في بقية المأثور عنه شعراً ونثراً وكتابة
وخطابة ومحاورة ومحاججة ومفردات
حكمية في آداب الأخلاق الإسلامية
وأجوبة مسائل في شتى فنون المعرفة
تمهيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن الصحابة المهتدين ، وعن التابعين لهم باحسان إلى يوم الدين.
وبعد ، فهذا هو الجزء الرابع من الحلقة الثانية من موسوعة ( عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ).
يشتمل على الفصل الرابع من الباب الثالث الذي سنقرأ فيه ما روي عنه من محاورات عقائدية ، في مواقف جهادية باللسان ( ما عن السيف تقصر ) مضافاً إلى بقية المأثور عنه شعراً ونثراً ، وكتابة وخطابة ووصايا ،ومفردات من الكلم في الحِكم وآداب الأخلاق الإسلامية ، وأجوبة مسائل في شتى فنون المعرفة ، وجميعها تعكس لنا صورة مشرقة عن حياة ذلك
البطل في سوح الجهاد في سبيل العقيدة والإيمان ، كما أنّها خزين علم وأدب ، يرفد التراث الإسلامي بما يزيده قيمةً قيّمة ، إذ جمع ابن عباس رضي الله عنه من ميراث النبوّة والإمامة علماً جمّاً وفضلاً عظيماً ، فصار ينفق منه مع وضوح في المنهج ، وقوة في الحجة ، وتفان في العقيدة ، وجهاد في سبيل الحق قولاً وعملاً ، لذلك كان فذّاً بين الصحابة العلماء من العاملين المجاهدين ، الذين وفوا بما عاهدوا الله عليه من صدق الإيمان بجميع أركانه ومقوّماته ، وأداء الأمانة في زمانه ومكانه.
ومن أبرز مظاهر إيمانه وقوفه مأموماً مخلصاً إلى جانب إمامه ، تلميذاً وفيّاً تابعاً لمعلّمه ، مستضيئاً بنور علمه ، مقتدياً بهداه ، مجاهراً بنصرته.
لم أقف على من ضاهاه في جرأته وشجاعته ، في كثرة مواقفه العقيدية ، كما ستأتي شواهد هذا في محاوراته مع عمر وغيره ممن لا يؤمن بطشه في سورة غضبه عند تحد سافر بقول ساخر ، غير أن الإيمان وصدق الموالاة كانا عنده أقوى في الإندفاع نحو التضحية والمفاداة.
وهكذا كان هو فذّاً في تلك المواقف طيلة حياته من شبابه إلى شيخوخته ، فلم يوهن عزمه كبر سنّ ، ولا فقدان بصر ، ولا وهن عظم ، ولا اشتعال الرأس منه شيباً في أداء رسالته ، فهو كما كان في أيام نضارة شبابه مضاءً وعزماً ، وحسبنا شاهداً ما سنقرأه من خطاب ممضّ مع ابن الزبير في تنمّره ، وتمعّره ، وكتاب تهديد ووعيد إلى يزيد مع تجبّره وكفره ، وكلاهما في البغض والعنف ما لهما من مزيد. ومن ذا غيره كان يجرأ على مثل ذلك؟ وصفحات تلك الحقيقة في التاريخ بين يدي القراء ،
فليأتوا بآخر من الناس مثل ابن عباس رضي الله عنه.
إنّه الفذّ المبرّز في عصره بكماله ، والمعتزّ أيّما عزّة في إنتمائه إلى آله ، أليس هو القائل كما في ( أسد الغابة ) ، وهي كمقولة إمامه عليه السلام : ( نحن أهل البيت ، شجرة النبوة ، ومختلف الملائكة ، وأهل بيت الرسالة ، وأهل بيت الرحمة ، ومعدن العلم )(1) . وروى السيوطي في ( الدر المنثور ) في تفسير قوله تعالى :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ ) (2) ، فقال : ( أخرج ابن المنذر والطبراني من طريق عطاء ، عن ابن عباس في الآية ، قال : نحن الناس دون الناس )(3) .
ولئن كان صادقاً في هذا الإنتماء ، فلقد زاده فزانه بصدق الولاء ، فهو كان أيضاً كذلك فذّاً في مواقفه الجهادية في سبيل العقيدة ، فهو حين يقول في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (4) : ( جهاد الكفار بالسيف ، وجهاد المنافقين باللسان والوعظ والتخويف )(5) . لم يتخلف عن مقولته في جهاده مع المنافقين.
وعلى هذا المبدأ كانت مواقفه مع الأعداء من المنافقين الذين يبغضون
____________________
(1) أسد الغابة 3 / 193.
(2) النساء / 54.
(3) الدر المنثور 2 / 566.
(4) النساء / 54.
(5) التبيان للطوسي 5 / 259 ، فقه القرآن للقطب الراوندي 1 / 342 ، الكشاف للزمخشري 2 / 290 ، أحكام القرآن لابن العربي 2 / 544.
الإمام عليه السلام الذي قال فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث ابن عباس : ( قال صلى الله عليه وآله وسلم وقد نظر إلى عليّ عليه السلام : ( لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ، من أحبّك فقد أحبّني ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، وحبيبي حبيب الله ، وبغيضي بغيض الله ، ويل لمن أبغضك بعدي )(1) . وكان ابن عباس رضي الله عنه يعرفهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو القائل : ( كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببغضهم عليّ بن أبي طالب )(2) .
فهو نسخة مفردة من بين شيعة الإمام عليّ عليه السلام ، فكان يترسم خطاه في مواقفه مع أعدائه ، وفي جامعيته وألمعيته ، حتى في تأثره بإسلوبه البلاغي ، حين نقرأ المأثور عنه في هذا نجده يتصرف في فنون القول فصاحة مع حكمة المعاني بلاغة ، وانسياب المفردات بدون تكلّف ، وله إحاطة تامّة بأساليب الفصاحة ، فيختار من الكلم أوعاها لمعناها ، ويضعها في مكانها ، ويدلي بالحجة في زمانها ، غير عابئ ولا هياب بما سيواجهه من الصعاب ، من سطوة معتد غاشم ، لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة.
لهذا كلّه لم أتردد في قولي : إنّ ابن عباس كان فذّاً بين أولئك الصفوة من شيعة الإمام عليه السلام في جامعيته وألمعيته ، فضلاً عن سائر الصحابة ممن أشادوا لهم صروحاً على شفا جرف هار ، فانهارت بهم عند الموازنة ، وساخت بهم أقدامهم عند المعادلة.
وبالرغم ممّا لحق بتاريخ هذا الإنسان من قوارص الكلم ، وقوارض التمويه والتشويه وقد أشرت إلى مصادرها آنفاً ، من ذرية عباسية بغيضة ،
____________________
(1) علي إمام البررة 1 / 93 ، نقلاً عن الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد 9 / 33.
(2) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 13 / 154 ـ 155.
وأموية حاقدة ، وحسنية زيدية موتورة ، وخوارج كالجوارح قانصة ، وأخيراً صليبية كافرة ، ومع هذا كلّه فقد بقي في تاريخه فذاً يشار إليه بالبنان.
قال أبو عمر ابن عبد البر في كتابه ( التمهيد ) : ومن أحسن ما قيل في مدح البلاغة قول حسان بن ثابت في ابن عباس :
صموت إذا ما زيّن الصمت ُ أهله |
وفتّاق أبكار الكلام المختّم |
|
وعىَ ما وعى القرآن من كلّ حكمة |
ونيطت له الآداب باللحم والدم |
وقال : ولحسان أيضاً في ابن عباس رضي الله عنه ويروي للحطيئة :
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل |
بمنتظمات لا ترى بينها فصلا |
وبعده :
يقول مقالاً لا يقولون مثله |
كنحت الصفا لم يبق في غاية فضلا |
في أبيات له ، ولغيره فيه أيضاً :
إذا قال لم يترك صواباً ولم يقف |
بعيّ ولم يثن اللسان على هجر(1) |
أقول : أمّا الأبيات التي أشار إليها ابن عبد البر فهي من قول حسان بن ثابت فيه :
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه |
رأيت له في كلّ أقواله فضلا |
|
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل |
بمنتظمات لا ترى بينها فصلا |
|
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع |
لذي إربة في القول جدّاً ولا هزلا |
____________________
(1) التمهيد 2 / 379.
سموت إلى العليا بغير مشقة |
فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا |
|
خُلقت حليفاً للمروءة والندى |
بليجاً ولم تخلق كهاماً ولا خبلا(1) |
فأنا أشعر بالسعادة حين أجهد نفسي في جمع ما تناثر من أقواله وأحواله في ظلال الثقافة والفكر لأعرض بعض ما أحطت به خبراً من تراثه الأدبي وشذرات أكثرها في العقيدة والآداب والأخلاق.
كما إنّي استشعر بالأسى حين أجد في غيابة التاريخ حقائق مغيبة.
____________________
(1) ديوان حسان بتفاوت في اللفظ ، وسيأتي ذكر سبب قوله نقلاً عن الطبراني في الكبير / 3593 وعنه في مجمع الزوائد 9 / 15529 وغيرهما في محاوراته مع عثمان.
حقائق مغيّبة في عيابات المؤرخين
إنّ العرب تكني عن القلوب والصدور بالعيبات ـ جمع عيبة ـ من قولهم : فلان عيبة فلان ، إذا كان موضع سرّه ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الإمام عليّ عليه السلام : ( عليّ عيبة علمي )(1) ، وقد رواه عنه ابن عباس كما في ( تاريخ ابن عساكر ) وغيره(2) .
ولمّا كنّا نبحث في هذا الجزء عن مأثورات ابن عباس رضي الله عنه وهي من الكثرة والوفرة ما أعجز عن الإحاطة بها جميعها. فنود لفت نظر القارئ إلى أنّ تلك الكثرة والوفرة قد أصابتها أياد أثيمة وقلوب سخيمة على أسوء الظن ، وأياد سليمة ولكنّها مع قلوب سقيمة تشعر بالهزيمة على أحسن الظن. فافقدتنا كثيراً من الحقائق التي تدين السالفين الخالفين ، فضاعت في عيابات المؤرخين وغيابات الحاقدين ، وما وصل إلينا فيما بين ذين وذين يغني كلّ ذي عين ، بأنّ ابن عباس أصاب مأثوراته نصيب غير منقوص ، في تغييب بعض النصوص ، على أنّ ما وصل إلينا أيضاً لا يخلو
____________________
(1) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي 4 / 356 وفي طبعة بيروت العلمية 4 / 469 ، وللمناوي في شرح الحديث كلام نافع جامع ، فليراجع.
(2) تاريخ مدينة دمشق ترجمة الإمام علي 2 / 482 تحقيق المرحوم الشيخ المحمودي ، وقد روى الحديث المتقى الهندي في كنز العمال في مواضع متعددة منها 12 / 13 ، و 12 / 203 ط حيدر آباد ( الثانية ) برقم ( 1151 ) بلفظ ( علي عتبة علمى ) عد ـ ، وقد علق المحقق في الهامش فقال : كذا في المطبوع ونظ ، وفي المنتخب عيبة ، وهو الظاهر كما في حديث آخر الأنصار كرشي وعيبتي / 106 ، راجع الطبعة الثانية 3 / 161.
أقول : وهذا بعض شواهد التعتيم المتعمد على فضائل الإمام عليه السلام ممّا لا يحصى ولا يعد.
بعضه من غبش وتعتيم ، خصوصاً في محاوراته الإحتجاجية مع الخلفاء ومن لفّ لفّهم ، ونسج على نولهم ، ومهما كان الحال فلا مناص لنا من الإلمام بشيء من البحث في موضوع ما يتوزعه ذلك المأثور ، مع لمحة عابرة عن مصادره ، كمقدمة لما سنقرأ في هذا الجزء من منقول ، فنقول :
أمّا البحث عن الموضوع فهو يستوعب التراث الأدبي بمعناه الشامل العام ، ومن بعضه الشعر والخطب ومفردات الكلم في الحِكم ، والجانب الأهم والأتم هو ما نقرأ من فصول نثرية ممتعة من خطب ومحاورات ، تعَلمنا أدب الجدل والمناظرة ، وكيف يكون دفع الحجة بالحجة ، وهذا اللون يسمو بمفهومه عن عنوان الأدب الخاص بمفهومه الشائع الذائع. وأحرى بنا أن نعدّ محاوراته الإحتجاجية من آداب فصول علم الكلام وبحوث العقائد في الإمامة ، وابن عباس في هذا الجانب كان ابن بجدتها ، متكلماً بارعاً ، حجة في الكلام ، قوياً في الخصام ، ( ما لاحاه أحد إلا خصمه ) على حدّ قول عمر بن الخطاب كما سيأتي في حواره معه عن أشعر الشعراء.
وكان رموز محاوريه وهم في عنفوان غطرستهم يتقون محاججته ، فإنّ معاوية كان يوصي أصحابه بإجتناب محاورة رجلين : الحسن بن عليّ وعبد الله بن عباس ، لقوّة بداهتهما(1) ، وكان يقول : ( والله ما كلمت أحداً قط أعدّ جواباً ولا أعقل من ابن عباس )(2) ، وقوله الآخر : ( ما استنبأه أحد
____________________
(1) الأعلام للزركلي 2 / 199 هامش.
(2) طبقات ابن سعد ترجمة الإمام الحسن (ع) / 94.
إلاّ وجده معدّاً ) ، إلى غير هذا ممّا سيأتي كلّه في صفحات إحتجاجه.
وكانت أسماء بنت أبي بكر تنهى ابنها عبد الله بن الزبير عن مكالمة ابن عباس وبني هاشم وتقول له : ( فإنّهم كعم الجواب إذا بدهوا ) ، وتنهاه عن ابن عباس خاصة وتقول له : ( يا بني احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن ، واعلم أنّ عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها ، فإياك وإياه آخر الدهر )(1) .
ولكن ابنها لم يسمع نصحها فكان :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها |
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل |
فكان ابن عباس في براعته وشجاعته ، وبداهته ونباهته ، لا يوازيه في عصره أحد ، من سائر أقرانه إلا السادة الكرام من ذوي قرباه ، فهم كانوا أمراء الكلام ، ومن أبيهم وإمامهم تعلمَ هو العلم كما مرّ ذلك عنه مكرراً.
وأمّا البحث عن مصادر المرويات المأثورة التي سنقرأ ما وصلت إليه يد البحث وأمكن الإطلاع عليه ، فهي المقبولة المعروفة لدى جلّ الباحثين. وسنعزز كلّ معلومة من شعر أو نثر أو محاورة أو كلمة حكمية بتوثيقها مشفوعة بذكر مصادرها ، ولئن وجد بين المصادر ما لا يستسيغ بعضهم الرجوع إليه فهو مقبول عند بعض آخر ، كنحو كتب ابن أبي الدنيا ، أو كتب ابن عربي الحاتمي ، وأمثالهما من كتب التصوف كـ ( إحياء العلوم ) للغزالي ، و ( طهارة القلوب ) للديريني ، وأضرابهما.
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 20 / 130.
والذي يهون الخطب في تقريب شقة الخلاف بين الطرفين ، أنّ المنقول عنها ـ على قلّته ـ إنّما هو أدبيات في الحكمة ، والأخلاق وتهذيب النفس ، وليس نقضاً أو تأسيساً لحكم شرعي ، وليس بينها ما ينافي الأخذ به أصلاً ثابتاً من أحكام الشريعة. فلا نحتاج إلى توظيف الضوابط والمعايير التي وضعها علماء الجرح والتعديل لقبول الرواية. على أنّي لم أغفل هذا الجانب في توثيق بعض المحاورات ذات الشأن في إثبات الإمامة كما سيأتي في حديث التسعة رهط وغيره.
ثم إنّ وجود بعض الأكاذيب في كتاب لا يمنع من إعتماده في غير ذلك ، مهما أثقله الغثّ ، على أنّه ما من كتاب إلاّ وهو يؤخذ منه ويترك إلاّ كتاب الله تعالى( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) (1) .
ثم أنّا قد نجد الخبر الواحد فيه ما هو مقبول ، وفيه ما هو مرذول ، فلا ملازمة بين قبول بعض أجزائه وبين ردّ بعضها ، وكثيراً ما نجد ضمّ الجوهر مع الحجر ، أو نجد استدراج الراوي لجملة منه داخل الخبر تبعاً لهواه المذهبي المقيت ، أو زلفى لسلطة الوقت التي يعيش في كنفها ، ولقد توصلت مع قناعة تامّة إلى أن المأثور عن ابن عباس لم يخل من بعض تلك الشوائب ، كما لا يمكن الإحاطة بجميع ما قاله ابن عباس رضي الله عنه في هذا المضمار.
وأنّى لي ولغيري أن يحيط خبراً بجميع ذلك ، ونحن جميعاً نأخذ المعلومة من مراجع أصلية أو مصادر فرعية عنها ، وفيها نقرأ اعترافات
____________________
(1) فصلت / 42.
مؤلفيها بتغييب حقائق في عياباتهم وتحت عياباتهم ، بل وطمس بعضهم معالمها في غيابات أحقادهم ، إرضاءاً لأسيادهم ، وقليل منهم من نعذره لزعمه الخوف من هياج العامّة عليه ، فإن صح زعمه فلا تجريم ولا تأثيم ، ولكن هلمّ الخطب فيمن ارتكب جريمة الكتمان لغلبة هواه ، فهو قد باء بإثم عظيم.
وكشواهد على تغييب الحقائق بين العيابات والغيابات ، نقرأ اعترافات أصحاب المراجع الأساس في تسجيل الحديث والأحداث ، وهي اعترافات خطيرة لم يسلم منها حتى أئمة الحديث كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ، وكذلك مدونوا السيرة كالواقدي وابن إسحاق وابن سعد وابن هشام ومن تابعهم ، وعطفاً عليهم رموز المؤرخين ورواد التاريخ كالبلاذري والطبري والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون ، وتذييلاً لهم نذكر أبا الفرج الاصفهاني ، وكم لهؤلاء من نظير.
وقد جمعت في قصاصات وعلى الهوامش جملة من ( فوات المؤلفين وهفوات المحققين ) قدراً لا يستهان به من جنايات الأقلام ، واللافت للنظر أنّ أكثرها فيما يتعلق بأيام عثمان ، ممّا يكشف عن هيمنة الإعلام السلطوي الأموي على الرواة ، فأخذوا عنهم مدونوا الأحداث ، ودوره في تغييب بعض الحقائق ، حتى شبّ عليه الصغير وشاب عليه الكبير ، وتشرّبته أذهان العامة بأكاذيب بقيت تعيش على أنّها هي الحقائق دون غيرها ، حتى بعد إنقضاء أيام بني أمية وتولي بني العباس حكومة المسلمين ، بدلالة أنّ كلّ من ذكرنا أسماءهم عاشوا في أيام العباسيين وإن أدرك بعضهم كمالك وابن إسحاق آخر أيام الأمويين.
نماذج مثيرة لإعترافات خطيرة
1 ـ روى البلاذري في ( أنساب الأشراف ) في حديث أبي ذر مع عثمان : ( وقال قتادة : تكلم أبو ذر بشيء فكذّبه عثمان )(1) .
فماذا كان ذلك الكلام الذي كرهه عثمان فكذّبه؟ وكيف كذّبه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في أبي ذر : ( ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على رجل أصدق ذي لهجة من أبي ذر )(2) ؟!
وهكذا يبقى عثمان يعدّ خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يكذّبه! إنّها بليّة المسلمين تكريم خليفة الأمويين على حساب كرامة رسول ربّ العالمين (؟!).
2 ـ وروى البلاذري أيضاً في حديث عمار مع عثمان بعد موت أبي ذر بالربذة طريداً وحيداً ، فأراد تسيير عمار كما صنع بأبي ذر : ( جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه ، فقال له عليّ : ( يا عثمان اتق الله فإنّك سيرّت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ) ، وجرى بينهما كلام (؟) حتى قال عثمان : أنت أحق بالنفي منه ، فقال عليّ : ( رم ذلك إن شئت )(3) .
____________________
(1) أنساب الأشراف ق4 1 / 544.
(2) راجع موسوعة اطراف الحديث النبوي الشريف 9 / 40 ـ 41 تجد الحديث بألفاظ متقاربة وعن مصادر تربو على الثلاثين.
(3) سيأتي في المحاورة الثالثة للعباس مع عثمان ما يشير إلى تصميمه أن يقوم بأمر النفي لعلي وأصحابه ، ممّا دعا العباس إلى أن يتدخل في نصح عثمان أن لا يقوم بما عزم عليه ممّا يسبب له وللمسلمين كارثة لا يعفى أثرها.
فماذا كان ذلك الكلام الذي جرى بين عليّ وعثمان؟ إنّه بقي في عيابة الصدر وغيابة الجُب.
3 ـ قال الطبري في تاريخه : ( وأمّا الواقدي فإنّه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب أموراً كثيرة؟ منها ما تقدم ذكره ، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة منّي لبشاعته )(1) (؟).
4 ـ وقال الطبري أيضاً : ( فقد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوا ذريعة إلى قتله ، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها )(2) (؟).
5 ـ وقال الطبري أيضاً : ( أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا ولي ، فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها ، لما فيه ممّا لا يحتمل سماعها العامة )(3) (؟)(4) .
وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه هذا الذي ذكره الطبري فكأنّه تابعه في رأيه وروايته ، وإذا كان مثل الطبري وهو شيخ المؤرخين تكتّم على الكثير بحجة مقبولة أو مرذولة ، فما الظن بمن أتى بعده ، فأخذ ما عنده؟
6 ـ قال المسعودي في ( مروج الذهب ) في حديث أبي ذر مع عثمان
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 356.
(2) نفس المصدر 4 / 557.
(3) نفس المصدر.
(4) لقد ذكر البلاذري في ترجمة الإمام في كتابه أنساب الأشراف / 394 ـ 396 ما امتنع الطبري عما ذكره وكذلك ذكر الرسالتين ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 88 ـ 90.
بعد أن أمر بجلبه من الشام على أصعب مركب : ( ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه ، وتكلم بأشياء؟ وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتخذوا عباد الله خولاً ، ومرّ الخبر بطوله ، وتكلم بكلام كثير )(1) (؟).
7 ـ وقال المسعودي أيضاً في ذكر من تخلف عن بيعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عثمان : ( وأتاه ممن تخلّف عن بيعته من بني أمية ، منهم سعيد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فجرى بينه وبينهم خطب طويل (؟). وقال سعيد بن العاص كلاماً كثيراً )(2) (؟).
8 ـ وقال المسعودي أيضاً في سياق ما مرّ : ( وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى : أنّ حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير ـ قبل نفوذه بالقميص ـ أتوا عليّاً في آخرين من العثمانية ، فقال كعب بن مالك : يا أمير المؤمنين ليس مسيئاً من اعتب ، وخير كفر ما محاه عذر في كلام كثير )(3) (؟).
إنّها بلية التاريخ حين تكتم الحقائق وتكمّ الأفواه ، أليس ممّا يثير الدهشة مدى تلاقي من ذكرت من المؤرخين على تغييب حقائق بتعمد ، فماذا كانت تلك الأشياء التي تكلم بها أبو ذر؟ وماذا كان الكلام الكثير منه؟ وماذا هو الخطب الطويل بين الإمام وبني أمية؟ وماذا كان كلام
____________________
(1) مروج الذهب 2 / 349 تح محمد محي الدين عبد الحميد.
(2) مروج الذهب 2 / 362.
(3) نفس المصدر.
سعيد بن العاص من الكلام الكثير؟ وماذا كان بقية كلام كعب بن مالك في كلام كثير؟ كلّ هذا ذكره المسعودي في كتاب مروجه ، وله غير هذا أيضاً ممّا يدلّ على مروجه(1) وخروجه.
9 ـ وقال ابن كثير في ( السيرة النبوية ) في ذكر خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم فقال : ( فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ ، وكان اليوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك فبيّن فيها أشياء كثيرة؟ وذكر من فضل عليّ وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس )(2) (؟).
فماذا هي تلك الأشياء الكثيرة التي غصّ ابن كثير بذكرها؟ ويكاد أن يكون هو الأكثر من غيره في تغييب الحقائق في كتبه ( تفسير القرآن العظيم ، والبداية والنهاية ، والسيرة النبوية )! ولست في مقام عرض تفصيل ذلك.
10 ـ وقال أبو الفرج الأصفهاني في كتابه ( الأغاني ) وقد ذكر محاورة جرت بين عمر وابن عباس ، فقال : ( قال ـ ابن عباس ـ ثم أنشأ يحدثني ، فقال : أنّ أوّل من راثكم(3) عن هذا الأمر أبو بكر ، إنّ قومكم كرهوا أن
____________________
(1) مرج وجرج اخوان في معنى القلق والاضطراب ، ومنه مرجت العهود والامانات إذا اضطربت وفسدت ، ( الفائق ) للزمخشري.
(2) السيرة النبوية 4 / 414.
(3) راثكم أي أبطأ بكم فأخركم ، يقال : أراثه إراثه جعله يبطئ والريث الإبطاء والمهلة ( فطر المحيط ) ريث.
يجمعوا لكم الخلافة والنبوة ) ثم قال أبو الفرج : ( ثم ذكر قصة طويلة ليس من هذا الباب فكرهت ذكرها )(1) (؟).
ألا مسائل هذا الرجل : لماذا كره ذكر القصة الطويلة التي جرت بين عمر وبين ابن عباس؟ وكتابه ( الأغاني ) عيبة السفاسف ، ما ضاقت سطوره عن ذكر قصص الخلاعة والمجون ، وضاقت عن ذكر قصة ما جرى بين عمر وبين ابن عباس!
هذه عشرة نماذج لخمسة من أعلام المؤرخين ، فكم لهم من عشرات أمثالها ، وكم لغيرهم ممن لم نذكرهم انطوت صدورهم على مكنون علم غيبته الأهواء ، فضاعت على الباحثين دروب الإهتداء ، إنّ هذا البلاء ما فوقه من بلاء( وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (2) ،( وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ ) (3) .
أمّا عن إستغفال القراء من قبل الرواة والمحدثين بإستعمال الكناية عن الأسماء الصريحة ، والإشارة إليهم بفلان وفلان ، أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو ، أو فذلك شيء كثير حتى استبشعه غير وا حد ، فصار يبحث عن أصحاب تلك الأسماء المغيّبة مثل الخطيب البغدادي الذي جمع مادّته فصارت كتاباً سمّاه ( الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ) ، وهو كتاب جليل مفيد فخيم في علمه ، ضخيم في حجمه إذ بلغ ( 683 )
____________________
(1) الأغاني 9 / 39 ط السادسه بمصر.
(2) البقرة / 146.
(3) المائدة / 61.
صفحة ، وسأشير إلى بعض موارد ذكر فيها ابن عباس.
ودونه جمعاً وصنعاً ما كتبه ابن حجر العسقلاني في ( هدي الساري مقدمة فتح الباري ) في الدفاع عن شيخ أصحاب الصحاح محمد بن إسماعيل البخاري ، فقد جعل الفصل السابع من كتابه ( هدي الساري ) في تعيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها ، وساق الأسماء على ترتيب الحروف الأبجدية ، ثم أعقبها بفصول ذكر فيها أصحاب الكنى ، وقد استغرق من ص ( 243 إلى 375 ) من الجزء الأوّل ، ثم بدأ الجزء الثاني بذكر ما ورد في صحيح البخاري ، بدءاً من بدء الوحي إلى آخر كتاب التوحيد ، وهو آخر كتاب البخاري في ( 205 ) صفحات. ولمّا كان لابن عباس في أحاديث البخاري المبهمة نصيباً غير منقوص ، فقد اقتصر على ذكر بعضها ، وبيّن ما استبهم منها ، ونيّف ما ذكره منها على ستين حديثاً ولا يجدينا ذكرها فعلاً.
فماذا عن ابن عباس في كتاب
( الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة )؟
1 ـ في صفحة ( 110 ـ 111 ) برقم ( 60 ) بإسناد : ( عن طاووس ، عن ابن عباس قال : بلغ عمر بن الخطاب أنّ رجلاً باع خمراً ، قال : قاتل الله فلاناً باع الخمر! أما علم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( قاتل الله يهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ).
قال الشيخ الخطيب أبو بكر : ( الرجل الذي بلغ عنه عمر بيعه الخمر هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري. الحجة في ذلك : ما أخبرنا ـ وساق السند إلى طاووس ـ قال : سمعت ابن عباس يقول : قال عمر بن الخطاب : قاتل الله سمرة! باع خمراً وقد قال رسول الله : ( لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ).
أقول : وحديث ابن عباس هذا رواه البخاري في صحيحه ، كتاب البيع ، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه(1) ، وذكره ابن حجر في مبهماته في ( هدي الساري ) ، فقال : ( حديث ابن عباس : بلغ عمر بن الخطاب أنّ فلاناً باع خمراً. وهو سمرة بن جندب )(2) ، وكذلك ذكره البخاري مرة ثانية في كتاب
____________________
(1) صحيح البخاري 3 / 40.
(2) ( هدي الساري ) مقدمة فتح الباري / 277.
الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني اسرائيل(1) ، وهذا أيضاً ذكره ابن حجر فقال : ( حديث ابن عباس : سمعت عمر يقول : ( قاتل الله فلاناً ) يعني سمرة بن جندب )(2) .
ولمحقق كتاب الخطيب الدكتور عز الدين علي السيد تعليقه مفيدة ، ذكر فيها أنّ الحديث في صحيح مسلم بشرح النووي ( 7 / 11 ) ( عن ابن عباس : بلغ عمر أنّ سمرة باع خمراً فقال : قاتل الله سمرة ).
أقول : وهو كذلك في متن الصحيح طبعة محمد علي صبيح ( 5 / 41 ) ، فما أبهمه البخاري رواه مسلم صريحاً! فأيّ الصحيحين هو الأصح؟!
وأشار الدكتور المحقق إلى أنّ الحديث في ( المصنف ) ـ ويعني به مصنف عبد الرزاق ـ وهو كذلك فقد رواه في ( 6 / 75 ) وساقه بإسناده عن ابن عباس ، قال : ( بلغ عمر أنّ سمرة باع خمراً ، فقال : قاتل الله سمرة أما علم أنّ رسول الله قال : ( قاتل الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم فجملوها ـ أي أذابوها ـ فباعوها ) ، ثم أعاد الحديث مرة ثانية بسنده عن ابن عباس ، قال : ( رأيت عمر يقلب كفه ويقول : قاتل الله سمرة عويملاً لنا بالعراق خلط في فيئ المسلمين ثمناً لنا بالخمر والخنزير فهي حرام وثمنها حرام ) ، وأعاد عبد الرزاق جميع ما مرّ عنه في ( 8 / 195 ـ 196 ) بعين ألفاظه.
أقول : وللحديث مصادر أخرى منها : مصنف ابن أبي شيبة ، عن ابن
____________________
(1) صحيح البخاري 4 / 145.
(2) ( هدي الساري ) مقدمة فتح الباري / 294.
عمر : قال : ( قال عمر : لعن الله فلاناً )(1) ، وفيه أيضاً عن مسروق : ( قال عمر : لعن الله فلاناً )(2) .
وقد أغرب ابن عبد البر ، حين لم يذكر هذا الحديث في ترجمة سمرة في إستيعابه ، وأحسبه ستراً عليه لأنّه من الأصحاب المذكورين في كتاب ( الإستيعاب )! وكم فيه وفي غيره من تراجم الصحابة ذكر أُناس لا يؤبه بهم ، كالأشعث بن قيس وجرير اللذين قالا في المرتدين لعبد الله بن مسعود استتبهم وكفّلهم عشائرهم(3) ، وكان عدد المرتدين فيما ذكر ابن أبي شيبة من طريق قيس بن حازم مائة وسبعين رجلاً ، فيا ترى كم فيهم من الصحابة؟ وكان الأشعث بن قيس نفسه من المرتدين أيام أبي بكر ، وقد ندم أبو بكر عند موته أن لا يكون ضرب عنقه يومئذٍ لأنّه لا يرى شراً إلا أعان عليه(4) .
ومن حثالة الصحابة في فسقه وغدره المغيرة بن شعبة ، حتى وصف بأنّه أزنى ثقيف. وخلّ عنك معاوية وعمر وبن العاص وأضرابهم. وربيعة ابن أمية أخو صفوان بن أمية الذي ارتد وشرب الخمر أيام عمر ولحق بالشام فذهب إلى قيصر وتنصر(5) .
____________________
(1) المصنف 4 / 412 رقم 120.
(2) المصنف 7 / 271 برقم 36001.
(3) أنظر تاريخ الطبري 3 / 429 ـ 431 ، العقد الفريد 4 / 267 ومصادر غيرها ، راجع كتاب ( المحسن السبط مولود أم سقط / 202 ـ 212 ).
(4) أنظر صحيح البخاري كتاب الحواله والكفالة الوكالة بشرح فتح الباري 5 / 375.
(5) أنظر السيرة الحلبية 3 / 266.
وكلّ من ذكرت لا يرقى إلى مرتبة ( قدامة بن مظعون ) ـ وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر ـ فقد كان من المهاجرين الأولين ، وقد شرب الخمر ، كما في ترجمته من ( تاريخ البخاري الصغير )(1) وغيره من المصادر ، لكن للستر عليه لم يصرّح باسمه كما في موطأ مالك ، ولما كان حديثه فيه لابن عباس رضي الله عنه ذكر في التشديد عليه بإقامة الحدّ ، وفيه للإمام أمير المؤمنين عليه السلام مقام في تحديد مقدار الحدّ ، فلنقرأ الحديث كما في ( الموطأ ) لمالك بتوسط كتاب الإستذكار لابن عبد البر :
( 1561 ـ مالك ، عن ثور بن زيد الديلي : أنّ عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل ، فقال له عليّ بن أبي طالب : نرى أن تجلده ثمانين ، فإنّه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذي(2) وإذا هذي افترى ، أو كما قال فجلد عمر في الخمر ثمانين.
قال أبو عمر : هذا حديث منقطع ، من رواية مالك ، وقد روي متصلاً من حديث ابن عباس.
ذكره الطحاوي ، في كتاب ( أحكام القرآن ) ، قال : حدثني بهز بن سلمان ، قال : حدثني سعيد بن كثير ، قال : حدثني محمد بن فليج ، عن ثور ابن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنّ الشُرّاب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأيدي ، وبالنعال ، وبالعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال أبو بكر : لو
____________________
(1) تاريخ البخاري 1 / 68.
(2) هذي : خلط وتكلم بما لا ينبغي.
فرضنا لهم حدّاً ، يتوخى نحو ما كان يضربون عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين ، ثم كان عمر بعده يجلدهم كذلك أربعين ، حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب ، فأمر به أن يجلد ، فقال له : لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله عزوجل ، فقال عمر : في أي كتاب الله عزوجل وجدت لا أجلدك؟ فقال : إنّ الله عزوجل يقول في كتابه :( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (1) ، فأنا من الذين اتقوا ، وآمنوا ، وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدراً ، وأحداً ، والخندق ، والمشاهد ، فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس : إنّ هؤلاء الآيات ( نزلن ) عذراً للماضين ، وحجة على الباقين ، فعذر الماضين بأنّهم لقوا الله عزوجل ، قبل أن يحرم عليهم الخمر ، وحجة على الباقين ، لأنّ الله عزوجل يقول :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (2) ، فإن كان من الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا واحسنوا ، إنّ الله عزوجل قد نهى أن يشرب الخمر ، قال عمر : صدقت ، من اتقى اجتنب ما حرّم الله تعالى عليه ، قال عمر : فماذا ترون؟ قال عليّ رضي الله عنه : إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ، فأمر به
____________________
(1) المائدة / 93.
(2) المائدة / 90.
عمر ، فجلده ثمانين )(1) .
2 ـ ما أخرجه الخطيب في كتابه ( الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ) وساق الحديث بسنده : ( عن محمد بن الحنفية ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال : كان يقول لرجل يفتي بمتعة النساء : ( إنّك امرء تائه فانظر ماذا تفتي به في متعة النساء ، فنشهد والله لقد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ).
قال الشيخ الإمام أبو بكر رضي الله عنه : الرجل الذي كان يفتي بالمتعة وقال له عليّ هذا القول هو أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
الحجة في ذلك ما أخبرنا وساق بإسناده عن محمد بن الحنفية عن عليّ ، قال : تكلم عليّ وابن عباس في متعة النساء ، فقال عليّ لابن عباس : ( إنّك أمرؤ تائه إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة )(2) .
أقول : وهذا الحديث مذكور في جملة من مصادر الحديث السني بدءاً من موطأ مالك ومصنف عبد الرزاق ، ومروراً بالصحيحين وسنن النسائي ، وغيرها.
وهو حديث مكذوب ، وقد ذكرته في فقه ابن عباس رضي الله عنه في مسألة ( فتواه بالمتعة ) فلا نطيل الوقوف عنده هنا.
وحسبنا بما ذكرناه مقدمة لتبصرة القارئ بما لحق ابن عباس رضي الله عنه في
____________________
(1) كتاب الاستذكار 8 / 6 ـ 7 ط دار الكتب العلمية بيروت.
(2) الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة / 173 برقم 90.
المأثور عنه من تهميش وتشويش. وكأنّ حرمة الصحابة تطغى على الحق المبين ، حتى ولو كان منهم من لعنه النبيّ الصادق الأمين.
ولا ينقضي العجب! من أولئك المدافعين عن المنافقين والفاسقين ، لماذا لم تشمل عندهم بركات الصحبة أمير المؤمنين عليه السلام ، أوّل القوم إسلاماً ، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وابن عباس حبر الأمّة ، حين أعلن معاوية بسبّهم بعد التحكيم في أمر صفّين. فهل كانوا دون أولئك الذين تقدمت أسماؤهم ممن لا تلتقي بذمهم الشفتان أزدراءً بهم؟ وهل ورد في واحد منهم من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كقوله لعليّ : ( من سبّك فقد سبّني )؟ كما سيأتي في محاورة ابن عباس مع الذين كانوا يجاهرون بسب الإمام عليه السلام.
ولماذا لم تشملهم فتوى الإمام السرخسي الحنفي في أصوله : ( فمن طعن فيهم ـ الصحابة ـ فهو ملحد منابذ للإسلام ، دواؤه السيف إن لم يتب )(1) .
إنّها الإزدواجية في المعايير ، وإلى الله المصير.
____________________
(1) كتاب الاصول 2 / 134.
آثار الأدبية شعراً
ونثراً ومحاججات كلامية
وفيه ثلاثة مباحث
ابن عباس وما ينسب إليه من شعر وشاعرية
لقد كان حبر الأمة من أبرز حفظة الشعر العربي ، إن لم يكن أعلمهم به على الإطلاق. فعن عكرمه ، قال : ( كان ابن عباس إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد شعراً من أشعارهم )(1) . وكان هو من الدعاة إلى تعلمه وحفظه ، وهو القائل : ( الشعر ديوان العرب ، هو أوّل علم العرب ، فعليكم بشعر الجاهلية ، شعر أهل الحجاز )(2) .
ففي هذا التفضيل ما يكشف عن خبرة تامة وإحاطة بخصائص الشعر ، ولقد كان يرجع إليه في المفاضلة بين الشعراء كما سيأتي في إحتجاجاته مع عمر.
ورجوع عمر إليه في تعيين شاعر الشعراء مع كثرة المحيطين به ممن لهم إحاطة بالشعر وخبرة في المفاضلة ، كما يكشف عن تفضيله على من عنده ، يدلّ على خبرة ابن عباس بالشعر العربي خبرة مميّزة.
ومن نوادر أخباره الأدبية في ألمعيته الشاعرية.
____________________
(1) المصنف لابن أبي شيبة 6 / 177 تح اللحام.
(2) كنز العمال 3 / 862 ، مؤسسة الرسالة حلب.
قال البلاذري في ترجمة ابن عباس في أنسابه : ( حدثني أبو مسعود الكوفي عمر بن عيسى ، قال : سمعت ابن كناسة يقول : لمّا قال عمر بن أبي ربيعة قصيدته التي أوّلها ( تشط غداً دار جيراننا ) أنشدها ابن عباس. فلما قال عمر : ( تشط غداً دار جيراننا ) ، قال ابن عباس : ( وللدار بعد غد أبعد ) ، فقال عمر : كذا والله قلت جعلت فداك ، فقال ابن عباس : الكلام مشترك ، فلما أنشده : ( تحمل للبين جيراننا ) ، قال ابن عباس : ( وقد كان قربهمُ يُحمد ) ، فقال عمر : كذا والله قلت ، وقبّل يده )(1) .
وقد كانت شواهد معرفته بالشعر الجاهلي التي يعترف له بها عمر وغير عمر ، جعلته يستخدم تلك المعرفة في كثرة استشهاده على غرايب المسائل ، بل ربما حتى في استكشاف الخبايا مع عمر وغيره ، كما في الخبر الذي رواه عمر بن شبّة في ( تاريخ المدينة ) ، قال : ( حدثنا أحمد بن معاوية بن بكر ، قال : حدثنا الوليد بن مسلمة ، عن عمر بن قيس ، عن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله عنه ـ قال كنت عند عمر رضي الله عنه ـ وكنت له هيوباً ، وكان لي مكرّماً ، وكان يلحقني بعلّية الرجال ـ فتنفس تنفساً ظننت أنّ أضلاعه ستفصد ، فمنعتني هيبته من مسألته ، فقلت : يا أمير المؤمنين قاتل الله النابغة ما كان أشعره. قال : هيه ، قال : قلت خيراًً يقول :
وإن يرجع النعمان نفرح ونبتهج |
ويأت معداً ملكها وربيعها |
____________________
(1) أنساب الأشراف برقم 89 نسخته مخطوطة بقلمي.
ويرجع إلى غسان ملك وسؤدد |
وتلك المنى لو أننا نستطيعها |
|
وإن يهلك النعمان تعر معية |
ويلق إلى جنب الفناء قطوعها |
|
وتنحط حصان آخر الليل نحطة |
تقضقض منها أوتكاد ضلوعها |
|
على إثر خير الناس إن كان هالك |
وإن كان في جنب الفتاة ضجيعها |
فقال : لعلك ترى صاحبك لها؟
فقلت : القربى في قرابته وصهره وسابقة أهلها. قال : بلى ، ولكنه أمرؤ فيه دعابة.
قلت : فطلحة بن عبيد الله؟ قال : ذو البأو بإصبعه مذ قطعت دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت : فالزبير بن العوام؟ قال : وعقة لقس يلاطم في البقيع في صاع من تمر.
قلت : فعبد الرحمن بن عوف؟ فقال : رجل ضعيف لو صار الأمر إليه وضع خاتمه في يد أمرأته.
قلت : سعد بن أبي وقاص؟ قال : صاحب سلاح ورمح وفرس يجاهد في سبيل الله.
قلت : فعثمان بن عفان؟ فقال : أوه ـ ثلاث مرّات ـ والله لئن كان الأمر إليه. ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ، ووالله لئن فعل ، لينهضن إليه فيقتلنه. والله لئن فعل ليفعلن ، والله لئن فعل ليفعلن.
يا بن عباس لا ينبغي لهذا الأمر إلاّ حصيف العقدة ، قليل الغرّة ، لا
تأخذه في الله لومة لائم ، يكون شديداً في غير عنف ، ليّنا في غير ضعف ، جواداً في غير سرف ، بخيلاً في غير وكف )(1) .
ونعود إلى ابن عباس في شعره وشاعريته.
فهو مع ما كان عليه في هذا الجانب من التميّز والمعرفة ، لكنّه لم يكن في ممارسته لنظم الشعر كذلك ، كما سنقرأ بعض ما ينسب إليه من الشعر ، وليس بالضرورة أن نقطع بصحة جميع ما نسب إليه ، كما ليس من حجة لنفي ذلك عنه ، ولعلّ التفاوت بين قوة وضعف المنسوب إليه من الشعر خاصةٌ نابع من قوة وضعف المزاج ، وتابع لمدى إنفعالية النفس بالحدث أيضاً ، تبعاً لمراحل المرء في حياته وحالاته ، إذ لا يكون على حالة واحدة دائماً من النشاط الفكري في جميع أوقاته.
ثم إنّ ما نسب إليه من الشعر ، منه ما يمكن معرفة زمان نظمه تقريباً ، كما في أبياته التي قالها في رثاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وما قاله في زوجته فاطمة الزهراء عليها السلام ، وفي رثاء ابنه الإمام الحسن ، فتفاوت الزمان وما مرّ به من الحوادث ممّا يوهي القوى يوحي بالكآبة والحزن ، ولهما من التأثير البالغ على المرء مهما أوتي من صبر ، إلاّ أنّه حين تستشار عزيمته فهو أمضى عزماً وأقوى جناناً وسرعة بديهة ، كما في مناظرته مع ابن الزبير وهي في آخر سنيّ حياته.
____________________
(1) تاريخ المدينة للنميري 3 / 881.
وروى هذا ابن أبي الحديد في شرح النهج 6 / 326 نقلاً عن أمالي ثعلب ولم أجده في المطبوع من مجالسه.
وكذلك لا أدلّ على كماله من إكماله ما قاله قائده في وصف حال من كانوا يسبوّن الإمام عليّ عليه السلام ، فوقف عليهم ووبّخهم بأبلغ حجة ، ولما انصرف عنهم سأل قائده عن حالهم ، فقال :
نظروا إليك بأعين محمرّة |
نظر التيوس إلى شفار الجازر |
فاستزاده ، فقال :
خزر العيون نواكس أبصارهم |
نظر الذليل إلى العزيز القاهر |
فاستزاده ، فقال : ما عندي غير هذا ، قال : ولكن عندي ، فقال :
سبّو الإله وكذّبوا بمحمد |
والمرتضى ذاك الوصي الطاهر |
|
أحياؤهم عار على أمواتهم |
والميتون فضيحة للغابر |
|
هم تسعة لعنوا جميعاً كلهم |
والله ملحقهم غداً بالعاشر |
|
يوم القيامة يسكنون جهنماً |
بئس المصير لكلّ عبد فاجر |
|
وكذا النبيّ خصيمهم مع حيدر |
نعم الخصيم غداً وخير الناصر |
وستأتي المحاورة بنصها مع مصادرها وهي من محاسن المحاورات.
وشعره هذا يدلّ على صدق إيمانه وشعوره بما يحسّه في وجدانه ، وقد أتاه عفو الخاطر حيث دعته الحاجة إليه ، وهو مع تقدّم في السن وبعدما كفّ بصرهُ.
وأبلغ منها ما قالها لمن عيّره بذلك ، فإنّه قالها وقد تجاوز العقد
السادس من عمره ، وهذا ما لا شك في صحة نسبته إليه ، ولا يعني ذلك أنّي أشك في بقية ما رواه الرواة له ، كلا ، ولكنه وإن لم يكن بالمستوى الأدبي الذي أثر عنه في أسلوبه نثراً ذلك الإسلوب الأدبي الرفيع ، ومع ذلك لا يخلو من جوانب تربوية أو عقائدية وغير ذلك ، ولنقل إنّه يبقى شعره كشعر العلماء فيه الإقناع والإمتاع في المعنى ، دون الإبداع والإيقاع في السبك.
والآن إلى قراءة ما وقفت عليه منسوباً إليه ، وشعره كغيره ممّا له أو لغيره ، يبقى على ذمة الرواة :
1 ـ قال في ذهاب بصره :
قال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس في ( الإستيعاب ) : وهو القائل في ذلك ـ العمى ـ
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما |
ففي لساني وقلبي منهما نور |
|
قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخلٍ |
وفي فمي صارم كالسيف مأثور(1) |
فما روي عنه من هذا وجوه ، وبهذا اللفظ ورد الشعر في ( أسد الغابة ) و ( سير أعلام النبلاء ) و ( نكت الهميان ) و ( الوافي بالوفيات ) و ( الحلة السيراء ) لابن الأبار ، جميعاً في ترجمة ابن عباس وغيرها من المصادر.
____________________
(1) الإستيعاب 3 / 938.
وفي بعضها إختلاف في رواية البيت الثاني من الشعر ، وهذه إشارة إلى بعضها :
ففي ( كشف الخفاء ) للعجلوني و ( الدرجات الرفيعة ) :
( وفي فمي صارم كالسيف مشهور ).
وفي ( فيض القدير ) للمناوي :
عقلي ذكي وقولي غير ذي خطل |
وفي فمي صارم كالسيف مأثور(1) |
وفي ( مرآة الجنان ) لليافعي و ( وفيات الأعيان ) :
( وفي فمي صارم كالسيف مطرور )(2) .
قال ابن الأبار في ( الحلة السيراء ) : وهذا من أحسن ما قيل في هذا المعنى ، وهو داخل في باب تحسين ما يقبح(3) .
____________________
(1) فيض القدير 4 / 640.
(2) مرآة الجنان 1 / 143.
(3) الحلة السيراء 1 / 22 ـ 23.
وقال ابن الابار بعد ذكر ما تقدم أعلاه : وقد جمعت قطعة من ذلك في تأليفي للخزانة العالمية الإمامية الموسوم بـ قطع الرياض في بدع الأغراض ، ومن ذلك قول بشار بن برد :
عميت جنينا والذكاء من العمى |
فجئت مصيب الظن للعلم موئلا |
|
وغاض صفاء العين للعقل رافدا |
بقلب إذا ما ضيّع الناس حصّلا |
|
وشعر كنور الروض لامست نظمه |
بقول إذا ما أحزن الشعرا سهلا |
____________________
وقال آخر ويروى لأبي العلاء ، والصحيح أنه لأبي الحسن الحصري :
وقالوا قد عميت فقلت كلا |
وإني اليوم أبصر من بصير |
|
سواد العين زار سواد قلبي |
ليجتمعا على فهم الأمور |
وقال عبد الله بن سليمان القرطبي النحوي ، المعروف بدرود ، ويقال : دربود ، وكان أعمى :
تقول من للعمى بالحسن قلت لها |
كفى عن الله في تصديقه الخبر |
|
القلب يدرك ما لا عين تدركه |
والحسن ما استحسنته النفس لا البصر |
|
وما العيون التي تعمى إذا نظرت |
بل القلوب التي تعمى بها النظر |
ومن جيّد الشعر لولا شوبه بالهجر قول الآخر :
قالوا العمى منظر قبيح |
قلت بفقدي لهم يهون |
|
تالله ما في الأنام شيء |
تأسى على فقده العيون |
كأنه أخذ من قول سعيد بن المسيب وقد نزل الماء في عينيه ، فقيل له : لو قدحتهما ، فقال : وعلى من أفتحهما ، مثل هذا قول المعري وهو عندي من المنشد :
أبا العلاء بن سليمانا |
إن العمى أولاك إحسانا |
|
لو أبصرت عيناك هذا الورى |
لم ير إنسانك إنسانا |
أقول : وإضافة على ما ذكره ابن الابار فقد أقتبس معنى بيتي ابن عباس إسحاق بن حسان القوهي المعروف بالخزيمي ، فقد قال :
فإن تك عيني خبا نورها |
فكم قبلها نور عين خبا |
|
فلم يعمِ قلبي ولكنما |
أرى نور عيني اليه سرى |
|
فالسراج فيه إلى ضوئه |
سراجا من العلم يشفي من العمى |
تاريخ بغداد 6 / 326 ، نكت الهميان / 71.
2 ـ وقال في ذلك أيضاً :
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما |
فإنّ قلبي مضيء مابه ضرر |
|
أرى بقلبي دنياي وآخرتي |
والقلب يدرك ما لا يدرك البصر(1) |
أقول : ربما كانت فكرة التعويض هي الدافع وراء أقواله في ذهاب بصره ، إذ لا شك بأنّ فقدان البصر مظهر من مظاهر النقص الذي يجسد الضعف لصاحبه ، فلا مؤاخذة لو استعان على مواجهة إحساسه بذلك النقص بقوة إحساسه بنفاذ البصيرة ، وحق له لو أفتخر بالقدرة على تجاوز ذلك الإحساس المؤلم بما فقده من نعمة البصر بما عوّضه الله سبحانه من قوة البصيرة ، بنور الفؤاد والقلب.
ومن تلك القوّة كان التعويض كبيراً وعظيماً ، فالقلب ذكي ، والعقل سليم ، واللسان طلق ذلق قوي الحجة ، فأيّ قوّة هي أعظم من تلك القوّة التي استطاع أن يدفع بها من عيّره بذهاب بصره ، ولم أقف على من عيّره بذلك سوى ابن الزبير في تعريضه به حين قال : ( إنّ ها هنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره ، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله يفتى في القملة والنملة ، وقد أحتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى ، وكيف ألومه في ذلك وقد قاتل أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن وقاه بيده.
____________________
(1) حاشية الفرائد الشنشورية للبيجوري / 18 ط مصر.
فقال ابن عباس لقائده سعيد بن جبير : استقبل بي وجه ابن الزبير وارفع من صدري ، فاستقبل به وأقام قامته ، فحسر عن ذراعيه ، ثم قال : يابن الزبير.
قد أنصف القارة من راماها |
إنّا إذا ما فئة نلقاها |
|
نردّ أولاها على آخراها |
حتى تصير حرضا دعواها |
يابن الزبير ، أمّا العمى فإنّ الله تعالى يقول :( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (1) .
ثم أنشأ قوله :
إن يأخذ الله من عيني نورهما |
ففي لساني وقلبي منهما نور |
وأمّا فتياي في القملة والنملة : فإنّ فيهما حكماً لا تعلمه أنت ولا أصحابك.
وأمّا حملي المال : فإنّه كان مال جبيناه فأعطينا كلّ ذي حق حقه ، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله فأخذناها بحقنا.
وأمّا المتعة : فسل أمّك عن بردي عوسجة ، فإنّ أوّل متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بين أمّك وأبيك ، فسل أمّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك.
____________________
(1) الحج / 46.
وأمّا قتالنا أم المؤمنين : فبنا سميّت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك. فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها ، ثم إتخذاها فتنة ( فئة ) يقاتلان دونها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما ، فما أنصفا الله ولا محمّداً من أنفسهما أن أبرزا زوجة نبيّه وصانا حلائلهما.
وأمّا قتالنا إياكم : فإنّا لقيناكم زحفاً ، فإن كنّا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منّا ، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا ، فقد لقيت أباك وأنا مع إمام هدى ، فإن يكن على ما أقول فقد كفر بقتالنا ، وإن يكن على ما تقول فقد كفر به بهربه منّا ، وأيم الله لولا مكان صفيّة فيكم ، ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظماً إلا كسرته.
فانقطع ابن الزبير ونزل خجلاً مغضباً ، وعاد إلى أمّه فسألها عن بردي عوسجة؟ فقالت : يا بني ما ولدتك إلاّ في المتعة ، ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم ، فإنّهم كعُم الجواب إذا بدهوا ، فقال : بلى ، وعصيتك.
فقالت : يا بني إحذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن ، واعلم أنّ عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها ، فإياك وإياه آخر الدهر ). وقد أورد هذه الحادثة ابن أبي الحديد في شرح النهج(1) ، والراغب في محاضراته(2) ، والمدني في ( الدرجات الرفيعة ) ، وعنهم نقلنا ما تقدم.
____________________
(1) شرح النهج 4 / 4489 ـ 491.
(2) محاضرات الراغب2 / 92.
وقد رواها غيرهم بأخصر من ذلك ، ومنهم : مسلم في صحيحه(1) ، والزيلعي في ( نصب الراية )(2) ، وابن الهمام الحنفي في شرح الفتح(3) ، وابن عبد ربه في ( العقد الفريد )(4) ، والمسعودي في ( مروج الذهب )(5) ، وغير هؤلاء ، كما سيأتي ذكر المحاورة وما يتبعها في صفحة إحتجاجاته على ابن الزبير.
3 ـ وقال في ذلك أيضاً وتعيير قوم له بأنّه ضرير :
وعيرّني الأقوام والعيب فيهم |
ولا عيب إلا أن يقال ضرير |
|
إذا أبصر القلب المرؤة والتقى |
فإنّ العمى بالعين ليس يضير |
|
إذا كفرّت عني ذنوبي فإنّها |
وإن فجعت رزء عليّ يسير |
|
يقولون صبراً إنّما الصبر شيمتي |
ألم تعلموا أنّ الكريم صبور(6) |
وقد نسب غلطاً البيتان الأوّلان من أشعاره إلى أبي العلاء المعري وإلى أبي العيناء. فقد ورد ذكرهما في ( معجم أدباء ذوي العاهات أعلام
____________________
(1) صحيح مسلم 4 / 133.
(2) نصب الراية 3 / 1357 ، ط مصر.
(3) شرح الفتح 2 / 286.
(4) العقد الفريد 3 / 157.
(5) مروج الذهب 2 / 103 ط مصر 1346 هـ ، 3 / 89 ط تح محمد محيي الدين.
(6) نكت الهميان / 71 ، وغيره.
والبيتان الأولان في النسب الأصيلي لابن الطقطقي ورقة / 141 ( نسخة مصورة ) ، والأبيات عدا الأول في ناسخ التواريخ 2 / 519.
الجبابرة ) تأليف كارين صادر ونصير الجواهري نسبتهما إلى أبي العلاء المعري(1) ، وفي موضع آخر نسبتهما إلى أبي العيناء(2) ، وكلتا النسبتين غلط ، وربّما إقتبساهما في بعض أشعارهما فظنّ المؤلفان أن البيتين لمن ذكراهما. والإقتباس شائع ذائع عند الشعراء.
وفي المقام نذكر إقتباس أحمد بن عبد الدايم الحنبلي المقدسي ، حيث قال :
( إن يذهب الله من عيني نورهما |
فإنّ قلبي بصيرً ما به ضرر ) |
|
( أرى بقلبي دنياي وآخرتي |
والقلب يدرك ما لا يدرك البصر ) |
|
والله إنّ لكم في القلب منزلة |
ما نالها قبلكم أنثى ولا ذكر |
|
وحالكم لي حياة لا نفاذ لها |
والهجر موت فلا عينً ولا أثر(3) |
4 ـ وقال في مدح سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام :
____________________
(1) معجم أدباء ذوي العاهات أعلام الجبابرة / 11 ـ 12 و 142 ط بيروت.
(2) نفس المصدر / 323.
(3) الوافي بالوفيات 7 / 34 ، نكت الهميان / 99 ، شذرات الذهب 5 / 5 ، فوات الوفيات 1 / 81 ، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2 / 278 ، منتخب السلامي / 29. وعن ابن الأبار قال : وقد اقتبس معناهما إسحاق بن حسان القوهي المعروف بالخريمي فقد قال :
فإن تك عيني خبا نورها |
فكم قبلها نور عين خبا |
|
فلم يعمَ قلبي ولكنما |
أرى نور عيني إليه سرى |
|
فالسراج فيه إلى ضوئه |
سراجا من العلم يشفي العمى |
سلام على الطهر الزكية فاطمٍ |
سلام على أولادها الأنجم الزهر(1) |
5 ـ وقال يمدح الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام :
وصّي رسول الله من دون أهله |
وفارسه إن قيل هل من منازل |
|
فدونكه إن كنت تبغي مهاجرا |
أشمّ كنصل السيف غير حلاحل(2) |
6 ـ وقال بمدحه عليه السلام متمسكاً بحبّه :
ولا ينجي من الرحمن شيء |
ومن هول القيامة والحساب |
|
ومن نارٍ تلهب في جحيم |
سوى حب الإمام أبي تراب |
|
شفيع الخلق في يوم التلاقي |
هو المنعوت في أي الكتاب(3) |
7 ـ وقال يرثي الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
وهزّ علي بالعراقين لحية |
مصيبتها جلّت على كلّ مسلم |
|
وقال سيأتيها من الله نازل |
ويخضبها أشقى البرية بالدم |
|
فعاجله بالسيف شلّت يمينه |
لشوم قطام عند ذاك ابن ملجم |
|
فيا ضربة من خاسرٍ ضلّ سعيه |
تبوأ منها مقعداً في جهنم |
____________________
(1) روضة الواعظين للفتال النيسابوري / 127 ط ايران.
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي 1 / 50 ط مصر الأولى. المراجعات للإمام شرف الدين / 282.
(3) المجموع الرائق للسيد أحمد العطار 1 / ورقة 14 مخطوط بمكتبة الإمام الصادق العامة في الكاظمية.
ففاز أمير المؤمنين بحظّه |
وإن طرقت أحدى الليالي بمعظم |
|
ألا انما الدنيا بلاءٌ وفتنة |
حلاوتها شيبت بصبر وعلقم |
8 ـ وقال لعثمان في محاورة جرت بينهما :
جعلت شعار جلدك قوم سوء |
وقد يجزى المقارن بالقرين |
|
فما نظروا لدنيا انت فيها |
بإصلاح ولا نظروا لدين(1) |
9 ـ وقال يجيب معاوية في ضمن كتاب له أجاب به على كتاب معاوية إليه يخادعه وذلك في أيام صفين :
دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة |
وليس له حتى تموت بخادع(2) |
10 ـ وقال يخاطبه أيضاً بعد ما أظهر معاوية الشماتة بموت الإمام الحسن الزكي عليه السلام :
أصبح اليوم ابن هندٍ آمناً |
ظاهر النخوة إذ مات الحسن |
|
ولقد كان عليه عمره |
مثل رضوى وثبير وجفن(3) |
____________________
(1) مختصر تاريخ ابن عساكر لإبن منظور 16 / 211 ط دار الفكر بدمشق.
(2) مناقب آل أبي طالب للحافظ ابن شهر آشوب السروي 3 / 102.
(3) رضوى : جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع ، وثبير : أحد الأثبرة الأربعة ، ثبير الأعرج هو المشرف بمكة على حق الطارقيين ، وقيل هو حراء ، وجفن بناحية الطائف ( ص 1 مراصد الإطلاع ).
فارتع اليوم ابن هند قامصاً |
إنما يقمص بالعير السَمَن(1) |
|
فاتق الله وأظهر توبة |
إنما كان كشيء لم يكن(2) |
11 ـ وأمر له معاوية بأربعة آلاف درهم فقبضها ثم صرفها في بني عبد المطلب ، فقالوا له : لا نقبل صدقة.
قال : إنّها ليست بصدقة ، إنّما هي هدية ، فلم يبق منها شيء ، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه يلومه وان يقصر عن ذلك ، فكتب إليه يقول :
بخيل يرى بالجود عارا وإنّما |
على المرء عارٌ أن يضنّ ويبخلا |
|
إذا المرء أثرى ثم لم يرج نفعه |
صديق فلاقته المنية أوّلا(3) |
12 ـ وقال ابن منظور أيضاً :
وأنشد المبرد لعبد الله بن العباس كتب به إلى معاوية بن أبي سفيان ـ ( الطويل ) :
[و]إنّي أغضيت عن غير بغضة |
لراع لأسباب المودة حافظ |
|
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى |
فآبى وتثنيني عليك الحفائظ |
____________________
(1) وفي المثل ( ما بالعير من قماص ) وهو الحمار. يضرب لمن ذلّ بعد العزّ ( الصحاح ) قمص.
(2) الحدائق الوردية للإمام حميد الشهيد 1 / 109 ( مخطوط بمكتبة الإمام كاشف الغطاء ) ، وأخرج الزمخشري منها البيت الأول والثالث في كتابه ربيع الأبرار ( باب الموت وما يتصل به ) مخطوط كما في نسخة الرضوية بخراسان والأوقاف ببغداد.
(3) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 12 / 324.
وانتظر العتبى وأغضي على القذى |
وألبس طوراً مرّه وأغالظ |
|
وانتظر الإقبال بالودّ منكم |
وأصبر حتى أوجعتني المغايظ |
|
وجرّبت ما يسلي المحبّ عن الهوى |
وأقصرت والتجريب للمرء واعظ(1) |
13 ـ وقال في جواب عمرو بن العاص عن أبيات قالها حين خدع أبا موسى الأشعري في التحكيم :
كذبتَ ولكن مثلك اليوم فاسق |
على أمركم ببغي لنا الشر والعز لا |
|
وتزعم ان الأمر منك خديعة |
إليه وكل القول في شأنكم فضلا |
|
فأنتم ورب البيت قد صار دينكم |
خلافاً لدين المصطفى الطيّب العدلا |
|
أعاديتم حِبّ النبيّ ونفسه |
فما لكم من سابقات ولا فضلا(2) |
|
وأنتم ورب البيت أخبث من مشى |
على الأرض ذا نعلين أو حافياً رجلا |
|
غدرتم وكان الغدر منكم سجيةً |
كأن لم يكن حرثاً وأن لم يكن نسلا(3) |
14 ـ وقال يخاطب أبا موسى الأشعري عند ندامته بعد التحكيم :
أبا موسى بليت وكنت شيخا |
قريب القعر مخزون اللسان |
____________________
(1) نفس المصدر 12 / 325.
(2) حِبّ النبيّ حبيبه ، يشير الحبر ابن عباس إلى ما في آية المباهلة الصريحة في ان الإمام عليه السلام كان نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وغيرها من الآيات.
(3) وقعة صفين لنصر بن مزاحم 634 ط مصر.
رمى عمرو صفاتك يا بن قيس |
فيا لله من شيخ يماني(1) |
|
فأمسيت العشية ذا اعتذار |
ضعيف الركن منكوب العنان |
|
تعض الكف من ندمٍ وماذا |
يردّ عليك عضّك بالبنان(2) |
15 ـ وقال يجيب ابن الزبير في منافرة جرت بينهما :
تنافرني يا ابن الزبير وقد قضى |
عليك رسول الله لا قول هازل |
|
ولو غيرنا يابن الزبير فخرته |
ولكنما ساميت شمس الأصائل |
وقال أيضاً في تلك المنافرة :
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا |
فلو ترك القطا لغفا وناما |
وقال أيضاً فيها :
وأدرك منها بعض ما كان يرتجي |
وقصرّ عن جري الكرام وبلّدا |
|
وما كان إلاّ كالهجين أمامه |
عناق فجاراه العناق فأجهدا(3) |
16 ـ وقال في تكريم الخيل وحبّه لها :
____________________
(1) الصفاة ، الصخرة الملساء ويقال في المثل ( ما تندى صفاته ) الصحاح صفا.
(2) مروج الذهب 2 / 34 ط المطبعة البهية سنة 1346 ، 410 ط الثانية ، وقد وردت في كتاب صفين لنصر بن مزاحم / 632 أبيات لابن عم أبي موسى الأشعري تشبه هذه الأبيات ، وتتفق بعض صدور الأبيات والعجز الأخير منها مع الأبيات المذكورة ، كما نقلها ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 198 ونسبها إلى بعض الأشعريين.
(3) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 502 ط مصر الأولى.
أحبّوا الخيل واصطبروا عليها |
فإنّ العزّ فيها والجمالا |
|
إذا ما الخيل ضيّعها أناس |
ربطناها فأشركت العيالا |
|
نقاسمها المعيشة كلّ يوم |
ونكسوها البراقع والجلالا(1) |
وقد شطرها بعضهم كما في ( مختصر طبقات الحنابلة ) لمحمد جميل الشطي في ترجمة الشيخ عبد الجليل المواهبي قوله مشطراً هذه الأبيات :
( احبّوا الخيل واصطبروا عليها ) |
فإنّ بها المسرّة والكمالا |
|
وراعوا حقها في كلّ وقت |
( فإنّ العز فيها والجمالا ) |
|
( إذا ما الخيل ضيعّها أناس ) |
أنلناها الترفه والدلالا |
|
فخير في نواصيها اقتضى أن |
( حفظناها فأشبهت العيالا ) |
|
( نقاسمها المعيشة كلّ يوم ) |
ولا نخشى لنعمتنا زوالا |
|
ونلبسها المحاسن من حلي |
( ونكسوها البراقع والجلالا )(2) |
وقد روى الأبيات الثلاثة علي بن عبد الرحمن بن هذيل الأندلسي في ( حلبة الفرسان وأشعار الشجعان ) ط دار المعارف بمصر. منسوبة إلى الأخطل ، وقال : وتنسب لعبد الله بن عباس.
17 ـ وقال فيمن نزلت به ملمة فأتاه لكشفها :
____________________
(1) بهجة المجالس لابن عبد البر 2 / 68 ، نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد للأمير محمد باشا ط بيروت سنة 1326 هـ.
(2) مختصر طبقات الحنابلة / 117.
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى |
وأعمل فكر الليل والليل عاكر |
|
وباكرني في حاجة لم يجد لها |
سواي ولا من نكبة الدهر ناصر |
|
فرجت بما لي همه عن خناقه |
وزايله الهم الطروق المساور(1) |
|
وكان له فضلٌ عليّ بظنّه |
بي الخير إني للذي ظنّ شاكر(2) |
18 ـ وقال في مفاسدالسرف في الطعام والمنام والكلام وما يفعله الشيب بصاحبه :
إذا كثر الطعام فحذّروني |
فإن القلب يفسده الطعام |
|
إذا كثر المنام فنبهوني |
فإن العمر ينقصه المنام |
|
إذا اكثر الكلام فسكتّوني |
فإن الدين يهدمه الكلام |
|
إذا كثر المشيب فحذروني |
فإن الشيب يتبعه الحِمام(3) |
____________________
(1) في رواية العمدة تفاوت يسير.
(2) العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي 1 / 226 وقد أنشدها عمر بن عبد العزيز والعمدة لابن رشيق القيرواني 1 / 23 ووردت الأبيات بتفاوت يسير في تهذيب تاريخ ابن عساكر 3 / 47 منسوبة إلى أسماء بن خارجة فلاحظ.
(3) مجموعة الحاج عيسى كبة وهي بخطه في مكتبة الإمام كاشف الغطاء ، ونسب البيت الثالث إليه الأديب علي أكبر دهخدا في كتابه امثال وحكم 2 / 894 ط إيران.
كما وردت الأبيات في كتاب زهر الربيع للجزائري / 334 ط الحيدرية 1375 هـ وهي إن صحت نسبتها فإنها لم تكن بمستوى ما تقدم له من شعر صحت نسبته إليه ، ومع ذلك فإن خلت من نمط أسلوبه الأدبي الرفيع ، لكنها لم تخل من الجانب التربوي الذي نتلمس نهجه في المأثور عنه من النثر في الوصايا والحكم ، وليس لنا أن ننفي صحة نسبتها إليه ، لمجرد خلو النظم من قوة الشعر الذي تميز فيما صحت نسبته إليه ، بعد ما عرفنا بالبداهة تفاوت حال المرء في مراحل حياته في نشاطه الثقافي. وتبقى صحة النسبة على ذمة الرواة.
19 ـ وقال في طلب العلم واختيار أحسنه :
ما أكثر العلم وأوسعه |
من ذا الذي يقدر أن يجمعه |
|
إن كنت لا بد له طالباً |
محاولاً فالتمس منه أنفعه(1) |
20 ـ وقال في طريقه من البصرة إلى الكوفة يحدو الإبل :
أوبي إلى أهلك يا رباب |
أوبي فقد حان لك الإياب(2) |
21 ـ روى البلاذري في ( أنساب الأشراف ) في ترجمته ، فقال : حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال : حدثت ان ابن عباس لما كفّ بصره قال أو تمثل :
ما زال عمري على الأيام منتقصا |
حتى فنيت وحبل الدهر ممدود |
|
أقدّم العود قدامي وأتبعه |
وكنت أمشي وما يمشي بي العود(3) |
22 ـ ذكر الملا علي القاري في ( مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ) ، قال : وحكي عن ابن عباس أنّه قال :
جميع العلم في القرآن لكن |
تقاصر عنه أفهام الرجال(4) |
____________________
(1) جامع بيان العلم لابن عبد البر 1 / 106.
(2) العقد الفريد 3 / 390.
(3) أنساب الأشراف ترجمة ابن عباس برقم 38 ( مخطوط ).
(4) مشكاة المصابيح 11 / 302 ط دار الكتب العلمية بيروت.
23 ـ أخرج ابن عدي في ( الكامل ) بسنده عن ابن عباس ، قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : ( من آتاه الله وجهاً حسناً ، واسما حسنا ، وجعله في موضع غير شائن له فهو من صفوة الله ) ، ثم أنشأ ابن عباس يقول :
عند شرط النبيّ إذ قال يوما |
( اطلبوا الخير من حسان الوجوه )(1) |
وقال الآبي في ( نثر الدر ) : ( وقال ابن عباس : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هجاء الأعشى علقمة ، نهى أصحابه أن يرووه ، وقال : ( إنّ أبا سفيان شعث مني عند قيصر ، فرد عليه علقمة وكذّب أبا سفيان ) ، فشكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك )(2) .
وهذا يكشف عن متابعة ابن عباس للشعر والشعراء ، وما يروى وما لايروى.
وأخيراً لقد ورد في كتاب ( الفهرس الموجز لمخطوطات مؤسسة علال الفاسي ) تأليف عبد الرحمن بن العربي الحريسي مدير المؤسسة(3) :
القصيدة المربّعة عدد أبياتها ( 47 ) بيتاً في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المؤلف ابن عباس ، أوّلها :
حادي النوازل إن لاحت لك الخيم |
من الكثيب وبان البان والعلم |
____________________
(1) الكامل 3 / 320.
(2) نثر الدر 1 / 289.
(3) الفهرس الموجز لمخطوطات مؤسسة علال الفاسي 1 / 65 رقم 98.
( صفحاته : 2 ، مقايسه : 15 / 16 ، مسطرته : 24 في مجموع ص : 245 إلى صفحة : 247 ، الخط مغربي رديء ).
ملاحظة لم أقف على من ذكرها. ثم أنظر من هو ابن عباس هذا؟
وتوجد أيضاً ضمن كناش عدد ع 416 بالمؤسسة.
أقول : فهل يحتمل أن تكون القصيدة المربعة لابن عباس الذي هو صاحبنا؟
احتمال قائم يخضع في إثباته ونفيه للإطلاع على القصيدة ، وأنّى لنا بها. ولكنا نشير إليها نظراً لخلو كتب السيرة والمدائح النبوية وغيرها عن ذكرها ولو كانت له لأشير إليها.
ابن عباس والخطابة
إنّ الخطابة التي كانت عند العرب ، يتفاضلون فيها بالعصبيّة ، ويتفاخرون عندها بالأنساب ، ولمّا جاء الإسلام جمع كلمتهم على الهدى والتقى باسم الإسلام ، وحسبنا أن نستذكر من خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم التي ألقاها يوم فتح مكة عند الكعبة. فقال فيها : ( يا معشر قريش إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم خلق من تراب )(1) .
وقال في خطبة من خطب حجة الوداع : ( أيّها الناس ، إنّ ربكم واحد ، وإنّ أباكم واحد ، وكلّكم لآدم وآدم من تراب ، وأكرمكم عند الله أتقاكم ، ليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى )(2) .
فهو صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء المسلمين بالقرآن الكريم فقد زاد العرب بلاغة وحكمة ، فصار خطباؤهم يزيّنون خطبهم بآية من آيات الذكر الحكيم ، وكتب السيرة والتاريخ والأدب ملاء بالشواهد ، وأبرز الخطباء بعد
____________________
(1) تاريخ الطبري 2 / 337.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 1 / 128.
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أثراً في الخطابة كان هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فهو الذي سنّ الفصاحة لقريش كما قال معاوية في حديثه مع محقن بن أبي محقن الضبي ، وقد كان ابن عباس يقول في وصفه للإمام عليه السلام وقد سأله عنه معاوية كما سيأتي في حديثه : ( رحم الله أبا الحسن كان والله علم الهدى وأخطب أهل الدنيا إلاّ الأنبياء والنبيّ المصطفى )(1) ، وهو إمام الخطباء من العرب على الإطلاق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2) . ويكفي شاهداً ( نهج البلاغة ) معلماً حيّاً قائماً.
وقد روى ابن عباس من خطب الإمام عليه السلام وحكمه في كلمه كثيراً ، إذ كان له ومعه منذ رحلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى حضور دائم ، وظلّ ملازم ، يحفظ عنه ما يقول ، ويعي منه ما يقصر عن فهمه غيره ، فكان ربيب علمهِ وهو القائل : ( ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليّ بن أبي طالب )(3) . وقال أيضاً في جواب من سأله عن الإمام عليه السلام فأغضبه في مسألته فقال له : ( ثكلتك أمّك ، عليّ علّمني ، وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورسول الله علّمه الله من فوق عرشه ، فعلم النبيّ من الله ، وعلم عليّ من النبيّ ، وعلمي من علم عليّ ، وعلم أصحاب محمد كلّهم في علم عليّ كالقطرة الواحدة في سبعة أبحر )(4) .
____________________
(1) المعجم الكبير للطبراني 10 / 439 / 10589 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 24 ـ 25.
(2) جواهر الأدب للسيد أحمد الهاشمي 2 / 134 ط / 15 مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر.
(3) مقدمتان في علوم القرآن / 264.
(4) أنظر أمالي الطوسي 1 / 11 ط النعمان ، ص 7 ط حجرية 1313 هـ ، بحار الأنوار 8 / 465 ط حجرية. وقدم في هذه الحلقة من موسوعة عبد الله بن عباس ج1.
فمن كان بهذه المثابة في المصدر في علومه ، هل تخفى عليه بلاغة عليّ عليه السلام وفصاحته في خطبه ومنثور حِكمه في كلامه ، وهو يعيش معه جنباً إلى جنب ، ثم لا يتعلم منه! لقد كان ابن عباس الوحيد من بين شيعة الإمام عليه السلام الذي روى الخطبة الشقشقية التي كشفت عن مكنون الضمير عند الأمير عليه السلام ، مع ما روى عنه ما خصّه به من حديث على نهج ما مرّ ، ودع عنك طبيعة البيت الهاشمي من امتياز في الفصاحة.
فمن هذا وذاك كان ابن عباس رضي الله عنه خطيباً بارعاً يأخذ بالألباب من سامعيه ، حتى كان بعضهم يرى على كلامه نوراً ، وآخر يودّ لو أذن له يقبّل رأسه ، وثالث يقول : لو سمعته الترك أو الديلم لأسلمت ، وكلّ هذا قد تقدم ذكره في الحلقة الأولى ، فلا نعيده ، ولنقرأ :
نماذج من بعض خطبه
1 ـ حدث عن يونس بن عبد الوارث ، عن أبيه ، قال : بينا ابن عباس رحمه الله يخطب عندنا على منبر البصرة إذ أقبل على الناس بوجهه ، ثم قال : ( أيتها الأمّة المتحيّرة في دينها ، أما والله لو قدّمتم من قدّم الله ، وأخرّتم من آخر الله وجعلتم الوراثة والولاية حيث جعلها الله ، ما عال سهم من فرائض الله ، ولا عال وليّ الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، فذوقوا وبال ما فرّطتم فيه ، بما قدّمت أيديكم ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون )(1) .
____________________
(1) أنظر أمالي الشيخ المفيد / 27 و 152 ، بشارة المصطفى للطبري / 132 ، امالي الشيخ الطوسي / 39 و 61 ط إيران ، الدرجات الرفيعة / 134 مخطوط بمكتبة الشيخ السماوي.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة عند مقدمة هذه الخطبة إذ يقول الراوي : ( بينا ابن عباس رحمه الله يخطب عندنا على منبر البصرة إذ أقبل على الناس بوجهه ، ثم قال ).
فنقول :
بماذا كان يخطب ابن عباس؟
وما هي خطبته تلك التي أعرض عنها الراوي فلم ينقل لنا ألفاظها؟
وإذا كان يخطب فإلى أيّ جهة كان وجهه؟ حتى يقول الراوي : ( ثم أقبل على الناس بوجهه ). فهل كان مطرقاً برأسه إلى الأرض ، أو رافعاً رأسه إلى السماء ، وأراد الراوي أن يلفت نظر السامع والقارئ فقال ذلك كناية للتعبير عن مزيد الإهتمام بما بعده ، فربما كان ذلك وربما كان غير ذلك.
وعلينا أن نكون صريحين في تعبيرنا وأحراراً في تفكيرنا ، ونقول : إنّ هذه الخطبة هي سياسية أكثر من أن تكون وعظية ، بما قدّم لها الراوي ما يشعر بفيض جوّها حمماً ، وتطفح ألفاظها ألماً وبرماً ، وذلك بما جنته الأمّة على نفسها وبسوء اختيارها ، حتى أضحت متحيّرة في دينها ، تتقاذفها الأهواء والآراء ، وتتنازعها المطامع والمطامح. ولماذا صارت كذلك؟ وهذا ما نقرأه في بيان الحبر ابن عباس رضي الله عنه حين يقسم قسماً براً لا يحنث فيه ، فيقول : ( أما والله لو قدمتم من قدّم الله الخ ).
ولكنها الأمّة هي التي ضيعّت حظها ، فأخطأت في سلوكها الطريق
التي أرادها الله لها ، وذلك في قوله تعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (1) ، وقد قضى الله تعالى بتعيين ولي الأمر بقوله تعالى :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2) .
وقد عيّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم شخصية ذلك الولي فعلاً وقولاً في أكثر من موقف منذ حديث بدء الدعوة وحتى يوم غدير خم حيث قام آخذاً بيد عليّ عليه السلام رافعاً له حتى بان بياض إبطيهما وقال : ( من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ). ولعل آخر مشهدٍ كان في يوم الخميس قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم بأربعة أيام حين دعا بدواة وكتف ليكتب للأمّة كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ، فمنع من ذلك ، وقد مرّ الحديث عنه مفصلاً ، كما مرّ أنّ ابن عباس وهو أحد شهود ذلك المشهد وأوحد الرواة له ، كان إذا ذكر يوم الخميس بكى حتى يبل دمعه الحصى(3) .
فهذا هو الحظ الذي ضيعته الأمّة حين أخّرت من قدّم الله ، ولم تجعل الوراثة والولاية حيث جعلها الله كما قال لهم ابن عباس. وقد خلف في نفسه من تباريح الأسى ما كان يطفح به كلامه ، سواء في خطبه أو إحتجاجاته ، وحتى أحاديثه الخاصة ، ولم يكتف حبر الأمة بمجرد التوبيخ المحض والتقريع الممض ، بل أنذرهم بسوء المنقلب وبئس المصير ،
____________________
(1) سورة الأحزاب / 36.
(2) المائدة / 55.
(3) لقد مرت الإشارة إلى ذلك في الحديث عن حياة ابن عباس رضي الله عنه في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فراجع.
وذلك بقوله في ختام خطبته : ( فذوقوا وبال ما فرطتم فيه بما قدمت أيديكم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ).
2 ـ ومن خطبة له أيضاً بالبصرة وذلك في يوم عيد الفطر ، فقال : ( أدّوا زكاة صومكم ) ، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال : ( من ههنا من أهل المدينة قوموا إلى إخوانكم فعلّموهم فإنّهم لا يعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرض صدقة الفطر على الصغير والكبير ، والحرّ والعبد ، والذكر والأنثى نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر أوشعير )(1) .
وهذه الفقرات تعكس لنا تردّي الحالة الإجتماعية من الناحية الدينية ، وجهل الناس بأحكام الشريعة وواجباتها المفروضة. ولولا جهل الناس وبُعدهم عن الدين وتعاليمه ، لما جعل بعضهم ينظر إلى بعض حين دعاهم ابن عباس إلى أداء زكاة الفطر ، ولعلّ مردّ ذلك إلى تهاون الولاة الذين كانوا يحكمونهم قبله في عدم تعليمهم ذلك الحكم الشرعي والفريضة الواجبة.
3 ـ ومن خطبة له بالبصرة في شأن القدر والولدان ، فقال : ( إنّ هذه الأمّة لا يزال أمرها مؤاماً ـ متقارباً ـ ما لم يتكلم في القدر والولدان )(2) .
4 ـ لمّا أراد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى أهل الشام ثانياً ، كتب إلى ابن عباس رضي الله عنه يدعوه إلى الشخوص معه فيمن قبله ، فأتاه الكتاب ، فجمع الناس وقرأه عليهم وأمرهم بالشخوص مع الأحنف ابن قيس
____________________
(1) سنن النسائي 3 / 190 ط مصر.
(2) الكنى والأسماء للدولابي 1 / 7 ، و 174 ط حيدر آباد.
كمقدمة له ، فلم ينفر مع الأحنف إلاّ ألف وخمسمائة رجل ، فاستقلهم ابن عباس رضي الله عنه قام في الناس خطيباً فقال بعد الحمد والثناء : ( أمّا بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم ، فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف ابن قيس فلم يشخص معه إلاّ ألف وخمسمائة ، وأنتم في الديوان ستون ألفاً سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم ، ألا فانفروا مع جارية بن قدامة السعدي ، ولا يجعل أمرؤ على نفسه سبيلاً ، فإنّي موقع بكلّ من وجدته تخلّف عن دعوته ، عاصيّاً لإمامه حزناً يعقب ندماً ، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم ، فلا يلم أمرؤ جعل السبيل على نفسه إلاّ نفسه )(1) .
5 ـ ومن خطبة له : ( يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذي أنزل على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم أحدث الأخبار بالله تقرؤنه لم يشب ، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب بدّلوا ما كتب الله وغيّروا بأيديهم الكتاب ، فقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ، ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم )(2) .
وهذه الخطبة تصف لنا جانباً اجتماعياً مهمّاً ، وهو إنهيار الشخصية الإسلامية عند بعض المسلمين ممن بهرهم ما كان عليه أهل الكتاب من الحديث المزيّف ، خصوصاً أولئك الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً ، فكانوا يسألونهم ويأخذون عنهم ، غافلين عمّا كان يدسه أولئك الدخلاء الذين
____________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 121 ، تاريخ الطبري 5 / 78.
(2) صحيح البخاري 3 / 181.
استغلهم النظام الحاكم حيث وجدوا فيهم أدوات صماء لا يعقلون ، فكانوا يحشون آذانهم بكلّ ما هبّ ودبّ من الإسرائيليات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وما كان الحاكمون في غفلة بل يتغافلون ـ على أحسن الظن ـ عن نوايا أولئك الشرّيرين حتى اتسع الرتق ، وفشا حديثهم في جوامع المسلمين ، فكان كعب الأحبار ووهب بن منبه وتميم الداري وأضرابهم هم المحدّثون والمسلمون سمّاعون للكذب ولا يستنكرون ، فخشي ابن عباس رضي الله عنه من النتائج السيئة لتلك الفتنة أن يعمّ شرّها المسلمين ، فخطب الناس محذراً لهم من كيد أولئك الدخلاء ونواياهم السيئة.
6 ـ وخطب الناس في يوم من أيام صفين ، فقال : ( الحمد لله رب العالمين الذي دحا تحتنا سبعاً ، وسمك فوقنا سبعاً ، وخلق فيما بينهن خلقاً ، وأنزل لهم فيها رزقاً ، ثم جعل كلّ شيء يبلى ويفنى غير وجهه الحيّ القيوم الذي يحيى ويبقى. إنّ الله بعث أنبياء ورسلاً ، فجعلهم حججاً على عباده عذراً ونذراً ، لا يطاع إلاّ بعلمه وإذنه ، يمنّ بالطاعة على من يشاء من عباده ، ثم يثيب عليها ، ويعصى فيعفو ويغفر بحلمه ، لا يقدّر قدره ، ولا يبلغ شيء مكانه ، أحصى كلّ شيء عدداً ، وأحاط بكلّ شيء علماً.
ثم أنّي أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، إمام الهدى والنبيّ المصطفى. وقد ساقنا قدر الله إلى ما قد ترون حتى كان فيما اضطرب من حبل هذه الأمّة ، وانتشر من أمرها ، أن ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعواناً على عليّ بن أبي
طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره ، وأوّل ذكر صلّى معه ، بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلّ مشاهده التي فيها الفضل ، ومعاوية مشرك كان يعبد الأصنام ، والذي ملك الملك وحده ، وبان به وكان أهله ، لقد قاتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : صدق الله ورسوله ، ومعاوية وأبو سفيان يقولان : كذب الله ورسوله ، فما معاوية في هذه بأبرّ ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم.
فعليكم بتقوى الله والجدّ والحزم والصبر ، والله إنّا لنعلم إنّكم لعلى الحق ، وأن القوم لعلى الباطل ، فلا يكونُنّ أولى بالجدّ في باطلهم منكم في حقكم ، أما والله إنّا لنعلم إنّ الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم.
اللهمَّ ربّنا أعنّا ولا تخذلنا ، وانصرنا على عدّونا ، ولا تخلَّ عنا ، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أقول قولي واستغفر الله لي ولكم )(1) .
7 ـ وخطب ابن عباس رضي الله عنه أهل العراق في الكوفة بعد ما كثر خوض الناس في أمر الحكمين ، وكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قد أمر ولده الحسن عليه السلام وابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنه وابن أخيه عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أن يخطب كلّ منهم في شأن الحكمين وأمرهما ، فتقدم الحسن عليه السلام فخطب خطبة بليغة ، ثم جاء دور ابن عباس رضي الله عنه فخطب الناس ، وقال بعد الحمد والثناء : ( أيّها الناس إنّ للحق أهلاً أصابوه بالتوفيق ، والناس بين
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5 / 250 ، وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري / 359 ط مصر.
راضٍ به وراغبٍ عنه ، وإنّما بعث عبد الله بن قيس ـ حكم أهل العراق ـ لهدى إلى ضلالة ، وبعث عمرو بن العاص ـ حكم أهل الشام ـ لضلالة إلى الهدى ، فلمّا التقيا رجع عبد الله عن هداه ، وثبت عمرو على ضلالته ، والله لئِن حُكّما بالكتاب لقد حكما عليه ، وإن حُكّما بما اجتمعا عليه معاً ما اجتمعا على شيء ، وإن كان حُكّما على ما سارا إليه ، لقد سار عبد الله وإمامه عليّ عليه السلام ، وسار عمرو وإمامه معاوية ، فما بعد هذا من غيب ينتظر ، ولكن سئموا الحرب ، وأحبوا البقاء ، ودفعوا البلاء ، ورجا كلّ قوم صاحبهم )(1) .
8 ـ أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده ، بسنده عن أبي نضرة ، قال : خطبنا ابن عباس على منبر البصرة ، فحمد الله عزوجل وأثنى عليه ، ثم قال :
( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من نبيّ إلاّ وله دعوة كلّهم قد تنجزها في الدنيا ، وإنّي أدخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، ألا وأنّي سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وأوّل من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد تحته آدم من دونه ولا فخر ، ويشتد كرب ذلك اليوم على الناس ، فيقولون : انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فليشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا ، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون : أنت الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ، فاشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي ديننا ، فيقول : إنّي لست هناكم ، إنّي أخرجت من الجنة بخطيئتي ، وأنّه لا يهمني اليوم إلاّ
____________________
(1) جمهرة خطب العرب 1 / 174.
نفسي ، ولكن أئتوا نوحاً أوّل النبيّين ، فيأتون نوحاً فيقولون : أشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا ، فيقول : لست هناكم ، إنّي دعوت دعوة غرقت أهل الأرض ، وأنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ، ولكن أئتوا إبراهيم خليل الله ، فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : أشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا ، فيقول : لست هناكم ، إنّي كذبت في الإسلام ثلاث كذبات ، وأنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ، ـ قال ـ ابن عباس ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والله ما حاول بهن إلاّ عن دين الله ، قوله( إِنِّي سَقِيمٌ ) (1) ، وقوله :( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ) (2) ، وقوله لسارة : قولي أنّه أخي ـ. ولكن أئتوا موسى عبداً إصطفاه الله برسالاته وبكلامه ، فيأتون موسى فيقولون : أشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا ، فيقول : إنّي لست هناكم إنّي قتلت نفساً بغير نفس ، وأنّه لا يهمني اليوم إلاّ نفسي ، ولكن إئتوا عيسى روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى فيقولون : أشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا ، فيقول : إنّي لست هناكم ، إنّي أتُخذت وأميّ الهينَ من دون الله ، ولكن أرأيتم لو أن متاعاً في وعاء قد ختم عليه أكان يوصل ـ إلى ما في الوعاءـ حتى يفض الخاتم؟ فيقولون : لا ، فيقول : فإنّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد حضر اليوم وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فيأتيني الناس فيقولون : أشفع لنا إلى ربنا حتى يقضي بيننا ، فأقول : أنا لها أنا لها ، حتى يأذن الله عزوجل لمن يشاء ويرضى ، فإذا
____________________
(1) الصافات / 89.
(2) الأنبياء / 63.
أرد الله عزوجل أن يقضي بين خلقه نادى منادٍ : أين أحمد وأمته؟ فأقوم وتتبعني أمتي غرّ مُحجلون من أثر الوضوء والطهور.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فنحن الآخرون الأولون ، أوّل من يحاسب وتفرج لنا الأمم عن طريقنا وتقوم الأمم كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلّها ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فأنتهي إلى باب الجنة فاستفتح ، فيقال : من هذا؟ فأقول : أحمد يفتح لي ، فأنتهي إلى ربّي وهو على كرسيّه فأخر ساجاً ، فأحمد ربي بمحامد لم يحمده أحد بها قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي ، فيقال لي : ارفع رأسك وقل تُسمع ، وسل تُعطى ، وأشفع تشفّع ، فأشفع ، فيقال : فأذهب فأخرج من النار من كان في قلبه من الخير كذا وكذا ، فأنطلق إلى جهنم ثم أرجع إلى ربّي فأخرّ ساجداً ، فيقال لي : إرفع رأسك ، وقل تُسمع ، وأشفع تشفع ، وسل تعطه ، قال : فيحد لي حداً فأخرجهم من النار ).
فهذا ما أخرجه الطيالسي في مسنده(1) ، ولا يخلو ما في بعض الخبر في صحته من نظر!
____________________
(1) مسند أبي داود / 353 ط حيدر آباد.
ابن عباس والإحتجاج
لقد كان بارعاً في إدلاء الحجة وإلزام الخصم ، مع أدب جم ، وعلم وفهم ، وحسبنا على هذا إختيار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام له ليكون الحَكَم الذي يمثل أهل العراق ، ولكن الأشعث والخوارج أبوا عليه ذلك ، وقد مرّ خبره في الحلقة الأولى ، وكذلك إختاره مفاوضاً عنه حين أرسله إلى الخوارج في حروراء ، وقد مرّ حديثه كذلك في الحلقة الأولى ، وسيأتي أيضاً برواية أخرى.
