كلمة المركز

الحمد لله حمداً كثيراً يليق بجلاله ، وصلّي الله نبيّنا محمد وخير البرية آله وبعد.

قد يتوهّم البعض ـ نتيجة التأثّر بالحضارة المادية المعاصرة والأفكار الدخيلة الداعية في ظلّ تلك الحضارة إلي التجديد في فهم القضايا الإسلامية ولو بتأويل ثوابتها بهدف محاولة إبراز توافقها وانسجامها مع المفاهيم الحضارية التي فرضتها المدينة المعاصرة ـ أن مسألة الدعاء خاضعة للحالات النفسية التي يسيطر عليها الخوف من المستقبل ويصاحبها القلق والاضطراب نظير ما كان عليه الناس في عصور العجز المادي عن دفع الكثير من الآفات المختلفة من العوارض الطبيعية أو الأمراض الوبائية ممّا كان ذلك يشكّل البعد الأوسع في قلق الناس وتعلّقهم بالحالة الغيبية والإيمان المطلق بقدرتها علي حلّ تلك المعضلات ومنها حالة الدعاء والتوسّل بالله عزّوجّل بأنبيائه وأوصيائهم لصرف مثل تلك الأخطار المتوهّمة ومنها حالات المرض والفقر وغير ذلك مما يصيب الناس يومذاك ويعجزوا أمامها عن فعل شيء.

وأساس هذا التوهّم يقوم علي أمور عدّة لعلّ من أهمّها : حسن النية بدعوات التجديد مطلقاً! مع الانبهار والتأثّر الأعمي بالحضارة المادية والتقنية المعاصرة من دون إدراك لما أظهرته تلك الحضارة المادية الإلحادية من ردود فعل حادّة تجاه الانحراف الفكري والعقدي للكنيسة وتطبيق هذا علي المفاهيم الإسلامية هراء لا معني له أصلاً إلاّ الجهل أو التعصّب وعدم الموضوعية وإلاّ أين موقع الفكر الكنسي المنحرف من دين الإسلام المتكامل الذي أتقن الله سبحانه فيه كلّ شيء ووضع القوانين المحكمة والأسس المتينة لصنع الإنسان المؤمن القويّ كي يسهم مع غيره من المؤمنين في بناء المجتمع الصالح القائم علي أساس العدل والمساوات والقضاء علي كل مظاهر الانحراف والفساد الأخلاقي والدعاء لايلغي دور الداعي في بناء أسرته ومجتمعه بناءً إسلامياً فاضلاً وتوسّل المخلوق الفقير العاجز بالخالق القويّ القادر يسقط ما أوجبه الخالق عليه من الجدّ


والاجتهاد والعمل الدؤوب للوصول إلي أهدافه وتحقيق طموحاتهو لايتيح له التواكل والانزواء والتعلّق المطلق بالغيب وإهمال كلّ سبب ولايقول بغير هذا مسلم قط إلاّ تافه أو سفيه.

نعم الدعاء له قيمة عظيمة بل هو أفضل العبادة لأنّه تجسيد للصلة الموضوعية بين الخالق والمخلوق ومنهج الدعاء وموضوعيته تكمن في استقراء القواعد الإيمانية التي ينطلق من خلالها الدعاء وأما الحكم من خلال المظاهر السلبية المنسوبة إليه قسراً نتيجة القياس الخاطئ بجملة الأطروحات الغريبة التي جاءت بها الكنيسة وأتباعها ممن خرجوا بالديانة المسيحية عن مرتكزاتها السليمة جرياً وراء نزواتهم وغرائزهم الحيوانية النهمة فهو من الإجحاف والظلم بمكان.

ونحن لاننكر أهمية هذا التحوّل الهائل في إدراك الكثير من الأمور التي كانت خافية قبل ظهور تلك الحضارة المادية والتقنيةالعالية حتّي تبدّد إثرها الكثير من المخاوف التي كانت سائدة قبل ذلك إلاّ أن هذا لايلزم ما ذكر من تأويل منحرف للدعاء سيما وأن العلم الحديث نفسه جاء ليؤكّد بقوّة أن هنالك قوّة قادرة مدبّرة مبدعة تتحكّم بكلّ مقدرات الكون والإنسان لايملك أمامها إلاّ الإقرار بعجزه وضعفه رغم ما بلغه من درجات عالية من الرقي والتحضّر.

وإذا انضاف إلي ذلك بأنّ الله عزّوجّل قد أمر عباده بدعائه وضمن لهم الاستجابة علمنا أن الدعاء طريق إلي القبول وبلوغ المأمول.

لقد وضعت الشريعة السمحاء آداباً معينة للدعاء وشروطاً تستكمل بها صورته كما بينت لنا أسفاراً نادرة من الأدعية لمختلف الشؤون وقد صدر عن مركز الرسالة كتاب (الدعاء حقيقة وآدابه وآثاره) للأستاذ علي موسي الكعبي غير أن بحث الدعاء هنا جاء علي منهج آخر تقيّد بحدود الكتاب العزيز فقط ليجلو لنا بدراسة قرآنية بكر عن معانيه ومعالمه وصيغه في القرآن الكريم.

والله الهادي إلي سواء السبيل.

مركز الرسالة


المقدّمة

الحمد لله الذي أعزّ عباده بدعائه وضمن لهم الكرامة بإجابته والصلاة علي خير خلقه من الأولين والآخرين أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمد الصادق الأمين وعلي آله الغرّ الميامين الذين طابت أرومتهم وطهرت نفوسهم فدعواالله مخلصين له الدين وبعد.

فقد استظللت ـ علي فقر مني ـ بفيء الدعاء القرآني العجيب فأسرتني قوّة بيانه وسحرني جمال اسلوبه وأطربني معناه الرشيق فكان أصفي من كلّ نبع وأعذب من ماء الفرات من ظمئ من نهل منه ولااستلذّ من ارتوي بغيره وصاحبت آياته البينات بصادق الأحاسيس وخالص المشاعر فوجدتها خير ما يجسّد فطرة الإنسان في علاقته بالله تبارك وتعالي ورأيتها مهذّبة للطباع منظمة للسلوك مصقلة للنفوس من ربقة الشهوات وأسر الماديات داعية إلي سبيل الهداية مبشرة أهلها بالارتقاء في مدارج الكمال والقرب من مواطن الرضا ورحمة الجليل المتعال.

وقرأت بإمعان كتاب الرسالة الخاتمة والدين الكامل والنعمة التامّة والنور المبين وتزوّدت من أدعية المعبّرة عن مدلولات لغوية وبلاغية فريدة تتفاعل بقوّة مع واقع الناس علي أمل تقديمها في هذه الدراسة ضمن منهج علمي يعتمد علي ما يدركه من منطق القرآن الكريم في تحليلاته واستنتاجاته بعيداًعن المنهج القائم علي أساس مفهوم الدعاء في الإسلام وما


يتّصل بذلك من الأحديث والآثار وأقوال العلماء كظاهرة بيانية لها طريقها في الخطاب القرآني وبنائه الفنّي المعجز ناظراً في ألفاظها وسياقها ونظمها المتناسق بعين أهل البيان من المفسّرين والنحويين والبلاغين.

وبناء علي ذلك التمست بعض مظاهر ودلالات الدعاء في ثلاث فصول :

اختصّ الأول بالكشف عن معاني الدعاء في القرآن الكريم.

وتناول الثاني صيغ الدعاء وصوره في القرآن الكريم.

وجاء الفصل الثالث ليكشف عن معالم الدعاء وأنواعه في القرآن الكريم.

وعلي الرغم من اكتمال البحث عن مظاهر الإعجاز البياني المختصّة لآيات الدعاء في القرآن الكريم من المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية بفصل رابع وكذلك الكتمال بحث المعاني النحوية والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية في أدعية القرآن المجيد في فصل خامس إلاّ أني آثرت تقديم الفصول الثلاثة الأولي في هذه الدراسة فحسب تلبية لرغبة الناشر وطموحنا في تطوير الفصلين المذكورين ونشرهمافي كتاب آخر.

وهنا لابدّ من أن أقرّ علي نفسي بالقصور والتقصير في محاولتي الوقوف علي ظاهرة الدعاء في كتاب الله جلّ جلاله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وعذري في ذلك أن أرتشف هداه وأن أبصر بنوره فإن وفّقفت وأحسنت فهذا ما لا يسعني شكره إلاّ بنعمةٍ ترقي بي لشكره وحمده تعالي ، وإن كان غير ذلك فهذا ما لا يطاق حمله ولا الصبر عليه إلاّ بدعاءٍ مخلص مقرّ بالذنب مستغفر منه راجٍ الهداية لما فيه سلامة اليوم وفوز الغد إن شاءالله تعالي وهو حسبي ومجيبي وله الحمد أولاً وآخراً علي ما أنعم وأكرم.


الفصل الأوّل

معاني الدعاء في القرآن الكريم

المبحث الأوّل

الدعاء في اللغة والاصطلاح

أوّلاً ـ الدعاء لغة :

اشتقاقه :

« دَعَا » لفظ عربي أصله «دَعَا ولأنّه من دعوت إلاّ أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت»(1) لذا « فالدال والعين والحرف المعتل أصل »(2) و مصدر دَعَا الثلاثي دعوةً ودعاءً(3) فتقول : دَعَا يدعو دعاءً كما تقول : دعا يدعو دعوةً « والمفعول مدعوّا ادعو دعاءً »(4) وجمع اسم الفاعل منه « دعاة وداعون كقضاة وقاضون »(5) ، والدّعوي : اسم لما تدّعيه والدعوة تصلح أن تكون في معني الدعاء لو قلت : اللهمّ أشركنا في صالح دعاء المسلمينو دعوي المسلمين

__________________

(1) الصحاح / الجوهري مادة ( دَعَوَ ).

(2) مقاييس اللغة / ابن فارس ، باب العين والدال وما يثلثهما ( دَعَوَ ).

(3) ظ : تهذيب اللغة / الأزهري : باب العين والدال ( دَعَوَ ).

(4) جهرة اللغة / ابن دريد / مادة ( دَعَوَ ).

(5) تاج العروس / الزبيدي : مادة ( دَعَوَ ).


جاز وحكي ذلك سيبويه وأنشد :

« قالت ودعواهاكثير صخبه »(1) (2) .

ويطلق الدّعّاء كصيغة مبالغة « علي الشخص كثير الدعاء »(3) .

دلالة المادة :

وتلغب علي مادة دعا في أصولها واشتقاقها معني الطلب ودلالة فالدعاء في جوهره « طلب الطالب للفعل من غيره»(4) وهذا ما حمل الزمخشري علي أن يجعل الدعاء بمعني النداء « فدعوت فلاناً وبفلانٍ : ناديته وصحت به »(5) بوصف النداء أسلوباً من أساليب الطلب إلاّ أن في الدعاء معني النداء وأكثر من ذلك إذ إن النداء أحد معاني الدعاء ـ وأظن ـ أن ماجوز أن يكون الدعاء بمعني النداء هو تصدّر أغلب الدعاء بأداة النداء ظاهرة أو مقدّرة فضلاً عما يشترك به معني الدعاء والنداء في « أن تميل الشيءَ إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك »(6) وهذا ما جعل النداء بمعني الدعاء والعكس صحيح.

استعمال مادة « دعا » :

نلتمس من استعمال العرب لهذا اللفظ ـ حقيقة ومجازاً ـ أصالة الكلمة وانتماءهاإلي فصيح كلامهم واستخدامها في أكثر نشاطهم اللغوي ومن ذلك قولهم الادّعاء : ويكون في الحرب بمعني الاعتزاء أي أن تقول : أنا ابن

__________________

(1) تهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو).

(2) لبشر بن النكث ، ظ : الكتاب4 / 41.

(3) تاج العروس : مادة (دعو).

(4) المخصص / ابن سيده 88 : 13.

(5) أساس البلاغة / الزمخشري : 272.

(6) مقاييس اللغة : باب الدال والعينوما يثلثهما (دعو).


فلان(1) قال الشاعر(2) :

ونجرّ في الهيجا الرماح وندّعي

وقولهم : تداعوا عليه تجمّعوا(3) فكأنما طلب أحدهما من الآخر ذلك ودعابعضهم بعضاً والدعاء للإنسان يمكن أن يكون في بابين : له وعليه فدعا «له : طلب له الخير وعليه : طلب له الشر»(4) وهذا ما سار عليه القدماء الذين صنّفعوا في الألفاظ واختيارها فجمعوا أدعية كثيرة مما أثر عن العرب في جاهليتهم وإسلامهم وأول ما نجد ذلك في كتاب «تهذيب الألفاظ» حيث وضع ابن السكيت (ت / 244ه) باباً في الدعاء علي الإنسان بالشر وآخر في الدعاء له بالخير(5) وسار علي نهجه من ألّف في هذا المجال حتي كادوا أن يستوعبوا ما قالته العرب في ذلك(6) وفي العصر الإسلامي سمي الرسول الكريم بـ « داعي الله أي إلي توحيده وما يقرب منه ويطلق الداعي علي المؤذن لأنّه من الله »(7) .

وتفيض معاجم العربية باستعمال لفظ الدعاء مجازاً ومن ذلك قول العرب :

__________________

(1) البيت للحادرة الذبياني : وصدرة : ـ ونقي بأمن ما لنا أحسابنا ـ ظ : المفضليات : 9.

(2) القاموس المحيط / الفيروزآبادي : مادة (دعو)

(3) معجم متن اللغة / أحمد رضا : مادة (دعو)

(4) كنز الحفاظ في كتاب تهذيب الأخلاق / أبو يوسف بن إسحاق السكيت : 570 ـ 580 وانظر كذلك كتابه : إصلاح المنطق : 405.

(5) ممن صنّفوا في هذا الباب : ظ : الهمذاني في الألفاظ الكتابية : 170 ـ 171 ، ظ : قدامةبن جعفر (ت / 337ه) في جواهر الألفاظ : 316 ، 378 ، 389 ، 391 ، 425 ، ظ : ابن سيده في المخصص 88 : 12.

(6) تاج العروس : مادة (دعو).

(7) لسان العرب : مادة (دعو).


« لصريخ الخيل في الحرب الداعية »(1) فكأنها بصوتها تدعوهم وتستنصرهم وكذلك قولهم : « داعية اللبن : وهو ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده »(2) . ومنه كذلك « تداعت الحيطان إذ سقط واحد وآخر بعده فكأن الأول دعا الثاني »(3) وقالت العرب : « دعاه الله بما يكره : أنزله به »(4) ويقال أيضاً : دعا فلاناً مكان كذا إذا قصد ذلك المكان كأن المكان دعاه وهذا من فصيح كلامهم(5) .

قال ذو الرمة(6) :

دعت ميّة الأعداد واستبدلت بها

خناطيل آجال من العين خذّل

ومما تقدّم تبدو أصول الكلمة العربية ويتبيّن اشتقاق جذورها الأولي وتقلّبها في الاستعمال بين الحقيقة والمجاز.

الدعاء في الاصطلاح :

يصعب علي الباحث أن يضع تعريفاً جامعاً للدعاء لأننا إن فعلنا ذلك فسوف نصدر عن نظر ضيق وأساسٍ واهٍ في تحديد ظاهرة حيّة متجدّدة بتجدّد أحوال الإنسان تجاه خالقه في حاجاته ومشاعرة إلاّ أنّه يمكننا أن

__________________

(1) لسان العرب : مادة (دعو)

(2) نهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو) ، ظ : النهاية في غريب الحديث والأثر : قوله لضرار بن الأزور : (دع داعي اللبن لا تجهده ) أي ابق في الضرع قليلاً من اللبن 120 : 20.

(3) مقاييس اللغة : باب الدال والعين وماثلثهما (دعو).

(4) أساس البلاغة : 272 ، ظ : معجم العين والدال (دعو).

(5) مقاييس اللغة : باب العين والدال وما يثلثهما (دعو).

(6) ديوان ذي الرمة : 587 ، ظ : اللسان ( خنظل ، عدد ) ، دعتها الأعداد : أي ارتحلت إلى حيث الأعداد ، وهي المياه التي لاتنقطع واحدها ( عد ) ، استبدلت بها : أي استبدلت الدار بمية تلك الوحوش.


نلتمس مفهوماً يشرف بنا علي حدود الدعاء.

ومن هذا السبيل عرف الدعاء بأنّه « الرغبة إلي الله تعالي فيما عنده من الخير والابتهال إليه بالسؤال »(1) فالرغبة بالسؤال بمعني التوجّه والطلب وهوكذلك « صلة روحية بين العبد وبارئه »(2) .

وصلة كهذه لا تحدها المسافة ولا يقيّدها زمن فهي حاضرة في كل وقت حاضرة في نفس الإنسان وبين جنبيه فأيّ صلة تكون أقرب لنا من حبل الوريد قال تعالي :( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) (3) .

ولكن النفس تأبي إلاّ أن تترجم هذه المشاعر فتكون «رجوات قلب وهمسات فؤاد ونبضات وجدان وترنيمات عابد»4) .

وما دام الدعاء حالة إنسانية تجسّد واقعاً نفسيّاً بين العبد وخالقه تتعلّق بعواطف الإنسان وحاجاته فقد الختلف الدراسون ـ وهم كثر ـ في تصوره وتعريفه إلاّ أن تصوراتهم جرت في تيار واحد مثّلث استجابة الإنسان بفطرته لنداء ربّه فهو «شعور القلب بالحاجةإلي عناية الله تعالي فيما يطلب وصدق التوجّه فيما يرغب»(5) ويعرّف بعضهم الدعاء بأنّه « ترنيمة المؤمن وغذاؤه الروحي الذي يربطه بالحياة في كل آن بل إن الدعاء هو فريضة المؤمن الممزوجة بكلّ ألوان

__________________

(1) تاج العروس : مادة (دعو) ظ : القاموس : مادة (دعو).

(2) الأمثال في القرآن / محمود بن الشريف : 95.

(2) سورة ق : 50 / 16.

(4) الدعاء في القرآن / محمود بن شريف : 7.

(5) تفسير المنار / محمد رشيد رضا14 : 2.


الطاعات »(1) والدعاء ـ كماأري ـ توجّه الإنسان روحاً وجسداً إلي خالقه معبّراً أشرف مصاديق ذلك التوجّه في ألفاظ وتعابير تشرق في النفس ملبّية نداءً إلهيّاً ومجلية حاجة فطرية في الطمئنان والسكون إلي قوةٍ لا تقهر وأنس لايوحش ورعاية لاتنتهي.

فحقيقة الدعاء إذاً « هي الشعور الباطني في الإنسان بالصلة والارتباط بعالم لا مبدأ له ولانهاية ولا حد ولاغاية لسعة رحمته وقدرته وإحاطته بجميع ما سواه فوق ما نعقل من معني السعة والاحاطة والقدرة يقضي له حوائجه بحيث يجعل المدعو تحت قدرة الداعي جميع وسائل نجح طلباته »(2) .

ولهذا فالإنسان يكون داعياً في كل لحظاته في حركته وسكونه في يقظته وغفلته في كلامه وصمته في همساته وإشاراته وليس في ذلك غلوّ ولا مبالغة لأن الداعي إلي الدعاء أصلاً هو الافتقار والحاجة وافتقار الإنسان يغمره فطرةً وطبعاً ـ في كل أجزائه ـ إلي من يغلق عليه أبواب حاجته ويفيض عليه من فضل رحمته لذلك فإن « حقيقة الدعاء يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة »(3) والفقر لرحمة تعالي وعليه فالفطرة أساس الدعاء وحيثما وجد الافتقار ـ مرآة الفطرة ـ كان الدعاء توجّهاً صادقا من الأدني إلي الأعلي وهو ما تعارف عليه من أنّه « طلب الفعل مع التسفّل والخضوع »(4) .

وصار واضحاً التوافق التام بين المعني اللغوي والاصطلاحي لمادة الدعاء من حيث دلالتها علي الطلب وما يميز هذا الطلب من بقية أقسامه المتعددة

__________________

(1) الدعاء والإجابة / فؤاد رضا : 20.

(2) مواهب الرحمن في تفسير القرآن / عبد الأعلي الموسوي 70 : 3.

(3) الميزان في تفسير القرآن / محمد حسين الطباطبائي 33 : 1.

(4) كشاف الفنون / التهانوي 504 : 2.


كالالتماس وغيره.

ثانياً : وجوه معاني الدعاء في القرآن الكريم :

مما لا شك فيه أن ثراء اللغة العربية وغناها متعلق بكتاب الله العزيز فقد وثّق أصول الألفاظ العربية وأفاض في استعمال اشتقاقها وتطوير دلالتها لذلك نجد فرقاً واضحاً لبن دلالات الألفاظ في الجاهلية وبين استخدامها القرآني حيث «تجرّد كثير من الألفاظ من معانيها العامة القديمة وأصبحت تدل علي معانٍ خاصةتتصل بالعبادات والشعائر أو شؤون السياسة والإدارة والحرب أو مصطلحات العلوم والفنون»(1) ولذا يمكننا القول بكل ثقة واطمئنان أن سرّ بقاء العربية وخلودها يرجع إلي القرآن العزيم كتاب العربية الأكبر.

وفيما يتصل بمادة « دعا » واستعمالها القرآني فقد استوعب القرآن الكريم تصاريف اللفظ ودلالاته حيث جاء علي نحو مائة وتسعين مرّة ضمن اثنين وسبعين(2) اشتقاقاً تنوّعت معانيها بتنوّع سياقها التي وردت فيه ولهذا فقد كانت معاني الدعاء موضع نظر المفسرين والمهتمين بالوجوه والنظائر وأول من يشار إليه في ذلك مقاتل بن سليمان البلخي ( ت / 150 هـ ) حيث جعل للدعاء وجوهاً ستّة(3) سار علي أثره بعض من جاء بعده وخالفه آخرون في بعض معاني الدعاء ووجوهه إلاّ أنّهم نهلوا منه واعتمدوا عليه وهذا واضح من طريقة عرض المادة والستشهاد بالآيات القرآنية نفسها.

وأبرز وجوه معاني الدعاء التي وردت في القرآن الكريم ما يلي :

__________________

(1) فقه اللغة / د. علي عبد الواحد وافي : 115.

(2) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم / محمد فؤاد عبد الباقي : مادة (دعو).

(3) ظ : الأشباه والنظائر / مقاتل بن سليمان البلخي 285 : 2.


الوجه الأوّل ـ الدعاء بمعني العبادة :

وهذا أوّل معاني الدعاء وأوسعها استعمالاً في القرآن الكريم فقد جاء الدعاء بمنزلة العبادة كثيراً في الاستعمال القرآني قال تعالي :( وقال ربّكم ادعوني أستجب لكم إنّ الّذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين ) (1) .

وإذا علمنا أنّ العبادة مفهوم واسع يتّسع لعدّة طقوس وفعاليات تؤدّي بطرق مختلفه تكوّن بمجموعها العبادة علمنا أهمية الدعاء ومكانه بالنسبة للعبادة حيث يثمل جوهر العبادة وروحها ولهذا ساوي جلّ وعلا بين العبادة والدعاء وتواتر هذا المعني في أحاديث الرسول الكريم حيث قال : «الدعاء هو العبادة »(2) .

ومما جاء بهذا المعني قوله تعالي :( قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاوّكم ) (3) « يقول : لولا عبادتك »(4) .

وقال تعالي :( قل أندعوا من دون الله ) (5) « يعني : أنعبد من دون الله »(6)

__________________

(1) سورة غافر : 40 / 60.

(2) سنن المصطفي / محمدبن يزيد ابن ماجة 428 : 2.

(3) سورة الفرقان : 77 / 25.

(4) الأشباه والنظائر286 : 2 ظ : الوجوه والنظائر / هارون بن موسي : 313.

التصاريف / يحيي بن سلام : 326 ، نزهة الأعين النواظر / ابن الجوزي : 293.

مجمع البحرين / فخرالدين الطريحي 139 : 1.

(5) سورة الأنعام : 6 / 71.

(6) قاموس القرآن / الدامغاني : 173 ظ : بصائر ذوي التمييز 601 : 2 الإتقان / السيوطي 131 : 2.


( مالا ينفعنا ولايضرّنا ) (1) .

وقال تعالي :( أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين ) (2) « أيّ أتعبدون ربًّا سوي الله »(3) (4) .

ومن المفيد أن تذكر أن تقارب معني اللفظين بصورة كبيرة أدّي إلي اختلاف أقوال العلماء والمفسرين في حمل معني العبادة علي اللفظ أو معني الطلب والدعاء أو اعتبار جواز المعنيين في اللفظ نفسه.

الوجه الثاني ـ الدعاء بمعني القول :

والاستعمال القرآني للدعاء بمعني القول لم يخرج عن جنس ما استخدمه العرب بل ورد مطابقاً لما في كلامها قال الشاعر(5) .

يدعون عنتر والرماح كأنّها

أشطان بئر في لبان الأدهم

يقول ابن منظور في معني البيت : «معناه : يقولون : يا عنتر فدلّت يدعون عليها»(6) .

ومما جاء في القرآن العزيز بمعني القول :( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا ) يعني : ماكان قولهم إذ جاءهم عذابنا( إلاّ أن قالوا إنّا كنّا ظالمين ) (7) .(8)

__________________

(1) سورة الأنعام : 6 / 71.

(2) سورة الصافّات : 37 / 125.

(3) تهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو)

(4) انظر الآيات التالية بنفس المعني : يونس : 10 / 106 ، الشعراء : 26 / 213 ،

القصص : 28 / 88 الحج : 22 / 13 ، فاطر : 35 / 67 العنكبوت : 29 / 17 ،

الفرقان : 25 / 68 ، الحج : 22 / 13 ، الكهف : 18 / 14.

(5) ديوان عنترة : 18.

(6) لسان العرب : مادة (دعو).

(7) سورة الأعراف : 7 / 5.

(8) الأشباه والنظائر 285 : 2 ، ظ : الوجوه والنظائر : 313 ، ظ : نزهة الأعين : 293.


وجلي أن هذا من تفسير القرآن بالقرآن فقد ناسب قوله تعالي : (دعواهم ) بـ (قالوا ) فبيّن أن معني الدعوي هنا القول.

الوجه الثالث ـ الدعاء بمعني الاستعانة أو الاستغاثة :

ولتداخل معني الاستعانة والاستغاثة وتشابههما كان أهل اللغة وأصحاب الوجوه والنظائر في ذلك علي أقسام ثلاثة :

أ ـ قسم حمل لفظ ( دعا ) أو بعض مشتقاته علي معني الاستغاثة دون الإشارة إلي معني الاستعانة ويمثل هذا القسم : مقاتل بن سليمان في الأشباه والنظائر(1) .

والراغب في مفرداته(2) والدامغاني في قاموس القرآن(3) .

ب ـ القسم الثاني : علي عكس ما ذهب إليه الفريق الأوّل فقد حمل لفظ ( دعا ) أو بعض اشتقاقه علي معني الاستعانة ولم يشر إلي الاستغاثة مطلقاً وضم هذا القسم هارون بن موسي في الوجوه والنظائر(4) ، ويحيي بن سلام في التصاريف(5) وابن الجوزي في نزهة الأعين(6) والسيوطي في الإتقان(7) .

جـ ـ أما القسم الثالث فقد جمع بين « معنيي الاستغاثة والاستعانة » كما هو عند الأزهري في تهذيب اللغة(8) ، والفيروزآبادي في بصائر ذوي

__________________

(1) الأشباه والنظائر 287 : 2.

(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن / الراغب الأصفهاني : 171.

(3) قاموس القرآن : 174.

(4) الوجوه والنظائر : 314.

(5) التصاريف : 326.

(6) نزهة الأعين : 294.

(7) الإتقان 131 : 2.

(8) نهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو).


التمييز(1) .

والغالب عندي ـ والله أعلم ـ أن المعينيين علي تقاربهما يمكن أن نلحظ في دلالة الاستغاثة سعة أكثر منه في الاستعانة وكلاهما طلب وبمحلان علي الدعاء أيضاً إلاّ أن الاستغاثة «طلب الواقع في بلية»(2) قال تعالي :( وإن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه بئس الشّراب وساءت مرتفقاً ) (3) واكثر ما تجي الاستغاثة في طلب « النصرة »(4) قال تعالي :( ... فاستغاثه الّذي من شيعته علي الّذي من عدوّه ) (5) وقال جلّ ذكره :( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين ) (6) .

والاستجابة السريعة في هذه الآية ـ وفي الاستغاثة عموماً ـ إشارة إلي أن الاستغاثة انتشال من أمر عظيم فقد الطالب ـ المستغيث ـ فيه أمله بقدراته وعلّقها بمغيثه.

أما الاستعانة فالظاهر فيها ـ والله أعلم ـ الطلب والدعاء إلاّ أنّ حال الطالب يكون أقلّ شدّة من المستغيث فليس هناك بلاء واقع علي المستعين وإنّما يكون الطلب زيادة في إكمال الأمر المستعان عليه كما يظهر من قوله تعالي :( قال ما مكّنّي فيه خير فأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردماً ) (7) ومما

__________________

(1) بصائر ذوي التمييز 601 : 2.

(2) لسان العرب : مادة (غوث).

(3) سورة الكهف : 29 / 18.

(4) ظ : معجم مفردات القرآن / الراغب (ت / 502ه) : 379.

(5) سورة القصص : 28 / 15.

(6) سورة الأنفال : 8 / 9.

(7) سورة الكهف : 18 / 95.


ورد في القرآن بهذه المعاني قوله تعالي :( وإن كنتم في ريبٍ مّمّا نزّلنا علي عبدنا فاتوا بسورة مّن مّثله وادعوا شهداءكم مّن دون الله إن كنتم صادقين ) (1) قال مقاتل : « يعني استغيثوا بشهدائكم »(2) في حين إن معني ( ادعو ) في الآية نفسها لدي هارون بن موسي « يعني استعينوا بشركائكم »(3) .

ويري الباحث أن لا مانع من حمل معني الاستعانة والاستغاثة علي مضمون الآية إن أجاز لنا سياق الآية ذلك أو حمل المعنيين معاً إذا أوّل كلّ منهما كما عند الأزهري في تهذيب اللغة(4) .(5)

الوجه الرابع ـ الدعاء بمعني النداء :

قال الراغب : « الدعاء كالنداء إلاّ أن النداء قد يقال ب يا أو أيا ونحو ذلك من غير أن يضم إليه الاسم والدعاء لايكاد يقال إذا كان معه الاسم نحو : يافلان وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر(6) ، قوله تعالي :( ومثل الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق بما لا يسمع إلاّ دعاءً ونداءً صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون ) (7) وقوله تعالي :( قل إنّما أنذركم بالوحي ولايسمع الصّمّ

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 23.

(2) الأشباه والنظائر 287 : 2.

(3) الوجوه والنظائر : 313 ، ظ : التصاريف : 326.

(4) تهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو) ظ : بصائر ذوي التمييز 601 : 2.

(5) ظ : هذا المعني في الآيات : سورة يونس : 10 / 38 سورة هود : 11 / 13 ، سورة غافر : 40 / 26.

(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 171.

(7) سورة البقرة : 2 / 171.


