الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الأول

السيد جعفر مرتضى العاملي


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين(عليهما‌السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.




تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولا سيما علي أمير المؤمنين والأئمة من أبنائه الميامين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين، إلى قيام يوم الدين..

وبعد..

فقد وفق الله تعالى في أوئل شهر حزيران سنة 2007م.. للشروع في تسجيل بعض اللمحات من حياة أمير المؤمنين وسيد الوصيين، علي بن أبي طالب "عليه‌السلام ".. نسأل الله أن يجعل هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به مؤلفه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن يهدي بسيرة الوصي والولي من شاء من عباده، إنه ولي قدير..

هذا وقد ارتأينا أن يكون تقديمنا لهذا الكتاب هو لفت نظر القارئ الكريم إلى بعض الأمور التي سيلاحظها بنفسه في هذا الكتاب، وهي التالية:

1 ـ إن هذا الكتاب غير قادر على عرض كل الدقائق، وتفاصيل الحقائق عن حياة أمير المؤمنين علي "عليه‌السلام "، وإنما هو نقطة من بحر



سيرته "عليه‌السلام "، ولمعة ضوء من باهر دلالاتها، ورشحة من روائع مراميها وغاياتها.. وباقة ريانة من أزاهير ملامحها وإشاراتها..

2 ـ إن لحياته "عليه‌السلام " في عهد رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " طابعاً ينسجم مع موقعه من رسول الله، ومع المهمات التي لا بد له أن يضطلع بها، وكذلك مع طبيعة تعامله مع مقام النبوة الأقدس.

أما في عهد: أبي بكر، وعمر، وعثمان، فقد اختلف الحال.. وأصبح له "عليه‌السلام " موقع في سياسة الأمور، وفي مواجهة التعديات وحفظ المنجزات، والعمل لحفظ خط الحق وأهله في موازاة، ومواجهة سياسات الترويج للباطل.. فلا بد من رصد حركته "عليه‌السلام " في خضم الأحداث المتلاحقة بعناية ودقة.. واقتناص الموقف ولملمة شراذمه، وبلورة معالمه..

ثم جاءت خلافته "عليه‌السلام " لتقدم النموذج الصحيح والصريح للحكومة الإلهية على الأرض.. فالتعاطي مع هذه الحالات المختلفة لا بد أن يختلف ويتفاوت، وفق توفر النصوص، وتنوع الخصوصيات في كل منها. وهذا ما ظهر في هذا الكتاب.. فليلاحظ ذلك.

3 ـ قد اعتمدنا كثيراً في القسم الذي يرتبط بحياته وسيرته "عليه‌السلام " في عهد رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " على النصوص التي أوردناها مع مصادرها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

أما ما علقناه على تلك النصوص، أو أوردناه من مناقشات، فمعظمه


قد أعدنا تدوينه، أو أضفناه وألحقناه لاقتضاء المقام ذلك.

4 ـ قد اعتمدنا في أكثر الموارد طريقة إيراد النص، ثم ألحقناه بفقرات لها عناوين خاصة بها.. وقد تضمنت تلك الفقرات معالجات، أو انتقادات، أو تحليلات لما جاء في ذلك النص..

5 ـ سيجد قارئ هذا الكتاب الكثير من الموارد التي يصح أن تعتبر بمثابة إعادة نظر، أو تصحيح أو توضيح، أو توسعة لما ذكرناه في سائر مؤلفاتنا..

6 ـ إن عدداً من المصادر التي أخذنا منها النصوص قد اختلفت طبعاته، وتعددت، ولم نتمكن من الإعتماد على طبعة واحدة، بسبب الظروف التي واجهناها، ولا سيما بعد تدمير منازلنا ومكتبتنا التي في بيروت، والجزء الأهم، والأثمن من مكتبتنا التي في بلدتنا عيثا الجبل ـ عيثا الزط سابقاً ـ مع ملاحظة: أننا كنا نرغب بالإسراع في إنجاز هذا الكتاب، بعد أن لاحظنا أن وضعنا الصحي ليس في صالح التسويف أو التباطؤ فيه، فكنا ننجز في كل شهر أو أقل، أو أزيد بأيام قليلة جزءاً من هذا الكتاب، رغم كثرة الصوارف، ووفرة المعيقات والموانع في كثير من الأحيان..

7 ـ إننا لم نلتزم بحرفية النص في خصوص الصلاة البتراء التي تستبعد آل النبي عنها، بل التزمنا بصيغة واحدة وهي الصلاة الصحيحة، والتامة في جميع الموارد، وهي عبارة "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

والتزمنا أيضاً بكلمة "عليه‌السلام " بالنسبة للإمام علي وسائر الأئمة.. فليلاحظ ذلك.


8 ـ إن هذا الكتاب لم يكتب مسودة، ثم تم تبييضها، بل كتب مسودة، ثم طبع وصحح مرة واحدة.. فإن ظهرت فيه بعض الأخطاء، أو لوحظ أي خلل أو قصور في بعض عباراته، فهو بسبب ذلك غالباً، فإن الكتاب الذي لا يحظى بعناية كافية لا يسلم ـ عادة ـ من خلل كهذا..

9 ـ لا بد أن نعترف: بأن ثمة مباحث لم توف حقها من البيان، ولم تستوف نصوصها التي تحتاجها لاستكمال ملامحها أو لم نذكر لها من المصادر ما يناسب أهميتها.. لأن همنا كان مصروفاً إلى فتح الباب، وإراءة الطريق، ولم يكن بإمكاننا الأخذ بيد سالكيه إلى نهاياته، لأن ذلك قد يؤدي إلى استطرادات واسعة، قد يصعب معها تحقيق الغرض من التصدي لتأليف الكتاب، فليقبل القارئ الكريم عذرنا هذا، والعذر عند كرام الناس مقبول..

10 ـ إن لنا الحق في أن نسجل هنا أمراً قد يفيد تسجيله في إثارة الرغبة لدى بعض أهل العلم بالتصدي لمعالجته، وهو أن ما يرتبط بحياة أمير المؤمنين ليس مجموعاً في كتاب تكفل بتبويبه وترتيبه، وتنسيقه وفق خطة بعينها، بل وجدناه متناثراً، ومنتشراً في كل كتاب، وفي كل فصل وباب، ولو جمعت سيرته "عليه‌السلام "، ورتبت، وبوبت حسب الأصول، فلربما تكون معالجتها أوفى وأتم مما هي عليه الآن.

11 ـ قد يلاحظ القارئ الكريم على مصادر هذا الكتاب أنها خلطت المصدر بغير المصدر، وذكرت القديم والحديث، والآخذ، والمأخوذ منه. وقد يتخذ ذلك ذريعة للطعن في سلامة الطريقة، وأن ينسب الخلل إلى


معايير البحث، ونحن نريد هنا أن نطمئن القارئ إلى أن هذا لم يغب عن بالنا، ولكننا قد تعمدنا ذلك لعدد من الأسباب التي لا مجال لشرحها الآن..

ومنها: التعريف بكتب علمائنا رضوان الله تعالى عليهم، والدلالة على تضمنها لهذه الحقائق..

ومنها: رفض الإلتزام بما يريد الآخرون أن يفرضوه علينا، من أن المعتبر هو كتبهم ومصادرهم ، وادعاء أنها هي الصحيحة دون سواها.

ومنها: تيسير الوصول إلى الكتب التي دونت النص لمن لا يملك مكتبة جامعة..

ومنها:

ومنها:

12 ـ إنني أتمنى على القارئ الكريم أن يتحفني بملاحظاته، وإقتراحاته، وسيجدني إن شاء الله عند حسن ظنه، لأن المهم عندي هو إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وليس لدي أي مصلحة في غير ذلك.

والشاهد على ذلك: أن الذي يلتزم جانب الحق، لن يكون مقبولاً عند أهل الباطل، وسيواجهونه بمختلف أنواع الكيد، والمكر، والتجني..

وهذا هو ما واجهناه، ولا زلنا نـواجهه على مـر الدهور وكـر العصور..

13 ـ قد يشعر البعض في بعض الأحيان ـ وإن كانت قليلة ـ: أن ما نأخذه على البعض قد نقع فيه، فمثلاً قد نقول: إننا نشك في نص بعينه،


لوجود نصوص أخرى تخالفه.. مع أن ذلك قد يحدث لنا أيضاً.

ونقول:

إن غيرنا يدعي: أن ما يقوله هو الصحيح، لأنه ورد في كتب الصحاح عنده.. وما عداه مكذوب، فنحن نلزمه بقوله. ونقول له:

إن هذا النص موجود في كتبك، فإن كان مكذوباً، فالكذب قد صدر من علمائك الذين تنسب إلىهم الديانة، وتصفهم بالوثاقة، فكيف تحكم؟!

أما نحن، فنقول:

كل رواية وردت في مؤلفات علمائنا تحتمل الصدق والكذب، لا لأن علماءنا قد كذبوها.. بل لأن علماءنا قالوا: نحن ننقل لكم ما نقل إلينا، وكله يحتاج إلى بحث وتمحيص منا ومنكم. فنحن وأنتم فيه شرع سواء..

وربما يكون المقصود هو بيان تناقض نصوص صححاهم نفسها، ليتبين لهم عدم صحة هذا الإدعاء، لكي يتنازلوا عن العرش الذي وضعوها فيه.

أما نحن، فإننا لم ندعِ صحة جميع ما في كتبنا، ليطلب منا التخلي عن هذه النظرة، التي من شأنها أن توقعنا في كثير من المشكلات.

14 ـ وأخيراً.. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا قول الحق، ويرزقنا نصرته، وتقويته، والإلتزام به، وأن يزهق الباطل، ويفضح أهله، ويرد كيدهم إلى نحورهم، ويحفظ أولياءه منهم، ويقوي عزائمهم، ويشد على أيديهم، إنه ولي قدير..

وقد حرر هذا التقديم بعد أشهر من الشروع في هذا الكتاب، وذلك


حين قرر الإخوة المهتمون بطباعة الكتاب، أن يشرعوا في طباعة القسم الأول منه.. يبدأ من أحداث ولادة علي "عليه‌السلام "، وينتهي أول خلافة علي أمير المؤمنين "عليه‌السلام " في سنة 35 للهجرة.

وكنا قد بدأنا في تدوين هذا الكتاب في أوائل شهر حزيران سنة 2007 للميلاد، وانتهينا إلى أول خلافة علي "عليه‌السلام " في أواخر شهر حزيران سنة 2008 للميلاد. رغم أننا قد توقفنا عن الكتابة خلال هذه الفترة نحو شهرين، بسبب سفرنا إلى إيران والعراق لزيارة العتبات المقدسة.

والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين.

عيثا الجبل (عيثا الزط سابقاً)

26/6/سنة 1429 هـ.ق الموافق 30/6/2008م.

جعفر مرتضى الحسيني العاملي



تمهيد(1):

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدّين.

وبعد.

فإن الحديث عن الأئمة، وعن حياتهم، ومواقفهم وممارساتهم ليس حديثاً عن أشخاص لهم ميزات وخصائص محدودة، ذات طابع فردي، تمتاز بها شخصية مّا على حد ما عرفناه وألفناه.

وإنما هو حديث عن الإسلام بشتى مجالاته، ومختلف أبعاده، وأروع خصائصه، وبكل ما فيه من شمولية، وأصالة وعمق.

إنه حديث عن الحياة بحلوها ومرها، وبكل ما لها من اتساع وامتداد،

____________

النجاح.. 1 ، والفلاح و- هذا التمهيد كتب ليكون مقدمة لكتاب ألفه أحد الأخوة الفضلاء، وقد رأينا أن نورده هنا، لشدة الحاجة إليه. ولمزيد من التعويل عليه في إيضاح بعض ما يحتاج إلى إيضاح.. ومن الله تعالى نطلب التوفيق والتسدسد


وغموض ووضوح. وهو أيضاً حديث عن هذا الكون المديد والهائل، وعن كل ما فيه من عجائب وغرائب، وآيات بينات.

حديث عن الدنيا والآخرة بآفاقهما الرحبة، وبجميع ما فيهما وكل ما لهما من ميزات، وسمات.

وإذن.. فليس بوسع أي باحث أو مؤرخ أن يستوعب حياتهم "عليهم الصلاة والسلام". ولا أن يعكس لنا الصورة الدقيقة والطافحة بكل النبضات الحية في شخصيتهم، وفي مواقفهم ومجمل سلوكهم، إلا إذا استطاع أن يدرك بعمق كل أسرار الحياة، وحقائق التكوين، ومرامي وأهداف حقائق الإسلام، ويقف على واقع تاثيراته في كل حياتهم، وفي كنه شخصياتهم، ومن ثم انعكاساته على كل المفردات، والحركات، والسلوك، والتعامل مع كل ما ومن يحيط بهم.

ولا نظن احداً يستطيع أن يدعي أنه قد بلغ هذا المستوى أو وُفِّق لمثل هذا المقام الرفيع، إلا إن كان واحداً منهم "عليهم السلام"، أو من نهل من نمير علمهم، وتربى في مدرستهم، وطبع كل حياته ووجوده بطابعهم فكراً وعلماً، وفضيلة وخلوصاً، وصفاءً، كسلمان الفارسي وأبي ذر، واضرابهما. وأين وأنّى لنا بأمثال هؤلاء، أو بمن هم دونهم بمراتب.

ولكن ذلك لا يعني أن نقف هكذا عاجزين، ولا أن نرتد خائبين، بل لابد من خوض غمار البحث، واقتحام هذا العباب الزاخر بالخير والبركات، والعبر والعظات، ليستفيد كل منا حسب ما تؤهله له قدراته، وتسمح له به إمكاناته، فإن ذلك نور على نور، وهو محض الخير الذي


يؤهلنا لخير أوفى وأوفر وأكبر، ولبركات أعم وأتم وأكثر.

آفاق البحث:

وإذ قد عرفنا: أن الحديث عن الأئمة "عليهم الصلاة والسلام" ليس تاريخاً لأشخاص، فيما نعرفه من مفردات التاريخ لهم.

وإنما هو تاريخ الرعاية الإلهية لهذا الإنسان، الذي أراد الله له أن تتجسد فيه كل آمال الأنبياء وجهودهم، على امتداد التاريخ البشري، فإنهم "عليهم السلام" هم النموذج الفذ للخلافة الإلهية على الأرض، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وما تحمله من مداليل.

نعم لقد تجسد في شخصيتهم الإنسان الإلهي الكامل الذي واجه الحياة، بالإرادة والعلم والوعي والحكمة، والحزم، وواجهته الحياة بكل ما تملك من سلبيات، وما تختزنه من مصاعب ومشكلات، وما انطوت عليه من مهالك، وآفات. فقهرتها إرادته، التي هي امتداد لإرادة الله سبحانه، واحبط مكرها وعيه، لأنه ينظر بعين الله، وانتصرت عليها حكمته، وأناف على جبروتها حزمه، لأن ذلك منه كان بتعليم الله وتسديده، وتوفيقه وتأييده.

ومن هنا.. فإنه يصبح من الوضوح بمكان حاجتنا إلى فهم حياة الأئمة "عليهم السلام" من خلال فهم الظروف، والأحوال التي ساهمت في فرض واقع معين، كان لابد لهم من أن يعايشوه، وأن يتعاملوا معه.

سواء في ذلك ما ربما يرى البعض أنه يقع في الدائرة الخاصة من حياتهم الشخصية "عليهم السلام" أو ما يفترض أنه الدائرة الأوسع من الحياة


العامة في ظروف العمل السياسي والاجتماعي، والتربوي العام، وما يرتبط بذلك أو ينتهي إليه، بسبيل، أو بآخر.

وكل ما تقدم يدلل على حقيقة واحدة، ويؤكدها، وهي الصعوبة البالغة، وحجم المشاق التي لابد أن تواجه أي باحث يريد أن يفتح نافذة على الآفاق الرحبة في حياتهم صلوات الله وسلامه عليهم، ويؤرخ لها ولو في أبسط المستويات، مهما أراد أن يقتصد ويقتصر على الضروري من الشواهد والدلائل.

سؤال.. وسؤال آخر:

ولكن ما تقدم يفرض علينا الإجابة على سؤال ملحٍ، وهو:

هل يكفي ما بأيدينا من نصوص ومصادر لهذا المهم، ويفي بهذا الغرض، ويحقق تلك الغاية؟!

وإذا كانت الإجابة بالنفي، فالسؤال الآخر الذي يواجهنا هو:

هل استطعنا أن نوظف كل ما لدينا من نصوص؟! وهل استفدنا من جميع المصادر التي بحوزتنا بالشكل الكافي، وبالمستوى المطلوب؟!

في مجال فهم حياتهم "عليهم السلام"، والانطلاق في آفاقها الرحبة واللامحدودة.

وطبيعي أن تكون الإجابة هنا بالنفي أيضاً، فإن الكل يعلم: أننا لم نستطع أن نستثمر ما بأيدينا من نصوص.

بل لن نكون مسرفين إذا قلنا: إننا حتى الآن لم نقم بما هو ضروري في


مجال التحضير للأجواء والمناخات، وتقريب الوسائل التي تؤهلنا، ولو لأن نقدم معلومات عامة منسقة بصورة فنية صحيحة. أو فقل لم نقم حتى بفهرسة إجمالية تقربنا إلى معرفة القيمة الحقيقة لما نملكه من تراث نافع في هذا المجال.

فضلاً عن أن نقوم بدراسة النصوص وتمحصيها، ثم ربطها بمناشئها وتأثيراتها في غاياتها بصورة علمية معمقة ومفيدة، ولو في دائرة محدودة.

أما ما قد نجده من لمحات ولمعات متناثرة هنا وهناك، فإنها لم تنل حظها من البحث والتقصي، ولا استطاعت أن تلتحق بما عداها، مما كانت لها تاثيرات ـ به أو فيه ـ بمستويات متفاوتة.

تاريخان.. غير متجانسين:

ولعل مما يزيد الأمر صعوبة، وإشكالاً: أننا إذا وضعنا تاريخ الأئمة "عليهم الصلاة والسلام"، إلى جانب هذا التاريخ الذي يدعي أنه يسجل وقائع وأحداث الفترة الزمنية التي عايشوها صلوات الله وسلامه عليهم. لو وضعناهما أمام باحث أو ناقد لا يملك تصوراً عن حقيقة تطورات الأحداث، وتأثير السياسات، فإنه سيجد: أنهما تاريخان غير منسجمين، بل وحتى غير متجانسين، وسيخيل إليه: أن الأئمة لا يعيشون الأحداث ولا يتفاعلون بمحيطهم، بل لهم عالمهم الخاص، المنغلق والمنطوي على نفسه، وللآخرين عالم آخر، لا يشبهه لا من قريب، ولا من بعيد.

ولكن الباحث الألمعي، والمدقق الخبير، الذي اطلع على حقيقة التطورات، وما رسمته السياسات في المجالات المختلفة، لا بد يجد عكس


ذلك تماماً، حيث سيرى: أن الأئمة "عليهم السلام" يلامسون الواقع عن قرب، ويسجلون الموقف الرسالي المسؤول، والواعي، تجاه كل ما يجري، ويدور حولهم.

ولعلهم "عليهم السلام" يمثلون في أحيان كثيرة أعمق العوامل تأثيراً في مجمل الواقع السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والتربوي، على مستوى الأمة بأسرها، فضلاً عن تأثيرهم العميق، في الدائرة التي يبدو ـ للوهلة الأولى ـ أنهم يعيشون فيها، ويتعاملون معها.

التزوير.. والأصالة:

وفي مجال فهم عوامل هذا الاختلاف الظاهر بين ذينك التاريخين، لابد من التأكيد على الحقيقة التالية:

أن ذلك الفريق الذي اهتم بتسجيل بعض اللمحات من حياة الأئمة ومواقفهم "عليهم السلام". يختلف كثيراً في عقليته، وفي مفاهيمه، وفي طموحاته، ثم في حوافزه ودوافعه، وكذلك في أهدافه وغاياته عن ذلك الفريق الذي تصدى للتاريخ وللحياة العامة لتلك الفترة الزمنية، التي عايشها الأئمة "عليهم السلام".

والأهم من ذلك الاختلاف الظاهر، بين هذين الفريقين في مجمل المعايير والمنطلقات التي رضيها كلُّ لنفسه، وانطلق منها لتمييز الحق من الباطل، والصحيح من السقيم، وعلى أساسها كان الرد أو القبول، والخروج، والدخول، في مختلف المواقع والمواضع.

وقد وجدنا: أن المنطلقات، والمعايير، التي انطلق منها، وتحرك على


أساسها أولئك الذين أرخوا لتلك الحقبة من الزمن، وكتبوا ما يسمى بـ "التاريخ الإسلامي"؛ كانت في مجملها مزيفة ومضللة أريد منها تكريس الانحراف، وتأكيده، وتبريره، والحفاظ عليه، وتسديده.

ولا نقول ذلك تعصباً، ولا تجنياً على التاريخ والمؤرخين، ما دام أن الكل يعترف لنا بحقيقة:

أن التاريخ المكتوب ليس هو تاريخ الشعوب والأمم، ولا يملك القدرة على أن يعكس لنا آمالها، ولا آلامها، ولا معاناتها أو حركتها في واقع الحياة. وإنما هو تاريخ الحكام والسلاطين، ومن يدور في فلكهم.

وحتى تاريخ الحكام هذا، فإنه لم يستطع أن يعكس واقعهم بأمانة ودقة ونزاهة، مادام أنه غير قادر إلا على تسجيل ما يرضي الحكام، ويصب في مصلحتهم، ويقوي من سلطانهم، مهما كان ذلك محرفاً وغير نقي، أو مزوراً وغير واقعي.

فلم يكن ثمة مؤرخ يملك حرية الرأي، ولا هو مطلق التصرف فيما يريد أن يقول أو يكتب. كيف وهو يرى بام عينه كيف أن رواية واحدة يرويها أحدهم في فضل علي "عليه‌السلام "، تثير عليه غضب الحاكم، فيصدر الأمر بجلده مئات السياط.

ويروي الطبري حديث الطير، فيرجم العامة داره، حتى كان على بابه تل من الحجارة.

ويروي أحدهم رواية حول مناظرة بين آدم وموسى "عليهم السلام"، فيشكل الأمر على احد الحاضرين ولا يعرف أين اجتمع آدم وموسى، وبين


موت ذاك. وولادة هذا مئات السنين، فيدعوا الخليفة له بالنطع والسيف، إلى آخر ما هنالك مما يحتاج استقصاؤه إلى وقت طويل وجهد وافر.

أضف إلى جميع ما تقدم: أن الكثير مما كتب وسجل، فإنما كتب بعقلية خرافية، قاصرة وغير ناضجة.

ولا أقل من أن كثيراً منهم ينطلق من تعصبات مقيتة، أو من هوى مذهبي رخيص لا يلتزم بالمنطق السليم، ولا يهتدي بهدى العقل، ولا يؤمن بالحوار والفكر كأسلوب أفضل للتوضيح وللتصحيح.

هذا.. إلى جانب أهواء وطموحات لا مشروعة ولا مسؤولة، تتوسل بالتحوير والتزوير. لتتوصل إلى المناصب والمآرب.

ومن خلال ذلك كله، وسواه، يصبح من الطبيعي: أن لا يجد الباحث في كتب التاريخ الملامح الحقيقة للشخصيات التي تقف في موقع التحدي للحكام، ولمخططاتهم، وتتصدى لأصحاب الأهواء المذهبية، والتعصبات العرقية، وغيرها، ولانحرافاتهم.

رغم أن هذه الشخصيات تركت آثاراً عميقة في واقع الحياة السياسية والاجتماعية، والعلمية والتربوية وغير ذلك.

ومن هنا.. نعرف: أنه لابد من البحث عن الأيدي الأمينة والمخلصة وتعهد لها بأن ترسم الملامح الحقيقية لهؤلاء الأفذاذ من الرجال. وأن تسعى لالتقاط ما تناثر هنا وهناك من لمعات، أو ندّ من لفتات ولمحات، لم يجد الحكام فيها خطراً، ولربما أراد المؤرخون أن يقضوا بها وطراً.


بين الإفراط.. والتفريط:

وبعد.. فإننا نشعر: أن من الضروري الإشارة هنا إلى ذلك النهج من البحث، الذي يفرط في الاعتماد على الغيب في فهمه لمواقف الأئمة "صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين"، وتفسيرها. ويفصلهم عن واقع الحياة وحركتها، ويصورهم على أنهم يحركون الحياة، ويتعاملون معها بصورة خفية، ومن وراء الحجب، بل إنك تكاد تذكر له أمراً عن إمام حتى يصدمك بالقول بأن ذاك إمام معصوم، له حكمه الخاص به، حتى كأن الإمام عنده لا يجوز الائتمام به، وليس قوله وفعله وتقريره حجة علينا وعلى الناس جميعاً.

وذلك إن دل على شيء، فإنما يدل على أن صاحب هذا النهج يعاني من مشكلة في فهمه للأئمة "عليهم السلام"، ولدورهم، الذي رصدهم الله للقيام به، ألا وهو نفس دور الرسول الأكرم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، الذي أرسله الله سبحانه مبلغاً ومعلماً، ومربياً، وولياً، وحافظاً ومهيمناً على الواقع العملي، وقائداً، وقاضياً، وحاكماً بالإضافة إلى مهمات صرح بها القرآن الكريم، ولهج بها النبي العظيم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

كما أنه لم يأخذ بنظر الاعتبار تأكيدات القرآن والرسل على بشريتهم:

( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَ بَشَراً رَسُولاً، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الهُدَى إِلاَ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً ) (1) .

____________

1- الآيتان 93 و94 من سورة الإسراء.


( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) (1) .

إلى آخر ما هنالك من آيات لها هذا الطابع، أو تصب في هذا الاتجاه.

وفي مقابل ذلك، فإننا لا نوافق الآخرين أبداً، بل نخطؤهم بقوة في نظرتهم المادية إلى الأئمة "عليهم السلام"، بعيداً عن عنصر الغيب، وعن الكرامات الإلهية، وعن التصرف الغيبي، والهيمنة على الواقع الراهن، فيفسرون مواقفهم "عليهم السلام" وكل سلوكهم، وأنحاء تعاملهم، ويفهمونها على أساس مادي، خاضع لحسابات عملية، وظاهرية رياضية، ولها آثار ونتائج طبيعية وذاتية بالدرجة الأولى.

وهم يتجاهلون بذلك هاتيك النصوص ذات الطابع الغيبي، التي تقوم على الألطاف الخفية، والكرامة الإلهية لعباد الله الأصفياء، وحججه على عباده، وأمنائه في بلاده.

فلا يكاد يقترب من تلك النصوص والآثار التي تسجل ـ على سبيل المثال ـ حقيقة: أنه يوم قتل الحسين "عليه‌السلام " لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا ووجد تحته دم عبيط.

ثم ظهور الحمرة في يوم عاشوراء، وقول زينب "عليها الصلاة والسلام" لابن زياد أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ولا يتصدى لبحث ذلك وتأييده، أو رده وتفنيده رغم أن ذلك قد تأكدَ حصوله، وليفترض لنا أن زينب "عليها السلام" إنما تفترض الحدث ولا تنقله لنا على أنه حقيقة واقعة.

____________

1- الآية 9 من سورة الأنعام.


وهم أبعد ما يكونون عن الحديث عن كلام الرأس المقدس فوق الرمح بالآية الكريمة:

( عَجَباً أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا ) (1) .

بالإضافة إلى حديث ارتفاع جدران المسجد، حينما همت "عليها السلام" بالدعاء على الذين يضطهدون أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، ويغتصبون حقه، بعد ضربهم لها، وإسقاطهم جنينها، حين وفاة أبيها الرسول الأكرم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

إلى غير ذلك من نصوص وآثار، تشير إلى ظهور الكرامات، وخوارق العادات لهم "عليهم السلام"، وشمول الله لهم بألطافه الخفية، تماماً كتلك المعجزات والكرامات التي سجلها القرآن للأنبياء، كما في قضية عصا موسى، ونقل عرش ملكة سبأ من اليمن إلى بيت المقدس، وغير ذلك.

نعم.. إن هؤلاء الباحثين والكتاب، لا يكادون يقتربون من النصوص التي لها هذا الطابع، وتصب في هذا الاتجاه، حتى كأنهم لا يريدون الاعتراف بها، أو أنهم يخجلون من وجودها. تماماً كخجل البعض منهم وإبائه من طرح موضوع الإمام المهدي الغائب "صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين" في أي من كتبه وأبحاثه، متمحلاً أعذاراً واهية لا تسمن ولا تغني من جوع.

ولا ندري إن كان بعد ثبوت صحة هذه النصوص، وسلامتها، يمكن

____________

1- الآية 9 من سورة الكهف.


لهؤلاء أن لا يعتبروها جزءاً من تاريخ الأئمة، ومن حياتهم.

وأخيراً..

فإننا نؤكد لهؤلاء ولغيرهم على حقيقة: أن الأئمة "عليهم السلام" يمثلون الرعاية الإلهية لإنسانية الإنسان، من خلال الاعتراف بواقعية وجوده المادي، ثم الانطلاق بهذا الواقع بالذات، والسمو به إلى المطلق، إلى رحاب الله سبحانه، من خلال الإمداد الغيبي، حيث يكون ذلك ضرورياً، وإكرامه بالكرامات الظاهرة، واكتنافه بالألطاف الإلهية الخفية اللامحدودة، حيث يصبح محلاً وأهلاً لها.

أما أولئك الذين يحجّمون دور الائمة، ويقصرونه على الأخلاق، مثلاً أو على الدور الاجتماعي، أو خصوص التحرك السياسي مثلاً، ويصبون كل تصوراتهم في هذا القالب المحدود أو ذاك، فإنما يقدمون للآخرين صورة تفقد معظم معالمها الأساسية، ولا يمكن أن يعكس بحث كهذا واقع حياتهم، وحقيقة دورهم "صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين".

مدخل دراسة، تعوزه الفهرسة:

ولقد كان بودي ان أسهم بدوري ببحوث تتناول بعض جوانب حياتهم "عليهم السلام". وهذه أمنية عزيزة علي، وأثيرة لدي. فسجلت قبل سنوات قد سجلت بعض النقاط على سبيل الفهرسة المؤهلة للدخول في بحث كهذا، على أن تمثل بمجموعها مدخلاً معقولاً لدراسة حياتهم "عليهم السلام"، وإن كانت لم تستوعب كل ما يجب، وما ينبغي.

وقد بقيت هذه النقاط متناثرة تائهة، يعوزها التنسيق، ثم رأى بعض


الأخوة أن الحقها بهذا الكتاب على شكل تمهيد لسيرة أمير المؤمنين "عليه‌السلام " علّ أن ينفع الله بها، من يسعفه التوفيق للبحث والتقصي في حياتهم "صلوات الله وسلامه عليهم".

والنقاط هي التالية:

1 ـ إن من الطبيعي إعطاء لمحة عن تواريخهم "عليهم الصلاة والسلام" كيوم الولادة، ويوم الوفاة، والسنة والشهر، ومحل السكنى والأولاد والزوجات، والأصحاب، وسائر النقاط التي تمثل الحياة الشخصية لهم "عليهم السلام".

وذلك بصورة علمية صحيحة، فيها من التحقيق، ما يزيل أي شبهة وريب أو ترديد.

2 ـ الإجابة على سؤال: لماذا تعدد الأئمة "عليهم السلام"؟! وهل يمكن أن يكون لما نراه من اختلاف وتميز بين الأمور التي تصدى لها كل إمام منهم بالنسبة للإمام الآخر، فهذا تراه يهتم بالتربية العقائدية، وذاك يهتم بنشر المعارف الفقهية، وثالث يهتم بالناحية السياسية، إلى غير ذلك مما تفرضه عقليات، وحاجات الأمة في الأزمنة المختلفة ـ هل يمكن أن يكون لذلك صلة بتعدد الأئمة "عليهم السلام"، أم أن ذلك لمحض الصدفة، واقتضاء الحالات والظروف الطارئة؟ مع العلم بأن بعض الأئمة قد تصدوا لأكثر من مجال أيضاً؟! أم أن هناك أسراراً وأسباباً أخرى تحتاج للبحث والكشف عنها.

3 ـ بيان الطرق التي اتبعها الأئمة لمعالجة الانحرافات الفكرية، وإيراد


أمثلة على ذلك، سواء في النواحي العقائدية، أو الفقهية، أو في التفسير، أو في السلوك الإنساني، والأخلاقيات، أو في المواقف من القضايا الحساسة والمصيرية، وغير ذلك.

4 ـ محاولاتهم طرح الإسلام العملي، الذي يرتبط بالغيب، ويندفع نحوه، مع مقارنة بين ذلك وبين ظاهرة التصوف، الذي اهتم بالرياضة الروحية، وأهمل الجانب الثقافي والعلمي. وبيان الفوارق بينهما وكذلك الحال بالنسبة لذلك الإسلام النظري الذي اهتم بالناحية الثقافية والعلمية، والعمل على استبعاد المفاهيم الخاطئة، والنظريات الفارغة والتي تبعد الإنسان عن النفحات الروحية، وتمنعه من الارتباط بالغيب.

5 ـ الملاحظة الدقيقة لموقفهم "عليهم السلام" من أهل الحديث، ومن المعتزلة، وسائر الحركات الدينية والفكرية، والفرق المختلفة التي كانت تحاول فرض نفسها، وبلورة أفكارها.

هذا بالإضافة إلى مواقفهم "عليهم السلام" من الفقهاء المنحرفين، وعلماء السوء، ووعاظ السلاطين.

6 ـ ولابد أيضاً من إلماحة سريعة إلى سر اختيارهم "عليهم السلام" السكوت في قضية خلق القرآن، وسبب أمرهم شيعتهم بعدم التدخل في الجدل القائم حولها.

مع إلماحة سريعة إلى أهداف طرح مسألة كهذه، ثم النتائج التي تحققت في هذا الاتجاه.

7 ـ ثم هناك موقفهم "عليهم السلام" من الثقافات الغربية الوافدة عن


طريق أهل الكتاب، وعن طريق الترجمات لكتب سائر الامم، أو اختلاط المسلمين بعد الفتوحات، وغيرها بالأمم الأخرى، وإطلاعهم على ما عندها من أفكار ومذاهب.

ولا يجب أن ننسى مواقفهم "عليهم السلام" من التحريفات، التي كان يتعرض لها الإسلام الخالص من قبل اليهود والنصارى الذين أظهروا الإسلام. ومن قبل القصاصين، وأهل الحديث من طالبي الشهرة والمال، وكذلك تحريف الحكام والسلاطين للإسلام، ليوافق مذاهبهم ومشاربهم السياسية، ويخدم طموحاتهم، وتوجهاتهم السياسية، ومصالحهم الشخصية، أو القبلية والإقليمية.

8 ـ ولابد من بيان موقفهم من تفسير القرآن الذي كان يتم ـ في أحيان كثيرة ـ بصورة غير واقعية، وموقفهم من التلاعب بالسنة النبوية الشريفة.

ثم التعرف على الموازين والمعايير والضوابط التي اتبعوها أو أرشدوا إليها، والتي يتمكن الناس من خلالها من معرفة ذلك الجانب المريض من النصوص، واستبعاده، كما ويتمكن شيعتهم بواسطتها من فهم القرآن فهماً سليماً غير متأثر بما هو غريب عن الدين وتشريعاته، وعن الإسلام ومفاهيمه.

ومن هنا تصبح دراسة قضية الكندي الذي حاول نشر كتاب يعترض فيه على مداليل آيات القرآن، تصبح ضرورية لفهم بعض أساليب الأئمة في مواجهة حالات الإنحراف الفكري، إذا كانت منطلقة من شبهة، ولم يكن له خلفيات، ذات طابع غير أخلاقي، ولا إنساني.

9 ـ كما لابد من دراسة السر في أنهم "عليهم السلام" لم يتركوا للناس


آثاراً مكتوبة، مادام أن ذلك يحسم النزاع في أمور كثيرة. مع ان تدوين العلوم كان في زمنهم على قدمٍ وساق، ورغم أن أمير المؤمنين "عليه‌السلام " قد كتب الجفر والجامعة وغير ذلك، لكن ما كتبه "عليه‌السلام " قد بقي عندهم "عليهم السلام" ، ولم يتجاوزهم إلى غيرهم.

وذلك يحتم دراسة صحيفة الرضا "عليه‌السلام "، وغير ذلك مما ينسب إليهم "عليهم الصلاة والسلام" لمعرفة ما إن كانت من إملاءاته، أم أنها من مكتوباته، أو من المنقولات الشفهية عنه.

أضف إلى ذلك: أنهم "عليهم السلام" ما فتئوا يشجعون شيعتهم على تدوين العلوم، واتقانها، فلابد من تفصيل وقائع ذلك بصورة واضحة.

10 ـ لابد من البحث حول كرامات الأئمة "عليهم السلام"، والإجابة على سؤال: هل كان الأئمة بحاجة إلى ظهور تلك الكرامات على أيديهم؟

وما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟

ثم ما الفرق بين كراماتهم وبين ما ينسب إلى غيرهم من المتصوفة وسواهم. وهل كل ذلك صحيح؟

أم أن كرامات الصوفية وغيرهم موضع شك وريب ولماذا؟

وإذا كان ثمة مبالغات غير معقولة، فلابد من الإشارة إلى ذلك مع التركيز على فهم ظروفه ومبرراته.

كما لابد من دراسة ما ينسب إلى المرتاضين حتى من غير المسلمين من خوارق.. وكذا ما ربما يدعى حصوله لبعض غير المسلمين ممن لهم اعتقادات


غير صحيحة.

وهل يدخل الكرامات اخباراتهم "عليهم السلام" بالأمور الغيبية وعن المستقبل؟!

وهل كل ذلك من هذا الباب؟!

أم أن بعضه من العلم الخاص، وبعضه ليس من هذا ولا ذاك، وإنما هو معرفة للنتائج من خلال دراسة الظروف الموضوعية بدقة وتبصُّر؟!

ولابد أيضاً من معرفة السبب في أن علياً "عليه‌السلام " كان يهتم بالأخبار بالمغيبات، وقد بلغت إخباراته حداً جعل بعض الناس يتهمونه بالتكهن وحتى بالكذب ـ والعياذ بالله ـ

مع ذكر نماذج مما تحقق من إخباراته الغيبية "عليه الصلاة والسلام".

11 ـ حدود علوم الأئمة "صلوات الله وسلامه عليهم"، وكيفية حصولها لهم مع تسجيل الملاحظة التي تقول: إنهم "عليهم السلام" كانوا باستمرار يؤكدون على أن لديهم من العلوم والمعارف الخاصة ما ليس عند غيرهم، وأنهم تلقوا ذلك من رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " المسدد بالوحي، ومن ذلك قولهم: إن عندهم الجفر والجامعة، وكتاب علي "عليه‌السلام " وغير ذلك. وما هو السر في ذلك؟

12 ـ محاولة إعطاء وصف دقيق ـ مع الأمثلة الكثيرة ـ لشخصياتهم في أبعادها المختلفة، وإبراز فضائلهم ومزاياهم النفسية، بالإضافة إلى التعرف على سلوكهم الإنساني والأخلاقي.

ثم إعطاء تصور عن حياتهم الخاصة، ووصف دقيق لتعاملهم مع


أبنائهم وسائر أفراد عوائلهم، وحركاتهم داخل بيوتهم، وتصرفاتهم مطلقاً، حتى مع ضيوفهم، أو حينما يكون ثمة ما يوجب فرحاً وسروراً أو حزناً وجزعاً.

13 ـ القاء نظرة دقيقة على طريقة عباداتهم، وطبيعة ارتباطهم بالله، وكيفية الإستفادة من ذلك.

14 ـ ملاحظة مصادر أموالهم وحجمها، وكيفيات وصولها إليهم وكيف كانوا ينفقونها؟ وما هو مدى تأثير المال في حياتهم وفي روحياتهم ونفسياتهم؟

ثم الإشارة إلى حقيقة موقفهم من عطايا الحكام، ومتى تقبلوها، ولماذا؟ متى رفضوها وهل كان رفضهم لها يعني ـ بنظر الحاكم الظالم ـ تحدياً، وإعلاناً للحرب ضده.

ولابد من معرفة السرّ في أن أمير المؤمنين "عليه‌السلام " قد كان ينفق على نفسه من أمواله في المدينة، وهل كان يأخذ من بيت المال عطاءً، وفي أي شيء كان ينفقه، وكيف جاز له أخذ العطاء، إذا كان يملك من البساتين ما تقدر صدقته، أو غلته بأربعين ألف دينار في السنة؟!

وهل كانوا "عليهم السلام" يتناولون من الخمس شيئاً، وكذا من غيره من الحقوق الشرعية، ولماذا؟

هذا بالإضافة إلى توضيح كيف أنهم "عليهم السلام" كانوا يصرون على العمل في مزارعهم وبساتينهم بأنفسهم.

ثم البحث عن سرّ مطالباتهم ببعض ما انتزع منهم من أراضٍ، وماذا


كان مصير الخمس في عهد علي "عليه‌السلام ".

ولماذا لم يسترجعوا ما أخذ منهم؟؟

15ـ أساليبهم التربوية لشيعتهم، وأسس وأساليب تعاملهم معهم. وكيفيات ربطهم الناس بقضية أهل البيت "عليهم السلام"، عقائدياً وعاطفياً وثقافياً وغير ذلك، وتأثيرات هذه المركزية الدينية على الحالة الفكرية وعلى الانسجام في الفهم للأمور وفي المواقف والتطلعات، والآمال هذا إلى جانب موقفهم من كل الثقافات الأخرى وأن كل ما لا يخرج من هذا البيت فهو زخرف، ومدى تأثير ذلك في صيانة الفكر والعقائد، والمفاهيم لدى الناس الذين كانوا مرتبطين بهم.

16ـ هذا بالإضافة إلى تسليط الضوء على الحالة التنظيمية الدقيقة التي ركزوها فيما بين شيعتهم، والماحة إلى دور وكلائهم في مختلف الأقطار، وحدود صلاحيات ووظائف أولئك الوكلاء، ثم معالجات الأئمة "عليهم السلام" للخلافات التي ربما كانت تنشأ فيما بين هؤلاء الوكلاء، مع التركيز الدقيق على الانضباطية في الحالة التنظيمية، حتى إنهم ليرجعون الأموال لأحد الأشخاص، ليدفعه إلى الوكيل الذي كان في بلد ذلك الشخص.

17 ـ الأساليب الحربية، ومبادئ الحرب عندهم، هذا بالإضافة إلى المبررات التي تكفي لخوض الحروب ومكابدة ويلاتها. بالإضافة إلى بيان الحدود التي تفرض إيقاف تلك الحرب، ومبررات التخلي عنها.

ووصف دقيق لتعاملهم الإنساني مع أعدائهم، ورفض منطق التشفي، وأسباب ذلك وتأثيراته.


18 ـ إبراز اهتمام الأئمة "عليهم السلام" بتربية متخصصين في العلوم والفنون، فهذا متكلم، وذاك فقيه، وآخر كيميائي، وهكذا.. ثم اهتمامهم في أن لا يتجاوز كل منهم حدود اختصاصه وإرجاع الآخرين حين تمس الحاجة إلى أصحاب الاختصاصات كل حسب ما يتناسب مع ما يطلبه ويريده.

ثم إبراز المستوى الثقافي لأصحابهم "عليهم السلام" حتى لقد أصبحوا في عهد الإمام الصادق، والكاظم "عليهما‌السلام " هم الطليعة المثقفة والواعية، وأرباب الفكر والعلم في الأمة الإسلامية، وهيمنوا على الثقافة العامة بصورة واضحة. ودراسة تأثيرات ذلك على صقل الفكر، والتعامل مع مقولات أرباب الفرق والمذاهب الأخرى.

هذا.. بالإضافة إلى تاثيرات ذلك على السياسة والسياسيين ومواقفهم من الأئمة "عليهم السلام"، ومن الشيعة بصورة عامة.

19 ـ بيان اهتمام الائمة "عليهم السلام" بتعليل الأحكام الشرعية وغيرها، حتى لقد ألفت الكتب فيما روي عنهم "عليهم السلام" من علل أو من حكم ودراسة الطابع والخصائص التي كانت تتميز به تلك التعليلات والموضوعات والنواحي التي أبرزتها أكثر من غيرها.

20 ـ بيان أنهم "عليهم السلام" كانوا لا يستعملون التقية في بعض القضايا الحساسة، رغم خطورة ذلك على حياتهم، كقضية: أنهم الأحق بالإمامة من كل أحد، وقضية النص على علي "عليه‌السلام " فما هو سر ذلك؟

وما هي الأساليب التي استفادوا منها لإقناع الناس بهذا الأمر الخطير.


ثم إظهار أنهم كانوا يركزون في إثبات ذلك على أمور:

منها: إظهار وإثبات: أن لديهم علوماً خاصة، ورثوها عن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، ولا توجد لدى أي كان من البشر.

ومنها: قضية النص.

وغير ذلك..

21 ـ كيف كان يتم الإتصال فيما بين الأئمة "عليهم السلام" وبين القاعدة الشعبية، وبسائر أفراد شيعتهم، الذين كانوا في ضيق شديد، ومحنة عظيمة من قبل حكام الجور، وكثير منهم في السجون، أو مشردون في البلاد.

مع إعطاء لمحة عن الأساليب والوسائل التي كان كبار شيعتهم يتوسلون بها للاتصال بهم، ولاسيما في الظروف الصعبة والحرجة.

22 ـ لابد من إعطاء لمحة عن نشاطات الأئمة حينما كانوا في سجون الطواغيت، سواء في ذلك نشاطاتهم فيما بين الناس الذين هم في الخط الآخر، أي في ركاب الحكام، أو ينتمون إلى فرق أخرى ليست على علاقات طيبة مع خط أهل البيت "عليهم السلام"، حتى أن يحيى بن خالد البرمكي يشكو إلى الرشيد بأن الإمام الكاظم ـ وهو تحت هيمنتهم، ورقابتهم ـ قد أفسد عليهم قلوب شيعتهم.

23 ـ سياساتهم في مواجهة التمييز العنصري، فكان الإمام السجاد "عليه‌السلام " يهتم بالموالي وشرائهم وعتقهم بصورة متميزة عن باقي الأئمة، باستثناء ما عرف عن أمير المؤمنين "عليه‌السلام ". وكان يعلمهم ويثقفهم، ويكتب ذنوبهم في كتاب، ثم يذكرهم بها ويعتقهم.


وقد أعتق ألوفاً كثيرة منهم. ولابد من دراسة دقائق تعامله "عليه‌السلام " معهم، وظروف عتقه لهم، وآثار هذا التعامل ودوافعه.

مع الالتفات إلى ان هذا منه "عليه‌السلام " يجيء في وقت كان فيه الحكام يمارسون سياسة التمييز العنصري، وتفضيل العرب على كل من سواهم بأبشع الصور، وأرذلها.

ثم.. الإلماح إلى دور الموالي في نشر الإسلام، ولاسيما التشيع لأهل البيت، ثم البحث عن دورهم في نشر الإسلام في الأمم الأخرى بصورة عامة.

كما لابد من دراسة ظاهرة تزوج نفس الأئمة "عليهم السلام" بغير العربيات بكثرة، حتى إن عددا منهم قد ولد من هؤلاء النساء بالذات.

يضاف إلى ذلك: أن لمعرفة الأئمة بلغات الأمم آثار لها طابعها الخاص، لابد من الإطلاع عليه، والإلمام به ومعرفة بمناشئه.

24 ـ ثم هناك موضوع التمهيد منهم "عليهم السلام" لغيبة الإمام المهدي "صلوات الله وسلامه عليه"، وكيف بدأوا يحتجبون عن الناس منذ عهد الإمام الهادي "عليه‌السلام "، ليعوِّدوا شيعتهم على هذه الظاهرة.

هذا بالإضافة إلى أن الإمام الجواد والهادي "عليهما‌السلام " قد تصديا لمقام الإمامة في سن مبكرة جداً، أي في الخامسة أو فوقها بسنوات معدودة. مع ملاحظة مدى تأثير ذلك على موقف الشيعة وعلى فكرهم، ثم على موقعهم بين أهل الملل الأخرى.

مع الإشارة إلى أن الإمام المهدي قد غاب وهو صغير السن، وذلك


بعد وفاة والده "عليهما‌السلام ".

25 ـ ولابد من الحديث عن مساهمة الأئمة "عليهم السلام" في النهضة العلمية، وعن تصريحاتهم أو تلميحاتهم إلى حقائق علمية، لم يمكن اكتشافها، أو فقل إدراكها إلا بعد قرون من الزمن. وعن بعض القواعد والمباني التي ساعدت على تحقق هذه النهضة العلمية، مع ذكر أمثلة صريحة ويقينية في هذا المجال، مع ملاحظة تنوع العلوم، ومن اشتهر من أصحابه بالتصدي إليها كجابر بن حيان وغيره.

26 ـ ومن الأمور الجديرة بالبحث "الدعاء" عند الأئمة، ولاسيما بالنسبة لأمير المؤمنين، والإمام السجاد، والإمام الحسين "عليهم السلام"، مع تقييم وبحث للصحيفة السجادية، ومضامينها المختلفة، وموضوعاتها المتنوعة، السياسية، والعقائدية، والتربوية، والاخلاقية وغير ذلك.

مع الإشارة إلى ما يلاحظ من المد والجزر في مستوى اعتمادهم "صلوات الله وسلامه" على طريقة الدعاء في إبلاغ وتحقيق مقاصدهم الإعلامية والتعليمية والتربوية.

كما لابد من إلمامة ولو سريعة بما كان يعاني منه الناس من جهل مطبق، وتجهيل متعمد لهم، بالإضافة إلى ظاهرة التحريف التي كانت تستهدف الإسلام والمسلمين في تلك الفترة، حتى إن بني هاشم، وهم أقرب الناس إلى مصدر الوحي والتنزيل كانوا إلى أن مضت سبع سنين من إمامة الباقر "عليه‌السلام " لا يعرفون كيف يصلون، ولا كيف يحجون.

كما أن من المفيد جداً دراسة رسالة الحقوق للإمام السجاد، ولعهد


أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للأشتر، وتوحيد المفضل، والرسالة الطبية الذهبية، وغير ذلك.

27 ـ وإذا كنا نجد: أنه لم يكن يعترف بإمامة السجاد سوى ثلاثة أشخاص، أو خمسة، حسب اختلاف النقل، فلابد من معرفة الخطوات التي اتخذها الإمام "عليه‌السلام " لتهيئة الأجواء لمدرسة الباقر والصادق "صلوات الله وسلامه عليهما".

مع أن الناس بعد قتل الحسين "عليه‌السلام "، وبسبب السياسة الأموية البغيضة انصرفوا عن أهل البيت "عليهم السلام"، ولم يبق بينهم ـ بنظرهم ـ شخصية كبيرة تعنوا لها الجباه بالتسليم والخضوع، وكيف استطاع السجاد "عليه‌السلام " أن يصبح الرجل العظيم الذي يجله حتى أعداؤه ومخالفوه أكثر من أي إمام آخر، فهل كان ذلك لأنهم رأوا فيه انصرافاً عن طلب الحكم والسلطة؟ أم لغير ذلك من الأمور.

وما هو مدى صحة ما يقال من أنه "عليه‌السلام " قد قلل اتصاله بالناس خلال عشر سنين، واختار العيش في البادية، وما هو تفسير ذلك على تقدير صحته.

28 ـ ما هي دوافع الحركات الشيعية وغيرها، كالزيدية وكحركات الغلاة، وكذلك سائر الحركات التي قامت ضد الحكم والحاكمين، مثل حركات الخوارج، وما هو موقف الأئمة "عليهم السلام" من هذه الحركات، وكيف كانوا يوفقون بين آرائهم فيها، وبين حفظ موقعهم وهم يواجهون ظاهرة اندفاع الناس نحوها.


ولماذا نهى علي "عليه‌السلام " عن قتال الخوارج بعده. وما هو موقف الشيعة والأئمة منهم.

29 ـ ولابد أيضاً من دراسة موقف الأئمة من الحكام وموقف الحكام من الأئمة، وكيف أمكن لهم الحفاظ على التشيع، الذي يواجه الحكام على مدى التاريخ، مع ان التعاليم التي كان يؤمن بها الشيعة هي على النقيض تماماً مما يسعى الحكام له، ويعملون من أجله.

وقد رأينا: أن حكومة الجبارين ما حاربت مذهباً إلا وخنقته في مهده، وقطعت أوصاله، إلا أن يسير في ركابها، ويدور في فلكها، ويجند نفسه ويحرف تعاليمه لتصبح في خدمتها، وقد كان المعتزلة فرقة قوية في منطقها وكانت تملك هي مقاليد السلطة على مستوى الخلافة الإسلامية كلها، ولكنه حين رأت السلطة: أنها في غنى عنها، وناصرت خصومها ضدها، سرعان ما أصبحت في خبر كان، وأصبح اصحاب نحلة أهل الحديث، وهي من السخافة بمكان هم المسيطرون، وهم الحاكمون، وبقيت نحلتهم ودامت، وقعدت وقامت، وإن كان الأشعري قد حاول طلاء وجهها ببعض الأصباغ التي لم تستطع التخفيف من بشاعة ملامحها، حين يتأمل بها المتأملون، ويلتفت إلى ملامحها الشوهاء الواعون.

كما لابد أيضاً من التوقف عند الأساليب التي كان ينتهجها الحكام لإبعاد الناس عن الأئمة، ومنها أسلوب التخويف والملاحقة.

كما أن من الضروري الإلفات إلى أن الشدة وغيرها من الأساليب كان الحكام يحاولون من خلالها إبعاد الناس عن أهل البيت "عليهم السلام"،


كانت تنتج عكس ما يريدون وخلاف ما كانوا إليه يطمحون، حيث يزداد الناس في كثير من الأحيان تعلقاً بأهل البيت، ثم محاولة تفسير ذلك بالشكل المعقول والمقبول.

مع تقديم أطروحة كاملة عن نظرتهم "عليهم السلام" إلى الحكم والحاكمين، وعن الموقف الشرعي منهم، وأساليب التعامل معهم.

30 ـ ومن اللازم أيضاً تفسير ظاهرة عزوف الأئمة "عليهم السلام" عن المواجهة العسكرية مع الحكام بعد الحسين "عليه‌السلام "، مع وجود ثورات كثيرة قام بها الزيدية وغيرهم.

كما أن من الضروري معرفة حقيقة موقف الأئمة من ثورة زيد والمختار، وكذلك سائر الثورات التي كانت ترفع شعار الحق والعدل، كثورة الحسين الهرش، وثورة الحرة بالمدينة، بالإضافة إلى ثورة الحسين بن علي صاحب فخ، وسائر ثورات العلويين.

ولماذا كانوا "عليهم السلام" يرغبون باستمرار هذه الثورات، ويقولون لشيعتهم: ما زالت الزيدية لكم وقاء أبداً، ويقولون أيضاً ما مضمونه: ما زلت أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد. أو نحو ذلك.

وكيف يمكن تفسير هذا الكلام، وعلى أي معنى يحمل.

مع أننا لا نجد في علاقات نفس هذا الإمام بالثائرين، ما يشجع، أو ما يستحق أن يقال عنه: إنه علاقات طبيعية على أقل تقدير، وذلك بسبب وجود كثير من الفجوات والاشكالات فيما بينه وبينهم.

31 ـ يضاف إلى ما تقدم: دراسة محاولاتهم "عليهم السلام" إدخال


بعض الشخصيات الشيعية ـ ولو مع التقية ـ إلى المراكز الحساسة في الدولة التي يحكمها الظالمون، كما هو الحال في ابن يقطين في دولة الرشيد العباسي.

وقد بقي بعض الشيعة يحاولون النفوذ إلى بعض المراكز في الحكومات، حتى بعد عصر الأئمة الطاهرين "صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين".

ولكنهم في نفس الوقت يمنعون صفوان الجمال من كراء جماله لهارون الرشيد حتى لأجل أداء فريضة الحج، فكيف نوفق بين هذين الموقفين.

ومن المفيد جداً أيضاً: التعرف على الأساليب العملية في مجال الدعوة، والشعر، والكرامات، والإخبار بالمغيبات.

بل نجد عطاياهم للشعراء مثيرة للعجب، لكثرتها، فيرد سؤال: أليس الفقراء كانوا أولى بهذا المال من هذا الشاعر؟

كما لابد من دراسة استشهادات علي "عليه‌السلام " والحسين "عليه‌السلام " لحديث الغدير في رحبة الكوفة وفي منى، وغير ذلك من المواضع.

وهناك أيضاً موضوع تخصيص الإمام الباقر "عليه‌السلام " ثمان ماءة درهم يندبنه بعد موته في منى في موسم الحج لمدة عشر سنين.

هذا بالإضافة إلى حثهم الشديد والأكيد على إقامة مجالس العزاء والبكاء على الحسين "عليه‌السلام ".

إلى غير ذلك من أساليب تعليمية وإعلامية اختاروها في مجال دعوتهم إلى الله سبحانه، وكلها مشروعة، ومؤثرة.