وقد قرأنا في الحلقة الأولى ( سيرة وتاريخ ) ، أنّه كان منذ صباه يتمتع بجرأة نادرة تدفعه لأن يقول كلمه ويدلي برأيه أمام شيوخ المهاجرين والأنصار ، كما مرّ في أيام عمر.
وسنقرأ نماذج من إحتجاجاته التي تغلّب فيها على محاوريه ، فاعترفوا له بفضيلة السبق في مضمار الحجاج ، وأنّه ما لاحى أحداً إلاّ خصمه. وسنجد الطابع العام في جُلّ تلك المحاورات يدور حول إمامة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، ولا بدع ولا غرابة فهو بحكم قرباه النسبية ، وقرابته السببية من حيث التلمذة عليه ، مع إيمانه الصادق ووعيه المميز أن كان معدوداً
في طليعة المتكلمين في العقيدة ، يمتاز بقدرة فائقة من فصاحة لسان ، وحسن بيان ، وقوّة حجة ، وفطنته تسدّ على محاوره منافذ الغلبة ، وهذا ما أعرب عنه عمر بن الخطاب بقوله : ( واهاً لابن عباس ما لاحى أحداً إلاّ خصمه ) ، وما ذلك إلاّ من قوّة إيمانه ، وكثرة علمه ، وحفظه لأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحتاج إليه عند الإستدلال ، وأحاديثه في هذا الباب ـ وقد مرّ الكلام فيها ـ لا يتطرق الريب في صحتها ، لبراءة من قد يُتهم بوضعها.
فإن كانوا من أبنائه أو المتزلفين إليهم من شيعة بني العباس ، فهي على خلاف مذاهبهم ومشاربهم ، بل هي حجة لخصومهم عليهم ، فلا يعقل أنّهم وضعوها لتحطيم دعاواهم في استحقاقهم الخلافة!
وأمّا إن كان المتهمون بوضعها هم شيعة الإمام عليّ عليه السلام ، فهي مروية في مصادر أخصامهم من بقية المذاهب الأخرى ، فكيف تسنى لهم اختراق جميع تلك المصادر وتثبيت بصماتهم فيها؟!
بل الصحيح أنّ ابن عباس رضي الله عنه كان معلناً بولائه ، ومجاهداً بلسانه قبل سنانه ، يدلي بما وعاه ورواه في كلّ مجمع يرى فيه نصرة إمامه عليه السلام واجبة عليه ، بعد أن كانت السلطات تعمل على تغييب ذكره وأمره عن أذهان الأمّة ، فجهله كثير من الناس نتيجة الضغط الحاكم ، ورواج أكاذيب مرتزقة السلطان ، فكان ابن عباس الوحيد الذي روي عنه في فضائل الإمام عليه السلام أكثر ممّا روي عن غيره من الصحابة ، لشهرته العلمية ، ومكانته الإجتماعية ، وكثرة الرواة عنه. وفي يقيني أنّ جميع ما وصل إلينا في هذا
الباب إن هو إلاّ غيض من فيض ، لأنّه كان يقول : ( إنّ لعليّ عليه السلام في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس ، قوله تعالى :( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) فهو المؤذن بينهم يقول : ألا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي )(1) ، وكان يقول : ( ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّ )(2) . ونحن إذا رجعنا إلى ما وصل إلينا من كتب التفسير والحديث لا نجد إلا النزر اليسير ممّا أشار إليه ابن عباس في قوله السابق.
ولا يفوتني التنبيه على أمر هام وبشرى سارة لمن يحبّ عليّاً عليه السلام ، وذلك إنّي وقفت على رسالة لأحد أعلام المحدثين من شيوخ العامة لم تنشر من قبل ، جمع فيها ( ما نزل في عليّ عليه السلام من آيات القرآن المجيد ) برواية ابن عباس رضي الله عنه ، وغيره ولعلي أنشرها إن شاء الله تعالى ضمن الحلقة الثالثة من هذه الموسوعة مع لدات أمثالها ، أسأل الله التوفيق لتحقيق الآمال ، وصالح الأعمال ، انّه الكبير المتعال.
ولنقرأ من إحتجاجه مع الأفراد مسلسلاً حسب تاريخ الصدور ، بدءاً من أيام أبي بكر ، ثم من بعده أيام عمر ، ومن بعده مع عثمان ، وعائشة ، وطلحة والزبير ، ومعاوية وعمرو بن العاص ، وزياد ، وعتبة ، ومروان ، وابن الزبير ، والأشعث بن قيس ، ومن سبّ عليّاً عليه السلام. ثم نقرأ من إحتجاجه مع الجماعات ، وبدءاً من الخوارج أفراداً وجماعات ، ثم مع تسعة رهط مفسدون في الأرض ، ومع المجبّرة والقدرية ، وغيرهم.
____________________
(1) مجمع البيان 4 / 259.
(2) شواهد التنزيل 1 / 39.
ولا نستغفل القارئ بأنّ ما يقرأه في هذا الجزء ليس ممّا لم يكن قد قرأ بعضه فيما مضى من أجزاء الحلقة الأولى ، بل رأيت جمع ما مرّ وما حضر ، يشكّل في موضوعه وحدة متكاملةٌ تعلّمنا آداب الحوار والجدل مع الخصم في أصول العقيدة ، وفيها إثبات الإمامة ، وهذا في جمعه نفع كبير. ولنذكر للقارئ خلاصة نهج ابن عباس رضي الله عنه في المحاجة في قوله : ( عجباً لمن يطلب أمراً بالغلبة وهو يقدر عليه بالحجة ، فالحجة دين يعتمد به الطاعة ، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة )(1) .
____________________
(1) محاضرات الراغب 3 / 33 ط الشرفية.
مواقف إحتجاجاته في أيام أبي بكر
لقد مرّت بنا في الجزء الثاني من الحلقة الأولى مواقف مشهودة لابن عباس وإن كانت محدودة ، دلّت على قوّة شخصيته مع صغر سنه ، فقرأنا المروي عنه في مصادر الفريقين من خبر اليهودي مع أبي بكر ، وهو خبر شائق نستعيده في المقام وما يستتبعه من مماثل له ، يصلح أن يكون شاهداً على بدايات نبوغ ابن عباس ، ذلك الفتى اليافع أمام الناس داعياً واعياً.
فقد روى ابن دريد(1) ، والمقري الكبير(2) ، والفتوني العاملي(3) ، وابن شاذان(4) ، والديلمي(5) ، وابن بابويه(6) ، والبياضي(7) ، والعاصمي(8) ، والمجلسي(9) ، ( واللفظ للأوّل ) برواية أنس بن مالك ، قال :
____________________
(1) المجتنى / 35 ط حيدر آباد.
(2) نفح الطيب 7 / 212 ط مصر نقلاً عن محاضرات المقري الكبير.
(3) ضياء العاملين ( نسخة مصورة ) بمكتبتي.
(4) الفضائل / 122 ط حجرية.
(5) ارشاد القلوب 2 / 118 ط النجف.
(6) التوحيد / 385 ط حجرية 1321 بسنده عن الإمام الحسين عليه السلام.
(7) الصراط المستقيم 2 / 14 ط الحيدري بايران.
(8) زين الفتى ( مخطوط ) بمكتبة المرحوم الشيخ الأميني ( قدس سره ).
(9) بحار الأنوار 8 / 191 ط الكمباني حجرية.
( أقبل يهودي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل المسجد ، فقال : أين وصي رسول الله؟ فأشار القوم إلى أبي بكر ، فوقف عليه ، فقال له : أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصي نبيّ؟
قال أبو بكر : سل عما بدا لك.
قال اليهودي : أخبرني عمّا ليس لله ، وعمّا ليس عند الله ، وعمّا لا يعلمه الله.
فقال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي ، وهمّ أبو بكر والمسلمون رضي الله عنهم باليهودي.
فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما أنصفتم الرجل.
فقال أبو بكر : أما سمعت ما تكلّم به؟
فقال ابن عباس : إن كان عندكم جوابه وإلاّ فاذهبوا به إلى عليّ رضي الله عنه يجيبه ، فانّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب : ( اللّهم اهد قلبه ، وثبّت لسانه ).
قال : فقام أبو بكر ومن حضره حتى أتوا عليّ بن أبي طالب فاستأذنوا عليه. فقال أبو بكر : يا أبا الحسن إنّ هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة.
فقال عليّ : ما تقول يا يهودي؟
قال : أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ.
فقال له : قل. فردّ اليهودي المسائل.
فقال عليّ رضي الله عنه : أمّا ما لا يعلمه الله ، فذلك قولكم يا معشر اليهود : إنّ العزير ابن الله ، والله لا يعلم أنّ له ولداً. وأمّا قولك : أخبرني بما ليس عند الله ، فليس عنده ظلم للعباد. وأمّا قولك : أخبرني بما ليس لله ، فليس له شريك.
فقال اليهودي : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، وأنّك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال أبو بكر والمسلمون لعليّ عليه السلام : يا مفرّج الكرب ).
وممّا يدل على نحو ما سبق أيضاً ، ما أخرجه الشيخ ابن بابويه الصدوق في كتابه ( الخصال )(1) ، والديلمي في ( الإرشاد )(2) ، واللفظ لهما معاً ، وبإسناد الأوّل عن ابن عباس ، قال :
( قدم يهوديان أخوان من رؤساء اليهود بالمدينة ، فقالا : يا قوم إنّ نبيّنا حُدّثنا عنه أنّه يظهر نبيّ بتهامة يسفّه أحلام اليهود ، ويطعن في دينهم ، ونحن نخاف أن يزيلنا عما كان عليه آباؤنا ، فأيّكم هذا النبيّ؟ فإن يكن الذي بشّر به داود آمنّا به واتبعناه ، وإن لم يكن وكان يورد الكلام على ائتلافه ويقول الشعر ، ويقهرنا بلسانه ، جاهدناه بأنفسنا وأموالنا ، فأيّكم هذا النبيّ؟
فقال المهاجرون والأنصار : إنّ نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم قد قبض.
فقالا : الحمد لله ، فأيّكم وصيّه؟ فما بعث عزوجل نبيّاً إلى قوم إلاّ وله وصيّ يؤدي عنه من بعده ، ويحكي عنه ما أمره ربّه.
فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر ، فقالوا : هو وصيّه.
فقالا لأبي بكر : إنّا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء ،
____________________
(1) الخصال / 560 باب الواحد إلى المائة ط الحيدرية.
(2) ارشاد القلوب 2 / 119 ط الحيدرية ط الاولى.
ونسألك عما تسأل الأوصياء عنه.
فقال لهما أبو بكر : ألقيا ما شئتما أخبركما بجوابه إن شاء الله.
فقال أحدهما : ما أنا وأنت عند الله عزوجل؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ ومن أين تطلع الشمس وفي أين تغرب؟ وأين طلعت الشمس ثم لم تطلع فيه بعد ذلك؟ وأين تكون الجنة؟ وأين تكون النار؟ وربك يَحمل أو يُحمل؟ وأين يكون وجه ربك؟ وما اثنان شاهدان؟ وما اثنان غائبان؟ وما اثنان متباغضان؟ وما الواحد؟ وما الاثنان؟ وما الثلاثة؟ وما الأربعة؟ وما الخمسة؟ وما الستة؟ وما السبعة؟ وما الثمانية؟ وما التسعة؟ وما العشرة؟ وما الأحد عشر؟ وما الاثنا عشر؟ وما العشرون؟ وما الثلاثون؟ وما الأربعون؟ وما الخمسون؟ وما الستون؟ وما السبعون؟ وما الثمانون؟ وما التسعون؟ وما المائة؟
قال ابن عباس : فبقي أبو بكر لا يردّ جواباً ، فتخوّفنا أن يرتدّ القوم عن الإسلام ، فأتيت منزل عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فقلت له : يا عليّ أنّ رؤساء اليهود قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل فبقي أبو بكر لا يرد جواباً.
فتبسم عليّ عليه السلام ضاحكاً ، ثم قال : هو اليوم الذي وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأقبل يمشي أمامي وما أخطأت مشيتُه من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئأ حتى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم التفت إلى اليهوديين ، فقال : يا يهوديان أدنوا مني وألقيا عليَّ ما ألقيتماه على الشيخ.
فقالا : ومن أنت؟
فقال لهما : أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب ، أخو النبيّ ، وزوج ابنته فاطمة ، وأبو الحسن والحسين ، ووصيّه في حالاته كلّها ، وصاحب كلّ منقبة وعز ، وموضع سر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال له أحد اليهوديين : ما أنا وأنت عند الله؟
قال : أنا مؤمن منذ عرفتُ نفسي ، وأنت كافر منذ عرفتَ نفسك ، فما أدري ما يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك.
فقال اليهودي : فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟
قال : ذاك يونس عليه السلام في بطن الحوت.
قال : فما قبر سار بصاحبه؟
قال : يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر.
قال له : فالشمس من أين تطلع؟
قال : من بين قرني الشيطان.
قال : فأين تغرب؟
قال : في عين حمئة ، وقال لي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تصل في إقبالها ولا في إدبارها حتى تصير مقدار رمح أو رمحين ).
قال : فأين طلعت الشمس ثم لم تطلع في ذلك الموضع؟
قال : في البحر حين فلقه الله تعالى لبني اسرائيل لقوم موسى عليه السلام.
قال : فربك يَحمل ، أو يُحمل؟
قال : إنّ ربي عزوجل يحمل كلّ شيء بقدرته ولا يحمله شيء.
قال : فكيف قوله عزوجل :( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة ) (1) ؟
قال : يا يهودي ألم تعلم أنّ لله( مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ) (2) ، فكلّ شيء على الثرى ، والثرى على القدرة ، والقدرة تحمل كلّ شيء.
قال : فأين تكون الجنة؟ وأين تكون النار؟
قال : أمّا الجنة ففي السماء ، وأمّا النار ففي الأرض.
قال : فأين يكون وجه ربك؟
فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام لي : يا بن عباس إئتني بنار وحطب ، فأتيته بنار وحطب فأضرمهما ، ثم قال : يا يهودي أين يكون وجه هذه النار؟
قال : لا أقف لها على وجه.
قال : فإنّ ربّي عزّ وجلّ عن هذا المثل ، وله المشرق والمغرب ،( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّه ) (3) .
فقال له : ما اثنان شاهدان؟
قال : السماوات والأرض لا يغيبان ساعة.
قال : فما اثنان غائبان؟
____________________
(1) الحاقة / 17.
(2) طه / 6.
(3) البقرة / 115.
قال : الموت والحياة لا يوقف عليهما.
قال : فما اثنان متباغضان؟
قال : الليل والنهار.
قال : فما الواحد؟
قال : الله عزوجل.
قال : فما الاثنان؟
قال : آدم وحواء.
قال : فما الثلاثة؟
قال : كذبت النصارى على الله عزوجل فقالوا : ]ثَالِثُ ثَلاثَةٍ[(1) عيسى ابن مريم ابن الله ، والله لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
قال : فما الأربعة؟
قال : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم.
قال : فما الخمسة؟
قال : خمس صلوات مفترضات.
قال : فما الستة؟
قال : خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش.
قال : فما السبعة؟
____________________
(1) المائدة / 73.
قال : سبعة أبواب النار متطابقات.
قال : فما الثمانية؟
قال : ثمانية أبواب الجنة.
قال : فما التسعة؟
قال : تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
قال : فما العشرة؟
قال : عشرة أيام العشر.
قال : فما الأحد عشر؟
قال : قول يوسف لأبيه :( يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) (1) .
قال : فما الاثنا عشر؟
قال : شهور السنة.
قال : فما العشرون؟
قال : بيع يوسف بعشرين درهماً.
قال : فما الثلاثون؟
قال : ثلاثون يوماً شهر رمضان ، وصيامه فرض واجب على كلّ مؤمن إلاّ من كان مريضاً أو على سفر.
قال : فما الأربعون؟
____________________
(1) يوسف / 4.
قال : كان ميقات موسى عليه السلام ثلاثون ليلة فأتمها الله عزوجل بعشرٍ ، فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة.
قال : فما الخمسون؟
قال : دعا نوح قومه لبث ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.
قال : فما الستون؟
قال : قول الله عزوجل في كفارة الظهارَ ( فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً إذا لم يقدر على صيام شهرين متتابعين ).
قال : فما السبعون؟
قال : اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه عزوجل.
قال : فما الثمانون؟
قال : قرية بالجزيرة يقال لها : ثمانون ، منها قعد نوح عليه السلام في السفينة واستوت على الجودي ، وأغرق الله القوم.
قال : فما التسعون؟
قال : الفلك المشحون ، اتخذ نوح عليه السلام تسعين بيتاً للبهائم.
قال : فما المائة؟
قال : كان أجل داود عليه السلام ستين سنة فوهب له آدم عليه السلام أربعين عاماً سنة من عمره ، فلمّا حضرت آدم عليه السلام الوفاة جحد ، فجحد ذريته.
فقال له : يا شاب صف لي محمّداً كأنّي أنظر إليه ، حتى أومن به الساعة.
فبكى أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال : يا يهودي هيّجت أحزاني ، كان حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلت الجبين ، مقرون الحاجبين ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، أقنى الأنف ، دقيق المسربة ، كث اللحية ، برّاق الثنايا ، كأنّ عنقه أبريق فضة ، كان له شعيرات من لبتّه إلى سرّته ملفوفة كأنّها قضيب كافور ، لم يكن في بدنه شعيرات غيرها ، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير النزر ، كان إذا مشى مع الناس غمرهم بنوره ، وكان إذا مشى كأنّه يتقلع من صخر أو ينحدر من صبب ، كان مدور الكعبين ، لطيف القدمين ، دقيق الخصر ، عمامته السحاب ، وسيفه ذو الفقار ، وبغلته دلدل ، وحماره اليعفور ، وناقته العضباء ، وفرسه لزاز ، وقضيبه الممشوق ، وكان عليه السلام أشفق الناس على الناس ، وأرأف الناس بالناس ، كان بين كتفيه خاتم النبوة ، مكتوب على الخاتم سطران ، أمّا أوّل سطر : فلا إله إلاّ الله ، وأمّا الثاني : فمحمد رسول الله. هذه صفته يا يهودي.
فقال اليهوديان : نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله ، وأنّك وصي محمّد حقاً.
فأسلما وحسن إسلامهما ولزما أمير المؤمنين عليه السلام ، فكانا معه حتى كان من أمر الجمل ما كان فخرجا معه إلى البصرة ، فقتل أحدهما في وقعة الجمل وبقي الآخر حتى خرج معه إلى صفين فقتل بصفين أهـ ).
مقام رجلين من علماء اليهود بين يدي أبي بكر
ذكر ذلك الغزالي في كتابه ( مقام العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء ) ، قال :
( روى علي بن إسحاق ، عن محمد بن مروان ، عن ابن الكلبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال :
قدم يهوديان المدينة بعد وفاة النبيّ عليه الصلاة والسلام بشهرين ، فسألا عن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فدلا على أبي بكر رضي الله عنه. فأتياه فقالا : إنّا وجدنا صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة ، فجئنا لنسلم على يده.
فقال أبو بكر رضي الله عنه : قد مات منذ شهرين ، فما حاجتكما؟
فقالا : نريد أن نسألك عن أشياء ثلاثة ، فإن أخبرتنا بها آمنا وصدقنا.
فقال أبو بكر رضي الله عنه : سلا عما شئتما.
قالا : أخبرنا ما الذي فرَّق بين الحبّ والبغض ومعدنهما في القلب واحد؟ وما الذي فرَّق بين الحفظ والنسيان ومعدنهما في القلب واحد؟ وما الذي فرَّق بين الأحلام الصادقة والأحلام الكاذبة؟
قال : فاطرق أبو بكر ساعة عاضاً على إبهامه ، ثم قال : الله ورسوله أعلم إئتيا عمر بن الخطاب فإنّه سيخبركما إن شاء الله تعالى.
فأتيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسألاه ، قال : الله ورسوله أعلم ، إئتيا عليّ بن أبي طالب فاسألاه فإنّه سيخبركما إنّ شاء الله.
قالا : أين هو؟
قال : هو في سفح الجبل يثير أرضاً له.
فأتياه ثم سألاه.
فقال : أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : ( أخبرني جبريل عليه السلام أنّ الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فما تعارف منها أئتلف وما تناكر منها اختلف ، الحبّ والبغض من هاهنا نشأ.
قالا : صدقت والذي أنزل التوراة على موسى بن عمران.
قال عليّ رضي الله عنه : وأمّا الحفظ والنسيان ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني عن جبريل عليه السلام ، أنّ الله تعالى ، لما خلق آدم عليه السلام ، جعل له قلباً ، وجعل لقلبه غاشية تنفتح وتنطبق ، فما مرّ بالقلب والغاشية منطبقة ، فذلك الذي لا يعيه ابن آدم ، ولا يحفظه.
قالا : صدقت والذي أنزل التوراة على موسى بن عمران.
قال عليّ رضي الله عنه ، وأمّا الذي بين الأحلام الصادقة والكاذبة ، أخبرني رسول الله ، صل الله عليه وسلم ، أنّ جبريل عليه السلام ، أخبره أنّ ابن آدم إذا نام عرج بروحه إلى السماء ، فيرى هناك ما يرى وهو الحق ، فإذا ردت تلقتها الشياطين فلبّست عليها ، فما كان منها الصادقة فهي من السماء ، وما كان من الأرض فهي الكاذبة من الشياطين.
قالا : صدقت والذي أنزل التوراة على موسى بن عمران ، ونحن نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : الحمد لله الذي هداكما والله ولي التوفيق )(1) .
____________________
(1) مقام العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء / 189 ـ 191 ، بتحقيق محمد جاسم الحديثي.
ابن عباس مع عمر بن الخطاب في أيام خلافته
قال ابن عباس : ( عجباً لمن يطلب أمراً بالغلبة وهو يقدر عليه بالحجة ، فالحجة دين يعتقد به الطاعة ، وسلطان الغلبة يزول بزوال القدرة )(1) .
هكذا كانت فلسفة ابن عباس في مبدئه الحواري مع الآخرين من الحاكمين وغيرهم ، وهي فلسفة صحيحة لمن ملك مقوماتها وأحسن استعمالها ، ولقد قرأنا في سيرة ابن عباس وتاريخه في عهد عمر معاشرتهما ، كما في الحلقة الأولى في الجزء الثاني قرأنا بعض المؤشرات على قوّة نشاط ابن عباس في ذلك العهد ، فقلت في مقدمة ذلك :
( لا بد لنا من مقدمة نستوحي منها بعض المؤشرات على قوّة نشاط الحبر في ذلك العهد. ونتعرف من خلالها أسباب ذلك التمازج العملي ـ إن صح التعبير ـ مع شدّة التنافر الفكري بين الشخصين ، خصوصاً في أمر الخلافة التي هي بداية الخلاف في الأمّة ، والتي كان ابن عباس يقول فيها بالنص ، وكان عمر يقول فيها بالإختيار. فهما على طرفي نقيض في تلك النقطة المهمة ، ومن ذلك نعرف مدى التباعد بين الرؤى في العقيدة عند الرجلين مع شدّة التقارب بين الشخصين في الحضر والسفر ، بينما يرى
____________________
(1) محاضرات الراغب 1 / 33 ط الشرقية.
عمر ما رآه أبو بكر ، ورأيهما رأي المخالفين التابعين لهما والقائلين بالإختيار ) ، ويرى ابن عباس ما يراه عليّ عليه السلام من الحق له في الخلافة.
وهذا هو الرأي النظري الذي نجده مبثوثاً في الكتب الكلامية لأصحابهم ، لكن الرأي غير العمل ، فقد تبدّل منذ عهد معاوية الذي جعل الخلافة ملكاً عضوضاً ، كما سيأتي إلى ما يشير إلى هذا.
أقول : بينما يرى ابن عباس ما يراه أهل البيت جميعاً من قبل ومن بعد ، وهم القائلون بالنص ، وتبعهم على ذلك من شايعهم يومئذ وحتى الساعة.
وقد بحثتُ العوامل التي أدت إلى التناغم وتبادل الثقة بين ابن عباس وبين عمر حتى صارت صداقة ، ممّا أثارت حسد بعض شيوخ الصحابة على ذاك التقريب ، مع أنّ كلاً منهما لا يزال على رأيه وعند موقفه في مسألة الخلافة ، لأنّ إختلاف الرأي لا يفسد في الودّ قضية؟ كما يقول أحمد شوقي.
وقد بحثت ثلاث مسائل ذات أهمية بالغة وأجبت عنها تعرّفنا من خلالها الجواب على تلك المسائل ، فسأعيد في المقام تلخيصاً لها. فأقول :
إنّ المسألة الأولى : كانت حول تفضيل ابن عباس لإمرة أبي بكر على إمرة عمر ، فقال لمن سأله عنهما ، ففضّل إمرة المطيّبي ـ وهو أبو بكر ـ على إمرة الأحلافي ـ وهو عمر ـ ، وبالمقارنة بين العهدين ، وجدناه في عهد أبي
بكر فرداً كسائر بني هاشم منضوياً تحت لواء أبيه العباس كسائر أخوته وجميع بني هاشم يضمهم جميعاً كنف الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام الرحب ، فكانوا جميعاً تبعاً له ، فعن رأيه يصدرون وبأمره يعملون ، وهم جميعاً يمثلون الجبهة المعارضة للحكم يومئذ ، فيرون الحق لعليّ عليه السلام دون غيره ، ومرت أقوالهم شعراً ونثراً في ذلك.
بينما كان ابن عباس في عهد عمر له حضور منظور ، فهو في مجلس شورى عمر مفتياً ومشيراً وناصحاً ، وصاحباً في الحضر والسفر ، فكان يجرأ على المخاصمة ويقوى على المحاججة ، ويحتمل عمر منه ما لم يحتمله من غيره.
فكان مختصر الجواب عن هذه المسألة : أنّ مسألة التحالف التي كانت قبل الإسلام حسب الأعراف القبلية ، فبقيت أثارها تثيرها الخصومات كلّ ما دعت الحاجة إليها. وقد ذكرت شاهداً على ذلك في قصة تنازع أسامة بن زيد مع عمرو بن عثمان ، وانتصار الإمام الحسن عليه السلام وعبد الله بن جعفر لأسامة ، حين رأيا نصرة مروان وسعيد بن العاص لعمرو ابن عثمان ، وحسم معاوية ذلك النزاع لصالح أسامة خشية من بني هاشم أن يتفاقم الخطب ، ولم يكن في رأيي في ذلك سبباً تاماً بقدر ما هو كجواب إقناعي ، ورأيت أنّ قصر المدّة بين الحكمين كان عاملاً من عوامل تفضيل إمرة المطيبي وهو أبو بكر ، لأنّها لقصر مدتها لم تقع فيها كثير مفارقات وتناقضات في الأحكام ، كما هي الحال في إمرة الأحلافي
وهو عمر بن الخطاب ، ( فمني فيها ـ الناس بخبط وشماس وتلوّن واعتراض ) كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فكان عمر يغيّر ويبدّل بما جرى على لسانه ، حتى حفظ عبيدة السلماني ، وهو غير متهم عليه بمائة أقضية في الجد ، كلّها ينقض بعضها بعضاً(1) ، ومع ذلك يعترف عمر ويقول : ( قضيت في قضية الجد قضايا مختلفة كلّها لا آلو فيه عن الحق؟ ولئن عشت إن شاء الله إلى الصيف لأقضين فيها قضية تقضي به المرأة وهي على ذيلها ). فكان ابن عباس يرى في قلّة المفارقات في إمرة المطيبي مع كثرتها في إمرة الأحلافي سبباً في تفضيل الأوّل على الثاني.
أمّا المسألة الثانية : في معرفة الدواعي التي توفرت لدى كلّ من ابن عباس وعمر ، حتى بدأ التآلف يزداد يوماً بعد يوم ، مع الفارق الكبير الكثير بينهما في السن ، فإنّ عمر تولى الحكم وعمره يزيد على الأربعين ببضع سنين ، بينما كانت سنّ ابن عباس يومئذ لم تبلغ العشرين ، مضافاً إلى الشعور بين التفاضل بين البيتين ، فهو من بني هاشم صفوة الخلائق ، وعمر من بني عديّ ، كما أنّ الخلاف بينهما في مسألة إستحقاق الخلافة يوسع شقة التباعد عادة. لكن قراءة عابرة لما مرّ في الجزء الثاني في الحلقة الأولى ( في عهد
____________________
(1) قال عبيدة السلماني : لقد حفظت من عمر بن الخطاب فيها ـ مسألة الجد ـ مائة أقضية مختلفة. المصنف لعبد الرزاق 10 / 262 ، فقال لابن سيرين متعجباً : عن عمر؟ قال : عن عمر. أخرجه الدارمي في سننه / 389 ، البهقي في السنن الكبرى 6 / 242 ، حتى قال السيوطي في الأشباه والنظائر / 101 : وعلته أنه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأول ، فإنه يؤدي إلى أنه لا يشقى حكم ، وفي ذلك مشقة شديدة ، فإنه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلّم جرّا.
عمر ) رأينا تبادل المصالح تجمع بين المتضادين ، ما داما على إتفاق في بلوغ الهدف المنشود لهما وهو خدمة الإسلام ، مع أنّ لكلّ وجهة هو موليّها ، مع تفصيل مرتّ شواهده ، تستدعي الإتفاق ، فراجع. فكانت حاجة عمر إلى ابن عباس لكفاءته العلمية ، حتى اعترف له بذلك ، فيقول له إذا أعضله أمر : ( غص يا غواص ) ، وقد أخذ ذلك الجاحظ فقال في رسالته نفي التشبيه : ( ولو لم يعرف ـ عمر ـ ذلك ـ نفي التشبيه ـ إلاّ بعبد الله بن العباس وحده كان ذلك كافياً وبرهاناً شافياً ، فإنّ الأعجوبة فيه أربت على كلّ عجب ، وقطعت كلّ سبب ، وقد رأيتم حاجة عمر إليه ، واستشارته إياه ، وتقويمه لعثمان وتغييره عليه )(1) .
ولا يبعد أن يكون ابن عباس رأى في تقريب عمر له وأخذ الحكم منه وسيلة تنفيس عن هموم شملت بني هاشم على العموم ، حين رأوه ومن قبله غاصبين لحقوقهم ، بدءاً من الخلافة وإنتهاءً بسهم ذوي القربى وما بينهما من الحقوق المغتصبة ، فكان يسمعه أحياناً ما يغضبه في هذا الشأن كما ستأتي في صفحات إحتجاجه ما يثير العجب ، وكيف قال ابن عباس لعمر : ( فأردد إليه ظلامته ) ولم يردّ عليه عمر إلاّ بمعاذير غير مقنعة ، فدحضها ابن عباس ، كما سنقرأ ذلك.
وأمّا المسألة الثالثة : في معرفة موقف بني هاشم وعلى رأسهم الإمام عليّ عليه السلام من تقريب عمر لابن عباس ، وقبول الثاني بذلك التقريب ، وحضوره عند عمر يعني حضور بني هاشم على أضعف تقدير ، وهو مظهر ينتفع به عمر
____________________
(1) رسالة الجاحظ 1 / 300 تحقيق هارون.
أكثر ممّا ينتفع به بنو هاشم عند الناس ، وكم قرأنا شواهد على أنّ الإمام عليّ عليه السلام كان يرى مصلحة الإسلام فوق كلّ شيء وكذلك كان بنو هاشم ، وسيدهم يقول : ( سلامة الدين أحبّ إلينا ).
فكان وجود ابن عباس عند عمر في غالب أوقاته تسديداً لبعض ما ينقصه من علم في غفلاته ، وقرأنا فيما مرّ في الجزء الثاني من الحلقة الأولى عشرة شواهد على قوّة إتصال وثيق وحضور فاعل على الصعيدين العلمي والسياسي ، بحيث كان غيابه يؤثر على المؤسسة الحاكمة ، فلتراجع وتقرأ بإمعان ، لنعرف أنّ تبادل مصالح عامّة ومصالح خاصة هي التي قربت بين الرجلين ، فحصل بعض التناغم وإن لم يحصل تمام التفاهم ، وكان كلّ منهما مغبوطاً على صحبة الآخر ، صحبة الصديق للصديق.
فإلى قراءة نماذج من محاورات احتجاجية جرت بينهما من دون تعليق.
نماذج من احتجاجاته على عمر بن الخطاب
أخرج أحمد بن أبي طاهر صاحب ( تاريخ بغداد ) في كتابه مسنداً عن ابن عباس ، قال : ( دخلت على عمر في أوّل خلافته وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة(1) ، فدعاني إلى الأكل ، فأكلت تمرة واحدة ، وأقبل يأكل حتى أتى عليه ، ثم شرب من جرّ كان عنده ، واستلقى على مرفقة له ،
____________________
(1) الخصفة : الجلة تعمل من الخوص يوضع فيها التمر.
وطفق يحمد الله ، يكرر ذلك.
ثم قال : من أين جئت يا عبد الله؟ قلت : من المسجد.
قال : كيف خلفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد الله بن جعفر ، قلت : خلّفته يلعب مع أترابه.
قال : لم أعن ذلك ، إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت؟
قلت : خلّفته يمتح بالغرب(1) على نخيلات من فلان وهو يقرأ القرآن.
قال : يا عبد الله عليك دماء البُدن إن كتمتنيها ، هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟
قلت : نعم.
قال : أيزعم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصّ عليه؟
قلت : نعم ، وأزيدك سألت أبي عما يدّعيه؟ فقال : صدق.
فقال عمر : لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمره ذرواً من قول ، لا يثبت حجة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه(2) فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام ، لا وربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبداً ، ولو وليها لانتفضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّي علمت ما في نفسه فأمسك ، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم )(3) .
____________________
(1) يمتح بالغرب : أي بالدلو.
(2) أشارة إلى حديث الكتف والدواة وقد مرّ مفصلاً.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 97 ط مصر الأولى ، كشف اليقين للعلامة الحلي / 94 ط حجرية 462 ط محققة ، كشف الغمة 2 / 46 ، بحار الأنوار 38 / 156.
روى الزبير بن بكار في ( الموفقيّات )(1) عن عبد الله بن عباس ، قال : ( خرجت أريد عمر بن الخطاب ، فلقيته راكباً حماراً قد أرتسنه(2) بحبل أسود ، في رجليه نعلان مخصوفتان ، وعليه أزار وقميص صغير ، وقد أنكشفت منه رجلاه إلى ركبتيه ، فمشيت إلى جانبه وجعلت أجذب الأزار وأسوي عليه ، كلّما سترت جانباً انكشف جانب ، فيضحك ويقول : إنّه لا يطيعك ، حتى جئنا العالية(3) فصلّينا ، ثم قدم بعض القوم إلينا طعاماً من خبز ولحم ، وإذا عمر صائم ، فجعل ينبذ إليّ طيّب اللحم ويقول : كل لي ولك ، ثم دخلنا حائطاً فألقي إليّ رداءه وقال أكفنيه ، وألقى قميصه بين يديه وجلس يغسله وأنا أغسل رداءه ، ثم جففناهما وصلينا العصر ، فركب ومشيت إلى جانبه ولا ثالث لنا ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنّي في خطبة فأشر عليَّ.
قال : ومن خطبت؟
قلت : فلانة ابنة فلان.
قال : النسب كما تحبّ وكما قد علمت ، ولكن في أخلاق أهلها دقة
____________________
(1) لم يذكر في المطبوع فعلا من الموفقيات وقد استدركت على المحقق لها عدة نصوص ضائعة فاتته الإشارة إليها ، كان منها هذا مع ان المتقي الهندي في كنز العمال أخرجها عن الموفقيات.
(2) أرتسنه : جعل له رسنا ، وهو ما يوضع في رأس الدابة.
(3) ناحية من نواحي المدينة وتسمى اليوم بالعوالي.
لا تعدمك أن تجدها في ولدك.
قلت : فلا حاجة لي إذن فيها.
قال : فلم لا تخطب إلى ابن عمك؟ ـ يعني عليّاً ـ.
قلت : ألم تسبقني إليه؟
قال : فالأخرى.
قلت : هي لابن أخيه.
قال : يابن عباس إنّ صاحبكم إذا ولي هذا الأمر زهد ، ولكن أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به فليتني أراكم بعدي.
قلت : يا أمير المؤمنين إنّ صاحبنا مَن قد علمت والله ، ما تقول ، إنّه ما غيّر ولا بدّل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام صحبته له.
قال : فقطع عليَّ الكلام ، فقال : ولا في ابنة أبي جهل لمّا أراد أن يخطبها على فاطمة؟
قلت : قال الله تعالى في معصية آدم عليه السلام :( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) (1) ، وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه ، وربما كانت من الفقيه في دين الله ، العالم العامل بأمر الله.
فقال : يا بن عباس مَن ظنّ أنّه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى
____________________
(1) طه / 115.
يبلغ قعرها فقد ظنّ عجزاً ، استغفر الله لي ولك ، خذ في غيرها.
ثم أنشأ يسألني عن شيء من أمور الفتيا وأجيبه ، فيقول : أصبت أصاب الله بك ، أنت والله أحق أن تتبّع )(1) .
عن نبيط بن شريط(2) ، قال : ( خرجت مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام ومعنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، فلما صرنا إلى بعض حيطان الأنصار فوجدنا عمر بن الخطاب جالساً ينكت في الأرض ، فقال له عليّ بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين ما الذي أجلسك وحدك ههنا؟
قال : لأمر همني.
فقال عليّ : أفتريد أحدنا ـ يعني نفسه وابن عباس ـ؟
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 106 ط مصر الأولى ، تاريخ ابن الأثير 3 / 24 حوادث سن / 23 ، كنز العمال 7 / 53 منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 / 229 ، المراجعات لشرف الدين / 277.
(2) نبيط بن شريط الأشجعي من قيس عيلان قاله ابن سعد في الطبقات الكبير 8 / 152 تح الدكتور علي أحمد عمر نشر الخانجي بمصر 1421 هـ وقال : وهو أبو سلمة بن نبيط روى عن لبيد فذكر عنه قال : حججت مع أبي وعمتي فقال لي أبي : أترى ذلك صاحب الجمل الأحمر الذي يخطب ، ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب عند الجمرة ـ وذكر بعض الخطبة ـ ثم ذكرا بن سعد عن سلمة بن نبيط قال : قلت لأبي وكان قد شهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ورواه وسمع منه ، يا أبة لو غشيت هذا السلطان فأصبت منهم وأصاب قومك في جناحك. قال : أي بني إني أخاف ان اجلس منهم مجلساً يدخلني النار.
قال عمر : إن كان عبد الله. فتخلف معه عبد الله بن عباس ، ومضيت مع عليّ عليه السلام ، وأبطأ علينا ابن عباس ثم لحق بنا ، فقال له عليّ : ما وراءك؟
قال : يا أبا الحسن أعجوبة من عجائب أمير المؤمنين ، أخبرك بها وأكتم عليَّ.
قال : فهلم.
قال : لمّا أن وليت عنه وهو ينظر إليك وإلى أثرك ، قال : آه آه آه.
فقلت : مم تتأوه يا أمير المؤمنين؟
فقال : من أجل صاحبك يا ابن عباس وقد أعطي ما لم يعط أحدٌ من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولولا ثلاث هنَّ فيه ما كان لهذا الأمر ـ يعني الخلافة ـ من أحد سواه.
قلت : ماهنّ يا أمير المؤمنين؟
قال : كثرة دعابته ، وبغض قريش له ، وصغر سنّه.
قال عليّ صلى الله عليه وآله وسلم : فما رددت عليه؟
قال ابن عباس رضي الله عنه : تداخلني ما يداخل ابن العم لابن عمه ، فقلت له : يا أمير المؤمنين أمّا كثرة دعابته فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يداعب ولا يقول إلاّ حقاً ، وأين أنت حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ونحن صبيان وكهول وشيوخ وشبان يقول للصبي : ( سنافاً سنافاً )(1) ولكلّ ما يعلمه الله يشتمل على قلبه. وأمّا بغض قريش له ،
____________________
(1) ما سنا سنا : في نظم درر السمطين / 133 : ويقول الصبي ما يعلم أنه يستميل به قلبه ( أو يسول على قلبه ).
فو الله ما يبالي ببغضهم له بعد أن جاهدهم في الله حتى أظهر الله دينه ، فقصم أقرانها ، وكسر آلهتها ، وأثكل نساءها في الله لامه من لامه. وأمّا صغر سنّه ، فقد علمت أنّ الله تعالى حيث أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) (1) ، فوجّه النبيّ صاحبك ليبلّغ عنه ، فأمره الله أن لا يبلغ عنه إلاّ رجل من أهله ، فوجهه في أثره وأمره أن يؤذن ببراءة ، فهل لا استصغر الله سنّه!؟
قال : فقال عمر لابن عباس : أمسك علّي وأكتم فإن سمعتها من غيرك لم أنم بين لابتيها )(2) .
روي أحمد بن أبي واضح اليعقوبي الكاتب في تاريخه ، قال : روى ابن عباس رضي الله عنه : ( قال طرقني عمر بن الخطاب بعد هداة من الليل ، فقال : أخرج بنا نحرس نواحي المدينة ، فخرج وعلى عنقه درّته(3) حافياً حتى أتى بقيع الغرقد(4) فاستلقى على ظهره ، وجعل يضرب أخمص قدميه بدرّته
____________________
(1) التوبة / 1.
(2) نظم درر السمطين للزرندي الحنفي / 133 ، فرائد السمطين 1 / 334 ط بيروت للحافظ الحمويني تح المحمودي حديث 267 / 173 ونسخة منه مخطوطة بمكتبة آية الله السيد اليزدي في مدرسته الكبيرة في النجف الأشرف.
(3) الدرة : بالكسر السوط أو العصا التي يُضرب بها.
(4) بقيع الغرقد : مقبرة أهل المدينة.
وتأوّه صعداء(1) .
فقلت له : يا أمير المؤمنين ما أخرجك إلى هذا إلا أمر؟
فقال : أمر الله يا بن عباس.
قال : قلت : إن شئت أخبرتك بما في نفسك؟
فقال : غص يا غواص ، إن كنت لتقول فتحسن.
قال : قلت : ذكرت هذا الأمر بعينه وإلى من تصيّره؟
قال : صدقت.
قال : فقلت له : أين أنت عن عبد الرحمن بن عوف؟
فقال : ذلك رجل ممسك ، وهذا الأمر لا يصلح إلا لمعطٍ في غير سرف ، ومانع في غير إقتار.
قال : قلت : فسعد بن أبي وقاص؟
قال : مؤمن ضعيف.
قال : فقلت : طلحة بن عبيد الله؟
قال : ذاك رجل يناول للشرف والمديح ، يعطي ماله حتى يصل إلى مال غيره ، وفيه بأو(2) وكبر.
قال : فقلت : فالزبير بن العوام ، فهو فارس الإسلام؟
____________________
(1) الصعداء : المشقة وتنفس طويل.
(2) الباؤ : الفخر والكبر ، من بأى عليهم بأواص فخر وتكبّر.
قال : ذاك يوماً إنسان ويوماً شيطان ، وعقة لقس(1) إن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظهر حتى تفوته الصلاة.
قال : فقلت : عثمان بن عفان؟قال : إن ولي حمل بني أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس ، وأعطاهم مال الله ، ولئن ولي ليفعلن ، والله لئن فعل لتسيرّن العرب إليه حتى تقتله في بيته.
ثم سكت. قال : فقال : أمضها يا بن عباس أترى صاحبكم لها موضعا؟
قال : فقلت : وأين يبتعد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه.
قال : هو والله كما ذكرت ، ولو وليهم لحملهم على منهج الطريق ، فأخذ المحجة الواضحة ، إلاّ أنّ فيه خصالاً : الدعابة في المجلس ، وإستبداد الرأي ، والتبكيت للناس مع حداثة السن.
قال قلت : يا أمير المؤمنين هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق ، إذ خرج عمرو بن عبد ود وقد كعم(2) عنه الأبطال ، وتأخرت عنه الأشياخ ، ويوم بدر إذ كان يقط الأقران قطاً(3) ، وهلا سبقتموه بالإسلام ( إذ كان جعلته السعب وقريش يستوفيكم )(4) .
فقال : إليك يابن عباس ، أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعلىّ بأبي
____________________
(1) الوعقة : الشراسة ، وشدة الخلق يقال به وعقة ، فهو وعقةٌ واللقيس : الشره النفس الحريض على كل شرح.
(2) كعم عنه : من كعم الخوف فلاناً فلا يرجع.
(3) قطه قطاً : القطع عامة أو عرضاً.
(4) كذا في النسخة.
بكر يوم دخلا عليه(1) .
قال : فكرهت أن أغضبه فسكتّ.
فقال : والله يابن عباس إنّ عليّاً ابن عمك لأحق الناس بها ، ولكن قريشاً لا تحتمله ، ولئن وليهم ليأخذهم بمرّ الحق ، لا يجدون عنده رخصة ، ولئن فعل لتنكثن بيعته ، ثم ليحاربن )(2) .
روى الزبير بن بكار في كتاب ( الموفقيات ) وغيره ، عن عبد الله بن عباس ، قال : ( إنّي لأماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة ،
____________________
(1) يشير إلى يوم دخلا على أبي بكر يطالبانه بما لهما من حق ، كسهم ذوي القربى وميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحديثهما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهما ، حيث كان الإمام عليه السلام يطالب بميراث زوجته فاطمة عليها السلام والعباس كذلك بما له من حق في سهم ذوي القربى ، وبالإرث على القول بالتعصيب إلزاماً لأبي بكر بما ألزم به نفسه ، وإلا فأهل البيت لا يقولون به ، وفتيا ابن عباس في ذلك معروفة ، وقد مرت الإشارة إليها مكرراً. وكانا ـ علي والعباس ـ يريان أبا بكر كان آثماً غادراً خائناً كما في صحيح مسلم ، ورأيا ذلك في عمر أيضاً ، وإلى القارئ الرواية بعين لفظه : فقد أخرج في 5 / 151 ـ 152 كتاب الجهاد والسير باب الفيء بسنده إلى مالك بن أوس ، وساق الحديث إلى قول عمر لعلي والعباس : فرأيتهماه كاذباً آثماً غادراً خائناً وفيه قال عمر : فرأيتهماني كاذبا آثماً غادراً خائنا ، وقد ذكر البخاري هذا الخبر وحذف منه هذه الكلمات ، ولشراح الصحيحين حول هذا الخبر تشريق وتغريب فمن أراد الاطلاع على بعض ما عندهم فليراجع كتابي ( المحسن السبط مولود أم سقط / 267 ـ 269 ).
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 135 ط النجف ، وفي شرح النهج للمعتزلي 12 / 51 ـ 52 صورة أخرى عن هذه المحاورة ، فليراجع.
إذ قال لي : يابن عباس ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً.
فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين فأردد إليه ظلامته. فانتزع يده من يدي ، ومضى وهو يهمهم ساعة ، ثم وقف فلحقته.
فقال : يابن عباس ما أظن القوم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه.
فقلت في نفسي : هذه والله شر من الأولى ، فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك أبي بكر.
قال : فأعرض عني وأسرع ، فرجعت عنه )(1) .
قال عمرو بن عبد الله الليثي : ( قال عمر بن الخطاب ليلة في مسيره إلى الجابية(2) : أين عبد الله بن عباس؟ فأتي به. فشكا إليه تخلّف عليّ بن أبي طالب عليه السلام عنه.
قال ابن عباس : فقلت له : أو لم يعتذر إليك؟
قال : بلى.
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 18 و 3 / 105 ط مصر الأولى ، كشف اليقين للعلامة الحلي / 461 والمحققة / 40 و 92 ، كشف الغمة للأردبيلي 2 / 45 ، السقيفة للجوهري / 70.
وهذا الخبر ما لم يوجد في النسخة المطبوعة من الموفقيات بتوثيق الدكتور سامي مكي العاني ط الأوقاف ببغداد وقد أشرت في ص 57 إلى ما أستدركته عليه ممّا فاتته الإشارة إليه.
(2) الجابية : بكسر الباء وياء خفيفة قرية من أعمال دمشق.
قلت : فهو ما اعتذر به.
قال : ثم أنشأ يحدثني ، فقال : إنّ أوّل من راثكم(1) عن هذا ـ الأمر ـ أبو بكر ، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة
ـ قال أبو الفرج الاصفهاني : ( ثم ذكر قصة طويلة ليست من هذا الباب ، فكرهت ذكرها )(2) ـ.
ثم قال : يا بن عباس هل تروي لشاعر الشعراء؟
قلت : ومن هو؟
قال : ويحك ، شاعر الشعراء الذي يقول :
فلو أنّ حمداً يخلد الناس خلدوا |
ولكن حمد الناس ليس بمخلد |
قلت : ذاك زهير.
فقال : ذاك شاعر الشعراء.
قلت : وبم كان شاعر الشعراء؟
قال : إنّه كان لا يعاظل(3) الكلام ، ويتجنب وحشيّه ، ولا يمدح أحداً
____________________
(1) راثكم : من الريث وهو الإبطاء كالريث للقاموس ( ريث ).
(2)أقول : لماذا كره أبو الفرج الأموي الهوى والنسب أن يذكر القصة الطويلة وهو الذي حشا كتابه بكل غث وسمين؟! وأيم الله ما ضاقت صفحات كتابه عنها ، ولكن ضاق صدره أن يثبتها لما فيها من بليغ الجواب ، ونافح الخطاب ومرّ العتاب ، فالى الله المرجع والمآب ، وسيجد الذين يكتمون العلم شر الحساب ، ومن ورائهم أشد العذاب.
(3) يعاظل : من العضال في القوافي ، بمعنى التضمين ، يقال : فلان لا يعاظل بين القوافي ( الصحاح عظل ).
إلاّ بما فيه )(1) .
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ( سمرت عند عمر ذات ليلة ، فجعل لا يسألني عن شيء إلاّ أخبرته ، فأعجب بذلك ، ثم قال : لو قلت إنّك سيد بني هاشم لصدقت.
قال ابن عباس : فقلت له كلا ، فأين أنت عن سيّدي وسيّديك ، وسيّدي شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين؟!
فقال : ومن هذان ويحك؟
قلت : الحسن والحسين ابنا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال عمر : فأبوهما؟
قلت : هيهات ، ذلك بحيث لا تحس به الظنون كرماً ، ولا تدركه الصفات فضلاً ، أبانه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته بفضله كما أبان أهل الفضل بفضلهم من غيرهم.
فقال عمر : أبيت إلاّ وجداً به كوجد النصارى ، قالت في عيسى فكذبت.
قال ابن عباس : فإنّا نقول في صاحبنا ولسنا مبطلين ولا كذّابين ، وما عسى أن نبلغ بقولنا ما قاله محمد نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، والله لئن قلت ذلك : لقد سمعت
____________________
(1) الأغاني 9 / 39 ط الساسي ، شرح نهج البلاغة 4 / 497.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من أحبّك يا عليّ فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) ، وقال : ( إنّي باب وعلي مفتاحه ، فمن أرادني فليأته )(1) .
روى الحافظ ابن مردويه ، والراغب الاصفهاني ، والسيد ابن طاووس ، والشيخ المجلسي ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : ( كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل ، وأنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
فقال : أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر.
فقلت في نفسي : لا أقالني الله إن أقلته ، فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين! وأنت وصاحبك اللذان وثبتما وانتزعتما وأفرغتما الأمر من ادون الناس؟!
فقال : إليكم يا بني عبد المطلب ، أمّا إنّكم أصحاب عمر بن الخطاب. فتأخرت وتقدم هنيهة ، فقال : سر لا سرت ، وقال : أعد عليَّ كلامك.
فقلت : إنّما ذكرت شيئاً فرددتُ عليه جوابه ، ولو سكت سكتنا.
فقال : إنّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ، ولكن استصغرناه وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها.
____________________
(1) مصباح الأنوار لمحمد بن هاشم 2 / باب 48 مخطوط من موقوفات مكتبة المرحوم العلامة الجليل السيد عباس الخرسان ( قدس سره ).
قال : فأردت أن أقول : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره ، أفستصغره أنت وصاحبك؟
فقال : لا جرم فكيف ترى؟ والله ما نقطع أمراً دونه ، ولا نعمل شيئاً حتى نستأذنه )(1) .
عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : ( خرجت مع عمر إلى الشام في أحدى خرجاته ، فانفرد يوماً يسير على بعيره ، فاتبعته.
فقال لي : يابن عباس أشكو إليك ابن عمك ، سألته أن يخرج معي فلم يفعل ، ولم أزل أراه واجداً. فيم تظن موجدته؟
قلت : يا أمير المؤمنين إنّك لتعلم.
قال : أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة.
قلت : هو ذاك ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد الأمر له.
فقال : يابن عباس وأراد رسول الله الأمر له ، فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى؟ إنّ رسول الله أراد ذلك وأراد الله غيره ، فنفذ مراد رسوله ، أوكلّ ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان؟ إنّه أراد إسلام عمه ولم يرده الله فلم يسلم.
ـ قال ابن أبي الحديد : وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ ، وهو
____________________
(1) مناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه / 127 ، اليقين لابن طاووس / 205 ، محاضرات الراغب الاصفهاني 2 / 213 ، بحار الأنوار 8 / 209 ط الكمباني.
قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددت عنه خوفاً من الفتنة ، وانتشار أمر الإسلام ، فعلم رسول صلى الله عليه وآله وسلم ما بنفسي وأمسك ، وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم ـ )(1) .
أقول : يبدو أنّ هذه المحاورة مبتورة الآخر! إذ لم يذكر الراوي للخبر عن ابن عباس رضي الله عنه جوابه على مقالة عمر في تفريقه بين مراد الله ومراد رسوله ، كما لم يذكر جوابه على مسألة إسلام عم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به هو أبو طالب. وليس من المعقول ولا من المقبول منطقياً أن يسكت ابن عباس عن جوابه ، وهو الذي قد ورد عنه الجواب الشافي في بقية إحتجاجاته عن إرادة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر لعليّ عليه السلام ، ومن غير المعقول أيضاً أنّه يتجاهل إسلام عمه أبي طالب رضي الله عنه وأبوه العباس هو أحد الشهود بإسلام أبي طالب ، وهو الذي كان عنده ساعة إحتضاره وكان عنده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً ، وهو الذي روى عن أبيه قوله : ( أنّ أبا طالب ما مات حتى قال : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله )(2) . وهو الذي أجاب من سأله : يا بن عم رسول الله إخبرني عن أبي طالب هل كان مسلماً؟
فقال له : ( وكيف لم يكن مسلماً وهو القائل :
وقد علموا أنّ ابننا لا مكذّبٌ |
لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل |
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 114.
(2) أعيان الشيعة 39 / 136 ، والغدير 7 / 39 نقلاً عن ضياء العالمين للفتوني.
أنّ أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف ، حين أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك ، فآتاهم الله أجرهم مرتين )(1) .
فيا هل ترى أنّ ابن عباس رضي الله عنه عجز عن الجواب؟ وهو الذي كان على حدّ تعبير عمر كما في المحاججة الآتية : ( واهاً لابن عباس ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه )؟!!
أم أنّ يداً أثيمة امتدّت إلى المحاورة فحذفت منها ما لم يرق لها من بليغ الحجة وفصل الخطاب! كما صنع أبو الفرج في حذفه كلاماً كثيراً كره ذكره ، وقد مرّ اعترافه بذلك في إحتجاج(6) تحت عنوان ( أوّل من راثكم عن هذا أبو بكر ) ، فراجع.
بين يدي المحاججة :
لقد أخرج هذه المحاججة جمع من المصنفين في كتبهم ، منهم :
1 ـ أبو محمد الفضل بن شاذان في كتابه ( الإيضاح )(2) .
2 ـ أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني المعروف بـ ( ثعلب )
____________________
(1) الأمالي للصدوق / 366 ، الحجة على المذاهب / 94 ـ 115 ، الغدير 7 / 396 ، وقد روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه أجاب أيضاً من سأله عن ذلك مستشهداً بالبيت المذكور ومعه قوله :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
وفي رسالة ( بغية الطالب في إيمان أبي طالب ) ما يغني عن الإطالة.
(2) كتاب الإيضاح لابن شاذان / 87 ط الأعلمي بيروت.
المتوفى 291 هـ ، وستأتي روايته لها ، لأنّها أوفى من روايات الآخرين أوّلاً ، ولكونه أقدمهم زماناً ثانياً.
3 ـ شيخ المفسرين وإمام المؤرخين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي 310 هـ ، أخرجها في تاريخه ، قال :
( حدثني سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر ، فقال بعضهم : فلان أشعر ، وقال بعضهم : بل فلان أشعر ، قال : فأقبلت ، فقال عمر : قد جاءكم أعلم الناس بها.
فقال عمر : من شاعر الشعراء يا بن عباس؟
قال : فقلت : زهير بن أبي سلمي.
فقال عمر : هلّم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت؟
فقلت : أمتدح قوماً من بني عبد الله بن غطفان ، فقال : ( لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ) الأبيات الآتية )(1) .
4 ـ المحدث الكبير أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري ـ معاصر السابق ـ والمتوفى في أوائل الأربعمائة أيضاً ، ويشاركه إسماً ونسباً وكنية ونسبة ، أخرجها في كتابه ( المسترشد في الإمامة ) ، قال :
( رواه ـ الحديث ـ سفيان بن عيينة ، عن النهدي ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله بن عمر ، قال : كنّا عند أبي عمر ذات يوم إذ قال : من أشعر
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 222 تح محمد أبو الفضل إبراهيم.
الناس؟ قلنا : فلان وفلان. فبينا نحن كذلك ، إذ طلع عبد الله بن عباس فسلّم فأجلسه إلى جنبه وقال : قد جاءكم ابن بجدتها ، من أشعر الناس يا بن عباس؟
قال : ذاك زهير بن أبي سلمى.
قال : فأنشدني شيئاً من شعره أستدل به على ما تقول؟
قال : امتدح قوماً من بني غطفان يقال لهم بنو سنان ، فقال : ( لوكان يقعد فوق الشمس من كرم ) الأبيات )(1) .
5 ـ المؤرخ الشهير أبو الحسن ابن الأثير المتوفي 630 هـ في كتابه ( الكامل في التاريخ ) أخرجها في حوادث سنة 23 ط بمصر بنحو ما تقدم عن ابن جرير المؤرخ.
6 ـ عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي في ( شرح النهج ) ، قال :
( وروى عبد الله بن عمر ، قال : من أشعر العرب؟ فقالوا : فلان وفلان ، فاطلع عبد الله ابن عباس فسلّم وجلس ، فقال عمر : قد جاءكم الخبير ، من أشعر الناس يا عبد الله؟
قال : زهير بن أبي سلمى.
قال : فأنشدني ممّا تستجيده له؟
فقال : يا أمير المؤمنين إنّه مدح قوماً من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال : ( لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ) الأبيات )(2) .
____________________
(1) المسترشد في الإمامة / 280.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 107.
7 ـ صاحب ( أخبار الدولة العباسية ) من القرن الثالث ، جاء فيه :
( أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمي ، عن أبيه ، عن الزبيري بإسناد له يرفعه قال : بينما عمر جالس في جماعة من أصحابه فتذاكروا الشعر.
فقال : من أشعر الناس؟ فاختلفوا. فدخل عبد الله بن عباس.
فقال عمر : قد جاءكم ابن بجدتها وأعلم الناس. من أشعر الناس يابن عباس؟
قال : زهير بن أبي سلمى المزني.
قال : أنشدني من شعره.
فأنشدته : ( لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ) الخ )(1) .
8 ـ الأمير أسامة بن منقذ المتوفى 548 هـ في كتابه ( المنازل والديار ) ، قال :
( روي أنّ قوماً تشاجروا بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أشعر الناس؟
فقال عمر : سأرسل إلى سيد الناس فأسأله. فقال الناس : تشاجرنا في سيد الشعراء فنريد الآن ننظر إلى سيد الناس ، فأرسل إلى عبد الله بن العباس ، فجاءه رضي الله عنه.
فقال له : يا أبا العباس أنشدنا ما تستحسن من الشعر.
فقال : سأنشدكم لسيد الشعراء ، فأنشدهم لزهير )(2) .
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 32 تحقيق الدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور عبد الجبار المطلبي ط دار الطليعة بيروت 1971 هـ.
(2) المنازل والديار / 155 ط موسكو 1961 نشر آثار الآداب الشرقية السلسلة الكبرى نصوص 12.
هذه جملة من المصادر التي اطلعت عليها ولعلّ ما فاتني الإطلاع عليه أكثر ، ولنقتصر على هذا فحسب.
والآن إلى القارئ المحاججة بلفظ أبي العباس ثعلب في شرح ديوان زهير مع إضافة ما تنفرد به روايته عن الآخرين :
( قال(1) عبد الله بن محمد البصري ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السدوسي ، عن محمد بن خداش الأسلمي ، عن نوح بن دراج ، عن حبيب ابن زاذان ، عن أبيه ، قال : دخلت على عمر بن الخطاب رحمه الله وعنده نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكروا الشعر ، فقال لهم عمر : من كان أشعر العرب؟ فاختلفوا ، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم عبد الله بن عباس ، فقال عمر لجلسائه : قد جاءكم ابن بجدتها(2) ، وأعلم الناس بأيامها.
ثم قال عمر : من كان أشعر العرب يابن عباس؟
قال : ذاك زهير بن أبي سلمى المزني.
____________________
(1) قال أبو أحمد عبد السلام البصري : ممّا قرأت على شيخنا أبي رياش أحمد بن أبي هاشم قال تشاجروا في الشعر بين يدي عمر بن الخطاب رحمة الله عليه في أشعر الناس قال : سأرسل إلى سيد الناس فأسأله. فقال الناس : قد تشاجرنا في سيد الشعراء فنريد الآن ننظر من سيد الناس؟! فأرسل إلى عبد الله بن عباس فجاءه فقال له يا أبا العباس أنشدنا ما تستحسن من الشعر؟. فقال : سأنشدكم لسيد الشعراء فأنشدهم لزهير بن أبي سلمى : هل في تذكر أيام الصبا فند ـ القصيدة.
(2) البجدة : دخلة الأمر وباطنه يقال : هو عالم بجدة أمرك ، ومنه يقال : هو ابن بجدتها للعالم بالشيء المتقن له المميزّ له ، وكذلك يقال : للدليل الهادي الخرّيت.
فقال عمر : هلا تنشدني من شعره أبياتاً نستدل بها على قولك فيه؟
قال : نعم ، مدح قوماً من غطفان يقال لهم بنو سنان ، فقال :
هل في تذكّر أيام الصبا فند(1) |
أم هل لما فات من أيامه رددُ |
|
أم هل يلامنَّ باكٍ هاج عبرته |
بالحجر إذ شفّه الوجدُ الذي يجد(2) |
|
أوفى على شرفٍ نشزٍ فأزعجه |
قلبٌ إلى آل سلمى تائقٌ كمدُ(3) |
|
متى ترى دار حيّ عهدنا بهمُ |
حيثُ التقى الغور من نعمان والنجد(4) |
|
لهم هوىً من هوانا ما يقرّبنا |
ماتت على قربه الأحشاء والكبد |
|
إني لما استودعتني يوم ذي غُذُمٍ |
راعٍ إذا طال بالمستودع الأمد(5) |
|
إن تمس دارهمُ عنا مباعدة |
فما الأحبةُ إلا هم وإن بعدوا |
|
يا صاحبيّ انظرا والغور دونكما |
هل يبدونَّ لنا فيما نرى الجمد(6) |
|
هيهات هيهات من نجد وساكنه |
من قد أتى دونه البغثاء والثمدُ(7) |
____________________
(1) فند : الخطأ في القول والرأي.
(2) شفّه : براه وأسقمه ، الوجد : الحبّ الشديد.
(3) شرف : المكان العالي ، النشر : المرتفع.
(4) الغور : ما انهبط من الأرض ، ضد النجد وهو ما ارتفع ، جمعه أنجد وأتجاه ونجاد ونجود ونجد.
(5) ذوغذم بضمتين موضع من نواحي المدينة.
(6) الجمدُ : بضمتين جبل لبني نصر بنجد.
(7) البغثاء : أخلاها الناس ، ولعل الأبغث موضع ذو رمل وحجارة كما في تاج العروس وقد أهمله ياقوت ، والمد : الماس القليل الذي لا مادة له ، ولعل البغثاء والثمد موضعان بعينهما.
إلى ابن سلمى سنان وابنه هرمٍ |
تخبو باقتادها عيدية تخدُ(1) |
|
في مسبطر تباري في أزمّتها |
فتل المرافق في اعناقها قود(2) |
|
معصوصبات ببادرن النجاءبنا |
إذا ترامت بها الديمومة الجدد(3) |
|
عوم القوادس قفّى الأردمون بها |
إذا ترامى بها المغلولب الزبدُ(4) |
|
بفتية كسيوف الهند يبعثهم |
همٌ فكلهم ذوحاجة يقد(5) |
|
منّهمُ السيرُ فانئآدت سوالفهم |
وما بأعناقهم إلا الكرى أود(6) |
|
إني لأبعثهم والليل مطرق |
ولم يناموا سوى إن قلت قد هجدوا(7) |
|
إلى مطايا لهم حدبٍ عرائكها |
وقد تحلل من أصلابها القحدُ(8) |
____________________
(1) تخبو : تسرع ، والاقتاد : خشب الرجل أو جميع أدواته ، وعيدية : منسوبة إلى فحل منجب يقال له عيد ، تنسب إليه كرام النجائب ، وتخد : تسرع ، والوخد : سعة الخطو.
(2) المسبطر : الممتد ، واسبطرت الأبل : أسرعت ، وفتل المرافق ذو الفتل وهو الاندماج والقود في العنق : الطول.
(3) اعصوصبت الابل جدت في السير ، والنجا : السرعة ، والديمومة : الفلاة الواسعة أو المغازة التي لاماء فيها لبعدها ، والجدد : الأرض الغليظة المستوية.
(4) عوم : سبح ، والقوادس ج قادس : السفينة العظيمة ، الأردمون ج أردم : وهو الملاح الحاذق ، الغلولب : العشب المتكاثر : ولعل المراد البحر المتلاطم بالزبد الكثير.
(5) يقدُ : يشتعل كناية عن بعد الهمة في طلب الحاجة.
(6) منهم السير : قطعهم وأعياهم ، انئادت انعطفت ، وسوالفهم : صفحة أعناقهم ، والأود إلاعوجاج.
(7) الهجود : من الأضداد : نام بالليل وسهر بالليل ومنه المنهجد بالعبادة.
(8) الحُدب من الأبل : البارزة الهزال ، والعرائك : الأسنمة ، تحلل : ذاب ، أصلابها : ظهورها والمقحدة : أصلا السنام. ولعل القحد هنا جمع القحدة بحذف التاء.
أقول للقوم والأنفاس قد بلغت |
دون اللُهّا غيّر أن لم ينقص العددُ(1) |
|
سيروا إلى خير قيس كلها حسبا |
ومنتهى من يريد الجد أو يفد |
|
فاستمطروا الخير من كفّيه إنهما |
بسيبه يتردّى منهما البُعُد(2) |
|
مبارك البيت ميمون نقيبته |
جزل المواهب من يعطي كمن يعد(3) |
|
فالناس فوجان في معروفه شرع |
فمنهم صادرٌ أوقاربٌ يرد(4) |
|
رحب الفناء لو أنّ الناس كلّهم |
حلّو إليه إلى أن ينقضي الأبد |
|
في الناس للناس أندادٌ وليس له |
فيهم شبيهٌ ولا عدلٌ ولا ندد(6) |
|
إني لمرتحلٌ بالفجر ينصبني |
حتى يفرّج عنّي همّ ما أجد(7) |
|
لو كان يخلد أقوامٌ بمجدهم |
أو ما تقدّم من أيامهم خلدوا(8) |
____________________
(1) اللها : جمع لهاة وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.
(2) السيب : العطاء ، والبُعّد : أي البعيد.
(3) ميمون النقيبة : محمود المختبر ، مبارك النفس ، ميمون المشورة ، ميمون الأمر ينجح فيما يحاول وجزل المواهب : الكريم المعطاء.
(4) شرعٌ : أي سواء ، والصادر : الذي ورد ورجع ، والقارب : طالب الماء.
(5) السيب : العطاء والمال والنافلة ، والسجل : الدلو العظيمة فيها الماء ، والعطاء.
(6) العدلُ : الشبيه والنظير ، والندد مأخوذ من الندّ ، وهو بمعنى المثل والشبيه. وان لم يرد في المصادر اللغوية ( ندد ) كما ورد في الشعر.
(7) أنصّبه الهم : أتعبه من النصب.
8 ـ في الهامش نسخة :
أوكان يخلد أقوام بمكرمة |
أو ما تسلّف من أيامهم خلدوا |
أوكان يقعد فوق الشمس من كرمٍ |
قومٌ بأوّلهم أو مجدهم قعدوا |
|
قومٌ أبوهم سنان حين تنسبهم |
طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا |
|
إنسٌ إذا أمنوا جنٌ إذا غضبوا |
مرزّءون بهاليلٌ إذا جُهدوا(1) |
|
محسّدون على ما كان من نعم |
لا ينزع الله منهم ما له حُسدوا |
|
لو يوزنون عياراً أو مكايلة |
مالوا برضوى ولم يعدلهم أحد(2) |
فجثا عمر على ركبتيه ، قال : ما لهذا الشاعر قاتله الله : لقد قال كلاماً ( حسناً )(3) ماكان ينبغي أن يقال إلاّ في أهل رسول الله لما خصهم الله به من النبّوة والكرامة.
فقال ابن عباس : وفقك الله يا أمير المؤمنين ، فلم تزل موفقاً عارفاً بحقنا!
قال عمر : أي والله إنّي لأعرف حقكم ، وأعجب كيف عدل الناس بهذا الأمر عنكم!؟
فقال ابن عباس : لا أدري.
قال عمر : لكن عمر يدري.
قال ابن عباس : فلم لا تخبرنا كيف كان ذلك؟
____________________
(1) جُهد الرجل فهو مجهود ، من التعب والمشقة.
(2) رضوى : اسم جبل بالمدينة وأحد : كذلك جبل بالمدينة.
(3) ما بين القوسين من أخبار الدولة العباسية / 32.
قال عمر : إنّ قريشاً كرهت أن تجمع لكم النبوة والخلافة ، فتجمخون عليها جمخا(1) فنظرت قريش لأنفسها واختارت أبا بكر ذا سنّها وفضلها ، وأصابت قريش ووفقّت وذكر حديثاً طويلاً موضعه غير هذا. إهـ )(2) .
إلى هنا أنتهى ما رواه ثعلب ، وبتر الحديث الطويل ، لأنّه ليس من موضوع كتابه ، أو لغرض آخر في نفسه! ومهما يكن فإنّ في المصادر الأخرى بقية ذلك الحديث الطويل ، وإلى القارئ ذلك بروايتها مجتمعة :
( إنّ عمر قال بعد سماعه الأبيات : قاتله الله يا بن عباس لقد قال كلاماً حسناً ، والله لقد أحسن ، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من بني هاشم ، لفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرابتهم منه.
فقال ابن عباس : وفقك الله يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقاً.
فقال يابن عباس : أتدري ما منع قومكم ـ الناس ـ منكم بعد محمد؟
فقال ابن عباس : فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جحفاً ، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت فأصابت ووُفِقّت.
____________________
(1) جمخ جمخاً : فخر وتكبّر. ووردت الجملة أيضاًً : فتبجحوا على قومكم تبجحاً كما في الطبري ، وبجح بالشيء أيضاً بمعنى افتخر به ، كما وردت : فتجحفوا الناس جحفاً كما في شرح النهج ومعنى ذلك قولهم أجحف الدهر بالناس استأصلهم وأهلكهم. كما وردت : فتجخفوا الناس جخفاً ، جخف افتخر باكثر ممّا عنده ( اللسان ).
(2) ديوان زهير / 278 ط دار الكتب المصرية.
فأطرق ابن عباس طويلاً ، ثم رفع رأسه ، وقال : إن يأذن لي أمير المؤمنين ويميط عنّي غضبه فيسمع كلامي؟
قال : هات قل ما تشاء.
قال ابن عباس : أمّا قولك : إنّ قريشاً كرهت ، فإنّ الله تعالى قال لقوم :( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (1) .
وأمّا قولك : إنّا كنّا نجحف جحفاً ، فلو جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة ، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله تعالى :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2) ، وقال له :( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (3) .
وأمّا قولك : إنّ قريشاً إختارت فأصابت ووفقت ، فإنّ الله تعالى يقول :( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (4) ، وقد علمت يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى إختار من خلقه لذلك من أختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها واختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ولوفّقت وأصابت.
فقال عمر : على رسلك يا بن عباس ، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ ضغناً وغشّاً في أمر قر يش لا يزول وحقداً عليها لا يحول.
____________________
(1) محمد / 9.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) الأحزاب / 9.
(2) سورة القلم / 4.
(3) سورة الشعراء / 215.
(4) القصص / 68.
فقال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ ، فإنّ قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قلوب بني هاشم ، الذي طهّره الله تعالى وزكاه ، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .
وأمّا قولك : حقداً ، فكيف لا يحقد من غُصب شيئُه ويراه في يد غيره؟!
فقال عمر : أمّا أنت يابن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي.
قال : وما هو يا أمير المؤمنين إخبرني به؟ فإن يك باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، وإن يك حقاً فإّن منزلتي عندك لا تزول به.
قال : بلغني إنّك لا تزال تقول : أخذ هذا الأمر منّا حسداً وبغياً وظلماً.
قال ابن عباس : أمّا قولك حسداً ، فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة ، فنحن ولده المحسودون.
وأمّا قولك : ظلماً ، فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو؟ فقد ثبت للجاهل والحليم.
ثم قال : يا أمير المؤمنين ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فنحن أحّق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من
____________________
(1) الأحزاب / 33.
سائر قريش.
فقال عمر : إليك عني يا بن عباس ، قم الآن فارجع إلى منزلك.
فقال ابن عباس : فقلت أفعل ، فلما ذهبت لأقوم استحيى مني ، فقال : يا ابن عباس مكانك أيّها المنصرف إنّي على ما كان منك ، فوا الله إنّي لراع لحقك ، محبّ لما سرّك.
فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين إنّ لي عليك وعلى كلّ مسلم ( مؤمن ) حقاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن حفظه فحق نفسه حفظ ، وحظّه أصاب ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع ، وحظّه أخطأ. ثم قام ابن عباس فمضى.
فقال عمر لجلسائه : ( لله درّ ابن عباس )(1) واهاً لابن عباس والله ما رأيته لاحى أحداً قط إلاّ خصمه ).
ذكر الغزالي في كتابه ( مقامات العلماء بين يدي الخلفاء ) :
( روى إبراهيم التيمي ، عن عبد الله بن عمر ، قال : خلا عمر ذات يوم فجعل يحدّث نفسه ، اتختلف هذه الأمة ونبيّها واحد وقبلتها واحدة؟
فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين إنّا أنزل علينا القرآن ، وعلمنا فيمن نزل ، فإنّه سيكون بعدنا أقوام يقرؤن القرآن ولايدرون فيمن نزل ، فيكون فيه رأي ، وإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا.
____________________
(1) ما بين القوسين من أخبار الدولة العباسية / 32.
قال : فزبره عمر وانتهره ، فانصرف ابن عباس. فنظر فيما قال فعرفه ، فأرسل إليه ، وقال : أعد علي ما قلت ، قال : فأعاده عليه ، فعرف عمر قوله ، وعلم أنّه الحق فأعجبه ذلك القول )(1) .
أخرج محمد بن حبيب في ( أماليه ) ، قال : وقد روي عن ابن عباس أيضاً ، قال :
( دخلت على عمر يوماً ، فقال : يابن العباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياءً؟!
قلت : مَن هو؟
فقال : هذا ابن عمك ـ يعني عليّاً ـ.
قلت : وما يقصد بالرياء يا أمير المؤمنين؟
قال : يرشح نفسه بين الناس بالخلافة.
قلت : وما يصنع بالترشيح ، قد رشّحه لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصُرفت عنه.
قال : انّه كان شاباً حدثاً فاستصغرت العرب سنّه ، وقد كُمل الآن ، ألم تعلم أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلاّ بعد الأربعين؟
قلت : يا أمير المؤمنين أمّا أهل الحجى والنهى فإنّهم ما زالوا يعدّونه كاملاً منذ رفع الله منار الإسلام ، ولكنهم يعدّونه محروماً مجدوداً(2) .
____________________
(1) مقامات العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء / 175 تح محمد جاسم الحديثي.
(2) المجدد : أي كان ذا جدّ وحظ فهو محظوظ.
فقال : أما أنّه سيليها بعد هياط ومياط(1) ، ثم تزلّ فيها قدمه ، ولا يقضي منها إربه ، ولتكونن شاهداً ذلك يا عبد الله ، ثم يتبيّن الصبح لذي عينين ، وتعلم العرب صحة رأي المهاجرين الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء ، فليتني أراكم بعدي يا عبد الله ، إنّ الحرص محرمة ، وإنّ دنياك كظلك كلّما هممت به إزداد عنك بعداً )(2) .
أقول : من الغريب أن يقول عمر : ( إنّ الله لم يبعث نبيّاً إلا بعد الأربعين )! فكيف يقول في عيسى بن مريم ، ويحيى إبني الخالة عليهما السلام؟ وأغرب من ذلك عدم ردّ ابن عباس عليه!! ولعلّ رواة السوء حذفوا ما لم يوافق هواهم كما مرّ عن أبي الفرج الأصفهاني ، فراجع الإحتجاج رقم (6) لها ، وعن ثعلب في المحاورة رقم (10).
أخرج ابن جرير الطبري في تاريخه ، قال :
( حدثني عمر ، قال : حدثنا علي ، قال حدثنا أبو الوليد المكي ، عن رجل من ولد طلحة ، عن ابن عباس ، قال : خرجت مع عمر في بعض أسفاره ، فإنّا لنسير ليلة ، وقد دنوت منه ، إذ ضرب مقدم رحله بسوطه ، وقال :
كذبتُم وبيت الله يقتلُ أحمدٌ |
ولمّا نطاعن دونه ونناضل |
____________________
(1) يقال هم في هياط ومياط : أي في اضطراب ومجئ وذهابه.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 115 ط مصر الأولى.
ونسلمه حتى نُصّرع حوله |
ونذهل عن ابنائنا والحلائل(1) |
ثم قال : استغفر الله ، ثم سار فلم يتكلم قليلاً ، ثم قال :
وما حَملت من ناقة فوق رحلها |
أبرّ وأوفى ذمّةً من محمّد |
|
وأكسى لبرُد الخال قبل ابتذالِه |
وأعطى لرأس السابق المتجرّد(2) |
____________________
(1) البيتان من قصيدة أبي طالب اللامية المشهورة التي فضلها ابن كثير في تاريخه على المعلقات ، ولها شروح خاصة بها كزهرة الأدباء في شرح لامية شيخ البطحاء للمرحوم الشيخ جعفر النقدي طبع مع ديوان أبي طالب في النجف.
2 ـ نسب البيتان إلى حسان بن ثابت في المغني لابن قدامة 8 / 369 ط دار الكتاب العربي بيروت ، والشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة 8 / 293 ط دار الكتاب العربي ، وأمالي الشيخ المفيد / 304 ، وأمالي الشيخ الطوسي / 76 ، ومناقب ابن شهر آشوب 1 / 199 ، ولم يوجدا في ديوانه بشرح البرقوقي ، ونسبا مع أبيات أخر إلى هاتف يهتف على أبي قبيس كما في مجمع الزوائد للهيثمي 8 / 279 نقلا ًعن الطبراني وهو في الكبير 7 / 106 ، وفي تصحيفات المحدثين للعسكري 3 / 931 ط القاهرة تحقيق محمود أحمد ميرة ط 1402 هـ نسبه مع أبيات أخرى إلى اسيد بن زنيم وهو ممن اهدر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دمه يوم الفتح فجاء حتى قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده في يده ثم قال : أنا أسيد بن زنيم العائذ بك ثم أنشأ يقول :
لأنت الذي تهدي معداً لدينها |
بل الله يهديها وقال لك أشهد |
|
وما حملت من ناقة فوقها رحلها |
أبرّ وأوّفى ذمة من محمد |
|
وأكسى لبرد الخال قد تعلمونه |
وأعطى لرأس السابح المتجرد |
|
تعلّم رسول الله أنك قادر |
على كل حال من تهام ومنجد |
|
تعلّم بأن الركب ركب عويمر |
هم الكاذبوك المخلفوا كل موعد |
|
ونبوّا رسول الله إني هجوته |
فلا رفعت سوطي إلى أذن يدي |
|
سوى أنني قد قلت يا ويح فتية |
اصيبوا بنحس أم أصيبوا بأسعد |
وفي شرح نهج البلاغة 17 / 282 ذكر ان قائل الأبيات انس بن زنيم وذكرها بأكثر ممّا مرّ ،
ثم قال : استغفر الله ، يا بن عباس ما منع عليّاً من الخروج معنا؟
قلت : لا أدري.
قال : يا بن عباس أبوك عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنت ابن عمه ، فما منع قومكم منكم؟
قلت : لا أدري.
قال : لكني أدري ، يكرهون ولا يتكم لهم!
قلت : لِمّ ، ونحن لهم كالخير؟
قال : اللهم غفراً يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة ، فيكون بجَحاً بجحاً(1) . لعلكم تقولون : إنّ أبا بكر فعل ذلك ، لا والله ، ولكن أبا بكر أتى أحزم ما
____________________
وكذلك في كنز العمال 23 / 282 ، وقال ابن عبد البر في الاستذكار 8 / 622 : قد قيل إن اصدق بيت قاله شاعر :
فما حملت من ناقة فوق رحلها |
أبرّ وأوفى ذمة من محمّد |
وهذا البيت في عشر لأبي إياس الديلي يمدح به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ذكرت أبا اياس في كتاب الصحابة والحمد لله.
أقول : ذكره في الإستيعاب 4 / 1605 البجاوي ، ولابن عساكر في تاريخ دمشق 20 / 21 تحقيق حول قائل البيت فقال : فيقال : الشعر الذي يروي لابن أبي اناس بن زنيم أو لسارية :
وما حملت من ناقة فوق كورها |
أبرّ وأوفى ذمة من محمد |
إنما قاله أسيد بن أبي أياس ، وقال : ثم ذكر باقي الشعر ، وفي الإصابة في ترجمة أنس بن زنيم نسب البيت له ، وفي ترجمة سارية نسبه له ، وكذا في اسد الغابة وغيرها ، وحسبنا بهذا فلقد طال الكلام في المقام.
(1) البجح : التعاظم والفخر.
حضره ، ولو جعلها لكم ، ما نفعكم مع قربكم. أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله :
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية |
من المجد من يسبق إليها يسوّد(1) |
فأنشدته وطلع الفجر ، فقال : أقرأ ( الواقعة ) ، فقرأتها ، ثم نزل فصلى وقرأ بالواقعة )(2) .
ذكر أحمد التابعي في كتابه ( الإعتصام بحبل الإسلام ) :
( قال عبد الله بن عباس : ما شيت عمر بن الخطاب يوماً ، فقال : يابن عباس ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاصة؟
قلت : لا أدري.
قال : لكنني أدري ، إنّكم فضلتموهم بالنبوة ، فقالوا : إن فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئاً ، وأنّ أفضل النصيبيَن بأيديكم ، بل ما أخالها إلاّ مجتمعة لكم وإن نزلت على رغم أنف قريش )(3) .
لقد روى الفضل بن شاذان في كتابه ( الإيضاح ) محاورة تقرب ممّا مرّ
____________________
(1) ديوان زهير بشرح ثعلب / 234 من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان بن أبي حارثة المريّ.
(2) تاريخ الطبري 4 / 222 ط محققة.
(3) الإعتصام / 140 ط1 مطبعة السعادة 1327 هـ ، أنظر الطرائف لابن طاووس / 423 عن العقد الفريد لابن عبد ربة 4 / 280.
في أوّل هذا الجزء من معرفة ابن عباس بالشعر الجاهلي وكثرة إستشهاده به. قال :
( كان عبد الله بن عباس عند عمر ، فتنفس عمر نفساً عالياً ، قال ابن عباس : حتى ظننت أن أضلاعه قد انفرجت.
فقلت له : ما أخرج هذا النفس منك إلاّ همّ شديد.
قال : أي والله يا بن عباس ، إنّي فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي. ثم قال : لعلك ترى صاحبك لها أهلاً؟
قلت : وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه.
قال : صدقت ، ولكنه أمرؤ فيه دعابة.
قلت : فأين أنت من طلحة؟
قال : هو ذو البأو بإصبعه المقطوعة.
قلت : فعبد الرحمن بن عوف؟
قال : رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته.
قلت : فالزبير؟
قال : شكس لقس يلاطم في البقيع في صاع من بُرّ.
قلت : فسعد بن أبي وقاص؟
قال : صاحب مقنب وسلاح.
قلت : فعثمان؟
قال : أوه أوه ـ مراراً ـ.
ثم قال : والله لئن وليها ليحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس ، ثم لتنهضنّ إليه العرب فتقتله.
ثم قال : يا بن عباس إنّه لا يصلح لهذا الأمر إلاّ حصيف العقدة قليل الغرّة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، يكون شديداً من غير عنف ، لّيناً من غير ضعف ، جواد من غير سرف ، ممسكاً من غير وكف.
ثم أقبل على ابن عباس ، فقال : وإنّ أحراهم أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنة نبيّهم لصاحبك ، والله لئن وليها ليحملنّهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم )(1) .
روى الزمخشري في ( الفائق ) ( نشنش ) عن ابن عباس رضي الله عنه :
( كان عمر إذا صلى جلس للناس. فمن كانت له حاجة كلّمه ، وإن لم يكن لأحد حاجة قام فدخل ، فصلى صلوات لا يجلس للناس فيهنّ.
قال : فحضرت الباب ، فقلت : يا يرفأ أبأمير المؤمنين شكاة؟
فقال : ما بأمير المؤمنين من شكوى.
فجلست فجاء عثمان بن عفان ، فجاء يرفأ ، فقال : قم يابن عفان ، قم يابن عباس ، فدخلنا على عمر فإذا بين يديه صُبرٌ من مال ، على كلّ صبرة منها كتف.
____________________
(1) الإيضاح / 163.
فقال عمر : إنّي نظرت في أهل المدينة فوجدتكما من أكثر أهلها عشيرة ، فخذا هذا المال فاقتسماه ، فما كان من فضل فردّا ، فأمّا عثمان فحتاً ، وأما أنا فجثوت لركبتي قلت : وإن كان نقصان رددت علينا؟
فقال عمر : نشنشة من أخشنَ ـ يعني حجر من جبل ـ أما كان هذا عند الله إذ محمد وأصحابه يأكلون القدّ؟
قلت : بلى ، لقد كان عند الله ومحمد حيّ ، ولو عليه كان فتح لصنع فيه غير الذي تصنع.
قال : فغضب عمر ، وقال : إذاً صنع ماذا؟
قلت : إذن لأكل وأطعمنا.
قال : فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه. ثم قال : وددتْ أن خرجت منها كفافاً لا لي ولا عليَّ ).
ثم قال الزمخشري : ( هكذا جاء في الحديث مع التفسير ، وكأنّ الحجر سمي نشنشة من نشنشه ونصنصه إذا حرّكه.
والأخشن : الجبل الغليظ كالأخشب ، والخشونة والخشوبة اختان.
وفيه معنيان : أحدهما أن يشبهه بأبيه العباس في شهامته ورميه بالجوابات المصيبة ، ولم يكن لقريش مثل رأي العباس.
والثاني : إن يريد أن كلمته هذه منه حجر من جبل ، يعني أن مثلها
يجئ من مثله ، وأنه كالجبل في الرأي والعلم وهذه قطعة منه )(1) .
____________________
(1) الفائق في غريب الحديث 3 / 396 مادة ( نشنش ).
ومن الغريب أن يروي الزمخشري هذا في كتابه الفائق في مادة ( نشنش ) بينما ذكر هو في كتابه المستقصى في أمثال العرب 2 / 134 برقم 463 بلفظ ( شنشنة أعرفها من أحزم ) وهو المذكور في جملة من كتب الأمثال واللغة ، راجع جمهرة الأمثال لأبي هلال 1 / 443 برقم 998 ، ومجمع الامثال للميداني 2 / 155 ، ونهاية ابن الأثير 1 / 541 ، وقد ذكروا أن عمر بن الخطاب قاله في ابن عباس يشبّه في رأيه بأبيه ، ويقال إنه لم يكن لقريش مثل رأي العباس ابن عبد المطلب.
إحتجاجه على أهل الشورى
كان ابن عباس في عهد عمر غالباً عليه كما مرّ عن مصادره في الجزء الثاني من الحلقة الأولى ، وقد قرأنا هناك ما به الإتفاق بينهما وما عليه الإختلاف بينهما ، وكان بالرغم من شدّة عمر وفظاظة خلقه يسمع من ابن عباس ما يثيره فلا ينقطع حبل الإتصال بينهما ؛ وقرأنا في إحتجاجه في بعض محاوراته ما أسمع عمراً كلاماً شديداً فتركه مخصوماً ؛ كما قرأنا عن مظاهر الغضبات العمرية لكنّها سرعان ما تزول ، كسحابة صيف عن قليل تقشع ، وعند قراءتنا لتلك المحاورات وقفنا على أسباب إستبعاد عمر لابن عباس عن ساحة الترشيح للخلافة ، لأنّه يخشى أن يأتي عليه الذي هو آت ـ يعني الموت ـ فيقول ابن عباس هلّم إلينا لا إليكم ـ يعني استرجاع الحق المغصوب لبني هاشم ـ وهذا ما كرهته قريش وما زالت تكرهه لأن تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم ، وكان عمر يجهر بذلك في حواره مع ابن عباس. ولمّا طُعن عمر كانت أحاديث تجري بينهما حول النفر المرشحين ، وقد أزرى عمر بمن سمّاهم بما يخدش المقام منهم أعظم الذم ، فقال في عليّ وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان ما ينبغي له أن
لا يرشحهم ، حيث قال : ( يا بن عباس : إنّه لا يصلح لهذا الأمر إلاّ حصيف العقدة ، قليل الغرة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، يكون شديداً من غير عنف ، ليّناً من غير ضعف ، سخياً من غير سرف ، ممسكاً من غير وكف
قال ـ ابن عباس ـ : ثم أقبل عليّ بعد أن سكت هنيهة ، وقال : أجرؤهم والله أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنة نبيّه لصاحبك ، أما إن ولي أمرهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم ).
وقرأنا عن عملية الشورى وما أورثت الأمّة من ويلات ، وأنّه لم يشتت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى كما رآها معاوية ، ومرّ خبره نقلاً عن ابن عبد ربه في ( العقد الفريد )(1) ، فراجع. ومرّت آراء آخرين في هذا.
وخدعة الشورى ما زالت نقطة مؤاخذة على من ابتدعها ، مهما تكلّف مَن حاول تبرير ما وقع فيها من الخطأ ، ولم يسع المؤرخون العمريون أن يتجاهلوا مواقف بني هاشم المستريبة منها والناقدة لما جرى فيها.
وقد قرأنا عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعض ما جرى له مع النفر المرشحين ، وقرأنا عن العباس ما رأى وما قال ، وقرأنا عن ابن عباس بعض ما قاله ، فكان الولد سر أبيه كما في المثل ، وعلى حدّ قول الشاعر : ( ومن يشابه أبه فما ظلم ).
لقد كان ابن عباس في رأيه كأبيه العباس داهياً ، ثم فاق أباه بعلمه
____________________
(1) موسوعة عبد الله بن عباس / الحلقة الأولى 2 / 132.
فكان عالماً ومتكلماً جريئاً يقول الحق ، ولم تخدعه أسارير مفتوحة على قلوب مضطغنة ، وقد مرّت بنا في الحلقة الأولى ( سيرة وتاريخ ) بعض أخباره في الجزء الثاني وما كان منه مع عمر بن الخطاب كما تقدم.
ومرّت بنا عن قريب ما كان يدور بينهما من كلام يصح وصفه بأنّه محاورات إحتجاجية ، وابن عباس لم يكن يخفي ما في نفسه من شعور بالمرارة التي يعانيها هو وسائر أقربائه من بني هاشم من فوت الخلافة منهم ، وإستبعادهم عن مراكز القيادة في الدولة الإسلامية الفتيّة ، لولا أنّهم قوم صبروا على اللأواء ، كما قال سيدهم ومعلمهم : ( فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى )(1) .
ولمّا دالت الأيام ـ والأيام دول ـ لصالح عثمان بخدعة الشورى ـ وهي ( خدعة وأيّما خدعة ) كذا سماها الإمام عليه السلام كما في تاريخ الطبري وسير أعلام النبلاء(2) ـ وكانت محسوبة النتائج محسومة العواقب ، فكان ابن عباس يعلمها مثل إمامه عليه السلام وهي في رأيهما أنّها هي الخدعة.
وقد مرّ بنا ما رواه عبد الرزاق في ( المصنف ) ، والزمخشري في ( مختصر كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة ) ، واللفظ له في حديث الشورى : ( وثب علي وعبد الله بن عباس ، فقال له عبد الله بن عباس :
خُدعت يا عليّ؟ فقال : وأيّ خدعة!! فسمعتها فاطمة بنت قيس ، فقالت : إنّ عبد الرحمن طلب الوثيقة لنفسه فأعطاه عثمان الثقة ، وأخذ عبد
____________________
(1) نهج البلاغة / الخطبة الشقشقية.
