الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء الثاني
السيد جعفر مرتضى العاملي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين(عليهماالسلام) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
الصحيح من سيرة الإمام عليّ(عليهالسلام)
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء الثاني
السيد جعفر مرتضى العاملي
وأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ:
قال الطبري ما ملخصه: إنه لما نزل قوله تعالى:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) دعا علياً(عليهالسلام) ؛ فأمره أن يصنع طعاماً، ويدعو له بني عبد المطلب ليكلمهم، ويبلغهم ما أُمِر به.
فصنع علي(عليهالسلام) صاعاً من طعام، وجعل عليه رجل شاة، وملأ عساً من لبن، ثم دعاهم، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً، أو ينقصونه، فيهم أعمام النبي ( صلىاللهعليهوآله): أبو طالب، وحمزة والعباس، وأبو لهب؛ فأكلوا.
قال علي(عليهالسلام) : فأكل القوم، حتى ما لهم بشيء من حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم.
ثم قال: إسق القوم؛ فجئتهم بذلك العس؛ فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً، وأيم الله، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.
فلما أراد رسول الله(صلىاللهعليهوآله) أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال:
____________
1- الآية 214 من سورة الشعراء.
لقدْماً سحركم صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلمهم الرسول(صلىاللهعليهوآله)
فأمر(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) في اليوم الثاني: أن يفعل كما فعل آنفاً، وبعد أن أكلوا وشربوا قال لهم رسول الله(صلىاللهعليهوآله) : يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة.
وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه؛ فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، ووصي، وخليفتي فيكم؟!
قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقال علي: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي.
ثم قال: إن هذا أخي، ووصي، وخليفتي فيكم؛ فاسمعوا له وأطيعوا.
قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
وفي بعض نصوص الرواية: أنه لما قام علي(عليهالسلام) فأجاب، أجلسه النبي(صلىاللهعليهوآله) .
ثم أعاد الكلام، فأجابه علي، فأجلسه، ثم أعاد عليهم، فلم يجيبوا، وأجاب علي(عليهالسلام) ، فقال له(صلىاللهعليهوآله) ذلك.
وحسب نص الإسكافي: أنه(صلىاللهعليهوآله) قال: هذا أخي، ووصيي، وخليفتي من بعدي.
وأنهم قالوا لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أمره عليك(1) .
____________
1- راجع هذه القضية في: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص63 ومختصر تاريخ أبي الفداء (ط دار الفكر ـ بيروت) ج2 ص14 وشواهد التنزيل ج1 ص372 و 421 و (بتحقيق المحمودي) ج1 ص542 وكنز العمال (الطبعة الثانية) ج15 ص16 و 117 و 113 و 130 عن ابن إسحاق، وابن جرير وصححه، وأحمد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي معاً في الدلائل، وتاريخ ابن عساكر، وترجمه الإمام علي (بتحقيق المحمودي) ج1 ص87 و 88 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص244 عن الإسكافي، وحياة محمد لهيكل (الطبعة الأولى) ص286. ومسند أحمد ج1 ص159 وكفاية الطالب ص205 عن الثعلبي، ومنهاج السنة ج4 ص80 عن البغوي، وابن أبي حاتم، والواحدي، والثعلبي، وابن جرير، وفرائد السمطين (بتحقيق المحمودي) ج1 ص86 وإثبات الوصية للمسعودي ص115 و 116 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص460 و 459. والغدير ج2 ص278 ـ 284 عن بعض من ذكرنا، وعن: أنباء نجباء الأبناء ص46 و 47 وشرح الشفاء للخفاجي ج3 ص37. وراجع أيضاً: تفسير الخازن ص390 وكتاب سليم بن قيس، وخصائص النسائي ص86 الحديث 63، وبحار الأنوار ج38 والدر المنثور ج5 ص97 عن مصادر كنز العمال، لكنه حَّرف فيه، ومجمع الزوائد ج8 ص302 عن عدد من الحفاظ وأسقط بعضه أيضاً، وينابيع المودة ص105 وغاية المرام ص320 وابن بطريق في العمدة، وتفسير الثعالبي، وتفسير الطبري ج19 ص75 والبداية والنهاية ج3 ص40 = = وتفسير القرآن العظيم ج3 ص350 و 351 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام" للشيرواني ص107 والتفسير الصافي ج4 ص53 والعثمانية للجاحظ ص303 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص427 وج30 ص80.
تعصب يؤدي لاختزال النص:
وقد ذكر الطبري هذا الحديث في تاريخه على النحو المتقدم.. لكنه اختزل النص في تفسيره جامع البيان: فإنه بعد أن ذكره حرفياً متناً وسنداً غيَّر فيه عبارة واحدة فقال: "فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا.. وكذا..".
إلى أن قال: "ثم قال: إن هذا أخي، وكذا وكذا".
فاستبدل كلمة: "ووصيي وخليفتي فيكم" بكلمة: "وكذا.. وكذا"(1) .
كما أن ابن كثير الذي ينقل عادة نصوص الطبري من تاريخه وعدل في خصوص هذا المورد إلى تفسير الطبري، وأخذ هذا النص منه، واكتفى بكلمة كذا.. وكذا.. عن النص الحقيقي الصادر عن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) فراجع(2) .
____________
1- جامع البيان ج19 ص75 وراجع: الغدير ج1 ص206 وج2 ص287 والمناشدة والإحتجاج بحديث الغدير ص88 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص66 و 383 وج20 ص122.
2- تفسير القرآن العظيم ج3 ص351 والبداية والنهاية ج3 ص40 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص53 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص459.
جرى الخلف على خطى السلف:
وقد جرى الخلف على خطى السلف، ولكن بصورة أبشع وأشنع، فإن محمد حسين هيكل ذكر هذا الحديث أيضاً في كتابه حياة محمد (الطبعة الأولى) ص104 وفق نص الطبري في تاريخه.
لكنه في الطبعة الثانية لكتابه هذا نفسه، المطبوع سنة 1354 هـ. ذكر هذا الحديث عينه في ص139، إلا أنه حذف كلمة: "وخليفتي فيكم" واقتصر على قوله: "ويكون أخي ووصيي". وذلك لقاء خمس مئة جنيه مصري، أو لقاء شراء ألف نسخة من كتابه(1) كما قيل.
سند حديث الإنذار:
وقد جرى ابن تيمية على عادته في إنكار فضائل أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، فزعم أن في سند رواية الطبري أبا مريم الكوفي، وهو مجمع على تركه. وقال أحمد: ليس بثقة. واتهمه ابن المديني بوضع الحديث(2) .
ونقول:
إن هذا الكلام مردود:
____________
1- راجع: فلسفة التوحيد والولاية للشيخ محمد جواد مغنية ص179 و 132 وسيرة المصطفى ص131 و 130.
2- منهاج السنة ج4 ص81 و 82 وأعيان الشيعة ج1 ص231 و 362 والسيرة الحلبية ج1 ص461.
ألف: بالنسبة لأبي مريم نقول:
أولاً: إن من يراجع كتب الجرح والتعديل عند أهل السنة يرى أن أحداً من رجال الأسانيد الذي يروي عنهم البخاري ومسلم، وغيرهما من أصحاب الصحاح والمسانيد ـ لم يسلم من الجرح والقدح، باستثناء الشاذ النادر الذي قد لا يصل إلى واحد بالمئة..
فلو أخذنا بقاعدة ابن تيمية، وهي ترك رواية كل من ورد فيه قدح لم تسلم لنا رواية واحدة من ذلك، سوى المتواترات. وهي قليلة جداً، لا تؤسس لفقه، ولا لدين.. فكيف إذا كنا نرى ابن تيمية يطعن حتى في المتواترات نفسها..
ثانياً: بالنسبة لأبي مريم نقول:
قال ابن عدي: سمعت ابن عقدة يثني على أبي مريم ويطريه، وتجاوز الحد في مدحه(1) .
وقال عنه الذهبي: كان ذا اعتناء بالعلم وبالرجال(2) .
ثالثاً: قد صرحوا بسبب تضعيفهم لأبي مريم، وهو كونه شيعياً. وهي تهمة لا تضر، فقد روى أصحاب الصحاح ولا سيما البخاري ومسلم عن عشرات الشيعة، وقد أورد في المراجعات قائمة طويلة بأسماء عدد منهم،
____________
1- لسان الميزان ج4 ص42 و 43 والغدير ج2 ص280 والغارات للثقفي ج2 ص673 والكامل لابن عدي ج5 ص327 وتعجيل المنفعة ص263
2- ميزان الإعتدال ج2 ص631 و 640 ولسان الميزان ج4 ص42.
فراجع(1) .
رابعاً: قد صحح حديث إنذار العشيرة المتقي الهندي(2) ، والإسكافي المعتزلي(3) ، والخفاجي في شرح الشفاء(4) .
ورواه أحمد بسندٍ جميع رجاله من رجال الصحاح بلا كلام، وهم: شريك، والأعمش، والمنهال، وعباد، وعلي(عليهالسلام) (5) .
خامساً: لو سلمنا أن ثمة جرحاً في بعض رجال سند بعينه فنقول:
إن طرق هذا الحديث مستفيضة، يقوي بعضها بعضاً..
ب: بالنسبة للطعن في رواية ابن أبي حاتم باشتمال سندها على عبد الله بن عبد القدوس، الذي ضعفه الدار قطني(6) .
____________
1- راجع: المراجعات (ط سنة 1426 هـ) من ص137 حتى ص233.
2- كنز العمال (ط الهند) ج15 ص113.
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص244 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام" للشيرواني ص107 والعثمانية للجاحظ ص303 ونظرة في كتاب البداية والنهاية ص70.
4- راجع: الغدير ج2 ص280.
5- مسند أحمد ج1 ص111 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص363 وراجع: الغدير ج2 ص280.
6- ميزان الإعتدال ج2 ص457 وتهذيب التهذيب ج5 ص265.
وقال النسائي: ليس بثقة(1) .
وقال ابن معين: ليس بشيء، رافضي خبيث(2) .
نقول:
قال الشيخ المظفر "رحمهالله ": "تضعيفهم معارض بما في تقريب ابن حجر: بأنه صدوق.
وفي تهذيب التهذيب: قال محمد بن عيسى، ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال البخاري: هو في الأصل صدوق، إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف، مع أنه أيضاً من رجال سنن الترمذي..
ومدح هؤلاء مقدم، لعدم العبرة في قدح أحد المتخالفين في الدين في
____________
1- كتاب الضعفاء والمتروكين ص199 وميزان الإعتدال ج2 ص457. وراجع: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص205 وتهذيب الكمال ج15 ص244 وتاريخ الإسلام للذهبي ج12 ص219 وتهذيب التهذيب ج5 ص265.
2- الكامل ج4 ص197 وميزان الإعتدال ج2 ص457 وراجع: مجمع الزوائد ج1 ص120 وج2 ص161 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص205 وتهذيب الكمال ج15 ص243 وضعفاء العقيلي ج2 ص279 والجرح والتعديل للرازي ج5 ص104 والكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة ج1 ص570 وتهذيب التهذيب ج5 ص265 وتاريخ الإسلام للذهبي ج12 ص218 وج13 ص257.
الآخر، ويقبل مدحه فيه. وهم قذفوه بذلك، لأنهم رموه بالتشيع، ولا نعرفه من رجالهم.
ولكن قد ذكر ابن عدي: أن عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت(1) ، ولعل هذا هو سر تهمتهم له"(2) .
بنو عبد المطلب أقل من أربعين:
وادعى ابن تيمية: أن بني عبد المطلب لم يكونوا آنئذ أربعين رجلاً، كما نصت عليه الرواية، وهذا دليل آخر على سقوطها عن الإعتبار(3) .
ونقول:
أولاً: إذا كان لعبد المطلب عشرة أولاد، فإن لأولاده أولاداً، فلماذا لا يكون أولادهم ثلاثين رجلاً أيضاً، فقد كان لأبي طالب وحده أربعة، ولعل لغيره منهم أكثر من أربعة.. لا سيما وأن اصغر أولاد عبد المطلب هو أبو النبي(صلىاللهعليهوآله) ، الذي لو كان حياً آنئذ لكان عمره اكثر من ستين عاماً، لأن النبي(صلىاللهعليهوآله) نفسه كان عمره آنئذ ثلاثاً وأربعين سنة..
____________
1- راجع: ميزان الإعتدال ج2 ص457 وتهذيب الكمال ج15 ص244 وتاريخ الإسلام للذهبي ج12 ص219 وتهذيب التهذيب ج5 ص265.
2- دلائل الصدق ج2 ص234.
وراجع: ميزان الإعتدال ج2 ص457 وتهذيب الكمال ج15 ص244 وتاريخ الإسلام للذهبي ج12 ص219 وتهذيب التهذيب ج5 ص265.
3- منهاج السنة ج4 ص81 ـ 84.
ثانياً: إن الظاهر هو: أن كلمة "عبد" زيادة من الرواة، أو أن في الرواية حذفاً، فقد صرحت بعض النصوص: بأنه(صلىاللهعليهوآله) دعا بني عبد المطلب، ونفراً من بني المطلب(1) ، كما أنه ثمة عدداً آخر من الروايات يقول: بأنه دعا بني هاشم(2) .
يأكل الجذعة ويشرب الفرق:
ومن الأمور التي توقف عندها ابن تيمية قول الرواية عن أولئك
____________
1- الكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج2 ص61.
2- راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج1 ص459 عن ابن أبي حاتم، وكذا في البداية والنهاية ج3 ص40 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص53 ومجمع الزوائد ج7 ص85 وج8 ص302 وفتح الباري ج8 ص385 وتحفة الأحوذي ج6 ص493 وشرح معاني الآثار ج3 ص284 وج4 ص387 والمعجم الكبير للطبراني ج8 ص225.
وراجع: تفسير القرآن للصنعاني ج3 ص77 وجامع البيان ج19 ص150 وتفسير ابن أبي حاتم ج9 ص2826 والدر المنثور ج5 ص96 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص47 وروضة الواعظين ص52 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج1 ص377 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص305 وحلية الأبرار ج1 ص70 وبحار الأنوار ج18 ص181 وج35 ص144 وج38 ص221 وتفسير القمي ج2 ص124 ونور الثقلين ج4 ص66 وتفسير الميزان ج15 ص334.
المجتمعين: إن الرجل منهم ليأكل الجذعة، ويشرب الفُرق(1) من اللبن.
وقال: إنه كذب، إذ ليس في بني هاشم من يعرف بأنه يأكل جذعاً، ويشرب فرقاً(2) .
ونقول:
قال بعض العلماء في جوابه:
أولاً: إن عدم معروفيتهم بالأكل لا تدل على كونهم كذلك، فلعلهم كذلك في الواقع.
ثانياً: لو سلم، فإنه يلزم منه مبالغة الراوي في إظهار معجزة النبي(صلىاللهعليهوآله) في إطعامهم رجل الشاة، وعسَّ اللبن الواحد(3) .
ثالثاً: إن القضايا التاريخية إنما تثبت بمثل هذا النقل، فليكن وصف علي(عليهالسلام) لهم بذلك من الدلائل على أنهم كانوا كذلك. فإن هناك الكثير من الأمور المبثوثة في النصوص، لم يتنبه المؤلفون والمصنفون لدلالتها التاريخية إلا في وقت متأخر، وقد يكون الكثير منها لا يزال على إبهامه وغموضه إلى يومنا هذا..
____________
1- الفُرق: إناء يكتال به.
2- منهاج السنة ج4 ص81 ـ 84.
3- دلائل الصدق ج2 ص235.
إجابة علي(عليهالسلام) لا تجعله ولياً:
وذكر ابن تيمية أيضاً: أن مجرد الإجابة للمعاونة، لا يوجب أن يكون المجيب وصياً ولا خليفة بعده(صلىاللهعليهوآله) ، فإن جميع المؤمنين اجابوا إلى الإسلام، وأعانوا، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيله.
كما أنه لو أجابه الأربعون، أو جماعة منهم، فهل يمكن أن يكون الكل خليفة له؟!(1) .
ونجيب:
أولاً: قال الشيخ المظفر: "إن قوله ـ أي قول النبي(صلىاللهعليهوآله) ـ هذا ليس علة تامة للخلافة، ولم يدِّع ذلك النبي(صلىاللهعليهوآله) ، ليشمل حتى من لم يكن من عشيرته. بل أمره الله بإنذار عشيرته، لأنهم أولى بالدفع عنه ونصره، فلم يجعل هذه المنزلة إلا لهم، وليعلم من أول الأمر أن هذه المنزلة لعلي(عليهالسلام) ، لأن الله ورسوله يعلمان: أنه لا يجيب النبي(صلىاللهعليهوآله) ولا يؤازره غير علي(عليهالسلام) .
فكان ذلك من باب تثبيت إمامته بإقامة الحجة عليهم. ومع فرض تعدد المجيبين يعين الرسول الأحق بها منهم"(2) .
ويوضح هذا الأمر، ما ورد من أنه(صلىاللهعليهوآله) قال: "إن الله لم يبعث رسولاً إلا جعل له أخاً، ووزيراً، ووصياً، ووارثاً من أهله. وقد
____________
1- منهاج السنة ج4 ص81 ـ 83.
2- دلائل الصدق ج2 ص236.
جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء من قبلي".
إلى أن قال: "وقد ـ والله ـ أنبأني به، وسماه لي. ولكن أمرني أن أدعوكم، وأنصح لكم، وأعرض عليكم، لئلا تكون لكم الحجة فيما بعد.."(1) .
فقد دل هذا النص: على أنه(صلىاللهعليهوآله) كان يعرف أنهم سوف لا يجيبونه، باستثناء علي(عليهالسلام) .
ثانياً: إن ظاهر قوله(صلىاللهعليهوآله) : أيكم يؤازرني الخ.. أن الخطاب كان لواحد منهم على سبيل البدل، فالذي يجيب منهم أولاً يكون هو الوصي والولي. وتقارن إجابة اثنين أو أكثر بعيد الحصول..
ولو أجابه أكثر من واحد.. فإنه سوف يكل أمر التعيين إلى ما بعد ظهور المؤازرة، فمن كانت مؤازرته أتم وأعظم، وأوفق بمقاصد الشريعة، وظهر أنه الأقوى والأليق بالمقام، فإنه سيختاره دون غيره..
ثالثاً: ليس المطلوب هو المؤازرة له في الجملة ليقال: إن سائر المسلمين قد آزروه في الجملة. بل المراد المؤازرة التامة في كل موطن وموقف، مثل النوم على فراشه(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة، وقلع باب خيبر، وقتل صناديد العرب، وما إلى ذلك.. ولم يحصل ذلك إلا من أمير المؤمنين(عليهالسلام) .
____________
1- بحار الأنوار ج18 ص215 و 216 وسعد السعود ص106.
أين حمزة وجعفر؟!:
وذكر ابن تيمية أيضاً: أن حمزة وجعفر، وعبيدة بن الحارث قد اجابوا إلى ما أجاب إليه علي(عليهالسلام) . بل لقد أسلم حمزة قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلاً(1) . فحصلت المؤازرة منهم، فلماذا لم يستحقوا مقام الخلافة بعدها..
ونجيب:
ألف: بالنسبة لحمزة "رضوان الله تعالى عليه"، نقول:
أولاً: لا دليل أن حمزة قد أسلم قبل حديث إنذار العشيرة الأقربين.. بل إن صريح حديث إسلامه: أنه أعلنه بعد اشتداد الأمر بين النبي(صلىاللهعليهوآله) وبين قريش، لأجل سب أبي جهل للنبي(صلىاللهعليهوآله) ، وذلك إنما كان بعد إنذار العشيرة. وإن ادَّعوا أنه أسلم في السنة الثانية من البعثة(2) .
فلعل المقصود: هو السنة الثانية بعد ما يسمونه الإعلان بالدعوة، أي بعد خروجه(صلىاللهعليهوآله) من دار الأرقم.
____________
1- منهاج السنة ج4 ص82 و 83.
2- الإصابة ج2 ص105 وأسد الغابة ج1 ص354 و (ط دار الكتاب العربي) ج2 ص42 والوافي بالوفيات ج13 ص104 وذخائر العقبى ص174 وشرح مسند أبي حنيفة ص184 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص90 وتنقيح المقال ج24 ص233 والإكمال في أسماء الرجال ص41 والدرجات الرفيعة ص64.
ثانياً: إن وجود حمزة في حديث إنذار العشيرة مسلماً، لا يضر، إذ هو كأبي طالب(عليهالسلام) ، إذ من القريب جداً أن يكون قد اعتبر نفسه غير مقصود بخطاب النبي(صلىاللهعليهوآله) ، فإنه يرى أن بقاءه حياً إلى ما بعد وفاة النبي(صلىاللهعليهوآله) أبعد احتمالاً، لأنه كما يظهر لنا كان أكبر من النبي(صلىاللهعليهوآله) بحوالي عشرين سنة، بدليل: أنه كان أكبر من عبد الله والد رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ، الذي كان أصغر أولاد عبد المطلب.
بل قد يكون حمزة لا يرى في نفسه القدرة على المؤازرة التامة، من جهات باطنية ترتبط بإدراكه حجم التحديات، وعظمة المسؤوليات وبغير ذلك من أمور قد يرجع بعضها إلى ما يراه من تقدم علي(عليهالسلام) فيها عليه..
ب: بالنسبة لأبي طالب نقول:
أولاً: إنه كان شيخاً هرماً، لا يكاد يحتمل البقاء إلى ما بعد وفاة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) .
ثانياً: إن المطلوب هو: أن يبقى إسلام أبي طالب غير ظاهر إلى هذا الحد..
ثالثاً: إن احتمال أن يتمكن من مؤازرة النبي(صلىاللهعليهوآله) بمستوى مؤازرة غيره وفي جميع المجالات، حتى في مجالات الجهاد والتضحية وفي سائر الشؤون غير ظاهر، بل هو كان يرى نفسه عاجزاً عن ذلك بسبب ضعف قواه وتقدمه في السن، ولعله يتقدم ولده علي(عليهالسلام)
في مزايا أخرى..
ج: بالنسبة لعبيدة بن الحارث بن المطلب، نقول:
فأولاً: هو أسن من النبي(صلىاللهعليهوآله) بعشر سنين(1) .
ثانياً: لا ندري إن كان عبيدة قد أسلم قبل حديث إنذار العشيرة أو تأخر عنه، لأنهم يقولون: إنه أسلم قبل دخول النبي(صلىاللهعليهوآله) دار الأرقم(2) . وإنما كان ذلك في آخر السنة الثالثة من البعثة. فيكون أصل حضوره ـ مسلماً ـ في قضية إنذار العشيرة غير معلوم..
____________
1- أسد الغابة ج3 ص356 وسير أعلام النبلاء ج1 ص256 وقاموس الرجال (ط طهران سنة 1384 هـ) ج6 ص233 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص444 و (ط دار الجيل) ج3 ص1020 وتنقيح المقال (ط حجرية) ج2 ص242 وعمدة القاري ج17 ص87 و 124 ومستدركات علم رجال الحديث ج5 ص199 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص50 والسيرة الحلبية ج2 ص401 وإمتاع الأسماع ج6 ص169.
2- قاموس الرجال (ط طهران سنة 1384 هـ) ج6 ص233 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص444 و (ط دار الجيل) ج3 ص1020 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص51 و 393 وتاريخ مدينة دمشق ج25 ص444 وأسد الغابة ج3 ص356 وتهذيب الكمال ج14 ص55 وتنقيح المقال (ط حجرية) ج2 ص242 وعمدة القاري ج17 ص87 وسير أعلام النبلاء ج1 ص7 والإصابة ج3 ص475 والأعلام للزركلي ج4 ص198 وإمتاع الأسماع ج6 ص169.
د: بالنسبة لجعفر بن أبي طالب.. نقول:
إن الأمر أيضاً كذلك، فقد أسلم بعد أخيه علي(عليهالسلام) ، وذلك حين أمره أبوه بأن يصل جناح ابن عمه في الصلاة، إضافة إلى خديجة وعلي (عليهماالسلام )(1) . ولم يعلم تاريخ حصول ذلك، فلعله تأخر إلى ما بعد
____________
1- قاموس الرجال (ط طهران سنة 1384 هـ) ج2 ص367 و 369 والأوائل للعسكري ص75 وأسد الغابة ج1 ص287 وأسنى المطالب ص10 و 17 والسيرة الحلبية ج1 ص269 و (ط دار المعرفة) ج1 ص434 و 436 والإصابة ج4 ص116وكنز الفوائد للكراجكي ج1 ص181 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص124 وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج3 ص549 وروضة الواعظين ج1 ص140 و (منشورات الشريف الرضي ـ قم) ص86 و 139 و 140 والأمالي للصدوق ص597 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج8 ص288 و (ط دار الإسلامية) ج5 ص373 ومستدرك الوسائل ج6 ص455 والفصول المختارة ص171 و 283 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص301 وكتاب الأربعين للشيرازي ص493 وحلية الأبرار ج1 ص69 وبحار الأنوار ج10 ص380 وج18 ص53 و 179 وج22 ص272 وج35 ص60 و 80 و 120 و 121 و 174 وج85 ص3 وجامع أحاديث الشيعة ج6 ص406 و 463 والغدير ج7 ص356 و 357 و 394 و 396 و 397 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص325 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص272 وتفسير القمي ج1 ص378 ونـور الثقلـين ج3 ص32 وشواهـد التنزيل ج2 ص333 والبحر = = المحيط ج8 ص489 وتفسير الآلوسي ج30 ص183 والدرجات الرفيعة ص69 والعثمانية للجاحظ ص315 وإعلام الورى ج1 ص103 وقصص الأنبياء للراوندي ص316 والدر النظيم ص134 وكشف الغمة ج1 ص87 ونهج الإيمان ص376 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص248 و 250 وإيمان أبي طالب للأميني ص36 و 37 و 88 و 90 و 92 و 93 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص555.
حديث إنذار العشيرة وقبيل إسلام أبي ذر، الذي كان رابعاً أو خامساً في الإسلام.. وأبوذر إنما أسلم بعد اشتداد الأمر بين النبي(صلىاللهعليهوآله) وبين المشركين حسبما تقدم..
ولا شيء يثبت لنا: أن إسلام الناس قد تواصل بعد علي وخديجة (عليهماالسلام )، فلعله توقف لسنوات، ثلاث أو أكثر، ثم أسلم جعفر بأمر أبيه، ثم أسلم أبو ذر..
ويؤيد ذلك ما تقدم: من أن النبي(صلىاللهعليهوآله) مكث ما شاء الله يصلي مع علي(عليهالسلام) قبل أن يعثر عليهما أبو طالب.
ويؤيده أيضاً: أن تقدم إسلام علي وخديجه (عليهماالسلام ) كان من البديهيات لدى الكبير والصغير.. فلولا أنه قد مر عليهما وقت تأكد فيه للناس انحصار الإسلام بهما، لم يصل الأمر في تقدم إسلامهما إلى هذه البداهة والوضوح..
ولعل تأخر إسلام جعفر هذه المدة هو الذي أفسح المجال للدعاوى
الباطلة التي تقول: إنه أسلم بعد خمسة وعشرين، أو واحدٍ وثلاثين رجلاً(1) .
خليفتي في أهلي:
قد ذكرت بعض روايات إنذار العشيرة: أنه(صلىاللهعليهوآله) ، قال: أخي ووصيي، وخليفتي في أهلي..
وفي بعضها قال: وخليفتي فيكم.
وفي بعضها قال: وخليفتي من بعدي.
ويجب ألا نستوحش من اختلاف التعابير المنقولة، فإنها تشير إلى أن ثمة من يرغب في التخفيف من وقع الحدث، وتلافي قسط كبير من الإحراج بسببه.
ولكن التأمل في هذه النصوص يعطي أن هذا التصرف فيها ليس له تأثير في تحقيق الغرض الذي توخّوه منها.. لأنه(صلىاللهعليهوآله) ، قد ذكر وصفين هما الوصاية والخلافة.. مما يعني أن المقصود بالخلافة معنى
____________
1- الإصابة ج1 ص237 و (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص592 وراجع: قاموس الرجال (ط طهران سنة 1384 هـ) ج2 ص367 و 369 وأسد الغابة ج1 ص287 وأعيان الشيعة ج4 ص119. وراجع: مستدرك سفينة البحار ج2 ص65 ومستدركات علم رجال الحديث ج2 ص131 وسير أعلام النبلاء ج1 ص216.
آخر غير معنى الوصاية.. وأن موارد إعمال الخلافة وتأثيرها العملي يختلف عن مورد الوصاية..
فإن كان المقصود بالخلافة في الأهل هو التكليف برعايتهم وحفظهم، والإهتمام بشأنهم فنقول:
إذا رجعنا إلى الواقع الموضوعي، نجد أنه حين إنذار العشيرة لم يكن للنبي أولاد.. أما حين موته، فقد خلف بنتاً وزوجات..
فان كان(صلىاللهعليهوآله) قد تحدث عن يوم وفاته، لتوقعه ولادة الأولاد له، أو لعلمه بواسطة الوحي بولادة فاطمة(عليهاالسلام) وقد قصدها بالفعل هي وزوجاته.. فإننا نقول:
قد كان لفاطمة حين وفاة أبيها زوج يقوم بشؤونها، ويهتم بأمرها.. أما الزوجات فلا يحتجن إلى وصي ولا إلى ولي يلي أمرهن..
ولم تكن مثل هذه الولاية على الزوجة والبنت محط نظر النبي(صلىاللهعليهوآله) ، قبل عشرين سنة من وفاته.. ولم يكن حفظ البنت وحفظ الزوجات يحتاج إلى جمع العشيرة كلها للنظر في ذلك..
كما أنه لم يجر تقليد بين الناس بتنصيب ولي أو جعل وصي على البنت الكبيرة الرشيدة المتزوجة، وكذلك الحال بالنسبة للزوجات الكبيرات الراشدات، اللواتي لهن أهل، وعشائر..
ومن جهة أخرى: لا ربط بين المعاونة على الدين والمؤازرة عليه، وبين المكافأة بجعل ذلك الشخص المعين مسؤولاً عن رعاية البنت والزوجة لذلك النبي.. فإن هذا لا يعد مكافأة لذاك..
على أن منصب الوصي يكفي في حفظ ورعاية الأهل، فلا حاجة إلى منصب الولاية..
فذلك كله يدلنا على أن المقصود بالولاية في الأهل معنى الأمارة والسلطة عليهم، كما أن المقصود بالأهل ليس البنت والزوجة وحسب، إذ أن حاجتهن للإمارة والسلطنة لا تصل إلى حد عقد اجتماع للعشيرة الأقربين قبل عشرين سنة من الوفاة.. ثم مقايضة المعاونة على الدين التي تحتاج إلى بذل أنفس وأموال، والتعرض لأعظم البلايا والرزايا ـ مقايضتها ـ بالسلطنة على البنت والزوجة!! فإنها مقايضة مضحكة، ومن موجبات الإستخفاف بمن يطلبها..
كما أن ذلك لا يمكن أن يبرر نزول آية إنذار العشيرة الأقربين، فإن هذا لا ربط له بالأنذار. إذ لا معنى لأن يأمره الله بإنذار العشيرة، ثم يكون المطلوب الحقيقي هو جعل الراعي لشؤون البنت والزوجة..
والنتيجة هي: أنه لا بد أن يكون المقصود بالأهل هو العشيرة كلها.. ويؤكد ذلك رواية: "خليفتي فيكم".
ونحن نعلم: أن الإجماع قائم على أنه لا يجوز أن يوجد خليفتان خاص وعام، بل إن خلافته الخاصة تقتضي خلافته المطلقة.. فيدلنا ذلك على أنه(صلىاللهعليهوآله) قد أراد جعل الخليفة للناس كلهم من بعده..
ويكون قوله: "فيكم" خطاباً عاماً، أي فيكم أيها المسلمون، أو أيها الناس.. وهذا هو معنى عبارة "خليفتي من بعدي" أي خليفتي العام عليكم من بعدي أيها الناس..
ويبقى أن نشير إلى عدم صحة القول بأن المقصود بالخليفة هو القائم بشؤونهم الدنيوية، فإن علياً(عليهالسلام) لم يكن مسؤولاً عن الشؤون الدنيوية لأي من الهاشميين..
كما أنه لا يصح القول بأن المقصود هو الحسنان(عليهماالسلام) .. لأن الحسنين لم يكونا قد ولدا بعد، وكذلك أمهما. وقد قلنا: إن الحسنين لهما أب يقوم بشؤونهما، ويلي أمرهما..
العشيرة أولاً:
إن دعوة العشيرة الأقربين هو الأسلوب الأمثل لنشر الدعوة، وهو المسار الطبيعي لها في محيطها، ما دام أن دعوة الأقربين هي المتوافقة مع سنة الوفاء، التي تحقق الثبات والقوة، والطمأنينة والثقة في أكثر من اتجاه.
وهي على الأقل تمنحه الفرصة لاكتشاف مواضع القوة والضعف في المداميك الداخلية التأسيسية، ورصد مواضع القوة والصلابة فيها.
ثم هي تعطيه المزيد من الوضوح في نشأة نسيج العلاقات الطبيعية، والإرتباطات المختلفة، فيقدر حركته ومواقفه، واقدامه واحجامه على أساس ذلك..
يضاف إلى ذلك: أن ذلك يظهر للناس كل الناس بالقول والفعل: أنه(صلىاللهعليهوآله) يريد هذا الخير لأهله، ولعشيرته الأقربين، وأنه لا يتنازل عن أدنى شيء من ذلك حتى لأقرب الناس إليه، بل هو ـ لو كان الأمر على خلاف ذلك ـ سيتخذ منهم نفس الموقف الذي يتخذه من أي فريق آخر من الناس، وهذا يحتم على الناس كلهم أن يقتنعوا بأنه "(صلىاللهعليهوآله) "
منسجم مع نفسه، وملتزم مع ما جاء به. ويريد لأحب الناس إليه أن يكونوا في طليعة المؤمنين بالله، وعلى رأس الدعاة إليه والمضحين بكل غال ونفيس في سبيل الله تعالى، وفي سبيل هذا الدين..
وهذا ما تنبه له نصارى نجران، حين أخرج(صلىاللهعليهوآله) ، علياً والزهراء والإمامين الحسن والحسين (عليهمالسلام ) لمباهلتهم.
ومن جهة أخرى، فإن النبي (صلىاللهعليهوآله )، كان يعيش في مجتمع يقيم علاقاته على أساس عشائري قبلي.. فحين يريد أن يقدم على مواقف أساسية ومصيرية.. وحين لا يكون هو نفسه يرضى بالاعتماد على القبيلة كعنصر فعال في حماية مواقفه، وتحقيق أهدافه؛ فإن من اللازم: أن يتخذ من ذوي قرباه موقفاً صريحاً، ويضعهم في الصورة الواضحة؛ وأن يهيئ لهم الفرصة ليحددوا مسؤولياتهم، بحرية، وصراحة، وصدق، بعيداً عن أي ضغط وابتزاز، ولو كان هذا الضغط من قبيل العرف القبلي فيما بينهم؛ لأنه عرف مرفوض إسلامياً.
وهنا تبرز واقعية الإسلام في تعامله مع الأمور، وفي معالجته للقضايا، فإنه لا يرضى أن يستغل جهل الناس وبساطتهم، وحتى أعرافهم ـ الخاطئة ـ التي ارتضوها لأنفسهم في تحقيق أهدافه.
وذلك، لأن الإسلام يعتبر الوسيلة جزءاً من الهدف، فلا بد أن تنسجم وتتلاءم معه، كما لا بد أن تنال من الطهر والقداسة بالمقدار الذي يناله الهدف نفسه.
وفقنا الله للسير على هدى الإسلام، والالتزام بتعاليمه؛ إنه خير
مأمول، وأكرم مسؤول.
وعلى كل حال، فقد خرج(صلىاللهعليهوآله) من ذلك الإجتماع بوعدٍ أكيد من شيخ الأبطح، أبي طالب(عليهالسلام) بالنصر والعون؛ فإنه لما رأى موقف أبي لهب اللاإنساني، واللامعقول، قال له:
"يا عورة، والله لننصرنه، ثم لنعيننه!!
يا ابن أخي، إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا، حتى نخرج معك بالسلاح"(1) .
علي(عليهالسلام) في يوم الإنذار:
ونجد في يوم الإنذار: أن اختيار النبي(صلىاللهعليهوآله) يقع على أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، ليكون المضيف لجماعة يناهز عددها الأربعين رجلاً، فيأمره بأن يصنع طعاماً، ويدعوهم إليه.
والظاهر: أن هذا الإجتماع قد حصل في البيت المخصص لسكنى علي(عليهالسلام) نفسه، وهو الذي استضاف به أبا ذر، ويظهر أنه اختص بهذا البيت، ليكون مقره الخاص به الذي لا يحرج خديجة في داخل بيت الزوجية.. وإن كان بالقرب منه.. وفي كنف رسول الله(صلىاللهعليهوآله) باستمرار..
وعلى كل حال، فإن هذا الإجتماع إذ لو كان عند رسول الله "صلوات الله عليه وآله" في بيته فقد كان بإمكانه(صلىاللهعليهوآله) أن يطلب من
____________
1- تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج2 ص27 و 28.
خديجة أن تصنع هي الطعام لهم، هذا، مع وجود آخرين، أكثر وجاهة ومعروفية من علي(عليهالسلام) .
كما أنه كان يمكنه أن يدعوهم إلى بيت أبي طالب، وجعفر، الذي كان يكبر علياً بعشر سنين.. بالإضافة إلى حمزة، وعبيدة بن الحارث، وغيرهما ممن يمكن أن يستفيد من نفوذه وشخصيته في التأثير على الحاضرين.
ولكنه(صلىاللهعليهوآله) اختار علياً(عليهالسلام) بالذات ليتفادى أي إحراج يبعد القضية عن مجالها الطبيعي، لأنه يريد منهم قراراً يرتكز على القناعة الفكرية والوجدانية بالدرجة الأولى.
وعلي(عليهالسلام) وإن كان حينئذٍ صغير السن، إلا أنه كان في الواقع كبيراً في عقله، وفي فضائله وملكاته، كبيراً في روحه ونفسه، وفي آماله وأهدافه، ولا أدل على ذلك من كونه هو المجيب للرسول، دون كل من حضر، مظهراً استعداده لمؤازرته ومعاونته على هذا الأمر.
وقد رآه النبي(صلىاللهعليهوآله) منذئذٍ، بل منذ ولد(عليهالسلام) ، كما تقدم. أهلاً لأن يكون أخاه، ووصيه، وخليفته من بعده، وهي الدرجة التي قصرت همم الرجال عن أن تنالها، بل وحتى عن أن يدخل في وهم أي منهم: أن يصل ولو في يومٍ ما إليها، ويحصل عليها.
ولكن علياً(عليهالسلام) قد اختاره الله سبحانه وتعالى وصياً وولياً، فكان مرعياً برعاية تعالى، محفوظاً بحفظه. وكان منذ نعومة أظفاره السباق إلى الفضائل والكمالات دون كل أحد؛ وقد اختاره الرسول(صلىاللهعليهوآله) ليعيش في كنفه، وكان(صلىاللهعليهوآله) كفيله ومربيه، وكان يبرد
له الطعام، ويشمه عرفه، وكان هو يتبع الرسول اتباع الفصيل أثر أمه، وكان كأنه ولده.( ..ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) .
سؤال يحتاج إلى جواب:
وقد يسأل أحدهم: عن أن حديث إنذار العشيرة قد يعد إجحافاً بحق الآخرين من غير العشيرة، ومن غير الأقربين. الذين يطلب حضورهم.
ونجيب:
أولاً: إن الله تعالى قد أخبر نبيه بأن وصيه من أهله، فأراد أن يعلمهم بهذا الأمر تمهيداً لإعلام سائر الناس به.
ثانياً: إن النبوة والإمامة منصبان إلهيان، أي أن الله هو الذي يختار لهما من هو أهل لهما.. ولا يرجع الأمر إلى البشر. وإذا كان الأقربون هم الذين يفترض أن يكونوا صفوة الناس، وخير الناس، فإن عرض الأمر عليهم، وظهور تقصيرهم عن هذا الأمر يكفي لإظهار حقيقة سائر الناس..
سؤال آخر وجوابه:
وقد يسأل سائل آخر؛ فيقول: كيف يمكن أن يقول النبي(صلىاللهعليهوآله) لبني عامر بن صعصعة، ولعامر بن الطفيل: الأمر لله يضعه حيث يشاء، والحال أن الأمر محسوم في هذه القضية من حين ما أنذر عشيرته الأقربين؟!
وجوابه واضح: فإن هذه الإجابة منسجمة كل الإنسجام مع حديث إنذار العشيرة، لأن الأمر لله يضعه حيث يشاء في كل زمان..
ماذا قال النبي(صلىاللهعليهوآله) يوم الإنذار؟!:
وقد جاء في بعض النصوص: أنه(صلىاللهعليهوآله) قال لهم في تلك المناسبة:
"يا بني عبد المطلب، إني لكم نذير من الله جل وعز، إني أتيتكم بما لم يأت به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا، وتفلحوا، وتنجحوا..
إن هذه مائدة أمرني الله بها؛ فصنعتها لكم، كما صنع عيسى بن مريم(عليهالسلام) لقومه؛ فمن كفر بعد ذلك منكم، فإن الله يعذبه عذاباً شديداً، لا يعذبه أحداً من العالمين..
واتقوا الله، واسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب: أن الله لم يبعث رسولاً إلا جعل له أخاً، ووزيراً، ووصياً، ووارثاً من أهله.
وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء من قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل علي:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) ، ورهطك المخلصين(2) ، وقد ـ والله ـ أنبأني به، وسماه لي.
ولكن أدعوكم، وأنصح لكم، وأعرض عليكم؛ لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله، ويؤازرني"؟!.
____________
1- الآية 214 من سورة الشعراء.
2- هذا توضيح منه(صلىاللهعليهوآله) وتفسير للمراد من الآية.
إلى آخر كلامه (صلىاللهعليهوآله)، الذي ينسجم مع النص الذي ذكرناه في أوائل هذا الفصل فراجعه(1)
وهذا النص هو الأوفق والأنسب لموقف كهذا، وهو ينسجم تماماًً مع أمر الآية بالإنذار، فإن الإنذار أولاً هو الخطوة الطبيعية لأية دعوة، إذ لابد من الخروج من المواقع الخطرة أولاً، ثم يأتي التبشير الذي يكون العمل هو المعيار فيه، حيث تعطى الجوائز، وتنال الدرجات على اساسه، ومن خلاله..
ولا بد من لفت النظر هنا إلى أن قوله: "ورهطك منهم المخلصين".. ليس من الآية المباركة، بل هي زيادة نبوية توضيحية.
من أهلي:
تقدم قوله(صلىاللهعليهوآله) :إن الله لم يبعث رسولاً حتى جعل له وزيراً من أهله، تماماً كما قال موسى(عليهالسلام) :( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ) (2) .
وهذا التعبير قد يكون هو الأساس في قولهم: إنه(صلىاللهعليهوآله) قال: "إن هذا أخي ووصيي وخليفتي في أهلي"..
فالظاهر: أن الصحيح هو أنه قال: خليفتي من أهلي، ثم صحفت أو
____________
1- بحار الأنوار ج18 ص215 و 216 عن سعد السعود لابن طاووس ص106.
2- الآية 34 من سورة طه.
غيرت كلمة "من" فصارت "في" لحاجة في النفس قضيت.
التبشير والإنذار:
ويقول العلامة المرحوم الشيخ مرتضى المطهري: إن من يريد إقناع إنسان ما بعمل ما، فله طريقان:
أحدهما: التبشير، بمعنى تشويقه إلى أمر بعينه، وبيان فوائد ذلك الأمر.
الثاني: إنذاره ببيان ما يترتب على تركه من مضار، وعواقب سيئة.
ولذلك قيل: الإنذار سائق، والتبشير قائد.
والقرآن والإسلام يريان: أن الإنسان يحتاج إلى هذين العنصرين معاً، وليس ـ كغيره ـ يكفيه أحدهما.
بل ويرى الإسلام: أنه لا بد أن ترجح كفة التبشير على كفة الإنذار.
ولذلك قدم الأول على الثاني في أكثر الآيات القرآنية.
ومن هنا، فقد قال(صلىاللهعليهوآله) لمعاذ بن جبل، حين أرسله إلى اليمن: "يسّر ولا تعسّر، وبشّر ولا تنفّر"، فهو(صلىاللهعليهوآله) بكلمته هذه لم يستبعد الإنذار، بل هو جزء من خطته، وإنما اهتم بجانب التبشير، إذ يمكن بواسطته إدراك مزايا الإسلام وخصائصه الرائعة، وليكون إسلامهم من ثم عن قناعة حقيقية، وقبول تام.
وأما قوله(صلىاللهعليهوآله) : ولا تنفّر، فهو واضح المأخذ، فإن روح هذا الإنسان شفافة جداً، وتبادر إلى ردة الفعل بسرعة، ومن هنا نجد النبي "(صلىاللهعليهوآله) "
يأمر بالعبادة ما دامت النفس مقبلة، ولا يأمر بالضغط عليها، وتحميلها ما لا تطيق، ولهذا شواهد كثيرة في الشريعة السهلة السمحاء(1) .
هذا.. وقد اشتملت دعوته(صلىاللهعليهوآله) لعشيرته على التبشير أيضاً؛ بأن من يؤازره سوف يكون خليفة بعده، وأنه قد جاءهم بخير الدنيا والآخرة، تماماً كما بدأت بالإنذار، وذلك ينسجم مع ما تشتاق إليه نفوسهم، ويتلاءم مع رغباتهم، ويأتي من قبل من لا يمكن أن يكون لديهم موضع اتهام.
أخي ووصيي:
وقوله(صلىاللهعليهوآله) : على أن يكون أخي إلخ.. يؤكد لهم على مدى التلاحم والمحبة بينه وبين ذلك الذي يؤازره ويعاونه، إلى حد أنه يعتبره أخاً له، فليست العلاقة بينهما علاقة رئيس ومرؤوس، وآمر ومأمور، ولا عالٍ بدانٍ، وإنما هي علاقة بين متكافئين في الإنسانية، كما أنها علاقة تعاون وتعاضد على العمل البناء والمثمر، وعلاقة أخ مع أخيه، تفيض بالمحبة، والثقة والصفاء، بكل ما لهذه الكلمات من معنى.
هذا بالاضافة إلى ما في ذلك من دلالة على المقام السامي الذي كان قد بلغه أمير المؤمنين(عليهالسلام) حتى استحق وسام الأخوة فيما بينه وبين سيد البشر، من مضى منهم، ومن غبر.
____________
1- راجع: جريدة جمهوري إسلامي الفارسية رقم254 (سنة 1359 هـ ش) في مقالات للمطهري "رحمهالله ".
لا بد من إمام:
هذا.. وفي الإسلام نظم وسياسات، وجهاد وتضحيات، وفيه مواجهات لأصحاب الأهواء، ونظام عقوبات. وفيه التحدي للطواغيت، والتصدي للمجرمين وللفاسدين والمفسدين..
وهذا معناه: أن الإسلام لا يهدف إلى مجرد تحقيق العدل والمساواة، بل هو يريد أن يتجاوز ذلك إلى تجسيد المعاني الإنسانية، واظهار كنوز القيم والمثل العليا، والإرتفاع بهذا الإنسان إلى المستوى الذي يكون جديراً بحمل الأمانة الإلهية، ونيل منازل الكرامة والزلفى عنده، من خلال جهده وجهاده، وبذله وتضحياته، وايثاره على النفس وبذل الأموال، والتضحية بالأنفس من أجل المبادئ والقيم، وفي سبيل الله والمستضعفين..
من أجل ذلك نقول:
إن مهمة الإسلام عسيرة وشاقة، حيث لا بد أن يهيئ الإنسان الفرد لمواجهة نفسه الأمارة، ويسيطر على غرائزه وشهواته، ويتحكم باندفاعاته وطموحاته، ويوجهها في سبل الخير والهدى، وذلك في سياق بناء شخصيته الإنسانية المثلى والفضلى..
وليصبح هذا الإنسان الصالح الأداة الفاعلة والمؤثرة في مجال تغيير البنى الإجتماعية على اختلافها إلى الأمثل والأفضل، سواء أكانت سياسية، أو اقتصادية، أوتربوية أوغيرها، ويقتلع منها كل جذور الشر، ويستأصل كل عوامل الإنحراف، وآثاره، ويستعيض عنها بمعاني الخير والصلاح والفلاح..
وقد جهز الله الإنسان بعوامل داخلية، وهيأ له أخرى خارجية من شأنها لو استفاد منها أن تمكنه من تحقيق هذه الغايات، وينال تلك المقامات..
ولكن من الواضح: أن الحاجة إلى مكابدة هذا الجهد، ومعاناة هذا الجهاد تبقى قائمة ما دام هناك نفس أمارة، وما دام هناك شيطان يغوي، وهوى يردي..
ولأجل ذلك: سمّى نبي الإسلام هذا بالجهاد الأكبر حين قال للمسلمين العائدين من حرب بدر: رجعتم من الجهاد الأصغر، وبقي عليكم الجهاد الأكبر..
فلما سئل عن معنى ذلك أخبرهم: أن جهاد الإنسان مع نفسه وشهواته هو الجهاد الأكبر(1) .
وإذا كان هذا الصراع مستمراً ما دام هناك انسان على مدى الأزمان، وكان خطر الشذوذ والإنحراف قائماً أيضاً.. فإن الحاجة إلى الهداية والهيمنة، واستمرار عملية التزكية والتربية، والتذكير بآيات الله وأيامه، وتعليم احكام الشريعة، وبيان حقائقها، واشاعة مفاهيمها، والعمل على
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج 64 ص 360 وتفسير السلمي ج 2 ص 28 ومفردات غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص 537 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي ج 4 ص 326 وتفسير الثعالبي ج 4 ص 304 والفتوحات المكية لابن عربي ج 1 ص 564.
الزام الناس بها، والرقابة المستمرة، وأخذ الناس بذنوبهم ومخالفاتهم، إن الحاجة إلى ذلك تبقى قائمة أيضاً..
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الوصي، والإمام، والحافظ للأمانة، والناصر والولي، والخليفة للرسول النبي(صلىاللهعليهوآله)
فكان أن اختار الله تعالى علياً ولياً، وإماماً، ووصياً، ونصبه رسول الله(صلىاللهعليهوآله) علماً، ورائداً وهادياً، واماماً وخليفة وقائداً..
ولعل أول تنصيب علني عام له(عليهالسلام) كان في مناسبة إنذار النبي(صلىاللهعليهوآله) عشيرته الأقربين.
الفصل الثالث: حتى شعب أبي طالب..
علي(عليهالسلام) يقرأ ويكتب:
قد ذكروا: أن علياً(عليهالسلام) كان من السبعة عشر رجلاً من قريش، الذين كانوا حين دخل الإسلام يعرفون القراءة والكتابة بالعربية(1) .
ولكن اللافت هنا أمور:
أحدها: أن البلاذري قد وصف هؤلاء العارفين بالقراءة والكتابة بأنهم رجال، مع أن عمر علي(عليهالسلام) كان حين البعثة كما دلت عليه الروايات المعتبرة لا يزيد على عشر سنوات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، إلا إن كان قد عده في جملة الرجال على سبيل التغليب..
الثاني: إنه عد فيهم من دلت الشواهد على انه لم يكن يحسن القراءة، فضلاً عن الكتابة.. فإن عمر بن الخطاب مثلاً لم يكن ـ كما ورد في حديث اسلامه ـ يحسن القراءة(2) .
____________
1- فتوح البلدان (ط مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة) ج3 ص580 ومكاتيب الرسول ج1 ص102 وراجع: العقد الفريد ج4 ص157.
2- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم " صلىاللهعليهوآله" (الطبعة الخامسة) ج3 ص307 و (الطبعة الرابعة) ج3 ص177.
الثالث: إن أحداً لم يذكر لنا شيئاً عن الشخص الذي تعلم علي(عليهالسلام) القراءة والكتابة عنده. ولو كان ثمة من يعرف شيئاً من ذلك لسارع إلى إظهاره، ليطالب علياً(عليهالسلام) : بأن يعترف بهذا الجميل، وأن ينوه به، وأن يذكره بين الفينة والفينة.
والذي نراه هو أن الله سبحانه قد حبا هؤلاء الأصفياء من الأنبياء والأوصياء بالمنح والألطاف، والكرامات بحيث أغناهم عن الجلوس بين يدي المعلمين والمؤدبين سواء في القراءة والكتابة أو في غيرها..
وإذا كانت السيدة زينب عالمة (غير معلمة) فما بالك بأخي رسول الله، وباب مدينة علمه، وخير الخلق بعده؟!!
الخمس في مكة لعلي(عليهالسلام) :
ذكرت نصوص المناشدة: أن علياً(عليهالسلام) كان دون كل أحد يأخذ هو وفاطمة (عليهماالسلام ) الخمس في مكة.
فقد قال(عليهالسلام) لأهل الشورى التي جعلها عمر وسيلة لإيصال عثمان إلى الخلافة : "نشدتكم بالله، أفيكم أحد كان يأخذ الخمس مع النبي(صلىاللهعليهوآله) قبل أن يؤمن أحد من قرابته غيري، وغير فاطمة؟!
قالوا: اللهم لا"(1) .
____________
1- ترجمة الإمام علي )عليهالسلام ( من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج3 ص90 وراجع ص95 وفي هامش ص88 و 89 مصادر كثيرة لحديث المناشدة، = = وراجع: مناقب الخوارزمي ص225 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص315 وفرائد السمطين ج1 ص322. وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص432 و 435 ونهج السعادة ج1 ص131 و 139 وكنز العمال ج5 ص725 وينابيع المودة ج2 ص344 وكتاب الولاية لابن عقدة ص177 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص30 وج15 ص685 وج31 ص324 وراجع: الأمالي للطوسي ص333 و 667 وبشارة المصطفى ص243 والطرائف لابن طاووس ص413 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص379 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه الأصفهاني ص128 و 131 والدر النظيم ص331 وبناء المقالة الفاطمية ص412 وغاية المرام ج5 ص78 وج6 ص6 وسفينة النجاة للتنكابني ص362. وراجع أيضاً: الضعفاء الكبير ج1 ص211 وليس فيه كلمة: "قبل أن يؤمن أحد من قرابته" واللآلي المصنوعة ج1 ص362.
ولعلك تقول:
لماذا لم يعط حمزة أو جعفر من الخمس؟! فإنهما كانا مسلمين آنئذ؟!
ونجيب: بما تقدم: من أن إسلام جعفر وحمزة قد تأخر عن مطلع البعثة إلى مدة طويلة، ربما إلى ما بعد انذار العشيرة الأقربين. وسيأتي بعض الحديث عن ذلك حين الكلام عن مناشدات أمير المؤمنين(عليهالسلام) لأهل الشورى ، فلعل الخمس كان يعطى لعلي(عليهالسلام) قبل اسلام حمزة، وجعفر..
ولا يصح أن يجاب بأنه: لعل حمزة لم يكن بحاجة إلى الخمس، وكذلك
جعفر، على أنه قد ورد أن أبا طالب لم يكن بحاجة إلى المال آنئذٍ أيضاً، وقد كان هو ينفق على بني هاشم في الشعب.
إلى جانب أموال خديجة، التي كان يستفاد منها في هذا المجال.. ويكون حمزة وجعفرغنيين بما كان يقدمه لهما ابو طالب، أو خديجة أو كانا غنيين بالاستقلال..
نعم، لا يصح هذا الجواب، فإن علياً(عليهالسلام) يصرح بأنه قد أخذ هو وفاطمة الخمس قبل أن يسلم أحد من قرابة الرسول حتى جعفر "رضوان الله عليه".
وهذا دليل على تأخر إسلام جعفر وحمزة إلى ما بعد ولادة الزهراء(عليهاالسلام) ، أي بعد البعثة بخمس سنين. إلا أن يقال: المراد أنه هو أخذ الخمس من النبي(صلىاللهعليهوآله) ، ثم لما ولدت فاطمة صارت هي الأخرى تأخذ من الخمس.
أما بالنسبة لمصدر هذا الخمس أن فيمكن أن يكون هو النبي(صلىاللهعليهوآله) نفسه، أو من الركاز، أو غيرها.
كما أن خديجة التي كانت تملك أموالاً طائلة، وقد أسلمت في أول البعثة، يمكن أن تكون قد خمست أموالها، واستفاد علي(عليهالسلام) من هذا الخمس آنئذٍ.
القُضَم.. علي(عليهالسلام) :
قال ابن الأثير في مادة قضم: "ومنه حديث علي(عليهالسلام) : كانت
قريش إذا رأته قالت: احذروا الحطم، احذروا القضم، أي الذي يقضم الناس، فيهلكهم"(1) .
وعن ابن عباس، قال: لما نكل المسلمون عن مقارعة طلحة العبدري، (أي الذي كان من بني عبد الدار)، تقدم إليه أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، فقال طلحة: من أنت؟!
فحسر عن لثامه، فقال: أنا القضم، أنا علي بن أبي طالب.
زاد في نص آخر قوله حكاية عن طلحة: قد علمت يا قضم أنه لا يجسر علي أحد غيرك(2) .
وحين قال النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) في أحد: قدم الراية، تقدم(عليهالسلام) وقال: أنا أبو القصم (ولعل الصحيح: أبو القضم)(3) .
____________
1- النهاية لابن الأثير (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص293 و (ط مؤسسة إسماعيليان) ج4 ص78 وبحار الأنوار ج20 ص67 عنه، ومستدرك سفينة البحار ج8 ص538 ولسان العرب ج12 ص488.
2- بحار الأنوار ج35 ص60 وج20 ص50 عن تفسير القمي ج1 ص108 ـ 112 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص56 ـ 58 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص305.
3- تاريخ الخميس ج1 ص427. وراجع: الغدير ج7 ص205 والبدايـة والنهاية ج4 ص22 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص593 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص39 وجواهـر المطالـب لابن الـدمشقي ج2 ص119 وسبل الهـدى = = والرشاد ج4 ص194 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص19 وج18 ص82 وج23 ص552 وج30 ص149 و 150 وج32 ص356.
وروي عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كنت أماشي عمر بن الخطاب، إذ سمعت همهمة، فقلت له: مه يا عمر!!
فقال: ويحك، أما ترى الهزبر، القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد على من طغا وبغا، بالسيفين والراية؟!
فالتفت، فإذا هو علي بن أبي طالب(1) .
