :( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً * أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً * وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (2) ، ثم قال : من كان أعمى عن هذه النعم التي قد رأى وعاين ، فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلاً »(3) .
12 ـ ذكر ابن شهر آشوب في كتابه « متشابهات القرآن ومختلفه » ، في قوله تعالى :( لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ) (4) :
« قال ابن عباس : ولم يقل : من فوقهم ، لأنّ رحمة الله تنزل عليهم من
____________
(1) الإسراء / 72.
(2) الإسراء / (66) ـ 70.
(3) روح البيان 15 / 115 ط الخيرية.
(4) الأعراف / 17.
فوقهم ، ولم يقل : من تحت أرجلهم ، لأنّ الإتيان منه يوحش » (1).
13 ـ أخرج أحمد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم ، وصححه البيهقي في « الدلائل » عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال : « ما نصر الله تعالى نبيّه في موطن كما نصره يوم أحد ، فأنكروا ذلك.
فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله تعالى ، أنّ الله تعالى يقول يوم أحد :( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم ـ أي تقتلونهم ـحَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (2) » وساق بقية الحديث(3) .
14 ـ وأخيراً ما أخرجه السيوطي في « الدر المنثور » ، قال :
« وأخرج الطبراني ، والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في سننه ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لمّا اعتزلت الحرورية فكانوا في واد على حدتهم ، قلت لعليّ : يا أمير المؤمنين أبرد عن الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم ، فأتيتهم ولبست أحسن ما يكون الحلل ، فقالوا : مرحباً بك يا ابن عباس ، فما هذه الحلة؟
قال : ما تعيبون عليّ؟ لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الحلل ، ونزل :( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (4) .
____________
(1) متشابهات القرآن ومختلفه 1 / 19.
(2) آل عمران / 152.
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور2 / 84. وسيأتي في تفسيره في الحلقة الثالثة.
(4) الأعراف / 32.
قالوا : فما جاء بك؟
قلت : أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختنه ، وأوّل من آمن به ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه؟
قالوا : ننقم عليه ثلاثاً.
قلت : ما هنّ؟
قالوا : أولهنّ أنّه حكّم الرجال في دين الله ، وقد قال الله تعالى :( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) (1) .
قلت : وماذا؟
قالوا : وقاتل ولم يسب ، ولم يغنم ، لئن كانوا كفاراً لقد حلّت له أموالهم ، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم.
قلت : وماذا؟
قالوا : ومحا اسمه من أمير المؤمنين ، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم ، وحدّثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما لا تشكّون ، أترجعون؟
قالوا : نعم.
قلت : أمّا قولكم أنّه حكّم الرجال في دين الله ، فإنّ الله تعالى يقول :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً
____________
(1) الأنعام / 57.
فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (1) ، وقال في المرأة وزوجها :( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ) (2) ، أنشدكم بالله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب فيها ربع درهم؟
قالوا : اللهم في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم.
قال : أخرجتُ من هذه؟
قالوا : اللهم نعم.
وأمّا قولكم : قاتل ولم يسب ولم يغنم. أتسبون أمكم؟ إن تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم ، وإن زعمتم أنّها ليست بأمكم فقد خرجتم من الإسلام ، إنّ الله تعالى يقول :( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (3) ، وأنتم ترددون بين ضلالتين ، فأختاروا أيتهما شئتم. أخرجت من هذه؟
قالوا : اللهم نعم.
وأمّا قولكم : محا اسمه من أمير المؤمنين ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً ، فقال : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، فقالوا : والله لو كنا نعلم أنكَ رسول ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن أكتب محمد بن عبد الله ، فقال والله إني رسول الله وإن
____________
(1) المائدة / 95.
(2) النساء / 35.
(3) الأحزاب / 6.
كذبتموني ، أكتب يا عليّ : محمد بن عبد الله ، ورسول الله كان أفضل من عليّ.
أخرجت من هذه؟
قالوا : اللهم نعم.
فرجع منهم عشرون ألفاً وبقيت أربعة آلاف فقتلوا »(1) .
أقول : لقد مرّ في الجزء الرابع من الحلقة الأولى « ص168 » ، توثيق هذه المحاورة ثم نصّها وما تبعه(2) ، فليراجع فإنّه نافع.
ويبقى ابن عباس رضي الله عنه مفسراً عميداً ، ومتكلّماً فريداً يستلهم الكتاب والسنة في معارفه القرآنية.
والآن إلى نموذج سابع من مظاهر ألمعيته ولوذعيته في تفسيره القرآن بالسنة :
تفسيره القرآن بالسنة ونماذج من ذلك
لقد مرّت بنا كلمة ابن عباس رضي الله عنه في القرآن وما أشتمل عليه من المعارف ، وذكرنا شواهد لمنهجه في تفسيره القرآن بالقرآن ، والآن إلى نماذج تفسيرية عنه في تفسيره القرآن بالسنة :
1 ـ أخرج ابن جرير في تفسيره ، عن ابن عباس ، قال في قوله تعالى :( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) (3) :
____________
(1) الدر المنثور 2 / 157 ، ط إسلامية ( أفست ) ، حلية الأولياء 1 / (318) ـ 320.
(2) موسوعة عبد الله بن عباس / الحلقة الأولى 4 / 168.
(3) البقرة / 284.
« فذلك سر عملكم وعلانيته يحاسبكم به الله ، فليس من عبد مؤمن يُسّر في نفسه خيراً ليعمل به ، فإن عمل به كُتبَ له به عشر حسنات ، وإن هو لم يقدر له أن يعمله به كتبت له به حسنة ، من أجل أنّه مؤمن ، والله يرضى سرّ المؤمنين وعلانيتهم ، وإن كان سوءاً حدّث به نفسه أطلّع الله عليه ، وأخبره به يوم تبلى السرائر ، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به ، فإن عمل به تجاوز الله عنه كما قال :( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ) (1) » (2).
فتفسيره في هذا المقام هو من نموذج تفسير القرآن بالقرآن ، وقد عرفنا أنّ ابن عباس أخذ هذا التفسير من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى في الآية المذكورة :( وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ) ، فقد روى جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، عن الروح الأمين ، قال : « يؤتى بحسنات العبد فيقتص بعضها ببعض ، فإن بقيت حسنة وسّع الله له في الجنّة »(3) .
2 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس قال : « لمّا نزلت هذه الآية :( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) (4) ، قال : دخل
____________
(1) الاحقاف / 16.
(2) تفسير ابن جرير 3 / 147 ط البابي الحلبي.
(3) نفس المصدر 26 / 18.
(4) البقرة / 284.
قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم مثلها من شيء.
قال فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : قولوا : « سمعنا وأطعنا وسلّمنا » ، فألقى الله الإيمان في قلوبهم ، فأنزل الله عزوجل :( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (1) »(2) .
3 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموعظته فقال : « إنّكم محشورون إلى الله تعالى حُفاة عراة غرلا :( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) (3) ، فأوّل الخلائق يكسى إبراهيم خليل الرحمن عزوجل ، قال : ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال.
ـ قال أبو جعفر « أحد شيوخ أحمد » : ـ وأنّه سيُجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، قال : فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم مذ فارقتهم ،
____________
(1) البقرة / (285) ـ 286.
(2) مسند أحمد 3 / 341 / 2070.
(3) الأنبياء / 104.
فأقول كما قال العبد الصالح :( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) » (2).
4 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « لمّا نزلت :( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (3) ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « نُعيت إلي نفسي ، بأنّه مقبوض في تلك السنة »(4) .
5 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوار بمكة :( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) (5) ، قال : وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فلمّا سمع ذلك المشركون سبوّا القرآن وسبوّا مَن أنزله ومَن جاء به ، قال : فقال الله عزوجل لنبيّه :( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) ، أي بقرآءتك فيسمع المشركون فيسبّوا القرآن( وَلا تُخَافِتْ بِهَا ) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) »(6) .
6 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس : « إنّ رجلاً أتى عمر ،
____________
(1) المائدة / (117) ـ 118.
(2) مسند أحمد 3 / 350 / 2096.
(3) النصر / 1.
(4) مسند أحمد 3 / 265 / 1873.
(5) الإسراء / 110.
(6) مسند أحمد 3 / 257 / 1853.
فقال : امرأة جاءت تبايعه؟ فأدخلتها الدولج (1) فأصبتُ منها ما دون الجماع ، فقال : ويحك لعلّها مِغيّبٌ في سبيل الله؟ قال : أجل ، قال : فأتِ أبا بكر فأسأله ، قال : فأتاه فسأله؟ فقال لعلّها مِغَيبٌ في سبيل الله؟ قال : فقال مثل قول عمر ، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال له مثل ذلك ، قال : لعلّها مغيّب في سبيل الله؟ ونزل القرآن :( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) (2) ، فقال : يا رسول الله ألي خاصة أم للناس عامّة؟ فضرب عمر صدره بيده فقال : لا ولا نعمة عين ، بل للناس عامّة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صدق عمر » (3).
7 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس : « إنّ رجلاً من الأنصار أرتدّ عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فأنزل الله تعالى :( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (4) ، فبعث بها قومه ، فرجع تائباً ، فقبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك منه وخلّى عنه »(5) .
____________
(1) الدولج : المخدع ، البيت الصغير داخل البيت الكبير ، نهاية ابن الأثير.
(2) هود / 114.
(3) مسند أحمد 4 / 41 / 2206.
(4) آل عمران / (86) ـ 89.
(5) مسند أحمد 4 / 47 / 2218.
8 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « مرّ يهودي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس ، قال : كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه ، وأشار بالسبابة ، والأرض على ذه ، والماء على ذه ، والجبال على ذه ، وسائرالخلق على ذه؟ كلّ ذلك يشير بأصبعه ، قال : فأنزل الله عزوجل :( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (1) »(2) .
9 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً ، وأن ينحي الجبال عنهم ، فيزدرعوا ، فقيل له : إن شئت أن تستأني بهم ، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت مَن قَبلهم ، قال : لا ، بل أستأني بهم ، فأنزل الله عزوجل هذه الآية :( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ) (3) »(4) .
10 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « لمّا حرّمت الخمر ، قالوا : يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا يشربونها ، فأنزل الله عزوجل :( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
____________
(1) الزمر / 67.
(2) مسند أحمد 4 / 69 / 2267.
(3) الإسراء / 59.
(4) مسند أحمد 4 / 151 / 2452.
ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (1) » (2).
11 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : « أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمَان يعني عرفة ، فأخرج من صلبه كلّ ذريته ذرأها فنثرهم بين يديه كالذرّ ثم كلمّهم قِبَلاً ، قال :( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) (3) »(4) .
12 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « مرّ رجل من بني سُليم على نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم ، فقالوا : ما سلّم عليكم إلّا ليتعوّذ منكم ، فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه ، فأتوا بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله عزوجل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) (5) »(6) .
13 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله :( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ ) (7) ، قال : « غُلبتْ وغَلبت ، قال : كان
____________
(1) المائدة / 93.
(2) مسند أحمد 4 / 151 / 2455.
(3) الأعراف / (172) ـ 173.
(4) مسند أحمد 4 / 151 / 2455.
(5) النساء / 94.
(6) مسند أحمد 4 / 153 / 2462.
(7) الروم / (1) ـ 2.
المشركون يُحبّونَ أن تظهر فارس على الروم ، لأنّهم أهل أوثان ، وكان المسلمون يحبّون أن تظهر الروم على فارس لأنّهم أهل كتاب ، فذكروه لأبي بكر ، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « أما إنّهم سيغلَبون » ، قال : فذكره أبو بكر لهم ، فقالوا : إجعل بيننا وبينك أجل ، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا ، فجعل أجلاً خمس سنين فلم يظهروا ، فذكر ذلك أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقيل : ألا جعلتها إلى دون؟ قال : أراه قال العَشر ـ قال سعيد ابن جبير : البضع ما دون العشر ـ ثم ظهرت الروم بعدُ ، قال : فذلك قوله :( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ) (1) ، قال : يفرحون بنصر الله » (2).
14 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « لمّا حرّمت الخمر ، قال أناس : يا رسول الله ، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها ، فأنزلت :( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ) (3) ، قال : ولمّا حوّلت القبلة ، قال أناس : يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فأنزلت :( وَمَا كَانَ اللَّهُ
____________
(1) الروم / (1) ـ 4.
(2) مسند أحمد 4 / 186 / 2459.
(3) المائدة / 93.
لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) (1) » (2).
15 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن مجاهد : « أنّ الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (3) ، ولو أنّ قطرةً من الزقوم قطرت لأمرّت على أهل الأرض عيشهم ، فكيف من ليس له طعام إلاّ الزقوم »(4) .
16 ـ أخرج أحمد في مسنده : « إنّ مروان قال : اذهب يا رافع ـ لبوّابه ـ إلى ابن عباس فقل : لئن كان كلّ امرئ منا فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمَد بما لم يفعل لنعذّّبن أجمعين.
فقال ابن عباس : وما لكم وهذه؟ إنّما نزلت هذه في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس :( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ) (5) ، هذه الآية ، وتلا ابن عباس :( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) (6) .
وقال ابن عباس : سألهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا
____________
(1) البقرة / 143.
(2) مسند أحمد 4 / 241 / 2691.
(3) آل عمران / 102.
(4) مسند أحمد 4 / 259 / 2705.
(5) آل عمران / 187.
(6) آل عمران / 188.
بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه » (1).
17 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أصناف النساء إلاّ ما كان من المؤمنات المهاجرات ، قال :( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) (2) ، وأحلّ الله عزوجل فتياتكم المؤمنات :( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ ) (3) ، وحرّم كلّ ذات دين غير دين الإسلام ، قال :( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (4) ، وقال :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (5) ، وحرّم سوى ذلك من أصناف النساء »(6) .
18 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « جاء أبو جهل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فنهاه ، فتهددّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : أتتهددني؟ أما والله إنّي
____________
(1) مسند أحمد 4 / 251 / 2712.
(2) الأحزاب / 52.
(3) الأحزاب / 50.
(4) المائدة / 5.
(5) الأحزاب / 50.
(6) مسند أحمد 4 / 332 / 2925.
لأّكثركم أهل الوادي نادياً ، فأنزل الله :( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) (1).
قال ابن عباس : والذي نفسي بيده لو دعا ناديه لأخذته الزبانية »(2) .
19 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس : « انّه بات عند نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة ، فقام نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم من الليل فخرج فنظر إلى السماء ، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران :( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (3) حتى بلغ :( سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (4) ، ثم رجع إلى البيت فتسوّك وتوضأ ، ثم قام فصلى ، ثم اضطجع ، ثم قام فخرج فنظر في السماء ، ثم تلا هذه الآية ، ثم رجع فتسوّك وتوضأ ، ثم قام فصلى »(5) .
20 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً في ظل حجرته ـ قد كاد يقلص عنه ـ فقال لأصحابه : يجيئكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان ، فإذا رأيتموه فلا تكلموه ، فجاء رجل أزرق ، فلمّا رآه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دعاه ، فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ قال : كما أنت حتى آتيك بهم ، قال : فذهب فجاء بهم ، فجعلوا يحلفون بالله ما
____________
(1) العلق / (9) ـ 13.
(2) مسند أحمد 5 / 18 / 3045.
(3) آل عمران / 190.
(4) آل عمران / 191.
(5) مسند أحمد 5 / 95 / 3276.
قالوا وما فعلوا ، وأنزل الله عزوجل :( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) (1) » (2).
21 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن ابن عباس ، في قوله عزوجل :( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (3) ، قال : « كان بنو النضير إذا قتلوا قتيلاً من بني قريظة أدوّا إليهم نصف الدية ، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير قتيلاً أدوا إليهم الدية كاملة ، فسوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم الدية كاملة »(4) .
22 ـ أخرج أحمد في مسنده ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ـ وفي الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه ـ عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله عزوجل :( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) (5) ، قال : « كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعالج من التنزيل شدّة ، وكان ممّا يحرّك شفتيه ـ قال : فقال لي ابن عباس : أنا أحركهّما كما كان رسول صلى الله عليه وآله وسلم يحركهّما ، وقال سعيد : أنا أحرّكهما كما كان ابن عباس يحرّكهما ، فحرّك شفتيه ـ
____________
(1) المجادلة / 18.
(2) مسند أحمد 5 / 95 / 3277.
(3) المائدة / 42.
(4) مسند أحمد 5 / 144 / 3434.
(5) القيامة / 16.
فأنزل الله عزوجل :( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) (1) ، قال : جمعَه في صدرك ، ثم نقرؤه :( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) (2) ، فاستمع له وأنصت :( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (3) ، فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه » (4).
____________
(1) القيامة / (16) ـ 17.
(2) القيامة / 18.
(3) القيامة / 19.
(4) مسند أحمد 5 / 69 / 3191 ، الجمع بين الصحيحن 2 / 55.
معرفته بالتأويل
ونقرأ في ذلك عدّة نقاط
ابن عباس رضي الله عنه وألمعيته في التأويل
بعد أن قرأنا مراراً قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « اللهم فقهه في الدين وعلمّه التأويل » ، ولقد ظهر أثر ذلك الدعاء مباركاً في ابن عباس حتى صار بثاقب نظره ، يقول : « لو ضاع لأحدكم عقال بعير لوجده في القرآن »(1) ، حتى نسب إليه محمد طاهر الكردي صاحب « تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه » فقال : إنّ ابن عباس كان يقول :
جميع العلم في القرآن لكن |
تقاصر عنه أفهام الرجال (2) |
وهذا البيت لم أقف على صحة نسبته إليه في غير المصدر المذكور ، وسواء صحت نسبته إليه أم لم تصح ، فإنّ معناه مقتبس من كلام الإمام
____________
(1) ينابيع المودة / 412 ط استنابول ، وفي لفظ السيوطي في الإتقان 2 / 129 قال ابن عباس : ( لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله ).
(2) تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه / 1 ط2 مصر 1372 هـ.
أمير المؤمنين عليه السلام : « ما من شيء إلاّ وعلمه في القرآن ، ولكن عقول الرجال تعجز عنه » (1). ولمّا كان ابن عباس هو تلميذ الإمام عليه السلام وعنه أخذ تفسير القرآن ، بعد أن كان قد تعلّمه على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تنزيلاً فحفظ المحكم منه وهو ابن عشر سنين ، وتعلمّ منه تأويلاً وهو بعد فتى يافع ، كما في حديثه الذي أخرجه ابن جرير في تفسيره ، وعنه السيوطي في « الدر المنثور » ، وعنه رواه صاحب « تفسير الميزان » ، وإليكم الحديث كما يلي :
« قال ابن جرير : حدثني محمد بن إبراهيم السلمي ، قال : ثني يحيى ابن محمد بن مجاهد ، قال : أخبرني عبيد الله بن أبي هاشم الجعفي ، قال : أخبرني عامر ابن واثلة ، قال : قال ابن عباس : كنت ردف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : « يا ابن عباس : إرض عن الله بما قدّر ، وإن كان خلاف هواك ، فإنّه مثبت في كتاب الله » ، قلت : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأين؟ وقد قرأت القرآن؟ قال : « في قوله :( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (2) »(3) .
فمن كان بهذه المثابة من الفهم والإدراك فيقول للرسول صلى الله عليه وآله وسلم : فأين وقد قرأت القرآن؟ فلا غرابة لو صححنا نسبة البيت الذي نسبه إليه صاحب تاريخ القرآن.
____________
(1) ينابيع المودة / 412 ط استنابول.
(2) البقرة / 216.
(3) تفسير ابن جرير 25 / 326 ، الدر المنثور 1 / 188 ط البابي الحلبي ، تفسير الميزان 2 / 188.
ولا غرابة لو قال كلمته السابقة : « لو ضاع لأحدكم عقال بعير لوجده في القرآن »(1) .
ولا غرابة لو قرأنا عنه بعض تلكم التأويلات التي كان يختص بها دون غيره ، بلحاظ تلك الجامعية التي تميّز بها في معرفته بالقرآن معنى ومبنى ، وفهما وحكما ، إذ كان يرى في تفسير قوله تعالى :( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (2) ، بأنّ الحكمة هي المعرفة بالقرآن.
وعلى هذا المعنى رووا عنه ، كما في تفسير الطبري : « والحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومقدّمه ومؤخّره ، وحلاله وحرامه ، وأمثاله »(3) .
كما لا غرابة أيضاً في قول من قال : « أنّه أوّل من أملى في تفسير القرآن »(4) .
فقد أخرج الطبري في تفسيره بسنده عن ابن أبي مليكة ، قال : « رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ، ومعه ألواحه ، فيقول له ابن عباس أكتب ، قال : حتى سأله عن التفسير كلّه »(5) .
وأيضاً أخرج عن مجاهد ، قال : « عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفه عند كلّ آية منه وأسأله عنها »(6) .
____________
(1) الإتقان 2 / 126 ط حجازي بمصر.
(2) البقرة / 269.
(3) تفسير الطبري 3 / 89.
(4) أعيان الشيعة 1 / 195.
(5) تفسير الطبري 1 / 62.
(6) نفس المصدر 1 / 40.
وعلى هذا كان سفيان الثوري يقول : « إذ جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به »(1) .
ومثل مجاهد كام عطية العوفي فيما قال : « عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات على وجه التفسير ، وأمّا على وجه القراءة فقرأت عليه سبعين مرّة »(2) ، ولعطية هذا تفسير في خمسة أجزاء.
وكيف لا يكون كذلك وهو أخذه من ابن عباس ترجمان القرآن؟ ولم ينقل مثل هذا عن غيره من الصحابة ، فبحق كان أوّل من أملى في تفسير القرآن ، كما في « أعيان الشيعة » ، ولعلّ ما في « الذريعة » : « إنّه أوّل من صنف في التفسير »(3) إشارة إلى ما سبق. وسواء قلنا بهذا أو بذاك ، فهو كما قال ابن جزي في « التسهيل لعلوم التنزيل » : « واعلم أنّ المفسرين على طبقات : الأوّل الصحابة ، وأكثرهم كلاماً في التفسير ابن عباس ، وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ، ويقول : « كأنّما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق » ، وقال ابن عباس : ما عندي من تفسير القرآن فهو عن عليّ بن أبي طالب »(4) .
فمن بلغ تلك الدرجة العالية لا يستكثر عليه لو استخرج المعاني الدقيقة من آي الذكر الحكيم ، واستعان بالقرآن على فهم القرآن ،
____________
(1) الإتقان 2 / 190.
(2) أنظر سفينة البحار 2 / 205 ( عطا ) ، الذريعة 4 / (282) ـ 283.
(3) أعيان الشيعة 1 / 195 ، الذريعة 4 / 233.
(4) التسهيل لعلوم التنزيل 1 / 9.
وإن أعوزته الحجة فإلى السنّة ، وهذا هو التفسير الأمثل والأفضل ، ومع ذلك فقد كان مشتملاً على مكنون علمٍ في التأويل ربما حجبه عن غير أهله ، كما جاء عنه في تفسير قوله تعالى :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) (1) ، فقد أخرج الطبري بسنده عن مجاهد عن ابن عباس في قوله :( سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) ، قال : « لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم ، وكفركم تكذيبكم بها » (2).
وأخرج بسنده عن سعيد بن جبير ، قال : « قال رجل لابن عباس :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) الآية؟ فقال ابن عباس : ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر »(3) .
وأظن أنّه أراد القسم الثالث من تقسيمه التفسير ، وقد مرّ ، حيث قال : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « أُنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به ، وتفسير تفسّره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلاّ الله ، ومن أدعى علمه سوى الله فهو كاذب »(4) .
____________
(1) الطلاق / 12.
(2) تفسير الطبري 28 / 153.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر 1 / 34 ط الباري الحلبي.
ولا يبعد أن يكون المراد بقوله في تفسير الآية :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) (1) : « لو ذكرت تفسيره لرجمتموني ، أو لقلتم أنّه كافر »(2) .
أقول : لا يبعد أن يكون مراده هو القسم الثالث من تقسيمه الذي يعلمه العلماء ، فلا مساغ لذكره لسائر الناس ممن لا تحتمل عقولهم ذلك التفسير.
وقد ناقش عبد الحليم النجار في هامش « مذاهب التفسير الإسلامي » نسبة قول ذلك إلى ابن عباس(3) ، ومناقشته لا تسلم من المناقشة(4) .
ولعلّ في تفسيره بعض الغريب ما يوجب وهماً لمن أساء فهماً ، لذلك قال السيوطي في « الإتقان حول غريب القرآن » : « وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما أثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخّرين عنه ، فإنّه ورد عنه ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة ، وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن
____________
(1) الطلاق / 12.
(2) أنظر الفتوحات المكية 1 / 32.
(3) مذاهب التفسير الإسلامي / 237.
(4) لقد قال : ( وإن كل ما يتعلق من علم يجب بثه ونشره ، ويحرم حجبه وكتمانه ) ، وأستدل بقوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ) البقرة / 159 ) ، وبحديث : ( من كتم علماً عن أهله ألجم يوم القيامة بلجام من نار ) ، وهذا منه غريب! فابن عباس حبر الأمة لم يكتم علماً بيّناً في الكتاب عن أهله ، وإنما حجب ذلك عن غير أهله عمن لا تحتمل عقولهم تفسيره ، ولذا قال : ( لو ذكرت تفسيره لرجمتموني ، أو لقلتم أنه كافر ).
ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة ، فإنّها من أصح الطرق عنه ، عليها أعتمد البخاري في صحيحه مرتباً على السور » (1).
والتأويل مأخوذ من الأول ـ آل يؤول أولاً وتأويلاً ـ قال الجوهري : « التأويل : تفسير ما يؤول إليه الشيء ، وقد أوَّلته وتأوّلته تأولاً ، بمعنى »(2) .
وقال سيدنا الأستاذ السيد الخوئي قدس سره في « البيان » : « أوّل الحكم إلى أهله ، أي ردّه إليهم.
وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة وما يؤول إليه الأمر ، كما في قوله تعالى :( وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) (3) ، وقوله تعالى :( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ) (4) .
وعلى ذلك فالمراد بتأويل القرآن ما يرجع إليه الكلام وما هو عاقبته ، سواء أكان ذلك ظاهراً يفهمه العارف باللغة أم كان خفيّاً لا يعرفه إلاّ الراسخون في العلم »(5) .
وقد ذكروا فروقاً كثيرة بين التفسير والتأويل ، حكى الشيخ محمد حسين الذهبي بعضها ، كان منها ما قاله الراغب الإصفهاني في « المفردات » :
____________
(1) الإتقان 1 / 115.
(2) الصحاح / مادة : ( أوّل ).
(3) يوسف / 6.
(4) يوسف / 36.
(5) البيان 1 / 243.
« التفسير أعمّ من التأويل ، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ ، والتأويل في المعاني : كتأويل الرؤيا ، والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهية ، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها ، والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ ، والتأويل أكثره يستعمل في الجمل.
فالتفسير : إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ كالبحيرة والسائبة والأصيلة ، أو في تبيين المراد وشرحه كقوله تعالى :( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (1) .
وأمّا في كلام مضمن بقصة لا يمكن تصورّه إلاّ بمعرفتها ، نحو قوله تعالى :( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) (2) ، وقوله تعالى :( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ) (3) .
وأمّا التأويل : فإنّه يستعمل مرّة عامّاً ومرّة خاصاً ، نحو الكفر المستعمل في الجحود المطلق ، وتارة في جحود الباري خاصة ، والإيمان المستعمل بين معان مختلفة ، نحو لفظ « وجد » المستعمل في الجدة ، والوجد ، والوجود »(4) .
ولا ريب أنّ ابن عباس بلغ في معرفة التأويل ما رفع مستواه العلمي بين الصحابة ، فكان يفسّر القرآن بالقرآن ، وعند الحاجة فبالسنّة ، ويستعين
____________
(1) البقرة / 43.
(2) التوبة / 37.
(3) البقرة / 189.
(4) مقدمة التفسير المطبوعة في آخر مطاعن القرآن للقاضي عبد الجبار المعتزلي.
كثيراً بشواهد الشعر العربي ليسهل على السامع أن يدرك معاني القرآن في تدبّر آياته ، وهذا ما كانت عليه سيرته وعرف به نهجه حيث كان من الراسخين في العلم الذي شملتهم الآية الكريمة :( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1) ، وهذا ما جعله مستهدفاً ، للسلطان الأموي حيث أغاضه أن يكون ابن عباس يرفع الحصار الثقافي العقائدي عن أهل البيت عليهم السلام عن طريق تفسير القرآن وتأويله بما لا يعجب معاوية وأشياعه.
وقد مرّ بنا في الحلقة الأولى رواية حوارٍ جرى بين ابن عباس وبين معاوية ـ وكان ذلك أوّل لقاء بينهما بعد مهادنة الإمام الحسن عليه السلام سنة 41 هـ ـ فقد جاء في ذلك الحوار بيان نهجه في التفسير والتأويل وفيه كشف عن حقائق مغيّبة عن الأمّة للتضليل الأموي ، فكان ابن عباس هو رجل الساعة والساحة يومئذ.
وإلى القارئ خلاصة ما دار بينهما :
قال معاوية : فإنّا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته ، فكفّ لسانك يا بن عباس وأربع على ضلعك.
فقال له ابن عباس : أفتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال : لا.
____________
(1) آل عمران / 7.
قال : أفتنهانا عن تأويله؟
قال : نعم :
قال : فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به؟
قال : نعم.
قال : فأيّما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال معاوية : العمل به.
قال : فكيف نعمل به ، حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
قال : سل عن ذلك مَن يتأوله على غيرما تتأوله أنت وأهل بيتك.
قال : إنّما أنزل القرآن على أهل بيتي ، فأسال عنه آل أبي سفيان؟ أو أسأل عنه آل أبي معيط؟ أو اليهود؟ أو النصارى؟ أو المجوس؟
قال معاوية : فقد عدلتنا بهم وصيّرتنا منهم؟
فقال له ابن عباس : لعمري ما أعدلك بهم ، غير أنّك نهيتنا أن نعبد الله بالقرآن ، وبما فيه من أمر ونهي أو حلال أو حرام ، أو ناسخ أو منسوخ ، أو عام أو خاص ، أو محكم أو متشابه ، وإن لم تسأل الأمة عن ذلك هلكوا وأختلفوا وتاهوا.
قال معاوية : فأقرؤا القرآن وتأوّلوه ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم من تفسيره ، وما قاله رسول الله فيكم وأرووا ما سوى ذلك.
قال ابن عباس : قال الله في القرآن :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .
____________
(1) التوبة / 32.
فهذه المحاورة كشفت لنا عن مبلغ علم ابن عباس رضي الله عنه بتأويل القرآن ، بما فيه من معاني دقيقة وإشارات جليلة يمكن توظيفها في محاربة الكافرين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، أمثال معاوية ، كما أنّها أيضاً كشفت عن مبلغ حقد ذلك الغاوي العاوي معاوية الطليق بن الطليق ، على أهل البيت عليهم السلام بمن فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولولا مواقف ابن عباس رضي الله عنه في كشف صفحات أولئك الأرجاس ، لقضوا على الدين برمته ، وعلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته من طريق الحجر على تأويل القرآن بل وحتى تلاوته. فقد كان ابن عباس يقول في قوله تعالى :( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) (1) ، قال : « إنّا نقرئك فلا تنسى :( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ) (2) عليك( فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) ، يقول : إذا تلي عليك فأتبع ما فيه »(3) .
وهذا النحو من التأويل هو الذي ارتضاه الطبري وغيرهُ. لم يكن يعجب الحاكمين الظالمين المعادين لأهل البيت عليهم السلام ، ألم يقل الطليق معاوية لابن عباس : « سل عن ذلك مَن يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك »!
والآن فلنقرأ بعض ما جاء عن ابن عباس في الجوانب التأويلية للنماذج التالية :
ـ كليات تفسيرية عنه في الوجوه والنظائر.
ـ نماذج تأويلية في أمثال القرآن.
____________
(1) القيامة / 17.
(2) القيامة / 18
(3) تفسير الطبري 1 / 44.
ـ أحاطة بمسائل الصحابة في القرآن.
ونرجيء الكثير إلى البحث في أسباب النزول وموقف ابن عباس منها.
كليات تفسيرية عنه في الوجوه والنظائر في القرآن
لقد جاء ابن عباس بسبق لم يجيء قبله عن أي واحد من الصحابة ، وذلك ذكره الوجوه والنظائر في اللفظ القرآني بنحو الكليات ، وهذا لون من ألوان التفسير للألفاظ القرآنية.
ولم يرد فيه حديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ ما ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ، قال : « أخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والطبراني في الأوسط وأبو نصر السجزي في الإبانة وأبو نعيم في الحلية والضياء في المختارة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « كلّ حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة »(1) .
وهذا لون من ألوان التفسير القرآني بذكر الوجوه والنظائر في الآيات ، ولم يعهد عن أحد من الصحابة إستيعابه بمثل ما قرأته بكثرة موارده عن ابن عباس ، ممّا يدلنا أنّه استقى معرفته من ينبوعه الأوّل ومعينه الصافي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد ورد عن ابن عباس روايات في هذا النوع ذكرها السيوطي مجملاً في « الإتقان » ، وأنا أذكرها مضيفاً إليها
____________
(1) الدر المنثور 1 / 269 ، مسند أحمد بن حنبل 3 / 75.
بعون الله تعالى ما تيسّر لي الإطلاع عليه ممّا لم يذكره ، وكذلك أذكر تمام الآية في مواضعها في القرآن فيما إذا اقتضى المقام إيضاحاً.
1 ـ قال السيوطي : « وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة ، عن ابن عباس قال : كلّ شيء في القرآن أليم فهو الموجع »(1) .
أقول : لقد وردت لفظة « أليم » في (58) موضعاً كلّها مقرونة بسبق كلمة العذاب ، ويبدو أنّ ابن عباس أخذ تفسير كلمة « الأليم » الموجع لكونها وقعت وصفاً لكلمة العذاب ، فقد قال تعالى :( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (2) ، وقال تعالى :( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) .
كما وقد وردت « أليماً » مسبوقة بكلمة « عذاب » فهي أيضاً بمعنى الموجع ، قال تعالى :( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) (4) ، وقال تعالى :( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) (5) .
2 ـ قال السيوطي : « وأخرج من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : كلّ شيء في القرآن قتل فهو لعن »(6) .
____________
(1) الإتقان 1 / 145 مصطفى محمد 1268 هـ مصر مطبعة حجازي.
(2) البقرة / 10.
(3) الإنشقاق / 24.
(4) النساء / 18.
(5) الإنسان / 31.
(6) الإتقان 1 / 145.
أقول : لقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى : «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) (1) ، وفي قوله تعالى : «فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) (2) ، وفي قوله تعالى : «قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) (3) ، وفي قوله تعالى : «قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) (4) ، ولم ترد صيغة « قُتِلَ » بالمعنى المذكور في موردين أحدهما : قوله تعالى :( فَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (5) ، وثانيهما : قوله تعالى :( وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ) (6) ، وعلى هذا فالكلمة ليست صحيحة النسبة.
3 ـ قال السيوطي : « وأخرج من طريق الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كلّ شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب »(7) .
أقول : لقد وردت لفظة « الرجز » في أربعة مواضع معرّفة ، وفي سبعة مواضع منكّرة مرفوعة ومنصوبة ، وكلّها معانيها ظاهرة كما قال ابن عباس إلاّ في مورد واحد قد لا يبيّن وجهه ، وذلك قوله تعالى :( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) (8) .
ولكن إذا علمنا أنّ « الرجز » ظاهره في الآية هو القذر ، ولكن ثمّة من فسره بالأصنام ، فيكون المعنى حينئذ واضحاً كما قال ابن عباس ، فكلّ صنم مستقذر
____________
(1) الذاريات / 10.
(2) المدثر / 19.
(3) عبس / 17.
(4) البروج / 4.
(5) آل عمران / 144.
(6) الإسراء / 33.
(7) الإتقان 1 / 145.
(8) المدثر / (4) ـ 5.
يجرّ إلى العذاب والعقاب.
4 ـ قال السيوطي : « وقال الفريابي : حدثنا قيس ، عن عمارة الذهبي « والصواب عمار الدهني » ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كلّ تسبيح في القرآن صلاة ، وكلّ سلطان في القرآن حجة »(1) .
أقول : والكلام في الكلمتين يستدعي البحث في كلّ منهما لوحده.
فالكلمة الأولى « كل تسبيح في القرآن صلاة » ، المراد هو ما اشتق من مادة التسبيح ، مهما كانت لفظة التسبيح بصيغها المتعددة فهي صلاة ، بمعنى الصلاة اللغوي الذي هو الدعاء ، فقد وردت المادة بأكثر من عشرين صيغة وكلّها تدلّ على المعنى اللغوي للصلاة ، فمثلاً كلمة « سبحان » التي هي وردت أكثر من غيرها حيث وردت في (18) آية وافتتحت بها سورة الإسراء ، فقال تعالى :( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (2) ، قال ابن عباس في قوله سبحان الله : تنزيه الله نفسه عن السوء(3) .
إذن فكلمة « سبحان » تنزيه له تعالى من كلّ نقص ، ولا يجوز أن ينزّه به غيره من المخلوقين ، وهي كلمة تدل على نهاية التنزيه وغاية التقديس ، وهي وإن كانت مأخوذة من السبح : بمعنى الذهاب والإبعاد ، فهي بمعنى
____________
(1) الإتقان 1 / 145.
(2) الاسراء / 1.
(3) الإتقان 1 / 164.
أنزه الله تعالى عن النقائص وأبعده عن صفات المخلوقين ، وأجلّه عما وصفه به الكافرون ، وأفتراه عليه المكذبون الظالون ، فهي إذن دعاء بالتنزيه.
وكذلك كلمة « يسبّح » والتي وردت مكرراً وأفتتحت بها سورة الجمعة ، فقال تعالى :( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) (1) ، فمعنى التسبيح هو طلب الثناء والتقديس لذات الجلال والعظمة ، وهذا الطلب هو معنى الدعاء والذي يجري على اللسان بالمقال ، كذلك يجري بلسان الحال ،( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (2) .
أمّا الكلمة الثانية : « وكلّ سلطان في القرآن حجة » ، فإنّ كلمة « سلطان » وردت مرفوعة ومنصوبة ومخفوظة في (35) آية كريمة ، وفي جميعها تتضمن معنى الحجة والبرهان وهي القوة في الغلبة ، سواء كانت مادية أو معنوية.
5 ـ قال السيوطي : « وأخرج بن أبي حاتم من طريق عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كلّ شيء في القرآن الدين فهو الحساب »(3) .
أقول : لقد وردت كلمة « الدين » من الدينونة في (62) موضعاً ، منها ما هو صريح بيوم الحساب ، ومنها ما هو ظاهر في المراد منه أيضاًَ ، ومنهما ما يشير إليه بلوازمه ، وكشواهد على ذلك نقرأ الآيات التالية :
قال سبحانه وتعالى :( وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ
____________
(1) الجمعة / 1.
(2) الإسراء / 44.
(3) الإتقان 1 / 145.
الدِّينِ ) (1) ، فهذه الآية صريحة في يوم الحساب ، وقال سبحانه وتعالى :( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) (2) ، أي هل رأيت الذي يكذب بالبعث والجزاء وهو يوم الحساب ، وقال سبحانه وتعالى :( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) (3) ، فالدين القيّم هو الإسلام ، وعلى الإلتزام بهذا الدين القيم يكون الثواب والعقاب في يوم لا مردّ له ، وهو يوم الحساب.
6 ـ قال السيوطي : « وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والإبتداء من طريق السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس ، قال : « كلّ ريب شك ، إلاّ مكاناً واحداً في « الطور » « ريب المنون » يعني حوادث الأمور »(4) .
7 ـ قال السيوطي : « أخرج أبو الشيخ عن الضحاك ، قال : قال لي ابن عباس : أحفظ عني : كلّ شيء في القرآن( وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (5) فهو للمشركين ، فأمّا المؤمنون فما أكثر أنصارهم وشفعاءهم »(6) .
8 ـ قال السيوطي : « فائدة » : أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، قال : كلّ شيء في القرآن فيه « أو » فصاحبه مخيّر فيه ، فإذا كان « فمن لم يجد »
____________
(1) الانفطار / (14) ـ 15.
(2) الماعون / 1.
(3) الروم / 43.
(4) الإتقان 1 / 145.
(5) التوبة / 74.
(6) الإتقان 1 / 146.
فهو الأوّل فالأوّل » (1).
9 ـ قال السيوطي : « وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس ، قال : « كلّ عسى في القرآن فهي واجبة »(2) ، أي محققة الحصول.
10 ـ قال السيوطي : « أخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كلّ شيء في القرآن كاد وأكاد ويكاد فإنّه لا يكون أبداً »(3) .
11 ـ في تفسير الطبري بسنده ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : « كلّ شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر ، فإنّما يعني به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنّما يعني به الذنب »(4) .
12 ـ في تفسير الطبري بسنده عن ابن عباس ، قال : « كلّ ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون »(5) .
13 ـ في « بحار الأنوار » : قال ابن عباس : « كلمّا ذكر الله في القرآن ممّا في الجنّة وسماه ليس له مثل في الدنيا ، ولكن سماه الله بالإسم الذي يعرف ، والزنجبيل ممّا كانت العرب تستطيبه ، فلذلك ذكره الله في القرآن ، ووعدهم أنّهم يسقون في الجنّة الكأس الممزوج بزنجبيل الجنّة( عَيْناً فِيهَا
____________
(1) نفس المصدر 1 / 158.
(2) الإتقان 1 / 165. وقد ذكر الزركشي في البرهان 4 / 288 هذا نقلاً عن البيهقي ، وتعقبه بكلام حوله فليراجع.
(3) الإتقان 1 / 168.
(4) تفسير الطبري 1 / 185ط الباب الحلبي بمصر. وفي مجمع البيان 1 / 140 ط الأعلمي بتفاوت يسير.
(5) نفس المصدر 11 / 38.
تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ) (1) أي الزنجبيل من عين تسمى سلسبيلاً » (2).
14 ـ في تفسير السمرقندي : عن ابن عباس ، قال : « كلّ شيء أوتي نبيّكم إلاّ مفاتيح الغيب الخمس »(3) .
15 ـ في كتاب « المنمّق » لمحمد بن حبيب البغدادي : قال ابن عباس : « كلّ حلف كان قبل نزول قوله عزوجل :( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) (4) فهو مشدود ، وكلّ حلف كان بعدها فهو منقوض »(5) .
أقول : ويعني بذلك ما أخرجه الطبري في تفسيره في تفسير الآية من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : « قوله :( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) (6) ، فكان الرجل يعاقد الرجل أيّهما مات ورثه الآخرون ، فأنزل الله :( وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً ) (7) ، يقول : إلاّ أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية ، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت وذلك هو المعروف »(8) .
وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله :( وَالَّذِينَ
____________
(1) الإنسان / 18.
(2) بحار الأنوار 8 / 112.
(3) تفسير السمرقندي 3 / 29.
(4) النساء / 33.
(5) المنمّق / 263.
(6) النساء / 33.
(7) الأحزاب / 6.
(8) تفسير الطبري 5 / 52.
عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) (1) ، قال : « كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه ، للأخوّة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم ، فلمّا نزلت هذه الآية :( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) (2) ، نسخت » (3).
ذكر الطبرسي في « مجمع البيان » عن ابن عباس : « إنّ ما في القرآن من( يَا أَيُّهَا الناس ) فإنّه نزل بمكة ، وما فيه من :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ) فإنّه نزل بالمدينة »(4) .
نماذج تأويلية في أمثال القرآن
وممّا يلحق بنماذج تأويلية ، ما رواه السيوطي عنه في « الإتقان » في فصل أمثال القرآن : وذكر عن ابن عباس أربعة آثار في ذلك :
« الأوّل » : قوله تعالى :( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ
____________
(1) النساء / 33.
(2) النساء / 33.
(3) تفسير الطبري 5 / 53.
(4) مجمع البيان 1 / 112.
اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1).
قال ابن عباس : هذا مثل ضربه للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلمّا ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوأه( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) ، يقول : في عذاب ،( أَوْ كَصَيِّبٍ ) ، هو المطر ضرب مثله في القرآن ،( فِيهِ ظُلُمَاتٌ ) ، يقول : إبتلاء ورعد وبرق وتخويف ،( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) ، يقول : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين ،( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) ، يقول : كلمّا أصاب المنافقون في الإسلام عزاً اطمأنوا ، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا فأبوا الا يرجعوا إلى الكفر ، كقوله :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (2) .
« الثاني » : قوله تعالى :( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ) (3) .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي ـ بن أبي طلحة ـ عن ابن عباس ،
____________
(1) البقرة / (17) ـ 20.
(2) الحج / 11.
(3) الرعد / 17.
قال : هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها :( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً « وهو الشك ،( وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) وهو اليقين ، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار ، كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
« الثالث » : قوله تعالى :( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) (1) .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي ـ ابن أبي طلحة ـ عن ابن عباس ، قال : هذا مثل ضربه الله للمؤمن يقول هو طيّب وعمله طيّب ، كما أنّ البلد الطيّب ثمرها طيب ،( وَالَّذِي خَبُثَ ) ضرب مثله للكافر كالبلد السبخة المالحة ، والكافر هو الخبيث وعمله خبيث.
« الرابع » : قوله تعالى :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (2) .
أخرج البخاري ، عن ابن عباس ، قال : قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيمن ترونه هذه الآية نزلت :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) ، قالوا : الله أعلم ، فغضب عمر فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن
____________
(1) الأعراف / 58.
(2) البقرة / 266.
عباس : في نفسي منها شيء ، فقال : يا بن أخي قل ولا تحقّر نفسك ، قال ابن عباس : ضربت مثل لعمل ، قال عمر : أيّ عمل؟ قال ابن عباس : لرجل غني عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله » (1).
إحاطة بمسائل الصحابة في القرآن
« أخرج البزار في مسنده عن ابن عباس ، قال : « ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد ما سألوه إلاّ عن اثنتي عشرة مسألة كلّها في القرآن »(2) .
قال السيوطي : وأورده الإمام الرازي بلفظ أربعة عشر حرفاً ، وقال منها ثمانية في البقرة.
1 ـ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (3) .
2 ـ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (4) .
3 ـ( يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (5) .
____________
(1) الإتقان 2 / 132.
(2) أنظر تفسير ابن كثير 1 / 157.
(3) البقرة / 186.
(4) البقرة / 189.
(5) البقرة / 215.
4 ـ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1) .
5 ـ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) (2) .
6 ـ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (3) .
7 ـ( وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (4) .
8 ـ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (5) .
____________
(1) البقرة / 217.
(2) البقرة / 219.
(3) البقرة / 220.
(4) البقرة / 219.
(5) البقرة / 222.
9 ـ( يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (1) .
10 ـ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (2) .
11 ـ( يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (3) .
12 ـ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ) (4) .
13 ـ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) (5) .
14 ـ( وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ) (6) .
قال السيوطي : قلت : السائل عن الروح وعن ذي القرنين مشركوا مكة واليهود ، كما في أسباب النزول لا أصحابه ، فالخالص اثنا عشر كما صحت
____________
(1) المائدة / 4.
(2) الأنفال / 1.
(3) الأعراف / 187.
(4) طه / 105.
(5) الاسراء / 85.
(6) الكهف / 83.
به الرواية » (1).
وهذه المسائل ذكرها الزركشي في « البرهان »(2) .
____________
(1) الإتقان 1 / 199.
(2) البرهان 4 / (52) ـ 53.
معرفته بأسباب النزول
والبحث يستدعي الإشارة إلى الحاجة عن أسباب النزول ، ثم مصادر ابن عباس رضي الله عنه في معرفته بها ، وأخيراً نماذج تفسيرية عنه خاصة بأهل البيت عليهم السلام.
أمّا عن معرفة أسباب النزول ، لمّا كان نزول القرآن منجماً ، منه ما نزل إبتداءاً ، ومنه ما نزل عقب واقعة أو سؤال ، ومعرفته تفيد الباحث وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
كما قال الواحدي : « لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها »(1) .
وقال ابن دقيق العيد : « بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن »(2) .
وقال ابن تيمية : « معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإنّ العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب »(3) .
____________
(1) الإتقان 1 / 29.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
وقد ذكر السيوطي شواهد على ذلك ، من شاءها فليراجعها في « الإتقان »(1) .
ولمّا كانت آيات الكتاب المجيد منها مكي ومنها مدني ، وقد رويت عن ابن عباس في ذلك روايات تستدعي التوقف عندها ، لأنّ منها ما نزل بمكة وهو بعدُ لم يولد ، ومنها ما نزل بمكة وهو بعد في المهد ، ومنها ما نزل بالمدينة وهو بعد لم يهاجر ، فمن أين له المعرفة بذلك؟ ومرجعه لا بد أن يكون هو النقل ، إذ لا مجال للرأي فيه.
والجواب ما تقدم منّا في « مصادر معرفته وينابيع حكمته » من كان يغذّيه بعلومه ، وكان أعلم الصحابة في ذلك وهو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي يقول : « والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما أنزلت؟ وأين نزلت؟ إنّ ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً »(2) ، وهو القائل : « ما في قريش أحد إلاّ وقد نزلت فيه آية » ، قيل له : فيما نزل فيك؟ قال : « ويتلوه شاهد فيه »(3) ، وفي كتب التفسير وأسباب النزول والمبهمات شواهد كثيرة.
وكان ابن عباس يقول : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(4) .
____________
(1) نفس المصدر.
(2) مناهل العرفان 1 / 68.
(3) الإتقان 2 / 151.
(4) مناهل العرفان 2 / 486.
فهو إذن غنّي ثريّ مليّ بما أوتيه من فهم واختصاص فيما تلقاه من باب مدينة العلم. ولم تكن روايته عن الآخرين في هذا الشأن عن حاجة ، ولكن لتمشية الحال كما يقال بعد أن أصبحت المحاصرة والمكاشرة والمكاثرة بين الخالفين وأهل البيت ، فصار ابن عباس وهو الوحيد من أهل البيت عليهم السلام الذي تمكن بسلوكه أن يبث ما عنده من معارف بتنويع مصادره ، فتارة يصرّح وأخرى يضمر. وكان ممن اتكأ عليه في أسباب النزول هو أبيّ بن كعب ، فقال : « سألت أبيّ بن كعب عما نزل من القرآن بالمدينة فقال : نزل بها سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة »(1) .
نماذج من مصادر معرفته بأسباب النزول
لا شك أنّه لم يكن ابن عباس قد حضر جميع أسباب النزول زماناً ومكاناً ، فلابد أنّه سمع ذلك من الآخرين على نحو ما روى ابن إسحاق في سيرته في حديث بناء الكعبة قال : « حدثني أبي العباس بن عبد المطلب ، قال : كنّا ننقل الحجارة حين بنت قريش البيت ، فأفردت قريش رجلين رجلين ، وكان النساء ينقلن الشَيِد وكان الرجال ينقلون الحجارة »(2) .
____________
(1) الإتقان 1 / 9 مطبعة حجازي بمصر1361 هـ.
(2) سيرة ابن اسحاق / 79 تح سهيل زكار.
وكذلك ما رواه ابن إسحاق أيضاً في إسلام سلمان الفارسي.
فقد رواه عن عبد الله بن عباس ، قال : « حدثني سلمان الفارسي وساق خبر إسلامه »(1) ، وقد مرّ من قبل.
وفي خصوص أسباب النزول فثمّة شواهد على أنّه قد روى بعضها عن غيره كما في سبب إنّ الجن كانوا يسترقون السمع.
روى ابن إسحاق في سيرته بسنده : « عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس ، قال : حدثني رهط من الأنصار قالوا : بينما نحن جلوساً مع رسول صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة ، إذ رأى كوكباً ، فقال : « ما تقولون في هذا الكوكب الذي رُمي به؟ » فقلنا : يولد مولود ، يهلك هالك ، يملك ملك.
فقال رسول الله : « ليس كذلك ، ولكن الله عزوجل إذا قضى أمراً في السماء سبّح بذلك حملة العرش ، فيسبّح لتسبيحهم من يليهم ممن تحتهم من الملائكة ، فما يزالون كذلك حتى ينتهي التسبيح إلى السماء الدنيا ، فيقول أهل السماء الدنيا لمن يليهم من الملائكة ممّ سبحتم؟ فيقولون : ما ندري ، سمعنا مَن فوقنا من الملائكة سبّح فسبّحنا إليه عزوجل لتسبيحهم ، ولكنّا نسأل ، فيسألون مَن فوقهم ، فما يزالون كذلك حتى ينتهي إلى حملة العرش فيقولون : قضى الله عزوجل كذا وكذا ، فيخبرون به من يليهم حتى ينتهوا إلى أهل السماء الدنيا ، فيسترق الجن ما يقولون ، فينزلون به
____________
(1) نفس المصدر.
إلى أوليائهم من الإنس فيلقون على ألسنتهم بتوهم منهم فيخبرون الناس ، فيكون بعضه حقاً ، وبعضه كذباً ، فلم يزل كذلك حتى رموا بهذه الشهب » (1).
وفي حديث إنذار العشيرة رواه ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحديث طويل.
إلى غير ذلك ممّا صرّح بروايته عن غيره ، وما لم يصرّح به فهو يرويه عن ابن عمه عليّ عليه السلام الذي قال فيه : « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ ابن أبي طالب عليه السلام » ، كما مرّ قريباً.
لذلك كان ابن عباس رضي الله عنه عالماً بأسباب النزول علماً متكاملاً بكلّ ما لمعنى كلمة التكامل من مفهوم ، فهو تلقى ذلك من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من مدينة العلم من ابن عمه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام باب مدينة العلم ، والذي كان يقول : « والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيما أنزلت؟ وأين أنزلت؟ وإن ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً »(2) .
وقال ابن عباس رضي الله عنه « ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب »(3) .
كما كان يقول : « علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من علم الله ، وعلم عليّ من علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر »(4) .
فأورثته تلك المعرفة مكانة متميزة عده ابن عمر معها بأنّه أعلم من
____________
(1) نفس المصدر / (113) ـ 114.
(2) حلية الأولياء 1 / 68.
(3) مناهل العرفان 2 / 486.
(4) ينابيع المودة باب 14 / 10ط.
بقي بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1).
ونحن إذا أخذنا بما ذكره النجاشي في ترجمة الجلودي في رجاله ، سنجد قائمة من الكتب المتعلقة بابن عباس منها : « كتاب التنزيل »(2) ، وأحسبه هو الذي ذكره المرحوم السيد الأمين في « الأعيان »(3) بعنوان « كتاب عكرمة عن ابن عباس في أسباب النزول » ، ومن قبل هذا ذكره ابن النديم في « الفهرست » أيضاً.
ثم إنّه قد وردت عنه رضي الله عنه روايات في شأن نزول بعض الآيات في أهل البيت عليهم السلام ، أو في الإمام عليه السلام خاصة ، وقد جمعها غير واحد فأفردها بعضهم بالتأليف ، ونثرها بعضهم ضمن كتبهم في التفسير أو الحديث أو المناقب.
والآن نأتي على ذكر بعض الآيات من مجموعة الروايات التي رواها ابن عباس رضي الله عنه في شأن أهل البيت عليهم السلام ، ونرجئ إلى الحلقة الثالثة بقية ما وصل إلينا من تراث ابن عباس من جمع الآخرين في هذا الشأن.
____________
(1) الإصابة ترجمة ابن عباس 2 / (3) ـ 4 ط مصطفى محمد.
(2) رجال النجاشي / 167.
(3) أعيان الشيعة 1 / 207 ط الأولى.