(2) تاريخ الطبري 4 / 238 ـ 239 ط محققة ، سير أعلام النبلاء 2 / 579 ط دار الفكر ـ
الرحمن لنفسه بالوثيقة ، فتكلمت بثلاث لغات في لغة واحدة )(1) . وما كانت الخدعة التي أرادها ابن عباس إلاّ التي ذكرتها فاطمة بنت قيس والتي كان إجتماع أصحاب الشورى في بيتها(2) ، فتلك هي المناورة من عبد الرحمن بن عوف في صرف الأمر عن أهل البيت عليهم السلام ، فإنّ في طلبه من الإمام أن يتعهّد بأن يسير بسيرة الخليفتين ـ أبي بكر وعمر ـ وهو يعلم أنّ عليّاً لا يرضى أن يتقيّد بسياستهما ، إنّما أراد أن يحرجه بل ويخرجه ليفسح المجال لاختيار عثمان ، وسرعان ما تحقق غرضه(3) .
وقد مرّت أقوال وآراء قدامى ومحدثين حول بيعة عثمان ، فكان من أبرع كتاب العصر في صراحته وصرامته هو الدكتور علي سامي النشار في كتابه ( نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ) حيث قال : ( وقد أحس قلّة من خلص الصحابة أنّ الأمر نزع من علي للمرّة الثالثة ، وأنّه إذا كان الأمر قد سُلب منه أوّلاً لكي يُعطى للصاحب الأوّل ، ثم أخذ منه ثانياً لكي يعطى للصاحب الثاني ، فقد أخذ منه ثالثاً لكي يُعطي لشيخ متهاو متهالك ، لا يحسن الأمر ولا يقيم العدل ، ترك الأمر لبقايا قريش الضالة )(4) .
ومن خلّص الصحابة ما رواه التاريخ من كلام عمار والمقداد وابن
____________________
(1) أنظر الحلقة الأولى من هذه الموسوعة 2 / 148 ، نقلاً عن مختصر كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة للزمخشري ، المصنف 5 / 407.
(2) أنظر الحلقة الأولى من هذه الموسوعة 2 / 148.
(3) أنظر الحلقة الأولى من هذه الموسوعة 2 / 132 ـ 133.
(4) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام1 / 253 ط الرابعة دار المعارف بمصر 1966.
عباس ، والذي يعنينا فعلاً نقله ، هو ما قاله ابن عباس فيما رواه البياضي في كتابه ( الصراط المستقيم ) ، قال : ( وأسند الحاجب إلى ابن عباس أنّه قال يوم الشورى : كم تمنعون حقنا؟ وربّ البيت إنّ عليّاً هو الإمام والخليفة ، وليملكنّ من ولده أئمة أحد عشر يقضون بالحق ، أوّلهم الحسن بوصية أبيه إليه ، ثم الحسين بوصية أخيه إليه ، ثم ابنه عليّ بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه محمد بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه جعفر بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه موسى بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه علي بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه محمد بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه علي بوصية أبيه إليه ، ثم ابنه الحسن بوصية أبيه ، فإذا مضى فالمنتظر صاحب الغيبة(1) .
قال ـ الراوي ـ لابن عباس : من أين لك هذا؟ قال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّم عليّاً ألف باب ، فتح له من كلّ باب ألف باب ، وأنّ هذا من ثَمَ )(2) .
____________________
(1) يشير إلى حديث اثني عشر خليفة ، من حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة ) فقال كلمة صمّنيها الناس فقلت لأبي ما قال؟ قال : ( كلهم من قريش ) كما أخرج الحديث مسلم واحمد وغيرهما ، وقد ذكرت في كتاب ( علي إمام البررة 3 / 305 ـ 331 ) ما يتعلق بالحديث المذكور ، وإن الكلمة التي قالها صلى الله عليه وآله وسلم فضجّت الناس منها قال ( كلهم من بني هاشم ) كما في رواية ينابيع المودة ، ولابن عباس روايات في الأئمة الإثنا عشر ذكرت فيها اثني عشر حديثاً مع مصادرها موثقة تحسن مراجعة ذلك في الكتاب المذكور.
(2) الصراط المستقيم 2 / 151.
بين يدي محاوراته مع عثمان
لقد قرأنا في الجزء الثاني من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة كثيراً من أخبار ابن عباس في أيام عثمان ، ولمّا كان حال عثمان غير خفيّ في التاريخ ، بالرغم من موضوعات زادت في تشويهه بأكاذيب أموية ، لكنها لم تصنع شيئاً ، فبقيت حال عثمان كما هي معلومة نسباً وحسباً وصحبةً ومصاهرةً وحكومةً وممارسةً وضلوعاً وإنصياعاً لبني أمية ، ما سببّت نقمة الناس عليه ، لأمور صدرت منه ومنهم ما كان ينبغى لمثله في سنّه وشأنه أن تنسب إليه فيؤاخذ عليها حتى أودت بحياته ، فكان كما قال عنه الدكتور طه حسين في كتابه ( الفتنة الكبرى ) :
( فأمّا عثمان فمهما يكن إعتذار أهل السنة والمعتزلة عنه ، فإنّه قد أسرف وترك عمّاله يسرفون في العُنف بالرعية ، ضرباً ونفياً وحبساً ، وهو نفسه قد ضرب أو أمر بضرب رجلين من أعلام أصحاب النبيّ ، فضرب عمار بن ياسر حتى أصابه الفتق ، وأمر من أخرج عبد الله بن مسعود من مسجد النبيّ إخراجاً عنيفاً ، حتى كسر بعض أضلاعه ).
وقال أيضاً : ( فهذه السياسة العنيفة التي تسلط الخليفة وعماله على أبشار الناس وأشعارهم وعلى أمنهم وحريتهم ليست من سيرة النبيّ ولا من سيرة الشيخين في شيء ).
وقال أيضاً : ( والسياسة المالية التي أصطنعها عثمان منذ نهض بالخلافة كلّها موضوع النقمة والإنكار من أكثر الذين عاصروا عثمان ، ومن أكثر الرواة والمؤرخين ).
وقال أيضاً : ( ولو سار عثمان في الأموال العامّة سيرة عمر فلم ينفق المال إلاّ بحقه ، لجنّب نفسه وجنّب المسلمين شراً عظيماً ، ولكان من الممكن أن ينشئ الإسلام للإنسانية نظاماً سياسياً وإجتماعياً صالحاً يجنبّها كثيراً من الإضطراب الذي اضطرت إليه ، والفساد الذي تورطت فيه )(1) .
أقول : وعلى نحو ما مرّ من أقوال طه حسين نجد أقوال آخرين من الباحثين المحدثين ، ولا بدع لو التقت أراؤهم في نقد أفعاله وأختلفت أقوالهم في توجيه سياسته والتي رأوها جميعاً سياسية أموية رعناء جلبت له وللأمة كثيراً من الشر ، وكثرّت عليه أسباب النقمة ، بداية من المسلمين الصحابة في المدينة ، وسرعان ما أستطار شررها إلى بقية الأمصار ، فكثرت وفود الساخطين من العراق ومصر وغيرهما والتقوا بالصحابة فتفاقم الخطب.
وكانت شدّة المحنة والمعاناة عندما فزع الثوار إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يشكون حالهم ، فيسارع هو إلى عثمان ناصحاً في محاولات إصلاح بين الطرفين ، لكن عثمان لم يستجب للنصح ، بل وزاد في تعقيد الأمور إتهامه الإمام عليه السلام ما دام كثير من الثوار اتخذوه لجأً ، يرجون إغاثتهم
____________________
(1) الفتنة الكبرى 1 / 190 ـ 198.
من سوء أفعال عثمان وبطانته ، وكلّما دافع الإمام عليه السلام عن عثمان بالحسنى إزداد تصلّب الساخطين ، فآثر الإعتزال ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، غير أنّ عثمان وبتحريض من بني أمية كان يزداد غضباً وحنقاً عليه ، ممّا أضطر العباس بن عبد المطلب ومن بعده ابنه عبد الله حبر الأمة القيام بمحاولات إصلاحية أيضاً ولتهدئة الخواطر ، عسى أن تهدأ الفورة وتسكن الثورة ، ولم تنجح تلك المساعي ، لأنّ عثمان كان إذن شرّ يسمع لما يقوله له مروان وبني أمية.
ومع كثرة الشواهد على المساعي الإصلاحية التي بذلها الإمام عليه السلام وعمه العباس وابنه عبد الله ، كان عثمان يتهمهم في النصح ، مع أنّه لو أنصفهم لوجدهم أحرص الناس عليه وأرعى ذماماً له للقرابة النسبية منه ، وهذا ما سنقرأ بعضاً منه في مواقف العباس وابنه عبد الله بن عباس في إصلاح ذات البين ، لكن عثمان ـ كما قلناـ كان مغلوباً على أمره من قبل بني أمية ، وفي قلوبهم جميعاً من الحقد والشنآن على بني هاشم عموماً وعلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام خصوصاً ، ممّا طغى على لسان عثمان ، فأظهرته فلتات اللسان عن بعض ما يضمره الجنان من الحقد والشنآن ، فيقول للإمام عليه السلام مغاضباً وعاتباً : ( ما ذنبي إليك إذا لم تحبّك قريش وقد قتلت منهم سبعين ترد آنافهم الماء قبل شفاهم ) ، وفي لفظ آخر : ( كأن أعناقهم أباريق فضة ) ، ونحو هذا. ولقد همّ مرّة ـ وربما أكثر ـ بأن ينفي الإمام عليه السلام من المدينة كما صنع مع أبي ذر ، كما ستأتي الإشارة إليه في مواقف العباس الإصلاحية والإستصلاحية.
وإلآن إلى قراءة بعضها ، ولنبدأ بما رواه الطبري في تاريخه :
( بسند عن حمران بن أبان ، قال : أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع فدعوته له ، فقال : مالك تعبدتني ـ ( تبعّدتني ظ )؟ قال : لم أكن قط أحوج إليك مني اليوم. قال ـ العباس ـ : الزم خمساً لا تنازعك الأمة خزائمها ما لزمتها. قال : وما هي؟ قال : الصبر عن القتل ، والتحبب ، والصفح ، والمدارات ، وكتمان السر )(1) .
ولكن عثمان لم يلتزم بنصيحة العباس ، بل استمر على حاله ، فاتسع الخرق على الراقع ، حتى عجز العباس من رأب الصدع ، مع ما كان فيه من حنكة رأي وجودة تدبير ، حتى قيل له داهية قريش ، ولمّا رأى تسافل الحال ونذر الشر بدت تلوح في الأفق ، فصار يدعو ربّه أن يسبق به أجله قبل وقوع الكارثة التي بدت بوادرها تنذر بشر مستطير فإستجاب له ربّه ، فما كانت إلاّ جمعة حتى لقي ربّه.
أمّا عن مواقفه في نصيحة عثمان في كفّ أذاه عن الإمام عليه السلام وعن الأمّة فهي متعددة ، أذكر بعضها :
فمنها ما ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج ، قال :
( روى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات ، عن عبد الله بن عباس ، قال : ما سمعت من أبي شيئاً قط في أمر عثمان يلومه فيه ولا يعذره ، ولا سألته عن شيء من ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه ، فأنا عنده
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 400 ط دار المعارف بمصر.
ليلة ونحن نتعشى إذ قيل هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب ، فقال : أئذنوا له ، فدخل فأوسع له على فراشه وأصاب من العشاء معه ، فلمّا رفع قام من كان هناك وثبتّ أنا.
فحمد الله عثمان وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد يا خال فإنّي قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك عليّ سبّني ، وشهر أمري ، وقطع رحمي ، وطعن في ديني ، وإنّي أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب ، إن كان لكم حقّ تزعمون أنّكم غُلبتم عليه فقد تركتموه في يدي مَن فعل ذلك بكم ، وأنا أقرب إليكم رحماً منه ، وما لمت منكم أحداً إلاّ عليّاً ، ولقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله والرحم وأنا أخاف أن لا يتركني فلا أتركه.
قال ابن عباس : فحمد أبي الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد يا بن أختي فإن كنت لا تحمد عليّاً لنفسك فإنّي لا أحمدك لعليّ ، وما عليّ وحده قال فيك ، بل غيره ، فلو أنّك اتهمت نفسك للناس أتهم الناس أنفسهم لك ، ولو أنّك نزلت ممّا رقيت وأرتقوا ممّا نزلوا فأخذت منهم وأخذوا منك ما كان بذلك بأس.
قال عثمان : فذلك إليك يا خال وأنت بيني وبينهم.
قال : أفأذكر لهم ذلك عنك؟
قال : نعم ، وأنصرف.
فما لبثنا أن قيل : هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب ، قال أبي : أئذنوا له ، فدخل فقام قائماً ولم يجلس وقال : لا تعجل يا خال حتى أوذنك. فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالساً بالباب ينتظره حتى خرج فهو
الذي ثناه عن رأيه الأوّل.
فأقبل عليَّ أبي وقال : يا بني ما إلى هذا من أمره شيء. ثمّ قال : يا بني أملك عليك لسانك حتى ترى ما لابدّ منه. ثمّ رفع يديه فقال : اللّهمّ اسبق بي ما لا خير لي في إدراكه ، فما مرّت جمعة حتى مات رحمه الله )(1) .
ومنها ما رواه البلاذري في ( أنساب الأشراف ) ، بإسناده عن صهيب مولى العباس ، قال :
( إنّ العباس قال لعثمان : أذكرّك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك ، وصاحبك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد بلغني أنّك تريد أن تقوم به وبأصحابه.
فقال : أوّل ما أجيبك به أنّي قد شفعتك ، إنّ عليّاً لو شاء لم يكن أحد عندي إلاّ دونه ، ولكن أبى إلاّ رأيه. ثم قال لعليّ مثل قوله لعثمان.
فقال عليّ : لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت )(2) .
وهذا رواه ابن عساكر أيضاً في ( تاريخ مدينة دمشق ) ، بسنده عن صهيب مولى العباس ، وجاء في آخر قول الإمام عليه السلام : ( فأمّا أداهن أن لا
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 397.
وهذه الواقعة غير التي سبقتها وان عاصرتها زماناً ففي الاُولى كانت الشكوى في دار عثمان والعباس حاضر عنده. أمّا هذه فهي في دار العباس وعثمان حاضر عنده ، ولا مانع من تعدّدهما إذا عرفنا تخبّط السياسة يومئذ في معالجة مشاكل الناس وأستحواذ مروان على عثمان في تدبير أُموره.
(2) أنساب الأشراف 1 / 498 ـ 499.
يقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل )(1) .
وجاء الخبر في ( التعديل والتجريح ) مسنداً عن سهيل مولى العباس يقول : ( أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه ، فأتاه فقال : أفلح الوجه أبا الفضل ، قال : ووجهك يا أمير المؤمنين. قال : عليّ ابن عمك وابن عمتك وصهرك وأخوك في دينك وصاحبك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغني أنّك تريد أن تقوم به وبأصحابه. فقال : لو شاء عليّ ما كان دونه أحد ، ثم أرسلني إلى عليّ ، فقال : إنّ عثمان ابن عمك وابن عمتك وأخوك في دينك وصاحبك مع رسول صلى الله عليه وآله وسلم وولي بيعتك ، فقال : لو أمرتني أن أخرج من داري لفعلت )(2) .
ومنها ما رواه البلاذري وغيره ، واللفظ له قال :
( حدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عمّن حدثه ، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عباس : إنّ عثمان شكا عليّاً إلى العباس فقال له : يا خال إنّ عليّاً قد قطع رحمي ، وألّب الناس عليَّ ، والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيمّ وعدي ، فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليه.
قال عبد الله بن العباس : فأطرق أبي طويلاً ، ثم قال : يا بن أخت لئن كنت لا تحمد عليّاً فما نحمدك له ، وأن حقك في القرابة والإمامة للحق الذي لا يُدفع ولا يجحد ، فلو رقيت فيما تطأطأ ، أو تطأطأت فيما رقي ،
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق 39 / 264 ط دار الفكر بيروت.
(2) التعديل والتجريح 3 / 1007.
تقاربتهما ، وكان ذلك أوصل وأجمل.
قال : قد صيّرت الأمر عن ذلك إليك ، فقرّب الأمر بيننا.
قال : فلمّا خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه ، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه ، فلمّا رجع ، قال : يا خال أحبّ أن تؤخر النظر في الأمر الذي ألقيت إليك حتى أرى من رأي.
فخرج أبي من عنده ثم التفت إلى فقال : يا بني ليس إلى هذا الرجل من أمره شيء ، ثم قال : اللهم أسبق بي الفتن ، ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء إليه ، فما كانت جمعة حتى هلك )(1) .
ويبدو لي تعدّد الوقائع مع تقارب الزمان بينهما ، ففي الرواية الأولى كانت الشكاة في دار العباس وقد أتاه عثمان بنفسه ليلة وأصاب معه من عشائه ثم نفث شكاته ، وفي الرواية الثانية التي رواها البلاذري بسنده عن ابن عباس أنّ التشاكي كان في دار عثمان ، وفي خبر التعديل والتجريح أنّ العباس أرسل مولاه سهيل فاستدعى عثمان إلى بيته ونصحه باستعمال الرفق واللين مع عليّ عليه السلام ، وفي كلّ الروايات قرأنا طرحاً إستصلاحياً يكاد النجاح حليفه ، لكن صراحة استحواذ مروان على عثمان في تخبطه السياسي فلم يدع مجالاً للعباس ولا لغيره أن يصلح بينه وبين الناس لمعالجة المشاكل العالقة يومئذ.
ويبدو لي أنّ العباس يأس من إصلاح ما أفسده بنو أمية من أمر
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 / ق4 / 498 ـ 499.
عثمان ، وتوقع المزيد من طوارق الحدثان تجتاح المجتمع الإسلامي في المدينة وغيرها ، ولذلك دعا أن يسبقها أجله ، فمرض فكان العوّاد يعودونه ، فكان آخر نصائحه لعثمان حين دخل عليه في مرضه الذي مات فيه :
( فقال ـ عثمان ـ : أوصني بما ينفعني ( الله ) به.
فقال : إلزم ثلاث خصال خواص تصيب بها ثلاث عوام ، فالخواص : ترك مصانعة الناس في الحق ، وسلامة القلب ، وحفظ اللسان ، تُصب بها سُرور الرعية ، وسلامة الدين ، ورضا الربّ )(1) .
ولشدّة اهتمامه بوحدة كلمة المسلمين وصلاح ذات البين كانت وصاياه لعثمان ، وكذلك كانت وصيته للإمام أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً ، وهي آخر وصية صدرت منه ، تكشف عن بُعد نظر في قراءة المستقبل المظلم الذي ستنتصر فيه قوى الشر على وحدة الخير ، ويكون عليّ عليه السلام ضحيتها ، لذلك كانت نظرة العباس تفيض بالألم على ما أصاب بني هاشم من تحديات وإحباطات سابقاً ، مضافاً إلى ما سيلاقونه لاحقاً من عقبات ومعادات من أعدائهم مع خذلان من أنصارهم ، إلاّ من رحم الله فحفظ فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقليلٌ ما هم.
كلّ هذا كان عند العباس بثاقب نظره رؤيا العين ، فهو إذ يوصي الإمام عليه السلام بتجنب المواجهة مع عثمان خشية عليه من أن يعصب به كلّ
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 21.
الإضطغان القرشي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للدماء التي أُريقت في سبيل الإسلام ، من قريش وغيرهم ، والعباس كان يعرف كراهية قريش لبني هاشم منذ عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد مرّت بنا شواهد على ذلك.
والآن إلى قراءة وصيته لابن أخيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
لقد سبق ذكر الوصية عند ذكر وفاة العباس ، إلاّ أنّ ثمة تفاوت وتعقيب وتذنيب اقتضى ذكرها ثانياً.
قال ابن أبي الحديد : ( قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في تقريظ الجاحظ ، قال : نقلت من خط الصولي : قال الجاحظ : إنّ العباس بن عبد المطلب أوصى عليّ بن أبي طالب عليه السلام في علته التي مات فيها ، فقال : أي بُنيّ إنّي مشفٍ على الظعن عن الدنيا إلى الله الذي فاقتي إلى عفوه وتجاوزه أكثر من حاجتي إلى ما أنصحك فيه وأشير عليك به ، ولكن العِرق نبوض ، والرحم عروض ، وإذا قضيت حق العمومة فلا أبالي بعد ، إنّ هذا الرجل ـ يعني عثمان ـ قد جاءني مراراً بحديثك ، وناظرني ملايناً ومخاشناً في أمرك ، ولم أجد عليك إلاّ مثل ما أجد منك عليه ، ولا رأيت منه لك إلاّ مثل ما أجد منك له ، ولست تؤتى من قلّة علم ولكن من قلّة قبول ، ومع هذا كلّه فالرأي الذي أودّعك به أن تمسك عنه لسانك ويدك ، وهمزك وغمزك ، فإنّه لا يبدؤك ما لم تبدؤه ، ولا يجيبك عما لم يبلغه ،
وأنت المتجني وهو المتأني ، وأنت العائب وهو الصامت ، فإن قلت : كيف هذا وقد جلس مجلساً أنا به أحق ، فقد قاربت ولكن ذاك بما كسبت يداك ، ونكص عنه عقباك ، لأنّك بالأمس الأدنى هرولتَ إليهم ، تظن أنّهم يُحلّون جيدك ويُختمّون أصبعك ، ويطأون عقبك ، ويرون الرشد بك ، ويقولون لا بد لنا منك ، ولا معدل لنا عنك ، وكان هذا من هفواتك الكُبر ، وهناتك التي ليس لك منها عذر ، والآن بعد ما ثللت عرشك بيدك ، ونبذت رأي عمك في البيداء ، يتدهده(1) في السافياء(2) ، خذ بأحزم ممّا يتوضح به وجه الأمر ، لا تشارّ هذا الرجل ولا تماره ، ولا يبلغه عنك ما يحنقه عليك ، فإنّه إن كاشفك أصاب أنصاراً ، وإن كاشفته لم تر إلا ضِراراً ، ولم تستلج إلاّ عثاراً ، واعرف مَن هو بالشام له ، وَمَن ههنا حوله ، ومن يطيع أمره ويمتثل قوله ، ولا تغترر بناس يطيفون بك ، ويدّعون الحنوّ عليك والحبّ لك ، فإنّهم بين مولى جاهل ، وصاحب متمنّ ، وجليس يرعى العين ويبتدر المحضر ، ولو ظن الناس بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك والزمام في يدك ، ولكن هذا حديث يوم مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فات ، ثم حرم الكلام فيه حين مات ، فعليك الآن بالعزوف عن شيء عرضك له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتم ، وتصدّيت له مرّة بعد مرّة فلم يستقم ، ومن ساور الدهر غُلِب ، ومن حرص على ممنوع تعب ، فعلى ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك ، وبعثته على متابعتك ، وأوجرته محبتك ، ووجدت عنده من ذلك ظني به لك ، لا
____________________
(1) يتدهده : يتدحرج.
(2) السافياء : الريح التي تحمل التراب.
توتر قوسك إلاّ بعد الثقة بها ، وإذا أعجبتك فأنظر إلى سيتها ، ثم لا تفوّق إلاّ بعد العلم ، ولا تغرق في النزع إلاّ لتصيب ، وأنظر لا تطرف يمينك عينَك ، ولا تجنِ شمالك شينك ، ودّعني بآيات من آخر سورة الكهف(1) ، وقم إذا بدا لك )(2) .
قال ابن أبي الحديد بعد ذكره الوصية المتقدمة : ( قلت : الناس يستحسنون رأي العباس لعليّ عليه السلام في أن لا يدخل في أصحاب الشورى ، وأمّا أنّا فانّي أستحسنه إن قصد به معنى ، ولا أستحسنه إن قصد به معنى آخر ، وذلك لأنّه إن أجري بهذا الرأي إلى ترفّعه عليهم وعلوّ قدره عن أن يكون مماثلاً لهم ، أو أجري به إلى زهده في الإمارة ورغبته عن الولاية ، فكلّ هذا رأي حسن وصوابه ، وإن كان منزعه في ذلك إلى أنّك إن تركت الدخول معهم وانفردت بنفسك في دارك أو خرجت عن المدينة إلى بعض أموالك فإنّهم يطلبونك ويضربون إليك آباط الإبل حتى يولّوك الخلافة ، وهذا هو الظاهر من كلامه ، فليس هذا الرأي عندي بمستحسن ،
____________________
(1) هي قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً _ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً _ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً _ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا ً) الكهف / 107 ـ 110.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ط مصر الاُولى.
لأنّه لو فعل لولّوا عثمان أو واحداً منهم غيره ، ولم يكن عندهم من الرغبة إليه عليه السلام ما يبعثهم على طلبه ، بل كان تأخره عنهم قرّة أعينهم ، وواقعاً بإيثارهم ، فإنّ قريشاً كلّها كانت تبغضه أشد البغض ، ولو عمّر عمر نوح وتوصل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل كالزهد فيها تارة ، والمناشدة بفضائله تارة ، وبما فعله في ابتداء الأمر من إخراج زوجته وأطفاله ليلاً إلى بيوت الأنصار ، وبما اعتمده إذ ذاك من تخلّفه في بيته واظهار أنّه قد عكف على جمع القرآن ، وبسائر أنواع الحيل فيها لم تحصل له إلاّ بتجريد السيف كما فعله في آخر الأمر.
ولست ألوم العرب لا سيما قريشاً في بغضها له وانحرافها عنه ، فإنّه وترها وسفك دماءها ، وكشف القناع في منابذتها ، ونفوس العرب وأكبادها كما تعلم ، وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس ، كما نشاهد اليوم عياناً ، والناس كالناس الأول ، والطبائع واحدة ، فأحسب أنّك كنت من سنتين أو ثلاث جاهلياً أو من بعض الروم وقد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ثم أسلمت ، أكان اسلامك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه ، كلا إنّ ذلك لغير ذاهب ، هذا إذا كان الإسلام صحيحاً والعقيدة محققة لا كإسلام كثير من العرب ، فبعضهم تقليداً ، وبعضهم للطمع والكسب ، وبعضهم خوفاً من السيف ، وبعضهم على طريق الحمية والإنتصار ، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام وأعدائه.
واعلم أنّ كلّ دم أراقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسيف عليّ عليه السلام وبسيف غيره ، فإنّ العرب بعد وفاته عليه السلام عصبت تلك الدماء بعليّ بن أبي طالب عليه السلام وحده ، لأنّه لم يكن في رهطه مَن يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدماء إلاّ بعليّ وحده ، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل ، فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله. لمّا قتل قوم من بني تميم أخاً لعمرو بن هند ، قال بعض أعدائه يحرض عمراً عليهم :
من مبلغ عمراً بأن المرء لم يخلق صُباره |
وحوادث الأيام لايبقى لها إلاّ لحجاره |
|
ها إنّ عجزة أمه بالسفح أسفل من أواره |
تسفي الرياح خلال كشيحه وقد سلبوا أزاره |
فاقتل زرارة لا أرى في القوم أمثل من زرارة
أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بني تميم ، ولم يكن قاتلاً أخا الملك ولا حاضراً قتله. ومن نظر في أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه )(1) .
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 283 ط الأولى بمصر.
محاورات ابن عباس مع عثمان
نذكر ما روى الواقدي في كتاب ( الشورى ) عن ابن عباس رحمه الله قال :
( شهدت عتاب عثمان لعليّ عليه السلام يوماً فقال له في بعض ما قاله : نشدتك الله أن تفتح للفرقة باباً ، فلعهدي بك وأنت تطيع عتيقاً وابن الخطاب طاعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولستُ بدون واحد منهما ، وأنا أمسّ بك رحماً وأقرب إليك صهراً ، فإن كنت تزعم أنّ هذا الأمر جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك ، فقد رأيناك حين توفي نازعت ثمّ أقررت ، فإن كانا لم يركبا من الأمر جَداً فكيف أذعنت لهما بالبيعة وبخعت بالطاعة ، وإن كانا أحسنا فيما وليّا ولم أقصر عنهما في ديني وحسبي وقرابتي فكن لي كما كنت لهما.
فقال عليّ عليه السلام : أمّا الفرقة ، فمعاذ الله أن أفتح لها باباً وأسهّل إليها سبيلاً ، ولكني أنهاك عمّا ينهاك الله ورسوله عنه ، وأهديك إلى رشدك.
وأمّا عتيق وابن الخطاب ، فإن كانا أخذا ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي فأنت أعلم بذلك والمسلمون ، وما لي ولهذا الأمر وقد تركته منذ حين. فأمّا أن لا يكون حقي بل المسلمون فيه شرع ، فقد أصاب السهم الثغرة ،
وأمّا أن يكون حقي دونهم ، فقد تركته لهم طبت به نفساً ، ونفضت يدي عنه استصلاحاً.
وأمّا التسوية بينك وبينهما ، فلست كأحدهما ، إنّهما وليا هذا الأمر فطلقا أنفسهما وأهلهما عنه ، وعُمتَ فيه وقومك عوم السابح في اللجة ، فارجع إلى الله أبا عمرو وأنظر هل بقي من عمرك إلاّ كظمء الحمار ، فحتى متى وإلى متى؟ ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم؟ والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان أثمه مشتركاً بينه وبينك.
قال ابن عباس : فقال عثمان : لك العتبى ، وافعل وأعزل من عمالي كلّ من تكرهه ويكرهه المسلمون.
ثمّ أفترقا ، فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك ، وقال : يجتريء عليك الناس فلا تعزل أحداً منهم )(1) .
روى الزبير بن بكار في كتاب ( الموفقيات ) بسنده عن ابن عباس S قال : ( صليت العصر يوماً ثمّ خرجت ، فإذا أنا بعثمان في أيام خلافته في بعض أزقة المدينة وحده ، فأتيته إجلالاً وتوقيراً لمكانه ، فقال لي : هل رأيت عليّاً؟
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 398 ط مصر الأولى.
قلت : خلّفته في المسجد ، فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله.
قال : أمّا منزله فليس فيه ، فابغه لنا في المسجد ، فتوجهنا إلى المسجد ، وإذا عليّ عليه السلام يخرج منه.
ـ قال ابن عباس : وقد كنت أمس ذلك اليوم عند عليّ فذكر عثمان وتجرّمه عليه ، وقال : أما والله يا بن عباس إنّ من دوائه لقطع كلامه وترك لقائه. فقلت له : يرحمك الله كيف لك بهذا ، فإن تركته ثمّ أرسل إليك فما أنت صانع؟ قال : أعتلّ وأعتلّ فمن يضرّني؟ قال : لا أحدـ
قال ابن عباس : فلمّا تراءينا له وهو خارج من المسجد ظهر منه من الالتفات والطلب للإنصراف ما أستبان لعثمان ، فنظر إليّ عثمان ، وقال : يا ابن عباس أما ترى ابن خالنا يكره لقاءنا؟
فقلت : ولِمَ وحقك ألزم وهو بالفضل أعلم.
فلمّا تقاربا رماه عثمان بالسلام فردّ عليه. فقال عثمان : إن تدخل فإياك أردنا ، وإن تمض فإياك طلبنا. فقال عليّ : أيّ ذلك أحببت. قال : تدخل ، فدخلا وأخذ عثمان بيده فأهوى به إلى القبلة فقصر عنها وجلس قبالتها ، فجلس عثمان إلى جانبه ، فنكصت عنهما ، فدعواني جميعاً فأتيتهما.
فحمد الله عثمان وأثنى عليه وصلّى على رسوله ، ثمّ قال : أمّا بعد يا ابنّي خاليّ وابنيّ عمّي فإذ جمعتكما في النداء فأستجمعكما في الشكاية على رضائي عن أحدكما ووجدي على الآخر ، إنّي أستعذركما من أنفسكما وأسألكما فياتكما وأستوهبكما رجعتكما ، فوالله لو غالبني الناس
ما أنتصرت إلاّ بكما ، ولو تهضّموني ما تعززت إلاّ بعزّكما ، ولقد طال هذا الأمر بيننا حتى تخوّفت أن يجوز قدره ويعظم الخطر فيه. ولقد هاجني العدو عليكما وأغراني بكما ، فمنعني الله والرحم ممّا أراد ، وقد خلونا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى جانب قبره ، وقد أحببت أن تظهرا لي رأيكما وما تنطويان لي عليه وتصدقا ، فإنّ الصدق أنجى وأسلم ، وأستغفر الله لي ولكما.
قال ابن عباس : فأطرق عليّ عليه السلام وأطرقت معه طويلاً. أمّا أنا فأجللته أن أتكلّم قبله ، وأمّا هو فأراد أن أجيب عنّي وعنه ؛ ثمّ قلت له : أتتكلم أم أتكلم أنا عنك؟ قال : بل تكلم عني وعنك.
فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصلّيت على رسوله ، ثمّ قلت : أمّا بعد يا ابن عمنا وعمتنا ، فقد سمعنا كلامك لنا وخلطك في الشكاية بيننا على رضاك ـ زعمت ـ عن أحدنا ووجدك على الآخر ، وسنفعل في ذلك فنذمّك ونحمدك ، اقتداء منك بفعلك فينا ، فإنا نذمّ مثل تهمتك إيانا على ما اتهمتنا عليه بلا ثقة إلاّ ظنّاً ، ونحمد منك غير ذلك من مخالفتك عشيرتك ، ثمّ نستعذرك من نفسك استعذارك إيانا من أنفسنا ، ونستوهبك فياتك استيهابك إيانا فيأتنا ، ونسألك رجعتك مسألتك إيانا رجعتنا ، فإنّا معاً أيّما حمدت وذممت منّا كمثلك في أمر نفسك ، ليس بيننا فرق ولا إختلاف ، بل كلانا شريك صاحبه في رأيه وقوله ، فوالله ما تعلمنا غير معذّرين فيما بيننا وبينك ، ولا تعرفنا غير قانتين عليك ولا تجدنا غير راجعين إليك ،
فنحن نسألك من نفسك مثل ما سألتنا من أنفسنا.
وأمّا قولك : لو غالبني الناس ما أنتصرت إلاّ بكما ، أو تهضّموني ما تعزّزت إلاّ بعزّكما ، فأين بنا وبك عن ذلك ونحن وأنت كما قال أخو كنانة :
بدا بحتر ما رام نال وإن يرم |
نخض دونه غمرا من الغر رائمه |
|
لنا ولهم منا ومنهم على العدى |
مراتب عزّ مصعدات سلالمه |
وأمّا قولك في هيج العدو إياك وإغرائه لك بنا ، فوالله ما أتاك العدو من ذلك شيئاً إلاّ وقد أتانا بأعظم منه ، فمنعناه ما أراد ما منعك من مراقبة الله والرحم ، وما أبقيت أنت ونحن إلاّ على أدياننا وأعراضنا ومروآتنا ، ولقد لعمري طال بنا وبك هذا الأمر حتى تخوّفنا منه على أنفسنا وراقبنا منه ما راقبت.
وأمّا مساءلتك إيانا عن رأينا فيك وما ننطوي عليه لك ، فإنّا نخبرك أنّ ذلك إلى ما تحبّ لا يعلم واحد منّا من صاحبه إلاّ ذلك ، ولا يقبل منه غيره ، وكلانا ضامن على صاحبه ذلك وكفيل به ، وقد برّأت أحدنا وزكّيته وأنطقت الآخر وأسكته ، وليس السقيم منّا ممّا كرهت بأنطق من البري فيما ذكرت ، ولا البري منّا ممّا سخطت بأظهر من السقيم فيما وصفت ، فإمّا جمعتنا في الرضا وإمّا جمعتنا في السخط ، لنجازيك بمثل ما تفعل بنا في ذلك مكايلة الصاع بالصاع ، فقد أعلمناك رأينا وأظهرنا لك ذات أنفسنا
وصدقناك ، والصدق ـ كما ذكرت ـ أنجى وأسلم ، فأجب إلى ما دعوت إليه ، وأجلل عن النقص والغدر مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وموضع قبره ، وأصدق تنج وتسلم ، ونستغفر الله لنا ولك.
قال ابن عباس : فنظر إليّ عليّ عليه السلام نظر هيبة ، وقال : دعه حتى يبلغ رضاه فيما هو فيه. فوالله لو ظهرت له قلوبنا وبدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمع الخبر عنها بإذنه ما زال متجرّماً منتقماً ، والله ما أنا ملقى على وضمة ، وإنّي لمانع ما وراء ظهري ، وانّ هذا الكلام لمخالفة منه وسوء عشرة.
فقال عثمان : مهلاً أبا حسن فوالله إنّك لتعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفني بغير ذلك يوم يقول وأنت عنده : إنّ من أصحابي لقوماً سالمين لهم وانّ عثمان لمنهم ، إنّه لأحسنهم بهم ظنّاً ، وأنصحهم لهم حبّاً.
فقال عليّ عليه السلام : فصدّق قوله صلى الله عليه وآله وسلم بفعلك ، وخالف ما أنت الآن عليه ، فقد قيل لك ما سمعت وهو كاف إن قبلت.
قال عثمان : تثق يا أبا الحسن؟
قال : نعم أثق ولا أظنك فاعلاً.
قال عثمان : قد وثقت وأنت ممن لا يخفر صاحبه ولا يكذّب لقيله.
قال ابن عباس : فأخذت بأيديهما حتى تصافحا وتصالحا وتمازحا ، ونهضت عنهما فتشاورا وتآمرا وتذاكرا ، ثمّ افترقا ، فوالله ما مرّت ثالثة حتى
لقيني كلّ واحد منهما يذكر من صاحبه ما لا تبرك عليه الإبل ، فعلمت أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها )(1) .
روى الزبير بن بكار في كتاب ( الموفقيات ) عن عمه ، عن عيسى بن داود ، عن رجاله ، قال : قال ابن عباس رحمه الله : ( لمّا بنى عثمان داره بالمدينة أكثر الناس عليه في ذلك فبلغه ، فخطبنا في يوم جمعة ، ثمّ صلّى بنا ، ثمّ عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ، ثمّ قال :
أمّا بعد فإنّ النعمة إذا حدثت حدث لها حسّاد حسبها وأعداء قدرها ، وإنّ الله لم يحدث لنا نعماً ليحدث لها حسّاد عليها ومنافسون فيها ، ولكنه قد كان من بناء منزلنا هذا ما كان إرادة جمع المال فيه وضم القاصية إليه ، فأتانا عن أناس منكم أنّهم يقولون أخذ فيأنا وأنفق شيأنا وأستأثر بأموالنا ، يمشون خمراً ، وينطقون سرّاً ، كأنّا غيّب عنهم ، وكأنّهم يهابون مواجهتنا ، معرفة منهم بدحوض حجتهم ، فإذا غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا ، وقد وجدوا على ذلك أعواناً من نظرائهم ، ومؤازرين من شبهائهم ، فبُعداً بُعداً ، ورغماً رغماً ، ثمّ أنشد بيتين كأنّه يوميء فيهما إلى عليّ عليه السلام :
توقّد بنار أينما كنت وأشتعل |
فلست ترى ممّا تعالج شافياً |
|
تشط فيقضي الأمر دونك أهلُه |
وشيكاً ولا تدعى إذا كنت نائياً |
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 399 ط مصر الأولى.
ما لي ولفيئكم وأخذ مالكم ، ألست من أكثر قريش مالاً وأظهرهم من الله نعمة؟ ألم أكن على ذلك قبل الإسلام وبعده؟
وهبوني بنيت منزلاً من بيت المال أليس هو لي ولكم؟ ألم أقم أموركم ، وأني من وراء حاجاتكم؟ فما تفقدون من حقوقكم شيئاً؟ فلم لا أصنع في الفضل ما أحببت؟ فلِمَ كنت إماماً إذاً؟
ألا وإنّ من أعجب العجب أنّه بلغني عنكم أنّكم تقولون : لنفعلن به ولنفعلن ، فبمن تفعلون؟ لله آباؤكم ، أبنقد البقاع أم بفقع القاع؟ ألست أحراكم إن دعا أن يجاب؟ وأقمنكم إن أمر أن يطاع؟ لهفي على بقائي فيكم بعد أصحابي ، وحياتي فيكم بعد أترابي ، يا ليتني تقدمت قبل هذا ، لكني لا أحبّ خلاف ما أحبّه الله لي عليه السلام. إذا شئتم ، فإنّ الصادق المصدّق محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد حدثني بما هو كائن من أمري وأمركم ، وهذا بدء ذلك وأوّله ، فكيف الهرب ممّا حتم وقدّر. أما أنّه عليه السلام قد بشّرني في آخر حديثه بالجنة دونكم إذا شئتم ، فلا أفلح من ندم.
قال : ثمّ همّ بالنزول فبصر عليّ بن أبي طالب عليه السلام ومعه عمّار بن ياسر رضي الله عنه وناس من أهل هواه يتناجون ، فقال : أيهاً أيهاً اسراراً لا جهاراً ، أما والذي نفسي بيده ما أحنق على جرة ولا أوتى على ضعف مرّة ، ولولا النظر لي ولكم والرفق بي وبكم لعاجلتكم فقد أغتررتم ، وأقلتم من أنفسكم ، ثمّ رفع يديه يدعو ويقول : اللّهمّ قد تعلم حبّي للعافية فألبسنيها ، وإيثاري للسلامة فاتنيها.
قال : فتفرق القوم عن عليّ عليه السلام ، وقام عدي بن الخيار ، فقال : أتم الله عليك يا أمير المؤمنين النعمة وزادك في الكرامة ، والله لأن تـُحسد أفضل من أن تَحسِد ، ولأن تُنافس أجل من أن تنافِس ، أنت والله في حبنا الصميم ومنصبنا الكريم ، إن دعوت أُجبت ، وأن أمرت أُطعت ، فقل نفعل وأدع نجب. جُعلت الخيرة والشورى إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليختاروا لهم ولغيرهم ، وأنّهم ليرون مكانك ويعرفون مكان غيرك ، فاختاروك منيبين طائعين غير مكرهين ولا مجبرين ، ما غيّرت ولا فارقت ولا بدّلت ولا خالفت ، فعلام يقدمون عليك ، وهذا رأيهم فيك ، أنت والله كما قال الأوّل :
اذهب إليك فما للحسود |
إلا طلابك تحت العثار |
|
حكمتَ فما جُرت في خُلةٍ |
فحكمك بالحقّ بادي المنار |
|
فإن يسبعوك فسراً وقد |
جهرتَ بسيفك كلّ الجهار |
قال : ونزل عثمان فأتى منزله ، وأتاه الناس وفيهم ابن عباس ، فلمّا أخذوا مجالسهم أقبل على ابن عباس ، فقال : ما لي ولكم يا بن عباس؟ ما أغراكم بي وأولعكم بتعقّب أمري؟ أتنقمون عليّ أمر العامة ، أتيت من وراء حقوقهم أم أمركم ، فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم ، لا والله لكن الحسد والبغي وتثوير الشر وإحياء الفتن ، والله لقد ألقى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليَّ ذلك ، وأخبرني عن أهله واحداً واحداً ، والله ما كذبت ولا أنا بمكذوب.
فقال ابن عباس : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فوالله ما عهدتك جَهِراً
بسرّك ، ولا مظهراً ما في نفسك ، فما الذي هيّجك وثوّرك؟ إنّا لم يولعنا بك أمر ، ولم نتعقب أمرك بشيء ، أُتيت بالكذب وتـُسوّق عليك بالباطل ، والله ما نقمنا عليك لنا ولا للعامة ، قد أوتيت من وراء حقوقنا وحقوقهم ، وقضيت ما يلزمك لنا ولهم ، فأمّا الحسد والبغي وتثوير الفتن وإحياء الشرّ فمتى رضيت به عترة النبيّ وأهل بيته ، كيف وهم منه واليه ، على دين الله يثورون الشر؟ أم على الله يحيون الفتن؟ كلا ليس البغي ولا الحسد من طباعهم ، فاتئد يا أمير المؤمنين وأبصر أمرك وأمسك عليك ، فإنّ حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى ، لعمري إن كنت لأثيراً عند رسول الله وإن كان ليفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك ولا كذبت ولا أنت بمكذوب ، أخسىء الشيطان عنك ولا يركبك ، وأغلب غضَبك ولا يغلبك ، فما دعاك إلى هذا الأمر الذي كان منك؟
قال : دعاني إليه ابن عمك عليّ بن أبي طالب.
فقال ابن عباس : وعسى أن يكذب مبلّغك؟
قال عثمان : إنّه ثقة.
قال ابن عباس : إنّه ليس بثقة من بلّغ وأغرى.
قال عثمان : يا بن عباس ألله انّك ما تعلم من عليّ ما شكوت منه؟
قال : اللّهمّ لا ، إلاّ أن يقول كما يقول الناس ينقم كما ينقمون ، فمن أغراك به وأولعك بذكره دونهم؟
فقال عثمان : إنّما آفتي من أعظم من الداء الذي ينصب نفسه لرأس
الأمر وهو عليّ ابن عمك ، وهذا والله كلّه من نكده وشؤمه.
قال ابن عباس : مهلاً استثن يا أمير المؤمنين ، قل : إن شاء الله.
فقال : إن شاء الله ، ثمّ قال : إنّي أنشدك يا بن عباس الإسلام والرحم فقد والله غُلبت وابتليت بكم ، والله لوددت أنّ هذا الأمر كان صار إليكم دوني ، فحملتموه عنّي وكنت أحد أعوانكم عليه ، إذاً والله لوجدتموني لكم خيراً ممّا وجدتكم لي. ولقد علمتُ أنّ الأمر لكم ولكن قومكم دفعوكم عنه وأختزلوه دونكم ، فوالله ما أدري أرفعوه عنكم ، أم رفعوكم عنه؟
قال ابن عباس : مهلاً يا أمير المؤمنين فإنّا ننشدك الله والإسلام والرحم مثل ما نشدتنا أن تطمع فينا وفيك عدواً ، وتشمت بنا وبك حسوداً ، إنّ أمرك إليك ما كان قولاً ، فإذا صار فعلاً فليس إليك ولا في يديك ، وإنّا والله لنخالفنّ إن خولفنا ولننازعنّ إن نوزعنا ، وما تمنيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلاّ أن يقول قائل منا ما يقوله الناس ، ويعيب كما عابوا.
فأمّا صرف قومنا عنا الأمر ، فعن حسدٍ قد والله عرفته ، وبغيٍ قد والله علمتَه ، فالله بيننا وبين قومنا.
وأمّا قولك : إنّك لا تدري أرفعوه عنا أم رفعونا عنه ، فلعمري إنّك لتعرف إنّه لو صار إلينا هذا الأمر ما ازددنا به فضلاً إلى فضلنا ، ولا قدراً إلى قدرنا ، وإنّا لأهل الفضل وأهل القدر ، وما فضل فاضل إلاّ بفضلنا ، ولا سبق سابق إلاّ بسبقنا ، ولولا هدينا ما أهتدى أحد ، ولا أبصروا من عمىً ولا قصدوا من خور.
فقال عثمان : حتى متى يا بن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني ، هبوني كنت بعيداً ما كان لي من الحقّ عليكم أن أراقب وأن أناظر ، بلى ورب الكعبة ، ولكن الفرقة سهّلت لكم القول فيّ وتقدّمت لكم إلى الإسراع إليَّ ، والله المستعان.
قال ابن عباس : مهلاً حتى ألقى عليّاً ، ثمّ أحمل إليك على قدر ما أرى.
قال عثمان : افعل فقد فعلت ، وطالما طلبت فلا أطلب ولا أجاب ولا أعتب.
قال ابن عباس : فخرجت فلقيت عليّاً وإذا به من الغضب والتلظي أضعاف ما بعثمان ، فأردت تسكينه فأمتنع ، فأتيت منزلي وأغلقت بابي وأعتزلتهما. فبلغ ذلك عثمان فأرسل إليَّ فأتيته وقد هدأ غضبه ، فنظر إليّ ثمّ ضحك.
وقال : يا بن عباس ما أبطأ بك عنا؟ إنّ تركك العَود إلينا لدليل على ما رأيت عند صاحبك ، وعرفت من حاله فالله بيننا وبينه خذ بنا في غير ذلك.
قال ابن عباس : فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن عليّ فأردت التكذيب عنه يقول : ولا يوم الجمعة أبطأت عنا وتركتَ العود إلينا ، فلا أدري كيف أردّ عليه اهـ )(1) .
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 393 ط مصر الأولى.
روى الزبير بن بكار أيضاً في ( الموفقيات ) عن ابن عباس رحمه الله قال :
( خرجت من منزلي سحراً أسابق إلى المسجد وأطلب الفضيلة ، فسمعت خلفي حساً وكلاماً ، فتسمعته فإذا حس عثمان وهو يدعو ولا يرى أنّ أحداً يسمعه ، ويقول : اللّهمّ قد تعلم نيّتي فأعنّي عليهم ، وتعلم الذين أبتليت بهم من ذوي رحمي وقرابتي فأصلحني لهم وأصلحهم لي.
قال : فقصّرت من خطوتي وأسرع في مشيته فألتقينا فسلّم فرددت عليه.
فقال : انّي خرجت ليلتنا هذه أطلب الفضل والمسابقة إلى المسجد.
فقلت : إنّه أخرجني ما أخرجك.
فقال : والله لئن سابقت إلى الخير إنّك لمن سابقين مباركين ، وإنّي لأحبّكم وأتقرب إلى الله بحبّكم.
فقلت : يرحمك الله يا أمير المؤمنين إنّا لنحبّك ونعرف سابقتك وسنّك وقرابتك وصهرك.
قال : يا بن عباس فما لي ولابن عمك وابن خالي؟
قلت : أيّ بني عمومتي وبني أخوالك؟
قال : اللّهم غفراً تسأل مسألة الجاهل.
قلت : إنّ بني عمومتي من بني خؤلتك كثير فأيّهم تعني؟
قال : أعني عليّاً لا غيره.
فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين ما أعلم منه إلاّ خيراً ولا أعرف له إلاّ
حسناً.
قال : والله بالحري أن يستر دونك ما يظهره لغيرك ، ويقبض عنك ما يبسط به إلى سواك.
قال : ورمينا بعمّار بن ياسر فسلّم فرددت عليه سلامه ، ثمّ قال : من معك؟ قلت : أمير المؤمنين عثمان. قال : نعم ، وسلّم بكنيته ولم يسلّم عليه بالخلافة ، فردّ عليه.
ثمّ قال عمّار : ما الذي كنتم فيه فقد سمعت ذرواً منه؟ قلت : هو ما سمعت.
فقال عمّار : ربّ مظلوم غافل وظالم متجاهل.
قال عثمان : أمّا إنّك من شنئاننا وأتباعهم ، وأيم الله إنّ اليد عليك منبسطة ، وإنّ السبيل إليك لسهلة ، ولولا إيثار العافية ولمّ الشعث لزجرتك زجرة تكفي ما مضى وتمنع ما بقي.
فقال عمّار : والله ما أعتذر من حبّي عليّاً وما اليد بمنبسطة ولا السبيل بسهلة ، إنّي لازم حجة ومقيم على سنّة ، وأمّا إيثارك العافية ولمّ الشعث فلازم لك ذلك ، وأمّا زجري فأمسك عنه فقد كفاك معلّمي تعليمي.
فقال عثمان : أما والله إنّك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه ، الخذلة عند الخير والمثبطين عنه.
فقال عمّار : مهلاً يا عثمان فقد سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصفني بغير ذلك.
قال عثمان : ومتى؟
قال : يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة وليس عنده غيرك ، وقد ألقى ثيابه وقعد في فضله ، فقبّلت صدره ونحره وجبهته ، فقال : يا عمّار إنّك لتحبّنا وإنّا لنحبّك ، وإنّك لمن الأعوان على الخير المثبّطين عن الشرّ.
فقال عثمان : أجل ولكنّك غيّرت وبدّلت.
قال : فرفع عمّار يده يدعو ، وقال : أمّن يا بن عباس : اللّهم مَن غيّر فغيّر به ثلاث مرات.
قال : ودخلنا المسجد ، فأهوى عمّار إلى مصلاه ومضيت مع عثمان إلى القبلة ، فدخل المحراب وقال : تلبث عليّ إذا أنصرفنا فلمّا رآني عمّار وحدي أتاني ، فقال : أما رأيت ما بلغ بي آنفاً.
قلت : أما والله لقد أصعبتَ به وأصعب بك ، وإنّ له لسنّه وفضله وقرابته.
قال : إنّ له ذلك ، ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه. وانصرف.
وصلّى عثمان وأنصرفت معه يتوكأ عليَّ. فقال : هل سمعت ما قال عمّار؟
قلت : نعم ، فسرّني ذلك وساءني ، أمّا مساءته إياي فما بلغ بك ، وأمّا مسرّته لي فحملك واحتمالك.
فقال : إنّ عليّاً فارقني منذ أيام على المقاربة ، وأنّ عماراً آتيه فقائل له وقائل ، فأبدره إليه فإنّك أوثق عنده منه وأصدق قولاً ، فألق الأمر إليه على وجهه.
فقلت : نعم ، وأنصرفت أريد عليّاً عليه السلام في المسجد فإذا هو خارج منه ، فلمّا رآني تفجّع لي من فوت الصلاة ، وقال : ما أدركتها؟
قلت : بلى ولكني خرجت مع أمير المؤمنين ، ثمّ أقتصصت عليه القصة.
فقال : أما والله يا بن عباس إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها.
فقلت : إنّ له سنّه وسابقته وقرابته وصهره.
قال : إنّ ذلك له ولكن لا حقّ لمن لا حقّ عليه.
قال : ثمّ رهقنا عمّار فبشّ به عليّ وتبسّم في وجهه وسأله.
فقال عمّار : يا بن عباس هل ألقيت إليه ما كنّا فيه؟
قلت : نعم.
قال : أما والله إذاً لقد قلت بلسان عمّار ونطقت بهواه.
قلت : ما عدوت الحقّ جهدي ، ولا ذلك من فعلي ، وإنّك لتعلم أيّ الحظين أحبّ إليَّ ، وأيّ الحقين أوجب عليَّ.
قال : فظن عليّ أنّ عند عمّار غير ما ألقيت إليه ، فأخذ بيده وترك يدي ، فعلمت إنّه يكره مكاني ، فتخلّفت عنهما وأنشعب بنا الطريق فسلكاه ولم يدعني ، فأنطلقت إلى منزلي ، فإذا رسول عثمان يدعوني فأتيته ، فأجد ببابه مروان وسعيد بن العاص في رجال من بني أمية ، فأذن لي وألطفني وقرّبني وأدنى مجلسي ، ثمّ قال : ما صنعت؟ فأخبرته الخبر على وجهه ، وما قال الرجل وقلت له ، وكتمته قوله : إنّه ليقرف قرحة ليحورنّ عليه ألمها ،
إبقاءً عليه وإجلالاً له ، وذكرت مجيء عمّار وبشّ عليّ له وظن عليّ أن قِبلَه غير ما ألقيت عليه ، وسلوكهما حيث سلكا. قال : وفعلا؟ قلت : نعم.
فأستقبل القبلة ثمّ قال : اللّهم ربّ السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أصلح لي عليّاً وأصلحني له ، أمّن يا بن عباس ، فأمّنت ، ثمّ تحدثنا طويلاً وفارقته وأتيت منزلي اهـ )(1) .
ذكر ابن عبد ربه في ( العقد الفريد ) :
وقال عبد الله بن العباس : أرسل إليّ عثمان ، فقال لي : إكفني ابن عمك.
فقلت : إنّ ابن عمي ليس بالرجل يُرى له ، ولكنه يرى لنفسه ، فأرسلني إليه بما أحببت.
قال : قل له فليخرج إلى ماله بينبع فلا أغتمّ به ولا يغتمّ بي.
فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقال : ما اتخذني عثمان إلاّ ناضحاً ، ثمّ أنشد يقول :
فكيف به أنّى أداوي جراحَه |
فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء |
أما والله أنّه ليختبر القوم.
فأتيت عثمان فحدثته الحديث كلّه إلاّ البيت الذي أنشده وقوله : أنّه
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 396.
ليختبر القوم.
فأنشد عثمان :
فكيف به أنّى أداوي جراحَه |
فيَدوى فلا مُلّ الدواء ولا الداء |
وجعل يقول : يا رحيم أنصرني ، يا رحيم أنصرني.
قال : فخرج عليّ إلى ينبع ، فكتب إليه عثمان حين أشتد الأمر : أمّا بعد فقد بلغ السيل الزُبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، وطمع فيّ من كان يضعف عن نفسه.
فإنّك لم يفخر عليك كفاخر |
ضعيف ولم يغلبك مثلُ مغلّبِ |
فأقبل إليَّ على أيّ أمر يك أحببت،وكن لي أم عليَّ ، صديقاً كنت أم عدواً :
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل |
وإلاّ فأدركني ولمّا أمزّق(1) |
تعقيب : روى الشريف الرضي في ( نهج البلاغة ) ، قال : ( ومن كلام له عليه السلام قال لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور
____________________
(1) العقد الفريد 4 / 309.
وجاء في أنساب الأشراف 1ق 4 / 568 تحـ إحسان عباس بيروت عن يحيى بن سعيد قال : كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب إلى عليّ بهذا البيت. وذكر في حديث أبي مخنف قال صلّى عليّ بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث عثمان ببيت المزق وسيأتي تمام الحديث في محله.
يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس بأسمه للخلافة ، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل.
فقال عليه السلام : يا بن عباس ما يريد عثمان إلاّ أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغَرب ، أقبل وأدبر ، بعث إليَّ أن أخرج ، ثمّ بعث إليَّ أن أقدم ، ثمّ هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج ، والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثماً )(1) .
سأل عثمان عبد الله بن عباس عن رأيه فيه ، فقال له :
( يا بن عمي ويابن خالي إنّه لم يبلغني في أمري شيء أحبه ولا أكرهه ، عليّ ولا لي ، وقد علمتُ أنّك رأيت بعض ما رأى الناس ، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا ، وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك؟
فاعتذر ابن عباس ، فأبى عثمان عليه إلاّ أن يقول.
فقال : يا أمير المؤمنين إنّك ابتليتني بعد العافية ، وأدخلتني في الضيق بعد السعة ، والله إنّ رأيي لك أن يُجلّ سنّك ، ويُعرَف قدرَك وسابقتُك ، والله لوددت أنّك لم تفعل ما فعلتَه. فما ترك الخليفتان قبلك. فإن كان شيئاً تركاه لما رأيا أنّه ليس لهما ، علمتَ أنه ليس لك كما لم يكن لهما ، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نَيل منك ، تركتَه لما تركاه له ، ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك.
____________________
(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ط مصر الأولى.
فقال عثمان : فما منعك أن تشير عليَّ بهذا قبل أن أفعل ما فعلت؟
فقال ابن عباس باستغراب وتعجب من عثمان : وما علميَ بأنّك تفعل ذلك قبل أن تفعل.
فقال عثمان : فهب لي صمتاً حتى ترى رأيي )(1) .
أخرج ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عثمان :
( أنّ عثمان بعث إلى ابن عباس وهو محصور ، فأتاه وعنده مروان بن الحكم.
فقال عثمان : يابن عباس أما ترى إلى ابن عمك ، كان هذا الأمر في بني تيم وعدي فرضي وسلّم ، حتى إذا صار الأمر إلى ابن عمه بغانا الغوائل.
قال ابن عباس : فقلت له : إنّ ابن عمك والله ما زال عن الحق ولا يزول ، ولو أنّ حسناً وحسيناً بغيا في دين الله الغوائل لجاهدهما في الله حق جهاده ، ولو كنت كأبي بكر وعمر لكان لك كما كان لهما ، بل كان لك أفضل لقرابتك ورحمك وسنّك ، ولكنك ركبت الأمر وهاباه.
قال ابن عباس : فأعترضني مروان ، فقال : دعنا من تخطئتك يابن
____________________
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 29 ـ 30 مطبعة الأمة 1928 هـ ، وقد مرّ سابقاّ في الحلقة الأولى من هذه الموسوعة 2 / 340.
عباس ، فأنت كما قال الشاعر :
دعوتك للغياث ولست أدري |
أمن خلفي المنية أم أمامي |
|
فشققت الكلام رخيّ بال |
وقد جلّ الفعال عن الكلام |
إن يكن عندك غياث لهذا الرجل فأغثه ، وإلاّ فما أشغله عن التفهّم لكلامك ، والفكر في جوابك.
قال ابن عباس : فقلت له : هو والله كان عنك وعن أهل بيتك أشغل ، إذ أوردتموه ولم تُصدروه. ثم أقبلت على عثمان فقلت له :
جعلت شعار جلدك قوم سوء |
وقد يجزى المقارن بالقرين |
|
فما نظروا لدنيا أنت فيها |
بإصلاح ولا نظروا لدين |
ثم قلت له : إنّ القوم غير قابلين إلاّ قتلك أو خلعك ، فإن قُتلت قٌتلت على ما قد عملت وعلمت ، وإن تُركت فإنّ باب التوبة مفتوح )(1) .
روى مصعب بن الزبير في كتابه ( نسب قريش ) ، قال :
وقال أبو الزّناد : كانت بين حسّان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين بعض الناس منازعة عند عثمان بن عفان ، فقضى عثمان على حسّان ، فجاء حسّان إلى عبد الله بن عباس فشكا ذلك إليه.
____________________
(1) مختصر تاريخ ابن عساكر 16 / 211 لابن منظور ط دار الفكر بدمشق.
فقال له ابن عباس : الحق حقك ، ولكن أخطأتَ حجّتك ، انطلق معي.
فخرج به حتى دخلا على عثمان فاحتج له ابن عباس حتى تبيّن عثمان الحق ، فقضى به لحسان بن ثابت ، فخرج آخذاً بيد ابن عباس حتى دخلا المسجد ، فجعل حسان بن ثابت ينشد الخلقّ ويقول :
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه |
رأيتَ له في كلّ مجمعة فضلاً |
|
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل |
بمنتظمات لا ترى بينها فصلاً |
|
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع |
لذي إربة في القول جداً ولا هزلاً(1) |
قال البرقوقي في ( شرحه ديوان حسان ) عند مدح حسان لابن عباس بقوله :
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل |
بملتقطات لا ترى بينها فصلاً |
|
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع |
لذي إربة في القول جداً ولا هزلاً |
|
سموت إلى العليا بغير مشقة |
فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا |
فذكر البرقوقي ترجمة ابن عباس في هامش ( ص 358 ) ، وأكملها في ( ص 359 ) ، وختمها بقوله : ( وبعد فإنّ مناقب ابن عباس أجل من أن نأتي عليها في مثل هذا المجال ، وانّه لمن ذوي الشخصيات الممتازة الذين تعتمد عليهم الخناصر ، وانّه لجدير بأن يفرد له كتاب
وقد قال حسان هذه الأبيات في ابن عباس بعد أن أحسن محضره
____________________
(1) نسب قريش / 27.
لدى الفاروق ونوّه به وذكر عظيم قدر الأنصار وفضلهم وفضل حسان في نضاله عن رسول الله )(1) .
وليس هذا وهم من المحقق ، مع أنّ الخبر يتعلق بعثمان وليس بعمر كما مرّ ، ولعلّه رأى أنّ ابن عساكر ذكر ـ كما في مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور ـ في ترجمة ابن عباس ، أنّه أختصم إلى عمر بن الخطاب حسان بن ثابت وخصم له ، فسمع منهما وقضى على حسان ، فخرج وهو مهموم ، فمر بابن عباس فأخبره بقصته ، فقال له ابن عباس : لو كنت أنا الحكم بينكما لحكمت لك ، فرجع حسان إلى عمر فأخبره ، فبعث عمر إلى ابن عباس فأتاه فسأله عما قال حسان فصدّقه ، فسأله عن الحجة في ذلك فأخبره ، فرجع عمر إلى قول ابن عباس ، وحكم لحسان ، فخرج وهو آخذ بيد ابن عباس وهو يقول :
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه |
رأيتَ له في كلّ منزلة فضلا |
|
قضى وشفى ما في النفوس فلم يدع |
لذي إربة في القول جداً ولا هزلا |
ثم قال ابن عساكر : ( ورويت هذه الأبيات في ابن عباس في قصة أخرى )(2) .
وروي الطبراني ، والهيثمي ، وابن عبد البر ، وابن حجر ، هذه القصة
____________________
(1) شرح ديوان حسان / 358 ـ 359.
(2) مختصر تاريخ ابن عساكر 12 / 221 لابن منظور ط دار الفكر بدمشق.
بتفاوت في ألفاظها وأشعاره أوسع ممّا مرّ. وإلى القارئ بلفظ الأوّل منهم ، قال :
( حدثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا الزبير بن بكار ، حدثني يحيى بن محمد ـ يعني الجابري ـ من أهل الجار من ساحل المدينة ـ حدثني إسحاق ابن محمد المسيبّي ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن الأعرج ، عن عبد الرحمن بن حسان ، عن أبيه حسان بن ثابت ، قال : بدت لنا معشر الأنصار إلى الوالي حاجة ، وكان الذي طلبنا إليه أمراً صعباً ، فمشينا إليه برجال من قريش وغيرهم ، فكلّموه وذكروا له وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنا ، فذكر صعوبة الأمر ، فعذره القوم وخرجوا ، وألحّ عليه ابن عباس ، فو الله ما وجد بدّاً من قضاء حاجتنا ، فخرجنا حتى دخلنا المسجد ، فإذا القوم أندية.
قال حسان : فضحكت وأنا أسمعهم إنّه والله كان أولاكم بها ، إنّها والله صبابة النبوة ، ووراثة أحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتهذيب أعراقه ، وانتزاع شبه طبائعه. فقال القوم : أجل يا حسان.
فقال ابن عباس : صدقوا.
فأنشأ حسان يمدح ابن عباس رضي الله عنه ، فقال :
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهّه |
رأيتَ له في كلّ مجمعه فضلاً |
|
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل |
بملتقطات لا ترى بينها فصلاً |
|
سموتَ إلى العليا بغير مشقة |
فنلتَ ذراها لا جبانا ولا وغلا |
خلقت حليفاً للمرؤة والندى |
بليجاً(1) ولم تخلق كهاماً(2) ولا خبلا(3) |
فقال الوالي : والله ما أراد بالكهام الخّبلّ غيري ، والله بيني وبينه )(4) .
وذكر الهيثمي في ( مجمع الزوائد )(5) تمام القصة نقلاً عن الطبراني ولم يتكلم عنها بشيء ، وكذا الصالحي الشامي في ( سبل الهدى والرشاد )(6) ، فأمّا ابن عبد البر فذكر في ( الإستيعاب ) الأبيات مجردة ولم يستوعب تمام القصة في ترجمة ابن عباس مع تصحيف آخر في آخر البيت الخامس فجاء ( كهاماً ولا جبلاً ) وأظنه من الغلط المطبعي في ط مصطفى محمد(7) .
وأمّا ابن حجر فذكر القصة في ( الإصابة ) في ترجمة ابن عباس ، وقد أصاب في تسمية الوالي على نحو إستحياء فنقلها عن الطبراني ولفظه :
( وأخرج الطبراني من طريق ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن النعمان : أنّ حسان بن ثابت ، قال : كانت لنا عند عثمان أو غيره من الأمراء حاجة فطلبناها إليه لجماعة من الصحابة منهم ابن عباس وكانت حاجة صعبة
____________________
(1) البلج : أي مشرق مضيء ( الصحاح ) بلج.
(2) الكهام صفة ذم ومنه رجل كَهَام وكهيم : أي محسن لا غنه وعنده ( الصحاح ) كهم.
(3) الخبل : بالتسكين الفساد.
(4) المعجم الكبير للطبراني 4 / 43.
(5) مجمع الزوائد 9 / 284.
(6) سبل الهدى والرشاد 11 / 132.
(7) الإستيعاب 3 / 935.
شديدة ، فاعتلّ علينا ، فراجعوه إلى أن عذروه وقاموا إلاّ ابن عباس فلم يزل يراجعه بكلام جامع حتى سدّ عليه كلّ حاجة فلم ير بداً من أن يقضي حاجتنا ، فخرجنا من عنده وأنا آخذ بيد ابن عباس فمررنا على أولئك الذين كانوا عذروا وضعفوا ، فقلت : كان عبد الله أولاكم به. قالوا : أجل ، فقلت أمدحه ـ ثم ذكر ابن حجر ثلاثة أبيات وهي الأوّل والثالث والرابع ـ )(1) .
وقد ذكر الذهبي في ( سير أعلام النبلاء )(2) في ترجمة ابن عباس شعر حسان من دون القصة ، ووردت الأبيات الثلاثة المعروفة أوّلاً في ديوان حسان ، ورواها البلاذري في ( أنساب الأشراف )(3) ، والحاكم في ( المستدرك )(4) ، ورواها ابن عبد البر في ( بهجة المجالس )(5) .
روى أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم ، وابن المنذر ، وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في ( المصاحف ) ، والنحاس في ناسخه ، وأبو نعيم في ( المعرفة ) ، وابن مردويه(6) ، وغيرهم.
____________________
(1) الإصابة 4 / 122.
(2) سير أعلام النبلاء 5 / 353.
(3) أنساب الأشراف 2 / 42.
(4) مستدرك الحاكم 2 / 545 ،.
(5) بهجة المجالس 1 / 58 ط دار الكتب العلمية.
(6) مسند أحمد 1 / 57 ، سنن الترمذي 4 / 336 ، سنن النسائي 5 / 10 ، صحيح ابن حبان 1 / 230 ، مستدرك الحاكم 2 / 221.
فهؤلاء إثنا عشر علماً من أعلام السنّة فهم غير متهمين في رواياتهم لهذه المحاورة التي تدلّ على إنكار ابن عباس على عثمان في مسألة جمع القرآن حين قرن بين سورتي الأنفال وبراءة ولم يفصل بينهما بالبسملة ؛ وهي في مجملها تنسف أكذوبة أنّ عثمان هو الذي جمع القرآن ، كما يحلو للعثمانية تفضيله بها ، وقد مرّ ذكر بعض ما يتعلق بمسألة جمع القرآن في الجزء الثاني من الحلقة الأولى(1) .
ولمّا كانت المسألة ذات أهمية بالغة في تاريخ جمع القرآن ، سأنقل هنا بعض ما مرّ للتنبيه على عبث الرواة في نصّ المحاورة ، وهي كما يلي برواية من تقدم ذكرهم :
( عن ابن عباس ، قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني(2) ، وإلى براءة وهي من المئين(3) ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ووضعتموها في السبع الطوال ، ما حملكم على ذلك؟
فقال عثمان : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ممّا يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذات العدد ، وإن كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب
____________________
(1) موسوعة عبد الله بن عباس الحلقة الأولى 2 / 325 ـ 328.
(2) لأنها تلي المئين ، وإنما سميت بالمثاني لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثال والِغَير والعِبَر ( تفسر الطبري 1 / 103 ط محققة ).
(3) سميت بالمئين لأنها في عدد آياتها بلغت مائة آية أو تزيد عليها أو تنقص منها شيئاً يسيراً ( نفس المصدر ).
عنده ، فيقول : ( ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) ، وكانت الأنفال من أوّل ما أنزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظنت أنّها منها ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ووضعتها في السبع الطوال )(1) .
وقد استوحش الطبري شيخ المفسرين من هذا الخبر ، فقال : ( فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّه لم يكن تبيّن له أنّ الأنفال وبراءة من السبع الطوال ، ويصرّح عن ابن عباس أنّه لم يكن يرى ذلك منها )(2) .
وللسيوطي في كتاب ( الإتقان ) تشريق وتغريب في هذا الخبر لرفع الغريب المعيب في جواب عثمان! بينما نَقل عن الحارث المحاسبي أنّ القرآن كان مجموعاً على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : ( المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان ، وليس كذلك إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على إختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لمّا خشي الفتنة عند إختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات )(3) .
وقد أكّد ابن الحصّار أنّ ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما
____________________
(1) الإتقان للسيوطي 1 / 62 ط حجازي بالقاهرة 1318 هـ ، كنز العمال 2 / 317ط حيدر آباد الثانية.
(2) جامع البيان 1 / 70.
(3) الإتقان 1 / 61.
كان بالوحي ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( ضعوا آية كذا في موضع كذا ) ، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وممّا أجمع الصحابة على وضعه هذا في المصحف(1) .
إذن ما بال ابن عباس ـ وهو الذي نشأ وتعلّم في بيت الوحي ـ يسأل من عثمان مستنكراً عليه وعلى من معه ، فيقول له : ( ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين ، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ووضعتموها في السبع الطوال ، ما حملكم على ذلك )؟!
بينما تجد أنّ ابن عباس ، قال : ( سألت عليّ بن أبي طالب : لِم لم تكتب في براءة( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ؟ قال : لأنّها ـ البسملة ـ أمان ، وبراءة نزلت بالسيف )(2) !
فمن كان عنده باب مدينة العلم وقد سأله عن سبب ترك البسملة في أوّل سورة براءة ، لا يكون سؤاله من عثمان إلاّ من باب الإستنكار ، ولعلّه كان في سؤاله تعنتاً وليس مستفهماً ، فأجابه عثمان بما مرّ ، ولم يظهر من ابن عباس ما يُشعر برضاً وقناعة به!
ولذا قلت فيما مّر في سيرته : ( ويبدو فيما أظن أنّ الخبر لم يسلم من عبث الرواة ، فقد ورد في أخره جواب عثمان ولم يذكر فيه لابن عباس رأيه في الجواب مقتنعاً أو مفنّداً )(3) .
____________________
(1) نفس المصدر / 63.
(2) الإتقان 1 / 70.
(3) أنظر موسوعة عبد الله بن عباس / الحلقة الاولى 2 / 327.
كان ابن عباس رضي الله عنه فقيهاً ومن أكابر الفقهاء الصحابة ، وعاصر معايشاً جماعة الخلفاء الثلاثة ، ولكثرة النوازل بهم كانوا لا يعلمون دائماً الجواب في أحكامهم ، فيستنقذهم بعض الصحابة وفي مقدمتهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إن كان حاضراً أو ابن عباس رضي الله عنه وهو أكثر حضوراً عندهم كما مرّت أسباب ذلك في الحلقة الأولى في الجزئين الثاني والثالث ، وقد مرّت شواهد كثيرة على تسديد الإمام عليه السلام وابن عباس لأبي بكر وعمر وعثمان فيما كانوا يقولون فيه بآرائهم ، وربما كان ذلك مخالفاً للكتاب والسنة ، فكانت معاناة الإمام عليه السلام وابن عباس في هذا السبيل كبيرة ، وكان ابن عباس قد تلقى علمه من الإمام عليه السلام الذي هو باب مدينة علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم عن الوحي :( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) ، كما مرّ عنه ذلك مراراً ، فكان يجيب ويفتي بما تلقاه من الإمام عليه السلام كما مَر في ( طابعه الفقهي ) في الجزء الثالث من هذه الحلقة.
والآن إلى شاهد واحد على ذلك في محاروة جرت له مع عثمان أخرجها الطبري في تفسيره ، والحاكم في ( المستدرك ) ، وغيرهم والخبر بلفظ الحاكم ، بسنده : ( عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس : أنّه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : إنّ الأخوين لا يردّان الأم عن الثلث (؟) قال الله عزوجل :( فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) (2) ، فالإخوان بلسان قومك
____________________
(1) النجم / 3 ـ 4.
(2) النساء / 11.
ليسا بإخوة؟ فقال عثمان بن عفان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس )(1) .
وفي لفظ الطبري : ( هل أستطيع نقض أمر كان قبلي ، وتوراثه الناس ومضى في الأمصار )(2) .
أقول : قال الحاكم : ( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرّجاه ، وتبعه الذهبي في تلخيصه وقال ، صح ).
أقول : ولقد وهم غير واحد من الفقهاء ومنهم الطبري وكذا بعض أئمة الحديث ، في نسبة مسألة عدم حجب الأخوين عن الثلث إلى السدس ، وذلك لظنّهم أنّ استفهام ابن عباس من عثمان كان حقيقياً ، بينما كان استفهاماً إنكارياً ، كما هو ظاهر من لغة ابن عباس ومن جواب عثمان ، وهذا ما فهمه جماعة من الفقهاء أيضاً.
لقد روى ابن عبد البر في ( الإستيعاب ) في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعض أقضيته في الأحكام ، فقال :
( وقال في المجنونة التي أمر برجمها ، وفي التي وضعت لستة أشهر فأراد عمر رجمها.
فقال له عليّ : إنّ الله تعالى يقول :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (3) الحديث.
____________________
(1) المستدرك 4 / 325.
(2) تفسير الطبري 4 / 278.
(3) الأحقاف / 14.
وقال له : إنّ الله رفع القلم عن المجنون الحديث.
فكان عمر يقول : لولا عليّ لهلك عمر ).
ثم قال ابن عبد البر : ( وقد روي مثل هذه القصة لعثمان مع ابن عباس وعن عليّ أخذها ابن عباس ، والله العالم )(1) .
أقول : ما أشار إليه من القصة لعثمان مع ابن عباس ، رواه السيوطي في ( الدر المنثور ) نقلاً عن عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف ، قال : ( رُفعت أمرأة إلى عثمان رضي الله عنه ولدت لستة أشهر ، فقال عثمان : إنّها قد رُفعت إليّ أمرأة ألا جاءت بشرّ. فقال ابن عباس : إذا أكملت الرضاعة كان الحمل ستة أشهر وقرأ :( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (2) فدرأ عثمان عنها )(3) .
إلى غير ذلك من مواقف خلافية بينهما في مسائل فقهية ، وقد مرّت الإشارة إلى بعضها فيما تقدم في الجزء الثاني من الحلقة الأولى ( في عهد عثمان ).
وممّا لم يتقدم ذكره نقده لعثمان في أيام عمر حول تركه غسل الجمعة ، فقد أخرج عبد الرزاق بسنده : ( أنّ عثمان جاء وعمر يخطب يوم الجمعة ، فقال عمر : ما حبسك؟ قال : يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت
____________________
(1) الإستيعاب 2 / 461 ط حيدر آباد.
(2) الأحقاف / 14.
(3) الدر المنثور 6 / 40.
النداء أن توضأت ثم أقبلت ، فلمّا قضيت الصلاة قال له ابن عباس : ألم تسمع ما قال يا أمير المؤمنين؟ قال : أما أنّه قد علم أنّا قد أمرنا بالغسل ، قال : قلت : المهاجرون خاصة أم الناس عامّة؟ قال : لا أدري )(1) .
____________________
(1) المصنف 3 / 195 / 5293 ـ 5294.
محاورات ابن عباس مع رموز الناكثين
لقد مرتّ بنا أخبار الناكثين لبيعة الإمام عليه السلام وأبرزهم ذكراً كان طلحة والزبير ، فهما أوّل المبايعين ، ثم هما أوّل الناكثين ، ولمّا كان ابن عباس قد حضر مشهد البيعة في المسجد النبوي الشريف ، ورأى طواعية البيعة من دون عسيب نخل أو سيف يحشر الناس كرهاً ، فهو لا يخفى عليه زيف إدعاء طلحة والزبير بأنّهما كان مُكرهَين ، على أنّه كان غير آمن من تخلف آخرين ، وقد مرّ بنا في الجزء الثالث من الحلقة الأولى في مبايعة المسلمين للإمام عليه السلام كثير روايات وأقوال ، كان منها قول ابن عباس : ( لمّا دخل عليه السلام المسجد وجاء الناس ليبايعوه خفت أن يتكلم بعض أهل الشنئان لعليّ من قتل أباه أو أخاه أو ذا قرابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيزهد عليّ في الأمر ويتركه ، فكنتُ أرصد ذلك وأتخوّفه ، فلم يتكلم أحد حتى بايعه الناس كلّهم راضين مسلّمين غير مكرهين )(1) .
لهذا كان شديد الشكيمة قوّي الحجة ، في محاوراته مع الناكثين في البصرة من قبل الحرب ، وقد مرّ ذكرها في محلها ، وكانت أيضاً له سفارات لحقن الدماء ، فنستذكر منها ما يظهر له من دور مميّز في إطفاء
____________________
(1) شرح الجهد لابن أبي الحديد 1 / 341 ، وقد مرّ في الحلقة الأولى من هذه الموسوعة 3 / 24.
الفتنة قبل أن يستعر أوارها ، حيث كان الإمام عليه السلام يرسله مفاوضاً.
ولعلّ أوّل مرّة كانت سفارته التي ضم إليه فيها زيد بن صوحان ، فقال لهما : ( أمضيا إلى عائشة فقولا لها : ألم يأمركِ الله تبارك وتعالى أن تقرّي في بيتك؟ فخُدعتِ وانخدعتِ ، واستُنفرتِ فنفرتِ ، فاتقي الله الذي إليه مرجعكِ ومعادكِ ، وتوبي إليه ، فإنّه يقبل التوبة عن عباده ، ولا يحملنّكِ قرابة طلحة وحبّ عبد الله بن الزبير على الأعمال التي تسعى بك إلى النار ).
قال ابن أعثم : فانطلقا إليها وبلّغاها رسالة عليّ عليه السلام.
فقالت عائشة : ما أنا برادة عليكم شيئاً ، فإنّي أعلم أنّي لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب(1) .
فقال لها ابن عباس : لا طاقة لكِ بحجج المخلوق ، فكيف بحجج الخالق؟
فرجعا إلى الإمام فأخبراه ، فقال عليه السلام : ( الله المستعان )(2) .
أقول : وإنّما ضّم الإمام عليه السلام زيد بن صوحان إلى ابن عباس ، لأنّ عائشة سبق أن كتبت إليه كتاباً تستنصره كما في رواية الطبري ، قال :
( وكتبتْ عائشة إلى زيد بن صوحان : من عائشة ابنة أبي بكر أم
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم 2 / 306.
(2) مناقب ابن شهر آشوب 3 / 339.
المؤمنين حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان.
أمّا بعد : فإذا أتاك كتابي هذا فأقدم فانصرنا على أمرنا هذا ، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن عليّ.
فكتب إليها : من زيد بن صوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر الصدّيق حبيبة ـ حبيسة ـ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أمّا بعد : فأنا ابنك الخالص إذ أعتزلتِ هذا الأمر ورجعت إلى بيتك ، وإلاّ فأنا أوّل من نابذكِ.
قال زيد بن صوحان : رحم الله أم المؤمنين ، أُمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل ، فتركت ما أمرت به وأمرتنا به ، وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه!؟ )(1) .
فإرسال الإمام عليه السلام له مع ابن عباس كان من هذه الجهة تنبيهاً لها على فشل ما خططته له من إستنصار.
ومن هنا تستمر محاورات ابن عباس مع رموز الناكثين. كما في :
قال الشيخ المفيد في كتاب ( الجمل ) :
( ثم دعا عبد الله بن عباس ، فقال : ( انطلق إليهم فناشدهم الله وذكرّهم العهد الذي لي في رقابهم ).
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 476 ـ 477.
1 ـ مع طلحة
قال ابن عباس : جئتهم فبدأت بطلحة فذكّرته العهد.
فقال لي : يا بن عباس والله لقد بايعت عليّاً واللج(1) في رقبتي.
فقلت له : إنّي رأيتك بايعت طائعاً ، أو لم يقل لك عليّ قبل بيعتك له إن أحببتَ لأبايعك؟ فقلت : لا بل نحن نبايعك.
فقال طلحة : إنّما قال لي ذلك وقد بايعه قوم فلم أستطع خلافهم ، والله يا ابن عباس إنّ القوم الذين معه يغرّونه إن لقيناه فسيسلمونه ، أما علمتَ يا بن عباس أنّي جئت إليه والزبير ولنا من الصحبة ما لنا مع رسول الله والقدم في الإسلام ، وقد أحاط به الناس قياماً على رأسه بالسيوف ، فقال لنا : ـ بهزل ـ إن أحببتما بايعت لكما ، فلو قلنا نعم ، أفتراه يفعل وقد بايع الناس؟ فيخلع نفسه ويبايعنا ، لا والله ما كان يفعل ، وحتى يغري بنا مَن لا يرى لنا حرمة ، فباعينا كارهين ، وقد جئنا نطلب بدم عثمان ، فقل لابن عمك إن كان يريد حقن الدماء وإصلاح أمر الأمة فليمكننا من قتلة عثمان فهم معه ، ويخلع نفسه ويردّ الأمر ليكون شورى بين المسلمين فيولّوا من شاؤا ، فإنّما عليّ رجل كأحدنا ، وإن أبى أعطيناه السيف ، فما له عندنا غير هذا.
قال ابن عباس : يا أبا محمد لست تنصف ، ( ألست تتعسفه؟ ) ألم تعلم أنّك حصرت عثمان حتى مكث عشرة أيام يشرب ماء بئره وتمنعه من شرب الفرات ـ القراح ـ حتى كلمّك عليّ في أن تخلّي الماء له وأنت تأبى
____________________
(1) اللج : السيف ( الصحاح لج ).
ذلك ، ولمّا رأى أهل مصر فعلك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه.
ثم بايع الناس رجلاً له من السابقة والفضل والقرابة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبلاء العظيم ما لا يُدفع ، وجئت أنت وصاحبك طائعيَن غير مكرهيَن حتى بايعتما ثم نكثتما. فعجب والله إقرارك لأبي بكر وعمر وعثمان بالبيعة ، ووثوبك على عليّ بن أبي طالب! فوالله ما عليّ دون أحد منهم.
وأمّا قولك : يمكنني من قتلة عثمان ، فما يخفي عليك من قتل عثمان.
وأمّا قولك : إن أبى عليّ فالسيف ، فو الله إنّك تعلم أنّ عليّاً لا يخوّف.
فقال طلحة : إيهاً الآن عنا من جدالك.
قال ـ ابن عباس ـ : فخرجت إلى عليّ وقد دخل البيوت بالبصرة. فقال : ( ما وراءك؟ ) فأخبرته الخبر.
فقال : ( اللهم أفتح بيننا بالحق وأنت خير الفاتحين ).
2 ـ مع عائشة
ثم قال : ( إرجع إلى عائشة وإذكر لها خروجها من بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخوّفها من الخلاف على الله عزوجل ونبذها عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقل لها : إنّ هذه الأمور لا تصلحها النساء ، وأنّكِ لم تؤمري بذلك ، فلم يرض بالخروج عن أمر الله في تبرجّكِ بيتكِ الذي أمركِ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالمقام فيه ، حتى أُخرجتِ إلى البصرة فقتلتِ المسلمين ، وعمدتِ إلى عمالي فأخرجتهم ، وفتحتِ بيت المال ، وأمرتِ بالتنكيل بالمسلمين ، وأمرتِ بدماء الصالحين فأريقت ، فراقبي الله عزوجل ،
فقد تعلمين أنّكِ كنتِ أشدّ الناس على عثمان ، فما هذا ممّا وقع؟ ).
قال ابن عباس : فلمّا جئتها وأديت الرسالة وقرأت كتاب عليّ عليها.
قالت : يا بن عباس ابن عمك يرى أنّه قد تملّك البلاد ، لا والله ما بيده منها شيء إلاّ وبيدنا أكثر منه.
قلت : يا أماه إنّ أمير المؤمنين عليه السلام له فضل وسابقة في الإسلام وعظم عناء.
قالت : ألا تذكر طلحة وعناءه يوم أحد؟
قال : قلت لها والله ما نعلم أحداً أعظم عناءً من عليّ عليه السلام.
قالت : أنت تقول هذا ومع عليّ أشباه كثيرة.
قلت لها : الله الله في دماء المسلمين.
قالت : وأي دم يكون للمسلمين إلاّ أن يكون عليّ يقتل نفسه ومن معه.
قال ابن عباس : فتبسّمت.
فقالت : ممّا تضحك يا بن عباس؟
فقلت : والله معه قوم على بصيرة من أمرهم يبذلون مهجهم دونه.
قالت : حسبي الله ونعم الوكيل.
3 ـ مع الزبير وابنه
قال ـ ابن عباس ـ : وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام أوصاني أن ألقى الزبير ، وإن قدرت أن أكلّمه وابنه ليس بحاضر ، فجئت مرّة أو مرتين كلّ ذلك أجده عنده ، ثمّ جئت مرّة أخرى فلم أجده عنده ، فدخلت عليه ، وأمر
الزبير مولاه سرجس أن يجلس على الباب ، ويحبس عنا الناس. فجعلت أكلّمه.
فقال : عصيتم إن خولفتم ، والله لتعلمنّ عاقبة ابن عمك.
فعلمت أنّ الرجل مغضّب ، فجعلت ألاينه فيلين مرّة ويشتد أخرى ، فلمّا سمع سرجس ذلك أنفذ إلى عبد الله بن الزبير ، وكان عند طلحة ، فدعاه فأقبل سريعاً حتى دخل علينا.
فقال : يا بن عباس دع بيّنات الطريق ، بيننا وبينكم عهد خليفة ، ودم خليفة ، وانفراد واحد وإجتماع ثلاثة ، وأمّ مبرورة ، ومشاورة العامة.
قال ـ ابن عباس ـ : فأمسكت ساعة لا أكلّمه ، ثمّ قلت : لو أردت أن أقول لقلت.
فقال ابن الزبير : ولم تؤخر ذلك وقد لحم الأمر وبلغ السيل الزبى؟
قال ابن عباس : فقلت : أمّا قولك : عهد خليفة ، فإنّ عمر جعل المشورة إلى ستة نفر ، فجعل النفر أمرهم إلى رجل منهم يختار لهم منهم ويخرج نفسه منها ، فعرض الأمر على عليّ ( وعلى عثمان ) فحلف عثمان وأبى عليّ أن يحلف ، فبايع عثمان ، فهذا عهد خليفة.
وأمّا دم خليفة : فدمه عند أبيك ، لا يخرج أبوك من خصلتين : إمّا قتل ، أو خذل.
وأمّا انفراد واحد وإجتماع ثلاثة ، فإنّ الناس لمّا قتلوا عثمان فزعوا
إلى عليّ عليه السلام فبايعوه طوعاً وتركوا أباك وصاحبَه ولم يرضوا بواحد منهما.
وأمّا قولك : إنّ معكم أمّاً مبرورة ، فإنّ هذه الأم أنتما أخرجتماها من بيتها ، وقد أمرها الله أن تقرّ فيه. فأبيت أن تدعها ، وقد علمتَ أنت وأبوك أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حذّرها من الخروج ، وقال : ( يا حميراء إياكِ أن تنبحكِ كلاب الحوأب ) ، وكان منها ما قد رأيت.
وأمّا دعواك مشاورة العامة ، فكيف يشاور فيمن قد أُجمع عليه ، وأنت تعلم أنّ أباك وطلحة بايعاه طائعَينَ غير كارهَين.
فقال ابن الزبير : الباطل والله ما تقول يا بن عباس ، وقد سُئل عبد الرحمن ابن عوف عن أصحاب الشورى فكان صاحبكم أخسّهم عنده ، وما أدخله عمر في الشورى إلاّ وهو يعرفه ، ولكنه خاف فتنة في الإسلام.
وأمّا قتل خليفة ، فصاحبك كتب إلى الآفاق حتى قدموا عليه ثمّ قتلوه وهو في داره بلسانه ويده ، وأنا معه أقاتل دونه حتى جُرحتُ بضعة عشر جُرحاً.
وأمّا قولك إنّ عليّاً بايعه الناس طائعين ، فوالله ما بايعوه إلاّ كارهَين والسيف على رقابهم ، غصبهم أمرهم.
فقال الزبير : دع عنك ما ترى يا بن عباس ، جئتنا لتوفينا؟
فقال له ابن عباس : أنتم طلبتم هذا ، والله ما عددناكم قط إلاّ منّا بني هاشم في برّك لأخوالك ومحبّتك لهم ، حتى أدرك ابنك هذا فقطع أرحامهم.
فقال الزبير : دع عنك هذا )(1) .
فرجع ابن عباس وأخبر الإمام عليه السلام بإصرار القوم على الخلاف ، فلم يبرح الإمام عليه السلام يبعث مَن يعظهم ويحذرهم مغبّة العواقب ، وكان أكثر رُسله سفارة هو ابن عمه عبد الله بن عباس.
عن ابن عباس ، قال :
( دخلت عليها ـ يعني عائشة ـ البصرة فذكّرتها هذا الحديث ـ يعني به حديثها معه يوم الصلصل وقد مرّ في الجزء الأوّل ـ.
فقالت : ذاك المنطق الذي تكلمت به يومئذ هو الذي أخرجني ، لم أر لي توبة إلاّ الطلب بدم عثمان ، ورأيت أنّه قتل مظلوماً.
قال ابن عباس : فقلت لها : فأنتِ قتلتيه بلسانكِ ، فأين تخرجين؟ توبي وأنتِ في بيتكِ ، أو أرضي ولاة دم عثمان ولده.
قالت : دعنا من جدالك فلسنا من الباطل في شيء )(2) .
قال الشريف الرضي في ( نهج البلاغة ) :
( من كلام له عليه السلام لابن عباس لمّا أرسله إلى الزبير يستفيئُه إلى طاعته
____________________
(1) الجمل / 171.
(2) تقريب المعارف لابي الصلاح الحلبي / 290 ، البحار 31 / 299.
قبل حرب الجمل : ( لا تلقينّ طلحة ، فإنّك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه ، يركب الصعبَ ويقول هو الذلول ، ولكن ألقَ الزبير ، فإنّه ألين عريكة ، فقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق ، فما عَدا ممّا بدا؟ ).
قال الرضي : أقول : هو أوّل من سُمعت منه هذه الكلمة ، أعني : ( فما عدا ممّا بدا )(1) .
قال الزبير بن بكار في ( الموفقيات ) عن ابن عباس ، قال : ( فأتيت الزبير فوجدته في بيت يتروّح في يوم حار ، وعبد الله ابنه عنده.
فقال : مرحباً بك يا بن لبابة ، أجئت زائراً أم سفيراً؟
قلت : كلا إنّ ابن خالك يقرأ عليك السلام ـ ( وذكر الرسالة ) ويقول لك : يا أبا عبد الله كيف عرفتنا بالمدينة وأنكرتنا بالبصرة؟
فقال :
علقتهم أنّي خلفت عصبة |
قتادة تعلقت بنشبة |
لن أدعهم حتى أولّف بينهم.
قال ـ ابن عباس ـ : فأردت منه جواباً غير ذلك.