لماذا سمي بالقُضَم؟!:
وأما السبب في تسميته (عليهالسلام) بـ "القُضَم"، فقد رواه القمي " رحمهالله "، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن الصادق (عليهالسلام) : أنه سئل عن قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه علي (عليهالسلام) : يا قضم، قال:
إن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب، وأغروا به الصبيان، وكانوا إذا خرج رسول الله يرمونه بالحجارة
____________
1- تفسير القمي ج1 ص114 وبحار الأنوار ج20 ص52 و 53 وج41 ص73 وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص383 وحلية الأبرار ج2 ص427 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص370 ومدينة المعاجز ج2 ص81.
والتراب.
وشكى ذلك إلى علي (عليهالسلام) ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله (صلىاللهعليهوآله) ، إذا خرجت فأخرجني معك.
فخرج رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ومعه أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، فتعرض الصبيان لرسول اله(صلىاللهعليهوآله) كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، وكان يقضمهم في وجوههم، وآنافهم، وآذانهم.
فكان الصبيان يرجعون باكين، ويقولون: قضمنا علي، قضمنا علي، فسمي لذلك القضم(1) .
النبي(صلىاللهعليهوآله) يشكو لعلي(عليهالسلام) لا إلى أبي طالب:
عرفنا: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) شكى ما يلقاه من صبيان المشركين إلى علي(عليهالسلام) ، لا إلى أبي طالب، ولا إلى حمزة، ربما لأنه(صلىاللهعليهوآله) لا يريد أن يدخل عليهما أي قدر من الأذى النفسي في أمر ليس باستطاعتهما مواجهته بصورة مباشرة..
يضاف إلى ذلك: أن من المتوقع في هذه الحال ـ لجوء أبي طالب إلى الآباء لمنع الأبناء من أذى النبي(صلىاللهعليهوآله) وهو قد يفسر على أنه
____________
1- تفسير القمي ج1 ص113 وبحار الأنوار ج20 ص52 عنه، وراجع: البرهان ج1 ص311.
تعبير عن الضعف والعجز، وربما يدعوهم ذلك إلى إذكاء هذه الحالة ضد رسول الله(صلىاللهعليهوآله) من جهات مختلفة تخولهم الإعتذار عن التدخل للمساعدة فيها..
بالاضافة إلى أن ذلك قد يعطيهم ذريعة للتمنن على أبي طالب، والظهور بمظهر المحسن والمتفضل، والحال أنهم هم في الحقيقة أساس البلاء، وذلك قد يفسح لهم المجال للتلاعب بأبي طالب، والتذاكي عليه وعلى الهاشميين، والشماتة بهم.
ولو أنه(صلىاللهعليهوآله) شكى لأبي طالب(عليهالسلام) ، وصدر من أبي طالب أمر لعلي(عليهالسلام) ولغيره من أبناء بني هاشم بالمقابلة بالمثل، فإن ذلك سيضع أبا طالب موضع الملوم، بدعوى أنه يتصرف بصورة لا تليق بمقامه، ويأمر بما لا يتوقع من مثله الأمر به.. في حين أن المشركين لا يعترفون بأنهم هم الذين أغروا الصبيان بأذى أحد..
خذني معك:
وكل ما ذكرناه يعطي: أنه لا بد أن يترك القرار الحاسم لأهله، وليس هو إلا علي، ذلك الإنسان الإلهي الذي يراه الناس صغيراً.. وهو الكبير الكبير، الذي لا تستطيع أوهامهم أن تلامس أدنى شوامخه.. وليكن القرار من صبي ـ بنظرهم ـ عرفوا عنه أنه يقرر وينفذ، كل ما يراه حقاً وصواباً، ولا يتراجع ولا يتوقف عن العمل بالحق، حتى لو عارضه فيه الشيوخ والكبار من قومه أو من غيرهم.. فلا يمكنهم اتهام أي كان من الناس بأنه أغرى علياً في أمر لم يدرك علي صوابه من خطأهِ، فبادر إلى ما أغري به..
وهكذا كان.. فقد قال علي(عليهالسلام) لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) : خذني معك، ولم يخبر رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بتفصيل ما صمم عليه..
ويأخذه(صلىاللهعليهوآله) معه.. ويواجه طغيان الصبيان، فلا يقابلهم بالمثل أي برميهم بالتراب والحجارة، إذ يمكنهم حشد الكثيرين الذين يمكن أن يتوزعوا فرقاً، ثم ليتصدى فريق منهم لعلي(عليهالسلام) ، ويتولى الفريق الآخر إيذاء رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بالحجارة والتراب، بل قرر أن يحسم الأمر، وأن يفهم أولئك الصبيان وآباءهم أن ثمرة عملهم هو لحوق الأذى بكل واحد منهم بشخصه، وأن الأمر لن يكون مجرد مراماةٍ بالتراب والحجارة، تصيب أو لا تصيب، أو تؤلم أو لا تؤلم، بل ثمة ألم حقيقي لكل فرد منهم لا نجاة لهم منه، من دون أن يكون لهم قدرة على المقابلة بالمثل.
أبو ذر في ضيافة علي(عليهالسلام) :
ويقولون: إن أبا ذر "رحمهالله " كان رابع أو خامس من أسلم(1) ،
____________
1- دلائل النبوة للبيهقي ج1 ص458 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 قسم1 ص164 وحلية الأولياء ج1 ص157 ومستدرك الحاكم ج3 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص313 والإصابة ج4 ص63 وأسد الغابة ج5 ص186 و (ط دار الكتاب العربي) ج1 ص301 والبداية والنهاية ج7 ص185 والغدير ج8 ص308 ـ 309 عن بعض من تقدم، وعن شرح الجامع الصغير للمناوي ج5 ص423. والمجموع للنووي ج2 ص76 وج4 ص35 وشرح مسلم للنووي ج2 ص51 وعمـدة القـاري ج1 ص205 ومستدرك = = سفينة البحار ج3 ص435 وراجع: الإحتجاج ج1 ص231 وبحار الأنوار ج27 ص319 وج31 ص276 والفوائد الرجالية ج2 ص152 وتقريب المعارف ص268 والدرجات الرفيعة ص225 وتذكرة الحفاظ ج1 ص17 وسير أعلام النبلاء ج2 ص46 وشيخ المضيرة أبو هريرة ص223 والسيرة الحلبية ج3 ص109.
حيث إنه سمع بمبعث النبي(صلىاللهعليهوآله) ، فأرسل أخاه ليستقصي له الخبر، فرجع إليه، ولم يشف له غليلاً.
فذهب إلى مكة بنفسه، فكره أن يسأل عن النبي(صلىاللهعليهوآله) علانية، فاضطجع في ناحية المسجد الحرام، فرآه علي(عليهالسلام) ، فعرف أنه غريب، فدعاه إلى بيته، فاستضافه ثلاثة أيام لا يسأله عن شيء.
ثم سأله أبو ذر عن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) فاقترح عليه أمير المؤمنين(عليهالسلام) أن يتبعه أبو ذر، فإن رأى ما يخاف منه عطف كأنه يريد أن يقضي حاجة، أو يصلح نعله..
فأوصله (عليهالسلام) إلى النبي (صلىاللهعليهوآله) وأسلم أبو ذر، فخرج إلى المسجد الحرام، فأعلن إسلامه، فضربوه حتى اضجعوه.
فأتى العباس فأكب عليه، وقال: ويحكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وإنها طريق تجارتكم إلى الشام؟! فتركوه..
وعاد في اليوم التالي فصنع مثلما صنع في اليوم الأول، فخلصه العباس أيضاً(1) .
ونقول:
قد تحدثنا عن بعض ما يرتبط بهذه الحادثة في كتابنا الصحيح من سيرة النبي (صلىاللهعليهوآله) ولذلك فنحن نكتفي هنا بتسجيل ما يلي:
1ـ دلت هذه الرواية على أن الناس قد تأخروا كثيراً في قبول الإسلام، حيث علمنا: أن خديجة وعلياً وجعفراً (عليهمالسلام) كانوا أسبق الناس إلى الإسلام، فإذا كان أبو ذر رابع من أسلم، فذلك يعني أن أحداً لم يدخل
____________
1- هذا ملخص ما في البخاري (ط سنة 1309هـ) ج2 ص206 ـ 207 و (ط دار الفكر) ج4 ص241 والبداية والنهاية ج3 ص34 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص46 وحلية الأولياء ج1 ص159 ومستدرك الحاكم ج3 ص339 والغدير ج8 ص309 ـ 310 عن بعض من تقدم، وصحيح مسلم ج7 ص155 و 156 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج4 ص63 و (ط دار الجيل) ج4 ص1652 ـ 1653 ودلائل النبوة لأبي نعيم ج2 ص86 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 قسم1 ص161 ـ 162 و 164 ـ 165 والإصابة ج4 ص63 و (ط دار الكتب العلمية) ج7 ص106 وعمدة القاري ج17 ص2 والدرجات الرفيعة ص228 وأسد الغابة ج5 ص187 وإمتاع الأسماع ج4 ص370 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص447 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص314 و 315 والسيرة الحلبية ج1 ص451 ـ 452.
بعد هؤلاء في الإسلام إلى ما بعد سنوات، أي إلى أن طار خبر بعثة النبي(صلىاللهعليهوآله) في البلاد، وبلغ بني غفار الذين كانوا يسكنون قرب المدينة، ثم أرسل أبو ذر أخاه إلى مكة ليستطلع الأمر، ثم عاد إليه، فلم يجد أبو ذر عنده ما يشفي غليله، ثم سافر أبو ذر إلى مكة وبقي أياماً حتى وصل إلى رسول الله(صلىاللهعليهوآله) وأسلم على يديه.
فإن هذا لو فرض أنه قد تواصل واستمر، فهو يحتاج إلى المسير الجاد ذهاباً وإياباً حوالي شهر ونصف.
فإذا أضيف إلى ذلك أن الرواية تذكر ما يدل على أن مجيئ أبي ذر إلى مكة قد حصل حيث كان النبي(صلىاللهعليهوآله) في وضع صعب، وكان الإتصال به يحتاج إلى تخف وتستر، مما يعني أن العداوات كانت قد ظهرت بين المشركين والمسلمين، وهو يدل على أن إسلام أبي ذر قد حصل ربما حين كان النبي في دار الأرقم أو بعد ذلك. وأن أحداً لم يسلم طيلة هذه المدة، لكي يصح أن يكون أبو ذر رابع من أسلم.
ولعل هذا يفسر لنا عدم استجابة أحد لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) في حديث:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، حتى حمزة وجعفر (عليهماالسلام ).
وهذا كله يؤذن بوجود فاصل زمني طويل، يمتد إلى ثلاث أو أربع سنوات فيما بين إسلام أبي ذر، وبين تاريخ بعثة الرسول( صلىاللهعليهوآله) .
ويكون إسلامه الذي أعلنه وفق هذه الطريقة، التي تحدثت عنها رواية اسلامه بداية عهد جديد، جرأ الناس على الدخول في هذا الدين، والمباهاة
به، وتحدي المشركين فيه.
فما يدعى من سبق أبي بكر وغيره إلى الإسلام وأنه سبق علياً أو قاربه ليست له أدنى درجة من المقبولية أو المعقولية.
2 ـ إن سن علي (عليهالسلام) في أول البعثة كان لا يتجاوز العشر سنوات، والمفروض أنه لا يملك لنفسه بيتاً مستقلاً يستضيف به الغرباء، الأمر الذي يعني أنه قد دعا أبا ذر إلى منزل أبيه أبي طالب صلوات الله عليه.. أو فقل إلى المكان المخصص له من قبل رسول الله (صلىاللهعليهوآله) ، أو من قبل والده العظيم..
وقد اتضح من هذه الحادثة أن تصرفات أمير المؤمنين(عليهالسلام) في صغره كانت ملزمة لوالده، ولم يكن يعترض عليه حتى حين يدعو الغرباء إلى بيته لينزلهم فيه، لا يوماً واحداً وحسب، وإنما ثلاثة أيام.
وهذا التصرف لا يقبل عادة ممن كان في سن علي (عليهالسلام) ، الأمر الذي يشير إلى امتياز ظاهر له على من سواه وعلى مكانته (عليهالسلام) المتميزة لدى أبيه، ومدى ثقته به وبحصافة رأيه، وعلى أنه " رحمهالله " كان يحترم له هذا التصرف النبيل، ويقدر فيه هذا الخلق الجميل.
3ـ إن عنصر السرية الذي اعتمده (عليهالسلام) في أسلوب إيصال أبي ذر إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله) ، يدل على دراية وروية، وتبصر وتدبر للأمور.
وقد وثق أبو ذر بهذا الفتى اليافع، ومنحه كل حبه واحترامه.. وأدرك أنه فتى المهمات الصعبة، منذ أن دعاه ليكون في ضيافته ثلاثة أيام، ثم زاد
إكباره له، وهو يقترح عليه هذا الأسلوب الحكيم.. الذي لا يصدر إلا من أعقل العقلاء، ومن أهل التبصر والحكمة، والروية والتدبير.
4 ـ إن هذا الأسلوب الذي اقترحه(عليهالسلام) من شأنه أن يحفظ أبا ذر، ويحفظ من خلاله الدعوة نفسها من أن تتعرض للأذى وللحصار، من خلال تهديد أمن وسلامة من يسعى للوصول إلى صاحبها للتعرف عليه، والإستفادة منه إيماناً، ومعرفة، ووعياً، وإلتزاماً.
5 ـ إن عدم سؤال علي(عليهالسلام) أبا ذر عن شأنه مدة ثلاثة أيام.. ربما لكي لا يشعر أبو ذر أن مضيفه قد مل وجوده. كما أنه يريد له أن يأنس في هذا البلد، وتذهب وحشة الغربة عنه، ويرتاح نفسياً كما ارتاح جسدياً.. وليكون من ثم اكثر طمأنينة، وأنفذ بصيرة في بيان حاجته، وأعرف بالمسالك التي توصله إليها. وبالأسباب التي تمكنه من الحصول عليها..
علي(عليهالسلام) يتوسط لزيد بن حارثة:
قال الحلبي الشافعي: "ذكر مقاتل: أن زيد بن حارثة لما أراد أن يتزوج زينب جاء إلى النبي ( صلىاللهعليهوآله) ، وقال: يا رسول الله اخطب عليَّ.
قال له: من؟!
قال: زينب بنت جحش.
قال: لا أراها تفعل. إنها أكرم من ذلك نفساً.
فقال: يا رسول الله، إذا كلمتها أنت، وقلت: زيد أكرم الناس عليَّ، فعلت.
فقال( صلىاللهعليهوآله) : إنها امرأة لسناء.
فذهب زيد "رضي الله تعالى عنه" إلى علي (عليهالسلام) ، فحمله على أن يكلم له النبي ( صلىاللهعليهوآله) .
فانطلق معه إلى النبي(صلىاللهعليهوآله) فكلمه، فقال: إني فاعل ذلك، ومرسلك يا علي إلى أهلها فتكلمهم، ففعل. ثم عاد بكراهتها، وكراهة أخيها ذلك.
فأرسل إليهم النبي(صلىاللهعليهوآله) يقول: قد رضيته لكم، وأقضي أن تُنكحوه. فأنكحوه، وساق لهم عشرة دنانير الخ.."(1) .
ونقول:
أولاً: إن من غير المعقول أن يتحدث النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله) بمنطق الطبقية والاستعلاء على هذا النحو، فإن المعايير التي جاء بها الإسلام، والقرآن، ومنها قوله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (2) لا تسمح بهذا، فإن زيداً لم يكن يعاني من أي نقص، أو عيب، لا في نفسه، ولا في دينه، ولا في خلقه، بل هو قد حاز شرف الإنتساب للإسلام، ولرسول الله ( صلىاللهعليهوآله) ، وترك أهله وأباه، ورضي بأن يتبرأ أبوه منه حباً برسول الله ( صلىاللهعليهوآله) ..
ورسول الله(صلىاللهعليهوآله) هو القائل: "إذا جاءكم من ترضون
____________
1- السيرة الحلبية ج3 ص320.
2- الآية 13 من سورة الحجرات.
دينه وخلقه فزوجوه، وإلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"(1) .
وقرر: أن معيار الكفاءة في النكاح هو الإسلام والإيمان.
ثانياً: إن هذا يعارض ما رووه، من أنها أرسلت إلى النبي (صلىاللهعليهوآله) تستشيره في أمر زواجها. بعد أن خطبها عدة أشخاص من صحابته ( صلىاللهعليهوآله) .
فقال ( صلىاللهعليهوآله) : أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها؟! (2) .
ثالثاً: إذا كان النبي(صلىاللهعليهوآله) يريد لها أن تتزوج بمن تختاره، ويعلم أنها لا تختار زيداً، وكان ذلك هو سبب امتناعه عن تلبية طلب زيد بأن يخطبها له، فلماذا أقدم على إرسال علي(عليهالسلام) إليها، ليطلبها لزيد بالذات؟! فإنه لم يتغير شيء من ذلك قبل توسط علي(عليهالسلام) وبعده.
____________
1- الدر المنثور ج1 ص257 والثقات ج5 ص499 وتهذيب الكمال ج9 ص355 وكنز العمال ج16 ص318 وإعانة الطالبين ج3 ص308 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص47 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص487 وج3 ص413 وإيضاح الفوائد ج3 ص23 والمعجم الأوسط ج1 ص142 وغوالي اللآلي ج3 ص340 ونيل الأوطار ج6 ص361 والمجموع ج16 ص183 ـ 188.
2- مجمع الزوائد ج9 ص246 والمعجم الكبير ج24 ص39 وسنن الدارقطني ج3 ص208 والدر المنثور ج5 ص208 وتاريخ مدينة دمشق ج50 ص231.
وإن كان يريد فرض الزواج عليها بزيد، فلماذا أرجعه خائباً في المرة الأولى، ثم استجاب له بعد توسط علي(عليهالسلام) ؟!
تحطيم الأصنام قبل الهجرة:
عن علي(عليهالسلام) ، قال: دعاني رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وهو بمنزل خديجة(عليهاالسلام) ذات ليلة، فلما صرت إليه قال: اتبعني يا علي..
فما زال يمشي وأنا وراءه، ونحن نخترق بيوت مكة حتى أتينا الكعبة، وقد أنام الله كل عين، فقال لي رسول الله( صلىاللهعليهوآله) : يا علي.
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: إصعد يا علي فوق كتفي، وكسّر الأصنام.
قلت: بل أنت يا رسول الله، إصعد فوق كتفي.
قال: بل أنت إصعد يا علي.
ثم انحنى( صلىاللهعليهوآله) ، فصعدت على كتفه، فأقبلت (ولعل الصحيح: فقلبت) الأصنام على رؤوسها، ونزلت، وخرجنا من الكعبة شرفها الله تعالى، حتى أتينا منزل خديجة(عليهالسلام) ، فقال لي: يا علي، إنه أول من كسّر الأصنام جدك إبراهيم(عليهالسلام) ، ثم أنت يا علي آخر من كسّر الأصنام.
قال: فلما أصبحوا أهل مكة، وجدوا الأصنام منكسة، مقلوبة على رؤوسها، فقالوا: ما فعل هذا بآلهتنا إلا محمد، وابن عمه.
ثم لم يقم بعدها في الكعبة صنم(1) .
____________
1- إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص689 عن ابن حسنويه في درر بحر المناقب، وليراجع ص680 ـ 687 عن مصادر كثيرة، وتاريخ بغداد (ط القاهرة) ج13 ص302 وفرائد السمطين ج1 ص249 و 250 ونظم درر السمطين ص125 ومسند أحمد ج1 ص84 وموضح أوهام الجمع والتفريق ج2 ص432 وكنز العمال ج15 ص151 والمناقب لابن المغازلي ص202 و 429 وترجمة الإمام علي "عليهالسلام " من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص327 وبحار الأنوار ج38 ص76 وجمع الفوائد ج2 ص26 وتذكرة الخواص ج1 ص247 وراجع هامشه، فقد أشار إلى مصادر كثيرة.
وراجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص236 عن ابن أبي شيبة، والحاكم، وتاريخ الخميس ج2 ص86 عن الطبراني، وأحمد، والترمذي، والصالحاني، والتبصرة لابن الجوزي ص442 ومناقب الأخيار ص3 ومستدرك الحاكم ج3 ص5 وج2 ص366 و 367 وتلخيص المستدرك بهامشه، والمصنف لابن أبي شيبة ج14 ص488 والسيرة الحلبية ج3 ص86 عن خصائص العشرة للزمخشري وبدايع الأمثال ص148 وينابيع المودة ص139 و 420 والمناقب للخوارزمي ص71 و 73 وخصائص الإمام علي "عليهالسلام " للنسائي (ط التقدم بمصر) ص225 و 31 وصفة الصفوة ج1 ص119 ومجمع الزوائد ج6 ص23 و 24 عن أبي يعلى والبزار، ومفتاح النجا ص27 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدس) ص85 ومنتخب كنز العمال ج5 ص54 وتفريح الأحباب ص316 وبذل القوة للسندي الحنفي ص224 وغالية المواعظ ج2 ص88.
ونقول:
إن هذا الحديث ظاهر الدلالة على أن هذا الحدث قد حصل قبل الهجرة، وقد أشبها صلوات الله وسلامه عليهما أباهما إبراهيم الخليل(عليهالسلام) ، حين حطم في الخفاء أصنام قومه، فلما أصبحوا قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟!
وهذه هي نفس الكلمة التي قالها المكيون حين رأوا ما جرى لأصنامهم..
لماذا التعرض لأصنامهم سراً؟!:
وقد يسأل سائل عن سبب هذا التعرض للأصنام سراً، مع العلم بأن ذلك لا يجدي شيئاً، لأنهم سوف يعيدونها كما كانت، ولربما يكون ذلك سبباً في إصرارهم على غيهم، وعلى نصرة أصنامهم، وتعلقهم بها، والتشدد في المحافظة عليها..
ونجيب:
بأن المقصود هو تقديم العبرة لهم بصورة حية وعملية، ليروا بأم أعينهم كيف أن الأصنام لا تستطيع أن تدفع عن أنفسها، فكيف يمكنها أن تدفع الأسواء عن غيرها.
فما يدعي لها من قدرات، وآثار، ما هي إلا أباطيل وأضاليل، وترهات.
وهذا البرهان ليس مجرد معادلة ذهنية، وافتراضات تجريدية، بل هو عمل جوارحي مباشر، يجري على الأصنام نفسها، لكي يقطع دابر أي تعلل أو تمحل للأعذار، فلا يزعم زاعم أن الأسواء قد انتابت غيرها ولعلها لم تنتصر له، لأنها كانت غاضبة عليه.
وهذا هو نفس الدرس الذي أراد إبراهيم(عليهالسلام) لقومه أن يفهموه ويعوه، حين كاد أصنامهم.
وقول قوم إبراهيم في السابق، وأهل مكة في اللاحق: من فعل هذا بآلهتنا يمثل إعترافاً صريحاً بأن ثمة من هو أقوى من أصنامهم، وهو إقرار بعجزها عن الدفع عن نفسها، وحاجتها إلى غيرها ليحميها منه.
وكان المشركون قد سمعوا من النبي(صلىاللهعليهوآله) تسفيه أحلامهم، ورفضه لأصنامهم، وبيان أنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، وقد نزل القرآن بتقبيح وإدانة عبادتهم لها.
لم يقم بعدها في الكعبة صنم:
ويبقى أن نشير إلى ما ذكره في آخر هذه الرواية، من أنه لم يقم بعدها في الكعبة صنم يحتاج إلى توضيح، فإنه لا ينسجم ـ في ظاهره ـ مع القول: بأن تحطيم الأصنام كان في فتح مكة.
وقد يكون الجواب الأوضح عن ذلك أن يقال: إن الذي حطمه النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلي(عليهالسلام) قبل الهجرة هو تلك الأصنام التي كانت في جوف الكعبة، بقرينة قوله: "خرجنا من الكعبة، ولم يقم بعدها صنم في جوف الكعبة..".
والتي حطمت يوم الفتح هي تلك الأصنام التي كانت منصوبة فوقها، أو عندها كما تشير التعبيرات الكثيرة الواردة في النصوص المتقدمة.
ويبدو أن بعض تلك الأصنام كان معلقاً في أعلى نقطة في جوف
الكعبة، فاحتاج في تنكيسه إلى أن يصعد على كتفي النبي(صلىاللهعليهوآله) ليتمكن منها..
علي(عليهالسلام) في حديث المعراج:
ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلىاللهعليهوآله) أن المعراج قد حصل في السنة الثالثة من البعثة ـ كما روي عن علي(عليهالسلام) (1) . وقد ذكرنا دلائل ذلك في كتابنا المشار إليه(2) .
وعرفنا آنفاً: أن أبا ذر كان رابعاً في الإسلام، مع أنه قد أسلم بعد أن تأزمت الأمور بين النبي(صلىاللهعليهوآله) وبين قريش، وحيث كان الإتصال به تكتنفه المخاطر والأهوال، كما أن من يعلن إسلامه يتعرض للضرب الشديد الذي لا يرفعه عنه إلا خوف قريش على قوافل تجارتها إلى الشام فأنها كانت تمر على قوم أبي ذر بالقرب من المدينة.
وإذا أضفنا هذا الأمر إلى العديد من الدلائل والشواهد على تأخر إسلام أبي بكر إلى ما بعد السنة الخامسة أو السادسة من البعثة(3) ، فإن ذلك يدلنا على عدم صحة ما روي من أن ملكاً كان يكلم رسول الله "(صلىاللهعليهوآله) "
____________
1- بحار الأنوار ج18 ص379 والخرائج والجرائح ج1 ص141.
2- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الرابعة) ج3 ص10 و (الطبعة الخامسة) ج3 ص94.
3- ذكرنا ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم" صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الرابعة) ج4 ص324 ـ 330 و (الطبعة الخامسة) ج3 ص53 ـ61.
في معراجه بصوت أبي بكر(1) .
والصحيح: أنه كلَّمه بلغة علي(عليهالسلام) .
فعن ابن عمر قال: سمعت النبي(صلىاللهعليهوآله) وقد سئل: بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج؟!
قال: خاطبني ربي بلغة علي بن أبي طالب، وألهمني أن قلت: يا رب خاطبتني أنت أم علي؟!
فقال: يا محمد، أنا شيء لا كالأشياء، ولا أقاس بالناس، ولا أوصف بالشبهات. خلقتك من نوري، وخلقت علياً من نورك، واطلعت على سرائر قلبك، فلم أجد في قلبك أحب إليك من علي بن أبي طالب، فخاطبتك بلسانه، كيما يطمئن قلبك(2) .
____________
1- المواهب اللدنية ج2 ص29 و 30 وروح البيان لإسماعيل البروسوي في تفسير سورة الإسراء، وتنوير الأذهان للمسعودي شرح سورة الإسراء، والغدير ج7 ص293 عن عمدة التحقيق ص154 والعهود المحمدية للشعراني ص685 والفتوحات المكية لابن عربي ج3 ص157 وج3 ص342 وراجع: الدر المنثور ج4 ص155 وراجع ص154.
2- راجع: المناقب للخوارزمي ص78 وينابيع المودة ج1 ص246 و 247 ومقتل الحسين للخوارزمي (ط الغرى) ص42 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص507 والمناقب المرتضوية (ط بمبئي ـ الهند) ص104 وبحار الأنوار ج18 ص386 والصـافي ج3 ص177 وكشف الغمـة ج1 ص103 وشرح إحـقـاق الحـق = = (الملحقات) ج5 ص251 وج23 ص141 والطرائف لابن طاووس ص155 وكشف اليقين ص227.
كما أن الصحيح هو: ما روي عن أبي الحمراء، من أن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) قال: لما أسري بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أيدته بعلي(عليهالسلام) (1) .
____________
1- تاريخ الخميس ج1 ص313 ومجمع الزوائد ج9 ص121 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص200 وكنز العمال ج11 ص624 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص186 و 187 وشواهد التنزيل ج1 ص297 و 298 وراجع 293 و 394 والدر المنثور ج4 ص153 وبشارة المصطفى ص405 والشفا لعياض ج1 ص174 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص92 وينابيع المودة ج1 ص69 و 282 ومستدركات علم رجال الحديث ج8 ص367 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج1 ص240 و 244 و 210 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص295 والأمالي للصدوق ص284 وشرح الأخبار ج1 ص210 وج2 ص380 و وبحار الأنوار ج27 ص2 وج36 ص53 وراجع: ص321 و 325 و 332 و 348 و 355 و 390 وج38 ص345 والثاقب في المناقب ص118 والغدير ج2 ص50 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص14 وتهذيب الكمال ج33 ص260 وغاية المرام ج4 ص303 والأربعون حديثاً لمنتجب الدين ابن بابويه ص66 والعمدة لابن البطريق ص171 والفضائل لشاذان ص167 والجـواهـر السنية للحر العامـلي ص293 وراجع ص280 و 281 و 285 ومدينة المعاجز ج2 ص393 = = وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص142 وج14 ص587 وج16 ص488 و 490 وج22 ص495 و 496 وج31 ص76 وراجع: كفاية الأثر ص74 و 185 و 217 و 244 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص254 ولسان الميزان ج1 ص457 وج2 ص268 و 484 وميزان الاعتدال ج2 ص76 والصراط المستقيم ج1 ص294 وج2 ص117 وضعفاء العقيلي ج1 ص33 وج2 ص86 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص336 وج47 ص344.
لا ما روي من ذلك في حق أبي بكر(1) .
وعن النبي(صلىاللهعليهوآله) أنه قال: لما أسري بي إلى السماء لقيتني الملائكة بالبشارة في كل سماء، حتى لقيني جبرائيل في محفلٍ من الملائكة، فقال: يا محمد، لو اجتمع أمتك على حب علي بن أبي طالب ما خلق الله النار(2) .
____________
1- راجع الروايات التي ذكرت فضائل أبي بكر في الإسراء والمعراج، وقد حكم عليها العلماء بالوضع في ميزان الإعتدال ج3 ص609 وج2 ص117 واللآلي المصنوعة ج1 ص296 و 297 و 309 ولسان الميزان ج5 ص235 وتهذيب التهذيب ج5 ص138 وتاريخ بغداد ج11 ص204 وج3 ص63والغدير ج5 ص303 ومجمع الزوائد ج9 ص41 وتذكرة الموضوعات ص93 والوضاعون وأحاديثهم ص363.
2- ينابيع المودة ج2 ص290 ومودة القربى ص20 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص151 وج17 ص240 وج21 ص273 ونوادر المعجزات ص75 والأمالي للطوسي ص642 ومدينة المعاجز ج1 ص87 وبحار الأنوار ج18 ص388 وج40 ص35.
وعن أبي هريرة، عنه( صلىاللهعليهوآله) : لما أسري بي في ليلة المعراج، فاجتمع عليَّ الأنبياء في السماء، فأوحى الله تعالى إلي: سلهم يا محمد: بماذا بعثتم؟!
فقالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وبنبوتك، والولاية لعلي بن أبي طالب(1) .
علي(عليهالسلام) الصديق الأكبر:
وعن النبي(صلىاللهعليهوآله) قال:
"قال لي ربي ليلة أسري بي: من خلفت على أمتك يا محمد.
قال: قلت: أنت أعلم يا رب.
قال: يا محمد، إني انتجبتك برسالتي، واصطفيتك لنفسي، وأنت نبيي وخيرتي من خلقي. ثم الصديق الأكبر، الطاهر المطهر، الذي خلقته من
____________
1- ينابيع المودة ج2 ص246 عن الحافظ أبي نعيم، والعمدة لابن البطريق ص352 والطرائف لابن طاووس ص101 والصراط المستقيم ج1 ص244 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص408 وخصائص الوحي المبين ص170 وطرائف المقال ج2 ص299 ونهج الإيمان ص506 ومنهاج الكرامة ص130 وغاية المرام ج3 ص55 وبحار الأنوار ج36 ص155 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص144 وج4 ص238 وج7 ص129 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص73 ونهج الحق ص183 وإلزام النواصب لمفلح بن راشد ص138.
طينتك، وجعلته وزيرك، وأبا سبطيك، السيدين الشهيدين، الطاهرين المطهرين، سيدي شباب أهل الجنة. وزوجته خير نساء العالمين. أنت شجرة، وعلي أغصانها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسين ثمارها. خلقتكم (خلقتهما) من طينة عليين، وخلقت شيعتكم منكم، إنهم لو ضربوا على أعناقهم بالسيوف ما ازدادوا لكم إلا حباً.
قلت: يا رب، ومن الصديق الأكبر؟!
قال: أخوك علي بن أبي طالب"(1) .
ويبدو لنا: أن هذا قد حصل في معراج آخر لرسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وقد حصل بعد الهجرة بسنوات.
وقد أكد أمير المؤمنين في روايات كثيرة صحيحة، وكذلك النبي الكريم(صلىاللهعليهوآله) على أنه(عليهالسلام) وحده الصديق، وأن لا صحة لما يقال أنه أبوبكر.. وقد ذكرنا طائفة من هذه الأحاديث ومصادرها الكثيرة في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم( صلىاللهعليهوآله) (2) .
____________
1- مسند شمس الأخبار للقرشي ج1 ص89 ومسند زيد بن علي ص405 والغدير ج2 ص313 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص200 وشرح الأخبار ج2 ص490.
2- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الرابعة) ج4 ص45 ـ 50 و (الطبعة الخامسة) ج4 ص228 ـ 233.
الفاروق علي(عليهالسلام) أيضاً:
وقد ذكرت الأخبار أيضاً: أن علياً(عليهالسلام) هو فاروق هذه الأمة(1) ، وأما عمر بن الخطاب، فأهل الكتاب هم الذين سموه بالفاروق(2) .
____________
1- راجع: المصدر السابق.
2- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الرابعة) ج3 ص177 و (الطبعة الخامسة) ج3 ص306.
الفصل الرابع : تضحيات علي(عليهالسلام) في شعب أبي طالب
علي(عليهالسلام) في شعب أبي طالب:
وحين اشتد الأمر، وصعَّدت قريش من تحديها لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) وبني هاشم، وقطعت عنهم الأسواق، بهدف قطع الأرزاق، فلا يتركون لهم طعاماً يقدم مكة، ولابيعاً إلا بادروهم إليه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم الرسول( صلىاللهعليهوآله) (1) .
وكانوا يتهددون من يبيعهم شيئاً بنهب أمواله، أو بمقاطعة تجارته.
نعم حين بلغت الأمور إلى هذا الحد، أمر أبو طالب(عليهالسلام) بني هاشم وبني عبد المطلب بدخول الشعب المعروف بشعب أبي طالب، وذلك في سنة سبع، حفظاً لهم من أن يتعرضوا لأي تحدٍ خطير يدفع بالأمور إلى حد الكارثة.
ووضعت قريش عليهم الرقباء حتى لا يأتيهم أحد بطعام. وكان المسلمون ينفقون من أموال خديجة، وأبي طالب، حتى نفدت، أو نفذ منها ما كان يمكنهم
____________
1- البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص105 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص44 والنزاع والتخاصم ص67 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص58.
صرفه في هذه الأحوال، حتى اضطروا إلى أن يقتاتوا بورق الشجر..
وكان صبيانهم يتضورون جوعاً.
وقد استمرت هذه المحنة سنتين أو ثلاثاً.
وكان علي أمير المؤمنين أثناءها يأتيهم بالطعام سراً من مكة، من حيث يمكن، ولو أنهم ظفروا به لم يبقوا عليه، كما يقول الاسكافي وغيره(1) .
وكان أبو طالب رضوان الله تعالى عليه كثيراً ما يخاف على النبي(صلىاللهعليهوآله) البيات (أي أن يغتاله المشركون ليلاً) فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم، اضطجع النبي(صلىاللهعليهوآله) على فراشه حتى يرى ذلك جميع من في الشعب، فإذا نام الناس جاء فأقامه، وأضجع ابنه علياً مكانه(2) .
فقال له علي(عليهالسلام) ليلة: يا أبت إني مقتول..
فقال له:
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص256 والعثمانية للجاحظ ص320.
2- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص64 وج13 ص256 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص275 وتيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب ص49 والبداية والنهاية ج3 ص84 وراجع: الغدير ج7 ص357 و 358 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص64 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص140 و 141 والسيرة الحلبية ج1 ص342 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص44 ودلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص312.
اصـبرن يـا بني فالصبر أحجى كل حي مصيره لشعوبِ
قد بذلناك والبلاء شديد لفداء الحبيب وابن الحبيب
لفداء الأغر ذي الحسب الثا قب، والباع والكريم النجيب
إن تصبك المنون فالنبل تبرى فمصيب منها وغير مصيب
كل حي وإن تملى بعمرٍ آخـذ مـن مـذاقها بنصيب
فأجابه علي(عليهالسلام) بقوله:
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد ووالله ما قلت الذي قلت جازعا
ولكنني أحببت أن ترى (رؤية) نصرتي وتعلم أني لم أزل لك طائعا
سأسعى لوجه الله في نصر أحمد نبي الهدى المحمود طفلاً ويافعا(1)
وقال(عليهالسلام) بعد ذلك:
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص64 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص64 و 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص59 وأسنى المطالب ص21 والفصول المختارة ص58 والصراط المستقيم ج1 ص176 وبحار الأنوار ج35 ص93 وج36 ص46 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص61 والغدير ج7 ص357 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص557 والدرجات الرفيعة ص42 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص275 وإيمان أبي طالب للأميني ص39.
وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجْرِ
رسول إله الخلق إذ مكروا به فنجاه ذو الطول الكريم من المكر
وبت أراعيهم متى يثبتونني وقد صبرت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في الشعب آمناً وذلك في حفظ الإله وفي ستر
أردت به نصر الإله تبتلاً وأضمرته حتى أوسد في قبري(1)
مقارنة حديث الشعب بليلة الغار:
وقد وصف الاسكافي حال علي(عليهالسلام) في الشعب، قياساً له على حال أبي بكر في الغار بقوله:
"وعلي يقاسي الغمرات، ويكابد الأهوال، ويجوع ويظمأ، ويتوقع القتل صباحاً ومساءً، لأنه كان هو المتوصل المحتال في إحضار قوت زهيد من شيوخ قريش وعقلائها سراً، ليقيم به رمق رسول الله(صلىاللهعليهوآله) وبني هاشم، وهم في الحصار.
ولا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بالقتل، كأبي جهل بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وغيرهم من فراعنة قريش وجبابرتها.
____________
1- بحار الأنوار ج34 ص413 وج36 ص46 وراجع: ج38 ص292 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص235 ونهج الإيمان لابن جبر ص309 وشجرة طوبى ج2 ص237 والفصول المختارة ص59.
ولقد كان يجيع نفسه ويطعم رسول الله(صلىاللهعليهوآله) زاده، ويظمئ نفسه ويسقيه ماءه، وهو كان المعلل له إذا مرض، والمؤنس له إذا استوحش، وأبو بكر في نجوة من ذلك، لا يمسه مما يمسهم ألم، ولم يلحقه مما يلحقهم مشقة، ولا يعلم بشيء من أخبارهم وأحوالهم إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ثلاث سنين إلخ"(1) ..
ونحن لا ندري مدى صحة ما يقوله الاسكافي، من أن شيوخ قريش وعقلاءَها كانوا يرسلون الطعام إلى المحاصرين في الشعب، ولعل الأرجح هو أنه(عليهالسلام) كان يبذل لهم الأموال ويشتري به الطعام.. ولعله كان يعطي أموالاً طائلة ثمناً للقليل منه..
ولم يكن النبي(صلىاللهعليهوآله) ولا أبو طالب، ولا علي(عليهالسلام) بالذين يقبلون منّة أحد من الكافرين عليهم، كما دلت عليه النصوص..
فضيلة لعلي(عليهالسلام) تستلب منه:
وكما حاولوا أن يثيروا غبار التشكيك حول تفرد علي(عليهالسلام) بالولادة في جوف الكعبة، بادعاء ذلك لحكيم بن حزام.. فقد حاولوا منح ابن حزام نفسه أيضاً فضيلة أخرى في سياق التقليل من أهمية جهاد علي(عليهالسلام) وتضحياته في شعب أبي طالب.
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص256 والعثمانية للجاحظ ص320.
فقد زعموا: أن ابن حزام كان يرسل الطعام سراً إلى المسلمين في شعب أبي طالب(1) .
ونقول:
إننا نجزم بعدم صحة ذلك، فأولاً: إن ابن حزام كان أحد الذين انتدبتهم قريش لقتل رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة(2) ، فرد
____________
1- السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص379 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج1 ص236 والبداية والنهاية ج3 ص109 وج8 ص74 وتاريـخ الأمـم والملـوك ج2 ص74 = = وعيون الأثر ج1 ص167 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص50 والكامل في التاريخ ج2 ص88 وسيرة ابن إسحاق ج2 ص142 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص223 وج4 ص198 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص378 والسيرة الحلبية ج2 ص34 ومستدركات علم رجال الحديث ج3 ص246 وخزانة الأدب ج3 ص77 وبحار الأنـوار ج19 ص19 وشرح نهـج البـلاغـة للمعتزلي ج14 ص59 والدرجـات الرفيعة ص46 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج15 ص104 وتهذيب الكمال ج7 ص179 وسير أعلام النبلاء ج3 ص47 وإمتاع الأسماع ج1 ص44.
2- بحار الأنوار ج19ص31 وراجع ص230 ومجمع البيان ج4 ص537 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج4 ص458 وراجع: الإتقان في علوم القرآن ج2 ص399 وتفسير السمرقندي ج2 ص20 وأسباب نزول الآيات للنيسابوري ص159 وتفسير السمعاني ج2 ص264 وتفسير البغوي ج2 ص247 وزاد المسير ج3 ص241 وتفسير الآلوسي ج9 ص204.
الله كيدهم إلى نحورهم بمبيت علي(عليهالسلام) على فراش رسول الله(صلىاللهعليهوآله) تلك الليلة.
وكان حكيم أيضاً يحتكر جميع الطعام الذي يأتي إلى المدينة في عهد الرسول ( صلىاللهعليهوآله)، وكان للنبي(صلىاللهعليهوآله) موقف إدانة منه(1) .
وهو أيضاً من المؤلفة قلوبهم(2) ، مما يعني: أنه لم يكن صحيح الإيمان، وأن ريبه قد استمر إلى أواخر حياة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) .
____________
1- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج17 ص428 و (ط دار الإسلامية) ج12 ص316 والكافي ج5 ص165 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص266 والإستبصار ج3 ص115 وتهذيب الأحكام ج7 ص160 ومستدرك الوسائل ج13 ص276 ودعائم الإسلام ج2 ص35 والتوحيد للصدوق ص389 ونور البراهين للجزائري ج2 ص369 وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص71.
2- نسب قريش ص231 والإصابة ج1 ص349 و (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص97 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص320 و (ط دار الجيل) ج1 ص362 ومجمع الزوائد ج6 ص188 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص186 والإكمال في أسماء الرجال ص49 وتاريخ مدينة دمشق ج15 ص96 وأسد الغابة ج2 ص40 وتهذيب الكمال ج7 ص172 وتهذيب التهذيب ج2 ص384 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص197 والوافي بالوفيات ج13 ص80
ثانياً: يدل على بوار هذا الإدعاء: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) لم يكن يقبل أن يكون لفاجر أو فاسق عنده يداً ولا نعمة (منة)(1) ، وقد رد هدية حكيم بن حزام بالذات(2) ، كما رد هدية غيره.
____________
1- راجع: النصائح الكافية ص156 وراجع: من لا يحضره الفقيه (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج3 ص299 و (الطبعة الثانية) ج3 ص335 وبحار الأنوار ج83 ص186 وسنن النبي للطباطبائي ص378 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص432 = = وكنز العمال ج2 ص211 والجامع لأحكام القرآن ج17 ص308 وأبو طالب مؤمن قريش للخنيزي، وتذكرة الموضوعات ص68 و 184 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص353 والدر المنثور ج6 ص186 و 187 وفيض القدير ج6 ص462 وكشف الخفاء ج1 ص89 و 331 ج2 ص321 والتفسير الكبير للرازي ج29 ص277 وتفسير الآلوسي ج28 ص35 ومنتقى الجمان ج2 ص263 والنصائح الكافية ص156.
2- راجع: مسند أحمد ج3 ص402 ومجمع الزوائد ج4 ص151 وعمدة القاري ج13 ص168 وتحفة الأحوذي ج5 ص165 وفيض القدير ج2 ص697 وتاريخ مدينة دمشق ج15 ص100 وإمتاع الأسماع ج6 ص398 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص30 والمستدرك للحاكم ج3 ص484 وتلخيصه للذهبي، بهامش نفس الصفحة، وصححاه. وحياة الصحابة ج2 ص258 و 259 و 260 وكنز العمال ج6 ص57 و 59 عن أحمد والطبراني، والحاكم، وسعيد بن منصور، والتراتيب الإدارية ج2 ص86.
وكان(صلىاللهعليهوآله) يرد هدية المشرك المحارب، أما غيره، فكان يقبل هديته، حتى لو كان مشركاً(1) . والمقصود بغير المحارب الموادع الذي لا يمتن بهديته.
وأما حكيم بن حزام فقد بقي على صفة كونه محارباً إلى أواخر حياة رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وواضح أنه كان من المؤلفة قلوبهم، يمن بهديته، ويتوقع المكافأة عليها.
ثالثاً: ان من يكون من أهل الأطماع إلى حد أن يحتكر الطعام في المدينة، ويحرم منه الناس بما فيهم الأطفال والنساء، طمعاً في حفنة من المال، لا يتوقع منه السعي لدفع غائلة حاجة المحاصرين في الشعب، على سبيل التكرم، أو بدافع العاطفة الإنسانية، وإنما هو يفعل ذلك طمعاً بالمال الوفير، حيث يرى أنهم كانوا على استعداد لبذل أعظم الأثمان في هذا السبيل، فلعله كان ينتهز الفرصة ويبيعهم الطعام، وربما بأغلى الأثمان.
حمية الدين هي الأقوى:
يحاول البعض أن يثير الشكوك حول إيمان أبي طالب: فيواجهه حديث الحصار في الشعب، وأن أبا طالب كان ينيم ولده على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) ليفدي به رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .
فيحاول التملص والتخلص منه، بادعاء: أنه "رحمهالله " كان يفعل
____________
1- الروض الأنف ج4 ص196 وراجع: فيض القدير ج2 ص697.
ذلك بدافع من حبه الطبيعي لابن أخيه(1) .
وربما تجد من يدعي: أن حمية النسب والعصبية والقبلية، أو الكبرياء إلى حدّ العناد، أو التوثب للشهرة وخلود الذكر، هو الذي كان يدعو أبا طالب إلى أن يفدي ابن أخيه بولده..
ونقول:
ألف: بالنسبة للعاطفة النسبية والحب الطبيعي والحمية القبلية نقول:
1ـ إن العاطفة النسبية نحو الولد والحب الطبيعي له أشد وأقوى نحو ابن الأخ، فالمفروض أن يكون موقفه(عليهالسلام) على عكس ما كان عليه..
2ـ لو صح قولهم في ذلك لدعت العاطفة النسبية أبا لهب وحبه الطبيعي لابن أخيه وحميته القبلية إلى نصرة النبي( صلىاللهعليهوآله) ، كما نصره أبو طالب، مع أن أبا لهب كان أشد الناس عليه، ولم تتحرك عاطفته ولا حميته، ولا حبه حتى على الأطفال الذين كانوا في الشعب يتضاغون جوعاً..
3ـ إنه لا شك في أن حمية الدين هي الأقوى، بدليل أن أهل الدين يضحون بأموالهم وبإخوانهم، وبأبنائهم، وبأنفسهم في سبيل دينهم. وقد استأذن عبد الله بن أبيّ رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بأن يقتل أباه، لأجل جرأته على رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ..
____________
1- تفسير االقرآن العظيم ج3 ص394.
وفي صفين لم يرجع الأخ عن قتل أخيه، حتى أذن له أمير المؤمنين(عليهالسلام) (1) .
ب: بالنسبة للعصبية القبلية، والكبرياء إلى حد العناد، وحمية النسب، والطمع بتبوُّء مقام الكرامة، والإشتهار بالنبوة، نقول:
1 ـ إنما تكون هذه الأمور مؤثرة وفاعلة في صورة ما لو أمكن حفظ أساس الوجود، وفي حدود صيانة مصالح القبيلة، أو الأشخاص، أو من يتطلَّب منازل الكرامة والشهرة، أما لو كان ذلك من أسباب الدمار، والهلاك، وبوار المصالح، فإن أي عاقل يرضى بالتفريط بنفسه، وبولده، وعشيرته، وبكل مصالحه ومصالحهم، وينتهي به الأمر إلى حد الموت جوعاً، أو بحد السيف، في سبيل شيء تشير الدلائل كلها إلى أن حصوله عليه ضرب من الخيال، وفي مستوى الوهم، الذي لا يهتم له أي من عقلاء البشر..
2 ـ إن ذلك لو امكن وصح حصوله بالنسبة لواحد من الناس، بسبب عقدة نقص يعاني منها، فإنه لا يصح بالنسبة لغيره ممن لم يكونوا من قبيلة ولا من أقارب ذلك النبي، وكانوا يتعرضون لأقسى أنواع القهر والعذاب حتى الموت، من أمثال سمية وياسر والدي عمار وغيرهما من المعذبين في
____________
1- صفين للمنقري ص271 و 272 وبحار الأنوار ج32 ص475 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص251.
سبيل الله رضوان الله تعالى عليهما.
فأية شهرة، وأي مقام يطلبه هؤلاء، ولأية قبيلة يتعصبون وأية حمية نسب تدعوهم إلى تحمل ذلك كله، الذي بلغ بعضهم حد التضحية بأنفسهم؟!
وكيف يتوقعون لأنفسهم خلود الذكر في هذه الدنيا، وأي ذكر يطمع فيه عاقل يوازي أرواحهم التي يبذلونها، وآلامهم التي يقاسونها؟!
والحقيقة هي: أن السبب الحقيقي الكامن وراء اطلاق كل هذه الترهات هو العناد للحق إلى حد السفه، الناشئ عن كراهة الإعتراف به، وإن كانت كل الوقائع تلهج به، وتفصح عنه، وتدل عليه، أو تشير إليه..
فليبوؤا بخزي الإفتضاح وهم الصغار في أنفسهم في الحياة الدنيا، وبالعذاب الأليم الذي أعده الله تعالى للذين آذوا الله ورسله وأولياءه في الآخرة، بسعيهم إلى إطفاء نور الله، وطمس جهود وجهاد الأنبياء والأولياء بزخرف القول، وعوار الكلم، والله متم نوره ولو كره الكافرون، والمشركون، والحاقدون، والمنافقون.
3ـ ونقول أخيراً: إن هذا الرضا والتسليم ثم الإصرار والتصميم الذي نشاهده لدى علي(عليهالسلام) على تحقيق السلامة لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) بقيمة تعريض نفسه للأخطار الهائلة، أمر مدهش ومثير.. لولا اننا نعلم: أن الله سبحانه قد امتحن قلب هذا الشاب للإيمان، وأودعه أقدس الاسرار، وحباه بمنازل الكرامة والزلفى، دون جميع الخلق..
الفصل الخامس: وفاة أبي طالب.. ووفاء علي(عليهالسلام)
علي(عليهالسلام) في وفاة أبيه:
قال المعتزلي: "إن أبا طالب لما مات جاء علي(عليهالسلام) إلى رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، فآذنه بموته، فتوجع عظيماً، وحزن شديداً، ثم قال: امض، فتولّ أمره وتولّ غسله، وتحنيطه وتكفينه، فاذا رفعته على سريره فأعلمني إلخ.."(1) .
____________
1- تفسير علي بن ابراهيم ج1 ص380 والأمالي للصدوق ص330 والفصول المختارة ص228 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص265 وبحار الأنوار ج35 ص68 و 151 والدرجات الرفيعة ص61 وضياء العالمين، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص76 و81 وتذكرة الخواص ص8 والسيرة الحلبية ج1 ص147 والمصنف ج6 ص38 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص87 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص35 والطبقات الكبرى لابن سعدج1 ص78 وتاريخ بغداد للخطيب ج3 ص126 وج13 ص196 والبداية والنهاية لابن كثير ج3 ص125 والطرائف لابن طاووس ص305 عن الحنبلي في نهاية الطلب، والتعظيم المنة ص7 ولسان الميزان ج1 ص41 والإصابة ج4 ص116 والغدير ج7 ص372 و 374 ـ 375 عمن ذكر، وعن: شرح شواهد المغني للسيوطي = = ص136 وأعلام النبوة للماوردي ص77 وبدايع الصنايع ج1 ص283 وعمدة القاري ج3 ص435 وأسنى المطالب ص15 و 21 و 35 وطلبة الطالب ص43 ودلائل النبوة للبيهقي والبرزنجي، وابن خزيمة، وأبو داود، وابن عساكر.
ففعل، فاعترضه رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وهو محمول على رؤوس الرجال، وقال ـ برقة وحزن وكآبة ـ: وصلتك رحم يا عم (أو وصلت رحما) وجزيت خيراً يا عم، فقد ربيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً.
ثم تبعه إلى حفرته، فوقف عليه فقال: أما والله لأستغفرن لك، ولأشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان(1) .
لماذا لم يأمر النبي(صلىاللهعليهوآله) بالصلاة عليه؟!:
قالوا:
وإنما لم يأمر النبي(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) بالصلاة على أبي طالب(عليهالسلام) ، لأن صلاة الجنازة لم تكن فرضت بعد.
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج35 ص125و 163 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص76 والإصابة (ط مصر سنة 1325 هـ) ج7 ص113 وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج2 ص557 والغدير ج7 ص386 والدرجات الرفيعة لابن معصوم ص62.
ولأجل ذلك قالوا: إن النبي الأكرم(صلىاللهعليهوآله) لم يصل على خديجة "سلام الله عليها" حينما توفيت، مع أنها سيدة نساء العالمين في زمانها، وإن كانت السيدة الزهراء(عليهاالسلام) سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين..
وقد فصلت ذلك الرواية التي رواها علي بن ميثم، عن أبيه عن جده: أنه سمع علياً(عليهالسلام) يقول: تبع أبو طالب عبد المطلب في كل أحواله حتى خرج من الدنيا وهو على ملته، وأوصاني أن أدفنه في قبره، فأخبرت رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بذلك، فقال: اذهب فواره، وانفذ لما أمرك به.
فغسلته، وكفنته، وحملته إلى الحجون، ونبشت قبر عبد المطلب، فرفعت الصفيح عن لحده، فإذا هو موجه إلى القبلة، فحمدت الله تعالى على ذلك، ووجهت الشيخ، وأطبقت الصفيح عليهما، فأنا وصي الأوصياء، وورثت خير الأنبياء.
قال ميثم: والله ما عَبَدَ علي، ولا عَبَدَ أحد من آبائه غير الله تعالى، إلى أن توفاهم الله تعالى(1) .
علي(عليهالسلام) والإستغفار لأبي طالب(عليهالسلام) :
سيأتي قول الشريف النسابة العلوي، المعروف بالموضح: أنه لما مات أبو
____________
1- سفينة البحار ج5 ص321.
طالب وشيع حمزة وجعفر(1) ، وعلي(عليهمالسلام)، جنازته، واستغفروا له.
قال قوم: نحن نستغفر لموتانا وأقاربنا المشركين أيضاً ـ ظناً منهم أن أبا طالب مات مشركاً؛ لأنه كان يكتم إيمانه.
فمن قال بكفر أبي طالب(عليهالسلام) ، فقد حكم على النبي بالخطأ، والله تعالى قد نزهه عنه في أقواله وأفعاله الخ..(2) .
وروي بسند صحيح ـ كما يقول الأميني ـ أن علياً(عليهالسلام) : سمع رجلاً يستغفر لأبويه، وهما مشركان؛ فذكر الإمام علي(عليهالسلام) ذلك للنبي( صلىاللهعليهوآله) ، فنزلت آية النهي عن الاستغفار للمشركين(3) .
وفي أخرى: أن المسلمين قالوا: ألا نستغفر لآبائنا؟! فنزلت(4) .
أما الرواية التي تقول: أن الآية نزلت حين استأذن(صلىاللهعليهوآله) الله تعالى في الاستغفار لأمه، فلم يأذن له، ونزلت الآية، فسأله أن
____________
1- لقد كان جعفر بالحبشة، فإما أن يكون قد جاء في زيارة قصيرة ثم رجع. وإما أن يكون الراوي ذكره من عند نفسه، سهواً أو عمداً.
2- الغدير ج7 ص399 عن كتاب الحجة لابن معد ص68.
3- الغدير ج8 ص12 ومصادر أخرى ستأتي إن شاء الله تعالى.
4- مجمع البيان ج5 ص76 عن الحسن، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج2 ص393 وأبو طالب مؤمن قريش ص348 عنهما، وعن الأعيان ج39 ص158 و 159 عن ابن عباس والحسن، والكشاف ج2 ص246.
يزور قبرها، فأذن له(1) .
فلا يصح الأستدلال بها على ما نحن بصدده، ولا على غيره، لأننا أثبتنا أن أباء النبي(صلىاللهعليهوآله) كانوا من المؤمنين، فلا تصح دعوى نهي الله تعالى نبيه عن الإستغفار لأمه.
وفي جميع الأحوال نقول:
لا مجال لما يدعونه من أن الآية المذكورة قد نزلت في أبي طالب، خصوصاً إذا أضيف إليه ما قدمناه من شواهد وأدلة على إيمان شيخ الأبطح، وأضيف إليه أيضاً أن الآية بصدد نهي طائفة من المؤمنين الاستغفار لأقاربهم من أهل الشرك.
ويكون ذكر النبي(صلىاللهعليهوآله) في جملتهم في الآية الشريفة نظير قوله تعالى:( لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ
____________
1- جامع البيان للطبري ج11 ص31 والدر المنثور ج3 ص283 وإرشاد الساري ج7 ص282 و 158 عن مسلم في صحيحه، وتفسير القرآن العظيم ج2 ص394 وأحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والكشاف ج2 ص49 وأبو طالب مؤمن قريش ص349. وراجع: تفسير الثعلبي ج5 ص100 وتفسير البغوي ج2 ص331 والغدير ج8 ص13 وفتح الباري ج8 ص390 والمحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي ج3 ص90 وتفسير العز بن عبد السلام ج2 ص54 والعجاب في بيان الأسباب ج1 ص370 وإيمان أبي طالب ص123 و 124.
اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (1) فإنه من أجل طمأنتهم، وتأنيسهم، والرفق بهم، والمداراة لهم، لا لأنه(صلىاللهعليهوآله) كان يفعل كفعلهم، فإن النبي(صلىاللهعليهوآله) لم يكن ليقدم على أمر حتى يعرف رضا الله به، ويستأذنه سبحانه وتعالى فيه.
