بسم الله الرحمن الرحيم
تمام حمد النسمات وتسبيح ذوي الثفنات لله ربّ الآخرة والدنيا، وسنام الصلوات على حجة الله الكبرى وآيته العظمى، سيّدنا محمّد المصطفى، دوام البركات على وصيّه المرتضى وعترته أئمّة الهدى وحجج الله على الورى، لا سيّما بضعته الكريمة، السيّدة الصدّيقة، فاطمة الزكيّة - على ظالميها لعنُ خالقِ البريّة -.
وبعد
فإنّ إستقاء مقامات صدّيقة الإسلام من صميم عشرات آيات كتاب الملك العلام، هو من أروع محاضرات شيخنا الأستاذ العلامة - حفظه الله تعالى ورعاه في حصنه الحصين في بلدة أمير المؤمنين عليه السلام - وقد قام بتحريرها وضبط مقالتها العَلَم الزكيّ، ذريّة كوثر النبيّ، السيّد محمد علي (الحلوّ) - وفّقه الله العليّ في حدمة النبيّ والوصيّ - وقد طبع مرّات واستفاد منه المحقّقون الكَرّات.
وحيث أن شيخنا الأستاذ كان رأيه على إرائة محاضراته بشكل واحد وأسلوب فني فارد وتقويم النص من جديد كبناء مارد، فبادرتُ - بإشارة من الأستاذ - بعد كتاب (ملكيّة الدول الوضعيّة) بتقويم نصّ هذا الكتاب على أروع أسلوب وأجمل طريقة وهذا المنشور يختلف عن سابقة في أكثر من ثلاثمأة موضع، مضافاً إلى استخراج كافّة المصادر ورعاية علائم الترقيم والتقويم. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه أنيب.
ربيع الأول 1431
مصطفى الإسكندري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه فاتقِ الكلمات، جاعل الآيات، مصطفي المطهَّرين حججاً؛ والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نذيراً وبشيراً، الموعود بإظهار دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون؛ وعلى أهل بيته وعترته وذوي قرابته لاسيما البضعة المطهَّرة، المباهل بها حجّةً للدين علي الأمم والملل، من عباد اللّه الذين يُطعِمون الطعام علي حبّه ويخافون يوماً ويفجّرون عين الكافور والتسنيم ويفيضون منهما على الأبرار، الشاهدين للكتاب في علّيين، المقرّبون السابقون، الذين يمسّون الكتاب المكنون المبين المستطور فيه كلّ غائبة في السموات والأرض ولا رطب ولا يابس إلا فيه.
وبعد، فإنّ بين يدي القارىء مجموعةً مقتطعةً من بحث الفصل الرابع في الإمامة الذي ألقيناه على عدّة من الأخوة الأفاضل في العام المنصرم، وقد حرّرها ونمّقها السيّد الفاضل المبرّز، السيّد محمّد علي الحلو - أدام اللّه تعالي دراسته العقائدية - وقد أجاد ترتيب حلقات البحث في هذه المجموعة التي اختصّت بمقامات الصدّيقة في الكتاب والسنّة، وأرجو منه تعالى له المزيد من التوفيق والتحقيق والخدمة للدين الحنيف.
لخمس ليال بقين من شوال
ذكرى شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) 1421 هـ ق
محمّد سند
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
في ظلّ ظروف تعجُّ بالتساؤلات النابعة من شبهات عقائدية - هي في حقيقتها قديمة بالية، يروّجها أعداء الإسلام ويجدّدها أتباعهم - يتصدّي علماؤنا الأعلام للإجابة عن هذه التساؤلات، ورفعِ تلك الشبهات بما لا يبقى مندوحة لأحد تخفى عليه حقائق الدين وأصول المذهب.
إلّا أنّ أستاذنا المحقّق العلّامة، آية الله الشيخ محمّد السند - حفظه اللّه تعالى - قد تجاوز هذه المرحلة إلي مرحلة أخرى يبادر فيها بطرح الأسئلة والإجابة عنها متخطياً بذلك تقليدية السؤال والإجابة عليه متى ما حصل ذلك من أحد؛ إذ تصدّى إلى أن يطرح تساؤلاته على شكل بحوث قيّمة ترفع الشبهة، وتعين الباحث للمطالبة في الإستزادة من بحوث بكرٍ لم يتطرّقها أحد قبله.
والكتاب الذي بين يديك - أيها القارئ الكريم - هو إحدى هذه
المحاولات، إذ هو في الحقيقة إجابة لسؤالٍ، وإن كان لم يطرح مباشرة إلّا أنّ الواقع العلمي لحوزتنا المباركة - حرسها اللّه تعالى - يجده ملحاً في ظلّ هذه الظروف العصيبة من الشبهات.
والسؤال المطروح: ما هو مقام فاطمة عليها السلام وما هي حجّيتها وولايتهاكذلك؟
وللإجابة عن ذلك عَقَدَ الأستاذ المحقّق - حفظه اللّه - بحوثاً جاءت على شكل بيان لمقامات فاطمية نابعةً من القرآن ومفسّرة ً بالسنّة، معتمدةً في ظهوراتهاعلى نباهة القارئ الفطن في تفتيق الحقائق من أكمامها القرآنية ومستعيناً بتفسيرات السنّة النبويّة وأئمة الهدى صلوات اللّه عليهم.
فالدراسة لا تتعدّى عن محاولة قِراءة الأيات القرآنية بواسطة السنّة الشريفة وصياغة كلّ مقام صياغةً فقهية قانونية، ومحاولةِ معرفة البُعد الفقهي القانوني لكلّ آية وحديث متّفق لدى الفريقين، فتكون الدراسة حالة استجلاء لنصوص الفريقين وابراز كوامن ما ارتكز لديهم من مقامات الصدّيقة فاطمة عليها السلام.
فالقارىء سيجد في الدراسة إعادة تنضيد الأدلّة من مظانّها بما يضمن مرتكزات الفريقين، والتي لم تُتداول بهذا العمق والترتيب القانوني، إما لتسليمهم بها واعتبارها من مسلّمات وضرورات الدين، وإما أنّ ظروفاً مّا
لم تأذن بتداول مثل هذه الحقائق وبهذا الوضوح.
لذا سيجد القارئ في مطاوي البحث كلمات أعلام الفريقين تُشير بشكل خفي إلى جميع هذه المقامات وتداولها كأنها من مسلّماتهم، وهذا ما امتازت به هذه البحوث وتمكّنت من تقديم مقامات الصدّيقة فاطمة عليها السلام بطريقة تكفل الإجابة عن السؤال:
ما هي مقامات فاطمة عليها السلام وما هي حجّيتها وولايتها الإلهيّة صلوات اللّه عليها وعلى آله المعصومين.
لذا فقد دفعني الحرص على تقرير هذه الأبحاث الجليلة ليتسنّى لها أن تأخذ مكانها في مواقع الدفاع عن العقائد الحقّة والإجابة عن كثير من التساؤلات التي ستثير حفيظة القارئ عند قرائته عنوان البحث لأول وهلة، وسيجد ما أمكن حِفظه في مرتكزاته العقائدية وبتقنين فقهي- قرآني لا محيص للباحث من متابعته والإستعانة به للإنفتاح على آفاق عقائدية - معرفية يفتح من خلالها نافذة جديدة على بعض خصائص الصدّيقة الزهراء عليها السلام، وشخصيتها الإلهيّة العظيمة.
السيّد محمّد علي
القرآن ومقامات فاطمه (عليها السلام)
إذا كُنا في مقام البحث عن مقامات فاطمة عليها السلام، فإنّ القرآن قد تكفّل ذكر بعض فضائلها، فأمكن تتبُّعُ ما نزل من القرآن في شأنها(1) عليها السلام، فاجتمعت أكثر من ستين آية تشهد لها بالفضل والفضيلة والمقام المنيع في الدين والأصل الأصيل في الإعتقاد الواجب على كلّ مكلّف التدين به وأنّ لها حقوقاً جمّة يلزم التسليم بها، مضافاً إلى ما اشتركت مع آل البيت عليهم السلام من آيات صريحة، فيكفينا ما ذكره القرآن من شهادة، فهل بعد شهادة الله شهادةٌ؟ وهل بعد تزكيته تزكية؟ فطوبى لها من ذكرخالد، وحسنُ مآب، ورفيع مقام الهي.
____________________
1. كتاب صدر بعنوان: «ما نزل من القرآن في شأن فاطمة الزهراء عليها السلام» أُحصي فيه أكثر من ستين آية أعدّها المؤلّف من مختصات فاطمة عدا ما ذكرت من آيات مشتركة مع أهل البيت عليهم السلام. والكتاب من منشورات دار الكتاب الإسلامي، قم المقدسة.
فاطمة وحجيّتها على الأئمّة والأنبياء عليهم السلام
وفيه جهتان من البحث:
الجهة الأولى: حجّيتها على الأئمّة عليهم السلام
لما كانت علّة الخلق هي عبادة اللَّه تعالى لقوله:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (1) ولا تتمّ العبادة إلّا بمعرفته تعالى، ومعرفته لا تتمّ إلّا برسله وأوليائه، إذ هم حججه على العباد في كلّ زمان، فهم الطريق إليه والمسلك إلى سبيله.
عن هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام قال:
«إنّما أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه ويحاجّهم ويحاجّوه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه، يُعبّرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم.
____________________
1. الذاريات/ 56.
فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه جلّ وعزّ، وهم الأنبياء عليهم السلام وصَفْوَتُه من خلقه، حكماء مؤدَّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غيرُ مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيء من أحوالهم، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة.
ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر وزمان ممّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجّة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته»(1) .
فالحجّة إذَنْ هو الدليل إلى الله تعالى يُحذّر به عباده وينذرهم ويهديهم. فمقام الحجّية إلهيّ تصل بوساطته العلوم الإلهية اللدنيّة إلى عباده.
وإذا كان أهل البيت عليهم السلام حجج الله على خلقه فإنّ أمّهم فاطمةَ حجّةُ الله عليهم، وهي ما صرّحت به رواية العسكري عليه السلام: «نحن حجّة الله على الخلق، وفاطمة عليها السلام حجّة علينا»(2) .
ويشهد لهذا المعني ما ورد عن مصادر علومهم عليهم السلام كالجفر والصحيفة والجامعة، وأنّ منها مصحف فاطمة عليها السلام مما يدلّ على كونها واسطة علمية بين الأئمّة عليهم السلام وبين اللَّه تعالى في العلم المحفوظ
____________________
1. الكافي 1/168. (كتاب الحجّة، الباب الأول: باب الإضطرار إلى الحجّة، الحديث 1).
2. تفسير أطيب البيان 13/235.
في مصحفها المتعلّق بما يكون إلى يوم القيامة، فهي حجّة في هذا العلم الجمّ على الأئمّة عليهم السلام يأخذون به، نظير حجّية النبي صلّى الله عليه وآله في شأن القرآن الكريم الذي هو مصدر علوم الأئمّة عليهم السلام كما في الروايات الآتية.
ولا يخفى أنّ وساطتها عليها السلام لذلك العلم ليس عبر نقش وخط ذلك المصحف، إذ الوجود الكتبي لمصحفها وجود تنزلي تنزيلي لحقائق ذلك العلم الذي ألقي إليها، فوساطتها بلحاظ عالم الأنوار لهم عليهم السلام.
فقد روى فراتي الكوفي في تفسيره، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن عبيد معنعناً عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) الليلة فاطمة والقَدْر اللّه، فمن عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وانّما سمّيتْ فاطمة، لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها.
وقوله( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿2﴾ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) يعني خير من ألف مؤمن، وهي أمّ المؤمنين.
( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) والملائكة المؤمنون الذين يملكون علم آل محمد صلّى الله عليه وآله والروح القدس هي فاطمة عليها السلام.
( بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ﴿4﴾ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) يعني حتّي يخرج
القائم عليه السلام»(1)
فقد روى زرارة عن حمران، قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا يفرّق في ليلة القدر، هل هو ما يقدّر اللّه فيها؟ قال:
لا توصف قدرة اللّه، إلّا أنه قال( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) فكيف يكون حكيماً إلّا ما فُرق، ولا توصف قدرة اللّه سبحانه لأنه يحدث ما يشاء.
وأما قوله( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) يعني فاطمة عليها السلام.
وقوله( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمّد عليهم السلام.
( وَالرُّوحُ ) روح القدس، وهو في فاطمة عليها السلام.
( مِّن كُلِّ أَمْرٍ ﴿4﴾ سَلَامٌ ) يقول من كلّ أمر مسلّمة.
( حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) يعني حتّي يقوم القائم عليه السلام».(2)
وكما هو الحال في وساطة النبيّ صلّى الله عليه وآله لايصال القرآن لهم، ففي صحيحة زرارة قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لولا أننا نزداد لأنفَدْنا.
قال قلت: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول اللّه صلّى الله عليه وآله؟
قال: أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول اللّه صلّى الله عليه وآله ثمّ على الأئمّة
____________________
1. تفسير فرات الكوفي/ 581.
2. تأويل الآيات الظاهرة/ 791، والظاهر أنّه أخرجه عن تفسير محمد بن عباس.
ثمّ انتهى الأمر إلينا ».
وفي رواية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس يخرج شيء من عند اللّه عزّوجلّ حتّى يُبدأ برسول اللّه صلّى الله عليه وآله ثمّ بأمير المؤمنين عليه السلام ثم واحداً بعد واحد لكي لا يكون آخرنا أعلم من أولنا».(1)
فالوساطة ليست في خصوص الوجود الكتبي للقرآن، بل في ايصال الحقائق النورية للقرآن إلى أنوار أرواحهم عليهم السلام، فالإلقاء والتلقّي نوريٌ بلحاظ نشأة الملكوت المطويّ في وجوداتهم وأرواحهم كما يشير إليه قوله تعالى:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿77﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) (2) .
وقد بيّن الإمام أبو عبدالله الصادق عليه السلام ما يتضمنه هذا المصدر العلمي الإلهي في رواية بقوله:
«إنّ فاطمة مكثت بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوماً، وكان دَخَلَها حزنٌ شديد على أبيها، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيُحسن عزاءها على أبيها ويُطيّب نفسها ويُخبرها عن أبيها ومكانه، ويُخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها، وكان عليّ عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام»(3) .
____________________
1. الكافي 1/ 255.
2. الواقعة/ 77-78.
3. الكافي 1/241 (كتاب الحجّة، باب في ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ...، الحديث 5).
وفي رواية أخرى يبيّن الإمام عليه السلام جانباً آخر من جوانب ما يتضمنه هذا المصدر الإلهي، ففي حديث قال أبو عبدالله عليه السلام:
«ومصحف فاطمة ما أزعم أنّ فيه قرآناً وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى أنّ فيه الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش »(1) .
ولعلّ الرواية الأخرى تفيدنا جانباً آخر مما يتضمنه مصحف فاطمة عليها السلام؛ عن أبي عبدالله عليه السلام:
«وإنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم مامصحف فاطمة عليها السلام؟
قال: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟
قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد»(2) .
وقوله عليه السلام: «والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد» ليس المراد منه
____________________
1. بصائر الدرجات، الباب (14) من الجزء الثالث، باب في الأئمة عليهم السلام أعطوا الجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، الحديث 1. (ص 150 من الطبعة القديمة وص 208 من الطبعة الحديثة).
2. الكافي 1/239 (كتاب الحجّة، الباب 40: فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، الحديث 1).
خلوّ القرآن الكريم عن ذلك العلم المودع في مصحف فاطمة عليها السلام؛ إذ القرآن تبيان كلّ شيء، بل المراد أنّه ليس فيه من ألفاظ وآيات وكلمات القرآن شيء، إذ علمها عليها السلام بذلك بنزول جبرئيل عليها هو ما سيأتي بيانه من كونها مطهَّرة تُمسُّ القرآن الكريم في الكتاب المكنون واللوح المحفوظ الذي يُستَطَرُ فيه كلّ غائبة ورطب ويابس وما كان وما يكون. فعلمها بذلك هو من العلم بحقيقة القرآن العِلْوية، لا هو شيء خارج عن حقيقة القرآن، غاية الأمر أنّ تلك الحقيقة موجودة بالألفاظ بين الدفّتين وما علمتْ به عليها السلام كالشرح لبطونه وحقائقه التكوينية العِلْوية.
ويشهد لذلك رواية أخرى عن مصحفها عليها السلام وهي ما رواه الطبري في دلائل الإمامة من معتبرة أبي بصير قال:
«سألت أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السلام عن مصحف فاطمة فقال: أُنزِلَ عليها بعد موت أبيها.
قلت: ففيه شيء من القرآن.
فقال: ما فيه شيء من القرآن.
قلت: فَصِفْه لي. قال: له دَفّتان من زَبَرْجَدَتين على طول الورق وعرضه حمراوين.
قلت: جعلت فداك فَصِفْه لي وَرَقَهُ. قال: ورقه من دُرٍّ أبيض، قيل له: كُنْ فكان.
قلت: جعلت فداك فما فيه؟ قال: فيه خبرُ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في السماوات من ملائكة وغير ذلك، وعدد كلّ ما خلق اللّه مرسلاً وغير مرسل، وأسماؤهم، وأسماء من أرسل إليهم، وأسماء من كذب ومن أجاب، وأسماء جميع من خلق اللّه من المؤمنين والكافرين من الأوّلين والآخرين، وأسماء البلدان وصفة كلّ بلد في شرق الأرض وغربها، وعدد ما فيها من مؤمنين، وعدد ما فيها من كافرين، وصفة كلّ مَن كذّب، وصفة القرون الأولى وقصصهم، ومن وليّ من الطواغيت ومدّة ملكهم وعددهم، وأسماء الأئمّة وصفتهم وما يملك واحداً واحداً، وصفة كرّاتهم، وجميع من تردد في الأدوار من الأوّلين والآخرين.
قلت: جعلت فداك وكم الأدوار؟ قال: خمسون ألف عام، وهي سبعة أدوار فيها أسماء جميع ما خلق اللّه من الأوّلين والآخرين وآجالهم، وصفة أهل الجنّة، وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أُنزل، وعلم التوراة كما أُنزلت، وعلم الإنجيل كما أُنزل، وعلم الزبور وعدد كلّ شجرة ومدرة في جميع البلاد.
قال أبو جعفر: ولما أراد اللّه تعالى أن يُنزله عليها أمر جبرئيل وميكائيل واسرافيل أن يحملوا فينزلوا بها عليها، وذلك في ليلة الجمعة، الثلث الثاني من الليل، هبطوا به عليها وهي قائمة تصلّي، فما زالوا قياماً حتّى قعدتْ، فلمّا فرغت من صلاتها سلّموا عليها، وقالوا: السلام يقرئك السلام ووضعوا
المصحف في حِجْرها.
فقالت لهم: للّه السلام ومنه السلام، وإليه السلام، وعليكم يا رسل اللّه السلام.
ثمّ عرجوا إلى السماء. فما زالت بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرأه حتّى أتت على آخره.
ولقد كانت عليها السلام طاعتها مفروضة على جميع مَن خلق اللّه من الجنّ والإنس والطير والوحش، والأنبياء والملائكة.
فقلت: جعلت فداك، فلمّا مضت إلى مَنْ صار ذلك المصحف؟
قال: دفعتْه إلى أمير المؤمنين، فلما مضى صار إلى الحسن عليه السلام ثمّ إلى الحسين عليه السلام ثم عند أهله حتّي يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر عليه السلام.
فقلت: إنّ هذا العلم كثير.
قال: يا أبا محمّد، إنّ هذا الذي وصفتُه لك لفي ورقتين من أوّله، وما وصفت بعد في الورقة الثالثة(1) ولا تكلّمتُ بحرف منه(2) ».
ويجدر التنبيه إلى أنّ اختلاف ألسن الروايات في كيفية مصحفها إمّا راجع إلى تعدّد صحفها عليها السلام أو الإختلاف في أبعاض المصحف
____________________
1. في نسخة: الثانية بدلاً من الثالث.
2. دلائل الإمامة، في باب «فاطمة الزهراء»، خبر مصحفها، الرقم المسلسل للحديث 34، ص 104-106.
الواحد أو وجوه أخرى لا تخفى على القارئ بعد ملاحظة مجموع الكلام في هذا المقام.
ويدلّ على ظاهرها ومفادها من اشتمال مصحفها على كلّ صغيرة وكبيرة ورطب ويابس وجميع ما خلق مما كان وما يكون وما هو كائن، وعلوم الكتب السماوية وكما سيأتي في المقامات اللاحقة من كونها مطهّرة كما في صورة الأحزاب، والمطهّر كما في سورة الواقعة يمسّ حقيقة القرآن العِلْوية المكنونة في الكتاب واللوح المحفوظ الموصوف بأنّه تبيان لكلّ شيء كما في سورة النحل، وهو الكتاب المبين كما في سورة الدخان، والكتاب المبين وهو الذي يستطر فيه كلّ غائبة في السماوات والأرض كما في سورة النمل، وكلّ ما في البرّ والبحر وكلّ رطب ويابس كما في سورة الأنعام، فمضمون هذه الرواية مما دلّت عليه تلك الآيات مضافاً إلى كون القرآن هو الكتاب المهيمن على بقية الكتب السماوية، فهو يحيط بها، فالذي يمسُّ حقيقته العِلْوية تتنزل عليه مثل تلك الحقائق.
وفي رواية ثالثة، قال أبو عبدالله عليه السلام:
«.. وليخرجوا مصحف فاطمة فإنّ فيه وصيّة فاطمة»(1) .
____________________
1. الكافي 1/241 (كتاب الحجّة، الباب 40: فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، الحديث 4).
فلم يكن مصحف فاطمة عليها السلام مصدراً لجانب علمي معيّن، بل يعمّ علوماً عدّة أشار إلى الإمام عليه السلام؛ كالحوادث الواقعة إلى يوم القيامة، أي ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، فضلاً عن الأحكام التي يتضمّنه مصحفها ليشمل حتى أرش الخدش.
على أنّا لا نغفل عن قول الإمام عليه السلام من أنّ مصحف فاطمة فيه وصيّتها عليها السلام، ووصيّتها هذه تتضمن أمراً خطيراً هاماً لم يصرّح به الإمام إلّا أنّه يُشعر من كلامه مدى خطورة وصيّتها هذه، إذ قوله عليه السلام «وليخرجوا مصحف فاطمة» نوع تهديد وتحدّي لبعض الجهات يكمن من خلاله أنّ في وصيّتها عليها السلام توصيات إلهيّة تعيّن الإمام الذي إمامته من عند الله تعالى.
فالإيصاء بإمامة الأئمة عليهم السلام، ممّا يدلّ على أنّ العهد بإمامة الأئمة عليهم السلام من ذرّيتها هو من شؤونها عليها السلام؛ إذ متعلّق الوصية لابدّ أن يكون ممّا يشمله ولاية الموصي، ومن ثم كان الإمام السابق يوصي بإمامة اللاحق، وكوصية النبي صلّى الله عليه وآله بإمامة علي عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام.
ويصرّح بهذا المقام لها عليها السلام النص الوارد في نزول اللوح الأخضر عليها المتضمن لتعيين أسماء الأئمة عليهم السلام، ومن ثمّ يصح أنّ الأئمة
من ذرّيتها أوصياء لها كما هو الحال في كون الإمام اللاحق وصيّ الإمام السابق.
وكما ورد في زيارة الحسين عليه السلام وزيارة الرضا عليه السلام «السلام عليك يا وارث فاطمة...» الدالّ على وراثة إلهية بينها وبين الأئمة.
وعلى الإجمال: فإنّ مقام الوصاية بالإمامة مقام خطير إلهي نظير ما كان لمريم بنت عمران من مقام حيث ألقِيَ إليها كلمة الله عيسى، وكان لها مسؤولية البشارة بنبوّة عيسى للناس، ممّا يعني أنّ لمصحف فاطمة عليها السلام شأناً في تحديد منصب الإمامة الإلهية.
ويدلل في الوقت نفسه ما لفاطمة عليها السلام من صلاحية خاصة في تحديد معالم القيادة الإسلامية المتمثلة زعامتها الحقّة في إمامة المعصومين عليهم السلام ويؤكّد كذلك عِظم حجّيتها عليها السلام في أخطر شأن من شؤون الدين والأُمّة وهو تحديد مناصب الإمامة الإلهية، علماً أنّ هذا التحديد سيكون على مستوى الوصية الإلهية التي تلقى إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ليحمّلها فاطمة عليها السلام.
ومن هنا سنرى مدى خطورة مسؤوليات فاطمة عليها السلام في رسم مبدأ مسار الأُمّة ومنتهاه إلى يوم القيامة، وسيتّضح أنّ من هذا القبيل أمراً خطيراً ومهماً، وهو مدى أهمية موقف فاطمة عليها السلام إبّان أحداث البيعة
وتوجهات السقيفة، وإعلان استنكارها لما أقدمت عليه جماعة السقيفة وقتذاك، إذ يعني استنكار فاطمة عليها السلام على ما أقدم عليه القوم مخالفتهم للمسار الذي جعله الله تعالى ورسمه لهذه الأُمّة ما تعاقبت أجيالها بحسب ما عهد إليها عليها السلام من وصيّة في تعيين الإمام وهو ما تكفّله مصحف فاطمة عليه السلام وستؤكّد الرواية التالية ما نذهب إليه من أنّ هذه الوصيّة هي وحي إلهي ألقي إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وألقاه إليها عليها السلام.
قال أبو عبدالله عليه السلام في حديث:
«... وخلّفتْ فاطمةُ مصحفاً ما هو قرآن ولكنه كلام من كلام الله أُنزل عليها، إملاء رسول الله وخطّ عليّ عليه السلام»(1) .
مضمون هذه الرواية أنّ بعض مصحفها هو من إملاء الرسول صلّى الله عليه وآله بعد وفاته على فاطمة عليها السلام لا من نزول جبرئيل عليها نظير الرواية المتقدّمة في أصول الكافي من أنّ ما ينزل من العلم المتجدّد من الله تعالى على الإمام الحيّ القائم بالأمر يتنزل أولاً على رسول الله صلّى الله عليه
____________________
1. بصائر الدرجات، الباب (14) من الجزء الثالث: باب في الأئمّة عليهم السلام أنّهم أعطوا الجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، الحديث 14. (ص 156 من الطبعة القديمة وص 213 من الطبعة الحديثة).
وآله في نشأته الأخروية ثم على أمير المؤمنين عليه السلام ثم على الإمام اللاحق فاللاحق إلى أن يصل في تنزله على الإمام الحيّ القائم بالأمر، مما يدلل على وساطة النبيّ صلّى الله عليه وآله في علوم المعصومين عليهم السلام اللدنيّة منه تعالى.
وفي الرواية إشارة إلى أنّ علياً عليه السلام كان يخطّ ما يمليه ويلقيه له بالنبيّ صلّى الله عليه وآله في تلك النشأة على فاطمة عليها السلام، وهذا نظير ما كان من شأن عليّ عليها السلام من أنّه كان يسمع مايسمعه النبيّ صلّى الله عليه وآله من الوحي ويرى ما يراه النبيّ صلّى الله عليه وآله، كما ورد ذلك في روايات عديدة وكما نقل عليه السلام ذلك عن النبيّ صلّى الله عليه وآله قوله: «إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلّا أنّك لستَ بنبيّ» في آخر الخطبة القاصعة من نهج البلاغة.
ويقتضيه مفاد حديث المنزلة « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» إذ كان ما يتنزّل على موسى يسمعه ويراه هارون كما هو مفاد الآيات الكريمة المشتركة بينهما فيما ينزل.
فالذي يتنزّل هو على النبيّ صلّى الله عليه وآله يراه ويسمعه عليّ عليه السلام.
ونظير ما سيأتي من نزول الملائكة على مريم بل والوحي المباشر من الله تعالى لها، مع أنّها لم تكن نبياً ولكن كانت آيةً من حجج الله تعالي.
ثمّ إنّ في التصريح بأنّ ما نزل عليها كلام من كلام الله تعالى القدسي غير القرآني، تبيان لمقام حجيّتها الإلهية، على أن مصحف فاطمة هو أحد دلائل إمامة الإمام عند حيازته له. عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول:
«ما مات أبو جعفر عليه السلام حتّى قبض مصحف فاطمة عليها السلام»(1) .
فمصحف فاطمة أحد المنابع العلمية التي يتزوّد منها الإمام إبّان مهمّته الإلهية، فضلاً عن كونه أحدى دلائل إمامته الحقّة.
من هنا تبيّن أنّ حجّية فاطمة عليها السلام على أبنائها الحجج المعصومين عليهم السلام، فهي الواسطة العلمية بين الله تعالى وبين الأئمة عليهم السلام ومن خلال العلم المحفوظ في مصحفها المتعلّق بما يكون إلى يوم القيامة، فحجّيتها نظير حجّية النبيّ صلّى الله عليه وآله في شأن القرآن المجيد الذي هو مصدر علوم الأئمة عليهم السلام كما هو المقرّر.
كما تؤكّد أنّ العلم الذي يتلقونه عليهم السلام عن مصحف فاطمة غير مقتصر على ما نقش من وجود كتبي في ذلك المصحف، بل هذا الوجود
____________________
1. بصائر الدرجات، الباب (14) من الجزء الثالث: باب في الأئمّة عليهم السلام أنّهم أعطوا الجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام، الحديث 23. (ص 158 من الطبعة القديمة وص 216 من الطبعة الحديثة).
الكتبي تنزّلي تنزيلي لحقائق ذلك العلم الذي أُلقي عليها كما تقدم، فوساطتها إذن بلحاظ عالم الأنوار لهم عليهم السلام.