32 ـ وإذا كان الاهتمام بالإبتعاد عن مذهب أهل البيت، وبالجعل والاختلاق للحديث ـ قد تجلى في القرن الأول أكثر منه في الذي يليه فإننا


نلاحظ قلة المأثورات في الفقه في القرن الأول، ولم يكن ثمة تحديد واضح لكثير من المسائل والأحكام في تلك الفترة، وقد يكون ذلك لأجل تفويت الفرصة على الوضاعين وأعداء الحق. وقد يكون لغير ذلك أيضاً.

ثم بدأ التركيز على المسائل الفقهية وتحديدها، وتحديد الحق في غيرها من المسائل العقائدية منها وغيرها ـ بدأ ـ بعد ذلك القرن، أي من زمن الباقر "عليه‌السلام ".

أو فقل: بعد مضي سبع سنين من إمامته، كما أشارت إليه بعض النصوص.

كما أن إظهار الجانب العقائدي السياسي والتدبيري قد كان في عهد الإمام علي أمير المؤمنين "عليه‌السلام " أكثر منه في عهد سائر الأئمة من ولده.

33 ـ كما لابد من دراسة مواقفهم "عليهم السلام" من الثقافات الوافدة، والمعايير التي رسموها لشيعتهم لقبول ما يمكن قبوله منها، ورد ما يجب ردّه، مع بيان ما قبلوه مطلقاً، وما قبلوه بشرط، وما لم يقبلوه مطلقاً أيضاً.

34 ـ وأخيراً.. لابد من معالجة موضوع الغيبة وفوائدها، وآثارها. وكيف ربى الأئمة شيعتهم على الاستقلال الفكري، بإعطائهم الضوابط والمعايير العامة التي تمكنهم ـ لو روعيت ـ من اتخاذ الموقف الصحيح في مختلف الحالات والظروف، وعلى مر الزمان.

كما لابد من دراسة الزلزال الكبير الذي أحدثته الغيبة، رغم الإعداد لها بإمامة الجواد والهادي وهما صغيران، وباحتجاب العسكريين عن الناس أيضاً تمهيداً لذلك، وغير ذلك مما يجده الباحث المتتبع.


القسم الأول:

علي (عليه‌السلام ) في حياة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )



الباب الأول:

علي (عليه‌السلام ) قبل البعثة



الفصل الأول:

الإمام علي (عليه‌السلام ) نسباً.. ومولداً..



نسب علي (عليه‌السلام) :

هو: علي بن أبي طالب، بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان..

أمه: فاطمة بنت أسد، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي.. إلى آخر النسب الشريف المذكور أعلاه..

وهذا هو نفس نسب رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، بدءاً من عبد المطلب فما بعده..

وقد قال "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": أنا وعلي من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى(1) . مع العلم: بأن لهذه الكلمة معنى أتم وأعمق،

____________

1- راجع: المناقب للخوارزمي ص143 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص300 وإقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ج1 ص506 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص469 و 460 وج2 ص230 والمزار لابن المشهدي ص576 والأربعون حديثاً لمنتجب الدين ابن بابويـه ص35 وبحار الأنـوار = = ج21 ص279 ـ 280 وج23 ص230 وج35 ص301 وج38 ص188 و 309 وج40 ص78 وج99 ص106 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص361 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص72 ـ 73 و 293 و 364 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص100 والمعجم الأوسط للطبراني ج4 ص263 وكنز العمال ج11 ص608 وتفسير فرات الكوفي ص161 ومجمع البيان ج2 ص311 وج9 ص48 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص242 والتفسير الصافي ج4 ص373 وج6 ص366 وتفسير الميزان ج11 ص296 وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج1 ص377 وج2 ص203.

وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص65 وميزان الإعتدال للذهبي ج2 ص306 والكشف الحثيث لسبط ابن العجمي ص135 ولسان الميزان لابن حجر ج3 ص180 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص35 وإعلام الورى ج1 ص316 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص548 وينابيع المودة للقندوزي ج1 ص45 وج2 ص74 و 242 و 307 و 394 والشافي في الامامة للشريف المرتضى ج2 ص256 والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص48 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص255 الباب الرابع.


وأدق وألصق، وبهما أولى وأوفق فإنهما خلقا من نور واحد قبل خلق الخلق كما في الروايات، وهذا لا يخفى على المتأمل البصير، والمدقق الخبير.

وروي أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال: إذا بلغ نسبي إلى عدنان


فامسكوا(1) .

وقيل: اسم أبي طالب: عبد مناف(2) .

____________

1- تاج المواليد (مطبوع مع مجموعة كتب) للشيخ الطبرسي ص4 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج1 ص134 وبحار الأنوار ج108 ص203 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص35 وج15 ص105 و 280 وقصص الأنبياء للراوندي ص314 والحدائق الناضرة ج17 ص423 والأنوار البهية ص31 وإعلام الورى ج1 ص43 والدر النظيم ص47 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص15 والعدد القوية ص141.

2- مقاتل الطالبيين ص3 والمستدرك للحاكم ج3 ص108 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص11 وج15 ص219 والمجموع للنووي ج1 ص348 وج4 ص35 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص68 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج16 ص231 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص481 ونبوة أبي طالب تأليف مزمل حسين الميثمي الغديري (ط قم ـ ايران) ص7 ـ 12 ومدارك الأحكام ج5 ص257 وذخيرة المعاد (ط.ق) للمحقق السبزواري ج1 ق3 ص460 والهداية الكبرى للخصيبي ص95 ودلائل الإمامة للطبري (الشيعي) ص57 والعمدة لابن البطريق ص23 و 411 وذخائر العقبى للطبري ص171 وعمدة الطالب لابن عنبة ص21 وبحار الأنوار ج22 ص260 وج35 ص66 و 138 و 141 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص49 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص583 ومسـتـدرك سفيـنـة البـحـار ج6 ص554 وشـرح مسـلـم للنـووي ج1 ص213 = = وفتح الباري ج7 ص150 وج10 ص489 وعمدة القاري ج2 ص147 وج8 ص180 وج9 ص227 وج17 ص17 وج18 ص277 وج21 ص218 وج23 ص125 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص135 وسر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري ص3 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص92 ومعرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ص184 والإستيعاب ج1 ص370 وج3 ص1089 وتفسير مقاتل بن سليمان ج1 ص342 وتفسير الثعلبي ج4 ص141 والإكمال في أسماء الرجال للتبريزي ص163 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص93 و 121 وج3 ص19 وج4 ص34 وتاريخ ابن معين ج1 ص24 وطبقات خليفة بن خياط ص30 والجرح والتعديل للرازي ج2 ص482 وج6 ص192 والثقات لابن حبان ج1 ص32 وج2 ص135 وتاريخ بغداد ج1 ص143 والتعديل والتجريح للباجي ج2 ص891 وج3 ص1074 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص118 وج42 ص7 و 12 و 15 وج66 ص309 و 310 وأسد الغابة ج1 ص31 و 286 وج3 ص422 وج4 ص16 وتهذيب الكمال للمزي ج1 ص200 وج5 ص50 و 51 وج20 ص472 والأعلام للزركلي ج5 ص130 والمعارف لابن قتيبة ص203 وأنساب الأشراف للبلاذري ص23 والمجدي في أنساب الطالبين ص7.

ويؤيد ذلك: ما روي: من أن عبد المطلب قال:


أوصيـك يـا عبد منـاف بعـدي بمـوحـد بـعـد أبـيـه فـــرد(1) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص34 والفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص45 وعمدة الطالب لابن عنبة ص21 وبحار الأنوار ج15 ص152 وج35 ص85 = = ومستدرك سفينة البحار ج5 ص432 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص13 وسيرة ابن إسحاق ج1 ص47 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص211 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص70 والكنى والألقاب للقمي ج1 ص108.


وقال أيضاً:

وصَّيـت مـن كنـَّـيتـه بطالبِ

عبد مناف وهـو ذو تجـارب(1)

وقيل: اسمه عمران.

وقد ورد في زيارة النبي الأكرم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، المروية في بعض كتب أصحابنا: "السلام على عمك عمران، أبي طالب"(2) .

وقيل: اسمه كنيته..

قال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه كنيته(3) .

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج35 ص85 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص34 وعمدة الطالب لابن عنبة ص21 وسيرة ابن إسحاق ج1 ص48 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص556 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص78 وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج1 ص324 وج8 ص114 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص211 والخصائص الفاطمية للكجوري ج1 ص115 والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي ج1 ص108.

2- بحار الأنوار ج97 ص189 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص555.

3- معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ص184 وتاريخ مدينة دمشق ج66 ص310 والإصابة ج4 ص115 و (ط دار الكتب العلمية 1415هـ) ج7 ص196.


وروي عن علي أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، أنه قال على منبر البصرة: اسم أبي عبد مناف، فغلبت الكنية على الإسم. وإن اسم عبد المطلب عامر(1) ، فغلب اللقب على الاسم، واسم هاشم عمرو، فغلب اللقب على الإسم. واسم عبد مناف المغيرة، فغلب اللقب على الاسم. وإن اسم قصي زيد، فسمته العرب مجمعاً، لجمعه إياها من البلد الأقصى، فغلب اللقب على الاسم(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص11 ومعاني الأخبار ص121 والأمالي للصدوق ص700 والخصال ص453 وعمدة الطالب لابن عنبة ص23 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص19 وشرح أصول الكافي ج12 ص51 وكشف الغطاء (ط.ق) ج2 ص362 وجواهر الكلام ج16 ص104 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص68 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص145 وبحار الأنوار ج15 ص119 و 405 وج35 ص52 وفتح الباري ج7 ص124 والإستيعاب ج1 ص27 والفايق في غريب الحديث ج3 ص68 ونظم درر السمطين ص36 والمعارف لابن قتيبة ص72.

2- بحار الأنوار ج35 ص51 ـ 52 ومعاني الأخبار ص121 والأمالي للصدوق ص700 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج2 ص145 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص61 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص56 وشرح العينية الحميرية للفاضل الهندي ص120.


وقيل: اسمه شيبة(1).

إيمان أبي طالب(عليه‌السلام) :

عن الأصبغ بن نباتة، قال: "سمعت أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: والله، ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم، ولا عبد مناف صنماً قط..

قيل له: فما كانوا يعبدون؟!

____________

1- راجع: معاني الأخبار ص121 وكشف الغطاء (ط.ق) ج1 ص5 وج2 ص362 والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني ج1 ص8 وشرح أصول الكافي ج12 ص51 وعمدة الطالب لابن عنبة ص23 وبحار الأنوار ج15 ص119 و 280 وج35 ص66 والخصال ص453 والدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص41 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص55 وج3 ص19 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص56 وج42 ص3 و 10 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص10 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص17 و 21 والبداية والنهاية ج2 ص310 وج7 ص369 وأعيان الشيعة ج1 ص218 و 323 وج8 ص114 وج10 ص59 وإعلام الورى ج1 ص43 والدر النظيم ص77 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص15 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص184 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص262 والقاموس المحيط للفيروزآبادي ج2 ص329 وجواهر الكلام ج16 ص104 وفتح الباري ج7 ص124 وعمدة القاري ج16 ص301 والفايق في غريب الحديث ج3 ص68 ونظم درر السمطين ص36.


قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم، متمسكين به"(1) .

وعن الإمام الصادق "عليه‌السلام ": "إن أبا طالب أظهر الكفر، وأسرّ الإيمان الخ.."(2) .

وعنه "عليه‌السلام ": "كان أمير المؤمنين "عليه‌السلام " يعجبه أن يروى شعر أبي طالب، وأن يدون.

وقال: تعلموه وعلموه أولادكم، فإنه كان على دين الله.. وفيه علم كثير(3) ..

____________

1- بحار الأنوار ج15 ص144 وج35 ص81 والخرائج والجرائح ج3 ص1074 وكمال الدين وتمام النعمة ص174 والغدير ج7 ص387 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص221 والأنوار العلوية ص10 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص63 وإيمان أبي طالب للأميني ص79.

2- بحار الأنوار ج35 ص18 وكمال الدين ص174 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص583 والغدير ج7 ص391 ونور الثقلين ج2 ص219 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج1 ص634 والأنوار العلوية ص10 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص63 وإيمان أبي طالب للأميني ص85.

3- وسائـل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج17 ص331 و (ط دار الإسـلامية) ج12 ص248 وبحار الأنوار ج35 ص115. =

= وراجع: الدر النظيم ص219 وإيمان أبي طالب لفخار بن معد ص130 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص64 وإيمان أبي طالب للأميني ص88.


ويدل على إسلام أبي طالب "عليه‌السلام ": أنه قيل لعلي "عليه‌السلام ": إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً.

فقال: كذبوا، كيف يكون كافراً وهو يقول:

ألم تعلمـوا أنَّـا وجدنـا محمـداً

نبيَّـاً كموسى خـط في أول الكت

وفي حديث آخر: كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول:

لقـد علموا أن ابننا لا مكــذب

لدينـا ولا يعبـا بقيـل الأبـاطـــلِ

وأبيض يستسقى الغـمام بوجهه

ثمال الـيـتـامى عصمة للأراملِ

وقد أفردنا كتاباً باسم: "ظلامة أبي طالب" أثبتنا فيه إيمانه صلوات الله وسلامه عليه.. فلا بأس بمراجعته..

مشروعية التسمية بعبد مناف:

وإذا كان "عبد مناف" لقباً لحقه، فَعُرفَ به. واسمه الحقيقي هو: المغيرة، لم يعد هناك إشكال حول إيمان أو عدم إيمان هؤلاء الصفوة، ولم يعد

____________

1- الكافي ج1 ص448 وبحار الأنوار ج35 ص136 وشرح أصول الكافي ج7 ص182 والتفسير الصافي ج4 ص95 والأنوار العلوية ص9. وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص66.


مجال للقول: بأن التسمية بعبد مناف تشير إلى أن من سمى ولده بهذا الاسم لم يكن موحداً، بل كان من عباد الأصنام، فقد قالوا: إن "منافاً" صنم.. وبه سمّي عبد مناف(1) . فإذا كبر صاحب هذا الإسم، ورضي باسمه، فإن ذلك أيضاً يشير إلى نفس هذا الأمر، وهو: أنه لم يكن من أهل التوحيد..

ويمكن أن يجاب بما يلي:

أولاً: قالوا: إنه سمي بذلك، لأنه أناف على الناس وعلاS

قال الزبيدي: "جبل عالي المناف" أي مرتفع. قيل: ومنه عبد مناف. نقله الزمخشري(3) . فلا دليل على أن عبد مناف، وقد سمي بهذا الاسم، نسبة إلى ذلك الصنم.

____________

1- تاج العروس ج6 ص263 وراجع: القاموس المحيط ج3 ص209 ومعجم البلدان ج5 ص203 ومواهب الجليل للحطاب الرعيني ج3 ص224 وعمدة الطالب لابن عنبة ص25 وبحار الأنوار ج15 ص124 وتفسير القمي ج2 ص448 والتفسير الأصفى ج2 ص1487 وج5 ص389 والتفسير الصافي ج7 ص576 ونور الثقلين ج5 ص699 والكامل في التاريخ ج2 ص18 والبداية والنهاية ج2 ص312 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص187 وخزانة الأدب للبغدادي ج7 ص213.

2- إثبات الوصية ص40 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج1 ص271 ومجمع البحرين للطريحي ج4 ص393.

3- تاج العروس ج6 ص263 و (ط دار الفكر ـ سنة 1414هـ) ج12 ص517.


ثانياً: إن نفس النص المتقدم يشير إلى: أن اسم عبد مناف بن قصي هو لقب لحقه في كبره، فقد أضاف الزبيدي قوله: "وبه سمي عبد مناف. وكانت أمه قد أخدمته هذا الصنم..".

إلى أن قال: "واسم عبد مناف المغيرة"(1) .

وهذا يدل على: أن أباه لم يسمه بهذا الإسم.

ولعل المراد بأمه في كلام الزبيدي التي أخدمته الصنم هي مرضعته، لأن أمه التي ولدته، يفترض أن تكون موحدة، ولا تقدِّس الأصنام.

غير أننا نقول: إن مرضعته أيضاً لا تكون عابدة صنم.

وقد تقدم: أن أمير المؤمنين "عليه‌السلام " قال: "واسم عبد مناف المغيرة. فغلب اللقب على الإسم"(2) .

الجنين يمنع أمه من الإقتراب من الأصنام!!:

وقد ورد: أن أبا طالب قال لفاطمة بنت أسد، وكان علي "عليه‌السلام " صبياً: رأيته يكسر الأصنام، فخفت أن تعلم كبار قريش (ذلك).

فقالت: يا عجباً!! (أنا) أخبرك بأعجب من هذا، (وهو) أني اجتزت بالموضع الذي كانت أصنامهم فيه منصوبة وعلي في بطني، فوضع رجليه في جوفي شديداً لا يتركني (أن) أقرب من ذلك الموضع الذي فيه أصنامهم،

____________

1- تاج العروس ج6 ص263 و (ط دار الفكر ـ سنة 1994م) ج12 ص515.

2- تقدمت مصادر ذلك.


وأنا كنت أطوف بالبيت لعبادة الله تعالى، لا للأصنام(1) .

ونقول:

قد تضمن النص المتقدم حقيقتين:

أولاهما: حساسية الجنين تجاه الأصنام.

حيث بينت الرواية: أنه "عليه‌السلام " حتى حين كان لا يزال جنيناً لا يترك أمه تقترب من الأصنام.. وذلك يدل على ما يلي:

ألف: إنه رغم كونه جنيناً كان يدرك اقتراب أمه من موضع الأصنام، وابتعادها عنه. ولا يكون ذلك إلا بلطف إلهي، هيأ له القدرة على هذا الإدراك.

ب: إن نفسه كانت تنفعل بهذا الإقتراب سلبياً، ولا يرضى به منها.

ج: إنه يبادر إلى إيجاد الكوابح والموانع من هذا الإقتراب، بصورة فعلٍ جسدي مؤثر.

د: إنه لا يرضى منها بالإقتراب حتى غير المقصود لها، بل حتى لو كان اقتراباً يقصد به الإقتراب من الكعبة نفسها، لأجل عبادة الله، التي تتنافى مع تقديس وتعظيم تلك الأصنام.

الثانية: علي يكيد الأصنام وهو طفل:

ثم ذكرت الرواية: أن أبا طالب يحكي لزوجته أنه رأى علياً "عليه

____________

1- مدينة المعاجز ج3 ص147 و 148 والخرائج والجرائح ج2 ص741 وبحار الأنوار ج42 ص18.


السلام" يكسر الأصنام.. وذلك يعني:

ألف: أن أحداً غير أبي طالب لم يره يفعل ذلك، وأنه "عليه‌السلام " كان يتستر على فعله هذا..

مما يعني: أنه لم يكن يفعل ذلك على سبيل اللهو، والعبث الطفولي. لأن اللهو والعبث لا يأتي بطريقة مدروسة، وفي ظروف التخفي والتستر، بل يكون بصورة عفوية، وغير مقصودة.

ب: كانت خشية أبي طالب من انكشاف الأمر في محلها، فهو يعلم مدى خفة عقول أبناء قومه، وإلى أي حد يبلغ بهم سفه الرأي والطيش.. وهو من ذرية إبراهيم الذي حطم أصنام قومه، فجازوه بإلقائه في النار ليحرقوه، فأنجاه الله تعالى منهم، بمعجزة ظاهرة لم يستفيدوا منها الفكرة والعبرة، وهؤلاء القوم أبناء أولئك، فلا يتوقع منهم إلا مثل هذه التصرفات الرعناء..

ج: إن أبا طالب "عليه‌السلام " لم يشر إلى خشيته من سفهاء قومه، وجهالهم، بل أبدى خشيته من اطلاع كبار قومه، وأصحاب الرياسة والزعامة، ومن بيدهم قرار الحرب والسلم، ومن يفترض فيهم أن يكونوا علماء، حكماء، حلماء، وذوي نظرة بعيدة، وبصيرة ثاقبة، ويعالجون الأمور بحكمة وروية وتبصر، لا أن يكونوا هم مصدر البلاء والشقاء، وبؤرة السفه والطيش، حيث ينقادون لأهوائهم، ويتأثـرون في مواقفهم بعصبياتهـم، وجهالاتهم.

د: لم يذكر لنا أبو طالب إن كان قد ردع علياً "عليه‌السلام " عما كان يقوم به.. بل هو لم يشر إلى أي شيء يدل على تغيظه من فعله هذا أو إدانته له أو حتى


عدم رضاه به، بل غاية ما هناك: أنه خاف أن يشعر كبار قريش بالأمر، لأن ذلك سوف يضعه في مواقع الحرج. وربما يؤدي إلى العداوة والمنابذة.

متى وأين ولد علي(عليه‌السلام) ؟!:

وقد ولد علي أمير المؤمنين "عليه‌السلام " في جوف الكعبة الشريفة يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب، بعد ثلاثين سنة من عام الفيل(1) . وهذا هو المشهور عند علمائنا الأبرار وعند غيرهم. فهو أولى بالإعتبار.

وقد كثرت الأقوال في ذلك حتى بلغت اثني عشر قولاً على وجه التقريب، تبدأ من سبع سنين، ولا تنتهي بست عشرة سنة قبل البعثة، بل يضاف إليها القول بولادته "عليه‌السلام " قبل البعثة بعشرين، أو بثلاث وعشرين سنة قبل بعثة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(2) .

____________

1- هناك أقوال أخرى في تاريخ ولادته "عليه‌السلام " فراجعها في كتاب: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ج2 ص246 ـ 248.

2- راجع الأقوال المذكورة في المصادر التالية: المصنف لعبد الرزاق ج5 والعقد الفريد ج4 ص311 ومقاتل الطالبيين ص26 والأنس الجليل ج1 ص178 وتهذيب الأحكام ج7 ص336 وتاريخ الخميس ج1 ص279 عن شواهد النبوة، والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج3 ص13 والمعارف لابن قتيبة ص51 وحياة الحيوان ج1 ص54 وتاريخ بغداد ج1 ص134 وذخائر العقبى ص58 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص206 وأسد الغابة ج4 ص16 ـ 18 ومجمع الزوائد ج9 ص102 وفتح الباري ج7 ص57 وإحقاق الحق (الملحقـات) ج7 = = ص538 ـ 554 وأنساب الأشراف، والأوائل، وبحار الأنوار، وينابيع المودة، والإستيعاب، ونزهة المجالس، ومناقب الخوارزمي، والبداية والنهاية.

والقول بالعشر موجود في: الفصول المهمة لابن الصباغ ص12 والإستيعاب (ط صادر) ج3 ص30 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط مصر) ج3 ص21 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص262 والكافي ج1 ص376 والإرشاد للمفيد ص9 وإعلام الورى ص153 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص78 وتاريخ الخميس ج1 ص286 والمستدرك للحاكم ج3 ص111 وتلخيصه (بهامشه) للذهبي، ومناقب الخوارزمي ص17 وتاريخ الخلفاء ص166 والبداية والنهاية ج3 ص26 وإحقاق الحق (الملحقات) ج7 عن بعض من تقدم.

وللقول بالاثني عشر راجع: بحار الأنوار ج35 ص7 وإحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص549 عن نهاية الإرب ج8 ص181 والإستيعاب ج3 ص30.

ونُقِلَت كثير من الأقوال عن المصادر التالية: إكمال الرجال ص687 والروضة الندية ص13 وإحكام الأحكام ج1 ص190 وأنباه الرواة في أنباء النحاة ج1 ص11 ونهاية الإرب ج8 ص181 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص115 ونظم درر السمطين ص81 و 82 والرياض النضرة ج2 ص156 والغرة المنيفة ص176 وشرح المواهب للزرقاني ج1 ص242 والطبقات المالكية ج2 ص71 والمصباح الكبير ص560.


شوائب في بعض الروايات عن الولادة:

قال الكراجكي "رحمه‌الله ": روى المحدثون، وسطر المصنفون: أن أبا

طالب وامرأته فاطمة بنت أسد "رضوان الله عليهما" لما كفلا رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " استبشرا بغرته، واستسعدا بطلعته، واتخذاه ولداً، لأنهما لم يكونا رزقا من الولد أحداً.

ثم إنه نشأ أشرف نشوء، وأحسنه، وأفضله، وأيمنه، فرأى فاطمة، ورغبتها في الولد، فقال لها: يا أمه، قربي قرباناً لوجه الله تعالى خالصاً، ولا تشركي معه أحداً، فإنه يرضاه منك ويتقبله، ويعطيك طلبك ويعجله.

فامتثلت فاطمة أمره، وقربت قرباناً لله تعالى خالصاً، وسألته أن يرزقها ولداً ذكراً، فأجاب الله تعالى دعاءها، وبلغها مناها، ورزقها من الأولاد خمسة: عقيلاً، ثم طالباً، ثم جعفراً، ثم علياً، ثم أخته المعروفة بأم هاني الخ..(1) .

وبعد أن ذكرت الرواية: أنها ولدت علياً "عليه‌السلام " في النصف من شهر رمضان، فسر به النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وأمرها أن تجعل مهده جانب فرشته. وكان يلي أكثر تربيته، ويراعيه في نومه ويقظته، ويحمله على صدره وكتفه، ويحبوه بألطافه وتحفه، ويقول:

"هذا أخي وصفيي، وناصري، ووصيي".

فلما تزوج النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " خديجة أخبرها بوجدها (الصحيح: بوجده) بعلي "عليه‌السلام " ومحبته، فكانت تستزيده وتزينه، وتحليه وتلبسه، وترسله مع ولائدها، ويحمله خدمها، فيقول الناس: هذا أخو محمد "صلى الله

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص39 ـ 40 وكنز الفوائد للكراجكي ص115.


عليه وآله"، وأحب الخلق إليه، وقرة عين خديجة الخ.."(1) .

ونقول:

أولاً: إن هذه الرواية تقول: إن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " هو الذي أشار على فاطمة بنت أسد بتقريب القربان لله، وطلب الولد، ففعلت، فولد لها طالب وعقيل و.. و.. مع أنه يلاحظ:

ألف: إن طالباً كان في سن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وقد ولد سنة ولادة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وحين تحول النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " إلى بيت أبي طالب كان عمره "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ثمان سنين.

وهذا هو نفس عمر طالب آنئذ..

ب: إن علياً "عليه‌السلام " كان الأصغر بين إخوته وطالب هو الأكبر. وهؤلاء الإخوة هم: طالب، وعقيل، وجعفر، وكان بين كل واحد من هؤلاء وبين الذي يليه عشر سنوات، فيكون أكبرهم وهو طالب قد ولد سنة ولادة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " في عام الفيل.

وعقيل ولد بعد عام الفيل بعشر سنوات.

وجعفر ولد بعد عام الفيل بعشرين سنة.

وعلي "عليه‌السلام " ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة.

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص43 وكنز الفوائد ص116 و 117.


وبعث النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " في سن الأربعين..

ويدل على ذلك النصوص التالية:

1 ـ قال ابن عبد البر: "كان جعفر أكبر من علي "عليه‌السلام " بعشر سنين.

وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين.

وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين"(1) .

2 ـ وقال الزبير بن بكار: "ولد أبو طالب بن عبد المطلب: طالباً، وعقيلاً، وجعفراً، وعلياً "عليه‌السلام ". كل واحد منهم أسن من صاحبه بعشر سنين على الولاء. وأم هاني، وجمانة بنت أبي طالب. وأمهم كلهم فاطمة بنت أسد"(2) .

____________

1- الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص210 و (ط دار الجيل سنة 1412هـ) ج1 ص242 وأسد الغابة لابن الأثير ج3 ص422 والوافي بالوفيات للصفدي ج21 ص177 وبحار الأنوار ج22 ص275 وج42 ص110 والمعارف ص230 وذخائر العقبى ص207 ومستدركات علم رجال الحديث ج4 ص286 والبداية والنهاية ج8 ص52 وعقيل بن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص21.

2- المستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص576 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص8 وراجع: ج41 ص8 و 9 والمناقب للخوارزمي ص46 ونسب قريش لمصعب الزبيري ص39 و 40 والأنوار العلوية ص14 وشرح إحقاق الحق ج30 ص132.


3 ـ وقال ابن سعد عن عقيل: "كان أسن بني أبي طالب بعد طالب.

وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسن من علي "عليه‌السلام " بعشر سنين، فعلي "عليه‌السلام " كان أصغرهم سناً، وأولهم إسلاماً"(1) .

4 ـ ويقول الجاحظ: "ومن العجائب: أنها ولدت أربعة كلهم أسن من الآخر بعشر سنين: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي "عليه‌السلام ".."(2) .

وهذا الأمر مذكور في مختلف المصادر(3) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج41 ص9 و 24 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص42 و 43 و 44.

وراجع: بحار الأنوار ج42 ص115 وعمدة القاري ج9 ص227 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج11 ص250 وأسد الغابة ج1 ص287 وتهذيب الكمال ج20 ص236 والسيرة الحلبية ج2 ص791.

2- آثار الجاحظ ص234 و 235 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص278.

3- راجع: بحار الأنوار ج42 ص115 و 120 و 121 والبحر الرائق لابن نجيم ج2 ص430 وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج1 ص188 وج3 ص214 وعمدة الطالب لابن عنبة ص58 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص121 وتاريخ مدينة دمشق ج41 ص8 وتهذيب الكمال للمزي ج5 ص51 والتنبيه والإشراف للمسعودي ص259 والوافي بالوفيات ج11 ص71 والبداية والنهاية ج7 ص249.


وهو مروي عن ابن عباس أيضاً(1) .

فتلخص أن ما قالته الرواية المتقدمة من أن عقيلاً كان أكبر من طالب، لا يصح، لأن طالباً كان هو الأكبر، كما دلت عليه النصوص التي ذكرناها آنفاً.

ثانياً: إذا راجعنا الرواية المشار إليها في مصادرها، فسنجد أنها تذكر:

أن أول من آمن بالنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " من النساء خديجة، ومن الذكور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه‌السلام "، وعمره يومئذ عشر سنين"(2) .

____________

1- الخصال ج1 ص181 وبحار الأنوار ج42 ص121 وج35 ص7 والمناقب للخوارزمي ص46 وكشف الغمة ج1 ص122 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص169 و 170 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص231.

2- بحار الأنوار ج18 ص229 وج35 ص44 وج38 ص237 و 273 وج108 ص257 والغدير ج3 ص235 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص114 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص481 والعثمانية للجاحظ ص296 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص57 و 58 و 59 والمناقب للخوارزمي ص51 وكشف الغمة للإربلي ج3 ص150 ونهج الإيمان لابن جبر ص166 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص431 وبناء المقالة الفاطمية للسيد ابن طاووس ص61 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص127 والبداية والنهاية ج3 ص35 و 36 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج9 ص95 وسيرة ابن إسحاق ج2 ص120 والسيرة النبوية لابن = = هشام ج1 ص162 والإستيعاب ج3 ص1093 والدرر لابن عبد البر ص38 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص121 وج13 ص235 وتفسير الثعلبي ج5 ص83 و 84 وتفسير البغوي ج2 ص321 والإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص127 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص21 والثقات لابن حبان ج1 ص52 وتاريخ مدينة دمشق ج19 ص354 وج30 ص35 و 44 و 45 وأسد الغابة ج4 ص17 وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص85 والفصول المختارة للشريف المرتضى ص266 وكنز الفوائد للكراجكي ص117 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج5 ص154 ونظرة في كتاب البداية والنهاية للأميني ص64 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص82 وإعلام الورى ج2 ص104 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص512 و 543 و 544 و 546 وج17 ص383 و 384 و 387 و 389 و 392 و 397 وج22 ص145 و 148 و 610 و 611 وج23 ص534 و 538 وج30 ص541 و 542 و 543 و 544 وراجع: الخلاف للشيخ الطوسي ج3 ص593 وتذكرة الفقهاء (ط.ق) ج2 ص274 ومغني المحتاج للشربيني ج4 ص208 وج9 ص211 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص100.

مع أن الحقيقة هي: أن علياً "عليه‌السلام " قد ولد مؤمناً، وشهد الشهادتين فور ولادته، كما صرحت به الروايات. بالإضافة إلى شواهد أخرى تدل على أن علياً "عليه‌السلام " كان مؤمناً بالله ورسوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " منذ صغره، وهذا ما دل عليه الحديث الذي يقول: إنه "عليه‌السلام " صلى قبل


الناس بسبع سنين، قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة(1) .

وقد دلت الروايات الكثيرة الأخرى على ذلك أيضاً..

بل إن الرواية نفسها تقول: إنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " في ابتداء طروق

____________

1- مستدرك الحاكم ج3 ص112 والخصال للشيخ الصدوق ص402 والعمدة لابن البطريق ص64 و 220 والطرائف للسيد ابن طاووس ص20 و 70 وذخائر العقبى ص60 والصراط المستقيم ج1 ص235 وبحار الأنوار ج38 ص209 و 239 و 253 و 269 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص156 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص498 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص148 وكتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص584 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص107 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص200 ومجمع البيان للطبرسي ج5 ص113 ونور الثقلين ج2 ص256 وتفسير الثعلبي ج5 ص85 والبداية والنهاية ج3 ص36 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص88 ونهج الإيمان لابن جبر ص168 و 428 و 516 وكشف اليقين للعلامة الحلي ص167 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص432 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص70 وكنز العمال (ط الهند) ج6 ص394 عن ابن أبي شيبة، وأبي نعيم، والنسائي في الخصائص، وابن مردويه، والطبراني، وأحمد وأبي يعلي في مسنديهما. وثمة مصادر كثيرة ذكرنا شطراً منها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الخامسة) ج3 ص50 وج4 ص230 و (الطبعة الرابعة) ج2 ص321 وج4 ص45.


الوحي إليه، كلما هتف به هاتف، أو سمع من حوله رجفة راجف، أو رأى رؤيا، أو سمع كلاماً، يخبر بذلك خديجة وعلياً "عليهما‌السلام "، ويستسرهما هذه الحال، فكانت خديجة تثبته، وتصبّره، وكان علي "عليه‌السلام " يهنئه ويبشره، ويقول له:

"والله يا ابن عم، ما كذب عبد المطلب فيك، ولقد صدقت الكهَّان فيما نسبته إليك، ولم يزل كذلك إلى أن أمر "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بالتبليغ"(1) .

فذلك كله يعطي: أن علياً "عليه‌السلام " عاش أجواء الوحي والنبوة من أول يوم فتح عينيه فيه على الحياة، ولم تزل تظهر له دلائل النبوة ونفحاتها ساعة بعد ساعة..

غير أن لنا تحفظاً على القول بأن خديجه كانت تثبته وتصبره. فإنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لا يحتاج إلى ذلك.

وقد ذكر المعتزلي: أن سنة ولادة علي "عليه‌السلام " هي السنة التي بدئ فيها رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فأسمع الهتاف من الأحجار، والأشجار، وكشف عن بصره فشاهد أنواراً وأشخاصاً، ولم يخاطب فيها بشيء.

وكان "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يتيمن بتلك السنة، وبولادة علي "عليه‌السلام " فيها، ويسميها سنة الخير والبركة(2) .

____________

1- كنز الفوائد للكراجكي ص117 وبحار الأنوار ج35 ص44.

2- راجع: شرح نهج البلاغـة للمعتزلي ج4 ص115 وبحـار الأنـوار ج39 ص328 = = ومستدرك سفينة البحار ج7 ص379 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص147.


على أننا قد ذكرنا: في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " نبي منذ صغره.

وفي الروايات: أن علياً "عليه‌السلام " نطق بالشهادتين فور ولادته(1) .

ويؤيد ذلك: ما ورد من أن في علي "عليه‌السلام " سبعين خصلة من خصال الأنبياء، أو أن فيه سُنَّةَ ألف نبي.. وورد أنه لم يؤت نبي شيئاً إلا وأوتي علي وبنوه مثله، أو أفضل منه. ومنها تكلم عيسى في المهد، وإيتاء يحيى العلم صبياً.

ثالثاً: قد أظهر نص الرواية التي هي موضع البحث: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قد تزوج خديجة بعد مدة من ولادة علي "عليه‌السلام "..

فإن كان النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قد تزوج خديجة قبل بعثته بثلاث أو بخمس سنوات.. كما تشير إليه بعض الأقوال. فلا إشكال، وهذا يعني: أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع، ورقية وأم كلثوم اللتين تزوجهن ابنا

____________

1- روضة الواعظين ص79 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص173 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص22 وبحار الأنوار ج35 ص11 و 14 و 104 وج38 ص125. والدر النظيم ص232 والفضائل لابن شاذان ص136 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1381هـ) ص58 وجامع الأخبار ص57 و 58 ومعارج اليقين للسبزواري ص58 والأنوار العلوية ص33 و 37.


أبي لهب، ثم عثمان بن عفان، لم يكنّ بنات لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

وإن كان قد تزوجها قبل بعثته "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بخمس عشرة سنة، كما يحاول الكثيرون أن يصروا عليه، وأن يسوِّقوا له.. فلا يصح ما ذكرته الرواية: من أن اقتران النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بخديجة كان بعد ولادة علي "عليه‌السلام "؛ لأن علياً "عليه‌السلام " قد ولد حسب نص الرواية نفسها قبل البعثة بعشر سنوات فقط..

رابعاً: ما ذكرته الرواية: من أن علياً "عليه‌السلام " قد ولد في النصف من شهر رمضان، مخالف لما هو مشهور ومعتمد. ومعروف لدى كل أحد، من أنه "عليه‌السلام " قد ولد في الثالث عشر من شهر رجب، وقد دلت عليه الروايات أيضاً.

ولادة الأئمة( عليهم‌السلام ) في روايات الغلاة:

روي كما في بعض المصادر: "إنَّا معاشر الأوصياء لسنا نحمل في البطون، وإنما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام، وإنما نخرج من الفخذ الإيمن، لأننا نور الخ.."(1) .

وروي: أن فاطمة "عليها‌السلام " ولدت الحسن والحسين "عليهما

____________

1- بحار الأنوار ج51 ص26 والهداية الكبرى ص355 وعيون المعجزات لحسين بن عبد الوهاب ص128 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج8 ص22 ودلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص500.


السلام" من فخذها الأيمن، وأم كلثوم وزينب من فخذها الأيسر(1) .

وهذه الرواية لا يصح الإعتماد عليها، بل يكذبها الواقع العملي لأمهات المعصومين "عليهم السلام"، لأنهن ـ كما نقرأ في كتب السيرة ـ كانت تبدو عليهن آثار الحمل في بطونهن، وكان يأتيهن الطلق، وكان يساعدهن في الولادة بعض النساء (قابلة أو غيرها) دون أن يلاحظن وجود هكذا أمور.

على أن الروايات تضمنت أن نساءهم كن يتولين أمر نسائهم، ولم يكن يسمح لغيرهن بالدخول في هذا الأمر، مبالغة في الستر وحفظاً لمعنى الكرامة والقداسة..

وورد أيضاً أنهم، كانوا يرون نوراً تضيء به الغرفة. والإمام يولد ساجداً، وطاهراً مطهراً.

هذه هي بعض الفوارق والتي لوحظت؛ وذكرتها النساء الحاضرات حين الولادة.. ولم يذكرن: أن الولادة كانت من الفخذ الأيمن أو الأيسر.

سؤال.. وجوابه:

ولكن لماذا أودع علماؤنا أمثال هذه الروايات التي لا تثبت أمام النقد

____________

1- الهداية الكبرى ص180 وعيون المعجزات لحسين بن عبد الوهاب ص51 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج3 ص226 وبحار الأنوار ج43 ص256 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص600.


في مصنفاتهم؟!

ونجيب بما يلي:

1 ـ إن الأحاديث في أن النبي وأهل البيت "عليهم السلام" أنوار، متواترة من حيث المعنى بلا ريب. ونحن نقرأ في الزيارة:

"أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهرة. لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها"(1) .

وهو يدل على أن الحمل كان في الأرحام، لا في غيرها.

2 ـ إن هذه الرواية لا اعتبار بها من حيث السند، فإنها من رواية الحسين بن حمدان، وهو من رؤساء الغلاة(2) .

لكن ذلك لا يعني كذب كل ما يرويه غير الثقة، ولا يمكن نفي مضمونه بصورة قاطعة. ولكن لا يمكن أيضاً الحكم بثبوت المضمون الذي

____________

1- مصباح المتهجد للطوسي ص721 و 789 وتهذيب الأحكام للطوسي ج6 ص114 والمزار لابن المشهدي ص422 و 431 و 515 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج3 ص103 و 129 والمزار للشهيد الأول ص124 و 157 و 187 والمصباح للكفعمي ص490 و 502 وبحار الأنوار ج97 ص187 وج98 ص200 و 260 و 332 و 353 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص430 واللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس ص7.

2- وقد تحدثنا عن بعض ما يتصل بهذا الرجل في كتابنا "ربائب الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".. قل: هاتوا برهانكم" فراجع.


يرويه غير الثقة استناداً إلى خصوص قوله.

والمضمون هنا وإن كان مما يمكن حصوله في نفسه، رعاية لبعض المصالح.. لكن الدليل لا يكفي لإثبات هذا الحصول، بل الشواهد والمؤيدات تشير إلى خلافه كما تقدم.

3 ـ لعل المقصود بالحمل في الجنوب هو: أن الحمل لا يظهر على نسائهم "عليهم السلام"، لأنه يتحرك إلى الجنب، في داخل الرحم، ولا يتحرك إلى مقدم البطن، حتى لا يسبب ظهوره أي إحراج للأم الطاهرة أمام أولادها، ومعارفها، فيكون هذا من صنع الله تعالى لها ولهم، كرامة منه، واحتفاءً، وفضلاً، ولذلك خفي الحمل بالحجة "صلوات الله وسلامه عليه" على أعدائه، لطفاً منه تعالى، وتأييداً وتسديداً..

4 ـ ولو أغمضنا النظر عن كل ما ذكرناه، فلا بد أن نقول:

لو صح أن الولادة كانت من الفخذ الأيمن، ولم يكن من زيادات الغلاة، فلا بد من رد علمه إلى أهله..

أول هاشمي ولد من هاشميين:

لقد ولد أمير المؤمنين "عليه‌السلام " ـ وهو الشخصية الأولى بعد الرسول، وتربى في حجر الوحي، وارتضع لبان النبوة ـ من أبوين قرشيين هاشميين، هما: أبو طالب، شيخ الأبطح، وفاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

وقال الكليني وغيره: (وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين) وقريب


منه غيره(1) .

وعلق المجلسي: بأن أخوته طالباً، وعقيلاً، وجعفر قد ولدوا قبله من هذين الهاشميين.

وقول التهذيب وغيره: (في الإسلام).. لا يصحح ذلك؛ إذ لو كان مرادهم أنه ولد بعد البعثة فهو لا يصح، للاتفاق على أنه ولد قبلها.

ولو كان المراد: أنه الوحيد الذي ولد بعد ولادة الرسول، فهو كذلك لا يصح، لأن أكثر إخوته قد ولدوا بعد ولادة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، مع أنه اصطلاح غريب غير معهود(2) .

والصحيح: أن يقال كما قال المعتزلي، والشهيد، وغيرهما: "وأمه أول هاشمية ولدت لهاشمي"(3) .

____________

1- الكافي ج1 ص376 ونسب قريش لمصعب الزبيري ص17 وتهذيب الأحكام ج6 ص19 وبحار الأنوار ج35 ص5 عنه، وعن الكافي، وأسد الغابة ج4 ص16 وج5 ص517 والفصول المهمة لابن الصباغ ص13.

2- راجع: بحار الأنوار ج35 ص6.

3- بحار الأنوار ج21 ص63 وج35 ص181 و 6 عن الدروس للشهيد، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص13 وج15 ص72 و 278 والبدء والتاريخ ج5 ص71 ونسب قريش لمصعب ص40 ونزهة المجالس ج2 ص165 ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي) رقم 1 ـ 497 أ الورقة 19 وذخائر العقبى ص55 والمعارف لابن قتيبة ص88 و (ط دار المعارف) ص120 و 203 ورسائل = = المرتضى ج4 ص93 والمجموع للنووي ج1 ص348 وشرح الأخبار ج3 ص214 والعمدة لابن البطريق ص28 ونظم درر السمطين ص80 وتاريخ بغداد ج1 ص143 وتاريخ مدينة دمشق ج41 ص9 وج42 ص8 و 9 و 14 و 574 وأسد الغابة ج5 ص517 وعمدة الطالب لابن عنبة ص30 والمستدرك للحاكم ج3 ص108 وشرح مسلم للنووي ج14 ص51 ومجمع الزوائد ج9 ص100 وفتح الباري ج7 ص57 وعمدة القاري ج2 ص147 وج16 ص214 وتحفة الأحوذي ج10 ص144 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص92 والإستيعاب ج3 ص1089 و 1891 والفايق في غريب الحديث ج2 ص174 وتهذيب الكمال ج20 ص473 وسير أعلام النبلاء ج2 ص118 والإصابة ج8 ص269 والأعلام للزركلي ج5 ص130.



الفصل الثاني:

وليد الكعبة..



ولادة علي(عليه‌السلام) في الكعبة:

قد تقدم: أن أمير المؤمنين "عليه‌السلام " ولد في الكعبة.

وذكر الحاكم: أن الأخبار قد تواترت بأن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في جوف الكعبة(1) .

ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله تعالى سواه(2) .

____________

1- المستدرك على الصحيحين ج3 ص483 والغدير للأميني ج6 ص22 عن إزالة الخفاء للدهلوي. ونزهة المجالس للصفوري الشافعي (ط سنة 1310 هـ) ج2 ص165 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص525 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص24 والإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص50 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص489 وج17 ص364 و 365 وج30 ص175.

2- راجع: كفاية الطالب ص407 وكشف الغمة للأربلي (نشر المجمع العالمي لأهل البيت "عليهم السلام" سنة 1426 هـ) ج1 ص123 والإرشـاد للمفيد ج1 ص5 وكشف اليقين (تحقيق حسين دركَاهي) ص194 وعمدة الطالب لابن = = عنبة ص58 والغدير ج6 ص22 و 24 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص171 و 172 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) للحلي ص4 والعمدة لابن البطريق ص24 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص39 وإعلام الورى ج1 ص306 ونور الأبصار ص67 وتاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص12 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص526 وتاريخ الكوفة للسيد البراقي ص429 وأعيان الشيعة ج1 ص323 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص73 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص175.

وسائر المصادر ذكرناها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ج2 ص246 ـ 450 فراجع.


وعن الإمام السجاد "عليه‌السلام ": إن فاطمة بنت أسد كانت في الطواف، فضربها الطلق، فدخلت الكعبة، فولدت أمير المؤمنين "عليه‌السلام " فيها(1) .

وسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى حديث عن السبب في اختصاصه "عليه‌السلام " بهذه الفضيلة.

وكان رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يتيمن بتلك السنة وبولادة علي

____________

1- روضة الواعظين ص81 وراجع: مدينة المعاجز ج1 ص46 و 47 وراجع: الأمالي للطوسي ج2 ص317 و 318.

الصفحة 81

"عليه‌السلام " فيها، ويسميها سنة الخير، وسنة البركة(1) .

علي(عليه‌السلام) سجد لله لا للأصنام:

ومن أغرب ما سمعناه هنا: ما أشكل به بعض الناس على الروايات التي تذكر سجود علي "عليه‌السلام " في جوف الكعبة حين ولادته.

قال: فقد كانت الأصنام في جوف الكعبة، فيكون سجود علي "عليه‌السلام " لها..

ونقول:

أولاً: إن الله عز وجل لم يطلع هذا القائل الغريب الأطوار على غيبه هذا، ولا أخبره به نبي، ولا وصي.. وإذا كان السجود من هذا الطفل لا يكون إلا بتدخل إلهي، يهدف إلى إظهار الكرامة له "عليه‌السلام "، فالله لا يصنع الكرامة لعلي، لكي يعظم الأصنام، بل ليكون تعظيمه له تبارك وتعالى دون سواه.

ثانياً: يضاف إلى ذلك: أن النية هي التي تعين من يكون السجود له، ولم يطلع الله أحد على تفصيل نية علي "عليه‌السلام " في سجوده آنئذ..

ثالثاً: إن النص التاريخي يقول: إنه سجد لله، وشهد بالوحدانية،

____________

1- بحار الأنوار ج39 ص328 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص379 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص115 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص75 وج9 ص133.


وبالرسالة..(1) .

وفي نص آخر: سجد على الأرض، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي محمد رسول الله، وبمحمد ختم الله النبوة، وبي تتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين..(2) .

وفي نص آخر: أنه "عليه‌السلام " لما ولد سجد لله على الأرض، وحمده(3) .

فلا معنى للإجتهاد في مقابل النص، بادِّعاء: أنه "عليه‌السلام " قد سجد للأصنام!!

رابعاً: إن قول هذا القائل حجة عليه، فهل يستجيز لنفسه أن يغير دينه، ويعبد الأصنام، والعياذ بالله، استناداً إلى وهمه هذا بأن المعجزة قد ظهرت له فيها؟!..

وهل يمكن أن يظهر الله أمراً يوجب التغرير بعباده، ويوقعهم في

____________

1- راجع: مستدرك سفينة البحار ج6 ص282.

2- روضة الواعظين ص79 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص173 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص22 وبحار الأنوار ج35 ص11 و 14 و 104 وج38 ص125 والدر النظيم ص232 والفضائل لابن شاذان ص136 و (ط المكتبة الحيدرية ـ سنة 1381هـ ـ 1962م) ص58 وجامع الأخبار ص57 و 58 ومعارج اليقين في أصول الدين للشيخ محمد السبزواري ص58 والأنوار العلوية ص33 و 37.

3- مناقب آل أبي طالب ج3 ص38 وبحار الأنوار ج39 ص48.


الشبهة والباطل؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

ولأجل ذلك نقول:

إن كل من يسمع منه هذا القول لا بد أن يعلن تكذيبه له، وسخريته به، ويعتقد أن الله لا يصنع للأصنام أي شيء يدل على علو شأنها، وبذلك يحقق توحيد الله، وتنزيهه تبارك وتعالى..

وأخيراً: فإنني لا أدري ماذا يقول هذا الرجل عن أهل نحلته، الذين ما زالوا يقولون عن علي "عليه‌السلام " إذا ذكروه: كرم الله وجهه، وحجتهم في ذلك أنه "عليه‌السلام " لم يسجد لصنم قط.

خلف أستار الكعبة أم في داخلها؟!:

وقد حاول السيد هاشم معروف الحسني أن يبهم أمر ولادته "عليه‌السلام " في جوف الكعبة، فقال: "أطلَّ على هذه الدنيا من الكعبة، وقد جاءتها أمه فاطمة بنت أسد مستجيرة بالله، فلاذت إلى بعض جوانبها، وقد خشيت أن تراها عيون أولئك الذين اعتادوا الإجتماع في أمسياتهم إلى أروقة البيت وفي داخله، فانحازت ناحية، وتوارت عن عيونهم خلف أستار الكعبة" ثم ذكر ولادتها إياه هناك(1) .

ونقول:

1 ـ إن الكعبة لم تكن مجمعاً للناس في داخلها.. بل كانوا يجتمعون ولا

____________

1- راجع: سيرة الأئمة الإثنى عشر للسيد هاشم معروف الحسني ج1 ص142.


يزالون في المسجد حولها.. فلماذا تهرب منهم إلى خارج الكعبة لتكون خلف استارها.. إلا إذا فرض أن المراد بالبيت هو المسجد الحرام كله..

2 ـ إن الأستار تجعل على ظاهر الكعبة، فتتدلى على جوانبها الخارجية من سطحها إلى الأسفل.. فإذا قيل: فلان متعلق بأستار الكعبة، فمعنى ذلك: أنه متعلق بها من الخارج.. فلماذا هذا الخلط في أمور معلومة لكل أحد؟!

3 ـ بعض الروايات قد صرحت: بأن جدار الكعبة قد انشق لفاطمة بنت أسد، فدخلتها. وبقيت في داخلها ثلاثة أيام.. وهي كما في المناقب مروية عن العباس بن عبد المطلب، وعن الحسن بن محبوب، عن الإمام الصادق "عليه‌السلام "(1) .

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج35 ص17 و 36 وكشف الغمة ج1 ص125 وروضة الواعظين ص76 و 77 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص174 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1956م) ج2 ص21 وكشف اليقين للحلي ص18 وبشارة المصطفى ص7 و 8 وإزالة الخفاء (ط باكستان) ص251 ومرآة المؤمنين (ط الهند) ص21 والأمالي للصدوق ص165 ومعاني الأخبار ص62 وعلل الشرايع ج1 ص164 والخرائج والجرائح ج1 ص171 والأمالي للطوسي ج2 ص318 و (ط دار الثقافة ـ قم سنة 1414هـ) ص707 وحلية الأبرار ج2 ص21 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج1 ص47 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص235 والأنوار العلوية ص36 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص53.


وفي نص آخر عن جابر ويزيد بن قعنب: فانفتح البيت ودخلت فيه، فإذا هي بحواء، ومريم، وآسية، وأم موسى، وغيرهن(1) .

4 ـ وتقدم قول الحاكم وغيره: "وقد تواترت الأخبار: أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في جوف الكعبة"(2) .

5 ـ وقال ابن الصباغ وغيره: "ولدته بداخل البيت الحرام، أو بداخل

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص173 و 174 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1956م) ج2 ص22 والدر النظيم لابن حاتم العـاملي ص235 وبحـار الأنوار ج35 ص8 و 17 و 35 والأنوار العلوية ص36 والأنوار البهية ص67. وراجع: الأمالي للصدوق ص195 وعلل الشرائع ج1 ص135 ومعاني الأخبار ص62 وروضة الواعظين ص76 والأمالي للطوسي ص706 والثاقب في المناقب ص197 والخرائج والجرائح ج1 ص171 والمحتضر لابن سليمان الحلي ص264 وكتاب الأربعين للشيرازي ص60 والجواهر السنية للحر العاملي ص229 وحلية الأبرار ج2 ص21 ومدينة المعاجز ج1 ص46 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص312 وبشارة المصطفى ص26 وكشف الغمة ج1 ص61 وكشف اليقين ص17 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص98 وغاية المرام ج1 ص52 وتفسير البرهان ج3 ص107.

2- تقدمت مصادر ذلك.


الكعبة"(1) .

6 ـ وفي نص آخر: "فتح لها باب الكعبة"(2) .

وقد ذكر السيد المرعشي "رحمه‌الله " في ملحقات إحقاق الحق ج17 من ص364 إلى 374 في المتن والهامش طائفة كبيرة من القائلين بولادته "عليه‌السلام " في الكعبة، وليراجع أيضاً كتاب: علي "عليه‌السلام " وليد الكعبة وغير ذلك.

____________

1- الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص171 ومحاضرة الأوائل للسكتواري ص79 والغدير ج6 ص22 وعبقرية الإمام علي "عليه‌السلام " للعقاد ص43 ونور الأبصار ص76 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص148 و 526 و 527 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص489 و 490 والمجموع للنووي ج2 ص66 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص39 وروضة الواعظين للنيسابوري ص81 ومسار الشيعة (المجموعة) للشيخ المفيد ص36 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص38 و 48 والمصباح للكفعمي ص512 وبحار الأنوار ج35 ص23 وج39 ص48 والغدير ج7 ص347 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص202 وج7 ص387 وج9 ص123 ونقد الرجال للتفرشي ج5 ص319 وجامع الرواة للأردبيلي ج2 ص463.

2- تذكرة الخواص ج1 ص155.


حديث شق الجدار.. مستفيض:

وقد يتساءل البعض عن مدى إعتبار حديث إنشقاق الجدار لفاطمة بنت أسد لتضع مولودها في جوف الكعبة؟!

ونجيب:

إن انشقاق الجدار كرامة لأمير المؤمنين "عليه‌السلام "، وحديث ولادته داخلها، قد روي عن أناس حارب بعضهم علياً "عليه‌السلام "، وسعى إلى قتله، أو كان يكرهه، وينصب العداء له، ولا يرضى بالإقرار بفضيلة له..

فقد رواه: سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عائشة(1) .

ورواه: أبو داود، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن عباس بن عبد المطلب(2) .

ورواه: ابن شاذان، عن إبراهيم، بإسناده عن جعفر بن محمد "عليه‌السلام "(3) .

____________

1- الأمالي للطوسي ص715 و 716 و (ط دار الثقافة قم سنة 1414هـ) ص706 و 707 وبحار الأنوار ج35 ص35 و 36 و 17 و 18 عن مناقب آل أبي طالب، وحلية الأبرار ج2 ص20 ومدينة المعاجز ج1 ص45 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص52 والأنوار العلوية ص36.