أبو طالب(عليهالسلام) الشيخ المهتدي:
وزعموا أيضاً: أنه لما توفي أبو طالب، جاء علي(عليهالسلام) إلى النبي( صلىاللهعليهوآله) ، وقال له: إن عمك الشيخ الضال قد توفي(2) .
____________
1- الآية 117 من سورة التوبة.
2- المصنف للصنعاني ج6 ص39 والمصنف لابن أبي شيبة ج3 ص155 وج7 ص499 والسنن الكبرى للنسائي ج1 ص107 و 647 وج5 ص151 والمغني لابن قدامة ج2 ص401 وتلخيص الحبير ج5 ص149 وسنن أبي داود ج2 ص83 وسنن النسائي ج4 ص79 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص398 وفتح الباري ج7 ص148 وتحفة الأحوذي ج4 ص61 والشرح الكبير لابن قدامة ج2 ص315 وخصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص36 و 127 ومسند أبي يعلى ج1 ص335 وتنقيح التحقيق للذهبي ج1 ص307 ونصب الراية ج2 ص333 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص236 وكنز العمال ج13 ص119 وج14 ص36 و 37 وفيض القدير ج3 ص89 وأحكام القرآن لابن العربي ج2 ص87 والجامع لأحكام القرآن ج6 ص143 وتفسير القرآن = = العظيم ج2 ص409 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص124 والكامل لابن عدي ج2 ص326 وعلل الدارقطني ج4 ص146 وتاريخ مدينة دمشق ج66 ص335 وسير أعلام النبلاء ج7 ص385 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص234 والبداية والنهاية ج3 ص154 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص129 والسيرة الحلبية ج2 ص47.
بل في رواية: أن الإمام علياً(عليهالسلام) رفض ما أمره به النبي(صلىاللهعليهوآله) من تغسيله، ودفنه، فطلب من غيره أن يتولى ذلك(1) .
ونقول:
أولاً: قد روى أحمد في مسنده والبلاذري وغيرهما هذه الرواية، وفيها: إن عمك الشيخ قد توفي، من دون ذكر كلمة "الضال"(2) . فلماذا هذا الدس في الرواية؟!
ثانياً: إن نفس أن يخاطب علي(عليهالسلام) رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بهذه الطريقة: "إن عمك الشيخ الضال.. الخ.." لهو أمر لا ينسجم
____________
1- المصنف للصنعاني ج6 ص39 وراجع: كنز العمال (ط الهند) ج17 ص32 و 33 ونصب الراية ج2 ص281 و 282 وفي هامشه عن عدد من المصادر.
2- مسند الإمام أحمد ج1 ص103 و 129 ـ 130 والسنن الكبرى للبيهقي ج1 ص304 ومسند أبي يعلى ج1 ص335 ح424 والمعجم الأوسط للطبراني ج6 ص251 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص24 وفيه: أنه أمره هو فواراه.
مع أدب الخطاب مع الرسول، في الوقت الذي كان يمكن له أن يقول: إن أبي الشيخ "الضال" قد توفي.
ولا يمكن أن يحتمل أحد أن يصدر من علي(عليهالسلام) ما ينافي الآداب مع رسول الله(صلىاللهعليهوآله) أو مع غيره.
ثالثاً: لو لم يكن أبو طالب مؤمناً فلماذا يأمره بتغسيله؟! فهل يغسل الكافر؟!
رابعاً: ماذا يصنع هؤلاء بما ورد في كثير من المصادر، من أن الإمام علياً(عليهالسلام) هو الذي تولى تغسيل أبي طالب ودفنه، واغتسل بعد تغسيله إياه غسل المس الواجب على من مس أي ميت مسلم؟!(1) .
خامساً: هناك عشرات الأدلة والشواهد على ايمان ابي طالب "صلوات الله وسلامه عليه ".
سادساً: إن الأحاديث تصرح بأنه(صلىاللهعليهوآله) قد حزن على
____________
1- تاريخ الخميس ج1 ص301 وراجع: تذكرة الفقهاء (ط.ج) ج2 ص133 و (ط.ق) ج1 ص59 والسنن الكبرى للبيهقي ج1 ص304 و 305 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص76 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص122 و (ط قم سنة 1410هـ) ص265 وشرح الأخبار ج2 ص557 وإيمان أبي طالب للمفيد ص25 وبحار الأنوار ج22 ص260 و 261 وج23 ص125 و 163 والغدير ج7 ص386 والدرجات الرفيعة ص61 وإعلام الورى ج1 ص282 وإيمان أبي طالب للأميني ص77.
أبي طالب، وترحم عليه، ودعا له، وعارض جنازته، ومشى فيها.. وو إلخ.. وهي تنافي هذا الحديث الذي يصف أبا طالب بالضال.
رثاء علي(عليهالسلام) لأبي طالب:
وقد رثى علي(عليهالسلام) أبا طالب بقوله:
أبا طالب عصمة المستجير وغيث المحول، ونور الظلم
لقد هد فقدك أهل الحفاظ فصـلى عـليك ولي النعم
ولَــقَّاكَ ربُكَ رِضوانَهُ فقد كنتَ لِلمصطفَى خَيرَ عَمّ(1)
ورثاه(عليهالسلام) أيضاً بقوله:
أرقت لطير آخر الليل غردا يذكرني شجوا عظيما مجددا
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى جواداً إذا ما أصدر الأمر أوردا
فأمست قريش يفرحون بموته ولست أرى حيا يكون مخلدا
أرادوا أمورا زينتها حلومهم ستوردهم يوما من الغي موردا
ويرجون تكذيب النبي وقتله وأن يُفترى قدما عليه ويُجحدا
____________
1- بحار الأنوار ج35 ص114 والغدير ج3 ص106 وج7 ص379 و 388 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص459 وج6 ص558 والدر النظيم ص219 والكنى والألقاب ج1 ص110 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص122 وتذكرة الخواص ص9 وإيمان أبي طالب للأميني ص67 و 80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص229.
كذبتم وبيتِ الله حتى نذيقكم صدور العوالي والحسام المهندا
فإما تبيدونا وإما نبيدكم وإما تروا سلم العشيرة أرشدا
وإلا فإن الحي دون محمد بني هاشم خير البرية محتدا
وهذه الأبيات توجد في الديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين(عليهالسلام) مع تغيير يسير وزيادة، وإليك نصها:
أرقت لنوح (لطيرٍ) آخر الليل غردا يذكرني شجوا عظيما مجددا
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى وذا الحلم لا خلفا ولم يك قعددا
أخا الملك خلى ثلمة سيسدها بنو هاشم أو يستباح فيهمدا
فأمست قريش يفرحون بفقده ولست أرى حيا لشئ مخلدا
أرادت أمورا زينتها حلومهم ستوردهم يوما من الغي موردا
ويرجون تكذيب النبي وقتله وأن يفتروا بهتا عليه ويجحدا
كذبتم وبيتِ الله حتى نذيقكم صدور العوالي والصفيح المهندا
ويبدو منا منظر ذو كريهة إذا ما تسربلنا الحديد المسردا
فإما تبيدونا وإما نبيدكم وإما تروا سلم العشيرة أرشدا
وإلا فإن الحي دون محمد بنو هاشم خير البرية محتدا
وإن له فيكم من الله ناصرا ولست بلاق صاحب الله أوحدا
نبي أتى من كل وحي بحظه فسماه ربي في الكتاب محمدا
أغر كضوء البدر صورة وجهه جلا الغيم عنه ضوءه فتوقدا
أمين على مـا استـودع الله قلبـه وإن كان قولا كان فيه مسددا(1)
ونقول:
إن هذا الرثاء تضمن ما يلي:
1ـ الإشادة بخصال امتاز بها أبو طالب(عليهالسلام) ، ومنها جوده، وحصافة رأيه، وحسن تدبيره، وإيوائه للصعاليك والضعفة، واعتصام المستجيرين به. وهو يغيث الناس بعطاياه في أوقات العُدْم والمحل.
2 ـ إنه علم من أعلام الهداية، ونور للناس في الظلمات.
3 ـ إن فقد أبي طالب قد هدّ أهل الحفاظ.
4 ـ إنه يصلي على أبي طالب، ويطلب له رضوان الله..
5 ـ إنه يعبر عن عظيم حزنه لفقد أبي طالب.
6 ـ إن موته قد ترك ثلمة عظيمة، لا يسدها إلا قبيلة بني هاشم بأسرها.
____________
1- الغدير ج7 ص379 و 380 عن ديوان أمير المؤمنين، وعن ابن أبي الحديد. يضاف إلى ذلك ـ مع بعض الإختلاف ـ: تذكرة الخواص ج1 ص149 و 150 وترجمة أبي طالب من تاريخ دمشق ج66 ص344 وديوان الإمام علي (ط بيروت) ص69 70 وسيرة ابن إسحاق ص239. وراجع: حلية الأبرار ج1 ص105 وبحار الأنوار ج35 ص142 وتاريخ مدينة دمشق ج66 ص344 وإيمان أبي طالب للأميني ص67 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص229.
7 ـ إن قريشاً قد فرحت بموت هذا الطود الشامخ، مع أن من يشمت بموت الآخرين لا يمكنه أن يضمن الخلود لنفسه، وهذا يدل على عدم صحة الشماتة بالموت، لأنه سيحل بالشامت أيضاً كما حلّ بغيره..
8 ـ إنه يقرر أن من الخطأ الفادح الإقدام على أمور من دون النظر إلى عواقبها، وهذا ما وقعت فيه قريش، وليس من شيمة العقلاء الوقوع في مثل ذلك..
9 ـ لقد بين(عليهالسلام) أن الصراع مع قريش صراع مصير ووجود.. إلا إذا تراجعت قريش عن موقفها الظاهر، وأقرَّت بأن السلم مع العشيرة هو الأقرب إلى الرشد والعقل.
10 ـ إن ناصر النبي(صلىاللهعليهوآله) على المعاندين من قريش هو الله سبحانه، فلا يظنن أحد أن النبي(صلىاللهعليهوآله) لا ناصر له. فإن من كان الله معه لا يفقد شيئاً، ومن لم يكن الله معه، فلا شيء معه ينفعه.
11 ـ ثم إنه(عليهالسلام) يصف النبي الأكرم(صلىاللهعليهوآله) بصفات ظاهرية وباطنية، ويقول: إن صورة وجهه كضوء البدر، حين يجلو ضوؤه الغيم، فيبدوا متوقداً.
ويصفه بأنه أغرّ: أي كريم الأفعال واضحها، أو الأبيض من كل شيء(1) .
12 ـ ثم يصفه بما لا بد لهم من الإقرار به، وبما يقودهم إلى الإيمان
____________
1- لسان العرب ج10 ص43 و (نشر أدب الحوزة ـ قم) ج5 ص14.
والتصديق بنبوته، وهو صفتان:
الأولى: إنه أمين على ما استودع الله قلبه، فلا يفرط في الأمانة، ولا يستهين بها.
الثانية: أنه مسدّد في أقواله، وهو تعبير آخر عن صدقه.
ومن الواضح: أن الصادق والأمين هما من ألقاب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) التي شاعت وذاعت وعرفت عنه منذ نشأته، ومن كان كذلك فلا بد من تصديقه فيما يقول، كما لا مجال لاتهامه بالتهاون فيما اؤتمن عليه، وبأنه زاد أو نقص، أو حرّف وتصرّف فيه..
في شعر أبي طالب علم كثير:
ورووا: "أن علياً(عليهالسلام) كان يعجبه أن يُروى شعر أبي طالب(عليهالسلام) ، وأن يدوَّن، وقال: تعلّموه، وعلموه أولادكم، فإنه كان على دين الله، وفيه علم كثير"(1) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج35 ص115 والكنى والألقاب ج1 ص109 والغدير ج7 ص393 و 394 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج17 ص331 و (ط دار الإسلامية) ج12 ص248 ومستدرك الوسائل ج15 ص166 وجامع أحاديث الشيعة ج17 ص255 وج21 ص408 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص436 وج6 ص558 والكنى والألقاب ج1 ص109 وإيمان أبي طالب ص88 والحجة على الذاهب الى تكفير أبي طالب ص130 وضياء العالمين.
ونقول:
في هذا النص العديد من اللمحات والدلالات، ومنها:
1 ـ إن الله تعالى حين ذم الشعراء، فإنما ذم منهم اولئك الذين يتجاوزون الواقع، ليعيشوا في خضم الأوهام، حيث يتنكبون سبيل الهداية، ليهيموا على وجوههم، دون أن يكون لديهم روادع عن الدخول في أي وادٍ كان..
وليس هذا هو ديدن العقلاء، فإنهم لا يدخلون في شيء إلا بعد معرفة وجوه الصلاح والفساد فيه، ويعلمون ما ينتهي إليه أمرهم..
2 ـ أما شعر أبي طالب، ففيه علم كثير، أي أن فيه الكثير من الحقائق والمعايير والضوابط التي تزيد من حصانة الإنسان ضد الجهالات، وتصونه من الوقوع في الخطأ، وتعصمه عن الضلالات.. وتعطيه المزيد من الوضوح في كل سبيل يختار السلوك فيه.
3 ـ ولأجل ذلك كان علي(عليهالسلام) يحب نشر هذا الشعر وإشاعته، من حيث أنه يحب نشر العلم، ليتكامل به الناس، وليكون عوناً لهم على حل مشاكلهم، وتذليل صعوبات الحياة لهم، لأنه(عليهالسلام) يحب للناس الخير والصلاح، والهداية والفلاح، والسداد والنجاح.
4 ـ وبمقدار ما كان(عليهالسلام) يحب نشر هذا العلم، فإنه كان يحب الحفاظ عليه، وتمكين الأجيال الآتية منه، فكان(عليهالسلام) يحب لهذا
الشعر أن يُدَوَّن، لأنه(عليهالسلام) ثاقب النظر بعيد الهمة، يشعر بمسؤوليته عن الصلاح والإصلاح لحياة الناس، حتى الذين لم يولدوا بعد منهم، لأن بصلاحهم يصلح كل شيء يتعاطون معه حتى الماء والهواء، والشجر والحجر، والنبات، والجماد، والإنسان والحيوان، وما في البر والبحر، على قاعدة:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) (1) .
وهناك قاعدة أخرى في ضد ذلك يبينها الله تعالى بقوله:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) (2) .
5 ـ ما ذكرناه فيما سبق ينتج أن ثمة مسؤولية تقع على عاتق كل فردٍ من الناس، لا بد من التصدي لإنجازها.. وهي أن يتعلموا هذا العلم، لتنالهم بركاته، وليستفيدوا منه في صلاح أنفسهم، وإصلاح أمورهم وأحوالهم..
6 ـ هناك مسؤولية أخرى يتحملها الناس كلهم أيضاً فرداً فرداً، وهي تعليم هذا الشعر لأولادهم.. من حيث أن الإنسان بما له من عاطفة ورابطة طبيعية بأولاده، يندفع إلى تعليمهم وتربيتهم، وإيصال الخير لهم، وإصلاح أحوالهم، من موقع التعقل والروية ـ والحزم..
____________
1- الآية 96 من سورة الأعراف.
2- الآية 41 من سورة الروم.
وهو يسعى لمنعهم من كل ما يشينهم، وما يرى أنه مضر بهم، حتى لو كان هو لا يمتنع عنه. أي أنه يرضى الإضرار بنفسه، لكنه لا يرضاه لأولاده.. وتراه لا يسعى لتثقيف نفسه، لكنه يفرض على أبنائه أن يثقفوا أنفسهم، وهو لا يتعلم، ويبذل كل ما يملك ليعلمهم.
ولأجل ذلك وسواه يأمر علي(عليهالسلام) الناس بأن يتعلموا شعر أبي طالب، معللاً ذلك بأن فيه الكثير من العلم، والكثير من النفحات الإيمانية، وأن يعلموه أولادهم..
نقش خاتم أبي طالب:
عن الإمام الرضا(عليهالسلام) ـ وروي عن آبائه أيضاً بعدة طرق: أن نقش خاتم أبي طالب كان:
"رضيت بالله رباً، وبابن أخي محمد نبياً، وبابني علي له وصياً"(1) .
ونقول:
أولاً: يبدو أن أبا طالب قد علم بهذا الأمر، أعني بالنبي والوصي، وآمن به منذ ولادة أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، حيث قد رأى دلائل ذلك في أكثر من حادثة، وقد تقدم شيء من ذلك في بعض الفصول في أول هذا الكتاب. بل ان علائم النبوة وبشائرها، كانت ظاهرة في رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، يعرفها حتى الأحبار والرهبان فيه بمجرد رؤيتهم له "(صلىاللهعليهوآله) "،
____________
1- تفسير أبي الفتوح ج8 ص471 والدرجات الرفيعة ص60 ومحبوب القلوب ج2 ص219 والغدير ج7 ص395 وإيمان أبي طالب ص89.
فكيف بالأقربين اليه، كما ان أخبار قرب ظهوره(صلىاللهعليهوآله) كانت منتشرة وشائعة، كما أن دلائل امامة علي(عليهالسلام) كانت ظاهرة وخصوصاً للأقربين منذ ولادته(عليهالسلام) ، وقد مرت بنا بعض الروايات حول ذلك..
بل لعل الصحيح هو: أن أبا طالب قد علم به من خلال ما عرفه من الأسرار، حيث كان مستودعاً للوصايا، كما أشير إليه في بعض النصوص(1) .
ثانياً: نقل المعتزلي وغيره أن علي بن يحيى البطريق كان يقول عن مدائح أبي طالب(عليهالسلام) للنبي( صلىاللهعليهوآله) :
"لولا خاصة النبوة وسرها لما كان مثل أبي طالب، وهو شيخ قريش ورئيسها، وذو شرفها يمدح ابن أخيه محمداً، وهو شاب قد ربي في حجره، وهو يتيمه ومكفوله، وجار له مجرى أولاده بمثل قوله:
وتلقوا ربيع الأبطحين محمداً على ربوة في رأس عنقاء عيطل
وتأوي إليه هاشم إن هاشماً عرانين كعبٍ آخر بعد أول
ومثل قوله:
____________
1- راجع: الكافي ج1 ص445 وبحار الأنوار ج17 ص139 وج35 ص73 والغدير ج7 ص394 والتفسير الصافي ج4 ص96 والكنى والألقاب ج1 ص109 ومجمع البحرين ج1 ص461 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص50 وإيمان أبي طالب للأميني ص88.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل
فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابى من الناس، وإنما هو من مديح الملوك والعظماء.
فإذا تصورت أنه شعر أبي طالب، ذاك الشيخ المبجل العظيم في النبي محمد( صلىاللهعليهوآله) ، وهو شاب مستجير به، معتصم بظله من قريش، قد رباه في حجره غلاماً، وعلى عاتقه طفلاً، وبين يديه شاباً، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره، علمت موضع خاصية النبوة وسرها، وأن أمره كان عظيماً(1) .
وإنما ذكرنا كلام هذا الرجل بطوله هنا لكي نسوقه بعينه بحق أبي طالب في موقفه من ولده علي(عليهالسلام) .. فأبو طالب وهو شيخ قريش، وذو شرفها، والمبجل العظيم فيها، ينقش على خاتمه معلناً رضاه إبنَهُ علياً وصياً للنبي( صلىاللهعليهوآله) ، وهو ابنه الذي رباه في حجره غلاماً، وعلى عاتقه طفلاً، وبين يديه شاباً، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره، ويراه في جميع حالاته، ويرصده ويراه، ويرعاه في كل التفاصيل، وله عليه حق الأبوة، ومقام الرعاية، وفضيلة التنشئة والتربية...
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص63 وخصائص الوحي المبين ص45.
تضحيات علي(عليهالسلام) تضحيات أبي طالب:
وسيأتي في غزوة بدر ما ملخصه: أنه لما جرح عبيدة بن الحارث بن المطلب، وقال لرسول الله: أما لو كان عمك حياً لعلم أني أولى بما قال منه.
كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائل
فقال( صلىاللهعليهوآله) : أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة؟!
قال: يا رسول الله أسخطت علي في هذه الحالة؟!
قال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي، فانقبضت لذلك(1) .
ثم لم يلبث عبيدة أن استشهد، بسبب جراحته تلك، رضوان الله تعالى عليه.
ونقول:
قد ذكرنا هذه الواقعة في كتابنا الصحيح من سيرة النبي( صلىاللهعليهوآله) ، في غزوة بدر، فلا بأس بمراجعتها هناك.. غير أننا نحب أن نشير هنا إلى ما يلي:
____________
1- راجع: تفسير القمي ج1 ص265 وبحار الأنوار ج19 ص255 والصافي ج2 ص281 ونور الثقلين ج2 ص132.
أولاً: قد ظهر أن النبي(صلىاللهعليهوآله) يعتبر جهاد علي وجعفر (عليهماالسلام ) جهاداً لأبي طالب(عليهالسلام) نفسه، فإنهما ثمرة من ثمرات تربيته، ونور من أنوار حكمته، وإيمانه وقبس من تضحياته، وهو الذي كان يدفعهما للتضحية في سبيل هذا الدين، ويشجعهما على الإستقامة على طريق الحق والهدى، ويوفر لهما كل المناخات اللازمة لذلك..
ثانياً: إنه(صلىاللهعليهوآله) يشهد على صحة نوايا علي وجعفر (عليهماالسلام ) وبإخلاص علي(عليهالسلام) في تضحياته لله ولرسوله، فلا معنى لادعاء عمر بن الخطاب: أنه(عليهالسلام) كان يحسد أو يرائي في ما يظهره من زهد، وعبادة وتقوى(1) .
نور أبي طالب(عليهالسلام) :
سأل أحدهم الإمام علياً(عليهالسلام) في رحبة الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، إنك بالمكان الذي أنزلك الله، وأبوك معذب في النار؟!
فقال له: مه، فض الله فاك!! والذي بعث محمداً بالحق نبياً، لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله فيهم! أبي معذب في النار، وابنه قسيم الجنة والنار؟!
ثم قال: والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلق إلا خمسة أنوار: نور محمد، ونوري، ونور فاطمة، ونور الحسن والحسين، ومن ولدته من الأئمة، لأن نوره من نورنا الذي خلقه الله
____________
1- سيأتي الحديث عن ذلك إن شاء الله في فصل: عمر وخلافة علي "عليهالسلام ".
تعالى من قبل أن يخلق آدم بألفي عام(1) .
ونقول:
أولاً: ما معنى هذا التغيظ من أمير المؤمنين(عليهالسلام) على رجل لم يَزِد على أن طرح سؤالاً عليه، بل لقد بلغ به الأمر إلى حد الدعاء عليه بأن يفض الله فاه؟! فبأي شيء استحل(عليهالسلام) ذلك منه؟!
ونجيب:
أولاً: إن الرواية لم تصرح لنا بسبب غيظه(عليهالسلام) ، غير أن من
____________
1- الأمالي للطوسي ص305 و 702 والمحاسن 4 حديث2 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص95 و 96 و (ط دار سيد الشهداء ـ قم) ص74 وبحار الأنوار ج35 ص69 و 110 والإحتجاج ج1 ص546 و (ط دار النعمان) ج1 ص340 وكنز الفوائد ج1 ص183 وكشف الغمة للأربلي ج2 ص83 و (ط دار الأضواء) ج2 ص42 والغدير ج7 ص387 وبشارة المصطفى ص202 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص312 وماءة منقبة لابن شاذان ص153 وخاتمة= = المستدرك ج5 ص20 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص174 وكنز الفوائد ص80 والعقد النضيد والدر الفريد ص30 والصراط المستقيم ج1 ص336 والصافي ج4 ص97 والدرجات الرفيعة ص50 وعن البرهان ج3 ص231 وتأويل الآيات ج1 ص396 وغاية المرام ج1 ص163 وج2 ص293 وإيمان أبي طالب ص78.
الممكن أن يكون قد عرف أن ذلك الرجل كان عارفاً بالحق، لكنه يريد التشنيع على علي(عليهالسلام) بأمر يعلم بطلانه..
ولعل شهرة إيمان أبي طالب في تلك الفترة كانت بحيث يكون السؤال عن إيمانه من المحرمات، تماماً كالسؤال عن إيمان الأنبياء وأوصيائهم، فإنه لا يكون إلا من مريض القلب، ظاهر العداء لهم.
ثانياً: إن حديث أمير المؤمنين عن نور أبي طالب بهذه الطريقة يدلنا على أن لأبي طالب مقاماً هو فوق مقام الأنبياء بما فيهم إبراهيم وأوصيائهم(عليهمالسلام) ، باستثناء نبينا الأعظم وأوصيائه صلى الله عليه وعليهم. ولذلك حكم(عليهالسلام) بأن نوره يطفئ أنوار كل الأنبياء والأوصياء السابقين على نبينا الأعظم( صلىاللهعليهوآله) ، ليرى الخلق كرامة وعظمة وتضحيات أبي طالب.. التي يراد طمسها، ولو بالإفتراء والتجني عليه في حياته وبعد وفاته، وإلى يومنا هذا..
وقد أكد ذلك(عليهالسلام) حين أخبر بأن نور أبي طالب خلق مع أنوار النبي والأئمة قبل أن يخلق آدم(عليهالسلام) بألفي عام.
ثالثاً: إنه(عليهالسلام) يستدل على عدم عذاب أبي طالب بالنار بأن ابنه قسيم الجنة والنار.. وهذا يدل على أن ذلك السائل كان يقر بإيمان أبي طالب، ولكنه يدعي أنه لا تناله الشفاعة..
فأجابه(عليهالسلام) بأمور ثلاثة:
الأول: أن القضية معكوسة، فإن أبا طالب هو الذي يشفع في الخلائق، وأن كرامته عند الله بحيث لو شفع في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه
الله فيه.. ومثله لا يمكن أن يكون في النار، فضلاً عن أن يحتاج إلى شفاعة أحد..
الثاني: لو سُلِّم جدلاً ـ أن أبا طالب في النار، فإذا كان ولده قسيم الجنة والنار، ويقدر على أن يأخذه إلى الجنة من خلال الشفاعة، فلماذا لا يفعل ذلك؟!
إلا إذا فرض أن هذا الولد ليس باراً بأبيه، ولا يراعي أبسط القواعد الأخلاقية التي أمر الله بمراعاتها.. وفي هذه الحالة لا يستحق أن يكون قسيم الجنة والنار.
الثالث: ما أشرنا إليه آنفاً من أن من يكون نوره من نور محمد وأهل بيته، وقد خلق نوره قبل آدم(عليهالسلام) بألفي عام، ويطفئ نوره حتى نور الأنبياء والأوصياء باستثناء محمد(صلىاللهعليهوآله) ، والأئمة من بعده(عليهمالسلام) ، لا يمكن أن يكون من أهل النار.. وذلك واضح لا يخفى.
من ينشدنا شعر أبي طالب:
وحين استسقى النبي(صلىاللهعليهوآله) لأهل المدينة، وخاف أهل المدينة من الغرق، وقال( صلىاللهعليهوآله) : اللهم حوالينا ولا علينا.. قال(صلىاللهعليهوآله) وهو على المنبر: "لله در أبي طالب، لو كان حياً لقرّت عيناه، من الذي ينشدنا شعره"؟!
فقال علي(عليهالسلام) : يا رسول الله، كأنك أردت قوله:
وأبيـض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة لـلأرامـل
قال: أجل. فأنشده أبياتاً من القصيدة، ورسول الله(صلىاللهعليهوآله) يستغفر لأبي طالب على المنبر إلخ..(1) .
ونقول:
1 ـ لا ريب في أن أمير المؤمنين(عليهالسلام) هو الذي يفهم مرامي رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، ويترجمها سلوكاً وحركة وموقفاً..
2 ـ إن طلب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) إنشاد خصوص هذا الشعر في هذه المناسبة، ثم استغفر له، وهو على المنبر، لعله لأجل أن يتناقل
____________
1- الغدير ج7 ص374 و 375 عن أعلام النبوة للماوردي ص77 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص81 والسيرة الحلبية ج1 ص116 و (ط دار المعرفة) ج3 ص270 وبدائع الصنائع ج1 ص283 وعمدة القاري ج7 ص31 وشرح شواهد المغني ج1 ص398 وأسنى المطالـب ص26 وطلبـة الطالـب ص43 والسـيرة = = النبوية ج1 ص43 وروضة الواعظين ص139 ومستدرك الوسائل ج10 ص388 والأمالي للمفيد ص303 والأمالي للطوسي ص75 ومناقب آل أبي طالـب ج1 ص24 وبحار الأنوار ج18 ص2 وج35 ص75 وج88 ص332 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص574 وفتح الباري ج2 ص411 والأحاديث الطوال ص73 والتمهيد لابن عبد البر ج22 ص66 وكنز العمال ج8 ص438 وإمتاع الأسماع ج5 ص125 و 127 وتنبيه الغافلين ص69 وإيمان أبي طالب ص60.
الناس موقفه هذا من أبي طالب رضوان الله تعالى عليه، لأنه الرجل العظيم، الذي تتعمدون الإفتراء عليه في أغلى شيءٍ لديه، ألا وهو دينه وإيمانه، فيتهمونه بالكفر والشرك..
3 ـ قد يستفاد من هذا الموقف النبوي الكريم أن أبا طالب حين قال هذه القصيدة لم يكن ينساق وراء تخيلاته الشعرية، بل كان يعبر عن وقائع يعلمها، ويعتقد بها.
4 ـ لقد حرص النبي(صلىاللهعليهوآله) على ألا ينشد هو هذا الشعر، لا لأنه لا يحسن التكلم به، فإن ذلك غير مقبول.. بل لعله كان يخشى أن يقول المتقولون الحاقدون بأن له يداً في صنع هذا الشعر، ونسبته إلى أبي طالب.
ولعله يريد ايضاً أن يظهر امتياز علي(عليهالسلام) ، وفهمه مرامي وإشارات رسول الله(صلىاللهعليهوآله) أكثر من كل من عداه..
أو أن كلا هذين الأمرين أو غيرهما مما ينضم إليهما كان مقصوداً له أيضاً..
علي(عليهالسلام) وآية النهي عن الإستغفار للمشركين:
وذكر الشريف النسابة العلوي المعروف بـ "الموضح" بإسناده: أن أبا طالب لما مات لم تكن الصلاة على الموتى، فما صلى النبي( صلىاللهعليهوآله) ، على أبي طالب ولا على خديجة، وإنما اجتازت جنازة أبي طالب، وعلي، وجعفر، وحمزة جلوس، فقاموا، وشيعوا جنازته، واستغفروا له.
فقال قوم: نحن نستغفر لموتانا وأقاربنا المشركين أيضاً ـ ظناً منهم أن أبا طالب مات مشركاً، لأنه كان يكتم إيمانه ـ فنفى الله عن أبي طالب الشرك، ونزّه نبيه والثلاثة المذكورين من الخطأ في قوله:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ) (1) "(2) .
وعن علي(عليهالسلام) : أنه سمع رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فذكر(عليهالسلام) ذلك للنبي( صلىاللهعليهوآله) ، فنزلت آية النهي عن الإستغفار للمشركين(3) .
____________
1- الآية 113 من سورة التوبة.
2- بحار الأنوار ج35 ص127 والغدير ج7 ص399 عن كتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب لابن معّد ص68 و (ط دار سيد الشهداء ـ قم) ص268.
3- أسنى المطالب ص18 ومسند أحمد ج1 ص130 و 131 والمستدرك للحاكم ج2 ص335 وعمدة القاري ج8 ص182 ومسند أبي يعلى ج1 ص457 وكنز العمال ج2 ص421 وتفسير ابن أبي حاتم ج6 ص1893 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص98 والدر المنثور ج3 ص282 وفتح القدير ج2 ص411 وإيمان أبي طالب ص122 وشيخ الأبطح، وأبو طالب مؤمن قريش والغدير ج8 ص12 عن الطيالسي وأحمد، وابن أبي شيبة، والترمذي، والنسائي، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، والحاكم وصححه والضياء في المختارة، والإتقان، وأسباب النزول، والكشاف، وابن كثير، وأعيان الشيعة..
ونقول:
قد دلت هاتان الروايتان على إيمان أبي طالب رضوان الله تعالى عليه، إلا أن في الرواية الأولى إشكالين، يحتاجان إلى جواب، وهما:
الأول: قد ذكرت الرواية الأولى جعفر بن أبي طالب في جملة الذين شيعوا جنازة أبي طالب رضوان الله تعالى عليه..
ومن المعلوم: أن جعفراً كان حينئذٍ في بلاد الحبشة، ورجع منها إلى المدينة سنة فتح خيبر، إلا أن يقال: إنه عاد لفترة وجيزة إلى مكة، حين سرت شائعة بلغت المسلمين في الحبشة مفادها أن الوئام والسلام قد حلّ بين المشركين والمسلمين.. فعاد قسم منهم إلى مكة فوجدوا أن هذا الأمر لا حقيقة له، فمكثوا يسيراً ثم عادوا أدراجهم..
الثاني: إنه ليس من المعقول: أن تُشَيَّع جنازة أبي طالب، ولا يحضر تشييعها أخوه حمزة، وابناؤه البررة به منذ اللحظة الأولى لبدء التشييع، فما معنى قول الرواية: "اجتازت جنازة أبي طالب، وعلي وجعفر، وحمزة جلوس، فقاموا وشيعوا جنازته".
الصلاة على أبي طالب:
و قالوا: إنه لم يصل على أبي طالب(عليهالسلام) ، لأن الصلاة على الميت لم تكن قد فرضت..
ونحن لا نطمئن إلى صحة ذلك، فقد كانت الصلاة على الميت قد فرضت من عهد آدم، وقد صلى عليه ولده "هبة الله" بأمر جبرئيل(عليهالسلام) (1) .
وفي الروايات: أنه صُليَّ على عابد من عباد بني إسرائيل في عهد داود(عليهالسلام) أيضاً(2) .
وفاء علي(عليهالسلام) ودفاعه عن أبي طالب:
ونذكر هنا بعض ما تضمن دفاع علي(عليهالسلام) وثناءه عن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه. فمن ذلك:
1 ـ عن الإمام السجاد(عليهالسلام) : إن أمير المؤمنين(عليهالسلام) كان يأمر أن يحج عن عبد الله وابنه، وأبي طالب في حياته، ثم أوصى في
____________
1- الكافي ج8 ص114 وكمال الدين ص214 وشرح أصول الكافي ج12 ص53 ومستدرك الوسائل ج2 ص267 وبحار الأنوار ج11 ص45 وج23 ص64 وج78 ص346 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص315 و 316 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص125 وتفسير العياشي ج1 ص310.
2- كتاب الزهد للحسين بن سعيد الكوفي ص66 وبحار الأنوار ج14 ص42 وج69 ص302 وج78 ص384 وج79 ص61 عنه، والحدائق الناضرة ج10 ص439 وتهذيب الأحكام ج6 ص278 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص285 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص925 والجواهر السنية للحر العاملي ص85.
وصيته بالحج عنهم(1) .
وقد احتمل بعض الإخوان أن كلمة: "وابنه" تصحيف "آمنة" أو تصحيف كلمة "أبيه"، يعني عبد المطلب، ولم نجد شاهداً يؤيد هذا الاحتمال. وإن كنا لا نمنع من إثارته.
2 ـ عن أمير المؤمنين(عليهالسلام) أنه قال: "والله، ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف صنماً قط.
قيل له: فما كانوا يعبدون؟!
قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم(عليهالسلام) ، متمسكين به"(2) .
3 ـ عنه(عليهالسلام) : "كان ـ والله ـ أبو طالب، عبد مناف بن عبد المطلب مؤمناً مسلماً، يكتم إيمانه، مخافة على بني هاشم أن تنابذها
____________
1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج14 ص68 وبحار الأنوار ج35 ص112 و 157 والغدير ج7 ص380 والدرجات الرفيعة ص49 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص85 وإيمان أبي طالب للأميني ص69.
2- كمال الدين ص104 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 174 وبحار الأنوار ج15 ص144 وج35 ص81 والغدير ج7 ص387 والدر النظيم ص221 وإيمان أبي طالب للأميني ص79 وتفسير أبي الفتوح ج4 ص210 وعن البرهان ج3 ص795.
قريش"(1) .
4 ـ وقيل لأمير المؤمنين(عليهالسلام) : من كان آخر الأوصياء قبل النبي( صلىاللهعليهوآله) ؟!
قال: أبي(2) .
5 ـ عن العباس بن عبد المطلب قال: قال أبو طالب لرسول الله( صلىاللهعليهوآله) : ياابن أخي، الله أرسلك؟!
قال: نعم.
قال: فأرني آية.
قال: ادع لي تلك الشجرة.
فدعاها، فأقبلت حتى سجدت(3) .
____________
1- وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج16 ص232 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص480 وبحار الأنوار ج35 ص114 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص583 والغدير للأميني ج7 ص388 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص121 وإيمان أبي طالب للأميني ص80.
2- الغدير ج7 ص389 عن ضياء العالمين للفتوني، وإيمان أبي طالب للأميني ص82.
3- الغدير ج7 ص395 عن الأمالي للصدوق ص365 و(ط مؤسسة البعثة) ص711 وروضة الواعظين ص139ومناقب آل أبي طالب ج1 ص112 وبحار الأنوار ج17 ص370 وج35 ص71 والدرجات الرفيعة ص50 والدر النظيم ص134 وإيمان أبي طالب للأميني ص90.
ورواه السيد ابن معد، ولفظه: قال أبو طالب بمحضر من قريش، ليريهم فضله: يا ابن أخي، الله أرسلك؟!
قال: نعم.
قال: إن للأنبياء معجزاً وخرق عادة، فأرنا آية.
قال: ادع تلك الشجرة، وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله: أقبلي بإذن الله..
فدعاها فأقبلت حتى سجـدت بين يديـه، ثـم أمرهـا بالإنصراف فانصرفت.
فقال أبو طالب: أشهد أنك صادق.
ثم قال لابنه علي(عليهالسلام) : يا بني، الزم ابن عمك(1) .
ونقول:
إننا نذكّر القاريء بما يلي:
1 ـ لم يكن علي(عليهالسلام) يكتفي بالأقوال المصرحة بإيمان أبي طالب، بل كان يضيف إليها الأفعال، التي تزيل أي لبس عن هذا
____________
1- الغدير ج7 ص395 و 396 عن كتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص128 وبحار الأنوار ج35 ص115 وإيمان أبي طالب للأميني ص91 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص366 وراجع: روضة الواعظين ص139 وغير ذلك.
الموضوع، من حيث أنها تتضمن إعطاء القاعدة التي هي أوضح دلالة، وأكثر مناعة واستعصاء على التشويه، لأنها تسد الطريق على المدعين للباطل، والمروجين له، بما لها من دلالة ظاهرة على المطلوب.
وتوضيح ذلك:
إنه قد يستطيع الحاقدون أن يوقعوا الريب أو الشك في قلوب بعض البسطاء بادِّعاء أن من يقول بإيمان أبي طالب(عليهالسلام) ، فإنما يدعيه من دون علم، أو عصبية له، أو إنطلاقاً من حسن الظن الذي لا يستند إلى الوقائع، أو لغير ذلك، ولكنهم لن يتمكنوا من ذلك حين تتأكد لديهم قاعدة عن الله ورسوله تقول: إن آباء الأنبياء والأوصياء منزهون عن الكفر والشرك.
فالحج عن عبد الله الذي مات، قبل ولادة النبي( صلىاللهعليهوآله) ، أو بعدها بقليل لا يمكن تفسيره إلا على قاعدة أن آباء الأنبياء كانوا على نهج الإيمان والإسلام، على دين إبراهيم(عليهالسلام) .
ويدل على ذلك: قوله(عليهالسلام) عن عبد المطلب وعبد مناف وأبي طالب إنهم ما عبدوا صنماً قط، وأنهم كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم، متمسكين به.
ومعنى ذلك: أنه لا مجال للحديث عن شرك أبي طالب(عليهالسلام) ، أو عبد الله، أو عبد المطلب، أو غيرهما من آباء رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .
2 ـ قد يقول الحاقدون وأهل الريب هنا: صدَّقنا أنهم كانوا على دين
إبراهيم، ولكن من الذي قال: إنهم قد صدَّقوا بنبوة نبينا الأعظم( صلىاللهعليهوآله) ؟!..
فجاء الجواب القاطع للعذر ليقول: إن حج علي(عليهالسلام) عن عبد الله، وعن النبي( صلىاللهعليهوآله) ، وعن أبي طالب يدل على أن عبد الله وأبا طالب كان حالهما في الإيمان والإسلام حال رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .. فلو أن أبا طالب أنكر نبوة النبي(صلىاللهعليهوآله) لخرج من الإيمان إلى الكفر، ولم يصح أن يحج عنه أحد..
3 ـ كان علي(عليهالسلام) يأمر بالحج عن عبد الله وابنه، (أو: آمنة. أو أبيه) كما تقدم، وأبي طالب في حال حياته، ثم أوصى بمواصلة ذلك بعد وفاته، وذلك ليشب على هذا الأمر الصغير، ويهرم فيه الكبير، ويترسخ في وجدان الناس بصورة عملية وعفوية..
4 ـ لعل هذا الإهتمام ناشئ عن إرادة تنزيه ساحة قدس الأنبياء عن أي نقص، يمكن أن يؤثر على رسوخ وعمق الإعتقاد بهم.. ولو لأسباب خارجة عنهم، وعن دائرة قرارهم واختيارهم..
بالإضافة إلى لزوم الوفاء لهؤلاء المصطفين الأخيار، والصفوة الأبرار، بتنزيه ساحتهم عن إلصاق التهم الباطلة بهم..
5 ـ إن أسلوب أبي طالب في قصة الشجرة التي دعاها إلى رسول الله(صلىاللهعليهوآله) تذكرنا بقصة إبراهيم التي حكاها الله تعالى بقوله:
( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ
الآَفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لاَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ
إلى أن قال:
..وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) (1) .
____________
1- الآيات 76 ـ 83 من سورة الأنعام.
الفصل السادس : من شعب أبي طالب.. وحتى الهجرة..
وفاة شيخ الأبطح:
وبعد سقوط حصار المشركين للهاشميين في شعب أبي طالب ووفاة الولي والناصر والصفي أبي طالب "صلوات الله وسلامه عليه". الذي كان لوفاته عظيم الأثر على مسار الأحداث، حتى انتهى الأمر باضطرار النبي(صلىاللهعليهوآله) إلى الهجرة، حيث لم يعد له في مكة ناصر.
وسنحاول عرض الأحداث التي تلت وفاة هذا الرجل العظيم.. والتي كان لعلي(عليهالسلام) اثر وحضور فيها. وذلك في المطالب التالية:
النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلي(عليهالسلام) في الطائف:
وبعد وفاة أبي طالب(عليهالسلام) ، وبالذات، في السنة العاشرة من البعثة.. خرج(صلىاللهعليهوآله) إلى الطائف وحده(1) .
____________
1- تفسير الثعلبي ج9 ص19 وتفسير البغوي ج4 ص172 والجامع لأحكام القرآن ج16 ص210 وعيون الأثر ج1 ص175وسبل الهدى والرشاد ج2 ص438 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص51 و 60 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص80 والبداية والنهاية ج3 ص166 وإمتاع الأسماع ج8 ص305 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص285 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص149.
وقيل: كان معه علي(عليهالسلام) (1) .
وقيل: زيد بن حارثة(2) .
وقيل: هما معاً(3) ، وذلك لليال بقين من شوال سنة عشر.
فأقام(صلىاللهعليهوآله) في الطائف عشرة أيام يدعوهم، فلم يجبه أحد، وخافوا على أحداثهم، فطلبوا منه أن يخرج عنهم، وأغروا به سفهاءهم فجلسوا له في الطريق صفين يرمونه بالحجارة، وعلي(عليهالسلام) يدافع عنه حتى شج في رأسه، وقيل: إن زيد بن حارثة هو الذي شج في رأسه.
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص127 وج14 ص97 عن الشيعة، وبحار الأنوار ج38 ص293 وأعيان الشيعة ج1 ص375.
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص211 وإمتاع الأسماع ج1 ص45 وج9 ص181 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص127 وج14 ص96 وبحار الأنوار ج19 ص15 و 22 وج38 ص293 والإستيعاب ج1 ص39 وأسد الغابة ج1 ص19 وعيون الأثر ج1 ص174 و 175 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص262 وفتح الباري ج7 ص131 وج8 ص514 وتحفة الأحوذي ج7 ص144 وج9 ص168 والمعارف لابن قتيبة ص151 وأعيان الشيعة ج1 ص375 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص438 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص51 و 60 وحلية الأبرار ج1 ص345.
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص127 وج14 ص97
وعاد(صلىاللهعليهوآله) إلى مكة، فحاولت قريش مواجهته بأنواع من الأذى، فقال لعلي أو لزيد: إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه.
النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلي(عليهالسلام) في بني عامر:
وخرج علي(عليهالسلام) مع النبي(صلىاللهعليهوآله) مرة أخرى إلى بني عامر بن صعصعة، يدعوهم إلى الإسلام والإيمان، فلم يجيبوه، وغاب عن مكة عشرة أيام(1) .
النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلي(عليهالسلام) في بني شيبان:
وخرج(عليهالسلام) مع رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، ومعهما أبو بكر إلى بني شيبان، ولم يستجيبوا لدعوته، وغاب عن مكة ثلاثة عشر يوماً(2) .
ونقول:
إن لنا بعض الوقفات مع ما تقدم، وهي التالية:
بالنسبة لخروج علي(عليهالسلام) ، أو زيد بن حارثة مع النبي(صلىاللهعليهوآله) إلى الطائف، نقول:
____________
1- بحار الأنوار ج38 ص293 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص128.
2- بحار الأنوار ج38 ص293 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص126.
وجود علي(عليهالسلام) هو الأرجح:
إن الذي رافق النبي(صلىاللهعليهوآله) في سفره ذاك، كان شخصاً واحداً كما يدل عليه ظاهر خطاب النبي(صلىاللهعليهوآله) لمن كان معه، فإنه كان يتكلم مع شخص واحد، وهذا هو أيضاً ظاهر كلمات المؤرخين حيث ظهر منها أن المدافع عن رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، والذي شج رأسه أيضاً شخص واحد..
فالقول بأن زيداً وعلياً(عليهالسلام) معاً كانا مع النبي يصبح بعيد الإحتمال.
وربما يكون قول المدائني: إن كلا من زيد وعلي(عليهالسلام) كان مع النبي قد جاء ليبرر ذكر زيد، حيث ظهر منه أن المدائني لم يقو على إنكار حضور علي(عليهالسلام) ولم يرد إنكار وجود زيد، فلجأ إلى هذا الجمع الذي يكرس صحة قول الشيعة في علي، ويسجل اعتراف المدائني لهم بهذا الأمر، ولكنه يحاول التسويق لحضور غيره معه.
فإذا أضيف إلى ذلك ما نعرفه عن مناوئي علي(عليهالسلام) من السعي الحثيث لإبعاده(عليهالسلام) عن أي مقام هو له قدر الإمكان.. فإن ذلك يجعلنا نؤكد حضور علي(عليهالسلام) ، ونشك كثيراً في حضور غيره..
وربما يمكن تأييد ذلك ايضاً بأنه(عليهالسلام) كان هو الذي رافقه إلى بني عامر بن صعصعة، وإلى بني شيبان، ولم يذهب معه زيد بن حارثة ولا غيره.
على أننا لا نجد مبرراً لتخلف علي(عليهالسلام) عن النبي في أي
مقام، إلا إذا رأى النبي(صلىاللهعليهوآله) ضرورة لوجود علي(عليهالسلام) في موقع آخر، ولم يظهر لنا هنا ذلك..
لماذا علي(عليهالسلام) ؟!:
إن النبي(صلىاللهعليهوآله) لم يتول بنفسه الرد على سفهاء أهل الطائف، ربما لأن أي مبادرة منه للرد على تصرفاتهم من شأنها أن تفرح قلب الذين أغروهم بإيذائه، لأنهم يكونون قد نجحوا ـ بزعمهم ـ في وضع النبي(صلىاللهعليهوآله) في مواجة السفهاء، وهو يدافع عن نفسه.
ونحن لم نر للنبي(صلىاللهعليهوآله) أي موقف يحاول فيه مناوئوه إيذاءه لم نره أظهر لهم أنه يقصدهم بسوء. حتى إنه حين يظفر بمن ارتكب من الجرائم ما يستحق معه القتل، فإنه(صلىاللهعليهوآله) لم يبادر بنفسه إلى قتلهم، بل كان يتولى ذلك علي(عليهالسلام) أو حمزة أو غيره..
وذلك لأنه يطلب من الناس الإيمان به، ويريد الله منهم أن يحبوه(صلىاللهعليهوآله) كحب الله. ومن رأى النبي(صلىاللهعليهوآله) يحمل السيف أو السوط لقتله، أو يبادر إلى ضربه، أو يتذكر حصول ذلك منه، فإنه قد لا يستطيع أن يحبه هذا الحب العظيم.. وسيكون خلوص اسلامه وصحته موضع ريب وشك كبير..
ولذلك شككنا في صحة قولهم: إنه(صلىاللهعليهوآله) قتل أبي بن خلف.
وحين شكا لأبي طالب ما فعلوه به حين وضعوا عليه سلا ناقة، بادر أبو
طالب وبنو هاشم لنصرته، وحمل حمزة السلاح، فأمرَّه على لحاهم واسبلتهم.
واشتكى أيضاً لعلي(عليهالسلام) أذى صبيان المشركين له، فبادر علي لمنعهم وصار يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم ثم، واستصحبه معه إلى الطائف، فدافع وحامى، ورد كيد سفهاء ثقيف عنه.
أما حين يتعلق الامر بدفع الظلم عن الآخرين، فإن النبي(صلىاللهعليهوآله) يبادر إلى ذلك، ويتخذ قرار الحرب ضد الظالمين والمعتدين، لأن الآثار السلبية تصبح إيجابية، لأن الدفاع عن المظلوم شرف، وكرامة، والإنتصار له نبل وشهامة، وتتضاءل فيه فرص الإتهام بالتجني والتحامل، أو الإتهام بالمبالغة في ردة الفعل، من الرجل الحليم الذي لا ينبغي أن يصدر منه ذلك تجاه تصرف سفيه، قد يجد الناس له من جهله وطيشه بعض العذر فيما ندَّ عنه من تصرفات رعناء، أو أعمال قبيحة شنعاء..
ولأجل ذلك كان دفاع علي(عليهالسلام) عن النبي(صلىاللهعليهوآله) الذي كان في موقع المعتدى عليه والمظلوم، هو الأصح والأصلح في سياسة النبي( صلىاللهعليهوآله) ، والأعظم أثراً في تحقيق الغرض، من دون أن يكون له أي أثر سلبي على الإطلاق..
بل قد يكون له الكثير من الآثار الإيجابية، حين يستيقظ الضمير من غفوته، ويعود الوجدان في هدأة الأمور إلى صحوته، فيجد السفاهة والجهالة كلها في جانب، ويجد النبل والطهارة، والحلم والرصانة في الجانب الآخر، حيث يكتشف أن هذا الذي صب عليه السفهاء كل الحقد والسوء والظلم لم يشأ حتى أن يرميهم ولو بوردة، حتى لا يفهم هذا الرمي على أنه
تعبير عن الكراهية لهم والتباين معهم، بل كان غيره هو المبادر للدفع عنه، وللتضحية في سبيله.
علي(عليهالسلام) في بيعة العقبة:
ويقولون: إنه حين قدم أهل المدينة إلى مكة في موسم الحج، اجتمعوا بالنبي(صلىاللهعليهوآله) عند العقبة فبايعوه، فعلمت قريش بالأمر، فجاءت على بكرة أبيها، قد حملوا السلاح.
وخرج حمزة ومعه السيف، هو وعلي بن أبي طالب(عليهالسلام) إلى فم الشعب، فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له؟!
فقال: ما اجتمعنا، وما ها هنا أحد. والله، لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي(1) . فصدهم عما كانوا دبروه وقصدوه..
____________
1- راجع فيما تقدم أي كتاب تاريخي أو حديثي شئت مثل: بحار الأنوار ج19 ص12 و 13 و 48 والصافي ج2 ص294 ونور الثقلين ج2 ص147 والميزان ج9 ص78 وحلية الأبرار ج1 ص94 وإعلام الورى ص57 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 144 وتفسير القمي ج1 ص272 و 273 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص318 و 319 ودلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص450 والبداية والنهاية ج3 ص158 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص193 و 210 والسيرة الحلبية ج2 ص17 وما قبلها وما بعدها، والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص88 وقبلها وبعدها، وغير ذلك كثير.
ونقول:
لعلك تقول:
كيف استطاع رجلان هما حمزة بن عبد المطلب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يردا كيد قريش كلها، وهي قد جاءت بسلاحها؟! لا سيما وهي في أوج غضبها وهيجانها؟!
ونجيب:
إن الروايات تصرح: بأن حمزة وعلياً (عليهماالسلام ) قد وقفا على فم الشعب، وهو بمثابة مضيق لا يمر فيه إلا جماعة صغيرة من الرجال، فإذا أخذ الفارس أو الفارسان بفم المضيق، فإنه يتمكن بشجاعته وحسن رويته، وسرعة حركته من صد من يريد الورود في ذلك المضيق، وبالتالي صد من خلفهم أيضاً..
وقد ذكر الرواة: أن عمرو بن عبد ود ـ أو غيره كان يعد بألف فارس، لأنه أخذ عليهم فم الوادي، وكان ضيقاً جداً، فلم يتمكنوا من وروده(1) . إلا
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج20 ص202 وج31 ص445 وج41 ص88 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص324 ورسائل المرتضى ج4 ص122 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص183 وشجرة طوبى ج2 ص287 وجوامع الجامع ج3 ص52 ومجمع البيان ج8 ص130 والميزان ج16 ص296 وتفسير الآلوسي ج21 ص155 وإعلام الورى ج1 ص380 وتأويل الآيات ج2 ص451 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص486 وحبيب السير ج1 ص361 وينابيع المودة ص95 وغاية المرام ج4 ص274 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص378 وج20 ص625 وج31 ص233 وج32 ص368.
أشتاتاً متفرقين، فحيث قد صدت الطليعة منهم، امتنع التقدم على من بعدهم.
المؤاخاة الأولى في مكة:
وتذكر الروايات: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) آخى بين المسلمين في مكة قبل هجرتهم.. على الحق والمواساة. فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمان بن عوف، وبين الزبير، وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث بن المطلب وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص.
وبين أبي عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة. وبين سعيد بن زيد وطلحة، وبين علي(عليهالسلام) ونفسه( صلىاللهعليهوآله) ، وقال: أما ترضى أن أكون أخاك؟!
قال: بلى يا رسول الله رضيت.
قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة(1) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص20 و (ط دار المعرفة) ج2 ص181 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص155 عن الإستيعاب. و مناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج1 ص325 و 328 و 346 وشرح الأخبار ج2 ص178 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص96 وعيون الأثر ج1 ص264 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص69 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص363 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه الأصفهاني ص101 وأعيان الشيعة ج1 ص236 و 337 و 377 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص191 و 194 و 197 وج30 ص576. وراجع أيضاً: مستدرك الحاكم ج3 ص14 وتاريخ الخميس = = ج1 ص353 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع مع المستدرك) ج3 ص14 والإكمال في أسماء الرجال ص177 وغير ذلك..
وسيأتي: أنه(صلىاللهعليهوآله) قد آخى بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة، وهناك أمور سوف نتعرض لها حين الحديث عن المؤاخاة هناك..
الفصل السابع : هجرة النبي(صلىاللهعليهوآله) إلى المدينة..
حديث الهجرة:
اجتمعت قريش في دار الندوة، واتفقوا على أن يقتلوا رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، فاختاروا عشرة أو خمسة عشر رجلاً، من كل قبيلة من قريش ـ وكانوا عشر أو خمس عشرة قبيلة أو أكثر ـ ليبِّيتوا النبي(صلىاللهعليهوآله) بضربة واحدة من سيوفهم.
فأخبر الله تعالى نبيه بمكرهم، فأخبر(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) بمكر قريش، وأمره أن يتغشى ببرده الحضرمي، وينام في فراشه.
فقال علي(عليهالسلام) : أوتسلم بمبيتي هناك يا نبي الله؟!
قال: نعم.
فتبسم علي(عليهالسلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً شكراً لله.
فنام على فراشه، واشتمل ببرده الحضرمي، وخرج النبي(صلىاللهعليهوآله) في فحمة العشاء، والرصد قد أطافوا بداره ينتظرون، وهو يقرأ( وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) (1) وذهب(صلىاللهعليهوآله) إلى الغار.
وقالوا: إن أبا بكر جاء وأمير المؤمنين(عليهالسلام) نائم، فخاطبه، وهو يحسبه نبي الله، فقال له علي: إن نبي الله انطلق نحو بئر ميمونة فأدركه(2) .
____________
1- الآية 9 من سورة يس.
2- راجع ما تقدم في المصادر التالية: المناقب للخوارزمي الحنفي ص73 والمستدرك للحاكم ج3 ص133 وتلخيصه للذهبي بهامشه وصححاه، ومسند أحمد ج1 ص321 وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص34 وشواهد التنزيل ج1 ص99 و 100 و 101 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص100 والبرهان ج1 ص207 والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص30 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي (ط النجف) ص63 والسيرة الحلبية ج2 ص35 ومجمع الزوائد ج9 ص120 عن أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير واحد وهو ثقة، وعن الطبراني في الكبير والأوسط، وبحار الأنوار ج19 ص60 و 78 و 93 عن الطبري وأحمد، والعياشي، وكفاية الطالب، وفضائل الخمسة ج1 ص231 وذخائر العقبى ص87 وكفاية الطالب ص242. وقال: إن ابن عساكر ذكره في الأربعين الطوال، وترجمة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام "، من تاريخ ابن عساكر (تحقيق المحمودي) ج1 ص186 و 190 ونقله المحمودي في هامشه عن: الفضائل لأحمد بن حنبل، حديث291 وعن غاية المرام ص66 عن الطبراني ج3 في الورق 168/ب وفي هامش كفاية الطالب عن: الرياض النضرة ج2 ص203. وأما الفقرات الأخرى فهي موجودة في مختلف كتب الحديث والتاريخ. وراجع: حلية الأبرار ج1 ص144 والميزان ج9 ص81 وأعيان الشيعة ج1 ص237 و 376 والأمالي للطوسي ص466 ومستدرك الوسائل ج5 ص155 و 465 وجامع أحاديث الشيعة ج5 ص475 وكشف الغمة ج2 ص30.