ويشهد لوساطتها لعلومهم وحجّيتها روايات بدء الخلقة وخلقة أنوارهم واشتقاقها على الترتيب من نور النبيّ صلّى الله عليه وآله ونور عليّ، ثم اشتقاق نور الحسنين من نورهم مما يدلّ على كون رتبتها بعد عليّ أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّ بقية أنوار الأئمّة عليهم السلام أُشتقّت منها فهي واسطة فيض تكوينية لوجودهم وكمالاتهم وهو مقام رفيع وسرّ عظيم.
ففي حديث عن رسول اللّه صلّى الله عليه وآله مسنداً عن سلمان قال:
«دخلتُ على رسول الله صلّى الله عليه وآله فلمّا نظر إليّ قال: يا سلمان، إنّ الله عزّوجلّ لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلّا جعل له اثني عشر نقيباً.
قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفت هذا من الكتابين.(1)
قال: يا سلمان، فهل علمت نقبائي الإثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟
فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال: يا سلمان، خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطَعْتُه وخلق من نوري علياً فدعاه إلى طاعته فأطاعه، وخلق من نوري ونور علي عليه السلام فاطمةَ فدعاها
____________________
1. أي: التوراة والانجيل.
فأطاعَتْهُ، وخلق منّي ومن عليّ ومن فاطمة، الحسنَ والحسينَ، فدعاهما فأطاعاه.
فسمّانا الله عزّوجلّ بخمسة أسماء من أسمائه: فالله المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا عليّ، والله فاطر وهذه فاطمة، والله الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين.
ثمّ خلق من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية أو أرضاً مدحية، أو هواءً أو ماءً أو مَلَكاً أو بشراً، وكلنّا بعلمه أنواراً نسبحه ونسمع له ونطيع»(1) .
فالخلقة والإصطفاء كما جرى على رسول الله صلّى الله عليه وآله وعليّ عليه السلام، جرى مثله على فاطمة عليها السلام، وهذا لعمري مقام خطير وشأن رفيع.
كما أنّ في اشتقاق نور عليّ من نور محمد، ونور فاطمة من نور عليّ، ونور الحسن والحسين من نور فاطمة، وأنوار التسعة من ذريّة الحسين من نور الحسين، دلالةً على ترتيب النورانية وكون المتقدّم واسطةَ فيض للمتأخّر، لذا فإنّ فاطمة عليها السلام تُعدّ واسطة فيض نورانية للأئمّة عليهم السلام لتقدّمها عليهم بالنورانية، وهذا معني كونها واسطة إفاضة على أولادها
____________________
1. بحار الأنوار 25/6، الحديث 9 (كتاب الإمامة، أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم، الباب الأول: بدو أرواحهم وأنوارهم ...).
المعصومين عليهم السلام فهي بالتالي حجّة عليهم.
ومما يؤكّد أنّهم من نور واحد ما روي عن الرضا صلوات الله عليه:
«... إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى عمران: أني واهب لك ذكراً، فوهب له مريم، ووهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم ومريم من عيسى، ومريم وعيسى شيء واحد، وأنا من أبي، وأبي منّي، وأنا وأبي شيء واحد»(1) .
فإذا كان عيسى من مريم ومريمُ من عيسى شيء واحد، فكيف بمن كانوا أنواراً يسبّحون الله قبل الخلق بألفي ألف عام؟
عنهم عليهم السلام:
«إنّ الله خلقنا قبل الخلق بألفي ألف عام، فَسبَّحْنا فسَبَّحَتِ الملائكةُ لتسبيحنا»(2) .
فهم عليهم السلام من فاطمة، وفاطمة منهم.
وهذا دليل قولنا: أنّها عليها السلام واسطة فيض تكوينية لوجودهم وكمالاتهم صلوات الله وسلامه عليهم وعلى أمّهم سيدة نساء العالمين.
فيتلخّص بذلك وجهان لمقام حجّيتها على الأئمّة عليهم السلام:
الأول: كون مصحفها مصدراً من مصادر علوم الأئمة عليهم السلام
____________________
1. بحار الأنوار 25/6، الحديث 1 (كتاب الإمامة، أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم، الباب الأول: بدو أرواحهم وأنوارهم ...).
2. نفس المصدر، الحديث 2.
ومعنى ذلك وساطتها العلمية المنصوبة من قبله تعالى للأئمة.
الثاني: اشتقاق نورهم عليهم السلام من نورها في بدء الخلقة وهو يستلزم مقام الحجيّة لهيمنة المتقدّم على اللاحق.
الجهة الثانية: حجّيتها على الأنبياء المرسلين
ويدلّ عليه من الكتاب وجهان:
الأول: كونها مطهّرة تمسُّ الحقيقة العِلْوية الملكوتية للقرآن الكريم في اللوح المحفوظ كما تقدّمت الإشارة إلى السور القرآنية الدالّة على ذلك، وكما سيأتي في مقامات أخرى لاحقة والذي يُحيط بعلم الكتاب المهيمن على بقية الكتب السماوية السابقة يفضل على أصحاب تلك الكتب، حيث وصفت توراة موسى بأنّ فيه تبياناً من كلّ شيء لا تبياناً لكلّ شيء، فضلاً عن بقية الكتب.
الثاني: قوله تعالي:( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿31﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿32﴾ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿33﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
الْكَافِرِينَ ) (1)
وقوله تعالى:( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) (2) .
فظاهر هاتين الآيتين والتي استعرضَتْ كذلك في سور أخرى، من أنّ هذه الأسماء كانت موجودة حيّة شاعرة عاقلة، لأنّ الضمير واسم الإشارة المستخدم في الآيات المزبورة عائدة إلى العاقل الحيّ الشاعر، ومقتضى حصول آدم على شرف الخلافة الإلهية واسجاد الملائكة كلّهم أجمعون خاضعين طائعين له كان بسبب تشريفه بالعلم بتلك الموجودات الحيّة الشاعرة، مما يفضي بشرافة مقام تلك الموجودات الحيّة الشاعرة العاقلة على مقام آدم فضلاً عن جميع الملائكة.
ومما يقضي أنّ خلفاء اللّه من الأنبياء وجميع المرسلين أوصيائهم الذين يندرجون تعاقباً في قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (3) إنّما يشرّفون ويؤهّلون بمقام الخلافة الإلهية في الأرض، إنّما هو بتوسط تشريفهم بالعلم بتلك الوجودات الحيّة الشاعرة العاقلة، والتي
____________________
1. البقرة/ 31-34.
2. ص/ 75.
3. البقرة/ 30.
أشار إليها تعالى في سورة «ص» بالعالين لأنّه تعالى حصر ما سوى آدم في قوله( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) كونه دون آدم فيكون عدم سجود ابليس استكباراً، أو هو من العالين الذين لا يخضعون لآدم ولالطاعته بل يفوقونه، وليس أولئك إلّا الموجودات الحيّة الشاعرة العاقلة الذين ببركتهم شرّف آدم بذلك المقام، فكيف يكونون دونه خاضعين وطائعين له؟
ومقتضى وصف اللّه تعالى لعلم آدم بتلك الموجودات بأنه غيب السماوات والأرض ولأجل ذلك لم تحط الملائكة علماً بتلك الموجودات لأنها بالنسبة إلى السماوات والأرض غيب، أي ليست مشهودة فيها.
ومقتضى كلّ ذلك كون تلك الموجودات الشاعرة الحيّة العاقلة هي من الأنوار المخلوقة قبل السماوات والأرض قبل الملائكة وقبل آدم، وهو قوله صلّى الله عليه وآله: «أول ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر» وأنّ تلك الأنوار الحيّة الشاعرة العاقلة ليست هي نور آدم ولا نور الأنبياء والمرسلين، وإلّا لكان آدم عالماً بذاته ولما احتاج أن يعلم بموجودات غير ذاته.
وكذلك لما احتاج بقية الأنبياء والمرسلين في استخلافهم عن اللّه في الأرض إلى تعلّم تلك الأسماء مع أنّ الآيات قاضية بأنّ مقام الخلافة الإلهية عن اللّه إنّما يستأهلها أفراد البشر من الأنبياء والمرسلين والذي كان آدم هو المصداق الأول إنّما يستأهلونها بالعلم بتلك الموجودات كسنّة إلهيّة دائمة
كلّية في مقام جعل الخليفة في الأرض.
وهذا المفاد لهذه الآيات متطابق للروايات الواردة عنهم عليهم السلام في ذيل هذه الآيات، وقد تضمّنت تلك الروايات التنبيه على دلالة وظهور الآيات على مثل ذلك وأنّها في الأنوار الخمسة عليهم السلام كما في روايات اشتقاق النور كما تقدم وسيأتي مفصلاً كذلك.
أمّا من السنّة:
فالأولى: روايات بدء الخلقة الآتية حيث دلّت على أنّ أول ما خلق نور سيّد الرسل صلّى الله عليه وآله ثم نور عليّ عليه السلام ثم نور فاطمة عليها السلام ثم الحسنين عليهما السلام ثم نور التسعة من ذرّيّة الحسين عليهم السلام مما يدلّ على تقدّم خلقتهم النورية على سائر الأنبياء والرسل وبالتالي حجّية تلك الأنوار عليهم صلوات اللّه عليهم.
الثاني: أخذ ولايتها وطاعتها على الأنبياء، وهو مستفاد من الوجه الثاني المتقدّم في الكتاب، وقد تقدّم في رواية دلائل الإمامة حول مصحف فاطمة عليها السلام عن أبي بصير وقوله عليه السلام:
«ولقد كانت عليها السلام مفروضة الطاعة على جميع من خلق اللّه من الجنّ والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة»(1) .
____________________
1. دلائل الإمامة، باب «فاطمة الزهراء»، خبر مصحفها، الرقم المسلسل للحديث 34، ص 106.
وفي رواية بصائر الدرجات عالٍ اسنادها عن حذيفة بن أسعد قال:
«قال رسول اللّه صلّى الله عليه وآله: ما تكاملت النبوّة لنبيّ في الأرض حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي عليهم السلام فمثلوا له فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم»(1) .
الثالث: ما روي من قولهم عليهم السلام:
«لولا أنّ أمير المؤمنين تزوّجها لما كانت لها كفو إلى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه»(2) .
وقد أشار إلى ذلك المجلسي رحمه الله بقوله: إنّه يستدلّ به على كون علي وفاطمة عليهما السلام أشرفَ مِنْ سائر أولي العزم سوى نبيّنا صلّى الله عليه وآله إلى غير ذلك من الوجوه الروائية التي لا مجال لهذا المختصر من ذكرها.
____________________
1. وقد أورد المجلسي في بحار الأنوار (كتاب الإمامة، أبواب سائر فضائلهم ومناقبهم وغرائب شؤونهم، الباب 6: باب تفضيلهم على الأنبياء وعلى جميع الخلق ...) 88 رواية ذكر فيها تفضيلهم عليهم السلام على الأنبياء راجع بحار الأنوار 26/267-319.
2. بحار الأنوار 43/10، الحديث 1 (أبواب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 2: أسماؤها وبعض فضائلها).
مريم بنت عمران مَثَلٌ ضربه الله لفاطمة (عليها السلام)
قال تعالى:( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) (1) .
عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال:
«( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) مثلاً ضرب الله لفاطمة عليها السلام وقال: إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذرّيتها على النار»(2) .
وقبل ذلك، لابدّ من التنبيه إلى قاعدة في باب المعارف أشارت إليها روايات أهل البيت عليهم السلام وهي أنّ ما ذكر في القرآن الكريم - من الأنبياء والرسل والأوصياء والحجج وما لهم من مقامات ومناصب وشؤون إلهية - من غاياته المهمّة كونه مثلاً ضربه الله تعالى لمقامات وشؤون النبيّ وأهل بيته عليهم السلام، وهذه القاعدة باب ينفتح منه أبواب عديدة.
فالمماثلة بين حالتي فاطمة عليها السلام وبين مريم عليها السلام تتمّ من
____________________
1. التحريم/ 12.
2. البرهان في تفسير القرآن 4/358.
وجوه قرآنية - أي ستكون المقارنة بينهما على أساس استقراء قرآني للآيات الواردة في مقامات مريم عليها السلام وبين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في مقامات فاطمة عليها السلام - لنجد مدى الترابط الوثيق ووضوح المشتركات التي تؤهّل الباحث من متابعة أوجه التشابه بين المقامين.
مقامات السيدة مريم عليها السلام
إذا كانت مريم عليها السلام قد فضّلها الله بكمالات تقارب كمالات الأنبياء والرسل وهي سيّدة نساء عالمها فكيف بسيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين فاطمة بنت محمد صلوات الله عليها.
عن المفضّل بن عمر قال:
«قلت لأبي عبدالله عليه السلام: أخبرني عن قول رسول الله في فاطمة: أنّها سيّدة نساء العالمين، أهي سيّدة نساء عالمها؟ فقال: تلك مريم كانت سيّدة نساء عالمها، وفاطمة سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين»(1) .
والمراد من قوله تعالى:( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (2) ليس مطلق العالمين إلى يوم القيامة، بل هو عالم زمانها، نظير قوله تعالى في بني اسرائيل:( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ
____________________
1. دلائل الإمامة، باب «فاطمة الزهراء»، أخبار في مناقبها، الرقم المسلسل للحديث 58، ص 149.
2. آل عمران/ 42.
عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1) وقوله تعالى على لسان موسى خطاباً لبني اسرائيل:( قَالَ أَغَيْرَ اللَّـهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (2) وكذا قوله تعالى:( وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (3) وقوله تعالى:( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (4) فإنّه ليس المراد تفضيلهم على كلّ الأمم وإنّما المراد بها تفضيلهم على عالمين زمانهم لقوله تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) (5) وقوله تعالى:( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (6) مما يعني أنّ هذه الأُمّة هي أفضل من بني اسرائيل وإن أريد منها بعض الأُمّة الإسلامية، مضافاً إلى ما سيأتي من دلالة الآيات من أفضلية مقامات الزهراء عليها السلام على مريم عليها السلام.
فالمراد من اصطفاء مريم على العالمين هو عوالم الأمم من العرقيات والأقوام والملل والنحل التي كانت تعيش في زمانها من شرق الأرض وغربها.
____________________
1. البقرة/ 7 و122.
2. الأعراف/ 140.
3. الجاثية/ 16.
4. الدخان/ 32.
5. آل عمران/ 110.
6. البقرة/ 143.
ولكي نستقرأ مقامات فاطمة عليها السلام يجدر بنا أن نتعرض للإشارات القرآنية عن مقام مريم عليها السلام ليتبيّن لنا مقامات سيّدة نساء العالمين، عندها فلا تكون أية غرابة فيما تعتقده الإمامية من مقامات فاطمة عليها السلام وسيتبيّن من النصوص القرآنية النازلة فيها أنّ تلك المقامات حاصلة للصديقة عليها السلام، بغضّ النظر عن الأولوية المتقدّمة وما ورد في مريم عليها السلام لا يكون إلّا وهو مبيّن ما قد ورد فيها عليها السلام وستكون الأولوية حاكمةً في معرفة وبيان مقاماتها بعد ذلك.
إنّ ما ذكرناه من الإشارة إلى مصحف فاطمة عليها السلام وكيفية نزول جبرئيل عليها ليُسلّيها بمُصاب أبيها بعدما دخلها من الحزن الشديد، لم يكن ذلك إلّا حالة من حالات الوحي، إلّا أنّه وحي غير نبوي أثبته القرآن في مواضع عديدة لرجالٍ ونساء كاملين في مقام الحجّية لقوله:( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ) (1) .
ومعلوم أنّ ما وقع لمريم عليها السلام من وحي هو قسم أعظم من نزول جبرئيل عليه السلام، وذلك لحصول القسم الأول لها مضافاً إلى الثالث، كما أنّ تقديم ذكره في الترتيب في قوله تعالى( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا
____________________
1. الشورى /51.
وَحْيًا ) لشرفيته على القسمين الثاني والثالث وهو الايحاء من وراء حجاب وارسال رسول يوحي بإذن الله تعالى.
والشاهد على حصول الأول لها قوله تعالى:( قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿47﴾ وَيُعَلِّمُهُ ) (1) وفاعل «قال» ههنا هو الله تعالى لأنها وجّهتْ قولها مخاطبة الله تعالى متصلاً بالآيات السابقة في سورة آل عمران:( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) (2) ففي الآيات السابقة الإشارة إلى نزول الملائكة عليها وقولها لها بالبشارة.
ويشهد لكون الخطاب والقول هو من الله تعالى في الآية المزبورة، أنّ القول لم يكن من جبرئيل كما قد يتوهّم؛ إذ تمثّل جبرئيل لها والذي تستعرضه سورة مريم كان بعد مدّة زمنية فاصلة عن نزول الملائكة بالبشارة.
ويشهد لذلك أيضاً أنّ مريم عليها السلام أعادت تعجّبها:( قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿20﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
____________________
1. آل عمران / 47-48.
2. آل عمران / 45.
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ) (1) من دون توجيهه إلى الله تعالى، وكانت إجابةُ جبرئيل لها بتذكيره لجواب الله تعالى المتصل ببشارة الملائكة في سورة آل عمران.
وعلى ذلك فيظهر من سورة آل عمران أنّ الوحي الذي حصل لمريم بُعيد الوحي بتوسط الملائكة بالبشارة، هو من الوحي بدون وساطة الرسول الملائكي ولم يكن تكليماً من وراء حجاب، أي أنّه من النمط الأول من أقسام الوحي المشار إليه في سورة الشورى وهو أعلى أنماط الوحي كما يدلّ عليه الترتيب الذكري، وهو لا يحصل في الغالب إلّا للأنبياء المرسلين من طبقة أولي العزم وفي بعض حالاتهم. فهذه منقبة ومقام عظيم يتلوه القرآن الكريم لمريم بنت عمران.
كما أنّ مفاد الوحي لمريم هو إبلاغها بنبوّة عيسى وبعثته بشريعة الإنجيل، فكان تصديقها بكلمات الله وكتبِه بتوسط الوحي الذي حصل لها، لا عبر نبيّ مرسل وهو زكريا عليه السلام أو يحيي عليه السلام وقبل تولّد ابنها النبيّ عيسى عليه السلام، فكانت قد أوكل إليها مسؤولية إبلاغ نبوة عيسى عليه السلام إلى الملأ من قومها.
وهذا نظير ما ورد في الصديقة الزهراء عليها السلام من نزول اللوح
____________________
1. مريم / 20-21.
الأخضر عليها المتضمن لأسماء الأئمة عليهم السلام وما ورد من أنّ مصحفها عليها السلام متضمّن للوصيّة بالإمامة في ذرّيتها، كما أنها كانت محدَّثة من قبل الملائكة كما كانت مريم مع أنها ليست بنبيّ، وقد روى الصدوق في علل الشرائع عن إسحاق بن جعفر عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال:
«سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إنّما سمّيتْ فاطمة عليها السلام محدَّثة لأنّ الملائكة كانت تهبط من السماء تناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة، إنّ الله اصطفاكِ وطهّركِ واصطفاكِ على نساء العالمين.
يا فاطمة، اقنتي لربكِ واسجدي واركعي مع الراكعين، فتحدّثهم ويحدّثونها.
قالت لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيدة نساء عالمها وأنّ الله عزّوجلّ جعلكِ سيّدة نساء عالمكِ وعالمها وسيّدة نساء الأولين والآخرين»(1) .
على أنّ مريم أُوحِيَ إليها وكلَّمَتْها الملائكةُ ولم تكن نبيّاً ولا رسولًا، فالتحديث لم يقتصر إذَنْ على نبويّة الموحى إليه، بل يكفي ذلك أن يكون من حجج الله تعالى كما هو الحال في مريم عليها السلام، إذ كلَّمَتْها الملائكةُ وحَدَّثَتْها بالبشارة، وقد دلّت مجموعة آيات على تحديثها منها:
____________________
1. علل الشرايع / 183.
قوله تعالى:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿16﴾ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿17﴾ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ﴿18﴾ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿19﴾ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿20﴾ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ) (1) .
فتلك المحاورة بين مريم وبين الوحي تُبيّن الإصطفاء الإلهي المقدّس الذي حظيت به مريم عليها السلام، فتمثّل جبرئيل بشراً سوياً ليُلقي لها البشارة من الله تعالى ويكشف ذلك عن الدرجة التي بلغتها مريم كحجّة من حجج الله تعالى، إذ التمثّل هذا نظير التمثّل الذي حدث لإبراهيم عليه السلام عند إتيانه البشارة كما في قوله تعالى:( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ ) (2) البشارتان كانتا في سياق واحد، إنّه منح إبراهيم إسحاق ويعقوب نبييّن، كما مَنَحَتْ مريم عليها السلام عيسى نبياً مرسلاً، فالتشابه في مهمّتي نبي الله إبراهيم لتلقيّه البشرى في إسحاق ويعقوب كمهمّة مريم في تلقّيها البشارة الإلهية في عيسى عليه السلام، وهذه البشارة الإلهية لها دلالاتها الخطيرة في مهام المبشِّر فضلاً عن المبشَّر به.
____________________
1. مريم / 16 - 21.
2. هود / 69.
على أنّ حالتي التمثّل لدى نبي الله إبراهيم عليه السلام هي نفسها حالة التمثّل التي حصلت لمريم عليها السلام، والتمثّل لم يكن تغيّراً في المتمثّل حقيقة، بل هو تغير في ظرف الإدراك، فلا تغيّر إذَنْ في الخارج ولا في نفس الماهية الملكية للوحي.
ومن هنا سيتبيّن عِظَم مسؤولية مريم عليها السلام من كونها في مصاف الأنبياء، وممن هداهم الله واجتباهم من غير النبييّن وهي مريم عليها السلام التي تحتلّ مقام الحجيّة لله تعالى بما يقارب حجيّة الأنبياء إلّا في خصوصيات النبوّة والرسالة.
ولم تقتصر حالة التكليم للملائكة من قبل مريم، بل تترقى إلى الوحي المباشر مع الله تعالى مع أنّ وحي الله تعالى كان قبل تمثّل جبرئيل لها.
قال تعالى حكاية عن مريم:( قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) .
فالوحي الإلهي المباشر الذي حظيت به مريم عليها السلام يكشف عن خطورة المنزلة التي تحتلّها مريم عليها السلام، إذ الوحي الإلهي المباشر لا يختصّ به إلّا بعض الأنبياء وفي أوقات خاصّة، وهذا نظير ما حدث لزكريا عليه السلام حين كلّمتْه الملائكة وبشّرتْه بيحيى.
____________________
1. آل عمران / 47.
ومن ثم كان وحي الله تعالى له مباشرة يكشف عن حقيقة مهمة، وهي تشابه حالتي زكريا ومريم في تلقّي البشارة وتكليم الملائكة لهما ومن ثم تكليمها الله تعالى، فحالتا الإصطفاء والبشارة كما حدثت لنبيّ الله زكريا حدثت مثلها وفي ظرف زماني متقارب لحجّة الله مريم عليها السلام، دليل على التقارب بين مهمّتي المقامين، أي مقام النبوّة لزكريا ومقام الحجّية لمريم.
والآيات التالية تتكفّل ببيان المقام، قال تعالى:( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿39﴾ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) (1) .
فتوارد النظائر في الحالتين دليل على وجود ترابط ظاهر أو خفي بين حالتي نبوّة زكريّا وحجّية مريم عليها السلام، والنظائر الواردة في الآية للحالتين كما يلي:
إتيان البشارة لزكريا وتكليمه الملائكة أثناء عبادته لله تعالى، فقال تعالى:( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ) .
كما أنّ البشارة لمريم وتكليمها الملائكة حين قيامها لله تعالى منتبذة قومها
____________________
1. آل عمران / 39 - 40.
قائمة لله قال تعالى( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿16﴾ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ) (1) .
وتكليم نبيّ الله زكريا لله تعالى بلا واسطة، قال تعالى حكاية عن زكريا:( قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) (2) وهو نظير ما حدث لمريم عليها السلام، قال تعالى حكاية عن مريم:( قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) (3) .
فكلاهما عرضا مقتضي الإمتناع عن قابليتهما لبشارة الغلام، إذ احتجّ زكريا كون امرأته عاقراً غير مقتضية للحمل وهي في هذا السن المتقدّم، ومريم احتجّت بكونها غير قابلة للحمل لعدم امكان ذلك من دون زوج، وكان جوابه تعالى لهما واحداً:( قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) مما يدلل على وحدة المقام لكلا الحالتين: حالة زكريا وحالة مريم، فضلاً عن ارتباط المهمّتين.
والتشابه بين البشارتين تتكفّله سورة مريم، قال تعالى:( أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ
____________________
1. مريم / 16 - 17.
2. آل عمران / 40.
3. آل عمران / 47.
بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ ) (1) . على أنا لا نغفل عما تقدّم من دعاء زكريا من كون دعائه في طلب الولد كان معلّلاً بخوفه الموالي من بعده أن لا يحسنوا خلافته، إذ كان زكريا مشفقاً على دعوته أن لا يخلفها أحد من بعده، فهو سيخلف من ورائه موالي سوء، لا يحسنون خلافته في دعوته فضلاً عن وراثته مما ترك، مما يعني أنّ يحيى سيواجه خطر التنافس على وراثة أبيه فضلاً عن عدم التصديق به من قبل قومه ومواليه، وكون هؤلاء يتحينون موت زكريا ليتوثّبون على خلافته، وسيكون لمريم وابنها أثر مهمّ في تأييد دعوة يحيى وتصديقه، إتماماً لرسالة زكريا ودعوته وحفظهما من الضياع الذي سيؤل اليه تنافس قومه. فمريم عليها السلام سيكون موقفهما موقف المدافع والمصدّق لرسالة زكريا في حفظ يحيى من تكذيب قومه ووثوبهم على خلافته، لكونهما يشتركان في نفس المهمّة.
وسيأتي التماثل بين فاطمة وبين مريم في مقام الحجيّة، فإنّ فاطمة عليها السلام أيضاً أثبتت بحجّيتها خلافة رسول الله صلّى الله عليه وآله المتمثّلة في عليّ بن أبي طالب عليه السلام إبّان صراعها ومدافعتها المتوثّبون للخلافة حيث تحفزوا أن يخرجوا وراثة الرسول صلّى الله عليه وآله من آله عليهم السلام، تماماً كما تماثلت ظروف وراثة زكريا وما آلت إليه الخلافة الإلهية ليحيى حيث
____________________
1. آل عمران / 39.
قتلوه ونكلوا به أخيراً.
وحجيّة مريم صرّح بها القرآن بقوله تعالى( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (1) و«الآية» هي الحجّة، أي: جَعَلْنا عيسى وأمَّه حجّة.
عن يحيى بن أبي القاسم عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزّوجلّ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) قال: «أي حجّة»(2) .
فحجيّتها عليها السلام في عرض حجّية ولدها عيسى نبي الله، بل حجّيتها سَبَقَتْ حجّيةَ عيسى، كما أنّ حجّية عيسى تلت حجّيتها زماناً واقتضاءً.
فالترتب الزماني بين الحجّتين ظاهر، إذ كان تكليم الله لها وكذلك الملائكة قبل ولادة عيسى بفترة، على أنّ السبق الزمني لا يكون بالضرورة لخصوصية معينة، وإنّما هي أشبه بحالات إرهاص لنبوّة عيسى عليه السلام ولا شك أنها خصوصية عظيمة ومنزلة رفيعة.
فقوله تعالى( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) أي: إنّ المسيح وأمّه كليهما من أصول الديانة المسيحية، بل من الإعتقادات اللازم الإعتقاد بها عند المسلمين أيضاً لوجوب الايمان بكلّ كلمات الله وآياته وكتبه ورسله وآياته
____________________
1. المؤمنون / 50.
2. البرهان 3/113.
وحججه، لقوله تعالى( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ) (1) ، أي: إنّ مريم عليها السلام من الحجج الإلهية، كما سيأتي بيان الآيات الأخرى المفسرة لمعنى كونها آية.
كما أنها مقتضٍ لنبوّة عيسى عليه السلام لكونها قد حضيت بتكليم الله تعالى فضلاً عن تحديث الملائكة لها وتلقّيها البشارة، كما أنّ تبتّلها ومقامها وفضلها كان إحدى مرتكزات بني اسرائيل كما يشير إلى ذلك قوله تعالى( وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) (2) وقوله( وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ) (3) مما أكّد على مصداقيتها لديهم. فكان قبول معجزة عيسى ونبوّته بعد ذلك إحدى موجبات حجّيتها لديهم، لذا فإنّ أخيارهم وعقلائهم قبلوا المعجزة وسلّموا لها، وبقي جُهّالهم وطغاتهم يخوضون في بهتانها وايذاءها وهو شأنهم.
فأمرُ الله تعالى لها بتحمّل مسؤولية الإنجاب بطريقة المعجزة من دون
____________________
1. البقرة /285.
2. آل عمران / 44.
3. آل عمران / 37.
زوج، إحدى مقتضيات نبوّة عيسى وشريعته المباركة. فحجّيتها عليها السلام هي من حيث أنها المبلّغ الأول لبعثة النبيّ عيسى وشريعته المسيحية، حيث أنها أمرتْ من قبل الله تعالى بتحمل مسؤلية الإنجاب بطريقة المعجزة من دون فحل ليمهّد الطريق لبيان المعجزة لنبوّة عيسى وشريعته، ثم أمرت من قبله تعالى بحمله والمجيء به إلى بني اسرائيل وأن لا تكلّمهم وأن تشير إليه ليستنطقوه فيتكلّم في المهد، فهي قد قامت بكلّ هذه المسؤوليات الموظفة من قبله تعالى لها لتبليغ واظهار المعجزة الأولى على نبوّة عيسى عليه السلام.