ما روى عنه في أسباب النزول ممّا يتعلق بأهل البيت عليهم السلام
لو لم تكن الأهمية البالغة لمعرفة أسباب النزول ، إلاّ كونها تعطي دلالات معينّة ـ وهي مُعينةٌ أيضاً ـ على فهم حقيقة المعنى المراد من الآية ، لكفى المرء فخراً وفضلاً لو أحاط علماً بها ، إذ ربّ آية يعطي ظاهرها شيئاً ، ولكنها بمعرفة سبب نزولها زادت في عطائها ، يزيل ظلمة ما عرفناه وأشرنا إليه ممّا قد مرّ بالمسلمين من توجيه سياسي معيّن إزاء تفسير القرآن ومنع الحديث خصوصاً عما فيه ممّا يتعلق بفضل أهل البيت عليهم السلام ، وأدركنا مدى أهمية شأن النزول ، ولقد مرّت بنا إشارة إلى خلاصة الحوار الذي دار بين معاوية وابن عباس حول القرآن وتأويله ، لذلك لا غرابة لو وجدنا روايات ابن عباس رضي الله عنه في شأن نزول الآية التي تتعلق بأهل البيت عليهم السلام مبثوثة في مصادر التراث الإسلامي بكثرة لم يبلغها أي راو غيره من الصحابة ، ويبدو لي أنّه كان يرى في بث ذلك وإشاعته فرضاً لازماً ، لئلا يحاول الحصار الجائر محو ذكر أهل البيت عليهم السلام من ذاكرة المسلمين. ولم يكن تخفى عليه سلبيّات تسربت إلى الأذهان من مسائل العموم والخصوص وتخصيص الحكم بمورده ، لتكون العبرة بخصوص السبب ،
فيتخلص المنافقون الذين عانوا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مغبّة عموم ما ورد في ذمّ المنافقين ، وما أنزل فيهم من آي الذكر الحكيم ، والحديث في هذا الجانب ليس بعيداً عن ابن عباس رضي الله عنه فهو أوّل من عُرفت عنه كلمة : « ما من عام إلاّ وقد خص ، إلاّ قوله تعالى :( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (1) » (2). وسيأتي ما يتعلق بالمقام.
وكلامه في الناسخ والمنسوخ ممّا طفحت به كتب التفسير والأحكام ـ وسيأتي بحث مسألة الناسخ والمنسوخ عند ابن عباس ـ.
فهو من منطلق مبدئه في جهاد الكفار بالسيف ، وجهاد المنافقين باللسان(3) ، كان يرى المنافقين الذين يبغضون الإمام عليه السلام فيقيم الحجة عليهم باللسان ما وسعه البيان وسمح له بإظهاره الزمان. ومن ذلك ما نشره من فضائل أهل البيت عليهم السلام عن بيان معرفة أسباب النزول.
ولم نجد أحداً كان يملك جرأته فيقول : « ما نزل في القرآن :( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (4) ، إلاّ وعليّ أميرها وشريفها ، وما من أصحاب محمد رجلاً إلاّ وقد عاتبه الله وما ذكر عليّاً إلاّ بخير »(5) ، مع الضغط الحاكم الخانق الذي يمنع من ذكر عليّاً عليه السلام باسمه فضلاً عن نشر فضائله.
____________
(1) البقرة / 282.
(2) كنز العرفان للمقداد السيوري 1 / 140 السيد محمد القاضي.
(3) نفس المصدر 1 / 519.
(4) البقرة / 25.
(5) شواهد التنزيل للحسكاني 1 / 21 ، وفي الهامش عن معرفة الصحابة لأبي نعيم وغيره.
ومن ذا غيره أعلن عن الأسماء لعليّ عليه السلام في القرآن لا يعرفها الناس ، فقال : « إنّ لعليّ عليه السلام في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس ، قوله :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) (1) ، فهو المؤذّن بينهم يقول : ألا لعنة الله على الذين كذّبوا بولايتي واستخفوا بحقي »(2) .
ومن ذا غيره قال : « ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّ »(3) .
ومن ذا تحدّث عن مشهد لم يشهده مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام سواه ، فقال : « أخذ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يدي ويد عليّ بن أبي طالب ، وخلا بنا على ثبير ، ثم صلى ركعات ثم رفع يديه إلى السماء فقال : « إنّ موسى بن عمران سألك ، وأنا محمد نبيّك أسألك أن تشرح لي صدري وتيسّر لي أمري ، وتحلل عقدة من لساني ليفقه به قولي ، إجعل لي وزيراً من أهلي ، عليّ بن أبي طالب أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري ». قال ابن عباس : سمعت مناديّاً ينادي : يا أحمد قد أوتيت ما سألت. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ : « يا أبا الحسن أرفع يدك إلى السماء فادع ربك وسل يعطك » ، فرفع عليّ يده إلى السماء وهو يقول : « اللهم أجعل لي عندك عهداً وأجعل لي عندك وداً » ، فأنزل الله على نبيّه :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ) (4) . فتلاها
____________
(1) الأعراف / 44.
(2) مجمع البيان 4 / 2؟9.
(3) شواهد التنزيل 1 / 39
(4) مريم / 96.
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه ، فتعجبوا من تلك تعجباً شديداً ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « منها تتعجبون! إنّ القرآن أربعة أرباع ، فربع فينا أهل البيت خاصة ، وربع في أعدائنا ، وربع حلال وحرام ، وربع فرائض وأحكام ، وأنّ الله أنزل في عليّ كرائم القرآن » (1).
إلى غير ذلك من مواقف لا بن عباس رضي الله عنه أظهر فيها فضل أهل البيت عليهم السلام وخصوصاً منهم الإمام عليه السلام.
فقد روى الشيخ المفيد عن الصدوق بسنده : « عن الأصبغ بن نباتة ، قال : سمعت ابن عباس يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ذكر الله عزوجل عبادة ، وذكري عبادة ، وذكر عليّ عبادة ، وذكر الأئمة من ولده عبادة ، والذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية إنّ وصيي لأفضل الأوصياء ، وإنّه لحجة الله على عباده وخليفته على خلقه ، ومن ولده الأئمة الهداة بعدي ، بهم يحبس الله العذاب عن أهل الأرض ، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، وبهم يمسك الجبال أن تميد بهم ، وبهم يستقي خلقه الغيث ، وبهم يخرج النبات ، أولئك أولياء الله حقاً ، وخلفائي صدقاً ، عدتهم عدّة الشهور وهي اثنا عشر شهراً ، وعدتهم عدّة نقباء موسى بن عمران » ، ثم تلا صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية :( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ) (2) .
ثم قال : « أتقدر يا بن عباس إنّ الله يقسم بالسماء ذات البروج ، ويعني
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 43.
(2) البروج / 1.
به السماء وبروجها؟ » قلت : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما ذلك؟
قال : « أمّا السماء فأنا ، وأمّا البروج فالأئمة بعدي أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي ، صلوات عليهم أجمعين »(1) .
فهذا الحديث يكفينا مؤنة الإستدلال على ما كان عليه ابن عباس رضي الله عنه من مكانة عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حيث خصّه بتفسير( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ) ، وهو تفسير تعزب عنه الأفهام ، وقد يراه من لا حريجة له في الدين من التفسير الباطني ، ولكن ليس ذلك كذلك ، بل هو من مطابقة المعنى والمبنى ، وإن لم يدلّ عليه حاقّ اللفظ أسوة بما سيجيء من روايات ابن عباس في تفسير بعض الآيات في أهل البيت عليهم السلام.
وإلى القارئ نماذج من الآيات الكريمة في هذا الشأن إقتباساً من كتاب « شواهد التنزيل » للحاكم الحسكاني ، وبقية مصادر أخرى ذكرتها :
1 ـ قال : « مما نزل من القرآن خاصة في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ وأهل بيته من سورة البقرة :( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (2) : نزلت في عليّ وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب »(3) .
____________
(1) الاختصاص / (223) ـ 224 ط سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد.
(2) البقرة / 25.
(3) شواهد التنزيل 1 / 39.
2 ـ قال في قوله تعالى :( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (1) : « أنّها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ بن أبي طالب ، وهما أوّل من صلى وركع »(2) .
3 ـ قال في قوله تعالى :( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) (3) : « الخاشع : الذليل في صلاته ، المقبل عليها ، يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّاً »(4) .
4 ـ قال في قوله تعالى :( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (5) : « نزلت في عليّ ، وعثمان بن مظعون ، وعمار بن ياسر ، وأصحاب لهم y »(6) .
5 ـ قال : « ممّا نزل في القرآن خاصة في رسول الله وعليّ وأهل بيته عليهم السلام من سورة البقرة :( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (7) ، نزلت في عليّ خاصة وهو أوّل مؤمن وأوّل مصل بعد رسول الله » صلى الله عليه وآله وسلم »(8) .
____________
(1) البقرة / 43.
(2) شواهد التنزيل 1 / 57.
(3) البقرة / 25.
(4) شواهد التنزيل 1 / 89.
(5) البقرة / 46.
(6) شواهد التنزيل 1 / 89.
(7) البقرة / 45.
(8) شواهد التنزيل 1 / 90.
وروي عكرمة عن ابن عباس قال : « لعليّ أربع خصال : هو أوّل عربي وعجمي صلى مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف ، وهو الذي صبر معه يوم المهراس ، انهزم الناس كلّهم غيره ، وهو الذي غسّله ، وهو الذي أدخله قبره ».
قال الحاكم الحسكاني : رواه جماعة عن عكرمة ، وجماعة عن ابن عباس ، وفي الباب عن جماعة من الصحابة ، وأسانيده مذكورة في كتاب مفرد لهذه المسألة(1) .
6 ـ قال : « ومما نزل فيهم عليهم السلام قوله تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (2)
عن ابن عباس قال : « شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثم نام مكانه »(3) .
وقال : « وكان ـ يعني عليّاً ـ أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولبس ثوبه ونام مكانه فجعل المشركون ـ يرمونه كما كانوا يرمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يحسبون أنّه نبيّ الله وكان المشركون يرمون عليّاً وهو يتضّور حتى أصبح فكشف عن رأسه ، فقالوا : كنا نرمي صاحبك ولا يتضوّر ، وأنت تتضور استنكرنا ذلك منك »(4) .
____________
(1) نفس المصدر 1 / 91.
(2) البقرة / 207.
(3) شواهد التنزيل 1 / 99.
(4) نفس المصدر.
وفيه نزلت :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ) ، قال ابن عباس رضي الله عنه : « شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ ثم نام مكانه » ، قال الحاكم في المستدرك : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخّرجاه(1) .
أقول : راجع كتاب « عليّ إمام البررة »(2) تجد تحقيقاً حول حديث المبيت في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة.
7 ـ عن ابن عباس في قوله عزوجل :( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً ) (3) .
قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب ، لم يكن عنده إلاّ أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهم ليلاً ، وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سراً ، وبدرهم علانية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما حملك على هذا؟ » قال : حملني عليها رجاء أن استوجب على الله الذي وعدني « ما وعد الله » ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ألا ذلك لك » ، فأنزل الله الآية في ذلك »(4) .
ومن سورة آل عمران
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
____________
(1) نفس المصدر.
(2) علي إمام البررة 3 / (280) ـ 302.
(3) البقرة / 274.
(4) شواهد التنزيل 1 / (109) ـ 110.
وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (1) ، قال : « نزلت في عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث » (2).
2 ـ عن ابن عباس في قوله عزوجل :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (3) ، قال : « نزلت في رسول الله وعليّ( وَأَنْفُسَنَا ) ،( وَنِسَاءَنَا ) فاطمة ،( أَبْنَاءَنَا ) حسن وحسين »(4) .
أقول : راجع كتاب « عليّ إمام البررة »(5) ، تجد حديث المباهلة بتفصيل واف وتحقيق ضاف.
3 ـ قال الحاكم في « معرفة علوم الحديث » : « وقد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عباس وغيره : انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوم المباهلة بيد عليّ وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراءهم ثم قال : « هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا ، فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم ،( ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (6) »(7) .
____________
(1) آل عمران / (15) ـ 16.
(2) شواهد التنزيل 1 / 116 ، تفسير الحبري / (254) ـ 246.
(3) آل عمران / 61.
(4) شواهد التنزيل 1 / 116.
(5) علي إمام البررة 1 / (425) ـ 468.
(6) آل عمران / 61.
(7) معرفة علوم الحديث / 5.
4 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) (1) ، « فزعم أنّ وفد نجران قدموا على نبيّ الله المدينة ، منهم السيد والحارث وعبد المسيح ، فقالوا : يا محمد لِم تذكر صاحبنا؟ قال : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى بن مريم تزعم أنّه عبد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هو عبد الله ورسوله ، فقالوا : هل رأيت أو سمعت فيمن خلق الله عبداً مثله؟ فأعرض نبيّ الله عنهم ، ونزل عليه جبرئيل فقال :( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ، فغدوا إلى نبيّ الله فقالوا : هل سمعت بمثل صاحبنا؟ قال : نعم ، نبيّ الله آدم وخلقه الله من تراب ثم قال له كن فيكون ، فكان ، قالوا : ليس كما قلت ، فأنزل الله :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) ، قالوا : نعم نلاعنك ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ابن عمه عليّ وفاطمة وحسن وحسين ، وقال : هؤلاء أبناءنا ونساؤنا وأنفسنا ، فهموّا أن يلاعنوه ، ثم إنّ الحرث قال لعبد المسيح : ما نصنع بملاعنة هذا شيئاً ، لئن كان كاذباً ما ملاعنته بشيء ، ولئن كان صادقاً لنهلكنّ إن لاعنّاه ، فصالحوه على ألفي حلّة كلّ عام ، فزعم إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : والذي نفس محمد بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم أحد إلاّ أهلكه الله عزوجل »(3) .
____________
(1) آل عمران / 59.
(2) آل عمران / 61.
(3) شواهد النزيل 1 / 127.
5 ـ قال ابن عباس : « ولقد شكر الله تعالى « فعال » عليّاً في موضعين في القرآن :( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) ،( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) (2) »(3) .
6 ـ عن ابن عباس في قوله :( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ) (4) ، « نزلت في عليّ بن أبي طالب غشيه النعاس يوم أحد »(5) .
7 ـ عن ابن عباس في قوله :( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (6) ، « نزلت في عليّ ابن أبي طالب وتسعة نفر معه ، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي سفيان حين ارتحل ، فاستجابوا لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم »(7) .
8 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) (8) ، « نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأهل بيته »(9) .
9 ـ عن ابن عباس في قوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (10) ، «( وَصَابِرُوا ) عدوكم ،
____________
(1) آل عمران / 144.
(2) آل عمران / 145.
(3) شواهد التنزيل 1 / 136.
(4) آل عمران / 154.
(5) شواهد التنزيل 1 / 134 ، تفسير الحبري / 249.
(6) آل عمران / 172.
(7) شواهد النزيل 1 / 134.
(8) آل عمران / 186.
(9) شواهد التنزيل 1 / 134.
(10) آل عمران / 200.
( وَرَابِطُوا ) « في سبيل الله ، نزلت في رسول الله وعليّ وحمزة بن عبد المطلب » (1).
1 ـ عن ابن عباس في قوله :( اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (2) ، قال : « نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وذوي أرحامه ، وذلك : إنّ كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ ما كان من سببه ونسبه( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ، يعني حفيظاً »(3) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (4) ، قال : « ولا تقتلوا أهل بيت نبيكم ، إنّ الله يقول :( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (5) ، وكان( أَبْنَاءَنَا ) الحسن والحسين عليهما السلام ، وكان( نِسَاءَنَا ) فاطمة عليها السلام ،( وَأَنْفُسَنَا ) النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام »(6) .
3 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 140.
(2) النساء / 1.
(3) شواهد التنزيل 1 / 136 ، تفسير الحبري / 254 بتحقيق السيد محمد رضا الجلالي ط مؤسسة آل البيت.
(4) النساء / 29.
(5) آل عمران / 61.
(6) شواهد التنزيل 1 / 142.
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً ) (1) ، قال : «( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ ) يعني في فرائضه ،( وَالرَّسُولَ ) في سنته ،( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ) ـ يعني محمداً ـ( وَالصِّدِّيقِينَ ) ، يعني عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وكان أوّل من صدّق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،( وَالشُّهَدَاءِ ) ، يعني عليّ بن أبي طالب وجعفر الطيار وحمزة بن عبد المطلب والحسن والحسين ، هؤلاء سادات الشهداء ،( وَالصَّالِحِينَ ) ، يعني سلمان وأبو ذر وصهيب وخباب وعمار ،( وَحَسُنَ أُولَئِكَ ) ، أي الأئمة الأحد عشر ،( رَفِيقاً ) ، يعني في الجنّة ،( ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً ) ، منزل عليّ وفاطمة والحسن والحسين ومنزل رسول الله في الجنّة واحد » (2).
4 ـ عن أصبغ بن نباتة ، قال : « تلا ابن عباس هذه الآية ، فقال :( مِّنَ النَّبِيِّينَ ) محمّد ومن( الصِّدِّيقِينَ ) عليّ بن أبي طالب ، ومن( الشُّهَدَاء ) حمزة وجعفر ، ومن( الصَّالِحِينَ ) الحسن والحسين ،( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ) « فهو المهدي في زمانه »(3) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطواف ، إذ قال : ( أفيكم عليّ بن أبي طالب؟ ) قلنا : نعم يا رسول الله ، فقربه رسول
____________
(1) النساء / (69) ـ 70.
(2) شواهد التنزيل 1 / 153.
(3) نفس المصدر 1 / 156.
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فضرب على منكبه وقال : « طوبى لك يا عليّ أنزلت علي في وقتي هذا آية ذكري وإياك فيها سواء :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) بعليّ ،( وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً ) (1) بالعرب » (2).
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (3) ، قال : « نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ وزيره حيث أتاهم يستعينهم في القتيلين »(4) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (5) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(6) .
4 ـ عن طاووس ، قال : « كنت جالساً مع ابن عباس إذ دخل عليه رجل فقال : أخبرني عن هذه الآية :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) ؟ فقال ابن عباس : أنزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(7) .
أقول : وقد روى هذا عن ابن عباس جملة من تلامذته ، كسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضحاك ، وأبو صالح ، وغيرهم ، وتجد رواياتهم في
____________
(1) المائدة / 3.
(2) شواهد التنزيل 1 / 160.
(3) المائدة / 11.
(4) شواهد التنزيل 1 / 136 ، تفسير الحبري / 256.
(5) المائدة / 55.
(6) شواهد التنزيل 1 / 161.
(7) نفس المصدر 1 / 162.
« شواهد التنزيل »(1) ، وفي كتاب « عليّ إمام البررة » تجد بحثاً مستفيضاً حول آية الولاية والتصدق بالخاتم(2) .
5 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) ، قال : « نزلت في عليّ خاصة »(3) .
6 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (4) ، قال : « في عليّ نزلت »(5) .
7 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) (6) ، قال : « نزلت في عليّ ، أُمر رسول الله أن يبلّغ فيه ، فأخذ بيد عليّ وقال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه »(7) .
8 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( الا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) (8) ، قال : « نزلت في عليّ وأصحابه ، منهم عثمان بن مظعون وعمار ، حرّموا على أنفسهم الشهوات ، وهمّوا بالإخصاء »(9) .
____________
(1) نفس المصدر 1 / (180) ـ 184.
(2) علي إمام البررة 1 / (353) ـ 370.
(3) شواهد التنزيل 1 / 184.
(4) المائدة / 56.
(5) شواهد التنزيل 1 / 184.
(6) المائدة / 67.
(7) شواهد التنزيل 1 / 189.
(8) المائدة / 87.
(9) شواهد التنزيل 1 / 203.
1 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) (1) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب وحمزة وجعفر وزيد صلوات عليهم أجمعين »(2) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ) (3) ، قال : « نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي أبي جهل »(4) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « إنّ لعليّ بن أبي طالب في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس قوله :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) (5) ، فهو المؤذن بينهم ، يقول : ألا لعنة الله على الذين كذبّوا بولايتي واستخفوا بحقي »(6) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ ُكّلاً بِسِيمَاهُمْ ) (7) ، قال : « الأعراف موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعليّ وجعفر يعرفون محبيّهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه »(8) .
____________
(1) الأنعام / 54.
(2) شواهد التنزيل 1 / 196.
(3) الأنعام / 112.
(4) تفسير الحبري / 266.
(5) الأعراف / 44.
(6) شواهد التنزيل 1 / 203.
(7) الأعراف / 46.
(8) شواهد التنزيل 1 / 199.
3 ـ عن ابن عباس في قوله عزوجل :( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (1) ، قال : «( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ ) يعني من أمّة محمد أمّة ،( يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ) يعني يدعون بعدك يا محمد إلى الحق ،( وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) في الخلافة بعدك ، ومعنى « الأمة » العلم في الخير ، نظيرها :( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ) (2) ، يعني علماً في الخير معلمّاً للخير »(3) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « لمّا نزلت :( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) (4) . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من ظلم عليّاً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوتي ونبّوة الأنبياء قبلي »(5) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) ، قال : « حذّر الله أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يقاتلوا عليّاً عليه السلام »(6) .
____________
(1) الأعراف / 181.
(2) النحل / 120.
(3) شواهد التنزيل 1 / 204.
(4) الأنفال / 25.
(5) شواهد التنزيل 1 / 206.
(6) نفس المصدر 1 / 209. ولقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 27 عن مطرف : قلنا للزبير : يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيّعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه.
فقال الزبير : إنّا قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وأبي بكر وعمر وعثمان ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً ) لم نكن نحسب أنّا أهلها حتى وقعت فينا. قال رواه أحمد باسنادين ، ورجال أحدهما رجال الصحيح. « أقول » وهذا يؤكد ما قاله ابن عباس.
3 ـ عن ابن عباس في قول الله تعالى :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (1) ، قال : « تشاورت قريش ليلة بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبح محمد فأوثقوه بالوثاق ، وقال بعضهما أقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه ، فأطلع بنيتهم على ذلك ، فبات عليّ بن أبي طالب على فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليّاً ، وهم يظنون أنّه رسول الله ، لمّا أصبحوا ثاروا إليه ، فلمّا رأوا عليّاً ردّ الله مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك؟ قال : لا أدري ، فاقتصّوا أثره ، فلمّا بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا فوق الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل ههنا لم يكن على بابه نسج العنكبوت فمكث فيه ثلاث ليال »(2) .
4 ـ عن ابن عباس ، قال : « لمّا اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله! غدوا في اليوم الذي اتعدوا ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة ، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت(3) ، فوقف على باب الدار ، فلمّا رأوه واقفاً على بابها قالوا : من الشيخ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمنكم منه رأي ونصح. قالوا : أجل فادخل(4) .
____________
(1) الأنفال / 30.
(2) شواهد التنزيل 1 / (211) ـ 212.
(3) البت ـ كشط ـ : ثوب غليظ من الصوف ونحوه ، والجمع : بتات وبتوت.
(4) كذا في النسخة الكرمانية ، وفي النسخة اليمنية : ( فأدخلوه ).
فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلّهم من كلّ قبيلة ، من بني عبد شمس : عتبة ، وشيبه ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، ومن بني نوفل ابن عبد مناف : طعمة بن عدي وجبير بن مطعم والحرث بن عامر بن نوفل ، ومن بني عبد الدار بن قصي : النضر بن الحرث بن كلدة ، ومن بني أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب وحكيم بن حزام ، ومن بني مخزوم : أبو جهل بن هشام ، ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ، ومن بني جمح : أمية بن خلف أو من كان منهم ، وغيرهم ممن لا يعد من قريش ، فقال بعضهم لبعض : إنّ هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم [ و ] إنّا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأيا وتشاوروا ، ثم قال قائل منهم : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً ، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين [ كانوا ] قبله [ مثل ] زهير ، ونابغة ومن مضى منهم من هذا الموت [ كذا ] حتى يصيبه منه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي [ ظ ] : لا والله ما هذا لكم برأي والله لئن حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، [ و ] فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعونه من أيديكم ثم يكابروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
ثم تشاوروا ، ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا ، فإذا خرج عنا فو الله ما نبالي أين يذهب ولا حيث وقع [ إذا ] غاب
عنا أذاه وفرغنا منه وأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا إلى حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، والله لو فعلتم ذلك ما آمنتم على أن يحلّ [ في ] على حيّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد دبروا فيه رأيا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام : والله إنّ لي فيه لرأيا ما أراكم وقفتم عليه بعد. قالوا : وما هو يا [ أ ] با الحكم؟ قال : أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا ، ثم نعطي كلّ فتى منهم سيفاً صارماً ، ثم يعمدون إليه ، ثم يضربون بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلّها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، ورضوا عنا بالعقل فعقلناه لهم ، قال : فقال لهم الشيخ النجدي : القول ما قال هذا الرجل ، هذا [ هو ] الرأي لا رأي لكم غيره(1) . فتفرق القوم عنه على ذلك وهم مجمعون له.
فأتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
____________
(1) هذا هو الظاهر ، وفي النسخة : ( قال : يقول لهم الشيخ النجدي : القول ما قال هذا الرجل هذا الرأي بكم غيره ).
قال : فلمّا كان عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه ، فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانهم ، قال لعليّ : نم على فراشي واتشح ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنّه لا يخلص إليك شر وكراهة منهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينام في برده ذلك إذا نام ».
قلت : انتهى حديث سلمة ، وزاد يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتشح ببرد له أخضر ففعل [ علي ذلك ]. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القوم وهم على بابه فخرج [ و ] معه حفنة من تراب فجعل ينثرها على رؤسهم ، وأخذ الله عزوجل بأبصارهم عن رؤية نبيه [ و ] هو يقرأ :( يّس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) (1) ، إلى قوله : ـ( فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) (2) . فلمّا أصبح رسول الله أذن الله له بالخروج إلى المدينة ، وكان آخر من قدم إلى المدينة من الناس فيمن لم يفتن في دينه ـ أو [ لم ] يحبس ـ عليّ بن أبي طالب ، وذلك إنّ رسول الله أخره بمكة وأمره أن ينام على فراشه ، وأجله ثلاثاً ، وأمره أن يؤدي إلى كلّ ذي حق حقه ففعل ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واطمأن الناس ونزلوا إلى أرض أمن مع إخوانهم من الأنصار(3) .
5 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ ) (4) : «( وَمَا كَانُوا ) يعني كفار مكة ،( أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ
____________
(1) يس / 2.
(2) يس / 9.
(3) شواهد التنزيل 1 / 213 ـ215.
(4) الأنفال / 34.
إِلاَّ الْمُتَّقُونَ ) يعني عليّ بن أبي طالب وحمزة وجعفراً وعقيلاً ، هؤلاء هم أولياؤه ،( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) » (1).
6 ـ عن ابن عباس ، وسئل عن سهم ذوي القربى في قوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (2) ، فقال : « هو لقربى رسول الله قسمه لهم رسول الله بينهم »(3) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (4) ، قال : « نزلت في مشركي العرب غير بني ضمرة »(5) .
2 ـ عن ابن عباس ، قال : « وجّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآيات من أوّل سورة براءة مع أبي بكر ، وأمره أن يقرأها على الناس ، فنزل عليه جبرائيل قال : إنّه لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو عليّ ، فبعث عليّاً في أثره ، فسمع أبو بكر رغاء الناقة ، فقال : ما وراؤك يا عليّ أنزل فيّ شيء؟ قال : لا ، ولكن رسول الله قال : لا يؤدي عني إلاّ أنا أو عليّ ، فدفع إليه الآيات ، وقرأها عليّ على الناس »(6) .
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 216.
(2) الأنفال / 41.
(3) شواهد التنزيل 1 / 221.
(4) التوبة / 1.
(5) تفسير الحبري / 268.
(6) شواهد التنزيل 1 / 242.
3 ـ عن ابن عباس : « انّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، ثم أتبعه عليّاً فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبينا أبو بكر في الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القصوى ، فخرج أبو بكر فزعاً وظنّ أنّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا هو عليّ فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمّره على الموسم وأمر عليّاً أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، فأنطلقا فحجا ، فقام عليّ أيام التشريق فنادى : « ذمة الله ورسوله بريئة من كلّ مشرك ، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يحجّن بعد العام مشرك ، ولا يطوفنّ بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنّة إلاّ مؤمن »(1) .
أقول : ولابن عباس في هذا الحادث أحاديث أخرى ذكرت بعضها في كتاب « عليّ إمام البررة »(2) ، وسيأتي في حديث التسعة رهط في جزء إحتجاجاته في آخر هذه الحلقة إن شاء الله.
4 ـ عن ابن عباس في قوله :( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ) (3) ، قال : « المؤذن ـ يومئذ ـ عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب عليه السلام : أذنَ بأربع : لا يدخل الجنّة إلاّ مؤمن ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجل فأجله إلى مدّته ، ولكم أن تسيحوا في الأرض أربعة أشهر »(4) .
____________
(1) نفس المصدر 1 / 239.
(2) علي إمام البررة 1 / (189) ـ 203.
(3) التوبة / 3.
(4) تفسير الحبري / 299.
5 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) (1) ، قال : « نزلت في العباس بن عبد المطلب وأبي طلحة بن عثمان من بني عبد الدار »(2) .
6 ـ عن ابن عباس في قوله :( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) (3) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام خاصة »(4) .
7 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (5) ، قال : « أفتخر العباس بن عبد المطلب ، فقال : أنا عم محمد ، وأنا صاحب سقاية الحاج ، وأنا أفضل. وقال شيبة بن عثمان : أنا أعمر بيت الله وصاحب حجابته وأنا أفضل. فسمعهما عليّ وهما يذكران ذلك ، فقال : أنا أفضل منكما ، أنا المجاهد في سبيل الله ، فأنزل الله فيهم( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ) ، يعني العباس ،( وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) يعني شيبة ،( كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ، ففضل عليّاً عليهما »(6) .
____________
(1) التوبة / 17.
(2) تفسير الحبري / 270.
(3) التوبة / 18.
(4) تفسير الحبري / 272.
(5) التوبة / 19.
(6) شواهد التنزيل 1 / 252.
8 ـ عن ابن عباس في قوله :( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) (1) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب خاصة »(2) .
9 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ ) (3) ، قال : « نزلت في عليّ سبق الناس كلّهم بالإيمان بالله ورسوله وصلى القبلتين وبايع البيعتين ، وهاجر الهجرتين(4) ، ففيه نزلت هذه الآية »(5) .
10 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (6) ، قال : « مع عليّ وأصحاب عليّ »(7) .
ومن سورة يونس
1 ـ عن عبد الله بن عباس في تفسير قول الله تعالى :( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (8) ، قال : «( وَاللَّهُ يَدْعُو
____________
(1) التوبة / (20) ـ 21.
(2) تفسير الحبري / 274.
(3) التوبة / 100.
(4) يعني ابن عباس بالهجرتين ، هجرة الإمام من مكة إلى المدينة ، وهجرته من المدينة إلى الكوفة ، وكلتاهما كانتا لله وفي سبيل الله وإعلاء كلمته ودحض الباطل وأشياعه.
(5) شواهد التنزيل 1 / 256.
(6) التوبة / 119.
(7) شواهد التنزيل 1 / 262.
(8) يونس / 25.
إِلَى دَارِ السَّلامِ ) يعني الجنّة ،( وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يعني به إلى ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام » (1).
2 ـ عن ابن عباس ، قال : « أختصم قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بعض أصحابه أن يحكم بينهم ، فحكم فلم يرضوا به ، فأمر عليّاً فحكم بينهم فرضوا به ، فقال لهم بعض المنافقين حكم عليكم فلان فلم ترضوا به ، وحكم عليكم عليّ فرضيتم به بئس القوم أنتم ، فأنزل الله تعالى في عليّ :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (2) ، وذلك أنّ عليّاً كان يوفق لحقيقة القضاء من غير أن يُعلّم »(3) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (4) ، قال : « بفضل الله النبيّ وبرحمته عليّ »(5) .
4 ـ عن ابن عباس في قوله :( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) (6) : « قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم :( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) ، قال : « هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(7) .
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 263.
(2) يونس / 35.
(3) شواهد التنزيل 1 / 265.
(4) يونس / 58.
(5) شواهد التنزيل 1 / 268.
(6) هود / 17.
(7) شواهد التنزيل 1 / 279.
5 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) (1) ، قال : « يعني بني هاشم نوفيّهم ملكهم الذي أوُجبه الله لهم غير منقوص »(2) .
1 ـ عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ليلة أسري بي ما سألت ربي شيئاً إلاّ أعطانيه ، وسمعت منادياً يقول : يا محمد( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (3) ، قلت : أنا المنذر فمن الهادي؟ قال : عليّ الهادي المهدي ، القائد أمتك إلى جنتي غراء محجلّين برحمتي »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) (5) ، قال : « شجرة أصلها في دار عليّ عليه السلام في الجنّة ، في دار كلّ مؤمن منها غصن ، يقال لها : « شجرة طوبى » ، و( وَحُسْنُ مَآبٍ ) حسن المرجع »(6) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (7) . قال أبو صالح : « سمعت ابن عباس مرّة يقول : هو عبد الله بن سلام ، وسمعت منه في آخر عمره يقول : لا والله ما هو إلاّ عليّ بن أبي طالب »(8) .
____________
(1) هود / 109.
(2) شواهد التنزيل 1 / 283.
(3) الرعد / 7.
(4) شواهد التنزيل 1 / 296.
(5) الرعد / 29.
(6) تفسير الحبري / 284.
(7) الرعد / 43.
(8) شواهد التنزيل 1 / 310.
أقول : وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ، قال : « عليّ بن أبي طالب »(1) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) (2) ، قال : « بولاية عليّ بن أبي طالب »(3) .
1 ـ عن ابن عباس ، في قوله تعالى :( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) (4) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب وحمزة وجعفر وعقيل وأبي ذر وسلمان وعمار والمقداد والحسن والحسين عليهم السلام »(5) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار الندوة إذ قال لعليّ : « أخبرني أوّل نعم أنعمها الله عليك؟ قال : أن خلقني ذكراً ولم يخلقني أنثى.
قال : والثانية؟ قال : الإسلام.
____________
(1) نفس المصدر 1 / 308.
(2) إبراهيم / 27.
(3) شواهد التنزيل 1 / 310.
(4) الحجر / 47.
(5) شواهد التنزيل 1 / 313.
قال : فالثالثة؟ قال : فتلا عليّ هذه الآية :( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) (1) .
فضرب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بين كتفيه ، وقال : لا يبغضك إلاّ منافق »(2) .
2 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ) (3) ، قال : « هم جعفر « وعلي بن أبي طالب عليه السلام » وعبد الله بن عقيل ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من دارهم حتى لحقوا بحبشة »(4) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً نظر إلى حيّة كأنّها بعير ، فهمّ عليّ بضربها بالعصا ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : مه إنّه إبليس ، وإنّي قد أخذت عليه شروطاً ألاّ يبغضك مبغض إلاّ شاركه في رحم أمه ، وذلك قوله تعالى :( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ والأولاد ) (5) »(6) .
____________
(1) النحل / 18.
(2) شواهد التنزيل 1 / 329.
(3) النحل / 41.
(4) ذكر الإمام عليه السلام في من هاجر إلى الحبشة من سهو القلم ، ولم تذكره كتب السيرة في المهاجرين إلى الحبشة ، ومواقفه مع النبيّ صلى الله عليه واله وسلم بدءاً من ليلة المبيت على الفراش ومروراً بحروب بدر وأحد الأحزاب وخيبر كل ذلك ينفي مفارقته الرسول صلى الله عليه واله وسلم وذهابه إلى الحبشة فلاحظ ، راجع شواهد التنزيل 1 / 333 ، تجد الخبر فيه ونحوه في مناقب ابن شهر آشوب 1 / 289. ومن الغريب أن يمرّ محقق الشواهد ومحقق المناقب على هذا الخبر من دون تعليق ، وفي أغفالهما التعليق عليه أخبات بصحته ، وهذا يلغي جميع مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بدءاً من المبيت على الفراش ومروراً ببدر وأحد والأحزاب وخيبر حيث جاء بعد فتحها أمير المهاجرين إلى الحبشة جعفر بن أبي طالب عليه السلام.
ولم يرد اسم غيره من بني هاشم فمن أسماء المهاجرين إلى الحبشة ، راجع السيرة النبوية لابن هشام 1 / 323 تحقيق السقا والأربياري وشلبي.
(5) الإسراء / 64.
(6) شواهد التنزيل 1 / 347.
2 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ) (1) ، قال ابن عباس : « والله لقد استجاب الله لنبيّنا دعاءه فأعطاه عليّ بن أبي طالب سلطاناً ينصره على أعدائه »(2) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ) (3) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب خاصة »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ ) (5) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب خاصة ،( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً ) نزلت في بني أمية وبني المغيرة »(6) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (7) ، قال : « إنّ من ترك ولاية عليّ أعّماه الله وأصمّه »(8) .
____________
(1) الإسراء / 80.
(2) شواهد التنزيل 1 / (348) ـ 349.
(3) مريم / 96.
(4) شواهد التنزيل 1 / 365.
(5) مريم / 97.
(6) شواهد التنزيل 1 / 365.
(7) طه / 124.
(8) شواهد التنزيل 1 / 380.
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ) (1) ، قال : « أصحاب الصراط السوي هو والله محمد وأهل بيته ، والصراط : الطريق الواضح الذي لا عوج فيه ،( وَمَنِ اهْتَدَى ) فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم »(2) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) (3) ، قال : « فالذين آمنوا : عليّ وحمزة وعبيدة ، والذين كفروا : عتبة وشيبة والوليد يوم بدر »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) (5) ، قال : « هم عليّ وحمزة وعبيدة »(6) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) ، قال : « نزلت في عليّ وسلمان »(7) .
____________
(1) طه / 135.
(2) شواهد التنزيل 1 / 387.
(3) الحج / 19.
(4) تفسير الحبري / 291.
(5) الحج / 24.
(6) شواهد التنزيل 1 / 395 ، تفسير الحبري / 292.
(7) شواهد التنزيل 1 / 397.
1 ـ عن عبد الله بن عباس ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « كلّ حسب ونسب يوم القيامة فينقطع إلاّ حسبي ونسبي ، إن شئتم أقرءوا :( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ) (1) »(2) .
ومن سورة النور
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (3) ، قال : «( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ ) فيما سلف من ذنوبه ،( وَيَتَّقْهِ ) فيما بقي ،( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) بالجنة. قال : أنزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ ) (5) ، قال : « نزلت في آل محمد »(6) .
1 ـ قال عبد الله بن عباس في هذه الآية :( إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) (7) : « نزلت هذه الآية فينا وفي بني
____________
(1) المؤمنون / 101.
(2) شواهد التنزيل 1 / 407.
(3) النور / 52.
(4) شواهد التنزيل 1 / 411.
(5) النور / 55.
(6) شواهد التنزيل 1 / 413.
(7) الشعراء / 4.
أمية ، سيكون لنا عليهم الدولة فتذلّ لنا أعناقهم بعد صعوبة ، وهوان بعد عزّة ، ثم قرأ :( إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) (1).
2 ـ عن عبد الله بن عباس ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال : « لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (2) ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا عليّ انّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعاً ، وعرفت إنّي مهما أمرتهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتّ عليها حتى جاء جبرائيل فقال : يا محمد إنّك إن لم تفعل ما أمرت به يعذّبك ربّك ، فاصنع ما بدا لك ، يا عليّ أصنع لنا من طعام ، وأجعل لي فيه رجل شاة ، واملأ لنا عساً من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلّغهم ما أمرت به وساق الحديث إلى قوله : ثم تكلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم بأحد من العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيّ ووليي وخليفتي فيكم؟
قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، فقلت ـ وإنّي لأحدثهم سناً ، وأرمصهم عيناً ، وأعظمهم بطناً ، وأحمشهم ساقاً ـ أنا يا نبي الله أكون
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 417.
(2) الشعراء / 214.
وزيرك عليه ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعليّ » (1).
1 ـ عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا بني هاشم إنّي سألت الله أن يعلّم جاهلكم ، وأن يثبت قائلكم ، ويجعلكم جوداً نجباء رحماء ، فلو أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام ثم لقي الله مبغضاً لبني هاشم لأكبّه على وجهه في النار »(2) .
1 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ ) (3) ، قال : « نزلت في حمزة وجعفر وعليّ ، وذلك إنّ الله وعدهم في الدنيا الجنّة على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فهؤلاء يلقون ما وعدهم الله في الآخرة ، ثم قال :( كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وهو أبو جهل بن هشام ،( ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) من المعذبين »(4) .
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / (372) ـ 373.
(2) شواهد التنزيل 1 / (427) ـ 428 ، في تفسير قوله تعالى :( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار ) النمل / (89) ـ 90 ).
(3) القصص / 61.
(4) شواهد التنزيل 1 / 437.
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ) (1) ، قال : « نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، وهم الذين بارزوا عليّاً وحمزة وعبيدة »(2) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ) (3) ، قال : « نزلت في عليّ وصاحبيه حمزة وعبيدة »(4) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (5) ، قال : « يعني عليّاً وعبيدة وحمزة ،( لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) ذنوبهم ،( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ) من الثواب في الجنّة ،( أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) في الدنيا ، فهذه الثلاث آيات نزلت في عليّ وصاحبيه ، ثم صارت للناس عامّة من كان على هذه الصفة »(6) .
1 ـ عن ابن عباس قال : « لمّا أنزل الله :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (7) ، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة وأعطاها فدكاً ، وذلك لصلة القرابة ،( وَالْمِسْكِينَ )
____________
(1) العنكبوت / 4.
(2) شواهد التنزيل 1 / 441.
(3) العنكبوت / (5) ـ 6.
(4) شواهد التنزيل 1 / 441.
(5) العنكبوت / 7.
(6) شواهد التنزيل 1 / 441.
(7) الروم / 38.
الطوّاف الذي يسألك ويقول أطعمه ،( وَابْنَ السَّبِيلِ ) وهو الضيف ، حث على ضيافته ثلاثة أيام ،( ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ) وإنّك يا محمد إذا فعلت هذا فأفعله لوجه الله ،( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) يعني أنت ومن فعل هذا من الناجين في الآخرة من النار الفائزين بالجنة » (1).
1 ـ عن ابن عباس قال : « إنّ الوليد بن عقبة قال لعليّ : أنا أبسط منك لساناً ، وأحدّ منك سناناً ، وأملأ منك حشواً في الكتيبة ، فقال له عليّ : « على رسلك ، أسكت ، فإنّك فاسق » ، فأنزل الله تعالى :( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً ) (2) يعني عليّاً ،( كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ) يعني الوليد الفاسق »(3) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً ) (4) ، قال : « نزلت في عليّ عليه السلام »(5) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ) (6) ، قال : « نزلت في الوليد بن عقبة »(7) .
4 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (8) ،
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 443.
(2) السجدة / 18.
(3) شواهد التنزيل 1 / (446) ـ (448) ـ (449) ـ 450.
(4) السجدة / 19.
(5) تفسر الحبري / 296.
(6) السجدة / 20.
(7) تفسر الحبري / 296.
(8) السجدة / 24.
قال : « جعل الله لبني إسرائيل بعد موت هارون وموسى من ولد هارون سبعة من الأئمة ، كذلك جعل من ولد عليّ سبعة من الأئمة ، ثم اختار بعد السبعة من ولد هارون خمسة فجعلهم تمام الاثني عشر نقيباً ، كما اختار بعد السبعة من ولد عليّ خمسة « أربعة ظ » فجعلهم تمام الاثني عشر » (1).
1 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) : «( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) يعني عليّاً وحمزة وجعفر « عبيدة / ظ » ،( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) يعني حمزة وجعفر « عبيدة / ظ » ،( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) يعني عليّاً عليه السلام ، كان ينتظر أجله ، والوفاء لله بالعهد والشهادة في سبيل الله ، فو الله قد رزق الشهادة »(3) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) (4) ، قال : « كفاهم الله القتال يوم الخندق بعليّ بن أبي طالب حين قتل عمرو ابن عبد ودّ »(5) .
____________
(1) شواهد التنزيل 1 / 455.
(2) الأحزاب / 23.
(3) شواهد التنزيل 2 / 2.
(4) الأحزاب / 25.
(5) شواهد التنزيل 2 / 5.
أقول : راجع كتاب « عليّ إمام البررة »(1) ، تجد تفصيل ذلك.
5 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ) (2) ، وقد سمع رجلاً من أهل الشام سبّ عليّاً عنده ، فحصبه ابن عباس ، وقال : « يا عدو الله ، آذيت رسول الله ، ثم تلا الآية ، وقال : لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيّاً لآذيته »(3) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ) (4) ، قال : «( الأَعْمَى ) أبو جهل بن هشام ،( الْبَصِيرُ ) ، قال : عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
ثم قال :( وَلا الظُّلُمَاتُ ) يعني أبو جهل المظلم قلبه بالشرك ،( وَلا النُّورُ ) يعني قلب عليّ المملوء من النور.
ثم قال :( وَلا الظِّلُّ ) يعني بذلك مستقر عليّ بالجنة ،( وَلا الْحَرُورُ ) يعني مستقر أبي جهل جهنم ، ثم جمعهم فقال :( وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ ) كفار مكة »(5) .
____________
(1) علي إمام البررة 1 / (371) ـ 408.
(2) الأحزاب / 57.
(3) علي إمام البررة 1 / 138 ، وفيه حول الموضوع / (134) ـ 140.
(4) فاطر / (19) ـ 22.
(5) شواهد التنزيل 2 / (101) ـ 102.
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا كان يوم القيامة أوقف أنا وعليّ على الصراط ، فما يمّر بنا أحد إلاّ سألناه عن ولاية عليّ ، فمن كانت معه ، وإلاّ ألقيناه في النار ، وذلك قوله :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) (1) »(2) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) (3) ، قال : « هم آل محمد »(4) .
1 ـ عن ابن عباس قال : « وأمّا قوله :( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (5) ، نزلت هذه الآية في ثلاث من المسلمين ، وهم المتقون الذين عملوا الصالحات ، وفي ثلاث من المشركين وهم المفسدون الفجّار.
فأمّا الثلاثة من المسلمين فهم : عليّ بن أبي طالب ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وهم الذين بارزوا يوم بدر ، فقتل عليّ الوليد ، وقتل حمزة عتبة ، وقتل عبيدة شيبة »(6) .
____________
(1) الصافات / 24.
(2) شواهد التنزيل 2 / 107.
(3) الصافات / 103.
(4) شواهد التنزيل 2 / 110.
(5) صّ / 28.
(6) شواهد التنزيل 2 / 114.
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ) (1) ، قال : « يعني بالذين يعلمون عليّاً وأهل بيته من بني هاشم ،( والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) بني أمية وأولوا الألباب شيعتهم »(2) .
2 ـ عن عبد الله بن عباس في قول الله تعالى :( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء ... ) (3) : « فالرجل هو أبو جهل ، والشركاء آلهتهم التي يعبدونها ، كلّهم يدعيها يزعم أنّه أولى بها ،( وَرَجُلاً ) يعني عليّاً ،( سَلَماً ) سالماً يعني سلماً دينه لله يعبده وحده لا يعبد غيره ، « هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً « في الطاعة والثواب »(4) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (5) : «( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ ) وهو رسول الله ، وعليّ صدّق به »(6) .
1 ـ عن ابن عباس في قول الله عزوجل :( أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن
____________
(1) الزمر / 9.
(2) شواهد التنزيل 2 / 117.
(3) الزمر / 3.
(4) شواهد التنزيل 2 / 119.
(5) الزمر / 33.
(6) شواهد التنزيل 2 / 122.
يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (1) ، قال : «( أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ ) يعني الوليد بن المغيرة ،( أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) من عذاب الله ومن غضب الله وهو عليّ بن أبي طالب ،( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) وعيد لهم » (2).
1 ـ عن ابن عباس قال : « لمّا نزلت( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (3) ، قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال : « عليّ وفاطمة وولداهما »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) (5) ، قال : « المودة إلى آل محمد »(6) .
3 ـ عن ابن عباس قال : « في محبتنا أهل البيت نزلت :( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) (7) »(8) .
____________
(1) السجدة / 40.
(2) شواهد التنزيل 2 / 129
(3) الشورى / 23.
(4) شواهد التنزيل 2 / 148.
(5) الشورى / 23.
(6) شواهد التنزيل 2 / 130.
(7) الشورى / 23.
(8) شواهد التنزيل 2 / 150.
4 ـ عن ابن عباس : « انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق ، وقدوم الغرباء عليه ، وليس في يده سعة لذلك.
فقالت الأنصار : إنّ هذا الرجل قد هداكم الله على يديه وهو ابن أختكم ، تنوبه نوائب وحقوق ، وليس في يده لذلك سعة ، فاجمعوا له من أموالكم ما لا يضركم فتأتونه به فيستعين به على ما ينوبه من الحقوق ، فجمعوا له ثمانمائة دينار ، ثم أتوه فقالوا له : يا رسول الله إنّك ابن أختنا وقد هدانا الله على يديك ، تنوبك نوائب وحقوق ، وليست بيدك لها سعة ، فرأينا أن نجمع من أموالنا طائفة فنأتيك به فتستعين به على ما ينوبك ، وهو ذا ، فنزل : «قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرا ) (1) يعني لا أطلب منكم على الإيمان والقرآن جعلاً ولا رزقاً ،( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) يعني إلاّ أن تحبوني وتحبوا أهل بيتي وأقربائي.
قال ابن عباس : فوقع في قلوب المنافقين من أهل المدينة شيء ، فقالوا : ما يريد منّا إلاّ أن نحبّ أهل بيته ونكون تبعاً لهم من بعده ، ثم خرجوا ، فنزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بما قالوا ، فأنزل الله تعالى :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) (2) يعني اختلاقاً الآية ، فقال القوم : يا رسول الله فإنّا نشهد أنّك صادق بما قلته لنا ، فنزل :( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه ) (3) »(4) .
____________
(1) الشورى / 23.
(2) الشورى / 24.
(3) الشورى / 25.
(4) شواهد التنزيل 2 / 130.
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( فاما نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ) (1) ، قال : « بعليّ »(2) .
1 ـ عن ابن عباس في قول الله تعالى :( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) (3) ، قال : « نزلت في عليّ وحمزة وعبيدة بن الحرث بن عبد المطلب وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وفي ثلاثة رهط من المشركين عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ،( الذين اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) يعني اكتسبوا الشرك بالله ، كانوا جميعاً بمكة فتجادلوا وتنازعوا فيما بينهم ، فقال الثلاثة( الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) للثلاثة من المؤمنين ، والله ما أنتم على شيء وإن كان ما تقولون في الآخرة حقاً لنفضلن عليكم فيها ، فأنزل الله عزوجل فيهم هذه الآية »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء
____________
(1) الزخرف / 22.
(2) شواهد التنزيل 2 / 155.
(3) الجاثية / 21.
(4) شواهد التنزيل 2 / 168.
مَا يَحْكُمُونَ ) (1) ، قال : «( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) يعني بني أمية ،( أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) النبيّ وعليّ وحمزة وجعفر والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام » (2).
1 ـ عن عبد الله بن عباس قال في قول الله :( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) (3) ، قال : «( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) هم والله حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء ، وجعفر الطيار ،( فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) يقول : لن يبطل حسناتهم في الجهاد وثوابهم الجنّة ،( سَيَهْدِيهِمْ ) يقول يوفقهم للأعمال الصالحة ،( وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ) حالهم ونياتهم وعملهم ،( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) وهداهم لمنازلهم »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ) (5) ، قال : «( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) يعني ولي عليّ وحمزة وجعفر وفاطمة والحسن والحسين ، وولي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينصرهم الله بالغلبة على عدوهم ،( وَأَنَّ الْكَافِرِينَ ) يعني أبا سفيان بن حرب وأصحابه ،( لا
____________
(1) الجاثية / 21.
(2) شواهد التنزيل 2 / 170.
(3) محمد / (4) ـ 6.
(4) شواهد التنزيل 2 / 173.
(5) محمد / 11.
مَوْلَى لَهُمْ « يقول لا ولي لهم يمنعهم من العذاب » (1).
3 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) (2) ، قال : «( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) ، يقول على دين من ربّه ، نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ ، كانا على شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ،( كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) أبو جهل بن هشام وأبو سفيان بن حرب ، إذا هويا شيئاً عبداه ، فذلك قوله :( وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) »(3) .
4 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (4) ، قال : «( فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ ) ، يقول : جدّ الأمر وأمروا بالقتال ،( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ) نزلت في بني أمية ليصدقوا الله في إيمانهم وجهادهم ، والمعنى لو سمحوا بالطاعة والإجابة لكان خيراً لهم من المعصية والكراهة ،( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ) فلعلكم أن وليتم أمر هذه الأمة أن تعصوا الله ،( وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) ، قال ابن عباس : فولاّهم الله أمر هذه الأمة فعملوا بالتجبر والمعاصي ، وتقطعوا أرحام نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته »(5) .
أقول : لا شك في نسبة الولاية إلى الله تعالى فيما تسامح في التعبير
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / 174.
(2) محمد / 14.
(3) شواهد التنزيل 2 / 182 ، والآية في سورة الحديد / 19.
(4) محمد / (20) ـ 22.
(5) شواهد التنزيل 2 / 175.
المجازي الذي يصح سلبه على المعنى الحقيقي نحو قوله تعالى :( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (1) ، وقوله تعالى :( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ * خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (2) ، وقوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ) (3) ، وقوله تعالى :( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (4) وقوله تعالى :( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (5) ، إلى غير ذلك من الآيات المتشابهة ، وابن عباس لا يخفى عليه وجه الحقيقة والمجاز في استعماله « فولاّهم الله أمر هذه الأمّة ».
1 ـ عن ابن عباس أنّه سئل عن قول الله عزوجل :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (6) ؟ قال : « سأل قوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : فيمن نزلت هذه الآية يا نبي الله؟ قال : « إذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور أبيض فينادي مناد ليقم سيد المؤمنين ومعه الذين آمنوا بعد بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيقوم عليّ
____________
(1) النساء / 115.
(2) الصافات / (95) ـ 96.
(3) الأنعام / 165.
(4) الشمس / 7 ـ8.
(5) الأنعام / 129.
(6) الفتح / 29.
ابن أبي طالب فيعطى اللواء من النور الأبيض بيده ، تحته جميع السالفين من الأولين والأنصار لا يخلطهم غيرهم ، حتى يجلس على منبر من نور رب العزة ، ويعرض الجميع عليه رجلاً رجلاً ، فيعطى أجره ونوره ، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم قد عرفتم منازلكم من الجنّة ، إنّ ربكم تعالى يقول لكم : عندي مغفرة وأجر عظيم ـ يعني الجنّة ـ فيقوم عليّ بن أبي طالب والقوم تحت لوائه حتى يدخلهم الجنّة ، ثم يرجع إلى منبره ولا يزال يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ بنصيبهم منه إلى الجنّة ، ويترك أقواماً على النار فذلك قوله :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَنُورُهُمْ ) يعني السالفين الأولين وأهل الولاية ، وقوله :( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ) يعني بالولاية بحق عليّ ، وحق عليّ الواجب على العالمين ،( أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) (1) هم الذين قاسم عليّ عليهم النار فاستحقوا الجحيم » (2).
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) (3) ، قال : « يعني صدقوا بالله ورسوله ، ثم لم
____________
(1) الحديد / 19.
(2) شواهد التنزيل 2 / 176.
(3) الحجرات / 15.