الدّعاء ) (1) « يعني النداء »(2) و قال تعالي علي لسان زكريا :( إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً ٭قال ربّ إنّي وهن العظم منّي واستعل الرّاس شيباً ولم أكن بدعائك ربّ شقيّاً ) (3) «أي بندائك»(4) .

وهنا يظهر أن لفظ الدعاء يفسر النداء والعكس يصح كذلك لهذا كان معني الدعاء ضمن وجوه النداء في القرآن(5) قال تعالي :( وأيّوب إذ نادي ربّه أنّي مسّني الضّرّ وأنت أرحم الرّاحمين ) (6) أي دعا ربه والله أعلم وقوله تعالي :( يوم يدع الدّأع إلي شيءٍ نكرٍ ) (7) « أي يوم ينادي المنادي »(8) (9) وعلي الرغم من تقارب دلالتي النداء والدعاء إلاّ أننا يمكن أن نرصد فرقاً بينهما وذلك « أن النداء : هو رفع الصوت بما له معني والدعاء يكون برفع الصوت وخفضه يقال : دعوته من بعيد ودعوت الله في نفسي ولايقال : نادية في نفسي »(10) . وبذلك يتضح إشراك الدعاء والنداء في جانب من دلالتهما في وضع أحدهما موضع الآخر واختلافهما من جانب آخر.

__________________

(1) سورة الأنبياء : 21 / 45.

(2) قاموس القرآن : 174.

(3) سورة مريم : 19 / 3 و 4.

(4) بصائر ذوي التمييز 601 : 2.

(5) ظ : قاموس القرآن : 450.

(6) سورة الأنبيا : 21 / 83.

(7) سورة القمر : 54 / 6.

(8) الأشباه والنظائر 286 : 2 ، الوجوه والنظار : 314.

(9) ظ : الآيات التالية في السياق نفسه : سورة الإسراء : 17 / 15 سورة الروم : 30 / 52 سورة فاطر : 35 / 14 ، سورة الأنبيا : 21 / 76 و 87 و 89.

(10) الفروق اللغوية / أبو هلال العسكري : 26.


الوجه الخامس ـ الدعاء بمعني السؤال :

ورد السؤال في القرآن الكريم علي عشرين وجهاً(1) والسؤال بمعني الدعاء يمكن أن يكون في بايين :

الأول : السؤال علي وجهة الاستفهام والاستعلام.

الثاني : السؤال علي جهة الطلب والرغبة في حصول المراد.

ومما جاء من آيات الذكر الكريم في الباب الأوّل قوله تعالي :( ويوم يقول نادوا شر كاثي الّذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقاً ) (2) «يعني : فسألوهم أهم آلهة؟ (فلم يستجيبوالهم ) بأنهم آلهة »(3) وقال تعالي علي لسان بني إسرائيل في سؤالهم موسي :( قالوا ادع لنا ربّك . ) (4) أي سل لنا(5) أو استعلم لنا.

أما السؤال بمعني الرجاء في حصول الشيء فيأتي دائماً متعلقاً بطلب ظاهر في سياق الآية قال تعالي :( وقال الّذين في النّار لخزنة جهنّم ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يوماً من العذاب ) (6) « أي سلوا ربكم واطلبوا إليه »(7) (يخفّف عنّا يوماً من العذاب ). وقال تعالي في سورة الزخرف :( وقالوا

__________________

(1) ظ : بصائر ذوي التمييز 162 : 3.

(2) سورة الكهف : 18 / 52.

(3) الأشباه والنظائر 287 : 2.

(4) سورة البقرة : 2 / 68.

(5) ظ : الوجوه والنظائر : 315 ، التصاريف : 327 ، كذلك المفردات : 171 ، ظ : نزهة الأعين النواظر في علم

الوجوه والنظائر : 295.

(6) سورة غافر : 40 / 49.

(7) الأشباه والنظائر 287 : 2.


يا أيّة السّاحر ادع لنا ربّك بما عهد عندك إنّنا لمهتدون ) (1) أي سل لنا ربك(2) ومثلما أن معني السؤال وجه من وجوه الدعاء معني الدعاء وجه من وجوه السؤال(3) . قال تعالي :( سأل سائل بعذّاب واقع ) (4) « يعني دعا داع »(5) .

الوجه السادس ـ الدعاء بمعني العذاب والعقوبة والموت :

قال تعالي في وصف جهنم :( كلاّ إنّها لظي ٭نزّاعة للشّوي ٭تدعوا من أدبر وتولّي ) (6) أي « تعذّب »(7) ونقل عن بعض المفسرين قولهم « ليست كالدعاء تعال ولكن دعوتها إياهم ما نفعل لهم من الأفاعيل »(8) وهذا عين ما استخدمته العرب عند دعائها علي شخص ما فتقول : « دعاك الله أي أماتك قول الأعرابي : دعاك الله : أي عذّبك »(9) .

الوجه السابع ـ معان مختلفة :

هناك معانٍ جديدة للدعاء نلمحها من خلال اختلاف السياق الذي وردت فيه وهي كما يلي :

__________________

(1) سورة الزخرف : 43 / 49.

(2) ظ : التصاريف : 327.

(3) قاموس القرآن : 224.

(4) سورة المعارج : 70 / 1.

(5) ظ : في السياق نفسه : سورة غافر : 40 / 60 سورة الأعراف : 7 / 55 و 56.

(6) سورة المعارج : 70 / 15 ـ 17.

(7) بصائر ذوي التمييز 602 : 2 ، ظ : نزهة الأعين النواظ : 395 ، مجمع البحرين

/ الطريحي 139 : 1.

(8) تهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو).

(9) قاموس القرآن : 175.


أ ـالدعاء بمعني الصلاة : الصلاة في أشهر معانيها الدعاء وجاءت في القرآن بهذا المعني في كثير من آياته قال تعالي :( واصبر نفسك مع الّذين يدّعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ) (1) قال مجاهد في تفسير هذه الآية «يصلّون الصلوات الخمس»(2) .

ب ـوالدعاء بمعني التمنّي : قال تعالي :( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدّعون ) (3) أي ما يتمنون(4) وقيل إنّه «راجع إلي معني الدعاء أي ما يدّعيه أهل الجنّة يأتيهم»(5) ، واستعمل العرب الدعاء بمعني التمنّي كما في قولهم «ادع عليّ ما شئت»(6) .

جـ ـالدعاء بمعني التسمية : والدعاء بهذا المعني آتٍ من معني النداء لأنّ النداء غالباً ما يكون بالاسم والدعاء يأتي بمعني النداء فاستعمل الدعاء « استعمال التسمية نحو دعوت ابني زيداً : أي سميته »(7) ، وجاء في القرآن الكريم استعمال الدعاء بمعني التسمية في قوله تعالي :( لاتجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ) (8) أي تسمّوه باسمه كما هو بينكم بل كنّوه وعظّموه في تسميته ـ والله أعلم ـ.

__________________

(1) سورة الكهف : 18 / 28.

(2) تهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو)

(3) سورة يس : 36 / 57.

(4) مجمع البحرين 139 : 1.

(5) لسان العرب : مادة (دعو).

(6) تهذيب اللغة : باب العين والدال (دعو).

(7) معجم مفردات القرآن : 172.

(8) سورة النور : 24 / 63.


د ـوالدعاء بمعني اللسان : كما ورد في قوله تعالي :( لعن الّذين كفروا من بني إسرائيل علي لسان داود وعيسي ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) (1) ( علي لسان داود أي في دعائه )(2) .

هـ ـالدعاء بمعني النسب وإلحاق الشخص بنسبه : كما في قوله تعالي :( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) (3) أي انسبوهم(4) ، وقال تعالي :( ... أن دعوا للرّجمن ولدا ً) (5) نسبوا وجعلوا له أبناء تعالي الله عن ذلك علوّاً كبيراً(6) هذا ولم يفرّق بعضهم بين وجوه الدعاء ونظائره في القرآن وبين معانيه التفسيرية فالفيروز آبادي علي سبيل المثال أوصل وجوه الدعاء إلي سبعة عشر وجهاً(7) جمع بين نظائر الدعاء في القرآن وتفسيره ـ والرأي عندي ـ أن تفسير الآيات يمكن إرجاعها ضمن وجوه ونظائر الدعاء مثالنا في ذلك : دعوة نوح في قوله :( ربّ إنّي دعوت قومي ليلاً ونهاراً ) (8) يمكن أن توضع ضمن الوجه الخامس ـ السؤال الطلبي ـ بمعني أنه سألهم الهداية وطلب منهم ذلك.

وكذلك دعوة إسرافيل( ثمّ إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم

__________________

(1) سورة المائدة : 5 / 78.

(2) قاموس القرآن : 415.

(3) سورة الأحزاب : 33 / 5.

(4) ظ : تهذيب اللغة : باب العين والدال ( دعو ) ، ظ : مجمع البحرين 140 : 1.

(5) سورة مريم : 19 / 91.

(6) ظ : تهذيب اللغة : باب العين والدال ( دعو ).

(7) انظر بصائر ذوي التمييز 601 : 2 ـ 603.

(8) سورة نوح : 71 / 5.


تخرجون ) (1) هي ضمن الوجه الرابع ـ بمعني النداء ـ أي ناداكم مكما فعل ذلك مقاتل البلخي عندما جمع بين وجه الدعاء وتفسيره ضمن وجه النداء في قوله تعالي :( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) (2) يقول : «يوم يناديكم إسرافيل»(3) ومثل هذا في قوله تعالي في يونس :( دعواهم فيها سبحانك اللّهمّ ) (4) وهو دعاء أهل الجنة «يعني قولهم إذا اشتهوا الطعام( سبحانك اللّهم ) » (5) وضع ضمن اوجه الثاني معني القول لذا فليس من المناسب أن نضع لكل سياق وجهاً جديداً لأنّ أغلب وجوه الدعاء لاتخرج عما ذكرناه آنفاً ـ والله أعلم ـ ويتضح مما تقدّم أن معاني الدعاء متعددة الوجوه وكثيرة النظائر وأن هناك ألفاظاً حملت معني الدعاء في دلالتها سواء أكان ذلك في صيغها أم كان في مضمونها وهذا ما سيتكفل بطرحه المبحث الآتي.

المبحث الثاني

الألفاظ المستعملة في معني الدعاء

إذ كانت أهمية الدعاء ـ في جانبمنها ـ متأتيةً من كثرة ألفاظه واستخدامها علي صعيد النص القرآني ، فإن مضامين الدعاء ودلالته في ألفاظ أخري لا تقل أهمية وسعة واستعمالاً في القرآن الكريم ولهذا تجد ألفاظاً

__________________

(1) سورة الروم : 30 / 25.

(2) سورة الإسراء : 17 / 52.

(3) الأشباه والنظائر 286 : 2 ، التصاريف : 326.

(4) سورة يونس : 10 / 10.

(5) قاموس القرآن : 173.


كثيرة تتحقق فيها مظاهر الدعاء وأركانه في مضامينها وسياقها مما جعلنا نعدّها دعاء فضلاً عن أصلها اللغوي ومعناها الاصطلاحي الذي سوّغ لنا ذلك وهدانا إلي استكشاف أبعادها الدلالية التي أسمهت ـ إلي حد بعيد ـ في إظهار ما ندهب إليه من تقارب روافدها مع الدعاء بل واشتراك استعمالها قرآنياً بمعاني الدعاء الأمر الذي حدا بالبحث إلي أن يلتمس بذائقته بعضاً من تلك الألفاظ ويتتبعها كي تتكامل الظاهرة الدعائية ـ كما نرى ـ وترتسم معالمها لفظاً ومعني علي مستوي النص القرآني وأول هذه الألفاظ :

الصلاة :

تنقسم معاني الصلاة في أصلها اللغوي علي معانٍ أربعة نستعرضها بإيجاز ونبيّن ما ذهبنا إليه.

المعني الأوّل : أن الصلاة مأخوذه من الصلا «وهو مغرز الذنب من الفرس والاثنان صلوان»(1) والصلا في الإنسان «العظم الذي عليه الإليتان وهو آخر ما يبلي من الإنسان في القبر»(2) وأطلقت الصلاة علي حركة رفع الصلا في الركوع والسجود لدي المصلي.نقل هذا المعني الزمخشري في كشافه(3) إلاّ أن الرازي أنكر هذا المعني وعابه في قوله : « إن الاشتقاق الذي ذكره صاحب الكشاف يفضي إلي طعن عظيم في كون القرآن حجة وذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة وأكثرها دوراناً علي ألسنة المسلمين ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء واشتهاراً بين أهل النقل»(4) .

__________________

(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 88 : 3.

(2) جمهرة اللغة : مادة ( صلي ).

(3) الكشاف / الزمخشري 1000 : 1.

(4) مفاتيح الغيب 33 : 2.


و قد فض هذا الأصل في الصلاة الشريف الجرجاني(1) أيضاً ويغنينا عن القول في استبعاد معني الصلاة من ( الصلا ) ما تقدّم من كلام الرازي فقد بيّن عدم اشتهار هذا الأصل بالنسبة للمسلمين فضلاً عن قلّة شواهده الجاهلية التي تؤيد استعمال العرب للصلاة من هذا المعني.

المعنى الثاني : أصل الصلاة من صلي «وصليت القناة : قوّمتها بالنار»(2) ثم استعير تقويم العصا بالنار وتلينها إلي تقويم النفس ظاهراً وباطناً بمعني أن وقوف العبد أمام خالقه و «قبالة عظمته وجلاله ورأفته ورحمته فوصل إليه من هذه الأشياء كما وصل إليه من حرّ النار حتي صلي بها»(3) وهذا الأصل وإن حمل بعضاً من روح الصلاة إلاّ أنّه يقصر عن أن يكون أصلاً للصلاة.

المعنى الثالث : يقارب المعني الثاني وهو أن أصل الصلاة : اللزوم أو الملازمة ، « يقال : صلي واُصطلى : إذا لزم ومن هذا يصلى في النار أي يلزم »(4) وتبنّي الأزهري هذا الرأي في أصل الصلاة حيث قال : « والقول عندي إنما الصلاة لزوم ما فرض الله والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزمه »(5) .

وأري أن هذا المعني جزء من المعني السابق من الصلي بالنار ولاينهض كأصل للصلاة كذلك وإن حمل تأويلاً لطيفاً في التزام الصلاة كفرض لايتهاون فيه.

المعنى الرابع : وهو أن أصل الصلاة : الدعاء « مأخوذ من صلى يصلي إذا

__________________

(1) حاشية السيد الجرجاني علي الكشاف 100 : 1 طبعة البابي الحلبي ، مصر ، 1984.

(2) أساس البلاغة : 539.

(3) تحصيل نظائر القرآن / الحكيم الترمذي : 71.

(4) تهذيب اللغة : باب الصاد واللاّم ( صلى ).

(5) المصدر نفسه : باب الصاد واللاّم ( صلى ).


دعا »(1) وهو المعنيى الأكثر شهرة وإليه يذهب أغلب أهل اللغة وجمهورها حيث تؤكده الشواهد الشعرية الجاهلية ، جاء في جامع البيان : « أما الصلاة في كلام العرب فإنّها الدعاء »(2) .

قال الأعشى(3) .

تقول بنتي وقد قربت مرتحلا

يا رب جنّب أبي الأوصاب والوجعا

عليك مثل الذي صليت فاغتمضي

نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا

مثل الذي صليت بمعني مثل الذي دعيت لي.

وقال كذلك :

وقابلها الريح في دنّها

نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا(4)

« ارتسم الرجل : كبر ودعا »(5) .

ويمكن أن نقول : إن الصلاة « حقيقة في الدعاء مجاز لغوي في الهيئات المخصوصة المشتملة عليه »(6) والمقصود بالهيئات المخصوصة المعاني الأخري للصلاة ومثل هذا الرأي ـ ولاريب ـ معقول ومقبول وذلك « لورود الصلاة بمعني الدعاء قبل تشريع الصلاة المشتملة علي الركوع والسجود ولورودها في كلام من لا يعرف بالهيأة المخصوصة »(7) ثم إنّ تواتر استعمال

__________________

(1) الجامع 168 : 1.

(2) جامع البيان / الطبري 104 : 1.

(3) ديوان الأعشى / ميمون بن قيس : 101.

(4) ديوان الأعشى : 35. والبيت الذي قبله :

وصهباء طاف بها يهوديها

وأبرزها وعليها ختم

(5) الجامع 168 : 1.

(6) حاشية السيد الشريف الجرجاني علي تفسير الكشاف 100 : 1.

(7) كشاف الفنون / التهانوي859 : 4.


الصلاة بمعني الدعاء يؤيد ذلك كما جاء عن الرسول « إذا دعي أحدكم إلي طعام فليجب فإن كان مضطراً فليطعم وإن كان صائماً فليصلّ »(1) .

« قال أبو عبيدة : قوله فليصلّ يعني فليدع لهم بالبركة والخير ، وكل داعٍ فهو مصلّ »(2) .

وفضّل الرازي الدعاء كأصل للصلاة بوصفه الأقرب إليها من المعاني الأخري(3) وعلّل إطلاق الدعاء عليها مجازاً لغوياً مشهوراً في « إطلاق اسم الجزء علي الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة علي الدعاء لاجرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز »(4) بمعنى إن تسمية الصلاة بالدعاء « كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه »(5) وإذا دقّقنا النظر في فعاليات الصلاة علمنا أن الدعاء في كل حركاتها لأنّ معنى الطلب مع الخضوع والتذلّل واضح في جانب ومعنى التعظيم والإجلال للخالق ظاهر في جانب آخر كما في القراءة والقنوت والركوع والسجود فضلاً عما يجب علي الفرد من آدابها القلبية التي هي مظهر آخر من الطلب والدعاء.

والصلاة في القرآن جاءت علي أكثر من وجه أوصلها أحدهم إلي عشرين وجهاً(6) من بينها وجه الدعاء وفي ذلك إثبات على نزول القرآن بلغة العرب واستعماله للألفاظ والمعاني من جنس ما استعملوا كما في قوله تعالي :( إنّ

__________________

(1) سنن أبي داود / سليمان بن الأشعث 306 : 2.

(2) تهذيب اللغة : باب الصاد واللاّم (صلى).

(3) ظ : مفاتيح الغيب 47 : 3.

(4) مفاتيح الغيب 47 : 3.

(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 293.

(6) ظ : منتخب قرة العيون النواظر / ابن الجوزي : 161.


الله وملائكته يصلّون علي النّبيّ يا أيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً ) (1) .

يقول الطبري في معرض حديثه عن هذه الآية « أن يصلّي على النبي ، ويثني عليه بالثناء الجميل ويبجّله لأعظم التبجيل وملائكته يصلّون ويثنون بأحسن الثناء ويدعون له بأزكى الدعاء »(2) .

وقال تعالي :( .. وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ) (3) فمعنى( وصلّ عليهم ) « واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحّم »(4) .

وفرّق العلماء بين صلاة الله تعالي وصلاة المخلوقين ـ الملائكة والإنس ـ فالصلاة منه ـ عزّ ذكره ـ الرحمة(5) ومن المخلوقين ـ الدعاء والاستغفار(6) وفي هذا لمحة عظيمة دالّة علي التوحيد والعطف في آن واحد علي التوحيد لأنّه تعالي يفيض برحمته ولا يفاض عليه ويدعي ولا يدعو ولمن يدعو؟ ولا شيء قبله بعده غني مطلق الغنى عن كل شيء.

أما على العطف فهو عالم سبحانه بافتقار خلقه إليه فرحمته لهم عطف منه تعالى وفضل سابق وجاء معنى الرحمة في صلاة الله تعالي قول الراعي(7) :

__________________

(1) سورة الأحزاب : 33 / 56.

(2) مجمع البيان / الطبرسي 369 : 8 ظ : الكشاف 307 : 2.

(3) سورة التوبة : 9 / 103.

(4) الكشاف 307 : 2 ، ظ : التبيان في إعجاز القرآن / ابن الزملكاني : 90.

(5) ظ : تهذيب اللغة باب الصاد واللاّم ( صلى ) ظ : مفاتيح الغيب 215 : 25.

(6) ظ : معجم مفردات ألفاظ القرآن : 293 ، كشاف الفنون 859 : 4.

(7) لسان العرب : مادة صلى : ولم أجد هذا الشاهد في كتاب شعرالراعي وأخباره لناصر الحاني بل وليس له وجود في كتاب شعر الراعي النميري : د.نوري حمودي القيسي.


صلّى على عزّة الرحمن وابنتها

ليلى وصلّى علي جاراتها الاُخر

ونخلص من الحديث عن الصلاة بجلاء مفهوم الدعاء سواء كأصل لغوي أو استعمال قرآني أو ركن تشريعي.

الابتهال :

« أصل البهل : اللعن »(1) وتباهل القوم « إذا تلاعنوا »(2) أي طلب كل منهما اللعن لغيره.

والتبهّل « العناء بالطلب »(3) ويقال كذلك « ابتهل إلي الله بالدعاء : تضرّع واجتهد »(4) وأخلص في الدعاء.

قال لبيد في هذا المعنى :

في كهول سادة من قومه

نظر الدهر إليهم فابتهل(5)

أي اجتهد في إهلاكهم.

ونجد في الابتهال في القرآن بصيغة واحدة كما في آية المباهلة ، قال تعالي :( فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ويساءنا ويساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (6) .

ووجود اللفظ في هذه الآية بالذات يحمل دلالة لطيفة لا يوديها عنه لفظ آخر وإن ماثله في معناه كلفظ « ندعو » لأنّ الابتهال هنا ليس مجرد الدعاء بل

__________________

(1) جمهرةاللغة : مادة ( بهل ).

(2) تهذيب اللغة باب الهاء واللاّم ( بهل )

(3) لسان العرب : مادة ( بهل )

(4) ظ : معجم مفردات ألفاظ القرآن : 61 ، أساس البلاغة : 71 ، الجامع 104 : 4.

(5) ديوان لبيد : 148.

(6) سورة آل عمران : 3 / 61.


هو الاجتهاد في التضرع والإخلاص في الدعاء وفرّق بين ما يحمل « نبتهل » عن « ندعو » من معنى لذلك « لا يقال ابتهل في الدعاء إلاّ إذا كان هناك اجتهاد »(1) وإذا وضعنا أمامنا حساسية الموقف فالرسول قد كذّبته النصاري وفي الابتهال إقامة الحجّة علي النبوة إذ ليس هناك موقف أعظم من هذا يتوجه فيه بالدعاء الصادق المخلص فضلاً عما يحمل الابتهال من معنى اللعن والاهلاك للكاذب لذلك فما أن استيقن النصاري من صدق الرسول من جانب وعزمه علي الابتهال من جانب آخر حتي سالموه وقبلوا مرغمين على دفع الجزية(2) .

ونري من ذلك أن الابتهال أدل علي الضراعة والإلحاح في الدعاء وقد مثّل مظهراً من مظاهرا الدعاء في القرآن.

القنوت :

تتعدّد دلالات لفظ القنوت ومعانيها إلي أكثر من معنى وهي « الطاعة ، والخشوع ، والصلاة ، والدعاء ، والقيام ، وطول القيام ، والسكون ، فيصرف كل واحد من هذه المعاني إلي ما يحمله لفظ الحديث الوارد فيه »(3) .

وكل هذه المعاني تلتقي في أصل واحد وهو الطاعة(4) حتى السكوت أو الإمساك عن الكلام يرد في معنى الطاعة وهو من قبل الانقطاع إليه تعالى

__________________

(1) مفاتيح الغيب 87 : 8 ظ : الكشاف 368 : 1.

(2) ظ : أسباب النزول / الواحدي النيسابوري : 58 ـ 59.

(3) لسان العرب : مادة ( قنت ).

(4) ظ : مقاييس اللغة : باب القاف والنون وما يثلثهما ( قنت ) ظ : معجم مفردات ألفاظ القرآن : 428.


بالكلام دون غيره من الخلق لذلك يقال « للمصلي قانت »(1) أي المتوجه بالكلام إلي خالقه إلاّ أنّ أشهر المعاني السابقة للقنوت عند أهل اللغة الدعاء فما نقل عن الزجاج إذ يقول : « والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء وحقيقة القانت أنّه القائم بأمرالله فالداعي إذا كان قائماً خص بأن يقال له قانت لأنّه ذاكرالله تعالى وهو قائم على رجليه فحقيقة القنوت العبادة والدعاء لله عزّوجلّ في حال القيام ويجوز أن يقع في سائر الطاعة لأن إن لم يكن قيام بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنيّة »(2) .

وقد يقال إن القنوت مصطلح قرآني لم يرد « هو أو إحدى مشتقاته في الشعر الجاهلي والمجموعات الكثيرة التي ألّفت فيه »(3) .

إلاّ أننا رأينا استعمال اللفظ باجاهلية ـ بمعني الدعاء ـ مما يؤيد ما ذهب إليه الزجاج من ناحية وإلي أن العرب قد عرفته واستخدمته ويظهر ذلك من مسائل ابن الأزرق لعبد الله بن عباس حين سأله عن معني قوله تعالى :( كلّ له قانتون ) (4) « فقال ابن عباس : مقرون. واستشهد بقول عدي بن زيد(5) :

قانتاًلله يرجو عفوه

يوم لا يكفر عبد ما ادّخر

وفي القرآن الكريم جاءت مادة ( قنت ) في ثلاثة عشر موضعاً يمكن

__________________

(1) تهذيب اللغة : باب القاف والتاء ( قنت ).

(2) المصدر السابق : باب القاف والتاء ( قنت ).

(3) ظ : التطور الدلالي / عودة خليل أبو عودة : 210.

(4) سورة البقرة : 2 / 116.

(5) « عدي بن زيد بن حماد بن زيد العبادي ، التميمي ، شاعر من دهاة الجاهلين ت نحو 35 ق ه ـ 590م » ظ : الأعلام / خير الدين الزركلي 9 : 5 ، ظ : ترجمته : خزانة الأدب / البغدادي 184 : 1 ، والأغاني 97 : 2 الشعر والشعراء : 63.


حملها علي المعاني السابقة الذكر علي الرغم من أن بعضهم جعل لها وجهين فقط هما الإقرارلله تعالي بالعبودية ، والثاني الطاعة(1) وتفرّق بنت الشاطئ بين معني الإقرار والقنوت من خلال السياق القرآني وتصل إلي أن « تفسير القنوت بالإقرار ، لا يكون إلاّ علي وجه الإلزام وقد يكون عن تقية وخوف ولايكون القنوت إلاّ عن خشوع صادق »(2) .

والمعني الذي نميل إليه في القنوت هو الدعاء وقد امتدحه سبحانه وتعالي ووصف به إبراهيم وأولياء(3) كما في قوله تعالي :( إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتاً لله حنيفًا ولم يك من المشركين ) (4) .

وقال جلّ شأنه :( يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الرّاكعين ) (5) .

وجعله صفة للمؤمنين والمؤمنات بقوله سبحانه :( إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصّادقين والصّادقات والصّابرين والصّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدقّات والصّائمين والصّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات أعدّالله لهم مغفرةً وأجرًا عظيماً ) (6)

__________________

(1) الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق / د. بنت الشاطئ : 350.

(2) ظ : التعاريف : 210.

(3) الإعجاز البياني للقرآن / بنت الشاطئ : 352.

(4) سورة النحل : 16 / 120.

(5) سورة آل عمران : 3 / 43.

(6) سورة الأحزاب : 33 / 35.


التضرّع :

وفي هذا اللفظ معني الدعاء على الرغم من كونه حالة من حالات الداعي إلاّ أنّنا يمكن أن نلحظ في التضرّع دعاء من خلال أصله اللغوي واستعماله القرآني.

فالتضرّع لغة : يأتي لمعان كثيرة هي : التذلّل والخشوع ، والابتهال ، والتلوي ، والاستغاثة(1) وفي هذا المعني قال الأحوص :

كفرت الذي أسدوا إليك ووسّدوا

من الحسن إنعاماً وجنبك ضارع(2)

و يمكن حمل ضارع في قوله علي المعاني السابقة.

والتضرّع بآياته الست التي ورد فيها في القرآن الكريم اقترن أربع منها بالتعريض بالأقوام التي لم تنهج طريق الدعاء ولم تقر بالذلة لله تعالى ، والتي ترجع بعد البأساء والضراء إلي الإشراك والعنت ولا ينفعها ـ حينذاك ـ تضرّعها ودعاءها قال تعالى :( ولقد أرسلنا إلي أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضّرّاء لعلّهم يتضرّعون ٭فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشّيطان ما كانوا يعملون ) (3) يقول القرطبي في حديثه حول الآية الكريمة « وهذا عتاب على ترك الدعاء وإخبار عنهم أنّهم لم يتضرّعوا حين نزول العذاب ، ويجوز أن يكونوا تضرّعوا تضرّع من لم يخلص أو تضرّعوا حين لابسهم العذاب والتضرّع علي هذه الوجوه غير نافع ، والدعاء مأمور به حال الرخاء والشدّة »(4) .

__________________

(1) ظ : لسان اعرب : مادة ( ضرع ).

(2) ديوان الأحوص : 130.

(3) سورة الأنعام : 6 / 42 و 43.

(4) الجامع لأحكام القرآن 425 : 6 ظ : مجمع البيان67 : 4 مفاتيح الغيب 22 :


ويظهر من كلام القرطبي حمل التضرّع على الدعاء ، أما الآيتان الأخريان فقد حثّتا على التضرّع والدعاء حيث قرنتا الدعاء بالتضرّع والخليفة مما يدل على سبحانه :( ادعوا ربّكم تضرّعًا وخفيةً أنّه لا يحب المعتدين ) (1) .

وقال تعالى :( واذكر ربّك في نفسك تضرّعاً وخفيةً ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ولا تكن من الغافلينن ) (2) .

السلام :

الأصل في السلام لغة : « التعري من الآفات الظاهرة ، والباطنة »(3) وذهب الأزهري إلي أن السلام « دعاء للإنسان بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه »(4) .

وورد السلام في القرآن ـ على تعدّد معانيه ـ منسوباً لله تعالى حيناً وللخلق من الملائكة والناس حيناً آخر ، فيكون السلام منه تعالى لأنبيائه وعباده الصالحين على جهة الثناء الجميل(5) .

ـ قال تعالى :( سلام على إبراهيم ) (6) ، وقال سبحانه :( سلام علي إل ياسين ) (7) ،(8) .

__________________

37.

(1) سورة الأعراف : 7 / 55.

(2) سورة الأعراف : 7 / 205.

(3) معجم مفردات القرآن : 245 ، ظ : الجامع 297 : 5.

(4) تهذيب اللغة : باب السين واللاّم (سلم).

(5) ظ : منتخب قرة العيون النواظر : 145.

(6) سورة الصافات : 37 / 109.

(7) سورة الصافات : 37 / 130.

(8) ظ : الآيات الأخرى في السياق نفسه : (سورة الصافات : 37 / 120 و 181 و


أما ما ورد من السلام منسوباً لخلقه فهو دعاء لبعضهم البعض كما ورد علي لسان الملائكة في دعائهم لأهل الجنة قال تعالى شأنه :( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدّار ) (1) .