وكان ذلك عن اعتقاد منها بنبوة عيسى بتوسط ما أوحِيَ لها من دون وساطة النبيّ زكريا أو غيره من الأنبياء في زمانه، فهي ابتدأت بإبلاغ شريعة جديدة من دون أخذ هذا الأمر الإلهي ذي الشأن العظيم الخطير من نبيّ ولا رسول ولا بوساطة النبيّ عيسى أيضاً، وهذا ما تعنيه الآية الكريمة( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) .
فلولا حجّية مريم وحجّية ما يوحي إليها لكان بإمكانها إبطال المعجزة الإلهية وهي ولادة عيسيى من دون أب، بأن تدّعي- والعياذ بالله- أنّه لقيط وجدتْه في الطريق أو أنها ولدتْه عن زوج غائب أو ما شابه ذلك، فانظر إلى مقام كمال حجّيتها ودورها في إبلاغ الرسالة في قوله تعالى( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ
قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) (1) .
فهذا النمط من المجاهدة والمخاطرة بالعرض بأمر من الله تعالى وتعيين منه، فهو حكمة بالغة من الله تعالى في اختيار هذا النمط من الجهاد، بحيث لا يتأدّى إقامة الدين إلّا بذلك من دون تدنّس وابتذال في العِرضْ ولا زوال لطهارته وعصمة مناعته، وإنّما هي مخاطرة ظاهرية بالسمعة.
وهذا نظير ما وقع لعترة النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد واقعة كربلاء المفجعة، حيث كان فَضْحُ بني أمية وزَيْغُهم عن الدين وعِداؤهُم لصاحب الرسالة لا يتمّ إلّا بالمخاطرة بعيالات النبوة وتعريضهم للسبي من قبل بني أمية، ووقوف عقيلة بني هاشم وخفِرة الطالبيين في مجلس الطاغية ابن زياد ومجلس يزيد وإلقاء خطبها لبيان حقانية سيد الشهداء عليه السلام وبطلان بني أمية وحزبهم.
إذَنْ فما جرى للسيّدة مريم عليها السلام من المخاطرة بحرمتها وقدسيّتها قد جرى على حرمة وقدسيّة فاطمة عليها السلام؛ إذ خاطرت بحرمتها وقدسها في الذب عن إمامة علي عليه السلام وذلك بالتصدي للمهاجمين على بيته عليه السلام، فكان في ذلك فَضْحٌ لكلّ سِتار يتخفى من ورائه أصحاب السقيفة لغصب الخلافة وتحريف مسيرتها في الأمّة، ومن ثَم أحسّ الخليفة
____________________
1. مريم / 29.
الأول بانتصار قضية علي عليه السلام في الإمامة، وإدحاض دعواه وصحبه فلم يمسك غيضه حتّى تكلّم بهجين الكلام وهو على منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله كما نقل ذلك ابن أبي الحديد(1) .
فبلوغ مريم إلى مراتب الحجّية كان سبباً في تأسيس الشريعة العيسوية واكتمالها.
كما أنّ حمل المولود المعجزة والمجيء به إلى قومها تُعدّ إحدى أخطر مهامّها وأصعبها تحمّلاً فهي مجاهدة ومخاطرة بالعِرض وهو أشدّ للغيارى من قتل النفس؛ اذ لم يكن من اليسير أن تتحمل أقدس عفيفة في زمانها مسؤولية التهمة والبهتان ومحاولة تحدّي أمّة لم تصل إلى مستوى الرشد، بل لازالت في حضيض الجهل والسوء فكانت معاناتها النفسية مما هي فيه من الإستحياء ومخافة اللوم ما ادّى بها الى تمني الموت( قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ) .(2)
قال أبو عبداللّه الصادق عليه السلام: «لأنها لم ترَ في قومها رشيداً ذا فراسة ينزّهها من السوء»(3) مما يكشف شدة معاناتها ووطأة المهمّة الملقاة على
____________________
1. شرح نهج البلاغة 16/215.
2. مريم / 23.
3. كنز الدقائق 8/210.
عاتقها، إلّا أنّ ذلك لم يفتَّ في عضدها، ولم يحبط همّتها، ولم يزعزع تسليمها وانصياعها وطاعتها لله تعالى ولأمره شعرة، بل ذهبت مع ما فيها من آلام التوجسات والخواطر، تحمل ولدها المعجزة لتثبت بكلّ تسليم واقتدار تحمّل المسؤولية المباركة.
ويكشف في الوقت نفسه ما وصلت إليه من الإكتمال في التسليم والإنصياع وتحمل المسؤولية من حين تحديثها الملائكة وقبولها لذلك، ولم يصدر منها أدنى تردد أو اعتذار لقبول المهمة، مما يعني بكل تأكيد كونها طرفاً مهماً في بلوغ الرسالة العيسوية هذا المبلغ من الإقتدار على تحدي طغام بني اسرائيل ولئامهم وزحفها مخترقة كلّ حواجز اليهودية المتربصة لرسالات السماء.
فتلخّص:
أولاً: إنّ الذي بدأ بإبلاغ بعثة النبيّ عيسى هي مريم عليها السلام وهو نمط فريد في بعثة الرسالات الإلهية أن يكون الحامل الأول للبعثة هي إمرأة.
ثانياً: إنّه يدلّل على كمال ايمان مريم بما أوحى لها من الأوامر الإلهيّة من دون توسط نبيّ فيما بينها وبين الله تعالى.
ثالثاً: إنّه يدلّ على حجّية الوحي للمرأة المصطفاة المطهَّرة، ولو قدّر-
العياذ بالله - أنّ مريم لم تؤمن بما أوحي إليها ولم تمتثل ما أمرت به مباشرة لكان في ذلك إخفاق للمعجزة الإلهيّة على نبوّة عيسى وبعثته بديانة ناسخة لشريعة موسى عليه السلام، أي ولادته من غير أب.
فمن ثم كانت عصمةُ مريم وأنّها من الصفوة المنتجبة للحجّية على العباد آيةٌ إلهيةٌ مع إبنها على حقانية بعثة ونبوّة وشريعة النبيّ عيسى عليه السلام في زمانه. فمن ثَم جُعلت من أصول الديانة والشريعة العيسوية كما قال تعالى( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) بل هذه الآية الإلهيّة واجبة الإعتقاد في الشريعة الإسلامية؛ لوجوب الإعتقاد بكلّ آيات الله وكلماته وكتبه ورسله.
وسيأتي نظير هذا المقام للزهراء عليها السلام حيث احتجّ الله تعالى بها على حقانية نبوّة سيّد المرسلين وبعثته وشريعته كما في آية المباهلة، وأعطاها الله تعالى مقام ودور صاحب الدعوة للدين من قبله تعالى، وأنّ الخمسة أصحابَ الكساء صادقون فيما يبلّغونه عن الله تعالى من شريعة الإسلام ونبوّة سيّد الرسل.
كما أنّ حجّية مريم عليها السلام أصل من أصول الديانة المسيحية، إذ كونها هي وابنها آيةً، أي حجّةً، يجب على معتنقي المسيحية التسليم لها وقبولها والإعتقاد بها فهي المتمم لحجّية عيسى ورسالته.
فنرى أنّ القرآن الكريم في السور العديدة لا يدحض اعتقاد المسيحيين
والنصارى في جعلهم مريم وعيسى كليهما من أصول الإعتقاد والديانة بل يدحض تأليههم لهما، فلا يخطّئهم في كونهما من أصول الدين بل غاية الأمر أنه يحدّد غلوهم الذي هو في تأليههم في مريم وعيسى، فيؤكّد القرآن على بشريتهما مع تصريحه بكونهما معاً آية وحجّة.
قال تعالى:( وَإِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّـهِ ) (1) وقوله تعالى:( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) (2) .
ولم تزل مريم ابنة عمران تحضى برعاية الربّ ورضوانه طالما نذرتْ نفسها لطاعته وعبادته وانقطاعها إليه، فيغدقها بالرحمة ويحبوها بالكرامة ومن ثم يصطفيها لحجّيته ويطهّرها ويفضّلها على نساء العالمين.
ولم يكن الإصطفاء إلّا بعد مراحل تتدرج فيها مريم بنت عمران ثمّ الله يتقبّلها قبولاً حسناً ويُنْبِها إنباتاً حسناً. فهي تحت قيمومة النبوّة ورعاية الرسالة، أمر موجب لخصائص الإصطفاء والتطهير لتلك المرأة التي سلّمت إرادتها للمرأة الصالحة - امرأة عمران أمّها التقيّة - حين نَذَرتْ ما
____________________
1. المائدة /116.
2. المائدة /75.
في بطنها محرراً لله تعالى، وبالفعل تستجيب تلك الطاهرة لإرادة الله فتنقاد مسلّمة لطاعته وعبادته، وهي أول مرحلة تظهر فيها مريم قابليتها الإصطفاء وقدرتها على تلقّي إرادات الله تعالى، وإلّا فمن غير اليسير أن تستجيب فتاة في الإنقطاع عن الدنيا وملذّاتها لتبتّلها للوفاء بنذر أمّها حتّى كانت تحت إرادتها طيّعة بارّة مطمئنة بقضاء الله تعالى عابدة متبتّلة بكلّ ايمان وشوق وانقياد مما يكشف عن مكنون الايمان الذي أودع في مطاوي تلك النفس الكريمة واستحقاقها بكلّ جدارة تحمّل المسؤولية الإلهية في الحجّية والإصطفاء.
قال تعالى:( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿35﴾ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿36﴾ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1) .
فالإعداد لتكون مريم صالحةً للحجّية يجري تحت رعاية الله تعالى وبقيمومة زكريا نبيّ الله الذي أوكل بتلك المهمّة.
____________________
1. آل عمران/ 35 - 37.
ومن هنا فالإعداد لفاطمة الزهراء عليها السلام تشمل مرحلتين:
الأولي: إعداد النبيّ صلّى الله عليه وآله لتلقّي هذه الكرامة وقبولها.
و الثانية: إعدادها عليها السلام تحت رعاية الرسالة وقيمومة النبوّة، وقد قال تعالى في مناقب مريم( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) ، وفاطمة عليها السلام قد كفّلها سيّد الأنبياء فضلاً عن سيّد الأوصياء، فتلك المنقبة لها بنحو أرفع وأعظم.
إذن فبعدما بلغت مريم مراتب الكمال لقابلية الإصطفاء نادتْها الملائكة ببشارة الإصطفاء( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (1) والآية معطوفة على قوله تعالى( إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (2) مما يعني أنّ اصطفاء مريم كان بمستوى إصطفاء الأنبياء من آدم ونوح وآل إبراهيم، أي إصطفاءً نبوياً تختلف ماهيته بحسب حيثيات النبوّة والإمامة التي لا تكون إلّا في سنخ الرجال بخصوصيات ليس هنا محلّ بحثها.
فاصطفاؤها الأول هو قبولها لعبادة الله ومن ثم تطهيرها بعصمة الله وبالتالي اصطفاؤها لحجّيته، فمراحل الإصطفاء تتدرج من نشأتها وتترقّى بتطهيرها وتكتمل بحجّيتها.
____________________
1. آل عمران / 42.
2. آل عمران / 33.
وإذا خصّ الله عيسى برسالته وهو نبيّه، فإنّ مريم بنت عمران اشتركت في نعم الله السابغة مع نبيّه، أي تكون الإشتراك في النعمة دالّة على القرب إلى الله ورفيع المنزلة والكرامة لديه، مما يعني وجود اشتراك في سنخية المهمة بين عيسى ومريم بنت عمران، قال تعالى( إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) (1) .
وهذه النعمة نعمة لدنيّة إلهية خاصة بالمصطفين من أوليائه، نظير قول سليمان( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ) (2) وهي النعمة التي أشار إليها تعالى عندما أدرج مريم في مصاف الأنبياء والرسل في سورة مريم حيث قال تعالى( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ) (3) وقال:
____________________
1. المائدة / 110.
2. النمل / 19.
3. مريم / 2.
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ) (1) بعد ذكر يحيى ثم ذكر عيسى فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) (2) ثم ذكر اسحاق ويعقوب ثم قال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) (3) ثم قال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) (4) ثم قال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) (5) .
وكان قد ذكر لكلّ واحد منهم ما وهب الله له، فوهب لزكريا يحيى ووهب لمريم عيسى، ووهب لإبراهيم اسحاق ويعقوب، ووهب لهم من رحمته وجعل لهم لسان صدق ووهب لموسى أخاه هارون نبياً، ثم قال تعالى في نهاية المطاف:( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) (6) فأدرج مريم في من هدى واجتبى في مصاف الأنبياء، وأنّ نعمة الإجتباء والإصطفاء في مضاهاة نعمة النبوّة
____________________
1. مريم / 16.
2. مريم /41.
3. مريم / 51.
4. مريم / 54.
5. مريم / 56.
6. مريم / 58.
لكونهما من النعم اللدنّية من نعم الله تعالى.
فتماثل النعمة دالّ عليه الذكر المشترك الذي عنى بهما القرآن لقوله تعالى:( إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ) فعدم اختصاصه بالنعمة واشتراك والدته بالذكر دليل على النعم المشتركة التي فضل الله بهما حجّية عيسى ومريم، فالإمتنان الإلهي على كلا المذكورين يستوجب اشتراكهما بجميع ما أوردته الآية الكريمة.
على أننا نؤكّد في الوقت نفسه أنّ هذا الإعتقاد بحجّية مريم ومقامها إحدى خصوصيات دين الإسلام الحنيف، الذي تؤكّد تعظيم مقام المرأة وامكانها بلوغ الكمال والرشد، وذلك بفضل الطاعة لله تعالى والتقوى والعفّة، ولا يكتفي الإسلام بالشعارات التافهة التي ترفعها الحضارة الغربية والتي لم ترَ أدنى قابلية الرشد والكمال للمرأة كما تراه الإسلام في نماذجه الطاهرة العفيفة، كمريم بنت عمران وفاطمة الزهراء عليهما السلام.
إذ دعوى الحضارة الغربية بالدفاع عن حقوق المرأة وتكريمها تتكاذب مع ممارساتها اللاإنسانية في إضعاف مقام المرأة وتسقيطه إلى مستوى العبث والمتعة، فضلاً عن إلغاء اعتقادها بمقام مريم وعظمتها وشرف مسؤوليتها
في انبثاق الديانة المسيحية لكمال حجّيتها التي من المفترض أن تكون من دواعي الديانة المسيحية، إلّا أن الحضارة الغربية المطالبة بحقوق المرأة تغفل عما حظيت به المرأة من المقام السامي والشأن الكريم لدى الدين الإسلامي.
فالعقيدة الإسلامية بمقام السيّدة مريم وجهدها في نشوء الرسالة العيسوية وحجّيتها الإلهية، فضلاً عن المسؤولية العظمى والحجّية الكبرى التي تختص بها فاطمة الزهراء عليها السلام إحدى دواعي الإعتزاز بهذين المقامين الشامخين اللذين كرّمهما الله تعالى بحجّيته.
فالمطالبة بحقوق المرأة تكمن حقيقته في تحديد رسالتها السامية بتربيتها للأمة تربية صالحة، وباستطاعتها كذلك هدايتها للأمّة هداية تتناسب وتوجهات سعادتها وكمالها كما هو الحال في شأن مريم بنت عمران عليها السلام وهدايتها للأمّة من خلال حجّيتها التي منحها الله تعالى تكريماً لها، وكما في سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام التي أثبتت لياقتها التامّة في تحمّلها مسؤولية تشخيص الإنحرافات العقائدية والسياسية بُعيد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله مستخدمة حجّيتها التي منحها الله تعالى، وهذا مالم تجده في أية حضارة أخرى تدّعي المطالبة بحقوق المرأة حتّى تجعلها وسيلة لَهْوِ ومتعة تتداعى من خلالها كلّ شعارات الحرّية الوضعية البعيدة
عن النهج الرسالي القويم.
ولم تهتدِ المسيحية لابتعادها عن الحق في تشخصيص مقام مريم وابنها المسيح، فتطرّفتْ في ذلك حتّى جعلت المسيح ثالث ثلاثة، وألّهتْ المسيح وأمّه، وقد عالج الإسلام هذه المشكلة الفكرية التي وقعت بها المسيحية لابتعادها عن حقيقة تعاليمها السماوية، وأبطل أول الأمر الألوهية لهذين العبدين القانتين لله تعالى، وأكّد خضوع المسيح وعبوديته لله سبحانه( وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) (1) إذ حدّد مهمّة عيسى أولاً وهي العبودية المحضة والطاعة الخالصة لله الواحد الأحد، ودون ذلك شرك وظلم يستحقّ معتقده النار.
ثم أشار إلى بشرية عيسى وأمّه وأكّد أنهما بشران وأنهما نالا مقام الحجّية لله تعالى بطاعتهما وعبادتهما له، فأشار لأحدهما بالرسالة وللآخر بالحجّية بقوله:( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ) (2) .
____________________
1. المائدة / 72.
2. المائدة / 75.
فالإسلام أكّد حدود بشريتهما أولاً، ثم أشار إلى حجّيتهما ثانياً بطاعتهما وعبوديتهما لله تعالى، ومع ذلك كلّه لم ما وُجِدَ من الكافرين غير التكذيب والإفك؛ إمّا معاداة أو علواً على الله تعالى بادعائهم ألوهيتهما، فلذا يصرّح القرآن بكلّ شدة على كفر من قال إنّ المسيح هو الله،( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) (1) ولم يكتفوا هؤلاء بِغَيِّهم وكفرهم حتّى جعلوا الله ثالث ثلاثة وأشار إلى كفرهم( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ) (2) .
فقد دأب القرآن الكريم إلى كشف هذه الإعتقادات المزيّفة وفضحها لغرض تقنين المعتقد وعدم تسيّب الفكر بسبب الدوافع العاطفية والتي تؤول إلى فوضى فكرية حقيقية، فحدّد القرآن معالم هذا المعتقد وأطّره ضمن مبادىء ومسلّمات عقائدية والخروج عن هذه الدائرة الفكرية سيؤول إلى الغلو والضلال( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّـهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ
____________________
1. المائدة / 72.
2. المائدة / 73.
سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ) (1) .
فالقرآن كما استنكر على النصارى غلوهم في المسيح وأمّه، كذلك استنكر على اليهود تقصيرهم في الإقرار بمقامهما والعداء لهما والخصومة، فهو كما ينفي الغلو ينفي التقصير في التسليم لهما في الحجّية، فلا تستدعي حجّيتُهما الألوهيةَ ولا تستدعي بشريتهما عدمَ الحجّية.
وهذا ما يركّز عليه القرآن الكريم في كثير من الأنبياء والرسل كما في قوله تعالى تعليماً لنبيّه صلّى الله عليه وآله( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ) (2) فالوحي لا ينفي البشرية ولا البشرية تنفي تميزه واختصاصه بالوحي، وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ) (3) . وكذا بقية الأنبياء حسبما يذكره القرآن الكريم مع أقوامهم، فإنهم في الغالب يقعون في أحد الطرفين؛ إمّا التقصير وظنّ أنّ البشرية تنفي الحجّية والإرتباط بالغيب، أو الغلو وأنّ الإرتباط بالغيب ينفي البشرية، كما حصل لليهود في عُزير.
فالطريقة الوسطى والمحجّة الواضحة نفي كلّ منهما، والتسليم بالحجّية
____________________
1. النساء / 171.
2. الكهف / 110.
3. مريم / 43.
وأنهم بشر، هذا المسلك ينفي الإفراط والتفريط، كما ينفي المعاداة لأولياء الله. فالوظيفة اتجاه حجج الله هي أن لا يكون الفرد من الغالين المفوّضين، ولا من الناصبين المعاديين ولا من المقصرّين المرتابين، كما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة:«فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصّر في حقّكم زاهق» .
فبعد أن حدّد ماهية المسيح البشرية وأشار إلى رسالته، نهي الخروج عن دائرة هذا التشخيص والقول بخلاف هذه الحدود البشرية لرسول الله المسيح وأمّه الصدّيقة.
أما ما يشهد للتشريك بالحجّية، فضلاً عن اشتراكهما في ذكر النعم والمنن عليهما من قبل الله تعالى فلقوله تعالى:( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (1) و«الآية» هي الحجّة كما هو معلوم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّوجلّ:( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) قال: «أي حجّة»(1) ، فاقترانهما في ذكر كونهما آية دليل على تقارب حجّيتهما واشتراكهما كذلك.
____________________
1. المؤمنون / 50.
2. البرهان 3/113.
التشابه بين مقامي مريم وفاطمة عليهما السلام
وغرضنا من الإسهاب في مقام مريم عليها السلام سيتضح إذا ما عرفنا أنّ وحدة المناط بين مقامي مريم وفاطمة عليهما السلام سيكون بالأولوية القطعية المسلّمة لدى الفريقين.
فإذا كانت مريم سيّدة نساء زمانها قد حازت على تلك المقامات السامية التي شهد بها القرآن الكريم من الإصطفاء والعصمة، فإنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين(1) ستكون لها تلك المقامات التي تثبت حجّيتها كذلك، بل إنّ تصريح القرآن بمقامات فاطمة الزهراء عليها السلام
____________________
1. البخاري 4/ 248، وفي مناقب فاطمة عليها السلام نفس الحديث وكذلك في مجلد 8/ 79 * وصحيح مسلم 4/1904، حديث 97، والحديث بلفظ سيدة نساء أهل الجنة ومعلوم أن ذلك يؤول إلى أنّها سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين * وجامع الأـصول 9/ 129-131، حديث 6677 وطبعة دار احياء التراث ح 6665 * والترمذي 5/ 701، حديث 3872- 3878 * وسنن أبي داود 4/ 355، حديث 98 و 99.
يضاهي ويعظم عمّا صرّح به في مقامات مريم فيغنينا في الإستدلال عن الأولوية وإن كانت هي حقيقة ثابتة في روايات الفريقين فليس بدعاً إذَنْ أن تعتقد الإمامية ما تعتقده في فاطمة الزهراء عليها السلام.
فإنّ صريح القرآن يثبت حجّية مريم بما لها من المقامات الإلهية الثابتة وهي حجّة لإحدى الشرائع السماوية فكيف بفاطمة الزهراء عليها السلام وقد أثبت لها صريح القرآن دخولها تحت عنوان أهل البيت الذي شمل نبيّ الشريعة الخاتمة! مما يعني أنّ هناك مقاماتٍ يشترك بها أهل البيت تخصصها بعد ذلك رتبهم الإلهية.
قال تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) .
اتفق الفريقان على نزولها في أهل البيت، محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
أخرج السيوطي عن ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أمّ سلمة رضي الله عنها زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله:
«إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان ببيتها على منامة له، عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
____________________
1. الأحزاب/ 33.
أُدْعي زوجَكِ وابنيكِ حسناً وحسيناً. فدعَتْهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فأخذ النبي صلّى الله عليه وآله بفضلة إزاره فغشّاهم إيّاها، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالها ثلاث مرّات.
قالت أمّ سلمة رضي الله عنها: فأدخلتُ رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟ فقال: إنكِ إلى خير، مرّتين.»(1)
هذا ما أخرجه أهل السنّة في شأن نزولها ولعلّ طرقها بلغت العشرات لتصل إلى حدّ التواتر دون أدنى ريب.
وما رواه الإمامية من طرقهم كثير إلّا أننا سنختصر على ما أورده صاحب البرهان في تفسيره من رواية عن أبي عبدالله عليه السلام عن أبي بصير قال:
«سألت أبا عبدالله عن قول الله عزّوجلّ:( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (2)
قال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام.
فقلت له: إنّ الناس يقولون فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته عليهم السلام في كتاب
____________________
1. الدر المنثور 6/ 531 - 532 (ذيل آية 33 من سورة الأحزاب)
2. النساء/ 59.
الله عزّوجلّ؟
قال: قولوا لهم إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتّى كان رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم.
ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهماً حتّى كان رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم.
ونزل الحجّ فلم يقل لهم طوفوا سبعاً وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم.
ونزلت( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) ونزلت في علي والحسن والحسين عليهم السلام، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله في علي: من كنت مولاه فعليّ مولاه.
وقال عليه السلام: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عزّوجلّ أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما على الحوض، فأعطاني ذلك.
وقال: لا تعلّموهم، فهم أعلم منكم.
وقال: ثم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة.
فلو سكت رسول الله صلّى الله عليه وآله فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان وآل فلان ولكن الله عزّوجلّ نزل في كتابه تصديقاً لنبيّه صلّى الله عليه وآله( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فكان علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فأدخلهم رسول الله صلّى الله عليه وآله تحت الكساء
في بيت أمّ سلمة، ثم قال: اللهمّ إنّ لكل نبيّ أهلاً وثقلاً وهؤلاء أهل بيتي وثقلي.
فقالت أمّ سلمة: ألستُ من أهلك؟
فقال: إنّكِ إلى خير ولكن هؤلاء أهلي وثقلي.
فلما قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله كان عليّ أولى الناس بالناس لكثرة ما بلّغ فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وأقامه للناس وأخذ بيده، فلما مضى عليّ لم يكن يستطيع علي ولم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي والعباس بن علي ولا أحداً من ولده إذاً لقال الحسن والحسين: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك وأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك وبلّغ فينا رسول الله صلّى الله عليه وآله كما بلّغ فيك وأذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك»(1)
والذي يعنينا من هذه الرواية على طولها:
إنّ هناك اشتراكاً في حيثيات الحجّية لأهل الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير وخصصتهم الروايات المتواترة من قبل الفريقين بأنهم: رسول الله صلّى الله عليه وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
وعليه فإنّ قول الإمام عليه السلام «إذاً لقال الحسن والحسين: إنّ الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك، وأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك وبلّغ فينا رسول الله صلّى الله عليه وآله كما بلّغ فيك واذهب عنّا الرجس كما أذهبه عنك ...» مما يعني أنّ
____________________
1. البرهان 3/ 309.
إذهاب الرجس عنهم، له خصوصية في اثبات الحجّية، فكما سيحتجّ الحَسَنان لإثبات حجّيتهما بآية التطهير فإنّ لفاطمة الحجّية كذلك منتزعة من آية التطهير ولإذهاب الرجس عنها عليها السلام.
وتلخّص من ذلك: أنه كما أُثبتت حجّية السيّدة مريم عليها السلام باصطفائها وتطهيرها لقوله تعالى( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (1) أمكن اثبات حجّية السيّدة فاطمة عليها السلام باصطفائها و تطهيرها للأولوية.
ووجه الأولوية: أنّ فاطمة عليها السلام قد تمّ إصطفاؤها وتطهيرها بآية التطهير مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وعليّ والحسنين عليهم السلام الذين ثبتت حجّيتهم القطعية؛ لكون الآية مشيرة إلى اشتراك الحكم بين أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا تحت الكساء ومنهم فاطمة عليها السلام.
وخصوص المطهّر في الأمّة الإسلامية في شريعة هذا الدين قد أثبت له القرآن وصفاً آخر وهو مسّ الكتاب المكنون الذي فيه حقيقة القرآن وذلك في قوله تعالى:( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿75﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿76﴾ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿77﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿78﴾ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿79﴾ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿80﴾
____________________
1. آل عمران / 42.
أَفَبِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ﴿81﴾ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) (1) .
ففي الآية قد عظّم الله تعالى القَسَم فيها بوجوه عديدة لا تخفى على المتأمل في تركيب ألفاظ الآية التي قد تربو على سبعة وجوه، كلّ ذلك لتأكيد القضية التي أراد القَسَم عليها. ثم أكّد القضية بوجهين آخرين أيضاً مما يدلّ على أنّ القضية خبرية وليست إنشائية، والمخبر به هو كون القرآن ذو حقيقة تكوينية مكنونة عِلْوية، وأنّ المصحف المنقوش بين الدفتين تنزيل لتلك الحقيقة من دون تجافي تلك الحقيقة التكوينية المحفوظة في كِنّ القرآن عن موقعها العِلْوي، وأنّ تلك الحقيقة لا يصل إليها ولا يدركها إلّا المطهّر في شرع الإسلام.
والكتاب المكنون هذا الذي فيه حقيقة القرآن قد وصف في سورة الأنعام بأنه الذي يُستطر فيه كلّ رطب ويابس، وفيه ما من غائبة كما في قوله تعالى:( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (2) .
____________________
1. الواقعة/ 79 - 81.
2. الأنعام/ 59.
وقوله تعالى:( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (1) وقوله تعالى( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (2) .
وقوله تعالى:( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) (3) .
وقوله تعالى:( عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (4) .
وقوله تعالى:( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ) (5) .
فقد وصف الكتاب بأوصاف جامعة محيطة بكلّ مغيبات الخلقة المستقبلية، ما هو كائن وما يكون وما هو خفي في النشآت العِلْوية، ومن ثم كان مصحف فاطمة عليها السلام مشتملاً على الإخبار بالأمور المستقبلية بما كان وما هو كائن، الدال على أنّ إحاطتها عليها السلام بذلك لإحاطتها بحقيقة القرآن العِلْوية في الكتاب المكنون بعد دلالة آية التطهير كونها مطهّرة من كلّ رجس ودلالة سورة الواقعة على أنّ كلّ مطهّر في هذه
____________________
1. الرعد/ 39.
2. النمل/ 75.
3. النحل/ 89.
4. سبأ/ 3.
5. فاطر/ 11.