فقال لي ابنه عبد الله : قل له بيننا وبينك دم خليفة
قال : فعلمت أنّه ليس وراء هذا الكلام إلاّ الحرب ، فرجعت إلى
____________________
(1) نهج البلاغة / خطبة 31 في الدهر وأهله.
عليّ عليه السلام فأخبرته )(1) .
أقول : قال السيد علي خان المدني الشيرازي : ( وروي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال : ( من كان له ابن عم مثل ابن عباس فقد أقرّ الله عينه )(2) .
وكلمة الإمام عليه السلام ( فما عدا ممّا بدا ) لم يقلها أحد قبله.
قال ابن خلكان : ( وفي وقعة الجمل قبل مباشرة الحرب أرسل عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه ابن عمه عبد الله بن العباس رضي الله عنهما إلى طلحة والزبير رضي الله عنهما برسالة يكفّهما عن الشروع في القتال ، ثمّ قال له : ( لا تلقينّ طلحة فإنّك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً أنفه يركب الصعب ويقول هو الذلول ، ولكن القَ الزبير فإنّه ألين عريكة منه ، وقل له : يقول ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا ممّا بدا؟ ).
قال ابن خلكان : وعليّ رضي الله عنه أوّل من نطق بهذه الكلمة فأخذ ابن المعلم
____________________
(1) قال الزبير بن بكار : هذا الحديث كان يرويه عمي مصعب ثمّ تركه وقال : إني رأيت جدي أبا عبد الله الزبير بن العوام في المنام وهو يعتذر من يوم الجمل ، فقلت له كيف تعتذر منه وأنت القائل :
علقتهم أنّى خلفت عصبة |
قتادة تعلقت بنشبة |
لن أدعهم حتى أولّف بينهم؟ فقال : لم أقله. وهذا من النصوص الضائعة من كتاب الموفقيات المطبوع ولم يستدركه المحقق ، وقد بلغ ما استدركته عليه أربعة عشر نصاً ، وقد ذكر هذه الرسالة المفضل بن سلمة في الفاخر / 301 ط مصر وابن عبد ربه في العقد الفريد 4 / 314 تحـ أحمد أمين ورفيقيه.
(2) الدرجات الرفيعة / 108.
المذكور هذا الكلام وقال :
منحوه بالجزع الكلام وأعرضوا |
بالغور عنه ( فما عدا ممّا بدا )(1) |
وهذا القول من جملة قصيدة طويلة.
قال ابن أبي الحديد :
( وقد روى المدائني قال : بعث عليّ عليه السلام ابن عباس يوم الجمل إلى الزبير قبل الحرب ، فقال له : إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لكم : ألم تبايعني طائعاً غير مكرَه فما الذي رابَك مني فاستحللت به قتالي؟
قال : فلم يكن له جواب ، إلاّ أنّه قال : إنّا مع الخوف الشديد لنطمع ، لم يقل غير ذلك.
قال أبو إسحاق ـ الراوي ـ : فسألت محمّد بن عليّ بن الحسين عليه السلام ما تراه يعني بقوله هذا؟
فقال : والله ما تركت ابن عباس حتى سألته عن هذا؟
فقال يقول : إنّا مع الخوف الشديد ممّا نحن عليه نطمع أن نلي مثل الذي ولّيتم )(2) .
وقد روى هذه السفارة كلّ من الجاحظ في ( البيان والتبيين ) عن عبد
____________________
(1) وفيات الأعيان / ترجمة أبي الغنائم الواسطي المعروف بابن المعلم المتوفى سنة 592 هـ.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 499.
الله بن مصعب(1) ، ورواها أبو الفرج الاصبهاني في ( الأغاني ) بأسانيد متعددة ، ولعلّ روايته أوسع ممّا مرّ ، وإليك نصها :
قال : ( حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي الكوفي ، وجعفر ابن محمّد بن الحسن العلوي الحسني ، والعباس بن علي بن العباس ، وأبو عبيد الصيرفي ، قالوا : حدثنا محمّد بن علي بن خلف العطار ، قال : حدثنا عمرو بن عبد الغفار ، عن سليمان النوري ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين عليه السلام ، قال : حدّثني ابن عباس ، قال : قال لي عليّ صلوات الله عليه : ( إئت الزبير فقل له : يقول لك عليّ بن أبي طالب : نشدتك الله ألستَ قد بايعتني طائعاً غير مكره فما الذي أحدثت فاستحللتَ به قتالي ).
وقال أحمد بن يحيى في حديثه : قل لهما : ( إنّ أخاكما يقرأ عليكما السلام ويقول : هل نقمتما عليّ جوراً في حكم أو استئثاراً بفيء؟ ).
فقالا : لا ولا واحدة منهما ، ولكن الخوف وشدّة الطمع.
وقال محمّد بن خلف في خبره : فقال الزبير : مع الخوف شدّة المطامع(2) .
فأتيت عليّاً عليه السلام فأخبرته بما قال الزبير. فدعا بالبغلة فركبها وركبت معه فدنوا حتى اختلفت أعناق دابتيهما ، فسمعت عليّاً صلوات الله عليه يقول : ( نشدتك الله يا زبير ، أتعلم أنّي كنت أنا وأنت في سقيفة بني فلان
____________________
(1) البيان والتبيين 3 / 221 تحـ عبد السلام محمّد هارون ط الأولى.
(2) المصنف لابن أبي شيبة 15 / 267 ط باكستان.
تعالجني وأعالجك فمر بي ـ يعني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : ( كأنّك تحبّه؟ ) ، فقلتُ : وما يمنعني؟ قال : ( أمّا انّه ليقاتلنك وهو لك ظالم )؟
فقال الزبير : اللّهمّ نعم ذكرتني ما نسيت ، وولّى راجعاً )(1) .
وروى البلاذري ، والذهبي ، وابن عساكر في تاريخه ، واللفظ له : ( إنّ ابن عباس قال للزبير يوم الجمل : يا بن صفية هذه عائشة تمتلك الملك لطلحة وأنت على ماذا تقاتل قريبك؟ فرجع )(2) .
وهي آخر مرة لإتمام الحجة ، وللإعذار قبل الإنذار ، وقبل أن يسبق السيف العَذل ، فقد أرسله الإمام إلى الناكثين وهو يحمل مصحفاً منشوراً يدعوهم إلى ما فيه.
قال محمّد بن إسحاق : ( حدّثني جعفر بن محمّد ـ الصادق ـ عن أبيه ـ الباقر عليهما السلام ، عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : بعثني عليّ عليه السلام يوم الجمل إلى طلحة والزبير وبعث معي بمصحف منشور ، وإنّ الريح لتصفق ورقه. فقال لي : ( قل لهما : هذا كتاب الله بيننا وبينكم فما تريدان؟
____________________
(1) الأغاني 16 / 127 ط الساسي.
في تاريخ الطبري 5 / 204 حوادث سنة 36 ط الحسينية : ( قال له : كنا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك وعظم عليه أشياء فذكر ان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرّ عليهما فقال لعلي : ما يقول ابن عمّك ليقاتلنك وهو لك ظالم ).
(2) تهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 367 ط دار المسيرة بيروت ، أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) / 252 تحـ المحمودي ، تاريخ الإسلام 2 / 151ط القدسي.
فلم يكن لهما جواب إلاّ أن قالا : نريد ما أراد ، كأنّهما يقولان الملك. فرجعت إلى عليّ فأخبرته )(1) .
ولهذه السفارة حديث أوفى فيما رواه الشيخ المفيد في كتاب ( الجمل ) :
قال : ( ثمّ إنّ أمير المؤمنين عليه السلام رحل بالناس إلى القوم غداة الخميس لعشر مضين من جمادي الأولى ، وعلى ميمنته الأشتر ، وعلى ميسرته عمّار ابن ياسر ، وأعطى الراية محمّد بن الحنفية ابنه ، وسار حتى وقف موقفاً ، ثمّ نادى في الناس : ( لا تعجلوا حتى أعذر إلى القوم ). ودعا عبد الله بن العباس فأعطاه المصحف وقال : ( أمض بهذا المصحف إلى طلحة والزبير وعائشة ، وأدعهم إلى ما فيه ، وقل لطلحة والزبير : ألم تبايعاني مختارَين فما الذي دعاكما إلى نكث بيعتي ، وهذا كتاب الله بيني وبينكما؟ ).
قال عبد الله بن العباس : فبدأت بالزبير وكان عندي أبقاهما علينا ، وكلّمته في الرجوع ، وقلت له : إنّ أمير المؤمنين يقول لك : ألم تبايعني طائعاً فبم تستحل قتالي ، وهذا المصحف وما فيه بيني وبينك فإن شئت تحاكمنا إليه.
قال : ارجع إلى صاحبك فإنّا بايعنا كارهَين وما لي حاجة في محاكمته.
فانصرفت عنه إلى طلحة ، والناس يشتدون والمصحف في يدي ،
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 499 ط مصر الأولى.
فوجدته قد لبس الدرع وهو محتب بحمائل سيفه ودابته واقفة. فقلت له : إنّ أمير المؤمنين يقول لك ما حملك على الخروج وبما استحللت نقض بيعتي والعهد عليك؟
قال : خرجت أطلب بدم عثمان ، أيظن ابن عمك أنّه قد حوى على الأمر حين حوى على الكوفة وقد والله كتبت إلى المدينة يؤخذ لي بمكة.
فقلت له : أتق الله يا طلحة فإنّه ليس لك أن تطلب بدم عثمان ، وولده أولى بدمه منك ، هذا أبان بن عثمان ما ينهض في طلب دم أبيه.
قال طلحة : نحن أقوى على ذلك منه ، قتله ابن عمك وابتزّ أمرنا.
فقلت له : أذكرك الله في المسلمين وفي دمائهم ، وهذا المصحف بيننا وبينكم ، والله ما أنصفتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ حبستم نساءكم في بيوتكم ، وأخرجتم حبيسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأعرض عني ، ونادى أصحابه : ناجزوا القوم فإنّكم لا تقومون لحجاج ابن أبي طالب.
فقلت : يا أبا محمّد أبالسيف تخوّف ابن أبي طالب ، أما والله ليعاجلنك للسيف.
فقال : ذلك بيننا وبينكَ.
قال : فانصرفت عنهما إلى عائشة وهي في هودج مدقق بالدفوف(1) على جملها عسكر ، وكعب بن سور القاضي آخذ بخطامه ، وحولها ألازد
____________________
(1) أي مثبت بالسرج.
وضبّة ، فلمّا رأتني قالت : ما الذي جاء بك يا بن عباس؟ والله لا سمعت منك شيئاً ، ارجع إلى صاحبك فقل له : ما بيننا وبينك إلاّ السيف ، وصاح مَن حولها : ارجع يا بن عباس لا يسفك دمك.
فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته الخبر ، وقلت : ما تنتظر والله ما يعطيك القوم إلاّ السيف فأحمل إليهم قبل أن يحملوا عليك.
فقال : ( لنستظهر بالله عليهم ).
قال ابن عباس : فوالله ما رمت من مكاني حتى طلع عليَّ نشّابهم كأنّه جراد منتشر. فقلت : ما ترى يا أمير المؤمنين إلى ما يصنع القوم؟ مرنا ندفعهم.
فقال : ( حتى أعذر إليهم ثانية )(1) .
____________________
(1) الجمل / 180.
ابن عباس وعائشة
لقد مرّت صفحات قرأنا فيها عرض الوقائع التاريخية التي أدّت إلى التأزم والتشنج بين ابن عباس وعائشة ، وذلك قبل أن تقوم الحرب على ساق. ولمّا قامت الحرب وأنتهت وقد قتل طلحة والزبير ، وبقيت عائشة تدير المعركة حتى إذا عُقر الجمل خسرت ربّة الجمل كثيراً من رصيدها عند ابن عباس ، بل وعند آخرين ممن تأثروا بخطبة الإمام عليه السلام التي أوضح فيها الحكم في قتال أهل القبلة ، وأنّه تحل دماء المقاتلين ولا تحل نساؤهم ، وقال فيها :
( وأمّا فلانة أدركها رأي النساء وضغن غلافي صدرها ، كمرجل القين ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل ، ولها بعدُ حرمتُها الأولى والحساب عند الله ).
قال الشيخ محمد عبدة : ( المرجل القدر ، والقَين ـ بالفتح ـ الحداد ، أي أنّ ضغينتها وحقدها كانا دائمي الغليان ، كقدر الحداد ، فإنّه يغلي ما دام يصنع ، ولو دعاها أحد لتصيب من غيري غرضاً من الإساءة والعدوان مثل ما أتت إليّ ـ أي : فعلت بي ـ لم تفعل ، لأنّ حقدها كان عليّ خاصة أهـ )(1) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لمحمد عبدة 2 / 63.
وهذا هو الذي أهبط رصيدها عند ابن عباس وعند غيره ، ممن عرفوها بتلك الصفة ، وبقيت في النفوس مرارة فعلها وما قامت به من سفك الدماء بغير حق ، حتى أنّ أمير الشعراء شوقي خاطب الإمام عليه السلام بقوله :
يا جبلاً تأبى الجبال ما حمل |
ماذا رمت عليك ربة الجمل |
|
أثأر عثمان الذي شجاها |
أم غصة لم ينتزع شجاعاً |
|
قضية من دمه تبنيها |
هبت لها واستنفرت بنيها |
|
ذلك فتق لم يكن بالبال |
كيد النساء موهن الجبال |
|
وإنّ أم المؤمنين لامرأة |
وإنّ تك الطاهرة المبرأة |
|
أخرجها من كنّها وسنّها |
ما لم يُزل طول المدى من ضغنها |
|
وشّر من عداك من تقيه |
وملتقي السلاح تلتقيه(1) |
ولقد مرّت في الجزء الثالث من الحلقة الأولى صفحات عن ابن عباس مع عائشة من بعد الحرب وما جرى بينهما من محاورات أدت إلى أنْ غلبها ابن عباس بالحجة ، ولكنّها استكانت وبكت حتى سُمع نشيجها ، فلنقرأ تلك الصفحات من جديد :
لم يبق للإمام عليه السلام أمر أهمّه إلاّ إرجاع عائشة إلى بيتها ، ولمّا كان عليه السلام
____________________
(1) دول العرب وعظماء الإسلام / 54.
يتّبع أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قتاله الناكثين فهو يقتفي ما رسم له ، وقد مرّت أحاديث دالة على ذلك. وثمة أحاديث أُخرى في خصوص تسيير عائشة.
فقد روى أبو رافع عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لعليّ : ( سيكون بينك وبين عائشة أمر ، فإذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها ). قال ابن حجر : أخرجه أحمد والبزار بسند حسن(1) . وأخرجه السيوطي في ( الخصائص ) عنهما وعن الطبراني(2) .
وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : ( ذكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين ، فضحكت عائشة ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنظري يا حميراء(3) ألاّ تكوني أنتِ ).
ثمّ التفت إلى عليّ ، فقال : ( يا عليّ إن وليتَ من أمرها شيئاً فأرفق بها )(4) .
إذن فعلى الإمام عليه السلام أن يتفرغ لذلك.
قال طه حسين : ( وكان من الأمور ذات الخطر التي أراد عليّ أن يفرغ
____________________
(1) فتح الباري 16 / 165.
(2) الخصائص 2 / 127 ط حيدر آباد الأولى.
(3) من الطريف أن ينكر ابن قيم الجوزية ورود حديث فيه لفظ ( الحميراء ) وتبعه في ذلك غير واحد. وكأنهم ـ فيما أحسب ـ من باب سد الذرائع عندهم انكروا ذلك ، لئلا يصدمهم حديث الحوأب وفيه ( إياك أن تكونيها يا حميراء ) ، أو يدمغهم حديث ام سلمة المار ذكره في المتن ، مع أن الأحاديث التي ورد فيها لفظ ( الحميراء ) نافت على العشرين ـ فيما أحصيت ـ وربّما فاتني غيرها. فلا يعقل أن تكون جميع تلك الأحاديث موضوعة ، وبينها ما هو ثابت بسند صحيح كحديث الحوأب ، وقد أدرجه ناصر الدين الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 267 ـ 277. وأفاض الكلام في سنده ودلالته ، والرد على من أنكره وهو سعيد الأفغاني ، فراجع ( إشعاع البتيراء على أحاديث الحميراء ) مخطوط للكاتب والبتيراء اسم للشمس كما في القاموس ( بتر ).
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 136 وصححه ، كما أخرجه البيهقي في الدلائل وغيره.
منها قبل أن يترك البصرة ، ردّ عائشة إلى المدينة لتقرّ في بيتها كما أمرها الله )(1) .
ولمّا كان قد أنزلها في دار عبد الله بن خلف ، فصارت لجأً لفلول الجرحى وغيرهم من أصحابها ، فكان لابدّ له من إنذارها بالتهيوء للرحيل ، قبل أن يتعاظم الخطب بطول بقائها ، ومن ذا هو الرسول الذي سيرسله إليها ، وهو يعلم منها ـ لما يبلغه عنها ـ صلابة وعناداً. وهل لها إلاّ ابن عمّه عبد الله بن عباس الذي سبق له أن كان رسوله إليها قبل الحرب. وله مواقف معها من قبلُ دلّت على كفاءة عالية وقدرة في دحض حججها.
وقد ذكرت بعض المصادر ـ كما سيأتي بيانها ـ بأنّ الإمام عليه السلام إستدعاه عقب خطبته في ذم أهل البصرة ، فقال : ( أين ابن عباس؟ ). فدعي له من كلّ ناحية ، فأقبل إليه ، فقال : ( إئت هذه المرأة ومرها فلترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقرّ فيه ).
قال ابن عباس : فأتيتها وهي في دار بني خلف ، فطلبت الإذن عليها فلم تأذن.
وهنا سؤال يفرض نفسه ، لماذا لم تأذن عائشة لابن عباس؟ ولعلّ في استعراض مواقفه السابقة معها ، وما كان يدور بينهما من تشنج نجد جواب ذلك وهو الذي فرض على عائشة تصلّب موقفها في عدم الإذن.
وإذا رجعنا نستقرئ مواقف ابن عباس معها ، فعلينا أن نبدأ بها من يوم
____________________
(1) الفتنة الكبرى 2 / 59.
اجتمع بها في الصلصل سنة 35 هـ حيث ضمّهما المنزل وكلاهما في الطريق إلى مكة ، وكان ابن عباس أمير الموسم في تلك السنة ، فحرّضته على عثمان ودعته إلى الهتاف بطلحة ، وقد مرّ بنا في الجزء الثالث من الحلقة الأولى خبر ذلك مفصّلاً.
ومن بعد ذلك كانت مواقف سفارته بين الإمام وبين زعماء الناكثين وهي منهم ، وكلّها كانت مواقف نصيحة لها من ابن عباس أن لا تخوض فيما وضع عنها وعن النساء ، وعليها أن ترجع إلى بيتها وتقرّ فيه كما أمرها الله ، ولكنه لم يجد لديها أذناً صاغية.
وآخر موقف كان قبيل نشوب الحرب ، إذ أرسله الإمام عليه السلام وهو يحمل مصحفاً ليدعو القوم إلى ما فيه فاجتمع بطلحة والزبير ، ولمّا أتى عائشة وكانت في هودجها تحفّها الأزد وضبّة ، وقد أخذ كعب بن سور القاضي بخطام الجمل ، فلمّا رأته نادته ما الذي جاء بك يا بن عباس ، والله ما سمعت منك شيئاً ، ارجع إلى صاحبك وقل له ما بيننا وبينك إلاّ السيف ، وتعاوت الغوغاء من حولها : ارجع يا بن عباس لا يسفك دمك.
فهذا التشنّج المذموم مع رسول يطلب حكم الكتاب لحقن الدماء ، لا شك له أثره في نفس ابن عباس ، كما لا شك أيضاً له ذكراه الأليمة في نفس قيادة مهزومة.
والآن أتاها وقد تبدّل الموقف على الساحة ، فهي كانت رأساً تقود جيشاً ، وأضحت الآن أسيرة حرب ، ورهينة مغلوبة. وأصبح ابن عباس قائداً
منتصراً ، ورسولاً لإمام غدا مظفّراً ، فلعلّ شعورها بالفشل والخيبة دعاها إلى أن تحجب ابن عباس من الدخول عليها ، لئلا تراه في عزّ النصر ، ويراها في ذلّ الهزيمة.
أو لعلّها لم تأذن له لئلا يرى بيوتاً في دار ابن خلف ضمت فلول الناكثين ، أخفتهم معها حيث منحها الإمام عليه السلام الحماية الكافية ، فهي تحميهم بكنفها ، وإن شملهم العفو العام.
وما يدرينا لعلّهما معاً إعتملا في نفسها فلم تأذن له.
ومهما يكن مردّ ذلك المنع ، فلم يكن منعها برادع لابن عباس وهو رسول الإمام عليه السلام ، وحبر الأمة لا يخفى عليه وجه فقاهة الدخول بغير إذنها ، إلاّ أنّه الأدب القرآني الذي كان ابن عباس ترجمانه يأمره بالآية( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (1) .
ولعلّ عائشة أيضاً تخيّلت أنّها بمنعه من الدخول عليها ، ستغلبه بقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (2) .
ولم تدر أنّ ابن عباس أوعى منها لأحكام القرآن كما سيتبين ذلك عند قراءة نص المحاورة.
____________________
(1) النور / 27.
(2) الأحزاب / 53.
هذا موضوع استجدّ عندي بحثه بعد أن قرأت قريباً كتاب ( عائشة والسياسة ) لسعيد الأفغاني الشامي ، والرجل معروف من خلال كتابه ( الإسلام والمرأة ) ومعنّي بعائشة خاصة من خلال تحقيقه لكتاب ( الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ) للزركشي وقد طبعه بدمشق سنة 1358 هـ ، وتصاعدت حمّى الهيام بها فأخرج كتابه ( عائشة والسياسة ) وطبعه بالقاهرة سنة 1947 م. فقرأته من ألفه إلى يائه ـ كما يقولون ـ فرأيته في المقدمة ينأى بنفسه عن التقليد ، ويزعم لنفسه ( التحرّر من كثير من الآراء والمذاهب التاريخية التي يتعبد بها بعض الباحثين لعصرنا )(1) .
وقال : ( وعلى هذا فلست إذن متبعاً مذهباً ما ، ولن أخضع الحوادث لتفسير ما فأكلّف الأشياء غير طبائعها ، فلا أقول بالعلّية التاريخية المطردة ، ولا أقرّ ( الجبرية ) في التاريخ ، وأجد أبعد المذاهب عن الواقع وأنآها عن الحقّ والفطرة : مذهب التفسير المادي للتاريخ ).
وهذا نهج جيّد لو استقام على الطريقة ، ويستحق الإجادة حين رأيته ، قال : ( وأحبّ أن أنبّه هنا إلى خطأ يوقع كثيراً من الباحثين في القصور ، ذلك أنّهم يكتفون في بحوثهم في التاريخ العربي بالمصادر التاريخية فحسب ، فتجيء بحوثهم على ضلع ، ما تكاد تستقل واقفة ، وكم من حقائق تاريخية خلت منها مصادر التاريخ وزخرت بها كتب الأدب ودواوين
____________________
(1) عائشة والسياسة ، المقدمة / 3.
الشعر وأن ما استفدته أنا من كتب اللغة والفقه والحديث والتفسير والأدب والأخبار لا يقلّ عمّا أصبته في مطوّلات التاريخ ).
فهذا أيضاً جيّد ونهج قويم لو لم يقل : ( ولابدّ من الإشارة إلى أنّي جعلت أكثر اعتمادي ـ بعد البحث في المصادر التاريخية ـ على تاريخ الطبري خاصة ، فهو أقرب المصادر من الواقع ، وصاحبه أكثر المؤرخين تحرّياً وأمانة ، وعليه اعتمد كلّ من أتى بعده من الثقات. وليس الكامل لابن الأثير إلاّ تاريخ الطبري منسّقاً مختصراً منه الأسانيد واختلاف الروايات ، وحسبك أنّ ابن خلدون فيلسوف المؤرخين نقل عنه حوادث الجمل ثمّ أدلى بهذه الشهادة القيّمة : ( هذا أمر الجمل ملخصاً من كتاب أبي جعفر الطبري ، اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين )(1) .
فأين التحرّر الذي زعمه أوّلاً؟! ثمّ أين الدعوة إلى قراءة الحقائق التاريخية في كتب اللغة والفقه والحديث والتفسير ...؟! ولِمَ نعى على الآخرين الإقتصار على المصادر التاريخية فحسب؟ فما دام قد أكثر الإعتماد على الطبري وليكن الباقي مرجعاً ثانوياً أو لا يكون. وهو لئن قارب الصواب حيناً فقد جانبه أحياناً ، ولست في مقام المؤاخذة والحساب على ما وجدته من هنات وهفوات في كتابه. ولقد سجلت ما عندي على هوامش صفحاته حين قراءتي له.
____________________
(1) تاريخ ابن خلدون 2 / 425 مطبعة النهضة سنة 1355 هـ.
أقول : لقد مرّ بالقارئ ما ذكرته من شواهد خداع وتضليل المؤرخين ما قاله ابن كثير ، ولدى المقارنة تبيّن ما ارتكبه من الخيانة. فراجع.
لكن ممّا ينبغي التنبيه عليه في المقام أن أشير إلى زلة من زلاّته ممّا يتعلق بابن عباس وهذا هو الذي حداني إلى ذكره في المقام.
فالأفغاني ناقش رواية ابن عباس لحديث الحوأب. وهذه نقطة أولى تقدمت الإشارة إليها في هامش بعض الصفحات قريباً ، واكتفيت برد ابن بلده ناصر الدين الألباني ، فراجع.
أمّا النقطة الثانية : فهي مناقشته حوار ابن عباس مع عائشة بالبصرة وقد أرسله الإمام عليه السلام إليها يأمرها بالتهيؤ للرحيل والعودة إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقرّ فيه.
فلابدّ لي من عرض جميع ما وقفت عليه من نصوص المحاورة ثمّ عرض مناقشة الأفغاني بعد ذلك.
بين يديّ فعلاً من المصادر التي روت المحاورة أكثر من عشرين مصدراً ، تختلف في روايتها مسندة ومرسلة ، مختصرة ومفصّلة ، وهي موزّعة على القرون كالآتي :
فمن القرن الثالث :
1 ـ كتاب ( الجمل ) للواقدي المتوفى سنة 207 هـ وهذا بتوسط كتاب الشافي للمرتضى.
2 ـ ( أخبار الدولة العباسية ) ، مجهول المؤلف من القرن الثالث يميل المحققان له أنّه لابن النطّاح المتوفى سنة 252 هـ(1) .
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 15 المقدمة ط دار الطليعة بيروت.
3 ـ تاريخ اليعقوبي المتوفى سنة 292 هـ.
4 ـ كتاب ( الفتن ) لنعيم بن حماد المتوفى سنة 229 هـ.
ومن القرن الرابع :
1 ـ تاريخ الفتوح لابن أعثم الكوفي المتوفى سنة 314 هـ.
2 ـ ( العقد الفريد ) لابن عبد ربه الاندلسي المتوفى سنة 328 هـ.
3 ـ ( البدء والتاريخ ) لأبي زيد البلخي المتوفى سنة 343 هـ(1) .
4 ـ ( مروج الذهب ) للمسعودي المتوفى سنة 346 هـ.
5 ـ ( شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار ) للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي المتوفى سنة 363 هـ.
6 ـ رجال الكشي ( معرفة أخبار الناقلين ) لأبي عمرو الكشي المتوفى قبل سنة 368 هـ. وهذا بتوسط ( إختيار الرجال ) للطوسي.
ومن القرن الخامس :
1 ـ ( الشافي ) للشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ.
2 ـ ( تلخيص الشافي ) للشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.
3 ـ ( إختيار الرجال ) للشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.
____________________
(1) قال كاتب جلبي في كشف الظنون : وهو كتاب مفيد مهذب عن خرافات العجائز وتزاوير القصاص لأنه تتبع فيه صحاح الأسانيد أقول : وقد طبع في باريس سنة 1916 ميلادية بعناية كليمان هوار ، وكتب في صفحة العنوان المنسوب إلى أبي زيد أحمد بن سهل البلخي وهو لمطهر بن طاهر المقدسي.
ومن القرن السادس :
1 ـ ( مصباح الأنوار ) للشيخ هاشم بن محمّد المتوفى بعد سنة 552 هـ.
ومن القرن السابع :
1 ـ ( الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة ) لمحمّد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التلمساني المشهور بالبرّيّ.
2 ـ ( الحدائق الوردية ) لحميد بن أحمد المحلي الشهيد المتوفى سنة 652 هـ.
3 ـ ( تذكرة خواص الأمة ) لسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 هـ.
4 ـ ( شرح نهج البلاغة ) لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي المتوفى سنة 655 هـ.
ومن القرن الثامن :
ومن القرن التاسع :
1 ـ ( شرح صحيح مسلم ) للأبي المالكي المتوفى سنة 827 هـ.
ومن القرن العاشر :
ومن القرن الحادي عشر :
ومن القرن الثاني عشر :
1 ـ ( سمط النجوم العوالي ) للعصامي المكي المتوفى سنة 1111 هـ.
2 ـ ( بحار الأنوار ) للشيخ المجلسي المتوفى سنة 1111 هـ.
3 ـ ( الدرجات الرفيعة ) للسيد علي خان المدني الشيرازي المتوفى سنة 1120 هـ.
ومن القرن الثالث عشر :
1 ـ شعب المقال لأبي القاسم النراقي المتوفى سنة 1319 هـ.
2 ـ أعيان الشيعة ج3 ق2 للسيد الأمين.
3 ـ أحاديث أم المؤمنين عائشة للسيد مرتضى العسكري من المعاصرين.
4 ـ عائشة والسياسة لسعيد الأفغاني من المعاصرين.
ولمّا كانت مصادر القرون المتأخرة مصادر ثانوية ، خصوصاً القرون ( 10 ، 11 ، 12 ، 13 ، 14 ) فإنّها تستقي معلوماتها من المصادر الأولى لتصريح أربابها بذلك ، إذن لا حاجة بنا إلى الرجوع إليها إلاّ إذا دعت الحاجة إلى تصحيح المعلومة فيها ، كما سيأتي منا في محاسبة سعيد الأفغاني على ذلك.
أمّا مصادر القرون الأولى من الثالث وحتى التاسع ، فبعضها يروي المحاورة بسند متصل وقد يختلف عن سند الآخرين ، كما أنّ رواية المحاورة تتفاوت قليلاً أو كثيراً ، وذلك مسؤولية الرواة ولا ضير ، وبمقارنة بين النصوص المتشابهة يجعلنا أكثر إطمئناناً بما ورد في خصوص مصادر القرنين الثالث والرابع.
وسوف نأتي بنص المحاورة نقلاً منها على إختلاف روايتها في القرون الأولى ، ومنها :
1 ـ قال السيد المرتضى :
( فإنّ الواقدي روى بإسناده ، عن شعبة ، عن ابن عباس ، قال : أرسلني عليّ عليه السلام إلى عائشة بعد الهزيمة وهي في دار الخزاعيين يأمرها أن ترجع إلى بلادها.
قال : فجئتها فوقفت على بابها ساعة لا تأذن لي ، ثمّ أذنت(1) ، فدخلت ولم يوضع لي وسادة ولا شيء أجلس عليه ، فالتفت فإذا وسادة في ناحية البيت على متاع فتناولتها ووضعتها ثمّ جلست عليها.
فقالت عائشة : يا بن عباس أخطأت السنّة تجلس على متاعنا بغير إذننا.
فقلت لها : ليست بوسادتك ، تركتِِ متاعك في بيتك الذي لم يجعل الله لكِ بيتاً غيره.
فقالت : والله ما أحبّ أنّي أصبحت في منزل غيره.
قلت : أمّا حين اخترتِ لنفسكِ فقد كان الذي رأيتِ.
فقالت : أيّها الرجل أنت رسول فهلمّ ما قيل لك؟
قال : فقلت : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يأمرك أن ترحلي إلى منزلكِ وبلدكِ.
فقالت : ذاك أمير المؤمنين عمر.
قال ابن عباس : فقلت : أمير المؤمنين عمر والله يرحمه ، وهذا والله أمير المؤمنين.
فقالت : أبيتُ ذلك.
فقلت : أما والله ما كان إلاّ فواق ناقة غير غزير حتى ما تأمرين ولا تنهين كما قال الشاعر الأسدي :
ما زال إهداء القصائد بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
____________________
(1) لم يرد هذا في غير هذا المصدر ، وأما في بقية المصادر دخل عليها بغير إذنها ، وهو الصحيح إذ ورد فيها قوله عائشة : أخطأت السنة دخلت منزلي بغير اذني.
حتى تركتِ كأنّ أمركِ فيهم |
في كل ناحية طنينُ ذباب(1) |
قال ابن عباس : فوالله يعلم لبكت حتى سمعت نشيجها.
فقالت : أفعل ، ما بلد أبغض إليَّ من بلد لصاحبك مملكة فيه ، وبلد قتل فيه أبو محمّد وأبو سليمان ـ تعني طلحة بن عبيد الله وابنه ـ.
فقلت : أنتِ والله قتلتهما.
قالت : وأجلهما إلى سباق.
قلت : لا ولكنكِ لما شجّعوكِ على الخروج خرجتِ ، فلو أقمتِ ما خرجا.
قال : فبكت مرّة أخرى أشد من بكائها الأوّل. ثمّ قالت : والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن ، نخرج لعمري من بلدك ، فأبغض بها والله بلداً إليَّ وبمن فيها.
فقلت : والله ما هذا جزاؤنا وما هي بأيدينا عندك ولا عند أبيك ، لقد جعلنا أباكِ صدّيقاً وجعلناكِ للناس أمّاً.
____________________
(1) ما أستشهد به الحبر ابن عباس من أبيات للحضرمي بن عامر الأسدي وقد ذكرها ابن دريد في المجتنى / 104 بتفاوت يسير ، وأولها :
ما زال إهداء الضغائن بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
|
حتى تركت كأن أمرك فيهم |
في كلّ مجمعة طنين ذباب |
|
أهلكت جندك من صديق فالتمس |
جنداً تعيش به من الأوغاب |
الخ.
فقالت : أتمنّون عليَّ برسول الله.
قلت : إي والله لأمنّن بهِ عليكِ ، والله لو كان لكِ لمننتِ به.
قال ابن عباس : فقمت وتركتها ، فجئت عليّاً عليه السلام فأخبرته خبرها وما قلت لها.
فقال عليه السلام :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) (2) .
وهذا رواه الشيخ الطوسي في ( تلخيص الشافي ) أيضاً ملحقاً بـ ( الشافي ).
2 ـ أخبار الدولة العباسية ، قال :
( لمّا فرغ عليّ رحمة الله عليه ورضوانه من قتال أهل البصرة ، بعث ابن عباس إلى عائشة رضي الله عنها وهي في ذكر شيء ( والصواب في دار بني خلف ) خلف الستر ، فأتاها ابن عباس فاستأذن في الدخول فلم تأذن له ، فدخل من غير إذن ، فلم تطرح له شيئاً يقعد عليه ، فأخذ وسادة فجلس عليها.
فقالت : أخطأت السنّة يا بن عباس ، دخلتَ علينا من غير إذن ، وجلستَ على مقرمتنا من غير أمرنا.
فقال : ما أنتِ والسنّة ، نحن علّمناكِ وأباكِ السنّة ، ونحن أولى بها منكِ ، والله ما هو بيتكِ ، وإنّما بيتكِ الذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فخرجتِ منه ظالمة لنفسكِ ، فأوردتِ من بنيكِ ممّن أطاعكِ موارد الهلكة ، ولو كنتِ في بيتكِ الذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لم ندخله إلاّ بإذنكِ ، إنّ أمير المؤمنين يأمرك
____________________
(1) آل عمران / 34.
(2) الشافي / 292 ط حجرية.
بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلّة العرجة.
قالت : أردت عمر بن الخطاب؟
قال : عليّ والله أمير المؤمنين وإن تربّدت فيه وجوه ، وأرغمت فيه أنوف ( معاطس ) ، والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم ، ظاهر النكد ، وما كان مقدار طاعتك إلاّ مقدار حلب شاة ، حتى صرتِ تأمرين فلا تطاعين ، وتدعين فلا تجابين ، وما مثلكِ إلاّ كما قال أخو بني أسد :
ما زال يهدي والهواجر بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
|
حتى تركتِ كأنّ صوتك فيهم |
في كل ناحية طنينُ ذباب |
فانتحبت حتى سُمع حنينها من وراء الستر ، ثمّ قالت : والله ما في الأرض بلدة أبغض إليَّ من بلدة أنتم بها معاشر بني هاشم.
فقال : والله ما ذاك يدنا عندكِ وعند أبيكِ ، لقد جعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة(1) ، وجعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنت ابنة أم رومان(2) .
____________________
(1) كان منادي عبد الله بن جدعان على مائدته وأجرته أربعة دوانيق ـ المنمق لمحمّد بن حبيب / 465 ، وإرشاد القلوب بتوسط سفينة البحار ( قحف ).
(2) اختلف مترجموها مع الصحابة في نسبها وفي أسمها وفي وفاتها ، وربّما هناك علة أخرى أغفلوها إكراماً لابنتها ، وإلا فلا معنى لتعيير ابن عباس لها بأمها فيقول لها : وأنت بنت أم رومان. وأكد ذلك تعيير محمّد بن الحنفية لعبد الله بن الزبير بها في المسجد الحرام على رؤوس الأشهاد فلم يردّ عليه. فقد روى اليعقوبي في تاريخه 3 / 8 ط النجف ، والمسعودي في مروج الذهب 3 / 80 ط دار الأندلس واللفظ له : قال : خطب ابن الزبير فنال من عليّ : فبلغ ذلك ابنه محمّد بن الحنفية فجاء حتى وضع له كرسي قدّامه فعلاه وقال : يا معشر قريش شاهت الوجوه
قالت : أتمنّون عليَّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟
قال : إي والله أمّن عليكِ بمن لو كان فيكِ قلامةٌ منه مننتِ به على الخلق ، وإنّما نحن دمه ولحمه ، وأنتِ حشية من تسع حشايا خلّفهنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، والله ما أنتِ بأطولهنّ طولاً ، ولا أنضرهنّ عوداً.
فانصرف ابن عباس وأخبر عليّاً بالذي جرى. فقال : أنا كنت سديد الرأي حيث أرسلتك إليها )(1) .
3 ـ تاريخ اليعقوبي :
( ووجّه ابن عباس إلى عائشة يأمرها بالرجوع ، فلمّا دخل عليها ابن عباس ، قالت : أخطأت السنّة يا بن عباس مرتَين ، دخلت بيتي بغير إذني ، وجلست على متاعي بغير أمري.
____________________
أينتقص عليّ وأنتم حضور؟ ان عليّاً كان سهماً صادقاً ( صارماً ) احد مرامي الله على أعدائه يقتلهم لكفرهم فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال عذرت بني الفواطم يتكلمون فما بال ابن الحنفية؟ فقال محمّد : يا بن ام رومان وما لي لا أتكلم الخ. وقبل هذين العلمين ـ ابن عباس ومحمّد بن الحنفية ـ كان تعيير أبيها لها كما في مسند أحمد 4 / 271 ـ 272 فقد روى النعمان بن بشير قال جاء أبو بكر يستأذن على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأذن له فدخل فقال يا ابنة أم رومان وتناولها
فأم رومان التي عيّروا عائشة بها هي غير التي في رواية جابر عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما ، ان امرأة ارتدت عن الإسلام يقال لها ( أم رومان ) فبلغ أمرها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلاّ قتلت كما في المجموع للنووي 19 / 226 ط دار الفكر ، والاقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع 2 / 206 ، ونيل الأوطار 8 / 3 ومصادر أخرى.
(1) أخبار الدولة العباسية / 125 تحـ د عبد العزيز الدوري ود عبد الجبار المطلبي ط دار الطليعة بيروت.
قال : نحن علمنا أباك السنّة ، إنّ هذا ليس ببيتكِ ، بيتكِ الذي خلّفك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به ، وأمركِ القرآن أن تقرّي فيه.
وجرى بينهما كلام موضعه في غير هذا من الكتاب (؟)(1) .
4 ـ كتاب ( الفتن ) لنعيم بن حماد ، عن ابن عباس ، قال :
( دخلت على عائشة ، فقلت : السلام عليك يا أمهُ.
قالت : وعليك يا بُني.
قال : قلت لها : ما أخرجك علينا مع منافقي قريش؟
قالت : كان ذلك قدراً مقدوراً )(2) .
1 ـ كتاب ( الفتوح ) لابن أعثم الكوفي المتوفى نحو سنة 314 هـ ( ذكر ما جرى من الكلام بين عبد الله بن عباس وبين عائشة لمّا أنفذه إليها برسالته عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه M ) ، قال :
( ثمّ دعا عليّ رضي الله عنه بعبد الله بن عباس ، فقال له : ( اذهب إلى عائشة فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت ولا تقيم بالبصرة ).
فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها ، فأبت أن تأذن له ، فدخل عبد الله بغير إذن ، ثمّ التفت فإذا راحلة عليها وسائد فأخذ منها وسادة وطرحها ثمّ
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 159.
(2) كتاب الفتن لنعيم بن حماد نسخة مصورة عن نسخة متحف لندن بمكتبتي ( وص 47 من المطبوع بتحقيق سهيل زكار حديثاً ).
جلس عليها.
فقالت عائشة : يا بن عباس أخطأت السنّة ، دخلتَ منزلي بغير إذني.
فقال ابن عباس : لو كنتِ في منزلكِ الذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم لما دخلت عليك إلاّ بإذنكِ ، وذلك المنزل الذي أمركِ الله عليه السلام أن تقرّي فيه ، فخرجتِ منه عاصية لله عليه السلام ولرسوله محمّد صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم. وبعد فهذا أمير المؤمنين يأمركِ بالإرتحال إلى المدينة فارتحلي ولا تعصي.
فقالت عائشة : رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب.
فقال ابن عباس : وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف ، وأربدّت له الوجوه.
فقالت عائشة : أبيتُ ذلك عليكم يا بن عباس.
فقال ابن عباس : لقد كانت أيّامك قصيرة المدة ، ظاهرة الشؤم ، بيّنة النكد ، وما كنتِ في أيامكِ إلاّ كقدر حلب شاة حتى صرتِ ما تأخذين وما تعطين ولا تأمرين ولا تنهَين وما كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد حيث يقول :
ما زال إهداء القصائد بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
|
حتى تُركتِ كأن قولكِ فيهم |
في كل محتفل طنين ذباب |
قال : فبكت عائشة بكاءً شديداً ، ثمّ قالت : نعم والله أرحل عنكم ، فما
خلق الله بلداً هو أبغض إليّ من بلد أنتم به يا بني هاشم.
فقال ابن عباس : ولم ذلك؟ فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر.
فقالت عائشة : وما بلاؤكم عندي يا بن عباس؟
قال : بلاؤنا عندكِ إنّا جعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنتِ بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة ، وبنا سُمّيت أم المؤمنين لا بتيم وعديّ.
فقالت عائشة : يا بن عباس أتمنّون عليّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟
فقال : ولم لا نمنّ عليك برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟ ولو كانت فيك شعرة منه أو ظفر لمننتِ علينا وعلى جميع العالمين بذلك. وبعد فإنّما كنتِ إحدى تسع حشايا من حشاياه ، لستِ بأحسنهنّ وجهاً ، ولا بأكرمهنّ حسباً ، ولا بأرشحهنّ عرقاً ، وأنتِ الآن تريدين أن تقولي ولا تُعصَين ، وتأمري ولا تخالفين ، ونحن لحم الرسول صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ودمه ، وفينا ميراثه وعلمه.
فقالت عائشة : يا بن عباس ما باذل لك عليّ بن أبي طالب؟
فقال ابن عباس : أما والله أقرّ له وهو أحق به مني وأولى ، لأنّه أخوه وابن عمه ، وزوج الطاهرة ابنته وأبو سبطيه ، ومدينة علمه ، وكشاف الكرب عن وجهه ، وأمّا أنتِ فلا والله ما شكرتِ نعماءَنا عليكِ وعلى أبيكِ من قبلكِ.
ثمّ خرج وسار إلى عليّ فأخبره بما جرى بينه وبين عائشة من الكلام.
فدعا عليّ ببغلة رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فاستوى عليها ، وأقبل إلى منزل عائشة ، ثمّ استأذن ودخل ، فإذا عائشة جالسة وحولها نسوة من نساء أهل البصرة وهي تبكي وهنّ يبكين معها.
قال : ونظرت صفية بنت الحارث الثقفية امرأة عبد الله بن خلف الخزاعي إلى عليّ ، فصاحت هي ومن كان معها هناك من النسوة وقلّن بأجمعهنّ : يا قاتل الأحبة ، يا مفرّق بين الجمع ، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله بن خلف.
فنظر إليها عليّ فعرفها ، فقال : ( أما إنّي لا ألومك أن تبغضيني وقد قتلت جدك في يوم بدر ، وقتلت عمك يوم أحد ، وقتلت زوجك الآن ، ولو كنت قاتل الأحبة كما تقولين لقتلت مَن في هذا البيت ومن في هذه الدار ).
قال : فأقبل عليّ على عائشة ، فقال : ( ألا تنحين كلابك هؤلاء عني ، أمّا إنني قد هممت أن أفتح باب هذا البيت فأقتل مَن فيه ، وباب هذا البيت فأقتل مَن فيه ، ولولا حبّي للعافية لأخرجتهم الساعة ، فضربت أعناقهم صبراً ).
قال : فسكتت عائشة وسكتت النسوة فلم تنطق واحدة منهن.
قال : ثمّ أقبل على عائشة فجعل يوبّخها ويقول : ( أمركِ الله أن تقرّي في بيتك وتحتجبي بستركِ ولا تبرّجي ، فعصيته وخضّبت الدماء ، تقاتليني
ظالمة ، وتحرضين عليّ الناس ، وبما ( وبنا / ظ ) شرّفك الله وشرّف أباك من قبلك وسمّاك أم المؤمنين ، وضرب عليكِ الحجاب ، قومي الآن فارحلي ، واختفي في الموضع الذي خلّفكِ فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم إلى أن يأتيكِ فيه أجلكِ ). ثمّ قام عليّ فخرج من عندها.
قال : فلمّا كان من الغد بعث إليها ابنه الحسن ، فجاء الحسن ، فقال لها : يقول لك أمير المؤمنين : أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن لم ترحلي الساعة لأبعثنّ عليك بما تعلمين.
قال : وعائشة في وقتها ذلك قد ضفرت قرنها الأيمن وهي تريد أن تضفر الأيسر ، فلمّا قال لها الحسن ما قال ، وثبت من ساعتها ، وقالت : رحلوني.
فقالت لها امرأة من المهالبة : يا أم المؤمنين جاءك عبد الله بن عباس فسمعناك وأنت تجاوبينه حتى علا صوتك ثمّ خرج من عندك وهو مغضب ، ثمّ جاءك الآن هذا الغلام برسالة أبيه فأقلقكِ وقد كان أبوه جاءكِ فلم نرَ منكِ هذا القلق والجزع؟
فقالت عائشة : إنّما أقلقني لأنه ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فمن أحبّ أن ينظر رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم فلينظر إلى هذا الغلام ، وبعد فقد بعث إليّ أبوه بما قد علمت ولابدّ من الرحيل.
فقالت لها المرأة : سألتك بالله وبمحمّد صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم إلاّ
أخبرتني بماذا بعث إليكِ عليّ رضي الله عنه؟
فقالت عائشة رضي عنها : ويحكِ إنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم أصاب من مغازيه نفلاً ، فجعل يقسّم ذلك في أصحابه ، فسألناه أن يعطينا منه شيئاً وألححنا عليه في ذلك ، فلامنا عليّ رضي الله عنه وقال : حسبكنّ أضجرتنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ، فتجهمناه وأغلظنا له في القول ، فقال :( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ ) (1) فأغلظنا له أيضاً في القول وتجهّمناه ، فغضب النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم من ذلك وما استقبلنا به عليّاً ، فأقبل عليه ثمّ قال : ( يا عليّ إنّي قد جعلت طلاقهنّ إليك ، فمن طلقتها منهنّ فهي بائنة ) ، ولم يوقّت النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم في ذلك وقتاً في حياة ولا موت. فهي تلك الكلمة ، وأخاف أن أبين من رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم )(2) .
2 ـ ( العقد الفريد ) لابن عبد ربه الأندلسي المتوفى سنة 328 هـ :
____________________
(1) التحريم / 5.
(2) كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 2 / 334 ـ 338 ط أفست دار الندوة الجديدة عن الطبعة الاُولى بحيدر آباد.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 234 : وقد قيل ان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فوّض أمر نسائه بعد موته وجعل إليه أن يقطع عصمة أيّهنّ شاء إذا رأى ذلك ، وله من الصّحابة جماعة يشهدون له بذلك فقد كان قادراً على أن يقطع عصمة ام حبيبة ويبيح نكاحها الرجال عقوبة لها ولمعاوية اخيها فانها كانت تبغض عليّاً كما يبغضه أخوها ولو فعل ذلك لانتهش لحمه ، وهذا قول الإمامية وقد رووا عن رجالهم انه عليه السلام تهدد عائشة بضرب من ذلك. وقارن مناقب ابن شهر اشوب 1 / 397 ط الحيدرية كلام عائشة في ذلك وقول خطيب خوارزم :
عليّ في النساء له وحي |
أمين لم يمانع بالحجاب |
( عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لمّا انقضى أمر الجمل دعا عليّ بن أبي طالب بآجرتين فعلاهما ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : ( يا أنصار المرأة ، وأصحاب البهيمة ، رغا فجئتم ، وعقر فهُزمتم ، نزلتم شرّ بلاد ، أبعدها من السماء ، بها مغيض كلّ ماء ، ولها شر أسماء ، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر. أين ابن عباس؟ ).
قال : فدُعيت له من كلّ ناحية ، فأقبلتُ إليه.
فقال : ( إئتِ هذه المرأة ، فلترجع إلى بيتها التي أمرها الله أن تقرّ فيه ).
قال : فجئت فاستأذنت عليها فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها.
فقالت : تالله يا بن عباس ما رأيت مثلك ، تدخل بيتنا بلا إذننا ، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا.
فقلت : والله ما هو ببيتكِ ، ولا بيتكِ إلاّ الذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعليّ ، إنّ أمير المؤمنين يأمركِ أن ترجعي إلى بلدكِ الذي خرجتِ منه.
قالت : رحم الله أمير المؤمنين ، ذاك عمر بن الخطاب.
قلت : نعم ، وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
قالت : أبيتُ أبيت.
قلت : ما كان إباؤكِ إلاّ فواق ناقة بكيئة(1) ثمّ صرتِ ما تحلين ولا
____________________
(1) الفُواق ( بضم الفاء وفتحها ) : ما بين الحلبتين من الوقت ، لأن الناقة تحلب ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثمّ تحلب ، والبكيئة من النوق : التي قلّ لبنها.
تمرّين ، ولا تأمرين ولا تنهين.
قال : فبكت حتى علا نشيجها ، ثمّ قالت : نعم ارجع ، فإنّ أبغض البلدان إليَّ بلدٌ أنتم فيه.
قلت : أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منكِ ، إذ جعلناكِ للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً.
قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عباس؟
قلت : نعم نمنّ عليكِ بمن لو كان منكِ بمنزلته منّا لمننتِ به علينا.
قال ابن عباس : فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقبّل بين عينيّ ، وقال : بأبي( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) )(2) .
3 ـ ( البدء والتاريخ ) المنسوب لأبي زيد البلخي المتوفى سنة 340 هـ :
( وجاء ابن عباس ، فقال : إنّما سميتِ أم المؤمنين بنا؟
قالت : نعم.
قال : أولسنا أولياء زوجك؟
قالت : بلى.
قال : فلم خرجت بغير إذننا؟
قالت : قضاء وأمر )(3) .
____________________
(1) آل عمران / 34.
(2) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 4 / 328 تحـ أحمد أمين ورفيقيه ط مصر والآية.
(3) البدء والتاريخ 5 / 215 ط باريس أفست.
4 ـ ( مروج الذهب ) للمسعودي المتوفى سنة 346 هـ :
( وبعث عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة ، فدخل عليها بغير إذنها ، واجتذب وسادة فجلس عليها.
فقالت له : يا بن عباس أخطأت السنّة المأمور بها دخلت إلينا بغير إذننا ، وجلست على رحلنا بغير أمرنا.
فقال لها : لو كنتِ في البيت الذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ما دخلنا إلاّ بإذنكِ ، وما جلسنا على رحلكِ إلاّ بأمركِ ، وإنّ أمير المؤمنين يأمركِ بسرعة الأوبة ، والتأهب للخروج إلى المدينة.
فقالت : أبيت ما قلت ، وخالفت ما وصفت.
فمضى إلى عليّ فخبّره بامتناعها ، فردّه إليها ، وقال : إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكِ أن ترجعي ، فأنعمت وأجابت إلى الخروج ، وجهّزها عليّ.
وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد أخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان. فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن : يا قاتل الأحبة.
فقال : ( لو كنت قاتل الأحبة لقتلت مَن في هذا البيت ) ، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم.
فضرب مَن كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا مَن في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه.
فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما : إنّي أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند سيرك.
فقال : بل ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم.
فسألته أن يؤمّن ابن اختها عبد الله بن الزبير ، فأمّنه. وتكلّم الحسن والحسين في مروان فأمّنه ، وأمّن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية ، وأمّن الناس جميعاً )(1) .
5 ـ ( شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار ) للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد التميمي المغربي المتوفى سنة 363 هـ :
( وبآخر ـ أي سند آخر ـ عن عبد الله بن عباس ، أنّه قال : لمّا استقر أمر الناس بعد وقعة الجمل ، وأقام عليّ صلوات الله عليه في البصرة بمن معه أياماً بعث بي إلى عائشة يأمرها بالرحيل عن البصرة والرجوع الي بيتها.
قال ابن عباس : فدخلت عليها في الدار التي أنزلها فيها ، فلم أجد شيئاً أجلس عليه ، ورأيت وسادة في ناحية من الدار فأخذتها فجلست عليها.
فقالت لي : يا بن عباس ما هذا؟ تدخل عليّ بغير إذني في بيتي ،
____________________
(1) مروج الذهب للمسعودي 2 / 337 ط السعادة بمصر سنة 1377 تحـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
وتجلس على فراشي بغير إذني؟ لقد خالفت السنّة.
قال ابن عباس : نحن علّمناكِ وغيركِ السنّة ، ونحن أولى بها منك ، إنّما بيتكِ البيت الذي خلّفكِ فيه رسول الله صلوات الله عليه وآله ، فخرجتِ منه ظالمة لنفسكِ ، عاتبة على ربّكِ ، عاصية نبيّكِ ، فإذا رجعت إليه لم أدخله إلاّ بإذنكِ ولم أجلس على ما فيه إلاّ بأمركِ.
قال : فبكت. فقلت لها : إنّ أميرالمؤمنين بعثني إليك يأمرك بالرحيل عن البصرة والرجوع إلى بيتك.
قالت : ومن أمير المؤمنين؟ إنّما كان أمير المؤمنين عمر.
فقلت لها : قد كان عمر يدعى أمير المؤمنين ، وهذا والله عليّ أمير المؤمنين حقاًَ كما سمّاه بذلك رسول الله صلوات الله عليه وآله ، وهو والله أمسّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم رحماً ، وأقدم سلماً ، وأكثر علماً ، وأحلم حلماً من أبيك ومن عمر.
قال : فقالت : ما شئت ذلك. قال : فقلت لها : أما والله لقد أبؤك ( كذا في النسخة والصواب إباؤك ) ذلك قصير المدة عظيم النبعة ظاهر الشوم بيّن النكاد ( النكد ) ، وما كان إلاّ كحلب شاة حتى صرت ما تأخذين ولا تعطين ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني فهر :
ما زال إهداء القصائد بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
|
حتى تُركتِ كأن قولكِ فيهم |
في كل محتفل طنين ذباب |
فأراقت دمعتها ، وأبدت عولتها ، وظهر نشيجها ، ثمّ قالت : أرحل والله عنكم ، فوالله ما من أبغض إليَّ من دار تكونون بها.
قلت : ولِمَ ذلك؟ والله ما ذلك ببلائنا عندك ، ولا بأثرنا عليك وعلى أبيك ، إذ جعلناك أمّاً للمؤمنين وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة.
قالت : تمنّون علينا برسول الله ( صلوات الله عليه وآله )؟
قلت : ولِمَ لا نمن عليكم بمن لو كانت فيك شعرة لمننتِ بها وفخرت ، ونحن منه وإليه لحمه ودمه ، وإنّما أنت حشية من تسع حشيات خلّفهن ، لست بأرشحهن عرقاً ، ولا بأنضرهن ورقاً ، ولا بأمدهنّ ظلاً ، وإنّما أنت كما قال أخو بني أسد :
مننت على قومي فأبدوا عداوة |
فقلت لهم كفوا العداوة والنكرا |
|
ففيه رضا من مثلكم لصديقه |
وأحرى بكم أن تظهروا البغي والكفرا |
قال : فسكتت ، وانصرفت إلى عليّ صلوات الله عليه فأخبرته بما جرى بيني وبينها ، فقال صلوات الله عليه : أنا كنت أعلم بك إذ بعثتك.
وتثاقلت عائشة بعد ذلك عن الخروج إلى بيتها فأرسل إليها عليّ صلوات الله عليه : والله لترجعنَ إلى بيتك أو لألفظنّ بلفظة لا يدعوك بعدها أحد من المؤمنين أمّاً.
فلمّا جاءها ذلك ، قالت : أرحلوني أرحلوني ، فو الله لقد ذكرني شيئاً لو ذكرته قبلُ ما سرت بسيري هذا.
فقال لها بعض خاصتها : ما هو يا أم المؤمنين؟
قالت : إنّ رسول الله ( صلوات الله عليه وآله ) قد جعل طلاق نسائه إليه وقطع عصمتهنّ منه حيّاً وميتاً ، وأنا أخاف أن يفعل ذلك إن خالفته ، فارتحلت )(1) .
6 ـ رجال الكشي ( إختيار معرفة الرجال ) :
( جعفر بن معروف ، قال : حدّثني الحسن بن علي بن النعمان ، عن أبيه ، عن معاذ بن مطر ، قال : سمعت إسماعيل بن الفضل الهاشمي ، قال : حدثني بعض أشياخي ، قال : لمّا هزم عليّ بن أبي طالب عليه السلام أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عباس ( رحمة الله عليهما ) إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل وقلّة العرجة(2) .
قال ابن عباس : فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة ، قال : فطلبت الإذن عليها ، فلم تأذن ، فدخلت عليها من غير إذنها ، فإذا بيت قفار(3) لم يعدّ لي فيه مجلس ، فإذا هي من وراء سترين.
قال : فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة(4) ، قال : فمددت الطنفسة فجلست عليها.
فقالت من وراء الستر : يا بن عباس أخطأت السنّة دخلت بيتنا بغير إذننا وجلست على متاعنا بغير إذننا.
____________________
(1) شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار 1 / 390 – 392 ط مؤسسة النشر الإسلامي.
(2) العُرجة بالضم والفتح : الإقامة بالمكان.
(3) الخالي وهو من القفر.
(4) الطنفسة : البساط.
فقال ابن عباس ( رحمة الله عليهما ) : نحن أولى بالسنّة منك ، ونحن علّمناك السنّة ، وإنّما بيتك الذي خلّفكِ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرجتِ منه ظالمة لنفسك ، غاشّةً لدينك ، عاتبة على ربّك ، عاصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلاّ بإذنك ، ولم نجلس على متاعكِ إلاّ بأمركِ.
إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعث إليكِ يأمركِ بالرحيل إلى المدينة وقلة العُرجة.
فقالت : رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب.
فقال ابن عباس : هذا والله أمير المؤمنين وإن تربّدت فيه وجوه ، ورغمت فيه معاطس ، أما والله لهو أمير المؤمنين وأمسّ برسول الله رحماً ، وأقرب قرابة ، وأقدم سبقاً ، وأكثر علماً وأعلى مناراً ، وأكثر آثاراً من أبيك ومن عمر.
فقالت : أبيت ذلك.
فقال : أما والله إن كان إباؤك فيه لقصير المدّة ، عظيم التبعة ، ظاهر الشؤم ، بيّن النكَد ، وما كان إباؤك فيه إلاّ حلب شاة ، حتى صرتِ لا تأمرين ولا تنهينَ ، ولا ترفعين ولا تضعين ، وما كان مثلكِ إلاّ كمثل ابن الحضرمي ابن نجمان أخي بني أسد ، حيث يقول :
ما زال إهداء القصائد بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
|
حتى تُركتِ كأن قوبهم |
في كل محتفل طنين ذباب |
قال : فأراقت دمعتها ، وأبدت عويلها ، وتبدّى نشيجها ، ثمّ قالت : أخرج
والله عنكم فما في الأرض بلد أبغض إليّ من بلد تكونون فيه!
فقال ابن عباس ( رحمه الله ) : فلم؟ فوالله ماذا بلاؤنا عندكِ ، ولا بصنيعتنا إليكِ ، إنّا جعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة.
فقالت : يا بن عباس تمنّون عليّ برسول الله؟
فقال : ولم لا نمنّ عليكِ بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به ، ونحن لحمه ودمه ، ومنه وإليه ، وما أنتِ إلاّ حشية من تسع حشايا خلّفهنّ بعده ، لستِ بأبيضهنّ لوناً ، ولا بأحسنهنّ وجهاً ، ولا بأرشحهنّ عرقاً ، ولا بأنضرهنّ روقاً ، ( رونقاً / ظ ) ولا بأطراهنّ أصلاً ، فصرتِ تأمرين فتطاعين ، وتدعين فتجابين ، وما مثلكِ إلاّ كما قال أخو بني فهر :
مننت على قومي فأبدوا عداوة |
فقلت لهم كفّوا العداوة والنكرا |
|
ففيه رضاً من مثلكم لصديقه |
وأحجَ بكم أن تجمعوا البغي والكفرا |
قال : ثمّ نهضت وأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها.
فقال : أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك )(1) .
1 ـ لقد روى المحاورة الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هـ في رسالته
____________________
(1) رجال الكشي اختيار معرفة الرجال / 57 ـ 60 تحـ حسن المصطفوي ط جامعة مشهد سنة 1348 شمسي.
( الكافية في إبطال توبة الخاطئة ) ، ورواها بسندين : أحدهما من العامة ، والآخر من الخاصة(1) .
ومن اللافت للنظر خلوّ كتابه ( الجمل ) منها (؟) وهو أحرى بذكره فيها ، ولعلّ ذلك من نقصان النسخة التي وصلت إلينا.
2 ـ الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ ، روى المحاورة نقلاً عن الواقدي ، وله الفضل في حفظ شيء من كتاب الواقدي الذي عفى الدهر عليه(2) .
3 ـ الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ ، روى المحاورة أيضاً عن الواقدي ، في كتابه ( تلخيص الشافي ) ، وأحسبه أخذها بتوسط ( الشافي )(3) .
1 ـ الشيخ هاشم بن محمّد المتوفى بعد سنة 552 هـ ، رواها في كتابه ( مصباح الأنوار ) ، فقد قال :
( وبالإسناد عن شهردار بن شيرويه الديلمي ، قال : أخبرنا عبدوس بن عبد الله بن عبدوس ، عن الشريف أبي طالب المفضل بن طاهر الجعفري بإصبهان ، عن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الاصبهاني : حدّثنا محمّد بن عبد الله بن الحسين ، حدّثنا عليّ بن الحسين
____________________
(1) اُنظر البحار 8 / 418 ط الكمپاني.
(2) كتاب الشافي / 292 ط حجرية سنة 1300 هـ.
(3) تلخيص الشافي 4 / 153.
ابن إسماعيل ، حدّثنا محمّد بن الوليد العقيلي ، حدّثنا قثم بن أبي قباذ الحراني ، عن وكيع ، عن خالد النوا ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : لمّا أصيب زيد بن صوحان يوم الجمل
وروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لولده محمّد بن الحنفية
وروى عن عبد الله بن عباس ، قال : لمّا هزم أصحاب الجمل نزلت عائشة في دار عبد الله بن خلف ، فأرسلني أمير المؤمنين عليه السلام إليها يأمرها بالمسير عن البصرة والتأهب للمسير إلى المدينة.
قال ابن عباس : فأتيتها فدخلت عليها في بيت قفر لم أجد فيه مجلس إلاّ التراب ، فضربت ببصري ناحية البيت فلم أر شيئاً إلاّ رحلها فتناولت طنفسة فقعدت فوقها.
فقالت : أخطأت السنّة يا بن عباس.
قلت : وما فعلت؟
قالت : دخلت بيتي بغير إذني وتناولت طنفستي بغير أمري.
قلت : نحن علّمناكِ السنّة ، ونحن أحق بها منكِ ، وإنّما بيتك الذي أجلسكِ الله فيه ورسوله ، لأنّ الله عليه السلام يقول :( يَانِسَاءَ النبيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ ) (1) الآيات ، فخرجتِ من بيتكِ ظالمة لنفسكِ عاتبة على ربّك ، عاصية لنبيّك ، فإذا رجعتِ إلى بيتكِ فقعدتِ فيه لم يكن لنا أن ندخله إلاّ بإذنك ، ولم نأخذ متاعك إلاّ بأمركِ ، إنّ أمير المؤمنين
____________________
(1) الأحزاب / 32.
بعثني إليكِ يأمركِ بالمسير إلى المدينة.
فقالت : رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
قلت : صدقت قد كان عمر أمير المؤمنين رغماً ، وهذا والله أمير المؤمنين حقاً ، أما والله لهو أمسّ برسول الله رحماً ، وأوجب حقاً ، وأعلم علماً ، وأحلم حلماً ، وأقدم سلماً من أبيكِ ومن عمر.
قالت : أبيت ذلك يا بن عباس.
قلت : أما والله لقد كان إباؤك لقصير المدة ، ظاهر الشؤم عليك ، بيّن النكال ، وما كنتِ إلاّ كحلب الشاة حتى ما تأخذين ولا تعطين ، ولا تأمرين ولا تنهين ، ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد ( حيث ) يقول :
ما زال إهداء القصائد بيننا |
شتم الصديق وكثرة الألقاب |
|
حتى تُركتِ كأن قولكِ بينهم |
في كل محتفل طنين ذباب |
فأوردت دمعتها نشيجها ، ثمّ قالت : أرحل والله عنكم ، أما والله ما في الأرض بلدة أبغض إليّ من بلدة أراكم فيها يا بني هاشم.
قلت : أما والله ما ذاك ببلائنا عندك ، ولا بأثرنا عليكِ ، جعلناكِ للمؤمنين أمّاً وأنت ابنة أم رومان ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً وهو ابن أبي قحافة ، وأنتِ تسمّين بنا أم المؤمنين لا بتيم وعدي.
قالت : تمنّون عليَّ برسول الله يا بن عباس.
قلت : ولِمَ لا نمنّ عليكِ بمن لو كانت فيكِ شعرة منه لمننتِ علينا ،
ونحن لحمه ودمه ومنه وإليه ، وإنّما أنتِ حشية من تسع حشايا خلّفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لستِ بأرشحهنّ عَرَقاً ، ولا بأنظرهنّ ورقاً ، ولا بأمدهنّ ظلاً ، فصرتِ تأمرين وتنهين فتطاعين ، وتدعين فتجابين ، فما شكرتِ نعمانا عليك ولا كنت إلاّ كما قال أخو بني فهر :
مننت على قومي فأبدوا عداوة |
فقلت لهم كفّوا العداوة والنكرا |
|
ففيه الرضا من مثله لصديقه |
وأحجى بكم أن تجمعوا البغي والكفرا |
ثمّ نهضت فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام ـ وكان إذا بعث رجلاً لم يزل مقعداً له حتى يأتيه ـ فأخبرته بما كان بيني وبينها من الكلام.
فقال : أنا كنت أعلم بها منك حيث بعثتك إليها. يا حسن هلمّ فاذهب إلى عائشة فقل لها : قال لك أمير المؤمنين : والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لئن لم ترتحلي الساعة لأبعثنّ إليك بما تعلمين.
فلمّا أتاها الحسن دخل عليها بغير إذن فأخبرها بمقالة أمير المؤمنين ، فقالت : رحّلوني.
فقالت لها امرأة من المهالبة : يا أم المؤمنين أتاكِ ابن عباس شيخ بني هاشم فسمعناك تحاوريه حتى علا صوتكِ ، فخرج من عندك مغضباً ، فأتاك غلام فأقلقكِ؟
فقالت : إنّه والله ابن رسول الله ، فمن أراد أن ينظر إلى مقلتي رسول الله فلينظر إلى هذا الغلام ، وقد بعث أبوه إليّ بما علّّمنيه.
فقالت الإمرأة : سألتك بحق محمّد رسول الله ( كلمات مطموسة ) عليك إلاّ أخبرتني بالذي بعث إليك؟
قالت : إنّ رسول الله جعل طلاق نسائه بيد عليّ ، فمن طلّقها عليّ في الدنيا بانت من رسول الله في الآخرة(1) .
فقالت لها الإمرأة : أنتِ قد علمتِ مثل هذا وقاتلتيه؟!
قالت : قد كان ما رأيتِ )(2) .
1 ـ ( الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة ) لمحمّد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التلمساني المشهور بالبُريّ ، قال :
( وقال عبد الله بن عباس : لمّا فرغ عليّ رضي الله عنه من أمر الجمل صعد على ربوة من الأرض وخطب ، فقال : ( يا أنصار المرأة ، وأصحاب البيهمة ، رغا فحننتم ، وانخشر ـ هرب جبناً ـ فانهزمتم ، نزلتم شر بلاد ، أبعدها من السماء ، بها مغيض كلّ ماء ، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمُر ، أين ابن عباس؟ ).
قال : فدعيت له من كلّ جانب. فلمّا حضرت ، قال لي : ( سر إلى هذه المرأة ـ يعني أم المؤمنين عائشة ـ وقل لها : تسير إلى الموضع الذي أمرها الله أن تقرّ فيه ).
____________________
(1) قارن مناقب آل أبي طالب لابن شهر اشوب 1 / 397 ط الحيدرية.
(2) مصباح الأنوار ( مخطوط ).
قال ابن عباس : فجئتها ، فاستأذنت عليها فلم تأذن لي. فدخلت عليها بغير إذن ، وعمدت إلى وساد كان في البيت فجلست عليه.
فقالت : تالله ما رأيت مثلك يابن عباس! تدخل بيتي وتجلس على وسادي بغير إذني؟
قال : فقلت لها : والله ما هو بيتك إلاّ الذي أمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي. إنّ أميرالمؤمنين يأمرك بالمسير إلى المدينة.
فبكت وقالت : رحم الله أميرالمؤمنين ، ذاك عمر بن الخطاب.
فقلت لها : نعم وهذا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب.
فقالت : أبيت أبيت.
فقلت لها : ما كان إباؤك إلاّ مثل فواق ناقة بكيّة(1) ثمّ صرت لا تحلين ولا تُمرين.
فقالت : نعم أسير ، إنّ أبغض البلاد إليَّ بلد أنتم فيه.
فقلت : والله ما كان هذا جزاؤنا منك ، أن صيّرناك للمؤمنين أمّاً ، وصيّرنا أباكِ لهم صدّيقاً.
فقالت : أتمنّ عليّ برسول الله يابن عباس؟
قلت : بلى والله نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا )(2) .
____________________
(1) من المضحك ما جاء في الهامش : بكية كثيرة البكاء ، والصحيح غير ذلك بل الناقة البكية التي قلّ لبنها ( قطر المحيط ).
(2) الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة لمحمّد بن أبي بكر 2 / 295 ـ 296 تح ـ د محمّد القوشنجي الاستاذ بجامعة حلب ط دار الرفاعي.
2 ـ ( الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية ) لحميد بن أحمد المحلي الشهيد الزيدي المتوفى سنة 652 هـ ، قال :
( ولمّا انهزم أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ابن عباس إلى عائشة يأمرها بالانصراف إلى بيتها بالمدينة الذي تركها فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال له : ( قل لها : إنّ الذي يردّها خير من الذي يخرجها )(1) .
3 ـ ( تذكرة خواص الأئمة ) لسبط ابن الجوزي المتوفى سنة 654 :
( قال علماء السير : ثمّ بعث عليّ عليه السلام عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالمسير إلى المدينة ، فدخل عليها ابن عباس بغير إذن.
فقالت له : أخطأت السنّة دخلت علينا بغير إذن.
فقال لها : لو كنتٍ في البيت الذي خلّفك فيه رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ما دخلنا عليك بغير إذنكِ ، ثمّ قال : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بالمسير إلى البيت الذي أمرك الله بالقرار فيه ، فأبت عليه ، فشدّد عليها ، وقال : هو أمير المؤمنين وقد عرفتيه )(2) .
4 ـ ( شرح نهج البلاغة ) :
( بعث عليّ عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالرحيل إلى المدينة.
قال : فأتيتها فدخلت عليها فلم يوضع لي شيء أجلس عليه ، فتناولت
____________________
(1) الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية / 34 نسخة مخطوطة في مكتبة الإمام كاشف الغطاء بخط المرحوم الحجة والده الشيخ عليّ وفي المطبوعة بصنعاء 1 / 63.
(2) تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي / 45 ط حجرية سنة 1285 هـ.
وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها.
فقالت : يا بن عباس أخطأت السنّة ، قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا.
فقلت : ليس هذا بيتك الذي أمرك الله أن تقرّي فيه ، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلاّ بإذنك ، ثمّ قلت : إنّ أمير المؤمنين أرسلني إليك يأمركِ بالرحيل إلى المدينة.
فقالت : وأين أمير المؤمنين ذاك عمر.
فقلت : عمر وعليّ.
قالت : أبيت.
قلت : أما والله ما كان إباؤك إلاّ قصير المدة عظيم المشقة ، قليل المنفعة ، ظاهر الشؤم ، بيّن النكد ، وما عسى أن يكون إباؤك؟ والله ما كان أمرك إلاّ كحلب شاة ، حتى صرت لا تأمرين ولا تنهين ولا تأخذين ولا تعطين ، وما كنتِ إلاّ كما قال أخو بني أسد :
ما زال إهداء الصغائر بيننا |
نثّ الحديث وكثرة الألقاب |
|
حتى نزلتِ كأن صوتكِ بينهم |
في كل نائبة طنين ذباب |
قال : فبكت حتى سمع نحيبها من وراء الحجاب ، ثمّ قالت : إنّي معجّلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله تعالى ، والله ما من بلد أبغض إليّ من بلد أنتم فيه.
قلت : ولم ذاك فوالله لقد جعلناكِ للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً.
قالت : يا بن عباس أتمن عليّ برسول الله؟
قلت : ما لي لا أمُنّ عليك بمن لو كان منك لمننتِ به عليَّ.
ثمّ أتيت عليّاً عليه السلام فأخبرته بقولها وقولي ، فسرّ بذلك ، وقال لي :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) وفي رواية : أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك )(2) .
1 ـ ( إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم ) لمحمّد بن خلفة الوشتاني الآبي المالكي المتوفى سنة 827 هـ أو 828 هـ :
( قال ابن عباس : ولمّا انقضى أمر الجمل دخل عليّ البصرة بعد ثلاثة أيام ، ثمّ خطب خطبته الطويلة التي يقول فيها : ( يا أهل السبخة ، يا أهل المؤتفكة ، إئتفكت بأهلها ثلاث مرات في الدهر وعلى الله تمام الرابعة ، يا جند المرأة ، يا أتباع البهيمة ، رغا فأجبتم ، وعُقر فانهزمتم ، أخلاقكم دقاق ، وأحلامكم رقاق ، ودينكم نفاق ، نزلتم أشرّ بلاد الله وأبعدها من السماء وسُميت بشرّ الأسماء ، هي البصرة والمؤتفكة وتدمر. أين ابن عباس؟ ).
فدعي له من كلّ جانب. فقال : ( إئتِ هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمر الربّ أن تقرّ فيه ).
____________________
(1) آل عمران / 34.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 81 ـ 82 ط مصر الاُولى.
قال : فجئت فاستأذنت فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، ومددت يدي إلى وسادة فجلست عليها.
فقالت : يا ابن عباس ما رأيت مثلك تدخل بيتي بغير إذن ، وتجلس على وسادتي بغير إذن.
فقلت : والله ما هو بيتكِ ، وإنّما بيتكِ الذي أمركِ الله أن تقري فيه فلم تفعليّ ، إنّ أمير المؤمنين يأمركِ أن ترجعي إلى بلدكِ الذي خرجتِ منه.
قالت : رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر.
قلت : نعم وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
قالت : أبيت أبيت.
قلت : ما كان إباؤك إلاّ فواق ناقة ثمّ أبتِ ما تحكمين ولا تأمرين ولا تنهين.
فبكت حتى علا نشيجها ، ثمّ قالت : نرجع ، فإنّ أبغض البلاد إليّ البلاد أنتم فيها.
فقلت : أما والله ما كان جزاؤنا منك أن جعلناكِ أمّ المؤمنين ، وجعلنا أباكِ صدّيقاً لهم.
قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟
قلت : نعم أمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا.
ثمّ أتيت عليّاً فأخبرته ، فقبّل بين عيني ، وقال : بأبي وأمي( ذُرِّيَّةً
بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1) (2) .
ماذا قال سعيد الأفغاني في كتابه ( عائشة والسياسة ) في هذا المقام؟
لقد جعل الفصل الخامس من كتابه في آخر أيام عائشة بالبصرة ، وعنونه : ( دخول عائشة البصرة وتجهيزها إلى الحجاز ). ثمّ بدأ ينقل نصوص الطبري في ذلك بانتقاء أحاديث سيف خاصة! وهي لا تخلو من مناقشة سنداً ومتناً ، ثمّ ختم ذلك بقوله : ( وظلت السيدة مدّة إقامتها بالبصرة راضية عن سيرة عليّ ، فقد كانت خطته مع المخالفين خطة إجمال وكفّ ، وتغافل في الجملة ، وخاصة مع السيدة نفسها ، فقد صانها عن كلّ أذى ومكروه ، ورعاها وكمّ الأفواه عن قولة السوء فيها ، واشتد في ذلك على أصحابه حتى أمسكوا ).
وهنا فصل بنجوم ثلاث بين ما مرّ وبين ما يأتي ، وتبدلت اللهجة الجادة إلى هزل أدبي ، وكأنّه كاتب قصصي يصوّر للقارئ بعض مشاهد مسرحياته الخيالية ، ولعلّه أصابه السأم من مرويات الطبري لأحاديث سيف ـ المتهم حتى بالزندقة والكذب(3) ـ فاستبدل النغم ، فقال يخاطب قارئه :
____________________
(1) آل عمران / 34.
(2) إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم 6 / 239 ط دار الكتب العلمية بيروت.
(3) قال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات. قال وقالوا انه كان يضع الحديث. وبقية كلام ابن حبان : اتهم
( لعلك اشتقت إلى روايات ابن أبي الحديد الطريفة! فقد طال إمساكنا عن أخباره وإضرابنا عن قصصه ، فها نحن أولاء مطلعوكَ على مشهد ممتع وحوار أمتع :
لمّا فرغ عليّ من القتال دعا بآجرتين : فحمد الله وأثنى عليه وخطب في أهل البصرة قائلاً : ( يا أنصار المرأة ، وأصحاب البهيمة! رغا فجئتم ، وعقر فانهزمتم ، نزلتم شر بلاد ، أبعدها عن السماء إلخ ).
ثمّ نادى(1) ابن عباس ، فاقبل إليه ، فقال له : ( إئتِ هذه المرأة فمرها أن ترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقرّ فيه ) ، ثمّ تمثل :
إني زلَلتُ زلَة فأعتذر |
واجمع الأمر الشتيت المنتشر |
واجمع الأمر الشتيت المنتشر
قال ابن عباس : فجئت فاستأذنت عليها فلم تأذن لي ، فدخلت بلا إذن ، فمددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها.
فقالت عائشة : تالله ما رأيت مثلك يا بن عباس! تدخل بيتنا بلا إذننا ، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا؟ ، ( أخطأت السنّة مرتين ).
____________________
بالزندقة وقال البرقاني عن الدار قطني : متروك وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط. تهذيب التهذيب 4 / 296.
(1) هكذا يريد ابن أبي الحديد : نداء وصراخا على رؤوس الأشهاد. تعليقة الأفغاني في كتابه عائشة والسياسة / 193.
فقلت : ( نحن علمناكم السنّة )(1) والله ما هو بيتك ، وما بيتك إلاّ الذي خلّفك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي. إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجتِ منه.
قالت : رحم الله أمير المؤمنين ، ذاك ابن الخطاب.
قلت : وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
قالت : أبيت أبيت.
قلت : ما كان إباؤكِ إلاّ فواق(2) ناقة ، ثمّ صرت ما تُحلين ولا تمرِين ، ولا تأمرين ولا تنهين ، وما كنت إلاّ كما قال أخو بني أسد :
مـا زال إهـداء الصغـائر بيننا |
نثّ الحديث وكثرة الألقاب |
|
حـتى نزلتِ كأن صوتكِ بينهم |
في كل نـائبة طنـين ذباب |
فبكت حتى علا نشيجها (!!!) ثمّ قالت : نعم أرجع ، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلدٌ أنتم فيه.
قالت ( كذا في المطبوع والصواب قلت ) : أما والله ما كان هذا جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أمّاً ، وجعلنا أباكِ لهم صدّيقاً.
قالت : أتمنّ عليَّ برسول الله يا بن عباس؟.
قلت : نعم ، نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننتِ به علينا.
____________________
(1) علق الأفغاني في المقام بقوله : هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 82.
(2) الفواق : ما بين الحلبتين من الوقت ، لأنها تحلب ثمّ تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ، ثمّ تحلب ـ مختار الصحاح.
قال ابن عباس : فأتيت عليّاً فأخبرته بما كان ، فقبّل بين عينيّ ، وقال :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (1) ، أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك(2) انتهت الرواية.
أمّا الذي لا يمكن أن يقبله امرؤ ذو روية فما رواه المسعودي المؤرخ الحزبي فقد زعم أنّ عائشة قالت لعليّ بعد خطب طويل كان بينهما : ( إنّي أحبّ أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند مسيرك.
فقال عليّ : بل ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )(3) .
وهذا خبر غير معقول ألبتة ، وهو مخالف منطق الحوادث ، أمن تجييش الجيوش على عليّ ، إلى القتال معه؟ أهكذا إنقلاباً فجائياً من
____________________
(1) آل عمران / 34.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 82 ، وانظر العقد الفريد 3 / 103 ، واليعقوبي 2 / 213 ، ولقد كان هذا الخبر ـ ان صح ـ أجدر أن يوجد في الطبري وأرجّح أنه راج بعده ( مات الطبري سنة 310 ) ولعله علم به وأهمله لكذبه. ومن أمعن في هذه الأقوال استبعد صدورها عن مثل ابن عباس ، فليس ممّا يرضاه ذوق أن تجابه امرأة مهزومة بمثل هذا فكيف بمثل عائشة مكانة وحرمة. والخبر مصنوع بأداة حزبية عصبية طبقية ، والا فابن عباس أصح عقيدة وأتقى لله من أن ينسب إلى أسرته ما هو من صنع الله ، وكلّ مسلم يعلم : أن زواج عائشة كان بوحي من الله ، وأن صديقية أبي بكر كانت هداية من الله وحده ، لا وساماً تمنحه أسرة. وكلّ ما مرّ بك آنفاً وما سيمرّ بك عاجلاً من معاملة عليّ لعائشة ومخالفيه مبعد عن تصديق هذا الخبر الروائي. لقد كان ابن أبي الحديد ( أو صناع بعض أخباره على الأصح ) في كثير ممّا يروى : الصديق الجاهل للإمام كرم الله وجهه. والمشهور من نبل عليّ ودينه وسمو خلقه يجعل المنصفين يضربون بكثير من هذه الروايات عرض الحائط. وقريب منه في ذلك ابن عباس. ( تعليقة سعيد الأفغاني بنصها وفصها ).
(3) مروج الذهب 2 / 9 تعليقة سعيد الأفغاني.
أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بهذه الخفة والسرعة الخاطفة؟!! ألا قليلاً من العقل والرويّة أيّها المؤرخون العصبيون! ).
ثمّ وضع نجومه الثلاث للفاصلة ، وقال : ( ونعود ـ بعد هذه الإستجمامة المسليّة ـ إلى التاريخ الجدّ :
جهز عليّ عائشة بكلّ شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع )(1)
وهنا لابدّ من وقفة عابرة معه لنحاسبه بعد أن استعاد نشاطه في تلك الإستجمامة المسليّة ، فإنّ في كلامه متناً وهامشاً مواقع للنظر! وإلى القارئ بعضاً منها :
أوّلاً : لقد ساق المحاورة موهماً قراءه أنّها نقلاً عن ابن أبي الحديد ، وأكّد ذلك في تعليقه على أوّل جملة منها ( ثمّ نادى ابن عباس ) ، فقال في الهامش ـ كما مرّ ـ : ( هكذا يريد ابن أبي الحديد نداءً وصراخاً على رؤوس الجماهير ) ، وزاد في تأكيده بذكر الجزء والصفحة ( 2 / 82 )! وهل يشك بعد هذا أحد بأنّه نقلها عن ابن أبي الحديد؟
ونحن لا نعنّي القارئ كثيراً سوى الرجوع إلى ما مرّ من نص المحاورة التي رواها ابن أبي الحديد ، وهي في مدوّنات القرن السابع ، فليقرأها بإمعان فهل يجد فيها جملة ( ثمّ نادى ابن عباس ) كما زعم الأفغاني؟ أو سيجدها تبتديء بجملة : ( بعث عليّ عبد الله بن عباس إلى
____________________
(1) عائشة والسياسة / 190.
عائشة يأمرها بالرحيل ) فلماذا البهتان والتزوير؟!!
وقد يعجب القارئ إذا ما نبّهته إلى إغراق الأفغاني في التعتيم على الواقع حين قال في الهامش بعد ذكر شرح النهج : ( واُنظر العقد الفريد 3 / 103 ، واليعقوبي 2 / 213 ). وهذا يعني أنّ في المصدرين المذكورَين أيضاً مثل ما سبق نقله عن شرح نهج البلاغة ( 2 / 82 )! وقد مرّت المحاورة أيضاً نقلاً عنهما معاً وليس فيهما جملة ( ثمّ نادى ابن عباس )!!
نعم ، ورد في نص ( العقد الفريد ) جملة : ( أين ابن عباس ) ، ولعلّه أوّل مصدر ترد فيه هذه الجملة ، ثمّ لم ترد بعد إلاّ في نص ورد عند الآبي المالكي في ( إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم ) ، وهو من مدونات القرن التاسع. واللافت للنظر أن ابن عبد ربه صاحب ( العقد الفريد ) ، والآبي صاحب ( الإكمال ) كلاهما مغربيّان ، وليست لهما أي صلة بحزبية ابن أبي الحديد كما يحلو للأفغاني رميه بذلك على استحياء كما سيأتي.
وقد يزداد القارئ عجباً إذا أخبرته أن ما ذكره الأفغاني من تمثل الإمام عليه السلام بالشعر الرجز فذكر ثلاثة شطور ليس له في أيّ من المصادر التي مرّ ذكرها أيّ أثر!! وقد مرّت جميع نصوص المحاورة في مختلف المصادر عبر القرون وليس فيها ذكر لذلك الرجز ، فمن أين أتى به ودسّه سعيد الأفغاني؟
إنّه أتى به من تاريخ الطبري ، ولو أنّه نقله بأمانة لرفع عنه إصر
الخيانة ، ولكنه غيّر وبدّل!
والأبيات مذكورة في تاريخ الطبري ، وهي من حديث سيف ، فقد ذكرها في حديث بيعة الإمام عليه السلام بالمدينة ، قال :
( ولمّا فرغ عليّ من خطبته وهو على المنبر قال المصريون :
خذها واحذراً أبا حسن |
إنا نمرّ الأمر إمرار الرسن |
وإنّما الشعر : خذها إليك واحذراً أبا حسن.
فقال عليّ مجيباً :
إنّي عجزت عجزة ما اعتذر |
سوف أكيس بعدها واستمرّ |
ثمّ قال الطبري : وكتب إليَّ السري عن شعيب عن سيف عن محمّد وطلحة قالا : ولمّا أراد عليّ الذهاب إلى بيته قالت السبيئة :
خذها واحذراً أبا حسن |
إنا نمرّ الأمر إمرار الرسن |
|
صولة أقوام كأسداد السفن |
بمشرفّيات كغدران اللبنَ |
|
ونطعن الملك بلين كالشطن |
حتى يُمرّنَ على غير عنَن |
فقال عليّ : وذكر تركهم العسكر والكينونة على عِدةَ ما منّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم ، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى(1)
إنّي عجزت عجزة لا أعتذر |
سوف أكيس بعدها واستمر |
____________________
(1) هنا نقص في أصول ط ( عن هامش الطبري 4 / 437 ط دار المعارف ).
ارفع من ذيلي ما كنت أجرّ |
وأجمع الأمر الشتيت المنتشر |
|||
إن لم يشاغبني العجول المنتصر |
أو يتركوني والسلاح يبتدر )(1) |
|||
ثانياً : لقد مرّت بنا تعليقة الأفغاني على جملة ( نحن علّمناكم السنّة ) ، فقال : ( هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( 2 / 82 ).
وهذا كسابقه محض بهتان لا ظل له من الحقيقة! وقد مرّت المحاورة برواية ابن أبي الحديد فارجع البصر إليها كرّتين من جديد فلا تجد فيها ما نسبه إليه كذباً وزوراً. وهكذا تتكشف أمانة الأفغاني في النقل!
ثمّ إنّ جملة : ( نحن علمناكم السنّة ) لم ترد بهذا اللفظ نصاً في أيّ مصدر من المصادر التي بين يدي وهي أكثر من عشرين مصدراً!
نعم ، إنّ الذي ورد فيها جملة : ( نحن علّمناكِ وأباكِ السنّة )(2) ، أو جملة : ( نحن أولى بالسنّة منكِ ، ونحن علّمناك السنّة )(3) ، أو جملة : ( نحن علمناكِ السنّة )(4) . ثمّ لم ترد في بقية المصادر بأيّ صيغة اخرى ، فأين الأمانة يا سعيد الأفغاني؟!
ثالثاً : لقد مرّ بنا تعليقه في نهاية الخبر تشكيكه في صحته ، ورجّح أنّه راج بعد الطبري الذي مات سنة310 هـ ، ثمّ قال : ( ولعلّه علم به وأهمله
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 436 ـ 437 ط دار المعارف.
(2) كما في أخبار الدولة العباسية ، راجع رقم2 من مصادر القرن الثالث.
(3) كما في رجال الكشي ، راجع رقم 4 من مصادر القرن الخامس.
(4) كما في مصباح الأنوار ، راجع رقم 1 من مصادر القرن السادس.
لكذبه ). وهذا لعمري يدلّ على مدى لوذعية الأفغاني وبُعدِ غوره في فهم الأخبار التأريخية (؟) فما دام لم يذكره الطبري فهو بترجيحه راج الخبر من بعده ، أو لعلّه علم به وأهمله لكذبه
أيّ ميزان هذا؟! فإنّ الطبري رجل جمّاع أخبار وليس بصَنّاع ، وهو يعترف في مواضع من تاريخه بأنّه قد لا يذكر من الحقائق التاريخية لعلّة هناك ، وقد يذكر العلّة أحياناً وقد لا يذكرها!
وقد مرّت بالقارئ بعض تلك الموارد في خصوص الفترة من زمن عثمان إلى خلافة الإمام عليه السلام ، لنقرأ تصريحات خطيرة للطبري ، وهي تعني ضياع الكثير من الحقائق التاريخية ، ولا نترك الأفغاني دون أن ننبّه على حبّه الشديد لأمّه ، فهو المدافع العنيد.
قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( حبّك الشيء يعمي ويصم )
حديث نبوي شريف أخرجه أحمد ، وأبو داود ، وابن حجر ، وابن كثير ، والقرطبي ، وآخرون غيرهم(1) .
وقد وجدت الغلوّ في الحبّ يشتطّ بصاحبه حتى يخرج به عن الجادة إلى مهاوي سحيقة في الضلالة ، ولا شك أنّ العدوّ القالي كذلك على حدّ المحبّ الغالي في سوء العاقبة ، وتبقى الفضيلة وسطاً بين الرذيلتين الإفراط والتفريط.
لماذا هذه البداية؟ إنّها إثارة قراءة فاحصة في كتاب ( الإجابة فيما
____________________
(1) أنظر موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4 / 523 ط عالم التراث بيروت.
استدركته عائشة على الصحابة ) تأليف الإمام بدر الدين الزركشي ، عُني بتحقيقه ووضع مقدمته وتعاليقه وفهارسه سعيد الأفغاني ، وله حقوق الطبع ، طبع بالمطبعة الهاشمية بدمشق 1358 هـ 1939 م ( هكذا كتب على ظهر الكتاب ).
ولقد وجدت المؤلف جعل كتابه في ثلاثة أبواب :
الباب الأوّل في ترجمتها وخصائصها ، وهذا في فصلين.
1 ـ الفصل ـ 1 ـ في ذكر شيء من حالها.
2 ـ الفصل ـ 2 ـ في خصائصها الأربعين.
الباب الثاني في استداركاتها على أعلام الصحابة.
وهم أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبو هريرة ، ومروان بن الحكم ، وأبو سعيد الخدري ، وابن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، والبراء ابن عازب ، وعبد الله بن الزبير ، وعروة بن الزبير ، وجابر بن عبد الله ، وأبو طلحة ، وأبو الدرداء ، وابن عون ، وأخوها عبد الرحمن ، وفاطمة بنت قيس ، وأخيراً استدراكاتها على أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
أمّا الباب الثالث في الإستدراكات العامة ، وقد ذيل المؤلف بموارد أخرى.
