الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء الثالث
السيد جعفر مرتضى العاملي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء الثالث
السيد جعفر مرتضى العاملي
زواج فـاطـمـة (عليهاالسلام )
زواج علي بفاطمة (عليهماالسلام ):
وتزوج علي أمير المؤمنين "عليهالسلام " بفاطمة الزهراء "عليهاالسلام " في شهر رمضان من السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة من نفس السنة(1) ، وهذا هو المعتمد المشهور.
وقيل: تزوجها في السنة الأولى(2) .
____________
1- تاريخ الخميس ج1 ص411 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص241 وبحار الأنوار ج43 ص136 وأعيان الشيعة ج1 ص313 وكشف الغمة ج1 ص374 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص37 وسبل السلام ج3 ص149 وعون المعبود ج6 ص114 وراجع: روضة الطالبين للنووي ج7 ص409 وتاريخ خليفة بن خياط ص37 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص141 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص500 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص8 وج32 ص45 وج33 ص340 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص177 والكامل في التاريخ ج2 ص140 وعيون الأثر ج2 ص356.
2- الإصابة ج8 ص264 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص349 و 350 وج25 ص9 وج32 ص45 وبـحـار الأنـوار ج19 ص192 وج43 ص9 = = والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص22 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص157 وعن مروج الذهب ج2 ص282 ومقاتل الطالبيين ص30
وقيل: في الثالثة بعد أحد(1) .
وقيل غير ذلك(2) .
وتبعاً لاختلافهم في ذلك، فإنهم يختلفون في تاريخ ولادة الحسنين "عليهماالسلام ".
وكان عمرها حين زواجها عشر سنين.. وقد تكلمنا حول تاريخ ولادتها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله "، فلا بأس بالرجوع إليه..
حديث الزواج:
وخطب أبو بكر وعمر، فاطمة أولاً، فقال رسول الله "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص45 وج33 ص332 و 333 وذخائر العقبى ص27 وراجع: الإصابة ج8 ص264 والثقات لابن حبان ج1 ص212.
2- راجع: الجامع لأحكام القرآن ج14 ص241 وذخائر العقبى ص27 وبحار الأنوار ج19 ص192 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص93 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص37 وج12 ص95 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص349 وج32 ص41 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص124.
لهما: إنها صغيرة. فخطبها علي؛ فزوجها منه(1) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(2) .
وفي نص آخر: أن أشراف قريش خطبوا فاطمة "عليهاالسلام "، فردهم النبي "صلىاللهعليهوآله "، ومنهم عبد الرحمن بن عوف(3) ، بإشارة
____________
1- راجع: المستدرك للحاكـم ج2 ص167 والسنن الكـبرى للنسـائي ج3 ص265 = = وج5 ص143 وخصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص114 وصحيح ابن حبان ج15 ص392 و399 وموارد الظمآن ج7 ص170 و 171 وسنن النسائي ج6 ص62 وفقه السنة لسيد سابق ج2 ص23 والعمدة لابن البطريق ص287 و 389 والطرائف لابن طاووس ص76 وكتاب الأربعين للشيرازي ص486 وبحار الأنوار ج40 ص68 والغدير ج3 ص221 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص228 والعثمانية للجاحظ ص290 ونهج الحق ص222 وغاية المرام ج5 ص114 و 180 وراجع: مجمع الزوائد ج9 ص205 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص409 وكنز العمال ج13 ص684 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص147 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص39 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص592 وج10 ص326 و 331 وج25 ص90 و 377 و 381 و 384 و 385 و 388 و 391 و 395 وج30 ص637 وج32 ص43.
2- مستدرك الحاكم ج2 ص168 وسكت عنه الذهبي في تلخيص المستدرك.
3- مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص122 وبحار الأنوار ج43 ص108 و 140 عن ابن بطة في الإبانة وعن غيره، وكفاية الطالب ص302 و 303 وكشف الغمة ج1 ص368 وشجرة طوبى ج2 ص249 ومجمع النورين للمرندي ص52.
من أبي بكر وعمر عليه، وكان قد خطبها أبو بكر فرده "صلىاللهعليهوآله "، ثم خطبها عمر فرده أيضاً(1) .
____________
1- صحيح ابن حبان (مخطوط في مكتبة: >قبوسراي ) في إستانبول)، وسنن النسائي ج6 ص62 ومستدرك الحاكم ج2 ص167 ولم يتعقبه الذهبي، والسيرة الحلبية ج2 ص206 وتاريخ الخميس ج1 ص361 وكفاية الطالب ص304 وفضائل الخمسة ج2 ص133 والرياض النضرة ج3 ص142 و 145 وعن ابن عساكر ص79 عن أبي الحسن بن شاذان، وعن علي بن سلطان في مرقاته ج5 ص574 في الشرح، وليراجع ص142 ـ 145. وبحار الأنوار ج43 ص107 و 108 عن البلاذري في التاريخ، وابن شاهين في فضائل الأئمة ص125 و 136 و 140 وقال في ص108: >قد اشتهر في الصحاح بالأسانيد عن أمير المؤمنين، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر الأنصاري، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وأم سلمة، بألفاظ مختلفة، ومعاني متفقة: أن أبا بكر، وعمر، خطبا إلى النبي )صلىاللهعليهوآله ( فاطمة مرة بعد أخرى، فردهما (
وكذلك فليراجع: ذخائر العقبى ص27 ـ 30 ودلائل الصدق ج2 ص289 ـ292 وأسد الغابة ج5 ص520 واللآلي المصنوعة ج1 ص365 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص11 ومجمع الزوائد ج9 ص204 عن البزار، والطبراني، ورجاله ثقات وص205 عن الطبراني أيضاً، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص228 وليراجع ص227 وقال: ) وقد روى هذا الخبر جماعة من الصحابة، منهم: أسماء بنت عميس، وأم أيمن، وابن عبـاس، وجابـر بن عبد الله ( والصواعـق المحرقـة = = (ط سنة1375 هـ) ص139 و 140 و 161 عن أحمد، وابن أبي حاتم، وأبي الخير القزويني والحاكمي، وأبي داود السجستاني، وكشف الغمة ج1 ص353 و 364 عن علي وأم سلمة وسلمان، ومناقب الخوارزمي ص247 وجلاء العيون ج1 ص158 عن أمالي الشيخ، وكنز العمال ج15 ص199 و 286 و 288 عن ابن جرير، وأبي نعيم، وقال: إن الدولابي صححه في الذرية الطاهرة.
وقد قيل لعلي ـ وتصرح طائفة من الروايات: بأن أبا بكر وعمر، بعد أن ردهما النبي "صلىاللهعليهوآله " قصدا علياً "عليهالسلام " إلى محل عمله، فقالا له(1) ـ : لم لا تخطب فاطمة؟!
فخطبها "عليهالسلام " إلى النبي "صلىاللهعليهوآله "؛ فزوجه إياها.
وصرح "صلىاللهعليهوآله " غير مرة: بأنه إنما زوجه إياها بأمر من السماء، كما صرحت به المصادر الكثيرة التي ذكرناها وغيرها.
وجاء: أن سعد بن معاذ، أو أم أيمن، أو جماعة من الأنصار، قد طلبوا منه "عليهالسلام " أيضاً أن يخطب فاطمة(2) .
____________
1- راجع المصادر المتقدمة؛ فإن كثيراً منها قد صرح بذلك.
2- راجع المصادر المتقدمة؛ فإن كثيراً منها قد صرح بذلك.
ولا مانع من أن يكون جميع المذكورين قد طلبوا منه ذلك، لما يرون من مكانته وقرباه من النبي "صلىاللهعليهوآله "، بالإضافة إلى أهليته وفضله في نفسه.
وقد عاتب أبو بكر وعمر النبي "صلىاللهعليهوآله " على منعهم، وتزويج علي "عليهالسلام "، فقال "صلىاللهعليهوآله ": والله، ما أنا منعتكم وزوجته، بل الله منعكم وزوَّجه(1) ..
وورد عنه "صلىاللهعليهوآله " أنه قال: "لو لم يُخْلَقُ علي ما كان لفاطمة كفؤ"(2) .
____________
1- عيون أخبار الرضا ج2 ص203 وبحار الأنوار ج43 ص92 عنه، والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص126 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص141 واللمعة البيضاء ص246.
2- الكافي للكليني ج1 ص461 ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ج3 ص393 وعيون أخبار الرضا ج2 ص203 و (ط أخرى) ج1 ص225 والخصال ص414 وبشارة المصطفى ص328 وفي (ط أخرى) ص267 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص100 وفي (ط أخرى) ص188 عن صاحب كتاب الفردوس، وعن المناقب، ومصباح الأنوار، ومجمع النورين للمرندي ص27 و 43 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص96 وبيت الأحزان ص24 وتفسير القمي ج2 ص338 وحياة الإمام الحسن للقرشي ج1 ص15 وص321 عن تلخيص الشافي ج2 ص277 والمحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص240 والخصائص الفاطمية للكجوري ج1 ص119 والأنوار القدسية للشيخ محمد حسين الأصفهاني ص36 عن المحجة البيضاء ج4 ص200 وشرح أصول الكافي للمازندراني ج7 ص222 ووسائل الشيعة للحر العاملي (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص74 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص49 ودلائـل الإمـامـة للطبري ص80 وعلل الشـرائـع ج2 ص178 = = وأمالي الصدوق ص474، ونوادر المعجزات ج6 ص84 وتفضيل أمير المؤمنين "عليهالسلام " للشيخ المفيد ص32 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص290 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص66 والفصول المهمة للحر العاملي ج1 ص408 وج3 ص411 وبحار الأنوار ج8 ص6 وج43 ص10 و 92 ـ 93 و 97 و 107 و 141 و 145 وروضة الواعظين ص148 وكنوز الحقائق للمناوي (مطبوع مع الجامع الصغير) ج2 ص75 (وط بولاق مصر ص133)وإعلام الورى ج1 ص290 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج1 ص547 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص83 وأمالي الطوسي ج1 ص42 ونور البراهين للجزائري ج1 ص315 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص126و 288 والإمام علي "عليهالسلام " للهمداني ص126 و 334 ومستدرك الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص241 والحدائق الناضرة ج23 ص108 وتهذيب الأحكام ج7 ص470 ح90 وص475 ح116 وينابيع المودة ج2 ص67 و 80 و 244 و 286 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج7 ص1 ـ 2 وج17 ص35 ج19 ص117 عن عدد من المصادر التالية: مودة القربى للهمداني (ط لاهور) ص18 و 57 وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص139 ومقتل الحسين للخوارزمي (ط الغري) ص95 و (ط أخرى) ج1 ص66 والفردوس ج3 ص373 و 513 و418 والسيدة الزهراء "عليهاالسلام " للحاج حسين الشاكري ص23 والمناقب المرتضوية لمحمد صالح الترمذي. لكن أكثر مصادر أهل السنة قد اقتصرت على عبارة لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ.. ولم تذكر كلمة، آدم فمن دونه.
وفي كيفية زفافهما "صلوات الله وسلامه عليهما" في اليوم الأول، أو في السادس من شهر ذي الحجة تفصيلات تُظهِر ما لهما "عليهماالسلام " من الفضل والمزية(1) .
وكذلك هي تعبر عن البساطة التي تميز بها زفاف بنت أعظم إنسان على وجه الأرض، وهي في ذاتها أعظم إنسانة على وجه الأرض بعد أبيها وبعلها، على رجل هو أعظم وأفضل الناس بعد النبي "صلىاللهعليهوآله "، حتى لقد جاء: أن فراشهما كان إهاب كبش، ينامان عليه ليلاً، ويعلف عليه الناضح نهاراً(2) .
____________
1- حياة الإمام الحسن )عليهالسلام ( للقرشي ج1 ص15. واللمعة البيضاء ص237 والمناقب للخوارزمي ص351.
2- راجع: ذخائر العقبى ص35 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص22 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص378 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص366 وبحار الأنوار ج40 ص323 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص378 وكنز العمال ج13 ص682 والكامـل في التاريخ ج3 ص399 وإمتاع الأسماع ج5 ص352 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص312 و 315 وج10 ص380 و 400 وج17 ص576 وج25 ص274 وج32 ص229 و 271 و 276 و 277 و 287 وج33 ص244.
أو ننام على ناحيته، وتعجن فاطمة على ناحيته(1) .
وبعد ما تقدم نقول:
إن هناك العديد من الإشارات اللمحات في النصوص المتقدمة، نذكر منها ما يلي:
الزواج المبكر:
إن زواج السيدة الزهراء بأمير المؤمنين "عليهماالسلام " وهي في سن العاشرة أو أزيد من ذلك بقليل يعتبر تجسيداً عملياً للنظرة الإسلامية الواقعية لموضوع الزواج، الذي ورد الحث عليه في كلمات المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم..
فإذا رأى الناس أن المرأة المعصومة، وسيدة نساء العالمين قد أقدمت على الزواج المبكر، فإن كل التحفظات تتلاشى، ويرى الناس هذا الأمر
____________
1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص376 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص637 = = والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص378 وإمتاع الأسماع ج5 ص352 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص41 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص312 وج17 ص576 وج25 ص274 وج32 ص277.
طبيعياً، وتزول الإحراجات، وتسقط الإعتراضات.
1 ـ وقد ورد في الحث على الزواج المبكر ما روي عن أبي عبد الله "عليهالسلام "، أنه قال: من سعادة المرء أن لا تطمث (تحيض) ابنته في بيته(1) .
وعنه "صلىاللهعليهوآله "، عن جبرئيل، عن الله تعالى: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمره فلم يجتن أفسدته الشمس، ونثرته الرياح. وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء، فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر(2) .
____________
1- الكافي ج5 ص336 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص302 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج3 ص472 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص61 و 64 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص39 و 41 وجامع أحاديث الشيعة ج20= = ص24 والحدائق الناضرة ج23 ص154 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص219 وبحار الأنوار ج101 ص92 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص433 وفقه القرآن للراوندي ج2 ص145.
2- الكافي ج5 ص337 وتهذيب الأحكام للشيخ ج7 ص397 وعلل الشرايع ص578 وعيون أخبار الرضا ج1 ص289 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص260 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص61 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص39 وروضة الواعظين ص374 والجواهر السنية للحر العاملي ص127 و 144 والفصول المهمة للحر العاملي ج2 ص324 وبحار الأنوار ج16 ص223 وج22 ص437 وج100 ص371 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص23 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج2 ص265.
ولا يقصد بهذا الكلام سيدة نساء العالمين، ومن يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، وقد طهرها الله تطهيراً، بنص كتابه الكريم.
وأما حث الرجال على الزواج المبكر، فحدث عنه ولا حرج(1) .
فوارق شاسعة في السن:
ونلاحظ من جهة أخرى: الفوارق الكبيرة في السن بين فاطمة "عليهاالسلام "، وبين الذين تجرؤا على خطبها، فإنها تصل إلى عشرات السنين ـ ثلاثين وأربعين سنة ـ وهي لم تزل في مقتبل العمر، في التاسعة أو نحوها من عمرها!!
فهل السبب في هذا التهافت على خطبة سيدة النساء من قبل أبي بكر، وعمر، وابن عوف وغيرهم من أشراف قريش ـ هو اقتناعهم بمزاياها، ورغبتهم في تلك المزايا، أم أنهم يريدون أن تكون لهم صلة برسول الله "صلىاللهعليهوآله " تمكنهم من الحصول على مآرب دنيوية، تتصل بالنفوذ والإستطالة على الآخرين، والوصول إلى مواقع ربما لم تؤهلهم لها مزاياهم الشخصية، ولا مسيرتهم الجهادية ؟! لا سيما وهم يرون انطلاقة هذا الدين الجديد، واتساع دائرته، وصيرورته خارج دائرة النفوذ القريشي، والسيطرة المكية..
____________
1- راجع: وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 و (ط دار الإسلامية) ج14 في الأبواب المختلفة.
أم أنهم يرغبون بنيل شرف القرب من رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، والحصول على البركة منه، والتقرب إلى الله بالتماس رضا رسوله، ومحبته!
قد يرى البعض في الوقائع التي حدثت بعد وفاة رسول الله "صلىاللهعليهوآله " والمصائب التي صبت على رأس بضعة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وسيدة نساء العالمين بالذات ما يبرر القول بأن هؤلاء الخاطبين كانوا لا يريدون بخطبتهم نيل البركات، ولا الفوز بأسمى الخصال والميزات، ولا التقرب إلى الله والتماس رضا رسوله، بل كان همهم الوصول إلى أهداف وغايات كبيرة وخطيرة عبرت عنها ممارساتهم الكثيرة في حياة الرسول وبعده.. وقد بلغت ذروتها باتهامهم النبي "صلىاللهعليهوآله " في مرض موته بأنه يهجر، ثم بالهجوم على بيت الزهراء وضربها، وإسقاط جنينها، ثم في اغتصاب إرثها، ونحلتها وسوى ذلك من احداث..
تحريض علي (عليهالسلام ) على خطبة فاطمة (عليهاالسلام ):
ولا بد أن نتساءل عن سبب طلب أبي بكر وعمر من علي "عليهالسلام " أن يخطب فاطمة، وذلك بعد أن ردهم رسول الله "صلىاللهعليهوآله "!!! وأي شأن لهما في تزويج فاطمة من هذا أو ذاك، أو عدم تزويجها؟! أم أنهما أرادا بذلك أن يرده رسول الله "صلىاللهعليهوآله " كما ردّهما؟! وبذلك تتساوى الأقدام، ويرد النقص الجميع؟!
أم أن الهدف هو تسجيل الإعتراض على رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، لأنه منعهم وزوّج علياً "عليهالسلام "؟!
حتى جاءهم الجواب: "ما أنا منعتكم وزوجته، بل الله منعكم وزوجه".
وقد تضمنت هذه الإجابة:
أولاً: إن هذا التصرف النبوي لم يكن نابعاً من شخص النبي "صلىاللهعليهوآله "، بحيث يجعله رأياً شخصياً له، لا ارتباط له بالوحي، ليمكن أن يتوهم أحد أن هذا الرأي قد لا يكون مستجمعاً لسائر الشرائط التي تجعله يعبر عن أمور واقعية، لها مساس بأهلية ومزايا الخاطبين.
ثانياً: هل يدل التدخل الإلهي في هذا الأمر، لمنع هذا أو ذاك، ورفض الطلب المطروح من قبلهم على وجود ما يقتضي هذا المنع في واقع أولئك الخاطبين، بسبب منافرته لواقع وحقيقة العصمة القائمة في تلك الذات الطاهرة.
أو يدل على أنه لا يصح الجمع بين هذا القاصر الناقص مع تلك الذات المعصومة التي بلغت الغاية في الكمال لأنه يوجب إخلالاً بل إعاقة لمسيرة الكمال الإنساني نحو الله، وإرهاقها بما يدخل هذا التصرف في دائرة الظلم غير المستساغ، أو التصرف غير المقبول من المدبر الحكيم والعليم..
أو لا هذا ولا ذاك! إن كان ثمة من يجرؤ على التسويق لهذا الاحتمال الأخير.
ثالثاً: هل لنا أن نقول: إن التزويج الإلهي لعلي بفاطمة
"عليهماالسلام " يمثل شهادة له بأن لديه من المزايا ما يجعله في موقع النقيض لأولئك الخاطبين الذين منعهم الله تبارك وتعالى؟!
ولتكن هذه الشهادة الإلهية من أدلة انحصار الأهلية للإمامة والخلافة بعد رسول الله "صلىاللهعليهوآله " به "عليهالسلام "، إذا كان هذا الكمال هو السمة الظاهرة التي تفرض الفطرة والعقل السليم تلمسها، والإطمئنان لتوفرها في الإمام والراعي والخليفة بعد رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
رابعاً: قد عرفنا أن هذا التزويج الإلهي: أنه لم يكن استجابة لداعي النسب، أو التعصب للعشيرة، أو الرحم، أو لأجل الإلفة والمحبة، والإندفاع العاطفي.. وإنما كان سياسة الهية لخصها رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بقوله: "إنما أنا بشر مثلكم، أتزوج فيكم، وأزوجكم، إلا فاطمة فإن تزويجها نزل من السماء"(1) .
علي (عليهالسلام ) كفؤ فاطمة (عليهاالسلام ):
ولعلك تقول:
صحيح أن دين الإسلام قد قرر الكفاءة في النكاح، ودلت الروايات على أن المؤمن كفؤ المؤمنة.. وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وأتم به الناقصة، وأكرم به من اللؤم، فلا لؤم على مسلم، إنما اللؤم لؤم الجاهلية..
ولكن روي في مقابل ذلك عن أبي جعفر "عليهالسلام ": لولا أن الله
____________
1- الكـافي ج5 ص568 ومن لا يحضره الفقيـه ج3 ص249 و (ط مركـز النشر = = الإسلامي) ج3 ص393 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص74 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص49 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص204 وبحار الأنوار ج43 ص144 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص82 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص614.
خلق فاطمة لعلي، ما كان لها على وجه الأرض كفؤ، آدم فمن دونه(1) .
فكيف يمكن أن نوفق بين هذا وذاك؟!
فإن كان المعيار هو الإسلام والإيمان.. فكل مسلم كفؤ لفاطمة "عليهاالسلام "؟!
ونجيب:
بأن فاطمة "عليهاالسلام " هي العالمة الزكية، والمحدثة الرضية، وهي حوراء انسية، يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي الطاهرة المعصومة بنص القرآن.
وقد بلغت في كمالاتها وأحوالها، حداً لا يصح تزويجها إلا من معصوم، يكون كفؤاً لها بخصوصياتها هذه، وليس هو غير علي "عليهالسلام "، الذي ليس له بعد رسول الله نظير، آدم فمن دونه.
لست بدجال:
روى غير واحد: أن علياً "عليهالسلام " خطب فاطمة إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فقال "صلىاللهعليهوآله ": هي لك يا علي، لست بدجال.
وفي نص آخر: خطب أبو بكر فاطمة إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
____________
1- تقدمت مصادر الحديث.
فقال النبي "صلىاللهعليهوآله ": "هي لك يا علي لست بدجال"(1) .
وبما أن في هذه الكلمة تعريضاً صريحاً بمن خطبها قبل أمير المؤمنين، فقد حاول ابن سعد، والبزار جعل التاء في كلمة: "لست" للمتكلم، فقال: "وذلك أنه كان قد وعد علياً بها قبل أن يخطب إليه أبو بكر وعمر"(2) .
وقال البزار: "معنى قوله: لست بدجال يدل على أنه كان وعده، فقال: إني لا أخلف الوعد"(3) .
وقال الهيثمي: "رجاله ثقات، إلا أن حجراً (ابن عنبس) لم يسمع من النبي "صلىاللهعليهوآله ".."(4) .
ونقول:
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص19 ومجمع الزوائد ج9 ص204 عن البزار، واللآلي المصنوعة ج1 ص365 عن العقيلي، والطبراني. وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص399 وج33 ص325 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص382 وضعفاء العقيلي ج4 ص165 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص38 والإصابة ج1 ص374 و (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص134 والمعجم الكبير للطبراني ج4 ص34.
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص12.
3- مجمع الزوائد ج9 ص204 وراجع: وسبل الهدى والرشاد ج11 ص38.
4- مجمع الزوائد ج9 ص204 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص38.
إن كلام هؤلاء لا يصح:
أولاً: لأن العقيلي روى هذا الحديث بنص آخر قد يرى البعض أن التاء فيه للمخاطب لا للمتكلم، فقال: عن حجر بن عنبس قال: لما زوج النبي "صلىاللهعليهوآله " فاطمة من علي قال: لقد زوجتك غير دجال(1) .
والظاهر: أن الرواية خطاب من النبي "صلىاللهعليهوآله " لفاطمة "عليهاالسلام "، وأن كلمة (غير) في موقع المفعول لكلمة زوجتك، أي أنه "صلىاللهعليهوآله " يريد أن ينفي أن يكون قد زوج فاطمة رجلاً دجالاً، ولكي يطمئنها إلى أنها محفوظة المقام والحقوق عند هذا الزوج..
ولكننا نقول:
لو كانت كلمة غير دجال منصوبة على الحالية من التاء في زوجتك، وكان المقصود هو أن ينفي عن نفسه كونه دجالاً.. لكان ينبغي أن يكون قد سبق منه "صلىاللهعليهوآله " وعدلها بتزويجها من علي، أو وعد لعلي "عليهالسلام " بتزويجه إياها..
وهذا لا شاهد له، بل الشواهد على خلافه، فقد صرح "صلىاللهعليهوآله ": بأنه كان ينتظر بها القضاء كما سنرى..
كما أنه لو كان يريد أن ينفي عن نفسه الخلف بالوعد، لكان الأنسب أن يقول:
لست بمخلف وعدي أو نحو ذلك لأن كلمة دجال، التي تعني الكذب والاختلاق، لا تناسب خلف الوعد.
وكون الكلام خطاباً لأمير المؤمنين "عليهالسلام "، هو الأوفق والأنسب. ولا يخلو هذا من تعريض بغيره كما لا يخفى.
وحُكْمُ السيوطي على هذا الحديث بالوضع؛ لمكان موسى بن قيس، لا اعتبار به؛ لأنه استند في ذلك إلى كلام العقيلي فيه، واتهامه له بالرفض ـ والعقيلي لا عبرة بكلامه، فإنه هو الذي يوثق عمر بن سعد قاتل الإمام الحسين "عليهالسلام "!!.
وموسى بن قيس قد وثقه كل من تعرض له سوى العقيلي، فليراجع كلام ابن معين، وأبي حاتم، وأبي نعيم، وأحمد، وابن شاهين، وابن نمير(2) .
وأما الطعن عليه في مذهبه فليس له قيمة مادام أن المعيار هو الوثاقة في النقل كما هو معلوم.
وأما حجر بن العنبس، فقولهم: لم يسمع من النبي "صلىاللهعليهوآله "، لا ندري مستنده، ونحن نرى: أنه يروي عن النبي "صلىاللهعليهوآله "،
____________
1- اللآلي المصنوعة ج1 ص365 والضعفاء الكبير ج4 ص165.
2- تهـذيـب التهـذيـب ج10 ص366 و 367 و (ط دار الفكر) ج10 ص327 = = والجرح والتعديل للرازي ج8 ص158 وتاريخ أسماء الثقات لابن شاهين ص221 وميزان الإعتدال ج4 ص217 والكشف الحثيث ص264 وتقريب التهذيب ج2 ص227.
وقد عاصره، بل لقد أدرك الجاهلية، وذكره الطبراني في الصحابة(1) ، بل لماذا لا تكون نفس روايته هذه دليلاً على سماعه منه "صلىاللهعليهوآله "، كما يجعل نظائر المقام دليلاً على ذلك؟!
ولكن الحقيقة هي: أن ذنب حجر الوحيد هو: أنه حضر مع علي "عليهالسلام " حربي الجمل وصفين، ولهؤلاء اهتمام خاص في تقليل عدد الصحابة الذين كانوا معه "عليهالسلام "، وتكثيرهم مع غيره، ولربما نشير إلى هذا الأمر بنوع من التفصيل في موقع آخر إن شاء الله تعالى.
ثانياً: ان العديد من المصادر المتقدمة تنص: على أنه لم يكن يخطر في بال أمير المؤمنين "عليهالسلام " خطبة فاطمة "عليهاالسلام "، وأنه لما عرض عليه أبو بكر وعمر ذلك قال: لقد نبهتماني لأمر كنت عنه غافلاً، ثم ذهب إلى النبي "صلىاللهعليهوآله "، فخطبها، فأجابه. وهذا يدل على أن النبي "صلىاللهعليهوآله " لم يكن قد وعده بها.
____________
1- الإصابة ج1 ص374 و (ط دار الكتب العلمية ـ بيروت) ج2 ص143 وأعيان الشيعة ج4 ص587 وراجع: تقريب التهذيب ج1 ص191 وأسد الغابة ج1 ص386 وتاريخ بغداد ج8 ص268 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج1 ص332 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص73 ومجمع الزوائد ج9 ص204 والمعجم الكبير للطبراني ج4 ص34 والتاريخ الكبير للبخاري ج3 ص73 والجرح والتعديل للرازي ج3 ص266 وتهذيب الكمال ج5 ص473 وتهذيب التهذيب ج2 ص188.
ثالثاً: تنص الروايات أيضا على أنه "صلىاللهعليهوآله " قد أجاب أبا بكر وعمر، بأنه ينتظر بها القضاء. فلو كان قد سبق منه وعد لعلي "عليهالسلام "، لكان الأنسب أن يقول لهما: إنها مخطوبة، أو إنني وعدت بها فلاناً.
وهذا يرجح أن يكون النبي "صلىاللهعليهوآله " يريد التعريض بغير علي "عليهالسلام "، ممن له علاقة قريبة بهذا الأمر.
والغريب في الأمر: أننا نجد علياً "عليهالسلام " نفسه يصرح بما يدل على مراد رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في كلمته تلك ؛ فـ "عن أسماء بنت عميس: أنها قالت: قيل لعلي: ألا تتزوج بنت رسول الله "صلىاللهعليهوآله "؟!
فقال: ما لي صفراء ولا بيضاء، ولست بمأبور ـ بالباء الموحدة، يعني غير الصحيح في الدين ـ ولا المتهم في الإسلام"(1) .
وهذا يدل على أن تزويج النبي "صلىاللهعليهوآله " لمن تجعل إليه أمر نفسها كان لمصلحة الدين والدعوة بالدرجة الأولى، كتزوجه "صلىاللهعليهوآله " لنسائه.
وحينما طلب سعد بن معاذ من علي "عليهالسلام ": أن يخطب فاطمة، قال له:
"ما أنا بأحد الرجلين: ما أنا بصاحب دنياً يلتمس ما عندي، وقد علم
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص207 و (ط دار المعرفة) ج2 ص472 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص43 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص340 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص14 ولسان العرب ج4 ص5 وتاج العروس ج6 ص5.
ما لي صفراء ولا بيضاء، وما أنا بالكافر الذي يترفق بها عن دينه ـ يعني يتألفه ـ إني لأول من أسلم"(1) .
وإذا كنا نعلم: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " لا يلتمس الدنيا، وفرضنا أن هذه الرواية صحيحة، فإن الأمر ينحصر بعثمان، حيث يقال: إنه كان قد عاهد أبا بكر على أن يسلم إذا زوجه النبي "صلىاللهعليهوآله " رقية، التي كانت ذات جمال رائع(2) .
ثم هو تعريض بأولئك الذين كانوا يملكون أموالاً، وكانوا يظنون أن النبي "صلىاللهعليهوآله " سيزوجهم من أجلها، فكان نصيبهم الرد والخيبة.
ثم أشار "عليهالسلام " إلى ملاك الشرف والتفضيل بقوله: إني لأول من أسلم. ولأجل ذلك زوجه الله ورسوله "صلىاللهعليهوآله ".
____________
1- المصنف للصنعاني ج5 ص486 ومجمع الزوائد ج9 ص207 والأحاديث الطوال ص139 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص410 وج24 ص133 والمناقب للخوارزمي ص243 و (ط مركز النشر الإسلامي) 338 وكشف الغمة ج1 ص359 وشرح الأخبار ج2 ص355 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص452 وج15 ص651 وج25 ص392 وكثير من المصادر المتقدمة، حين ذكر خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة صلوات الله وسلامه عليها.
2- مناقب آل أبي طالب ج 1 ص22.
وقد قدمنا: أن رد النبي "صلىاللهعليهوآله " لأولئك المعروفين عن فاطمة، كان له أثر كبير في نفوسهم، حتى لقد قال أحد الأشراف العلويين الحسنيين في قصيدته المشهورة:
تلك كانت حــزازة ليـس تبـرا |
حين رُدا عنها وقــد خطـبـاهـا |
ترهات أبي حيان:
ومن الأمور الطريفة هنا: أن أبا حيان التوحيدي ـ الناصبي المعروف ـ يروي عن أبي حامد المرو الروذي رسالة شفهية مصنوعة ومختلقة على لسان أبي بكر لأمير المؤمنين "عليهالسلام "، وفيها:
"ولقد شاورني رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في الصهر؛ فذكر فتياناً من قريش، فقلت له: أين أنت من علي؟!
فقال: إني لأكره ميعة شبابه، وحدة سنه.
فقلت: متى كنفته يدك، ورعته عينك حفت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء، ولكني قلت ما قلت، وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيراً منك الآن لي"(1) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص276. وصبح الأعشى ج1 ص287 ونهاية الأرب ج7 ص220 وعن محاضرة الأبرار ج2 ص102 ـ 115 ونشرها إبراهيم الكيلاني مع رسالتين لأبي حيان في دمشق سنة1951.
عجيب!! وأين كانت هذه الرواية عن أنظار المؤرخين، وكيف أجمعت كلمتهم، وتضافرت وتواترت رواياتهم على مخالفتها وتكذيبها. وقد تقدمت كلماتهم ورواياتهم في ذلك.
وقد كفانا ابن أبي الحديد المعتزلي مؤونة البحث في هذه الرواية، وبين الكثير من إمارات الوضع والإختلاق فيها، فمن أراد فليراجعه(1) .
ما يقال عن موقف فاطمة (عليهاالسلام ) من الزواج:
وذكر الحلبي: أنه لما استشار الرسول "صلىاللهعليهوآله " فاطمة "بكت، ثم قالت: كأنك يا أبت إنما ادخرتني لفقير قريش؟!
فقال "صلىاللهعليهوآله ": والذي بعثني بالحق، ما تكلمت في هذا حتى أذن لي الله فيه من السماء.
فقالت فاطمة "عليهاالسلام ": لقد رضيت ما رضي الله ورسوله"(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص285 ـ 287.
2- السيرة الحلبية ج2 ص206 و (ط دار المعرفة) ج2 ص471 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص91 وج23 ص477 و 484 وج30 ص551 وج33 = = ص333 وليراجع: بحار الأنوار ج43 ص139 وكشف الغمة ج1 ص267 و (ط دار الأضواء) ج1 ص377 عن مناقب الكنجي، وكنز العمال ج15 ص95 والمستدرك للحاكم ج3 ص129 ومجمع الزوائد ج9 ص112 ونزهة المجالس ج2 ص226 وتاريخ بغداد ج4 ص195 و (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص418 والمراجعات ص304 والغدير ج2 ص318 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص77 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص135 وميزان الإعتدال ج1 ص26 والكشف الحثيث ص216 ولسان الميزان ج1 ص45 وأعيان الشيعة ج1 ص357
وزعمت روايات أخرى: أنه "صلىاللهعليهوآله " لما رأى تغيرها خشي أن يكون ذلك من أجل أن علياً "عليهالسلام " لا مال له، فراجع المصادر الكثيرة المتقدمة في أول الحديث عن هذا الزواج.
وعن ابن إسحاق: أن علياً لما تزوج فاطمة "عليهماالسلام "، قالت للنبي "صلىاللهعليهوآله ": زوجتنيه أعيمش، عظيم البطن؟!
فقال النبي "صلىاللهعليهوآله ": لقد زوجتكه، وإنه لأول أصحابي سلماً الخ..(1) .
____________
1- مجمع الزوائد ج9 ص102 والمعجم الكبير ج1 ص94 والمصنف للصنعاني ج5 ص490 وكنز العمال ج11 ص605 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص154 و 155 وج15 ص330 وج20 ص287 و 517 وج23 ص537 و 548 وج31 ص268 و 270 وتهذيب الكمال ج20 ص484 ومناقب أهل = = البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص44 و 144 والغدير ج3 ص95 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص104 وراجع ما ذكره المحمودي في هامشه.
ونحن لا نصدق كل ذلك. أما:
أولاً: فلأن رواية الحلبي تدل على سوء ظن فاطمة "صلوات الله وسلامه عليها" بأبيها الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله "، وهي أبر وأتقى، وأجل من أن يحتمل في حقها ذلك. وهي التي لو لم يخلق علي "عليهالسلام " لم يكن لها كفؤ على وجه الأرض، وقد أذهب الله عنها الرجس، وطهرها تطهيراً، إلى غير ذلك مما يدل على مقامها السامي، الذي نالته بفضل عمق إدراكها، وحسن معرفتها، وعظيم تقواها.
ثانياً: إن الذي يطالع سيرة فاطمة "عليهاالسلام " وحياتها، يخرج بحقيقة لا تقبل الشك، وهي: أنها لم تكن تقيم لحطام الدنيا وزنا أبداً، أليست هي التي طحنت حتى مجلت يدها؟! ثم قبلت بالتسبيح عوضاً عن الخادم الذي كانت بأمس الحاجة إليه؛ ليرفع عنها بعض ما تعانيه؟!.
أليست هي التي بقيت ثلاثة أيام طاوية هي وزوجها، وولداها، وفضة، وآثرت اليتيم، والمسكين، والأسير بالطعام؟!
أليست هي التي رضيت بإهاب كبش تنام عليه هي وزوجها ليلاً، ويعلفان عليه ناضحهما نهاراً؟!.
إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه.
ثالثاً: بالنسبة لكونه أعيمش عظيم البطن نقول:
قد تقدم في فصل شمائل علي "عليهالسلام ": أن ذلك غير صحيح.. فإن كانت "عليهاالسلام " قد قالت ذلك، فإنما قالته لتخبر أباها "صلىاللهعليهوآله "
بما تقوله نساء قريش لتسمع الناس الجواب النبوي القاطع في ذلك. فلاحظ ما يلي.
الرواية الصحيحة:
والرواية الصحيحة التي تنسجم مع سيرة وروح ونفسية الزهراء "صلوات الله وسلامه عليها"، وتنسجم مع نفسيات وخطط القرشيين، هي: أنه "صلىاللهعليهوآله " قال لابنته في رابع يوم زفافها: "كيف أنت يا بنية، وكيف رأيت زوجك؟!
قالت له: يا أبت خير زوج، إلا أنه دخل علي نساء من قريش، وقلن لي: زوجك رسول الله من فقير لا مال له.
فقال لها: يا بنية، ما أبوك بفقير، ولا بعلك بفقير".
ثم ذكر "صلىاللهعليهوآله " لها فضائل علي "عليهالسلام " ومناقبه(1) .
____________
1- المناقب للخوارزمي ص256 و 205 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص290 و 353 وكشف الغمة ج1 ص362 و (ط دار الأضواء) ج1 ص372 والأمالي للصدوق ص524 وروضة الواعظين ص122 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص595 والإرشاد للمفيد ج1 ص36 وشرح إحقاق الحق = = (الملحقات) ج5 ص20 وبحـار الأنوار ج37 ص91 وج38 ص188 وج43 ص133 وراجع ص99 وبشارة المصطفى ص269 وكشف اليقين ص316 وينابيع المودة ج3 ص39 واللمعة البيضاء ص275 وراجع: تفسير القمي ج2 ص336 والدر النظيم ص767 وجلاء العيون ج1 ص170 و 171.
وروى ابن أبي الحديد المعتزلي: أن الرسول "صلىاللهعليهوآله " سأل فاطمة عن حالها، فقالت: لقد طال أسفي، واشتد حزني، وقال لي النساء: زوجك أبوك فقيراً لا مال له(1) .
فقال لها: أما ترضين أني قد زوجتك أقدم أمتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً؟!
قالت: بلى، رضيت يا رسول الله.
وفي رواية أخرى ذكرها المعتزلي، زاد فيها: وما زوجتك إلا بأمر من السماء، أما علمت: أنه أخي في الدنيا والآخرة؟!(2) .
وقد ذكر ذلك العبدي الكوفي في شعره فقال:
إذ أتـتـه الـبـتـول فاطـم تبـكـي |
وتـوالـي شهيقها والــزفيــرا |
|
اجتمـعـن الـنساء عندي وأقبلن |
يـطـلـن الـتـقـريـع والـتـعـييرا |
|
قلـن إن النبي زوجـك الـيوم |
عـلـيـاً بـعـلاً مـعـيـلاً فـقـيرا |
____________
1- نعم.. إنها تتألم وتحزن لهذا الإسفاف في التفكير، ولهذه النفوس المريضة، ولهذه الروح الشريرة التآمرية.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص226 و 227 والعثمانية للجاحظ ص289 و 290 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص151. وراجع مناقب آل أبي طالب ج3 ص122 وبحار الأنوار ج43 ص149 وغاية المرام ج5 ص114.
إلى آخر الأبيات(1) .
بل إن ثمة ما يدل على أن تعييرهن إياها قد كان بعد سنوات من زواجها، وهذا هو الراجح، لأن نساء قريش الحاقدات إنما كثرن بعد بدر، وأحد، والخندق.
ففي رواية الخوارزمي: أنها "عليهاالسلام " أقبلت وقد حملت الحسن والحسين "عليهماالسلام " على كتفيها وهي تبكي بكاء شديداً، قد شهقت في بكائها.
فقال لها النبي "صلىاللهعليهوآله ": ما يبكيك يا فاطمة، لا أبكى الله عينيك؟!
فقالت: يا رسول الله، وما لي لا أبكي ونساء قريش قد عيرنني، فقلن لي: إن أباك زوجك من رجل معدم لا مال له.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": لا تبكي يا فاطمة؛ فوالله، ما زوجتك أنا، بل الله زوجك به الخ..(2) .
نعم، وإذا عرف السبب بطل العجب.
فإن القرشيين بما فيهم نساؤهم، كانوا ـ في الأكثر ـ أعداء لعلي وآل علي
____________
1- راجع: الغدير ج2 ص317 و 318 وأعيان الشيعة ج7 ص271، والعبدي عاش في عهد الإمام الصادق >عليهالسلام <.
2- المناقب للخوارزمي ص205 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص290 و 353 وحلية الأبرار ج2 ص147 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص19.
"عليهم الصلاة والسلام"، منذ فجر الإسلام، وحتى قبل ذلك؛ فإن العداء كان موجوداً بين الهاشميين، الذين كانوا ـ عموماً ـ ملتزمين بالقيم والمثل العليا، ويحترمون أنفسهم، ولهم من الفضائل والمزايا ما يجعل غيرهم، ممن لم يكن لديه روادع دينية أو وجدانية، ينظر إليهم بعين الحنق والشنآن، والإحن والأضغان.
ثم جاء الإسلام، فكان بنو هاشم ـ ولا سيما أبو طالب وولده ـ أتباع هذا الدين وحماته، والمدافعين عنه بكل غال ونفيس، ثم كانت الضربة التي تلقتها قريش في بدر، وكان لعلي "عليهالسلام " الحظ الأوفر فيها، والنصيب الأكبر في إذلال قريش، وتحطيم كبريائها، وكذلك في أحد، والخندق وغيرهما.
فكان من الطبيعي: أن نجد نساء قريش يحاولن إيجاد المتاعب في بيت علي "عليهالسلام "، وإثارة الفتنة بينه وبين زوجته الطاهرة "صلوات الله وسلامه عليها".
وفاطمة هي التي تشكوهن للرسول الأعظم "صلىاللهعليهوآله "، بعد أن أعلنت: بأن زوجها خير زوج، ويكون ذلك سبباً في أن يظهر الرسول الأعظم "صلىاللهعليهوآله " بعض فضائل أمير المؤمنين "عليهالسلام ".
ثم إنه "صلىاللهعليهوآله " يبين لهم: أن المقياس ليس هو المال والحطام، وإنما هو الدين والعلم، والفضائل النفسية والأخلاقية.
أسماء وأم سلمة في زواج فاطمة (عليهاالسلام ):
وقد يقال:
قد ورد ذكر أم سلمة في زواج فاطمة.. مع أن أم سلمة دخلت بيت النبي "صلىاللهعليهوآله " كزوجة له بعد زواج الزهراء "عليهاالسلام "..
وورد أيضاً: ذكر أسماء بنت عميس في هذه المناسبة، مع أنها كانت مع زوجها جعفر في الحبشة.
ونجيب:
ألف: بالنسبة لأسماء نقول:
لعل المقصود بها أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري، لكن اذهان الرواة كانت مأنوسة باسم أسماء بنت عميس فدعاهم ذلك إلى اقحام كلمة بنت عميس من عند أنفسهم، غفلة منهم عن واقع الحال(1) .
ب: يرى الأربلي: أن التي حضرت الزفاف هي سلمى بنت عميس، لا أسماء(2) .
ج: إن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري تكنى بأم سلمة أيضاً.. فلعلهم كانوا يعبرون عنها بأسماء تارة، وبأم سلمة أخرى.. فينحل الإشكال في كلا الموردين بذلك.
____________
1- كفاية الطالب ص307 و 308 وكشف الغمة (الطبعة الأولى) ج1 ص73 و (ط دار الأضواء) ج1 ص383 عنه.
2- كشف الغمة ج1 ص316 و 317 و (ط دار الأضواء) ج1 ص376.
د: إن البعض يقول: إن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " تزوج أم سلمة في السنة الثانية في شوال بعد بدر(1) ، بل قيل: قبل بدر أيضاً(2) .
بل صرحت بعض الروايات: بأن أم سلمة كانت زوجة لرسول الله "صلىاللهعليهوآله " حين زواج فاطمة "عليهاالسلام "(3) .
____________
1- تهذيب الكمال ج35 ص317 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج4 ص421 و 422 وإسعاف المبطأ للسيوطي ص133 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص234 وإمتاع الأسماع ج1 ص192 وج1 ص202 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص145 و 187ومناقب آل أبي طالب (ط المكبة الحيدرية) ج1 ص138 وبحار الأنوار ج22 ص191 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1921 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص208 وتهذيب التهذيب ج12 ص404 والوافي بالوفيات ج27 ص229.
2- المستدرك للحاكم ج4 ص19 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص96 وإمتاع الأسماع ج1 ص202 وتاريخ الخميس ج1 ص466 عن السمط الثمين، وراجع سيرة مغلطاي ص55.
3- المناقب للخوارزمي ص248 و 249 و 253 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص344 وكشف الغمة ج1 ص364 وبحار الأنوار ج43 ص126 عنه، ومجمع النورين ص53 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص476 وج23 ص485.
فيرتفع الاشكال بذلك.
حجاب الزهراء (عليهاالسلام ):
وجاء في حديث زواج الزهراء "عليهاالسلام ": أن أم سلمة أتت بفاطمة "عليهاالسلام " إلى أبيها "صلىاللهعليهوآله "، فلما وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها حتى رآها علي، ثم أخذ يدها، فوضعها في يد علي "عليهالسلام " الخ..(1) .
وقد يعتبر البعض هذا الحديث شاهداً على أن الحجاب بمعنى تغطية الوجه كان موجوداً في أوائل الهجرة أيضاً..
ويمكن المناقشة في هذه الإستفادة بأن هذا الذي جرى إنما كان في مناسبة الزفاف، والنساء يحرصن في هذه المناسبة على تغطية وجوههن حياء، وخفراً. وكان ذلك قد حصل بعد إجراء العقد بين علي والزهراء "عليهالسلام "..
ويجاب:
بأن الرواية لا تخلو من إلماح إلى أن علياً "عليهالسلام " لم يكن يرى فاطمة "عليهالسلام " على هذا النحو إلا بعد أن تم العقد بينهما..
هذا.. وقد ذكرنا نصوصاً كثيرة دالة على تغطية الوجه والحجاب في زمن
____________
1- الأمالي للطوسي ج1 ص41 وبحار الأنوار ج43 ص96 ومسند فاطمة ص200 و205.
رسول الله "صلىاللهعليهوآله " وبعده في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " الجزء الرابع عشر في مناسبة زواج النبي "صلىاللهعليهوآله " بزينب بنت جحش، فصل: الحجاب في حديث الزواج..
فداها أبوها:
ومما يدخل في سياق الحديث عن الحجاب، وفاطمة وعلي "عليهماالسلام " ما روي من أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " قال لفاطمة "عليهاالسلام ": أي شيء خير للمرأة؟
قالت: أن لا يراها رجل.
فضمها إليه، وقال: ذرية بعضها من بعض(1) .
____________
1- هذا الحديث مروي عن النبي "صلىاللهعليهوآله "، وعن الإمام الصادق "عليهالسلام "، وعن علي "عليهالسلام "، فراجع نصوصه هذه في: بحار الأنوار ج43 ص84 و 54 وج100 ص239 وج 101 ص36 ووسائل الشيعة ج20 ص232 و 67 وإحقاق الحق ج9 ص202 و 203 عن البزار وج10 ص224 و 226 عن مصادر كثيرة. وراجع: مجمع الزوائد ج4 ص255 وج9 ص203 وكشف الأستار عن مسند البزار ج3 ص235 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج3 ص153 و 54 عن كنز العمال ج8 ص315. وراجع: الكبائر للذهبي ص176 ودعائم الإسلام ج2 ص124 و 215 و 214 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص171 و 172 و 191 وكشف الغمة ج2 ص92 ومكارم الأخلاق ص233 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص119 وعوالم العلوم ج11 ص197 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص62 وحلية الأولياء = = ج2 ص41 ومناقب الإمام علي "عليهالسلام " لابن المغازلي ص381 ومناقب أمير المؤمنين علي "عليهالسلام " للقاضي محمد بن سليمان الكوفي ج2 ص210 و 211 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 قسم3 ص14 عن المناقب. والدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة ص31. وثمة مصادر كثيرة أخرى ذكر شطراً منها في كتاب عوالم العلوم. وغيره من كتب الحديث والسيرة والتاريخ.
وفي نص آخر: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " سأل أصحابه هذا السؤال، قال علي: فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا..
ثم ذكر: أنه "عليهالسلام " رجع وسأل فاطمة عن ذلك.. فأجابته بما تقدم، فرجع إلى النبي "صلىاللهعليهوآله " فأخبره.
ونقول:
قد يعترض على هذه الرواية بأن علياً باب مدينة علم الرسول، وهو أعلم بطرق السماء منه بطرق الأرض، وما صب الله شيئاً من العلم في صدر رسول الله "صلىاللهعليهوآله " إلا صبه في صدر علي "عليهالسلام "، فكيف يعجز عن الإجابة على هذا السؤال، وتجيب عنه فاطمة "عليهاالسلام "، وهو إمامها، وأعلم منها؟!.
ونجيب:
إن النبي "صلىاللهعليهوآله " وعلياً "عليهالسلام " كانا يريدان إظهار فضل فاطمة صلوات الله وسلامه عليها، وتعريف الناس بعلمها، وبطهر ضميرها، وبطريقة تفكيرها.
ويشير إلى ذلك نفس سؤال النبي "صلىاللهعليهوآله " لهم، إذ لا شك في أنه "صلىاللهعليهوآله " كان عارفاً بجواب السؤال..
وبذلك يظهر: أن علياً "عليهالسلام " لم يكن مكلفاً بالجواب..
أما قوله "عليهالسلام ": "فعيينا بذلك كلنا، حتى تفرقنا"، فالمقصود به: المسؤولون الحقيقيون الحاضرون.. فهو كقوله "عليهالسلام ": كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله "صلىاللهعليهوآله ".. فإنه "عليهالسلام " لم يكن يفر من وجه عدوه.. وإنما أجرى الكلام على هذا النحو لحفظ ماء وجه الناس، إذ لا يليق أن يخصهم بالذكر، لأن ذلك قد يؤذي مشاعر بعضهم، حين يتوهم أنه "عليهالسلام " يريد أن يرميهم بالجبن والخور.
فهو كقول القائل: أهل البلد الفلاني كرماء أو شجعان، فانه لا يعني: أنه لا يوجد في ذلك البلد أي بخيل أو جبان، بل المقصود: أن الأكثرية الساحقة كرماء وشجعان، وتنزيل الفرد النادر منزلة العدم، أي كأنه غير موجود.. شائع في المحاورات.
هذا كله، مع قيام احتمال أن تكون كلمة "كلنا حتى تفرقنا" من زيادات الراوي أضافها لحاجة في نفس يعقوب.
هذا ضرب الرحمان لعثمان:
ويقولون: إن عثمان رأى درع علي "عليهالسلام " تباع في السوق ليلة عرسه؛ فدفع لغلام أربعمائة درهم، وأرسله إليه، وأقسم عليه أن لا يخبره بذلك، ورد الدرع معه.
فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس، في كل كيس أربعمائة درهم، مكتوب على كل درهم: "هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان".
فأخبر النبي "صلىاللهعليهوآله " بذلك، فقال: هنيئاً لك يا عثمان(1) .
ولا شك في أن هذا كذب محض.