الشريعة يمسّ الكتاب المكنون، وهذا مقام لم تصل إليه مريم، بل هو خاص كما ذكرنا بالمطهّرين في شرع الإسلام دون الشرائع السابقة.
قال تعالى:( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿5﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّـهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿6﴾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿7﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿8﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ) (1) .
وصفٌ لحال الأبرار الذين نعموا برضوان الله تعالى وكرامته وبيان لمقامهم، وأظهر مصاديق هذا المقام الكريم أنّهم يشربون كأساً ممزوجةً بكافور.
ثم تنتقل الآية إلى وصف العين التي منها شراب المقرّبين، وهي عين يتولّى أمرها عباد الله إذ يفجّرونها تفجيراً، فَمَن هم هؤلاء الذين يتولّون تفجير هذه العين وأمرَها، ومن ثَمّ يسقون منها الأبرار؟
إنّ الآية تكفّلت لبيان هؤلاء المتولّين لأمر تلك العين وهم عباد الله الذين صفاتهم:
1- يوفون بالنذر.
____________________
1. الدهر/ 5 - 9.
2- يخافون يوم القيامة الذي يكون شرّه مستطيراً مهولاً.
3- يُطعمون المسكين واليتيم والأسير لله تعالى عطاءً خالصاً لا يرجون من غيره جزاءً ولا شكوراً.
فَمَن هؤلاء إذن؟
اتّفق الفريقان أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فقد أورد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(1) بأربع وعشرين طريقاً أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.
وخلاصة القصة: أنّهم عليهم السلام السلام نذروا إنْ عوفي الحسنان أن يصوموا لله تعالى ثلاثاً، فلمّا عوفيا، وفوا بنذرهم فجاءهم في اليوم الأول مسكين فأعطوه طعامهم وسألهم في اليوم الثاني يتيم فأعطوه طعامهم ووقف ببابهم أسير فأعطوه طعامهم، فباتوا ثلاثاً طاوئين. فأنزل الله فيهم هذه الآيات، فثبتت صفة عباد الله الذين يفجّرون تلك العين لهم عليهم السلام.
فإذَنْ هم الذين يفجّرون عين الكافور ويُفيضون منها على الأبرار ليمتزج شرابهم بقليل من العين، أي إنّهم واسطة فيض على الأبرار ولهم القيمومة التامّة على ذلك، وهذا يطابق قيمومتهم على الأبرار وأنّهم المقرّبون في قوله تعالى:( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿18﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا
____________________
1. شواهد التنزيل 2/303.
عِلِّيُّونَ ﴿19﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿20﴾ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (1) .
فشهادة كتاب الأبرار من قبل المقرّبين دليل على قيمومة المقرّبين على الأبرار وشهادتهم عليهم. فالمقرّبون هم الشهداء على كتاب الأبرار، أي أعمالهم، ولذلك ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة «أنتم الصراط الأقوم وشهداء دار الفناء وشفعاء دارالبقاء.. » وفي موضع آخر من الزيارة «شهداء على خلقه وأعلاماً لعباده » هذه هي شهادة المقرّبون وهيمنتهم على الأبرار، والمقرّبون هؤلاء هم السابقون الذين وصفَتْهم الآية بقوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿10﴾ أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (2) مع أن سورة الدهر لم تزل في سياقات وصف المقرّبين وهم الذين يوفون بالنذر( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿7﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿8﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿9﴾ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿10﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّـهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿11﴾ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿12﴾ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴿13﴾ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴿14﴾ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴿15﴾ قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴿16﴾ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا
____________________
1. المطففين/ 18 - 21.
2. الواقعة/ 10 - 11.
زَنجَبِيلًا ﴿17﴾ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا ) .(1)
هذا حال المقرّبين، ويطابق هذا الوصف لعباد الله وارتفاع مقامهم عن الأبرار ما في سورة المطففين من قوله تعالى:( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿18﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿19﴾ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿20﴾ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴿21﴾ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿22﴾ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ﴿23﴾ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴿24﴾ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ﴿25﴾ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴿26﴾ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴿27﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) .(2)
فهذه الآيات تشير أيضاً إلى أنّ المقرّبين واسطة فيض للأبرار وهم الذين يمزجون شراب الأبرار بشيء من التسنيم، ولأنهم وسطاء فيض فهم يشهدون أعمال الأبرار.
وهذا يتطابق مع ما تقدّم من أنّ المطهّرين في هذا الشرع المقدس، المعصومين يمسّون الكتاب في اللوح المحفوظ المكنون الذي يستطر فيه كلّ غائبة، ومنها أعمال العباد.
فالمطهّر هوالمقرّب، وهم عباد الله الذين يسقون الأبرار من عين يفجّرونها تفجيرا، وتلك العين هي عين الكافور، وهي عين فوق مقام
____________________
1. الدهر/ 7 - 17.
2. المطففين/ 18 - 28.
الأبرار. والسلسبيلُ الذي هو مصدر المقرّبين والعين التي يسقون منها هو رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ إذ هو القيّم على المقرّبين الذين هم أهل البيت عليهم السلام وهو مصدرهم.
فتلّخص إذن: أنّ الأبرار يُسقون كأساً ممزوجة بالكافور، والمقرّبون هم مصدرالأبرار، والسلسبيل مصدر المقرّبين التي يسقون ويُسقوْنَ منها، على أنّ السقاية من العين وتفجيرها، تعني أنّ المقرّبين هم واسطة إفاضة على الأبرار، الذين يفيضون النور والعلم والحكمة والهداية على الأبرار.
وهؤلاء المقرّبين - وهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام - يُفاض عليهم من عين السلسبيل بواسطة رسول الله صلّى الله عليه وآله. فعلومهم وراثة من رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله كما في الروايات الواردة عنهم، مما يعني أنّ المقرّبين هم في مقام الحجّية والقيمومة المهيمنة على الخلق؛ إذ قيمومتهم تصدر من رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي ينص على حجّيتهم وإمامتهم بأمر الله تعالى.
وبذلك يتّضح مقام فاطمة عليها السلام وكونها إحدى وسائط الإفاضة على الخلق النابعة من مصدرٍ إلهي يمثّله رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وظهر أنّها شاهدة للّه على الخلق، وأنّها هادية لهم، وأنّها من الراسخين في العلم الذين يمسّون الكتاب المكنون في اللوح المحفوظ، فهي من الذين أوتوا العلم
وأثبت في صدورهم وأنها ممّن يُعرض عليها أعمال العباد.
وإذا ثبت أنّ المطهّرين هم محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بحكم آية التطهير( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فإنّ من خصوصيات المطهَّرين أنهم هم الذين يمسّون كتاب الله تعالى:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿77﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿78﴾ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (1) أي: لا يعلمه إلّا المطهَّرون.
ولا يعني «المسّ» هنا مسّ نفس الوجود الخطي والكتبي للقرآن الكريم، إذ لا معنى لذلك بل الآية في مقام الإشارة إلى مكنونية هذا الكتاب بمثل هذا القَسَم المغلّظ الذي يتعلّق بالأمر الخبري لا الإنشائي. فلفظ «لا» في الآية نافية لا ناهية، بل يقصد الإخبار.
كما أنّه قد وصف الكتاب المكنون بأنّه الذي تنزل منه القرآن المصحف الذي بين الدفتين. فالقرآن في الكتاب المكنون له حقيقة عِلْوية لا يتناولها إلّا المطهّر المعصوم، وتلك الحقيقة بعيدة عن أفهام الناس إلّا بواسطة المطهَّرين. والمطهَّرون هم أهل بيانه وتفسيره ومعرفته، وهم العالمون ببطونه وعلومه
____________________
1. الواقعة/ 77 - 79.
( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (1) ولا يعلم تأويل الكتاب إلّا الراسخون في العلم( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .(2) قال أبو عبدالله عليه السلام: «نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله ».
وإذا ثبت أنّ المطهَّرين هم المقرّبون - كما تقدّم ذكره من أنّ المقرّبين هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام - فإنّ الكتاب المكنون لا يمسّه إلّا المطهَّرون.
أخرج السيوطي عن ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وآله في قوله تعالى:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿77﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) قال: عند الله في صحف مطهَّرة( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) قال: المقرّبون(3) .
وإذا كان المطهَّرون هم المقرّبون الذين يمسّون الكتاب ويعلمون تأويل بواطنه فإنّ لهم الحجّية من الله تعالى على الخلق، إذ الحجّة هو الموصل لمعرفة الطريق إلى الله.
ومن هنا نعلم أنّ إحاطتهم عليهم السلام بكلّ شيء دليل حجّيتهم، إذ علمهم بالكتاب يعمّ علمهم بكلّ شيء، فالكتاب محفوظ فيه علم كلّ شيء
____________________
1. الزخرف/ 4.
2. آل عمران/ 7.
3. الدر المنثور 8/ 26 (ذيل آية 77 من سورة الواقعة).
لقوله تعالى:( وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (1) .
فالحجّية تعني ولايتهم على الخلق بقِسْمَيْها؛ ولايتهم التشريعية المنبعثة من مقام علمهم بالكتاب الذي يضمّ علم كلّ شيء، إذ الولاية التشريعية لا تتمّ إلّا بمعرفة أحكام كلّ شيء فهي من لوازم العلم. وبحكم علمهم بكتاب الله فإنّ لهم الولاية التكوينية على الخلق، إذ هذا القرآن - بحقيقته المكنونة التكوينية الملكوتية الذي لا يعلمه إلّا المطهَّرون - موصوف بقابلياته الإلهيّة المودعة فيه:( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ) (2) وقوله تعالى:( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (3) فالحجّية هي المقام الإلهي المنبعثة منها ولايتهم عليهم السلام بقِسْمَيْها.
وبهذا سيتمّ لنا معرفة مقام فاطمة عليها السلام من حيث معرفتها بكتاب الله وبواطنه وعلومه، ومن حيث ولايتها التشريعية والتكوينية معاً.
وقد رُوِيَتْ في عرض ولايتها على الخلق كباقي ولاية أصحاب الكساء
____________________
1. الأنعام/ 59.
2. الرعد/ 31.
3. النمل/ 40.
والأئمة المعصومين عليهم السلام روايات عديدة فلاحظ(1) .
وفيه جهتان:
الجهة الأولي:
تُعدّ آية المباهلة من أهمّ الآيات التي أثبتت حجّية فاطمة عليها السلام؛ إذ هذه الآية كانت مقام الفصل بين حقانية الدين الإسلامي ونسخ غيره من الأديان.
فالنصارى الذين احتجّ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله بكلّ حجّة لم يذعنوا في الظاهر، وتمادوا في تشكيكهم وتكذيبهم لدعوة النبيّ صلّى الله عليه وآله ولم يملكوا إلّا الإذعان لما دعاهم النبي صلّى الله عليه وآله للتباهل إلى الله تعالى ليلعن الكاذب، ولم يجد النصارى بُدّاً من القبول بذلك، حتّى إذا أراد
____________________
1. بحار الأنوار 11/172، الحديث 19 (كتاب النبوة، أبواب قصص آدم وحواء وأولادهما، الباب 3: إرتكاب ترك الأولى ومعناه ...) وكذلك 27/199 و200، الحديث 66 و67 (كتاب الإمامة، أبواب ولايتهم وحبّهم وبغضهم، الباب 7: باب أنّه لا تقبل الأعمال إلّا بالولاية) وكذلك 16/361، الحديث 61 (تاريخ نبيّنا، الباب 11: فضائله وخصائصه وما امتنّ الله به على عباده) وكذلك 36/261، الحديث 82 (تاريخ أمير المؤمنين، الباب 41: في نصوص الرسول على الأئمّة) وكذلك 37/62 و63، الحديث 30 و31 (تاريخ أمير المؤمنين، الباب 50: في مناقب أصحاب الكساء) * وفي معاني الأخبار/ 38 - 39.
النبيّ صلّى الله عليه وآله مباهلتهم علموا صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله بالخروج بالمباهلة بنفسه وأهل بيته، مما دعى النصارى إلى التسليم لصدق دعوته وإذعانهم إليه، قال تعالى:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .
أخرج السيوطي في الدرّ المنثور عن جابر قال: «قدم على النبي صلّى الله عليه وآله العاقب والسيّد فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلمنا يا محمد. قال: كذبتما، إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام. قالا: فهات.
قال: حُبُّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير.
قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه إلى الغد، فغدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخذ بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرّا له. فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً.
قال جابر: فيهم نزلت( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) الآية قال جابر:( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) رسول الله صلّى الله عليه وآله وعليّ، و( أَبْنَاءَنَا ) الحسن والحسين،( وَنِسَاءَنَا ) فاطمة»(2) .
وروى ذلك السيوطي بعدّة طرق، وأخرج الحاكم النيسابوري في شواهد
____________________
1. آل عمران/ 61.
2. الدرّ المنثور 2/219. (ذيل آية 61 من سورة آل عمران).
التنزيل القصة في تسع طرق.(1) وروى ذلك ابن كثير في تفسيره عن جابر.(2)
فمباهلة النبيّ صلّى الله عليه وآله بعليّ وفاطمة والحسن والحسين يعني احتجاجه على النصارى بهؤلاء الذين هم الحجّة على صدق دعوة النبيّ وبعثته. كما أنّ المباهلة تعني بحسب ماهيّتها أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله جعل هؤلاء المتباهل بهم شركاء في دعوته، مما يعني أنّ مسؤولية الدعوة تقع على عاتقهم كذلك بحجّيتهم ومقامهم، مشيرة إلى وجود تعاضد وتقاسم بينهم وبين النبيّ صلّى الله عليه وآله.
كما يفيد ذلك حديث المنزلة الذي رواه الفريقان، عن سعد بن أبي وقاص: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال لعليّ: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسي إلّا أنّه لا نبيّ بعدي »(3) فمنزلته عليه السلام بمنزلة هارون، وصفٌ لحجّيته ومشاركته في دعوته كما شارك هارون موسي في دعوته. فهذه المقاسمة والمشاركة في المنزلة دليل حجّيته عليه السلام كما أنّ مشاركة عليّ
____________________
1. شواهد التنزيل 1/ 183 - 198.
2. تفسير ابن كثير 1/ 484.
3. ذخائر العقبى 1/ 287 (في ذكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، باب ذكر أنّه من رسول الله بمنزلة هارون من موسى) و387 (الفصل السابق، باب ذكر أنّ جمعاً من الصحابة لما سُئلوا أحالوا في السؤال عليه). وأخرجه البخاري (في فضائل الصحابة، باب مناقب عليّ بن أبي طالب وفي المغازي، باب غزوة تبوك) ومسلم (باب الفضائل).
وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام في المباهلة مع النبيّ صلّى الله عليه وآله دليل حجّيتهم ومشاركتهم معه عليهم السلام في تبليغ صدق بعثته صلّى الله عليه وآله هذا ما تُبَيِّنُه آية المباهلة من مقام فاطمة عليها السلام وحجّيتها كذلك.
فهذه مقامات يمكن متابعتها في اصطلاحات القرآن تفسّر مقام الزهراء عليها السلام وأنها بنص القرآن حجّة من حجج الله تعالى في مصاف الأنبياء والرسل.
وما روي عن أبي جعفر عليه السلام في حجّية فاطمة عليه السلام قوله: «ولقد كانت فاطمة عليها السلام طاعتها مفروضة على جميع من خلق الله من الجنّ والإنس والطير والوحش، والأنبياء والملائكة »(1) .
فتحصّل: أنّ مؤدّى آية المباهلة هو نصب الله تعالى فاطمة عليها السلام حجّة على حقانية الإسلام ونبوّة نبيّه وشريعته؛ لاحتجاجه تعالى بها على النصارى وأهل الكتاب، فلم يحصر تعالى الحجّية على الدين بالنبيّ صلّى الله عليه وآله، بل جعل الخمسة كلّهم حجّة على دينه.
ومقتضي هذا الإحتجاج منه تعالى أنّ متابعة عليّ وفاطمة والحسنين عليهم
____________________
1. عوالم العلوم 1/ 172 (أبواب فضائلها ومناقبها، الباب 13: باب أنّها مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله تعالى). * وفي دلائل الإمامة، باب «فاطمة الزهراء»، خبر مصحفها، الرقم المسلسل للحديث 34، ص 106.
السلام للنبيّ صلّى الله عليه وآله وتصديقهم به هو بنفسه دليل على صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله ورسالته، نظير قوله تعالى:( كَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (1) حيث جعل شهادة «مَنْ عنده علم الكتاب» دليلاً على صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله، من سنخ شهادة معجزة القرآن التي هي شهادة الله لنبيّه والآية من سورة الرعد المكّية نزولاً النازلة في عليّ، حيث لم يسلم من أهل الكتاب في مكّة أحد، بل لا يخفى على اللبيب الفطن أنّ «مَن عنده علم الكتاب» شامل للمطهَّرين في شريعة الإسلام وهم أصحاب آية التطهير، لأنّهم هم الذين يمسّون الكتاب المكنون كما أشارت إليه سورة الواقعة وتقدّم مفصلاً.
فمنه يعلم أنّ قوله تعالى( كَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ) مفادها هو مفاد آية المباهلة في كونها حجّة على بعثة الرسول صلّى الله عليه وآله، وهذا المعنى هو الذي يشير إليه ما رواه الواقدي أنّ علياً عليه السلام كان من معجزات النبيّ صلّى الله عليه وآله كالعصا لموسى وإحياء الموتى لعيسى.(2)
ففي مقام الإحتجاج على أهل الأديان لم يأمر الله تعالى نبيّه بدعوة زوجاته أمهات المؤمنين ولا أحدٍ من الصحابة ولا سائر بني هاشم، ولا
____________________
1. الرعد/ 43.
2. الفهرست لابن النديم، الفن الأول من المقالة الثالثة/ 111.
يخفى أنّ تعيين الخمسة عليهم السلام للمباهلة لم يكن موكولاً للنبيّ صلّى الله عليه وآله، بل بأمر من الله وتعيين وتنصيص من الله في قرآنه النازل، وإن كان النبيّ صلّى الله عليه وآله مأموراً بدعوتهم للمباهلة.
وبمعني آخر: إنّ المباهلة في اللغة تعني الملاعنة ودعاء كلّ طرف على الآخر، وهي إنّما يتوسّل بها في مقام الإحتجاج وإقامة الحجّة من كلّ طرف على مدّعاه في قبال الآخر - كما يشير إلى ذلك صدر الآية( فَمَنْ حَاجَّكَ ) - وعند عدم استجابة أحد الطرفين لحجّة الطرف الآخر، فتكون المباهلة نوعاً من حكم الله بين الطرفين وكأنّه استعجال لحكم الله وقضائه الأخروي إلى هذه النشأة الدنيوية.
ولا ريب أنّ أهمية وخطورة المباهلة تتبع مورد المباهلة، فكلّما ازداد خطورةً اختلفت أهمية حكم الله وفصل قضائه وبالتالي اختلفت نوعية حكمه تعالى، كما أنّ مقتضى ماهية المباهلة كون طرفي المباهلة هما المتداعيان، أي: كلٌّ منهما صاحب دعوة في قبال الآخر، فكلٌ منهما هو صاحب دعوى المتحمل لتلك الدعوى، كما هو الحال في بقية النزاعات والخصومات أن يكون كلّ منهما على تقدير صدق دعواه وثبوتها هو صاحب الحق ومن له صلة بالحق، كما لا معنى للنيابة في الخصومة في مقام الحلف وما هو من قبيله كالمباهلة.
وإذ تبيّنتْ ماهية المباهلة حكماً وموضوعاً ومتعلّقاً، يتبيّن أنّ الخمسة أصحاب الكساء صلوات الله عليهم، هم أصحاب الدعوة للدين بالأصالة، وأنّ كلاً منهم ذو صلة وشأن في حقانية الدين وصدق البعثة النبويّة، ومعني صدقهم في دعواهم أنّ كلاً منهم يخبر عن علمه بصدق الرسالة ونزول الوحي على النبيّ صلّى الله عليه وآله وانبعاثه بدين الإسلام.
ومن ثَمّ لابدّ أن تكون علومهم لدنّيه تؤهّلهم للتصدّي لهذه الدعوة، إذ بالعلم اللدنيّ وحده يمكن الإطّلاع على نزول الوحي، وبالتالي فإنّ مسؤولية حفظ الدين وحمايته تقع على الخمسة بنحو المشاركة، مما يدلل على وحدة سنخ المقام والمنصب الشرعي- عدا النبوّة - فضلاً عن ولايتهم الشرعية على الدين.
الجهة الثانية:
ما ورد في الحديث القدسي: «لولاك ما خلقت الأفلاك ولولا عليّ لما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما جميعاً ».
ولتفسير الحديث ثلاثة أوجه:
الأول: الوجه الكلامي:
قد يتوهّم في باديء النظر أنّ معناه هو أفضلية عليّ أو فاطمة عليهما السلام بالنسبة إلى الرسول صلي الله عليه وآله، وليس كذلك فإنّ الرسول صلّى
الله عليه وآله أفضل الكائنات وسيّد البرايا «فدنى فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى دنواً واقتراباً من العليّ الأعلى»، وقال عليّ عليه السلام «أنا عبد من عبيدمحمد صلّى الله عليه وآله» أي المأمور بطاعته صلّى الله عليه وآله.
بل مفاده نظير ما رواه الفريقين عن النبيّ صلّى الله عليه وآله «عليّ منّي وأنا من عليّ» و«حسين منّي وأنا من حسين» وهو يحتمل أوجه من المعاني، منها: إنّ الغرض والغاية من خلق بدن الرسول صلّى الله عليه وآله في النشأة الدنيوية وابتعاثه لا يكتمل إلّا بالدور الذي يقوم به عليّ وفاطمة عليهما السلام من أعباء إقامة الدين وايضاح طريق الهداية، نظير قوله تعالى النازل في أيام غدير خم يوم تنصيب النبيّ صلّى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام إماماً( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) فقد جعل تبليغ الرسالة مرهوناً بنصب عليّاً إماماً ليقوم بالدور الذي يلي النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وكذا قوله تعالى( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (2) وهو أيضاً نزل في أيام غدير خم، فَرِضَي الربّ بالدين مشروط بما أقيم في
____________________
1. المائدة/ 67.
2. المائدة/ 3.
ذلك اليوم حيث يئس الكفار من إزالة الدين الإسلامي والقضاء عليه، لأنّ القَيّم على الدين وحفظه لن ينقطع بموت النبيّ صلّى الله عليه وآله بل باقٍ ما بقيت الدنيا.
ونظير قوله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) فجعل الرسالة في كفّةٍ، ومودّةُ الرسول صلّى الله عليه وآله في كفّةٍ معادلة؛ وقال تعالى:( مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (2) و( مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ) .(3)
فكانوا هم السبيل إليه تعالى والمسلك إلى رضوانه وأنّ الدور الذي قامت به فاطمة عليها السلام من ايضاح محجّة الحق وطريق الهداية في وقت عمّت الفتنةُ المسلمينَ ولم يكن من قالع لظلمتها ودافع للشبه إلّا موقف الصدّيقة الطاهرة عليها السلام.
فقد كان ولايزال حاسماً وبصيرة لكلّ المسلمين ولكلّ الأجبال؛ إذ هي التي نزلت في حقّها آية التطهير والدهر وهي أمّ أبيها، إذ الأمومة للرسول صلّى الله عليه وآله وهو مقام لايقاس به الأمومة للمسلمين، وهي روح النبيّ
____________________
1. الشورى/ 23.
2. سبأ/ 47.
3. الفرقان/ 57.
صلّى الله عليه وآله الذي بين جنبيه، فكلّ هذه الآيات والأحاديث النبويّة لم تزل حيّة وغضّة في آذان المسلمين.
وهذا المعني للحديث حينئذ يقرب من مفاد قوله تعالى:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (1) أي: ليعرفون ثم يعبدون وذلك بوساطة هداية الرسول والدين الحنيف بإقامة الأئمة عليهم السلام له بعده صلّى الله عليه وآله.
الثاني: الوجه الفلسفي
قد حُرّر في علم المعقول تعدّد الغاية، فمنها غاية نهائية ومنها غايات متوسطة، كما قد حرّر أنّ العلل الغائية تكون بحسب مقامٍ متعاكسةً بحسب مقام آخر.
ولنمثّل بذلك مثال يوضح هذا الأمر، فقد يقول القائل: إنّي أذهب إلى المدرسة لكي أتعلّم، وإنّي أتعلّم لكي أحصّل على الشهادة العيا، كما يصحّ من هذا القائل قوله: لولا ذهابي للمدرسة لما تعلّمتُ ولولا تعلّمي لما حصلتُ على الشهادة العليا، كما يصحّ منه القول: لولا الرغبة للحصول على الشهادة العليا لما تعلّمتُ ولما ذهبتُ إلى المدرسة.
فالحاصل من قول هذا القائل ليس مفاده أفضلية الذهاب إلى المدرسة من التعلّم، ولا أفضلية التعلّم من الدرجة العلمية الفائقة في حصول
____________________
1. الذاريات: 56.
الشهادة، بل هذا التعليل هو بيان لدور وتأثير الغايات المتوسطة من دون أن يعني ذلك كونها غايات نهائية.
فما يوهمه ظاهر هذا الحديث من كون فاطمة عليها السلام علّةً غائيةً نهائيةً وراء النبيّ صلّى الله عليه وآله ليس بمراد، بل حاصل ما يعنيه أنّها عليها السلام من الوسائط التي بمثابة غايات شريفة تتلو الغاية النهائية في المقام.
الثالث: الوجه العرفاني
ومحصّله هو التنويه بالذات النورية للخمسة أصحاب الكساء، وأنّ بذواتهم النورية اشتّق اللّه خلق بقية المخلوقات وهو نظير ما ورد في روايات الفريقين، «أول ما خلق اللّه نور نبيّك يا جابر» وفي رواية أخرى العقل، وفي لسان القرآن: الماء، لقوله تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (1) فهو نظير الروايات الواردة في اشتقاق النور.
وقد أسند اللفظ في صدر هذه الرواية، وجُعل الشرط في الشرطية الأولى ذات النبيّ صلّى الله عليه وآله الشريفة لا خلقته، والمراد بها ذاته النورية التي هي من عالم الأمر، أي المخلوقة بالمعنى الأعم لا المعنى الأخص كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:( لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (2) وقوله تعالى:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ
____________________
1. الأنبياء/ 30.
2. الأعراف/ 54.
شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿82﴾ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (1) فالمخلوقات على قسمين: من عالم الأنوار، ومن عالم التراب والمادة الغليظة وهي النشأة الدنياوية.
ففي الشرطية الأولى جُعلتْ ذاته النورية واسطة لفيض خلق الأفلاك، وفي الشرطية الثانية جُعلتْ ذات عليٍّ النورية واسطة فيض لخلق البدن الجسدي للنبيّ صلّى الله عليه وآله وفي الشرطية الثالثة جُعلتْ ذات فاطمة النوريةُ واسطة فيض لخلق بدن النبيّ صلّى الله عليه وآله وبدن الوصيّ. فالتعبير في الحديث في غاية الدقّة والظرافة، حيث لم يُسند في الشرطية الثانية ولا الأولى ولا الثالثة، ولم يُجعل الشرط في كلّ منها خلق الثلاثة الأطهار، بل جعل ذواتهم النورية وجعل الجزاء في الشرطيات الثلاث الخلق، فليس التعبير «لولا خَلْقُكَ لما خلقتُ الأفلاك ولولا عليّ لما كنتَ ولولا خلقُ فاطمة لما خلقتكما» والمغزى في أسلوب هذا الحديث المثير للوهم، هو التنبيه على مقامات فاطمة عليها السلام وأنّها تلو النبيّ صلّى الله عليه وآله والوصيّ عليهما صلوات اللّه دون سائر الأنبياء والمرسلين، كما تقدّم يضاحه فيما سبق.
فالمحصّل: إنّ أول المخلوقات نور النبيّ صلّى الله عليه وآله ثم نور عليّ عليه السلام ثم نور فاطمة عليها السلام ثم بقية الأنوار ثم بقية عوالم ونشآت الخلقة
____________________
1. يس/ 82 - 83.
التي تتضمن الأبدان الشريفة للمعصومين. فنور عليّ وفاطمة يتوسط بين نور النبيّ صلّى الله عليه وآله والأجساد الشريفة في تسلسل عوالم الخلقة، وهذا هو المراد من قولنا: إنّ نور عليّ وفاطمة عليهما السلام واسطة فيض لخلق بدن النبيّ صلّى الله عليه وآله كما أنّ نور فاطمة عليها السلام واسطة لخلق بدنهما.
أمومتها النبيّ صلّى الله عليه وآله في مقابل أمومة زوجات النبي للمؤمنين
إنّ الله تبارك وتعالى أكرم زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله بأن جعلهنّ أمّهات للمؤمنين لقوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) (1) وفيه إشارة إلى بعض آثار الأمومة من الإحترام و التكريم لهنّ كاحترام الأمّ الحقيقيّة وتكريمها، ولكنّ فاطمة عليها السلام قد فاقت منزلتُها بحجّيتها الإلهية، فإنْ كانت زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله أمهات المؤمنين فهي أمٌّ للنبيّ صلّى الله عليه وآله بقوله «فاطمة أمّ أبيها»(2) مما يشير إلى عِظم منزلتها وخطير درجتها.
____________________
1. الأحزاب/ 6.
2. بحار الأنوار 43/19، الحديث 19 (تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 2: باب أسمائها وبعض فضائلها) وكذلك 22/152، الحديث 4 (تاريخ نبيّنا، أبواب ما يتعلّق به من أولاده وأزواجه، الباب 1: عدد أولاد النبيّ ...). * وتاج المواليد للطبرسي/ 20 * وفي مصادر أهل السنّة ما رواه الحافظ ابن المغازلي في المناقب/ 340 * ومقاتل الطالبيين لأبي فرج الإصفهاني/ 29 * المعجم الكبير للطبراني 22/ 397، الرقم 985 و988 (باب بنات رسول الله، ذكر سنّ فاطمة ووفاتها).