وقال عزّ ذكره :( الّذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ) (2) .(3)

ومما يجدر ذكره هنا أن الإسلام قد شرع التحيّة وأكدها بقوله سبحانه :( وإذا حييتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها إنّ الله كان على كلّ شيءٍ حسيباً ) (4) .

« وأصل التحية : الدعاء بالحياة »(5) وتحية الإسلام المعروفة « السلام عليكم » بمعني « السلامة عليكم ولكم »(6) ومن خلال ذلك يظهر الدعاء حتى في تشريع السلام ، ونستطيع حينئذٍ أن نضع السلام ـ بنحو ما ـ ضمن مظاهر الله تعالى هو المطلوب منه »(7) والمجيب لدعاء عباده.

الحمد ـ الشكر :

وفي هذين اللفظين نلحظ تضمّ ، اًللدعاء « فالحمد في كلام العرب معناه

__________________

79 ، سورة هود : 11 / 48 ).

(1) سورة الرعد : 13 / 24.

(2) سورة النحل : 16 / 32.

(3) ظ : في السياق نفسه : ( سورة الزمر : 39 / 73 ).

(4) سورة النساء : 4 / 86.

(5) الجامع 297 : 5.

(6) الزينة / أبوبكر الرازي 63 : 2 ، ظ : مجمع البيان 176 : 5.

(7) بدائع الفوائد 140 : 2.


الثناء الكامل »(1) والحمد كذلك « نقيض الذم »(2) بمعنى أن قولنا « الحمد لله » إخلاصاً في تنزيهه تعالى وإقراراً بكماله لذلك فقد « عبّر بعض الصوفية عن إظهار الصفات الكمالية بالحمد »(3) .

وقول الحمد لله بمنزلة الدعاء فيستلزم الإجابة ، ومن الشواهد القرآنية يتضّح ذلك.

قال تعالى على لسان أهل الجنة في دعائهم :( دعواهم فيها سبحانك اللّهمّ وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين ) (4) .(5)

والحمد كذلك دعاء الأنبياء قال تعالى على لسان نوح :( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الّذي نجّاما من القوم الظّالمين ) (6) .(7)

وفي السنّة النبوية نجد التأكيد على ىعاء الحمد كما روي عن الرسول الكريم قوله : « أفضل الدعاء الحمد لله »(8) ودعاء الحمد في القرآن « صار مصطلحاً خاصّاً معروفاً في حياة المسلمين لا يتوجه به المسلم إلاّ لله

__________________

(1) الجامع لأحكام القرآن 133 : 1.

(2) لسان العرب مادة (حمد).

(3) كشاف الفنون 389 : 1.

(4) سورة يونس : 10 / 10.

(5) ظ : الآيات في السياق نفسه : (سورة الأعراف : 7 / 43 سورة الزمر : 39 / 74 ، سورة فاطر : 35 / 34).

(6) سورة المؤمنون : 23 / 28.

(7) ظ : الآيات في السياق نفسه : (سورة النمل : 27 / 59 و 93 ، سورة الإسراء : 17

(8) سنن المصطفى / ابن ماجه 420 : 2.


عزّوجلّ »(1) والحمد المتعارف بين الناس هو قبل شكر الخالق عن طريق خلقه لأنّ الحمد في حقيقة يطلق ويراد به النعم الأوّل والآخر جلّ وعلا.

ومن ألطف اللطائف القرآنية بدء القرآن بالحمد ولم يبدأ بكلمة التوحيد ـ لاإله إلاّ الله ـ مثلاً لأنّ في قولنا( الحمد لله ربّ العالمين ) (2) « توحيد وحمد وفي قول لا إله إلاّ الله توحيد فقط »(3) وفيه أيضاً إقرار بالوحدانية وعرفان بالنعمة الأبدية التي لا تنفد. وفي دعاء الحمد شمول للمحامد كلها وشمول للأوقات أجمعها.

أما شموله للمحامد كلها فبد لالة دخول الألف واللاّم « الاستغراق الجنسي من المحامد »(4) ولأنّ في اتصالها في الحمد « معنى لا يؤديه قول القائل حمداً بإسقاط الألف ، ولذك أن دخولها منبئ عن أن معناه جميع المحامد والشكر الكامل لله ، ولو أسقطنا عنه لما دلّ إلاّ على أن حمد قائل ذلك دون المحمد كلها »(5) .

ويعلل هذا القول مجيء أكثر مواضع الحمد بالألف واللاّم إذ جاء في ثمانية وعشرين موضعاً.

أما شموله الأوقات كلها ، ففي الحمد « تعلّق بالماضي ، وتعلّق بالمستقبل. أما تعلّقه بالماضي : فهو أن يقع شكراً على النعم المقدمة وأما تعلقه

__________________

(1) التطور الدلالي : 307.

(2) سورة الفاتحة : ½.

(3) الجامع لأحكام القرآن 132 : 1.

(4) الجامع لأحكام القرآن 134 : 1.

(5) الإسلام ومشكلات الفكر / فتحي رضوان : 68.


بالمستقبل : فهو يوجب تجدّد النعم في الزمان المستقبل »(1) لقوله تعالى: ( ... لئن شكرتم لأزيدنّكم ) (2) .

ولم تكن فاتحة الكتاب السورة الوحيدة التي بدأت بالحمد ، بل إن هناك سوراً أربعاً بدأت بالحمد كذلك(3) . ومن عظيم الإعجاز بأن تمثل كل آية من الآيات الأربع قسماً من أقسام فاتحة الكتاب ذهب إلي ذلك الرازي وبييّن أن المذكور في السور الأخرى ما هو إلاّجزء مما ذكر من فاتحة الكتاب(4) .

ومثلما بدأت بعض السور بدعاء الحمد كان ختام بعضها بالحمد أيضاً في أربع سور(5) . وفي هذا تعليم منه تعالى في كيفية حمده في كل الأمور في بدئها وختامها(6) .

أما الشكر فلم يفرقه بعضهم عن الحمد كما جاء في اللسان « الحمد : الشكر »(7) على حين أن « الحمد أعم من الشكر »(8) والفرق بينهما أن « الشكر

__________________

(1) مفاتيح الغيب 224 : 1.

(2) سورة إبراهيم : 14 / 7.

(3) ظ : ( سورة الأنعام : 6 / 1 ، سورة الكهف : 18 / 1 ، سورة سبأ : 34 / 1 ، سورة فاطر : 35 / 1).

(4) مفاتيح الغيب 186 : 1.

(5) ظ : ( سورة الأنعام : 6 / 1 ، سورة الكهف : 18 / 1 ، سورة سبأ : 34 / 1 ، سورة فاطر : 35 / 1).

(6) ظ : جامع البيان 143 : 7 ، مجمع البيان 65 : 3 مفاتيح الغيب 146 : 12.

(7) لسان العرب : مادة ( حمد ).

(8) مفاتيح الغيب 142 : 12.


لا يكون إلاّ عن يد والحمد يكون عن يد وعن غير يد »(1) بمعني آخر أن « الشكر لا يقال إلاّ في مقابل نعمة فكل شكر حمد وليس كل حمد شكر »(2) .

فضلاً عن ذلك فإن الحمد يقال على الأمر « المجبوب والمكروه ، ولا يكون الشكر إلاّ علي المجبوب »(3) .

وفي الاستعمال القرآني جاء الشكر ـ كما الحمد ـ منسوباً غالباً لله عزّوجلّ مصدر النعمة ومفيضها على الوجود قال تعالى :( يا أيّها الّذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) (4) .(5)

وفي موضع واحد عقب بعد الأمر بالشكر له سبحانه بشكر الوالدين لعظم منزلتهما وجلالهما عنده تعالى ولأثرهما الكبير في نشأة الابن وتربية حتى كبره فقد أمر بشكرهما وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الذي ينسب الشكر فيه للمخلوق كنايةً عن الخالق قال جلّ وعلا :( ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) (6) .

ومن خلال ما سلف تظهر دلالة الدعاء في لفظي الحمد والشكر ونسبتهما في القرآن لله تعالى وسنواليهما بلفظين آخرين يحملان معنى الدعاء ذاته

__________________

(1) لسان العرب : مادة ( شكر ) ، ظ : مجمع البيان 44 : 1.

(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 130 ، ظ : كشاف الفنون 747 : 3.

(3) بيان إعجاز القرآن / الخطابي ( ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ) : 30.

(4) سورة البقرة : 2 / 172.

(5) ظ : الآيات في السياق نفسه ( سورة النحل : 16 / 14 ، سورة لقمان : 31 / 12 ).

(6) سورة لقمان : 31 / 14.


وهما التسبيح والذكر.

التسبيح والذكر :

أصل التسبيح من السبح وهو العوم بالنهر(1) .

والتسبيح ، التنزيه ، وسبحان الله معناه « تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف »(2) بمعنى أن كل من نزّة صفاة تعالى فقد وصفه بالكمال ومن وصفه بالكمال فقد دعاه ، لتعلّق حاجة المفتقر إلي الكامل.

وجاء في الإتقان : « سبح إذا رفع صوته بالدعاء والذكر وأنشد :

قبح الإله وجوه تغلب كلما

سبح الحجيج وكبروا إهلالا »(3)

وفي القرآن جاء التسبيح على ثلاثين وجهاً(4) تناولت أغلبها معاني « الدعاء والصلاة وأعمال العبادة كلها »(5) ، فلا غرابة ألاّ يبتعد التسبيح عن معناه اللغوي ـ في العموم ـ إذ إن التسبيح عوم كذلك في صفات الله ورحمته ، وتفكّر بعظمته وجلاله ، وينتهي العائم إلي الإقرار بو حدانيه وتنزيهه تعالى « عن نقائض الإمكان ، وأمارات الحدوث وعن عيوب الذات والصفات »(6) فالتسبيح عوم نهره الرحمة ، وقاربه القلب ومحركه اللسان وغايته ضفاف الإجابة. قال تعالى على لسان أهل العقول الباصرة :( الّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السّماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاّ

__________________

(1) ظ : لسان العرب : مادة ( سبح ).

(2) لسان العرب : مادة ( سبح ).

(3) الإتقان 199 : 2 ، ظ : تاج العروس مادة ( سبح ).

(4) ظ : بصائر ذوي التمييز 285 : 2.

(5) التطور الدلالي : 113.

(6) كشاف الفنون 637 : 3.


سبحانك فقنا عذاب النّار ) (1) وقال سبحانه على لسان أهل الجنة :( دعواهم فيها سبحانك اللّهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين ) (2) .

وقال جلّ شأنه على لسان يونس :( ... فنادى في الظّلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين ) (3) .

ولابّد من القول إن هذه الألفاظ ـ الصلاة والحمد والتسبيح وغيرها ـ متداخلة الدلالات والمعاني ، فكل لفظ منها يحمل معنى الآخر ، وفي نهاية الأمر تدخل كلها ضمن حيز الدعاء والطلب وعليه فقد اقترن التسبيح ضمن بعض سياقاته في القرآن الآمر بحمد الله عزّوجلّ لأنّ « التحميد يدل على التسبيح دلالة التضمّن فإن التسبيح يدل على كونه مبرأً في ذاته وصفاته عن النقائض والتحميد يدل مع حصول تلك الصة كونه محسناً إلي الخلق منعماً عليهم رحيماً بهم فالتسبيح إشاة إلى كونه تعالى تامّاً والتحميد يدل على كونه تعالى فوق التمام »(4) فلنستمع لقوله تعالى :( فسبّح بحمد ربّك وكن من السّاجدين ) (5) وقوله عزّ ذكره :( فاصبر إنّ وعد الله حقّ واستغفر لذنبك وسبّح بحمد ربّك بالعشيّ والإبكار ) (6) .(7)

__________________

(1) سورة آل عمران : 3 / 191.

(2) سورة يونس : 10 / 10.

(3) سورة الأنبياء : 21 / 87.

(4) مفاتيح الغيب 288 : 1.

(5) سورة الحجر : 15 / 98.

(6) سورة غافر : 40 / 55.

(7) ظ : الآيات التالية في السياق نفسه : ( سورة السجدة : 32 / 15 سورة غافر :


أما الذكر : فله معانٍ عذّة منها : الذكر الحفظ للشيء وجري الشيء على لسانك(1) بمعنى أن تردّد الألفاظ وتكررها ويفضي تكرارها وجريانها على اللسان إلى هجر نسيانها وبذلك يترابط معنى الذكر في الحفظ للشيء وجريانه علي اللسان.

والذكر متضمن معنى الدعاء من خلال تكرار ألفاظ التسبيحو التحميد والتوحيد وترديدها يعني ترك الغفلة والتفكّر بالحق تعالى ولأنّ « الغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكرالله عزّوجل إلاّ عند إلمام حاجة وإرهاف ملمّة فإن الإنسان إذا مسّه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء والدعاء يردّ القلب إلى الله عزّوجل بالتضرّع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات »(2) .

والذكر ذكران : ذكر بالقلب وذكر باللسان(3) وقد جاء كلاهما بالقرآن قال تعالى :( ... فاذكرو الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً ) (4) .

وفي القرآن الكريم جاء الذكر في ستة عشر وجهاً(5) منها ما جاء بمعنى « الصلاة لله والدعاء إليه والثناء عليه وكل اتصال بين الإنسان وخالقه هو ذكر الله »(6) يظهر من خلال هذا المعنى.قال تعالى :( والّذين إذا فعلوا فاحشةً أو

__________________

40 / 7 سورة الرعد : 13 / 17 سورة الإسراء : 17 / 44 سورة الفرقان : 25 / 58 سورة ق : 50 / 39 سورة الطور : 52 / 48 سورة النصر : 110 / 3).

(1) لسان العرب : مادة (ذكر).

(2) إحياء علوم الدين / الغزالي 339 : 1.

(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 181.

(4) سورة البقرة : 2 / 200.

(5) التصاريف : 158.

(6) التطور الدلالي : 203.


ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذّنوب إلاّ الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعملون ) (1) .

وقال تعالى :( واذكر ربّك في نفسك تضرّعًا وخفيةً ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ولا تكن من الغافلين ) (2) .

قال أبو جعفر النحاس : « ولم يختلف في معنى (واذكر ربّك في نفسك ) أنه في الدعاء »(3) ولعل ما يؤيد هذا القول آية أخرى في السورة نفسها تبين معني الذكر هنا وهي قوله تعالى :( ادعوا ربّكم تضرّعًا وخفيةً ) (4) .

وكذلك قوله تعالى : (فاذكروني أذكركم ) ( 5) يمكن حملها على معنى قوله تعالى :( .. ادعوني أستجب لكم ) (6) والله أعلم(7) .

ولتقارب معاني الألفاظ المتضمنة لمعنى الدعاء والدالة على أن طريق الاتصال بالله سبحانه واحد فقد ورد لفظ الذكر مقترناً بالتسبيح كما في قوله تعالى :( ... واذكر ربّك كثيراً وسبّح بالعشيّ والإبكار ) (8) وبهذا يتضح أن معنى التسبيح والذكر مقارب لمعنى الدعاء ومتداخل معه.

التعوّذ :

وهذا لفظ آخر له دلالته الكبيرة على الدعاء وسيتضح ذلك من خلال

__________________

(1) سورة آل عمران : 3 / 135.

(2) سورة الأعراف : 7 / 205.

(3) الجامع لأحكام القرآن 355 : 1.

(4) سورة الأعراف : 7 / 55.

(5) سورة البقرة : 2 / 152.

(6) سورة غافر : 40 / 60.

(7) الدعاء في القرآن : 89.

(8) سورة آل عمران : 3 / 41.


معناه اللغوي واستعماله المجازي واستخدامه القرآني :

تأتي مادة عوذ لمعنيين الأول أصل والثاني يلحق به وقد بيّنهما ابن فارس في قوله : « العوذ : الالتجاء إلي الشيء ـ وهذا أولاً ـ ويحمل عليه كل شيء لصق بشيء أو لازمه »(1) ثانياً وجاءت الاستعاذة في كلام العرب بمعنى « الاستجارة والتحيّز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه »(2) .

والعوذ كذلك اللوذ والاعتصام ويقال « عاذ به أي لاذ به ولجأ إليه واعتصم »(3) و من المجاز في استخدام اللفظ « طير عياذ وعوذ عائذة بجبل وغيره مما يمنعها »(4) .

هذا مجمل معنى اللفظ في كلام العرب أما عن استعمال القرآن فإننا نرى تشابهاً كبيراً في أركان الاستعاذة والدعاء فالاستعاذة لا تصدر إلاّ عن طرف أدنى إلى من هو أعلى رتبة وبهذا يتحقق معنى الدعاء.

وقد بيّن الرازي أركان الاستعاذة وقسمها على خمسة أقسام هي « الاستعاذة والمستعيذ والمستعاذ به والمستعاذ منه والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة »(5) وسنحدد مظاهر هذا التقسيم على مستوى النص القرآني :

أما الاستعاذة : فهي باب الاعتصام بالله والركون إلى رعايته وهجر أوهام الفكر المتعلقة بغيره من قوى واهنة وقدرات زائفة فإنه جلّ وعلا سبب

__________________

(1) مقاييس اللغة : باب العين والواو وما يثلثهما (عوذ) ظ : المفردات : 365.

(2) الجامع لأحكام القرآن 89 : 1.

(3) لسان العرب : مادة (عوذ).

(4) لسان العرب : مادة (عوذ).

(5) مفاتيح الغيب 80 : 1.


الأسبابب ومصدر القوى وفي هذا بعض من مفهوم الدعاء.

وجاءت الاستعاذة في القرآن على نحو سبع عشرة مرة في ستة تصاريف(1) حملت معنى الاعتصام واللجوء إليه تعالى وكما توسّط الدعاء بين الحثّ والاستجابة نرى في الاستعاذة حثّاً واستجابة قال تعالى :( وإمّا ينزعنّك من الشّيطان نزع فاستعذ بالله إنّه سميع عليم ) (2) وقال عزّ من قائل :( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّطان الرّجيم ) (3) أما مجيء الاستعاذة متعلقه بإجابتها ففي قوله سبحانه على لسان يوسف :( ... قال معاذ الله إنّه ربّي أحسن مثواي إنّه لا يفلح الظّالمون ) (4) و إجابته أن « أعطاه الله تعالى خلعتين : صرف السوء والفحشاء حيث قال تعال :( ... لنصرف عنه السّوء والفحشاء ) (5) »(6) .

أما المستعيذ : فلقد تعددت أشخاصه وجاءت الاستعاذة غالباً على لسان أنبيائه تعالى قال عزّوجلّ على لسان موسى :( قال أعوذ بالله أن أكون من

__________________

(1) ظ : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم : مادة ( عوذ ). وقد غفل الأستاذ عبد الرزاق نوفل في كتابه الإعجاز العددي للقرآن الكريم عن العدد الدقيق الذي وردت فيه الاستعذة في القرآن حيث ذهب إلى إنها تكررت في إحدى عشرة مرة كما تكرر ورود إبليس بالعدد نفسه والصحيح أنها وردت في سبع عشرة مرة.ظ : الإعجاز العددي القرآن الكريم : 97.

(2) سورة الأعراف : 7 / 200.

(3) سورة النحل : 16 / 98.

(4) سورة يوسف : 12 / 23.

(5) سورة يوسف : 12 / 24.

(6) مفاتيح الغيب 72 : 1.


الجاهلين ) (1) وقال على لسان نوح :( قال ربّ إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم . ) (2) وقال آمراً رسوله الكريم :( وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشّياطين ٭وأعوذ بك ربّ أن يحضرون ) (3) .

أما المستعاذ به فهو الله جلّت قدرته ولم تأت الاستعاذة في القرآن والاعتصام إلاّ به تعالى سوى موضع واحد نقل القرآن فيه استعاذة الإنس بالجن فلم يزدهم اعتصامهم واستعاذتهم بالجن فلم يزدهم اعتصامهم واستعاذتهم بالجن إلاّ مشقّة قال تعالى :( وأنّه كان رجال من الإنس يعوذون برجالٍ من الجنّ فزادوهم رهقاً ) (4) وفي الاستعاذة بالله تعالى إشارة إلي أمرين :

أولهما : إقرار بوحدانيه تعالى من جهة وبكمال صفاته وقدراته من جهة أخرى إذ لو كان غيره قادراً على « تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات »(5) لاستعاذ به الإنسان ودعاه وطلب منه ذلك إلاّ أنه عزّ ذكره تفرّد بالوحدانية والقدرة على كل شيء.

وثانيهما : إنّ الداعي أو المستعيذ مقرّ باستعاذته على نفسه باضعف والقصور ولخالقه بالغنى والتكرّم والمقتصر دائماً بمنظر « شاهده لكمال عجز والقصور ولخالقه بالغني والتكرّم والمقتصر دائماً بمنظر « شاهده لكمال عجز النفس وغاية قصورها »(6) و بموضع طلب دعاءه والغني أبداً في حال أجابه ـ وما في ذلك ريب ـ وقد دعاهم إلي الاعتصام به واللجوء إليه تعالى فكيف

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 67.

(2) سورة هود : 11 / 47.

(3) سورة المؤمنون : 23 / 97 و 98.

(4) سورة الجن : 72 / 6

(5) مفاتيح الغيب 97 : 1.

(6) المصدر نفسه 81 : 1.


يحرمهم مما دعاهم إليه؟

والمستعاذ منه : جاء في أغلب الآيات من شياطين الجن ـ العدو الأبدي للإنسان ـ وشياطين الإنس الطاغين والمتكبّرين في الأرض قال تعالى :( وإمّا ينزعنّك من الشّيطان نزع فاستعذ بالله إنّه هو السّميع العليم ) (1) .

وقال تعالى :( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه إنّي أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ٭وقال موسى إنّي عذت بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لايؤمن بيوم الحساب ) (2) .

وجاء التعوّذ من الظلم كذلك من الفاحشة قال تعالى :( ... قال معاذ الله إنّه ربّي أحسن مثواي إنّه لا يفلح لظالمون ) (3) .

والتعوّذ من الظم كذلك :( قال الله أن نأخذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده إنّا إذا لظالممون ) (4) .

أما المستعاذ لأجله : فلا بدّ من القول إن علة استعاذة الإنسان أصلاً هي رغبته في كسب الخيرات ودفع المكروهات وما زال ذلك في الإنسان فطرة في السكون إلى الخير الاستنفار من الشر فهو في طلب استعاذة متواصلة وأدام ـ يقيناً ـ في الإنسان أن لا منبع للخير ولا صارف للشر إلاّ الحق تعالى فهو في حصن دائم ينهل مما يأمل فيه ويأمن مما يخاف منه.

ويتجلّي من خلال استعراض أركان الاستعاذة في القرآن أنها مظهر من مظاهر الأعلى وبهذا يتحقّق أصل الدعاء.

__________________

(1) سورة فصلت : 41 / 36.

(2) سورة غافر : 40 / 26 و 27.

(3) سورة يوسف : 12 / 23.

(4) سورة يوسف : 12 / 79.


الفصل الثاني

صيغ الدعاء وصوره في القرآن الكريم

تعدّد الأقوال في أقسام الكلام لدى العلماء فمنهم من أجمل في تحديدها وتقييدها ومنهم من أفرط في تقسيمها فالذي حدّدها جعل للكلام قسمين : خبر وإنشاء وهو اختيار حذّاق النحاة وأهل البيان نصّ على ذلك السيوطي وقال : « اعلم أن الحذّاق من النحاة وغيرهم وأهل البيان قاطبة على انحصار الكلام فيهما ـ يعني الخبر والإنشاء ـ وإنّه ليس له قسم ثالث »(1) .

أما من جعل للكلام أقساماً فقد زاد فيها تصاعداً إلى ثلاثة(2) أقسام وأربعة وخمسة وسبعة وتسعة وحتى أوصلها بعضهم إلى عشرة أقسام كما « عند بعض أهل العلم خبر واستخبار وأمر ونهي ودعاء وطلب وعرض وتحضيض وتمنّي وتعجّب »(3) والمتأمل فيها يلحظ أنّ من أنقصها أسقط أقساماً وضمّها إلى غيرها ومن زادها رأى في الكلام مصاديق لا تتم إلاّ بتفريعها وما أوجد هذا التباين في تقسيم الكلام تداخل أقسام الكلام

__________________

(1) الإتقان 256 : 3.

(2) الأساليب الإنشائية في النحو العربي / عبد السلام هارون : 18.

(3) الصاحبي في فقه اللغة / ابن فارس : 179.


مع بعضها وخروجها من معانيها الرئيسة إلى معان أخر فالخبر ـ مثلاً ـ يقع موقع الإنشاء كما يقع الإنشاء موقع الخبر.

والتداخل في أقسام الكلام العربي يخدم المعاني والأغراض التي هي مراد المتكلم فضلاً عما يزيده تنوع أشكاله قوة في دلالة من دون خلل أو زلل يؤذي المعنى ويبعد القصد بل العكس هو ما يكون دائماً.

وأساليب الطلب ذاتها تتداخل فيما بينها وتتقارب في دلالتها وما أعنيه منها ـ هاهنا ـ أسلوبا الأمر والنهي اللذان يولّدان أسلوب الدعاء ويخرجانه ـ بقيد الرتبة والاستعلاء ـ عنهما مجازاً وبمعنى آخر أقول : إن النهي النفي من الإيجاب »(1) فإذا كان الأمر كما يعرفه بعضهم : « طلب الفعل بصيغة مخصوصة »(2) فالنهي طالب منع الفعل وكفه وعليه فإن قولنا : ( لاتضرب ) كف ونهي لقولنا : ( اضرب )(3) و نزول النهي من الأمر منزلته هذه مقبول وشائع صرّح به ابن الشجري في أماليه إذ قلت : ( نهيته عن كذا ) فقد أمر ته بغيره فإذا قلت : لا ترحل فكأنك قلت : أقم وإذا قلت : لا تصم فكأنك قلت : أفطر وكذا إذا أمرته بشيء فكأنك قلت : لاتقم وإذا قلت : صم فكأنك قلت : لاتفطر »(4) .

__________________

(1) الأشباه والنظائر / السيوطي 304 : 2.

(2) شرح المفصل / ابن يعيش 58 : 7.

(3) ظ : الكتاب / سيبويه 136 : 1.

(4) الأمالي الشجرية / ابن الشجري 278 : 1 ظ : الأصول في النحو / ابن السراج 188 : 2.


و مظاهر اشتراك الأمر والنهي واضحة(1) وليس عدها وإحصاؤها من اهتمامنا إلاّ أنّ ما يخصنا منها قيد الرتبة والاستعلاء اللذين يظهران المعنى الحقيقي لصيغتي الأمر والنهي ويخرجان عنهما مجازاً الالتماس والدعاء بمعنى أن الأمر والنهي لا يصدران إلاّ من العالي إلى الداني ويكاد أجلّة العلماء من الذين تعرّضوا لدراسة الأمر والنهي يتفقون على ذلك وأعني منهم الأصوليين والبلاغيين والنحاة. أما الأصوليون فقد تحدّثوا عن الأوامر والنواهي بقدر تعلّقها بالأحكام الفقهية وكيفية استنباطها من كتاب الله تعالى وهم يجمعون علةى الاحتراز في تعريفهم للأمر من خروجه إلى معانٍ أخرى لذا فكلمة الأمر « يجب ألاّ تطلق إلاّ إذا كان الآمر أعلى مرتبة من المأمور فإما إذا كان دون رتبته أو كان مساوياً له فإنه لا يقال أمره والنهي جارٍ مجرى الأمر في هذه القضية »(2) وعلّة الاحتراز بهذا القيد ـ الرتبة والاستعلاء ـ هو خروج الأمر إلى الدعاء أو الالتماس « لأن الأمر يتعلق بالمأمور فإن كان المخاطب ممن يجوز أن يكون مأمور المخاطب كان آمراً وإن كان ممن لا يجوز أن يكون مأموره ولا يكون آمراً كقول الداعي : اللهّم اغفر لي وارحمني يكون سؤالاً ودعاءً لا أمراً »(3) أما الباغيون فقد كانت الرتبة والاستعلاء محط نظرهم ومدار كلامهم

__________________

(1) ظ : معجم المصطلحات البلاغية وتطورها / أحمد مطلوب 244 : 3 صيغ الأمر والنهي في القرآن الكريم / محمد علي تقي الطحان : رسالة ماجستير (على الآلة الطابعة) : 187.

(2) الذريعة إلى أصول الشريعة / اسيد الشريف المرتضي 35 : 1 ظ : أصول السرخسي 11 : 1 أصول المظفر / محمد رضا المظفر 38 : 1.

(3) أصول السرخسي / السرخسي 11 : 1 ظ : الإحكام في أصول الأحكام / الآ / دي 204 : 2 ولابدّ من القول إنّ الأصوليين دروسوا الأوامر والنواهي ضمن مباحثهم اللفظية وقد قسموا الأمر على قسمين : واجب ومندوب.


لذا فقد اشترطوهما في صدور الأمر والنهي الحقيقيين وخروج الدعاء عنهما مجازاً لكون كل من « صيغة الأمر والدعاء واحدة لأنّ كل واحد منهما طلب وإنّما يتفاوتان في الرتبة »(1) فمعنى تفاوتهما بالرتبة أن الدعاء يصدر بصيغة الخضوع ة التذلّل بعكس الأمر ـ والنهي ـ الحقيقي الذي يصدر بصورة القوة وبدلالة الوجوب في الائتمار. أما في كونهما دالّين على الطلب ـ فيخيل إليّ ـ أنّ ما يجري على الأمر يجري على الدعاء من حيث الصيغة والإعراب فضلاً عن ذلك أنّهما يجابان بجواب مجزوم على الطلب.

ويؤكّد البلاغيون على القرائن الدالّة في إطلاق صيغة الدعاء على الفعل الخارج عن الأمر لأنّ صيغة الأمر في حقيقتها « موضوعة لطلب الفعل استعلاء لتبادر الذهن عند سماعها إلى ذلك وتوقف ما سواه على القرينة »(2) و القرينة التي نقصدها هي ما تؤيد بقاء المعنى على حقيقة أو خروجه عنها وتوليد معنى آخر يأخذ من الصيغة ـ الأولى الحقيقة ـ دلالتها العامة فضلاً عن دلالته الخاصة فصيغة الدعاء هي عينها صيغة الأمر تضمّنت مع دلالتها العمة ـ الطلب عموماً ـ دلالة خاصة هي الطلب على سبيل التضرّع والتلطّف إلى حد التذلّل. وبذلك يظهر أن صيغة الأمر تولد حسب قرائن الأحوال ما ناسب المقام فإذا استعملت على سبيل التضرّع كقولنا : « ( اللهّم اغفر وارحم ) ولّدت الدعاء »(3) و ما يقال عن الأمر يقال عن النهي لأن « النهي محذو به حذو الأمر في أن أصل استعمال ( لاتفعل ) أن يكون على سبيل الاستعلاء وإن استعمل على سبيل

__________________

(1) الكشاف 15 : 1 وأكد هذا المعنى الطبرسي عند تعريفه الدعاء بقوله « الدعاء طلب الفعل من المعو ونظيره الأمر والفرق بينهما يظهر بالرتبة » مجمع البيان 76 : 1.

(2) الإيضاح / القزويني 241 : 1.

(3) مفتاح العلوم / السكاكي : 453.