فقد ذكر الحلبي عن فتاوى الجلال السيوطي: أنه سئل: "هل لهذه القصة أصل؟!
فأجاب عن ذلك كله: بأنه لم يصح. أي وهي تصدق بأن ذلك لم يرد، فهو من الكذب الموضوع"(2) .
____________
1- الغدير ج9 ص376 والسيرة الحلبية ج2 ص206 و (ط دار المعرفة) ج2 ص471 وللرواية نص آخر يخالفها كثيراً في المناقب للخوارزمي ص252 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص348 و 349 وبحار الأنوار ج43 ص129 و 130 وكشف الغمة ج1 ص368 ومجمع النورين ص57.
2- السيرة الحلبية ج2 ص206 و (ط دار المعرفة) ج2 ص472.
وقال ابن درويش الحوت: كذب شنيع(1) .
والعجيب هنا: أننا لم نجد لتلك المائة وستين ألف درهم أثراً في المتاحف العالمية، ولا تداولها الناس، ولا احتفظوا بها تبركاً وتيمناً بأنها من "ضرب الرحمن لعثمان بن عفان"!!.
مع أنهم قد احتفظوا بشعر نبيهم، وحتى بالخرق التي مست جسده، والمواضع التي صلى فيها؛ فهل كان نبيهم أعز عليهم من ربهم؟! أو حتى من عثمان؟! وهو الذي تؤيده السياسة على مر العصور، في حين أن النبي "صلىاللهعليهوآله " كان يتعرض لمحاولات لطمس اسمه، ومحو آثاره.
وكم كنت أود لو أنني أرى خط الرحمن، كيف هو؟! وأقارن بينه وبين قواعد الخطوط الموجودة على الأرض؛ لكي أرى إن كان يستطيع أن يضارع ما أنتجه الخطاطون البارعون من مخلوقاته؟!!.
ولست أدري أيضاً: أين كان الأمويون عن هذه الفضيلة العظيمة، لشيخهم وخليفتهم؟!. ولم لم يظهروا تلك الدراهم للمباهاة بها؟! أو على الأقل: لم لم يذكروا الناس بدعوات النبي "صلىاللهعليهوآله " له؟! كما ذكرته الرواية الأخرى التي تقول: إن عثمان قد اشترى الدرع من علي، فجاء به علي "عليهالسلام " وبالمال إلى النبي "صلىاللهعليهوآله "، فدعا له
____________
1- الغدير ج5 ص322 وج9 ص376 والوضاعون وأحاديثهم ص400.
بدعوات(1) .
نعم، لِمَ لَمْ يذكِّروا الناس بهذه الدعوات، مع أنهم كانوا بأمس الحاجة إلى ذلك، في صراعهم ضد علي "عليهالسلام "، وضد الصحابة الأخيار، الذين كانوا في المدينة حين قتل عثمان، ولم يحركوا ساكناً، أو أنهم شاركوا في قتله، أو في التأليب عليه.
تزوج ابنتك من أخيك؟!:
وجاء: أنه لما تزوج علي بفاطمة "عليهماالسلام "، أمر "صلىاللهعليهوآله " علياً أن لا يحدث حدثاً حتى يأتيه، ثم جاء "صلىاللهعليهوآله "، فقال: أَثَمَ أخي؟!.
فقالت أم أيمن: يا رسول الله، هذا أخوك وزَوَّجْتَه ابنتك؟!
وكان النبي "صلىاللهعليهوآله " آخى بين أصحابه وآخى بين علي ونفسه.
قال: إن ذلك يكون يا أم أيمن(2) .
____________
1- المناقب للخوارزمي ص252 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص348 و 349 وبحار الأنوار ج43 ص129 و 130 وكشف الغمة ج1 ص368 ومجمع النورين ص57.
2- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص135 والمصنف للصنعاني ج5 ص485 والمعجم الكبير للطبراني ج24 ص137 ومجمع الزوائد ج9 ص209 عن الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص216 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص537 وج30 ص303 و ج18 ص176 و 184 وج25 ص460 و461. وفيه رواية أخرى لكن الجواب ليس موجوداً.
وراجع: حياة الصحابة ج2 ص46 عن الهيثمي، والصواعق المحرقة ص84 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص133 وكشف الغمة ج1 ص382 وحياة الإمام الحسن(عليهالسلام) للقرشي ج1 ص19 .
وهذه الرواية أقرب إلى الاعتبار من تلك الرواية القائلة: إنه لما خطب "صلىاللهعليهوآله " ابنة أبي بكر قال له أبو بكر: هل تصلح له؟! إنما هي بنت أخيه.
فأخبره "صلىاللهعليهوآله ": أنه أخوه في الإسلام، وهو أخوه، وابنته تصلح له، فأنكحه حينئذٍ أبو بكر(1) .
فإن النبي "صلىاللهعليهوآله " لم يؤاخ أبا بكر أصلاً، ولا آخى بين أحد من الناس قبل خطبته عائشة، لأنه إنما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة
____________
1- راجع: مجمع الزوائد ج9 ص225 عن الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث وص226 عن أحمد. وراجع: فتح الباري ج7 ص176 وج9 ص107 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص195 وأسد الغابة ج5 ص502 وإمتاع الأسماع ج11 ص236 والسيرة الحلبية ج2 ص43.
بقليل، وهو إنما خطب عائشة قبل الهجرة بحوالي ثلاث سنوات، كما يزعمون. وان كان لنا كلام في ذلك.
ولو كان أبو بكر يتوهم: أن أخوة الإسلام تمنع من ذلك، فهذا يعنى: أن يكون أبو بكر قد بقي عدة سنوات، بل من أول ظهور الإسلام يعتقد حرمة زواج أي مسلم بمسلمة، وهذا لا يتوهمه إلا أبو بكر، ولا يخطر ولم يخطر على بال أي من السذج والبسطاء، فكيف خطر في بال أبي بكر، الذي يعتقد فيه البعض كل حنكة وروية، وتعقل وعلم ومعرفة؟!
هذا عدا أننا لم نجده يعترض على زواج أي مسلم بمسلمة على الإطلاق.
الفصل السادس :
ترهات.. وأباطيل..
حمزة يشرب الخمر في زفاف فاطمة (عليهاالسلام ) :
ويروون عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي "عليهمالسلام ": أنه بينما كان يستعد لنقل فاطمة "عليهاالسلام " وعنده شارفان من الإبل، كان أخذهما من خمس غنائم بدر، قد أناخهما إلى جانب حجرة لبعض الأنصار، وإذا بحمزة بن عبد المطلب قد خرج عليهما من بيت كان يشرب فيه، وعنده قينة تغنيه:
"ألا يا حمز للشرف النواء".
خرج عليهما وهو سكران؛ فجب أسنمتهما، وبقر خاصرتيهما، وأخرج كبدهما، ومضى لسبيله.
فشكاه علي "عليهالسلام " إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "؛ فجاء معه الرسول، ورأى ما رأى، فنظر إليه حمزة، وصعد النظر إليه، وقال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟!
فتركه "صلىاللهعليهوآله " وانصرف، وذلك قبل تحريم الخمر(1) .
____________
1- صحيح البخاري (ط سنة 1309هـ) ج2 ص120 و (ط دار الفكر) ج3 ص80 وج4 ص41 وج5 ص16 كتاب الخمس حديث1 وكتاب المغـازي باب12 = = وكتاب المساقاة، وصحيح مسلم كتاب الأشربة ج6 ص85 و 86 وسنن أبي داود ج2 ص28 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص341 وعمدة القاري ج12 ص217 وج15 ص17 و 110 والآحاد والمثاني ج1 ص154 ومسند أبي يعلى ج1 ص416 وصحيح ابن حبان ج10 ص398. وكنز العمال ج5 ص502 ومسند أحمد ج1 ص142 والبداية والنهاية ج3 ص245 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص417 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص542 والإصابة ج4 ص378 وذخائر العقبى ص104 والسيرة الحلبية ج2 ص161 والبرهان ج1 ص498 والميزان ج6 ص131 كلاهما عن العياشي.
وراجع: مشكل الآثار ج2 ص287 وبهجة المحافل ج1 ص279 وشرحه للأشخر اليمني، والجامع لأحكام القرآن ج6 ص287 وتفسير الثعلبي ج2 ص142 وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج7 ص29 و 30 و 31 وأسباب النزول ص118 و 119 ومدارك التنزيل للخازن ج1 ص147.
ولكن النص الموجود في المصادر الأخيرة قد ذكر نزول آية سورة المائدة في هذه المناسبة، مع وجود مخالفة ظاهرة للرواية المذكورة في المتن أعلاه. مع أن سورة المائدة نزلت بعد سنوات من استشهاد حمزة في حرب أحد. فقد نزلت في أواخر حياة النبي (صلىاللهعليهوآله ). فراجع: الدر المنثور ج2 ص252 عن مصادر كثيرة.
وفي رواية: أن حمزة قد فعل ذلك في واقعة أحد، وزعمت أن الرسول إنما رضي عنه في وسط المعركة، بعد أن حمل عدة حملات صاعقة على
العدو(1) .
وذلك لا يصح:
أولاً: لأن مختلف الروايات الواردة في زواج أمير المؤمنين "عليهالسلام " تقول: إنه لم يكن يملك إلا درعه الحطمية، التي باعها وأنفق ثمنها على الزفاف، وتضيف بعض الروايات فرسه أيضاً.
ولو كان عنده شارفان من الإبل، لكان الأولى أن يذكرهما للنبي "صلىاللهعليهوآله " حينما سأله عما يملك، مما يريد أن يقدمه مهراً، فلم يذكر له إلا درعه الحطمية؛ فلتراجع الروايات.
ثانياً: إن زفاف فاطمة "عليهاالسلام " كان قبل أحد بعدة أشهر، فكيف تقول الرواية الثانية: إن ذلك قد كان في أحد؟!
ثالثاً: ذكروا: أن حمزة كان يوم أحد وقبله صائماً(2) .
فكيف يكون قد شرب الخمر، وفعل ما فعل في ذلك اليوم، أو في الذي قبله؟!.
____________
1- راجع: الأمالي للطوسي ص657 وبحار الأنوار ج20 ص114 و 115 وج76 ص144 وتفسير العياشي ج1 ص339 و 340 ومستدرك الوسائل ج17 ص49 والميزان ج6 ص131.
2- مغازي الواقدي ج1 ص211 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص223. ومستدرك سفينة البحار ج2 ص420 وبحار الأنوار ج20 ص125 وإمتاع الأسماع ج1 ص134 وج9 ص249 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص185.
رابعاً: إن الخمر لم تكن سمعتها حسنة عند العرب، وكانوا يدركون سوءها، وقد حرمها عدد منهم على نفسه قبل مجيء الإسلام، مثل: أبي طالب(1) وعبد المطلب(2) ، وذكر ذلك عن جعفر بن أبي طالب أيضاً كما رواه في الأمالي.
وذكر ابن الأثير: أن ممن حرمها على نفسه عثمان بن مظعون، وعباس بن مرداس، وعبد المطلب، وجعفر، وقيس بن عاصم، وعفيف بن معد يكرب العبدي، وعامر بن الظرب، وصفوان بن أمية، وأبو بكر، وعمر، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن جدعان(3) .
____________
1- راجع: السيرة الحلبية ج1 ص113 و (ط دار المعرفة) ج1 ص184.
2- راجع: السيرة الحلبية ج1 ص4 و 113 و (ط دار المعرفة) ج1 ص184 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص267 وشرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج1 ص279 وأسنى المطالب ص58.
3- راجع: الملل والنحل للشهرستاني ج2 ص242 وأسد الغابة ج3 ص113 و 386 وج4 ص220 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص819 وج3 ص1054 و 1295 والوافي بالوفيات ج16 ص363 وج19 ص336 وج24 ص214 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص6 و 211 وج2 ص262 وج3 ص86 و 245 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص393 وج7 ص36 وتهذيب الكمال ج14 ص249 وج24 ص63 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص35 وسير أعلام النبلاء ج1 ص155 وتحفة الأحوذي = = ج4 ص54 وكتاب ذم المسكر لابن أبي الدنيا ص38 ومن له رواية في مسند أحمد ص290 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص190 والدر المنثور ج2 ص315 وتعجيل المنفعة ص283 وشرح بهجة المحافل للأشخر اليمني ج1 ص279 والإصابة ج2 ص272 و (ط دار الكتب العلمية) ج3 ص513 وج5 ص367 وتهذيب التهذيب ج5 ص114 وج8 ص357 وخزانة الأدب ج4 ص18 وج5 ص323.
وإن كنا نشك في ذلك بالنسبة إلى بعض من ذكرهم، مثل أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف(1) .
وأما ذكر عمر بن الخطاب مع هؤلاء، فلا شك في أنه من إضافات النساخ، جرياً على العادة في ذكر هذه الأسماء، لأنه كان من أشرب الناس للخمر في الجاهلية، بل لقد استمر على ذلك حتى بعد أن أسلم كما أوضحه العلامة الأميني(2) ..
ومهما يكن من أمر، فقد عد ابن حبيب ممن حرم الخمر على نفسه أيضاً: ورقة بن نوفل، وأبا أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزوميين، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعامر بن حِذْيَم، وعبد الله بن جدعان، ومقيس بن
____________
1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج6.
2- راجع: الغدير ج6 ص95 ـ 103. وراجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج6.
قيس، وعثمان بن عفان، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، وعبد المطلب بن هاشم(1) .
وإنما حرمها هؤلاء على أنفسهم، لأنهم رأوها لا تناسب كرامتهم وسؤددهم، كما يظهر من رواية تنسب إلى أبي بكر(2) .
وعلل العباس بن مرداس رفضه لشربها بقوله: "لا أصبح سيد قومي، وأمسي سفيهها، لا والله، لا يدخل جوفي شيء يحول بيني وبين عقلي أبداً"(3) .
خامساً: إن الخمر لم تزل محرمة في الشرائع السابقة، وقد كان الإعلان بتأكيد تحريمها إما في أول البعثة كما نقول، أو كان بعد زواج علي بالزهراء "عليهماالسلام " كما يقول الآخرون، فراجع ما ذكرناه حول ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله "(4) .
____________
1- المنمق ص531 و 532 وكتاب المحبر لابن حبيب ص237 وراجع: شرح بهجة المحافل ج1 ص279 والإستيعاب ج2 ص819 وتهذيب الكمال ج14 ص249 والوافي بالوفيات ج16 ص363.
2- الصواعق المحرقة ص73 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص333 وكنز العمال ج12 ص487 والصوارم المهرقة ص333.
3- أسد الغابة ج3 ص113 وكتاب ذم المسكر لابن أبي الدنيا ص41 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص427 وكتاب المحبر لابن حبيب ص237.
4- الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج6 ص244 فما بعدها.
لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى:
ويروون ـ عن علي "عليهالسلام " أنه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً؛ وسقانا من الخمر؛ فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة؛ فقدموني، فقرأت:( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) (1) ، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ) (2) .."(3) .
____________
1- سورة الكافرون الآيتان 2 و 3.
2- الآية43 من سورة النساء.
3- الدر المنثور ج2 ص164 و 165 عن عبد بن حميد وأبي داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه، وحاشية رد المحتار ج4 ص202 ونيل الأوطار ج9 ص53 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص56 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص725 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص322 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص958 ولباب النقول ص63 و (ط دار إحياء العلوم) ص68 و (ط دار الكتب العلمية) ص57 وزاد المسير ج2 ص128 والمستدرك للحاكم ج4 ص142 وليس فيه تصريح بأن علياً (عليهالسلام ) قد شربها معهم، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج5 ص200 عن الترمذي وسنن الترمذي ج5 ص238 و (ط دار الفكر) ج4 ص305 وراجع: جامع البيان للطبري ج2 ص312 وج5 ص61 وعـون المعبـود ج10 ص77 وتفسـير الثعالـبي ج2 = = ص241 وفتح القدير ج1 ص472 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص500 و (ط دار المعرفة) ج1 ص512 وتفسير الخازن ج1 ص358 وراجع: بهجة المحافل ج1 ص278 و 79 وليس فيه تصريح بالاسم لكن صرح به الأشخر اليمني في شرحه (بهامشه)، وكنز العمال ج2 ص248 و (ط مؤسسة الرسالة) ج2 ص385 ورمز للعديد من المصادر المتقدمة، وعن سعيد بن منصور.
وعن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع علي لهم طعاماً وشراباً، فأكلوا، وشربوا، ثم صلى علي بهم المغرب؛ فقرأ: قل يا أيها الكافرون، حتى خاتمتها؛ فقال: ليس لي دين، وليس لكم دين، فنزلت:( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) (1) "(2) .
وعن علي، أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف، ورجل آخر، شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن: فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فخلط فيها؛ فنزلت:( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) (3) .
____________
1- الآية43 من سورة النساء.
2- الدر المنثور ج2 ص165 عن ابن المنذر، وفتح القدير ج1 ص472.
3- الدر المنثور ج2 ص165 عن ابن جرير، وابن المنذر، والمستدرك للحاكم ج4 ص142 وجامع البيان للطبري ج5 ص61 و (ط دار الفكر) ج5 ص133 وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص551 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص873 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص500 و (ط دار المعرفة) ج1 ص512 قال: وهكذا رواه أبو داود والنسائي.
وعن الحاكم عن علي "عليهالسلام ": دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدم رجل وقرأ قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه فنزلت(1)
وفي رواية أخرى عن علي "عليهالسلام ": أن رجلاً من الأنصار دعاه، وعبد الرحمن بن عوف، فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون؛ فخلط فيها، فنزلت الخ..(2) .
وفي بعض الروايات: أنه قرأ: "قل يا أيها الكافرون؛ فلم يقمها"(3) .
ورواية أخرى لا تصرح باسم أحد، لكنها تقول: فشربها رجل، فتقدم، فصلى بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، فنزلت الخ..(4) .
____________
1- المستدرك للحاكم ج2 ص307 وج4 ص142 وتلخيص الذهبي (بهامشه)، وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص323 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص252 وراجع: تفسير القرآن العظيم ج1 ص500 عن ابن أبي حاتم.
2- راجع: سنن أبي داود ج3 ص225 و (ط دار الفكر) ج2 ص182 والسنن الكبرى للبيهقي ج1 ص389 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص323 وكنز العمال ج2 ص386 وتفسير الخازن ج1 ص358.
3- أسباب نزول الآيات ص87 و (ط مؤسسة الحلبي ـ القاهرة) ص102 وجامع البيان للطبري ج2 ص212 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص873.
4- راجع: الجامع لأحكام القرآن ج5 ص200 والغدير ج6 ص252 و 253 عنه،= = وجامع البيان ج7 ص22 وتفسير النيسابوري (بهامشه) ج2 ص322 والتفسير الكبير ج6 ص40.
وفي رواية أخرى عن عوف: فشربها رجلان؛ فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاماً؛ لا يدري عوف ما هو(1) .
ونقول:
إن ذكر علي "عليهالسلام " في هذه الروايات لا يصح، ونستند في حكمنا هذا إلى ما يلي:
أولاً: في الروايات المتقدمة العديد من موارد التنافي والتناقض.
1 ـ فهل الذي صنع الطعام هو عبد الرحمن بن عوف؟! أم هو علي "عليهالسلام "؟! أم هو رجل من الأنصار؟!
2 ـ وهل الذي صلى بهم إماماً هو علي "عليهالسلام "؟! أم عبد الرحمن بن عوف؟! أم هو فلان الذي لم يسم؟!
3 ـ وهل قرأ القارئ في الصلاة: قل يا أيها الكافرون إلى آخرها، ثم قال: ليس لي دين، وليس لكم دين؟!
أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون: أعبد ما تعبدون؟!
أم قرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون؟!
____________
1- جامع البيان ج2 ص211 و (ط دار الفكر) ج2 ص492 والغدير ج7 ص96.
أم قرأ: ونحن عابدون ما عبدتم؟!(1) .
أم قرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبدْ ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين، كما جاء في بعض الروايات؟!(2) .
أم أنه جعل يهجر كلاماً في الصلاة، لا يدري عوف ما هو؟!..
4 ـ وهل كان الحاضرون ثلاثة أشخاص فقط: علي، وعبد الرحمن بن عوف، ورجل من الأنصار؟!
أم كانوا خمسة أشخاص: أبو بكر وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد؟!
أم أن الشارب كان رجلاً واحداً، كما هو ظاهر النص الأخير، وهو
____________
1- المستدرك للحاكم ج4 ص142 وتلخيصه للـذهبي (بهامش المستدرك) نفس الجزء والصفحة، وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص324 وتفسير مقاتل بن سليمان ج1 ص230.
2- جامع البيان للطبري ج5 ص61 و (ط دار الفكر) ج5 ص134 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص322 وتفسير السمعاني ج1 ص430 وراجع: تفسير القرآن العظيم ج1 ص500 و (ط دار المعرفة) ج1 ص512 والتفسير الكبير للرازي ج10 ص107 وتفسير الخازن ج1 ص146 وتفسير النسفي ج1 ص223 والمحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص56 والكشاف ج1 ص513 و 260 ومشرق الشمسين للبهائي العاملي ص309 وتفسير العز بن عبد السلام ج1 ص324 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص874.
ظاهر رواية الحاكم؟!
5 ـ وهل كان الذي شربها رجل واحد، ودخل في الصلاة، أم شربها رجلان، ودخلا في الصلاة؟!..
وكما يقولون: لا حافظة لكذوب..
ثانياً: إن الخمر لم تزل محرمة في شرائع الأنبياء، وقد أكد الإسلام تحريمها في أول البعثة، في مكة قبل الهجرة، وذكرنا ذلـك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وقلنـا: إن لذلـك العديـد من الـدلائـل والشواهد، مثل روايـة معاذ بن جبل(1) ،
____________
1- المعجم الكبير للطبراني ج20 ص83 ومسند الشاميين ج3 ص256 وكنز العمال ج5 ص346 وج3 ص645 وراجع ج3 ص645 و 647 و 882 ومجمع الزوائد ج5 ص53 والكامل لابن عدي ج5 ص118 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص246 وراجع ج10 ص420 وميزان الإعتدال ج3 ص291 وراجع: بحار الأنوار ج2 ص127 ح4 وج76 ص126 وقصار الجمل ج1 ص183 وج2 ص23 و 12 وراجع ص22 عن الوسائل العشرة باب 136 ح8 والأمالي للصدوق ص502 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج25 ص304 و (ط دار الإسلامية) ج17 ص243 وروضة الواعظين ص464 والمصنف لابن أبي شيبة ج5 ص509 وج8 ص342 وكشف الخفاء للعجلوني ج1 ص416 وإمتاع الأسماع ج2 ص357 وتاريخ مدينة دمشق ج33 ص368 و 370.
وأم سلمة(1) ، وأبي الدرداء.. وغير ذلك.
ثالثاً: المروي عن أئمة أهل البيت "عليهمالسلام "، وعن الضحاك: أن المراد في قوله تعالى:( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى ) (2) : هو سكر النوم(3) .
____________
1- السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص194 والمعجم الكبير ج23 ص263 وكنز العمال ج3 ص645 والدر المنثور ج2 ص326 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص246.
2- الآية43 من سورة النساء.
3- راجع: الكافي ج3 ص371 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص480 وتهذيب الأحكام ج3 ص258 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج7 ص233 و 291 و (ط دار الإسلامية) ج4 ص1241 و 1283 ومستدرك الوسائل ج5 ص405 و 430 وبحار الأنوار ج80 ص358 وج81 ص231 وجامع أحاديث الشيعة ج5 ص496 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص341 وتفسير العياشي ج1 ص242 ونور الثقلين ج1 ص400 و 401 و (ط مؤسسة إسماعيليان) ج1 ص483 والبرهان ج1 ص370 ومجمع البيان ج3 ص52 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص92 وكنز الدقائق ج2 ص461 والأصفى ج1 ص210 والصافي ج1 ص453 وقول الضحاك موجود في مختلف تفاسير أهل السنة، فعدا ما تقدم راجع: جامع البيان (ط دار الفكر) ج5 ص135 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص959 ومعاني القرآن للنحاس ج2 ص93 وتفسير الثعلبي ج3 ص312 وتفسير السمعاني ج1 = = ص430 وزاد المسير ج2 ص129 والبحر المحيط ج3 ص265 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص876 وتفسير الثعالبي ج2 ص240 والدر المنثور ج2 ص165 وتفسير الخازن ج1 ص359 والتمهيد لابن عبد البر ج22 ص117 والتفسير الكبير للرازي ج10 ص109 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص500 وأحكـام القرآن للجصـاص ج2 ص201 وعن ابن جـريـر، وابن أبي حاتم.
رابعاً: روى القطان في تفسيره، عن الحسن البصري، قال: إن علياً لم يقبل أن يشرب معهم في دار أبي طلحة، بل خرج من بينهم ساخطاً على ما يفعلون.
قال الحسن: "والله الذي لا إله إلا الله هو، ما شربها قبل تحريمها، ولا ساعة قط"(1) .
يريد قبل إعلان تحريمها. أو قبل نزول الآيات القرآنية بذلك وإن كانت قد حرمت على لسان النبي "صلىاللهعليهوآله " قبل ذلك.
نعم.. وهذا هو الذي ينسجم مع خلق علي "عليهالسلام "، ووعيه، وإيمانه، وهو الذي تربى في حجر الرسالة، وكان يلازم النبي "صلىاللهعليهوآله " ملازمة الظل لصاحبه.. ويتبعه إتباع الفصيل أثر أمه.
وخامساً: قال الحاكم: "إن الخوارج تنسب هذا السكر، وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دون غيره، وقد برأه الله منها؛ فإنه راوي
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص26 والبرهان ج1 ص500 وبحار الأنوار ج38 ص64.
هذا الحديث"(1) .
وذلك لأن رواية الحاكم ليس فيها أنه "عليهالسلام " قد شربها، كما أنها تنص على أن غيره هو الذي صلى بهم، والذي يمكن أن يرويه علي "عليهالسلام " هو حسب نص الجصاص:
عن علي "عليهالسلام " قال: دعا رجل من الأنصار قوماً؛ فشربوا من الخمر؛ فتقدم عبد الرحمن بن عوف لصلاة المغرب؛ فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه، فأنزل الله تعالى:( لاَ تَقْرَبُواْ.. ) "(2) .
خطبة علي (عليهالسلام ) بنت أبي جهل:
وتذكر خطبة علي "عليهالسلام " بنت أبي جهل في السنة الثامنة، ولكننا نذكرها هنا لمناسبتها لحديث الزواج، ولأنها لا ريب في كونها أسطورة وإليك نصها:
في البخاري وغيره، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يقول، وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يريد ابن أبي طالب: أن يطلق ابنتي، وينكح
____________
1- المستدرك للحاكم ج2 ص307 ونيل الأوطار ج9 ص56 وعون المعبود ج10 ص77.
2- أحكام القرآن للجصاص ج2 ص201 و (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص253.
ابنتهم؛ فإنما هي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها(1) .
وفي البخاري وغيره أيضاً، عن المسور: أن فاطمة أتت رسول الله "صلىاللهعليهوآله " فقالت: يزعم قومك: أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل.
فسمعته حين تشهد يقول: إني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها. والله، لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك علي الخطبة(2) .
وفي رواية أخرى لمسلم والبخاري وغيرهما، أن المسور قال: سمعت
____________
1- ذخائر العقبى ص37 والعمدة لابن البطريق ص385 وبحار الأنوار ج29 ص336 وصحيح مسلم ج7 ص141 وسنن ابن ماجة ج1 ص644 وشرح مسلم للنووي ج16 ص2 ونهج الإيمان لابن جبر ص623 ونظم درر السمطين ص176 وسفينة النجاة للتنكابني ص168 وراجع: مطالب السؤول ص36.
2- ذخائر العقبى ص38 ومسند أحمد ج4 ص326 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص212 وصحيح مسلم ج7 ص142 وسنن ابن ماجة ج1 ص644 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص308 وفتح الباري ج9 ص286 وعمدة القاري ج16 ص230 ومسند أبي يعلى ج13 ص134 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص73 والمعجم الكبير للطبراني ج20 ص18 ومسند الشاميين ج4 ص164 وفضائل سيدة النساء لابن شاهين ص34 وأسد الغابة ج5 ص419 وسير أعلام النبلاء ج2 ص133 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص30.
رسول الله "صلىاللهعليهوآله " على المنبر وهو يخطب في ذلك، وأنا محتلم، فقال: إن فاطمة مني، وأنا أخاف أن تفتن في دينها..
إلى أن قال: وإني لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً، ولكن والله، لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله مكانا واحداً أبداً(1) .
وذكر مصعب الزبيري: أن علياً خطب جويرية(2) بنت أبي جهل، فشق ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتّاب: أنا أريحك منها؛ فتزوجها؛ فولدت له عبد الرحمن بن عتاب(3) .
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم: أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " كان يغار لبناته غيرة شديدة، كان لا ينكح بناته على ضرة(4) .
____________
1- ذخائر العقبى ص37 ومسند أحمد ج4 ص326 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص47 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج7 ص141 وسنن أبي داود ج1 ص459 وعمدة القاري ج15 ص33 وصحيح ابن حبان ج15 ص407 وكنز العمال ج12 ص106 وأسد الغابة ج4 ص366 وسير أعلام النبلاء ج3 ص392.
2- ويقال: اسمها العوراء. ويقال: جرهمة. ويقال: جميلة. ويقال: الحيفاء. راجع فتح الباري ج7 ص68.
3- تهذيب الكمال ج19 ص284 وتهذيب التهذيب ج7 ص83.
4- سيرة ابن إسحاق ج5 ص237 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص75 وأسد الغابة ج5 ص521. =
= وراجع هذه النصوص المتقدمة في: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف. وكتاب الخمس، وكتاب المناقب، وصحيح مسلم ج7 ص141 وفي فضائل فاطمة، ومسند أحمد ج4 ص328 وحلية الأولياء ج2 ص40 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص64 والمستدرك للحاكم ج3 ص158 و 159 وغوامض الأسماء المبهمة ص340 و 341 وسنن ابن ماجة ج1 ص616 وأسد الغابة ج5 ص521 والمصنف للصنعاني ج7 ص301 و 302 و 300 بعدة نصوص، وفي هامشه عن عدد من المصادر، ونسب قريش ص87 و 312 وفتح الباري ج7 ص6 وج9 ص286 وتهذيب التهذيب ج7 ص90 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص88 و 51 وج4 ص64ـ 66 ومحاضرة الأدباء المجلد الثاني ص234 والسيرة الحلبية ج2 ص208 وتلخيص الشافي ج2 ص276 ونقل عن سنن أبي داود ج2 ص326 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص4 ونزل الأبرار ص82 و 83 وفي هامشه عن صحيح البخاري ج2 ص302 و 189 وج3 ص265 وعن الجامع الصحيح للترمذي ج5 ص698.
وعند الحاكم: أن علياً خطب بنت أبي جهل؛ فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة(1) .
وعند الطبراني: أنه "عليهالسلام " خطب أسماء بنت عميس؛ فأتت فاطمة إلى النبي "صلىاللهعليهوآله " فقالت: إن أسماء بنت عميس متزوجة علياً.
____________
1- المستدرك للحاكم ج3 ص159 وفتح الباري ج9 ص286.
فقال: ما كان له أن يؤذي الله ورسوله(1) .
وقد نظم مروان بن أبي حفصة هذه القصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، فكان مما قال:
وسـاء رسـول الله إذ سـاء بـنـتـه |
بـخطـبتـه بـنـت اللعين أبي جهل |
|
فـذم رسـول الله صـهـر أبيكــم |
على منبر بالمنطق الصادع الفصل(2) |
المناقشة:
ونحن نعتقد ـ كما يعتقد ابن شهراشوب(3) ـ: أنه لا ريب في كذب هذه الرواية، وذلك استناداً إلى ما يلي:
أولاً: إن الروايات مختلفة ومتناقضة، كما يظهر بالمراجعة والمقارنة وذلك يسقط شطراً وافراً منها عن الإعتبار.
ثانياً: ما جاء في هذه الروايات لا ينسجم مع ما تقدم في بحث تكنية
____________
1- المعجم الأوسط للطبراني ج5 ص139 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص405 وج24 ص153 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص365 ومجمع الزوائد ج9 ص203 والآحاد والمثاني ج5 ص363 والدر المنثور ج5 ص215 وفتح القدير ج4 ص300 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص45.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص65 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج1 ص89.
3- راجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص4.
علي "عليهالسلام " بأبي تراب: من أنه لم يسؤ فاطمة قط.
ثالثاً: حديث بريدة عن علي "عليهالسلام " في غزوة بني زبيد(1) يكذب هذه الأسطورة، حيث حصلت لعلي جارية من أفضل السبي في الخمس، فخرج عليهم ورأسه يقطر، فسألوه فأخبرهم أنه وقع بها.
فأرسل خالد بريدة إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بكتاب يشتكيه فيه.. فغضب رسول الله غضباً لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، وقال: يا بريدة، أحب علياً، فإنه يفعل ما آمره.
وفي نص آخر: أن بريدة صار يقرأ الكتاب على رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فأمسك "صلىاللهعليهوآله " بيده، وقال: يا بريدة، أتبغض علياً؟!
قال: نعم.
فقال: لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حباً، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة(2) .
____________
1- ذكرنا هذه الغزوة وهذا الحديث في كتابنا الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله " ج26 فصل: علي "عليهالسلام " في اليمن، وناقشنا ما جرى فيها فراجع.
2- راجع: مجمع الزوائد ج9 ص128 عن الطبراني، وخصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص102 و 103 ومشكل الآثار ج4 ص160 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص110 ومسند أحمد ج5 ص359 و 350 و 351 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وقال: رواه البخاري في الصحيح، وحلية الأولياء ج6 ص294 ومعرفة السنن والآثار ج5 ص156 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص194= = وأسد الغابة ج1 ص176 وتهذيب الكمال ج20 ص460 وسنن الترمذي ج5 ص632 و 639 وكنز العمال ج15 ص124 و 125 و 126 ـ 271 والمناقب للخوارزمي ص92 ونيل الأوطار ج7 ص110 والعمدة لابن البطريق ص275 وعمدة القاري ج18 ص6 وتحفة الأحوذي ج10 ص144 ونهج السعادة ج5 ص283 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص88 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص236 والمستدرك للحاكم ج3 ص110 و 111 على شرط مسلم، وتلخيص المستدرك للذهبي (بهامشه) وسكت عنه، والبداية والنهاية ج7 ص344 و 345 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص380 عن أحمد والترمذي، وأبي يعلى وغيره بنصوص مختلفة. والغدير ج3 ص216 عن بعض من تقدم، وعن: نزل الأبرار للبدخشي ص22 والرياض النضرة ج3 ص129 و 130 وعن مصابيح السنة للبغوي ج2 ص257. والبحر الزخار ج6 ص435 وجواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد والصفحة، عن البخاري والترمذي. وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص86 وج16 ص453 وج21 ص532 وج2 ص275 و 276 و 277 و 278 وج30 ص278.
وفي نص ثالث: أن عمر شجع بريدة على الشكوى قائلاً له: "امضِ لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي"(1) .
____________
1- الإرشاد للشيخ المفيد ج1 ص161 وبحار الأنوار ج21 ص358 وكشف اليقين ص150 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص98.
على أننا لا نكاد نثق بصحة الفقرة التي تقول: إن علياً "عليهالسلام " أخبرهم بأنه دخل بتلك الوصيفة، فلعلهم هم تخيلوا ذلك، فقد ورد: أن النساء محرمة على علي "عليهالسلام " في حياة فاطمة "عليهاالسلام "(1) .
إلا أن يقال: المراد تحريم الزواج الدائم عليه.. أو باستثناء ما كان بأمر ورضى من الله ورسوله، أو طلب من الزهراء لمصلحة تقتضي ذلك.
رابعاً: حين قال ابن عباس لعمر: إن علياً "عليهالسلام " "ما غير ولا بدل، ولا أسخط رسول الله "صلىاللهعليهوآله " أيام صحبته له.
قال عمر: ولا في ابنة أبي جهل، وهو يريد أن يخطبها على فاطمة "عليهاالسلام "؟!
فأصر ابن عباس على أنه لم يعزم على إسخاط النبي "صلىاللهعليهوآله "،
____________
1- تهذيب الأحكام للطوسي ج7 ص475 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص330 و (ط المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1956م) ج3 ص110 وبشارة المصطفى ص306 والأمالي للطوسي ج1 ص42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص64 وبحار الأنوار ج43 ص16 و 153 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 ق3 ص7 وعوالم العلوم ج11 ص387 و 66 ومستدرك الوسائل ج2 ص42 وراجع: فتح الباري ج9 ص287 ومجمع النورين ص23 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص231 واللمعة البيضاء ص201 والأسرار الفاطمية ص431 والحدائق الناضرة ج23 ص108.
ولكنها الخواطر لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه إلخ..(1) .
فابن عباس لم يستطع أن يواجه الخليفة بتكذيبه في قصة بنت أبي جهل، فبين له أنه مجرد خاطر، ولم يفعل شيئاً أكثر من ذلك، فصدقه عمر..
بل إن ابن عباس أورد كلاماً مبهماً لم يصرح فيه بأن هذا الخاطر قد راود علياً "عليهالسلام ". بل قال: إن الخواطر تراود الناس. ولكن هل راودت علياً أم لا؟! لم يصرح ابن عباس بهذا.. وإن كان كلامه يوحي به..
خامساً: تقول الرواية: إنه "صلىاللهعليهوآله " قال في خطبته: "إني لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً".. ثم هو يفرض على علي "عليهالسلام " أن يطلق ابنته إن أراد التزويج ببنت أبي جهل. مع أن الله لم يجعل لأبي الزوجة الحق في أن يفرض على صهره طلاق ابنته كما لم يجعل للزوجة أن تفرض عليه ذلك.
ولا أن يفرض على صهره عدم الزواج بالثانية، إذا كان الله قد أحل ذلك له في قوله تعالى:( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص50 والدر المنثور ج4 ص309 وكنز العمال ج13 ص454 وتفسير الآلوسي ج16 ص270 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج5 ص229 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص167 والتحفة العسجدية ص145 وحياة الصحابة ج3 ص249 عن الموفقيات، وقاموس الرجال ج6 ص25 وتفسير الميزان ج14 ص228.
وَرُبَاعَ ) (1) .
فإن قيل: لعله "صلىاللهعليهوآله " استعمل ولايته في هذا المورد على علي "عليهالسلام "، فإنه "صلىاللهعليهوآله " أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
فيجاب:
ألف: لو استعمل ولايته في ذلك لكان ينبغي أن يستعملها أيضاً في أمر الطلاق، فيطلقها منه أيضاً بحسب ولايته، ولا يترك ذلك له، فإن من يعصيه في أمر الزواج يعصيه في أمر الطلاق أيضاً.
ب: إن التعليل الذي ذكره "صلىاللهعليهوآله " لمنعه علياً من التزويج يدل على أن ما فعله "صلىاللهعليهوآله " لم يكن تصرفاً ولائياً، لأنه ذكر علةً يوجب تعميمها وجوب طلاق الكثيرين، اذا كان الزواج يوجب اجتماع بنت عدو الله، وبنت ولى الله.
سادساً: إذا كانت لفاطمة خصوصية هي عدم جواز التزويج بالثانية معها، فقد كان يكفي أن يخبره النبي "صلىاللهعليهوآله " بهذا الحكم بينه وبينه، ولم يكن علي "عليهالسلام " بالرجل الذي يتعمد مخالفة حكم الله سبحانه.. لا سيما وأن آية التطهير تنص على أنه طاهر مطهر من الرجس، ومنه مخالفة أحكام الله تعالى.. فما معنى أن يبادر إلى فضحه، وإهانته بهذه الطريقة؟!.
سابعاً: ألم يكن لدى علي من أدب المعاشرة مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله " ما يدعوه إلى استئذانه في هذا الأمر ولو بمقدار ما كان لدى بني
____________
1- الآية 3 من سورة النساء.
المغيرة، حيث جاءوا ليستأذنوا رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في تزويج ابنتهم؟!
ثامناً: ما معنى القول المنسوب إليه "صلىاللهعليهوآله ": "لا تجتمع بنت عدو الله، وبنت رسول الله عند رجل"؟!
وهم يدعون: أن عثمان قد تزوج بنتي رسول الله "صلىاللهعليهوآله " (وإن كنا نحن نقول: أنهن لسن بناته على الحقيقة) وقد جمع بين أحداهما وبين فاطمة بنت الوليد، ورملة بنت شيبة، وأم البنين بنت عيينة.. وهن بنات أعداء الله.
تاسعاً: المعيار هو إيمان نفس المرأة التي يريد أن يتزوجها فإن كانت مؤمنة فلا مانع من الجمع بينهما وبين مؤمنة أخرى.. ولا دخل للأبوين في ذلك.. بل أن النبي "صلىاللهعليهوآله " نفسه قد جمع بين بنات أعداء الله، وهن اللواتي كان أباؤهن مشركين أو ماتوا على الشرك، وبين بنات أناس دخلوا في الإسلام.
عاشراً: ما نسب إليه "صلىاللهعليهوآله " من أنه قال عن ابنته: "إني أخاف أن تفتن في دينها". يتضمن إنتقاصاً لمقام فاطمة في إيمانها ويقينها، وإقراراً بضعف هذا الإيمان، الى حد ان مجرد تزويج علي "عليهالسلام " بامرأة أخرى يجعلها مظنة الخروج من الدين، حتى كأنها لم تسمع قول أبيها: "جدع الحلال أنف الغيرة"(1) .
____________
1- محاضرات الأدباء، المجلد الثاني ص234 ووفيات الأعيان ج3 ص476.
حادي عشر: قال السيد المرتضى: "أين كان أعداؤه "عليهالسلام " من بني أمية وشيعتهم عن هذه الفرصة المنتهزة؟! وكيف لم يجعلوها عنواناً لما يتخرصونه من العيوب والقروف؟! وكيف تمحلوا الكذب، وعدلوا عن الحق"؟!(1) .
ثاني عشر: تزعم الرواية: أنه "صلىاللهعليهوآله " وصف بنت أبي جهل على المنبر بقوله: "بنت عدو الله".. مع أنهم يروون أنه "صلىاللهعليهوآله " منع الناس من أن يقولوا لعكرمة أخيها: إنه "ابن عدو الله"، معللاً ذلك بأن "سب الميت يؤذي الحي"(2) .
ثالث عشر: لقد ولد المسور بن مخرمة، المعروف بتعصبه ضد علي "عليهالسلام " في السنة الثانية من الهجرة، فما معنى قوله: إنه سمع النبي
____________
1- راجع: تلخيص الشافي ج2 ص276 ـ 279 وتنزيه الأنبياء للسيد المرتضى ص168 و (ط دار الأضواء) ص220.
2- المستدرك للحاكم ج3 ص241 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1082 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص10 وكنز العمال ج11 ص741 وج13 ص542 وتاريخ مدينة دمشق ج41 ص63 وإمتاع الأسماع ج1 ص398 وج14 ص5 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص253 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص40 والوافي بالوفيات ج20 ص39 وأسد الغابة ج4 ص5 والمنتخب من ذيل المذيل ص9 وبحار الأنوار ج21 ص144 وقاموس الرجال ج6 ص325 و 326.
"صلىاللهعليهوآله " يخطب على المنبر، وهو محتلم؟!
وأخيراً.. فقد قال السيد المرتضى "رحمهالله ": إن راوي هذه الأسطورة هو الكرابيسي البغدادي، صاحب الشافعي، والكرابيسي معروف بنصبه، وانحرافه عن علي أمير المؤمنين "عليهالسلام "(1) .
تلطيف الرواية لتسويقها:
وقد حاولت بعض نصوص الرواية تلطيف نصها، وتحاشي الكثير من مواضع الإشكال، فهي تقول:
إن علياً "عليهالسلام " خطب ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار علي "عليهالسلام " رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
فقال "صلىاللهعليهوآله ": أعن حسبها تسألني؟!
قال علي "عليهالسلام ": قد أعلم ما حسبها، ولكن أتأمرني بها؟!
قال "صلىاللهعليهوآله ": لا، فاطمة بضعة مني، ولا أحب أنها تحزن أو تجزع.
قال علي "عليهالسلام ": "لا آتي شيئاً تكرهه"(2) .
____________
1- تنزيه الأنبياء ص167 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص64 و 65.
2- المستدرك للحاكم ج3 ص158 وتحفة الأحوذي ج10 ص250 والمصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج7 ص527 وعمدة القاري ج20 ص212 وسير أعلام النبـلاء ج2 ص124 وسيرة ابن إسحـاق ج5 ص238 وكـنز العـمال ج16= = ص280 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص674 و 678 عن أبي يعلى، والمصنف للصنعاني ج7 ص301 وفتح الباري ج9 ص286 بأسناد صحيح عن الحاكم. وشرح الأخبار ج3 ص64 والذرية الطاهرة النبوية ص75.
ونقول:
إن هذه الرواية قاصرة عن إفادة المقصود، لا سيما وأنها تشتمل على التناقض في مضمونها، إذ لا معنى للخطبة، ثم الاستشارة، فان الاستشارة تكون قبل الخطبة، لا سيما بملاحظة قوله: أتأمرني بها الخ..
كما أنها تضمنت إتهام الزهراء "عليهاالسلام " بأنها تحزن وتجزع من فعل الأمر المحلل. مع أنه حزن وجزع يرتبط بأمر شخصي يخضع للهوى، ولا بتعلق شيء من أمور الدين.
يضاف إلى ذلك كله: أن هناك ما يدل على تحريم النساء على علي "عليهالسلام " في حياة فاطمة كرامة وإجلالاً لها "صلوات الله وسلامه عليها".. فلماذا يخالف علي "عليهالسلام " هذا الحكم الثابت؟!.
إلا أن يقال: إنه لم يكن عالماً به، قبل هذه الحادثة. وقد علم به بعدها..
ويرد هذا القول: أنه "عليهالسلام " باب مدينة علم الرسول "صلىاللهعليهوآله "، وهو أيضاً الإمام المعصوم الذي لا يحتمل في حقه الجهل بتكاليف نفسه.
كما أنه لو صح ذلك، لكان على النبي "صلىاللهعليهوآله " أن يخبره بهذا التحريم، لا أن يقول له عن فاطمة: لا أحب أن تحزن وتجزع.
الفصل السابع :
أبناء علي والزهراء (عليهماالسلام ):
الحسنان.. والمحسن.. (عليهمالسلام )
ولادة الإمام الحسن (عليهالسلام ) :
وولد الإمام الحسن "عليهالسلام " في النصف من شهر رمضان المبارك في السنة الثالثة، على ما هو الأقوى.
وكان رسول الله "صلىاللهعليهوآله " قد أمرهم أن يلفوه في خرقة بيضاء فيجيء به إليه، فأخذه "صلىاللهعليهوآله " وقبله، وأدخل لسانه في فيه، يمصه إياه، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وحلق رأسه، وتصدق بوزن شعره ورقاً (أي فضة)، وطلى رأسه بالخلوق(1) .
ثم قال: يا أسماء، الدم (أي طلي رأس المولد بالدم) فعل الجاهلية(2) .
____________
1- الخلوق: نوع من الطِيب.
2- راجع: بحار الأنوار ج43 ص239 وج101 ص111 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص299 ومسند زيد بن علي ص468 ومستدرك الوسائل ج15 ص144 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص189 وعيون أخبار الرضا "عليهالسلام " ج1 ص29 والأنوار البهية ص85 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص149 وحياة الإمام الرضا "عليهالسلام " للقرشي ج1 ص250 وروضة الواعظين ص154 ووسائـل الشيـعـة (ط مؤسسة آل البيت) ج21 ص408 و (ط دار = = الإسلامية) ج15 ص139 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص341 وتاريخ الخميس ج1 ص418.
فيظهر: أنهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فهو (صلىاللهعليهوآله ) هنا ينهى عن ذلك.
فأبطل ما كان من فعل الجاهلية بفعله، حيث ظل رأس المولود بالخلوق بدل الدم، وبقوله الصريح بكلمته الآنفة الذكر.
وسأل علياً "عليهالسلام "، إن كان قد سماه.
فقال "عليهالسلام ": ما كنت لأسبقك باسمه.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": ما كنت لأسبق ربي باسمه.
فأوحى الله إليه: إن علياً منك بمنزلة هارون من موسى؛ فسمه باسم ابن هارون.
قال: وما كان اسمه؟!
قال: شبر.
قال: لساني عربي.
قال: سمه: "الحسن"، فسماه الحسن(1) .
____________
1- بحار الأنوار ج43 ص238 و 240 وعلل الشرايع ج1 ص137 و 138 ومعاني الأخبار ص57 والأمالي للصدوق ص197 والجواهر السنية للحر العاملي ص238 و 243 و 244 وإعلام الورى ج1 ص411 وغاية المرام ج2 ص75= = و 114 وشرح إحقاق الحق (المحقات) ج5 ص216 وج16 ص12 والأنوار البهية ص86 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص340 و 344 وتاريخ الخميس ج1 ص418 وغير ذلك. وليراجع مناقب ابن شهرآشوب عن مسند أحمد، وتاريخ البلاذري، وفردوس الديلمي.
ويقول بعض المحققين: إنه لم يجد في التوراة اسم شبر وشبير لابني هارون، وقد ذكرت قصة أبناء هارون مفصلاً.
وعق "صلىاللهعليهوآله " عنه بكبشين.
وقيل: بكبش.
وقيل: إن فاطمة "عليهاالسلام " هي التي عقت عنه، وهو بعيد، مع وجود أبيها وزوجها عليهما الصلاة والسلام.
بقي أن نشير هنا إلى ما يلي:
ألف: ذكر أسماء بنت عميس هنا:
إنه قد ورد في عدد من الروايات ذكر لأسماء بنت عميس، بمناسبة ولادة الإمام الحسن "عليهالسلام "(1) . مع أن أسماء كانت حين ولادته
____________
1- تاريخ الخميس ج1 ص417 و 418 وذخائر العقبى، وبحار الأنوار ج43 ص239 و 255 وج101 ص111 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص299 ومسند زيد بن علي ص468 ومستدرك الوسائل ج15 ص144 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص189 وعيون أخبار الرضا "عليهالسلام " ج1 ص29 والأنوار = = البهية ص85 ومسند الإمام الرضا "عليهالسلام " للعطـاردي ج1 ص149 وحياة الإمام الرضا "عليهالسلام " للقرشي ج1 ص250 وروضة الواعظين ص154 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج21 ص408 و (ط دار الإسلامية) ج15 ص139 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص341.
"عليهالسلام " في الحبشة، وقد أرضعت هناك ابن النجاشي، فعظمت منزلتها لدى أهل تلك البلاد(1) .
ونقول:
إن الرواة، هم الذين زادوا كلمة: "بنت عميس" تبرعاً من عند أنفسهم، جرياً على عادتهم، لأنها هي الأعرف عندهم.
والمقصود هنا: هو أسماء بنت يزيد الأنصارية، وليس هذا الإشتباه إلا في بعض الروايات، فإن رواية عيون أخبار الرضا(2) لا تحريف فيها.
وقد اشتبه الأمر على المحقق التستري هنا(3) بسبب قراءته للخبر، فإن السجاد "عليهالسلام " يروي عن أسماء بنت عميس، وهي تروي عن أسماء
____________
1- نسب قريش لمصعب الزبيري ص81 وتهذيب الكمال ج14 ص368 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص36 وراجع: إعلام الورى ج1 ص117.
2- الأخبار الدخيلة ص13 و 14 عن العيون ص195.
3- راجع: الأخبار الدخيلة ص13 و 14.
بنت يزيد الأنصارية، عن فاطمة.
والكلام في الرواية تارة يكون للسجاد، فيكون مراده بنت عميس، وأخرى يكون لبنت عميس، فيكون مرادها أسماء الأنصارية.
كما أن قولها في الرواية: "فدفعته" قرأه المحقق التستري بصيغة المتكلم، على اعتبار أن التاء فيه ضمير الفاعل، مع أنها ساكنة، وهي تاء التأنيث، فراجع الرواية، وتأمل.