فأمومتها له صلّى الله عليه وآله تعني أنّ هناك علاقة ارتباط وثيق على مستوى الحجّية، فإنّ في أمومتها للنبيّ صلّى الله عليه وآله تنطوي - مضافاً إلى مهمّة رعايتها له له صلّى الله عليه وآله والقيام بشؤونه - جنبة إشراف ورعاية لدعوته وتصديقه، كإشراف مريم عليها السلام لنبيّ الله عيسى ورعايتها له فضلاً عن رعايتها لدعوته والقيام ببعض شؤون رسالته.
فكما أنّ الرسالة العيسوية قد اعتمدت نشوءاً وبقاءً على مقام السيّدة مريم من بدء الحمل، فإنّ فاطمة عليها السلام حيث أنّها تحتلّ مقام الحجّية - المشار إليها سابقاً - فيُعطي وقفتُها عليها السلام بُعداً آخر في تأييد النبيّ صلّى الله عليه وآله وتصديقه بدعوته؛ إذ اقترانها معه بآية التطهير ومشاركتها له بآية المباهلة وبيان مقامها في سورة الدهر من كونها من المقرّبين الذين يفيضون على الأبرار ويتزوّدون من عين السلسبيل وهي عين رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ كلّ ذلك يؤكّد أنّ أمومتها - إستناداً إلى حجّيتها - ستكون رعايةً إشراف وحجّية للدين، وبهذا فكم فرق بين الأمومة للنبيّ صلّى الله عليه وآله والأمومة للمؤمنين.
ويحتمل معنى أمومتها للنبيّ صلّى الله عليه وآله ما تقدّم في المقام السابق من كون وجودها النوري أصل لوجوده البدني، لأنّ الأمّ في اللغة تستعمل بمعنى الأصل، نظير ما ورد أنّ المؤمن أبوه النور وأمّه الرحمة.
رضى فاطمة عليها السلام رضى الله وغضبها غضبه
روى الفريقان أنّ رضى فاطمة رضى الله تعالى وغضبها غضبه، فقد روي في عوالم العلوم عن المناقب: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: «يا فاطمة، إنّ الله ليغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ»(1) .
وعن كشف الغمة، عن الحسين بن علي عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «يا فاطمة، إنّ الله ليغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ»(2) .
وروى أهل السنّة بأسانيد مختلفة وطرق متكثرة؛ مثل ما أخرجه محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى عن علي بن أبي طالب عليه السلام: إنّ رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله قال: «يا فاطمة، إنّ الله عزّوجلّ يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ»(3) .
____________________
1. عوالم العلوم 1/151، الرقم 26 (أحوال سيدة النساء، الباب 5: باب أن أذى فاطمة أذى الله وأذى الرسول).
2. عوالم العلوم 1/152، الرقم 31 (نفس الباب).
3. ذخائر العقبى 1/176 (في ذكر سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، باب ذكر ما جاء أنّ الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها).
ويُعدّ هذا الحديث من جملة الأدلّة على إثبات عصمتها عليها السلام، مضافاً إلى آية التطهير التي تدلّ على عصمتها وحجّيتها على الخلق، حيث أنّ غضب فاطمة ورضاها تدلّان على الرضا والغضب الإلهيّين وهذا يعني أنّ غضب فاطمة ورضاها فرع غضب الله تعالى ورضاه، ومتى ما كان الأمر كذلك فإنّنا نستكشف بالدليل الإنّي عصمتَها عليها السلام، لأنّ الرضا والغضب الصادرين من شخص، لا يكون رضا وغضباً إلهياً إلّا حينما يكون هذا الشخص بعينه معصوماً عن كلّ عيب ممتنعاً عن كلّ قبيح ليكون رضاه وغضبه في حدود الرضا والغضب الإلهيّين.
وفاطمة عليها السلام حضيت بتلك المنزلة تدليلاً على عصمتها وطهارتها فضلاً عن حجّيتها ومقامها الإلهيّين.
كما أنّ في الحديث دلالةً كافيةً للزوم ولايتها وطاعتها على الخلق حتّى يحصل بذلك رضاها ويتحقق عدم غضبها عليها السلام، فإذا تحقق ذلك أمكن إحراز الرضا الإلهي وتجنّب غضبه تعالى، مما يؤكّد أنّ هذه المواصفات لا تتوفر إلّا لمن تمتّع بمقام الحجّية والتطهير الإلهيّين الملازم لوجوب الطاعة على الخلق.
على أنّه صلّى الله عليه وآله عبّر عن حجّيتها بماهيّة الحجّية في العقل العملي لا بماهيّة الحجّية في العقل النظري التي تبحث في علم المنطق كالأشكال
الأربعة أو في علم أصول الفقه، والسرّ في ذلك أنّ الحجّية في العقل العملي تستلزم الحجّية النظرية دون العكس ومما يدلل على مقام حجّيتها وعصمتها العلمية والعملية.
وبيان ذلك: إنّ خاصية الحجّية النظرية تختلف عن خاصية وماهيّة الحجّية في الحكمة العملية، ففي بحث المنطق تذكر البراهين والأقيسة التي تشير إلى العقل العملي كما أنّ في أصول الفقه تذكر الحجّية هي كاشفة، أي حاكية وموصلة.
أما الحجّية العملية فإنّها تتميز بكون هويّتها وخاصيتها أنها لازم عملي وليس المقصود منه العمل الجارحي وحده بل العمل الجوانحي كذلك، أي الحجّية العملية ترتبط بالصفات العملية في النفس، بل هي ترتقي فوق الصفات العملية ولا تقتصر على الجوانح، بل ترتقي إلى القلب لتشمل الحبّ والبغض، والرضاء والغضب، والتولّي والتبرّيء، فخاصية الحجّية العملية إذَنْ ترتبط بالجانب العملي على مستوى القلب الذي يكون أعلى من الإدراك الساذج البسيط.
ومن ثمّ فإنّ التعبير للحجّية العملية لا يعبّر عنها بتعبيرات الحجّية النظرية، كما في التعبير عنها بالنور واليقين والبيان وغيرها؛ في حين يختلف الأمر عما هو عليه في الحجّية العملية كما في قوله صلّى الله عليه وآله «علي مع
الحق والحق مع علي» وقوله صلّى الله عليه وآله «انّ الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها».
أو ما عبّر عنه القرآن الكريم:( كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (1) وقوله تعالى:( وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿39﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (2) وقوله تعالى:( إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) (3) فالتعبير بالمخلَص تعبير عن الحجّية لكن بما هي حجّية عملية لا الحجّية النظرية.
وكما في عناوين التطهير والإصطفاء وصفاً للأنبياء كما في قوله تعالى:( وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ) (4) وقوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) .(5)
وكما في عنوان «المقرّب» كقوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿10﴾ أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (6) فهو تعبير عن الحجّية العملية وهو وإنْ كان عملاً إلّا أنّه على صعيد القلب، كما أنّ النور فوق الإدراك مع أنه على صعيد العمل.
____________________
1. يوسف/ 24.
2. الحجر/ 39 - 40.
3. مريم/ 51.
4. ص/ 47.
5. الأحزاب/ 33.
6. الواقعة/ 10 - 11.
إذَن فالحجّية العملية هي حجّية نظرية مشوبة بعمل كما أنها أبلغ في البيان عن الحجّية النظرية؛ لأنّ الحجّية النظرية والعصمة النظرية (كلاهما بمعنى واحد) تؤمّنان لنا العصمة والأمن من الزلل في التلقّي النظري، في حين أنّها لا تشمل الأمن من الخطأ في السلوك العملي، بينما الحجّية العملية تؤمّن لنا الأمنَ في التلقّي النظري في حين أنّها تؤمّن الخطأ في السلوك العملي. فالتلقّي النظري وعصمته أمر مفروغ عنهما فضلاً عن الأمان والعصمة في التطبيق العملي، ومن ثَمّ فتكون أبلغ في الأمان في علوّ درجة العصمة ومنزلتها من الحجّية النظرية وحدها.
إذَنْ فالرضا والغضب الذي أشار إليهما النبيّ صلّى الله عليه وآله في حديثه لابدّ أن يكونا تابعين لإرادة الله تعالى، في حين أنّها متبوعان بمعنى اطلاعها العلمي بإرادات الله تعالى ورضاه وموارد غضبه، مما يؤكّد وجود العلم اللدنّي لدى فاطمة عليها السلام؛ للملازمة بين هذا العلم وبين الإطلاع على كلّ الجزئيات التي لا يتمّ الإطّلاع عليها بدقائقها وأسرارها وغوامضها الّا بالعلم اللدنّي الذي يخصّ الله به أوليائه وحججه المقرّبين، التي أظهر مصاديقها وأتمها فاطمة الزهراء عليها السلام.
مباهاة الله عزّوجلّ بفاطمة (سلام الله عليها) لرسوله الأمين (صلّى الله عليه وآله)
احتلّتْ سورة الكوثر مساحةً واسعةً من المرتكز الإسلامي الذي يؤكّد على أنّ المقصود من الكوثر هو فاطمة عليها السلام. فإنّ سياق الآية في مقابل الشانيء الذي هو أبتر لا ذرّية له، بخلاف النبيّ صلّى الله عليه وآله فإنّ له الكوثر أي الذرّية الكثيرة، وهي فاطمة عليها السلام ذرّيتُها.
والمقابلة إنّما هي في كثرة الذرّية، وإلّا لاختلّت المقابلة، ولا يرد الإثبات والنفي على شيء واحد.
وهذا لا ينافي تأويل الكوثر بأنه نهر في القيامة يُسقي به النبيّ صلّى الله عليه وآله أمّته؛ لأنّ الكلام في مورد نزول الآية، وقد ذهب إلى ذلك الفريقين.
والعلّامة الطبرسي في جوامع الجامع في تفسيره قوله تعالى:( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال: هو كثرة النسل والذرية، وقد ظهر ذلك في نسله من ولد فاطمة عليها السلام؛ إذ لا ينحصر عددهم، ويتصل بحمد الله إلى آخر الدهر عددهم، وهذا يطابق ما ورد في سبب نزول السورة وهو أنّ العاص بن وائل السهمي سمّاه الأبتر لما توفي ابنه عبدالله وقالت قريش: إنّ محمداً
صلبور فيكون تنفيساً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله ما وجد في نفسه الكبيرة من جهة فعالهم وهدماً لمحالهم(1) .
وقد ذهب إلى ذلك الفخر الرازي بقوله: الكوثر أولاده صلّى الله عليه وآله؛ لأنّ هذه السورة نزلت ردّاً على من عابه بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مَرّ الزمان، فانظر كم قُتِلَ من أهل البيت ثم العالَم ممتلئ منهم ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يُعبأ به.(2)
وبالفعل فإنّ الإحصائيات تشير إلى أنّ سدس سكّان المغرب العربي مثلاً هم من بني فاطمة عليها السلام من السادة الحسنيين؛ أي بنسبة خمسة ملايين من مجموع ثلاثين مليوناً.
وهذا أظهر مصاديق الكوثر المشار إليه في الآية الكريمة، إذ ذلك العطاء كان بمقتضى شكره صلّى الله عليه وآله لربّه وإقامة الصلاة والدعاء والثناء عليه تعالى، ولا يخفى ارتباط حقيقة النهر المسمّى بالكوثر بها سلام الله عليها، لأنّ بين التأويل والظاهر دوامَ ارتباط.
ولا يخفى أنّ المباهاة بها عليها السلام من قبل الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وآله على عدوّه، يعطي دلالات لحجّيتها، إذ الآية في مقام بيان كرامة النبيّ صلى
____________________
1. تفسير جوامع الجامع/ 553.
2. التفسير الكبير 16/118.
الله عليه وآله عند الله تعالى، وكرامتُه هذه مقرونة بحيازته صلّى الله عليه وآله لأفضل مخلوق وصفه الله تعالى بالكوثر- أي الخير الكثير- ولا تتمّ ذلك إلّا بكون مورد المباهاة من الخير المطلق الكامل التام.
خطبتها وعظيم حجّيتها (سلام الله عليها)
لا تزال خطبة السيّدة فاطمة عليها السلام ترنّ في أسماع الدهر وتتجدّد على مرّ العصور، مؤكِّدة في الوقت نفسه جوانبَ شخصيتها الإلهيّة ومقاماتِ معرفتها الربوبية، مشيرة إلى عظيم ما اطّلعت عليه من مكنون علم الله عزّوجلّ ومخزون معارفه، والتي لا يُظهرها الله إلّا على خاصّة أوليائه وأهل صفوته وسدَنَةِ أسراره، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. ولما كانت فاطمة عليها السلام أحد مصاديق أهل التطهير وأولي الذكر، فلا غرابة أن تفتق في خطبتها من بعض خزائن معارفه تعالى.
فهي مع ذكرها البالغ لتمام الحمد على نعمائه، وسوابغ الشكر على آلائه، والثناء لربوبيته، والتوحيد لصفاته، تَسُوقُ البيانَ للتوحيد بما ليس معهوداً في الفلسفات البشرية أنذاك من اليونانية أو الفارسية أو الهندية، وتكشفُ الغطاءَ عن ظرائف التوحيد مالم يُعهَد في العرفان المتداول آنذاك.
فإنّ بيان معرفة التوحيد بنفي الصفات عنه - المشير إلى الغيب المطلق - وأنّ الصفات الإلهيّة تجلّيات أسمائية دون مقام غيب الغيوب، لم يُعهد قبل
الإسلام، ولم يُبده قبل القرآن الكريم ولم يكن في متناول أفهام المسلمين في الصدر الأول، ثمّ شَرَعَتْ في بيان سلسلة الصوادر عنه تعالى وكيفية الصدور واختلاف النشآت بما هو غير معهود في المعارف البشرية آنذاك؛ الفلسفية والعرفانية مما قد تعرّضتْ إليه إشارات القرآن الخفية التي لم تنلها أفهام المسلمين حينذاك.
ثم بيّنتْ ضرورةَ الشرع والشريعة، وبيّنت مقاماتِ النبيّ صلّى الله عليه وآله في النشآت السابقة والتعينات الخلفية للأشياء بحسب العوالم المتعاقبة وهذه من المعارف التي لم يُبْحَ بها قبل ذلك.
ثم بيّنتْ فصولَ علوم القرآن وجوامعَ أبوابه، فأخذت في بيان علل وحِكَم الأركان وأحكام الدين، مما لم تَنَلْه الأذهان قبل ذلك.
ثم بيّنتْ بمجمل سيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسننه وعِظم ما عاناه في دعوته ورسالته، وما كابده أخاه ووزيره وابن عمّه ووصيّه أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّهما صلوات الله عليهما شيّدا صرحَ الدين والدولة والنظام في الإسلام.
ثم أخذت في تحليل الفتنة التي مُني بها المسلمون بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله سياسياً واجتماعياً، وما سيؤول إليه حالهم لاغتصابهم الخلافة.
كلّ ذلك بيان جزل وألفاظ منمقة وتناسق أنيق تستجيب العبارات لها
وتنصاع المعاني لمراداتها والحقائق التي أبرزتها، وكلّ هذه المعارف مما لم تكن متداولةً بين المسلمين، لعدم وروده فيما صدر من أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله للعامّة.
فمجمل ذلك أنّه برهان على صدوره من علمٍ لدنّي، ونَضْحِه من عين ربّانيّة.
وبعبارة أخري: تَسُوق البيانَ لمقام النبوّة ومعدن الرسالة وفضلها الذي لا يحصى؛ إذ به أخرج اللهُ الناسَ من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، وطهّرهم من دنس الشرك فأنار اللهُ عزّوجلّ بمحمّد صلّى الله عليه وآله ظُلَمَ عبادة الأوثان وفرّج عن القلوب بُهَمَها، وجَلى عن الأبصار غَمَمَها، بعد أن كان الناس على شفا حفرة من النار، يَشربون الطَرْقَ ويقتاتون الورقَ، أذلّة خاسئين، يخافون أن يتخطّفَهمُ الناسُ من حولهم، وتهوي بهم عواصف الشرك من مكان سحيق.
وبعد أن عرّفَتْهم بعض مقام أبيها صلّى الله عليه وآله عند الله تعالى وأظهرتْ فضلَه وبيّنتْ برهانَه، وأوضحتْ حجَّتَه، وأعلَمَتْهم معالم دينهم، وأركانَ فرائضهم وبيانَ حكمة كلّ ركنٍ؛ أصولها وفروعها، فحلّقت بهم إلى كلّ معرفة ربوبية، وأخذت بهم عند كلّ سبيل.
فعرّفتهم تكليف كلّ قضية في دينهم ودنياهم، فكأنما كانت تُفرِغُ عن
لسان أبيها حكمة ومعرفة، فصاحة وبياناً، حتّى كانت أول خطبة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله تُلقي عليهم الحجّة، وتنذرهم بعاقبة أمرهم إذا ما هم أقاموا على غيّهم وغوايتهم وباطلهم، يرون تراث رسول الله صلّى الله عليه وآله قد تناهبته الأهواء وهم قابعون، لا يدفعون يد لامس، ولا يتناهون عن باطل، ولا يأمرون بمعروف ولاينهون عن منكر.
وليس هذا إلّا عن علم إلهي لدنّي لا يناله إلّا حجّة، ولا يحوزه إلّا كلّ مقرَّب مطهَّر.
فاستطاعت فاطمة عليها السلام في خطبتها أنْ تؤكّد على أمور:
أولاً : إنّ خطبتها كانت أول خطبة بعد خُطَب رسول الله صلّى الله عليه وآله تُسَجِّلُها محافلُ المسلمين في ذاكرتها إلى اهتمام المسلمين بمقامها وحجّيتها البالغة في مرتكزاتهم.
ثانياً : تُعدّ خطبة فاطمة عليها السلام إحدى الملاحم التوحيدية التي تذكر فيها ثناء الله تعالى ووحدانيته وتشير إلى نبوّة محمد صلى الله عليه وآله وأثرها في حياة المسلمين، وتستعرض أركان الدين وما يقابلها من حكمة التشريع، وتثير تساؤلاتها بعد ذلك عن مشروعية البيعة المأخوذة تحت عنوان السقيفة ومدى صلاحية هذه البيعة المدّعاة مما تؤدّي بكثير من مدّعيات القوم وتعاجل مشاريعهم.
ثالثاً : حاولت السيّدةُ فاطمةُ عليها السلام في خطبتها تعريةَ كلّ مشروع يُصاغ على النهج السياسي السقيفي مستقبلاً، وحصّنتْ من خلال ذلك الصيغةَ الإسلامية المحمّدية في نظام الحكم لئلّا تختلط الأوراق وتتشابك الدعاوي.
وكانت تنطلق في دعوتها لهم من موقعيتها في نفوسهم ومقامها لديهم الذي قد بناه القرآن النازل في حقّها وتأكيدات النبيّ بمقامها وفضلها، والحجّيةِ في جميع ما تلقّيه من حِكَم ومواعظ ونصائح وأحكام، ثم تحليل القضايا التي واجهت الأُمّة وستواجهها مستقبلاً، مما يحفظ لخطبتها البليغة مكانة الحجّية في مرتكزات المسلمين فضلاً عن حجّيتها الثابتة بالدليل القرآني والسنّة النبوية.
رابعاً : الملاحم لمستقبلية التي أنبئت المسلمين بها من تفشّي الفتنة فيهم والظلم والفرقة، حيث قالت:
«أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملأ القعب دماً عبيطاً، وذعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبَّ ما أسّس الأوّلون، ثم طيبوا عن دنياكم أنفساً، واطمأنّوا للفتنة جأشاً.
وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتدٍ غاشم، وبِهَرَجٍ شامل، واستبداد من
الظالمين يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً»(1) .
وقد وقع ما أخبرتْ به إلى حيث نرى ما يجري اليوم من ذلّ المسلمين على كثرتهم الكاثرة أمام فئة اليهود القليلة، وهم لا يدفعون يد لامس، فعاد جمعهم حصيداً، وفيئهم زهيداً، فبئس ما أسّسه الأوّلون من نظام حُكمٍ جَرَّ المسلمين إلى ما هم عليه اليوم.
____________________
1. بحار الأنوار 43/109 و161 (تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 7: باب ما وقع عليها من الظلم).
حجّية الصدّيثة (سلام الله عليها) في مقام الدفاع عن
صدّيق الأمّة، أميرالمؤمنين (عليه السلام)
شهدت الساعات الأولى من رحيل النبيّ صلّى الله عليه وآله صراعاً عنيفاً بين أجنحة التيارات الطامحة في الحكم، ولم تمرّ وقت قليل حتّى تمّت تصفيةُ حسابات توزعت من خلالها مناصب الحكم لتتفق بعد ذلك على إقصاء الشرعية الإلهيّة المتمثّلة في الإمام عليّ عليه السلام.
ولم تكن هذه المراحل القاسية التي مرّت على الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام باليسيرة، بل صاحَبَتْها محاولاتُ إرغامٍ على البيعة عانى الإمام وأصحابه الأبرار شتّى الضغوط النفسية التي من خلالها حاولت مجموعة السقيفة إلى أخذ إقرار ولو صوريّ على تأييد محاولات البيعة المدّعاة ليكون الأمر بعد ذلك ممرراً تحت غطاء الشرعية.
هكذا حاولت السقيفة إقناع عامّة المسلمين، إلّا أنّ ذلك لم يتمّ مع وجود فاطمة الزهراء عليها السلام وهي تتصدى لمحاولات الإرغام على البيعة التي تُطال علياً عليه السلام وأصحابَهُ؛ وذلك لِما تتمتّع به فاطمة عليها السلام من مقام الحجّية المرتكز في نفوس المسلمين، إذ لا زالت ذاكرة المسلمين تسجّل
ما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يؤكّده في فاطمة عليها السلام من مقام شامخ وذكر عظيم.
عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان من تفسير الثعلبي بإسناده عن مجاهد قال:
«خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وقد أخذ بيد فاطمة وقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي الذي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»(1) .
وعن جابر بن عبدالله قال:
«قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ فاطمة شعرة منّي، فمن آذى شعرة منّي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله لعنه الله ملء السماوات والأرض»(2) .
وقد فهم المسلمون أنّ اقتران أذى فاطمة عليها السلام بأذى رسول الله صلّى الله عليه وآله وبالتالي بأذى الله تعالى الموجب للّعنة والعذاب الأليم، لا يتمّ إلّا لمن كان له مقام الحجّية الإلهيّة، وإلّا لا يمكن أن يتمّ قوله صلّى الله
____________________
1. عوالم العلوم 1/148، الرقم 20 (أحوال سيّدة النساء، الباب 5: باب أن أذى فاطمة أذى الله أذى الرسول).
2. عوالم العلوم 1/149، الرقم 21 (نفس الأبواب).
عليه وآله أنّ أذى فاطمة عليها السلام يعني أذاه الذي هو أذى الله تعالى.
فإنّ ذلك دليل الحجّية التي تتمتّع بها مقام فاطمة من بين المسلمين، لذا فلا يكون دخولها عليها السلام وسط الأحداث الملتهبة إلّا إخماداً لتلك النائرة التي أجَّجَتْها طموحاتُ القوم وأمانيّهم مما أدّى إلى إرباك خططهم وتداعي كلّ محاولة خارجة عن نطاق الشرعية.
فقد روى ابن أبي الحديد عن أستاذه النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري حين تساءل عن كلام أبي بكر بعد خطبة فاطمة عليها السلام وتعريضه لعليّ فقال: إنّه الملك يا بني. قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر عليّ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم(1) .
والرواية التالية ستشهد مدى تأثير الموقف الفاطمي في ارباك محاولات القوم لما ارتكز عند القوم من حجّية فاطمة عليها السلام فضلاً عما هو مرتكز لدى المسلمين وقتذاك من النصوص القرآنية على حجّيتها وباقي الأحاديث النبوية حول مقام الزهراء من قبيل «أنها سيدة نساء أهل الجنّة» والذي قد روي في الصحاح وغير ذلك فكيف بمن تكون سيّدةَ نساء أهل الجنّة لا تبايع إمام زمانها وتموت ميتة جاهلية؟ مع أنّه سمعوا النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «من مات ولم يعرف أو لم يبايع إمام زمانه مات ميتة جاهلية» مما يدلل
____________________
1. شرح نهج البلاغة 16/215.
موقف فاطمة عليها السلام لهم أنّ أبي بكر لم يكن صاحب البيعة الشريعة ولا الإمام الذي يبايع فقد كانت بيعة الزهراء عليها السلام لعليّ عليه السلام.
ويدل على مثل ذلك ما رواه ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: أنّ عمر قال لأبي بكر: إنطلق بنا إلى فاطمة، فإنّا قد أغضبناها فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا علياً فكلّماه فأدخلهما عليها. فلما قعدا عندها، حوّلتْ وجهها إلى الحائط. فسلّما عليها، فلم تردّ عليهما السلامَ. فتكلّم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله، والله إنّ قرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي، وأنّكِ لأحبُّ إليّ من عائشة ابنتي، ولوددتُ يوم مات أبوكِ أني متُّ ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفكِ وأعرف فضلكِ وشرفكِ، وأمنعكِ حقّكِ وميراثكِ من رسول الله؟ إلّا أنّي سمعتُ أباك رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة».
فقالت: أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله تعرفانه وتفعلان به؟ قالا: نعم.
فقالت: «نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبَّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني» قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قالت: «فإنّي أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لأشكونكما إليه».
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة؟ ثم انتحب أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: «والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أصلّيها» ثم خرج باكياً فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كلّ رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي.(1)
هذا ما أحدثه موقف فاطمة عليها السلام إذ لو لم يكن لموقف فاطمة عليها السلام الحجّية كما هو مرتكز عند المسلمين لما طلب الشيخان الإعتذار منها، وقد ذكّرتْهما بحجّيتها فأقرّ لها ذلك عند قولها: «ألم تسمعا رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ...» فشهدا لها بذلك وأقرّا منزلتها وصَدَّقا حجّيتها.
وعدم رضاها عنهما دفع أبو بكر إلى البكاء مما ضاق منه لعدم رضا فاطمة عليها السلام، ولو لم يكن لها ذلك المقام الشامخ عند المسلمين لما كانت حاجة ملّحة في الإعتذار والإستشفاع لنيل رضاها فيدلّ على أنّهم كانوا يعلمون أنّ رضا رِضَى الله، ولما أيقنا سخطها تبادر لهما أنّ سخطها سخط الله، لذا
____________________
1. الإمامة والسياسة، باب « كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب» ج 1، ص 13 - 14.
فقد استنجد أبو بكر بالمسلمين لإقالته بيعته وإقراره أنّ سخط فاطمة عليها السلام يلغي شرعية نظامه من الأساس.
فإنّ موقف فاطمة عليها السلام ترك أثراً مهماً في مجريات الأحداث، إذ دفع بالقيادة إلى الإرتداع ولو مؤقّتاً عن مواقف الإبتزاز التي استعملت مع عليّ عليه السلام لأخذ البيعة قهراً.
ومن أجل هذا قيل لأبي بكر: يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله، إنّ هذا الأمر لا يستقيم، وأنت أعلمنا بذلك، إنّه كان هذا لم يقم لله دين. فقال: والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه ما بتُّ العروة ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعتُ ورأيتُ من فاطمة.
قال ابن قتيبة: فلم يبايع عليّ كرم الله وجهه حتّى ماتت فاطمة رضي الله عنها(1) . مما يعني أنّ القيادة كانت متوجسة من إثارة غضب فاطمة عليها السلام بالإصرار على مبايعة عليّ عليه السلام لهم، فكانت تتحسب لمقام فاطمة عليها السلام حسابها، متيقنةً مدى خطورة حجّيتها في حسم الأحداث وتوجيه المواقف إذا هم تمادوا في مضايقة عليّ عليه السلام والتشديد عليه لأخذ البيعة بعد ذلك.
ولا ننسى ما اتّخذه الخليفة الأول من موقف المهادن طالما دخلتْ فاطمةُ
____________________
1. الإمامة والسياسة، باب «كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب» ج 1، ص 14.
عليها السلام في صلب الأحداث، وتأجيله مطالبتَه لعليّ بالبيعة مادامت فاطمة عليها السلام إلى جنبه.
قال عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه(1) .
والذي نريد التأكيد عليه: أنّ حجّية فاطمة عليها السلام كان لها الأثر الكبير في إثبات حق عليّ عليه السلام والذي يعني من خلال ذلك إثبات إمامته التي هي فرع النبوّة وكمال الدعوة، ولما كان الحال كذلك فإنّ دعوة النبيّ صلّى الله عليه وآله ورسالته توقّفت على موقف فاطمة عليها السلام ودفاعها بما تملكه من حجّية إلهية بقاءً ودواماً.
وهذا الموقف الحاسم للأحداث من قبل فاطمة عليها السلام كان بياناً لتعيين مَن يستحقّ الحاكميّة الشرعيّة، وكشفاً لمحاولات تزييف الحقائق؛ إذ بموقفها هذا حُفظ للإسلام وجهه الناصع، واحتفظ التاريخ بوقائع هذه الأحداث.