يشكّوا في إيمانهم ، نزلت في عليّ بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وجعفر ، ثم قال :( وَجَاهَدُوا ) الأعداء في سبيل الله في طاعته ،( بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) يعني في إيمانهم فشهد الله لهم بالصدق والوفاء » (1).
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقتين عظيمتين ، فنظر إلى أصحابه ، وقال : « هل فيكم أحد يصلي ركعتين لا يهتم فيهما من أمر الدنيا بشيء ولا يحدّث قلبه بفكر الدنيا أعطيت إحدى الناقتين له ».
فقام عليّ ودخل في الصلاة فلمّا سلّم هبط جبرائيل فقال : أعطيه إحداهما ، فقال رسول الله : « إنّه جلس في التشهد فتفكّر أيّهما يأخذ » ، فقال جبرائيل : تفكّر أن يأخذ أسمنهما فينحرها ويتصدق بها لوجه الله ، فكان تفكره لله لا لنفسه ولا للدنيا ، فأعطاه رسول الله كلتيهما ، وأنزل الله :( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ) أي في صلاة علي لعظة ،( لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) « أي » عقل ،( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ) يعني أستمع بأذنيه إلى ما تلاه بلسانه ،( وَهُوَ شَهِيدٌ ) (2) يعني حاضر القلب لله عزوجل.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما من عبد صلى لله ركعتين لا يتفكر فيهما من أمور الدنيا بشيء إلاّ رضى الله عنه وغفر له ذنوبه »(3) .
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / 187.
(2) ق / 37.
(3) شواهد التنزيل 2 / 193.
1 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) (1) ، قال : « نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام. وكان عليّ يصلي ثلثي الليل الأخير ، وينام الثلث الأوّل ، فإذا كان السحر جلس في الإستغفار والدعاء ، وكان ورده في كلّ ليلة سبعون ركعة ختم فيها القرآن »(2) .
1 ـ عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ) (3) ، قال : « نزلت خاصة في عليّ وحمزة وجعفر وفاطمة عليهم السلام ، يقول إنّ المتقين في الدنيا من الشرك والفواحش والكبائر ،( فِي جَنَّاتٍ ) يعني البساتين ،( وَنَعِيمٍ ) في أبواب الجنان.
قال ابن عباس : لكلّ واحد منهم بستان في الجنّة العليا في وسط خيمة من لؤلؤ ، في كلّ خيمة سرير من ذهب واللؤلؤ ، على كلّ سرير سبعون فراشاً »(4) .
____________
(1) الذاريات / 17.
(2) شواهد التنزيل 2 / 195.
(3) الطور / 17.
(4) شواهد التنزيل 2 / 196.
1 ـ عن ابن عباس قال : « كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ انقضّ كوكب ، فقال رسول الله : « من انقضّ هذا النجم في منزله ، فهو الوصيّ من بعدي » ، فقام فتية من بني هاشم ، فنظروا ، فإذا الكوكب قد أنقضّ في منزل عليّ ، قالوا : يا رسول الله قد غويت في حبّ عليّ ، فأنزل الله تعالى :( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ) (1) »(2) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ) (3) ، قال : « أضحك عليّاً وحمزة وجعفر يوم بدر من الكفار بقتلهم آباءهم ، وأبكى كفار مكة في النار حين قتلوا »(4) .
أقول : إنّ ذكر جعفر في هذا الخبر سهو من الرواة غير مغتفر ، فإنّه كان يومئذ بالحبشة ولم يحضر بدراً ، وما جاء من الحبشة إلاّ عند فتح خيبر ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « بأيّهما أنا أشدّ فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر » ، ولا يبعد أن يكون المراد عبيدة ، فهو كما مرّ ذكره مع عليّ عليه السلام وحمزة في يوم بدر.
____________
(1) النجم / (1) ـ 7.
(2) شواهد التنزيل 2 / 203.
(3) النجم / 43.
(4) شواهد التنزيل 2 / 207.
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) (1) ، قال : «( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) عليّ وفاطمة ،( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ) ، قال : حبّ دائم لا ينقطع ، ولاينفد ،( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) ، قال : الحسن والحسين »(2) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) (3) ، قال : « سألت رسول الله؟ قال : « حدثني جبرائيل بتفسيرها ، قال : ذاك عليّ وشيعته إلى الجنّة »(4) .
2 ـ عن عبد الله بن عباس في قول الله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) (5) ، قال : « يوشع بن نون إلى موسى ، وشمعون بن يوحنا إلى عيسى ، وعليّ بن أبي طالب إلى النبيّ »(6) .
3 ـ عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ الله تبارك وتعالى قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهم قسماً فذلك قوله :( وَأَصْحَابُ
____________
(1) الرحمن / (19) ـ 22.
(2) شواهد التنزيل 2 / 210.
(3) الواقعة / 10.
(4) شواهد التنزيل 2 / 216.
(5) الواقعة / 10.
(6) شواهد التنزيل 2 / 217.
الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ) (1) ،( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ) (2) ، فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثاً ، فجعلني في خيرها ثلثاً ، فذلك قوله :( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) (3) ،( وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) (4) ،( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (5) ، فإنا من السابقين ، وإنا خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، فذلك قوله :( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) (6) ، فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر ، ثم جعل القبائل بيوتاً ، فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (7) » (8).
1 ـ عن ابن عباس في قوله الله تعالى :( يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ) (9) ، قال : « الحسن والحسين ،( وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ) ، قال : عليّ بن أبي
____________
(1) الواقعة / 27.
(2) الواقعة / 10.
(3) الواقعة / 8.
(4) الواقعة / 9.
(5) الواقعة / (10) ـ 11.
(6) الحجرات / 13.
(7) الأحزاب / 33.
(8) شواهد التنزيل 2 / (29) ـ 30.
(9) الحديد / 28.
طالب عليه السلام » (1).
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (2) ، قال : « بلغنا أنّ رجلاً من أصحاب رسول كان أوّل من فعل ذلك ، وهو عليّ بن أبي طالب ، قدّم ديناراً في عشر كلمات كلمهنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمّا سائر الناس فلم يفعلوا ، وشقّ عليهم أن يعتزلوا رسول الله وكلامه ، وبخلوا أن يقدموا صدقاتهم »(3) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله الله تعالى :( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (4) ، قال : « نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين »(5) .
2 ـ عن ابن عباس قال : « فرض الله الإستغفار لعليّ في القرآن على كلّ مسلم ،
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / 227.
(2) المجادلة / (12) ـ 13.
(3) شواهد التنزيل 2 / 239.
(4) الحشر / 9.
(5) شواهد التنزيل 2 / 250.
قال : وهو قوله :( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ ) (1) ، وهو السابق » (2).
3 ـ عن عبد الله بن عباس قال : « كنت مع عليّ بن أبي طالب فمرّ بقوم يدعون ، فقال : أدعوا لي فإنّه أمرتم بالدعاء لي ، قال الله عزوجل :( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ ) (3) ، وأنا أوّل المؤمنين إيماناً »(4) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (5) . من هؤلاء؟ قال : « حمزة أسد الله وأسد رسوله ، وعليّ بن أبي طالب ، وعبيدة بن الحرث ، والمقداد بن الأسود »(6) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله عزوجل :( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (7) ، قال : « نزلت في عليّ وحمزة وعبيدة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة وأبي دجانة »(8) .
____________
(1) الحشر / 10.
(2) شواهد التنزيل 2 / 249.
(3) الحشر / 10.
(4) شواهد التنزيل 2 / 250.
(5) الصف / 4.
(6) شواهد التنزيل 2 / 251.
(7) الصف / 4.
(8) شواهد التنزيل 2 / 252.
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (1) ، قال : « الكتاب القرآن ، والحكمة ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(2) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (3) ، قال : « يعني عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) (5) ، قال : «( وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ) نزلت في عائشة وحفصة ، وقوله :( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ ) نزلت في رسول الله خاصة ، وقوله :( وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) نزلت في عليّ خاصة »(6) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (7) : « عن
____________
(1) الجمعة / 2.
(2) شواهد التنزيل 2 / 253.
(3) التحريم / 4.
(4) شواهد التنزيل 2 / 260.
(5) التحريم / 4.
(6) شواهد التنزيل 2 / 262.
(7) الحاقة / 12.
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : « لمّا نزلت :( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : سألت ربي أن يجعلها أذن عليّ » ، قال عليّ : « ما سمعت من رسول الله شيئاً إلاّ حفظته ووعيته ولم أنسه » (1).
2 ـ عن ابن عباس ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا عليّ إنّ الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أحبّك وأحبَ من يحبّك ، وأن أعلمّك وتعي ، وحق على الله أن تعي » ، فأنزل الله :( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « سألت ربي أن يجعلها أذنك يا عليّ ».
قال عليّ : « منذ نزلت هذه الآية ، ما سمعت أذناي شيئاً من الخير والعلم والقرآن إلاّ وعيته وحفظته »(2) .
ومن سورة الجن
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ) (3) ، قال : « ذكر ربّه وولاية عليّ بن أبي طالب عليه وعلى أولاده السلام »(4) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) (5) ، قال : « هو عليّ
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / 283.
(2) شواهد التنزيل 2 / 283.
(3) الجن / 17.
(4) شواهد التنزيل 2 / 290.
(5) المزمل / 20.
وأبو ذر » (1).
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) (2) ، قال : «( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ ) يا محمد ،( تَقُومُ ) تصلي ،( أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) ، قال : فأوّل من قام الليل معه عليّ ، وأوّل من بايع معه عليّ ، وأوّل من هاجر معه عليّ »(3) . أي من أهل بيته.
1 ـ عن ابن عباس في قوله الله تعالى :( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (4) ، قال : « مرض الحسن والحسين مرضاً شديداً حتى عادهما جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان فيهم أبو بكر وعمر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا أبا الحسن لو نذرت لله نذراً ».
فقال عليّ : « لئن عافى الله سبطي نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممّا بهما من سقم لأصومّن لله نذراً ثلاثة أيام » ، وسمعته فاطمة ، فقالت : ولله علي مثل الذي ذكرته ، وسمعه الحسن والحسين فقالا : يا أبه ولله علينا مثل الذي ذكرت ، فأصبحا وقد صاموا ، فأتى عليّ إلى جار له ، فقال : « أعطنا جزّة صوف تغزلها فاطمة ، وأعطنا كراه ما
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / 291.
(2) المزمل / 20.
(3) شواهد التنزيل 2 / 292.
(4) الإنسان / 5.
شئت » ، فأعطاه جزة من صوف وثلاث أصوع من شعير ».
قال الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل : وساق الحديث بطوله مع الأشعار إلى قوله :
« إذ هبط جبرئيل فقال : يا محمد يهنيك ما أنزل فيك وفي أهل بيتك :( إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) (1) ، فدعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وجعل يتلوها عليه ، وعليّ يبكي ويقول : « الحمد الله الذي خصنا بذلك »(2) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) (3) ، وقال ـ ابن عباس ـ : « نزلت في عليّ بن أبي طالب ، أطعم عشاءه وأفطر على القراح »(4) .
أقول : وفي المقام كلام للحاكم الحسكاني فيه إحقاق حق وقول صدق ، أذكره بلفظه تذكرة للمستبصرين :
قال الحاكم الحسكاني : « قلت : اعترض بعض النواصب على هذه القصة بأن قال : اتفق أهل التفسير على أنّ هذه السورة مكية ، وهذه القصة كانت بالمدينة ـ إن كانت ـ فكيف كانت سبب نزول السورة ، وبان بهذا أنّها مخترعة!!!
____________
(1) الإنسان / (7) ـ 8.
(2) شواهد التنزيل 2 / (305) ـ 306.
(3) الإنسان / (8) ـ 10.
(4) شواهد التنزيل 2 / 380.
قلت : كيف يسوغ له دعوى الإجماع مع قول الأكثر : أنّها مدنية!!!
1062 ـ فلقد حدثونا عن أبي الشيخ الأصبهاني ، « قال : حدثنا » بهلول الأنباري ، « حدثنا » محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، « حدثنا » عمر ابن هارون ، « حدثنا » عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس.
وحدثنا أبو نصر المفسر ، « حدثنا » عمي أبو حامد إملاءاً سنة سبع وأربعين « وثلاث مائة ، قال : حدثنا » أبو يوسف يعقوب بن محمود المقرئ ، « حدثنا » محمد بن يزيد السلمي ، « حدثنا » زيد بن أبي موسى ، « حدثنا » عمر بن هارون ، عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أنّه قال : أوّل ما نزل بمكة :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (1) وذكر « كلامه » إلى قوله : هذا ما نزل بمكة « وهي » خمسة وثمانين سورة. وأوّل ما نزل بالمدينة البقرة ، وآل عمران ، والأنفال ، والأحزاب ، والممتحنة ، وإذا زلزلت ، والحديد ، ومحمد ، والرعد ، والرحمان ، و( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) (2) ، والطلاق وذكر إلى قوله : فذلك ثمانية وعشرون سورة ممّا نزل بالمدينة. هذا لفظ أبي نصر.
وقال بهلول : ثم أنزل بالمدينة البقرة ، ثم الأنفال ، ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد ، ثم سورة محمد ، ثم الرعد ، ثم سورة الرحمان ، ثم( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) ، ثم الطلاق وذكر إلى قوله : « فذلك ثمانية وعشرون ».
____________
(1) العلق / 1.
(2) الانسان / 1.
وزاد : قال عمر بن هارون : « و » حدثني ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس نحوه.
ورواه عن عثمان بن عطاء جماعة.
1063 ـ أخبرونا عن أحمد بن حرب الزاهد ، قال : حدثني صالح بن عبد الله الترمذي في التفسير من تأليفه « عنه » عمر بن هارون ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس.
وعن عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس : أنّ سورة هل أتى مدنية.
ورواه عن مجاهد بن أبي نجيح ، وأبو عمرو بن أبي العلاء المقرئ.
1064 ـ وأخبرنا علي بن أحمد ، « أخبرنا » أحمد بن عبيد ، « أخبرنا » محمد بن الفضل بن جابر ، « أخبرنا » إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ، قال : حدثني عبد العزيز بن عبد الرحمان القرشي ، « عنه » حصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنّه قال : أوّل ما أنزل الله على نبيّه من القران :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) وساق الحديث إلى قوله : ثم هاجر إلى المدينة وأنزل الله عليه بالمدينة البقرة ، والأنفال ـ إلى « قوله » ـ ثم الرحمان ، ثم( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) ، ثم الطلاق ، ثم لم يكن الحديث بطوله.
« و » رواه جماعة عن إسماعيل.
1065 ـ قرأت في التفسير تأليف أبي القاسم عبد الله بن محمشاذ بن إسحاق « قال » : كتب إلينا أبو سهل محمد بن محمد بن علي الطالقاني ، « حدثنا » أخبرنا عبد الله بن محمد بن سليم ، « حدثنا » صالح بن محمد الترمذي ، « حدثنا » محمد
ابن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : أوّل شيء نزل بمكة( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) ، ثم ن والقلم ، ثم والضحى ، ثم( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) (1) ، ثم( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) (2) ، ثم تبت ، ثم( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) (3) وذكر إلى قوله : وهي ثلاثة وثمانون سورة ممّا نزل بمكة.
وأوّل شيء نزل بالمدينة( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ) (4) ، ثم البقرة ، ثم الأنفال ، ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد ، ثم سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) ، ثم الطلاق وذكر « كلامه » إلى قوله : وإذا كانت فاتحة سورة نزلت بمكة كتبت « السورة » مكية ، ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة ، فذلك ثلاثون سورة نزلت بالمدينة.
1066 ـ حدثني حمزة بن عبد العزيز الصيدلاني ، « حدثنا » أبو عمرو « حدثنا » ، محمد بن جعفر السختياني ، « حدثنا » أبو نعيم الجرجاني قراءة عليه بهرات سنة ست عشرة وثلاث مائة فأقرّ به ، « حدثنا » أبو العباس ابن الوليد بن مزيد البيروتي ، قال : أخبرني محمد بن شعيب بن شابور ، قال : أخبرني عثمان بن عطاء ، عن أبيه عطاء الخراساني ، قال : هذا كتاب ما
____________
(1) المزمل / 1.
(2) المدثر / 1.
(3) التكوير / 1.
(4) المطففين / 1.
ذكر لنا من تفسير القرآن وتنزيل سوره الأوّل فالأوّل « ممّا نزلت » بمكة ، وما أنزل بعد ذلك بالمدينة وذكر « كلامه » إلى قوله : ثم كان أوّل ما أنزل بالمدينة سورة البقرة وذكر إلى قوله : ثم( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ) (1) وذكر الحديث.
1067 ـ أخبرنا أبو نصر المقرئ ، « أخبرنا » أبو عمرو بن مطر إملاءا في المحرم سنة تسع وخمسين ، « حدثنا » جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ ، « حدثنا » محمد بن علي الثقفي ، قال : حدثني علي بن الحسين بن واقد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني يزيد ، عن عكرمة ، والحسن ابن أبي الحسن : أنّ أوّل ما أنزل الله من القرآن بمكة :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) ، ون والقلم وذكر « كلامه » إلى قوله : وما أنزل الله بالمدينة :( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ) ، والبقرة ، والأنفال ، وآل عمران ، والأحزاب ـ « وساق كلامه » إلى « قوله » ـ : والرحمان ، و( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) ، و( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ) (2) الحديث.
1068 ـ أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ، قال : أخبرني أبو محمد ابن زياد العدل ، « أخبرنا » محمد بن إسحاق ، « أخبرنا » يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، « أخبرنا » أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي ، « أخبرنا » علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، قال : حدثني يزيد النحوي ، عن عكرمة والحسن ، قالا : ما أنزل الله من القرآن بمكة :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) وذكر
____________
(1) الانسان / 1.
(2) الطلاق / 1.
إلى قوله : و « أما » ما أنزل بالمدينة « فهي » :( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ) ، والبقرة ، وآل عمران ، والأنفال ، والأحزاب ، والمائدة ، والممتحنة ، والنساء ، وإذا زلزلت ، والحديد ، ومحمد ، والرعد ، والرحمان ، و( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) ، والطلاق ، ولم يكن.
وذكر الحديث « وقد » اختصرته أنا وساويته في إسناده.
1069 ـ أخبرونا عن أبي أحمد ابن عدي ، « قال : « أخبرنا محمد بن المعافى بن أبي حنظلة أملاه بصيدا ، « كذا » « أخبرنا » محمد بن خلف ، « أخبرنا » آدم بن أبي أياس ، « أخبرنا » أبو شيبة / 185 / أ / : عن عطاء الخراساني ، قال : كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت مكية ، ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة ، وكان أوّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة ، ثم الأنفال ، ثم آل عمران ، ثم الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد ، ثم سورة محمد ، ثم سورة الرعد ، ثم سورة الرحمان ، ثم هل أتى الحديث.
1070 ـ حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب ، « حدثنا » أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد البغوي بها ، قال : « حدثنا » أبو النضر محمد بن أحمد الملقاني ، « حدثنا » المطهر بن الحكم الكرابيسي ، « حدثنا » علي بن الحسن بن واقد ، عن أبيه قال : أوّل ما نزل من القرآن بمكة بلا خلاف :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) ،( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) ، ـ « وساق الكلام » إلى « قوله : « ـ وأوّل ما نزل بالمدينة البقرة ، ثم الأنفال إلى قوله :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ) (1) ، ثم آل عمران ، ثم
____________
(1) الأنفال / 64.
الأحزاب ، ثم الممتحنة ، ثم النساء ، ثم إذا زلزلت ، ثم الحديد ، ثم محمد ، ثم الرعد ، ثم الرحمان ، ثم( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ ) ، ثم الطلاق ، ثم لم يكن ، ثم الحشر وساق الحديث (1).
أقول : وللحافظ أحمد بن محمد بن علي بن أحمد العاصمي المولود سنة 378 هـ كتاب « زين الفتى في شرح سورة هل أتى » ذكر فيه كثيراً من الآثار عن ابن عباس ممّا له تعلق بموضوع السورة ، وقد « هذبه وعلق عليه العلامة المحقق الشيخ محمد باقر المحمودي » وطبعه بجزئين « مجمع إحياء الثقافة الإسلامية » باسم « العسل المصفى في تهذيب زين الفتى ».
ومن نوادر ما جاء فيه عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى :( كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ) (2) ، قال : « قوارير كلّ أرضٍ من تربتها ، وقوارير الجنّة من أرض الجنّة ، وأرض الجنّة فضة ».
وقال : « لو أنّك أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى تكون مثل جناح الذباب ، ما رأيت الماء من ورائها ، ولكن فضة الجنّة في بياض الفضة وصفاء القوارير »(3) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ *
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / (310) ـ 315.
(2) الإنسان / 15 ـ 16.
(3) زين الفتى في شرح سورة هل أتى 1 / 91.
وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ ) (1) ، قال : «( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) يعني الذين اتقوا الشرك والذنوب والكبائر ، وهم : عليّ والحسن والحسين ،( فِي ظِلالٍ ) يعني ظلال الشجر والخيام من اللؤلؤ ،( وَعُيُونٍ ) يعني ماءاً طاهراً يجري ،( وَفَوَاكِهَ ) يعني ألوان الفواكه ،( مِمَّا يَشْتَهُونَ ) يقول ممّا يتمنون ،( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يعني تطيعون الله في الدنيا ،( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أهل بيت محمد في الجنّة » (2).
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) (3) ، قال : « هو عليّ بن أبي طالب ، هو والله سيد من أتقى الله وخافه ، اتقاه عن ارتكاب الفواحش ، وخافه عن اقتراف الكبائر ،( مَفَازاً ) نجاة من النار والعذاب ، وقرباً من الله في منازل الجنّة »(4) .
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
____________
(1) المرسلات / (41) ـ 44.
(2) شواهد التنزيل 2 / 316.
(3) النبأ / 31.
(4) شواهد التنزيل 2 / 320.
الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (1) ، قال : «( فَأَمَّا مَنْ طَغَى ) ، يقول : علا وتكبّر ، وهو علقمة بن الحرث بن عبد الله بن قصيّ ،( وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) وباع الآخرة بالدنيا ،( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) ،( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ) ، يقول عليّ بن أبي طالب خاف مقام بين يدي ربّه وحسابه وقضاءه بين العباد ، فانتهى عن المعصية ،( وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) يعني عن المحارم التي تشتهيها النفس ،( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) هي مأواه خاصة ومن كان هكذا عاماً » (2).
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) (3) ، قال : « فالذين آمنوا : عليّ بن أبي طالب ، والذين كفروا : منافقوا قريش »(4) .
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) (5) ، قال : « هم بنو عبد شمس ، مرّ بهم عليّ بن أبي طالب ومعه نفر فتغامزوا به وقالوا : هؤلاء هم الضّلال ، فأخبر الله تعالى ما للفريقين عنده جميعاً يوم القيامة ، وقال :
____________
(1) النازعات / (37) ـ 41.
(2) شواهد التنزيل 2 / 323.
(3) المطففين / 29.
(4) تفسير الحبري / 327.
(5) المطففين / 29.
( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا ) (1) ، وهم عليّ وأصحابه ،( مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (2) ، بتغامزهم وضحكهم وتضليلهم عليّاً وأصحابه ، فبشر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وأصحابه الذين كانوا معه ، إنّكم ستنظرون إليهم وهم يعذّبون في النار » (3).
1 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ) (4) : «( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ) ، قال : هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،( وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) ، قال : هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام ،( وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا ) ، قال : الحسن والحسين عليهم السلام ،( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ) ، قال : بنو أمية »(5) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « لمّا نزلت هذه الآية :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (6) ، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ : « هو أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي
____________
(1) المطففين / 34.
(2) المطففين / (34) ـ 36.
(3) شواهد التنزيل 2 / 329.
(4) الشمس / (1) ـ 4.
(5) شواهد التنزيل 2 / 333.
(6) البينة / 7.
عدوك غضاباً مقمحين » ، قال عليّ : « يا رسول الله ومن عدوي؟ » قال : « من تبرأ منك ولعنك » ، ثم قال رسول الله : « من قال : رحم الله عليّاً ، يرحمه الله » (1).
2 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال : « هم عليّ وشيعته »(2) .
3 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى :( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال : « نزلت في عليّ وشيعته »(3) .
1 ـ عن ابن عباس ، قال : « أوّل من يرجح كفة حسناته في الميزان يوم القيامة عليّ بن أبي طالب ، وذلك أنّ ميزانه لا يكون فيه إلاّ الحسنات ، وتبقى كفة السيئات فارغة لا سيئة فيها ، لأنّه لم يعص الله طرفة عين ، فذلك قوله :( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) (4) ، أي في عيش في جنة قد رضي عيشه فيها »(5)
____________
(1) شواهد التنزيل 2 / 375.
(2) نفس المصدر 2 / 366.
(3) نفس المصدر 2 / 366.
(4) القارعة / (6) ـ 7.
(5) شواهد التنزيل 2 / 367.
معرفته بالقصص القرآني
نظرة فاحصة
لا ريب أنّ من يقرأ في أيّ كتاب تفسير للقرآن بالمأثور ، يجد ابن عباس لديه الحضور في جلّ رواياته ، ومنها القصص القرآني بمعناه الشامل العام. ولو اقتصرنا على كتاب « مجمع البيان » ـ مثلاً ـ وقمنا بعملية مسح شامل لما ورد عنه في القصص القرآني ، نجد فيه عن ابن عباس ما يتعلق بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والسيرة النبوية بدءاً من البعثة حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم عدّة روايات ، موزعة حسب ورود الآيات الكريمة المتعلقة بها ، ويكاد أن يكون ذلك بمثابة رسالة في السيرة. فمن آية الإنذار إلى ما جاء من آيات في الكفار والمشركين ، وما جاء في حروب بدر وأحد والأحزاب وواقعة بني النضير وبني قريظة ، وأخيراً إلى ختام السيرة بما جاء عنه في تفسير سورة النصر. ولو تفرّغ له باحث ، فجمعه ورتّبه حسب السنين من البعثة إلى الهجرة ، لكان عملاً مفيداً نافعاً.
كما يجد ممّا يتعلق بأخبار الأنبياء والمرسلين السابقين وحالهم مع
أممهم الشيء الكثير ، وجلّه قد يعدّ من القصص الإسرائيلي ، وهذا هو الباب الذي دسّ المستعربون والمستغربون فيه آنافهم فقالوا بأنّه أخذه عن أهل الكتاب. وقد فنّدنا هذا الزعم في جنايات المستشرقين كما ستأتي في الحلقة الرابعة إن شاء الله ، ونتعجل الإشارة إلى أنّ ابن عباس لم يكن بحاجة إلى أن يأخذ ذلك عن أهل الكتاب وعنده مدينة العلم وبابها.
وفي عملية المسح الشامل في « مجمع البيان » وجدت جميع ما ورد عنه في هذا الباب لم يبلغ الأربعين رواية ، وفيها ما رواه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما في تفسيره قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) إلى قوله تعالى :( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) (1) ، عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « أنّهم أمروا بأدنى بقرة ، ولكنهم لمّا شدّدوا على أنفسهم ، شدّد الله عليهم ، وأيم الله لو لم يستثنوا ما بينّت لهم إلى آخر الأبد »(2) .
ومنها ما رواه عن أبيّ بن كعب ، كما في تفسر قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ) إلى قوله تعالى :( لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ) (3) ، عن ابن عباس ، قال : « أخبرني أبيّ بن
____________
(1) البقرة / (67) ـ 71.
(2) مجمع البيان 1 / 260.
(3) الكهف / (60) ـ 62.
كعب ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : « إنّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل ، فسئل أيّ الناس أعلم؟ قال : أنا ، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه ، فأوحى الله إليه إنّ عبداً لي بمجمع البحرين هو أعلم منك » » (1) ، وساق القصة إلى آخرها ، وهي طويلة فمن أرادها فليرجع إلى المصدر المذكور.
ولم أقف على رواية في القصص القرآني الإسرائيلي رجع فيها ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب! نعم ورد في تفسير الآيات من سورة الرعد : « وقيل إنّ ابن عباس سأل كعباً عن أم الكتاب ، فقال : علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه : كن كتاباً فكان كتاباً »(2) . وهذا يكفي في تمريضه نسبته إلى القيل! ثم أين هذا من القصص الإسرائيلي؟!
ومن القصص القرآني ما يتعلق بالآيات الكونية ، وخلق السماء والأرض ، والإنسان والنفس والروح ، ممّا لم يكن العلم به يومئذ مألوفاً فى عصره ، فمن أين له ذلك؟
والجواب ببساطة ودقة : أخذه من معدنه ، من مدينة العلم ومن بابها.
وكشاهد على ذلك نقرأ عنه ما قاله في تفسير قوله تعالى :( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) (3) ، قال ابن عباس : « في بني آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس التي بها العقل والتمييز ، والروح التي بها النفَسَ
____________
(1) مجمع البيان 6 / (364) ـ 365.
(2) نفس المصدر 6 / 49 ، تفسير سورة الرعد (38) ـ 40.
(3) الزمر / 42 ، كما في مجمع البيان 1 / 404.
والتحرك ، فإذا نام قبض الله نفسه ولم يقبض روحه ، وإذا مات قبض الله نفسه وروحه » (1).
وهذا ليس بغريب منه ، بعد أن نجد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ما هو أعجب وأعجب في الروح والنفس وخلق السموات والأرض ، كما في خطب « نهج البلاغة » ، وابن عباس قد أخذ علمه منه كما مرّ ذلك عنه مراراً.
على أنّه قد ورد ما يؤيد ما قاله ابن عباس فيما رواه العياشي ، بإسناده إلى أبي جعفر عليه السلام قال : « ما من أحد ينام إلاّ عرجت نفسه إلى السماء ، وبقيت روحه في بدنه ، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس ، فإن أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس ، وإذا أذن الله في ردّ الروح أجابت النفس الروح ، وهو قوله سبحانه :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (2) »(3) .
ومن القصص القرآني المروي عن ابن عباس فيه روايات كثيرة ، ما يتعلق بالحياة الآخرة وكيفية الحساب والثواب والعقاب ، والصراط
____________
(1) مجمع البيان 8 / 404 ، ط الأعلمي.
(2) الزمر / 42.
(3) مجمع البيان 8 / 404 ط الأعلمي.
والميزان وبقية مشاهد القيامة ، ولمّا كان هذا من أخبار الغيب الذي آمّنا به عن طرق إخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فكذلك ابن عباس سمع ذلك فرواه ، وإن لم يكن كلّه مصرّحاً برفعه.
ميزان بلا عين
يمكننا أن نقسّم المروي عن ابن عباس في جميع مجالات العلم وفنون المعرفة إلى أربعة أقسام على النحو التالي :
القسم الأوّل : يقطع بصحته لسلامة سنده ومتنه ، وموافقته جملة وتفصيلاً لما ورد مروياً عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أو عن بقية الصحابة ، وما أكثر شواهده ، ففي التفسير مثلاً يحسن مراجعة تفسير « مجمع البيان » فسيجد القارئ كثيراً ممّا صرّح به المؤلف لموافقته للمروي عن أئمتنا عليهم السلام ، وقد تقدم في ذكر « حجيّة تفسير ابن عباس » الإشارة إلى هذا.
القسم الثاني : ممّا هو ليس كذلك ، ولكن ممّا تجوزّه العقول ، ولا تأباه الأصول ، وإن لم نجد له مشابهاً له في المنقول ، نحو أكثر ما ورد عنه في قصص الأنبياء والمرسلين ، في تواريخ الأمم البائدة ممن أشار إليهم القرآن الكريم.
نحو ما جاء في تفسير قوله تعالى :( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (1) ، قال ابن عباس : « لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره ، وغير إمرأة فرعون ، وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال :( إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) (2) » (3).
القسم الثالث : ما يوحي بمخالفته لبعض الأصول ، إلاّ أنّه يمكن تأويله على وجه يوافق المعقول والمنقول ، كما جاء مروياً عنه في تفسير « سبع سماوات وسبع أرضين »(4) .
فهذه الأقسام الثلاثة هي التي يمكن تمشية أمرها بلا مشاحة وعسر. لكن الذي لا يمكن قبوله هو :
القسم الرابع : ممّا لا يصح ظاهره ، ولا يمكن تأويله ، إلاّ على التعسف البعيد. فهذا بالرفض أولى.
وهذا نحو ما روي عنه في قصة سليمان بن داود عليهما السلام ممّا هو بالرفض أولى ، كما ذكر ذلك صاحب « مجمع البيان » ، فقال في تفسير قوله تعالى :( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ ) (5) : « وأمّا ما ذكر عن ابن عباس : انّه ألقي شيطان أسمه صخر على كرسيه ، وكان مارداً عظيماً لا يقوى عليه جميع الشياطين ، وكان نبيّ الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه ، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه ، وأقام أربعين يوماً في ملكه وسليمان هارب.
____________
(1) غافر / 28.
(2) القصص / 20.
(3) مجمع البيان 8 / 437.
(4) مجمع البيان 10 / 50 ط الأعلمي.
(5) ص / 34.
ثم ذكر عدّة أقوال أخرى كلّها مرفوضة ، فقال :
إنّ جميع ذلك ممّا لا يعوّل عليه ، لأنّ النبوة لا تكون في خاتم ، ولا يجوز أن يسلبها الله النبيّ ، ولا أن يمكّن الشيطان من التمثل بصورة النبيّ ، والقعود على سريره ، والحكم بين عباده ، وبالله التوفيق »(1) .
ونحو ما وضع عليه في فضائل السور ، سورة سورة ، من رواية أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي ، فقيل له : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال : إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد ابن إسحاق ، فوضعت هذا الحديث حسبة(2) .
ونحو ما وضع عليه من حديث رواه الخوارزمي في مناقب أبي حنيفة : يطلع بعد رسول الله بدر على جميع خراسان يكنى بأبي حنيفة(3) .
وما وضع على لسانه في فضائل الخلفاء الأربعة ، وما أكثر هذا النمط في « الرياض النضرة » للمحب الطبري ، وفي معجم الطبراني الكبير(4) ، و « حلية الأولياء »(5) ، وغيرها(6) .
____________
(1) مجمع البيان 8 / 357.
(2) تفسير القرطبي 1 / 78.
(3) مناقب أبي حنيفة 1 / 18 ط حيدر آباد.
(4) المعجم الكبير 11 / 23.
(5) حلية الأولياء 3 / 304.
(6) مثل ما أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 242 عن ابن عباس مرفوعاً : هبط علي جبرئيل وعليه طنفسة وهو متخلل بها ، فقلت : يا جبرئيل ما نزلت علي في مثل هذا الزي؟ فقال إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض. وسيأتي في أول مروياته جملة من هذه الموضوعات.
وفي فضائل معاوية ، مثل : « الأمناء سبعة : اللوح والقلم واسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية » ، ذكره ابن كثير في تاريخه ، فقال : « هذا أنكر من الأحاديث التي من قبله وأضعف إسناداً »(1) .
ابن عباس وآيات التحدي
ولمّا كان القرآن الكريم قد أمتاز بأسلوبه البياني العالي ، وقد تحدى العرب أهل البلاغة والفصاحة ، فإنّهم لمّا سمعوا بعض آياته فأدهشهم وخلب ألبابهم ، فكان منهم المعاند :( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) (2) ، ومنهم من ازداد عتواً كما حكى القرآن حالهم فقال :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) (3) ، فتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله فقال تعالى :( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) (4) .
ولمّا كان ابن عباس « ترجمان القرآن » يقرأ هاتين الآيتين يقول : «( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يعني أعوانكم وأنصاركم الذين
____________
(1) تاريخ ابن كثير 8 / 129 حوادث سنة 60.
(2) المدثر / 24.
(3) سبأ / 31.
(4) البقرة / (23) ـ 24.
يظاهرونكم على تكذيبكم على ما أنتم عليه ،( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ،( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) فقد تبين لكم الحق ،( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) أمّا الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذّبون به في النار ، لأنّها أحر شيء إذا حميت ،( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر » (1).
فابن عباس يفسر الآيات الكريمة التي فيها من القصص القرآني جانباً من تاريخ بدء الدعوة وما عاناه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم فيه من الوعيد والتهديد لمن لم يستجب وأصرّ على عناده بإسلوب سهل.
فهو بهذا لم يستخرج معاني غامضة فيتّهم في أخذه عن غير أهل بيته وأهله ، بل لم يتجاوز المألوف المعروف في التفسير ، في تلك الفترة ، وهو كذلك نجده واضحاً وبارعاً في تفسير القصص القرآني عن الأمم البائدة ومعاناة الأنبياء معهم ، بل وحتى في الآيات الكونية ، ومشاكل الحياة ، ومشاهد القيامة ، لا ينزع لغير الألفاظ مستعملاً علمه الواسع في فهم معاني القرآن الحكيم ، ومستعيناً كثيراً باللغة والشعر ، حتى عدّ صاحب أوّل مدرسة في التفسير انتهجت بحث المعاني بمعونة الشواهد الشعرية ، وستأتي نماذج تعكس مدى إهتمامه بالاستفادة من الشعر العربي في إيضاح الغامض والغريب عند السامع من اللفظ القرآني ، نحو ما جاء في مسائل نافع بن الأزرق التي سوف تأتي في الحلقة الثالثة.
____________
(1) تفسير الطبري 1 / (166) ـ 169 ، مجمع البيان 1 / (126) ـ 128 ط الأعلمي.
أمّا الآن ففي كشف معارفه بالقصص القرآني ونماذج في ذلك.
وفيها نجده يفسر حتى الآيات الكونية بإسلوب رائع سهل بسيط من دون تعقيد ، وقد يستعين في الإيضاح بذكر شأن النزول ، وهو في ذلك لم يخرج عن معنى حاق اللفظ.
ما هي الآيات التي سنذكرها شاهداً في المقام؟ ولماذا اخترناها؟
سنقرأ من تفسير ابن عباس لجملة آيات ، فيها قصص وعبر ، وآيات فيها مزدجر ، ولا نطيل المقام بقراءة جميع ما جاء عنه في القرآن الكريم. فإنّ ذلك يستدعي عرض تفسير كامل له ، وهذا ربما سيأتي في الحلقة الثالثة إن تيسر إن شاء الله تعالى ، بل سنقف على ما جاء عنه في خصوص الجزء الثلاثين ، وهذا هو آخر أجزاء القرآن الكريم ترتيباً في المصاحف ، ولكنه هو من أوائل سور القرآن نزولاً ، لأنّ جميع سوره مكية ، فيما عدا سورة البيّنة والنصر والزلزلة.
ومعلوم أنّها تمثل بداية عهد الدعوة ومدى المعاناة النبوية من كفّار قريش. كما إنّها كلّها من قصار السور ـ على تفاوت بينها في الطول والقصر ـ وهذا ممّا يسهِّل حفظها! واستيعاب معانيها ، وبينها جميعاً قاسم مشترك هو تشابه صور المشاهد والمشاعر ، في عرض القصص ، وتكاد أن تكون ذات طابع دلالي متميز يخصّ : الخلقة ، والنفس ، والكون ، ومشاهد يوم الفصل ، وما يعني ، يتعلق بالنشأتين في كلّ ما فيها من موجودات بتعبير حسّي ، يوحي بالرهبة والرغبة ، ويقرب
الصورة الذهنية من الواقع المنظور ، فلا تغيب عن القارئ تلك الرؤى الحسية من خلال تلاوة تلك الآيات ، وهي أيضاً توحي بالعبرة في تصحيح السلوك.
فإنّ من يقرأ قوله تعالى في سورة العلق ، وهي أوّل سورة أنزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويتلو فيها قوله تعالى :( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) (1) .
فهذه الآيات الثلاث التي أستعمل فيها صيغة( أَرَأَيْتَ ) فإنّها تمثّل لون الإستفهام الإنكاري الشديد ، الداعي إلى لون من الوان الوعيد ، ضمنها لمن يأتي بتلك المفعولات لفعل( أَرَأَيْتَ ) .
ولا تفوتنا الإشارة في المقام إلى ما قيل ويقال في المفعول الثاني إلى فعل( أَرَأَيْتَ ) كما يقوله النحاة فلا حاجة إلى التطويل فيه ، بعد أن كان القرآن الكريم هو الحجة في الاستعمال ، وقد أستعمل الفعل بمفعول واحد ، ويكون المعنى : أرأيت يا محمد من فعل ما ذكرناه من منع الصلاة وينهى المصلين عنها ماذا يكون جزاؤه؟ وماذا يكون حاله عند الله ، وما الذي يستحقه من العقاب.
ونعود إلى ابن عباس رضي الله عنه لنراه كيف يفسر تلك الآيات الكريمة؟ وإذا هو قد خرج حتى عن التفسير اللغوي ، وأكتفى بشأن النزول ، ثم عقب عليه
____________
(1) العلق / (9) ـ 14.
بتفسير كلمة :( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) (1) ، وحتمية العقوبة كما سيأتي ذلك.
وهذا يعني أنّ ابن عباس في تفسيره لما جاء في الجزء الثلاثين ، لم يلتزم نهجاً معيناً موحداً في تفسير تلك المشاهد والمشاعر والصور ، وأحسب أنّ القارئ سيعرف أنّ ابن عباس إنمّا عنى بتفسير المفردات حينا ، وذكر سبب النزول حيناً ، فهو في ذلك كان مع حاقّ اللفظ مع بيان سببه وذكر قصته.
استخدام المصادر
لم أجد في المقام أجدى نفعاً من الرجوع إلى « مجمع البيان » للطبرسي الذي ذكر ابن عباس في أكثر من « 1750 » مورداً ، ثم « جامع البيان » للطبري الذي هو أقدم وأتم تفسير جمع الرواية والأثر ، كما أنّه راعى المعنى الظاهر للفظ ، وحتى قيل بأنّه كان في استخدامه للإستعمال اللغوي والإستشهاد بالشعر ، متأثراً بنهج ابن عباس ، فالرجوع في اقتناص واقتباس آراء ابن عباس رضي الله عنه يكفينا في الوثوق بنقلهما ، ولا يعني ذلك توهين بقية المصادر التي زخرت بنقل المروي والمأثور عن ابن عباس كـ « الدر المنثور » للسيوطي ، أو « تفسير البرهان » للسيد البحراني ، وغيرهما من التفاسير.
وإلى القارئ ما جاء عن ابن عباس في القصص القرآني وصور الحياتين في النشأتين من خلال سور الجزء الثلاثين ، بدءاً من :
____________
(1) العلق / 15.
سورة النبأ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاء وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً * إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً * جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن
شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً) .
1 ـ( وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ) (1) . يقول ابن عباس : « سراجاً منيراً ».
2 ـ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) (2) . يقول ابن عباس : « فالمعصرات الريح من السحاب ».
3 ـ( مَاءً ثَجَّاجاً ) (3) . قال ابن عباس : « ماء من السماء منصباً ».
4 ـ( وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) (4) . قال ابن عباس : « وجنات التفّ بعضها ببعض ».
5 ـ( لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً ) (5) . قال ابن عباس : « الحُقب ثمانون سنة ».
6 ـ( إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) (6) . قال ابن عباس : « الزمهرير ».
7 ـ( جَزَاءً وِفَاقاً ) (7) . قال ابن عباس : « وافق أعمالهم ».
8 ـ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازا ) (8) . يقول : « متنزها ».
9 ـ( وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً ) (9) . قال ابن عباس : « يعني النساء المستويات ».
____________
(1) النبأ / 13.
(2) النبأ / 14.
(3) النبأ / 14.
(4) النبأ / 16.
(5) النبأ / 23.
(6) النبأ / 25.
(7) النبأ / 26.
(8) النبأ / 31.
(9) النبأ / 33.
10 ـ( وَكَأْساً دِهَاقاً ) (1) . قال ابن عباس : « ممتلأ دراكاً ملأى متتابعة ».
11 ـ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ ) (2) . قال ابن عباس : « هو ملك أعظم الملائكة خلقاً ».
12 ـ( إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) (3) . قال ابن عباس : « إلاّ من أذن له الربّ بشهادة ألاّ إله إلاّ الله ، وهي منتهى الصواب ».
سورة النازعات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ * هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى *
____________
(1) النبأ / 34.
(2) النبأ / 38.
(3) النبأ / 38.
فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى * أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى * يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) .
1 ـ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ) (1) . قال ابن عباس : « تنزع الأنفس ».
2 ـ( وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ) (2) . قال ابن عباس : « حين تنشط نفسه ، إنّها الملائكة تنشط أنفس المؤمنين ، فتقبضها كما تنشط العقال بين يدي البعير إذا حلّ عنها ».
3 ـ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) (3) . قال ابن عباس : « تتبع
____________
(1) النازعات / 1.
(2) النازعات / 2.
(3) النازعات / (6) ـ 7.
الآخرة الأولى ، والراجفة النفخة الأولى ، والرادفة النفخة الأخرى ».
4 ـ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ) (1) . قال ابن عباس : « خائفة »(2) .
5 ـ( أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ) (3) . قال ابن عباس : « أئنا لمردودن في الحافرة. الحياة ، أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً ».
6 ـ( أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ) (4) . قال ابن عباس : « النخرة الفانية البالية ».
7 ـ( فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ) (5) . قال ابن عباس : « يعني الأرض ».
8 ـ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى ) (6) . قال ابن عباس : « أمّا الأولى فحين قال : ما علمت لكم من اله غيري ، وأمّا الآخرة فحين قال :( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) (7) ».
9 ـ( رَفَعَ سَمْكَهَا ) (8) . قال ابن عباس : « بنيانها ».
10 ـ( وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ) (9) . قال ابن عباس : « أظلم ليلها ».
11 ـ( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا *
____________
(1) النازعات / 8.
(2) الطبري 3 / 33.
(3) النازعات / 10.
(4) النازعات / 11.
(5) النازعات / 14.
(6) النازعات / 25.
(7) النازعات / 24.
(8) النازعات / 28.
(9) النازعات / 29.
وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) (1). قال ابن عباس : « يعني أنّ الله خلق السماوات والأرض ، فلمّا فرغ من السماوات قبل أن يخلق أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء ، وأرسى الجبال ، يعني بذلك دحوها ، الأقوات ، ولم تكن تصلح أقوات الأرض ونباتها إلاّ بالليل والنهار ، فذلك قوله :( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) . ألم تسمع أنّه قال :( أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ) .
وقال : وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض تحت البيت ».
12 ـ( فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ) (2) . قال ابن عباس : « من أسماء يوم القيامة ، عظّمه وحذّره عباده ».
سورة عبس
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
____________
(1) النازعات / (30) ـ 31.
(2) النازعات / 34.
* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) .
1 ـ( فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ) (1) . قال ابن عباس : « أي هذا القرآن أو هذه التذكرة في كتب معظمة عند الله وهي اللوح المحفوظ ».
2 ـ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) (2) . قال ابن عباس : « كتبة الملائكة ».
3 ـ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) (3) . قال ابن عباس : « يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسرّه له ».
4 ـ( وَقَضْباً ) (4) . قال ابن عباس : « هو ألقت الرطب يقضب مرّة بعد أخرى ، يكون علفاً للدواب ».
____________
(1) عبس / 13.
(2) عبس / 15.
(3) عبس / 20.
(4) عبس / 28.
5 ـ( فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ ) (1) . قال ابن عباس : « هذا من أسماء يوم القيامة ، عظمّه الله وحذّره عباده ».
6 ـ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ) (2) . قال ابن عباس : « مشرقة ».
7 ـ( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) (3) . قال ابن عباس : « تغشاها ذلة ».
سورة التكوير
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ * فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
____________
(1) عبس / 33.
(2) عبس / 38.
(3) عبس / 41.
1 ـ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) (1) . قال ابن عباس : « يعني ذهبت ، أظلمت ، ذهب ضوؤها ونورها فأظلمت وأضمحلت ».
2 ـ( وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ) (2) . قال ابن عباس : « تغيرّت ».
3 ـ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) (3) . قال ابن عباس : « حشر البهائم موتها ، وحشر كلّ شيء الموت غير الجن والأنس ، فإنهما يوقفان يوم القيامة ».
4 ـ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) (4) . قال ابن عباس : «( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) ، قال كَور الله الشمس والقمر والنجوم في البحر ، فيبعث عليها ريحاً دبوراً ، فتنفخه حتى يصير ناراً ، فذلك قوله :( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) .
5 ـ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) (5) . قال ابن عباس : « ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة ».
6 ـ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ) (6) . قرئت : « وإذا المؤودة » ، روي عن ابن عباس أنّه قال : « هو من قتل في مودتنا أهل البيت »(7) .
7 ـ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) (8) . قال ابن عباس : « يعني إذا أدبر بظلامه ».
____________
(1) التكور / 1.
(2) التكور / 2.
(3) التكور / 5.
(4) التكور / 6.
(5) التكور / 7.
(6) التكور / 8.
(7) مجمع البيان 10 / 274 ، وهذا مروي عن أبي جعفر u
(8) التكور / 17.
8 ـ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) (1) . قرأ ابن عباس : « بِظَّنِينٍ » ، قال : « ليس بمتهم على ما جاء به ، وليس بظن بما أوتي ».
سورة الإنفطار
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ * كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) .
1 ـ( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) (2) . قال ابن عباس : « بعضها في بعض ».
2 ـ( وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ) (3) . قال ابن عباس : « بُحثت ».
____________
(1) التكور / 24.
(2) الأنفطار / 3.
(3) الأنفطار / 4.
3 ـ( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) (1) . قال ابن عباس : « تَعلم ما قدّمت من طاعة لله ، وما أخَرت ممّا أمِرت به من حق لله عليها لم تعمل به ».
4 ـ( يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ) (2) . قال ابن عباس : «( يَوْمَ الدِّينِ ) من أسماء يوم القيامة ، عظّمه الله وحذّره عباده ».
سورة المطففين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن
____________
(1) الأنفطار / 5.
(2) الأنفطار / 15.
رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )
1 ـ( إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) (1) . قال ابن عباس : « أعمالهم في كتاب في الأرض السابعة السفلى ».
2 ـ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2) . قال ابن عباس : « طبع على قلوبهم ما كسبوا ».
3 ـ( إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) (3) . قال ابن عباس : « أعمالهم في كتاب عند الله في السماء هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها ».
4 ـ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (4) . قال ابن عباس : « كلّ أهل السماء ».
5 ـ( عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ) (5) . قال ابن عباس : « الأرائك السرر في الحجَال ».
____________
(1) المطففين / 7.
(2) المطففين / 14.
(3) المطففين / 18.
(4) المطففين / 21.
(5) المطففين / 23.
6 ـ «يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ) (1) . قال ابن عباس : « يعني بالرحيق الخمر ».
7 ـ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ) (2) . قال ابن عباس : « طيّب الله لهم الخمر ، فكان آخر شيء جعل فيها حتى تختم ، إي أخر طعمه ريح المسك ، إذا رفع الشارب فاه عن آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك ».
8 ـ( وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) (3) . قال ابن عباس : « عيناً من ماء الجنّة تمزج به الخمر ». وفي رواية ميمون بن مهران ، عن ابن عباس سئل عن تسنيم؟ فقال : « هذا ما يقول الله عزوجل :( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (4) »(5) .
9 ـ( انقَلَبُواْ فَكِهِينَ ) (6) . قال ابن عباس : « معجبين ».
10 ـ( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ) (7) . قال ابن عباس : « يعني السرر المرفوعة عليها الحجال ، وكان يقول : إنّ السور الذي بين الجنّة والنار يفتح لهم فيه أبواب ، فينظر المؤمنون إلى أهل النار ، والمؤمنون على السرر ، ينظرون كيف يُعذّبون ، فيضحكون منهم ، فيكون ذلك ممّا أقر الله به أعينهم كيف ينتقم الله منهم ».
____________
(1) المطففين / 25.
(2) المطففين / 26.
(3) المطففين / (27) ـ 28.
(4) السجدة / 17.
(5) مجمع البيان 10 / 298.
(6) المطففين / 31.
(7) المطففين / (34) ـ 35.
سورة الإنشقاق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً * فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) .
1 ـ( وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ) (1) . عن ابن عباس في قوله :( وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ) ، قال : « سمعت لربها. وفي قوله :( وَحُقَّتْ ) حققت لطاعة ربها ».
____________
(1) الانشقاق / 2.
2 ـ( وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ) (1) . قال ابن عباس : « تمد مد الأديم العكاظي وتزاد في سعتها ».
3 ـ( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) (2) . قال ابن عباس : « تعمل عملاً تلقى الله به خيراً كان أو شراً ».
4 ـ( إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ) (3) . قال ابن عباس : « يبعث ».
5 ـ( وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ) (4) . قال ابن عباس : « وما جمع ما ساق الليل من شيء جمعه النجوم ، ألم تسمع قول الشاعر : « مستوسقات لم يجدن سائقا ».
6 ـ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ ) (5) . قال ابن عباس : « يعني نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم حالاً بعد حال ، منزلاً بعد منزل ، مرّة كالمهل ومرّة كالدهان. لتركبن يا محمد سماء بعد سماء تصعد فيها ».
7 ـ( لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (6) . قال ابن عباس : « غير منقوص ، ولا مقطوع ، لأنّ نعيم الآخرة غير منقطع ».
____________
(1) الانشقاق / 3.
(2) الانشقاق / 6.
(3) الانشقاق / 14.
(4) الانشقاق / 17.
(5) الانشقاق / 25.
(6) الانشقاق / 25.
سورة البروج
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) .
1 ـ( وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ) (1) . عن ابن عباس : « قصور في السماء ».
____________
(1) البروج / 1.
2 ـ( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) (1) . قال ابن عباس : « الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ».
3 ـ( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) . قال ابن عباس : « الشاهد محمد ، والمشهود يوم القيامة ، ثم قرأ :( ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ) (2) ».
4 ـ( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) (3) . قال ابن عباس : « هم ناس من بني إسرائيل ، خدّوا أخدوداً في الأرض ثم أوقدوا فيه ، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساءاً فعرضوا عليها ، وزعموا أنّه دانيال وأصحابه ».
5 ـ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) (4) . قال ابن عباس : « حرّقوا المؤمنين والمؤمنات ، وعذبوهم بالنار ».
6 ـ( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ) (5) . قال ابن عباس : « يبدئ بالعذاب في الدنيا
____________
(1) البروج / 3.
(2) هود / 103.
وهذا هو تفسير أهل البيت عليهم السلام ، فقد سأل رجل الحسن بن علي عليه السلام عن الآية ، فقال : للسائل : سألت أحداً قبلي؟ قال : نعم سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا : يوم الذبح ويوم الجمع ، قال : لا ، ولكن الشاهد محمد ، ثم قرأ :( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً ) ، النساء / 41. فالمشهود يوم القيامة ، ثم قرأ :( ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ) هود / 103. تفسير الطبري 30 / 130ط البابي الحلبي.
(3) البروج / (4) ـ 5.
(4) البروج / 10.
(5) البروج / 13.
ويعيده في الآخرة ».
7 ـ( الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) (1) . قال ابن عباس : « الحبيب ».
8 ـ( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) (2) . قال ابن عباس : « الكريم يريد العرش وحسنه ».
9 ـ( فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (3) . قال ابن عباس : « محفوظ عند الله وهو أم الكتاب ، ومنه نسخ القرآن والكتب ، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ وهو من درة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب »(4) .
سورة الطارق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ * وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) .
____________
(1) البروج / 14.
(2) البروج / 15.
(3) البروج / 22.
(4) مجمع البيان 10 / 319.
1 ـ( وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ ) (1) . قال ابن عباس : « السماء وما يطرق فيها ».
2 ـ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) (2) . قال ابن عباس : « يعني المضيء هو الكواكب المضيئة ، وثقوبه : إذا أضاء ».
3 ـ( إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) (3) . قال ابن عباس : « كل نفس عليها حفظة من الملائكة ».