ب: الحسن والحسين (عليهماالسلام ) اسمان جديدان:
ذكر البعض: أن العرب ما كانوا يعرفون اسمي: "الحسن والحسين" إلى حين تسمية النبي "صلىاللهعليهوآله " لهما بهما، لا الذين كانوا من ولد نزار، ولا اليمن، مع سعة أفخاذهما، وكثرة ما فيهما من الأسامي، وإنما يعرف فيها "حَسَنْ وحَسِين" على وزن سعد، وسعيد. فهما اسمان قد ادخرهما الله لهما(1) .
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص166 وبحار الأنوار ج43 ص252 و 253 عن المناقب، عن أبي الحسين النسابة، والعوالم، (الإمام الحسين "عليهالسلام ") ص27 وتاريخ الخميس ج1 ص418 وراجع: شرح الأخبار ج3 ص89 وذخائر العقبى ص119 وشجرة طوبى ج2 ص259 والذرية الطاهرة للدولابي ص100 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص171 وإمتاع الأسماع ج5 ص358 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص56 وينابيع المودة ج2 ص483 وترجمة الإمام الحسن "عليهالسلام " من طبقات ابن سعد ص35 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص488 وج19 ص183 وج26 ص47 وليراجع أسد الغابة أيضاً.
ج: إرضاع أم الفضل للحسن (عليهالسلام ) :
رووا: أن أم الفضل، زوجة العباس، قالت: قلت: يا رسول الله صلى الله عليك، رأيت في المنام: كأن عضواً من أعضائك في حجري.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": تلد فاطمة غلاماً، فتكفليه؛ فوضعت فاطمة الحسن "عليهماالسلام "، فدفعه إليها النبي "صلىاللهعليهوآله "، فأرضعته بلبن قثم بن العباس(1) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج43 ص242 و 255 وتاريخ الخميس ج1 ص418 و 419 عن الدولابي والبغوي في معجمه، والإصابة ج3 ص227 وج4 ص487 و (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص320 وقاموس الرجال ج7 ص284 عن نسب مصعب الزبيري.
وراجع: شجرة طوبى ج2 ص255 والغدير ج7 ص234 ومسند أحمد ج6 ص339 وسنن ابن ماجة ج2 ص1293 ومسند أبي يعلى ج12 ص500 والذرية الطاهرة للدولابي ص106 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص20 و 23 وج25 ص26 وفيض القدير ج4 ص554 وأسد الغابة ج2 ص10 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص46 والدر النظيم ص489 وكشف الغمة ج2 ص153 و 169 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص64 و 109.
ونحن نشك في هذه الرواية:
أولاً: لأن العباس لم يكن قد هاجر حينئذٍ إلى المدينة. وكانت زوجته معه في مكة.
وثانياً: إن البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلاً(1) .
وقد رويت هذه القضية تقريباً مع أم أيمن، وأنها أرضعت الحسين "عليهالسلام "، إلا أن فيه بدل في حجري: "في بيتي"(2) .
فلعل هذه الرواية هي الصحيحة، ثم نسبت إلى أم الفضل من قبل العباسيين، الذين يهمهم إثبات أمر كهذا لمن ينتسبون إليه.
ولادة الإمام الحسين (عليهالسلام ) :
وولد الحسين "عليهالسلام " في المدينة المنورة، لثلاث أو لأربع خلون
____________
1- راجع: والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص320 ترجمة قثم.
2- الأمالي للصدوق ص142 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص70 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص226 وبحار الأنوار ج43 ص242 و 243 عن أمالي الصدوق، وعن المناقب، وقال: أخرجه القيرواني في التعبير، وصاحب فضائل الصحابة، وراجع ج58 ص171 وروضة الواعظين ص154 وشجرة طوبى ج2 ص261 والعوالم، (الإمام الحسين "عليهالسلام ") للبحراني ص22 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص609.
من شعبان، أو في الخامس منه، في السنة الرابعة من الهجرة(1) .
____________
1- راجع: إعلام الورى ص215 ونور الأبصار ص125 والفصول المهمة لابن الصباغ ص156 والإصابة ج1 ص332 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص378 وأسد الغـابـة ج2 ص18 وذخائـر العقبى ص118 وترجمـة الإمام الحسين من = = تاريخ دمشق ص12 و 23 و 25 و 288 و 293 و 295 وتاريخ بغداد ج1 ص141 وصفة الصفوة ج1 ص762 وروضة الواعظين ص153 ونظم درر السمطين ص194 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص316 وكشف الغمة ج2 ص215 وإحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص256 ـ 259 وج19 ص181 و 361 ـ 363 ومجمع الزوائد ج9 ص164 وتذكرة الخواص ص232 والإرشاد للمفيد ص218 والإتحاف بحب الأشراف ص40 وتاريخ ابن الوردي ج1 ص160 وإسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص185 وبحار الأنوار ج43 ص227 و 250 و 260 وسيرة المصطفى ص149 وتهذيب الأسماء ج1 ص163 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص76 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص231 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص555 والتنبيه والإشراف ص213 وبهجة المحافل ج1 ص230 وتاريخ الخميس ج1 ص417 و 464 ومقاتل الطالبين ص78 وتهذيب التهذيب ج2 ص345 والعوالم، الإمام الحسين "عليهالسلام " للبحراني ص7 و 8 ومروج الذهب ج2 ص289 والجوهرة في نسب علي "عليهالسلام " وآله ص38 ونسب قريش لمصعب ص40 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص143 ونزل الأبرار ص148 وعمدة الطالب ص191 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص206 والكامل في التاريخ ج2 ص176 وكفاية الطالب.
وقيل غير ذلك(1) .
وصنع به "صلىاللهعليهوآله " مثل ما صنع بأخيه الإمام الحسن "عليهالسلام "، من الأذان في أذنه اليمنى، والإقامة في اليسرى، وحلق رأسه، والتصدق بزنة شعره فضة، وتسميته، والعقيقة عنه بكبش أو بكبشين، وتحنيكه بريقه وغير ذلك.
ألف: ذكر الله في أذن المولود:
إن السنن التي أجراها رسول الله "صلىاللهعليهوآله " حين ولد الإمام الحسن "عليهالسلام " قد حملت معها أروع الدلالات، ولا سيما لجهة إعلام الناس كلهم: أن عليهم أن لا يعتبروا المولود، ولو في ساعاته الأولى بمثابة الجماد الخالي من أي شعور أو إدراك. بل هو يتأثر بالأصوات، وبالكلام الذي يسمعه، ويتفاعل بمعانيه، بالنحو وبالمستوى المناسب لحاله وقت ولادته..
كما أن للحالات التي تحيط به، وللأفعال التي تمارس بالقرب منه آثارها عليه سلباً أو إيجاباً، بحسب اختلاف طبيعة تلك الممارسات، ووفق ما تكون عليه تلك الحالات..
____________
1- راجع: فصل ولادة الإمام الحسين "عليهالسلام " في الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج8.
وللطفل علاقات بذلك كله.. تتناسب مع عالمه الذي يعيش فيه، والقدرات المتوفرة لديه، والحالات التي هو عليها..
بل إن النبي "صلىاللهعليهوآله " يفهمنا: أن لون الخرقة التي يلف المولود بها يؤثر عليه سلباً، أو إيجاباً.
فحين جيء بالإمام الحسن أو الحسين، وقد لف بخرقة صفراء رماها، وقال: ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود بخرقة صفراء.
وذلك كله.. يوضح لنا أن الأذان في الأذن اليمنى والإقامة بالأذن اليسرى للمولود لم يكن عبثاً، ولا كان مجرد مراسم تجرى لنيل بركة الألفاظ وثوابها، بل هي أعمال لها آثار حقيقية، على روح وعقل، ونفس وشخصية المولود.. وإن لم نستطع تحديد هذه الآثار، بسبب محدودية المعارف التي نملكها، وعجز الوسائل المتوفرة لدينا..
كما أن لريق رسول الله "صلىاللهعليهوآله " آثاره ودلالاته وإيحاءاته التي وإن لم نستطع تأكيدها، ولكننا لا نستطيع نفيها، وهذا كاف في إلزامنا بها من الناحية العملية.
ب: العقيقة والتصدق بالفضة:
وأما حلق شعر المولود، ثم التصدق بزنته فضة.. وطلي رأسه بالخلوق، وهو نوع من الطيب، ثم العقيقة عنه.. فهي من السنن التي تحمل معها أيضاً الكثير من المعاني والدلالات، لا سيما هذا الإهتمام بالفقير، في الأوقات التي قد يكون الإنسان مشدوداً فيها إلى الأمر الذي يفرحه، ويرى
أنه يعنيه كشخص، وإذ بالإسلام يطلقه من أسار الذات إلى ما هو أوسع وأشمل، فتتجاوز هذه الروح المنكفئة إلى ذاتها، لتطل منها على المجتمع، أو فقل على الإنسان بماله من قيمة ومعنى، لكي لا يتقوقع داخل ذاته..
إنه يمزج اللذة الشخصية بلذتين أو بفرحتين أخريين:
إحداهما: اللذة بالعطاء، المتمازج بالشعور بنشوة الرضا.
والثانية: لذة الخروج من سجن الذات إلى رحابة الأفق الإنساني بكل ما له من قيمة وامتداد.
ج: حتى في مناسبة الميلاد:
وقد أظهرت النصوص المتقدمة: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " لم يدع هذه المناسبة تمر حتى جعل منها سبيل هداية ودعوة، ووسيلة تبشير وإنذار، ومنبراً يستفيد منه في ترسيخ العقيدة، وتعميق مبانيها ، وتقوية دعائمها، وذلك حين جعل تسمية هذا المولود تنطلق من أصل عقيدي متجذر، حيث ربطها بشباهة الحال الذي كان لموسى وهارون. وموقع هارون من موسى، بحاله "صلىاللهعليهوآله " مع علي، وموقعه منه.
فكما كان هارون وصياً لموسى، فإن علياً "عليهالسلام " وصي محمد "صلىاللهعليهوآله ".. وكما كان لهارون أولاد بأسماء شبر، وشبير، ومشبر، كذلك الحال بالنسبة لأولاد علي "عليهالسلام "، حيث لا بد أن يسموا بأسماء أولاد هارون.
ولادة المحسن (عليهالسلام ) :
وأما بالنسبة لولادة المحسن، فقد ذكرنا حديث ولادته بتفاصيله المختلفة في كتابنا مأساة الزهراء "عليهاالسلام " خصوصاً المجلد الثاني منه. ولولا خوف الإطالة لذكرنا شطراً من تلك النصوص التي تبلغ العشرات، والتي تملأ مئات الصفحات. وقد صرفنا النظر عن ذلك، لأنه يخل إخلالاً كبيراً في سياق الكتاب، فلا محيص عن الإحالة، فإنها أفضل من الإسهاب والإطالة.
سماه علي (عليهالسلام ) حرباً:
وروى أحمد بن حنبل في مسنده، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هاني بن هاني، عن علي "عليهالسلام "، قال:
"لما ولد الحسن سميته حرباً.
فجاء رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فقال: أروني ابني ما سميتموه؟!
قال: قلت: حرباً.
قال: بل هو حسن.
فلما ولد الحسين سميته حرباً.
فجاء رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فقال: أروني ابني ما سميتموه؟!
قال: قلت: حرباً.
قال: بل هو حسين.
فلما ولد الثالث سميته حرباً.
فجاء النبي "صلىاللهعليهوآله "، فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟!
قلت: حرباً.
قال: بل هو محسن.
ثم قال: سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر، وشبير، ومشبر(1) .
وهذه الرواية صحيحة السند عند بعض المسلمين، غير أننا نقول:
إنهم أرادوا أن تحقق لهم هذه الرواية ما يلي:
____________
1- راجع: مسند أحمد ج1 ص98 و 118 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص166 ومجمع الزوائد ج8 ص52 والأدب المفرد للبخاري ص177 والذرية الطاهرة = = النبوية للدولابي ص99 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص96 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج1 ص384 وكنز العمال ج13 ص660 و 664 وإكمال الكمال ج7 ص254 و 255 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص170 وج14 ص118 وأسد الغابة ج2 ص10 و 18 وج4 ص308 وتهذيب الكمال ج6 ص223 والإصابة ج6 ص191 وتاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص94 وترجمة الإمام الحسن "عليهالسلام " (تحقيق المحمودي) لابن عساكر ص16 و 30 وترجمة الإمام الحسن "عليهالسلام " من طبقات ابن سعد ص34 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص254 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص492 وج19 ص183 و 273 وج26 ص13 وج33 ص401.
1 ـ إثارة الشبهة حول مدى انسجام خلق رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، مع خلق علي بن أبي طالب، حيث أظهرت إصرار علي "عليهالسلام " في مرات ثلاث على أن يسمي مولوده حرباً، وإصرار الرسول على خلافه.
2 ـ الإيحاء بأنه "عليهالسلام " كان يعيش في عمق وجدانه هاجس الحرب والقتال، لتكون نتيجة ذلك ـ بصورة ظاهرها العفوية ـ أنه يحب ويشتهي ـ ربما إلى حد الشره ـ ممارسة قتل الناس، وإزهاق أرواحهم.
مما يعني: أن حروبه في عهد رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".. وبعده لم تكن بدوافع دينية ومن منطلق الإحساس بالتكليف الشرعي الإلهي.. ولا كانت القضية قضية تضحية وفداء، وبذل وعطاء في سبيل الله تعالى.. بقدر ما هي خلق وسجية ودموية لا مبرر لها..
وبذلك يصبح حقد الناس عليه، ونفورهم منه مبرَّراً إلى حد كبير
3 ـ إن هذه الرواية تسعى إلى حل مشكلة هامة يعيشها الفريق المناوئ لعلي "عليهالسلام " وهي: أن وجود محسن بن علي بن أبي طالب في جملة أولاد الزهراء "عليهاالسلام " كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، فليس من السهل تجاهله أو إنكاره.
وما يحرج هؤلاء هو: أن عمر بن الخطاب قد هاجم بيت الزهراء "عليهاالسلام "، وأسقط جنينها هذا المسمى بمحسن، وذلك حين اغتصبوا الخلافة من علي "عليهالسلام " فور وفاة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "..
فأراد هؤلاء أن يتخلصوا من تبعات هذه القضية بصورة ذكية، تحمل
في طياتها إنكاراً مبطناً، وإبطالاً لمقولات إسقاط الجنين، بإدعاء أن محسناً قد ولد ومات في حياة رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بدليل: أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " هو الذي سماه محسناً..
فيكون هؤلاء قد جمعوا بزعمهم بين كون المحسن هو ابن علي والزهراء "1
"، وبين تسمية النبي "صلىاللهعليهوآله " له، وبين حفظ ماء وجه الخلفاء، بإبعاده عن ساحة الصراع، وادعاء أنه ولد ومات في حياة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "..
وقد تلقف المهتمون بتبرئة الخلفاء هذه الرواية، وأخذوا مضمونها، وأرسلوه إرسال المسلمات.. ولكنهم غفلوا عما يلي:
1 ـ إن الروايات تؤكد على: أن علياً "عليهالسلام " لا يمكن أن يقدم على تسمية ولده قبل تسمية رسول الله له.. وقد سبق أن سأله "صلىاللهعليهوآله " حين ولادة الإمام الحسن، إن كان قد سماه، فقال له "عليهالسلام ": ما كنت لأسبقك باسمه.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": ما كنت لأسبق ربي باسمه(1) . فإنها هي
____________
1- راجع: الأمالي للصدوق ص197 وعلل الشرائع ج1 ص137 ومعاني الأخبار ص57 وبحار الأنوار ج43 ص238 و 239 و 240 وج44 ص250 وج101 ص111 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص340 و 343 و 344 وغاية المرام ج2 ص85 و 113 ومستدرك الوسائل ج15 ص144 والأمالي للطوسي ص367 والجواهر السنية للحر العاملي ص238 وراجع: مسند زيد بن علي ص467 وعيون أخبار الرضا "عليهالسلام " ج1 ص29 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص189 والعوالم، الإمام الحسين."عليهالسلام " للبحراني ص20 و 141 ومسند الإمام الرضا "عليهالسلام " للعطاردي ج1 ص149 وإعلام الورى ج1 ص427 وحياة الإمام الرضا "عليهالسلام " للقرشي ج1 ص250 و 251 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص217.
المتوافقة مع خُلق علي "عليهالسلام " في تعامله مع النبي "صلىاللهعليهوآله "، حيث كان يتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، فكان يرفع له كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمره باتباعه.
فلماذا يخل علي "عليهالسلام " بهذه القاعدة؟!
وما الذي دعاه إلى تغيير رأيه في هذا الأمر، هل لأنه لم يعد لرسول الله قيمة عنده، حتى صار يسبقه بتسمية أبنائه؟!
2 ـ إذا كان الله تعالى قد أخبر رسوله "صلىاللهعليهوآله " بأن علياً مثل هارون، فعليه أن يسمي ولده باسم ولد هارون، فقد كان عليه أن يسأل رسول الله "صلىاللهعليهوآله " عند ولادة كل طفل عن أسماء ولد هارون ليسمي ولده باسمه.
إلا إذا فرضنا: أن ما يخبر الله تعالى بوقوعه لا يفترض أن يقع وفق ما أخبر به. وهذا ـ والعياذ بالله كفر ـ لا يمكن أن يصدر عن أهل الإيمان..
بل لو سلمنا: أنه "عليهالسلام " قد سمى ولده حرباً في أول الأمر، فجاء الرسول فغير اسمه، فإن المفروض هو أن يتوقف علي "عليهالسلام " عن تسمية ولده في المرة الثانية حتى يراجع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "..
ولنفترض: أنه تسامح في ذلك، واعتبر أن الأمر لم يكن يفرض التوقف عنده، فإن تغيير الاسم في المرة الثانية لا بد أن يكون حاسماً في منع علي "عليهالسلام " من الإقدام على تسمية مولوده الثالث قبل معرفة موقف رسول الله "صلىاللهعليهوآله " منه..
3 ـ روى الكليني عن: العدة، عن أحمد بن محمد، عن القاسم، عن جده، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله "عليهالسلام ": إن أسقاطكم إذا لقوكم يوم القيامة، ولم تسموهم يقول السقط لأبيه: ألا سميتني؟! وقد سمى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " محسناً قبل أن يولد(1) .
4 ـ تسمية رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لمحسن وهو حمل ليس أمراً مبهما، بل هو متداول، ومصرح به من قبل العلماء، والمحدثين والمؤلفين
____________
1- الكافي ج6 ص18 وعوالم العلوم ج11 ص411 وبحار الأنوار ج43 ص195 وج10 ص112 وج101 ص128 والخصال ج2 ص634 وعلل الشرايع ج2 ص464 وجلاء العيون ج1 ص222 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج21 ص387 و (ط دار الإسلامية) ج15 ص121 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص331 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص72 وج10 ص448.
فراجع(1) ..
5 ـ إنهم يقولون: إن الناس قبل وبعد ولادة الإمام الحسن "عليهالسلام " كانوا يأتون بأبنائهم فور ولادتهم إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ليحنكهم بريقه، وليسميهم لهم.
ويقال: إن من الذين سماهم رسول الله "صلىاللهعليهوآله " قبل وبعد ولادة الإمام الحسن "عليهالسلام " وبعده الأشخاص التالية أسماؤهم:
1 ـ عبد الله بن الزبير(2) .
____________
1- تاج المواليد (انتشارات بصيرتي ـ قم) ص23 و 24 والإرشاد للمفيد ج1 ص355 وإعلام الورى ص203 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص396 وكشف الغمة ج2 ص67 وراجع: المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص140 وبحار الأنوار ج42 ص89 و 90 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص561 وراجع: العمدة لابن بطريق ص30 والتتمة في تواريخ الأئمة ص39 (ط سنة 1412) وكفاية الطالب ص413 وجلاء العيون ج1 ص193 ومرآة العقول ج5 ص318 وتراجم أعلام النساء ج2 ص321 ونوادر الأخبار للكاشاني ص183 وعلم اليقين ص686 و 688.
2- المستدرك للحاكم ج3 ص548 وشرح الأزهار (المقدمة) ص26 وفتح الباري ج7 ص195 وعمدة القاري ج17 ص51 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص460 الإصابة ج2 ص309 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج2 ص301 وراجع ص302 والمعجم الكبير ج24 ص80 و 126 وكنز العمال ج13 ص478 وتاريخ مدينة دمشق ج28 ص152 و 154.
2 ـ محمد بن ثابت بن قيس بن شماس(1) .
3 ـ محمد بن طلحة بن عبيد الله التميمي(2) .
4 ـ سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي(3) .
5 ـ عبد الله بن أبي طلحة(4) .
____________
1- المحلى ج10 ص107 والإصابة ج6 ص195 (ط الكتب العلمية) وسبل الهدى والرشاد ج10 ص41 وسير أعلام النبلاء ج1 ص312 وتهذيب الكمال ج14 ص552 والتاريخ الكبير ج1 ص51 والثقات ج3 ص364 وتاريخ مدينة دمشق ج52 ص172 و 173 و 176.
2- المجموع ج19 ص201 والثقات ج3 ص364 وتعجيل المنفعة ص366 ومن له رواية في مسند أحمد ص375.
3- مشاهير علماء الأمصار ص75.
4- مواهب الجليل ج4 ص391 والمغني ج11 ص125 والشرح الكبير ج3 ص590 ونيل الأوطار ج5 ص229 ومسند أحمد ج5 ص75 وج18 ص431 و 432 و 433 ومسند أبي يعلى ج6 ص126 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص113 وإمتاع الأسماع ج2 ص215 وج12 ص23 و 24 و 25 والمجموع ج8 ص434 و 435 ومسكن الفؤاد ص68 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج6 ص216 وصحيح مسلم ج6 ص174 (دار الفكر) وسنن أبي داود ج2 ص466 وسنن البيهقي ج4 ص66 وفتح الباري ج20 ص484 وعمدة القاري ج21 ص85 ومسند أبي داود الطيالسي ص274 والأدب المفرد ص268 والأذكار النووية ص287 ورياض الصالحين ص83 وتارخ مدينة دمشق ج19 ص402 وأسد الغابة ج3 ص189 وتهذيب الكمال ج15 ص133.
6 ـ أبو امامة بن سهل(1) .
7 ـ عبد الله بن عباس(2) .
8 ـ إبراهيم بن موسى الأشعري(3) .
9 ـ عبد الله بن مطيع(4) .
10 ـ علي بن أبي رافع(5) .
____________
1- أسد الغابة ج5 ص566 وتهذيب التهذيب ج1 ص231.
2- ذخائر العقبى ص226 و 236 ومجمع الزوائد ج5 ص187 والمعجم الأوسط ج9 ص102 وإمتاع الأسماع ج12 ص300 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص73 والسيرة الحلبية ج1 ص314.
3- المجموع ج8 ص435 وشرح النووي لصحيح مسلم ج14 ص125 وتغليق = = التعليق ج5 ص174 والثقات ج3 ص20 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص19 والإصابة ج1 ص96.
4- الإصابة ج3 ص81.
5- الإصابة ج3 ص65.
11 ـ عبد الملك بن نبيط بن جابر(1) .
12 ـ محمد بن نبيط بن جابر(2) .
إلى آخر القائمة الطويلة التي لا نرى حاجة لإستقصائها وإيرادها هنا.
وبعد ما تقدم نقول:
ما بال علي "عليهالسلام "، الذي كان يتبع رسول الله "صلىاللهعليهوآله " اتباع الفصيل إثر أمه لا يهتم لرسول الله "صلىاللهعليهوآله " في خصوص هذا المورد، بل يبادر إلى تسمية مولوده، دون انتظار أمره، وقبل أن يراه "صلىاللهعليهوآله "؟!.
أتراه كان يرى أن مراجعة النبي "صلىاللهعليهوآله " في هذا الأمر غير مستحبة ولا مرغوب فيها؟!
أم أنه كان أحرص الناس عليه، وأسبقهم إليه، وفقاً لقوله: ما كنت لأسبقك باسمه؟!
أم يعقل أن يكون هؤلاء الذين ذكرناهم وسواهم كانوا أشد توقيراً للنبي "صلىاللهعليهوآله "، وأكثر طلباً للبركة منه من علي "عليهالسلام "؟!
____________
1- الإصابة ج3 ص74.
2- الإصابة ج3 ص477.
الفصل الثامن :
سد الأبواب.. إلا باب علي (عليهالسلام )..
سد الأبواب الشارعة في المسجد:
وفي السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة أمر النبي "صلىاللهعليهوآله " بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب علي "عليهالسلام "..
ويبـدو أن ذلـك قـد أحـدث هـزة عنيفـة بين المسلمين، لا سيـما وأنه ـ بنظرهم ـ قد أجاز له أن يدخل المسجد في كل الحالات، كما صرحت به النصوص. وهو تأويل عمليٌ لآية التطهير وتكريس عمليٌ لها.
مع أن بإمكانهم أن يستفيدوا من هذه القضية بالإضافة إلى آية التطهير إن الجنابة الموجب للعجز عن دخول المسجد لا تتحقق بالنسبة للمعنيين بالآية، ومن أجاز النبي لهم الدخول إلى المسجد في جميع الأحوال.
ومهما يكن من أمر، فقد قال الناس في ذلك ـ ولا سيما قريش ـ : سددت أبوابنا، وتركت باب علي "عليهالسلام "؟!
فقال: ما بأمري سددتها، ولا بأمري فتحتها.
أو قال: ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي وتركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي.
أو ما هو قريب من هذا.
وفي بعض النصوص: أنه "صلىاللهعليهوآله " صعد المنبر وقال ذلك، وهو في حالة غضب، بعد أن عصوا أمره مرتين، ولم يطيعوه إلا في الثالثة.
وهذا الغضب والحنق منه قد أيدته وأكدته النصوص الكثيرة، فلا مجال للتشكيك فيه.
ويقولون: إن حمزة خرج يجر قطيفة حمراء، وعيناه تذرفان يبكي، فقال له "صلىاللهعليهوآله ": ما أنا أخرجتك وأنا أسكنته، ولكن الله أسكنه(1) .
____________
1- راجع النصوص المتقدمة في المصادر التالية: مسند أحمد ج4 ص369 وج2 ص26 وج1 ص175 و 331 ومجمع الزوائد ج9 ص114 و 115 و 120 والخصائص للنسائي ص72 ـ 75 ومستدرك الحاكم ج3 ص125 و 117 و 134 وتلخيصه للذهبي (بهامشه)، والقول المسدد ص19 ـ 26 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص204 ومعرفة علوم الحديث ص99 ونزل الأبرار ص69 وفتح الباري ج7 ص12 ـ 14 وإرشاد الساري ج6 ص84 و 85 ووفاء الوفاء للسمهودي ج2 ص474 ـ 480 وبحار الأنوار ج39 ص19 ـ 34 عن كثير من المصادر، والبداية والنهاية ج7 ص342 واللآلي المصنوعة ج1 ص346 و 354 والصواعق المحرقة ص121 و 122 و 125 والمناقب للخوارزمي ص214 و 235 و 238 وفرائد السمطين ج1 ص205 ـ 208 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي 252 و 261 وسنن الترمذي ج5 ص639 ـ 641 وكنز العمال ج15 ص96 و 101 و 120 و 155 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص106 والإصابة ج2 ص509 وفضائل الخمسة ج1 ص231 وج2 ص149 ـ 157 وحلية الأولياء ج4 ص153 والطرائف لابن طاووس60 ـ 63 وترجمة الإمام علي >عليهالسلام < من= = تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص252 ـ 281 و 327 و 219 وكفاية الطالب ص201 ـ 204 وتذكرة الخواص ص41 وتاريخ بغداد ج7 ص205 والدر المنثور ج3 ص314 وعلل الشرايع ص201 و 202 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص330 ـ 335 وينابيع المودة ص283 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج5 ص29 وذخائر العقبى ص76 و 77 و 87 ولسان الميزان ج4 ص165 وراجع: سنن البيهقي ج7 ص65 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص195 والغدير ج3 ص201 ـ 215 وج10 ص68 عن غير واحد ممن تقدم، وإحقاق الحق (الملحقات) ج5 من ص540 حتى ص586 عن كثير ممن تقدم وعن الحاوي للفتاوى ج2 ص15 وغيره من المصادر.
وقد نقلنا بالواسطة عن: غاية المرام ص640 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص421 والكشاف ج1 ص366 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص248 وأخبار القضاة ج3 ص149 والخصائص الكبرى ج2 ص243 ورواه أيضاً: الطبراني في الكبير والأوسط، وأبا يعلى، وسعيد بن منصور، والضياء في المختارة، والكلاباذي، والبزار، والعقيلي، وابن السمان، وكثير غيرهم .
بل في نص آخر: أنه "صلىاللهعليهوآله " قال لعلي: انطلق فمرهم فليسدوا أبوابهم، قال: فانطلقت فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة فقلت: يا
رسول الله، فعلوا إلا حمزة.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": قل لحمزة: فليحول بابه.
فقلت: إن رسول الله يأمرك أن تحول بابك، فحوله، فرجعت إليه وهو قائم يصلي.
فقال: ارجع إلى بيتك(1) .
بل في بعض الروايات: أن منادي رسول الله "صلىاللهعليهوآله " أمرهم بسد أبوابهم، فلم يقم أحد، وفي الثالثة: خرج فقال: سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرجوا مبادرين.
وخرج حمزة يجر كساءه..
إلى أن تقول الرواية: فقالوا: سد أبوابنا وترك باب علي، وهو أحدثنا؟!
فقال بعضهم: تركه لقرابته.
فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرضاعة، وعمه إلخ..(2) .
____________
1- كنز العمال ج15 ص155 و 156 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص175 عن البزار، ووفاء الوفاء ج2 ص478 ومجمع الزوائد ج9 ص115 بإسناد رجاله ثقات، إلا حبة العرني وهو ثقة، وذكره الأميني في الغدير ج3 ص208 عن المجمع، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص346 و (ط دار المعرفة) ج3 ص460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص349 وج23 ص91 و 96.
2- وفاء الوفاء ج2 ص478 و 479 عن ابن زبالة، ويحيى، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص566 عن تاريخ المدينة المنورة (ط مصر) ج1 ص339 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص180.
هذا هو إجمال القصة، وقد يجد المتتبع خصوصيات متناثرة في المصادر المختلفة، ولكنها لا تخلو ـ عموماً ـ من هنات تجعل الإهتمام بها غير مطلوب.
غير أننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
رواة الحديث، ومدى اعتباره:
يقول الجويني: "حديث (سد الأبواب) رواه نحو من ثلاثين رجلاً من الصحابة، أغربها حديث عبد الله بن عباس"(1) .
وقد روى له السيوطي فقط حوالي أربعين طريقاً على ما قاله الحجة الشيخ المظفر(2) .
وممن رواه من الصحابة: علي "عليهالسلام "، عمر بن الخطاب، ولده عبد الله، زيد بن أرقم، البراء بن عازب، عبد الله بن عباس، أبو سعيد الخدري، جابر بن سمرة، أبو حازم الأشجعي، جابر بن عبد الله، عائشة، سعد بن أبي وقاص، أنس بن مالك، بريدة، أبو رافع مولى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، حذيفة بن أسيد الغفاري، ابن مسعود، أبو ذر الغفاري، أم
____________
1- فرائد السمطين ج1 ص208 وغاية المرام ج6 ص242.
2- دلائل الصدق ج2 ص266.
سلمة أم المؤمنين. ورواه أيضاً: عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو الحمراء، وحبة العرني، وكيسان البراد، وغيرهم(1) .
النواصب وحديث سد الأبواب:
وبعد ما تقدم، لا يصغى لقول ابن الجوزي، وابن كثير، وابن تيمية: إن حديث سد الأبواب ليس بصحيح.
أو أنه من وضع الرافضة(2) .
فإن تواتر هذا الحديث في كتب أهل السنة، وتصحيح حفاظهم لكثير من طرقه، ورواية العشرات من الصحابة له، أي نحو ثلاثين صحابياً وربما أكثر. إن ذلك لا يمكن أن يخفى على أحد.
وإذا جاز: أن يضع الرافضة مثل هذا الحديث، ويدخلوه في عشرات الكتب والمسانيد، فإنه لا يمكن الوثوق بعد هذا بأي حديث، ولا كتاب، ولا بأي حافظ من أهل السنة.
هذا بالإضافة إلى ما في هذه الدعوى من رمي أمة بأسرها بالبله
____________
1- راجع الهامش المتقدم قبل صفحتين الموضوع في ذيل قوله: "ولكن الله أسكنه".
2- اللآلي المصنوعة للسيوطي ج1 ص347 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص501 والبحر الرائق ج1 ص341 وتذكرة الموضوعات ص94 ومنهاج السنة ج3 ص9 والقول المسدد ص19 و 11 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص363 ـ 367 وفتح الباري ج7 ص13 عن ابن الجوزي، ووفاء الوفاء ج2 ص476.
والتغفيل الذي لا غاية بعده.
ويكفي أن نذكر: أن العسقلاني بعد أن ذكر ستة من الأحاديث في سد الأبواب إلا باب علي، قال: "وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وكل طريق منها صالح للإحتجاج، فضلاً عن مجموعها"(1) .
ثم ذكر: أن ابن الجوزي لم يورد الحديث إلا من طريق سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته(2) .
وقال العسقلاني أيضاً بعد أن ذكر بعض طرقه: "فهذه الطرق المتظاهرة (المتضافرة) من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية، وهذه غاية نظر المحدث"(3) .
وقال: "فكيف يدَّعى الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم؟! ولو فتح هذا الباب لادُّعي في كثير من الأحاديث الصحيحة
____________
1- فتح الباري ج7 ص13 وراجع: إرشاد الساري ج6 ص85 وراجع: القول المسدد ص20 ووفاء الوفاء ج2 ص476 والغدير ج3 ص209 وتحفة الأحوذي ج10 ص112 وفيض القدير ج1 ص120.
2- فتح الباري ج7 ص13.
3- القول المسدد ص23 و (ط عالم الكتاب) ص30 واللآلي المصنوعة ج1 ص350 عنه باختلاف يسير في اللفظ، والغدير ج3 ص211 وغاية المرام ج6 ص244.
البطلان، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون"(1) .
تاريخ هذا الحدث:
قد يقال: إن ذكر العباس في عدد من روايات هذا الحدث يدل على أنه إنما حصل بعد فتح مكة.. فمن الروايات التي تضمنت ذكر العباس نذكر:
1 ـ روي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " حين أخرج العباس وغيره من المسجد قال العباس: تخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك، وتسكن علياً؟!
فقال له "صلىاللهعليهوآله ": ما أنا أخرجتكم وأسكنته، بل الله أخرجكم وأسكنه(2) .
____________
1- القول المسدد ص24 و 25 و (ط عالم الكتاب) ص32 وراجع ص19 وعنه في اللآلي المصنوعة ج1 ص350.
2- المستدرك للحاكم ج3 ص117 وراجع: وفاء الوفاء ج2 ص479 عن يحيى، وكشف الغمة ج1 ص332 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص104 والغدير ج1 ص39 وج3 ص206 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص401 و 458 وأعيان الشيعة ج1 ص445 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص451. وراجع: الخصال ص559 وبحار الأنوار للمجلسي ج31 ص323 والمراجعات ص218.
2 ـ وثمة رواية عن علي "عليهالسلام " تذكر العباس(1) .
3 ـ هناك رواية ثالثة عن جابر بن سمرة تقول: إن العباس طلب أن يترك له النبي "صلىاللهعليهوآله " قدر ما يدخل هو وحده ويخرج.. فلم يرض، بل سدها غير باب علي..
قال: وربما مر وهو جُنب(2) .
4 ـ رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص تذكر العباس أيضاً(3) .
____________
1- راجع: كنز العمال ج15 ص155 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص175 واللآلي المصنوعة ج1 ص351 ومجمع الزوائد ج9 ص114 ومنتخب الكنز (بهامش مسند أحمد) ج5 ص55 والغدير ج3 ص208 وعن مسند البزار ج2 ص144.
2- المعجم الكبير للطبراني ج2 ص246 ومجمع الزوائد ج9 ص114 و 115 عن = = الطبراني بسند فيه ناصح، وهو متروك، والقول المسدد ص23 و (ط عالم الكتاب) ص30 ووفاء الوفاء ج2 ص480 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص459 والغدير ج3 ص206 عن بعض من تقدم، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص346 وراجع: نزل الأبرار ص69 وإحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص555 عن مصادر أخرى..
3- خصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص74 و 75 وكشف الغمة ج1 ص340 واللآلي المصنوعة ج1 ص346 والعمدة لابن البطريق ص180 والغدير ج3 ص207 وأعيان الشيعة ج1 ص353 ونهج الإيمان ص439 وغاية المرام ج6 ص237 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص559 وج16 ص340 وج21 ص248 و 249 وج22 ص573 وج31 ص140.
5 ـ رواية عن أبي الطفيل لمناشدة علي "عليهالسلام " لأهل الشورى ذكر علي "عليهالسلام " فيها اعتراض حمزة والعباس(1) .
ونقول:
إننا نلاحظ على ما تقدم:
1 ـ أن الرواية الأخيرة لا تصح:
أولاً: لأن العباس لم يكن في المدينة منذ هاجر حمزة إلى حين استشهاده "عليهالسلام " إلى فتح مكة، فلا معنى لذكرهما معاً في الرواية.
ثانياً: إن روايات المناشدة الأخرى لم تذكر العباس..
2 ـ بالنسبة لرواية سعد بن أبي وقاص نلاحظ: أن نصاً آخر لها لم يصرح باسم العباس، بل عبرت بكلمة "عمه" فقط(2) . فلعل المقصود به
____________
1- المناقب للخوارزمي ص225 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص315 والطرائف لابن طاووس ص413 وكتاب الأربعين للشيرازي ص221 وكتاب الأربعين للماحوزي ص433 والغدير ج3 ص213 ومناقب علي بن أبي طالب "عليهالسلام " لابن مردويه ص129 و 132 وغاية المرام ج5 ص79 وج6 ص6 وسفينة النجاة للتنكابني ص362 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص30.
2- خصائص أمير المؤمنين "عليهالسلام " للنسائي ص74 و 75 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص118 واللآلي المصنوعة ج1 ص346 والغدير ج3 ص207 وأعيان الشيعة ج1 ص353 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص558 وج21 ص247 و 248 وج22 ص573 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص363.
حمزةرحمهالله .
3 ـ إن لرواية جابر بن سمرة نصاً آخر يقول: إن رجلاً قال ذلك، من دون تصريح بالاسم أيضاً(1) .
فلعل الرواة الذين نقلوا عن سعد، وعن جابر اجتهدوا في هذا الأمر من عند أنفسهم. أو أنه هو الذي سبق إلى ذهن الرواة، لأنس أذهانهم به.
4 ـ إننا نستبعد أن يترك النبي "صلىاللهعليهوآله " الصحابة حوالي ثمان سنوات يمرون في المسجد في حال الجنابة.
5 ـ بعض الروايات ذكرت: أنه "صلىاللهعليهوآله " أرسل إلى أبي بكر وعمر يأمرهما بسد أبوابهما، ففعلا، ثم "أرسل إلى عثمان ـ وعنده رقية ـ فقال: سمعاً وطاعة، ثم سد بابه.."(2) .
____________
1- وفاء الوفاء ج2 ص479 و 480 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص556 وج16 ص342.
2- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص254 و 255 والطرائف لابن طاووس ص62 وكشف الغمة ج1 ص331 و 332 و (ط دار الأضواء) ج1 ص339 ونهج الإيمان ص437 وكشف اليقين ص209 و 210 وغاية المرام ج6 ص236 والصراط المستقيم ج1 ص232 وبحار الأنوار ج39 ص31 والعمدة لابن البطريق ص178 وكتاب الأربعين للماحوزي ص446 وإحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص568 و 569 وج16 ص355 عن المناقب لعبد الله الشافعي، وعن أرجح المطالب ص415 عن ابن مردويه وابن المغازلي.
وذلك يدل على أن سد الأبواب كان قبل واقعة بدر، لأنها "رحمها الله" إنما توفيت بعد بدر مباشرة على الأشهر، أو في ذي الحجة(1) .
7 ـ والأهم من ذلك ما روي عن عدد من الصحابة من ذكر حمزة بن عبد المطلب في هذا المورد، وهو إنما استشهد في واقعة أحد..
مما يعني: أن هذا الحدث قد حصل قبل استشهاده.. وحيث لم يكن العباس في المدينة..
فقد ورد ذكر اسم حمزة في رواية:
1 ـ عن علي(2) ..
____________
1- راجع: كتابنا الصحيح من سيرة النبي (الطبعة الرابعة) ج5 ص228 و (الطبعة الخامسة) ج6 ص170.
2- الغدير ج3 ص208 عن أبي نعيم في فضائل الصحابة. ورواه السمهودي في وفاء الوفاء ج2 ص477و 478 عن يحيى من طريق ابن زبالة وغيره، عن عبد الله بن مسلم الهلالي، عن أخيه، واللآلي المصنوعة ج1 ص352 وكنز العمال ج15 ص155 و 156 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص175 عن البزار، ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص463 ومجمع الزوائد ج9 ص115 بإسناد رجاله ثقات، إلا حبة العرني وهو ثقة، والغدير ج3 ص209 عن المجمع، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص346 و (ط دار المعرفة) ج3 ص460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص349 وج23 ص91 و 96.
2 ـ عن سعد بن أبي وقاص(1) ..
3 ـ عن أبي الحمراء، وحبة العرني(2) ..
4 ـ عن حذيفة بن أسيد(3) ..
5 ـ عن أحد الصحابة(4) ..
____________
1- إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص560 عن أرجح المطالب (ط لاهور) ص421 عن أبي سعد في شرف النبوة، واللآلي المصنوعة ج1 ص346.
2- الدر المنثور ج6 ص122 والإصابة ج1 ص373 و (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص141 ومناقب علي بن أبي طالب "عليهالسلام " لابن مردويه ص326 وإحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص347 وفضائل الخمسة ج2 ص149.
3- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص254 و 255 والطرائف لابن طاووس ص62 = = وكشف الغمة ج1 ص331 و 332 والعمدة لابن البطريق ص178 وغاية المرام ج6 ص236 وإحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص568 و 569 عن المناقب لعبد الله الشافعي وعن أرجح المطالب ص415 عن ابن مردويه وابن المغازلي.
4- وفاء الوفاء ج2 ص478 و 479 عن ابن زبالة، ويحيى.
إعتراض حمزة:
وقد ذكرت بعض الروايات اعتراضات لحمزة، لا نظن أنها صدرت منه، بل نحن نقطع بعدم صدور بعضها، مثل:
1 ـ قوله: أخرجت عمك، وأبا بكر، وعمر، والعباس، وأسكنت ابن عمك(1) .
فإن ذكر العباس لا يصح، لأنه كان في مكة.. كما أن ذكر أبي بكر وعمر دون سائر الذين أخرجهم لا مبرر له.. وادعاء أن لهما مكانة خاصة اقتضت تخصيصها بالذكر غير ظاهرة، بل هي مجرد تخمين، وتخرّص..
2 ـ ما ذكرته رواية أخرى: من أنه لما أمر علي الناس بسد أبوابهم، كلهم فعلوا إلا حمزة، فأخبر النبي "صلىاللهعليهوآله " بذلك، فقال: قل لحمزة أن يحول بابه..
____________
1- الدر المنثور ج6 ص122 والإصابة ج1 ص373 وكشف الغمة ج1 ص327 ومناقب علي بن أبي طالب "عليهالسلام " لابن مردويه ص326 وكشف اليقين ص379 وبحار الأنوار ج36 ص118 وراجع: ج38 ص190 وج39 ص28 وإحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص348 عن أرجح المطالب، وراجع ج5 ص560 وج21 ص254 وفضائل الخمسة ج2 ص149. وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص463 وإعلام الورى ج1 ص320.
فقال له ذلك فحوله(1) .
يشير إلى أن حمزة قد اعتبر أنه غير معني بهذا الأمر، لأن النبي "صلىاللهعليهوآله " يقصد غيره، فلما علم أنه أيضاً مراد ومقصود، لم يتردد في امتثال الأمر..
3 ـ تزعم بعض الروايات: أن حمزة لما سمع أن النبي "صلىاللهعليهوآله " قال لعلي: اسكن طاهراً مطهراً، قال: يا محمد، تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب(2) .
____________
1- كنز العمال ج15 ص155 و 156 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص175 عن البزار، ووفاء الوفاء ج2 ص478 ومجمع الزوائد ج9 ص115 بإسناد رجاله ثقات، إلا حبة العرني وهو ثقة، وذكره الأميني في الغدير ج3 ص208 عن المجمع، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص346 و (ط دار المعرفة) ج3 ص460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص349 وج23 ص91 و 96.
2- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص254 و 255 والطرائف لابن طاووس ص62 وكشف الغمة ج1 ص331 و 332 و (ط دار الأضواء) ج1 ص339 والصراط المستقيم ج1 ص232 وبحار الأنوار ج39 ص32 وكتاب الأربعين= = للماحوزي ص447 و 448 وغاية المرام ج6 ص236 ومناقب علي بن أبي طالب "عليهالسلام " لابن مردويه ص144 والعمدة لابن البطريق ص178 وكشف اليقين ص210 ونهج الإيمان ص437 و 438 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص568 و 569 وج16 ص355 عن المناقب لابن المغازلي، وعن أرجح المطالب ص415.
ونحن نقطع بكذب هذه الرواية، فإن حمزة لا يخاطب النبي بيا محمد، ولا يوجه إليه هذا الخطاب البعيد عن الأدب والمتضمن لتخطئته "صلىاللهعليهوآله " فيما أقدم عليه.
كما أنه لم يكن ليوجه أية إهانة لعلي "عليهالسلام " فيعتبره من الغلمان.. وهو رجل كامل عمره حوالي ست وعشرين سنة، وقد فعل في بدر بالمشركين ما لا يجهله حمزة ولا غيره.
ولم تخف عن حمزة تضحياته في شعب أبي طـالب، وفي ليلة الهجرة.. كما أنه قد سمع النبي "صلىاللهعليهوآله " يقول له يوم إنذار عشيرته الأقربين: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي إلخ..
فهو يعرف مكانة علي وموقعه، وقد رأى أثره وجهاده قبل الهجرة وبعدها..
إن قلت: الغلام يطلق على الكبير والصغير. فالجواب: المقصود هنا الإهانة والتحقير والتصغير، مقابل شيوخ وكهول قريش..
ولم يكن يقصد: أنه "عليهالسلام " غلام لم يبلغ الحلم، فقد كان عمره آنئذ حوالي ست وعشرين سنة. لأن علياً "عليهالسلام " قد أسلم وعمره عشر سنوات، وأقام النبي "صلىاللهعليهوآله " بمكة ثلاث عشرة سنة،
يضاف إليها ثلاث سنوات بعد الهجرة، حيث أمر النبي "صلىاللهعليهوآله " بسد الأبواب.
الرواية الأقرب إلى القبول:
وجاء في رواية تقدمت: أن منادي النبي "صلىاللهعليهوآله " خرج يأمرهم بسد أبوابهم، فلم يقم أحد.. وفي الثالثة خرج فقال: سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب بجر كساءه، إلى أن تقول:
فقالوا: سد أبوابنا وترك باب علي، وهو أحدثنا؟!
فقال بعضهم: تركه لقرابته.
فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرضاعة، وعمه إلخ(1) ..
فقد دلت هذه الرواية: على أن حمزة لم يكن من المعترضين، وعلى أن ثمة تمرداً خطيراً من غيره احتاج "صلىاللهعليهوآله " معه إلى التهديد بنزول العذاب..
ودلت على أن المعترضين كانوا من أهل السِّن من المهاجرين، وهم
____________
1- وفاء الوفاء ج2 ص478 و 479 عن يحيى وابن زبالة، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص566 عن تاريخ المدينة المنورة (ط مصر) ج1 ص339 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص180.
الذين ذكروا اسم حمزة، وجعلوا من قرابته للنبي ذريعة لتسجيل إدانة لرسول الله "صلىاللهعليهوآله "..
ومن الواضح: أن ما استدل به هؤلاء، وهو حداثة السن والقرابة من رواسب الجاهلية، وهو منطق أدانه الإسلام، لأنه يقوم على معايير خاطئة ومرفوضة، لأنهم جعلوا المعيار هو السن تارة، والقربى النسبية أخرى، في حين أن الله تعالى يقول:( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (1) .
ولست أدري كيف يطالب هؤلاء بالحصول على الإمتيازات لأنفسهم دون علي، وهم لم يقدموا بعد أية تضحية في سبيل هذا الدين.. في حين أن علياً "عليهالسلام " قد نام على فراش النبي ليلة الهجرة، وكان ينام على فراشه في شعب أبي طالب سنوات طويلة، راضياً بأن يعرض نفسه لأخطار الإغتيال، كما أنه في بدر ـ إن كانت هذه القضية بعد بدر ـ قد قتل نصف قتلى المشركين، وشارك في قتل النصف الآخر..
ولم نسمع لهؤلاء أن لهم أي أثر في جهاد الأعداء، وأية تضحية في سبيل هذا الدين.. بل سمعنا عنهم خلاف ذلك.. ولا نريد أن نقول أكثر من هذا.
غير أن لنا على هذه الرواية ملاحظة، وهي أنها تقول: إن حمزة كان أخا للنبي "صلىاللهعليهوآله " من الرضاعة.. ونحن نشك في ذلك، لأن
____________
1- الآية 13 من سورة الحجرات.
الروايات تقول: إن أولاد عبد المطلب العشرة قد ولدوا له وكبروا، وصاروا رجالاً قبل زواج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بنت وهب.. مع كون عبد الله هو الولد الأصغرلعبد المطلب.
سد الأبواب إلا باب أو خوخة أبي بكر:
وذكروا: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " أمر بسد الأبواب في المسجد إلا باب أبي بكر.
وفي نص آخر: إلا خوخة أبي بكر(1) .
ففي البخاري، عن ابن عباس: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر(2) .
____________
1- البحر الرائق ج1 ص341 والصوارم المهرقة ص102 والغدير ج3 ص209 و 214 وتحفة الأحوذي ج10 ص209 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص613 وتغليق التعليق ج4 ص57 والعهود المحمدية ص541 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص206 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص513 والثقات لابن حبان ج2 ص132 والبداية والنهاية ج12 ص168 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص458 و 460.
2- صحيح البخاري (ط دار المعرفة) ج4 ص190 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص443 وفتح الباري ج7 ص10 وعمدة القاري ج4 ص245 وج16 ص174 وج17 ص39 وعون المعبود ج1 ص269 والمصنف للصنعاني ج5 ص431 وكتـاب السنـة لابن أبي عاصـم ص565 والمعجـم الأوسـط ج2 = = ص306 ومسند الشاميين ج4 ص256 وسنن الدارمي ج1 ص38 والغدير ج8 ص33 والصوارم المهرقة ص102 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص99 و 253 والتمهيد لابن عبد البر ج21 ص230 والقول المسدد ص27 وتغليق التعليق ج4 ص57 وكنز العمال ج12 ص509 و 523 وتذكرة الموضوعات للفتني ص95 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص228 والتاريخ الكبير للبخاري ج2 ص68 والكامل لابن عدي ج1 ص225 وج4 ص207 وتاريخ مدينة دمشق ج25 ص332 وج30 ص249 و 250 و 253 و 254 و 255 و256 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص366 و 267 وأسد الغابة ج5 ص365 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص242 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص437 والبداية والنهاية ج7 ص379 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص62 وإمتاع الأسماع ج2 ص131 وج14 ص442 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص241 وغاية المرام ج6 ص249 و 252.
وعن أبي بكر، وعن أبي سعيد الخدري عنه "صلىاللهعليهوآله ": إن أمنَّ الناس علي في صحبته، وماله، أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته.
لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر.
أو لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر(1) .
وفي بعض الروايات أنه قال ذلك في مرضه الذي مات فيه(2) .