2- نفس المصادر السابقة.

3- نفس المصادر السابقة.


ورواه: الحسن بن محبوب عن الإمام الصادق "عليه‌السلام "(1) .

ورواه: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس(2) .

ورواه: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الأسدي، عن موسى بن عمران، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن ثابت بن دينار، عن ابن جبير، عن يزيد بن قعنب(3) .

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص17 و 18 والأنوار العلوية ص36 وعن مناقب آل أبي طالب.

2- الأمالي للصدوق (ط الأعلمي سنة 1410هـ) ص99 ومعاني الأخبار ص62.

3- الأمالي للشيخ الصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص194 وكتاب التوحيد للصدوق ص62 وعلل الشرايع (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص135 والثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص197 ومعاني الأخبار للصدوق (ط مركز النشر الإسلامي) ص62 وروضة الواعظين ص76 و 77 وبشارة المصطفى ص26 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص61 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص312 والمحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص264 وبحار الأنوار ج35 ص8 و 9 عنهم، وعن كشف اليقين ص31 و 32 وعن كشف الحق، والأنوار البهية للشيخ عباس القمي ص67 وعن بشائر المصطفى ص9 وكتاب الأربعين للشيرازي ص60 وراجع: الخرايج والجرايح ج1 ص171 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص98 والأنوار العلوية ص30 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص73.


فظهر مما تقدم: أن أكثر الذين رووا هذه القضية هم من غير الشيعة، بل فيهم من عرف بعدائه لعلي "عليه‌السلام "، وبغضه له، بل فيهم من حاربه. ومن تتوفر لديه الدواعي لإخفائها، وذلك يكفي قرينة قاطعة على ثبوتها.

وظهر أيضاً: أن الرواية به مستفيضة..

وظهر: أن هذه الرواية قد جاءت عن:

1 ـ عائشة بنت أبي بكر.

2 ـ العباس بن عبد المطلب.

3 ـ عبد الله بن عباس.

4 ـ يزيد بن قعنب.

5 ـ الإمام جعفر الصادق "عليه‌السلام ".

فإذا أخذنا بقول الزرقاني الذي صرح بأن: "من القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلاً"(1) .

وقول الخفاجي عن حديث رد الشمس: "إن تعدد طرقه شاهد صدق على صحته"(2) .

وإذا أخذنا بقاعدة: "والفضل ما شهدت به الأعداء".

____________

1- شرح المواهب اللدنية ج6 ص490.

2- نسيم الرياض ج3 ص11 والغدير ج3 ص136 ورسائل في حديث رد الشمس للشيخ المحمودي ص19 و 64 ونظرة في كتاب الفصل في الملل ص109.


حتى إن عائشة لم تكن تطيب نفسها بذكر علي "عليه‌السلام " بخير أبداً..

وإذا أكدنا ذلك بوجود أثر هذا الشق في جدار الكعبة إلى يومنا هذا، وقد جهدوا ليخفوه، فلم يمكنهم ذلك..

نعم.. إننا إذا أخذنا بذلك كله، فلماذا لا نأخذ بهذه الرواية أيضاً؟!

بل إنه حتى لو كان رواة حديث مَّا ينسبون للكذب والوضع، فإن ذلك لا يعني أن لا تصدر عنهم كلمة صدق أصلاً.

بل لابد أن يكثر صدقهم، إذ لولا ذلك لما استطاعوا التسويق للأمر الذي يريدون أن يكذبوا فيه.

والحاصل: أن الكاذب قد يقول الصدق، والوضَّاع قد يعترف بالحق، مع أن الأمر في رواة هذه الحادثة ليس كذلك كما يُعلم بالمراجعة..

أسئلة.. وأجوبتها:

وقد ذكرت بعض الروايات: أن فاطمة بنت أسد ولدت علياً "عليه‌السلام " في جوف الكعبة "..فلما خرجت قال علي "عليه‌السلام ": السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته.

ثم تنحنح وقال:) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ( (1) الآيات..

____________

1- الآيتان 1 و 2 من سورة المؤمنون.


فقال رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": قد أفلحوا بك، وأنت والله أميرهم، تميرهم من علمك، فيتمارون، وأنت ـ والله دليلهم. وبك ـ والله ـ يهتدون الخ.."(1) .

وفي حديث آخر: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، قال في حديث طويل:

"ولقد هبط حبيبي جبرئيل في وقت ولادة علي "عليه‌السلام "، فقال: يا حبيب الله، العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، ويهنؤك بولادة أخيك علي "عليه‌السلام "، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك، وإعلان وحيك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك، ووزيرك.. الخ"(2) .

وفي نص آخر: أنه "عليه‌السلام " لما ولد سجد على الأرض، وهو يقول:

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص18 و 37 و 38 و 217 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص174 (وط المكتبة الحيدرية ـ سنة 1376هـ ـ 1956م) ج2 ص23 والأمالي للطوسي ج2 ص319 و (ط دار الثقافة ـ قم ـ سنة 1414هـ) ص708 ومدينة المعاجز ج1 ص48 والبرهان (تفسير) ج5 ص329 وحلية الأبرار ج1 ص226 وج2 ص22 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص58 والأنوار العلوية ص36 وغاية المرام ج1 ص53 و 99.

2- بحار الأنوار ج35 ص21 وروضة الواعظين ص83 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لشاذان بن جبرئيل القمي ص110 وحلية الأبرار ج2 ص58 وراجع: الهداية الكبرى للخصيبي ص100 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص10.


"أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي رسول الله. بمحمد يختم النبوة، وبي يتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين إلخ.."(1) .

فهنا أسئلة عديدة، هي التالية:

أحدها: أن القرآن لم يكن قد نزل حين ولادة علي "عليه‌السلام "، لأنه "عليه‌السلام " ولد قبل البعثة بعشر سنوات. فكيف قرأ علي "عليه‌السلام " الآيات من سورة المؤمنون، حين ولادته، وهي لم تكن قد نزلت؟!

وكيف تقول الرواية: إن جبرئيل هبط على رسول الله، وقال له:..؟!

فهل كان جبرئيل يهبط على النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قبل أن يبعث؟!

السؤال الثاني: كيف يتكلم علي "عليه‌السلام " حين ولادته، فإن هذا الأمر غير معقول؟!

السؤال الثالث: كيف علم علي "عليه‌السلام " بهذا القرآن، وهو قد ولد لتوّه ولم يعلمه النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " إياه. بل هو "صلى الله عليه

____________

1- روضة الواعظين ص79 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص173 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص22 وبحار الأنوار ج35 ص11 و 14 و 104 وج38 ص125 والدر النظيم ص232 والفضائل لابن شاذان ص136 و (ط المكتبة الحيدرية ـ سنة 1381هـ ـ 1962م) ص58 وجامع الأخبار ص57 و 58 ومعارج اليقين في أصول الدين للشيخ محمد السبزواري ص58 والأنوار العلوية ص33 و 37.


وآله" لم يره بعد؟!

والجواب:

أولاً: قد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان نبياً منذ ولد كما دلت عليه الروايات، ثم صار رسولاً حين بلغ أربعين سنة(1) .

ويدل على ذلك: أن عيسى "عليه‌السلام " كان نبياً منذ ولد، فقد قال تعالى:

) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ( (2) .

وقال سبحانه وتعالى عن يحيى:) وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً ( (3) .

وورد في أخبار كثيرة، بعضها صحيح السند كما في رواية يزيد الكناسي: إن الله لم يعط نبياً فضيلة، ولا كرامة، ولا معجزة إلا أعطاها نبينا الأكرم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وروي أيضاً: أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال: كنت نبياً وآدم بين الروح

____________

1- بحار الأنوار ج18 ص277 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج1 ص83 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص264.

2- الآيات 29 إلى 31 من سورة مريم.

3- الآية 12 من سورة مريم.


والجسد، أو نحو ذلك(1) .

____________

1- راجع: الإحتجاج ج2 ص248 والفضائل لابن شاذان ص34 وبحار الأنوار ج15 ص353 وج50 ص82 والغدير ج7 ص38 وج9 ص287 عن مصادر كثيرة، ومسند أحمد ج4 ص66 وج5 ص59 و 379 وسنن الترمذي ج5 ص245 ومستدرك الحاكم ج2 ص609 ومجمع الزوائد ج8 ص223 وتحفة الأحوذي ج7 ص111 وج10 ص56 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص438 والآحاد والمثاني ج5 ص347 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص179 والمعجم الأوسط ج4 ص272 والمعجم الكبير ج12 ص73 وج20 ص353 والجامع الصغير ج2 ص296 وكنز العمال ج11 ص409 و 450 وتذكرة الموضوعات للفتني ص86 وكشف الخفاء ج2 ص129 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص264 عن ابن سعد، ومستدرك سفينة البحار ج2 ص392 و 522 وعن فيض القدير ج5 ص69 وعن الدر المنثور ج5 ص184 وفتح القدير ج4 ص267 والطبقات الكبرى ج1 ص148 وج7 ص59 والتاريخ الكبير للبخاري ج7 ص274 وضعفاء العقيلي ج4 ص300 والكامل لابن عدي ج4 ص169 وج7 ص37 وعن أسد الغابة ج3 ص132 وج4 ص426 وج5 ص377 وتهذيب الكمال ج14 ص360 وسير أعلام النبلاء ج7 ص384 وج11 ص110 وج13 ص451 ومن له رواية في مسند أحمد ص428 وتهذيب التهذيب ج5 ص148 وعن الإصابة ج6 ص181 والمنتخب من ذيل المذيل ص66 وتاريخ جرجان ص392 وذكر أخبار إصبهان ج2 ص226 وعن البداية والنهاية ج2 ص275 و 276 و 392 وعن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1 ص166 = = وعن عيون الأثر ج1 ص110 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص288 و 289 و 317 و 318 ودفع الشبه عن الرسول ص120 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص79 و 81 و 83 وج2 ص239 وعن ينابيع المودة ج1 ص45 وج2 ص99 و 261.


ومن الواضح: أن نزول القرآن الدفعي الذي أشير إليه بقوله تعالى:) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( (1) إنما يحتاج لمجرد نزول الوحي، الذي تتحقق به النبوة، وقد كان ذلك حاصلاً لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " منذ صغره، أو قبل ذلك حيث كان آدم بين الماء والطين أو بين الروح والجسد، فيكون نزول القرآن سابقاً على ولادة علي "عليه‌السلام ".

ثانياً: إنه لا مانع من أن يعلم علي "عليه‌السلام " بالقرآن، ما دام أن نوره مشتق من نور الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وهو وصيـه، وهو يعلم بما أنزل الله على نبيه، بالنحو المناسب لمسيرة خلقته، وحسبما يختـاره الله لـه من وسائل التعليم، ولو بواسطة الملك الذي يحدثـه بما يعرفـه، فإنه إذا كان سلـمان "عليه‌السلام " ـ كما روي ـ محدثـاً(2) ، بل كان عمر محدثاً أيضاً

____________

1- الآية 1 من سورة القدر.

2- راجع: بصائر الدرجات ص342 وعلل الشرائع ج1 ص183 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج27 ص146 و (ط دار الإسلامية) ج18 ص106 وبحار الأنوار ج22 ص327 و 349 و 350 وج26 ص67 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص173 والغدير ج5 ص48 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص240 وتفسير الميزان ج3 ص220 وإختيار معرفة الرجال ج1 ص55 و 61 و64 = = و72 والدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص210 و211 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص476 و 477 والخصائص الفاطمية ج1 ص261 واللمعة البيضاء ص196 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص311 و 312 و 313 وإلزام الناصب ج1 ص13.


(حسب زعمهم(1) )؛ فلماذا لا يكون علي "عليه‌السلام " كذلك أيضاً،

____________

1- راجع: كنز العمال ج11 ص580 وج12 ص600 وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص91 و 92 و 93 و 95 وصحيح البخاري ج4 ص200 ومسند أحمد ج6 ص55 وسنن الترمذي ج5 ص285 والغدير ج5 ص42 و 44 و 46 وج8 ص90 وفضائل الصحابة للنسائي ص8 والمستدرك للحاكم ج3 ص86 وعمدة القاري ج16 ص198 وتحفة الأحوذي ج10 ص125 والسنن الكبرى ج5 ص40 وأسد الغابة ج4 ص64 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص260 والبداية والنهاية ج6 ص224 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص99 و 238 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص220 وتفسير السلمي ج2 ص380 والإستذكار ج5 ص124 والمصنف ج7 ص479 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص350 ومسند ابن راهويه ج2 ص479 وتاريخ بغداد ج9 ص114 وعلل الدارقطني ج9 ص313 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص177 ولسان العرب ج2 ص134 وتاج العروس ج3 ص192 وأحكام القرآن لابن العربي ج3 ص53 والجامع لأحكام القرآن ج9 ص193 وتغليق التعليق ج4 ص64 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص569 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص41 و 135 والخصائص الفاطمية للكجوري ج1 ص264.


فيخبره الملك منذ ولادته بما أنزل الله تعالى على رسوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "؟!

ثالثاً: إن نطق الصغير بالكلام، وظهور رجاحة عقله، وإقراره بالإيمان، وبالإسـلام، وبغير ذلك.. وإن كان مخالفاً للعادة، لكنه ليس من المحالات في نفسه، ونحن نشهد تفاوتـاً ظاهـراً في وعي الأطفال في صغرهم؛ وفي أوقات ظهور ذلك منهم.. فكيف إذا كان الله تعالى هو الذي يظهر هذه الفضيلة لهم.

وقد أنطق الله تعالى عيسى بن مريم "عليه‌السلام " فور ولادته، كما صرحت به الآيات الكريمة التي أشرنا إليها آنفاً، فلماذا لا يُنطِق علياً "عليه‌السلام "، وهو أفضل منه، كما أظهرته الأحاديث الشريفة، ومنها حديث: لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه؟!(1) .

حكيم بن حزام لم يولد في الكعبة:

وبعد جميع ما تقدم نقول:

قال السيد الحميري، المتوفى في سنة 173 ه‍:

ولدته في حـرم الإلـه وأَمنِـهِ

والبيـت حيـث فِناؤه والمسجدُ

بـيضاء طـاهـرة الثياب كريمـة

طابـت وطاب وليدهـا والمولد

في ليلة غـابت نحوس نجومها

وبدا مـع القمـر المنير الأسعد

____________

1- ستأتي مصادر ذلك انشاء الله تعالى..


ما لـف في خرق القـوابل مثلــه

إلا ابـن آمـنـة الـنـبـي محمـد

ويقول عبد الباقي العمري:

أنـت الـعـلي الذى فوق العلى رُفعا

بـبـطن مكة وسط البيت إذ وُضعا

ولكن نفوس شانئي علي "عليه‌السلام " قد نفست عليه هذه الفضيلة التي اختصه الله بها، فحاولت تجاهل كل أقوال العلماء والمؤرخين، ورواة الحديث والأثر، والضرب بها عرض الجدار، حيث نجدهم يسعون ـ وبكل جرأة ولا مبالاة ـ ليثبتوا ذلك لرجل آخر غير علي "عليه‌السلام "، بل ويحاولون التشكيك في ما ثبت لعلي أيضاً، حتى لقد قال في كتاب النور:

"حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره. وأما ما روي من أن علياً ولد فيها فضعيف عند العلماء"(1) .

وقال المعتزلي: "كثير من الشيعة يزعمون: أنه ولد في الكعبة، والمحدّثون لا يعترفون بذلك، ويزعمون: أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام"(2) .

ثم حاول الحلبي والدياربكري الجمع والصلح بين الفريقين، باحتمال ولادة كليهما فيها(3) .

____________

1- راجع: السيرة الحلبية ج1 ص139 و (ط دار المعرفة) ج1 ص227 وذكر ولادته فيها في: أسد الغابة ج2 ص40 والإصابة ج1 ص349 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص320.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص14.

3- تاريخ الخميس ج1 ص279 والسيرة الحلبية ج1 ص129.


ولكن كيف يصح هذا الجمع، ونحن نجد عدداً ممن قدمنا أسماءهم، وغيرهم ممن ذكرهم العلامة الأميني في كتاب الغدير، وغيره، يصرون على أنه لم يولد في جوف الكعبة سوى علي، لا قبله ولا بعده؟! وأن تلك فضيلة اختصه الله بها دون غيره من العالمين؟!

وكيف يقبل هذا الجمع بين الروايتين، ونحن نجد الحاكم يصرح بتواتر الأخبار في ولادة أمير المؤمنين "عليه‌السلام " في جوف الكعبة، وبأنه لم يولد فيها أحد سواه، ليدل بذلك على كذب ما يدعونه لغير علي "عليه‌السلام "؟!

فهل الحاكم بنظر المعتزلي جاهل بالحديث؟!

أم أنه يعده من الشيعة؟!

ومن أين لحديث ولادة حكيم بن حزام حتى خصوصية صحة سنده، فضلاً عن أن يكون متواتراً ومقطوعاً به؟!.

لماذا حكيم بن حزام؟!

وإنما أرادوا إثبات هذه الفضيلة لحكيم بن حزام؛ لأنه كان للزبيريين فيه هوى، فهو ابن عم الزبير، وابن عم أولاده؛ فهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، والزبيريون ينتهون أيضاً إلى أسد بن عبد العزى.

ولم يسلم حكيم إلا عام الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم(1) ، وكان

____________

1- الإصـابـة ج1 ص349 و (ط دار الكتب العلميـة) ج2 ص97 والإستيعاب = = (بهامش الإصابة) ج1 ص320 و (ط دار الجيل) ج1 ص362 ومجمع الزوائد ج6 ص188 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص186 والإكمال في أسماء الرجال ص49 وتاريخ مدينة دمشق ج15 ص96. وأسد الغابة ج2 ص40 وتهذيب الكمال ج7 ص172 وتهذيب التهذيب ج2 ص384 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص197 والوافي بالوفيات ج13 ص80 ونسب قريش ص231.


حتكر الطعام على عهد رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(1) .

وعن المامقاني: نقل الطبري: أنه كان عثمانياً متصلباً، تلكأ عن علي(2) ، ولم يشهد شيئاً من حروبه(3) .

إذن.. فمن الطبيعي أن يروي الزبير بن بكار، ومصعب بن عبد الله(4) ـ وهما لا شك في كونهما زبيريي الهوى ـ: أنه لم يولد في جوف الكعبة سواه،

____________

1- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج17 ص428 و (ط دار الإسلامية) ج12 ص316 والكافي ج5 ص165 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص266 والإستبصار ج3 ص115 وتهذيب الأحكام ج7 ص160 ومستدرك الوسائل ج13 ص276 ودعائم الإسلام ج2 ص35 والتوحيد للصدوق ص389 ونور البراهين للجزائري ج2 ص369 وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص71.

2- قاموس الرجال ج3 ص387 عن تنقيح المقال.

3- قاموس الرجال ج3 ص387.

4- راجع: الإصابة ج1 ص349 ومستدرك الحاكم ج3 ص483 وتهذيب التهذيب ج2 ص384 وسير أعلام النبلاء ج3 ص46.


وذلك على خلاف جميع الأخبار المتواترة، ومخالفة لكل من نص على أنه لم يولد فيها سوى أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لا قبله ولا بعده؟!

لماذا ولد علي (عليه‌السلام ) في الكعبة؟!:

وهناك سؤال يقول:

كيف نفسر اختصاص أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، بكرامة الولادة في الكعبة، دون رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "؟!

ونقول في جوابه ما يلي:

إننا قبل كل شيء، نحب التذكير بأن بين النبوة والإمامة، والنبي والإمام، فرقاً، فيما يرتبط بترتيب الأحكام الظاهرية على من يؤمن بذلك وينكر، ومن يتيقن ويشك، ومن يحب ويبغض..

فأما بالنسبة للنبوة والنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فإن أدنى شك أو شبهة بها، وكذلك أدنى ريب في الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يوجب الكفر والخروج من الدين، كما أن بغض الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بأي مرتبة كان، يخرج الإنسان من الإسلام واقعاً، ويلحقه بالكفر، وتترتب عليه أحكامه في مرحلة الظاهر، فيحكم عليه بالنجاسة، وبأنه لا يرث من المسلم، وبأن زوجته تبين منه، وتعتد، وبغير ذلك..

وأما الإمامة والإمام "عليه‌السلام "، فإن الحكمة، والرحمة الإلهية، وحب الله تعالى للناس، ورفقه بهم، قد اقتضى: أن لا تترتب الأحكام الظاهرية على من أنكر الإمامة، أو شك فيها، أو في الإمام "عليه‌السلام "، أو قصر في حبه.. ولكن بشرطين..


أحدهما: أن يكون ذلك الإنكار، أو الشك، أو التقصير ناشئاً عن شبهة، إذ مع اليقين بثبوت النص وفي دلالته، يكون المنكر أو الشاك مكذباً لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، راداً على الله سبحانه، ومن كان كذلك فهو كافر جزماً..

الثاني: أن لا يكون معلناً ببغض الإمام، ناصباً العداء له، لأن الناصب حكمه حكم الكافر أيضاً..

النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا يقتل أحداً؛ لماذا؟

وبعدما تقدم نقول:

لا ريب في أن قيام الإسلام وحفظه يحتاج إلى جهاد وتضحيات، وأن في الجهاد قتلاً ويتماً، ومصائب ومصاعب، ولم يكن يمكن لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أن يتولى بنفسه كسر شوكة الشرك، وقتل فراعنته وصناديده.. لأن ذلك يوجب أن ينصب الحقد عليه، وأن تمتلئ نفوس ذوي القتلى ومحبيهم، ومن يرون أنفسهم في موقع المهزوم، بغضاً له، وحنقاً عليه..

وهذا يؤدي إلى حرمان هؤلاء من فرصة الفوز بالتشرف بالإسلام، وسيؤثر ذلك على تمكّن بنيهم، وسائر ذويهم ومحبيهم من ذلك أيضاً.. فقضت الرحمة الإلهية أن يتولى مناجزتهم من هو كنفس الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، الذي يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ألا وهو أمير المؤمنين "عليه‌السلام "..

واقتضت هذه الرحمة أيضاً رفع بعض الأحكام الظاهرية ـ دون الواقعية ـ المرتبطة بحبه وبغضه، وبأمر إمامته "عليه‌السلام "، تسهيلاً من


الله على الناس، ورفقاً بهم ـ رفعها ـ عن منكر إمامته "عليه‌السلام "، وعن المقصر في حبه، ولكن بالشرطين المتقدمين وهما: وجود الشبهة وعدم نصب العداء له، لأنه مع عدم الشبهة يكون من قبيل تعمد تكذيب الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، ومع نصب العداء يتحقق التمرد والرد على الله سبحانه، كما قلنا..

معالجة قضايا الروح والنفس:

ثم إن معالجة قضايا الحب والبغض، والرضا والغضب، والإنفعالات النفسية، تحتاج إلى اتصال بالروح، وبالوجدان، وإلى إيقاظ الضمير، وإثارة العاطفة، بالإضافة إلى زيادة البصيرة في الدين، وترسيخ اليقين بحقائقه..

وهذا بالذات هو ما يتراءى لنا في مفردات السياسة الإلهية، في معالجة الأحقاد التي علم الله سبحانه أنها سوف تنشأ، وقد نشأت بالفعل، كنتيجة لجهاد الإمام علي "عليه‌السلام "، في سبيل هذا الدين..

ونحن نعتقد: أن قضية ولادة الإمام علي "عليه‌السلام " في جوف الكعبة، واحدة من مفردات هذه السياسة الربانية، الحكيمة، والرائعة..

ولادة علي(عليه‌السلام) في الكعبة صنع الله:

ويمكن توضيح ذلك بأن نقول:

إن ولادته "عليه‌السلام "، في الكعبة المشرفة، أمر صنعه الله تعالى له، لأنه يريد أن تكون هذه الولادة رحمة للأمة، وسبباً من أسباب هدايتها.. وهي ليست أمراً صنعه الإمام علي "عليه‌السلام " لنفسه، ولا هي مما سعى


إليه الآخرون، ليمكن اتهامهم بأنهم يدبرون لأمر قد لا يكون لهم الحق به، أو اتهامهم بالسعي لتأييد مفهوم اعتقادي، أو لواقع سياسي، أو الانتصار لجهة أو لفريق بعينه، في صراع ديني، أو اجتماعي، أو غيره..

ويلاحظ: أن الله تعالى قد شق جدار الكعبة لوالدته "عليه‌السلام " حين دخلت، وحين خرجت، بعد أن وضعته في جوف الكعبة الشريفة..

وقد جرى هذا الصنع الإلهي له "عليه‌السلام " حيث كان لايزال في طور الخلق والنشوء في هذا العالم الجديد.. ليدل دلالة واضحة على اصطفائه تعالى له، وعنايته به..

وذلك من شأنه أن يجعل أمر الإهتداء إلى نور ولايته أيسر، ويكون الإنسان في إمامته أبصر..

ويتأكد هذا الأمر بالنسبة لأولئك الذين سوف تترك لمسات ذباب سيفه "ذي الفقار" آثارها في أعناق المستكبرين والطغاة من إخوانهم، وآبائهم، وعشائرهم، أو من لهم بهم صلة أو رابطة من أي نوع..

الرصيد الوجداني آثار وسمات:

ثم إن هذا الرصيد الوجداني، قد هيأه الله لهم ليختزنوه في قلوبهم وعقولهم من خلال النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد فضل علي "عليه‌السلام " وإمامته، ثم جاء الواقع العملي ليعطيها المزيد من الرسوخ والتجذر في قلوبهم وعقولهم من خلال مشاهداتهم، ووقوفهم على ما حباه الله به من ألطاف إلهية، وإحساسهم بعمق وجدانهم بأنه وليد مبارك، وبأنه من صفوة خلق الله، ومن عباده المخلصين.


وذلك سيجعلهم يدركون: أنه "عليه‌السلام "، لا يريد بما بذله من جهد وجهاد في مسيرة الإسلام، إلا رضا الله سبحانه، وإلا حفظ مسيرة الحياة الإنسانية، على حالة السلامة، وفي خط الاعتدال.. لأنها مسيرة سيكون جميع الناس ـ بدون استثناء ـ عناصر فاعلة ومؤثرة فيها، ومتأثرة بها..

وبذلك يصبح الذين يريدون الكون في موقع المخاصم له "عليه‌السلام "، أو المؤلب عليه، أمام صراع مع النفس ومع الوجدان، والضمير، وسيرون أنهم حين يحاربونه إنما يحاربون الله ورسوله.. ويسعون في هدم ما شيده للدين من أركان، وما أقامه من أجل سعادتهم، وسلامة حياتهم، من بنيان..

ولادة علي(عليه‌السلام) في الكعبة لطف بالأمة:

فولادة الإمام علي "عليه‌السلام "، في الكعبة المشرفة، لطف إلهي، بالأمة بأسرها، حتى بأولئك الذين وترهم الإسلام، وهو سبيل هداية لهم ولها، وسبب انضباط وجداني، ومعدن خير وصلاح، ينتج الإيمان، والعمل الصالح، ويكف من يستجيب لنداء الوجدان، عن الإمعان في الطغيان، والعدوان، وعن الإنسياق وراء الأهواء، والعواطف، من دون تأمل وتدبر..

وغني عن البيان، أن مقام الإمام علي "عليه‌السلام " وفضله، أعظم وأجل من أن تكون ولادته "عليه‌السلام "، في الكعبة سبباً أو منشأً لإعطاء المقام والشرف له.. بل الكعبة هي التي تعتز، وتزيد قداستها، وتتأكد


حرمتها بولادته فيها صلوات الله وسلامه عليه..

وأما رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فإن معجزته الظاهرة التي تهدي الناس إلى الله تعالى، وإلى صفاته، وإلى النبوة، وتدلهم على النبي، وتؤكد صدقه، وتلزم الناس كلهم بالإيمان به، وتأخذ بيدهم إلى التسليم باليوم الآخر ـ إن هذه المعجزة ـ هي هذا القرآن العظيم، الذي يهدي إلى الرشد من أراده، والذي لا بد أن يدخل هذه الحقائق إلى القلوب والعقول أولاً، من باب الاستدلال، والانجذاب الفطري إلى الحق بما هو حق.. من دون تأثر بالعاطفة، وبعيداً عن احتمالات الإنبهار بأية مؤثرات أخرى مهما كانت..

إذ إن القضية هي قضية إيمان وكفر، وحق وباطل، لا بد لإدراكهما من الكون على حالة من الصفاء والنقاء، وتفريغ القلب من أي داع آخر، قد يكون سبباً في التساهل في رصد الحقيقة، أو في التعامل مع وسائل الحصول عليها، والوصول إليها..

فالله لا يريد أن تكون مظاهر الكرامة، سبباً في إعاقة العقل عن دوره الأصيل في إدراك الحق، وفي تحديد حدوده، وتَلَمُّس دقائقه، وحقائقه والتبيُّن لها إلى حد تصير معه أوضح من الشمس، وأبين من الأمس..

ولذلك فإن الله تعالى لم يصنع لرسوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، ما يدعوهم إلى تقديسه كشخص، ولا ربط الناس به قبل بعثته بما هو فرد بعينه، لا بد لهم من الخضوع والبخوع له، وتمجيد مقامه، لأن هذا قد لا يكون هو الأسلوب الأمثل، ولا الطريقة الفضلى، في سياسية الهداية الإلهية


إلى الأمور الإعتقادية، التي هي أساس الدين، والتي تحتاج إلى تفريغ النفس، وإعطاء الدور، كل الدور، للدليل وللبرهان، وللآيات والبينات، وإلى أن يكون التعاطي مع الآيات والدلائل بسلامة تامة، وبوعي كامل، وتأمل عميق، وملاحظة دقيقة..

وهذا هو ما نلاحظه في إثارات الآيات القرآنية لقضايا الإيمان الكبرى، خصوصاً تلك التي نزلت في الفترة المكية للدعوة. فإنها إثارات جاءت بالغة الدقة، رائعة في دلالاتها وبياناتها، التي تضع العقل والفطرة أمام الأمر الواقع الذي لا يمكن القفز عنه، إلا بتعطيل دورهما، وإسقاط سلطانهما، لمصلحة سلطان الهوى، ونزوات الشهوات، والغرائز..

وهذا الذي قلناه، لا ينسحب ولا يشمل إظهار المعجزات والآيات الدالة على الرسولية، وعلى النبوة، فإنها آيات يستطيع العقل أن يتخذ منها وسائل وأدوات ترشده إلى الحق، وتوصله إليه.. وتضع يده عليه.. وليست هي فوق العقل، ولا هي من موجبات تعطيله، أو إضعافه.



الفصل الثالث:

نشـأة علي (عليه‌السلام )..



علي(عليه‌السلام) في كنف الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) :

ورد في رواية يزيد بن قعنب: أن فاطمة بنت أسد ولدت علياً "عليه‌السلام " ولرسول الله"صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ثلاثون سنة، فأحبه رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حباً شديداً. وقال لها: اجعلي مهده بقرب فراشي.

وكان "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يلي أكثر تربيته، وكان يطهّر علياً "عليه‌السلام " في وقت غسله، ويوجره اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويجعله على صدره، ويقول: هذا أخي، ووليي، وناصري، وصفيي، وذخري، وكهفي، وصهري، ووصيي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي، وخليفتي.

وكان يحمله دائماً، ويطوف به جبال مكة، وشعابها، وأوديتها(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص9 و 10وكشف اليقين ص19ـ 21 وبشارة المصطفى ص7 و 8 وكشف الغمة ج1 ص126و 127و (ط دار الأضواء) ص61 وكتاب الأربعين ص61 وحلية الأبرار ج2 ص29 وشجرة طوبى ج2 ص219 وخصائص الوحي المبين ص25 وأعيان الشيعة ج1 ص372 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص92 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص57.


وقال المعتزلي: "عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين "عليه‌السلام ": سمعت زيداً ـ أبي ـ يقول: كان رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يمضغ اللحمة والثمرة حتى تلين، ويجعلهما في فم علي "عليه‌السلام "، وهو صغير في حجره"(1) .

وفي خطبته "عليه‌السلام " المسماة بالقاصعة يقول عن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": "وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل..".

إلى أن قال: "ولقد كنت أتبعه اتِّباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالإقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري".

ونقول:

لاحظ ما يلي:

لماذا في غار حراء؟!:

وقد ذكر "عليه‌السلام " أنه كان مع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حين

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص200 وبحار الأنوار ج38 ص323 و 324 وشرح أصول الكافي ج2 ص298 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص92.


يكون في حراء فيراه ولا يراه غيره، لم يكن "عليه‌السلام " مجرد متفرج على رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، بل كان يشاركه في تعبده وتخشعه.

والذي نراه: أن تعبده "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " هو وعلي "عليه‌السلام " بحراء لم يكن عفوياً، بل كان له سبب هام جداً، وهو أن الأصنام قد وضعت حول الكعبة وفيها وعليها، فلم يكن يتعبد عندها أو فيها كراهة أن يتخيل أحد أنه إنما يسجد للأصنام، أو يخضع لها، أو أنه يُكِنُّ لها في نفسه شيئاً من الإحترام الذي يزعمونه.

ويلاحظ: أن بني هاشم وعلى رأسهم عبد المطلب وأبو طالب لا يُذْكَرُون في جملة المترددين على الكعبة، أو في جملة الذين يجلسون عندها، أو في جملة من كان يعظم تلك الأصنام، ربما لأنهم كانوا أيضاً على دين الحنيفية، ويريدون أن ينأوا بأنفسهم عن أن يتوهم في حقهم أي تقديس لتلك الأصنام.

لو ولدت الزهراء( عليها‌السلام ) قبل البعثة!!:

وقال "عليه‌السلام ": "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام، غير رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة"(1)

____________

1- نهج البلاغة (بشرح عبده) الخطبة القاصعة رقم 192 ج2 ص157 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص180 والطرائف لابن طاووس ص414 ـ 415 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص220 وكتاب الأربعين للشيرازي ص223 وحلية الأبرار ج2 ص30 وبحـار الأنـوار ج14 ص475 وج15 = = ص361 وج38 ص320 وكتاب الأربعين للماحوزي ص436 والأنوار البهية ص35 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص68 والغدير ج3 ص240 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص331 وسنن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " للسيد الطباطبائي ص403 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص531 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص197 وأعيان الشيعة ج1 ص335 ونهج الإيمان لابن جبر ص532.


ويدل هذا الكلام على: أن فاطمة الزهراء "عليها السلام" قد ولدت بعد البعثة، إذ لو كانت قد ولدت قبل البعثة بخمس سنين ـ كما يزعمون ـ لم يصح قوله "عليه‌السلام ": لم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وخديجة وأنا ثالثهما.

كما أن قوله "عليه‌السلام ": إنه سمع رنة الشيطان حين البعثة يدل على عدم صحة قولهم: إن الوحي نزل على النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وهو في حراء، وكان وحده، فرجع إلى خديجة يرجف.

العلاقة بين النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعلي(عليه‌السلام) :

وعن الفضل بن عباس: سألت أبي عن ولد رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " الذكور: أيهم كان رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " له أشد حباً؟!

فقال: علي بن أبي طالب "عليه‌السلام ".


فقلت له: سألتك عن بنيه؟!

فقال: إنه كان أحب إليه من بنيه جميعاً وأرأف. ما رأيناه زايله يوماً من الدهر، منذ كان طفلاً، إلا أن يكون في سفر لخديجة. وما رأينا أباً أبر بابن منه لعلي "عليه‌السلام "، ولا أبناً أطوع لأب من علي له(1) .

وروى جبير بن مطعم، قال: قال أبي مطعم بن عدي لنا، ونحن صبيان بمكة: ألا ترون حب هذا الغلام ـ يعني علياً "عليه‌السلام " ـ لمحمد "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، واتَّباعه له دون أبيه؟! واللات والعزى، لوددت أنه أبني بفتيان بني نوفل جميعاً(2) .

إن جبير بن مطعم يود أن علياً "عليه‌السلام " ولده، حتى لو خسر جميع فتيان بني نوفل.

ولادة علي(عليه‌السلام) قبل زواج خديجة:

اتضح مما سبق: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حين ولادة علي "عليه

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص200 وبحار الأنوار ج38 ص323 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص95 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص46.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص201 وبحار الأنوار ج38 ص324 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص95.


السلام" كان لا يزال في بيت أبي طالب، وقد طلب من فاطمة بنت أسد أن تجعل مهده بقرب فراشه، فكان هو "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يتولى أكثر تربيته..

وهذا يعني: أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لم يكن قد تزوج بخديجة، إذ لو كان قد تزوجها لكان فراشه في بيته، لا في بيت أبي طالب.. ولكان من غير الطبيعي أن يتولى هو أكثر تربية علي "عليه‌السلام ".

وهذا يعطي: أن الرواية الصحيحة في تاريخ زواج النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بخديجة هي تلك التي تقول: إنه قد تزوجها وهو في سن الخامسة أو الثالثة والثلاثين، أي بعد ولادة علي "عليه‌السلام " بخمس أو ثلاث سنوات، فراجع(1) .

خصني بالنظر وخصصته بالعلم:

قال ابن شهراشوب: "وسمعت مذاكرة: أنه لما ولد علي "عليه‌السلام " لم يفتح عينيه ثلاثة أيام، فجاء النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، ففتح عينيه، ونظر إلى النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فقال صلوات الله عليه: خصني بالنظر، وخصصته بالعلم"(2) . أي أنه "عليه‌السلام " لا يريد أن يفتح عينيه إلا على مصدر الخير والبركات.. كما أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حباه بالخير كله حين

____________

1- راجع: كتابنا: الصحيح من سيرة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الرابعة) ج2 ص114 و (الطبعة الخامسة) ج2 ص199.

2- مناقب آل أبي طالب ج2 ص179 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص27 وبحار الأنوار ج38 ص294 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص146.


خصه بالعلم.

ولعل ذلك قد حصل في الأيام التالية للولادة بأن يكون "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قد غاب عنه، فلم يفتح عينيه في وجه أحد إلا في وجه رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يخبر بالغيب عن علي(عليه‌السلام) :

ثم إن ما ورد على لسان النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " من أن علياً "عليه‌السلام " وصيه وزوج ابنته، وناصره، وخليفته يؤكد ما قلناه أكثر من مرة، من أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان نبياً منذ صغره، إذ لا سبيل إلى معرفة هذه الأمور إلا بالوحي الإلهي.. لا سيما وأن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لم يكن قد تزوج بعد، وإن كان قد تزوج بالفعل، فإن الزهراء "عليها السلام" لم تكن قد ولدت أصلاً بالإتفاق..

علي (عليه‌السلام ) يشير إلى معنى العصمة:

وفي قول أمير المؤمنين "عليه‌السلام " في خطبته القاصعة: "وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل" إشارة إلى عصمته "عليه‌السلام " منذ صغره.. وهذا يؤكد كمال عقله، وتحليه بالكمالات التي تفرض سلامة الفكر، والقول، والعمل. ويدل أيضاً على أن طفولته لم تكن طفولة طيش، وهوى، بل هي محض الاتزان، والحكمة، والوعي، والإلتزام..

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) تولى تغذية علي (عليه‌السلام ):

قال برهان الدين الحلبي: "فلم يزل علي "عليه‌السلام " مع رسول الله


"صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..".

وفي خصائص العشرة للزمخشري: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " تولى تسميته بعلي، وتغذيته أياماً من ريقه المبارك، يمص لسانه، فعن فاطمة بنت أسد، أم علي "رضي الله تعالى عنها" قالت: "لما ولدته سماه علياً، وبصق في فيه. ثم إنه ألقمه لسانه، فما زال يمصه حتى نام.

فلما كان من الغد طلبنا له مرضعة، فلم يقبل ثدي أحد، فدعونا له محمداً "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فألقمه لسانه فنام، فكان كذلك ما شاء الله"(1) .

وفي نص آخر عن فاطمة بنت أسد: كنت مريضة فكان محمد "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يمص علياً "عليه‌السلام " لسانه في فيه، فيرضع بإذن الله(2) .

أحب الناس إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):

روي عن عائشة وابن العاص: أنهما سألا رسول الله: أي الناس أحب إليك؟!

فقال: أبو بكر.

____________

1- السيرة الحلبية (مطبوع مع السيرة النبوية لدحلان) ج1 ص268 و (ط دار المعرفة سنة 1400هـ) ج1 ص432 والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية)، والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص532.

2- مناقب آل أبي طالب ج2 ص169 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص18 وبحار الأنوار ج38 ص318 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص378 والأنوار العلوية ص38.


قالا: ثم من؟!

قال: عمر.

فقال فتى من الأنصار: يا رسول الله، فما بال علي؟!

فقال له النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": ما ظننت أن أحداً يُسْأَل عن نفسه(1) .

مع أن عائشة تروي عن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أنه قال: إن أحب الناس إليه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " فاطمة "عليها السلام" من النساء، وعلي "عليه‌السلام " من الرجال(2) .

____________

1- شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج2 ص272 وعن: السيوطي في كتاب اللآلي المصنوعة (ط1) ج1 ص198 بطرق ثلاثة أو أربعة وروى بعضها أيضاً تحت الرقم: (361) من باب فضائل علي "عليه‌السلام " من كنز العمال (ط2) ج15 ص125.

2- راجع المصادر التالية: المسترشد للطبري ص449 و 450 وشرح الأخبار ج1 ص140 و 429 وج3 ص55 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص111 والفضائل ص169 والطرائف ص157 وذخائر العقبى ص35 ص62 وبحار الأنوار ج32 ص272 وج37 ص78 وج38 ص313 وج43 ص38 و 53 وج3 ص157 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص145 و 146 و 151 و 233 وخلاصة عبقات الأنوار ج2 ص302 والغدير ج10 ص86 ومكاتيب الرسول ج3 ص672 وسنن الترمذي ج5 ص362 والمستدرك للحاكم ج3 ص157 ونظم درر السمطين ص102 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص109 وتاريخ بغداد ج11 ص428 وكنز العمال ج13 ص145 = = وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص261 و 263 و 264 وتهذيب الكمال ج5 ص126 وسير أعلام النبلاء ج2 ص125 و 131 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله "عليهم السلام" للبري ص17 وإعلام الورى ج1 ص295 والمناقب للخوارزمي ص79 وكشف الغمة ج1 ص94 وج2 ص90 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " ج1 ص53 وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج2 ص39 و 55 و 151 و 320 واللمعة البيضاء للتبريزي ص179 والنصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص50.


فأيهما نصدق؟! عائشة في قولها الثاني؟! أم عمرو بن العاص وعائشة في القول الأول؟!

وعن شريح بن هاني عن أبيه، عن عائشة قالت: ما خلق الله خلقاً كان أحب إلى رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " من علي بن أبي طالب(1).

كفالة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) لعلي (عليه‌السلام ):

ورووا: "أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب في عيال كثير، فقال رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لعمه العباس ـ وكان (من) أيسر بني هاشم ـ:

____________

1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص260 وعن كفاية الطالب ص184 وقال: هذا حديث حسن رواه ابن جرير في مناقبه، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته.


يا أبا الفضل، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه نخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلاً، وتأخذ أنت رجلاً، فنكفلهما عنه.

فقال العباس: نعم.

فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ما هم فيه.

فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً، فاصنعا ما شئتما.

فأخذ رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " علياً "عليه‌السلام "، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً، فضمه إليه، فلم يزل علي "عليه‌السلام " مع رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، حتى بعثه الله نبياً، فاتَّبعه وصدقه.

ولم يزل جعفر مع العباس حتى أسلم، واستغنى عنه(1) .

____________

1- المستدرك على الصحيحين ج3 ص567 الحديث رقم (6463)، وبحار الأنوار ج18 ص208 و 209 وج35 ص24 و 25 وج35 ص43 وج38 ص237 وراجع ص294 و 315 وج42 ص115و 43 و 44 و 24 و 25 وراجع ما يلي: الطرائف لابن طاووس ص17 وكنز الفوائد للكراجكي ص117 و (ط دار الذخائر) ص255 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص198 و 199 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص57 والكامل لابن الأثير ج2 ص58 وكشف الغمة ج1 ص152 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص181 و 182 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص41 و 42 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص429 ونور الأبصار ص77 ومجالس ثعلب ج1 ص29 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص136 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص346 = = ومقاتل الطالبيين ص26 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص162 وسبل الهـدى والرشاد ج2 ص301 ودلائل النبوة للبيهقي ج2 ص162 والمناقب للخوارزمي ص51 ومطالب السؤول ص58 وعيون الأثر ج1 ص124 والبداية والنهاية ج3 ص25 و (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1408هـ) ج3 ص34 وعلل الشرائع ج1 ص201 و 202 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ج1 ص169 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص179 و 180 و (ط المكتبة الحيدرية) ص27 عن الطبري، والبلاذري، والواحدي، وتفسير الثعلبي، وشرف النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وأربعين الخوارزمي، ودرجات محفوظ البستي، ومغازي محمد بن إسحاق، ومعرفة أبي يوسف الفسوي، وتفسير الثعلبي ج5 ص84 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص148 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص10 وإعلام الورى ج1 ص105 و 106 وروضة الواعظين ص86 ونزهة المجالس للصفوري الشافعي (ط سنة 1310 هـ) ج1 ص164 والعمدة لابن البطريق ص63 وذخائر العقبى ص58 وحلية الأبرار ج2 ص27 و 47 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص37 والسيرة الحلبية (مطبوع مع السيرة النبوية لدحلان) ج1 ص268 و (ط دار المعرفة سنة 1400هـ) ج1 ص432 وغاية المرام ج5 ص154.


وقد صرحت بعض نصوص الرواية: بأن ذلك قد حصل، وكان عمر


علي "عليه‌السلام " ست سنين(1) .

ونقول:

أولاً: هناك اختلاف واضح في نصوص الرواية، فلاحظ ما يلي:

ألف: في الرواية: أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال للعباس ما قال، فوافقه، وأخذ العباس جعفراً.

وفي رواية أخرى: أنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال ذلك للحمزة والعباس، وأن الذي أخذ جعفراً هو الحمزة. وأما العباس، فأخذ طالباً. وكان معه إلى يوم بدر، ثم فقد(2) .

ب: الرواية المتقدمة ذكرت: أن العباس أخذ جعفراً، لكن رواية أخرى

____________

1- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص179 و (ط المكتبـة الحيدريـة) = = ص27 وبحار الأنوار ج38 ص294 و 295 والأنوار العلوية ص38 وينابيع المودة ج1 ص456.

2- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص179 و (ط المكتبة الحيدرية) ص27 وبحار الأنوار ج38 ص294 و 295 ومقاتل الطالبيين ص15 وحلية الأبرار ج2 ص29 وموسوعة التاريخ الإسلامي لليوسفي ج1 ص353 و 354 وينابيع المودة ج1 ص456 وعقيل ابن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص22 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص93 وج8 ص100 وج9 ص122 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص75.


تقول: إن حمزة هو الذي أخذه، وبقي معه في الجاهلية والإسلام إلى أن قتل حمزة(1) .

ج: قد اقتصرت الرواية المتقدمة على استثناء أبي طالب ولده عقيلاً. لكن رواية أخرى ذكرت أنه استثنى طالباً وعقيلاً(2) .

ثانياً: إن عيال أبي طالب لم تكن أكثر من عيال النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " نفسه، فإنه كان مسؤولاً عن إعالة بنات ثلاث هنَّ: زينب، ورقية، وأم كلثوم ـ حيث تدل الشواهد والأدلة: على أنهن فقدن الكفيل، فأخذهن "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وتولى تربيتهن ـ بالإضافة إلى زوجته، وربما أختها أيضاً..

أما عيال أبي طالب، فهم: ولده علي "عليه‌السلام " وزوجته. وربما أم

____________

1- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص179 و 180 و (ط المكتبة الحيدرية) ص27 وبحار الأنوار ج38 ص295 وحلية الأبرار ج2 ص29.

2- الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص181 وكنز الفوائد للكراجكي ص117 وبحار الأنوار ج35 ص44 و 118 وكتاب الأربعين للماحوزي ص197 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص162 ومطالب السؤول ص59 وعيون الأثر ج1 ص124 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص301 والسيرة الحلبية (مطبوع مع السيرة النبوية لدحلان) ج1 ص268 و (ط دار المعرفة سنة 1400هـ) ج1 ص432 والأنوار العلوية ص15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص525 وج33 ص215.


هاني وجمانة.

وذلك يدل: على أن أخذ النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لعلي "عليه‌السلام " ليس لأجل التخفيف عن أبي طالب، بل لغرض آخر أعلى وأسمى وأوفق بالصلة الروحية بينهما.. وإنما يريدون طرح الموضوع بهذا الشكل لتضييع هذه الفضيلة لعلي"عليه‌السلام ".

ثالثاً: لقد كان جعفر، وعقيل، وطالب، رجالاً، قادرين على إعالة أنفسهم، لأن جعفر كان له من العمر آنئذٍ ستة عشر عاماً، وكان عمر عقيل ستة وعشرين، وعمر طالب ستة وثلاثين سنة..

مع تصريح الرواية نفسها: بأن العباس يأخذ رجلاً، والنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يأخذ رجلاً.

فما معنى حاجة الرجال إلى المعيل والكافل؟!

ولماذا يحتاج جعفر إلى إعالة العباس له، فهو قادر على العمل، كالبيع والشراء، والزراعة، ورعي الماشية، وممارسة الحرف، والأعمال، وغير ذلك؟!

فما بالك بما ذكرته الرواية الأخرى عن كفالة طالب، الذي كان عمره ستاً وثلاثين سنة؟!

رابعاً: ذكرت بعض نصوص الرواية المتقدمة: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أخذ علياً "عليه‌السلام " وهو ابن ست سنين، كسنه يوم أخذه أبو طالب(1) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب لابن ج2 ص179 ـ 180 و (ط المكتبة الحيدرية) ص27 وبحار الأنوار ج38 ص295 وحلية الأبرار ج2 ص29 وموسوعة التاريخ الإسلامي لليوسفي ج1 ص352 و 356.


ومن الواضح: أن أبا طالب إنما كفل النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بعد موت عبد المطلب، وكان عمره ثمان سنين لا ست(1) .

مع العلم بأن الروايات تصرح بأنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أخذ علياً "عليه‌السلام " إليه منذ الولادة أو بعدها بيسير..

خامساً: إن ما رآه أبو طالب في علي "عليه‌السلام " من كرامة إلهية، ومن ألطاف وأسرار، وما عرف عن أبي طالب من ارتباط بالله تبارك وتعالى، يمنع من أن نتصوره مهتماً بغير علي "عليه‌السلام " مطلقاً، أو أكثر من اهتمامه بعلي "عليه‌السلام ".

كما أن عقيلاً لم يكن أفضل من جعفر في مزاياه، فلماذا يقدِّم أبو طالب عقيلاً عليه؟!

وما هي المزايا التي وجدها في عقيل، وفقدها في جعفر أو في علي "عليه‌السلام "؟! لا سيما مع ما رأيناه من تعلق له شديد برسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لأجل مزاياه، وما يراه من كرامات له وأسرار..

____________

1- راجع: تذكرة الخواص ج1 ص136 وشرح الأخبار ج1 ص181 والخرائج والجرائح للراوندي ج1 ص21 وتفسير السمعاني ج6 ص244 ومشارق أنوار اليقين للبرسي ص112 وبحار الأنوار ج22 ص.530 وراجع: أسد الغابة لابن الأثير ج1 ص15 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص15 وإعلام الورى ج1 ص52 وتاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص5.


فلماذا لا يكترث بعلي "عليه‌السلام " صنو النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وحبيبه، ونجيَّه. ويمحض كل حبه واهتمامه لعقيل؟!

سادساً: لماذا بقي جعفر مع العباس كل هذه السنوات حتى أسلم؟!

ولماذا بقي علي "عليه‌السلام " مع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حتى بعث رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "؟! مع أن سنوات الجدب قد انقضت؟!

ولماذا لم يسترجع أبو طالب أبناءه بعد انفراج الأزمة؟!

ألم يكن الأجدر بجعفر أن يتفقد أباه، ويسأله عن رأيه في العودة، ويبادر هو نفسه إليها، ليكون معه وإلى جانبه، ليعينه، ويقضي حوائجه؟!

ويتأكد هذا الإعتراض إذا أخذنا بالرواية التي تقول: إن طالباً بقي مع العباس إلى بدر، وإن جعفر بقي مع حمزة إلى أن استشهد حمزة. مع أن جعفراً قد هاجر إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة، وبقي هناك إلى حين فتح خيبر بعد الهجرة!!

الرواية الصحيحة:

ولعل الرواية الصحيحة: هي تلك التي ذكرها "أبو القاسم من ثلاثة طرق: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حين تزوج خديجة قال لعمه أبي طالب: إني أحب أن تدفع إليَّ بعض ولدك، يعينني على أمري، ويكفيني. وأشكر لك بلاك عندي.

فقال أبو طالب: خذ أيهم شئت.


فأخذ علياً "عليه‌السلام ".."(1) .

فإن هذه الرواية هي الأوفق بأخلاق رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وبوفائه لعمه أبي طالب. والأوفق بأخلاق أبي طالب، وما ظهر من محبته لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وتفانيه في كل ما يرضيه..

وقد تجلى في هذه الراوية أدب الخطاب النبوي مع عمه العظيم والكريم.. كما أنها قد أظهرت إيثار أبي طالب لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بولده على نفسه..

على أننا لا نجد غضاضة في أن يستثني أبو طالب ـ وهو شيخ قد يزيد عمره على ستين سنة ـ عقيلاً، لأنه يحتاج إلى من يخدمه، ويقضي له الحاجات التي يتولى الشباب عادة قضاءها..

أما إذا أريد الإستفادة من هذا الإستثناء التعريض بالطعن بجعفر وبأمير المؤمنين علي "عليه‌السلام "، فلا نرى لذلك أي مبرر معقول أو مقبول.

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص180 و (ط مطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1376هـ ـ 1956م) ج2 ص28 وبحار الأنوار ج38 ص295 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص151 و 523 وحلية الأبرار ج2 ص29.


هذا التجني لماذا؟!:

ولعل الهدف من هذا التجني أمران:

أحدهما: إظهار زهد أبي طالب بعلي "عليه‌السلام "، إما لعدم وجود مبررات في علي "عليه‌السلام " لحب أبي طالب له.. وإما لفقدان الإتزان المطلوب في شخصية أبي طالب.. وكلاهما هدف لأعداء علي "عليه‌السلام "..

الثاني: الإيحاء بأن تربية النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لعلي "عليه‌السلام " لم تكن لأجل حبه له. بل هو أمر فرضته الظروف، وساقت إليه الحاجة.

علي (عليه‌السلام ) في زواج خديجة:

وذكروا: أن علياً "عليه‌السلام " كان حاضراً حين تزوج النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " خديجة بنت خويلد، وأنه هو الذي ضمن لها المهر.

وقالوا: وهو غلط، لأن علياً "عليه‌السلام " لم يكن ولد على جميع الأقوال في مقدار عمره(1) .

ونقول:

أولاً: إن كان المعيار في الصحة والفساد هو وجود القول وعدمه، فقد

____________

1- السيرة الحلبية ج1 ص139 و (ط دار المعرفة) ج1 ص226 عن الفسوي في كتاب: ما روى أهل الكوفة مخالفاً لأهل المدينة. وراجع: سيرة مغلطاي ص12 والأوائل ج1 ص161.


نجد أن ثمة من يقول: إن علياً "عليه‌السلام " قد ولد قبل البعثة بعشرين أو بثلاث وعشرين سنة. حتى لقد قال مغلطاي: "وهو غلط، كان علي إذ ذاك صغيراً، لم يبلغ سبع سنين"(1) .

غير أننا بدورنا نغلِّط هذه الأقوال، فإن علياً "عليه‌السلام " قد استشهد وعمره ثلاث وستون سنة، والروايات المعتبرة تؤكد على أنه قد أسلم، وهو ابن عشر سنين، وقد ذكرنا مصادر ذلك حين الحديث عن تاريخ ميلاده صلوات الله وسلامه عليه.

ثانياً: إن الكلام كل الكلام هو في تاريخ زواج خديجة، فإن البعض، وإن ذكر أنها تزوجت بالنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قبل البعثة بخمس عشرة سنة..

لكن الأقوال الأخرى تقول: إن هذا الزواج قد حصل قبل البعثة بخمس سنين كما جزم به البيهقي(2) .

وعن ابن جريج: أن هذا الزواج كان قبل البعثة بثلاث سنوات فقط(3) .

____________

1- سيرة مغلطاي ص12 وراجع: السيرة الحلبية ج1 ص139 و (ط دار المعرفة) ج1 ص226.

2- دلائل النبوة (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص72 والبداية والنهاية ج2 ص295 وراجع: الإصابة ج8 ص99.

3- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص264 ومجمع الزوائد ج9 ص219 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص449 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص184 وذكرت بعض الأقوال في التبيين في أنساب القرشيين ص62 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص20 ومختصر تاريخ دمشق ج2 ص275 قيل: تزوجها وهو ابن ثلاثين سنة، وكذا = = في الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج4 ص288 وسيرة مغلطاي ص12 ومثله في المواهب اللدنية ج1 ص38 و 202 والروض الأنف ج1 ص216 والأوائل ج1 ص161.


فالظاهر هو: أنه "عليه‌السلام " قد قال شيئاً من ذلك، وهو طفل صغير، فاستحسنوه منه، ونقلوه عنه.

فقد ذكر أبو هلال العسكري: أنه لما قيل: من يضمن المهر؟!

قال علي "عليه‌السلام " وهو صغير: أبي.

فلما بلغ الخبر أبا طالب جعل يقول: بأبي أنت وأمي(1) .

ولعله قال: أنا بدل أبي. بدليل نسبة الضمان إليه في أقوال بعض المؤرخين.. فأمضاه أبو طالب له على سبيل التكريم والإعزاز.

لمن الدواء؟! لعقيل أم لعلي(عليه‌السلام) ؟!:

ورووا عن أمير المؤمنين "عليه‌السلام " أنه قال: ما زلت مظلوماً منذ ولدتني أمي. حتى إن كان عقيل ليصيبه رمد، فيقول: لا تذرّوني حتى تذرّوا علياً "عليه‌السلام "، فيذرّوني، وما بي من رمد(2) .

____________

1- الأوائل ج1 ص161 وروضة الواعظين ص84.

2- الإعتقادات في دين الإمامية ص105 وعلل الشرائع ج1 ص61 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص45 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج12 ص124 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص486 وبحار الأنوار ج27 ص62 و 208 و 209 = = وج29 ص31 وج41 ص5 وج64 ص228 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص96 وأعيان الشيعة ج5 ص434 وعقيل بن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص78 والأمالي للشيخ الطوسي ص350 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص122 و (ط مطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1376هـ) ج1 ص387.


وقال ابن الحجاج:

وقديــماً كان العقيـل تـداوى

وسـوى ذلـك العـلـيـل عليـل

حين كــانت تـذر عـين عـلي

كلما التـاث أو تـشـكى عقيل(1)

ونقول:

إن هذه الرواية لا يمكن قبولها، لما يلي:

أولاً: لم يكن عقيل طفلاً حين طفولة علي "عليه‌السلام "، بل كان رجلاً كاملاً وعاقلاً، حيث إنه كان يكبر علياً "عليه‌السلام " بعشرين سنة، فهل يعقل أن يقدم على أمر من هذا القبيل؟! إلا إذا فرضناه مختل العقل، أو يعاني من مرض نفسي بلغ به إلى هذا الحد..

والشواهد الكثيرة تدل على خلاف هذا. فهي تدل على كمال الإستقامة،

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص122 و (ط مطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1376هـ ـ 1956م) ج1 ص387 وأعيان الشيعة ج5 ص434.


والإتزان ودقة النظر، وقوة الحجة، والصلابة في الموقف لدى عقيل.

ثانياً: لنفترض: أن عقيلاً أصر على عدم أخذ الدواء إلا إذا أخذه علي "عليه‌السلام "، فلماذا يطيعه أبواه في ذلك؟! فإن أبوي عقيل كانا من أعقل العقلاء، فلا يعقل أن يوافقوه على طلبه هذا، فضلاً عن أن يشاركا في تنفيذه.. فإن ذلك مرفوض من جهتين:

إحداهما: أنه من موارد الظلم القبيح لصغير لا يستطيع الدفاع عن نفسه..

الثانية: إن ذلك من موجبات استهانة الناس بكل من يوافق على ذلك، فضلاً عن أن يمارسه فعلاً..

علي(عليه‌السلام) يقتل الحية وهو في المهد:

عن أنس، عن عمر بن الخطاب: أن علياً "عليه‌السلام " رأى حية تقصده وهو في المهد، وقد شدت (وشدت) يداه في حال صغره.

فحول نفسه، وأخرج يده، فأخذ بيمينه عنقها، وغمزها غمزة(1) ، حتى أدخل أصابعه فيها، و أمسكها حتى ماتت.

فلما رأت ذلك أمه نادت واستغاثت، فاجتمع الحشم، ثم قالت: كأنك حيدرة [حيدرة] اللبوة، إذا غضبت، من قبل أذى أولادها(2) .

____________

1- غمزه: حبسه وكبسه باليد، أي شدها وضغطها.

2- مدينة المعاجز ج2 ص35 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص287 و 288 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص120 وبحار الأنوار ج41 ص274 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص611.


ونقول:

1 ـ قد يقال: إن هذه الحادثة غير صحيحة، فقد روى شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن العباس بن عبد المطلب. والحسن بن محبوب عن عبد الله بن غالب، عن الصادق "عليه‌السلام " في خبر، قالت فاطمة بنت أسد:

فشددته وقمطته بقماطٍ، فنتر القماط، ثم جعلته قماطين، فنترهما. ثم جعلته ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وستة، منها أديم، وحرير. فجعل ينترها. ثم قال: يا أماه، لا تشدي يدي، فإني أحتاج أن أبصبص لربي بإصبعي(1) .

ويجاب: بأن هذه الرواية لا تنافي تلك، إذ المطلوب في هذه الرواية هو: أن لا تشد يده في القماط، بحيث يمنعه ذلك من البصبصة بإصبعه إلى ربه. والرواية الأولى اكتفت بذكر: أن يديه كانتا مشدودتين، فربما يكون شدهما بنحو لا يمنعه من البصبصة بإصبعه.

2 ـ إن رواية العباس "رحمه‌الله "، والإمام الصادق "عليه‌السلام " تضمنت كرامة لأمير المؤمنين "عليه‌السلام " من ثلاث جهات.

الأولى: هذه القوة التي حبا الله بها علياً "عليه‌السلام "، حتى كان يقطع

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص287 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص120 ومدينة المعاجز ج1 ص49 وبحار الأنوار ج41 ص274 وشجرة طوبى ج2 ص218 وغاية المرام ج1 ص54.


القماط والإثنين، حتى يبلغ الستة، مع أن منها ما يكون قطعه صعباً للغاية.

الثانية: إنه "عليه‌السلام " حتى وهو في القماط كان مشغولاً بمناجاة ربه تبارك وتعالى وعبادته. وهو ما لا يتوقعه أحد من مثله، من الأطفال الذين بهذا السن.

الثالثة: إنه "عليه‌السلام " قد تكلم في المهد صبياً، تماماً كما كان الحال بالنسبة لعيسى عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام.

3 ـ إن رواية عمر بن الخطاب تضمنت أيضاً الإشارة إلى فضله "عليه‌السلام " من ناحيتين:

إحداهما: ظهور قوته "عليه‌السلام "، وهو في المهد، حتى إنه يأخذ بعنق الحية ويغمزها غمزة، فتدخل أصابعه فيها.

الثانية: إنه "عليه‌السلام " بقي ممسكاً بالحية حتى ماتت. بعد أن اختار الأخذ بعنقها، الأمر الذي يمنعها من أن تلحق به أي أذى، ثم هو قد تحرك بالطريقة المناسبة التي تمكنه من تحقيق غرضه، وهذا يدل على كمال الوعي، وكمال التنبه لما يجري، وعلى أنه واقف على الأمور بصورة دقيقة، وعارف بتداعيات ونتائج ما يصدر عنه.

4 ـ إنه "عليه‌السلام " قال في مواجهة مرحب اليهودي: "أنا الذي سمتني أمي حيدرة". فربما يكون السبب في تسمية أمه له بحيدرة هو هذه القضية بالذات.

ويشير إلى ذلك: قول أمه: كأنك حيدرة (وهي) اللبوة إذا غضبت إلخ.. إذ لو كان قد سمي بحيدرة من قبل أمه، فالمناسب هو أن تقول له: أنت حيدرة حقاً كما سميتك.. تماماً كما قال الإمام الحسين "عليه‌السلام " للحر بن يزيد


الرياحي: أنت حر كما سمتك أمك، حر في الدنيا، وسعيد في الآخرة(1) .

من مظاهر قوة علي(عليه‌السلام) في صغره:

عن جابر، قال: كانت ظئرة علي التي أرضعته امرأة من بني هلال، خلفته في خبائها مع أخ له من الرضاعة، وكان أكبر منه سناً بسنة. وكان عند الخباء قليب (أي بئر). فمر الصبي نحو القليب، ونكس رأسه فيه، فتعلق بفرد قدميه، وفرد يديه. أما اليد ففي فمه، وأما الرجل ففي يديه.

فجاءت أمه فأدركته، فنادت في الحي: يا لَلحي من غلام ميمون، أمسك عليَّ ولدي، فمسكوا الطفل من رأس القليب، وهم يعجبون من قوته، وفطنته، فسمته أمه مباركاً(2) .

وكان أبو طالب يجمع ولده، وولد أخوته، ثم يأمرهم بالصراع. وذلك خلق في العرب، فكان "عليه‌السلام " يحسر عن ذراعيه، وهو طفل،

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص325 واللهوف ص104 و (ط سنة 1417هـ) ص62 وبحار الأنوار ج45 ص14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص11 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج5 ص102 والعوالم ج17 ص257 وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج1 ص604 وج4 ص614 ومقتل الحسين "عليه‌السلام " لأبي مخنف الأزدي ص122.

2- مناقب آل أبي طالب ج2 ص288 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص120 ومعاني الأخبار ص60 والمحتضر للحلي ص87 وبحار الأنوار ج35 ص47 وج41 ص275 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص245 ونهج الإيمان ص631.


ويصارع كبار أخوته وصغارهم، وكبار بني عمه وصغارهم، فيصرعهم، فيقول أبوه: ظهر علي، فسماه ظهيراً(1) .

فلما ترعرع "عليه‌السلام " كان يصارع الرجل الشديد، ويعلق بالجبار(2) بيده، ويجذبه فيقتله.

وربما قبض على بطنه ورفعه في الهواء.

وربما يلحق للحصان الجاري، فيصدمه، فيرده على عقبيه.

وكان يأخذ من رأس الجبال حجراً، ويحمله بفرد يديه، ثم يضعه بين الناس، فلا يقدر الرجل، والرجلان، وثلاثة على تحريكه، حتى قال أبو جهل:

يـا أهـل مكة إن الذبـح عندكـم

هـذا عـلي الـذي قـد جلّ في النظرِ

مـا إن لـه مشبه في النـاس قاطبـة

كـأنـه النـار تـرمـي الخلق بالشررِ

كـونـوا على حـذر منـه فـإن لـه

يـومـاً سيظهره في البـدو والحـضرِ

وإنه "عليه‌السلام " لم يمسك بذراع رجل قط إلا أمسك بنفسه، فلم يستطع يتنفس(3) .

____________

1- راجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص288 و 289 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص121 وبحار الأنوار ج41 ص275 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص269.

2- الجبار: الرجل القوي.

3- راجع ما تقدم في: مناقب آل أبي طالب ج3 ص289 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص121 وبحار الأنوار ج41 ص275 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص636.


ونقول:

1 ـ إن ما جرى لولد تلك المرأة التي يحتمل أن تكون مرضعة لعلي "عليه‌السلام "، أو أنها كانت تعيش معهم وبجوارهم يشير أولاً إلى: إدراك علي "عليه‌السلام " ـ وهو في المهد الخطر الـذي يتهدد أخاه من الرضـاعـة، ـ حسب زعمهم ـ لو أنه أفلت من يده، وأن عليه أن يواصل الإمساك به إلى أن يأتي من يخرجه من مأزقه..

هذا.. ولا ندري ما الحاجة إلى المرضعة مع وجود الأم الحقيقية، فهل هي أطهر منها لبناً، أو أنصح منها جسداً، أو هي أكثر بركة، أم ماذا؟!

ويشير ثانياً: إلى القدرة التي منحه الله إياها وهو في هذا السن، وقد أدرك الناس هذين الأمرين فيه، كما صرحت به الرواية، حيث قالت: "وهم يعجبون من قوته وفطنته".

وقد تركت هذه الحادثة أثرها في الناس حيث قالت ظئره: يا للحي من غلام ميمون، حيث عرفت أن هذا التصرف ليس أمراً عارضاً ولم يأت صدفة، بل هو نتيجة اليمن الذي لا يأتي إلا من الله تبارك وتعالى، لأنه تعبير عن عناياته وألطافه بهذا الطفل، الذي استحق منه ذلك، ولأجل ذلك سمته مباركاً.

كما أن تلك المرأة قد اعتبرت أن هذا اليمن سيترك أثره وبركاته على الحي كله.. ولم تحصره في بيتها. ولذلك قالت: "يا للحي من غلام ميمون".

2 ـ لقد كان من الطبيعي أن يثير كل هذا الذي يفعله "عليه‌السلام " في صغره من استعراض للقوة اهتمام الناس.. لا سيما، وأنه يسجل له تقدماً


عليهم في أمر يعنيهم كلهم، كأفراد، يسعى كل واحد منهم ليكون له حضوره ودوره اللافت في خصوص هذه المجالات..

أما تميزه عليهم في العلم، والإدراك، وفي سائر الفضائل والكمالات التي اختصه الله بها دونهم، فربما لم يكن يعنيهم كثيراً.. ولم يكن لديهم الكثير من الطموح للتحلي به، أو للمنافسة فيه.

3 ـ إن أبيات أبي جهل قد أوضحت لنا الأمور التالية:

ألف: إنه أعلن عن أنه يعتبر أن ظهور قدرة علي "عليه‌السلام " مصدر خطر كبير، لا بد من التنبه له، والحذر منه.. مع أن علياً "عليه‌السلام " كان منهم، فالمفترض أن يكون كل فضل حبا الله به علياً "عليه‌السلام " مصدر شعور بالأمن والسكينه لهم، ومن موجبات اعتزازهم، ودواعي فخرهم.

ولكن الحقيقة هي: أن الذين لا يؤمنون بالله لا يحبون المؤمنين والصالحين، بل هم لا يحب بعضهم بعضاً أيضاً، وهم كما قال الله سبحانه:) تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ( (1) لأنهم لم يجعلوا الله في قلوبهم، ليجمع تلك القلوب على حبه، ويكون هو المحور للحب والبغض، والإلتقاء والإفتراق، والإتفاق والإختلاف.

ولأجل ذلك يخاف الأب من ابنه، وكذلك العكس، والأخ من أخيه. فكيف إذا كان اخوه أو قريبه من أهل الإيمان والصلاح!! فإنه لا يكون بينهم وبينه جامع، ولا عن العدوان على أي كان من الناس، وسائر

____________

1- الآية 14 من سورة الحشر.


المخلوقات رادع..

ب: إن أبا جهل يعترف لعلي بأنه قد احتل ـ رغم صغر سنه ـ مكانة خاصة، وأصبح له مقام جليل بنظر الناس.. بل هو يعترف بأنه لا نظير له في الناس قاطبة.

ج: إنه يصف علياً "عليه‌السلام ": بأنه بمثابة نار ترمي الخلق بالشرر.. مع أن هذا التوصيف لا مبرر له إلا في الذهنية الجاهلية التي تنظر إلى الأمور بمنظار أسود، وإلا فإن علياً "عليه‌السلام " لم يستعمل قوته هذه ضد أحد.

وقد كان الأولى بأبي جهل: أن ينظر إلى هذه المنحة الإلهية لعلي على أنها لخير الناس، ولصلاحهم، ومن أسباب النجاح والفلاح لهم، ودفع العوادي والآفات والمضار عنهم. لا سيما وأنه "عليه‌السلام " يتربى ويترعرع في بيوت الشرف والكرامة والإستقامة، والخير والصلاح.

د: لنفترض: أن هذه القدرة قد تكون مضرة، ولكن لماذا هذا التهويل بها، والتضخيم لها؟!

ولماذا يفترض أن هذا الضرر سيعم الخلق بأجمعهم، ولا يعتبره مقتصراً على فئة بعينها؟!


الفصل الرابع:

الأسماء والألقاب والكنى..



تسمية علي(عليه‌السلام):

قيل: سمي مولود أبي طالب وفاطمة بنت أسد علياً؛ لأنه علا بقدميه كتفي رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لكسر الأصنام.

وقيل: لعلوه على كل من بارزه.

وقيل: لأن داره في الجنان تعلو حتى تحاذي منازل الأنبياء.

وقيل غير ذلك(1) .

وقيل: سمته أمه يوم ولد علياً.

وقد روي عن فاطمة بنت أسد أنها قالت: إني دخلت بيت الله الحرام، وأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة! سميه علياً، فهو علي، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، ووقَّفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن

____________

1- راجع: معاني الأخبار ص61 وعلل الشرائع ج1 ص136 وبحار الأنوار ج35 ص48 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج8 ص383 وراجع: تذكرة الخواص ج1 ص112 ـ 113.


أحبه وأطاعه، وويل لمن عصاه وأبغضه(1) .

وعند الزمخشري: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " تولى تسميته(2) .

وثمة روايات أخرى تشير إلى تسميته بعلي(3) .

____________

1- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص76 و 77 وعلل الشرائع ج1 ص164 و (ط المطبعة الحيدرية) ج1 ص136 ومعاني الأخبار ص62 و 63 وروضة الواعظين ص77 والأمالي للشيخ الصدوق ص195 والأمالي للشيخ الطوسي ص707 والثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص197 و 198 والمحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص264 وكتاب الأربعين للشيرازي ص61 والجواهر السنية للحر العاملي ص230 وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج2 ص22 ومدينة المعاجز ج1 ص48 وبحار الأنوار ج35 ص9 و 37 والأنوار البهية ص68 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص636 وبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص27 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص235 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص61 وكشف اليقين للعلامة الحلي ص19 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص99 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص57.

2- السيرة الحلبية ج1 ص268 و (ط دار المعرفة) ج1 ص423 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص532 وراجع: عمدة القاري ج16 ص215 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص147.

3- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتـاب والسنة والتاريخ = = لمحمد الريشهري ج1 ص78 وينابيع المودة ج2 ص305 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص174 وبحار الأنوار ج35 ص19 و 102 وكفاية الطالب ص406 ومعاني الأخبار ص55 و 56.


وقال سبط ابن الجوزي: إن حيدرة وصف لعلي "عليه‌السلام "، وعلي هو الإسم الأصلي له(1) .

ونقول:

إن علياً "عليه‌السلام " قال حين واجه مرحباً اليهودي في غزوة خيبر:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة(2) .

والحيدرة هو الأسد، لغلظ عنقه وذراعيه..

وهذا يدل على: أن أمه كانت سمته بهذا الاسم فور ولادته، وربما قبل خروجها من داخل الكعبة.. أو أنها سمته به حين كبر، ورأت ملامح

____________

1- تذكرة الخواص ج1 ص114 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص224.

2- راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص355 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص127 و 164 وج11 ص302 وينابيع المودة ص144 ونيل الأوطار للشوكاني ج8 ص87 ومناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي ص500 والمسترشد في أمامة علي بن أبي طالب ص351 ومقاتل الطالبيين ص14 والإرشاد للمفيد ج1 ص127 وجواهر المطالب في إمامة الإمام علي بن أبي طالب ج1 ص179 وج2 ص117 وبحار الأنوار ج21 ص15 وج39 ص14 وج41 ص86.


الشجاعة فيه..

ويبدو لنا أيضاً: أن الأم كانت هي التي تسمي ولدها حين ولادته.. إما عن اتفاق مع أبيه أو بدونه، ثم يختار الأب، إما الإبقاء على ذلك الاسم أو تغييره.

وهذا ما جرى بالنسبة للإمام علي "عليه‌السلام " أيضاً، كما يفهم من كلام المعتزلي وغيره(1) .

ومن شواهد تسمية الأمهات لأبنائهن نذكر ما يلي:

1 ـ قول مرحب اليهودي:

أنا الـذي سمتني أمـي مـرحـب شاكـي السـلاح بـطـل مجرب(2) .

2 ـ حين استشهد الحر بن يزيد الرياحي، خاطبه الإمام الحسين "عليه‌السلام "، بقوله: "أنت حر كما سمتك أمك، حر في الدنيـا، وسعيد في الآخرة"(3) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص12 ومقاتل الطالبيين ص24.

2- الخصال للصدوق ص561 والأمالي للشيخ الطوسي ص4 والخرايج والجرائح ج1 ص218 وإمتاع الأسماع ج11 ص291 وبحار الأنوار ج21 ص9 و 20 وج31 ص326 والأنوار العلوية ص4 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج5 ص450 وغاية المرام ج5 ص67 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص395 ومقاتل الطالبيين ص24.

3- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص325 واللهوف ص104 و (ط سنـة 1417هـ) = = ص62 وبحار الأنوار ج45 ص14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص11 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج5 ص102 والعوالم ج17 ص257 وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج1 ص604 وج4 ص614 ومقتل الحسين "عليه‌السلام " لأبي مخنف الأزدي ص122.


وفي نص آخر: "ما أخطأت أمك إذ سمتك حراً"(1) .

3 ـ ولما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال له الحجاج: "أنت الشقي بن كسير.

قال: لا، إنما أنا سعيد بن جبير.

قال: لأقتلنك.

قال: أنا إذاً كما سمتني أمي سعيد"(2) .

4 ـ عن أبي حصين، قال: "أتيت سعيد بن جبير بمكة، فقلت: إن هذا الرجل قادم، يعني خالد بن عبد الله، ولا آمنه عليك، فأطعني واخرج..

____________

1- ينابيع المودة ص414 وأعيان الشيعة ج4 ص614 وبحار الأنوار ج45 ص14 والعوالم (الإمام الحسين "عليه‌السلام ") ص258 ولواعج الأشجان ص146 وكتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي ج5 ص102.

2- راجع: البداية والنهاية ج9 ص115 و 116 وكتاب المتوارين للأزدي ص57 والمسترشد في إمامة علي ص156 وسير أعلام النبلاء ج4 ص327 و 328 والمصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج7 ص249 وتهذيب الكمال للمزي ج10 ص368 و 374 وأخبار القضاة لابن حيان ج2 ص411 وتذكرة الحفاظ ج1 ص76 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج7 ص106 وتاريخ الأمم والملوك ج6 ص488.


فقال: والله، لقد فررت حتى استحييت من الله..

قلت: إني لأراك كما سمتك أمك سعيداً.

فقدم خالد مكة، فأرسل إليه فأخذه(1).

6 ـ وقال أبو الغراف: قال الأخطل: "والله ما سمتني أمي دوبلاً إلا يوماً واحداً"(2) ..

7 ـ وقال الخطيب البغدادي: وكان حفص أسود شديد السواد. يعرف بالأسود، قال لي أبو اليقظان: "سمتني أمي خمسة عشر يوماً عبد الله"(3) .

8 ـ قال الخطيب البغدادي: فلما قدم علي، قال له: "أنت القائل ما بلغني عنك يا فروج؟! إنك شيخ قد ذهب عقلك.

قال: لقد سمتني أمي باسم هو أحسن من هذا، الخ.."(4) .

9 ـ أبان بن تغلب: قال: "كنت جالساً عند أبي عبد الله "عليه‌السلام "، إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن، فسلم عليه.

فرد "عليه‌السلام "، فقال: مرحباً بك يا سعد.

____________

1- سير أعلام النبلاء ج4 ص327 وتهذيب الكمال للمزي ج10 ص367 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج5 ص260 وكتاب المتوارين لعبد الغني الأزدي ص56.

2- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج84 ص119.

3- الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص404 وفهرست ابن النديم ص107.

4- المصنف لابن أبي شيبة ج8 ص683 و 728.


فقال له الرجل: بهذا الاسم سمتني أمي، وما أقل من يعرفني به، الخ.."(1) .

10 ـ قال أبو حاتم: صدوق، سمعته يقول: "سمتني أمي باسم إسماعيل السدي، فسألته عن قرابته من السدي، فأنكر أن يكون ابن بنته، الخ.."(2) .

11 ـ قال أبو إبراهيم: "سمتني أمي جموك. وسماني بديل بن الأشل عبد الله"(3) .

12 ـ وأخيراً.. فإن أبا خالد الكابلي، بقي مع محمد بن الحنفية دهراً لا يشك في أنه الإمام، ثم سأله عن الإمام فأخبره أنه الإمام السجاد "عليه‌السلام "، فأقبل أبو خالد إلى الإمام السجاد "عليه‌السلام "، فاستأذن عليه، فلما دخل عليه قال له الإمام "عليه‌السلام ": مرحبا بك يا كنكر، أما كنت منا فما بدا لك..

فخر أبو خالد ساجداً، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي..

____________

1- الخصال للشيخ الصدوق ص489 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص379 وبحار الأنوار ج47 ص218 وج55 ص269 ومدينة المعاجز ج6 ص66.

2- سير أعلام النبلاء ج11 ص176 وتاريخ الإسلام للذهبي ج18 ص178.

3- الأنساب للسمعاني ج2 ص463.


فقال له الامام زين العابدين "عليه‌السلام ": وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟!

قال: إنك دعوتني باسمي الذي سمتني أمي التي ولدتني.. وكنت في عمياء من أمري..

إلى أن قال: فدنوت منك، فسميتني باسمي الذي سمتني أمي، فعلمت أنك الإمام الذي فرض الله طاعته علي وعلى كل مسلم(1) .

فظهر مما تقدم:

ألف: أن التسمية لم تكن منحصرة في الآباء، بل كانت الأمهات تسمين الأبناء أيضاً، وقد يكون ذلك هو الغالب، أو هو العرف السائد.

ب: أن التسمية قد تبقى أياماً، وقد تستمر.

ج: قد يستظهر من بعض النصوص: أن الأب أيضاً قد يتصدى لتسمية المولود بالإضافة إلى تسمية الأم له.

من كنى علياً(عليه‌السلام) بأبي الحسن؟!:

لعلي "عليه‌السلام " العديد من الكنى، أشهرها أبو الحسن.. وأبو تراب.. ولكن يستوقفنا هنا أمران:

____________

1- راجع: اختيار معرفة الرجال ج1 ص336 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص430 ومدينة المعاجز ج4 ص288 و 401 و 402 وبحار الأنوار ج42 ص95 وج46 ص46 والهداية للخصيبي ص221 والخرائج والجرائح ج1 ص261.


الأول: موقف الحسنين "عليهما‌السلام " من الكنية بأبي الحسن، حيث يروى أن علياً "عليه‌السلام " قال: كان الحسن في حياة رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يدعوني أبا الحسين. وكان الحسين يدعوني أبا الحسن. ويدعوان رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أباهما، فلما توفي رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " دعواني بأبيهما(1).

ومعنى ذلك: أنهما "عليهما‌السلام " قد عظما ثلاثة أشخاص في آن، فإن دعوتهما رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بأبيهما يتضمن تعظيماً له وتكريماً.. ويتضمن أيضاً اعتزازاً بانتسابهما إليه..

ودعوة الحسن علياً "عليه‌السلام ": بأبي الحسين، فيه تعظيم لعلي "عليه‌السلام "، حيث خوطب بكنيته، وفيه أيضاً تعظيم للحسين "عليه‌السلام "، حيث قدَّمه الإمام الحسن "عليه‌السلام " على نفسه، ورأى أنه أهل لأن يكتني به من هو مثل علي "عليه‌السلام "..

كما أن دعوة الحسين لأبيه بأبي الحسن يفيد التكريم لعلي، وللحسن "عليهما‌السلام " معاً.

____________

1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص11 ومقاتل الطالبيين ص24 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص80 وبحار الأنوار ج35 ص66 والأنوار العلوية ص4 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص145 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص113 والمناقب للخوارزمي ص38 و 40 وكشف الغمة ج1 ص135.


أبو تراب.. أحب الكنى إلى علي(عليه‌السلام):

ومن الكنى التي أطلقها النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " على علي "عليه‌السلام ": "أبو تراب" وكانت أحب الأسماء إلى علي صلوات الله وسلامه وسلامه عليه(1) .

وقد كناه النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بهذه الكنية حين وجده راقداً وقد علا جبينه التراب، فقال له ملاطفاً: قم يا أبا تراب(2) .

وفي كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " نصوص

____________

1- راجع: المعجم الكبير ج6 ص167 و 149 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص17 و 18 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص409 وتذكرة الخواص ج1 ص127 وكشف الغمة ج1 ص136 وبحار الأنوار ج35 ص60 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " وما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لابن مردويه الأصفهاني ص53 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص305 وجواهر المطالب ج1 ص30 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص597 وج30 ص138 ومقاتل الطالبيين ص25 و 26 وعن البخاري، ومسلم، والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص625 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص262، وغير ذلك.

2- محاضرات الأوائل ص113 والغدير ج6 ص337 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص592 وج30 ص140.


أخرى حول سبب تكنيته "عليه‌السلام " بذلك.. فلا بأس بمراجعتها.

وسيأتي بعض الكلام حول ذلك أيضاً فانتظر.

وربما يكون من أسباب محبته "عليه‌السلام " لهذه الكنية:

1 ـ إن فيها تذكيراً له بأنه مخلوق من التراب، وأن ذلك يشير إلى أن المتوقع منه أن يتواضع لله تبارك وتعالى، وأن يذل بين يديه.

2 ـ إنها تذكره بمحبة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وتودده له، حين أتحفه بهذه الكنية على سبيل الملاطفة، وما تضمنته من رفع الكلفة، وزيادة الألفة.

3 ـ إنه "عليه‌السلام " يستشف من هذه الكنية الممنوحة له، معاني عالية وأسراراً، وحقائق سامية، وتفتح له آفاقاً من التفكر والتبصر، من شأنها أن تزيد من ابتهاجه بهذه الكنية، وتؤكد قيمتها ومغزاها لديه..

4 ـ إنه "عليه‌السلام " "كان يعد ذلك له كرامة، ببركة النفس المحمدي. كان التراب يحدثه بما يجري عليه إلى يوم القيامة، وبما جرى. فافهم سراً جليلاً"(1) .

من ألقاب أمير المؤمنين(عليه‌السلام) :

لأمير المؤمنين "عليه‌السلام " ألقاب كثيرة، منها: أمير المـؤمنـين،

____________

1- راجع: محاضرة الأوائل ص113 والغدير ج6 ص338 والإمام علي بن أبي طالب " عليه‌السلام " للهمداني ص56 .


الـوصي، الـولي، المـرتضى، سيد العـرب، سيد المسلـمين، أعلم الأمة، يعسوب الديـن، يعسوب المؤمنـين، قائـد الغـر المحجلين، إمام المتقـين، وغير ذلك.

مصدر ألقابه(عليه‌السلام) :

وبما أن هذه الألقاب قدجاءت من الله ورسوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فإن لها دلالاتها الهامة، ودورها في إظهار موقع أمير المؤمنين "عليه‌السلام " من هذا الدين، والتأكيد على أهليته لما أهّله الله تعالى له، ومنزلته التي استحقها بجهده وجهاده، وباصطفاء الله تعالى له.

الوصي:

ولقب الوصي قد ورد في مئات النصوص.. وذكر أيضاً في عشرات، بل مئات المقطوعات الشعرية والأراجيز في ذلك العصر. ويتعذر جمع ذلك أو حصره.. غير أننا ذكرنا طرفاً من ذلك في كتابنا "علي والخوارج" الجزء الأول ص126 ـ 134.

لقب "أمير المؤمنين" من الله ورسوله:

والروايات الشريفة الكثيرة، التي تعد بالمئات تؤكد على أن لقب "أمير المؤمنين" منحة من الله تعالى ورسوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لعلي صلوات الله وسلامه عليه(1) . دون سواه.

____________

1- راجع: كتاب اليقين لابن طاووس، فإنه ذكر فيه ثلاث مئة وتسعة أحاديث، ثم = = استدرك ما فاته في كتاب التحصين، فذكر طائفة أخرى من هـذه الأحاديث أيضاً.. وراجع: بحار الأنوار ج37 ص290 ـ 340 وج38 ص106 وج36 ص178 وج28 ص91 و 92 وراجع: الكافي ج1 ص242 و 412 والأمالي للصدوق ص634 و 188 و 450 و 374 وشرح الأخبار ج1 ص206 و 124 وبشارة المصطفى ص24 و 34 و 167 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص287 والإختصاص ص54 وموضح أوهام الجمع والتفريق ج1 ص191 وتفسير فرات ص147 و 266 ومختصر بصائر الدرجات ص171 وتاريخ بغداد ج14 ص123 ومناقب الإمام علي "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص460 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص54 وكشف الغمة ج1 ص613 ـ 626 ومستدرك الوسائل ج10 ص398 والأمالي للطوسي ص295 والجواهر السنية للحر العاملي ص262 ومدينة المعاجز ج1 ص71 والمحاسن والمساوي ص44 وحلية الأولياء ج1 ص63 والمناقب للخوارزمي ص215 و 231 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص386 و 303 وشجرة طوبى ج1 ص71 وكفاية الطالب ص168 و 211 والإرشاد للمفيد ج1 ص46 و 47 والفردوس ج5 ص364 وفرائد السمطين ج1 ص145 وتفسير العياشي ج1 ص262 ونور الثقلين ج5 ص149 والمسترشد ص601 والإحتجاج ج1 ص326 وكشف اليقين للحلي ص271 ـ 279 والصراط المستقيم ج1 ص245 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص353 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص181 وغاية المرام ج1 ص88 و 91.


إختصاص "أمير المؤمنين" بعلي(عليه‌السلام):

ولقب أمير المؤمنين "عليه‌السلام " خاص بعلي، لا يحق لأحد حتى للأئمة من ولده أن يتسمى به.

ويدل على ذلك ما يلي:

1 ـ سئل الإمام الصادق "عليه‌السلام " عن القائم: يسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟!

قال: لا، ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، لم يسم به أحد قبله. ولا يتسمى به بعده إلا كافر.

قلت: جعلت فداك كيف يسلم عليه؟!

قال: يقولون: السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ:) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( (1) "(2) .

____________

1- الآية 86 من سورة هود.

2- الكافي ج1 ص411 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج14 ص600 و (ط دار الإسلامية) ج10 ص470 وبحار الأنوار ج24 ص211 و 212 وج52 ص373 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص351 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص179 وشرح أصول الكافي ج7 ص48 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج1 ص186 ونور الثقلين ج2 ص390 وتفسير فرات الكوفي ص193.

ويلاحظ: أن موسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ لم تذكر عبارة: إلا كافر إلى آخر الرواية؛ فراجع ج2 ص182.


ويبدو لنا: أن المقصود بالكافر هنا هو بعض مراتب الكفر، التي لا يلزم منها خروج الإنسان من الدين، تماماً على حد قوله تعالى:) وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( (1) ، فالمراد بالكفر الترك للفروع نظير الكفر بترك الصلاة والزكاة، فهو من قبيل وضع المسبب والأثر موضع السبب أو المنشأ..

2 ـ عن علي "عليه‌السلام ": أن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أمر أن أدعى بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته، ولم يطلق ذاك لأحد غيري(2) .

3 ـ روي: أنه دخل رجل على أبي عبد الله "عليه‌السلام "، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين!

فقام على قدميه، فقال: مه، هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين "عليه‌السلام "، سماه الله به. ولم يسمَّ به أحد غيره، فرضي به، إلا كان منكوحاً، وإن لم يكن ابتلي به. وهو قول الله في كتابه:) ِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَ شَيْطَاناً مَرِيداً ( (3) .

قال: قلت: فماذا يدعى به قائمكم؟!

____________

1- الآية 97 من سورة آل عمران.

2- الخصال للشيخ الصدوق ص580 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج3 ص184 وبحار الأنوار ج31 ص445 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص182 وج8 ص246.

3- الآية 117 من سورة النساء.


قال: السلام عليك يا بقية الله، السلام عليك يا بن رسول الله(1) .

ونلاحظ هنا أيضاً:

أن الروايات التي تتحدث عن الآثار التي تترتب على بعض الأعمال، إنما يراد بها: أن ذلك الأثر كثيراً ما يترتب على ذلك العمل، وإن كان قد يتخلف في العديد من الموارد، وإن كانت يسيرة. فليس ذلك العمل مقدمة توليدية لذلك الأثر، كما هو الحال بالنسبة للإحراق المسبب عن النار.. وهذا نظير تعليل تشريع العدة ثلاث حيضات، أو ثلاثة أشهر بأنه ـ كما قال أبو الحسن الثاني "عليه‌السلام " ـ: لاستبراء الرحم من الولد(2) .

____________

1- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج14 ص600 و (ط دار الإسلامية) ج10 ص469 واليقين للسيد ابن طاووس ص27 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج1 ص72 وبحار الأنوار ج37 ص331 وشجرة طوبى ج1 ص70 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص352 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص231 وتفسير العياشي ج1 ص276 والبرهان (تفسير) ج2 ص328 ونور الثقلين ج1 ص551 وكنز الدقائق ج2 ص625 وغاية المرام ج1 ص101 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص182.

ويلاحظ: أن هذا الأخير قد حذف قوله: فرضى به إلا كان منكوحاً، إلى قوله: ?..شَيْطَاناً مَرِيداً? ثم ذكر باقي الرواية..

2- راجع: المحـاسن للـبرقي ج2 ص303 ومسند الإمـام الرضـا "عليه‌السلام " = = للعطاردي ج2 ص402 وعلل الشرائع ج2 ص507 وتهذيب الأحكام ج8 ص143 وبحار الأنوار ج101 ص184 وجامع أحاديث الشيعة ج22 ص214 وكنز الدقائق ج1 ص537 و 541 ونور الثقلين ج1 ص219 ومستدرك الوسائل ج15 ص363.

وفي ورود التعليل عن أبي جعفر الثاني راجع: الكافي ج6 ص113 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج22 ص236 و (ط دار الإسلامية) ج15 ص452 وتفسير العياشي ج1 ص122 والحدائق الناضرة ج25 ص463 وتفسير الميزان ج2 ص257 وبحار الأنوار ج101 ص190 و 192 وجامع أحاديث الشيعة ج22 ص213 و 214.


فإن العدة ثابتة حتى لو كان قد دخل بزوجته في دبرها، أو حتى لو استعمل العازل في حال الوطء، وكذا لو كان رحمها قد استؤصل..

4 ـ وعنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " في حديث المعراج: ".. فأوحى إلي ربي ما أوحى، ثم قال: يا محمد، اقرأ علي بن أبي طالب أمير المؤمنين السلام، فما سميت بهذا أحداً قبله، ولا أسمي بهذا أحداً بعده"(1) .

____________

1- الأمالي للشيخ الطوسي ص195 ومستدرك الوسائل ج10 ص398 واليقين للسيد ابن طاووس ص25 والجواهر السنية للحر العاملي ص262 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج1 ص71 وبحار الأنوار ج37 ص290 وشجرة طوبى ج1 ص71 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص353 وبشارة المصطـفى ص287 وموسـوعة الإمـام علي بن أبي طـالـب "عليه‌السلام " في = = الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص181 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص91 ونور الثقلين ج5 ص149 والكافي ج1ص 441.


5 ـ وفي حديث المعراج أيضاً: "فقال لي: يا محمد!

قلت: لبيك ربي وسعديك..

إلى أن قال: قال تعالى: قد اخترت لك علياً، فاتخذه لنفسك خليفة ووصياً. ونحلته علمي وحكمي. وهو أمير المؤمنين، لم يكن هذا الاسم لأحد قبله، وليس لأحد بعده"(1) .

____________

1- المناقب للخوارزمي ص303 ومستدرك الوسائل ج10 ص401 والتحصين للسيد ابن طاووس ص542 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لمحمد بن سليمان الكوفي ج1 ص410 ونوادر المعجزات لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص75 والأمالي للشيخ الطوسي ص343 واليقين للسيد ابن طاووس ص25 و 159 والعقد النضيد والدر الفريد لمحمد بن الحسن القمي ص85 وكتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي ص88 والجواهر السنية للحر العاملي ص310 ومدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني ج2 ص424 و 425 وفرائد السمطين ج1 ص268 وبحار الأنوار ج18 ص371 وج36 ص160 وج37 ص291 وج40 ص13 وكتاب الأربعين للماحوزي ص252 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص353 وفضائل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لابن عقدة الكوفي ص60 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص293 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص624 و (ط دار الأضواء) ج1 ص355 وكشف اليقين = = للعلامة الحلي ص278 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص596 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص140 و 181 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص79 و 92 و 127 و 190 و 229 وج2 ص152 و 223 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص167.

الصفحة 160

6 ـ قال رجل للصادق "عليه‌السلام ": يا أمير المؤمنين.

فقال "عليه‌السلام ": مه، إنه لا يرضى بهذه التسمية أحد، إلا ابتلاه الله ببلاء أبي جهل(1) .

7 ـ وفي حديث عن الإمام الصادق "عليه‌السلام " ذكر فيه أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أمر قوماً، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، بأن يسلموا على علي "عليه‌السلام " بإمرة المؤمنين.

ففعلوا.

ثم قال لهم رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": "إن هذا اسم نحله الله علياً

____________

1- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص254 وج3 ص55 ومستدرك الوسائل ج10 ص399 واليقين للسيد ابن طاووس ص26 وبحار الأنوار ج37 ص334 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص352 وج3 ص55 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص40 ونهج الإيمان لابن جبر ص470 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص100.



"عليه‌السلام " ليس هو إلا له"(1) ، ثم ذكر تمام الحديث.

8 ـ وفي حديث عن أبي جعفر "عليه‌السلام "، قال فيه: "..يا فضيل، لم يسم بها والله بعد علي أمير المؤمنين إلا مفتر كذاب إلى يوم الناس هذا"(2) .

9 ـ عن أبي حمزة الثمالي قال: "سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر "عليه‌السلام ": يا بن رسول الله، لم سمي علي "عليه‌السلام " أمير المؤمنين، وهو اسم ما سمي به أحد قبله، ولا يحل لأحد بعده؟!

قال: لأنه ميرة العلم، يمتار منه، ولا يمتار من أحد غيره الخ.."(3) .

____________

1- اليقين للسيد ابن طاووس ص26 و 312 وبحار الأنوار ج37 ص322 وراجع: غاية المرام ج4 ص81 وج5 ص50.

2- مستدرك الوسائل ج10 ص401 واليقين للسيد ابن طاووس ص26 و 303 وبحار الأنوار ج24 ص315 وج36 ص68 وج37 ص318 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص430 وج12 ص352 والكافي ج8 ص288 ومدينة المعاجز للبحراني ج1 ص72 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" لهادي النجفي ج9 ص50 ونور الثقلين ج5 ص384 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص703 وغاية المرام للبحراني ج1 ص97 وج4 ص329.

3- علل الشرائع ج1 ص191 ومستدرك الوسائل ج10 ص398 ودلائل الإمامة ص451 وبحار الأنوار ج37 ص294 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص353 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج1 ص461.





ملاحظات على الإستدلال بالروايات:

1 ـ قد يقال: إن الرواية الثامنة لا تدل على حرمة تسمية الأئمة بهذا الاسم، بل هي أشارت إلى قضية خارجية حصلت، وهي: أن الذين تسموا بهذا الاسم لم يكن يحق لهم ذلك.

2 ـ تدل الرواية التاسعة بحسب ما يقتضيه التعليل على أن حرمة التسمي بهذا الاسم إنما هي على من ليس ميرة العلم.. أما من كان ميرة العلم ـ كالأئمة الطاهرين "عليهم السلام" ـ فإنهم يمتار منهم العلم، ولا يمتارون من غيرهم..

3 ـ وفي الرواية التاسعة إشكال آخر، وهو أن الأمير بوزن فعيل (من الأمر) وهو مهموز الفاء، والمير أجوف يائي، ولا تناسب بينهما في الإشتقاق.

وأجاب عنه العلامة المجلسي "رحمه‌الله "، بما لا يحسم الأمر، ولا يكفي لحل الإشكال. فراجع(1) .

4 ـ قد يقال: إن الرواية المتقدمة برقم(2) تفيد: أن عدم التصريح بالتسمي بهذا الاسم إنما هو في حياة رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، ولعله لمصلحة اقتضت ذلك، ولعل منها: احترام مقام النبوة.. ولا يشمل ذلك ما بعد وفاته "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

5 ـ بالنسبة للرواية الرابعة والخامسة أيضاً، قد يقال: إنها تدل على أن

____________

1- بحار الأنوار ج37 ص293 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص58 و 59.


الله تعالى لم يسم بهذا الاسم أحداً سوى علي "عليه‌السلام ".. ولا تدل على حرمة التسمي، أو تسمية الناس بعضهم بعضاً به.

6 ـ بالنسبة للرواية المتقدمة برقم(3) نقول: إن الآية غير ظاهرة الإنطباق على المورد، لأنها:

أولاً: إنما تتحدث عن الشرك بالله سبحانه وتعالى.

ثانياً: إن الآية قد رددت بين أمرين:

أحدهما: أن تكون آلهتهم إناثاً.

الثاني: أن تكون من مردة الشياطين.. ولا تحصر الآية ما يدَّعونه، بالشق الأول، وهو الإناث.

7 ـ بالنسبة للرواية السادسة نقول:

أولاً: إنها لم تصرح بحقيقة داء أبي جهل..

ثانياً: إنها إنما تتحدث عن الغاصبين لهذا المقام، والمتوثبين عليه بغير حق.

8 ـ بالنسبة للرواية السابعة نقول:

قد يدَّعي البعض: أن هذه الرواية تريد أن تقول: إن هذا اللقب خاص بعلي "عليه‌السلام " دون سواه ممن يدَّعيه في زمانه، ويريد أن يغتصب ذلك المقام منه، ولا يشمل الأزمنة اللاحقة إذا كان من يتولى الأمر أهلاً له وفق المعايير الشرعية.

فلم يبق إلا رواية واحدة، وربما يمكن تأييدها ببعض الروايات الأخرى. إذا أردنا أن نعتبرها مفسرة للمراد منها.


رواية تخالف ما سبق:

عن أبي الصباح مولى آل سام، قال: كنا عند أبي عبد الله "عليه‌السلام "، إذ دخل علينا رجل من أهل السواد، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته

قال له أبو عبد الله "عليه‌السلام ": وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم اجتذبه وأجلسه إلى جنبه.

فقلت لأبي المغرا، أو قال لي أبو المغرا: إن هذا الاسم ما كنت أرى أن أحداً يسلِّم به إلا (على) أمير المؤمنين علي(صلوات الله عليه).

فقال لي أبو عبد الله: يا أبا صباح، إنه لا يجد عبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن لآخرنا ما لأولنا(1) .

وقد سجل العلامة المجلسي على هذا الحديث ملاحظات ثلاث:

أولاها: أن هذا الخبر نادر، لا يصلح لمعارضة الأخبار الكثيرة الدالة على المنع من إطلاق لقب أمير المؤمنين على غيره "عليه‌السلام ".

الثانية: لعل الإمام الصادق "عليه‌السلام " رأى أن السائل قد توهم أن

____________

1- الإختصاص ص267 و 268 وبحار الأنوار ج25 ص359 ـ 360 وج37 ص332 عنه، ومستدرك الوسائل ج10 ص399 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص353 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص180 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص58 و 59.


مضمون هذا الاسم (وهو إمرتهم الواقعية للمؤمنين) غير حاصل في الأئمة "عليهم السلام".

فأفهمه "عليه‌السلام ": أن المعنى حاصل فيهم، لكن الممنوع عنه هو إطلاق الاسم عليهم (حشمة واحتراماً منهم لأمير المؤمنين "عليه‌السلام ").

الثالثة: قد يكون إطلاق الإسم عليهم أيضاً جائز في حد نفسه، ولكن قد منع منه لأجل مصلحة عارضة، وهي أن لا يجترئ غيرهم على التسمي بهذا الاسم(1) .

ونحن نوافق المجلسي "رحمه‌الله " على ما قال، باستثناء ما ذكره أولاً من كثرة الأخبار الناهية، فقد تقدم: أن ثمة ملاحظات على أكثرها.

أسماء وألقاب الأوصياء توقيفية:

وألقابهم "عليهم السلام" توقيفية، أي أن الله تعالى هو الذي منحهم إياها، وأتحفهم بها، كرامة منه لهم، ودلالة على حقيقة ميزاتهم، كما أن البشر قد اهتدوا في كثير من الأحيان إلى توفر معاني تلك الألقاب فيهم "عليهم السلام"، فأطلقوها عليهم، وفي جميع الأحوال، لا بأس بملاحظة ما يلي:

أولاً: قال بعض أهل العلم:

".. فاعلم أن أكثر أسماء رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وألقابه التي خصه الله بها، ليست للتعريف والعَلَميَّة فقط، وإنما هي لتعظيمه وتبجيله

____________

1- بحار الأنوار ج37 ص332.


"صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ". وكذلك الكلام في كثرة أسماء حجج الله، أئمة المؤمنين الاثني عشر من أهل بيته، وألقابهم التي أوحى الله تعالى بها إلى رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فإنها كلها تنبئ عن مثابتهم (لعل الصحيح: مثوبتهم أو مكانتهم) عند الله، واستحقاقهم التحميد والتشريف لديه تعالى الخ.."(1) .

ثانياً: روى الصدوق وغيره العديد من الأحاديث عن أئمة الهدى "عليهم السلام" حول أسباب إطلاق تلك الألقاب على عدد من الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم، فيظهر من بعضها: أن الناس أيضاً قد رأوا في الأئمة أسباباً تدعوهم إلى إطلاق تلك الألقاب نفسها عليهم..

كما أن بعضها يشير إلى أن تلك الألقاب توقيفية، أخبر بها الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " عن بعض الكتب السماوية، أو طلب "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " منهم إطلاقها على بعض الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم..

وفي بعضها: أن الله سبحانه هو الذي سماهم بتلك الأسماء.

وفي بعضها الآخر: أن جبرئيل "عليه‌السلام " قد جاءهم بها(2) .

____________

1- ألقاب الرسول وعترته (مطبوع مع مجموعة نفيسة ـ نشر مكتبة المرعشي ـ قم) ص4.

2- راجع: علل الشرايع ج1 ص272 ـ 275 و 277 و 282 وكمال الدين وتمام النعمة ص305 ـ 307 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج16 ص243 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص490 ودلائل الامامة لمحمد بن جرير بن رستم الطبري ص105 والإرشـاد للمفيد ج2 ص159 والمسائـل الجـاروديـة للمفيد ص35 = = والإحتجاج للطبرسي ج2 ص136 والطرائف لابن طاووس ص173 والصراط المستقيم ج1 ص208 وج2 ص110 و 117 والرواشح السماوية ص155 وبحار الأنوار ج36 ص194 ج43 ص251 وكتاب الأربعين للشيرازي ص103 والإستنصار للكراجكي ص20 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص571 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص470 ومكاتيب الرسول ج2 ص104 والجواهر السنية للحر العاملي ص243 و 244 و 266 ونور الثقلين ج1 ص776 وكتاب الأربعين للماحوزي ص363 ـ 365 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) للعلامة الحلي ص171 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص166 وشرح الأخبار ج3 ص110. وراجع: كتاب مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر.


إلى غير ذلك مما يجده المتتبع للروايات المأثورة في ذلك..

كما أنه يمكن مراجعة ما ورد في أسباب إطلاق ألقاب بعينها على السيدة الزهراء "عليها السلام"، فإن فيها ما يشير أيضاً إلى التوقيف والنص من جهة، وفيها ما يدل على أن بعض الألقاب قد لحقتها من خلال رؤية الناس لتلك الأمور أو المزايا فيها صلوات الله وسلامه عليها(1) .

وملاحظة كل تلكم الأحاديث تعطينا:

1 ـ أن الناس كانوا يهتدون إلى تلك الألقاب، ويطلقونها عليهم بالإستناد إلى الواقع الذي يشاهدونه، وإلى الوقائع التي رأوها ووعوها. أو بملاحظة كلام صدر في حقهم "عليهم السلام" من الله ورسوله..

____________

1- راجع كتاب: الزهراء بهجة قلب المصطفى ج1 من ص145 حتى ص199.


2 ـ أن اللقب قد جاء عن الله ورسوله بصورة مباشرة، فتوافقت الوقائع والأحداث مع النص والتوقيف، وبذلك ظهر المزيد من التشريف، والتكريم، لصفوة الخلق، صلوات الله وسلامه عليهم..

ثالثاً: روي أن أبا جعفر "عليه‌السلام "، قال لعمر بن خيثم: ما تكنى؟!

قال: ما اكتنيت بعد. وما لي من ولد ولا امرأة، ولا جارية..

قال: فما يمنعك من ذلك؟!

قال: قلت: حديث بلغنا عن علي "عليه‌السلام "، قال: من اكتنى وليس له أهل، فهو أبو جعر(1) .

فقال أبو جعفر "عليه‌السلام ": شوه، ليس هذا من حديث علي "عليه‌السلام "، إنَّا لنكني أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم(2) .

ومن الواضح: أن النبز كما يكون بالكنية، كذلك هو قد يكون باللقب، فيحتاج لكي يجتنب ذلك إلى أن يلقب المولود ويكنى. فيكون قوله "عليه‌السلام "، مشيراً إلى أن ألقابهم تأتيهم من قبل آبائهم منذ ولادتهم "عليهم السلام"..

رابعاً: روي أيضاً: أنه لما ولد الإمام الحسن بن علي "عليهما‌السلام

____________

1- الجعر: نجو كل ذي مخلب من السباع. (والنجو: ما يقابل عذرة الإنسان) أو ما يبس من الثفل في الدبر.

2- الكافي ج6 ص19 وتهذيب الأحكام ج7 ص438 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج21 ص397 و (ط دار الإسلامية) ج15 ص129 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص346.


هبط جبرئيل على رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بالتهنئة في اليوم السابع، وأمره أن يسميه، ويكنيه، ويحلق رأسه، ويعق عنه، ويثقب أذنه. وكذلك حين ولد الإمام الحسين "عليه‌السلام "، أتاه في اليوم السابع، فأمره بمثل ذلك، الخ..(1) .

وكل هذا الذي ذكرناه يدل على: أن ألقاب الأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ في الأساس ـ توقيفية، قد لحقتهم ابتداءً من قبل آبائهم، أو من قبل الله تعالى ورسوله..

ثم اهتدى الناس إليها من خلال الممارسة، أو من خلال سماع الرواية.. وربما يكون من المناسب الإشارة هنا إلى أنهم يقولون: إن سبب تلقيب الإمام الحسن العسكري "عليه‌السلام " بالزكي ما يلي:

"هو أبو محمد الحسن الأخير. سماه الله في اللوح بالزكي، أصح ناصح آل محمد غريزة، أوثق أهل بيت الوحي حجة الخ.."(2) .

____________

1- الكافي ج6 ص33 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج21 ص432 و (ط دار الإسلامية) ج15 ص159 وبحار الأنوار ج43 ص257 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص378 وحياة الإمام الرضا "عليه‌السلام " للشيخ باقر شريف القرشي ج1 ص363 وتهذيب الأحكام ج7 ص444.

2- راجع: ألقاب الرسول وعترته ص79.


الفصل الخامس:

شمائل علي (عليه‌السلام )



صفة علي(عليه‌السلام) في كلماتهم:

لقد وصفوا علياً "عليه‌السلام " بأوصاف تكاد تكون متباينة فيما بينها، وفيها ما ظاهره المدح، ويقصد به القدح. وإليك نبذة من كلماتهم في ذلك:

عن جابر وابن الحنفية: "كان علي رجلاً دحداحاً، ربع القامة، أزج الحاجبين، أدعج العينين، أنجل، تميل إلى الشهلة.

كأن وجهه القمر ليلة البدر حسناً، وهو إلى السمرة، أصلع، له حفاف من خلفه كأنه إكليل.

وكأن عنقه إبريق فضة، وهو أرقب (أي غليظ الرقبة)، ضخم البطن، أقرى الظهر، عريض الصدر، محض المتن، شئن الكفين، ضخم الكسوة، لا يبين عضده من ساعده، تدامجت إدماجاً، عبل الذراعين، عريض المنكبين، عظيم المشاشين كمشاش السبع الضاري، له لحية قد زانت صدره، غليظ العضلات، حمش الساقين"(1) .

____________

1- مقاتل الطالبيين ص27 و (ط مطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1385هـ ـ 1965م) ص16 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص88 ومناقب آل أبي طالب لابن ج3 ص307= = و (ط مطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1376هـ ـ 1956م) ص91 وبحار الأنوار ج35 ص2 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص551 والأنوار العلوية ص6 وصفين للمنقري ص233.


قال أبو الفرج: "وكان "عليه‌السلام " أسمر مربوعاً، وهو إلى القصر أقرب، عظيم البطن، دقيق الأصابع، غليظ الذراعين. حمش الساقين. في عينيه لين. عظيم اللحية، أصلع، ناتئ الجبهة"(1) .