التضرّع سمي دعاء »(1)

و ذهب باحث معاصر(2) إلي أن البلاغيين قد تابعوا الأصوليين في اشتراط الاستعلاء للأمرفي تعريفاتهم ولما كان الأصوليون مختلفين في اشتراطه فلم يقطع البلاغيون برأي ثابت بل قالوا : الظاهر في صيغ الأمر والنهي الاستعلاء ولا يري الباحث ذلك حكماً دقيقاً.

فليس بخافٍ على أهل البلاغة أن ثمة فرقاً بين الرتبة والاستعلاء فالتمايز بالرتبة ـ لا شك في أنّه ـ يتضمّن التعالي عموماً في حين أن الاستعلاء قد يكون ضمن الرتبة الواحدة عندما يقع الآمر أو الناهي في حال من الأحوال مستعلياً على المأمور وهم من رتبة واحدة. وهو ما حدا بالأصوليين على القول بالأمر الواجب والمندوب(3) أي أنّ الأمر والنهي عندما يصدر فإما أن يكون واجباً للطاعة أو مندوباً وهذا ما تعرّض له البلاغيون وفرّقوا بين صدور الأمر من العالي رتبة أو المستعلي ضمن الرتبة الواحدة فإن صدر الأمر من عالي الرتبة يستلزم وجوب تنفيذ الفعل أما في صدوره من المستعلي ضمن الرتبة الواحدة فيتطلب إيجاد الفعل دون الوجوب كما في الطلب الأول جاء في المفتاح : « ولا شبهة في أنّ طلب المتصور على سبيل الاستعلاء يورث إيجاد الإتيان به على المطلوب منه ثم إذ كان الاستعلاء ممن هو أعلى رتبة من المأمور استتبع إيجابه وجوب الفعل بحسب جهات مختلفة وإلاّ لم يستتبعه فإذا صادفت هذه أصل

__________________

(1) مفتاح العلوم : 545 الإيضاح 244 : 1.

(2) ظ : أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين / قيس الأوسي : 87 ـ 88.

(3) أصل تقسيم الأمر على : واجب ومندوب يستند إلي الأحكام الفقهية فما كان منها تكليفيّاً كان واجباً وما لم يكن كذلك كان مندوباً ولهذا التقسيم صور أخرى : ظ : الذريعة إلي أصول الشريعة / المرتضي 51 : 1 وما بعدها.


الاستعمال بالشرط المذكور أفادت الوجوب وإلاّلم تفد غير الطلب »(1) ويظهر لي أنّ السكاكي قد فرّق بين إيجاد الفعل من جهة وبين وجوب إيجاده كل منهما يولد ويخرج الدعاء منه سواء في ذلك أكان الطلب من العالي رتبة أم من المستعلي ضمن الرتبة الواحدة فكل منهما يستدعي ويولد الدعاء وما الاختلاف بينهما ـ فيما يبدو لي ـ إلاّ لأن إيجاد الفعل على سبيل الوجوب يحمل دلالة التأكيد في الإتيان بالفعل أكثر وأقوى من دلالة إيجاد الفعل وتنفيذه بصورة عامة وكلاهما طلب صريح لتنفيذ الفعل أحدهما أوكد من الآخر.

وخلاصة القول : إنّ الدعاء عند البلاغيين يخرج ويولّد مجازاً من صيغتي الأمر والنهي وهم يشترطون في صدور الدعاء أن يكون الداعي أقل رتبة من المدعو أو أن يكون المدعو مستعلياً عليه وليس من أحد في ما اطلعت قال غير هذا وإن قيل غير ذلك فقد نظر القائل بعين أهل الأصول في مباحث الأمر وتقسيماتهم فيه.

أما النحاة فلم يشذّوا عن القاعدة في صدور الدعاء لذلك فقد اشترطوا الاستعلاء في صدور الأمر وجعلوا الدعاء خارجاص عنه لاستعظام أن يقال عن الدعاء إنّه أمر ونهي جاء في الكتاب « الدعاء : بمنزلة الأمر والنهي وإنما قيل دعاء لأنه استعظم أن يقال أمرو نهي »(2) والنحاة وإن قالوا بالرتبة والاستعلاء في صدور الأمر الحقيقي فقد بقيت تسميتهم لصيغة الدعاء ـ الخارجة عن الأمر

__________________

(1) مفتاح العلوم : 543.

(2) الكتاب 142 : 1 ظ : المقتضب / المبرد 44 : 2 الأصول 177 : 2 شرح المفصل / ابن يعيش 58 : 7.


و النهي ـ أمراً ونهياً من باب الكل على الجزء وتعليل ذلك كما جاء في شرح الكافية إنّما سمى النحاة جميع ذلك أمراً لأنّ استعمال هذه الصيغة في طلب الفعل على وجه الاستعلاء ـ وهو في حقيقة الأمر ـ أغلب وأكثر وذلك كما سمّوا نحو « المائق » و « الضائق » اسم فعل لأن استعمال هذه الصيغة فيما هو فاعل حيقيقة ك « الضارب » و « القاتل » أكثر وكذا في النهي فإن قولك : « لا تؤاخذني » في نحو « اللهّم لا تؤاخذني بما فعلت نهي في اصطلاح النحاة وإن كان دعاء في الحقيقة »(1) .

ولعلّ للنحويين عذرهم في إطلاق تسمية الأمر أو النهي على الدعاء لأنهم أول ما يعنون بأمر الصيغة وما يلحقها من علامات الإعراب وما دامت صيغ الدعاء تسمية الأمر والنهي ـ لتولدها منهما ـ صحّ لديهم أن يطلقوا على الدعاء تسمية الأمر أو النهي وهذا ـ في رأي الباحث ـ تجاهل لدلالة الدعاء ومعناه الحقيقي فمن غير الممكن أن نطلق تسمية واحدة لفعل تختلف دلالة من صيغة إلى أخرى فدلالة الأفعال في الأوامر والنواهي الإلهية كما في القرآن الكريم حتماً تتباين وتفترق عن دلالات الأفعال الدعائية في القرآن فدلالة الأفعال ـ على الأمر والنهي ـ في قوله تعلى :( يا أيّها الّذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظّنّ إنّ بعض الظّنّ إثم ولا تجسّسوا لا يغتب بعضكم بعضاً ) (2) . تختلف عن دلالة الأفعال في قوله جلّ وعلا على لسان المؤمنين :( ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد ) (3) .

__________________

(1) شرح الكافية في النحو 267 : 2 ظ : الطراز / العلوي 281 : 3.

(2) سورة الحجرات : 49 / 12.

(3) سورة آل عمران : 3 / 194.


فصيغ الأفعال في الآية الأولي صيغ أمر ونهي محض وصريح لا دلالة فيهما على غير هذا قطعاً وليس الأمر كذلك في الآية الثالثة فدلالة الأمر والنهي في قوله : (آتنا ) (ولا تحزنا ) لانحمل منهما إلاّ ما يلحق الأوامر من الحركات أما دلالتها الحقيقة فهي الدعاء الصادر بتلطّف وخضوع ورغبة تملأ الوجدان بفيض من طلب النجاة والخلاص في ذلك اليوم إذا فليس في الآية الأخيرة أي معنى من معاني الأمر أو دلالة من دلالاته وعلى ذلك ومن الأقل ـ فيما يتعلق بكتاب الله العزيز يجريعليها ما يجري على فعل الأمر والفعل المضارع من الحالات والأحكام الإعرابية فهذا أبلغ لمراد المتكلم وأمكن لفهم السامع وأنسب لأدب الخطاب ومقاصده وكيفية تولّد دلالاته من مصدر واحد ولم أجد ـ فيما اطلعت عليه ـ إشارة إلى ذلك عند البلاغيين وكأنّهم قد تجاهلوا ذلك وتناسوه وهومن جواهر كنوزهم الدلالية التي ما فتئوا يجلونها ويظهرونها ولم يتعرّض غير البلاغيين إلى ذلك اللهّم إلاّ الزركشي إذ يؤكد على أنّ الفعل في قوله تعالى :( ... اغفر لنا . ) (1) و قوله تعالى :( ... اهدنا ) (2) « فعلا دعاء أو سؤال ولا تقول فعلي أمر تأدّباً من جهة أن والأمر يستلزم العو والاستعلاء »(3) وما ذهبنا إليه لا يعني إغفال أصل الدعاء وتولّده من الأمر والنهي فقد أشرنا إلي ذلك مسبقاً ولكن ما نريد أن نوضحه هو إنّ الفعل (اغفر) فعل دعاء والدعاء يصدر من الأمر والنهي لا أن نقول فعل أمر أفاد معنى الدعاء والفرق بين القولين لا يمكن إخاؤه لدلالة الواضحة.

__________________

(1) سورة الحشر : 59 / 10.

(2) سورة الفاتحة : 1 / 6.

(3) البرهان / الزركشي 306 : 1.


و خلاصة القول إنّ الدعاء أسلوب إنشائي يقع ضمن أساليب الطلب الإنشائي يخرج عن الأمر والنهي مجازاً ولابد في صدوره من التذلّل والخضوع وقد تناوله الدارسون من الأصوليين في مباحثهم اللفظية والبلاغيين في خروج الأمر والنهي إلى معانٍ مجازية والنحاة كصيغ من صيغ الأمر من النهي(1) .

صور الدعاء في القرآن الكريم :

ليس من اختلاف كبير وتباين بين صيغ الدعاء في العربية وصورها في القرآن(2) ونستطيع أن نحدد صور الدعاء في القرآن الكريم بما يلي :

الصورة الأولي : الدعاء الخارج عن الأمر مجازاً.

الصورة الثانية : الدعاء الخارج عن النهي مجازاً.

الصورة الثالثة : الدعاء بلفظ الخبر(3) .

وسيحاول البحث التعرّض لهذه الصور بشكل مفصّل.

الصورة الأولي ـ الدعاء الخارج عن الأمر مجازاً :

يتمثل الأمر في العربية بعدّة صيغ هي :

أ ـ صيغة فعل الأمر ( صيغة إفعل ).

ب ـ صيغة إسم فعل الأمر.

__________________

(1) ظ : شرح الكافية / الرضي الأسترابادي 244 : 2.

(2) ترد صيغة أخرى للدعاء في العربية وهي ( لا ) النافية والفعل الماضي إلاّ أنّه لم يرد لها شاهد في القرآن الكريم والله أعلم بالصواب.

(3) ظ : الأساليب الإنشائية ف النحو العربي / عبد السلام هارون : 11 ـ 12.


جـ ـ صيغة لام الأمر ( اللاّم الجازمة ) والفعل المضارع ( ليفعل ).

د ـ صيغة المصدر النائب عن فعل الأمر.

والأمر بكل صيغه وأنواعه جاء في القرآن الكريم وتوزّعت معاني هذه الصيغ ودلالاتها في ثلاثة وعشرين معنى(1) من بينها الدعاء الذي تمثّل وخرج عن صيغ الأمر الآتية :

الصيغة الأولى ـ صيغة فعل الأمر (فعل الدعاء) :

أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم جاء على هذه الصيغة قال تعالى :( وقل ربّ أدخلني مدخل صدقٍ وأخرجني مخرج صدقٍ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ) (2) حيث ورد الدعاء بصيغة الأمر المجازي بفعل صريح مرّة وبفعل محذوف مرّة أخرى في حدود مائة وأربعين موضعاً ( 140 )(3) و حذف في حدود ثلاثة عشر موضعاً كما في قوله تعالى :( ربّ اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي موّمنًا وللمرمنين والمؤمنات ) (4)

و سبقت الإشارة إلى ما اخترناه من إطلاق تسمية فعل الدعاء على هذه الصيغ بدلاً من فعل الأمر كي تتناسب دلالة الفعل مع تسميتها تناسباً كليّاً وما تناولناه هنا لا يخرج عما نذهب إليه بل بيان لتولّد الدعاء من صيغ الأمر.

__________________

(1) ظ : دقائق التصريف / ابن المؤدب : 118 ـ 120.

(2) سورة الإسراء : 17 / 80.

(3) وهم أحد الباحثين حين ظنّ أن التعبير بلفظ الدعاء وبهذه الصيغة جاء صريحاً في القرآن الكريم : رسالة دكتوراه (على الآلة الطابعة) الجبوري : 524.

(4) سورة نوح : 71 / 28.


الصيغة الثانية ـ اللاّم الجازمة والفعل المضارع (فعل الدعاء ) (صيغة ليفعل )(1) :

أصل استعمال اللاّم الجازمة للأمر الحقيقي(2) وتخرج للدعاء عندما يكون المخاطب أدنى رتبة من المخاطب وهناك من جعل ( لام ) الدعاء نوعاً آخراً كـ ( لام ) الأمر وليس بخارج عنها(3) و لا بأس في ذلك لأجل بيان دلالة الدعاء ومعناه. وهذا الباب على ألاّ يكون ذلك لغرض التنويع في المصطلحات من دون معنى يقصد أو دلالة ترجى فحينئذٍ لا تقدم جديداً يخدم المعنى بل على العكس إنّ كثرة المصطلحات دون توجيه دقيق يزيد الموضوع غموضاً وتعقيداً ولأنّ كلا اللاّمين ـ لام الأمر ولام الدعاء ـ يقصد بهما الطلب وكلاهما يدخلان على الفعل المضارع ليؤذنا بأنه مطلوب

__________________

(1) تسمى هذه اللاّم مرة بلام الأمر كما في الكتاب 8 : 3 واللاّمات / الزجاجي : 88 ومعاني الحروف / الرماني : 57 ، 147 ة تسمى لام الطلب مرة أخرى كي تشمل الأمر والدعاء والالتماس كما في الجنى الداني : 152 ، ومغني اللبيب 223 : 1 وهمع الهوامع / السيوطي 55 : 2.

(2) من المفيد أن نذكر أن الأمر باللاّم الجازمة يكاد يفترق في شيء من دلالته عن الأمر بصغة اللاّم والفعل المضارع فيه شي من اللين والتلطيف ولا يعدل إليها إلاّ إذا أريد معنى التلطيف وبذل النصيحة ونحو ذلك من المعاني ظ : نحو الفعل / د. عبد الستار الجواري : 58 ـ 59.

(3) ذهب المالقي إلى أن تسمية (اللاّم الجازمة) يتضح من دلالتها فيسميها لام الأمر ولام الوعيد عند دلالتها على الوعيد ولام الدعاء حينما تخرج للدعاء نحو قولك : لتغفر لزيد ولترحمه ظ : رصف المباني في شرح حروف المعاني : 226 ـ 230 المقرب / ابن عصفور : 297.


للمتكلم(1) قلنا : إنّ الفرق لا يلحظ بينهما إلاّ باشتراط الرتبة والاستعلاء وصدور الطلب على سبيل التلطّف والخضوع. وحركة اللاّم ـ كما عند النحاة ـ مكسورة « لضرورة الابتداء »(2) أي إن لم تسبق بعطف كـ ( الفاء والواو وثم ) فإنّها حينذاك تسكن(3) و عمل اللاّم الخارجة للدعاء جازمة تجز الفعل المضارع بعدها كما في حروف الجزم الأخرى(4) و هي بذلك ـ أي بالجزم ـ تشبه ( لام الأمر ) ومافي عملها اختلاف حين يكون « الطلب أمراً أو دعاءً »(5) و جاءت لام الدعاء والفعل المضارع في القرآن الكريم في آية واحدة واختلف القول في أربع آيات أما الآية فقد جاءت على لسان أهل النار في دعائهم مالكاً خازن النار قال تعالى :( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربّك ) (6) فقد أجمع العلماء(7) أنّ اللاّم في (ليقض) للدعاء وظاهر في الآية كيفية صدور الدعاء من أهل النار فقد جاء نداؤهم يحمل عظيم آلامهم ومعااتهم حتى أنّهم طلبوا الفناء الأبدي بدلاً من العذاب المتجدد وكأنما للمح في دعائهم ذلّهم وتمسكنهم من جهة وتعظيمهم المنادى بإضافة الضمير الدال عليه إلى لفظ الربويية (ربّك) وما في ذلك بعد من تشريف وتعظيم

__________________

(1) ظ : البرهان 349 : 4 شرح الكافية / الرضي 251 : 2.

(2) همع الهوامع 55 : 2 تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد / ابن مالك : 235.

(3) ظ : اللاّمات / الزجاجي : 89 ـ 90 معاني الحروف : 57 رصف المباني : 328 ـ 229.

(4) ظ : الكتاب 8 : 3 (باب ما يعمل في الأفعال فيجزمها) المقرب : 297.

(5) مغني اللبيب / ابن هشام 223 : 1.

(6) سورة الزخرف : 43 / 77.

(7) ظ : الجنى الداني : 152 مغني اللبيب 223 : 1 همع الهوامع 55 : 2 تفسير الكشاف 264 : 4 البحر المحيط 28 : 8 الجامع لأحكام القرآن 117 : 16.


للمدعو.

أما الآيات الأربع(1) فنأخذ شاهداً منها آيتين هما قوله تعالى :( ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدّنيا ربّنا ليضلّوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم ) (2) وقوله عزّ وعلا :( ... ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصّلاة فاجعل أفئدةً من النّاس تهوي إليهم ) (3) .

و لقد تباين القول في الآيتين(4) حيث ذهب الزمخشري إلى أن قوله تعالى :( ليضلّوا ) « دعاء بلفظ الأمر كقوله :( ربّ ، اطمس ) ،( اشدد ) كأنه قال : ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضلاّلاً »(5) بمعنى أنه ـ أي موسى ـ استوثق من كفرهم وإصرارهم على الضلال فلم يكن منه إلاّ

__________________

(1) الآيتان هما : سورة البقرة : 2 / 260 سورو فصلت : 41 / 29 وقد ذهب العري في رسالة الغفران إلى أن اللاّم في آية سورة البقرة لام الدعاء ظ : رسالة الغفران تحقيق بنت الشاطئ : 274.

(2) سورة يونس : 10 / 88.

(3) سورة إبراهيم : 14 / 37.

(4) معنى تباين القول فيهما إنّهما قد تتحملان أن تكونا (لام الأمر) خرجت للدعاء أو أن يكونا (لام كي) لذلك فقد وضع عبد الخالق عضيمة هاتين الآيتين ضمن مجموعة الآيات التي يمكن أن ترد للوجهين ظ : دراسات لأسلوب القرآن الكريم 479 : 2.

(5) الكشاف 365 : 2 وتفسير البيضاوي 16 : 3 ولا بدّ أن نذكر أنّ رأي الزمخشري قد ردّة أحمد بن المنير الإسكندري في كتابه الإنصاف المطبوع بهامش الكشاف : ظ : 365 : 2 فضلاً عن ذلك فقد استعبد أبو حيان الأ ، دلسي أن يكون (ليضلوا) دعاء : ظ : البحر المحيط 186 : 5.


الدعاء عليهم والذي يميل إليه البحث أنّ اللاّم في قوله : (ليضلّوا) (لام كي) وهو قول أغلب النحاة والمفسرين(1) وهو مذهب الخليل وسيبويه(2) في أن معناها ـ أي اللاّم ـ العاقبة والصيرورة(3) أي : « لما كان عافبة أمرهم إلى الضلال صار كأنّه أعطاهم ليضلّوا »(4) .

أمّا قوله تعالى :( ... ربّنا ليقيموا الصّلاة ) (5) فتحتمل اللاّم أن تكون لام الأمر خرجت للدعاء فكأن إبراهيم دعا الله تعالى ورغب إليه في تو فيقهم لإقامة الصلاة(6) و لعل اللاّم في هذه الآية كالتي قبلها في أنّها (لام كي) متعلقة بقوله : (أسكنت )(7) والذي سوّغ القول بأنها لام الأمر خرجت للدعاء في الآيتين هو مجيئهما في سياق الدعاء يسبقها في الآيتين قول الداعي ونداؤه المولي الجليل ( ربّنا ) وهي كلمة الداعين في أكثر آيات الدعاء القرآني والله أعلم.

وبعد استعراض ضيغتي الأمر ـ افعل ليفعل ـ لابدّ من النظر في جوابهما وما نعبر عنه بجواب فعل الدعاء الخارج من الأمر.

__________________

(1) ظ : معاني القرآن / الفراء 477 : 1 معاني القرآن / الأخفش 347 : 2 البحر المحيط 186 : 5 جامع البيان / الطبري 157 : 11 إذ يقول ( والصواب من القول في ذلك عندي : أنّها لام كي ).

(2) إعراب القرآن / النحاس 72 : 2 الجامع لأحكام القرآن 374 : 8.

(3) لام العاقبة (أو الصيرورة) قسم من أقسام (لام كي) كما عند البصريين وليست كذلك عند الكوفيين لأنّها ناصبة بنفسها ظ : البرهان / الزركشي 347 : 4

الجني الداني : 160.

(4) الجامع لأحكام القرآن 374 : 8.

(5) سورة إبراهيم : 14 / 37.

(6) ظ : الجامع لأحكام القرآن 371 : 9 البحر المحيط 432 : 5.

(7) ظ : الكشاف 558 : 2 تفسير البيضاوي 79 : 3.


جواب فعل الدعاء الخارج من الأمر(1) :

معلوم إنّ الجملة الطلبية يجاب عنها بجواب مجزوم(2) والدعاء بكونه طلباً يخرج عن الأمر يجاب عليه كذلك وعلة الجزم لجواب الجملة الطلبية كما يراها البلاغيون هي أنّها ـ أي الجملة ـ « تشترك في كونها قرينة دالة على تقدير الشرط بعدها كقولك : أكرمني أكرمك أي : إن تكرمني »(3) .

والذي أشار إليه البلاغيون بجزم جواب الشرط ب ( إن ) الشرطية المضمرة هو يعض ما قاله النحاة في ذلك(4) و هو لا يخلو من تأويل بعيد ولو أخذنا برأي الخليل وسيبويه من أنه جزم بالطلب نفسه(5) لا بتعدنا عن التأويل والتقدير وتجاوزنا عن الآراء على تكلّف في تقدير العوامل الجازمة لجواب الطلب(6) .

لذلك فقبول الرائي القائل يجزم الطلب ـ والدعاء منه على وجه الخصوص ـ بتقدير الشرط فيه نظر إذ لا ينطبق هذا على فعل الدعاء الخارج

__________________

(1) ظ : الأصول 194 : 2 إذ تحدّث عن جواب الدعاء.

(2) ظ : الكتاب 93 : 3.

(3) الإيضاح 244 : 1 ظ : مختصر التفتازاتي شارحاً قول القزويني : « وهذه الأربعة : التمني والاستفهام والأمر والنهي يجوز تقدير الشرط بعدها وإيراد الجزاء عقيبها مجزوماً ب ( أن ) المضمرة مع الشرط » شروح التلخيص 327 : 2.

(4) ظ : صيغ الأمر والنهي في القرآن الكريم : 223 ـ 224 أساليت الطلب عند النحويين والبلاغيين : 153 ـ 154.

(5) ظ : مغني اللبيب 226 : 1 شرح الكافية 265 : 2.

(6) ظ : أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين : 154.


عن الأمر وهو ما أفصح عنه الفراء في حديثه عن جواب الدعاء إذ يقول : « وليس الجواب سهل في الدعاء لأنّه ليس بشرط »(1) أي ليس سهلاً ارتباط الشرط بجوابه في الدعاء فإذا لم يرتبط فعل جواب الدعاء بما قبله ( فعل الدعاء ) ارتباط جملة الشرط ( فعلاً وجواباً ) لا يصح أن نقول بأنّه شرط مقدّر لأنّ تقديره ـ أي الشرط ـ متعلق بصلاحية ما بعده لأن يكون شراطاً فإذا انتفي الشرط لم يجز جزم فعل جواب الدعاء باعتباره جواب الطلب(2) .

و مثاله قوله تعالى على لسان موسى :( وأخي هارون هو أفصح منّي لساناً فأرسله معي ردءاً يصدّقني ) (3) فقد رفع فعل الجواب ( يصدّقني ) « ولم يجزم لأنّه ليس على إرادة معنى الشرط إذ ليس معناة : (إن ترسله يصدقني) ولذا ارتفع ولو أراد معنى الشرط لجزم »(4) ونظير ذلك قوله تعلى :( فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ) (5) حيث اختلف في قراءة هذه الآية والتي قبلها بين رفع جوابهما وجزمه(6) .

لذلك فمن رفع فعل الجواب (يرثني) لم يرد الشرط ومن جزمه فعلى مجاز الشريطة والمجازاة كقولك : « فإنك إن وهبته لي

__________________

(1) معاني القرآن / الفراء 478 : 1.

(2) ظ : حاشية الدسوقي على المختصر : شروح التلخيص 327 : 2 معاني النحو 398 : 4.

(3) سروة القصص : 28 / 34.

(4) معاني النحو 392 : 4.

(5) سروة مريم : 19 / 4 و 5.

(6) ظ : مجمع البيان 11 :`4 ، 291 : 5 والكشاف 4 : 3 ، 409 : 3 الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة للجرجاني ( ت / 729ه ) : 119.


[ يرثني ] »(1) .(2)

و لا شك في أنّ مسألة كهذه تحتاج إلى دقة وتفحّص لأنّ الجواب هنا متعلق بالدعاء والدعاء سبيله التضرّع والخضوع فلا يعقل إذاً أن يجعل الداعي طلبه في موضع الاشتراط لذلك فإن « الأمر والنهي إذا خليا عن الاستعلاء كما في الدعاء والالتماس لا يجوز تقدير الشرط بعدها إلاّ لقرينة »(3) و القرينة ـ فيما يبدولي ـ هي أن يكون الفعل في موضع جزم يختلف عن جزم الشرط المقدّر لأنّ هذا الأسلوب يكون « الشرط فيه طلباً دائماً »(4) .

وقد ورد فعل الدعاء الخارج عن الأمر في القرآن الكريم مجاباً في ستة مواضع لا غيرها(5) جاء بعضها في موضع نصب لاتصاله بالفاء لأن الواو أو الفاء إذا اتصلتا « بالفعل المستقبل وكانتا جواباً فإنّ الفعل ينتصب في ستة مواضع : في الأمر والنهي والدعاء والجحود والتمنّي والستفهام »(6) و من ذلك قوله تعالى :( ... فلا يؤمنوا حتّي يروا العذاب الأليم ) (7) فقد أجمع النحاة

__________________

(1) الأصل في مجاز القرآن لفظ ( ورثني ) وما بين القوسين الكبيرين أعلاه تصحيح يبدو أن المحقق سها عن ذلك لأنّ تقدير الشرط يقتضي الجزم كما هو واضح من السياق وهذا ما هو موجود فعلاً في الإيضاح 244 : 1.

(2) مجاز القرآن 1 : 2 الإيضاح 244 : 1.

(3) حاشية الدسوقي على المختصر : شروح التلخيص 327 : 2.

(4) معاني النحو 398 : 4.

(5) ظ : صيغ الأمر والنهي في القرآن الكريم : المحق رقم ( 58 ) : 364.

(6) دقائق التصريف : 35.

(7) سورة يونس : 10 / 88.


والمفسرون(1) على نصب ( فلا يؤمنوا ) ـ في وجه من وجوه إعرابها(2) ـ جواباً للدعاء ( اطمس وأشدد ) ولا ريب في أنّ ثمة فرقاً بين إثبات الفاء وإسقاطها فإسقاطها مثلاً من قوله تعالى :( فلا يؤمنوا ) يخرج قوله تعالى عن الدعاء « فتكون نتيجة الطمس عدم الإيمان وليس فيه تنصيص على أن ذلك مراد له وإنما هو تقدير حقيقة فقط يتبين من ذا أنّ ثمة فرقاً كبيراً بين ذكر القاء واسقاطها والجزم على الطلب فإن لكل معنى »(3) وعليه فقد أوّ النحاة والمفسرون نصب الفعل المتصل بالفاء وجزم المعطوف عليه كما في ةقوله جلّ شأنه :( ... ربّ لولا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصّدّق وأكن من الصّالحين ) (4) فعطف ( أكن ) المجزوم على ( أصدّق ) المنصوب ليس على توهّم الشرط الذي يدلّ عليه بالتمنّي كما حكاه سيبويه عن الخليل فقد ردّة أبو حيان الأندلسي(5) لأنّ العطف على موضع الشرط عنده يستدعي أن يكون الشرط ظاهراً في حين أنّ الشرط هنا « ليس بظاهر وإنّما يعطف على الموضع حيث يظهر الشرط »(6) واختار أغلب النحاة والمفسرين رأياً في عطف ( أكن ) وهو

__________________

(1) ظ : معاني القرآن / الفراء 477 : 1 ـ 478 معاني القرآن / الأخفش 348 : 2 ، جامع البيان 159 : 11 الكشاف 365 : 2 البيان في غريب إعراب القرآن 420 : 1 البحر المحيط 186 : 5.

(2) أجمع النحاة على نصب( فلا يؤمنوا ) من وجهين وجزمها من وجه واحد من ذلك نصبها جواباً للدعاء ظ : مشكل إعراب القرآن 353 : 1 التبيان في إعراب القرآن 20 : 1.

(3) معاني النحو 397 : 4.

(4) سورة المنافقون : 63 / 11.

(5) ظ : البحر المحيط 375 : 8 البرهان 111 : 4 ـ 112.

(6) البحر المحيط 275 : 8.


عطفها على موضع أو محل ( فأصّدّق ) « كأنّه قيل إن أخرتني أصدق وأكن »(1) وهو مذهب أبي علي الفارسي واختاره ابن عطية(2) وفرق بين العطف على التؤهّم والعطف على الموضع فـ « العامل في العطف على الموضع موجود دون مؤثره والعامل في العطف على التؤهم مفقود وأثره موجود »(3) . ومن خلال ما مضى نلحظ فرقاً بيّناً بين جواب الطلب وجواب الشرط ويوضح الدكتور فاضل السامرائي الاختلاف بين الجوابيين بقوله : « إن ما يسمعى بجواب الشرط إنّما هو أسلوب شرطي غير أن هذا الأسلوب يختلف عن أسلوب الشرط المشهور ـ وهو الذي تذكر فيه أداة الشرط وفعله وجزاؤه ـ وذلك أنّ الارتباط ليس بأداة شرط بل الارتباط بمعنى الجزاء وإن الشرط في الأسلوب الشرطي المشهور يكون فعلاً ماضياً أو مضارعاً بخلاف هذا الأسلوب فإن الشرط فيه يكون طلباً دائماً »(4) .

و من ذلك نستطيع أن نفرّق بين الشرط في أسلوبه وبين تقديره في جواب الطلب حيث يكون في الثاني دالّاً على أنّ الاشتراط لا بدّ أن يكون طلبياً فقوله تعالى :( ادعوني أستجب لكم ) (5) لا يمكن تقديره بقولنا : ( إن تدعوني

__________________

(1) الكشاف 544 : 4 مجمع البيان 84 : 6 حيث يقول : « فلما كان الفعل المنصوب بعد الفاء في موضع مجزوم بأنّه جواب الشرط حمل قوله : (وأكن) عليه : ظ : معاني القرآن / الفراء 160 : 3 إعراب القرآن / النحاس 438 : 3 الجامع لأحكام القرآن 131 : 18.

(2) ظ : البحر المحيط 275 : 8.