____________
1- راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص254 وصحيح مسلم (ط دار الفكـر) ج7 ص108 والجامـع لأحكام القـرآن ج5 ص208 وتاريخ مدينة = = دمشق ج30 ص246 وج52 ص153 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص435 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص109 والوافي بالوفيات ج17 ص165 والنزاع والتخاصم ص113 وإمتاع الأسماع ج14 ص425 وإحقاق الحق (الأصل) ص211 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص231 والغدير ج3 ص196 وسنن الترمذي ج5 ص270 وفضائل الصحابة للنسائي ص3 وشرح مسلم للنووي ج15 ص151 وفتح الباري ج2 ص417 وعمدة القاري ج17 ص39 وتحفة الأحوذي ج10 ص101 و 112 وتركة النبي "صلىاللهعليهوآله " لابن زيد البغدادي ص51 والسنن الكـبرى للنسائي ج5 ص35 وصحيح ابن حبـان ج14 ص559 وج15 ص277 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص268 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص967 والتمهيد لابن عبد البر ج20 ص112 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص544.
2- راجع: فتح الباري ج7 ص10 وتحفة الأحوذي ج10 ص100 والغدير ج3 ص196 ومسند أحمد ج1 ص270 ومسند أبي يعلى ج4 ص457 وصحيح ابن حبان ج15 ص275 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص242.
وعند مسلم، عن جندب: قبل أن يموت بخمس ليال(1) .
وعند الطبراني، وأبي يعلى بإسناد حسن عن معاوية وعائشة: أن ذلك بعد أن صب عليه "صلىاللهعليهوآله " من سبع قرب من آبار شتى(2) .
وقد استدلوا بذلك على استحقاق أبي بكر للخلافة، لا سيما وأنه قد ثبت أن ذلك كان في أواخر حياته "صلىاللهعليهوآله "(3) .
ونقول:
1ـ إن قال عمر بن الخطاب في مرض النبي "صلىاللهعليهوآله ": إن النبي ليهجر، لا بد أن يحرج هؤلا، لأنه يسقط أي تصرف له "صلىاللهعليهوآله "عن درجة الصلاحية للإستدلال به.
2ـ بل لو كان النبي "صلىاللهعليهوآله " قد أمر بسد الأبواب إلا باب
____________
1- راجع: فتح الباري ج7 ص10 وتحفة الأحوذي ج10 ص100 وصحيح ابن حبان ج14 ص334 والغدير ج8 ص34 ومجمع الزوائد ج4 ص237 وج9 ص45 وكنز العمال ج12 ص501 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج30 ص248.
2- راجع: سنن الدارمي ج1 ص38 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص437 والبداية والنهاية ج5 ص249 وإمتاع الأسماع ج14 ص442 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص453 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص240.
3- وفاء الوفاء ج2 ص472 و 473 وفتح الباري ج7 ص12 وإرشاد الساري ج6 ص84 وراجع: القول المسدد ص24 والبداية والنهاية ج5 ص230.
أو خوخة إبي بكر لما احتاج عمر لأن يقول عن النبي "صلىاللهعليهوآله ": أنه يهجر أو عليه الوجع.
3 ـ بعد أن ثبت صحة حديث: سدوا الأبواب إلا باب علي؛ وبعد أن اتضح: أنه لم يكن حين مرض موته "صلىاللهعليهوآله " أي باب مفتوحاً إلا باب علي، فلا معنى لأن يأمرهم "صلىاللهعليهوآله " بسد هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر(1) ، بعد أن لم يسمح النبي "صلىاللهعليهوآله " لذلك الرجل!! بكوة، ولو بقدر ما يخرج رأسه، حتى ولو بقدر رأس الإبرة!!(2) .
وبهذا يتضح عدم صحة قولهم في وجه الجمع: إنهم بعد أن سد النبي "صلىاللهعليهوآله " أبوابهم، استحدثوا خوخاً يستقربون منها الدخول إلى المسجد(3) .
____________
1- الغدير ج3 ص213 ودلائل الصدق ج2 ص261.
2- وفاء الوفاء ج2 ص477 وراجع: فرائد السمطين ج1 ص206 عن أبي نعيم، واللآلي المصنوعة ج1 ص349 و 351 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص556 وج16 ص342.
3- فتح الباري ج7 ص13 والقول المسدد ص25 والغدير ج3 ص210 و 213 وتحفة الأحوذي ج10 ص113 وغاية المرام ج6 ص250 ووفاء الوفاء ج2 ص477 عن الطحاوي في مشكل الآثار، والكلاباذي في معاني الأخبار.
4 ـ إن الحديث ذكر أن أبا بكر كان يمنُّ على النبي "صلىاللهعليهوآله " بصحبته له، وقد قلنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " في حديث الغار: أن ذلك لا يصح إلا على معنى فيه ذم لأبي بكر.
5 ـ كما أنه قد تضمن حديث خلة أبي بكر للنبي "صلىاللهعليهوآله ".
وقلنا في حديث المؤاخاة: أنه لا يمكن أن يصح أيضاً.
6 ـ إن البعض يذكر: أن بيت أبي بكر كان بالسنح، ويشك كثيراً، بل على حد تعبير التوربشتي: لم يصح أن يكون له بيت قرب المسجد(1) .
وأجيب: بأنه لا يلزم من ذلك أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، واستدل على ذلك بأنه قد كان لأبي بكر أزواج متعددة كأسماء بنت عميس، وغيرها، وبأن ابن شبة يذكر: أنه كان له في زقاق البقيع دار قبالة دار عثمان الصغرى، واتخذ منزلاً آخر عند المسجد، في غربيه(2) .
ولكن ذلك لا يثبت ما يريدون إثباته؛ فإن تعدد أزواجه لا يلزم منه أن يكون له بيت ملاصق للمسجد، ثم لماذا لا يسكن أزواجه مع تعددهن في بيت واحد ذي حجر متعددة، كغيره من أهل المدينة، ومنهم النبي "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- فتح الباري ج7 ص12 وإرشاد الساري ج6 ص84 ووفاء الوفاء ج2 ص473 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص232 وعن المرقاة في شرح المشكاة ج5 ص524.
2- راجع المصادر المتقدمة.
نفسه.
ولعل هؤلاء قد اعتمدوا في ذكرهم بيتاً لأبي بكر عند المسجد على هذا الحديث بالذات. أو أنهم أرادوا بذكرهم بيتاً له كذلك أن يمدوا يد العون لهذا الحديث الذي توالت عليه العلل والأسقام، تماماً كما جعلوا ـ إلى يومنا هذا ـ خوخة في المسجد من أجل تصحيح ذلك.
ولكنهم لم يجعلوا باباً لعلي "عليهالسلام "، وهو الذي ثبت أن النبي "صلىاللهعليهوآله " قد أبقى بابه مفتوحاً، وسد كل باب في المسجد سواه.
7 ـ لقد اعترف ابن عمر وأبوه، فقالا: إن علياً "عليهالسلام " قد أوتي ثلاث خصال، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله "صلىاللهعليهوآله " ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر(1) .
____________
1- راجع: مسند أحمد ج2 ص26 والمستدرك للحاكم ج3 ص125 ومجمع الزوائد ج9 ص120 والصواعق المحرقة الفصل3 باب9 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص37 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص500 ومسند أبي يعلى ج9 ص453 ونظم درر السمطين ص129 والعمدة لابن البطريق ص176 وفتح الباري ج7 ص13 وبحار الأنوار ج39 ص28 و 31 وكتاب الأربعين ص445 والمراجعات ص218 والسقيفة للمظفر ص64.
وراجع: الغدير ج3 ص203 وج10 ص68 وتحفة الأحوذي ج10 ص139 والقول المسدد ص33 وراجع: وذخائر العقبى ص77 وكنز العمال ج13 ص110 وتفسير جوامع الجامع ج3 ص525 وج9 ص417 وخصائص الوحي المبين ص164 وتفسير الثعلبي ج9 ص262 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص121 و 122 والمناقب للخوارزمي ص277 و 332 ومطالب السؤول ص174 وكشف الغمة ج1 ص338 ونهج الإيمان ص442 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص187 وينابيع المودة ج2 ص170.
فهذه الرواية صريحة في أنه "عليهالسلام " قد اختص بذلك، كما اختص بالراية يوم خيبر، وبتزوجه فاطمة "عليهاالسلام "، وولادتها له.
ويا ليت عمر أشار إلى أن النبي "صلىاللهعليهوآله " كان قد أعطى الراية لعمر، ولكنه عاد مهزوماً يجبِّن أصحابه ويجبِّنونه!! وفي جميع الأحوال نقول:
لو كان لأبي بكر فضل هنا وامتياز، لم يسمح عمر ولا ولده لنفسيهما بالتصريح باختصاصه "عليهالسلام " بهذا الوسام.
وامتيازه "عليهالسلام " في قضية سد الأبواب كامتيازه في قضية الراية يوم خيبر، حيث إن أخذ أبي بكر وعمر لها ليس فقط لم يكن امتيازاً لهما، بل كان وبالاً عليهما، كما هو معلوم.
8 ـ لو أنه "صلىاللهعليهوآله " قد أمر بسد الأبواب إلا باب إبي بكر، لاحتج أبو بكر بذلك على أهل السقيفة أو احتج به عمر فيها لمصالح إبي
بكر.
9 ـ وأخيراً، فقد قال المعتزلي عن البكرية التي أرادت مقابلة الأحاديث في فضل علي: إنها "وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: "لو كنت متخذاً خليلاً"، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب، فإنه كان لعلي "عليهالسلام "؛ فقلبته البكرية إلى أبي بكر"(1) .
وقد ذكر اللمعاني: أن قضية سد باب أبي بكر، وفتح باب علي "عليهالسلام " كانت من أسباب حقد عائشة على أمير المؤمنين "عليهالسلام "، فراجع(2) .
وما أجمل ما قاله الكميت في هذه المناسبة:
عـلـي أمـيـر المـؤمـنـين وحـقـه |
من الله مفـروض عـلى كـل مسلم |
|
وزوجـه صـديـقـة لـم يكـن لهـا |
معـادلـة غـيـر الـبـتـولـة مـريم |
|
وردم أبـواب الـذيـن بـنـى لهـم |
بـيـوتـاً سـوى أبـوابـه لـم يـردم |
وقال السيد الحميري:
وخـبـر الـمـسـجـد إذ خـصـه |
مـجـلـلاً مـن عـرصـة الـدار |
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج11 ص49 وراجع: سفينة النجاة للتنكابني ص296.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص195 وكتاب الأربعين للشيرازي ص619.
إن جـنـبـاً كـان وإن طـاهـراً(1) |
فـي كـل إعــلان وإســرار |
|
وأخـرج الـبـاقـيـن منـه معـاً |
بـالـوحـي مـن إنـزال جـبـار |
وقال الصاحب بن عباد:
ولم يـك محتـاجـاً إلى عـلـم غـيره |
إذا احتـاج قـوم في قضـايـا تبلدوا |
ولا سـد عـن خـير المسـاجد بابه وأبـوابـهـم إذ ذاك عـنــه تسـدد
ابن البطريق وحديث سد الأبواب:
ولابن بطريق كلام هنا نلخصه على النحو التالي:
إن الله تعالى قد أظهر الفرق بين أمير المؤمنين "عليهالسلام "، وبين غيره. وإذا كان الحرام على غيره قد حل له، فإن ذلك يعني: أنه يمتاز على ذلك الغير. والنبي "صلىاللهعليهوآله " قد فتح أبواب الجميع على ظاهر الحال من الصلاح والخير، والنبي "صلىاللهعليهوآله " لا يعلم إلا هذا الظاهر إلا أن يطلعه الله على الباطن.
وعليه، فإن كان تعالى قد سد أبوابهم على ظاهر الحال، فقد بينا: أنها كانت صالحة عند الكل؛ ولذلك فتح أبوابهم أولاً، فلم يبق إلا أنه قد سد أبوابهم، من أجل شيء يرجع إلى الباطن، وفتح بابه لأنه قد انفرد بصلاح الباطن دونهم، (أو فقل: انفرد في كونه القمة في الصلاح الباطني) بالإضافة
____________
1- هو "عليهالسلام " طاهر على كل حال.
إلى مشاركته لهم في صلاح الظاهر.
وبذلك امتاز "صلوات الله وسلامه عليه" عليهم.
ثم إن منعهم من الجواز في المسجد وإباحته له، إما أن يكون بلا سبب، وهو عبث لا يصدر من حكيم، وإما أن يكون له سبب، وذلك يدل على انفراده "عليهالسلام " بما لا يشركه فيه غيره.
وأقواله "صلىاللهعليهوآله " تعضد هذا التخصص، وتدل على صلاح باطنه، كقوله "صلىاللهعليهوآله ": "علي مني، وأنا منه".
وقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى".
وقوله: "أنت أخي في الدنيا والآخرة".
وقوله: "صلت الملائكة عليَّ وعلى علي سبع سنين قبل الناس".
وقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه".
وقوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .
وغير ذلك من مناقبه ومآثره ومزاياه؛ فلولا ثبوت هذه المزايا له على غيره، لما أنزله من نفسه بهذه المنازل، ولما أقامه من نفسه في شيء من ذلك، ولا
____________
1- الآية 33 من سورة الأحزاب.
أذن الله له بتخصيصه وتمييزه عن أمثاله وأضرابه الخ..(1) . إنتهى ملخصاً.
كلام العلامة المظفر:
ويقول العلامة الشيخ محمد حسن المظفر "رحمهالله " ما ملخصه:
إن هذه القضية تكشف عن طهارة علي، وأنه في المحل الأعلى منها، فلا تنتقض هذه الطهارة بأي حدث حتى لو كان من موجبات الغسل، فيحل له البقاء في المسجد في جميع الأحوال، ولا يكره له النوم فيه، تماماً كما كان ذلك لرسول الله "صلىاللهعليهوآله ". فإن عمدة الغرض من سد الأبواب هو تنزيه المسجد عن الأدناس، وإبعاده عن المكروهات. وكان علي "عليهالسلام " كالنبي "صلىاللهعليهوآله " طاهراً مطهراً، ولا تؤثر فيه الجنابة دنساً معنوياً، وكان بيت الله كبيته بكونه حبيبه القريب منه.
وأبو بكر لم يكن ممن أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً؛ ليحسن دخوله للمسجد جنباً، ولا هو منه بمنزلة هارون من موسى؛ ليمكن إلحاقه به.
هذا كله، عدا عن ضعف خبر باب أو خوخة أبي بكر بفليح بن سليمان(2) ، وبإسماعيل بن عبد الله الكذاب الوضاع(3) .
____________
1- راجع: العمدة لابن البطريق ص180 ـ 185 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص333 و 334 و (ط دار الأضواء) ج1 ص241 ـ 243.
2- راجع كتابنا: الصحيح من سـيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الرابعة) ج12 ص61 و (الطبعة الخامسة) ج13 ص63 وكتاب حديث الإفك ص60 و 61.
3- راجع من دلائل الصدق ج1 ص21 و 22.
إشـارة:
قلنا: إنه "عليهالسلام " مطهر من كل رجس، فلا تعرض الجنابة، ولكن اطلاق هذا النوع من التعابير على سبيل التساهل وجرياً على ما هو المتعارف منها في مرحلة الظاهر، وكانت لا تتحقق في واقع الأمر.
أبواب المهاجرين فقط:
ثم إن البيوت التي كانت أبوابها شارعة في المسجد إنما هي بيوت المهاجرين؛ ويؤيد ذلك ما روي في حديث مناشدة علي "عليهالسلام " لأهل الشورى، حيث يقول: "أكان أحد مطهراً في كتاب الله غيري، حين سد النبي "صلىاللهعليهوآله " أبواب المهاجرين، وفتح بابي؟!(1) .
بيت علي (عليهالسلام ) أم النبي (صلىاللهعليهوآله )؟! :
وقد حاول فضل بن روزبهان الإيهام بأن البيت كان للنبي "صلىاللهعليهوآله "، وكان علي "عليهالسلام " ساكناً في بيت النبي "صلىاللهعليهوآله "،
____________
1- اللآلي المصنوعة ج1 ص362 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص725 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص324 وضعفاء العقيلي ج1 ص211.
أي أن الباب الذي أبقاه النبي "صلىاللهعليهوآله " مفتوحاً ليس باب بيت علي "عليهالسلام "، بل هو بيت النبي "صلىاللهعليهوآله " نفسه، فنسبته إلى علي أتت على سبيل التوسع والمجاز، فلا يبقى لعلي فضل.
قال ابن روزبهان: "كان المسجد في عهد رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وكان علي ساكناً بيت رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، لمكان ابنته الخ..".
ونقول له:
إن الأخبار قد صرحت: بأن الباب لعلي، حتى تكلم الناس في استثناء بابه. ولو كان الباب للنبي "صلىاللهعليهوآله " لما كان ثمة مجال لكلامهم، واعتراضهم، وحسدهم(1) .
بل لا مجال لاستثناء هذا الباب أصلاً، لأن النبي "صلىاللهعليهوآله " أمرهم بسد أبوابهم، أما الباب الذي له فهو يعرف وظيفته، وتكليفه فيه.
أضف إلى ما تقدم: أن علياً "عليهالسلام " قد بنى بفاطمة في بيت حارثة بن النعمان(2) ، وحارثة هذا كان قد أعطى للرسول "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- راجع: دلائل الصدق ج2 ص261 ـ 267.
2- بحار الأنوار ج19 ص113 وإعلام الورى ص71 و (ط مؤسسة آل البيت) = = ج1 ص161 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص449 عن أخبار الموفقيات (ط بغداد) ص375.
بيوتاً أخرى ليسكن بها أزواجه(1) .
خصوصية علي (عليهالسلام ) عند الجصاص:
وقال الجصاص: "ما ذكر من خصوصية علي "عليهالسلام " فهو صحيح، وقول الراوي: لأنه كان بيته في المسجد، ظن منه؛ لأن النبي "صلىاللهعليهوآله " أمر في الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره، ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد؛ وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي "عليهالسلام " دون غيره، كما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة، دون سائر الشهداء الخ.."(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج19 ص113 وإعلام الورى ص71 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص161 والطبقات الكبرى ج3 ص488 وسير أعلام النبلاء ج2 ص380 وراجع: الوفاء لابن الجوزي ج1 ص257 وتاريخ الخميس ج1 ص366 ودلائل النبوة ج5 ص131 ووفاء الوفاء ج2 ص462 والسيرة الحلبية ج1 ص336.
2- أحكام القرآن للجصاص ج2 ص204 و (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص256 والغدير ج3 ص213.
الباب الرابع :
حرب أحد.. وحتى الخندق..
الفصل الأول :
الألوية.. والرايات..
بـدايـة:
تلقت قريش في بدر ضربة هائلة لم تكن تتوقعها، وكان من المفترض: أن تعي أن ما حصل لم يكن ليحصل لو لم تكن ثمة رعاية إلهية لهذا الدين وأهله.. وأن يدفعها ذلك إلى التخلي عن عنادها، وجحودها، وأن تعترف بما تستيقنه في قرارة نفسها.
ولكن ذلك لم يحصل، بل سول لها الشيطان أنها سوف تنتصر، وجمعت جموعها، واتصلت باليهود والمنافقين، واتصلوا بها، وجاءت إلى حرب أحد تقود الألوف من المقاتلين، فخورة بعدتها وعددها، وبلغ النبي "صلىاللهعليهوآله " ذلك، فخرج بالمسلمين لملاقاتها، وكانت المعركة عند جبل أحد، وقد كان لعلي "عليهالسلام " في هذه الحرب القدح المعلى الخ..
علي (عليهالسلام ) يطيع ولا يقترح:
وقد آثر النبي "صلىاللهعليهوآله " في حرب أُحد أن يشاور أصحابه في أمر الحرب، لأنهم هم المكلفون بمواجهة الأعداء. وجهاد أهل البغي والباطل، وعلى صحة نواياهم يتوقف صحة جهادهم، ونيلهم لمقام الكرامة والشهادة، حين يتعرض أي واحد منهم لها..
وبدون إخلاص نواياهم لله تعالى، سيكونون مجرد مقاتلين لا مجاهدين، وسيكونون قتلى أو ضحايا لا شهداء، ومن منطلق الرفق بهم والمحبة لهم، وتهيئتهم لنيل مقام الطاعة والإنقياد كان "صلىاللهعليهوآله " يطرح عليهم قضية الحرب والسلم، ويطلب منهم أن يظهروا ما أضمروا، وأن يعلنوا ما أبطنوا..
وكنا نجد فيهم المخذل للناس، والمبهور بقوة العدو، المشير بتحاشي الدخول مع الأعداء في حرب، ومن يفضل ذل الإستسلام والخضوع والخنوع على الطاعة لله، ونيل مقام الكرامة والزلفى..
فليراجع القارئ ما جرى في مشورة بدر، وفي أحد(1) ، ليجد مصداق ما نقول..
غير أن ما هو جدير بالملاحظة هنا: أننا لا نجد لعلي "عليهالسلام " في هذه المواقع صوتاً أو مبادرة.. بل لا نجد أي حضور في أي من مواقع الإعتراض والإقتراح على رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".. وكأنه غير موجود إلا في موقع التسليم له "صلىاللهعليهوآله "، والرضا بما يرضاه، والطاعة لما يأمر، والتصديق لما يقول..
وأما الآخرون من الصحابة، وخصوصاً المناوئين لعلي "عليهالسلام ".. فنجدهم يقترحون ويعترضون، ويجادلون، ويصرون، ويرضون ويغضبون، وربما ترتفع أصواتهم، وربما يتركون رسول الله، وينصرفون عنه، ليفعلوا ما
____________
1- حديث استشارة النبي "صلىاللهعليهوآله " للمسلمين في هاتين الواقعتين.
يحلو لهم.. وقد يهجرون مجلسه، ويمتنعون عن الدخول عليه، حتى يعاتبهم..
وتنزل الآيات القرآنية في تعليمهم تارة، وفي لومهم أخرى، وفي تقريعهم ثالثة، وتهديدهم رابعة.. و.. وإلخ.. فراجع تاريخهم مع النبي "صلىاللهعليهوآله "، وتاريخ النبي معهم، فإنه مليء بالغرائب، حافل بالمفاجآت لمن أحسن قراءتها، وتفهّم معانيها ومراميها..
اللواء مع علي (عليهالسلام ) في أحد:
لقد كان لواء أو راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في حروبه مع علي "عليهالسلام "، في بدر، و أحد، وفي المشاهد كلها.
وقد ذكرنا طائفة من النصوص الدالة على ذلك في الجزء السابع من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة).
فنحن نأخذ منه الفقرة المرتبطة بهذا الموضوع بعين لفظها. فنقول:
قالوا: إن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " أعطى الراية (أو اللواء) إلى أمير المؤمنين "عليهالسلام " في أحد، كما نص عليه البعض(1) .
____________
1- الأوائل لأبي هلال ج1 ص183. والثقات لابن حبان ج1 ص224 و 225 وراجع: بحار الأنوار ج20 ص49 وتفسير القمي ج1 ص112 ومجمع البيان ج2 ص377 والصافي ج1 ص375 ونور الثقلين ج1 ص385 وكنز الدقائق ج2 ص213 والميزان ج4 ص11 وشرح إحقاق الحق ج32 ص341 وشرح الأخبار ج1 ص269 وج7 ص166 وأعيان الشيعة ج1 ص253 وكشف الغمة ج1 ص191 وعيون الأثر ج1 ص410 و 412.
ويقول البعض: إن لواء المهاجرين كان مع علي(1) .
وقيل: مع مصعب بن عمير(2) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص38 ومغازي الواقدي ج1 ص215 وتاريخ الخميس ج1 ص422 والإرشاد للمفيد ج1 ص80 وبحار الأنوار ج20 ص80 و 81 ومجمع الزوائد ج6 ص114 وشرح نهج البلاغة ج14 ص226 وتاريخ خليفة بن خياط ص38 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص74 وإمتاع الأسماع ج1 ص135 وج7 ص166 وعيون الأثر ج1 ص413 والدر النظيم ص157.
2- الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص38 و 40 و 42 ومغازي الواقدي ج1 ص215 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص227 و 232 و 235 و 247 وج15 ص10 و 19 وكنز العمال ج10 ص432 وتاريخ الخميس ج1 ص422 وتاريخ خليفة بن خياط ص38 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص74 وج55 ص267 وج60 ص345 و 347 وأسد الغابة ج4 ص16 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص193 والكامل في التاريخ ج2 ص152 والبداية والنهاية ج4 ص17 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص25 وإمتاع الأسماع ج1 ص135 وبحار الأنوار ج20 ص80 و 137 و 143 والدرر لابن عبد البر ص147 وجامع البيان ج4 ص167 والتفسير الكبير للرازي ج8 ص224 والجامع لحكام القرآن ج8 ص226 والدر المنثور ج2 ص83 وتفسير الآلوسي ج4 ص42 وإعلام الورى ج1 ص376.
ويقال: إنه اللواء الأعظم(1) .
وقيل: إنه "صلىاللهعليهوآله " سأل عمن يحمل لواء المشركين، فقيل له: طلحة بن أبي طلحة، فأخذ اللواء من علي ودفعه إلى مصعب بن عمير، لأنه من بني عبد الدار، وهم أصحاب اللواء في الجاهلية(2) .
وكان لواء الأوس مع أسيد بن حضير، ولواء الخزرج مع حباب بن المنذر.
وقيل: مع سعد بن عبادة.
اللواء مع علي (عليهالسلام ) فقط:
ونقول:
إنه لا صحة لما ادعوه من أن اللواء كان مع مصعب بن عمير، أو أنه
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص235 وإمتاع الأسماع ج7 ص166 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص120 وتاريخ الخميس ج1 ص426 عن المنتقى.
2- أنساب الاشراف ج1 ص317 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص232 والسيرة الحلبية ج2 ص220 و (ط دار المعرفة) ج2 ص492 وأعيان الشيعة ج1 ص254 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص190.
أخذه من علي، وأعطاه لمصعب.
والصحيح هو: أنه كان مع علي "عليهالسلام " في أحد، وبدر، وفي كل مشهد.
ويدل على ذلك:
1 ـ ما تقدم في غزوة بدر: من أن علياً "عليهالسلام " كان صاحب لواء رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في بدر، وفي كل مشهد.
2 ـ عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب "عليهالسلام " أربع ما هن لأحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله ". وهو صاحب لوائه في كل زحف، وهو الذي ثبت معه يوم المهراس؛ وفر الناس، وهو الذي أدخله قبره(1) .
____________
1- المناقب للخوارزمي ص21 و 22 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص58 والإرشاد للمفيد ص48 و (ط دار المفيد) ج1 ص79 وتيسير المطالب ص49 وذخائر العقبى ص86 وبحار الأنوار ج20 ص81 وج38 ص240 و 256 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص39 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1090 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص117 ونظم درر السمطين ص134 وشواهد التنزيل ج1 ص118 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص72 وكشف الغمة ج1 ص79 و 190.
وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص111 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص454 و 455 وج15 ص430 و 654 وج20 ص457 وج22 ص146 وج23 ص509 وج31 ص296 و 604 وتهذيب الكمال ج20 ص480 والوافي بالوفيات ج21 ص178 والعدد القوية ص244 وبناء المقالة الفاطمية ص133 ومنهاج الكرامة ص95 وغاية المرام ج5 ص175.
3 ـ عن ابن عباس: كان علي أخذ راية رسول الله يوم بدر.
قال [الحكم] الحاكم: وفي المشاهد كلها(1) .
4 ـ وعن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير وإخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله "؟!
قالوا: كان حاملها علي "عليهالسلام "(2) .
وفي نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه مالك إلى إخوانه من القراء، فعرفوه: أنه خائف من الحجاج.
فعاد وسأله، فقال: كان حاملها علي "عليهالسلام ".
هكذا سمعت من عبد الله بن عباس(3) .
____________
1- ذخائر العقبى ص75 والرياض النضرة المجلد الثاني، ج4 ص156 والكامل لابن عدي ج1 ص240 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص72 وينابيع المودة ج2 ص166 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص527.
2- راجع: ذخائر العقبى ص75 عن أحمد في المناقب. ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص85 وبحار الأنوار ج42 ص60.
3- راجع: المستدرك للحاكم ج3 ص137 وصححه وقال: له شاهد من حديث زنفل العرفي، وفيه طول. فلم يخرجه الحاكم، والمناقب للخوارزمي ص258 و 259 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص358 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص85 وبحار الأنوار ج42 ص60 وأعيان الشيعة ج1 ص337.
وفي نص آخر عن مالك بن دينار قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله "؟!
قال: إنك لرخو اللبب.
فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك: كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب "عليهالسلام "(1) .
5 ـ عن جابر، قالوا: يا رسول الله، من يحمل رايتك يوم القيامة؟!
قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة، إلا من كان يحملها في الدنيا، علي بن أبي طالب؟!
وفي نص آخر: عبر باللواء بدل الراية(2) .
____________
1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج3 قسم1 ص15 و (ط دار صادر) ج3 ص25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص524 وج32 ص343.
2- الرياض النضرة المجلد الثاني ج3 ص172 عن نظام الملك في أماليه، وكفاية الطالب ص336 وقال: ذكره محدث الشام ـ أي ابن عساكر ـ في ترجمة علي "عليهالسلام " من كتابه بطرق شتى عن جابر، وعن أنس، وكنز العمال ج15 ص119 وراجع ص135 و (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص136 عن الطبراني، ومناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي ص200 وعمدة القاري ج16 ص216 والمناقب للخوارزمي ص358 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج1 ص515 وج2 ص498 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص27 وبحار الأنوار ج39 ص213 وحـديـث خيثمة ص199 وجـواهـر المطـالب لابن = = الدمشقي ج1 ص182 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص247 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص334 وكتاب المجروحين لابن حبان ج3 ص54 والكامل لابن عدي ج7 ص47 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص74 و 75 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص16 و 388 وميزان الإعتدال ج4 ص240 والبداية والنهاية ج7 ص371 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص19 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص552 و 553 وج23 ص297 وج30 ص224.
6 ـ ومر سعد بن أبي وقاص برجل يشتم علياً "عليهالسلام "، والناس حوله في المدينة، فوقف عليه، وقال: يا هذا، على ما تشتم علي بن أبي طالب؟!
ألم يكن أول من أسلم؟!
ألم يكن أول من صلى مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "؟!
ألم يكن أزهد الناس؟!
ألم يكن أعلم الناس؟!
وذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله "
في غزواته؟(1) .
وظاهر كلامه: أن ذلك كان من مختصاته صلوات الله وسلامه عليه.
7 ـ عن مقسم: أن راية النبي "صلىاللهعليهوآله " كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استعر القتال كان النبي "صلىاللهعليهوآله " مما يكون تحت راية الأنصار(2) .
____________
1- المستدرك للحاكم ج3 ص500 وصححه على شرط الشيخين هو والذهبي في تلخيص المستدرك، وحياة الصحابة ج2 ص514 و 515 وشرح الأخبار ج2 ص542 وإمتاع الأسماع ج12 ص36 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص204 والإكمال في أسماء الرجال ص78. =
= وأظن أن القضية كانت مع سعد بن مالك، أبي سعيد الخدري، لأن سعد بن أبي وقاص كان منحرفاً عن أمير المؤمنين. ويشير إلى ذلك ما ذكره الحاكم في مستدركه ج3 ص499 من أن أبا سعيد قد دعا على من كان ينتقص علياً فاستجاب الله له.
2- المصنف للصنعاني ج5 ص288 ومسند أحمد ج1 ص368 والتاريخ الكبير للبخاري ج6 ص258 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص496 ومجمع الزوائد ج5 ص321 وتاريخ مدينة دمشق ج20 ص249 والبداية والنهاية ج4 ص22 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص593 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص39 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص194 وج7 ص371 وج9 ص109 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص19 وج8 ص526 وج18 ص29 و 82 وج23 ص552 وج32 ص356 وجامع المسانيد والمراسيل ج11 ص62 وفضائل الصحابة للنسائي (ط دار الكتب العلمية) ج2 ص797 وراجع: فتح الباري ج6 ص89 عن أحمد عن ابن عباس بإسناد قوي.
8 ـ عن عامر: أن راية النبي "صلىاللهعليهوآله " كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وكانت في الأنصار حيثما تولوا(1) .
وقد يقال: إن هذين النصين الأخيرين لا يدلان على أن الراية كانت دائماً مع علي "عليهالسلام " بصورة أكيدة وصريحة، وإن كان قد يدعى: إن ظاهرهما هو ذلك.
9 ـ عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في المواطن كلها؛ فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب(2) .
10 ـ قال ابن حمزة: وهل نقل أحد من أهل العلم: أن علياً كان في
____________
1- المصنف للصنعاني ج5 ص288.
2- أسد الغابة ج4 ص20 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص525 وفي الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج3 قسم1 ص15 و (ط دار صادر) ج3 ص25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص343 وأنساب الأشراف ج2 ص106 ميسرة العبسي بدل سعد بن عبادة.
جيش إلا وهو أميره؟(1) .
11 ـ وفي حديث المناشدة: أن علياً "عليهالسلام " قال لأهل الشورى: نشدتكم الله، هل فيكم أحد صاحب راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله " منذ يوم بعثه الله إلى يوم قبضه، غيري؟!.
قالوا: اللهم لا(2) .
وبالنسبة لخصوص واقعة أحد نقول:
1 ـ عن علي قال: إن يده كسرت يوم أحد، فسقط اللواء من يده؛ فقال رسول الله "صلىاللهعليهوآله ": دعوه في يده اليسرى، فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة(3) .
____________
1- الشافي لابن حمزة ج4 ص164.
2- المسترشد في إمامة علي "عليهالسلام " ص57 و (ط مؤسسة الثقافة الإسلامية لكوشانبور) ص334 وراجع: مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص218 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص200 وبحار الأنوار ج31 ص334 وغاية المرام ج2 ص130.
3- تاريخ الخميس ج1 ص434 والرياض النضرة المجلد الثاني ج4 ص156 عن ابن الحضرمي، وفي جواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص190 وينابيع المودة ج2 ص167 وذخائر العقبى ص75 بلفظ (ضعوه)، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص265 و 269 وج15 ص556 وج20 ص322 وج30 ص223.
2 ـ وقال الإمام الحسن المجتبى "صلوات الله وسلامه عليه" في احتجاجه بفضائل أمير المؤمنين "عليهالسلام " على معاوية، وعمرو بن العاص، والوليد الفاسق: "وأنشدكم الله، ألستم تعلمون: أنه كان صاحب راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يوم بدر، وأن راية المشركين كانت مع معاوية، ومع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد، ويوم الأحزاب، ومعه راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ومعك ومع أبيك راية الشرك الخ.."؟!(1) .
3 ـ قال ابن هشام: "لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول الله "صلىاللهعليهوآله " تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي: أن قدم الراية.
فتقدم علي؛ فقال: أنا أبو القصم (الصحيح: القضم). فطلب أبو سعيد بن أبي طلحة، وهو صاحب لواء المشركين منه البراز، فبرز إليه علي، فضربه علي فصرعه(2) .
____________
1- كفاية الطالب ص336 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص289 والغدير ج10 ص168 عنه، وأعيان الشيعة ج1 ص574 وجمهرة الخطب ج2 ص23.
2- السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص78 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص593 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص39 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص119 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص194 وتاريخ الخميس ج1 ص427 والبداية والنهاية لابن كثير ج4 ص22 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص19 وج18 ص29 و 82 وج23 ص552 وج30 ص149 و 150 وج32 ص356.
وهذا معناه: أنه "عليهالسلام " كان صاحب الراية العظمى، فأمره "صلىاللهعليهوآله " بالتقدم، ثم طلب منه صاحب لواء المشركين البراز، لأنه إذا سقطت الراية العظمى انكسر الجيش وانهزم.
4 ـ وقال القوشجي: في غزاة أحد جمع له الرسول "صلىاللهعليهوآله " بين اللواء والراية(1) .
5 ـ عن أبي رافع قال: كانت راية رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يوم أحد مع علي، وراية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة(2) .
6 ـ ويظهر من بعض الروايات الفرق بين اللواء والراية، وقالوا: إن الراية كانت في يد قصي، ثم انتقلت في ولده حتى انتهت إلى النبي "صلىاللهعليهوآله "، فأعطاها رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لعلي في غزاة ودان، وهي أول غزاة حمل فيها راية مع النبي "صلىاللهعليهوآله "، ثم لم تزل مع علي في المشاهد، في بدر وأحد.
وكان اللواء يومئذٍ في بني عبد الدار، فأعطاه رسول الله "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- شرح التجريد للقوشجي ص 486 وكشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (تحقيق الزنجاني) ص408 وسفينة النجاة للتنكابني ص367.
2- اللآلي المصنوعة ج1 ص365 والكامل لابن عدي ج5 ص260 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص381 وبشارة المصطفى ص287 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص132 وج32 ص343.
لمصعب بن عمير، فاستشهد، ووقع اللواء من يده، فتشوقته القبائل؛ فأخذه رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فدفعه إلى علي، فجمع له يومئذٍ الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم(1) .
ويظهر أن هذا هو مراد القوشجي من كلامه الآنف.
ونقول:
لا فرق بين اللواء والراية على الظاهر، وما ذكر آنفاً ينافي ما تقدم عن ابن عباس، وجابر، وقتادة، من أنه "عليهالسلام " كان صاحب لوائه "صلىاللهعليهوآله " في كل زحف.
وقد دلت النصوص المتقدمة على أن علياً "عليهالسلام " هو صاحب لواء رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وهو أيضاً صاحب رايته في المشاهد كلها.
وقد نصّ بعض أهل اللغة على عدم الفرق بين اللواء والراية(2) ، فإن
____________
1- الإرشاد للمفيد ص48 و (ط دار المفيد) ص79 وإعلام الورى ج1 ص377 وكشف الغمة ج1 ص190 وبحار الأنوار ج20 ص80 وراجع ج42 ص59 = = وأعيان الشيعة ج1 ص337 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص85 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص280.
2- السيرة الحلبية ج2 ص147 و 148 و (ط دار المعرفة) ج2 ص348 و 382 و 736 وج3 ص137 وراجع: فتح الباري ج6 ص90 وعمدة القاري ج14 ص233 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص373
كلاً منهما عبارة عما يجعله القائد من الأقمشة في طرف رمح أو نحوه.
ونجد في كلامهم وصف اللواء بالأعظم تارة(1) ، ووصف الراية بالعظمى أيضاً(2) .
إلا أن يقال: إن مصعب بن عمير كان صاحب لواء المهاجرين، فلما استشهد في أحد صار لواؤهم إلى علي، فعلي "عليهالسلام " صاحب راية ولواء رسول الله، وهو أيضاً صاحب لواء المهاجرين. ولعل هذا هو الأظهر.
وحتى لو كان هناك فرق بين اللواء والراية، فلماذا لا يكونان معاً مع
____________
1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص235 وإمتاع الأسماع ج7 ص166 وحياة الصحابة ج1 ص431 وتاريخ ابن عساكر ترجمة علي "عليهالسلام " (بتحقيق المحمودي) ج1 ص110 والمنتقى.
2- راجع: الإحتجاج للطبرسي ج1 ص130 وبحار الأنوار ج20 ص233 وج29 ص144 وتفسير القمي ج2 ص189 والأصفى ج2 ص989 والصافي ج4 ص182 وج6 ص34 ونور الثقلين ج4 ص261 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص30.
وفي قول ابن أبي الحديد المعتزلي عن هزيمة الشيخين في خيبر:
وللـرايـة العظمى وقـد ذهبـا بهـا |
مـلابس ذل فـوقها وجـلابـيـ |
راجع: الروضة المختارة (شرح القصائد العلويات السبع) للمعتزلي ص92 والغدير ج7 ص200 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص377.
علي "عليهالسلام "، وتكون النصوص جميعها متوافقة، وصحيحة ومقبولة، ولذلك قال المفيد عن أحد: كانت رايـة رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بيد أمير المؤمنين "عليهالسلام " فيها، كما كـانت بيده يوم بـدر، فصار اللواء إليه يومئذ، ففاز بالرايـة واللـواء جميعـاً، أي بعد أن كـان اللـواء في بني عبد الدار(1) .
رايتكم بأيدي شجعانكم:
وقد روي: أن علياً "عليهالسلام " خطب جيشه في صفين، فكان مما قال: "ورايتكم فلا تميلوها، ولا تخلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، والمانعين الذمار(2) منكم، فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفون براياتهم، ويكتنفون حفافيها(3) ، ووراءها وأمامها، ولا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها فيفردوها.."(4) .
____________
1- الإرشاد ج1 ص78 وبحار الأنوار ج20 ص79 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص299 وكفاية الطالب ص335 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص65 وإعلام الورى ص139 وأعيان الشيعة ج1 ص254.
2- الذمار: ما يجب على الرجل أن يحميه، وسمي ذماراً، لأنه يوجب على أهله التذمر، أي الغضب له.
3- الحقائق: الشدائد حفافيها: جانباها.
4- نهج البلاغة (بشرح عبده) الخطبة رقم 124 ج2 ص2 وصفين للمنقري ص235 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص60 و 96 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص44 و 71 والكافي ج5 ص39 والفتوح ج3 ص73 وبحار الأنوار ج33 ص455 وج32 ص563 و 367 وج97 ص40 والإرشاد للمفيد ج1 ص266 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص123 و 127 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج7 ص10 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج8 ص3
وفي نص آخر عنه "عليهالسلام ": "فإن المانع للذمار عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ، الذين يحفون براياتهم، ويضربون حفافيها وأمامها"(1) .
ونقول:
1 ـ من الواضح: أن الراية العظمى، واللواء الأعظم نقطة الإرتكاز، وعنوان الثبات ورمز الاستمرار، ومحط الأنظار، ومنتهى همم الأعداء، وعليها تأتلف قلوب الأولياء.
من أجل ذلك.. جاء التوجيه القوي والحاسم، والدقيق والحازم، أن الراية لا يحملها إلا الشجعان، ولكن لا لمجرد الشجاعة، فإنها وحدها لا تكفي، بل لا بد أن تنطلق من خصوصيةٍ في الروح، وفي القناعة والوعي، وفي المشاعر والأحاسيس، وهي أن يكون هذا الشجاع ممن يحمي الذمار، بمعنى: أن رصيده ليس مجرد إقدامه على المخاطر، حتى لو كان ذلك ينشأ
____________
1- الكافي ج5 ص41 وبحار الأنوار ج32 ص564 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص96 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص124 ونهج السعادة ج8 ص344 وتاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج4 ص11.
عن انقياد أعمى، ومن دون وعي.
بل هو نتيجة الإيمان بقضية يرى أنه لا مجال للسماح بالمساس بها.. فتكون تضحيته، وإقدامه وإحجامه بها، ومن أجلها ومن خلالها.
وهذا هو ما عناه "عليهالسلام " بقوله: إن حامل الراية لا بد أن يكون من المانعين للذمار، ولا يكفي مجرد الشجاعة وخوض المخاطر، ولو من دون هدف، أو من دون وعي.
2 ـ ثم بين "عليهالسلام " طريقة التعاطي مع هذه الراية.. إذ لا يكفي أن يحملها أحد الشجعان، وحماة الذمار، وانتهى الأمر، بل هناك مسؤولية تترتب على الآخرين تجاه هذه الراية، وهو أن يحفوا بها من جميع الجهات، لصيانتها ليس فقط من مجرد السقوط، بل صيانتها من أن تهتز، لأن إهتزازها سوف يهز قلوب الأولياء خوفاً ورعباً، وسيدعوهم ذلك للإحساس بالضعف، وربما يؤدي إلى التردد أو التباطؤ في بذل الجهد، وسيهز قلوب الأعداء فرحاً وإستبشاراً وتوثباً، وسيعطيهم جرعة من الشجاعة والإقدام، والإمعان في التشدد في مواجهة أهل الإيمان..
3 ـ من أجل ذلك كان لا بد أن تتوفر في هؤلاء الحماة صفات وميزات خاصة، تؤهلهم للقيام بهذا الواجب، وهو أن يكونوا من الصابرين على نزول الحقائق، وحلول الشدائد، لأن محيط هذه الراية لا بد أن يكون مستهدفاً بشدة من قبل الأعداء، وسيكون الوصول إليها، والإخلال بها هو منتهى همهم، وغاية جهدهم.. وسوف تتوالى حملاتهم عليها، فتمس الحاجة
إلى الصبر والتحمل للمشقات في طول الزمان..
وقد قلنا آنفاً: إن المطلوب في حامل الراية هو الشجاعة، وحماية الذمار.. والشجاعة هي الإقدام على المخاطر والأهوال.. لكن صبر الشجاع قد ينفد، فيندفع للتخلص مما هو فيه إلى إيجاد وضع جديد.
أما الذين يحمون هذه الراية فهم بحاجة إلى أمرين:
أحدهما: الصبر على الشدائد مهما طال الأمر.
الثاني: أن ينطلق هذا الصبر من مواجهة الحقائق، وإدراكها، وشعورهم بلزوم تحمل المسؤولية تجاهها..
ولأجل ذلك جاء التعبير عن الشدائد بكلمة الحقائق، ليشير إلى أن هذه الشدائد هي الوضع الطبيعي لمن يكون لديه قضية يريد أن يقوم بواجباته تجاهها، وعليه مسؤولية لا بد له من القيام بها..
4 ـ ثم بين "عليهالسلام " مواقع وجود هؤلاء الحماة، فذكر أنهم لا بد أن يحفظوا رايتهم من جميع الجهات، بصورة عملية وفعلية، فيكونون أمامها ووراءها، وفي كل جانب من جوانبها، بل وعلى كل حافة يمكن أن تكون لها.. ولا يكفي تقدير أن يأتيهم العدو من جهة بعينها، وهي الجهة التي يرونه موجوداً فيها.. إذ قد يأتيهم من جهة لم تخطر لهم على بال، إذ من مأمنه يؤتى الحذر.
5 ـ وآخر ما نشير إليه هنا: أنه "عليهالسلام " قد بين موضع الراية أيضاً، فذكر أنها يجب أن تكون في قلب هذا الحضور العسكري الكثيف، وأن عليهم أن لا يتأخروا عنها، فيبادرها العدو بالضربة القاضية، قبل أن يتمكن حماتها من الوصول إليها..
كما أن عليهم أن لا يتقدموا عليها، فقد ينقض عليها كمين للأعداء، أو يلحق بها لاحق منهم، فيستغل انفرادها، ويورد بها ضربته، قبل أن يعرف المتقدمون عليها ما جرى لها، وقبل أن يتمكنوا من اتخاذ مواقع قتالية تمكنهم من استنقاذها، أو إبعاد الخطر عنها..
علماً بأن مجرد تعرضها لأي إهتزاز أو ضعف أو خطر ممنوع، كما قلنا في البداية.
الفصل الثاني :
الحرب.. والهزيمة.. نصوص.. وآثار..
الوعود لوحشي:
لقد سارت قريش إلى حرب أُحد بحدها وجدها، وأحابيشها ومن تابعها، وكانوا ثلاثة آلاف مقاتل، وقيل خمسة آلاف، ومنهم سبعمائة دارع، ومعهم مئتا فرس، وكانوا بقيادة أبي سفيان..
وكان معهم وحشي غلام جبير بن مطعم، الذي وعده سيده جبير بالحرية، إن هو قتل محمداً، أو علياً، أو حمزة بعمه طعيمة بن عدي(1) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص217 و (ط دار المعرفة) ج2 ص488 والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج2 ص20 وبحار الأنوار ج20 ص96 وعمدة القاري ج17 ص78 وصحيح ابن حبان ج15 ص480 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص243 وأسباب نزول الآيات ص193 والثقات لابن حبان ج1 ص221 وسير أعلام النبلاء ج1 ص174 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص188 والكامل في التاريخ ج2 ص149 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص169 والبداية والنهاية ج4 ص12 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص302 والسيرة النبوية لإبن هشام ج3 ص582 وإعلام الورى ج1 ص180 وعيون الأثر ج1 ص406 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص20 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص183.
كما أن هنداً زوجة أبي سفيان حرضته على قتل واحد من هؤلاء الثلاثة، فقال وحشي: أما محمد فلن يسلمه أصحابه، وأما حمزة فلو وجده نائماً لما أيقظه من هيبته، وأما علي فإنه حذر مرس، كثير الإلتفات(1) .. ثم اختار أن يقتل حمزة "رحمهالله " فقتله بحربته المشؤومة..
وقد أظهر ما جرى لحمزة: أنه ليس للمحارب أن يعتمد على الشجاعة وحدها، أو على هيبته وخوف الناس منه، فقد يستغل بعض الجبناء غفلته، ويوقع به.
بل لا بد من الحذر الشديد، والتنبه المتواصل، وكثرة الإلتفات، ليبقى على علم بمحيطه الذي هو فيه، وليتمكن من معرفة المكامن، وما تختبئهُ له الثغرات المختلفة من حوله.. ثم ما يستجد عليها بإستمرار..
هزيمة المسلمين في أحد:
وكان النبي "صلىاللهعليهوآله " قد جعل في أحد على ثغرة في الجبل جماعة من الرماة، يحفظونها حتى لا ينفذ العدو منها، فلما نصر الله المسلمين في الجولة الأولى، وشرعوا بأخذ الغنائم ترك الرماة مواقعهم والتحقوا بهم. ولم يبق على تلك الثغرة سوى عشرة أشخاص..
____________
1- راجع: المغازي للواقدي ج2 ص285 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص243 وج15 ص11 والدرجات الرفيعة ص67 وأعيان الشيعة ج6 ص246 والمجالس الفاخرة ص287.
فاغتنمها خالد بن الوليد فهاجمهم وقتلهم، ثم أوقع المشركون بالمسلمين، وقتل أحد المشركين مصعب بن عمير، ظناً منه أنه هو النبي "صلىاللهعليهوآله " وكان معه لواء، فأعطاه النبي "صلىاللهعليهوآله " علياً وهو غير لواء الجيش الذي كان مع علي "عليهالسلام " أيضاً.
ونادى قاتل مصعب: إن محمداً قد قتل، فازداد المشركون جرأة، وهزم المسلمون، ولم يبق مع النبي "صلىاللهعليهوآله " غير علي "عليهالسلام " يدافع عنه..
قاتل أصحاب اللواء:
وقالوا: إن أبا سفيان حرض بني عبد الدار، وهم حملة لواء المشركين على الحرب وطلب طلحة بن أبي طلحة، حامل لواء المشركين البراز، فبرز إليه علي "عليهالسلام " فقتله. فسر رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بذلك، وكبر تكبيراً عالياً.
ويقال: إن طلحة سأل علياً "عليهالسلام ": من هو؟!
فأخبره، فقال: قد علمت يا قضم: أنه لا يجسر علي أحد غيرك.
وقد ضربه علي "عليهالسلام " على رأسه، ففلق هامته إلى موضع لحيته، وانصرف "عليهالسلام " عنه، فقيل له: هلا ذففت عليه؟!
قال: إنه لما صرع استقبلني بعورته؛ فعطفتني عليه الرحم. وقد علمت
أن الله سيقتله، وهو كبش الكتيبة(1) .
وفي رواية أخرى: أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: إنه ناشدني الله والرحم؛ فاستحييت. وعرفت أن الله قد قتله(2) .
وهذه الرواية هي الاولى بالقبول، فإن علياً "عليهالسلام " ينساق وراء مبادئه، وواجباته، ولا يتصرف بدوافع عاطفية، أو عصبيات قبلية حين
____________
1- المغازي للواقدي ج1 ص226 وشرح نهج البـلاغـة للمعتزلي ج14 ص236 = = وراجع: البداية والنهاية ج4 ص23 وأعيان الشيعة ج1 ص255 و 386 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص593 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص39 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص119 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص194 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص498 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص29 و 82 وج23 ص552 وج30 ص149 وج32 ص352 و 356.
2- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص194 والكامل في التاريخ ج1 ص152 ووفاء الوفاء ج1 ص293 والأغاني ج14 ص16 والنص والإجتهاد ص342 وجامع البيان ج4 ص166 وأعيان الشيعة ج1 ص386 وراجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص86 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص381 وبحار الأنوار ج20 ص85 وج41 ص50 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص498 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص363 و 661 وج18 ص84 وج32 ص354 و 360
يجب عليه أن لا يوليها أي إعتبار.
وقيل: إن ذلك قد حصل لعلي "عليهالسلام " مع أبي سعيد بن أبي طلحة. وثمة كلام آخر في المقام لا أهمية له.