4 ـ( خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ) (4) . قال ابن عباس : « أي ماء مهراق في رحم المرأة ، يعني المني الذي يكون منه الولد ».
5 ـ( يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) (5) . قال ابن عباس : « الترائب موضع القلادة من بين ثدي المرأة ، من الصدر ».
6 ـ( وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ ) (6) . قال ابن عباس : « ذات السحاب فيه المطر ، يعني بالرجع القطر والرزق كلّ عام ».
7 ـ( وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ) (7) . قال ابن عباس : « ذات النبات ، صدعها إخراج النبات في كلّ عام ».
8 ـ( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) (8) . قال ابن عباس : « حق ».
____________
(1) الطارق / 1.
(2) الطارق / 3.
(3) الطارق / 4.
(4) الطارق / 6.
(5) الطارق / 7.
(6) الطارق / 11.
(7) الطارق / 12.
(8) الطارق / 13.
9 ـ( وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) (1) . قال ابن عباس : « بالباطل ».
10 ـ( أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) (2) . قال ابن عباس : « قريباً ».
سورة الأعلى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى * سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى * إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) .
كان ابن عباس إذا قرأ : «( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) (3) ، يقول : « سبحان ربي الأعلى » ، وإذا قرأ :( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (4) ، فأتى على آخرها :
____________
(1) الطارق / 14.
(2) الطارق / ـ17.
(3) الأعلى / 1.
(4) القيامة / 1.
( أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) (1) ، يقول : « سبحانك اللهم وبلى » ، وقال : « كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ :( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) ، قال : « سبحان ربي الأعلى ».
وكذلك روى عن عليّ عليه السلام.
1 ـ( غُثَاء أَحْوَى ) (2) . قال ابن عباس : « هشيماً متغيراً ».
2 ـ( سَنُقْرِؤُكَ فَلا تَنسَى ) (3) . قال ابن عباس : « كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه جبرائيل عليه السلام بالوحي يقرأه مخافة أن ينساه ، فكان لا يفرغ جبرائيل عليه السلام من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله ، فلمّا نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئاً؟! ».
3 ـ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ) (4) . قال ابن عباس : « من تزكى من الشرك ».
4 ـ( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) (5) ، قال ابن عباس : « وحد الله سبحانه وتعالى وصلى الصلوات الخمس ».
سورة الغاشية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ
____________
(1) القيامة / 1.
(2) الأعلى / 5.
(3) الأعلى / 6.
(4) الأعلى / 14.
(5) الأعلى / 15.
نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِن جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ * أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) .
1 ـ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) (1) . قال ابن عباس : « الغاشية الساعة ، من أسماء يوم القيامة ، عظّمه الله وحذّره عباده ».
2 ـ( عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ) (2) . قال ابن عباس : « فإنّها تعمل وتنصب في النار ، عاملة ناصبة في الدنيا ، يعملون وينصبون ويتعبون على خلاف ما أمرهم الله تعالى به ، وهم الرهبان وأصحاب الصوامع وأهل البدع والآراء الباطلة لا يقبل الله أعمالهم في البدعة والضلالة وتصير هباء لا يثابون عليها ».
3 ـ( تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً ) (3) . قال ابن عباس : « قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله ».
____________
(1) الغاشية / 1.
(2) الغاشية / 3.
(3) الغاشية / 4.
4 ـ( تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) (1) . قال ابن عباس : « هي التي قد طال آنيها ».
5 ـ( لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ) (2) . قال ابن عباس : « الضريع الشبرق شجر من نار ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمّرّ من الصبر ، وأنتن من الجيفة وأشدّ حراً من النار ، سماه الله الضريع ».
6 ـ( لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ) (3) . قال ابن عباس : « لا تسمع أذىً ولا باطل ».
7 ـ( فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ) (4) . قال ابن عباس : « كقوله سرر مصفوفة بعضها فوق بعض ، قال : ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، مرتفعة ما لم يجيء أهلها ، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ، ثم ترتفع إلى موضعها ».
8 ـ( وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ) (5) . قال ابن عباس : « يعني بالنمارق المجالس المرافق ».
9 ـ( لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) (6) . قال ابن عباس : « لست عليهم بجبار ».
____________
(1) الغاشية / 5.
(2) الغاشية / 6.
(3) الغاشية / 11.
(4) الغاشية / 13.
(5) الغاشية / 15.
(6) الغاشية / 22.
سورة الفجر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ * فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً * كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .
1 ـ( وَالْفَجْرِ ) (1) . قال ابن عباس : « يعني صلاة الفجر ».
2 ـ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) (2) . قال ابن عباس : « إنّ الليالي العشر أقسم الله بهنّ :
____________
(1) الفجر / 1.
(2) الفجر / 2.
هنّ الليالي الأولى من ذي الحجة ، عشر الأضحى ».
3 ـ( وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ) (1) . قال ابن عباس : « يوم الذبح ، النحر ، والوتر ، يوم عرفة ».
4 ـ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ) (2) . قال ابن عباس : « إذا ذهب ».
5 ـ( لِّذِي حِجْرٍ ) (3) . قال ابن عباس : « لذي النهى والعقل لذي اللب ».
6 ـ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) (4) . قال ابن عباس : « يعني بالإرم الهالك ، ألا ترى إنك تقول : أرم بنو فلان ».
7 ـ( ذَاتِ الْعِمَادِ ) (5) . قال ابن عباس : « يعني طولهم مثل العماد والشدّة ».
8 ـ( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ) (6) . قال ابن عباس : « يعني ثمود قوم صالح ، كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ، فخرقوها ».
9 ـ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ) (7) . قال ابن عباس : « الأوتاد الجنود الذين يُشدّون له أمره ».
10 ـ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (8) . قال ابن عباس : « يرى ويسمع ».
____________
(1) الفجر / 3.
(2) الفجر / 4.
(3) الفجر / 5.
(4) الفجر / 6.
(5) الفجر / 7.
(6) الفجر / 9.
(7) الفجر / 10.
(8) الفجر / 14.
11 ـ( وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً ) (1) . قال ابن عباس : « تأكلون أكلاً شديداً سفاً ».
12 ـ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ) (2) . قال ابن عباس : « فتحبوّن كثرة المال حبّاً كثيراً شديداً ».
13 ـ( إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ) (3) . قال ابن عباس رضي الله عنه : « أي مدّت يوم القيامة مدّ الأديم ».
14 ـ( وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (4) . قال ابن عباس رضي الله عنه : « إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مد الأديم ، وزيد في سعتها كذا وكذا. وجُمع الخلائق بصعيد واحد ، جنّهم وإنسهم ، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض ، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنّهم وإنسهم بضعف ، فإذا نثروا على وجه الأرض فزعوا منهم ، فيقولون : أفيكم ربّنا؟ فيفزعون من قولهم ، ويقولون : سبحان ربنا ، ليس فينا وهو آت.
ثم تقاض السماء الثانية ، ولأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف ، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض ، فيقولون لهم مثل ذلك ، ويُرجعون إليهم مثل ذلك.
____________
(1) الفجر / 19.
(2) الفجر / 20.
(3) الفجر / 21.
(4) الفجر / 22.
حتى تقاض السماء السابعة ، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بضعف ، فيجئ الله فيهم والأمم جثي صفوف ، وينادي منادٍ : ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم ، ليقم الحمّادون لله على كلّ حال ، قال : فيقومون فيسرحون إلى الجنّة ، ثم ينادي الثانية : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ، أين الذين كانت( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (1) ، فيسرحون إلى الجنّة ، ثم ينادي الثالثة ستعلمون اليوم من( لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) (2) ، فيقومون فيسرحون إلى الجنّة.
فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول : إنّي وكلّت منكم بثلاثة ، بكلّ جبّار عنيد ، فيلقطهم من الصفوف لقط الطير حبّ السمسم ، فيحبس بهم في جهنم.
ثم يخرج ثانية فيقول : إني وكلّت منكم بمن آذى الله ورسوله فيلقطهم لقط الطير حبّ السمسم فيحبس بهم في جهنم.
ثم يخرج ثالثة ـ قال عوف : قال أبو المنهال : حسبت أنّه يقول ـ كلفّت بأصحاب التصاوير ، فيلتقطهم من الصفوف لقط الطير حبّ السمسم ، فيحبس بهم في جهنم.
____________
(1) السجدة / 16.
(2) النور / 37.
فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ومن هؤلاء ثلاثة ، نشرت الصحف ، ووضعت الموازين ، ودعا الخلائق للحساب »(1) .
سورة البلد
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ ) .
1 ـ( لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) (2) . قال ابن عباس : « مكة ».
2 ـ( وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) (3) . قال ابن عباس : « يعني بذلك نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أحلّ الله له يوم دخل مكة أن يقتل من يشاء ويستحيي من يشاء ، فقتل يؤمئذ ابن خطل صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة ، فلم تحلّ لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن
____________
(1) تفسير الطبري 30 / (185) ـ 186.
(2) البلد / 1.
(3) البلد / 2.
يقتل من يشاء فيها حراماً حرّمه الله ، فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة ، ألم تسمع أنّ الله قال في تحريم الحرم :( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (1). يعني بالناس أهل القبلة ».
3 ـ( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) (2) . قال ابن عباس : « الوالد الذي يلد ، وما ولد العاقر الذي لا يولد له ».
4 ـ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ) (3) . قال ابن عباس : « في نصب ، في شدّة معيشته ، وحمله ، وحياته ونبات أسنانه ».
5 ـ( أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) (4) . عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : « لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربعة : عن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين جمعه ، وفي ماذا أنفقه ، وعن عمله « علمه » ماذا عمل به ، وعن حبنا أهل البيت »(5) .
6 ـ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) (6) . قال ابن عباس : « سبيل الخير وسبيل الشر ».
7 ـ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) (7) . قال ابن عباس : « يوم ذي مجاعة ».
8 ـ( أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) (8) . قال ابن عباس : « الذي ليس له مأوى
____________
(1) آل عمران / 97.
(2) البلد / 3.
(3) البلد / 4.
(4) البلد / 5.
(5) مجمع البيان 10 / 363.
(6) البلد / 10.
(7) البلد / 14.
(8) البلد / 16.
إلاّ التراب الذي لا يفيد من التراب شيء ، اللازق بالتراب من شدّة الفقر على الطريق ، على الكناسة ، شديد الحاجة ، مسكين ذو بنين وعيال ، ليس بينك وبينه قرابة ».
9 ـ( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) (1) . قال ابن عباس : « مرحمة الناس ».
10 ـ( عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ ) (2) . قال ابن عباس : « مطبقة ».
سورة الشمس
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ) .
1 ـ( وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) (3) . قال ابن عباس : « يتلو النهار ».
____________
(1) البلد / 17.
(2) البلد / 20.
(3) الشمس / 2.
2 ـ( وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ) (1) . قال ابن عباس : « قسمها وما خلق منها ».
3 ـ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (2) . قال ابن عباس : « علّمها الطاعة والمعصية ، بين الخير والشر ، عرّفها طريق الفجور والتقوى وزهدّها في الفجور ورغبّها في التقوى ».
4 ـ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ) (3) . قال ابن عباس : « قد أفلح من زكى الله نفسه ».
5 ـ( وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) (4) . قال ابن عباس : « يعني تكذيبها أظلها أهلكها وقد خاب من دسّى الله نفسه فأضلّه ».
6 ـ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ) (5) . قال ابن عباس : « اسم العذاب الذي جاءها الطغوى ، كذّبت ثمود بعذابها ».
7 ـ( وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ) (6) . قال ابن عباس : « لا يخاف الله من أحد تبعه في إهلاكهم ».
____________
(1) الشمس / 6.
(2) الشمس / 8.
(3) الشمس / 9.
(4) الشمس / 10.
(5) الشمس / 11.
(6) الشمس / 15.
سورة الليل
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى * فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) .
1 ـ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) (1) . قال ابن عباس : « أعمالكم لمختلفة فعمل للجنة وعمل للنار ».
2 ـ( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) (2) . قال ابن عباس : « وصدَّق بالخلف من الله بالعِدة الحسنى ».
3 ـ( وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) (3) . قال ابن عباس : « من أغناه الله فبخل بالزكاة بخل بما عنده واستغنى في نفسه ».
4 ـ( وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ) (4) . قال ابن عباس : « وكذب بالخلف من الله ».
____________
(1) الليل / 4.
(2) الليل / 6.
(3) الليل / 8.
(4) الليل / 9.
سورة الضحى
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (1) .
1 ـ( وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) . قال ابن عباس : « إذا أقبل ، « إذا ذهب ».
2 ـ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) . قال ابن عباس : « لمّا نزل عليه القرآن أبطأ عنه جبريل أيّاماً فعُيّر بذلك ، فقال المشركون : ودّعه ربّه وقلاه ، فأنزل الله :( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) ، ما تركك ربّك وما أبغضك ».
سورة الانشراح
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) .
____________
(1) الضحى / (1) ـ 10.
1 ـ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ) (1) . قال ابن عباس : « فإذا فرغت ممّا فرض عليك من الصلاة فسل الله ، وأرغب إليه وأنصب له في الدعاء ».
سورة التين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) .
1 ـ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) (2) . قال ابن عباس : « يعني التين مسجد نوح الذي بني على الجودي ، والزيتون بيت المقدس ».
2 ـ( وَطُورِ سِينِينَ ) (3) . قال ابن عباس : « هو الطور ».
3 ـ( وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ) (4) . قال ابن عباس : « مكة ».
4 ـ( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (5) . قال ابن عباس : « خلق كلّ شيء منكبّاً على وجهه إلاّ الإنسان في أعدل خلق ، شبابه أوّل ما نشأ ».
____________
(1) الانشراح / 7.
(2) التين / 1.
(3) التين / 2.
(4) التين / 3.
(5) التين / 4.
5 ـ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) (1) . قال ابن عباس : « يردَ إلى أرذل العمر ، كبر حتى ذهب عقله ، وهم نفرٌ ردّوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سفهت عقولهم ، فأنزل الله عذرهم أنّ لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم ».
6 ـ( إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (2) . قال ابن عباس : « فأيّما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قوي شاب ، فعجز عنه جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت ، إذا كان يعمل بطاعة الله في شبيبته كلّها ثم كبر ثم ذهب عقله ، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شبيبته ولم يؤاخذه بشيء ممّا عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنّه مؤمن وكان يطيع الله في شبيبته ، وقال : هم الذين أدركهم الكبر ، لا يؤاخذون بعمل عملوه في كبرهم وهم هرمَى لا يعقلون ».
7 ـ( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) . قال ابن عباس : « غير منقوص ».
8 ـ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) (3) . قال ابن عباس : « ما يكذبك بحكم الله ».
____________
(1) التين / 5.
(2) التين / 6.
(3) التين / 7.
سورة العلق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) .
1 ـ( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) (1) . قال ابن عباس : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي عند المقام ، فمرّ به أبو جهل ابن هشام ، فقال : يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعدّه فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتهره ، فقال : يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إنّي لأكثر هذا الوادي نادياً ، فغضب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فتكلم بشيء ، فأنزل الله :( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) .
____________
(1) العلق / (11) ـ 16.
فقال ابن عباس : فوالله لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه ».
2 ـ( سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) (1) . قال ابن عباس : « يعني الملائكة الموكلين بالنار وهم الملائكة الغلاظ الشداد ».
سورة القدر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) .
1 ـ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (2) . قال ابن عباس : « أنزل الله القرآن كلّه جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا ، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزل منه حتى جمعه ، ثم فرّق في السنين ، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة ، فكان بموقع النجوم ، فكان الله ينزله على رسوله بعضه في أثر بعض ثم قرأ :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ) (3) ».
____________
(1) العلق / 18.
(2) القدر / 1.
(3) الفرقان / 32.
سورة البينة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) .
1 ـ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (1) . قال ابن عباس : « يريد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ».
2 ـ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء ) . قال ابن عباس : « حجاجاً مسلمين غير مشركين يقول :( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) ، ويحجوا :( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (2) ».
3 ـ( هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (3) . قال ابن عباس : « نزلت في عليّ عليه السلام وأهل بيته ».
____________
(1) البينة / 1.
(2) البينة / 5.
(3) البينة / 7.
سورة الزلزلة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .
1 ـ( وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ) (1) . قال ابن عباس : « الموتى ، أخرجت موتاها المدفونة فيها تخرج أحياء للجزاء ».
2 ـ( وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا ) (2) . قال ابن عباس : « الكافر ،( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) (3) ، يقول يومئذ تحدث الأرض أخبارها ، وتحديثها إخبارها :( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ) (4) ، أوحى إليها ، أذن لها لتخبر بما عمل عليها ».
3 ـ( لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ) (5) . قال ابن عباس : « ليروا جزاء أعمالهم ».
4 ـ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) (6) . قال ابن عباس : « ليس مؤمن ولا كافر عمل خيراً ولا شراً في الدنيا ، إلاّ أتاه الله إياهُ ، فإنّ المؤمن فيريه
____________
(1) الزلزلة / 2.
(2) الزلزلة / 3.
(3) الزلزلة / 4.
(4) الزلزلة / 5.
(5) الزلزلة / 6.
(6) الزلزلة / 7.
حسناته وسيئاته ، فيغفر الله له سيئاته ، وأمّا الكافر فيردّ حسناته ، ويعذبّه بسيئاته.
وإنّ الذرة دودة حمراء ليس لها وزن ».
سورة العاديات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً * إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) .
1 ـ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) (1) . قال ابن عباس : « هي الخيل ، وقال : ما ضبحت دابة قط إلاّ كلب أو فرس » ، وقال عطاء : « سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح ».
ـ أقول : وجاء في « تفسير الطبري » و « مجمع البيان » في تفسير السورة المذكورة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : « فقلت له : الخيل تغير في سبيل الله ، ثّم تأوي إلى الليل ، فيصنعون طعامهم ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو تحت سقاية زمزم ، فسأله عن :( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) ـ حدثه قال : بينما أنا في الحجر جالس أتاني رجل
____________
(1) العاديات / 1.
يسأل عن :( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) . فقال : سألت عنها أحداً قبلي؟ قال : نعم ، سألت عنها ابن عباس ، فقال : الخيل حين تغير في سبيل الله.
قال : اذهب فادعه لي. فلمّا وقفت على رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله لكانت أوّل غزوة في الإسلام لبدر ، وما كان معنا إلاّ فرسان ، فرس للزبير وفرس للمقداد ، فكيف تكون العاديات ضبحاً ، إنّما العاديات ضبحاً من عرفة إلى مزدلفة إلى منى.
قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال عليّ رضي الله عنه ».
وهذا الخبر إذا أردنا قبوله فعلى تحفظ! لأنّه جعل المساءلة كانت بمكة ، لا تصح دعوى اجتماع ابن عباس بعليّ عليه السلام في مكة ، في أي سنة من السنين على عهده صلى الله عليه وآله وسلم سوى سنة الفتح وسنة حجة الوداع ، وبالرغم من كثرة المسائل التي رواها ابن عباس في تلك السنة ـ أعني سنة حجة الوداع ـ ، وقد مرّت عنه في الجزء الأوّل من الحلقة الأولى ، وقلت : إنّها بمثابة منسك جامع لمسائل الحج. فلا يمكن التصديق بحدوث المسألة المذكورة فيها ، لعدم أهلية ابن عباس يومئذ للأخذ عنه.
أمّا عن بقية السنين التي عاشها بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع الخالفين ، فربّما كان هناك فرض إجتماع بمكة ، إذا كانا حجاجاً معاً كما في أيام عمر وعثمان ، وفي بعض سنّي أيامهما في الحكم ، ولكن يبقى الإشكال أنّ الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة ثم منها إلى منى ، ليس للركائب من ضبح ، ولا إنّهن موريات في قدح ، كما هو حال الخيل فيما إذا قامت على سنابكها ، فغارت
فهي تضبح ، وعلى الأرض توري الأحجار وتقدح ، ودلالة( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ) (1) ربما كانت في سير الخيل أظهر منها في سير الإبل.
2 ـ( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) (2) . قال ابن عباس : « هو جمع القوم ».
3 ـ( إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) (3) . قال ابن عباس : « لربه لكفور ، الجحود لنعم الله ».
4 ـ( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) (4) . قال ابن عباس : « إنّ الله على كفره لشهيد ».
5 ـ( بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ) (5) . قال ابن عباس : « بُحث ».
6 ـ( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ) (6) . قال ابن عباس : « أبرز ».
سورة القارعة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
____________
(1) العاديات / 4.
(2) العاديات / 5.
(3) العاديات / 6.
(4) العاديات / 7.
(5) العاديات / 9.
(6) العاديات / 10.
* وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ) .
1 ـ( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ ) (1) . قال ابن عباس : « هي الساعة ».
2 ـ( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) (2) . قال ابن عباس : « وهو مثلها ، وإنّما جعل النار أمه ، لأنّها صارت مأواه ، كما تؤوي المرأة ابنها ، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها بمنزلة أم له ».
سورة التكاثر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) .
1 ـ( ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) (3) . قال ابن عباس : « يعني أهل الشرك ».
2 ـ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) (4) . قال ابن عباس : « النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار ، قال : يسأل الله العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم ، وهو قوله :( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُول *ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) (5) ».
____________
(1) القارعة / 1 ـ2.
(2) القارعة / 9.
(3) التكاثر / 7.
(4) التكاثر / 8.
(5) الإسراء / 37.
سورة العصر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) .
1 ـ( وَالْعَصْرِ ) (1) . قال ابن عباس : « العصر ساعة من ساعات النهار ».
سورة الهُمَزَة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ ) .
1 ـ( وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) (2) . قال ابن عباس : « ويل لكلّ طعان مغتاب عيّاب مشّاء بالنميمة ، مفرّق بين الأحبّة ، مشرك كان يلمز الناس ويهمزهم ».
وقال أبو الجوزاء قلت لابن عباس : « مَن هؤلاء الذين بدأهم الله بالويل؟ قال : هم المشاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأحبّة ، الباغون أكبر العيب ، الهُمزة : الطعّان ، واللمزة : المغتاب ».
____________
(1) العصر / 1.
(2) الهُمَزَة / 1.
2 ـ( إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ) (1) . قال ابن عباس : « مطبقة عليهم مغلقة ».
3 ـ( فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ ) (2) . قال ابن عباس : « أدخلهم في عمد فمددّت عليهم بعماد ، وفي أعناقهم السلاسل ، فسُدّت بها الأبواب ، وتلك العمد من نار قد أحترقت من النار ، فهي من نار « ممدّة » لهم ».
سورة الفيل
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ) .
1 ـ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ) (3) . قال ابن عباس : « هي التي يتّبع بعضها بعضاً ، هي طير ، وكانت طيراً لها خراطيم كخراطيم الطير ، وأكفّ كأكف الكلاب ».
2 ـ( بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ) (4) . قال ابن عباس : « من طين في حجارة ، وسجيل بالفارسية : سنك وگل ، حجر وطين ».
____________
(1) الهُمَزَة / 8.
(2) الهُمَزَة / 9.
(3) الفيل / 3.
(4) الفيل / 4.
3 ـ( كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ) (1) . قال ابن عباس : « البُر يؤكل فيلقى عصفه الريح ، والعصف الذي يكون فوق البُرّ هو لحاء البّر ».
سورة قريش
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) .
1 ـ( لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ) (2) . عن ابن عباس : « قال نهاهم عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا ربّ هذا البيت ، وكفاهم المؤنة ، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف ، فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف ، فأطعمهم بعد ذلك من جوع ، وآمنهم من خوف ، وألغوا الرحلة فكانوا إذا شاءوا ارتحلوا ، وإذا شاءوا أقاموا ، فكان ذلك من نعمة الله عليهم كانوا يشتون بمكة ويصيّفون بالطائف ».
2 ـ( الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ) (3) . قال ابن عباس : « يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال :( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) (4) ».
____________
(1) الفيل / 5.
(2) قريش / 1.
(3) قريش / 4.
(4) البقرة / 126.
3 ـ( وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) (1) . قال ابن عباس : « حيث قال إبراهيم عليه السلام :( رَبِّ اجْعَلْ هَ *ذَا الْبَلَدَ آمِناً ) (2) ».
وقال ابن عباس : « كانوا في ضرّ ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين فلم يكن بنو أب أكثر مالاً ولا أعزّ من قريش ».
سورة الماعون
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) .
1 ـ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) (3) . قال ابن عباس : « الذي يكذب بحكم الله عزوجل ».
2 ـ( فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) (4) . قال ابن عباس : « يدفع حق اليتيم ».
3 ـ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) (5) . قال ابن عباس : « فهم المنافقون كانوا يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا ، ويتركونها إذا غابوا ، ويمنعونهم العارية بغضاً لهم ».
____________
(1) قريش / 4.
(2) إبراهيم / 35.
(3) الماعون / 1.
(4) الماعون / 2.
(5) الماعون / (4) ـ 5.
4 ـ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (1) . قال ابن عباس : « اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قال : يمنعون الزكاة ، ومنهم من قال : يمنعون الطاعة ، ومنهم من قال : يمنعون العارية ، وقال : لم يجئ أهلها بعدُ ».
سورة الكوثر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) .
1 ـ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) (2) . قال ابن عباس : « الكوثر نهر في الجنّة ، حافتاه من ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر ، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل ، نهر أعطاه الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنّة وهو الخير الكثير الذي أعطاه الله أياه ».
2 ـ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (3) . قال ابن عباس : « الصلاة المكتوبة ، والنحر النسك ، والذبح يوم الأضحى ، يقول إذبح يوم النحر ».
3 ـ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (4) . قال ابن عباس : « عدوك هو العاص بن وائل » ، وقال ابن عباس : « لمّا قدم كعب بن الأشرف مكة أتوه فقالوا له : نحن أهل السقاية والسدانة ، وأنت سيد أهل المدينة ، فنحن خير أم هذا الصنبور المبتر من قومه ، يزعم
____________
(1) الماعون / 7.
(2) الكوثر / 1.
(3) الكوثر / 2.
(4) الكوثر / 3.
أنّه خير منا ، قال : بل أنتم خير منه ، فنزلت عليه :( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) . قال وأنزلت عليه :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَ *ئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (1) ».
سورة الكافرون
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) .
1 ـ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) (2) السورة ، قال ابن عباس : « إنّ قريشاً وعدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ، ويزّوجوه من النساء ، ويطئوا عقبه ، فقالوا له : هذا لك عندنا يا محمد ، وكفّ عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء ، فإن لم تفعل ، فإنّا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح. قال : ما هي؟ قالوا : نعبد آلهتنا سنة ، اللات والعزّى ، ونعبد إلهك سنّة ، قال : حتى أنظر ما يأتي من عند ربي ، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ :( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) السورة ، وأنزل الله :( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
____________
(1) النساء / (50) ـ 51.
(2) الكافرون / 1.
* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ ) (1).
سورة النصر
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ) .
1 ـ( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (2) . قال ابن عباس : « لمّا نزلت ، علم النبيّ أنّه نعيت إليه نفسه ، فقيل له :( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ) (3) .
سورة المسدّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) .
1 ـ قال ابن عباس : « لمّا نزلت هذه الآية :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (4)
____________
(1) الزمر / (64) ـ 66.
(2) النصر / 1.
(3) النصر / (1) ـ 3.
(4) الشعراء / 214.
ورهطك منهم المخلصين ، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد إلى الصفا ، فهتف : يا صباحاه ، فقالوا : من هذا الذي يهتف؟ فقالوا : محمد ، فاجتمعوا إليه ، فقال : « يا بني فهر ، يا بني فلان ، يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف » ، فاجتمعوا إليه ، فقال : « أرأيتكم أن أخبرتكم أنّ خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي؟ » قالوا : ما جرّبنا عليك كذباً ، قال : « فإني نذير ربكم بين عذاب شديد » ، فقال أبو لهب : تباً لك ما جمعتنا إلاّ لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة :( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (1) ».
2 ـ( مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) (2) . عن أبي الطفيل ، قال : « جاء بنو أبي لهب إلى ابن عباس ، فقاموا يختصمون في البيت ، فقام ابن عباس ، فحجز بينهم ، وقد كفّ بصره ، فدفعه بعضهم حتى وقع على الفراش ، فغضب وقال : أخرجوا عني الكسب الخبيث ».
3 ـ( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) (3) . قال ابن عباس : « كانت تحمل الشوك والعظاة فتطرحه على طريق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج إلى الصلاة ليعقره وأصحابه ».
4 ـ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) (4) . قال ابن عباس : « هي حبال تكون بمكة ، سميت بها السلسلة من حديد طولها سبعون ذراعاً تدخل من فيها وتخرج من دبرها وتدار على عنقها في النار ».
____________
(1) المسد / 1.
(2) المسد / 2.
(3) المسد / 4.
(4) المسد / 5.
سورة الإخلاص
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .
1 ـ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (1) . قال ابن عباس : « واحد ليس كمثله شيء ،( اللَّهُ الصَّمَدُ ) (2) . قال ابن عباس : الصمد الذي ليس بأجوف ، ويقول : الصمد : السيد الذي قد كمل في سؤدده ، والشريف الذي قد كمل في شرفه ، والعظيم الذي قد عظم في عظمته ، الحليم الذي قد كمل في حلمه ، والغني الذي قد كمل في غناه ، والجبار الذي قد كمل في جبروته ، والعالم الذي قد كمل في علمه ، والحكيم الذي كمل في حكمته ، وهو الذي قد كمل في كلّ أنواع الشرف والسؤدد ، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلاّ له.( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) (3) لم يلد فيكون والداً ، ولم يولد فيكون ولداً ».
2 ـ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (4) . قال ابن عباس : « ليس كمثله شيء فسبحان الله الواحد القهار ».
____________
(1) الإخلاص / 1.
(2) الإخلاص / 2.
(3) الإخلاص / 3.
(4) الإخلاص / 4.
سورة الفلق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) .
1 ـ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) (1) . قال ابن عباس : « الفلق سجن في جهنم ، والفلق الصبح ، والفلق يعني الخلق ».
2 ـ( وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ) (2) . قال ابن عباس : « الليل إذا أقبل ».
3 ـ( وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) (3) . قال ابن عباس : « ما خالط السحر من الرقّى ».
سورة الناس
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ
( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) .
1 ـ( مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) (4) . قال ابن عباس : « ما من مولود إلاّ على قلبه الوسواس ، الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا عقل فذكر الله خنس ،
____________
(1) الفلق / 1.
(2) الفلق / 3.
(3) الفلق / 4.
(4) الناس / 4.
وإذا غفل وسوس. قال : فذلك قوله :( الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) ، هو الشيطان يأمره ، فإذا أطيع خنس ».
وكان رضي الله عنه يقول في ذلك أيضاً : « الذي يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور الناس ، حتى يستجاب له إلى ما دعا إليه من طاعته ، فإذا أستجيب له ذلك خنس ».
إلى هنا انتهيت من عرض ما عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير بعض ما ورد في آي الذكر الحكيم ، في سور الجزء الثلاثين حسب ترتيب المصحف ، مع أنّها من السور المكية الأول نزولاً كما قلناه آنفاً.
قطوف دانية من المعارف القرآنية مروية عن ابن عباس رضي الله عنه
وهي ثلاثة أنماط :
النمط الأوّل : ما يتعلق بأخبار الماضين
وهذا لون آخر من معارفه القرآنية في خصوص القصص القرآني المتضمن جانباً من تاريخ الأنبياء والمرسلين مع أممهم ، ولا مشاحة لو سمي بالقصص الإسرائيلي ، ولكنّا لا نرتضي هذه التسمية ما دام الموضوع ليس مصدره أهل الكتاب ، بل قد ذكرت سابقاً براءة ابن عباس من تلك التهمة ، فلا حاجة إلى الإعادة.
ولنقرأ نماذج تفسيرية من ذلك القصص ليس فيها خبر واحد من أهل الكتاب ، وهي تزيد على العشرات :
1 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) (1) .
عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « انّهم ـ بنو إسرائيل ـ أمروا بأدنى بقرة ، ولكنهم لمّا شددوا على أنفسهم شدّد الله عليهم ، وأيم الله لو لم يستثنوا ما بُينّت لهم إلى أخر الأبد »(2) .
____________
(1) البقرة / 67.
(2) مجمع البيان 1 / 259 ط الأعلمي.
2 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) (1) .
قال ابن عباس : « كان القتيل شيخاً مثرياً ، قتله بنو أخيه ، وألقوه على باب بعض الأسباط ، ثم أدّعوا عليهم بالقتل ، فاحتكموا إلى موسى عليه السلام ، فسأل مَن عنده في ذلك علم؟ فقالوا : أنت نبيّ الله وأنت أعلم منّا ، فأوحى الله تعالى إليه أن يأمرهم بذبح بقرة ، فأمرهم موسى عليه السلام أن يذبحوا بقرة ويضرب القتيل ببعضها ، فيحيي الله القتيل ، فيبيّن من قتله »(2) .
3 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ) (3) .
عن ابن عباس ، قال : « كان السامري رجلاً من أهل باجرمي ، اسمه موسى بن ظفر ، وكان من قوم يعبدون البقر ، وكان حبّ عبادة البقرة في نفسه ، وقد كان أظهر الإسلام في بني إسرائيل ، فلمّا قصد موسى إلى ربّه ، وخلّف هارون في بني إسرائيل ، قال هارون لقومه : قد حمّلتم أوزاراً من زينة القوم ـ يعني آل فرعون ـ فتطهّروا منها ، فإنّها نجس ، يعني أنّهم استعاروا من القبط حليّاً واستبدوا بها ، فقال هارون : طهّروا أنفسكم منها فإنّها نجس ، وأوقد لهم ناراً ، فقال : أقذفوا ما كان معكم فيها ، فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحلي فيقذفون به فيها.
____________
(1) البقرة / 72.
(2) مجمع البيان 1 / 258.
(3) البقرة / 51.
قال ـ ابن عباس ـ وكان السامري رأى أثر فرس جبرئيل عليه السلام ، فأخذ تراباً من أثر حافره ، ثم أقبل إلى النار فقال لهارون : يا نبيّ الله أألقي ما في يدي؟ قال : نعم وهو لا يدري ما في يده ويظّن أنّه ممّا يجيء به غيره من الحلي والأمتعة ، فقذف فيها وقال : كن عجلاً جسداً له خوار ، فكان البلاء والفتنة ، فقال : هذا الهكم وآله موسى ، فعكفوا عليه وأحبّوه حبّاً لم يحبّوا مثله شيئاً قط.
قال ابن عباس : فكان البلاء والفتنة ـ ولم يزد على هذا ـ »(1) .
4 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) (2) .
قال ابن عباس : « فمسخهم الله تعالى عقوبة لهم ، وكانوا يتعاوون ، وبقوا ثلاثة أيام لم يأكلوا ولم يشربوا ، ولم يتناسلوا ، ثم أهلكهم الله تعالى ، وجاءت ريح فهبّت بهم ، وألقتهم في الماء ، وما مسخ الله أمة إلاّ أهلكها ، وهذه القردة والخنازير ليست من نسل أولئك ، ولكن مسخ أولئك على صورة هؤلاء »(3) .
5 ـ في تفسير قوله تعالى :( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ) (4) .
عن ابن عباس ، قال : « بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنّه لمّا بعث موسى من قومه اثني عشر نقيباً ليخبروه خبرهم ، رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج ، فأخذهم في كمّه مع فاكهة كان يحملها من بستانه ، وأتى بهم الملك فنثره بيديه ، وقال للملك تعجباً
____________
(1) مجمع البيان 1 / 213.
(2) البقرة / 65.
(3) مجمع البيان 1 / 248.
(4) المائدة / 22.
منهم : هؤلاء يريدون قتالنا ، فقال الملك : أرجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا » (1).
6 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) (2) .
عن ابن عباس قال : « لمّا مسخ الله تعالى الذين سبّوا عيسى وأمّه بدعائه ، بلغ ذلك يهوذا ، وهو رأس اليهود ، فخاف أن يدعو عليه فجمع اليهود ، فاتفقوا على قتله ، فبعث الله جبرائيل يمنعه منهم ، ويعينه عليهم ، وذلك معنى قوله تعالى :( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (3) ، فاجتمع اليهود حول عيسى ، فجعلوا يسألونه فيقول لهم : يا معشر اليهود إنّ الله تعالى يبغضكم ، فساروا إليه ليقتلوه ، فأدخله جبرائيل في خوخة البيت الداخل ، لها روزنة في سقفها ، فرفعه جبرائيل إلى السماء ، فبعث يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه أسمه طيطانوس ، ليدخل عليه الخوخة فيقتله ، فدخل فلم يره ، فأبطأ عليهم ، فظنوا أنّه يقاتله في الخوخة ، فألقى الله عليه شبه عيسى ، فلمّا خرج على أصحابه ، قتلوه وصلبوه ».
7 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ ) (4) .
____________
(1) مجمع البيان 3 / 310.
(2) النساء / (157) ـ 158.
(3) البقرة / 87.
(4) الشعراء / 149.
قال ابن عباس : « كانوا يبنون القصور بكلّ موضع ، وينحتون من الجبال بيوتاً يسكنونها شتاء لتكون مساكنهم في الشتاء أحصن وأدفأ »(1) .
8 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ ) (2) .
قال ابن عباس : « إنّ السبعين الذين قالوا :( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) (3) ، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة ، وإنّما أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه سبعين رجلاً ، فأختارهم وبرز بهم ليدعوا ربّهم فكان فيما دعوا أن قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعط أحداً من قبلنا ، ولا تعطيه أحداً من بعدنا ، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة »(4) .
9 ـ في تفسير قوله تعالى :( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) (5) .
قال ابن عباس : « كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ثلثي ميل ، فلمّا رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا نبيّهم فلم يجدوه ، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ، ودوابهم ، ولبسوا المسوح ، وأظهروا الإيمان والتوبة ، وأخلصوا النية ، وفرّقوا بين كلّ والدة وولدها من الناس والأنعام ، فحنّ بعضها إلى بعض ، وعلت
____________
(1) مجمع البيان 4 / 292.
(2) الأعراف / 155.
(3) البقرة / 55.
(4) مجمع البيان 4 / 368.
(5) يونس / 98.
أصواتها ، وأختلطت أصواتها بأصواتهم ، وتضرّعوا إلى الله عزوجل ، وقالوا آمنا بما جاء به يونس ، فرحمهم ربّهم واستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعدما أظلّهم » (1).
10 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) (2) .
قال ابن عباس : « وكان بين أن قذفوه في الجبّ وبين أن دخلوا عليه أربعين سنة ، فلذلك أنكروه ، ولأنّهم رأوه ملكاً جالساً على السرير عليه ثياب الملوك ، ولم يكن يخطر ببالهم أن يصير إلى تلك الحالة.
وكان يوسف ينتظر قدومهم عليه ، فكان أثبت لهم ، فلمّا نظر إليهم يوسف وكلّموه بالعبرانية ، قال لهم : من أنتم وما أمركم؟ فإنّي أنكر شأنكم؟ »(3) .
11 ـ في تفسير قوله تعالى :( رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ ) (4) .
قال ابن عباس : « سألت عليّاً عليه السلام عن هذه الآية؟ فقال : ما بلغك فيها يا ابن عباس؟ قلت : سمعت كعباً يقول : اشتغل سليمان في عرض الأفراس حتى فاتته الصلاة ، فقال : ردُّوها علي ـ يعني الأفراس كانت أربعة عشر ـ فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها ، فسلبه الله ملكه أربعة عشر
____________
(1) مجمع البيان 5 / (229) ـ 230.
(2) يوسف / 58.
(3) مجمع البيان 5 / (229) ـ 230.
(4) ص / 33.
يوماً ، لأنّه ظلم الخيل بقتلها ، فقال عليّ عليه السلام : كذب كعب ، لكن أشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم ، لأنّه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب ، فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس : ردّوها عليَّ. فردَّت فصلى العصر في وقتها ، وإنَّ أنبياء الله لا يظلمون ، ولا يأمرون بالظلم ، لأنّهم معصومون مطهرون » (1).
12 ـ في تفسير قوله تعالى :( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (2) .
قال ابن عباس : « كانت أمرأة نوح كافرة تقول للناس : أنّه مجنون ، وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به.
وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه ، فكان ذلك خيانتهما ، وما بغت أمرأة نبيّ قط ، وإنّما كانت خيانتهما في الدين »(3) .
13 ـ في تفسير قوله تعالى :( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) (4) .
عن ابن عباس قال : « قال موسى عليه السلام يا ربّ إنّك أمهلت فرعون أربعمائة سنة ، وهو يقول : أنا ربكم الأعلى ، ويجحد رسلك ، ويكذّب بآياتك ، فأوحى الله تعالى إليه : إنّه كان حسن الخُلق ، سهل الحجاب ،
____________
(1) مجمع البيان 8 / 359.
(2) التحريم / 10.
(3) مجمع البيان 10 / 64.
(4) النازعات / 24.
فأحببت أن أكافيه » (1).
14 ـ في تفسير قوله تعالى :( حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (2) .
قال ابن عباس : « وما من نبيّ أنزل الله عليه الكتاب ، إلاّ أنزل عليه معاني هذا السورة بلغاتهم »(3) .
15 ـ في تفسير قوله تعالى :( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) (4) .
قال ابن عباس : « إنّه كان في بني إسرائيل عابد أسمه برصيصا ، عبد الله زماناً من الدهر ، حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ، ويعوّذهم فيبرؤون على يده ، أنّه أتي بامرأة في شرف قد جُنّت ، وكان لها إخوة فأتوه بها وكانت عنده ، فلم يزل به الشيطان يزيّن له ، حتى وقع عليها ، فحملت ، فلمّا استبان حملها قتلها ودفنها ، فلمّا فعل ذلك ، ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها فأخبره بما فعل الراهب ، وأنّه دفنها في مكان كذا ، ثم أتى بقية إخوتها رجلاً ، فذكر ذلك له ، فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول : والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئاً يكبر عليَّ ذكره ، فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم ، فسار الملك والناس ،
____________
(1) مجمع البيان 10 / 257.
(2) الشورى / (1) ـ 3.
(3) مجمع البيان 9 / 37.
(4) الحشر / (16) ـ 17.
فاستنزلوه ، فأقرّ لهم بالذي فعل ، فأمر به فصلب ، فلمّا رفع على خشبّة ، تمثل له الشيطان فقال أنا الذي القيتك في هذا ، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك ممّا أنت فيه؟ قال : نعم ، قال اسجد لي سجدة واحدة ، فقال : كيف أسجد لك ، وأنا على هذه الحالة؟ فقال أكتفي منك بالإيماء ، فأومأ له بالسجود فكفر بالله وقتل الرجل ، فهو قوله :( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ ) » (1).
16 ـ في تفسير قوله تعالى :( فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) (2) .
قال ابن عباس : « يعني في زمن عيسى عليه السلام وذلك أنّه لمّا رُفع ، تفرّق قومه ثلاث فرق : فرقة قالت : كان الله فارتفع ، وفرقة قالت : كان ابن الله فرفعه إليه ، وفرقة قالوا : كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون ، واتبع كلّ فرقة منهم طائفة من الناس ، فاقتتلوا ، وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين ، حتى بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرين ، وذلك قوله :( فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) ، أي عالين غالبين »(3) .
17 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ) (4) .
قال ابن عباس : « كان يحمل عليها زاده ، ويركزها فيخرج منها الماء ، ويضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل ، وكان يطرد بها السباع ، وإذا ظهر عدو
____________
(1) مجمع البيان 9 / 438.
(2) الصف / 14.
(3) مجمع البيان 9 / 467.
(4) طه / 18.
حاربت ، وإذا أراد الإستسقاء من بئر طالت وصارت شعبتاها كالدلو ، وكان يظهر عليها كالشمعة تضيء له الليل ، وكانت تحدثه وتؤنسه ، وإذا طالت شجرة حناها بمحجنها » (1).
18 ـ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ) (2) .
قال ابن عباس : « هو أن سلط الله على نمرود وخيله البعوض ، حتى أخذت لحومهم ، وشربت دماءهم ، ووقعت واحدة في دماغه فأهلكته »(3) .
19 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) (4) .
قال ابن عباس : « إذا أراد أن تعصف الريح عصفت ، وإذا أراد أن ترخي أرخيت ، وذلك قوله :( رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ) (5) »(6) .
20 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ
____________
(1) مجمع البيان 7 / 17.
(2) الأنبياء / 70.
(3) مجمع البيان 7 / 99.
(4) الأنبياء / 81.
(5) ص / 36.
(6) مجمع البيان 7 / 105.
ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ) (1).
قال ابن عباس : « يريد ابني ملك كان في بني إسرائيل ، توفي وترك ابنين ، وترك مالاً جزيلاً ، فأخذ أحدهما حقه منه ، وهو المؤمن منهما ، فتقرّب إلى الله تعالى ، وأخذ الآخر حقه فتملك به ضياعاً ، منها هاتان الجنتان »(2) .
21 ـ في تفسير قوله تعالى :( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (3) .
عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « رحم الله أخي يوسف لو لم يقل :( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ ) ، لولاّه من ساعته ، ولكنه أَخر ذلك سنة ».
قال ابن عباس : « فأقام في بيت الملك سنة ، فلمّا انصرفت السنة من يوم سأل الإمارة ، دعاه الأمير ، فتوّجه وردّاه بسيفه ، وأمر بأن يوضع له سرير من ذهب ، مكلّل بالدر والياقوت ، ويضرب عليه كلّة من استبرق ، ثم أمره
____________
(1) الكهف / (32) ـ 39.
(2) مجمع البيان 6 / 342.
(3) يوسف / 55.
أن يخرج متوجّاً لونه كالثلج ، ووجهه كالقمر ، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه ، فانطلق حتى جلس على السرير ، ودانت له الملوك ، فعدل بين الناس ، فأحبّه الرجال والنساء ، وذلك قوله عزوجل :( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ ) (1) ، ومثل ذلك في الإنعام الذي أنعمنا عليه أقدرنا يوسف على ما يريد في الأرض ـ يعني أرض مصر ـ » (2).
22 ـ في قوله تعالى :( قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً ) (3) .
عن ابن عباس ، قال : « أخبرني أُبيّ بن كعب قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إنّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل ، فسُئل أيّ الناس أعلم؟ قال : أنا ، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم لله ، فأوحى الله إليه : إنّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك ، قال موسى يا ربّ فكيف لي به؟ قال تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل ثم أنطلق ، وأنطلق معه فتاه يوشع بن نون ، حتى إذا أتيا الصخرة ، وضعا رؤوسهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه ، فسقط في البحر ، وأتخذ سبيله في البحر سرباً ، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء ، فصار عليه مثل الطاق ، فلمّا استيقظ نسي صاحبه أن يخبر بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه :( آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ) (4) ، قال : ولم يجد موسى
____________
(1) يوسف / 21.
(2) مجمع البيان 5 / 419.
(3) الكهف / 64.
(4) الكهف / 62.
لنَصب حتى جاور المكان الذي أمر الله تعالى به ، فقال فتاه :( إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ) (1) ، قال : وكان للحوت سرباً ، ولموسى ولفتاه عجباً ، فقال موسى :( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ) (2) ، قال : رجعا يقصّان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فوجدا رجلاً مسجّى بثوب ، فسلّم عليه موسى ، فقال الخضر ، وأنّى بأرضك السلام؟ قال : أنا موسى ، قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نعم أتيتك لتعلمنّي ممّا عُلّمت رُشداً ، قال :( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) (3). يا موسى ، إنّي على علم من علم الله لا تعلمه ، علمّنيه ، وأنت على علم من علم الله علّمك لا أعلمه أنا ، فقال له موسى :( قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ) (4). فقال له الخضر :( قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ) (5).
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ، فمرّت سفينة ، وكلّموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر ، فحملوهم ، بغير نول ، فلمّا ركبا في السفينة لم يفجأ إلاّ والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم قد حملونا بغير نول ، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ، لقد
____________
(1) الكهف / 63.
(2) الكهف / 64.
(3) الكهف / 67.
(4) الكهف / 69.
(5) الكهف / 70.
جئت شيئاً إمراً ، قال :( أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ً ) (1) ، قال :( قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ً ) (2).
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كانت الأولى من موسى عليه السلام نسياناً ، وقال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ، فقال الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ، ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذا أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله ، فقال له موسى :( أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً ) (3) ؟ قال :( أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) ، قال : وهذه أشد من الأولى ، قال :( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) ـ كان مائلاً فنال الخضر بيده فأقامه ، فقال موسى عليه السلام قوم قد أتيناهم فلم يطعمونا ، ولم يضيفّونا ـ( قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي ) (4) . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وددنا موسى كان صبر حتى يقصّ علينا من خبرهما »(5) .
____________
(1) الكهف / 72.
(2) الكهف / 73.
(3) الكهف / 74.
(4) الكهف / (67) ـ 78.
(5) مجمع البيان 6 / (364) ـ 365.
23 ـ في تفسير قوله تعالى :( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (1) .
قال ابن عباس : « كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل ، فلمّا كان من أمر موسى ما كان ، أمر بإعادة القتل عليهم ، فشكا ذلك بنو إسرائيل إلى موسى ، فعند ذلك ،( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ ) ، في رفع بلاء فرعون عنكم( وَاصْبِرُوا ) على دينكم ، وعلى أذى فرعون :( إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) . أي ينقلها إلى من يشاء نقل المواريث فيورثكم بعد إهلاك فرعون ، كما أورثها فرعون ، وهذا وعد لهم بحسن العاقبة ، ليكون داعياً لهم إلى الصبر( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (2) ، معناه : تمسكوا بالتقوى في الدنيا ، فإن حسن العاقبة في الدارين للمتقين »(3) .
24 ـ في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً ) (4) .
____________
(1) الأعراف / (128) ـ 129.
(2) الأعراف / 128.
(3) مجمع البيان 4 / 335.
(4) النساء / 136.
قال ابن عباس : « إنّ الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب ، وثعلبة بن قيس ، وابن أخت عبد الله بن سلام ، ويامين بن ياسين ، وهؤلاء من كبّار أهل الكتاب ، قالوا ، نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب ، وبمن سواهم من الرسل ، فقيل لهم : بل آمنوا بالله ورسوله »(1) .
25 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (2) .
قال ابن عباس : « لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره ، وغير امرأة فرعون ، وغير المؤمن الذي أنذر موسى ، فقال :( إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) (3) »(4) .
النمط الثاني : ما يتعلق بسيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وأيام الصحابة
1 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا
____________
(1) مجمع البيان 3 / 214.
(2) غافر / 28.
(3) غافر / 28.
(4) مجمع البيان 8 / 437.
تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (1).
قال ابن عباس : « لمّا أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد وصعد النبيّ الجبل ، قال أبو سفيان : يا محمد لنا يوم ولكم يوم ، فقال : أجيبوه ، فقال المسلمون : لا سواء قتلانا في الجنّة وقتلاكم بالنار ، فقال أبو سفيان : لنا عُزّى ولا عُزى لكم ، فقال النبيّ : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ، فقال أبو سفيان : أعلُ هُبَل ، فقال النبيّ : قولوا الله أعلى وأجلّ ، فقال أبو سفيان : موعدنا وموعدكم يوم بدر الصغرى ، ونام المسلمون وبهم الكلوم ، وفيهم نزلت :( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (2) ، وفيهم نزلت :( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ) (3) ، لأنّ الله أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم وأراد بذلك إرهاب المشركين ، وخرجوا إلى حمراء الأسد ، وبلغ المشركين ذلك ، فأسرعوا حتى دخلوا مكة »(4) .
2 ـ في تفسير قوله تعالى :( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي
____________
(1) النساء / 104.
(2) آل عمران / 140.
(3) النساء / 104.
(4) مجمع البيان 3 / 180.
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (1).
قال ابن عباس : « لمّا كان يوم بدر وأصطف القوم للقتال ، قال أبو جهل : اللهم أولانا بالنصر فأنصره ، واستغاث المسلمون ، فنزلت الملائكة ونزل قوله :( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) »(2) .
وقال ابن عباس : « إنّ الملائكة قاتلت يوم بدر وقَتلت ».
وقال ابن عباس : « حدثني رجل من بني غفار ، قال : أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ، ونحن مشركان ننظر إلى الواقعة على من تكون الدبرة ، فبينما نحن هناك إذ دنت منا سحابة ، فسمعنا فيه حمحمة الخيل فسمعت قائلاً يقول : أقدم حيزوم ، ثم قال : فأمّا ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه ، وأمّا أنا فكدت أهلك ، ثم تماسكت ».
وعن ابن عباس : « إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر : هذا جبرائيل آخذ برأس فرسه ، عليه أداة الحرب ».
وعن ابن عباس ، قال : « كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة ، وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً ، وكان العباس رجلاً
____________
(1) الأنفال / 9.
(2) مجمع البيان 4 / 436.
جسيماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي اليسر : كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ فقال : يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيأته كذا وكذا ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم » (1).
3 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) (2) .
قال ابن عباس : « القائل لذلك جماعة منهم جاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منهم سلام ابن مشكم ، ونعمان بن أوفى ، وشاس بن قيس ومالك بن الضيف ، فقالوا ذلك »(3) .
4 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (4) .
قال ابن عباس : « كانت غنائم هوازن يوم حنين إذ جاءه ابن أبي ذي الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج ، فقال : أعدل يا رسول الله : فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : دعه ، فإنّ له أصحاباً يحتقر أحدكم صلاته مع صلواتهم ، وصيامه مع صيامهم ، آيتهم رجل أسود في إحدى ثدييه ـ أو قال في أحدى يديه ـ مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة تُدر درُ ،
____________
(1) مجمع البيان 4 / (438) ـ 443.
(2) التوبة / 30.
(3) مجمع البيان 5 / 42.
(4) التوبة / 58.
يخرج على فترة من الناس » (1).
5 ـ في تفسير قوله تعالى :( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (2) .
فقال ابن عباس : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان جالساً في ظل شجرة ، فقال : « إنّه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني الشيطان » ، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : « علام تشتمني أنت وأصحابك؟ » ، فأنطلق الرجل فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما قالوا ، فأنزل الله هذه الآية »(3) .
6 ـ في قوله تعالى :( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا
____________
(1) مجمع البيان 5 / 72.
(2) التوبة / 74.
(3) مجمع البيان 5 / 90.
يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (1).
روي عن ابن عباس : « إنّ الآية نزلت في جد بن قيس ، ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين ، وكانوا ثمانين رجلاً ، ولمّا قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة راجعاً من تبوك قال : « لا تجالسوهم ولا تكلموهم »(2) .
7 ـ في تفسير قوله تعالى :( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) (3) .
روي عن ابن عباس : « إنّ رؤساء مكة من قريش أتوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد إن كنت رسولاً فحوّل لنا جبال مكة ذهباً ، أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة ، فأنزل الله :( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ ) »(4) .
8 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
____________
(1) التوبة / (94) ـ 96.
(2) مجمع البيان 5 / 106.
(3) هود / 12.
(4) مجمع البيان 5 / 249.
الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) (1).
قال ابن عباس : « إنَّ رجلاً من « حضرموت » يقال له : عبدان الأشرع ، قال : يا رسول الله! إنّ أمرأ القيس الكندي جاورني في أرضي ، فاقتطع من أرضي ، فذهب بها مني ، والقوم يعلمون أنّي لصادق ، ولكنه أكرم عليهم مني. فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرأ القيس عنه ، فقال : لا أدري ما يقول. فأمره أن يحلف ، فقال عبدان : إنّه فاجر لا يبالي أن يحلف ، فقال : إن لم يكن لك شهود فخذ بيمينه.