وقد أغرق نزعاً في لملمة الهشيم والحطيم والرميم ، ليبني منها هيكلاً تقف على ذراه أم المؤمنين عائشة.
وأمّا المحقق فلم يكن دونه في التفاني في حبّ السيدة أم المؤمنين.
ولمّا كان ابن عباس ممن جاء اسمه في قائمة الرجال الذين استدركت عليهم عائشة ، فلابد لي وأنا بعدُ في حلبتيهما الحوارية من عرض ما عند الزركشي ، لنزركش ما مرّ من المحاورات بما قاله الزركشي في ( ص 95 ـ 111 ).
( الحديث الأوّل ) أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق عمرة بنت عبد الرحمن : أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلي عائشة : ( إنّ عبد الله بن عباس قال : ( من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي ). وقد بعثت بهديي فاكتبي لي بأمرك ).
قالت عمرة : قالت عائشة : ( ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ، ثم قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي ). وترجم عليه البخاري باب من قلد القلائد بيده ) ولم يذكر فيه ( وقد بعثت بهديي فاكتبي إليّ بأمرك ).
قال الحافظ أبو الحجاج المياسي ومن خطه نقلت : ( هكذا وقع في كتاب مسلم ( أنّ ابن زياد ) ووقع في جميع الموطآت : ( أنّ زياد بن أبي سفيان ) كما وقع في البخاري ).
وأخرج البيهقي في سننه عن شعيب ، قال : قال الزهري : أوّل من كشف
العُمّى عن الناس وبيّن لهم السنة في ذلك عائشة رضي الله عنها : فأخبرني عروة وعمرة أنّ عائشة قالت : ( إنّي كنت لأفتل قلائد هدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيبعث بهديه مقلداً وهو مقيم بالمدينة ، ثم لا يجتنب شيئاً حتى ينحر هديه ) ، فلمّا بلغ الناس قول عائشة هذا أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس.
قال البيهقي : وروى في هذا المعنى مسروق والأسود عن عائشة.
فإن قيل : فقد روي عن جابر خلاف ذلك.
قال الطحاوى في ( معاني الآثار ) : ثنا ربيع المؤذن ، ثنا أسد بن موسى ، ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن عطاء بن(1) أبي لبيبة ، عن عبد الملك بن جابر ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كنت عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جالساً فقدّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( إنّي أَمرت ببُدني التي بعثت بها أن تقلّد اليوم وتشعر على مكان كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من ورائي ). وكان بعث ببُدنه وأقام بالمدينة.
فالجواب : أنّ هذا حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح ، قال البخاري : ( عبد الرحمن بن عطاء فيه نظر ) ، وقال الطحاوي : ( قد تواترت الآثار عن عائشة بما لم تتواتر عن غيرها بما يخالف حديث جابر ، وحديث عائشة إسناده صحيح بلا خلاف بين أهل العلم ، ومعه النظر والمعنى ).
____________________
(1) في تهذيب التهذيب : أنه : ابن بنت أبي لبيبة.
قلت : وممّا يضعف حديث جابر وحديث يعلي بن مرّة : أنّ(1) النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر صاحب الجبة إلاّ بنزعها. وروى الطحاوي ، عن يونس : ثنا ابن وهب : أَنّ مالكاً حدثه ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إِبراهيم التيمي ، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر : أَنّه رأى رجلاً متجرداً بالعراق ، قال : سأَلت الناس عنه؟ فقالوا : ( أََمر بهديه أَن يقلد فلذلك تجرد ) ، قال ربيعة : فلقيت عبد الله بن الزبير ، فقال : ( بدعة ورب الكعبة ) ، قال : ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير يحلف على ذلك أَنّه بدعة إِلاّ وقد علم السنة خلاف ذلك.
( الحديث الثاني ) أَخرج مسلم ، عن ابن جريج أَخبرني عطاء ، قال : كان ابن عباس يقول : ( لا يطوف بالبيت حاج ولا عن حاج إلاّ حلّ ) ، فقلت لعطاء : ( من أين تقول ذلك؟ ) ، قال : من قوله :( ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (2) ، قلت : ( فإنّ ذلك بعد الوقوف ). قال : كان ابن عباس يقول : ( من بعد الوقوف وقبله ) ، وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه حين أَمرهم أَن يحلّوا من حجة الوداع.
قال البيهقي قد قررنا : إِن صح الحج كان خاصاً بهم فلا يقوي الإستدلال ، وقد أَنكرت عائشة ذلك وحكت فعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أَخرجاه في الصحيحين عن عروة عن عائشة ، وأَنكره عليه ابن عمر أَيضاً. أخرجه مسلم عن وبرة ، قال : كنت جالساً عند ابن عمر فجاءه رجل فقال : ( أَيصلح أَن
____________________
(1) في الأصل : فأن.
(2) الحج / 33.
أطوف بالبيت قبل أن آتي(1) الموقف )؟ فقال : [نعم] ، قال : فإِنّ ابن عباس يقول : ( لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف ) ، فقال ابن عمر : ( قد حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف ، فبقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إِن كنت صادقاً ).
( الحديث الثالث ) أَخرجه البيهقي في سننه من جهة عبد الله بن الوليد العدني : ثنا سفيان ، عن جابر الجعفي ، عن أبي الضحى : أنّ عبد الملك أو غيره بعث إِلى عبد الله بن عباس الأطباء على البرد وقد وقع الماء في عينيه ، فقالوا : ( تصلي سبعة أيام مستلقياً ) ، فسأل أم سلمة وعائشة عن ذلك فنهتاه.
قال الذهبي في مختصره : ( الجعفي ليس بشيء وابن عباس(2) كرهه تورعاً ، والتداوي مشروع ).
وقال صاحب ( الدر النقي ) : في ذكر عبد الملك هنا نظر ، لأنّه ولي الخلافة سنة خمس وستين ، وكانت وفاة عائشة وأم سلمة قبل ذلك بسنين ، اللهم إِلاّ أن يحمل على أن عبد الملك أرسلهم إِليه قبل خلافته وفيه بُعد ، إذ لا يعلم لعبد الملك في زمن عائشة وأم سلمة ولاية تقتضي الإِرسال على البُرد ، قال : ( والعدني متكلم فيه ) ، قال أَحمد : لم يكن صاحب حديث وكان ربما أخطأ في الأسماء ولا يحتج به. وقال ابن معين : لا
____________________
(1) في الأصل : آت.
(2) في الأصل : فكرهه.
أَعرفه ، لم أكتب عنه شيئاً. وجابر المذكور في مسنده أَظنه الجعفي ، وقد قال البيهقي في موضع : لا يحتج به. وقال الدارقطني : متروك.
وقد روى هذه القصة عن سفيان الثوري من لا نسبة بينه وبين العدني حفظاً وجلالة وهو عبد الرحمن بن مهدي ولم يذكر فيه عبد الملك. قال ابن أبي شيبة في مصنفه : قال ابن مهدي : ثنا سفيان ، عن جابر ، عن أبي الضحى : أنّ ابن عباس وقع في عينه الماء فقيل له : ( تستلقي سبعاً ولا تصلي إلاّ مستلقياً ) ، فبعث إِلى عائشة وأم سلمة يسألهما فنهتاه.
وأَخرج الحاكم في المناقب من جهة أبي معاوية : ثنا الأعمش ، عن المسيب بن رافع ، قال : لمّا كف بصر ابن عباس أتاه رجل فقال له : ( إنّك إِن صبرت لي سبعاً لم تصل إلاّ مستلقياً تومي إِيماءً داويتك [و] برأت إِن شاء الله ، فأرسل إِلى عائشة وأَبي هريرة وغيرهما من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )(1) .
( الحديث الرابع ) : قال الطبراني في معجمه الوسط : حدثنا علي بن سعيد الرازي ، ثنا الهيثم بن مروان الدمشقي ، ثنا يزيد بن يحيى بن عبيد ، ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة : حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس : ( أنّ معاوية صلى صلاة العصر ، ثم قام ابن الزبير فصلى بعدها ، فقال معاوية : ( يا بن عباس ما هاتان الركعتان )؟ فقال : ( بدعة
____________________
(1) تتمة الرواية : وكل يقول ( أرأيت إن مت في هذا السبع كيف تصنع بالصلاة )؟ فترك عينه ولم يداوها. عن المستدرك للحاكم 3 / 546 طبع الهند.
وصاحبها صاحب بدعة ) ، فلما انفتل قال : ( ما قلتما )؟ قال : ( قلنا : كيت وكيت ) ، قال : ( ما ابتدعت ولكن حدثتني خالتي عائشة ) ، فأرسل معاوية إلى عائشة ، فقالت : ( صدق ، حدثتتني أم سلمة ) ، فأرسل إلى أُم سلمة : ( أنّ عائشة حدثتنا عنك بكذا ) ، فقالت : ( صدقت ، أَتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فصلى بعد العصر فقمت وراءه فصليت ، فلما انفتل قال : ما شأنك؟ قلت : رأيتك يا نبيّ الله صليت فصليت معك. فقال : إِنّ عاملاً لي على الصدقات قدم علي فجمعت(1) عليه؟ )؟
وفي الصحيحين : عن كريب مولى ابن عباس : أنّ عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إِلى عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا : ( اقرأ عليها السلام منّا جميعاً ، وسلها عن الركعتين بعد العصر ، وقل : إِنّا أخبرنا أنّك تصلينها ، وقد بلغنا أَنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها ) ، قال ابن عباس : ( وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عنها ) ، قال كريب : فدخلت عليها وبلغتها ، فقالت : ( سل أم سلمة ) ، فذكر نحو ما
____________________
(1) كذا في الأصل وقد رجعنا إلى جميع المظان ووجدنا أحاديث كثيرة في شأن الركعتين بعد العصر ، في مسند أحمد أكثر من عشرة مواضيع وفي البخاري مثلاً في الكتاب 64 الباب 96 وفي مسلم وغيرهما وليس في الظاهرية والمكتبات التي في دمشق نسخة عن المعجم الأوسط فنصحح عنها ، ومن حديث مسند أحمد ج6 الباب 69 : ( ركعتان كنت أركعهما بعد الظهر فشغلني قسم هذا المال حتى جائني المؤذن بالعصر فكرهت أن أدعمها ) ثم وجدت مسند ابن عباس في المجلد الثالث من المعجم الكبير للطبراني ( مخطوط في الظاهرية رقم 283 ـ حديث ) فسردته كله متحرباً فلم أجد عبد الله بن الحارث يروي عن ابن عباس إلا عشرة أحاديث ليس حديثنا هذا بينها.
سبق إِلى أنّه قال : إِنّه أَتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.
وأخرج الترمذي من جهة عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ( إنّما صلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الركعتين بعد العصر لأَنّه أَتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد لهما ) ، وقال : حديث حسن. ويعارضها في الصحيحين عن عروة : قالت عائشة : ( يا ابن أُختي ما ترك النبيّ السجدتين(1) بعد العصر عندي قط ).
( الحديث الخامس ) : أخرجه أَبو داوود ، وابن ماجة في سننهما من طريق يزيد بن أَبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أَثواب نجرانية ، الحلة ثوبان ، وقميصه الذي مات فيه ).
قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي : ( يزيد فيه لين ، ومقسم صدوق ضعفه ابن حزم ). ا هـ. أَعله المنذري بيزيد ، قال : وقد أَخرج له مسلم في المتابعات ، وقال غير واحد من الأئمة : إِنّه لا يحتج بحديثه. قلت : وقد خالفه ابن أَبي ليلى. فأخرج البيهقي في سننه من جهة قبيصة : ثنا سفيان ، عن أَبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثوبين أَبيضين وبرد حِبَرة ) ، قال البيهقي : ( كذا رواه محمد بن عبد
____________________
(1) البخاري 1 / 76 باب من لم يكره الصلاة إِلا بعد العصر والفجر وفي تيسير الوصول 3 / 295 عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين ) وفي رواية : ( ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط ) أخرجه الخمسة إلا الترمذي.
الرحمن بن أَبي ليل ). قال الذهبي : ( وليس بقوي ) ، وقد روت عائشة رضي الله عنها : ( أَنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثلاثة أَثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ) ، أَخرجه الأَئمة الستة في كتبهم.
قال البيهقي : وقد بينت عائشة رضي الله عنها أَنّ الإشتباه في ذلك على غيرها : فأخرج مسلم من جهة هشام ، عن أَبيه ، عن عائشة ، قالت : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أَثواب بيض سحولية من كرسفُ ليس فيها قميص ولا عمامة ، فأمّا الحلّة فإنّما شبه على الناس فيها أَنها اشتريت له حلّة ليكفن فيها فتركت الحلّة فأخذها عبد الله بن أَبي بكر فقال : ( لأحبسنَها لنفسي حتى أُكفّن فيها ) ، ثم قال : ( لو رضيها الله لنبيّه لكفنه فيها ) فباعها وتصدق بثمنها ). وفي رواية : ( أدرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في برد حبرة ، ثم أخذ عنه ). قال القاسم : ( إِنّ بقايا ذلك الثوب عندنا بعد ) ، قال البيهقي : هذا الثوب الثالث ، وأَمّا الحلّة فتصدق بثمنها عبد الله وهي ثوبان. أهـ.
( الحديث السادس ) : ـ إنكارها عليه الرؤية : أخرج الترمذي في التفسير من جهة مسلم بن جعفر هو البغدادي ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قال ابن عباس : ( رأى محمد ربّه ) ، فقلت ( أليس الله يقول : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )؟
فقال ( ويحك ، ذاك إِذا تجلى بنوره الذي هو نوره ، قد رأى ربه مرتين ) ، وقال : حسن غريب. قال شيخنا عماد الدين ابن كثير : ( مسلم بن جعفر ليس بذاك المشهور ، والحكم بن أبان وثقه جماعة ) ، وقال ابن
المبارك : ( ارم به ). اهـ.
قلت : وأخرج الحاكم في مستدركه من جهة معاذ بن هشام : حدثني أبي ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ( أتعجبون أن تكون الخلّة لإِبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ثم قال : صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وله شاهد صحيح عن ابن عباس في الرؤية. ثم ساقه من جهة إِسماعيل بن زكريا ، عن عاصم ، عن الشعبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ( رأى محمد ربّه ) وله شاهد آخر صحيح الإسناد ، ثم ساقه عن يزيد بن هارون ، ثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن ابن عباس ، قال : ( قد رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربّه ). وعن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : ( رآه مرتين ). ثم قال الحاكم : قد اعتمد الشيخان في هذا الباب أخبار عائشة بنت الصديق ، وأُبي بن كعب ، وابن مسعود ، وأَبي ذر : ( أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى جبريل عليه السلام ). وهذه الأخبار التي ذكرنا صحيحة. اهـ.
وقد أخرج البخاري من حديث القاسم ، عن عائشة ، قالت : ( من زعم أنّ محمداً رأُى ربّه فقد أعظم ، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادّاً ما بين الأفق ). وفي الصحيحين من حديث مسروق : ( قلت لعائشة : يا أمتاه هل رأَى محمد ربّه؟ فقالت : ( لقد قفّ شعري ممّا قلت ، من حدثك أَنّ محمداً رأى ربّه فقد كذب ، ثم قرأت :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (1) ، ولكنه رأى جبريل عليه السلام في صورته
____________________
(1) الأنعام / 103.
مرتين ). وفي رواية : ( من زعم أنّ محمداً رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية ) ، فقلت : ( يا أم المؤمنين أُنظريني ولا تعجليني ، ألم يقل الله عزوجل :( وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ) (1) ،( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) (2) ، فقالت : أنا أوّل هذه الأَمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( إنّما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إِلى الأرض ) ، وقالت : ( أولم تسمع أنّ الله عزوجل يقول :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (3) ؟ أولم تسمع أنّ الله عزوجل يقول :( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (4) .
قلت : وهذا قاطع في هذه المسألة إِذ صرحت فيه بالدفع. ونقل عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب التوحيد له : ( أنّه صلى الله عليه وآله وسلم إِنّما خاطب عائشة على قدر عقلها ) ، ثم أخذ يحاول تخطئتها وليس كما قال ، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعاً إِلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منهم ابن مسعود ، رواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثنا عبد الواحد بن زياد ، ثنا سليمان الشيباني ، ثنا زر بن حبيش ، قال : ( قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية :( فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) (5) ، قال :
____________________
(1) التكوير / 23.
(2) النجم / 13.
(3) الأنعام / 103.
(4) الشورى / 51.
(5) النجم / 9.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( رأيت جبريل له ستمائة جناح ) ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه.
وفي كتاب ( الجمع بين الصحيحين ) للحميدي : قال أَبو مسعود في الأطراف في حديث عبد الواحد :( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) (1) ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( رأَيت جبريل في صورته له ستمائة جناح ) ، قال الحميدي : وليس ذلك كما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني فيما خرجه على الكتابين. ومنهم أَبو ذر : قال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا عفان ، ثنا هشام ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلت لأبي ذر : ( لو رأَيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسألته ) ، قال(2) : ( وما كنت تسأله )؟
قلت : ( كنت أسأله : هل رأَى ربه عزوجل )؟ فقال : ( إنّي سألته؟ فقال : قد رأَيته نوراً أنىّ أَراه ) ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ : ( رأيت نوراً ) ، ثم قال : ( معناه أنّه لم ير ربّه ، ولكن رأى نوراً علوياً من الأنوار المخلوقة ). اهـ. هكذا وقع في رواية الإِمام أحمد.
وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين : أحدهما قال : ( رأيت نوراً أنّى أراه ) ، والثاني قال : ( رأَيت نوراً ). وهو مصرح بنفي الرؤية إِذ لو أراد الإِثبات لقال : ( نعم ) ، أَو ( رأَيته ) ، ونحو ذلك ، وهو يرد قول ابن خزيمة : ( أنّ الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها ) ، ولهذا لم يجد ابن خزيمة عنه
____________________
(1) النجم / 13.
(2) في الأصل : قلت. والتي بعدها : قال : وهو سهو مخل بسياق الحديث.
ملجأ إِلاّ أنّه كان يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر(1) ، فقال : ( في القلب من صحة مسند هذا الخبر شيء ) لم أَر أحداً من علماء الأثر نظر لعلّة في إِسناد ، قال : عبد الله بن شقيق راوي هذا الحديث كأنّه لم يكن يثبت أبا ذر ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه ، قال : لأنّ أبا موسى محمد ابن المثنى حدثنا : عن معاذ بن هشام ، عن أَبيه ، عن قتادة ، عن عبد الله بن شقيق. قال : أَتيت المدينة فإِذا رجل قائم على غرائر سود يقول : ألا ليبشر أصحاب الكنوز بكيّ في الحياة والممات ، فقالوا : ( هذا أبو ذر ). فكأنّه لا يثبته ولا يعلم أنه أبو ذر.
وقال بعض العلماء في هذا الحديث : قد أجمعنا على أَنّه ليس بنور ، وخطأنا المجوس في قولهم : هو نور ، والأنوار أجسام والباري سبحانه ليس بجسم ، والمراد بهذا الحديث أنّه حجابه النور ، وكذلك روي في حديث أَبي موسى ، فالمعنى : كيف أراه وحجابه النور؟ ومن أثبت رؤية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ربّه ، فإِنّما يثبت ليلة المعراج ، وأسلم أبو ذر بمكة فدعا(2) قبل المعراج ، ثم رجع إِلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأُحد والخندق ، ثم قدم المدينة بعد ذلك ، يحتمل أَنّه سأل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقت إِسلامه : ( هل رأيت
____________________
(1) هنا شطب المؤلف على ما يلي :
وأَنى له ذلك وأما ابن الجوزي فأوله على أن أبا ذر لعله سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الإِسراء فأجابه بما أجابه ، ولو سأله بعد الإِسراء لأجابه بالإِثبات. وهذا ضعيف فإِن عائشة أم المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإِسراء ولم يثبت لها الرؤية.
(2) كذا في الأصل.
ربك )؟ وما كان عرج به بعد فقال : ( نور أنّى أَراه ) ، أَي أَنّ النور يمنع من رؤيته. وقد قال بعد المعراج في رواية ابن عباس : ( رأيت ربي ) اهـ. وهذا ضعيف ، فإِنّ عائشة أم المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يثبت لها الرؤية.
وأَمّا قول الإِمام أَحمد : ( ما زلت منكراً لهذا الحديث وما أَدري ما وجهه ) ، فقال بعض الأئمة : لا نعرف معنى هذا الإِنكار ، وقد صح ذلك عن أَبي ذر وغيره. وللكلام على هذا الحديث موضع آخر قد بسطته فيه ، ورددت ما حرّفه بعض النقلة في لفظه ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
( الحديث السابع ) : إِحالته معرفة الوتر عليها. أخرجه مسلم في صحيحه : عن قتادة ، عن زرارة بن أبي أوفى ، عن سعد بن هشام : أنّه طلق أمرأته فأتى المدينة ليبيع بها عقاراً له ، فيجعله في السلاح والكراع ، فذكر الحديث وأنّه لقي ابن عباس فسأله عن الوتر ، فقال : ( ألا أُنبئك بأَعلم أَهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )؟ قال : ( نعم ) ، قال : ( عائشة ، إِيتها فسلها ثم إرجع إِليّ فأخبرني بردها عليك ) ، قال : فأتيت(1) حكيم بن أَفلح فاستلحقته إِليها ، فقال : ( ما أَنا بقاربها ، إِنّي نهيتها أَن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً فأبت فيهما إِلا مضياً فيه ) ، فأقسمت عليه فجاء معي فدخل عليها فقال : يا أُم ألمؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( كنا نُعِدُّ له سواكه
____________________
(1) في الأصل : علي بن حكيم بن أفلح ، ولم نجد في كتب رجال الحديث أحداً بهذا الاسم وإنما هو حكيم بن أفلح كما في ( تهذيب التهذيب ) و ( لسان الميزان ). والحديث مذكور في مسند أحمد واسم الرجل فيه كما أَثبتناه.
وطهوره فيبعثه الله بما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ، ثم يصلي ثمانية ركعات لا يجلس فيهن إلاّ عند الثامنة فيجلس ويذكر الله ويدعو ، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد الله ويصلي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ثم يسلم تسليماً يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد ، فتلك إِحدى عشرة ركعة يا بني ، فلمّا أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعد ما سلم ، فتلك تسع ركعات يا بني ) ، وفي رواية له : ( وسلم تسليماً يسمعنا ).
وقد أختلفت الأَحاديث ولا سيما الأًحاديث عن عائشة رضي الله عنها في عدد الوتر وفي صحيح مسلم عنها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في الليل ثلاث عشرة يوتر من ذلك بخمس ) ، وروي أَبو داوود : ( لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث(1) عشرة ) ، فقيل : الإختلاف منها ، وقيل : هو من الرواة عنها ووجه الإختلاف فيها بحسب إختلاف أحواله صلى الله عليه وآله وسلم من إتساع الوقت أَو ضيقه بحسب طول القراءة كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود. أو عذره بمرض أو غيره ، أو في بعض الأَوقات عند كبر السن كما روته ورواه أيضاً خالد بن زيد.
أَو وجه الثلاثة عشرة أَنّها عدّت معها(2) ركعتي الفجر ، كما بيّن أَبو داود ذلك في رواية له عنها.
____________________
(1) في الأصل : ثلاثة.
(2) في الأصل : معه.
( الحديث الثامن ) : ردت على ابن عباس قراءته قوله تعالى :( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) (1) (2) بالتخفيف. فأخرج البخاري في التفسير عن ابن أبي مليكة : قال ابن عباس :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) (3) خفيفة ذهب بها هنالك ، وتلا : ] حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [(4) فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك ، فقال : ( قالت عائشة : معاذ الله ، والله ما وعد الله ورسوله في شيء قط إِلا علم أنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أَن يكون من معهم يكذّبونهم فكانت تقرؤها ( كُذِّبوا ) مثقلة.
لا شك أنّ عائشة كانت جريئة في نقدها لمن لا يوافقها ، صريحة في آرائها النقدية ، فهي لمكانتها الإجتماعية وكونها إحدى أمّهات المؤمنين ، فقد كان يُرعى ويُحسب لها عند السلطة القائمة ما يميزها عن غيرها من أمهات المؤمنين ، بعدما برزت في المجتمع تقود المعارضة ضدّ الإمام عليه السلام
____________________
(1) يوسف / 110.
(2) هنا شطب المؤلف علَى ما يلي :
قاله أبو الفرج ابن الجوزي : ففي البخاري : قالت عائشة رضي الله عنها : ( لم ينزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم ) وكانت تقرؤها مثقلة ، وتلا :( مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) البقرة / 214 ، فقالت : ( معاذ الله ، ما وعد الله رسوله من شيء قط إِلا على علم أنه كائن قبل أن يموت ولكن لم ينزل ).
(3) يوسف / 110.
(4) البقرة / 214.
في حرب الجمل ، وأخذت تزداد في التنمر له ولمن يشايعه ويتابعه ، وساعدها على ذلك معاوية وبنو أمية ، فصارت مرجعاً في الحديث حتى فاقت بمروياتها جميع ما رواه أبوها وبقية الخلفاء وجميع أمهات المؤمنين ، وقد مرَّ في الجزء الأوّل ما يتعلق بها ، وصار من المتعيّن على من شايعها أن يجمع لها من بين ذلك الكم الهائل من أحاديثها ما يرفع من شأنها ، سواء صح أم لم يصح ، كما فعل الزركشي في كتابه ( الإجابة ) وقد مرّت بنا صفحات من كتابه ممّا يتعلق بابن عباس فكان نصيبه فيها ثمانية أحاديث مهلهلة سنداً ومتناً! لا يَسلم منها واحد من مشكلة سندية ، كما لا نجد واحداً منها منسجماً مع معنى الإستدراك ، لو أنصف المنصفون ، ولنستعرضها واحداً بعد واحد ، وإن كنّا قد ذكرنا الحديث الأوّل منها في الحلقة الأولى في الجزء الثالث فنستعيده لضمه مع ما تلاه من روايات ، لنرى مكان الصدق عند الزركشي فيما رآه فرواه.
شاهد واحد ردّت فيه عائشة فتيا فقهية لابن عباس بإصرار وعناد لغرض سياسي أكثر منه لبيان حكم شرعي! وتلك الفتيا فيمن أقام وأرسل الهدي تطوّعاً إلى الحرم ، هل عليه أن يجتنب عمّا يجتنبه المحرم كما هو رأي ابن عباس؟ أو لا يجب كما هو رأي عائشة؟
ورُوي عنها في ذلك عدّة أحاديث نافت على العشرة متفاوتة سنداً ومتناً ، حتى ليخيّل لناظرها أنّها في وقائع متعددة ، مع أنّ الأصل فيها واقعة
واحدة ـ كما سيأتي بيانه ـ والأحاديث التي رويت عنها ونافت على العشرة ، روى بعضها مالك وعنه البخاري أيضاً ، كما روى بعضها الآخر هو ومسلم وبقية أصحاب السنن والمسانيد ، ومدار الجميع على الرواة عن عائشة ، وجميعهم من حامّتها وخاصّتها كعروة ابن أختها ، والقاسم ابن أخيها ، وعمرة بنت عبد الرحمن ربيبتها ، وهؤلاء الثلاثـة جعلهم ابن عيـيـنة أعلم الناس بحديث عائشة(1) ! ثمّ رواية أبي قلابة ، وهو عبد الله بن يزيد الجرمي(2) ، ورواية الأسود بن يزيد النخعي ، ومسروق بن الأجدع من المختصّين بها(3) ، ولهؤلاء جميعاً مقام مرموق عند حكام الأمويين ، أضف إليهم ابن شهاب الزهري فهو من صنائعهم!
والآن إلى صور الحديث الذي أشرنا إليه نقلاً عن المصادر الثلاث الأولى :
1 ـ ( الموطأ لمالك بشرح تنوير الحوالك ) للسيوطي : ( حدثني يحيى ،
____________________
(1) اسعاف المبطأ / 21.
(2) كان ديوانه بالشام ومات بداريا سنة 104 ـ 105 ، وحسبك بذلك تعريفاً. راجع المعارف / 446 ـ 447. وفي تهذيب ابن حجر 6 / 80 ط الهند ( عبد الله بن يزيد رضيع عائشة بصري ، وعنه ( كنيته ظ ) أبو قلابة الجرمي ) وهذا له في الصحاح عدا البخاري.
(3) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 269 وروى أبو نعيم عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق قال : ثلاثة لا يؤمنون على عليّ بن أبي طالب : مسروق ومرة وشريح وروي ان الشعبي رابعهم ـ وقال : روى سلمة بن كهيل انهما ـ الأسود بن يزيد ومسروق بن الاجدع ـ كانا يمشيان إلى بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقعان في عليّ عليه السلام فأما الاسود فمات على ذلك ، وأمّا مسروقً فلم يمت حتى كان لا يصلي لله تعالى صلاة إلاّ صلّى بعدها على عليّ ابن أبي طالب عليه السلام لحديث سمعه من عائشة في فضله. فيا ترى من هي التي كانا يمشيان إليها فيقعان في علي عليه السلام غير عائشة؟
عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمّد ، عن عَمرة بنت عبد الرحمن ، : أنّها أخبرته : أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : أنّ عبد الله بن عباس ، قال : من أهدى هدياً حَرُمَ عليه ما يحرم على الحاج حتى يُنحر الهديَ ، وقد بعثت بهديي فاكتبي إليّ بأمركِ ، أو مري صاحب الهدي.
قالت عَمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلتُ قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدَيّ ، ثمّ قلدَها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ، ثمّ بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحلّه الله له حتى نُحِرَ الهدي )(1) .
2 ـ صحيح البخاري : ( حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عَمرة بنت عبد الرحمن : أنّها أخبرته : أنّ زياد ابن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها : أنّ عبد الله بن عباس رضي الله عنها قال : من أهدى هدياً حَرُمَ عليه ما يحرم على الحاج حتى يُنحر هديُه. قالت عَمرة : فقالت عائشة رضي الله عنها : ليس كما قال ابن عباس رضي الله عنه ، فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديّ ثمّ قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ، ثمّ بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحله الله حتى نُحر الهديَ )(2) .
3 ـ صحيح البخاري : ( حدثنا اسماعيل بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ،
____________________
(1) الموطأ 1 / 248 ـ 249 ط مصطفى محمّد بمصر.
(2) صحيح البخاري ، كتاب الحج ، باب من قلد القلائد بيده 2 / 169ط بولاق.
عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن عَمرة بنت عبد الرحمن : أنّها أخبرته : قالت عائشة رضي الله عنها : أنا فتلتُ قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديّ ، ثمّ قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيديه ، ثمّ بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحلّه الله له حتى نُحر الهدي )(1) .
4 ـ صحيح مسلم : ( حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عَمرة بنت عبد الرحمن : أنّها أخبرته : أنّ ابن زياد كتب إلى عائشة أنّ عبد الله بن عباس ، قال : من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي ، وقد بعثت بهدي فاكتبي إليّ بأمركِ ، قالت عَمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ثمّ قلّدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ، ثمّ بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي )(2) .
هذه هي صور الحديث الواحد ، وأصله عند مالك في ( الموطأ ) ، ورواه الشيخان ـ البخاري ومسلم ـ عنه ، فليقارن القارئ بين هذه الصور ليعلم مدى الأمانة في النقل! فمن تزيّد ومن تغيير ومن نقصان. لماذا ذلك؟
ومن أجل أن تبقى تلك الرموز ـ صحاحاً ورجالاً ـ في البروج العاجية ، استبسل علماء التبرير في سدّ بعض الفجوات ، إلاّ أنّهم لم يوفّقوا تماماً. وقد أخترت طائفة من أقوالهم من خلال شروحهم لتلك الصحاح.
____________________
(1) نفس المصدر ، كتاب الوكالة ، باب الوكالة في البدن وتعاهدها 3 / 102.
(2) صحيح مسلم ( كتاب الحج ) باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم 1 / 372 ح 11 ط بولاق.
فمن شروح الموطأ : ( المنتقى ) لأبي الوليد الباجي ، وشرح الزرقاني ، و ( تنوير الحوالك ) للسيوطي.
ومن شروح البخاري : ( فتح الباري ) لابن حجر ، و ( إرشاد الساري ) للقسطلاني ، و ( الكواكب الدراري ) للكرماني ، و ( كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري ) للشنقيطي الجكني.
ومن شروح مسلم : شرح النووي ، و ( إكمال إكمال المعلم ) للآبي ، و ( مكمل إكمال إكمال المعلم ) للسنوسي.
إلى غير ذلك كسنن البيهقي ، ومصنف ابن أبي شيبة ، وتكملة المنهل المورود بشرح سنن أبي داود.
1 ـ قال ابن حجر في ( فتح الباري ) :
( ( تنبيه ) وقع عند مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك في هذا الحديث : أنّ ابن زياد بدل قوله : أنّ زياد بن أبي سفيان ، وهو وهم نبّه عليه الغساني ومن تبعه )(1) .
2 ـ قال النووي في ( شرح صحيح مسلم ) :
( إنّ ابن زياد كتب إلى عائشة هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم أنّ ابن زياد ، قال أبو علي الغساني والمازري والقاضي وجميع
____________________
(1) فتح الباري 4 / 293 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.
المتكلمين على صحيح مسلم : هذا غلط وصوابه : أنّ زياد بن أبي سفيان ، وهو المعروف بزياد بن أبيه ، وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري والموطأ وسنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة ، ولأنّ ابن زياد لم يدرك عائشة والله أعلم )(1) .
ونحن نقول له : فأين قوله : اتفق العلماء رحمهم الله على أنّ اصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم؟! وتلقتهما الأمّة بالقبول؟! وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة؟!(2) .
ولا ضيرَ حتى ولو لم يروه أولئكم ، فإنّ البخاري وحده يكفيهم ، لأنّ كتابه عندهم أصح وأكثر فوائد! وإن تزيّد في النقل فمنح الترضّي حسب الهواية والمشتهاية ، وإن تنقّص فحذف في روايته في الوكالة بعض ما ذكره في روايته في كتاب الحج ـ فقارن ـ وفي المقامين حذف من رواية المصدر جملة ( أو مري صاحب الهدي ) ، فهكذا هي الأمانة في النقل (؟!). ولعلّ هذا من الفوائد والمعارف الغامضة.
ومهما يكن فنحن لا يهمنا غلط مسلم في ذكره ابن زياد بدل أبيه ، فكلاهما دعيّ وفي النُصب سواء ، والإعتذار بأنّ ابن زياد لم يدرك عائشة ، إعتذارٌ واه فقد أدركها ، لأنّها ماتت سنة ( 56 هـ أو 57 هـ أو 58 هـ ) كما في
____________________
(1) صحيح مسلم 9 / 72 ط مصر.
(2) أنظر مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي 1 / 14.
تاريخ اليعقوبي(1) ، وابن زياد ولاه معاوية خراسان بعد وفاة أبيه زياد سنة 54 هـ ، وليس بالضرورة أن يكون سؤاله لها أيام ولايته البصرة ، فيمكن أنّه سألها أيام أبيه. وإنّما الذي يهمنا هو تنبيه القارئ إلى أنّ المرجعية الرسمية للأحكام الشرعية يومئذ هي عائشة دون باقي أمهات المؤمنين وبقية فقهاء الصحابة والتابعين! ولذلك قلنا استبسل شرّاح الصحيح في سدّ الثغرات ، وزاد بعضهم فضاعف جهده لإثبات صحة رأي عائشة وتفنيد رأي ابن عباس حتى ولو كان رأيه موافقاً لرأي عمر ورأي عليّ وآراء آخرين من صحابة وتابعين ، بل تصاعدت حمّى الزهري ـ وهو من فقهاء البلاط الأموي ـ فجعل لها المنّة على المسلمين حيث كشفت لهم ما أستغلق عليهم فهمه كما سيأتي.
3 ـ قال ابن التين :
( خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء ، واحتجت عائشة بفعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه ، ولعلّ ابن عباس رجع عنه ، انتهى )(2) .
ولفجاجة هذا الرأي وسماجة هذا القول تعقبه ابن حجر بقوله : ( وفيه قصور شديد ، فإنّ ابن عباس لم ينفرد بذلك ، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة : منهم ابن عمر : رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب ، وابن المنذر من طريق ابن جريج كلاهما عن نافع عن ابن عمر كان إذا بعث
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 212.
(2) فتح الباري 4 / 294 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378.
بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم إلاّ أنّه لا يلبي(1) .
ومنهم قيس بن سعد بن عبادة : أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد ابن المسيب عنه نحو ذلك(2) .
وروى ابن أبي شيبة من طريق محمّد بن علي بن الحسين عن عمر وعليّ أنّهما قالا في الرجل يرسل ببدنته : أنّه يمسك عما يمسك عنه المحرم(3) . وهذا منقطع )(4) .
4 ـ قال ابن المنذر :
( قال عمر وعليّ وقيس بن سعد وابن عمر وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون : من أرسل الهدي وأقام حَرُمَ عليه ما يحرم على المحرم.
وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون : لا يصير بذلك محرماً ، وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار )(5) (؟).
5 ـ قال ابن حجر :
( ومن حجة الأولين ما رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه ، قال : كنت جالساً عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقدّ قميصه من جيبه حتى
____________________
(1) أنظر المصنف لابن أبي شيبة 4 ق1 / 88 ط باكستان ادارة القرآن والعلوم الإسلامية.
(2) فتح الباري 4 / 294 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
(5) نفس المصدر.
أخرجه من رجليه ، وقال : إنّي أمرت ببُدني التي بعثت أن تقلّد اليوم وتشعر على مكان كذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. الحديث ، وهذا لا حجة فيه لضعف اسناده ، إلاّ أنّ نسبة ابن عباس إلى التفرد بذلك خطأ )(1) .
6 ـ وقال أيضاً :
( وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنّه لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم إلاّ الجماع ليلة جمع. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح )(2) .
7 ـ وقال أيضاً :
( نعم جاء عن الزهري ما يدلّ على أنّ الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عباس ، ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه ، وأخرجه البيهقي من طريقه ، قال : أوّل من كشف العمى عن الناس وبيّن لهم السنّة في ذلك عائشة ، فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها. قال : فلمّا بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس(3) (4) .
8 ـ وقال أيضاً :
____________________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) سنن البيهقي 5 / 233 ـ 234 فراجع ستجد الدفاع باندفاع عن رأي عائشة.
(4) فتح الباري 4 / 294.
أخرجه الهميثي في مجمع الزوائد 3 / 227 ط القدسي وقال رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات.
( وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أنّ من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدي محرماً ، حكاه ابن المنذر عن الثوري وأحمد وإسحاق )(1) .
9 ـ وقال أيضاً :
( وقال أصحاب الرأي : من ساق الهدي وأمّ البيت ثمّ قلّد وجب عليه الاحرام )(2) .
10 ـ وقال أيضاً :
( وقال الجمهور : لا يصير بتقليد الهدي محرماً ولا يجب عليه شيء )(3) .
11 ـ وقال أيضاً :
( ونقل الخطابي عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس ، وهو خطأ عليهم ، فالطحاوي أعلم بهم منه ، ولعل الخطابي ظن التسوية بين المسألتين )(4) .
12 ـ قال أمين محمود خطاب(5) :
( وسبب هذا الحديث ما روت عمرة بنت عبد الرحمن أن زياد بن
____________________
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
(5) في فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود 1 / 14 ط الأولى بالاعتصام بالخيمية سنة 1375.
أبي سفيان كتب إلى عائشة ـ وذكر الحديث ـ ثمّ قال أخرجه البخاري والطحاوي )(1) .
وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقاً ، لبيان حجة من قال : لا يجب على من بعث هدياً أن يتجرد عن ثيابه ، ولا يترك شيئاً من محظورات الإحرام إلاّ بدخوله فيه بحج أو عمرة. وإلى هذا ذهب أكثر الصحابة والحنفيون ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد.
وعن ابن عباس وعمر وعليّ والنخعي وعطاء وابن سيرين : أنّ من أرسل هدياً إلى الحرم يلزمه إذا قلده الإحرام. ويحرم عليه كلّ ما يحرم على المحرم ، لحديث عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة ، عن عبد الملك ابن جابر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنها قال : كنت عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جالساً فقدّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( إنّي أمرت ببُدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على ماء كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ). وكان قد بعث ببُدنه من المدينة فأقام بالمدينة. أخرجه أحمد والطحاوي والبزار(2) ، لكن ابن أبي لبيبة ليس ممّن يحتج به فيما ينفرد به ،
____________________
(1) انظر فتح الباري 3 / 354 ( من قلد القلائد بيده ) و 439 ، وشرح معاني الآثار.
(2) انظر 13 / 33 من الفتح الرباني. و 3 / 227 من مجمع الزوائد ( من بعث هدياً وهو مقيم ) و 1 / 439 من شرح معاني الآثار ( هامش المصدر السابق ).
فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه.
قال الطحاوي في ( شرح معاني الآثار ) : إسناد حديث عائشة صحيح لا تنازع بين أهل العلم فيه ، وليس حديث جابر بن عبد الله كذلك ، لأنّ من رواه دون من روى حديث عائشة ، لكن قال في ( مجمع الزوائد ) بعد أن ذكر الحديث : ورجال أحمد ثقات. ( وعن عطاء ) بن يسار عن نفر من بني سلمة قالوا : كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جالساً فشق ثوبه. فقال : إنّي واعدت هدياً يشعر اليوم. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ، وبهذا يرد على من قال : الظاهر أنه لا أصل لهذا الحديث.
إنّ اندفاع علماء التبرير في دفاعهم المستميت يوحي بدءاً بأنّهم في مقام إثبات حكم شرعي ، وإن دلّ على دعم موقف عائشة في فتياها التي ردت بها على فتيا ابن عباس ، كما هو الوجه الظاهر للعملة التي يتعاملون بها مع الناس ، وهذا وجه باهت اللون خافت النور إذا قيس بالوجه الآخر الذي كانوا يتعاملون به مع الحكام فإنّه ليس كذلك ، بل هو ذو لون صارخ أشدّ وهجاً وأكثر رهجاً ، وهو جوهر القضية في الحديث المذكور.
وذلك فيما أرى ـ والله العالم ـ كان لإستصدار قرار عائشي بتصديق نسب زياد بعد الإستلحاق وأنّه ابن أبي سفيان ، وهذا يتم من خلال جواب الكتاب تحريراً لو تم. وإذا لم يتم ـ كما هو الحال ـ فيكفي أنّ راوية
الحديث عَمرة بنت عبد الرحمن(1) ذكرت ذلك عن عائشة ولم تذكر عنها إنكاراً لذلك ، وفي سكوتهاـ على أقل تقدير ـ إمضاء لما جاء في الحديث ، وفي هذا حسب زياد وآل زياد ، وفي مقابل ذلك لا بد من تقديم ثمن لعائشة يساوي ما أخذوه من مثمن ، وهل من ثمن أكثر قيمة من إذاعة وإشاعة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث هديه من المدينة ، وعائشة هي التي تفتل القلائد للهدي ، وأبوها يسوق الهدي إلى مكة أو إلى منى ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجتنب عما يجتنبه المحرم. وهكذا صار الحديث وكأنّه مناورة سياسية أكثر من بيان واقعة شرعية. واستمرت المناورة ـ فيما يبدوـ فقد ذكر السيد ابن عقيل أنّ زياداً كتب إلى عائشة كتاباً فيه : ( من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب له : إلى زياد بن أبي سفيان ليحتج بذلك ، فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد )(2) .
وفي رواية ابن أبي الحديد قال : ( كتبت عائشة إلى زياد فلم تدر ما تكتب عنوانه ، إن كتبت زياد بن عبيد وابن أبيه أغضبته ، وإن كتبت زياد
____________________
(1) أتدري مَن هي عمرة بنت عبد الرحمن؟ كانت هي وأخواتها في حجر عائشة وعندها ( طبقات ابن سعد 8 / 353 ) افست ليدن.
وهي التي كتب عمر بن عبد العزيز في حقها إلى أبي بكر بن محمّد بن حزم : ان انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله؟ يا لله يكون حديث عمرة بمنزلة حديث رسول الله ومثل السنّة الماضية في ميزان الاعتبار عند الخليفة الأموي؟ ولزيادة الاطلاع فان ابا بكر بن محمّد بن حزم هو زوج اختها؟ وراوي حديث الفتيا هو ابن اختها فظن خيراً.
(2) النصائح الكافية / 56 ط بمبي سنة 1326 هـ.
ابن أبي سفيان أثمت فكتبت من أم المؤمنين إلى ابنها زياد ، فلمّا قرأه ضحك وقال : لقد لقيت أم المؤمنين من هذا نصبا )(1) .
وأخيراً نجحت بالتالي مؤامرة زياد ، فكتبت إليه كتاب شفاعة لمرة بن أبي عثمان مولى عبد الرحمن بن أبي بكر ـ وقال ابن الكلبي هو مولى عائشة ـ سأل عائشة أن تكتب له إلى زياد وتبدأ به في عنوان كتابه ، فكتبت إليه بالوصاة به وعنونته : إلى زياد بن أبي سفيان من عائشة أم المؤمنين ، فلمّا رأى زياد أنّها قدّمته ونسبته إلى أبي سفيان سرّ بذلك وأكرم مرّة وألطفه وقال للناس : هذا كتاب أم المؤمنين إليّ وفيه كذا ، وعرضه ليقرأ عنوانه ثمّ أقطعه مائة جريب على نهر الأبّلة ، وأمر أن يحفر لها نهرٌ فنسب إليه(2) .
وهذا ما أدركه علماء التبرير ـ ولا أقل بعضهم ـ إلاّ أنّهم تسللوا من وراء الأكمة لواذاً لئلا تصدمهم الحقيقة المرّة ، فتزل قدم بعد اهتزازها على أرضية هشة من المبررات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
حتى قال بعضهم ممعناً في التبرير والتزوير ، فقال : ( وقع التحديث بهذا في زمن بني أمية ، وأمّا بعدهم فما كان يقال له إلاّ زياد بن أبيه وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد ، وكانت أمّه سمية مولاة الحرث بن كلدة الثقفي وهي تحت عبيد المذكور فولدت زياداً على فراشه ، فكان ينسب إليه ، فلمّا كان في أيام معاوية شهد جماعة على
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 76 ط مصر الأولى و 16 / 204 تحـ أبو الفضل إبراهيم والقضايا الكبرى في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي / 188.
(2) راجع معجم البلدان 5 / 323 ( نهر مرّة ).
إقرار أبي سفيان بأنّ زياداً ولده ، فاستلحقه معاوية بذلك ، وخالف الحديث الصحيح ( إنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ) وذلك لغرض دنيوي ، وقد أنكر هذه الواقعة على معاوية من أنكرها ، حتى قيلت فيها الأشعار ، ومنها قول القائل :
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
مغلغلة من الرجل اليماني |
|
أتغضب أن يقال أبوك عِفٌّ |
وترضى أن يقال أبوك زاني |
وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان ، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فإنّما هو تقية.
وذكر أهل الأمهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم مع كونهم لم يؤلفوها إلاّ بعد انقراض عصر بني أمية محافظة منهم على الألفاظ التي وقعت من الرواة في ذلك الزمان كما هو دأبهم )(1) .
وجاء في ( كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري ) للشيخ محمّد الخضر الجكني الشنقيطي المتوفى سنة 1354 هـ ، ترجمة زياد وكيفية إستلحاقه وأسماء الشهود له بذلك ، وفي آخر الترجمة ذكر غضب بني أمية من إستلحاقه ، وذكر شعر عبد الرحمن بن الحكم نقلاً عن ( الإستيعاب ) ، فمن أراد ذلك فليرجع إلى المصدر المذكور(2) .
____________________
(1) نيل الأوطار للشوكاني 5 / 107 ط العثمانية بمصر سنة 1357 هـ.
(2) كوثر المعاني 13 / 388 ط مؤسسة الرسالة سنة 1415 هـ.
وذكر الآبي في شرحه صحيح مسلم عند قوله : ( انّ ابن زياد كتب ). ( قلت ) ابن زياد هو عبيد الله بن زياد هذا هو الذي قتل الحسين بن عليّ ، وزياد هذا هو والده وكان معاوية استلحقه لأبيه أبي سفيان ، وتقدم إشباع الكلام على ذلك وعلى كيفية استلحاقه في حديث : ( من انتسب لغير أبيه من كتاب الإيمان فراجعه هناك )(1) .
لو تفحصنا حديث عائشة في المصادر التي مرّ ذكرها لوجدناه ـ كما قلنا ـ يتفاوت بين مصدر وآخر ، بل بين رواية راو واحد في المصدر الواحد. وللتدليل والإختصار نذكر للقارئ ما في صحيح البخاري فقط ، وهو عند أصحابه كلّ الصيد في جوف الفرا.
ولقد ذكر الحديث في ستة أبواب متتابعة بشتى الصور ، وهي كما يلي في كتاب الحج بألفاظها :
1 ـ باب ( من أشعر وقلّد بذي الحليفة ثمّ أحرم ).
قال البخاري : ( حدثنا أبو نعيم ، حدثنا أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : فتلت قلائد بُدن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيديّ ثمّ قلّدها وأشعرها وأهداها ، وما حُرم عليه شيء كان أحلّ له )(2) .
____________________
(1) شرح صحيح مسلم 3 / 413.
(2) صحيح البخاري 2 / 169ح 3 ط بولاق.
أقول : وهذا الحديث لم يشرحه ابن حجر في ( فتح الباري )(1) فظن خيراً!
2 ـ باب ( فتل القلائد للبدن والبقر ).
قال البخاري : ( حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، حدثنا ابن شهاب ، عن عروة ، عن عمرة بنت عبد الرحمن : أنّ عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثمّ لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم )(2) .
أقول : وهذا الحديث أيضاً غض ابن حجر النظر عنه فتعداه بسلام!(3)
3 ـ باب ( إشعار البدن ).
قال البخاري : ( حدثنا عبد الله بن سلمة ، حدثنا أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : فتلت قلائد هدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثمّ أشعرها وقلّدها أو قلّدتها ، ثمّ بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلّ )(4) .
أقول : وعلى ما عودنا ابن حجر في سابقيه لقد تغاضى عن شرحه إلى شرح معنى الإشعار ومشروعيته وإختلاف العلماء فيه!(5)
4 ـ باب ( من قلد القلائد بيده ).
____________________
(1) فتح الباري 4 / 291.
(2) صحيح البخاري 2 / 169 ح 2ط بولاق.
(3) فتح الباري 4 / 291.
(4) صحيح البخاري 2 / 169 ح 1 ط بولاق.
(5) فتح الباري 4 / 292.
قال البخاري : ( عبد الله بن يوسف )(1) وذكر الحديث الذي ذكرناه أوّلاً كخير شاهد فلا حاجة إلى إعادة ذكره.
5 ـ باب ( تقليد الغنم ).
قال البخاري : ( حدثنا أبو النعمان ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا الأعمش ، حدثنا إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أفتل القلائد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيقلّد الغنم ويقيم في أهله حلالاً )(2) .
أقول : وقد استبسل ابن حجر في شرح عنوان الباب وذكر ( من رأى تقليد الغنم ومن لم ير ) ، والردّ عليه بحديث الباب إلى آخر ما عنده(3) .
6 ـ نفس الباب.
قال البخاري : ( حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد ، حدثنا منصور بن المعتمر ( ح= حيلولة ) ، وحدثنا محمّد بن كثير أخبرنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أفتل قلائد الغنم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيبعث بها ثمّ يمكث حلالاً )(4) .
أقول : ذكر ابن حجر إعلال بعض المخالفين حديث الباب ، بأنّ الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المنذري وغيره : ليست هذه بعلّة لأنّه حافظ ثقة لا يضرّه
____________________
(1) صحيح البخاري 2 / 169 ح 2 ط بولاق.
(2) نفس المصدر.
(3) من شاء الاستزادة فليرجع إلى فتح الباري 4 / 295.
(4) صحيح البخاري 2 / 170 ح 3 ط بولاق.
التفرد(1) (؟)
7 ـ الباب نفسه.
قال البخاري : ( حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكرياء ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : فتلت لهدي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، تعني القلائد قبل أن يحرم )(2) .
8 ـ باب ( القلائد من العهن ).
قال البخاري : ( حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا معاذ ، حدثنا ابن عون ، عن القاسم ، عن أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : فتلت قلائدها من عهن كان عندي )(3) .
أقول : وقد أشار ابن حجر في ( فتح الباري ) إلى تفاوت رواية يحيى في الباب ، كما أشار إلى رواية مسلم للحديث عن ابن عون مثله وزاد : ( فأصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الحلال من أهله )(4) !
وهذه الزيادة كشفت لنا غمغمة الأحاديث السابقة في أقوال عائشة : ( وما حرم عليه شيء كان أحلّ له ) ، أو ( لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المحرم ) ، أو ( فما حرم عليه شيء كان له حلّ ) ، أو قولها : ( فيقيم في أهله
____________________
(1) فتح الباري 4 / 296.
(2) صحيح البخاري 2 / 170ح 4 ط بولاق.
(3) نفس المصدر.
(4) فتح الباري 4 / 296.
حلالاً ، أو ثمّ يمكث حلالاً ).
وبعد هذا العرض نترك المقارنة لمن أحبّ ، ليعرف كيف التلاعب بألفاظ الحديث عند الرواة ، من دون حياء.
والآن إلى نقاط على الحروف :
إذا ما رجعنا ثانية إلى الحديث وقرأناه قراءة ثانية ومتأنّية تساقطت من أجوائه المسائل التالية :
1 ـ ما بال زياد يكتب إلى عائشة في ذلك؟! وكان الأحرى به وقد أصبح ابن أبي سفيان أن يكتب إلى أخته أم حبيبة؟ أليس كذلك؟ فهي أخته فيما يزعمون ، وهي من أمهات المؤمنين ، ولا يخفى عليها ذلك من فعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن لم تكن فتلت القلائد مرّة ، فلا أقل أنّها رأت أو سمعت من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شيئاً. وهذه عاشت كثيراً من سنيّ ولاية زياد وأدرك هو حياتها فقد ماتت سنة 59 هـ كما في ( إسعاف المبطأ )(1) .
2 ـ هل أنّ أحاديث عائشة كلّها لواقعة واحدة؟ فإن كانت فلماذا تفاوتت صورها ، وقد بلغت عند مسلم عشرة أحاديث ومرّت ثمانية منها عند البخاري؟ أو هي وقائع متعددة؟
فإن كانت كلّها لواقعة واحدة ، فلماذا اختلفت إختلافاً فاحشاً حتى في رواية الراوي الواحد عن عائشة وفي المصدر الواحد؟
فأنظر روايات عمرة وعروة والقاسم والأسود ، وقارن بين رواياتهم
____________________
(1) إسعاف المبطأ / 35.
على انفراد فضلاً عن مقارنتها بروايات بعضهم مع بعض؟ وإن كانت لوقائع متعددة فما بال عائشة وحدها تتولى فتل القلائد دون بقية الزوجات في جميع تلك السنين؟
على أنّه من المستبعد جداً أن لا يكون قد شاركتها مرّة غيرَها في ذلك الفتل العظيم الذي خصّت نفسها به!
وأبعد من ذلك كلّه عدم ورود حديث واحد عنهن يؤيد ذلك الإختصاص!
3 ـ ثمّ ما بالها لم تذكر ـ ولو لمرّة واحدة ـ اسم الشخص الذي كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يرسل معه الهدي ، وما ذكرت غير أبيها؟ فهل يعني ذلك أنّه وحده كان يتولى سياق الهدي كما كانت ابنته تتولى فتل القلائد في جميع سني الهجرة؟ وهذا ما يكذبه الوجدان ، لأنّه لم يذهب إلى مكة أو إلى منى بعد الهجرة إلاّ وهو مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سواء في عمرة القضاء أو في حجة الوداع ، وفي كلتيهما كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موجوداً يتولى هديه بنفسه.
ولو سلّمنا جدلاً زعم بعض علماء التبرير أنّه كان ذلك في السنة التاسعة ـ وهي سنة تبليغ براءة ـ بحجة ذهابه أميراً على الموسم ، فما بال الرواة وعلماء التبرير أبلسوا عن مصير الهدي عندما لحقه الإمام عليه السلام وأبلغه أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى المدينة ، كيف صار الهدي هل أرجعه معه؟ أو أخذه عليّ عليه السلام كما أخذ آيات براءة؟ أو أرسله أبو بكر مع آخرين غير عليّ عليه السلام؟ وهكذا استفهام بعد استفهام ، هذا كلّه
إذا صدقت تلكم الأحلام.
ولكي يستبين زيف ذلك الزعم ، فلنقرأ في ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند :
( قال عبد الله بن أحمد : حدثنا محمّد بن سليمان لوين ، حدثنا محمّد ابن جابر ، عن سماك ، عن حنش ، عن عليّ ، قال : لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، دعا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ، ثمّ دعاني النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي : ( أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى مكة فاقرأه عليهم ) ، فلحقته بالجحفة ، فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا رسول الله نزل فيَّ شيء؟ قال : لا. ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك )(1) .
ونعود إلى أوّل السؤال ، لو سلّمنا جدلاً أن أباها تولى كان ذلك في السنة التاسعة ، فمن هم أولئك الذين تولوا المهمة في باقي السنوات؟ ولماذا لم تذكرهم؟ وهي لا تخلو إمّا أن تكون تعلمهم وكتمت أسماءهم لحاجة في نفسها ـ كما فعلت ذلك في حديث آخر وذلك في مرض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت خروجه يتوكأ على رجلين الفضل بن العباس ورجل ، فسأل السامع ابن عباس فأخبره أنّه عليّ ، ولكن عائشة لا تطيب لها نفس أن تذكره ـ وهذا لا يليق بها!
وإمّا أن تكون لا تعلمهم وهو بعيد غايته ، كيف وابن عباس كان يعلم
____________________
(1) زيادات المسند 1 / 322 برقم 1296.
بعضاً منهم ، فيذكر ذويب الخزاعي منهم ، وناجية الأسلمي منهم(1) (؟)
وأعود إلى الأفغاني الذي استدرجني إلى هذه الجولة لأقول له في الختام :
أرأيت كيف كان ابن عباس أوعى وأذكى وأزكى في حديثه حين سمّى من عَرفهم ، وهو لم يفتل فتلاً ولا حبلاً ولا دق طبلاً (؟!!)
وأمّا فتياه فقد كانت هي الفتيا الصحيحة ، ورأيه هو الصواب ، وهو على رأي الإمام عليه السلام ورأي عمر وابنه وقيس بن سعد ، وهؤلاء كلّهم من الصحابة بينهم خليفتان ، مضافاً إلى نفر من فقهاء التابعين كالنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرين.
وحسب ابن عباس أنّه كان على رأي عليّ أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو مع الحقّ والحقّ معه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم(2) ، ولو بحثنا عن جذور المسألة تاريخياً
____________________
(1) راجع المحلى لابن حزم 7 / 269 عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع فلان الأسلمي ثماني عشرة بدنة وفي سنن ابن ماجة 2 / 1036 برقم 3105 عن ابن عباس ان ذويباً الخزاعي حدث ان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث معه بالبدن وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة سمي الأسلمي وهو ناجية ، وقال الترمذي : حديث ناجية حديث حسن صحيح. وفي المبسوط للسرخسي الحنفي 4 / 145 : ان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعث عام الحديبية الهدايا على يد ناجية بن جندب الأسلمي
(2) تاريخ بغداد 14 / 321 بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ) ، وهذا ما رواه سعد بن أبي وقاص أيضاً وقد قال سمعت في بيت ام سلمة ، فأرسل معاوية إلى أم سلمة فسألها فقالت قد قاله رسول الله في بيتي ، فقال معاوية لسعد : ما كنت عندي قط ألوم منك الآن فقال : ولم؟ قال : لو سمعت
لوجدناها من أيام كان ابن عباس بالمدينة قبل أن يخرج منها مع الإمام عليه السلام فكان يبعث هديه ويتجرّد كما كان يفعل ذلك الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً.
فقد روى الشيخ الطوسي في ( التهذيب ) بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ( أنّ ابن عباس رضي الله عنه وعليّاً عليه السلام كانا يبعثان بهديهما من المدينة ثمّ يتجرّدان ، وإن بعثا بهما من أفق من الآفاق واعدا أصحابهما بتقليدهما وإشعارهما يوماً معلوماً ، ثمّ يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كلّ ما يمسك عنه المحرم ، ويجتنبان كلّ ما يجتنب المحرم ، إلاّ أنّه لا يلبي إلاّ من كان حاجاً أو معتمراً )(1) . والحديث صحيح الإسناد(2) .
وقد استمر كذلك حتى في أيام ولايته على البصرة ، كما سيمرّ مزيد بيان عن ذلك في تاريخ ولايته.
( الحديث الثاني ) :
عن ابن عباس ـ وهذا أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الحج بابّ التقصّير في العمرة ـ وهو صحيح السند وواضح الدلالة(3) .
وأمّا حكاية قول البيهقي : ( قد قررنا ) فذلك قاله عقب حديث ابن
____________________
من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم أزل خادماً لعليّ حتى أموت. أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 236 ، ولم يسم معاوية بل كنى عنه بأحد وبالرجل. وهذه سجية علماء التبرير في كل زمان ومكان.
(1) تهذيب الأحكام 5 / 424.
(2) كما في الجواهر 20 / 160 ط الآداب النجف.
(3) صحيح مسلم 4 / 58 ط صبيح.
عباس ولفظه : ( قد روينا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم عن أبي ذر ما دلّ على أنّ فسخهم للحج بالعمرة كان خاصاً للركب من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ غيرهم إذا حجّوا أو قرنوا ثم طافوا طواف القدوم لم يحلّوا حتى يكون يوم النحر فيحلون بما جعل به التحلل والله أعلم
ثم ساق حديث ابن عمر )(1) .
أقول : ومن الغريب من البيهقي أن يذكر هذا! وهو الذي روى في باب من أختار التمتع بالعمرة إلى الحج… حديث مسلم في صحيحه عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : ( هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه هدي فليحلّ الحلّ كلّه فقد دخل العمرة في الحج إلى يوم القيامة )(2) .
وأوضح من ذلك حديث عائشة ـ وقد أخرجه مسلم في الصحيح أيضاً ـ قالت : ( قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأربع أو لخمس مضين من ذي الحجّة ، قالت : فدخل عليَّ يوماً وهو غضبان ، قلت : من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار(3) ؟ قال : ( أما شعرتِ أنّي أمرت الناس بأمر فإذا هم
____________________
(1) راجع سنن البيهقي 5 / 78 ، باب تعجيل الطواف بالبيت.
(2) سنن البيهقي 5 / 18 ط دار الفكر بيروت.
(3) لا ينقضي العجب من أم المؤمنين فهي إذ تقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من اغضبك ادخله الله النار ) فهل كان خروجها من بيتها إلى البصرة رضاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أولم ينهها عن ذلك كما في حديث الحوأب ثم في حربها للإمام هل كان رضأً لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؟ كيف وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حربك حربي وسلمك سلمي ، بأنها أورثت الأمة معاناة التوفيق والتلفيق.
يترددون فيه ) ، قال : ( ولو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقتُ الهدى حتى اشتريه ، ثم أحلّ كما حلّوا )(1) .
وأوفى من ذلك حديث عطاء عن جابر بن عبد الله ، قال : ( أهللنا أصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم بالحج خالصاً وحده ، فقدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمر بعد أن قدم أن نحلّ ، فقال : ( أحلّوا وأصيبوا النساء ) ، قال عطاء : ولم يعزم عليهم أن يصيبوا النساء ولكنّه أحلّهن لهم.
قال عطاء قال جابر : فبلغه عنّا أنّا نقول : لمّا لَم يكن بيننا وبين عرفة إلاّ خمس ، أمرنا أن نحلّ إلى نسائنا ، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني فقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيننا فقال : ( قد علمتم أنّي أتقاكم لله ، وأصدقكم وأبرّكم ، ولولا هديي لأحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمري ما أستدبرت ما أُهديت ، فحلّوا ) ، قال : فأحللنا وسمعنا وأطعنا.
قال جابر : فقدم عليّ رضي الله عنه من سعايته ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : ( بما أهللت؟ ).
قال : بما أهل به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
قال : ( فاهدي وأمكث حراماً ).
قال : فأهدى له عليّ رضي الله عنه.
قال سراقة بن مالك بن جعشم : متعتنا هذه يا رسول الله لعامنا هذا أم للأبد؟
قال : ( بل لأبد )(2) .
____________________
(1) سنن البيهقي 5 / 19.
(2) سنن البيهقي 5 / 18.
فتبين أنّ فتيا ابن عباس هي على السنّة التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!
فهذه الأحاديث الثلاثة أثبتت أنّ الحق كان مع ابن عباس ، وما رواه الزركشي عن عائشة وابن عمر في إنكارها على ابن عباس لا وجه له إلا التشهير به بغير حق ، فإنّ ابن عباس لم يقل لا يجوز الطواف قبل الإتيان بعرفة كما شهروا به ، بل صريح ما رواه الزركشي وقبله البيهقي ، وأخرجه مسلم : عن عطاء ، عن ابن عباس كان يقول : ( لا يطوف بالبيت حاج ولا عن حاج إلاّ حلّ ). وبقية إستدلال عطاء يكشف عن مراد ابن عباس هو للحاج المتمتع وليس للقارن.
( الحديث الثالث ) :
ومداره حول رواية البيهقي في إستفتاء ابن عباس من عائشة وأم سلمة حول إجراء عملية جراحية لعينيه فنهتاه ، وأيضاً حول رواية الحاكم في ( المستدرك ) في إستفتائه من عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الموضوع نفسه.
وهذا قد سبق مني الكلام فيه في الجزء الرابع من الحلقة الأولى في عنوان : ( وابيضت عيناه من الحزن )(1) ، وذكرت هناك بعض الخبط حول سبب العمى ، حيث قالوا : كان سبب عماه رؤية الملك ، وفندت ذلك.
والآن قالوا سبب عماه مبالغته في إيصال الماء إلى داخل عينيه ، حيث
____________________
(1) موسوعة عبد الله بن عباس / الحلقة الأولى 4 / 302.
يرى وجوب ذلك كما في ( تفسير الرازي )(1) ، ووعدت بالتحقيق في هذه المسألة في الحلقة الثانية. وحان وقت انجاز الوعد ، فأقول :
لقد وقع الخلط في هذه المسألة ( إيصال الماء إلى داخل العين في غسل الوجه ) :
فقال أصحاب الشافعي : إنّه مستحب ، وحكي عن ابن عمر مثل ذلك(2) .
قال القرطبي في تفسيره : ( وأمّا العينان فالناس كلّهم مجمعون على أنّ داخل العينين لا يلزم غسله ، إلاّ ما روي عن عبد الله بن عمر أنّه كان ينضح الماء في عينيه ، وإنّما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به.
قال ابن العربي : ولذلك كان عبد الله بن عمر لمّا عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك )(3) .
وقال الجصاص الحنفي في ( أحكام القرآن ) : ( فإن قيل أنّ ابن عمر كان يدخل الماء عينه في الجنابة؟ قيل له : لم يكن يفعله على وجه الوجوب ، وقد كان مصعباً على نفسه في أمر الطهارة يفعل فيهما ما لا يراه واجباً ، قد كان يتوضأ لكلّ صلاة ويفعل أشياء على وجه الإحتياط لا على وجه الوجوب )(4) .
وقال السرخسي الحنفي في ( المبسوط ) : ( وحدّ الوجه من قصاص
____________________
(1) تفسير الرازي 11 / 157.
(2) الخلاف 1 / 85.
(3) تفسير القرطبي 6 / 84.
(4) أحكام القرآن 2 / 366 ـ 367.
الشعر إلى أسفل الذقن إلى الأذنين ، لأنّ الوجه أسم لما يواجه الناظر إليه ، غير أنّ إدخال الماء في العينين ليس شرط ، لأنّ العين شحم لا يقبل الماء.
وفيه أيضاً : فمن تكلف له من الصحابة رضوان الله عليهم كُفّ بصره في آخر عمر كابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم )(1) .
وقال الكاساني في ( بدائع الصنائع ) : ( وإدخال الماء في داخل العينين ليس بواجب ، لأنّ داخل العين ليس بوجه ، لأنّه لا يواجه إليه ، ولأنّ فيه حرجاً ، وقيل أنّ من تكلف لذلك من الصحابة كفّ بصره كابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم )(2) .
وقال أيضاً : ( واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنه أنّ طبيباً قال له بعد ما كفّ بصره : لو صبرت أياماً مستلقياً صحت عيناك. فشاور عائشة وجماعة من الصحابة رضي الله عنه فلم يرخصوا له في ذلك ، وقالوا له : أرأيت لو مّتَ في هذه الأيام كيف تصنع بصلاتك؟
ثم قال الكاساني : وتأويل حديث ابن عباس رضي الله عنه : أنّه لم يظهر لهم صدق ذلك الطبيب فيما يدعي )(3) .
هذه جملة ممّا قالوه في سبب عماه. وقد أبعدوا مرمى حجارتهم حتى نالت ابن عمر أيضاً فجعلوه أعمى ، وهذا لم يذكره مترجموه في ترجمته ، راجع ( الإصابة ) ، و ( الإستيعاب ) ، و ( أسد الغابة ) ، وطبقات ابن سعد.
____________________
(1) المبسوط 1 / 6.
(2) بدائع الصنائع 1 / 87.
(3) نفس المصدر 1 / 316.
وأمّا عن سبب عمى ابن عباس ، فقد ذكرت في الجزء الرابع من الحلقة الأولى ما يغني عن إعادته.
وأمّا عن مشاورته عائشة وأم سلمة وأبا هريرة وجماعة من الصحابة فلم يرخصوا له في إجراء العملية ، وقالوا له : أرأيت إن متّ في هذه الأيام كيف تصنع بصلاتك؟
وبهذا أثبت الراوي جهل ابن عباس بوظيفته الشرعية ، فهو لا يعلم كيف يعمل فيستفتي عائشة وأبا هريرة وبعض الصحابة!!
فأين أثر دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له بأن يفقهه في الدين ويعلّمه الحكمة؟!
وأين صارت شهادة عائشة في سنة ( 35 هـ ) فسألت : من ولي أمارة الموسم؟ فقيل لها : ابن عباس ، قالت : أنّه أعلم الناس بالحج! فكيف صار الآن لا يعرف تكليفه الشرعي؟!
وهو الذي قال عنه طاووس : ( رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تدارؤا صاروا إلى قول ابن عباس ).
وقد مرّت بنا هذه الأقوال وغيرها في الجزء الثاني من هذه الحلقة فراجعها تجدها مع مصادرها.
وقد قرأنا شواهد ومشاهد في أعقاب حرب الجمل فيها مواقف متشنجة بين ابن عباس وعائشة ، فكيف نستغفل عقولنا ونقبل ما رواه الرواة ممن طُبعوا على حبّ أم المؤمنين ، فصارا يبنون لها أهرامات من الفضائل تفوق أهرامات مصر الفرعونية!
( الحديث الرابع ) :
ما رواه الزركشي عن ابن عباس في بدعية صلاة ركعتين بعد العصر ، حيث روي : ( أنّ معاوية صلى صلاة العصر ثم قام ابن الزبير فصلى بعدها ، فقال معاوية : يا بن عباس ما هاتان الركعتان؟ فقال : بدعة وصاحبها صاحب بدعة ، ولمّا فرغ ابن الزبير سألهما عما قالاه فأخبراه ، قال : ما ابتدعت ، ولكن حدثتني خالتي عائشة. فأرسل معاوية إليها ، فقالت : صدق ، حدثتني أم سلمة ، فأرسل إلى أم سلمة : أنّ عائشة حدثتنا عنكِ بكذا ، فذكرت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صلى ذات يوم بعد العصر ( فقمت وراءه فصليت ) فلما أنفتل قال : ما شأنك؟ قلت : رأيتك يا نبيّ الله صليت وصليت معك ، فقال : إنّ عاملاً لي على الصدقات قدم عليَّ فجمعت عليه ).
ثم روى الزركشي عن الصحيحين ، عن كريب : أنّ ابن عباس وابن أزهر والمسور أرسلوا إلى عائشة لأنّهم أخبروا أنّها تصليها والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها ، فقالت : سلوا أم سلمة ثم ذكر نحو ما سبق.
فهذا الحديث يدلّ على مخالفة عائشة لنهي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الإتيان بهما ، وأنّ ابن عباس كان هو وعمر يضربان الناس عنها. فالأحرى أن يعدّ الزركشي هذا الحديث ممّا إستدركه ابن عباس على عائشة لا العكس! لكن الزركشي شغوف بلملمة أخبار عائشة مع الصحابة وإن إستلزم ذلك توهيناً لها من حيث يدري ولا يدري.
( الحديث الخامس ) :
ما رواه الزركشي عن ابن عباس فهو لا يستبطن كذبه متناً فقط ، بل تكفي آفة سنده ، فقد أعلّه المنذري بيزيد بن أبي زياد ، وقال غير واحد من الأئمة أنّه لا يحتج بحديثه ، ومهما يكن حال السند ، فإنّ ما رواه ابن عباس كما في المتن هو أولى بالقبول لحضوره مع أهل البيت مراسيم الدفن.
ولكن هلّم الخطب فيما روته عائشة فهو محلّ الشك في صدقه ، إذ لم تكن حاضرة حين التكفين! أليس هي التي كانت مع النساء اللواتي يلتدمن كما تقول هي فيما رواه أحمد في مسنده عنها ، قالت : ( مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين سحري ونحري ، وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً ، فمن سفهي وحداثة سني أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت التدم مع النساء وأضرب وجهي )(1) ، وقد قالت أيضاً : ( ما علمنا بدفن رسول الله حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ( ليلة الأربعاء )(2) .
فمتى حضرت التكفين ورأت ثياب الكفن؟!
فكلّ ما ورد عنها في هذا الشأن مشكوك في صحته ، لأنّها تريد إستبعاد عليّ عليه السلام وأهل البيت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
____________________
(1) مسند أحمد 6 / 274.
(2) الإستيعاب 1 / 47.
وأنكى من ذلك إستبدالهم بآل أبي بكر! فهلمّ وأقرأ ما روته من خبر الحلّة التي أشتريت ليكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأدرجوه فيها ثم نزعت عنه.
فلنقرأ الخبر برواية ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه ( المغني ) وهو غير متهم عليها ، فقال في الخبر : ( وهو أصح حديث روي في كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعائشة أقرب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأعرف بأحواله ، ولهذا لما ذكر لها قول الناس أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كُفن في برد ، قالت : قد أتي بالبُرد ولكنهم لم يكفنوه فيه ، فحفظت ما أغفله غيرها. وقالت أيضاً : أدرج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حلّة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر ، ثم نزعت عنه ، فرفع عبد الله بن أبي بكر الحلّة وقال : أكفن فيها ، ثم قال : لم يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتصدق بها ). قال ابن قدامة : رواه مسلم(1) .
أقول : فهل تطلب أثراً بعد عين ، وتريد سخفاً بعد ميَن؟
فعائشة وعبد الله بن أبي بكر بطلا الحضور في الإحتضار والتكفين! وليذهب أهل البيت عليهم السلام جميعاً في غيابات الحقد الدفين ، كما تريد أم المؤمنين ، وليكتب الزركشي ما يزركش به أخبارها ولو على حساب الآخرين.
على أن ابن شهاب الزهري ـ وهو غير متهم على عائشة ـ قال : ولم يله إلاّ أقاربه(2) .
____________________
(1) المغني 2 / 329.
(2) أنظر دلائل النبوة للبيهقي 7 / 234 ، عن هامش ، التمهيد لابن عبد البر 9 / 358 ط الإحياء للتراث العربي.
( الحديث السادس ) :
ما رواه الزركشي عن عكرمة عن ابن عباس في حديث ( رأى ربّه مرتين ) ، وإنكار عائشة عليه الرؤية ، والخبر الذي رواه في سنده من قال فيه ابن المبارك : أرم به ، لكن الزركشي لم يرم به ، بل أطال في جميع ما يتعلق بالموضوع وحكى قول ابن خزيمة : أنّ الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها.
وحكى قول أحمد : ما زلت منكراً لهذا الحديث وما أدري ما وجهه.
ثم الحديث في متنه : ( قال ابن عباس : ( رأى محمد ربّه ) ، وابن عباس لم يكن يقول بالرؤية البصرية كما هو واضح من لفظ الحديث الذي ذكره الزركشي نقلا ًعن الترمذي في التفسير ، وهو مخالف لقول الله تعالى :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (1) .
وفي سنده من هو مخدوش ، ورواية مسلم له في الصحيح لا تضفي عليه شرعية أبداً ـ فكم في كتابي الصحيح من حديث غير صحيح ـ وسيأتي عن ابن عباس في جواب نجدة بن عامر ـ عويمر ـ الخارجي وقد سأله : ( كيف معرفتك بربّك؟ فأجابه أعرفه بما عرّف به نفسه تبارك وتعالى من غير رؤية ، وأصفه بما وصف به نفسه ، لا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ) ، فهذا ينفي صحة نسبة القول بالرؤية البصرية إليه ، وسيأتي خبره مع نجدة فيما يأتي.
____________________
(1) الأنعام / 103.
ومجرد رواية الترمذي عن عكرمة ذلك ، لا يضفي عليه الصحة.
ولم لا يكون الخبر من بعض أكاذيب عكرمة على مولاه ، وقد مرّت بعض الشواهد على ذلك ، كما سيأتي غيرها.
( الحديث السابع ) :
ما ذكره الزركشي في إحالة ابن عباس معرفة الوتر عليها ـ في حديث رواه مسلم في صحيحه ـ وأنّ سعد بن هشام سأل ابن عباس عن الوتر ، فقال : ( ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال : نعم ، قال عائشة )(1) .
أقول : إنّ هذا الحديث الذي ذكره لا يصح الإعتماد عليه! لإختلاف النقل عن عائشة ، فقيل : الإختلاف منها ، وقيل : هو من الرواة عنها ، كما ذكره الزركشي نفسه.
وكيف نصدّق نحن بالخبر ، وابن عباس الذي كان يبيت في بيت خالته ميمونة ليحفظ ما يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلاة وأذكار ـ وقد مرّت في الحلقة الأولى في الجزء الأوّل عدّة شواهد على هذا ـ فكيف صار لا يعلم عن صلاة الوتر شيئاً حتى أحال على أعلم أهل الأرض؟ يا لها من دعوى عريضة مريضة!!
لكن زوامل الأسفار يكتبون ما راق لهم ، أو يملى عليهم من السلطات الحاكمة من رفعهم عائشة إلى مقام لم تكن فيه عالمة ولا حالمة.
____________________
(1) صحيح مسلم 2 / 269 ط صبيح.
( الحديث الثامن ) :
ما ذكره الزركشي من حديث عائشة وقد ردت على ابن عباس قراءته قوله تعالى :( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) بالتخفيف ، فذكر الزركشي ما أخرجه البخاري في صحيحه في التفيسر عن ابن أبي مليكة قال ابن عباس :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) (1) الخ بالتخفيف إلى آخر الخبر ، بينما كانت عائشة تقرؤها( كُذّبُوا ) مثقلة.
أقول : ما مرّ من إختلاف القراءة فيه نظر! فإنّ القراءة بالتخفيف هي قراءة أهل البيت عليهم السلام عليّ وزين العابدين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وزيد بن علي وابن عباس ، وهي أيضاً قراءة ابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والأعمش وغيرهم ، وهي قراءة أهل الكوفة(2) .
وقد أطنب الطبري في تفسيره ، فساق ثماني عشرة رواية عن ابن عباس مؤداها متفق عليه بين الرواة عن ابن عباس ، وأوّلها بسند الطبري ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن ابن عباس ، في قوله :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) (3) ، قال : ( لمّا أُيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم ، وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك ، فننجي من نشاء )(4) .
____________________
(1) يوسف / 110.
(2) مجمع البيان 5 / 465 ط الأعلمي.
(3) يوسف / 110.
(4) تفسير الطبري 13 / 82 ـ 83.
وما جاء في بعضها أنّ ابن عباس قال : إنّهم ـ أي الأنبياء ـ بشر ، أي أنّهم هم الذين ظنوا ، فهذا وهم في الفهم ، فابن عباس لم يقل ذلك.
وقد ورد في ( عيون أخبار الرضا عليه السلام ) للشيخ الصدوق ، بسنده : عن علي بن محمد بن الجهم : أنّ المأمون قال لأبي الحسن ـ الرضا عليه السلام ـ : فأخبرني عن قول الله تعالى :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) (1) ؟ قال الرضا عليه السلام : يقول الله : حتى إذا استيأس الرسل من قومهم فظن قومهم أنّ الرسل قد كذبوا ، جاء الرسل نصرُنا.
وهذا هو عين ما رواه ثلاثة من تلاميذ ابن عباس ، كما في ( الدر المنثور ) للسيوطي في تفسير الآية ، قال : ( أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابراهيم ، عن أبي حمزة الجزري ، قال : صنعت طعاماً فدعوت ناساً من أصحابنا منهم : سعيد بن جبير ، والضحاك بن مزاحم ، فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير ، فقال : يا أبا عبد الله كيف تقرأ هذا الحرف ، فإنّي إذا أتيت عليه تمنيت أنّي لا أقرأ هذه السورة( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) ؟ قال : نعم ، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدّقوهم وظنّ المرسَل إليهم أنّ الرسل قد كُذبوا فقال الضحاك : لو رحلت في هذه إلى اليمن لكان قليلاً )(2) .
ومهما يكن فحسب القارئ من فقاهة السيدة عائشة أنّها لم تكن ترى
____________________
(1) يوسف / 110.
(2) الدر المنثور 4 / 41.
نفسها أم المؤمنين رجالاً ونساءً! بينما كانت أم المؤمنين أم سلمة ترى أنّها أم المؤمنين رجالاً ونساءاً. أخرج ابن سعد في ( الطبقات ) بسنده : ( عن مسروق ، عن عائشة في قوله :( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (1) . قال : فقالت لها أمرأة : يا أمه ، فقالت عائشة : أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم ، قال : فذكرت هذا الحديث لعبد الله بن موسى المخزومي ، فقال : أخبرني مصعب بن عبد الله بن أبي أمية عن أم سلمة ، أنّها قالت : أنا أم الرجال منكم والنساء )(2) .
أقول : وأحسب أنّ عائشة قالتها في ساعة غضب على النساء اللاتي كنّ يسألنها عن شرعية خروجها في حرب الجمل كأم جميع وأضرابها.
وإلى هنا فلنترك الأفغاني ونبعده قصياً ، بعد أن قرأناه نَسِيّاً وفَرِيّاً. ولنبصّر القارئ بأنّ الزركشي لم يكن دقيقاً في إختياره اسم كتابه ، إذ تبيّن أنّ ما ذكره تحت عنوان ( استدراكها على ابن عباس ) لم يكن خالياً من الإلباس ، وما ذكره لو يصح ولا يَصح ـ لا يعني أنّ بين عائشة وابن عباس من الوئام ما يصح معه زعم التواصل والتساؤل في الأحكام ، بل أنّ ابن عباس وعائشة عاشا بعد حرب الجمل متهاجرَيْن تقريباً ، وبقيا على حالهما كذلك حتى ماتت عائشة ، ولعلّه اشتدت المهاجرة والمخاصمة في عهد معاوية حين تناصرت هي وإياه على عداوة أهل البيت عليهم السلام. وكان ابن
____________________
(1) الأحزاب / 6.
(2) الطبقات الكبرى 8 / 128.
عباس رجل الساعة والساحة المناصر لأهل البيت عليهم السلام ، كما يظهر بوضوح من مواقفه مع الأمويين وشيعتهم ، كما كانت عائشة تدعمهم فيما ترويه لهم من أحاديث ، والشواهد على ذلك متوفرة.
فقد أخرج الحافظ الكنجي الشافعي في ( كفاية الطالب ) وعنه الأربلي في ( كشف الغمة ) قال : ( روى الكنجي بسنده المنتهى إلى أبي صالح قال : ذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام عند عائشة وابن عباس حاضر ، فقالت عائشة : كان من أكرم رجالنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال ابن عباس : وأيّ شيء يمنعه عن ذاك؟ اصطفاه الله لنصرة رسوله ، وارتضاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأخوّته ، واختاره لكريمته ، وجعله أبا ذريته ووصيّه من بعده ، فإن ابتغيتِ شرفاً فهو في أكرم منبت وأورق عود ، وإن أردتِ إسلاماً فأوفر بحظه وأجزل بنصيبه ، وإن أردتِ شجاعته فبَهمة حرب وقاضية حتم ، يصافح السيوف أنساً ، لا يجد لوقعها حسّاً ، ولا ينهنه نعنعة ، ولا تفله الجموع ، الله ينجده ، وجبرئيل يرفده ، ودعوة الرسول تعضده ، أحدّ الناس لساناً ، وأظهرهم بياناً ، وأصدعهم بالصواب في أسرع جواب ، عظته أقلّ من عمله ، وعمله يعجز عنه أهل دهره ، فعليه رضوان الله ، وعلى مبغضيه لعائن الله )(1) .
وإنّما قال ابن عباس رضي الله عنه هذا لأنّه كان يعلم من عائشة موقفها المتشنج إزاء أهل البيت عليهم السلام خصوصاً الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وحتى
____________________
(1) كشف الغمة 1 / 363 ، كما في البحار 40 / 51 ط الجديدة.
الحسن والحسين عليهما السلام ، فلم تكن تأذن لهما بالدخول عليها ، وإذا أذنت احتجبت منهما ، وكان ابن عباس يشجب موقفها هذا ، فقد أخرج ابن سعد في ( الطبقات الكبير ) بسنده عن عكرمة قال : ( سمعت ابن عباس يقول ـ وبلغه أنّ عائشة احتجبت من الحسن بن علي ـ فقال : إنّ رؤيته لها لحلّ )(1) .
وقد مرّت بنا في الجزء الخامس من الحلقة الأولى محاورة ابن عباس مع عائشة عند موت الحسن عليه السلام فليرجع القارئ إليها. فهي محاورة تكشف عن مبلغ التشنج عند الطرفين المتباعدين المتباغضين.
وقد إستدام حقد عائشة حتى عند موتها ، فقد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عن ذكوان مولى عائشة : ( أنّه استأذن لابن عباس على عائشة وهي تموت وعندها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن ، فقال : هذا ابن عباس يستأذن عليك وهو من خير بنيك.
فقالت : دعني من ابن عباس ومن تزكيته.
فقال لها عبد الله بن عبد الرحمن : إنّه قارئ لكتاب الله فقيه في دين الله ، فأئذني له فليسلّم عليك وليودّعك.
قالت : فأئذن له إن شئت.
قال : فإذن له ، فدخل ابن عباس ثم سلّم وجلس ، وقال : أبشري أم المؤمنين
____________________
(1) الطبقات الكبرى8 / 128ط ليدن.
فقالت : دعني يا بن عباس من هذا ، فو الله لوددت أنّي كنت نسياً منسيّاً(1) (2) . فقد جزعت حين احتضرت. فقيل لها ، فقالت : أعترض في حلقي يوم الجمل )(3) .
وإلى هنا ننهي الحديث عن ابن عباس مع عائشة ، ونستقبل بقية محاوراته مع معاوية وأشياعه.
____________________
(1) مسند أحمد 1 / 349 ط الأولى و 5 / 90 برقم ( 3262 ) ط شاكر.
(2) قال شاكر : في هامش الحديث برقم ( 2496 ) إسناده صحيح وهو مطول 1905 ، ورواه البخاري 8 / 371 ـ 372 مختصرا.
(3) ربيع الأبرار للزمخشري 3 / 345.
محاورات ابن عباس مع معاوية
قميصّ عثمان أضحى مضربَ المثل |
لكلّ ثائرة من أخبث الحيل |
|
في كلّ واقعة كذباً مخادعةً |
صار الشعار لعيّابين في الدوَل |
|
لو ينشر اليوم عثمانٌ لطالبهم |
مع القصاص له بالغُنم من نفَل |
|
فليته لو وعى نصحاً لجنّبه |
تلك المآسي ولكن شاب عن عَذَل |
|
فكان ما كان من أمرٍ تخيّره |
شيخٌ ضعيفٌ هوى في حمأة الزَلَل |
|
فأورث الناس آلاماً بمقتله |
زلّت به النعل فالتاثته بالوَحَل |
|
فأوّل القوم من نادوا بمقتله |
ثاروا له اليوم يا للقلب الحَوِل |
|
هم ناقموا الأمس قد جاؤا بأمّهمُ |
وسيرّوا عسكراً في وقعة الجَمَل |
|
وعاهل الشام أدلى في قليبهم |
فقد رأى فرصة وافت لمهتبل |
|
فحرب صفين قد أورى شرارتها |
في النهروان فأورت كُلِّ ذي شُعلِ |
|
حتى الطفوف وقتل السبط من ذَحل |
حرق الخيام بتلك النار لم يَزل |
|
ما ثأر عثمان أحماهم وأغضبهم |
لولا الخلافة عادت للإمام عليّ |
|
تلكم قريشُ لتأبى أن ترى رجلا |
بالأمس قاتلهم واليوم فيه يلي |
فأعصبوا قتل عثمان بحيدرة |
أبناءُ من سجدوا دهراً إلى هُبل |
|
هذا عليّ وهذي بعضُ محنته |
أن يعصبوه دماً من خاتم الرّسُل |
قال الزمخشري : قميص عثمان الذي قتل فيه ، مَثَلٌ فيما يهيّج الحزن ويجدّد الحسرة والبكاء ، وعن عمرو بن العاص : أنّه لمّا أحسّ من العسكر فتوراً أشار على معاوية بأن يبرز لهم قميص عثمان ، فلمّا وقعت عيونهم عليه ، ارتفعت صيحتهم بالبكاء والنحيب ، وجدّوا في الحرب فعندها قال حرّك لها حوارها تحنّ(1) .
هذا سؤال قد يثير استغراباً لدى القارئ إذ لم يرد في التاريخ أنّ واحداً من هؤلاء قد شارك في قتل عثمان ، مباشرة ، فلماذا إذن السؤال؟
والجواب يُعرف من الأبيات المتقدمة ، وعلى هذا الوتر كانت أصابع معاوية تضرب وأبواقه تعزف بأنّ عليّاً قتل عثمان! وإذا حوقق قال : آوى قتلته!
ولم يكن ابن عباس بعيداً عن مرمى معاوية في حجارته لعداوته ، وسنقرأ في كثير من محارواته ما يدلّ على ذلك. وإذا بحثنا عن جذور تلك العداوات نجدها متأصلة في فرعي عبد مناف بني هاشم وبني أمية منذ عهد بعيد ، فلنقرأ بعض ما جاء في ذلك :
____________________
(1) ربيع الأبرار 4 / 32 ط أوقاف بغداد.
إنّ من راجع كتاب ( السفيانية ) للجاحظ ، و ( النزاع والتخاصم ) للمقريزي وأضرابهما ، يجد جذور العداوة بين بني أمية وبين بني هاشم وهم من قريش ، ضاربة في أصولها متنامية في فروعها ، ولم يخف ذلك على الباحثين من قدامى ومحدثين.
فإلى ما قاله واحد منهم وهو محمّد بن سليمان حاجب الحجاب ، وهذا الرجل لم يكن يتعصب لمذهب بعينه كما قال ابن أبي الحديد وقد رآه(1) ، فلنقرأ ما يقول وقد سأله جعفر بن مكي الحاجب عما عنده في أمر عليّ وعثمان ، فقال : ( هذه عداوة قديمة النسب بين عبد شمس وبين بني هاشم ، وقد كان حرب بن اُمية نافر عبد المطلب بن هاشم ، وكان أبو سفيان يحسد محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وحاربه ، ولم تزل الثنتان متباغضتين وإن جمعتهما المنافية ، ثمّ إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوّج عليّاً بابنته ، وزوّج عثمان بابنته الاُخرى ، وكان إختصاص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة أكثر من إختصاصه للبنت الأخرى ، وللثانية التي تزوجها عثمان بعد وفاة الأولى. وإختصاصه أيضاً لعليّ وزيادة قربه منه وامتزاجه به وإستخلاصه إياه لنفسه ، أكثر وأعظم من إختصاصه لعثمان ، فَنَفَس عثمان ذلك عليه فتباعد ما بين قلبيهما ).
إلى أن قال : ( ثمّ أتفق أنّ عليّاً عليه السلام قتل جماعة كثيرة من بني عبد
____________________
(1) وصفه ابن أبي الحديد بأنه حاجب الحجاب وقال : وكان ظريفاً أديباً وقد أشتغل بالرياضيات من الفلسفة ولم يكن يتعصب لمذهب بعينه.
شمس في حروب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتأكد الشنآن ، وإذا أستوحش الإنسان من صاحبه أستوحش صاحبه منه.
ثمّ مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فصبا إلى عليّ جماعة يسيرة لم يكن عثمان منهم ، ولا حضر في دار فاطمة مع مَن حضر من المتخلّفين عن البيعة ، وكانت في نفس عليّ عليه السلام أمور من الخلافة لم يمكنه إظهارها في أيام أبي بكر وعمر لقوّة عمر وشدّته ، وانبساط يده ولسانه.
فلمّا قتل عمر وجعل الأمر شورى بين الستة ، وعدل بها عبد الرحمن عن عليّ إلى عثمان ، لم يملك عليّ نفسه فأظهر ما كان كامناً ، وأبدى ما كان مستوراً ، ولم يزل الأمر يتزايد بينهما حتى شرف وتفاقم.
ومع ذلك فلم يكن عليّ عليه السلام لينكر من أمره إلاّ منكراً ، ولا ينهاه إلاّ عما تقتضي الشريعة نهيه عنه.