وفي نص آخر: "أصلع، ناتئ الجبهة، عريض ما بين المنكبين، له لحية قد ملأت صدره، في عينه اطرغشاش. قال داود: يعني ليناً في العين"(2).

وقالوا أيضاً: إنه "عليه‌السلام " كان ضخم الرأس(3) .

وعن أبي إسحاق: أن علياً "عليه‌السلام " لما تزوج فاطمة "عليها السلام"، قالت للنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": زوجتنيه أعيمش، عظيم البطن.

فقال النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": لقد زوجتكه، وإنه لأول أصحابي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً(4) .

____________

1- مقاتل الطالبيين ص27.

2- مقاتل الطالبيين ص27 و (ط مطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1385هـ ـ 1965م) ص16 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص88.

3- المعجم الكبير للطبراني ج1 ص93 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص100.

4- المعجم الكـبير للطـبراني ج1 ص94 ومجمـع الزوائـد للهيثمي ج9 ص102 = = والمصنف للصنعاني ج5 ص490 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص154 وج15 ص330 وج31 ص270.


وعن الواقدي: كان علي بن أبي طالب آدم ربعة، مسمناً، ضخم المنكبين، طويل اللحية، أصلع، عظيم البطن، غليظ العينين، أبيض الرأس واللحية(1) .

وقالوا: "له سنام كسنام الثور"(2) .

وقال أبو الطفيل: ذكرت لابن مسعود قول علي رضي الله عنه، فقال: ألم تر إلى رأسه كالطست، وإنما حوله كالحفاف(3) .

فترى أن بعض الصفات قد جاءت صحيحة ومقبولة.. ولكن بعضها الآخر يظهر علياً "عليه‌السلام " بصورة تنفر منها القلوب، وتمجها الطباع.

وستأتي نماذج كثيرة أخرى أكثر سماجة، وأظهر بشاعة من ذلك.

ونحن نعالج هذه الصفات فيما يلي من عناوين ومطالب..

____________

1- المعجم الكبير للطبراني ج1 ص94 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص241.

2- راجع: صفين لابن مزاحم المنقري ص233 والإختصاص للشيخ المفيد ص146 وبحار الأنوار ج40 ص100 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص89.

3- المعجم الكبير للطبراني ج1 ص95 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص137.


أبو بكر حمش الساقين:

قد وصف عمرو بن العاص علياً "عليه‌السلام ": بأنه حمش الساقين..

يريد بذلك: أن يحط من مقامه "عليه‌السلام "، ولكنه غفل عن أن أبا بكر قد وصف بنفس هذا الوصف. فراجع(1) .

أو أنه أراد أن يخفف عن أبي بكر، ويوجد شريكاً له في هذه الصفة، فاختار علياً "عليه‌السلام " لذلك، فيكون قد أصاب هدفين بحجر واحد.

أبو بكر ناتئ الجبهة:

وقد وصفوا علياً "عليه‌السلام ": بأنه ناتئ الجبهة..

ولعلهم غفلوا عن أن هذا الوصف أيضاً قد ورد في صفة أبي بكر على لسان ابنته عائشة بالذات(2) .

أو أنهم أرادوا أن يحددوا له شريكاً، وفق ما ذكرناه في العنوان السابق.

علي(عليه‌السلام) قصير القامة:

وقالوا في صفة أمير المؤمنين "عليه‌السلام ":

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص424 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص615 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص188 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص29.

2- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص424 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص615 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص188 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص29.


عن زهير بن معاوية ـ ونسب إلى الإمام الباقر "عليه‌السلام " أيضاً ـ في صفة علي "عليه‌السلام " قوله: "وهو إلى القصر أقرب"(1) .

____________

1- مقاتل الطالبيين ص16 وحلية الأبرار ج2 ص393 وبحار الأنوار ج35 ص4 وج42 ص220 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص83 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص553 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص146 و (ط دار الأضواء ـ بيروت ـ 1405هـ ـ 1985م) ج1 ص74 عن ابن مندة، وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص479 والإستيعاب لابن عبد البر ج3 ص1110 وكفاية الطالب ص402 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 عن ابن مندة، وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص86 و 87 و 88 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص243 و 244 ج30 ص149 وفرحة الغري للسيد ابن طاووس ص80 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27 وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ط دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ سنة 1417هـ ـ 1997م) ج1 ص145 وتاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر ـ سنة 1415هـ) ج42 ص13 و 24 و 25 وأنساب الأشراف للبلاذري ص126 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص18 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص117 وفي (ط أخرى) ج5 ص153 وشرح الأخبار ج2 ص427 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج3 ص396 والبداية والنهاية لابن كثير ج7 ص250 وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج1 ص327 والإمامة = = والسياسة لابن قتيبة الدينوري (تحقيق الزيني) ج1 ص138 و (تحقيق الشيري) ج1 ص180 والمناقب للخوارزمي ص45 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص244 ومطالب السؤول (ط إيران) ص12 و (وتحقيق ماجد ابن أحمد العطية) ص70.


أضاف بعضهم قوله: "لم يتجاوز الإعتدال في ذلك"(1) .

وقالوا: "كان رجلاً دحداحاً"(2) .

والدحداح: القصير القامة(3) .

ونقول:

إن هذا الكلام غير دقيق لما يلي:

أولاً: قال أبو رجاء العطاردي، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم:

____________

1- مطالب السؤول (ط إيران) ص12 و (وتحقيق ماجد بن أحمد العطية) ص70.

2- صفين لابن مزاحم المنقري ص233 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص91 وبحار الأنوار ج35 ص2 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص551 والأنوار العلوية ص6 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص89.

3- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج2 ص103 وبحار الأنوار ج43 ص101 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص262 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص552 وعون المعبود للعظيم آبادي ج13 ص60 وغريب الحديث لابن سلام ج4 ص485 ولسان العرب ج2 ص434 ومجمع البحرين ج2 ص12.


"رأيت علي بن أبي طالب ربعة ـ وقال ابن الأكفاني: رجلاً ربعة"(1) .

وقال الشعبي: رأيت علي بن أبي طالب يخطب على المنبر، شيخاً، مربوعاً(2) .

ثانياً: عن رزام بن سعيد، عن أبيه قال: "كان رجلاً فوق الربعة"(3) .

وقال الشبلنجي الشافعي: "أقرب إلى الطول"(4) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 و 21 وذخائر العقبى (ط القاهرة) ص57 ونزهة المجالس ج2 ص164 وكشف الغمة ج1 ص146 و 147 وجواهر المطالب ج1 ص35 وراجع ص36 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 و 598 ونور الأبصار ص77 عن ذخائر العقبى. وراجع: الإستيعاب لابن عبد البر ج3 ص1110 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص479.

2- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص81 ونزهة المجالس للصفوري الشافعي (ط بيروت) ص454.

3- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص23 وأسد الغابة لابن الأثير ج4 ص39 و (ط أخرى) ص115وأنساب الأشراف للبلاذري (بتحقيق المحمودي) ج2 ص125 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص89 وكفاية الطالب ص402 وراجع الكامل في التاريخ ج3 ص396 ونور الأبصار للشبلنجي الشافعي ص77.

4- نور الأبصار للشبلنجي الشافعي ص77.


والغريب في الأمر: أن بعضهم جمع بين الوصفين المتناقضين، فقال: "كان علي "عليه‌السلام " رجلاً دحداحاً، ربع القامة" عن جابر وابن الحنفية(1) .

مع أن الدحداح هو: القصير السمين.

والربعة: الوسيط القامة، الذي ليس بالطويل ولا بالقصير(2) .

وبعدما تقدم نشير إلى الأمور التالية:

ألف: علي (عليه‌السلام ) كرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ):

إن ملاحظة الروايات تعطي:

أن صفة نبينا الأكرم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " هي نفس الصفة التي ذكرها هؤلاء لأمير المؤمنين، فإنه كان أيضاً أطول من الربعة(3) ، ليس بالطويل ولا

____________

1- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص91 وبحار الأنوار ج35 ص2 والإمام علي بن أبي طالب للرحماني الهمداني ص551 والأنوار العلوية ص6.

2- راجع: أقرب الموارد ج1 ص384 والمعجم الوسيط ص325. وراجع: لسان العرب ج8 ص107 وتاج العروس ج7 ص373 وبحار الأنوار ج16 ص161 وشجرة طوبى ج2 ص257 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص548 و سير أعلام النبلاء ج1 ص390.

3- بحار الأنوار ج16 ص185 عن العياشي، ومكارم الأخلاق ج1 ص42 وتفسير العياشي ج1 ص203.


بالقصير(1) . أي ربعة من الرجال.

ب: داود (عليه‌السلام ) كان قصيراً:

إن القصر ليس من الصفات المذمومة بجميع مراتبه، فإنهم يقولون: إن

____________

1- بحار الأنوار ج16 ص181 و 186 و 190 و 194 عن مناقب آل أبي طالب ج1ص107 و 108 وعن الكازروني، وعن الغارات. ومسند أحمد ج1 ص96 وج4 ص300 وصحيح البخاري ج4 ص164 و 165 وصحيح مسلم ج7 ص83 وسنن الترمذي ج3 ص145 وج5 ص259 والمستدرك للحاكم النيسابوري ج2 ص606 وشرح مسلم للنووي ج15 ص91 وعمدة القاري ج16 ص104 والمصنف للصنعاني ج3 ص599 والشمائل المحمدية للترمذي ص16 و 17 ومسند أبي يعلى ج6 ص405 و 445 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص55 وكنز العمال ج7 ص161 و 170 و 174 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج4 ص492 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص411 و 418 والتاريخ الكبير للبخاري ج1 ص8 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص252 و 256 و 277 و 278 و 284 و 299 وتاريخ المدينة لابن شبة النميري ج2 ص602 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص425 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص305 والبداية والنهاية ج6 ص15 و 16 و 21 و 27 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج2 ص154 و 168 و 174 و 176 وج3 ص354 و 364 وج4 ص32 وج6 ص396 وج8 ص72 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص159 وج2 ص170 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص116 و 121 وج2 ص83 و 456.


داود "على نبينا وآله وعليه الصلاة السلام" كان قصيراً أيضاً(1) .

والقصر أمر نسبي، فقد يكون المرء طويلاً أو ربعةً بالنسبة لفئة من الناس. ويكون قصيراً بالنسبة إلى جيل آخر من الناس.

بل قد يكون الطول الخارج عن المألوف في جماعة بعينها مثاراً للتعجب، وربما يصبح موضع تندر لدى بعض الناس.

ج: القصر المذموم:

لكن الحقيقة هي: أن علياً "عليه‌السلام " كان معتدل القامة كما تقدم، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسناً..

وحتى لو كان إلى القصر أميل ـ كما زعمته بعض الروايات التي كذبتها الروايات التي ذكرت أنه كان إلى الطول أميل ـ فإن ذلك لا يضر إذا لم يصل إلى حد اعتباره قزماً، لافتاً للنظر، ومستغرباً.. ولا سيما إذا صاحبه هذا الجمال الباهر الذي تحدثت عنه الروايات..

____________

1- بحار الأنوار ج13 ص446 و 451 وج14 ص14 وكمال الدين ج1 ص154 والمستدرك للحاكم النيسابوري ج2 ص585 وتفسير العياشي ج1 ص134 وتفسير الميزان للطباطبائي ج2 ص299.

والدر المنثور للسيوطي ج4 ص324 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج1 ص223 والبداية والنهاية ج2 ص12 وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج2 ص60 وقصص الأنبياء لابن كثير ج2 ص265.


د: مداعبة تحرج الخليفة:

رووا: أن عمر بن الخطاب كان طويلاً غير معتدل، فاجتمع مع أمير المؤمنين "عليه‌السلام " يوماً في المسجد، فأراد عمر الملاطفة والإستخفاف بعلي "عليه‌السلام "، فأخذ نعل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " ووضعه في موضع عال من المسجد حتى لا تصل يده إليه.

فلما استشعر "عليه‌السلام " منه ما فعل رفع أسطوانة من أساطين المسجد كان متكأً عليها ووضعها على ثيابه، فلما أراد القيام لم يقدر، وبقي كالرجل في الوحل.

فقام "عليه‌السلام " وتناول نعله وأراد الخروج من المسجد، فصاح عمر، واجتمع عليه الناس يضحكون منه، وهو يقوم ولا يقعد، فلما تم الإستهزاء به أتى "عليه‌السلام " ورفع الأسطوانة عن ثيابه حتى خلص.

ونقول:

ونسجل هنا ما يلي:

1 ـ لا شيء يمنع من صدق هذه الرواية في نفسها.

2 ـ إن ما أراده عمر من إظهار عيب في أمير المؤمنين "عليه‌السلام " قد ارتد عليه. فظهر مصداق القول: "من حفر حفرة لأخيه أوقعه الله فيها".

3 ـ إن هذه الرواية لا تعني أن علياً "عليه‌السلام " كان قصيراً، بل هو معتدل القامة، وإلى الطول أقرب.

4 ـ إن هذه الحادثة تظهر أن عمر كان يعتبر طوله المفرط امتيازاً، مع أنه لو كان كذلك لحبا الله نبيه الأكرم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بهذه الصفة.


5 ـ إن مداعبة المؤمن مطلوب ومحبوب، إذا كان المقصود منه هو إدخال السرور على قلبه. أما إن كان المقصود هو إذلاله وجعله في موقع سخرية الناس، فهو محرم، ويعاقب الله تعالى عليه.

فكيف إذا كان المطلوب هو إذلال وصي الأوصياء، ووارث الأنبياء.. فإن الجريمة تكون أقبح. والعقوبة عليها أشد. فإن أضيف إلى ذلك: حصول ذلك في المسجد، بل في أقدس المساجد بعد المسجد الحرام، فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة، وأشد عقوبة.

هذه الصفات في أعداء علي(عليه‌السلام) :

والذي يبدو لنا هو: أن ثمة عقدة كانت تدفع مناوئي علي "عليه‌السلام " إلى نسبة هذه الأمور إلى أعدى أعدائهم، فإن أسيادهم وكبراءهم كانوا يعانون من صفتي القصر والدمامة أيضاً. والصلع، وحماشة الساقين ونتوء الجبهة، وقصر القامة وغير ذلك كما سنوضحه..

فبالنسبة للقصر والدمامة نقول: كان أبو سفيان قصيراً ودميماً(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج33 ص201 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص336 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص123 وإحقاق الحق (الأصل) للتستري ص264 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للمولى حيدر الشيرواني ص467 عن ربيع الأبرار ج3 ص548 والغدير للشيخ الأميني ج10 ص170 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج5 ص293.


وأمية كان قصيراً(1) .

وعمرو بن العاص كان قصيراً أيضاً(2) .

وسيأتي: أن عمرو بن العاص هو الذي أثار الإختلاف في أوصاف علي أمير المؤمنين "عليه‌السلام ".

علي(عليه‌السلام) شديد الأدمة:

وقد وصفوا علياً "عليه‌السلام ": بأنه آدم(3)

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج9 ص221 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص233 وبحار الأنوار ج33 ص276 وكنز الفوائد للكراجكي ص260 والغدير ج10 ص336 والنصائح الكافية ص126 ومواقف الشيعة ج2 ص79.

2- مجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص31 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص465 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص194 والآحاد والمثاني للضحاك ج2 ص102 وفتوح مصر وأخبارها للقرشي المصري ص133 والبداية والنهاية ج3 ص89 والمستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص452 وأعيان الشيعة ج1 ص233 وج4 ص122 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص13 والسيرة الحلبية ج2 ص32 والخرائج والجرائح للراوندي ج1 ص134 وبحار الأنوار ج18 ص421 وأسد الغابة لابن الأثير ج4 ص118 وتاريخ مدينة دمشق ج46 ص112 و 161 و 162 والإصابة ج3 ص2 وتهذيب الكمال للمزي ج22 ص78 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص56 وج4 ص91.

3- المناقب للخوارزمي ص45 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص11 و 22 وكشف = = الغمة ج1 ص74 عن المحبر لابن حبيب، وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص83 وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج2 ص393 ومطالب السؤول ص70 وبحار الأنوار ج35 ص4 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص553 وعمدة القاري ج2 ص148 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص86 و 90 وأنساب الأشراف ص126والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص94 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص241 وشرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص427 والفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ ج1 ص598 ونور الأبصار ص77 وفرحة الغري للسيد ابن طاووس ص80 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 وتاريخ بغداد ج1 ص145 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص480 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج3 ص396 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص18 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص117 والوافي بالوفيات للصفدي ج21 ص181 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص245.


ووصفوه بأنه: ظاهر السمرة(1) .

وقال زهير بن معاوية، (ونسب أيضاً إلى الإمام الباقر "عليه‌السلام "):

____________

1- مطالب السؤول ص70 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص217 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص549.


"كان آدم شديد الأدمة"(1) .

وعن الشعبي: إنه "عليه‌السلام " أسمر(2) .

____________

1- شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص427 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص91 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص83 وبحار الأنوار ج35 ص2 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص549 و 553 وتاريخ بغداد ج1 ص145 وفي (ط أخرى) ص135 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص480 وأنساب الأشراف ص126 و 493 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج3 ص396 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624 وكشف الغمة ج1 ص74 وفي (ط أخرى) ص146 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص18 وفرحة الغري للسيد ابن طاووس ص80 ومطالب السؤول ص70 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج2 ص393 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص153 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص117 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص138 والمناقب للخوارزمي ص45 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص245 ومعارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول "عليه‌السلام " للزرندي الشافعي ص58 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص12 و 24 و 25 وجواهر المطالب ج1 ص36 وكفاية الطالب ص402 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27.

2- بحار الأنوار ج42 ص284 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص81 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص20.


لكن رزام بن سعيد روى عن أبيه قوله: "إن شئت قلت: لآدم. وإن تبينته من قريب قلت: أن يكون أسمر أدنى من أن يكون آدم"(1) .

ونقول:

إن ذلك غير ظاهر، وذلك لما يلي:

أولاً: إن كان علي "عليه‌السلام " شديد الأدمة، فكيف يصفه الشعبي بأنه أسمر؟! بل كيف يشتبه الأمر على الناظر ـ كما ينقله لنا رزام بن سعيد عن أبيه، حيث يقول ـ: "إن شئت قلت: لآدم. وإن تبينته من قريب قلت: أن يكون أسمر أدنى من أن يكون آدم". فإن شديد الأدمة لا يشتبه الأمر فيه إلى هذا الحد..

هذا كله على افتراض: أن المراد بالأدمة في الناس: السمرة الشديدة. وهي في الإبل: لون مشرب سواداً(2) .

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص23 وأسد الغابة لابن الأثير ج4 ص39 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص89 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص81 وأنساب الأشراف للبلاذري (بتحقيق المحمودي) ج2 ص366 و (ط مؤسسة الأعلمي ـ سنة 1394هـ ـ 1974م) ص126 وكفاية الطالب ص402.

2- راجع: تاج العروس ج16 ص10 ولسان العرب ج12 ص11 والقاموس المحيط للفيروزآبادي ج4 ص73.


ثانياً: قيل في وصف علي "عليه‌السلام ": إنه أحمر(1) .

وعن ابن عباس، عن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": "من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه، وإلى نوح في حكمه، وإلى يوسف في جماله، فلينظر إلى علي بن أبي طالب"(2) .

وشديد الأدمة لا يوصف بالجمال. وكأنه يوسف "عليه‌السلام "، فإن البياض أحد الجمالين(3) .

وعن أبي ذر: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وصف علياً "عليه‌السلام "

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص11 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص245.

2- شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج1 ص137 وذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري (ط مكتبة القدسي ـ القاهرة ـ سنة 1356هـ) ص94 عن الملا في سيرته، والرياض النضرة (ط الخانجي ـ مصر) ج2 ص218 والصراط المستقيم ج2 ص10 والغدير للشيخ الأميني ج3 ص360 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص17 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص400 و 396 وج5 ص5 وج14 ص567 و 568 وج15 ص617 وج22 ص297 و 300.

وراجع: نزهة المجالس ج1 164 وروضة الواعظين ص128 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص57 وينابيع المودة ج2 ص183.

3- أدب المجالسة لابن عبد البر ص94.


بأنه: "كالشمس والقمر الساري، والكوكب الدري"(1) .

وعن جابر، عن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": "من أراد أن ينظر إلى.. وإلى يوسف في جماله"(2) .

وفي نص آخر: "..وإلى يوسف في حسنه"(3) .

وفي حديث آخر عنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ذكر فيه: أنه قد أعطى خصالاً: "صبراً كصبري، وحسناً كحسن يوسف"(4) .

____________

1- الفضائل لابن شاذان ص99 وبحار الأنوار ج39 ص38 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص35 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص402.

2- ذخائر العقبى ص94 والغدير ج3 ص360 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص300 و 547 وينابيع المودة ج2 ص183 و 306 والشهب الثواقب للشيخ محمد آل عبد الجبار ص116 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص17 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص396 و 397 و 400 وج15 ص617 و 619 وج22 ص297 و 329 عن المناقب المرتضوية، وعن اللوامع (ط الهند) ج3 ص434 وعن مصادر أخرى.

3- إحقاق الحق ج4 ص397 و 398 عن فردوس الأخبار لأمان الله الدهلوي ص366 وعن أئمة الهدى للأفغاني ص389.

4- الروض الفائق ص385 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص666 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص16 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص182 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص558 = = وج22 ص340 وج30 ص214 وج31 ص291.


وفي نص آخر: "حسنه كحسن يوسف"(1) .

وقالوا أيضاً عنه "عليه‌السلام ": كان "حسن الوجه، كأنَّ وجهه ليلة البدر حسناً"(2) .

أو "كان من أحسن الناس وجهاً"(3) ..

____________

1- نزهة المجالس ج2 ص223 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص19 وج22 ص339.

2- راجع: ذخائر العقبى (ط القاهرة) ص57 وكشف الغمة ج1 ص148 و (ط دار الأضواء) ج1 ص75 وجواهر المطالب ج1 ص35 وصفين للمنقري ص233 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص598 ونور الأبصار ص77 وعن نزهة المجالس ص454 وحلية الأبرار ج2 ص394 وبحار الأنوار ج35 ص5 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص32 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 والإستيعاب ج3 ص1123 وعمدة القاري ج2 ص148 وشرح إحقاق الحق ج18 ص242.

3- الكامل في التاريخ ج3 ص397 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص25 وأسد الغابة ج4 ص116 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للمولى حيدر الشيرواني ص32 وأسد الغابة لابن الأثير ج4 ص39 وأعيان الشيعة ج1 ص327 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص86 و 90 وج9 ص141.


.. "كأن عنقه إبريق فضة"(1) .

"ضحوك السن(2) فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم(3) ، وقال فيه أبو

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص91 ونور الأبصار ص77 وصفين للمنقري ص233 وجواهر المطالب ج1 ص36 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص598 وبحار الأنوار ج33 ص605 وج35 ص2 و 5 وكشف الغمة ج1 ص76 و 148 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي ـ القاهرة ـ سنة 1356هـ) ص75 ونزهة المجالس للصفوري الشافعي (ط سنة 1310هـ) ج2 ص164 وحلية الأبرار ج2 ص394 ومناقب أهل البيت "عليه‌السلام " للشيرواني ص32 وشجرة طوبى ج2 ص257 والغدير للشيخ الأميني ج3 ص19 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص547 و 551 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص489 والأنوار العلوية ص6 و 7 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص86 و 89 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص665 و 666 وج18 ص242 و 243 و 244 ومستدرك الوسائل ج11 ص84.

2- تهذيب الأسماء واللغات ج1 ص349 والغدير ج3 ص19 وعمدة القاري ج2 ص148وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص25 والبداية والنهاية ج7 ص250 ومعارج الوصول للزرندي الشافعي ص58 وينابيع المودة ج3 ص146.

3- الغدير ج3 ص19 عن حلية الأوليـاء ج1 ص84 وتاريـخ مدينـة دمشق ج8 = = ص473 وج24 ص401 و 402 ومختصر تاريخ دمشق ج11 ص158 والمحاسن والمساوي ج1 ص32 وتذكرة الخواص ج1 ص649 والأمالي للصدوق ص724 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص51 والأربعون حديثاً لمنتجب الدين بن بابويه ص86 وعدة الداعي لابن فهد الحلي ص195 وحلية الأبرار ج2 ص211 و 213 وبحار الأنوار ج84 ص156 وشجرة طوبى ج1 ص111.

وراجع: جامع أحاديث الشيعة ج16 ص299 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص608 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج1 ص108 ونهج السعادة ج3 ص200 و 328 ونظم درر السمطين ص135 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص32 ومطالب السؤول ص180 والكنى والألقاب ج2 ص116 وصلح الحسن "عليه‌السلام " للسيد شرف الدين ص356 وأعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي ص150 وغاية المرام ج7 ص17 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص642 و 643 وج31 ص454 و 543.


الأسود الدؤلي في جملة أبيات له:

إذا استقبـلـت وجـه أبي تراب

رأيت البـدر حـار الناظرينـا(1)

____________

1- الغدير ج3 ص19 والوافي بالوفيات ج21 ص182 والإستيعاب ج3 ص1132 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص307 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص259 وج32 ص688.


وذلك يشير إلى بياضه وصفائه.

وعن ابن عباس في وصف أمير المؤمنين "عليه‌السلام ": "يشبه القمر الباهر، والأسد الحادر، والفرات الزاخر، والربيع الباكر. أشبه من القمر ضوؤه وبهاؤه الخ.."(1) .

يقال: بهر القمر النجوم: غمرها بضوئه(2) .

وذلك كله لا ينسجم مع كونه آدم، بمعنى شديد السمرة، فضلاً عن كونه شديد الأدمة. بل هو ينسجم مع تفسير الأدمة بالبياض.

يقال ـ كما حكاه ابن الأعرابي ـ: ما رأيته في أديم نهار، ولا سواد ليل.

____________

1- اليقين للسيد ابن طاووس ص393 وبحار الأنوار ج32 ص605 ومناقب أهل البيت "عليه‌السلام " للمولى حيدر الشيرواني ص32 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص125 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص548 ومواقف الشيعة للأحمدي الميانجي ج2 ص329 ونهج السعادة للمحمودي ج8 ص350 وتفسير فرات الكوفي ص431 والدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص123 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج8 ص326 ولسان العرب لابن منظور (شر أدب الحوزة ـ قم ـ سنة 1405هـ) ج14 ص216 و (ط أخرى) ج14 ص428 مادة حيا. وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص666.

2- المعجم الوسيط ص73 وأقرب الموارد ج1 ص64 ولسان العرب لابن منظور (نشر أدب الحوزة ـ قم ـ سنة 1405هـ) ج4 ص81.


ويقال: ظل أديم النهار صائماً.

ويقال: جئتك أديم الضحى، أي عند ارتفاع الضحى. والأدمة في الإبل لون مشرب سواداً أو بياضاً. أو هو البياض الواضح. وفي الظبا، لون مشرب بياضاً.

وفي النهاية: الأدمة في الإبل: البياض مع سواد المقلتين(1) .

وسنرى: أن عمرو بن العاص هو الذي زعم أنه "عليه‌السلام " كان آدم شديد الأدمة، وإنما أراد به السواد. ولا نتوقع من عمرو وأمثاله إلا التحامل على علي "عليه‌السلام "، والسعي إلى إعطاء صورة بشعة له في جميع أحواله..

عمر كان شديد الأدمة:

وقد قال ابن قتيبة: الكوفيون يرون: أن عمر آدم شديد الأدمة.

وقال أبو عمر: كان عمر كث اللحية، أعسر يسر، شديد الأدمة. وهكذا

____________

1- راجع فيما تقدم: تاج العروس للزبيدي ج8 ص181 و (ط دار الفكر ـ بيروت ـ سنة 1414هـ ـ 1994م) ج16 ص10 وراجع: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج1 ص32 وعمدة القاري ج15 ص146 والفايق في غريب الحديث للزمخشري ج1 ص26 والشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج1 ص148 وبحار الأنوار ج30 ص318.


وصفه رزين بن حبيش وغيره. يعني: شديد الأدمة. وعليه الأكثر(1) .

من صفات الحمقى:

والأغرب من ذلك: أنهم حاولوا أن يرموا علياً أمير المؤمنين "عليه‌السلام " بالحمق من طرف خفي.. وذلك بأسلوبين:

ألف: كبش علي ليس بأحمق:

أحدهما: أنهم زعموا: أن عقيلاً "رحمه‌الله " دخل على علي أمير المؤمنين"عليه‌السلام " ومعه كبش، فقال علي "عليه‌السلام ": إن أحد الثلاثة أحمق.

فقال عقيل: أما أنا وكبشي فلا(2) .

مع أننا لا نرى مبرراً لإضافة علي "عليه‌السلام " نفسه إليه، وإلى كبشه، ولا نرى أن عقيلاً ممن يسيء الأدب مع إمامه، وقائده.

____________

1- راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج2 ص460 و 461 و (ط دار الجيل) ج3 ص1145 و 1146 وأسد الغابة ج4 ص78 وتهذيب الكمال ج21 ص323 وتاريخ الخميس ج2 ص240 وتاريخ الخلفاء ص130 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص196 وراجع: الوافي بالوفيات ج22 ص284.

2- تاريخ مدينة دمشق ج41 ص20 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص247 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص84 والمبسوط للسرخسي ج19 ص3 والفايق في غريب الحديث للزمخشري ج3 ص203.


وقد وجدنا أن رواة هذه الأباطيل هم من الشانئين لعلي "عليه‌السلام "، والمنحرفين عنه، من أمثال: الزبير بن بكار، وعمه مصعب الزبيري، وداود بن أبي هند.. وهؤلاء لا يذكرون لنا من روى لهم هذه الرواية!!

ب: لحية علي(عليه‌السلام) عظيمة وطويلة:

الثاني: إنهم يصفون علياً "عليه‌السلام " بصفات الحمقى، من أمثال طول اللحية تارة، وكثرة شعر البدن أخرى..

فمن ذلك قولهم: "إن لحيته "عليه‌السلام " عظيمة وطويلة".

فإن من الواضح: أن طول لحية الرجل من دلائل حمقه..

قال ابن الجوزي: "من العلامات التي لا تخطئ: طول اللحية، فإن صاحبها لا يخلو من الحمق".

وذكروا أقوالاً تصرح بذلك، نسبوها لبعض الحكماء، وللتوراة، وإلى الأحنف بن قيس، وابن سيرين، وابن إدريس، وغيرهم فراجع(1) .

وقال بعض الشعراء:

إذا عرضـت للـفتـى لحيـة وطـالـت فـصارت إلى سـرتـه

فنقصـان عقل الفتى عندنـا

بمقـدار مـا زاد مـن لحيتــه

____________

1- أخبار الحمقى والمغفلين (نشر مكتبة العزالي) ص29 و 30.

2- أخبار الحمقى والمغفلين ص30 وتحفة الحبيب على شرح الخطيب ج1 ص130 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص254.


وبعدما تقدم..

فإن خبثهم يتجلى في سعيهم لترويج هذا الأمر الباطل في علي "عليه‌السلام "، حتى في مثل هذا الأمر الظاهر للعيان، وذلك على أمل أن يسمعه من لم ير علياً "عليه‌السلام "، فيدخل في وهمه ذلك المعنى الساقط، فقد قالوا في صفة علي "عليه‌السلام ":

"إنه كان عظيم اللحية، قد ملأت صدره"(1) .

أو "عريض اللحية قد أخذت ما بين منكبيه"(2) .

وعن الشعبي: "له لحية قد ملأت ما بين منكبيه"(3) .

____________

1- نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص81 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 و 571 والبداية والنهاية ج7 ص250 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص287 وراجع: الكامل في التاريخ ج3 ص396.

2- شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص428 والمعجم الكبير ج1 ص94 ومجمع الزوائد ج9 ص101 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص137 ومعارج الوصول للزرندي الشافعي ص58.

3- شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص241 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص81 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 والمعجم الكبير ج1 ص94 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 وتاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدين) ص624 وشرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج2 ص586 والمصنف لابن = = أبي شيبة ج6 ص56 والتمهيد لابن عبد البر ج21 ص84 وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج3 ص146.


وفي نص آخر: "طويل اللحية"(1) .

وعن الشعبي: "ما رأيت أعظم (أعرض) لحية منه، قد ملأت ما بين منكبيه"(2) .

وقال ابن مندة محمد بن طلحة: "عريض اللحية"(3) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص11 و 23 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 والمعجم الكبير ج1 ص94 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 وكفاية الطالب ص402 ونور الأبصار ص77 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص366 وأسد الغابة (ط دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ لبنان) ج4 ص39 وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج3 ص146 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص667 ومعارج الوصول للزرندي الشافعي ص58.

2- شرح الأخبار ج2 ص586 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 وراجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 و 21 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص81 وأنساب الأشراف للبلاذري ص123 وكفاية الطالب ص402.

3- مطالب السؤول (تحقيق ماجد بن أحمد العطية) ص70 ونور الأبصار ص77 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للرحماني الهمداني ص549 والفصول المهمة ج1 ص598 وراجع: شرح الأخبـار للقـاضـي النعـمان ج2 ص428 = = والإكمال في أسماء الرجال للتبريزي ص128 والطبقات الكبرى ج3 ص25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص5 وج32 ص20 وج33 ص217.


وفي نص آخر: عن أبي إسحاق: "ضخم اللحية"(1) .

ويكذب هذه الأباطيل:

أولاً: إن علياً "عليه‌السلام " نفسه قد أخذ على أهل البصرة وذمهم بأنهم أصحاب لحى طويلة، فقد روي: أنه قال فيما أجاب به اليهودي السائل له عما فيه من خصال الأوصياء: "وأما الخامسة يا أخا اليهود: فإن المتابعين لي لما لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي..

إلى أن قال: حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم، عازبة آراؤهم، وهم جيران بدو، وروّاد بحر الخ.."(2) .

فلم يكن "عليه‌السلام " ليفعل أمراً ثم يعيب به خصومه، لأنهم

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 و 314 وتاريخ مدينة دمشق ج46 ص215 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116.

2- الخصال ج2 ص377 وبحار الأنوار ج32 ص105 وج38 ص178 و 179 عنه، وعن الإختصاص ص163 ـ 181 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ ـ 1993م) ص175 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص143 وحلية الأبرار ج2 ص374 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص363 وج9 ص244 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج8 ص227.


سيردون ذلك عليه..

ثانياً: روي عن الإمام الصادق "عليه‌السلام " أنه قال: "يعتبر عقل الرجل في ثلاث: في طول لحيته، وفي نقش خاتمه، وفي كنيته"(1) .

وزعموا: أن هشام بن عبد الملك قال ما هو قريب من هذا(2) ولم يكن الإمام الصادق ينسب علياً "عليهما‌السلام " إلى الحمق بلا ريب.. أو أن فيه ما يعتبر دلالة على ذلك.

ثالثاً: إن علياً "عليه‌السلام " لا يفعل إلا ما هو راجح ومحبوب لله تعالى. وتطويل اللحية مذموم شرعاً، فقد روي عن أبي عبد الله "عليه‌السلام " أنه قال: ما زاد من اللحية عن القبضة ففي النار(3) .

____________

1- الخصال (ط مركز النشر الإسلامي) ص103 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص113 و (ط دار الإسلامية) ج1 ص421 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص607 ومكارم الأخلاق ص68 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص244 وبحار الأنوار ج1 ص107 وج73 ص113 وج76 ص113 عنه، وعن مكارم الأخلاق. وراجع: تذكرة الموضوعات للفتني ص30 وكشف الخفاء للعجلوني ج2 ص47 عن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

2- عيون الأخبار لابن قتيبة ج2 ص39 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص160.

3- بحار الأنوار ج73 ص113 عن مكارم الأخلاق، والحدائق الناضرة ج5 ص559 والكافي ج6 ص487 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص113 و (ط دار الإسلامية) ج1 ص420 وجامع أحـاديـث الشيعة ج16 = = ص607 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص420 وج9 ص242 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج10 ص25.


رابعاً: لو صح ما زعموه، لم يفت معاوية والأمويين أن يعيبوه به.. ولكن ذلك لم يحصل. بل حصل ما يدل على بطلان هذه الترهات. كما سيمر عن قريب.

ما هي الحقيقة؟!:

ونستطيع أن نقول:

إن الصحيح: هو أنه "عليه‌السلام " كان كثير شعر اللحية(1) ، أو فقل: كان كث اللحية(2) .

وهذا غاية ما حاول معاوية أن يأخذه عليه "عليه‌السلام "، وقد فشل

____________

1- ذخائر العقبى (ط القاهرة سنة 1356هـ) ص57 ونزهة المجالس (ط سنة 1310 هـ) ج2 ص164 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص547 و 551 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص665 وج18 ص241 و 243 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص489.

2- كشف الغمة للإربلي ج1 ص76 وفي (ط أخرى) ج1 ص148 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص598 وبحار الأنوار ج35 ص5 وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج2 ص395 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص242 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55.


في ذلك أيضاً، فقد قال معاوية لعقيل: إن كثاثة لحية أخيك شغلته عنك.

فقال له عقيل: إن الله عز وجل ذكر لحية أخي ولحيتك في القرآن، وكان معاوية كوسجاً.

فقال: ويحك يا عقيل! ما أجرأك على الله!! يا عقيل، ما في القرآن ذكر لحيتي، ولا لحية أخيك.

قال عقيل: إن أخرجتهما فما لي؟!

فأمر له بشيء.

فقال عقيل: قال تعالى:) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَ نَكِداً ( (1) "(2) .

علي(عليه‌السلام) كثير الشعر:

وقد وصف أبو رجاء العطاردي علياً "عليه‌السلام "، فقال: "كثير الشعر، كأنما اجتاب (أي لبس) إهاب شاة"(3) .

وعن أبي رجاء العطاردي أيضاً: "رأيت علياً مسمناً، أصلع الشعر،

____________

1- الآية 58 من سورة الأعراف.

2- كفاية الطالب ص402.

3- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص19 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 وأنساب الأشراف للبلاذري ص118 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص623 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص138.


كأن بجانبه إهاب شاة"(1) .

وفي نص آخر: أنه "عليه‌السلام " "كان كثير شعر الصدر والكتفين، كأنما اجتاب إهاب شاة"(2) .

وقال محمد بن طلحة الشافعي وغيره: "كثير الشعر"(3) .

وقالوا: عريض المسربة(4) . وهو ذو بطن كثير الشعر(5) .

ويتجلى خبثهم أيضاً في نفس هذه الخصوصية، من جهتين:

____________

1- المعجم الكبير للطبراني ج1 ص95 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص100

2- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 وراجع: البداية والنهاية ج7 ص250.

3- مطالب السؤول لمحمد بن طلحة الشافعي ص70 و (ط إيران) ص12، والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص549 والإكمال في أسماء الرجال ص128 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج3 ص146 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص243 وج32 ص5 وج33 ص217 ونور الأبصار ص77.

4- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص178 ومناقب أهل البيت "عليه‌السلام " للمولى حيدر الشيرواني ص33 وصفين للمنقري ص233 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص89.

5- الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص549 والإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص128 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص563 وج32 ص20.


أولاهما: أنهم قد صوروا علياً "عليه‌السلام " بصورة موحشة ومخيفة، وقاسية، ذكرنا بعضاً منها في صفحات سابقة، ولم يتركوا للناس أن يتخيلوه وفق ما تستسيغه أذواقهم وأفهامهم، فصرحوا لهم: بأنه يشبه الشاة فيما اكتنف جسمه من شعر، كما ظهر من العبارات الآنفة الذكر.

الثانية: أنهم اختاروا هذه الأوصاف لتؤكد ما يسعون إلى تأكيده من نسبة الحمق إليه صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال ابن الجوزي: "والشعر على الكتفين والعنق يدل على الحمق والجرأة، وعلى الصدر والبطن يدل على قلة الفطنة الخ.."(1) .

العمش.. والخفش:

وقال أبو رجاء العطاردي في صفة علي "عليه‌السلام ": "في عينيه خفش"(2) .

وعن زهير بن معاوية، ونسب إلى الإمام الباقر "عليه‌السلام " أيضاً: أن علياً "عليه‌السلام " كان "ثقيل العينين عظيمهما"(3) .

____________

1- أخبار الحمقى والمغفلين (ط مكتبة العزالي) ص29.

2- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20.

3- شرح الأخبار ج2 ص427 وفرحة الغري للسيد ابن طاووس ص80 وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ج2 ص393 وبحار الأنوار ج35 ص4 وج42 ص221 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص83 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمـد الرحمـاني الهمـداني = = ص553 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص135 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27 وتاريخ بغداد ج1 ص145 وفي (ط أخرى) ج1 ص135 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص13 و 24 و 25 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص480 وأنساب الأشراف للبلاذري ص126 و 493 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص18 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص117 وفي (ط أخرى) ج5 ص153 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج3 ص396 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624 والوافي بالوفيات للصفدي ج21 ص181 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص138 و (تحقيق الشيري) ج1 ص180 والمناقب للخوارزمي ص45 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص245 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص74 وفي (ط أخرى) ص146 عن ابن مندة، ومعارج الوصول للزرندي الشافعي ص58 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص199 وفي (ط أخرى) ج1 ص597 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص87 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص244 وج26 ص511 وج30 ص149 وج32 ص20 ونور الأبصار ص77 وكفاية الطالب ص402.


وعن الواقدي: أنه "عليه‌السلام " كان "غليظ العينين"(1) .

____________

1- مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص94 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص241 والمعارف لابن قتيبة ص210 وأنساب الأشراف للبلاذري ص126.


وزعموا: أنه هو نفسه يقول في حديث إنذار العشيرة الأقربين: بأنه كان أصغر الحاضرين سناً، وأحمشهم ساقاً، وأرمصهم عيناً(1) .

____________

1- الإرشاد للشيخ المفيد ج1 ص50 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص371 و 374 و 376 والأمالي للشيخ الطوسي ص583 والخرائج والجرائح للراوندي ج1 ص93 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص9 و 48 وبحار الأنوار ج18 ص45 و 192 وج38 ص224 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للمولى حيدر الشيرواني ص102 و 105 والغدير ج1 ص207 وج2 ص278 ـ 289 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص74 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص210 وكنز العمال ج13 ص133 وتفسير فرات الكوفي ص301 و 302 وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج1 ص486 والدرجات الرفيعة ص59 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " وما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لأبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه الأصفهاني ص290 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص63 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص63 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص63 وفي (ط أخرى) ص128 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص80 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج1 ص241 وج2 ص229 وج3 ص278 و 280 والمناشدة والإحتجاج بحديث الغدير للأميني ص88 و 89 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص424 وج15 ص148 و 208 وج20 ص122 وج22 ص88 وج30 ص119.


وفي نص ابن عساكر: أعمش العينين(1) .

وقد نسبوا إلى السيدة الزهراء "عليها السلام" أنها وصفته بذلك أيضاً، وحاشاها(2) .

وزعموا: أن في عينيه "عليه‌السلام " اطرغشاشاً(3) ، أي ليناً في العين، كالذي أبلّ وبرئ (اندمل وبرأ) من مرضه للتو(4) .

ووصفوه أيضاً: بأنه أعيمش(5) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص48 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج3 ص364 والبداية والنهاية ج3 ص53 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص145 وج20 ص123 و 124 و 339 و 382 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص259 والآحاد والمثاني ج1 ص142.

2- مناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص259 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص142 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص94 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص102 والمصنف للصنعاني ج5 ص490 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص154 وج15 ص330 وج31 ص270.

3- مقاتل الطالبيين ص27 و (ط مطبعة الحيدرية سنة 1385هـ) ص16 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص88.

4- راجع: تاج العروس للزبيدي ج9 ص133 والصحاح للجوهري ج3 ص1009.

5- المعجـم الكبـير للطبراني ج1 ص94 ومجمع الـزوائـد للهيثمـي ج9 ص102 = = والمصنف للصنعاني ج5 ص490 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص154 وج15 ص330 وج31 ص270.


ونقول:

الخفش: ضعف في الإبصار يظهر في النور الشديد(1) .

وفسر الخفش: بصغر العين، وبضعف البصر خلقةً.

وقيل: هو فساد في الجفون بلا وجع، واحمرار تضيق له العيون من غير وجع ولا قرح.

وقيل: هو الإبصار بالليل دون النهار، وفي يوم غيم، دون صحو(2) .

والرمص: وسخ يجمع في مجرى الدمع(3) .

والعمش: ضعف بصر العين، مع سيلان دمعها في أكثر الأوقات(4) .

____________

1- المعجم الوسيط ص246.

2- أقرب الموارد ج1 ص288 والقاموس المحيط للفيروز آبادي ج2 ص273 وتاج العروس ج9 ص110 وراجع: كتاب العين للفراهيدي ج4 ص172.

3- الصحاح في اللغة ج3 ص1042 وكتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ج2 ص260 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص194.

4- أقرب الموارد ج1 ص831 والمعجم الوسيط ص628 والصحاح للجوهري ج3 ص1012 ولسان العرب ج6 ص320 والقاموس المحيط للفيروزآبادي ج2 ص280 ومجمع البحرين ج3 ص252 وتاج العروس للزبيدي ج9 ص148 ومختلف الشيعة للعلامة الحلي ج9 ص457 وكتـاب المكاسـب للشيخ الأنصاري = = ج2 ص261 وروضة الطالبين للنووي ج7 ص134 وحاشية رد المحتار لابن عابدين ج1 ص329 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص113 وبحار الأنوار ج61 ص327 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص432 وتحفة الأحوذي ج9 ص130 وطرائف المقال ج2 ص207 والكنى والألقاب ج2 ص47.


وبعد ما تقدم نشير إلى ما يلي:

1 ـ إنه لا معنى للحديث عن العمش بمعنى اجتماع الوسخ في مجرى الدمع، فإن علياً "عليه‌السلام " لم يكن ممن يتهاون بنظافة وجهه، وإبعاد الوسخ عن مجاري الدمع في عينيه..

2 ـ إنه لا معنى لتفسير الخفش هنا بصغر العين، بعد تصريح الرواية بأنه "عليه‌السلام " كان عظيم العينيين.

3 ـ صرحت الروايات التي تحكي لنا ما جرى في خيبر: أنه بعد فرار أبي بكر وعمر بالراية يومئذٍ، وكان علي "عليه‌السلام " في خيبر يشتكي عينيه، دعاه رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فأخذ يمسح عينيه، ودعا له.

قال علي "عليه‌السلام ": فوالذي بعثه بالحق ما اشتكيتها بعد. ثم أعطاه الراية ففتح الله على يديه(1) .

____________

1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص118 وبحار الأنوار ج41 ص282 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج11 ص288 وإعلام الورى ج1 ص365 وفتح الباري ج7 ص366.


وعن عمران بن حصين: "وما اشتكاها بعد"(1) .

ويؤيد ذلك: ما ورد في نص آخر، مروي بأسانيد عديدة عن علي "عليه‌السلام ": ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وجهي، وتفل في عينيَّ يوم خيبر، حين أعطاني الراية(2) .

وذلك كله يؤكد: أن عيني علي "عليه‌السلام " كانتا سليمتين من الرمد ببركة دعاء رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ومسحه عليهما، كما أنهما سليمتان دائماً من أية عاهة.. فما معنى ادِّعاء العمش، والخفش فيهما إلا حب انتقاص أخي رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وصفيه، وحبيبه؟!..

4 ـ أما ما نسب إلى السيدة الزهراء "عليها السلام"، فلماذا لا يقال: إنها "عليها السلام" كانت تحكي للنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " تلك الأباطيل والإشاعات المغرضة التي كانت تتناهى إلى مسامعها على ألسنة الشانئين

____________

1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص103 وتهذيب الكمال للمزي ج21 ص454 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص201 و 202.

2- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص109 و 110 و 123 و 96 وفي هوامشه عن مسند أحمد بن حنبل ج1 ص169 رقم 579. وبحار الأنوار ج34 ص332 و 363 وكنز الفوائد للكراجكي ص266 والعمدة لابن البطريق ص153 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص192 ومجمع الزوائد ج9 ص122 وفتح الباري ج7 ص366 وعمدة القاري ج17 ص244 ومسند أبي داود الطيالسي ص26 ومسند أبي يعلى ج1 ص445.


والحاقدين، من أجل أن يطلق النبي أوسمة الشرف والكرامة اللائقة بحق علي "عليه‌السلام "؟!.

ويدل على ذلك: أنها كانت ترى علياً "عليه‌السلام "، وتعرف أوصافه وتشاهد بأم عينها، كذب هاتيك المزاعم.

5 ـ وفي غير هذه الصورة نلاحظ ما يلي:

ألف: إن فاطمة "عليها السلام" لا يمكن أن تعترض على أمر رضيه لها رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وأخبرها أن الله تبارك وتعالى هو الذي اختار علياً "عليه‌السلام " زوجاً لها..

ب: إننا على يقين من أنها "عليها السلام" لم تكن تفكر بهذه الأمور الدنيوية التافهة، وأن المعايير التي تستفيد منها في تقييم الناس هي معايير الطهر والخلوص، والإيمان والتقوى، والأخلاق والقيم.


الفصل السادس:

الأنـزع.. البطين..



أصلع أم أنزع؟!:

وقد وصفوا علياً "عليه‌السلام " أيضاً بـ "الأصلع"(1) ، وزعم

____________

1- راجع على سبيل المثال: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص19 و 12 و 25 و 20 و 21 و 22 و 571 ومطالب السؤول (ط إيران) ص12 وكشف الغمة ج1 ص148 وفضائل أمير المؤمنين علي "عليه‌السلام " لأحمد بن حنبل ص87 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 و 27 وكفاية الطالب ص402 وتاريخ بغداد ج1 ص135 ج9 ص467 ونور الأبصار ص77 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص153 وأسد الغابة ج4 ص39 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116 و 142 وشرح الأخبار ج2 ص427 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص288 والكامل في التاريخ ج3 ص496 والمعجم الكبير ج1 ص94 و 95 وتاريـخ ابن معين الدوري ج1 ص290 ومجمع الزوائد ج9 ص100 و 102 ومقاتل الطالبيين ص27 و (ط المكتبة الحيدرية) ص16 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص307 وبحار الأنوار ج35 ص61 والدر النظيم ص412 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص623 وكنز العمال ج5 ص774.


الشعبي، وأبو إسحاق: أنهما رأيا علياً، وكان أصلع(1) .

ونسب وصفه "عليه‌السلام " بالأصلع إلى الإمام الباقر "عليه‌السلام " أيضاً(2) .

ويقول بعضهم: إنه "أصلع، ليس في رأسه شعر إلا من خلفه"(3) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 و 21 و 22 و 11 وفضائل أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل ص87 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص82 والمصنف لابن أبي شيبة ج6 ص56 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص137 و 138 والتمهيد لابن عبد البر ج21 ص84 ونظم درر السمطين للزرندي ص81 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116 والمناقب للخوارزمي ص45.

2- راجع: بحار الأنوار ج35 ص2 وج42 ص220 ونظم درر السمطين ص81 وأسد الغابة لابن الأثير ج4 ص39 وجواهر المطالب ج1 ص36 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص24 و 25 وفرحة الغري لابن طاووس ص80 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص55 والإستيعاب ج3 ص1110 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص18 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص117 والدر النظيم ص244.

3- ذخائر العقبى (ط القاهرة) ص57 وجواهر المطالب ج1 ص35 وصفين ص233 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص32 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص551 والإستيعاب ج3 ص1123 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص489 والجـوهـرة في نسب الإمـام علي وآلـه للـبري ص124 = = وأعيان الشيعة ج1 ص327 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص36 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص665 وج18 ص242 و 243 وج30 ص146 وج32 ص5.


وعن أبي رجاء العطاري: أنه "عليه‌السلام " أصلع شديد الصلع(1) .

ونسبوا إلى ابن مسعود قوله لأبي الطفيل: "ألم تر إلى رأسه كالطست، وإنما حوله كالحفاف"(2) .

وعبارات أخرى تدخل في هذا السياق.

ونقول:

إن ذلك غير صحيح، بل يقصد منه تقديم صورة بشعة تشمئز منها النفوس، وتمجها الأذواق، رغبة في تنفير الناس منه وعنه..

والصحيح: أنه "عليه‌السلام " كان أنزع(3) .

وسيأتي: أن الرواية فسرت المراد بالأنزع: بأنه الأنزع من الشرك..

والأنزع مأخوذ من النزعة. وهي موضع انحسار الشعر من جانبي

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 وأسد الغابة ج4 ص39 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص288.

2- المعجم الكبير ج1 ص95 ومجمع الزوائد ج9 ص101 والآحاد والمثاني ج1 ص137.

3- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص21 والمعرفة والتاريخ للفسوي ج2 ص621 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624.


الجبهة، والنزعاء من الجباه، التي أقبلت ناصيتها، وارتفع أعلى شعر صدغيها.

ونزع نزعاً: انحسر شعره عن جانبي جبهته، فهو أنزع، وهي نزعاء(1) .

ويدل على أنه كان أنزع، ولم يصل الأمر إلى حد الصلع، ما يلي:

أولاً: ما رواه عبد الله بن أحمد قال: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن مدرك أبي الحجاج، قال:

رأيت علياً "عليه‌السلام " له وفرة. وأتي بصبي فنزل (لعل الصحيح: فَبَرّك) عليه، ومسح على رأسه.

زاد ابن عساكر قوله: وكان أحسن الناس وجهاً(2) .

والوفرة هي: الشعر المجتمع على الرأس، أو ما جاوز شحمة الأذن(3) .

____________

1- المعجم الوسيط ص914 و 913 وأقرب الموارد ج2 ص1290 وذيل أقرب الموارد ص399 وكتاب العين للفراهيدي ج1 ص359 وراجع: معجم مقاييس اللغة ج5 ص415 والقاموس المحيط للفيروزآبادي ج3 ص88 وتاج العروس ج11 ص475.

2- فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل ص90 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص25 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص90.

3- المعجم الوسيط ص1046 ولسان العرب لابن منظور ج5 ص288 وج12 ص551 والقاموس المحيط للفيروزآبادي ج2 ص155 وتاج العروس ج7 = = ص595 وراجع: أقرب الموارد ج2 ص1470 ونيل الأوطار ج1 ص150 وبحار الأنوار ج10 ص132 وأضواء البيان للشنقيطي ج5 ص191.


ثانياً: قد وصف علي "عليه‌السلام " بالأجلح(1) .

والأجلح: هو من انحسر شعره عن جانبي رأسه(2) .

وقال سبط ابن الجوزي: "ويسمى الأنزع، لأنه كان أنزع من الشرك.

وقيل: لأنه كان أنزع"(3) .

ومما يزيد هذا الأمر قوة: أن نفس رواية أبي إسحاق السبيعي التي تذكر أنه رأى علياً "عليه‌السلام " أصلع عظيم البطن..(4) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص21 و 22 وج46 ص215 والمعجم الكبير ج1 ص94 ومجمع الزوائد ج9 ص100 ومسند ابن الجعد ص73 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ج2 ص475 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 وج6 ص314 وتاريخ بغداد ج13 ص236 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج5 ص396 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116.

2- المعجم الوسيط ص128 وأقرب الموارد ج1 ص130 ولسان العرب ج2 ص424 وج13 ص485 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص284.

3- تذكرة الخواص ج1 ص118 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص55.

4- فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد بن حنبل ص78 وتـاريـخ مدينـة دمشـق ج42 ص11 و 20 و 21 و 22 ومقـاتـل الطالبيـين = = ص16 والمصنف لابن أبي شيبة ج6 ص56 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 وتاريخ ابن معين، الدوري ج1 ص290 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص88.


قد رويت بنحو آخر ليس فيه وصف الأصلع، بل فيه: أنه رآه أجلح، فراجع مصادر الرواية(1) .

كما أن وصف الأجلح قد ورد في رواية السيد بن عيسى. وقد احتمل ابن عساكر: أن ابن عيسى قد روى ذلك عن أبي إسحاق السبيعي أيضاً(2) . فراجع.

يضاف إلى ذلك: أن الشعبي الذي يروي أيضاً: أنه رأى علياً "عليه‌السلام " أصلع(3) .

____________

1- مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص100 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص83 ومسند ابن الجعد ص73 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص138 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص94 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ج2 ص475 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26 وج6 ص254 و 314 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص21 و 22 و 215 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج5 ص396 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116.

2- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص22.

3- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 و 21 و 22 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص137 ونظم درر السمطين ص81 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25.