فلمّا قام ليحلف ، أنظره فانصرفا ، فنزل قوله :( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ) الآيتان. فلمّا قرأهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أمرؤ القيس : أمّا ما عندي فينفد ، وهو صادق فيما يقول. لقد اقتطعت أرضه ، ولم أدري كم هي ، فليأخذ من أرضي ما شاء ، ومثلها معها ، بما أكلت من ثمرها. فنزل فيه :( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ) الآية »(2) .
9 ـ في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (3) .
عن ابن عباس : « إنّها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج ، لما حرمّوا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة ، فنهاهم الله عن ذلك »(4) .
____________
(1) النحل / (95) ـ 100.
(2) مجمع البيان 5 / 249.
(3) البقرة / 168.
(4) مجمع البيان 1 / 367.
10 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (1) .
قال ابن عباس : « دعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اليهود إلى الإسلام ، فقالوا : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا أعلم منا فنزلت هذه الآية »(2) .
11 ـ في تفسير قوله تعالى :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ) (3) .
محمد بن إسحق بإسناده عن سعيد بن جبير ، وعكرمة ، عن ابن عباس : « أنّ النضر بن الحرث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط ، أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصِفا لهم صفته ، وخبّراهم بقوله ، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل ، وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا. فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار اليهود عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالا لهم ما قالت قريش ، فقال لهما أحبار اليهود : إسألوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسل ، وإن لم يفعل فهو رجل متقول ، فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، ما كان أمرهم ، فإنّه قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طوّاف ، قد بلغ مشارق
____________
(1) البقرة / 170.
(2) مجمع البيان 1 / 470.
(3) الكهف / (9) ـ 12.
الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟
وفي رواية أخرى : فإن أخبركم عن الثنتين ، ولم يخبركم بالروح ، فهو نبيّ.
فانصرفا إلى مكة ، فقالا : يا معاشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم ، وبين محمد. وقصّا عليهم القصة. فجاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فسألوه ، فقال : أُخبركم بما سألتم عنه غداً ، ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، فمكث صلى الله عليه وآله وسلم ، خمس عشرة ليلة ، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً ، ولا يأتيه جبرائيل ، حتى أرجف أهل مكة ، وتكلموا في ذلك ، فشّق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يتكلم به أهل مكة عليه ، ثم جاءه جبرائيل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى بسورة الكهف ، وفيها ما سألوه عن أمر الفتية ، والرجل الطوّاف ، وأنزل عليه :( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) (1) »(2) .
12 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً ) (3) .
____________
(1) الإسراء / 85.
(2) مجمع البيان 6 / (313) ـ 314.
(3) الإسراء / (91) ـ 65.
قال ابن عباس : « إن جماعة من قريش ، وهم عتبة وشيبة إبنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والأسود بن المطلب ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أُمية ، وأُمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ، إبنا الحجاج ، والنضر بن الحارث ، وأبو البختري بن هشام ، اجتمعوا عند الكعبة ، وقال بعضهم لبعض : أبعثوا إلى محمد فكلِّموه وخاصموه ، فبعثوا إليه أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ، فبادر صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ، ظنّاً منه أنّهم بدا لهم في أمره ، وكان حريصاً على رشدهم ، فجلس إليهم ، فقالوا : يا محمد! إنّا دعوناك لنعذر إليك ، فلا نعلم أحداً أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، شتمت الآلهة ، وعبت الدين ، وسفهت الأحلام ، وفرَّقت الجماعة ، فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالاً أعطيناك ، وإن كنت تطلب الشرف سوَّدناك علينا ، وإن كانت علّة غلبت عليك طلبنا لك الأطباء!
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ليس شيء من ذلك ، بل بعثني الله إليكم رسولاً ، وأنزل كتاباً ، فإنْ قبلتم ما جئت به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه أصبر حتى يحكم الله بيننا. قالوا : فإٍذن ليس أحد أضيق بلداً منا ، فاسأل ربك أن يسير هذه الجبال ، ويجري لنا أنهاراً كأنهار الشام والعراق ، وأن يبعث لنا من مضى ، وليكن فيهم قصي ، فإِنّه شيخ صدوق لنسألهم عما تقول أحق أم باطل! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما بهذا بُعثت. قالوا : فإن لم تفعل ذلك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدّقك ، ويجعل لنا جنات ، وكنوزاً ، وقصوراً من ذهب. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما بهذا
بُعثت ، وقد جئتكم بما بعثني الله به ، فإن قبلتم وإلا فهو يحكم بيني وبينكم. قالوا : فأسقط علينا السماء كما زعمت أنّ ربك أن شاء فعل ذلك. قال : ذاك إلى الله ، إن شاء فعل. وقال قائل منهم : لا نؤمن حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً. فقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقام معه عبد الله بن أبي أُمية المخزومي ، ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله. ثم سألوك لأنفسهم أموراً فلم تفعل. ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به فلم تفعل. فو الله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ سُلَّماً إلى السماء ، ثم ترقي فيه ، وأنا أنظر ، ويأتي معك نفر من الملائكة ، يشهدون لك ، وكتاب يشهد لك. وقال أبو جهل : إنّه أبى إلاّ سبّ الآلهة ، وشتم الآباء ، وأنا أُعاهد الله لأحملنّ حجراً فإذا سجد ، ضربت به رأسه. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حزيناً لما رأى من قومه ، فأنزل الله سبحانه الآيات » (1).
13 ـ في تفسير قوله تعالى :( مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) (2) .
قال ابن عباس : « إنّ ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك ، لمّا قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، سألوه فقالوا : يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن نوم النبيّ الذي يأتي في آخر الزمان؟ فقال : « تنام عيناي وقلبي يقظان » ، فقالوا : صدقت يا محمد.
فأخبرنا عن الولد يكن من الرجل أو المرأة؟ فقال : « أمّا العظام
____________
(1) مجمع البيان6 / (291) ـ 293.
(2) البقرة / 98.
والعصب والعروق فمن الرجل ، وأمّا اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة » ، قالوا : صدقت يا محمد ، فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شيء ، أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال : « أيهما علا ماؤه كان أشبه له » ، قالوا : صدقت يا محمد.
قالوا : فأخبرنا عن ربك ماهو؟ فأنزل الله سبحانه :( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (1) ، فقال له ابن صوريا : خصلة واحدة إن قلتها آمنتُ بك واتبعتك ، أي ملك يأتيك بما ينزل الله عليك؟
قال ـ ابن عباس ـ : قال : « جبريل » ، قالوا : ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب ، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء ، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمّنا بك »(2) .
14 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ) (3) .
قال ابن عباس : « إن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينّة فنتبعك لها ، فأنزل الله هذه الآية »(4) .
15 ـ في تفسير قوله تعالى :( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ
____________
(1) الإخلاص / (1) ـ 4.
(2) مجمع البيان 1 / 315.
(3) البقرة / 99.
(4) مجمع البيان 1 / 317.
مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (1).
عن ابن عباس ، قال : « إنّ رافع بن حرملة ووهب بن زيد قالا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إئتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه ، وفجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك ، فأنزل الله هذه الآية »(2) .
16 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (3) .
قال ابن عباس : « إنه لمّا قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتتهم أحبار اليهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رافع بن حرملة : ما أنتم على شيء ، وجحد نبوة عيسى ، وكفر بالإنجيل ، فقال رجل من أهل نجران : ليست اليهود على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة ، فأنزل الله هذه الآية »(4) .
17 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (5) .
____________
(1) البقرة / 108.
(2) مجمع البيان 1 / 344.
(3) البقرة / 113.
(4) مجمع البيان 1 / 403.
(5) البقرة / 135.
عن ابن عباس : « إنّ عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف ومالك ابن الضيف وجماعة من اليهود ونصارى أهل نجران خاصموا أهل الإسلام ، كلّ فرقة تزعم أنّها أحق بدين الله من غيرها ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وقالت النصارى : نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا أفضل الكتب ، وكلّ فريق منهما قالوا للمؤمنين : كونوا على ديننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية »(1) .
18 ـ في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ) (2) .
روى الواحدي بالإسناد عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً مع حفصة ، فتشاجرا بينهما ، فقال لهما : هل لكِ أنْ أجعل بيني وبينكِ رجلاً؟ قالت : نعم فأرسل إلى عمر. فلمّا أنْ دخل عليهما قال لها : تكلّمي. فقالت : يا رسول الله! تكلم ولا تقل إلاّ حقّاً. فرفع عمر يده فوجأ وجهها ، ثم رفع يده فوجأً وجهها. فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : كفّ.
____________
(1) مجمع البيان 1 / 403.
(2) الأحزاب / (28) ـ 31.
فقال عمر. يا عدوة الله! النبيّ لا يقول إلاّ حقاً ، والذي بعثه بالحق ، لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي! فقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فصعد إلى غرفة فمكث فيها شهراً ، لا يقرب شيئاً من نسائه ، يتغدّى ويتعشّى فيها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية! »(1) .
19 ـ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ) (2) .
قال ابن عباس : « نزل قوله :( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ) في عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف ، وكانا متخالّينَ ، وذلك أنّ عقبة كان لا يقدم من سفر إلاّ صنع طعاماً ، فدعا إليه أشراف قومه ، وكان يكثر مجالسة الرسول فقدم من سفره ذات يوم ، فصنع طعاماً ، ودعا الناس ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طعامه. فلمّا قربوا الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أنا بآكل من طعامكم حتى تشهد أن لا إله إلاّ الله ، وإنّي رسول الله ، فقال عقبة : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله. وبلغ ذلك أُبي بن خلف ، فقال : صبأْت يا عقبة؟ قال : لا والله ما صبأت ، ولكن دخل عليَّ رجل ، فأبى أن يطعم من طعامي إلاّ أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي ، ولم يطعم ، فشهدت له فطعم. فقال أُبي : ما كنت براض عنك أبداً حتى تأتيه فتبزق في وجهه! ففعل ذلك عقبة ، وأرتدَّ ، وأخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : لا ألقاك خارجاً من مكة إلاّ علوت رأسك بالسيف. فضرب عنقه يوم بدر صبراً.
____________
(1) مجمع البيان 8 / 151.
(2) الفرقان / 27.
وأمّا أُبي بن خلف فقتله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوم أُحد بيده في المبارزة ».
وقال الضحاك : « لمّا بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاد بزاقه في وجهه ، فأحرق خدَّيْه. وكان أثر ذلك فيه حتى مات »(1) .
20 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ * عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2) .
عن ابن عباس قال : « لمّا نزلت الآية :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) ، قال عاصم بن عدي : يا رسول الله! إن رأى رجل منا مع امرأته رجلاً ، فأخبر بما رأى ، جلد ثمانين. وإن التمس أربعة شهداء ، كان الرجل قد
____________
(1) مجمع البيان 7 / (289) ـ 290.
(2) النور / (4) ـ 10.
قضى حاجته ثم مضى؟ قال : كذلك أنزلت الآية يا عاصم. قال : فخرج سامعاً مطيعاً. فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع ، فقال : ما وراءك؟ قال : شر ، وجدت شريك بن سحما على بطن امرأتي خولة! فرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره هلال بالذي كان. فبعث إليها فقال : ما يقول زوجك؟ فقالت : يا رسول الله! إنّ ابن سحما كان يأتينا فينزل بنا ، فيتعلم الشئ من القرآن ، فربما تركه عندي وخرج زوجي فلا أدري أدركته الغيرة ، أم بخل علي بالطعام. فأنزل الله آية اللعان :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) الآيات ».
وفي رواية عكرمة ، عن ابن عباس : « قال سعد بن عبادة : لو أتيت لكاع وقد يفخذها رجل ، لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء ، فو الله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ، ويذهب. وإن قلت ما رأيت فإن في ظهري لثمانين جلدة. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : يا معشر الأنصار! ما تسمعون إلى ما قال سيدكم؟ فقالوا : لا تلمه ، فإنّه رجل غيور ، ما تزوج امرأة قط إلاّ بكراً ، ولا طلق امرأة له فاجترى رجل منا أن يتزوجها. فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ، والله إنّي لأعرف إنّها من الله ، وإنّها حق ، ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك. فقال : فإنّ الله يأبى إلاّ ذاك. فقال : صدق الله ورسوله. فلم يلبثوا إلاّ يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له ، قد رأى رجلاً مع امرأته. فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إنّي جئت أهلي عشاء ،
فوجدت معها رجلاً رأيته بعيني ، وسمعته بأذني. فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى رأى الكراهة في وجهه ، فقال هلال : إنّي لأرى الكراهة في وجهك ، والله يعلم أنّي لصادق ، وأنّي لأرجو أن يجعل الله فرجاً. فهم رسول الله بضربه ، وقال : واجتمعت الأنصار ، وقالوا : ابتلينا بما قال سعد ، أيجلد هلال ، وتبطل شهادته؟ فنزل الوحي ، وأمسكوا عن الكلام حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل. فأنزل الله تعالى :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) الآيات. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أبشر يا هلال ، فإنّ الله تعالى قد جعل فرجاً. فقال : قد كنت أرجو ذاك من الله تعالى. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أرسلوا إليها ، فجاءت فلاعن بينهما. فلمّا انقضى اللعان فرق بينهما ، وقضى أنّ الولد لها ، ولا يدعى لأب ، ولا يرمى ولدها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إن جاءت به كذا وكذا ، فهو لزوجها ، وإن جاءت به كذا وكذا ، فهو للذي قيل فيه » (1).
21 ـ في تفسير قوله تعالى :( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ
____________
(1) مجمع البيان 7 / (224) ـ 225.
وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (1).
قال ابن عباس : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يريد مكة ، فلمّا بلغ الحديبية ، وقفت ناقته ، وزجرها فلم تنزجر ، وبركت الناقة. فقال أصحابه : خلأت الناقة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما هذا لها عادة ، ولكن حبسها حابس الفيل. ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة ، ليأذنوا له بأن يدخل مكة ، ويحلّ من عمرته ، وينحر هديه ، فقال : يا رسول الله! ما لي بها حميم ، وإنّي أخاف قريشاً لشدّة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني ، عثمان بن عفان. فقال : صدقت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان ، فأرسله إلى أبي سفيان ، وأشراف قريش ، يخبرهم أنّه لم يأت لحرب ، وإنّما جاء زائراً لهذا البيت ، معظماً لحرمته ، فاحتبسته قريش عندها.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، أنّ عثمان قد قتل. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : لا نبرح حتى نناجز القوم. ودعا الناس إلى البيعة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشجرة فاستند إليها ، وبايع الناس على أن يقاتلوا المشركين ، ولا يفروا. قال عبد
____________
(1) الفتح / (1) ـ 10.
الله بن معقل : كنت قائماً على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك اليوم ، وبيدي غصن من السمرة ، أذب عنه ، وهو يبايع الناس ، فلم يبايعهم على الموت ، وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا.
قال ابن عباس : صالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية مشركي مكة ، على أنّ من أتاه من أهل مكة ، ردّه عليهم ، ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو لهم ، ولم يردّوه عليه ، وكتبوا بذلك كتاباً ، وختموا عليه. فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية ، مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية. فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم ـ وقال مقاتل : هو صيفي(1) بن الراهب ـ في طلبها ، وكان كافراً. فقال : يا محمد! أردد علي امرأتي ، فإنك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد. فنزلت الآية :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ) (2) من دار الكفر إلى دار الإسلام :( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) .
قال ابن عباس : إمتحانهن أن يستحلفن ما خرجت من بغض زوج ، ولا رغبة عن أرض إلى أرض ، ولا التماس دنيا ، وما خرجت إلاّ حبّاً لله ولرسوله. فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما خرجت بغضاً لزوجها ، ولا عشقاً لرجل منا ، وما خرجت إلاّ رغبة في الإسلام ، فحلفت بالله الذي لا إله إلاّ
____________
(1) في نسختين : صيف بدل صيفي.
(2) الممتحنة / 10.
هو على ذلك. فأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجها مهرها ، وما أنفق عليها ، ولم يردّها عليه ، فتزوجها عمر بن الخطاب.
فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يردّ من جاءه من الرجال ، ويحبس من جاءه من النساء إذا أمتحنّ ، ويعطي أزواجهن مهورهن »(1) .
22 ـ في تفسير قوله تعالى :( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ) (2) .
عن ابن عباس قال : « ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن وما رآهم ، إنطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت الشياطين إلى قومهم فقالوا : مالكم؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، وقالوا : ماذا إلاّ من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو بنخل ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له ، وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ، فرجعوا إلى قومهم وقالوا :( قُلْ
____________
(1) مجمع البيان 9 / 452.
(2) الجن / (1) ـ 2.
أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ) ، فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم :( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) ، رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير ورواه الطبرسي أيضاً في مجمع البيان » (1).
23 ـ في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .
عن ابن عباس : « أنّ صفية بنت حي بن أخطب ، جاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تبكي فقال لها : ما وراءك؟ فقالت : إنّ عائشة تعيّرني وتقول : يهودية بنت يهوديين ، فقال لها : « هلاّ قلت أبي هارون ، وعمي موسى ، وزوجي محمد صلى الله عليه وآله وسلم » ، فنزلت الآية »(3) .
24 ـ في تفسير قوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (4) .
قال ابن عباس : « نزلت في قوله :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ) الآية ، في اليهود والمنافقين ، إنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم ، دون
____________
(1) صحيح البخاري 6 / 160 ط بولاق ، مجمع البيان 10 / 144.
(2) الحجرات / 11.
(3) مجمع البيان 9 / 227.
(4) المجادلة / 8.
المؤمنين ، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم ، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا : ما نراهم إلاّ وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل ، أو مصيبة ، أو هزيمة ، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم ، فلمّا طال ذلك شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم ، فنزلت الآية » (1).
25 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً ) (2) .
قال ابن عباس : « يريد المستهزئين والمقتسمين وأتباعهم وجدالهم بالباطل ، أنّهم ألزموه أن يأتي بالآية على أهوائهم على ما كانوا يقترحون ، ليبطلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم »(3) .
26 ـ في تفسير قوله تعالى :( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (4) .
عن ابن عباس قال : « إنّ أحبار اليهود وجدوا صفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكتوبة في التوراة : أكحل ، أعين ، ربعة ، حسن الوجه ، فمحوه من التوراة حسداً
____________
(1) مجمع البيان 9 / 414.
(2) الكهف / 56.
(3) مجمع البيان 6 / 358.
(4) البقرة / 79.
وبغياً ، فأتاهم نفر من قريش فقالوا : أتجدون في التوراة نبيّاً منّا؟ قالوا : نعم ، نجده طويل أزرق ، سبط الشعر » (1).
27 ـ في تفسير قوله تعالى :( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (2) .
قال ابن عباس : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهم : « إن كنتم صادقين في مقالكم ، فقولوا : اللهم أمتنا ، فو الذي نفسي بيده لا يقولها رجل إلاّ غص بريقه فمات مكانه » ، وهذه القصة شبيهة بقصة المباهلة »(3) .
28 ـ في تفسير قوله تعالى :( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) (4) .
روى أنّ الريح هاجت على عهد ابن عباس ، فجعل بعضهم يسب الريح ، فقال : « لا تسبّوا الريح ، ولكن قولوا : اللهم أجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً »(5) .
وهذا يعني أنّ تصريف الرياح عنده جعل بعضها يأتي بالرحمة وبعضها يأتي بالعذاب.
____________
(1) مجمع البيان 1 / 279.
(2) البقرة / (94) ـ 95.
(3) مجمع البيان 1 / 310.
(4) البقرة / 164.
(5) مجمع البيان 1 / 457.
وهذا لون آخر من معارفه القرآنية المتضمن صوراً من التعاليم والآداب الإسلامية ، تجمعها مظلّة الغيرية وحبّه الخير للغير التي عنوانها : « أحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك » ، وهذا منطلق رحب الآفاق في مكارم الأخلاق ، وقد مرتّ بنا كلمة الحبر ابن عباس رضي الله عنه ، وهي حكمة بالغة حبّذا لو تمثلنّاها سلوكاً عملياً مع الناس ، فقد قال لمن شتمه : « أتشتمني وفيّ ثلاث خصال : إنّي لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبّه ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً ، وإنّي لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين وأفرح به ومالي بها من سائمة ولا راعية ، وإنّي لآتي على آية من كتاب الله فوددت أنّ المسلمين كلّهم يعلمون منها مثل ما أعلم »(1) . فمن هذا المنطلق المثالي كان يقول ما يراه في الترغيب والترهيب ممّا يتعلق بالقرآن الكريم.
1 ـ قال : « من قرأ القرآن واتبع ما فيه عصمه الله من الضلالة ، ووقاه من هول يوم القيامة ، وذلك أنّه قال :( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) (2) في الآخرة »(3) .
____________
(1) موسوعة ابن عباس / الحلقة الأولى 5 / 432.
(2) طه / 123.
(3) تفسير الطبري 16 / 225.
2 ـ قال : « إنّ الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب »(1) .
3 ـ قال في تفسير قوله تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (2) ، قال : « فاتحة الكتاب. قيل لابن عباس فأين السابعة؟ قال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من كتاب الله »(3) .
وفي لفظ آخر قال ابن عباس : « فأخرجها الله ربكم وما أخرجها لأحد قبلكم »(4) .
4 ـ قال : « إنّ لكلّ شيء لباباً ، ولباب القرآن الحواميم »(5) .
5 ـ قال في « تبارك الملك » : « هي المانعة ، هي المنجية ، تنجي من عذاب القبر »(6) .
6 ـ قال : « ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله ، تقرؤون :( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) (7) ، عند منامكم »(8) .
7 ـ قال : « من تعلم كتاب الله ثم اتّبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب »(9) .
____________
(1) مستدرك الحاكم 1 / 554.
(2) الحجر / 78.
(3) مستدرك الحاكم 1 / 551.
(4) نفس المصدر.
(5) الإتقان 2 / 154 ، عن أبي عبيد.
(6) نفس المصدر.
(7) الكافرون / 1.
(8) الإتقان 2 / 155.
(9) نفس المصدر 2 / 153.
8 ـ قال في تفسير قوله تعالى :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) (1) : « هي أكثر من سبع وتسع ».
وفي لفظ قال : « إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ، غير أنّه لا كبيرة مع إستغفار ، ولا صغيرة مع إصرار »(2) .
9 ـ قال : « ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت :
أولاهن :( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (3) .
والثانية :( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ) (4) .
والثالثة :( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً ) (5) .
والرابعة :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) (6) .
والخامسة :( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ) (7) .
____________
(1) النساء / 31.
(2) تفسير الطبري 5 / 41.
(3) النساء / 26.
(4) النساء / 27.
(5) النساء / 28.
(6) النساء / 31.
(7) النساء / 40.
والسادسة :( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (1) .
والسابعة :( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) (2) .
والثامنة :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (3) .
ثم أقبل يفسّرها في آخر الآية :( وَكَانَ اللَّهُ ) ، للذين عملوا الذنوب( غَفُوراً رَحِيماً ) (4) .
10 ـ عن عبد الله بن ربيعة ، قال : « قال لي ابن عباس : هل تدري ما قوله :( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (5) ؟ قال : قلت : نعم.
قال : فما هو؟ قال : قلت : التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك.
قال : لقد قلت قولاً عجباً ، وما هو كذلك! ولكنه إنّما يقول : ذكر الله إياكم عند ما أمر به أو نهى عنه ، إذا ذكرتموه ، أكبر من ذكركم إياه »(6) .
____________
(1) النساء / 48.
(2) النساء / 110.
(3) النساء / 152.
(4) تفسير الطبري 5 / 45.
(5) العنكبوت / 45.
(6) تفسر الطبري 20 / 156.
11 ـ عن سعيد بن جبير ، قال : « مات رجل يهودي وله ابن مسلم ، فلم يخرج معه ، فذكر ذلك لابن عباس. فقال : كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ، ويدعو له بالصلاح ما دام حيّاً ، فإذا مات وكله إلى شأنه. ثم قال :( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) (1) ، ثم لم يدع »(2) .
12 ـ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (3) . قال : « أمر الله المؤمنين بالصبر عند الجزع ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله عن الشيطان وخضع لهم عدوهم.
( كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (4) ، قال : « الذي حين أعدّ الله لهم الجنّة »(5) .
____________
(1) التوبة / 114.
(2) تفسير الطبري 11 / 44.
(3) المؤمنون / 96.
(4) فصلت / (34) ـ 35.
(5) الناسخ والمنسوخ لابي جعفر النحاس / 247 ط السعادة بمصر1323 هـ.
مسائل قرآنية عن ابن عباس
1 ـ ماذا عن مصْحف ابن عباس؟
2 ـ ماذا عن ابن عباس في القراءة على سبعة أحرف؟
3 ـ ما هي مواضع سجود التلاوة في مصحف ابن عباس؟
4 ـ ماذا عن البسملة في مصحف ابن عباس؟
مسائل علينا أن نلمّ بعرضها والجواب عليها ، وأن نبحث بإمعان وتحقيق عنها ، لكثرة ما جاء مروياً عن ابن عباس فيها ، ولا يخلو بعضه من نظر في صحته.
فإلى قراءة المسائل والجواب عليها :
المسألة الأولى : ماذا عن مصحف ابن عباس؟
لماذا هذا السؤال ، فهل كان لمصحفه مزّية خاصة به دون بقية المصاحف المكتوبة المتلوّة يومئذ؟
والجواب : نعم ، إنّه كان له مصحف خاص به كتبه على نحو يخالف في ترتيبه المصحف الذي أمر عثمان بالقراءة عليه ، وإختصاراً فلنقل هو المصحف الإمام.
فلماذا ذلك الخلاف وأين هو؟
والجواب : إنّ ترتيب المصاحف عند الصحابة كان مختلفاً ، فمنهم من أتخذ التاريخ هو النهج في الترتيب ، وهذا يعني تقديم المكي على
المدني ، وترتيب سور كلّ منهما حسب تاريخ نزولها أوّلاً فأوّل. وهو نهج أتخذه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في جمعه القرآن على التنزيل ، وكتب معه التأويل ، وهذا يعدّ أوّل مصحف جمع بين التنزيل والتأويل ، وهو الذي رواه محمد بن سيرين وتلهفّ لرؤيته فقال : « نبئت أنّ عليّاً أبطأ عن بيعة أبي بكر ، فلقيه أبو بكر فقال : أكرهت إمارتي؟ قال : لا ، ولكن آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلاّ إلى الصلاة حتى أجمع القرآن ، قال : فزعموا أنّه كتبه على تنزيل ، قال محمد : فلو أصبت ذلك الكتاب كان فيه علم » (1).
وفي رواية « الإستيعاب » ، قال ابن سيرين : « ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير »(2) .
وإذا رجعنا إلى المصادر المعنيّة نستقرئ فيها عن مصحف ابن عباس رضي الله عنه نجده أتخذ نهج الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا هو الحق.
ولكن لماذا كان ذلك هو النهج الذي ارتضاه ابن عباس؟
وللإجابة عليه : نقرأ ما رواه السيوطي عن ابن عباس ، قال : « كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ، ثم يزيد الله فيها ما يشاء ، وكان أوّل ما أنزل من القرآن :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (3) ـ ثم ذكر باقي السور المكية ، ثم المدنية ـ »(4) .
____________
(1) كنز العمال 2 / 373 ، ط الهند الثانية.
(2) الإستيعات 3 / 974.
(3) العلق / 1.
(4) الإتقان 1 / 11.
وهذا ما رواه الطبرسي أيضاً من قبل في « مجمع البيان » ، وقال : « قد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس ـ في كتاب « الإيضاح » ـ وزاد فيه ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة »(1) .
فمن قوله هذا عرفنا وجه اختياره النهج التاريخي في ترتيب السور حسب تاريخ النزول ، وهو نهج ابن عمه الذي هو الحق ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « علي مع الحق والحق مع عليّ » ، ومن اقتدى بعليّ فقد اهتدى ، كما قال الرازي في تفسيره.
أمّا النهج الآخر الذي كتب عليه المصحف الإمام ، فقد رتّب السور على تقديم المئين ، وهي السور الطوال ، ثم المثاني ، ثم المفصل ، وهكذا إلى الآخر كما هو اليوم وعليه القراءة.
يبقى علينا أن نلّم بترتيب السور في مصحف ابن عباس حسب روايته لغرض الإطلاع فقط ، وهذا هو الذي رواه الطبرسي في « مجمع البيان »(2) ، نقلاً عن أحمد الزاهد في كتاب « الإيضاح » بإسناده عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال :
« أوّل ما أنزل بمكة :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (3) ، ثم( نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) (4) ، ثم( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) (5) ، ثم( الْمُدَّثِّرُ ) (6) ، ثم( تَبَّتْ ) (7) ، ثم
____________
(1) مجمع البيان 10 / 211.
(2) مجمع البيان 10 / (209) ـ 210.
(3) العلق / 1.
(4) القلم / 1.
(5) المزمل / 1.
(6) المدثر / 1.
(7) المسد / 1.
( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) (1) ، ثم( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) (2) ، ثم( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) (3) ، ثم( وَالْفَجْرِ ) (4) ، ثم( وَالضُّحَى ) (5) ، ثم( أَلَمْ نَشْرَحْ ) (6) ، ثم( وَالْعَصْرِ ) (7) ، ثم( وَالْعَادِيَاتِ ) (8) ، ثم( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) (9) ، ثم( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) (10) ، ثم( أَرَأَيْتَ ) (11) ، ثم( الْكَافِرُونَ ) (12) ، ثم( أَلَمْ تَرَ ) (13) ، ثم «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) (14) ، ثم( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) (15) ، ثم( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (16) ، ثم( وَالنَّجْمِ ) (17) ، ثم( عَبَسَ ) (18) ، ثم( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) (19) ، ثم
____________
(1) التكوير / 1.
(2) الأعلى / 1.
(3) الليل / 1.
(4) الفجر / 1.
(5) الضحى / 1.
(6) الشرح / 1.
(7) العصر / 1.
(8) العاديات / 1.
(9) الكوثر / 1.
(10) التكاثر / 1.
(11) الماعون / 1.
(12) الكافرون / 1.
(13) الفيل / 1.
(14) الفلق / 1.
(15) الناس / 1.
(16) الإخلاص / 1.
(17) النجم / 1.
(18) المدثر / 22.
(19) القدر / 1.
( وَالشَّمْسِ ) (1) ، ثم( الْبُرُوجِ ) (2) ، ثم( وَالتِّينِ ) (3) ، ثم( لإِيلافِ ) (4) ، ثم( الْقَارِعَةُ ) (5) ، ثم( الْقِيَامَةِ ) (6) ، ثم( الهُمزة ) ، ثم( والمرسلات ) (7) ، ثم( ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) (8) ، ثم( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) (9) ، ثم( الطَّارِقُ ) ، ثم( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) (10) ، ثم( صّ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) (11) ، ثم( الأَعْرَافِ ) ، ثم( قل أوحي ) (12) ، ثم( يس ) ، ثم( الْفُرْقَانَ ) ، ثم( كهيعص ) (13) ، ثم( طه ) ، ثم( الْوَاقِعَةُ ) ، ثم( النَّمْلِ ) ، ثم( الْقَصَصَ ) ، ثم( بني إسرائيل ) ، ثم( يُونُسَ ) ، ثم( هُودُ ) ، ثم( يُوسُفُ ) ، ثم : «الْحِجرَ ) (14) ، ثم( الأَنْعَامِ ) ، ثم( الصافات ) ، ثم( لُقْمَانَ ) ، ثم( الْقَمَرُ ) ، ثم( سَبَأٍ ) ، ثم( الزمر ) ، ثم
____________
(1) الشمس / 1.
(2) البروج / 1.
(3) التين / 1.
(4) قريش / 1.
(5) القارعة / 1.
(6) القيامة / 1.
(7) المرسلات / 1.
(8) قّ / 1.
(9) البلد / 1.
(10) القمر / 1.
(11) صّ / 1.
(12) الجن / 1.
(13) مريم / 1.
(14) الفجر / 5.
( السجدة ) ، ثم( حمعسق ) ، ثم( الزخرف ) ، ثم( الدخان ) ، ثم( الجاثية ) ، ثم( الأحقاف ) ، ثم( الذاريات ) ، ثم( الغاشية ) ، ثم( الْكَهْفِ ) ، ثم( النَّحْلِ ) ، ثم( نوح ) ، ثم( إبراهيم ) ، ثم( الأَنْبِيَاءَ ) ، ثم( الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ ) (1) ، ثم( الطُّورَ ) ، ثم( الملك ) ، ثم( الحاقة ) ، ثم( المعارج ) ، ثم( عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ) (2) ، ثم( النازعات ) ، ثم( أنفطرت ) (3) ، ثم( أنشقت ) (4) ، ثم( الروم ) ، ثم( العنكبوت ) ، ثم( المطففين ) . فهذه أنزلت بمكة وهي خمس وثمانون سورة (5).
ثم أنزلت بالمدينة :( البقرة ) ، ثم سورة( الأنفال ) ، ثم سورة( آل عمران ) ، ثم سورة( الأحزاب ) ، ثم سورة( الممتحنة ) ، ثم سورة( النساء ) ، ثم سورة( إذا زلزلت ) (6) ، ثم سورة( الحديد ) ، ثم سورة( محمد ) صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم سورة( الرعد ) ، ثم سورة( الرحمن ) ، ثم( هل أتى ) ، ثم( الطلاق ) ، ثم( لم يكن ) ، ثم( الحشر ) ، ثم( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) (7) ، ثم( النور ) ، ثم( الحج ) ، ثم
____________
(1) السجدة / (1) ـ 2.
(2) النبأ / 1.
(3) الإنفطار / 1.
(4) الإنشقاق / 1.
(5) هكذا ورد الرقم ، ولدى الحساب كان ستاً وثمانين سورة ، ولعل ذلك لعدم عدّ سورة الإيلاف سورة بمفردها إذ لا تجزي قراءتها وحدها في الصلاة ، بل لابد من ضم : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ( ( الفيل / 1 ) إليها ، فإنهما كما عن أحدهما ( عليهما السلام ) واحدة. مجمع البيان 10 / 449.
(6) الزلزلة / 1.
(7) النصر / 1.
( المنافقون ) ، ثم( المجادلة ) ، ثم( الحجرات ) ، ثم( التحريم ) ، ثم( الجمعة ) ، ثم( التغابن ) ، ثم سورة( الصفا ) ، ثم سورة( الفتح ) ، ثم سورة( المائدة ) ، ثم سورة( التوبة ) ، فهذه ثمان وعشرون سورة ».
قال الطبرسي : وقد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس في كتاب الإيضاح وزاد فيه : « وكانت إذا أنزلت فاتحة سورة بمكة ، كتب بمكة ، ثم يزيد الله فيها ما يشاء في بالمدينة.
وقد روى العاصمي في « زين الفتى في شرح سورة هل أتى » نقلاً عن ابن عباس ذكر سور القرآن بنحو ما مرّ مع تفاوت(1) .
وقد ذكر عبد المتعال الصعيدي في كتابه « النظم الفني في القرآن ترتيب مصحف ابن عباس » ، فقال :
« وهذا ترتيب مصحف عبد الله بن عباس رضي الله عنه على ما جاء في كتاب سعد السعود لابن طاووس ، وقد نقله عن محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة تفسيره « مفاتيح الأسرار ومصابيح الأنوار » :
(1) ( العلق ) ،(2) ( القلم ) ،(3) ( الضحى ) ،(4) ( المزمّل ) ،(5) ( المدثر ) ،(6) ( الفاتحة ) ،(7) ( المسد ) ،(8) ( التكوير ) ،(9) ( الأعلى ) ،(10) ( الليل ) ، (11)( الفجر ) ، (12)( الشرح ) ، (13)( الرحمن ) ، (14)( العصر ) ، (15)( الكوثر ) ، (16)( التكاثر ) ، (17)( الماعون ) ، (18)( الفيل ) ، (19)( الكافرون ) ، (20)( الإخلاص ) ، (21)( النجم ) ، (22)( عبس ) ، (23)
____________
(1) راجع العسل المصفى في تهذيب زين الفتى 1 / (37) ـ 40 ، تحقيق المحمودي ،
( القدر ) ، (24)( الشمس ) ، (25)( البروج ) ، (26)( التين ) ، (27)( قريش ) ، (28)( القارعة ) ، (29)( القيامة ) ، (30)( الهُمزة ) ، (31)( المرسلات ) ، (32)( ق ) ، (33)( البلد ) ، (34)( الطارق ) ، (35)( القمر ) ، (36)( ص ) ، (37)( الأعراف ) ، (38)( الجن ) ، (39)( يس ) ، (40)( الفرقان ) ، (41)( فاطر ) ، (42)( مريم ) ، (43)( طه ) ، (44)( الشعراء ) ، (45)( النمل ) ، (46)( القصص ) ، (47)( الأسراء ) ، (48)( يونس ) ، (49)( هود ) ، (50)( يوسف ) ، (51)( الحجر ) ، (52)( الإنعام ) ، (53)( الصافات ) ، (54)( لقمان ) ، (55)( سبأ ) ، (56)( الزمر ) ، (57)( غافر ) ، (58)( فصلت ) ، (59)( الشورى ) ، (60)( الزخرف ) ، (61)( الدخان ) ، (62)( الجاثية ) ، (63)( الأحقاف ) ، (64)( الذاريات ) ، (65)( الغاشية ) ، (66)( الكهف ) ، (67)( النحل ) ، (68)( نوح ) ، (69)( إبراهيم ) ، (70)( الأنبياء ) ، (71)( المؤمنون ) ، (72)( الرعد ) ، (73)( الطور ) ، (74)( الملك ) ، (75)( الحاقة ) ، (76)( المعارج ) ، (77)( النبأ ) ، (78)( النازعات ) ، (79)( الإنفطار ) ، (80)( الإنشقاق ) ، (81)( الروم ) ، (82)( العنكبوت ) ، (83)( المطففين ) ، (84)( البقرة ) ، (85)( الأنفال ) ، (86)( آل عمران ) ، (87)( الحشر ) ، (88)( الأحزاب ) ، (89)( النور ) ، (90)( الممتحنة ) ، (91)( الفتح ) ، (92)( النساء ) ، (93)( الزلزلة ) ، (94)( الحج ) ، (95)( الحديد ) ، (96)( محمد ) ، (97)( الإنسان ) ، (98)( الطلاق ) ، (99)( البينّة ) ، (100)( الجمعة ) ، (101)( السجدة ) ، (102)( المنافقون ) ، (103)( المجادلة ) ، (104)( الحجرات ) ، (105)( التحريم ) ، (106)( التغابن ) ،
(107)( الصف ) ، (108)( المائدة ) ، (109)( التوبة ) ، (110)( النصر ) ، (111)( الواقعة ) ، (112)( العاديات ) ، (113)( الفلق ) ، (114)( الناس )
قال الصعيدي : « وهذا الترتيب أقرب إلى أن يكون ترتيب مصحف عليّ رضي الله عنه من الترتيب السابق ، لأنّ ابن عباس كان تلميذاً له ، وقد روعي في هذا الترتيب تاريخ النزول ، وهو الذي نقل أنّ عليّاً راعاه في ترتيب ، وهو ترتيب يوافق ترتيب مصحف عثمان في عدد السور وإن خالفه في مراعاة تاريخ النزول »(1) .
وقال : « لا فرق يذكر بين ترتيب مصحف عثمان وترتيب مصحف ابن عباس إلاّ في سور الرحمن والرعد والواقعة والعاديات والفلق والناس ، فبعضها مكي أو مدني في مصحف عثمان ، وهو بخلافه في مصحف ابن عباس »(2) .
أقول : إنّ ما نقله الأستاذ الصعيدي عن كتاب « سعد السعود » ، لم أجده في النسخة المطبوعة أوّلاً بالمطعبة الحيدرية ، ولا في الطبعة المحققة بتحقيق المرحوم فارس تبريزيان « الحسون » ، مع العلم أنّ المطبوع هو الجزء الأوّل فقط.
وحيث لم يذكر الصعيدي شيئاً عن النسخة التي أخذ منها ، هل هي مطبوعة أو مخطوطة ، وأحسب أنّها كانت مخطوط وهي أكمل من
____________
(1) النظم الفني في القرآن / 21 ط النموذجية بمصر.
(2) نفس المصدر / 27.
المطبوع ، أو أنّ ما نقله هو في الجزء الثاني من كتاب « سعد السعود » الذي لم يقف عليه الناشران سابقاً.
من اللافت للنظر عدم ذكر سورة الفاتحة لا في المكي ولا في المدني! مع أنّها قرآن لا شك فيه ، وأنّها الأولى من السور المكية ، بدلالة أنّ فاتحة الكتاب هي السبع المثاني ، وقد ورد ذكرها في سورة الحجر ، وإنّها نزلت قبل ذلك ، فقال تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (1) ، وسورة الحجر مكية بلا خلاف ، فلابد أن تكون السبع المثاني وهي سورة الفاتحة مكية أيضاً.
ثم إنّ الصلاة شرّعت بمكة ، وهذا معلوم لدى المسلمين كافّة ، كما من المعلوم عندهم « أن لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » كما في الحديث الشريف المتفق على روايته عند المسلمين ، وحسب الباحث مراجعة « وسائل الشيعة » للحر العاملي من موسوعات الحديث الشيعي ، ويراجع موسوعة « أطراف الحديث النبوي »(2) ، وفيها ذكر مصادر الحديث السني نقلاً عن « إتحاف المهرة » ، و « فتح الباري » ، ومسند أبي عوانة ، و « حلية الفقهاء » ، و « نصب الراية » ، وغيرها.
____________
(1) النصر / 1.
(2) أطراف الحديث النبوي 7 / 256.
ويؤكد وجودها في مصحف ابن عباس ما ذكره صاحب « مجمع البيان » في أوّل سورة الفاتحة ، فقال : « مكية عن ابن عباس » ويزيدنا إيماناً بسهو الراوي عن ذكرها. أنّها أوّل ما نزل بمكة فيما رواه الطبرسي في « مجمع البيان » نقلاً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام(1) ، فهل يعقل أنّ ابن عباس لم يذكرها لأنّه لا يراها مكية ، بل ولم يرد ذكرها في المدني أيضاً ، وما ذلك إلاّ لمفروغية عن كونها سورة مكية.
المسألة الثانية : ماذا عن ابن عباس في القراءة على سبعة أحرف؟
لقد روى البخاري ومسلم والطبري بأسانيدهم : عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف »(2) .
وقد استعرض سيدنا الأستاذ الإمام الخوئي قدس سره جملة الروايات في هذا الشأن في كتابه « البيان » ، فذكر منها إحدى عشرة رواية ، وقال : « هذه أهم الروايات التي رويت في هذا المعنى ، وكلّها من طرق أهل السنة ، وهي مخالفة لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الإختلاف يجي من قبل الرواة »(3) .
____________
(1) مجمع البيان 10 / 212.
(2) صحيح البخاري 6 / 100 ، صحيح مسلم 2 / 202 ، جامع البيان للطبري 1 / 28.
(3) أصول الكافي / كتاب فضل القرآن / باب النوادر / الرواية12.
وقد سأل الفضيل بن يسار أبا عبد الله عليه السلام ، فقال : إنّ الناس يقولون : إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : « كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد »(1) ».
ثم بيّن قدس سره بطلان تلك الروايات ، فقال : « ولقد تقدم إجمالاً أنّ المرجع بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين إنّما هو كتاب الله وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وسيأتي توضيحه مفصلاً بعد ذلك إن شاء الله تعالى ، ولا قيمة للروايات إذا كانت مخالفة لما يصح عنهم ، ولذلك لا يهمنا أن نتكلم عن أسانيد هذه الروايات ، وهذا أوّل شيء تسقط به الرواية عن الإعتبار والحجية ، ويضاف إلى ذلك ما بين هذه الروايات من التخالف والتناقض ، وما في بعضها من عدم التناسب بين السؤال والجواب ».
ثم ذكر قدس سره تهافت الروايات ، ثم تعرض لمناقشتها وبيان فسادها بما لا مزيد عليه(2) .
ونحن نتعرض لسند رواية البخاري ومسلم والطبري عن ابن عباس ، فنقول :
لقد رواه البخاري : عن سعيد بن عفير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس(3) .
____________
(1) نفس المصدر / الرواية13.
(2) البيان في تفسير القرآن / (177) ـ 200.
(3) صحيح البخاري 6 / 100.
ورواه مسلم : عن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله(1)
ورواه الطبري : عن يونس بن عبد الله ، عن ابن وهب ، عن يونس(2)
ورواه عن أبي كريب ، عن رشدين بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب(3)
ولمّا كان مدار الأسانيد جميعاً على ابن شهاب ـ وهذا هو الزهري ـ فحسبنا تعريف القارئ به تعريفاً يجوز معه قنطرة البخاري فمن بعده.
فنقول : كان مع بني مروان ، يضلع معهم في ركابهم ، حتى قيل أنّه صاحب الشرط لبعضهم كما ذكر ابن حبان في كتابه « الثقات » عن خارجة يقول : « قدمت على الزهري وهو صاحب شرط لبعض بني مروان ، قال : فرأيته يركب وفي يده حربة وبين يديه الناس بأيديهم كافركوبات ، فقلت : قبّح الله ذا من عالم فانصرفت فلم أسمع منه »(4) .
وقد فسّقته أخته على ذلك ، فقد ذكر ابن عساكر في « تاريخ دمشق » بسنده عن جعفر بن إبراهيم الجعفري ، قال : « كنت عند الزهري أسمع ، فإذا عجوز قد وقفت عليه فقالت : يا جعفري لا تكتب عنه ، فإنّه مال إلى
____________
(1) صحيح مسلم 2 / 202.
(2) جامع البيان للطبري 1 / 28.
(3) نفس المصدر.
(4) الثقات 8 / 5. وأنظر هامش ص 317ج2 من كتاب عليّ إمام البررة نقلاً عن جامع فهارس الثقات صنعة حسين إبراهيم زهران ص122 ط مؤسسة الكتاب الثقافية.
بني أمية وأخذ جوائزهم ، فقلت : من هذه؟ قال : أختي رقيّة خرفت ، قالت : بل خرفت أنت ، كتمت فضائل آل محمد » (1).
وزاد على ذلك وصف الشافعي والدارقطني له بالتدليس ، وعدّه ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلّسين(2) . وهذا عيب على عيب!
فتبّين سقوط هذه الرواية عن ابن عباس في القراءة على سبعة أحرف ، إذ لم تصح سنداً.
ويبقى علينا أن نبحث ما إذا كانت هناك قراءات خاصة في مصحف ابن عباس ، فنقول :
لقد أخرج ابن أبي داوود في كتاب « المصاحف » ، باب إختلاف مصاحف الصحابة ، ذكر مصحف عبد الله بن عباس رضي الله عنه وذكر عدّة روايات فيها قراءات تخالف المصحف الإمام المتداول بين المسلمين ، والمتلقى بالقبول بالتواتر(3) ، وكلّ ما ذكره ابن أبي داوود عن مخالفة مصحف ابن عباس رضي الله عنه إنّما هي أخبار آحاد لا تثبت علماً ولا عملاً ، وإنّي إنّما أذكرها لئلا يظن ظان إنّي في غفلة عنها ، فسأذكرها لمناقشتها ، ولئلا يغتر مغتر بوجودها في كتاب « المصاحف » لابن أبي داوود ، وفي غيره من بعض كتب التفسير ، كتفسير الطبري الذي هو أجمع التفاسير لما ورد عن ابن عباس.
____________
(1) تاريخ دمشق / ترجمة الإمام 2 / 65.
(2) طبقات المدلسين لابن حجر / 27 ط المحمودي بمصر.
(3) المصاحف / باب إختلاف مصاحف الصحابة / (73) ـ 78.
وليس معنى هذا إنّ كلّ ما رواه الطبري عن ابن عباس كان صحيحاً ومقبولاً! كيف وهو نفسه روى في تفسيره بسنده عن أبي حمزة ، قال : « قال ابن عباس : لا تقولوا :( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) (1) ، فإنّه ليس لله مثل ، ولكن قولوا : فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا ، أو قال : فإن آمنوا بما آمنتم به ».
لقد روى الطبري هذا ولم يرضه ، فقال : « قراءة جاءت مصاحف المسلمين بخلافها ، وأجمع قراء القرآن على تركها ». ثم قال : « فكان ابن عباس في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه ، يوجّه تأويل قراءة من قرأ :( فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ ) (2) ، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ، وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه شرك لا شك بالله العظيم ، لأنّه لا مثل الله تعالى ذكره ، فنؤمن أو نكفر به ، ولكن تأويل ذلك على غير المعنى الذي وجّه إليه تأويله ، وإنّما معناه ما وصفناه ، وهو : فإن صدّقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به من جميع ما عددنا عليكم من كتب الله وأنبيائه ، فقد أهتدوا »(3) .
أقول : من الغريب أن يخفى على الطبري تفاهة ما روى! فيعنّي نفسه بتوجيه ما روى عن ابن عباس ، بعد أن يكون ابن عباس وهو ترجمان القرآن لا يدري أنّ الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال لنفسه
____________
(1) البقرة / 137.
(2) البقرة / 137.
(3) جامع البيان 1 / 569.
ولغيره في القرآن ، فقال :( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (1) ، فهل يعقل أنّ ابن عباس لا يعرف معنى الآية المذكورة! أو يجهل قوله تعالى :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (2) ، وقوله :( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (3) ، أو قوله :( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (4) ، أفهل يعقل هذا؟!
إنّها روايات ساقطة ، لأنّها تخالف القرآن الذي تمّ جمعه على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو نفسه قد جمع المحكم على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخذ تفسير القرآن من ابن عمه أمير المؤمنين عليه السلام(5) .
والآن إلى ما هو أشدّ غرابة!! وهو ما رواه ابن أبي داوود في كتاب « المصاحف » ، فأقرأ ولا تعبأ بما جاء عنده ، فهو رجل كذّاب ، كما سيأتي بشهادة أبيه صاحب السنن التي هي أحدى الصحاح الستة ، ولولا خشية إنخداع بعض الباحثين من المحدثين تبعاً للمستشرقين بما كتب هذا الرجل لما توقفت عند ذكر كتابه ، ولكن البلية أنّ اجترار بعض المستغربين لما يلوكه المستعربون هو الذي فرض عليَّ ذلك ، إذ جعلوه حجة وكتابه مصدراً موثوقاً به )؟! ».
____________
(1) الحشر / 21.
(2) الشورى / 11.
(3) النحل / 74.
(4) النحل / 60.
(5) أنظر مقدمتان في علوم القرآن / 264.
« حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنّه قرأ « س2آ158 » ،( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (1) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا أبو عبد الرحمن الأذري ، حدثنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنّه كان يقرأ :( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ ـ لا ـيَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (2) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا أبو عامر الخزاز ، عن ابن مليكة ، عن ابن عباس : أنّه كانت :( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ ـ لا ـيَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (3) .
حدثنا عبد الله قال حدثنا الدرهمي(4) حدثنا معتمر قال سمعت أبا عامر بهذا ، حدثنا أسيد بن عاصم حدثنا الحسين حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنّه كان يقرأ :( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ
____________
(1) البقرة / 158.
(2) البقرة / 158.
(3) لا يطوف ، وفي مصاحفنا ( يطوف ) من غير لا.
(4) الدرهمي : يعني علي بن الحسين.
أَنْ ـلا ـيَطَّوَّفَ بِهِمَا ) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن سوار ، حدثنا عبدة ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنّه كان يقرأ هذا الحرف :( أَنْ ـ لا ـيَطَّوَّفَ بِهِمَا ) ، قال ابن أبي داود : يعني في حجته.
حدثنا عبد الله ، حدثنا أبو عبد الرحمن الأذرمي ، قال : حدثنا هشيم ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنّه كان يقرأ « س2آ198 » :( لاَ جُنَاحَ عَليْكُمْ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً منْ رَبِّكُمْ ـ فِي مَوَاسِمِ الْحْجِّ ـ) (1) »(2) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن أبي فديك ، قال : أخبرني ابن أبي ذئب(3) ، عن عبيد بن عمير ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أنزل الله عزوجل :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ـ في مَوَاسِم الَحْجِّ ـ) ، قال ابن أبي ذئب : فحدثني عبيد أنّه كان يقرأها في المصحف.
قال ابن أبي داود : ليس هو عبيد بن عمير الليثي ، هذا هو عبيد بن عمير مولى أم الفضل ، ويقال : مولى ابن عباس.
حدثنا عبد الله ، حدثنا علي بن خشرم ، قال : أخبرنا عيسى ، عن ابن جريج ، قال : قال عمرو بن دينار : قال ابن عباس : نزلت :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ـ في مَوَاسِم الَحْجِّ ـ) .
حدثنا عبد الله ، قال : حدثنا محمود بن آدم المروزي ، قال : حدثنا بشر ـ يعني ابن السرى ـ قال : حدثنا طلحة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ـ في مَوَاسِم الحج ـ) .
____________
(1) البقرة / 198.
(2) في مواسم الحج : غير موجودة في مصاحفنا فزادها عبد الله بن مسعود ( أنظر ص54 ) وابن عباس.
(3) ابن أبي ذئب : وهو محمد بن عبد الرحمن.
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة ، قال : حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا طلحة ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنّه كان يقرأ « س3آ175 » :( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ ـ يخّوفكم ـأَوْلِيَاءَهُ ) (1) (2) .
حدثنا عبد الله ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إنّي أكريت نفسي إلى الحج واشترطت عليهم أن أحج فيجزيني ذلك؟ قال : أنت ممن قال الله تعالى « س2آ202 » :( أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا ـ أكْتَسَبُوا ـ) (3) (4) . قال أبو نعيم : هكذا قرأها الأعمش.
حدثنا عبد الله ، قال : كتب إلي الحسين بن معدان : حدثنا يحيى ، حدثنا أبو عوانة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس « س2آ196 » :( وأَقِيمُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ ـ لِلبيتِ ـ) (5) (6) .
____________
(1) آل عمران / 175.
(2) يخوفهم : وفي مصاحفنا ( يُخَوِّفُ ).
(3) البقرة / 202.
(4) اكتسبوا : وفي مصاحفنا ( كسبوا ).
(5) البقرة / 196.
(6) كذلك قرأ ابن مسعود أنظر ص55 وفي مصاحفنا : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ).
حدثنا عبد الله ، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري ، حدثنا سفيان ، عن عمر بن حبيب ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس « س3آ196 » :( وَشَاوِرْهُمْ فِي ـ بعض ـالأَمْرِ ) (1) (2) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمر بن حبيب مولى بني كنانة بهذا.
حدثنا عبد الله ، حدثنا كثير بن عبيد ، حدثنا سفيان عن عمرو ، قال : قرأ ابن عباس « س22آ52 » :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ـ مُحَدَّثٍْ ـ) (3) (4) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، قال : قرأ ابن عباس « س36آ30 » :( يَا حَسْرةَ ألْعِبَادِ ) (5) (6) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن ابن عباس « س7آ187 » :( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ـ بِهَا ـ) (7) (8) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثني الحميدي ، حدثنا سفيان ،
____________
(1) آل عمران / 195.
(2) في بعض الأمر : وفي مصاحفنا ) في الأمر ( ، فقط.
(3) الحج / 52.
(4) محدث : والصواب : ( ولا محدث ( ، وفي مصاحفنا ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ).
(5) يّس / 30.
(6) يا حسرة العباد : وفي مصاحفنا : ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ).
(7) الأعراف / 187.
(8) حفي بها : وفي مصاحفنا ) كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ).