وكان عثمان مستضعفاً في نفسه ، رخواً ، قليل الحزم ، واهي العقدة ، وسلّم عنانه إلى مروان يصرّفه كيف شاء ، فالخلافة له في المعنى ولعثمان في الإسم ، فلمّا انتقض على عثمان أمره استصرخ عليّاً ولاذ به ، وألقى زمام أمره إليه ، فدافع عنه حيث لا ينفع الدفاع ، وذبّ عنه حين لا يغني الذبّ ، فقد كان الأمر فسد فساداً لا يرجى صلاحه )(1) .
ومع هذه العداوة المتأصلة في جذورها كيف يبرئ معاوية وبنو أُمية الإمام عليه السلام وبني هاشم ، مع أنّهم وأعوانهم كانوا يشهدون ببراءته وبراءتهم ،
____________________
(1) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 401 ط مصر الأولى.
ولكنها الأحقاد الأموية.
فاقرأ ما قاله عبد الله بن عمر لمن سأله : هل شرك عليّ في دم عثمان؟
فقال : ( لا والله ما علمت ذلك في سر ولا علانية ، ولكنّه كان رأساً يفزع إليه فألحق به ما لم يكن )(1) .
واقرأ لابن عمر كلمته الأُخرى في حقّ ابن عباس وبراءته من دم عثمان.
قال : ( ما زال ابن عباس ينهى عن قتل عثمان ويعظّم شأنه حتى جعلت ألوم نفسي على أن لا أكون قلت مثل ما قال )(2) .
وليس عروة بن الزبير بدون ابن عمر في نصبه ، ومع ذلك فقد كان يقول : ( كان عليّ أتقى لله من أن يعين في قتل عثمان ، وكان عثمان أتقى لله من أن يعين في قتله عليّ )(3) .
وقال ابن سيرين : ( لقد قتل عثمان يوم قتل وما أحد يتهم عليّاً في قتله )(4) .
ولكن معاوية قال لابن عباس في كتاب كتبه إليه بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام ، جاء فيه : ( لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا ، وأن يكون رأياً صواباً ، فإنّك من الساعين عليه ، والخاذلين له ، والسافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي ولا بيدك أمان ).
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 593.
(2) نفس المصدر 4 / 595.
(3) ربيع الأبرار للزمخشري 3 / 355 ط اوقاف بغداد.
(4) أنساب الأشراف 1 ق 4 / 594.
فأجابه بجواب طويل جاء فيه : ( وأمّا قولك أنّي من الساعين على عثمان والخاذلين والسافكين له وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي ، فأقسم بالله لأنت المتربّص بقتله والمحبّ لهلاكه ، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره ، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ ، فما حفلت به حتى بعثت إليه معذراً بأمر أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يقتل ، فقتل كما كنت أردت ، ثمّ علمت عند ذلك أنّ الناس لن يعدلوا بيننا وبينك فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه ، وتقول قتل مظلوماً ، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين ، ثمّ لم تزل مصوّباً ومصعّداً وجاثماً ورابضاً تستغوي الجهّال ، وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت ،( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (1) (2) .
نعم ، إنّ بني هاشم كانوا من الكارهين لولاية عثمان هذا أوّلاً ، لأنّهم يرون أنّ الحقّ لهم ، وكانوا أيضاً من الساخطين على سيرته ثانياً حين أسخط المسلمين عمالُه ، ولم يكونوا وحدهم قد سخطوا سيرته ، بل جميع الصحابة في المدينة وخارجها كانوا كذلك.
فقد روى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : ( قلت له : كيف لم يمنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عثمان؟ فقال : إنّما قتله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )(3) .
____________________
(1) الأنبياء / 111.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 58.
(3) نفس المصدر 1 / 231.
وروى عن أبي سعيد الخدري أنّه سئل عن مقتل عثمان هل شهده أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال : ( نعم شهده ثمانمائة )(1) .
فهذان القولان وإن لم يعيّنا بالاسم مَن هم أولئك الصحابة الذين قتلوا عثمان ، ومن هم الذين شهدوا مقتل عثمان ولم يمنعوا عنه ، لكن من تولى كبر قتله ، لم يكن عليّ ولا ابن عباس ولا بقية بني هاشم مع أولئك الصحابة القاتلين لعثمان ، وإذ لم يكونوا معهم ، فما بال بني أمية عصبوا قتله بهم؟ إنّهم لم يكونوا مع القاتلين ولا مع المحرّضين عليه ، بل كانوا من المدافعين عنه ، وقد ردّوا عنه كثيراً حتى أعجزهم هو حين لم يأخذ بنصائحهم ، وكان يتّهمهم لما في نفسه من جذور العداوة المتأصلة بين بيتي عبد مناف ـ بني هاشم وبني أمية ـ.
والآن إلى ما رواه البلاذري ، والطبري ، وابن الأثير ، وابن كثير ، والنويري ، نقلاً عن الواقدي من نصائح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لعثمان ، ننقلها بلفظ الطبري :
قال ـ بعد ذكر نقمة الناس وتداعي الأمصار بالنكير على سيرة عثمان ـ : ( فاجتمع الناس وكلّموا عليّ بن أبي طالب ، فدخل على عثمان ، فقال : الناس ورائي وقد كلّموني فيك ، والله ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه ، إنّك لتعلم ما علمنا ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلّغكه ، وما خصصنا بأمر دونك ، وقد رأيتَ
____________________
(1) نفس المصدر.
وسمعتَ وصحبتَ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ونلتَ صهره.
وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحقّ منك ، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك ، وإنّك أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم رَحِماً ، ولقد نلتَ من صهر رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم ما لم ينالا. ولا سبقاك إلى شيء ، فالله الله في نفسك ، فإنّك والله ما تُبصّر من عَمى ، ولا تعلّم من جهل ، وإنّ الطريق لواضح بيّن ، وإنّ أعلام الدين لقائمة ، تعلم يا عثمان أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ، هُدي وهَدىَ ، فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة متروكة ، فوالله إن كلاً لبيّن وإنّ السنن لقائمة لها أعلام ، وإنّ البدع لقائمة لها أعلام ، وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلَّ وضُلّ به ، فأمات سنّة معلومة ، وأحيا بدعة متروكة. وإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول : ( يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيلقى في جهنم ، فيدور في جهنم كما تدور الرحا ، ثمّ يرتطم في غمرة جهنم ).
وإنّي أحذّرك الله ، وأحذّرك سطوته ونقماته ، فإنّ عذابه شديد أليم. وأحذّرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول ، فإنّه يقال : يقتل في هذه الأمة إمام ، فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتُلّبس أمورُها عليها ، ويتركهم شيعاً ، فلا يبصرون الحقّ لعلوّ الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً. فلا تكونن لمروان سيّقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السنّ وتقضّي العمر.
فقال عثمان : قد والله علمتُ ، ليقولُنّ الذي قلتَ ، أما والله لو كنتَ مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ، ولا عبت عليك ، ولا جئت مُنكراً أن وصلتَ رحماً ، وسددت خلّة ، وآويت ضائعاً ، ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولّي.
أنشدك الله يا عليّ هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟
قال : نعم.
قال : فتعلم أنّ عمر ولاّه؟
قال : نعم.
قال : فلم تلومني أن ولّيت ابن عامر في رحمه وقرابته؟
قال عليّ : سأخبرك ، إنّ عمر بن الخطاب كان كلّ من ولّى فإنّما يطأ على صماخه ، إن بلغه عنه حرف جلبه ثمّ بلغ به أقصى الغاية ، وأنت لا تفعل ، ضعفتَ ورقـَقتَ على أقربائك.
قال عثمان : هم أقرباؤك أيضاً.
فقال عليّ : لعمري إنّ رحمهم مني لقريبة ، ولكن الفضل في غيرهم.
قال عثمان : هل تعلم إنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها؟ فقد وليته.
فقال عليّ : أنشدك الله هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟
قال : نعم.
قال عليّ : فإنّ معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت لا تعلمها ، فيقول للناس : هذا أمر عثمان فيبلغك فلا تغيّر على معاوية.
ثمّ خرج عليّ من عنده ، وخرج عثمان على أثره ، فجلس على المنبر فقال : أمّا بعد ، فإنّ لكلّ شيء آفة ، ولكلّ أمر عاهة ، وإنّ آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيّابون طعّانون ، يُرونكم ما تحبون ، ويُسرّون ما تكرهون ، يقولون لكم وتقولون ، أمثال النعام يتبعون أوّل ناعق ، أحبّ مواردها إليها البعيد ، لا يشربون إلاّ نَغَصاً ، ولا يردون إلاّ عكَراً ، لا يقوم لهم رائد ، وقد أعيتهم الأمور ، وتعذّرت عليهم المكاسب.
ألا فقد والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ، ولكنه وطأكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ، ولنتُ لكم ، وأوطأت لكم كنفي ، وكففت يدي ولساني عنكم ، فأجترأتم عليَّ.
أما والله لأنا أعزّ نفراً ، وأقرب ناصراً ، وأكثر عدداً ، وأقمن إن قلت هلمّ أُتي إليّ ، ولقد أعددت لكم أقرانكم ، وأفضلت عليكم فضولها ، وكشّرت لكم عن نابي ، وأخرجتم مني خُلُقاً لم أكن أحسِنَه ، ومنطقاً لم أنطق به ، فكفّوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم ، فانّي قد كففت عنكم مَن لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا.
ألا فما تفقدون من حقّكم؟ والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ مَن كان قبلي ، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فَضَل فضلٌ من مال ، فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد! فلمَ كنت إماماً؟!
فقام مروان بن الحكم ، فقال : إن شئتم حكّمنا والله بيننا وبينكم السيف
نحن وأنتم كما قال الشاعر :
فرشنا لكم أعراضَنا فنبت بكم |
مغارسُكم تبنون في دمن الثرى |
فقال عثمان : أسكت لا سكتّ ، دعني وأصحابي ، ما منطقك في هذا؟ ألم أتقدّم إليك ألاّ تنطق!
فسكت مروان ونزل عثمان )(1) .
هكذا كان موقف الإمام عليه السلام في نصحه ، ولكن عثمان وبني أمية لا يحبون الناصحين.
وختاماً كانت لابن عباس مواقف مع الشانئين من قريش الذين تولوا السلطة فاتخذوا سيرة الشيخين حجة في استبعاد بني هاشم ، فكانت له أحاديث مرفوعة تحض على مودة أهل البيت عليهم السلام ، فكان يرويها للمسلمين حرصاً على هدايتهم أن يخدعهم الإعلام الكاذب من حكام قريش.
فمن الأحاديث ، ما رواه مرفوعاً عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يا بني عبد المطلب إنّي سألت الله لكم أن يعلّم جاهلكم ، وأن يثبّت قائمكم ، وأن يهدي ضالكم ، وأن يجعلكم نجداء جوداء رحماء ، أما والله لو أنّ رجلاً صفّ قدميه بين الركن والمقام مصلياً ، ولقي الله وهو يبغضكم أهل البيت لدخل النار )(2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 337 ـ 339 ط دار المعارف. وأنظر أنساب الأشراف 1 ق 4 / 549 تحـ احسان عباس ، تاريخ الكامل 3 / 62 ـ 64 ط بولاق ، والبداية والنهاية 7 / 168 ط السعادة ، ونهاية الإرب 19 / 470.
(2) أمالي المفيد / 134 ط الحيدرية سنة 1367.
ومن بعض المواقف مع الشانئين ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج نقلاً عن الزبير بن بكار بسنده : عن عثمان بن عبد الرحمن ، قال : ( قال عبد الله بن عباس : والله لقد علمت قريش أنّ أوّل من أخذ الإيلاف وأجاز لها العيرات لهاشم. والله ما شدّت قريش رحالاً ولا حبلاً بسفر ، ولا أناخت بعيراً لحضر إلاّ بهاشم. والله انّ أوّل من سقى بمكة ماءً عذباً وجعل باب الكعبة ذهباً لعبد المطلب )(1) .
روى ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) قال :
( وقدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك ـ يعني النقمة على عثمان ـ من الشام ، فأتى مجلساً فيه عليّ بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر ، فقال لهم : يا معشر الصحابة أوصيكم بشيخي هذا خيراً ، فوالله لئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلاً ورجالاً.
ثمّ أقبل على عمّار بن ياسر ، فقال : يا عمّار إنّ بالشام مائة ألف فارس كلّ يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم لا يعرفون عليّاً ولا قرابته ، ولا عمّاراً ولا سابقته ، ولا الزبير ولا صحابته ، ولا طلحة ولا هجرته ، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله ، ولا يتقون سعداً ولا دعوته ، فإياك يا عمّار أن
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 458.
تقع غداً في فتنة تنجلي ، فيقال هذا قاتل عثمان ، وهذا قاتل عليّ.
ثمّ أقبل على ابن عباس ، فقال : يا ابن عباس إنّا كنا وإياكم في زمان لا نرجوا فيه ثواباً ولا نخاف عقاباً ، وكنّا أكثر منكم فوالله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن مقام تقدّمناه ، حتى بعث الله رسوله منكم فسبق إليه صاحبكم فوالله ما زال يكره شركنا ويتغافل به عنا ، حتى ولي الأمر علينا وعليكم ، ثمّ صار الأمر إلينا وإليكم ، فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنّه ، ثمّ غيّر فَنَطق ونُطقَ على لسانه ، فقد أوقدتم ناراً لا تطفأ بالماء.
فقال ابن عباس : كنا كما ذكرت حتى بعث الله رسوله منّا ومنكم ، ثمّ ولي الأمر علينا وعليكم ، ثمّ صار الأمر إلينا وإليكم ، فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنّه ولما هو أفضل من سنّه ، فوالله ما قلنا إلاّ ما قال غيرنا ، ولا نطقنا إلاّ بما نطق به سوانا ، فتركتم الناس جانباً وصيّرتمونا بين إن أقمنا متهمّين ، أو نزعنا مُعتَبن ، وصاحبنا من قد علمتم والله لا يهجهج مهجهج إلاّ ركبه ، ولا يرد حوضاً إلاّ أفرطه ، وقد أصبحتُ أحبُ منك ما أحببت وأكره ما كرهت ، ولعلّي لا ألقاك إلاّ في خير )(1) .
وكانت بين معاوية وابن عباس في تلك الفترة قصة :
( كان عقيل بن أبي طالب قد تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ـ برغبة
____________________
(1) أنظر الإمامة والسياسة 1 / 27 مط الأمة سنة 1928 م ، مسند أحمد 1 / 57 وهو أوّل حديث فيه من مسند عثمان ، فراجع ، ومرة أخرى 1 / 69.
منها فيه ـ فقالت له : تصير لي وأنفق عليك. فكان إذا دخل عليها ، قالت : أين عتبة بن ربيعة؟ وشيبة بن ربيعة؟ ـ وكانا من المقتولين ببدر ـ فيسكت عنها ، حتى إذا دخل عليها يوماً وهو بَرِم ، قالت : أين عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة؟ قال : عن يسارك في النار إذا دخلتِ ، فشدّت عليها ثيابها ، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له ، فضحك فأرسل إلى ابن عباس ومعاوية ـ وكان يومئذ بالمدينة ـ فقال ابن عباس : لأفرقنّ بينهما ، وقال معاوية : ما كنت لأفرّق بين شيخين من بني عبد مناف ، فأتيا فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما فرجعا )(1) .
فهكذا بدايات مؤسفة لابدّ أن تأتي بنتائج سيئة ، ونهايات محزنة ، وتبقى نار العداوات بين الأجداد تورث في الأولاد والأحفاد ، فإنّ تخبو حيناً فإنّها أحياناً تستعر حين توافيها الظروف وينفخ فيها هوى الأهواء ، فإن بدت منذ أيام عثمان وقدتها ، فقد توقدت في أيام معاوية جمرتها ، فكانت أيام سوء على المسلمين عامّة وعلى بني هاشم خاصة ، وقد طالت أربعين عاماً ـ عشرين منها والياً على الشام وعشرين منها ملكاً على المسلمين ـ وجرت في أيامه أنهار الدماء من شيعة الإمام عليه السلام إذ عمّهم بالبلاء ، وكان يتربص بأهل البيت عليهم السلام فأضمر لهم كلّ مكروه ، وجرّعهم الغصص بما لا يوفّي حقّه القَصَص.
وكان ابن عباس مستهدفاً لمعاوية منذ حين ، ومرّ بنا مخادعته
____________________
(1) المصنف لعبد الرزاق 6 / 512 / 513 ، وقارن تفسير الطبري 5 / 45 باختصار.
ومخاتلته في حرب صفين ، وتراكمت التداعيات من بعد إستشهاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وكلّما امتد الزمن بهما كثرت المحاورات بينهما ، ولمّا هادن الإمام الحسن عليه السلام حقناً للدماء ، بعد أن رأى خَوَر الكثير من أصحابه ، ونفاق بعضهم ممن استمالهم معاوية ، فكانوا له عيوناً في العراق ، فاستقامت لمعاوية بسياسة الخداع الحكومة ، وصار أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم في ضنك وضيق ، فكانوا يفدون عليه بالشام لأخذ عطائهم ممّا يفوّقهم فيه تفويقاً ، ضغطاً عليهم وتضييقاً.
وكان ابن عباس أكثرهم جدالاً وجلاداً مع معاوية ، فهو حين يدمغه بالحجة ، يتركه مراوغاً بالمودة والنسب ، تفادياً من غرب لسانه.
فكان يتقيه ، وكان ابن عباس يتعمّد إساءته ويتطلب مناظرته ، لكن معاوية يتهرّب ما وسعه الهرب ، ويقول : ( ما باحثت أحداً في عقله أشد علماً من ابن عباس )(1) .
فقد روى الراغب الإصفهاني في كتابه ( محاضرات الأدباء ) في باب ذم المراء في المناظرة : أنّ ابن عباس قال لمعاوية : هل لك في مناظرتي فيما زعمت؟
قال : وما تصنع في ذلك فأشعب بك وتشعب لي ، فيبقى في قلبك ما لا ينفعك ، ويبقى في قلبي ما يضرك(2) .
____________________
(1) المقفى الكبير للمقريزي 4 / 518 ط دار الغرب الإسلامية بيروت.
(2) مخطوط المكتبة الرضوية برقم ( 4403 ) وفي المطبوعة بمصر 1 / 34 ، والتذكرة الحمدونية 2 / 144 ، وبهجة المجالس 1 / 427 ـ 428.
وقال له معاوية : أخبرني عن بني هاشم وبني أميّة؟
قال : أنت أعلم بهم.
قال : أقسمت عليك لتخبرني.
قال : نحن أفصح وأصبح وأسمح ، وأنتم أمكر وأنكر وأغدر(1) .
فكان يحتمل منه قوارع الكلم وقوارص الشتم ، بما هو فيه ما لم ينقل عنه أنّه تحمّله من غيره ، وأحسب أنّ السبب هو معرفته بابن عباس وبما أشتملت عليه جوانحه من أوليات معاوية وفيها فضائحه ، وقد مرّت بعض الشواهد على هذا في الجزء الخامس من الحلقة الأولى ، رغم ما أحيط به شخص معاوية من أسطورة الحلم يبقى ابن عباس كالصقر مع فريسته.
ومن أوّل محاورة جرت بينهما سواء كانت بالشام أو كانت بالمدينة في المسجد الشريف على ملأ من السملمين ، نجد غلبة ابن عباس ، ومنها نعرف مغزى كلمة من قال عن ابن عباس : ( وكان ابن عباس حقّاراً له ). وسنأتي على معناها قريباً تحت عنوان : ( ذلك أدحض لحجتك ).
وكم مرّة أراد معاوية الوقيعة بابن عباس من طريق إحراجه ببعض المسائل ذات الحساسية العالية في نفوس العامّة ، كسؤاله عن الخلفاء واحداً واحداً ، فكان ابن عباس في جوابه مخيباً لظن معاوية في الوقيعة به ، وإسقاطه في أنظار الدهماء.
فقال له مرّة : أنت على ملّة عليّ؟
____________________
(1) نثر الدر 1 / 283 ط دار الكتب العلمية بيروت.
فقال ابن عباس : ولا على ملّة عثمان ، أنا على ملّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(1) .
فسكت معاوية وانقطع مخصوماً ، إذ كان ابن عباس في جوابه موفقاً في التخلص من شرّ أريد به ، فهو لم يخرج من صدق إيمانه في موالاته للإمام عليه السلام إذ كان عليّ عليه السلام على ملّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما لم يغفل عن التعريض بعثمان بأنّه ليس على ملّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأحسب أنّ السؤال والجواب كانا في الشام أمام أولئك الطغام ، الذين أشربوا حبّ العجل وأنشؤا على بغض الإمام عليه السلام وسبّه ، وهذا منه من الأجوبة المسكتة ، التي يبلغ بها حاجته ويدفع بها خصمه.
ولنبدأ بقراءة ما تيسر لي الإطلاع عليه من محاورات عقائدية مع معاوية وأشياعه ، ففيها من فنون الكلام ما تنفع معرفته في أصول الجدل والخصام :
هذه المحاورة ليست هي أوّل لقاء بين ابن عباس وبين معاوية ، بل سبق قبلها لقاء في الشام ، وقد مرّ تحقيق ذلك في الحلقة الأولى في الجزء الخامس ، وقد أخرجها من الفريقين ، جماعة لا يتطرق الريب إلى رواياتهم.
فممن رواها من العامّة :
____________________
(1) حلية الأولياء 1 / 329.
1 ـ الزبير بن بكار ( ت 256 هـ ) في كتابه ( الموفقيات ) ، وهذا ممّا لم يوجد في المطبوع منه ، لكن قد روى النص عنه الأربلي في ( كشف الغمة ) ، وهذا من النصوص الضائعة كغيره ممّا استدركته على المحقق ، وقد بلغ خمسة عشر مورداً. وسيأتي نص رواية الموفقيات في الصورة المنقولة عنها كما في ( كشف الغمة )(1) .
2 ـ الحافظ أحمد بن موسى الأصبهاني المعروف بابن مردويه ( ت 356 هـ ) في مناقبه كما في ( كشف الغمة ) للأربلي. وسيأتي نص روايته كما في الصورة السابقة في وجودها في كشف الغمة.
3 ـ أبو هلال العسكري ، من علماء القرن الرابع في كتابه ( الدلائل ). وسيأتي نص روايته في الصورة التي نقلها عنه السيوطي.
4 ـ الحاكم النيسابوري المتوفى ( ت 405 هـ ) في كتابه ( المستدرك على الصحيحين ). وسيأتي نص روايته في الصورة الأولى.
5 ـ أبو حفص عمر بن عيسى الخطيب الدهلقي ، من أعلام القرن السادس في كتابه ( فضائل الخلفاء )(2) . وسيأتي نص روايته في الصورة الثانية.
6 ـ الحافظ السيوطي ( ت 911 هـ ) في كتابه ( تاريخ الخلفاء ). وسيأتي نص روايته في الصورة الثالثة.
وحسبنا بهؤلاء الحفاظ من العامّة ، فإنّهم أخرجوا الجزء الأوّل من
____________________
(1) كشف الغمة 1 / 406 منشورات الشريف الرضي.
(2) مخطوطة مكتبة آيا صوفيا بتركيا برقم ( 3343 ) تاريخها 919 هـ.
المحاورة.
أمّا من رواها من الخاصة فحسبنا منهم :
1 ـ التابعي الجليل سليم بن قيس الهلالي. وسيأتي نص روايته في الصورة الرابعة.
2 ـ الوزير سعد بن منصور الآبي ( ت 421 هـ ) في كتابه ( نثر الدر )(1) . سيأتي نص روايته في الصورة الخامسة.
3 ـ أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي ، من علماء القرن السادس في كتابه ( الإحتجاج ). وسيأتي نص روايته في الصورة السادسة والتنبيه على أنّه ليس في المطبوع منه أثر.
4 ـ أبو المعالي كافي الكفاة محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون ( ت 562 هـ ) في كتابه ( التذكرة الحمدونية ). وسيأتي نص روايته في الصورة السابعة.
5 ـ بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي ، من أعلام القرن السابع الهجري في كتابه ( كشف الغمة ). وسيأتي نص روايته في الصورة الثامنة والتاسعة.
وحسبنا بمن ذكرناه من علماء الفريقين.
والآن إلى قراءة النص في الصور المتفاوتة في بعض ألفاظها ممّالم يغيّرمن جوهرها شيئاً :
____________________
(1) نثر الدر 1 / 284.
( الصورة الأولى ) :
برواية الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين ) بسنده : عن معروف ابن خربوذ المكي ، قال : ( بينا عبد الله بن عباس جالس ونحن بين يديه إذ أقبل معاوية فجلس إليه ، فأعرض عنه ابن عباس.
فقال له معاوية : مالي أراك معرضاً؟ ألست تعلم أنّي أحق بهذا الأمر من ابن عمك؟
قال : لمَ؟ لأنّه كان مسلماً وكنت كافراً؟
قال : ولكني ابن عم عثمان.
قال : فابن عمي خير من ابن عمك.
قال : إنّ عثمان قتل مظلوماً.
قال : ـ وعندهما ابن عمر ـ فقال ابن عباس : فإنّ هذا أحق بالأمر منك.
فقال معاوية : إنّ عمر قتله كافر وعثمان قتله مسلم.
فقال ابن عباس : ذاك والله أدحض لحجتك )(1) .
وقد مرّ في الجزء الخامس الحلقة الأولى تحقيق حول زمان ومكان المحاورة فراجع(2) .
( الصورة الثانية ) :
روى الخطيبي الدهلقي في ( فضائل الخلفاء ).
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3 / 467.
(2) موسوعة عبد الله بن عباس / الحلقة الأولى 5 / 33 فما بعدها.
( قال معاوية : أنا كنت أولى بالأمر من ابن عمك ، لأنّي ابن عم الخليفة المقتول ظلماً ـ وكان ابن عمر إلى جنبه ـ
قال ابن عباس : هذا أولى بالأمر منك ، لأنّ أباه قُتل قبل ابن عمك )(1) .
أقول : ولا يخفى التخفيف والتلطيف في السياق ، ولا أقول أنّه التحريف في هذه الصورة!
( الصورة الثالثة ) :
ما رواه السيوطي في ( تاريخ الخلفاء ) ، قال :
( وأخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد الله بن معمر ، قال : قدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فأقبلوا عليه ، وأعرض عنه ابن عباس.
فقال : وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمه.
فقال ابن عباس : ولم؟ ألتقدم في الإسلام؟ أم مع سابقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أو قرابة منه؟
قال : لا ولكني ابن عم المقتول.
قال : فهذا أحق به ـ يريد ابن أبي بكر ـ.
قال : إّن أباه مات موتاً.
قال : فهذا أحق به ـ يريد ابن عمر ـ.
____________________
(1) مخطوطة الكتاب في مكتبة أياصوفيا بتركيا برقم ( 3343 ) وتاريخ النسخة 919 هـ.
قال : إنّ أباه قتله كافر.
قال : فذاك أدحض لحجتك إن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه )(1) .
( الصورة الرابعة ) :
ما رواه التابعي سليم بن قيس في كتابه.
( قال سليم وعمر بن أبي سلمة : قدم معاوية حاجاً في خلافته المدينة بعد ما قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، وصالح الحسن عليه السلام مرّ بحلقة من قريش ، فلمّا رأوه قاموا له غير عبد الله بن عباس.
فقال له : يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ ما وجدت في نفسك علي بقتالي أياكم يوم صفين ، يا بن عباس إنّ ابن عمي قتل مظلوماً.
فقال له ابن عباس : فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً ، فسلّم الأمر إلى ولده وهذا ابنه.
فقال : إنّ عمر قتله مشرك.
قال ابن عباس : فمن قتل عثمان؟
قال : قتله المسلمون.
قال : فذلك أدحض لحجتك وأحلّ لدمه ، إن كان المسلمون قتلوه
____________________
(1) تاريخ الخلفاء / 134.
وخذلوه فليس إلا بحق.
قال معاوية : فإنّا قد كتبنا في الآفاق ننهي عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته ، فكفّ لسانك يا بن عباس ، وأربع على نفسك.
فقال له ابن عباس : أتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال : لا.
قال : أفتنهانا عن تأويله؟
قال : نعم.
قال : فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟
قال : نعم.
قال : فأيّما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال معاوية : العمل به.
قال : فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟
قال : سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك.
قال : إنّما أنزل القرآن على أهل بيتي ، فأسأل عنه آل أبي سفيان وأسأل عنه آل أبي معيط؟ أو اليهود والنصارى والمجوس؟
قال معاوية : فقد عدلتنا بهم وصيّرتنا منهم.
فقال له ابن عباس : لعمري ما أعدلك بهم ، غير أنّك نهيتنا أن نعبد الله بالقرآن وبما فيه من أمر ونهي أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ ، أو
عام أو خاص ، أو محكم أو متشابه ، وإن لم تسأل الأمة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا.
قال معاوية : فأقرؤا القرآن وتأولوه ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم من تفسيره ، وما قاله رسول الله فيكم ، وأرووا ما سوى ذلك.
قال ابن عباس : قال الله في القرآن :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .
قال معاوية : يا بن عباس إكفني نفسك وكفّ عنّي لسانك ، وإن كنت لابدّ فاعلاً ، فليكن ذلك سراً ، ولا يسمعه أحدّ منك علانية.
ثم رجع إلى منزله فبعث إليه بخمسين ألف درهم )(2) .
أقول : وقد مرّ بنا في الجزء الخامس من الحلقة الأولى تعقيب على هذه المحاورة في شرعية أخذ المال من الحاكمين الظالمين ، فراجع.
( الصورة الخامسة ) :
رواها الوزير سعد بن منصور الآبي في كتابه ( نثر الدر ) ، قال :
( مرّ معاوية بقوم من قريش ، فلمّا رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس.
فقال : يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك؟ ما ذاك إلاّ لموجدة أنّي قاتلتكم بصفين ، فلا تجد ، فإنّ عثمان ابن عمي قُتل مظلوماً.
قال ابن عباس : فعمر بن الخطاب قُتل مظلوماً.
____________________
(1) التوبة / 32.
(2) كتاب سليم بن قيس2 / 777 و 782 و 784 ط الهادي بتحقيق الأنصاري.
قال : إنّ عمر قتله كافر.
قال ابن عباس : فمن قتل عثمان؟
قال : المسلمون.
قال : فذلك أدحض لحجتك )(1) .
( الصورة السادسة ) :
رواها الطبرسي في ( الإحتجاج ) ـ ولا توجد في المطبوع منه بل رواها عنه صاحب ( القمقام الزخار )(2) ، وهذا يدلّ على نقصان المطبوع من ( الإحتجاج ) ـ قال : وجاء في الاحتجاج وغيره :
( ومرّ معاوية في اليوم الثاني ، فكان كلّما مرّ بملأ من قريش ترجلوا له وقام الجالس منهم ، إلاّ ابن عباس فلم يفعل ذلك ، فاغتاظ معاوية منه ووجَه خطابه إليه قائلا : ما لك لم تسلك مسلك أصحابك؟ أنا على يقين من أنّ غصة صفين ما زالت تعتادك في باطنك ، ولست أرى غمك نافعك شيئاً ، فإنّي طلبت بثأر ابن عمي عثمان الذي قتل مظلوماً ونهضتُ طالباً بدمه.
فأجابه ابن عباس : إن كنت تطلب بدم المظلوم فإنّ عمر قتل مظلوماً أيضاً.
فقال معاوية : كلا فإنّ عمر قتله كافر.
فقال ابن عباس : فمن قتل عثمان؟
____________________
(1) نثر الدر 1 / 284.
(2) القمقام الزخار 1 / 35 ط قم.
فقال معاوية : قتله المسلمون.
فقال عبد الله : ذلك أدحض لحجتك.
فقال معاوية : يا بن عباس إنّي قد بعثت إلى الآفاق أن لا يذكر أحد من الناس شيئاً من فضل عليّ بن أبي طالب.
فقال ابن عباس : أتمنعنا من تلاوة كتاب الله؟
فقال معاوية : كلا.
فقال ابن عباس : أتمنعنا من تأويله؟
قال معاوية : نعم.
فقال ابن عباس : يا للعجب أفنقرأ كتاب الله ثم لا نفقه معناه؟ قل لي يا معاوية : هل العمل بكتاب الله أوجب أم تلاوته؟
فقال معاوية : بل العمل به.
قال : كيف نعمل به إذا جهلنا معناه؟
قال معاوية : سل غيرك ممن لا يذهب في تأويله مذهبكم أهل البيت.
فقال ابن عباس : إنّ القرآن في بيتنا نزل ، ونحن العالمون به ، أفنسأل آل معاوية وآل أبي سفيان عن معناه؟ أتريد بهذا أن تحول بيننا وبين بيان أحكامه للناس من الحلال والحرام؟
قال معاوية : كلا ، لا أفعل ذلك سجيس الليالي ، بل أقول أعملوا بمعناه وأكتموا ما نزل فيكم منه عن الناس.
قال ابن عباس : إنّك إن تفعل هذا فإنّ الله يقول :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (1) .
قال معاوية : إنّي اليوم أنهاك عن هذا ، وإن أبيت إلاّ عناداً فاحكِ ذلك في السرّ وأياك والعلن.
ولما عاد إلى الشام أرسل إلى ابن عباس بدرة فيها مأة ألف درهم )(2) .
( الصورة السابعة ) :
رواها الحمدوني في ( التذكرة ) ، قال :
( مرّ معاوية بقوم من قريش ، فلمّا رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس.
فقال : يا بن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك؟ ما ذاك إلاّ لموجدة أنّي قاتلتكم بصفين ، فلا تجد ، فإنّ عثمان بن عفان قتل مظلوماً.
قال ابن عباس : فعمر بن الخطاب قتل مظلوماً.
قال : إنّ عمر قتله كافر.
قال ابن عباس : فمن قتل عثمان؟
قال : المسلمون.
قال : فذالك أدحض لحجتك )(3) .
____________________
(1) التوبة / 32.
(2) القمقام الزخار 1 / 35.
(3) التذكرة الحمدونية 7 / 185 تح إحسان عباس وبكر عباس ، ط دار صادر بيروت / 856.
( الصورة الثامنة ) :
رواها الأربلي في ( كشف الغمة ) ، نقلاً عن كتاب ( الموفقيات ) للزبير ابن بكار ، قال :
( حج معاوية فجلس إلى ابن عباس ، فأعرض عنه ابن عباس.
فقال معاوية : لم تعرض عني ، فو الله إنّك لتعلم أنّي أحق بالخلافة من ابن عمك.
قال ابن عباس : لم ذاك لأنّه كان مسلماً وكنت كافراً؟
قال : لا ، ولكن ابن عمي عثمان قتل مظلوماً.
قال ابن عباس : وعمر رحمه الله قتل مظلوماً.
قال : إنّ عمر قتله كافر ، وإنّ عثمان قتله المسلمون.
قال ابن عباس : ذاك أدحض لحجتك.
فأسكت معاوية )(1) .
( الصورة التاسعة ) :
رواها الأربلي أيضاً في ( كشف الغمة ) نقلاً عن مناقب ابن مردويه ، قال : ومنه عن عبيد الله بن عبد الله الكندي ، قال :
( حج معاوية فأتى المدينة وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون ، فجلس في حلقة بين عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ، فضرب بيده على فخذ ابن
____________________
(1) كشف الغمة 1 / 406 ، منشورات الشريف الرضي.
عباس ، ثم قال : أنا كنت أحق وأولى بالأمر من ابن عمك.
قال ابن عباس : وبمَ؟
قال : لأنّي ابن عم الخليفة المقتول ظلماً.
قال : هذا إذن ـ يعني ابن عمر ـ أولى بالأمر منك ، لأنّ أبا هذا قتل قبل ابن عمك.
قال : فانصاع(1) عن ابن عباس )(2) .
هذه نهاية الصور اللاتي عثرت عليها لمحاورة ابن عباس مع معاوية ، وجميعها مهما تكن اختلفت روايتها فقد دلّت على مدى تحقير ابن عباس لمعاوية ، وهو في أوج سلطانه ، كما دلّت على شموخ ابن عباس بقوّة إيمانه ، على أنّه ما زال متهماً عند معاوية بتهمة التحريض على عثمان أو التقصير في نصرته ، وقد سبق لمعاوية أن كتب إليه في ذلك كتاباً ، وقرأ منه جواباً ـ كما مرّ في الجزء الخامس من الحلقة الأولى ، وسيأتي أيضاً في فصل الرسائل ـ وكلّ ما كان يبتغيه معاوية ويحاوله هو استبعاد ابن عباس عن ساحة ولائه للإمام عليه السلام وضمه إلى جانب أعدائه ، ولكنه باء بالفشل ، إذ كان ابن عباس في كلّ محاوراته مع معاوية يُفشل جميع محاولاته ، ويكشف عن زيف ادعاءاته بتهمة دم عثمان.
لنقرأ الآن ماذا قال ابن عباس في وصف الإمام عليّ عليه السلام وقد سأله
____________________
(1) أنفتل بكله عنه وأعرض إلى جهة غيره.
(2) كشف الغمة 1 / 154.
معاوية عن ذلك مراراً ، لا لجهل منه بمعرفته الإمام عليه السلام ، ولكن من خبثه ودهائه ، يحاول زلزلة ابن عباس عن ولائه بعد توليّه الأمر واغداقه بعطائه ، لكن ابن عباس هو ابن عباس الذي كان في حبّه لإمامه عند حسن ظن أبيه العباس به من قبل ، حيث قال عنه في وصيته للإمام :
( أوصيت عبد الله بطاعتك ، وبعثته على متابعتك ، وأوجرته محبتك ووجدت عنده من ذلك ظنّي به لك )(1) .
1 ـ قال الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) : ( كان ابن عباس يقول في عليّ ابن أبي طالب : كان والله يشبه القمر الباهر ، والأسد الخادر ، والفرات الزاخر ، والربيع الباكر ، فأشبه من القمر ضوءه وبهاءه ، ومن الأسد شجاعته ومضاءه ، ومن الفرات جوده وسخاءه ، ومن الربيع خصبه ورخاءه )(2) .
2 ـ وروى البيهقي في ( المحاسن والمساويء ) ، قال :
( سأل معاوية يوماً ابن عباس ، فقال له : صف لي عليّاً؟
فقال : كأنّك لم تره؟
قال : بلى ولكن أحبّ أن أسمع منك فيه مقالاً.
فقال : كان أمير المؤمنين عليه السلام غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا دعوناه ،
____________________
(1) أنظر موسوعة عبد الله بن عباس / الحلقة الأولى / ج1 في ( وصية العباس عند موته ) ، والحلقة الثانية من الموسوعة ج1 في ( مواقف محنة واختبار ).
(2) ربيع الأبرار 4 / 161 ط أوقاف بغداد.
وكان مع تقريبه إيانا وقربه منّا لا نبدأه بالكلام حتى يتبسم ، فإذا هو تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، أما والله يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومُه ، وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ تململ السليم ، وهو يقول : يا دنيا إياي تغرّين؟ أمثلي تشوقين؟ لا حان حينك ، بل زال زوالك ، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها. فعيشك حقير ، وعمركِ قصير ، وخطركِ يسير ، آه آه من بُعد السفر ووحشة الطريق ، وقلّة الزاد.
فأجهش معاوية ومن معه بالبكاء )(1) .
ويبدو أنّ معاوية لم يحصل بغيته من ابن عباس التي كان يتوخاها ، بل كانت النتيجة معكوسة ، حيث كان ابن عباس بوصفه الإمام عليه السلام قد استحوذ على مشاعر السامعين بمن فيهم معاوية ومن معه ، حتى جعلهم يتأثرون فيجهشون بالبكاء لقوّة تأثير كلام ابن عباس فيهم.
وقد كرر معاوية الطلب ثانية وأدرك ابن عباس بثاقب فهمه ما يدور في خلد خصمه ، فأبعد هذه المرّة في مرماه وبلغ ما يتوخاه.
3 ـ فقد روى الحنبلي في ( نهاية الطلب ) والفضل بن شاذان في كتابيه ( الروضة ، والفضائل ) عن ربعي بن خراش ، قال :
( سأل معاوية عبد الله بن عباس ، فقال : ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟
____________________
(1) المحاسن والمساوي 1 / 28.
فقال : صلوات الله على أبي الحسن عليّ ، كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل الحجى ، وبحر الندى ، وطود النهى ، وعلماً للورى ، ونوراً في ظلم الدّجى ، وداعياً إلى المحجة العظمى ، ومستمسكاً بالعروة الوثقى ، وسامياً إلى الغاية القصوى ، وعالماً بما في الصحف الأولى ، وعاملا ً بطاعة الملك الأعلى ، وعارفاً بالتأويل والذكرى ، ومتعلقاً بأسباب الهدى ، وحائداً عن طرقات الردى ، وسامياً إلى المجد والعلى ، وقائماً بالدين والتقوى ، وسيد من تقمص وارتدى بعد النبيّ المصطفى ، وأفضل من صام وصلى ، وأجل من ضحك وبكى ، صاحب القبلتين ، وهل يساويه مخلوق ، كان أو يكون ، كان والله للأُسد قاتلاً ، وللبهم في الحرب خاتلاً ، على مبغضيه لعنة الله ولعنة العبَاد إلى يوم التناد )(1) .
ولم يترك معاوية حيلة تبلغه حاجته في ابن عباس إلا أتاها ، لكن ابن عباس كان أوعى من أن تنطلي عليه أساليب خداع معاوية ، وتبقى نقطة الخلاف بينهما ساخنة ، ما دامت المواقف متباينة ، فمعاوية يمثل الحقد الأموي بجميع أبعاده ، وابن عباس يمثل عزّة آبائه وأجداده بقوّة إيمانه وإعتقاده ، وفي القمة ولاؤه للإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذا ما كان يغيض معاوية فيتميز غيظاً عند سماع ابن عباس يتحدث عن الإمام عليه السلام ، فقد كان يجمل ويطنب كلّما دعت الحاجة إلى ذلك ، وكلّما بدت البغضاء من أفواه معانديه ، ولو جُمعت كلماته في هذا الشأن لكانت خير مدرسة ولائية.
____________________
(1) الدرجات الرفيعة / 123.
وأطول وصف ورد عنه ، ما رواه الديلمي في ( غرر الأخبار ودرر الآثار ) ، وقد استغرق عدّة صفحات من ص 324 إلى 346 ، فلنقرأ ما رواه : قال الديلمي :
( روي أنّ معاوية سأل عبد الله بن عباس عن أمير المؤمنين؟
فقال له : عليّ سيّد المسلمين ، وإمام المتّقين ، ووارث علم الأوّلين والآخرين ومن تعجّب بمساواته النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الروح الأمين ، وآخاه دون الخلق أجمعين ، وقصم ظهر المشركين والمنافقين ، وحملكم قهراً على الدخول في الدّين ، بعد قتل جدّك وأخيه وخالك وأخيك ، ولست تستطيع أبداً في ذلك أن تكون من المكذّبين ، وكان والله للقرآن تالياً ، وبه عالماً عاملاً ، وللسهو قالياً ، وعن الفحشاء نائياً ، وللشرك آبياً ، وللمعروف فاعلاً ، وعن المنكر ناهياً ، وبدِينه عارفاً ، ومِنَ الله خائفاً ، وعنَ الموبقات صادفاً ، وبالليل قائماً ، وبالنهار صائماً ، ومن دنياه سالماً ، وبعدل البريّة قائماً ، وعن المهلكات زاجراً ، وبنور الله ناظراً ، ولشهوته قاهراً ؛ فاق العالمين علماً ، وزهداً ، وورعاً وكفافاً ، وقناعة ، وبراعة ، وعفافاً ، وحلماً ، وكرماً ، وجهاداً ، وهجرة ، وشجاعة ، وقرابة ، وعبادة ، وإخلاصاً ؛ وأقدمهم إيماناً ، وسادهم زهداً وأمانة وبرّاً وحياطة.
كان والله حليف القرآن ، ومأوى الأنام ، ومولى الأيتام ، ومنتهى الإحسان ، وملاذ الفقراء والضعفاء ، ومعقل الخائف.
كان والله للخلق حصناً ، وللناس عوناً قويّاً ، وعلى الحقّ صابراً ، وفي
ذات الله مجاهداً وفيه محتسباً ، حتّى عزّ الدِّين في الديار ، وعُبِدَ الله في الأقطار والضواحي في الليل والنهار ، وجميع النواحي والقلاع والتلاع ، والقفار والبقاع.
كان والله نوراً في الدجى ، شكوراً في البأساء والضرّاء ، صبوراً على المحنة والبلاء.
كان والله هجّاداً في الأسحار ، كثير الدمع عند ذكر النار ، دائم الذِّكْر والفكر بالليل والنهار ، نهّاضاً إلى كلّ خير ومكرمة ، سَعِيّاً إلى كلّ منجية ، فرّاراً من كلّ موبقة.
كان والله عَلَم الهدى ، وكهف التقى ، ومحلّ الحَجى ، وبحر الندى ، وطود النُّهى ، وزين الورى ، ومعدن العِلْم ، وواسع الحلم.
كان والله داعياً إلى المحجّة البيضاء والطريقة العظمى ، مستمسكاً بالعروة الوثقى ، عالماً بما في الكتب والصحف الأُولى ، عاملاً بطاعة الله الجليل الأعلى ، عارفاً بالتأويل والذكر ، متعلّقاً بأسباب الهدى ، حائداً عن طرقات الردى ، سامياً إلى المجد والعُلى ، قائماً بالحقّ والتقوى ، تاركاً للجور والأذى ، وخير مَنِ انتعل وتردّى ، وأوّل مَن آمن واتّقى ، وسيّد مَن تقمّص وارتدى ، وأصدق مَن تسربل واكتسى ، وأكرم مَن تنفّس وقرى ، وأفضل مَن صام وصلّى ، وأفضل مَن ضحك وبكى ، وأخطب مَن صعد ورقى ، وأفضل مَن مشى على الثرى ، وأبين مَن تعلّق في الورى بعد النبيّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ؛ صلّى القبلتين ، وهاجر الهجرتَين ، فهل يساويه أحد في
الخافقَين؟! زوج خير النسوان ، وولداه السبطان.
كان والله للأسد قتّالاً ، وللحرب سعّاراً ، وفي الهزاهز ختّالاً ، وعلى الأبطال صوّالاً ، وللخير قوّالاً أتنكر يا معاوية شيئاً من ذلك وقد سمعتُ ما كَتَبَ به إليك عن جوابك الذي أرسلته تفتخر فيه عليه؟ وأنا الآن ذاكره ومعيده عليك وهو :
( أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر اصطّفاء الله محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وتأييده إيّاه بمن أيّده من أصحابه ، فقد خبّأ لنا الدهر منك عجباً ، إذ طفقت تخيرنا ببلاء الله فينا ونعمته علينا ، فكنت كناقل الثَمرة(1) إلى هَجَر ، وداعي مُسَدِّدِه إِلى النضال ، وزعمت أنّ أفضل الناس فلان وفلان فذكرت أمراً إن تمَّ اعْتَزَلَك كلّه ، وإن نقص لم يلحقك ثلمته ، وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس؟! وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين والأنصار وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم؟! هيهات ، لقد حَنَّ قِدْحٌ ليس [منها] ، وطفق يحكم فيها من عليه الحُكم لها! ألا تَربَع أيّها الإنسان على ظَلعِكَ ، وتعرف قُصورَ [ذَرعِكَ] وتتأخّر حيث أخّرك القَدَر عليها ، [فما] عليك غَلَبةُ المغلوب ، ولا لك ظْفر الظافر ، فإنَك لَذَهَّابٌ في التَّيه ، رَوّاغٌ عن القصد ، لا ترى غير مخُبِرٍ لك ، ولكن بنعمة الله أُحدِّث إنّ قوماً استشهدوا [في سبيل الله ولكلٍّ فضل ، حتّى إذا استشهد](2) شهيدنا ، قيل : سيّد الشهداء ، وخصّه رسول
____________________
(1) في نهج البلاغة : ( التمر ) بدل من : ( الثمرة ).
(2) ما بين المعقوفتين من نهج البلاغة.
الله سبعين تكبيرة من صلاته عليه(1) أوَلاً أنّ قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله ولكلّ فضل حتّى إذا فُعِلَ بواحدٍ منّا كما فُعِلَ بهم. قيل : جعفر الطيّار ذو(2) الجناحيَن ؛ ولولا نَهَى الله تعالى تزكية المرء لنفسه ، لَذَكَر ذاكِرٌ فضائل لست تنكرها(3) ، تعرفها قلوب المؤمنين ، ولا تمجَّها أسماع السامعين.
فدع عنك ما أنت عنه معزول ومَن(4) مالت به الرَّميّة ، فنحن صنائع ربّنا ، والناس صنائع لنا ؛ ثمّ لم يمنعنا قديمُ عزّنا وعاليُّ طَوْلَنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا ، فنكحنا وأنكحنا ، فِعْل الأكفاء ، ولستم هناك.
وأنّى يكون ذلك كذلك ، ومنّا النبيّ ومنكم المُكذِّب ، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف ، ومنّا سيِّدا شباب أهل الجنّة ومنكم صِبيَةُ النار ، ومنّا خيرة نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب ، في كثيرٍ ممّا لنا وعليكم؟!
فإسلامنا ما قد سُمِع وجاهليّتكم ما لا تدفع ، فكتاب الله يَجمَع لنا ما قد شذّ عنّا ، وهو قوله تعالى :( وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) (5) ، وقوله :( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (6) ، فنحن مَن أولي الأرحام بالقرابة ،
____________________
(1) في نهج البلاغة : وخصّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند صلاته سبعين تكبيرة.
(2) في نهج البلاغة : ( الطيّار في الجنّة وذو ) بدل من ( جعفر الطيّار ذو ).
(3) في نهج البلاغة : ( فضائلَ جمّةً ) بدل من ( لست تنكرها ).
(4) في ( م ) : ( وما ) ، والمثبت من نهج البلاغة.
(5) الأنفال / 75.
(6) آل عمران / 68.
وتارة أولى بالطاعة ؛ ولمّا(1) احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففلجوا عليهم ، فإن يكن الفالج لنا به فالحقّ لنا دونهم ، وإن لم يكن نصرت الأنصار على دعواهم ، وزعمت أنّ لكلّ الخلق حسدت ، وعلى كلّهم بَغَيت ، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك ، فيكون العُذر إليك.
وَتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنكَ عَارُها
وقلتَ : إنّي كنت أقاد كما يُقاد الجَمَل المَخشوش حتّى أَبايعَ ؛ ولَعَمْرُ اللهِ لقد أردتَ أن تذمّ فمدحتَ ، وأن تفضح فافتضحت ، وما على المسلم من غضاضة أن يكون مظلوماً وأن يغتصب حقّه ما لم يكن شاكّاً في دينه ، ومرتاباً في يقينه ؛ وهذه حجّتي إلى غيرك قَصْدُها ، ولكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح منها.
ثمّ ذكرتَ ما كان من أمري وأمر عثمان ، فلك أن تُجاب عن هذا لرحمك منه ، فأيُّنا كان أعدى له ، أهدى إلى مقالته؟! أمَن بذلَ له نصرته فاستقعده واستكفّه ، أم مَنِ استنصره فتراخى عنه وبثّ المنون إليه حتّى أتى قَدَرُه عليه؟! كلاّ والله( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (2) ، وما كنتُ لإعتذر مِن أنّي كنتُ أنقِمُ عليه أحداثاً ، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له ، فَرُبَّ
____________________
(1) في ( م ) : ( وما ) ، والمثبت من نهج البلاغة.
(2) الأحزاب / 18.
مَلُومٍ لا ذنب له.
وقد يَستَفيدُ الظِّنَّة المُتنَصّح
وما أردتُ إلاّ الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
وذكرتَ أنّه ليس لي ولأصحابي عندك إلاّ السيف ، فلقد أضحكت بعد إستعبار! فمتى ألفيت بني عبد المطّلب عن الأعداء ناكلين وبالسيوف مُهدَّدين؟!
فألَبَث قليلاً يَلحَق الهَيْجا حَمْلِ(1)
فسيطلبُكَ مَن تَطلُب ، ويَقرُب منك ما تستبعد ، وأنا مُرْقِل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ، زِحامهم شديد ، وساطع قَتامُهم ، متسربلين سرابيل الموت ، أحَبّ اللقاء إليهم لقاء ربهّم ، قد صحبتهم ذرّيّة بدريّة ، وسيوف هاشميّة قد عَرفتَ مواقع نصولهم في أخيك وخالك وجدّك وأهلك :( وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) (2) .
ثمّ قال له ابن عباس : فهذا كلام عليّ لك ، فهل تجد فيه حالاً تعيبه ، وقد قال الله :( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3) والعهد الإمامة ، حَتَمَ الله حتماً أن
____________________
(1) تكملة البيت : لا بأس بالموت إذا الموت نزل. وهو مثل يضرب به للتهديد بالحرب.
(2) هود / 83.
(3) البقرة / 128.
لا ينالها ظالم ، فكيف بمن عَبَدَ الأصنام واستقسم بالأزلام وشاقّ الله ورسوله وحاربه هذا؟! مِن إين تطلب منازل النبييّن والوصييّن وأولياء ربّ العالمين؟! الذين لم يعصوه طرفة عين ، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، فاقوا العالمين ، ومدحهم الله تعالى في كتابه المبين ، وشهد لهم أنّهم صالحو المؤمنين )(1) .
( دعني ممّا اكره أدعك من مثله )
( قال معاوية لابن عباس : كيف رأيت صنع الله بي وبأبي الحسن؟
فقال ابن عباس : صنعاً والله غير مختل ، عجّله إلى جنّة لن تنالها ، وأخرّك إلى دنيا كان عنه أزالها.
فقال : وإنّك لتحكم على الله؟
فقال : الله حكم بذلك على نفسه( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .
قال : أما والله لو عاش أبو عمرو عثمان حتى يراني لرأى ابن العم.
____________________
(1) أخرج هذه المحاورة الديلمي في غرر الأخبار ودرر الآثار / 342 ـ 346 وأنظرها باختلاف في الألفاظ وفي ترتيب العبارات في : المسترشد للطبري الإمامي 306 ـ 307 / 113 ، توصيف ابن عباس عليّاً لمّا سأله معاوية ، أمّا خطبة أمير المؤمنين عليه السلام الواردة في الخبر ، فأنظر : نهج البلاغة / 385 ـ 389 ، الرسالة 28 ، من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً ؛ وقد عدّ السيّدالرضيّ هذا الكتاب من محاسن الكتب.
(2) المائدة / 45.
فقال : والله لو عاش لعلم أنّك خذلته حين كانت النصرة له ، ونصرته حينما كانت النصرة لك.
قال : وما دخولك بين العصا ولحائها؟
قال : والله ما دخولي بينهما إلاّ عليهما لا لهما. فدعني ممّا أكره أدعك من مثله ، لأن تحسن فأجازي أحبّ إلي من أن تسئ فأكافئ ، ثم نهض ، فاتبعه ـ معاوية ـ بصره وهو يقول :
حصيد اللسان ذليق الكلام |
غير عيّي ولا مسهب |
|
يبذ الجياد بتقريبه |
ويأوى إلى حضر ملهب )(1) |
( تدع لي ابن عمي وادع لك ابن عمك )
روى البلاذري في ( أنساب الأشراف ) نقلاً عن المدائني ، قال :
( قال معاوية لابن عباس : ما حالت الفتنة بيني وبين أحد كان أعزّ عليَّ فقداً وأحبّ إليّ قرباً منك ، فالحمد لله الذي قتل عليّاً.
فقال ابن عباس : أو غير هذا ، تدع لي ابن عمي وأدع لك ابن عمك؟
قال : ذاك لك ، ثم قال : أخبرني عن أبي سفيان؟
قال : اللهمَّ إنّه تجر فأربح ، وأسلم فأفلح ، وكان رأس الشرك حتى انقض.
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 50 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 199 ـ 200.
فقال : يابن عباس في علمك ما تسرّ به جليسك ، ولولا أن أقارضك الثناء لأخبرتك عن نفسك )(1) .
( قد استعملت أنت رجالاً لهواك )
( اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم عبد الله بن عباس ـ وكان جريئاً على معاوية حقّاراً له فبلغه عنه بعض ما يغمّه ـ.
فقال معاوية : رحم الله العباس وأبا سفيان كانا صفيين ( أخوين ـ خ لـ ) دون الناس. فحفظتُ الميت في الحيّ والحيّ في الميت ، إستعملك عليّ يابن عباس على البصرة ، واستعمل عبيد الله أخاك على اليمن ، واستعمل أخاك قثم(2) على المدينة ، فلمّا كان من الأمر ما كان. هنأتكم ما في أيديكم ، ولم أكشفكم عمّا وعته غرائركم ، وقلت أخذ اليوم مالاً واعطي غداً مثله ، وعلمت أن بدء اللؤم يضرّ بعاقبة الكرم لو شئت لأخذت بحناجركم وقيأتكم ما أكلتم. لا يزال يبلغني عنكم ما لا تبرك له الإبل ، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم ، خذلتم عثمان بالمدينة. وقتلتم أنصاره يوم الجمل ، وحاربتموني بصفين. ولعمري بنو تيم وعدي أعظم ذنوباً منّا إليكم وأكبر جرماً عندكم ، إذ صرفوا عنكم هذا الأمر ، وسنّوا
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 / ق4 / 130 تح احسان عباس ط بيروت.
(2) يبدو سقوط جملة ( على مكة وأخاك تمام ) لأن قثم ولاه الإمام عليه السلام على مكة وبقي عليها حتى سنة ( 45 هـ ).
فيكم هذه السنّة. فحتى متى أغض الجفون على القذى وأسحب الذيول على الأذى ، وأقول لعلّ الله وعسى ، ما تقول يابن عباس؟
قال : فتكلم ابن عباس ، فقال : رحم الله أبانا وأباك ، كانا صفيين أخوين متفاوضين ، لم يكن لأبي من مال إلاّ ما فضل لأبيك وكان أبوك كذلك لأبي. ولكن من هنّأ أباك بإخاء أبي أكثر ممن هنأ أبي بإخاء أبيكَ. نصر أبي أباك في الجاهلية وحقن دمه في الإسلام(1) .
وأمّا إستعمال عليّ إيانا فلدينه دون هواه ، قمنا له بالحق ونصحنا في الله الخلق(2) ، وقد استعملت أنت رجالاً لهواك لا لدينك ، منهم ابن الحضرمي على البصرة فقتل ، وبسر بن أرطاة على اليمن فخان غزا الحجاز وأخاف الحرمين مكة والمدينة وقتل منهما رجالاً ، وغزا الطائف وقتل منه رجالاً ، وذبح ابني عبيد الله أخي كفراً وظلماً وعدواناً من غير ذنب ولا جريمة ولم يبلغا الحلم ، وحبيب بن مرة على الحجاز فرُدّ والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة فحصب ، واستعملت ابن عامر(3) على الأنبار وما يليها فغزا أهلها ونهبوها كغزوا الروم والترك ، ونزعوا أقراط المرأة المسلمة من أذنيها واستحلوا سبيهم ، واستعملت زياد بن عبيد الدعيّ على العراق
____________________
(1) يشير إلى يوم جاء العباس بأبي سفيان وقد أردفه خلفه في فتح مكة فاستأمن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(2) ليت الذين اتخذوا تهمته : ببيت مال البصرة ذريعة للنيل من ابن عباس يقرءوا هذه المحاورة ويقفوا عند هذه الجملة يمعنوا النظر فيها ، فلو كان للتهمة نصيباً من الصحة لما سكت معاوية عن تعييره بها في هذا المقام وقد وافته الفرصة للرد عليه
(3) في الكافي وشرح النهج ( أخو غامد ).
فبسط الفساد ، وركب العناد ، وظلم العباد ، وحكم فيهم حكم الجاهلية ، لا يرعى لله حرمة ، ولا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ذمة ، ونصبت أنت الحرب للمسلمين وإمام المتقين وأمير المؤمنين عليه السلام ومَن بسيفه وحده قام الدين ، ولولديه الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، ومن معه من أصحابه وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأردتَ قتلهم وتدميرهم ، وهم من تعرف أهل البيعتين ـ بيعة الشجرة وبيعة الرضوان ـ وقتلت منهم مَن قتلت ، وعمار جلدة ما بين عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن شهد أنه تقتله الفئة الباغية. قال : لا أنالها الله شفاعتي ، وأنت ومن كان معك الفئة الباغية(1) ، وقتلت أويس القرني الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنّه يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر )(2) ، وقال لأصحابه :
____________________
(1) حديث ( عمار تقتله الفئه الباغية ) أخرجه مسلم في صحيحه في الفتن وأحمد في مسنده في عدة موارد ناهزت العشرة والطبراني في الكبير في موارد ثلاثة والخطيب والبيهقي وابن حجر والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم ، راجع موسوعة اطراف الحديث النبوي الشريف تجد عشرات المصادر وموارد ذكر الحديث 4 / 403 ـ 404 وفيها ( تقتل عماراً الفئة الباغية وقاتله في النار ). وفيها ( تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحق ) رواه الخطيب 13 / 187 ، وراجع الموسوعة المذكورة 11 / 205.
(2) ذكره ابن حجر في الإصابة 1 / 133 ط مصطفى محمد فقال ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة وقال : كان ثقة ، وقال : قال ابن عدي ليس له رواية لكن هناك من ينكر وجوده ، إلا أن شهرته وشهرة أخباره لا تسع أحداً أن يشك فيه.
وقال عبد الغني بن سعيد : القرني ـ بفتح القاف والراء ـ هو أويس أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وجوده وشهد صفين مع علي وكان من خيار المسلمين. وروى عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول : ( إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر فمن لقيه منكم فمروه فليستغفر لكم ) ثم ذكر ابن حجر رواة وطرق هذا الحديث ثم ذكر بعض أخبار أو يس إلى أن قال : فاستشهد أويس وجماعة من أصحابه في الرجالة بين يدي علي ، ومن طريق الأصبغ بن نباتة قال شهدت علياً يوم صفين يقول : من يبايعني على الموت؟ فبايعه تسعة وتسعون رجلاً فقال : أين التمام؟ فجاءه رجل عليه أطمار صوف محلوق الرأس فبايعه على القتل فقيل هذا أويس القرني ، فما زال يحارب حتى قتل رحمه الله.
( إنّكم تدركونه فمروه ليستغفر لكم ).
وقال أيضاً فيه تبجيلاً له وتفخيماً لأمره : ( إنّي لأشمّ نفس الرحمن من جانب اليمن ).
وأمّا طلبك ما وراء ظهورنا فلو طلبته بذلناه وقينا به أعراضنا ، وكان أحقر عندنا أن نمنعه ، وليس الذي يبلغك عنّا بأعظم من الذي يبلغنا عنك.
وأمّا ما يبلغك عنا ، فلو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسّنها ، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لقبّحها.
وأمّا خذلنا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه ، وقد خذلته أنتَ وكنتَ قادراً على نصره ومعك أهل الشام ، ولو ضربت بهم البحر لخاضوه ، وإنما تربصت به ليقتل وتطلب الملك بسببه.
وأمّا قتلنا أنصاره يوم الجمل ، فعلى خروجهم ممّا دخلوا فيه.
وأمّا حربنا أياك بصفين ، فعلى إنكارك الحق ونصبك الباطل.
وأمّا إغراؤك إيانا بتيم وعدي ، فلو طلبنا الأمر يوم توفي نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ما غلبونا ، وكنّا بفقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشغل من كلّ شيء ، علماً أنّهم كانوا يعرفون لنا فضلنا على غيرنا.
وأعلم يا معاوية أنّه سبق في علم الله تعالى أنّه يستباح في هذه الأمة الأموال الحرام ، وتسفك الدماء الحرام ، وتسبى الفروج الحرام ، فكره الله
تعالى أن يكون ذلك على أيدينا ، فعدل بالأمر على غيرنا ، فإذا أراد الله ردّ الأمور إلى حقايقها إبتعثنا لها ، يختم بنا كما فتح.
فقال في ذلك ابن أبي لهب :
كان ابن حرب عظيم القدر في الناس |
حتى رماه بما فيه ابن عباس |
|
مازال يهبطه طوراً ويصعده |
حتى استقاد وما بالحق من باس |
|
لم يتركن خطة ممّا تذلّله |
إلاّ كواه بها في فروة الرأس(1) |
( حجتكم فيها مشتبهة )
( حضر عبد الله بن عباس مجلس معاوية بن أبي سفيان وهناك جماعة من بني هاشم ، فأقبل معاوية على ابن عباس وعلى بني هاشم ، فقال : يابن عباس إنّكم تريدون أن تحرزوا الإمامة ( تستحقوا الخلافة ) كما إختصصتم ( استحققتم ) بالنبوة ، والله لا يجتمعان لأحد أبداً ، إنّ حجتكم في الخلافة مشتبهه ( شبهة ) على الناس ، إنّكم تقولون نحن أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فما بال خلافة النبوة ( النبيّ ) في غيرنا؟ وهذه شبهة لأنّها تشبه الحق ، وبها مسحة من العدل ، وليس الأمر كما تظنون ، إنّ الخلافة قد تنقلت في أحياء قريش برضى العامة وبشورى الخاصة. ولسنا نجد الناس يقولون : ليت بني هاشم ولونا ، ولو أنّ بني هاشم ولونا لكان خيراً لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا ، فلا هم حيث أجتمعوا على غيركم تمنوكم ، ولو كنتم أزهدتم فيها أمس كما
____________________
(1) العقد الفريد 4 / 8 تح أحمد امين ورفيقيه ط لجنة التأليف والنشر ، نزهة السامع للحلواني.
تقولون ما قاتلتم ( لم تقاتلوا ) عليها اليوم. وأمّا ما زعمتم أنّ لكم ملكاً هاشمياً ومهدياً قائماً ، فالمهدي عيسى بن مريم عليه السلام وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه ، ووالله ( ولعمري ) لو ملكتموها ( ملكتمونا ) يا بني هاشم لما كانت ريح عاد ولا صاعقة ثمود بأهلك للناس منكم ثم سكت.
فقال عبد الله بن عباس : أمّا قولك يا معاوية إنّا نحتج بالنبوة في إستحقاق الخلافة ، فهو والله كذلك ، فإذا لم نستحق الخلافة بالنبوة فبم نستحق؟
وأمّا قولك إنّ الخلافة والنبوة لا يجتمعان لأحد ، فأين قول الله عزّ وجلّ :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) (1) ، فالكتاب هو النبوة والحكمة هي السنة ، والملك هو الخلافة ، فنحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد ، والسنة لنا ولهم جارية إلى يوم القيامة.
وأمّا دعواك على حجتنا أنّها مشتبهة ، فليس كذلك فهي ، والله أضوء من الشمس ، وأنور من القمر ، كتاب الله معنا وسنة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم فينا ، وإنّك لتعلم ذلك ، ولكن ثنى عطفّك وصعر خدك ، قتلنا أخاك وجدك وعمك وخالك ، فلا تبك على عظام حائلة وأرواح زائلة في الهاوية ، ولا نغضبن لدماء أراقها الشرك وأحلها الكفر ، ووضعها الإسلام.
وأمّا ترك تقديم الناس لنا فيما خلا ، وعدولهم عن الإجتماع أن
____________________
(1) النساء / 54.
يجتمعوا علينا ، فما حرموا منّا أعظم ممّا حرمنا منهم ، وكلّ أمر إذا حصل حصل حاصله ، ثبت حقه وزال باطله.
وأمّا إفتخارك بالملك الزائل ، الذي توصلت إليه بالمجال الباطل ، فقد ملك فرعون من قبلك.
وأمّا قولك إنّا زعمنا أنّ لنا ملكاً ومهدياً ، فالزعم في كتاب الله شك ، قال الله :( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ) (1) ، فكلّ يشهد أنّ لنا ملكاً ، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لبعث الله لأمره من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، وما تملكون يوماً يا بني أمية إلاّ ملكنا يومين ، ولا شهراً إلاّ ملكنا شهرين ، ولا حولاً إلاّ ملكنا حولين.
وأمّا قولك أنّ المهدي عيسى بن مريم ، فإنّما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه ذاب كما تذوب الشحمة ، والإمام رجل منّا يصلي خلفه عيسى بن مريم لو شئت سميته.
وأمّا قولك : إنا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من ريح عاد وصاعقة ثمود فإنهما كانا عذاباً ، وملكنا والحمد لله رحمة ، فقول الله يكذبك في ذلك ، قال الله عزوجل :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (2) .
وسيكون من بعدك تملّك ولدك وولد أبيك ، أهلك للخلق من الريح
____________________
(1) التغابن / 7.
(2) الانبياء / 107.
العقيم ، ثم ينتقم الله بأوليائه وتكون العاقبة للمتقين )(1) .
( فإنّ الباطل لا يغلب الحق )
( عن عبد الملك بن مروان ، قال : كنا عند معاوية ذات يوم وقد أجتمع عنده جماعة من قريش وفيهم عدّة من بني هاشم.
فقال معاوية : يا بني هاشم بم تفخرون علينا ، أليس الأب والأم واحداً والدار والمولد واحداً؟
فقال ابن عباس : نفخر عليكم بما أصبحت تفخر به على ساير قريش ، وتفخر به قريش على الأنصار ، وتفخر به الأنصار على ساير العرب ، وتفخر به العرب على العجم ( برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبما لا تستطيع له إنكاراً ولا منه فراراً ).
فقال معاوية : يابن عباس لقد أعطيت لساناً ذلقاً تكاد تغلب بباطلك حق سواك.
فقال ابن عباس : فإنّ الباطل لا يغلب الحق ، ودع عنك الحسد. فلبئس الشعار.
فقال معاوية. صدقت أما والله إنّي لأحبّك لخصال أربع مع مغفرتي لك خصالاً أربعاً. فأمّا ما أحبّك : فلقرابتك من رسول الله ، وأمّا الثانية فإنّك
____________________
(1) مجالس المفيد / 7 ط النجف ، كشف الغمة / 127 ط حجرية ، بحار الأنوار 8 / 579 ط حجرية ، و 10 / 130 ط تبريز الحجرية ، الفتن والملاحم / 80 نقلاً عن عيون أخبار بني هاشم لمحمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ.
رجل من أسرتي وأهل بيتي ومن مصاص عبد مناف ، وأمّا الثالثة فإنّ أبي كان خلاً لأبيك ، وأمّا الرابعة فإنّك لسان قريش وزعيمها وفقيهها.
وأمّا الأربع التي غفرت لك : فعدوك عليَّ بصفين فيمن عدا ، واساءتك في خذلان عثمان فيمن أساء ، وسعيك على عائشة أم المؤمنين فيمن سعى ، ونفيك عني زياداً فيمن نفى. فضربت أنف هذا الأمر عينه حتى استخرجت عذرك من كتاب الله عزوجل وقول الشعراء.
وأمّا ما وافق كتاب الله عزوجل فقوله :( خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) (1) .
وأمّا ما قالت الشعراء. فقول أخي بني ذبيان :
ولست بمستبق أخا لا تلمه |
على شعث أي الرجال المهذب |
فأعلم أني قد قبلت فيك الأربع الأولى وغفرت لك الأربع الأخرى ، وكنت في ذلك كما قال الأوّل :
سأقبل ممن قد أحب جميله |
وأغفر ما قد كان من غير ذلكا |
ثم أنصت.
فتكلم ابن عباس ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أمّا ما ذكرت أنّك تحبّني لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذلك الواجب عليك وعلى كلّ مسلم آمن بالله ورسوله ، لأنّه الأجر الذي سألكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما آتاكم به من الضياء والبرهان المبين ، فقال عزّ وجلّ :( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا
____________________
(1) التوبة / 102.
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) ، فمن لم يجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما سأله ، خاب وخزي وكبا في جهنم.
وأمّا ما ذكرت أنّي رجل من أسرتك وأهل بيتك ، فذلك كذلك ، وإنّما أردت به صلة الرحم ، ولعمري إنّك اليوم وصول ممّا قد كان ( مع ما كان ) منك ممّا ( فيما ) لا تثريب عليك فيه اليوم.
وأمّا قولك إنّ أبي كان خلاً لأبيك ، فقد كان كذلك ، وقد علمت ما كان من أبي إليه يوم فتح مكة وكان شاكراً كريماً ، وقد سبق فيه قول الأوّل :
سأحفظ من آخى أبي في حياته |
وأحفظه من بعده في الأقارب |
|
ولست لمن لا يحفظ العهد وامقاً |
ولا هو عند النائبات بصاحبي |
وأمّا ما ذكرت أنّي لسان قريش وزعيمها وفقيهها ، فإنّي لم أعط من ذلك شيئاً إلاّ وقد أوتيته ، غير أنّك قد أبيت بشرفك وكرمك إلاّ أن تفضلني ، وقد سبق في ذلك قول الأوّل :
وكلّ كريم للكرام مفضل |
يراه له أهلاً وإن كان فاضلا |
وأمّا ما ذكرتَ من عدوي عليك بصفين ، فوالله لو لم أفعل ذلك لكنت من الأم العالمين ، أكانت نفسك تحدثك يا معاوية أنّي كنت أخذل سيدي وابن عمي أمير المؤمنين وسيد المسلمين ، وقد حشد له المهاجرون والأنصار
____________________
(1) الانبياء / 107.
والمصطفون الأخيار ، ولِمَ يا معاوية أشكاً في ديني ؛ أم جبناً ( حيرة ) في سجيتي؟ أم ضناً بنفسي؟ والله أن لو فعلت ذلك لأختبأته فيّ وعاتبتني عليه.
وأمّا ما ذكرت من خذلان عثمان ، فقد خذله مَن كان أمسّ رحماً به مني وأبعد رحماً مني ، ولي في الأقربين والأبعدين أسوة ، وإنّي لم أعد عليه فيمن عدا بل كففتُ عنه كما كفّ أهل المروآت والحجى.
وأمّا ما ذكرت من سعيي على عائشة ، فإنّ الله تبارك وتعالى أمرها أن تقرّ في بيتها وتحتجب بسترها ، فلمّا كشفت جلباب الحياء ( عصت ربها ) وخالفت نبيّها صلى الله عليه وآله وسلم وسعنا ما كان منا إليها.
وأمّا ما ذكرت من نفيي زياداً ، فإنّي لم أنفه ، بل نفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، وإنّي من بعد هذا لأحبّ ما يسرك في جميع أمورك(1) .
فتكلم عمرو بن العاص ، فقال : يا أمير المؤمنين والله ما أحبّك ساعة قط ، غير أنّه أعطي لساناً ذرباً يقلبّه كيف شاء ، وإن مثلك ومثله كما قال الأوّل وذكر بيت شعر.
____________________
(1) روى الطيالسي في مسنده / 300 ط حيدر آباد بسنده عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أدعي إلى غير أبيه فلن يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها يوجد من مسيرة سبعين عاماً ، فلما رأى ذلك جنادة بن أبي أمية وكان معاوية أراد أن يدعيه ، قال جنادة : إنما أنا سهم من كنانتك فارم بي حيث شئت.
ومن هذا يعلم أن نسب جنادة كنسب زياد ، لذلك أراد معاوية أن يدعيه ، ويعلم أيضاً أن الجميع لا يريحون ريح الجنة ، ولتسخن أعين النواصب الكواذب حين يروون هذا ويروون ما يناقضه.
فقال ابن عباس : إنّ عمرواً داخل بين العظم واللحم ، والعصا واللحا ، وقد تكلم فليستمع ، فقد وافق قرناً. أما والله يا عمرو ، إنّي لأبغضك في الله وما أعتذر منه ، إنّك قمت خطيباً فقلت أنا شانئ محمد فأنزل الله عزّوجلّ :( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (1) ، فأنت أبتر الدين والدنيا ، وأنت شانئ محمد في الجاهلية والإسلام ، وقد قال الله تبارك وتعالى :( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (2) ، وقد حاددتَ الله ورسوله قديماً وحديثاً ، ولقد جهدت على رسول الله جهدك ، وأجلبت عليه بخيلك ورجلك ، حتى إذا غلبك الله على أمرك وردّ كيدك في نحرك وأوهن قوتك ، وأكذب أحدوثتك ، نزعت وأنت حسير ، ثم كدت بجهدك لعداوة أهل بيت نبيّه من بعده ، ليس بك في ذلك حبّ معاوية ولا آل معاوية ، إلاّ العداوة لله عزّوجلّ ولرسوله مع بغضك وحسدك القديم لأبناء عبد مناف ، ومثلك في ذلك كما قال الأوّل :
تعرض لي عمرو وعمرو خزاية |
تعرض ضبع القفر للأسد الورد |
|
فما هو لي ندٌّ فأشتم عرضه |
ولا هو لي عبدٌ فأبطش بالعبد |
فتكلم عمرو بن العاص ، فقطع عليه معاوية.
وقال : أما والله ياعمرو ما أنت من رجاله فإن شئت فقل وإن شئت فدع. فأغتنمها عمرو وسكت.
____________________
(1) الكوثر / 3.
(2) المجادلة / 21.
فقال ابن عباس : دعه يا معاوية فوالله لأسمّنه بميسم يبقى عليه عاره وشناره إلى يوم القيامة تتحدث به الإماء والعبيد ، ويتغنى به في المجالس ويتحدث به في المحافل.
ثم قال ابن عباس : ياعمرو وابتدأ في الكلام.
فمدّ معاوية يده فوضعها على فيّ ابن عباس ، وقال له : أقسمت عليك يابن عباس إلاّ أمسكت ، وكره أن يسمع أهل الشام ما يقول ابن عباس.
وكان آخر كلامه : أخسأ أيّها العبد وأنت مذموم. وافترقوا )(1) .
( ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل )
روى المدائني ، قال :
( وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرّة ، فقال معاوية لابنه يزيد ، ولزياد بن سمية ، وعتبة بن أبي سفيان ، ومروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن أم الحكم :
____________________
(1) الخصال للشيخ الصدوق / 192 ـ 193 ط الحيدرية بتقديمي ، بحار الأنوار 10 / 129 ط تبريز حجرية.
وذكر ما جرى بين ابن عباس ومعاوية من محاورة صاحب مختصر تاريخ الخلفاء ( طبع موسكو 1967 من ورقة 240 بـ إلى ورقة 241 ) وقال : ( وإنما أوردنا هذه الحكاية على وجهها لأن فيها مسائل يقع الشك فيها لكل من تأملها ويشتهى المخرج منها والمظنون أن من جعل عبد الله بن العباس قدوة في ذلك مع علمه وقرباه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكونه في الفتن واختياره لنفسه ، وسار بسيرته وحكم بمثل حكمه كان من الفائزين )
إنّه قد طال العهد بعبد الله بن عباس ما كان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ، ولقد كان نَصَبه للتحكيم فدُفع عنه ، فحركّوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته ، ونقف على كنه معرفته ، ونعرف ما صُرف عنّا من شبا حدّه ، ووُري عَنا من دهاء رأيه ، فربّما وصف المرء بغير ما هو فيه وأعطي من النعت والإسم ما لا يستحقه.
ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس ، فلمّا دخل عليه وأستقرّ به المجلس ، ابتدأه عتبة بن أبي سفيان ، فقال : يا ابن عباس ما منع عليّاً أن يوجّه بك حَكَمَاً؟
فقال : أما والله لو فعل لقرن عمرواً بصعبة من الإبل ، يوجع كتفيه مراسها ، ولأذهلت عقله وأجرضته بريقه ، وقدحت في سويداء قلبه ، فلم يبرم أمراً ولم ينفض تراباً ، إلاّ كنت منه بمرأى ومسمع ، فإن نكثه أرمت قواه ، وإن أرمّه فصمت عراه ، بغرب مقولٍ لا يفل حدّه ، وأصالة رأي كمتاح الأجل ، لا وزر منه ، أصدع به أديمه ، وأفلّ به شبا حدّه ، وأشحذ به عزائم المتقين ، وأزيح به شُبه الشاكين.
فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أمير المؤمنين نجوم أوّل الشر ، وأفول آخر الخير ، وفي حسمه قطع مادته ، فبادره بالحملة وأنتهز منه الفرصة ، وأردع بالتنكيل به غيره ، وشرّد به مَن خلفه.
فقال ابن عباس : يا ابن النابغة ضلّ والله عقلك ، وسفه حلمك ، ونطق الشيطان على لسانك. هلاّ توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال ،
وتكافح الأبطال ، وكثرت الجراح ، وتقصفت الرماح ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولاً ، فانكفأ نحوك بالسيف حاملاً ، فلمّا رأيت الكواثر من الموت ، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه ، والإنكفاء عنه بعد أجابة دعائه ، فمنحته رجاء النجاة عورتك ، وكشفت له خوف بأسه سوأتك ، حذراً أن يصطلمك بسطوته ، أو يلتهمك بحملته ، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته وحسّنت له التعرض لمكافحته ، رجاء أن تُكفى مؤنته ، وتعدم صورته ، فعلم غلّ صدرك وما أنحنت عليه من النفاق أضلعك ، وعرف مقر سهمك في غرضك ، فأكفف غرب لسانك ، وأقمع عوراء لفظك ، فإنّك بين أسد خادر وبحرٍ زاخر ، إن تبرّزت للأسد أفترسك ، وإن عمت في البحر قمسك.
فقال مروان بن الحكم : يا ابن عباس إنّك لتصرّف بنابك ، وتوري نارك ، كأنّك ترجو الغلبة ، وتؤمّل العافية ، ولو لا حلم أمير المؤمنين عنك ، لتناولكم بأقصر أنامله ، فأوردكم منهلاً بعيداً صدرهُ ، ولعمري لئن سطا بكم ليأخذنّ بعض حقه منكم ، ولئن عفا عنكم جرائركم ، فقديماً ما نُسب إلى ذلك.
فقال ابن عباس : وإنّك لتقول يا عدو الله وطريد رسول الله ، والمباح دمه ، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه وركوب أثباجه ، أما والله لو طلب معاوية ثاره لأخذك به ، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوّله وآخره. وأمّا قولك لي إنّك لتصرّف بنابك وتوري نارك ،
فسل معاوية وعمراً يخبراك ليلة الهرير كيف ثباتنا للمثلات ، واستخفافنا بالمعضلات ، وصدق جلادنا عند المصاولة ، وصبرنا على اللأواء والمطاولة ، ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة ، ومباشرتنا بنحورنا حدّ الأسنة ، هل خمنا عن كرائم تلك المواقف ، أم لم نبذل مهجنا للمتالف ، وليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود ، ولا يوم مشهود ، ولا أثر معدود. وإنّهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك ، فاربع على ظلعك ، ولا تتعرض لما ليس لك ، فإنّك كالمغروز في صفد لا يهبط برجل ولا يرقى بيد.
فقال زياد : يا ابن عباس إنّي لأعلم ما منع حسناً وحسيناً من الوفود معك على أمير المؤمنين ، إلاّ ما سولّت لهما أنفسهما ، وغرّهما به مَن هو عند البأساء يسلمهما ، وأيم الله لو وليتهما لأدأبا في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما ، ولقلّ بمكانهما لبثهما.
فقال ابن عباس : إذن والله يقصر دونهما باعك ، ويضيق بهما ذراعك ، ولو رمتَ ذلك لوجدتَ من دونهما فئة صدقاً صبراً على البلاء ، لا يخيمون عن اللقاء ، فلعركوك بكلاكلهم ، ووطؤك بمناسمهم ، وأوجروك مشق رماحهم ، وشفار سيوفهم ، ووخز أسنتهم ، حتى تشهد بسوء ما أتيت ، وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت ، فحذار حذار من سوء النية ، فإنّها ترد الأمنية ، وتكون سبباً لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما ، وسعياً في إختلافهما بعد أئتلافهما ، حيث لا يضرّهما إبساسك ، ولا يغني عنهما إيناسك.
فقال عبد الرحمن بن أم الحكم : لله در ابن ملجم فقد بلغ الأمل وآمن الوجل ، وأحدّ الشفرة وألان المهرة ، وأدرك الثار ، ونفى العار ، وفاز بالمنزلة العليا ، ورقى الدرجة القصوى.
فقال ابن عباس : أما والله لقد كرع كأس حتفه بيده ، وعجّل الله إلى النار بروحه ، ولو أبدى لأمير المؤمنين صفحته ، لخالطه الفحل القطم(1) ، والسيف الخذم(2) ، ولألعقه صاباً وسقاه سماماً ، وألحقه بالوليد وعتبة وحنظلة ، فكلّهم كان أشدّ منه شكيمة وأمضى عزيمة ، ففرى بالسيف هامهم ، ورملهمّ بدمائهم ، وقرى الذياب أشلاءهم ، وفرّق بينهم وبين أحبائهم ، أولئك حَصُب جهنم هم لها واردون ، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً ، ولا غرو أن ختل ، ولا وصم إن قتل ، فأنّا لكما ، قال دريد بن الصمة :
فإنّا للحم السيف غير مكرّه |
ونلحمه طوراً وليس بذى نكر |
|
يغار علينا واترين فيشتفى |
بنا إن أصبنا أو نغير على وتر |
فقال المغيرة بن شعبة : أما والله لقد أشرت على عليّ بالنصيحة فآثر رأيه ، ومضى على غلوائه ، فكانت العاقبة عليه لا له ، وإنّي لأحسب أنّ خَلفَه يقتدون بمنهجه.
فقال ابن عباس : كان والله أمير المؤمنين عليه السلام أعلم بوجوه الرأي ،
____________________
(1) قطِم الفحل ، بالكسر أي اهتاج وأراد الضراب ( الصحاح ـ قطم ).
(2) السيف الخذم ، القاطع ( الصحاح ـ خذم ).
ومعاقد الحزم ، وتصريف الأمور ، من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه وعنف عليه ، قال سبحانه :( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (1) . إلى آخر الآية ، ولقد وقفك على ذكر مبين وآية متلوة ، قوله تعالى :( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) (2) ، وهل كان يسوغ له أن يحكّم في دماء المسلمين وفيء المؤمنين مَن ليس بمأمون عنده ، ولا موثوق به في نفسه ، هيهات هيهات هو أعلم بفرض الله وسنة رسوله ، أن يبطن خلاف ما يظهر إلاّ للتقية ، لات حين تقية ، مع وضوح الحق وثبوت الجنان ، وكثرة الأنصار ، يمضي كالسيف المصلت في أمر الله ، مؤثراً لطاعة ربّه ، والتقوى على آراء أهل الدنيا.
فقال يزيد بن معاوية : يا ابن عباس إنّك لتنطق بلسان طلق ، تنبئ عن مكنون قلب حرق ، فاطو ما أنت عليه كشحاً ، فقد محا ضوء حقنا ظلمةَ باطلكم.
فقال ابن عباس : مهلا يزيد ، فو الله ما صفت القلوب لكم منذ تكدّرت بالعداوة عليكم ، ولا دنت بالمحبّة إليكم مذ نأت بالبغضاء عنكم ، ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت الأمس من أفعالكم ، وإن تدلّ الأيام نستقضي ما شذّ عنّا ، ونسترجع ما ابتزّ منّا ، كيلاً بكيل ووزناً بوزن ، وإن تكن الأخرى فكفى بالله وليّاً لنا ، ووكيلاً على المعتدين علينا.
____________________
(1) المجادلة / 22.
(2) الكهف / 51.
فقال معاوية : إنّ في نفسي منكم لحزازاتُ يا بني هاشمٌ ، وإنّي لخليق أن أدرك فيكم الثأر ، وأنفي العار ، فإنّ دماءنا قبلكم ، وظلامتنا فيكم.
فقال ابن عباس : والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أُسداً مخدّرة ، وأفاعي مطرّقة ، لا يفثؤها كثرة السلاح ، ولا تعضها نكاية الجراح ، يضعون أسيافهم على عواتقهم ، يضربون قدماً قدماً من ناواهم ، يهون عليهم نباح الكلاب ، وعواء الذّئاب ، لا يفاتون بوتر ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر ، قد وطّنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم إلى العلياء هممهم ، كما قالت الأزدية.
قوم إذا شهدوا الهياج فلا |
ضرب ينهنههم ولا زجر |
|
وكأنّهم آساد غيلة قد |
غرثت وبلّ متونها القطر |
فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك ، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم ، وبذلوا دونك مهجهم ، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلول الدمار ، رفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائذين بعصمتها ، لكنت شلواً مطروحاً بالعراء ، تسفي عليك رياحها ، ويعتورك ذبابها ، وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ، ولا أزالتك عن معقود نيتك ، لكن الرحم التي تعطف عليك ، والأواصر التي توجب صرف النصيحة إليك.
فقال معاوية : لله درك يا ابن عباس ، ما تكشف الأيام منك إلاّ عن سيف صقيل ، ورأي أصيل ، وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ،
ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قدكثرهم.
ثم نهض. فقام ابن عباس وأنصرف )(1) .
( إنّما المعيب من يطلب ما ليس له )
( أقبل معاوية ذات يوم على بني هاشم ، فقال : يا بني هاشم ألا تحدثوني عن إدعائكم الخلافة دون قريش بم تكون لكم؟ أبالرضا بكم؟ أم بالإجتماع عليكم دون القرابة؟ أم بالقرابة دون الجماعة؟ أم بهما جميعاً؟ فإن كان هذا الأمر بالرضا والجماعة دون القرابة فلا أرى القرابة أثبتت حقاً ولا أسسّت ملكاً ، وإن كان بالقرابة دون الجماعة والرضا ، فما منع العباس عم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووارثه وساقي الحجيج وضامن الأيتام أن يطلبها وقد ضمن له أبو سفيان بن عبد مناف ، وإن كانت الخلافة بالرضا والجماعة والقرابة جميعاً ، فإنّ القرابة خصلة من خصال الإمامة لا تكون الإمامة بها وحدها ، وأنتم تدّعون بها وحدها. ولكنّا نقول أحق قريش بها من بسط الناس أيديهم إليه بالبيعة عليها ، ونقلوا أقدامهم إليه للرغبة ، وطارت إليه أهواؤهم للثقة ، وقاتل عنها ( عليها ـ خ ل ـ ) بحقها فأدركها من وجهها ، إنّ أمركم لأمر تضيق به الصدور إذا سئلتم عمن إجتمع عليه من غيركم ، قلتم حق ، فإن كانوا اجتمعوا على حق فقد أخرجكم الحق من
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 295.
دعواكم ، أنظروا فإن كان القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم ، وإن كانوا أخذوا حقهم فسلّموا إليهم ، فإنّه لا ينفعكم أن تروا لأنفسكم ما لا يراه الناس لكم. ثم سكت.
فالتفت إليه حبر الأمة ابن عباس لسان قريش وترجمان القرآن قائلاً : ندّعي هذا الأمر بحق مَن لولا حقّه لم تقعد مقعدك هذا ، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ، ويجتمعوا علينا حقاً ضيّعوه وحظاً حرموه ، وقد إجتمعوا على ذي فضل لم يخطئ الورد والصدر ، ولا ينقص فضل ذي فضل فضل غيره عليه ، قال الله عزوجل :( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) (1) .
فأمّا الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعهدٌ منه إلينا قبلنا فيه قوله ، ودِنّا بتأويله ، ولو أمرنا أن نأخذه على الوجه الذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه ، ولا يعاب أحد على ترك حقه ( إنّما المعيب من يطلب ما ليس له ).
وكلّ صواب نافع وليس كلّ خطأ ضاراً. انتهت القضية إلى داود وسليمان فلم يفهمها داود وفُهِمّها سليمان ولم يضّر داود.
فأمّا القرابة فقد نفعتْ المشرك وهي للمؤمن أنفع. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنت عمي ـ العباس ـ وصنو أبي ، ومن أبغض العباس فقد أبغضني ، وهجرتك آخر الهجرة ، كما أن نبؤتي آخر النبوة ) ، وقال لأبي طالب عند موته : ( يا عم قل لا إله إلاّ الله أشفع لك بها غداً ، وليس ذاك لأحد من
____________________
(1) هود / 4.
الناس ) ، قال الله تعالى :( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) (1) (2) .
( أرحني من شخصك شهراً )
روى الجاحظ في ( المحاسن والأضداد ) ، والبيهقي في ( المحاسن والمساوئ ) وهذا لفظه ، قال :
( وروي عن ابن عباس أنّه قال : قدمت على معاوية وقد قعد على سريره وجمع أصحابه ، ووفود العرب عنده ، فدخلت فسلمتُ وقعدت.
فقال : مَن الناس يا بن عباس؟
فقلت : نحن.
قال : فإذا غبتم؟
قلت : فلا أحد.
____________________
(1) النساء / 18.
(2) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 5 ط دار الكتب ، ولم أقف فعلاً على المحاورة في مصدر آخر يوثق به ، ولما كان ابن قتيبة متهما بالنصب ففي النفس ـ ريب من صحة جميع ما ذكر في نفع القرابة بقول ابن عباس : ( فقد نفعت المشرك وهي للمومن أنفع ) وما ذكره من قول النبي لعميه العباس وأبي طالب هو مبعث الشك في صحة المروي ، وذلك أن ابن عباس هو ممن يدافع عن إيمان أبي طالب عليه السلام وكان أبوه قبله يشهد بذلك. فكيف يعقل ويقبل ما ذكره ابن قتيبة في المقام ، ولعله ممّا تزيّده الرواة فصادف هوىً في نفس ابن قتيبة والله أعلم.
قال : ترى أني قعدتَ هذا المقعد بكم؟
قلت : نعم ، فبمن قعدت؟
قال : بمن كان مثل حرب بن أمية.
قلت : بل بمن أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه.
قال : فغضب ، وقال : وار شخصك عنّي شهراً ، فقد أمرت لك بصلتك وأضعفتها لك.