وقال ابن هشام: "لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول الله "صلىاللهعليهوآله " تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي "عليهالسلام ": أن قدم الراية، فتقدم علي، وقال: أنا أبو القصم (والصحيح: أبو القضم)؛ فطلب أبو سعيد بن أبي طلحة ـ وكان صاحب لواء المشركين ـ منه البراز، فبرز إليه علي "عليهالسلام "، فضربه، فصرعه". ثم ذكر قصة انكشاف عورته حسبما تقدم(1) .
واقتتل الناس، وحميت الحرب. وحارب المسلمون دفاعاً عن دينهم، وعن أنفسهم وديارهم فئة حاقدة، تريد أن تثأر لقتلاها في بدر، وهي أكثر منهم عدداً، وأحسن عدة.
ثم شد أصحاب رسول الله "صلىاللهعليهوآله " على كتائب المشركين،
____________
1- السيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص593 وتاريخ الخميس ج1 ص427 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص22 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص39 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص119 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص194 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص29 و 82 وج23 ص552 وج30 ص149 وج32 ص356.
فجعلوا يضربون وجوههم، حتى انتقضت صفوفهم، ثم حمل اللواء عثمان بن أبي طلحة، أخو طلحة السابق، فقتل، ثم أبو سعيد أخوهما، ثم مسافع؛ ثم كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، ثم أخوه الجلاس، ثم أرطأة بن شرحبيل، ثم شريح بن قانط، ثم صواب، فقتلوا جميعاً.
وبقي لواؤهم مطروحاً على الأرض، وهزموا، حتى أخذته إحدى نسائهم، وهي عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته، فتراجعت قريش إلى لوائها، وفيها يقول حسان:
ولـولا لـواء الحـارثـيـة أصبحـوا |
يباعون في الأسواق بالثمن البخس |
ويقال: إن أصحاب اللواء بلغوا أحد عشر رجلاً(1) .
قال الصادق "عليهالسلام "، بعد ذكره قتل أمير المؤمنين "عليهالسلام " لأصحاب اللواء: "وانهزم القوم، وطارت مخزوم، فضحها علي "عليهالسلام " يومئذٍ"(2) .
وقالوا أيضاً: فأمعن في الناس حمزة وعلي، وأبو دجانة، في رجال من
____________
1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص427 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص236 وراجع: إمتاع الأسماع ج1 ص141 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص498.
2- الإرشاد للمفيد ص52 و (ط دار المفيد) ج1 ص88 وبحار الأنوار ج20 ص87 عنه، وأعيان الشيعة ج1 ص256 و 387.
المسلمين، حتى هزم الله المشركين(1) .
تشكيكات الحاقدين:
لا ريب في أن علياً "عليهالسلام " هو الذي قتل الذين حملوا لواء جيش المشركين في أحد، وكانوا أحد عشر رجلاً.. فلا يصغي لما يدَّعيه بعضهم حول أن فلاناً قتل هذا، وفلاناً الآخر قتل ذاك.. والدليل على ما نقول بالإضافة إلى النصوص المتقدمة، ما يلي:
1 ـ قولهم: كان الذي قتل أصحاب اللواء علي "عليهالسلام "، قاله أبو رافع، ثم تستمر الرواية بذكر التفاصيل، إلى أن تذكر مناداة جبريل "عليهالسلام ":
ولا فــتــى إلا عــــــلي(2) |
لا سـيـف إلا ذو الـفَـقـــار |
2 ـ قد صرح عدد من المؤرخين وغيرهم: بأنه "عليهالسلام " قد قتل أصحاب اللواء(3) .
____________
1- راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص153 وتاريخ الخميس ج1 ص427 والنص والإجتهاد ص342 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص360.
2- تقدمت مصادر هذا الحديث..
3- راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص154 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص197 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص293 عن الإسكافي، وليراجع: آخر العثمانية للجاحظ ص340 وبحار الأنوار ج20 ص144 وج38 ص325 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص117 والنص والإجتهاد ص342 وأعيان الشيعة ج1 ص256 و 386 والعمدة لابن البطريق ص200 والطرائف لابن طاووس ص65 وذخائر العقبى ص68 والصراط المستقيم ج2 ص58 والغدير ج2 ص59 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص318 ونظم درر = = السمطين ص120 وكنز العمال ج13 ص143 وقاموس الرجال للتستري ج9 ص402 ونهج الإيمان ص177 و 482 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص91 ونهج الحق ص218 وغاية المرام ج5 ص27 و 35 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص84 و 284 وج7 ص443 وج16 ص155 و 164 و 419 وج21 ص133 وج22 ص162 و 581 وج32 ص358 و 361.
3 ـ عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه "عليهمالسلام "، قال: كان أصحاب اللواء يوم أحد تسعة، قتلهم علي بن أبي طالب، عن آخرهم(1) .
وقد علم: أنه "عليهالسلام " قد قتل نصف قتلى المشركين في أحد كما تقدم(2) .
____________
1- الإرشاد للمفيد ج1 ص88 وبحار الأنوار ج20 ص87 عنه، وكشف الغمة ج1 ص194 وأعيان الشيعة ج1 ص256 و 387 وراجع: شجرة طوبى ج2 ص278.
2- راجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص90 وبحار الأنوار ج20 ص88 وكشف الغمة ج1 ص195 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص66 وراجع: أعيان الشيعة ج1 ص390 ومجمع البيان ج2 ص500 وبحار الأنوار ج20 ص22 وراجع: سيرة مغلطاي ص50 وتاريخ الخميس ج1 ص447 والسيرة الحلبية وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص54.
الذي يجاحش على السلب:
وذكروا: أن سعد بن أبي وقاص قتل بطلاً في حرب أحد، رماه بسهم، ثم أخذ يسلبه درعه، فنهض إليه نفر فمنعوه سلبه، وكان أجود سلب لمشرك، درع فضفاضة، مغفر، وسيف جيد، يقول سعد: ولكن حيل بيني وبينه(1) .
قال المعتزلي: "قلت: شتان بين علي وسعد، هذا يجاحش(2) على السلب، ويتأسف على فواته، وذاك يقتل عمرو بن عبد ودّ يوم الخندق، وهو فارس قريش، وصنديدها، فيقول: كرهت أن أبز السبي ثيابه.
فكأن حبيباً (يعني أبا تمام الطائيرحمهالله ) عناه بقوله:
إن الأسـود أسـود الغـاب همتهـا |
يوم الكريهة في المسلوب لا السلب(3) |
علي (عليهالسلام ) وكتائب المشركين:
وحين انهزم الناس عن النبي في أُحد غضب "صلىاللهعليهوآله "، ونظر إلى جنبه، فإذا علي "عليهالسلام "؛ فقال: ما لك لم تلحق ببني أبيك؟!
____________
1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص237 وأعيان الشيعة ج1 ص255.
2- جاحش: دافع وقاتل.
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص237 وأعيان الشيعة ج1 ص255
فقال "عليهالسلام ": يا رسول الله، أكفر بعد إيمان؟! إن لي بك أسوة(1) .
قال أبو رافع: كان علي هو الذي قتل أصحاب اللواء، وصارت تحمل كتائب المشركين على رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فيقول: يا علي، اكفني هذه؛ فيحمل عليهم، فيفرقهم، ويقتل فيهم.
حتى قصدته كتيبة من بني كنانة، فيها بنو سفيان بن عويف الأربعة، فقال له "صلىاللهعليهوآله ": اكفني هذه الكتيبة، فيحمل عليها، وإنها لتقارب خمسين فارساً، وهو "عليهالسلام " راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مراراً حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة منها، ممن لا يعرف بأسمائهم، فقال جبريل "عليهالسلام ": يا محمد، إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى!
فقال "صلىاللهعليهوآله ": وما يمنعه، وهو مني وأنا منه؟!
فقال جبريل: وأنا منكما. ثم سمع مناد من السماء:
ولا فــتــى إلا عــــــلي |
لا سـيـف إلا ذو الـفـقـــار |
فسئل "صلىاللهعليهوآله " عنه؛ فقال: هذا جبريل(2) .
____________
1- إعلام الورى ج1 ص177 وبحار الأنوار ج20 ص95 و 107 والكافي ج8 ص110 وقصص الأنبياء للراوندي ص339 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج11 ص114.
2- النص المتقدم في أكثره للمعتزلي في شرح نهج البلاغة ج14 ص250 و 251 وج10 ص182 وراجع ج13 ص293 عن الزاهد اللغوي غلام ثعلب، وعن محمد بن حبيب في أماليه، وراجع الرواية في الأغاني (ط ساسي) ج14 ص18 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص197 والكامل في التاريخ ج2 ص154 وفرائد السمطين، الباب الخمسون ج1 ص257 ومجمع الزوائد ج6 ص114 و 122 عن البزار وعن الطبراني، وكنز العمال ج15 ص126 والبداية والنهاية ج6 ص5 واللآلي المصنوعة ج1 ص365 وتفسـير القمي ج1 ص116 وبحـار الأنـوار ج20 ص54 و 95 = = و 105 و 107 و 102 عن القمي، وعلل الشرايع ص7 باب 7 والإرشاد ص46 وإعلام الورى، وتفسير فرات ص24 و 26 والكافي ج8 ص110 وعيون أخبار الرضا ج1 وحياة الصحابة ج1 ص559 وربيع الأبرار ج1 ص833 والمناقب للخوارزمي ص103 إلا أن فيه: أن ذلك كان في بدر. والغدير ج2 ص59 ـ 61 عن العديد من المصادر، والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص106 وتاريخ ابن عساكر ترجمة علي "عليهالسلام " (بتحقيق المحمودي) ج1 ص148 و 149 و 150 وفي هامشه عن الفضائل لاحمد بن حنبل الحديث رقم 241 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص318 وغاية المرام ص457 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص343 والرياض النضرة المجلد الثاني ج3 ص131 وعن علي بن سلطان في مرقاته ج5 ص568 عن أحمد في المناقب، والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص284.
قال المعتزلي: "..قلت: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين، وهو من الأخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، ورأيت بعضها خالياً منها، وسألت شيخي عبد الوهاب بن
سكينة "رحمهالله " عن هذا الخبر، فقال: هذا الخبر صحيح الخ.."(1) .
وبعد أن صد أمير المؤمنين "عليهالسلام " تلك الكتائب، لم يعد منهم أحد(2) .
وأصيب أمير المؤمنين "عليهالسلام " بجراح كثيرة، كما سنذكره في الفصل التالي إن شاء الله.
حرب أحد في مناشدات علي (عليهالسلام ) :
وقد ذكر علي "عليهالسلام " بعض ما جرى في أُحد في مناشدته لأهل الشورى:
1 ـ روى الصدوق بإسناده عن عامر بن واثلة في خبر الشورى، قال أمير المؤمنين "عليهالسلام ": نشدتكم بالله هل فيكم من قال له جيرئيل: يا محمد ترى هذه المواساة من علي؟!
فقال رسول الله "صلىاللهعليهوآله ": إنه مني وأنا منه.
فقال جبرئيل: "وأنا منكما" غيري؟!
قالوا: اللهم لا
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص251.
2- الإرشاد للمفيد ص53 و (ط دار المفيد) ج1 ص89 وبحار الأنوار ج20 ص88 وأعيان الشيعة ج1 ص389 والدر النظيم ص161.
قال: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد قتل من بني عبد الدار تسعة مبارزة، كلهم يأخذ اللواء، ثم جاء صواب الحبشي مولاهم وهو يقول:
والله لا أقتل بسادتي إلا محمداً، قد أزبد شدقاه، واحمرت عيناه، فاتقيتموه وحدتم عنه، وخرجت إليه، فلما أقبل كأنه قبة مبنية، فاختلفت أنا وهو ضربتين فقطعته بنصفين، وبقيت رجلاه وعجزه وفخذاه قائمة على الأرض، تنظر إليه المسلمون، ويضحكون منه؟!
قالوا: اللهم لا(1) .
2 ـ عن أبي جعفر "عليهالسلام " في خبر الشورى قال: قال أمير المؤمنين "عليهالسلام ": نشدتكم بالله، هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم أحد حين ذهب الناس غيري؟!
قالوا: لا.
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد سقى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " من المهراس غيري؟!
قالوا: لا(2) .
____________
1- الخصال ج2 ص121 ـ 124 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص560 وبحار الأنوار ج20 ص69 وج31 ص324 عنه.
2- الإحتجاج ص73 و 74 و (ط دار النعمان) ج1 ص199 ـ 203 وبحار الأنوار ج20 ص69 وج31 ص337 و 380 عنه، ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص217 ـ 221 وغاية المرام ج2 ص129 ـ 132 و 330 والأمالي للطوسي ص551.
المهراس: صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء، وقد يعمل منه حياض للماء، وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء بأحد.
تكبير رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) :
تقدم: أن النبي "صلىاللهعليهوآله "، كبر تكبيراً عالياً، حين قتل علي "عليهالسلام " حامل لواء المشركين، طلحة بن أبي طلحة.. ربما ليلفت نظر المشركين والمسلمين على حد سواء إلى هذا الإنجاز الذي لا بد أن يفت في عضد المشركين، ويكسر من حدة اندفاعهم، ويقوي من عزيمة المؤمنين، ويثبتهم، ويثير لديهم الطموح بتحقيق إنجازات أكثر وأكبر، ويعرف هؤلاء وأولئك أن مصير الحرب لا تحدده كثرة العدد، ولا حسن العدة، بل تحدد الإرادة والعزيمة والإيمان..
إنه مِنّي، وأنا منه:
إن قول النبي "صلىاللهعليهوآله " عن علي "عليهالسلام ": إنه مني وأنا منه، لا بد أن نتدبر معناه ومغزاه.
وهو قريب من قوله "صلىاللهعليهوآله ": حسين مني وأنا من حسين. أي أنهم نور واحد، بعضهم من بعض.
أمير المؤمنين "عليهالسلام " من شجرة النبي، وسائر الناس من شجر
شتى، هذه الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. وهو "عليهالسلام " من طينة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، لحمه لحمه، ودمه دمه. وهو من النبي "صلىاللهعليهوآله " سلوكاً، وعقيدة، ومبدأ، ونضالاً، وأدباً، وخلوصاً، وصفاء، الخ..
كما أن النبي "صلىاللهعليهوآله " هو الذي صنع علياً، وعلّمه، وربّاه، وأدّبه.
ومن الجهة الأخرى، فإن النبي "صلىاللهعليهوآله " أيضاً من علي، حيث إن الوجود الحقيقي للنبي الأكرم "صلىاللهعليهوآله " إنما هو بوجود دينه، ومبدئه، وفكره، وعقيدته، وسلوكه، ومواقفه، ورسالته؛ فهذا النبي بما له من صفة النبوة المتضمنة لحمل الرسالة هو من علي، وعلي "عليهالسلام " هو الذي سوف يبعثه من جديد من خلال إحيائه لمبادئه، وفضائله، وآدابه، وعلومه، وغير ذلك.
وهكذا كان؛ فلولا علي "عليهالسلام " لم يبق الإسلام، ولا حفظ الدين.
حتى إننا نجد أحدهم يصلي خلف علي "عليهالسلام " مرة؛ فيقول: إنه ذكره بصلاة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "(1) .
____________
1- راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج1 ص191 و 200 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج2 ص8 وأنساب الأشراف (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص180 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص68 و 134 والسنن الكبرى للنسائي ج1 ص227 و 352 وكنز العمال ج8 ص143 عن عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمعجم الكبير للطبراني ج18 ص126 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص172 والمصنف للصنعاني ج2 ص63 والمجموع للنووي ج3 ص398 ومسند أبي داود ص111 ومسند أبي عوانة ج2 ص105 والإستذكار لابن عبد البر ج1 ص414 ومسند أحمد ج4 ص428 و 429 و 440 و 441 و 444 و 400 و 415 و 392 في موضعين و 432 والغـديـر ج10 ص202 و 203 وكشف الأستار عن مسند البزار ج1 ص260 والبحر الزخار ج2 ص254 وسنن النسائي (ط دار الفكر) ج3 ص2 وسبـل الهـدى والـرشـاد ج8 ص113 والتمهيد لابـن عبد الـبر ج9 = = ص176 وعمدة القاري ج6 ص59 و 100 وسنن أبي داود ج1 ص192 وعون المعبود ج3 ص45 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص603.
هذه الصلاة التي لم يبق منها إلا الأذان، وحتى الأذان غيروه(1) .
ويلاحظ هنا: أنه "صلىاللهعليهوآله " قدم قوله: (إنه مني)، تماماً كما قدم قوله: "حسين مني"، لأن صناعة النبي "صلىاللهعليهوآله " لهم سابقة على إحيائهم لدينه. فعقائد، ونهج، وفكر، ونفسية، ودين، وخصائص، وآداب النبي "صلىاللهعليهوآله "، لسوف يبعثها علي والحسين "عليهما
____________
1- شرح الموطأ للزرقاني ج1 ص221 وتنوير الحوالك ج1 ص93 ـ 94 عن الباجي، وراجع مصادر ذلك في الجزء الأول من كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله ".
السلام"؛ وهكذا العكس.
ومن هنا صح للنبي "صلىاللهعليهوآله " أن يقول: أنا وأنت يا علي أبوا هذه الأمة(1) .
____________
1- راجع: تفسير البرهان ج1 ص369 ومعاني الأخبار 52 و 118 وعيون أخبار الرضا ج2 ص85 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص91 وعلل الشرائع ص127 وكمال الدين ص261 والأمالي للصدوق ص65 و 411 و 755 والميزان ج4 ص357 وبحار الأنوار ج16 ص95 و 364 وج23 ص128 و 259 وج26 ص264 و 342 وج36 ص6 و 9 و 11 و14 و 255 وج38 ص92 و 152 وج39 ص93 وج40 ص45 وج66 ص343 وكتاب الأربعين للماحوزي ص238 والمراجعات= = ص286 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص149 وج18 ص311 و312 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص264 وج10 ص455 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص300 وروضة الواعظين ص322 وخاتمة المستدرك ج5 ص14 والغارات للثقفي ج2 ص717 و 745 وكنز الفوائد للكراجكي ص186 والعمدة لابن البطريق ص345 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص133 وسعد السعود ص275 والعقد النضيد والدر الفريد ص70 والمحتضر للحلي ص73 والصراط المستقيم ج1 ص242 و 243 وكتاب الأربعين للشيرازي ص47 و 74 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص76 و 787 ومسند الإمام الرضا "عليهالسلام " للعطاردي ج1 ص80 و 221 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج7 ص243 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص159 والتفسير المنسوب للإمام العسكري "عليهالسلام " ص330 والصافي ج1 ص150 وج4 ص165 و 166 وج5 ص52 وج6 ص12 و 13 و 520 ونور الثقلين ج4 ص237 و 238 وكنز الدقائق ج1 ص286 وج2 ص440 ومفردات غريب القرآن للراغب ص7 وتفسير الآلوسي ج22 ص31 وبشارة المصطفى ص97 و 254 ونهج الإيمان ص625 و 629 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج1 ص74 و 128 وينابيع المودة ج1 ص370 واللمعة البيضاء ص81 و 123 ومشارق أنوار اليقين ص43 و 289 وغاية المرام ج1 ص177 و 250 وج2 ص179 و 211 وج3 ص70 وج5 ص118 و 122 و 299 و 301 و 303 وج6 ص66 و 155 و 166 و 167 وج7 ص128 وشـرح إحقـاق الحـق (الملحقـات) ج4 ص100 و 227 و 366 وج5 = = ص95 وج7 ص216 وج13 ص77 وج15 ص518 و 519 وج20 ص230 وج22 ص280 و 282 و 346 وج23 ص580 و 621.
كما أنه ليس من البعيد أن يكون جبرئيل "عليهالسلام " كان يستفيد ويتعلم من النبي "صلىاللهعليهوآله " ومن علي "عليهالسلام "، ولأجل ذلك قال: وأنا منكما.
وقد ناشدهم أمير المؤمنين بهذه القضية بالذات في الشورى(1) ، وذلك يؤكد مغزاها العميق، ومدلولها الهام.
____________
1- تقدمت مصادر ذلك.
مخزوم وعلي (عليهالسلام ) :
إن ما روي عن الإمام الصادق "عليهالسلام " من أنه قال: "وطارت مخزوم، فضحها علي "عليهالسلام " يومئذ.." قد يوضح لنا بعض السبب في حقد خالد بن الوليد المخزومي، الذي كان على ميمنة جيش المشركين في أحد على أمير المؤمنين "عليهالسلام " الذي قتل عدداً من فراعنتهم(1) .
ورووا عن النبي "صلىاللهعليهوآله " أنه قال: "إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلاً، وتشريداً، وإن أشد قومنا لنا بغضاً بنو أمية، وبنو المغيرة، وبنو مخزوم"(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص235 وج15 ص84 وعمدة القاري ج17 ص139 والتفسير الكبير للرازي ج9 ص20 وجامع البيان ج4 ص168 وتفـسـير القـرآن العظـيم ج1 ص409 والثقـات لابن حبان ج1 ص225 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص192 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص166 والبداية والنهاية ج4 ص17 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص25 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص305 والسيرة النبويـة لابن هشـام ج3 = = ص586 وعيون الأثر ج1 ص412 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص30 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص191 والمجالس الفاخرة ص280.
2- المستدرك للحاكم ج4 ص487 والملاحم والفتن لابن طاووس ص83 والصوارم المهرقة ص74 و 198 و 290 والغدير ج8 ص250 وكنز العمال ج11 ص169 وكتاب الفتن لابن حماد المروزي ص73 وإمتاع الأسماع ج12 ص301 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص152 وشرح إحقاق الحق ج2 ص381 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص55.
أين هو علي (عليهالسلام )؟! :
وتحاول بعض الروايات أن تتجاهل علياً "عليهالسلام " في أحد، فتقول: إن الزبير والمقداد كانا على الخيل، وحمزة بالجيش بين يدي النبي "صلىاللهعليهوآله "..
وأقبل خالد وهو على ميمنة المشركين، وعكرمة، وهو على ميسرتهم، فهزمهم الزبير والمقداد، وحمل النبي "صلىاللهعليهوآله " فهزم أبا سفيان(1) .
وهي رواية مكذوبة لما يلي:
أولاً: لم يكن مع المسلمين فرس(2) .
وقيل: كان مع النبي "صلىاللهعليهوآله " فرسه، وفرس لأبي بردة بن
____________
1- الكامل في التاريخ ج2 ص152 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص193 وأعيان الشيعة ج1 ص253 وجامع البيان ج4 ص167 والدر المنثور ج2 ص83.
2- وفاء الوفاء ج1 ص284 و 285 عن ابن عقبة، وسبل الهدى والرشاد ج4 ص189 و 249 وعمدة القاري ج10 ص246 وج17 ص139 والبداية والنهاية ج4 ص15 وعيون الأثر ج1 ص412 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص26 والسيرة الحلبية ج2 ص221 و (ط دار المعرفة) ج2 ص495 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص186 وفتح الباري ج7 ص269.
نيار(1) .
وقيل: كان معهم فرس واحد(2) .
أما العشرة أفراس التي غنمها المسلمون في بدر، فلعلها نفقت أو بيعت، أو أن اصحابها لم يشاركوا في حرب أحد لأسباب تخصهم، من مرض أو سفر ونحوه، أو أنهم ممن رجع مع عبد الله بن أبي..
ثانياً: لا ندري أين كان علي بن أبي طالب الذي قتل جميع أصحاب اللواء، وأبناء سفيان بن عويف الأربعة، وغيرهم.. وهزم الله المشركين على
____________
1- تاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص190 و 421 والكامل في التاريخ ج2 ص151 و 314 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج1 ص489 وج2 ص39 وإمتاع الأسماع ج7 ص198 وتاريخ مدينة دمشق ج4 ص228 وفتح الباري ج7 ص269 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص189 و 249 وج7 ص396 وأسد الغابة ج5 ص146 وأعيان الشيعة ج1 ص253 وج10 ص261 والسيرة الحلبية ج2 ص221 و (ط دار المعرفة) ج2 ص495 وعيون الأثر ج1 ص412 و 413 وج2 ص409 وعمدة القاري ج10 ص246 وج14 ص282 وج17 ص139 وتركة النبي لابن زيد البغدادي ص96 والإستيعاب ج4 ص1609.
2- المعجم الأوسط ج8 ص164 ومجمع الزوائد ج6 ص117 عن الطبراني، والإستذكار لابن عبد البر ج5 ص21 وإمتاع الأسماع ج1 ص340 وحيـاة = = الصحابة ج3 ص769 وكنز العمال ج3 ص135 و (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص630 عن الطيالسي.
يديه، وقد قتل نصف قتلى المشركين في أحد أيضاً..
علي (عليهالسلام ) لم يقتل كبش كتيبة المشركين:
وقولهم: إن علياً "عليهالسلام " لم يقتل كبش كتيبة المشركين، لأن الرحم عطفته عليه.. لا يصح.
والصحيح هو: أنه استحيا حين ظهرت عورته، بعد أن ناشده الرحم، فلاحظ:
أولاً: إنه "عليهالسلام " لم يكن ليرحم من حادّ الله ورسوله.. خصوصاً إذا كان كبش كتيبة المشركين، لأن ذلك يكون أدعى لقتله، ولعل الصحيح هو أنه قيل له: ألا أجزت (أي أجهزت) عليه؟!
فقال: ناشدني الله والرحم، ووالله لا عاش بعدها أبداً"(1) ..
وربما يقال: إن انصرافه عنه ليس لأجل عطفه عليه، بل لأجل أن يعرفه أن الإسلام لا يقطع الأرحام، بل يرعاها ويراعيها، ليكون ذلك زيادة في حسرة ذلك الخبيث الذي أصبح بحكم الميت..
ثانياً: إنه إذا كان سيف علي "عليهالسلام " قد بلغ من ذلك المشرك موضع لحيته، فإنه لن يكون قادراً على مناشدة علي "عليهالسلام " ولا غيره.. إلا إن كانت المناشدة قد حصلت قبل ذلك..
____________
1- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج1 ص86 وبحار الأنوار ج20 ص86 عنه.
ثالثاً: إن الرواية تذكر أنه استقبله بعورته فانصرف عنه، فيكون انصرافه عنه تكرماً ونبلاً، وطاعة لله تعالى.. بعد أن أصبح في غنى عن "التدفيف" عليه، ولو أراد ذلك فسيشاهد منه، ما لا يحسن مشاهدته..
وقد ابتلي "عليهالسلام " بمثل هذا البلاء مرة أخرى مع عمرو بن العاص في حرب صفين، الذي توصل بإظهار عورته للنجاة بنفسه، لأنه يعلم أن علياً "عليهالسلام " يربأ بنفسه عن مثل ذلك(1) ..
أكفر بعد إيمان؟ لي بك أسوة:
إن الفرار من الزحف ليس من المفردات التي يكفر الناس بسببها، وإن كان من عظائم الذنوب، فما معنى ما تقدم من أنه حين فر المسلمون قال رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لعلي "عليهالسلام ": ما لك لم تلحق بني أبيك؟!
فقال "عليهالسلام ": يا رسول الله، أكفر بعد إيمان؟! إن لي بك أسوة(2) .
وعند المفيد: أنه "صلىاللهعليهوآله " قال له: مالك لا تذهب مع
____________
1- هذه القصة معروفة ومشهورة لا تحتاج إلى ذكر مصادرها.
2- إعلام الورى ج1 ص177 وبحار الأنوار ج20 ص95 و 107 والكافي ج8 ص110 وقصص الأنبياء للراوندي ص339 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج11 ص114.
القوم؟!
فقال "عليهالسلام ": أذهب وأدعك يا رسول الله؟! والله لا برحت حتى أقتل، أو ينجز الله لك ما وعدك من النصر.
فقال له النبي "صلىاللهعليهوآله ": أبشر يا علي، فإن الله منجز وعده، ولن ينالوا منا مثلها أبداً(1) .
ثم ذكر رده "عليهالسلام " للكتائب عنه "صلىاللهعليهوآله ".
وفي نص آخر قال له: أأرجع كافراً بعد إسلامي؟!(2) .
ونحن نرى: أن الصحيح هو أنه قال: أكفر بعد إيمان؟!.. لأن قوله: أأرجع كافراً بعد إسلامي؟! قد يوحي بأنه كان كافراً وأسلم. وهذا غير صحيح..
وفي نص آخر: أنه لما سأل النبي "صلىاللهعليهوآله " ما صنع الناس؟!
قال "عليهالسلام ": كفروا يا رسول الله، وولوا الدبر، وأسلموك(3) .
____________
1- الإرشاد ج1 ص89 وبحار الأنوار ج20 ص87 وحلية الأبرار ج2 ص431 وأعيان الشيعة ج1 ص388 وكشف الغمة ج1 ص194.
2- الإرشاد للمفيد ج1 ص85 وبحار الأنوار ج20 ص85 ومستدرك الوسائل ج11 ص72 وشرح الأخبار ج1 ص476 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص168 والدر النظيم ص160 وكشف الغمة ج1 ص193.
3- الإرشاد للمفيد ج1 ص86 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص315 وحلية الأبرار ج2 ص430 وبحار الأنوار ج20 ص86 وج41 ص83 وإعلام الورى ج1 ص378 والدر النظيم ص161 وكشف الغمة ج1 ص194.
لكن بعض الروايات ذكرت: أن هذه الحادثة قد جرت مع أبي دجانة(1) .
والسؤال هنا هو: هل صحيح أن الذين فروا عن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لهم أحكام الكفر؟!
ونجيب بما يلي:
1 ـ إن أخذنا برواية علل الشرايع التي تقول: إن هذه القضية قد حصلت مع أبي دجانة سقط الإشكال من أساسه.
لكن هذه الرواية غير سليمة، فإن النصوص تؤكد على أن علياً "عليهالسلام " قد ثبت وحده.. إلا أن يكون أبو دجانة قد فر أولاً ثم عاد، فجرت هذه القصة له بعد عودته، أو أن فراره قد حصل بعد ذلك وحيث تأزمت الأوضاع.
ويبقى السؤال وهو: أنه إذا كان قد حصل ذلك بالفعل، وكان علي وأبا دجانة معاً قد ثبتا، فلماذا لم يسأل النبي "صلىاللهعليهوآله " علياً "عليهالسلام " وأبا دجانة معاً، إلا إن كان "صلىاللهعليهوآله " يعامل علياً معاملة
____________
1- علل الشرايع ص14 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص7 وبحار الأنوار ج20 ص70 وحلية الأبرار ج2 ص433 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج8 ص342.
نفسه، فوجه السؤال لأبي دجانة على هذا الأساس
2 ـ إن قوله "صلىاللهعليهوآله " لعلي: لِمَ لا تلحق ببني أبيك، يدل على مدى تغيظه من ذلك الفعل الشنيع الذي صدر منهم!!
3 ـ إنه يريد أن يبين فضل علي "عليهالسلام " على من سواه، من حيث ثباته في الأهوال وإقتحامه المخاطر.
ثم من حيث ما يملكه من وعي وإيمان، ويقين وبصيرة في دينه، وثبات على مبادئه..
وهذا الثبات ليس نتيجة شجاعة متهورة، بل هو نتيجة فكر وقناعة، وإعتقاد، ورؤية واضحة.
4 ـ إنه "صلىاللهعليهوآله " حسب النص الذي ذكرناه أولاً لم يقل له: لم لا تلحق بإخوانك، أو رفقائك، أو نحو ذلك، بل أشار إلى الجهة النسبية.. ليأتيه الجواب من علي "عليهالسلام ": أن المعيار عنده ليس هو النسب، والعشيرة، والقوم، وإنما هو الإيمان، ومقتضياته، ودواعيه، ومسؤولياته..
5 ـ إن الفرار من الزحف حين يكون مع الإلتفات إلى وجود رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وإلى أن هذا الفرار من شأنه أن يعرض حياة النبي "صلىاللهعليهوآله " للخطر، وهو يحمل معه الدلالة على عدم الإهتمام للدفع والدفاع عنه "صلىاللهعليهوآله " ، فإنه يكون من موجبات الكفر، والخروج من الدين..
أما حين يكون هذا الفرار بسبب الإندهاش الذي يفقد الإنسان القدرة
على وعي الأمور، ويصرفه عن الإلتفات إلى ما ينبغي الإلتفات إليه، ويسلب منه الحرص على ما يجب الحرص عليه، فلا يوجب الكفر بعد الإيمان..
من أجل ذلك نقول:
إن الكثيرين من الذين فروا كانوا يعرفون أنهم يفرون عن رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وقد أهمتهم أنفسهم، ولم يهتموا له، وذلك تفريط منهم به، ومن دلائل ضعف إيمانهم، وشدة تعلقهم بالدنيا..
6ـ واللافت هنا: أن عمر بن الخطاب قال للنبي "صلىاللهعليهوآله ": يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال النبي "صلىاللهعليهوآله " له: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": الآن يا عمر؟!(1) .
____________
1- راجع: مسند أحمد ج4 ص233 و 336 وج5 ص293 وصحيح البخاري ج4 ص92 و (ط محمد علي صبيح بمصر) ج8 ص161 و (ط دار الفكر) ج7 ص218 وعمدة القاري ج1 ص144 وج23 ص169 والمعجـم الأوسط ج1 = = ص102 وكنز العمال ج12 ص600 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص356 وج3 ص476 وتاريخ مدنية دمشق ج19 ص87 وفتح البـاري ج1 ص56 وإمتـاع الأسماع ج13 ص173 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص63 والشفـا بتعريف حقوق المصطفى ج2 ص19 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص476 وج11 ص430 وسيرتنا وسنتنا للأميني ص26 وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص456 والدر المنثور ج3 ص223
وقوله "صلىاللهعليهوآله ": الآن يا عمر؟! قد جاء ـ فيما يظهر ـ على سبيل الإستفهام الإنكاري.. إذ لا يعقل أن يتحول في نفس اللحظة من النقيض إلى النقيض مما كان عليه..
وقد قال تعالى:( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (1) .
____________
1- الآية 24 من سورة التوبة.
الفصل الثالث :
الثابتون والمنهزمون في أحد..
لم يثبت غير علي (عليهالسلام ) :
وقد تضاربت الروايات في عدد الذين ثبتوا مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، في أُحد وتبدأ من واحد.. حتى تصل إلى ثلاثين رجلاً..
والصحيح: أن علياً "عليهالسلام " هو الذي ثبت وحده مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وانهزم الباقون، ثم صاروا يرجعون إلى القتال واحداً تلو الآخر، فالظاهر: أن كل راجع كان يخبر عمن وجدهم مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ممن سبقوه إليه، متخيلاً أنهم لم يفروا عنه.
ويدل على أن علياً قد ثبت، وفرَّ سائرهم:
1 ـ ما روي عن ابن عباس: لعلي أربع خصال: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر يوم المهراس (يعني يوم أحد)، انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره(1) .
____________
1- المناقب للخوارزمي ص21 و22 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص58 والإرشاد للمفيد ص48 و (ط دار المفيد) ج1 ص79 وتيسير المطالب ص49 وذخـائر العقبى ص86 وبحار الأنوار ج20 ص81 وج38 ص240 و 256 ومناقب = = أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص39 والإستيعاب ج3 ص27 و (ط دار الجيل) ج3 ص1090 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص117 ونظم درر السمطين ص134 وشواهد التنزيل ج1 ص118 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص72 وكشف الغمة ج1 ص79 و 190 وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص111 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص454 و 455 وج15 ص430 و 654 وج20 ص457 وج22 ص146 وج23 ص509 وج31 ص296 و 604 وتهذيب الكمال ج20 ص480 والوافي بالوفيات ج21 ص178 والعدد القوية ص244 وبناء المقالة الفاطمية ص133 ومنهاج الكرامة ص95 وغاية المرام ج5 ص175 وراجع: والخصال ج1 ص210 و 33 وكفاية الطالب ص336.
2 ـ وقال القوشجي: "فانهزم الناس عنه سوى علي إلخ.."(1) .
3 ـ وقالوا: كان الفتح يوم أحد بصبر علي "عليهالسلام "(2) . فلو كان
____________
1- شرح التجريد للقوشجي ص486 ودلائل الصدق ج2 ص387 وكشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد (تحقيق الآملي) ص521 و (تحقيق الزنجاني) ص408 وسفينة النجاة للتنكابني ص367.
2- راجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص364 وج18 ص84 عن الشبلنجي في نور الأبصار (ط مصر) ص80 وعن باكثير الحضرمي في وسيلة المآل (نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق) ص148.
معه غيره لذكر معه.
4 ـ إن من يذكرون أنهم ثبتوا في أحد، قد ورد التصريح بفرارهم فيها، فراجع في ذلك الجزء السابع من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " في فصل: نصر وهزيمة، من ص173 حتى ص190.
5 ـ قال زيد بن وهب لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله حتى لم يبق معه إلا علي بن أبي طالب "عليهالسلام "، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف؟!
قال: انهزم الناس إلا علي بن أبي طالب وحده، وثاب إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " نفر، وكان أولهم عاصم بن ثابت، أبو دجانة، وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيد الله.
قلت: فأين كان أبو بكر وعمر؟!
قال: كانا ممن تنحى.
قلت: فأين كان عثمان؟!
قال: جاء بعد ثلاثة أيام من الواقعة، فقال له رسول الله "صلىاللهعليهوآله ": لقد ذهبت فيها عريضة.
قال: فقلت له: فأين كنت أنت؟!
قال: كنت في من تنحى.
قال: فقلت له: فمن حدثك بهذا؟!
قال: عاصم، وسهل بن حنيف.
قال: قلت له: إن ثبوت علي في ذلك المقام لعجب.
فقال: إن تعجبت من ذلك، لقد تعجبت منه الملائكة، أما علمت أن جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء:
ولا فــتــى إلا عــــــلي |
لا سـيـف إلا ذو الـفـقـــار |
فقلت له: فمن أين علم ذلك من جبرئيل؟!
فقال: سمع الناس صائحاً يصيح في السماء بذلك، فسألوا النبي "صلىاللهعليهوآله " عنه، فقال: "ذاك جبرئيل"(1) .
6 ـ عن سعيد بن المسيب، قال: لو رأيت مقام علي يوم أحد لوجدته قائماً على ميمنة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، يذب عنه بالسيف، وقد ولى غيره الأدبار(2) .
7 ـ وعن أبي جعفر "عليهالسلام " في مناشدات علي لأهل الشورى: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم أحد حين ذهب
____________
1- الإرشاد للمفيد ج1 ص83 ـ 85 وبحار الأنوار ج20 ص81 ـ 85 و 72 وراجع ج41 ص82 والدر النظيم ص159 ـ 160 ونقلت فقرات من هذا الحديث في مصباح الأنوار ص314 وإرشاد القلوب ص241 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص315 وكشف الغمة ج1 ص193.
2- الإرشاد للمفيد ج1 ص88 وبحار الأنوار ج20 ص87 وأعيان الشيعة ج1 ص390.
الناس غيري؟!
قالوا: لا(1) .
8 ـ وقال "عليهالسلام " لبعض اليهود عن حرب أحد: "وبقيت مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة"(2) .
9 ـ وعن أنس: أن الذين ثبتوا في أحد هم واحد من المهاجرين، وسبعة من الأنصار. وقتل هؤلاء السبعة كلهم(3) .
____________
1- الإحتجاج ج1 ص199 وبحار الأنوار ج20 ص69 وج31 ص333 وغاية المرام ج2 ص129 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص217.
2- الخصال (ط مركز النشر الإسلامي) ص368 والإختصاص للمفيد ص167 وبحار الأنوار ج20 ص69 وج38 ص170 وحلية الأبرار ج2 ص363.
3- البداية والنهاية ج4 ص26 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص29 وصحيح ابن حبان ج11 ص18 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص51 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص203 وحياة الصحابة ج1 ص533.
وذكر اثنين من المهاجرين، بدل واحد في: صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص178 ومسند أحمد ج1 ص463 وج3 ص286 وذخائر العقبى ص181 ومجمع الزوائد ج6 ص109 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص44 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص196 ومسند أبي يعلى ج6 ص67 و 68 والجامع لأحكام القرآن ج2 ص364 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص421 و 424 والدر المنثور ج2 ص84 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص175 والبداية والنهاية (ط دار = = إحياء التراث العربي) ج4 ص46 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص80 وينابيع المودة ج2 ص215 وشرح مسلم للنووي ج12 ص147 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص491 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص474.
ومن الواضح: أن عاصم بن ثابت أبا دجانة لم يكن مهاجرياً أيضاً، وفي سح السحابة: أن الأنصار قتلوا جميعاً كما في تاريخ الخميس ج1 ص346.
ومن الواضح: أن هذا المهاجري ليس إلا علي بن أبي طالب "عليهالسلام "، كما أن الرواية دلت على أن بعض المهاجرين والأنصار حين فروا في أحد ذهبوا إلى منازلهم، وليس كلهم.
لا سيف إلا ذو الفقار:
وإن مناداة جبرئيل بـ "لا سيف إلا ذو الفقار الخ.." لها مغزى عميق أيضاً، فإنها تأتي تماماً في مقابل ما فعله أولئك المهاجرين الذين فروا، وجلسوا يتآمرون ـ هل يرسلون ابن أبي لأبي سفيان ليتوسط لهم عنده؟
أم أن أبا سفيان لا يحتاج إلى وسيط، إذ إن شافعهم عنده كونهم من قومه، وبني عمه.
أم أنهم يرجعون إلى دينهم الأول؟!
فتداول الأمور بهذا النحو يدل على أن سيفهم لم يكن خالصاً لله، بل
كان ذو الفقار سيف علي أمير المؤمنين "عليهالسلام " وحده خالصاً لله، ولا سيف خالصاً لله سواه.
وهذا السيف هو الذي قال عنه أمير المؤمنين "عليهالسلام " في رسالته إلى بعض عماله، يتهدده على تلاعبه بأموال الأمة: "ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلا دخل النار"(1) . لأنه لا يقتل به إلا مستحقها، ولأجل هذا صار لهذا السيف شرف ومجد، وتفرد من بين سائر السيوف بأنه في يد علي الذي هو نفس النبي "صلىاللهعليهوآله ".
كما أن أمير المؤمنين "عليهالسلام " هو الذي كان الله ورسوله، وجهاد في سبيله، أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه؛ وجراحه الكثيرة جداً شاهد صدق على ذلك.
أما غير علي "عليهالسلام "، فقد كانت نفسه ـ بدرجات متفاوتة طبعاً ـ أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. ولأجل ذلك تخلوا عن ذلك كله، حينما رأوا أنفسهم في خطر. بل لقد هم بعضهم بأن يتخلى حتى عن دينه، حيث قال: "إرجعوا إلى دينكم الأول"!.
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص66 الكتاب رقم 41 وبحار الأنوار ج33 ص500 وج42 ص182 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص168 والإمام علي بن أبي طالب "عليهالسلام " للهمداني ص782 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج6 ص219.
بل نجد بعضهم كانت عشيرته الكافرة أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، ومن دينه؛ فنراه يقول: "نلقي إليهم بأيدينا، فإنهم قومنا وبنو عمنا"(1) .
ويلاحظ: أن ذلك الكلام كان من المهاجرين على وجه العموم!!.
كما أن أولئك كلهم لا فتوة لهم، ولا رجولة عندهم، وعلي "عليهالسلام " وحده هو الفتى، لأنه هو الذي يملك نفسه، ولا تملكه نفسه، أما هم، فإن نفوسهم تملكهم؛ فتهلكهم.
السيف لأبي دجانة:
وذكروا: أنه "صلىاللهعليهوآله " أخذ سيفاً، وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه، فطلبه الزبير، وغيره، وفي نصوص أخرى: طلبه أبو بكر وعمر، وتضيف رواية الينابيع: علياً "عليهالسلام ".. فلم يعطهم إياه.
____________
1- راجع: السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج2 ص33 وراجع: السيرة الحلبية ج2 ص227 و (ط دار المعرفة) ج2 ص504 والمغازي للواقدي ج1 ص280 والبحر المحيط ج3 ص74 وراجع: بحار الأنوار ج20 ص27 والنص والإجتهاد ص327 وجوامع الجامع ج1 ص333 ومجمع البيان ج2 ص405 والميزان ج4 ص67 وتفسير الثعلبي ج3 ص176 وتفسير البغوي ج1 ص358 والتفسير الكبير للرازي ج9 ص20 وتفسير ابن عربي ج1 ص148 وتفسير البيضاوي ج2 ص98 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص763 وتفسير الآلوسي ج4 ص72 والكامل في التاريخ ج2 ص156 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص196.
فسأله أبو دجانة: ما حقه؟!
فقال: أن تضرب به العدو حتى ينحني.
فطلبه منه، فأعطاه إياه، فجعل يتبختر بين الصفين.. إلخ..(1) .
ونقول:
____________
1- راجع نصوص هذه الرواية المختلفة في: لباب الآداب ص176 وتاريخ الخميس ج1 ص424 و 425 وشرح الأخبار ج1 ص273 والمستدرك للحاكم ج3 ص230 والثقات لابن حبان ج1 ص225 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص195 والكامل في التاريخ ج2 ص152 وأسد الغابة ج5 ص184 وسير أعلام النبلاء ج1 ص244 والإصابة ج7 ص100 والمعارف لابن قتيبة ص159 ومجمع الزوائد ج6 ص109 والسيرة الحلبية ج2 ص222 و 223 و 225 و (ط دار المعرفة) ج2 ص497 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص257 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص430 وإمتاع الأسماع ج1 ص159 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص305 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص587 وعيون الأثر ج1 ص413 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص30 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص192 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص171 والبداية والنهاية ج4 ص16 و 17 وفيهما ذكر عمر والزبير، ومغازي الواقدي ج1 ص259 وحياة الصحابة ج1 ص575 ـ 577 عن غير واحد، وينابيع المودة، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة التي لا مجال لتعدادها.
نحن لا ننكر وجود شجعان في جيش المسلمين الذين حضروا حرب أحد وغيرها، ولكننا نشك كثيراً في صحة هذه الرواية عن أبي دجانة، لأكثر من سبب:
أولاً: إن الطريقة التي تدعي هذه الرواية أن النبي "صلىاللهعليهوآله " إتبعها في هذه القضية غير مفهومة لنا.. فإن قوله: من يأخذ هذا السيف بحقه، يقتضي أن يعطيه لأول شخص يطلبه. إلا إذا كان فراراً في المواطن، وقد أثبتت المواقف المختلفة جبنه وأنه ليس من أهله، ولا يأخذه بحقه.
ولكن الطريقة المنسوبة للنبي "صلىاللهعليهوآله " لم تكن كذلك، بل يبدوا أنه قد أراد أن يعطي ذلك السيف لشخص أو لأشخاص، كان قد عيّنه واختاره، أو عينهم واختارهم لها مسبقاً..
ثانياً: لو صح أنه "صلىاللهعليهوآله " منعهم ذلك السيف لجاز لهم الإعتراض "صلىاللهعليهوآله " بالقول: بأي حق توجه إلينا هذه الإهانة، ونحن لم نقترف ذنباً؟! ولماذا تستدرجنا إلى هذا الإمتحان غير المنصف الذي أدنتنا وأسقطتنا وأهنتنا فيه قبل أن تعطينا الفرصة للتصرف، لترى كيف تكون حالنا فيه؟!
فما هذه المفارقة الغريبة، وما هذا التصرف غير المنصف، الذي نسبوه إلى النبي المعصوم، وهو أشرف الخلق، وأكرم البشر على الله سبحانه؟!
ثالثاً: إن ذكر علي "عليهالسلام " في هذه الرواية لا مبرر له، لأن النصر الذي تحقق في حرب أحد ـ كما في حرب بدر ـ إنما تحقق على يد علي "عليهالسلام ".. كان ما جرى في بدر يكفي لإعطاء الإنطباع الواضح عما لعلي
"عليهالسلام " أن يفعله في ذلك السيف، وعن أنه هو الوحيد القادر على أن يأخذه بحقه، دون كل أحد.. فلماذا يمنعه وقد طلبه منه؟!
فالمطلوب من حشر إسم علي "عليهالسلام " بين هؤلاء هو التغطية على فرار الزعماء الذين تمكنوا من استلاب الخلافة من صاحبها الشرعي بعد إستشهاد رسول الله"صلىاللهعليهوآله ".
فلو فرض أن لهذه القضية أصلاً، فلا بد:
أولاً: أن يكون قد أعطاه لأبي دجانة مباشرة، أي من دون أن يقول: من يأخذ هذا السيف بحقه.. أي أنه "صلىاللهعليهوآله " أخذه وأعطاه إياه وشرط عليه أن يؤدي حقه..
ثانياً: لا بد أن نستبعد علياً "عليهالسلام " عنها، لأنه "عليهالسلام " كان يعلم أنه ليس هو المقصود للنبي "صلىاللهعليهوآله ".. وأن ندرك أن حشر إسمه الشريف هنا إنما هو لأجل التغطية على غيره..
وهناك تفاصيل ومناقشات أخرى لهذه الرواية المزعومة، ذكرناها في كتابنا الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج5 ص126 ـ 129. فمن شاء فاليرجع إليه.
ذو الفقار جريدة نخل يابسة:
عن علي "عليهالسلام " قال: انقطع سيفي يوم أحد، فرجعت إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فقلت: إن المرء يقاتل بسيفه، وقد انقطع سيفي.
فنظر إلى جريدة نخل عتيقة يابسة، مطروحة، فأخذها بيده، ثم هزها، فصارت سيفه ذا الفقار، فناولنيه، فما ضربت به أحداً إلا وقده بنصفين(1) .
وفي نص آخر: أنه لما شكى علي "عليهالسلام " انقطاع سيفه، دفع إليه رسول الله "صلىاللهعليهوآله " سيفه ذا الفقار، فقال: قاتل بهذا. ولم يكن يحمل على رسول الله "صلىاللهعليهوآله " أحد إلا استقبله أمير المؤمنين "عليهالسلام "، فإذا رأوه رجعوا.
فانحاز رسول الله "صلىاللهعليهوآله " إلى ناحية أحد، فوقف، وكان القتال من وجه واحد، وقد انهزم أصحابه، فلم يزل أمير المؤمنين "عليهالسلام " يقاتلهم حتى أصابه في وجهه، وصدره وبطنه، ويديه ورجليه تسعون جراحة، فتحاموه، وسمعوا منادياً من السماء:
ولا فــتــى إلا عـــلي |
لا سـيـف إلا ذو الـفـقـــار |
فنزل جبرئيل على رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فقال: يا محمد، هذه والله المواساة إلخ(2) ..
ونقول:
لا بأس بالتذكير هنا بالأمور التالية:
____________
1- الخرائج والجرائح ج1 ص148 وبحار الأنوار ج20 ص78 عنه.
2- تفسير القمي ج1 ص116 وبحار الأنوار ج20 ص54.
ذو الفقار في بدر أيضاً:
يظهر من الروايات المتقدمة أن علياً "عليهالسلام " حصل على ذي الفقار في أُحد.. مع أن الروايات تقول بمنادات جبرائيل: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي في بدر قبل أُحد.. فلعل الرواية قصرت في بيان المراد، وأن ما جرى في أُحد هو إعادة لسيف ذو الفقار إليه بمعجزة إلهية.. على النحو الذي ذكرته الرواية.. وتكرمة ربانية.
عرجون بن جحش:
إن هذا الذي ذكرناه يضع علامة استفهام حول صحة ما يذكر، من أن سيف عبد الله بن جحش انقطع، فناوله "صلىاللهعليهوآله " عرجوناً (وهو أصل العذق الذي يعوج، وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً(1) فعاد سيفاً، حيث يبدو لنا: أن المقصود بوضع هذا النص هو التخفيف من وهج سيف ذي الفقار، الذي يقال إنه كان في الأصل جريدة نخل عتيقة يابسة، فصارت سيفاً، هو ذو الفقار، فإن القضية هي نفسها تلك، ولكن
____________
1- راجع: أقرب الموارد، مادة عرجون. والصحاح للجوهري ج6 ص2164 ولسان العرب ج13 ص284 ومختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر ص223 والجامع لأحكام القرآن ج15 ص31 وفتح القدير ج4 ص370 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص152.