وكيف كان، فإنّ لموقفها عليها السلام دوراً في فضح المخالفات الشرعية والقانونية من أجل التوصل إلى طموحات شخصية، وبالمقابل كان ذلك تعريفاً لحقوق أهل البيت عليهم السلام المغتصبة؛ إذ بعد هذا الموقف
____________________
1. المصدر السابق/ 16.
الفاطمي أمكن تعميم أحكامه على أيّ وجود حاكمي يخرج عن نطاق شرعية أهل البيت عليهم السلام مما يعني أنّ موقف الزهراء عليها السلام كان خزيناً من الشرعية الإلهية يستخدمه أهل البيت عليهم السلام ضدّ أعدائهم.
فوَقفتُها هذه بمثابة وثيقة تكشف خروقات أيّ نظام حاكم مستقبلاً حتّي صار موقفها راسماً لمسار شرعية الخلافة وفاصلاً بينها وبين أيّ نظام مدّعيّ.
ولذا عمد بعض المؤرّخين إلى تشويش وقائع الأحداث وإلغاء المواقف الفاطمية الفاصلة، بل جَرَّ بعضهم إلى إنكار بعض هذه المواقف الفاطمية لكيلا يرضخ لمعطياته ولوازمه الشرعية التي تقضي بإلغاء شرعية حكومة الشيخين، وما ذلك إلّا لإقرارهم بحجّية فاطمة عليها السلام ومقامها الإلهي، فكيف تثبت بعد تعريتها لمواقف القوم حجّة شرعية أو قانونية مدّعاة؟
وبعبارة أخرى: إنّ موقفها من الغاصبين للخلافة واحتجاج عليّ عليه السلام بها في مواجهتهم يدلل على مدى حجّيتها ومقامها في نفوس المسلمين وفي دين الإسلام، حيث لم ينفع فيهم ما قد سمعوه من أقوال النبيّ صلّى الله عليه وآله وقرأوه من آيات الكتاب وماشاهدوه من معاجز عليّ في الحروب، فبقيت محاجّتهم بها عليها السلام مما يدلل على تسليم المسلمين بأنها حجّة في
الشرع.
ومن ثم دأب الأول والثاني وكثيرٍ من الصحابة على ثنيها عن السخط عليهم وعن تبريها منهم وعن مقاطعتها لهم، وألَحُّوا في استرضائها ولم يفلحوا، ومن ثَمّ دأب علماء العامّة على إنكار مواجهتها لأهل السقيفة ومقاطعتها لهم مما يدلل على تسليمهم لحجّية فعلها في الدين، فإنّهم يخشون من سلب الشرعية عن خصومها.
إشتراكها مع أهل البيت عليهم السلام في الآيات النازلة فهيم
اشتركت السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام مع أهل البيت عليهم السلام بما نزل فيهم من آيات، وكان ذلك إشتراكَ حجّية وشمولَ منزلة ولزومَ طاعة لولايتها عليها السلام فضلاً عما ورد من أحاديث نبوية تشير إلى منزلة أهل البيت عليهم السلام وتؤكّد في الوقت نفسه حجّيتَهم، وكان لفاطمة عليها السلام إشتراكُها مع أهل البيت عليهم السلام كذلك.
واستعراض موجز لبعض ما نزل من آيات في أهل البيت عليهم السلام يمكن أن يكون أحد الشواهد على حجّيتها عليها السلام.
منها: قوله تعالى( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) .(1)
وقوله تعالى( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ ) .(2)
وقوله تعالى( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ) .(3)
____________________
1. الشورى/ 23.
2. سبأ/ 47.
3. الفرقان/ 57.
روى السيوطي في إحياء الْمَيْتِ بفضائل أهل البيت عليهم السلام:
«قالوا يا رسول الله، من قرابتك؟ هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟
قال صلّى الله عليه وآله: عليّ وفاطمة وولداهما»(1) .
والمتمعّن في هذه الآيات وغيرها ليجد لسان المودّة هي ولايتهم عليهم السلام. فالحثّ على مودّتهم هو أجر الرسالة بمجموعها، فالنبيّ صلّى الله عليه وآله لرسالته مع جميع أتعابه، لم يسألهم مالاً ولاضياعاً بل سألهم التمسّك بمودّتهم وحبّهم.
وإذا كان الأجر يعني التساوي بين متبادلين - إذ لا يصحّ أن يكون أحد البدلين أقلّ من الآخر، لئلّا يتحقق غبن لا يرتضيه العقلاء - فكذلك أجر ما طلبه صلّى الله عليه وآله منهم قُبالة دعوته هذه وهي مودّة أهل بيته عليهم السلام فلا يصحّ أن تكون مودّتهم أقلّ من رسالته لئلا يكون غبناً وتفريطاً لحقّ رسالته وهو ما لا يرتضيه أحد يخشى الله ورسوله واليوم الآخر، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ مودّتهم عليهم السلام عِدل الدين وثمرة الرسالة.
وببيان آخر: إنّ الرسالة مما قد اشتملت على التوحيد والتصديق بالنبوّة والمعاد وبقية الحقائق الحقّة و أركان الدين، ولا يتصور أن يكون شيئاً عِدلاً
____________________
1. إحياء الميت بفضائل أهل البيت عليهم السلام/ 8، الحديث الثاني (والكتاب قد احتوى على ستين حديثاً في فضائل أهل البيت عليهم السلام).
لها إلّا أن يكون على درجة من الخطورة والمنزلة بحيث لا يُقبل الإيمان بتلك العقائد والعمل بتلك الأركان إلّا به. فلا يمكن أن يكون ذلك حكماً فرعياً من ذيول بعض فروع الدين، ويكون شرطاً في أعظم أصول الدين، بل الشرطية والعِدلية تقتضي بالبداهة كون منزلة هذا الأمر من الأمور الإعتقادية بل من أصولها، بمقتضى التناسب بين الشرط والمشروط، وبين العِدل وعِدلهِ الآخر.
ومن ثَمّ سوف لا يكون المراد من المودّة - والتي تختلف لغة عن المحبّة بزيادة شدّة الوطأة - إلّا فعلاً من الأفعال القلبية الإعتقادية وهي الولاية والتولّي من تلك الجماعة المرادة من «القربى».
ومقتضى ذلك أيضاً أن لا تكون تلك المجموعة أو الثُلّة إلّا معصومة مطهَّرة؛ إذ لا يعقل أن تكون المودّة والتولّي والإعتقاد بشخص أو جماعة مخالطين للذنوب أو الجهل هي من أصول الدين، وعِدل للتوحيد والعقائد الحقّة.
ومن ثَمّ جعلت هذه المودّة هي السبيل إلى اللّه والمسلك إلى رضوانه، وجُعلت في آية ثالثة فائدتها راجعة إلى المكلّفين أنفسهم، أي: أنّ هذا الأجر ليس من سنخ أجور النشأة الدنياوية و الإنتفاعات المادية، بل ثمرته هو الإهتداء والرشاد بتولّي ذوي القربى، كما هو مفاد حديث الثقلين «ما أن
تمسكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدا».
وما أشدّ مطابقة آية المودّة مع حديث الثقلين، بل إنّ الآية المزبورة هي من متون حديث الثقلين وسنده القرآني، فما قد ورد في جميع الأنبياء من قولهم( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ ) ، لا يغاير ما أمر اللّه تعالى به نبيّ الإسلام من طلب الأجر؛ إذ إنّ هذا الأجر ليس عوضاً ماليّاً، وإنّما هو إكمال للدين وإتمام للنعمة على المسلمين ورِضَى الربّ بذلك، ولا يتمّ الرضا إلّا باستيفاء الأجر العائد نفعه للمسلمين لا له صلّى الله عليه وآله ولأهل بيته المعصومين عليهم السلام.
وهذا المفاد قد ورد بعينه في الآيات النازلة في الحثّ على ولاية أميرالمؤمنين عليه السلام، حيث جعل عدم تبليغ ولايته مساوٍ لعدم تبليغ الرسالة، ممّا يقتضي أنّ ولايته هي عِدل الدين وثمرة الرسالة وتمام نعمة الإيمان ورضَى الربّ بالإسلام ديناً فبدونها لم يرتضِ تعالى توحيد العباد به ولا تصديقهم بنبيّه وباليوم الآخر مالم يوالوا وليَّه، كما لا يكمل توحيد الناس وإقرارهم بالبعثة والمعاد إلّا بولاية وليّه تعالى، كما لا تتمّ لهم نعمة الإيمان لهم إلّا بذلك.
فليتدبر الناظر وِفاقَ هذه الآيات بعضها بعضاً مع حديث الثقلين ليتجلّى له وحدة المضمون كما في قوله تعالى( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (1) فلما بلّغ في عليّ ولايته وإمامته نزل قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (2) وهو تصريح بأنّ ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام تعني كمال الدين وتمام الإيمان وعِدل الرسالة.
كما أنّ المودّة تُعطي مفهوم الولاية أيضاً، فلا ولاية دون مودّة؛ فإنّ مفهومي الولاية والمودّة تعنيان تمام الدين كلّه، وبتلك الدرجة وجبت ولايتهم ومودّتهم وقدّمنا أنّ آيات المودّة كانت تشترك فيها فاطمة عليها السلام مع أهل البيت الذين نزلت فيهم والتي هي أسبق في صدق العنوان، وبما أنّ مودّتها واجبة فإنّ ولايتها واجبة للتقريب المتقدّم بين مفهومي المودّة والولاية.
وبذلك تثبت وجوب ولاية فاطمة عليها السلام ومودّتها لنفس الغرض. وبمقتضى أنها عليها السلام من العترة - كما في آية التطهير والمودّة وغيرهما - فهي من الثقل الثاني وعدل القرآن الكريم الواجب علي الأُمة التمسّك به. فالتمسّك بها شرط الهداية والأمان من الغواية والضلالة.
ولا يخفى أنّ مقتضى حديث الثقلين عصمة العترة وحجّيتهم وإحاطتهم
____________________
1. المائدة/ 67.
2. المائدة/ 3.
بالكتاب كلّه، وأنّهم القيّمون على تفسير كتاب الله وبيان دلالاته، كما أنّهم شاهدون على أعمال العباد وداخلون في قوله تعالى:( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (1) لما تقدّم من أنّها من عباد الله كما في سورة الدَّهر الذين لهم مقام الأشراف على الأبرار، فهم المقرّبون الذين يشهدون كتاب الأبرار في علّيين كما في سورة المطففين.
كما أنها الوسيلة والسبيل إلى الله تعالى لقوله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) وقوله تعالى( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ) فهي الوسيلة والسبيل إلى الله والمسلك إلى رضوانه.
كما أنها المصطفاة لوراثة كتاب الله كما في قوله تعالى:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) (2) حيث أنّ المورِّث المصطفى لكتاب الله هو السابق بالخيرات لما تقدّم من أنّ المطهَّر هو الذي يمسّ الكتاب كما في سورة الواقعة.
ومن ثم هي عليها السلام من الذين أوتوا العلم الذين في صدورهم الكتاب آيات بيّنات كما في قوله تعالى( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ
____________________
1. التوبة/ 105.
2. فاطر/ 32.
أُوتُوا الْعِلْمَ ) (1) وهي كلمات الله التامّات وأسماؤه الحسنى التي إليها الإشارة في قوله تعالى:( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) (2) وقوله تعالى:( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) (3) وقوله تعالى:( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (4) وقوله تعالى في ابراهيم:( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (5) إذ هي من الأنوار الخمسة التي تعلّم آدم أسمائها، وبمعرفتها تأهّل آدم لمقام خلافة الله في أرضه والتي أشير إليها باسم الإشارة العاقل في سورة البقرة، وضمير الجمع العاقل كما في قوله تعالى:( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ ) (6) وبهذا التنبيه والإشارة يتفطن اللبيب إلى اشتراكها عليها السلام مع أهل البيت بل سائر ما ثبت لهم من منازل ومراتب ومقامات قرآنية.
____________________
1. العنكبوت/ 49.
2. البقرة/ 37.
3. البقرة/ 124.
4. الأنعام/ 115.
5. الزخرف/ 28.
6. البقرة/ 31.
ولايتها سلام الله عليها في الأمور العامّة
إنّ لسيّدتنا فاطمة عليها السلام ولايةً شاملةً ومالكية التصرّف في كلّ الأرض بمقتضى آية الأنفال والفيء والخمس؛ وذلك لدخولها في عنوان ذوي القربى، بل هي أول من يصدق عليها هذا العنوان، فلم يكن أحد أولى بالنبيّ منها عليها السلام، فتدخل في ذوي القربى اللازم مودّتُهم أي: ولايتُهم التي تعني ولايتها عليها السلام أيضاً.
وتلك الولاية عامّة شاملة لكون إدارة الأموال العامّة تحت نظرها، مع أنّها عليها السلام ليست بإمام تستقلّ في تلك الولاية، بل بالمشاركة مع النبيّ والإمام بنحو طولي وقد تواترتْ روايات الفريقين على أنّ قوله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (1) نُزلَ فيها عليها السلام.
كما أنّ دخولَها عليها السلام وأسبقيةَ رتبتها في عنوان «ذوي القربى» مقتضي لكونها وارثة روحية لمقامات النبيّ صلّى الله عليه وآله كما هي وارثة بدنية له صلّى الله عليه وآله، أي: تكويناً وتشريعاً، والأول بلحاظ الكمالات المعنويّة
____________________
1. الإسراء/ 26.
والمقامات الملكوتية، والثاني بلحاظ المناصب والشؤون الإعتبارية إلّا ما خصّصه الدليل كالإمامة.
وقد وردت الإشارة إلى هذه الوراثة في زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة ما نصّه: «السلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء»(1) وفي زيارة مطلقة له عليه السلام كذلك،(2) كما ورد في زيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ما نصّه: «السلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء»(3) مما يدلل على وقوعها في سلسلة الوراثة اللدنية النورية للمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام ومجمل مقاماتهم.
* * *
ففي المقام جهات:
إنّ إدارة الأموال العامّة هو من منصب ذوي القربى، ويدلّ عليه قوله
____________________
1. مصباح الزائر لابن طاووس/ 348 * المزار للشيخ المفيد/ 86 * الشهيد في مزاره/ 170 * وابن المشهدي في مزاره/ 667 * وابن طاووس في الإقبال/ 332 * والمجلسي في البحار 101/365.
2. كامل الزيارات لابن قولويه/ 376 * والبحار 101/63 * مصباح الزائر لابن طاووس/ 134 * وكذلك في مزار التهذيب للشيخ الطوسي.
3. من لا يحضره الفقيه 2/604 * كامل الزيارات لابن قولويه/ 518.
تعالى:( وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿6﴾ مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) (1) .
وكذا قوله تعالى:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (2) .
وقوله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّـهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (3) .
ومن المقرّر والمحرّر في محله كون الأنفال هي الفيء بعينه، وقد جُعلت ولايته وملكية التصرف فيه لله وللرسول ولذي القربى. والأنفال والفيء - كما هو محرر في الفقه - عموم المنابع والثروات الطبيعية في بلاد المسلمين، وهي كلّ أرض جلى عنها أهلها أو سلّموها طوعاً بغير قتال أو كانت خربة بادَ أهلها وكلّ مالم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ورؤوس الجبال وبطون
____________________
1. الحشر/ 6-7.
2. الأنفال/ 1.
3. الأنفال/ 41.
الأودية والآجام والموات التي لا أرباب لها والمعادن وصفايا الملك وقطائعهم وما يصطفى من الغنيمة في الحرب، وميراث مَن لا وارث له، والغنائم في القتال بغير إذن الإمام.
وكذا الحال في ضريبة الخمس سواء في ذلك: غنائم الحرب أو مطلق ما يغنمه الإنسان في كسبه من أرباح التجارات والصناعات وغيرها.
وكذلك ما يستخرج من معادن وكنوز وما يستخرج بالغوص، والمال المختلط بالحرام لأجل تطهيره وأرض الذمي إذا اشتراها من مسلم.
وقد جبى رسول الله صلّى الله عليه وآله الخمس من المسلمين من أرباح مكاسبهم كما دلّت على ذلك مصادر الفريقين.(1) وضريبة الخمس من أكبر
____________________
1. كما هو الحال في أخذه من قبيلة عبد قيس، حيث قال لهم صلى الله عليه وآله «وتعطوا الخمس من المغنم» صحيح البخاري 1/22 - 32 - 139 و2/ 131 و4/ 205 و5/213، و9/ 112 * وكذلك صحيح مسلم/ 35 - 36 * سنن النسائي، الرقم المسلس للحديث 5046 (كتاب الإيمان وشرائعه، الباب (25): باب أداء الخمس، الحديث 1) * مسند أحمد 1/ 228، 361، و3/ 318، و5/ 36 * سنن أبي داود 3/ 330، و4/ 219 * سنن الترمذي، باب الإيمان * الأموال لأبي عبيدة/ 20 * فتح الباري 1/ 120 * كنز العمال 1/ 19 - 20، الحديث 6 * الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله للسيد جعفر مرتضى العاملي 3/ 380.
وكذا أخذ النبي صلى الله عليه وآله من بني زهير العكليين من مضر في سنة الوفود (9 هـ) كما في الطبقات قال: وأفرّوا في الخمس في غنائمهم. الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 279 * كنز العمال 2/ 271 * سنن أبي داود في كتاب الخراج 2/ 55 * سنن البيهقي 6/ 303، 7/ 58، =
الضرائب المقننة في الشريعة الإسلامية، فهي تفوق الزكاة.
ومن المقرّر في الفقه أنّ ولاية الخمس وملكية التصرف فيه هي لله وللرسول ولذي القربى وذلك لمكان اللام- لا المِلْكية - في الآيات( فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ) وهذه بخلاف الموارد الثلاثة الأخري وهي:
____________________
= و9/ 13 * مسند أحمد 5/ 77، 78، 383 * الأموال لأبي عبيدة/ 12 * أُسد الغابة 5/ 40 و389 * جمهرة أنساب العرب 1/ 68 * صبح الأعشى 3/ 323 * الأغاني 19/ 158 * نصب الراية للزيعلي/ 5 * سنن النسائي 2/ 179.
وكذلك أخذ من وقد بني البكاء من بني عامر من العدنانية من رئيسهم فجيع بن عبدالله كما في الطبقات لابن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أسلم وأقام الصلاة وأتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من المغنم خمس الله.. الطبقات لابن سعد 1/ 274 * أسد الغابة 4/ 175 * والإصابة 4/ 696.
وأيضاً أخذ من أهل اليمن كما في فتوح البلدان قال: كتب النبي صلى الله عليه وآله لعمرو بن حزم حين بعثه لليمن: أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعض. فتوح البلدان 1/ 84 باب اليمن * سيرة ابن هشام 4/ 595 * تاريخ الطبري 1/ 1727 * وتاريخ ابن كثير 5/ 76 * الخراج لأبي يوسف/ 85 * الحاكم في المستدرك 1/ 309 - 396 * كنز العمال 5: 517.
وفي تاريخ اليعقوبي: « أن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل كتاباً مع معاذ بن جبل إلى اليمن وفيها: وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من الغنائم خمس الله وسهم النبيّ والصفيّ وما على المؤمنين من الصدقة.» تاريخ اليعقوبي 2: 64 * فتوح البلدان/ 83 * الطبقات الكبرى 1/ 261 * السيد جعفر مرتضى العاملي في الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله 3/ 308 - 312 * وكذا البحار 21/ 360 - 363 وغيرهم كثير.
( وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) مما يدلل على أنّ الأخيرة مصرف - أي مورد للصرف - من دون أن يكون ملكاً لهم ولا ولايته راجعة إليهم، وغيرها من الأدلّة الدالّة على ذلك كالروايات المستفيضة.
وقد علّل تفويض ولاية الأموال العامّة لذوي القربى في سورة الحشر بأنّ الحكمة فيه هي إرساء العدالة الإقتصادية والمالية في المجتمع المسلم وإزالة الطبقية الفاحشة، فلا تكون الثروة عندئذ حكراً متداولاً بين الأغنياء( كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) وقد شدّدتْ سُورَتا الحشر والأنفال على خطورة هذا المقام وأنّ اغتصابه يقابل بشدة العقاب من الله تعالى وبزوال الايمان لقوله تعالى( إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) .
وهذا ما قد حدث بعد غصب الخلافة، حيث أنّ باعتصاب هذا المقام بدأ التفاوت الطبقي في الأموال العامّة حتّى خصّصت بعضَ زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله في العهد الأول وبعضَ رموز السقيفة بمعطيات من بيت المال دون سائر المؤمنين واستشرى ذلك أكثر في عهد الثاني حيث فرّق في العطاء بين المهاجرين والأنصار(1) ، وبين العرب والعجم، وبين الأسود والأبيض وبلغ ذروتَه في عهد الثالث حتّى ثار عليه المسلمون - كما هو معروف في مدوّنات التاريخ -.
____________________
1. راجع: الطبقات 3/ 219 * تاريخ اصفهان 2/ 290.
إنّ المراد بذوي القربى في آيات الفيء والخمس خصوص فئة معينة من ذوي القربى، أي الفئة التي تتصف بالعصمة عن الخطأ والجهل ولها مقام وشأن الحجّية الإلهية لا كلّ ذوي القربى، ويشهد لذلك أمور:
الأول: إنّه قد عُلّل جَعلُ ولاية الأموال العامّة في آية الفيء والأنفال بما تقدّم ذكره - في الجهة الأولى - ومن إرساء العدالة الإجتماعيّة في التوزيع المالي وغيره من الأنشطة المالية، وبالتالي يتمّ تحقيق العدالة الإقتصادية، وينعدم الفارق الطبقي الفاحش فلا تكون هناك طبقات مسحوقة.
ومن الواضح أنّ هذه الغاية تحتاج إلى كفاءة ذات صفة علمية وعملية خاصّة، أي: الكفاءة العلمية يجب أن تبلغ درجة كفيلة بالإحاطة بالأمور، سواء من جهة موضوعات الأبواب المالية أو من جهة مجموعة القوانين الشرعية كما هي في اللوح المحفوظ، فلا يُعيقُه عدم الإلمام بأطوار الأنشطة المالية ومدى سلامتها وصحّتها الشرعية - القانونية، كما لا يُعيقُه الجهل بالطرق والحلول المالية المواكبة لتطورات مناخ الحياة الإجتماعية المستجدّة، هذا من جانب.
ومن جانب آخر يجب أن تكون أمانته والصفة العملية فيه بدرجة يكون معصوماً عن اتّباع الهوى أو العصبية فلا يُؤْثِرَ فئةً على أخرى ولا يُخصّصَ
فُرَصَ المال بفئة دون أخرى، كما لا تحمله العصبية والغضب للإقدام على حرمان جماعة أو قوم دون آخرين، وهذا لا يتوفّر إلّا في مَن عُصِمَ من ناحية العلم والعمل.
الثاني: إنّ مقتضى آية التطهير هو عصمة خصوص أصحاب الكساء من ذوي القربى دون غيرهم، ومقتضى المناسبة مع مقام الولاية على الأموال العامّة تخصيصها بالمطهَّرين دون غيرهم من ذوي القربى.
الثالث: إنّ مقتضى عنوان القرابة الذي خُصِّص بهذا الشأن انطباقه على الأقرب فالأقرب بحسب القرب في الرحم، كما هو الحال في كلّ مورد تنتقل ولاية الشخص إلى ولاية الأقرب فالأقرب والذي يليه.
الرابع: ما سيأتي في الجهة اللاحقة من تطبيق النبيّ صلّى الله عليه وآله في روايات الفريقين عنوانَ القربى على فاطمة عليها السلام وكذا على أصحاب الكساء.
فتحصّل من الجهة الثانية: إرادة ذوي القربى المعصومين عليهم السلام.
إنّ أوّل مَن ينطبق عليه عنوان «ذوي القربى» رتبةً هي الصدّيقة الزهراء صلوات الله عليها وذلك بمقتضى بنوّتها له صلّى الله عليه وآله، فهي أقرب رحماً،
ويشهد لذلك أيضاً ما نزل من قوله تعالى:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ... ) (1) حيث دعا صلّى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدكاً كما في روايات الفريقين(2) .
فيستنتج من ذلك أنّ أوّل من يصدق عليه «ذوي القربى» في آية الأنفال وآية الخمس هي الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام، وبالتالي فهي ممن جعل لهم مقام الولاية في الأموال العامّة وإن لم تكن إماماً.
ما وردتْ في روايات متعدّدة أنّ أهل البيت عليهم السلام أباحوا الخمسَ والأنفال لشيعتهم وتحمل تلك الروايات على الموارد المخصوصة الثلاثة المتسالم عليها فتوى ونصّاً.
وقد تضمّنت تلك الروايات إذنَ الصدّيقة عليها السلام في ذلك بجانب إذن الرسول صلّى الله عليه وآله وإذن الأمير وإذن الحسنين وباقي الأئمة عليهم السلام.
وهذا يؤكّد على أنّ تدبير وولاية الأموال العامّة كانت ثابتةً للصدّيقة الزهراء عليها السلام في حين ثبوتها للأئمة وإن لم تكن هي إماماً.
كما أنّ ذلك يشهد لعدم تنافي الروايات المستفيضة الدالّة على تفسير ذوي
____________________
1. الإسراء/ 26.
2. وسيأتي في الجهة الخامسة من هذا المقام ذكر مصادرها.
القربى بالإمام مع صدق عنوان ذوي القربى عليها أيضاً في آيات الأنفال والخمس، مع أنّ في بعض روايات الخمس والأنفال تفسير ذوي القربى بالحجّة في زمانه، وهذا عنوان منطبق عليها.
فمن هذه الروايات:
1- رواية أحمد بن محمد المعتمدة في العديد من أحكام باب الخمس، في حديث قال عليه السلام: «والذي للرسول هو لذوي القربى والحجة في زمانه فالنصف له خاصّة»(1) .
2- ومن تلك الروايات صحيحة الفضيل عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «مَنْ وَجَدَ بَرْدَحُبِّنا في كبده فليحمد الله على أوّل النعم.
قال: قلت: جعلت فداك ما أوّل النعم؟
قال: طيب الولادة.
ثمّ قال أبو عبدالله عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام: أحلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا.
ثمّ قال أبو عبدالله عليه السلام: إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا»(2) .
____________________
1. وسائل الشيعة 9/ 514، الرقم المسلسل للحديث 12608 (كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب الأول: باب أنّه يقسّم ستة أقسام، الحديث 9).
2. وسائل الشيعة 9/ 547، الرقم المسلسل للحديث 12684 (كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب الرابع: باب إباحة حصّة الإمام من الخمس للشيعة ...، الحديث 10).
3- وفي قوية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قال أبو عبدالله عليه السلام: على كلّ امريء غَنِمَ أو اكتسب، الخمسُ مما أصاب لفاطمة عليها السلام ولمن يلي أمرها من بعدها من ذرّيتها الحجج على الناس، فذاك لهم خاصّة، يضعونه حيث شاؤوا، إذ حرّم عليهم الصدقة»(1) .
ومحلّ الإستشهاد في هذه الرواية موضعان:
الأول: تصريحه عليه السلام بأنّ ذي القربى هي فاطمة عليها السلام.
الثاني: تخصيص ما لفاطمة عليها السلام من ولاية التصرف وملكية التدبير، بانتقاله إلى الحجج المعصومين من ذرّيتها دون باقي ذرّيتها، الدالّ على الوراثة في المناصب الإلهية أو الولاية في الأمور العامّة لا في الشؤون الفردية العادية التي يستوي فيها المعصوم مع غير المعصوم في الإرث، مما يعني أنّ لها هذا المقام والمنصب الإلهي والولاية في إدارة الأموال العامّة.
____________________
1. تهذيب الأحكام 4/ 122، الرقم المسلسل للحديث 348 (كتاب الزكاة، الباب 35: باب الخمس والغنائم، الحديث 5). بل معتبرة بعبدالله بن القاسم الحضرمي وهو وإن رُمي بالوقف والغلو إلّا أنّ العلّامة نفى عنه الغلو. وروى عنه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب بسند صحيح، وروى عنه أحمد بن محمد بل الظاهر من الشيخ في الفهرست إنّ الذي يروي عنه كتابه هو محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب الذي هو من الكبار الأجلّاء الكوفيين، مما يظهر اعتماده على كتابه. وقد اعتمده الصدوق أيضاً في المشيخة، بل العتمد كتابه، وقد استهظر بعض الرجاليين اتحاده مع عبدالله بن القاسم صاحب معاوية بن عمّار، وروى عنه غير واحد من الثقاة. فلاحظ المعاجم الرجالية.
وبتعبير آخر: كما أنّ ولاية الله أو الرسول في الخمس باقية إلى يوم القيامة بمقتضى آية الخمس والأنفال والفيء كذلك الحال في ولاية الزهراء عليها السلام في الخمس والأنفال والفيء باقية دائماً في طول ولاية الله ورسوله، وأنّ غاية الأمر أنّ الأئمة من ذرّيتها ينوبون عنها فيما لها من ولاية.
على أنّ ولاية الرسول صلّى الله عليه وآله قائمة بالفعل إلى يوم القيامة والمبلّغ عنه أوامرَه ونواهيه بعد ارتحاله الشريف هو الإمام القائم الحيّ، وهذا أمر مرتكز عند كلّ متشرع بدين الإسلام، نظير ما احتجّ الإمام الحسين عليه السلام علي ابن عباس في خروجه إلى العراق بأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله إيّاه في الرؤيا.
4- طائفة من الروايات العديدة التي فسّرت ذوي القربى بأهل البيت، و فاطمةُ عليها السلام منهم بمقتضى آية التطهير والنصوص المستفيضة والمتواترة فيها(1) .