ويقول في رواية أخرى عنه: "في الرأس زغبات"(1) .

والزغبات: هي الشعرات الخفيفات. وهذا لا يتلاءم مع وصفه بأنه شديد الصلع، أو كأن رأسه مثل الطست، له حفاف من حوله!!

ثالثاً: ويدل على ذلك أيضاً: ما ورد في حديث ابن عباس: ما رأيت أحسن من شرصة علي "عليه‌السلام "..

والشرصة: هي الجلحة، وهي: انحسار الشعر عن جانبي مقدم الرأس(2) .

رابعاً: قال الصفوري الشافعي: "وكان كثير شعر اللحية، قليل شعر الرأس"(3) .

خامساً: والأغرب من هذا وذاك: أن مهران بن عبد الله يقول: إنه لقي علياً "عليه‌السلام "، وهو مقبل من قصر المدائن..

____________

1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 وشرح الأخبار ج2 ص428 والمعجم الكبير ج1 ص94 ومجمع الزوائد ج9 ص101 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص137.

2- لسان العرب ج8 ص82 و (نشر أدب الحوزة ـ قم ـ إيران) ج7 ص46 مادة: شرص. والنهاية لابن الأثير (ط المطبعة الخيرية بمصر) ج2 ص231 و (ط مؤسسة إسماعيليان ـ قم ـ إيران) ص459 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص33.

3- نزهة المجالس (ط سنة 1310 هـ) ج2 ص164 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص666 وج18 ص243.


إلى أن قال: أصلع أجلح(1) .

ولا نظن: أن هذا الرجل لا يعرف الفرق بين الأصلع والأجلح، وأنه لا يجوز الجمع بينهما في توصيف شخص واحد، بل نظن: أنه أراد أن يرضي أعداء علي "عليه‌السلام " فوصفه بالأصلع، وأراد أن يقترب من الحقيقة، فوصفه بالأجلح..

وذلك كله يدل على عدم صحة توصيف علي "عليه‌السلام " بالأصلع، وأن يد السياسة هي التي سعت إلى تزوير الحقيقة، وتسويق الأباطيل والترهات..

عمر بن الخطاب هو الأصلع:

والحقيقة هي: أن عمر بن الخطاب كان هو الأصلع، كما وصفه به غير واحد، ومنهم زر بن حبيش، وابن عمر، وعبد الله بن عامر(2) . بل كان

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص22 وتاريخ بغداد ج13 ص236.

2- راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج2 ص460 و 461 و (ط دار الجيل) ج3 ص1146 وأسد الغابة ج4 ص78 وتهذيب الكمال ج21 ص323 وتاريخ الخميس ج2 ص240 وتاريخ الخلفاء ص130 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص196 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص267 و 268 وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج4 ص302 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص65 وج3 ص23 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص249 وكنز العمال ج5 ص196 وشرح نهج البلاغة للمعهتزلي ج12 ص28 والفايق في غريب الحديث ج1 ص259 والـوافي بالـوفيـات ج22 ص284 ومنـاقـب أهـل البيت "عليهم السلام" = = للشيرواني ص324 والمستدرك للحاكم ج3 ص81 والإكمال في أسماء الرجال ص123 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص323 و 324 وتاريخ مدينة دمشق ج41 ص152 وج44 ص13 و 17 و 18 و 19 و 20 و 22 و 478 وسير أعلام النبلاء ج4 ص168 والإصابة ج4 ص484 والمعارف لابن قتيبة ص181 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص161 والكامل في التاريخ ج3 ص53 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص67 والبداية والنهاية ج7 ص156 والعدد القوية ص330.


شديد الصلع، كما عن أبي رجاء العطاردي. فلماذا إلصاق هذا الوصف بغير أهله يا ترى؟!

ويلاحظ: أن عمر بن الخطاب هو الذي كان يحاول نسبة الجلح إلى علي "عليه‌السلام "، ثم يترقى في ذلك لينسب له الصلع أيضاً.

وقد وصفه بالصلع في الرواية التي ستأتي في خلافة عمر بن الخطاب، حيث سأله عن طلاق الأمة..

ووصفه بذلك أيضاً، حين قال لأصحاب الشورى: لله درهم إن ولوُّها الأصلع كيف يحملهم على الحق(1) .

____________

1- الرياض النضرة ج2 ص351 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص428 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص564 وج31 ص468 و 469 وراجع: غاية المرام ج6 ص105 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص337 وكتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص205 وبحار الأنوار ج58 ص240.


ووصفه بالأجلح في قوله لما طعن: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق(1) .

ووصفه بذلك في كلامه مع ابن عباس(2) .

ولكن الحقيقة هي: أن الأصلع والأجلح هو عمر بن الخطاب بالذات، فقد قال أبو رجاء العطاردي: "كان عمر طويلاً جسيماً أصلع شديد الصلع"(3) .

____________

1- أنساب الأشراف ج6 ص120 والإستيعاب (مطبوع مع الاصابة) ج4 ص419 و (ط دار الجيل) ج3 ص1154 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص260 و 108 وج11 ص10 وكنز العمال ج12 ص680 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص289 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص342 والكامل في التاريخ ج3 ص399 وفتح الباري ج7 ص55 وبحار الأنوار ج31 ص64 و 393 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص330 والغدير ج7 ص144 وج10 ص9 وبغية الباحث ص186 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج4 ص204 ونهج الحق ص287 وسفينة النجاة للتنكابني ص158 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص465 و 469 والإيضاح لابن شاذان ص237.

2- بحار الأنوار ج29 ص637 وسفينة النجاة للتنكابني ص237.

3- تاريخ الخميس ج2 ص240 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص130 والإستيعاب (مطبوع مع الاصابة) ج2 ص461 و (ط دار الجيل) ج3 ص1146 ومجمع الزوائد ج9 ص61 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص66 ومناقب أهل البيت = = "عليهم السلام" للشيرواني ص324 وراجع: الفايق في غريب الحديث ج1 ص259 وج3 ص23 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص28 وكنز العمال ج5 ص196 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص324 وتاريخ مدينة دمشق ج41 ص152 وج44 ص17 و 18 و 19 وأسد الغابة ج4 ص78 وتهذيب الكمال ج2 ص174 وج21 ص323 والإصابة ج4 ص484 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص161 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص268 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص254 والوافي بالوفيات ج22 ص284 والكنز اللغوي لابن السكيت ص171 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص408 ولسان العرب ج9 ص51 وتاج العروس ج11 ص277 و 338 وج12 ص142 وبحار الأنوار ج31 ص117 والعدد القوية ص330 ومجمع النورين ص233.


وروى عاصم عن زر قال: "خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد فرأيت عمر بن الخطاب يمشي حافياً، شيخ أصلع، آدم، أعسر يسر.."(1) .

هل كان علي (عليه‌السلام ) عظيم البطن؟!:

وزعموا: أن علياً "عليه‌السلام " قال في حديث إنذار العشيرة الأقربين، حيث لم يُجب النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أحد سواه: "قال: وكنت أصغرهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأحمشهم ساقاً، وأكبرهم بطناً.

____________

1- راجع: المستدرك للحاكم ج3 ص81 وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص20 وسير أعلام النبلاء ج4 ص168 والإصابة ج4 ص484 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص267 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص67.


فقلت: أنا يا رسول الله"(1) .

وحسب نص ابن عساكر: "وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة، إنى يومئذٍ، لأحمش الساقين، أعمش العينين، ضخم البطن الخ.."(2) .

____________

1- كشف الغمة (تحقيق علي آل كوثر) ج1 ص128 وأشار في هامشه إلى مصادر كثيرة. وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص210 وشواهد التنزيل ج1 ص486 الحديث 14 وبحار الأنوار ج18 ص192 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص105 والغدير ج1 ص207 وج2 ص279 وتفسير فرات الكوفي ص302 وجامع البيان للطبري ج19 ص149 وما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لابن مردويه الأصفهاني ص290 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص63 والكامل في التاريخ ج2 ص63 والبداية والنهاية ج3 ص53 والمناقب للخوارزمي ص8 ونهج الإيمان لابن جبر ص234 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص459 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص80 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص376 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص48.

2- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص48 والبداية والنهاية ج3 ص53 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج3 ص364 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص145 وج20 ص123 و 339 و 382 وترجمة الإمام علي "عليه‌السلام " من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص86 وفي هامشه عن مصادر كثيرة.


وعن أبي سعيد التميمي قال: كنا نبيع الثياب على عواتقنا، ونحن غلمان في السوق، فإذا رأينا علياً "عليه‌السلام " قد أقبل، قلنا: بزرك اشكمب (أو اشكم) (آمد).

فقال علي "عليه‌السلام ": ما يقولون؟!

فقيل له: يقولون عظيم البطن؟!

قال: أجل، أعلاه علم، وأسفله طعام(1) .

وقال مهران بن عبد الله: إنه لقي علياً "عليه‌السلام "، وهو مقبل من قصر المدائن، وحوله المهاجرون حتى بلغ قنطرة بردان، فتوزَّر على صدره من عظم بطنه، وقد رفع يديه على إزاره، ضخم البطن(2) .

ويقولون: "إن الشعبي، وأبا إسحاق السبيعي رأيا علياً "عليه‌السلام " وهو يخطب، فكان "عليه‌السلام " عظيم البطن".

____________

1- فضائل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لأحمد بن حنبل ص88 وطبقات ابن سعد ج3 ص27 والرياض النضرة ج3 ص137 وفي (ط أخرى) ص96 وجواهر المطالب ج1 ص35 ونور الأبصار ص77 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص126 والغارات ج1 ص110.

2- راجع: جواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص35 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27 وأنساب الأشراف ص126 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص22 ومستدرك الوسائل ج13 ص250 والغارات للثقفي ج1 ص110 وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص7.


أضاف الطبري وغيره هنا كلمة: "إلى السَّمن"(1) .

ووصفه قدامة بن عتاب، وأبو رجاء العطاردي، وأبو إسحاق السبيعي بأنه "ضخم البطن"(2) .

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص22 و 24 و 20 و 25 وتاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون) ص624 وذخائر العقبى (ط القاهرة) ص57 وفضائل أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل ص87 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص551 وجواهر المطالب ج1 ص35 والمعجم الكبير ج1 ص94 ومجمع الزوائد ج9 ص100 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص665 وج32 ص5 وتهذيب التهذيب ج7 ص297 ونور الأبصار ص77 وعن نزهة المجالس للصفوري الشافعي ص454.

2- كفاية الطالب ص401 وجواهر المطالب ج1 ص36 وصفين ص233 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 والغارات ج1 ص93 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص91 وحلية الأبرار ج2 ص393 وشرح الأخبار ج2 ص428 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص20 و 21 و 23 وج46 ص215 وأسد الغابة ج4 ص39 وسير أعلام النبلاء ج5 ص396 والمعارف لابن قتيبة ص210 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص624 والمناقب للخوارزمي ص45 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص74 و (ط أخرى) ص146 و 148 والمعرفة والتاريخ ج2 ص621 وبحار الأنوار ج34 ص354 وج35 ص2 و 4 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص82 ومسند ابن الجعد ص73 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص26.


وزعموا: أن الإمام الباقر "عليه‌السلام "، قال: "ذو بطن"(1) .

بل زعموا: أن تسميته "عليه‌السلام " بحيدرة، لأن الحيدرة هو الممتلئ لحماً، مع عظم بطن.

وقد ذكرنا ذلك وناقشناه في كتابنا: "الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الخامسة) ج17 ص313".

ونقول هنا:

إن ذلك لا يصح.. لأنه خلاف سيماء الشيعة عند علي "عليه‌السلام "، ولأنه أيضاً خلاف المروي، كما سنرى..

سيماء الشيعة عند علي(عليه‌السلام) :

روي: أن علياً "عليه‌السلام " نظر يوماً إلى قوم ببابه؛ فقال: يا قنبر من هؤلاء؟!

____________

1- الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص597 وتاريخ بغداد ج1 ص145 و (ط أخرى) ص135 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص24 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص18 وكفاية الطالب ص402 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص153 و (ط دار إحياء التراث ـ 1420هـ) ج4 ص117 وشرح الأخبار ج2 ص427 والكامل في التاريخ ج3 ص396 ونور الأبصار ص77 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص27 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص87.


قال: شيعتك.

قال: ما لي لا أرى فيهم سيماء الشيعة؟!

قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟!

قال: خمص البطون من الطوى، يبس الشفاه من الظما، عمش العيون من البكاء.. أو نحو ذلك(1) .

____________

1- جواهر المطالب ج1 ص276 وترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج3 ص257 وفي هامشه عن مصادر كثيرة، ومناقب الإمام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي ج2 ص130.

وعن المصادر التالية: كتاب المجالسة للدينوري ص191 و 266 وإصلاح الغلط لابن قتيبية ص51 والإرشاد للمفيد ج1 ص237 و 238 وصفات الشيعة ص89 و 95 و (إنتشارات عابدي ـ تهران) ص17 ومشكاة الأنوار ص58 والأمالي للطوسي ص216 و 576 وبحار الأنوار ج27 ص144 وج41 ص4 وج64 ص248 وج65 ص151 و 177 وج75 ص26 والمعيار والموازنة ص241 وأعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي ص123 و 145 و 209 وغاية المرام ج6 ص87 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص93 و (ط دار الإسلامية) ج1 ص69 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص112 و 113 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج1 ص386 وشجرة طوبى ج1 ص5 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص408 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص120 ونهج السعادة ج3 ص416 وكنز العمال ج11 ص325 وتاريخ= = مدينة دمشق ج42 ص491 والكامل في التاريخ ج3 ص402 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص162 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص549.


فمن يكون ضخم البطن أو عظيمها لا يحسن أن يطلب من غيره أن يكون خميصاً، لأن الخميص: هو ضامر البطن(1) .

وخمص فلان الجوع: أضعفه، وأدخل بطنه في جوفه(2) .

وقد لفت نظرنا ما زعموه من أن الحيدرة عظيم البطن، مع أن عكس ذلك هو الصحيح..

الأنزع البطين:

وقد وصف أمير المؤمنين "عليه‌السلام " بأنه "الأنزع البطين"(3) .

روي عن الإمام الرضا، وعن الإمام الهادي، عن آبائه، عن الإمام الصادق "عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام": أن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال: "يا علي، إن الله عز وجل قد غفر لك، ولأهلك،

____________

1- أقرب الموارد ج1 ص302 وتفسير القرطبي ج6 ص64 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص106 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص609.

2- المعجم الوسيط ص256.

3- الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص607 و 598 عن المحبر ومجمع البحرين ج2 ص121 وج4 ص395 والنهاية لابن الأثير ج5 ص29 و 42 وتذكرة الخواص ج1 ص117 و 118 وبحار الأنوار ج35 ص53 وعلل الشرايع ج1 ص191.


ولشيعتك، ولمحبي شيعتك، فأبشر. فإنك الأنزع البطين: المنزوع من الشرك، البطين من العلم"(1) .

____________

1- المناقب لابن المغازلي ص400 الحديث رقم 455 ومطالب السؤول (ط إيران) ص12 والمناقب للخوارزمي (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1414هـ) ص294 والأمالي للطوسي ص293 وبشارة المصطفى (ط القري) ص227 و (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1420هـ) ص285 وينابيع المودة ج2 ص357 و 452 وفرائد السمطين ج1 ص308 وبحار الأنوار ج27 ص97 وج35 ص52 وج40 ص78 وج65 ص101 والصواعق المحرقة (ط الميمنية بمصر) ص96 والمناقب المرتضوية (ط بمبئي) ص99 ومفتاح النجا ص61 ورشفة الصادي (ط مصر) ص81 وأرجح المطالب ص475 و 660 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص55 و 116 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص85 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص37 و 38 و 39 وج17 ص109 و 110 وج20 ص561 وج22 ص293 و 485 و 486 ومسند زيد بن علي ص457 وعيون أخبار الرضا "عليه‌السلام " ج1 ص52 ومسند الرضا "عليه‌السلام " لداود بن سليمان الغازي ص157 وكتاب الأربعين للشيرازي ص75 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص178 ومسند الإمام الرضا "عليه‌السلام " للعطاردي ج1 ص125 وغاية المرام ج5 ص108 وج6 ص59 والفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد شرف الدين ص47.


وقال سبط ابن الجوزي: يسمى علي "عليه‌السلام ": البطين، لأنه كان بطيناً من العلم.

وكان يقول "عليه‌السلام ": "لو ثنيت لي الوسادة لذكرت في تفسير) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( حمل بعير".

ويسمى: الأنزع، لأنه كان أنزع من الشرك"(1) .

ونسب هذا إلى ابن عباس أيضاً(2) .

وقد يحاول البعض أن يقول: إن هذا التفسير إنما هو لأجل بيان فضل علي "عليه‌السلام "، واختصاصه بمزيد من الخلوص في التوحيد، والتفرد في العلوم والمعارف. ولا يمنع ذلك من أن يكون أنزعاً وبطيناً في صفاته

____________

1- تذكرة الخواص ص117 و 118 وراجع: مجمع البحرين ج4 ص395 والنهاية لابن الأثير ج5 ص42 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 هامش ص607 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص55 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص225 والأنوار العلوية ص6.

2- علل الشرايع (ط دار الحجة للثقافة) ج1 ص191 و (ط المكتبة الحيدرية ـ النجف سنة 1385هـ) ج1 ص159 وبحار الأنوار ج35 ص53 عنه، ومعاني الأخبار (ط مركز النشر الإسلامي) ص63 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص306 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج8 ص331 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص146.


الجسدية أيضاً.

ولكننا نقول:

سيظهر لنا عن قريب: أن علياً "عليه‌السلام " لم يكن كذلك من الناحية الجسدية.

التفاؤل بالأنزع:

قال ابن منظور في مادة "نزع": "في صفة علي "عليه‌السلام ": البطين الأنزع. والعرب تحب النزع، وتتيمن بالأنزع، وتذم الغمم (والغمم: أن يسيل الشعر، حتى يضيق الوجه والقفا) وتتشاءم بالأغم. وتزعم: أن الأغم القفا والجبين لا يكون إلا لئيماً.

ومنه قول هدبة بن خشرم:

ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزعا"(1) .

التصرف في رواية السبيعي:

عن الحسن بن حماد (سجادة)، عن علي بن عابس، عن أبي إسحاق، قال: قال لي أبي: يا بني، تريد أن أريك أمير المؤمنين؟! يعني علياً "عليه‌السلام "؟!.

قلت: نعم.

____________

1- لسان العرب ج8 ص352 وتاج العرو س ج11 ص475 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص549.


فرفعني على يديه، فإذا أنا برجل أبيض الرأس واللحية، أصلع، عظيم البطن، عريض ما بين المنكبين(1) .

ونقول:

أولاً: هذه الرواية ضعيفة بابن عابس..

ثانياً: روى ابن سعد نفس هذه الرواية بطريق صحيح عن أبي إسحاق: لكنه قال: فقمت إليه، فلم أره يخضب لحيته، ضخم اللحية(2) .

وفي نص آخر: "ضخم الرأس"(3) .

ومن طريق آخر صحيح أيضاً عنه: رأيت علياً "عليه‌السلام " أبيض

____________

1- فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل ص87 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص11 والغارات للثقفي ج1 ص99 وبحار الأنوار ج34 ص352 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص88.

2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 وج6 ص314 والغارات ج1 ص99 ـ 100 والإستيعاب (ترجمة علي "عليه‌السلام ") وأنساب الأشراف للبلاذري ص116 وراجع: المعجم الكبير ج1 ص93 و 94 ومجمع الزوائد ج9 ص101 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص21 وج46 ص215 والمصنف للصنعاني ج3 ص189 ومسند ابن الجعد ص73 وسير أعلام النبلاء ج5 ص396 وتاريخ الإسلام للذهبي ج8 ص192.

3- المعجم الكبير ج1 ص93 ومجمع الزوائد ج9 ص100.


الرأس واللحية(1) .

فلماذا هذه الزيادة في رواية ابن عابس؟!

والحديث الأخير هو الصحيح.. ولعله كان آخر أيام حياته، ولا يصح قولهم: أنه "عليه‌السلام " ضخم الرأس، إذ لو كان كذلك لم يدع بنو أمية وأذنابهم اشاعته، والتعيير به.

رواية.. مكذوبة:

عن عباد بن صهيب (بن عباد بن صهيب)، عن الإمام الصادق "عليه‌السلام "، قال: سأل رجل أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، فقال:

أسألك عن ثلاث هن فيك: أسألك عن قصر خلقك، وكبر بطنك، وعن صلع رأسك.

فقال أمير المؤمنين "عليه‌السلام ": "إن الله تبارك وتعالى لم يخلقني

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص25 و 26 والمعجم الكبير ج1 ص93 و 94 وج19 ص306 ومجمع الزوائد ج9 ص100 والغارات للثقفي ج2 ص702 وبحار الأنوار ج39 ص189 والمصنف للصنعاني ج3 ص189 ومسند ابن الجعد ص73 والمصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج6 ص56 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج5 ص395 وأنساب الأشراف للبلاذري ص116 و 118 وتاريخ الإسلام للذهبي ج8 ص192 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص136 والإستيعاب ج3 ص1111 والعلل لأحمد بن حنبل ج2 ص384.


طويلاً، ولم يخلقني قصيراً، ولكن خلقني معتدلاً، أضرب القصير فأقده، وأضرب الطويل فأقطّه.

وأما كبر بطني، فإن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " علمني باباً من العلم، ففتح لي بذلك الباب ألف باب، فازدحم في بطني، فنفجت عن ضلوعي.."(1) .

زاد في الخصال: وأما صلع رأسي، فمن إدمان لبس البيض، ومجالدة الأقران(2) .

ونقول:

أولاً: إن سند هذا الخبر ضعيف بالحسن بن علي العدوي، وبصهيب..

ثانياً: كيف يسأل ذلك الرجل "عليه‌السلام " عن سبب قصر خلقه؟! مع أن علياً "عليه‌السلام " قد أجابه: بأنه ليس بقصير، وإنما هو معتدل القامة؟! ألم يكن ذلك الرجل قد رأى قامته "عليه‌السلام " حين وجه إليه هذا السؤال؟! والناس يعرفون الطويل والقصير بالقياس إلى عامة الناس في المجتمع الذي يعيشون فيه. فإن هذا الرجل لم يأت من بلاد العمالقة.

ثالثاً: إن ما ذكرته الرواية تعليلاً لكبر بطنه "عليه‌السلام " لا يمكن

____________

1- علل الشرايع ج1 ص190 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص159 والخصال ج1 ص189، وفيه: "فنفجت عنه عضوي" وبحار الأنوار ج35 ص53 و 54 عنهما. وروضة الواعظين ص108 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص513.

2- الخصال ج1 ص189 وبحار الأنوار ج35 ص54 عنه.


قبوله، فإن العلم لا يزدحم في البطن، بل العلم يكون في الصدر والقلب..

رابعاً: إن المروي هو: أنه "عليه‌السلام " كان يقول: علمني رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب(1) .

وهذه الرواية تقول: إنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " علمه باباً واحداً من العلم.. إلا أن يقال بعدم المنافاة، لأن الكلام هنا فيما أوجب اندحاق البطن.

____________

1- الخصال ص572 و 652 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص165 وكتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص211 و 330 و 420 و 431 و 435 و 462 ودلائل الإمامة للطبري (ط مؤسسة البعثة) ص235 و (مؤسسة المهدي) ص131 والإحتجاج ج1 ص223 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص571 ومدينة المعاجز ج5 ص69 وبحار الأنوار ج22 ص463 وج31 ص425 و 433 وج40 ص216 وج69 ص183 وج89 ص42 والتفسير الصافي ج1 ص42 والدر النظيم ص285 و 606.

وراجع ايضاً: الأنوار العلوية ص337 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج10 ص16 و 17 وغاية المرام ج5 ص224 وج6 ص107 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص600 وج23 ص452 وتنزيه الشيعة الإثني عشرية عن الشبهات الواهية للتبريزي ج1 ص156 و 163.


خامساً: ليس للعلم كثافة مادية، كما هو الحال في الطعام والشراب المتعارف، ولم نعلم ولم نسمع بأن له تأثيراً في التوسعة، والعلو، والإنتفاخ للبطن..

ولو صح هذا للزم: أن يكون النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " الذي علمه ذلك الباب بطيناً مثله..

وللزم: أن يظهر هذا الأثر المادي للعلم على كل متعلم..

وما ورد في وصف النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يشير إلى عكس ذلك.

سادساً: ما ذكر في سبب صلعه "عليه‌السلام " لا يصح أيضاً، فإن مقارعة الأقران وإدمان لبس المغفر في الحرب لا يوجب الصلع.. ولو أوجبه لكان كل الذين يلبسون العمامة، أو القبعات، على رؤوسهم مصابين بالصلع..

كما أن الذين كانوا يشاركون في الحروب باستمرار في زمن علي "عليه‌السلام " يعدون بالمئات والألوف، فلماذا لم يعرف عنهم الصلع. كما عرف عنه "عليه‌السلام "؟!

وقد تقدمت نصوص أخرى تؤكد على عدم صحة نسبة هذين الأمرين، وهما: عظم البطن، والصلع إلى أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، فيمكن الإستدلال بها على عدم صحة هذه الرواية..

عمر هو البطين؟!:

وبعد، فإن النصوص المتوفرة تقول: إن غير علي "عليه‌السلام "، كان هو


البطين.

فعمر بن الخطاب: كان عظيم البطن، كبير الكرش.

وقد قال قيس بن سعد لعمر: إن بطنك لعظيمة، وإن كرشك لكبيرة(1) .

معاوية مندحق البطن، رحب البلعوم:

وكان معاوية عظيم البطن أيضاً، فمن كلام لعلي "عليه‌السلام " لأصحابه: أما أنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه. ولن تقتلوه.

ألا وإنه سيأمركم بسبي، والبراءة مني. أما السب فسبوني؛ فإنه لي زكاة، ولكم نجاة. وأما البراءة فلا تتبرأوا مني، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة(2) ..

____________

1- راجع: إرشاد القلوب للديلمي ص378 ـ 384 والأنوار العلوية ص149 ـ 153 وبحار الأنوار ج29 ص165 وغير ذلك.

2- بحار الأنوار ج39 ص325 وج41 ص317 وج62 ص327 وج72 ص421 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص107 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص114 و 115 و (ط دار الذخائر ـ قم) ج1 ص105 ووسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج11 ص478 وفرحة الغري للسيد ابن طاووس ص5 وشجرة طوبى ج1 ص94 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص581 والغـديـر 2 ص103 ومسـتـدرك سفينـة البحـار ج4 ص98 وج8 ص53 = = والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص747 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص54 وإعلام الورى ج1 ص340 وينابيع المودة ج1 ص205 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج5 ص300 وج11 ص126 و 353 ولسان العرب ج4 ص301 و (نشر أدب الحوزة) ج10 ص95 وتاج العروس ج6 ص342 و (ط دار الفكر) ج13 ص134.


قال ابن شهرآشوب: يعني معاوية(1) .

اندحق: اندلق، وبطنه اتسع(2) .

وقال المعتزلي: مندحق البطن: بارزها. والدحوق من النوق: التي يخرج رحمها عند الولادة، وسيظهر: سيغلب(3) .

وقالوا: كان معاوية إذا جلس يقعد بطنه على فخذيه(4) .

والذي أمر بسب علي "عليه‌السلام " هو معاوية، وهو الذي كان موصوفاً بالنهم، وكبر البطن.. وقد دعا عليه رسول الله "صلى الله عليه

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص107.

2- المعجم الوسيط مادة دحق.

3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص54 وبحار الأنوار ج39 ص325 وراجع جمهرة اللغة ج3 ص445.

4- بهج الصباغة ج5 ص568 وشجرة طوبى ج1 ص94 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص54.


وآله" فقال: لا أشبع الله بطنه(1) .

وقال أبو ذر "رحمه‌الله " لمعاوية: "لعنك رسول الله، ودعا عليك مرات أن لا تشبع"(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص176 وبحار الأنوار ج22 ص248 وج33 ص190 و 195 و 209 وشرح الأخبار ج2 ص166 و 536 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج1 ص140 والعمدة لابن البطريق ص456 والطرائف لابن طاووس ص504 والصراط المستقيم ج3 ص47 وكتاب الأربعين للشيرازي ص632 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص465 و 466 والغدير ج11 ص88 و 89 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص339 وصحيح مسلم ج8 ص27 وشرح مسلم للنووي ج16 ص152 ومسند أبي داود الطيالسي ص359 والإستيعاب ج3 ص1421 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص34 وأسد الغابة ج4 ص386 وتهذيب الكمال ج22 ص344 وميزان الإعتدال للذهبي ج3 ص240 وفتوح البلدان للبلاذري ج3 ص582 وتاريخ الأمم والملوك ج8 ص186 والبداية والنهاية ج6 ص189 وج8 ص128 وإمتاع الأسماع ج4 ص399 وج10 ص185 وج12 ص112 و 113 وصفين للمنقري ص220 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج2 ص218 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص215 والنصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص261.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج8 ص257 والغدير ج8 ص304 وج11 ص90= = وكتاب الأربعين للشيرازي ص606 وبحار الأنوار ج22 ص416 والدرجات الرفيعة ص243 وأعيان الشيعة ج4 ص237.



وقد أصبح معاوية مضرب الأمثال في ذلك، قال الشاعر:

وصـاحـب لي بطـنه كالهاوية

كـأن في أحـشــائــه معاويـة

وذلك كله يوضح: أن نسبة ضخامة البطن إلى علي "عليه‌السلام " رغم تصريح الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بالمراد من كلمة: "الأنزع البطين" وأنها تعبير مجازي عن السلامة من الشرك، وعن كثرة العلم. قد جاء على قاعدة: "رمتني بدائها وانسلت".

بقي أن نشير إلى القول المروي عن الإمام الصادق والإمام الباقر "عليهما‌السلام ": "ما أكثر ما يكذب الناس على علي "عليه‌السلام ".

ثم قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني، وأني لعلى دين محمد. ولم يقل: ولا تبرؤوا مني"(1) .

____________

1- الكافي ج2 ص219 وبحار الأنوار ج39 ص316 و 326 وج72 ص393 و 408 و 430 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص576 والتفسير الصافي ج3 ص158 وقرب الإسناد ص12 ونور الثقلين ج3 ص89 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ ج11 ص355 والتقية للشيخ الأنصاري ص67 وشرح أصول الكافي ج9 ص122 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج16 ص225.


عمرو بن العاص أساس البلاء:

ومهما يكن من أمر، فإن السبب الأساس في إثارة هذا الجو المسموم في خصوص صفات علي "عليه‌السلام " هو: إعلان عمرو بن العاص عن تغيظه الشديد من شيوع وتناقل الناس أوصاف أمير المؤمنين الباهرة، ثم قدم نموذجاً لما يريد الأمويون أن يشيعوه عن علي "عليه‌السلام ".

فقد قال ابن شهرآشوب: ابن إسحاق، وابن شهاب: أنه كتب حِلْيَة أمير المؤمنين "عليه‌السلام " عن ثبيت الخادم، فأخذها عمرو بن العاص، فزمَّ بأنفه، وقطعها، وكتب: "إن أبا تراب كان شديد الأدمة، عظيم البطن، حمش الساقين، ونحو ذلك" ولذا وقع الخلاف في حليته(1) .

وبذلك يكون عمرو بن العاص هو الذي أطلق حملة التجني على علي "عليه‌السلام "، حتى في الحديث عن صفاته البدنية، وتفنن علماء السوء والمتزلفون له ولغيره من أعداء علي "عليه‌السلام " في ابتداع الأساليب لتشويه الحقيقة، وإثارة الشبهات، وإشاعة الترهات..

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص306 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص91 وبحار الأنوار ج35 ص2 والأنوار العلوية ص7 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص90.


الفصل السابع:

زوجـات عـلـي (عليه‌السلام )



زوجات أمير المؤمنين(عليه‌السلام):

إن من تجليات التكرمة الإلهية لعلي "عليه‌السلام " تزويج الله ورسوله إياه فاطمة الزهراء "عليها السلام".

ويدل على عظم مقامها، ومقام علي "عليه وعليها الصلاة والسلام" ما روي عن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وعن الصادق "عليه‌السلام " عنه، أنه قال: "لولا أن الله تعالى خلق أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لفاطمة ما كان لها كفؤ على ظهر الأرض، من آدم فمن دونه"(1) .

____________

1- الكافي للكليني ج1 ص461 ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ج3 ص393 وعيون أخبار الرضا ج2 ص203 و (ط أخرى) ج1 ص225 والخصال ص414 وبشارة المصطفى ص328 وفي (ط أخرى) ص267 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص100 وفي (ط أخرى) ص188 عن صاحب كتاب الفردوس، وعن المناقب، ومصباح الأنوار، ومجمع النورين للمرندي ص27 و 43 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص96 وبيت الأحزان للشيخ عباس القمي ص24 وحياة أمير المؤمنين لمحمديان ج1 ص107 وتفسير القمي ج2 ص338 وحياة الإمام الحسن للقرشي ج1 ص15 وص321 عن تلخيص الشـافي ج2 ص277 والمحتضر لحسن بن = = سليمان الحلي ص240 والخصائص الفاطمية للكجوري ج1 ص119 والأنوار القدسية للشيخ محمد حسين الأصفهاني ص36 عن المحجة البيضاء ج4 ص200 وشرح أصول الكافي للمازندراني ج7 ص222 ووسائل الشيعة للحر العاملي (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص74 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص49 ودلائل الإمامة للطبري ص80 وعلل الشرائع ج2 ص178 وأمالي الصدوق ص474، ونوادر المعجزات ج6 ص84 وتفضيل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للشيخ المفيد ص32 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص290 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص66 والفصول المهمة للحر العاملي ج1 ص408 وج3 ص411 وبحار الأنوار ج8 ص6 وج43 ص10 و 92 ـ 93 و 97 و 107 و 141 و 145 وروضة الواعظين ص148 وكنوز الحقائق للمناوي (مطبوع مع الجامع الصغير) ج2 ص75 وإعلام الورى ج1 ص290 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج1 ص547 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص83 وأمالي الطوسي ج1 ص42 ونور البراهين للسيد نعمة الله الجزائري ج1 ص315 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص126و 288 والإمام علي "عليه‌السلام " لللهمداني ص126 و 334 ومستدرك الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص241 والحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج23 ص108 والتهذيب ج7 ص470 ح90 وص475 ح116 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج7 ص1 ـ 2 وج17 ص35 ج19 ص117 عن مودة القربى للهمداني (ط لاهور) ص18 و 57 وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص139 والـفـردوس ج3 ص373 و 418 و 513 والسيدة الزهـراء "عليها السلام" = = للحاج حسين الشاكري ص23 والمناقب المرتضوية لمحمد صالح الترمذي، وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي الحنفي ج2 ص80 و 244 و 286. لكن أكثر مصادر أهل السنة قد اقتصرت على عبارة لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ.. ولم تذكر كلمة، آدم فمن دونه.


وقد تحدثنا عن بعض ما يرتبط بهذا الزواج الميمون في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وروي: أن علياً "عليه‌السلام " دخل بفاطمة "عليها السلام" بعد وفاة أختها رقية زوجة عثمان بستة عشر يوماً، وذلك بعد رجوعه من بدر، وذلك لأيام خلت من شوال(1) .

وروي: أن ذلك كان يوم الثلاثاء، لست خلون من ذي الحجة(2) .

____________

1- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص240 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص178 والأمالي للشيخ الطوسي ج1 ص43 وبحار الأنوار ج43 ص97 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص105 وبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص410 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص404 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص237 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص104.

2- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص132 وبشارة المصطفى لمحمد بن علي الطبري ص410 والأمالي للشيخ الطوسي ج1 ص42 وبحار الأنوار ج43 ص6 و 97 وراجع ص110 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص105 وأعيان = = الشيعة للسيد محسن الأمين ج1 ص313 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص405 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص317 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص104.


وهناك أقوال عديدة أخرى، فراجعها في مصادرها(1) .

علي وفاطمة( عليهما‌السلام ) أفضل من الأنبياء:

والحديث المتقدم عن كفاءة علي "عليه‌السلام " لفاطمة "عليها السلام" يدل على أن أمير المؤمنين، وكذلك فاطمة الزهراء "عليهما أفضل الصلاة والسلام" أفضل من جميع الأنبياء باستثناء رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فإنه خارج قطعاً، لدلالة الأدلة القاطعة على أنه أفضل الخلق من دون استثناء أحد، لا فاطمة ولا علي "عليهما‌السلام "..

بل إن المقصود بهذه الكلمة هو إظهار هذا التفضيل لهما "عليهما‌السلام ". وليس المقصود الكفاءة التي يترتب عليها جواز المباشرة بمراسم التزويج. إذ قد تتحقق الكفاءة، ولكن يوجد مانع من المباشرة في التزويج، كالأبوة، أو الأخوة، أو العمومة، أو نحو ذلك..

ويشهد لهذا الأمر ذكر آدم "عليه‌السلام "، مع أنه أب للزهراء "عليها السلام"، وكذلك إبراهيم، وإسماعيل "عليهما‌السلام "..

وذلك يدل على: أن المقصود هو بيان مقامها الشامخ، وأنها فوق

____________

1- راجع على سبيل المثال: بحار الأنوار ج43 ص92 ـ 145.


الأنبياء، وأن ما حباها الله به من الفضل والكرامة والمقام المحمود عند الله، لا يمكن أن يقع في وهم أحد.

ومما دل على أفضلية رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " على جميع المخلوقات ما روي عنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " من أنه قال: "فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله جل ثناؤه"(1) .

____________

1- الأمالي للشيخ الصدوق ص730 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لمحمد بن سليمان الكوفي ج1 ص407 وكتاب الأربعين للشيرازي ص374 وبحار الأنوار ج16 ص120 و 315 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" ج9 ص64 ومجمع الزوائد للهيثمي ج8 ص215 والمعجم الكبير ج3 ص57 وج12 ص82 وكنز العمال ج2 ص44 وتفسير فرات الكوفي ص433 ومجمع البيان للطبرسي ج9 ص230 وتفسير الثعلبي ج8 ص44 وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج2 ص49 وفتح القدير للشوكاني ج4 ص280 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " وما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لأبي بكر أحمد بن موسى ابن مردويه الأصفهاني ص305 والبداية والنهاية ج2 ص316 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج3 ص208 والشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج1 ص166 وإعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ج1 ص50 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص12 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص193 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص606 وينابيع المـودة لـذوي القربى للقندوزي ج1 ص59 وأهل البيت في الكتاب والسنة = = للريشهري ص120 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج3 ص183 وج4 ص151 و 156 و 159 و 161 ومصباح الهداية في إثبات الولاية للسيد علي البهبهاني ص258 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص69 وج14 ص68 وج22 ص21 وج24 ص92.


وقوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"(1) .

____________

1- الأمالي للصدوق ص254 و 391 وبحار الأنوار ج8 ص48 وج9 ص294 ج16 ص325 و 326 وج31 ص342 وج35 ص70 و 214 وج40 ص59 وج63 ص6 و 58 وج78 ص351 وأمالي الشيخ الطوسي ص170 و (ط دار الثقافة ـ قم سنة 1414هـ) ص271 وعيون أخبار الرضا "عليه‌السلام " ص202 و (ط مؤسسة الأعلمي سنة 1404هـ) ج1 ص38 ومسند زيد بن علي ص476 ومغني المحتاج للشربيني ج1 ص7 وكشاف القناع للبهوتي ج5 ص29 وروضة الواعظين ص142 وشرح أصول الكافي ج5 ص185 وج7 ص145 وج10 ص84 وج11 ص355 وج12 ص319 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج25 ص23 و (ط دار الإسلامية) ج17 ص12 والخرائج والجرائح للراوندي ج2 ص876 وذخائر العقبى ص7 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص228 ومسند الرضا "عليه‌السلام " لداود بن سليمان الغازي ص161 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص208 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص129 و 407 وشرح الأخبار ج1 ص195 و 233 والمسترشد للطبري ص140 والإختصاص للمفيد ص33 = = وتفضيل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للشيخ المفيد ص20 ومدينة المعاجز ج2 ص272 ومسند أحمد ج1 ص5 و 281 و 295 وج3 ص2 و 144 وسنن الدارمي ج1 ص28 وسنن ابن ماجة ج2 ص1440 وسنن الترمذي ج4 ص370 والمستدرك للحاكم ج1 ص30 وج2 ص605 ومجمع الزوائد ج8 ص254 وج10 ص372 و 374 و 376 وعمدة القاري ج12 ص250.


وقوله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": "وفضلني على جميع خلقه، وجعلني في الدنيا سيد ولد آدم، وفي الآخرة زين القيامة"(1) .

وعن أبي عبد الله "عليه‌السلام ": سئل رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": بأي شيء سبقت ولد آدم؟!

قال: إنني أول من أقر بربي، إن الله أخذ ميثاق النبيين، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟!

قالوا: بلى. فكنت أول من أجاب(2) .

____________

1- بحار الأنوار ج16 ص326 والخصال ج2 ص42 و (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1403هـ) ص413 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج3 ص331 ومستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج1 ص237.

2- الكافي ج2 ص12 وبحار الأنوار ج15 ص15 وج16 ص353 وج66 ص56 وبصائر الدرجات ص103 وعلل الشرائع ج1 ص124 ومختصر بصائر الدرجات ص158 وشرح أصول الكافي ج8 ص34 وتفسير العياشي ج2 ص39 ونور الثقلين ج2 ص94 وج3 ص175.


وعنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": يا علي، إن الله عز وجل أشرف على الدنيا، فاختارني منها على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثم اطلع الثالثة فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمين بعدك. ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة سيدة نساء العالمين..(1) .

وهذا الحديث ناظر إلى التفضيل بين الرجال والرجال، وبين النساء والنساء. والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة..

لا يتزوج علي(عليه‌السلام) في حياة فاطمة(عليهما‌السلام) :

وقد سأل سائل: لماذا لم يتزوج علي "عليه‌السلام " غير فاطمة ما دامت على قيد الحياة، مع أن تعدد الزوجات مستحب؟! وإذا كانت الزهراء "عليها السلام" لا ترضى، فهل يمكن أن لا ترضى بما يرضاه الله؟!

ونجيب:

أولاً: قد روي عن أبي عبد الله الصادق "عليه‌السلام " أنه قال: "حرم الله النساء على علي "عليه‌السلام " ما دامت فاطمة "عليها السلام" حية.

قال: قلت: وكيف؟!

____________

1- بحار الأنوار ج16 ص354 وج26 ص271 وج43 ص26 والخصال ج1 ص96 و 97 و (ط مركز النشر الإسلامي سنة 1403هـ) ص207 وكنز الدقائق للمشهدي ج2 ص63.


قال: لأنها طاهر لا تحيض"(1) .

ولعل هذا التعليل يريد أن يشير إلى عظمتها ومقامها عند الله تعالى، وأنه تبارك وتعالى قد طهرها، حتى من جهة خلقتها، فنزهها عن الحيض، حتى لا يمنعها ذلك من مواصلة عباداتها التي تحبها.

وبهذا الحال، هل يصح من علي "عليه‌السلام " أن يفضل عليها أحداً، أو أن يميل إلى أحد سواها وهي على قيد الحياة؟!.

ثانياً: لم يثبت استحباب الزواج بأكثر من امرأة واحدة، بل ورد إباحة ذلك في القرآن، مع النصيحة بالتزام الزواج من واحدة في صورة الخوف من عدم التمكن من العدل بين النساء..

نعم، قد ورد في السنة الأمر بالتزوج بأكثر من واحدة لمعالجة حالة

____________

1- تهذيب الأحكام للطوسي ج7 ص475 ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشـوب ج3 ص330 و (ط المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1956م) ج3 ص110 وبشارة المصطفى ص306 والأمالي للطوسي ج1 ص42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص64 وبحار الأنوار ج43 ص16 و 153 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 ق3 ص7 وعوالم العلوم ج11 ص387 و 66 ومستدرك الوسائل ج2 ص42 وراجع: فتح الباري ج9 ص287 ومجمع النورين ص23 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني الهمداني ص231 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص201 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص431 والحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج23 ص108.


الفقر(1) ، أو نحو ذلك..

مع ملاحظة: أن معالجة ظاهرة الفقر(2) قد كانت بالطلاق أيضاً، مع أنه أبغض الحلال إلى الله تعالى(3) .

فالإستحباب المدعى يصبح موضع شك، وبذلك لا يبقى موضوع للسؤال المذكور..

إلا إذا استدل على ذلك بالروايات التي تحث على الزواج وتأمر به، مثل

____________

1- الكافي ج5 ص430 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص44 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص26 وعوالي اللآلي ج3 ص281 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص13 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم السلام" للنجفي ج3 ص11 وج4 ص178 ونور الثقلين ج3 ص595 ومجمع البحرين ج3 ص208.

2- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص44 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص26 والكافي ج5 ص331 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص13 ونور الثقلين ج1 ص559 وج3 ص595 وكنز الدقائق ج2 ص645 وتفسير الميزان ج5 ص107.

3- الكافي ج5 ص431 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص44 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص26 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص13 والتفسير الصافي ج1 ص508 ونور الثقلين ج1 ص559 وج3 ص595 وكنز الدقائق ج2 ص645 وتفسير الميزان ج5 ص107.


حديث: "تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة".. باعتبار أن المطلوب هو زيادة النسل، وهو يتحقق بتعدد الزوجات بصورة أتم وأوفى.

ويناقش في دلالة ذلك على استحباب التعدد، بأننا لو سلمنا بذلك، فإن استحباب زيادة النسل شيء، وتعدد الزوجات شيء آخر. فإذا فرض التلازم بينهما، فمن المعلوم: أنه لا يجب اتفاق المتلازمين في الحكم، بل يجب أن يختلفا فيه..

يضاف إلى ذلك: أن روايات الترغيب في الزواج لأجل النسل يقصد بها التأكيد على استحباب أصل التناكح والتناسل. ولكن لا مطلقاً، بل وفق سياسة وضابطة محددة، ولذلك لم يجز الزيادة على الأربع. وحددت شرائط معينة لمن يصح التزويج بها، وغير ذلك..

ثالثاً: قال الله تعالى:) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( (1) .

فقد دلت هذه الآية المباركة على: أن الهدف من الزواج هو تحقيق السكون، والرضا، وذلك من خلال التوحد، والإلتقاء، ووجدان النفس لحقيقتها الكاملة، ليكونا معاً بمثابة نفس واحدة..

ومن الواضح: أن السيدة الزهراء "عليها السلام" حين تكون مع الإمام علي "عليه‌السلام "، فإنه "عليه‌السلام " سوف لا يجد في نفسه أية حاجة إلى شيء آخر، لأن السيدة الزهراء "عليها السلام" هي الكمال كله..

____________

1- الآية21 من سورة الروم.


فلا يبقى أي مبرر لتطلّب شيء آخر. ما دام أن السكون والرضا قد بلغ منتهاه، فما هو الداعي لأن يبحث الإمام "عليه‌السلام " عن زوجة أخرى، ما دام أن تلك الزوجة لن يكون لها أي دور في حياته، ولا يوجد أي مجال للزيادة في حالة السكون، والرضا، والسعادة لديه؟!

وربما لأجل هذه الخصوصية بالذات لم يتزوج النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " في حياة السيدة خديجة "عليها السلام" أية امرأة أخرى، لكنه تزوج بعدها بالعديد من النساء لأكثر من داع وسبب.. رغم علمه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بانه لن يجد مثل خديجة "عليها السلام".

وتزوج علي "عليه‌السلام " بعد الزهراء "عليها السلام" بالعديد من النساء رغم علمه بأنه لن يجد مثل الزهراء "صلوات الله وسلامه عليها".

تسرِّي علي (عليه‌السلام ) في حياة الزهراء (عليها السلام):

بناءً على ما تقدم، يبقى سؤالان يحتاجان إلى إجابة:

الأول: ماذا نصنع بالروايات التي تقول: إن علياً "عليه‌السلام " قد تزوج بأم محمد بن الحنفية في حياة رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "؟!

الثاني: ماذا نصنع بحديث بريدة عن اصطفاء علي "عليه‌السلام " لجارية من السبي، وقد اختلى بها، وخرج ورأسه يقطر ماءً؟!

ونقول في الجواب:

أولاً: لو صح هذا وذاك، فيكون دليلاً على أن حديث تحريم النساء على علي "عليه‌السلام " ما دامت فاطمة "عليها السلام" على قيد الحياة مشروط بما إذا لم تجزه الزهراء "عليها السلام" ورسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وتكون


مبادرته لفعل ذلك دليلاً على صدور هذه الإجازة منها ومنه..

بل قد يُدَّعى: أن المحرم عليه "صلوات الله وسلامه عليه" هو التزويج بالنساء، ولا يحرم عليه التسري..

ثانياً: بالنسبة لأم محمد بن الحنفية نقول:

إن البعض وإن كان قد ادَّعى: أنها كانت أمة وهي نصيب علي "عليه‌السلام " من سبي أتي به إلى أبي بكر. لكننا قد أثبتنا عدم صحة ذلك، وقلنا: إن هناك نصوصاً أخرى تقول: إنها كانت أمة، فاشتراها علي "عليه‌السلام "، واتخذها أم ولد.

والظاهر: أن شراءه لها كان في زمن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فولدت له محمداً المعروف بابن الحنفية، وذلك بعد استشهاد السيدة فاطمة "عليها السلام"(1) . فلا دليل على تسرّيه بها في حياة الزهراء "عليها السلام".

وأما إن كانت ولادة محمد بن الحنفية في زمن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، ولم نقل: إن ما روي عن الإمام الصادق "عليه‌السلام " مختص بالزواج الدائم، فلا بد أن يحمل ذلك على أن زواجه بالحنفية، قد كان بإذن من رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وفاطمة "عليهما‌السلام "، لسرٍّ ولخصوصيةٍ في محمد بن الحنفية "رحمه‌الله "..

____________

1- قاموس الرجال (ط مركز النشر الإسلامي قم) ج9 ص246 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص243 ـ 246 وأعيان الشيعة ج1 ص433 وج9 ص435 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص27 وبحار الأنوار ج42 ص99.


ثالثاً: بالنسبة لحديث بريدة نقول:

إن الأصل في هذا الحديث هو بريدة الأسلمي.. (وفي بعض النصوص ذكر البراء، بدل بريدة) الذي أرسله خالد بن الوليد للوقيعة بالإمام علي "عليه‌السلام "، عند رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، بحجة: أن الإمام "عليه‌السلام " اصطفى جارية من السبي، وقعت في الخمس.

وقد ذكرت الرواية: أن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، غضب للإمام علي "عليه‌السلام "، وصوّب موقفه(1) ..

____________

1- هذا الحديث رواه عموم أهل السنة في مجاميعهم الحديثية، وفي كتب السيرة، والتراجم، وغير ذلك، فراجع على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف، وكتاب الخمس، وكتاب المناقب، وصحيح مسلم ج7 ص141 وفي فضائل فاطمة "عليها السلام"، ومسند أحمد ج4 ص328 وحلية الأولياء ج2 ص40 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص64 والمستدرك على الصحيحين للحاكم ج3 ص158 و 159 وغوامض الأسماء المبهمة ص340 و 341 وسنن ابن ماجة ج1 ص616 وأسد الغابة ج5 ص521 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص591 و 597 ونزل الأبرار ص82 و 83 والسيرة الحلبية ج2 ص208 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص4 وسنن أبي داود ج2 ص326 وتلخيص الشافي ج2 ص276 والغدير ج3 ص216 والبحر الزخار ج6 ص435 وجواهر الأخبار والآثار (بهامش البحر الزخار) للصعدي، ومصابيح السنة ج2 ص257 وكنز العمال= = ج15 ص24 ـ 125 و 126 و 271 والبداية والنهاية ج7 ص344 و 345 ومحاضرة الأدباء، المجلد الثاني ص234 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص51 و 88 وج4 ص64 ـ 66 وتهذيب التهذيب ج7 ص90 وفتح الباري ج7 ص6 وج9 ص286 ونسب قريش ص87 و 312 والمصنف للصنعاني ج7 ص300 و 301 و 302.


ونلاحظ هنا ما يلي:

1 ـ إن أغلب المصادر لم تشر إلا لمجرد اصطفاء الإمام علي "عليه‌السلام "، جارية من خمس السبي لنفسه.

وظاهر طائفة: أن الإعتراض إنما كان منصباً على تصرفه "عليه‌السلام "، في مال الخمس.

وكمثال على ذلك نشير إلى نص الشيخ المفيد "رحمه‌الله "، الذي ذكر: أن بريدة جعل يقرأ كتاب خالد لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، والمتضمن للوقيعة في علي "عليه‌السلام "، ووجه النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، يتغير، فقال بريدة: "إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم.

فقال له النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": ويحك يا بريدة! أحدثت نفاقاً؟! إن علي بن أبي طالب كان له من الفيء ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك الخ.."(1) .

____________

1- الإرشـاد (ط مؤسسة آل البيت) ص160 و 161 و (ط دار المفيـد ـ بـيروت = = 1414هـ) ج1 ص161 وإعلام الورى ج1 ص253 وكشف الغمة ج1 ص230 و 231 وقاموس الرجال ج2 ص173 عنه، وبحار الأنوار ج21 ص358 وج37 ص235 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج11 ص261 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص99.


فليس في الرواية إشارة إلى أنه "عليه‌السلام " قد وطأ تلك الجارية، كما تزعم بعض الروايات.

2 ـ إن بعض النصوص التي رويت لهذه الحادثة تقول:"فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، غضب غضباً لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، وقال: "يا بريدة، أحب علياً، فإنه يفعل ما آمره". وكذا روي عن غير بريدة(1) .

____________

1- راجع: مجمع الزوائد ج9 ص128 ـ 129 عن الطبراني، وخصائص النسائي ص102 ـ 103 ومشكل الآثار ج4 ص160 ومسند أحمد ج5 ص359 و 350 ـ 351 وسنن البيهقي ج6 ص342 وقال: رواه البخاري في الصحيح، وحلية الأولياء ج6 ص294 وسنن الترمذي ج5 ص632 و 639 وكنز العمال ج15 ص124 ـ 125 و 126 ـ 127 ومناقب الخوارزمي الحنفي ص92 ومستدرك الحاكم ج3 ص110 ـ 111 على شرط مسلم، وتلخيص المستدرك للذهبي (بهـامشـه) وسكت عنـه، والبدايـة والنهايـة ج7 ص344 و 345 عن: أحمـد، = = والترمذي، وأبي يعلى، وغيره بنصوص مختلفة. والغدير ج3 ص216 عن بعض من تقدم، وعن نزل الأبرار للبدخشي ص22 والرياض النضرة ج3 ص129 و 130 وعن مصابيح السنة للبغوي ج2 ص257 والبحر الزخار ج6 ص435 وجواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد والصفحة، عن البخاري والترمذي. والمعجم الأوسط ج5 ص117 وبشارة المصطفى ص146 و 147 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص291 و (ط أخرى) ص195 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي هامش ص103 والأمالي للطوسي ص250 وبحار الأنوار ج39 ص282 ونهج السعادة ج5 ص279 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص425 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص87.


وهذا يعني: أن اصطفاء الجارية من قبل علي "عليه‌السلام "، ووطؤه لها إن كان قد حصل، فإنما كان بأمر رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، لمصلحة رآها.

3 ـ ومع غض النظر عن ذلك، وافتراض صحة الروايتين معاً، نقول:

وبذلك يتحقق التوفيق والجمع بين رواية تحريم النساء على أمير المؤمنين "عليه‌السلام " مدة حياة السيدة فاطمة "عليها السلام"، وبين رواية بريدة بأن المقصود برواية تحريم النساء عليه: تحريم الزواج الدائم بالحرائر منهن. فلا تشمل التسري بالإماء.. إذا أذنت الزهراء "عليها السلام"، أو أمر أبوها "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لمصلحة يراها..


4 ـ إن ما ذكروه: من أنه "عليه‌السلام " قد أصاب من الجارية، وأنه خرج إليهم ورأسه يقطر، وأخبرهم بما جرى، لم نجده مروياً عن الأئمة "عليهم السلام"، ولعله قد أضيف إلى الرواية من قِبل أولئك الذين أرادوا أن يثيروا المشكلة على أساس إثارة حفيظة السيدة الزهراء "عليها السلام"، لاعتقادهم أن ذكر ذلك لها عنه "عليه‌السلام "، سوف يثير غيرتها، ويحركها ضده.

ولكن فألهم قد خاب؛ لأنهم لم يعرفوا الإمام علياً ولا السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهما.