قالوا: وجعل المشركون يرمون علياً(عليهالسلام) بالحجارة، كما كانوا يرمون رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وهو يتضور (أي يتلوى ويتقلب)، وقد لف رأسه في الثوب، لا يخرجه حتى أصبح.
فهجموا عليه.
فلما بصر بهم علي(عليهالسلام) قد انتضوا السيوف، وأقبلوا عليه، يقدمهم خالد بن الوليد، وثب له علي(عليهالسلام) فختله، وهمز يده، فجعل خالد يقمص قماص البكر، ويرغو رغاء الجمل، وأخذ من يده السيف، وشد عليهم بسيف خالد، فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى خارج الدار، وتبَصّروه، فإذا هو علي، قالوا: وإنك لعلي؟!
قال: أنا علي.
قالوا: فإنا لم نردك، فما فعل صاحبك؟!
قال: لا علم لي به(1) .
فأسرعوا إلى قومهم فأخبروهم، فهبت قريش لتدارك الأمر قبل فوات الأوان، وأذكوا العيون، وركبوا في طلب النبي( صلىاللهعليهوآله) . وكان في الغار، وواصلوا اقتفاء أثره إلى قرب باب الغار، فوجدوا العنكبوت قد نسجت على بابه، وباضت في مدخله حمامة وحشية، وغطته أغصان شجرة(2) فرجعوا عنه.
وأمهل أمير المؤمنين(عليهالسلام) إلى الليلة التالية، فانطلق ليلاً هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا الغار على رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، فأمر الرسول الأعظم هنداً أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين، فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين، ترتحلهما إلى يثرب.
____________
1- أمالي الشيخ الطوسي ج2 ص82 و 83 و (ط دار الثقافة) ص467 وبحار الأنوار ج19 ص61 و 62 وأعيان الشيعة ج1 ص237 و 376 وحلية الأبرار ج1 ص145 وج2 ص108.
2- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص328 والسيرة الحلبية ج2 ص37 والبداية والنهاية ج3 ص181 و 182 والدرر لابن عبد البر ص81 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص144 والمحرر الوجيز ج3 ص35 والشفا للقاضي عياض ج1 ص313 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص39 وتفسير السمعاني ج2 ص311.
فقال: إني لا آخذهما، ولا أحدهما إلا بالثمن.
قال: فهي لك بذلك.
فأمر علياً(عليهالسلام) فأقبضه الثمن(1) .
ثم أوصاه(صلىاللهعليهوآله) بحفظ ذمته، وأداء أماناته، وكانت قريش ومن يقدم مكة من العرب في الموسم يستودعون النبي( صلىاللهعليهوآله) ، ويستحفظونه أموالهم وأمتعتهم.
وأمره أن ينادي صارخاً بالأبطح غدوة وعشياً: من كان له قبل محمد أمانة فليأت، فلنؤد إليه أمانته..
وقال(صلىاللهعليهوآله) لعلي آنئذٍ، أي بعد أن ذهب الطلب عنه( صلىاللهعليهوآله) : إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه، حتى تقدم علي، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهراً.
ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي، ومستخلف ربي عليكما، ومستحفظه فيكما(2) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج19 ص62 والأمالي للطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص467 ووفاء الوفاء ج1 ص237 والدرجات الرفيعة ص411 وحلية الأبرار ج1 ص146 والميزان ج9 ص81 وكشف الغمة ج2 ص31.
2- الأمالي للطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص468 وحلية الأبرار ج1 ص147 وبحار الأنوار ج19 ص62 والميزان ج9 ص82 والدرجات الرفيعة ص411 وأعيان الشيعة ج1 ص237 و 376 وكشف الغمة ج2 ص32.
فأمر(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) أن يبتاع رواحل له وللفواطم، ومن أزمع الهجرة من بني هاشم(1) .
وقال أمير المؤمنين(عليهالسلام) يذكر مبيته على الفراش، ومقام رسول الله( صلىاللهعليهوآله) :
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجْرِ
محمد لما خاف أن يمكروا به فوقّاه ربي ذو الجلال من المكر
وبت أراعيهم متى يأسرونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في الغار آمناً هناك وفي حفظ الإله وفي ستر
أقام ثلاثاً ثم زمت قلائص قلائص يفرين الحصا أيما يفري(2)
____________
1- الأمالي للطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص468 وحلية الأبرار ج1 ص147 وبحار الأنوار ج19 ص62 والميزان ج9 ص82 والدرجات الرفيعة ص411 وأعيان الشيعة ج1 ص237 و 376 وكشف الغمة ج2 ص32. والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص205 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص289 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص626.
2- كشف الغمة ج2 ص32 والميزان ج9 ص82 وحلية الأبرار ج1 ص148 وج2 ص115 والأمالي للطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص468 وبحار الأنوار ج19 ص63 وج34 ص413 وج36 ص46 وج38 ص292 والدرجات الرفيعة ص411 وأعيان الشيعة ج1 ص237 و 552 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج1 ص124 والفصول المختارة ص59 والتعجب للكراجكي ص123 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص335 وشجرة طوبى ج2 ص237 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص457 وج6 ص557 والمستدرك للحاكم ج3 ص4 وشواهد التنزيل ج1 ص131 و 132 والدر المنثور ج3 ص180 وتفسير الآلوسي ج9 ص198 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص26 والمناقب للخوارزمي ص127 ونهج الإيمان ص309 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص233 وينابيع المودة لذوي القربى ج1 ص273 وتذكرة الخواص ص35 وغاية المرام ج4 ص18 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص120 وج20 ص110 وج22 ص558 وج30 ص115 و 594.
ونقول:
إن لنا مع ما تقدم العديد من الوقفات، نذكر منها ما يلي:
أمر رسول الله( صلىاللهعليهوآله) :
إن أول ما يطالعنا في هذا الحدث الفريد: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) اكتفى بإخبار علي(عليهالسلام) بمكر قريش، ثم أمره بأن يتغشى ببرده، وينام في فراشه، ولم يترك الخيار في ذلك.
ولا ريب في أنه( صلىاللهعليهوآله) ، لم يفعل ذلك من عند نفسه، بل هو هنا ينفذ أمر الله تعالى، فإن أوامر النبي(صلىاللهعليهوآله) تارة تكون
على أساس القاعدة التي أوحاها الله إليه.. كما لو أمره بإقامة الحجة على عدوه قبل الحرب، فإن كان هناك خطورة يتعرض لها من يريد أن يكلفه بذلك، فإنه لا يجبره على هذا الأمر، بل يترك الخيار له في أن يقبل أو لا يقبل، لأنه يريد منه أن يقدم على ذلك متقرباً إلى الله تعالى، حتى إذا أصابه سوء كان مثاباً عليه، وإن قتل كان شهيداً..
أما لو أجبره على ذلك، وقتل، فقد لا يكون شهيداً، لأنه لم يقصد التقرب إلى الله تعالى فيما أقدم عليه..
ولأجل ذلك نلاحظ: أنه(صلىاللهعليهوآله) حين أراد أن يرسل رسولاً إلى أهل مكة عام الحديبية عرض الأمر على عمر، فرفض قبوله، بحجة أن بني عدي لا ينصرونه لو أرادته قريش بسوء. ورضي عثمان بذلك ثقة منه بعدم إقدام قريش على أذاه.
كما أن علياً(عليهالسلام) حين أراد في حرب الجمل أن يرسل مصحفاً إلى عائشة وأصحابها ليدعوهم إلى ما فيه، وهو مقتول. طلبه فتى من أهل الكوفة، فأعرض عنه علي(عليهالسلام) .
ثم قال: من يأخذ هذا المصحف، يدعوهم إلى ما فيه، وهو مقتول.
فقال ذلك الفتى: أنا.
فدفعه إليه، فدعاهم، فقطعوا يده اليمنى، فأخذه باليسرى، فقطعوا يده اليسرى، فأخذه بصدره، والدماء تسيل على قبائه، فقتل "رحمهالله ".
فقال علي(عليهالسلام) : الآن حل قتالهم(1) .
كما أنه(صلىاللهعليهوآله) كان يستشير في أمر الحرب، كما ذكرناه في واقعة أحد في الصحيح من سيرة النبي الأعظم( صلىاللهعليهوآله) ، فراجع.
وبالعودة إلى حديث الغار نقول:
إننا نلاحظ: إن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد أمر علياً(عليهالسلام) أمراً جازماً بأن يتغشى ببرده، وينام في فراشه.. ولم يعطه أية فرصة لإبداء رأيه، أو للتعبير عن رغبته..
فهل لأن الأمر قد جاءه من الله تعالى باتاً وقاطعاً، فأبلغه إلى علي(عليهالسلام) كما هو؟! مع علمه بانقياد علي(عليهالسلام) لأمر الله تبارك وتعالى، بدون سؤال؟!
____________
1- تاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة و الأعلمي) ج3 ص522 والمناقب للخوارزمي ص186 والجمل ص339 وتذكرة الخواص ص71 و 72 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص112 وبحار الأنوار ج32 ص174 والكامل في التاريخ ج2 ص261 و 262 و 529 وشرح الأخبار ج1 ص394 وأنساب الأشراف ج1 ص241 ومروج الذهب ج2 ص370 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص537 ووقعة الجمل للغلابي البصري ص37 و 38 ونهج السعادة ج2 ص388 وأعيان الشيعة ج1 ص457 و 524 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص440.
أم أنه كان يعلم بأن علياً(عليهالسلام) ليست له رغبة بغير نجاة رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وهو خياره الأول والأخير، حتى لو أن الأمر لم يكن محتماً ولا باتاً، بل حتى لو لم يكن هناك أمر أصلاً، فإن احتمال النجاة للنبي يحتم على علي(عليهالسلام) الإقدام على التضحية بنفسه، بكل سعادة ورضا؟!
إننا نرى أن هذا الأمر الأخير هو الأقرب إلى الواقع، ويشهد لذلك: أن علياً(عليهالسلام) قد سأل النبي(صلىاللهعليهوآله) سؤالاً واحداً، ولم يزد عليه، وهو أنه(صلىاللهعليهوآله) هل يسلم بذلك؟! فلما أجابه بالإيجاب فرح وضحك، وسجد لله شكراً.. ولم يسأل مثلاً عما مصيره هو، أو عما يجري عليه..
تغش ببردي الحضرمي:
وقد أمر النبي(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) بأن يتغشى ببرده الحضرمي.. ولعله أراد بذلك تكريس الوهم لدى المتآمرين بأن النبي(صلىاللهعليهوآله) نفسه لا يزال في فراشه، ربما لأن هذا البُرد كان معروفاً لديهم.
كيفية خروج النبي( صلىاللهعليهوآله) :
قد يقال: إذا كان خروج النبي(صلىاللهعليهوآله) من بين المجتمعين بصورة إعجازية، فلماذا يحتاج إلى أن ينام علي(عليهالسلام) على فراشه؟!
ونجيب:
بأن النبي(صلىاللهعليهوآله) خرج من بين المجتمعين حول بيته بصورة طبيعية لا إعجازية، لأنه استفاد من نفس الوسائل التي تقع تحت اختيار سائر الناس.. فالكل يحاول أن يستفيد من ظلام الليل للتستر والتخفي عن أنظار أعدائه، كما قد يستفيد من هبوب الريح في تلك الظلمة، لينثر على أعدائه تراباً يدخل في عيونهم، ويربكهم، ويظنون أن الريح هي التي أثارت ذلك التراب.
والكل يستفيد أيضاً من الآية المباركة لصرف أنظار أعدائه عنه..
فلم يزد النبي(صلىاللهعليهوآله) على الإستفادة مما هو ميسور لجميع الناس.
وجميع الناس أيضاً يحاولون أن يوهموا عدوهم بوجودهم في مكان، ولو بإضاءة المصباح، أو إبقاء أناس فيه، يظن العدو الراصد، أنهم هم بغيته، فكان نوم علي(عليهالسلام) على فراش رسول الله(صلىاللهعليهوآله) من هذا القبيل أيضاً..
كيف وصل أبو بكر إلى علي(عليهالسلام) ؟!:
وحين يواجهنا قولهم: إن أبا بكر جاء إلى علي وهو نائم على فراش النبي( صلىاللهعليهوآله) ، فسأله عنه، فقال له: إنه ذهب نحو بئر ميمونة.
فإننا نحتاج إلى الإجابة على الأسئلة التالية:
أولاً: كيف وصل أبو بكر إلى موضع رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، والرصد محيط بيته( صلىاللهعليهوآله) ، يراقب كل حركة فيه.. ويصغي
لكل حديث يدور، فيسمعه إلا ما كان منه همساً؟!
وقد علمنا: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) كان مضطراً للخروج من الباب الذي كان المتآمرون يتجمعون عنده، وقد خرج من بيته بطريقة خاصة، استطاع بها التشويش علىهم.. الأمر الذي يدل على أن لذلك البيت باباً واحداً لم يكن للنبي(صلىاللهعليهوآله) بد من الخروج منه، وكان على أبي بكر أن يستفيد من خصوص هذا الباب لدخوله وخروجه.. وكان المحدقون به ينظرون للنائم من خلل هذا الباب، ويرمونه بالحصى.. فكيف دخل أبو بكر وخرج، ولم يره المحدقون بالباب؟! ولا رأوه من الخلل الذي بالباب؟!
إلا إن كان قرارهم هو عدم التعرض للداخلين والخارجين إلا إذا كان الخارج هو رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ..
ولكن كيف يسمحون بدخول وخروج الأغيار، وهم يعلمون: أن الداخلين سوف يخبرون من في البيت عن الوضع المحيط به، وسيحذرونه مما ينتظره، وسيقترحون عليه المخارج من الوضع القائم..
ثانياً: لو تجاوزنا ذلك كله، فإن ثمة سؤالاً آخر وهو: ألم يسمع الجالسون على الباب ما دار بين علي(عليهالسلام) وأبي بكر؟! ألم يدركوا ولو من خلال اختلاف الأصوات أن الصوت هو صوت علي(عليهالسلام) ، لا صوت النبي( صلىاللهعليهوآله) .
ثالثاً: إذا كانوا ينظرون إلى النائم من خلل الباب، ويرمونه بالحصى،
ويرونه يتضور ويتقلب، فذلك يعني أن ثمة نوراً يكفي لرؤية هذه الأحوال، فكيف لم يعرفوا: أن النائم الذي خاطب أبا بكر ـ ولعله كشف رأسه له ورأوه ـ ليس هو النبي(صلىاللهعليهوآله) بل هو شخص آخر وهو علي(عليهالسلام) . إلا إن كانوا قد رموه بالحصى بعد طلوع الفجر، وانتشار بعض النور..
من أجل ذلك نقول:
إن الظاهر هو: أن أبا بكر لم يأت إلى بيت النبي( صلىاللهعليهوآله) ، ولعله التقى به في طريقه، فأخذه معه(1) . كما دلت عليه بعض الروايات.
تضور علي(عليهالسلام) :
وكان(عليهالسلام) يتضور ويتململ حين كان المشركون يرمونه بالحصى ولعله(عليهالسلام) كان يقصد ذلك، ربما لكي يتواصل شعورهم بوجوده بقربهم، وتتأكد طمأنينتهم وسكينتهم إلى ذلك.
أو لأنه أراد أن يذيقهم مرارة الندم على عدم تأكدهم من شخصية النائم، بعد أن أحسوا أنه يتصرف على خلاف ما عهدوه، ولذلك عبروا له عن أنهم قد لاحظوا أنه كان يتضور، ولم يكن النبي(صلىاللهعليهوآله) يفعل ذلك، حينما كانوا يرمونه..
____________
1- راجع: الخرائج والجرائح ج1 ص144 وبحار الأنوار ج19 ص73 وراجع ص61 عنه، والأمالي للشيخ الطوسي ج2 ص82 وغير ذلك.
لم يكن مع علي(عليهالسلام) سلاح:
وقد أظهرت النصوص المتقدمة: أن علياً(عليهالسلام) حين هوجم وهو نائم على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) استولى على سيف خالد بن الوليد، فلما حصل في يده صال عليهم، فانجفلوا من بين يديه إلى خارج البيت، ثم تبصّروه فعرفوه.. وانتهت القضية عند هذا الحد..
ونلاحظ هنا:
أولاً: إنه بالرغم من حصول السيف في يد علي(عليهالسلام) ، فإنه لم يقتل به أحداً منهم، بل اكتفى بدفعهم عن نفسه.
وهذا هو التصرف الحكيم والصحيح، إذ لو تجاوز الأمر ذلك، فربما تعقدت الأمور، واستبيحت دماء المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا لا يزالون في مكة، بما فيهم عائلة النبي( صلىاللهعليهوآله) ، وسائر بني هاشم..
ثانياً: إن استيلاء علي(عليهالسلام) على سلاح أحد المهاجمين، بل الذي كان في طليعتهم، وكانوا يشيعون عنه الكثير من الحكايات، ويمنحونه أوسمة البطولة بمناسبة وبغير مناسبة ـ إن هذا ـ قد صدمهم نفسياً، وهزمهم من داخلهم.. فهم قد جاؤا ليحسموا الأمور على أساس أن لا يعطوا في مقابل ذلك أي ثمن؛ فظهر لهم أن عليهم أن يدفعو أثماناً لم يهيئوا أنفسهم لدفعها.. وأن عليهم أن يعيدوا قراءة الواقع بصورة متأنية ودقيقة، فلم يبق أمامهم أي خيار سوى التراجع..
المبيت، والخلافة:
والغريب هنا: أن نجد أحد من عرف بتنكّره لخط الإمامة، والولاية، وبعيدة عن خط الشيعة والتشيع. يضطر لأن يعترف بأن قضية مبيته(عليهالسلام) على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة، من الإشارات الواضحة إلى خلافته(عليهالسلام) ، فيقول:
"هذا الذي كان من عليٍّ في ليلة الهجرة، إذا نظر إليه في مجرى الأحداث التي عرضت للإمام عليٍّ في حياته بعد تلك الليلة؛ فإنه يرفع لعيني الناظر إمارات واضحة، وإشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن عارضاً بالإضافة إلى عليّ، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها، فلنا أن نسأل:
أكان لإلباس الرسول(صلىاللهعليهوآله) شخصيته لعلي تلك الليلة ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين علي أكثر من جامعة القرابة القريبة التي بينهما؟!
وهل لنا أن نستشف من ذلك: أنه إذا غاب شخص الرسول كان علياً (كذا) هو الشخصية المهيأة لأن تخلف، وتمثل شخصه، وتقوم مقامه؟!
وأحسب أن أحداً قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه، ولم يقف عنده وقفتنا تلك حتى شيعة علي"(1) .
____________
1- علي بن أبي طالب، لعبد الكريم الخطيب 105 و 106.
قريش وعلي(عليهالسلام) :
1 ـ والملاحظ هنا: أن قريشاً لم تصر على أمير المؤمنين في استنطاقها له عن مكان ابن عمه.
وذلك لأنهم علموا: أنهم إنما يحاولون عبثاً، ويطلبون مستحيلاً، فإن من كان يحمل مثل هذا الإخلاص، ومثل هذه التضحية النادرة في التاريخ، لن يفشي لهم سراً قد ضحى بنفسه في سبيل كتمانه، لذلك نراهم قد أطلقوه وانصرفوا عنه يائسين(1) .
2 ـ لقد كان علي(عليهالسلام) في موقفه هذا تجاه النبي(صلىاللهعليهوآله) مثلاً أعلى للإنسانية الكاملة، فقد عرف الناس به معنى الإخلاص، وماهية التضحية، وحقيقة الإيمان.
حيث إنه يرى نفسه مقتولاً على كل حال، إما لظن المشركين أنه رسول الله، فيخبطوه بأسيافهم ضربة رجل واحد، وإما انتقاماً منه، حيث كان سبباً لخلاص من سفه أحلامهم، وعاب آلهتهم، وفرق جماعتهم، وهم يعرفون أيضاً حب النبي(صلىاللهعليهوآله) له ومنزلته منه، فإذا قتلوه فإنما يقتلون أخاه وابن عمه، والرجل المخلص الذي يفديه بنفسه(2) .
وأما انصرافهم عنه، بعد ظهور الأمر، فهو إما خوفاً منه، بعد أن رأوا
____________
1- راجع: حياة أمير المومنين "عليهالسلام " ص105 و 106.
2- المصدر السابق ص107 و 108.
ما فعله بخالد، وإما من أجل توفير الفرصة للبحث عن غريمهم الأصلي والأهم بالنسبة إليهم.
وهنا اشكال يورده خصوم علي(عليهالسلام) :
وهو أنه إذا كان علي(عليهالسلام) يعلم بأن حديث الدار يدل على أنه(عليهالسلام) لن يقتل في هذه الحادثة، بل سوف يعيش إلى ما بعد الرسول( صلىاللهعليهوآله) ، ليكون وصيه وخليفته من بعده، فلا تبقى له فضيلة في مبيته على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة.
والجواب:
أولاً: إن ذلك لا يمنع من حصول البداء في هذا الأمر. وبعبارة أخرى ان هذا الأمر خاضع للوح المحو والإثبات، والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فهو يخضع لشروط ويحتاج إلى فقد موانع ترجع إلى الإختيار: منها، ما صرح به النبي( صلىاللهعليهوآله) ، وهو المؤازرة والاستمرار والثبات عليها والإخلاص لله فيها..
ثانياً: إن ذلك لا يمنع من تعرضه(عليهالسلام) للجراح، وقطع الأعضاء، والأسر والتعذيب البالغ.
وهو أمر يخشاه الناس، ويتجنبونه.. إن نوم علي(عليهالسلام) ، على فراش الرسول( صلىاللهعليهوآله) ، في ظل هكذا ظروف حتى لو اخبره النبي( صلىاللهعليهوآله) ، بأنه سوف يسلم يعبر عن ايمان عميق وثقة بالله ورسوله وأنه في أعلى درجات اليقين، وإلا فهذا أبو بكر مع علمه بأن الله
سيحفظ نبيه وسيظهره على الدين كله لم يمنعه ذلك من إظهار الجزع الشديد والحزن مع ما رآه من آيات ومعجزات، وكذلك الكثير من الناس يعلمون أن الميت في قبره لا يملك أي ضر أو نفع ولكنهم يخافون من النوم بين المقابر، وما ذلك إلا لضعف اليقين والإيمان لديهم، وذلك ظاهر.
وقد تقدم قول علي(عليهالسلام) : في شعره:
وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
وسيأتي بعض ما يرتبط بذلك إن شاء الله..
علي وإسماعيل (عليهماالسلام ):
ولا يصح قياس استسلام علي(عليهالسلام) للموت هنا بحال إسماعيل(عليهالسلام) حين استسلم للذبح.. لأن إسماعيل قد استسلم لوالد شفيق، يجد في عطفه وحنانه، ورضاه ما يسليه عما ينزل به، أما علي فهو أمام عدو شرس قاس، وشامت لا يرحم، ولا يشفى غليله إلا سفك دمه، وصب أقسى أنواع التنكيل به، لأنه يرى أنه قد ضيع عليه فرصته، وأبطل كيده، وأفشل تدبيره..
فرح علي(عليهالسلام) وحزن أبي بكر:
ولابد أن نذكر القارئ الكريم بالفرق الشاسع بين من يحزن على نفسه، ويحتاج إلى من يسكنه.. وبين من يضحي بنفسه، من أجل حياة غيره، وينام على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) الذي احتوشته ذؤبان هائجة
بالسيوف القواطع، والصفاح اللوامع، ليقطعوه بها إرباً إرباً.
حتى إذا علم أن مبيته على هذا الفراش من موجبات سلامة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) تبسم(عليهالسلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً شكر الله.
ولم يسأل عما سوف يصيبه، ما دام أن الله تعالى ينجي نبيه بهذا المبيت المبارك.
فاستحق بذلك أن يباهي الله به ملائكته، وأن ينزل القرآن، ليخلد له هذا الموقف، ليكون عبرة لمن اعتبر إلى يوم القيامة.
آية الشراء نزلت في علي(عليهالسلام) :
وقد ورد: أن الله تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟!
فاختار كلاهما الحياة.
فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد( صلىاللهعليهوآله) ؛ فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة؟! اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوه.
فنزلا، فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله به الملائكة؟!
فأنزل الله عزوجل:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ
وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) "(2) .
____________
1- الآية 207 من سورة البقرة.
2- راجع: أسد الغابة ج4 ص25 والمستجـاد للتنوخي ص10 وثمرات الأوراق = = ص303 والبرهان ج1 ص207 وإحياء العلوم ج3 ص258 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص39 وكفاية الطالب ص239 وشواهد التنزيل ج1 ص97 ونور الأبصار ص86 والفصول المهمة لابن الصباغ ص31 وتذكرة الخواص ص35 عن الثعلبي، وتاريخ الخميس ج1 ص325 و 326 و458 وبحار الأنوار ج19 ص39 و 64 و 80 عن الثعلبي في كنز الفوائد، وعن الفضائل لأحمد ص124 و 125.
وهي أيضاً في: المناقب للخوارزمي ص74 وينابيع المودة ص92 عن ابن عقبة في ملحمته، وقال في حبيب السير ج2 ص11: إن ذلك مذكور في كثير من كتب السير والتاريخ.
والرواية موجودة أيضاً في: التفسير الكبير ج5 ص204 والجامع لأحكام القرآن ج3 ص21 والسيرة الحلبية ج3 ص168 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج1 ص159 وفرائد السمطين ج1 ص330 ومستدرك الحاكم ج3 ص4 وتلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس الصفحة، ومسند أحمد ج1 ص331 وترجمة الإمام علي "عليهالسلام " من تاريخ دمشق (تحقيق المحمودي) ج1 ص137 و138 ودلائل الصدق ج2 ص81 و 82 والأمالي للطوسي ج2 ص84 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص310 وراجع ص178 و 82. وراجع: الإرشاد للمفيد ص31 وروضة الواعظين ص107 وخصائص الوحي المبين ص94 و 93 وراجع ص91 والعمدة لابن البطريق ص240 وراجع ص238 ورواه في: غرائب القرآن للنيسابوري (بهامش جامع البيان) ج2 ص291 وراجع: المواهب اللدنية ج1 ص60 ونقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل ج1 = = ص97 عن غاية المرام ص346 باب45 وعن تفسير أبي الفتوح الرازي ج2 ص152 ونقله المرعشي في ملحقات إحقاق الحق والتعليقات عليه ج3 ص24 ـ 34 وج8 ص339 وج6 ص479 و 481 وج20 ص109 ـ 114 وج14 ص116 عن عدد ممن قدمنا.
وعن المصادر التالية: اللوامع ج2 ص376 و 375 و 377 عن المجمع والمباني، وعن أبي نعيم والثعلبي وغيرهم، وعن البحر المحيط ج2 ص118 وعن معارج النبوة ج1 ص4 وعن مدارج النبوة ص79 وعن مناقب المرتضوي ص33 وعن روح المعاني ج2 ص73 عن الإمامية وبعض من غيرهم، وعن مرآة المؤمنين ص45 وعن تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب البغدادي ج1 ص414 وعن إمتاع الأسماع ص38 وعن مقاصد الطالب ص7 وعن وسيلة النجاة ص78 وعن المنتقى للكازروني (مخطوط) ص79 وعن روض الأزهر ص371 وعن أرجح المطالب ص70 و 507 و 407 وعن إتحاف السادة المتقين ج8 ص202 وعن مفتاح النجا في منـاقـب آل العبـا (مخطوط) ص23 وعن روض الأحباب للهروي ص185 وعن تفسير الثعلبي، وعن السيرة المحمدية للكازروني (مخطوط)، وعن مكاشفة القلوب ص42 وعن توضيح الدلائل (مخطوط) ص154 وعن الكوكب المضي (مخطوط) ص45 وعن غاية المرام في رجال البخاري سيد الأنام (مخطوط) ص71 وعن الكشف والبيان وعن المختار في مناقب الأخيار (مخطوط) ص4 وعن مناهج الفاضلين للحمويني (مخطوط).
وقـال ابن شهرآشوب: إن هذا الحـديث قـد رواه الثعلبي، وابن عاقب في ملحمته = = وأبو السعادات في فضائل العشرة، والغزالي في الإحياء، وفي كيمياء السعادة عن عمار، وابن بابويه، وابن شاذان والكليني، والطوسي، وابن عقدة، والبرقي، وابن فياض، والعبدلي، والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس، وأبي رافع وهند بن أبي هالة.
والغدير ج2 ص48 عن بعض من تقدم، وعن: نزهة المجالس ج2 ص209 عن السلفي. وأشار إليه مغلطاي في سيرته31 والمستطرف، وكنوز الحقائق ص31.
قال الإسكافي: "وقد روى المفسرون كلهم: أن قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ.. ) نزلت في علي(عليهالسلام) ليلة المبيت على الفراش"(1) .
ونقول:
إن المباهات بعلي(عليهالسلام) ، أمام الملائكة وإنزال أفضلهم لحراسته(عليهالسلام) ، ليلة مبيته على فراش رسول الله "(صلىاللهعليهوآله) "..
____________
1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص262.
يعطي المعنى العميق لمرامي قوله تعالى في سورة البقرة:( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) (1) ..
فإن جعل الخليفة إنما هو لإظهار حقيقة النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلي(عليهالسلام) ، وأهل البيت صلوات الله عليهم. وعلى الملائكة أن يدركوا أن هناك خلقاً لا يمكن أن تبلغه العقول، وأن أعظم الملائكة شأناً واسماهم مقاماً وفضلاً، لا يزيد على حد أن يكون من حراس واتباع ومحبي واحد من هؤلاء.. ولو لأجل موقف واحد من مواقفه.. فضلاً عن سائر مقاماته، كضربته يوم الخندق.. وغير ذلك..
كذبة مفضوحة:
وإن المصادر التي ذكرناها عن قريب، وقول الاسكافي المتقدم حول نزول آية الشراء في علي(عليهالسلام) ، يظهر أن ابن روزبهان قد كذب في
____________
1- الآيات 30 حتى 33 من سورة البقرة.
قوله:
إن أكثر المفسرين قالوا: إن هذه الآية نزلت في الزبير والمقداد، حين أرسلهما النبي(صلىاللهعليهوآله) إلى مكة لينزلا جثة خبيب بن عدي عن الخشبة التي صلبه المشركون عليها. فأنزلاه. وكان حول خشبته أربعون رجلاً من المشركين.
ويذكر المظفر: أن المفسرين لم يذكروا نزولها في الزبير والمقداد، ولم يذكر ذلك حتى السيوطي، والرازي، والزمخشري في كشافه، مع أن السيوطي ذكر عامة رواياتهم، والرازي جمع في تفسيره كل أقوالهم..
وذكر في الإستيعاب في ترجمة خبيب: أن الذي أنزل خبيباً هو عمرو بن أمية الضمري..
وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم( صلىاللهعليهوآله) ، وقلنا: إن ما قالوه في هذا المقام غير صحيح، فراجع..
ابن تيمية ماذا يقول؟!:
وقد أنكر "ابن تيمية" على عادته في إنكار الواضحات والثوابت من فضائل أمير المؤمنين علي(عليهالسلام) نزول آية الشراء في علي(عليهالسلام) وقال:
"كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير.
وأيضاً قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له: لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، فلم يكن فيه فداء بالنفس، ولا إيثار بالحياة، والآية المذكورة، في سورة البقرة. وهي مدنية باتفاق.
وقد قيل: إنها نزلت في صهيب "رضي الله عنه" لما هاجر"(1) .
ونقول:
1 ـ إن كانت الآية مدنية بالنسبة إلى علي(عليهالسلام) ، فهي أيضاً مدنية بالنسبة إلى صهيب، فما يقال هناك يقال هنا.
2 ـ لقد أجاب الإسكافي المعتزلي على دعوى الجاحظ: أنه(صلىاللهعليهوآله) قال لعلي(عليهالسلام) : لن يصل إليك شيء تكرهه! فقال:
"هذا هو الكذب الصراح، والإدخال في الرواية ما ليس منها، والمعروف المنقول أنه(صلىاللهعليهوآله) قال له: "فاضطجع في مضجعي، وتغش ببردي الحضرمي، فإن القوم سيفقدونني، ولا يشهدون مضجعي، فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك، حتى يصبحوا، فإذا أصبحت فاغد في أمانتي".
ولم ينقل ما ذكره الجاحظ، وإنما ولده أبو بكر الأصم، وأخذه الجاحظ، ولا أصل له.
ولو كان هذا صحيحاً لم يصل إليه منهم مكروه، وقد وقع الإتفاق على
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص27 و (ط دار المعرفة) ج2 ص192.
أنه(عليهالسلام) ضرب، ورمي بالحجارة قبل أن يعلموا من هو، حتى تضور، وأنهم قالوا له: رأينا تضورك الخ.."(1) .
هذا وقد تقدم في أوائل هذا الفصل: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) إنما قال لعلي(عليهالسلام) : إنه لا يصل إليه شيء يكرهه، حينما التقى معه في الغار، وأمره برد ودائعه، وأن ينادي في مكة بذلك، وطمأنه إلى أن نداءه هذا لن يتسبب له بمتاعب وصعوبات وليس المقصود: أنه لن يناله مكروه من أي مشرك في جميع الأحوال والأزمان.
3 ـ ويدل على أنه كان(عليهالسلام) موطناً نفسه على القتل ما يلي:
ألف: لو صح ما ذكره ابن تيمية لم يكن معنى للافتخار بموقفه ذاك؛ فقد روي أن عائشة فخرت بأبيها، ومكانه في الغار مع الرسول( صلىاللهعليهوآله) ، فقال عبد الله بن شداد بن الهاد: وأين أنت من علي بن أبي طالب، حيث نام في مكانه، وهو يرى أنه يقتل؟! فسكتت، ولم تحر جواباً(2) .
ب: عن أنس: أنه(عليهالسلام) كان موطناً نفسه على القتل(3) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص263. وراجع: قاموس الرجال للتستري ج12 ص97 والعثمانية للجاحظ (تحقيق عبد السلام محمد هارون) ص326.
2- أمالي الشيخ الطوسي ج2 ص62 وبحار الأنوار ج19 ص56 عنه.
3- المصدران السابقان.
ج: إن علياً(عليهالسلام) نفسه قد أكد على هذا، ودفع كل شبهة فيه، حينما قال في شعره المتقدم:
وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى ومن طاف بالبيت العتيق بالحجر
إلى أن قال:
وبت أراعيهم متى يثبتونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في الغار آمناً هناك وفي حفظ الإله وفي ستر(1)
د: وعنه(عليهالسلام) : "وأمرني أن أضطجع في مضجعه، وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له، مسروراً لنفسي بأن أقتل دونه، فمضى(صلىاللهعليهوآله) لوجهه، واضطجعت في مضجعه،
وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي( صلىاللهعليهوآله) ، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي؛ فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس.
____________
1- نور الأبصار ص86 وشواهد التنزيل ج1 ص102 ومستدرك الحاكم ج3 ص4 وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، وأمالي الشيخ الطوسي ج2 ص83 = = وتذكرة الخواص ص35 وفرائد السمطين ج1 ص330 ومناقب الخوارزمي ص74 و 75 والفصول المهمة لابن الصباغ ص31 وبحار الأنوار ج19 ص63 وتاريخ الخميس ج1 ص325. والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) والمصادر لهذا الشعر كثيرة جداً لا مجال لتتبعها.
ثم أقبل على أصحابه، فقال: أليس كذلك، قالوا: بلى يا أمير المؤمنين"(1) .
وقيل: إنهم ضربوا علياً، وحبسوه ساعة، ثم تركوه(2) .
ملاحظة:
يمكن أن يفهم مما تقدم: أن الحديث الذي يقول: إنه(عليهالسلام) قد حاربهم بسيف خالد موضع شك وريب، لأنه إنما حاربهم بسيفه هو لا بسيف خالد.
إلا أن يقال: أن نسبته إليه لا تدل على ملكيته له.
أو يقال: لعله حاربهم بسيفه أولاً، ثم بسيف خالد ثانياً بعد أن أخذه منه، أو العكس وإن كان هذا القول ضعيفاً.
4 ـ وبعد، فإن قيمته(عليهالسلام) كامنة وقائمة في عمق ذاته، من حيث صفاء جوهره، تماماً كما هي قيمة الذهب والجوهر، والألماس، بالقياس إلى الحديد والنحاس، فإنك تستخدم الحديد، وتستفيد منه ليل نهار، أما الجوهر والألماس، فإنه يحتفظ بقيمته العالية رغم أنه مودع في أعماق الخزائن، وقد لا يستفاد منه في شيء من الأعمال إلا ما شذ وندر.
ولأجل ذلك نقول: إن نزول الآية لتعظيم أمير المؤمنين(عليهالسلام) يصح، حتى لو لم يكن علي حاضراً في واقعة ليلة الهجرة، لأن من شؤون
____________
1- بحار الأنوار ج19 ص45 عن الخصال ج2 ص14 و 15.
2- تاريخ الخميس ج1 ص325.
وخصائص علي(عليهالسلام) أنه يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، دون كل أحد سواه.
5 ـ وأما دعوى ابن تيمية: أن حديث حراسة جبرائيل وميكائيل له(عليهالسلام) ، ونزول الآية فيه، كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير.
فلا تصح أصلاً، إذ لم نجد أحداً منهم صرح بكذب هذه الرواية سواه، فهو يدعي عليهم ما لا يعرفون، وينسب إليهم ما هم منه بريئون.
بل قد عرفت تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الحديث، وتقدم أيضاً: أن طائفة كبيرة من الحفاظ والعلماء قد رووه من دون غمز أو لمز فيه.
إلا أن يكون شيطان ابن تيمية قد أوحى إليه بأن ينسب إليهم ما هم منه براء.
6 ـ وأجاب الحلبي عن كلام ابن تيمية بقوله: "..لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه(صلىاللهعليهوآله) قال لعلي ما ذكر؛ أي لن يصل إليك شيء تكرهه، وعليه فيكون فداؤه للنبي بنفسه واضحاً.
ولا مانع من تكرار نزول الآية في حق علي، وفي حق صهيب. وحينئذٍ يكون "شرى" في حق علي(عليهالسلام) بمعنى باع، أي باع نفسه بحياة المصطفى، وفي حق صهيب بمعنى اشترى، أي اشترى نفسه بماله.
ونزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية؛ لأن
الحكم يكون للغالب"(1) . انتهى.
ولكن بعض ما أجاب به الحلبي محل نظر؛ فإن استعمال شرى بمعنى باع تارة وبمعنى اشترى أخرى محل نظر؛ لأنه يلزم منه استعمال المشترك في أكثر من معنى، وقد منعه طائفة من العلماء.
فإذا لم نجز استعمال المشترك في معنيين لم يصح كلام الحلبي حتى وإن كانت الآية قد نزلت مرتين لأن محل الكلام إنما هو في قراءتنا نحن للآية، وكيفية فهمنا لها.
أما نحن فنرى: أنه لا مانع من ذلك؛ إلا ما كان من قبيل الاستعمال في المعنى الحقيقي والمجازي معاً. لأن المجاز يحتاج إلى القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي. فلا يمكن أن تجتمع معه.. لحصول التكاذب والتناقض.
وشاهدنا على ذلك صحة التورية وشيوعها في كلام العرب.
هذا عدا عن أن صهيباً لا خصوصية له في بذله ماله، فإن كثيراً من المهاجرين قد تخلوا عن أموالهم للمشركين، وهاجروا فراراً بدينهم.
7 ـ إن قوله(صلىاللهعليهوآله) لن يصلوا إليك من الآن بشيء تكرهه: إنما كان بعد أن ذهب الطلب عن النبي( صلىاللهعليهوآله) ، لا قبل ذلك.. كما أن المراد به هو نفي حصول الأذى له في خصوص واقعة الهجرة. أما بعد ذلك فلم يكن محط النظر..
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص27.
كما أنه يدل على أن الفترة التي كانت قبل صدور هذا القول لم تكن مأمونة من حدوث ما يكره حدوثه.
8 ـ قولهم إن سورة البقرة مدنية، ولو صح نزول الآية في علي(عليهالسلام) لكانت مكية. غير مقبول، فإن نزول الآية لو سلم أنه كان في نفس ليلة المبيت، فمن الواضح أن النبي(صلىاللهعليهوآله) كان حينئذٍ في الغار، وليس معه سوى أبي بكر؛ فلم يكن ثمة مجال للإعلان بنزول الآية إلا بعد وصوله(صلىاللهعليهوآله) إلى المدينة، واستقراره فيها، ثم إتاحة الفرصة له في الظرف المناسب لإظهار هذه الفضيلة العظيمة لابن عمه ووصيه.
أما آية الغار فيمكن أن تكون قد نزلت في السنة التاسعة أو العاشرة، لأجل إبطال بعض الإشاعات وزعمهم أن الحضور في الغار كان فضيلة لأبي بكر.
فلا بأس أن تعد بهذا الاعتبار مدنية، وتجعل في سورة البقرة، التي كان نزولها في مطلع الهجرة، كما هو معلوم.
هذا بالإضافة إلى أن وجود آية مكية في سورة مدنية ليس بعزيز.
وأما ما ذكره الحلبي من تكرر نزول الآية فلا دليل عليه، بل الأدلة الآنفة تدفعه وتنافيه.
قصة صهيب لا تصح:
وقد ذكروا: أن آية( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ
اللهِ ) (1) قد نزلت في صهيب الرومي، حيث أراد الهجرة، فمنعه المشركون من ذلك حتى بذل لهم ماله. فلما التقى بالنبي(صلىاللهعليهوآله) في قباء، قال له النبي( صلىاللهعليهوآله) : ربح البيع، أو نحو ذلك، فنزلت الآية(2) .
وهذا لا يصح، وقد ناقشنا ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم( صلىاللهعليهوآله) (3) فيمكن الرجوع إلى ذلك الكتاب، لكننا نكتفي هنا بما يلي:
أولاً: إن الآية تثني على من بذل نفسه ابتغاء مرضات الله، لا من بذل ماله..
ثانياً: إنهم يذكرون: انه لم يتخلف مع النبي(صلىاللهعليهوآله) أحد من المهاجرين إلا حبس أو فتن، إلا علياً وأبا بكر(4) .
____________
1- الآية 202 من سورة البقرة.
2- راجع: الإصابة: ج2 في ترجمة صهيب، والسيرة الحلبية ج2 ص23 و 24 والدر المنثور ج1 ص204 عن ابن سعد، وابن أبي أسامة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبي نعيم في الحلية، وابن عساكر، وابن جرير، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، وابن أبي خيثمة، وفي النصوص اختلاف.
3- الصحيح من سيرة النبي الأعظم " صلىاللهعليهوآله" ج4 ص223 فما بعدها.
4- السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص123 وسيرة مغلطاي ص31.
ثالثاً: إن مفاد آية الشراء هو الثناء على من نزلت في حقه ولم يكن صهيب بالذي يستحق ذلك كما أظهرته الوقائع(1) .
علي(عليهالسلام) يتعاهد النبي(صلىاللهعليهوآله) في الغار:
ويقولون: إن النبي(صلىاللهعليهوآله) مكث في الغار حتى ذهب الطلب عنه. وكان أمير المؤمنين(عليهالسلام) يأتي النبي(صلىاللهعليهوآله) بالطعام والشراب في تلك الفترة(2) .
وهذا هو المتوقع، والأمرالطبيعي، حيث إن علياً(عليهالسلام) ـ وحده ـ الذي كان يعلم إلى أين توجه النبي( صلىاللهعليهوآله) .
ولا يصح ما زعموه من أن أسماء بنت أبي بكر هي التي هيأت للنبي(صلىاللهعليهوآله) ولأبي بكر زادهما، وكانت تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام..
وادعوا أنها سميت بذات النطاقين، لأنها قطعت نطاقها قطعتين، فشدت فم الجراب الذي فيه الشاة المطبوخة بواحدة، وشدت فم القربة
____________
1- راجع: ترجمة صهيب في قاموس الرجال وغيره..
2- راجع: ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص138 واعلام الورى ص190 وبحار الأنوار ج19 ص84 عنه، وتيسير المطالب في أمالي أبي طالب ص75.
بالأخرى..
وكذا لا يصح ما زعموه: من أن عامر بن فهيرة كان يروح على النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلى أبي بكر، بمنحة غنم لأبي بكر، كان يرعاها ليحلب لهما.
ولا يصح أيضاً قولهم: إن عبد الله بن أبي بكر كان يأتيهما بالأخبار من مكة إلى الغار(1) .
نعم لا يصح هذا.. ولا ذاك، ولا ذلك..
أولاً: لأن هؤلاء: أسماء، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أبي بكر، لم يكونوا يعرفون إلى أين توجه رسول الله(صلىاللهعليهوآله) وأبو بكر. بل ادّعوا: إن علياً(عليهالسلام) هو الذي أعلم أبا بكر بالجهة التي قصدها رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة، فلحقه في الطريق، وذهب معه إلى الغار، ولم ينقل أنه رجع إلى بيته فأخبرهم بمقصده ومسيره.
ثانياً: ادعوا: أن هاتفاً من الجن أخبر عائلة أبي بكر بمسيرهما إلى المدينة في أبيات أنشدها، وذلك في اليوم الثاني من خروجهما من الغار(2) .
ثالثاً: قد احتج علي(عليهالسلام) بهذا الأمر في يوم الشورى، فقال:
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص39 والسيرة النبوية لابن هشام وكنز العمال (ط الهند) ج22 ص210 عن البغوي وابن كثير.
2- السيرة الحلبية ج2 ص51.
"نشدتكم بالله، هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله الطعام وهو في الغار، ويخبره الأخبار غيري؟!
قالوا: لا.."(1) .
رابعاً: ذكروا أيضاً: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) أرسل إلى علي(عليهالسلام) يطلب منه أن يبعث إليه براحلة وزاد، ففعل.. وأرسل أبو بكر يطلب من ابنته ذلك، فأرسلت إليه بزاد وراحلتين، أي له، ولعامر بن فهيرة(2) .
ولعل هاتين الراحلتين هما اللتان اشتراهما علي لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) من أبي بكر حسبما تقدم(3) . فيكون أبو بكر قد هاجر على راحلة اشتراها الرسول من أبي بكر نفسه!
وثمة مناقشات أخرى لأقاويلهم الآنفة الذكر، فراجع حديث الهجرة في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلىاللهعليهوآله) الجزء الرابع.
____________
1- الإحتجاج (ط النجف) ج1 ص204.
2- اعلام الورى ص63 وبحار الأنوار ج19 ص70 و 75 عنه، وعن الخرائج والجرائح، وعن قصص الأنبياء.
3- ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص138 والدر المنثور، وفي تيسير المطالب ص75 أنه استأجر الرواحل الثلاث.
شراء الرواحل:
وذكرت الروايات: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) اشترى من أبي بكر الراحلة أو الراحلتين اللتين هاجرا عليهما(1) .
لكن نصاً آخر يقول: إن أمير المؤمنين(عليهالسلام) اشترى للنبي(صلىاللهعليهوآله) ثلاثاً من الإبل، واستأجر الأُريقط بن عبد الله، وأرسل الإبل معه إلى النبي(صلىاللهعليهوآله) ليلة الخروج من الغار(2) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج19 ص62 والأمالي للطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص467 والغدير ج8 ص52 ووفاء الوفاء ج1 ص237 والدرجات الرفيعة ص411 وحلية الأبرار ج1 ص146 وأعيان الشيعة ج1 ص237 و 376 والميزان ج9 ص81 وكشف الغمة ج2 ص31. وراجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج7 ص39 وعمدة القاري ج17 ص40 وج21 ص309 والمصنف للصنعاني ج5 ص387 وتفسير البغوي ج2 ص294 والدر المنثور ج3 ص244 وتفسير الآلوسي ج10 ص103 والثقات لابن حبان ج1 ص117 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص320 والبداية والنهاية ج3 ص225 وإمتاع الأسماع ج8 ص317 وعيون الأثر ج1 ص242 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص245.
2- ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص138 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص300 والغدير ج8 ص52 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص212 وفي تيسير المطالب ص75 أنه استأجر الرواحل الثلاث.
ولعله(عليهالسلام) قد اشترى تلك الرواحل من أبي بكر، أو من غيره. وربما كان النبي(صلىاللهعليهوآله) يحتاج إلى ذلك كله ليحمل معه أبا بكر أيضاً والزاد الذي يحتاجان إليه في ذلك السفر الطويل.
غير أن سؤالاً يبقى يتلجلج في الصدر عن سبب رفض النبي الإستفادة من مال أبي بكر، بل هو يريد ان تكون هجرة أبي بكر أيضاً على نفقته، فهل كان لا يرى أن ذلك المال كان حلالاً، أم أنه لا يريد أن تكون له منة عليه؟! أم ماذا؟!
وصية النبي(صلىاللهعليهوآله) بفاطمة(عليهاالسلام) :
وصرحت الروايات المتقدمة: بأنه(صلىاللهعليهوآله) أوصى علياً(عليهالسلام) بابنته فاطمة(عليهاالسلام) ، وأمره أن يبتاع رواحل له، وللفواطم، ولمن أزمع الهجرة معه من بني هاشم.
ونقول:
أولاً: إن هذا النص يعطي: أنه لم تكن للنبي(صلىاللهعليهوآله) بنت يفترض أن يهتم بشأنها سوى فاطمة(عليهاالسلام) .. ولأجل ذلك أمره بأن يأتي، وجعل الله تعالى خليفته عليهما، وأمره أن يشتري رواحل له ولها، ولسائر الفواطم لأجل الهجرة، فلو كانت أم كلثوم بنتاً لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) لكان ذكرها، وأوصى بها، وأمر علياً بشراء راحلة لها لتهاجر عليها..
وقد تحدثنا عن ذلك في كتبنا المختلفة، مثل بنات النبي(صلىاللهعليهوآله) لا ربائبه والقول الصائب، والبنات ربائب وغير ذلك.
ثانياً: إن هذا الدعاء النبوي لعلي(عليهالسلام) ولفاطمة قد جاء في سياق واحد، جاعلاً علياً خليفته على فاطمة مما يعني التطبيق العملي لقوله(صلىاللهعليهوآله) في حديث إنذار العشيرة، وخليفتي من بعدي.. وحتى لو كان(صلىاللهعليهوآله) قد قال: وخليفتي في أهلي، فإنه يؤدي نفس معنى الخلافة في الأمة، كما أوضحناه حين الحديث عن هذا الموضوع، فإن الخلافة في الأهل إذا كانت تشمل البالغين المكلفين، كان معناها الولاية العامة، لا مجرد الولاية التي تكون للرجل على أبنائه..
والخلاصة: أنه(صلىاللهعليهوآله) صرح بخلافة علي(عليهالسلام) على فاطمة، وقد كان يمكن أن يوصيه بالإتيان بها مع الفواطم من دون أن يجعله خليفة عليها.. ثم عقب ذلك بأنه يجعل الله خليفة عليها وعليه.. ربما لكي يفهمنا بصورة أوضح وأصرح أن مراده بالخلافة هنا تولي الأمر، من جميع الجهات.
أداء الأمانات:
وإن إبقاء علي(عليهالسلام) في مكة لأداء الأمانات، ورد الودائع للناس، في مثل هذه الظروف الحساسة والخطيرة جداً، لهو من أروع المواقف المعبرة عن الإلتزام بالقيم، وبالمثل والمبادئ، فلا تجد أي أثر لالتماس المعذرات، وانتهاز الفرص، حتى حين تكون متوفرة له، وتكون
الظروف الصعبة ملحة عليه بهذا المستوى من الإلحاح.
واللافت هنا: أنه(صلىاللهعليهوآله) أمر علياً بأن يؤدي الأمانات على أعين الناس ظاهراً، بل صارخاً بالناس ثلاثة أيام، بالأبطح، يطلب منهم الحضور لأخذها، وذلك ليعطيهم درساً بليغاً في الصدق مع الذات، وليضعهم أمام أنفسهم، وفي مواجهة وجدانهم، ليرى الجميع تناقضاتهم في سلوكهم، وكيف أن باءهم تجر المنافع لأنفسهم، ولا تجرهم إلى الإعتراف بالحق، والبخوع والخضوع له..
كما أن هذا الظهور العلني لعلي(عليهالسلام) ، له معناه ومغزاه في كبت الأعداء، واكتوائهم بنار الخيبة والحسرة..
يكيدون النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلياً(عليهالسلام) :
روي: أن عمير بن وابل الثقفي أمره حنظلة بن أبي سفيان أن يدعي على علي(عليهالسلام) ثمانين مثقال من الذهب وديعة عند محمد( صلىاللهعليهوآله) ، وأنه هرب من مكة، وأنت وكيله، فإن طلب بينة الشهود، فنحن معشر قريش نشهد عليه. وأعطوه على ذلك مائة مثقال من الذهب، منها: قلادة عشرة مثاقيل لهند.
فجاء وادعى على علي(عليهالسلام) ، فاعتبر الودايع كلها. ورأى عليها أسامي أصحابها ولم يكن لما ذكره عمير خبراً، فنصح له نصحاً كثيراً.
فقال: إن لي من يشهد بذلك، وهو أبو جهل، وعكرمة، وعقبة بن أبي معيط، وأبو سفيان، وحنظلة.
فقال(عليهالسلام) : مكيدة تعود إلى من دبرها، ثم أمر الشهود أن يقعدوا في الكعبة. ثم قال لعمير: يا أخا ثقيف، أخبرني الآن حين دفعت وديعتك هذه إلى رسول الله أي الأوقات كان؟!
قال: ضحوة نهار. فأخذها بيده ودفعها إلى عبده.
ثم استدعى بأبي جهل وسأله عن ذلك، قال: ما يلزمني ذلك.
ثم استدعى بأبي سفيان، وسأله، فقال: دفعها عند غروب الشمس. وأخذها من يده وتركها في كمه.
ثم استدعى حنظلة، وسأله عن ذلك، فقال: كان عند وقت وقوف الشمس في كبد السماء. وتركها بين يديه إلى وقت انصرافه.
ثم استدعى بعقبة، وسأله عن ذلك، فقال: تسلمها بيده، وأنفذها في الحال إلى داره، وكان وقت العصر.
ثم استدعى بعكرمة، وسأله عن ذلك، فقال: كان بزوغ الشمس. أخذها فأنفذها من ساعته إلى بيت فاطمة.
ثم أقبل على عمير وقال له: أراك قد اصفر لونك وتغيرت أحوالك.
قال: أقول الحق، ولا يفلح غادر. وبيت الله، ما كان لي عند محمد وديعة، وإنهما حملاني على ذلك. وهذه دنانيرهم، وعقد هند عليها اسمها مكتوب.
ثم قال علي(عليهالسلام) : إيتوني بالسيف الذي في زاوية الدار. فأخذه وقال: أتعرفون هذا السيف؟!
فقالوا: هذا لحنظلة.
فقال أبو سفيان: هذا مسروق.
فقال(عليهالسلام) : إن كنت صادقاً في قولك فما فعل عبدك مهلع الأسود؟!
قال: مضى إلى الطائف في حاجة لنا.
فقال: هيهات أن يعود تراه، ابعث إليه أحضره إن كنت صادقاً.
فسكت أبو سفيان. ثم قام(عليهالسلام) في عشرة عبيد لسادات قريش، فنبشوا بقعة عرفها، فإذا فيها العبد مهلع قتيل. فأمرهم بإخراجه.
فأخرجوه وحملوه إلى الكعبة. فسأله الناس عن سبب قتله.
فقال: إن أبا سفيان وولده ضمنوا له رشوة عتقه، وحثَّاه على قتلي، فكمن لي في الطريق، ووثب عليَّ ليقتلني، فضربت رأسه وأخذت سيفه، فلما بطلت حيلتهم أرادوا الحيلة الثانية بعمير.
فقال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله(1) .
____________
1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليهالسلام " ص25 و26 عن الطبري، وابن شهرآشوب، والواقدي. ومناقب آل أبي طالب ج2 ص175 وبحار الأنوار ج40 ص219 ومستدرك الوسائل ج17 ص384 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص106.
ونقول:
يلاحظ هنا ما يلي:
سياسة المداراة:
إنه(عليهالسلام) لم يبادر إلى زجر المدعي كذباً وتيئيسه من متابعة البحث في القضية التي أثارها، لأن ذلك معناه: خروج عمير إلى الناس، ليعلن أن محمداً(صلىاللهعليهوآله) قد خان الأمانة وذهب بالمال. زاعماً: أن عدم وجدان علي(عليهالسلام) ما ادعاه عمير بين الأمانات ليس معناه أنه كاذب فيما يدعيه، إذ لا شيء يثبت انحصار ودائع الناس بهذا الموجود بين يدي علي(عليهالسلام) .
ينصحه أولاً:
إنه(عليهالسلام) بادر إلى نصيحة ذلك المدعي زوراً، وبالغ فيها، وأكثر منها كي يعيده إلى توازنه، ويوقظ وجدانه، قبل فوات الأوان.
وليبقى أثر هذه النصيحة في نفسه، حين يظهر البرهان القاطع كذبه في دعواه، ليكون ندمه أعظم، وألمه أشد. وليشعر بإحسان علي(عليهالسلام) إليه، وحرصه عليه، حتى وهو يفتري على أقدس وأوفى الناس.
اليقين بالنتائج:
إن علياً(عليهالسلام) بعد أن يئس من إنابة ذلك المدعي إلى رشده، واستشهد بمن شهدوا له، أعلن أمرين:
أحدهما: أنه يواجه مكيدة مدبرة ظهرت له من نفس عرض المدعي شهادة هؤلاء المعلنين بالعداوة للرسول، والمعروفين بسعيهم لإسقاطه بأية طريقة كانت، ولو بالدس والإفتراء.
ودلَّه على الإفتراء في دعواه أيضاً: يقينه بصدق النبي, وبأمانته التي يشهد بها جميع أهل مكة، حتى سموه بالصادق الأمين..
ومجرد أن لا يجد(عليهالسلام) تلك الأمانة في جملة الأمانات الموجودة لديه لا يدع عنه مجالاً لأي شك أو شبهة بكذب ذلك الشخص فيما يدعيه الرسول.
الثاني: أنه(عليهالسلام) أخبر بالنتيجة سلفاً، وهي: أن المكيدة ستعود إلى من دبرها، وقد تحقق ذلك بالفعل، لأنه عالم بالطرق الصحيحة والمشروعة، التي من شأنها كشف الحقيقة للناس، وقد مارسها حتى انكشفت هذه الحقيقة بالفعل.
السؤال هو المشكلة:
واللافت هنا: أنه(عليهالسلام) قد طرح على الشهود سؤالاً لا يستطيع المدعي أن يتكهن بما سيجيب عنه كل واحد منهم، ولا يمكنه أن يصده عنه، لا بإشارة، ولا بعبارة.