ونموذج من تلك الطائفة صحيحة أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام قال: «وجدنا في كتاب علي عليه السلام( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (2) أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن
____________________
1. يلاحظ أبواب الخمس والأنفال في وسائل الشيعة والكتب الأربعة.
2. الأعراف/ 128.
المتّقون، والأرض كلّها لنا»(2) الحديث.
5- ما يأتي من الروايات في الجهة اللاحقة في قوله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) أنّ المراد بذوي القربى أوّلُهم فاطمة عليها السلام.
قوله تعالى:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) (2) .
والبحث في هذه الآية موضوعاً ومحمولاً دالّ على كون ذوي القربى المراد بهم في أبرز أفراده هي فاطمة عليها السلام من ناحية الموضوع، ومن ناحية المحمول المراد بالحق هو ملكية تصرّفها في الأموال العامّة من الأنفال والفيء وملكيتها في الخمس.
على أنّ الآية نزلت في فاطمة عليها السلام كما هو عليه الفريقان، فممّن روى أنها نزلت في فاطمة عليها السلام ما في معارج النبوّة، قال لما نزل جبرئيل إلى رسول الله بقوله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) قال رسول الله: «مَن ذو القربى وما حقّه؟ قال: هو فاطمة فاعطها فدك»(3) .
____________________
1. الكافي 1/ 407، الحديث 1 (كتاب الحجّة، الباب 105: باب أنّ الأرض كلّها للإمام عليه السلام).
2. الإسراء/ 26.
3. معارج النبوّة 1/ 227 * وممن روى ذلك: مجمع الفوائد عن أبي سعيد * وكذلك القندوزي في ينابيع المودة/ 119 * والثعلبي في تفسيره في شأن نزول الآية 4/ 45 * الآلوسي في تفسيره روح =
إنّ ثبوت حقّها في الخمس بعنوان ذوي القربى ومطالبتَها به عند مخاصمتها لأبي بكر محتجةً على ذلك لكونها أول قرابة النبيّ صلّى الله عليه وآله- كما قد تبيّن ذلك في الجهة السابقة - مقتضٍ لثبوت ولايتها العامّة، وإنْ لم تكن إماماً؛ وذلك لأنّ الخمس أكبر ضريبة مالية في التشريع الإسلامي، وهي تزيد على حاجات بني هاشم زادهم الله شرفاً؛ إذ الخمس كما هو واضح هو 20% من مجموع رساميل الأُمّة، وهذا المقدار الهائل من المال مقوّم لمقام الولاية العامّة على الناس.
وهذا ما دفع أهلَ السقيفة والأنظمة المتعاقبة بعدهم إلى منع الخمس عن أهل البيت عليهم السلام حيث قد فطنوا إلى ما يعنيه الخمس من الولاية العامّة كما أفصح عنه عمر في قوله لأبي بكر عندما أشار إليه بمنع الخمس عن أهل البيت عليه السلام، فإنّه علّل ذلك بأنّ الخمس موجب لحكومة أهل البيت على الناس؛ حيث قال: إنّ الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها،
____________________
= المعاني 15/ 58 * كما أخرج ذلك ابن جرير الطبري عن علي بن الحسين عليه السلام * والحاكم النيسابوري في شواهد التنزيل في مورد نزول الآية 1/ 513 – 521 * والعلّامة الكاندهلوي الهندي في حياة الصحابة 2/ 519 * وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية 3/ 367، وغيرها من المصادر.
فامنع عن عليّ الخمس والفيء وفدك، فإنّ شيعته إذا علموا بذلك تركوا علياً رغبة في الدنيا وايثاراً ومحاباة عليها(1) .
وهو ما دعى عمر بن الخطاب كذلك أن يقول في مخاصمته للصديقة عليها السلام: وأنت تدّعين أمراً عظيماً يقع فيه الردّة بين المهاجرين والأنصار.(2) ودعاه إلى أن يقول أيضاً: فَضَعي الحبال في رقابنا(3) .
قال المجلسي في شرحها: أي إنّكِ إذا أعطيتِ ذلك وَضَعْتَ الحبلَ على رقابنا وجعلتِنا عبيداً لكِ، وإذا حكمتِ على مالم يوجف عليه أبوكِ بأنها ملككِ فاحكمي على رقابنا أيضاً بالملكية.
وفي سنن البيهقي في باب سهم ذوي القربى عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: لقيتُ علياً عليه السلام عند أحجار الزيت، فقلت له: بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقّكم أهل البيت الخمس؟
قال عليه السلام: «إنّ عمر قال: لكم حقّ ولا يبلغ علمي إذا كثر أن يكون لكم
____________________
1. مستدرك الوسائل 7/ 290، الرقم المسلسل للحديث 8247 (كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب الأوّل: باب أنّه يقسّم ستّة أقسام، الحديث 10).
2. بحار الأنوار 29/ 197.
3. الكافي 1/ 543، الحديث 5 (كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، الباب 130: باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه، الحديث 5). وعبارة المجلسي منقولة من المرآة، مذكورة في هامش الكافي، نفس الصفحة.
كلّه، فإنْ شئتم أعطيتكم منه بقدر ما أرى لكم فأبينا عليه إلّا كلَّه، فأبي أن يعطينا كلَّه»(1) . ولأجل ذلك تشدّد أبو بكر وعمر في منع الخمس عنهم.
وفي تفسير الطبري عن قتادة: أنه سأل عن سهم ذي القربى، فقال: كان طُعمةً لرسول الله صلّى الله عليه وآله، فلمّا توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله صدقة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله(2) .
وفي سنن البيهقي أيضاً عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر قالت: ما بال الخمس؟ قال: إنّي سمعت رسول الله يقول: إذا أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه كانت للذي يلي بعده، فلمّا ولّيت رأيت أن أردّه على المسلمين(3) .
وفي مسند أحمد وسنن البيهقي: كان أبو بكر يقسّم الخمس نحو قسم رسول الله غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلّى الله عليه وآله ما كان النبيّ يعطيه منه(4) .
____________________
1. سنن البيهقي 6/ 344 * ورواه الشافعي في مسنده في كتاب قسمة الفيء/ 187.
2. تفسير الطبري 10/ 6.
3. سنن البيهقي 6/ 303 * ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 341 وقال: ورواه أحمد ورجاله صحيح * وفي صحيح أبي وادو 3/ 145 باب أن أبا بكر لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله من الخمس ما فرض الله لهم.
4. مسند أحمد 4/ 83 * وسنن البيهقي 6/ 342.
وهذا كما تري إقرار من أبي بكر بكون جعل الخمس لذوي القربى هو من شؤون ولاية أهل البيت العامّة وبالتالي من شؤون ولاية الزهراء عليها السلام في الإمور العامّة وإنْ لم تكن إماماً.
تأملات جديدة في محاججات فدك
ذكرتْ مصادر أهل السنّة أنّ أبو بكر نسب إلى الرسول صلّى الله عليه وآله من القول «ما تركناه صدقة ...» وقد خفي عليهم أنّ ذلك حجّة على أبي بكر تخصمه من جهتين:
الأولي: سلّمنا إنّ الخمس والفيء والأنفال الخاص برسول الله صلّى الله عليه وآله - كما يقرّ بذلك أبو بكر - هي صدقة قد تصدّق بها رسول الله صلّى الله عليه وآله في سبيل الله، إلّا أنّ الكلام في من تكون له النظارة والإشراف على تلك الصدقة المسبلة، فإنّ الذي يخلف المتصدِّق في الصدقات المسبلة والصدقات الجارية هو وارث المتصدِّق لا الأجنبي، فأحقُّ مَن يقوم مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي يكون هو ناظراً في صدقاته الجارية هو وارثه، وهي الصدّيقة الطاهرة عليها السلام، ومن ثم هي التي يكون لها الولاية العامّة على هذه الأموال فيعود ما رواه خاصماً له داحضاً لدعواه.
الثانية: إنّ أبا بكر - بوضع يده على الخمس مبرّراً ذلك بأنّه لولي الأمر
ولاية عامّة - أقرّ بأنّ جعل الخمس لذوي القربى منه تعالى مقرونين بالرسول هو جعل للولاية العامّة لهم ولولاية الأمر.
هذا وقد أشار إلى ذلك- أي إنّ مقتضى اختصاص الخمس بذوي القربى هو ولاية عامّة - بعض الأعاظم رحمه الله تعالى بقوله:
الخمس أحد الموارد الضخمة التي تصبّ في بيت المال ويشكّل أحد مصادر الميزانية وبحسب مذهبنا يؤخذ الخمس بشكل عادل من جميع المصالح، سواء الزراعة أو التجارة أو المصادر المخزونة في جوف الأرض أو الموجودة فوقها وبشكل عام من جميع المنافع والعوائد بنحو يشمل الجميع؛ من بائع الخضار على باب المسجد إلى العامل في السفن أو مَنْ يستخرج المعادن.
فهؤلاء عليهم دفع الخمس من أرباحهم بعدصرف المصارف المتعارفة إلى الحاكم الإسلامي لكي يضعه في بيت المال، ومن البديهي أنّ مورداً بهذه العظمة إنّما هو لأجل إدارة بلد إسلامي وسدّ جميع حاجاته المالية. فعندما نحسب أرباح جميع البلدان الإسلامية أو جميع أنحاء الدنيا فيما لو صارت تحت الحكم الإسلامي، يتّضح لنا أنّ الهدف في وضع ضريبة كهذه ليس مجرد سدّ حاجة السادة الهاشميين وعلماء الدين، بل إنّ القضية أهم من ذلك. فالهدف هو سدّ الحاجة المالية لجهاز حكومي كبير.
ففي ما لو قامت الحكومة الإسلامية يجب أن تدار بواسطة هذه الضرائب من الخمس والزكاة - ومقدار الزكاة بالطبع ليس كبيراً - والجزية والخراج (الضرائب على الأراضي الوطنية الزراعية)، فالسادة الهاشميون ليسوا بحاجة إلى ميزانية كهذه، إذ خمس أرباح سوق بغداد يكفي للسادة ولجميع الحوزات العلمية وجميع فقراء المسلمين فضلاً عن أسواق طهران وإسطنبول والقاهرة وسائر الأسواق، فتعيين الميزانية بهذه الضخامة يدل على أنّ الهدف هو تشكيل حكومة وإدارة بلد.(1)
وأخرج المجلسي في البحار عن مصباح الأنوار عن ابن بابويه مرفوعاً إلى أبي سعيد الخدري، قال: «لما نزلتْ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله [لفاطمة عليها السلام]: لكِ فدك».
وفي رواية أخرى عنه أيضاً مثله، وعن عطية قال: «لما نزلتْ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله فاطمة فأعطاها فدك».
وعن علي بن الحسين عليهما السلام قال: «أقطع رسولُ الله صلّى الله عليه وآله فاطمةَ فدكَ».
وعن أبان بن تغلب عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قلت: أكان رسول الله صلّى الله عليه وآله أعطى فاطمةَ فدك؟
____________________
1. الحكومة الإسلامية، القسم الثاني حقيقة قوانين الإسلام وكيفيتها تحت عنوان الأحكام المالية.
قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وقفها فأنزل الله( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) فأعطاها رسول الله صلّى الله عليه وآله حقّها.
قلت: رسول الله صلّى الله عليه وآله أعطاها؟ قال: بل الله تبارك وتعالى أعطاها»(1) .
إلي غيرها من الروايات الآتية.
فكون فاطمة عليها السلام مورداً لنزول الآية أمر محقَّق بين الفريقين، مضافاً إلى اقتضاء عنوان ذي القربى ذلك كما مرّ.
فيقع البحث في مفاد الحكم في هذه الآية وعن معنى الحق الذي أمر تعالى نبيّه بإعطائه فاطمة عليها السلام، هل هو قضية في واقعة، أم أنه بنحو القضية الحقيقية الدائمة؟ ومن أجل ذلك استحقّت نزول قرآن فيها، وإلّا لكان أمراً الهياً ينزل به الوحي من دون أن يكون قرآناً يُتلى على أسماع المسلمين إلى يوم القيامة.
وبالتالي ينتهي إلى أنّ هذا الحقّ هل هو مغاير للحقّ الذي جعل لذي القربى في آية الخمس وآيات الأنفال والفيء وهو ملكية التصرف في
____________________
1. بحار الأنوار 96/ 212، الحديث 18 * كما روى السيد ابن طاووس في كتاب سعد السعود من تفسير محمد بن عباس بن علي بن مروان قال: روى حديث فدك في تفسير قوله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) من عشرين طريقاً، سعد السعود/ 101 – 102 * وقد ذكر المجلسي مصادر عديدة من طرقتا فلاحظ، مجلد 29 من كتاب الفتن والمحن، الباب 11، نزول الآيات في أمر فدك.
الأموال العامّة وولايتهم فيها أم أنه حقّ آخر؟
الظاهر أنه الوحدة والإتحاد، وذلك لأنّ ظاهر الآية ليس ابتداءَ تشريعٍ الحقّ لذي القربى وإنّما هو تنفيذ ما قد شُرِّعَ وتَنجيزُ ما قد جُعِلَ، فهو أمر بالمعاجلة في الأداء والإنجاز لما قد قُرّر سابقاً.
نظير قوله تعالى في آيات الغدير( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) حيث أنّ الأمر في الآية ليس إلّا بتبليغ وإنفاذ ما قد أمر به سابقاً، فالأمر متعلّق بتعجيل الإنجاز وعدم التراخي والتأخير خوفاً من عدم ايمان الناس بذلك وعدم استجابتهم.
فكذا الحال في آية( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) حيث أنّ هذا الحقّ قد قُرّر وجُعل سابقاً في آيات الفيء والأنفال والخمس إلّا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يُنجزه خشيةً من إرجاف المنافقين والطعن على النبيّ صلّى الله عليه وآله وبالتالي تزلزل ايمان واستجابة الناس لأمر الله تعالى.
ولعلّ في إبطائه صلّى الله عليه وآله ارادة منه لتأكيده تعالى ببيان آخر قاطعاً شك المرتابين، كما تشعر به كلّ من آيات الخمس والفيء والأنفال، حيث ذُيّلت آية الأنفال بقوله تعالى( فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ
____________________
1. المائد/ 67.
وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) .
وذيّلت آية الفيء أيضاً بقوله تعالى:( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (1) .
وذيّلت آية الخمس بقوله تعالى:( إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّـهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (2) مما ينبيء عن عدم انصياع الناس وتزلزل خطبهم في حقّ ذي القربى وهو ولايتهم على الأموال العامّة.
رؤية جديدة في فدك
ومما يدعم أنّ إعطاء فدك لم تكن قضية في واقعة بل هو حقّ مستمر إلى يوم القيامة: أنّ خصام الصدّيقة عليها السلام مع أبي بكر في أمر فدك كان احتجاجاً بحقّ ذوي القربى وملكية تصرّفهم في الفيء والأنفال وخمس الغنائم، فلم يكن خصامها منصبّاً على خصوص فدك، كما لم يكن خصامُها في فدك مقدمةً أو كنايةً للإحتجاج في ولاية علي عليه السلام وإمامته فحسب، بل إنّ الخصام في فدك هو بعينه إحتجاج لولاية أهل البيت وإمامتهم عليهم
____________________
1. الحشر/ 7.
2. الأنفال/ 41.
السلام، لأنّ فدك التي أعطاها النبيّ صلّى الله عليه وآله لفاطمة بنزول الآية هو إنجاز لحقّهم في ملكية التصرّف في الفيء والأنفال وخمس الغنائم.
فالخصام في فدك بعينه خصام في ولاية أهل البيت عليهم السلام؛ لأنّ الولاية على الفيء والأنفال - كما تقدّم - يستلزم الولاية والإمامة العامّة وإن كان ملكيتها عليها السلام لفدك هي بوجوه متعدّدة؛ من كونها نحلةً وكونها أداءً لدَيْنِ مَهْر خديجة وكونها إرثاً وكونها تحتَ يدها وكونها مطهَّرةً معصومة لا تقول إلّا الصدق، وغيرها من الوجوه التي تتبيّن بالتدبر عند محاجّتها في فدك.
وقد كان احتجاجها والمطالبة بفدك بكلّ تلك الوجوه إلّا أنّ عمدة وجوه الإحتجاج هو بحقّ ذوي القربى وولايتهم في الأنفال والفيء ويلوح من ثقة الإسلام الكليني ذلك حيث يقول: وأمّا الأنفال فليس هذه سبيلها، فهي كانت للرسول صلّى الله عليه وآله خاصّة وكانت فدك لرسول الله صلّى الله عليه وآله خاصّة، لأنّه صلّى الله عليه وآله فتحها وأميرالمؤمنين عليه السلام، لم يكن معهما أحد.(1)
ويصرّح بذلك من الروايات:
____________________
1. الكافي 1/ 538. (كتاب الحجّة ، أبواب التاريخ، الباب 130: باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه).
الأولى: ما رواه الكليني في الكافي والشيخ في التهذيب بإسنادهما عن عليّ بن أسباط قال:
«لما ورد أبو الحسن موسى عليه السلام على المهدي رآه يردّ المظالم، فقال يا أمير المؤمنين، ما بال مظلمتنا لا تُردّ؟ فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن؟
قال: إنّ الله لما فتح على نبيّه صلّى الله عليه وآله فدك وما والاها، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فأنزل الله على نبيّه صلّى الله عليه وآله( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) فلم يَدْرِ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله مَنْ هُم؟ فراجع في ذلك جبرئيلَ وراجع جبرئيلُ عليه السلام ربَّه.
فأوحى الله إليه: أن ادفع فدك إلى فاطمة عليها السلام. فدعاها رسولُ الله صلّى الله عليه وآله فقال لها: يا فاطمة، إنّ الله أمرني أن أدفع إليكِ فدك، فقالت: قد قبلتُ يا رسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها حياةَ رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فلمّا ولي أبو بكر أخرج عنها وكلائها، فأتتْه فسألتْه أن يردَّها عليها، فقال لها: إئتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأمير المؤمنين عليه السلام وأمّ أيمن فشهدا لها، فكتب لها بترك التعرض.
فخرجتْ والكتاب معها، فلقيها عمر، فقال: ما هذا معكِ يا بنتَ محمد؟ قالت: كتابٌ كتبه لي ابن أبي قحافة. قال أرينيه. فأبت فانتزعه من يدها ونظر فيه ثم تفل فيه ومحاه وخرقه. فقال لها: هذا لم يوجف أبوكِ فضعي الحبال في رقابنا.
فقال له المهدي: يا أبا الحسن، حُدَّها لي. فقال: حَدٌّ منها جبل أحد، وحَدٌّ منها عريش مصر، وحَدٌّ منها سيف البحر، وحَدٌّ منها دومة الجندل. فقال له: كلّ هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين هذا كلّه، إنّ هذا كلَّه مما لم يوجف على أهله رسول الله صلّى الله عليه وآله بخيل ولا ركاب.
فقال: كثيرٌ وأنظر فيه»(1) .
وفي البحار الأنوار عن المناقب: أنّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ فدكاً حتّى أردّها إليك، فيأبي حتّى ألحّ عليه، فقال عليه السلام «لا آخذها إلّا بحدودها. قال: وما حدودها؟
قال: إنْ حَدَّدْتُها لم ترّدها. قال: بحقّ جدّك إلّا فعلتُ؟
قال: أما الحدّ الأول فَعَدَنْ، فتغيّر وجهُ الرشيد وقال: أيهاً.
قال: والحدّ الثاني سمرقند، فاربّد وجهه.
قال: والحدّ الثالث إفريقية، فاسودّ وجهُه. وقال: هيه.
قال: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وارمينية.
قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي.
قال موسى: قد أعلمتك أنني إنْ حَدَّدْتُها لم تردّها.
____________________
1. الكافي 1/ 543 (كتاب الحجة، أبواب التاريخ، الباب 130: باب الفيء والأنفاي وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه، الحديث 5) * التهذيب 4/ 148، الرقم المسلسل للحديث 414 (كتاب الزكاة، الباب 39: باب الزيادات، الحديث 36).
فعند ذلك عزم على قتله»(1) .
وفي هذه الرواية دلالة واضحة على اتحاد الحقّ في قوله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) والحقّ في الفيء والأنفال الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كما أنّ فيه تصريحاً بأنّ أوّل مصاديق ذوي القربى هي فاطمة عليها السلام، كما أنّ في الرواية تصريحاً بأن حقّها عليها السلام يمتدّ بامتداد الأنفال وسِعَتِها، فالبلاد التي لم تفتح بيد رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا بأذنه فهي من الأنفال وبالتالي تكون متعلّقة بحقّ الصدّيقة عليها السلام، ومِنْ بعدها للأئمة من ذرّيتها.
ومن ثم فلا يقتصر حقّها في ملكية التصرّف في الأموال العامّة، بل إنّ ولايتها تشمل التدبير في مطلق الأمور العامّة في الوقت الذي كانت الولاية بيد الرسول صلّى الله عليه وآله ومِن بعده للإمام أمير المؤمنين عليه السلام بلا تعارض بين هذه الولايات، أي بنحو الطولية، كما هو الحال بين ولاية الله تعالى وولاية الرسول وولاية الإمام المعصوم وسيأتي بيان ذلك في الجهة اللاحقة.
وبعبارة أخرى: ما ورد من «أنّ الأرض كلَّها للإمام» يراد به هو كون
____________________
1. بحار الأنوار 48/ 144، الحديث 20 (أبواب تاريخ الإمام موسى بن جعفر، الباب 40: باب مناظراته مع خلفاء الجور.)
الأنفال له بمعنى أنّ له ملكية التصرّف وولاية التصرف فيها، وهذه الملكية في حين أنها ليست على حذو الملكية الفردية الخاصة بل بمعنى ولايته على الأرض وتدبير أمورها، هي ملكية أيضاً بالمعنى الإصطلاحي كذلك؛ إذ لا معنى للملك إلّا السلطنة على التصرّفات.
فيتبيّن من ذلك أنّ الملكية للفيء والأنفال والأرض ليست ملكية مالية محضة بل هي علاوة على ذلك ولاية تصرّف وتدبير وحيث أنّ الصدّيقة عليها السلام ممن له الحقّ في الأنفال والفيء فهي ذات ولاية في الأمور العامّة وملكيةُ تصرّف وتدبير فيها، وإنْ لم تكن ولايتها مستقلةً كالإمامة.
ومن ثم فسّر الإمام الكاظم عليه السلام حقّ الصدّيقة في فدك - الذي ورثه هو عليه السلام عن جدّته الصدّيقة عليها السلام - بالولاية العامّة على بلاد المسلمين، لا كما يقال من معنى الرواية بأنه عليه السلام كنّى عن حقّه في الإمامة والولاية بحقّ الصدّيقة في خصوص فدك.
بل الأصل في تعبيره عليه السلام أنّ حقّ فدك استحقَّتْه عليها السلام باستحقاقها في الأنفال والفيء الذي هو الولاية في الأمور العامّة لا أنّه يستلزمه، وتَفْصَحُ آية الفيء عن ذلك حيث تعلّل اختصاص ذوي القربى بالفيء والأنفال بأنه موجب للعدالة المالية والإقتصادية بين المسلمين.
ومن البيّن أنّ تلك العدالة لا تتحقق إلّا لمن يملك زمام الأمور العامّة،
فهذا الإختصاص في حين أنه ملكية - بتمام ما للملكية من معنى - فهو أيضاً ولاية للأمور العامّة لما تقدّم من أنّ الملكية ليست إلّا السلطنة على التصرفات.
نظير هذه الرواية ما ورد في بحار الأنوار من أخبار الخلفاء وتعاطيهم في فدك.
الثانية: ما رواه المفضّل عن الصادق عليه السلام قوله:
«لما ولي أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إنّ الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن عليّ وأهل بيته الخمس والفيء، وفدكاً، فإنّ شيعته إذا علموا ذلك تركوا علياً وأقبلوا إليك رغبةً في الدنيا وايثاراً ومحاباة عليها، ففعل أبو بكر ذلك وصرف عنهم جميع ذلك.
فلما قام - أبو بكر بن أبي قحافة - مناديه: مَن كان له عند رسول الله صلّى الله عليه وآله دَيْن أو عِدَة فليأتني حتّى أقضيه، وأنجز لجابر بن عبدالله ولجرير بن عبدالله البجلي.
قال: قال عليّ عليه السلام لفاطمة عليها السلام: صيري إلى أبي بكر وذكّريه فدكاً، فصارت فاطمة إليه وذكرتْ له فدكاً مع الخمس والفيء.
فقال: هاتي بيّنة يا بنت رسول الله.
فقالت: أما فدك، فإنّ الله عزّوجلّ أنزل على نبيّه قرآناً يأمر فيه بأن يؤتيني وولدي حقّي، قال الله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) فكنت أنا وولدي أقربَ
الخلائق إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فَنَحَلَني وولدي فدكاً.
فلمّا تلا عليه جبرئيلُ عليه السلام( وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما حقّ المسكين وابنِ السبيل؟ فأنزل الله تعالى( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .
فقسم الخمس على خمسة أقسام، فقال( مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ ) فما لله فهو لرسوله، وما لرسول الله فهو لذي القربى، ونحن ذو القربى، قال الله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) .
فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطاب وقال: ما تقول؟ فقال عمر: ومَن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل؟
فقالت فاطمة عليها السلام: اليتامى الذين يأتمون بالله وبرسوله وبذي القربى والمساكين الذين أُسكنوا معهم في الدنيا والآخرة، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم.
قال عمر: فإذَنْ الخمس والفيء كلّه لكم ولمواليكم وأشياعكم؟
فقالت فاطمة عليها السلام: أما فدك، فأوجبها الله لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا؛ وأما الخمس، فقسّمه الله لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ في كتاب الله.
قال عمر: فما لسائر المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان؟
قالت فاطمة: إنْ كانوا موالينا ومن أشياعنا فلهم الصدقات التي قسّمها الله وأوجبها في كتابه، فقال الله عزّوجلّ:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ ) .(1)
قال عمر: فدك لكِ خاصة والفيء لكم ولأوليائكم؟ ما أحسب أصحاب محمد يرضون بهذا؟
قالت فاطمة: فإنّ الله عزّوجلّ رضي بذلك ورسوله رضي به، وقسّم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن خالفنا فقد خالف الله، ومن خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة.
فقال عمر: هاتي بيّنة يا بنت محمد على ما تدّعين؟!
فقالت فاطمة عليها السلام: قد صدّقتم جابر بن عبدالله وجرير بن عبدالله ولم تسألوهما البيّنة! وبيّنتي في كتاب الله.
فقال عمر: إنّ جابراً وجريراً ذكرا أمراً هيّناً، وأنتِ تدّعين أمراً عظيماً يقع به الردّة من المهاجرين والأنصار.
فقالت عليها السلام: إنّ المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه، والأنصار بالايمان بالله ورسوله وبذي القربى أحسنوا، فلا هجرة إلّا إلينا
____________________
1. التوبة/ 60.
ولا نصرة إلّا لنا، ولا اتّباع بإحسان الّا بنا، ومن ارتدّ عنّا فإلى الجاهلية.
فقال لها عمر: دعينا من أباطيلكِ، واحضرينا من يشهد لكِ بما تقولين!!
فبعثتْ إلى عليّ والحسن والحسين وأمّ ايمن وأسماء بنت عميس - وكانت تحت أبي بكر بن ابي قحافة - فأقبلوا إلى أبي بكر وشهدوا لها بجميع ما قالت وادّعتْه.
فقال: أما عليّ فَزَوْجُها، وأما الحسن والحسين إبناها، وأمّ أيمن فمولاتها، وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة، وكلّ هؤلاء يجرّون إلى أنفسهم.
فقال عليّ عليه السلام: أما فاطمة فبضعة من رسول الله صلّى الله عليه وآله ومن آذاها فقد آذى رسول الله صلّى الله عليه وآله ومن كذّبها فقد كذّب رسول الله.
وأما الحسن والحسين فإبنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسيدا شباب أهل الجنّة، ومن كذّبهما فقد كذّب رسول الله صلّى الله عليه وآله إذ كان أهل الجنة صادقين.
وأما أنا فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أنت منّي وأنا منك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة والرادّ عليك هو الرادّ عليّ، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني.
وأما أم أيمن فقدشهد لها رسول الله صلّى الله عليه وآله بالجنّة، ودعا لأسماء بنت عميس وذريتها.
قال عمر: أنتم كما وصفتم أنفسكم، ولكن شهادة الجارّ إلى نفسه لا تقبل.
فقال عليّ عليه السلام: إذا كنّا كما نحن تعرفون ولا تنكرون، وشهادتنا
لأنفسنا لا تقبل، وشهادة رسول الله لا تُقبل، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، إذا ادّعينا لأنفسنا تسألنا البيّنة؟ أفما من معين يُعين، وقد وثبتم على سلطان الله وسلطان رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بيّنة ولا حجّة( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) .(1)
ثم قال لفاطمة: انصرفي حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»(2) .
فصريح هذه الرواية أنّ مطالبتها عليها السلام بفدك أحد وجوهها هو حقّها عليها السلام في الفيء والخمس وأنّ المطالبة لم تكن مقتصرة على الأرض المخصوصة.
الثالثة: ومنها ما رواه الشيخ بإسناده عن اسحاق بن عمار وأبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنّ الله تبارك وتعالى أمهر فاطمة عليه السلام ربع الدنيا، فربعها لها، وأمهرها الجنة والنار، تُدخِل أعداءها النار وتدخل أوليائها الجنة، وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى»(3) .
____________________
1. الشعراء/ 227.