فلما خرج ابن عباس قال لخاصته : ألا تسألوني ما الذي أغضب معاوية؟ إنّه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق مع حرب إلاّ لم يتقدمه أحد حتى يجوزه ، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدّمه التميمي ، فقال حرب : أنا حرب بن أمية ، فلم يلتفت إليه وجاز ، فقال : موعدك مكة ، فبقي التميمي يهزأ دهراً ثم أراد دخول مكة ، فقال : من يجيرني من حرب بن أمية؟ فقالوا : عبد المطلب ، قال : عبد المطلب أجل قدراً دهراً من أن يجير على حرب ، فأتى ليلاً دار الزبير بن عبد المطلب ، فدّق عليه ، فقال الزبير لعبده : قد جاءنا رجل إمّا طالب حاجة ، وإمّا طالب قرى ، وإمّا مستجير ، وقد أعطيناه ما أراد ، قال : فخرج إليه الزبير ، فقال :
لاقيت حرباً في الثنية مقبلاً |
والصبح أبلج ضوءه للساري |
|
فدعا بصوت وأكتنى ليرو عني |
ودعا بدعوته يريد فخاري |
|
فتركته كالكلب ينبح وحده |
وأتيت أهل معالم وبخار |
ليثا هزبراً يستجار بقربه |
رحبّ المباءة مكرما للجار |
|
ولقد حلفت بزمزمٍ وبمكةٍ |
والبيت ذي الأحجار والأستار |
|
إنّ الزبير لما نعي من خوفه |
ما كبّر الحُجّاج في الأمصار |
فقال : تقدم فإنّا لا نتقدم من نجيره ، فتقدم التميمي ، فدخل المسجد فرآه حرب ، فقام إليه فلطمه فحمل عليه الزبير بالسيف ، فعدا حتى دخل دار عبد المطلب ، فقال : أجرني من الزبير ، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس ، فبقي هناك ساعة ، ثم قال له : أخرج ، فقال : كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب ، فألقى عليه رداءاً كان كساه سيف بن ذي يزن له طرتان خضراوان ، فخرج عليهم ، فعلموا أنّه قد أجاره فتفرقوا عنه )(1) .
( لا منكر أعظم من ذبحك الإسلام بشفرة الشرك )
جاء في كتاب ( أخبار الدولة العباسية ) لمؤلف مجهول ، ذكر محاورة شديدة اللهجة ، قوية الحجة جرت بين ابن عباس ومعاوية ، ولم أقف عليها ، في مصدر آخر ، ولا تخلو من إثارة بعض علامات الإستفهام حول بعض ما جاء فيها ، من تنميق لفظي ، وسجع متكلف أحياناً فيما يبدو ،
____________________
(1) المحاسن والمساوئ 1 / 66 ـ 67 ط السعادة بمصر 1325 ، المحاسن والأضداد / 116 ط المعاهد بمصر 1350 هـ.
وكأنّه كلام مصنوع ، ولعلّه من نسج بعض أدباء ذلك العصر الذي عاشه الجاحظ ، أو أبو حيان التوحيدي ، أو أبو العيناء ، ممن قيل فيهم إنّهم يتهمون بمثل هذا ، ولا أريد أن أتهمهم به ، غير أنّ معناه يتفق مع مبناه ، ويتسق مع ما قرأناه ونقرأه من محاورات ابن عباس مع معاوية ، لذلك فلا مانع عندي من إحتمال صحة روايته وإليك حديثه ، قال :
( دخل ابن عباس على معاوية وعنده جماعة من قريش فيهم عبد الله ابن عمر. فلمّا جلس قال له معاوية : إنّك يا بن عباس لترمقني شرراً كأنّي خالفت الحق أو أتيت منكراً.
قال ابن عباس : لا منكر أعظم من ذبحك الإسلام بشفرة الشرك ، واغتصابك ما ليس لك بحق اعتداءً وظلماً.
فقال معاوية : إنّما ذبح الإسلام من قتل إمام الأمّة ونقض العهد ، وخفر الذمة ، وقطع الرحم ولم يرع الحرمة ، وترك الناس حيارى في الظلمة.
قال ابن عباس : كان الإمام من سبق الناس إلى الإسلام طراً ، وضرب خيشوم الشرك بسيف الله جهراً ، حتى انقاد له جماهير الشرك قهراً ، وأدخلك وأباك فيه قسراً ، فكان ذلك الإمام حقاً ، لا من خالف الحق حمقاً ، ومزّق الدين فصار محقا.
فقال معاوية : رفقا يابن عباس رفقاً ، قد أتيت جهلاً وخرقاً ، فوالله ما قلت حقاً ، ولا تحريت في مقالك صدقاً فمهلاً مهلاً. لقد كان من ذكرته إماماً عادلاً ، وراعياً فاضلاً ، يسلك سبيلاً ، مليء حلماً وفهماً ، فوثبتم عليه
حسداً ، وقتلتموه عدواناً وظلماً.
قال ابن عباس : إنّه اكتسب بجهده الآثام ، وكايد بشكه الإسلام ، وخالف السنة والأحكام ، وجار على الأنام ، وسلّط عليهم أولاد الطغام ، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام.
قال معاوية : يابن عباس يحملك شدّة الغضب على سوء الأدب ، حتى لتخلّ في الجواب ، وتحيد عن الصواب ، تقعد في مجلسنا ، تشتم فيه أسلافنا ، وتعيب فيه كبراءنا وخيار أهلنا ، ما ذنب معاوية إن كان عليّ فاته زمانه ، وخذله أعوانه ، وأخذوا سلطانه ، وقعدوا مكانه ، أمّا معاوية فأعطي الدنيا فأمكنكم من خيرها ، وباعدكم من شرّها ، كان لكم صفوها وحلوها ، ولي كدرها ومُرّها.
قال ابن عباس : ذنب معاوية ركوبه الآثام ، وإستحلاله الحرام ، وقصده لظلم آل خير الأنام ، ما رعى معاوية للنبوة حقها ، ولا عرف لهاشم فضلها وقوتها ، وبنا أكرم الله معاوية فأهاننا ، وبنا أعزه الله فأهاننا ، ثم ها هو ذا يصول بعزّنا ، ويسطو بسلطاننا ويأكل فيئنا ، ويرتع في ثروتنا ، ثم يمتنّ علينا في إعلامنا إيانا بأنّه لا يعتذر إلى الله من ظلمنا.
قال معاوية : يا بن عباس إنّ افتخارك علينا بما لا نقر لك به إفك وزور ، وتبجحك بما لا نشهد لك به هباء منثور ، واتكال أبناء السوء على سيادة الأباء ضعف وغرور ، ونحن للورى أنجم وبحور ، نفي بالنذور ، ونصل بالبدور ، وبساحتنا رحى السماحة تدور.
قال ابن عباس : لئن قلت ذلك يا معاوية ، لطالما أنكرتم ضوء البدور ، وشعاع النور ، وسميتم كتاب الله بيننا أسطوراً ، ومحمداً صلى الله عليه وآله وسلم ساحراً وصنبوراً(1) ، ولقول القائل : تلقفّوها يا بني أمية تلقف الكرة لا بعث ولا نشور ، وتنسموا نسيم هذا الروح فما بعده أو بَة ولا كرور ، وكان لعمر الله القطب الذي عليه رحى الضلالة تدور.
فغضب معاوية وقال : يابن عباس أربع على نفسك ، ولا تقس يومك بأمسك ، هيهات ، صرّح الحق عن محضه ، وزهق الباطل عن دحضه ، أمّا إذا أبيت فأنا كنت أحق بالأمر من ابن عمك.
قال ابن عباس : ولم ذاك؟ وعليّ كان مؤمناً وكنتَ كافراً؟ وكان مهاجراً وكنت طليقاً؟
قال : لا ، ولكني ابن عم عثمان.
قال : فإنّ ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من ابن عم عثمان.
قال : إنّ عثمان كان خيراً من عليّ وأطيب.
قال ابن عباس : كلا ، عليّ أزكى منه وأطهر ، وأعرف في ملكوت السماوات وأشهر ، أتقرن يا معاوية رجلاً غاب عن بدر ولم يشهد بيعة الرضوان ، وفرّ يوم التقى الجمعان ، ابن مخنث قريش ، الذي لم يسلّ سيفاً ، ولم يدفع عن نفسه ضيماً إلى قريع العرب وفارسها ، وسيف النبوة
____________________
(1) صنبور : الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر ، وكان كفار قريش يقولون محمد صنبور ، انظر اللسان وتاج العروس مادة صنبر.
وحارسها ، أكثرها علماً ، وأقدمها سلماً ، إذن قسمة ضيزى أبا عبد الرحمن.
قال معاوية : إنّ عثمان قتل مظلوماً.
قال ابن عباس : فكان ماذا؟ فهذا إذن أحق بها منك ، قتل أبوه قبل عثمان ـ يعني ابن عمر ـ.
قال معاوية : إنّ هذا قتله مشرك ، وعثمان قتله المؤمنون.
قال ابن عباس : فذلك أضعف لقولك وأدحض لحجتك ، ليس من قتله المشركون كمن نحره المؤمنون.
فقال معاوية : ترى يا بن عباس أن تصرف غرب لسانك وحدّة نبالك إلى من دفعكم عن سلطان النبوة وألبسكم ثوب المذلّة ، وابتزكم سربال الكرامة ، وصيّركم تبعاً للأذناب بعد ما كنتم عزّ هامات السادات ، وتدع أمية ، فإنّ خيرها لك حاضر ، وشرها عنك غائب.
قال ابن عباس : أمّا تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، عدوا علينا فظلمونا ، وشفوا صدور أعداء النبّوة منّا ، وأمّا بنو أمية فإنّهم شتموا أحياءنا ولعنوا موتانا ، وجاوزوا حقوقنا واجتمعوا على إخماد ذكرنا وإطفاء نورنا ، فيأبى الله إلاّ علوّا ، ولنورنا إلاّ ضياءاً والله للفريقين بالمرصاد.
قال معاوية : ما نرى لكم علينا من فضل ، ألسنا فروع دوحة يجمعنا عبد مناف؟
قال ابن عباس : هيهات يا معاوية ، حدت عن الصواب ، وتركت
الجواب ، بيننا وبينكم برزخ وحجاب ، أنتم الحثالة ونحن اللباب ، ولشتان ما بين العبيد والأرباب ، أتجعل أمية كهاشم؟ إنّ هاشماً كان صميماً كريماً ، ولم يكن لئيماً ولا زنيما ، أوّل من هشم الثريد وسنّ الرحلتين ، وله يقول القائل :
عمرو الذي هشم الثريد لقومه |
ورجال مكة مسنتون عجاف |
|
سفرين سنهما له ولقومه |
سفر الشتاء ورحلة الأصياف )(1) |
( لو ولينا أحسنا المواساة )
أخرج المعافى بن زكريا الجريري في كتاب ( الجليس الصالح ) ، وابن عساكر في ( تاريخ مدينة دمشق ) ، وابن عبد ربه الأندلسي في ( العقد الفريد ) ، واللفظ للأوّل ، بسنده عن هشام الكلبي ، عن أبيه ، قال :
( لم يكن أحد من بني هاشم أكثر غشياناً لمعاوية من عبد الله بن العباس ، فوفد إليه مرّة وعنده وفود العرب ، فأقعده عن يمينه ، ثم أقبل عليه ، فقال : نشدتك بالله يابن عباس أن لو وليتمونا أتيتم إلينا ما أتينا لكم من الترحيب والتقريب ، وإعطائكم الجزيل ، وإكرامكم عن القليل ، وصبرتم على ما صبرت عليه منكم ، إنّي لا أريد أمراً إلاّ أظمأتم صدره ، ولا آتي معروفاً إلاّ صغرتم قدره ، وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم ،
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 47 ـ 50 تح الدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور عبد الجبار المطلبي ط دار الطليعة بيروت 1971 م.
فتأخذوها متكارهين عليها ، تقولون : قد نقص الحق ، وليس هذا تأميلنا ، فأيّ أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم ، أكون أسرّ بإعطائها منه بأخذها ، والله لئن انخدعت لكم في مالي ، وذللت لكم في عرضي ، أرى انخداعي تكرماً وذلي حلماً ، ولو وليتمونا رضينا منكم بالإنصاف ، ثم لا نسألكم أموالكم ، لعلمنا بحالنا وحالكم ، ويكون أبغض الأمور إلينا أحبّها إليكم أن نعفيكم ، قل يابن عباس؟
فقال ابن عباس : ولو ولينا منكم مثل الذي وليتم منّا أحسنا المواساة ، وامتننّا بالإثرة ، ثم لم نغشم الحي ، ولم نشتم الميت ، ولم ينبش الميت بعداوة الحي ، ولأعطينا كلّ ذي حق حقه ، فأمّا أعطاؤكم الرجل منّا ألف ألف ، فلستم بأجود منّا كفّاً ، ولا أكرم منّا أنفساً ، ولا أصون لأعراض المرؤات وأهداف الكرم ، ونحن والله أعطى للآخرة منكم للدنيا ، وأعطى في الحق منكم على الباطل ، وأعطى على التقوى منكم على الهوى ، والقسم بالسوية ، والعدل في الرعية ، يأتيان على المنى ، فأمّا رضاكم منّا بالكفاف ، فلو رضيتم منّا لم نرض بأنفسنا به لكم ، والكفاف رضا من لاحق له ، فلو رضيتم به منا اليوم ما قتلتمونا عليه أمس ، فلا تبخلونا حتى تسألونا ولا تلفضونا حتى تذوقونا(1) .
فقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب :
____________________
(1) العقد الفريد 2 / 317 ط مصر الأولى بن زكريا الحريري 3 / 198 ـ 199 4 / 8 ط مصر تحقيق أحمد أمين ورفيقيه. تاريخ مدينة دمشق 48 / 337 ـ 340 ط دار الفكر بيروت.
وقال ابن حرب قولة أموية |
يريد بما قد قال تفتيش هاشم |
|
أجب يا بن عباس تراكم لو أنّكم |
ملكتم رقاب الأكرمين الأكارم |
|
أتيتم إلينا ما أتينا إليكم |
من الكف عنكم واجتباء الدراهم |
|
فقال ابن عباس مقالاً أمضّه |
ولم يكن عن ردّ الجواب بنائم |
|
نعم لو وليناكم عدلنا عليكم |
ولم تشتكوا منا انتهاك المحارم |
|
ولم يعتمد للحي والميت غمة |
تحدّثها الركبان أهل المواسم |
|
ولم نعطكم إلاّ الحقوق التي لكم |
وليس الذي يعطي الحقوق بظالم |
|
وما ألف ألف تستميل ابن جعفر |
بها يابن حرب عند حزّ الغلاصم |
|
فأصبح يرمي من رماكم ببعضه |
عدو المعادي سالماً للمسالم |
|
فأعظم بما أعطاك من نصح جيبه |
ومن أمر عيب ليس فيه بنادم )(1) |
( بنا فتح الأمر وبنا يختم )
( قال يوماً معاوية وعنده ابن عباس : إذا جاءت هاشم بقديمها وحديثها ، وبنو أمية بأحلامها وسياستها ، وبنو أسد بن عبد العزي بوافدها ودياتها ، وبنو عبد الدار بحجابتها ولوائها ، وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها ، وبنو تيم بصدّيقها وجوادها ، وبنو عدي بفاروقها ومتذكرها ، وبنو سهم
____________________
(1) الجليس الصالح 3 / 198 ـ 199 ، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 48 / 337 ـ 340 ط دار الفكر ، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور 2 / 282 ـ 284 ، العقد الفريد 2 / 317 ط مصر الأولى 14 / 8 تحقيق أحمد امين ورفيقيه.
بآرائها ودهائها ، وبنو جمح بشرفها وأنوفها ، وبنو عامر بن لوي بفارسها وقريعها ، فمن ذا يحمل مضمارها ، ويجري إلى غايتها. ما تقول يابن عباس؟
قال : أقول : ليس حي من قريش يفخرون بأمر إلاّ وإلى جنبهم مَن يشركوهم فيه إلاّ بني هاشم ، فإنّهم يفتخرون بالنبوة التي لا يشاركون فيها ، ولا يسُاوَون بها ، ولا يدفعون عنها ، وأشهد أن الله تعالى لم يجعل محمّداً من قريش إلاّ وقريش خير البرية ، ولم يجعله في بني هاشم إلاّ وهاشم خير قريش ، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلاّ وهم خير بني هاشم ، ولسنا نريد أن نفخر عليكم إلاّ بما تفخرون به على العرب ، وهذه أمّة مرحومة ، فمنها نبيّها ومهديها ومهدي آخرها ، لأنّ بنا فتح الأمر وبنا يختم ، ولك ملك معجّل ، ولنا ملك مؤجّل ، فإن يكن ملككم قبل ملكنا ، فليس بعد ملكنا ملك ، لأنّا أهل العاقبة ، والعاقبة للمتقين )(1) .
( أكفاك أم أزيدك )
أخرج البلاذري في ( أنساب الأشراف ) ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ، وابن منظور في ( مختصر تاريخ دمشق ) ، واللفظة منهم جميعاً بتلفيق :
( قال : معاوية يوماً وعنده عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن عباس ،
____________________
(1) الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس / 81 ـ 82 ، العقد الفريد 2 / 318 ط مصر الأولى تح أحمد أمين ورفيقيه.
والفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب ، وذكروا أنّ معاوية أقبل على بني هاشم ، فقال : يا بني هاشم إنّ خيري لكم ممنوح ، وبابي مفتوح ، فلا تقطعوا خيري عنكم ، ولا تغلقوا بابي دونكم ، وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتاً ، فرأيت أمراً مختلفاً ، إنّكم ترون أنّكم أحق بهذا الأمر منّي بما في يدي منّي ، وأنا أرى أنّي أحق به منكم ، فإذا أعطيتكم العطية فيها قضاء حقوقكم قلتم : أعطانا دون حقنا ، وقصر بنا عن قدرنا دون منزلتنا ، فصرت كالمسلوب لا يحمد على ما أخذ منه ، فبئست المنزلة نزلت بها منكم ، أعطي فلا أشُكر ، وأمنع فلا أعذر ، ونعمت المنزلة نزلتم بها منّي ، إنصاف قائلكم ، وإعطاء سائلكم.
فقال له عبد الله بن عباس : ما ههنا سلوب غيرنا ، إذ كان الحق حقنا دون الناس ، ووالله ما منحتنا شيئاً حتى سألناه خيرك حتى طلبناه ، ولا فتحت لنا بابك حتى قرعناه ، ولئن قطعت عنا خيرك فخير الله لنا أوسع منك إنّ الله عزّ وجلّ لأرحم بنا منك ، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفنّ أنفسنا عنك ، فوالله ما سألنا قط عن خلّة ولا أحفيناك في مسألة ، ولا سألناك باهظة ، وإنّ من ضعة الدين وعظيم الفتنة في المسلمين قرعنا بابك ، وطلبنا ما في يدك.
فأمّا هذا المال الفيئ فليس لك منه إلاّ ما لرجل من المسلمين ، ولنا في كتاب الله حقان : حق خمس الغنيمة وحق الفيئ ، فخمس الغنيمة ما غُلبنا عليه ، والفيئ ما اجتبيناه ، فعلى أيّ الوجوه خرج ذلك منك أخذنا ، وحمدنا
الله عليه ، ثم لم نخلك من شكر خير جرى على يدك ، ولولا حقنا في هذا المال ما أتاك منّا زائر يحمله خفّ ولا حافر ، أكفاك أم أزيدك؟
فقال معاوية : حسبك يابن عباس كفاك كفاك فإنّك تكوي ولا تغوي.
فقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب :
ألا أبلغ معاوية بن صخر |
فإنّ المرء يعلم ما يقول |
|
لنا حقان حق الخمس وافٍ |
وحق الفيئ جاء به الرسول |
|
فكلّ عطية وصلت إلينا |
وإن سحبت لخدعتها الذيول |
|
ففي حكم القرآن لنا مزيد |
على ما كان لا قال ولا قيل |
|
أنأخذ حقنا وتريد حمدا |
له هذاك تأباه العقول |
|
فقال له ابن عباس مجيبا |
فإنّ جوابه صدع أصيل |
|
فأدركه الحياء فصدّ عنه |
وخطبهما إذا ذكرا جليل )(1) |
( حسبك يرحمك الله )
أخرج البلاذري في ( أنساب الأشراف ) بسنده عن جويرية :
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 / ق4 / 111 ـ 113 برقم 333 ط بيروت 1400 هـ بتحقيق الدكتور أحسان عباس ، العقد الفريد 2 / 317 ط مصر الأولى ، أمل الآمل للجاحظ / 28 ـ 29 تحقيق الدكتور رمضان شش ط دار الكتاب الجديد بيروت سة 1387 هـ ، المستطرف للإبشيهي 1 / 58 ، ثمرات الأوراق لابن حجة بهامش المستطرف 1 / 135 ، وأخبار العباس ـ الدولة العباسية ـ / 54 ـ 56 تحقيق الدكتور الدوري وعبد الجبار المطلبي بيروت سنة 1971 م.
( أنّ عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عباس : يا بني هاشم ، أما والله لقد تقلدتم من دم عثمان كفرم الإماء العوارك ، وأطعتم فُسآق أهل العراق في عيبه ، وأجزرتموه مراّق أهل مصر ، وآويتم قتلته ، وإنّما نظر الناس إلى قريش ، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف ، ونظر بنو عبد مناف إلى بني هاشم.
فقال ابن عباس لمعاوية : ما تكلّم عمرو إلاّ عن رأيك ، وإنّ أحق الناس أن لا يتكلم في قتل عثمان لأنتما ، أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما صنع ، حتى إذا حُصِر طلب نصرك ، فأبطأت عنه وتثاقلت وأحببت قتله ، وتربصت لتنال ما نلت. وأمّا أنت يا عمرو فأضرمتَ المدينة عليه ناراً ، ثم هربتَ إلى فلسطين ، فأقبلت تحرض عليه الوارد والصادر ، فلمّا بلغك قتله ، دعتك عداوة عليّ إلى أن لحقت بمعاوية ، فبعت دينك منه بمصر.
فقال معاوية : حسبك يرحمك الله ، عرّضني لك ونفسه فلا جزي خيراً )(1) .
( فاتق الله يا معاوية )
روى صاحب كتاب ( نزهة السامع ) ، والديلمى في ( غرر الأخبار ودرر الآثار ) ، عن ابن عباس :
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 / ق4 / 94 برقم 300 ، تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 238 ، سير اعلام النبلاء للذهبي 3 / 252 ط دار الفكر بيروت ، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 13 / 263.
( أنّه دخل على معاوية يوماً وكان مريضاً ، فرآه معاوية على تلك الحال فطمع فيه. فقال : يا بن عباس الله أعلم حيث يجعل رسالته.
فقال له ابن عباس : الحمد لله الذي أنطقك حقّنا ، وعرّفك فضلنا ، والحمد لله الذي جعل الخير منّا ، والنبّوة فينا ، وجعلنا أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
قال : وكان معاوية متكئاً فجلس ، وقال : كيف رأيتم الله حرمكم هذا الأمر الذي عرضتم له مناكبكم؟
فقال له ابن عباس : يا معاوية إنّ الله لم يزل يذود أولياءه عن الدنيا ذياد الراعي أبله عن موارد الهلكة ، وقد قال سبحانه :( قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) (1) . وأيم الله لولا حق النبوّة وحرمة الإسلام ووصية النبيّ بهما عند عدم الناصر ، وغلبة العدو ، لعلمت أنّه يقصر باعك ويضيق منكبك أن تقذف دلواً في طوى(2) شدّ عليها هاشمي رشاءً(3) .
فقال له معاوية : يابن عباس لا أزال أمازحك ولم تحلم.
فقال ابن عباس : إنّ الحلم عمّن يرى له الفضل عليك صعب ، فاتق الله يا معاوية وأعرف الحق لأهله ، ولعمري إنّك لتعرفه ولكنك تنكره )(4) .
____________________
(1) إبراهيم / 30.
(2) الطوى : البئر المبنية بالحجارة.
(3) الرشاء : الحبل الذي يشدّ به الدلو.
(4) غرر الأخبار ودرر الآثار / 270 ، والصوارم المهرقة / 6 ط 1 بتحقيق جلال الدين الحسيني.
( من عذيري من معاوية )
( كان معاوية بن أبي سفيان يلبس الحرير ، فدخل عليه ابن عباس فنهاه فلم ينته ، فقال له : إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إنّه محرم على رجال أمتي ).
قال معاوية : وأنا لا أرى به بأساً.
فقال ابن عباس : من عذيري من معاوية بن أبي سفيان ، أنا أقول له : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يقول : وأنا لا أرى به بأساً )(1) .
( أّيهاً يابن عباس حديثاً في غير هذا )
( استأذن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على معاوية وعنده بطون قريش ، فلمّا نظر معاوية إلى ابن عباس مقبلاً التفت إلى سعيد بن العاص وكان جالساً عن يمينه ، وقال : لألقين على ابن عباس مسائل يعي بجوابها.
فقال له سعيد : ليس ابن عباس ممن يعي بجواب مسائلك.
فلمّا جلس ابن عباس ، قال له معاوية : يابن عباس إنّي أريد أن أسألك عن مسائل.
قال : سل عما بدا لك.
قال : ما تقول في أبي بكر؟
____________________
(1) كذا جاء في رسالة في ترجمة رقية وزينب وأم كلثوم المزوجتين من عثمان / 24 الملحقة بالطبع بكتاب مكارم الأخلاق للطبرسي وفرحة الغري لابن طاووس ط حجرية بإيران.
قال : رحم الله أبا بكر ، كان والله للقرآن تالياً ، وعن المنكر ناهياً ، وبذنبه عارفاً ، ومن الله خائفاً ، وعن الشبهات زاجراً ، وبالمعروف آمراً ، وبالليل قائماً ، وبالنهار صائماً ، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً(1) ، وسادهم زهداً وعفافاً ، فغضب الله على من أبغضه وطعن عليه.
قال معاوية : أيهاً(2) يابن عباس فما تقول في عمر بن الخطاب؟
قال : رحم الله عمر ، كان والله حليف الإسلام ، ومأوى الأيتام ، ومنتهى الإحسان ، ومنهل الإيمان ، وكهف(3) الضعفاء ، ومعقل الحنفاء(4) ، قام بحق الله عزّوجلّ صابراً محتسباً(5) ، حتى أوضح الدين وفتح البلاد ، وآمن العباد ، فأعقب الله على من ينقصه اللعنة إلى يوم الدين.
قال : فما تقول في عثمان؟
قال : رحم الله أبا عمرو كان والله أكرم الجعدة ، وأفضل البررة ، هجاداً بالأسحار ، كثير الدموع عند ذكر النار ، نهّاضاً عند كلّ مكرمة ، سبّاقاً إلى كلّ منحة ، حيّياً أبياً وفياً ، صاحب جيش العسرة ، وختن(6) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأعقب الله على من لعنه لعنة اللاعنين إلى يوم الدين.
____________________
(1) أي رضي بالكفاف ، والكفاف من الرزق ما كفّ عن الناس وأغنى.
(2) أي حسبك وهو أمر بالسكوت عن الإسترسال في الكلام.
(3) الكهف : اللجأ وكذلك المعقل.
(4) الحنفاء : جمع حنيف وهم النسآك.
(5) أحتسب أجراً عند الله بفعله كذا طلب الأجر منه تعالى.
(6) ختن الرجال ـ عند العامة ـ زوج ابنته.
قال : فما تقول في عليّ؟
قال : صلوات الله على أبي الحسن ـ خ ل رضي الله عن أبي الحسن ـ كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل الحجى(1) ، وبحر غيث الندى ، وطود(2) النهى ، ومنتهى العلم للورى ، وكهف العلى ، ونوراً أسفر في الدجى ، وداعياً إلى المحجة العظمى(3) ، ومستمسكاً بالعروة الوثقى ، وعالماً بما في الصحف الأولى ، قائماً بالتأويل والذكرى ، متعلقاً بالأسباب الحسنى ، تاركاً الجور والأذى ، حايداً عن طرقات الردى ، خير من آمن وأتقى ، وأفضل ( سيد ـ خ ل ) من تقمصّ وارتدى ، وأبر ( أفضل ـ ح ل ـ ) من أنتعل وسعى ( حج وسعى ـ خ ل ـ ) ، وأكرم من شهد النجوى ، وأفصح من تنفس وقرأ ، وأكثر من شهد النجوى(4) ، وأخطب أهل الدنيا سوى
____________________
(1) بالكسر والقصر : العقل.
(2) الطود : الجبل. النهي : جمه النهيّة وهي العقل. مثل هدَية وقّدى أي جبل العقل.
(3) المحجة : السبيل والطريق الواضح.
(4) إشارة إلى قوله عليه السلام في حديث المناشدة يوم الشورى حين قال : ( فأنشدكم بالله هل فيكم أحد ناجى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر مرات يقدم بين يدي نجواه صدقة قبلي؟ قالوا : اللهم لا ).
وانما استنشد مشيخة الشورى عن خصوص هذه الفضيلة لأن فيهم من كان له الثراء الطويل العريض ، وزعم له أشياعه أنه كان ينفق كذا ، أو أعطى كذا ( بينما أثبت الإمام عليه السلام انهم على خلاف ما يزعمون بتحدّيهم بآية النجوى في سورة المجادلة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( المجادلة / 12 ـ 13 ).
الأنبياء والنبيّ المصطفى ، صاحب القبلتين ، فهل يوازيه أحد في الورى ، الزاهد في الدنيا ، أنيس المصطفى ، وأبو السبطين(1) ، فهل يقارنه بشر ، وزوج خير النسوان(2) ، فهل يفوقه قاطن بلد ، للأسُوْد قتّال ، وفي الحروب ختّال ، لم تر عين مثله ، ولن ترى أحدٌ حتى القيامة ، ولم أسمع بمثله ، فعلى من أنتقصه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم القيامة والتناد(3) .
____________________
قال الطبري في تفسيره وساق حديثاً بإسناده عن مجاهد قال : نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يصدّقوا فلم يناجي إلا علي بن أبي طالب قدّم ديناراً فتصدّق به ، ثم أنزلت الرخصة في ذلك ، ( تفسير الطبري 28 / 19 ).
وقال الحبري في تفسيره بسنده عن مجاهد قال : قال علي : آية من القرآن لم يعمل بها أحد قبلي ولم يعمل بها أحد بعدي : أنزلت آية النجوى فكان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت إذا أردتُ أن أناجي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بدرهم حتى فنيت ، ثم نسخته الآية التي بعدها.
وهذا الخبر رواه الطبري في تفسيره والنسائي في الخصائص ، والترمذي في صحيحه في أبواب تفسير القرآن والكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، والنسفي الحنفي في تفسيره مدارك التنزيل بهامش تفسير الخازن ، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2 / 21 ، نقلاً عن ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبي يعلى وابن المنذر والدورقي وابن حبان وابن مردويه والترمذي. وله مصادر أخرى كثيرة من التراث السني فضلاً عن التراث الشيعي ، وهذا وحده يكفي في تزييف مزاعم الكاذبين بأن في الصحابة من كان يوازي فضل علي عليه السلام ، فضلاً عن تفضيلهم عليه ، كما هو مذهب أصحاب المفاضلة. وجميع ما ذكره ابن عباس في فضل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فهو من مميزّاته التي لا يوازيه أحد فيها.
(1) هما الحسن والحسين عليهم السلام.
(2) هي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام.
(3) هو يوم القيامة.
قال : أيهاً يابن عباس لقد أكثرتَ في ابن عمك ، فما تقول في أبيك العباس؟
قال : رحَم الله العباس ، أبا الفضل ، كان صنو(1) نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقرة عين صفي الله ، سيد الأعمام ، له أخلاق آبائه الأجواد ، وأحلام أجداده الأمجاد ، تباعدت الأسباب في فضيلته ، صاحب البيت والسقاية والمشاعر(2) والتلاوة. ولم لا يكون كذلك وقد ساسه أكرم من دبّ.
فقال معاوية : أنا أعلم أنّك كلمانّي أهل بيتك.
قال : ولم لا أكون كذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( اللهمَّ فقهه في الدين وعلّمه التاويل ).
ثم قال : يا معاوية إنّ الله جلّ شأنه وتقدست أسماؤه ، خص نبيّه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال ، وبذلوا النفوس دونه في كلّ حال ، ووصفهم الله في كتابه فقال :( رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) (3) ، قاموا بمعالم الدين ،
____________________
(1) الصنو : هو النخلتان أو الثلاث من أصل واحد ، فكل واحدة منهن صنو. وفي الحديث ( عم الرجل صنو أبيه ) ( الصحاح ).
(2) المشاعر في الحج المواقف ، ومنها المشعر الحرام بالمزدلفة.
(3) الفتح / 29.
وناصحوا الاجتهاد للمسلمين ، حتى تهذّبت طرقه ، وقويت أسبابه ، وظهرت آلآء الله واستقرّ دينه ووضحت أعلامه ، وأذلّ الله بهم الشرك ، وأزال رؤوسه ، ومحا دعائمه ، وصارت كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية ، والأرواح الطاهرة العالية ، فقد كانوا في الحياة لله أولياء ، وكانوا بعد الموت أحياء ، وكانوا لعباد الله نصحاء ، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها ، وخرجوا من الدنيا وهم بعدُ فيها.
فقطع عليه معاوية الكلام ، وقال : أيهاً يا بن عباس حديثاً في غير هذا ).
تنبيه : ذكر هذا الحديث بطوله أبو الحسن المسعودي في مروجه(1) ، ولكن المحب الطبري ذكر في ( ذخائر العقبى )(2) ما قاله حبر الأمة في صفة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقط ، ولم يذكر ما قاله في الخلفاء ولا ما قاله في أبيه العباس إلى آخر الحديث ، ويبدو أن تزّيداً طرأ على الخبر من قِبل رواة السوء الضالعين في ركاب الأمويين ، فذكروا أسماء الشيوخ الثلاثة!
ولو كان الخبر صحيحاً بجميع فصوله ، لأورده المحبّ الطبري في ذخائره ، وكان هو أولى بذكره من المسعودي لو صح الخبر. على أنّ ثمّة ما يشير إلى سطو غير مغتفر قد جرى على فصول من كلام ابن عباس في
____________________
(1) مروج الذهب للمسعودي 2 / 82.
(2) ذخائر العقبى / 78.
حق الإمام عليه السلام فوزع منها على الشيوخ ، فقارن ما يأتي في رواية ابن جرير الطبري الإمامي مع ما مرّ في رواية المسعودي.
وقد ذكر أبو الحسن الفتوني في ( ضياء العالمين )(1) ما يتعلق بأمير المؤمنين عليه السلام نقلاً عن أبي بكر الجعابي ، وأبي علي الحداد ، وابن السري ، كلٌ بإسناده عن ربعي بن خراش ، وكذلك روى ابن معصوم المدني في ( الدرجات الرفيعة )(2) نقلاً عن ( نهاية الطلب ) للحنبلي ، وفي ( الدر النظيم ) أيضاً ، ولم يرووا سوى وصف الإمام عليه السلام.
على أنّ للحديث صورة أخرى ذكرها محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي في كتابه ( المسترشد في الإمامة ) ، فكشف كذب ما مرّ في وصف الشيوخ وإليك لفظه ، قال محمد بن جرير :
( وقد وصفه ربّاني هذه الأمّة عبد الله بن عباس ، حيث سأله عنه معاوية ، فقال : كان والله للقرآن تالياً ، وللشر قالياً ، وعن المين نائياً ، وعن المنكرات ناهياً ، وعن الفحشاء ساهياً ، وبدينه عارفاً ، ومن الله خائفاً ، وعن الموبقات صارفاً ، وبالليل قائماً ، وبالنهار صائماً ، ومن دنياه سالماً ، وعلى عدل البرية عازماً ، وبالمعروف آمراً ، وعن المهلكات زاجراً ، وبنور الله ناظراً ، ولشهوته قاهراً ، فاق العالمين ورعاً وكفافاً ، وقناعة وعفافاً ، وسادهم زهداً وأمانة وبراً وحياطة.
كان والله حليف الإسلام ومأوى الأيتام ، ومحل الإيمان ، ومنتهى
____________________
(1) ضياء العالمين ج 2 ( مخطوط ).
(2) الدرجات الرفيعة / 123.
الإحسان ، وملاذ الضعفاء ، ومعقل الحنفاء ، كان للحق حصناً حصيناً ، وللناس عزيزاً قوياً.
كان قايماً بحق الله ، صابراً محتسباً في عز الدين في الديار ، وعبد الله في الأقطار وفي الضواحي والبقاع والقلاع والرباع ، وقوراً في الرخاء ، شكوراً في اللأواء.
كان والله هجّاداً بالأسحار ، كثير الدموع عند ذكر النار ، دايم الفكرة بالليل والنهار ، نهّاضاً إلى كلّ مكرمة ، سعّاءاً إلى كلّ منجية ، فرّاراً من كلّ موبقة.
كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل الحجى ، وبحر الندى ، وطود النهى ، وكنف العلم للورى ، ونوراً أسفر في ظلم الدجى.
كان داعياً إلى المحجة العظمى ، ومستمسكاً بالعروة الوثقى ، وعالماً بما في الصحف الأولى ، وعلاّماً ( عاملاً ـ ظ ـ ) بطاعة الملك الأعلى ، وعارفاً بالتأويل والذكرى ، متعلقاً بأسباب الهدى ، وحايداً عن طرقات الردى ، وسامياً إلى المجد والعلى ، وقايما بالدين والتقوى ، وتاركاً للجور والردى ، وخير من آمن وأتقى ، وسيد من تقمّص وارتدى ، وأبرّ من انتعل وسعى ، وأصدق من تسربل واكتسى ، وأكرم من تنفّس وقرأ ، وأفضل من صام وصلى ، وأفخر من ضحك وبكى ، وأخطب من مشى على الثرى ، وأفصح من نطق في الورى بعد النبيّ المصطفى ، صلّى القبلتين ، فهل يساويه أحد ، وزوج خير النسوان ، فهل يوازيه أحدٌ ، وأبو السبطين ، فهل
يدانيه مخلوق.
كان والله للأسد قتّالاً ، وفي الحرب شغّالاً ، وفي الهزاهز جبالاً ( ختالا ـ ظ ـ ) ، فعلى من لعنه وانتقصه وغصبه حقه لعنة الله والملائكة إلى يوم التناد )(1) .
( وأنتم تصابون في بصائركم )
قال ابن قتيبة في ( المعارف ) :
( ثلاثة مكافيف في نسق : عبد الله بن عباس ، وأبوه العباس بن عبد المطلب ، وأبوه عبد المطلب بن هاشم.
قال : ولذلك قال معاوية لابن عباس : أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم.
فقال ابن عباس : وأنتم يابني أمية تصابون في بصائركم )(2) .
وهذه المُلحة ذكرها أيضاً جماعة من الأدباء في كتبهم ، أذكر منهم :
1 ـ ابن قتيبة أيضاً في كتابه ( عيون الأخبار )(3) .
2 ـ ابن رستة في ( الأعلاق النفيسة )(4) .
____________________
(1) المسترشد في الإمامة / 62 نسخة مخطوطة بمكتبة المرحوم السيد الوالد قد سره وبخطه.
(2) المعارف لابن قتيبة / 287 ط ليدن ، 589 ط بمصر بتحقيق عكاشة.
(3) عيون الأخبار 3 / 210 ط دار بمصر.
(4) الأعلاق النفيسة / 227 ط ليدن 1891.
3 ـ أبو هلال العسكري في ( كتاب الصناعتين )(1) .
4 ـ القاضي التنوخي في ( المستجاد من فعلات الأجواد )(2) ، وفيه : ( أنّه قال له ذلك بعد ما عمي ).
5 ـ الخطيب التبريزي في ( شرح ديوان الحماسة )(3) .
6 ـ الزمخشري في ( ربيع الأبرار )(4) .
وممّا يلحق ممّا يستظرف ذكره من المزح الذي دار بينهما :
( قال معاوية : ما أبين الشبق في رجالكم؟
فقال ابن عباس : هو في نسائكم أبين )(5) .
( كلّ ما قلت لنا يا معاوية من شر بين دفتيك )
قال اليعقوبي في تاريخه :
( وحج معاوية سنة ( 44 هـ ) ، وقدم معه من الشام بمنبر فوضعه عند البيت الحرام ، فكان أوّل من وضع المنبر في المسجد الحرام.
ولمّا صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم وكلّموه في
____________________
(1) كتاب الصناعتين / 313 ط 2 محمد علي صبيح بمصر.
(2) المستجاد في فعلات الأجواد / 247.
(3) شرح ديوان الحماسة 2 / 263 مطبعة حجازي بالقاهرة.
(4) ربيع الأبرار 2 / 257.
(5) عيون الأخبار لابن قتيبة 3 / 210.
أمورهم ، فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن نقر عليكم دماءكم وقد قتلتم عثمان حتى تقولوا ما تقولون ، فو الله لأنتم أحلّ دماً من كذا وكذا ، وأعظم القول.
فقال له ابن عباس : كلّ ما قلت لنا يا معاوية من شرّ بين دفتيك ، وأنت والله أولى بذلك منّا ، أنت قتلتَ عثمان ، ثم قمتَ تغمض على الناس أنّك تطلب بدمه.
فانكسر معاوية.
فقال ابن عباس : والله ما رأيتك صدقتُ إلاّ فزعتَ وانكسرتَ.
قال : فضحك معاوية ، وقال : والله ما أحبّ أنّكم لم تكونوا كلمتموني )(1) .
أقول : يبدو ممّا ذكر المقدسي في ( البدء والتاريخ ) ، أنّ الجماعة الذين كلّموا معاوية هم الحسن والحسين وابن عباس.
فقد قال : ( فلمّا حج معاوية جاءه الحسن والحسين وابن عباس رضي الله عنه ) وسألوه أن يفي لهم بما ضمن.
فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن نوفّر عليكم دماءكم وأنتم قتلتم عثمان ، ولم يعطهم ممّا في الصحيفة شيئاً )(2) .
____________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 198ط الغري.
(2) البدء والتاريخ 6 / 5.
( بدايات قطيعة وهجران )
لقد بدأ تنمر معاوية ينمو ويتزايد ، كما توالت مواقف ابن عباس المغاضبة تتصاعد في حجتّها ، وتبدي للناس سيئات معاوية ، وبلغت الذروة حين توترت العلاقات بين ابن عباس ومعاوية من بعد إستشهاد الإمام الحسن عليه السلام وإظهار معاوية الشماتة بموته ، وقد مرّ في الجزء الخامس من الحلقة الأولى حول هذا الموضوع ما يُحسن مراجعته.
وإنّا في المقام نستعيد ما ذكره الزبير بن بكار ( ت 256 هـ ) في ( الموفقيات ) فيما حكاه عنه الأربلي ( ت 692 هـ ) في ( كشف الغمة ) ، قال :
( وحدّث الزبير ـ بن بكار ـ عن رجاله ، قال : قدم ابن عباس على معاوية ، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض من شأنه ، لمعرفته أنّ معاوية كان يكره إظهاره لشأنه ، وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن عليّ عليه السلام فسجد شكراً لله تعالى ، وبان السرور في وجهه ـ في حديث طويل ذكره الزبير وذكرت منه موضع الحاجة إليه ـ وأذن للناس وأذن لابن عباس بعدهم ، فدخل فاستدناه وكان قد عرف بسجدته.
فقال له : أتدري ما حدث بأهلك؟
قال : لا.
قال : فإنّ أبا محمّد توفي رحمه الله فعظّم الله لك الأجر.
فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، عند الله نحتسب المصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن بن عليّ رحمه الله ، إنّه قد بلغتني سجدتك ، فلا أظن ذلك إلاّ لوفاته ، والله لا يسدّ جسدُه حفرتك ، ولا يزيد انقضاءُ أجله في عمرك ، ولطال ما رُزينا بأعظم من الحسن ثمّ جبر الله.
قال معاوية : كم كان أتى له من العمر؟
قال : شأنه أعظم من أن يُجهل مولده.
قال : أحسبه ترك صبية صغاراً.
قال : كلّنا كان صغيراً فكبر.
قال : أصبحت سيّد أهلك.
قال : أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن عليّ فلا. ثمّ قام وعينه تدمع.
فقال معاوية : لله درّه لا والله ما هيّجناه قط إلاّ وجدناه سيّداً.
ودخل على معاوية بعد انقضاء العزاء ، فقال : يا أبا العباس أما تدري ما حدث في أهلك؟
قال : لا.
قال : هلك أسامة بن زيد فعظّم الله لك الأجر.
قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحم الله أسامة ، وخرج.
وأتاه بعد أيام وقد عزم على محاقته(1) فصلّى في الجامع يوم
____________________
(1) المحاقّة : المخاصمة واثبات حقه وانه أولى به.
الجمعة ، واجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الإسلام والجاهلية وهو يجيب ، وافتقد معاوية الناس فقيل : إنّهم مشغولون بابن عباس ، ولو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل.
فقال : نحن أظلم منه حبسناه عن أهله ، ومنعناه حاجته ، ونعينا إليه أحبّته ، انطلقوا فادعوه ، فأتاه الحاجب فدعاه.
فقال : إنّا بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلي ، أصلي إن شاء الله وآتيه. فرجع ، وصلّى العصر وأتاه.
فقال : ما حاجتك؟
فما سأله حاجة إلاّ قضاها.
وقال : أقسمت عليك لما دخلتَ بيت المال فأخذت حاجتك ـ وإنّما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا فعرف ما يريده ـ.
فقال : إنّ ذلك ليس لي ولا لك ، فإن أذنت أن أعطي كلّ ذي حقّ حقّه فعلت.
قال : أقسمت عليك إلاّ دخلت فأخذت حاجتك.
فدخل فأخذ برنس(1) خزّ أحمر يقال أنّه كان لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، ثمّ خرج ، فقال : يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة؟
____________________
(1) البرنس ثوب يغطي الرأس والبدن كما هو لباس المغاربة في عصرنا.
فقال : ما هي؟
قال : عليّ بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته ، وقد كفاكه الموت ، أحبّ أن لا يشتم على منابركم.
قال : هيهات يا بن عباس هذا أمر دَين أليس أليس؟ وفعل وفعل؟ فعدّد ما بينه وبين عليّ كرّم الله وجهه.
فقال ابن عباس : أولى لك يا معاوية والموعد القيامة ، و( لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) (1) .
وتوجه إلى المدينة اهـ )(2) .
وقال لمعاوية : أيُشتم عليّ على منبر الإٍسلام وهو بناه بسيفه(3) .
وقد روى حُميد الشهيد في الحدائق الوردية المحاورة بطولها مع تفاوت في بعض ألفاظها وختمها بقوله : ( فقال له ابن عباس : الله حسبك فيما قلت ، ثم خرج فلم يلتقيا )(4) .
ولمّا كانت رواية حُميد الشهيد فيها بعض الإضافات خلت منها رواية الأربلي ، حيث قال كما مر : ( وحدث الزبير عن رجاله في حديث طويل ذكره الزبير ، وذكرت منه موضع الحاجة إليه ).
فرأيت من الخير ذكر رواية حُميد الشهيد ، لأنّها تسلّط الضوء على
____________________
(1) الأنعام / 67.
(2) كشف الغمة / 127 ط حجرية سنة 1294 و 1 / 403 منشورات الشريف الرضي.
(3) نثر الدر للآبي 1 / 288 ط دار الكتب العلمية بيروت.
(4) الحدائق الوردية 1 / 186.
انفصام العلاقات لحدْ القطيعة ، فلنقرأ ما رواه حُميد الشهيد ، قال :
( ولمّا نُعِيَ الحسن عليه السلام إلى معاوية ، وعبد الله بن العباس بباب معاوية ، فحُجب ابن عباس حتى أخذ الناس مجالسهم ، ثم أذن له ، فقال : أعظم ألله أجرك يا بن عباس.
قال : فيمن؟
قال : في الحسن بن عليّ.
قال : إذاً لا يزيد موته في عمرك ، ولا يدخل عمله عليك في قبرك ، فقد فقدنا من هو أعظم منهُ قدراًَ وأجل منه أمراً ، فأعقب الله عقبى صالحةٌ.
فخرج ابن عباس وهو يقول :
أصبح اليوم ابن هند شامتّا |
ظاهر النخوة أن مات الحسنْ |
|
ولقد كان عليه عمره |
مثل رضوى وثبير وحضَنْ |
|
فارتع اليوم ابن هند آمنّا |
إنما يقمص(1) بالعير السمَنْ |
|
واتق الله وأظهر توبةً |
إنّما كان كشيءٍ لم يكنْ |
وروينا عن الزهري من طريق السيد الإمام المرشد بالله يحيى ابن الإمام الموفق بالله أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل الحسني الجرجاني عليهم السلام ، رواه بإسنادهِ مع ما تقدم آنفّا ، قال :
قدم ابن عباس على معاوية ، فمكث أيامّا لا يؤذن له ، ثم أذن له ذات
____________________
(1) القمص : هو أن يرفع رجليه وينكس رأسه.
يوم فدخل فإذا معاوية مستبشراً ومن يطيف به.
فقال : يا بن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟
فقال : والله لا أدري ما حدث أهل بيتي غير أنّي أراك مستبشراً ومن يطيف بك.
قال : مات الحسن بن عليّ.
قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يكررها مراراً.
ثم قال : أما والله يا معاوية لا يزيد موته في عمرك ، ولا تسد حفرتُه حفرتك ، ولقد أصبنا بمن كان أعظم منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكفانا الله. ثم خرج من عنده.
قال : فمكث أيامّاً لا يصل إليه ، ثم وصل إليه ذات يومٍ فقال معاوية : يا ابن عباس أتدري ما حدث في أهل بيتك؟
قال : وما حدث في أهل بيتي؟
قال : مات أسامة بن زيد.
قال ابن عباس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحم الله أسامة بن زيد. ثم خرج من عنده.
وقد كان ابن عباس تقشّف وكره أن يتزيَّا بزيَّه ، فيشهّره أهل الشام فيضرُّ به ذلك عند معاوية ، فلمّا رجع إلى منزله ، قال : يا غلام هات ثيابي فو الله لئن جلست أنا لهذا المنافق ينعي إليَّ أهل بيتي(1) واحداً واحداً إنّي إذاً أحمق.
____________________
(1) في ( أ ) : أصحابي.
قال : فقال عليَّ بالمقطّعات فلبسها. قال : ثم قال : عليَّ بعمامة له أسمها : تجوبية(1) فلبسها. وكان من أجمل الناس ، أمدَّهم جسمّاً وأحسنهم شَعَّراً ، وأحسنهم وجهّاً.
قال : ثم أتى مسجد دمشق فدخل ، فلمّا نظر إليه أهل الشام ، قالوا : من هذا؟ ما يشبه هذا إلاّ الملائكة ، ما رأينا مثل هذا! قالوا : هذا ابن عباس ، هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجلس إلى سارية ، وتقوّض إليه الخلق ، فما سُئل عن شيء إلاّ أجابهم به من تفسير من كتاب الله ، ولا حلال ولا حرام ، ولا وقعة كانت في جاهلية ولا إسلام ، ولا شعر كان في جاهلية ولا إسلام إلاّ أجابهم به.
قال : ومعاوية لا يشعر بشيءٍ من هذا ، فانتبه ، فقال للآذن : أئذن لمن بالباب.
قال : أو بالباب أحد؟!
قال : فأين الناس؟
قال : ذهبوا إلى ابن عباس.
قال : هاه قد فعلوها! نحن والله أظلم منه ، وأقطع للرحم ، اذهب يا غلام ، وقل له : أجب أمير المؤمنين. فأتاه الرسول.
قال : فقال ابن عباس : إنّا بنو عبد مناف لا نقوم عن جليسنا حتى يكون هو الذي يقوم ، لكن قد تقاربت الصلاة فإذا صلينا أتينا أمير المؤمنين.
قال : فأتاه الرسول فأخبره. فقال : صدق ، دعه حتى يصلي.
____________________
(1) نسبة إلى تجوب وهي : قبيلة من حمير. القاموس / 90.
قال : فلمَّا صلى جآء ابن عباس حتى دخل عليه ، فقال له معاوية : ما حاجتك يا ابن عباس؟
قال : دينّ عليَّ.
قال : قد أداه الله عنك.
قال : وما أستعين به على الزمان.
قال : وذلك لك. أبقيت لك حاجة؟
قال : لا.
قال : أدخل بيت المال ، فاحمل ما بدا لك.
قال : إنّا بنو عبد المطلب لا نأخذ من مال المسلمين إلاّ ما أحتجنا إليه.
قال : عزمتُ عليك إلاّ ما فعلتَ(1) .
قال : فدخل ابن عباس بيت المال ، فتلفّت يمينّا وشمالاً فرأى برنساً من خزَّ أدكن فتدرّعه ثم خرج به.
قال : قد أخذت حاجتك؟
قال : نعم.
قال : الحق ببلادك.
قال : يا أمير المؤمنين إنّك حيث نعيت إليَّ الحسن بن عليّ آليت على نفسي أن لا أسكن المدينة بعده أبداً ، ولا أجد مكانّاً أجلّ من جوار أمير المؤمنين.
____________________
(1) فليقرأ هذا الذاهبون في التيه وراء تهمة ابن عباس ببيت مال البصرة ، ولو كان لها ظل من الحقيقة لردّ بها عليه معاوية.
قال : هيهات ليس إلى ذلك سبيل.
قال : فبقيت لي حاجة هي أهم الحوائج إلي ، وهي لك دوني.
قال : فأي حاجة لك هي لنا دونك؟ إنا نخاف أن نسارع إليها.
قال : عليّ بن أبي طالب قد كفاك الله مؤنته ، ومضى لسبيله ، وقد عرفت منزلته وقرابته ، فكفّ عن شتمه على المنابر.
قال : هيهات ليس إلى ذلك سبيل يا بن عباس ، هذا موضع دين ، إنّه غشّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسمَّ أبا بكر ، وذمّ عمر ، وقتل عثمان ، فليس إلى الكف عن سبيل.
فقال له ابن عباس : الله حسبك فيما قلت. ثم خرج فلم يلتقيا(1) ، أي لم يلتقيا بالشام ، وإلاّ فقد التقيا بالحرمين كما سيأتي.
وفي إحدى المرات التي وفد عليه بالشام صادف وفود جابر بن عبد الله ، استأذن على معاوية فلم يؤذن له أياماً ، ثم دخل فمثل بين يديه ، فقال : يا معاوية أشهد أنّي سمعت المبارك صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما من أمير احتجب عن الفقراء إلاّ احتجب الله عنه يوم يفتقر إليه.
فغضب معاوية ، وقال : يا جابر ألست ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : ( يا معشر الأنصار سيصيبكم بعدي أثََرةً فاصبروا حتى تلقوني على
____________________
(1) الحدائق الوردية في مناقب آئمة الزيدية ، لحُمّيد الشهيد ( ت 652 هـ ) 1 / 184 ـ 186 ، تحقيق د المرتضى بن زيد المحظوري الحسني مطبوعات مكتبة مركز بدر العلمي والثقافي صنعاء ط الأولى 1423 هـ.
الحوض؟ ).
قال : قد سمعت الطيب المبارك صلى الله عليه وآله وسلم يقول.
قال معاوية : فألاّ صبرت؟
قال : إذن والله أصبر كما صبرتَ حين ضربتُ أنفّك وأنف أبيك حتى دخلتما في الإسلام كارهيَن. ثم أنصرف وهو يقول :
إنّي لأختار البلاء على الغنى |
وأجزأ بالماء القراح عن المخض |
|
وأدّرع الإملاق صبراً وقد أرى |
مكان الغنى كي لا أهينُ له عرضي |
فناشده معاوية أن يأخذ صلته ، وبعث في أثره يزيد بن معاوية ، فقال : والله لا يجمعني وإياه بلد أبداً.
فلمّا خرج لقي عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن سابط ، فقال له ابن عباس : قد بلغني ما كان من ابن آكلة الأكباد ، وكهف النفاق ، ورأس الأحزاب ، هلّم أشاطرك مالي كما قاسمتني مالك ، ولك نصف داري كما أسكنتني دارك.
فقال جابر : ثّمر الله مالك ، وبارك لك في دارك ، فقد أثبت ما أنت أهله ، وقال معاوية ما كان يشبهه )(1) .
( أوّل ذلّ دخل العرب موت الحسن بن عليّ عليه السلام )
كلمة قالها ابن عباس رضي الله عنه وهو يستشعر المرارة بفقده ، والإحباط
____________________
(1) التذكرة الحمدونية 4 / 301 ـ 302 ط صادر.
لجهوده مع معاوية الشانئ الشامت ، إذ ازداد البلاء كما قال المدائني وهو يتحدث عن جرائم معاوية ممّا قد مرّ ذكره في الجزء الخامس من الحلقة الأولى ، فراجع ، وستجد قول المدائني : ( فلم يزل كذلك حتى مات الحسن ابن عليّ عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض )(1) .
ماذا كان موقف ابن عباس من السلطة بعد موت الحسن عليه السلام؟
والآن فلننظر إلى حال ابن عباس من بعد موت الإمام الحسن عليه السلام ، وهو الذي قد استشعر دخول الذلّ على العرب بموته ، فماذا لحقه من هوان وهو من سادات العرب؟ وماذا كان موقف معاوية منه في تلك الفترة؟
روى ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) : ( لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله إلاّ يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام وكتب ببيعته إلى الآفاق ، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم ، فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد ويأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة ثمّ يبايعوا ليزيد.
فلمّا قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريش وكتب إلى معاوية في ذلك.
قال : فعزله وولى سعيد بن العاص. وكتب إليه في ذلك وأن يكتب
____________________
(1) شرح النهج للمعتزلي 3 / 16 ط مصر الأولى.
إليه بمن يسارع ومن لم يسارع. فلمّا أتاه الكتاب دعا الناس إلى البيعة وأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة ، وسطا بكلّ من أبطأ عن ذلك.
قال : فأبطأ الناس عنها إلاّ اليسير ، لا سيما بني هاشم فإنّه لم يجبه منهم أحد
فكتب سعيد إلى معاوية يعلمه بتباطوء الناس عن البيعة لا سيما أهل البيت من بني هاشم فإنّه لم يجبني منهم أحد ، وبلغني عنهم ما أكره
فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس وإلى عبد الله بن الزبير وإلى عبد الله بن جعفر وإلى الحسين بن عليّ رضي الله عنهم كتباً وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها
وكتب إلى ابن عباس : أمّا بعد فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد بن أمير المؤمنين ، وإنّي لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إليَّ ، لأنّك ممّن ألّب عليه وأجلب ، وما معك من أمان فتطمئن به ، ولا عهد فتسكن إليه ، فإذا أتاك كتابي هذا فأخرج إلى المسجد ، والعن قتلة عثمان وبايع عاملي ، فقد أعذر من أنذر ، وأنت بنفسك أبصر والسلام )(1) .
قال ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) : ( فكان أوّل من أجابه عبد الله بن عباس ، فكتب إليه :
أمّا بعد فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت ، وأن ليس معي منك أمان ، وأنّه والله ما منك يطلب الأمان يا معاوية ، وإنّما يطلب الأمان من
____________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 145 ـ 147 ط سنة 1328.
الله ربّ العالمين ، وأمّا قولك في قتلي ، فوالله لو فعلتَ للقيتَ الله ومحمّداً صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم خصمك ، فما أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه ، وأمّا ما ذكرت من أنّي ممّن ألّب على عثمان وأجلب ، فذلك أمر غبتَ عنه ، ولو حضرتَه ما نسبتَ إليَّ شيئاً من التأليب عليه ، وأيم الله ما أرى أحداً غضب لعثمان غضبي ، ولا أعظم أحد قتله إعظامي ، ولو شهدتُه لنصرتُه أو أموت دونه ، ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان ليت الذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه ولا أبقى بعده ، وأمّا قولك لي العن قتلة عثمان ، فلعثمان ولد وخاصة وقرابة هم أحق بلعنهم مني ، فإن شاؤا أن يلعنوا فليلعنوا ، وإن شاؤا أن يمسكوا فليمسكوا والسلام )(1) .
والذي يلفت النظر أنّ معاوية ما زالت حجته المزعومة لإستباحة دماء بني هاشم هي قتل عثمان ، وكأنّهم هم الذين قتلوه ، مع أنّهم أبعد الناس عن تلك التهمة وهم برءاء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، لكن معاوية لا يمنعه من الافتراء مانع ، فليس له من الدين وازع ، وقد مرّ أن كتب لابن عباس يوم كان في البصرة كتاباً ضمّنه نفس تلك التهمة ، وردّ عليه ابن عباس بجواب مرّ ذكره وقد رد التهمة عليه.
أمّا جوابه في هذه المرّة فلا يخلو من ملاحظة تجعلنا في شك ممّا تزيّد فيه الرواة! في غضبه لعثمان غضباً لم يغضبه لأحد إلى آخر ما فيه من
____________________
(1) نفس المصدر 1 / 148.
دسّ. تفضحه مواقفه في الجمل وصفين ضدّ المطالبين بدم عثمان فيما يزعمون ، ثمّ محاوراته مع معاوية وعمرو بن العاص وقد مرّت بما فيها في جرأة وشجاعة ، فراجع.
لمّا فشل ولاة معاوية ـ مروان وسعيد بن العاص ـ في حمل الناس بالمدينة على بيعة يزيد ، رغم الترهيب والترغيب ، والذي أقلق معاوية إمتناع النفر الذين ينظر الناس إليهم على أنّهم أهل الحلّ والعقد ، وهم أولى بالبيعة لهم من يزيد ، وفي مقدمتهم بنو هاشم وعلى رأسهم الإمام الحسين عليه السلام ، ثمّ العبادلة وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس.
ولمّا وافته جوابات الكتب تحمل النذير بخلاف شرّ مستطير ، قرّر أن يذهب بنفسه إلى المدينة ، ويأخذ البيعة لابنه قهراً وقسراً ، ويبدو من حديث ابن قتيبة وابن أعثم أنّه هيّأ الأجواء لاستقباله عن طريق واليه ورجاله ، قال : ( فقدم معاوية المدينة حاجاً ، فلمّا أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه ما بين راكب وماشي
قال : حتى إذا كان بالجرف ـ موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام ـ لقيه الحسين بن عليّ وعبد الله بن عباس.
فقال معاوية : مرحباً بابن بنت رسول الله وابن صنو نبيّه ، ثمّ انحرف إلى الناس ، فقال : هذان شيخا بني عبد مناف ، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه ، فرحّب وقرّب ، فجعل يواجه هذا مرّة ويضاحك هذا أخرى ، حتى
ورد المدينة ، فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلّمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل. فانصرفا عنه ، فمال الحسين إلى منزله ومضى ابن عباس إلى المسجد فدخله )(1) . هذا ما رواه ابن قتيبة.
إلاّ أنّ ابن الأثير ، قال : ( سار ـ معاوية ـ إلى الحجاز في ألف فارس ، فلمّا دنا من المدينة لقيه الحسين بن عليّ أوّل الناس ، فلمّا نظر إليه ، قال : لا مرحباً ولا أهلاً ، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه.
قال : مهلاً فإنّي والله لست بأهل لهذه المقالة.
قال : بلى ولشرّ منها.
ولقيه ابن الزبير ، فقال : لا مرحباً ولا أهلاً ، خبّ ضبّ تلعة ، يدخل رأسه ويضرب بذنبه ، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدقّ ظهره ، نحيّاه عنّي ، فضُرب وجه راحلته.
ثمّ لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقال له معاوية : لا أهلاً ولا مرحباً ، شيخ قد خرف وذهب عقله ، ثمّ أمر فضرب وجه راحلته.
ثمّ فعل بابن عمر نحو ذلك ، فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتى دخل المدينة ، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما يحبّون ، فخرجوا إلى مكة فأقاموا بها ).
ثمّ ذكر خطبة معاوية يتهدد الممتنع عن البيعة وخصوصاً أولئك النفر بالقتل بما فيهم الحسين ، وذكر دخوله على عائشة وجرى ذكر إمتناع
____________________
(1) نفس المصدر.
أولئك النفر وتهديده بقتلهم ، فقالت له : ( فارفق بهم فإنّهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله )(1) .
وهذا الذي ذكره ابن الأثير لعلّه أشبه بسيرة معاوية الرعناء في تلك الفترة ، وقد ذكر ابن كثير أيضاً في تاريخه في حوادث سنة ( 56 هـ ) أخذ البيعة ليزيد ، فقال : ( فبايع له الناس في الأقاليم إلاّ عبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله بن عمر ، والحسين بن عليّ ، وعبد الله بن الزبير ، وابن عباس ، فركب معاوية إلى مكة معتمراً ، فلمّا اجتاز بالمدينة ـ مرجعه من مكة ـ استدعى كلّ واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدده بانفراده )(2) .
وأحسب أنّ ما ذكره ابن الأثير وابن كثير أخذاه من الطبري بصورة مخففة ، ففي تاريخه ذكر إمتناع النفر الخمسة ، ثمّ ذكر كلام معاوية مع كلّ واحد من الأربعة على انفراد ، ولم يذكر ابن عباس(3) ، وهذا ممّا يلفت النظر! لماذا لم يذكره؟ وهل ساءت العلاقة لحد القطيعة؟ أم أنّه رضي بالبيعة فلم يرسل عليه فيتهدده؟ أم أنّ معاوية أراد أن لا يقطع الشعرة بحدّ الشفرة؟ لابدّ لنا من البحث في ذلك!
( لعمر الله إنّها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر )
____________________
(1) الكامل في التاريخ 3 / 216 ـ 217 ط بولاق.
(2) البداية والنهاية 8 / 79.
(3) أنظر تاريخ الطبري 5 / 303 ـ 304 ط محققة.
ذكر ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) كلام معاوية مع النفر مهدداً ومتوعداً بالقتل كما مرّ ، ثمّ قال : ( فلمّا كان صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش فوضع له وسوّيت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله ، ثمّ خرج وعليه حلّة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه ، وقد تغلّف وتعطّر فقعد على سريره ، وأجلس كتّابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به ، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب ، ثمّ أرسل إلى الحسين بن عليّ وعبد الله بن عباس ، فسبق ابن عباس ، فلمّا دخل وسلّم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليّاً.
ثمّ قال : يا بن عباس لقد وفّر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه السلام.
فقال ابن عباس : نعم أصلح الله أمير المؤمنين وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكلّ ، أوفر.
فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجادلة ، ويعدل إلى ذكر الأعمال على اختلاف الغرائز والطباع. حتى أقبل الحسين بن عليّ ، فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه ، فدخل الحسين وسلّم ، فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة ، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم ، فأخبره ثمّ سكت.
قال : ثمّ ابتدأ معاوية ، فقال : فالحمد لله وليّ النعم ومنزل النقم ، وأشهد
أن لا إله إلاّ الله المتعالي عمّا يقول الملحدون علواً كبيراً ، وأنّ محمداً عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، فأدى عن الله وصدع بأمره ، وصبر على الأذى في جنبه ، حتى أوضح دين الله وأعزّ أولياءه ، وقمع المشركين وظهر أمر الله وهم كارهون ، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بُذل له ، واختار منها الترك لما سخّر له ، زهادة واختياراً لله وأنفة واقتداراً على الصبر ، بغياً لما يدوم ويبقى ، فهذه صفة الرسول صلى اله عليه وآله وسلم ، ثمّ خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك ، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعاً ، وما أعلم منه فوق ما تعلمان. وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه ، وقد علم ما أحاول به من أمر الرعية من سد الخلل ولمّ الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين وأحمد الفعل ، هذا معناي في يزيد ، وفيكما فضل القرابة ، وحظوة العلم ، وكمال المرؤة ، وقد أصبت من ذلك في يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما ، مع علمه بالسنة وقراءة القرآن ، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب ، وقد علمتما أنّ الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدّم على الصدّيق والفاروق ومن دونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ، ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة ، فقادهم الرجل بأمره ، وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيأهم ، وقال ولم يقل معه ، وفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة ، فمهلاً بني عبد المطلب فإنّا وأنتم شعبا نفع
وجد ، وما زلت أرجو الإنصاف في إجتماعكما ، فما يقول القائل إلاّ بفضل قولكما ، فردّا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما ، وأستغفر الله لي ولكما.
قال : فتيسّر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة ، فأشار إليه الحسين وقال : على رسلك ، فأنا المراد ونصيبي في التهمة أوفر ، فأمسك ابن عباس.
فقام الحسين فحمد الله وصلّى على الرسول ثمّ قال : ( أمّا بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جميع جزءاً ، وقد فهمتُ ما لبّستَ به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة ، والتنكّب عن إستبلاغ البيعة ، وهيهات هيهات يا معاوية ، فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السُرج ، ولقد فضّلتَ حتى أفرطتَ ، واستأثرتَ حتى أجحفتَ ، ومنعتَ حتى بخلتَ ، وجرت حتى جاوزتَ ، ما بذلت لذي حقّ من أتم حقّه بنصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه الأكمل ، وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من إكتماله وسياسته لأمّة محمّد ، تريد أن توهم الناس في يزيد ، كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا كان احتويته بعلم خاص ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السّبق لأترابهن ، والقينات ذوات المعازف ، وضروب الملاهي ، تجده ناصراً ، ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر
ممّا أنت لاقيه ، فوالله ما برحت تقدم باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم ، حتى ملأت الأسقية ، وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ولات حين مناص ، ورأيتك عرّضت بنا هذا الأمر ، ومنعتنا عن آبائنا تراثنا ، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولادة ، وجئتَ لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك ، وردّه الإيمان إلى النَصَف ، فركبتم الأعاليل وفعلتم الأفاعيل ، وقلتم كان ويكون ، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأميره له ، وقد كان ذلك ، ولعمرو بن العاص فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له ، وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم أمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدّوا عليه أفعاله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري ) ، فكيف يحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً ، وحولك من يؤمن في صحبته ، ويعتمد في دينه وقرابته ، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون ، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه وتشقى بها في آخرتك ، وإنّ هذا لهو الخسران المبين وأستغفر الله لي ولكم ).
قال : نظر معاوية إلى ابن عباس ، فقال : ما هذا يا بن عباس ولما عندك أدهى وأمرّ.
فقال ابن عباس : لعمر الله إنّها لذرية الرسول وأحد أصحاب الكساء ومن البيت المطهر ، فاله عمّا تريد فإن لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.
فقال معاوية : أعود الحلم التحلم ، وخيره التحلم عن الأهل انصرفا في حفظ الله )(1) .
( وعيد وتهديد لمن لم يبايع يزيد )
روى ابن أعثم الكوفي ( ت 314 هـ ) في ( الفتوح ) ، قال :
( وخرج معاوية من منزله إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ ذكر ابنه يزيد في خطبته ، وقال : من أحق بالخلافة من ابني يزيد في فضله وهديه ومذهبه وموضعه من قريش؟ والله أنّي لأرى قوماً يعيبونه ، وما أظنهم بمقلعين ولا منتهين حتى يصيبهم مني بوائق تجتث أصولهم ، فليربع أولئك على ضلعهم من قبل أن تصيبهم منّي فاقرة لا يقومون لها ، فقد أنذرت إن نفع الإنذار ، وبينت إن نفع البيان ، ثمّ جعل يتمثل بهذه الأبيات ويقول :
قد كنتُ حذّرتك آل المصطلق |
وقلت يا عامر ذرني وانطلق |
|
إنّك إن كلفتني ما لم أطق |
ساءك ما سرّك مني من خُلق |
دونك ما استسقيته فاحس وذق
____________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 152.
قال : ثمّ ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، والحسين بن عليّ ، وقال : والله لئن لم يبايعوا ليزيد لأفعلن ولأفعلن ثمّ ذكر إجتماعه مع عائشة وما جرى بينهما ممّا لا يعنينا ذكره
قال : وأرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر ، وابن عمر ، وابن الزبير ، فأخبر أنّهم قد مضوا إلى مكة ـ.
وذكر غيره أنّ الحسين أيضاً ممّن خرج إلى مكة ـ قال ابن اعثم : فسكت ساعة يفكر في أمرهم ، ثمّ أرسل إلى عبد الله بن عباس فدعاه ، فلمّا دخل عليه قرّب مجلسه ، ثمّ قال : يا بن عباس أنتم بنو هاشم وأنتم أحق الناس بنا ، وأولاهم بمودتنا ، لأننا بنو عبد مناف ، وإنّما باعد بيننا وبينكم هذا الملك ، وقد كان هذا الأمر في تيم وعدي فلم تعترضوا عليهم ، ولم تظهروا لهم من المباعدة ثمّ قتل عثمان بين أظهركم فلم تغيّروا ، ثمّ وليت هذا الأمر فوالله لقد قرّبتكم وأعطيتكم ورفعت مقداركم ( أقداركم ) فما تزدادون منّي إلاّ بُعداً ، وهذا الحسين بن عليّ قد بلغني عنه هنات غيرها خير له منها ، فاذكروا عليّ بن أبي طالب ومحاربته إياي ومعه المهاجرون والأنصار ، فأبى الله تبارك وتعالى إلاّ ما قد علمتم ، أفترجون بعد عليّ مثله؟ أم بعد الحسن مثله؟
قال : فقطع عليه ابن عباس الكلام ، ثمّ قال : صدقت يا معاوية نحن بنو عبد مناف ، وأنتم أحق الناس بمودتنا وأولاهم بنا ، وقد مضى أوّل الأمر بما فيه فأصلح آخره فإنّك صائر إلى ما تريد ، وأمّا ما ذكرت من عطيّتك علينا
فلعمري ما عليك في جود من عيب.
وأمّا قولك : ذهب عليّ أفترجون مثله؟ فمهلاً يا معاوية رويداً لا تعجل ، فهذا الحسين بن عليّ وهو حيّ وهو ابن أبيه ، واحذر أن تؤذيه يا معاوية ، فيؤذيك أهل الأرض ، فليس على ظهرها اليوم ابن بنت نبيّ سواه.
فقال معاوية : إنّي قد قبلت منك يا بن عباس.
قال : ثمّ رحل معاوية إلى مكة ورحل معه كافة أصحابه وعامّة أهل المدينة وفيهم عبد الله بن عباس )(1) .
وأظنّ نحو إيهام في العبارة : ( ورحل معه كافة وفيهم عبد الله بن عباس )! إذ لا يعني أنّ عبد الله بن عباس ممّن خرج مع معاوية في ركابه كما قد يتوهم ذلك. بل كان خرج منفصلاً عن معاوية ، فقد كان له موكب كما كان لمعاوية موكب.
فقد أخرج ابن عبد البر في ( الإستيعاب ) ، وابن حجر في ( الصواعق ) عن يزيد ابن الأصم ، قال : ( خرج معاوية حاجاً معه ابن عباس ، فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممّن يطلب العلم ـ فالمعيّة معه إنّما هي معيّة الطريق بدلالة تعدّد الموكبين ـ كما أنّهما إجتمعا في الطواف ، فكان معاوية يستلم الأركان كلّها فأنكر عليه ابن عباس ذلك )(2) .
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم الكوفي 4 / 235 ـ 239.
(2) الإستيعاب 2 / 352 ، الصواعق المحرقة / 107.
وحديثه كما رواه أحمد في مسنده بسنده ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( أنّه طاف مع معاوية بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلّها ، فقال له ابن عباس : لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يستلمهما؟
فقال معاوية : ليس شيء من البيت مهجوراً.
فقال ابن عباس :( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (1) .
فقال معاوية : صدقت ).
قال محقق الكتاب شاكر : إسناده صحيح ، وروى الترمذي معناه مختصراً باسناد آخر عن ابن عباس(2) .
وقد تلاعبت الأهواء بهذا الخبر فقلبت المسألة وجعلت ابن عباس الفاعل ومعاوية هو المنكر! وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى.
قال المؤرخون : ( ولمّا قرب من مكة خرج الناس يستقبلونه وفيهم النفر الذين توعّدهم وهدّد بقتلهم. فلمّا رأى الحسين ، قال : مرحباً بابن رسول الله وسيّد شباب المسلمين ، قرّبوا لأبي عبد الله دابة. وقال لعبد الله بن الزبير : مرحباً بابن حواري رسول الله وابن عمته هاتوا له دابة. وقال لابن
____________________
(1) الأحزاب / 21.
(2) مسند أحمد 3 / 266 برقم 1877 تحـ أحمد محمّد شاكر ، وأنظر صحيح الترمذي 2 / 92.
عمر : مرحباً بصاحب رسول الله وابن الفاروق ، هاتوا له دابة. وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر : مرحباً بشيخ قريش وسيدها وابن الصدّيق هاتوا له دابة.
وجعلت ألطافه تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس ، ويحسن إذنهم وشفاعتهم ، وحملهم على الدواب ، وخرج حتى أتى مكة فقضى حجه ، ولمّا أراد الشخوص أمر بأثقاله فقدّمت ، وأمر بالمنبر فقرّب من الكعبة ، ثمّ أرسل إلى النفر الخمسة وهم الحسين بن عليّ وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي بكر فأحضرهم ، وقال لهم : قد علمتم نظري لكم وتعطفي عليكم ، وصلتي أرحامكم ، ويزيد أخوكم وابن عمكم ، وإنّما أردت أن أقدّمه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون. فسكتوا.
فقال : أجيبوا.
فابتدر ابن الزبير ، فقال : نخيّرك بعدُ إحدى ثلاث أيّها أخذت فهي لك رغبة وفيها خيار :
إن شئت فاصنع فينا ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضه الله ولم يستخلف أحداً ، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر فدع هذا الأمر حتى يختار الناس لأنفسهم.
وإن شئت فما صنع أبو بكر عهد إلى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلاً.
وإن شئت فما صنع عمر جعلها شورى في ستة نفر من قريش
يختارون رجلاً منهم ، وترك ولده وأهل بيته ، وفيهم مَن لو وليها لكان لها أهلاً.
فقال معاوية : هل غير هذا؟
قال : لا.
ثمّ قال للآخرين : ما عندكم؟
قالوا : نحن على ما قال ابن الزبير.
فقال معاوية : إنّي أتقدم اليكم وقد أعذر من أنذر ، إنّي قائم فقائل مقالة ، فأقسم بالله لئن ردّ عليَّ رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته ، حتى يضرب رأسه ، فلا ينظر أمرؤ منكم إلاّ إلى نفسه ، ولا يبقي إلاّ عليها.
وأمر أن يقوم على رأس كلّ واحد منهم رجلان بسيفيهما ، فإن تكلم بكلمة يرد بهما عليه قوله قتلاه )(1) .
قال ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) : ( وأمر معاوية من حرسه وشرطته قوماً أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة ، وهم الحسين بن عليّ ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وأوصاهم معاوية ، قال : إنّي خارج العشيّة إلى أهل الشام فأخبرهم أنّ هؤلاء النفر قد بايعوا وسلّموا ، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدّقني أو يكذبني فيه فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه ، فحذّر القوم ذلك.
____________________
(1) أنظر الكامل في التاريخ 3 / 510.
فلمّا كان العشي خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وهو يضاحكهم ويحدّثهم ، وقد ألبسهم الحلل ، فألبس ابن عمر حلّة حمراء ، وألبس الحسين حلّة صفراء ، وألبس عبد الله بن عباس حلّة خضراء وألبس ابن الزبير حلّة يمانية ـ ولم يذكر عن حلّة ابن أبي بكر شيئاً ـ ثمّ خرج بينهم ، وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم وأنّهم بايعوا ، فقال : يا أهل الشام إنّ هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين مطيعين وقد بايعوا وسلّموا. قال ذلك والقوم سكوت لم يتكلموا شيئاً حذر القتل ، فوثب أناس من أهل الشام فقالوا : يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب فخلّ بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم.
فقال معاوية : سبحان الله ما أحلّ دماء قريش عندكم ، يا أهل الشام ، لا أسمع لهم ذكراً بسوء ، فإنّهم قد بايعوا وسلّموا وارتضوني فرضيت عنهم رضي الله عنهم )(1) .
( والله لأتركنّهم عليك خوارج )
( قالوا : ثمّ ارتحل معاوية راجعاً وقد أعطى الناس أعطياتهم وأجزل العطاء ، وأخرج إلى كلّ قبيلة جوائزها وأعطياتها ، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء ، وذلك فيما تخيّله سيحمل بني هاشم على الضغط على الحسين عليه السلام ليبايع ، ولكنه فشل في تصوره ، فقد خرج عبد الله بن عباس في أثره حتى لحقه
____________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 157.
بالروحاء ـ من الفُرع على نحو أربعين ميلاً من المدينة(1) ـ.
فجلس ببابه ، فجعل معاوية يقول : مَن بالباب؟ فيقال : عبد الله بن عباس ، فلم يأذن لأحد ، فلمّا استيقظ ، قال : من بالباب؟ فقيل : عبد الله بن عباس ، فدعا بدابته فأدخلت إليه ثمّ خرج راكباً ، فوثب إليه عبد الله بن عباس فأخذ بلجام البغلة ، ثمّ قال : أين تذهب؟
قال : إلى الشام.
قال : فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا؟
فأومأ إليه معاوية ، فقال : والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم.
قال ابن عباس : فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد ، وأبى عبد الله بن عمر فأخرجت جائزة بني عدي. فمالنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا؟
فقال معاوية : لستم كغيركم لا والله لا أعطيكم درهماً حتى يبايع صاحبكم.
فقال ابن عباس : أما والله لئن لم تفعل لألحقن بساحل من سواحل الشام ثمّ لأقولنّ ما تعلم ، والله لأتركنّهم عليك خوارج.
فقال معاوية : لا بل أعطيكم جوائزكم. فبعث بها من الروحاء ومضى راجعاً إلى الشام )(2) .
____________________
(1) مراصد الإطلاع2 / 637.
(2) الإمامة والسياسة 1 / 157.
وقد فشل في سياسته من الضغط على الحسين عليه السلام عن طريق منع الهاشميين جوائزهم ، ولم يزدهم إلاّ تضامناً مع الإمام الحسين عليه السلام في رفضهم بيعة يزيد ، وقد أخذها لهم ابن عباس لسانهم المعبّر عنهم وكبير شأنهم ، فأرغم معاوية على الإنصياع خاسئاً وهو حسير.
قال ابن أعثم في الفتوح ـ وقد ذكر نحو ما تقدم ـ ثمّ قال : ( فتبسم معاوية وقال : بل تعطون وتكرمون وتزادون أبا محمّد.
قال : ثمّ أمر معاوية لبني هاشم بجوائز سنية ، فكلٌ قبل جائزته إلاّ الحسين بن عليّ فإنّه لم يقبل من ذلك شيئاً )(1) .
والذي يلفت النظر تكنية معاوية لابن عباس بأبي محمّد ، ولم يذكر ذلك أحد في كناه ، فقد كان يكنى أبا العباس باسم ابنه العباس وهو أكبر ولده(2) ، على أنّه كان له ولد اسمه محمّد ذكره ابن الكلبي في ( جمهرة النسب ) وقال : ( لا بقية له )(3) ، فلعلّه كانت ولادته في تلك الأيام فكنّاه معاوية باسمه إستلطافاً وإستدراجاً ، والله العالم بحقائق الأمور.
وبهذه المحاورة أنتهت محاوراته مع معاوية ولم يلتقيا بعدها. فكانت محاورات ابن عباس مع معاوية تميّزت كمّاً وكيّفاً على بقية الآخرين ممن حاورهم محتجاً وناصحاً وهادياً ، وإذا سلّطت الأضواء على الجانب الأدبي
____________________
(1) الفتوح 4 / 244 ـ 245.
(2) مرّّ بالجزء الأوّل ما يتعلق بهذا فراجع.
(3) جمهرة النسب / 140.
من محاوراته ، يستطيع الباحث أن يستخرج منها فكراً حيّاً ، وأدباً بارعاً ، وشجاعة متمـيّزة ، وتبقى أبرز النواحي البارزة هي العقيدة الصـامدة على الولاء لعليّ أمير المؤمنين عليه السلام ، فكان هو المدافع عن حقه في كلّ مرّة وجد غمطاً لحقه من أرباب الحكم ، سواء في أيام أبي بكر أو أيام عمر أو أيام عثمان ، إلاّ أنّه قد طفح الكيل وما أعتدل الميل في أيام معاوية ، حيث كانت ناره حامية ، أحرقت اليابس والأخضر ، ومع ذلك فقد رأينا محاورات ابن عباس معه كيف صارت ارتداداتها مشؤمة على معاوية ، فهو يذعن مغلوباً ، ويستعمل الحيلة بالتحلّم في إمتصاص نقمة ابن عباس ، إذ لم يسعه الجواب على نصاعة إحتجاجاته ، للفوارق في قيم الأخلاق بين الرجلين ، فالقواعد الدينية والأخلاقية المستمدة من تعاليم القرآن وسنة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت ثابتة عند ابن عباس ، وبالمقابل فقدانها لدى الطرف الآخر الضارب بعَرقَهِ وعروقه إلى جذره الجاهلي ، وتاريخه يغني عن التدليل على ذلك ، فهو ابن أبي سفيان المنادي ( أعل هبل ) وهو ابن هند آكلة الأكباد :
أتاه الكفر من هنّا وهنّا |
فكان له بمجتمع السيول |
|
لشيخ الكفر صخر حين ينمى |
وهند أمه ذات البعول |
وإنّ هذا كلّه يدعونا إلى الحقيقة التي كانت تعكس الناحية الأخلاقية لدى كلّ من الرجليَن المتحاوريَن.
ومن الغريب المدهش أن نجد من يقول : ( كان جدّ العباسيين
المحدث التقي عبد الله بن عباس وهو ابن عم النبيّ محمد ( u ) وعليّ بن أبي طالب ، وبما أنّه استجاز أن يبيع نفسه لمعاوية فقد ظل على صِلات حسنة بالأمويين مذمذماً عليهم في الستر )(1) !!
وهذه بعض جنايات المستشرقين سيأتي الكلام عليها في الحلقة الرابعة في ( ابن عباس في الميزان ).
بالرغم ممّا كان يجد ابن عباس في نفسه على معاوية ، لم يكن يمنعه ذلك من إسداء النصائح الكافية ، فالدين النصيحة ، وحبر الأمة من حماة الدين ، ومعاوية خارج على الشرعية بكلّ معنى الكلمة ، وما أكثر موبقاته ، وهو مع ذلك ينافق فيتظاهر بالخوف من النار.
وإلى القارئ شواهد على نصائح ابن عباس له :
روى الغزالي في كتابه ( مقامات العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء ) : ( قال معاوية ذات يوم وعنده عبد الله بن عباس : أمّا إنّ نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تخلق الدنيا له ، ولم يخلق لها ، وأمّا أبو بكر فلم يردها ولم ترده ، وأمّا عمر فأرادته ولم يردها ، وأمّا عثمان فنالت منه ونال منها ، وأمّا أنا فمالت بي وملت بها ، وتلطمت في أمواجها ، فأي أمر تعلمون غداً إذا لم يكن المصير
____________________
(1) الدولة العربية وسقوطها ، ولهاوزن ترجمة الدكتور يوسف العش / 396 الهامش ط الجامعة السورية.
إلى النار ، فما تقول يا ابن عباس؟
قال : أقول خيراً ، إذا أردتَ الدنيا فقد أمكنتك من قيادها ، وصار في يديك ضرعها ، فإن أردت الآخرة فهي لك ممكنة وفي يدك أسبابها ، فإن أردت الدنيا فارتضع ، وإن أردت الآخرة فارتدع ، وأعلم أنّ ما زادك في الآخرة ونقصك من الدنيا خير لك ممّا زادك في الدنيا ونقصك من الآخرة ، فلا يسرّنك من الدنيا سارّ ، ولا يغرنّك عن الآخرة غار ، فلعمري لقد حلبتَ الدهر أشطره ، وشربتَ صفوه ، ورعيتَ عفوه ، فانظر أيّ أمر يكون غداً إن لم يكن المصير إلاّ إلى النار فاحذر الآخرة )(1) .
أقول : ولهذه النصيحة صورة أخرى رواها البلاذري بأخصر ممّا مر. فقد روى في ( أنساب الأشراف ) عن المدائني عن عوانة وابن جعدبة قالا : ( قال معاوية لابن عباس : إنّ عثمان أصاب من هذه الدنيا وأصابت منه ، وإنّها قد مالت بي وملت بها فما ترى يا أبا عباس؟
فقال : إنّ الدنيا قد أمكنتك فهي في يدك ولك درّها ، وإنّ الآخرة ممكنة لك إن أردتها ، ولمّا نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك ممّا نقصك من آخرتك وزادك في دنياك )(2) .
____________________
(1) مقامات العلماء بين يدي الخلفاء والأمراء / 205 ، تحقيق محمد جاسم الحديثي.
(2) أنساب الأشراف1 / ق4 / 47.
محاوراته مع عمرو بن العاص
لقد كان ابن عباس ينظر إلى عمرو بن العاص بأنّه شريك معاوية في آثامه بدءاً من إعلان المطالبة بدم عثمان ، ومروراً بخدعة التحكيم ، وانتهاءاً بحضوره المحاورات التي جرت في مجلس معاوية مع الإمامين الحسنين عليهما السلام وابن عباس وابن جعفر وبقية رجال ونساء الشيعة الذين اضطرتهم الظروف القاسية إلى الوفود على معاوية ، وكان ابن النابغة حاضراً فكان ابن عباس هو ذلك الرجل الكفوء الذي قد اختاره الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ليكون حَكَمَ أهل العراق ، ولكن أبى ذلك الأشعث ومن معه ممن باعوا دينهم لمعاوية بثمن بخس ، ولو تمّ ذلك الإختيار الموفّق للرجل المناسب في المحل المناسب ، لما بلغ معاوية حاجته من خدعة ابن النابغة لأبي موسى الأشعري ، ولما أثار شجون الإمام عليه السلام فنفث في خطبة له في شأن الحكمين وذم أهل الشام ، فقال :
( جفاة طغام ، عبيد أقزام ، جُمعوا من كلّ أوب ، وتُلُقّطوا من كلّ شوب ، ممن ينبغي أن يُفقّه ويُؤدّب ، ويُعلّم ويَدرّب ، ويُولى عليه ، ويؤخذ على يديه ، ليسوا من المهاجرين والأنصار ، ولا من الذين تبوّؤا الدار.
ألا وإنّ القوم أختاروا لأنفسهم أقرب القوم ممّا تحبّون ، وأخترتم
لأنفسكم أقرب القوم ممّا تكرهون ، وإنّما عهدكم بعبد الله بن قيس بالأمس يقول : إنّها فتنة فقطّعوا أوتاركم ، وشيموا سيوفكم ، فإن كان صادقاً فقد أخطأ بمسيره غير مستكره ، وإن كان كاذباً فقد لزمته التهمة.
فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن العبّاس ، وخذوا مهل الأيام ، وحوطوا قواصي الإسلام ألا ترون بلادكم تُغزى ، وإلى صفاتكم ترمى )(1) .
ولكن أنّى لأهل العراق أن يسعدوا بنصائح الإمام عليه السلام ، وقد أستحوذ عليهم الشيطان فمرق منهم من مرق ، وطفق منهم مع معاوية من وصلته صرار الرشوة ، وهكذا تمت الخدعة ، ولئن تمت فقد أبقت عارها وشنارها على الثلاثة الذين باؤا بأثمها معاوية وعمرو وأبي موسى الأشعري.
فكان ابن عباس يصفع تلك الوجوه بحججه الدامغة ، فيما جرت له من محاورات تكشفت فيها مخازيهم خصوصاً مع معاوية وابن العاص اللذين كان الناس يصفونهما بالدهاء ، وقد مرّت بنا محاوراته مع معاوية وقرأنا كيف أعجزه عن الجواب حتى أزعجه فتبرم منه وقال له : ( أرحني من شخصك شهراً ) ، وأنتهت الحال بالقطيعة بينهما. وأمّا عمر وبن العاص ، فقد كان يعترف ويقول : ( ما اتقيت جواب أحد من الناس غير جواب ابن عباس رضي الله عنه لبداهته )(2) .
ولقد مرّ بنا في الحلقة الأولى في الجزء الرابع ( حديث الخديعة ) ،
____________________
(1) نهج البلاغة / 451 ـ 452.
(2) محاضرات الراغب 1 / 36 ط الشرفية بمصر.
فلنقرأ الخبر ثانية كما مرّ ، لنعرف مدى تميّز الغيظ الذي لحق بمعاوية وعمرو بن العاص من جراء ما كتبا به إلى ابن عباس فلم يبلغا حاجتهما منه ، بل ألحق الندامة بهما :
قبل ذكر الحديث لابدّ من توثيقه ، لأنّ هشام بن عمّار الدمشقي كان يقول للبلاذري وهو من شيوخه : ( هذا الحديث ممّا صنعه ابن دأبكم لأنّ البلاذري رواه عن المدائني عن عيسى بن يزيد )(1) ـ وهو ابن دأب ـ.
وإذا رجعنا إلى الجاحظ وجدناه يقول : ( يزيد بن بكر بن دأب وكان عالماً ناسباً وراوية شاعراً ، وهو القائل :
الله يعلم في عليّ علمه |
وكذاك علم الله في عثمان |
ثمّ قال : وولد يزيد يحيى وعيسى ، فعيسى هو الذي يعرف في العامّة بابن دأب ، وكان من أحسن الناس حديثاً وبياناً ، وكان شاعراً راوية ، وكان صاحب رسائل وخطب ، وكان يجيدهما جداً.
ومن آل دأب حذيفة بن دأب ، وكان عالماً ناسباً. وفي الدأب علم بالنسب والخبر )(2) .
فهؤلاء بنو دأب ، ومنهم عيسى بن دأب الذي اتهمه هشام بن عمار
____________________
(1) أنساب الأشراف 2 / 310 تحـ المحمودي.
(2) كتاب البيان والتبيين 1 / 323 ـ 324 تحـ هارون.
الدمشقي وهشام ، على ما ورد في ترجمته في ( تهذيب التهذيب ) من مدح ، فقد ورد فيه من القدح ما ينسف مدحه. ويكفي أنّه كان يُلقّن فيتلقّن ولا يفهم بما يحدّث.