بدلت الأسماء فيها، لتضيع الحقيقة فلا يعرف صاحب القصة الحقيقي، هل هو علي "عليهالسلام " أو عبد الله بن جحش..
وقد عودنا شانئوا علي "عليهالسلام " على أن يغيروا باستمرار على فضائله وكراماته، ثم يمنحونها لهذا أو ذاك..
يزيد شكنا بقصة عرجون بن جحش: أنهم تارة يذكرون أن أهل عبد الله بن جحش ما زالوا يتوارثون هذا السيف، ويسمى (العرجون)، حتى بيع لبغا التركي بماءتي دينار، وأخرى يذكرون: أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " ولي تركة عبد الله بن جحش، واشترى منها سيفه العرجون، فاشترى لأمه مالا بخيبر.
ويزيد الأمر إشكالاً: أن قصة العرجون كما تذكر لعبد الله بن جحش، فإنها تذكر أيضاً لعكاشة بن محصن في واقعة بدر(1) .
فأي ذلك هو الصحيح؟!.
____________
1- راجع ما تقدم في: تاريخ الخميس ج1 ص424 والمغازي للواقدي ج1 ص219 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص18 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص879 وأسد الغابة ج3 ص132 والإصابة ج4 ص32 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص185 وعيون الأثر ج1 ص427 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص240 وج10 ص9.
الجهاد في ظل الكرامة الإلهية:
إن انقطاع سيف علي "عليهالسلام " في بدر أو في أحد، فناوله النبي "صلىاللهعليهوآله " جريدة صارت ذا الفقار، معناه: أن ظهور الكرامة والتدخل إنما كان في خارج دائرة الإختيار، وفي منأى عن الجهد الحربي، الذي يفترض أنه في عهدة المقاتلين، فبقي علي "عليهالسلام " هو المطالب بإقتحام المهالك، ومقارعة الأبطال..
وهذا يجعلنا نفهم الكرامة هنا على أنها جذوة إيمانية متوهجة، تتفاعل معها روح الإنسان المجاهد.. وزيادة بصيرة، ويقين، وبلورة للوعي العقائدي لديه، ثم هي إيذان بالرعاية الإلهية وإعلان الرضا الرباني.
ذو الفقار نزل من السماء:
وقد تحدثت الروايات: عن أن ذا الفقار هو سيف هبط به جبرئيل من السماء، وكانت حليته من فضة(1) .
____________
1- بصائر الدرجات ص51 و (منشورات الأعلمي سنة 1404 هـ) ص209 والكافي ج1 ص234 والأمالي للصدوق ص364 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص512 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص1088 وروضة الواعظين ص229 وشرح أصول الكافي ج5 ص327 ومستدرك الوسائل ج3 ص310 وبحار الأنوار ج42 ص65 و 67 و 57 وج63 ص537 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص806 و 807 ومسند الإمام الرضا "عليهالسلام " ج1 ص94 و 95 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص69 و 70 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص81 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص280 وعن علل الشرايع ص64 وعن معاني الأخبار ص63 وعيون أخبار الرضا ص214 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص55.
وهذا لا ينافي حديث الجريدة التي تناولها الرسول، فصارت ذا الفقار. فلعل جبرئيل قد أتى بهذه الجريدة بالذات لتظهر فيها هذه الكرامة الإلهية، لتؤثر الأثر الذي يتوخاه الله ورسوله منها.
وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى:( وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ ) (1) قال: أنزل الله آدم من الجنة، ومعه ذو الفقار، خلق من ورق آس الجنة (فيه بأس شديد) فكان يحارب به آدم أعداءه من الجن والشياطين، وكان عليه مكتوباً: لا يزال انبيائي يحاربون به، نبي بعد نبي، وصديق بعد صديق إلخ(2) ..
قال ابن شهرآشوب: وقد روي كافة أصحابنا أن المراد بهذه الآية ذو
____________
1- الآية 25 من سورة الحديد.
2- مناقب أل أبي طالب ج2 ص69 و 70 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص81 وبحار الأنوار ج42 ص57 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص280 والكنى والألقاب ج1 ص104 وغاية المرام ج4 ص267.
الفقار(1) .
ذو الفقار.. من اليمن:
روي عن علي "عليهالسلام ": أن جبرئيل "عليهالسلام " أخبر النبي "صلىاللهعليهوآله " أن باليمن صنماً من حجارة، مقعَّد في حديد، فبعث علياً "عليهالسلام " إلى اليمن فجاء بالحديد، فدفعه إلى عمر الصقيل، فضرب منه سيفين: ذا الفقار، والمخذم(2) .
وهذا لا يصح، لأن علياً إنما ذهب إلى اليمن في أواخر حياة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وقد نادى جبرئيل بذي الفقار، وبعلي، في بدر وفي أحد، أي قبل ذهابه "عليهالسلام " إلى اليمن بعدة سنوات.
إلا إن كان علي "عليهالسلام " قد سافر بصورة غير معلنة، فقام بمهمة خاصة ورجع.
____________
1- راجع: مناقب أل أبي طالب ج2 ص69 و 70 و(ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص81 ومستدرك الوسائل ج3 ص309 وبحار الأنوار ج42 ص57 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص806 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص280 والكنى والألقاب ج1 ص104 وغاية المرام ج4 ص267.
2- بصائر الدرجات ص206 وبحار الأنوار ج26 ص211 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص281 وراجع: نظم درر السمطين ص121 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص327 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص21 وج16 ص421.
لأنتم أولى بالقتل!! :
ويحدثنا عمر عن رعبه الدائم من علي بن أبي طالب "عليهالسلام "، لأنه رأى علياً "عليهالسلام " في حرب أحد كالليث يتقي الذر، إذ حمل كفاً من حصى، فرماه في وجوهنا ثم قال: شاهت الوجوه، وقطت، وبطت، (أي قطعت وشقت) ولطت، إلى أين تفرون؟! إلى الناس؟!.
فلم نرجع.
ثم كر علينا الثانية، وبيده صفحة يقطر منها الموت، فقال: بايعتم ثم نكثتم؟! فوالله، لأنتم أولى بالقتل ممن أقتل.
فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان ناراً، أو كالقدحين المملوأين دماً، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت إليه من بين أصحابي، فقلت: يا أبا الحسن، الله، الله، فإن العرب تفر وتكر، وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه استحيا، فولى بوجهه عني(1) .
وقد ذكرنا هذه الرواية بتمامها فيما يأتي حين الحديث عن علي "عليهالسلام " في خلافة عمر.. وعلقنا عليها هناك بما لعل من المفيد الرجوع إليه، فإلى هناك.
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج20 ص53 وتفسير القمي ج1 ص114 و 115 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص370.
علي (عليهالسلام ) يروي بطولات سعد!! :
ويزعمون: أن سعد بن أبي وقاص كان رامياً، وقد رمى في أحد بين يدي رسول الله "صلىاللهعليهوآله " حتى اندقت سية قوسه، وكان "صلىاللهعليهوآله " يناوله النبل، ويقول: إرم فداك أبي وأمي(1) .
____________
1- راجع: المغازي للواقدي ج1 ص241 والسيرة الحلبية ج2 ص229 و (ط دار المعرفة) ج2 ص506 وتفسير البغوي ج1 ص357 وتفسير الآلوسي ج4 ص72 وإمتاع الأسماع ج5 ص71 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص200 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص433 ومجمع البيان ج2 ص405 وتفسير الثعلبي ج3 ص175 والمجموع للنووي ج19 ص288 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص307 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص600 والمستدرك للحاكم ج3 ص26 وج2 ص96 ومكارم الأخـلاق لابن أبي الدنيـا ص63 = = ومجمع الزوائد ج6 ص113 وتفسير البغوي ج1 ص357 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص424 والدر المنثور ج3 ص193 وعيون الأثر ج1 ص419 وعمدة القاري ج17 ص148 و 149 وج22 ص204 وج14 ص185 ومسند أبي يعلى ج2 ص139 و 96 و 145 وج1 ص334 والمعجم الأوسط للطبراني ج4 ص235 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص143 وكنز العمال ج13 ص415 وج10 ص440 وج11 ص689 و 690 وج13 ص212 و 213 وتاريخ مدينة دمشق ج20 ص308 و 309 و 313 وتهذيب الكمال ج15 ص207 وسير أعلام النبلاء ج1 ص99 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص198 والكامل في التاريخ ج2 ص155 والبداية والنهاية ج4 ص30.
ورووا عن علي "عليهالسلام " أنه قال: ما سمعت النبي "صلىاللهعليهوآله " جمع أبويه لأحد إلا لسعد(1) .
ونقول:
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص229 و (ط دار المعرفة) ج2 ص507 عن المشكاة، وسبل الهدى والرشاد ج4 ص201 و 245 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص33 وج7 ص116 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص162 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج7 ص125 وعمدة القاري ج17 ص149 والمعجم الأوسط للطبراني ج5 ص382 وسنن ابن ماجة ج1 ص47 وسنن الترمذي ج4 ص211 وج5 ص314 وفضائل الصحابة للنسائي ص34 وفتح الباري ج7 ص66 وج10 ص469 ومسند أبي داود ص17 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص507 وج8 ص485 والأدب المفرد للبخاري ص173 وكتاب السنة لابن = = أبي عاصم ص600 والسنن الكبرى للنسائي ج6 ص56 وصحيح ابن حبان ج15 ص447 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص141 والكامل لابن عدي ج1 ص249 وكنز العمال ج13 ص213 و 416 وتهذيب الكمال ج10 ص310 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص52 وعلل الدارقطني ج3 ص217 و 218 والتعديل والتجريح للباجي ج3 ص1243 وتاريخ مدينة دمشق ج20 ص312 و 317
إننا لا نرتاب في كذب هذه المزاعم، وقد تحدثنا عن ذلك في الجزء السابع من كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم، في فصل في موقع الحسم.. غير أننا نشير هنا إلى ما يلي:
1 ـ لماذا صبر المشركون كل هذا الوقت الذي استغرقه سعد في رميه حتى اندقت سية قوسه، ولم تكن لهم ردة فعل او هجمة تدفع عنهم غائلة سهامه؟!
أم أن سهامه لم تكن تصل إليهم؟!
أم أنها وصلت إليهم ولم تصبهم؟!
أم أنهم ابتعدوا عن مداها، حتى لم تعد إصابتها ذات تأثير يعتد به؟!
فإن كان كذلك فلماذا واصل الرمي، وفرط في سهامه؟!
وأين كان رماة المشركين الذين كانوا أضعاف عدد رماة المسلمين عن المقابلة بالمثل؟!
أم أن المشركين لم يحملوا معهم أقواساً ولا سهاماً، فانفرد بهم سعد؟!
ولماذا لم يسم لنا التاريخ أياً من الذين أصابتهم سهام سعد، ولا ذكرت لنا عدد من قتل أو جرح بها؟!
2 ـ إن أمير المؤمنين إن كان قد قال ذلك عن سعد، فإنما قاله ليثبت له فضيلة به ليست لا حد سواه.. وهذا يفرض عليه أن يتحقق من كون النبي "صلىاللهعليهوآله " قد فدا أحداً بأبويه غير سعد. ولا يكتفي بالاخبار عن عدم سماعه منه ذلك فإن عدم سماعه "عليهالسلام " لا يدل على عدم
صدور ذلك من النبي "صلىاللهعليهوآله "، فلماذا لم يسأل الصحابة الآخرين، إن كانوا سمعوا شيئاً من ذلك قد قاله النبي "صلىاللهعليهوآله " لغير سعد، لكي يخبروه بأنه "صلىاللهعليهوآله " ـ كما يزعم ابن الزبير ـ قد قال للزبير يوم قريظة: فداك أبي وأمي؟!(1) .
وإن كنا نحن لا نصدق ذلك أيضاً، لأن ما فعله الزبير، وهو أنه أخبر
____________
1- راجع: فضائل الصحابة للنسائي ص33 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص313 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص508 وتحفة الأحوذي ج8 ص96 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص510 وج8 ص503 وراجع ص501 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص596 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص61 وراجع ج6 ص58 والإستيعاب لابن عبد البر ج2 ص513 وشرح العقيدة الطحاوية ص550 وتاريخ ابن معين ج2 ص56 وعمدة القاري ج16 ص225 وراجع ج22 ص204 وج14 ص142 وكنز العمال ج13 ص210 و 211 وراجع ص206 و 208 و 474.=
= وفي جمع النبي أبويه للزبير في الخندق راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص502 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج7 ص128 والأنساب للسمعاني ج1 ص139 والإصابة ج2 ص459 وفتح الباري ج10 ص469 ومسند أبي يعلى ج2 ص35 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص106 وسير أعلام النبلاء ج1 ص50 وتاريخ مدينة دمشق ج18 ص380 وتهذيب الكمال ج28 ص506 والمعجم الأوسط للطبراني ج3 ص288.
النبي "صلىاللهعليهوآله " بأمر بني قريظة، لا يستدعي أن يقول له النبي "صلىاللهعليهوآله " فداك أبي وأمي..
ولعلك تقول: قضية سعد سابقة على قضية الزبير، فلعله "صلىاللهعليهوآله " قد قال ذلك لسعد ولم يكن قال ذلك لأحد غيره قبل حرب أُحد..
ونجيب: بأن هنا الحديث أنما صدر بعد مرور سنوات على واقعة أُحد، فهو يخبر عن أنه لم يسمع النبي "صلىاللهعليهوآله " فدا أبويه لأجل أحد قبل أحد و بعدها.
3 ـ إن سعد بن أبي وقاص لم يكن يستحق هذه الفضيلة، ولا غيرها من الأوسمة التي منحوه إياها، فإنه كان من المناوئين لأمير المؤمنين "عليهالسلام "، حتى لقد كتب "عليهالسلام " لوالي المدينة: أن لا يعطي سعداً من الفيء شيئاً(1) .
____________
1- إختيار معرفة الرجال ص39 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص197 وقاموس الرجال ج4 ص412 و 413 ومستدرك الوسائل ج16 ص79 وجامع أحاديث الشيعة ج19 ص524 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص136 ورجال ابن داود (ط المكتبة الحيدرية) ص47 والتحرير الطاووسي ص74 ونقد الرجال للتفرشي ج2 ص304 وجامع الرواة للأردبيلي ج1 ص353 والدرجات الرفيعة ص445 وطرائف المقال ج2 ص137 والكنى والألقاب ج1 ص307.
وحينما دخل عليه سعد يطالبه بعطائه رده بعد كلام طويل، ولم يعطه شيئاً(1) .
وحينما دعاه عمار إلى بيعة سيد الوصيين، أظهر سعد الكلام القبيح(2) .
وأيضاً: فقد صارمه عمار المعروف بجلالة مقامه وعلو شأنه(3) .
وفي عهد عمر أخذ من بيت المال مالاً ولم يؤده، وعزله عمر عن العراق، وقاسمه ماله(4) .
وكان ممن قعد عن علي "عليهالسلام " وأبى أن يبايعه، فأعرض عنه "عليهالسلام "، وقال:( وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ ) (5) "(6) .
____________
1- صفين ص551 و 552 وقاموس الرجال ج4 ص313 عنه، وأعيان الشيعة ج1 ص517.
2- الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص52 و (تحقيق الشيري) ج1 ص73.
3- عيون الأخبار لابن قتيبة ج3 ص111 وقاموس الرجال ج4 ص313 و 314 عنه، وراجع: الفتوح لابن أعثم ج2 ص442.
4- راجع: قـامـوس الرجـال ج4 ص414 عن الأغـاني، وعن أنساب السمعاني. = = والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص149 وراجع ص307 وراجع: كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص477.
5- الآية 23 من سورة الأنفال.
6- راجع: قاموس الرجال ج4 ص315 و 316 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص9 وأعيان الشيعة ج1 ص444.
وسعد هو أحد الستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، فوهب حقه لابن عمه عبد الرحمن بن عوف(1) .
وشكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر بأنه لا يحسن يصلي(2) .
إذاً، فلعل انحراف سعد عن علي "عليهالسلام "، وممالأته لأعدائه هو
____________
1- راجع على سبيل المثال: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص188 وكتاب الأربعين للشيرازي ص169 و569 وبحار الأنوار ج31 ص399 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص715 وأعيان الشيعة ج1 ص437 ومستدركات علم رجال الحديث ج4 ص24 والبداية والنهاية ج7 ص164.
2- تاريخ اليعقوبي ج2 ص155 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص120 وج8 ص82 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص202 والأوائل ج1 ص310 و (ط مؤسسة الرسالة) ص53 والكامل في التاريخ ج2 ص569 وفتح الباري ج11 ص248 والمصنف للصنعاني ج2 ص360 وفي هامشه عن= = البخاري عن أبي عوانة، والعقد الفريد ج6 ص249 والثقات لابن حبان ج2 ص220 والمعجم الأوسط للطبراني ج6 ص208 وتاريخ بغداد ج1 ص155 وتاريخ الإسلام للذهبي ج10 ص184 ومسند أبي يعلى ج2 ص89 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج1 ص183 وج4 ص212 ومسند أحمد ج1 ص179 و 180 والأذكار النووية ص279
الذي جعل له هذا المقام، ورزقه هذه الفضائل والكرامات.
الله أعلى وأجل:
وحين نادى أبو سفيان بعد انتهاء حرب أحد: أعل هبل.. أمر النبي "صلىاللهعليهوآله " علياً بأن يجيبه بقوله: الله أعلى وأجل..
فقال: يا علي، إنه قد أنعم علينا.
فقال علي "عليهالسلام ": بل الله أنعم علينا..
ثم قال: يا علي، أسألك باللات والعزى، هل قتل محمد؟!
فقال علي "عليهالسلام ": لعنك الله ولعن اللات والعزى، والله ما قتل، وهو يسمع كلامك إلخ..
وفي نص آخر: إن أبا سفيان قال: إن ميعادنا بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر.
فقال رسول الله "صلىاللهعليهوآله ": قل: نعم.
فقال: نعم.
وفي نص آخر: إن أبا سفيان قال: أنعمت.
فقال: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر.
فقال علي "عليهالسلام ": لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار(1) .
____________
1- راجع: تفسير القمي ج1 ص117 وبحار الأنوار ج20 ص56 و 97 و 23 و 44 وإعلام الورى (ط1) ص25 و 55 و 90 و 96 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص181 وراجع: قصص الأنبياء للراوندي ص339 والتبيان للشيخ الطوسي ج3 ص314 وراجع: مجمع البيان ج2 ص399 وج3 ص180 وجامع البيان للطبري ج4 ص140 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص771 وتفسير السمعاني ج5 ص172 والجامع لأحكام القرآن ج16 ص230.
وقيل: إنه "صلىاللهعليهوآله " أمر عمر بأن يجيب بذلك، وعلمه ما يقول(1) .
ولعل كلا الأمرين قد حصلا، أي أنه "صلىاللهعليهوآله " أمر علياً بأن يبلغ عنه، فبادر عمر أيضاً إلى الإجابة من عند نفسه..
ولعل رواية أبي هلال العسكري، تشير إلى ذلك، حيث ذكرت: أن عمر أجاب أبا سفيان، ولم تذكر أن النبي "صلىاللهعليهوآله " أمره بذلك، أو علمه إياه(2) .
____________
1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص31 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص221 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص531 وعيون الأثر ج1 ص424 والعثمانية للجاحظ ص71.
2- الأوائل للعسكري ج1 ص184 و 185 وراجع: مسند أحمد ج1 ص288 والمستدرك للحاكم ج2 ص297 ومجمع الزوائد ج6 ص111 وفتح الباري ج7 ص272 والمعجم الكبير للطبراني ج10 ص302 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص228 وتنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ص439 وجامع البيان ج4 ص183 وج5 ص357 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص787 وتفسير الثعلبي ج3 ص173 وتفسير البغوي ج1 ص356 والتفسير الكبير للرازي ج9 ص15 والدر المنثور ج2 ص84 والثقات لابن حبان ج1 ص231 وأسد الغابة ج4 ص59 والبداية والنهاية ج4 ص28 و 43 وإمتاع الأسماع ج1 ص171 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص513 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص609 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص48 و 75 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص206 وراجع: تفسير القرآن العظيم ج1 ص413 و (ط دار المعرفة) ج1 ص421 و 422 و 424 وج4 ص188 وصحيح البخاري (ط سنة 1309 هـ) ج3 ص13 و (ط دار الفكر) ج4 ص27 وج5 ص30 وعمدة القاري ج14 ص282 وج17 ص142 ومسند أبي داود ص99 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص190 وج6 ص316 وصحيح ابن حبان ج11 ص41 وتاريخ مدينة دمشق ج23 ص444 والكامل في التاريخ ج2 ص160.
غير أن الظاهر هو: أن أبا سفيان بعد أن سمع جواب علي "عليهالسلام ": لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.. عدل عن توجيه الخطاب لعلي ليوجهه إلى عمر، مصرحاً باسمه، فقال حسب رواية العسكري: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب.
فقال: إنها(1) .
وهي إجابة لا يمكن قبولها من عمر، حيث إن ظاهرها أنه يوافق أبا سفيان
____________
1- راجع الهامش السابق.
على ما قال.
وإجابة علي "عليهالسلام " بتعليم من النبي "صلىاللهعليهوآله " هي الحق والصواب بعينه، لتضمنها تقويض اعتزاز أبي سفيان بنتائج الحرب، ولأنها أوضحت: أن المعيار في الفلاح والنجاح ليس هو النتائج التي تحصل في الدنيا، بل المعيار في الوقوف على قيمة ما حصل في الدنيا هو آثاره في الآخرة..
وهي هنا عكس ما يتمناه أبو سفيان والمشركون، فإن قتلى المسلمين في الجنة، فلا خوف عليهم، وقتلى المشركين في النار، فهم الخاسرون الحقيقيون.
الوصول إلى المهراس فضيلة:
وعن أبي جعفر "عليهالسلام " في حديث مناشدة علي "عليهالسلام " لأهل الشورى قال "عليهالسلام ": نشدتكم بالله، هل فيكم أحد سقى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " من المهراس غيري؟!
قالوا: لا(1) .
____________
1- الإحتجاج ص73 و 74 و (ط دار النعمان) ج1 ص199 ـ 203 وبحار الأنوار ج20 ص69 وج31 ص337 و 380 عنه، ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص217 ـ 221 وغاية المرام ج2 ص129 ـ 132 و 330 والأمالي للطوسي ص551.
وهذا يدل على عدم صحة قول ابن الأثير وابن إسحاق في الحديث: "إنه "صلىاللهعليهوآله " عطش يوم أحد، فجاء علي بماء من المهراس، فعافه، وغسل به الدم عن وجهه"(1) .
ولعل الأوضح والأقرب إلى الإعتبار هو ما روي عن أبي عبد الله "عليهالسلام "، من أن النبي "صلىاللهعليهوآله " قال: يا علي أين كنت؟!
قال: يا رسول الله، لزقت بالأرض (أي لم أفر، ولم أتحرك من مكاني).
فقال: ذلك الظن بك.
فقال: يا علي، ائتني بماء أغسل عني.
فأتاه في صحفة (ولعل الصحيح: جحفة)، فإذا رسول الله "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- النهاية لابن الأثير (ط مؤسسة إسماعيليان) ج5 ص259 وبحار الأنوار ج20 ص69 و 74 وراجع ج40 ص8 وراجع: السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص269 وصحيح ابن حبان ج15 ص436 والدرر لابن عبد البر ص150 وموارد الظمآن ج7 ص152 والثقات لابن حبان ج1 ص230 ومعجم البلدان ج5 ص232 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص200 والبداية والنهاية ج4 ص40 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص310 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص602 والدر النظيم ص161 وعيون الأثر ج1 ص420 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص70 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص531 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص210 ولسان العرب ج6 ص248 وج9 ص38.
قد عافه، وقال: ائتني في يدك.
فأتاه بماء في كفه، فغسل رسول الله "صلىاللهعليهوآله " عن لحيته(1) .
ومعنى ذلك: أنه "عليهالسلام " قد أتى بالماء من المهراس مرتين:
إحداهما: ليشرب رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
والأخرى: ليغسل النبي "صلىاللهعليهوآله " وجهه.
وحين جاءه بالماء ليغسل وجهه عاف الماء الذي كان في الجحفة أو الصحفة، وطلب منه أن يأتيه بماء آخر في كفه. فأتاه به.
ولكن يبقى أن نشير إلى أن المجيء بالماء من المهراس، لا بد أن تكون له خصوصية تجعل منه أمراً يكون التفرد به فضيلة يمكن المناشدة بها، ومن حيث إمتناع الآخرين عن المجيء بالماء من المهراس، ربما لخوفهم من وجود كمين للمشركين، وكان علي "عليهالسلام " وحده هو المستجيب له دونهم.
____________
1- بحار الأنوار ج20 ص91 و 92 وتفسير العياشي ج1 ص201 ومستدرك الوسائل ج2 ص610 و 611.
الفصل الرابع :
جراح علي (عليهالسلام )
جراح علي (عليهالسلام ) في أحد:
1 ـ في مجمع البيان، وتفسير علي بن إبراهيم، وأبان بن عثمان: أنه أصاب علياً "عليهالسلام " يوم أحد، ستون جراحة(1) .
2 ـ في تفسير القشيري، قال أنس بن مالك: إنه أتى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بعلي، وعليه نيف وستون جراحة(2) . فجعل رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يمسحها، وهي تلتئم بإذن الله كأن لم تكن(3) .
____________
1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص119 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 385 وبحار الأنوار ج41 ص3 وج109 ص43 وتفسير مجمع البيان ج2 ص409 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص252 وتفسير الميزان ج4 ص67.
2- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص119 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 385 وعين العبرة في غبن العترة ص36 وحلية الأبرار ج2 ص428 وبحار الأنوار ج20 ص23 وج41 ص3 وتفسير مجمع البيان ج2 ص399 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص219 وراجع: عمدة القاري ج17 ص140.
3- بحار الأنوار ج20 ص23 وتفسير الثعلبي ج3 ص173 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص219 ومجمـع البـيـان ج2 ص509 و (ط مـؤسسـة الأعلمـي) ج2 = = ص399 وعمدة القاري ج17 ص140 وعين العبرة في غبن العترة ص36 وبحار الأنوار ج20 ص23.
3 ـ قيل: أصابت علياً "عليهالسلام " في أحد أربعون جراحة، فأخذ "صلىاللهعليهوآله " الماء على فمه فرشه على الجراحات كلها، فكأنها لم تكن من وقتها(1) .
4 ـ قال أبان: أمر النبي "صلىاللهعليهوآله " أم سليم وأم عطية أن تداوياه، فقالتا: قد خفنا عليه.
فدخل النبي "صلىاللهعليهوآله " والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة، فجعل النبي "صلىاللهعليهوآله " يمسحه بيده ويقول: إن رجلاً لقى هذا في الله لقد أبلى وأعذر. فكان يلتئم.
فقال علي "عليهالسلام ": الحمد لله الذي لم أفر ولم أول الدبر. فشكر الله تعالى له ذلك في موضعين من القرآن، وهو قوله تعالى:( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) (2) و( وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (3) "(4) .
____________
1- الخرائج والجرائح ج1 ص148 وبحار الأنوار ج20 ص78 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص47.
2- الآية 145 من سورة آل عمران.
3- الآية 144 من سورة آل عمران.
4- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص119 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 385 وحلية الأبرار ج2 ص428 وبحار الأنوار ج41 ص3 وتفسير مجمع = = البيان ج2 ص409 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص252 والتفسير الصافي ج1 ص390 وتفسير الميزان ج4 ص67.
5 ـ قيل: كان بعلي "عليهالسلام " نيف وسبعون(1) .
وفي رواية: أنه أصابته "عليهالسلام " في أحد في وجهه ورأسه، وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحه(2) .
6 ـ عن الشعبي: انصرف علي بن أبي طالب "عليهالسلام " من وقعة "أحد" وبه ثمانون جراحة، تدخل فيها الفتائل. فدخل عليه رسول الله "صلىاللهعليهوآله " وهو على نطع، فلما رآه بكى، وقال: إن رجلاً يصيبه هذا في سبيل الله لحق على الله ان يفعل به ويفعل.
فقال على "عليهالسلام " مجيباً له، وبكى: بأبي وأمي أنت يا رسول الله،
____________
1- تفسير الثعلبي ج3 ص173 وراجع: شجرة طوبى ج2 ص279.
2- راجع الرواية والأقوال المشار إليها في: بحار الأنوار ج20 ص23 و 54 و 70 و 78 وج41 ص3 وج40 ص114 و 115 وج9 ص508 و 454 وج108 ص279 وتفسير مجمع البيان ج2 ص509 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص47 و 48 وج7 ص573 وتفسير القمي ج1 ص116 والخصال ج1 ص368 وشجرة طوبى ج2 ص279 وعن الخرائج والجرائح
الحمد الذي لم يرني وليت عنك، ولا فررت، بأبي وأمي كيف حرمت الشهادة؟!
فقال له "صلىاللهعليهوآله ": إنها من ورائك إن شاء الله.
ثم قال له النبي "صلىاللهعليهوآله ": إن أبا سفيان قد أرسل يوعدنا ويقول: ما بيننا وبينكم حمراء الأسد.
فقال علي "عليهالسلام ": لا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أرجع عنهم ولو حملت على أيدي الرجال.
فأنزل الله عز وجل:( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (1) . ونزلت الآية فيه قبلها:( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) (2) .
ثم ترك الشكاية في ألم الجراحة، فشكت المرأتان إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " ما يلقى وقالتا: يا رسول الله، قد خشينا عليه مما تدخل الفتائل في موضع الجراحات من موضع إلى موضع. وكتمانه ما يجد من الألم.
قال: فعدَّ ما به من أثر الجراحات عند خروجه من الدنيا، فكانت ألف
____________
1- الآية 146 من سورة آل عمران.
2- الآية 145 من سورة آل عمران.
جراحة من قرنه إلى قدمه "صلوات الله عليه"(1) .
ونقول:
هل هذا تصحيف؟!:
لعل تصحيفاً وقع في كلمتي سبعين وتسعين، بسبب التشابه بالرسم بينهما، مع عدم وجود النقط في السابق. وربما وقع التصحيف بين الستة والسبعة والتسعة، فإنها متقاربة في رسم الخط أيضاً.
كثرة جراح علي (عليهالسلام ) :
إن تعرض علي "عليهالسلام " للجراح بهذه الكثرة وبهذا النحو، حتى أصبح، مثل المضغة، وهو قرحة واحدة يدل:
ألف: على ضراوة المعركة وشدتها.. وعلى كثرة الرجال الذين واجههم "عليهالسلام "، وكأنه كان قد استفرد بين الأعداء.. بعد فرار جميع المسلمين من ساحة القتال إلى الجبال.
ب: يدل على أنه "عليهالسلام " لم يكن يلبس درعاً يحميه من سيوف ورماح أعدائه..
____________
1- الإختصاص ص158 وبحار الأنوار ج36 ص26 وج40 ص114 وسعد السعود لابن طاووس ص112 عن ما نزل من القرآن في أهل البيت، وراجع: حلية الأبرار ج2 ص434 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص47 وتأويل الآيات ج1 ص123.
ج: على أن بعد صيته في الشجاعة بين أعدائه بسبب حرب بدر وغيرها.. لم يمنعهم من مهاجمته اعتماداً على كثرتهم.
د: يدل على عدم صحة ما زعموه من أنه "عليهالسلام " لم يجرح قط.
علي (عليهالسلام ) أبلى وأعذر:
لا شك في أن لهذه الجراح آلامها وآثارها في ضعف من تصيبه عن الحركة بسبب النزف الكثير الذي ينشأ عنها..
وهذا يؤكد على أن صموده "عليهالسلام " بالرغم من ذلك يعد من أعظم الكرامات له.. فضلاً عن أن غير علي "عليهالسلام " لو واجه مثل هذا الموقف، فلا شك أن كثرة العدو، والشعور بالوحدة في المواجهة سوف تزيده ضعفاً، إذ يجتمع الضعف الروحي والضعف الجسدي، فصموده في وجه الأعداء في هذه الحال يعتبر إنجازاً فريداً، وموقفاً مجيداً..
وهذا يفسر لنا قوله "صلىاللهعليهوآله ": "إن رجلاً لقي هذا في الله لقد أبلى وأعذر".
الحمد لله لم أفر:
وما ذكرناه آنفاً: يفسر أيضاً قول علي "عليهالسلام ": "الحمد لله الذي لم يرني أفر، ولم أول الدبر". فإن الناس قد فروا من دون أن يجري عليهم ما جرى على علي "عليهالسلام "، فلم تتكاثر الرجال عليهم، ولم يروا أنفسهم في وحدة ولا وحشة. كما أنهم لم يصابوا بجراح تعد بالعشرات، حتى يصير
الواحد منهم كالمضغة، أو كالقرحة الواحدة. ولم يتعرض أي منهم لألم الجراح، ولا لنزف الدماء، فمن جرى عليه الذي جرى على علي "عليهالسلام "، لا بد أن يحمد الله تعالى على صموده، وعدم فراره.
وكان لا بد أن يعرِّض "عليهالسلام " بالفارين، الذين أهمتهم أنفسهم، ولم يهتموا لنبيهم، ولا لدينهم، ولا لشرفهم وكرامتهم، مع أن دعاواهم عريضة، وطموحاتهم كبيرة..
امرأتان تداويان جراح علي (عليهالسلام ) :
وقد ذكرت رواية أبان: أن أم سليم، وأم عطية كانتا تداويان جراح علي "عليهالسلام "، بأمر رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
وأشارت إلى ذلك رواية الشعبي أيضاً. وقد كان يمكن أن تتولى فاطمة الزهراء "عليهاالسلام " أو صفية، أو غيرها من المحارم مداواته..
ولكن لعل المداواة قد حصلت في ظروف معينة تمنع من حضورهن ومداواتهن له..
ويجاب:
بأن ظاهر الرواية: هو أن هذه المداواة قد حصلت في داخل المدينة، لأنها صرحت بعيادة المسلمين له.. ولا شيء يمنع من مداواة محارمه له في هذه الحال.
إلا إذا كان "صلىاللهعليهوآله " لا يريد أن يؤذي مشاعر الأرحام برؤية الحالة الصعبة جداً التي كان علي "عليهالسلام " يعاني منها، حتى ان
جسمه كان قرحة واحدة، علماً بأن هذه الأوضاع الصعبة لا تسمح بيقظة المشاعر الريبة الجنسية، ولا سيما إذا كان النساء الموكليتن بالمداواة كنَّ ممن تقدمت بهن السنَّ وتجاوزن هذه المراحل.
ولكن نفس أمر رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لهاتين المرأتين بمداواة علي "عليهالسلام " يدل على أن مداواة المرأة للرجل مأذون بها في ظروف معينة.. مع الأخذ بنظر الإعتبار احتمال أن لا تكون هاتان المرأتان في سن الشباب. ومع ملاحظة: أن الإذن بالمداواة لا يعني السماح باللمس المباشر، حيث تمكن المداواة بدونه، كما لا يعني السماح بالنظر إلى المواضع التي يحظر نظر الأجنبية إليها..
فلا بد من الإقتصار على القدر المتيقن، والأخذ بالإحتياط في كل مورد، يحتمل مدخليته في الجواز.
مداواة المرأة للرجل:
وعدا عن ذلك.. فإننا يمكن أن ندَّعي: أن السيرة كانت قائمة في زمن النبي "صلىاللهعليهوآله " وبعده على تولي النساء معالجة وتمريض الرجال..
فقد كان لرفيدة خيمة في المسجد تعالج فيها المرضى، وتداوي الجرحى، ولما جرح سعد بن معاذ أمر النبي "صلىاللهعليهوآله " أن يجعل في خيمتها حتى يعوده، وكان "صلىاللهعليهوآله " يعوده في الصباح
والمساء(1) ..
كما أنها كانت تداوي جرحى المسلمين يوم بني قريضة(2) .
____________
1- السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص250 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص720 والإصابة ج4 ص302 و 303 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص136 عن ابن إسحاق، وعن البخاري في الأدب المفرد، وفي التاريخ بسند صحيح، وأورده المستغفري من طريق البخاري، وأبو موسى من طريق المستغفري، والتراتيب الإدارية ج2 ص113 وج1 ص462 و 453 ـ 454 عمن تقدم، والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج4 ص311 والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج8 ص387 عن الإصابة، والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص427 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص248 و 249 وعيون الأثر ج2 ص53 وتاريخ الإسـلام للذهبي ج2 ص324 وفتح البـاري ج7 ص317 = = والأدب المفرد للبخاري ص240 وجامع البيان ج21 ص184 وتفسير الثعلبي ج8 ص27 وتفسير البغوي ج3 ص523 وتفسير الآلوسي ج21 ص177 وسير أعلام النبلاء ج1 ص287 وراجع: تهذيب الكمال ج35 ص174 وتهذيب التهذيب ج12 ص369 والبداية والنهاية ج4 ص139 وإمتاع الأسماع ج1 ص248 وج9 ص254 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص233 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص665.
2- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج8 ص387 عن نهاية الإرب ج17 ص191.
وقيل: أن كعيبة بنت سعيد الأسلمية كانت لها خيمة في المسجد لمداواة المرضى والجرحى، وكان سعد بن معاذ عندها تداوي جرحه حتى مات. وهي أخت رفيدة(1) ولعل خيمتهما واحدة.
وكانت كل من: ليلى الغفارية، وأم كبشة القضاعية، وأم سلمة، ومعاذة الغفارية، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأم سليم، وربيع بنت معوذ، وأم زياد الأشجعية في ست نسوة، وأم أيمن، وأم سنان الأسلمية، وأم عطية الأنصارية(2) كن كلهن يخرجن معه "صلىاللهعليهوآله " في
____________
1- الإصابة ج4 ص396 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص297 والتراتيب الإدارية ج2 ص113 وج1 ص454 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص10 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص291 والثقات لابن حبان ج3 ص358 وتهذيب التهذيب ج12 ص369 وكتاب المحبر للبغدادي ص410 وإمتاع الأسماع ج1 ص248.
2- راجع فيما تقدم، كلاً أو بعضاً: التراتيب الإدارية ج2 ص113 ـ 116 ومسند أحمد ج5 ص271 و 84 وج6 ص407 وفي ج6 ص358 عن امرأة غفارية: أنها خرجت معه "صلىاللهعليهوآله " لذلك، وقاموس الرجال ج11 ص33 و 48 وسنن البيهقي ج9 ص30 ونوادر المخطوطات ج1 ص61 كتاب المردفات من قريش للمدائني، والإصابة ج4 ص402 و 301 و 433 و 487 و 454 وفيها عن أبي داود والنسائي، وابن أبي عاصم، والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج4 ص311 و 472 و 404 وأسد الغابة ج5 ص543 و 451 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص214 و 176 ترجمة أم سنان الأسلمية، وصحيح البخاري (ط سنة 1309هـ) ج2 ص97 وسنن الدارمي ج2 ص210 وسائر المصادر التي في الهوامش التالية، وفي تراجم المذكورات في كتب الرجال، والمعجم الصغير ج1 ص117 ولسان الميزان ج6 ص127 و 209 و 232 وراجع: الكافي ج1 ص45 وسنن أبي داود ج3 ص18 وكنز العمال ج4 ص345.
الغزوات لمداواة الجرحى، ومعالجة المرضى.. بل إن أم عطية قد خرجت معه "صلىاللهعليهوآله " في سبع غزوات من أجل ذلك(1) وامرأة أخرى
____________
1- صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص199 ومسند أحمد ج5 ص84 وج6 ص407 ونيـل الأوطـار ج8 ص63 وسنن ابن ماجـة ج2 ص952 وتحفـة = = الأحوذي ج5 ص163 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص727 ومسند ابن راهويه ج5 ص211 و 212 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص278 والمعجم الكبير للطبراني ج25 ص55 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص455 وشرح السير الكبير للسرخسي ج1 ص201 وتاريخ الإسلام للذهبي ج5 ص290.
خرجت معه في ست غزوات من أجل ذلك أيضاً(1) .
وعن أنس، قال: كان رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء ويداوين الجرحى(2) .
وعن ربيع بنت معوذ: كنا مع النبي "صلىاللهعليهوآله " نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى(3) .
____________
1- مسند الحميدي ج1 ص175 والبخاري (ط سنة 1309هـ) ج1 ص115 و (ط دار الفكر) ج1 ص83 وج2 ص9 و 172 ومسند أحمد ج5 ص84 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص306 وفتح الباري (المقدمة) ص252 وعمدة القاري ج3 ص302 وج9 ص294 وعون المعبود ج3 ص344 وصحيح ابن خزيمة ج2 ص360.
2- صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص196 وسنن أبي داود ج1 ص569 وسنن الترمذي ج3 ص68 ونيل الأوطار ج8 ص63 والشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص427 والمجموع للنووي ج19 ص273 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص30 والسنن الكبرى للنسائي ج4 ص369 ومسند أبي يعلى ج6 ص50 والإستذكار لابن عبد البر ج1 ص302 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص112 والمنتقى لابن تيمية ج2 ص768 عن مستدرك الحاكم، وأحمد، ومسلم.
3- صحيح البخاري (هامش فتح الباري) ج6 ص60 و (ط دار الفكر) ج3 ص222 وج7 ص12 وفتح الباري ج10 ص115 وعمدة القاري ج14 ص169 وج21 ص230 والأعلام للزركلي ج3 ص15 ونيل الأوطار ج8 ص63 ومسند أحمد ج6 ص358 وتحفة الأحوذي ج5 ص163 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص278 والمعجم الكبير ج24 ص276 وأسد الغابة ج5 ص451 والإصابة ج4 ص301 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص133 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص112.
وعن حشرج بن زياد الأشجعي، عن جدته أم أبيه، أنها قالت: إنها خرجت في خيبر مع خمس نسوة أخريات لأجل مداواة الجرحى وغير ذلك، فأسهم لهن "صلىاللهعليهوآله " تمراً(1) .
وعن الزهري: كانت النساء تشهدن مع النبي "صلىاللهعليهوآله " المشاهد، ويسقين الماء (المقاتلة) ويداوين الجرحى(2) ، ومثل ذلك عن مالك
____________
1- راجع: مسند أحمد ج5 ص271 وج6 ص371 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص728 وج8 ص523 والآحاد والمثاني ج6 ص81 والمعجم الكبير ج25 ص137 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص538 وأسد الغابة ج5 ص584 و 631 وتهذيب الكمال ج6 ص505 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص396 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص233 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص388 والتراتيب الإدارية ج2 ص115 عن أبي داود، وفيه: حنين، بدل خيبر، وهما تكتبان في القديم على نحو واحد، وبلا نقط، وهو سبب الإشتباه.
2- التراتيب الإدارية ج2 ص115 عن الصنعاني، وفتح الباري ج6 ص58.
في العتيبة(1) .
وعن العشبي، عن عبد الله قال: كن النساء يوم أحد يجهزن على الجرحى، ويسقين الماء، ويداوين الجرحى(2) .
وعن ابن عمر قال: كان رسول الله "صلىاللهعليهوآله " إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه أثلاثاً فمن أصابته القرعة أخرج بهن معه، فكن يخرجن يسقين الماء ويداوين الجرحى(3) .
وسئل إبراهيم عن جهاد المرأة، فقال: كن يشهدن مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فيداوين الجرحى، ويسقين المقاتلة(4) .
وكتب ابن عباس في جواب نجدة الحروري: كتبت إلي تسألني: هل كان رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يغزو بالنساء؟! وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى(5) .
____________
1- التراتيب الإدارية ج2 ص116.
2- المصنف لابن أبي شيبة ج8 ص489.
3- المعجم الكبير للطبراني ج23 ص125 ومجمع الزوائد ج9 ص237.
4- المصنف للصنعاني ج5 ص298 وفي هامشه عن الشيخين بمعناه، عن أنس، ومسلم، عن ابن عباس. والمنتقى ج2 ص768 وسنن ابن ماجة ج2 ص952.
5- الأم للشافعي ج4 ص88 و (ط دار الفكر) ج4 ص272 وج7 ص361 وكتاب المسند للشافعي ص319 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص197 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص332 وج9 ص22 و 30 والمعجم الكبير ج10 ص336 ومعرفة السنن والآثار ج6 ص499 ونصب الراية ج4 ص284 ومسند أحمد ج1 ص224 و 308 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص17 وأضواء البيان ج2 ص98 والمنتقى من السنن المسندة ج2 ص768 عن أحمد، ومسلم، وابن ماجة، وسنن الترمذي ج4 ص126 وحلية الأولياء ج3 ص205.
وعن يوم عماس يقول المسعودي وغيره: "وأقبل المسلمون على قتلاهم، فأحرزوهم، وجعلوهم وراء ظهورهم، وكانت النساء والصبيان يدفنون الشهيد، ويحملون الرثيث إلى النساء، ويعالجونهم من كلومهم الخ.."(1) .
فكل ذلك يكون مؤيداً لجريان السيرة على تمريض النساء للرجال، كما دل عليه خبر علي بن أبي حمزة، وعلي بن جعفر..
هذا.. ولكننا نجد في مقابل ذلك:
1 ـ ما رواه الطبراني عن أم كبشة ـ امرأة من عذرة ـ أنها قالت: يا رسول الله، إئذن لي أن أخرج في جيش كذا وكذا.
قال: لا.
قالت: يا رسول الله، إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي
____________
1- مروج الذهب ج2 ص317. وراجع: الفتوحات الإسلامية لدحلان ج1 ص114 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص58 والكامل لابن الأثير ج2 ص477 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 قسم2 ص97 و 98.
الجرحى، وأسقي المرضى.
قال: لولا أن تكون سنة، ويقال: فلانة خرجت لأذنت لك، ولكن اجلسي(1) .
2 ـ كما أنه "صلىاللهعليهوآله " لم يأذن لأم ورقة الأنصارية بالغزو معه، لمداواة الجرحى، وتمريض المرضى(2) .
ولكن الحقيقة هي: أن هذا لا يضر في دلالة كل ما سبق، بل هو مؤيد
____________
1- مجمع الزوائد ج5 ص323 وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح، والآحاد والمثاني ج6 ص242 والمعجم الكبير ج25 ص176 وأسد الغابة ج5 ص610 والإصابة ج4 ص487 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص455 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص112 وحياة الصحابة ج1 ص618 عن المجمع.
2- سنن أبي داود كتاب الصلاة ص61 و (ط دار الفكر) ج1 ص142 ونصب الراية ج2 ص39 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج6 ص225 وإمتاع الأسماع ج13 ص189 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص375 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص374 والإصابة ج4 ص505 والاستيعاب (بهامش الإصابة) نفس الجلد والصفحة، والتراتيب الإدارية ج1 ص47 عن الطبقات الكبرى لابن سعد، وعن السيوطي في المجمع، وعزاه لابن راهويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي، قال: وروى أبو داود بعضه، ومسند أحمد ج6 ص605.
له، لأنه قد علل منعه لها في الأولى بأنه: لا يحب أن يكون ذلك سنة، فهو لا يحب أن تجري العادة على إخراجهن في الغزو كذلك، ولولا ذلك لأذن لهن.
وأما بالنسبة لأم ورقة، فإنه لم يظهر لنا الوجه في منعها، ولعله لخصوصية ترتبط بها، لا لأجل ان ذلك غير جائز للنساء مطلقاً.
وهكذا.. يتضح: أنه يمكن دعوى: أن السيرة كانت جارية في زمن الرسول على تمريض النساء للرجال..
إلا أن يقال: أن السيرة هذه لم تثبت إلا من طرق غير الشيعة، فلا حجية فيها وهو كما ترى.
أو يدعى: إعراض المشهور عن خبري ابن أبي حمزة، وعلي بن جعفر، وهو موجب ـ عند البعض ـ لضعف سندهما، ومن ثم عدم الإقدام على الإفتاء بمضمونهما.. أو حملهما على صورة الضرورة، وحمل ما تقدم نقله كله على هذه الصورة أيضاً(1) .
ولعل لأجل هذا نجد: أهل الفتوى لا يفرقون ـ عموماً ـ بين الرجل والمرأة في هذه المسألة كما سيأتي.. كما أن الحمل على الضرورة أو غيرها وملاحظة ما يرمي إليه الشارع في تحديداته للعلاقات بين الرجل والمرأة يستدعي الاقتصار على العجائز منهن.
____________
1- فقد حمل البعض الروايات المتقدمة عن الصحابيات على ذلك راجع: التراتيب الإدارية ج2 ص116 عن ابن زكريا والقرطبي.
لا منافاة بين الروايات:
إن التيام جراحات علي "عليهالسلام " بملامسة رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لها.. قد حصل بعد العجز عن مداواته، وخوف أم سليم وأم عطية على سلامته من تلك الجراح. فراجع رواية أبان في ذلك.. كما أن شفاءها بالماء تارة، وبالمسح عليها تارة أخرى، لا يمنع من تكرر ذلك في واقعة أحد.
كيف حرمت الشهادة؟!:
وقد عبر علي "عليهالسلام " عن حسرته، لأنه حرم الشهادة، فكيف نوفق بين هذا وبين جعل النبي"صلىاللهعليهوآله " إياه وصياً له من بعده.
ونجيب:
أولاً: إن من الجائز أن يكون مراده "عليهالسلام " بقوله: "كيف حرمت الشهادة"؟! هو إظهار أن الجراح التي نالته من شأنها أن تودي به إلى الموت. فهو يتعجب من بقائه حياً، وقد أصابته كل هذه الجراح المميتة!!
وكأن ذلك يعني: أن الله سبحانه قد أناله ثواب الشهادة مرات ومرات، لأن ما يتعرض له من آلام الجراح يفوق ما يتعرض له الذين يستشهدون أضعافاً مضاعفة.
ثانياً: قد يحلو للبعض أن يجيب، وإن كنا لا نوافقه على ذلك، لعدم قيام دليل صالح عليه، بل قد نجد شواهد عديدة على خلافه: بأن قانون البداء جار في الأمور، فإن لم يجر في الإمامة نفسها، باعتبارها من الميعاد، والله لا
يخلف الميعاد.. فلعله يجري في شخص الإمام، فإن صح هذا، فما الذي يمنع من أن يتعامل علي "عليهالسلام " مع إمامة نفسه، وبقائه بعد رسول الله "صلىاللهعليهوآله " على أساس الخضوع لقانون البداء، الذي تجري عليه حركة البشر وحياتهم، ويكون نفس حفظه للدين، وكسر شوكة أهل الشرك والكفر بهذا المقدار كاف في نيله "عليهالسلام " لمقامات القرب والزلفى عند الله تعالى؟!
ولا دليل على أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " كان قد أخبره بما في اللوح المحفوظ المطابق لعلمه تعالى، من حتمية بقائه إلى ما بعد وفاة الرسول..
فلعل الله تعالى أراد أن يحجب هذه المعرفة عنه في خصوص هذا المورد، لينيله ثواب الجهاد، وحب الإستشهاد بأسمى معانيه وأسناه وأغلاه..
وربما تكون هناك مصالح أخرى هامة وعظيمة أخرى، لا تنالها أوهامنا تقضي بحجب المعرفة بخصوص هذا الأمر!!
حرص علي (عليهالسلام ) على الجهاد:
وإذا كان الناس الأصحاء يفرون من الحرب والقتال، ويسلمون نبيهم إلى الأخطار، ويعرضونه للمهالك، حباً منهم بالسلامة.. وإذا كانت الجراح عذراً عند الناس، وعند الله تعالى للتخلف عن مناجزة العدو، فكيف إذا كانت الجراح قد كثرت وتعمقت حتى أصبح الجريح كالمضغة، أو كالقرحة الواحدة؟! وكانت من العمق بحيث أصبحت الفتائل تدخل من موضع،
وتخرج من آخر.
هذا بالإضافة إلى ما يستتبع ذلك من نزف مضن، وآلام مبرحة..
فهل يظن أحد، أو يحتمل أن تكون ثمة رغبة من هذا الجريح الطريح في القتال والنزال؟! ولا سيما مع استعداد العدو وتأهبه، وظهور رغبته في الهجوم الذي لن يكون سهلاً ولا عادياً، لأنه يريد ان يثأر لكل النوازل التي حلت به، وكلها كانت على يد نفس هذا الجريح النازف، والذي جعلته الجراح كالمضغة، أو كالقرحة الواحدة؟!