(3) البحر المحيط 275 : 8.

(4) معاني النحو 398 : 4.

(5) سورة غافر : 40 / 60.


أستجب لكم ) فالقول يختلف عن الآية تماماً لأنّ المعنى « في الآية يفيد أن الدعاء مطلوب من العبد مراد لله تعالى »(1) وهذا يجري في جواب كل دعاء حيث يتباين المعنى بين تقدير الشرط وبين معنى الدعاء نفسه.

و في نهاية المطاف لابدّ من تأكيد أن الدعاء على صيغة ( ليفعل ) يجاب عنه وقد أجاز الكسائي ذلك(2) إلاّ أن جواب الدعاء على هذه الصيغة لم يردله في القرآن العظيم شاهد والله أعلم.

الصيغة الثالثة ـ الدعاء بصيغة المصدر :

الصيغة الثلاثة التي يتمثل بها الدعاء صيغة المصدر النائب عن فعل الأمر والدعاء ويؤتي به لأغراض منها أن التعبير بالمصدر عموماً ـ وفي الدعاء بخاصة ـ يكون أدل على مراد الداعي لأنّ طلبه ودعواه غير مقيّدة بزمن كل هذا من خلال دلالة المصدر نفسه فالمصدر يختلف عن الفعل بركن من ركنيه فدلالة المصدر على الحدث فقط في حين أن دلالة الفعل الحدث والزمن المجرد وحده لأنه آكد من الفعل(3) .

ومن الأغراض البلاغية الأخرى للدعاء بامصدر المبالغة والاختصار وذلك من خلال إقامة المصدر مقام فعله(4) . وينتصب المصدر بفعل

__________________

(1) معاني النحو 398 : 4.

(2) ظ : الأصول / ابن السراج 194 : 2.

(3) ظ : معاني النحو 591 : 2.

(4) ظ : الكشاف 316 : 4 المثل السائر / ابن الأثير 301 : 2 ـ 302.


مضمر(1) « لكونه بدلاً من اللفظ منها المصادر التي تستعمل في الدعاء للإنسان أو عليه فإن كان له فعل انتصب به وإن لم يكن له فعل قدر من معناه فمن المتعدي سقياً ورعياً في الدعاء عليه بعداً وسحقاً أي بعد سحق »(2) وحذف الفعل في هذه المصادر جوزاً أو وجوباً مرتبطاً ببيانها وتعينها بما تعلقت به من فاعل أو مفعول فيجب حذف الفعل فيها فقوله تعالى :( فبعداً للقوم الظّالمين ) (3) و( ... فسحقاً ) (4) و( فتعساً ) (5) فقد بيّنت المصادر الثلاثة « بعداً سحقاً تعساً » أفعالها بحرف الجر فوجب حذف الفعل فيها وتعليل وجوب حذف الفعل صرّح به الرضي فقال : « وإنما وجب حذف الفعل مع هذا الضابط لأنّ حق الفاعل والمفعول به أن يعمل فيهما الفعل ويتصلان به فاستحسن حذف الفعل في بعض المواضع أما إبانة لقصد الدوام واللزوم بحذف ما هو موضوع للحدوث والتجدد أي الفعل »(6) ويري البحث أنّ ذكر الفعل وإظهاره في الكلام يخرجه عن الدعاء بالدرجة الأساس ويقصد به التوكيد حينذاك في حين أنّ إضمار الفعل وترك إظهاره والإتيان بالمصدر وحده يراد به الدعاء جاء في

__________________

(1) نصّ على سيبويه في باب : ( ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المتعمل إظهاره) ظ : الكتاب 311 : 1 ـ 312.

(2) ارتشاف الضرب / أبو حيان الأندلسي 206 : 2 شرح المفصل 114 : 1.

(3) سورة المؤمنون : 23 / 41.

(4) سورة الملك : 67 / 11.

(5) سورة محمد : 47 / 8.

(6) شرح الكافية / الرضي الأستراباذي 116 : 1.


شرح ابن يعيش « وبعضهم يظهر الفعل تأكيداً فيقول : سقاك الله سقياً ورعاك الله رعياً »(1) ومن المصادر التي خرجت للدعاء في القرآن العزيز :( غفرانك ، سلاماً ويل بعداً تعساً سحقاً ) قال تعالى :( ... غفرانك ربّنا وإليك المصير ) (2) غفرانك مصدر نائب عن الدعاء في محل نصب بفعل مضمر من لفظة(3) تقديره : اغفر غفرانك وهناك يترك تقدير الفعل ويقول : « غفرانك لا كفرانك أي نستغفرك ولا نكفرك »(4) وهذه الصيغة ـ غفرانك ـ وحيدة الاستعمال في القرآن الكريم جاءت مضافة ألي الضمير ـ الكاف ـ الدال عليه تعالى ثم يعقبها نداؤه جلّ وعلا بقوله :( ربّنا ) وفي ذلك تأكيد واعتراف بكماله تعالى هذه الصفة وطلب موجز لغفران كلي أو « طلب لغفران كامل »(5) أما سلاماً كما في قوله عزّوجلّ :( ... ويلقّون فيها تحيّة وسلاماً ) (6) فهو دعاء بالسلامة والتسليم من كل شر وتقديره : سلّمهم اللّهمّ قوله تعالى :( ... سلام على إل ياسين ) (7) ولا ينقل إلاّ لفائدة لأنّ الأصل

__________________

(1) شرح المفصل 114 : 1 ظ : معاني النحو 591 : 2.

(2) سورة البقرة : 2 / 285.

(3) ظ : مجمع البيان 387 : 1 الجامع لأحكام القرآن 429 : 3 ونسبه إلى الزجاج ارتشاف الضرب 210 : 2.

(4) الكشاف 331 : 1.

(5) مفاتيح الغيب 147 : 7.

(6) سورة الفرقان : 25 / 75.

(7) سورة الصافات : 37 / 130.


( سلّمكم الله سلاماً ) ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال فبقي المصدر منصوباً وكان النصب والفعل على الحدوث فلما قصدوا دوام ننزول « سلام الله » عليه واستمراه أزالوا النصب الدال على الحدوث فرفعوا « سلام »(1) أي حينما أرادوا ثبات السلام واستقراره نقلوا إلى الرفع أو « الاسمية » أما إذ نصبوه فقد اختار واللحدوث والتجدد هذا من جهة ومن جهة أخرى أنّهم جوّز وا الابتداء بالنكرة ـ ضمن شروط عدّة منها ـ إذا كان فيها معنى الدعاء والابتداء لابدّ فيه من الرفع جاء في إعراب القرآن في تعليقه على قوله جلّ وعلا :( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً ) (2) سلام « رفع بالابتداء وحسن الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى الدعاء »(3) ولعل الذي جعل النحاة يجوزون الابتداء بالنكرة إذا كان فيها معنى الدعاء هو « أنّها ليست أخباراً في المعنى إنّما هي دعاء أو مساءلة فهي في معنى الفعل كما لو كانت منصوبة »(4) ورفض ابن القيم ما أجمع عليه النحاة من جواز الابتداء بالنكرة إذ كان فيها معنى الدعاء وقال « وهذا كلام لا حقيقة تحته »(5) والمانع لديه من الابتداء بها هو ما فيها « من الشياع الإبهام الذي يمنع من تحصيلها عند المخاطب في ذهنه »(6) وليس ذلك حجة ـ في رأي البحث ـ في منع الابتداء بالنكرة لأنّ الابتداؤ بها

__________________

(1) شرح الكافية 96 : 1 ـ 97.

(2) سورة مريم : 19 / 15.

(3) إعراب القرآن / النحاس 207 : 2 ظ : البيان في غريب إعراب القرآن 306 : 2.

(4) شرح المفصل 87 : 1.

(5) بدائع الفوائد 147 : 2.

(6) بدائع الفوائد 147 : 2.


أصلاً كالابتداء بالفعل كما جاء في نص المفصل سلفاً.

ومن المصادر التي نقلت إلى الرفع لفظ ( ويل ) قال تعالى :( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) (1) حيث أجمع العلماء على أنّ هذه اللفظة دعاء على الإنسان لا يقولها إلاّ الواقع في هلكة وبلاء عظيم(2) فهي إذا « كلمة جامعة للشر كله »(3) و اتفق العلماء على معنى هذه اللفظة إلاّ أنهم اختلفوا في أصلها فقيل : إنّها من المصادر التي ليست لها أفعال(4) بينما ذهب الفراء إلى أن أصل ( ويل ) ( وي ) « جي ء بلام الجر بعدها مفتوحة مع المضمر نحو : وي لك ووي له ثم خلط اللام ب وي حتي صارت لام الكلمة نحو : ويلاًلك لصير ورة الأولي لام الكمة ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل : ويل لك كما في سلام عليك »(5) أي أنّ ما يقال عن لفظ (سلام) في نقله إلى الرفع يقال عن ( ويل ) قال تعالى :( ويل يومئذ للمكذبين ) (6) فأصل ويل : « مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه( سلام عليكم ) (7) ويجوز نصب ( ويل ) إلاّ أنها لم تأت منصوبة في القرآن

__________________

(1) سورة الزمر : 39 / 22.

(2) ظ : الكتاب 331 : 1 التبيان / الطوسي 488 : 8 مجمع البيان 52 : 5 مفاتيح الغيب 130 : 26.

(3) تأويل مشكل القرآن / ابن قتيبة : 561.

(4) شرح الكافية 83 : 2.

(5) شرح الكافية 118 : 1 ظ : إعراب القرآن / النحاس 648 : 3 : حيث يقول عن ويل « لم ينطق منه بفعل إلاّ شيئاً شاذّاً».

(6) سورة المرسلات : 77 / 15.

(7) الكشاف 678 : 4.


الكريم يقول الأخفش في قوله تعالى :( فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ) (1) « يجوز النصب على إضمار فعل أي : الزمه اللّهمّ ويلاً »(2) .

و خلاصة القول في الغاية من نصب المصادر مرة ورفعها بالابتداء مرة أخرى هي أن من يعمد إلى الرفع فكأنه يبتدئ بشيء قد ثبت واستقرلديه ولا يقصد تأكيده وإثباته في كلامه وكل ذلك راجع على دلالة الرفع في الثبات ودلالة النصب إلى الحدوث والتجدّد(3) . ومن المصادر التي جاءت منصوبة بفعل مضمر غير مستعمل لغرض الدعاء قوله تعالى :( ... وقيل بعداً للقوم الظّالميين ) (4) جاء في الكتاب « وإنما ينتصب هذا وما أشبهه إذا ذكر مذكور فدعوت له أو عليه على إضمار الفعل »(5) فتقدير الفعل في (بعداً) ابعدوا بعداً وهو « بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ـ وقد نزل بهم العذاب ـ دالّاً بذلك على الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم »(6) و استخدام المصدر في السياق الدعائي في القرآن الكريم فيه من البلاغة ما ليس في استعمال لام الدعاء مع الفعل كقولنا : « ليبعدوا » لأن المصدر هنا جاء « طلباً للتأكيد مع الاختصار وهو

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 79.

(2) إعراب القرآن / النحاس 190 : 1.

(3) ظ : الكتاب 330 : 1 شرح المفصل 122 : 1.

(4) سورة هود : 11 / 44.

(5) الكتاب 312 : 1.

(6) مفاتيح الغيب 99 : 23.


نزول ( بعداً ) منزلة ( ليبعدوا بعداً ) مع فائدة أخرى وهو استعمال اللام لعد الدال( بعداً للقوم الظّالمين ) على معنى أن البعد حقّ لهم »(1) فضلاً عن ذلك فإن استخدام المصدر المجرّد عن الزمن أبلغ من استخدام الفعل نفسه وهو ما أشرنا إليه سابقاً لذلك قوله تعالى :( بعداً ) « لو وجهه بالفعل كان مقيّداً بالزمان وهوم إذا كان موجّهاً بالمصدر كان مطلقاً من غير زمن فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل »(2) . ومن الألفاظ الأخرى التي جاءت منصوبة على المصدر بفعل مضمر قوله تعالى :( ... فتعساًلهم ) (3) وقوله عزّ من قائل :( ... فسحقاًلهم ) (4) . والمصدران « تعساً وسحقاً » وحيدا الصيغة في الاستعمال القرآني. و ( تعساً ) نصب بتقدير فعل من لفظه : أتعسهم الله تعساً(5) ويضع القرطبي في معنى « تعساً » عشرة أقوال كلها مصادر منصوبة واقعة موقع فعلها أفادت الدعاء(6) . أمّا قوله :( فسحقاً ) فنصب بفعل تقديره : أسحقهم سحقاً أو أن ينصب بتقدير : « ألزمهم الله سحقاً »(7) . ومن الجدير بالذكر أنّ هناك مصدراً دالّاً على الدعاء إلاّ أنّ الخلاف يظهر في تقدير فعله الناصب له هو ( سبحان )(8) أشار له سيبويه

__________________

(1) مفتاح العلوم : 65 الإيضاح 473 : 2.

(2) الطراز / العلوي 240 : 3.

(3) سورة محمد : 47 / 8.

(4) سورة الملك : 67 / 11.

(5) ظ : معاني القرآن / الفراء 58 : 3 البيان في غريب إعراب القرآن 374 : 2.

(6) ظ : الجامع لأحكام القرآن : 232 : 16.

(7) البيان في غريب إعراب القرآن 451 : 2.

(8) ذهب الأستاذ المرحوم عباس حسن إلي « سبحان » اسم مصدر لم يشهر استعماله عن العرب ظ : النحو الوافي 97 : 2.


في باب المصادر التي تنتصب بفعل متروك إظهاره تقديره : « أسبّح الله تسبيحاً »(1) أي إنّ الناصب له فعل مضارع في حين قدّر الخليل الفراهيدي فعلاً ماضياً يعمل فيه هو (سبحت)(2) واختاره النحاس في أعرابه(3) ، والقرطبي في جامعة وتقدير الناصب لـ (سبحان) من سبح أو أستبّح ـ بالتشديد ـ رفضه صاحب شرح المفصل بل ورفض أن يكون مشتقّاً منه كما هو متعارف لأن سبح « فعل ورد على سبحان بعد أن ذكر وعرف معناه فاشتقّوا منه فعلاً قالوا : سبّح زيد أي قال : سبحان الله »(4) ولم يقتصر ابن يعيش على رفض أصل المصدر بل أعطي رأياً بد يلاً عنه حينما صرّح بأن سبحان « من المصادر التبي لا تستعل أفعالها كأنّه قال : سبّح سبحاناً ـ بتخفيف الباء ـ كقولك : كفر كفراناً وشكر شكراناً »(5) وهناك من ذهب إلى أن (سبحان) مصدر نائب عن فعله كما في قوله تعالى :( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) (6) « فتأويل الآية : سبّحوا الله جلّ ثناؤه »(7) . ومهما يكن فتقدير الناصب لـ ( سبحان ) فيه دلالة على الدعاء لأن التسبيح دعاء وهو ما تناولناه في الفصل الأول. ولقد لا حظنا كيف ناب المصدر عن فعل الدعاء وأفاد

__________________

(1) الكتاب 322 : 1 الكشاف 646 : 2.

(2) العين / الفراهيدي : مادة (سبح) ظ : التبيان في إعراب القرآن 49 : 1.

(3) إعراب القرآن 229 : 2.

(4) شرح المفصل 120 : 1.

(5) المصدر نفسه.

(6) سورة الروم : 30 / 17.

(7) الصاحبي في فقه اللغة : 237 ، ظ : خزانة الأدب / البغدادي 241 : 7 ـ 242.


أغراضاً بلاغية كاتأكيد والاختصار والمبالغة فضلاً عما المصدر من الإيحاء المطلق للحدث دون التقيّد بالزمن وبهذا قد ألقينا الضوء على تمثّل الأمر لأسلوب الدعاء وسنعرض للصيغة الثانية التي يتمثل فيها الدعاء الخارج عن النهي مجازاً.

اصورة الثانية : الدعاء الخارج عن النه مجازاً :

أسلوب النهي ـ كما هو معلوم ـ يقابل الأمر إلاّ أنّه دال منع الفعل ، على عكس أسلوب الأمر لأنّ « الأمر بالشيء يقتضي في المعنى النهي عن ضده كما أن النهي عن الشيء يقتضي الأمر بتركه »(1) . واشتراط الاستعلاء قيداً في صدور النهي يؤكّده البحث ويميل إليه وهو في الأصل مذهب أجلّة أهل الأصول والنحاة والبلاغيين(2) من خلاله يولّد الدعاء ويخرج مجازاً عن النهي لذلك فمن غير المعقول أن يصدر النهي ـ مثلاً ـ من المخلوق لخالقه جلّ شأنه إلاّ على سبيل الخضوع والتذلّل وهذا دلالته مختلف عن النهي الصادر من الخالق عتعالى لعبده فكلا النهيين طلب إلاّ أن الفرق في موارد ومراتب صدورالنهي لا يمكن إهماله(3) و عليه فرّق النحاة عند ذكر هم لأداة النهي ( لا ) بين

__________________

(1) الذريعة أصول الشريعة 56 : 1.

(2) ظ : الذريعة إلى أصول الشريعة 35 : 1 الأمالي الشجرية 243 : 1 مفتاح العلوم : 545 الإيضاح 244 : 1 الطراز 284 : 3 معجم المصطلحات البلاغية / أحمد مطلوب 344 : 3.

(3) ذهب المالقي إلى أن صيغة النهي طلب يجمع النهي والدعاء وإنّ الفرق بينهما أوجده المتحذلقون من النحاة وهو في ذلك ينظر إلى المسألة بعين أهل الأصول


مجيئها للنهي مرّة وللدعاء مرة أخرى وبغير ذلك من المعاني(1) ولاريب في أنّ الاختلاف في معاني ( لا ) الناهية ناتج عن دلالات الكلام أصلاً وللنهي صيغة واحدة وهي أداة ( لا ) الجازمة التي يطلب بها ترك الفعل أو النهي عن إيجاده(2) ويسميها بعضهم ( لا ) الطلبية « يشمل النهي وغيره »(3) ويعقبها دائماً الفعل المضارع الذي بدخول ( لا ) عليه تجزمه وتخلصه للاستقبال(4) . وجوّز المالقي دخول ( لا ) الناهية على الفعل الماضي فيكون عندها دالّاً على الاستقبال كما في قوله « لا غفر الله لزيد ولارحمه »(5) ولا يري البحث لذلك شاهداً قرآنياً ولم ترد له صورة في القرآن الكريم وما جاء في الكتاب العزيز هو ( لا ) الدعائية الطلبية الناهية وفعل الدعاء المضارع في أربعة وعشرين موضعاً(6)

__________________

وخصوصاً فيما يتعلّق بالمباحث اللفظية التي منها الأوامر والنواهي لذلك جعل اختصاص أهل الأصول بمعاني الكلام ويضيف « والنظر في المعاني لهم ـ أي للأصوليين ـ وحظ النحوي النظر في الألفاظ والتكلّم في المعاني لهم بالانجرار فينبغي أن يترك لهم يحقّقونه » ظ : رصف المباني : 169 كذلك 229 ـ 230.

(1) ظ : الأزهية في علم الحروف / الهروي : 158 ـ 159 رصف المباني : 268 المقتضب 135 : 2.

(2) ظ : شرح الكافية 252 : 2.

(3) البرهان 355 : 4 الجنى الداني : 306.

(4) ظ : معاني القرآن وإعرابه / الزجاج 245 : 1 المرتجل / ابن الخشاب : 214 ـ 215 مغني اللبيب 246 : 1.

(5) رصف المعاني : 269.

(6) ذهب الأستاذ عضيمة إلى أنّ الدعاء على صيغة النهي جاء في ثلاثة عشر موضعاً ظ : دراسات لأسلوب القرآن الكريم 518 : 2 وعد الطحان ستّة عشر


وحمل ضمنها موضع واحد في أحد وجوه إعرابه على الدعاء وهو قوله تعالى :( ... فلا يؤمنوا ) (1) فيمكن أن تكون (لا) الطلبية ـ خرجت للدعاء ـ والفعل المضارع بعد ها مجزوم بها(2) جاء في مجاز القرآن (فلا يؤمنوا) جزم لأنّه دعاء عليهم أي « فلا يؤمنن »(3)

واختارالجزم على الدعاء الطبري وعلّل اختياره ذلك بما سبقه من « دعاء وذلك قوله : ( ربّنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم ) فإلحاق قوله : ( فلا يؤمنوا ) إذ كان سياق ذلك بمعناه أشبه وأولي »(4) . وعدّ البحث النهي الصادر عن النبي موسى إلى العبد الصالح الخضر دعاء(5) قال تعالى على لسان موسى :( قال لا تؤاخذني

__________________

موضعاً جاء فيها الدعاء على صيغة النهي صيغ الأمر والنهي في القرآن الكريم : 200 في حين جعلها أحمد الجبور : في ثلاثة وعشرين موضعاً : أساليب المجاز في القرآن الكريم : 542 وماخرج عن الدعاء من صيغ النهي في الواقع أربعة وعشرون موضعاً ضمنها قوله :( فلا يؤمنون ) [سورة يونس : 10 / 88].

(1) سورة يونس : 10 / 88.

(2) ظ : معاني القرآن / الفراء 477 : 1 اكشاف 365 : 2 التبيان في إعراب القرآن : 658 البيان في غريب إعراب القرآن 420 : 1.

(3) مجاز القرآن / أبو عبيدة 281 : 1.

(4) جامع البيان 160 : 11.

(5) لا يجوزأن نطلق على الأمر الصادر من الأذني إلى الأعلى (بين المخلوقيين) لفظ الدعاء فالفهم الخالص للدعاء يوجب الاعتقاد باختصاص الله جلّ وعلا به ولا يتوجهبالدعاء إلاّ إليه تبارك اسمه وإذا صحّ ما ذهب إليه البلاغيون من أن الأمر من الأدني إلى الأعلى يكون على سبيل الدعاء فيجب ههنا أن نقيده ب (دعاء الالتماس) لنخرجه عن الدعاء الخالص لله سبحانه أمّا حجتنا في ذلك فهي كون الأمر الصادر من الأذني إلى الأعلى يوصف بالدعاء هذا من جهة ومن


بما نسي ولا ترهقني من أمري عسراً ) (1) وقال أيضاً :( قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً ) (2) فقوله :( لا تؤاخذني ) ،( ولاترهقني ) ،( بعد ها فلا ) دعاء على صورة النهي ولعل السؤال عن كيفية كون النبي في هذا الموضع داعياً وهو ضمن سياقات الخطب الاعتيادية لا يكون إلاّ عالي الرتبة وتعليل ذلك أن السياق القرآني يبينموسيفي خطابه مع الخضر طالباً التعلّم قا تعالى :( قال له موسى هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشداً ) (3) فكلام موسى جاء على صيغة السؤال لا الأمر وهو بذلك أفصح « عن الخلق والأدب البارع الحري بالمتعلم المستفيد قبالة الخضر وهوكليم الله الرسول النبي أحد أولي العزم فكلامه موضوع على التواضعمن أوله إلى آخره وقد تأدّب معه أولاً فلم يورد طلبه منه التعليم في صورة الأمر بل في صورة الاستفهام هضماً لنفسه »(4) ما دام السياق القرآني سياق تعليم وتعلّم فهو أرمز

__________________

جهة أخري فإن البشر متساوون أمام خالقهم وموجدهم تبارك وتعالى ولا يفترقون إلاّ من جهة الاستعلاء داخل الرتبة الواحدة وهي عبادتهم لله سبحانه ومنزلتهم داخل الرتبة الواحدة وهذا بعض مفهوم الأصوليين في تقسيمهم للأمرعلى واجب ومندوب فالواجب ما كان من عالي الرتبة والمندوب ما كان ضمن الرتبة الواحدة وانماز بصفة الاستعلاء , ويمكن أن نتناول ضمن مفهوم دعاء الالتماس الدعاء بين المخلوقين وأقصد بذلك ما دار بين نبي الله موسى والعبد الصالح الخضر وغيرها.

(1) سورة الكهف : 18 / 73.

(2) سورة الكهف : 18 / 76.

(3) سورة الكهف : 18 / 66.

(4) الميزان في تفسير القرآن 343 : 13.


إلى التواضع والتلطّف في طلب العلم المفروض تخلّق المتعلّم بها على جلالة شأنه وعظيم منزلته وليس بعد منزلته النبي منزلة إلاّ أنّ ذلك لا يمنع أن يكون النبي في موضع المتعلّم دلالة على سمو درجة العلم وفضلاً عن هدف قرآني يقصد من وهو الإبانة عن أخلاق المتعلم وفي هذا السياق لا نجد موسى داعياً فقط بل هو منهي عن السؤال من قبل الخضر كما في قوله تعالى :( قال فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى أحدث لك منه ذكراً ) (1)

ولا أدل من ذلك على علو مرتبة الخضر في هذا السياق وهو بالضرورة أعلى حيث المعلم أعلى درجة من المتلم.

لذلك يكون كل ما صدرفي هذا السياق عن موسى دعاء(2) والله أعلم بالصواب.

وكل`ما جاء من الدعاء ضمن الصورة الثانية ـ صيغة النهي ـ صريح إلاّ في آية واحدة حيث حذفت الأداة (لا) والفعل المضارع معهما لإغناء السياق عنها ولسبقها في الكلام قال تعالى :( ... ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) (3) فقد أغنى العطف ب (أو) عن تكرار السياق وتقديره ـ والله أعلم ـ (لاتؤاخذنا إن نسيناو لا تؤخذنا إن أخطأنا).

ولا تخفى دلالة الإيجاز في الحذف في سياق الدعاء هنا وقد يأتي النهي

__________________

(1) سورة الكهف : 18 / 70.

(2) من المفيد أن نذكّر أنّ الدعاء بين المخلوقين ـ في صورة النهي ـ جاء في ثمانية مواضع أربعة منها على لسان هارون في الأعراف : 150 طه : 94 وآية واحدة في سورة التوبة : 49 فضلاً عمّا جاء على لسان موسى.

(3) سورة البقرة : 2 / 286.


من خلال أسلوب الاستفهام مجازاً(1) ويراد به للدعاء كما في قوله تعالى :( أتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا ) (2) .(3) فليس هذا باستفهام حقيقي إذ ليس يعقل « أن يظن موسى ـ لأن الكلام على لسانه ـ أنّ الله تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم »(4) فهو إذا يذكر الفعل كي يخلص بالنتيجة إلى إنكار وقوعه(5) ومن ذلك قوله تعالى :( ... أتعجل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّمآء ) (6) والاستفهام في هذه الآية لم يقصد به طلب الاستخبار من الله تعالى هل يجعل في الأرض من يسفك الدماء أة لا لأنّ الله تعالى قد قدّم في قوله ما يبيّن استخلافه جلّ وعلا للإنسان في الأرض(7) حين قا :( ... إنّي جاعل في الأرض خليفةً ) (8) فالنهي جاء عن طريق الاستفهام مجازاً وقصد به الدعاء. وعلى الرغم من أن الدعاء على صورة النهي أسلوب طلبي يجاب عنه بجوابمجزوم ـ كالأمر ـ كما ذكر ذلك

__________________

(1) جاء الاستفهام خارجاً إلى النهي مجازاً في القرآن الكريم في اثنين وثلاثين موضعاً : ظ : صيغ الأمر والنهي في القرآن : 197 وعد السيوطي في الإتقان أكثر من ثلاثين غرضاً بلاغيّاً يخرج الاستفهام لها2 : 70 ـ 80.

(2) سورة الأعراف : 7 / 155.

(3) في المعنى ظ : قوله تعالى :( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) [ سورة الأعراف : 7 / 173] أي لا تهلكنا والله أعلم.

(4) مفاتيح الغيب 18 : 15 مجمع البيان 35 : 3.

(5) أساليب الاستفهام في القرآن الكريم / عبد العليم السيد فوده : 258.

(6) سورة البقرة : 2 / 30.

(7) البرهان 341 : 2.

(8) سورة البقرة : 2 / 30.


النحاة(1) إلاّ أنّه لم يرد الدعاء على هذه الصورة مجاباً في القرآن الكريم(2) والله أعلم بالصواب.

الصورة الثالثة ـ الدعاء بالخبر :

سبقت الإشارة في بدء هذا الفصل إلى أنّ قسمي الكلام : الخبر والإنشاء يقع كل منهماموقع الآخر فالأمر ـ إنشاء طلبي ـ قد يقع موقع الخبر(3) والخبر قد يوضع كذلك موضع الإنشاء وما يعنينا من ذلك : الدعاء بالخبر.

ولاريب في إنّ خروج الخبر عن حقيقته ـ إلى الدعاء ـ يخدم أغراضاً ومقاصد يرمز إليها المتكلم ويهدف لها وهو ما اعتنى به البلاغيون بالدرجة الأساس وأجمعوا ـ وهم على حق ـ على أنّ الدعاء بالخبر أبلغ من أخراج الدعاء بصيغة المعهودة السابقة فقولنا : ( غفرالله لك ورحمك الله إعزّك ) إظهار بتيقّن الاستجابة والتفاؤل بحصول الغفران والرحمة والإعزاز فضلاً عن التأكيد والحرص على وقوعها(4) .

وحدّد القزويني إغراض وقوع الخبر موقع الإنشاء وهي : « إمّا للتفاؤل أو لإظهار الحرص في وقوعه والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يتحمّل الوجهين أو للاحتراز عن صورة الأمر كقول العبد للمولي إذا حوّل عنه وجهه : ينظر المولي إليّ ساعة أو لحمل المخاطب على المطلوب »(5) والناظر في

__________________

(1) ظ : الكتاب93 : 3.

(2) ظ : صيغ الأمر والنهي في القرآن : الملحق (58) : 364.

(3) ظ : بدائع الفوائد 139 : 2 ـ 140 معجم المصطلحات البلاغية 321 : 1.

(4) ظ : الكشاف 270 : 1.

(5) الإيضاح 245 : 1.


دلالة الدعاء على الزمن يجده في دلالة على الاستقبال ـ بخاصة ـ أمثل من دلالته على الحال(1) وبصيغة أخرى إنّ الدعاء وإن دلّ على الحال في شيء من زمنه فهو على الاستقبال أدلّ إذ يصحّ أن نخبر بالفعل المضارع لدلالة على الحال كما في قولة جلّ شأنه :( قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين ) (2) فقوله :( يغفر ) إخبار عن الحال ولكنّه إذا أريد له الدعاء كان دالّاً على الاستقبال(3) . والدعاء بالخبر أو بصيغة الفعل الماضي يجد فيه المتكلّم والسامع لطافة في التعبير عن الزمن الواسع بكلّ أوقاته : الماضي والحال والاستقبال معاً أمّا دلالة الماضي فكأنّ استجابة الدعاء واقعة من جهة المتكلّم بشكل من الأشكال بفعل التفاؤل الشديد بها الحرص الأكيد عليها فيكون حين الإخبار بها ماضياً لأنّها بحكم الواقع في الزمن الماضي بالنسبة للداعي. أمّا من جهة الحال والستقبال فه في أنّ وقوع الاستجابة حتماً يعقب الدعاء سواء في ذلك أستجيب للداعي في حال دعائه أم في قابل زمنه ومستقبله وبذلك تكون دلالة الماضي والحال والاستقبال ظاهرة في صيغة الدعاء بالخبر يصح إرجاعه ـ تأويله ـ إلى الأمر والنهي فقولنا :

__________________

(1) ذهبد. تمام حسان إلى أن الدعاء دال على الحال والاستقبال ظ : العربية معناها ومبناها : 251 وأرى أن دلالة الدعاء لربما تنحصر أكثر في الاستقبال دون الحال والله أعلم.