ثمّ إنّ الحديث رواه غير ابن دأب ، فلاحظ سند نصر بن مزاحم ، فقد رواه عن محمّد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي يحيى ، عن عبد الرحمن ابن حاطب ، وهذا صحابي مولود على عهده صلى الله عليه وآله وسلم وتوفى سنة 68 هـ ، وقيل قتل يوم الحرّة كما في ( الإصابة ).
ولاحظ سند الجاحظ فقد رواه(1) عن محمّد بن سعيد ، عن إبراهيم بن حويطب ، إلاّ أنّه ذكره مقالة قالها عمرو بن العاص لابن عباس ، وليس ذلك بضائر.
وأمّا ابن أعثم فقد ذكر ما جرى من الكتب لمّا عضّهم سلاح أهل العراق وبدأها بلفظ ( قال ). وإذا رجعنا نلتمس القائل نجد الرجل قد ذكر في إبتداء خبر وقعة صفين عدّة أسانيد ليس بين أسماء رجالها عيسى بن دأب ، وقال بعد ذكرهم وغير هؤلاء ( وقد جمعت ما سمعت من رواياتهم على إختلاف لغاتهم فألّفته حديثاً واحداً على نسق واحد ) ، فعرفنا أنّه هو القائل.
والآن إلى رواية الحديث بلفظ نصر ، وإضافة ما عند البلاذري بين
____________________
(1) نفس المصدر 2 / 298.
قوسين ، وكذا ما عند ابن أعثم من زيادة ، قال :
( وإنّ معاوية لمّا يئس من جهة الأشعث قال لعمرو بن العاص : إنّ رأس الناس بعد عليّ هو عبد الله بن عباس ، فلو ألقيت إليه كتاباً لعلك ترققه به ، فإنّه إن قال شيئاً لم يخرج عليّ منه ، وقد أكلتنا الحرب ، ولا أرانا نصل إلى العراق إلاّ بهلاك أهل الشام.
فقال له عمرو : إنّ ابن عباس ( أريب ) لا يُخدع ، ولو طمعت فيه لطمعت في عليّ.
فقال معاوية : صدقت إنّه لأريب ولكن على ذلك فاكتب إليه ( رقعة لطيفة وتنظر ما عنده فتعمل على حسب ذلك ).
( قال ) : فكتب إليه عمرو : ( من عمرو بن العاص إلى عبد الله بن العباس ) أمّا بعد ، فإنّ الذي نحن وأنتم فيه ليس بأوّل أمر قاده البلاء ، وساقه سفه العافية ، وأنت رأس هذا الأمر بعد عليّ ( ابن عمك ) ، فأنظر فيما بقي ودع ما مضى ، فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياةً ولا صبراً ، واعلم أنّ الشام لا تملك إلاّ بهلاك العراق ، وإنّ العراق لا تملك إلاّ بهلاك الشام ، وما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم ، وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منّا ، ولسنا نقول ليت الحرب عادت ، ولكنّا نقول ليتها لم تكن ، وإنّ فينا من يكره القتال ، كما أنّ فيكم من يكرهه ، وإنّما هو أمير مطاع ( أو مأمور مطيع ) ، أو مؤتمن مشاور وهو أنت ، وأمّا الأشتر الغليظ الطبع القاسي القلب فليس بأهل أن يُدعى في الشورى ، ولا في خواص أهل النجوى ( وقد طال
هذا بيننا حتى لقد ظننا أنّ فيه الفناء وفي ذلك أقول ).
وكتب في أسفل الكتاب :
طال البلاء وما يُرجى له آس |
بعد الإله سوى رفق ابن عباس(1) |
|
قولاً له قول مَن يرضى بحضوته |
لا تنس حظّك إن الخاسر الناسي(2) |
|
يا بن الذي زمزم سقيا الحجيج له |
أعظم بذلك من فخرٍ على الناس |
|
كلٌ لصاحبه قرنٌ يساوره |
أسد العرين أسودٌ بين أخياس(3) |
|
لو قيس بينهم في العرب لاعتدلوا |
العجز بالعجز ثم الرأس بالرأس |
|
فانظر فدىً لك نفسي قبل قاصمة |
للظهر ليس لها راق ولا آسي |
|
إنّ العراق وأهل الشام لن يدوا |
طعم الحياة مع المستغلق القاسي(4) |
|
بسرٌ وأصحاب بُسرٍ والذين هُم |
داء العراق رجال أهل وسواس |
|
قوم عراة من الخيرات كلهمُ |
فما يساوي به خلق من الناس(5) |
|
قالوا يرى الناس في ترك العراق لكم |
والله يعلم ما بالشام من ناس |
____________________
(1) أسا الجرح أسواً وأساً : داواه ، وأسا بينهم أصلح ، والآسي : الطبيب.
(2) الحُظُوة ، بالضم والكسر ، والحِظة كِعدة المكانة والحظ من الرزق ، وفي نسخة : قول من يرجو مودته ، وفي أنساب الأشراف والفتوح : قول مسرور بحظوته.
(3) في أنساب الأشراف ( قرنٌ يعادله ) وفي المصدر : يساوره أي يواثبه ، وهو أصح أيضاً ممّا يوجد في بعض المصادر : ( يشاوره ). والأخياس : جمع خيس ـ بالكسر ـ وهو الشجر الكثير الملتفّ. وفي أنساب الأشراف : ( أسُدٌ تلاقي أسوداً بين أخياس ).
(4) استغلقني في بيعته لم يجعل لي خياراً في رده واستغلقت عليّ بيعته صار كذلك ( لقاموس ) وفي أنساب الأشراف :
أهل العراق وأهل الشام لن يجدواطعم الحياة لحرب ذات أنفاس
(5) في طبعة صفين بمصر / 469 : فما يُساوي به أصحابه كاسي.
إنّّي أرى الخير في سلم الشآم لكم |
واللّه يعلم ما بالسلم من باس |
|
أنت الشجاء شجاها في حلوقهم |
مثل اللجام شجاه موضع الفاس(1) |
|
( فاصدع بأمرك أمر القوم إنّهم ) |
خشاش طير رأت صقراً بحسحاس(2) |
|
فيها التقى وأمور ليس يجهلها |
إلاّ الجهول وما النوكى كأكياس(3) |
قال : فلمّا فرغ من شعره عرضه على معاوية ، فقال معاوية : لا أرى كتابك على رقة شعرك.
فلمّا قرأ ابن عباس الكتاب ( والشعر ) أتى به عليّاً فأقرأه شعره فضحك ، وقال : ( قاتل الله ابن العاص ( ابن النابغة ) ما أغراه بك يا بن عباس ، أجبه وليردّ عليه شعره الفضل بن العبّاس فإنّه شاعر ).
فكتب ابن عباس إلى عمرو : أمّا بعد فإنّي لا أعلم رجلاً من العرب أقلَّ حياء منك ، إنّه مال بك معاوية إلى الهوى ، وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثمّ خبطت بالناس في عشوة ( عشواء طخياء ) ( مظلمة ) طمعاً في الملك ، فلمّا لم تر شيئاً أعظمت الدنيا إعظام أهل الذنوب ( الدين ) ، وأظهرت فيها ( زهادة ) نزاهة أهل الورع ، فإن كنت ( أردت ) ( تريد أن ) ترضي الله عليه السلام بذلك فدع مصر وارجع إلى بيتك ( أهل بيت نبيّك محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ( فإنّ ) هذه
____________________
(1) اللجام ككتاب للدابة ويكون في حلق الدابة لذلك فهو الشجا ، وكلّ ما يعترض الحلق من عظم ونحوه فهو شجاً.
(2) كذا في أنساب الأشراف 2 / 308 ( ترجمة الإمام علي ) ، وخشاش الطير كالعصافير ونحوها ، والحساس : السيف المبير.
(3) النوكى : الحمقى ، والكيّس خلاف الحُمقى.
الحرب ليس معاوية فيها كعليّ ، ابتدأها عليّ بالحقّ وانتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالبغي وانتهى فيها إلى السَرَف ، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام ، بايع أهل العراق عليّاً وهو خير منهم ، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه ، ولست أنا وأنت فيها بسواء ، أردتُ الله وأردتَ أنت مصر ، وقد عرفتُ الشيء الذي باعدك منّي ، ولا أرى الشيء الذي قرّبك من معاوية ، فإن ترد شراً لا نسبقك إليه ، وإن ترد خيراً لا تسبقنا إليه والسلام.
ثمّ دعا الفضل بن العباس ، فقال له : يا ابن أم(1) أجب ( عني ) عمرواً ( على شعره هذا ).
فقال الفضل :
يا عمرو حسبك من خدع ووسواس |
فاذهب فليس لداء الجهل من آسي(2) |
|
إلاّ تواتر طعن في نحوركم |
يشجي النفوس ويشفي نخوة الرأس |
____________________
(1) في قول ابن عباس يا ابن أم ـ على تقدير صحة النسخة ـ نحو تجوّز له ما يبرّره في الاستعمال والمخاطبات بين الناس لشدّ العزيمة وطلب المعونة. والا فمن المعلوم الثابت ان أخاه الفضل بن العباس بن عبد المطلب قد مات في طاعون عمواس سنة 17 ـ أو 18 ـ بالشام. وانما المخاطب في المقام هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب ، وهو ابن اخت عبد الله بن عباس ، فان أمه آمنة بنت العباس ، ويقال لها : أمينة ـ قال البلاذري : كانت عند العباس بن عتبة بن أبي لهب فولدت له الفضل الشاعر. ولما كان الاشتراك في الاسم واسم الأب بين الشاعر اللهبي وبين خاله ، فظن من لا خبرة له أن الشاعر هو الفضل بن عباس بن عبد المطلب ، غافلاً عن تقدم وفاته ومن تفطن إلى ذلك فقد احتمل تصحيف الندبة ( يا بن ام ) عن ( يا بن عم ) باعتبار الشاعر من ذرية أبي لهب وهو من أعمام عبد الله ابن عباس ، لكن الصواب في نظري ( يا بن اختي ) لأنّه هو ابن اخته كما تقدم.
(2) في الفتوح ( فاذهب فما لك في ترك الهدى آسي ).
( بالسمهريّ وضرب في شواربكم |
يردي الكماة ويذري قبة الرأس ) |
|
هذا الدواء الذي يشفي جماعتكم |
حتى تطيعوا عليّاً |
|
أمّا عليّ فإنّ اللّه فضّله |
بفضل ذي شرف عالٍ على الناس |
|
إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيّسة |
أو تبعثوها فإنا غير أنكاس(1) |
|
قد كان منّا ومنكم في عجاجتها |
مالا يردّ وكلٌّ عرضة البأس(2) |
|
قتلى العراق بقتلى الشام ذابة |
هذا بهذا وما بالحق من بأس |
|
لا بارك الله في مصر لقد جلبت |
شراً وحظك منها حسوة الكأس |
|
يا عمرو إنّك عارٍ من مغارمها |
والراقصات لأثواب الخنا كاسي |
|
إن عادت الحرب عدنا فالتمس هربا |
في الأرض أو سلماً في الأفق ياقاسي )(3) |
ثمّ عرض الشعر والكتاب على عليّ ، فقال : ( أحسنت ) ولا أراه يجيبك بشيء بعدها إن كان يعقل ، ولعلّه يعود فتعود عليه ).
فلمّا انتهى الكتاب إلى عمرو أتى به معاوية ، فقال : أنت دعوتني إلى هذا ، ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب.
فقال : إنّ قلب ابن عباس وقلب عليّ قلب واحد ، كلاهما ولد عبد المطلب ، وإن كان قد خشن فلقد لان ، وإن كان قد تعظّم أو عظّم صاحبه
____________________
(1) المخَيّسة من الإبل : ـ بالفتح ـ التي لم تسرح ولكنها حُبست للنحر أو للقسم فشبه الحرب بالابل في اعتقالها ، وأنكاس جمع نِكس وهو المقصّر عن غاية الكرم.
(2) في الفتوح ( من لا يفرّ وليس الليث كالجاسي / كالخاسي ).
(3) الأبيات المقوسة من الفتوح لابن أعثم 3 / 253 – 254.
فلقد قارب وجنح إلى السلم ).
قال ابن أعثم في ( الفتوح ) : ( فلمّا وصل الكتاب والشعر إلى عمرو فأتى به معاوية فأقرأه إياه ، ثمّ قال : ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب.
فقال معاوية : صدقت أبا عبد الله ، ولكنك قد علمت ما مرّ علينا بالأمس من القتل والهلاك ، وأظن عليّاً سيباكرنا الحرب غداً ويعمل على المناجزة ، وقد رأيت أن أشغله أنا غداً عن الحرب بكتاب أكتبه إلى ابن عباس ، فإن هو أجابني إلى ما أريد فذلك ، وإلاّ كتبت إلى عليّ وتحمّلت عليه بجميع مَن في عسكره فإن أجاب ، وإلاّ صادمته وجعلتها واحدة لي أم عليَّ ، فهذا رأيي وإنّما أريد بذلك أن أجمّ الحرب أياماً ، فقد تعلم ما نزل بنا في هذه الأيام وإن كان عندك رأي غير هذا فهاته؟
فقال عمرو : أمّا أنا فأقول إنّ رجاءك لا يقوم رجاءه ، ولست بمثله ، وهو رجل يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره ، وهو يريد الفناء وأنت تريد البقاء ، وليس يخاف أهل الشام من عليّ إن ظفر بهم ما يخاف أهل العراق إن ظفرت بهم ، وأظنك تريد مخادعة عليّ ، وأين أنت من خديعته.
فقال معاوية : فكيف ذلك؟ ألسنا ببني عبد مناف؟
فضحك عمرو ، ثمّ قال : بلى لعمري أنت وهو من بني عبد مناف كما تقول ولكن لهم النبوة من دونك ، فإن شئت فاكتب )(1) .
____________________
(1) الفتوح 3 / 254 ـ 255.
قال نصر : ( وإنّ معاوية كان يكاتب ابن عباس ، وكان يجيبه بقول ليّن ، وذلك قبل أن يعظم الحرب )(1) .
أقول : ولم أقف على شيء من تلك المكاتبات سوى ما ذكره ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) ونقله المتقي الهندي ، قال :
( عن عبد الملك بن حميد ، قال : كنّا مع عبد الملك بن صالح بدمشق فأصاب كتاباً في ديوان دمشق :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عباس إلى معاوية بن أبي سفيان ، سلام عليك ، فإنّي أحمد الله إليك الذي لا إله إلاّ هو ، عصمنا الله وإياك بالتقوى ، أمّا بعد فقد جاءني كتابك فلم أسمع منه إلاّ خيراً ، وذكرت شأن المودة بيننا ، وإنّك لعمر الله لودود في صدري من أهل المودة الخالصة والخاصة ، وإنّي للخلّة التي بيننا لراع ، ولصالحها لحافظ ولا قوّة إلاّ بالله.
أمّا بعد فإنّك من ذوي النهى من قريش وأهل الحلم والخلق الجميل منها ، فليصدر رأيك بما فيه النظر لنفسك والتقية ( البقية ظ ) على دينك ، والشفقة على الإسلام وأهله ، فإنّه خير لك وأوفر لحظك في دنياك وآخرتك ، وقد سمعتك تذكر شأن عثمان بن عفان ، فاعلم إنّ انبعاثك في
____________________
(1) وقعة صفين / 471.
الطلب بدمه فرقة وسفك للدماء ، وانتهاك للمحارم ، وهذا لعمر الله ضرر على الإسلام وأهله ، وإنّ الله سيكفيك أمر سافكي دم عثمان ، فتأنّ في أمرك ، واتق الله ربّك ، فقد يقال لك : إنّك تريد الإمارة ، وتقول : إنّ معك وصية من النبيّ صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم بذلك ، فقول نبيّ الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم الحقّ ، فتأن في أمرك ، ولقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم يقول للعباس : ( إنّ الله يستعمل من ولدك اثني عشر رجلاً منهم السفاح والمنصور والمهدي والأمين والمؤتمن وأمير العصب ) ، أفتراني استعجل الوقت أو أنتظر قول رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلّم؟ وقوله الحقّ ، وما يرد الله من أمر يكن ولو كره العالم ذلك ، وأيم الله لو أشاء لوجدت متقدماً وأعواناً وأنصاراً ولكني أكره لنفسي ما أنهاك عنه فراقب الله ربّك ، وأخلف محمداً في أمته خلافة صالحة ، فأمّا شأن ابن عمك عليّ بن أبي طالب فقد استقامت له عشيرته وله سابقته وحقه ، وبحوله على الحقّ أعوان ونصحاء لك وله ولجماعة المسلمين ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب عكرمة ليلة البدر من صفر سنة ست وثلاثين اهـ )(1) .
فهذا الكتاب نموذج من تلك الأجوبة الليّنة والتي لم تجد الأرض الصالحة لتثمر نفعاً وقد استمر معاوية في خداعه ، وهو الآخر لم يجد الأذن الصاغية لاستماعه ، حتى إذا عظم الخطب ، واشتعلت نار الحرب ، تغيّرت اللهجة ، وتقارعت
____________________
(1) كنز العمال 11 / 333 ـ 335 ط حيدر آباد الثانية برقم 1326.
الحجة بالحجة وصار إلى المخادعة والمخاتلة بطريقة إيقاع الفرقة بين الهاشميين ، وإغراء بعضهم على بعض ، وليس ذلك ببدع منه فقد كان ـ على حدّ قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ـ : ( يودّ ما ترك من بني هاشم نافخ ضرمة إلاّ طعن في نيطه )(1) .
وهل في الهاشميين بعد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مثل ابن عباس في فهمه وعلمه ، وعقله وفضله ، فليجهد معاوية نفسه فيما يفرّق به بين المرء وإمامه ، وذلك بخديعة ابن عباس وإنّه الرأس بعد الإمام عليه السلام.
وهذه الفكرة لم تبارح معاوية طيلة حكمه ، فسيأتي من الشواهد عليها بعد موت الإمام الحسن عليه السلام وقوله لابن عباس : ( أصبحت سيّد أهلك ) ، ولكن ابن عباس الذكي الألمعي لا ينخدع بزبرج الألفاظ فرد عليه قائلاً : ( أمّا ما بقي أبو عبد الله الحسين بن عليّ فلا ).
والآن إلى حديثه في صفين برواية نصر بن مزاحم :
قال نصر بن مزاحم : ( فلمّا قتل أهل الشام ، قال معاوية : إنّ ابن عباس رجل من قريش ، وأنا كاتب إليه في عداوة بني هاشم لنا ، وأخوّفه عواقب هذه الحرب لعله يكف عنّا. فكتب إليه :
أمّا بعد فإنّكم يا معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع بالمساءة منكم إلى أنصار عثمان بن عفان ، حتى أنّكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما بدمه ، واستعظامهما ما نيل منه ، فإن يكن ذلك لسلطان بني أمية فقد وليها عدي
____________________
(1) الفائق للزمخشري ( نيط ).
وتيم ( قبل بني أمية ) فلم تنافسوهم وأظهرتم لهم الطاعة ، وقد وقع من الأمر ما قد ترى ( وأدالت هذه الحروب منا ومنكم ) ، وأكلت هذه الحرب بعضها من بعض حتى استوينا فيها ، فما أطمعكم فينا أطمعنا فيكم ، وما آيسكم منّا آيسنا منكم ، وقد رجونا غير الذي كان وخشينا دون ما وقع ، ولستم بملاقينا اليوم بأحدّ من حدّ أمس ، ولا غداً بأحد من حدّ اليوم ، وقد قنعنا بما كان في أيدينا من ملك الشام ، فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق ، وأبقوا على قريش ( واتقوا الله ربكم ) فإنّما بقي من رجالها ستة : رجلان بالشام ورجلان بالعراق ورجلان بالحجاز ، فأمّا اللذان بالشام فأنا وعمرو ، وأمّا اللذان بالعراق فأنت وعليّ ، وأمّا اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر ، واثنان من الستة ناصبان لك ( ولابن عمك ) ، واثنان واقفان فيك ، وأنت رأس هذا الجمع اليوم ، ولو بايع لك الناس بعد عثمان لكنّا إليك ( إلى طاعتك ) أسرع منّا إلى عليّ ( فرأيك فيما كتبت إليك )(1) .
قال نصر في كلام كثير كتب إليه : ( فلمّا انتهى الكتاب إلى ابن عباس ( تبسم ضاحكاً ) أسخطه ، ثمّ قال : حتى متى يخطب ابن هند إليّ عقلي؟ وحتى متى أجمجم على ما في نفسي؟
فكتب إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد فقد أتاني كتابك وقرأته ( وفهمت ما سطرت فيه ) ، فأمّا ما ذكرت من سُرعتنا إليك بالمساءة في أنصار ابن عفان ،
____________________
(1) وقعة صفين / 471.
وكراهيتنا لسلطان بني أمية ، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره ، حتى صرتَ إلى ما صرتَ إليه ، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عُقبة.
وأمّا طلحة والزبير فإنّهما أجلبا عليه وضيّقا خناقه ، ثمّ خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك ، فقاتلناهما على النكث ، وقاتلناك على البغي.
وأمّا قولك : إنّه لم يبق من قريش غير ستة ، فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها ، وقد قاتلك من خيارها مَن قاتلك ، ولم يخذلنا إلاّ من خذلك.
وأمّا إغراؤك إيانا بعديّ وتيم ، فأبو بكر وعمر خير من عثمان ، كما أنّ عثمان خير منك ( وأمّا ذكرك الحرب ) فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما ( كان ) قبله ، وتخاف ما ( يكون ) بعده.
وأمّا قولك : إنّه لو بايع الناس لي لاستقاموا لي ( لأسرعت إلى طاعتي ) ، فقد بايع الناس عليّاً ( وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه ووصيه ووزيره ) وهو خير مني فلم تستقيموا له ، وإنّما الخلافة لمن كانت له في المشورة ، ( وأمّا أنت فليس لك فيها حق ) ، وما أنت يا معاوية والخلافة ، وأنت طليق وابن طليق ( رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد ) ، والخلافة للمهاجرين الأولين ، وليس الطلقاء منها في شيء )(1) .
قال نصر في روايته : ( فلمّا انتهى الكتاب إلى معاوية ، قال : هذا عملي بنفسي ، لا والله لا أكتب إليه كتاباً سنة كاملة.
____________________
(1) نفس المصدر / 272.
وقال معاوية في ذلك :
دعوت ابن عباس إلى حدّ خِطة |
وكان امرَأً أهدي إليه رسائلي |
|
فأخلف ظنّي والحوادثُ جمّةٌ |
ولم يك فيما قال مني بواصلي |
|
وما كان فيما جاء ما يستحقه |
وما زادَ أن أغلى عليه مراجلي |
|
فقل لابن عباس تراك مفرّقا |
بقولك مَن حولي وأنّك آكلي |
|
وقل لابن عباس تُراك مخوّفا |
بجهلك حلمي إنّني غير غافل |
|
فأبرق وأرعد ما استطعت فإنّني |
إليك بما يشجيك سبط الأنامل(1) |
|
( وصفين داري ما حييت وليس ما |
تربّص من ذاك الوعيد بقاتلي |
قال نصر في روايته : ( فلمّا قرأ ابن عباس الشعر ، قال : لن أشتمك بعدها )(2) .
وقال الفضل بن عباس :
ألا يا بن هند إنّني غير غافل |
وإنّك ما تسعى له غير نائل |
|
لأنّ الذي إجتبّت إلى الحرب نابها |
عليك وألقت بركها بالكلاكل(3) |
|
فأصبح أهل الشام ( صرعى فكلّهم ) |
كفقعةُ قاع أو كشحمة آكل(4) |
____________________
(1) سبط اليدين ، وسبط الأنامل هو السخي.
(2) وقعة صفين / 473 ، الفتوح 3 / 59 ، والبيت ما بين القوسين منه.
(3) الكلاكل : جمع كلكل. ـ الصدر ـ ( الصحاح : كلل ).
(4) الفقعة : الكمآة البيضاء الرخوة ، ويقال للذليل وهو اذل من فقع بقرقرة لأنّه لا يمتنع على من اجتناه ، أو لأنّه يوطأ بالأرجل.
وأيقنتَ أنا أهل حق وإنّما |
دعوتَ لأمر كان أبطل باطل |
|
دعوت ابن عباس إلى السلم خُدعة |
وليس لها حتى تدينَ بقابل |
|
فلا سلم حتى تشجر الخيل بالقنا |
وتُضرب هامات الرجال الأماثل |
|
وآليتَ : لا تهدي إليه رسالةٌ |
إلى أن يحول الحول من رأس قابل |
|
أردتَ به قطع الجواب وإنّما |
رماك فلم يخطئ بنانَ المقاتل |
|
وقلتَ له لو بايعوك تبعتهم |
فهذا عليّ خير حافٍ وناعل |
|
وصي رسول الله من دون أهله |
وفارسه إن قيل هل من منازل |
|
فدونكه إن كنت تبغي مُهاجراً |
أشمَّ كنعل السيف غير حُلاحل(1) |
فعرض شعره على عليّ فقال : ( أنت أشعر قريش ) ، فضرب بها الناس إلى معاوية )(2) .
قال ابن أعثم : ( فوصل الكتاب إلى معاوية فقرأه وفهم الشعر فلم يرد على ذلك إلى أن كتب إلى عليّ )(3) .
أقول : في صحة نسبة هذه الأبيات إلى الفضل بن عباس عندي توقف! لأنّ ابن شهر اشوب المتوفى سنة ( 588 هـ ) ذكر منها البيت الخامس منسوباً إلى عبد الله ابن عباس بتغيير في القافية من ( بقائل ) إلى ( بخادع ) ،
____________________
(1) نعل السيف : حديدة في أسفل غمد السيف ، غير حُلاحل ، غير سيّد شجاع أي فدونكه وأنت كنعل السيف غير حُلاحل. وفي الفتوح ( أشم بنصل السيف ليس بناكل ).
(2) وقعة صفين / 474.
(3) الفتوح 3 / 259.
وإحتمال وهم النساخ جارٍ في المقام ، خصوصاً وقد ذكر ابن أبي الحديد في ( شرح النهج )(1) البيتين الأخيرين مصرّحاً بنسبتهما إلى عبد الله بن عباس ، وتابعه السيّد شرف الدين في ( المراجعات )(2) على ذلك ، وأيضاً خلو ما ذكر من أشعار الفضل بن العباس اللهبي من الأبيات المذكورة ، ولا يبعد أن تكون جميعها لعبد الله بن عباس ووهم الراوي أو الناسخ فنسبها إلى الفضل بن عباس لقرب ذكره فيما تقدم له من الشعر في المقام.
ومهما كان الصحيح في نسبة الشعر فإنّه شعر صادق في التعبير عما كان أدخله كتاب ابن عباس ، والشعر الأوّل في نفس معاوية من إنهيار معنوي حتى حلف أن لا يكتب إلى ابن عباس كتاباً سنة كاملة. وأبياته المذكورة تنبئ عن فشله وندامته ولكنه على عادته في المكابرة ختمها بقوله :
فأبرق وأرعد ما استطعت فإنّني |
إليك بما يشجيك سبط الأنامل |
أي سخيّ بما يشجيك ، ولم يكن يتوقع أن يأتيه من قبل ابن عباس ما يشجيه هو أيضاً ، ولقد صدقت فراسة عمر بن الخطاب في ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص حين ذكر نفر عنده معاوية وابن العاص ، فقال لهم : ( أين أنتم عن عبد الله بن عباس؟ فقالوا : والله انّه ـ أي كما ذكرت ـ ولكنهما أذكى سنّاً وأطول تجربة. فقال عمر : إنّ هذا
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحيد 1 / 50.
(2) المراجعات / 282.
لهما عليه ، ولئن بقي يجري في عنانهما ليبرحنّ بهما تبريح الأشقر مقراً وشيحاً )(1) .
نعم لقد برّح بهما أيّما تبريح ، حتى قال معاوية بعد وصول الجواب إليه : ( هذا عملي بنفسي ، لا أكتب والله إليه كتاباً سنة كاملة ).
ومرّ بنا قول عمرو بن العاص معانياً ومعاتباً معاوية على حمله أن يكتب إلى ابن عباس وجاءه الجواب المليء تقريعاً وتسفيهاً ، فقال : ( أنت دعوتني إلى هذا ، ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب ).
ولم يرتدع ابن النابغة عن غيّه بل كان متمادياً في عناده ، وأزداد عتواً ونفوراً بعد أن أخذ مصر طعمة من معاوية ، فكان يرى لنفسه ما يشمخ به ، إلاّ أنّه ما أن يرى ابن عباس إلاّ وتتصاغر نفسه ، ويهبط من عليا كبريائه ، فيحمله الحسد على المراوغة والمداجاة ، وأخيراً إلى المراضاة تخفيفاً لغلوائه ، أنّى يجديه ذلك وفي كلّ مشهد ومقام يرى من ابن عباس ما يزري به ، ويغضّ من قدره.
ولنقرأ بعض المحاورات التي جرت بين ابن العباس وابن العاص. وكلّ منهما على سجيّته وجبَلَته :
____________________
(1) أنباء نجباء الأبناء لابن ظفر المكي / 80 ط مصر. والمعنى برّح به الأمر تبريحاً أي جهده ، والأشقر مَن الخجل حمرته صافية يحمّر معها العرف والذنب ، والمقر ـ ساكن ـ دقّ العنق ، والشيح ـ في لغة هذيل ـ الجادّ في الأمور.
روى ابن عبد ربه الأندلسي في ( العقد الفريد ) :
( قال أبو مخنف. قال حج عمرو بن العاص. فمرّ بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له. وموقعه من قلوبهم.
فقال له : يا بن عباس ، مالك إذا رأيتني وليتني القصرة ، وكأن بين عينيك دبرة ، وإذا كنت في ملأ من الناس كنتّ الهوهات الهمزة.
فقال ابن عباس : لأنّك من اللئام الفجرة ، وقريش الكرام البررة ، لا ينطقون بباطل جهلوه ، ولا يكتمون حقاً علموه ، وهم أعظم الناس أحلاماً ، وأرفع الناس أعلاماً ، دخلتَ في قريش ولستَ منها ، فأنت الساقط بين الحيين ، لا في بني هاشم رحلك ولا في بني عبد شمس راحلتك ؛ فأنت الأثيم الزنيم الضال المضلّ ، حملك معاوية على رقاب الناس ، فأنت تسطو بحلمه ، وتسمو بكرمه.
فقال عمرو : أما والله أنّي لمسرور بك فهل ينفعني ذلك عندك؟
قال ابن عباس : حيث مال الحق ملنا ، وحيث سلك قصدنا )(1) .
أخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس :
( أنّه دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاص.
____________________
(1) العقد الفريد 2 / 318.
فقال عمرو : إن قريشاً تزعم أنّك أعلمها ، فلم سُميّت قريش قريشاً؟
فقال : بأمر بيّن.
فقال : ففسّره لنا ، ففسّره.
فقال : هل قال فيهم أحد شعراً؟
قال : نعم سميّت قريش قريشاً بدابة في البحر ، وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري :
وقريش هي التي تسكن البحر |
بها سميّت قريش قريشاً |
|
تأكل الغث والسمين ولا تترك |
فيه لذي الجناحين ريشاً |
|
هكذا في البلاد حيّ قريش |
يأكلون البلاد أكلاً كميشا(1) |
|
ولهم آخر الزمان نبيًّ |
يكثر القتل فيهموا والخموشا(2) |
|
يملأ الأرض خيله ورجال |
يحشرون المطيّ حشراً كشيشا |
هكذا رواه الزرقاني في ( شرح المواهب اللدنية )(3) ، وأخرجه ابن عساكر أيضاً إلاّ أنّه ذكر أنّ السائل كان معاوية ، ووصف ابن عباس الدابة بأنّها أعظم دواب البحر ، وعزا هذه الأبيات للجمحي.
____________________
(1) كميشاً : سريعاً.
(2) الخموش : الخدوش.
(3) شرح المواهب اللدنية 1 / 76 ط الأولى الأزهرية 1325 هـ.
( حضر عبد الله بن جعفر مجلس معاوية ، فقال عمرو بن العاص : قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني ، والطربات بالتغني ، محبّ للقيان ، كثير مزاحه ، شديد طماحه ، صدود عن السنان ، ظاهر الطيش ، رخيّ العيش ، أخّاذ بالسلف ، منفاق بالسرف.
فقال له ابن عباس : كذبت والله أنت ، وليس كما ذكرت ، ولكنه لله ذكور ، ولنعمائه شكور ، وعن الخنا زجور ، جواد كريم ، سيد حليم ، إذا رمى أصاب ، وإذا سئل أجاب ، غير حصر ولا هيّاب ولا عيّابة مغتاب ، حلّ من قريش في كريم النصاب ، كالهزبر الضرغام ، الجريّ المقدام ، في الحسب القمقام ، ليس بدعيّ ولا دنيّ ، ولا كمن أختصم فيه من قريش شرارها ؛ فغلب عليه جزّارها ، فأصبح الأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، ينوء منها بالذليل ، ويأذى منها إلى القليل ، مذبذب بين الحييّن ، كالساقط بين المهدين ، لا المضطر فيهم عرفوهُ ، ولا الظاعن عنهم فقدوه ؛ فليت شعري بأيّ قدر تتعرض للرجال ، وبأيُ حَسَب تعتد به تبارز عند النضال ، أبنفسك وأنت الوغد اللئيم ، والنكد الذميم ، والوضيع الزنيم ، أم بمن تنتمى إليهم ، وهم أهل السفه والطيش ، والدناء في قريش ، لا بشرف في الجاهلية شهروا ، ولا بقديم في الإسلام ذكروا ، جعلت تتكلم بغير لسانك ، وتنطق بالزور في غير أقرانك ، والله لكان أبين للفضل ، وأبعد للعدوان ، أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق ، فإنّه طالما سلسل داؤك ، وطمح بك رجاؤك ،
إلى الغاية القصوى التي لم يخضرّ فيها رعيك ، ولم يورق فيها غصنك.
فقال عبد الله بن جعفر : أقسمت عليك لمّا أمسكت فإنّك ناضلت ولي قارضت.
فقال ابن عباس : دعني والعبد ، فإنّه قد كان يهدر خالياً ، ولا يجد ملاحياً ، وقد أتيح له ضيغم شرس ، للأقران مفترس ، وللأرواح مختلس.
فقال ابن العاص : دعني يا أمير المؤمنين أنتصف منه فوالله ما ترك لي شيئاً.
قال ابن عباس : دعه فلا يبقي المبقي إلاّ على نفسه ، فوالله إنّ قلبي لشديدٌ ، وإنّ جوابي لعتيد ، وأني لكما قال نابغة بني ذبيان :
وقَدِماً قد قرّعَتُ وقارعوني |
فما نَزرُ الكلام ولا شجاني |
|
يصدّ الشاعر العرآف عني |
صدود البكر عن قرم هِجانِّ(1) |
ذكر البلاذري وغيره :
( قال قام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية وتناول بني هاشم ، ثم ذكر مشاهده بصفين ويوم أبي موسى.
فقام إليه عبد الله بن عباس ، فقال : يا عمرو إنّك بعتَ دينك من معاوية
____________________
(1) المحاسن والأضداد للجاحظ / 101 ، المحاسن والمساويء للبيهقي 1 / 68 ط السعادة بمصر 1325.
فأعطيته ما في يدك ، ومنّاك ما في يد غيره ، فكان الذي أخذهُ منك فوق الذي أعطاك ، وكان الذي أخذتَ منه دون ما أعطيته ، وكلٌ راضٍ بما أخذ وأعطى ، فلمّا صارت مصر في يدك تتّبعك بالنقص عليك والتعقّب لأمرك ، ثم بالعزل لك ، حتى لو أنّ نفسك في يدك لأرسلتها ، وذكرتَ يومك مع أبي موسى ، فلا أراك فخرتَ إلا بالغدر ، ولا منّيت إلاّ بالفجور والغش ، وذكرت مشاهدك بصفين ، فو الله ما ثقلتَ علينا يومئذ وطأتك ، ولا نكأت فينا جرأتك ، وإن كنت فيها لطويل اللسان وقصير السنان ، آخر الحرب إذا أقبلت ، وأوّلها إذا أدبرت ، لك يدان ، يد لا تقبضها عن شرّ ، ويد لا تبسطها إلى خير ، ووجهان ، وجه مؤنس ، ووجه موحش ، ولعمري إنّ من باع دينه بدنيا غيره لحريً أن يطول حزنه على ما باع وأشترى. أما إنّ لك بياناً ولكن فيك خَطل ، وإنّ لك رأياً ولكن فيك فشل ، ولك قدر وفيك حسد وإنّ أصغر عيبك فيك لأعظم عيب في غيرك.
فقال عمرو : أما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة عليّ منك ، ولا لأحد من قريش قدر عندي مثل قدرك )(1) .
أقول : إنّ قول ابن عباس لعمرو : ( إنّك بعت دينك من معاوية ) إلى آخر كلامه الذي تابع فيه مزاعم عمرو في إطرائه لمعاوية وبني أمية ، وتناوله بني هاشم ثم ذكر مشاهده بصفين ، ويوم أبي موسى ، لم يرد فيه الردّ على إطراء
____________________
(1) البيان والتبيان للجاحظ 2 / 239 ، العقد الفريد2 / 459 ، التذكرة الحمدونية 7 / 196 ، نثر الدر للآبي أيضاً.
عمرو لمعاوية وبني أمية ، ولا على تناوله بني هاشم ، وإنّما ورد فقط الردّ على مشاهد عمرو يوم صفين ويوم أبي موسى ، فيا ترى من الذي ضاق ذرعاً فلم يذكر ما قاله عمرو في معاوية وبني أمية وما تناول به بني هاشم؟ وماذا كان رد ابن عباس عليه في ذلك؟ إنّها غمغمة الرواة ، وإزمة التاريخ.
ومهما يكن نص ذلك المحذوف ، فهو لا يخرج في معناه عما بقي ، وفيه الدلالة على سفاهة عمرو إذ باع دينه من معاوية بمصر ، ومع ذلك لم تكن الصفقة رابحة لكلّ منها ، إذ كان معاوية يكيد عمروا ، وهو يكيد معاوية ، وما أكثر الشواهد على ذلك ، وحديث الوهط(1) ، وحده يكفي شاهداً.
فقد ذكر البكري في ( معجم ما استعجم ) : ( حدّث سفيان بن عمرو ابن دينار ، عن مولى لعمرو بن العاص : أنّ عمرواً أدخل في تعريش الوهط ألف ألف عود قام كلّ عود بدرهم ، فقال معاوية لعمرو : من يأخذ مال مصرين يجعله في وهطين ويُصلى سعير نارين )(2) .
وقد روى البلاذري في ( أنساب الأشراف ) بإسناده عن ميمون بن مهران : ( أنّ معاوية قال لعمرو بن العاص : أحبّ أن تصفح لي عن الوهط ضيعتك.
فقال : يا أمير المؤمنين أحبّ أن تعرض لي عنها.
____________________
(1) الوهط : الموضع المطمئن المستوى من الأرض ، وبه سمي الوهط مال كان لعمرو بن العاص كذا في لسان العرب.
(2) معجم ما استعجم 4 / 1384.
قال : لا ، فأبى عمرو أن يفعل.
فقال معاوية : مثلك يا عمرو كمثل ثور في روضة ، إن تُرك رتع ، وإن هيج نطح.
فقال عمرو : ومثلك يا أمير المؤمنين مثل بعير في روضة يصيب من أخلاط الشجر فيها ، فرأى شجرة على صخرة زلاّء فرغب عمّا هو فيه ، وتعاطى الشجرة فتكسّر )(1) .
وروي البلاذري أيضاً : ( قال الهيثم بن عدي : أراد معاوية أن يأخذ أرضاً لعمرو بن العاص ، فكتب إليه عمرو بشعر ( هجى به ) خفاف بن ندبة :
أبا خراشة إمّا كنت ذا نفر |
فإن قومي لم تأكلهم الضبعُ |
|
وكلّ قومك يخشى منك بائقة |
فأنفر قليلاً وأبصرها بمن تقعُ |
|
فالسلم تأخذ منها ما رضيتَ به |
والحرب يكفيك من أنفاسها الجُرَعُ(2) |
وهكذا هي صحبة أهل الدنيا فيما بينهم : يتصاحبون على غير تقيً ويكيد بعضهم بعضاً.
فكذلك كان صحبة عمرو بن العاص مع معاوية ، فهو قد باع دينه بولاية مصر ، فخسرت صفقة البايع حيث بدت بوادر الخلاف بينهما ، فكان يكيد أحدهما الآخر ، فكانت عاقبة عمرو بن العاص عند معاوية سيئة ، رغم أنّه خالف الله ورسوله في طاعته ، وحالف الشيطان في نصرته.
____________________
(1) أنساب الأشراف 1 / ق4 / 68. تح إحسان عباس.
(2) نفس المصدر 1 / ق4 / 70 برقم 240.
فقد روى البلاذري في ( أنساب الأشراف ) ، قال : ( وفد عمرو بن العاص على معاوية ومعه قوم من أهل حمص ، فأمرهم إذا دخلوا أن يقفوا ولا يسلّموا بالخلافة ، فلمّا دخلوا ، قالوا : السلام عليك يا رسول الله ، وتتابعوا على ذلك ، فضحك معاوية ، وقال : أعزبوا وزجرهم؟
فلما خرجوا قال لهم عمرو : نهيتكم عن أن تسلّموا بالخلافة فسلّمتم بالنبوة ، عليكم لعنة الله )(1) .
وهذا ما رواه الطبري في تاريخه ، وابن الأثير في كامله ، وابن كثير في ( البداية والنهاية ) ، ولكن مع أهل مصر. إذ لم يقف عمرو بن العاص عند تلك التجرية الأولى موقف المتبصر المعتبر فيأخذ العبرة ، بل ازداد في كيده ، وإلى القارئ الخبر بلفظ الطبري ، قال : ( أخبرت أن عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر ، فقال لهم عمرو : أنظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلّموا عليه بالخلافة ، فإنّه أعظم لكم في عينه ، وصغّروه ما استطعتم.
فلمّا قدموا عليه ، قال معاوية لحجّابه : إنّي كأنّي أعرف ابن النابغة ، وقد صغّر أمري عند القوم ، فأنظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلاّ وقد همّته نفسه بالتلف ، فكان أوّل من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخيّاط وقد تُعتع ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فتتايع القوم على ذلك ، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو : لعنكم الله ،
____________________
(1) نفس المصدر 1 / ق4 / 31.
نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة فسلّمتم عليه بالنبوة )(1) .
وأطرف من هذا وذاك رؤيا عمرو للخلفاء الثلاثة ومعاوية فقصّها على معاوية ، فأجابه معاوية مستهزءاً به بما يأتي كما في ( معجم ما استعجم ) للبكري في مادة ( الحزورة(2) ، فليقرأها القارئ ليعرف مكايدة أحدهما للآخر :
( وقال عمرو بن العاص لمعاوية : رأيت في منامي أبا بكر حزيناً ، فسألته عن شأنه ، فقال : وُكّل بي هذان لمحاسبتي ، وإذا صحف يسير ورأيت عمر كذلك ، وإذا صحف مثل الحزورة ورأيت عثمان كذلك ، وإذا صحف مثل الخندمة(3) ورأيتك يا معاوية وصحفك مثل أحد(4) وثبير.
فقال له معاوية : أفرأيت ثَمَّ دنانير مصر ( برابي مصر )؟ )(5) .
فهذا الكلام هو رؤيا منام فإن صحت الأحلام ينبئ عن سوء عقيدة عمرو بن العاص بكلّ الخلفاء الذين ذكرهم ، فهو لم يقل عن واحد منهم لم يكن حزيناً ، وأن صحيفته خالية ممّا يؤاخذ ويحاسب عليه ، فقال عن أبي بكر رأيته حزيناً ، وقال عن عمر كذلك ، وعن عثمان كذلك ، وكلّ
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 330 ط دار المعارف ، الكامل 4 / 7 ، البداية والنهاية ابن كثير 8 / 140 ط السعادة بمصر.
(2) الحزورة : موضع بمكة يلي البيت.
(3) الخندمة : اسم جبل بمكة.
(4) أحد : جبل تلقاء المدينة.
(5) معجم ما استعجم2 / 445 ، تحقيق مصطفى السقى ط القاهرة 1366 هـ.
منهم لديه صحفاً منشّرة يحاسب عليها ، وقد تزايدت صحائف المتأخر على المتقدم ، حتى أضحت صحائف عثمان في حجم جبل الخندمة ، أما صحف معاوية فهي في حجم جبلي أحد وثبير.
واللافت للنظر أنّه لم يذكر عليّاً معهم ، إمّا لأنّه لا يراه خليفة ، مع إجماع المسلمين ـ إلاّ من شذّ ـ أنّه كان خليفة وإن عدّوه رابع الخلفاء ، ولعلّه إنّما لم يذكره لأنه لم ير فيه ما يشين سلوكه في سيرته أيام خلافته ، لأنّه كان مع الحق والحق معه ، وشعر ابن النابغة في القصيدة الجلجلية يشهد بذلك(1) .
( دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلَم عليه ، وقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟
قال : أصبحت وقد أصلحتُ من دنياي قليلاً ، وأفسدتُ من ديني كثيراً ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب لطلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين(2) ، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي.
____________________
(1) أنظر الغدير 2 / 176 ط مركز الغدير.
2 ـ ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 / 113 : ( أن ابن عباس قال له : يا ابا عبد الله كنت تقول أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف تجد؟
قال : أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينها ، وأراني كأنما أتنفس من خرق إبرة ).
فقال له ابن عباس : هيهات يا أبا عبد الله ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا تشاء أن تبكي إلاّ بكيت ، كيف يؤمن برحيل مَن هو مقيم؟
فقال عمرو : وعلى حينها! حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربّي ، اللهم إنّ ابن عباس يقنّطني من رحمتك ، فخذ منّي حتى ترضى.
فقال ابن عباس : هيهات يا أبا عبد الله أخذتَ جديداً وتُعطي خَلِقاً.
فقال عمرو : ما لي ولك يا بن عباس؟ ما أرسلت كلمة إلاّ أرسلت نقيضها )(1) .
فقال ابن قتيبة في ( المعارف ) : ( ثم وضع إصبعه في فمه حتى مات )(2) .
وروى اليعقوبي في تاريخه ، قال : ( ولمّا حضرت عمرواً الوفاة ، قال : لابنه : لودّ أبوك أنّه كان مات في غزاة ذات السلاسل ، إنّي قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند الله فيها.
ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته ، قال : ياليته كان بعراً ، ياليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة ، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني ، أثرت دنياي وتركت آخرتي ، ( عمي ) عليَّ رشدي حتى حضرني أجلي ، كأنّي بمعاوية قد حوى ما لي وأساء فيكم خلافتي.
ـ قال الله تعالى :( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) (3) ، وقال تعالى :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً
____________________
(1) الإستيعاب لابن عبد البر2 / 436 في ترجمة عمرو بن العاص ، رغبة الآمل3 / 214.
(2) المعارف / 286 تح عكاشة.
(3) البقرة / 167.
أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ـ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (1) ـ
وتوفي عمرو ليلة الفطر سنة 43 ، فأقرّ معاوية ابنه عبد الله بن عمرو ثم استصفى مال عمرو ، فكان أوّل من استصفى مال عامل ، ولم يكن يموت لمعاوية عامل إلاّ شاطر ورثته ماله ، فكان يكلّم في ذلك ، فيقول : هذه سنّة سنّها عمر بن الخطاب )(2) .
أقول : فلينظر العمريون أين تكون تلك السنّة؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( من سنّ سنّة سيئة عُمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها )(3) .
وأخيراً فلينظر أبناء كثير وتيمية وقيّم الجوزية ، كيف كانت صحابتهم الذين يوالونهم ويعادون من عاداهم على غير هدى من الله ، وليفرحوا بما قاله ابن قيّمهم في تقيميهم في كتابه ( المنار المنيف ) ، الأحاديث بالإرقام التالية :
( 250 ـ ومن ذلك الأحاديث في ذم معاوية.
____________________
(1) الأنعام / 93 ـ 94.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 222.
(3) مسند أحمد4 / 361 ، وراجع موسوعة أطراف الحديث النبوي 8 / 319 ـ 320.
251 ـ وكلّ حديث في ذمّه فهو كذب.
252 ـ وكلّ حديث في ذمّ عمرو بن العاص فهو كذب.
253 ـ وكلّ حديث في ذمّ بني أمية فهو كذب ، وكلّ حديث في ذمّ يزيد بن معاوية فكذب ).
وزاد المعلق في الهامش في الطنبور نغمة ، فقال : ( وأحاديث ذمّ معاوية ، أو عمرو بن العاص ، أو يزيد بن معاوية من وضع غلاة الشيعة ، القصد منها تفضيل عليّ ، وليس فضل عليّ بحاجة إلى وضع أحاديث. ومعاوية وعمرو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يصحّ لمسلم الخوض فيهما ، وكلّ منهما له فضل ومناقبه ، أمّا يزيد فهو متروك إلى الله يحاسبه عما جنت يداه )(1) .
أقول : ما ذنب غلاة الشيعة في هذا ، وجميع ما تقدم من محاورات رواها أعلام السنة في كتبهم! فإن كان غلاة الشيعة قد اخترقوا الحواجز حتى كتبوا في مصادر أهل السنة ما القصد منه تفضيل عليّ؟ فليحرق أهل السنة تلك المصادر ويبوؤا بالخسران ، وليت ابن قيّم الجوزية ومن نقّ معه هذّبوا كتاب ( الإصابة ) لابن حجر العسقلاني من تراجم بعض الصحابة ممن كان يماكس ويعافس في بيع دينه بإعترافه كالحتات المجاشعي المذكور.
قال ابن حجر : ( ذكره ابن إسحاق وابن الكلبي فيمن وفد من بني
____________________
(1) المنار المنيف / 110 الفصل 33.
تميم على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا ، وقال ابن هشام هو القائل :
لعمر أبيك فلا تكذبن |
لقد ذهب الخير إلاّ قليلا |
|
لقد فتن الناس في دينهم |
وأبقى ابن عفان شراً طويلا(1) |
ثم قال ابن حجر : وأخرج الدارقطني في المؤتلف ومن طريقه أبو عمر من رواية نصر بن علي الأصمعي عن الحارث بن عمير عن أيوب ، قال : غزا الحتات المجاشعي وحارثة بن قدامة والأحنف ، فرجع الحتات فقال لمعاوية : فضّلت عليَّ محرقاً ومخذلاً؟ قال : أشتريت منهما ذمتهما ، قال : فاشتر مني ذمتي ـ وهذا من التحريف المتعمد ، والصواب : ( اشتريت منهما دينهما ، قال : فاشتر مني ديني ) كما في ( الإستيعاب ) في ترجمة الحتات(2) ! ـ )(3) .
وممّا يستطرف من حديث هذا الصحابي ما رواه ابن عبد البر في ترجمته ، حيث قال : ( ذكره ابن إسحاق وابن هشام وابن الكلبي ، وقالوا : آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الحتات وبين معاوية بن أبي سفيان ، فمات الحتات عند معاوية في خلافته ، فورثه بتلك الإخوة.
فقال الفرزدق في ذلك لمعاوية :
____________________
(1) البيتان المذكوران في 1 / 310 ط مصطفى محمد بهامش الإستيعاب.
(2) الإستيعاب لابن عبد البر 1 / 413.
(3) ترجمة الحتات 1 / 394 ، هامش الإصابة ، نفس الطبعة المشار إليها.
أبوك وعمي يا معاوية أورثا |
تراثا فيحتاز التراث أقاربه |
|
فما بال ميراث الحتات أكلته |
وميراث صخر جامد لك دائبه |
قال ابن هشام : وهذان البيتان في أبيات له.
والحتات بن يزيد هذا هو القائل :
لعمر أبيك فلا تكذبن |
لقد ذهب الخير إلا قليلاً |
|
لقد فتن الناس في دينهم |
وخلّى ابن عفان شرا طويلا |
وأوّل هذه الأبيات :
نأتك أمامة نأيا محيلا |
وأعقبك الشوق حزناً طويلا |
|
وحال أبو حسن دونها |
فما تستطيع إليها سبيلا |
لعمر أبيك الخ
وكان هرب من عليّ رضي الله عنه إلى معاوية ، وللحتات بنون عبد الله وعبد الملك ومنازل بنو الحتات ولّوا لبني أمية )(1) .
أقول : وهذا أيضاً ترجمه ابن الأثير في ( أسد الغابة )(2) وذكر بيع الدين. فيا ترى من هو الغالي من الروافض الذي اخترق صفوف أهل السنة فأدخل هذه المخزاة في مصادر تراجم الصحابة؟ وكم لحتات من نظير؟
( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (3) .
____________________
(1) الإستيعاب 1 / 413.
(2) أسد الغابة 1 / 379.
(3) الحج / 46.
محاورته مع الأشعث بن قيس
أخرج الطبراني في ( المعجم الكبير ) بسنده عن عيسى بن يزيد ، قال :
( استأذن الأشعث على معاوية بالكوفة فحجبه مليّاً وعنده العباس والحسن بن علي رضي الله عنهما.
فقال : أعن هذين حجبتني يا أمير المؤمنين؟ تعلم أنّ صاحبهما جائنا فملأنا كذباً ـ يعني عليّاً ـ.
فقال ابن عباس : أتراني أسبك بابن أبي طالب؟
قال : ما سبّ عربي خير منّي.
فقال ابن عباس : عبد مهرة ، قتل جدك ، وطعن في أست أبيك.
فقال : ألا تسمع مايقول لي يا أمير المؤمنين؟
قال : أنت بدأت )(1) .
ورواه الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) ، وقال : ( رواه الطبراني في الكبير وفيه جماعة لا أعرفهم )(2) .
أقول : وفي النفس من صحة هذا الخبر شيء ، إذ أن ابن عباس لم
____________________
(1) المعجم الكبير 1 / 238.
(2) مجمع الزوائد 7 / 248.
يكن قد حضر الصلح ، ولم يجتمع مع معاوية بالكوفة ـ وقد مرّ أن ذكرت في الجزء الخامس من الحلقة الأولى زمان ومكان أوّل لقاء بينهما ـ وأحسب أنّ المراد بابن عباس في الخبر هو عبيد الله بن عباس الذي كان مع قيس بن سعد في مقدمة جيش الإمام الحسن عليه السلام وقيل عنه ما قيل من خيانة ترك الجيش وذهب إلى معاوية ، وهذا الخبر إن صح سندا ودلالة فهو يلقي بضلال الشك على ما قيل في عبيد الله.
محاورته مع عتبة بن أبي سفيان
( قال عتبة بن أبي سفيان لعبد الله بن عباس رضي الله عنه : ما منع عليّاً أن يبعثك مكان أبي موسى الأشعري يوم الحكمين؟
قال : منعه والله من ذلك حاجز القدر ، وقصر المدة ، ومحنة الإبتلاء. أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت لعمرو في مدارج نفسه ، ناقضاً ما أبرمه ، ومبرماً ما أنقضه ، أسفُ إذا طار ، وأطير إذا أسف ، ولكن مضى قدر وبقي أسف ، ومع اليوم غد ، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى )(1) .
وقالوا : لمّا استتبَّ الأمرُ لمعاوية قدم عليه عبد الله بن عباس ، وهي أوّلُ قدمةٍ قدمها عليه ، فدخل وكأنّه قُرْحَة تتبجس(2) ، فجعل عتبةُ بن أبي سفيانَ يطيلُ النظر إليه ويقلُّ الكلام معه.
فقال ابن عباس : يا عتبة إنّك لتطيلُ النظر إِليَّ وتقلُّ الكلام معي ،
____________________
(1) جاء ذلك في أمالي المرتضى 1 / 207 ، وشرح النهج للمعتزلي 1 / 195 ، وإعجاز القرآن للباقلاني / 122 ، والعقد الفريد للملك السعيد / 11 ، والمنتخب من كناية الأدباء وإشارات البلغاء للقاضي الجرجاني / 147 ( ت 482 هـ ) ، ط السعادة بمصر 1356 هـ ، وإسرار البلاغة بذيل المخلاة / 4 ، وجمهرة خطب العرب 2 / 92.
(2) تتبجس : أي تتفجر من قولهم : إنبجس الماء وتبجس : أي تفجّر ( الصحاح / بجس ).
أفلموجدةٍ فدامت أو لمعْتَبَةٍ فلا زالت؟
فقال له عتبة : ماذا أبقيت لما لا رأيت؟ أمّا طولُ نظري إليك فسروراً بك ، وأمّا قلّةُ كلامي معك فلقلَّتِهِ مع غيرك ، ولو سلطت الحقَّ على نفسك لعلمتَ أنّه لا تنظرُ إليكَ عينُ مبغض.
فقال ابن عباس : أَمهيتَ يا أبا الوليد أَمهيتَ ، لو تحقْقَ عندنا أكثر ممّا ظنناه لمحاهُ أقلُّ ممّا قلت.
فذهب بعضُ من حضر ليتكلم ، فقال له معاوية : أسكتْ إنَّ الداخل بين قريشٍ لخائن نفسه. وجعل معاويةُ يصفّقُ بيديه ويقول : [من الرجز] :
جندلتانِ اصطكتا اصطكاكا |
دعوتُ عَرْكا إذ دَعَوْا عراكا |
( إنّ الداخل بين قريش لخائن نفسهِ ).
يقال : أمهيتَ الحديدةَ إذا سميتها ، والأمهاء : إرخاءُ الحبل. وأمهيت الفرسَ : أرخيتُ عنانه. ولبن ممهوّ : رقيق ، وناقة ممهاء : رقيقة اللبن(1) .
____________________
(1) التذكرة الحمدونية 5 / 53 برقم 124 ، والبصائر 6 / 26 ـ 27 ( برقم / 57 ) ، ونور القبس / 189 ، ونثر الدر 3 / 115 ، وما بين القوسين منه.
محاورته مع زياد ( الدعيّ )
( إنّك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت )
قالوا : ( إنّ عبد الله بن عباس قدم على معاوية وعنده زياد ، فرحّب به معاوية وألطفه وقرّب مجلسه ، ووسّع له إلى جنبه ، وأقبل عليه يسائله ويحادثه ، وزياد ساكت فلم يكلّمه شيئاً.
فأبتدأ ابن عباس وقال له : ما بالك أبا المغيرة كأنّك أردتَ أن تحدث بيننا وبينك هجرة؟
قال : لا ، ولكنه لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين.
فقال له ابن عباس : ما أدركت الناس إلاّ وهم يسلّمون على إخوانهم بين يدي أمرائهم.
فقال له معاوية : كفّ عنه يا بن عباس فإنّك لا تشاء أن تغلب إلاّ غلبت )(1) .
____________________
(1) العقد الفريد 1 / 10 ، و 2 / 9 ، نهاية الإرب 6 / 14.
محاورته مع أبي موسى الأشعري
( لمّا استقام رأيُ الناسِ على جعل أبي موسى حكماً لأهل العراق بصفّين.
أَتاهُ عبدُ الله بنُ عباس ـ وعنده وجوهُ الناس وأَشرافُهم ـ فقال : يا أبا موسى ، إنّ الناسَ لم يرضَوْا بك ولم يجتمعوا عليك لفضلٍ لا تُشارَكُ فيه ، وما أَكثَر أشباهَكَ من المهاجرين والأنصار والمقدَّمِين قَبْلَكَ ، ولكنَّ أَهلَ الشَّامِ أبَوْا غيْرَك ، وايمُ الله إنّي لأَظنُّ ذلك شرَّاً لنا وخيراً لهم ، وإنّه قد ضُمَّ إليك داهيةُ العرب ، وليس في معاويةَ خَصْلَةٌ يَستحقُّ بها الخلافة ؛ فإن تقذِفْ بحقِّكَ على باطِلِه تُدرِكْ حاجتَكَ ، وإنْ تُطمِعْ باطلَهُ في حقِّكَ يُدرِكْ حاجتَهُ فيك.
إعلم أنّ معاوية طليقُ الإسلامِ ، وأنّ أباه من الأحزاب ، وأنّه ادعى الخلافةَ من غير مَشُورةٍ ، فإن صدَّقَكَ فقد صرَّحَ بخلعِهِ ، وإن كذَبَكَ فقد حَرُمَ عليك كلامُهُ ، وإن ادعى أنّ عمرَ وعثمانَ إستعملاه فَصدَقَ : فأمّا عمرُ استعملَهُ وهو الوالي عليه ، بمنزلةِ الطبيبِ من المريضِ يحميه ممّا يشتهي ويؤخِّرُهُ ممّا يكره ، ثم استعمله عثمان برأي عمر ، وما أكثر من استعملاه ثم لم يَدَّعُوا الخلافة ، وهو منهم واحد.
واعلَمْ أنّ لعمروٍ مع كلِّ شيءٍ يسرُّك حيناً يَسوءُك ، ومهما نسيتَ فلا تنسَ أن عليّاً بايَعهُ القومُ الذين بايعوا أبا بكر وعمرَ وعثمانَ ، فإنّها بيعةُ هدى ، وأنّه لم يقاتِلْ إلاّ غاصِباً أو ناكثاً.
فقال أبو موسى : رحمك الله ، والله ما لي إمامٌ غيرُ عليّ ، وإنّي لواقفٌ عند ما أرى ، ولِرَضى الله أَحبُّ إِليَّ من رضى أهلِ الشام ، وما أنا وأنت إلاّ بالله )(1) .
____________________
(1) التذكرة الحمدونية 7 / 196 برقم 904 ، ونثر الدر للآبي 1 / 421 ، كما في الهامش الأول.
محاورته مع عروة بن الزبير
( ما تقول يا عُريّة )
أخرج ابن عبد البر في كتابه ( التمهيد كما في الموطأ من المعاني والأسانيد ) :
( إنّ عروة قال لابن عباس : أضللت الناس؟
قال : وما ذلك؟
قال : تفتي الناس إذا طافوا بالبيت فقد حلّوا ، وقال أبو بكر وعمر : من أحرم بالحج لم يزل محرماً إلى يوم النحر.
فقال ابن عباس : أحدّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثوني عن أبي بكر وعمر.
فقال عروة : كانا أعلم برسول الله منك )(1) .
وأخرج الذهبي في ( تذكرة الحفاظ ) في ذيل ترجمة محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج بسنده ، عن سعيد بن جبير :
( فقال ابن عباس : ما تقول يا عريّة؟
قال : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة.
____________________
(1) التمهيد 3 / 522.
فقال : أراهم سيهلكون أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقولون : قال أبو بكر وعمر؟!.
قال ابن حزم : إنّها لعظيمة ما رضي بها قط! أبو بكر وعمر )(1) !!
وذكر ابن قيم الجوزية في ( زاد المعاد ) عن أيوب :
( قال عروة لابن عباس : ألا تتقي الله ترخّص في المتعة؟
فقال ابن عباس : سل أمك ياعريّة.
فقال عروة : أمّا أبو بكر وعمرفلم يفعلا.
فقال ابن عباس : والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله ، نحدثكم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثونا عن أبي وبكر؟! )(2) .
____________________
(1) تذكرة الحفاظ 3 / 873.
(2) زاد المعاد 2 / 213.
إحتجاجاته على ابن الزبير
( سل أمّك عن بردي عوسجة )
( خطب ابن الزبير بمكة على المنبر وابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر.
فقال : إنّ ههنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره ، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله ، ويفتي في القملة والنملة ، وقد أحتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى ، وكيف ألومه في ذلك وقد قاتل أم المؤمنين وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن وقاه بيده.
فقال ابن عباس لقائده سعيد بن جبير بن هشام ـ مولى بن أسد بن خزيمة ـ : استقبل بي وجه ابن الزبير ، وأرفع من صدري. وكان ابن عباس قد كفّ بصره.
فاستقبل به قائدُه عكرمةُ وجه ابن الزبير ، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه ثم قال : يا ابن الزبير :
قد أنصف القارة من راماها |
إنّا إذا ما فئةٌ نلقاها |
|
نردّ أولاها على آخراها |
حتى تصير حَرَضاً دعواها |
يا بن الزبير أمّا العمى فإنّ الله تعالى يقول :( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (1) ، ثم أنشأ قوله :
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما |
ففي لساني وقلبي منهما نور |
وأمّا فتياي في القملة والنملة ، فإنّ فيهما حكميَن لا تعلمهما أنت ولا أصحابك.
وأمّا حملي المال ، فإنّه كان مالاً جبيناه فأعطينا كلّ ذي حق حقه ، وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله ، فأخذناه بحقنا.
وأمّا المتعة ، فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردي عوسجة ).
ـ وفي رواية : ( أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير ) ، وفي رواية ثالثة : ( فإنّ أوّل متعة سطع مجمرها لمجمر سطع بين أمك وأبيك ) ـ
وأمّا قتالنا أم المؤمنين ، فبنا سُمّيت أم المؤمنين لا بك ولا بأبيك ، فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها ، ثم اتخذاها فئة يقاتلان دونها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما ، فما أنصفا الله ولا محمداً من أنفسهما ، أن ابرزا زوجة نبيّه وصانا حلائلهما.
وأمّا قتالنا إياكم ، فإنّا لقيناكم زحفاً ، فإن كنّا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منّا ، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا.
ـ وفي رواية : ( فقد لقيت أباك في الزحف وأنا مع إمام هدى ، فإن يكن
____________________
(1) الحج / 46.
على ما أقول فقد كفر بقتالنا ، وإن يكن على ما تقول فقد كفر بهربه عنا ) ـ
وأيم الله لولا مكان صفية فيكم ومكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظماً إلاّ كسرته.
فانقطع ابن الزبير.
ولمّا عاد إلى أمّه سألها عن بردي عوسجة؟ فقالت : يا بني ما ولدتك إلاّ في المتعة ، ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم فإنّهم كَعم الجواب إذا بدهوا.
فقال : بلى وعصيتك.
فقالت : يا بني أحذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس والجن ، واعلم أنّ عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها ، فأياك وإياه آخر الدهر.
فقال أيمن بن خزيمة بن فاتك الأسدي :
يا ابن الزبير لقد لاقيتَ بائقة |
من البوائق فالطف لطف محتال |
|
لاقيته هاشمياً طاب منبته |
في مغرسيه كريم العمّ والخال |
|
ما زال يقرع منك العظم مقتدراً |
على الجواب بصوت مسمع عال |
|
حتى رأيتك مثل الكلب منحجراً |
خلف الغبيط وكنت الباذخ العالي |
|
إن ابن عباس المعروف حكمتَه |
خير الأنام له حال من الحال |
|
عيرّتُه المتعة المتبوع سنّتها |
وبالقتال وقد عيّرت بالمال |
|
لمّا رماك على رسلٍ بأسهمه |
جرت عليك كسوف الحال والبال |
فأحتز مقولك الأعلى بشفرته |
حزاً وحيّاً بلا قيل ولا قال |
|
وأعلم بأنّك إن عاودت غيبته |
عادت عليك مخازِ ذات أذيال )(1) |
أقول : وأورد الحادثة الحافظ جمال الدين الزيلعي في ( نصب الراية لأحاديث الهداية ) نقلاً عن مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير :
( أنّ عبد الله بن الزبير قام بمكة ، فقال : إنّ ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة ـ يعرّض برجل ـ.
فناداه فقال : إنّك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة في عهد إمام المتقين ـ يريد رسول الله ـ.
فقال له ابن الزبير : فجرّب نفسك فو الله لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك )(2) .
وعلّق ابن الهمام الحنفي في شرحه على هذه الخطبة ، فقال : ( ولا تردّد عندنا في أنّ ابن عباس هو الرجل المعرّض به ، فكان قد كفّ بصره ، فلذا قال ابن الزبير : كما أعمى أبصارهم )(3) (4) .
____________________
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 490 ، ط دار الكتب العربية بمصر.
(2) نصب الراية لأحايدث الهداية 3 / ط مصر سنة 1357 نقلاً عن مسلم في صحيحه 4 / 133.
(3) شرح الفتح 2 / 286.
(4) وروى الحادثة النسائي أيضاَ والمسعودي في جملة من كتبه كالإستبصار وكتاب الصفوة والكتاب الواجب في الفروض اللازمة كما في مروج الذهب 2 / 103 ، وابن عبد ربه في العقد الفريد 3 / 157 ، وابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 489 ـ 491 ، والراغب في محاضراته 2 / 294 ، والمدني في الدرجات الرفيعة 1 / 142 ، وغيرهم
تنبيه هام :
عند كثير ممن روى هذه الحادثة رواها خالية عن قصة أخذ المال وفتيا المتعة والقملة والنملة ، ومنهم الخوازمي في ( مقتل الحسين )(1) ، وأوردها خالية عن قصة أخذ المال فقط ، أو خالية بما عدا المتعة وعمى البصر كالزيلعي في ( نصب الراية ) ، وابن الهمام الحنفي في ( شرح الفتح )(2) ، وابن عبد ربه في ( العقد الفريد )(3) ، والمسعودي في مروجه(4) ، والراغب في محاضراته(5) ، وهامش ( الإستغاثة في بدع الثلاثة )(6) نقلاً عن المختصر من الأصل لابن شهر آشوب ، وستجد شرحاً عن المتعة في باب أقواله الفقهية التي خالف بها الخلفاء الثلاثة ، وهناك تجد قول من قال :
أقول للشيخ إذ طالت عزوبته |
يا شيخ هل لك في فتوى ابن عباس |
كما في ( محاضرات الراغب )(7) ، لشهرة فتواه بحلية المتعة ، وكذا تجد هذا في ( أصل الشيعة وأصولها )(8) .
____________________
(1) مقتل الحسين 2 / 252.
(2) شرح الفتح 2 / 286.
(3) العقد الفريد 2 / 157.
(4) مروج الذهب 2 / 102.
(5) محاضرات الراغب 2 / 94.
(6) الإستغاثة / 45.
(7) محاضرات الراغب 2 / 93.
(8) أصل الشيعة وأصولها / 123.
( عن عثمان بن طلحة العبدري ، قال : شهدت من ابن عباس رحمه الله مشهداً ما سمعته من رجل من قريش ، كان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم ـ وهو يؤمئذ أمير المدينة ـ سرير آخر أصغر منه فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل. وتوضع الوسائد فيما سوى ذلك.
فأذن مروان يوماً للناس ، وإذا سرير آخر قد أحدث تجاه سرير مروان ، فأقبل ابن عباس فجلس على سريره ، وجاء عبد الله بن الزبير فجلس على السريرالمحُدث ، وسكت مروان والقوم ، فإذا يدا ابن الزبير تتحرك ، فعلمت أن يريد أن ينطق.
ثم نطق ، فقال : إنّ أناساً يزعمون أنّ بيعة أبي بكر كانت غلطاً وفلتةُ ، ومغالبة. ألا إنّ شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا. ويزعمون أنّه لولا ما وقع لكان الأمر لهم وفيهم ، والله ما كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداً أثبت إيماناً ولا أعظم سابقة من أبي بكرٌ ، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله. فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر ، فلم يكن إلاّ ما قال ، ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ ، وجدّهم في جدود ، فقسمت تلك الحظوظ فأخرّ الله سهمهم ، وأدحض جدّتهم وولي الأمر عليهم مَن كان أحق به منهم ، فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجاً من القرية ، فأصابوا منه غرة فقتلوه ، ثم قتلهم الله به كلّ قتلة ، وصاروا مطرّدين تحت بطون الكواكب.
فقال ابن عباس : على رسلك أيها القائل في أبي بكر وعمر والخلافة.
أما والله ما نالا ولا نال واحد منهما شيئاً إلاّ وصاحبنا خير ممن نال ، وما أنكرنا تقدّم من تقّدم لعيب عبناه عليه ، ولو تقدم صاحبنا لكان أهلاً وفوق الأهل ، ولولا أنّك إنّما تذكر حظ غيرك وشرف أمريءٍ سواك لكلمتّك ، ولكن ما أنت وما لاحظّ لك فيه ، أقتصر على حظك ودع تيماً لتيم ، وعدياً لعدي ، وأمية لأمية. ولو كلمني تيمي أو عدوي أو أموي لكلّمته ، وأخبرته خبر حاضر عن حاضر لا خبر غائب عن غائب ، ولكن ما أنت وما ليس لك ، فإنّ يكن في أسد بن عبد العزّى شيء فهو لك.
أما والله لنحن أقرب بك عهداً ، وأبيضُ عندك يداً ، وأوفر عندك نعمة ممن أسميت ، تظن أنّك تصول به علينا ، وما أخلق ثوب صفية بعد.( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (1) (2) .
( تزوج عبد الله بن الزبير أم عمرو إبنة منظور بن أبان الفزارية. فلمّا دخل بها ، قال لها تلك الليلة : أتدرين مَن معك في حجلتك؟
قالت : نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي.
قال : ليس غير هذا.
قالت : فما الذي تريد؟
____________________
(1) يوسف / 118.
(2) شرح النهج للمعتزلي 4 / 490 ، والدرجات الرفيعة / 118.
قال : معك مَن أصبح من قريش بمنزلة الرأس من الجسد ، لا بل بمنزلة العينين من الرأس.
قالت : أم والله لو أنّ بعض بني عبد مناف حضرك لقال لك خلاف قولك.
فغضب وقال : الطعام والشراب عليّ حرام حتى أحضرك الهاشميين وغيرهم من بني عبد مناف فلا يستطيعون لذلك إنكاراً.
قالت : إن أطعتني لم تفعل ، وأنت أعلم وشأنك.
فخرج إلى المسجد فرأى حلقة فيها قوم من قريش منهم عبد الله بن العباس ، وعبد الله بن الحصين بن الحرث بن المطلب بن عبد مناف ، فقال لهم ابن الزبير : أحبّ أن تنطلقوا معي إلى منزلي. فقام القوم بأجمعهم حتى وقفوا على باب بيته ، فقال ابن الزبير : يا هذه اطرحي عليك سترك.
فلمّا أخذوا مجالسهم دعا بالمائدة فتغدى القوم فلمّا فرغوا ، قال لهم : إنّما جمعتكم لحديث ردتّه علي صاحبة الستر وزعمت أنّه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني لما أقرّ لي بما قلت ، وقد حضرتم جميعاً ، وأنت يا ابن عباس ما تقول : إنّي أخبرتها إنّ معها في خدرها مَن أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل بمنزلة العين من الرأس فردّت علىّ مقالتي.
فقال : ابن عباس : أراك قصدت قصدي فإن شئت أن أقول قلتُ ، وإن شئت أن أكفّ كففت.
قال : بل قل وما عسى أن تقول : ألست تعلم أنّي ابن الزبير حواري
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين؟ وأنّ عمتي خديجة سيدة نساء العالمين ، وأنّ صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جدتي؟ وأنّ عائشة أم المؤمنين خالتي؟ فهل تستطيع لهذا أنكاراً؟
قال ابن عباس : لا ولقد ذكرتَ شرفاً شريفاً وفخراً فاخراً ، غير أنّك تفاخر مَن بفخره فخرت وبفضله سموت.
قال : وكيف ذلك؟
قال : لأنّك لم تذكر فخراً إلاّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أولى بالفخر به منك.
قال ابن الزبير : لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة.
قال ابن عباس : ( قد أنصف القارة من راماها ) ، نشدتكم الله أيّها الحاضرون أعبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش؟
قالوا : عبد المطلب.
قال : أفهاشم كان أشرف فيها أم أسد؟
قالوا : بل هاشم.
قال : أفعبد مناف أشرف أم عبد العزى؟
قالوا : عبد مناف.
فقال ابن عباس :
تنافرني يا بن الزبير وقد قضى |
عليك رسول الله لا قول هازل |
|
ولو غيرنا يا بن الزبير فخرته |
ولكنما ساميت شمس الأصائل |
قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفضل في قوله : ( ما أفترقت فرقتان إلاّ كنت في خيرهما ، فقد فارقناك من بعد قصيّ بن كلاب ) ، أفنحن في فرقة الخير أم لا؟
إن قلت : نعم خُصمت ، وإن قلت لا كفرت. فضحك بعض القوم.
فقال ابن الزبير : أما والله لولا تحرّمك بطعامنا يا ابن عباس لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك.
قال ابن عباس ولم؟ أبباطل؟ فالباطل لا يغلب الحق ، أم بحق؟ فالحق لا يخشى من الباطل.
فقالت المرأة من وراء الستر : إنّي والله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلاّ ما ترون.
فقال ابن عباس : صه أيتها المرأة أقنعي ببعلك ، فما أعظم الخطر وما أكرم الخبر ، فأخذ القوم بيد ابن عباس وكان قد عمى ، فقالوا : إنهض أيها الرجل ، فقد أفحمته غير مرّة. فنهض وقال :
ألا يا قومنا أرتحلوا وسيروا |
فلو تُرك القطا لغفا وناما |
فقال ابن الزبير : يا صاحب القطا أقبل عليّ فما كنت لتدعني حتى أقول ، وأيم الله لقد عرف الأقوام أنّي سابق غير مسبوق ، وابن حواريّ وصدّيق ، متبجح في الشرف الأنيق ، خير من طليق وابن طليق.
فقال ابن عباس : رسعت بجرتك فلم تبق شيئاً ، هذا الكلام مردود ، من
أمريء حسود ، فإن كنت سابقاً فالى مَن سبقت؟ وإن كنت فاخراً فبمن فخرت؟
فإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا ، فالفخر لك علينا ، وإن كنت إنّما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك ، والكثكث في فمك ويدك.
وأمّا ما ذكرت من الطليق ، فو الله لقد ابتلي فصبر ، وأنعم عليه فشكر ، وإن كان والله لوفياً كريماً ، غير ناقض بيعة بعد توكيدها ، ولا مسلم كتيبة بعد التآمر عليها.
فقال ابن الزبير : أتعيّر الزبير بالجبن ، والله إنّك لتعلم منه خلاف ذلك.
قال ابن عباس : والله إنّي لا أعلم إلا أنّه فرّ وماكرَّ ، وحارَبَ فما صبر ، وبايع فما تمم ، وقطع الرحم وأنكر الفضل ، ورام ما ليس له بأهل :
وأدرك منها بعض ما كان يرتجى |
وقصرّ عن جري الكرام وبلّدا |
|
وما كان إلا كالهجين أمامه |
عناق فجاراه العناق فأجهدا |
فقال عبد الله بن الحصين بن الحرث : ويلك يا ابن الزبير أقمناه عنك وتأبى إلاّ منازعته ، والله لو نازعته من ساعتك إلى إنقضاء عمرك ، ما كنت إلاّ كالسغب الظمآن ، يفتح فاه يستزيد من الريح فلا يشبع من سغب ، ولا يروي من عطش فقل : إن شئت أو فدع ، فأنصرف القوم.
قال ابن الزبير : والله يا بني هاشم ما بقي إلاّ المحاربة والمضاربة بالسيوف.
فقال له عبد الله بن نوفل بن الحرث : أما والله لقد جرّبت ذلك ، فوجدت غيه وخيماً ، فإن شئت فعد حتى نعود ، وانصرف القوم عنه وافتضح ابن الزبير )(1) .
( دخل ابن عباس على ابن الزبير وكان القائد له سعيد بن جبير.
فقال له ابن الزبير : تؤنبني وتعنفني.
قال ابن عباس : إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( بئس المرء المسلم يشبع ويجوع جاره ) ، وأنت ذلك الرجل.
فقال ابن الزبير : والله إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة.
وتشاجرا ، فخرج ابن عباس من مكة فأقام بالطائف حتى مات )(2) .
عن الشعبي ، عن ابن عباس :
( إنّه دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي رضي الله عنهما إلى العراق ، فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام.
فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده بين عضدي ابن الزبير ، وقال : قرّت
____________________
(1) شرح النهج للمعتزلي 2 / 501 ط الأولى بمصر ، جمهرة خطب العرب 2 / 104 ـ 109 ، الدرجات الرفيعة / 132 ـ 134.
(2) مروج الذهب 2 / 102 ، شرح النهج 4 / 495 ، الرسالة الأولى من رسائل الجاحظ في الحاسد والمحسود / 8 ط مصر. الدرجات الرفيعة / 147.
عينك يابن الزبير أصحبت والله كما قال الأوّل :
يا لك من قَبرّة بمعَمر |
خلالكِ الجوَ فبيصي واصفري |
|
ونقرّي ما شئتِ أن تنقري |
قد رُفع الفخ فماذا تحذري |
هذا الحسين سائر فأبشري
خلا الجو والله لك يا بن الزبير وسار الحسين إلى العراق ، خلت الحجاز من الحسين بن عليّ وأقبلت تهدر في جوانبها.
فغضب ابن الزبير وقال : والله إنّك لترى إنّك أحق بهذا الأمر من غيرك(1) .
فقال ابن عباس : إنّما يرى مَن كان في حال شك وإنّا ـ نحن ـ خ ل ـ من ذلك على يقين.
فقال : وبأي شيء تحقق عندك أنّك أحق بهذا الأمر مني؟
قال ابن عباس : لأنّا أحق ممَن يدّل بحقه ، ولكن أخبرني عن نفسك بماذا تروم هذا الأمر ـ خ ل ـ وبأي شيء تحقق عندك؟ إنّك أحق بها من سائر العرب إلاّ بنا.
فقال ابن الزبير : تحقق عندي أنّي أحق بها منكم لشرفي عليكم قديماً وحديثاً.
فقال : أنت أشرف أم من قد شُرفت به؟
فقال : أنّ من شرفتُ به زادني شرفاً إلى شرف قد كان لي قديماً وحديثاً.
____________________
(1) في رواية الدرجات الرفيعة : يا بن عباس والله ما ترون هذا الأمر إلا لكم ، ولا ترون إلا أنكم أحق به من جميع الناس في 1 / 138 مخطوطة السماوي / 130 ط الحيدرية.
قال : أفمني الزيادة أم منك؟
قال : بل منك.
فتبسم ابن عباس ، وعلت أصواتهما.
فقال غلام من آل الزبير : يا بن عباس دعنا من لسانك هذا الذي تقلّبه كيف شئت ، والله لا تحبوننا يا بني هاشم ولا نحبّكم أبداً. فلطمه عبد الله ابن الزبير وقال له : أتتكلم وأنا حاضر.
وقال ابن عباس للغلام : صدقت نحن أهل بيت مع الله عزّو جلّ لا نحبّ من أبغضه الله تعالى. ثم قال لابن الزبير : لم ضربت الغلام؟ والله أحق بالضرب منه من خرق ومرق.
قال ابن الزبير : ومن هو؟
قال ابن عباس : أنت.
فقال ابن الزبير : يا بن عباس ما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة؟
قال : أنا أصفح عمن أقرّ ، وأمّا عمن هرّ فلا ، والفضل لأهل الفضل.
قال ابن الزبير : فأين الفضل؟
قال : عندنا أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم ، ولا تضعه في غير أهله فتندم.
قال ابن الزبير : أَفَلسَتُ من أهله؟
قال ابن عباس : بلى إن نبذت الحسد ولزمت الجدَدَ.
وأنفضّ حديثهما باعتراض رجال من قريش بينهما فأسكتوهما ، وقام القوم فتفرقوا )(1) .
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية / 108.
قالوا : لمّا هَمَّ عبدُ الله بن الزبير بما همَّ به من أمرِ بني هاشم وإحراقهم وإنّه كان ذلك من ولايتهِ على رَأس خمسِ سنين ، لم يذكر رسولّ الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهن بحرفِ في خطبة ، فعُوتب على ذلك.
فقال : ( واللهِ ما تركتُه علانيةً إلاَّ أن أكونَ أقولُه سرَّاً ، وأكثَر منه ، ولكن رأيتُنِي إذا ذكرتُه طالتْ رِقابُ بني هاشمٍ ، واشرأبَّت ألوانهم ، ولم أكُن لأذْكُرَ لهم سرورّاً وأنا أقدر عليه.
ثم صعد المنبر ؛ فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيّها الناس ، إنّي حاظر لهم حظيرة ، فمضرمُها عليهم نارّاً ، فإنّي لا أقتلُ إلاّ آثماً كفَّارَاً أفَّاكاً سَحّاراً ، والله ما رضيَ بهم رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم خَفَراً ، ولا تَرَكَ فيهم خيراً ، ولا رضيهم لولايةٍ ، أهل كذبٍ استفرغَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صِدْقهم.
فقام إليه محمد بنُ سعد بن أبي وقاص ، فقال : وفقكَ الله يا أمير المؤمنين ، فأنّا أوّل من أعانكَ عليهم.
وقام عبدُ الله بن صفوانَ ، فقال : يا ابنَ الزبير ، أيمُ اللهِ ما قلتَ صواباً ، ولا هممتَ برُشْد ، أرهط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعيبُ ، وإياهم تقتُل ، والعرب حولَكَ؟! والله لئن لم ينصرهم الناسُ لينصرنَّهمُ الله منك.
قال : فقال ابن الزبير : اجلس يا أبا صفوان ؛ فإنّك لست بنَامُوسٍ.
وبلغ الخبرُ عبد الله بن العباس ؛ فخرج يتوكأ على يد ابنه حتى دخل المسجد ، فقصد قَصْدَ المنبر ، فقال : أيُها الناس ، إنّ ابن الزبير يقول : أن لا أوَّل ولا آخر لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فواللهِ إنَّ أوّلَ من ألَّف الإلف ، وأجاز عِيَرات قريش لهاشمٌ ، وما شدَّتْ بعيراً لسفرٍ ، ولا أناختْ بعيراً لحضَرٍ إلاّ بهاشم ، وإنَّ أوَّلَ مَنْ سقَى بمكة عذباً ، وجعل باب الكعبة ذهباً لعبد المطلب ، ثمَ لقد نشأتْ ناشئتُنا مع ناشئتهم ، فإنْ كنَّا لَقالتهم إذا قالوا ، وخطباؤُهم إذا
نطقُوا ، وما عددتُ مجدّاً كمجد أوَّلنا ، ولا كان فيها مجد لغيرنا ، إلاّ في كُفْر ماحقٍ ، ودينِ فاسقِ ، وضُلّةِ ضالة في عشواءَ عمياء ، حتى إختار لها اللهُ نوراً ، وبعث لها سراجاً ، فأخذه طيبّاً من طيّب ، لا يُسَبُّ بمسَبَّةٍ ، ولا تغولُه غائلةُ. فكان أحدَنا وولدَنَا وعمَّنَا وابن عمِّنَا ، ثم إنَّ السابقين إليه لَمنَّا اللسان ، ثم إنَّا لخير الناس بعدَهُ صلى الله عليه وآله وسلم أظهرُهم أدبَاً ، وأكرمُهم حسبَاً ، والعجَبُ عجبَاً ، أنّ ابن الزبير يعيبُ أوَّلاً وآخرّاً من كان له لسانٌ نطق ، كذبَ أو صدق. متى كان عوَّامُ بن خويلد يطمع في صفيَّة ، لقد جلست الفرسُ بغلاً ، أما والذي لا إله غيره إنّه لمصلوّبُ قريش ، وإنّه لأُم عَفّي تَغْزِلُ من إستها ، ليس لها سوى بيتها. قيل للبغل : مَن أبوكَ يا بغل؟ قال : خالي الفرس )(1) .
وبهذه المحاورة ننهي صفحة إحتجاجات ابن عباس رضي الله عنه التي إفتتحها مع الذين تعاقبوا على الحكم ، ثم مع الذين شايعهم وتابعهم كأصحاب الجمل ، ثم مِن بعدهم معاوية وبني أميّة وابن العاص ، وأخيراً مع ابن الزبير ، فكانت مواقفه مع جميعهم تنبئ عن صدق إيمان ، وشجاعة قلب ، وقوّة حجة ، عزّ نظيرها ، إن لم يكن هو الفذّ بكلّ ما لهذا الوصف من معنى.
وبهذا نختم الجزء الرابع من الحلقة الثانية من ( موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ) ونرجئ بقية إحتجاجاته إلى الجزء الخامس ونلحقها بما ورد عنه من مفردات الكِلَم في ( جوامع ) الحِكَم.
نسأل الله تعالى التيسير فهو على كلّ شيء قدير.
تمّ تبييضه في يوم الجمعة 16 شهر رجب المرجب 1430 هـ |
____________________
(1) أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20 / 129 ، جمهرة العرب لأحمد زكي 2 / 120.
فهرس الجزء التاسع
تمهيد 9
حقائق مغيّبة في عيابات المؤرخين 15
نماذج مثيرة لإعترافات خطيرة20
فماذا عن ابن عباس في كتاب 26
( الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة )؟26
الفصل الرابع 33
آثار الأدبية شعراً33
ونثراً ومحاججات كلامية33
وفيه ثلاثة مباحث 33
المبحث الأوّل 35
ابن عباس وما ينسب إليه من شعر وشاعرية35
المبحث الثاني 61
ابن عباس والخطابة61
نماذج من بعض خطبه65
المبحث الثالث 75
ابن عباس والإحتجاج 75
مواقف إحتجاجاته في أيام أبي بكر81
مقام رجلين من علماء اليهود بين يدي أبي بكر91
ابن عباس مع عمر بن الخطاب في أيام خلافته93
نماذج من احتجاجاته على عمر بن الخطاب 98
1 ـ ( لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمره ذرواً من قول ) 98
2 ـ ( أنت والله أحق أن تتبع ) 100
3 ـ ( أمسك عليَّ وأكتم ) 102
4 ـ ( إنّ عليّاً لأحق الناس ) 104
5 ـ ( فأردد إليه ظلامته ) 107
6 ـ ( أوّل من راثكم عن هذا ـ الأمر ـ أبو بكر ) 108
7 ـ ( إنّي بابٌ وعليّ مفتاحه ) 110
8 ـ ( ولو سكت سكتنا ) 111
9 ـ ( إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد الأمر له ) 112
10 ـ ( واهاً لابن عباس ما رأيته لا حى أحداً قط إلاّ خصمه ) 114
11 ـ ( إنّا أنزل علينا القرآن ) 126
12 ـ ( قد رشحه لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصُرفت عنه ) 127
13 ـ ( يكرهون ولا يتكم لهم! ) 128
14 ـ ( إنّكم فضلتموهم بالنبوّة ) 131
15 ـ ( لئن وليهم ليحملنهم على المحجة البيضاء ) 131
16 ـ ( نشنشة من أخشن ) 133
إحتجاجه على أهل الشورى 136
( كم تمنعون حقوقنا!؟ ) 136
بين يدي محاوراته مع عثمان 141
وصية العباس للإمام عليه السلام :150
تعقيب ابن أبي الحديد على الوصية :152
محاورات ابن عباس مع عثمان 155
بين يدي المحاورة الأولى :155
المحاورة الثانية :156
المحاورة الثالثة :161
المحاورة الرابعة :167
المحاورة الخامسة :171
المحاورة السادسة :173
المحاورة السابعة :174
المحاورة الثامنة :175
المحاورة التاسعة :180
المحاورة العاشرة :184
المحاورة الحادية عشر :185
محاورات ابن عباس مع رموز الناكثين 188
( السفارة الأولى )189
( السفارة الثانية )190
( السفارة الثالثة )196
( السفارة الرابعة )196
( السفارة الخامسة )199
( السفارة السادسة )201
ابن عباس وعائشة205
أمر تسيير عائشة إلى المدينة :206
ماذا عن نص المحاورة؟211
نص المحاورة في مصادر القرن الثالث :216
نص المحاورة في مصادر القرن الرابع :222
نص المحاورة في مصادر القرن الخامس :236
نص المحاورة في مصادر القرن السادس :237
نص المحاورة في مصادر القرن السابع :241
نص المحاورة في مصادر القرن التاسع :245
فنادى ابن عباس؟247
وقفة مع الأفغاني للحساب :251
إستدراكها على عبد الله بن عباس 257
تعقيب في استدراك عائشة على ابن عباس 271
( حديث واحد خير من ألف شاهد ) :272
فماذا قال علماء التبرير؟276
ماذا وراء الأكمة من غمّة؟283
نور على الدرب :287
محاورات ابن عباس مع معاوية313
مَن هم قتلة عثمان؟ هل هم بنو هاشم؟ أم هم بنو أمية؟314
كبرياء معاوية في عتابه واعتداد ابن عباس في جوابه :324
( حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها )325
( المحاورة الأولى )329
مواقف فخر ونصرة341
( المحاورة الثانية )351
( المحاورة الثالثة )352
( المحاورة الرابعة )353
( المحاورة الخامسة )357
( المحاورة السادسة )360
( المحاورة السابعة )365
( المحاورة الثامنة )372
( المحاورة التاسعة )374
( المحاورة العاشرة )376
( المحاورة الحادية عشرة )381
( المحاورة الثانّية عشرة )383
( المحاورة الثالثة عشرة )384
( المحاورة الرابعة عشرة )386
( المحاورة الخامسة عشرة )387
( المحاورة السادسة عشرة )389
( المحاورة السابعة عشرة )389
( المحاورة الثامنة عشرة )397
( المحاورة التاسعة عشرة )398
( المحاورة العشرون )400
معاوية في المدينة413
( المحاورة الحادية والعشرون )415
( المحاورة الثانية والعشرون )420
تضليل وأحابيل :423
( المحاورة الثالثة والعشرون )426
نصائح ابن عباس لمعاوية430
محاوراته مع عمرو بن العاص 432
حديث الخديعة :434
( بين عمرو بن العاص وابن عباس )435
كتاب معاوية إلى ابن عباس :442
( لأنّك من اللئام الفجرة )451
( إنّ قريشاً تزعم أنّك أعلمها )451
( فليت شعري بأيّ قدر تتعرض للرجال )453
( لك يدان ووجهان )454
( ما أرسلت كلمة إلا أرسلت نقيضها )460
محاورته مع الأشعث بن قيس 466
محاورته مع عتبة بن أبي سفيان 468
محاورته مع زياد ( الدعيّ )470
محاورته مع أبي موسى الأشعري 471
محاورته مع عروة بن الزبير 473
إحتجاجاته على ابن الزبير 475
( على رسلك )480
( قد أنصف القارة من راماها )481
( بئِسَ المرء يشبَع وجَارُه جَائِع )486
( والفَضَلُ لأَهَل الفَضَل )486
فهرس الجزء التاسع 491