ولكن ها نحن نشهد علياً "عليهالسلام " نفسه يقسم بالله أن لا يتخلف عن هذه المعركة، التي سيكون هو المستهدف فيها، وهو المحور لكل هجمات الأعداء، التي لن يتهاونوا في جعلها ساحقة وماحقة..
إنه سيحضرها ولو محمولاً على أيدي الرجال، لا ليتفرج على قتال غيره لهم، بل ليكون هو في مقدمة المقاتلين والمجاهدين..
فأين هذه الروحية من روحية أولئك الذين تركوا نبيهم بين سيوف الأعداء ورماحهم المشرعة إلى صدره؟!
علي (عليهالسلام ) يكتم آلام الجراح:
إن للأوجاع فائدة يحسن لفت النظر إليها، وهي: أنها تنذر المريض بالمرض، وتدل الطبيب على مواضع الخلل، وحالاته، ومدى جدوى العلاج الذي اختاره، وطبيعة الآثار التي تركها.. وما إلى ذلك..
ولأجل ذلك شكت المرأتان المعالجتان من كتمان علي "عليهالسلام " لأوجاعه، فإنهما تخوفتا أن يؤثر هذا الكتمان في تعمية الأمور عليهما، وعدم تمكنهما من تقديم ما يلزم في الوقت المناسب..
ولعل سبب كتمانه "عليهالسلام " لتلك الآلام: أنه لم ير ضرورة للإخبار بها، لعلمه بعدم تأثيره في العلاج المطلوب، فقد بذلتا أقصى ما عندهما.. كما أنه كان يريد أن يفوز بثواب كتمان آلامه، فقد روي عن النبي "صلىاللهعليهوآله " قوله: من مرض يوماً وليلة، فلم يشك إلى عواده. بعثه الله يوم القيامة مع إبراهيم خليل الرحمان، حتى يجوز الصراط كالبرق اللامع(1) .
وعن علي "عليهالسلام " نفسه: من كتم وجعاً أصابه ثلاثة أيام من الناس، وشكى إلى الله عز وجل، كان حقاً على الله أن يعافيه منه(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج73 ص335 وج78 ص177 و 203 وأمالي الصدوق ص258 و (ط مؤسسة البعثة) ص517 ومن لا يحضره الفقيه ج4 ص16 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص407 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص628 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص431 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص99 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص36 وج9 ص372.
2- بحار الأنوار ج10 ص108 ج78 ص203 و 211 عن جامع الأخبار، والخصال ج2 ص166 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص630 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص407 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص628 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص98 وتحف العقول ص120 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص36 وج10 ص252 ومصباح البلاغة ج1 ص254 وراجع: مستدرك الوسائل ج2 ص69 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص389.
وقد مدح "عليهالسلام " رجلاً بقوله: وكان لا يشكو وجعاً إلا عند برئه(1) .
وجعل رسول الله "صلىاللهعليهوآله " ـ في حديث ـ كتمان المرض (الوجع) من كنوز الجنة(2) .
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج4 ص70 الحكمة رقم 289 وبحار الأنوار ج78 ص204 و 205 ومستدرك الوسائل ج2 ص69 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص398 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص36 ومشكاة الأنوار للطبرسي ص422 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص100 وج13 ص488 وج14 ص420 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص183 وأعلام الدين للديلمي ص113 و 147.
2- وبحار الأنوار ج75 ص175 وج78 ص208 وج79 ص103 عن أمالي المفيد، والدعوات للراوندي ص164 ومستدرك الوسائل ج2 ص68 ومعدن الجواهر للكراجكي ص39 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص97 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص92 وتهذيب التهذيب ج6 ص310.
الجراح كلها من الإمام!! :
وقد دلت الرواية المتقدمة المتضمنة لإصابة علي "عليهالسلام " بتسعين جراحة: أنها كلها جاءته من الأمام، فهي في وجهه، ورأسه، وصدره وبطنه، ويديه ورجليه، فلم تذكر أنه أصيب في ظهره بشيء!!
وعلي "عليهالسلام " هو الذي كانت درعه صدراً لا ظهر لها، فلما سئل عن ذلك قال: إن مكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى علي(1) .
جراحات علي (عليهالسلام ) وإصبع طلحة:
تقدم: أن أمير المؤمنين "عليهالسلام " كان يصد كتائب المشركين عن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " حتى أصيب بجراحات كثيرة..
قال أنس: أتي رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بعلي "عليهالسلام " يومئذٍ وفيه في وجهه ورأسه، وصدره، وبطنه، ويديه، ورجليه نيف وستون جراحة، من طعنة، وضربة، ورمية، فجعل رسول الله "صلىاللهعليهوآله "
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص340 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص325 وج18 ص79 وج32 ص339 عن: المستطرف (ط القاهرة) ج1 ص199 وعن الأخبار الموفقيات (ط العاني ـ بغداد) ص343 وعن المجالسة وجواهر العلم (ط معهد العلوم العربية ـ فرانكفورت سنة 1407) ص193.
يمسحها، وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن(1) .
وقيل: نيفاً وأربعين(2) .
وقيل: نيفاً وسبعين(3) .
وفي رواية: تسعين(4) .
ولعل في الكلام تصحيفاً بين كلمة: ستين وسبعين وتسعين لتقارب
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج20 ص23 وج41 ص3 ومجمع البيان ج2 ص509 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص399 وتفسير القمي ج1 ص114 ـ 117 وعمدة القاري ج17 ص140 وتفسير الثعلبي ج3 ص173 وعين العبرة في غبن العترة ص36 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص219 وحلية الأبرار ج2 ص428 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص385
2- الخرائج والجرائح ج1 ص148 وبحار الأنوار ج20 ص78 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص47.
3- تفسير الثعلبي ج3 ص173 وراجع: شجرة طوبى ج2 ص279 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص379 والأصفى ج1 ص170 والصافي ج1 ص377 ونور الثقلين ج1 ص387 وكنز الدقائق ج2 ص215 والميزان ج4 ص12.
4- مستدرك سفينة البحار ج2 ص48 وج7 ص573 وتفسير القمي ج1 ص116 وبحار الأنوار ج20 ص54 وشجرة طوبى ج2 ص279.
رسمها.
وذكرت رواية الراوندي: أنه "صلىاللهعليهوآله " أخذ الماء في فمه، فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها(1) .
ونقول:
هذه هي الحقيقة الناصعة، ولكن حساد علي "عليهالسلام " استولوا على هذه الفضيلة ومنحوها لغير علي، فزعموا: أن طلحة قد جرح في واقعة أحد بجراحات، فمسح "صلىاللهعليهوآله " على جسده، ودعا له بالشفاء والقوة(2) .
ونقول:
1 ـ إن علياً "عليهالسلام " قد صد كتائب أهل الشرك عن رسول الله
____________
1- الخرائج والجرائح ج1 ص148 وبحار الأنوار ج20 ص78 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص47.
2- راجع: دلائل الصدق ج3 ص259: المستدرك للحاكم ج3 ص27 وفتح الباري ج7 ص66 وعمدة القاري ج1 ص265 وج16 ص277 وتحفة الأحوذي ج5 ص278 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص217 وسير أعلام النبلاء ج1 ص32 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص524 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص552 وشرح مسند أبي حنيفة ص212 وتاريخ مدينة دمشق ج25 ص79.
"صلىاللهعليهوآله "، وكان طلحة مع الفارين، فبأي شيء استحق هذه الكرامة دون سائر الجرحى من أمثاله، الذين اختارهم النبي "صلىاللهعليهوآله " للحاق بقريش بعد أحد فلحقوها إلى حمراء الأسد؟!
2 ـ لماذا بقيت يده أو إصبعه شلاء، ولم تشف إلى أن مات(1) وهي إنما أصيبت في غزوة أحد؟! ولماذا أبرأ له النبي "صلىاللهعليهوآله " سائر جراحاته واستثنى إصبعه؟! قد عظموا أمر شلل إصبعه، وأشاعوه بما لا مزيد عليه، وكأن أحداً لم يصب ببدنه في عهد رسول الله "صلىاللهعليهوآله " سواه!!!..
طلحة مرة أخرى:
ولم يكتفوا بما سطروه لطلحة الفار في حرب أحد بما ذكرناه آنفاً، بل أضافوا إلى ذلك مزعمة أخرى مفادها: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " وقع في إحدى الحفر، التي حفرها له أبو عامر الفاسق مكيدة، فرفعه طلحة، وأخذ بيده علي "عليهالسلام "!!!
زاد في الإكتفاء: فقال "صلىاللهعليهوآله ": من أحب أن ينظر إلى
____________
1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص431 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص375 وبحار الأنوار ج32 ص34 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص765 وكشف الغمة ج1 ص77 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص294 وج2 ص5 وج4 ص72.
شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة(1) !!!
____________
1- تاريخ الخميس ج1 ص430 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص400 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص766 وأسد الغابة ج3 ص60 وتهذيب الكمال ج13 ص98 وتذكرة الحفاظ ج1 ص366 وسير أعلام النبلاء ج1 ص26 وراجع ص29 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص524 والوافي بالوفيات ج16 ص273 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص276 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص598 وعيون الأثر ج1 ص418 وسنن الترمذي ج5 ص307 والمستدرك للحاكم ج3 ص376 ومجمع الزوائد ج9 ص149 و 148 وكتاب السنة لابن أبي عاصم = = ص600 والمعجم الكبير للطبراني ج1 ص117 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص100 والجامع الصغير ج2 ص554 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص696 وفيض القدير ج6 ص43 وتفسير الثعلبي ج8 ص24 وتفسير أبي السعود ج7 ص99 وتفسير الآلوسي ج21 ص172 وتاريخ مدينة دمشق ج24 ص196 وج25 ص86 و 87 وراجع ص77 و 84 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص253 وبحار الأنوار ج32 ص216 وإمتاع الأسماع ج1 ص157 ومسند أبي يعلى ج8 ص302 والمعجم الأوسط للطبراني ج9 ص149 والدر المنثور ج5 ص191 وفتح القدير ج4 ص273 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص218 و 219.
ونقول:
1 ـ إذا فرض صحة هذه الرواية، فلا بد أن تكون بعد عودة الفارين إلى ساحة القتال، ولذلك نقول:
هل يمكن لأبي عامر أن يحفر حفيرة في ذلك الجو الحافل بتردد الفرسان، وجولان الخيول، ولم يره أحد من المسلمين الذين كانوا يحفون برسول الله "صلىاللهعليهوآله "؟!
2 ـ كيف عرف أبو عامر أن النبي "صلىاللهعليهوآله " سيمر على خصوص هذا الموضع، وسيطأ برجله فوق هذه الحفرة؟!
3 ـ لماذا لم يقع في تلك الحفرة أي من المقاتلين الآخرين، الذين كانوا يحفون برسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ويحوطونه من جميع الجهات ويرمون على الحُفَر قبله؟!
4 ـ الذي رأى أبا عامر وأخبر عنه، لماذا لم يخبر رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بالأمر؟!
5 ـ مع غض النظر عن ذلك كله.. إذا كان علي قد أخذ بيد النبي "صلىاللهعليهوآله " أيضاً، وأعانه، فلماذا خص طلحة بالتقريظ والثناء دونه؟!
6 ـ هل صحيح أن طلحة هذا الذي ينكث بيعة إمام زمانه، ويخرج عليه ويحاربه، فيقتل بسيف ذلك الإمام المعصوم بنص القرآن، ويقتل بسببه المئات والألوف من المسلمين ـ هل صحيح أنه ـ شهيد يمشي على وجه
الأرض؟!
7 ـ هل صحيح أن طلحة الفار من الزحف، والذي لم يدافع عن نبيه أصبح شهيداً يمشي على وجه الأرض، وقد محيت عنه تلك السيئة التي قال عنها علي "عليهالسلام ": إنها توجب الكفر كما تقدم، ولم يعترض عليه النبي "صلىاللهعليهوآله " في ذلك؟!(1) .
هذه هي الحقيقة:
عن سعيد بن المسيب، قال: أصابت علياً "عليهالسلام " يوم أحد ست عشرة ضربة(2) ، وهو بين يدي رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يذب عنه، كل ضربة يسقط إلى الأرض، فإذا سقط رفعه جبرئيل "عليهالسلام "(3) .
عن قيس بن سعد، عن أبيه قال: قال علي "عليهالسلام ": أصابني يوم أحد ست عشرة ضربة سقطت إلى الأرض في أربع منهن، فأتاني رجل
____________
1- راجع : كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج7 ص220 و 221.
2- في المصدر: أصاب علياً "عليهالسلام " يوم أحد ستة عشر ضربة.
3- أسد الغابة ج4 ص20 وبحار الأنوار ج20 ص93 وشرح الأخبار ج2 ص415 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص366 ومدينة المعاجز ج2 ص308.
حسن الوجه، حسن اللمة، طيب الريح، فأخذ بضبعي(1) ، فأقامني.
ثم قال: أقبل عليهم، فإنك في طاعة الله وطاعة رسول الله، وهما عنك راضيان.
قال علي "عليهالسلام ": فأتيت النبي "صلىاللهعليهوآله " فأخبرته فقال: يا علي أقر الله عينك ذاك جبرئيل "عليهالسلام "(2) .
____________
1- الضبع: العضد.
2- بحار الأنوار ج20 ص93 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص78 و 79 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص333 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص517 ومنهاج الكرامة ص166 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص84 وج17 ص33 وج18 ص196 ومدينة المعاجز ج2 ص308 والغدير ج2 ص96 وكشف الغمة ج1 ص196.
الفصل الخامس :
نهايات أحد..
علي (عليهالسلام ) هو الذي أتى بخبر المشركين:
ثم إن النبي "صلىاللهعليهوآله " أرسل علياً "عليهالسلام " ليأتيه بخبر المشركين، فإن كانوا قد ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل، فهم يريدون مكة، وإن كان العكس، فهم يريدون المدينة، فلا بد من مناجزتهم.
فذهب "عليهالسلام "، وعاد فأخبره بأنهم جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل(1) .
وفي الكافي قال: انهزم المشركون، فقال النبي "صلىاللهعليهوآله " لعلي
____________
1- راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص160 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص96 ـ 100 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص609 والسيرة الحلبية ج2 ص244 و 245 و (ط دار المعرفة) ج2 ص531 وبحار الأنوار ج38 ص302 وشرح الأخبار ج1 ص280 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص43 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص513 وعيون الأثر ج1 ص425 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص76 ومناقب أل أبي طالب ج2 ص93 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص65 وعين العبرة في غبن العترة ص52 وتفسير الثعلبي ج3 ص142 والثقات لابن حبان ج1 ص232 وتاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص205 و 206 وتاريخ الخميس ج1 ص440.
"عليهالسلام ": يا علي، إمض بسيفك حتى تعارضهم، فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص، وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة، وإن رأيتهم قد ركبوا الخيل، وهم يجنبون القلاص، فإنهم يريدون المدينة، فأتاهم علي "عليهالسلام "، فكانوا على القلاص.
فقال أبو سفيان لعلي "عليهالسلام ": يا علي، ما تريد؟ هو ذا نحن ذاهبون إلى مكة، فانصرف إلى صاحبك(1) .
ويروي لنا القمي "رحمهالله " ذلك كما يلي:
"وتآمرت قريش على أن يرجعوا ويغيروا على المدينة، فقال رسول الله "صلىاللهعليهوآله ": أي رجل يأتينا بخبر القوم؟!
فلم يجبه أحد، فقال أمير المؤمنين "عليهالسلام ": أنا آتيكم بخبرهم.
قال: إذهب، فإن كانوا ركبوا الخيل، وجنبوا الإبل، فهم يريدون المدينة، والله، لئن أرادوا المدينة لأنازلن الله فيهم، وإن كانوا ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل، فإنهم يريدون مكة.
فمضى أمير المؤمنين "عليهالسلام " على ما به من الألم والجراحات، حتى كان قريباً من القوم، فرآهم قد ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل، فرجع إلى
____________
1- الكافي ج8 ص321 الحديث رقم 502 وبحار الأنوار ج20 ص108 والصافي ج1 ص388 ونور الثقلين ج1 ص398 وكنز الدقائق ج2 ص245 وشرح أصول الكافي ج12 ص448.
رسول الله "صلىاللهعليهوآله " فأخبره.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": أرادوا مكة(1) .
وزعموا: أن علياً "عليهالسلام " أخبر النبي "صلىاللهعليهوآله " بخبر القوم رافعاً صوته، مع أن النبي "صلىاللهعليهوآله " كان قد أوصاه بخلاف ذلك(2) .
وبعد انتهاء الحرب أرسل علياً "عليهالسلام " إلى المدينة ليبشر أهلها بأن النبي "صلىاللهعليهوآله " حي سالم(3) .
ونقول:
هنا عدة أمور تحتاج إلى توضيح، أو تصحيح، فلاحظ ما يلي:
لأنازلنّ الله فيهم:
ويلاحظ أنه "صلىاللهعليهوآله " قد توعد المشركين إن أرادوا المدينة بقوله: "لأنازلنّ الله فيهم"، ولم يقل: "لأنازلنهم فيها" مثلاً، وذلك ليدلنا
____________
1- تفسير القمي ج1 ص124 وبحار الأنوار ج20 ص64 ومجمع البيان ج2 ص447 وتأويل الآيات ج1 ص125.
2- تاريخ الأمم والملوك (ط الإستقامة) و (ط الإعلمي) ج2 ص206 و 207 والكامل لابن الأثير ج2 ص160 و 161 وتفسير الثعلبي ج3 ص142 و 143 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص513.
3- تاريخ الخميس ج1 ص440.
على أنه يريد أن يطلب من الله تعالى، ويلح عليه بأن ينزل عليهم العذاب..
ولعله "صلىاللهعليهوآله " أراد بذلك أن يطمئن أصحابه المهزومين نفسياً إلى أنه يريد أن ينصر نبيه على كل حال، ولا يتوقف هذا النصر على أحد منهم، بل الله تعالى هو الذي يتولى دفعهم عنهم..
ومن شأن هذا أن يعيدهم إلى الله تبارك وتعالى، ويفهمهم أنه معهم، وأن ما هم فيه من خوف ورعب لا مبرر له..
سعد هو الذي أتى بخبر القوم:
تقدم إحجام المسلمين عن الإستجابة لطلب رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، أن يأتيه أحدهم بخبر المشركين، واستجابة خصوص علي "عليهالسلام ".. وذلك يضع علامة استفهام كبيرة حول صحة قولهم: إن سعداً هو الذي أتاه بخبرهم..
ويؤيد قوة واتساع علامة الإستفهام هذه: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " طلب منهم أن يأتوه بماء من المهراس ليغسل وجهه، فلم يقم أحد سوى علي "عليهالسلام ".
وقد قلنا: إننا لا نجد تفسيراً لذلك إلا أنهم كانوا لا يزالون خائفين من أن يكون المشركون في ذلك المحيط.
فهل نتصور بعد هذا سعداً يتبرع بالذهاب وحده إلى المشركين، والإقتراب منهم ليأتي بخبرهم؟!
ويؤيد ذلك أيضاً: أن سعداً كان من الفارين في أحد، وكان على الصخرة في الجبل، ولم يرجع إلى القتال كما رجع غيره ـ كما سنشير إليه عن قريب.
فلعل الحقيقة: هي أن علياً "عليهالسلام " حين أتى بخبر القوم، سمعه سعد وهو يخبر النبي "صلىاللهعليهوآله " بالأمر، فأخذته الفرحة حتى خرج عن طوره فأعاد الخبر رافعاً به صوته ليسمعه الناس، فنهاه "صلىاللهعليهوآله " عن ذلك، وجعل يشير إليه: أن خفض صوتك، فإن الحرب خدعة إلخ..
ويقول الواقدي: إنه "صلىاللهعليهوآله " قال لسعد: إنه إن رأى القوم يريدون المدينة فليخبره فيما بينه وبينه، ولا يفت في أعضاد المسلمين(1) .
ونقول:
إنه كلام يفتقر إلى الدقة، فهو وإن أصاب، في ذكر الوصية، ولكنه أخطأ في الموصى، فإنه أمير المؤمنين "عليهالسلام " وليس سعداً..
ولكن سعداً أخرجه ابتهاجه بالخبر عن طوره فجهر به، فقال له "صلىاللهعليهوآله ": "خفض صوتك، فإن الحرب خدعة، فلا تُرِي الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم، فإنما ردهم الله تعالى"(2) .
____________
1- المغازي للواقدي ج1 ص298 و 299 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص32.
2- راجع: شرح نهج البلاغة ج15 ص32.
علي (عليهالسلام ) لم يرفع صوته:
قولهم: إن علياً "عليهالسلام " قد رفع صوته بالخبر، رغم أن النبي "صلىاللهعليهوآله " كان قد أوصاه بخلاف ذلك، لا يمكن قبوله..
فإننا نجل علياً "عليهالسلام " الذي كان يتبع النبي "صلىاللهعليهوآله " اتباع الفصيل إثر أمه ـ على حد تعبير علي "عليهالسلام " نفسه ـ عن أن يرتكب مثل هذه المخالفة لأمر نبوي صريح.
ومما يدلل على كذب هذا الإدعاء، ويؤكد طاعته "عليهالسلام " المطلقة لرسول الله "صلىاللهعليهوآله " أنه حين قال له النبي "صلىاللهعليهوآله " في خيبر: اذهب ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. مشى هنيهة، ثم قام، ولم يلتفت للعزمة، ثم قال: على ما أقاتل إلخ(1) ..
ولعله لأنه "عليهالسلام " ملتزم بالدقة في تنفيذ أوامر النبي "صلىاللهعليهوآله " بادر "عليهالسلام " في قصة مأبور في حديث الإفك إلى سؤال رسول الله "صلىاللهعليهوآله ": تأمرني بالأمر أكون فيه كالسكة المحماة؟! أم الحاضر يرى ما لا يراه الغائب؟!(2) .
____________
1- راجع: صحيح ابن حبان ج15 ص380 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص84 و 85 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص658 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليهالسلام " للكوفي ج2 ص503.
2- أسد الغابة ج5 ص543 والإحكام لابن حزم ج3 ص268 والبداية والنهاية ج3 ص304 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص325 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص602 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص219 ومسند أحمد ج1 ص83 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1912 وكنز العمال ج5 ص454 = = و 773 و 803 وكشف الخفاء ج2 ص3 وفيض القدير ج4 ص226 وشرح نهج للمعتزلي ج10 ص262 والأمالي للمرتضى ج1 ص77 و (ط مكتبة المرعشي) ج1 ص54 و 55 والأمالي للطوسي ص338 وبحار الأنوار ج21 ص70 وج22 ص53 و 167 وج38 ص301 وج42 ص186 ومكارم الأخلاق ص252 والكافي ج8 ص349 ومن لا يحضره الفقيه ج2 ص297 و والوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص441 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص324 ودلائل الإمامة للطبري ص387 وصفة الصفوة ج2 ص78 و 79 وكشف الأستار عن مسند البزار ج2 ص188 و 189 ومجمع الزوائد ج4 ص329 ورسالة حول خبر مارية للمفيد ص16 ومدينة المعاجز ج7 ص270 ومجمع البيان ج9 ص220 والتاريخ الكبير للبخاري ج1 ص177 وتاريخ مدينة دمشق ج54 ص416 وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص79.
ولعله لأجل هذه الإنضباطية الدقيقة والمطلقة في تنفيذه أوامر رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، نهى "صلىاللهعليهوآله " المقداد حين أرسله إليه، حيث كان في مهمة قتالية ـ أن يناديه من خلفه(1) .
____________
1- قرب الإسناد ص76 و (ط مؤسسة آل البيت) ص121 وبحار الأنوار ج73 ص223 و 325 وراجع: المصنف للصنعاني ج5 ص217.
فمقصود هؤلاء المحرفين هو: إظهار علي "عليهالسلام " بصورة من يخالف أوامر رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، كما يخالفها غيره.. فلا معنى للقول: بأنه يتميز عن غيره في طاعته له "صلىاللهعليهوآله ".. لا سيما إذا كان الصحابة كلهم يحجمون عن الإستجابة لطلبه "صلىاللهعليهوآله " أن يذهب أحدهم لاستعلام خبر المشركين، كما أحجموا عن عمرو بن عبد ود في حرب الخندق، وفي قصة الإتيان بالماء من المهراس.
المعالجة النفسية:
لقد مثل ما جرى في أحد ضربة روحية هائلة لأولئك الفارين عن رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، حيث لم يبق معه سوى علي "عليهالسلام "، ثم إن ما جرى للمشركين على يد علي "عليهالسلام " قد مكن ثلة من المسلمين من العودة للقتال، فكان ذلك بمثابة مسكن للأوجاع، أو مهدئ للروح، ومن موجبات إستعادة الأنفاس، فعادت إلى القتال ثلة من أولئك الفارين.
ولكن جمعاً من المسلمين، إنتهى بهم فرارهم إلى المدينة، وبعضهم لم يرجع إلا بعد ثلاثة أيام، وبقي قسم معتصماً بالجبل، ولم يجرؤ على العودة إلى ساحات القتال والنزال..
وكان همّ النبي "صلىاللهعليهوآله " منصباً على محاولة معالجة حال هؤلاء، وإعادة الثقة لهم بأنفسهم.
وقد تأكدت الحاجة إلى هذه المعالجة حين طلب منهم أن يأتيه أحدهم
بالماء من المهراس، وكذلك حين أراد أن يتعرف خبر المشركين بواسطة أحدهم أيضاً، فامتنعوا كلهم عن الإستجابة لهذا الطلب وذاك..
فاضطر إلى إرسال علي "عليهالسلام " في هاتين المهمتين رغم جراحه، وما يعانيه من آلامها.
ولعل هذا هو السبب في إرساله علياً "عليهالسلام " إلى المدينة ليبشر أهلها، فإنه لو أراد إرسال غيره فلربما لا يجد من يستجيب له أيضاً..
ولأجل هذه الهزيمة الروحية طلب "صلىاللهعليهوآله " من علي "عليهالسلام " أن لا يخبرهم بأمر جيش المشركين إلا بنحو لا يترك أثراً سلبياً على روحية القوم، فإن نفس سرورهم بإنكشاف عدوهم عنهم ناشئ عن رعبهم منه، وحجم هذا السرور يدل على حجم ذلك الرعب.. وهو لا يريد لهم أن يتمثلوا موجبات الرعب الذي ينتج لهم سروراً كهذا..
ألم تبرأ جراحات علي (عليهالسلام )؟! :
ولعلك تقول: تقدم: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " مسح على جراحات علي "عليهالسلام " فبرئت، وحديث مجيء علي "عليهالسلام " بخبر القوم، رغم آلام الجراح، يدل على أن هذه الجراحات لم تبرأ..
ونجيب: بأن الجراحات التي برئت ربما تكون هي تلك التي أصابته في المرحلة الأولى من الحرب، ولكن الحرب لم تنته بعد شفائه من تلك الجراح، بل استمر "عليهالسلام " يقاتل أعداء الله حتى رد الله كيدهم، واضطرهم إلى مغادرة ساحة الحرب، وبدأوا يتهيأون للرجوع إلى مكة.
فلا تكاذب بين الروايات، إذ ربما يكون الرواة قد توهموا أن إبراء جراحاته قد حصل بعد إنتهاء الحرب، فأجروا الحديث بما يتوافق مع توهمهم هذا..
وربما يكون "صلىاللهعليهوآله " قد مسح جراحات علي "عليهالسلام " أكثر مرة، فبرئت..
علي (عليهالسلام ).. وأبو سفيان:
خطاب أبي سفيان لعلي "عليهالسلام ": ما تريد؟! هو ذا نحن ذاهبون إلى مكة، فانصرف إلى صاحبك، يدل على أن أبا سفيان كان ممتلئاً رعباً من علي "عليهالسلام "، وأنه يريد التخلص منه.
كما أن قوله له: ما تريد؟! يشير إلى أنه أدرك أنه "عليهالسلام " جاء يستطلع أخبارهم، وعرف أنه مصمم على العودة إلى القتال، إن كان المشركون ليسوا بصدد المغادرة، فبادر إلى طمأنته إلى أنهم مغادرون، وإلى أنه لا مبرر لاستئناف الحرب..
واللافت: أن أبا سفيان يواجه علياً هنا بهذه الطريقة، ولا يجرؤ على مهاجمته بمن معه، وهم يعدون بالألوف، رغم أنه يراه وحده. وهو يطلبه بثارات هائلة، ولو أمكنته الفرصة منه لقطعه إرباً إرباً.. هذا على الرغم من التعب، ومن الجراحات الكثيرة التي كان يعاني منها علي "عليهالسلام " في تلك اللحظة..
وأيضاً فإن اللافت هنا: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " قد أمر علياً
"عليهالسلام " بأن يعارض المشركين بسيفه.. أي بصفة المحارب المستعد، ولم يأمره بالتخفي والرصد الخفي لهم.
وقد فعل "عليهالسلام " ما أمر به النبي "صلىاللهعليهوآله " بدون زيادة ولا نقيصة.
إيحاءات حاقدة:
وتزعم بعض رواياتهم: أن كعب بن مالك لما رأى النبي "صلىاللهعليهوآله " نادى يبشر الناس بسلامته "صلىاللهعليهوآله "، فنهض إليه الصحابة الذين كانوا على الجبل، عند صخرة هناك، وفيهم: أبو بكر، وعمر وعلي، والزبير، وسعد، والحارث بن الصمة(1) .
وفي نص آخر: انه "صلىاللهعليهوآله " لما رأى أصحاب الصخرة فرح
____________
1- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص200 والكامل في التاريخ ج2 ص157 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص39 وإمتاع الأسماع ج13 ص254 والسيرة النبوية لابن إسحاق ج3 ص309 وعيون الأثر ج1 ص420 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص68 والثقات لابن حبان ج1 ص229 وكتاب الأوائل للطبراني ص75 والدرر لابن عبد البر ص150 وجامع البيان ج4 ص182 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص207 و 208 وراجع: بحار الأنوار ج20 ص28 والفصول المهمة في تأليف الأمة ص119 والنص والإجتهاد ص343 وتفسير السمرقندي ج1 ص276 وتفسير الثعلبي ج3 ص177 وتفسير البغوي ج1 ص358 وتفسير الآلوسي ج4 ص73 و 91.
بهم وفرحوا به، لأنه رأى من يمتنع به.
ويبدو أنهم لم يعرفوه في البداية، فوضع أحدهم سهماً في قوسه، وأراد أن يرميه، فقال "صلىاللهعليهوآله ": أنا رسول الله(1) .
ونقول:
1 ـ إن ذكر علي "عليهالسلام " إن لم يكن غلطاً ولا عفوياً، بل هو تزوير عمدي حاقد، يريد أن يوحي بأنه "عليهالسلام " كان مع الفارين إلى الجبل، وأصعدوا فيه حتى بلغوا الصخرة.
مع أن الحقيقة: هي أنه كان مع رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لحظة بلحظة، وهو الذي دفع عنه كتائب المشركين، وقتل فراعنتهم، واضطرهم إلى الإنكفاء، والإنسحاب من المعركة.
2 ـ لا معنى لقولهم: إن النبي "صلىاللهعليهوآله " فرح بهم حين وجدهم، لأنه رأى من يمتنع به، فإنهم لم يمنعوه قبل ذلك، واعتصموا بالجبل، وفروا عنه وأسلموه إلى الأخطار..
____________
1- راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص518 وجامع البيان ج4 ص149 و 181 وتفسير الثعلبي ج3 ص186 وتفسير البغوي ج1 ص363 والدر المنثور ج2 ص87 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص26 = = والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص45 وفتح الباري ج7 ص271 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص202.
3 ـ إن وجود هؤلاء فوق الصخرة إلى هذا الوقت، الذي وصلت فيه المعركة مع العدو إلى نهاياتها، يشهد على أنهم لم يرجعوا إلى القتال كما رجع غيرهم.
العباس في أحد:
وزعموا: أن العباس عم النبي "صلىاللهعليهوآله " كان ممسكاً بعنان فرس رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يقوده، وعلي "عليهالسلام " مع أنه مجروح مكسور اليد هاجم الكفار فهزمهم، فجاء جبرئيل وقال: يا محمد، من الذي بارز الكفار آنفاً، فإن الله باهى به الملائكة؟!
قال: هو علي.
فانحازوا بالنبي "صلىاللهعليهوآله " إلى أحد، فنزل عن الفرس معتمداً على منكب علي "عليهالسلام " ، وصعد. ثم سأل علياً عن العباس، فأخبره علي "عليهالسلام " بما وقع، فبكى النبي "صلىاللهعليهوآله " هو والأصحاب(1) .
ونقول:
في هذه الرواية بعض الهنات.
فأولاً: إن العباس عم النبي "صلىاللهعليهوآله " لم يحضر حرب أحد، وتعلل على قريش بما جرى عليه في بدر.
____________
1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص436 و 437 عن الينابيع، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص474.
ثانياً: لو كان العباس قد جاء إلى أحد، فلا يمكن أن يكون مع النبي "صلىاللهعليهوآله " ممسكاً بزمام فرسه، إذ لو حصل ذلك، فلا يمكن أن تسكت عنه قريش، ولن تتركه يعيش معها في مكة بعد ذلك عدة سنوات.. كما أن ما جرى ليس فيه أية إشارة للعباس توجب حزن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " والأصحاب علىه فهو لم يقتل ولم يجرح.
فالصحيح: أن المقصود هو العباس بن عبادة بن نضلة، وهو الذي بكى عليه رسول الله "صلىاللهعليهوآله " والأصحاب، لأنه استشهد في حرب أحد..
ثالثاً: صرح الواقدي: بأن المسلمين ـ أي المقاتلين كما يظهر(1) ـ لم يصعدوا الجبل، وكانوا في سفحه، لم يجاوزوه إلى غيره، وكان فيه النبي "صلىاللهعليهوآله "(2) .
ولا بد أن يكون مقصوده بالمسلمين هم الذين عادوا إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " وقاتلوا معه، وبقوا معه بعد فرار المشركين وهذا يعني أنه "صلىاللهعليهوآله " لم يصعد إلى الصخرة أيضاً.. ولا يقصد الذين فروا إلى الجبل ووصلوا إلى الصخرة..
رابعاً: روي: أن الصباح بن سيابة سأل الإمام الصادق "عليهالسلام "،
____________
1- بدليل: أن الفارين قد صعدوا الجبل، وكان فريق منهم على الصخرة.
2- راجع: المغازي للواقدي ج2 ص278.
عما يذكرونه من صعود النبي "صلىاللهعليهوآله " إلى الجبل، حتى بلغ الغار، فقال ابن سيابة: "..قلت: فالغار في أحد، الذي يزعمون: أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " صار إليه؟!.
قال: والله ما برح مكانه"(1) .
فلا مجال لتصديق من يدعي: أنه "صلىاللهعليهوآله " غادر مكانه في سفح الجبل، وصعد إلى أي موضع فيه.
ولكن السؤال هنا هو:
لماذا يراد إيهام الناس بأن النبي "صلىاللهعليهوآله " صعد الجبل؟!
هل المطلوب هو أن يشاركهم في الإنحياز إلى الجبل، ليصبح من الفارين، ويلحقه بذلك رذاذ من عار هزيمتهم؟!..( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) (2) .
أو أن توضع علامة استفهام على قوله لعلي "عليهالسلام ": لم لم تلحق بقومك؟! أو نحو ذلك.
فأجابه علي "عليهالسلام ": أكفر بعد إيمان؟! لأنه هو نفسه "صلىاللهعليهوآله " قد لحق بهم.. معاذ الله..
____________
1- بحار الأنوار ج20 ص96 وإعلام الورى ج1 ص179.
2- الآية 5 من سورة الكهف.
صفية عند القتلى:
وبعد إنتهاء حرب أحد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر أخاها حمزة، فالتقت بعلي "عليهالسلام " فقال: ارجعي يا عمة، فإن في الناس تكشفاً.
فسألته عن الرسول "صلىاللهعليهوآله "، فقال: صالح.
قالت: أدللني عليه، حتى أراه.
فأشار إليه إشارة خفية من المشركين ـ حيث يبدو أنهم كانوا لا يزالون قريبين من هناك، ويخشى كرتهم، لو علموا أن علياً بعيد عن النبي "صلىاللهعليهوآله "..
فأقبلت إليه، فأمر "صلىاللهعليهوآله " الزبير ابنها بإرجاعها، حتى لا ترى ما بأخيها.
فقالت للزبير: ولم؟! وقد بلغني أنه قد مُثِّل بأخي، وذلك في الله قليل؟! فما أرضانا بما كان من ذلك إلخ..
فسمح لها النبي "صلىاللهعليهوآله " برؤيته(1) .
____________
1- المغازي ج1 ص389 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص16 وراجع: ذخائر العقبى ص181 ومسكن الفؤاد ص71 وتعزية المسلم عن أخيه ص25 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص612 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص224.
ونقول:
1 ـ لقد أشار علي "عليهالسلام " إلى موضع وجود رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بصورة خفية، حفاظاً منه على حياته "صلىاللهعليهوآله ".
ولكن عمر لم يتكتم على حياة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ولا على مكانه، حينما سأله عنه أبو سفيان، رغم أن النبي "صلىاللهعليهوآله " طلب منه أن لا يخبره عنه بشيء(1) .
2 ـ إن علياً "عليهالسلام " كان يعلم أن معرفة المشركين بمكان النبي "صلىاللهعليهوآله " تشكل خطراً على النبي لعلم المشركين بأن أصحابه قد تفرقوا عنه، وذهب قسم منهم إلى أهاليهم في المدينة، وبقي قسم منهم على الجبل خائفين، وكان النبي في ثلة قليلة، ثم صار الهاربون يعودون إليه، حتى أصبحوا ثلاثين رجلاً أو نحو ذلك.
ولكن علياً "عليهالسلام " يعلم ان المشركين وإن لم يجرؤا على مواصلة الحرب، وأعلنوا انسحابهم منها، فإنه "عليهالسلام " كان يخاف على رسول الله "صلىاللهعليهوآله " منهم؟! إن علموا أنه "صلىاللهعليهوآله " أصبح وحده، من حيث إن علياً "عليهالسلام " قد ابتعد عنه، فينتهزها المشركون فرصة للإنقضاض عليه، لعلمهم بأن من معه من المسلمين لن يغنوا عنه
____________
1- تاريخ الخميس ج1 ص440، ووفاء الوفاء ج1 ص294، والسيرة الحلبية ج1 ص244 و 245، وتاريخ الطبري ج2 ص205، والكامل ج2 ص160، والثقات ج1 ص232، وراجع: تفسير القرآن العظيم ج1 ص414 و 415.
شيئاً، كما لم يغن عنه المئات قبل ذلك وهربوا، وهذا يدل على حجم رعبهم من علي "عليهالسلام " دون سواه..
3 ـ وقد لوحظ: أنه "عليهالسلام " قد أرجع صفية لكي لا ترى تلك الفجائع بطريقة بيان الحكم الشرعي لها، أي أنه لم يكن يريد أن يمنعها من البكاء على الشهداء، والتفجع لهم، فإن ذلك من موجبات المثوبة لها.
ولكنه حين رأى أن ذلك الأمر الإستحبابي يتعارض مع حكم إلزامي، وهو عدم جواز رؤية المرأة للرجال في حالات التكشف أخبرها بما يلزمها به الشرع الشريف، واكتفى به عما وراءه..
أكثر القتلى في أحد من علي (عليهالسلام ) :
وما جرى في بدر جرى في أحد أيضاً، فقد كان أكثر قتلى المشركين من علي "عليهالسلام "، فلاحظ ما يلي:
1 ـ يروي البعض: أن أمير المؤمنين "عليهالسلام " قد قتل في أحد اثني عشر رجلاً(1) .
ونعتقد: أنه "عليهالسلام " قد قتل أكثر من ذلك، لأنه قد قتل
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص54 وبحار الأنوار ج20 ص137 وأعيان الشيعة ج1 ص390.
أصحاب اللواء بلا شك كما تقدم بيانه، وهم تسعة أو أحد عشر(1) يضاف إليهم صؤاب الذي قتل بيده "عليهالسلام "، فيصير المجموع إثنى عشر.
والمسلمون انهزموا إلى الجبل، وبقي علي "عليهالسلام " يقاتل وحده.. وكان أصحاب الألوية التسعة قد قتلوا في بداية المعركة.. واستمرت المعركة، حتى صار المسلمون يرجعون للمشاركة فيها، وكان النبي "صلىاللهعليهوآله " يأمر علياً "عليهالسلام " كلما هاجمته كتيبة أن يبادر لدفعها.. فهل لم يقتل في كل هذه المعركة سوى من ذكرت أسماؤهم؟!
ولو كان المقتولون على يد علي "عليهالسلام " هم الاثنا عشر فقط، فهؤلاء قد قتلوا في أوائل المعركة، فلماذا انهزم المشركون إذن؟! أليس لأن علياً "عليهالسلام " قد فتك فيهم إلى حد نادى فيه جبرئيل بين السماء
____________
1- الإرشاد للمفيد ص52 و (ط دار المفيد) ج1 ص88 وبحار الأنوار ج20 ص87 عنه، وأعيان الشيعة ج1 ص256 و 387 وشجرة طوبى ج2 ص278 وحلية الأبرار ج2 ص431 وكشف الغمة ج1 ص194 وتاريخ الخميس ج1 ص427 وراجع: مسند أحمد ج1 ص288 والمستدرك للحاكم ج2 ص296 ومجمع الزوائد ج6 ص110 وفتح الباري ج7 ص270 والمعجم الكبير للطبراني ج10 ص301 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص787 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص238 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص421 والدر المنثور ج2 ص84 وتاريخ الإسلام ج2 ص196 والبداية والنهاية ج4 ص27 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص47.
والأرض: لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار؟!
ويبدو: أن زعماء المشركين هم الذين خافوا على أنفسهم من سيف علي "عليهالسلام "، بعد قتله حملة اللواء.. وهم كبارهم.. فآثروا الفرار على القرار، حتى لا يعود المسلمون لمعاونة علي "عليهالسلام "، وتكون المصيبة عليهم أعظم.
2 ـ يذكر المعتزلي: أن كتائب المشركين صارت تحمل على النبي "صلىاللهعليهوآله ".. وقد قتل من كتيبة بني كنانة أبناء سفيان بن عويف الأربعة. وتمام العشرة منها، ممن لا يعرف بأسمائهم.
وقال: إن ذلك قد رواه جماعة من المحدثين، ويوجد في بعض نسخ ابن إسحاق، وأنه خبر صحيح فراجع كلامه(1) .
3 ـ قال القوشجي: وكان أكثر المقتولين منه(2) (أي من أمير المؤمنين
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص250 و 251 وفي ج15 ص54: أن في بعض كتب المدائني: أن علياً "عليهالسلام " قتل بني سفيان بن عوف، وروى له شعراً في ذلك، وراجع: بحار الأنوار ج20 ص128 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص118 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص284 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص359.
2- شرح التجريد للقوشجي ص486 ودلائل الصدق ج2 ص357 عنه، وكشف المراد (تحقيق الآملي) ص522 و (تحقيق الزنجاني) ص408 وسفينة النجاة للتنكابني ص367.
"عليهالسلام ").
4 ـ وقال الشيخ المفيد "رحمهالله ": وقد ذكر أهل السير قتلى أحد من المشركين، وكان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين "عليهالسلام ".
ثم ذكر أسماء اثني عشر من الأبطال المعروفين ممن قتلهم "عليهالسلام "(1) .
5 ـ ولسوف يأتي إن شاء الله: أن قريشاً قد عجلت بالمسير عن حمراء الأسد حينما علمت أن علياً "عليهالسلام " قادم إليها.
6 ـ ويقول الحجاج بن علاط في وصف قتله "عليهالسلام " لكبش الكتيبة، طلحة بن أبي طلحة، وحملاته "عليهالسلام " في أحد:
لله أي مـذبـب عـن حــزبــه |
أعني ابـن فـاطـمـة المعـم المخولا |
|
جـادت يـداك لـه بـعـاجـل طعنة |
تركت طـليحـة للجبين مـجـدلا |
وشـددت شـدة بـاسل فكشفتهم بالسفح إذ يهوون أسـفـل أسفـلا
وعللت سيفك بـالـدمـاء ولم تكن |
لترده حران حـتـى يـنـهـلا(2) |
____________
1- الإرشاد ص54 و (ط دار المفيد) ج1 ص90 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص66 وبحار الأنوار ج20 ص88 و 89 وكشف الغمة ج1 ص195.
2- الإرشاد للمفيد ص54 و (ط دار المفيد) ج1 ص91 وبحار الأنوار ج20 ص89 وكشف الغمة ج1 ص196 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص332 ورسائل المرتضى ج4 ص120 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص316 وتاريخ مدينة دمشق ج12 ص110 وج42 ص75 ومعجم البلدان ج2 ص125 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص372 وإمتاع الأسماع ج1 ص142 وأعيان الشيعة ج1 ص390 وج4 ص566 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص655 والدر النظيم ص397 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص194 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص222.
ومما يدل على مقدار ما فعله أمير المؤمنين "عليهالسلام " بقريش في أحد: أن النص التأريخي يؤكد على أن قريشاً كانت ـ بعد ذلك ـ وإلى عشرات السنين تحقد على علي "عليهالسلام "، وعلى أهل بيته لذلك.. وكانوا إذا واجهوه في حرب يوصي بعضهم إلى بعض.
بشير المدينة علي (عليهالسلام ) :
ذكرنا في الفصول السابقة: أن رعب الناس قد بلغ حداً لم يجد النبي "صلىاللهعليهوآله " من يأتيه بالماء من المهراس، الذي كان بالقرب منه، ولا من يرسله ليأتيه بخبر المشركين.. فيضطر إلى إرسال علي "عليهالسلام " إلى هنا وهناك رغم جراحه وآلامه..
فمن الطبيعي بعد هذا أن لا يجد "صلىاللهعليهوآله " من يرسله إلى المدينة ليبشر الناس ويطمئنهم، ويزيل قلقهم سوى علي "عليهالسلام "..
وكان أهل المدينة قد عرفوا ما صنعه علي "عليهالسلام " في بدر، وربما يكون قد بلغهم ما فعله "عليهالسلام " بأصحاب اللواء وغيرهم في أحد..
وهذا من شأنه أن يسهل عليهم التصديق بما يخبرهم به علي "عليهالسلام "، ويطمئنهم إلى صحته، كما أن رؤية علي "عليهالسلام " بينهم تزيد في إحساسهم بالأمن، وتدفع عنهم الوساوس والتوهمات، فإذا كان "عليهالسلام " بينهم، فلا خوف عليهم من المفاجآت، مهما كانت، فهو حامي الذمار، ومبيد الكفار، ومذل الفجار بسيفه البتار، الموسوم بذي الفقار..
عودة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى المدينة:
قالوا: "ورحل رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، والراية مع علي "عليهالسلام " وهو بين يديه نحو المدينة، فلما أن أشرف بالراية من العقبة ورآه الناس نادى علي "عليهالسلام ": أيها الناس، هذا محمد لم يمت ولم يقتل.
فقال صاحب الكلام الذي قال: "الآن يسخر بنا وقد هزمنا"؟!: هذا علي، والراية بيده..
فبينما هم كذلك إذ هجم عليهم النبي "صلىاللهعليهوآله "، ونساء الأنصار في أفنيتهم على أبواب دورهم، وخرج الرجال إليه يلوذون به"(1) .
____________
1- الكـافي ج8 ص321 الحـديث رقم502 وبحار الأنوار ج20 ص109 وشرح = = أصول الكافي ج12 ص448 والصافي ج1 ص388 ونور الثقلين ج1 ص398 وكنز الدقائق ج2 ص246.
فترى: أن علياً "عليهالسلام "، وإن كان قد جاء أهل المدينة بالبشارة بسلامة رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، لكنهم ـ فيما يظهر ـ لم يصدقه بعضهم، بل قال بعضهم: الآن يسخر بنا وقدهزمنا؟!.
ثم لما جاء حاملاً لراية النبي، وأشرف بالراية على العقبة ونادى في الناس بسلامة النبي "صلىاللهعليهوآله "، لم يصدقه ذلك البعض أيضاً.. ولعل ذلك لأنهم يفكرون وفق الحسابات المادية، التي كانت تشير كلها إلى أن من غير المعقول أن ينتصر الرسول بعد أن فر عنه أصحابه، رجع قسم منهم إلى بيوتهم في المدينة، وبقوا فيها.. وكان قسم منهم لا يزال متخفياً عن الأنظار، وعلم الناس أن سائر أصحابه قد هربوا إلى الجبل أيضاً، ولم يبق معه سوى علي "عليهالسلام "، ليواجه هو وإياه آلافاً من العساكر الحاقدة، والمدججة بالسلاح.
ولعلهم حين طلع علي "عليهالسلام " من العقبة وبشرهم بحياة النبي ظنوا: أن علياً فقط الذي بقي حياً، أما النبي فلا..
واللافت هنا: أن علياً "عليهالسلام " قال لهم: هذا محمد لم يمت ولم يقتل مستعملاً ألفاظ الآية الكريمة( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (1) التي نزلت للتعريض بهم حيث صاروا يقولون: مات محمد أو قتل محمد. فإستعمل علي "عليهالسلام "
____________
1- الآية 144 من سورة آل عمران.
نفس تلك الكلمات، ولم يقل هذا النبي أو الرسول إذ قد يتوهم متوهم أنه يتحدث عن مقام النبوة والرسالة، لا عن النبي "صلىاللهعليهوآله ". فذكر النبي "صلىاللهعليهوآله " باسمه، ليزيل أي ريب وشبهة في ذلك ولكن ذلك لم ينفع حتى طلع عليهم النبي "صلىاللهعليهوآله " نفسه.
علي (عليهالسلام ) يناول فاطمة (عليهاالسلام ) سيفه:
ويقولون: إنه "صلىاللهعليهوآله " ناول فاطمة "عليهاالسلام " سيفه، وقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله، لقد صدقني اليوم. فجاء علي "عليهالسلام " فناولها سيفه، وقال مثل ذلك.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حنيف، وأبو دجانة(1) .
____________
1- تاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص210 وأسد الغابة ج2 ص352 وتاريخ الخميس ج1 ص444 عن ابن إسحاق، والسيرة الحلبية ج2 ص255 و (ط دار المعرفة) ج2 ص547 وعيون الأثر ج1 ص431 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص94 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص229 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص54 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد عـلي صبيح) ج3 ص614 وراجع: الثقـات لابن حبـان ج1 ص235 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص200 ووفاء الوفاء ج1 ص293 عن الطـبراني، ورجـالـه رجـال الصحيح، والمستـدرك للحاكم ج3 ص24 = = وتلخيصه للذهبي بهامشه، وصححاه على شرط البخاري، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص35 ومجمع الزوائد ج6 ص123 وكنز العمال ج4 ص441.
ولكن ذلك غير صحيح، لما يلي:
1 ـ إن الذي قتل معظم المشركين، وقتل أصحاب الألوية، وثبت في أحد، ونادى جبرئيل باسمه، وقتل أبناء سفيان بن عويف الأربعة إلى تمام العشرة، هو علي "عليهالسلام " وليس أبا دجانة، ولا سهل بن حنيف، ولا غيرهما.
2 ـ هذه الرواية متناقضة النصوص؛ فعن ابن عقبة لما رأى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " سيف علي "عليهالسلام " مخضباً دماً قال: إن تكن أحسنت القتال، فقد أحسنه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف(1) . فأي الروايتين هو الصحيح؟!
3 ـ لقد رد ابن تيمية قولهم: بأنه "صلىاللهعليهوآله " قد أعطى فاطمة "عليهاالسلام " سيفه، بأنه "صلىاللهعليهوآله " لم يقاتل في أُحد بسيف(2) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص255 و (ط دار المعرفة) ج2 ص547 والمستدرك للحاكم ج3 ص410 ومجمع الزوائد ج6 ص123 والمعجم الكبير للطبراني ج6 ص76 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص35 و البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص54 وإمتاع الأسماع ج1 ص153 وكشف الغمة ج1 ص188 وعيون الأثر ج1 ص431 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص94.