اصفر لونك:
إنه(عليهالسلام) لم يواجه ذلك المدعي للباطل بالتكذيب، حتى بعد
أن ظهر كذبه، بل قال له: أراك قد اصفر لونك، وتغيرت أحوالك. لأن مواجهته بالقسوة ستدعوه للمكابرة، وافتعال مشكلة تستطيع أن تصرف الأنظار عن قبح ما أتاه، وتشحن الأجواء بروائح كريهة، مفعمة بالتحدي والعداء، الأمر الذي يجعل هذا المفتري محقاً في ما يدعيه بنظر الناس.. ويبرر للناس هذا الموقف الرديء، لأنهم يزعمون أن للعدو أن يكافح عدوه بمختلف الوسائل المتاحة له.
ولكن رفقه(عليهالسلام) به، بعد نصيحته المتقدمة له قد دفعت ذلك المفتري إلى الإعتراف بغدره، وبتواطئه مع أولئك المسرفين على أنفسهم ضد رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .
سيف حنظلة:
وفي هذا الظرف بالذات، وقبل أن يستفيق المتآمرون من الصدمة، فاجأهم(عليهالسلام) بإظهار سيف حنظلة بن أبي سفيان، وعرضه عليهم، وبدا كأنه يريد أن يتعرف على صاحب السيف ويرده إليه.
فعرف الحاضرون السيف.
فاغتنمها أبو سفيان فرصة للتخلص من الموقف البالغ في حراجته، فأراد صرف الأنظار إلى جهة أخرى ربما يتمكن من خلالها من اتهام علي(عليهالسلام) بما يشينه، فبادر إلى ادعاء: أن السيف مسروق. ربما لِيُتْبِعَ ذلك مباشرة بأنه يتهم علياً(عليهالسلام) بسرقته. فإن كانوا هم قد شهدوا شهادة زور، فإن علياً(عليهالسلام) قد ارتكب جريمة السرقة، والعياذ
بالله..
أين عبدك مهلع:
وكأن علياً(عليهالسلام) كان بانتظار هذه الكلمة من أبي سفيان. فأورد عليه سؤاله الأصعب عن عبده "مهلع". فكذب عليه أبو سفيان في الجواب. ليتستر على محاولة اغتياله، فلا تجتمع عليه فضيحتان:
إحداهما: السعي لاغتيال الأبرياء، من دون أي مبرر.
والآخر: المكيدة التي دبرها، واتخذ فيها صفة شاهد الزور.
ثم إنه(عليهالسلام) أعلن للناس بالحقيقة، وقدم لهم الشاهد والدليل الذي لا دافع له.. وكانت الفضيحة أكبر، والخزي أشد وأعظم..
السياسة الحكيمة:
وبعد.. فإن من الأمور الجديرة بالملاحظة هنا: أننا نجد أمير المؤمنين علياً وكذلك أبناءه من بعده(عليهمالسلام) يبادرون إلى أمور من شأنها تفويت الفرصة على مزوري التاريخ من أعداء الدين والحق والإيمان، فقد روى عبد الواحد بن أبي عون:
أن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) حينما حضرته الوفاة أمر علياً(عليهالسلام) صائحاً يصيح: "من كان له عند رسول الله عدة أو دين فليأتني".
فكان علي(عليهالسلام) يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر من يصيح بذلك، حتى توفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى توفي، ثم كان
الحسين يفعل ذلك، وانقطع ذلك بعده، رضوان الله تعالى عليهم وسلامه.
قال ابن عون: فلا يأتي أحد من خلق الله إلى علي بحق ولا باطل إلا أعطاه(1) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 قسم 2 ص89 و (ط دار صادر) ج2 ص319.
الفصل الثامن : هـجـرة علـي(عليهالسلام)
هجرة أمير المؤمنين(عليهالسلام) :
واستمر رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في هجرته المباركة حتى قرب من المدينة، فنزل بادئ ذي بدء في قباء، في بيت عمرو بن عوف، فأراده أبو بكر على دخول المدينة، وألاصه فأبى، وقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي وأخي، وابنتي، يعني علياً وفاطمة (عليهماالسلام )(1) .
____________
1- راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص35 و (ط دار الحديث) ج1 ص302 من دون ذكر للاسم، وأمالي الشيخ الطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص469 وإعلام الورى ص66 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص153 وحلية الأبرار ج1 ص149 و 158 و 159 وبحار الأنوار ج19 ص64 و 106 و 115 و 116 وج22 ص366 وج55 ص367 والخرائج والجرائح ج1 ص150 والدرجات الرفيعة ص411 وأعيان الشيعة ج1 ص238 و 376 وكشف الغمة ج2 ص32 والكافي ج8 ص339 و 340 ومختصر بصائر الدرجات ص129 و 130 ومستدرك الوسائل ج16 ص23 وجامع أحاديث الشيعة ج4 ص86 وج19 ص417 والمحتضر للحلي ص106 وكتاب الأربعين للماحوزي ص328 واللمعة البيضاء ص641 ونفس الرحمن للنوري ص99 وقصص الأنبياء للراوندي ص335.
فلما أمسى فارقه أبو بكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله بقباء، نازلاً على كلثوم بن الهدم(1) .
ثم كتب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) إلى أخيه علي(عليهالسلام) كتاباً يأمره بالمسير إليه، وقلة التلوم. وأرسل الكتاب مع أبي واقد الليثي.
فلما أتاه كتاب النبي(صلىاللهعليهوآله) تهيأ للخروج والهجرة، فأعلم من كان معه من ضعفاء المؤمنين، وأمرهم أن يتسللوا، ويتخفوا تحت جنح الليل إلى ذي طوى، وخرج(عليهالسلام) بفاطمة بنت الرسول، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وتبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وأبو واقد، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم، فأمره(عليهالسلام) بالرفق، فاعتذر بخوفه من الطلب.
فقال أمير المؤمنين(عليهالسلام) : إربع عليك، فإن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) قال لي: (أي حين سفره من الغار كما تقدم) يا علي أما إنهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه.
وأدركه الطلب قرب ضجنان، وهم سبع فوارس متلثمون، وثامنهم مولى للحارث بن أمية، يدعى جناحاً.
____________
1- إعلام الورى ص66 و (ط مؤسسة أهل البيت) ج1 ص152 وبحار الأنوار ج19 ص106 عنه.
فأنزل علي(عليهالسلام) النسوة، وأقبل على القوم منتضياً السيف، فأمروه بالرجوع، فقال: فإن لم أفعل؟!
قالوا: لترجعن راغماً، أو لنرجعن بأكثرك شعراً، وأهون بك من هالك.
ودنا الفوارس من المطايا ليثوروها، فحال علي(عليهالسلام) بينهم وبينها، فاهوى جناح بسيفه، فراغ علي(عليهالسلام) عن ضربته، وتختله علي(عليهالسلام) فضربه على عاتقه، فأسرع السيف مضياً فيه، حتى مس كاثبة فرسه، وشد عليهم بسيفه، وهو يقول:
خلوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحـد
فتصدع القوم عنه، وقالوا: أغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب.
قال: فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله بيثرب، فمن سره أن أفري لحمه، وأهريق دمه، فليتبعني، أو فليدن مني، ثم أقبل على صاحبيه، فقال لهما: أطلقا مطاياكما.
ثم سار ظاهراً حتى نزل بضجنان، فتلوم بها قدر يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، وفيهم أم أيمن مولاة الرسول(صلىاللهعليهوآله) فعبدوا الله تلك الليلة قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلى بهم علي(عليهالسلام) صلاة الفجر ثم سار بهم، فجعلوا يصنعون ذلك في كل منزل، حتى قدم المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم.
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً.. ) .
إلى قوله:( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى.. ) (1) .
ولما بلغ النبي(صلىاللهعليهوآله) قدومه(عليهالسلام) ، قال: ادعوا لي علياً.
قيل: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي.
فأتاه(صلىاللهعليهوآله) بنفسه، فلما رآه اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً.
وقال(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) : يا علي، أنت أول هذه الأمة إيماناً بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهداً برسوله، لا يحبك ـ والذي نفسي بيده ـ إلا مؤمن قد امتحن قلبه للإيمان ولا يبغضك إلا منافق أو كافر(2) .
____________
1- الآيات 191 ـ 195 من سورة آل عمران.
2- راجع فيما ذكرناه: أمالي الشيخ الطوسي ج2 ص83 ـ 86 و (ط دارالثقافة) ص472 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص183 و 184 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص160 وحلية الأبرار ج1 ص152 و 153 وبحار الأنوار ج19 ص64 ـ 67 و 85 وكشف الغمة ج2 ص33 وتأويل الآيات ج1 ص127 والبرهان ج1 ص332 و 333 عن الشيباني في نهج البيان، وعن الإختصاص للشيخ المفيد، وإعلام الورى ص190 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج1ص48 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص69 وأسد الغابة ج4 ص19 وأعيان الشيعة ج1 ص377 وفضائل أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ص180 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص51 وج8 ص341 وج18 ص68 وج21 ص293 وج30 ص14.
وهذه الرواية تضع علامة استفهام على من هاجر قبله إلى المدينة مع الرسول.
ونقول:
البنات ربائب مرة أخرى:
وقد تضمن النص المتقدم دلالة أخرى على أن أم كلثوم على الأقل لم تكن بنتاً، للنبي( صلىاللهعليهوآله) ، وهو قول النبي(صلىاللهعليهوآله) لأبي بكر، حول دخول المدينة: "ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي وأخي، وابنتي يعني فاطمة(عليهاالسلام) .
وفي نص أخر: حتي يقدم ابن أمي وأخي، وابنتي، علياً وفاطمة (عليهماالسلام )(1) .
فإن المفروض: أن أم كلثوم كانت في مكة، فلماذا لم يشر إليها النبي(صلىاللهعليهوآله) في كلامه؟! بل تحدث عن بنت واحدة ينتظر قدومها عليه، وهي فاطمة(عليهاالسلام) .
فإما لم يكن للنبي(صلىاللهعليهوآله) بنت اسمها أم كلثوم، أو أن أم كلثوم كانت متمردة علي أبيها، ولا تطيع أوامره، أو تختار البقاء مع المشركين في مكة، ولا تهاجر مع أبيها.. وهذا ما لم يشر التاريخ إلى شيء منه، ولا مجال لادعائه.
____________
1- تقدمت مصادر الحديث.
ابن أمي، وأخي:
وعن قوله(صلىاللهعليهوآله) عن علي(عليهالسلام) : "ابن أمي وأخي" نقول:
إن اختياره(صلىاللهعليهوآله) لهذا التعبير للدلالة على موقع علي(عليهالسلام) منه، يدلنا على أنه قد قصد به أن يظهر فضل فاطمة بنت أسد من جهة، ومكانة علي(عليهالسلام) منه من جهة أخرى، فهو(صلىاللهعليهوآله) يعتبرها أمه، ويرى علياً(عليهالسلام) أخاه..
وكأنه(صلىاللهعليهوآله) يجعل كون علي(عليهالسلام) ابن أمه بمثابة المرتكز الطبيعي لاعتباره أخاً له، وفي هذا تعميق لمعنى الأخوة بينهما من حيث إن هذه الأخوة قد تجاوزت نطاق الإفتراض والإعتبار لتلامس الأخوة النسبية الواقعية، ولتصبح العلاقة غير خاضعة للرفع والوضع، والإعتبار القابل للنقض باعتبار آخر..
النبي(صلىاللهعليهوآله) لا يدخل المدينة وحده:
إن رفض النبي(صلىاللهعليهوآله) دخول المدينة، من دون علي(عليهالسلام) وفاطمة، قد يشير إلى أنه( صلىاللهعليهوآله) ، يريد أن يستكمل العناصر المكونة للصورة التي تقدم النموذج للإنسان الإلهي وللتدبير الربوبي، والخطة الإلهية للبشر في مسيرتهم نحو الأهداف التي رسمها الله لهم. فثمة نبوة ورسالة، وثمة حاكمية إلهية، واستمرار لهذه الحاكمية، كما أن ثمة نموذجاً حياً للإنسان الإلهي، والتربية الربانية..
ولذلك أراد(صلىاللهعليهوآله) أن يدخل المدينة مع وصيه ووزيره، ومن رضيه الله تعالى إماماً وولياً للبشر كلهم.
وتلك هي الصورة التي يريد أن يقدمها لأهل المدينة التي سوف تكون منطلقه في إقامة دين الله، وهداية عباد الله إلى الله تبارك وتعالى..
أبو بكر يغضب ويشمئز:
وقد جاء في بعض روايات الهجرة: أنه في نفس اليوم الذي وصل فيه النبي(صلىاللهعليهوآله) إلى قباء ونزل على كلثوم بن الهدم أصرّ عليه أبو بكر ليدخل المدينة، فرفض وأخبره: أنه لا يريم (أي لا يفارق ولا يبرح مكانه) حتى يقدم عليه ابن عمه، وأخوه في الله، وأحب أهل بيته إليه، الذي وقاه بنفسه، على حد تعبيره( صلىاللهعليهوآله) .
فغضب أبو بكر، واشمأز، وفارق النبي( صلىاللهعليهوآله) ، ودخل المدينة في تلك الليلة، وبقي(صلىاللهعليهوآله) ينتظر أمير المؤمنين(عليهالسلام) حتى وافاه بالفواطم، وأم أيمن(1) في النصف من ربيع الأول، لأن
____________
1- راجع فيما ذكرناه كتاب: بحار الأنوار ج19 ص106 و 115 و 116 و 75 و 76 و64 وإعلام الورى ص66 والخرائج والجرائح ج1 ص145 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ص35 و (ط دار الحديث) ج1 ص303 وأمالي الشيخ الطوسي ج2 ص83 و (ط دار الثقافة) ص470 وكشف الغمة ج2 ص33 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص485 وراجع: الكافي ج8 ص340 ومختصر بصائر الدرجات ص130 والسيرة الحلبية ج2 ص53 و (ط دار المعرفة) ج2 ص233 والطرائف لابن طاووس ص410 والمحتضر للحلي ص106 وحلية الأبرار ج1 ص149 و 150 و 159 وكتاب الأربعين للماحوزي ص329 ونور الثقلين ج1 ص423 والكنى والألقاب ج1 ص172.
النبي(صلىاللهعليهوآله) قدم إلى قباء في الثاني عشر.
وقيل: بقي(صلىاللهعليهوآله) في قباء بضع عشرة ليلة(1) .
وقيل: أقام هناك اثنتين وعشرين ليلة(2) . من ربيع الأول، وقد وافاه علي(عليهالسلام) بعد ثلاثة أيام(3) . ونزل مع رسول الله "صلى الله " عليه
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص53 و55 عن البخاري.
2- السيرة الحلبية ج2 ص55 عن ابن عقبة.
3- راجع: إمتاع الأسماع ص48 و (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص68 والمستدرك للحاكم ج3 ص397 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص729 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص626 وراجع ص625 وج30 ص15و 558 و 617 و 618 وبحار الأنوار ج19 هامش ص106 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص69 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص305 وأنساب الأشراف ص91 والبداية والنهاية ج3 ص197 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص242 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص270 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص47 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص267 وينابيع المودة ج2 ص149 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص22.
على كلثوم بن الهدم(1) .
ويرى البعض: أن الذي قدم بالعيال هو زيد بن حارثة وأبو رافع(2) .
ورفع الحلبي التنافي: باحتمال أن يكون الكتاب الذي أرسله إلى علي(عليهالسلام) من قباء قد أرسله معهما، ثم رافقا علياً في الطريق، وعادا معه(3) .
فنسب البعض المجيء بالعيال إليهما، وتجاهل دور أمير المؤمنين(عليهالسلام)
____________
1- راجع: كنز العمال ج16 ص685 وتاريـخ مدينة دمشق ج42 ص69 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص305 وأنساب الأشراف ص91 والبداية والنهاية ج3 ص197 و (ط دار إحيـاء الـتراث العـربي) ج3 ص242 وشرح إحقـاق الحـق = = (الملحقات) ج8 ص625 وج30 ص15 و 558 و 617 و618 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص22 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص15 وإمتاع الأسماع ج1 ص68 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص270 وجواهر المطالب ج1 ص47 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص267 وينابيع المودة ج2 ص149.
2- راجع: المستدرك للحاكم ج4 ص5 وفتح الباري ج7 ص176 و 205 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص62 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص94 ومجمع الزوائد ج9 ص227 والمعجم الكبير للطبراني ج23 ص25 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1937 وأسد الغابة ج5 ص583 وسير أعلام النبلاء ج2 ص152 و 269 والسيرة الحلبية ج2 ص53 و (ط دار المعرفة) ج2 ص233.
3- السيرة الحلبية ج2 ص53 و (ط دار المعرفة) ج2 ص233.
الرائد، وموقفه في الدفاع عنهما لحاجة في نفسه قضاها.
لا مبرر للإصرار:
تحدثت الروايات أن أبا بكر ألاص(1) النبي(صلىاللهعليهوآله) ليدخل المدينة، فأبى. فتركه ودخلها وحده.
ونقول:
لا معنى لأن يقترح أحد على رسول الله(صلىاللهعليهوآله) شيئاً، فضلاً عن أن يصر عليه في أي من الأمور، بل عليه أن يسلّم لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) في كل شيء، عملاً بقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (2) .
ويتأكد لزوم هذا التسليم إذا كان هذا الأمر يرتبط بالنبي(صلىاللهعليهوآله) نفسه، وبدعوته وحركته في محيطه، فإنه أدرى بما يريده الله تعالى منه، وأعرف بما يصلح له وبما لا يصلح، وهذا بالذات هو حال النبي(صلىاللهعليهوآله) فيما يرتبط بدخوله إلى المدينة في ذلك الوقت بالذات..
ويزيد الأمر غرابة: أن يقدم أبو بكر على ترك رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في قباء، ويدخل هو المدينة وحده.. فإن هذا ليس هو المتوقع من صحابي يهمه أمر رسول الله(صلىاللهعليهوآله) والإستزادة من بركات
____________
1- ألاصه: أي حركه واراده كالذي يريد أن يقتلع الوتد من موضعه.
2- الآية 56 من سورة الأحزاب.
وجوده، والإستفادة من علمه، وتربيته وتوجيهاته.
لماذا الغضب والإشمئزاز؟!:
وقد ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قال: "لست أريم حتى يقدم ابن عمي، وأخي في الله عز وجل، وأحب أهل بيتي إلي، فقد وقاني بنفسه من المشركين.
قال: فغضب عند ذلك أبو بكر، واشمئز، وداخله من ذلك حسد لعلي(عليهالسلام) إلخ..".
ويستوقفنا هنا: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) لم يبرر مقامه في قباء إلا بأمر واحد، وهو انتظاره قدوم علي(عليهالسلام) ..
ثم وصف علياً(عليهالسلام) بأوصاف عالية، تميزه على جميع ما عداه.
والأهم من ذلك: أنه(صلىاللهعليهوآله) قدم الدليل والمبرر لهذه الأوصاف، الذي لا مجال لإنكاره ولا للتأويل أو التلاعب فيه..
وقد أوضح هذا المبرر: أن هذا الكلام ليس مجرد كلام إنشائي، قد يتم التراجع عنه، أو إشراك شخص آخر فيه.
وبعبارة أخرى.. إن التضحية التي قدمها علي(عليهالسلام) ، وهي وقايته لرسول الله(صلىاللهعليهوآله) بنفسه ليلة المبيت، أمر تفرد به علي(عليهالسلام) ولا يشاركه فيه غيره. فلا مجال إذن لمشاركة أحد له في الحب الذي نتج عن هذه التضيحة.. إلا بتضحيات مماثلة.. وهي مما لا يتوقع حصوله من أحد سواه..
من أجل ذلك: وجد أبو بكر نفسه أمام طريق مسدود، فتضايق إلى حد الغضب، وأخذه حب الإستئثار بهذه الفضيلة لنفسه، وأنى له بذلك، وهو لا يستطيع أن يضحي بأي شيء حتى لرسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، كما أظهرته الوقائع طيلة حياة النبي( صلىاللهعليهوآله).
أبو بكر في بناء مسجد قباء:
وبعد وصول أمير المؤمنين(عليهالسلام) إلى رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وهو لم يزل في قباء بادر(صلىاللهعليهوآله) إلى تأسيس مسجد قباء المعروف..
وزعمت بعض الروايات أيضاً: أنه(صلىاللهعليهوآله) أمر أبا بكر بأن يركب الناقة، ويسير بها، ليخط المسجد على ما تدور عليه، فلم تنبعث به، فأمر عمر فكذلك، فأمر علياً(عليهالسلام) فركبها، فانبعثت به، ودارت به، فأسس المسجد على حسب ما دارت عليه..
وقال( صلىاللهعليهوآله) : إنها مأمورة(1) .
ولكن سيأتي أن ذلك إنما كان في مسجد المدينة، لا في قباء.
____________
1- مجمع الزوائد ج4 ص11 وعمدة القاري ج7 ص259 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص268 وكنز العمال ج13 ص139 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص246 ووفاء الوفاء ج1 ص251 وتاريخ الخميس ج1 ص338 والإكمال في أسماء الرجال ص34 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص501 وراجع: تاريخ جرجان ص144 وفي عبارته سقط.
ونقول:
هناك استفادات ومناقشات، واشارات تجعلنا نشير إلى الأمور التالية:
إنها مأمورة:
هناك أمور تمر على الناس في حياتهم تبقى لها آثار عميقة في وجدانهم، وتختزنها ذاكرتهم، ويكون لها دور كبير في تعميق الإيمان، وترسيخ القناعات، بعد أن تكون الآيات والمعجزات والبراهين والدلالات العقلية قد أخذت بيد الإنسان إلى الخضوع والبخوع، والتسليم، وإبعاد الشبهات وازالة الريب.
ومن المفردات التي كان(صلىاللهعليهوآله) يعتمد عليها في ذلك تلك الأحداث التي تظهر الكرامة الإلهية، وتدل على علاقة شخص بعينه بالغيب، وفوزه بالرعاية الإلهية. وقضية انبعاث الناقة هنا بعلي دون سواه من هذا القبيل.
الرفق بالضعائف:
تقدم: أنه حين جاء كتاب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) ، أعلم من كان معه من ضعفاء المؤمنين، وأمرهم بالتخفي بالليل، وأن يتسللوا إلى ذي طوى..
وخرج(عليهالسلام) بالفواطم، فجعل أبو واقد يسوق بالرواحل فأعنف بها فأمره(عليهالسلام) بالرفق بالنسوة، إنهن من الضعائف.
فاعتذر بأنه يخاف الطلب، فأخبره بأن النبي(صلىاللهعليهوآله) قال
له: إنهم لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه.
ونقول:
في هذا النص اشارات عديدة، نذكر منها..
1 ـ إن علياً(عليهالسلام) آثر أن يستصحب معه ضعفاء المؤمنين، لا سيما وأن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد قال له: إنه لن يصلوا من الآن إليك بأمر تكرهه، فإن هذا يجعله يطمئن إلى سلامته، وسلامة من معه أيضاً.
فأحب أن يستفيد من هذه الفرصة لتخليص خصوص الضعفاء من براثن مشركي قريش..
وهذا هو المتوقع من علي الذي يعتصر قلبه ألماً لما يشاهده من أذى أهل الشرك لأولئك الضعفاء، وها هو يجد الفرصة لتخليصهم، فلماذا لا يغتنمها؟!
2 ـ ولا بد لأولئك الضعفاء من التخفي بالليل والتسلل إلى ذي طوى، لأن الضمانة لهم لم تتوفر بعد، لأنهم لم ينضووا بعد تحت جناح أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، لكي يكون هو الحامي والكفيل.
3 ـ وقد صرح(عليهالسلام) بأن النسوة من الضعائف، فأشرك معهن غيرهن في صفة الضعف، ربما ليدلنا على أن الضعف ليس صفة لخصوص النسوة اللاتي حملهن معه، ليكون غيرهن من النساء لسن كذلك.. بل الضعف هو صفة المرأة بصورة عامة، فإن جسدها لا يحتمل العنف، لأن المهمة التي خلقت من أجل القيام بها، تحتاج إلى هذا النوع من المزايا المهمة جداً في نطاق القيام بالوظيفة التي أوكلت إليها، وهن ضعاف بالقياس إلى
مهمات الرجال. وهن أقوياء فيما يرتبط بما اعدهن الله تعالى له.. فضعفهن مزية لهن، وإنما يتصف بالسلبية إذا أريد لهن أن يقمن بوظائف لا تصلح لهن، ولا يصلحن لها.
4 ـ ولا بد لنا من عطف النظر على هذا اليقين الذي أظهره(عليهالسلام) بتحقق ما أخبره به رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، فصار يتصرف وفق ما يفرضه عليه ذلك اليقين.
ولا بد أن يكون(عليهالسلام) قد قصد بنقل قول رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في تلك اللحظة لأبي واقد، فيقترن بذلك التصرف المستند لهذا الإخبار النبوي، لكي يعطي الآخرين درساً في عمق الإيمان، وفي التسليم التام لما يخبر به الأنبياء صلوات الله عليهم، ولتكون مشاهدة تحقق ما يخبرون به، من مفردات معجزاتهم التي تعمق الإيمان في نفوس أهل البصيرة والإيمان.
إنه علي(عليهالسلام) .. وليس عمر!!:
وقد تقدم: أنه(عليهالسلام) بعد أن قتل أحد الفرسان السبعة الذين هاجموه، وتضعضع سائرهم عنه، قال لهم: "من سره أن أفري لحمه، وأهريق دمه، فليتبعني، أو فليدن مني".
ولكن نفوس شانئي علي(عليهالسلام) ، التي تنضح بالحقد والضغينة، أغارت ـ كما هي العادة ـ على هذه الفضيلة لعلي(عليهالسلام) ايضاً، لكي تستلبها، وتمنحها إلى غيره..
ثم أمعنت في التزوير والكيد بزعمها أنه(عليهالسلام) نفسه هو الذي
حكى هذه القصة عن فلان من الناس، لأن نقل الحديث عنه(عليهالسلام) سيكون أوقع في النفوس، وأبعد عن الشبهة، وأدعى للقبول..
فرووا عن علي(عليهالسلام) أنه قال: ما علمت أحداً من المهاجرين هاجر إلا متخفياً إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد بسيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يديه أسهماً، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعاً، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال:
"شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، فمن أراد أن تثكله أمه، أو يؤتم ولده، أو ترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي".
قال علي(عليهالسلام) : فما تبعه أحد، ثم مضى لوجهه(1) .
ونحن لا نريد أن نقول: إن عدم لحوقهم به كان استهانة به، وازدراء له..
ولا نريد أن نقول أيضاً: إنه أمنهم، ففعل ما لا خطر فيه عليه، وأن ذلك يثير الريب في أن يكون على تفاهم تام معهم.. إذ ليس لدينا شاهد
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج44 ص51 وأسد الغابة ج4 ص58 ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج4 ص387 عن ابن عساكر، والسيرة الحلبية ج2 ص21 و 22 و (ط دار المعرفة) ج2 ص183 و 184 وكنز العمال ج14 ص221 و 222 و (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص575 عن ابن عساكر، وأشار إليه في نور الأبصار ص15.
تاريخي يؤيد هذا أو ذاك..
ولكننا نرى:
إن أصل هذه المزعمة مكذوب عليه.. أو مصنوع له، إن أردنا أن نتوخى الدقة في التعبير.. والشواهد على ذلك كثيرة..
أولاً: إن هذا ليس هو عمر بن الخطاب الذي نعرفه، فلعله عمر آخر لم نسمع به!!. لأن عمر الذي نعرفه كان يشتد على المؤمنين في حالات السلم، ويضعف ويتراجع ويهرب أمام الأعداء في حالات النزال والقتال، فهو الفرّار في أحد، وقريظة، وخيبر، وحنين، وذات السلاسل، ولم نره أظهر نفسه في حرب الخندق..
ثانياً: إنه حين أسلم اختبأ في داره خائفاً، حتى جاءه العاص بن وائل السهمي فأجاره.. كما رواه البخاري وغيره(1) .
____________
1- راجع: صحيح البخاري (ط مشكول) ج5 ص60 و 61 و (ط دار الفكر) ج4 ص242 ففيه روايتان بهذا المعنى، وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص104 و (ط دار الكتاب العربي) ج1 ص176 وعمدة القاري ج17 ص4 والإكمال في أسماء الرجال ص122 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص374 وعيون الأثر ج1 ص163 ونسب قريش لمصعب الزبيري ص409 وتاريخ عمر لابن الجوزي ص26 والسيرة الحلبية ج1 ص332 و (ط دار المعرفة) ج2 ص17 ومقدمة فتح الباري ص366 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص135 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص374 والبداية والنهاية ج3 ص82 ودلائل النبوة للبيهقي (ط دار النصر) ج2 ص9 وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص42.
وكانت مشورته في بدر على رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .. تنضح بالتخويف من قريش، وجبروتها، وخيلائها.. فلم يرضها رسول الله( صلىاللهعليهوآله) (1) .
ثالثاً: إنه لم يجرؤ على حمل رسالة النبي(صلىاللهعليهوآله) لقريش عام الحديبية، بحجة أن بني عدي لا ينصرونه إن أوذي، وحملها عثمان(2) .
____________
1- مغازي الواقدي ج1 ص48 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص386 وبحار الأنوار ج19 ص217 و 247 وتفسير القمي ج1 ص258 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص181 ومجمع البيان ج4 ص432 والأصفى ج1 ص425 والصافي ج2 ص274 ونور الثقلين ج2 ص124 والميزان ج9 ص25 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص106 وإمتاع الأسماع ج1 ص93 وج9 ص241 وعيون الأثر ج1 ص327 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص26 والدر المنثور ج3 ص166 عن دلائل النبوة للبيهقي.
2- راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق1 ص70 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص133 وجامع البيان ج26 ص111 وعين العبرة ص24 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص200 و 201 والثقات ج1 ص299 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص78 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص278 والبداية والنهاية ج4 ص191 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص618 وعن السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص780 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص318 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص46 وتفسير الثعالبي ج5 ص254 وعن عيون الأثر ج2 ص119 وكنز العمال ج10 ص482.
رابعاً: إنهم يزعمون: أن أبا بكر كان أشجع الصحابة، استناداً إلى موقفه عند استشهاد رسول الله( صلىاللهعليهوآله) (1) ونحن وإن كنا نرى أن ذلك غير صحيح أيضاً.. بدليل ما رأيناه من حزنه في الغار، وأنه لاذ في مواطن النزال بالفرار، غير أننا نقول: ـ على سبيل الالزام ـ لماذا لم يهاجر أبو بكر ظاهراً، وهاجر عمر كذلك؟!..
خامساً: هل يمكن أن نقول: إن عمر كان أشجع من النبي( صلىاللهعليهوآله) ، حيث خرج(صلىاللهعليهوآله) إلى الغار متخفياً في الليل، وعمر هاجر ظاهراً ومهدداً ومتوعداً؟!
سادساً: لماذا احتاج رسول الله(صلىاللهعليهوآله) إلى الهجرة، فقد كان بإمكان عمر أن يمنع الناس من أذيته في مكة؟! أو لماذا لم يحمه حتى يهاجر ظاهراً منها؟!
ولماذا ترك أهل مكة يحصرون النبي(صلىاللهعليهوآله) والهاشميين في الشعب، وبقي هو حراً طليقاً في مكة..
____________
1- راجع: الجامع لأحكام القرآن ج4 ص222 والغدير ج7 ص213 وعن السيرة الحلبية ج3 ص354. وراجع: الفتح المبين لدحلان (بهامش سيرته النبوية) ج1 ص123 ـ 125 والوافي بالوفيات ج1 ص66 وعن نور الأبصار للشبلنجي ج1 ص107.
وكذلك كان حال أبي بكر، فإن هؤلاء يزعمون أن عمر وأبا بكر قد أسلما قبل حصر المسلمين في الشعب..
واذا كانت لعمر هذه الشجاعة، فلماذا لم يعز الاسلام به، رغم زعمهم أن النبي(صلىاللهعليهوآله) دعا أن يعز الاسلام به؟!
فإما أن يقرّوا بأنهما قد أسلما بعد خروج المسلمين من الشعب، أو يقروا بأنهما كانا قد أسلما قبل ذلك، وقد أخفيا إسلامهما تقيةً وخوفاً، أو أن يذكروا لنا السبب في عدم تعرض قريش لهما، إن كان إسلامهما ظاهراً طيلة تلك السنين..
وفي جميع الأحوال نقول:
إن الصحيح: هو ما قدمناه من أن علياً(عليهالسلام) هو الذي قال ذلك القول، وردّ الذين لحقوا به حين هجرته خائبين خاسرين، بعد أن قتل أحد فرسانهم.
ولكنهم أغاروا على هذه الفضيلة ظناً منهم أنها مستورة، أو غير مشهورة، لأنهم كانوا في أشد الضيق من كرامات وجهاد ومواقف علي، خصوصاً مبيته في فراش رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة، مع ظهور ضعف أبي بكر في حزنه الذي حكاه الله عنه..
فحاولوا إطراء أبي بكر في الغار بما لا مزيد عليه، ثم حاولوا أن يمنحوا عمر بن الخطاب هذه الفضيلة على لسان علي(عليهالسلام) ، لأن ذلك أوقع في النفس، وأبعد عن الشبهة، وأدعى إلى القبول والتسليم..
ولكن الله تعالى قد فضح أمرهم، وأكذب أحدوثتهم، وهو المستعان على ما يصفون..
آليت لا أعبد غير الواحد:
ولسنا بحاجة إلى التذكير: بأن علياً(عليهالسلام) في هذه الواقعة بالذات لم يقل: إني أدافع عن نفسي وعن المستضعفين الذين معي، بل اعتبر نفسه بصدد الدفاع عن عقيدته، وهي عقيدة التوحيد، وعبادة الله الواحد في مقابل الشرك..
وكان هذا هو كل همه(عليهالسلام) هنا. ولذلك قال:
خَلّوا سبيل الجاهِدِ المجاهِدِ آليتُ لا أَعبدُ غيرَ الواحدِ
وهذا الاعلان الصريح هو الاشد ايلاماً، لقلوب المشركين..
علي(عليهالسلام) أول الأمة هجرة:
وتقدم: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قال لعلي(عليهالسلام) : إنه(عليهالسلام) أول الأمة هجرة إلى الله ورسوله، مع أن هناك من هاجر إلى الحبشة، وذلك قبل الهجرة إلى المدينة بحوالي ثمان سنوات، كما أن هناك من هاجر إلى المدينة قبله، مثل مصعب بن عمير الذي ذهب إلى المدينة ليعلم أهلها. وهو أول من هاجر إليها مع ابن أم مكتوم(1) . كما أن أبا بكر الذي
____________
1- راجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1473 وأسد الغابة ج3 ص211 وج4 ص59 و 103 و 369 وسير أعلام النبلاء ج1 ص145 و 361 والإصابة ج4 ص495 وج6 ص98 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص315 و 332 والبداية والنهاية ج3 ص211 و 230 وإمتاع الأسماع ج1 ص52 وج9 ص191 و 206 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص221 و 253 وكنز العمال ج16 ص667 ومسند أحمد ج1 ص3 وج4 ص284 و 291 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص263 و 264 وج6 ص82 والمستدرك للحاكم ج2 ص626 وج3 ص634 = = والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص10 وفتح الباري ج11 ص238 وج13 ص147 وعمدة القاري ج17 ص36 و 59 و 60 وج19 ص288 ومسند أبي داود ص96 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص331 وج8 ص457 وكتاب الأوائل ص43 والسنن الكبرى للنسائي ج6 ص513 ومسند أبي يعلى ج3 ص262 وصحيح ابن حبان ج14 ص190 وج15 ص290 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص532 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص45 والدر المنثور ج6 ص337 وفتح القدير ج5 ص422 وتفسير الآلوسي ج30 ص101 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص234 وج3 ص117 وج4 ص206 و 367 والثقات لابن حبان ج1 ص128 وتاريخ مدينة دمشق ج43 ص380.
اشتد حزنه وخوفه في الغار حتى انزل الله فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.
ونجيب:
أولاً: صحيح أن هناك من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، ولكن هجرتهم كانت لأغراض مختلفة، ومنها، أو أهمها التخلص من العذاب والآلام التي
يقاسونها.. ولم يكن علي(عليهالسلام) من هؤلاء، بل هو يرى أن أحلى أيامه هي حين يكون مع الله ومع رسوله، ولا يقيم وزناً لكل ما يجري عليه من أذايا، والآم وبلايا، مهما اشتدت.. وذلك على قاعدته التي أطلقها(عليهالسلام) : لَأَلفُ ضربةٍ بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش(1) .
وعلى قاعدته الأخرى: فزت ورب الكعبة(2) .
____________
1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص2 والكافي ج5 ص53 و 54 وتهذيب الأحكام ج6 ص123 وروضة الواعظين ص363 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة = = آل البيت) ج15 ص14 و 17 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص8 و 10 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص269 وج3 ص289 والإرشاد للمفيد ج1 ص238 والأمالي للطوسي ص169 و 216 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص154 وبحار الأنوار ج32 ص61 وج32 ص100 و 189 و 194 وج33 ص455 وج34 ص146 وج68 ص264 وج74 ص403 وج97 ص11 و 14 و 40 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص7 و 127 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص458 و الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص603 ونهج السعادة ج1 ص296 و 301 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص306 وج7 ص300 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص209 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج2 ص468 والجمل للمفيد ص190 والمناقب للخوارزمي ص185 ومطالب السؤول ص213 وكشف الغمة ج1 ص241 وينابيع المودة ج1 ص464.
2- راجع: خصائص الأئمة ص63 وشرح الأخبار ج2 ص442 والمسترشد ص4 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص385 وج3 ص95 والطرائف لابن طاووس ص519 وحلية الأبرار ج2 ص63 و 391 ومدينة المعاجز ج3 ص40 وبحار الأنوار ج41 ص2 وج42 ص239 وشجرة طوبى ج1 ص64 ونهج السعادة ج7 ص111 و 124 و 125 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1125 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص207 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص561 وأسد الغابة ج4 ص38 وأنساب الأشراف ص488 و 499 والجـوهـرة في = = نسب الإمام علي وآله ص114 والوافي بالوفيات ج18 ص173 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص138 و(تحقيق الشيري) ج1 ص180 والدر النظيم ص271 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص96 و 97 وقصص الأنبياء للجزائري ص396 وينابيع المودة ج1 ص203 وج2 ص32 وج3 ص145.
ثم على قاعدة: كيف طعم الموت عندك يا بني؟!
قال: أحلى من العسل(1) .
بالاضافة إلى قاعدة:
تركت الخلق طراً في هواكا وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحب ارباً لما مال الفؤاد إلى سواكـا..
____________
1- راجع: وسيلة الدارين في أنصار الحسين ص253 ومدينة المعاجز ج4 ص215 و 228 والهداية الكبرى ص204.
فلم يكن علي بالذي يترك رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، ويهرب من الأذى إلى أي بلد كان.. بل هو أينما كان يهاجر إلى الله وإلى رسوله.. وهو لم يترك مكة إلا بعد أن تلبدت آفاقها بظلمات الشرك والبغي، والبعد عن الله، ولمعت أنوار الهداية والتقوى في أجواء المدينة، فاجتذبته تلك الأنوار، فالتحق بها حباً وشغفاً، وشوقاً ولهفاً..
فعلي(عليهالسلام) هو أول الأمة هجرة إلى الله وإلى رسوله، ومعه الطاهرة المعصومة السيدة فاطمة الزهراء "صلوات الله عليها"..
ثانياً: إن الذين هاجروا قبل علي(عليهالسلام) إلى الحبشة أو إلى غيرها، لم تكن هجرتهم إلى رسول الله، لأنه(صلىاللهعليهوآله) لم يكن قد خرج من مكة بعد..
ثالثاً: إن إرسال مصعب بن عمير إلى المدينة ليفقه الناس، لا يعد هجرة له. بل هو شخص انتدب لمهمة، ففعل ما انتدب له..
الباب الثالث : من الهجرة.. إلى أحد..
الفصل الأول : بناء المسجد والمؤاخاة..
لا يستوي من يعمر المساجد:
لقد هاجر رسول الله(صلىاللهعليهوآله) من مكة إلى المدينة، وانتشر الإسلام وانطلق من هذا البلد الجديد، بجهد وجهاد رسول الله(صلىاللهعليهوآله) وهدايته ورعايته، وبتضحيات أهل بيته الطاهرين، والخيرة الأصفياء من صحبه الميامين..
وفي بدايات هجرته المباركة أسس(صلىاللهعليهوآله) مسجد قباء، ثم مسجده في المدينة.
وحدث في بناء هذا المسجد المبارك بين عثمان بن عفان وعمار بن ياسر ما دعا رسول الله إلى التدخل لصالح عمار..
وملخص ما جرى ـ وإن كنا نرى أن بعض ما أغضب علياً وعماراً قد حذف من الرواية ـ كما يلي:
إن عثمان كان في بناء المسجد (كما زعم الراوي: نظيفاً متنظفاً). وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، ونظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب، فأنشأ يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائماً وقاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا
فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها، وهو لا يدري من يعني بها فمرّ بعثمان، فقال: يا ابن سمية بمن تعرّض؟! ـ ومعه جريدة ـ فقال: لتكفن، أو لأعترضن بها وجهك..
فسمعها النبي( صلىاللهعليهوآله) ، وكان يستظل ببيت أم سلمة، فغضب وقال: إن عماراً جلدة ما بين عيني وأنفي..
إلى أن تذكر الرواية: أنه(صلىاللهعليهوآله) قال لعمار: "لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية"(1) .
ونقول:
ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلىاللهعليهوآله) الجزء الخامس أموراً كثيرة ترتبط بهذه القضية، يمكن لمن أراد الإطلاع
____________
1- السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص142 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج2 ص345 وتاريخ الخميس ج1 ص344 والأعلاق النفيسة ووفاء الوفاء ج1 ص329 والسيرة الحلبية ج2 ص72 و (ط دار المعرفة) ج2 ص262 وقاموس الرجال (الطبعة الأولى) ج7 ص118 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص43 وبحـار الأنوار ج30 ص238 وراجع ج33 ص12 وخـلاصـة عبقات الأنوار ج3 ص39 و 50 والدرجات الرفيعة ص259 وعن العقد الفريـد ج2 ص289 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص336 والمسترشد ص658 وغوالي اللآلي ج1 ص113 وكشف الغمة ج1 ص260. وراجع: الغديـر ج9 ص21 و 22 و 27 عن مصادر كثيرة.
عليها أن يرجع إليه، غير أننا نذكر هنا ما يلي:
متى كان بناء المسجد؟!:
لقد بنى النبي الأعظم(صلىاللهعليهوآله) مسجده بعد هجرته إلى المدينة، ثم بنى بيوته حوله، ثم جدد بناءه بعد عام خيبر، أي في السنة السابعة للهجرة(1) .
والظاهر: هو أن قضية عمار وعثمان قد وقعت في هذا البناء الثاني.
ويشهد لذلك:
أولاً: أن عمرو بن العاص وابنه عبد الله كانا حاضرين حين قال النبي(صلىاللهعليهوآله) لعمار: تقتلك الفئة الباغية.
وقد ذكرا ذلك لمعاوية حين قتل عماراً في صفين، وقالا: إنهما سمعا رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يقول: في حقه ما قال.. فاخترع معاوية مقولة أن الذي قتل عماراً هو من وضعه بين أسيافهم، يعني علياً(عليهالسلام) (2) .
____________
1- وفاء الوفاء ج1 ص338.
2- الفتوح لابن أعثم ج3 ص119 و 130 والثقات لابن حبان ج2 ص291 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص313 و 317 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص253 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص723 ومسند أحمد ج2 ص164 وج5 ص213 والمناقب للخوارزمي ص160 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص233 ووفاء الوفاء ج1 ص231 و 232 ونور الأبصار ص98 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص578 و 579 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص110 و (تحقيق الشيري) ج1 ص146 وكشف الغمة = = ج1 ص262 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص41 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج4 ص28 والمستدرك للحاكم ج3 ص385 وج2 ص155 والبداية والنهاية ج7 ص281 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج6 ص240 وج7 ص299 وتذكرة الخواص ج1 ص418 وبحار الأنوار ج33 ص16 و 7 والمصنف للصنعاني ج11 ص240 وراجع: وشرح الأخبار ج1 ص412 ومعاني الأخبار ص35 والإحتجاج ج1 ص266 والمعيار والموازنة ص96 وتهذيب الكمال ج17 ص113 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص415 وجامع الشتات للخواجوئي ص151 ومجمع الزوائد ج9 ص297 وج7 ص242 عن أحمد في المسند، والطبراني، وعن فتح الباري، وعن مصادر كثيرة.
فبلغ ذلك علياً(عليهالسلام) فقال: "فإذاً رسول الله(صلىاللهعليهوآله) هو الذي قتل حمزة، وألقاه بين رماح المشركين(1) .
ثانياً: يشهد لذلك أيضاً: أن الرواية المتقدمة نفسها قد صرحت: بأن النبي(صلىاللهعليهوآله) كان يستظل ببيت أم سلمة حين قال عثمان ما قال، ومعلوم: أنه(صلىاللهعليهوآله) قد بنى المسجد قبل بناء بيوته في
____________
1- راجع: تذكرة الخواص ج1 ص419 والعقد الفريد ج5 ص90 وبحار الأنوار ج33 ص16و 7 ـ 8 والإحتجاج ج1 ص431 ونور الأبصار ص98.
مطلع الهجرة(1) .
ما قاله علي(عليهالسلام) ليس تعدياً:
بالنسبة للرجز الذي قاله أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، وردده بعده عمار نقول:
إنه(عليهالسلام) قد قرر في شعره حقيقة لا غبار عليها.. مفادها: أن هناك نوعين من الناس، لا مجال للتسوية بينهما:
الأول: من يكون كل همه عمران المساجد، فهو لا يفتر ولا يستكين، ولا يمل ولا يكل من السعي في ذلك، لأنه يريد أن يهيء للناس كل ما يساعدهم على ذكر الله، والتبتل إليه، ومحاولة تزكية نفوسهم، وتطهير قلوبهم، فلا يصرف أية لحظة فيما عدا ذلك..
____________
1- زاد المعاد ج1 ص25 والسيرة الحلبية ج2 ص87 و (ط دار المعرفة) ج2 ص287 و 251 وبحار الأنوار ج15 ص371 وج19 ص125 وج31 ص428 وج33 = = ص182 وإمتاع الأسماع ج10 ص69 و 91 والعدد القوية ص120 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص348 وج12 ص52 وإعلام الورى ج1 ص159 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص331 ومستدرك الوسائل ج14 ص302 وشجرة طوبى ج1 ص58 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص161 والبداية والنهاية ج8 ص64 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج1 ص356 و الدرر لابن عبد البر ص88.
ويرى: أن صرف أية لحظة في أي شأن دنيوي آخر خسارة له، وتضييع للثواب الجزيل.. وقد يؤدي إلى تباطؤ عباد الله عن عبادته تبارك وتعالى، وإلى إفساح المجال للمغريات والشهوات، ووسوسة شياطين الإنس والجن، لإبعاد الإنسان عن الله، وإغوائه واغرائه..
الثاني: من يكون همه صيانة ثوبه من أن يلحق به غبار هذه العبادة المرضية لله تعالى.. وحفظاً لمظهره الخارجي، في الوقت الذي لم يظهر منه أنه يهتم بصيانة باطنه عما يبعده عن الله سبحانه، كما لم يظهر منه أنه يهتم بصيانة دين الناس، وسلامة أخلاقهم.. يحتاج إلى الزجر والتذكير بما يوجبه عليه ربه، ودعوته إلى العمل بما يرضي الله تبارك وتعالى، وأن يلزم نفسه بامتثال أوامر الرسول، فلا يلبس ثياب التجمل في الموضع الذي يجب أن يلبس فيه ثياب التبذل، ليكون عائقاً له عن اداء واجبه، وامتثال أوامر النبي(صلىاللهعليهوآله) الصادرة له، ولغيره فيكون بعمله هذا محرضاً لغيره على التباطؤ في القيام بما طلبه الرسول(صلىاللهعليهوآله) منهم.
ولم يكن علي(عليهالسلام) بالذي يظلم أحداً، ولا هو بالذي يفتئت على الناس، أو يعتدي عليهم، فلولا أنه عرف من عثمان بحسب عشرته أنه يستحق هذا التعريض، أو أن هذا التعريض سيكون مفيداً ، ورادعاً لغيره عن أن يقتدي به لما أقدم على ما أقدم عليه.
عثمان نظيف متنظف:
إن مراجعة عبارات الراوي للحادثة المتقدمة تبين أنه قد حاول تلطيف الأمور، والإيحاء ببراءة عثمان، وإظهاره بصورة المظلوم المعتدى عليه من
قبل علي(عليهالسلام) بالخصوص، حيث أظهر أن عماراً كان غافلاً عن حقيقة نوايا علي(عليهالسلام) حين إطلق هذا الرجز، فردده هو من بعده، دون أن يعلم من المقصود به.
واعتبر أن الذي دعا علياً(عليهالسلام) لإطلاق رجزه هو إهتمام عثمان بنظافة ثوبه، فإنه كان بحسب طبعه نظيفاً متنظفاً، وهي صفة يمدح الإنسان عليها.. ولكن علياً(عليهالسلام) قلب الأمور، وتناوله بما يعد من موجبات الثناء عليه، فجعله سبباً لذمه والقدح فيه، والإساءة إليه.
غير أننا نقول:
أولاً: إن النظافة هي سمة الإنسان المسلم، وكان أكثر الناس إهتماماً بها، وأكثرهم حثاً عليها رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وعلي(عليهالسلام) ، والأئمة الطاهرون من أهل بيته.. فلم يكن عثمان أحرص من علي(عليهالسلام) أو من عمار على النظافة..
وقد روي عن بعض أصحاب أمير المؤمنين(عليهالسلام) ما يدل على مبالغة علي بالنظافة إلى حد أنه لفت نظر بعضهم، فقال عنه: إنه رآه يلبس ثوباً مرقعاً، ولكنه نظيف(1) .. فلم يكن(عليهالسلام) ليأخذ على عثمان نظافته. بل أخذ عليه أن لبسه لثوب تجمله في الموضع الذي كان يجب أن
____________
1- راجع: مستدرك الوسائل للنوري ج3 ص273 ودعائم الإسلام للقاضي النعمان ج 2 ص 159 وجامع أحاديث الشيعة للبروجردي ج 16 ص 696.
يلبس فيه ثوب تبذله قد جاء ليعبر عن عدم رغبته في امتثال أمر الرسول(صلىاللهعليهوآله) ببناء المسجد. كما أنه سيشجع غيره على التباطؤ. والتسويف في هذا الأمر، وتنتهي الأمور بما يشبه التمرد أو التلاعب بأمر رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ..
ثانياً: إن علياً(عليهالسلام) أورع وأتقى لله من أن يظلم نملة أو جرادة، فكيف يظلم عثمان، فموقف علي هذا يدل على أن عثمان قد فعل ما هو أعظم من نفض الغبار.. ويعتدي عليه، فلولا أنه كان يراه مخطئاً في تصرفه في بناء المسجد، لم يبادر إلى هتك حرمته، والتسبب له بهذا التشهير في الملأ العام..
وعلي(عليهالسلام) كان يعيش مع عثمان، وهو أعرف به من هؤلاء المتحذلقين، من أصحاب النوايا الموبوءة..
وقد تقدم: أنه كان يراه مستحقاً لهذا التعريض، وأنه لا بد من تحذير غيره من أن يقع بما وقع فيه.
ثالثاً: من الذي قال لعثمان: إن عماراً كان يقصده برجزه؟!
وكيف أجاز لنفسه توجيه هذا التهديد القاسي له، من دون حجة تثبت له أنه يقصده؟!
رابعاً: من أين علم الراوي أن عماراً لم يكن يقصد عثمان برجزه؟!
فهل اطلعه الله على غيبه، وعلى ما انطوت عليه القلوب والصدور؟!
ومن قال له أيضاً: إن عماراً لم يعرف مقصود علي(عليهالسلام) من هذا الرجز؟!
خامساً: لماذا لم يرفع عثمان أمره إلى النبي( صلىاللهعليهوآله) ؟! ويطلب
منه أن ينصفه من ظالميه، فإنه(صلىاللهعليهوآله) كان حاضراً بينهم، ولم يكن يحق لعثمان ولا لغيره أن يقدم بين يدي الله ورسوله بشيء، وليس له الحق في الإنتقام لنفسه بيده، بل لا بد له من رفع أمره إلى الحاكم ليأخذ له بحقه..
غير أن القمي يقول: إن عثمان مر بعمار بن ياسر وهو يحفر الخندق، وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثمان كمه على انفه ومرّ، فقال عمار:
لا يستوي من يعمر المساجدا يظل فيها راكعاً وساجداً
كمن يمر بالغبار حائدا يعرض عنه جاهداً معاندا
فالتفت إليه عثمان فقال: يا ابن السوداء، إياي تعني؟!
ثم أتى رسول الله(صلىاللهعليهوآله) فقال له: لم ندخل معك لتسب اعراضنا.
فقال له رسول الله( صلىاللهعليهوآله) : قد اقلتك اسلامك فاذهب.
فانزل الله تعالى:( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) . فلعل كلمة الخندق من اشتباه الراوي، وان الصحيح هو ان ذلك كان عند بناء المسجد. فان صحت الرواية فان أمر عثمان يصبح في غاية الإشكال، ولا نريد ان نزيد على هذا(1) . ونظن أن عثمان قد فعل ما هو أعظم من تجنب الغبار الذي هو عمل مشروع في حق نفسه..
____________
1- الآية 17 من سورة الحجرات، تفسير القمي ج2 ص 297 والبرهان ج7 ص 276.
سادساً: وأخيراً.. وهذا هو الأهم:
يلاحظ: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) بادر إلى الإنتصار لعمار بمجرد سماعه لكلمة عثمان فيه، ولم يستفسر عن الأمر، ولا سأل عثمان عن السبب، ولا يمكن تفسير هذا إلا بأحد ثلاثة أمور، كلها ليست في صالح عثمان:
أحدها: أن يكون(صلىاللهعليهوآله) قد سمع جميع ما جرى.. وعرف أن عماراً قد ظلم من قبل عثمان.
الثاني: أن يكون الوحي هو الذي أخبره بهذه المظلومية.
الثالث: أن يكون على يقين من أن عماراً لا يمكن أن يعتدي على أحد، كعلمنا نحن بذلك بالنسبة للأنبياء والأوصياء.
ولا مجال لاحتمال أن يكون(صلىاللهعليهوآله) قد أقدم على إدانة عثمان من دون روية وتثبت، فإن ذلك يعتبر قدحاً في عصمته، وفي استقامته، وهذا من العظائم التي لا يقدم مسلم عليها.
علي(عليهالسلام) في المؤاخاة:
وبعد الهجرة بخمسة، أو بثمانية أشهر، أو أقل أو أكثر آخى النبي( صلىاللهعليهوآله ) بين أصحابه(1) المهاجرين والأنصار، والمهاجرين والمهاجرين(2) ـ
____________
1- راجع: إمتاع الأسماع ج1 ص69 وبحار الأنوار ج19 ص122 وهامش ص130 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص152 والمواهب اللدنية ج2 ص71 والدر النظيم ص118 وتاريخ الخميس ج1 ص35 عن أسد الغابة، ووفاء الوفاء ج1 ص267 وفتح الباري ج4 ص82 وج7 ص210 وعمدة القاري ج11 ص163 وتحفة الأحوذي ج7 ص80 والسيرة الحلبية ج2 ص92 و (ط دار المعرفة) ج2 ص295 والمراجعات ص209 وعيون الأثر ج1 ص265 وج2 ص355 والغدير ج10 ص106 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص52 والمعارف لابن قتيبة ص152.
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ق2 ص1 و (ط دار صادر) ج1 ص238 والعثمانية للجاحظ ص162 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص37 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص292.
آخى بينهم ـ على الحق والمواساة.
وكان عدد الذين آخى بينهم ـ فيما يقال ـ خمسة وأربعين رجلاً من المهاجرين، ومثلهم من الأنصار(1) .
وقيل: كان المجموع مائة وستة وثمانين رجلاً(2) .
وقيل: كانوا خمسين من الأنصار وخمسين من المهاجرين(3) .
واستمر(صلىاللهعليهوآله) يؤاخي بين من يقدم عليه، أو من يدخل في الإسلام منهم في الأوقات المختلفة.. حتى آخى بين مئة وخمسين من
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ق2 ص1 و (ط دار صادر) ج1 ص238 وإمتاع الأسماع ج1 ص69.
2- راجع: إمتاع الأسماع ج1 ص69.
3- راجع: إمتاع الأسماع ج1 ص69 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص292 بحار الأنوار ج19 هامش ص130.
هؤلاء، ومئة وخمسين من أولئك(1) .
وقد آخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وابن عوف، وبين حمزة وزيد بن حارثة، ثم أخذ بيد علي(عليهالسلام) ، فقال: هذا أخي.
وروى أحمد بن حنبل وغيره: أنه(صلىاللهعليهوآله) آخى بين الناس، وترك علياً حتى الأخير، حتى لا يرى له أخاً؛ فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني؟!
فقال: إنما تركتك لنفسي، أنت أخي، وأنا أخوك، فإن ذكرك أحد، فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب، والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي(2) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج19 ص130.
2- راجع: نهج الحق في ضمن دلائل الصدق ص267 و (ط مؤسسة دار الهجرة) ص217 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص565 ووفضائل الصحابة (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص617 وينابيع المودة ص56 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص23 عن أحمد في الفضائل، وصححه، وابن الجوزي، والرياض النضرة ج2 ص209 وتاريخ ابن عساكر ج6 ص21 وكفاية الشنقيطي ص35 و 44 والثقات ج1 ص141 و 42 وراجع: الغدير ج3 ص115 و الكامل لابن عدي ج5 ص35 ونظم درر السمطين ص95 وراجع: الأمالي للصدوق ص427 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص32 و 33 وذخائر العقبى ص66 وبحار الأنوار ج38 ص334 وج38 ص338 وكنز العمال ج13 ص140 وأنساب الأشراف ص144 والعمدة لابن البطريق ص166 والطرائف لابن طاووس ص63 وجامع أحاديث الشيعة ج23 ص252 وتحفة الأحوذي ج10 ص152.