عن عمرو ، قال : كان ابن عباس يقرأ « س2آ227 » :( وَإِنْ عَزَمُوا ـ السَرَاح ـ) (1) (2).
حدثنا عبد الله ، حدثنا حُشَيْش بن أصرم ، حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمْر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، قال : كان ابن عباس يقرأ « س3آ7 » :( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ وَيْقُوْلُ الرَّسِخُونَ آمَنَّا به ) (3) (4) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد ، حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا جعفر ، حدثنا أبو التّياحن عن أبي جمرة ، قال : كان ابن عباس يقرأ « س2آ137 » :( فَإِنْ آمَنُوا ـ بِالذِي ـآمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) (5) (6) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا روح ، حدثنا شعبة ، حدثنا أبو جمرة ، قال : سمعت ابن عباس يقول : لا تقولوا : « بِمِثْل » ، فإنّ الله ليس له مثل قولوا :( فَإِنْ آمَنُوا ـ بِالذِي ـآمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) أو « بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ ».
حدثنا عبد الله ، حدثنا شعيب بن أيوب ، حدثنا يحيى ، عن ابن إدريس وقيس ، عن شعبة ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس : أنّه قرأ :( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ ) ، فإنّه ليس لله مثل ، ولكن قل :( فَإِنْ آمَنُوا ـ بالذِي ـآمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) . فقال لي الأعمش : أنت مثلى في الإسناد ما نكاد نسئلك عن شيء إلاّ وجدنا عندك فيه حدثك أبو جمرة أنّه سمع ابن عباس.
____________
(1) البقرة / 227.
(2) السراح : وفي مصاحفنا( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاق ) .
(3) آل عمران / 7.
(4) وفي مصاحفنا( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) .
(5) البقرة / 137.
(6) بالذي : مكان ( بمثل ما ) وقرأ بعض السلف : ( بما ).( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) .
قال ابن أبي داوود : هذا الحرف مكتوب في الإمام وفي مصاحف الأمصار كلُها :( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ) .
وهي كلمة عربية جائزة في لغة العرب كلّها ، ولا يجوز أن يجتمع أهل الأمصار كلّها وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم معهم على الخطأ ، وخاصة في كتاب الله عزوجل وفي سنن الصلاة ، وهذا صواب :( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ) ، جائز في كلام العرب أن تقول للرجل يتلقاك بما تكره أيستقبل مثلي بهذا ، وقد قال الله عزوجل « س42آ11 » :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) . ويقول « لَيْسَ كَمِثْلِ ـ ربي شيء » ، وَيقول : ولا يقال لي ولا لمثلي وإنّما تعني نفسك ، ويقول : لا يقال لأخيك ولا لمثل أخيك.
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق : أنّه سمع عمير بن نديم : أنّه سمع ابن عباس قرأ هذا الحرف « س2آ238 » :( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ـ وصلوة الْعَصْر ـ) (2) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن زكرياء ، حدثنا أبو رجاء ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمير بن يريم ، عن ابن عباس « س4آ24 » :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ـ) (3) (4) .
____________
(1) الشورى / 11.
(2) البقرة / 238.
(3) النساء / 24.
(4) إلى أجل مسمى : غير موجودة في مصاحفنا.
حدثنا عبد الله ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا الحميدي وسعيد بن منصور ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، قال : قرأ ابن عباس « س4آ160 » :( طَيِّبَاتٍ ـ كانَتْ ـأُحِلَّتْ لَهُمْ ) (1) (2) . عن عطاء.
حدثنا عبد الله ، حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق عن عمير(3) بن يريم ، عن ابن عباس أنّه قرأ : « س4آ24 » :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ـ) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا أحمد بن عصام ، حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو أسحاق ، عن عمرو بن حزم ، قال : سمعت ابن عباس يقرأها :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ـ) .
قال عبد الله بن أبي داود : أخطأ أبو بكر الحنفي في قوله : عمرو بن حزم ، إنّما هو عمير(4) بن يريم ، مكان حزم.
حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، قال : حدثنا أسيد ابن عاصم ، حدثنا الحسين ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي هلال ، عن ابن عباس : أنّه قرأ « س4آ14 » :( ولاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيماَ استَمْتَعتُمْ بِهِنّ ـ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ـ) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ،
____________
(1) النساء / 160.
(2) في مصاحفنا : ( طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ).
(3) عُمير : في الأصل : ( عمرو ).
(4) عُمير : في الأصل : ( عمرو ).
قال : سمعت أبا إسحاق أنّه سمع عمير بن يريم ، أنّه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية :( فَمَا استَمتْعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ إلَى أَجَلٍ مُسمَّى ـ) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا حماد بن الحسن الوراق ، حدثنا حجاج بن نصير ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة ، عن ابن عباس : أنّه كان يقرأ :( فَمَا استَمتْعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ـ إلَى أَجَلٍ مُسمَّى ـ) .
حدثنا عبد الله ، حدثنا حماد بن الحسن ، حدثنا الحجاج ـ يعني ابن نصير ـ حدثنا شعبة ، عن أَبي مسلمة ، عن أبي نضرة(1) قال قرأت على ابن عباس :( فَمَا استَمتْعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) . قال ابن عباس : « إلَى أَجَلٍ مُسمَّى ». قال : قلت : ما هكذا أقرأها ، قال : والله لقد نزلت معها ، قالها ثلاث مرات.
حدثنا عبد الله ، حدثنا هارون بن إسحاق ، حدثنا وكيع ، عن شعبة ، عن أبي وائل ابن أبي عقرب ، قال : سمعت ابن عباس يقرأ في المغرب « س110آ1 » :( إذَا جَاءَ ـ فتْحُ اللهِ والنَّصْرُ ـ) (2) (3) ».
هذا ما ذكره ابن أبي داوود في كتابه « المصاحف » وكلّه من أخبار آحاد لا تثبت علماً ولا عملاً في قراءات شاذة ، وربما كانت قراءة تأويلية وليست تنزيلية ، فوهم الراوي فحكاها واهماً أنّها من القرآن!
____________
(1) أبو نظرة : هو من المفسرين مالك البصري مات سنة109 ، أنظر تهذيب التهذيب 10 / 302.
(2) النصر / 1.
(3) وفي مصاحفنا :( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) .
والآن إلى إلمامة عابرة بحال ابن أبي داود مؤلف الكتاب :
فقد كان ناصبياً وقحاً معلناً بنصبه ، فكان من شدّة نصبه يروي الحديث الكاذب ليتناول به الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
فاقرأ ما ذكره الذهبي وابن عدي وابن عساكر وابن حجر في ترجمته من أعاجيب الأكاذيب!
وهذا من بعضها : « عن محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم النبيل ، يقول : أشهد على محمد بن يحيى بن مندة بين يدي الله أنّه قال لي : أشهد على أبي بكر بن أبي داوود أنّه قال لي : روى الزهري عن عروة ، قال : كانت قد حُفيت أظافير عليّ من كثرة ما كان يتسلَّق على أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »(1) .
أتريد وقاحة وصَلَفاً أكثر من هذا!! فهو إذ يغار على أنس أن تنسب إليه خيانة ، فينفي حديثاً صحيحاً في سبيله ـ وذلك هو حديث الطير ـ ثم ينسب ما هو أشنع وأفضع كذباً وزوراً إلى أمير المؤمنين عليه السلام ابن عم الرسول وزوج البتول وأبي السبطين ، ولا يخشى لومة لائم.
وكان أصلف منه وأوقح الذهبي الذي انبرى له ـ كما مرَّ ـ معقِّباً على مقالته السيئة في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ينبس في المقام ببنت شفة ، وكذلك الذين ذكروا عنه هذه الطامَّة(2) ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ
____________
(1) أنظر تاريخ الاسلام للذهبي 23 / 518 ، الكامل لابن عدي 4 / 267.
(2) راجع ميزان الاعتدال 2 / (433) ـ 436. سير أعلام النبلاء 10 / 582 فما بعدها ، تذكرة الحفاظ للذهبي / 771 فما بعدها. الكامل لابن عدي 4 / 226 وما بعدها ، لسان الميزان لابن حجر 3 / 293. تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمته ، ففي هذه المصادر تجد المضحك المبكي من التناقض في أوصاف الرجل ، ذكرنا بعضه في المتن.
مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (1).
والآن إلى بعض ما قاله فيه أبوه وغيره من شهادات بكذبه ونُصبه( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ ) (2) :
1 ـ قال ابن عدي : « وقد تكلَّم فيه أبوه وإبراهيم بن أورمة ، ونسب في الإبتداء إلى شيء من النَّصب ، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط ، ثم ردَّه علي بن عيسى ، فحدَّث وأظهر فضائل عليّ ، ثم تحنبل فصار شيخاً فيهم ».
2 ـ وقال الذهبي : « سمعت ابن عيدان يقول : سمعت أبا داوود يقول : ومن البلاء أنّ عبد الله يطلب القضاء ».
3 ـ وقال أيضاً : « وسمعت علي بن عبد الله الداهري ، سمعت محمد بن أحمد بن عمرو ، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد ، سمعت أبا داوود يقول : إبني عبد الله كذَّاب ».
4 ـ وقال ابن عدي : « وكان ابن صاعد يقول : كفانا أبوه بما قاله فيه ».
5 ـ وقال محمد بن عبد الله القطان : « كنت عند ابن جرير ، فقال رجل : ابن أبي داوود يقرأ على الناس فضائل عليّ. فقال : تكبيرة من حارس ».
6 ـ وقال إبراهيم الأصفهاني : « أبو بكر بن أبي داوود كذَّاب ».
____________
(1) البقرة / 79.
(2) الزخرف / 19.
7 ـ وقال أبو القاسم البغوي : « وقد كتب إليه أبو بكر بن أبي داوود يسأله عن لفظ حديث لجده : أنت والله عندي منسلخ من العلم »(1) .
وحسب القارئ بهذا :( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (2) .
ولو أردنا أن نسلّط الضوء على رجال أسانيده لوجدنا فيهم من لا يصح الإحتجاج بروايته لما قيل فيه.
وخذ مثالاً على ذلك أوّل حديث رواه ابن أبي داود عن محمد بن بشار وهو المعروف ببندار الذي قال عنه عبد الله ابن الدورقي : كنا عند ابن معين وجرى ذكر بندار فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه.
قال : ورأيت القواريري لا يرضاه. وقال : كان صاحب حَمام ، ومع هذا التجريح فقد قال فيه الأزدي : قد كتب عنه الناس وقبلوه ، وليس قول يحيى والقواريري ممّا يجرحه.
أقول : وأحسب التهالك في تمشية حاله ، لأنّ البخاري روى عنه (205) حديثاً كما في « تهذيب التهذيب »(3) . ومعلوم لدى القاريء أنّ مقولة : « من روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة » بمثابة أصل حاكم على جميع ما قيل ويقال في جرح الرواة الذين يروي لهم البخاري!
ومن رجاله المجروحين جرحاً بالغاً : أبو عامر الخزاز ـ بالمعجمتين ـ وهو صالح ابن رستم ، قال عنه أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به ،
____________
(1) تهذيب التهذيب 5 / (23) ـ 24 ، في ترجمته.
(2) النور / 40.
(3) تهذيب التهذيب 9 / 73 ط حيدر آباد.
وقال يحيى بن معين : لا شيء (1).
ومن رجاله المجروحين كذلك : طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي ـ كما في الحديث التاسع والعاشر ـ قال أحمد : لا شيء متروك ، وقال البخاري : ليس بشيء ، وقال النسائي : متروك ، وقال ابن حبان : كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم ، لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلاّ على جهة التعجب(2) .
وعلى هذا النمط والحال نجد من أسقاط الرجال ، ممن لا تجوز عنهم الرواية بحال ، لكن روى عنهم ابن أبي داوود الذي شهد أبوه ـ صاحب السنن ـ بحقه فقال : « إبني عبد الله كذاب » ، كما مرّ ـ ونحن أيضاً نقول فيه ما قاله ابن صاعد في حقه : « كفانا أبوه بما قاله فيه » ـ لم يرض لنفسه حتى جمع شواذ الروايات فألّف منها كتابه « المصاحف » ، وحشر فيه ما هبّ ودبّ ، وجعل ابن عباس ممن طالهم الخلاف في القراءات على خلاف ما في المصحف الإمام ، وكيف يمكن لعاقل أن يصدق بذلك عن ابن عباس ، وهو الذي أنكر على عثمان عدم كتابة البسملة بين الأنفال وبراءة ، ثم هو يرى هذه الآيات ـ إن صحت عنده ـ على خلاف ما في المصحف ، ولا يستنكر ذلك على مدوني المصحف ، عثمان فمن دونه ممن جعلهم هيئة التدوين.
المسألة الثالثة : هل في مصحف ابن عباس مواضع سجدة التلاوة؟
لم أقف على أثر يذكر تفصيل ذلك في مصحف ابن عباس ، غير أنّي
____________
(1) تهذيب التهذيب في ترجمته.
(2) تهذيب التهذيب 5 / (23) ـ 24.
تتبعت موارد سجود التلاوة في كتب الفقه عند الفريقين ، ففي عدّة موارد يذكرون السجود فيها عن ابن عباس ، فمن هذا يمكننا الإستدلال على مواضع سجود التلاوة في مصحفه. ولا أزعم أنّها مكتوبة فيه ، وإلى القارئ بيان تلك الموارد نقلاً عن « السنن الكبرى » للبيهقي :
1 ـ ففي باب من قال في القرآن أحدى عشر سجدة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : « أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بالنجم فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس »(1) .
2 ـ وفي الباب نفسه ، عن العريان ، أو أبي العريان ، قال : قال ابن عباس : « ليس في المفصل سجدة » ، قال : فلقيت أبا عبيدة فذكرت له ما قال ابن عباس؟ قال : قال عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ : « سجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون والمشركون في النجم ، فلم نزل نسجد بعده »(2) .
أقول : وهذا الخبر يردّه ما تقدم وما يأتي.
3 ـ وفي باب سجدة النجم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : « أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سجد فيها ـ يعني « النجم » ـ وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والأنس »(3) ، وهذا رواه البخاري في الصحيح.
4 ـ وفي باب سجدتي سورة الحج ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال : « في سورة الحج سجدتان »(4) .
____________
(1) السنن الكبرى 2 / 313.
(2) نفس المصدر 2 / 314.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر 2 / 318.
5 ـ وفي الباب نفسه ، عن عكرمة : أنّ ابن عباس سئل عن السجود في سورة » ص »؟ فقال : « ليس من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد فيها »(1) ، وهذا رواه البخاري في الصحيح.
6 ـ وفي الباب نفسه ، عن سعيد بن جبير : سمع ابن عباس رضي الله عنه يقول : « رأيت عمر رضي الله عنه قرأ على المنبر (ص) فنزل فسجد ثم رقى على المنبر »(2) .
7 ـ وفي الباب نفسه ، عن مجاهد ، يقول : سئل ابن عباس عن السجود في(ص)؟ فقال : «( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (3) »(4) . وأعاده البيهقي مرّة أخرى بسند آخر عن مجاهد وزاد في آخره : « وكان ابن عباس يسجد فيها » ، وقال : رواه البخاري في الصحيح عن بندار ، وزاد فيه قول ابن عباس : « فكان داود ممن أُمر نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتدى به »(5) .
8 ـ في باب من قال إنّما السجدة على من استمعها ، عن عطاء عن ابن عباس قال : « إنّما السجدة على من جلس لها »(6) .
9 ـ عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنّه كان يسجد بآخر الآيتين من حم السجدة(7) .
____________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر 2 / 319.
(3) الأنعام / 90.
(4) السنن الكبرى 2 / 19.
(5) نفس المصدر.
(6) نفس المصدر 2 / 319.
(7) نفس المصدر 2 / 326.
هذه هي الآثار التي رويت في « سنن البيهقي » عن ابن عباس في سجود التلاوة.
وقد ذكر الشيخ الطوسي في « الخلاف » ، فقال : « سجود التلاوة في جميع القرآن مسنون مستحب إلاّ أربع مواضع فإنّها فرض ، وهي : سجدة لقمان ، وحم السجدة ، والنجم ، وأقرأ باسم ربك ، وما عداه فمندوب للقارئ والمستمع.
وقال الشافعي : الكلّ مسنون ، وبه قال عمر وابن عباس »(1) .
وقال الشيخ الطوسي أيضاً في « الخلاف » : « سجدات القرآن خمسة عشر موضعاً ، أربعة منها فرض على ما قلناه ، تفصيلها : أوّلها في آخر الأعراف ، وفي الرعد ، وفي النحل ، وفي بني إسرائيل ، وفي مريم ، وفي الحج سجدتان ، وفي النجم ، وفي انشقت ، وفي آخر أقرأ باسم ربك ، وقد بيّنا الفرض منها ، وبه قال : ثم حكى عن الشافعي في القديم قوله : أحدى عشرة سجدة ، فأسقط سجدات المفصل وهي سجدة النجم ، وانشقت ، واقرأ باسم ربك ، وبه قال ابن عباس وأبيّ بن كعب »(2) .
وجاء في تفسير القرطبي : « وكان ابن عباس يسجد عند قوله :( يسْأَمُونَ ) (3) »(4) .
فتبيّن من جميع ما تقدم أنّ ابن عباس كان له رأي ، وكان له قول في مواضع سجود التلاوة.
____________
(1) الخلاف 1 / 425 / مسألة 173 ط مؤسسة النشر الإسلامي.
(2) نفس المصدر / 447 / مسألة 176.
(3) فصلت ، حم السجدة / 38.
(4) تفسير القرطبي 15 / 364.
المسألة الرابعة : هل كانت البسملة مثبتة في مصحفه في أوائل السور على نحو الجزئية أم لا؟
قال السيد الأستاذ قدس سره(1) :
« اتفقت الشيعة الإمامية على أنّ البسملة آية من كلّ سورة بدئت بها ، وذهب إليه ابن عباس وابن المبارك ، وأهل مكة كابن كثير ، وأهل الكوفة كعاصم والكسائي وغيرهما سوى حمزة. وذهب إليه أيضاً غالب أصحاب الشافعي(2) ، وجزم به قرآء مكة والكوفة(3) .
وحكى هذا القول عن ابن عمر ، وابن الزبير ، وأبي هريرة ، وعطاء ، وطاووس ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، والزهري ، وأحمد بن حنبل في رواية عنه ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام(4) .
وعن البيهقي نقل هذا القول عن الثوري ومحمد بن كعب(5) ، واختاره الرازي في تفسيره ، ونسبه إلى قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز ، وإلى ابن المبارك والثوري.
واختاره أيضاً جلال الدين السيوطي مدّعياً تواتر الروايات الدالة عليه
____________
(1) السيد أبو القاسم الخوئي قدس سره.
(2) تفسير الألوسي 1 / 39.
(3) تفسير الشوكاني 1 / 7.
(4) تفسير ابن كثير 1 / 16.
(5) تفسر الخازن 1 / 13.
معنى (1) » (2). وقد أشبع البحث بالإستدلال على جزئية البسملة.
ولمّا كان ابن عباس رضي الله عنه مجمع عناوين في المقام ، فهو من الشيعة الإمامية ، وهو من أهل مكة وصاحب مدرستها ، وهو بعدُ من أهل البيت عليهم السلام نسباً وولاءاً ، فلا شك في ثبوت البسملة في مصحفه.
ولكن لننظر ماذا عنده في البسملة ، كما جاءت به الأخبار عنه من طرق العامة؟
1 ـ أخرج الحاكم في « المستدرك » : عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : « كان المسلمون لا يعلمون إنقضاء السور حتى تنزل( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) علموا أنّ السورة قد أنقضت ». وقال الحاكم : هذا صحيح على شرط الشيخين(3) .
2 ـ أخرج الحاكم أيضاً في « المستدرك » : عن ابن عباس : « أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) عُلم أنّ ذلك سورة »(4) .
3 ـ وأخرج أيضاً في « المستدرك » في كتاب فضائل القرآن بسنده : عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبي أنّ سعيد بن جبير أخبره ، قال :( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي ) (5) ، قال هي أم القرآن.
____________
(1) الإتقان 1 / (135) ـ 136.
(2) البيان 1 / 467 ط الآداب.
(3) المستدرك 1 / 232.
(4) نفس المصدر 1 / 231.
(5) الحجر / 87.
قال أبي : وقرأ علي سعيد بن جبير( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) الآية السابعة. قال سعيد بن حبير : وقرأها عليَّ ابن عباس كما قرأتها عليك ، ثم قال :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، فقلت لأبي : لقد أخبرك سعيد أنّ ابن عباس قال :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) الآية السابعة.
قال ابن عباس : « فأخرجها الله لكم ، وما أخرجها لأحد من قبلكم »(1) .
4 ـ وأخرج الحاكم في « المستدرك » هذا الخبر بالسند : عن ابن جريج ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وفيه : أنّ ابن عباس قال : « فاتحة الكتاب ، ثم قرأ :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، فقلت لأبي : لقد أخبرك سعيد أنّ ابن عباس قال :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) آية؟ قال : نعم »(2) .
وقد صححه الحاكم والذهبي في « التلخيص ».
أقول : وهذه الأخبار أخرجها الطبري في تفسيره(3) ، فراجع. كما أخرجها السيوطي في « الدر المنثور »(4) ، فدلّت هذه على أنّ ابن عباس كان يرى البسملة جزءاً من كلّ سورة ، فهي في مصحفه كذلك.
ولو لم تكن ثابتة عنده لما أعلن نكيره على عثمان ، حين قال له : « ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى البراءة
____________
(1) فضائل القرآن 1 / 550.
(2) المستدرك 2 / 257.
(3) تفسير الطبري 14 / 55 ط البابي الحلبي بمسر1273.
(4) الدر المنثور ج1.
وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ووضعتموها في السبع الطوال ، ما حملكم على ذلك؟
فقال عثمان : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السورة ذوات عدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول : ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وتنزل عليه الآية فيقول : ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، فكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وبراءة من آخر القرآن ، فكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فظننا أنّها منها ، فمن ثمّ قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ».
قال الحاكم في « المستدرك » : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(1) . وذكره الذهبي في التلخيص ورمز له « خ و م » ، وقد أخرجه جماعة منهم : أبو عبيدة في « فضائل القرآن » ، وابن شيبة في « المصنف » ، وأحمد في المسند ، وأبو داود في السنن ، والترمذي في السنن ، والنسائي في السنن ، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ، والضياء المقدسي في مختاره ، وغيرهم وعنهم المتقي الهندي في « كنز العمال »(2) .
وهذا الخبر عراه التضبيب فيما يبدو ، فلم يذكر لنا موقف ابن عباس
____________
(1) المستدرك 2 / 330.
(2) مسند أحمد 1 / 57 ، سنن أبي داود 1 / 182 ، سنن الترمذي 4 / 337 ، سنن النسائي 5 / 10 ، صحيح ابن حبان 1 / 231 ، السنن الكبرى 2 / 42 ، كنز العمال 2 / 367 ط السند ( الثانية ).
بعد ما أخبره عثمان! فهل قبل منه ذلك أم لا؟
ولكن ثمة عن ابن عباس ما يعلن فيه سخطه على من ترك البسملة.
فقد روى البيهقي في « السنن الكبرى » بسنده : عن ابن عباس ، أنّه قال : « إنّ الشيطان استرق من أهل القرآن أعظم آية في القرآن( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) »(1) .
ويزيدنا وضوحاً بعدم قناعة ابن عباس بجواب عثمان ، أنّه سأل ابن عمه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك.
فقد روى أبو الشيخ ، وابن مردويه ، عنه أنّه قال : « سألت عليّ بن أبي طالب : لِم لم يكتب في براءة :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ؟ قال : « لأنّ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) أمان ، وبراءة نزلت بالسيف »(2) .
وأحسب أنّ ابن عباس لم يكن غافلاً ولا جاهلاً بما سأل عنه عثمان ، وإنّما أراد أن يشير إليه من طرف خفي : إنّ سورة الأنفال هي سورة رحمة وغنائم ومنافع للمسلمين ، إذ كان يسميها سورة بدر ، كما عن سعيد بن جبير ، قال : « قلت لابن عباس : سورة الأنفال؟ قال : تلك سورة بدر ، تلك أوّل حرب انتصر فيها المسلمون على المشركين »(3) . بينما سورة براءة سورة عذاب ونقمة ، وهي التي كان يسميها الفاضحة ، فيما رواه البخاري : « عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : سورة التوبة؟ قال : التوبة! بل هي الفاضحة ، وما زالت تنزل « ومنهم » حتى ظننا أن لا يبقى أحد إلاّ ذكر فيها »(4) .
____________
(1) السنن الكبرى في كتاب الصلاة في باب افتتاح القراءة في الصلاة 2 / 50
(2) المستدرك 2 / 330 ، الدر المنثور 3 / 209 ، كنز العمال 2 / 272.
(3) الإتقان 1 / 55 ، صحيح البخاري 6 / 58.
(4) نفس المصدر.
نماذج تفسيرية في الآيات الكونية
لقد وردت تفاسير عن ابن عباس في بعض الآيات الكونية ، وإن تكن هي أخبار آحاد لا تثبت علماً ولا عملاً ، ولكنها تبقى جزءاً من تراث ابن عباس ، قد يكشَف العلم الحديث عن صحة بعضها يوماً ما. وما لم يصادم ضروريات الدين ، فلا مانع من ذكرها ، إذ لا محذور في الإطلاع عليها ، ولا يعني عدم المطابقة فعلاً مع نظريات العلم الحديث أن نحكم عليها بالخطأ ، ما دام العلم الحديث هو نظريات تتجدد كلّ يوم ، فربما يأتي العلم يوماً بنظرية جديدة تطابق ما يروى عن ابن عباس.
وإلى بعض تلكم الروايات :
1 ـ أخرج الطبري في تفسيره ، عن مجاهد ، فقال : « سمعت ابن عباس يقول في قوله :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) (1) ، قال : بضعاً وثلاثين سنة »(2) .
وقد أخرجها الرازي في تفسيره بلفظ :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) ، قال : ـ ابن عباس ـ : « ثلاثاً وثلاثين سنة ». ثم قال الرازي : « وأقول هذه الرواية شديدة الإنطباق على القوانين الطبية ، وذلك لأنّ الأطباء قالوا : إنّ الإنسان يحدث
____________
(1) يوسف / 22.
(2) تفسير الطبري12 / 177.
في أوّل الأمر ويتزايد كلّ يوم شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال ، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص إلى أن لا يبقى منه شيء ، فكانت حالته شبيه بحال القمر ، فانّه يظهر هلالاً ضعيفاً ثم لا يزال يزداد إلى أن يصير بدراً تاماً ، ثم يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق.
وإذا عرفت هذا ، فنقول : مدّة دورة القمر ثمانية وعشرون يوماً وكسر ، فإذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام ، كان كلّ قسم منها سبعة أيام. فلا جرم رتّبوا أحوال الأبدان على الأسابيع ، فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتم له سبع سنين ، ثم إذا دخل في السنة الثامنة حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوة ، ثم لا يزال في الترقي إلى أن يتم له أربع عشر سنة ، فإذا دخل في السنة الخامسة عشر دخل في الأسبوع الثالث. وهنا يكمل العقل ويبلغ إلى حدّ التكليف وتتحرك فيه الشهوة ، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتم السنة الحادية والعشرين ، وهناك يتم الأسبوع الثالث ويدخل في السنة الثانية والعشرين ، وهذا الأسبوع آخر أسابيع النشر والنماء فإذا تمت السنة الثامنة والعشرون فقد تمت مدّة النشر والنماء ، وينتقل الإنسان منه إلى زمان الوقوف وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه أشدّه ، وبتمام هذا الأسبوع الخامس يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة ، ثم إنّ هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان؛ فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدّة والكمال يبتدئ من السنة التاسعة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين ، وقد يمتد إلى الخامسة والثلاثين ، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب ، والله أعلم بحقائق الأشياء »(1) .
____________
(1) تفسير الرازي 18 / 111.
2 ـ أخرج الطبري في تفسيره ، عن ابن عباس في قوله تعالى :( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) (1) ، قال ابن عباس : « كانتا ملتصقتين ، فرفع السماء ووضع الأرض »(2) .
وهذه الرواية لا تصادم العلم الحديث ، بل بالعكس فقد جاء العلم مصدقاً في شأن خلق السماوات والأرض ، ونظرية « لابلاس » قررت أنّ الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنّما كانت سديماً في الفضاء(3) .
3 ـ أخرج الطبري في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) (4) ، قال ابن عباس رضي الله عنه : « قائمة ، وإنّما قيل : وهي تمر مرّ السحاب ، لأنّها تجمع ثم تسير ، فيحسب رائيها لكثرتها أنّها واقفة وهي تسير سيراً حثيثاً ، كما قال الجعدي :
بارعن مثل الطود تحسب أنّهم |
بارعن مثل الطود تحسب أنّهم |
وفي قوله تعالى :( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) ، قال ابن عباس : « أحسن كلّ شيء خلقه وأوثقه »(5) .
____________
(1) الأنبياء / 30.
(2) تفسير الطبري 1 / 18.
(3) الله والعلم الحديث / 162.
(4) النحل / 88.
(5) تفسير الطبري 20 / 21.
4 ـ أخرج الطبري في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ) (1) ،( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ) (2) . قال ابن عباس : « ما من عام بأكثر مطراً من عام ، لكن الله يصرّفه بين خلقه ، ثم قرأ :( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ) (3) .
5 ـ أخرج الطبري في تفسيره في قوله تعالى :( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) (4) ، عن ابن عباس ، قال : «( لَوَاقِحَ ) تلقح الشجر وتمّري السحاب »(5) .
وهذا ما أقره العلم الحديث ، راجع « كتاب الله والعلم الحديث » فتقرأ : إنّ الرياح لواقح للنبات بعدما ثبت أنّ الهواء من أهم وسائل تلقيح النباتات ، بل أنّ هناك قسماً كبيراً من النبات لا يتم تلقيحه إلاّ بالهواء ، وكيثراً ما شوهد في جوّ غابات الصنوبر أثناء نضج الأزهار غيم كأنّه عاصفة رملية ، وما هذا الغيم إلاّ حبوب اللقاح يحملها الهواء إلى حيث يتم إخصاب النبات(6) .
6 ـ أخرج الطبري في تفسيره في قوله تعالى :( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) (7) ، قال ابن
____________
(1) الفرقان / (48) ـ 49.
(2) الفرقان / 50.
(3) تفسير الطبري 1 / 21.
(4) الحجر / 22.
(5) تفسير الطبري 14 / 77.
(6) الله والعلم الحديث / 173.
(7) يّس / 40.
عباس : « إذا اجتمعت الشمس والقمر في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر ، فإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر. وقال : في فلك كفلك المغزل دوراناً يسبحون يجرون كلّ في فلك في السموات » (1).
وهذا ما فسره العلم الحديث أيضاً.
7 ـ أخرج الطبري في تفسيره في قوله تعالى :( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) (2) ، بسنده عن عكرمة : قال : « قلت لابن عباس : إنّ فلاناً يقول : إنّها على عَمدَ ، يعني السماء؟ قال : فقال : إقرأها « بغير عمد ترونها » ، أي لا ترونها »(3) .
وأخرج الطبري أيضاً عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قوله :( رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) ، قال : « ما يدريك لعلّها بعمد لا ترونها »(4) .
وأخرج الطبري أيضاً عن قتادة ، قال ابن عباس : « بعمد ولكن لا ترونها »(5) .
وهذا من ابن عباس تفسير صحيح كشف عنه العلم الحديث بعد قرون ، وذلك حين عرف الجاذبية وأنّها هي التي ترفع السموات بغير عمد ، فتمسك الشمس والقمر والنجوم وكلّ في فلك يسبحون ، ومن كان يعرف
____________
(1) تفسير الطبري 23 / 8.
(2) الرعد / 2.
(3) تفسير الطبري 13 / 93.
(4) نفس المصدر 13 / 94.
(5) نفس المصدر.
تلك الجاذبية باسمها يومئذ؟ لذلك قال ابن عباس : « بعمد ولكن لا ترونها ».
فمن أين له هذا لو لم يكن تعليم من لدن باب مدينة العلم ، وهو عن مدينة العلم ، وهو بتعليم من الخبير العليم
معرفته بوجوه الجمع بين الآيات
المتشابهة الموهمة للتناقض
في كشف ما أستبهم علمه من التشابه في القرآن
لقد كُتبت في هذا الموضوع عدّة كتب على إختلاف في أنماط التأليف ، كما بحث الموضوع في كتب أخرى ، لعلّ أجمعها ما كتبه السيوطي في كتابه « الإتقان ».
قال السيوطي : « النوع الثامن والأربعون ، في مشكله وموهم الإختلاف والتناقض ، أفرده بالتصنيف قطرب والمراد به ما يوهم التعارض بين الآيات ، وكلامه تعالى منزّه عن ذلك كما قال :( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (1) ، ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم إختلافاً وليس به في الحقيقة فاحتيج لإزالته كما صنّف في مختلف الحديث وبان الجمع بين الأحاديث المتعارضة.
وقد تكلم في ذلك ابن عباس ، وحكى عنه التوقف في بعضها.
قال عبد الرزاق في تفسيره : « أنبأنا معمر ، عن رجل ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : رأيت أشياء تختلف علي من القرآن.
____________
(1) النساء / 82.
فقال ابن عباس : ما هو أشك؟ قال : ليس بشك ، ولكنه إختلاف.
قال : هات ما إختلف عليك من ذلك.
قال : أسمع الله يقول :( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (1) ، وقال :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (2) ، فقد كتموا.
وأسمعه يقول :( فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ ) (3) ، ثم قال :( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) (4) .
وقال :( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) (5) ، حتى بلغ( طَائِعِينَ ) (6) ، ثم قال : في الآية الأخرى :( أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا ) (7) ، ثم قال :( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) (8) .
وأسمعه يقول :( كَانَ اللّهُ ) ، ما شأنه يقول :( وَكَانَ اللّهُ ) .
فقال ابن عباس :
أمّا قوله ، وقال :( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (9) ، فإنّهم لمّا رأوا يوم القيامة وأنّ الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر
____________
(1) الأنعام / 23.
(2) الصافات / 27.
(3) المؤمنون / 101.
(4) الصافات / 27.
(5) فصلت / 9.
(6) فصلت / 11.
(7) النازعات / 27.
(8) النازعات / 30.
(9) الأنعام / 23.
الذنوب ولا يغفر شركاً ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم ، فقالوا :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (1) ، فختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، فعند ذلك :( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (2).
وأمّا قوله :( فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ ) (3) ، فإنّه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، ثم نفخ فيه أخرى( فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) (4) .
وأمّا قوله :( خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) (5) ، فإنّ الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً( فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) (6) في يومين بعد خلق الأرض.
وأمّا قوله :( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) (7) ، يقول : جعل فيها جبلاً ، وجعل فيها نهراً ، وجعل فيها شجراً ، وجعل فيها بحوراً.
وأمّا قوله :( كَانَ اللّهُ ) ، فإنّ الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك ، العزيز حكيم ، عليم قدير ، لم يزل كذلك.
____________
(1) الأنعام / 23.
(2) النساء / 42.
(3) المؤمنون / 101.
(4) الزمر / 68.
(5) فصلت / 9.
(6) البقرة / 29.
(7) النازعات / 30.
فما أختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك ، وإنّ الله لم ينزل شيئاً إلاّ وقد أصاب به الذي أراد ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ».
أخرجه بطوله الحاكم في المستدرك وصحّحه وأصله في الصحيح. قال ابن حجر في شرحه حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع :
الأوّل : في المسئلة يوم القيامة وإثباتها.
الثاني : كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه.
الثالث : خلق الأرض أو السماء أيهما تقدم.
الرابع : الإتيان بحرف « كان » الدالة على المضي مع أنّ الصفة لازمة.
« وحاصل » جواب ابن عباس عن الأوّل : إنّ نفي المساءلة فيما قبل النفخة الثانية ، وإثباتها فيما بعد ذلك.
وعن الثاني : أنّهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم.
وعن الثالث : أنّه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدّحوة ، ثم خلق السموات فسواهن في يومين ، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين ، فتلك أربعة أيام للأرض.
وعن الرابع : بأنّ كان وإن كانت للماضي لكن لا تستلزم الإنقطاع ، بل المراد أنّه لم يزل كذلك.
فأمّا الأوّل فقد جاء فيه تفسير القرآن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط ، وإثباتها فيما عدا ذلك أيضاً ».
وقال : « وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أنّ
يهودياً قال له : إنّكم تزعمون أنّ الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم؟ فقال : لأنّه كان في نفسه عزيزاً حكيماً.
« موضع آخر » توقف فيه ابن عباس.
قال أبو عبيد : حدثنا إسمعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، قال : سأل رجل ابن عباس عن( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ) (1) ، وقوله :( فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (2) ، فقال ابن عباس : هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما.
وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وزاد : « ما أدري ما هي ، وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم ».
قال ابن أبي مليكة : فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيب فسئل عن ذلك فلم يدر ما يقول ، فقلت له : ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ فأخبرته ، فقال بن المسيب للسائل : هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيها وهو أعلم منى.
وروى عن ابن عباس أيضاً : أنّ يوم الألف هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه ، ويوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات ، ويوم الخمسين ألف هو يوم القيامة.
فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك ، عن عكرمة ، عن ابن
____________
(1) السجدة / 5.
(2) المعارج / 4.
عباس ، أنّ رجلاً قال له : حدثني ما هؤلاء الآيات :( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (1) ، و( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (2) ، و( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ) (3)؟
فقال : يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة والسموات في ستة أيام ، كلّ يوم يكون ألف سنة ، و( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال : ذلك مقدار السير »(4) .
أخرج الطبري في تفسيره بسنده عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : «( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) (5) : « المحكمات : ناسخه ، وحلاله ، وحرامه ، وحدوده ، وفرائضه ، وما يؤمن به ويعمل به ، قال :( وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (6) والمتشابهات : منسوخه ، ومقدّمه ، ومؤخّره ، وأمثاله ، وإقسامه ، وما يؤمن به ولا يعمل به »(7) .
« وأخرج ابن جرير ، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ، وابن أبي حاتم ،
____________
(1) المعارج / 4.
(2) السجدة / 5.
(3) الحج / 47.
(4) الإتقان 2 / (28) ـ 29.
(5) آل عمران / 6.
(6) آل عمران / 6.
(7) جامع البيان 3 / 172 ط البابي الحلبي وأولاده.
والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن مقسم قال : سأل عطية ابن الأسود ابن عباس ، فقال : انّه قد وقع في قلبي الشك قول الله :( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) (1) ، وقوله :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (2) ، وقوله :( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) (3) ، قد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم وشهر ربيع الأول؟
فقال ابن عباس : في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام »(4) .
وأخرج أيضاً بسنده عن يزيد الأصم : « أنّ رجلاً من أهل الكتاب أتى ابن عباس فقال : تقولون :( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ) (5) فأين النار؟ فقال ابن عباس : أرأيت الليل إذا جاء أين يكون النهار ، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ »(6) .
وأخرج الطبراني في تفسيره : « إنّ مروان بن الحكم قال لبوابه رافع : يا رافع إذهب إلى ابن عباس فقل : إن كان كلّ امرئ منا فرح بما أتى ، وأحبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذّباً ، لنعذبنّ جميعاً؟
فقال ابن عباس : ما لكم ولهذه الآية؟ إنّما أنزلت في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس :( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
____________
(1) البقرة / 185.
(2) القدر / 1.
(3) البقرة / 3.
(4) الدر المنثور 1 / 189 ، ط افست اسلامية.
(5) آل عمران / 133.
(6) جامع البيان للطبري 4 / 95.
وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ) (1) ، قال ابن عباس : سألهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه ، فأستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه » (2).
وأخرج الخطيب في كتاب « الفقيه والمتفقه » بسنده عن سعيد بن جبير ، قال : « جاء رجل فقال : يا بن عباس إنّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ قد وقع ذلك في صدري؟
قال ابن عباس : أتكذيب؟ فقال الرجل ما هو بتكذيب ولكن إختلاف.
قال : فهلّم ما وقع في نفسك؟
فقال الرجل : أسمع الله تعالى يقول :( فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ) (3) ، وقال في آية أخرى :( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) (4) .
وقال في آية أخرى :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (5) ، وقال في آية أخرى :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (6) فقد كتموا في هذه الآية.
____________
(1) آل عمران / (187) ـ 188.
(2) تفسير الطبراني 4 / 207.
(3) المؤمنون / 101.
(4) المؤمنون / 101.
(5) الصافات / 27.
(6) الأنعام / 23.
وفي قوله :( أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) (1) ، فذكر في هذه الآية خلق السماء قبل الأرض ، وقال في الآية الأخرى :( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (2) فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء.
وقوله تعالى :( وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (3) ،( وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (4) ، فإنّه كان ثم أنقضى.
فقال ابن عباس : هات ما في نفسك من هذا؟ فقال السائل : إذا أنبأتني بهذا فحسبي.
قال ابن عباس : قوله تعالى :( فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ) (5) ، فهذا في النفخةُ الأولى ينفخ في الصور فيصعق مَن في السماوات ومَن في الأرض إلاّ من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسائلون ، ثم إذا كانت النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتسائلون.
____________
(1) النازعات / (27) ـ 30.
(2) فصلت / (9) ـ 11.
(3) النساء / 152.
(4) النساء / 134.
(5) المؤمنون / 101.
وأمّا قول الله تعالى :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (1) ، وقوله :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (2) ، فإنّ الله تعالى يغفر يوم القيامة لأهل الإخلاص ذنوبهم لا يعاظم عليه ذنب أن يغفره ، ولا يغفر شركاً ، فلمّا رأى المشركون ذلك قالوا : إنّ ربَنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك ، تعالوا نقول : إنّا كنا أهل الذنوب ولم نكن مشركين ، فقال الله تعالى :( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (3) .
وأمّا قوله :( أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) (4) ، فإنّه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء ، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ، ثم نزل إلى الأرض فدحاها ـ ودحيها أن أخَرج منها الماء والمرعى وشق في الأنهار وجعل فيها السبل وخلق الجبال والرمال والأكوام وما فيها في يومين آخرين ، فذلك قوله تعالى :( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) (5) ـ.
وقوله :( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ) (6) ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وجعلت السموات في يومين.
____________
(1) الأنعام / 32.
(2) النساء / 42.
(3) النساء / 42.
(4) النازعات : (27) ـ 30.
(5) النازعات / 30.
(6) فصلت / 9– 10.
وأمّا قوله تعالى :( وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (1) ،( وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) (2) ،( وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (3) ، فإنّ الله تعالى جعل نفسه ذلك ، وسمى نفسه بذلك ، ولم ينحله أحداً غيره ،( وَكَانَ اللّهُ ) أي لم يزل كذلك.
ثم قال ابن عباس : إحفظ عني ما حدّثتك ، وأعلم أنّ ما أختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك ، فإنّ الله لم يترك شيئاً إلاّ قد أصاب به الذي أراد ، ولكن الناس لا يعلمون ، فلا يختلفنّ عليك القرآن ، فإنّ كلاً من عند الله عزوجل »(4) .
أقول : لقد أخرج البخاري هذا الخبر في صحيحه(5) ، وذكر ابن حجر في شرحه ، فقال : « كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوراج ، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه. ومن جملة ما وقع سؤاله عنه صريحاً ما أخرجه الحاكم في « المستدرك » عن طريق داود بن هند عن عكرمة ، قال : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى :( هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ ) (6) ، و( لاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ) (7) »(8) .
وأخرج الطبري في تفسيره عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن
____________
(1) النساء / 152.
(2) الفتح / 7.
(3) النساء / 134.
(4) الفقيه والمتفقه 1 / 60 ط دار إحياء السنة النبوية.
(5) صحيح البخاري 6 / 35.
(6) المرسلات / 35.
(7) طه / 108.
(8) صحيح البخاري بشرح فتح الباري 10 / 177.
عباس : « أنّه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال : لم صار الأخوان يَردان الأم إلى سدس ، وإنّما قال الله :( فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ) (1) والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان : هل استطيع نقض أمر كان قبلي ، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ » (2).
أخرج الحاكم في « المستدرك » في تفسير سورة الفرقان ، بسنده عن سعيد بن جبير قال : « أمرني عبد الرحمن بن ابزي أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ التي في سورة الفرقان :( وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) (3) ، والتي في سورة النساء :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً ) (4) ؟ قال : فسألت ابن عباس عن ذلك.
قال : لمّا أنزل التي في سورة الفرقان قال مشركوا أهل مكة قتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق ، ودعونا مع الله آلهاً آخر وأتينا الفواحش. قال : فنزلت :( إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) (5) ، قال : فهؤلاء لأولئك.
____________
(1) النساء / 11.
(2) جامع البيان 4 / 278.
(3) الفرقان / 68.
(4) النساء / 93.
(5) مريم / 60.
قال : وأمّا التي في سورة النساء :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ) (1) الآية ، فهو الرجل الذي قد عرف الإسلام وعَمِل عَمل الإسلام ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ، لا توبة له.
قال : فذكرت ذلك لمجاهد ، فقال : إلاّ من ندم.
قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »(2) .
أقول : ومجاهد هذا من تلاميذ ابن عباس ، ومن عرض عليه القرآن مراراً ثلاثين مرّة ، وفي ثلاث منها يسأله عنه حرفاً حرفاً(3) ، ففي قوله هذا يجعلنا في حيطة من الأخذ بتفسيره على أنّه أحد التفاسير عن أستاذه.
وأخرج الطبري في تفسيره عن سعيد بن جبير قال : « أتى رجل ابن عباس فقال : سمعت الله يقول :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (4) ، وقال أيضاً في آية أخرى :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (5) .
____________
(1) النساء / 93.
(2) المستدرك 2 / 403.
(3) أخرج الطبري في تفسيره 2 / 395 ط البابي الحلبي وأولاده بمصر 1373 هـ عن مجاهد قال : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات ، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفه عند كل آية واسأله عنها ، حتى انتهى إلى هذه الآية :( نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) ( البقرة / 223 ) ، فقال ابن عباس : إن هذا الحي من قريش ، كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ، فلما قدموا المدينة تزوجوا في الأنصار ، فذهبوا ليفعلوا بنهن كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة ، فأنكرن ذلك ، وقلن : هذا شيء لم نكن نؤتى عليه ، فانتشر الحديث حتى أنتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك :( نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) إن شئت فمقبلة وأن شئت فمدبرة ، وأن شئت فباركة ، وإنما يعني بذلك موضع الحرث الولد يقول إئت الحرث من حيث شئت.
(4) الانعام / 23.
(5) النساء / 42.
فقال ابن عباس : أمّا قوله :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ، فإنّهم لمّا رأوا أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ أهل الإسلام ، قالوا : تعالوا فلنجحد ، فقالوا :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً »(1) .
وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير قال : « جاء رجل إلى ابن عباس فقال : أشياء تختلف علي في القرآن ، فقال : ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال : ليس بالشك ولكنه اختلاف.
قال : فهات ما أختلف عليك ، قال : أسمع الله يقول :( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (2) ، وقال :( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (3) ، وقد كتموا.
فقال ابن عباس : أمّا قوله :( ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (4) ، فإنّهم لمّا رأوا يوم القيامة إنّ الله يغفر لأهل القيامة ، ويغفر الذنوب ولا يغفر شركاً ، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحد المشركون فقالوا :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (5) رجاء أن يغفر لهم ، فختم على أفواههم ، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، فعند ذلك :
____________
(1) جامع البيان 5 / 94 ط2 الباب الحلبي وأولاده بمصر 1373 هـ.
(2) الأنعام / 23.
(3) النساء / 42.
(4) الأنعام / 23.
(5) الأنعام / 23.
( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (1) » (2).
وأخرج أيضاً بسنده عن الضحاك : « أنّ نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال : يا ابن عباس قول الله تبارك وتعالى :( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (3) ، وقوله :( وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (4) .
فقال ابن عباس : إنّي أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : القي على ابن عباس متشابه القرآن ، فإذا رجعت إليهم ، فأخبرهم إنّ الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد ، فيقول المشركون : إنّ الله لا يقبل من أحد شيئاً إلاّ ممّن وحّده ، فيقولون : تعالوا نجحده ، فيسألهم ، فيقولون :( واللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ، قال : فيختم على أفواههم ، ويستنطق جوارحهم ، فتشهد عليهم جوارحهم أنّهم كانوا مشركين ، فعند ذلك تمنّوا لو أنّ الارض سوّيت بهم ، ولا يكتمون الله حديثا »(5) .
وأخرج الطبري في تفسيره بسنده عن سعيد بن جبير أنّه قال : « بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس أتاه رجل ، فوقف على رأسه فقال : يا أبا
____________
(1) النساء / 42.
(2) جامع البيان 5 / 94 ط2 البابي الحلبي وأولاده بمصر 1373 هـ.
(3) النساء / 42.
(4) الأنعام / 23.
(5) جامع البيان 5 / 940 ط الباب الحلبي وأولاده بمصر.
العباس ـ أو يا أبا الفضل ـ ألا تشفيني عن آية المحيض؟ قال : بلى ، فقرأ :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) (1) حتى بلغ آخر الآية.
فقال ابن عباس : من حيث جاء الدم ، ثم أمرت أن تأتي.
فقال له الرجل : يا أبا الفضل ، كيف بالآية التي تتبعها( نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) (2) .
فقال : أي ويحك ، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقاً لكان المحيض منسوخاً ، إذ أشتغل من هنا جئت من هاهنا ، ولكن أنّى شئتم من الليل والنهار »(3) .
وأخرج الطبري في تفسيره بسنده عن عطاء ، قال : « سأل عمر الناس عن هذه الآية :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) (4) ، فما وجد أحداً يشفيه حتى قال ابن عباس وهو خلفه : يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها شيئاً. قال : فتلفت إليه ، فقال : تحوّل ههنا لم تحقّر نفسك؟
قال : هذا مثال ضربه الله عزوجل ، فقال : أيودّ أحدكم أن يعمّر عمّره بعمل أهل السعادة ، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير ، حين فني عمره ، اقترب أجله ، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء ، فأفسده كلّه ، فحرّقه أحوج ما كان إليه »(5) .
____________
(1) البقرة / 222.
(2) البقرة / 223.
(3) جامع البيان 1 / 394.
(4) البقرة / 266.
(5) جامع البيان 3 / 75.
ومن النماذج التي فيها كشف ما أستبهم علمه من المتشابه في القرآن :
عن تفسير علي بن إبراهيم القمي كما في « مستدرك الوسائل » في باب نوادر ما يتعلق بأبواب زكاة الغلات بسنده : « عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنّه قيل له : إنّ قوماً من هذه الأمة يزعمون أنّ العبد يذنب الذنب فيحرم به الرزق.
فقال ابن عباس : فو الذي لا إله غيره ، لهذا أنور في كتاب الله من الشمس الضاحية ، ذكر الله في سورة :( نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) (1) ، إنّ شيخاً كانت له جنّة ، وكان لا يدخل لبيته ثمرة منها ولا إلى منزله ، حتى يؤتي كلّ ذي حق حقه ، فلمّا قبض الشيخ ورثه بنوه ـ وكان له خمسة من البنين ـ فحملت جنتهم تلك السنة التي هلك فيها أبوهم ، حملاً لم يكن حملته قبل ذلك ، فراحوا إلى جنتهم بعد صلاة العصر ، فأشرفوا على ثمرة ورزق فاضل ، لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم ، فلمّا نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا ، وقال بعضهم لبعض : إنّ أبانا كان شيخاً كبيراً قد ذهب عقله وخرف ، فهلّم فلنتعاهد عهداً فيما بيننا أن لا نعطي أحداً من فقراء المسلمين في عامنا هذا شيئاً ، حتى نستغني وتكثر أموالنا ، ثم نستأنف الصنيعة فيما يستقبل من السنين المقبلة ، فرضي بذلك منهم أربعة وسخط الخامس ، وهو الذي قال
____________
(1) القلم / 1.
الله فيه :( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ) (1).
فقال الرجل : يا بن عباس كان أوسطهم في السن؟
فقال : لا بل كان أصغر القوم سناً ، وكان أكبرهم عقلاً ، وأوسط القوم خير القوم ، والدليل عليه في القرآن في قوله : إنّكم يا أمّة محمد أصغر القوم وخير الأمم ، قال الله :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) (2) .
فقال أوسطهم : اتقوا الله وكونوا على منهاج أبيكم ، تسلموا وتغنموا ، فبطشوا به فضربوه ضرباً مبرحاً ، فلمّا أيقن الأخ أنّهم يريدون قتله ، دخل معهم في مشورتهم ، كارهاً لأمرهم غير طائع.
فراحوا إلى منازلهم ، ثم حلفوا بالله أن يصوموا إذا أصبحوا ، ولم يقولوا إن شاء الله تعالى ، فابتلاهم الله بذلك الذنب ، وحال بينهم وبين ذلك الرزق ، الذي كانوا أشرفوا عليه ، فأخبر عنهم في الكتاب وقال :( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) (3) ، قال : كالمحترق.
فقال الرجل : يا بن عباس ما الصريم؟ قال : الليل المظلم ، ثم قال : لا ضوء له ولا نور.
فلمّا أصبح القوم :( فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ
____________
(1) القلم / 28.
(2) البقرة / 143.
(3) القلم / (17) ـ 20.
كُنْتُمْ صَارِمِينَ ) (1) ، قال :( فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) (2).
قال : وما التخافت يا بن عباس؟ قال : يتشاورون بعضهم بعضاً ، لكي لا يسمع أحد غيرهم.
فقال :( أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ) (3) وفي أنفسهم أن يصرموها ، ولا يعلمون ما قد حلّ بهم :( قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) (4) ، فحرم الله ذلك بذنب كان منهم ، ولم يظلمهم شيئاً عليه.
( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ( إلى قوله ( يَتَلاَوَمُونَ ) (5) ، يلومون أنفسهم بما عزموا عليه( قَالُوا يَا وَيْلَنَا ) (6) إلى آخر الآيات »(7) .
ومن النماذج التي فيها كشف أيضاً وقد مرّ مكرراً برواية من غيره
ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير « حم السجدة » ، بسنده قال : « وقال المنهال ، عن سعيد ، قال : قال : قال رجل لابن عباس : إنّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ ، قال :( فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ) (8) ،( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) (9) ،( يَكْتُمُونَ اللّهَ
____________
(1) القلم / (21) ـ 22.
(2) القلم / 23.
(3) القلم / (24) ـ 25.
(4) القلم / (26) ـ 27.
(5) القلم / 30.
(6) القلم / (31) ـ 33.
(7) مستدرك الوسائل للنوري 7 / 97 ، تفسير القمي 2 / 381.
(8) المؤمنين / 101.
(9) الصافات / 27.
حَدِيثاً ) (1) ،( رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (2) ، فقد كتموا في هذه الآية.
وقال :( أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا ـ إلى قوله ـدَحَاهَا ) (3) ، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال :( أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ـ إلى قوله ـطَائِعِينَ ) (4) ، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء.
وقال :( وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) (5) ،( عَزِيزاً حَكِيماً ) (6) ،( سَمِيعاً بَصِيراً ) (7) ، فكأّنّه كان ثم مضى.
فقال :( فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ) (8) ، في النفخة الأولى ، ثم ينفخ في الصور( فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ) (9) ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة( أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ) (10) .
____________
(1) النساء / 42.
(2) الأنعام / 23.
(3) النازعات / (25) ـ 30.
(4) فصلت / (9) ـ 11.
(5) النساء / 96.
(6) النساء / 56.
(7) النساء / 58.
(8) الزمر / 68.