2. بحار الأنوار 29/ 194، الحديث 40 (كتاب الفتن والمحن، الباب 11: نزول الآيات في أمر فدك وقصصه وجوامع الإحتجاج فيه) * مستدرك الوسائل 7/ 290، الرقم المسلسل للحديث 8247 (كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب الأوّل: باب أنّه يقسّم ستّة أقسام، الحديث 10).
3. بحار الأنوار 43/ 105، الحديث 19 (أبواب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 5: تزويجها صلوات الله عليها) * أمالي الطوسي، المجلسي 36، الحديث 6.
والتعبير «باللام» على حذو التعبير بها في آية الفيء والأنفال المفيدة لملك التصرّف والولاية العامّة، ولعلّ وجه التقدير بالربع لبيان عدم استقلالها عليها السلام بالولاية، بل بالمشاركة الطولية مع النبيّ والإمام المعصوم عليه السلام، حيث أنها لم تكن إماماً.
الرابعة: وروي العلّامة السيد عليّ الهمداني وهو من علماء أهل السنّة في مودّة القربى عن عتبة بن الأزهري عن يحيى بن عقيل، قال: سمعتُ علياً يقول: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ الله أمرني أنْ أزوّجك بفاطمة رضي الله عنها على خُمس الدنيا أو على ربعها - شك فيه عتبة - فمَنْ مشى على الأرض وهو يبغضك في الدنيا فالدنيا عليه حرام، ومشيه فيها حرام»(1) .
الخامسة: ورووا أيضاً كالصفّوري الشافعي البغدادي في نزهة المجالس(2) ، وفي المحاسن المجتمعة(3) وأبي يوسف الدمشقي في أخبار الدول وآثار الأُول(4) . والدهلوي في تجهيز الجيش(5) رووا جميعاً: أنّ صداقها شفاعتها في لأُمّة أبيها.
____________________
1. مودة ذوي القربى/ 92 * عنه: احقاق الحق 10/ 368.
2. نزهة المجالس 2/ 225 * عنه: احقاق الحق 10/ 367.
3. المحاسن المجتمعة/ 194، مخطوط * عنه: احقاق الحق 10/ 367.
4. أخبار الدول وآثار الأول/ 88 * عنه: احقاق الحق 10/ 367.
5. تجهيز الجيش/ 102 * عنه احقاق الحق 10/ 367.
وهذا يعاضد ولايتها على هذه الأُمّة، إذ الشفاعة لمجموع الأُمّة يستلزم كون الشفيع ذا صلة بين مجموع الأُمّة والمشفوع عنده، حيث أنّ الشفاعة نحو كفالة مطوي فيها تحمّل الشفيع مسؤولية المشفوع عنه، مما يعطي كون الشفيع له نحو ولاية مسبقة على المشفوع عنه، لاسيما أنّ في الحديث ورد عنوان «الأُمّة».
السادسة: وما رواه المجلسي: «قيل للنبيّ صلّى الله عليه وآله: قد علمنا مهر فاطمة في الأرض، فما مهرها في السماء؟
قال: سل عمّا يعنيك ودع ما لا يعنيك.
قيل: هذا مما يعنيننا يا رسول الله.
قال: كان مهرها في السماء خُمس الأرض فَمَنْ مشى عليها مغضباً لها ولولدها مشى عليها حراماً إلى أن تقوم الساعة».(1)
السابعة: في معتبرة يعقوب بن شعيب: «قال لما زوّج رسول اللّه صلّى الله عليه وآله عليّاً فاطمة دخل عليها وهي تبكي. فقال لها: ما يبكيك، فو اللّه لو كان في أهلي خير منه ما زوّجتكه، وما أنا زوّجتكه ولكن اللّه زوَّجكِ وأصدق عنكِ الخُمس مادامت السماوات والأرض»(2) .
____________________
1. بحار الأنوار 43/ 113 (كتاب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 5: باب تزويجها).
2. بحار الأنوار 43/ 144 (كتاب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 5: باب تزويجها).
الثامنة: وفي الكافي: «ولكن اللّه زوّجك من السماء وجعل مهركِ خُمس الدنيا ما دامت السماوات والأرض».(1)
التاسعة: وفي الجلاء والشفاء في خبر طويل عن الباقر عليه السلام «وجُعِلَتْ نِحلتُها من عليّ خُمس الدنيا وثلث الجنّة وجُعلت لها في الأرض أربعة أنهار: الفرات، ونيل مصر، ونهروان، ونهر بلخ، فزوِّجْها أنت يا محمد، بخمسمائة درهم تكون سنّة لأمّتك».(2)
العاشرة: وفي حديث خباب بن الأرتّ: «ثم قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: زوّجت فاطمة ابنتي منك بأمر الله تعالى على صداق خُمس الأرض وأربعمائة وثمانين درهماً، الأجل خُمس الأرض، والعاجل أربعمائة وثمانين درهماً» وقد روي حديثَ خُمس الأرض يعقوبُ بن شعيب عن الصادق عليه السلام(3) .
الحادية عشر: ومثله ما في مصباح الأنوار وكتاب المحتضر رفعه بإسناده عن ابن عباس: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال لعليّ عليه السلام: «يا عليّ، إنّ الله عزّوجلّ زوّجك فاطمة وجعل صداقها الأرض، فَمَنْ مشى عليها مبغضاً لك
____________________
1. الكافي 5/ 378 (كتاب النكاح، باب ما تزوّج عليه أمير المؤمنين عليه السلام فاطمة عليها السلام، الحديث 7).
2. بحار الأنوار 43/ 113 ( كتاب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 5: باب تزويجها).
3. بحار الأنوار 43/ 113 ( كتاب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 5: باب تزويجها).
مشى عليها حراماً»(1) .
الثانية عشر: وروي في فقه الرضا: « أروي عن العالم عليه السلام أنّه قال: ركز جبرئيل برجله حتّى جرت خمسة أنهار ولسان الماء يتبعه الفرات ودجلة والنيل ونهر مهربان ونهر بلخ، فما سقت وسقى منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا. وروي أن الله جل وعزّ جعل مهر فاطمة عليها السلام خمس الدنيا، فما كان لها صار لولدها عليهم السلام».(2)
ومفاد هذه الجملة من الروايات من أمهار فاطمة عليها السلام خُمس الأرض أو ربعها وأنّها لها، نظير ما ورد في أنّ الأرض كلَّها للإمام، والمراد باللام فيها ملكية التصرّف أي الولاية العامّة عليها.
الثالثة عشر: ومنها ما رواه الكليني في الكافي بسند صحيح إلى أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«وجدنا في كتاب علي عليه السلام( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض ونحن المتّقون
____________________
1. بحار الأنوار 43/ 145، الحديث 49 (كتاب تاريخ سيّدة النساء فاطمة الزهراء، الباب 5: باب تزويجها).
2. مستدرك الوسائل، 7/ 295، الرقم المسلسل للحديث 8250 (كتاب الخمس، أبواب الأنفال وما يختص بالإمام، الباب الأوّل: باب أنّ الأنفال كلّ ما يصطفيه من الغنيمة و...، الحديث 2).
والأرض كلُّها لنا»(1) .
الرابعة عشر: وما رواه الكليني كذلك بسنده عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّ الله تبارك وتعالى جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء، ثم قال عزّوجلّ:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) فنحن أصحاب الخمس والفيء وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا.
والله يا أبا حمزة، ما من أرض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شيء منه إلّا كان حراماً على من يصيبه، فَرْجاً كان أو مالاً، ولو قد ظهر الحقّ لقد بيع الرجل الكريمة عليه نفسه فيمن لا يزيد حتّى أن الرجل منهم ليفتدي بجميع ماله ويطلب النجاة لنفسه فلا يصل إلى شيء من ذلك وقد أخرجونا وشيعتَنا من حقّنا ذلك بلا عذر ولا حق ولا حجّة»(2) .
ونظير هذه الرواية مما عبّر بذوي القربى كثير من الروايات الواردة في باب الأنفال والفيء، وهذين العنوانان لا ريب في شمولهما لها عليها السلام.
والخلاصة: قد تحصّل من الجهات المتقدّمة مشاركةُ الصدّيقة عليها السلام مع النبيّ والإمام في الولاية العامّة في الأمور بنحو المشاركة الطولية وإن لم
____________________
1. الكافي 1/ 407، الحديث 1 (كتاب الحجّة، الباب 105: باب أنّ الأرض كلّها للإمام عليه السلام).
2. الكافي 8/ 285، الحديث 431 (كتاب الروضة).
تكن ولايتُها عليها السلام مستقلّةً بل بنحو التشريك، وهذه الولاية بهذا المعنى ليس مقتضاها الإمامة والولاية العامّة الإصطلاحية ولكنها لا تقتصر على الأموال العامّة من جهة ماليتها ولا على خصوص أرض فدك والعوالي كما قد درج تفسير احتجاجها في أرض فدك على ذلك.
ويؤيد استاء ولايتها من الآيات والروايات المتقدّمة أمور أخرى، منها: كون ولاية زواجها بيده تعالى خاصّة، دون الرسول صلّى الله عليه وآله ودون الإمام المعصوم، مع أنّ مقتضى قوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (1) هو ولايته على كلّ أفراد المؤمنين مقدِّمةً على ولايتهم على أنفسهم، ومن ثَم زوّج النبيّ صلّى الله عليه وآله من زيد بن حارثة مولاه، مع أنها كانت كارهة لذلك، فضلاً عن كراهية أهلها، فنزل في ذلك قوله تعالى:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) (2) .
وكذلك الحال في الإمام المعصوم حيث يرث مقام الرسول فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم في شؤونهم الفردية كما هو وليّهم في أمورهم العامّة.
____________________
1. الأحزاب/ 6.
2. الأحزاب/ 36.
إلّا أنّ في خصوص الزهراء عليها السلام قد ورد من طريق الفريقين(1) أنّ ولي أمر زواجها هو اللّه تعالى خاصّة. وهذا مما يقتضي كون مقامها ذا شأن خطير، وأنّ لها نحواً من الولاية لبلوغها تلك الدرجة التي تضطلع بأهلية خاصّة، تتقيد قيمومته صلّى الله عليه وآله بما هو الرسول عليها.
وهذا الإقتضاء مطرّد في باب الولاية وماهيتها، فإنّ انحصار ولاية الولي على المولّى عليه مع فرض واجدية الولي وأهليته للقيمومة لا يكون إلّا ببلوغ المولّى عليه درجة من الكمال يضطلع بها بشؤون الولاية، كما في سائر موارد المولّى عليهم.
____________________
1. فقد ورد عن طرق أهل السنة ما تواتر من قوله صلى الله عليه وآله- عندما خطب أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فقال: « أنتظر لها القضاء » ثم خطب إليه عمر، فقال: « أنتظر لها القضاء » الخبر.
وقد روى ذلك الطبراني في المعجم الكبير 10/ 156 * كنز العمال 11/ 600 * ميزان الاعتدال 2/ 671 * ينابيع المودة 2/ 89 * الجامع الصغير للسيوطي 1/ 258 * الكشف الحثيث/ 174 * تاريخ مدينة دمشق 37/ 13 * ذخائر العقبى للطبري/ 29 * المنتقى من اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل للشافعي القلقشندي/ 66 * المختار من مسند فاطمة الزهراء للسيوطي/ 157 * وابن شاهين المروزي في كتاب فضائل فاطمة عليها السلام والبلاذري في تاريخه، عنهما بحار الأنوار 43/ 107.
وعن طرق الشيعة ما رواه في كشف الغمّة- كما في البحار 43/ 141- قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله لأبي بكر عندما خطب فاطمة عليها السلام: «أمرها إلى ربّها»، وقال لعمر مقالته لأبي بكر كذلك. وقوله صلى الله عليه وآله لأشراف قريش عندما خطبوها فردّهم: « إنّ امرها إلى ربّها، إن شاء أن يزوّجها زوّجها ».
منها: ما ورد من نصوص الفريقين - التي مرّت في المقام الثاني - من أنه لم يكن لها كفو - لولا عليّ(1) - من آدم فما دونَه؛ إذ مقتضى عنوان الكفوِ، المشاركةُ والمعادلةُ في الجملة، ونظير ما ورد في تفسير قوله تعالى( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴿19﴾ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ) (2) من أنّ البحرين هما عليّ وفاطمة، والبرزخ هو النبيّ صلّى الله عليه وآله وأنه لا يطغي أحدهما على الآخر.
فقد روي في تفسير البرهان عن الكليني والصدوق وتفسير محمد بن عباس وغيره من كتب الأصحاب المعروفة، إحدى عشر طريقاً لهذه الرواية وكذا من طرق أهل السنّة، ففي رواية يحيى بن سعيد العطار، قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول:( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴿19﴾ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ) قال: عليّ وفاطمة عليهما السلام بحران من العلم عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه،( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) الحسن والحسين عليهما السلام»، وفي رواية أخرى فُسّر البرزخ الذي بينهما برسول الله صلّى الله عليه وآله.(3)
____________________
1. لاحظ ما تقدم، ولاحظ بحار الأنوار 43/ 10 (أبواب تاريخ سيّدة النساء، الباب 2: أسمائها وبعض فضائلها) فقد أورد المجلسي رحمه الله عدّة روايات.
2. الرحمن/ 19 - 20.
3. البرهان 4/ 265 - 266 * وبحار الأنوار 43/ 32، الحديث 39 (أبواب تاريخ سيّدة النساء، الباب 3: باب مناقبها وبعض أحوالها) * وكذا ما رواه الثعلبي في تفسيره يرويه برواية سفيان الثوري وسعيدبن جبير.
وهذه الروايات المتقدّمة تدلّ على نحو مشاركة لها عليها السلام في الولاية لما هو مقرّر من تلازمها مع المقام العلمي اللدنّي ونحوه من المقامات الغيبية، وبهذا التقريب يستشهد لولايتها العامّة بروايات اشتقاق النور.
منها: ما رواه المجلسي في بحار الأنوار مسنداً إلى سلمان الفارسي، قال: «دخلتُ على رسول صلّى الله عليه وآله فلما نظر إليّ قال: يا سلمان، إنّ الله عزّوجلّ لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلّا جعل الله له اثني عشر نقيباً.
قال: قلت: يا رسول الله، قد عرفتُ هذا من الكتابين.
قال: يا سلمان، فهل علمتَ نقبائي الإثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟
فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال: يا سلمان، خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطعتُه وخلق من نوري علياً فدعاه إلى طاعته فأطاعه، وخلق من نوري ونور عليّ عليه السلام فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق منّي ومن عليّ ومن فاطمة، الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه.
فسمانا الله عزّوجلّ بخمسة أسماء من أسمائه؛ فالله المحمود وأنا محمد، والله العليّ وهذا عليّ، والله فاطر وهذه فاطمة، والله الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين»(1) .
____________________
1. بحار الأنوار 25/ 6، الحديث 9، ومنها ما رواه في الجزء 30/ 67، وج 35/ 27 و28، وج 37/ 83، وج 40/ 44، وج 47/ 167، وج 43/ 17، وج 57/ 192 - 202.
إذ من الواضح أنّ مفاد اشتقاق النور هو بيان لمقاماتهم عليهم السلام بحسب التكوين المترتب عليها الولاية بحسب التكوين والتشريع.
ومنها الروايات المتقدّمة في مصحف فاطمة عليها السلام(1) .
ومنها: ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في حديث تزويج الله تعالى لفاطمة من علي عليهما السلام، إلى أن قال:
«فقال الله عزّوجلّ: يا راحيل، إنّ مِنْ بركتي عليهما «عليّ وفاطمة» أنّي أجمعهما على محبتي وأجعلهما حجّتي على خلقي. وعزّتي وجلالي لأخلقنّ منهما خلقاً ولأنشأنّ منهما ذرّية مباركة طاهرة، أجعلهم خزاني في أرضي ومعادن لحكمي، بهم أحتجّ على خلقي بعد النبيين والمرسلين...
ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ولقد أخبرني جبرئيل عليه السلام: إنّ الجنّة وأهلها مشتاقون إليكما ولولا أنّ الله تبارك أراد أن يتخذ منكما ما يتخذ به على الخلق حجّة لأجاب فيكما الجنة وأهلها..»(2) .
ومنها: الروايات المتقدّمة في أنّ الله تعالى يرضى لرضا فاطمة ويغضب
____________________
1. مرّ في المقام الثاني: حجّيتها على حجج الله المعصومين عليهم السلام.
2. عيون أخبار الرضا عليه السلام للصدوق/ 176، ورواه الصدوق بإسناد آخر عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام ورواه بإسناد ثالث في الأمالي عن الصادق عليه السلام * وفي بحار الأنوار 43/ 101 - 103.
لغضبها، مما يدلّ على حجّيتها كما تقدّم من دون تقييد لذلك بالعلوم التي صدرت منها، أي ليست حجّيتها بالوساطة العلمية فقط بل يعمّ رضاها في الأمور العامّة وغضبها فيها.
كما تجلى ذلك واضحاً في موقفها عليها السلام بُعيد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله في رسم الخلافة الإسلامية لكلّ الأجيال، ومن ثَمّ دارت أربعين ليلة على المهاجرين والأنصار تحثّهم على مناصرة عليّ وتجديد البيعة له، مما يدلّ على إشرافها ومساهمتها في تدبير أُسّ الأمور العامّة وهي الخلافة.
ونظير ما ورد في وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله لعليّ عند احتضاره صلّى الله عليه وآله: «يا عليّ، أنفذ لما أمرتْك به فاطمة، فقد أمرتها بأشياء أمر بها جبرئيل عليه السلام»(1) . فإنّ مقتضى مادة الأمر ثبوت نحو ولاية للآمر، وإن كان عليّ عليه السلام إماماً لفاطمة عليه السلام.
وفي رواية العباس عن أبي جعفر الأحول، قال: «قال أبو عبدالله عليه السلام: ما تقول قريش في الخمس؟
قال: قلت: تزعم أنه لها.
قال: ما أنصفونا والله، لو كانت مباهلة لتباهلنّ بنا وإن كانت مبارزة لتبارزنّ
____________________
1. بحار الأنوار 22/ 484 و485، الحديث 31 (تاريخ نبيّنا، أبواب ما يتعلّق بارتحاله إلى عالم البقاء، الباب الأول: باب وصيّته عند قرب وفاته).
بنا، ثم يكون هم وعليّ سواء؟»(1) .
وتقريب دلالتها أنّه عليه السلام جعل الملازمة بين من يباهل بهم، ومن له الولاية على الخمس الذي هو أهمّ الضرائب المالية الكبرى في الشريعة الإسلامية.
ومقام المباهلة كما تقدّم هو مقام الإحتجاج، أي من يكون حجّة على حقانية الدين وله هذا المقام هو الذي يكون صاحب ولاية في الخمس، وهذا الحال سيّان في الفيء والأنفال؛ لأن العنوان هو ذوي القربى، وأحد مصاديق من قامتْ به المباهلة، هي الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام.
ومنها: ما تقدّم تقريبه في آية المودة( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (2) فإنّ مفاد هذه الآية ولاية ذوي القربى المعصومين منهم خاصّة على الأُمّة، وإن كان مطلق ذوي القربى لهم مطلق المودّة.
وحيث تقرّر ذلك: فذوي القربى - كما عرفت فيما تقدّم - أول مصاديقه فاطمة عليها السلام، وقد فُسّرت آية المودّة في آيات أخري كقوله تعالى:( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ) .(3)
____________________
1. وسائل الشيعة 9/ 517، الرقم المسلسل للحديث 12614 (كتاب الخمس، أبواب قسمة الخمس، الباب الأوّل: باب أنّه يقسّم ستّة أقسام، الحديث 15).
2. الشورى/ 23.
3. الفرقان/ 57.
وكقوله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ ) .(1)
وقوله تعالى:( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) .(2)
وقوله تعالى( وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) (3) أي عائد نفعه لكم، لأنّ مودّة ذوي القربى سبيل هداية إلى الله وذكرى للعالمين، فمودّة ذوي القربى نفعه عائد للعالمين أنفسهم.
وهذا مما يعضد أنّ مودّتهم هي بدرجة الولاية لهم والإهتداء بهم كسبيل إلى الله تعالى، وحجّيتهم على الخلائق، فيكون كلّ ذلك ثابتاً لها عليها السلام. وكيف لا تكون هي أبرز من يندرج في مودة ذوي القربى وقد قال فيها النبيّ صلّى الله عليه وآله عن طرق الفريقين: «إنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها».
روى البخاري بسنده عن عائشة: أنّ فاطمة عليها السلام بنت النبيّ صلّى الله عليه وآله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلّى الله عليه وآله مما
____________________
1. الأنعام/ 90.
2. سبأ/ 47.
3. يوسف/ 104.
أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر.
فقال أبو بكر: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: إنا لا نورث ما تركناه صدقة، إنّما يأكل آل محمد صلّى الله عليه وآله من هذا المال وإنّي والله لا أغيّر من صدقة رسول الله صلّى الله عليه وآله عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً فوجدتْ فاطمةُ فهجرتْه فلم تكلّمه حتّى توفيت.
وعاشتْ بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله ستة أشهر فلما توفيتْ دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها(1) .
وهذه الرواية صريحة في كون فاطمة عليها السلام طالبة بوراثتها لمقام النبيّ صلّى الله عليه وآله في الفيء، ومن البيّن الواضح أنّ مقام النبيّ في الفيء ليس هو مجرد الملكية المالية والتصرّفات بل هو الولاية على كلّ الفيء والتي قد تقدّم أنها أشدّ سلطنة من الملكية العادية في الأعيان.
كما أنّ صراحة هذه الرواية يدلّ على أنّ أحد وجوه مخاصمتها في فدك هو كونها في الفيء المسندة ولايته وملكية التصرّف فيه لذوي القربى، وأنها
____________________
1. صحيح البخاري، كتاب الخمس، الباب الأوّل، الحديث 2862 وكتاب الخمس، باب فرض الخمس، الحديث 3093 وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، الحديث 4240.
عليها السلام أول من يصدق عليه ذلك العنوان كما أنّ صريحة هذه الرواية مطالبتها بالخمس والفيء وفدك.
وفي صحيح مسلم بنفس اللفظ(1) ، وكذلك في مسند أحمد(2) .
وإلى ذلك أشار ابن أبي الحديد: «واعلم أنّ الناس يظنّون أنّ نزاع فاطمة عليها السلام أبا بكر كان في أمرين: في الميراث والنحلة، وقد وجدتُ في الحديث أنها نازعتْ في أمر ثالث ومنعها أبو بكر إيّاه أيضاً وهو سهم ذوي القربى.
قال أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري: أخبرني أبو زيد عمر بن شبه، قال: حدّثني هارون بن عمير، قال: حدّثني الوليد بن مسلم، قال: حدّثني صدقة أبو معاوية عن محمد بن عبدالله عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك: بأنّ فاطمة عليها السلام أتت أبا بكر فقالت: لقد علمتَ الذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى، ثم قرأتْ عليه قوله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ) الآية.
فقال لها أبو بكر: بأبي أنتِ وأمي ووالدٍ ولدكِ، السمع والطاعة لكتاب
____________________
1. صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب قول النبيّ «لا نورّث»، الحديث 4471 و3304.
2. مسند أحمد 2/ 242 و376 و463 و464.
الله ولحقّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وحقّ قرابته وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرأين منه، ولم يبلغ علمي منه أنّ هذا السهم من الخمس يسلّم إليكم كاملاً.
قالت: أفلك هو ولأقرباءك؟
قال: لا، بل أنفقُ منه عليكم وأصرفُ الباقي في مصالح المسلمين.
قالت: ليس هذا حكم الله تعالى.
قال أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري: وأخبرنا أبو زيد قال: حدّثنا هارون بن عمير قال: حدّثنا الوليد بن أبي الهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: أرادتْ فاطمة أبا بكر على فدك وسهم ذوي القربى فأبى عليها»(1) .
واستعرض جملة من ذلك ابن قدامة في المغني قال:
روي عن الحسن وقتادة في سهم ذي القربى: كانت طعمة لرسول الله صلّى الله عليه وآله في حياته فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله.
وروى ابن عباس: أنّ أبا بكر وعمر قسّما الخمس على ثلاثة أسهم.
ونحوه حكي عن الحسن بن محمد بن الحنفية وهو قول أصحاب الرأي قالوا: يقسّم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل وأسقطوا سهم رسول الله صلّى الله عليه وآله بموته وسهم قرابته أيضاً.
____________________
1. شرح نهج البلاغة 16/ 230 - 231.
وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.
قال ابن القاسم وبلغني عمن أثق به أنّ مالكاً قال: يعطي الإمام أقرباء رسول الله صلّى الله عليه وآله على ما يرى.
وقال الثوري والحسن: يضعه الإمام حيث أراه الله عزّوجلّ.
ولنا قول الله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .
إلى أن قال: فلا يُترك ظاهر النص وقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وفعله من أجل قول أبي العالية.
وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية، فإنّ الله تعالى سمّى لرسوله ولقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقاً كما سمّى للثلاثة أصناف الباقية، فمَنْ خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب.
وأما حمل أبي بكر وعمر على سهم ذي القربى في سبيل الله فقد ذكر لأحمد فَسَكَتَ وحَرَّكَ رأسَه ولن يذهب إليه.
ورأى أنّ قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله وسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ فإنّ ابن عباس لما سئل عن سهم ذوي القربى فقال: إنّا كنّا نزعم أنه لنا فأبى ذلك عليه قومنا ولعل أراد بقوله: أبى علينا قومنا، فِعْلَ أبي بكر وعمر في حملهما عليه في سبيل الله ومن تبعهما على ذلك.
ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنّة كان أولى، وقول ابن عباس وافق الكتاب والسنّة(1) .
وما رواه المتقي الهندي في كنز العمال عن أحمد وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن أبي الطفيل قال: «جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: فأنتَ ورثتَ رسول الله صلّى الله عليه وآله أم أهله؟ قال: بل أهله.
قالت: فما بال الخمس؟ قال: إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: إذا أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه كانت للذي بعده فلما ولّيت رأيت أن أردّه على المسلمين»(2) .
وغيرها من روايات أهل السنة الدالة على أنها عليها السلام لم تقتصر مطالبتها في حقّها على عين خاصة ونحو ذلك، بل في عموم الفيء والخمس وميراثها لمقام رسول الله صلّى الله عليه وآله فيهما، وهو ملكية تصرّفه وولايته.
والحمد للّه ربّ العالمين
وصلّي اللّه علي محمّد وآله الطاهرين
واللعنة الدائمة علي أعدائهم أجمعين.
____________________
1. المغني، باب قسمة الفيء والغنيمة والصدقة 7/ 301.
2. كنز العمال 3/ 130.
الفهارس
فهرست المطالب
كلمة الأستاذ 9
المقدّمة 11
المقام الاول: القرآن ومقامات فاطمه (عليها السلام) 15
المقامي الثاني: فاطمة وحجيّتها على الأئمّة والأنبياء عليهم السلام 19
الجهة الأولى: حجّيتها على الأئمّة عليهم السلام 21
الجهة الثانية: حجّيتها على الأنبياء المرسلين 40
المقام الثالث: مريم بنت عمران مَثَلٌ ضربه الله لفاطمة (عليها السلام) 45
مقامات السيدة مريم عليها السلام 49
مريم وتحديث الملائكة لها 51
حجيّة مريم بنت عمران عليها السلام 60
مراحل الإعداد والإصطفاء 67
التشريك في النعمة تشريك في الحجّية 70
الإعتقاد بحجّية مريم ومقامها من خصوصيات الدين الإسلامي 72
الوسط الاسلامي والتطرف المسيحي 74
التشابه بين مقامي مريم وفاطمة عليهما السلام 78
فاطمة عليها السلام فوق مقام الأبرار 86
فاطمة عليها السلام من المطهّرين الذين يمسّون الكتاب 91
فاطمة عليها السلام وحجّيتها لدين الإسلام 94
المقام الرابع: أمومتها النبيّ صلّى الله عليه وآله في مقابل أمومة زوجات النبي للمؤمنين 107
المقام الخامس: رضى فاطمة عليها السلام رضى الله وغضبها غضبه 111
المقام السادس: مباهاة الله عزّوجلّ بفاطمة (سلام الله عليها) لرسوله الأمين (صلّى الله عليه وآله) 119
المقام السابع: خطبتها وعظيم حجّيتها (سلام الله عليها) 125
المقام الثامن: حجّية الصدّيثة (سلام الله عليها) في مقام الدفاع عن صدّيق الأمّة، أميرالمؤمنين (عليه السلام) 133
المقام التاسع: إشتراكها مع أهل البيت عليهم السلام في الآيات النازلة فهيم 145
المقام العاشر: ولايتها سلام الله عليها في الأمور العامّة 155
الجهة الاولي: ولايتها في الأموال العامّة 158
الجهة الثانية: المراد من ذوي القربي 163
الجهة الثالثة: الزهراءعليها السلام أول من ينطبق عليها عنوان (ذوي القربى) 164
الجهة الرابعة: إذنها في الخمس والأنفال بمقتضى ولايتها عليها السلام 165
الجهة الخامسة: الآية تُثبت كونها عليها السلام أبرز أفراد ذوي القربى 169
الجهة السادسة: ثبوت الخمس لها ومطالبتها به يقتضي ولايتها العامّة 170
تأملات جديدة في محاججات فدك 173
رؤية جديدة في فدك 178
الجهة السابعة: ولايتها ومؤيدات أخرى 194
الجهة الثامنة: روايات أهل السنة وعموم مطالبتها بالخمس والفيء وفدك 201
فهرست المطالب 209