وربما تكون هذه التحريكات المغرضة قد حصلت في وقت لاحق، أي بعد أن فشلت محاولاتهم للوقيعة به عند رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

سائر نساء علي(عليه‌السلام) :

وبعد استشهاد السيدة الزهراء "عليها السلام" تزوج "عليه‌السلام " بعدة نساءٍ هنَّ:

1 ـ أمامة بنت أبي العاص.

2 ـ أسماء بنت عميس.

3 ـ ليلى بنت مسعود.

4 ـ أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي.

5 ـ خولة بنت جعفر بن قيس.

6 ـ الصهباء بنت ربيعة.


7 ـ محياة بنت امرئ القيس.

8 ـ أم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية.

وعن الإمام الباقر "عليه‌السلام ": كان له أيضاً سبع عشرة سُرِّيَّة. بعضهن أمهات ولد(1) .

وسيأتي الحديث عن زواجه "عليه‌السلام " بأمامة بنت أبي العاص، بعد استشهاد الزهراء "عليها السلام".

ولكننا نشير هنا إلى اثنتين من هؤلاء النساء، وهما:

1 ـ أسماء بنت عميس:

فإن جعفر بن أبي طالب كان قدتزوج بأسماء بنت عميس، وهاجرت

____________

1- تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص652 والصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي ج1 ص163 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص109 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص677 وبناء المقالة الفاطمية للسيد ابن طاووس ص249 وفي ص231 تسع عشرة سرية. وراجع هذا القول في: دعائم الإسلام ج2 ص192 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص208 والعثمانية للجاحظ ص98 وفيض القدير للمناوي ج5 ص538 وفيه: بضع عشرة سرية، والبداية والنهاية ج7 ص368 وفي (ط أخرى) ص333 وتفسير الثوري ص29 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص578 والمحلى لابن حزم ج9 ص218.


معه إلى الحبشة، وولدت له عبد الله، وعوناً ومحمداً.

ثم تزوجها أبو بكر، فولدت له محمداً.. وبعد وفاة أبي بكر تزوجها علي "عليه‌السلام " فأولدها يحيى(1) .

2 ـ أم البنين بنت حزام:

قالوا: إن علياً "عليه‌السلام " قال لعقيل: "أنظر إلى امرأة قد ولدتها الفحول، لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً.

فقال له: تزوج أم البنين الكلابية، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها"(2) .

ونلاحظ هنا: أن علياً "عليه‌السلام " لم يكن بحاجة إلى علم عقيل

____________

1- تهذيب الكمال ج35 ص127 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج2 ص282 ـ 287 والإصابة لابن حجر ج8 ص14 ـ 16 والأعلام للزركلي ج1 ص306 والمحبر للبغدادي ص107 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص178 والوافي بالوفيات للصفدي ج9 ص33 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص112.

2- عمدة الطالب لابن عنبة ص357 وقاموس الرجال للتستري (ط سنة 1389 هـ) ج10 ص389 و 390 و (ط مركز النشر الإسلامي ـ الطبعة الأولى) ج12 ص196 وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج7 ص429 وج8 ص389 والأنوار العلوية ص442 وعقيل بن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص47.


"رحمه‌الله "، ولا إلى علم غيره بأنساب وأحوال العرب، إلا أن يكون المقصود هو تعريف الناس بمقام تلك الصفوة التي سيكون لها النصيب الأوفر في نصرة الإمام الحسين "عليه‌السلام " في كربلاء.

وأن ذلك بمثابة إخبار غيبي عن ولادة هؤلاء الصفوة، وعن المهمات الجسام التي سوف يضطلعون بها، في نصرة هذا الدين.

وفيه إشارة إلى أن التهيؤ لهذه المواقف والتضحيات قد بدأ قبل ولادة يزيد وابن زياد و.. و..

يضاف إلى ذلك: أنه أراد التنويه بعلم عقيل بالأنساب، ورد ما سوف يكيده به الأمويون وأعوانهم. وتبرئته من الإتهامات الباطلة التي سيوجهونها إليه حين يكشف للناس مخازي أعداء علي "عليه‌السلام "..

مع يقيننا بأن علياً "عليه‌السلام " كان أعرف من عقيل في كل شيء.. ولم يكن بحاجة إليه في اختيار من يشاء من النساء.. ولكنه أراد أن يعطي كل ذي حق حقه.. وأن يعلم الناس: أن لا غضاضة في الرجوع إلى أهل الخبرة، لإظهار فضلهم، والإعلان بالتكريم لهم.

3 ـ علي(عليه‌السلام) يتزوج أمامة:

في سنة اثنتي عشرة للهجرة مات أبو العاصي بن الربيع، وأوصى إلى الزبير، وتزوج علي "عليه‌السلام " ابنته(1) .

____________

1- تاريـخ الأمم والملـوك ج2 ص385 و (ط مؤسسـة الأعلمـي) ج2 ص584 = = ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص254 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص443 والإكمال في أسماء الرجال ص150 والثقات لابن حبان ج2 ص182 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص191 وج18 ص398 وتهذيب الكمال ج9 ص324 والكامل في التاريخ ج2 ص400 وعيون الأثر ج2 ص364 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص32.


زوجها منه الزبير، لأن أباها قد أوصاه بها(1) .

وقيل: إن علياً "عليه‌السلام " تزوج أمامة بنت أبي العاص، بوصية الزهراء "عليها السلام"، فقد أوصته بذلك، وقالت: إنها تكون لولدي مثلي(2) .

أو قالت: بنت أختي، وتتحنن على ولديّ(3) .

____________

1- أسد الغابة ج5 ترجمة أمامة، والإصابة ج8 ص24 والإستيعاب ج4 ص1788. وراجع الهامش السابق.

2- راجع: روضة الواعظين ص168 ومستدرك الوسائل ج2 ص360 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص870 وعلل الشرايع ج1 ص188 وراجع: بحار الأنوار ج28 ص304 وج43 ص181 و 191 و 199 وج78 ص253 و 256 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص362 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص369 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص317 واللمعة البيضاء ص868 و 872 و 875 والأنوار العلوية ص303 ومجمع النورين ص150 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص332.

3- بحار الأنوار ج43 ص217 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص317 واللمعة البيضاء ص890 عن مصباح الأنوار ص259. وراجع: مجمع النورين للمرندي ص148.


ويروي ابن عباس عن علي "عليه‌السلام " قوله: أشياء لم أجد إلى تركهن سبيلاً.

إلى أن قال: وتزويج أمامة بنت زينب، أوصتني بها فاطمة "عليها السلام"(1) .

وفي بعض الروايات: أنها ولدت لعلي "عليه‌السلام " محمد الأوسط(2) .

قالوا: ولما جرح علي "عليه‌السلام " خاف أن يتزوجها معاوية، فأمر المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أن يتزوجها بعده.

فلما استشهد علي "عليه‌السلام "، وانقضت عدتها أرسل إليها معاوية يخطبها، فأرسلت إلى المغيرة تعلمه بذلك، فتزوجها المغيرة، فولدت له يحيى، وهلكت عنده(3) .

____________

1- كتاب سليم بن قيس ج2 ص870 وبحار الأنوار ج28 ص304.

2- راجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص89 وبحار الأنوار ج42 ص92 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص317 وإمتاع الأسماع ج6 ص292 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص122 والأنوار العلوية ص433 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص675.

3- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص20 والسيرة الحلبية ج2 ص452 ومجمع البحرين ج1 ص109 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص25 وعيون الأثر ج2 ص364 والإستيعاب ج4 ص1789 وأسد الغابة ج5 ص400 وراجع: ذخائر العقبى ص161 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص32 وعن تاريخ الأمم والملوك ج5 ص145 وأنساب الأشراف (تحقيق المحمودي) ج2 ص414.


ونقول:

إن لنا مع هذه النصوص وقفات عديدة، نذكر منها.

أمامة بنت أخت فاطمة(عليهما‌السلام):

تصف بعض الروايات أمامة بنت أبي العاص بأنها بنت أخت فاطمة "عليها السلام"، ويعلل النص المنسوب للزهراء "عليها السلام" طلبها من علي الزواج من أمامة بأنها بنت أختها، وتحن على ولديها.

والحال أننا قد أثبتنا في كتبنا: "القول الصائب"، وكتاب "بنات النبي أم ربائبه" وكتاب "ربائب النبي: قل هاتوا برهانكم"، وفي كتب أخرى: أن زينب زوجة أبي العاص بن الربيع لم تكن بنتاً للنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " على الحقيقة، وإنما نسبت إليه، لأنها تربت في بيته "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

فلعلها "عليها السلام" أطلقت عليها وصف الأخت بهذا الإعتبار..

علي (عليه‌السلام ) لم يجد للتخلص سبيلاً:

وقد لفت نظرنا: ما نسب إلى علي "عليه‌السلام "، من أنه لم يجد للتخلص من التـزويـج بأمامـة سبيلاً.. بسبب وصيـة الزهراء "عليها السلام"..

ونقول:

لا ندري لماذا يريد علي "عليه‌السلام " التخلص من هذا الأمر، ويلتمس السبل إلى ذلك، فلا يجدها؟! هل كان يرى أن الزهراء "عليها السلام" قد أخطأت في اختيارها لهذه الفتاة؟! أم أنه لم يكن بحاجة للزواج


لكن وصية فاطمة "عليها السلام" قد أجبرته عليه؟! وهل يمكن أن تخطئ الزهراء المعصومة؟!

أو أنها هل تتدخل فيما لا يعنيها، وتلزم الناس بما لم يكن المطلوب إلزامهم به؟!

الزبير يزوج أمامة:

وقد ذكر النص المتقدم: أن الزبير هو الذي زوّج علياً "عليه‌السلام " أمامة، لأن أباها كان قد أوصاه بها:

ونقول:

أولاً: إذا كان أبو العاص بن الربيع قد مات في السنة الثانية عشرة، والزهراء "عليها السلام" قد استشهدت قبل ذلك بسنة أو أكثر، فلماذا لا يخطب علي أمامة من أبيها مباشرة؟!.. ولماذا صبر إلى ما بعد وفاته حتى خطبها من الزبير، والحال أن الزهراء "عليها السلام" قد أوصته بالزواج منها، لحفظ أبنائها؟!

ومن الذي كان يهتم بأبناء الزهراء "عليها السلام" طيلة هذه المدة؟!

ثانياً: لنفترض: أنها كانت صغيرة في ذلك الوقت، فانتظرها إلى أن كبرت.. فبعد أن كبرت هل صارت عاقلة راشدة، أم لم تكن كذلك، فإن كانت عاقلة راشدة فلا حاجة لها إلى الزبير ليزوجها؛ لأنها تصبح مالكة لأمرها، ولا تحتاج في زواجها إلى إذن أحد، ولا ولاية لأحد عليها، بعد موت أبيها.


وإن لم تكن راشدة، فما حاجة أبناء الزهراء "عليها السلام" إليها، وإلى حنانها، بل يكونون هم قد كبروا، واستغنوا عنها وعن غيرها في نفس الوقت الذي تطويه هي للحصول على الرشد..

بل لقد كان لزينب العقيلة "عليها السلام"، فضلاً عن الحسنين "عليهما‌السلام " من العقل والرشد، ما يستغنون به عن جميع أهل الأرض، إن لم نقل: إن الناس يحتاجون إليهم في ذلك وسواه.

ولعل مقصود الراوي: أن الزبير كان وكيلاً عنها في إجراء صيغة النكاح الشرعي مع الإمام "عليه‌السلام ". ثم طور ذلك وحوره لكي يبدو أن علياً "عليه‌السلام " بحاجة إلى الزبير، وأن للزبير شيئاً من الفضل على أمير المؤمنين "عليه‌السلام ".

هل ولدت أمامة لعلي(عليه‌السلام) :

تقدم: أن بعض الروايات تقول: إن أمامة ولدت لعلي "عليه‌السلام " محمداً الأوسط..

غير أن ذلك غير مسلّم، فقد قيل: "إنها لم تلد لعلي، ولا للمغيرة"(1) .

أمامة تزوجت بعد علي(عليه‌السلام):

وكون زواج أمامة بالمغيرة بن نوفل بن عبد المطلب بأمر علي "عليه‌السلام " هو الآخر موضع شك وريب.

____________

1- الإصابة ج4 ص237.


فأولاً: قد روى ابن سعد، عن ابن أبي فديك؛ عن ابن أبي ذئب: أن أمامة بنت أبي العاص قالت للمغيرة بن نوفل:

إن معاوية خطبني.

فقال لها: أتتزوجين ابن آكلة الأكباد؟! فلو جعلت ذلك إليَّ!

قالت: نعم.

قال ابن أبي ذئب: فجاز نكاحه(1) .

ثانياً: إننا لا نرى أن علياً "عليه‌السلام " يتحدث مع أمامه في موضوع كهذا، ولا نظنه يحدد لها زوجاً بعده. لا سيما إذا كان ذلك يستبطن بعض الإحراج لذلك الرجل، الذي عينه لها، والذي قد لا يكون راغباً في زواج كهذا..

ثالثاً: صرح ابن شهرآشوب: بأن النسوة اللواتي توفي علي "عليه‌السلام " عنهن لم يتزوجن بعده، وهن: أُمامة، وأسماء بنت عميس، وأم البنين الكلابية، وليلى التميمية(2) .

____________

1- الإصابة ج4 ص237 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص26 ونيل الأوطار ج6 ص267 وفتح الباري ج9 ص162 وعمدة القاري ج20 ص124 وتغليق التعليق ج4 ص416 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص40 و 233 و 472.

2- مناقب آل أبي طالب ج3 ص305 و (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص90 وراجع: تفسير نور الثقلين ج4 ص299 و مطالب السؤول ص314 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكـوفي ج2 ص48 وتاريخ الأئمة (المجموعة) = = للكاتب البغدادي ص17والهداية الكبرى للخصيبي ص95 وبحار الأنوار ج42 ص92 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص336 والدر النظيم ص411 وكشف الغمة ج2 ص69 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص647 والأنوار العلوية ص450.


رابعاً: والأمر الأوضح والأصرح: قول ابن شهرآشوب عن أمامة نفسها: "وخطب المغيرة بن نوفل أمامة، ثم أبو الهياج بن سفيان بن الحارث، فروت عن علي "عليه‌السلام ": أنه لا يجوز لأزواج النبي والوصي أن يتزوجن بغيره بعده، فلم يتزوج امرأة ولا أم ولد بهذه الرواية"(1) .

فما يدعى من تزويج الإمام السجاد "عليه‌السلام " إحدى زوجات أبيه لبعض الناس، لا مجال لقبوله..

لماذا هذا العدد من النساء؟!:

وقد يتساءل البعض عن سبب كثرة النساء اللاتي تزوجهن علي أمير المؤمنين "عليه‌السلام ".

ونجيب بما يلي:

ألف: إن علياً "عليه‌السلام " قد عاش عدة سنوات مع الزهراء "عليها السلام"، ولم يتزوج غيرها إلا بعد أن استشهدت، تماماً كما عاش رسول الله

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص305 و (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص90 وبحار الأنوار ج42 ص92 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص336 ونور الثقلين ج4 ص299 والأنوار العلوية ص450.


"صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " سنوات كثيرة مع خديجة "عليها السلام"، ولم يتزوج غيرها إلا بعد وفاتها. وهذا الزواج فرضته ظروف، ولم يكن استجابة لداعي الشهوة، ولذلك لم يتخير "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " من النساء الفتيات الأبكار أو الجميلات، بل كن ثيبات أو عجائز لكل واحدة منهن قصة وظرف خاص بها.

ب: إن الزواج بعدد من النساء لا ينحصر بعلي "عليه‌السلام "، ولا بالنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، فإن عمر قد تزوج بالعديد من النساء، ومنهن كما قيل:

1 ـ زينب بنت مظعون.

2 ـ أم كلثوم بنت علي (عقد عليها ولم يدخل بها، وكان ذلك آخر عمره في ظروف ذكرناها في كتاب لنا باسم "ظلامة أم كلثوم".. فراجع).

3 ـ أم كلثوم بنت جرول.

4 ـ جميلة بنت ثابت.

5 ـ لهية (أم ولد) امرأة من اليمن(1) .

6 ـ أم ولد هي أم عبد الرحمن بن الأصغر بن عمر.

7 ـ أم حكيم بنت الحارث.

8 ـ فكيهة (أم ولد).

9 ـ عاتكة بنت زيد.

10 ـ عاصية (أو جميلة) أم عاصم بن عمر(2) .

____________

1- راجع: الكامل في التاريخ ج3 ص54.

2- تاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص654 و 655 والكامل في التاريخ ج3 ص53 و 54 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص265 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص274 والوافي بالوفيات للصفدي ج22 ص285 والبداية والنهاية ج7 ص156 و 157 وإمتاع الأسماع ج6 ص213 و 214.


11 ـ مليكة بنت جرول. وربما تكون هي أم كلثوم بنت جرول..

12 ـ قرينة بنت أبي أمية.

والنساء اللاتي تزوجهن عثمان:

1 ـ رقية (ربيبة رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ").

2 ـ أم كلثوم (ربيبة رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ").

3 ـ فاختة بنت غزوان.

4 ـ أم عمرو بنت جندب.

5 ـ فاطمة بنت الوليد.

6 ـ أم البنين بنت عيينة.

7 ـ رملة بنت شيبة.

8 ـ نائلة بنت الفرافصة.

9 ـ أم ولد ولدت لعثمان بنتاً اسمها أم البنين(1) .

____________

1- تاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص952 و 953 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص54 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج3 ص185.


والنساء اللائي ولدن لأبي بكر هن كما عند ابن الأثير:

1 ـ قتيلة بنت عبد العزى.

2 ـ أم رومان.

3 ـ أسماء بنت عميس.

4 ـ حبيبة بنت خارجة(1) .

ج: إن للإقدام على الزواج من هذه المرأة أو تلك أسباباً مختلفة، قد يكون من بينها السعي للبر بتلك المرأة، وحفظها من أن يعضها الدهر بأنياب الحاجة، و صونها من أن تقع في قبضة رجل فاجر، لا يراعي فيها أحكام الله وشرائعه.

وقد يكون السبب هو حفظ أنفس، ورعاية حقوق لا بد له من حفظها ورعايتها، وقد يكون هو موافاة الأجل لزوج هذه أو تلك، ولا بد من الجليس والأنيس.. وقد يكون السبب هو انجاب ذرية صالحة.. وقد يكون السبب غير ذلك..

د: لكن المهم هو مراعاة أحكام الله فيهن، وحفظ حدوده، والإلتزام بشرائعه، ومعاملتهن بما يقتضيه الخلق الرضي، والواجب الإنساني. ولا يتوهم في حق أمير المؤمنين "عليه‌السلام " سوى هذا..

____________

1- الكامل في التاريخ ج2 ص420 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص169 والمعارف لابن قتيبة ص172 و 173 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص616 ووفيات الأعيان ج3 ص69 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص251.



الفصل الثامن:

أولاد أمير المؤمنين (عليه‌السلام )..



هؤلاء أولاد أمير المؤمنين(عليه‌السلام):

وقد اختلفوا في عدد أولاد أمير المؤمنين "عليه‌السلام "، فقيل: سبعة وعشرون(1) .

وقيل: ثمانية وعشرون(2) .

وقيل: ثلاثة وثلاثون(3) .

____________

1- الإرشاد للمفيد ج1 ص354 وبحار الأنـوار ج42 ص89 والمستجـاد من الإرشـاد (المجموعة) ص138 والعمدة لابن البطريق ص29 وإعلام الورى ج1 ص395 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص67.

وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص641 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص115.

2- تاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص18 والإرشاد للمفيد ج1 ص355 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص140 وبحار الأنوار ج42 ص90 وإعلام الورى ج1 ص396 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص67.

3- تاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص18 وتذكرة الخواص ص57.


وقيل: أربعة وثلاثون(1) .

وقيل: خمسة وثلاثون(2) .

وقيل: تسعة وثلاثون(3) .

ولعل سبب الإختلاف هو اختلاط الأسماء بالألقاب والكنى..

ومهما يكن من أمر، فإن أولاده "عليه‌السلام " من السيدة الزهراء "عليها السلام"، خمسة، هم:

1 ـ الإمام الحسن "عليه‌السلام ".

2 ـ الإمام الحسين "عليه‌السلام ".

3 ـ زينب "عليها السلام".

4 ـ أم كلثوم "رضوان الله تعالى عليها".

5 ـ المحسن(4) ، الذي قتل أو أسقط في الهجوم على بيت الزهراء

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص20 وتاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص18 وعمدة الطالب لابن عنبة ص63 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص115.

2- ينابيع المودة للقندوزي ج3 ص147 وعمدة الطالب لابن عنبة ص63.

3- تهذيب الكمال ج20 ص479 والوافي بالوفيات للصفدي ج21 ص185 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص115.

4- ضبط بالتشديد ـ كما ذكره ابن حجر في الإصابة ج3 ص471 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج6 ص191 وفي بعض المصادر بالتخفيف.


"عليها السلام"، فور استشهاد أبيها رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وهناك أربعة أولاد من فاطمة بنت حزام الكلابية (أم البنين)، وهم:

1 ـ العباس.

2 ـ عثمان.

3 ـ عبد الله.

4 ـ جعفر.

وهؤلاء الأربعة قد استشهدوا جميعاً في كربلاء..

وهناك أبو بكر وعبيد الله. أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية، استشهدوا أيضاً في كربلاء مع الإمام الحسين "عليه‌السلام ".

ومحمد الأصغر، أمه أم ولد، واسمها زرقاء(1) ، استشهد أيضاً مع الإمام الحسين "عليه‌السلام " في كربلاء.

ويحيى وعون، أمهما أسماء، بنت عميس.

ومحمد بن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر بن قيس.

ومحمد الأوسط، وأمه أمامة.

____________

1- كما في أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص102. وراجع: مقاتل الطالبيين ص56 وبحار الأنوار ج45 ص39 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص20 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص49 والإرشاد للمفيد ج2 ص155 وذخائر العقبى ص117.


وعمر، وأمه الصهباء التغلبية(أم حبيب) ولعل هناك ولداً آخر، اسمه عمر استشهد بالطف مع الإمام الحسين "عليه‌السلام "(1) .

ويلاحظ كثرة ابناء علي "عليه‌السلام " الذين استشهدوا مع الإمام الحسين "عليه‌السلام " في كربلاء.

وأما البنات.. فهن:

رقية، وأم الحسن، وأم هاني، وفاطمة، وزينب الصغرى، وميمونة، ونفيسة، وخديجة، وأمامة، ورملة الكبرى، وجمانة، وأم سلمة، ورقية الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، ورملة الصغرى، وأم الكرام، وأم جعفر، ويمكن إضافة سكينة(2) إلى بناته "عليه‌السلام ".

____________

1- راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص28 و 29 وذخائر العقبى ص117 وراجع: أنساب الأشراف ج2 ص103 والمجدي في أنساب الطالبين ص8 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص117 والهداية الكبرى ص95 وسر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري ص95 ومستدركات علم رجال الحديث ج6 ص101.

2- راجع: وسائل الشيعة(ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص227 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص168 ومستدرك الوسائل ج2 ص37 وجامع أحاديث الشيعة ج2 ص473 وج20 ص294 والأمالي للطوسي ص367 وبحار الأنوار ج43 ص179 وج101 ص45 وراجع: دلائل الامامة ص146 والدر النظيم ص457 والأنوار البهية ص62 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص387 وج8 = = ص213 ومستدركات علم رجال الحديث ج8 ص596 واللمعة البيضاء للتبريزي ص860 وبيت الأحزان ص182.


وهناك خصوصيات كثيرة ترتبط بهؤلاء الذكور والأناث منهم على حد سواء، كما أن هناك اختلافات بالنسبة لبعضهم. أضربنا عن ذكرها لتوفير الفرصة لما هو أهم، ونفعه أعم..

غير أننا نشير هنا إلى الأمور التالية:

علي(عليه‌السلام) يسمي أولاده باسم مناوئيه:

قد يقال: إذا كان أبو بكر وعمر وعثمان قد هاجموا بيت الزهراء "عليها السلام"، وارتكبوا في حق علي "عليه‌السلام " والزهراء "عليها السلام" ما هو معلوم، وسيأتي شطر منه.. فكيف يسمي علي "عليه‌السلام " أولاده بأسمائهم؟!

ألا يدل ذلك على حبه لهم، وعلى عدم صحة ما يدعى من هجومهم على بيت الزهراء "عليها السلام"، وضربها وإسقاط جنينها، وما إلى ذلك؟!

ويجاب بما يلي:

أولاً: إن تسمية إنسان ولده باسم شخص مع العلم بأنه قاصد لذلك، لا تكشف عن محبته لذلك الشخص إلا إذا ثبت بالتصريح منه، أو بأن يطلع الله تعالى أنبيائه على أن سبب تسميته باسمه هو حبه له، ولا شيء غير ذلك.. مثل تحاشي التعرض لبعض المشكلات، أو الطمع في الحصول على بعض الإمتيازات.. أو نحو ذلك.


ثانياً: قد يكون السبب في التسمية باسم بعينه هو استلطاف ذلك الاسم، وإن كان لا يُستَلْطَفُ بعض من سمي به، فنحن مثلاً لا نحب الظالمين والمنحرفين، حتى لو كان اسمهم محمد، وعلي، وياسر.. ولكننا نسمي أولادنا بهذه الأسماء، لأنها تدغدغ مشاعرنا، من جهات أخرى..

ثالثاً: من الذي قال: إن علياً "عليه‌السلام " قد سمى ولده عمر، حباً بالخليفة عمر بن الخطاب؟! فلعله سماه بهذا الاسم حباً بعمر بن أبي سلمة، ربيب الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، الذي شهد حرب الجمل مع علي "عليه‌السلام "، وكان عامله على البحرين، وعلى فارس. وكان من ثقاته وكان يحبه(1) ..

بل ما أكثر اسم عمر بين الصحابة، وكذلك الحال في سائر الأسماء(2) .

رابعاً: قال ابن شبة النميري: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " قال: ولد لي غلام يوم قام عمر، فغدوت عليه فقلت

____________

1- راجع ترجمته في: الإستيعاب ج3 ص1159 وأسد الغابة ج4 ص79 وتهذيب الكمال ج21 ص374 والإصابة ج4 ص487 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص173 والإكمال في أسماء الرجال ص126 وراجع: جامع الرواة للأردبيلي ج1 ص630 والدرجات الرفيعة ص197 ومستدركات علم رجال الحديث ج6 ص73 ومعجم رجال الحديث ج14 ص17 وتاريخ بغداد ج1 ص207.

2- راجع الإصابة، وأسد الغابة، والإستيعاب.. وغير ذلك.


له: ولد لي غلام هذه الليلة.

قال: ممن؟!

قلت: من التغلبية.

قال: فهب لي اسمه.

قلت: نعم.

قال: فقد سميته باسمي، ونحلته غلامي موركاً.

قال: وكان نوبياً.

قال: فأعتقه عمر بن علي بعد ذلك. فولده اليوم مواليه(1) .

خامساً: ورد: أن علياً "عليه‌السلام " قال عن سبب تسميته لولده بعثمان: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون(2) .

سادساً: بالنسبة لأبي بكر ابن أمير المؤمنين نقول:

قيل: هذه كنية لمحمد الأصغر(3) ، ابن أمير المؤمنين "عليه‌السلام ".

____________

1- تاريخ المدينة لابن شيبة ج2 ص755. وراجع: كتاب الأغاني.

2- مقاتل الطالبيين ص84 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ص55 وقاموس الرجال ج6 ص287 عنه، وبحار الأنوار ج31 ص307 وج45 ص38 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص294 وإبصار العين في أنصار الحسين "عليه‌السلام " ص68.

3- الإرشاد ج1 ص354 والعمدة لابن البطريق ص30 وتاج المواليد (المجموعة) = = ج1 ص95 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص139 وبحار الأنوار ج42 ص89 والتنبيه والإشراف ص258 وإعلام الورى ج1 ص396 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص67 والفصول المهمة ج1 ص643 والأنوار العلوية ص447.


وقيل: هو كنية لعبد الله [أو عبيد الله] بن أمير المؤمنين(1) .

وقال أبو الفرج: أبو بكر بن علي بن أبي طالب، لم يعرف اسمه(2) .

وليس ثمة ما يدل على: أن علياً "عليه‌السلام " هو الذي كنى ولده بها.. فلعل ذلك الولد هو الذي تكنَّى بهذه الكنية، ولعل غيره كناه بها لسبب، أو لآخر..

وقد أشرنا سابقاً: إلى أن هناك نصوصاً تؤكد على: أن الأمهات كنَّ يسمين أولادهن، ويخترن الأسماء التي تروق لهن، كأسماء الآباء أو الإخوة، أو غير ذلك، وتقدمت طائفة من شواهد ذلك في فقرة: تسمية علي "عليه‌السلام "، فراجع.

____________

1- راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص28 وإبصار العين في أنصار الحسين "عليه‌السلام " ص70.

2- مقاتل الطالبيين ص86 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ص56 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص236 وأعيان الشيعة ج2 ص302 و 303.


نتيجة ما سبق:

وبذلك كله يعلم: أنه لا مجال للقول على سبيل الحتم والجزم، بأن الإمام علياً "عليه‌السلام "، هو الذي سمى أبناءه من غير الزهراء "عليها السلام"، بهذا الاسم أو ذاك..

أما أبناء السيدة الزهراء "عليها السلام"، فقد سماهم رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، كما يعلم بالمراجعة.

وبذلك يعلم أيضاً: أن قول بعضهم: إن الإمام علياً "عليه‌السلام " أراد بتسميته أولاده بهذه الأسماء أن يؤكد على الوحدة بين المسلمين، لأنها موافقة لأسماء الخلفاء الثلاثة غير ظاهر الوجه.. ولا سيما مع النصوص التي حددت أسباب تلك التسميات.

بالإضافة إلى أنه يمكن أن تثار احتمالات أخرى حول سبب ذلك مما قدمناه وسواه، كأن يقال:

إنه "عليه‌السلام " أراد أن يفهم الناس: أن الأسماء ليست حكراً على أحد، وأنه إذا كان ثمة من اعتراض، فإنما هو على الأفعال، بالدرجة الأولى.

فإذا ما اضطر أحد إلى التسمية بهذا الاسم أو بذاك. فلا حرج عليه في ذلك..

وفي غير هذه الصورة، فإن الإقتصار على الأسماء التي سمّى بها رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " هو الأولى، والأجدر.


إهانة للعباس بن علي(عليه‌السلام):

تقدم: أن أبناء علي "عليه‌السلام " من أم البنين فاطمة بنت حزام قد استشهدوا في كربلاء، وكان العباس ـ وهو أكبرهم ـ آخر من استشهد منهم، فذكر أبو الفرج: أن العباس قال لأخيه عبد الله: تقدم بين يديَّ حتى أراك، وأحتسبك، فإنه لا ولد لك. فتقدم، فاستشهد..

ثم إن العباس قدم أخاه جعفر بين يديه، لأنه لم يكن له ولد، ليحوز ولد العباس بن علي من ميراثه. فتقدم، فاستشهد(1) .

ثم قال أبو الفرج عن عباس: "وهو آخر من قتل من إخوته لأمه وأبيه، لأنه كان له عقب، ولم يكن لهم. فقدمهم بين يديه، فقتلوا جميعاً؛ فحاز مواريثهم، ثم تقدم فقتل، فورثهم وإياه عبيد الله، ونازعه في ذلك عمه عمر بن علي، فصولح على شيء رضي به"(2) .

ونقول:

أولاً: إذا كان لواء الإمام الحسين "عليه‌السلام " بيد العباس كما صرح به أبو الفرج نفسه(3) ، وصرح به الإمام الحسين "عليه‌السلام " أيضاً، وهو

____________

1- راجع: مقاتل الطالبيين ص82 و 83 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ص54 وبحار الأنوار ج45 ص38 والعوالم (الإمام الحسين "عليه‌السلام ") للشيخ عبد الله البحراني ص282 وإبصار العين في أنصار الحسين "عليه‌السلام " ص67.

2- مقاتل الطالبيين ص84 و (ط المكتبة الحيدرية ـ سنة 1385هـ) ص55.

3- مقاتل الطالبيين ص85 و (ط المكتبة الحيدرية ـ سنة 1385هـ) ص56.


المعهود من أصحاب الألوية وحامليها وقادتهم، فلماذا لا يكون السبب في تقديمه إخوته هو: أن يبقي لواء الحسين "عليه‌السلام " مرفوعاً إلى آخر برهة يمكنه فيها ذلك؟!

ثانياً: من أين علم أبو الفرج: أنه "عليه‌السلام " قد رغب بحيازة أولاده ميراث إخوته، فإن ذلك من النوايا التي لا يطَّلع عليها إلا الله تعالى؟! ولم يعش العباس بعدهم فترة يمكن أن يلتقي بها بأحد من الناس، ويخبرهم بنواياه هذه.

ثالثاً: قول العباس لعبد الله: "فإنه لا ولد لك" ـ لو صح ـ فهو لا يدل على ما زعمه، إذ لعل مقصوده: أن إقدام أخيه على الإستشهاد لن يكون في صعوبته بمستوى من له أولاد، كما أن الفاجعة به تكون أهون من الفاجعة بغيره..

رابعاً: ألا يعد قول العباس لأخيه: "فإنه لا ولد لك" من موجبات الأذى لأخيه، حيث إنه سوف يشعره ذلك بأنه باستشهاده ينقطع أثره، ويزول ذكره؟!

وهل يصدر هذا الأذى من خصوص أخيه العباس في مثل هذه الساعة، وهذا الموقف؟!

خامساً: هل صحيح أن العباس يفكر بهذه الطريقة في هذه اللحظات بالذات؟! وألا يشعر الإنسان بعدم الإنسجام بين هذا الطمع، أو فقل هذا التفكير بالدنيا وبين قوله لأخيه: أراك، واحتسبك؟!.

سادساً: لماذا ينازع عمر بن علي ورثة العباس فيما وصل إليهم من


أبيهم، فإن عمر لا يرث من إخوة العباس لأبيه وأمه شيئاً..

سابعاً: لماذا نازعهم عمر بن علي فقط ذلك، ولم ينازعهم أيضاً محمد بن الحنفية، بالإضافة إلى سائر بنات علي وأبنائه الذين كانوا بعد كربلاء على قيد الحياة؟!

سكينة بنت علي(عليه‌السلام):

ويمكن عدَّ سكينة في جملة بنات أمير المؤمنين "عليه‌السلام ".

ويدل على وجودها ما يلي:

1 ـ روى الشيخ الطوسي "رحمه‌الله " في كتابه الأمالي، عن أبي الفتح هلال بن محمد بن جعفر، عن أبي القاسم إسماعيل بن علي، عن أبيه علي بن علي بن رزين، أخي دعبل بن علي الخزاعي رضي الله عنه، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي "صلوات الله عليهم"، قال:

"أُدخِل على أختي سكينة بنت علي "عليه‌السلام " خادم، فغطت رأسها منه.

فقيل لها: إنه خادم.

قالت: هو رجل ومنع شهوتَه(1) .

____________

1- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص227 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص168 والأمالي للطوسي ص336 و 367 وبحار الأنوار ج101 ص45 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص294 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص387.


وضعف سند الرواية بهلال الحفار لا يعني كذب مضمونها.. لا سيما وأننا لا نرى مصلحة ولا داعياً لأحد في اختلاق بنت لأمير المؤمنين "عليه‌السلام "، لا من ناحية مذهبية، ولا قبلية، ولا سياسية، ولا غير ذلك..

وأما نقل الإمام الحسين "عليه‌السلام " هذا الحديث عن أخته، فلعله لإظهار فضلها، وشدة إحتياطها لدينها، لا لأجل أنه "عليه‌السلام " قد تعلّم منها هذا الحكم..

2 ـ عن محمد بن جرير الطبري، عن أبي عبد الله الحسين بن إبراهيم (ابن الخياط)، عن أبي الحسن علي بن محمد بن جعفر العسكري، عن صعصعة بن سياب بن ناجية أبي محمد، عن زيد بن موسى، عن أبيه "عليه‌السلام "، عن أبيه جعفر بن محمد "عليه‌السلام "، عن أبيه "عليه‌السلام "، عن عمه (أي عن عم جعفر "عليه‌السلام ") زيد بن علي، عن أبيه "عليه‌السلام "، عن سكينة وزينب ابنتي علي، عن علي "عليه‌السلام " قال: قال رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": إن فاطمة خلقت حورية في صورة إنسية، وإن بنات الأنبياء لا يحضن(1) .

وضعف سند الرواية أيضاً لا يعني كذب مضمونها، لا سيما وأن

____________

1- دلائل الإمامة للطبري ص145 ـ 146 وبحار الأنوار ج78 ص112 ومستدرك الوسائل ج2 ص37 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص387 والدر النظيم ص457 وجامع أحاديث الشيعة ج2 ص473.


المضمون مروي بروايات كثيرة أخرى.

ورواية الإمام الباقر "عليه‌السلام " عن زيد، ثم رواية الإمام السجاد "عليه‌السلام " عن عمته زينب وسكينة، قد يكون المقصود منه الإعلان بفضل زيد، وبمقام وفضل زينب وسكينة.

3 ـ نقل العلامة المجلسي "رحمه‌الله " من بعض الكتب خبراً قال: إنه لم يأخذه من أصل يعول عليه، وهو:

أن ورقة بن عبد الله الأزدي طلب من فضة خادمة السيدة الزهراء "عليها السلام" أن تحدثه بحديث وفاة فاطمة الزهراء "عليها السلام"، فحدثته به..

إلى أن قالت: إن علياً "عليه‌السلام " قال: "وكفنتها، وأدرجتها في أكفانها، فلما هممت أن أعقد الرداء، ناديت: يا أم كلثوم، يا زينب، يا سكينة، يا فضة، يا حسن، يا حسين، هلموا، تزودوا من أمكم، فهذا الفراق، واللقاء في الجنة الخ.."(1) .

ويمكن أن يعترض على هذه الرواية:

أولاً: بأن المجلسي "رحمه‌الله " قد صرح بأنه لم ينقلها من الكتب

____________

1- بحار الأنوار ج43 ص179 والأنوار البهية ص62 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص213 ومستدركات علم رجال الحديث ج8 ص596 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص860 وبيت الأحزان ص182.


المعتمدة(1) .

ثانياً: ذكر سكينة هنا لا يدل على أنها من بنات علي "عليه‌السلام "، بدليل ذكر فضه أيضاً، فلعل سكينة خادمة مثل فضة، أو لعلها كانت ضيفة عليهم، أو ربيبة. وقد ناداها "عليه‌السلام " لإظهار مزيد اهتمامه بها..

ونجيب:

ألف: إن عدم نقل الرواية من الكتب المعتمدة لا يعني فقد الرواية للإعتبار، فهناك روايات كثيرة لم تنقل من الكتب، وقد اعتمد عليها علماؤنا. وليكن هذا الخبر بمثابة خبر مرسل، فإن إرساله لا يعني أنه مكذوب ومختلق.

ب: إن ذكر فضة لا يضر، لمعلومية كون فضة خادمة عند الخاص والعام، وقد ذكرت مع الأبناء لشدة اختلاطها بهم، واعتبارها كأحدهم.

ج: إحتمال أن تكون سكينة ضيفاً، ثم يناديها "عليه‌السلام " في جملة من ناداه من أبناء الزهراء "عليها السلام".. بعيد، فإن الضيف يحتاج لكي ينادى للتزود من الزهراء،باعتبارها أماً، إلى مزيد من الخلطة ورفع الكلفة، حتى تصبح الزهراء "عليها السلام" بمثابة الأم لها..

واحتمال كونها ربيبة، يحتاج إلى شاهد يشير إلى وجود ربائب لدى الزهراء "عليها السلام" قبل وفاتها، وهو مفقود.

وكذلك الحال بالنسبة لاحتمال كونها خادمة.. فإن النصوص قد ذكرت فضة وسواها بهذه الصفة.. فلماذا لم نعثر على ذكر لخادمة للزهراء

____________

1- بحار الأنوار ج43 ص174.


"عليها السلام" بهذا الإسم؟!

على أن جميع هذه الإحتمالات تقضي أن يصرح الراوي بهذه الخصوصية التي سوغت مناداتها.

4 ـ قد أورد إبرهيم بن محمد الأسفراييني الشافعي، في كتابه المسمى بـ: "نور العين في مشهد الحسين" اسم سكينة في عدد من المواضع، وهي تكلم أخاها، أو يكلمها أخوها الإمام الحسين "عليه‌السلام "، أو أنها تتصرف وتساهم في صنع الأحداث(1) .

فإنه حتى لو كان الأسفراييني قد أطلق العنان لخياله، للمبالغة في تصوير واقعة كربلاء، فإنه يتقيد عادة بذكر الشخصيات الرئيسية، ولا يحاول الإبتداع لها، والتزوير فيها، لأن من الطبيعي أن يقتصر المزور على الشخصيات الحقيقية، ثم يحاول التزوير والتمرير في جهات خفية.. تحت طوفان من الكلمات الرنانة، والتصويرات الخادعة..

5 ـ أشار علماء الرجال إلى وجود سكينة بنت علي أيضاً، فقد قال أبو حاتم والبخاري: "سالم أبو العلاء مولى إبراهيم الطائي، سمع أبا صالح، سمع سكينة بنت علي، عن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " مرسل. سمع منه عبد الصمد"(2) .

وهذا يعطي: أن الحديث عن سكينة بنت علي موجود عند السنة

____________

1- نور العين في مشهد الحسين "عليه‌السلام " راجع: ص7 إلى 15.

2- التاريخ الكبير للبخاري ج4 ص110 والجرح والتعديل ج4 ص191.


والشيعة على حد سواء..

إلا أن يُدَّعى: أن المقصود هو سكينة بنت علي آخر غير الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام ".. وهذا يحتاج إلى شاهد، ولو أخذنا بهذا الاحتمال لكان على من يذكرها أن يذكر ما يميزها، ويمنع من الإشتباه.

متى ولد ابن الحنفية؟!:

وزعموا: أن محمد بن علي "عليه‌السلام " (ابن الحنفية) ولد في خلافة أبي بكر، وبالذات "في العام الذي مات فيه أبو بكر"(1) .

غير أننا نشك في صحة ذلك، فقد ذكروا: أنه "رحمه‌الله " قد حمل اللواء يوم الجمل وهو ابن تسع عشرة سنة(2) .

____________

1- راجع: سير أعلام النبلاء ج4 ص111 وتاريخ مدينة دمشق ج54 ص323.

2- الجمل للمفيد ص356 و 359 و (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص190 و 182 و 186 و 189 و 192 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص43 و 241 و 243 و 245 والطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص93 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص514 والمناقب للخوارزمي ص186 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج2 ص473 وفضائل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لابن عقدة ص87 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص485 وتاريخ خليفة بن خياط ص138 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص128 ورسائل المرتضى ج3 ص264 والسرائر لابن إدريس الحلي ج3 ص238 ومستدرك الوسائل ج11 ص53 و 86 والأمالي للمفيد ص24 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج3 ص185 وبحار الأنوار ج32 ص187 و 195 و 268 وج97 ص39 وشجرة طوبى ج2 ص320 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص98 و 115 و 116 و 127 وقاموس الرجال للتستري ج9 ص244 والتاريخ الكبير للبخاري ج5 ص56 وج8 ص343 وأنساب الأشراف ص241.


وحرب الجمل كانت في سنة خمس وثلاثين للهجرة، فإذا أنقصنا منها تسع عشرة سنة، فإن ولادة ابن الحنفية تكون في السنة السادسة عشرة من الهجرة..

وأبو بكر توفي في السنة الثالثة عشرة، في جمادى الآخرة..

ابن الحنفية لم يشهد كربلاء:

ثم إن من المعروف: أن محمد بن الحنفية لم يشهد كربلاء(1) . وقد حاول بعضهم الطعن فيه استناداً إلى ذلك.

ونقول:

إن ذلك لا يعد طعناً على ابن الحنفية، وذلك لما يلي:

ألف: روى أبو العباس المبرد: أنه قد جيء بدرع لأمير المؤمنين "عليه‌السلام "، فطلب منه أن يقصرها، فأخذها وجمعها بكلتا يديه، وجذبها فقطع الزائد من الموضع الذي حدّه له أبوه(2) .

____________

1- سير أعلام النبلاء ج4 ص114 والطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص100 وأنساب الأشراف ج5 ص317 وتاريخ مدينة دمشق ج54 ص338.

2- الكامل في الأدب لأبي العباس المبرد ج3 ص266 والوافي بالوفيات للصفدي ج4 ص76 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص59 والدر النظيم ص439 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص130 وربيع الأبرار ج3 ص325.


قالوا: فأصابته عين بسبب ذلك. فخرج بيده خرّاج، وعطل يده(1) .

وقال ابن نما: أصابته قروح من عين نظرت إليه، فلم يتمكن من الخروج مع الحسين "عليه‌السلام "(2) .

وقال العلامة الحلي في أجوبة المسائل المهنائية: نقل أنه كان مريضاً(3) .

ب: قيل إن الإمام الحسين "عليه‌السلام " أمره بأن يبقى في المدينة ليكون له عيناً، ويخبره بكل ما يكون منهم، حيث قال له: وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً عليهم، لا تخفي عني شيئاً من أمورهم(4) .

وهذه الرواية لا تنافي سابقتها، فإن من تعطلت يده يستطيع أن يكون عينا للإمام الحسين "عليه‌السلام " في المدينة.

هذا..وقد روي عن علي "عليه‌السلام " قوله: إن المحامدة تأبى أن

____________

1- زهر الربيع (ط دار العماد) ص489.

2- أخذ الثأر لابن نما ص81.

3- أجوبة المسائل المنهائية ص38 بحار الأنوار ج42 ص110 والأنوار العلوية ص438.

4- الفتوح لابن أعثم ج5 ص32 وبحار الأنوار ج44 ص329 والعوالم (الإمام الحسين "عليه‌السلام ") للشيخ عبد الله البحراني ص178.


يعصى الله عز وجل.

قلت: ومن المحامدة؟!

قال: محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أمير المؤمنين "عليه‌السلام "(1) .

وهذا يدل على أنه لو كان محمد يستطيع نصر أخيه لم يتأخر عن ذلك.

____________

1- إختيار معرفة الرجال للطوسي ص70 و (ط مؤسسة آل البيت "عليهم السلام" لإحياء التراث سنة 1404هـ) ج1 ص286 (125) ومنتهى المقال ج5 ص293 ونقد الرجال للتفرشي ج4 ص97 وجامع الرواة للأردبيلي ج2 ص45 ومستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج6 ص374 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج15 ص247 وقاموس الرجال للتستري ج9 ص19 وج9 ص158 و 243 وبحار الأنوار ج33 ص242 وج34 ص282 والغارات للثقفي ج2 ص752.


ملحق الفصل الثامن

رقم (1)



الحنفية ليست من سبي أبي بكر:

أن أم محمد ابن الحنفية كانت سبيّة من سبايا الردة، قوتل أهلها على يد خالد بن الوليد لمّا ارتدت بنو حنيفة، وادَّعت نبّوة مسيلمة.

وقالوا: إن أبا بكر دفعها إلى علي "عليه‌السلام " من سهمه في المغنم(1) .

وقد اختلفوا فيها: هل هي أمة لبني حنيفة سوداء سنديّة؟!(2)

أم هي عربية من بني حنيفة أنفسهم؟!

____________

1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص244 وبحار الأنوار ج42 ص99 وسير أعلام النبلاء ج4 ص110 والطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص91 والمنتخب من ذيل المذيل ص117 ووفيات الأعيان لابن خلكان ج4 ص169 وقاموس الرجال ج9 ص246 وأعيان الشيعة ج1 ص433 وتاريخ مدينة دمشق ج54 ص323 والمجموع للنووي ج19 ص239 والبداية والنهاية ج7 ص368.

2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص66 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص58 وذخائر العقبى ص117 وتاريخ مدينة دمشق ج54 ص323 وسير أعلام النبلاء ج4 ص114 والمعارف ص210 والمنتخب من ذيل المذيل ص117 ووفيات الأعيان ج4 ص169 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص183.


الإستدلال على خلافة أبي بكر:

وانطلاقاً مما تقدّم، حاول البعض أن يتخذ من ذلك دليلاً على صحة خلافة أبي بكر.

يقول السمعاني: "كانت من سبي بني حنيفة، أعطاها إيّاه (كذا) أبو بكر الصديق، ولو لم يكن إماماً لما صحّ قسمته، وتصرّفه في خمس الغنيمة، وعلي "عليه‌السلام " أخذ خولة، وأعتقها، وقد تزوج بها"(1) .

كما أن ابن الجوزي جعل ما يذهب إليه الرافضة في أبي بكر من أعجب التغفيل، بعد أن كانوا يعلمون باستيلاده الحنفية من سبيه. الأمر الذي يدل على رضاه ببيعته..(2) .

ونقول:

لاحظ ما يلي:

أهل السنّة في غنى عن هذا الإستدلال:

واستدلال هؤلاء بهذا الدليل غريب وعجيب:

1 ـ فإن صحة سبي المشرك، وصحة بيعه وشرائه، والإستيلاء عليه لا تتوقف على أن يكون السابي له عادلاً، أو حاكماً، أو خليفة، بل وحتى مسلماً أيضاً، إذ يجوز ذلك حتى ولو سباه مشرك مثله، أو سباه غير الحاكم، وغير

____________

1- الأنساب للسمعاني ج4 ص299 و 300 و (ط دار الجنان) ج2 ص281.

2- أخبار الحمقى والمغفلين (بتحقيق الخاقاني ـ ط سنة 1386هـ) ص99 ـ 100.


الخليفة، ولا دلالة فيه على صحة خلافة أحد.

2 ـ إن من يجوّز خلافة كل متغلب، ويرى وجوب طاعته، والإيتمار بأوامره، وعدم جواز الخروج، بل ولا الإعتراض عليه، وصحة كل تصرفاته.. كما هو مذهب هؤلاء المستدلين أنفسهم لا يفيده أخذ علي من سبي أبي بكر لإثبات مشروعية خلافته.. ولا يدل ذلك على تبرئة أبي بكر من غاصبيته لمقام ليس له.

ولعله لأجل هذا بعينه لم يرتض الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، المعلق على أنساب السمعاني، هذا الإستدلال. حيث قال: ".. أهل السنّة في غنى عن مثل هذا الإستدلال"(1) .

الحنفية من سبي بني أسد!!:

ونزيد على ما تقدم: أن كون الحنفية من سبي أبي بكر غير معلوم، بل نكاد نقطع بخلافه، وذلك استناداً إلى الأمور التالية:

1 ـ قال المعتزلي: "وقال قوم، وهم المحققون، وقولهم الأظهر: إن بني أسد أغارت على بني حنيفة في خلافة أبي بكر الصديق، فسبوا خولة بنت جعفر، وقدموا بها المدينة، فباعوها من علي "عليه‌السلام ".

وبلغ قومها خبرها، فقدموا المدينة على علي "عليه‌السلام "، فعرفوها، وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها، ومهرها وتزوجها، فولدت له محمداً،

____________

1- الأنساب للسمعاني ج4 هامش ص290.


فكنّاه أبا القاسم..

وهذا القول هو اختيار أحمد بن يحيى البلاذري في كتابه المعروف بـ: (تاريخ الأشراف)"(1) .

وقد ذكر البلاذري عن علي بن المغيرة الأثرم، وعباس بن هشام الكلبي نحو ما تقدم.. ثم قال: "وهذا أثبت من خبر المدائني"(2) .

ولكن نص رواية الكلبي عن خراش بن إسماعيل كما يلي: إن خولة سباها قوم من العرب في خلافة أبي بكر، فاشتراها أسامة بن زيد بن حارثة، وباعها من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه‌السلام "، فلما عرف أمير المؤمنين صورة حالها أعتقها، وتزوجها، ومهرها.

وقال ابن الكلبي: من قال: إن خولة من سبي اليمامة فقد أبطل(3) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص244 و 245 وقاموس الرجال ج8 ص160 و(ط مركز النشر الإسلامي سنة 1419 هـ) ج9 ص246 وأنساب الأشراف ص210 وبحار الأنوار ج42 ص99 وأعيان الشيعة ج1 ص433 وج9 ص435 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص27 وتنزيه الأنبياء للمرتضى "رحمه‌الله " ص191.

2- أنساب الأشراف (تحقيق المحمودي ـ ط مؤسسة الأعلمي سنة 1394هـ) ج2 ص201.

3- عمدة الطالب لابن عنبة ص352 و 353 والمجدي في أنساب الطالبين ص14 والمنمق ص410.


ولكن الحقيقة هي: أن ما ذكروه من شراء علي "عليه‌السلام " لها، وإن كان صحيحاً، ولكنهم غلطوا في قولهم: إن شراءها كان في زمن أبي بكر، بل كان ذلك في زمن الرسول الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كما ذكره الآخرون، وتؤيده القرائن والشواهد الآتية.

2 ـ قال البري التلمساني: "وأما أبو القاسم محمد بن علي، ابن الحنفية، فأمه من سبي بني حنيفة، اشتراها علي، واتخذها أم ولد، فولدت له محمداً، فأنجبت. واسمها: خولة بنت أياس بن جعفر، جانّ الصفا.

ويقال: بل كانت أمة لبني حنيفة، سندية سوداء، ولم تكن من أنفسهم، وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق، ولم يصالحهم على أنفسهم"(1) .

3 ـ إن بعض ما ذكروه في وفاة ابن الحنفية، وفي مدة عمره يؤيد: أنه ولد في زمن الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

وعدم ذكره في جملة الصحابة ولو على سبيل الإحتمال، لعله غفلة منهم، أو لعدم ذهابهم إلى تلك الأقوال التي يقتضي الجمع بينها ذلك..

أو لأنهم قد سلّموا بأن أمه كانت من سبي أبي بكر، ولم يخطر على بالهم غير ذلك.. وبيان ذلك:

أن ابن الحنفية قد عاش على أشهر الأقوال خمساً وستين سنة.. بل لقد وجد في هامش عمدة الطالب: أنه مات وله "سبع وستون سنة"(2) .

____________

1- الجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص58.

2- راجع: عمدة الطالب، هامش ص352.


وإذا أضفنا إلى ذلك: أن ابن حجر يختار: أن وفاته كانت سنة 73، وينسب سائر الأقوال إلى (القيل)، والظاهر: أن دليله هو ما رواه البخاري في تاريخه، حيث قال: "حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي حمزة، قال: قضينا نسكنا حين قتل ابن الزبير، ثم رجعنا إلى المدينة مع محمد، فمكث ثلاثة أيام ثم توفي.."(1) .

فإننا لا بد وأن نستنتج: أن ولادة ابن الحنفية قد كانت سنة 8 للهجرة، بل قبلها.

وعلى هذا.. فلا يصح أن تكون من سبي أبي بكر على يد خالد بن الوليد، كما يدَّعون..

وقولهم: إن علياً "عليه‌السلام " لم يعرف في حياة فاطمة "عليها السلام" غير فاطمة، لا يتلاءَمُ مع هذا البيان، فإنه لما أرسله الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ليأخذ الخمس من خالد وأصحابه اصطفى جارية، وأصابها، وشكوه إلى رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " فناصره عليهم(2) .

____________

1- راجع: تهذيب التهذيب ج9 ص354 و 355 و (ط دار الفكر سنة 1404هـ) ج9 ص315 و 316 وراجع: التاريخ الكبير للبخاري ج1 ص182 وتاريخ مدينة دمشق ج54 ص356 و350 و351.

2- نيل الأوطار ج7 ص110 والعمدة لابن البطريق ص275 والبداية والنهاية ج7 ص344 و 345 عن كثير من المصادر، ومسند أحمد ج5 ص351 و 359 وصحيح البخـاري ج5 ص110 والسنن الكـبرى للبيهقي ج6 ص342 = = وخصائص أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للنسائي ص102 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص194 و 195 وأسد الغابة ج1 ص176 وتهذيب الكمال للمزي ج20 ص460 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص236 وراجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الرابعة) ج5 ص317 و (الطبعة الخامسة) ج6 ص271 خطبة علي "عليه‌السلام " بنت أبي جهل.


وذكر لهم أنه لا يفعل إلا ما يأمره به.

فلا مانع بناء على ذلك من ولادة ابن الحنفية في عهد رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

لكن يبقى الإشكال، بأن ذلك يتنافى مع روايات تحريم النساء على علي "عليه‌السلام " ما دامت فاطمة "عليها السلام" على قيد الحياة.. إلا أن يجاب بما قدمناه، من أن المقصود هو حرمة ذلك عليه، إلا إذا طلبت منه ذلك فاطمة "عليها السلام" نفسها، أو أمره رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بذلك لمصلحة تقتضيه أو يكون المحرم هو الزواج الدائم، لا التسري.. فراجع.