(9) الزمر / 68.
(10) الصافات / 27.
وأمّا قوله :( مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (1) ،( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً ) (2) فإنّ الله يغفر لأهل الأرض ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول لم نكن مشركين ، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أنّ الله لا يكتم حديثاً ، وعنده( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) (3) .
وخلق الأرض في يومين ، ثم خلق السماء ، ثم استوى إلى السماء فسوّاهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض ، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى ، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين ، فذلك قوله :( دَحَاهَا ) ، وقوله :( خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام ، وخلقت السموات في يومين ، وكان الله غفوراً سمّى نفسه ذلك ، وذلك قوله أي لم يزل كذلك ، فإنّ الله لم يرد شيئاً إلاّ أصاب به الذي أراد ، فلا يختلف عليك القرآن فإنّ كلاً من عند الله »(4) .
ما أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمة عرفة بن يزيد العبدي ، فقال : « أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسن بن سليمان النخاس ، أخبرني أبو الحسن علي بن
____________
(1) الأنعام / 23.
(2) النساء / 42.
(3) النساء / 42.
(4) صحيح البخاري 6 / 127 ط بولاق.
سليم بن إسحاق المقرئ ، حدثنا الحسن بن عرفة ، عن أبيه ، قال : حدثني عاصم بن سليمان الحذاء البصري ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال : والذي نفسي بيده لتفسرن لي آيات من كتاب الله عزوجل أو لأكفرن به.
فقال له ابن عباس : ويحك أنا لها اليوم ، أيّ آي؟
فقال : أخبرني عن قوله الله تعالى :( يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا ) (1) ، وقال في آية أخرى :( وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ) (2) ، فكيف علموا وقد قالوا لا علم لنا؟
وأخبرني عن قول الله :( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) (3) ، وقال في آية أخرى :( لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) (4) ، فكيف يختصمون وقد قال لا تختصموا لدي؟
وأخبرني عن قول الله تعالى :( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) (5) ، فكيف شهدوا وقد ختم على الأفواه؟
فقال ابن عباس : ثكلتك أمّك يابن الأزرق ، إنّ للقيامة أحوالاً وأهوالاً وفظائع وزلازل ، فإذا شققت السماوات ، وتناثرت النجوم ، وذهب ضوء الشمس والقمر ، وذهلت الأمهات عن الأولاد ، وقذفت الحوامل ما في البطون ، وسجرت
____________
(1) المائدة / 109.
(2) القصص / 75.
(3) الزمر / 31.
(4) ق / 28.
(5) يس / 65.
البحار ودكدكت الآكام ، ولم يلتفت والد إلى ولد ، ولا ولد إلى والد ، وجيء بالجنة تلوح فيها قباب الدر والياقوت حتى تنصب عن يمين العرش ، ثم جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد ، ممسك بكلّ زمان سبعون ألف ملك ، لها عينان زرقاوان ، تجر الشفة السفلى أربعين عاماً ، تخطر كما يخطر الفحل ، لو تركت لأتت على كلّ مؤمن وكافر ، ثم يؤتى بها تنصب عن يسار العرش ، فتستأذن ربها في السجود فيأذن لها ، فتحمده بمحامد لم يسمع الخلائق بمثلها ، تقول : لك الحمد إلهي إذ جعلتني أنتقم من أعدائك ، ولم تجعل شيئاً ممّا خلقت تنتقم به منّي إلاّ أهلي ، فلهي أعرف بأهلها من الطير بالحب على وجه الأرض ، حتى إذا كانت من الموقف على مسيرة مائة عام وهو قول الله تعالى :( إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) (1) ، زفرت زفرة فلا يبقى ملك مقرب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا صدّيق منتجب ، ولا شهيد ما هنالك ، إلاّ خرّ جاثياً على ركبتيه.
قال : ثم تزفر الثانية زفرة فلا يبقى قطرة من الدموع إلاّ بدرت ، فلو كان لكلّ آدمي يومئذ عمل اثنين وسبعين نبيّاً لظنّ أن سيواقعها.
قال : ثم تزفر الثالثة زفرة فتتقلع القلوب من أماكنها فتصير بين اللهوات والحناجر ، ويعلو سواد العيون بياضها ، ينادي كلّ آدمي يومئذ ياربّ نفسي نفسي لا أسألك غيرها ، حتى إنّ إبراهيم ليتعلق بساق العرش ينادي ياربّ نفسي نفسي لا أسألك غيرها ، ونبيّكم صلى الله عليه « وآله » وسلم يقول : يا ربّ أمتي أمتي لا همة له غيركم.
قال : فعند ذلك يدعى بالأنبياء والرسل فيقال لهم : ماذا أجبتم؟ قالوا : لا
____________
(1) الفرقان / 12.
علم لنا ، طاشت الأحلام ، وذهلت العقول ، فإذا رجعت القلوب إلى أماكنها نزعنا من كلّ أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم ، فعلموا أنّ الحق لله.
قال : وأمّا قوله تعالى :( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) (1) ، فهذا وهم بالموقف يختصمون فيؤخذ للمظلوم من الظالم ، وللمملوك من المالك ، وللضعيف من الشديد ، وللجّماء من القرناء ، حتى يؤدي إلى كلّ ذي حق حقه ، فإذا أدى إلى كلّ ذي حق حقه أمر بأهل الجنّة إلى الجنّة ، وأهل النار إلى النار ، فلمّا أمر بأهل النار إلى النار اختصموا فقالوا :( رَبَّنَا هَ *ؤُلاء أَضَلُّونَا ) (2) ،( رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ) (3) ، قال : فيقول الله تعالى :( لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ) (4) ، إنّما الخصومة بالموقف وقد قضيت بينكم بالموقف فلا تختصموا لدي.
قال : وأمّا قوله عزوجل :( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) (5) ، فهذا يوم القيامة حيث يرى الكفار ما يعطى الله أهل التوحيد من الفضائل والخير ، يقولون : تعالوا حتى نحلف بالله ما كنا مشركين ، قال : فتتكلم الأيدي بخلاف ما قالت الألسن وتشهد الأرجل تصديقاً للأيدي ، قال : ثم يأذن الله للأفواه فتنطق ، فقالوا :( لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ـ؟ ـقَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) (6) ، يعني جوراحهم »(7) .
____________
(1) الزمر / 31.
(2) الأعراف / 38.
(3) ص / 61.
(4) ق / 28.
(5) يس / 65.
(6) فصلت / 21.
(7) تاريخ بغداد 12 / (303) ـ 304 ، الدر المنثور للسيوطي 2 / 345.
آراؤه في بعض المعارف القرآنية
لقد وردت عنه روايات تتضمن بعض آرائه في مسائل تتعلق بالقرآن المجيد ، وقد كان مجلّياً فيها ، ولا غرابة بعد أن كان تلقّيه علوم القرآن من معلّمه الأوّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم من بعده من ابن عمه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان مصلّياً فيها ، إذ هو مع القرآن والقرآن معه ، وقد بقيت آثار ابن عباس حيّة من خلال كتب تلامذته الذين دوّنوا آراءه ، ووصلت جملة منها إلى بعض علماء القرن الخامس للهجرى ، فكانت مصادرهم في ذلك المضمار.
وأمّا المسائل المبحوث عنها فهي :
الأولى : مسألة العام والخاص.
الثانية : مسألة الناسخ والمنسوخ.
الثالثة : مسألة المحكم والمتشابه.
الرابعة : مسألة الكناية والمَثل.
الخامسة : مسألة علوم اللغة العربية.
ولمّا كان البحث فيها يستدعي بيانها الرجوع إلى المأثور عن ابن عباس في كلّ واحدة منها ، لنرى مدى إحاطته بها وإصابته فيها ، وهل كان مجلّياً كما نراه على غير غلّو فيه؟ فلنقرأ بعض ما تيّسر لنا عن كلّ واحدة
منها ، دون الإستكثار من شواهدها.
المسألة الأولى : في العام والخاص
هذه مسألة صارت من مسائل علم الأصول الذي هو متأخر زمان وضعه عن عصر ابن عباس ، ولو أردنا البحث عن جذور بداياتها لوجدنا ثمة اختلافاً كثيراً وكبيراً.
فأحمد بن حنبل « ت 256 هـ » يقول : « لم يكن يعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي ».
وقال الجويني في شرح الرسالة للشافعي : « لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها ، وقد حكي عن ابن عباس تخصيص عموم »(1) .
وقد أعتمد هذه الحكاية عن ابن عباس بعض الباحثين المتأخرين ، فقال : « وهو واضع فكرة الخاص والعام »(2) ، وهذا وهم منه وممن ذهب إلى هذا ، فإنّ ابن عباس لم يكن مخترعاً لتلك الفكرة كما سيأتي بيان ذلك.
وقد ذهب الجاحظ وهو يتحدّث عن واصل بن عطاء « ت131 هـ » وهو شيخ المعتزلة الأول وقديمها كما يصفه المسعودي(3) ، فقال : « وهو أوّل من قال أنّ الخبر خبران خاص وعام ، فلو جاز أن يكون العام خاصاً ، جاز أن يكون الخاص عاماً ، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون البعض كلاًّ والكلّ بعضاً ،
____________
(1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق / 234 ط القاهرة 1363 هـ.
(2) مناهج البحث عند مفكري الإسلام للدكتور علي سامي النشار 2 / 66 ط دار المعارف بمصر 1965 م.
(3) مروج الذهب 3 / 54.
والأثر خبراً والخبر أثراً » (1).
أمّا الشيعة الإمامية فلديهم دعوى تدحر جميع ما تقدم ، بدلالة ما ذكروه عن الإمام الباقر وابنه الإمام الصادق عليهما السلام من روايات أنّهما أمليا قواعد أصولية على أصحابهما ، ومنهم هشام بن الحكم الذي صنّف كتاب الألفاظ ومباحثها وهو أهمّ مباحث علم الأصول(2) ، ومسألة العام والخاص من ذلك ، ولا شك بأنّ هشام بن الحكم متقدم على الشافعي زماناً ، فهو إذن له فضل السبق في ذلك.
ولا أريد الإفاضة في هذا البحث ، ولنعد إلى صلب الموضوع ، فنقول :
إنّ ابن عباس كان عالماً بالعام والخاص ، وقد تلقى ذلك عن أهل بيته الذين هم أوعية العلم النبوي ، ولعلّ أوّل ما طرق سمعه حول هذا الموضوع وهو في حداثة سنّه ، ما رواه من خطبة الصدّيقة فاطمة الزهرا عليها السلام التي خاطبت بها أبا بكر والمهاجرين والأنصار في مطالبتها بميراثها بعد أن منعها من ذلك أبو بكر ، فقالت له : « فزعمتم أن لاحظ لي ولا إرث من أبي؟ أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها ، أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون! أو لست وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم بخصوص القرآن وعمومه أعلم من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم »(3) .
____________
(1) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور علي سامي النشار 1 / (452) ـ 453 ط الرابعة دار المعارف 1966 م.
(2) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسيد حسن الصدر / 310.
(3) نهاية التحقيق فيما جرى في أمر فدك للصديقة والصدّّيق بالنص والتوثيق / 174.
وفي رواية ابن طيفور في « بلاغات النساء » : « هل أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم »(1) .
وقد روى ابن عباس هذه الخطبة عن العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام ، كما سمّاها هو بالعقيلة.
قال أبو الفرج الأصبهاني في « مقاتل الطالبيين » : « والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك. فقال : حدثتني عقيلتنا زينب بنت عليّ »(2) .
وروايته عن العقيلة زينب من باب رواية الأكابر عن الأصاغر ، لأنّه كان أكبر منها سنّاً ، وإن لم يكن كذلك شأناً ، فإنّ ولادته كانت قبل الهجرة بثلاث سنين فهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وهي يومئذ ابنت ست سنين ، ولا ضير في ذلك. على أنّ ابن عباس قد سمع بعد ذلك من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كلامه في العام والخاص ، لأنّ الإمام عليّ عليه السلام ذكر ذلك في بعض خطبه ، كما ورد في « نهج البلاغة » شذرات فيها ذكره العام والخاص.
ففي أوّل خطبة في النهج قال عليه السلام : « فقبضه ـ الله تعالى ـ إليه كريماً صلى الله عليه وآله وسلم ، وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها ، إذ لم يتركوهم هملا ، بغير طريق واضح ، ولا علم قائم ، كتاب ربكم فيكم ، مبيناً حلاله
____________
(1) بلاغات النساء / 211 ط مصر 1326 هـ 1908 م.
(2) مقاتل الطالبين / 95 تحقيق صقر ط مصر.
وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصّه وعامّه ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدده ، ومحكمه ومتشابهه » (1).
وقوله عليه السلام وقد سئل عن أحاديث البدع ، فقال : « إنّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعامّاً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً » إلى أن قال : « وعرف الخاص والعام فوضع كلّ شيء موضعه وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان : فكلام خاص وكلام عام ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله سبحانه به ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه »(2) .
إلى غير ذلك ممّا لا شك في سماع ابن عباس كلاً أو بعضاً منه ، فهو إذن يعلم الخاص والعام بتعلمه من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، الذي كان يقول مفتخراً بذلك : « علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علم الله ، وعلم عليّ عليه السلام من علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلمي من علم عليّ ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر »(3) .
وفي لفظ آخر : « علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة في المثعنجر ، وفسر القرارة بالغدير الصغير والمثعنجر بالبحر »(4) .
____________
(1) شرح النهج محمد عبده 1 / (19) ـ 20 ط الاستقامة مصر.
(2) نهج البلاغة 2 / (214) ـ 216.
(3) ألف باء البلوي 1 / 222.
(4) النهاية لابن الأثير والفائق للزمخشري مادة ( قرر ).
ولا نطيل الكلام في المقام بعد أن عرفنا ابن عباس كان في قرباه من أهل البيت عليها السلام بحكم آية الخمس ، وعاش في كنفهم وتحت ظلهم ، فهو « من هذا الوجه يعرف العام والخاص ، وما هو من الأوامر حتم وما ليس بحتم ، وبه يفرق بين الناسخ والمنسوخ »(1) . ومصدر علمه هو الآثار التي سمعها من أهل بيت العصمة عليهم السلام من عليّ وفاطمة عليهما السلام كما مرّ ، إذن فهو متّبع وليس بمخترع على الصحيح في هذا المجال.
وإلى القارئ بعض ما يدل على معرفته بالعام والخاص معرفة تامة :
ففي ما ورد عنه في التفاسير عدّة شواهد ، مثلاً حين يذكرون قوله في تفسير الآية الكريمة :( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) (2) ، قال : « أي أهل طاعته لا الناس أجمعون ، وهذا من باب اطلاق اسم العام وإرادة به الخاص »(3) .
وفي تفسير قوله تعالى :( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ) (4) . أراد البعض من الكلّ ، قال ابن عباس : « لو كان إبراهيم قال : « فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم » ، لحجه اليهود والنصارى والناس كلّهم ، ولكنه قال :( أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (5) »(6) .
وفي قوله تعالى :( يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) (7) ، أي صالحة ، كما عن
____________
(1) مقدمتان في علوم القرآن / 56.
(2) البقرة / 116.
(3) البرهان للزركشي 2 / 271.
(4) إبراهيم / 37.
(5) إبراهيم / 37.
(6) تفسير الطبري 13 / 234.
(7) الكهف / 79.
ابن عباس ، وهذا عام مخصوص (1) والشواهد كثيرة.
وأخيراً نذكر للقارئ ما يلحق بالمقام وإن سبق ذكره :
ما أخرجه البخاري في صحيحه في باب التفسير بسنده ، عن علقمة بن وقاص : « إنّ مروان قال لبوّابه : إذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل : لئن كان كلّ أمرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يُحمد بما لم يفعل معذباً لنعذّبن أجمعون؟
فقال ابن عباس : وما لكم ولهذه ، إنّما دعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، فأروه أن استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم ، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس :( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (2) ،( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3) .
وقيل : إنّ ذلك من باب عموم اللفظ أخص من السبب ، ونوقش في ذلك.
المسألة الثانية : مسألة الناسخ والمنسوخ
لقد وردت روايات كثيرة عن ابن عباس حول الناسخ والمنسوخ في الآيات الكريمة ، حتى كانت مادة غزيرة لعدّة كتب رواها تلامذته في
____________
(1) البرهان 3 / 156.
(2) آل عمران / 187.
(3) آل عمران / 188.
كتبهم ، والتي وصلت نسخ منها إلى علماء القرن الخامس الهجري ، فاعتمدوها في تآليفهم.
ومهما تكن تلك الروايات ، فإنّها لا تخلو عن كونها أخبار آحاد ، وبعضها متناف مع بعض ، ويمكن تخريج صحتها على بعض الوجوه في معاني النسخ ، للتفاوت بين المعنى اللغوي والإصطلاحي الدلالي.
ومهما يكن فإنّ ابن عباس يعتبر من أوائل المتقدمين الذين استخدموا مصطلح الناسخ والمنسوخ ، ولا غرابة في هذا ، بعد أن كان مفسراً مجلّياً ، وهو يتلو في آيات القرآن( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) (1) ، وقوله تعالى :( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ) (2) ، وقوله تعالى :( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) ، فمن كان على معرفة بهذه الآيات والمراد بها لا يستغرب منه لو قال فيها : « فأوّل ما نسخ من القرآن القبلة ، وقال :( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ) ، إلى قوله :( إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً ) (4) ، وذلك بأنّ الرجل كان إذا طلق أمرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ، وقال :( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) (5) »(6) .
____________
(1) البقرة / 106.
(2) النحل / 101.
(3) الرعد / 39.
(4) البقرة / 228.
(5) البقرة / 229.
(6) سنن النسائي 6 / 212 كتاب الطلاق باب ما استثني من عدّة الطلاق ، وباب نسخ المراجعة.
ولا غرابة لو ضحك فيما بكى منه ابن عمر ، فعن عبد الرزاق في تفسيره عن مجاهد ، قال : « كنت عند ابن عمر فقرأ :( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) ، فبكى ، قال : فانطلقت حتى أتيت ابن عباس ، فقلت : يا أبا عباس كنت عند ابن عمر آنفاً فقرأ هذه الآية فبكى ، قال : أيّة آية؟ قال : قلت :( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (2) ، قال : فضحك ابن عباس وقال : يرحم الله ابن عمر ، أو ما يدري فيما أنزلت وكيف أنزلت؟ إنّ هذه الآية حين أنزلت غمّت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غمّاً شديداً أوغاضتهم غيظاً شديداً ، وقالوا : يا رسول الله هلكنا ، إنّما كنا نؤخذ بما تكلّمنا ، فأمّا ما تعقل قلوبنا ليست بأيدينا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « قولوا سمعنا وأطعنا » ، فقالوا : سمعنا وأطعنا ، قال : فنسختها هذه الآية :( آمَنَ الرَّسُولُ ـ إلى قوله ـوَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (3) ، قال : فتجوّز لهم من حديث النفس وأُخذوا بالأعمال »(4) .
____________
(1) البقرة / 284.
(2) البقرة / 284.
(3) البقرة / (285) ـ 286.
(4) تفسير عبد الرزاق 1 / 380.
وللسيد الإستاذ المغفور له الخوئي في كتابه « البيان » إفاضة بيان عن معاني النسخ في اللغة فقال : « النسخ في اللغة : هو الإستكتاب ، كالإستنساخ والإنتساخ ، وبمعنى النقل والتحويل ، ومنه تناسخ المواريث والدهور ، وبمعنى الإزالة ، ومنه نسخت الشمس الظل ، وقد كثر استعماله في هذا المعنى في ألسنة الصحابة والتابعين ، فكانوا يطلقون على المخصص والمقيد لفظ الناسخ »(1) ، « وقد أطلق النسخ كثيرا على التخصيص في التفسير المنسوب إلى ابن عباس »(2) .
إلى أن قال قدس سره في بيان معنى النسخ في الإصطلاح : « هو رفع ثابت في الشريعة المقدسة بإرتفاع أمده وزمانه ، سواء كان ذلك المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية ، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى الله تعالى بما أنّه شارع ، وهذا الأخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط »(3) .
وذكر إمكان النسخ في ثبوت الحكم في عالم التشريع والإنشاء ، وبيّن فساد الشبهة التي يتمسك بها أهل الكتاب في منع النسخ ، وذكر عدّة شواهد على وقوع النسخ في التوراة في كتب العهدين ، أمّا النسخ في الشريعة الإسلامية فقد ذكر منه أقسام النسخ الواقع في القرآن على ما جاء
____________
(1) البيان في تفسير القرآن / 295 ط الآداب.
(2) نفس المصدر في الهامش.
أقول : وستأتي شواهد على صحة ما ذهب إليه المغفور له سيدنا الإستاذ رحمة الله.
(3) البيان في تفسير القرآن / 295.
في بعض الأخبار ، فذكرها على أنحاء ثلاثة ، وأنا أذكرها مع إفاضة مني :
1 ـ نسخ التلاوة دون الحكم ، ومثّلوا بما جاء عن عمر في حديث الفلتة المذكور في صحيح البخاري في باب رجم الحبلى ، حيث قرأ عمر « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة » ، وهذا هو التحريف بعينه الموجب لنقص القرآن الكريم ، وهذا لا يثبت ما دام مستنده أخبار آحاد.
2 ـ نسخ التلاوة والحكم ، ومثّلوا له برواية عائشة في الرضاع المذكورة في صحيح مسلم(1) ، وهذا كسابقه في مستنده وحكمه.
3 ـ نسخ الحكم دون التلاوة ، وهذا هو المشهور بين العلماء والمفسرين ، وفيه صنّفوا كتباً باسم الناسخ والمنسوخ.
أقول : وقفت على خمسة من المطبوع منها وهي :
1 ـ كتاب « الناسخ والمنسوخ » لأبي جعفر النحاس المتوفي 338 هـ ، طبع لأوّل مرّة بمصر 1323 هـ.
2 ـ كتاب « الناسخ والمنسوخ » لأبي القاسم هبة الله ابن سلامة المتوفي 410 هـ ، طبع بهامش « أسباب النزول » للواحدي لأوّل مرّة 1315 هـ مطبعة هندية في غيط النوبي.
3 ـ كتاب « الناسخ والمنسوخ » لابن حزم الاندلسي المتوفى 456 هـ ، طبع بهامش « تفسير الجلالين » جزء الثاني من ص 95 إلى 152 ، طبعة ثالثة
____________
(1) صحيح مسلم 4 / 167.
بمصر 1374 هـ وفيه غلط مطبعي كثير.
4 ـ كتاب « الناسخ والمنسوخ » للمظفر بن الحسين الفارسي المتوفى بعد 490 هـ ، وقد طبع ملحقاً بكتاب النحاس الآنف الذكر.
5 ـ كتاب « الناسخ والمنسوخ » لكمال الدين عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي من علماء المائة الثامنة طبع الآداب 1390 هـ وعلق عليه عبد الهادي الفضلي.
وخيرها أوّلها ، وهو أوفاها ، وفيها من المنقول عن ابن عباس كثيراً ، حتى أنّ بعض تلامذته كتب كتباً في ذلك ، اعتمدها المتأخرون وصرّح بأسماء أربعة ، منهم : هبة الله بن سلامة ، فقال في خاتمة كتابه « الناسخ والمنسوخ » : « استخرجت هذه الجملة من كتب الناسخ والمنسوخ التي سمعت من الشيوخ المفسرين والمحدثين ، من كتاب الكلبي أبي صالح ـ ثم ساق سنده إلى روايته ـ عن أبي صالح عن ابن عباس. ومن كتاب مقاتل بن سليمان ـ وساق سنده ـ عن الضحاك عن ابن عباس. ومن كتاب عكرمة بن عامر ـ وساق سنده ـ عن عكرمة عن ابن عباس. ومن كتاب محمد بن سعيد العوفي ـ وساق سنده ـ عن عطية عن ابن عباس »(1) .
فهؤلاء الأربعة ذكرهم ابن سلامة وأخذ من كتبهم ، لأنّها وصلت إليه ، أمّا من لم تصل كتبهم إليه فلا نعلم عنهم شيئاً ، إذ لا شك في أنّ ابن عباس لم يكن قد
____________
(1) الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ، بهامش أسباب النزول للواحدي / (340) ـ 345.
أختص هؤلاء الأربعة فقط بتلك المعلومات. وفي هذا دلالة محسوسة وملموسة على وصول آثار مدونة عن ابن عباس رضي الله عنه إلى القرن الخامس من خلال كتب أصحابه.
وسيأتي منا مزيد إيضاح حول هذا الموضوع في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.
وما قد روي في كتب الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس ينبئ عن مدى اهتمامه بالموضوع ، تبعاً للإمام أمير المؤمنين عليه السلام ولهما قضايا مذكورة.
فلقد ذكر النحاس وابن حزم في كتابيهما « الناسخ والمنسوخ » كما ذكر غيرهما شاهداً عن مزيد إهتمام ابن عباس تبعاً لأمير المؤمنين عليه السلام بمعرفة الناسخ والمنسوخ : « إنّ الإمام دخل المسجد فإذا رجل يخوّف الناس ، فقال : ما هذا؟ قالوا رجل يذكّر الناس ، فقال : ليس برجل يذكّر الناس ، ولكنه يقول : أنا فلان بن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه : أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ فقال : لا ، قال : فأخرج من مسجدنا ولا تذكرّ فيه »(1) .
____________
(1) ذكر ابن سلامة هذا الخبر في كتابه ( الناسخ والمنسوخ / 5 ) بهامش أسباب النزول ، والمظفر بن الحسين الفارسي في كتابه ( الناسخ والمنسوخ / 260 ) ملحقاً بكتاب النحاس ، وسمى الرجل عبد الرحمن بن داب وقال : كان صاحباً لأبي موسى الأشعري وقد تحلق الناس عليه يسألونه ، وهو يخلط الأمر بالنهي ، والإباحة بالحظر ، فقال له : أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ، أبو من أنت؟ فقال لهم : أبو يحيى ، فقال : أنت أبو أعرفوني ، وأخذ إذنه ففتلها وقال : لا تقص في مسجدنا بعدُ. وذكر ابن حزم في كتابه ( الناسخ والمنسوخ / 96 ) بهامش تفسير الجلالين ما يدل على لزوم اسم ( أعرفوني ) له ، وذكر المظفر في كتابه بسنده عن قتادة عن علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) أنه مرّّ بكعب الأحبار وهو يقص ، فقال له يا أبا اسحاق : أما أنه لا يقعد هذا المقعد إلا أمير أو مأمور ، فمكث أياماً ثم رجع فوجد كعب يقض على جماعته فمنهم مغشياً عليه ومنهم باكياً ، قال علي : يا أبا أسحاق ألم أنهك عن هذا المقعد ، أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال : الله أعلم ، قال : هلكت وأهلكت.
وفي خبر الضحاك بن مزاحم قال : « مرَّ ابن عباس بقاصّ يعظ فركله برجليه وقال : أتدري ما الناسخ والمنسوخ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ، وكان ابن عباس يقول : من لم يعرف الناسخ والمنسوخ خلط الحلال بالحرام »(1) .
ويبقى ابن عباس هو الأكثر والأشهر في رواية الناسخ والمنسوخ ، وإن كان بعض المرويّات عنه تجعل الناسخ يطلق على التخصيص كما مرّت الإشارة إليه وتأتي الشواهد على هذا ، وقد تجعل المحكم من الناسخ والمتشابه من المنسوخ كما سيأتي بيانه أيضاً في المسألة الثالثة.
ومع ذلك فكثرة المروي عنه في ذلك أدت إلى اضطراب عند الباحث في صحة النسبة ، لأنّه رويت عنه آراء مختلفة في النسخ في بعض الآيات وعدمه وذلك لإختلاف الروايات عنه ، ولبيان ذلك أذكر بعضاً من الشواهد :
فمن ذلك ما رواه ابن سلامة في كتابه « الناسخ والمنسوخ » بهامش « أسباب النزول » ، قال : « الآية الثالثة والعشرون من الآيات المنسوخة من سورة النساء قوله تعالى :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً ) (2) ، وذلك أنّ مقيس بن أبي صبابة التميمي قتل قاتل أخيه بعد أخذ الدية ثم أرتد كافراً فلحق بمكة ، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية ، وأجمع المفسرون من الصحابة والتابعين على نسخ هذه الآية ، إلاّ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر. فإنهما قالا : إنّها محكمة »(3) .
____________
(1) بصائر ذوي التميز للفيروز آبادي 1 / 123.
(2) النساء / 93.
(3) أسباب النزول / 141 ، هامش.
قال أبو القاسم المؤلف رحمه الله : « والدليل على هذا تكاثف الوعيد فيها.
وروي أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب « كرم الله وجهه » أنّه ناظر ابن عباس ، فقال : من إين لك إنّها محكمة؟ فقال ابن عباس : تكاثف الوعيد فيها ، وكان ابن عباس مقيماً على إحكامها ، فقال أمير المؤمنين عليّ « كرم الله وجهه » : نسخها الله تعالى بآية قبلها وآية بعدها في النظم ، قوله تعالى :( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) (1) ،( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (2) »(3) .
وعند مراجعة كتاب النحاس في ذكر الآية المذكورة آنفاً « النساء / 92 » ذكر خمسة أقوال فيها ، ثم قال أبو جعفر : « فهذه خمسة أقوال :
فالقول الأوّل : لا توبة للقاتل ، مروي عن زيد بن ثابت ، وابن عباس ، وساق بسنده عن سعيد بن جبير ، قال : سألت ابن عباس : هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال : لا ، وقرأت عليه التي في الفرقان ، قال :( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ ) (4) ، قال : هذه الآية مكية نسختها آية مدنية :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً ) (5) .
____________
(1) النساء / 48.
(2) النساء / 116.
(3) الناسخ والمنسوخ لابن سلامة بهامش اسباب النزول للواحدي / (142) ـ 143.
(4) الفرقان / 68.
(5) النساء / 93.
ثم روى النحاس بسنده عن سالم بن أبي الجعد : أنّ ابن عباس سئل عمن قتل مؤمناً متعمداً ثم تاب وآمن وعمل صالحاً ثم أهتدى؟ فقال : وأنّى له بالتوبة وقد سمعت نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : « يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل تشخب أوداجه دماً ، يقول : أي ربِّ سل هذا فيم قتلني » ثم قال ابن عباس : والله لقد أنزلها الله ثم ما نسخها »(1) .
ثم قال أبو جعفر : « والقول الثاني : إنّ له توبة وهو أيضاً مروي عن زيد بن ثابت وابن عباس ـ ثم ساق بسنده ـ عن ابن عبادة ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس قال : ألمن قتل مؤمناً توبة؟ قال : لا إلاّ النار ، فلمّا ذهب قال له جلساؤه : ما هكذا كنت تفتينا ، أنّ لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة؟ قال : إنّي لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً ، قال : فبعثوا خلفه في أثره فوجدوه كذلك »(2) .
ومن الشواهد على اختلاف الرواية عنه في النسخ ما جاء عنه في قوله تعالى :( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (3) ، فقد روى النحاس في كتابه بسنده عنه ، قال : « كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، ويجعلون المحرم صفراً ، ويقولون : إذا برأ الدبر وعفا الوبر وأنسلخ صفر ـ أو قال دخل صفر ـ فقد حلّت العُمَر لمن أعتمر ، فقدم
____________
(1) الناسخ والمنسوخ لابي جعفر النحاس / 110.
(2) نفس المصدر / 111.
(3) البقرة / 196.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحج ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الحلّ نحلّ؟ قال : « الحلّ كلّه ».
وقال النحاس : إنّ ابن عباس كان يرى الفسخ جائزاً ويقول : من حج فطاف بالبيت فقد حلّ ، لا اختلاف في ذلك عنه ، قال ابن أبي مليكة : قال له عروة : يا بن عباس أضللت الناس؟ قال : بم ذلك يا عروة؟ قال تفتي الناس بأنّهم إذا طافوا بالبيت حلّوا ، وقد حج أبو بكر وعمر فلم يحلاّ إلى يوم النحر ، فقال له ابن عباس : قال الله عزوجل :( ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (1) ، فأقول لك : قال الله ، ثم تقول لي : قال أبو بكر وعمر ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفسخ.
قال أبو جعفر : وهذا القول انفرد به ابن عباس كما انفرد بأشياء غيره »(2) .
أقول : لم يكن ابن عباس بهذا القول منفرداً ، بل كان ذلك رأي أهل البيت عليهم السلام ، وأولهم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، وفوق ذلك كلّه أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ، وسيأتي الكلام حول هذا في أبواب فقه ابن عباس رضي الله عنه.
ومن الشواهد أيضاً على اختلاف الرواية عنه في مسائل النسخ في قوله تعالى :( وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) (3) . قال النحاس : « واختلف عن ابن عباس في تفسير الآية إختلافاً كثيراً على أنّ الأسانيد
____________
(1) الحج / 33.
(2) الناسخ والمنسوخ لابي جعفر النحاس / 33.
(3) النساء / 6.
عنه صحاح مع إختلاف في المتون.
فمن ذلك ـ فساق الخبر بسنده ـ عن القاسم بن محمد ، قال : جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال : إنّ لي إبلٌ أثفر ظهورها وأحمل عليها ولي يتيم له إبلٌ فما يحلّ لي منها؟ قال : إذا كنت تهنأ جرباها وتلط حوضها ، وتنشد ضالتها ، وتسقي وردها ، فاحلبها غير ناهكٍ لها في الحلب ، ولا مضرٍّ بنسلها
وروي عن عكرمة عن ابن عباس :( وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) (1) ، قال : إذا احتاج وإضطر
وعن ابن عباس رواية ثالثة ـ بسنده ـ عن مقسم ، عن ابن عباس في قول الله تعالى :( وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) (2) ، قال : يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم »(3) .
وممّا يلحق بالمقام ، ما جاء عنه في قول الله تعالى :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ ) (4) ، فقد روي النحاس وغيره عن القاسم بن محمد قال : « سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن عباس ، عن الأنفال؟ فقال : الفرس من النفل ، ثم عاد يسأله ، فقال ابن عباس ذلك أيضاً ، ثم عاد ، فقال : أمّا الأنفال التي قال الله تعالى في كتابه ، فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه ، فقال ابن عباس : أتدرون
____________
(1) النساء / 6.
(2) النساء / 6.
(3) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس.
(4) الأنفال / 1.
ما مثل هذا؟ مثله مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب (1) » (2).
ولنوضح الكلام بما قاله السيد الأستاذ قدس سره حيث قال :
« ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول : إنّ نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة :
1 ـ إنّ الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة ، أو بالإجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم عليه السلام وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلاً ونقلاً ، فإن ثبت في مورد فهو المتبع ، وإلاّ فلا يلتزم بالنسخ ، وقد عرفت أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد.
2 ـ إنّ الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ ومبينّة لرفعه ، وهذا القسم أيضاً لا إشكال فيه ، وقد مثلوا لذلك بآية النجوى(3) .
ـ قال الشوكاني في « فتح القدير 5 / 186 » : وأخرج سعيد بن منصور ، وابن راهويه ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه عنه ـ عليّ بن أبي طالب عليه السلام ـ قال :
____________
(1) ذكر المرحوم الشيخ الأميني قصته في ( الغدير 6 / (290) ـ 293 ) ، وأن عمر جلده لكثرة مساءلته عن حروف القرآن حتى أضطربت الدماء في ظهره.
(2) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس.
(3) هي قوله تعالى :( إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( المجادلة / (12) ـ 13 ). وقد مرّ ما يتعلق بتفسير هذه الآية في أسباب النزول عن ابن عباس مما يتعلق بأهل البيت عليهم السلام.
« إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي ـ آية النجوى( إِذَا نَاجَيْتُمُ ) كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلمّا ناجيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدمّت بين يدي نجواي درهماً ، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد ، فنزلت :( أَأَشْفَقْتُمْ ) (1).
وثمة رأي بأنّ النسخ هنا بمعناه اللغوي ، فقد نقل الرازي في تفسيره « 8 / 167 ط القاهرة » : عن أبي مسلم أنّه جزم بكون الأمر إمتحانياً لتمييز من آمن إيماناً حقيقياً عمّن بقي على نفاقه فلا نسخ ، وقال الرازي : وهذا الكلام حسن ما به بأس.
ورواية تصدّق الإمام دون غيره من الصحابة في مصادر كثيرة ، راجع « البيان » ـ.
3 ـ إنّ الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق ولا ميبنّة لرفعه ، وإنّما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما ، فيلتزم بأن الآية الآخرى ناسخة لحكم الآية المتقدمة.
والتحقيق : إنّ هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن ، كيف وقد قال الله عزوجل :( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (2) »(3) .
ثم إنه1 ذكر الآيات التي أدعى النسخ فيها ، وناقش من استدل بها ، فذكر منها ستاً وثلاثين آية ، وما ذكره حريّ بالمراجعة لمزيد الإستفادة.
____________
(1) فتح القدير 5 / 186.
(2) النساء / 82.
(3) البيان في تفسير القرآن / (395) ـ 402 ط الأولى.
شواهد على التخصيص بعنوان النسخ عند ابن عباس رضي الله عنه :
لقد وردت روايات عن ابن عباس ذكر فيها النسخ وهو في الحقيقة تخصيص بعض أفراد العام ، فمنها :
1 ـ قوله تعالى :( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) (1) ، أخرج السيوطي في « الدر المنثور » نقلاً عن ابن أبي حاتم ، والنحاس في ناسخه ، وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : « لمّا نزلت هذه الآية :( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ) ، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً ، ثم نزلت هذه الآية :( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (2) ، فنسخت الأولى إلاّ الفاني إنّ شاء أطعم عن كلّ يوم مسكيناً وأفطر »(3) .
فقوله : « فنسخت الأولى إلاّ الفاني » ، فهذا الإستثناء دلّ على عدم رفع الحكم بالكلية الذي هو معنى النسخ ، بل دلّ على أنّ المراد بالنسخ التخصيص.
ويؤكد ذلك ما في رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : « كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم رخّص لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما لكلّ يوم مسكيناً ، ثم نسخ ذلك بعد ذلك
____________
(1) البقرة / 184.
(2) البقرة / 185.
(3) الدر المنثور 1 / 177.
( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم وللحبلى والمرضع إذا خافتا » (1).
2 ـ قوله تعالى :( وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) (2) ، قال : « ثم استثنى نساء أهل الكتاب فقال :( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) حلّ لكم ( إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (3) »(4) .
وهذا أيضاً دلّ على التخصيص وليس على النسخ ، لأنّ النسخ رفع الحكم بالكلية ، وفي المقام لم يرفع كلية بل استثنى نساء أهل الكتاب فقط من بين النساء المشركات.
المسألة الثالثة : في المحكم والمتشابه
لقد قسم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وجوه التفسير على أربعة أوجه :
وجه تعرفه العرب بكلامها ، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله عزوجل.
قال الماوردي : « وهذا صحيح : أمّا الذي تعرفه العرب بكلامها ، فهو حقائق اللغة وموضوع كلامهم ، وأمّا الذي لا يعذر أحد بجهالته ، فهو ما يلزم
____________
(1) جامع البيان 2 / 135 ط2 1373 بمصر.
(2) البقرة / 221.
(3) المائدة / 5.
(4) جامع البيان 2 / 511.
الكافة في القرآن من الشرائع وجملة دلائل التوحيد ، وأمّا الذي لا يعلمه إلاّ الله عزوجل فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة ، وهذا التقسيم الذي ذكره ابن عباس صحيح » (1). ثم ناقش في تداخل القسم الثاني في الثالث.
وقد روى عنه أيضاً ما مرّت بنا مقولته المشهورة في وجوه التفسير المروية عنه مرفوعة وموقوفة : « أنزل القرآن على أربعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تفسّره العرب ، وتفسير تفسّره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلاّ الله ، ومن أدعى علمه سوى الله فهو كاذب »(2) ، وهذا ما رواه مرفوعاً وروي عنه أيضاً موقوفاً. ثم قال : « نؤمن بالمحكم وندين به ، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به ، وهو من عند الله كلّه »(3) .
وهذا هو نحو المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ففي « تفسير العياشي » عن أبي عبد الله عليه السلام : « إنّ القرآن محكم ومتشابه ، فأمّا المحكم فنؤمن به ونعمل به وندين به ، وأمّا المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به ، وهو قول الله عزوجل :( فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) (4) ، والراسخون في العلم هم آل محمد »(5) .
____________
(1) تفسير الماوردي 1 / 36.
(2) التبيان 1 / 7 ، الدر المنثور 2 / 7 ، الإتقان 2 / 4.
(3) الدر المنثور 2 / 7 ، الإتقان 2 / 4.
(4) آل عمران / 7.
(5) تفسير العياشي 1 / 162.
وقد ورد عن ابن عباس أنّه ممن يعلم التأويل(1) ، ولا بُعد في ذلك بعد أن كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا له فقال : « اللهم علّمه التأويل » ، ثم هو كان في علمه وتعلّمه من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ما هو متيقن معلوم ، وقد مرّت بنا مقولته مفتخراً : « علمي من علم عليّ ، وعلم عليّ من علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » ، فلا غرابة لو قال : إنّه يعلم تأويل الكتاب ، ويعرف المحكم منه والمتشابه على نحو ما بينّاه.
وإن كان للمحكم عنده معنى آخر ، غير المحكم من الآيات ، هو ما يسمّيه بالمحكم من السور ، وفسّره بأنّه ما يُسمي بالمفصّل ، وهو قصار السور لكثرة الفواصل التي بين السور بالبسملة( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ ) .
فكان يقول في سورة الضحى إلى الناس ، وكان يفصل في الضحى بين كلّ سورتين بالتكبير وهو رأي قرأه كثير(2) .
وكان يقول : « إنّ الذي تدعونه المفصل هو المحكم ، توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم »(3) .
وأنا لا أكاد أصدّق رواية هذا الخبر عنه! إذ مرّ بنا في الحلقة الأولى « سيرة وتاريخ » بأنّه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وبنو هاشم في حصار الشعب ، فكان عمره يوم توفي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة ، كما مرّ بنا أيضاً أنّه قد جمع المحكم على عهده صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يبعد سهو الرواة عنه في تقدير العمر.
____________
(1) جامع البيان للطبري 3 / 183.
(2) تفسير الماوردي 1 / 27.
(3) راجع الحلقة الأولى من هذه الموسوعة 2 / 324.
ومهما كان شأن هذا الخبر ، فليس المراد بالمحكم في السور هو عين المحكم في الآيات الذي هو مقابل المتشابه كما هو عنوان المسألة ، والناظر إلى قوله تعالى :( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) (1) . لقد قال في قوله تعالى :( فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) : « يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم ويلبسون »(2) .
وفي هذا المعنى جاء عن ابن عباس ما يوائم بعض ما جاء عن أهل البيت8 من بعض الوجوه ، وأن المحكم والمتشابه ربما كان أعمّ ممّا ينطبق على الناسخ والمنسوخ.
فقد روى السيوطي نقلاً عن ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : « المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه ، وحدوده وفرائضه ، وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات منسوخه ومقدّمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به »(3) .
____________
(1) آل عمران / 7.
(2) رواه ابن الجوزي في زاد المسير 1 / 228.
(3) الإتقان 2 / 2.
ففي الكافي « انّ الراسخين في العلم هم الأئمة عليهم السلام » ، بسنده : « عن بريد بن معاوية ، عن أحدهما عليهم السلام في قول الله عزوجل( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم ) ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الراسخين في العلم قد علّمه الله عزوجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه ، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم ، فأجابهم الله بقوله :( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) (1) ، والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابّه ، وناسخ ومنسوخ ، فالراسخون في العلم يعلمونه »(2) .
ولعلّ ابن عباس بناءاً على تلقيه من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول : أنا من الراسيخين في العلم. ويقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف :( مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ) (3) : « أنا من أولئك القليل »(4) .
ولمّا كانت الألفاظ الواردة في تفسير المحكمات والمتشابهات من الألفاظ المبيّنة للمفاهيم اللغوية ، وهي أيضاً قابلة للتضايف النسبي ، فربّ آية محكمة عند طائفة هي متشابهة عند طائفة أُخرى ، فلا بدّ في معرفة المراد من الآيات الآمرة بالأخذ من الراسخين في العلم وهم أهل البيت عليهم السلام كما مرّ في خبر العيّاشي ، وفي خبر الإمام الباقر عليه السلام في « الكافي » : « إنّ الراسخين في العلم
____________
(1) آل عمران / 7.
(2) الكافي 1 / 166.
(3) الكهف / 22.
(4) جامع البيان للطبري 15 / 282 ، البرهان للزركشي 2 / 73.
من لا يختلف في علمه » (1).
وفي « الدر المنثور » : « أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، عن أنس وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأبي الدرداء : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الراسخين في العلم؟ فقال : « من برّت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن عف بطنه وفرجه ، فذلك من الراسخين في العلم »(2) .
ذكر نماذج من بعض الآيات المحكمات وتفسيرها
أخرج السيوطي في « الإتقان » عن ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى :( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ) (3) قال : « من ها هنا :( قُلْ تَعَالَوْاْ ) (4) إلى ثلاث أيات ، ومن ها هنا :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) إلى ثلاث آيات يعني محكمات »(5) .
ولا يبعد أن يكون ابن عباس قد ذكر هذا من باب التمثيل وإلا فالآيات المحكمات أكثر من ذلك ، أمّا الآيات التي ذكرها أوّلاً فهي ثلاث آيات من آخر سورة الأنعام من الآية 151 إلى الآية 153 ، وهي قوله تعالى :( قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ
____________
(1) أصول الكافي 1 / 245 ، الميزان 3 / 63.
(2) الدر المنثور 2 / 7.
(3) آل عمران / 7.
(4) الإسراء / (23) ـ 25.
(5) الإتقان 2 / 3.
إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ـ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ـوَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (1).
وأمّا الآيات التي ذكرها ثانياً فهي أربع آيات في سورة الإسراء :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) (2) .
ولابن عباس من خلال الآيات المحكمات والمتشابهات ، حملة على الذين يتبعون ما تشابه منه ، فقال : « فيحملون المحكم على المتشابه ، والمتشابه على المحكم ، ويلبسون ، فلبّس الله عليهم »(3) . وقال :( فَأَمَّا الَّذِينَ
____________
(1) الأنعام / (151) ـ 153.
(2) الإسراء / (23) ـ 26.
(3) جامع البيان للطبري 30 / 177.
في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) (1) قال : « من أهل الشك » (2).
وقال وقد ذكر عنده الخوارج وما يلقون عند الفرار ، فقال : « يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه ، وقرأ قوله تعالى :( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ ) (3) »(4) .
موقفه من تفسير الحروف المقطعّة
لقد رويت عنه عدّة روايات في الحروف المقطعة في أوائل السور ، وقد رواها مستقصياً السيوطي في كتابه « الإتقان » في الجزء الثاني ، كما ذكر المفسرون بعضها ، فالطبري مثلاً ذكر عن ابن عباس عن( حم ) ، و( طسم ) ، و( ألم ) ، قال : « هو اسم الله الأعظم »(5) .
ثم روى أيضاً عنه قال : « هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله »(6) .
وروى ثالثاً أيضاً عنه قال في قوله :( ألم ) ، و( حم ) ،( ن ) قال : « أسم مُقطّع »(7) .
وأخيراً روى أيضاً عنه خبراً رواه عن جابر بن عبد الله بن رياب ، قال : « مرَ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة :( ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) (8) ، فأتى أخاه
____________
(1) آل عمران / 7.
(2) جامع البيان للطبري 3 / 176.
(3) آل عمران / 7.
(4) جامع البيان للطبري 3 / 181.
(5) نفس المصدر 1 / 130.
(6) نفس المصدر.
(7) نفس المصدر 1 / 131.
(8) البقرة / (1) ـ 2.
حيّ بن أخطب في رجال من يهود فقال : تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلوا فيما أنزل الله عزوجل عليه :( ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ، فقال : أنت سمعته؟ قال : نعم ، فمشى حيّ بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد ألم يذكر لنا أنّك تتلو فيما أنزل عليك( ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بلى ، فقالوا : أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال : نعم ، قالوا لقد بعث الله جلّ ثناؤه قبلك أنبياء ما نعلمهم بيّن نبيّ منهم ما مدّة ملكه وما أجل أمته غيرك ، فقال حيّ بن أخطب وأقبل على من كان معه ، فقال لهم : الألف واحدة واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه احدى وسبعون سنة ، قال : فقال لهم : أتدخلون في دين نبيّ إنّما مدّة ملكه وأجل أمته احدى وسبعون سنة؟ قال : ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال : نعم ، قال : فماذا؟ قال : (آلمص « قال : هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مائة واحدى وستون سنة ، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال : نعم ، قال : ماذا؟ قال :( ألر ) ، قال : هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه احدى وثلاثون ومائتا سنة ، فقال : هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال : نعم( ألمر ) ، قال : فهذه أثقل وأطول ، الأف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه احدى وسبعون ومائتا سنة ، ثم قال : لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم
كثيراً ، ثم قاموا عنه.
فقال أبو ياسر لأخيه حيّ بن أخطب ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم لعلّه قد جمع هذا كلّه لمحمد ، احدى وسبعون ، واحدى وستون ومائة ، ومائتان واحدى وثلاثون ، ومائتان واحدى وسبعون ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون ، فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ، ويزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم :( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (1) »(2) .
لقد أختلف في تفسير الآيات المتشابهات في الصفات على أقوال ثلاثة :
أحدها : أنّه لا مدخل للتأويل فيها ، بل تجري على ظاهرها ، ولا تُؤول شيئاً منها ، وهذا قول المشبّهة المجسّمة.
ثانيها : إنّ لها تأويلاً ، ولكن لا نخوض فيه ونقول لا يعلمه إلاّ الله ، وهذا قول السلفية البلكفية ـ أي بلا كيف ـ.
ثالثاً : إنّها مؤولة تأويلاً بما يليق وعظمة ذي الجلال ، وهذا قول أهل الحق من الصحابة والتابعين وحتى بعض أئمة المذاهب كأحمد بن حنبل فيما حكاه ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى :( أَوْ يَأْتِيَ رَبِّكَ ) ، قال : « وهل هو إلاّ
____________
(1) آل عمران / 7.
(2) جامع البيان للطبري 1 / 138.
أمره بدليل قوله :( أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ) (1) » (2) ، وهذا هو عين المروي عن ابن عباس (3).
ولمّا كان التأويل غير مستحيل لإستحالة الجسمية في حق الباري تعالى ، فقد ذهب ابن عباس تبعاً لإمامه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى القول به ، وقد جاء في القرآن حذف المضاف كثيراً كقوله :( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) (4) ، وقوله :( وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) (5) أي حبّ العجل.
المسألة الرابعة : مسألة الكناية والمثل
من النظم البلاغي في القرآن استعمال الكناية والمثل في كثير من آياته الكريمة ، وابن عباس معدود هو المفسر الأوّل بعد الإمام عليّ عليه السلام فلم يكن يخفى عليه هذا النظم وهو القائل : « القرآن كلّه إياك أعني وأسمعي يا جارة »(6) .
ولو أردنا استيعاب جميع ما ورد عنه في ذلك لطال بنا البحث ، لكننا نذكر للقارئ بيان بعض الشواهد.
فمن شواهد الكناية ما رواه عبد الرزاق في « المصنف » : « أنّ عبيد ابن عمير وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح إختلفوا في الملامسة ،
____________
(1) النحل / 33.
(2) البرهان في علوم القرآن للزركشي 2 / 79 ط الأولى 1376 هـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
(3) مجمع البيان 4 / 200 ط الأعلمي.
(4) يوسف / 82.
(5) البقرة / 93.
(6) مجمع البيان 7 / 465.
قال سعيد وعطاء : هو اللمس والغمز ، وقال عبيد بن عمير : هو النكاح ، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك ، فسألوه وأخبروه بما قالوا ، فقال : أخطأ الموليان ، وأصاب العربي ، وهو الجماع ولكن الله يعفُّ ويكني » (1).
ومن الشواهد في المقام أيضاً ما أخرجه عبد الرزاق في كتاب الطلاق ، قال ابن عباس : « الدخول والتغشي ، والإفضاء ، والمباشرة ، والرفث والمس هو الجماع ، غير أنّ الله حيً كريم يكنّي عما شاء »(2) .
ومن باب الكناية في قوله تعالى :( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ) (3) ، قال ابن عباس : « أي مال كثير »(4) .
ومن باب الكناية في قوله تعالى :( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (5) ، قال : « إنّ كلّ ما نسبه الله تعالى من الخسار إلى غير المسلمين فإنّما عنى به الكفر ، وما نسبه إلى المسلمين فإنّما عنى به الدنيا »(6) .
____________
(1) المصنف كتاب الصلاة / 506.
(2) المصنف كتاب الطلاق باب وربائبكم رقم / 10826.
(3) الكهف / 34.
(4) بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي 2 / 339.
(5) البقرة / 27.
(6) مجمع البيان 1 / 140.
روي الحاكم في « المستدرك » عن محمد بن المنكدر ، قال : « إلتقى ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال ابن عباس : أيّ آية في كتاب الله أرجى عندك؟ فقال عبد الله عمرو :( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ) (1) ، قال : لكن قول إبراهيم :( قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (2) هذا لما في الصدور من وسوسة الشيطان ، فرضي الله تعالى من إبراهيم بقوله :( قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ) (3) .
وروي النحاس عن ابن عباس ، قال : « أرجى آية في القرآن :( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) (4) »(5) .
ومن الشواهد على ضرب الأمثال بآيات الذكر الحكيم ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير سورة البقرة في قوله تعالى :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (6) . روى البخاري بسنده عن ابن جريج : « سمعت عبد الله بن
____________
(1) الزمر / 53.
(2) البقرة / 260.
(3) مستدرك الحاكم1 / 60
(4) الرعد / 6.
(5) البرهان للزركشي 1 / (447) ـ 448.
(6) البقرة / 266.
أبي مليكة يحدّث عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال عمر رضي الله عنه يوماً لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ )؟ قالوا : الله أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا نعلم أوّ لا نعلم ، فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، قال عمر : يابن أخي قل ولا تحقّر نفسك ، قال ابن عباس : ضُربت مثلاً لعمل ، قال عمر : أيّ عمل؟ قال ابن عباس : لعمل ، قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله عزوجل ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله » (1).
هذا ما رواه البخاري ، ولا تخلو روايته من خلل في النقل ، وأحسن منها رواية الطبري في تفسيره لهذا الخبر في تفسير الآية المذكورة ، فقد روى بسنده عن عطاء ، قال : « سأل عمر الناس عن هذه الآية فما وجد أحداً يشفيه ، حتى قال ابن عباس ـ وهو خلفه ـ : يا أمير المؤمنين إنّي أجد في نفسي منها شيئاً ، قال : فتلفت إليه ، فقال : تحول ههنا لِمَ تحقّر نفسك؟ قال : هذا مثل ضربه الله عزوجل فقال :( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ) أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كلّه فحرقه أحوج ما كان إليه »(2) .
وقد مرّت بنا عدّة شواهد في نماذج تأويلية في أمثال القرآن ، وكان منها
____________
(1) صحيح البخاري 6 / (31) ـ 32.
(2) تفسير الطبري 3 / 75 ، الكشاف للزمخشري 1 / 299 ط البابي الحلبي 1267 هـ.
ما تقدم ذكره آنفا ، فلا أرى حاجة لذكر المزيد من الشواهد فوق ما ذكرنا.