ونقول:
قد تحدثنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلىاللهعليهوآله) عن العديد من الأمور التي ترتبط بموضوع المؤاخاة، ولذلك نكتفي هنا بما يلي:
تواتر حديث المؤاخاة:
بالنسبة لسند حديث المؤاخاة نقول:
إنه حديث متواتر لا يمكن إنكاره، ولا التشكيك فيه، ولا سيما مؤاخاة النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) ، سواء في المؤاخاة الأولى في مكة، أو في الثانية في المدينة، وهو مروي عن عشرات من الصحابة والتابعين كما يتضح للمراجع(1) .
____________
1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص353 ووفاء الوفاء ج1 ص267 و 268 وينابيع المودة ص56 و 57 عن مسند أحمد، وتذكرة الخواص (ط النجف) ص22 ـ 24 وحكي عن الترمذي أنه صححه، والسيرة الحلبية ج2 ص20 و 90 ومستدرك الحاكم ج3 ص14 والثقات لابن حبان ج1 ص138 وفرائد السمطين ج1 الباب العشرون، والفصول المهمة لابن الصباغ ص22 و 29 والبداية والنهاية ج3 ص226 وج7 ص35 وتاريخ الخلفاء ص170 ودلائل الصدق ج2 ص268 ـ 270 عن كنز العمال، وعن البيهقي في سننه، والضياء في المختارة، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند ثمانية أحاديث، وعن أبيه في المسند وفي الفضائل، وأبي يعلى والطبراني، وابن عدي، والجمع بين الصحاح الستة، وأخرج الخوارزمي اثني عشر حديثاً، وابن المغازلي ثمانية أحاديث، والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص150 والغدير ج3 ص112 حتى ص125 عن بعض من تقدم = = وعن المصادر التالية: جامع الترمذي ج2 ص13 ومصابيح البغوي ج2 ص199 والإستيعاب ج2 ص460 ترجمة أمير المؤمنين، وعد حديث المؤاخاة من الآثار الثابتة، وتيسير الوصول ج3 ص271 ومشكاة المصابيح هامش المرقاة ج5 ص569 والمرقـاة ص73 ـ 75 والإصابـة ج2 ص507 والمـواقف ج3 ص276 وشرح المواهب ج1 ص373 وطبقات الشعراني ج2 ص55 وتاريخ القرماني هامش الكامل ج1 ص216 وسيرة دحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج1 ص325 وكفاية الشنقيطي ص34 والإمام علي تأليف محمد رضا ص21 والإمام علي لعبد الفتاح عبد المقصود ص73 والفتاوى الحديثية ص42 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص62 وصححه وعده مما استفاض من الروايات، وكنز العمال ج6 ص294 و 299 و 390 و 399 و 400 و 54.
مع المنكرين لمؤاخاة النبي( صلىاللهعليهوآله ) لعلي(عليهالسلام) :
ولكننا مع ذلك نجد ابن حزم وابن كثير ينكران صحة سند حديث المؤاخاة(1) ، وأنكره أيضاً ابن تيمية، واعتبره باطلاً، موضوعاً، بحجة أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إنما كانت لإرفاق بعضهم ببعض، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي(صلىاللهعليهوآله) لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري(2) .
ونقول:
أولاً: إن إنكار حديث مؤاخاة النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) بدعوى ضعف سنده لا معنى له، بعد أن صححه كثير من الأعلام، وبعد أن تواتر في كتب سائر المسلمين عن عشرات الصحابة والتابعين وغيرهم، فإن المتواتر لا ينظر في سنده، ولا سيما إذا كان هذا الإنكار من الأبناء الثلاثة: أي ابن كثير، وابن حزم، وابن تيمية، المعروفين
____________
1- راجع: البداية والنهاية ج7 ص223 و 336 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص371 والغدير ج10 ص105.
2- راجع: منهاج السنة ج2 ص119 والبداية والنهاية ج3 ص227 و (ط دار إحياء = = التراث العربي) ج3 ص278 وفتح الباري ج7 ص211 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص155 والسيرة الحلبية ج2 ص20 و (ط دار المعرفة) ج2 ص182 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص326 وسبل الهدى والرشاد ج3 ص368 ودلائل الصدق ج2 ص272 والغدير ج3 ص174 وأعيان الشيعة ج1 ص236 و 277.
بالنصب والتعصب على علي، وأهل بيته الطاهرين(عليهمالسلام) .
ثانياً: قول ابن تيمية: إن المؤاخاة كانت لأجل تأليف القلوب بين المهاجرين والأنصار، ولإرفاق بعضهم ببعض، فلا معنى لموآخاة مهاجري لمهاجري، لا يصح لما يلي:
ألف: إن هذا رد للنص بالقياس، وغفلة عن حقيقة الحكمة، فإن التآلف والمحبة مطلوبان أيضاً بين المهاجرين الذين تختلف قبائلهم، وحالاتهم، وثقافاتهم، ويحتاج بعضهم إلى بعض في كثير من الأمور..
ب: إن المؤاخاة قد تكون للتكريم، والإعلان بالفضل، والتعريف بالمنزلة.. ولعلها كانت مقدمة للتعريف بالأشباه والنظائر. أو تمهيداً لإعلان مؤاخاة النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) . وليلاخظ مدى التوافق بين عمر وأبي بكر، وبين عثمان، وعبد الرحمان بن عوف، وبين طلحة والزبير وبين النبي(صلىاللهعليهوآله) وعلي(عليهالسلام) .
خلة أبي بكر:
وقد رووا عن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) أنه قال: لو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً(1) .
____________
1- راجع: صحيح البخاري ج1 ص120 وج4 ص191 و 254 وعن مسند أحمد ج1 ص408 و 412 و 434 و 437 و 439 و 455 و 463 وعن الـسـيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1064 والشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1 ص211 وعن عيون الأثر ج1 ص246 وعيون أخبار الرضا ج1 ص201 وغوالي اللآلي ج3 ص88 وبحار الأنوار ج35 ص267 وج49 ص191 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص89 والغدير ج3 ص111 وج5 ص311 وج8 ص33 وج9 ص347 وج10 ص130 وفضائل الصحابة ص3 وسنن الدارمي ج2 ص353 وعن صحيح مسلم ج2 ص68 وج7 ص108 وسنن ابن ماجة ج1 ص36 وسنن الترمذي ج5 ص270 والسنن الكبرى ج6 ص246 وشرح مسلم للنووي ج1 ص195 والمحصول ج4 ص326 ومجمع الزوائد ج9 ص43 وعن فتح الباري ج7 ص12 وعن تحفة الأحوذي ج10 ص96 والمصنف للصنعاني ج5 ص430 وج10 ص96 ومسند أبي داود للطيالسي ص39 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص350 ومسند ابن راهويه ج1 ص41 وج2 ص22 وتأويل مختلف الحديث ص43 والسنن الكبرى ج5 ص35 وج6 ص328 ومسند = = أبي يعلى ج4 ص457 وج9 ص112 وج12 ص178 وصحيح ابن حبان ج14 ص558 وج15 ص270 والمعجم الأوسط ج1 ص236 وج2 ص306 وج4 ص334 وج6 ص39 وج8 ص185 وعن المعجم الكبير ج2 ص168 وج5 ص220 وج10 ص105 وج11 ص268 وج12 ص93 وج22 ص328 ومسند الشاميين ج1 ص544 والأذكار النووية ص277 والجامع الصغير ج2 ص437 وكنز العمال ج4 ص349 وج11 ص544 وج12 ص507 وفيض القدير ج5 ص368 وكشف الخفاء ج1 ص33 والكامل ج3 ص206 والجامع لأحكام القرآن ج5 ص400 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص573 والدر المنثور ج3 ص243 وج4 ص340 والطبقات الكبرى ج2 ص228 وج3 ص176 والثقات ج2 ص132 وطبقات المحدثين بإصبهان ج4 ص58 وعلل الدارقطني ج5 ص318 وتاريخ بغداد ج3 ص351 وج13 ص65 وتاريخ مدينة دمشق ج9 ص314 وج24 ص8 وج28 ص142 وج30 ص60 والموضوعات ج1 ص366 وأسد الغابة ج1 ص296 وج3 ص212 وتهذيب الكمال ج16 ص246 وتذكرة الحفاظ ج1 ص401 وميزان الإعتدال ج1 ص201 وج3 ص390 وسير أعلام النبلاء ج2 ص142 وج10 ص458 ومن له رواية في كتب الستة ج1 ص573 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص343 والبداية والنهاية ج1 ص195 وج5 ص249 وج6 ص300 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص62 وقصص الأنبيـاء لابن كثـير ج1 ص239 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص454 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص447 وج4 ص244 وج9 ص396 وج11 ص254 وج12 ص234.
ونقول:
أولاً: إن هذا يتناقض مع حديث آخر يروونه عنه(صلىاللهعليهوآله) وهو أنه قال: إن خليلي من أمتي أبو بكر(1) .
____________
1- إرشاد الساري ج6 ص83 و 84 والغدير ج8 ص34 وكنز العمال ج6 ص138 و 140 و (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص414 و 548 و 553 وج12 ص501 والرياض النضرة ج1 ص83 ومجمع الزوائد ج4 ص237 وج9 ص45 وفتح الباري ج3 ص47 وج7 ص15 وعمدة القاري ج7 ص242 وج16 ص177 والمعجم الكبير للطبراني ج8 ص201 وج19 ص41 والجامع الصغير ج1 ص253 وفيض القدير ج2 ص252 وج5 ص368 وأسباب نزول الآيات ص122 والطبقات الكبرى ج2 ص224 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص248 و 249 والعثمانية للجاحظ ص135 والبداية والنهاية ج6 ص301 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص255 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص458.
ويتناقض أيضاً مع روايتهم عنه( صلىاللهعليهوآله) : لكل نبي خليل، وخليلي سعد بن معاذ(1) ، أو عثمان بن عفان(2) .
ثانياً: قال المعتزلي: إن حديث خلة عثمان قد وضعه إسحاق بن نجيح الملطي، وحديث خلة أبي بكر موضوع في مقابل حديث إخاء النبي "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- الغدير ج9 ص347 وكنز العمال ج6 ص83 و (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص720 ومنتخب كنز العمال (بهامش المسند) ج5 ص231 وتاريخ مدينة دمشق ج20 ص372 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص458.
2- تاريخ بغداد للخطيب ج6 ص321 و (ط دار الكتب العلمية) ج6 ص319 والغدير ج5 ص311 وج9 ص346 و 347 والسيرة الحلبيـة (ط دار المعرفـة) = = ج3 ص458 والوضاعون وأحاديثهم ص378 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص125 وميزان الإعتدال ج1 ص201 والجامع الصغير ج2 ص416 وكنز العمال ج11 ص587 وتذكرة الموضوعات ص94 وفيض القدير ج5 ص368 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص29 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص282.
لعلي(عليهالسلام) (1) .
عبد الله وأخو رسوله:
وتقدم قول النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) : إن ذكرك أحد، فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب..
وقد تحقق ما قاله رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بعد وفاة الرسول مباشرة. فإنه(عليهالسلام) قال هذه الكلمة بعد وفاة النبي(صلىاللهعليهوآله) مباشرة، وذلك حين جيء به ملبباً للبيعة، فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله.
فقالوا له: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج11 ص49 وراجع: الغدير ج5 ص311 والوضاعون وأحاديثهم ص378.
2- الإمامة والسياسة ج1 ص13 و (تحقيق الزيني) ج1 ص20 و (تحقيق الشيري) ج1 ص31 وأعلام النساء ج4 ص115 والبرهان ج2 ص93 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص60 وراجع: المسترشد ص380 والإحتجاج للطبرسي ج1 = = ص109 والمحتضر للحلي ص110 والصراط المستقيم ج2 ص26 وبحار الأنوار ج28 ص271 و 319 و 356 وج29 ص627 وكتاب الأربعين للماحوزي ص267 والغدير ج5 ص373 وج9 ص319 والإيضاح لابن شاذان ص368 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص402 وغاية المرام ج5 ص330 وسفينة النجاة للتنكابني ص347 وبيت الأحزان ص83 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص361.
فاعجب بعد هذا ما بدا لك!!
أخي.. ووارثي:
وقوله( صلىاللهعليهوآله) : وأنت أخي ووارثي، يطرح علينا سؤالاً، عن المراد بكونه وارثه، فإن كان المراد وراثة الخلافة، فالخلافة لا تورث كما يورث المال.
وإن كان المراد: أنه وارثه بقول مطلق، حتى المال، فيرد عليه: أن المال كان حقاً لفاطمة(عليهاالسلام) (1) ، وقد استولى الذين جاؤوا بعد النبي(صلىاللهعليهوآله) على أموالها، ومنها فدك وغيرها..
ونجيب:
إنه قد ورد في زيارته: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صِفْوَةِ اللهِ اَلسَّلامُ
____________
1- راجع: الكافي ج1 ص458 ـ 459 وبحار الأنوار ج98 ص44 و (ط حجرية) ج8 ص231 ومستدرك الوسائل ج10 ص275 ودلائل الإمامة ص137 وكشف الغمة ج2 ص132 و (ط دار الأضواء) ج2 ص128 والأمالي للطوسي ج1 ص108 والعوالم ج11 ص518 والأمالي للمفيد (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص283 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص713 ومرآة العقول ج5 ص331 وغير ذلك.
عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوح نَبِىِّ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ اِبْراهيمَ خَليلِ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُوسى كَليمِ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عيسى رُوحِ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُحَمَّد حَبيبِ اللهِ"(1) .
وورد أيضاً: العلماء ورثة الأنبياء(2) .
والمراد بالعلماء هنا: الأئمة من أهل البيت(عليهمالسلام) .
وذلك كله يدل: على أن المقصود أنه وارث علمه، وخصاله، وأخلاقه، وسلوكه ومقامه، فهو القائم مقامه بعد وفاته، لأنه هو الذي يملك المؤهلات لهذا المقام.
ويعني ذلك: أنه لا بد من التسليم بخلافته، استناداً إلى النص عليه من
____________
1- مصباح المتهجد للطوسي ص 720 وكامل الزيارات لابن قولويه ص 375 و401 و484 و517 والمزار للمفيد ص 106 و197 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 63 وج3 ص70 والمصباح للكفعمي ص 500 و502 وبحار الأنوار للمجلسي ج 97 ص 302 و306 و324 و328 و331 و337 و343 وج98 ص163 و178 و199 و209 و223.
2- كنز العمال ج10 ص77 وراجع: إعانة الطالبين للدمياطي ج 1 ص 23 والدعوات للراوندي ص 63 و الرسالة السعدية للحلي ص 8 و تحرير الأحكام للحلي ج 1 ص 35 و الحدائق الناضرة للبحراني ج 11 ص 207 و عوائد الأيام للنراقي ص 463 ومستند الشيعة للنراقي ج 10 ص 136 ومصباح الفقيه (ط قديم) للهمداني ج 2 ص 683.
الله ورسوله، لا من حيث أن الخلافة تورث كما يورث المال.. بل لأن مبررات هذا النص حاصلة فيه دون سواه.
المؤاخاة بين كلٍ ونظيره:
ومهما يكن من أمر، فإن التأمل في عملية المؤاخاة يعطينا: أنه قد لوحظ فيها المسانخة بين الأشخاص، وتشابه وتلاؤم نفسياتهم، فان تشابه القلوب حقيقة قرآنية(1) وإلى ذلك أشار الأزري "رحمهالله " حينما قال مخاطباً علياً(عليهالسلام) :
لك ذات كذاته حيث لولا أنها مثلها لما آخاهــا
عثمان ليس أخاً للنبي( صلىاللهعليهوآله) :
وقد قلنا: إن حديث مؤاخاة النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) متواتر بلا ريب..
وقد روي: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قال لعلي(عليهالسلام) : إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم
____________
1- فقد قال تعالى في سورة البقرة الآية 118:) تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ( وهو وإن قد ورد لبيان حال الذين لا يعلمون من السابقين واللاحقين لكنه يشير إلى ان تشابه القلوب أمر حاصل بين المؤمنين فيما بينهم كما هو بين غيرهم فيما بينهم أيضاً.
الأخ أخوك علي بن أبي طالب(1) .
فلا يصغى لدعوى أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد آخى بين علي وعثمان(2) ، أو بين نفسه(صلىاللهعليهوآله) وعثمان؛ فإن ذلك لا ريب في
____________
1- كنز العمال ج11 ص487 والمناقب للخوارزمي ص294 وكشف الغمة ج2 ص2 وربيع الأبرار ج1 ص807 و 808 ومسند زيد بن علي ص456 وعيون أخبار الرضا "عليهالسلام " للصدوق ج1 ص34 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص33 والعمدة لابن البطريق ص377 وكتاب الأربعين للشيرازي ص451 والجواهر السنية ص297 وبحار الأنوار ج7 ص330 وج38 ص337 و 345 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص116 عن كفاية الطالب ص185 و 280 ومسند الإمام الرضا "عليهالسلام " للعطاردي ج1 ص56 و 125 وغاية المرام ج5 ص108 و 112 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص182 و 183 و 186 وج15 ص486 و 503 وج20 ص223 و 227 وج23 ص577 و 578.
2- العبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ص397 وكنز العمال ج5 ص742 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص367 وتاريخ المدينة لابن شبة ج4 ص1198 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص453 والكامل في التاريخ ج3 ص167 وراجع: الجمل لابن شدقم ص17 والغدير ج9 ص94 و 95 و 318 عن الرياض النضرة ج1 ص17 وج 2 ص 148 ولكنه في ج2 ص506 ذكر نفس الحديث عن الطبري من دون ذكر المؤاخاة!!!.
بطلانه(1) ؛ والمقصود من هذه الإدعاءات الرفع من شأن عثمان، وتكذيب فضيلة لعلي(عليهالسلام) ، بل الهدف هو جعل عثمان وعلي(عليهالسلام) في مستوى واحد!!
وكيف؟! وأنى؟!
وأية مسانخة ظهرت لهؤلاء بين عثمان وعلي(عليهالسلام) ، أو بين عثمان وبين النبي( صلىاللهعليهوآله) ..
ولكن هذه المسانخة قد ظهرت بين النبي(صلىاللهعليهوآله) وبين علي(عليهالسلام) بأجلى صورها.. حتى لقد جهر القرآن بها، فاعتبر علياً(عليهالسلام) نفس النبي(صلىاللهعليهوآله) في آية المباهلة.. وبين الله تعالى في تبليغ سورة براءة، أنه من رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .. إلى غير ذلك من الشواهد والدلالات المشيرة إلى ذلك..
تأخير المؤاخاة مع علي(عليهالسلام) :
تقدم: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) آخى بين الناس وترك علياً(عليهالسلام)
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج3 ص47 و (ط دار صادر) ج3 ص68 والغدير ج9 ص316 عنه، وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص344 وراجع: ص103 وكنز العمال ج13 ص30 وج11 ص592 وج13 ص56. وذكر أخبار إصبهان ج2 ص126.
إلى الأخير، حتى لا يرى له أخاً..
وربما يكون الهدف من هذا التأخير هو:
1 ـ التهيئة لمطالبة علي(عليهالسلام) بذلك، ليفسح المجال للنبي(صلىاللهعليهوآله) ليطلق في حق أمير المؤمنين ما يستحقه من أوسمة يريد الله للناس أن يسمعوها، ويأخذوها بجدية واهتمام..
2 ـ إنه لا يريد أن يختزل من مستوى تذوُّق الناس لهذه العملية النبيلة والمباركة، فيوجه الإنتباه إليهما، ويثير الحماس لدى الناس للتأمل بكل حركة، ووعي كل كلمة، لأن الله ورسوله يريدان لها أن تؤتي ثمارها، جهداً وجهاداً، وتعاوناً ومواساةً، والتزاماً بالحق، والعمل به..
لا يقولها بعدي إلا كذاب:
وقد روي عن علي(عليهالسلام) بسند صحيح على شرط الشيخين: البخاري ومسلم، أنه قال: "أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتري، لقد صليت قبل الناس بسبع سنين"(1) .
____________
1- المستدرك للحاكم ج3 ص112 وتلخيصه للذهبي هامش نفسه الصفحة، والأوائل ج1 ص195 وفرائد السمطين ج1 ص248 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص228 وراجع ج1 ص30 والبداية والنهاية ج3 ص26 والخصائص للنسائي ص46 بسند رجاله ثقات، وسنن ابن ماجة ج1 ص44 بسند صحيح، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص56 والكامل في التاريخ ج2 ص57 وذخائر العقبى ص60 عن الخلفي، والآحاد والمثاني (مخطوط في كوپرلي رقم 235)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 497) ج1 وتذكرة الخـواص = = ص108 عن أحمد في المسند وفي الفضائل، وفي هوامش ترجمة الإمام علي "عليهالسلام " من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص44 و 45 عن: المصنف لابن أبي شيبة ج6 الورق 155/أ وكنز العمال (ط 2) ج15 ص107 وابن أبي عاصم في السنة، والعقيلي، وأبي نعيم، وعن العقيلي في ضعفائه ج6 الورق 139، وتهذيب الكمال للمزي ج14 الورق 193/ب وعن تفسير الطبري، وعن أحمد في الفضائل الحديث 117 وغير ذلك. ورواه في ذيل إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص369 عن ميزان الإعتدال ج1 ص417 وج2 ص11 و 212 والغدير ج2 ص314 عن كثير ممن تقدم وعن الرياض النضرة ص155 و 158 و 127 وراجع: اللآلي المصنوعة ج1 ص321.
وهذه العبارة هي نفس العبارة التي قالها النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) في حديث المؤاخاة، وهي: "فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب..".
فقول علي(عليهالسلام) الآنف الذكر: "أنا عبد الله وأخو رسوله إلخ.." يشير إلى أن ثمة من سيدَّعي، أو أدعى فعلاً: أنه هو ـ لا علي(عليهالسلام) ـ أخو رسول الله، وهو عبد الله. أي المتلبس بالعبودية الحقيقية له تعالى.. فجاء قول علي هذا للتذكير بمقالة النبي فيه..
ولذلك لم نجد أحداً تجرأ على أمير المؤمنين وقال له: بل فلان عبد الله
وأخو رسوله. وليس أنت. لأن من يفعل ذلك سيجد التكذيب الصريح والفاضح له من الصحابة اللذين سمعوا ذلك القول من النبي(صلىاللهعليهوآله) مباشرة.
بنت حمزة عند من؟!
ومما يتعلق بحديث المؤاخاة حديث الإختصام في بنت حمزة، فقد قالوا:
إن جعفراً، وزيد بن حارثة، وعلياً(عليهالسلام) تنازعوا في ابنة حمزة ـ واسمها عمارة ـ فاستدل زيد لنفسه: بأن النبي( صلىاللهعليهوآله ) قد آخى بينه وبين حمزة.
فلما رفعوا ذلك لرسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، قال لهم: أما أنت يا زيد فمولى لله ولرسوله، وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أحق بها(1) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص159 والبداية والنهاية ج4 ص267 وإمتاع الأسماع ج1 ص333 ومسند أبي يعلى ج4 ص266 و 344 ومجمع الزوائد ج4 ص324 وراجع ج9 ص156 وتاريخ مدينة دمشق ج19 ص361 وراجع ج41 ص18 وج42 ص170 وكنز العمال ج5 ص580 وراجع ص579 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص174 وج15 ص516 وج31 ص312 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص195 وصحيح البخاري (ط الميمنية) ج3 ص37 و (ط دار الفكر) ج3 ص168 وج5 ص85 والمستدرك للحاكم ج3 ص217 و 120 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع مع المستدرك) بهامش نفس الجزء والصفحة، والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص5 وج10 ص226 وعمـدة القـاري ج13 ص276 وج16 ص214 وج17 ص263 = وتحفة الأحوذي ج6 ص26 والمصنف للصنعاني ج11 ص227 ونصب الراية ج3 ص548 وصحيح ابن حبان ج11 ص230 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص127 و 168 وخصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص88 و 151.
ونحن نشك في صحة هذا النقل، لأن جعفراً " رحمهالله " لم يكن في المدينة حين استشهد حمزة(عليهالسلام) ، وهو إنما قدمها في خيبر، وقد حصلت هذه القضية ـ حسب زعمهم ـ في عمرة القضاء، فمن البعيد أن تبقى بنت حمزة هذه السنوات بلا كفيل.
وإن كانت عند علي(عليهالسلام) وكان هو كافلها في تلك المدة، فلماذا لم ينازعه فيها زيد، وإن كانت عند زيد، فلماذا لم ينازعه فيها علي(عليهالسلام) ..
على أننا لا نستطيع أن نفهم سبب وجود ابنة حمزة في مكة في عمرة القضاء، إلا إذا قيل: إن أمها أخذتها إليها ورضي المشركون بذلك منها.
ولكن المفروض هو: أن أمها كانت مسلمة، ولم يحدثنا التاريخ أنها ارتدت وذهبت إلى مكة.
وعلى كل حال.. فإن الحديث عن هذه القضية سيأتي في عمرة القضاء،
إن شاء الله تعالى..
الفصل الثاني : أترابية.. وعصبية؟!
تكنية علي(عليهالسلام) بأبي تراب:
ويذكر البعض هنا: أن علياً(عليهالسلام) لما رأى أنه(صلىاللهعليهوآله) لم يؤاخ بينه وبين أحد، خرج كئيباً إلى المسجد، فنام على التراب؛ فجاءه( صلىاللهعليهوآله) ، فجعل ينفض التراب عن ظهره، ويقول: قم يا أبا تراب، ثم آخى بينه وبين نفسه(1) .
ولكن الظاهر: هو أن هذه التسمية قد كانت في مناسبة أخرى غير
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص18 و 55 ومجمع الزوائد ج9 ص111 و 121 عن الطبراني في الكبير والأوسط، والمناقب للخوارزمي ص7 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص39 وكفاية الطالب ص193 عن ابن عساكر، والغدير ج6 ص335 وفتح الباري ج7 ص58 ومسند أبي يعلى ج1 ص402 وكنز العمال ج13 ص159 وكشف الغمة ج1 ص67 وغاية المرام ج5 ص98 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص228 وج6 ص467 و 472 وج15 ص453 و 459 و 480 و 512 وج20 ص426 و 428 وج21 ص535 وج22 ص233 و 268 وج31 ص313 والفصول المهمة لابن الصباغ ص22.
هذه.. أي في غزوة العشيرة، التي كانت قبل بدر، فقد خرج النبي(صلىاللهعليهوآله) إلى بني مدلج، فوادعهم ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيداً(1) ، وملخص القضية برواية عمار بن ياسر "رضوان الله تعالى عليه":
إنه بعد أن نزل رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ومن معه في موضع هناك، ذهب علي(عليهالسلام) وعمار لينظرا إلى عمل بعض بني مدلج، الذين كانوا يعملون في عين لهم ونخل، فغشيهما النوم، فاضطجعا على صور من النخل، وفي دقعاء من التراب..
قال عمار: فوالله، ما أهبنا إلا رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها.
فيومئذ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، لعلي بن أبي طالب: ما لك
____________
1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص463 والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج1 ص361 والسيرة الحلبية ج2 ص126 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص249 و (ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج2 ص433 وراجع: عمدة القاري ج17 ص74 وتاريخ خليفة بن خياط ص30 وكتاب المحبر لابن حبيب ص110 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص66 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص122 والكامل في التاريخ ج2 ص112 والبداية والنهاية ج3 ص302 وإمتاع الأسماع ج1 ص75 وعيون الأثر ج1 ص298 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص362 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص17.
يا أبا تراب؟! لما يرى عليه من التراب.. الحديث(1) ..
____________
1- البداية والنهاية ج3 ص247 والآحاد والمثاني (مخطوط في كوبرلي) رقم235، = = وصحيح ابن حبان (مخطوط)، وبحار الأنوار ج19 ص188 ومسند أحمد ج4 ص263 و 264 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص549 و 550 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص47 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص123 و 124 والكامل في التاريخ (ط صادر) ج2 ص12 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص249 و250 و(ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج2 ص434 وخصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص129 والمستدرك للحاكم ج3 ص140 وكنز العمال ج15 ص123 و 124 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص141 عن المصنف، والبغوي، والطبراني في الكبير، وابن مردويه، وأبي نعيم في معرفة الصحابة، وابن النجار، وغيرهم، وعن ابن عساكر، وشواهد التنزيل ج2 ص342 ومجمع الزوائد ج9 ص136 و 100 عن الطبراني في الأوسط والكبير، والبزار وأحمد، ووثق رجال عدد منهم، وتاريخ الخميس ج1 ص364 وترجمة الإمام علي >عليهالسلام < من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج3 ص86 وأنساب الأشراف ج2 ص90 والسيرة الحلبية ج2 ص126 والطبقات الكبرى لابن سعد، والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص363 ودلائل النبوة للبيهقي ج2 ص303 وعن كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل رقم295 والغدير ج6 ص334 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص17 وعيون الأثر ج1 ص226 وإمتاع الأسماع للمقريزي ص55 وإعلام الورى ج1 ص165 ومجمع البيان ج10 ص371 ونور الثقلين ج5 ص587 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص192 وعلى كل حال، فإن من يراجع غزوة العشيرة في كتب التاريخ والحديث، يجد هذا الحديث مثبتاً في أكثر المصادر.
لا بد من التحفظ:
غير أن لنا تحفظاً مهماً على هذه الرواية لأجل ما تضمنته الرواية من أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد حرك علياً(عليهالسلام) وعماراً برجله، فإن هذا لا يمكن أن يصح، لأنه ينافي أخلاق رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .. فلا بد من طرح هذه الفقرة من الرواية. أو القول بحصول تصحيف فيها، بأن يكون الصحيح: "حركنا برجلنا" بدل "برجله".. ويبقى ما عداها على ما هو عليه من الإعتبار لتواتر روايته اذ لا ريب في ثبوت هذه الكنية التي منحها النبي(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) .. وهي مجمع عليها من قبل أهل التاريخ والرواية.
إذا غاضب فاطمة(عليهاالسلام) وضع التراب على رأسه:
كما لا ريب في بطلان ما يزعمه أهل الباطل، من أنه( عليهالسلام ) سمي بأبي تراب، لأنه كان إذا غاضب فاطمة وضع التراب على رأسه، فإذا رآه النبي(صلىاللهعليهوآله) عرف ذلك، وخاطبه بهذا الخطاب(1) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص127 و (ط دار المعرفة) ج2 ص351 وأنساب الأشراف ج2 ص90 والغدير ج6 ص336 وفتح الباري ج10 ص486 وعمدة القاري ج16 ص214 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص434.
ومثله قولهم: إنه(عليهالسلام) غاضب فاطمة(عليهاالسلام) مرة، وخرج إلى المسجد ونام على التراب، فعرف النبي(صلىاللهعليهوآله) بالأمر، فبحث عنه فوجده، فخاطبه بهذا الخطاب(1) .
ويزيدون على ذلك قولهم: كان في علي على فاطمة شدة فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله، فانطلقت، وانطلق علي بأثرها، فشكت إلى رسول الله غلظ علي، وشدته عليها.
فقال: يا بنية، اسمعي واستمعي، واعقلي: إنه لا إمرة لامرأة لا تأتي هوى زوجها. وهو ساكت.
____________
1- البداية والنهاية ج3 ص347 و (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج7 ص371 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج7 ص119 والأدب المفرد ص183 والمعجم الكبير للطبراني ج6 ص149 والجامع لأحكام القرآن ج19 ص33 وتفسير أبي السعود ج9 ص49 وتفسير الآلوسي ج29 ص101 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص362 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص351 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص424 و 427 وج23 ص624 والغدير ج6 ص336 عن السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص237 وعمدة القاري ج7 ص630 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص363 عن صحيح البخاري، والمناقب للخوارزمي ص7 وأنساب الأشراف ج2 ص90 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص211.
قال علي(عليهالسلام) : فكففت عما كنت أصنع وقلت: والله، لا آتي شيئاً تكرهينه أبداً(1) .
وقصة أخرى، تقول: كان بين علي وفاطمة كلام، فدخل رسول الله، فألقى له مثالاً فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة؛ فاضطجعت من جانب، وجاء علي واضطجع من جانب، فأخذ رسول الله بيد علي فوضعها على سرته، وأخذ بيد فاطمة فوضعها على سرته، ولم يزل حتى أصلح بينهما(2) .
نعم.. إن كل ذلك لا يصح لما يلي:
1ـ إننا لم نفهم سر هذا التصرف الذي انتهجه(صلىاللهعليهوآله) فيما يزعمون للصلح بين الزوجين، حيث اضطجع، ووضع يديهما على سرته!!
2ـ لم نفهم السبب في أنه(صلىاللهعليهوآله) حسب زعمهم قد أنحى باللائمة على إبنته، بدلاً من أن يدافع عنها أمام من يظلمها!!
3 ـ إن فاطمة(عليهاالسلام) أجلّ وأتقى لله وأبرّ وأطهر وانقى، من أن تغضب علياً(عليهالسلام) ، وهي الصديقة الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً، بنص الكتاب العزيز.
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج8 ص16 و (ط دار صادر) ج8 ص26 والإصابة ج8 ص268.
2- علل الشرائع ج1 ص156 وبحار الأنوار ج43 ص146 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج8 ص16 و (ط دار صادر) ج8 ص26 وكشف الغمة ج2 ص95 وغاية المرام ج1 ص61.
كما أن علياً(عليهالسلام) أجلّ، وأرفع، وأتقى، واورع، من أن يغضب فاطمة(عليهاالسلام) وسيرته وتطهير الله له من الرجس، ومن كل مشين، بنص كتابه العزيز أدل دليل على ذلك.
4 ـ لقد قال علي(عليهالسلام) وكأنه يتنبأ بما سوف يفتريه عليه الحاقدون: "فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمر، حتى قبضها الله عز وجل، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها؛ فتنكشف عني الهموم والأحزان"(1) .
5 ـ إن وضعه التراب على رأسه كلما غاضبها لا يصدر من رجل عاقل، حكيم لبيب، له علم ودراية أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، لأنه أشبه بلعب الأطفال.
6 ـ إن أمير المؤمنين(عليهالسلام) الذي هو قسيم الجنة والنار، لم يكن ليؤذي الله تعالى والنبي( صلىاللهعليهوآله) ؛ لأن جزاء من يؤذي الله ورسوله ليس هو الجنة قطعاً.
وقد قال النبي( صلىاللهعليهوآله) : إن من آذى فاطمة(عليهاالسلام)
____________
1- المناقب للخوارزمي ص256 و (ط مركز النشر الإسلامي) 353 وكشف الغمة ج1 ص363 و (ط دار الأضواء) ج1 ص373 وبحار الأنوار ج43 ص134 وبيت الأحزان ص53.
فقد آذاه، أو من أغضبها فقد أغضبه(1) .
____________
1- صحيح البخاري (ط مشكول) ج5 ص36 و (ط دار المعرفة) ج4 ص210 و 219 والآحاد والمثاني ج5 ص362 و 361 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص156 وبحار الأنوار ج28 ص76 وج29 ص157 و 158 وج43 ص54 وإعلام الورى ج1 ص294 وكشف الغمة ج2 ص95 ونهج الإيمان ص620 واللمعة البيضاء ص136 و 775 و 777 والمعجـم الكبـير للطـبراني ج22 ص403 و405 = = وفضائل سيدة النساء لابن شاهين ص30 ـ 33 و 36 وأمالي الحافظ الأصبهاني ص45 و 47 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص190 وحلية الأولياء ج2 ص40 وينابيع المودة ص360 و 171 و 173 والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص201 و 64 والمستدرك للحاكم ج3 ص159 وتلخيصه بهامشه، وأعلام النساء ج4 ص125 وكنز العمال ج13 ص93 ج12 ص106 و 107 و 111 و 112 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص494 والسنن الكبرى ج5 ص97 و 147 والإصابة ج4 ص378 وتهذيب التهذيب ج12 ص441 و392 وشرح مسلم للنووي ج16 ص2 وفضائل الصحابة للنسائي ص78 وصحيح مسلم ج7 ص141 وسنن الترمذي ج5 ص360 و698 وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص638 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص267 وتهذيب الكمال ج35 ص250 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص44 والدر النظيم ص462.
وثمة مصادر أخرى ذكرت ذلك تعقيباً على قصة مكذوبة هي قصة خطبة علي >عليهالسلام < لبنت أبي جهل فراجع: ذخائر العقبى ص37 و 38 وكفاية الطالب ص365 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص53 ونظم درر السمطين ص176 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص272 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص10 وخصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص120 و 121 وصحيح ابن حبان ج15 ص405 وصفة الصفوة ج2 ص13 ومسند أحمد ج4 ص5 و 328 والبداية والنهاية ج6 ص333 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج6 ص366 والصواعق المحرقة ص188.
وقال: إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها(1) .
____________
1- راجع: فرائد السمطين ج2 ص46 ومجمع الزوائد ج9 ص203 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص52 وكفاية الطالب ص364 وذخائر العقبى ص39 وأسد الغابة ج5 ص522 وتهذيب التهذيب ج12 ص442 وينابيع المودة ص173 و 174 و 179 و 198 و (ط دار الأسوة) ج2 ص56 و 72 ونظم درر السمطين ص177 ومستدرك الحاكم ج3 ص154 و 158 وتلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه، وكنز العمال ج13 ص96 وج6 ص219 وج7 ص111 و (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص111 والغدير ج7 ص231 ـ 236 وإحقاق الحق ج10 ص116 ومسند زيد بن علي ص459 والأمالي للصدوق ص467 وعيون أخبار الرضا "عليهالسلام " ج1 ص29 و 51 ومعاني الأخبار ص303 وروضة الواعظين ص149 والأمالي للمفيد ص95 والأمالي للطوسي ص427 واللمعة البيضاء ص132 ـ 134 و 892 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص106 وبحار الأنوار ج21 ص279 وج27 ص62 وج29 ص336 وج43 ص19 و 22 و 26 و 44 و 54 و 220 وراجع: السنن الكبرى ج7 ص64 والصواعق المحرقة ص186 وسير أعلام النبلاء ج2 ص132.
7 ـ لقد قالت فاطمة لعلي(عليهالسلام) : ما عهدتني كاذبة، ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني، "فصدقها"(عليهالسلام) ، في ذلك(1) .
8 ـ إن علياً(عليهالسلام) لم يكن ليغضب من النبي( صلىاللهعليهوآله) ، ويعتب عليه، وهو يعلم أنه لا يأتي بعمل من عند نفسه، كما أن سيرته(عليهالسلام) مع النبي تؤكد على أنه كان يلتزم حرفياً بكل ما يصدر عنه، حتى إنه حينما أمره(صلىاللهعليهوآله) أن يسير لفتح خيبر ولا يلتفت، مشى(عليهالسلام) ما شاء الله، ثم وقف، فلم يلتفت وقال: يا رسول الله الخ..(2) .
____________
1- روضة الواعظين ص151 وبحار الأنوار ج43 ص191 والأنوار البهية ص59 وأعيان الشيعة ج1 ص321 واللمعة البيضاء ص868 وبيت الأحزان ص176.
2- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص93 والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج15 ص380 وإسناده صحيح، ومسند أحمد ج2 ص384 ـ 385 وصحيح مسلم ج7 ص121 وسنن سعيد بن منصور ج2 ص179 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص58 و 59 و 57 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص159 والغدير ج10 ص202 وج4 ص278 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص200 ومسند الطيالسي ص320 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص110 وشرح أصول الكافي ج6 ص136 وج12 ص494 ومناقب أمير المؤمنين ج2 ص503 والأمالي للطوسي ص381 والعمدة لابن البطريق ص143 و 144 و 149 والطرائف لابن طاووس ص59 وبحار الأنوار ج21 ص27 وج39 ص10 و 12 والنص والإجتهاد ص111 وعن فتح الباري ج7 ص366 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص111 ورياض الصالحين ص108 وكنز العمال ج1 ص86 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص82 و 83 و 84 و 85 والبداية والنهاية ج4 ص211= = والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص352 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليهالسلام " ج1 ص178 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 وينابيع المودة ج1 ص154.
9 ـ أضف إلى ذلك: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) حينما كان يستشير أصحابه في الموارد المختلفة، في بدر وأحد وغيرهما، كان أصحابه يتكلمون بما شاؤوا، ولم يكن علي(عليهالسلام) يبدي رأياً، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله بشيء أصلاً، إلا ما روي في شأن الإفك على مارية، حيث طلب منه النبي(صلىاللهعليهوآله) أن يبدي رأيه فأشار(عليهالسلام) بطلاق عائشة ليكون ذلك بمثابة إنذار لها؛ لترتدع عن مواقفها وأعمالها، وتكف عن أذى رسول الله وأزواجه.
10 ـ وأخيراً.. بالنسبة لما يذكرونه من عتب علي(عليهالسلام) أو كآبته
حين آخى النبي(صلىاللهعليهوآله) بين أصحابه، فهو غير دقيق، إذ لماذا يغضب(عليهالسلام) ويعتب؟! أليس قد آخاه(صلىاللهعليهوآله) قبل الهجرة؟!. ثم هو لم يزل يؤكد على أخوته له، كلما اقتضت المناسبة ذلك؟!
وعلى كل حال، فنحن لن نكذب النبي( صلىاللهعليهوآله) ، والقرآن، ونصدق هؤلاء، فنحن نذر هذه الترهات لهم، تدغدغ أحلامهم، وترضي حقدهم على علي وأهل البيت "صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين". وان ربك لبالمرصاد.
وقد ذكرت القصة في بعض المصادر من دون إشارة إلى المغاضبة، فراجع(1) .
____________
1- راجع على سبيل المثال: جواهر المطالب في مناقب الإمام علي "عليهالسلام " لابن الدمشقي ج1 ص30 وعمدة القاري ج16 ص214 و 216 وتحفة الأحوذي للمباركفوري ج10 ص144 وذخائر العقبى لأحمد بن عبد الله الطبري ص57 والآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص150 والعمدة لابن البطريق ص26 والطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس ص78 عن البخاري، وصحيح البخاري ج5 ص88 ح199 و (ط دار الفكر ـ 1401هـ ـ 1981م) ج4 ص208 وصحيح ابن حبان ج15 ص368 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص107 والفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ ج1 ص226 وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي ج1 ص163 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص82 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص538.
الشيخ الصدوق (رحمة الله) ورواية المغاضبة:
وقد قال الشيخ الصدوق "قدسسره " عن الخبر المتضمن لذكر الخلاف بين علي وفاطمة (عليهماالسلام )، ما يلي:
"ليس هذا الخبر عندي بمعتمد، ولا هو لي بمعتقد في هذه العلة، لأن علياً(عليهالسلام) وفاطمة(عليهاالسلام) ما كان ليقع بينهما كلام يحتاج رسول الله(صلىاللهعليهوآله) إلى الإصلاح بينهما، لأنه(عليهالسلام) سيد الوصيين، وهي سيدة نساء العالمين، مقتديان بنبي الله(صلىاللهعليهوآله) في حسن الخلق، لكني أعتمد في ذلك على ما حدثني به.."(1) .
ثم ذكر رواية سليمان بن مهران عن عباية بن ربعي الآتية.
وفي رواية أخرى، عن ابن عمر قال: بينا أنا مع النبي(صلىاللهعليهوآله) في نخيل المدينة وهو يطلب علياً(عليهالسلام) إذا انتهى إلى حايط، فاطلع فيه فنظر إلى علي(عليهالسلام) وهو يعمل في الأرض وقد اغبارّ، فقال ما ألوم الناس أن يكنوك أبا تراب.
فلقد رأيت علياً تمعر وجهه، وتغير لونه، واشتد ذلك عليه.
____________
1- راجع: علل الشرايع ج1 ص187 و (منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها ـ النجف الأشرف) ج1 ص156 وراجع: بحار الأنوار ج43 ص147 وغاية المرام ج1 ص61.
فقال النبي( صلىاللهعليهوآله) : ألا أرضيك يا علي؟!
قال: نعم يا رسول الله.
فأخذ بيده، فقال: أنت أخي، ووزيري، وخليفتي في أهلي، تقضى ديني الخ.."(1) .
والظاهر: أن اشتداد ذلك على أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، إنما هو لعلمه: بأن الذين سيقولون عنه ذلك إنما يريدون تنقصه وتصغير شأنه بكلامهم هذا، وتحريفاً منهم لمقصد رسول الله(صلىاللهعليهوآله) من إطلاق هذا اللقب عليه(2) . لأنه(صلىاللهعليهوآله) قال ذلك له على غير المعنى الذي أرادوه. والله أعلم بحقيقة الحال!
____________
1- راجع: علل الشرايع ج1 ص188 و (منشورات المكتبة الحيدرية ـ النجف الأشرف) ج1 ص157 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج1 ص320 والعقد النضيد والدر الفريد للقمي ص53 وبحار الأنوار ج35 ص50 ومجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص121 والمعجم الكبير للطبراني ج12 ص321 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " في الكتاب والسنة= = والتاريخ ج11 ص198 وغاية المرام ج1 ص60 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص229 وج23 ص143 و 144 و 270 و 342 و 350 و 601 وج31 ص292.
2- راجع: تذكرة الخواص ج1 ص129.
سبب تكنية علي(عليهالسلام) بأبي تراب:
وسبب تسمية النبي(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) بأبي تراب، هو أنه(صلىاللهعليهوآله) جاء وعلي(عليهالسلام) نائم في التراب، فقال: أحق أسمائك أبو تراب، أنت أبو تراب(1) .
وقد علل ابن عباس هذه التكنية بوجه دقيق وعميق، فقد روى سليمان بن مهران، عن عباية بن ربعي، قال: قلت لعبد الله بن عباس: لم كنى رسول الله(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) أبا تراب؟!
قال: لأنه صاحب الأرض، وحجة الله على أهلها بعده، وبه بقاؤها، وإليه سكونها. ولقد سمعت رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يقول:
إنه إذا كان يوم القيامة، ورأى الكافر ما أعد الله تبارك وتعالى لشيعة علي(عليهالسلام) من الثواب والزلفى والكرامة، قال: "يا ليتني كنت تراباً. يعني: (يا ليتني) من شيعة علي(عليهالسلام) .
____________
1- راجع: مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص101 والمعجم الأوسط للطبراني ج1 ص237 وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج42 ص18 والغدير للشيخ الأميني ج6 ص334 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص82 وكنز العمال ج11 ص627 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص543 و 545 وج15 ص592 وج20 ص423 و 429 و 431.
وذلك قول الله عز وجل:( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً ) (1) "(2) .
قال المجلسي "رحمهالله ": "يمكن أن يكون ذكر الآية لبيان وجه آخر لتسميته(عليهالسلام) بأبي تراب، لأن شيعته لكثرة تذللهم له وانقيادهم لأوامره سُمّوا تراباً، كما في الآية الكريمة.
ولكونه(عليهالسلام) صاحبهم، وقائدهم، ومالك أمورهم، سمي أبا تراب"(3) .
وقد قال عبد الباقي العمري مشيراً إلى ذلك:
يا أبا الأوصياء أنت لِطه صهره وابن عمه وأخوهُ |
إن لله في معانيك سراً أكثر العالمين ما علموه |
أنت ثاني الآباء في منتهى الدور وآبــاؤه تعــد بنـوه
____________
1- الآية 40 من سورة النبأ.
2- بحار الأنوار ج35 ص51 وج65 ص123 وغاية المرام للبحراني (ط إيران) ج1 ص58 و (ط أخرى) ج1 ص60 وعلل الشرايع ج1 ص187 و188 و (ط الحيدرية ـ النجف الأشرف) ج1 ص156 ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ص120 وشجرة طوبى ج2 ص220 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص56 والصافي ج5 ص278 وج7 ص387 وتفسير نور الثقلين ج5 ص496 وبشارة المصطفى ص28 و29 والبرهان (تفسير) ج8 ص202 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص305.
3- راجع: بحار الأنوار ج35 ص51.
خلق الله آدماً من تراب وهو ابن له وأنت أبوه(1)
لماذا الوضع والإختلاق؟!:
ولعل سر وضع هذه الترهات هو:
1 ـ إنهم يريدون أن يظهروا: أنه قد كان في بيت علي(عليهالسلام) من التناقضات والمخالفات مثل ذلك الذي كان في بيت النبي( صلىاللهعليهوآله) ، مما كانت تصنعه بعض زوجاته( صلىاللهعليهوآله) .
وليمكن ـ من ثم ـ أن يقال: إن ذلك أمر طبيعي، ومألوف، وهو من مقتضيات الحياة الزوجية؛ فلا غضاضة فيه على أحد، ولا موجب للطعن والإشكال على أي كان، فزوجة النبي تتصرف كما كانت تتصرف بنت النبي( صلىاللهعليهوآله) .
وكما كانت عائشة تغضب النبي( صلىاللهعليهوآله) ، فإن فاطمة كانت تغضب علياً(عليهالسلام) ، وكانت خشنة معه.
2 ـ ومن الجهة الثانية، فكما أن قوله(صلىاللهعليهوآله) من أغضبها
____________
1- راجع: الغدير للشيخ الأميني ج6 ص338 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص380 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص56 و 373 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص130 والكنى والألقاب للشيخ عباس القمي ج2 ص98 وشجرة طوبى ج2 ص220.
(أي فاطمة) فقد أغضبني، ينطبق على فلان وفلان، فإنه ينطبق على علي نفسه، إذاً فكما أغضب أبو بكر وعمر بن الخطاب فاطمة(عليهاالسلام) ، فقد أغضبها علي أيضاً..
وتكون واحدة بواحدة، فلا يكون ذلك موجباً للإشكال على أولئك دونه(عليهالسلام) . ويكون كلام النبي(صلىاللهعليهوآله) عن غضبها من قبيل المجاملة، وأنه كلام لا معنى له وراء العاطفة الأبوية.
3 ـ هل يريدون أن يظهروا علياً(عليهالسلام) بصورة الفظ الغليظ، وهي الصفات التي وصفوا بها عمر بن الخطاب، لكي يتشارك هو وإياه في ذلك؟!
4 ـ بل هم يريدون بذلك: أن يظهروا علياً(عليهالسلام) بصورة الرجل الذي لم يكن مرضياً من فاطمة، وقد تزوجته وهي كارهة، وبدون رضى منها.
ولعل قبول النبي(صلىاللهعليهوآله) بتزويجه كان لأجل دفع غائلته وشره، وبذلك يسلبون عنه فضيلة الصهر للنبي( صلىاللهعليهوآله) .
قيمة هذه الكنية:
وقد كان علي(عليهالسلام) يعتز ويأنس بكنية "أبي تراب"، لأنه كان لا يرى الدنيا هدفاً له، يعيش من أجله ويضحي في سبيله، وإنما يعتبرها وسيلة إلى هدفه الأسمى، وغايته الفضلى، ومن يرى نفسه منسجماً في تصرفاته مع هدفه، ومع نظرته؛ لابد أن يرتاح، وينشرح لذلك.
فكانت هذه الكنية من النبي(صلىاللهعليهوآله) له بمثابة إعلام له:
بأنه سوف يبقى في مواقفه وتصرفاته محتفظاً بالخط المنسجم مع أهدافه، وأنه سوف يستمر في وضعه للدنيا في موضعها الذي يليق بها، ولن تغره بزبارجها وبهارجها، ولن يبتلي بالتناقض بين مواقفه وتصرفاته، وبين ما يعتبره هدفاً له.
فمن أجل ذلك وسواه كانت هذه الكنية أحب كناه إليه(عليهالسلام) .
وأما الأمويون، الذين كانوا يعيِّرونه(عليهالسلام) بهذه الكنية، فقد كان موقفهم أيضاً منسجماً مع نظرتهم ومع ما يمثل القيمة عندهم، فإن غايتهم وهدفهم هو الدنيا، وعلى أساس وجدانها وفقدانها يقيّمون الأشخاص والمواقف، فيحترمون أو يحتقرون.
وإذا كان علي أبا تراب، ولا يهتم بالدنيا، ولا يسعى لأن ينال منها إلا ما يحفظ له خيط حياته، انطلاقاً من الواجب الشرعي، ويبلغه إلى أهدافه التي رسمها الله سبحانه له، فإن بني أمية سوف يرونه فاقداً للعنصر الأهم الذي يكون به المجد الباذخ، والكرامة والسؤدد بنظرهم، ويصبح من الطبيعي أن يعيروه بكنية من هذا القبيل، فإن ذلك هو المنسجم كل الانسجام مع غاياتهم ونظرتهم تلك التي تخالف الدين والقرآن، ولا تنسجم مع الفطرة السليمة والمستقيمة.
الراية الترابية: علم وسخاء:
وقد أظهرت بعض النصوص: أن الترابية أصبحت نهجاً وطريقاً ولقباً لفئة من الناس، وأن هذا اللقب أصبح محوراً وشعاراً رائعاً في دلالاته
في نطاق التداول بين الأفرقاء: من الأعداء والأصدقاء على حد سواء.
فمن يهتم بالعلم، ونشره، ويعرف بالسخاء والبذل صار يعتبر رافعاً راية ترابية، فقد روي: أنه دخل عبد الله بن صفوان على عبد الله بن الزبير، وهو يومئذٍ بمكة فقال: أصبحت كما قال الشاعر:
فإن تصبك من الأيام جائحة لا أبك منك على دنياً ولا دين
فقال: وما ذاك يا أعرج؟!
فقال: هذا عبد الله بن عباس يفقه الناس، وعبيد الله أخوه يطعم الناس، فما أبقيا لك؟!
فأحفظه ذلك، فأرسل صاحب شرطته، عبد الله بن مطيع، وقال له: انطلق إلى ابني عباس، فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها الله، فنصبتماها؟! بددا عني جمعكما، ومن ضوى إليكما من أهل الدنيا، وإلا فعلت وفعلت.
فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: طالب فقه، أو طالب فضل. فأي هذين تمنع؟!
فقال أبو الطفيل:
لا در در الليـالي كـيـف تضحكنـا منها خطـوب أعاجيب وتبكينــا
ومثـل مـا تحـدث الأيـام مـن غِـيَرٍ يـا ابـن الزبـير عـن الدنيا تسلينـا
كنـا نـجـيء ابن عباس فيقبـسنــا عـلماً، ويـكسبنا أجراً ويهــدينــا
ولا يــــزال عـبـيـد الله متــرعــة جفـانه، مطعـماً ضـيـفاً ومسكينـا
فالـبر، والـديـن، والدنيا بدارهمـا ننــال منهــا الـذي نبغي إذا شينـا
إن الـنـبـي هو النور الذي كشـفت بـه عـمايــات بـاقينــا ومـاضينــا
ورهطـه عصمـة في ديننـا ولــهــم فضـل علينـا وحـق واجـب فينــا
ولست فـاعلمْه أولى مـنـهمُ رحمــاً يـا بـن الـزبــير ولا أولى بـه دينـا
فـفـيـم تـمـنـعهم عنــا وتمـنـعـنـا عنهـم وتـؤذيهـمُ فـينــا وتـؤذينـا
لـن يـؤتِيَ الله مـن أخـزى ببغضهم في الدين عزاً ولا في الأرض تمكيناً(1)
فابن الزبير يعتبر راية العلم، وراية الجود من الرايات الترابية التي اكتسبها أتباع أبي تراب منه "صلوات الله وسلامه عليه".
أترابية وعصبية؟!:
كما أن أتباع أمير المؤمنين(عليهالسلام) (أبي تراب) كانوا كإمامهم أبعد عن العصبية للعرق والعشيرة، ويشهد لذلك قول كثيِّر عزَّة، حينما قتل آل المهلب بالعقر: ما أجل الخطب! ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف، وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر، ثم انتضحت عيناه باكياً.
فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فدعا به، فلما دخل عليه قال: "عليك
____________
1- الأغاني (ط ساسي) ج13 ص168 وأنساب الأشراف ج3 ص32 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص938 والدرجات الرفيعة ص148 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص129 وسير أعلام النبلاء ج3 ص356 وخزانة الأدب ج4 ص40.
بهلة الله، أترابية وعصبية"؟!(1) .
مما يعني: أن هاتين الصفتين لا تجتمعان في علي(عليهالسلام) وشيعته.
وموقف أهل البيت(عليهمالسلام) من العصبيات، ومن التمييز القبلي والعنصري، معروف وواضح. والموقف الآخر المنقاض له من غيرهم واضح أيضاً.
وهذا موضوع طويل وهام، لا مناص لنا من إرجاء الإفاضة فيه إلى فرصة أخرى(2) .
____________
1- الأغاني ج8 ص6 وأعيان الشيعة ج1 ص169 و 325 ومختصر أخبار شعراء الشيعة ص69 والدرجات الرفيعة ص588.
2- راجع كتابنا: ) سلمان الفارسي في مواجهة التحدي (
الفصل الثالث: علي(عليهالسلام) .. في بدر العظمى..
حرب بدر:
كانت حرب بدر في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان لعلي فيها القدح المعلى، والحظ الأوفر.. ونحن هنا لا نريد استعراض جميع ما جرى في هذه الحرب، بل نريد أن نقدم لمحة عن حركة ومواقف أمير المؤمنين(عليهالسلام) فيها، فنقول:
راية رسول الله(صلىاللهعليهوآله) مع علي(عليهالسلام) :
لقد كانت راية رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في حرب بدر مع علي(عليهالسلام) (1) ، كما كانت معه في سائر المواقف. ومن الكلمات المألوفة
____________
1- المناقب للخوارزمي ص102 والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم النبيل، مخطوط في مكتبة كوبرلي رقم235 و (ط دار الدراية) ج1 ص141 ومسند الكلابي في آخر مناقب ابن المغازلي ص434 ومناقب ابن المغازلي نفسه ص366 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج3 ص33 و 34 والمستدرك للحاكم ج3 ص11 وتلخيصه للذهبي بهامشه، ومجمع الزوائد ج9 ص125 ونقل ذلك عن: شرح نهج البلاغة للمعتزلي (ط أولى) ج2 ص102 وجمهرة الخطب ج1 ص428 والأغاني (ط دار الكتب) ج4 ص175 وتـاريـخ الأمـم والمـلـوك (ط دار المعـارف) ج2 ص430. وشرح الأخبـار ج1 = = ص321 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص311 وذخائر العقبى ص75 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص65 وبحار الأنوار ج19 ص290 وج41 ص79 ومجمع الزوائد ج5 ص321 والمعجم الأوسط للطبراني ج5 ص241 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص311 وكنز العمال ج10 ص406 والتبيان للطوسي ج2 ص579 وجوامع الجامع ج1 ص324 ومجمع البيان ج2 ص381 والكامل لابن عدي ج1 ص240 وج5 ص143 وتاريخ مدينة دمشق ج20 ص249 وج42 ص72 والبداية والنهاية ج7 ص39 وإعلام الورى ج1 ص374 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص189 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص526 و 527 و 528 وج18 ص73 وج20 ص331 وج30 ص219 و 220 و 221 وج32 ص341 و 342.