(2) سورة يوسف : 12 / 92.

(3) ظ : معاني النحو 317 : 3.


غفر الله لأحمد بمعنى اغفر اللّهمّ لأحمد وقولنا : ( يغفرالله لك ) بمعنى ( ليغفر الله لك ) وكذلك قولنا : ( لايرحم الله قاتلك ) بمعنى ( لا يرحمه الله ) بالجزم وكذلك الماضي بعد ( لا ) الطلبية في نحو قولنا : لا غفرالله له بمعنى لا يغفره الله له جزماً فنريد من لفظ الخبر ـ ماضياً ومضارعاً ـ معنى الدعاء الصادر عن الأمر والنهي مجازاً(1) ز وقد يشكل الدعاء بالخبر في وقوع الماضي بعد ( لا ) الطلبية إذ لا يقع بعدها إلاّ المستقبل كي لا تلتبس ب ( لا ) النافية ولكن جاز ذلك في الدعاء ـ أي وقوع الماضي بعد لا الطلبية ـ للأسباب التي ذكرناها وهي التفاءل بالاستجابة والإخبار عنها بلفظ واحد دالّاً على الماضي والحال والاستقبال جاء في البرهان الكشاف : « لا يكاد يقع بعد ( لا ) ـ أي الطلبية ـ الفعل الماضي إلاّ إذا أريد به الدعاء كقوله : ( لا غفرالله لفلان ) ليجمعوا بين التفاؤل بالإجابة حتى كأنّها وقعت وصارت من قبيل ما يخبر عنه بالوقوع والدعاءفي لفظ واحد ليعلم الداعي السامع أنّه مخبر »(2) وزيادة على ذلك أن عدم التباس ( لا ) الطلبية والفعل الماضي بعدها ب ( لا ) النافية هو ما يوضحه السياق ففي الدعاء « هيبة ترفع الالتباس وذكرالله تعالى مع الفعل ليس بمنزلة ذكرالناس »(3) وإذا علمنا أن ثمة فرقاً بين عمل الأداتين ( لا الطلبية ) و ( لا النافية ) في الفعل جزماً ونصباً زال الالتباس وانتهي. أمّا النحويون فقد اشترطوا في مجيء الدعاء على لفظ الخبر بعدم اللبس(4) بمعنة أنّهم يمنعونه

__________________

(1) ظ : المتقضب 273 : 3 175 : 4.

(2) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن / ابن الزملكاني : 173.

(3) بدائع الفوائد 103 : 1.

(4) ظ : الأصول 177 : 2 دقائق التصريف : 18.


إذا اختلف المعنى والتبس اسياق فإذا قلنا : « ليغفر الله لزيد ويقطع يده لم يجز جزم ( يقطع ) لاختلاف المعنى ولكن يجوز في جميع ذا الرفع فيكون لفظه لفظ الخبر والمعنى دعاء وإذا أسقطت ( اللاّم ) رفعت الفعل المضارع فقلت : يغفر الله لك وغفرالله لك »(1)

وفي القرآن الكريم جاء الدعاء بلقظ الخبر في آيات عدّ’(2) منها قوله تعالى :( إيّاك نستعين ) (3) فاللفظ جاء على سبيل الإخبار إلاّ أن معناه الدعاء « أي أعنّا على عبادتك »(4) و منه قوله تعالى :( ... قاتلهم الله أنّي يؤفكون ) (5) و معنى قوله : (قاتلهم الله) « خبر أريد به الدعاء عليهم »(6) و منها قوله تعالى :( والخامسة أنّ غضب الله عليها ) (7) قوله :( غضب ) خبر بلفظ الماضي خرج إلى الدعاء(8) ومنها قوله عزّوجلّ :( سلام عليكم ) (9) اللفظ لفظ الخبر والمقصود الدعاء لهم(10) و هذا ينطبق علىجمع الآيات الواردة على هذه

__________________

(1) الأصول 177 : 2 ـ 178.

(2) ظ : البرهان 326 : 2 صيغ الإتقان 227 : 3 صيغ الأمر والنهي في القرآن الكريم : 317 أساليب المجاز في القرآن الكريم : 512 وما بعدها.

(3) سورة الفاتحة : 1 / 5.

(4) البرهان 321 : 2.

(5) سورة التوبة : 9 / 30 وسورة المنافقون : 63 / 4.

(6) الجامع لأحكام القرآن 111 : 8.

(7) سورة النور : 24 / 9.

(8) ظ : نحو الفعل / الجواري : 31.

(9) سورة الرعد : 13 / 24.

(10) ظ : البرهان 347 : 3.


الصيغة في القرآن ففي( سلام عليكم ) معنى « الإخبار بحصول السلامة والإنشاء للدعاء بها وإرادتها وتمنّيها وكذلك ( ويل ) »(1) ومن ذلك قوله تعالى :( أعوذ بالله ) (2) وكل استعاذة بالله تعالى تكون بلفظ الخبر والمعنى دعاء فقولنا : أعوذ بالله « لفظه الخبر ومعناه الدعاء والتقدير : اللّهمّ أعذني »(3) وكذلك يمكن عد آيات الحمد أو دعاء الحمد في القرآن من صيغ الدعاء بلفظ الخبر قال تعالى :( الحمد الله الّذي خلق السّموات ) (4) أي أنّ الحمد جاء « في لفظ الخبر ومعناه الأمر : أي المحمد الله وإنما جاء على صيغة الخبر وإن كان فيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث إنّه يجمع الأمرين »(5) والمقصود بالأمر الدعاء لأنّ الحمد دعاء. وكذلك قوله تعالى :( ... ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد ) (6) فقوله : (إنّك لا تخلف الميعاد) جاء في لفظ الخبر كما نقل الطوسي ذلك عن آخرين فقد خرج الكلام « مخرج المساءلة ومعناه الخبر »(7) ومن ذلك قوله تعالى :( تبّت يدا أبي لهبٍ وتبَّ ) (8) فقوله تعالى :( تبّت ) « الأول دعاء والثاني خبر »(9)

__________________

(1) بدائع الفوائد 139 : 2.

(2) سورة البقرة : 2 / 67.

(3) مفاتيح الغيب 96 : 1.

(4) سورة الأنعام : 6 / 1.

(5) مجمع البيان 7 : 3.

(6) سورة آل عمران : 3 / 194.

(7) التبيان / الطوسي 86 : 3.

(8) سورة المسد : 111 / 1.

(9) معاني القرآن / الفراء 298 : 3.


في قوله تعالى :( ... حصرت صدورهم ) (1) « قيل هو دعاء عليهم بضيع صدورهم عن قتال أحد »(2) . وغير ذلك آيات كثيرة جاءت بلفظ الخبر ومعناها الدعاء(3) .

و لابدّ من الإشارة ـ في نهاية الفصل ـ إلى بعض الظواهر النحوية المتعلّقة بالدعاء منها دخول ( لا ) النافية على الفعل الماضي لإفادة الدعاء(4) نحو قولنا : ( لا فضّ الله فاك ) إلاّ أنّ هذه الصيغة لم ترد في القرآن الكريم وإنما دخلت ( لا ) النافية على المصادر التي يدعى بها(5) في موضعين فقط وهي قوله تعالى :( هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبأً بهم إنّهم صالوا النّار ٭قالوا بل أنتم لا مرحباً بكم أنتم قدّمتموه لنا فبئس القرار ) (6) و دخول ( لا ) النافية على المصدر ( مرحباً ) لم تعمل فيه ولم تغيره لأنّه قد عمل فيه فعل مقدّر فنصبه على المصدر لأنّه لا يجوز « أن يعمل في حرف عاملان »(7) و لعل ورود الدعاء بصيغة الفعل الماضي الذي تسبقه ( لا ) النافية فأكثر ما ورد سماعاً عن العرب ثم اشتهر في أشعارهم وكلامهم على أنّه صيغة من صيغ الدعاء ومن الظواهر الأخرى مجيء ( لن ) للدعاء وتباينت آراء النحاة في ذلك فقد ذهب ابن

__________________

(1) سورة النساء 4 / 90.

(2) الإتقان 327 : 3.

(3) ظ : الآيات التالية في المعنى نفسه : المائدة : 5 / 64 يوسف : 12 / 92 الذاريات : 51 / 10 المدثّر : 74 / 19 و 20 عبس : 80 / 17 البروج : 85 / 4 النمل : 27 / 8 التوبة : 9 / 128 النساء : 4 / 9.

(4) ظ : البرهان 354 : 4.

(5) ظ : دراسات لأساليب القرآن 548 : 2.

(6) سورة ص : 38 / 59 و 60.

(7) المقتضب 380 : 4.


السراج إلى أنّ « الدعاء ب (الن) غي معروف وإنّما الأصل ما ذكرناه أن يجيء على لفظ الأمر والنهي »(1) بينما أجاز الفراء مجيئها للدعاء كما في قوله تعالى :( قال ربّ بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين ) (2) « فقد تكون ( لن أكون ) على هذا المعنة دعاء من موسى : اللّهمّ لن أكون ظهيراً فيكون دعاء »(3) والظاهر أنّ ( لن ) قد تأتي للدعاء إذا سبقت بسياق دعائي يحتم خروجها من معنى الإخبار إلى الطلب ـ الدعاء ـ وبالنتيجة : يمكن حملها على الدعاء من هذا الجانب والله وأعلم »(4) .

و خلاصة القول : أنّ الدعاء يصدر عن أسلوبي الأمر والنهي الحقيقيين وله صيغه التي بها يتمثّل وقد استقصيناها بالتفصيل وسنعرض لما في هذا الأسلوب من نكات بلاغية تنطوي تحت فنون علوم البلاغية : البيان والمعاني والبديع.

__________________

(1) الأصول 178 : 2 ظ : تسهيل الفوائد : 229 البحر المحيط 110 : 7.

(2) سورة القصص : 28 / 17.

(3) معاني القرآن 304 : 2 البرهان 388 : 4.

(4) ظ : الأصول 178 : 2.


الفصل الثالث

معالم الدعاء وأنواعه في القرآن الكريم

المبحث الأوّل

معالم الدعاء في القرآن الكريم

شغل الدعاء مكاناً كبيراً ومهمّاً من كتاب الله العزيز ولعلّك تلحظ تناثر الدعاء من أول سورةٍ فيه مروراً بطوال السور وقصارها مكيّها ومدنيّها حتى إذا النتهينا عند آخر سور الكتاب المجيد وجدناها دعاءً كريماً يجسد صورةً معبرة لاعتراف الإنسان بضعفه ولجوئه إلى خالقه وتعلّقه بحصنه من كلّ ما دار بفكرٍ أو جال بخاطرٍ من أمرٍ عظيمٍ.

وبدء القرآن بالدعاء وانتهاؤه به دافع للتفكّر بأنّ « هناك سرّاً إلهيّاً في أن تكون فاتحة الكتاب كلّها دعاءً وخاتمته دعاءً وما بين الفاتحة والخاتمة عقيدة وعبادة ودعاء »(1) .

والناظر المستقرئ لظاهرة الدعاء في القرآن العظيم يأنس تعدّد صورها

__________________

(1) الدعاء في القرآن الكريم / محمود بن الشريف : 7.


واختلاف أساليبها وتنوّع مستوياتها فمرّةً يجد حثّناً على الدعاء وثانيةً تعليماً له وثالثةً بياناً متواصلاً لحالات الداعين من المؤمنين حيناً ومن المشركين حيناً آخر. وإذا تابعنا السير في ظلّ هذه الظاهرة الكريمة نرى أنّها عالجت قضايا الإنسان العقائدية في التوحيد والعدل والنبؤة والإمامة والمعاد فضلاً عن حاجاته النفسيّة والاجتماعيّة التي تفتقر قواه والذّرية والنّصرة في مواقف الحرب وإلى غير من قضايا مهمة.

و أول ما تجدر الإشارة إليه في بيان معالم الدّعاء أنّها رسمت لنا منهجاً واضحاً في الاعتقاد ومعرفة الخالق وآداباً في سؤاله وخطابه جلّ وعلا. ولعلّ الذي يظهر ذلك ويوضحه الآيات التي أبرزت نزوع الإنسان الفطري في حالات الضّر والشدّة والخوف والرعب إليه تعالى ونبذ سواه والبراءة منه والاعتراف بكلّ خضوعٍ وذلّةٍ وتمسكنٍ بالضعف والقصور ثمّ ما يلبث الإنسان بعد إجابته أن يعود إلى ما كان عليه من اعتقادٍ باطلٍ. وفي ذلك إقامة للحجّة على صحّة نزوعه وفطرة عقيدته من جهة وبطلان ما كان بضد ذلك من جهة أخرى ولقد صوّرت الآيات الكريمة ذلك في مشهدين :

الأوّل : مشهد الإنسان الذي مسّة الضّرّ فلا يجد سبيلاً غير الله فليوذ به طالباً كشف ضرّه فال الله تعالى :( وإذا مسّ الإنسان الضّرّ دعانا لجنبه أو فاعدًا أو قائماً فلمّا كشفناعنه ضرّة مرّ كان لم يدعنا إلى ضرّ مسّة كذلك زيّن للمسرفين ما كانوا يعملون ) (1) .(2)

__________________

(1) سورة يونس : 10 / 12.

(2) ظ : في السياق عينه : الأنعام : 6 / 40 ـ 41 الروم : 30 / 33 فصلت : 41 / 49 ـ 50 الزمر : 39 / 8 النحل : 16 / 53 ـ 54 هود : 11 / 9 ـ 10.


و ينبئك بيان الحالات الثلاث (الاضطجاع والقعود والقيام) للإنسان الداعي مدى الاجتهاد في الدعاء والتضرّع إليه تعالى لكي يكشف الضّرّ عنه وما أحسن هذا التقسيم المعلن عن لجوء الإنسان إلى خالقه الحقّ في ضرّة وهو في مختلف حالاته المتقدّمة(1) .

الثاني : مشهد الإنسان وسط أهوال البحر في هيجانه يدعوه جلّ وعلا باجتهادٍ وتيضرّع راجياً النجاة قال تعالى :( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدّين فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون ) (2) .(3)

و موقف كهذا يصوّر بدقةٍ متناهيةٍ فطرة الإنسان في صدق توجهه وإخلاص دعوته لله تعالى وهجر ما سبق من اعتقادٍ بالطلٍ في ساعة شدّته وخوفه ثمّ سرعان ما تعود تلك النفوس التي تناقض فطرتها إلى ما اعتادت عليه من الشرك(4) .

ومن المعالم الدعائيّة في القرآن العزيز هو افتتاح بعض السور بالدّعاء وقد عدّ الزركشي سوراً ثلاثاً استفتحت بالدعاء(5) و لا يفوتنا أن نذكر أن ثمة سوراًختمت بالدعاء أيضاً(6) .

__________________

(1) ظ : مجمع البيان / الطبرسي 20 : 3 الكشاف 323 : 2 مفاتيح الغيب / الرازي 51 : 17 البرهان / الزركشي 472 : 3 تحرير التحبير / ابن أبي الإصبع المصري 175 : 1.

(2) سورة العنكبوت : 29 / 65.

(3) ظ : في السياق نفسه : يونس : 10 / 22 الإسراء : 17 / 66 ـ 67 الأنعام : 6 / 63 ـ 64 لقمان : 31 / 31 ـ 32.

(4) ظ : مفاتيح 92 : 25.

(5) وهي : المطففين : 83 / 1 الهمزة : 104 / 1 المسد : 111 / 1 ظ : البرهان 180 : 1.

(6) ظ : الآيات التالية : الفاتحة : 1 / 7 البقرة : 2 / 286 الزمر : 39 / 75


و من أجلى معالم الدعاء في القرآن الكريم اقترانه بأمرين مهمّين :

أوّلهما : الحثّ عليه والترغيب فيه.

ثانيهما : استجابته.

أمّا الحثّ عليه : فقد جاء تبياناً لمكانةالدّعاء وتشريفاً إليهاً للداعين في آنٍ واحدٍ قال تعالى :( وقال ربّكم ادعوني أستجب لكم إنّ الّذين يستكبرون عن عبادتي سيد خلون جهنّم داخرين ) (1) .(2)

و في الحثّ على الدّعاء « في الآية دلالةً على عظيم قدر الدعاء عنه الله تعالى وعلى فضل الانقطاع إليه »(3) و في الحثّ كذلك بيان لكمال الألطاف الإلهية ومنتهى التكريم منه تعالى وهو الغني المطلق عنٍ خلقه هذا من جهة وإشارة إلى ضعف الإنسان وافتقاره له تعالى فطرةً وطبعأً من جهة ثانية وجمعت الآية بين الحثّ والاستجابة من ناحية وبين حقيقة الدعاء في أنّه العبادة من ناحية أخرى بل إنها « تجعل مطلق العبادة دعاءً حيث إنّها هو على ترك العبادة رأساًلا على ترك بعض أقسامها دون بعض فاضل العبادة دعاء »(4) و في مجيء الحث بهذه الصورة ـ مقترناً بالإجابة ـ إيناس للداعي وتأييد لا طمئنانه في استجابة دعائه ولايخفى ما في ذلك من تشريفٍ وتكريم.

وفي الحثّ تصريح وتأكيد على التوحيد ونبذ وتسفيه كلّ عقيدةٍ باطلةٍ

__________________

الصافات 37 / 182 المؤمنون : 23 / 118.

(1) سورة غافر : 40 / 60.

(2) ظ : الآيات في السياق نفسه : البقرة : 2 / 186 الأعراف : 7 / 29 ، 55 ، 56 ، 180 الإسراء : 17 / 115 غافر : 40 / 14 ، 65.

(3) مجمع البيان 209 : 5.

(4) الميزان في تفسير القرآن / محمد حسين الطباطبائي 34 : 1.


لأن جوهر الدعاء يمثّل حقيقة التوحيد بل إنّ التوحيد ركن أساس من أركان الدعاء القلبية قال تعالى :( هو الحيّ لا إله إلاّ هو فادعوه مخلصين له الدّين الحمد لله ربّ العالمين ) (1) .

و لا ريب في أنّ الدعاء دون الاعتقاد بإلهٍ واحدٍ قادرٍ على إجابة الدّعاء يفضي إلى القول بتعدّد الآلهة والتعدّد يقتضي التضادّ والتناقض في الإجابة ضمن المشيئة الإلهيّة المتعدّدة وعليه يكون الدعاء إلى عدم الإجابة أقرب منه إلى الإجابة وليس بإله من تعجز قدراته عن إجابة خلقه لذلك خاطب القرآن الكريم بأبلغ صورةٍ من كانت حاله كذلك قال تعالى :( له دعوة الحقّ واللّذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّية إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال ) (2) .

فليس أبلغ من هذا الاستنكار للذين يدعون من لا يقدرون على نغع أنفسهم أو ضرّها وما دعاء الداعين إلاّ في ضلالٍ وما هم إلاّ ضالّون عن سبيل الحقّ وجادّة الصواب ولنا في بدء هذه الآية ( له دعوة الحقّ ) تأكيد بتقييد وتخصيص دعاء الحقّ به تعالى وليس لأحدٍ سواء غير الباطل والضلال.

ومن جانب آخر امتدح القرآن الكريم الذين انتهجوا نهج الحقّ في الدّعاء ووجّهوا دعاءهم إليه تعالى آملين ـ بخشيةٍ وسرورٍ ـ إجابتهم قال تعالى :( ... إنّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) (3) .

فضلاً عن ذلك فقد نقل لنا الكتاب العزيز ما سيكون الكفار عليه من

__________________

(1) سورة غافر : 40 / 65.

(2) سورة الرعد : 13 / 14.

(3) سورة الأنبياء : 21 / 90.


موقف استهجانٍ وتوبيخٍ من قبل الله تعالى يوم القيامة(1) حين تلقة عليهم الحجّة في سخريتهم من المؤمنين الذين يدعونه ويطلبون منه الغفران والرحمة قال تعالى على لسان أهل النار :( قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قومًا ضالّين * ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلّمون * إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربّنا آمنا فاغفرلنا وارحمنا وأنت خير الرّاحمين * فاتّخذتموهم سخريّاً حتّى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون * إنّى جزيتهم اليوم بما صبروا أنّهم هم الفائزون ) (2) . هذا فيما يتعلّق بالحثّ على الدعاء والترغيب فيه وهو أول الأمرين.

استجابة الدعاء :

يقيناً إنّ لكلّ دعاءٍ إجابةً طال وقتها أو قصر وهذا واضح من المنهج الدّعائي في القرآن المجيد حيث تأتي الإجابة عب الدعاء مباشرةً من دون فصلٍ بينهما كما الغالب من آيات الدعاء قال تعالى :( وأيوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الضّرّ وأنت أرحم الرّاحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرّ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رجمةً من عندنا وذكرى للعابدين ) (3) .(4)

و لاشك في أنّ أدعية القرآن بأجمعها مجابةً(5) بل وحتّى إبليس

__________________

(1) تفسير التبيان / الطوسي 399 : 7.

(2) سورة المؤمنون : 23 / 106 ـ 111.

(3) سورة الأنبياء : 21 / 83 ، 84.

(4) ظ : الآت التالية في السياق نفسه : القصص : 28 / 32 ـ 35 يوسف 12 / 31 ـ 34 طه : 20 / 24 ـ 36 آل عمران : 3 / 190 ـ 195 الشعراء : 26 / 10 ـ 16.

(5) ظ : كتاب « لكلّ دعاء واجابة » : ثامر محمود حيث اتّبع منهجاً روائيّا في قصّ حوادث أدعي القرآن الكريم معقّباً عليها بذكر إجابتها في القرآن نفسه.


عليه اللعنة المعروف بعدائه للإنسان ولكلّ ما خلق الله تعالى قد أجيب دعاؤه وليس بعد ذلك دلالة على مدى رحمة الله تعالى في إجابة خلقه وعباده إذ من جاهر الله ـ سبحانه ـ بالعصيان والكفر أجيب طلبه(1) فكيف بمن عرق الله تعالى ورجا رحمة ومغفرته لا يجاب؟ قال تعالى على لسان إبليس :( قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنّك من المنظرين ) (2) .(3)

و إجابة الدّعاء حتمية لا يساورنا فيها أدني شكّ ولذلك فمن ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة ومن تمام عنايته تعالى بالإجابة مجاء قوله تعالى :( وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون ) (4) فما تضمنته الآية من الدلالات والإشارات يبهر العقول فيالعناية بأمر الدّعاء واستجابته وأول ما تلحظ ذلك في طريقة ذكرها للسائلين بلفظ ( عبادي ) حيث جاءت بألطف سلوب وأرقّة في ذكر الداعيين مما يكشف مدي العطف عليهم والترحّم بهم من قبله تعالى(5) .

فضلاً عن ذلك فالخطاب في الآية الكريمة « قد وضع أساسه على التكلّم وحده دون الغية ونحوها وفي دلالة على كمال العناية بالأمر ثمّ قوله ( عبادي ) ولم يقل الناس أو ما أشبهه يزيد في هذه العناية »(6) حيث شرّفهم بأن أضافهم

__________________

(1) ظ : إحياء علوم الدين 324 : 1.

(2) سورة الحجر : 15 / 36 و 37.

(3) ظ : الآيات التالية في ضمن هذا السياق : الأعراف : 7 / 12 ـ 15 سورة ص : 38 / 79 ـ 81.

(4) سورة البقرة : 2 / 186.

(5) ظ : الطراز / العلوي 117 : 1.

(6) الميزان 30 : 1.


إليه تعالى بلفظ ( عبادي )(1) .

و من اللطائف الخطابية في هذه الآية أنّها تجاوزت الوساطة بين الخالق وعباده وذلك من خلال اتقراء مواضع السؤال والجواب في الكتاب العزيز حيث نلحط اقتران الجواب في التعبير القرآني بلفظ ( قل ) في جميع الآيات التي يتقدّمها السؤال وذلك أمر منه تعالى لنبيّه الأمين بإجابتهم ومن ذلك قوله تعالى :

( ... ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبيّن الله لكم الآيات ) (2) .(3)

أما في هذه الآية فقد تولّى سبحانه وتعالى الإجابة عن السؤال بنفسه ولم يصرح بلفظ ( قل )( وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان ) (4) و في هذا غاية التكريم وأرفع درجات التشريف لعباده الداعين يقول الفخر الرازي في تعليقة على هذه الآية : « كأنّه سبحانه وتعالى يقول واسطة بيني وبينك »(5) .

ومن جمال الآية وسموها أنّه أكّد قربه بـ ( إنّ ) في ( فإنّي )(6) و لم يقل سبحانه

__________________

(1) ظ : الطراز 267 : 3.

(2) سورة البقرة : 2 / 219.

(3) ظ : في هذا المعنى سورة البقرة : 215 ، 217 ، 219 ، 220 المائدة : 4 الأعراف : 187 الكهف 83 وغيرها.

(4) سورة البقرة : 2 / 186.

(5) مفاتيح الغيب / الفخر الرازي 107 : 5 ظ : البرهان / الزركشي 54 : 4.

(6) ظ : الميزان 30 : 1.


وتعالى « فالعبد مني قريب بل قال أنا منه قريب وهذا فيه سرّ نفيس »(1) .

و يزيد من جمال التعبير التأكيد على الأستجابة من خلال استعمال الفعل المضارع الدّالّ على التجدّد والحدوث للإشارة إلى تجدّد الاستجابة وحدوثها(2) .

والمتدبّر في الآية الشريفة يجد من الدلالات والإشارات بعد ذلك الشيء الكثير منها الحضور الإلهي في هذه الآية الذي أنبأنا به تكرار ضمير المتكلّم الدّالّ عليه في سبعة مواضع (عبادي ، عنّي ، فإنّى ، أجيب ، دعان لي بي) وهذه الآية الوحيدة في القرآن على هذا الوصف(3) .

وفضلاً عن كلّ ذلك فإن انتظام هذه الآية بين آيات تريع الصوم(4) دالَ على تأكيد قول من عدها ضمن آيات الأحكام « من أنّه ليس فيها حكم ظاهرة »(5) و عليه فلا يغيب عن ذهن المتدبّر فائدة توسطها بين آيات الصوم وما ينبغي للصائم من الدعاء وطلب الحوائج فهو في موقف يكون قربه من الإجابة آكد ومنزلته في التشريف أقرب والله أعلم.

ومن كوامن الرحمة في هذه الآية أنّها « تسكب في قلب المؤمن النداوة والحلاوة والودّ المؤنس والرضي المطمئن والثقة واليقين ويعيش فيها المؤمن في جناب رضي وقربي ندية وملاذٍ أمين وقرارٍ مكين »(6) .

__________________

(1) كفاتيح الغيب 35 : 22.

(2) ظ : الميزان 31 : 1.

(3) ظ : الميزان 31 : 1.

(4) ظ : مجمع البيان 125 : 1 مفاتيح 103 : 5.

(5) تفسير آيات الأحكام / حسين اليزدي 311 : 1.

(6) في ظلال القرآن / سيد قطب مج 1 ج 2 ص 83.


و لابدّ من التذكير بأن للإجابة شروطاً حدّدثها الأحاديث النبويّة الشيفة والروايات المنقوله عن أهل البيت ولم نرغب في إطالة الكلام بها لأنّ مظانّها كتب الدّعاء التي ألّفت وفقاً لمنهج طلاب الشريعة والعلوم الإسلاميو فمن أراد التزووّد بها فلا بأس من الرجوع إليها والأخذ عنها وإنّما الإشارة لذلك قصداً للإيجاز.

ومهما يكن من أمر الاستجابة فإنّ الداعي لا يعدم الإجابة على الإطلاق فإذا أطأت إجابة فإنّ ذلك لا يعني عدم استجابة دعائه بل يلهمه الله تعالى « سكينةً في نفسه وانشراحاً في صدره وصبراً يسهل معه احتمال البلاء الحاضر وعلى كلّ حالٍ فلا يعدم فائدةً وهو نوع من الاستجابة »(1) .

ونفيد من الحديث عن معالم الدعاء في اقرآن الكريم أن في الحثّ نداءً إلهيّاً يدعو لسدّ ضعف الإنسان وفقره من خلال تعلّقه بخالقه الغنيّ ولجوئه لفيض كرمه وإحسانه وتحصنه بكهفه المنيع.

ونخلص كذلك على أن في الدعاء منهجاً لتعليم الإنسان وتأديبه في كيفية إقباله على بارئه ومخاطبة.

ونلحظ في الإجابة إعظاماً للدّعاء وإكراماً للداعي والتنبيه على أنّهما بيعن الله تعالى وعنايته وإذ جاز لنا اوصف قلنا إنّ الحثّ بذرة والدعاء شجرتها النامية وثمار الشجرة النامية الإجابة فبقدر منزلة الشجرة من النضج تكون ثمارها أكثر وألذّ والله أعلم.

__________________

(1) مفاتيح الغيب110 : 5.


المبحث الثاني

أنواع الدعاء في القرآن الكريم

من أجمل ما يألفه المتتبّع لآيات الدعاء في القرآن الكريم أمران : وهما كثرة آيات الدعاء وانتشارها على صعيد النص القرآني من جهة وتعدّد المستويات وتنوّعها من جهة أخرى فإنك تجدفي الكتاب العزيز أدعية للأنبياء مرّة وللمؤمنين ثانية وللملائكة ثالثة إلخ وقد تتفرّق أدعية كلّ مستوي على سورٍ عدّةٍ وسيكشف البحث من خلال استقصاء الأدعية وتفريقها على مستوياتها ميزاتٍ خاصةٍ ودلالاتٍ لطيفة ينطق عنها سياقها وسنبدأ بعرض أدعية الأنبياء أولاً.

أولاً ـ أدعية الأنبياء :

أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم جاء على لسان الأنبياء وما يلحظ هنا تفاوت نسبة أدعية كلّ واحد منهم عن الآخر فضلاً عن خصوصية دعائه فنقل عن إبراهيم وموسي ونوح ونبيّنا عليى وعليهم أفضل الصلاة والسلام نصوص دعائية فاقت غيرهم من الأنبياء أمثال زكريا وسليمان ويوسف وأيوب إلخ وسنبدأ بأدعية نبينا الكريم محمد بن عبد الله.

دعاء الرسول محمد :

أوّل ما نلحظ في دعائه مجيء أدعيته كلّها مسبوقة بلفظ الأمر (قل) حيث لم يخل منها دعاء على الإطلاق وفي ذلك دلالة على نبوته وتعظيم


لأمره ورسالته قال تالى :( وقلربّ أدخلني مدخل صدقٍ وأخرجني مخرج صدقٍ واجعل لي لدنك سلطاناً نصيراً ) (1) ودعاؤه هذا جاء عقب ذكر قراءة القرآن والتهجّد به.