لقد أجمع المسلمون على عربية اللغة القرآنية كما هو في التنزيل قوله تعالى :( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) (1) ، وكذلك أجمعوا على أنّه يضمّ أشتاتاً من ألفاظ بلهجات عربية فصحى ، يختلف بعضها في تلفظها أو في مخارج حروفها. غير أنّ لغة قريش هي التي غلبت عليها ، ودونها كانت لغة كعب خزاعة ، كما قال ابن عباس : « نزل القرآن بلغة الكعبين ، كعب قريش ، وكعب خزاعة ، قيل وكيف ذاك؟ قال : لأنّ الدار واحدة »(2) ، وما روي عنه أيضاً أنّه قال : « نزل القرآن على سبع لغات : منها خمسة بلغة العجز من هوازن »(3) ، فمراده اللهجات. فعربية القرآن لا مجال للمناقشة فيها بعد ما ورد النص المبين( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) (4) .
قال أبو بكر الزبيدي « ت379 هـ » في « طبقات النحويين واللغويين » : « ولم تزل العرب تنطق على سجيّتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها ، حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان ودخل الناس فيه أفواجاً ، وأقبلوا إليه إرسالاً ، واجتمعت
____________
(1) الشعراء / 195.
(2) البرهان للزركشي 1 / 283.
(3) نفس المصدر.
(4) الزخرف / 3.
فيه الألسنة المتفرقة ، واللغات المختلفة ، ففشا الفساد في اللغة العربية ، واستبان منها في الإعراب الذي هو حليتها ، والموضح لمعانيها ، فتفطن لذلك من نافر بطباعة سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب ، فعظم الإشفاق من فشو ذلك وغلبته ، حتى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم ، إلى أن سببوا الأسباب في تقيدها لمن ضاعت عليه ، وتثقيفها لمن زاغت عنده ، فكان أوّل من أصّل ذلك ، وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي » (1).
وحكى عن أبي العباس محمد بن يزيد قوله : « سئل أبو الأسود الدؤلي عمّن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه؟ فقال : تلقيّته من عليّ بن أبي طالب رحمة الله »(2) .
وفي حديث آخر : « ألقى إلي عليّ أصولاً أحتذيت عليها »(3) .
وهذا كان بعد أن تسرّب اللحن إلى ألسنة العرب ، وتفشى فيهم بعد تفشي الفتوحات وكثرة الداخلين في الإسلام من الأمم غير العرب ، مضافاً إلى ما سبقت الإشارة إليه من اختلاف اللهجات نطقاً عند بعض القبائل العربية ، كلّ ذلك ساعد على نشوء علوم العربية ، من نحو وصرف ولغة ، لمعرفة الفصيح من الغريب والحقيقة من المجاز ، وتمايز أبواب النحو ومعرفة أدواته ، وهذا لم يكن مدّوناً قبل خبر أبي الأسود الدؤلي المشار إليه.
____________
(1) طبقات النحويين واللغويين / 10.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر / 13.
وهذه حقيقة ثابتة إلاّ أنّها مهضومة لدى بعض الباحثين من مستعربين ومستغربين ، وسيأتي الحديث مفصلاً عن هذه الحقيقة في الفصل الرابع.
أمّا الآن فنكتفي بالإشارة إلى دور الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في التأسيس ، ومشاركة أبي الأسود في التكميل ، ودور ابن عباس في المشاركة إشادة وإشارة ، نقلاً عن مصدر لا يُرتاب في نقله ، لأنّ صاحبه غير متهم في المحاباة فضلاً عن الموالاة.
وذلك هو « أنباه الرواة بأخبار النحاة / لجمال الدين القفطي المتوفى سنة 646 هـ » فقال : « ذكر أوّل من وضع النحو وما قاله الرواة في ذلك.
الجمهور من أهل الرواية على أنّ أوّل من وضع النحو أمير المؤمنين عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ.
فقال أبو الأسود الدؤلي رحمة الله : دخلت على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فرأيته مطرقاً مفكّراً فقلت : فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ فقال : « سمعت ببلدكم لحناً ، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية ».
فقلت له : إن فعلت هذا بقيت فينا هذه اللغة العربية(1) .
ثم أتيته بعد أيام فالقى إلي صحيفة فيها :
« بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ : الكلام كلّه إسم وفعل وحرف ، فالإسم ما أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى ، والحرف ما أنبأ عن
____________
(1) في رواية ياقوت في معجم الأدباء 14 / 49 نقلاً عن أبي القاسم الزجاج في أماليه : ( إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة ).
معنى ليس بإسم ولا فعل » ، ثم قال : « تتّبعه وزد فيه ما وقع لك ، واعلم أنّ الأشياء : ظاهر ، ومضمر ، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر ».
فجمعت أشياء وعرضتها عليه ، فكان من ذلك حروف النصب ، فذكرت منها : إنّ ، وأنّ ، وليت ، ولعلّ ، وكأنّ ، ولم أذكر « لكنّ » ، فقال : « لم تركتها؟ » فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : « بلى هي منها فزدها فيها »(1) .
ثم قال القفطي : « هذا هو الأشهر من أمر أبتداء النحو ، وقد تعرّض الزجاجي أبو القاسم إلى شرح هذا الفصل من كلام عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ.
ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين جزءاً فيه من أبواب من النحو ، يُجمعون على أنّها مقدمة عليّ بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي.
وروي أيضاً عن أبي الأسود قال : دخلت على أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب « عليه السلام » فأخرج لي رقعة فيها :
الكلام كلّه اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ، قال : فقلت : ما دعاك إلى هذا؟ قال رأيت فساداً في كلام بعض أهلي ، فأحببت أن أرسم رسماً يُعرف به الصواب من الخطأ. فأخذ أبو الأسود النحو عن عليّ عليه السلام ولم يظهره لأحد »(2) .
وقال القفطي : قيل : « وأتى أبو الأسود عبد الله بن عباس فقال : إنّي أرى ألسنة العرب قد فسدت ، فأردت أن أضع شيئاً لهم يقوّمون به
____________
(1) أنباه الرواة بأخبار النحاة 1 / (4) ـ 5 تح محمد أبو الفضل إبراهيم ط دار الكتب المصرية.
(2) نفس المصدر 1 / 5.
ألسنتهم ، قال : لعلك تريد النحو؟ أما أنّه حق ، وأستعن بسورة يوسف » (1).
أقول : ومن هذا النص نستطيع القول بجزم إنّ ابن عباس كان على علم بالنحو ، ولا غرابة في ذلك بعد أن قرأنا عنه في السيرة والتاريخ حضوره مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في البصرة في حرب الجمل سنة 36 هـ ، ولمّا كانت محاورة أبي الأسود مع الإمام عليّ عليه السلام في شأن اللحن وبدء تأسيس النحو كانت في البصرة ، فابن عباس غير بعيد عنها ، فهو مع الإمام عليه السلام وعنده ، وكان له في ذلك حضور مكثف منظور.
وممّا يؤكد صحة مشاركة ابن عباس في ذلك الدور ، ما قاله شيخ اللغويين ابن جني « المتوفى سنة 392 هـ » في كتابه « الخصائص » باب في صدق النقلة وثقة الرواة والحملة : « هذا موضع من هذا الأمر ، لا يعرف صحته إلاّ من تصوّر أحوال السلف فيه ، وتصوّرهم ورآهم من الوقور والجلالة بأعينهم ، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له ، وعلم أنّه لم يوفّق لاختراعه وابتداء قوانينه وأوضاعه ، إلاّ البرّ عند الله سبحانه ، الحفيظ بما نوّه به وأعلا شأنه ، أو لا يُعلم أمير المؤمنين عليّاًَ ـ رضي الله عنه ـ هو البادئ به ، والمنّبه عليه ، والمنشئ والمرشد إليه ، ثم تحقق ابن عباس رضي الله عنه به ، واكتفال أبي الأسود ـ رحمة الله ـ إياه »(2) .
ويزيد هذه الحقيقة إيضاحاً ما نقرأ في مروياته من مصطلحات نحوية ، وشواهد لغوية ، حتى في غريب اللغة وشواذ القراءات ، فهذا لم
____________
(1) نفس المصدر 1 / 16.
(2) الخصائص 3 / (209) ـ 310 ط دار الكتب المصرية بتحقيق محمد علي النجار ( سنة 1376 هـ ـ 1956 م ).
يكن من فراغ لو لم يكن لديه رصيد معرفة بذلك.
وهذا لا يحملنا على المغالات فيه فنزعم له نسبة تأسيس علم النحو إليه ، كما عنون أحد الباحثين المعاصرين كتابه « ابن عباس رضي الله عنه مؤسس علوم العربية » للإستاذ الدكتور عبد الكريم بكار ، من أبها في السعودية ، وطبع كتابه مرتين ، وقفت على الطبعة الثانية منهما « نشر دار الأعلام ، الأردن سنة 1423 هـ ـ 2002 م » ، وقد استوعب جملة صالحة من الشواهد ، لكنها لا تكفي لإثبات صحة العنوان « مؤسس علوم العربية »! ولو قال عنه : « مشاركاً » ما أخطأ الصواب ، لأنّ ابن عباس في ألمعيته وجامعيته لا يستنكر عليه المشاركة في التأسيس ، ويستنكر له دعوى التأسيس ، فهو كما قال ابن فارس « المتوفى 365 هـ » في كتابه « الصاجي في فقه اللغة » ، في باب أقل العدد الجمع ، مستدلاً على ما عنونه : « وإلى ذلك ذهب عبد الله ابن عباس ـ ومكانه من العلم باللغة مكانه ـ في قوله ـ جل ثناؤه ـ( فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ) (1) ، لا يكون إلاّ بأكثر من اثنين أه »(2) . وهذا من ابن فارس ـ وهو فارس الميدان الذي ناهزت مؤلفاته في اللغة العشرة بينها مقاييس اللغة في عدّة أجزاء ـ وفي النحو وفقه اللغة 14 كتاباً ، فهو بحق فارس الميدان ، فكلمته في ابن عباس تعرب عمّا له من شأن.
____________
(1) النساء / 11.
(2) الصاجي في اللغة / 190.
نماذج نحوية ولغوية
ليس من السهل الإحاطة بجميع ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه ممّا فيه دلالة واضحة على معرفته بعلوم العربية من النحو واللغة ، ولكن ليس من الممتنع ذكر الميسور كنماذج ذات دلالة على معرفته بالعربية وعلومها ، فلنقرأ :
1 ـ رأيه في « اجراء االنفي مع التقرير مجرى النفي المجرّد في ردّه » في قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) (1) .
فقد استفاد النحاة من قوله : « لو قالوا : « نعم » لكفروا » بأنّ همزة الإستفهام إذا دخلت على النفي كما هو الحال في قوله :( أَلَسْتُ ) صار معناه التقرير ، فيجاب بما يجاب به النفي ، ولو قالوا : « نعم » لكان تقريراً للنفي ، فذلك معنى قوله « لكفروا »(2) .
2 ـ رأيه في « جواز العطف على الخبر المجرور بدون إعادة الجار » ، كما في قوله تعالى :( وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ) (3) بكسر الميم عطفاً على الضمير المجرور بالباء ، وهي قراءة حبر الأمة ابن عباس(4) .
____________
(1) الأعراف / 172.
(2) المغني بحاشية الدسوقي 1 / 112 ، 2 / (9) ـ 11.
(3) النساء / 1.
(4) نظرات في اللغة والنحو / تأليف طه الراوي نشر المكتبة الأهلية بيروت.
3 ـ وفي قوله تعالى :( فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ ) (1) . فكانت قراءته « بما آمنتم به » بدون زيادة « مثل » ، وللنحاة في هذه القراءة رأي ذكره ابن هشام في « المغني » ، فقال : « والقول بزيادة الحرف » أولى من القول بزيادة الإسم ، بل زيادة الإسم لم تثبت ، وأمّا بمثل ما أمنتم به فقد يشهد للقائل بزيادة « مثل » فيها قراءة ابن عباس رضي الله عنه « بما آمنتم به » وقد تؤولت قراءة الجماعة على زيادة الباء في المفعول المطلق ، أي إيماناً مثل إيمانكم به »(2) .
4 ـ رأيه حجة في « واو الثمانية » ، قال ابن هشام : « ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ، والمفسرين كالثعلبي ، وزعموا أنّ العرب إذا عدّوا قالوا : ستة سبعة وثمانية ، إيذاناً بأنّ السبعة عدد تام ، وأنّ ما بعده عدد مستأنف ، واستدلوا على ذلك بآيات : إحداها :( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ـ إلى قوله سبحانه ـوَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) (3) ، وقالوا : هي في ذلك لعطف جملة على جملة ، إذ التقدير : هم سبعة ، ثم قيل : الجميع كلامهم ، وقيل : العطف من كلام الله تعالى ، والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم ، وأنّ هذا تصديق لهذه المقالة ، كما أنّ( رَجْماً بِالْغَيْبِ ) تكذيب لتلك المقالة.
ويؤيده قول ابن عباس رضي الله عنه : « حين جاءت الواو انقطعت العدة » أي لم تبق عدة عادّ يلتفت إليها »(4) .
5 ـ رأيه في « مجيء « هل » بمعنى « قد » إذا كانت مع الفعل » ، نحو قوله
____________
(1) البقرة / 137.
(2) المغني بحاشية الدسوقي 1 / 192.
(3) الكهف / 22.
(4) المغني بحاشية الدسوقي 2 / 24 ط حنفي بمصر 1358 هـ ، ومسائل الرازي واجوبتها من غرائب أي السور / 199 ط مصر سنة 1381 هـ.
تعالى :( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ ) (1). وبهذا فسّرها ابن عباس رضي الله عنه وتابعه من النحاة ، الكسائي والفراء والمبّرد ، قال في مقتضبه : « هل » للإستفهام نحو هل جاء زيد ، وتكون بمنزلة « قد » نحو قوله تعالى :( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ ) (2).
6 ـ رأيه في « معنى « من » التبعيضية » في قوله تعالى :( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ ) (3) ، قال ابن عباس : « لو قال إبراهيم عليه السلام في دعائه : أفئدة الناس ، لحجّت جميع الملل وأزدحم عليه الناس ، حتى لم يبق لمؤمن فيه موضع ، مع أنّ حج غير الموحدين لا يفيد »(4) .
7 ـ رأيه في « مسألة حذف المضاف والدلالة عليه من خارج الآية » ، كما في قوله تعالى :( وَجَاء رَبُّكَ ) (5) ، قال ابن عباس : « وجاء أمر ربك ، لأنّ في القيامة تظهر جلائل آيات الله تعالى »(6) .
وفي « بصائر ذوي التمييز » : « كان بالأمر لا بالذات قول ابن عباس »(7) .
8 ـ رأيه في « مسألة السهو عن الصلاة » في قوله تعالى :( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ) (8) ، قال ابن عباس : « الحمد لله الذي قال :
____________
(1) الإنسان / 1.
(2) المغني بحاشية الدسوقي 2 / 15.
(3) إبراهيم / 37.
(4) رسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي السور / 165.
(5) الفجر / 22.
(6) رسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي السور / 273.
(7) بصائر ذوي التمييز 2 / 426.
(8) الماعون / (4) ـ 5.
( عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ) ، ولم يقل : « في صلاتهم ساهون » (1).
وقال : « لو قال : « في صلاتهم » لكانت في المؤمنين »(2) .
وهذا معني « في » الظرفية ، لأنّ السهو في الصلاة سهو في بعض أفعالها أو شرائطها ، وهذا ما قد يعرض للمؤمنين ، أمّا معنى « عن » فهو بمعنى الإعراض عن الصلاة بمعنى تركها أو الإستهانة بها إستخفافاً ، كما هو حال المنافقين.
9 ـ رأيه في « مجيء معنى « أو » بمعنى « بل » في قوله تعالى :( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) (3) ، فقال ابن عباس : « بل يزيدون » ، وقد تبعه الفراء في معاني القرآن محتجاً بأنّ التفسير ورد بذلك ـ ويعنيه ـ(4) .
10 ـ رأيه في « مجيء معنى « إن » للنفي » في قوله تعالى :( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) (5) ، فقال : « لم يكن للرحمن ولد » ، وهذا يعني النفي الذي أراده بقوله : « لم يكن للرحمن ولد »(6) .
11 ـ وأيضاً كسابقه في الدلالة ، قال في قوله تعالى :( إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ ) (7) ، بمعنى الإسلام والإيمان ، وبه فسره كما في المصدر السابق(8) .
____________
(1) الإتقان 1 / 145.
(2) تفسير القرطبي 20 / 212.
(3) الصافات / 147.
(4) معاني القرآن 2 / 393.
(5) الزخرف / 81.
(6) معاني القرآن 2 / 393.
(7) آل عمران / 112.
(8) معاني القرآن 2 / 423.
12 ـ وفي قوله تعالى :( اسْمُهُ الْمَسِيحُ ) (1) ، قال ابن عباس : « سمّي مسيحاً لأنّه كان أمسح الرجل لم يكن لرجله أخمص ، والأخمص ما لا يمس الأرض من باطن الرجل »(2) .
ويحكى عن ابن عباس أنّه قال : « سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلاّ برأ »(3) .
13 ـ في قوله تعالى :( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (4) ، قال ابن عباس : « الطائفة الواحد فما فوقه »(5) .
14 ـ في قوله تعالى :( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (6) ، قال ابن عباس : « إنّما جمع هذا الجمع لأنّه عني به أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس ومن غيره »(7) .
15 ـ في قوله تعالى :( عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ) (8) ، قال ابن عباس في تفسيره : « النصيب »(9) .
16 ـ في قوله تعالى :( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ ) (10) ، فسر الكرسي بالعلم(11) .
____________
(1) آل عمران / 45.
(2) معاني القرآن 2 / 426.
(3) الأضداد لابن الأنباري / 361.
(4) النور / 2.
(5) معاني القرآن 3 / 523.
(6) الفاتحة / 2.
(7) معاني القرآن 4 / 95.
(8) ص / 19.
(9) معاني القرآن 4 / 280.
(10) البقرة / 255.
(11) معاني القرآن 4 / 342.
17 ـ في قوله تعالى :( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) (1) ، قال ابن عباس : « الويل : العذاب »(2) .
18 ـ في قوله تعالى :( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ) (3) ، قال ابن عباس : « إستفهام بمعنى التعجب »(4) .
19 ـ في قوله تعالى :( قَالَ يَا إِبْلِيسُ ) (5) ، قال ابن عباس : « إستفهام بمعنى التعجب »(6) .
20 ـ في قوله تعالى :( يَا آدَمُ ) (7) ، قال ابن عباس : « في إشتقاقه من أديم الأرض »(8) .
21 ـ في( حواء ) ، قال ابن عباس : « في إشتقاق إسم حواء لأنّها خلقت من الحيّ »(9) .
22 ـ رأيه في « الإشتراك اللفظي » في قوله تعالى :( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً ) (10) ، قال ابن عباس : « النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة
____________
(1) البقرة / 79.
(2) تفسير الماوردي 1 / 151.
(3) البقرة / 28.
(4) تفسير السمرقندي 1 / 320.
(5) الحجر / 32.
(6) تفسير السمرقندي 1 / 320.
(7) البقرة / 33.
(8) تفسير السمرقندي 1 / 320.
(9) نفس المصدر.
(10) الأنفال / 11.
وسوسة من الشيطان »(1) .
23 ـ رأيه في « تفسير المرتين » في قوله تعالى :( سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ) (2) ، قال : « أنّهم اختلفوا في هاتين المرتين ، فقال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً يوم الجمعة ، فقال : « أخرج يا فلان فإنّك منافق أخرج يا فلان فإنّك منافق » فأخرج ناساً وفضحهم ، فهذا العذاب الأوّل والثاني عذاب القبر »(3) .
24 ـ في قوله تعالى :( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (4) ، قال : « الحسنى الحسنة ، والزيادة عشر أمثالها »(5) .
25 ـ في قوله تعالى :( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ ) (6) ، قال : هي تلك الأرض وإنّما تغيّر ، وأنشد :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم |
ولا الدار بالدار التي كنت أعرف (7) |
26 ـ في قوله تعالى :( وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) (8) ، قال : « قد يرد الشيء
____________
(1) تفسير الكشاف 2 / 7.
(2) التوبة / 101.
(3) تفسير الكشاف 2 / 855.
(4) يونس / 26.
(5) تفسير الكشاف 2 / 73.
(6) إبراهيم / 48.
(7) تفسير الكشاف 2 / 284.
(8) مريم / 71.
الشيء ولا يدخله ، كقوله تعالى :( وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ ) (1) ، ووردت القافلة البلد وإن لم تدخله ولكن قربت منه » (2).
27 ـ في قوله تعالى :( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ) (3) ، قال ابن عباس : « إنّ المراد بالناس المشركون ». قال الزمخشري : وهذا إطلاق اسم الجنس على بعضه ، للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين(4) .
28 ـ رأيه في « عدم الإستثناء » في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :( قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً ) (5) ، قال ابن عباس : « لم يستثن فابتلي به مرّة أخرى ، يعني لم يقل : فلن أكون إن شاء الله »(6) .
29 ـ وفي الإشتراك أيضاً في قوله تعالى :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (7) ، قال : « بالتي هي أحسن » الصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل ، والعفو عند الإساءة » ، وفسرّ الحظ بالثواب(8) .
____________
(1) القصص / 23.
(2) تفسير الكشاف 2 / 288.
(3) الأنبياء / 1.
(4) تفسير الكشاف 2 / 320.
(5) القصص / 17.
(6) تفسير الكشاف 3 / 169.
(7) المؤمنين / 96.
(8) تفسير الكشاف 2 / 72.
30 ـ معرفته ببعض اللغات الحيّة يومئذ ، في تفسير قوله تعالى :( فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) (1) ، فقال : « هو بالعربية الأسد ، وبالفارسية : شاره ، وبالقبطية : أريا ، وبالحبشية : قسورة »(2) (3) .
31 ـ كسابقتها في قوله تعالى :( إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ) (4) ، قال : « إثماً كبيراً بلغة الحبشة »(5) .
32 ـ ومن الإشتراك اللفظي ، في قوله تعالى :( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء ) (6) ، قال ابن عباس : « هو الجماع ولكن الله يعف ويكنّي »(7) .
33 ـ وقد سئل عن الوضوء بعد شرب اللبن ، فقال : « ما أباليه بالة ، يسمح يسمح لك »(8) .
34 ـ قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقفائي فحطأني حطأة وقال : « اذهب فادع لي فلاناً »(9) يقول : دفعني دفعة(10) .
____________
(1) المدثر / 51.
(2) تفسير عبد الرزاق 1 / 126.
(3) سيأتي في المسألة في تحقيق أن ليس في القرآن شيء من المعرّب في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.
(4) النساء / 2.
(5) تفسير عبد الرزاق 1 / 126.
(6) المائدة / 6.
(7) تفسير عبد الرزاق2 / 11.
(8) المصنف لابن أبي شيبة 1 / 78 ، لسان العرب ، ومقاييس اللغة 1 / 322.
(9) في مقاييس اللغة ( فلاناً ) معاوية. وإنما كنّى لأن النبيّ صلى الله عليه واله وسلم دعا عليه فقال : لا أشبع الله بطنه ، وقد مرّ الحديث في الحلقة الأولى راجع 5 / 22.
(10) مقاييس اللغة 2 / 79.
35 ـ قول ابن عباس : « خطّأ الله نوءها » أي : إذا مُطِر غيرها أخطأ هذه المطر فلا يصيبها »(1) .
36 ـ قوله أيضاً : « أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يلطح أفخاذنا ويقول : « أَبَني لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس »(2) .
37 ـ قوله لعتبة بن أبي سفيان وكان قد أثنى عليه وأحسن أمهييت : أبا الوليد(3) .
38 ـ قال ابن عباس رضي الله عنه : « بالإيواء والنصر إلاّ جلستم » ، وقد جعل كلامه شاهداً في مجيء المستثنى بـ « إلا » متصلاً ، والسبب في قول ابن عباس : « دخل على بعض الأنصار في وليمة فقاموا ، فقال : بالإيواء والنصر ألا جلستم » ، وأراد بالإيواء والنصر قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ ) (4) ، فاستعطفهم بما ورد فيهم وما هو من خصائصهم(5) .
39 ـ قال ابن عباس رضي الله عنه : « كل ما شئت واشرب ما شئت ، ما أخطأتك أثنتان سرف أو مخيلة » ، في حذف المعطوف للعلم به ، ويصلح شاهداً على جعل « أو » من أدوات العطف ، قال ابن مالك معناه : « ما أخطأتك أثنتان سرفٌ ومخيلة »(6) .
____________
(1) نفس المصدر 2 / 154.
(2) لسان العرب ، ومقاييس اللغة ( لطح بالمهملة ).
(3) مقاييس اللغة ( مهي ) وهذا من غريب اللغة.
(4) الأنفال / 72.
(5) شرح المفصل لابن يعيش 2 / 94.
(6) شواهد التوضيح / (112) ـ 115.
40 ـ رأيه في « التورية والكناية » وسماه ابن عباس المعاريض ، فقال : « ما أحبّ بمعارض الكلم حمر النعم »(1) .
41 ـ في إستدلال ابن عباس على « تقديم المعطوف على المعطوف عليه » ، كما في قوله تعالى :( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (2) ، عن حيان بن عمير ، قال : « سألت ابن عباس : أعتمر قبل الحج؟ فقال : نسكان لله عليه ، لا يضرَك بأيهما بدأت ، وقال : العمرة واجبة »(3) .
42 ـ وعن هشام بن حجير قال : « قيل لابن عباس : تزعم أنّ العمرة قبل الحج ، وقد قال الله عزوجل :( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) ؟ قال ابن عباس : فكيف تقرأ :( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) (4) ، أفبالدين تبدأ أم بالوصية؟ وقد بدأ بالوصية »(5) .
والآن إلى نماذج أخرى من نمط آخر وهو نمط الأضداد ، فلنقرأ :
____________
(1) الملاحن لابن دريد 66 ط السلفية بمصر 1347 هـ.
(2) البقرة / 196.
(3) التمهيد لابن عبد البر 7 / 215.
(4) النساء / 11.
(5) التمهيد لابن عبد البر 7 / 215.
نماذج من الأضداد اللغوية (1)
قال أبو العالية : « كان ابن عباس يعلّمنا لحن الكلام ، ويريد به الصواب ، لأنّ اللحن من الأضداد ، يقال للخطأ لحن وللصواب لحن »(2) .
1 ـ في قوله تعالى :( وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ) (3) ، عن ابن عباس : معناه : وتخافون من الله ما لا يخافون ، لأنّ راجٍ للطمع في الشيء وراج للخائف(4) .
2 ـ في قوله تعالى :( تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (5) ، عن ابن عباس : معناه : فلا تجعلو لله أعدالاً له ، لأنّ الند يقع على معنيين متضادين ، يقال : فلان ندّ فلان إذا كان ضده ، وفلان ندّه إذا كان مثله(6) .
3 ـ « الحشر » في قوله تعالى :( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) (7) ، عن ابن عباس ، قال :
____________
(1) نقلاً عن الأضداد لابن الأنباري / 8 الكويت ، والأضداد في كلام العرب لأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي الحلبي ( ت / 351 ) عني تحقيقه الدكتور عزة حسن ط دمشق 1382 هـ مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق.
(2) الأضداد لابن الأنباري / 238 ط الكويت.
(3) النساء / 104.
(4) الأضداد لأبي الطيب / 194.
(5) البقرة / 22.
(6) الأضداد لأبي الطيب / 194.
(7) التكوير / 5.
حشرها : موتها ، ولمّا كان الحشر من الأضداد فهو الموت كما مرّ وهو السهم الخنيف (1).
4 ـ « الإستخفاء » في قوله تعالى :( وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ) (2) ، عن ابن عباس : فقال :( مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ) : كاتم لعمله في بيته ، والإخفاء من الأضداد فهو بمعنى الكتمان كما مر وهو الأكثر ، وبمعنى الإظهار من قولك خفيته أي أظهرته(3) .
5 ـ « الاسرار » في قوله تعالى :( وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ ) (4) ، كان ابن عباس يقول : أخفوها في أنفسكم ، بينما هي بمعنى أظهروها أيضاً(5) .
6 ـ « السامد » في قوله تعالى :( وَأَنتُمْ سَامِدُونَ ) (6) ، قال ابن عباس : أي لاهون على اللغة اليمانية ، قال : والسامد أيضاً المغنّي بلغة حمير ، وبمعنى المطرق ، ومعنى الرافع رأسه قائماً فهو من الأضداد(7) .
7 ـ « سرباً » في قوله تعالى :( فِي الْبَحْرِ سَرَباً ) (8) ، قال ابن عباس : كهيئة السرب طريقاً والسارب المتواري والسارب الظاهر(9) .
____________
(1) الأضداد لأبي الطيب / 195.
(2) الرعد / 10.
(3) الأضداد لأبي الطيب / 247.
(4) يونس / 54.
(5) الأضداد لأبي الطيب / 353.
(6) النجم / 61.
(7) الأضداد لأبي الطيب / 373.
(8) الكهف / 61.
(9) الأضداد لأبي الطيب / 381.
8 ـ « فصرهن » في قوله تعالى :( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) (1) ، عن ابن عباس : فصُرهّن ـ بالضم أي اعطفهن من صار فلان الشيء إذا قطعه ، وصاره إذا جمعه(2) .
9 ـ « كالصريم » في قوله تعالى :( فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) (3) ، أراد الليل المظلم قال قطرب : وأحسبه قول ابن عباس ، والصريم من الأضداد ، يكون بمعنى المصروم ، ويجيء بمعنى الليل المظلم(4) .
10 ـ « يظنون » في قوله تعالى :( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ ) (5) ، قال ابن عباس : أي يعلمون ، والظن من الأضداد يكون شكاً :( إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً ) (6) ، ويكون يقيناً كما مر(7) .
11 ـ « عسى » في قوله تعالى :( عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ) (8) ، قال ابن عباس : هي واجبة من الله ، وكذلك قوله :( عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) (9) ،
____________
(1) البقرة / 260.
(2) الأضداد لأبي الطيب / (418) ـ 428.
(3) القلم / 20.
(4) الأضداد لأبي الطيب / 428.
(5) البقرة / 249.
(6) الجاثية / 32.
(7) الأضداد لأبي الطيب / (466) ـ 467.
(8) الإسراء / 8.
(9) التوبة / 102.
وكلّ ما في القرآن من ذلك ـ عسى ـ فهو واجب من الله عزوجل ، ولمّا كانت « عسى » من الأضداد تكون شكا مرّة ويقينا أخرى (1).
12 ـ « عسعس » في قوله تعالى :( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) (2) ، قال ابن عباس : أدبر ، وقال غيره : أظلم ، وقال آخرون : أقبل. فهو من الأضداد(3) .
13 ـ « تعزروه » في قوله تعالى :( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) (4) ، قال ابن عباس : « التعزير النصر بالسيف واللسان »(5) .
14 ـ « بعوضة » في قوله تعالى :( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) (6) ، قال ابن عباس : الذباب « فوق » البعوضة ، وكلمة فوق من الأضداد تكون بمعنى الأرفع وبمعنى الأدون(7) .
15 ـ « من ورائه » في قوله تعالى :( وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ) (8) ، عن ابن عباس : قدّامه ، وكلمة « وراء » من الأضداد ، وراء الرجل خلفه ووراءَه أمامه ، وعلى
____________
(1) الأضداد لأبي الطيب / 490.
(2) التكوير / 17.
(3) الأضداد لأبي الطيب / 490.
(4) الفتح / 9.
(5) الأضداد لأبي الطيب / 507.
(6) البقرة / 26.
(7) الأضداد لأبي الطيب / 536.
(8) إبراهيم / 17.
ذلك كانت قراءة ابن عباس : « وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا » (1).
16 ـ « مولى » في قوله تعالى :( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ) (2) ، قال ابن عباس : « هو مولاها » معناها مصروف إليها مستقبل بها « وليت » من الأضداد بمعنى أقبلت وبمعنى أدبرت(3) .
17 ـ « تهجد به » في قوله تعالى :( فَتَهَجَّدْ بِهِ ) (4) ، قال ابن عباس : أيحسب أحدكم قام بالليل أنّه قد تهجد ، لا ، ولكن حتى يقوم ثم ينام ، ثم يقوم ، ثم ينام ، فذلك التهجد بالليل ، والهاجد من الأضداد فهو النائم وهو اليقضان(5) .
هذه نماذج نحوية ولغوية ، وبعضها قد لا يحسبها القارئ كذلك لأوّل نظرة ، ولكنها مع التدّبر تظهر معانيها.
وبهذا القدر نكتفي في بيان تضلعه في علوم اللغة العربية التي تمايزت من بعد عصره ، وكانت جذورها لديه بعضها بالفطرة ، وبعضها بالتعلّم من باب مدينة العلم التي أسست علم النحو ، وفتحت آفاقه لمن بعده.
وفي خصوص المعاني اللغوية ثمة شاهد فيه اعتراف من ابن عباس
____________
(1) الأضداد لأبي الطيب / 657.
(2) البقرة / 148.
(3) الأضداد لأبي الطيب / 678.
(4) الاسراء / 79.
(5) الأضداد لأبي الطيب / 681.
برجوعه إلى قول الإمام عليه السلام ونزعه عن قوله :
ذكر ابن الأنباري في كتابه « الأضداد » بسنده : « عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنّه حدّثه ، قال : بينما أنا جالس في الحجر ، جائني رجل فسألني عن( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) (1) ؟ فقلت : هي الخيل حين تغير في سبيل الله ، ثم يأوون بالليل فيصنعون طعامهم ، ويورون نارهم ، فأنفتل عني وذهب إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو تحت سقاية زمزم ، فسأله عن :( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) ؟ قال له : أسألت عنها أحداً قبلي؟ قال : نعم سألت ابن عباس فقال : هي الخيل حين تغير في سبيل الله ، فقال : اذهب فادعه لي ، فلمّا وقفت على رأسه ، قال : إن كانت أوّل غزوة في الإسلام لبدراً ، وما كان معنا إلاّ فرسان : فرس للزبير وفرس للمقداد ، فكيف تكون العاديات الخيل! إنّما العاديات ضبحاً ، من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى ، فإذا كان الغد فالمغيرات صبحاً إلى منى ، فذلك جمع ، فأمّا قوله :( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ) (2) فهو نقع الأرض حين تطؤه بأخفافها.
قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ، ورجعت إلى قول عليّ عليه السلام »(3) .
وعن ابن عباس أيضاً في المعاني اللغوية كلمة « الورود » في قوله تعالى :( وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) (4) ، فقد ذكر ابن جرير ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال :
____________
(1) العاديات / 1.
(2) العاديات / 4.
(3) الأضداد / 264 ط الكويت.
(4) مريم / 71.
« إنّ الورود الذي ذكر الله عزوجل في القرآن الدخول ، ليردنّها كلّ بر وّفاجر.
ثم قال ابن عباس : في القرآن : أربعة أوراد : قوله :( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) (1) ، وقوله :( حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) (2) ، وقوله :( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ) (3) ، وقوله :( وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) (4) .
قال ابن عباس : والله لقد كان من دعاء من مضى : « اللهم أخرجني من النار سالماً وأدخلني الجنّة غانماً ».
وروى مجاهد ، عن نافع بن الأزرق : « سأل ابن عباس عن قول الله عزوجل :( وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ) ؟ فقال ابن عباس : واردها داخلها ، فقال نافع : يرد القوم ولا يدخلون. فاستوى ابن عباس جالساً ـ وكان متكئاً ـ فقال له : أمّا أنا وأنت فسنردها ، فأنظر هل تنجو منها أم لا؟ أما تقرأ قول الله :( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) (5) أفتراه ويلك أوقفهم على شفيرها ، والله تعالى يقول :( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (6) »(7) .
وليكن ختام هذا الفصل بكلام السيد ابن طاووس رحمة الله في كتابه « سعد السعود » فهو أوفى بالمقام لبلوغ المرام :
____________
(1) هود / 98.
(2) الأنبياء / 98.
(3) مريم / 86.
(4) مريم / 71.
(5) هود / (97) ـ 98.
(6) غافر / 46.
(7) التمهيد لما في الموظأ من الأسانيد 3 / 147.
قال : « فصل : يقول عليّ بن موسى بن طاووس :
ومن عجيب ما وقفتُ عليه ورويته من تفاسير القرآن المجيد والاختلاف فيه بين الموصوفين بالتأييد ، اقتصار كثير من المسلمين في المعرفة بمكيّة من مدنيّة وعدد آياته ووجوه قراءاته على القرّاء السبعة والعشرة وعلى مجاهد وقتادة وعطاء والضحاك وأمثالهم ، وقد كان ينبغي نقل ذلك مسنداً عن المهاجرين الأوّلين والأنصار السابقين والبدريّين ومَن كان حاضراً لأوّل الإسلام وآخره ومطلعاً على سرائره.
فصل : وحيث ذكروا واحداً من الشجرة النبوية والعترة المحمدية ، اقتصروا في كثير ما نقلوه على الشاب المعظّم الذي كان له عند وفاة النبيّ صلوات الله عليه وآله عشر سنين ، وعلى رواية بعضهم ثلاث عشرة سنة.
فأين كهول بني عبد المطلّب وشيوخهم؟! فأين شيوخ بني هاشم؟! وأين شيوخ قريش الذين عاصروا جميع أيّام الرسالة وعاشروا حين نزول القرآن وسمعوه مشافهة من لفظ النبوّة ومحلّ الجلالة؟! وما الذي منع أن يلازموا جميع علماء الثقل الذين قرنهم الله جلّ جلاله بكتابه المهمين على كلّ كتاب ، الذين جعلهم النبيّ صلوات الله عليه وآله خلفاء منه وشهد أنّهم لا يفارقون كتابه إلى يوم الحساب؟! وما الذي منع أن ينقلوا تفسير القرآن كلّه عمّن شهدوا أنّه أعرف الأمّة بنزول القرآن وفضله؟! كما ذكر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري في كتاب « الاستيعاب » ، وهو ممّن لا يتّهم في نقل فضائل أهل بيت النبوّة ، فإنّه من ذوي الخلاف والمعروفين بالإنحراف.
فقال في الجزء الثالث منه ، في باب عليّ بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسلام ما هذا لفظه :
وروى معمّر ، عن وهب بن عبدالله ، عن أبي الطفيل ، قال : شهدت عليّاً يخطب وهو يقول : « سلوني ، فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل »(1) .
أقول : وقال أبو حامد الغزالي في كتاب « بيان العلم اللّدني » ، في وصف مولانا عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله ما هذا لفظه :
وقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أدخل لسانه في فمي ، فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كلّ باب ألف باب ».
وقال صلوات الله عليه وآله : « لو ثنّيت لي وسادة وجلست عليها لحكمت لاهل التوراة بتوراتهم ولاهل الانجيل بإنجيلهم ولاهل القرآن بقرآنهم »(2) .
وهذه المرتبة لا تنال بمجرّد التعلّم ، بل يتمكّن المرء في هذه الرتبة بقوّة العلم اللّدني.
وقال عليّ عليه السلام لمّا حكى عهد موسى : « إنّ شرح كتابه كان أربعين حملاً(3) ، لو أذن الله ورسوله لي لاشرع في شرح معاني ألف الفاتحة حتّى
____________
(1) الاستيعاب 3 / 208 رقم 1875.
(2) ض : بقراءاتهم.
(3) ب : جملاً.
يبلغ مثل ذلك » ، يعني : أربعين وقراً أو حملاً.
وهذه الكثرة في السعة والافتتاح في العلم لا يكون إلاّ لدنياً سماوياً إلهيّاً(1) .
هذا آخر لفظ محمد بن محمد بن محمّد الغزالي.
أقول : وذكر أبو عمر(2) الزاهد ، واسمه محمد بن عبد الواحد ، في كتابه(3) بإسناده :
إنّ عليّ بن أبي طالب ، قال : « يابن(4) عبّاس إذا صلّيت عشاء الآخرة فالحقني إلى الجبان » ، قال : فصلّيت ولحقته ، وكانت ليلة مقمرة(5) .
قال : فقال لي : « ما تفسير الألف من الحمد؟ ».
قال : فما علمت حرفاً أجيبه.
قال : فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة.
قال : ثمّ قال لي : « فما تفسير اللاّم من الحمد؟ ».
قال : فقلت : لا أعلم.
فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة.
قال : ثمّ قال : « فما تفسير الميم من الحمد؟ ».
فقلت : لا أعلم.
____________
(1) الرسالة اللدنية / 44.
(2) وعبّر عنه ابن طاووس في بعض كتبه : أبو عمرو.
(3) والظاهر اسمه : مناقب الامام الهاشمي أبي الحسن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، والّذي نقل عنه المصنّف في كتابه التشريف بالمنن في التعريف بالفتن ( الملاحم والفتن / 81 ) ، فتأمّل.
(4) ع. ض : يا أبا عباس ، والمثبت من حاشية ع.
(5) ع : مغمرة.
قال : فتكلّم فيها(1) ساعة تامّة.
قال : ثمّ قال : « ما تفسير الدال من الحمد؟ ».
قال : قلت : لا أدري.
قال : فتكلّم فيها حتّى برق عمود الفجر.
قال : فقال لي : « قم يا بن عباس(2) إلى منزلك وتأهّب لفرضك ».
قال أبو العباس عبد الله بن العباس : فقمتُ وقد وعيت كلّما قال ، ثمّ تفكّرت فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ كالقرارة(3) في المثعنجر(4) .
وقال أبو عمر الزاهد :
قال لنا عبد الله بن مسعود ذات يوم : لو علمت أنّ أحداً هو أعلم منّي بكتاب الله عزوجل لضربت إليه آباط الإبل.
قال علقمة : فقال رجل من الحلقة : ألقيتَ عليّاً عليه السلام؟
قال : نعم ، قد لقيته وأخذتُ عنه واستفدتُ منه وقرأتُ عليه ، وكان خير الناس وأعلمهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد رأيته كان ثبج(5) بحر يسيل سيلاً.
ـ يقول عليّ بن موسى بن طاووس ـ :
____________
(1) حاشية ع : فتكلّم في تفسيرها
(2) ع. ض : يا أبا عباس ، والمثبت من حاشية ع.
(3) ع : كالقراءة.
(4) وردت الكلمة مضطربة في النسخ المعتمدة ، وما أثبتناه هو الصحيح ، راجع : لسان العرب 4 / 103 ثعجر.
(5) ثبج كلّ شيء : معظمه ووسطه يركبون ثبج هذا البحر : أي وسطه ومعظمه. لسان العرب 2 / (219) ـ 220 ثبج.
وقد ذكر محمد بن الحسن بن زياد المعروف بالنقّاش ، في المجلّد الأوّل من تفسير القرآن الذي سمّاه شفاء الصدور ما هذا لفظه : وقال ابن عباس : جلّ ما تعلّمت من التفسير من عليّ بن أبي طالب.
وقال النقّاش أيضاً في تعظيم ابن عباس لمولانا عليّ عليه السلام ما هذا لفظه : أخبرنا أبو بكر ، قال : حدّثنا أحمد بن غالب الفقيه بطالقان ، قال : حّدثنا محمد ابن عليّ ، قال : حدّثنا سويد ، قال : حدّثنا عليّ بن الحسين بن واقد(1) ، عن أبيه ، عن الكلبي : قال ابن عباس(2) ، وممّا وجدت في أصله :
وذهب بصر ابن عباس من كثرة بكائه على عليّ بن أبي طالب.
وذكر النقاش أيضاً ما هذا لفظه : وقال ابن عباس : عليّ عليه السلام علم علماً علّمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم علّمه الله ، فعلم النبيّ من علم الله ، وعلم عليّ من علم النبيّ ، وعلمي من علم عليّ ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر.
فصل : وروى النّقاش أيضاً حديث تفسير لفظة الحمد فقال بعد إسناده عن ابن عباس قال : قال لي عليّ عليه السلام : « يا أبا عباس ، إذا صلّيت عشاء الآخرة فالحقني إلى الجبّان ».
قال : فصلّيت ولحقته ، وكانت ليلة مقمرة(3) .
____________
(1) ض : وافد.
(2) ب : ابن عيّاش.
(3) ع : مغمرة.
قال : فقال لي : « ما تفسير الالف من الحمد ، والحمد جميعاً؟ ».
قال : فما علمت حرفاً فيها أجيبه.
قال : فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة ، ثمّ قال لي : « فما تفسير اللاّم من الحمد؟ ».
قال : فقلت : لا أعلم.
قال : فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة ، ثمّ قال : « فما تفسير الحاء من الحمد؟ ».
قال : فقلت : لا أعلم.
قال : فتكلّم في تفسيرها ساعة تامّة ، ثمّ قال لي : « فما تفسير الميم من الحمد؟ ».
قال : فقلت : لا أعلم.
قال : فتكلّم في تفسيرها ساعة ، ثمّ قال لي : « فما تفسير الدال من الحمد؟ ».
قال : قلت : لا أدري ، فتكلّم فيها إلى أن برق عمود الفجر.
قال : فقال لي : « قم يا أبا عبّاس إلى منزلك فتأهّب لفرضك » ، فقمتُ وقد وعيت كلّما قال.
قال : ثمّ تفكّرتُ فإذا علمي بالقرآن في علم عليّ عليه السلام كالقرارة في المثعنجر.
قال : القرارة الغدير ، والمثعنجر البحر.
أقول أنا : فهل رأيت أعجب من قوم فيهم من القرابة والصحابة مولانا عليّ عليه السلام الذي كان في أوّل الإسلام وإلى حين دفن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يستغيث على المنابر ويسمع الحاضر ويبلغ إلى الغابر بمثل هذه المقالة التي ذكرناها عن ابن عبد
البرّ وغيره ، فلا يلازمونه ولا يسألونه ولا يقصده أهل البرّ والبحر ولا يأخذون عنه العلوم في القرآن وفيما سواه ويتركونه حتّى يموت ، ويتركون ذرّيته العارفين بأسراره في الحياة وعند الوفاة الذين هم أعيان الثقل الذين شهد لهم الصادقون من أهل العقل والنقل أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إنّي مخلّف فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » ، فلا يسألون عن معالمهم ولا يرجعون إلى مراسمهم ولا يجتمع الوفود لموسمهم ، ويقع التشبّث بأذيال قتادة ومجاهد وعطاء ، ويدرس ما تذكره ولا ما حصره (1) خواصّ القرابة والصحابة وأعيان أهل الاجابة والانابة الذين جاهدوا على الدين وكانوا أصل ما وصل إلينا من أسرار ربّ العالمين؟! » (2).
إلى أن قال : « يقول عليّ بن موسى بن طاووس :
واعلم أنّ عبد الله بن العباس رضوان الله عليه كان تلميذ مولانا عليّ ابن أبي طالب عليه السلام ، ولعلّ أكثر الاحاديث الّتي رواها عن النبيّ عليه السلامكانت عن مولانا عليّ عن النبيّ صلوات الله عليهما ، فلم يذكر ابن عباس مولانا عليّاً عليه السلام لأجل ما رأى من الحسد له والحيف(3) عليه ، فخاف أن لا تنقل الأخبار عنه إذا أسندها إليه صلوات الله عليه.
وإنّما احتمل الحال مثل هذا التأويل ، لأنّ مصنّف كتاب « الإستيعاب » ذكر ما كنّا أشرنا إليه : إنّ عبد الله بن عباس قال : « توفي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن عشر
____________
(1) سعد السعود / (554) ـ 560.
(2) الاستيعاب 3 / 66 رقم 1606.
(3) حاشية ع : والحنق.
سنين وقد قرأت المحكم ـ يعني المفصّل ـ » (1).
وهو أعرف بعمره.
وروى عن غيره : أنّه كان له عند وفاة النبيّ صلوات الله عليه ثلاث عشرة سنة(2) .
فهل ترى ابن عشر سنين وابن ثلاثة عشرة سنة ممّن يدرك كلمّا أسنده عبد الله بن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يحفظ ألفاظه وتفاصيله بغير واسطة ممّن يجري قوله مجرى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
أقول : وأمّا أنّ عبد الله بن عباس كان تلميذ مولانا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام فهو من الأمور المشهورة بين أهل الإسلام.
وقد ذكر محمد بن عمر الرازي في كتاب « الأربعين » ما هذا لفظه :
ومنها : علم التفسير ، وابن عباس رئيس المفسّرين ، وهو كان تلميذ عليّ بن أبي طالب.
أقول : والظاهر في الروايات الّتي أطبق على نقلها المخالف والمؤالف ، أنّه ما كان سبب هذا الإختلاف والضلال بعد مفارقة الثقل الذين قرنهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب الله إلاّ منع النبيّ صلوات الله عليه من الصحيفة الّتي أراد أن(3) يكتبها عند وفاته ، فإنّهم رووا في صحيح البخاري ومسلم من الجمع بين الصحيحين
____________
(1) وهو قول الواقدي والزبير ، الاستيعاب 3 / 66.
(2) أن ، ليس في ع. ض.
(3) كذا ورد في الاصول المعتمدة ، وكذا في الموردين الاتيين.
للحميدي في الحديث الرابع من المتّفق عليه من مسند عبد الله ابن عباس أنّه قال :
« لمّا احتضر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفي بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « هلمّوا أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً » ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ النبيّ قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبكم كتاب ربّكم ».
وفي الجزء الثاني من صحيح مسلم : « أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هجر ».
قال الحميدي : في حديث البخاري ومسلم ما هذا لفظه : فاختلف الحاضرون عند النبيّ صلوات الله عليه وآله : بعضهم يقول : القول ما قاله النبيّ صلوات الله عليه وآله فقرّبوا إليه كتاباً ، ومنهم مَن يقول : القول ما قاله عمر ، فلمّا أكثروا اللغط والإختلاف قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع ».
ثمّ قال : كان عبد الله بن عباس يبكي حتّى تبلّ دموعه الحصى ، ويقول : « يوم الخميس وما يوم الخميس »؟! قال راوي الحديث : فقلت يا أبا عباس وما يوم الخميس؟ فتذكّر عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك الكتاب.
وكان عبد الله بن عباس يقول : « الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين كتابه »(1) .
أقول : فهذا كما رووه قد كان سبب ما حصل من ضلال المسلمين ، ولقد صدق عبد الله بن عباس في بكائه وشهادته بتعظيم تلك الرزية ،
____________
(1) راجع صحيح البخاري 1 / 39 كتاب العلم و 4 / 85 كتاب الجهاد و 6 / 11كتاب المرض ، صحيح مسلم 5 / 75 كتاب الوصايا ، مسند أحمد 1 / 355 ، الطبقات لابن سعد 2 / 37 ، جامع الأصول 11 / (69) ـ 71.
فانّه لو شاهد ما حصلنا بعده فيه من الإختلاف في تفسير القرآن وأمور الدين لعلّ كان بكاؤه وبكاء غيره أعظم ما بلغوا إليه ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون » (1).
وبهذا نختم الفصل الأوّل من الباب الثالث من الحلقة الثانية من موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ، وبه ختام الجزء الثاني من الحلقة الثانية. ونبتدىء بعون الله تعالى الجزء الثالث بأول الفصل الثاني من الباب الثالث ، وهو فيما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في الحديث الشريف كمّاً وكيفاً.
نسأل المولى تعالى العون على
إتمامه ، والتوفيق لإكماله إنّه سميع مجيب.
6 ذي الحجة الحرام سنة 1429 هـ
____________
(1) سعد السعود / 549.
فهرس الجزء السابع
المقدمة 9
ما هي مناهجه علماً وتعليماً؟ 15
والآن لنقرأ عن مادة الدرس : 21
2 ـ مادة الدرس 22
3 ـ متابعة الدرس ، وأهمها المذاكرة 25
6 ـ الإختبار 29
7 ـ إمارة التخرج في قريض الثناء 29
ماذا بقي من آثاره 37
الفصل الأوّل 43
في معارفه القرآنية 43
المبحث الأوّل 47
معرفته بالتفسير 47
عوداً على البدء : 81
أمّا الآن لنقرأ : 97
1 ـ درباس المكي ، مولى ابن عباس 110
2 ـ سعيد بن جبير 110
3 ـ سعيد بن المسيب 111
5 ـ شهر بن حوشب أبو عبد الله الأشعري ـ وقيل : أبو الجعد ـ 111
6 ـ طاووس بن كيسان اليماني 111
7 ـ عبد الرحمن بن هرمز الأعرجي المدني 112
8 ـ عطية بن سعد بن جنادة العوفي « ت111 هـ » 112
9 ـ عكرمة بن خالد بن العاص ، أو خالد المخزومي المكي 112
10 ـ عمران بن تيم ، أو ابن ملحان ، أبو رجاء العطاردي البصري 112
11 ـ مجاهد بن جبر المكي 113
12 ـ يحيى بن يعمر العدواني البصري 114
13 ـ يزيد بن القعقاع ، أبو جعفر القارئ 114
14 ـ أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي 114
15 ـ أبو الجوزاء أوس بن خالد الربعي 115
تعقيب على قول الشافعي : 123
وقد ردّ الزرقاني على هذا بوجوه : 131
المبحث الثاني 163
معرفته بالتأويل 163
معنى التأويل 171
حوار فيه اعتبار 173
المبحث الثالث 191
معرفته بأسباب النزول 191
فمن سورة البقرة 203
ومن سورة النساء 210
ومن سورة المائدة 211
ومن سورة الأنعام 214
ومن سورة الأعراف 214
ومن سورة الأنفال 215
ومن سورة التوبة 220
ومن سورة الرعد 225
ومن سورة إبراهيم 226
ومن سورة الحجر 226
ومن سورة النحل 226
ومن سورة الإسراء 227
ومن سورة مريم 228
ومن سورة طه 228
ومن سورة الحج 229
ومن سورة المؤمنين 230
ومن سورة الشعراء 230
ومن سورة النمل 232
ومن سورة القصص 232
ومن سورة العنكبوت 233
ومن سورة الروم 233
ومن سورة آلم تنزيل السجدة 234
ومن سورة الأحزاب 235
ومن سورة فاطر 236
ومن سورة الصافات 237
ومن سورة ص 237
ومن سورة الزمر 238
ومن سورة حم السجدة 238
ومن سورة الشورى 239
ومن سورة حم الزخرف 241
ومن سورة حم الجاثية 241
ومن سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم 242
ومن سورة الفتح 244
ومن سورة الحجرات 245
ومن سورة ق 246
ومن سورة الذاريات 247
ومن سورة الطور 247
ومن سورة النجم 248
ومن سورة الرحمن 249
ومن سورة الواقعة 249
ومن سورة الحديد 250
ومن سورة المجادلة 251
ومن سورة الحشر 251
ومن سورة الصف 252
ومن سورة الجمعة 253
ومن سورة التحريم 253
ومن سورة الحاقة 253
ومن سورة المزمل 254
ومن سورة الإنسان 255
ومن سورة المرسلات 262
ومن سورة النبأ 263
ومن سورة النازعات 263
ومن سورة المطففين 264
ومن سورة الشمس 265
ومن سورة لم يكن « البيّنة » 265
ومن سورة القارعة 266
المبحث الرابع 267
معرفته بالقصص القرآني 267
النمط الثالث : ما يتعلق بالآداب الإسلامية العامة 374
فإلى بعض ما جاء عنه في ذلك : 374
مسائل قرآنية عن ابن عباس 379
لفت نظر 388
مصحف عبد الله بن عباس رضي الله عنه برواية ابن أبي داوود 395
المبحث الخامس 421
معرفته بوجوه الجمع بين الآيات 421
ومن تلك النماذج أيضاً : 443
وآيات الصفات من المتشابهات 477
المسألة الخامسة : تضلع ابن عباس في علوم اللغة العربية 482
فالآن إلى نماذج نحوية ولغوية : 487
فهرس الجزء السابع 516