لدى المؤرخين قولهم: كان علي(عليهالسلام) صاحب لواء (أو راية) رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في بدر وفي كل مشهد(1) .
____________
1- ترجمة الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص145 وذخائر العقبى ص75 عن أحمد في المناقب، والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 قسم1 ص14 و (ط دار صادر) ج3 ص23 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص74 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص625 وكفاية الطالب ص 336 وفي هامشه عن كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، وراجع: هامش ص180 من احتجاج الطبرسي، عن الرياض النضرة ج 2 ص 267 و 202 عن نظام الملك في أماليه. وراجع أيضاً: مناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي ص200 والمناقب للخوارزمي ص258 و 259 وعمدة القاري ج16= = ص216 والمستدرك للحاكم ج3 ص500 وتلخيصه بهامش نفس الصفحة للذهبي، وصححاه على شرط الشيخين، والمصنف للصنعاني ج5 ص288 وحياة الصحابة ج2 ص514 ـ 515 وتاريخ الخميس ج1 ص434 وفتح الباري ج6 ص89 عن أحمد، وأسد الغابة ج4 ص20 وأنساب الأشرف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص106 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص289 والغدير للعلامة الأميني ج10 ص168 عنه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص527 و 528 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص189.
وسيأتي في حرب أحد نصوص عديدة تدل على ذلك..
فلا يصغى لما يقال: من أن اللواء كان بيد مصعب بن عمير، أو الحباب بن المنذر.. إلا إن كان مرادهم أن لواء أو راية المهاجرين كانت بيد مصعب، وراية أو لواء الأنصار بيد الحباب..
ولا يلتفت لمحاولاتهم التفريق بين اللواء والراية ـ لتصحيح الإدعاءات المتعارضة ـ، لأن النصوص قد دلت على اختصاص اللواء الأعظم، والراية العظمى بعلي(عليهالسلام) (1) .
وقد نص جماعة من أهل اللغة على الترادف بين اللواء والراية(2) .. وإن
____________
1- راجع المصادر في الهامشين السابقين.
2- السيرة الحلبية ج2 ص147و 148 و (ط دار المعرفة) ج2 ص348 و 382 و 736 وج3 ص137 وراجع: فتح الباري ج6 ص90 وعمدة القاري ج14 ص233 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص373.
كان بعضهم ذكر: أن الراية قد اتخذت في واقعة خيبر(1) ، وسيأتي المزيد من الكلام حول هذا الموضوع في تلك المواضع إن شاء الله تعالى.
النبي(صلىاللهعليهوآله) لا يبدأ القتال:
وقد أمر النبي(صلىاللهعليهوآله) أصحابه في بدر أن لا يبدأوا عدوهم بقتال.. وهذا كان حال أمير المؤمنين(عليهالسلام) في سائر حروبه، فإنه كان يأمر أصحابه أن لا يبدأوا أعداءه بقتال أيضاً..
فقد جاء أنه(عليهالسلام) نادى في الناس يوم الجمل: لا يرمين رجل بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يضرب بسيف، ولا تبدأوا القوم بالقتال، وكلموهم بألطف الكلام.
قال سعيد: فلم نزل وقوفاً حتى تعالى النهار؛ حتى نادى القوم بأجمعهم: يا ثارات عثمان إلخ..
وبذلك أيضاً أوصى(عليهالسلام) أصحابه في صفين(2) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص147 و (ط دار المعرفة) ج3 ص137 و 140 وعمدة القاري ج14 ص233 وشرح السير الكبير للسرخسي ج1 ص71.
2- السنن الكبرى للبيهقي ج8 ص180 وحياة الصحابة ج2 ص503 عنه، وراجع: تذكرة الخواص ص72 و 91 والفتوح لابن أعثم ج3 ص45 وج2 ص490 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص240 والمناقب للخوارزمي ص183 وكنز العمال ج11 ص338 وشرح إحقـاق الحق (الملحقـات) ج8 = = ص554 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص67 و (تحقيق الشيري) ج1 ص91 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص111.
وأوصى الإمام الحسين(عليهالسلام) أصحابه في كربلاء.
وصار ذلك شعار الشيعة، حيث كانوا لا يبدأون أحداً بقتال، كما قال الجاحظ، وهو يتحدث عن كردويه الأقطع الأيسر (وهو من بطارقة سندان الشجعان)، وكان لا يضرب أحداً إلا حطمه، وكان إذا ضرب قتل:
"كان كردويه مع فتكه وإقدامه يتشيع؛ فكان لا يبدأ بقتال حتى يَبتدأ"(1) .
وبذلك يصبح البادىء بالقتال هو المعتدي والباغي. ويصبح المعتدى عليه معذوراً في الدفاع عن نفسه أمام الله وأمام العقلاء، وأمام وجدانه.
وما رميت إذ رميت:
وعن ابن عباس: في قوله تعالى:( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ) (2) قال: إن النبي(صلىاللهعليهوآله) بأمر من جبرئيل قال لعلي(عليهالسلام)
____________
1- البرصان والعرجان والعميان والحولان للجاحظ ص333.
2- الآية 17 من سورة الأنفال.
: ناولني كفاً من حصباء (وفي رواية: عليه تراب)، فناوله كفاً من حصباء، فرمى به في وجوه القوم، فما بقي أحد إلا امتلأت عينه من الحصى.
وفي رواية: وأفواههم ومناخرهم.
ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم(1) .
عائشة تتشبه برسول الله( صلىاللهعليهوآله) :
وقد حاولت عائشة أن تتشبه برسول الله(صلىاللهعليهوآله) في هذا الأمر، فقالت في حرب الجمل: ناولوني كفاً من تراب، فناولوها، فحثت في وجوه أصحاب أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، وقالت: شاهت الوجوه، كما فعل رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بأهل بدر.
____________
1- المعجم الكبير للطبراني ج11 ص227 ومجمع الزوائد ج6 ص84 وزاد المسير ج3 ص226 وبحار الأنوار ج19 ص229 و 325 عن تفسير الثعلبي، ومناقب آل أبي طالب ج1 ص189 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص163 والدر المنثور ج3 ص175 وفتح القدير ج2 ص296 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص48 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص307 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص20 وتفسير مقاتل بن سليمان ج2 ص9 والبداية والنهاية ج3 ص347 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص435 وراجع: السيرة الحلبية ج2 ص167 وجامع البيان ج9 ص272 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص26.
فقال أمير المؤمنين(عليهالسلام) : وما رميت إذ رميت، ولكن الشيطان رمى، وليعودن وبالك عليك إن شاء الله تعالى(1) .
آيتان لم يعتبر الناس بهما:
ومن المناسب الإشارة هنا إلى ما يلي:
1 ـ إن ما فعله رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في أهل بدر كان ينبغي أن يترك أثره على قرار الحرب الذي اتخذوه ضد من لم تزل الآيات والمعجزات والكرامات الإلهية تظهر لهم فيه، وتدلهم على صدقه، ولزوم الإيمان به. وقصة رميه التراب في وجوههم واحدة منها.
فقد رأى المشركون بأعينهم، ولمسوا بأنفسهم كيف أن كفاً من تراب يدخل في عيون جيش بأكمله، وفي أفواههم ومناخرهم، ويملؤها، فإن هذا الأمر غير عادي..
ولنفترض: أن ذلك لم يقنع ذلك الجيش، ولم يجد فيه ما يثير أو ما يستهجن.. ولكن بعد أن تحقق ذلك النصر المؤزر، الذي لا يمكن تصديقه، بل ولا توهمه، لماذا لم يدركوا: أن هذا النصر بذاته معجزة إلهية تدعوهم إلى التخلي عن بغيهم وعنادهم وجحودهم؟!
ويزيد هذه المعجزة وضوحاً في دلالتها أن ثلاثة أرباع هذا النصر كان
____________
1- كتاب الجمل للمفيد ص347 ـ 348 و (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص186 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص257 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص303 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج2 ص325 و (ط دار الأضواء) ج2 ص478.
على يد رجل واحد هو علي بن أبي طالب(عليهالسلام) .. مع أن هذا الرجل لم يسبق له أن خاض حروباً، أو قاد جيوشاً.. وها هو يقود جيشاً ليس فيه سوى فرس واحد، وليست هي لهذا القائد المنتصر، ولدى عدوه مئات الأفراس، وليس لدى جيشه سوى ثمانية دروع، في مقابل ست مئة دارع، وليس مع جيشه سوى ستة سيوف، ومع الباقين جريد نخل أو ما شابه.. وجيش عدوه مدجج بالسلاح، متخم بالإمكانات.
أما مواقع الجيشين فلا يحسد المسلمون على مواقعهم، لا سيما مع كونهم بالعدوة الدنيا، ومع عدم وجود ماء لديهم..
وكذلك الحال بالنسبة لتركيبة الحشد المقاتل لدى الطرفين، فإن الكثير من السلبيات المخيفة كانت مهيمنة على جيش أهل الإيمان، وكان يتوقع لها أن تترك آثاراً كبيرة وخطيرة.. في حين أن جيش الأعداء لم يكن يعاني من أي شيء من ذلك..
كل ذلك بالإضافة إلى الحاجة الملحة، والفقر والعدم الظاهر في هذا الجانب، والمفقود في الجانب الآخر.. وكل ذلك قد أوضحناه في كنابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم( صلىاللهعليهوآله) ، الجزء الخامس، في حرب بدر.
ومع ذلك كله يتحقق النصر الكبير والهائل على يد رجل واحد من هذا الجيش تقريباً، ألا وهو علي بن أبي طالب!! ألا يكفي ذلك لتكوين القناعة الراسخة لديهم بالرعاية الإلهية لهذا الدين ولأهله؟!
2 ـ إن ما فعلته عائشة هو الآخر ينبغي أن يكون دليلاً للجيش الذي جاءت به على سقوط ما تدعيه، وعلى أنها ظالمة في حربها لعلي(عليهالسلام) ، فإن التراب الذي ألقته لم يصل منه شيء إلى أحد من جيش علي.. في حين أن قول علي(عليهالسلام) قد صدق في حقها، فقد قال: "وليعودن وبالك عليك إن شاء الله تعالى".. فقد هزمت هي وجيشها شر هزيمة.. وبقيت نادمة ونادبة، تبكي حظها وما جرى لها إلى إن ماتت..
وتلك دلالة أخرى كان على من عاش تلك الأحداث أن يستفيد منها، ويضمها إلى مثيلاتها من الدلائل والشواهد..
عائشة: فعل علي(عليهالسلام) كفعل النبي( صلىاللهعليهوآله) :
ونظرت عائشة إلى علي(عليهالسلام) ، وهو يجول بين الصفوف في حرب الجمل، فقالت: انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يوم بدر، أما والله ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس(1) ، وهكذا كان؟!
ومَنْ غير علي(عليهالسلام) كان يتبع رسول الله(صلىاللهعليهوآله) اتباع الفصيل إثر أمه؟!
إنه(عليهالسلام) يرى أن هذه الحرب تقوم على أساس التغرير بالناس وخداعهم، ولم يكن(عليهالسلام) يريد قتل الناس، ولا الإنتقام من أحد، بل كان(عليهالسلام) يريد مجرد درء الفتنة، ورد الكيد.
____________
1- الفتوح لابن أعثم ج2 ص214 و (ط دار الأضواء) ج2 ص472 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص341 وبحار الأنوار ج32 ص174.
فإذا بدأت الحرب حين الزوال، وعضت الحرب أولئك البغاة بأنيابها، وجاءهم الليل بسرعة فسيُجْرون في هدأته حساباتهم بصورة أكثر دقة وواقعية، لأنهم يكونوا تذوقوا شيئاً من آلام الحرب، وعرفوا عملياً بعض الأثمان التي سيدفعونها من جراح وأرواح، فلا بد أن يعيد الكثيرون من هؤلاء الناس الذين غرر بهم النظر في قراراتهم السابقة، وسيندمون على الدخول في هذا المدخل، وبعد أن يجروا مقارنات بين الثمن الذي يدفعونه، وبين ما سيحصلون عليه، ويحققونه، سيظهر لهم أنهم هم الخاسر الأكبر، والمغبونون بجميع المقاييس: الدنيوية منها والدينية..
وربما ينصرف الكثيرون منهم عن مواصلتها، أو يحاولون إقناع غيرهم بإيجاد مخارج لها..
كما أن مجيء الليل سوف يسهل على من يحتاج إلى التخفي والإنسحاب، أن ينسل تحت جنح الظلام إلى الجهة التي يختارها..
ولعل ذلك كله وسواه هو بعض السر في أنه(عليهالسلام) كان ينتظر زوال الشمس اقتداء منه بالرسول الأكرم( صلىاللهعليهوآله) ..
كنا نتقي المشركين برسول الله( صلىاللهعليهوآله) :
ويصف علي(عليهالسلام) لنا شجاعة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في بدر، فيقول: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، فكان أشد الناس بأساً، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه، أو
نحو ذلك(1) .
ونقول:
إن هذا النص يحتاج إلى معالجة توضح معناه ومغزاه، فلاحظ ما يلي:
أولاً: ما ورد في هذا النص لا يعني أن رسول الله(صلىاللهعليهوآله) قد قتل أو جرح أحداً من المشركين بيده، فإن ذلك لم يحصل في أي من حروب رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .. لأن مصلحة الإسلام العليا، والرفق بالبشر كان يقتضي ذلك.. لا سيما وأن المطلوب منهم هو أن يكون رسول الله( صلىاللهعليهوآله) أحب إليهم من آبائهم، وأبنائهم، وأموالهم، وتجاراتهم، ومساكنهم، فلا بد من تيسير هذا الحب لهم. كما أن أدنى تردد أو اتهام أو اثارة من بعض له تخرجهم عن الإيمان والاسلام بصورة تامة..
ثانياً: إنه إذا صح الحديث الآنف الذكر، فعلي(عليهالسلام) إنما يتحدث عن غيره من المسلمين، لا عن نفسه. أي أنه في مقام التعريض بذلك الغير، الذي يريد محبوه تسطير الفضائل والكرامات له.
أما علي(عليهالسلام) فكان يحاول أن يفدي رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بنفسه، كما جرى في ليلة الهجرة، حيث بات على فراش رسول الله
____________
1- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص135 والسيرة الحلبية ج2 ص123 و (ط دار المعرفة) ج2 ص342 و 412 والبداية والنهاية ج6 ص37 و (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت) ج6 ص42 وتاريخ مدينة دمشق ج4 ص14 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص46 وحياة الصحابة ج2 ص677 عن البيهقي وأحمد.
(صلىاللهعليهوآله) ليقيه بنفسه، وكما كان يجري في الشعب على مدى ثلاث سنوات، حين كان أبو طالب ينيمه في فراش رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، حتى إذا كان ثمة من خطر، فليكن على علي(عليهالسلام) ، دون رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ..
فهذا القول منه(عليهالسلام) هنا.. نظير أن يقول شخص: إننا في بلادنا نأكل، ونلبس، أو نصنع كذا، مع أن القائل لم يأكل أو لم يلبس أو لم يفعل ذلك بنفسه، وإنما هو يتحدث عن غيره ويعرِّض به..
المبارزة:
وكان أول من برز للقتال في بدر: عتبة، وشيبة، والوليد؛ فبرز إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا لهم: ارجعوا؛ فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الأكفاء من قريش.
فأرجعهم النبي( صلىاللهعليهوآله) ، وبدأ بأهل بيته؛ لأنه كره أن تكون البدأة بالأنصار(1) ، وندب عبيدة بن الحارث، وحمزة، وعلياً، قائلاً: "قم يا عبيدة، قم يا عم، قم يا علي، فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم إلخ..".
فسأل عتبة عنهم، فأخبروه عن أنفسهم، وسأل شيبة عن حمزة، فقال
____________
1- تفسير القمي ج1 ص264 وبحار الأنوار ج19 ص313 و 253 وسعد السعود ص102والصافي ج2 ص280 ونور الثقلين ج2 ص130.
له: أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله.
فقال شيبة: قد لقيت أسد الحلفاء، فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله.
فقتل علي(عليهالسلام) الوليد، وجاء فوجد حمزة معتنقاً شيبة، بعد أن تثلمت في أيديهما السيوف، فقال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة طويلاً، فأدخل رأسه في صدر شيبة؛ فاعترضه علي بالسيف، فطير نصفه (أي نصف رأسه). (وقد يكون الصحيح: قحفه: أي قحف رأسه)
وكان عتبة قد قطع رجل عبيدة، وفلق عبيدة هامته، فجاء علي فأجهز على عتبة أيضاً.
فيكون أمير المؤمنين(عليهالسلام) قد شرك في قتل الثلاثة(1) .
ونقول:
إننا نشير هنا إلى ما يلي:
علي(عليهالسلام) قاتل الفرسان الثلاثة:
قد يقال: إن سياق الروايات المتقدمة يعطي: أن علياً(عليهالسلام) قد قتل الوليد وشيبة. أما عتبة، فكان عبيدة بن الحارث قد فلق هامته، فجاء علي(عليهالسلام) فأجهز عليه..
مما يعني: أن موت عتبة من ضربة عبيدة كان محتماً، وأن ضربة علي
____________
1- راجع: المناقب ج3 ص119 عن صاحب الأغاني وغيره.. وراجع: بحار الأنوار ج19 ص254 وتفسير القمي ج1 ص265 ونور الثقلين ج2 ص130.
(عليهالسلام) لا تقدم ولا تؤخر في ذلك، وإن كانت قد سرّعت موته.
ونقول:
إن علياً(عليهالسلام) هو الذي قتل الفرسان الثلاثة، ولم يقتصر الأمر على مجرد المشاركة في قتلهم، لأن فلق هامة عتبة لا يعني أن أمره قد انتهى، إذ لا يعلم مبلغ تلك الضربة منه.. فلعلها كانت جرحاً بليغاً لم يبلغ حداً يمنعه من مواصلة القتال بصورة فاعلة ومؤثرة. فجاء علي(عليهالسلام) وقتله.
وقد أظهرت بعض النصوص: أن شراكة علي(عليهالسلام) في قتال الثلاثة هي التي حسمت الموقف لصالح المسلمين فيهم، فلاحظ ما يلي:
1 ـ ما ورد في كتاب "المقنع" من أن هنداً قالت:
ما كان لي عن عتبة من صبر أبي، وعمي، وشقيق صدري
أخي الذي كان كضوء البدر بهم كسرت يا علي ظهري(1)
2 ـ وقال السيد الحميري "رحمهالله " في مدح أمير المؤمنين(عليهالسلام) :
وله ببدر وقعة مشهورة كانت على أهل الشقاء دمارا
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص283 والعثمانية، قسم نقوض الإسكافي ص432 و (ط دار الكتاب العربي ـ مصر) ص332 وبحار الأنوار ج19 ص292 و 314 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص121 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص313 والغدير ج7 ص212 وسعد السعود ص104.
فأذاق شيبة والوليد منية إذ صبحاه جحفلاً جرارا
وأذاق عتبة مثلها أهوى لها عضباً صقيلاً مرهفاً بتارا(1)
3 ـ وأجاب بعض بني عامر حسان بن ثابت على أبيات له، بقوله:
ببدر خرجتم للبراز فردكم شيوخ قريش جهرة وتأخروا
فلما أتاهم حمزة، وعبيدة وجاء علي بالمهند يخطر
فقالوا: نعم، أكفاء صدق، فأقبلوا إليها سراعاً إذ بغوا وتجبروا
فجال عليّ جولة هاشمية فدمرهم لما بغوا وتكبروا(2)
4 ـ قد كتب(عليهالسلام) في رسالة منه لمعاوية: "فأنا أبو الحسن حقاً، قاتل جدك عتبة، وعمك شيبة، وخالك الوليد، وأخيك حنظلة، الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوي"(3) .
____________
1- ديوان السيد الحميري ص215 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص122.
2- مناقب آل أبي طالب ج3 ص119 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص312 وبحار = = الأنوار ج19 ص291 وج20 ص259 وج41 ص80 و 99 والإرشاد للمفيد ج1 ص107 والفصول المختارة ص294 والدر النظيم ص166 وكشف الغمة ج1 ص206.
3- الفتوح لابن أعثم ج2 ص435 و (ط دار الأضواء) ج2 ص536 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص13 والغدير ج10 ص151 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج4 ص62 وبحار الأنوار ج33 ص124 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص82.
منطق أهل الشرك:
لقد رفض عتبة وشيبة والوليد مبارزة فرسان الأنصار دونما سبب معقول، سوى أنهم لا يرونهم أكفاء لهم، فإنهم ليسوا من قريش..
مع أن من الواضح: أن النسب الشريف إنما يعطي الشرف لمن يستحقه، أما من لا يستحقه، فإنه يوجب لصاحبه المزيد من المؤاخذة، من حيث إنه يفترض به أن يعمل وفق ما يقتضيه هذا الشرف، لكي يحفظه، ويزيده تألقاً.. فإذا كان عمله من موجبات الخزي والعار، فإن انتسابه إلى أهل الشرف يكون حجة عليه، وخزياً، لأنه لم يكن حافظاً له، ولا ملتزماً بالقيم التي يفترض فيه أن يلتزم بها..
من أجل ذلك لم ينفع النسب أبا لهب، ولم ينجه من العذاب الأليم، لأنه هو الذي خان نسبه، وفرط فيه، من حيث أن شركه وانحرافه هو الذي أسقطه عن موقع الكرامة.
وكان إيمان سلمان الفارسي وعمله هو الذي رفعه حتى جعله من أهل البيت النبوي.. وهكذا الحال بالنسبة لابن نوح الذي حرمه الله من أن يكون من أهل نوح، وجعل سائر الناس المؤمنين أقرب إلى نوح منه، فاستحقوا أن يحملهم معه في سفينة النجاة، التي حرم الله ابن نوح من ركوبها، بسبب ضلاله.
وهؤلاء الأنصار قد رفعهم عملهم، وشرّفهم قبولهم للحق.. وأسقط أشراف أهل الشرك عنادهم، وجحودهم للحق، وبغيهم على أهله، وحاق بهم ما كانوا يعملون.
وقد تحدثنا في فصل وفاة أبي طالب تحت عنوان: تضحيات علي(عليهالسلام) تضحيات أبي طالب، عن بعض ما يستفاد من هذه القضية، فليراجع في موضعه، وقالوا:
ونزل في هؤلاء الستة قوله تعالى:( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِن نَّارٍ ) (1) .
وفي البخاري: أن أبا ذر كان يقسم: أنها نزلت فيهم(2) .
____________
1- الآية19 من سورة الحج.
2- البخاري (ط الميمنية) ج3 ص4 و (ط دار الفكر) ج5 ص6 و 242 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص118 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص310 والعمدة لابن البطريق ص311 وعين العبرة ص60 وبحار الأنوار ج19 ص288 وج36 ص22 وج41 ص78 والمستدرك للحاكم ج2 ص386 وصححه هو والذهبي في تلخيصه، والغدير ج7 ص202 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص221 وتفسير ابن جزي ج3 ص38 وتفسير الخازن ج3 ص698 والجامع لأحكام القرآن ج12 ص25 ـ 26 وصحيح مسلم ج2 ص550 والطبقات الكبرى لابن سعد ص518 وبهذا قال ابن عباس، وابن خثيم، وقيس بن عباد، والثوري، والأعمش، وسعيد بن جبير، وعطاء. وراجع: عمدة القاري ج17 ص88 وج19 ص69 ومقدمة فتح الباري ص301 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص195 وج6 ص410 ومجمع البيان ج7 ص139 وخصائص الوحي المبين ص247 ونور الثقلين ج3 ص476 وتفسير السمرقندي ج2 ص453 وشواهد التنزيل ج1 ص507 وتفسير البغوي ج3 ص279 وزاد المسير ج5 ص285 والإتقان في علوم القرآن ج2 ص390 والدر المنثور ج4 ص348 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص149 و (ط دار الكتب العلمية) ص134 وفتح القدير ج3 ص443 وعلل الدارقطني ج6 ص262 وتهذيب الكمال ج24 ص69 ومناقب علي بن أبي طالب "عليهالسلام " لابن مردويه ص280 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص112 ونهج الإيمان ص628 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص221 وغاية المرام ج4 ص276.
ونزل في علي، وحمزة، وعبيدة أيضاً قوله تعالى:( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) (1) "(2) .
وقيل: نزلت في علي وحده(3) .
____________
1- الآية 23 من سورة الأحزاب.
2- الصواعق المحرقة ص80 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص220 وينابيع المودة ج2 ص421 والغدير ج2 ص51 وكشف الغمة ج1 ص189.
3- المناقب للخوارزمي ص188 والكفاية للخطيب ص122 وراجع: بحار الأنوار ج35 ص414 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص220 وكشف اليقين ص371 ونهج الحق ص196 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص363.
وثمة عدة آيات أخرى نزلت في بدر في الثناء على أمير المؤمنين(عليهالسلام) (1) فراجع.
عبيدة بن الحارث وأبو طالب:
وقد ذكرنا حين الحديث عن وفاة أبي طالب: أن عبيدة بن الحارث بعد أن أحضره علي وحمزة(عليهالسلام) بين يدي رسول الله، استعبر وقال: يا رسول الله ألست شهيداً؟!
قال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي..
فقال عبيدة: أما لو كان عمك حياً لعلم أني أولى بما قال منه.
قال: وأي أعمامي تعني؟!
قال: أبو طالب، حيث يقول:
كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرّع دونه ونذهل عن ابنائنا والحلائل
فقال( صلىاللهعليهوآله) : أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة؟!
قال: يا رسول الله، أسخطت علي في هذه الحالة؟!
قال: ما سخطت عليك، بل ذكرت عمي فانقبضت لذلك(2) .
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص118 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص310 وغيره.
2- تفسير القمي ج1 ص265 وبحار الأنوار ج19 ص255 والصافي ج2 ص281 ونور الثقلين ج2 ص131.
ثم لم يلبث عبيدة ان استشهدرحمهالله
وقد روى كثير من المؤرخين هذه القضية من دون ذكر القسم الأخير منها تعصباً منهم، وكيداً لآل أبي طالب "سلام الله عليه وعليهم".
وعند المعتزلي: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) استغفر لأبي طالب يومئذ(1) .
وبعد ما تقدم، فإننا نشير إلى الأمور التالية:
غضب النبي(صلىاللهعليهوآله) لأبي طالب:
قلنا في فصل سابق:
أولاً: ان هذا النص يدل على أنه(صلىاللهعليهوآله) يعتبر جهاد علي وجعفر جهاداً لأبي طالب نفسه.
ثانياً: انه(صلىاللهعليهوآله) يشهد على صحة نوايا علي وجعفر(عليهماالسلام) .
ثالثاً: إنه إذا كان الرسول(صلىاللهعليهوآله) يغضب لذكر عمه، ولو بهذا النحو المهذب، والمحدود، فكيف إذاً يكون موقفه ممن يرمي أبا طالب
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص80 والغدير ج7 ص375 والدرجات الرفيعة ص56.
بالشرك والكفر، ويعتبره مستحقاً للعذاب الأليم في نار الله المؤصدة؟!
فهل تراه سوف يكون مسروراً ومرتاحاً لهذا الكلام، الذي لا سبب له إلا التعصب على أمير المؤمنين(عليهالسلام) وإلا السياسة، وما أدراك ما السياسة؟!
بدء النبي(صلىاللهعليهوآله) بأهل بيته(عليهمالسلام) :
وقد رأينا: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد وافق على ارجاع الثلاثة الذين هم من الأنصار، وأمر حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بالخروج إلى ساحة القتال أولاً(1) وهم من أهل بيته، وذلك لأن سياسته(صلىاللهعليهوآله) كانت تقضي بالبدأة بأهل بيته، وقد قال علي(عليهالسلام) عن النبي
____________
1- وفي أمالي المرتضى ج1 ص275 و (ط مكتبة النجفي) ج1 ص199 وإعلام الورى ص308 ومدينة المعاجز ج6 ص351 و 352 وج75 ص334 وبحار= = الأنوار ج48 ص144 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص138 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص125 وإعلام الورى ج2 ص28 وأعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي ص306 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص316 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص431: أن الإمام الكاظم )عليهالسلام ( قال لنفيع الأنصاري: ) وإن كنت تريد المفاخرة، فوالله ما رضي مشركوا قومي مسلمي قومك أكفاءهم، حتى قالوا: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش (
وأقول: لا منافاة بين الأمرين، فلعل المشركين لم يرضوا بهم، كما أنه " صلىاللهعليهوآله" لم يرغب في البدأة بهم.
( صلىاللهعليهوآله) :
"كان إذا حضر (احمرّ) البأس، ودعيت نزال، قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر يوم مؤتة الخ.."(1) .
ونقول:
إن الرسول(صلىاللهعليهوآله) حين يبدأ الحرب بأهل بيته، فإنه يكون قد أثبت عملياً، للأنصار وللمهاجرين: أنه ليس فقط لا يريد أن يجعلهم وسيلة للوصول إلى أهدافه، ويدفع بهم الخطر عن نفسه وأهل بيته، وإنما ثمة هدف أسمى، لا بد أن يساهم الجميع في العمل من أجله وفي سبيله. وأنه(صلىاللهعليهوآله) شريك لهم في كل شيء، في السراء والضراء، والشدة والرخاء. وهو يضحي ويقدم قبل أن يطلب ذلك من غيره، بل هو يحاول أن يدفع عن غيره، ولو بأهل بيته ما استطاع إلى ذلك
____________
1- راجع: أنساب الأشراف ج2 ص81 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص281 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص77 وصفين لنصر بن مزاحم ص90 ونهج البلاغة باب الكتب الكتاب التاسع، والعقد الفريد ج4 ص336 ومناقب الخوارزمي ص176 ونهج البلاغة ج3 ص10 و 11 وراجع: مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج4 ص31 وبحار الأنوار ج33 ص112 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص360 ونهج السعادة ج4 ص180.
سبيلاً. مع أنه(صلىاللهعليهوآله) قد أخذ البيعة من الأنصار على أن يمنعوه هو واهل بيته مما يمنعون منه أنفسهم واهليهم.
وذلك هو ما يجب أن يكون المثل الأعلى لكل صاحب هدف، ولكل سياسي وقائد. فإن عليه أن يقدم هو أولاً التضحيات، فإذا احتاج إلى معونة غيره، كان معذوراً في أن يطلب ذلك منهم، حيث يرى كل أحد أنه صادق ومحق في طلبه ذاك.
وليس له أبداً أن يجلس في برجه العاجي، ثم يصدر أوامره للآخرين، دون أن يرى نفسه مسؤولاً عن التحرك في اتجاه الهدف إلا في حدود الكلام وإصدار الأوامر، فإن الكلام لن يكون كافياً في تحقيق الأثر المطلوب في مجال التحرك نحو الهدف، مهما كان ذلك الهدف مقدساً، وسامياً.
سخرية شيبة:
لقد رأينا كيف أن شيبة يسخر من كون حمزة أسد الله وأسد رسوله، ويعتز بكونه أسد الحلفاء؛ مع أن مقتضى الإنصاف والواقع هو العكس فإن أهداف الحلفاء وضيعة ومشينة، لا سيما وأنها قائمة على أساس المنطق القبلي، والمنافع الخاصة، التي توخاها الحلفاء من حلفهم، ثم هم يتوخونها من حرب بدر وغيرها..
وكلنا يعلم، وهم يعلمون: أن هدف الله ورسوله، وأسد الله من التضحيات التي يقدمونها ليس إلا إسعاد البشرية، ونجاة الإنسانية، إن دنيا وإن آخرة.
الحق الذي جعله الله للمسلمين:
ثم ما هو هذا الحق الذي أشار إليه النبي(صلىاللهعليهوآله) في قوله لعلي(عليهالسلام) ، وحمزة وعبيدة: "فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم"؟!
أليس هو حق حرية الرأي والاعتقاد، وحق الدفاع عن دين الله، وعن النفس المحترمة، وعن المظلومين، ورد البغي والعدوان؟! في مقابل القرشيين الذين عذبوهم، وأخرجوهم من ديارهم، وسلبوهم أموالهم، بل وقتلوا منهم من قتلوا، وبغوا عليهم أقبح البغي؟!
والأهم من ذلك كله، حق العمل على إصلاح الناس في عقائدهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وممارساتهم.
وخلاصة الأمر:
إنهم يريدون أن يعيشوا أحراراً، وأن يدافعوا عن المستضعفين، وعن دين الله في مقابل من يريد الاستمرار في الانحراف والتعدي. وللمظلوم حق في أن يطالب بإنصافه من ظالمه، والباغي عليه، وللجاهل حق في أن يتعلم، وللمنحرف حق في أن يسير في خط الإستقامة، وللناس حق في أن يرشدوا بعضهم إلى ما يصلحهم، ويحسن أوضاعهم، ويصحح مفاهيمهم، ويصقل شخصياتهم، ويبدل الخلق الرديء بالرضي، والجهل بالعلم، والخطأ بالصواب..
فلماذا وبأي حق يريد هؤلاء أن يمنعوا الناس من ممارسة حرياتهم في
السعي إلى الإصلاح، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! ولا سيما بعد أن عرض النبي(صلىاللهعليهوآله) على قريش تلك الخيارات المتقدم ذكرها، فلم ترعو عن غيها. بل أرادت إطفاء نور الله، وأصرت على حرب المسلمين وإذلالهم، وملاحقتهم إلى الحبشة، وإلى المدينة.. قال تعالى:
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ ) (1) .
ويلاحظ هنا: أن هذا الحق الذي تحدث عنه النبي(صلىاللهعليهوآله) الذي جعله الله لعلي(عليهالسلام) ، وحمزة، وعبيدة.. ويريد منهم أن يطلبوه هو نفس ما دعا الإمام الحسين(عليهالسلام) للخروج حيث قال:
"وأني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً. وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي( صلىاللهعليهوآله) ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر الخ.."(2) .
____________
1- الآيتان 39 و 40 من سورة الحج.
2- بحار الأنوار ج44 ص329 والعوالم (الإمام الحسين "عليهالسلام ") ص179 والفتوح لابن أعثم ج5 ص21 وحياة الإمام الحسين "عليهالسلام " للقرشي ج1 ص11 وج2 ص264 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص602 ولواعج الأشجان ص30 والنظام السياسي في الإسلام للقرشي ص273.
عبيدة.. وأدب الخطاب مع النبي( صلىاللهعليهوآله) :
قد يقال: إن قول عبيدة لرسول الله( صلىاللهعليهوآله) : لو كان عمك حياً لعلم أني أولى بما قال منه.. ليس هو الخطاب المناسب مع النبي( صلىاللهعليهوآله) .. فلاحظ قوله: عمك!! ولعل هذا هو السبب في غضبه( صلىاللهعليهوآله) ..
ونجيب:
لو كان هذا هو السبب فإن النبي(صلىاللهعليهوآله) أحلم وأسمى نفساً من أن يغضب لنفسه على إنسان يقترب من لقاء الله، نتيجة لجهاده في سبيل الله..
ولو اقتضت المصلحة ذلك، وأراد تأديب عبيدة، وتعريفه بما هو صواب.. فقد كان يمكنه أن يبين له ما يريد برفق، ومحبة، من دون أن يجرح شعوره..
على أننا نجد: أن بعض من يهمهم النيل من أبي طالب وأهل بيته، وهو مصعب الزبيري قد نقل كلام عبيدة من دون أن تظهر فيه أية حزازة، فهو يقول: إن عبيدة قال: يا رسول الله، ليت أبا طالب حياً حتى يرى مصداق قوله.. إلخ(1) ..
____________
1- نسب قريش ص94.
تحريض عمر على علي(عليهالسلام) لقتله العاص:
عن سعيد بن العاص: أنه ذهب إلى مجلس عمر، فجلس ناحية، فنظر إليه عمر وقال: ما لي أراك كأن في نفسك عليَّ شيئاً؟! أتظن أني قتلت أباك؟!
والله لوددت أني كنت قاتله، ولو قتلته لم أعتذر من قتل كافر، لكني مررت به يوم بدر، فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ، فلما رأيت ذلك هبته وزغت عنه.
فقال: إلى أين يا ابن الخطاب؟!
وصمد له علي فتناوله، فوالله ما رمت مكاني حتى قتله.
قال: وكان علي(عليهالسلام) حاضرا في المجلس، فقال: "اللهم غفراً، ذهب الشرك بما فيه، ومحا الإسلام ما تقدم، فما لك تهيج الناس عليَّ"؟!
فكف عمر.
قال سعيد: أما إنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب(1) .
ونقول:
____________
1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص143 ـ 145 والمغازي للواقدي ج1 ص92 والإرشاد للمفيد ج1 ص75 وبحار الأنوار ج19 ص280 وكشف الغمة ج1 ص185 وأعيان الشيعة ج1 ص248.
هنا أمور تقتضي التأمل والتدبر منها:
1 ـ إن عمر يقرر: أن سعيد بن العاص لم يكن طيب النفس تجاه علي(عليهالسلام) . بل كان يحقد عليه لأنه قتل أباه.. وهذا هو حال غيره ممن وترهم علي(عليهالسلام) وقتل آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو غيرهم من أقاربهم..
2 ـ إن عمر يقر بأنه جَبُنَ عن مواجهة العاص، لأنه رآه هائجاً للقتال، فإذا كان عمر يمثل القدوة، وبه تكون الأسوة، فمعنى ذلك أن يعزف جميع المقاتلين عن مواجهة طعيمة وأمثاله، ويكونون معذورين في ذلك.. وفي هذه الحالة على الإسلام السلام..
3 ـ إن عمر كان يهيج الناس على علي(عليهالسلام) ، ونرى أنه هنا لم ينكر ذلك، رغم مواجهة علي(عليهالسلام) له به..
4 ـ إن موقف سعيد بن العاص هذا لم يكن لأجل محبته لعلي(عليهالسلام) ، ولا لأجل أنه متفان في هذا الدين.. بل لأنه يريد أن يجعل ذلك ذريعة للتبجح، والتخفيف من وطأة العار، بالإستفادة من المنطق العشائري والقبلي.. علماً بأن الوقائع قد أثبتت أن سعيداً لم يكن من محبي علي(عليهالسلام) ، ولا من حزبه. بل كان دائماً في الفئة المناوئة له، والحاقدة عليه..
علي(عليهالسلام) وطعيمة بن عدي:
قال علي(عليهالسلام) : رأيت يوم بدر طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف قد علا رأس كثيب، وقد ساواه سعد بن خيثمة، فصمدت له،
ولم آته حتى قتل سعداً.
فلما رآني أصعد الكثيب إليه انحط علي ـ وكان رجلاً جسيماً ـ فخشيت أن يعلو عليَّ، فانحططت في السهل، فظن أني فررت منه، فصاح بأعلى صوته: فر ابن أبي طالب.
قلت له: قريباً مفرُّ ابن الشتراء. وهذا مثل تضربه العرب.
فلما استوت قدماي بالأرض وقفت له، فانحدر إلي، وأهويت إليه، فسمعت قائلاً من خلفي: طأطئ رأسك.
فجعلت رأسي في صدر طعيمة، وإذا برقة من السيف، فأخذت قحف طعيمة. فسقط ميتاً، وإذا هو حمزة بن عبد المطلب(1) .
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
1 ـ إن مراده(عليهالسلام) من قوله: أنه راقبه، واتجه نحوه: أنه بدأ يشق طريقه بين الرجال إليه.. فلم يصل إليه حتى قتل سعد بن خثيمة، وليس المراد أنه انتظره حتى يقتل سعداً ثم قصده.
2 ـ إن علياً(عليهالسلام) يتعامل مع خصومه في ميدان القتال، بل
____________
1- راجع: المغازي للواقدي ج1 ص92 و 93 ونسب قريش لمصعب الزبيري، والنص له، وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص145 وبحار الأنوار ج19 ص338 والفايق في غريب الحديث ج2 ص181 وأعيان الشيعة ج1 ص383.
وفي سائر الشؤون وفق المعايير البشرية والعادية.. ولأجل ذلك سعى(عليهالسلام) لاستدراج طعيمة من موقعه إلى موقع آخر، لتصبح فرص الإيقاع به أكبر وأوفر.
وهذا أسلوب حربي ناجح وصحيح، لا بد لكل مهتم بالشأن العسكري من اعتماده، فيسعى لاستدراج عدوه إلى الموقع الذي يناسبه. أي أن علياً(عليهالسلام) لم يكن يتصرف مع خصومه بوسائل غيبية، لا تقع تحت اختيارهم. لأن ذلك قد يكون ظلماً لهم.. لما يتضمنه من الإلجاء والقهر لهم..
3 ـ يلاحظ: أن معركة بدر كانت هي المعركة الأقوى تأثيراً على قريش، لأنها ألحقت بها هزيمة قاسية، وكبدتها خسائر كبيرة، ومرغت أنفها برغام الذل والمهانة..
وقد ظهر: أن علياً(عليهالسلام) في هذه المعركة هو الفارس الأوحد، الذي حصد بسيفه ذي الفقار أكثر فرسان قريش.
ونداء طعيمة بن عدي بفرار علي يشير إلى أن طعيمة كان قد أدرك وعاين بطولات علي(عليهالسلام) .. وعرف أنه قد أنزل بقريش ورجالاتها ضربات ساحقة وماحقة.. كما أن هذا النداء دل على أن هذه المواجهة لم تكن في أول المعركة، بل كانت في أواخرها، أي بعد ظهور أثر علي(عليهالسلام) في تلك الحرب..
وهذا ما يفسر فرح طعيمة بما ظنه فراراً لعلي(عليهالسلام) من
المواجهة معه.
4 ـ قوله(عليهالسلام) : فأهويت إليه.. لا يريد أنه أهوى إليه بسيفه. بل يريد أنه أهوى إليه بنفسه وهجم عليه، واشتبك معه. فسمع نداء حمزة قبل أن يباشر القتال معه، فآثر أن ينيل حمزة ثواب المشاركة في قتل ذلك الكافر المحارب لله ورسوله.
وليس في الراوية ما يدل على أن علياً(عليهالسلام) قد عجز عن قتل طعيمة، فاحتاج إلى المعونة.
5 ـ وهذا التصرف من علي وحمزة كأنه بمثابة رد الجميل من حمزة لعلي(عليهالسلام) حين مبارزته لشيبة، حيث اشتبك حمزة مع شيبة، فلما قتل علي(عليهالسلام) الوليد جاء فوجدهما على تلك الحال، فقال لعمه طأطئ رأسك يا عم، فخفض رأسه، فضرب(عليهالسلام) شيبة، فأطار قحف رأسه..
غير أن الفرق بين الموردين هو أن حمزة لم يكن قادراً على حسم الأمر مع قرنه، أما علي(عليهالسلام) فلم يكن قد بدأ معه الصراع، لأن حمزة قد ظهر في لحظة شروع الصراع بين علي(عليهالسلام) وقرنه، كما أظهرته الرواية.
6 ـ ويبقى لنا تحفظ على هذه الرواية، من حيث أنها ذكرت أن الذي قتل طعيمة هو حمزة.. مع أنه سيأتي في الفصل التالي قول المؤرخين: إن علياً(عليهالسلام) هو الذي قتل طعيمة.. فلعل علياً(عليهالسلام) قد طعنه بما أوجب قتله ثم جاءت ضربة حمزة لتذهب بقحف رأس طعيمة.. أو أن حمزة ضربه على قحف رأسه، فقشر جلدته.. ثم أجهز عليه علي(عليهالسلام) .
درع علي في حروبه:
ورغم كل انجازات علي(عليهالسلام) في بدر وأحد، والخندق وخيبر، وحنين، وسواها، فإنهم يقولون:
1 ـ إنه(عليهالسلام) كان يبرز إلى أعدائه في درع لا ظهر لها(1) ، فإذا سئل عن ذلك، يقول: إذا مكنت عدوي من ظهري، فلا أبقى الله عليه إن أبقى علي(2) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج42 ص58 وج41 ص67 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص296 ـ 298 والتبيان في شرح الديوان [أي ديوان المتنبي] (ط الحلبي بمصر) ج3 ص312 ومعالم الفتن لسعيد أيوب عن مروج الذهب ج2 ص240 وعن كنز العمال ج11 ص347 وعن عيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص130 و 131 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص280 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للريشهري ج9 ص428 و 429 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص325 وج18 ص78 و 79 وج31 ص569 والنهاية في غريب الحديث ج4 ص3 ولسان العرب ج1 ص658 والفايق في غريب الحديث للزمخشري ج3 ص63 ومجمع البحرين ج3 ص445 وتاج العروس ج2 ص303 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص340.
2- المستطرف (ط القاهرة) ج1 ص199 وتاج العروس (ط القاهرة) ج8 ص150 والموفقيات ص343 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ج3 ص863 وج42 ص340 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج9 ص429 وشرح إحقاق الحق ج8ص325 وج18 ص79 وج32 ص339
2 ـ عن ابن عباس قال: والله ما رأيت رجلاً أطرح لنفسه في متلف من علي، ولقد كنت أراه يخرج حاسر الرأس إلى الرجل الدارع فيقتله(1) .
صدقوا ما عاهدوا الله عليه:
عن علي(عليهالسلام) في حديث: "ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله( صلىاللهعليهوآله) ، وعمي حمزة، وأخي جعفر، وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز وجل ولرسوله، فتقدمني أصحابي، وتخلفت (خلفت) بعدهم لما أراد الله عز وجل، فأنزل الله فينا:
( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) : حمزة، وجعفر، وعبيدة، وأنا والله
____________
1- الرياض النضرة (ط الخانخي بمصر) ص225 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي بالقاهرة) ص98 و 99 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص178 والمناقب لابن المغازلي وعن وسيلة المآل، وراجع: جواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص266 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج6 ص142 وج9 ص428 وشرح إحقاق الحق ج3 ص324 وج18 ص80 وج32 ص516.
2- الآية 23 من سورة الأحزاب.
المنتظر"(1) .
وعن عبد الله بن الحسن، عن آبائه قال: "وعاهد علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب(عليهالسلام) أن لا يفروا من زحف أبداً، فماتوا كلهم(2) ، فأنزل الله عز وجل:( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا.. ) الآية"(3) .
ونلاحظ هنا ما يلي:
1 ـ إن هذا العهد الذي صدقه هؤلاء ـ كما أفادته الآية ـ لابد أن يكون قد حصل قبل حرب بدر.. بل في أوائل البعثة، قبل سفر جعفر إلى الحبشة،
____________
1- البرهان (تفسير) ج6 ص240 و 237 والخصال ج1 ص364 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص376 وتأويل الآيات ج2 ص449 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص141 وشرح الأخبار ج1 ص353 والإختصاص للمفيد ص174 وحلية الأبرار ج2 ص373 وبحار الأنوار ج31 ص349 وج35 ص410 وج38 ص178 وج64 ص190 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص459 والأصفى ج2 ص988 والصافي ج4 ص181 وج6 ص31 ونور الثقلين ج4 ص258 وغاية المرام ج4 ص319.
2- لعل الصحيح: فماتوا.
3- تأويل الآيات ج2 ص449 والبرهان (تفسير) ج6 ص237 عنه، وبحار الأنوار ج35 ص411 وغاية المرام ج4 ص317.
لأنه لم يرجع منها إلا حين فتح خيبر..
والمفروض: أن الآية نزلت في مناسبة حرب بدر.
ومع غض النظر عن ذلك، فإن حمزة قد استشهد في حرب أحد، وعبيدة استشهد في بدر، وهما قبل خيبر بسنوات، فلم يجتمع جعفر وعلي وحمزة وعبيدة إلا قبل الهجرة إلى الحبشة..
2 ـ إن ذلك يدلنا على ان المراد بقوله تعالى( صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) ـ أن هؤلاء الأربعة كانوا يعلمون بأنهم مقدمون على حروب هائلة، وكانوا بصدد تدبر أمرها، والتهيؤ والإستعداد لها.. وأن استعدادهم للإستشهاد كان منذ ذلك الحين..
3 ـ إن هذه الآية قد نزلت ـ على ما يظهر ـ بعد حرب مؤتة، لأن الروايات تصرح: بأن الذي ينتظر هو خصوص علي(عليهالسلام) (1) ، ولو
____________
1- تأويل الآيات الظاهرة ج2 ص449 ح8 و 9 والخصال ج1 ص364 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص376 ونهج السعادة ج8 ص319 ودعائم الإسلام ج2 ص354 وغاية المرام ج4 ص317 وراجع ج2 ص373 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص288 وتفسير القمي ج2 ص163 والبرهـان (تفسير) ج6 ص237 و 240 وراجع: مصباح البلاغـة (مستدرك = = نهج البلاغة) ج3 ص141 والإختصاص للمفيد ص174 وحلية الأبرار ج2 ص373 وبحار الأنوار ج31 ص349 وج35 ص408 و 410 و 411 و 418 وج38 ص178 وج64 ص190 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص459 وشواهد التنزيل ج2 ص5 وتفسير الآلوسي ج21 ص172 وجوامع الجامع ج3 ص57 ومجمع البيان ج8 ص145 والأصفى ج2 ص988 والصافي ج4 ص180 وج6 ص31 و 32 ونور الثقلين ج4 ص258 وينابيع المودة ج1 ص285.
كانت قد نزلت في بدر لكان المقصود بمن ينتظر: علي وحمزة وجعفر، لأن حمزة وجعفراً كانا لا يزالان على قيد الحياة في بدر وبعدها.
فإن كان المقصود بمن ينتظر هو خصوص علي، فالمفروض: أن يكون الثلاثة الآخرون قد قضوا نحبهم بنص الآية الشريفة..
الملائكة في صورة علي(عليهالسلام) ، لماذا؟!:
وفي بدر أمدَّ الله المسلمين بالملائكة، لتثبيت قلوبهم، وليكونوا بشرى لهم. وكان الملائكة يتشبهون بأمير المؤمنين علي(عليهالسلام) (1) .
ولا صحة لقولهم: إنهم كانوا يتشبهون بالزبير بن العوام، الذي كان يلبس عمامة صفراء، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر(2) .
____________
1- مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص79 وبحار الأنوار ج19 ص285 و ج41 ص99 عنه، والفصول المختارة ص295 والخرائج والجرائح ج2 ص812 ومدينة المعاجز ج2 ص304 و 306 والدرجات الرفيعة ص405.
2- المستدرك للحاكم ج3 ص631 وعمدة القاري ج17 ص77 والمصنف لابن أبي شيبة ج6 ص19 وج7 ص593 وج8 ص479 ومسند ابن راهويه ج3 ص883 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص513 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص159 وكنز العمال ج10 ص419 وج13 ص209 وتفسير القرآن للصنعاني ج1 ص131 وجامع البيان ج4 ص110 و 111 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص755 وتفسير الثعلبي ج3 ص144 وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص388 والمحرر الوجيز ج1 ص504 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص196 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص411 والدر المنثور ج2 ص70 وفتح القدير ج1 ص379 وتفسير الآلوسي ج4 ص46 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص26 وج3 ص103 وتاريخ مدينة دمشق ج18 ص353 و 354 وحياة الصحابة ج3 ص586 ومجمع الزوائد ج6 ص84 والعثمانية للجاحظ ص56 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص499 وإمتاع الأسماع ج1 ص106 وج3 ص323 و 324 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص43 و 44 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص425.
نعم، لا صحة لذلك:
أولاً: لما روي: من أنه كان على الملائكة عمائم بيض(1) .
____________
1- دلائل النبوة لأبي نعيم ص170 وحياة الصحابة ج3 ص586 وبحار الأنوار ج19 ص208 و 324 ومجمع الزوائد ج6 ص82 وعمدة القاري ج17 ص77 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص308 ومجمع البيان ج2 ص383 وتفسير الثعلبي ج3 = = ص144 وتفسير السمعاني ج1 ص354 وج2 ص250 وتفسير البغوي ج1 ص348 وج2 ص233 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص410 وتفسير الجلالين ص84 والدر المنثور ج2 ص70 وتفسير أبي السعود ج2 ص81 وتفسير الآلوسي ج4 ص46 والثقات لابن حبان ج1 ص168 والبداية والنهاية ج3 ص343 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص43 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص425 و 426 وتاريخ خليفة بن خياط ص160 والدر النظيم ص153.
ثانياً: إن مجرد التشابه في لون العمامة ـ لو صح ـ لا يعني التشبه بصاحبها.. فلعل ذلك قد جاء على سبيل الصدفة، فثمة جيش يلبس فيه الناس عمائم مختلفة الألوان، فلا بد أن تتشابه عمائم الملائكة مع واحدة منها..
ثالثاً: ما هي خصوصية الزبير في حرب بدر، أو في غيرها لكي تتشبه به الملائكة؟! إلا إن كان المقصود مكافأته على حربه أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، الذي كان إمامه، وله في عنقه بيعة، وقد قاتله الزبير وهو له ظالم وكان علي(عليهالسلام) إمام زمانه..
رابعاً: إن التشبه بعلي كان يهدف إلى إلقاء الرعب في قلوب المشركين، وطمأنة قلوب المؤمنين، وفقاً لقوله تعالى:( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِِ قُلُوبُكُمْ ) (1) .
ولا يكفي في هذا التشبه في لون العمامة الصفراء أو البيضاء، بل لا بد من اتخاذ الملاك صورة علي(عليهالسلام) حتى يرى أهل العسكر أن علياً(عليهالسلام) معهم أينما التفتوا أو توجهوا، لتحصل طمأنينة القلوب
____________
1- الآية 10 من سورة الأنفال.
بقربه منهم، وأن نصرته مبذولة لهم، فعليهم ألا يخشوا شيئاً ما دام قريباً منهم..
وقد ظهرت لهم تضحياته وبطولاته بقتل الفرسان الثلاثة، حيث قتل الوليد، وشارك في قتل عتبة وشيبة.. وكان يهد الناس هداً حتى قتل نصف قتلى المشركين، وشارك في قتل النصف الآخر.
علي(عليهالسلام) يتعاهد النبي(صلىاللهعليهوآله) في بدر:
عن علي(عليهالسلام) ، قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئاً من قتال، ثم جئت مسرعاً لأنظر إلى رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ما فعل.
قال: فجئت، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا يزيد عليها، فرجعت إلى القتال.
ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضاً فذهبت إلى القتال.
ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، حتى فتح الله عليه(1) .
____________
1- المستدرك للحاكم ج1 ص222 ومجمع الزوائد ج10 ص147 والسنن الكبرى للنسائي ج6 ص157 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص26 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص83 وإمتاع الأسماع ج12 ص138 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص418 والعمدة لابن البطريق ص300 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص37 والبدايـة والنهايـة ج3 ص275 و 276 و (ط دار إحيـاء التراث = = العربي) ج3 ص336 عن البيهقي، والنسائي في اليوم والليلة، وحياة الصحابة ج1 ص502 عنه، وكنز العمال ج5 ص267 و (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص399 عن الحاكم، والبزار، وأبي يعلى والفريابي.
ونقول:
1 ـ إن ذلك لا يعني أنه(صلىاللهعليهوآله) لم يشارك المقاتلين في الحضور في ساحة القتال، لتقوية قلوبهم، والشد على أيديههم، فلعله شارك في ذلك في بداية الحرب، ثم في أوقات مختلفة بعد ذلك.
2 ـ إن حراجة الموقف، وضرام الحرب، التي كانت أصعب حرب، حيث بلغت القلوب الحناجر، لم يشغل علياً(عليهالسلام) عن تعاهد رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، والإطمئنان على حاله..
وقد كان هذا هو حال علي(عليهالسلام) في سائر المواطن، فقد كان هو الذي يهتم بحفظ رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، وحراسته، وكان(عليهالسلام) يتولى حراسة( صلىاللهعليهوآله) ، وهو في بيته، وكان له أسطوان في المسجد سمي أسطوان علي بن أبي طالب، أو أسطوان المحرس كان(عليهالسلام) يجلس في صفحتها التي تلي القبر، مما يلي باب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) لحراسته(1) .
3 ـ إنه(صلىاللهعليهوآله) في تلك اللحظات الحرجة جداً يلجأ
____________
1- وفاء الوفاء ج2 ص448 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص348 عن تاريخ المدينة المنورة (ط مصر) ج1 ص318، وج18 ص169 عن روضة المحتاجين لمعرفة قواعد الدين (ط دار الفكر بيروت) ص382.
للدعاء والإبتهال إلى الله، لأنه هو الذي يهب النصر، ويمنح أهل الحق اليقين والصبر، ويشملهم بعناياته وألطافه، فبدون ذلك لا ينال النصر، ولا يتحقق الظفر.
4 ـ إن أمير المؤمنين(عليهالسلام) الذي كان أعظم الناس عناءً في تلك الحرب، حتى لقد قتل نصف قتلى المشركين، وشارك في قتل النصف الآخر.. لا يعطي لنفسه أي دور في النصر الذي تحقق، بل هو ينسب النصر والفتح والظفر إلى رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .
بينما نجد الآخرون يحبون أو فقل يريدون أن يمدحوا بما لم يفعلوا ولا نريد أن نقول اكثر من ذلك.
الفصل الرابع: بعد أن وضعت الحرب أوزارها..
قتلى المشركين في بدر:
وقتل في بدر سبعون رجلاً من المشركين، وأسر سبعون، وكانت ضربة هائلة للشرك والمشركين، وقد أثرت نتائج حرب بدر، وأحد والخندق وغيرها في قلوب القرشيين، حتى قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين(عليهالسلام) في كتيبة تواصت خوفاً منه.
ونظر إليه رجل وقد شق العسكر، فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي(1) .
وعلى كل حال، فقد سماه الكفار يوم بدر بـ "الموت الأحمر" لعظم بلائه ونكايته(2) .
____________
1- محاضرات الأدباء للراغب ج3 ص138 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص331 عنه.
2- مناقب آل أبي طالب ج2 ص68 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص342 وج3 ص43 و 67 وبحار الأنوار ج41 ص63 وج39 ص58 وج35 ص62 والفضائل لشاذان ص175 وشجرة طوبى ج2 ص220.
كما أن الشعبي يقول: "كان علي أشجع الناس، تقر له بذلك العرب"(1) .
وقد تقدم حين الحديث عن مبارزة علي وحمزة وعبيدة، لعتبة وشيبة والوليد قول بعض بني عامر في جواب حسان، وقول هند في رثاء قتلاها.