و في دعاء الرسول تجد شكواه من أذى قومه وبعدهم عن الإسلام صريحةً واضحةً كما في قوله تعالى :( وقال الرّسول يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجوراً ) (2) ففي إظهار ( يا ) النداء إشارة لمعاناته حيث إنّ المعهود والمتعارف عليه حذف أداة النداء مع لفظ ( ربّ ) في أغلب آيات الدعاء إلاّ في مواضع قصد بها أغراض معينة.

وعلى الرغم مما لقيه من عنت قومه وضلالهم فإنّه ما دعا عليهم دعاءً صريحاً أبداً بل كان في دعائه يطلب إنصافه منهم وتفويض أمرهم إليه تعالى قال عزّوجلّ :( قل اللّهم فاطر السّماوات والأرض عالم الغيب والشّهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون ) (3) .

فقدّم في دعائه ثناءه عليه تعالى وبيان عظيم قدرته ثم أعقبها دعاءه بأسلوب الخبر( أنت تحكم بين عبادك ) بمعنى أحكم بينهم والله أعلم يقول الطبرسي في تعليقه على الآية : « لما قدّم سبحانه ذكر الأدلّة فلم ينظروا فيها والمواعظ فلم يتعظوا بها أمر نبيّه أن يحاكمهم إليه ليفعل بهم ما يستحقونه فقال :( قل ) يا محمد ادع بهذا الدعاء( اللّهمّ فاطر السّموات ) أي فاحكم بيني وبين قومي بالحق وفي هذا إشارة للمؤمنين بالظفر والنصر لأنّه سبحانه

__________________

(1) سورة الإسراء : 17 / 80.

(2) سورة الفرقان : 25 / 30.

(3) سورة الزمر : 39 / 46.


إنّما أمره به للإجابة محالة »(1) .

و في السياق عينه جاء قوله تعالى في ختام سورة الأنبياء :( قال ربّ احكم بالحقّ وربّنا الرّحمن المستعان على ما تصفون ) (2) حيث نملح في هذه الآية دعاءً خفياً على الذين استهتروا بأذاه وأسرفوا في ظلمهم له وللأنبياء عموماً فجاء بلفظ (بالحق) إشعاراً بالدعاء عليهم وإقصائهم ورحمته تعالى والتعجيل بما يستحقّونه من العذاب(3) لأنّه سبحانه لا يحكم إلاّ بالحقّ والعدل وإنّما ذكر ذلك زيادةً في تأكيد دعائه عليهم بالهلاك. وقد تنبّه ابن أبي الأصبع المصري إلى ستّة عشر ضرباً من البديع في هذه الآية على إيجازها(4) .

ولابدّ من الإشارة إلى وجه المناسبة في دعائه بين معاناته من جانب والتذكير بما مرّ من معاناة الأنبياء في نفس السورة من جانبٍ آخر فختمت سورة الأنبياء بدعائه وهو خاتم الأنبياء. ومن جملة أدعيته دعاءه في الثناء على الله وتنزيهه وبيان قدرته وسلطانه وتصريفه لشؤون خلقه في إيتائهم الملك ونزعه منهم وفي إعراز وإذلال من يشاء من خلقه كما في قوله تعالى :( قل اللّهمّ مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنّك عى كلّ شيء قدير ) (5) و في هذا الدعاء العظيم تعليم للثناء عليه تعالى بأفخم الثناء وأسماه. ومن أدعيته

__________________

(1) مجمع البيان 162 : 5 ظ : مفاتيح الغيب 286 : 26.

(2) سورة الأنبياء : 21 / 112.

(3) ظ : تحرير التحبير : 293 بديع القرآن : 208.

(4) ظ : تحرير التحبير : 293.

(5) سورة آل عمران : 3 / 26.


كذلك دعاء الحمد في قوله تعالى :( قل الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى آلله خير أمّا يشركون ) (1) فاجتمع في دعائه في هذه الآية دعاء الحمد مع دعائه وتحيته للأنبياء قبله بالسلام عليهم فبعد أن قصّ سبحانه في سورة النمل قصّة سليمان وأعقبها بالحديث عنصالحو لوط أمر نبيه بحمده والسلام على عباده الصالحين من الأنبياء السابقين وفي ذلك « تعليم حسن وتوقيف على أدب جميل وبعث على التيمّن بالذكرين والتبرّك بهما »(2) فضلاً عمّا فيه من التهديد للمكذّبين به بأن مصيرهم نظير الأقوام المكذّبة السابقة من جهة في حين أن في الحمد والسلام راحد واطمئناناً لمن آمن به وصدّقهبأن عاقبتهم النصر والفوز كما سالف الأمم المؤمنة بأنبيائها رسلها ـ والله أعلم ـ.

دعاء آدم :

على كثرة ما وردت قصة آدم في القرآن الكريم إلاّ أنّ دعاءه لم يذكر إلاّ في موضع واحد فقد جاء ذكر آدم وقصّته في سورة البقرة(3) و سورة ص(4) وسورة الحجر(5) وسورة الأعراف التي صرّح فيها بدعائه وزوّجه حواء في قوله تعالى :( قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين ) (6) و لعلّ ذلك يرجع إلى طبيعة التعبير الفني الذي ينهجه القرآن

__________________

(1) سورة النمل : 27 / 59.

(2) الكشاف 375 : 3.

(3) ظ : الآيات : 30 ـ 39.

(4) ظ : الآيات : 71 ـ 76.

(5) ظ : الآيات : 26 ـ 30.

(6) سورة الأعراف : 7 / 23.


طريقاً عرض قصصه حيث ترى مسير الأحداث في القصّة يتناسب تناسباً كليّاً مع السياق العالم الذي ترد فيه فمرّة تلحظ الإجمال في عرض جانب من القصّة وقد تلمح في موضع آخر أن ما أجمل هناك فصّل هنا وهكذا يمضي الأسلوب القرآني في عرض قصص الأنبياء ففي كلّ موضع جديد تبصر مشهداً جديداً أو جانباً آخر ما سبقت الإشارة إليه حتّي تكتمل لآلئ القصّة فينتظم عقدها وتسلسلها بشكل عجيب وساحر. عليه فقد ناسب ذكر دعاء آدم في الأعراف ما جاء « قبل القصّة من ندم المعاقبين من بني آدم »(1) الذي أبان عنه قوله تعالى :( وكم من قريةٍ أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون * فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلاّ أن قالوا إنّا كنّا ظالمين ) (2) .

إلاّ أنّ التوافق بين سياق قصّة آدم وما قبله لا يمنع أن يوجد فرق بينهما فقد عبّر آدم عن ظلمه لنفسه بالفعل في حين أن ما جاء على لسان بينه من الظلم بالسم والتفاوت بين التعبيرين دال على الختلاف التعامل معهما يقول الدكتور فاضل السامرائي « انظر كيف كانت العقوبة على قدر الظلم فقد قال آدم :( ظلمنا ) بالصيغة الفعلية الدالّة على الحدوث والطروء للدلالة على أنّها زلّة طارئة وليست معصية إصرار وقال أبناؤه :( إنّا كنّا ظالمين ) بالصيغة الإسمية الدالّة على الثبات على الظلم والإصرار فتاب على الأوّلين وأهلك الآخرين »(3) و نلحظ كذلك في دعاء آدم وزوجه التعلّق العظيم بغفران الله تعالى وثقتهما المطلقة برحمته من جانب وخشيتهما ووجلهما من جانب

__________________

(1) التعبير القرآني / السامرائي : 258.

(2) سورة الأعراف : 7 / 4 و 5.

(3) التعبير القرآني : 258 ـ 259.


آخر لذا فقد أظهرا اعترافهما بالظلم لأنفسهما ووضعا أمرهما في موضع الراجي والخائف في آنٍ واحد وهذا ما يوحي إليه سياق الشرط في الدعاء حيث أكّدا جملة جواب الشرط ( باللّام ونون التوكيد الثقيلة ) زيادة في تأكيد حالهما المتأرجح بين الرجاء والخوف يرجون المغفرة والرحمةو يخافون الخسران وعاقبتهو من اللطيف أن قدّمت المغفرة على الرحمة وفي هذا دلالة دقيقةً تكشف عن أنّ الرحمة لا تنال إلاّ بالمغفرة فلا وجه للرحمة مع الإصرار على المعصية أو بقائها وهذا التعبير بتقديم طلب المغفرة على الرحمة متعارف عليه أغلب سياقات الدعاء في القرآن كما في قوله تعالى على لسان المؤمنين :( واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) (1) والله أعلم.

دعاء نوح :

المتتبّع لدعاء نبي الله نوح يجده متناثراً على ستّ سور بدأت بسورة هود وانتهت بسورة نوح التي اختصت وتفرّدت يعرض قصّة نوح دون سواه.

وفي كل موضع ترد فيه قصّة نوح تجد الدعاء يلازم قصّته ويتناسب معسياقعرض السورة فترى في موضع التفصيل بياناً لدعاء أطول وما يكون من شأن إجابته وما يعقبها من دعاء آخر كما في قوله تعالى :( ونادي نوح ربّه فقال ربّ إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحقّ وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنّه ليس من أهلك إنّه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين * قال ربّ إنّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 286.


وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) (1) .(2)

أمّا في مواضع أخرى تجد دعاءه قصيراً سريعاً يوافق طريقة عرض الآيات في السورة وأسلوبها كما في سورة القمر قال تعالى :( فدعا ربّه أنّي مغلوب فانتصر ) (3) أو قد لا ينصّ على دعائه أصلاً وتكتفي الآية بالإشارة إليه كما في قوله تعالى :( ونوحاً إذ نادي من قبل فاستجبنا له فنجّيناه وأهله من الكرب العظيم ) (4) و ما في ذلك من تفنّن في التعبير وتجديد لخواطر النفس التي تحس في كلّ مكان من القرآن تناسقاً موضوعيّاً عجيباً يطابق واقع السورة من جهة وحال القصة المعروضة في فقراتها المختلفة على مستوى القرآن كلّه من جهة ثانية.

وأهم ما يلحظ في أدعية نوح دعاؤه على قومه فقد وردت جميعها مبينة لحاله معهم ومعاناة منهم فسترى أنّ معظمها دعاء عليهم وتعريضاً بكفرهم وجحودهم ولعلّ في سورة نوح أوضح مثال على ذلك فإنّك أوّل ما تلمس من هذه السورة شكوى نوح من قومه ودعاءه عليهم وهو في ذلك يجاري أغلب ما نقل عنه من الدعاء في القرآن الكريم قال تعالى :( وقال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً * إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً ) (5) .

ولا ريب في أنّ نوحاً قدّم قبل دعائه عليهم كلّ ما يبررها

__________________

(1) سورة هود : 11 / 45 ـ 47.

(2) ظ : في السياق عينه. المؤمنون : 23 / 28 ـ 29.

(3) سورة القمر : 54 / 10.

(4) سورة الأنبياء : 21 / 76

(5) سورة نوح : 71 / 26 و 27.


ويستوجبها من كثرة أذاهم ومكر أساليبهم في مجابهة دعوته وعلى كلّ حال فكما كان داعياً على كفّار قومه كان للمؤمنين منهم نصيب في دعائه كما في قوله تعالى :( ربّ اغفرلي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مومناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظّالمين إلاّ تباراً ) (1) . ففي هذه الآية التي ختمت بها سورة نوح يظهر مع الدعاء للمؤمنين الذين التّبعوه حرصه على أن يدعو على هؤلاء بالهلاك الذي يستأصلهم من الأرض. ومما ينبغي قوله هنا إن الدعاء على الكافرين من قوم نوح قد حكي عن الله تعالى كما في قصّة نوح في سورة هود قال تعالى :( ... وقيل بعداً للقوم الظّالمين ) (2) لئلّا يذهب الظنّ أنّ الهلاك قد شمل غير المذنبين فحكي الإبعاد عن رجمته مختصّاً بالظالمين منهم وهو ما يسمّي بالاحتراس من أن ينصرف الذهن إلى خلاف ما هو مقصود والله أعلم.

دعاء إبراهيم :

أوّل ما يطالعنا من دعاء إبراهيم دعاؤه في سورة البقرة في سياق الحديث عن بناء البيت الحرام وقد انطوى الدعاء على طلب الأمن والأمان للبيت الحرام وأهله والثبات على الإسلام لذريته كما في قوله تعالى :( وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثّمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) (3) و جاء السياق نفسه في سورة إبراهيم قال تعالى :( وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبنيّ أن نعبد

__________________

(1) سورة نوح : 71 / 28.

(2) سورة هود : 11 / 44.

(3) سورة البقرة : 2 / 126.


الأصنام ) (1) . ونلحظ في تكرار الدعاء في سورة إبراهيم تفاوتاً في التعبير حيث جاء لفظ البلد على التكبيرة مرّة وعلى التعريف ثانية وما في ذلك من تجديد للسياق فضلاً عن المعنى العام فقد يكون ـ والله أعلم ـ إن الدعاء في سورة إبراهيم جاء بعد إن جعل المكان المطلوب بلداً آمناً فخصّ حينها بالتعريف فضلاً عن ذلك فإن « النكرة إذا تكررت وأعيدت صارت معرفة ومثله في التنزيل( فيها مصباح المصباح في الزّجاجة كأنّها كوكب ) (2) »(3) أو أن التعريف والتنكير بالدعاء جاء « بعد ما صار المكان بلداً فقوله (اجعل هذا بلداً آمناً) تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً كقولك : كان اليوم يوماً حارّاً وهذا إنّما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة : لأنّ التنكير يدلّّ على المبالغة »(4) .

و مما يثير الانتباه منمجمل أدعية إبراهيم كثرة ذكره لوالديه وذريته قال تعالى :( ربّ اجعلني مقيم الصّلاة ومن ذرّيّتي ربّنا وتقبّل دعاء * ربّنا اغفرلي ولوالديّ وللمومنين يوم يقوم الحساب ) (5) .(6)

و لعلّ سبب الدعاء لذريّته هو أنّها « أحقّ بالشفعة والنصيحة قال تعالى :( قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ) (7) و لأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم

__________________

(1) سورة إبراهيم : 14 / 35.

(2) سورة النور : 24 / 35.

(3) ظ : مجمع البيان 227 : 4.

(4) مفاتيح الغيب 61 : 4.

(5) سورة إبراهيم : 14 / 40 و 41.

(6) ظ : في السياق نفسه : البقرة : 2 / 124 ، 128 إبراهيم : 14 / 37 الشعراء : 26 / 88 الصافات : 37 / 100.

(7) سورة التحريم : 66 / 6.


غيرهم وشايعو الخير »(1) في حين أنّ الدعاء للوالدين وتخصيصهما بطلب المغفرة والرحمة واجب يحتمه الشرع ويقره العرف وتعزّزه مشاعر الوقاء للوالدين لما بذلاه في سبيل تنشئة ولدهما وهذا ما أمر الله تعالى به نبيّة الكريم بدعائه لوالديه بقوله :( واخفض لهما جناح الذّلّ من الرّحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربّياتي صغيراً ) (2) .

و من بين ما نلحظه في بعض جعاء إبراهيم تقديمه لدعاء الثناء قبل دعاء المسألة كما في قوله تعالى :( الّذي خلقني فهو يشفين * والّذي يميتني ثمّ يحيين ) (3) .(4) فقد أثنى على الله تعالى وعظّمه بأن ذكر خلقه ونعمه فعقّب على ذلك بسؤاله وطلبه بقوله :( ربّ هب لي حكماً وألحقني بالصّالحين * واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين ) (5) إلى آخر دعوته حيث تجد في تقديم الثناء على السؤال أدباً رائعاً ومنهجاً لطيفاً في تعليم كيفية دعائه تعالى وما ينبغي للداعي أن يتحلّى به عند مخاطبته جلّ وعلا فضلاً عمّا فيه من حسن الانتقال والتخلّص من حال لحال فإبراهيم قد تقرّب « إلى الله تعالى بدعواتأهل الإخلاص وابتهل إليه ابتهال أل الأمانة لأنّ الطالب من مولاه إذاقدم قبل سؤاله والتضرّع إليه ذكره بالصفات الحسنى والاعتراف بنعمه كان ذلك أسرع للإجابة وأنجح للمطلوب ولهذا فإن كل من أراد حاجةً

__________________

(1) الكشاف 88 : 1 مفاتيح الغيب 68 : 4 كذلك 139 : 19.

(2) سورة الإسراء : 17 / 24.

(3) سورة الشعراء : 26 / 78 ـ 81.

(4) ظ : كذلك : قوله تعالى في سورة الممتحنة : 60 / 4 ـ 5.

(5) سورة الشعراء : 26 / 83 و 84.


إلى الله تعالى فإنّه يستحبّ تقديم الثناء على الله بما هو أهله وذكر صفاته وحمده وشكره ثمّ يسأل حاجته بعد ذلك فإنّ ذلك يكون أقرب للإجابة وأسنى لإنجاح الرغبة وإنجازها »(1) وقد جمع إبراهيم إلى جانب أدب دعائه أدب مخاطبته الله تعالى كما في نسبة الشفاء إليه عزّوجلّ دون المرض وهو بذلك قد « أسند أفعال الخير كلّها لله وأسند فعل الشرّ لنفسه »(2) تضرّعاً إليه وخضوعاً له جلّ وعلا.

و مما يمكن رصده من دعاء إبراهيم دعوته لخاتم الأنبياء وسيدهم محمد كما جاء على لسانه قوله تعالى :( ربّنا وابعثفيهم رسولاً منهم يثلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنّك أنت العزيزالحكيم ) (3) كما نلحظ أن إبراهيم ما دعا على قومه أبداً ولم يرد لذلك شاهد دعائي على الإطلاق والله أعلم.

دعاء موسي :

جسدت أدعية موسى مواق متعدّدة من أحواله بيّنت خلالها اتّصاله الوثيق بالله تعالى ودعاءه في مختلف أوضاعه في سرّائه وضرّائه مظهراً حاجته وفقره مرّة وتضرّعه وخضوعه مرّة أخرى.

و كما جاءت أدعية الأنبياء موزّعة بحسب ما يقتضيه المقام ويتطلّبه السياق فقد تعدّدت مواع أدعية موسى تبعاً لاستكمال حلقات قصّته على اختلافها إجمالاً وتفصلاً لأنّ « السياق هو الذي يحدّد القدر الذي يعرض

__________________

(1) الطراز 337 : 2 ظ : المثل السائر 55 : 3 مفاتيح الغيب 147 : 24.

(2) تحرير التحبير 417 : 3.

(3) سورة البقرة : 2 / 129.


منها في كلّ موطن كما يحدّد طريقة العرض والأداء بما يحقّق التناسق والجمال الفنّي »(1) .

و يمكننا ترتبيب دعاء موسى بدءاً من سورة القصص حيث نجد فيها التفصيل لقصّة موسى قبل نبوءته وما جاء على لسانه من دعاء في نلك الفترة التي ضمّت مواضع ثلاثه لأدعيته أولها كان بعد قتله القبطي قال تعالى :( قال ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفرلي فغفر له إنّه هو الغفور الرّحيم ) (2) و من اللطيف هنا أن هذه الآية جمعت الندم والاستغفار والغفران معاً وإنّها جمعت الدعاء والإجابة في موضع واحد.

وجاء دعاؤه ثانية أثناء خروجه من المدينة خائفاً من تشاورأهلها على قتله وتوجّهه إلى مدين قال تعالى :( فخرج منها خائفًا يترقّب قال ربّ نجّني ممنالقوم الظّالمين * ولمّا توجّه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السّبيل ) (3) .

ويأتي الموضع الثالث من دعائه في الفترة نفسها بعد أن سقى لا بنتي شعيب موضّحاً تعلّقه بالله تعالى وفقره لكلّ خير ينزله قال تعالى :( فسقى لهما ثمّ تولّى إلى الظّلّ فقال ربّ إنّي لما أنزلت إلّى من خير فقير ) (4) .

وبعد إرسال موسى ترى في دعائه توقّع تكذيبه من قومه وخوفه منهم لذا فقد دعا بأن يمكنه من القيام بدعوته على أتمّ وجه وأنجحه. قال تعالى :( قال ربّ اشرح لي صدري * ويسّرلي أمري * واحلل عقدةً من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرًا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري *

__________________

(1) سيكو لوجية القصّة في القرآن / التهامي فقرة : 139.

(2) سورة القصص : 28 / 16.

(3) سورة القصص : 28 / 21 و 22.

(4) سورة القصص : 28 / 24.


وأشركه في أمري ) (1) .

و مما ينبغي الإشارة إليه هنا تكرار ذكرهارون في أغلب دعائه وما في ذلك من الدلالات على تعظيم منزلة أخيه وإظهار مكانته الوافية في نفس موسى ودعوته إلى الله فهو أخوه وأمينه قال تعالى :( قال ربّ إنّي قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح منّي لسانًا فأرسله معي ردءًا يصدّقني إنّي أخاف أن يكذبون ) (2) .(3)

ومن جملة أدعية موسى نلحظ طلبه الدائم في إرسال أخيه معه تصديقاً لدعوته وقوّة لحجّته فمنزلته للموسى بمثابة نفس موسى قال تعالى :( قال ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق وبيننا وبين القوم الفاسقين ) فقد وازن موسى بينه وبين أخيه هارون في إخلاصهما لله وبذلهما كلّ شيء في سبيله ونصرته.

ومن بين أدعية موسى دعاؤه على قوم فرعون لما لقيه منهم من الإصرار على الكفر وتسخير كلّ ما أنعم الله عليهم في الصدّ عن سبيله حيث دعا عليهم دعاء الشاكي منهم اليائس من إيمانهم وهدايتهم قال تعالى :( وقال موسى ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً ي الحياة الدّنيا ربّنا ليضلّوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يومنوا حتّى يروا العذاب الأليم ) (5) .

__________________

(1) سورة طه : 20 / 25 ـ 32.

(2) سورة القصص : 28 / 33 و 34.

(3) ظ : في السياق عينه الآيات التالية : الأعراف : 151 / 7 الشعراء : 26 / 13.

(4) سورة المائدة : 5 / 25.

(5) سورة يونس : 10 / 88.


فإنّك تلحظ في تكرار تضرعه بلفظ ( ربّنا ) شعوراً بمدى معاناته منهم وحرصاً على تأكيد إهلاكهم لأنّهم قابلوا آيات الله وتحذيره ووعظه لهم بزيادة الكفر والضلال فعظهم و « اشتدّ غضبه عليهم وأفرط في مقته وكراهيته لحالهم فدعا الله عليهم بما علم أنّه لا يكون غيره »(1) .

وممّا يعطي لسياق الدعاء قوّة مجيئه مكرّراً بلفظ ( اطمس ) و ( اشدد ) فضلاً عمّا في طلب الإيمان لهم بعد أن يروا العذاب. ليكن ذلك عذاباً آخر لهم وحسرة في قلوبهم على ترك الإيمان وهجر الحقّ والله أعلم.

دعاء زكريا :

ارتكز دعاء زكريا في مواضعه الثلاثه التي ورد فيها على طلب الذريّة الطيّبة ولم يخرج دعاؤه لغير ذلك على الإطلاق. قال تعالى :( هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي لدنك ذرّيّةً إنّك سميع الدّعاء ) (2) .

ومن اللطيف أن تعددّ طرائق التعبير من موضع لآخر في سؤاله الخلف الصالح ففي الآية السابقة جاء الدعاء مباشراً من دون أن يبيّن وهن عظامه وثورة الشيب في رأسه كما أوضع ذلك في سورة مريم قال تعالى :( ذكر رحمة ربّك عبده زكريّا * إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً * قال ربّ إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرّاس شيباً ولم أكن بدعائك ربّ شقيّاً * وإنّي خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليّاً * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّا ً) (3) .

__________________

(1) الكشاف 365 : 2.

(2) سورة آل عمران : 3 / 38.

(3) سورة مريم : 19 / 2 ـ 6.


و الفرق بين التعبيرين ـ والله أعلم ـ راجع إلى سياق ورود الدعاء في كلا الموضعين فالدعاء في آل عمران جاء مسبوقاً بما هو معجز من أمر رزق مريم فكان ذلك موحياً لزكريا أن منقدر على إنزال الطعام والرزق في غير وقته قادر يهب الذرية ولو بعد حينها ثقة منه بالله وسروراً بما رآه من نعمه كرمه ورعايته جلّ وعلا.

جاء في مفاتيح الغيب : « إنّ زكريا لما رأى خرق العادة في حقّ مريم طمع في حقّ نفسه فدعا »(1) قال تعالى :( ... كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّي لك هذا قالت هومن عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حسابٍ * هنالك دعا زكريّا ربّه ) (2) .

أمّا في الموضع الثانيمن دعائه فقد افتتحت به سورة مريم فكان مناسباً مع بدء السورة التذكير برحمة ربّه وبيان حاله وما كان من أمره في بداية السورة.

ونلحظ ثمة فروقاً بين سياقيالدعاء ين ـ في آل عمران ومريم ـ منها أنّه ختم دعاءه في آل عمران بقوله :( إنّك سميع الدّعاء ) بمعنى « قابل الدعاء ومجيب له »(3) في حين جاء في ختام دعائه في سورة مريم( ولم أكن بدعائك ربّ شقيّاً ) أي : « لم أشق يا رب بدعائك لأنك لم تخيّب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك بل كنت تجيب وتقضي »(4) وكلا الختامين يدلّان على إجابة الدعاء وقدأجيب في آل عمران على لسان الملائكة وهوقوله تعالى :( فنادته الملائكة وهو قائم يصلّي في المحراب أنّ الله يبشّرك

__________________

(1) مفاتيح الغيب 195 : 21.

(2) سورة آل عمران : 3 / 37 ـ 38.

(3) مجمع البيان 72 : 2 ظ : التبيان 45 : 2.

(4) جامع البيان 46 : 16.


بيحيى مصدّقاً بكلمة من الله ) (1) .

في حين أنّ إجابة النداء في سورة مريم لم يرد فيها للملائكة ذكر بل إنّها كانت ـ كما ذهب إلى ذلك الرازي ـ من لدن الله تعالى(2) كما في قوله :( يا ذكريّا إنّا نبشّرك بغلام اسمه يحيى ) (3) .

ومن أوجه الاختلاف بين الدعاء ين ما ذكر فيها من سؤال زكريا عن كيفيّة أن يكون له ولد وارث م ما أوضع من حاله قل سبحانه :( قال ربّ أنّي يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقراً وقال كذلك الله يفعل ما يشاء ) (4) .

وأعاد المعنى نفسه في سورة مريم وغيّر في السياق كما في قوله :( قال ربّ أنّى يكون لي غلام وكانتامرأتي عاقر وقد بلغت من الكبرعتيّا ً) (5) .

فقدّم في آل عمران : « كبر نفسه ثم عقر المرأة »(6) و أخّر ذلك في سورة مريم فضلاً عمّا في الآية نفسها من التقديم في قوله :( وقد بلغني الكبر ) بينما في سورة مريم قال :( قد بلغت من الكبر عتيّاً ) وهذا التجديد في السياق من جمال التعبير وجدّته فقد جعل « الكبر بمنزلة الطالب فهو يأتيه بحدوثه فيه والإنسان أيضاً يأتي الكبر بمرور السنين عليه »(7) إلاّ أنّه أخّر هذا المعنى في سورة مريم لأنّه أكثر إيضاحاً ودلالة على حاله وذلك بأن بلغ بنفسه إلى أعلى

__________________

(1) سورة آل عمران : 3 / 39.

(2) ظ : مفاتيح الغيب 195 : 21.

(3) سورة مريم : 19 / 7.

(4) سورة آل عمران : 3 / 40.

(5) سورة مريم : 19 / 8.

(6) مفاتيح الغيب 195 : 21.

(7) مجمع البيان 74 : 2.


درجات الكبر( عتيّاً ) وهو « حال اليبس والجفاف »(1) والله أعلم.

و الناظر بالآيات وسياقها في السورتين يتبيّن الكثير من التفاوت بالتعبير والدلالات ومما يجدر ذكره أن دعاء زكريا في سورة مريم قد تضمّن من الآداب الدعائية ما يوجب أن تكون منهجاً وسبيلاً لكلّ داع وأوّل ما يشار إليه هنا صفة الدعاء التي امتدحها القرآن الكريم بقوله :( إذ نادى ربّه نداء خفيّاً ) (2) .

ففي صفة الخفاء دلالة على قرب المدعو من الداعي ورعايته له فضلاً عن أن الإخفاء في الدعاء حالة حثّ القرآن عليها ورغّب فيها قال تعالى :( ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً ) (3) .

ولا ريب في أن الاخفاء في الدعاء « أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص »(4) لله تعالى من الإجهار والتصويت به « لأنّ رفع الصوت مشعر بالقوّة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الانكسار والتبرّي عن حول النفس وقوّتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه »(5) وفي خفاء الدعاء كذلك إشارة إلى عظيم « التضرّع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبّه ومقصوده »(6) .

ومن اللّافت للنظر في الآية أنّها جمعت بين النداء والخفاء في صفة

__________________

(1) التبيان 109 : 7.

(2) سورة مريم : 19 / 3.

(3) سورة الأعراف : 7 / 55.

(4) الكشاف 3 : 3.

(5) مفاتيح الغيب 194 : 21.

(6) بدائع الفوائد 6 : 3.


الدعاء والعلوم أنّ النداء لا يكون إلاّ برفع الصوت والإجهار به فكيف يكون الدعاء نداءً من جهة وخفيّاً من جهة ثانية في آنٍ واحد؟ وتعليل ذلك ـ والله أعلم ـ أنّه أراد بالخفاء الإشارة إلى أنّ الله تعالى قريبمن عباده يسمع دعاءهم ويعلم هواجسهم فلا يغيب عنه شيء من أحوالهم أما النداء ففيه دلالة على استبعاد زكريا لنفسه ـ إفراطاً في الانقطاع إليه والتواضع والخضوع له تعالى ـ من مراتب القرب والزلفى وقصوره عن الوصول إلى منازل المناجين بمعنى أن في الخفاء دلالة للطيف إحاطته بعباده وقربه منهم وفي النداء إشارة على بعدهم وقصورهم عن مناجاته هذا من جانب ومن جانب ما قدر عليه من رفع الصوت إلاّ أن الصوت كان ضعيفاً نهاية الضعف بسبب الكبر فكان نداءً نظراً إلى قصده وخفيّاً نظراً إلى الواقع »(1) .

و فضلاً عن التحلّي بأدب الخطاب والدعاء الذي أتى به زكريا فقد بالغ في بيان ضعفه بأن خصّ العظم بالوهن وفي ذلك أرقى المعاني على عجزه ذهاب قدرته لأنّ العظم « عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوّته ولأنّه أشدّ ما تركّب منه الجسد قد أصابه الوهن »(2) .

والموضع الثالث الذي جاء فيه دعاؤه في سورة الأنبياء ضمن ما قصّ القرآن من أدعيتهم ومناجاتهم وهو قوله تعالى :( وزكريّا إذ نادى ربّه ربّ

__________________

(1) مفاتيح الغيب 180 : 21.

(2) الكشاف من أدعيتهم 4 : 3 ظ : التبيان 4 : 7 ظ : مجمع البيان 11 : 4.


لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين ) (1) .

يتّضح لنا من خلال ما سلف أنّ أهمّ ما شغل دعاء زكريا هو طلب الولد الصالح وقد أجاب الله تعالى دعاءه بعدما رأي إخلاصه وتضرّعه وخضوعه في دعائه والله أعلم.

دعا ء هود ولوط(2) :

من بين الأنبياء الذين حكى الكتاب العزيز دعاءهم على أقوامهمنبي الله هود ولوط.

أمّا هوج فلم يرد له إلاّ موضع واحد في دعائه على قومه وطلبه نصرته تعالى بعد أن كذّبه قومه وجاهروا في كفرهم فتوجّه بدعائه قائلاً :( قال ربّ انصرني بما كذّبون ) (3) فأجابه الله وأهلكم كما ورد ذلك عقب دعائه مباشرة قال تعالى :( قال عمّا قليلٍ ليصبحنّ نادمين * فأخذتهم الصّيحة بالحقّ فجعلناهم غثاءً فبعداً للقوم الظّالمين ) (4) .

وأمّا دعاء لوط على قومه فقد جاء في موضعين منه قوله تعالى :( ربّ نجّني وأهلى ممّا يعملون ) (5) لأنّه لم يدع عليهم إلاّ بعد أن استوثق من إصرار قومه على العمل السيئ فلم يبق منه إلاّ الدعاء عليهم كما في قوله تعالى :( قال ربّ انصرني على القوم المفسدين ) (6) فإنّك تلحظفي نعته لقومه

__________________

(1) سورة الأنبياء : 21 / 89.

(2) سورة الأنبياء فقرة رقم (7) ، (8).

(3) سورة المؤمنون : 23 / 26 ، 39.

(4) سورة المؤمنون : 23 / 40 و 41.

(5) سورة الشعراء : 26 / 169.

(6) سورة العنكبوت : 29 / 30.


بالفساد مسوغاً للدعاء عليهم وإهلاكهم بعد أن عجز عن نصحهم وإنذراهم فجاء الدعاء عليهم عاقبة لأعمالهم وخاتمة لفسادهم والله أعلم.

دعاء سليمان :

اقتصر ذكر دعاء سليمان في القرآن الكريم على سورتين الأولى : في سورة النمل حيث طلبب من الله تعالى إلهامه الشكر على نعمته التي أنعمها عليه وعلى والديه من أمر نبوتهما قال تعالى :( ... وقال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك الّتي أنعمت عليّ والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصّالحين ) (1) .

ففي الآية دلالة على شكر نعمة وطلب التوفيق للمزيد من العمل الصالح.

وفي سورة ص نجد الموضع الثاني لدعاء سليمان وهو قوله تعالى :( قال ربّ اغفرلي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنّك أنت الوهّاب ) (2) .

حيث دعا الله عزّوجلّ أن يجعل له « معجزة تختصّ به كما أن موسى يختصّ بالعصا واليد البيضاء واختصّ صالح بالناقة ومحمد بالمعراج والقرآن »(3) فضلاً عمّا في الآية من الإشارة إلى طلب المغفرة قبل كلّ شيء لأنّها « سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا لأنّ سليمان طلب المغفرة أوّلاً ثمّ توسّل به إلى طلب المملكة »(4) و الله أعلم.

__________________

(1) سورة النمل : 27 / 19.

(2) سورة ص : 38 / 35.

(3) مجمع البيان 116 : 5.

(4) مفاتيح الغيب 209 : 26.


دعاء يوسف :

لا نلحظ دعاءً ليوسف في غير السورة التي سمّيت فلقد وردله فيها دعاءان :

الأوّل : جاء بأسلوب الخبرعندما خيّر بين السجن وبين ما يؤمر به قال تعالى :( قال ربّ اسّجن أحبّ إلىّ ممّا يدعونني إليه وإلاّ تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهنّ وأكن من الجاهلين ) (1) ففي هذا الإخبار « معنى الدعاء فلذلك قال :( فاستجاب له ربّه فصرف عنه كيدهنّ إنّه هو السّميع العليم ) (2) »(3) .

وفي الدعاء الثاني نرى تقديم الثناء على الله تعالى وإنعامه قبل الطلب منه.(4) و في هذا أدب رفيع سبقت الإشارة إليه في دعاء إبراهيم قال تعالى على لسان يوسف بعد أن رفع أبويه على العرش :( ربّ قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث فاطر السّماوات والأرض أنت وليّي في الدّنيا والآخرة توفّني مسلمًا والحقني بالصّالحين ) (5) .

دعاء أيوب ويونس :

الملاحظ في دعاءي أيوب ويونس أنّهما وردا بأسلوب الخبر حيث اكتفيا ببيان حالهما افتقاراً لرحمته واستدراراً لعطفه ورعايته جلّ وعلا.

__________________

(1) سورة يوسف : 12 / 33.

(2) سورة يوسف : 12 / 34.

(3) معاني القرآن / الفرّاء 44 : 2.

(4) ظ : مفاتيح الغيب 218 : 18.

(5) سورة يوسف : 12 / 101.


أمّا نبي الله أيّوب فجاء دعاؤه في موضعين :

الأوّل : في سورة الأنبياء ضمن ما قصّ من أدعيتهم قال تعالى :( وأيّوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الضّرّ وأنت أرحم الرّاحمين ) (1) فإنّك ترى كيف عرض حاله من جهة وأثني على الله تعالى وخصّه بقوله : (أنت أرحم الرّاحمين ) مستعطفاً رحمته راجياً كشف ضرّه.

وفي الموضع الثاني من دعائه ترى في سياق الآية تكريم الله له قال سبحانه :( واذكر عبدنا أيّوب إذ نادي ربّه أنّي مسّني الشّيطان بنصبٍ وعذاب ) (2) فقوله :( عبدنا أيّوب ) تشريف ما بعده تشريف حيث أضافه سبحانه إلى نفسه(3) و هو كما في دعائه السابق أخبر عن حاله ولم يطلب من الله تعالى شيئاً صريحاً بل ترك ذلك طمعاً في وسع رحمته وتمام نعمه وكرمه والله أعلم.

وفي دعاء يونس الذي جاء في موضع واحد في سورة الأنبياء وهو قوله تعالى :( وذا النّون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادي في الظّلّمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين ) (4) .

نجد أنّه قدّم كلمة التوحيد وأثنى عليه بتسبيحه ثّم أقرّ على نفسه بالظلم خضوعاً له واستزالاً لرحمتخ ورغبة في نجاته من الظلمات فجاءت الإجابة سريعة عقب دعائه بقوله تعالى :( فاستجبنا له نجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين ) (5) .

__________________

(1) سورة الأنبياء : 21 / 83.

(2) سورة صك 3841.

(3) ظ : مجمع البيان 118 : 5.

(4) سورة الأنبياء : 21 / 87.

(5) سورة الأنبياء : 21 / 88.


دعاء عيسى :

لم يرد لعيسى في القرآن الكريم سوى دعاء واحد في سورة المائدة حيث ورد في سياق قصّته مع قومه وطلبهم منه أن يدعوالله تعالى لينزل مائدةعليهم دليلاً على صدقه ومعجزة تطمئن بها قلوبهم فدعا الله سبحانه لأجلهم بأن ينزل عليهم ما طلبوه قال تعالى :( قال عيسى ابن مريم اللّهمّ ربّنا أنزل علينا مائدةً من السّماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا وآيةً منك وارزقنا وأنت خير الرّازقين ) (1) .

والملاحظ في دعائه تكرار ندائه بقول ( اللّهمّ ربّنا ) وفي هذا دلالة على صحّة نبوّته وإشارة لمواضع الدعاء وسياقاته دون التفصيل طلباً للإيجاز. وسنعرض لنوع آخر من أنواع الدعاء وهو دعاء المؤمنين.

ثانياً ـ دعاء المؤمنين :

المستوى الثاني أو النوع الآخر من أنواع الدعاء جاء على لسان المؤمنين الذين صدّقوا بأنبياء الله ورسالاته بعد إيمانهم بالله تعالى وتوحيده وإخلاص التوجّه إليه.

والمتتبّع لهذا النوع يخلص إلى أن القرآن العزيز قد نقل جانباً وافياً من دعاء المؤمنين على الختلاف أزمانهم وتعدّد أنبيائهم وتفاوت حالات

__________________

(1) سورة المائدة : 5 / 114.


دعائهم ومسائلهم. وقد امتدح الكتاب العزيز المؤمنين وأظهر سمو صلتهم الوثيقة بالله عزّوجلّ في سرّائهم وضرّائهم لا يلجؤون إلاّ لحصنه ولا يطمعون إلاّ بفيض رحمته وهم في كلّ ذلك ينهلون في دعائهم من نبع إيمانهم وصدق تعلّقهم بخالقهم لذا فقد كانت أدعيتهم تنتهج نهجاً واضح المعالم جلي الدلالات في تأكيد خضوعهم له وتضرّعهم إليه جلّ وعلا لا يسأمون ولا يكلّون في عرض فقرهم وبيان حاجتهم لعفوه ومغفرته ورحمته. ومن ذلك قوله تعالى على لسان المؤمنين بخاتم الرسل :( آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمومنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير * لا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّناو لا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا لا تحمّلنا ما لا طاقه لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) (1) .

فإنّك تلحظ الإشارة إلى إيمان الداعين وإلى إقراراهم بالمبدأ وهو الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسوله ثمّ طلبوا المغفرة وأعادوا الإقرار على أنفسهم بالمعاد( وإليك المصير ) (2) ثمّ تلوا ذلك الإقرار بوصفهم خالقهم بأنّه لا يكلّف نفساً إلاّ ما تسع وتقدر عليه ولها وعليها ما تكتسبه من الأفعال وذهب بعضهم(3) إلى وجود الفرق بين الكسب والاكتساب فالكسب مختصّ بالخير والاكتساب بالشر لأنّ في الاكتساب معنى الإعمال « ولما كان الشرّ مما

__________________

(1) سورة البقرة : 2 / 285 و 286.

(2) ظ : مفاتيح الغيب 64 : 1 ـ 65.

(3) ظ : الكشاف 332 : 1 بدائع الفوائد 74 : 2 البرهان 32 : 3.


تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الإعمال »(1) إلاّ أنّ هذا الفرق غيردقيق حيث جاء الاستعمال القرآني للفعلين ( كسب واكتسب ) تارة للخير وأخرى للشرّ(2) وهو ما نقله الرازي في تفسيره « الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما والقرآن ناطق بذلك »(3) .

نرجع مرّة أخرى إلى الدعاء ونرى السؤال والطلب بالنداء ( ربّنا ) تكرّر مع الدعاء بصيغة النهي مرّات ثلاث في عدم المؤاخذة على النسيان أو الخطأ أي « لا تعاقبنا إن عصينا جاهلين أو متعمّدين »(4) كما روي ذلك عن ابن عباس أو أن المراد بالنسيان ـ وله عدّة وجوه في التفسير ـ أننا « لم نفعل فعلاً يجب فعله على سبيل السهو والغفلة. أو أخطأنا : أي فعلنا فعلاً يجب تركه من غير قصد ويحسن هذا في الدعاء على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى وإظهار الفقر إلى مسألته والاستعانة به وإن كان مأمون المؤاخذة بمثله »(5)

ثم توسّل المؤمنون إلى الله تعالى أن لا يحمل عليهم عهوداً ثقيلة كما أوجبها على غيرهم من الأمم السابقة ولا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به.

و من اللطيف أن يأتي الفعل ( تحمل ) مخفّفاً مرّة ومشدّداً ( تحمّلنا ) مرّة أخرى : أي أنّه خصّ الأمر أو العهد الثقيل بالحمل بينما ما لايمكن حمله خصّه

__________________

(1) الكشاف 332 : 1.

(2) ظ : الآيات التالية : الأعرا : 7 / 96 يونس : 10 / 58 النساء : 4 / 35 111 ـ 112.

(3) مفاتيح الغيب 152 : 7.

(4) مجمع البيان 390 : 1 ظ : جامع البيان 155 : 3 مفاتيح الغيب 154 : 7.

(5) مجمع البيان 390 : 1.


بالتحميل وفي ذلك دلالة على « أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدوراً لا يمكن حمله »(1) لذلك فإنّهم رغبوا إلى الله تعالى أن يكفيهم ما يستطيعون حمله بمشقّة وعناء وما لا يقدرون على حمله أصلاً والله أعلم.

ثمّ يتجدّد الدعاء بصيغة فعل الدعاء من دون أن يقترن بلفظ ( ربّنا ) ولعلّ في ذلك إشعاراً « بأنّ العبد إذا واظب على التضرّع نال القرب من الله تعالى »(2) و لك أن تري الدقّة في استخدام أفعالالدعاء وترتيبها( واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا ) فبالعفو يسقط العقاب وبالمغرفرة تستر الذنوب وتصان فلا يطّلع عليها سواه عزّوجلّ وبالرحمة بكون الخلاص وتنال الكرامات(3) .

ولابدّ من الإشارة إلى أن التركيب السياقي لألفاظ الدعاء تأتي تبعاً لترتيب دلالاته لذا فعلّة تقديم العفو والمغفرة قبل كان طلب ـ كمافي أدعية القرآن أو غيرها من الأدعية المأثورة ـ إنّما هي بمثابة تطهير النفس من أحمال الذنوب العالقة والتي تشكّل بذاتها حاجزاً بين الأنسان وبين نور رحمته تعالى فإذا استطاع الداعي أن ينفض عن قبله غبار المعصية ويستشعر في نفسه حسرة الذنب وندمه من جهة والإصرار على التوبةمنجهة أخرى فإنّه ولا شك قادر على أن يستقبل نور الرحمة التي تطهّر النفس من آفات الضلال وتنبت في أرضها شجرة الهداية التي ثمارها صدق التوجّه لله عزّوجلّ.

ويمكن أن تلمس في هذا الدعاء أغلب صيغ الدعاء وصوره سواء ما جاء منها بأسلوب النهي أو الأمر كما في صيغة ( أفعل ) وصيغة المصدر النائب عن فعل الدعاء ( غفرانك ) وفيهذا تجديد للأسلوب بدلاً من مجيئه على شكل

__________________

(1) مفاتيح الغيب 159 : 7.

(2) مفاتيح الغيب 160 : 7.

(3) ظ : مفاتيح الغيب 160 : 7.


واحد. ونستطيع كذلك أن نرصد في دعاء المؤمنين هذا ـ وغيره ـ تعليماً للداعين في كيفية دعائه وما يجب أن يخاطبوه به ويطلبون منه(1) .

و مما جاء من دعاء المؤمنين في آخر آل عمران قوله تعالى :( الّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السّماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النّار * ربّنا إنّك من تدخل النّار فقد أخزيته وما للظّالمين من أنصار * ربّنا إنّنا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربّكم فآمنّا ربّنا فاغقر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيّئاتنا وتوقّنا مع الأبرار * ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد ) (2) .

فقد حكى الله سبحانه عن المؤمنين ذكرهم المتواصل في مختلف أحوالهم من جهة وتفكّر هم الدائم من جهة ثانية وإقرارهم « بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله في خلق السماوات والأرض »(3) و تقديمهم الثناء قبل الدعاء بقولهم : (ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك ) من جهة أخرى.

وتلحظ كذلك في قوله :( ينادي ) تعقيباً على( سمعنا منادياً ) تفخيماً للمنادي والنداء فيوقت واحد لا يحصل فيما إذ حذف من سياق الدعاء(4) و قد شمل هذا الدعاء الترتيب الدقيق للحاجات في غفران الذنوب وتكفير السيئات والوفاة مع الأبرار فضلاً عمّا سألوه تعالى بإنجاز ما وعدهم به لالأجل إيجاد الفعل بل على سبيل الانقطاع واللجوء إليه وإظهار التضرّع والعبودية له

__________________

(1) ظ : جامع البيان 155 : 3.

(2) سورة آل عمران : 3 / 191 ـ 194.

(3) مفاتيح الغيب 140 : 9.

(4) ظ : الكشاف 455 : 1 مفاتيح الغيب 145 : 9.


جلّ وعلا(1) لذا يجوز للداعي أن يسأل ما يعلم أنّه واقع أو يقع رغبة في التذلّل والخضوع أمام بارئه.

وفي تكرار النداء ( ربّنا ) بالدعاء دلالات كثيرة توضح حال المؤمنين في تعلّقهم بالله وانقطاعهم عن كل شيء سواه فضلاً عمّا لهذا التكرار من جانب تربوي يستمدّ الداعون منه آداباً قرآنية في كيفية مخاطبة الله وسؤاله ومعرفة طرائق الوصول بالدعاء إلى منازل الإجابة لذا فقد خمس مرّات ( ربّنا ) أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد » وقرأ الآية(2) .

وقد ذمّ الكتاب العزيز يقيّدون دعاءهم بمطالب الدنيا ويتناسون الآخرة في حين امتدح من قرن مطالب دنياه بمطالب آخرته لأنّ في ذلك سبيل إجابتها قال تعالى :( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً فمن النّاس من يقول ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النّار * أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا والله سريع الحساب ) (3) .

فقد بيّن دعاء أهل الدنيا ودعاء أهل الآخرة فمن تعلّق بالدنيا جعل دعاءه محصوراً بها مقصوراً عليها أما دعاء أهل الآخرة فهو من يرى في دنياه طريقاً لآخرة فيجعل الموازنة بينهما طلباً للآخرة أولاً وللدنيا ثانياً. وما دام السبيل إلى الآخرة وأهم ما نستلهمه من الموازنة بين الدعاء ين هو التأدّب بأدب السؤال

__________________

(1) ظ : التبيان 86 : 3 مجمع البيان 304 : 2.

(2) الكشاف 457 : 1.

(3) سورة البقرة : 2 / 200 ـ 202.


والطلب بأن لا يكون قاصراً عن الإحاطة بمطالب الآخرة كما هو مختصّ بمطالب الدنيا جاء في تفسير التبيان « والفائدة في الأخبار عنهم بهذا الدعاء الاقتداء بهم فيه لأنّه حذّر من الدعاء الأوّل ورغّب بالثاني »(1) .

و تتكرّر مواضع امتداح الداعين في القرآن الكريم منها ما ورد في سورة المؤمنون حيث زجر سبحانه الكافرين من أهل الدينا حينما سألوه إخراجهم منها وذكرّهم سخريتهم من دعاء المؤمنين وسؤالهم سبحانه المغفرة والرحمة بعد الإقرار بالإيمان به وتوحيده قال عزّ من قائل :( قالوا ربّنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوماً ضالّين * ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلّمون إنّه كان فريق من عبادي يقولون ربّنا آمنّا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرّاحمين * فاتّخذتموهم سخريًّا حتّي أنسوكم ذكريو كنتم منهم تضحكون * إنّي جزيتهم اليوم يما صبروا أنّهم هم الفائرون ) (2) .

وقد نقل القرآن المجيد الكثير من أدعية المؤمنون في مختلف المواقف منها عند القتال وسؤالهم الصبر والثبات والنصر على الأعداء(3) و منها التصديق بالرسل(4) و منها دعاء المؤمنون على أقوامهم(5) إلى غيرذلك من الأديعة بلسان المؤمنين على اختلاف أجناسهم ومطالبهم.

__________________

(1) التبيان 173 : 2.

(2) سورة المؤمنون : 23 / 106 ـ 111.

(3) ظ : الآيات : البقرة : 2 / 250 آل عمران : 3 / 146 و 147.

(4) ظ : آلعمران : 3 / 52 و 53.

(5) ظ : النساء : 4 / 75 الأعراف : 7 / 79.


و مثلما كان للمؤمنين مكان في القرآن كان للمرأة المؤمنة محلّها في الدعاء كما جاء على لسان امرأة فرعون قال تعالى :( ... ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنّة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظّالمين ) (1) .

كما لم يقتصر دعاء المؤمنين على دار الدنيا بل جاء القرآن أدعية على لسانهم في الجنّة قال تعالى :( قالوا الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور * الّذي أحلّنا دار من فضله لا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب ) (2) .

ثالثاً ـ دعاء الملائكة :

من الطريف أن ينقل القرآن الكريم أدعية لجنس آخر من خلق الله تعالى وهم الملائكة وأغلب ما جاء عنهم دعاؤهم للمؤمنين وأهل الجنّة بالسلامة وإلقاء التحية عليهم قال تعالى :( ... والملائكة يدخلون عليهم من كلّ بابٍ * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار ) (3) .(4) و أطول ما ورد عن الملائكة من دعاء دعاؤهم في سورة غافر قال تعالى :( الّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به يستغفرون للّذين آمنوا ربّنا وسعت

__________________

(1) سورة التحريم : 66 / 11.

(2) سورة فاطر : 35 / 34 و 35.

(3) سورة الرعد : 13 / 23 و 24.

(4) ظ : في السياق نفسه الآيات : النحل : 16 / 32 الزمر : 39 / 73 ، 75 وغيرها


كل شيءٍ رحمةً وعلماً فاغفر للّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربّنا وأدخلهم جنّات عدن الّتي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّيّاتهم إنّك أنت العزيز الحكيم * وقهم السّيئات ومن تق السّيّئات يومئذٍ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ) (1) فإنّك تلحظ في هذه الآيات الكريمة أنّها بدأت بوصف الملائكة المسبّحين بالإيمان واستغفارهم لمن على شاكلتهم في الإيمان بمعنى أنّه « قد روعي التناسب في قوله :( يؤمنون به ) ( ويستغفرون للّذين آمنوا ) كأنّه قيل : ويؤمنون ويستغفرون لمن في حالهم وصفتهم وفيه تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن للمؤمنين الأجناس وتباعدت الأماكن »(2) . ثمّ الملائكة قدّموا قبل الدعاء للمؤمنين الثناء لله تعالى وذلك قوله :( ربّنا وسعت كلّ شيءٍ رحمةً وعلماً ) وهذا أدب رفيع من آداب الدعاء سبقت الإشارة له في مواضع عديدة ليكون الدعاء أقرب للإجابة وعليه فقد جاء الثناء في دعاء الملائكة هذا بان وصفوا الله تعالى بـ « الربوبية والرحمة والعلم »(3) وقد يجد المتدبّر في هذه الآيات سؤالاً في نفسه حول قائدة قوله تعالى :( وقهم عذاب الجحيم ) بعد قوله جلّ وعلا :( فاغفر للّذين تابوا ) فالمغفرة تستوجب الوقاية من العذاب والوقاية تستوجب سبق المغفرة عليها وقد انتبه إلى ذلك الفخر الرازي فأجاب أن « دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلةعلى الرمز والإشارة فلما ذكروا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره

__________________

(1) سورة غافر : 40 / 7 ـ 9.

(2) الكشاف 152 : 4.

(3) مفاتيح الغيب 35 : 26.


على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة »(1) .

و على أية حال فإنّ في دعاء الملائكة للمؤمنين بيان لمنزلة المؤمنين السامية في العوالم الأخرى وتشريف لهم بأن أخبر تعالى بذلك على لسان جملة العرش من الملائكة.

رابعاً ـ دعاء الكفّار :

مثلما كان للمؤمنين المصدقين دعاء للكافرين دعاء أيضاً ولكن فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً بين الفرقين أو نوعي الدعاء إذ إن اكثر أدعية المؤمنين جاءت في الدنيا صادقة في التوجّه مترقّبة بعين الخوف والرجاء للآخرة لذلك فقد أقرّ الله عيون المؤمنين في الآخرة بإجابتها وأعطاهم ما أمّلوا به وبرحمته الواسعة جلّ وعلا.

أمّا أدعية الكفّار فما كان منها في الدنيا فقد جاء بشكلين :

الأوّل : استهزاؤهم بالأنبياء والرسل والرسالات واستبعاد أنّهم جاؤوا بالحق وبه أمروا كما في قوله تعالى على لسان أحدهم :( إذ قالوا اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السّماء أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ ) (2) .(3)

الثاني : دعاؤهم على أنفسهم بالويل والثبور وإقرارهم على أنفسهم باظلم بعد أن يلوح العذاب بأفقهم قال تعالى :( ولئن مسّتهم نفحة من عذاب ربّك ليقولنّ يا ويلنا إنّا كنّا ظالمي ن ) (4) .(5)

__________________

(1) مفاتيح الغيب 37 : 26.

(2) سورة الأنفال : 8 / 32.

(3) ظ : في السياق نفسه : ص : 38 / 16 سبأ : 34 / 19.

(4) سورة الأنبياء : 21 / 46.

(5) ظ : الآيات التالية ف السياق عينه : الأنبياء : 21 / 14 ـ 15 ، 97.


أما دعاؤهم في الآخرة فقد ورد بعد أن تيقّنوا وعيدهم وذاقوا غليظ عذابه فما كان منهم غير صراخهم ولكن هيهات فقد قضي الأمر قال تعالى :( والّذين كفروا لهم نار جهنّم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفّف عنهم من عذابهم كذلك نجزي كلّ كفورٍ * وهو يصطرخون فيها ربّنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الّذي كنّا نعمل أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر وجاءكم النّذير فذوقوا فما للظّالمين من نصيرٍ ) (1) .

فأنت تحسّ في بناء الكلمة ( يصطرخون ) الألم الشديد والحال الذي لا يطاق من العذاب ولو قيل بدل ذلك ( يصرخون ) لما دلّ على هذا المعنى ولم ترفي نفسك مرارة دعائهم من شدّة عذابهم فضلاً عن ذلك فإنّ في قوله :( غير الّذي كنّا نعمل ) ندماً آخر على ما سبق من أعمالهم الضالّة لذا فلم يكتفوا بقولهم :( ربّنا أخرجنا نعمل صالحاً ) فعقّبوا عليه( غير الّذي كنّا نعمل ) إظهاراً لمعنى « التحسّر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به »(2) لذا جاء جواب دعائهم على صيغة الاستفهام التقريري توبيخاً لهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذاب مع زيادته فما لهم عند ذلك من نصير يدفع عنهم ولا شفيع فيشفع لهم والله أعلم.

وممّا من دعاء الكافرين قوله تعالى :( ولو تري إذ المجرمون ناكسو رووسهم عند ربّهم ربّنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحاً إنّا موقنون ) (3) .

__________________

(1) سورة فاطر : 35 / 36 و 37.

(2) الكشاف 615 : 3.

(3) سورة السجدة : 32 / 12.


فالآية تصوّر أدق تصورير حال المجرمين وتشعر من بدئها بأداة الشرط (لو) التي جاء دخولها على المضارع دلالة على « استمرار الفعل »(1) فضلاً عن استعمال ضمير الخطاب في الفعل ( ترى ) للعموم دون الخصوص لأنّ أصل الخطاب أن يكون لمخاطب مخصوص أو معين وقد يترك فيراد به معنى العموم ودلالته. وهذا ما جاء في الآية حيث دلّ الخطاب « على العموم قصداً إلى تفظيع حال المجرمين وإن قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها البتة فلا تخصّ رؤية راءٍ دون راء بل كلّ من يتأتّى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب »(2) لوضوح صورة وحركة تنكيس الرؤوس وما فيها من الإشارة إلى الذلّة الدائمة التي يوحيها لفظ « ناكسوا » بصيغة اسم الفاعل فضلاً عن أن صدور الدعاء منهم بحالهم هذا ـ منكسين الرؤوس ـ توحي بالحسرة والندم وفوات الفرصة عليهم والله أعلم.

ومن جملة ما يتّضح للناظر المتفّحص لدعاء الكافرين هو دعاء بعضهم على بعض وبراءة بعضهم من بعض وتبادلهم الاتهام في تسبيب الغواية منأحدهم للآخر وهكذا ترى كلّ داعٍ منهم بطلب النجاة لنفسه ويوقع ما كان منه على غيره ويحتدم بين الدعاء شعورملؤه العذاب والألم والتفجّع ـ نستجير بالله تعالى ـ قال عزّ من قائل :( يوم تقلّب وجوههم في النّار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرّسولا * وقالوا ربّنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السّبيلا * ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا ً ) (3) .(4)

__________________

(1) الإيضاح 185 : 1.

(2) مفتاح العلوم : 368 ـ 369 ظ : الإيضاح 114 : 1 البرهان 219 : 2.

(3) سورة الأحزاب : 33 / 66 ـ 68.

(4) ظ : الآيات التالية في السياق عينه : الأعرف : 7 / 38 القصص : 28 / 62 فصلت : 41 / 29.


و يتجلّى لنا من نوع دعاء الكافرين صورة ما هم فيه من سوء الحال والحسرة والانكسار والذلّة التي لا توصف أبان عنها دعاؤهم الذي تجد فيه صدى نفوسهم الضالّة المعذّبة والله أعلم.

خامساً ـ دعاء إبليس ( عليه اللعنة ) :

تكرّر دعاء إبليس ( لعنه الله ) في سور ثلاث تشابه في اثنين منها هي قوله تعالى :( قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنّك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم ) (1) و من الواضح أن تأخير إبليس وإنظاره قد أجيب ولكن ليس كما أراد هو إلى يوم البعث يعني يوم القيامة « وهو يوم بعث لا يوم موت »(2) لذا فعندما طلب إنظاره إلى يوم القيامة أراد بذلك الخلاص من الموت وهذا ما لا سبيل لمخلوق على تحقيقة إذ إن ذلك يعني خلوده حتى يوم الحساب جاء في جامع اليان : « إنّه سائل النظرة إلى قيام الساعة وذلك هو يبعث الخلق ولو أعطي ما سأل من النظرة كانقد أعطي الخلود وبقاء لا فناء معه وذلك أنّ لا موت بعد البعث فقال جلّ ثناؤه له :( فإنّك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم ) وذلك إلى يوم قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء »(3) .

وفي دعاء إبليس في القرآن الكريم دلالة واضحة على عدائه للإنسان فقد طلب إمهاله « لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم ولا ليتوب إلى الله ويرجع عن إثمه الجسيم ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء لعنه وطرده من

__________________

(1) سورة الحجر : 15 / 36 ـ 38 وسورة ص : 38 / 79 ـ 81.

(2) التبيان 361 : 4.

(3) جامع البيان 132 : 8 ظ : مفاتيح الغيب 234 : 26.


هداه يربط لعنة الله له بآدم يربطها بعصيانه لله في تبجّح نكير »(1) . ياجلّى لنا من خلال استعراض أنواع الدعاء تنوّع مستوياته فضلاً عن تعدّد أدعية كل مستوى وقد اتّضح كذلك منخلال ما سلف مواضع الدعاء في النص القرآني وسيلي هذا الفصل دراسة الدعاء كأسلوب خطابي له مفهومه لدى الأصوليين والنحاة والبلاغيين فضلاً عن تمثّله بطرق حدّد الفصل الثالث مظاهرها العامّة.

__________________

(1) في ظلال القرآن / سيد قطب مج 5 ج 13 ص 24.


المحتويات

كلمة المركز 5

المقدّمة 7

الفصل الأوّل 9

معاني الدعاء في القرآن الكريم 9

الفصل الثاني 51

صيغ الدعاء وصوره في القرآن الكريم 51

الفصل الثالث 91

معالم الدعاء وأنواعه في القرآن الكريم 91

المحتويات 137