4 ـ هناك نصوص تدل على أنه تزوجها وولدت له بعد استشهاد الزهراء "عليها السلام"، فلاحظ ما يلي:

ألف: قال أبو نصر البخاري الذي كان حياً سنة 341هـ: "..روي عن أسماء بنت عميس، أنها قالت: رأيت الحنفية سوداء، حسنة الشعر، اشتراها علي "عليه‌السلام " بذي المجاز ـ سوق العرب ـ أوان مقدمه من اليمن، فوهبها فاطمة "عليها السلام"، وباعتها فاطمة من مكمل الغفاري،


وولدت له عونة بنت مكمل، وهي أخت محمد لأمه.. ولا يصح أنها كانت من سبي خالد بن الوليد.."(1) .

ب: ويؤيد ذلك: أن البلاذري نفسه قال: "وزعم بعضهم: أن أخت محمد بن علي لأمه (هي) عوانة بنت مكمل من بني عفان"(2) .

لعل الصحيح: (غفار) بدل عفان، وصحفه النساخ..

وهذا يدل على: أنها كانت صحابية.

ج: يدل عليه أيضاً: ما في فوائد أبي الحسن أحمد بن عثمان الآدمي، من طريق إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن أبي جبير، عن أبيه قنبر، حاجب علي، عن علي "عليه‌السلام ": إن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " رأى خولة في منزل علي، فضحك، ثم قال: يا علي، أما إنك تتزوجها من بعدي، وستلد لك غلاماً، فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، وانحله..(3) .

وهذا يسقط الرواية التي تقول أن ابن الحنفية ولد في زمن الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

د: وقد وقع بين طلحة وبين علي كلام فعيّره طلحة بجرأته على

____________

1- سر السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري ص81 وعمدة الطالب ص353 عنه، وسير أعلام النبلاء للذهبي ج4 ص110.

2- أنساب الأشراف (تحقيق المحمودي ـ ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص203.

3- الإصابة ج4 ص289 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج8 ص113 وأعيان الشيعة ج6 ص360 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص27.


الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " حيث سمى باسمه، وكنى بكنيته، فاستشهد علي "عليه‌السلام " بنفر من قريش، فشهدوا: أن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال: إنه سيولد لك بعدي غلام، فقد نحلته اسمي، وكنيتي، ولا تحل لأحد من أمتي بعده(1) .

هـ: قال المعتزلي: ".. وقال قوم، منهم أبو الحسن، علي بن محمد بن سيف المدائني: هي سبية من أيام رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، قالوا: بعث رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " علياً "عليه‌السلام " إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدوا مع عمرو بن معدي كرب، وكانت زبيد سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم، فصارت في سهم علي "عليه‌السلام ".

فقال له رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": إن ولدت منك غلاماً فسمه باسمي، وكنه بكنيتي، فولدت له بعد موت فاطمة "عليها السلام" محمداً، فكناه أبا القاسم.."(2) .

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص91 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص308 وج54 ص330 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج4 ص115 وإمتاع الأسماع ج13 ص187 والوافي بالوفيات للصفدي ج4 ص76 وكنز العمال ج14 ص29 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص28 وج23 ص265.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص244 وقاموس الرجال للتستري ج8 ص160 و (ط مركز النشر الإسلامي 1419هـ) ج9 ص246 عنه، وأنساب = = الأشراف (تحقيق المحمودي) ج2 ص200 وأعيان الشيعة ج9 ص435 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص27.


وأخيراً.. فلو كانت الحنفية أمة، وسوداء سندية، لرأينا عبد الله بن الزبير والأمويين يعيرون ابن الحنفية بها ولو مرة واحدة، ولا سيما إبان استفحال الخلاف بينه وبينهم، كما هو معروف ومشهور، وفي كتب التاريخ مسطور، مع أننا لا نجد لذلك أثراً أبداً. رغم المراجعة الدقيقة للمحاورات القاسية التي كانت تجري فيما بينهم..

خاتمة المطاف:

وبعد كل ما تقدم يتضح بما لا مجال معه للشك: أن ما يرسله الكتّاب والمؤرخون إرسال المسلمات من أن الحنفية كانت من سبي أبي بكر.. ليس له ما يبرره.. بل إن المحققين وقولهم هو الأظهر ـ على حد تعبير المعتزلي ـ يرون خلاف ذلك تماماً.. وعليه فالإستدلال بأمر كهذا ـ لو صح الإستدلال به ـ على خلافة أبي بكر ليس له ما يبرره، ولا منطق يساعده..


ملحق الفصل الثامن

رقم (2)



زينب (عليها السلام) عالمة غير معلمة:

أما بالنسبة للسيدة زينب "عليها السلام"، وهي بنت علي والزهراء "عليهما‌السلام "، فلا نريد أن نؤرخ لها هنا بل نكتفي بالإشارة إلى أمور ثلاثة:

الأول: انها هي التي حفظت حركة الإمام الحسين "عليه‌السلام "، وابلغتها مأمنها. ومنعت من تزوير الحقائق.. وقد بحث ذلك علماؤنا، وبينوا شطراً كبيراً من مواقفها الجهادية، التي لا تخفى على أحد.. فلا حاجة، بل لا مجال لنا للدخول في هذا البحث العميق، في مثل هذا الكتاب..

الأمر الثاني: إن الإمام السجاد "عليه‌السلام " وصفها بأنها "بحمد الله عالمة غير معلمة"، وثمة من يسأل عن المراد من هذه الكلمة، فنقول لأجل البيان والتوضيح:

يحتمل في هذه الكلمة أحد معنيين:

الأول: انها عالمة بالله تعالى وبآياته الظاهرة، من خلال فطرتها الصافية، وعقلها الراجح، وتدبرها في آيات الله تعالى، فلا تحتاج إلى من يعرفها بما يتوجب عليها في مثل هذه المواقع الحساسة من التحلي بالصبر، وجميل العزاء، والكون في مواقع القرب من الله تعالى، راضية بقضائه، صابرة على


نزول بلائه..

ولعل هذا المعنى هو المناسب لواقع الأمور التي تواجهها.. والتي دعت الإمام السجاد "عليه‌السلام " لأن يقول لها ذلك..

الثاني: أن يكون مراده "عليه‌السلام ": أنها قد بلغت مراتب عالية جعلتها أهلاً لتلقي الإلهامات الإلهية الهادية، لأن الله تعالى فتح باب فهمها، وأيقظ فطرتها، وأصبحت محلاً لنور العلم الذي يقذفه الله في قلب من يشاء، على قاعدة) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ( (1) . بل قد يكون ذلك بواسطة الملك المحدث، تماماً كما كان الحال بالنسبة لسلمان وغيره من الصفوة الأخيار، والأبرار.

فهي عالمة غير معلمة من أحد من الناس. وإن كانت معلمة بتعليم الله، وتوفيقه، وهداياته، وشتان ما بين علم الله تعالى وعلمها "عليها السلام"، فإنه تعالى عالم بالذات، أما زينب "عليها السلام" فهي عالمة بتعليمه تعالى، تماماً ككون الله غنياً بالذات، وفلان من الناس غني بالله تعالى.. والله قادر بالذات وغيره قادر بإقداره تبارك وتعالى.. وهكذا..

الأمر الثالث: بيان موضع دفن السيدة زينب "عليها السلام" حيث قد يستبعد بعضهم أن تكون قد دفنت في دمشق، بلد أعدائها، وعاصمة ملك قتلة وارث الأنبياء، أخيها الإمام الحسين "عليه‌السلام "، وأهل بيته وصحبه "عليهم السلام".

____________

1- الآية 17 من سورة محمد.


ونجيب بما يلي:

1 ـ إنه لم يكن ليزيد في ظلم بني أمية لأهل البيت "عليهم السلام" سكناهم في دمشق الشام عاصمة الحكم الأموي، ولا ليخفف منه سكناهم في مصر، أو في المدينة، أو فيما سواهما من البلاد..

بل قد يكون ظلم بعض ولاتهم أبلغ وأعظم، إذا كانوا يرون أن ذلك يؤكد مواقعهم لدى أسيادهم، ويرسخ ثقة مستخدِميهم بهم. كما ظهر من حال الحجاج بن يوسف، وخالد القسري، وسواهما..

2 ـ قد كان ثمة قرار بإضعاف تأثير المدينة في إيقاظ مشاعر الناس، وفي تحريكهم ضد أهل البغي والإنحراف.. وخصوصاً إذا كان ذلك من قِبَلِ أعلام أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة..

وفي سياق تنفيذ هذه السياسة اشتدت وطأة الحكام على ساكني المدينة من أهل البيت "عليهم السلام"، ومارسوا ضدهم مختلف أنواع العسف والظلم، فهدموا بيوتهم، وشردوهم في البلاد، وأخافوا العباد، فلم يعد يجرؤ أحد على التفكير في الإتصال بهم، والإهتداء بهديهم صلوات الله وسلامه عليهم..

والشواهد كثيرة على ذلك، ومنها:

ألف: ورد: أنه كان من بر الإمام السجاد "عليه‌السلام " بآل عقيل: أن المختار أرسل إلى الإمام "عليه‌السلام " أموالاً كثيرة، عشرين ألف دينار،


فبنى بها دور آل عقيل التي هدمتها بنو أمية..(1) .

ب: صرحوا أيضاً: بأن عبد الملك بن مروان قد هدم دار الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام "، التي كان وُلْدُهُ فيها.

وقد حاول الحسن بن الحسن منعهم من ذلك، فقال: لا أخرج ولا أمكن من هدمها.

فضرب بالسياط وتصايح الناس، وأخرج عند ذلك، وهدمت الدار، وزيدت في المسجد(2) .

ج: قال زيد بن علي بن الحسين "عليهما‌السلام ": "ألستم تعلمون أنا وِلدُ نبيكم، المظلومون المقهورون، فلا سهم وُفينا، ولا تراث أُعطينا، ما

____________

1- غاية الإختصار ص160 وبحار الأنوار ج45 ص344 و 352 وسفينة البحار ج2 ص754 والعوالم (الإمام الحسين "عليه‌السلام ") للشيخ عبد الله البحراني ص649 ورجال ابن داود ص277 وجامع الرواة للأردبيلي ج2 ص221 وطرائف المقال للبروجردي ج2 ص590 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص8 وعقيل ابن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص38 وذوب النضار لابن نما الحلي ص66 وراجع: رجال الكشي ص128 و (ط أخرى) ج1 ص341 (204).

2- مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص38 وبحار الأنوار ج39 ص29 وسفينة البحار ج1 ص426 وج8 ص131 ومستدرك سفينـة البحار ج10 ص492 ونهج الإيمان لابن جبر ص443 والأنوار العلوية ص58.


زالت بيوتنا تهدم، وحرمنا تنتهك الخ.."(1) .

د: قال جعفر بن عفان الطائي في هذا المعنى:

ما بال بيتـكم تخرَّب سقفـه وثيابـكم من أرذل الأثواب(2) .

هـ: في وقعة الحرة، حين دخل مسرف بن عقبة المدينة: "قتل من آل أبي طالب(3) : عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب "ابن الحنفية". ومن بني هاشم من غير آل أبي طالب ثلاثة. وبضع وتسعون رجلاً من سائر قريش، ومن سائر الناس لا تعد ولا تحصى، ثم دخل المدينة، وخرب بيوت بني هاشم، ونهب المدينة"(4) .

وفي الشام قبر يقال: إنه قبر عبد الله بن جعفر، فإن صح أنه مات بالشام، فيكون قد ذُكر في النص المتقدم خطأً.

و: يذكرون أيضاً: أن الحكم بن المختار الثقفي، دخل على أبي جعفر

____________

1- تفسير فرات الكوفي ص136 ولا بأس بمراجعة ص382 وبحار الأنوار ج46 ص206 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص492 وسفينة البحار ج8 ص631.

2- الأمالي للطوسي ص198 وبحار الأنوار ج47 ص314 وسفينة البحار ج8 ص631 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص492 وبشارة المصطفى ص94 ومختصر أخبار شعراء الشيعة للمرزباني ص116 وأعيان الشيعة ج4 ص128.

3- وفي مقاتل الطالبيين ص124 و 123: أن ابني عبد الله بن جعفر هما المقتولان في وقعة الحرة، وهما: أبو بكر، وعون الأصغر.

4- شجرة طوبى ج1 ص113.


"عليه‌السلام "، فقال له: "أصلحك الله، إن الناس قد أكثروا في أبي، وقالوا، والقول ـ والله ـ قولك.

قال أبو جعفر: وأي شيء يقولون؟!

قال: يقولون: كذاب. ولا تأمرني بشيء إلا قبلته..

فقال "عليه‌السلام ": سبحان الله، أخبرني أبي والله: إن مهر أمي كان مما بعث المختار. أولم يبن دورنا؟! وقتل قاتلينا؟! وطلب بدمائنا؟!رحمه‌الله "(1) .

ز: إنهم يذكرون: أن الإمام السجاد "عليه‌السلام "، كان قد اتخذ منزله بعد قتل أبيه الحسين "عليه‌السلام " بيتاً من الشعر، أقامه بالبادية، فلبث عدة سنين كراهة المخالطة للناس، وملابستهم..

وكان يصير من البادية إلى العراق، زائراً لأبيه، وجده أمير المؤمنين "عليهما‌السلام "، ولا يُشْعِر أحداً بذلك(2) ..

____________

1- ذوب النضار لابن نما الحلي ص62 وبحار الأنوار ج45 ص343 و 351 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص6 والعوالم (الإمام الحسين "عليه‌السلام ") للشيخ عبد الله البحراني ص651 و 670 وإختيار معرفة الرجال للطوسي ج1 ص340 ورجال ابن داود ص277 وطرائف المقال للبروجردي ج2 ص588 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج19 ص103.

2- الغارات للثقفي ج2 ص848 ومعالي السبطين ج2 ص212 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج2 ص273 وفرحة الغري لابن طاووس ص73 وبحار الأنوار ج97 ص266.


غير أن لنا تحفظاً على التعليل المذكور، وهو: أنه "عليه‌السلام " قد سكن البادية كراهة مخالطة الناس، فإن ذلك إما محض اجتهاد من الراوي، والمتحدث، أو أنهم أرادوا أن لا يصرحوا بأن السلطة فرضت ذلك عليهم. أو أنهم هم اختاروا ذلك بسبب تعرضهم لظلم السلطة، لأنهم يخشون على أنفسهم من الملاحقة لو شاع عنهم أنهم صرحوا بهذا الأمر..

على أن هذه الكراهية لو كانت لمجرد المخالطة، لجاز لنا القول: بأن هذا الأمر إذا كان مكروهاً في تلك السنوات، فما الذي رفع كراهته في السنوات التي تلتها؟! فإن الحكام لم يغيروا سياساتهم تجاه أهل البيت وشيعتهم، كما أثبتتة الوقايع..

ولماذا لم يكره غير الإمام السجاد "عليه‌السلام " من بقية الأئمة الأطهار، مخالطة الناس، ولم يفعلوا مثل فعله، من سكنى البادية في خيمة من شعر؟!

3 ـ فيما يرتبط بدفن السيدة الحوراء زينب "عليها السلام" في دمشق نقول:

قد ظهر مما تقدم: أن انتشار بني هاشم في البلاد مع ما كان يمارسه الحكام ضدهم من سياسات كان أمراً متوقعاً، بعد أن أصبحت الإقامة في المدينة متعذرة إلى حد بعيد؛ مع ظهور حرص الحكام بأن يُبقوا من يخشونهم من بني هاشم تحت رقابتهم الصارمة، وهيمنتهم الظالمة.. كما هو الحال بالنسبة لأئمتنا الأطهار، ومنهم الإمام الصادق، والعسكريان صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين..

بل لقد كان الحكام أحياناً يطالبون بني هاشم بالعرض عليهم في كل


يوم، في مقصورة بعينها، ويكفل بعضهم بعضاً(1) .

وكان الحكام أيضاً يطلبون من خصومهم أن يزوروهم باستمرار، ليرى الناس انقيادهم لهم، وليحذروا من الإتصال بهم.. ولغير ذلك من أسباب.

وإذا كانت السيدة زينب "عليها السلام" هي تلك المرأة المجاهدة التي ضيعت ـ بجرأتها وبحكمتها ـ على طغاة الأمويين ما كانوا يحلمون به، وبددت جهودهم، وأبطلت كيدهم، فإن خوفهم منها سوف يكون كبيراً، وسيسعون إلى رصد تحركاتها، والتضييق عليها، وشل حركتها، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً..

وهذا ما يثير احتمال أن تكون قد تعرضت لضغط شديد عليها، لحملها على أن تكون بالقرب منهم، وتحت نظرهم..

ولذلك، فإنهم لن يرضوا منها بالسفر إلى مصر، ولا إلى غيرها من البلاد، حتى لا تحرك البلاد والعباد ضدهم، لا سيما وهي تملك أعظم سند إدانة ضدهم ـ وهو ما سوف يكون له أعظم الآثار في تعريف الناس بحقيقتهم، وبأهدافهم، من خلال اطلاعهم على تفاصيل جريمة قتلهم ريحانة الرسول، وسبطه، وأهل بيته، وأصحابه، وسبي نسائه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

فهل تراهم يغضون الطرف عن نشاطات السيدة زينب "عليها

____________

1- مقاتل الطالبيين ص443 و 444.


السلام"، ويسكتون على تحركاتها، ويطلقون يدها في التصرف؟!

وهل يمكن أن يعطوها الحرية بالتنقل والإتصال بالناس؟! خصوصاً في المناطق البعيدة عن أنظارهم، وحيث يصعب عليهم مراقبة الأحوال فيها بدقة وفعالية.

ألا يرون أن إقامتها في ذلك المكان المعزول في تلك القرية هو الأنسب، والأولى لهم، والأوفق بمصالحهم؟!

إن مقام الزهراء "عليها السلام" كان أعظم في الأمة من مقام زينب "عليها السلام"، ومع ذلك، فقد حاول الأولون منعها حتى من البكاء على أبيها، وأخرجوها من بيتها، حين رأوا: أن وجودها هناك سوف يؤثر عليهم، وسيثير تساؤلات الناس حول ما صدر منهم تجاهها.

وأظن أن هذا الذي ذكرناه أو بعضه يكفي في بيان معقولية أن تأتي السيدة زينب صلوات الله عليها إلى الشام.. لتعيش فيها أياماً يسيرة، ثم يوافيها الأجل. ويصبح قبرها علماً شامخاً، يشع بالهداية، وينير الطريق للحق..

4 ـ ونجد في النصوص التاريخية، وغيرها ما يؤيد كون مرقد السيدة زينب الكبرى "صلوات الله وسلامه عليها"، هو ذلك الذي في الشام، وهو مشهور من زمن بعيد، ويعرف بقبر الست، كما يلاحظ مما ذكره ابن عربي في فتوحاته(1) .

____________

1- الفتوحات المكية ج4 ص198 وليراجع كتاب مرقد العقيلة زينب للسابقي.


أما الذي في مصر، فالظاهر: أنه قبر لامرأة شريفة أخرى من ذرية الإمام علي "عليه‌السلام "، لعلها زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور..

ويقال: إن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين "عليهما‌السلام "، وكنيتها أم كلثوم، قد دفنت قرب زوجها عبد الله بن جعفر الطيار، خارج دمشق الشام. وقد يقال في محل وفاة زوجها غير ذلك..

وكانت قد جاءت مع زوجها عبد الله إلى الشام، في أيام عبد الملك بن مروان، سنة المجاعة، ليقيم عبد الله بن جعفر فيما كان له من القرى والمزارع، خارج الشام، حتى تنقضي المجاعة، فماتت السيدة زينب هناك، ودفنت في بعض تلك القرى..

وفي الخيرات الحسان: أنها حمَّت من وعثاء السفر، أو لسبب آخر غير ذلك(1) ..

أي أنها لم تقم في تلك القرية إلا مدة وجيزة، ثم لحقت بربها راضية مرضية صلوات الله وسلامه عليها، وعلى جميع أهل البيت الطاهرين..

____________

1- راجع: معالي السمطين ج2 ص224 عن كتاب نزهة أهل الحرمين ص67 للسيد حسن الصدر، وعن غيره.

وراجع: مرقد العقيلة زينب ص189 و 190 و 191 عن مراقد المعارف ج1 ص240 و 334 وعن الثمر المجتنى للبراقي، والخيرات الحسان ج2 ص29 وتحفة العالم ج1 ص235 ونفس المهموم ص297 وهدية الزائرين ص353 ومنتخب التواريخ ص103 وغير ذلك..


الباب الثاني:

من البعثة إلى الهجرة..



الفصل الأول:

بعثة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) وإسلام علي (عليه‌السلام )




بعثة رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) :

وقد دلت الروايات: على أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان نبياً منذ صغره، ثم بعث رسولاً وهو في سن الأربعين، أي أن رسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قد بعث بعد عشر سنوات من ولادة علي "عليه‌السلام "، فكان علي أول الأمة إسلاماً.

علي(عليه‌السلام) أول من أسلم:

وقد بعث النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " يوم الإثنين، وأسلم علي "عليه‌السلام " يوم الثلاثاء(1) .

____________

1- راجع: الفصول المختارة ص263 وكنز الفوائد ص120 والتعجب للكراجكي ص98 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص259 وروضة الواعظين ص85 ونيل الأوطار ج8 ص18 وشرح الأخبار ج1 ص449 والإحتجاج ج1 ص37 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص291 و 297 وذخائر العقبى ص59 والصراط المستقيم ج1 ص236 وبحار الأنوار ج17 ص239 وج38 ص203 و 209 و 231 و 237 و 250 و 258 و 270 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشـيرواني ص36 و 37 والغديـر ج3 = = ص120 و 223 و 224 و 228 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص230 وسنن الترمذي ج5 ص304 ومجمع الزوائد ج9 ص102 وتحفة الأحوذي ج10 ص160 ومسند أبي يعلى ج1 ص348 وكنز العمال ج13 ص128 وفيض القدير ج4 ص468 والتفسير المنسوب للإمام العسكري "عليه‌السلام " ص429 ومجمع البيان ج5 ص112 ونور الثقلين ج2 ص256 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص29 و 30 وأسد الغابة ج4 ص17 وتهذيب الكمال ج20 ص504 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص55 والكامل في التاريخ ج2 ص57 والبداية والنهاية ج3 ص36 وج7 ص369 وتنبيه الغافلين ص84 وإعلام الورى ج1 ص312 والدر النظيم ص265 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص431 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص302 وينابيع المودة ج1 ص189 وج2 ص147 و 386.


ولا ريب في أن علياً "عليه‌السلام " أول الناس إسلاماً، وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قائمة بأسماء أكثر من ستين رجلاً من أعلام الصحابة والتابعين قالوا: بأنه أول الناس إسلاماً(1) .

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الرابعة) ج2 ص317 و (الطبعة الخامسة) ج3 ص43. وراجع: الغدير ج3 ص95 و96 و 99 و 224 ـ 236 وج10 ص156 و 158 و 164 و 168 و 290 و 322 و ج9 ص115 و 122 ودلائل الصدق، والأوائل للطبراني ص78 و 79.


بل ادعى بعضهم الإجماع على ذلك(1) .

غير أن لنا تحفظاً على قولهم: أسلم علي "عليه‌السلام " يوم الثلاثاء، فإنه "عليه‌السلام " لم يكن كافراً ليقال: إنه قد أسلم، بل هو قد عبد الله سبع سنين وأشهراً(2) مع رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قبل البعثة.. وذلك لأنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان نبياً منذ صغره، ثم بعث إلى الناس وهو في سن الأربعين، كما دلت عليه الآثار المعتبرة والأخبار المستفيضة. وقد أيد المجلسي "رحمه‌الله " ذلك بوجوه كثيرة(3) .

فالمراد: أنه "عليه‌السلام " قد أعلن اسلامه في هذا الوقت. وعلى كل حال، فإن الروايات الصحيحة والمعتبرة الواردة عن النبي "صلى الله عليه

____________

1- راجع: الصواعق المحرقة الفصل الأول، الباب التاسع، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص22 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص36 والغدير ج3 ص238 ومقدمة ابن الصلاح لعثمان بن عبد الرحمن ص178 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص236 وإحقاق الحق (الأصل) ص198 وغاية المرام ج5 ص165 ولوامع الأنوار البهية للسفريني ج2 ص338 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص468 وج30 ص529 و 628 وراجع: بحار الأنوار ج38 ص262 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص124.

2- تقدمت مصادر ذلك.

3- بحار الأنوار ج18 ص277 ـ 281.


وآله" في هذا الشأن كثيرة.. ونذكر على سبيل المثال ما يلي:

1 ـ عن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": أولكم وروداً علي الحوض، أولكم إسلاماً علي بن أبي طالب(1) .

وعنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": إنه لأول أصحابي إسلاماً، أو أقدم أمتي سلماً(2) .

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص136 وصححه، وتاريخ بغداد للخطيب ج2 ص81 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج3 ص28 و (ط دار الجيل) ج3 ص1091 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص280 والفصول المختارة ص262 و الصراط المستقيم ج1 ص235 وبحار الأنوار ج38 ص256 و 270 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص40 وما روي في الحوض والكوثر لابن مخلد القرطبي ص121 والتمهيد لابن عبد البر ج2 ص305 وجزء بقي بن مخلد لابن بشكوال ص121 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص229 وتذكرة الموضوعات ص97 والإكمال في أسماء الرجال ص127 والكامل لابن عدي ج4 ص291 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص40 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص346 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص8 والعثمانية للجاحظ ص291 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص38 وينابيع المودة ج2 ص239 و 289.

2- مناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشـيرواني ص44 و 144 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص151 وج23 ص540 وج15 ص51 و 52 و 327 و 364 و 377 وج30 ص539 و 644 وج33 ص269 والتعجب للكراجكي ص98 ونظم درر السمطين ص188 وسبل الهدى والرشاد ج11= = ص291 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج3 ص36 و (ط دار الجيل) ج3 ص1099 والعدد القوية ص247 والنصائح الكافية ص238 وبناء المقالة الفاطمية ص66 والغدير ج3 ص95 ـ 96 عن: مسند أحمد ج5 ص26 والرياض النضرة، والمرقاة، وكنز العمال، والسيرة النبوية لدحلان، والسيرة الحلبية، وليراجع: مستدرك الحاكم ج3، والمنمق، وجمع الجوامع ومجمع الزوائد ج9 ص102 و 101 عن الطبراني عن ابن إسحاق، وقال: هو مرسل صحيح الإسناد، وأخرجه الطبراني، وأحمد، وقال عن سند آخر: وفيه خالد بن طهمان، وثقه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات.


وعنه أيضاً: أنه أخذ بيد علي "عليه‌السلام "، فقال: هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر(1) .

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص41 و 42 و 43 وميزان الإعتدال ج2 ص3 و 416 ولسان الميزان ج2 ص414 وج3 ص283 وبشارة المصطفى ص172 وكشف الغمة ج1 ص85 وكشف اليقين ص36 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لابن مردويه ص66 وفيض القدير ج4 ص472 والأمالي للصدوق ص274 ومعاني الأخبار ص402 وروضة الواعظين ص115 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص267 و 279 وشرح الأخبار ج2 ص264 و 266 وكنز الفوائد للكراجكي ص121 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص287 واليقين لابن طاووس ص500 و 509 و 512 وبحار الأنوار ج38 ص127 و 210 و 212 و 214 و 215 وج40 ص5 وج89 = = ص26 والمراجعات ص241 ومجمع الزوائد ج9 ص102 والمعجم الكبير للطبراني ج6 ص269 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص345 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص225 وتفسير العياشي ج1 ص4 والإكمال في أسماء الرجال ص127.

والكامل لابن عدي ج4 ص229 ونظم درر السمطين ص82 وكنز العمال ج11 ص616 وفرائد السمطين ج1 ص39 والغدير ج2 ص313 عن الطبراني والبيهقي، والعدني، ومجمع الزوائد وكفاية الطالب وإكمال كنز العمال ولسوف يأتي في حديث الغار حين الكلام عن تلقيب أبي بكر بالصديق المزيد من المصادر لهذا الحديث.


وعنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": هذا أول من آمن بي، وصدقني، وصلى معي(1) .

وعنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": إن أول من صلى معي علي(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص225 والغدير ج3 ص221 والعثمانية للجاحظ ص287 وكنز العمال ج11 ص616 وغاية المرام ج5 ص170 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص346 وج15 ص341 و 429.

2- مناقب آل أبي طالب ج1 ص297 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص514 وج15 ص428 وج20 ص498 و 499 وينابيع المودة ج1 ص196 وغايةالمرام ج5 ص169 و 178 وبحار الأنوار ج38 ص203 والغدير ج3 ص220 عن فرائد السمطين باب 47 بأربعة طرق.


دليل آخر:

وإن احتجاجه "عليه‌السلام " بأنه أول من أسلم، واحتجاج أصحابه من الصحابة والتابعين بهذه الكثرة العجيبة على خصومهم في صفين وغيرها، واهتمامهم الواضح بهذا الأمر يكفي للدلالة على ذلك دلالة واضحة.

ولم نجد أحداً من أعدائه "عليه‌السلام " حاول إنكار ذلك، أو التشكيك فيه، أو طرح اسم رجل آخر على أنه هو صاحب هذه الفضيلة دونه، رغم توفر الدواعي لذلك، ورغم أن في الطرف المقابل من لا يتورع حتى عن الاختلاق والكذب على الرسول الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، بل على الله سبحانه وتعالى.

فلو أنهم عرفوا: أن كذبتهم هذه تجوز على أحد لكانوا لها من المبادرين، ولكن التسالم والإجماع على هذا الأمر كان بحيث لا يمكنهم معه التوسل بأية حيلة.

وكشاهد على هذا التسالم نذكر هنا حادثة واحدة فقط، جرت لسعد بن أبي وقاص، الذي كان منحرفاً عن علي "عليه‌السلام " ونترك ما عداها وهو كثير جداً، وهذه الحادثة هي أنه:

سمع رجلاً يشتم علياً، فوقف عليه وقرره بقوله: يا هذا، على ما تشتم


علي بن أبي طالب؟! ألم يكن أول من أسلم؟! ألم يكن أول من صلى مع رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "؟! ألم يكن أعلم الناس؟! الخ..(1) .

كما أن المقداد كان يتعجب من قريش لدفعها هذا الأمر عن أول المؤمنين إسلاماً، يعني علياً "عليه‌السلام "(2) .

وإذا كان الحديث عن أنه "عليه‌السلام " أول من أسلم متواتراً إلى حد أن بعضهم ادعى الإجماع عليه، فلا يصغى لقول بعض المنحرفين عن علي "عليه‌السلام "؛ ومنهم ابن كثير: "..قد ورد في أول من أسلم أحاديث كثيرة لا يصح منها شيء"(3) .

فهو يعترف بكثرة الأحاديث، فإذا بلغت هذه الكثرة إلى حد التواتر لم

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص500 وصححه هـو والـذهبي في تلخيصه هامش نفس = = الصفحة، وحياة الصحابة ج2 ص514 ـ 515 وشرح الأخبار ج2 ص542 والإكمال في أسماء الرجال ص78 وإمتاع الأسماع ج12 ص35 وغاية المرام ج5 ص161 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص204.

2- الغدير ج9 ص115 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص163 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص335 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص229 ومواقف الشيعة ج2 ص353 وشرح أصول الكافي ج12 ص468.

3- راجع: البداية والنهاية ج7 ص370 والغدير ج3 ص219 ونظرة في كتاب البداية والنهاية ص23.


يعد هناك حاجة للنظر في الأسانيد خصوصاً مع اشتراك المناوؤين لعلي "عليه‌السلام " في روايتها، ومع توفر الدواعي على إخفائها، مع أن من تلك الأحاديث ما هو صحيح، ومعتبر، فراجع طائفة منها في الجزء الثالث من كتاب الغدير، وكتاب إحقاق الحق، قسم الملحقات، وغير ذلك..

وقد حاول بعضهم أن يدعي: أن أبا بكر أول من أسلم، وقد اثبتنا عدم صحة ذلك، فراجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "..

غير أننا نشير إلى ما يلي:

1 ـ روى الطبري عن محمد بن سعد قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً.

فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين..(1) .

2 ـ روي عن علي "عليه‌السلام " أنه قال: "أنا الصدِّيق الأكبر،

____________

1- تاريخ الأمم والملوك( ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص60 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص289 وبحار الأنوار ج38 ص228 والغدير ج3 ص240 و 243 وج7 ص92 و 280 و 324 والإكمال في أسماء الرجال ص20 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص45 والبداية والنهاية ج3 ص28 و( ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص39 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص436 والتعجب للكراجكي ص34. وراجع: الإفصاح للشيخ المفيد ص232 وكنز الفوائد للكراجكي ص124 ونظرة في كتاب البداية والنهاية للشيخ الأميني ص77 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص544.


والفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته"(1) .

وبقية ما قيل ويقال في هذا المجال يراجع في الجزء الثالث من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، الطبعة الخامسة.

أبو بكر أسلم قبل البعثة:

وقد ثبت في الأحاديث: أن علياً "عليه‌السلام " صلى مع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قبل الناس بسبع سنين وأشهراً(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص122 وكلام الإسكافي في العثمانية للجاحظ ص300 وشرح أصول الكافي ج6 ص375 وبحار الأنوار ج26 ص260 وج38 ص216 و 260 و 333 وج41 ص152 وج109 ص34 وراجع: = = كنز الفوائد ص121 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص286 والصراط المستقيم ج1 ص282 وكتاب الأربعين للشيرازي ص425 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص45 و 46 و 156 و 157 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص30 وج4 ص122 وج13 ص200 وأعيان الشيعة ج1 ص335 والدر النظيم ص269 ونهج الإيمان ص514 وينابيع المودة ج1 ص455 وج2 ص144 ومشارق أنوار اليقين ص75 و 259 و 261 وغاية المرام ج5 ص114 وإلزام الناصب ج2 ص190 وشرح إحقاق الحق( الملحقات) ج4 ص212 وج4 ص370.

2- راجع حديث مناشدات علي "عليه‌السلام " في الشورى، الذي سيأتي إن شاء الله في هذا الكتاب. وراجع: مستدرك الحاكم ج3 ص112 والخصال للشيخ الصدوق ص402 والعمدة لابن البطريق ص64 و 220 والطرائف لابن طاووس ص20 و 70 وذخائر العقبى ص60 والصراط المستقيم ج1 ص235 وبحار الأنوار ج38 ص209 و 239 و 253 و 269 ومناقب أهل البيت "عليهم السلام" للشيرواني ص156 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص498 والآحاد = = والمثاني للضحاك ج1 ص148 وكتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص584 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص107 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص200 ومجمع البيان للطبرسي ج5 ص113 ونور الثقلين ج2 ص256 وتفسير الثعلبي ج5 ص85 والبداية والنهاية ج3 ص36 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص88 ونهج الإيمان لابن جبر ص168 و 428 و 516 وكشف اليقين للعلامة الحلي ص167 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص432 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليه‌السلام " لابن الدمشقي ج1 ص70 وكنز العمال( ط الهند) ج6 ص394 عن ابن أبي شيبة، وأبي نعيم، والنسائي في الخصائص، وابن مردويه، والطبراني، وأحمد وأبي يعلى في مسنديهما.

وثمة مصادر كثيرة ذكرنا شطراً منها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الخامسة) ج3 ص50 وج4 ص230 و( الطبعة الرابعة) ج2 ص321 وج4 ص45.



فجاء آخرون، فأثبتوا مثل هذه الفضيلة وازيد منها لأبي بكر، فقال النووي: "كان أبو بكر أسبق الناس إسلاماً، أسلم وهو ابن عشرين سنة.


وقيل: خمس عشرة سنة"(1) .

وقال الصفوري الشافعي: "وكان إسلامه قبل أن يولد علي بن أبي طالب"(2) .

ومستندهم في ذلك، الرواية التي ذكرها الدياربكري عن ابن عباس وهي تحكي لنا قصة بحيرا، جاء في آخرها قوله: فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق قبل ما نبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "(3) .

وما رووه عن أبي موسى الأشعري، من أنه لما سافر النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " مع عمه أبي طالب إلى الشام، ونزلوا على بحيرا، عرفهم بحيرا الراهب، وألح على عمه أبي طالب بأن يرجعه إلى مكة، فرده، وبعث معه أبو بكر بلالاً(4) . وتيقن أبو بكر بنبوته منذئذٍ.

____________

1- الغدير ج7 ص272.

2- نزهة المجالس ج2 ص147.

3- تاريخ الخميس ج1 ص261.

4- راجع: الثقات لابن حبان ج1 ص42 والبداية والنهاية ج2 ص285 وتاريخ الأمم والملوك( ط الإستقامة) و( ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص33 وتاريخ الإسلام ج1 ص55 وإمتاع الأسماع ج8 ص175 وكشف الخفاء ج1 ص141 وتاريخ الخميس ج1 ص258 والسيرة الحلبية ج2 ص120 وج1 ص195 والمستدرك للحاكم ج2 ص615 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص435 وتاريخ بغداد ج10 ص251 وعيون الأثر ج1 ص63 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص140 ودلائل النبوة للأصبهاني ج1 ص381 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص4 و 5 وسنن الترمذي ج5 ص250، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي السيرة النبوية لدحلان ج1 ص49: أنه رجع إلى مكة ومعه أبو بكر وبلال.


ونقول:

إن ذلك لا يمكن أن يصح، وذلك لما يلي:

أولاً: إنهم يقولون: إن عمر النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " آنئذٍ كان أحد عشر سنة، بل قيل: كان عمره تسع سنين(1) .

ويقولون أيضاً: إن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان أسن من أبي بكر بأكثر من سنتين، وأبو بكر كان أسن من بلال بعدة سنين تتراوح ما بين خمس إلى عشر سنوات(2) .

____________

1- راجع: تاريخ الأمم والملوك( ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص33 والبداية والنهاية ج2 ص286 والسيرة الحلبية ج1 ص120 و( ط دار المعرفة) ج1 ص196 وقال: إن صاحب الهدى قد رجح هذا القول.. وراجع: بحار الأنوار ج15 ص369 والغدير ج7 ص278.

2- راجع: السيرة الحلبية ج1 ص120 و( ط دار المعرفة) ج1 ص196 لكن ذكر ابن حبان، وكذا الإصابة ج1 ص65 عن أبي نعيم، وإمتاع الأسماع ج9 ص110: أن بلالاً كان ترباً لأبي بكر.. لكن الأشهر والأكثر هو ما ذكرناه.


فلعل بلالاً لم يكن ولد حين سفر النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " إلى الشام، فكيف يقال: إن أبا بكر الذي كان آنئذٍ طفلاً كان في ذلك السفر، وأنه أرسل بلالاً مع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كي يوصله إلى مكة؟!

ثانياً: إن بلالاً لم يكن له أي ارتباط بأبي بكر، وإنما كان يملكه أمية بن خلف، فإن كان أبو بكر قد اشتراه ـ كما يزعمون ـ فإنما حصل ذلك بعد ثلاثين عاماً من ذلك التاريخ(1) ..

وإن كنا قد قلنا: إن في الروايات ما يدل على أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " هو الذي اشترى بلالاً، وأن أبا بكر لم يملكه أصلاً(2) .

ثالثاً: صرح بعض المؤرخين: بأن أبا بكر لم يكن في ذلك السفر أصلاً، ولعله لأجل ذلك قال الذهبي عن هذا الحديث: أظنه موضوعاً، بعضه باطل(3) ..

وشكك فيه ابن كثير، وحكم عليه الترمذي بالغرابة. فراجع.

____________

1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص259 عن حياة الحيوان، عن الحافظ الدمياطي. وراجع: سيرة مغلطاي ص11.

2- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الخامسة) ج3 الفصل الأول من الباب الثالث.

3- تاريخ الخميس ج1 ص259 والسيرة الحلبية ج1 ص120 و (ط دار المعرفة) ج1 ص197.


علي(عليه‌السلام) أول الصبيان إسلاماً:

وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بعض ما يرتبط بمقولة: أن علياً "عليه‌السلام " كان أول من أسلم من الصبيان، ليكون أبو بكر أول الرجال إسلاماً، وخديجة الأولى من النساء، والأول من الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال(1) .

ونزيد هنا ما يلي:

أولاً: لماذا لم يستطرد من ابتدع هذه الفكرة، فيذكر لنا أول من أسلم من الأغنياء، ومن الفقراء، ومن الطوال، ومن القصار، ومن البيض، ومن السود، ومن أهل هذا البلد وذاك، ومن التجار، ومن المزارعين.. وهكذا إلى ما لا نهاية..

ثانياً: إن أولية إسلام علي "عليه‌السلام " بالنسبة لخصوص الصبيان لا تتلاءم مع اعتبار ذلك من فضائل وامتيازات أمير المؤمنين "عليه‌السلام " ومن مفاخره على رجال ونساء الأمة بأسرها.

وكان النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " أول من جعل ذلك من مفاخره. فراجع ما يرتبط بزواج فاطمة "عليها السلام"، حيث ذكر أنه زوجها أقدم الأمة إسلاماً، أو "أولهم سلماً"(2) .

____________

1- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " (الطبعة الخامسة) ج3 ص61 و (الطبعة الرابعة) ج2 ص331.

2- راجع: المناقب للخوارزمي ص106 وكشف الغمة للإربلي ج 1 ص 148 و374 والغدير للشيخ الأميني ج2 ص44 ج3 ص954 و 220 وج9 ص394 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص93 و 144 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص257 وج13 ص227 وكنز العمال ج11 ص605 وج13 ص114 و 135 ومناقب الإمـام أمـير المـؤمنين "عليه‌السلام " للكـوفي ج1 ص290 والعثمانيـة = = للجاحظ ص289 وفضائل أمير المؤمنين "عليه‌السلام " لابن عقدة الكوفي ص24 و 102 وتنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص98 وشرح الأخبار ج2 ص360 وكنز الفوائد للكراجكي ص121 وبحار الأنوار ج38 ص19 وج43 ص136 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص151 و 152 و 155 وج15 ص325 و 338 و 339 و 340 و 410 وج20 ص271 وج22 ص142 و 153 و 186 و 256 و 359 و 360 وج23 ص526 و 529 و 537 و 611 و 614 وج31 ص268 وج32 ص46 و 211 وج33 ص324 و 326 و 327. ودفع الإرتياب عن حديث الباب ص16 وفتح الملك العلى للمغربي ص67 و 68 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص132 وأسد الغابة لابن الأثير ج5 ص520 وغاية المرام للبحراني ج5 ص179.


كما أنه هو نفسه "عليه‌السلام " كان يفتخر بذلك.. فراجع الكتب التي جمعت الأحاديث حول إسلامه عليه الصلاة والسلام..

ثالثاً: إن هذه الطريقة في الجمع بين الأخبار لا توصلهم إلى تقدم إسلام أبي بكر على إسلام علي "عليه‌السلام "، وإن أوهمت ذلك.. فإن تقدم إسلام أبي بكر


وزيد، وبلال، وخديجة على أمثالهم لا يمنع من أن يكون إسلام علي "عليه‌السلام " قد تقدم على إسلام هؤلاء جميعاً، وعلى الأمة بأسرها بأشهر أو بسنوات.

وقد صرح علي "عليه‌السلام ": بأنه أسلم قبل أن يسلم أبو بكر، بل صرح: بأنه صلى قبل الناس كلهم بسبع سنين كما تقدم. فمن صلى مع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قبل بعثته بسبع سنين، لا يمكن أن يسبقه أحد، أو أن يساويه أحد في موضوع التقدم في الإسلام..

رابعاً: حبذا لو ذكر لنا هؤلاء قائمة بالصبيان الذين أسلموا في تلك الفترة، ليكون علي "عليه‌السلام " قد تقدمهم في ذلك.

الإجماع على تقدم إسلام علي(عليه‌السلام) :

قال ابن حجر الهيثمي حول تقدم إسلام علي "عليه‌السلام ":

"قال ابن عباس، وأنس، وزيد بن أرقم، وسلمان الفارسي، وجماعة[ من الصحابة] : إنه أول من أسلم،[ حتى] ونقل بعضهم الإجماع عليه"(1) .

كما أن الحاكم بعد أن روى عن زيد بن أرقم: أن أول من أسلم مع رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " علي بن أبي طالب، قال: "هذا حديث صحيح الأسناد، وإنما الخلاف في هذا الحرف أن أبا بكر الصديق كان أول الرجال البالغين إسلاماً، وعلي بن أبي طالب تقدم إسلامه قبل البلوغ"(2) .

____________

1- الصواعق المحرقة الباب التاسع، الفصل الأول (ط مصر) ص120 و (ط بيروت) ص185 غاية المرام للسيد هاشم البحراني ج5 ص165.

2- المستدرك للحاكم النيسابوري ج3 ص136.


فالحاكم يصرح: بأنه لا خلاف في تقدم إسلام علي "عليه‌السلام " على الناس أجمعين. وإنما الخلاف في تقدم إسلام أبي بكر على البالغين، لا على علي "عليه‌السلام "..

ونحن قد أثبتنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": أن أبا بكر قد أسلم في السنة الخامسة أو السادسة.

وذكر في الطبري: أنه أسلم بعد أكثر من خمسين فراجع(1) .

موقف أبي طالب من إسلام علي (عليه‌السلام ):

هناك عدة نصوص تتحدث عن موقف أبي طالب من إسلام ولده علي "عليه‌السلام "، فلاحظ ما يلي:

1 ـ رووا عن علي "عليه‌السلام ": أنه حين رآه أبو طالب "عليه‌السلام " هو والنبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " ساجدين، قال: أفعلتماها؟!

قال علي: ثم أخذ بيدي، فقال: أنظر كيف تنصره. وجعل يرغبني في

____________

1- تاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص60 والإفصاح للشيخ المفيد ص232 وكنز الفوائد للكراجكي ص124 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص289 وبحار الأنوار ج8 ص228 والغدير ج3 ص240 و 243 وج7 ص92 و 280 و 324 والبداية والنهاية ج3 ص39 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص436 ونظرة في كتاب البدايـة والنهاية للشيخ الأميني ص77 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص544.


ذلك، ويحضني عليه(1) .

وفي نص آخر: أنه لما صادف أبو طالب "عليه‌السلام " النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وعلياً "عليه‌السلام " يصليان في بعض جبال مكة بإزاء عين الشمس، قال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك(2) .

ومرة أخرى: رأى أبو طالب "عليه‌السلام " النبي وعلياً "صلى الله عليهما وآلهما" يصليان في المسجد، فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك.

وهذا يدل على أن أمر أبي طالب لجعفر بصلة جناح ابن عمه قد تكرر في وقائع مختلفة(3) .

____________

1- بحار الأنوار ج38 ص206 وج34 ص360 ومناقب آل أبي طالب (المطبعة الحيدرية) ج1 ص300 وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج1 ص179 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج3 ص170 والغدير ج7 ص389 وإيمان أبي طالب للشيخ الأميني ص81 والغارات للثقفي ج2 ص587.

2- كنز الفوائد للكراجكي ج1 ص181 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص124 وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج3 ص549 وبحار الأنوار ج35 ص120 والغدير ج7 ص397 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص248 وإيمان أبي طالب للشيخ الأميني ص93.

3- راجع: روضة الواعظين ج1 ص140 و (منشورات الشريف الرضي ـ قم) ص86 و 139 و 140 والأمالي للصدوق ص597 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج8 ص288 و (ط دار الإسلامية) ج5 ص373 ومستدرك الوسائل ج6 ص455 والفصول المختارة ص171 و 283 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص301 وكتاب الأربعين للشيرازي ص493 وحلية الأبرار ج1 ص69 وبحار الأنوار ج10 ص380 وج18 ص53 و 179 وج22 ص272 وج35 ص60 و 80 و 121 و 174 وج85 ص3 وجامع أحاديث الشيعة ج6 ص406 و 463 والغدير ج7 ص356 و 357 و 394 و 396 و 397 ومستـدرك سـفـيـنـة البحـار ج6 = = ص325 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص272 وتفسير القمي ج1 ص378 ونور الثقلين ج3 ص32 والبحر المحيط ج8 ص489 وتفسير الآلوسي ج30 ص183 والدرجات الرفيعة ص69 وأسد الغابة ج1 ص287 والعثمانية للجاحظ ص315 وإعلام الورى ج1 ص103 وقصص الأنبياء للراوندي ص316 والدر النظيم ص134 وكشف الغمة ج1 ص87 ونهج الإيمان ص376 والسيرة الحلبية ج1 ص434 و 436 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص250 وإيمان أبي طالب للأميني ص36 و 37 و 88 و 90 و 92 وشرح إحقاق الحق( الملحقات) ج7 ص555.


2 ـ وفي نص آخر: أن رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب "عليه‌السلام "، مستخفياً من أبيه أبي طالب، ومن جميع اعمامه، وسائر قومه. فيصليان الصلوات فيها، فاذا أمسيا رجعا.

فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا.


ثم إن أبا طالب "عليه‌السلام " عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟

قال: أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا ابراهيم.

3 ـ وذكروا أنه قال لعلي "عليه‌السلام ": أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟

فقال: يا أبت آمنت بالله، وبرسول الله، وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته.

فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير، فالزمه.

4 ـ وفي لفظ عن علي "عليه‌السلام ": إنه لما أسلم قال له أبو طالب: الزم ابن عمك فإنك تسلم به من كل بأس، عاجل وآجل.

ثم قال لي:

إن الوثيـقـة في لزوم محمدٍ

فاشدد بصحبتـه علي يديكا(1)

____________

1- الغدير ج7 ص355 و 356 وإيمان أبي طالب للأميني ص36 وبحار الأنوار ج35 ص120 و 163 وج38 ص207 و 323 والدرجات الرفيعة ص54 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص242 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص75 وراجع ص52 و 53 وج13 ص200 وراجع: الإصابة ج7 ص198 وعيون الأثر ج1 ص125 ومجمع البيان ج5 ص113 ونور الثقلين ج2 ص256 وتفسير الثعلبي ج5 ص84 والجوهرة في نسـب الإمام علي وآله ص11 وتاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص58 ومطالب السؤول ص64 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص301 والسيرة الحلبية ج1 ص436 وغاية المرام ج5 ص154 وشرح إحقاق الحق ج22 ص620 وج23 ص525 وج30 ص624 وج33 ص216 ومناقب آل أبي طالب (المطبعة الحيدرية) ج1 ص301 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج1 ص163.


5 ـ وروا: أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لما أنزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه، فاجتاز به علي "عليه‌السلام " وكان ابن تسع سنين فناداه: يا علي! إلي، أقبل.

فأقبل إليه ملبياً، فقال له النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ": إني رسول الله إليك خاصة وإلى الخلق عامة، فقف عن يميني وصل معي.

فقال: يا رسول الله، حتى أمضي وأستأذن أبا طالب والدي.

فقال له: إذهب، فإنه سيأذن لك.

فانطلق إليه يستأذنه في اتباعه، فقال: يا ولدي، تعلم أن محمداً أمين الله منذ كان. إمض إليه واتبعه ترشد وتفلح.

فأتى علي "عليه‌السلام " ورسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قائم يصلي في المسجد، فقام عن يمينه يصلي معه، فاجتاز أبو طالب بهما وهما يصليان. فقال: يا محمد ما تصنع؟!


قال: أعبد إله السماوات والأرض، ومعي أخي علي يعبد ما أعبد، وأنا أدعوك إلى عبادة الواحد القهار.

فضحك أبو طالب حتى بدت نواجذه، وأنشأ يقول:

والله لن يصلوا اليـك بجمعهم

حتى أغيَّب في الـتراب دفينــا

إلى آخر الأبيات(1) .

ونقول:

إننا نسجل هنا الملاحظات التالية:

1 ـ إن النصوص الأربعة الأول منسجمة كل الإنسجام، والإختلاف في طبيعة ما قاله أبو طالب لولده لا يضر، فلعله "رحمه‌الله " قد ذكر أكثر من مطلب، فاقتصر بعض الرواة على هذه الخصوصية، وبعضهم على تلك.. أو أن بعضهم نقل النص بالمعنى.

2 ـ إن النصوص الأربعة الأولى، لا تنافي النص الأخير، لأن هذا النص يتحدث عن أن النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " إنما طلب من علي "عليه‌السلام " أن يصلي معه في المسجد الحرام ظاهراً لكل أحد..

فأراد "عليه‌السلام " أن يجمع بين امتثال أمر الرسول "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " وبين التأدب مع أبيه بإعلامه وإلا.. فإن قبول الدين الحق لا يحتاج إلى

____________

1- الغدير للأميني ج7 ص356 عن أبي بكر الشيرازي في تفسيره، ومناقب آل أبي = = طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص301 وبحار الأنوار ج38 ص207 وإيمان أبي طالب للأميني ص37.


إذن أحد..

ولأنه أراد أن يعلم أباه لكي يعرف كيف يتصرف لو تطورت الأمور، بسبب رعونة قريش.

ويشهد لذلك ما ذكرته الرواية من أن أبا طالب قال في هذه المناسبة:

والله لن يصلوا اليـك بجمعهم

أحــــــــــــــ حتى أغيَّ s ب في التراب دفيـنــا ــب

فليس في استمهال علي "عليه‌السلام " رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " لاستئذان أبيه أية دلالة على تردده في طاعة رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، أو تردده في قبول ما يعرضه النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ".

ويشهد لما نقول: قول علي "عليه‌السلام " إنه قد صلى لله تعالى مع رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قبل أن يصلي أحد من الأمة سبع سنين وأشهراً..

3 ـ اللافت هنا قول أبي طالب لولده علي "عليه‌السلام ": "أنظر كيف تنصره". ولم يقل له: انصره.. فإن نصرة علي "عليه‌السلام " لرسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " محرزة في نظر أبي طالب "عليه‌السلام "، ولكنه يريدها نصرة قائمة على التدبر والوعي، وتقدير الأمور، وليست نصرة عشوائية ربما يكون ضررها أكثر من نفعها..

وهذا يدل على بعد نظر أبي طالب "عليه‌السلام "، ومدى دقته وحكمته، ونظره للعواقب..

4 ـ لا ندري مدى صحة ما ورد في الرواية رقم (2) من أن علياً كان


يستخفي بصلاته عن أبيه، وسائر أعمامه.. إذ لا مبرر لاستخفائه بصلاته من أبيه، إلا إن كان رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قد أمره بذلك لمصلحة رآها، وهي أن لا يحرج أباه أمام قريش، إذا ظهر لها أن أبا طالب يدبر ويشارك في هذا الأمر، وأنه يخدعهم بذلك. فيكون هذا التدبير ظاهرياً وليس حقيقياً. وإلا، فإن أبا طالب هو الذي جعل ولده مع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم "، وكان يرى منهما الكرامات والمعجزات التي تبين له أن لهما شأناً..

بل في النصوص ما يدل على أن أبا طالب "عليه‌السلام " كان يعلم بذلك منذ ولادة علي "عليه‌السلام "، ومنذ تزويج النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " بخديجة صلوات الله عليها، وقد صرح أبو طالب بذلك في خطبة الزواج، فراجع..

5 ـ إنه "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " قال لعلي "عليه‌السلام ": "إني رسول الله إليك خاصة، وإلى الخلق عامة". وهذا يدل على أمرين:

أولهما: أن علياً لم يكن حكمه حكم الأطفال، رغم صغر سنه، بل هو مكلف ومطالب بما يطالب به الكبار البالغون.

الثاني: إن إسلامه "عليه‌السلام " يوازي اسلام الأمة بأسرها، لأن الله بعث رسوله إليه خاصة، وإلى الأمة عامة، وان لله عناية خاصة به، دون سائر الخلق. فلولا علم الله تعالى بما سيكون له من أثر في هذا الدين، أو بموقعه فيه لم يكن الأمر كذلك.

6 ـ قوله في الرواية المتقدمة رقم (2): فمكثا ما شاء الله ان يمكثا..


يدل على أن الفاصل بين اسلام جعفر "عليه‌السلام "، وبين بعثة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم " كان طويلاً.. ويتعاضد هذا مع ما سيأتي في حديث إسلام أبي ذر، وحديث انذار العشيرة من أن علياً وخديجة قد اسلما قبل أن يسلم أحد غيرهما بعدة سنوات.


الفهرس

الصحيح من سيرة الإمام علي ( عليه‌السلام ) 1

القسم الأول:41

الباب الأول:43

الفصل الأول:45

الفصل الثاني:75

الفصل الثالث:106

الفصل الرابع:138

الفصل الخامس:170

الفصل السادس:212

الفصل السابع:245

الفصل الثامن:278

ملحق الفصل الثامن 300

ملحق الفصل الثامن 312

الباب الثاني:324

الفصل الأول:326

الفهرس 356