وقال أسيد بن أبي إياس يحرض مشركي قريش على علي(عليهالسلام) :
في كل مجمع غاية أخزاكم جذع أبر على المذاكي القرح
لله دركم ألمَّا تنكروا قد ينكر الحر الكريم ويستحي
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم ذبحاً وقتلاً قعصة لم يذبح
أعطوه خرجاً واتقوا تضريبه فعل الذليل وبيعة لم تربح
أين الكهول وأين كل دعامة في المعضلات وأين زين الأبطح
أفناهم قعصاً وضرباً يفتري بالسيف يعمل حده لم يصفح(2)
____________
1- نور القبس ص249 وأنساب الأشراف (ط مؤسسة الأعلمي) ص121.
2- أسد الغابة ج4 ص20 و 21 والإصابة ج1 ص231 وج4 ص465 وترجمة الإمام علي )عليهالسلام ( من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص15 والإرشاد للمفيد ص47 و (ط دار المفيد) ج1 ص77 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص121 وبحار الأنوار ج19 ص282 وج41 ص97 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص188 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص188 وتيسير المطالب ص50 ورسائل المرتضى ج4 ص120 و 124 والفصـول المختـارة = = ص292 والميزان ج9 ص33 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص8 وكشف الغمة ج1 ص35 وينابيع المودة ج1 ص470.
والجذع: الأسد.
والمذاكي: الخيل بعد مضي خمس سنين من عمرها.
وضربه فأقعصه: أي قتله مكانه.
ولم يصفح: أي لم يضرب بصفح السيف.
وقال عبد الله بن رواحة:
ليهن علياً يوم بدر حضوره ومشهده بالخير ضرباً مرعبلا
وكائن له من مشهد غير خامل يظل له رأس الكمي مجدلا(1)
إلى آخر الأبيات.
ولماذا لا يسمى(عليهالسلام) بالموت الأحمر؟! وهو الذي تقول في حقه بعض الروايات: إن جبرائيل نادى بين السماء والأرض في بدر:
لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار
ويقال: إن هذه المناداة كانت في أحد ايضاً كما سيأتي.
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص20 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص312 وبحار الأنوار ج19 ص292 وأعيان الشيعة ج8 ص52.
والمرعبل: المقطع.
وقد قلنا: إنه(عليهالسلام) قتل من المشركين في بدر نصف السبعين، وشارك في قتل النصف الآخر(1) .
وقد عد الشيخ المفيد ستة وثلاثين بأسمائهم ممن قتلهم علي(عليهالسلام) (2) .
وقال ابن إسحاق: أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعلي(3) .
وقال الطبرسي، والقمي: إنه قتل منهم سبعة وعشرين(4) .
____________
1- راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج2 ص353 و (ط دار الهجرة ـ قم) ص248. ولم يعترض عليه ابن روزبهان بشيء. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص419 وبحار الأنوار ج41 ص146 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص24 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وسفينة النجاة للتنكابني ص367 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص278 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص358 وشجرة طوبى ج2 ص273 وكشف اليقين ص126.
2- الإرشاد ص43 و 44 و (ط دار المفيد) ج1 ص70 وبحار الأنوار ج19 ص277 و 316 عنه، وإعلام الورى ص77 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص62 والميزان ج9 ص32 وأعيان الشيعة ج1 ص383 وكشف الغمة ج1 ص183 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص468 وراجع: منهاج الكرامة ص165.
3- مناقب آل أبي طالب ج3 ص120 و (ط المكتبة الحيدرية)ج2 ص312 وبحار الأنوار ج19 ص291 وج41 ص81 والميزان ج9 ص33.
4- راجع: مجمع البيان ج4 ص493 وتفسير القمي ج1 ص271 و (ط مؤسسة دار الكتاب ـ قم) ج1 ص269 وبحـار الأنـوار ج19 ص240 و 259 و 291 = = وج41 ص80 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص120 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص312 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص300 والصافي ج2 ص285 ونور الثقلين ج2 ص135 والميزان ج9 ص33 و 138.
وقال أسامة بن منقذ: قتل أربعة وعشرين سوى من شارك فيهم(1) .
وقال الشبلنجي: قال بعضهم: "إن أهل الغزوات أجمعت على أن جملة من قتل يوم بدر سبعون رجلاً، قتل علي منهم أحداً وعشرين، تسعة باتفاق الناقلين، وأربعة شاركه فيهم غيره، وثمانية مختلف فيهم"(2) .
وعد الواقدي: اثنين وعشرين؛ ثمانية عشر منهم قتلهم علي، وأربعة مختلف فيهم(3) .
وعد المعتزلي، وابن هشام (مع التلفيق بينهما): تسعة وعشرين قتلهم علي، أو شرك في قتلهم من أصل اثنين وخمسين(4) .
____________
1- لباب الآداب ص173 وراجع: بحار الأنوار ج19 ص365 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص212 والميزان ج9 ص33 وأعيان الشيعة ج1 ص384.
2- نور الأبصار ص86 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص357 و 358 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص304.
3- مغازي الواقدي ج1 ص147 ـ 152.
4- راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص365 ـ 372 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص208 ـ 212 وبحار الأنوار ج19 ص361 ـ 365.
وهذا الإختلاف ليس ذا أهمية، فإن من يذكر هؤلاء أسماءهم إنما هم في حدود الخمسين، أو أقل، أو أكثر بقليل(1) .
فنجد علياً قد قتل من هؤلاء نصفهم أو أزيد. ولو أنهم اهتدوا إلى أسماء الباقين، لارتقى عدد من يسمونه من قتلاه(عليهالسلام) إلى نصف السبعين، أو زاد، فكيف بمن شرك في قتلهم.
نعم.. هذه هي الحقيقة، ولكن المؤرخين، الذين جاؤوا بعد هؤلاء قد ذكروا من عدهم هؤلاء في ضمن الخمسين، واعتبروهم جميع من قتل من السبعين، مع أنهم بعض من قتل.
ويلاحظ: أن البعض يعرف ممن قتلهم علي(عليهالسلام) أشخاصاً، لا يعرفهم البعض الآخر، وبالعكس. وذلك أيضاً يؤيد صحة ما ذكرناه وذكره الشيخ المفيد وغيره ويؤكده.
وعلى كل حال، فقد كان ممن قتلهم أمير المؤمنين(عليهالسلام) في بدر: طعيمة بن عدي، وأبو حذيفة بن أبي سفيان، والعاص بن سعيد بن العاص، الذي أحجم الناس عنه، ونوفل بن خويلد، وكان من شياطين قريش، والعاص بن هشام بن المغيرة(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص212 وابن هشام، والواقدي وغيرهم.
2- المنمق ص456 والأغاني (ط ساسي) ج3 ص100. وراجع: شرح الأخبار ج1 ص263 وإعلام الورى ج1 ص376 والإرشاد للمفيد ج1 ص69 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص61 وبحار الأنوار ج19 ص276 والميزان ج9 ص32 والدر النظيم ص152.
رواية مكذوبة:
وزعم البعض: أن عمر بن الخطاب هو الذي قتل العاص بن هشام بن المغيرة(1) .
ويروون: أن عمر قال لسعيد بن العاص: إنه ما قتل أباه، وإنما قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص34 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص368 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج2 ص528 والسيرة الحلبية ج2 ص145 وإمتاع الأسماع ج6 ص239 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص431 وج4 ص1540 وأسد الغابة ج5 ص64 والإصابة ج6 ص425 والمعارف لابن قتيبة ص156 وكتاب المحبر لابن حبيب البغدادي ص175 وتفسير الثعلبي ج9 ص265 وأسباب نزول الآيات ص278 والثقات لابن حبان ج1 ص171 والجامع لأحكام القرآن ج17 ص308 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص346 وراجع: نسب قريش لمصعب ص301 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص128 والوافي بالوفيات ج13 ص153 وج26 ص71.
2- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص622 وأسد الغابة ج2 ص310 والإصابة ج3 ص90 وج6 ص425 ومغازي الواقدي ج1 ص92 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص289 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج2 ص464 وتاريخ مدينة دمشق ج21 ص114 والطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص31 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص144 والسيرة النـبـوية لابن كثـير ج2 ص445 ونسب قـريش لمصعب = = ص176 والبداية والنهاية ج3 ص290 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص354 وتاريخ الخميس ج1 ص381 وحياة الصحابة ج2 ص333.
وهو كلام لا يصح؛ فإن العاص هذا ليس خالاً لعمر؛ لأن حنتمة لم تكن بنت هشام بن المغيرة، وإنما هي بنت هاشم بن المغيرة، وقد غلَّط العلماء من قال: إنها بنت هشام(1) .
____________
1- تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص19 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص263 وتهذيب التهذيب ج7 ص385 وإكمال الكمال ج3 ص211 وتهذيب الكمال ج21 ص317 والمستدرك للحاكم ج3 ص80 وفتح الباري ج7 ص34 وج9 ص247 وعمدة القاري ج1 ص18 وج16 ص192 وج22 ص90 والآحاد والمثاني ج1 ص95 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص550 وج3 ص1144 والفايق في غريب الحديث ج1 ص283 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص163 وج15 ص23 وج18 ص295 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص265 وج8 ص267 وتاريخ خليفة بن خياط ص81 وطبقات خليفة ص55 وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص10 و 11 و 13 و 258 و 393 وأسد الغابة ج4 ص52 و 57 والإصابة ج4 ص484 وكتاب المحبر لابن حبيب ص13 وكتاب المنمق لابن حبيب ص130 والعثمانية ص37 وتاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص654 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص139 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص267 والوافي بالوفيات ج22 ص283 وإمتاع الأسماع ج6 ص150 وراجع: بحار الأنوار ج31 ص99 و 117.
وقال ابن حزم: إن هاشماً لم يعقب سوى حنتمة(1) .
وقال ابن قتيبة: "وأم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، ابنة عم أبيه"(2) .
بل لقد قيل: إن حنتمة هي بنت سعيد بن المغيرة(3) .
واحتمال البعض أن يكون مراده: أنه قتل هذا الذي هو من قبيلة أمه، ويعدُّ الناس كل أفراد قبيلة الأم أخوالاً، كما قال الشاعر:
ولو أني بليت بهاشمي خؤولته بني عبد المدان
هذا الإحتمال خلاف الظاهر المتبادر من كلمة "خالي"، فإن إطلاق كلمة أخوال على القبيلة لا يلزم منه صحة أن يقول الشخص: فلان خالي، وهو ليس بخاله حقيقة، فيصح قولهم: بنو مخزوم أخوالنا، ولا يصح أن يقال: فلان المخزومي خالي، لأن هذا الثاني ينصرف إلى الخؤولة الحقيقية. في حين أن ظاهر الأول هو إطلاق الكلام على سبيل التوسع.
____________
1- جمهرة أنساب العرب ص144 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص295.
2- الشعر والشعراء ص348 وخزانة الأدب للبغدادي ج2 ص30.
3- تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص20 وإكمال الكمال ج3 ص211.
بل لقد أنكر البعض أن تكون حنتمة مخزومية أصلاً، وقالوا: إن هاشماً وجدها مرمية في الطريق، فأخذها، ورباها، ثم زوجها الخطاب، وإنما نسبت إلى هاشم بالتبني والتربية، كما هي عادة العرب(1) .
ما هو الصحيح إذاً؟!
ولعل الأقرب إلى الإعتبار، والمنسجم مع الوقائع، والأجواء السياسية، والأحداث، هو الرواية التي ذكرها المعتزلي، والشيخ المفيد، وملخصها:
أن عثمان بن عفان، وسعيد بن العاص، حضرا عند عمر أيام خلافته؛ فصار عثمان إلى مجلسه الذي يشتهيه، ومال سعيد إلى ناحية، فنظر إليه عمر وقال: ما لي أراك معرضاً؟! كأني قتلت أباك؟!
إني لم أقتله، ولكن قتله أبو حسن(2) .
وفي رواية المفيد، أنه قال: فلما رأيت ذلك (يعني هياجه للحرب) هبته، وزغت عنه، فقال: إلى أين يا ابن الخطاب؟! وصمد له علي فتناوله، فوالله ما فارقت مكاني حتى قتله.
وكان علي(عليهالسلام) حاضراً، فقال: اللهم غفراً، ذهب الشرك بما فيه، ومحا الإسلام ما تقدم؛ فما لك تهيج الناس علي؟! فكف عمر.
فقال سعيد: أما إنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي
____________
1- دلائل الصدق ج3 قسم1 ص56 وبحار الأنوار ج31 ص99.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص144 و 145.
بن أبي طالب(1) .
فهذه الرواية التي تتضمن نجاة عمر على يد علي(عليهالسلام) ، وليس فيها: أنه قتل خاله العاص بن هشام، والذي لم يكن خالاً له ـ كما قلنا ـ أو على الأقل يشك كثيراً في هذه الخؤولة.
وستأتي هذه الرواية مع بعض الكلام فيها في عهد عمر..
آثار بدر على أهل البيت وعلي(عليهمالسلام) :
سنذكر في الفصل الذي نتحدث فيه عن السقيفة، نصوصاً تدل على موقف قريش من الأنصار، وسيتضح: أن لبدر وسائر حروب النبي مع قريش، بمشاركة الأنصار الأثر البالغ فيما حدث..
ونكتفي هنا بالقول:
إن النبي(صلىاللهعليهوآله) حين كان يقدم علياً وأهل بيته في بدر وفي غيرها، كان من جملة ما يهدف إليه، حفظ هذا الدين، والتخفيف من حقد قريش على الأنصار، وأن يكون أهل بيته هم الدرع الواقي لسائر المسلمين، بما فيهم الأنصار من حقد قريش وكيدها، الذي سوف تمارسه ضدهم في مستقبل الأزمان.
____________
1- الإرشاد للمفيد ص46 و (ط دار المفيد) ج1 ص75 و 76 وبحار الأنوار ج19 ص280 وأعيان الشيعة ج1 ص383 وكشف الغمة ج1 ص185.
وتولى علي(عليهالسلام) مُهمة لجم طغيان قريش في بدر وغيرها وان كان هذا قد جعل قريشاً تصب كل حقدها على علي وأهل بيته، رغم أنها تتظاهر بالإسلام، وتحاول الحصول على الامتيازات عن طريقه، ورغم النصوص القرآنية والنبوية الآمرة لها ولجميع البشر بمحبتهم ومودتهم.. ولكنها سلبية لابد من تحملها، اذ ما حيلة المضطر إلا ركوبها، لأن البديل عن ذلك اقسى، واصعب وأشر وأضر على الاسلام واهله.
وقد أخرج الحاكم: أن العباس جاء إلى رسول الله(صلىاللهعليهوآله) وهو مغضب، فقال( صلىاللهعليهوآله) : ما شأنك؟!
فقال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش؟!
فقال: ما لك ولهم؟!
قال: يلقى بعضهم بعضاً بوجوه مشرقة، فإذا لقونا لقونا بغير ذلك.
قال: فغضب رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، حتى استدرَّ عرق بين عينيه، فلما أسفر عنه، قال: والذي نفس محمد بيده، لا يدخل قلب امرء الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله إلخ(1) .
____________
1- المستدرك للحاكم ج3 ص333 وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، وراجع: المعجم الكبير للطبراني ج20 ص285 ومجمع الزوائد ج9 ص269 وحياة الصحابة ج2 ص487 و 488 عمن تقدم. وراجع: ذخائر العقبى ص193 ومسند أحمد ج4 ص165 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص518 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص300 والمنتخب من ذيل المذيل ص49 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص113.
ولقد شكى أمير المؤمنين(عليهالسلام) من قريش: أنهم قطعوا رحمه ومالأوا عليه عدوه(1) ـ كما سنشير إليـه في واقعـة أحـد وسـواها إن شـاء الله تعالى ـ.
وعن ابن عباس: قال عثمان لعلي في عهد عمر: "ما ذنبي إذا لم تحبك قريش، وقد قتلت منهم سبعين رجلاً، كأن وجوههم سيوف (أو شنوف) الذهب"(2) .
هذا وقد ظل الأحلاف يتحينون الفرص للأخذ بثارات بدر وأحد،
____________
1- وإذا كانت الضربات متوجهة إلى القائد المعصوم؛ فإنه يستطيع أن يتحمل، وأن يصمد، ويواجهها بالحكمة والروية، وبما أوتيه من علم وعقل وصبر.
أما غيره فلربما يصعب عليه تحمل الصعاب، أو اتخاذ الموقف المنـاسب لتجاوزهـا؛ = = ولأجل هذا نجد النبي ) صلىاللهعليهوآله ( كان يؤثر أن يكون علي )عليهالسلام ( هو المتعرض لقريش دون غيره.
2- معرفة الصحابة لأبي نعيم الورق22 (مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي) رقم1/497 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص22 والتحفة العسجدية ص131 وكتاب الأربعين للشيرازي ص202 وبحار الأنوار ج31 ص461 وحياة الإمام الحسين "عليهالسلام " للقرشي ج1 ص235 ومناقب أهل البيت "عليهالسلام " للشيرواني ص375.
وغيرهما. وقد فشلوا في حرب الجمل وصفين، إلى أن سنحت لهم الفرصة ـ بزعمهم ـ في واقعة كربلاء المشهورة، ثم ما أعقبها من ظلم واضطهاد لأهل البيت وشيعتهم.
ولم يستطع يزيد الطاغية أن يخفي خزيه وكفره، باعلانه أنه أراد الثأر لأشياخه في بدر، فتمثل بأبيات ابن الزبعرى؛ وأضاف إليها إنكاره الوحي والنبوة، فقال ـ وهو ينكت ثنايا سيد شباب أهل الجنة بمخصرته:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا: يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من أشياخهم وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل(1)
____________
1- مقتل الحسين للمقرم ص449 و 450 واللهوف ص75 و 76 و (ط أنوار الهدى ـ قم) ص105 وروضة الواعظين ص191 والمسترشد ص510 والإحتجاج للطبرسي ج2 ص34 والخرائج والجرائح ج2 ص580 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص261 ومدينة المعاجز ج4 ص140 وبحار الأنوار ج45 ص133 و 157 و 167 و 186 والعوالم (الإمام الحسين "عليهالسلام ") للبحراني ص397 و 401 و 403 و 433 ولواعج الأشجان ص226 والغدير ج3 ص260 وتفسير القمي ج2 ص86 والصافي ج3 ص388 ونور الثقلين ج3 ص518 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص115 وتاريخ اللأمم والملوك ج8 ص187 وبلاغات النساء لابن طيفور ص21 والفتوح لابن أعثم ج5 ص129 وينابيع المودة ج3 ص31 و 42 و 244 والنصائح الكافية ص263 وحياة الإمام الحسين "عليهالسلام " للقرشي ج2 ص187 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص680.
وليراجع ما قاله قتادة لخالد القسري حول بدر(1) . وقتادة من أكابر محدثي البصرة، وهو مشهور ومعروف.
مهجع أم حمزة سيد الشهداء؟!:
ويقولون: إن "مهجع" مولى عمر بن الخطاب أول من خرج للحرب في بدر، بعد اكتمال الصفوف، فقتل.. وقال النبي(صلىاللهعليهوآله) يومئذٍ: مهجع سيد الشهداء(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج19 ص298 و 300 والكافي ج8 ص111 ـ 113.
2- السيرة الحلبية ج2 ص61 و (ط دار المعرفة) ج2 ص403 وراجع: المصنف للصنعاني ج5 ص351 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص39 وتفسير مقاتل ج2 ص510 وتفسير الثعلبي ج7 ص270 وأسباب نزول الآيات ص229 وتفسير البغوي ج3 ص460 وتفسير العز بن عبد السلام ج2 ص505 والجامع لأحكام القرآن ج13 ص324 والبحر المحيط ج7 ص135 وتفسير أبي السعود ج7 ص29 وتفسير الآلوسي ج20 ص135 وعجائب الآثار ج1 ص443.
وهو كلام باطل. لما يلي:
أولاً: إن أول من خرج بعد أن اصطفت الصفوف علي وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وذلك لمبارزة عتبة وشيبة والوليد، كما تقدم..
ثانياً: إن حمزة هو سيد الشهداء، لا مهجع، ولا غيره. وقد ذكر ذلك أمير المؤمنين علي(عليهالسلام) في شعره، فقال:
محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي(1)
____________
1- روضة الواعظين ص87 والصراط المستقيم للبياضي ج1 ص277 وكنز الفوائد ج1 ص266 و (ط مكـتـبـة المصطفـوي ـ قم) ص122 ومصـبـاح البلاغـة = = (مستدرك نهج البلاغة) ج4 ص118 وأقسام المولى للمفيد ص38 والفصول المختارة ص280 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص266 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص19 وبحار الأنـوار ج33 ص131 وج38 ص238 و 285 وكتـاب الأربعين للماحوزي ص198 و 356 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص164 و 411 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص459 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص542 ونهج السعادة ج4 ص161 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص122 ونظم درر السمطين ص97 وكنز العمال ج13 ص112 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص521 والوافي بالوفيات ج21 ص184 والبداية والنهاية ج8 ص9 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص83 ومطالب السؤول ص61 ونهج الإيمان ص499 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص187 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص131 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص301 وينابيع المودة ج2 ص420 وج3 ص143 والغدير ج6 ص25 ـ 33 عن مصادر كثيرة جداً.
وعنه( صلىاللهعليهوآله) : "حمزة سيد الشهداء"(1) .
____________
1- المستدرك للحاكم ج2 ص120 وج3 ص195 و 199 ومجمع الزوائد ج7 ص266 و 272 وج9 ص268 وفتح الباري ج7 ص282 وعمدة القاري ج17 ص157 والمعجم الأوسط للطبراني ج4 ص238 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص151 ومسند أبي حنيفة ص187 ونصب الراية ج2 ص363 و 368 و 369 والإستيعاب (هامش الإصابة) ج1 ص273 و (ط دار الجيل) = = ج1 ص372 والإصابة ج1 ص354 و (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص106 والوافي بالوفيات ج13 ص104 والتمهيد لابن عبد البر ج13 ص55 وذخائر العقبى ص176 وبحار الأنوار ج22 ص275 وج43 ص98 وج65 ص395 و 396 وشجرة طوبى ج2 ص281 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص486 والعهود المحمدية ص801 وكنز العمال ج13 ص332 وشرح مسند أبي حنيفة ص184 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص43 وتفسير الثعلبي ج2 ص125 والدر المنثور ج2 ص97 والدرجات الرفيعة ص68 وكتاب المجروحين لابن حبان ج1 ص157 وتاريخ مدينة دمشق ج35 ص416 وسير أعلام النبلاء ج1 ص173 والدر النظيم ص798 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص90.
ثالثاً: إن مجرد أن يكون أحد أول مقتول في المعركة لا يجعله سيد الشهداء، بل لهذه السيادة مقوماتها، من العلم بالله، والمعرفة بآياته، والتقوى، والخلوص، والإخلاص. وغير ذلك..
رابعاً: لو كان مجرد السبق للشهادة يعطي هذه السيادة، لكان ينبغي أن تكون هذه السيادة لياسر أو لسًمية والدَي عمار، الذَين قتلا من جراء تعذيب قريش لهما..
خامساً: قيل: إن أول قتيل من المسلمين في بدر هو عمير بن الحمام(1) ، أو حارثة بن سراقة(2) .
____________
1- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1214 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص208 والإصابة ج3 ص31 وج4 ص593 والسيرة الحلبية ج2 ص161 = = و (ط دار المعرفة) ج2 ص403 وبحار الأنوار ج19 ص361 والميزان ج9 ص35 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص17 وج3 ص565 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص255 وإمتاع الأسماع ج1 ص103 وعيون الأثر ج1 ص338 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص35 و 45 والدر المنثور ج3 ص167 وأسد الغابة ج4 ص143
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص17 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص255 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص125 و 208 وإمتاع الأسماع ج1 ص103 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص34 وعيون الأثر ج1 ص338 و 364 وعمدة القاري ج17 ص94 و 122 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج1 ص307 والجرح والتعديل للرازي ج3 ص253 والوافي بالوفيات ج11 ص206 وبحار الأنوار ج19 ص361 والميزان ج9 ص35 والإكمال في أسماء الرجال ص52 والسيرة الحلبية ج2 ص161 و (ط دار المعرفة) ج2 ص404 وراجع: كتاب الأوائل للطبراني ص100 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص150 والكامل في التاريخ ج2 ص126 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص58 والبداية والنهاية ج3 ص334 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص457 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص415.
قتل أسيرين:
وقد ورد: أن أسرى المشركين كانوا سبعين أو واحداً وسبعين رجلاً، فسار النبي(صلىاللهعليهوآله) عائداً من بدر إلى المدينة، فلما بلغ الصفراء أمر أمير المؤمنين علياً(عليهالسلام) بقتل أسيرين منهم، هما: عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث(1) ، الذي كان يعذب المسلمين في مكة.
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج19 ص259 وج34 ص322 وتفسير القمي ج1 ص269 ونور الثقلين ج2 ص135 وج8 ص13 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص298 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج2 ص471 والأغاني (ط أساسي) ج1 ص10 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص46 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص164 ومعجم ما استعجم ج3 ص903 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص473 وعيون الأنباء في طبقات الأطباء ص169 والبداية والنهاية ج3 ص372 وراجع: المعارف لابن قتيبة ص155 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص158 والغارات للثقفي ج2 ص518 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص323 وتاريخ مدينة دمشق ج62 ص103 وج63 ص221 وتهذيب الكمال ج31 ص54 والإصابة ج6 ص343 وإمتاع الأسماع ج1 ص116.
وأضاف بعضهم: المطعم بن عدي أيضاً(1) .
أما عقبة، فكان له موقف سيء تجاه رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في مكة، فأوعده رسول الله(صلىاللهعليهوآله) إن وجده خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقه صبراً(2) ، وهكذا كان.
وواضح: أن ضرب عنق رجلين من قريش صبراً على يد علي(عليهالسلام) ، سيثير حفيظة مشركي مكة، وسيؤجج حقد قريش على علي(عليهالسلام) ، وكل من يمت إليه بصلة..
وهذا أمر سيحصل، حتى لو كانت قريش تعلم أن البغي والعدوان قد
____________
1- العلل ومعرفة الحديث ج1 ص3 والمحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص520 والتبيان لطوسي ج5 ص111 وجامع البيان ج9 ص305 وتفسير الثعلبي ج4 ص351.
2- الدر المنثور ج5 ص68 وفتح القدير ج4 ص74 وتفسير الآلوسي ج19 ص11 وإمتاع الأسماع ج1 ص80 و 109 وج12 ص164 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص468 وج4 ص18 و 64 والغدير ج8 ص273 و 274 عن ابن مردويه، وأبي نعيم في دلائل النبوة بإسناد صححه السيوطي.
أتى من قبل ذينك المقتوليِن، لأن قريشاً لا تنطلق في مواقفها من موازين عادلة ومنصفة، لا عقلية ولا عقلائية، بل موازينها، ومنطلقاتها في الحب والبغض، والسلم والحرب هو مصالحها، وعصبياتها، وغرائزها وأهواؤها كما هو معلوم..
وقد ظهرت آثار هذا الحقد بعد وفاة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) بأجلى صورها..
ويكفي أن نذكِّر بقول محاربي الإمام الحسين للحسين(عليهالسلام) يوم عاشوراء: "نقاتلك بغضاً منا لأبيك".
وتقدم أن يزيد لعنه الله يقتل ريحانة رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة، ثم يتمثل بأبيات ابن الزبعري:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
الخ...
الذي جرَّأ علياً(عليهالسلام) على الدماء:
قال ابن الجوزي:
روى أحمد في مسنده: أنه تنازع أبو عبد الرحمن السلمي، وحيان بن عبد الله، فقال أبو عبد الرحمن لحيان: قد علمت ما الذي جرأ صاحبك ـ يعني علياً ـ.
قال: ما هو؟!
قال: قول النبي( صلىاللهعليهوآله) : لعل الله اطلع إلى أهل بدر.
فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم.
وهذا سوء فهم من أبي عبد الرحمن، حين ظن أن علياً(عليهالسلام) إنما قاتل وقتل، اعتماداً على أنه قد غفر له.
وينبغي أن يعلم: أن معنى الحديث: لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت، فقد غفرت لكم.
فأما غفران ما سيأتي فلا يتضمنه ذلك. أتراه لو وقع من أهل بدر ـ وحاشاهم ـ الشرك؛ إذ ليسوا بمعصومين، أما كانوا يؤاخذون به؟! فكذلك المعاصي.
ثم لو قلنا: إنه يتضمن غفران ما سيأتي، فالمعنى: أن مآلكم إلى الغفران.
ثم دعنا من معنى الحديث، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي(عليهالسلام) فعل ما لا يجوز اعتماداً على أنه سيغفر له؟! حوشي من هذا. وإنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال، فكان على الحق.
ولا يختلف العلماء: أن علياً(عليهالسلام) لم يقاتل أحداً إلا والحق مع علي.
كيف وقد قال رسول الله( صلىاللهعليهوآله) : اللهم أدر الحق معه كيفما دار.
فقد غلط أبو عبد الرحمن غلطاً قبيحاً، حمله عليه أنه كان عثمانياً"(1) إنتهى.
قاتل عقبة علي(عليهالسلام) لا سواه:
ذكروا: أن عاصم بن ثابت بن الأقلح هو الذي قتل عقبة بن أبي معيط صبراً، بعد منصرفهم من بدر بأمر من رسول الله( صلىاللهعليهوآله) (2) .
ولكننا قلنا: إن علياً(عليهالسلام) هو الذي ضرب عنق عقبة كما نص
____________
1- صيد الخاطر ص385.
2- المواهب اللدنية ج1 ص102 و87 والمغازي للواقدي ج1 ص148 و 282 و 138 وبحار الأنوار ج19 ص347 وعمدة القاري ج17 ص99 و 169 وفتح الباري ج7 ص240 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص323 وج9 ص64 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص135 و 180 و 200 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص158 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص64 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص372 وإمـتـاع الأسـماع ج1 ص109 و 116 وج8 ص345 وج10 ص5 = = وج12 ص163 وج14 ص332 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص473 ونيل الأوطار ج8 ص14 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص298 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج2 ص471 وعيون الأثر ج1 ص347 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص64 وعيون الأنباء في طبقات الأطباء ص169.
عليه المؤرخون(1) .
ويدل على ذلك أيضاً:
1 ـ أن معاوية قال للوليد بن عقبة، يحرضه على علي(عليهالسلام) في صفين: "..وأما أنت يا وليد، فإنه قتل أباك بيده صبراً يوم بدر"(2) .
2 ـ قال الإمام الحسن(عليهالسلام) للوليد بن عقبة: "وأما أنت يا وليد بن عقبة، فوالله، ما ألومك أن تبغض علياً، وقد جلدك في الخمر ثمانين
____________
1- راجع: المصنف للصنعاني ج5 ص355 والبحر المحيط ج6 ص454 وتفسير مقاتل ج3 ص195 وتفسير القرآن للصنعاني ج3 ص68 وتفسير القمي ج1 ص269 وبحار الأنوار ج19 ص260 والصافي ج2 ص285 ونور الثقلين ج2 ص135 وأعيان الشيعة ج1 ص250 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص469 وج4 ص64 والغدير ج8 ص273 والدر المنثور ج5 ص69 عن عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر وغيرهما، وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص65 وعيون الأثر ج1 ص347 وإمتاع الأسماع ج1 ص116 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص298 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج2 ص471 بلفظ قيل.
2- الفتوح لابن أعثم (ط حيدرآباد) ج3 ص191 و (ط دار الأضواء) ج3 ص116 وصفين للمنقري ص417 (وفيه: يحرض على علي في الجمـل)، وهو غـلـط، = = وتذكرة الخواص ج1 ص410 والمناقب للخوارزمي ص234 ـ 235 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص118 والغدير ج2 ص159 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص314 وأعيان الشيعة ج1 ص503.
جلدة، وقتل أباك صبراً بيده يوم بدر"(1) .
ويحق للإمام الحسن(عليهالسلام) أن يقول هذا للوليد، فإن حقده لأجل قتل أبيه لا مبرر له، لأن أباه إنما قتل لأنه حارب الله ورسوله، جحوداً منه، وبغياً وظلماً.
وأما جلده في الخمر، فإنما هو عقوبة إلهية، لجرأته على الله تعالى، ومعصيته الموجبة لحد من حدوده..
وهو الذي أقدم على هذه المعصية بإختياره.
فلا لوم على علي(عليهالسلام) في كلتا الحالتين، لأن اللوم في الحالة الأولى على أبيه، وفي الحالة الثانية عليه أن يلوم نفسه.
سهم طلحة وسهم علي(عليهالسلام) من غنائم بدر:
وزعموا: أنه(صلىاللهعليهوآله) ضرب لطلحة وسعيد بن زيد
____________
1- الإحتجاج للطبرسي ج2 ص37 و (ط دار النعمان) ج1 ص412 وبحار الأنوار ج44 ص81 والغدير ج8 ص275 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص37 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص292 والصافي ج4 ص159 وج5 ص49 وج6 ص516 ونور الثقلين ج4 ص231 والميزان ج16 ص271 وأعيان الشيعة ج1 ص575 وغاية المرام ج4 ص131 و 134 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص214 وج26 ص543.
بسهميهما من غنائم بدر، مع أنهما لم يحضراها، بل كان قد أرسلهما ليتجسسا له خبر العير، فعادا إلى المدينة، فوجداه قد خرج إلى بدر، فخرجا إليها، فوجداه قد عاد منها(1) .
وزعموا أيضاً: أنه(صلىاللهعليهوآله) ضرب لعثمان بسهمه في بدر، حيث تخلف عنها لتمريض زوجته بزعمهم(2) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص216 و 383 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص615 و 765 وتاريخ مدينة دمشق ج21 ص69 وتهذيب الكمال ج10 ص448 والسيرة الحلبية ج2 ص147 و 185 و (ط دار المعرفة) ج2 ص381 ومشاهير علماء الأمصار ص26 والوافي بالوفيات ج16 ص271 والثقات لابن حبان ج1 ص180 و 185 وج2 ص341 والمعارف لابن قتيبة ص154 وفتح الباري ج7 ص241 وعمدة القاري ج17 ص102 وج1 ص98 والتنبيه والإشراف ص205.
2- السيرة الحلبية ج2 ص146 و 147 و 185 و (ط دار المعرفة) ج2 ص381 و 439 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص8 و 10 و 15 و 34 وأسد الغـابـة ج5 ص456 وتحفة الأحوذي ج10 ص128 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص68 والطبقات الكـبرى لابن سعد ج3 ص56 والثقات لابن حبـان ج1 = = ص176 و 185 ومجمع الزوائد ج7 ص226 وج9 ص84 والبداية والنهاية ج3 ص370 و 395 و 419 وج5 ص330 وج7 ص231 وعيون الأثر ج1 ص357 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص470 و 509 و 545 وج4 ص610 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص111 وج11 ص34 وشرح معاني الآثار ج3 ص244 و 245 ومعرفة السنن والآثار ج6 ص531 وكتاب الأم للشافعي ج7 ص353 والمبسوط للسرخسي ج10 ص18 وذخائر العقبى ص163 والإستذكار لابن عبد البر ج5 ص5 والمعارف لابن قتيبة ص193 وتاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص955 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص124 والتمهيد لابن عبد البر ج18 ص341.
ونقول:
أولاً: إن مناشدة علي(عليهالسلام) لأهل الشورى تتضمن تكذيباً لهذه الدعوى، فقد قال(عليهالسلام) لهم، وفيهم طلحة، والزبير، وعثمان، وابن عوف، وسعد بن أبي وقاص:
أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، وسهم في الغائب؟!
قالوا: لا(1) .
ثانياً: إن إرسال النبي(صلىاللهعليهوآله) طلحة وسعيد بن زيد ليتجسسا خبر العير لم يثبت، لأن ثمة نصاً يقول: إنهما كانا في تجارة إلى
____________
1- ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج3 ص93 واللآلي المصنوعة ج1 ص362 والضعفاء الكبير ج1 ص211 و212 كنز العمال ج5 ص725 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص435 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص379 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص685 وج31 ص324.
الشام.. فضرب لهما بسهميهما بعد رجوعه من بدر، وبعد رجوعهما من الشام(1) .
والسؤال هو: ما المبرر لأن يضرب لهما(صلىاللهعليهوآله) بسهميهما دون غيرهما ممن كان غائباً عن بدر؟!
وكيف رضي المسلمون بإعطائهما، وعدم إعطاء غيرهما ممن تخلف لعذر من مرض، أو تجارة، أو لذي نفعة أخرى لهم؟!..
ثالثاً: وليس للنبي(صلىاللهعليهوآله) أن يتسامح بإعطاء الناس من أموال غيرهم.. لأن الغنائم ملك للمقاتلين، والشاهد على ذلك أنه(صلىاللهعليهوآله) لم يعط المؤلفة قلوبهم غنائم حنين إلا بعد أن رضي أصحابه..
____________
1- معرفة السنن والآثار ج6 ص531 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص339 و 340 والتنبيه والإشراف ص205 ولكنه ذكره بلفظ قيل، والإصابة ج2 ص229 و (ط دار الكتب العلمية) ج3 ص430 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص229 و (ط دار الجيل) ج2 ص765 وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص437 و438 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص293 وج9 ص58 وعيون الأثر ج1 ص358 والتنبيه والإشراف ص205 وتاريخ مدينة دمشق ج25 ص54 وج21 ص61 و 63 و 64 و 67 و 68 والآحاد والمثاني ج1 ص177 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص148 وكنز العمال ج10 ص415 و 419 والتاريخ الكبير للبخاري ج3 ص452 والتعديل والتجريح للباجي ج3 ص1217.
رغم أن النصر إنما تحقق على يد علي(عليهالسلام) كما سيأتي.
رابعاً: قال الخطابي والسيوطي: إنه لم يضرب لأحد غاب عن بدر بسهم في الغنائم إلا لعثمان.. ونحن نوافقهما على إنكارهما ذلك بالنسبة لطلحة وسعيد بن زيد.. ونخالفهما في ادعائهما أن ذلك كان لعثمان.
ونزيد في تأكيد عدم صحة ذلك:
1ـ تقدم آنفاً: أنه لا خصوصية لعثمان، دون سائر من غاب لعذر.
2 ـ تقدمت مناشدة علي(عليهالسلام) لأهل الشورى وفيهم طلحة وعثمان، وسواهما: بأنه(صلىاللهعليهوآله) لم يضرب بسهم لغائب سواه..
3 ـ بعض الروايات تقول: إنه تخلف عن بدر لأنه كان مريضاً بالجدري(1) ، لا لتمريض زوجته فهل ضرب النبي(صلىاللهعليهوآله) لكل من تخلف لمرضٍ، بسهمه وأجره أيضاً.
4 ـ لقد عيَّره عبد الرحمان بتخلفه عن بدر، حيث أرسل إليه مع الوليد بن عقبة: أنني لم أفر يوم عينين (أي يوم أحد)، ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر.
فخبَّر الوليد عثمان، فزعموا: أنه اعتذر عن تخلفه يوم بدر بتمريضه
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص185 و 146 و (ط دار المعرفة) ج2 ص380 والوافي بالوفيات ج20 ص28.
رقية(1) .
وبمثل ذلك اعتذر ابن عمر ـ كما يقولون ـ لرجل كان يوجه لعثمان نفس هذا الاعتراض(2) .
____________
1- مسند أحمد ج1 ص68 وراجع ص75 ومجمع الزوائد ج7 ص226 وج9 ص83 وكنز العمال ج13 ص71 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص258 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص428 والأوائل ج1 ص305 و 306 ومحاضرات الأدباء للراغب المجلد الثاني ص184 والدر المنثور ج2 ص89 عن أحمد، وابن المنذر، والبداية والنهاية ج7 ص207 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص231 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص21 و 22 ومغازي الواقدي ج1 ص278 والغدير ج9 ص327 وج10 ص72 عن أحمد، وابن كثير، وعن الرياض النضرة ج2 ص97. وراجع: المعجم الكبير للطبراني ج1 ص88.
2- المستدرك للحاكم ج3 ص98 وسنن الترمذي (ط دار الفكر) ج5 ص293 ومسند أحمد ج2 ص101 والبداية والنهاية ج7 ص207 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص231 عن البخاري، والغدير ج10 ص71 عن الحاكم، وص70 عن أحمد، وصحيح البخاري ج6 ص122 و (ط دار الفكر) ج4 ص203 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص261 و 263 وتهذيب الكمال ج5 ص402 و 403 والمعجم الأوسط ج7 ص208 ج8 ص232 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص85 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص367 وعمدة القاري ج16 ص206 وعون المعبود ج7 ص283 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص284 وفلك النجاة ص188.
ولكن هذا العذر من ابن عمر ومن عثمان غير مقبول، إذ لو كان صحيحاً لم يغفل عنه عبد الرحمان بن عوف، ولم يرسل إليه تلك الرسالة.
وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فإنه لا يكون فضيلة لعثمان إلا اذا ضرب له النبي(صلىاللهعليهوآله) بسهم، ولو فعل ذلك لكان فضيلة كبرى لعثمان، ولا يقدم ابن عوف على تعييره بما هو فضيلة له.
على أن ادعاء أن زوجة عثمان كانت بنت رسول الله( صلىاللهعليهوآله) .. غير معلوم. كما أثبتناه في كتبنا العديدة التي صدرت لنا حول هذا الموضوع.
5 ـ إن ابن مسعود قد رد على شتيمة عثمان له حين جاء من الكوفة بقوله: "لست كذلك، ولكن صاحب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان"(1) .
فابن مسعود يعرض بعثمان في خصوص هذين الموردين، ولم يذكر غيرهما. وما ذلك إلا لأن عثمان غاب عنهما..
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص43 وأنساب الأشراف ج5 ص36 والغدير ج9 ص3 عنه، وص4 عن الواقدي، وبحار الأنـوار ج31 ص189 وحيـاة الإمام الحسين "عليهالسلام " للقرشي ج1 ص377 والشافي في الإمامة ج4 ص281 وسفينة النجاة للتنكابني ص263.
سهم الحاضر والغائب:
ويبقى سؤال: إنه كيف يعطي النبي(صلىاللهعليهوآله) علياً(عليهالسلام) سهماً في الغائب؟!
ونجيب:
بأنه يمكن أن يكون إعطاؤه سهماً في الغائب، لأنه لا يغيب إلا إذا كان في مهمة دفاع وقتال، أو مقام يكبت الله به العدو.
أو أنه أعطاه(صلىاللهعليهوآله) من سهمه الذي كان يرده على المقاتلين.
هذا بالإضافة إلى أنه(عليهالسلام) لم يتخلف إلا في غزوة تبوك.
وقد نص الزمخشري في فضائل العشرة: على أنه(صلىاللهعليهوآله) جلس في المسجد يقسم غنائم تبوك، فدفع لكل واحد منهم سهماً ودفع لعلي كرم الله وجهه سهمين.
ثم ذكر اعتراض زائدة بن الأكوع، وجواب النبي(صلىاللهعليهوآله) له بأن جبرائيل كان يقاتل في تبوك، وأنه قد أمره بأن يعطي علياً(عليهالسلام) سهمين(1) .
____________
1- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص142 و (ط دار المعرفة) ج3 ص119 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص78 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص281 و 282 وج31 ص565.
ونلاحظ هنا: أن جعفر بن أبي طالب كان له أيضاً سهم في الحاضر، وسهم في الغائب، فقد روي عن الإمام الباقر(عليهالسلام) أنه قال: ضرب رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه، وأجره(1) .
وذلك لا ينافي ما تقدم بالنسبة لعلي(عليهالسلام) ، فإن الذين ناشدهم علي(عليهالسلام) لم يكن فيهم غير علي له هذه الخصوصية، فلا يمنع أن تكون لجعفر أيضاً ـ الذي لم يكن معهم آنئذٍ، لأنه قد استشهد في مؤتة.
النبي(صلىاللهعليهوآله) يمرض علياً(عليهالسلام) :
وفي طريق العودة من بدر إلى المدينة فقد المسلمون رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ، فوقفوا، فجاء(صلىاللهعليهوآله) ومعه علي(عليهالسلام) ، فقالوا: يا رسول الله، فقدناك؟!
فقال: إن أبا الحسن وجد مغصاً في بطنه، فتخلفت عليه(2) .
____________
1- سير أعلام النبلاء ج1 ص216 وتهذيب الكمال ج5 ص52 وبغية الباحث لابن أبي أسامة ص215.
2- السيرة الحلبية ج2 ص188 و (ط دار المعرفة) ج2 ص444 وذخائر العقبى ص94 والمستدرك للحاكم ج3 ص232 ومجمع الزوائد ج6 ص69 وتاريخ بغداد ج2 ص43 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص241 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص537 وج21 ص646 و 647 وج31 ص159 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص61 وبحار الأنوار ج38 ص299 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1101 وينابيع المودة ج2 ص184.
ونقول:
1 ـ إنه(صلىاللهعليهوآله) يتحدث عن علي(عليهالسلام) بطريقة تشير إلى التكريم والإحترام، حيث ذكره بكنيته فقال: "إن أبا الحسن وجد مغصاً إلخ.." وما ذلك إلا لأنه يقدِّر فيه إيمانه، وجهاده، وفضله، وخصاله وتضحياته في سبيل الله تبارك وتعالى.
2 ـ إنه(صلىاللهعليهوآله) يقوم بنفسه على أمير المؤمنين(عليهالسلام) ، حتى إن ذلك حمله على التخلف عن الجيش كله.. ليعرف الناس كلهم عظيم محبته له، ومزيد اهتمامه به، وحرصه على سلامته، لما له من مكانة عند الله وعند رسوله.. ولولا ذلك لكان يمكنه أن يوصي بعض من معه بالإهتمام بشأن علي، ومراعاة حاله..
3 ـ ويبدو لنا أن علياً والنبي صلوات الله عليهما وعلى آلهما كانا متلازمين في حلهما وترحالهما.. ولم يكن الآخرون يهتمون بملازمة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) في مسيرهم ومسيره، ولأجل ذلك تخلف عنهم حتى فقدوه.. ولو كانوا حافين به لكانوا معه حين يسير، وحين يقف، وحين يتخلف على علي(عليهالسلام) ، ولا يحتاجون إلى السؤال.
ولعل هذه الحالة قد خفت بعد ذلك، وصاروا يلازمونه ويكونون معه أو بالقرب منه. وإن كنا قد رأيناها تعود إلى الظهور حين كان النبي "صلى
الله عليه وآله" في طريقه من مكة إلى غدير خم بعد حجة الوداع، حيث تركوه وحده هو وعلي(عليهالسلام) ، حتى طالبهم(صلىاللهعليهوآله) بذلك، كما سيأتي في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى..
علي(عليهالسلام) : أبو بكر أشجع الناس:
وزعموا: أن علياً(عليهالسلام) سئل عن نفسه: هل هو أشجع الناس؟! فرفض ذلك، وقرر أن أبا بكر أشجع الناس، لأنهم جعلوا للنبي(صلىاللهعليهوآله) عريشاً في بدر، وقالوا:
من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟!
"فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، شاهراً بالسيف على رأس رسول الله، لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس"(1) .
____________
1- كنز العمال ج12 ص524 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص36 و 37 ومجمع الزوائد ج9 ص47 وقال: فيه من لم أعرفه، والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص410 والبداية والنهاية ج3 ص271 و 272 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص331 عن البزار، وحياة الصحابة ج1 ص261 عنهما، والسيرة الحلبية ج2 ص156 و (ط دار المعرفة) ج2 ص394 والفتح المبين لدحلان (بهامش سيرته النبوية) ج1 ص122 وعن الرياض النضرة ج1 ص92 والصوارم المهرقة ص119 والغدير ج7 ص201 وفتح الباري ج7 ص129 وفيض القدير ج5 ص355 والدر المنثور ج5 ص350 وفتح القدير ج4 ص490.
قال الحلبي الشافعي: "وبه يرد قول الشيعة والرافضة: أن الخلافة لا يستحقها إلا علي، لأنه أشجع الناس"(1) .
ثم استدل هو ودحلان على أشجعية أبي بكر: بأن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد أخبر علياً(عليهالسلام) : بأنه يقتل على يد ابن ملجم، فكان إذا دخل الحرب، ولاقى الخصم، علم أنه لا قدرة له على قتله، فهو معه كالنائم على فراشه.
أما أبو بكر؛ فلم يُخْبَر بقاتله، فكان إذا دخل الحرب لا يدرون هل يقتل أو لا، ومن هذه حالته يقاسي من التعب ما لا يقاسيه غيره.
ومما يدل على شجاعته: تصميمه على حرب مانعي الزكاة، مع تثبيط عمر له عن ذلك.
وأنه حين توفي الرسول(صلىاللهعليهوآله) طاشت العقول، وأقعد علي، وأخرس عثمان، وكان أبو بكر أثبتهم.
وأما كونه لم يشتهر عنه في الحروب ما اشتهر عن علي؛ فلأن النبي(صلىاللهعليهوآله) كان يمنعه عن مبارزة الشجعان(2) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص156 و (ط دار المعرفة) ج2 ص395.
2- راجع فيما تقدم: الفتح المبين لدحلان (بهامش سيرته النبوية) ج1 ص123 ـ 125 والسيرة الحلبية ج2 ص156 و (ط دار المعرفة) ج2 ص395 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص222 والوافي بالوفيات ج1 ص66 ونور الأبصار ج1 ص107والغدير ج7 ص213.
ويقول دحلان: "إن الشجاعة والثبات في الأمر هما الأهمان في أمر الإمامة، لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه إلى قتال أهل الردة وغيرهم"(1) .
وقالوا أيضاً: "أبو بكر كان مع النبي(صلىاللهعليهوآله) على العريش يوم بدر، مقامه مقام الرئيس، والرئيس ينهزم به الجيش، وعلي مقامه مقام مبارز، والمبارز لا ينهزم به الجيش"(2) .
ونقول:
لقد فندنا هذه المقولات في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم( صلىاللهعليهوآله) (3) ، ونكتفي هنا بما يلي:
____________
1- الفتح المبين لدحلان (بهامش سيرته النبوية) ج1 ص124 ـ 126 وراجع: الصوارم المهرقة ص122.
2- تاريخ بغداد للخطيب ج8 ص21 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص400 والمنتظم لابن الجوزي ج6 ص327 و (ط دار الكتب العلمية) ج14 ص21 وراجع: العثمانية للجاحظ ص10 والغدير ج7 ص207 وأعيان الشيعة ج2 ص585 وج9 ص435.
3- الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " ج6 ص95 ـ 106 في فصل: أبو بكر في العريش، وشجاعة أبي بكر.
1 ـ إن فرار أبي بكر في المواطن المختلفة يدل على عدم صحة ما نسب إلى علي(عليهالسلام) ، أو ادعاه الآخرون من شجاعة لأبي بكر، ولو في أدنى مستوياتها.. فقد فر في أحد، وقريظة، وخيبر، وحنين، وذات السلاسل، وقد قال المعتزلي:
وليس بنكرٍ في حنين فراره ففي أحد قد فرّ قدماً وخيبرا
كما أنه لم يجرؤ على مبارزة عمر وبن عبد ود في الخندق.
2 ـ بالنسبة لقولهم: إن النبي(صلىاللهعليهوآله) كان يمنعه من القتال، نقول:
هل منعه من القتال في خيبر وقريظة، وحنين وأحد، وغيرها من الوقائع؟! وأين هي النصوص التي تثبت ذلك؟! وفي أي المصادر هي؟!
غير أنهم يدعون: أن النبي(صلىاللهعليهوآله) قال له: أمتعنا بنفسك في حرب بدر، حين صار يتظاهر بأنه يريد مبارزة ولده(1) .
وذكر الأسكافي المعتزلي: أنه إنما قال له ذلك، لأنه لم يكن أهلاً
____________
1- راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج8 ص186 وحياة الصحابة ج2 ص332 و 333 عن الحاكم عن الواقدي. والبداية والنهاية (ط مكتبة المعارف) ج4 ص83 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص95 والعثمانية للجاحظ ص330 والغدير ج7 ص210 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص281.
للحرب، وملاقاة الرجال(1) .
3 ـ أين كانت شجاعته حين حزن في الغار، وهو يرى الآيات الباهرات التي تبشر بحفظ الله تعالى لنبيه.. وحيث كان علي(عليهالسلام) وهو على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) محاطاً بسيوف الحقد التي يراد لها أن تسفك دمه.
4 ـ إنهم يقولون: إن سعد بن معاذ وجماعة من الأنصار، وقيل: علي أيضاً، هم الذين كانوا يحرسون النبي(صلىاللهعليهوآله) في العريش(2) . وقد ضعف الهيثمي إسناد حديث وقوف أبي بكر على رأس رسول الله
____________
1- الغدير ج7 ص210 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص281 والعثمانية للجاحظ ص330.
2- البداية والنهاية ج3 ص271 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص331 و 347 والسيرة الحلبيـة ج2 ص156 و 161 و (ط دار المعرفـة) ج2 ص382 و437 وج3 ص424 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص410 و 435 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص24 والدرر لابن عبد البر ص106 وعيون الأثر ج1 ص326 وج2 ص37 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص141 وبحار الأنوار ج22 ص248 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص118 والمحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص552 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص15 وإمتاع الأسماع ج1 ص98 وأعيان الشيعة ج1 ص247.
(صلىاللهعليهوآله) بالسيف، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه(1) .
5 ـ كان علي(عليهالسلام) ـ كما تقدم ـ هو الذي يتفقد رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ، والحرب قائمة، فأين كان أبو بكر عنه( صلىاللهعليهوآله) ؟! ولماذا لا يطمئن علي(عليهالسلام) إلى حراسته وسلامته، اعتماداً على وجود أبي بكر بقربه؟!
6 ـ قولهم: إن النبي(صلىاللهعليهوآله) قد أخبر علياً(عليهالسلام) بقتل ابن ملجم له، فهو مع عدوه كالنائم على فراشه.. ليس دقيقاً.. وذلك لما يلي:
ألف: إنه قال له كلاماً عاماً، ولم يسم له ابن ملجم.
ب: إنه لم يخبره بساعة قتله، أو يومه وشهره أو سنته، فلعله يقتل على يد أشقاها بعد ساعة، أو بعد شهر، أو أكثر أو أقل..
ج: من الذي قال: إنه أخبره أيضاً: بأن هذا الذي قاله عن خبر لم يكن من موارد البداء؟! فلعله خاضع لقانون المحو والاثبات، ويحتاج الى فقد موانع، وتوفر شروط، مثل اليقين، والاخلاص، والثبات على الحق.
د: وحتى لو سلمنا أنه أخبره بتاريخ قتله، فإنه لا يكون مع عدوه كالنائم على فراشه، إذ لا شيء يمنع من تعرضه للجراحة، وقطع الأعضاء، وللبلاءات والأوجاع المزمنة بسبب ضربة أو ضربات تناله من عدوه..
علماً بأن أشجع الناس قد يرفض أن ينام في الجبانة، مع علمه بأن أهلها
____________
1- مجمع الزوائد ج9 ص47.
أموات لا يملكون نفعاً ولا ضراً، فعمله هذا لم يجعله شجاعاً، كما أن شجاعته لا تنكر عليه في مواضع الخطر الحقيقي. وإن خانته في هذا الموقع رغم علمه بما يفترض أن يجعلها أكثر حصانة وقوة..
هـ: لو صح أنه كان مع عدوه كالنائم على فراشه، فلماذا كانوا يثنون على شجاعته(عليهالسلام) ، وكان رسول الله(صلىاللهعليهوآله) يعطيه الأوسمة عليها، حتى إن ضربته لعمرو بن عبد ود يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، الإنس والجن إلى يوم القيامة..
ولماذا باهى الله به ملائكته يوم مبيته على فراش النبي(صلىاللهعليهوآله) ليلة الهجرة، ولماذا ينادي جبرئيل بين السماء والأرض في بدر واحد، وسواهما لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، ولماذا؟ ولماذا؟!
و: لعل النبي(صلىاللهعليهوآله) اخبره بقتل ابن ملجم له في أواخر ايام حياته.
7 ـ بالنسبة لقوله(صلىاللهعليهوآله) لعلي(عليهالسلام) : ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين نقول:
ذكر الأسكافي: أن ذلك قد كان بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ووضعت الجزية، ودان العرب له قاطبة(1) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص287 والعثمانية للجاحظ ص335.
8 ـ على أنه لو كان أبو بكر موطناً نفسه على لقاء الله، زاهداً بالدنيا لكان الموت أحلى عنده من العسل ولكان ألف ضربة بالسيف أهون موتة على فراش كما يقول علي(عليهالسلام) ، فلماذا يزعمون: انه يقاسي في التعب ما لا يقاسيه غيره.
9 ـ بالنسبة لحرب أبي بكر لمانعي الزكاة نقول:
إنه لم يحاربهم بنفسه، بل حاربهم بغيره للحفاظ على موقعه في الخلافة.. وسيأتي: أن ذلك كان عملاً غير موفق، ولا مقبول.
10 ـ إن ثبات أبي بكر حين موت النبي(صلىاللهعليهوآله) لا يدل على الشجاعة، بل هو من دلائل القسوة، وإلا كان أبو بكر أشجع من رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ، الذي بكى على عثمان بن مظعون، وعلى جعفر وحمزة، وغيرهم. وأبو بكر لم يبك حتى على رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ..
وقد جرى بين أبي بكر وبين علي(عليهالسلام) حول وفاة رسول الله(صلىاللهعليهوآله) ما أفاد أن أبا بكر لم يكن مهتماً لوفاة الرسول، فقد قال لعلي آنئذٍ: ما لي أراك متحازناً؟!
فقال له علي(عليهالسلام) : إنه عناني ما لم يعنك.
فاضطر أبو بكر للإستشهاد ببعض الناس على أنه كان أيضاً حزيناً على رسول الله( صلىاللهعليهوآله) (1) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص312 وكنز العمال ج7 ص159 و (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص230 وحياة الصحابة ج2 ص82 وعن نهاية الإرب ج18 ص396 ـ 397.
فهل يمكن أن ينقدح احتمال أن يكون قد انساق مع حبوره وسروره بنيل مقام الخلافة فظهر منه ما دل علياً(عليهالسلام) على عدم اهتمامه بوفاة رسول الله( صلىاللهعليهوآله) ؟!
الفهرس
الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليهالسلام ) 1
الفصل الثالث: 41
الفصل الرابع 71
الفصل الخامس: 85
الفصل السادس 122
الفصل السابع 134
الفصل الثامن 183
الباب الثالث 210
الفصل الأول 212
الفصل الثاني 243
الفصل الثالث: 269
الفصل الرابع: 312
الفهرس 356