2- السيرة الحلبية ج2 ص255 و (ط دار المعرفة) ج2 ص547.
والذي يبدو لنا هو:
أن الصحيح في القضية هو ما ذكره المفيد "رحمهالله ": من أنه بعد أن ناول علي فاطمة "عليهماالسلام " سيفه وقال لها: خذي هذا السيف؛ فلقد صدقني اليوم، وأنشد:
أفاطم هـاك السـيـف غير ذميم |
فلـست برعديد، ولا بلئـيـم |
|
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد |
وطــاعـة رب بالعباد عليـم |
|
أميطي دمـاء الــقـوم عـنـه فـإنه |
سـقـى آل عبد الدار كأس حميم |
قال "صلىاللهعليهوآله ": خذيه يا فاطمة؛ فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش(1) .
فهذه الرواية هي الأنسب والأوفق بمسار الأحداث، وبأخلاق وسجايا النبي الأكرم "صلىاللهعليهوآله ".
____________
1- الإرشاد للشيخ المفيد ص54 و (ط دار المفيد) ج1 ص90 وبحار الأنوار ج20 ص88 وراجع ص72 وإعلام الورى ج1 ص379 والدر النظيم ص161 وكشف الغمة ج1 ص195 وحلية الأبرار ج2 ص432 وأعيان الشيعة ج1 ص259.
الفصل السادس :
بعد أحد.. وحمراء الأسد..
المجروحون دون سواهم:
وبمجرد أن رجع "صلىاللهعليهوآله " إلى المدينة من أحد، وقد قتل من المسلمين من قتل، وجرح من جرح، ولم ينله "صلىاللهعليهوآله " ـ حسب الرواية عن أمير المؤمنين "عليهالسلام "ـ القتل والجرح، أوحى الله تعالى إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، أن اخرج في وقتك هذا لطلب قريش، ولا تخرج معك من أصحابك إلا من كانت به جراحة.
فأعلمهم بذلك، فخرجوا معه على ما كان بهم من الجراح، حتى نزلوا منزلاً يقال له: حمراء الأسد(1) وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة(2) ،
____________
1- تفسير القمي ج1 ص125 وبحار الأنوار ج20 ص110 و 111 و 64 وج90 ص24 عن تفسير النعماني، وأعيان الشيعة ج1 ص93 وراجع: مستدرك سفينة البحار ج2 ص414 وج7 ص573 ومجمع البيان ج2 ص447 والصافي ج1 ص400 ونور الثقلين ج1 ص410 وكنز الدقائق ج2 ص283.
2- معجم البلدان ج2 ص301 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص414 والدرر لابن عبد البر ص158 والتبيان للطوسي ج3 ص51 وجوامع الجامع ج1 ص350 وجـامـع البيـان ج4 ص234 ومعـاني القـرآن للنحـاس ج1 ص510 وتفسير = = السمعاني ج1 ص380 والمحرر الوجيز ج1 ص542 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص277 وتفسير البيضاوي ج2 ص116 والتسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص124 والبحر المحيط ج3 ص122 وتفسير الآلوسي ج4 ص125 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص27 وأعيان الشيعة ج1 ص259 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص97 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص313.
وكانوا ستين(1) ، أو سبعين راكباً(2) .
علي (عليهالسلام ) في حمراء الأسد:
وكان علي "عليهالسلام " حامل لواء النبي "صلىاللهعليهوآله " إلى
____________
1- البدء والتاريخ ج4 ص205.
2- مجمع البيان ج2 ص539 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص447 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص167 وبحار الأنوار ج20 ص39 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص414 وتفسير الثعلبي ج3 ص208 وتفسير البغوي ج1 ص373 وتفسير النسفي ج1 ص192 والتفسير الكبير للرازي ج9 ص97 وغاية المرام ج4 ص226 والبداية والنهاية ج4 ص50 و 51 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص58 والسيرة الحلبية ج2 ص257 و (ط دار المعرفة) ج2 ص551 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص101 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص313 وراجع: تفسير السمعاني ج1 ص380 والجامع لأحكام القرآن ج4 ص277.
حمراء الأسد(1) ومر معبد الخزاعي ـ وهو مشرك ـ بالمسلمين، وهو في طريقه إلى مكة، فلما بلغ أبا سفيان وأصحابه أخبرهم أن محمداً يطلبهم في جمع لم ير مثله، وأنه قد اجتمع معه من تخلف عنه، وأن هذا علي بن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس(2) .
____________
1- راجع: إمتاع الأسماع ج7 ص167 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص57 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص49 والسيرة الحلبية ج2 ص257 و (ط دار المعرفة) ج2 ص551 وعيون الأثر ج2 ص6 وأعيان الشيعة ج1 ص259 و 338 وتفسير فرات ص174.
2- بحار الأنوار ج20 ص40 و 99 وإعلام الورى ج1 ص183 و 184 وشرح الأخبار ج1 ص283 وفتح الباري ج7 ص287 وج8 ص172 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1428 ومجمع البيان ج2 ص447 وجامع البيان ج4 ص238 وتفسير الثعلبي ج3 ص208 والمحرر الوجيز ج1 ص523 والبحر المحيط ج3 ص83 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص439 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص792 وتفسير الثعالبي ج2 ص121 وتفسير الآلوسي ج4 ص125 وتاريخ خليفة بن خياط ص42 والثقات لابن حبان ج1 ص235 وأسد الغابة ج4 ص390 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص212 والكامل في التاريخ ج2 ص164 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص57 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص616 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص99 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص553.
فزاد الرعب في قلوب المشركين، وأسرعوا السير إلى مكة.
قتل أبي عزة الجمحي:
وكان أبو عزة قد أُسِر يوم بدر، ثم منَّ عليه النبي "صلىاللهعليهوآله " لأجل بناته الخمس، على أن لا يعود لحرب المسلمين، ولا يظاهر عليه أحداً. فنقض العهد، وألب القبائل، وشارك في معركة أحد.
فلما سارت قريش من حمراء الأسد إلى مكة تركوه نائماً، فأدركه المسلمون هناك، وأخذوه، فطلب الإقالة مرة أخرى، فلم يقبل "صلىاللهعليهوآله " ذلك منه، حتى لا يمسح عارضيه بمكة، ويقول: سخرت من محمد مرتين، ثم أمر علياً "عليهالسلام " ـ وقيل غيره ـ فضرب عنقه(1) .
____________
1- راجع: الخرائج والجرائح ج1 ص149 وبحار الأنوار ج20 ص79 والفايق في غريب الحديث ج3 ص200 وكتاب الأم للشافعي ج4 ص252 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص65 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص45 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص295 و 296 ونصب الراية ج4 ص261 وكشف الخفاء ج2 ص375 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص43 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص206 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص380 ـ 381 وج4 ص53 و 59 وإمتاع الأسماع ج1 ص172 وج10 ص6 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص617 وعيون الأثر ج1 ص406 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص485 وج3 ص92 و 102 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص242 و 312.
قتل معاوية بن المغيرة:
وكان معاوية بن المغيرة قد انهزم يوم أحد، ودخل المدينة، فأتى منزل ابن عمه عثمان بن عفان..
وكان "صلىاللهعليهوآله " قد علم به من طريق الوحي، فأرسل علياً "عليهالسلام " ليأتي به من دار عثمان، - فزعموا - أن أم كلثوم زوجة عثمان أشارت إلى الموضع الذي صيره عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت حمّارة لهم، وانطلقوا به إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فشفع فيه عثمان، فقبل منه "صلىاللهعليهوآله "، وأجله ثلاثاً، وأقسم إن وجده بعدها في أرض المدينة وما حولها ليقتلنه، فجهزه عثمان، واشترى له بعيراً.
وسار "صلىاللهعليهوآله " إلى حمراء الأسد، وأقام معاوية هذا إلى اليوم الثالث، ليعرف أخبار النبي "صلىاللهعليهوآله "، ويأتي بها قريشاً، فلما كان في اليوم الرابع أخبرهم "صلىاللهعليهوآله ": أن معاوية بات قريباً، وأرسل زيداً وعماراً، فقتلاه(1) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج20 ص145 والمغازي للواقدي ج1 ص333 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص46 و 47 عن البلاذري، والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص555 والغدير ج9 ص328 والنزاع والتخاصم ص60 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص311 والكامل في التاريخ (ط صادر) ج2 ص165 وقاموس الرجال ج10 ص407 و 408 وبحار الأنوار ج20 ص145 والبداية والنهاية ج4 ص51 والسيرة النبوية لابن هشام (ط محمد علي صبيح) ج3 ص618 وعيون الأثر ج2 ص6.
والصحيح: أرسل علياً وعماراً(1) .
وقال البلاذري، عن ابن الكلبي: ويقال: إن علياً "عليهالسلام " هو الذي قتل معاوية بن المغيرة(2) .
ويذكر هنا: أن عثمان قد انتقم من أم كلثوم، لاتهامه إياها بدلالتها على ابن عمه.
بل يقال: إن ما فعله بها كان سبباً في موتها في اليوم الرابع، وحيث تلك الليلة بات ملتحفاً بجاريتها(3) .
ويذكرون هنا: أنه لما ضرب عثمان زوجته متهماً إياها بأنها هي التي دلت على مكان معاوية بن المغيرة، بعثت إلى النبي "صلىاللهعليهوآله " بشكواها ثلاث مرات، فأرسل في الرابعة علياً "عليهالسلام " ليأتي بها، فإن
____________
1- راجع: أنساب الأشراف ج5 ص164 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص199 و 239.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص47 وراجع ص54 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص78 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص555 وأعيان الشيعة ج1 ص391 والنزاع والتخاصم ص60.
3- الكافي ج3 ص251 و 253 وبحار الأنوار ج22 ص160 ـ 161 وقاموس الرجال ج10 ص408 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج12 ص219.
حال بينه وبينها أحد، فليحطمه بالسيف.
وأقبل النبي "صلىاللهعليهوآله " كالواله إلى دار عثمان، فأخرجها علي "عليهالسلام "، فلما نظرت إلى النبي "صلىاللهعليهوآله " رفعت صوتها بالبكاء، وبكى النبي "صلىاللهعليهوآله "، وأخذها إلى منزله، وأرتهم ما بظهرها.
وبات عثمان ملتحفاً بجاريتها، وماتت في اليوم الرابع..
وقد منعه النبي "صلىاللهعليهوآله " من حضور جنازتها(1) .
ونقول:
قد تحدثنا عن بعض ما يرتبط بغزوة حمراء الأسد، في كتابنا،: الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله "، وليس من نيتنا أن نكرر هنا ما ذكرناه هناك، غير أننا نشير بإيجاز إلى بضعة نقاط، هي التالية:
1ـ بالنسبة لمعاوية بن المغيرة نقول:
إن الرواية وإن قالت: إنه قتل على يد علي "عليهالسلام " وعمار، وزيد، أو على يد علي "عليهالسلام " وعمار، كما تقدم، ولكننا نجد في المقابل: أن البلاذري وغيره قد جزموا بأن علياً "عليهالسلام " هو الذي قتله(2) .
____________
1- راجع: الكافي ج3 ص251 و 253 وقاموس الرجال ج10 ص408 و 409 و والخرائج والجرائح ج1 ص94 ـ 96 وبحار الأنوار ج22 ص158 ـ 159 و 160 ـ 162 وج30 ص199 ـ 201 وج78 ص391 ـ 392 وشجرة طوبى ج2 ص242 ـ 244 وراجع: الإستيعاب ج4 ص301 والإصابة ج4 ص304.
2- أنساب الأشراف ج5 ص164 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص47 و 239 و 199 عن الجاحظ، وراجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص78 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص555 وأعيان الشيعة ج1 ص391 والنزاع والتخاصم ص60.
2 ـ لقد ألفنا أربعة كتب لإثبات أنه لم يكن للنبي "صلىاللهعليهوآله " بنات غير الزهراء "عليهاالسلام "، وقلنا: إن نسبة غيرها إليه "صلىاللهعليهوآله " يمكن أن تكون بسبب أنهن تربين في بيته، فراجع كتابنا: بنات النبي "صلىاللهعليهوآله " أم ربائبه، وكتابنا: البنات ربائب، وكتابنا: القول الصائب، وغير ذلك..
3 ـ إن قصة قتل معاوية بن المغيرة، وقتل أم كلثوم يدل على أن ام كلثوم لم تعش إلى أواخر حياة النبي "صلىاللهعليهوآله "، بل قتلت على يد زوجها في وقت مبكر أي بعد غزوة أحد مباشرة.
ولعل تأخير الرواة وفاتها عدة سنوات يهدف إلى تضييع هذه الحقيقة، والتشكيك بها.
4 ـ قد يقال: إن بعض التهافت يظهر في السياقات التقريرية لهذه الغزوة، من حيث إن معبد الخزاعي أخبر قريشاً بأن النبي "صلىاللهعليهوآله " قد لحقهم بجموع كبيرة، وأنه قد انضوى إليه من لم يكن معه.
فإذا تبين للمشركين أن ذلك غير صحيح، وأن المجروحين فقط هم الذين خرجوا في أثرهم، فإن ذلك سيظهر معبداً على أنه يتعمد الكذب عليهم، وأن قريشاً كانت قادرة على ضرب هؤلاء والتخلص منهم وهذا
يشكل خطراً على معبد نفسه أيضاً.
ونجيب: بأن ما أخبر به معبد الخزاعي قريشاً قد تحمله على أنه حدس وتخمين منه، وأنه قد رأى طليعة الجيش، فقدَّر أن الجيش آت في أثرها، ولا يكو ن ذلك إلا بمزيد من الحشد والإستعداد.
يضاف إلى ذلك: أن قريشاً سوف تنساق إلى نفس ما كان يرمي إليه النبي "صلىاللهعليهوآله "، فإنه "صلىاللهعليهوآله " كان يريد أن يظهر لهم أن الجرحى هم الذين يريدون الإنتقام منهم.. بأشد ما يكون، مع علم قريش بأن هؤلاء هم الذين قاتلوها، وأنهم أصبحوا أشد حرصاً على كيل الصاع صاعين لها.. ولا بد أن يرعب هذا قريشاً، فقد رأت من خصوص واحد من هؤلاء الأعاجيب، التي اضطرتها للهرب.. فكيف إذا اجتمعوا عليها!!
ولم تعد تأمل بأن يكون وجود غيرهم معهم، سوف يكرر المشهد الأول الذي استفادت منه في أحد، حيث إن فرار أولئك أدى إلى فرار غيرهم، حتى وصلت النوبة إلى فرار حتى هؤلاء المجروحين أنفسهم، باستثناء واحد منهم فقط، كان النصر على يديه، وهو الذي أفسح المجال لبعض الآخرين أن يعودوا إلى القتال، فلحقت بهم بعض الجراحات قبل فرارهم وبعده..
فإذا لم يكن هناك من يتوقع منه الفرار، فالحرب ستكون أشد وأصعب على جموع قريش..
يضاف إلى ذلك: أنه "صلىاللهعليهوآله " يريد أن يعطي درساً قاسياً لأولئك الفارين، الذين لم يجرؤا حتى على الإتيان له بالماء ليغسل وجهه، ولم
يجرؤا على رفع رؤوسهم لمراقبة حركة العدو من بعيد.
يريد أن يقول لهم: إن في هؤلاء القلة القليلة غنى عنهم ـ حتى لو كانوا في غاية الضعف بسبب جراحهم، وحتى لو كانوا قد هزموا قبل ذلك..
كما أنه يريد أن يعرفهم حجم رعب عدوهم، حتى لا تستحكم عقدة الخوف فيهم.. من جهة، وأن يؤكد هذه العقدة نفسها في قلوب أعدائهم، حتى لا يظنوا بأنفسهم أنه كان يمكنهم أن يفعلوا شيئاً ذا بال، وليتأكد لديهم أن ما جرى من نكسة للمسلمين لن يتكرر بعد الآن، وإنما كان أمراً عارضاً لا يصح أن يقاس عليه..
5 ـ إن التعبير الذي أوردناه عن بحار الأنوار عن تفسير النعماني، قد دل على: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " خرج من حرب أحد سليماً معافى، لم ينله قتل ولا جرح، وهذا يؤكد ما روي عن الإمام الصادق "عليهالسلام " أنه قال: إنه لا صحة لما يقال من أن رباعيته "صلىاللهعليهوآله " قد كسرت يوم أحد(1) .
6 ـ إن علياً "عليهالسلام " هو الذي ضرب عنق أبي عزة الجمحي بأمر من رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".. ثم كان هو الذي قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج20 ص73 و 96 وإعلام الورى ص83 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص179 ومعاني الأخبار ص406
وهو الذي قتل حملة اللواء التسعة، أو الأحد عشر(1) .. وقتل.. وقتل.. ولم يكن "صلىاللهعليهوآله " يريد لأي كان من الناس أن يقوم بهذا الأمر، لأن قبيلة المقتول لن تترك ذلك القاتل دون أن تلحق به الأذى، وتأخذ بثارها منه، ولو في بعض من يمت إليه بصلة قربى.
فكان "صلىاللهعليهوآله " يؤثر أن لا تتسع الثارات بين القبائل، وأن يحصر الأمور في فئة بعينها، وهم أهل بيته، وفي شخص بعينه، وهو علي "عليهالسلام "، فتحمل هو وأهل بيته ثقل هذه المسؤولية، وهدفوا نحورهم للعرب دون كل أحد..
ولولا هذا لم يمكن أن ينتظم للمسلمين أمر، بل سوف تشيع الأحقاد بين القبائل، وتسعى كل قبيلة للثأر لقتيلها من القبيلة الأخرى، وسيختلط الحابل بالنابل، وتتمزق أوصال مجتمع أهل الإسلام، ويتسع الخرق على الراقع..
7 ـ ثم إنه "صلىاللهعليهوآله " أمر علياً "عليهالسلام " بأن يأتيه بزوجة عثمان، لأنه كان يعلم أن عثمان لا يجرؤ على مواجهة علي "عليهالسلام "..
8 ـ والأهم من ذلك كله.. تلك الأوامر الصارمة لعلي "عليهالسلام ": أنه إن حال بينه وبينها أحد فليحطمه بالسيف..
وذلك لأن الذي يفعل ذلك إنما يرد ويتمرد على الله ورسوله، ويريد
____________
1- ونظن: أن حملة اللواء كانوا تسعة، ثم ألحق بهم "عليهالسلام " اثنين آخرين لعلهما أرادا أخذ اللواء، فلم يمكنهما من ذلك.
أن يكون جباراً في الأرض، ويمارس الظلم والبغي على من لا ناصر له..
ولنفترض صحة الرواية التي تقول: إن زوجة عثمان دلت على ذلك الكافر المحارب، فإنها تكون بذلك قد عملت بواجبها الشرعي، وزوجها هو الذي خالف حكم الله، بإيوائه العدو المحارب لله، ولرسوله..
على أنه لم يكن لدى عثمان أي دليل يدينها به، بل هي مجرد ظنون وأوهام، لا ندري كيف سوغت له هذا الظلم الفاحش، الذي وصل به إلى حد قتلها، وهي مسلمة.. بذلك الكافر، كما أنها قد تربت في بيت النبي "صلىاللهعليهوآله " بل يدعي اتباع عثمان أنها بنت النبي "صلىاللهعليهوآله " على الحقيقة؟!
9 ـ واللافت هنا: أننا لم نسمع لعمر بن الخطاب حساً، حتى كأنه لم يحضر هذه الوقائع، فأين كان عنها يا ترى، ولماذا لم نسمع له هديراً وزئيراً على عثمان.. ولم نجده يقول ويلح في القول: دعني اقتله يا رسول الله!! تماما كما قال ذلك في قصة حاطب بن أبي بلتعة، والحكم بن كيسان، وأبي سفيان، وذي الخويصرة، وذي الثدية، وابن أبي، وشيبة بن عثمان، وأعرابي من بني سليم، وغيرهم..
غضب علي (عليهالسلام ) من طلحة:
ومن آثار حرب أُحد على بعض الناس الذين تسطر لهم الفضائل، ما ذكره السدي في تفسير قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (1) من أنه لما أصيب النبي "صلىاللهعليهوآله " بأحد.. قال عثمان: لألحقن بالشام، فإن لي به صديقاً من اليهود، فلأخذن منه أماناً، فإني أخاف أن يدال علينا اليهود.
وقال طلحة بن عبيد الله: لأخرجن إلى الشام، فإن لي به صديقاً من النصارى، فلأخذن منه أماناً، فإني أخاف أن يدال علينا النصارى.
قال السدي: فأراد أحدهما أن يتهود، والآخر أن يتنصر.
قال: فأقبل طلحة إلى النبي "صلىاللهعليهوآله "، وعنده علي "عليهالسلام "، فأستأذنه طلحة في المسير إلى الشام، وقال: إن لي بهما [بها] مالاً، آخذه ثم أنصرف.
فقاله له النبي "صلىاللهعليهوآله ": عن مثلها من حال تخذلنا؟! وتخرج، وتدعنا!! فأكثر على النبي "صلىاللهعليهوآله " من الإستئذان، فغضب علي "عليهالسلام "، وقال: يا رسول الله، إئذن لابن الحضرمية، فوالله لا عزَّ من نصره، ولا ذل من خذله.
فكف طلحة عن الإستئذان عند ذلك؛ فأنزل الله تعالى فيهم:( أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) (2) ، يعني أولئك.
يقول: إنّه يحلف لكم أنّه مؤمن معكم، فقد حبط عمله بما دخل فيه من
____________
1- الآية 51 من سورة المائدة.
2- الآية 53 من سورة المائدة.
أمر الإسلام حتى نافق فيه(1) .
ونقول:
إن لنا مع هذا النص وقفات عديدة، نشير إليها ضمن العناوين التالية:
لماذا اليهود؟! ولماذا النصارى؟!:
أول ما لفت نظرنا هنا: أن عثمان وطلحة لم يذكرا المشركين بشيء!! بل اقتصرا على ذكر اليهود والنصارى، كجماعتين يمكن أن تعود لهما الغلبة على بلاد الحجاز. في حين أن الضربة التي تلقاها المسلمون في أحد كانت من المشركين، ولا تزال قوتهم هي المهيمنة على أكثر البلاد والعباد في تلك المنطقة، فكأن عثمان وطلحة كانا أمام احتمالات وأمور يرون أنه لا بدّ من مراعاتها:
أولها: أن صورة الشرك في المنطقة قد اهتزت، وفقدت تأثيرها إلى حدّ كبير، بسبب ما جرى في بدر، بل في أحد نفسها، حيث اضطروا فيها إلى الفرار تحت تأثير ضربات علي "عليهالسلام ".
ولو كانوا منتصرين لأكملوا مهمتهم، وتوجوا نصرهم بالتخلص من النبي "صلىاللهعليهوآله " ومن الذين معه بصورة نهائية، ولو حصل ذلك. فهو غايـة أمانيهم، وأغلى منجزاتهم، وأعظمها وأجلها خطراً وأثـراً بنظرهم!!
____________
1- نهج الحق (مطبوع مع دلائل الصدق) ج3 ق1 ص204.
الثاني: إن هيبة النصارى لا تزال قائمة، ولم يحدث بعد أي احتكاك بينهم وبين المسلمين، ليمكن تكوين تصور عن مسار الأمور بين الفريقين.
وما جرى في مؤتة لم يشهده كثير من الناس، ولا عرفوا تفاصيله، بعد أن ضيع خالد على المسلمين النصر فيه.. ولكن مؤتة لم تكن قد حصلت بعد، لأنها كانت في السنة الثامنة للهجرة، وإنما كانت أُحد في الثالثة.
الثالث: إن اليهود، وإن تعرضت بعض جماعاتهم لنكسة قوية، ولكن ذلك لا يعني أن تسير الأمور بنفس الإتجاه الذي سارت فيه مع تلك الجماعة، لأن عمدة قوتهم لا تزال على حالها. وإنّما ترك اليهود نصرة تلك الجماعة بسبب تحاسدهم فيما بينهم، ولأنهم كانوا لا يزالون يأملون بأن تكفيهم قوى الشرك المتواجدة في المنطقة، والتي تقودها قريش أمر محمد وصحبه، وتنتهي الأمور إلى ما يشبه الغنيمة الباردة بالنسبة إليهم.
وقد آثر عثمان: أن يحتفظ بعلاقته مع اليهود، لأنه لاحظ حضورهم المباشر في المنطقة. ولعل إدعاءاتهم، وإخباراتهم الغيبية عن أنفسهم، وعن دورهم، وعما تؤول إليه الأمور قد خدعت طلحة وسواه، ومناهم أمراً ظهرت بوادره في حرب الجمل.. ولعل هذا الأمر الذي أطمعوهم به قد فهمه اليهود من إخبارات النبي "صلىاللهعليهوآله " للزبير: بأنه يقاتل علياً وهو له ظالم. وهذا الأمر بالذات هو الذي جعل طلحة وغيره يبحثون عن صداقات وعلاقات، وربما تحالفات مع اليهود، أو مع النصارى..
ولعل طلحة قد لاحظ أيضاً: أن مسار الأحداث لا يطمئنه إلى تمكن اليهود والمشركين من حسم الأمر لصالحهم، فآثر اللجوء إلى القوة الأعظم،
والتي يشعر معها بالأمن أكثر، بسبب بعدها عن مناطق القتال من جهة، ولأجل أنه توهم أن انقضاضها على المنطقة بعد ضعف القوى المتحاربة فيها سينتهي بحسم الأمور لصالحها.
إشتباه الأمر على السدي:
ثم إننا لا نوافق السدي على قوله: فأراد أحدهما أن يتهود، وأراد الآخر أن يتنصر، فإن اللجوء إلى صديق من اليهود أو النصارى، لأخذ الأمان منه، لو كانت لليهود، أو للنصارى دولة.. لا يعني الدخول في دينه.
إلاّ أن يكون السدي قد أخذ هذا الأمر من نص آخر، صرح بعزمهما على التنصر والتهود.
إن لي بها مالاً:
ثم إن ما جعله طلحة ذريعة للحصول على الأذن بالسفر إلى الشام وهو أن له بها مالاً، قد كان في غاية السخافة.. وقد أسقطه "صلىاللهعليهوآله " عن الاعتبار بكلمة واحدة. فإن من البديهي:
أولاً: أن المال لا يفوته بالتأجيل، ولا سيما إذا كان لمدة يسيرة، كشهر وشهرين.
ثانياً: حتى لو فات ذلك المال، لأجل ما هو أهم، مما يرتبط بالمصير للدين وأهله، فما هي المشكلة في ذلك؟! أليس من الأحكام العقلية الظاهرة تقديم الأهم على المهم؟!
وكل عاقل يرى: أن حفظ الدين، والذود عن حياض الإسلام، وتأمين سلامة المسلمين أهم من المال.. بل قد يجب بذل النفس في هذا السبيل، فكيف بالمال؟!
ثالثاً: هناك شكوك لا بدّ من أن تراود الخاطر حول مدى صحة هذا الإدعاء الذي أطلقه طلحة حول أصل وجود مالٍ له بالشام!! وعند من؟! وكيف حصل ذلك؟!
رابعاً: إنّه "صلىاللهعليهوآله " اكتفى بإيكال الأمر إلى وجدان وعقل وإدراك الطرف الآخر، حين قال له: "عن مثلها من حال تخذلنا"؟! فإنّه "صلىاللهعليهوآله " قد عرض له الواقع، وأحضرها أمامه، ليكون هو بما يملك من عقل وتمييز، ووجدان الذي يحكم على قراره هذا.
وقد ضمّن النبي "صلىاللهعليهوآله " كلامه هذا تطبيق مفهوم الخاذل على من يرى هذا الواقع وتلك الحال، ثم يعرض عنه لينشغل بأمور شخصية ودنيوية لا قيمة لها.
ولكن طلحة تعامى عن رؤية ذلك، وأصرّ على ممارسة ذلك الخذلان، وإن كان ثمن ذلك وقوع الكارثة، حتى بالنبي "صلىاللهعليهوآله " نفسه، وبدينه، وبالمؤمنين.
إئذن لابن الحضرمية:
ورغم وضوح الأمر إلى حد كبير، ومع تصريح النبي "صلىاللهعليهوآله " لطلحة: بأن فعله هذا يدخل في دائرة الخذلان، فإن طلحة، واصل إصراره وإلحاحه على رسول الله "صلىاللهعليهوآله " حتى لم يعد أمام
رسول الله "صلىاللهعليهوآله " أي سبيل لردع هذا الرجل عن موقفه الذي لا بدّ من ردعه عنه.. لأن التصريح النبوي بالإذن له، وخروجه بالفعل من المدينة إلى الشام سوف يترك أثراً بالغ السلبية على معنويات الناس. وسيهز ثباتهم من الأعماق، فإحتاج إلى تدخل شخص آخر يساعد على كسر هذا الإصرار، ليمكن ردع هذا الرجل، بطريقة مثيرة له، تظهر للناس حجمه الواقعي من جهة، وتعرفهم بتصميمه على خذلان النبي "صلىاللهعليهوآله " من جهة أخرى حين قال للنبي "صلىاللهعليهوآله ": ائذن لابن الحضرمية، فوالله لا عز من نصره، ولا ذل من خذله.
أي أنّه "عليهالسلام " بكلمته هذه قد حل المشكل، وحقق مراد رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فهو "عليهالسلام " لم يقدم بين يدي الله ورسوله، بل أكد ما يريده رسول الله "صلىاللهعليهوآله " وقد تضمن كلامه:
ألف: إظهار الإستهانة بمن يحرص على خذلان رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ويستهين بالدين وأهله، طمعاً منه بالدنيا، فطلب منه أن يأذن له، وأن لا يكترث لغيابه لكي لا يظن بنفسه أن وجوده هو الذي يحفظ الدين وأهله.
ب: إنّه قد نسب طلحة إلى أمه الحضرمية، ربما لأنّه أراد أن يبعده عن قريش، وعمّا تفخر به على سائر العرب من خِلالٍ ومآثر، وما لها من قداسة فيهم، بسبب سدانة البيت، وغير ذلك..
ج: إنّه قد صرح له ـ وكان المطلوب التصريح ـ: بأنّه بموقفه هذا سببه
أنه يتعمد خذلان الإسلام وأهله، وأن هذا هو مقصوده الحقيقي من استئذانه، ولذلك قال له "عليهالسلام ": لا عز من نصره، ولا ذل من خذله.
وأفهمه بذلك: أن محاولته هذه مكشوفة ومعروفة، وذلك يعني: أن طلحة سوف يتحمل مسؤولية إصراره هذا، وسيبقى ذلك وصمة عار على جبينه، وعلى ذريته، في حياته، وبعد مماته.
"فكف طلحة عن الإستئذان عند ذلك".
حبطت أعمالهم:
وقد صرحت الآية التي نزلت في هذه المناسبة بحبط أعمال هذا الفريق الذي يقسم: إنّه مع المسلمين، ثم يظهر أنّه على خلاف ذلك.
ومن المعلوم: أن الكفر هو الذي يحبط الأعمال، فدل ذلك على أن هؤلاء قد تورطوا في أمر عظيم، لا بدّ لهم من الخروج منه، وقد نبهتهم الآية القرآنية إلى لزوم المبادرة إلى ذلك.
العزة لله ولرسوله وللمؤمنين:
وقد بات واضحاً: أن طلحة كان يريد أن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأنه يطلب بذلك العزة، وقد قال تعالى:( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلهِ
جَمِيعاً ) (1) .
فبينت له الآية: أنه مخطئ في هذا التفكير، وأن عليه أن يتراجع عنه.
مناقشات.. وردود:
وقد حاول بعضهم رد الرواية المذكورة، فذكر أموراً عديدة لا تصلح كلها لذلك، فلاحظ ما يلي:
1 ـ الآية نزلت في ابن أبي:
قال ابن روزبهان ما ملخصه: اتفق جميع أهل التفسير على أن الآية نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أُبي، حين قال عبادة: إني تركت كل مودة وموالاة كانت لي مع اليهود، ونبذت كل عهد لي كان معهم.
وقال عبد الله بن أُبي: لا أترك مودة اليهود، وموالاتهم، وعهدهم إلخ.. فنزلت آية النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء(2) .
ويجاب:
أولاً: قد يقال: إن كلام ابن أبي إنما هو في ابقاء مودته لليهود، وحفظ عهوده معهم، والآية تنهي عن المبادرة إلى اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فكأنها تنهي عن إحداث ذلك بعد أن لم يكن.
____________
1- الآية 139 من سورة النساء.
2- إبطال الباطل (مطبوع ضمن دلائل الصدق) ج3 ق 1 ص204 ـ 205.
ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن الآية ضربت القاعدة، وجاءت بحكم كلي، ينطبق على المورد المذكور وعلى غيره.
غير أننا نقول:
الآية لا تنطبق على قصة عبادة من جهتين:
إحديهما: أنّها تحدثت عن خصوص اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ولم تذكر موضوع حفظ العهد معهم ونبذه.
الثانية: إنّ الآية تحدثت عن اليهود والنصارى، وحديث عبادة إنّما ذكر اليهود دون غيرهم.
ولو كان المراد ضرب القاعدة في اليهود والنصارى أيضاً لكان اللازم التعميم إلى المجوس، وإلى غيرهم من الكفار أيضاً.
ثانياً: لم يتفق المفسرون على نزول الآية في عبادة بن الصامت، وابن أبي، فعن عكرمة في تفسير الآية قال: كان طلحة والزبير يكاتبان النصارى، وأهل الشام إلخ..(1) .
وروي عن السدي ما تقدم(2) .
قال الشيخ محمد حسن المظفر "رحمهالله ": "وبالجملة: طلحة في قول عكرمة والسدي، ممن نزلت فيه الآية، واختلفا في الآخر، فقال عكرمة هو
____________
1- الدر المنثور ج2 ص291 عن ابن جرير، وابن المنذر.
2- وراجع: الدر المنثور، عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، ولكنه لم يسم الرجلين الذين خافا أن يدال اليهود والنصارى.
الزبير، وقال السدي: هو عثمان"(1) .
2 ـ طلحة بريء:
زعم بعضهم: أن ما ذكرته هذه الرواية مكذوب على طلحة، لأنه في أُحد حمى وجه رسول الله "صلىاللهعليهوآله " من السيف بيده، وقطعت يده، ومن المقررات أنّه ابتلي يوم أحد بما لم يبتل به أحد من المسلمين(2) .
ونقول:
أولاً: لم يذكر أحد أن يد طلحة قطعت في أُحد، ولا في غيرها، بل ذكروا: أن أصبعه شلت.
ثانياً: دلت النصوص على فرار طلحة في أُحد، فراجع.
ثالثاً: قال العلامة الشيخ محمد حسن المظفر "رحمهالله " عن وقاية طلحة وجه النبي "صلىاللهعليهوآله " بالسيف: "لم أجد في أخبارهم ذكر السيف، وإنّما رووا عنه أنّه وقاه بالسهم"(3) .
رابعاً: قولهم: إن طلحة قد ابتلي بما لم يبتل به أحد من المسلمين، غير ظاهر الوجه، ولا سيما مع ما ذكرناه من فراره في ذلك اليوم، بالإضافة إلى
____________
1- دلائل الصدق ج3 ق1 ص202.
2- راجع: كنز العمال للهندي ج 13 ص201 وإحقاق الحق (الأصل) ص260.
3- دلائل الصدق ج3 ق1 ص207.
ما جرى على حمزة رضوان الله تعالى عليه وعلى سائر الشهداء، والجرحى وما أكثرهم فقد كانوا ستين أو سبعين كما ظهر في غزوة حمراء الأسد.
هذا ما جرى على أمير المؤمنين "عليهالسلام "، الذي يقول عنه أنس بن مالك كما تقدم:
"أُتي رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بعلي "عليهالسلام " يومئذٍ، وفيه نيف وسبعون جراحة، من طعنة وضربة، ورمية، فجعل رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يمسحها، وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن"(1) .
3 ـ براءة عثمان:
وقد استدل بعضهم على عدم صحة الرواية التي نتحدث عنها: بأن عثمان كان قد تزوج ببنت رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فكيف يتركها، ويغض النظر عن سوابقه في الإسلام، ويتهود هرباً من إدالة اليهود؟!
وأي ملك كان يهودياً في الشام، ويمكن أن يستولي على الحجاز؟!
ولِم لم يرجع إلى أبي سفيان ليأخذ الأمان منه، وهو ابن عمه؟ ورئيس قريش(2) .
ونجيب:
أولاً: قد أثبتنا: أن عثمان لم يتزوج بنات الرسول "صلىاللهعليهوآله "،
____________
1- مجمع البيان ج2 ص509 وبحار الأنوار ج20 ص23.
2- إبطال الباطل لابن روزبهان (مطبوع مع دلائل الصدق) ج3 ق1 ص203.
بل تزوج بنتين ربيتا في بيت رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ولا أقل من وجود الشك في ذلك.
ثانياً: إن زواجه هذا ـ لو صحّ ـ فهو لا يمنعه من التوسل بما يرى أنّه يحفظ له حياته، كما دلّ عليه فراره في أحد، فإنه لم يعد إلا بعد ثلاثة أيام.
ثالثاً: إن المطلوب: هو أن يلجأ إلى يهودي ذي نفوذ، ويأخذ منه أماناً يرضاه منه يهود الحجاز لو ظهروا على الحجاز، ولا يجب أن يكون هذا اليهودي ملكاً في الشام، أو في غيرها.
رابعاً: إن رجوعه إلى أبي سفيان غير مأمون العواقب، لأن رجوعه هذا لا بدّ أن يظهر ويشتهر، وهو لم يكن مطمئناً إلى نجاح أبي سفيان في معاركه مع المسلمين، وإذا انتصر النبي "صلىاللهعليهوآله " فستحل بالذي يمالئ أبا سفيان الكارثة.
أما بالنسبة للشام، فيمكنه أن يتستر بالتجارة، ثم يفعل ما يشاء من دون حسيب أو رقيب!
الفصل السابع :
.. إلى بني النضير..
كتاب مفاداة سلمان بخط علي (عليهالسلام ) :
ويذكر هنا الكتاب الذي كتبه النبي "صلىاللهعليهوآله " في مفاداة سلمان من عثمان بن الأشهل، فإن النبي "صلىاللهعليهوآله " أملاه وعلي "عليهالسلام " كتبه، وكان من الشهود عليه، وهو مؤرخ بالسنة الأولى للهجرة..
وفي هذا الكتاب بعض المآخذ ذكرناها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله " غير أننا نذكِّر بما يلي:
1 ـ إن الكتاب، يصرح بأن النبي "صلىاللهعليهوآله " هو الذي كاتب عثمان بن الأشهل، فالمفروض أن يكون الدافع للفداء هو النبي "صلىاللهعليهوآله "، وهذا هو صريح الكتاب.. وهو ما حصل بالفعل.
2 ـ إنه "صلىاللهعليهوآله " جعل ولاءه لنفسه وأهل بيته، ولم يدع أحد من زوجات النبي أن لها نصيباً من ولاء سلمان، أفلا يعتبر هذا إشارة إختصاص أهل البيت بغير الزوجات أيضاً؟!
تأدية المال لأصحابه:
وتذكر الروايات: أنه "صلىاللهعليهوآله " هو الذي أدى فداء سلمان،
في اتجاهين:
أحدهما: في غرس النخل المطلوب في الفداء.
فإن النبي "صلىاللهعليهوآله " باشر غرس النوى بنفسه، وكان علي "عليهالسلام " يعينه.
وكان "صلىاللهعليهوآله " قد أمر سلمان بأن يُفَقِّرَ لها، ولا يضع منها شيئاً، حتى يكون النبي "صلىاللهعليهوآله " هو الذي يضعها بيده، فغرسها "صلىاللهعليهوآله "، فحملت من عامها(1) .
____________
1- راجع: الثقات لابن حبان ج1 ص256 و 257 وتاريخ الخميس ج1 ص468 وحلية الأولياء ج1 ص195 وتاريخ بغداد ج1 ص169 وراجع 163 و164 وطبقات المحدثين بأصبهان ج1 ص209 ـ 223 ودلائل النبوة لأبي نعيم (ط ليدن) ص213 ـ 219 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص228 ـ 236 وأسد الغابة ج2 ص330 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص197 ـ 199 عن أبي يعلى، والمصنف للصنعاني ج8 ص418 و 420 وتهذيب الأسماء ج1 ص227 ومجمع الزوائد ج9 ص335 و 337 و 340 وقاموس الرجال ج4 ص427 و 428 وأنساب الأشراف (سيرة النبي "صلىاللهعليهوآله ") ج1 ص486 و 487 وبحار الأنوار ج22 ص265 و 367 و 390 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص35 و 39 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص57 وصفة الصفوة ج1 ص352 و 533 عن أحمد، وفي هامشه عن ابن هشام، وعن الطبراني في الكبير، وعن الخصائص للسيوطي ج1 ص48 عن دلائل البيهقي، ونفس الرحمن ص2 ـ 6 عن قصص الأنبياء للراوندي، وعن المنتقى للكازروني وعن السـيرة الحلبيـة، = = وعن السيرة النبوية لابن هشام، وراجع: مسند أحمد ج5 ص438 و 439 و 440 و 441 و 444.
الثاني: تهيئة الذهب المطلوب، فقد جاءه "صلىاللهعليهوآله " بعض أصحابه بمثل البيضة من ذهب، فدعى سلمان، وأعطاه إياها ليفي بها مال الكتابة، فأخذها فوزن منها أربعين أوقية، فوفى بها مال كتابته، وبقي منها مثل ما أعطاهم(1) .
وذكروا أيضاً: أن عمر بن الخطاب حين رأى النبي "صلىاللهعليهوآله " يغرس النوى، ويعينه علي "عليهالسلام " بادر إلى غرس نخلة، فلم
____________
1- راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص185 وسير أعلام النبلاء ج1 ص511 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج2 ص383 والدرجات الرفيعة ص204 ومسند أحمد ج5 ص443 ومجمع الزوائد ج9 ص336 والمعجم الكبير للطبراني ج6 ص226 ودلائل النبوة للأصبهاني ج1 ص363 ونصب الراية ج6 ص188 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج1 ص145 والشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1 ص332 وعيون الأثر ج1 ص91 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص302 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص109 وج9 ص504 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص311 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص78.
تعش، فانتزعها النبي "صلىاللهعليهوآله " وغرسها بيده فحملت(1) .
ونقول:
هناك الكثير من النِقاط التي يحتاج الإنسان إلى تسليط الضوء عليها نقتصر منها على ما يلي:
____________
1- مسند أحمـد ج5 ص354 ومجمـع الزوائـد ج9 ص337 عن أحمـد، والبـزار، = = ورجاله رجال الصحيح، ونصب الراية ج6 ص187 والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص321 والشمائل المحمدية للترمذي ص28 وتاريخ مدينة دمشق ج21 ص395 و403 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص357 وإمتاع الأسماع ج5 ص183 وج6 ص338 وعيون الأثر ج1 ص91 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص109 وج9 ص502 وتاريخ الخميس ج1 ص468 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص35 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص58 و(ط دار الجيل) ج2 ص635 والتمهيد لابن عبد البر ج3 ص98 وقاموس الرجال ج4 ص227 وتهذيب تاريخ دمشق ج6 ص198 و 199 وشرح الشفاء لملا علي القاري ج1 ص384 ومزيل الخفاء في شرح ألفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء نفسه) ج1 ص332 وبحار الأنوار ج22 ص390 والدرجات الرفيعة ص205 ونفس الرحمن ص16 ومناقب أهل البيت "عليهمالسلام " للشيرواني ص326 والمستدرك لحاكم ج ص16 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص312.
غرس عمر، أم غرس سلمان؟!:
تقدم: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " قد تولى هو غرس النخل، مستعيناً بعلي "عليهالسلام ".. وقد نهى سلمان عن التدخل في هذا الأمر، فلا يمكن أن نصدق الرواية التي تدعي: أن سلمان قد غرس واحدة منها فلم تعش، فإن سيرة سلمان تدلنا على أنه لا يقدم على مخالفة أمر رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
ولو فرضنا: أن سلمان قد فعل ذلك متوهماً أنه هو صاحب العلاقة، وأنه يسوغ له أن يغرس ولو واحدة منها، لتكون بمثابة الذكرى، فإننا لا نجد مبرراً لمبادرة عمر إلى فعل شيء من ذلك دون سائر الصحابة.. إلا إن كان يريد أن يجرب حظه، فلعل المعجزة تظهر على يده كما ظهرت على يد الرسول "صلىاللهعليهوآله "، لكي يصح قوله: "أنا زميل محمد"(1) .
ولكن شاءت الإرادة الإلهية أن يحفظ ناموس النبوة، فأثمر النخل كله، إلا النخلة التي غرسها عمر بن الخطاب، حتى عاد النبي "صلىاللهعليهوآله "، فغرسها بيده الشريفة، فظهرت البركات، وتجلت بها الألطاف
____________
1- تاريخ الأمم والملوك (ط مؤسسة الأعلمي وط الإستقامة) ج3 ص290 و 291 و الفايق في غريب الحديث ج1 ص400 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص121 والجواهر ج30 ص146 والغدير ج6 ص212 والميزان ج4 ص298 وغريب الحديث لابن قتيبة ج1 ص263.
والكرامات، والدلائل والآيات..
انتزعها ثم غرسها:
وقد لوحظ: أن النبي "صلىاللهعليهوآله "، لم يجر الكرامة على تلك النخلة التي غرسها عمر، بأن يلمسها وهي في موضعها، ويدعو لها بالحياة والإخضرار.. ولو أنه فعل ذلك لاستجاب الله تعالى له..
ولكنه أزال فعل عمر من أساسه، بأن انتزعها، ثم أعاد غرسها، ربما ليرمز لنا إلى بوار نفس الفعل الذي صدر عن عمر، فلا يصلح حتى للبناء عليه، لأنه ليس قابلاً للإصلاح أصلاً.. فإن معنى قابليته للإصلاح هو أن الفساد قد نال بعض الجهات فيه دون بعض، وهو ليس كذلك إذ لم يكن فيه أي شيء صالحاً ليصح ضم الجزء الآخر إليه بعد إصلاحه..
يضاف إلى ذلك: أنه لو ابقاها ثم لمسها ودعا، فعادت لها الحياة، فقد يتوهم متوهم، أو يدَّعي مدع: أنها كانت مغروسة، وكان فيها قابلية الحياة، فعاشت لأجل ذلك، لا لفعل رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
سلمان منا أهل البيت:
قال المبرد: كان "صلىاللهعليهوآله " أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، فكان سلمان مولى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فقال علي بن أبي طالب "عليهالسلام ": سلمان منا أهل البيت(1) .
____________
1- الكامل في الأدب ج4 ص14.
ونحن لا ننكر أن يكون علي "عليهالسلام " قد قال هذه الكلمة، ولكنه إنما قالها تبعاً لرسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فإن الكل يعلم، أن كلمة: " سلمان منا أهل البيت" هي من كلام النبي "صلىاللهعليهوآله "، جاءت رداً على عمر بن الخطاب، حين دخل فوجد سلمان في المجلس، فقال: من هذا العجمي المتصدر بين العرب؟! فصعد "صلىاللهعليهوآله " المنبر، فخطب.. فكان مما قال: " سلمان منا أهل البيت"(1) .
أو أنه "صلىاللهعليهوآله " قال فيه هذه الكلمة حينما تنافس فيه الأنصار والمهاجرون، أو في مناسبة أخرى(2) .
فهل يريد المبرد أن يبعد رسول الله "صلىاللهعليهوآله " عن أن يكون قد قال هذه الكلمة؟!
النبي (صلىاللهعليهوآله ).. وغرس النخل:
وقد رأينا: أن النبي "صلىاللهعليهوآله " أراد أن يغرس النوى بنفسه، بمساعدة أمير المؤمنين "عليهالسلام "، ولم يسمح حتى لسلمان نفسه أن يتدخل في ذلك، ولو في واحدة منها.
وعدا عن أن ذلك يدل على اهتمام النبي "صلىاللهعليهوآله " بسلمان، ويعد تكريماً له، فإنه تضمن إظهار معجزة له "صلىاللهعليهوآله "، عضدتها
____________
1- الغارات للثقفي ج2 ص823 والإختصاص ص341 وبحار الأنوار ج22 ص348 ونفس الرحمن ص127 و128 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهمالسلام " للنجفي ج1 ص370 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص75
2- راجع: المستدرك للحاكم ج3 ص598 ومجمع الزوائد ج6 ص130 والمعجم الكبير للطبراني ج6 ص213 والدرر لابن عبد البر ص170 ومجمع البيان ج2 ص269 وج8 ص126 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص82 وج7 ص319 وتاريخ مدينة دمشق ج21 ص408 وأسد الغابة ج2 ص331 وتهذيب الكمال ج11 ص250 وسير أعلام النبلاء ج1 ص539 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص235 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص54 والكامل في التاريخ ج2 ص179 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص114 وإمتاع الأسماع ج1 ص226 وج13 ص291 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص708 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص192 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص634 والميزان ج16 ص292 وجامع البيان ج21 ص162 وتفسير الثعلبي ج3 ص40 وتفسير البغوي ج3 ص510 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص129 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص75 وبحار الأنوار ج10 ص123 وج17 ص170 وج18 = = ص19 وج20 ص189 و 198 وج22 ص329 وج22 ص373 ودلائل الإمامة ص140 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص387 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص128 و 133 وإختيار معرفة الرجال للطوسي ج1 ص59 والدرجات الرفيعة ص210 و 218 وطرائف المقال ج2 ص602.
معجزة أخرى تلمسها سلمان في الذهب الذي وزن منه أربعين أوقية(1) ، وبقي منه بقدر ما كان، مع أنه كان بقدر البيضة..
فقد كان الله تعالى يريد أن يُظهر هذه الكرامة، أو المعجزة لرسوله، في هذه المناسبة، وفي هذا الوقت بالذات، لأن الناس كانوا بأمس الحاجة إليها، ولا سيما في ذلك المحيط الذي يحاول اليهود أن يثيروا فيه الشبهات حول النبوة والنبي "صلىاللهعليهوآله ".. فإن الإنتصار في الحروب، وإن كان يحمل معه لمحات الإعجاز، ويزخر بدلائل الرعاية الإلهية، إلا أن ما تتركه تلك الحروب من آثار، وأثقال، وهموم ومشكلات، قد يجد فيه البعض منافذ للوسوسة، وتوظيف آثاره على الناس في زرع بذور الفتنة، وإثارة النعرات، والعصبيات والأحقاد..
شراكة علي (عليهالسلام ) :
وقد لوحظ: أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " قد حرص على إشراك علي "عليهالسلام " في التحضير لظهور هذه الكرامة الإلهية.. دون كل أحد سواه، في إشارة منه إلى موقع علي "عليهالسلام " منه، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
____________
1- الأوقية: وزن أربعين درهماً.
إذا سمعت بشيء قد جاءني فأتني:
ولوحظ أيضاً: أنه "صلىاللهعليهوآله " لم يبادر إلى صنع المعجزة في الذهب، بأن يأخذ حجراً أو تراباً، فيصير ذهباً، ثم يعطيه إياه، كما رأيناه في حالات أخرى، إذ قد يحاول الأعداء اتهامه بالسحر، إن هو قد فعل ذلك..
بل طلب من سلمان أن ينتظر مجيء شيء إليه، فلما جاءه الذهب أرسل هو إلى سلمان فحضر، فأعطاه الذهب، الذي أهدي إليه، والذي لا يمكن ادعاء السحر، أو التمويه فيه، لأنه حقيقة ملموسة للآخرين معروفة لهم، وقد تمثلت الكرامة والمعجزة بظهور البركة فيها.. وهذا أدعى للتصديق، وأبعد عن التهمة.
توزيع المهام بين الأحباب:
ومما حدث بعد الهجرة، وبالذات بعد زواج علي بفاطمة "عليهالسلام " وإن كان لا يمكننا تحديد تاريخ ذلك، قول علي "عليهالسلام " لأمه، فاطمة بنت أسد "رضوان الله تعالى عليها": إكف فاطمة بنت رسول الله "صلىاللهعليهوآله " سقاية الماء، وتكفيك الداخل: الطحن والعجن(1) .
____________
1- راجع: مجمع الزوائد ج9 ص256 والمعجم الكبير للطبراني ج24 ص353 وأنساب الأشراف (ط مؤسسة الأعلمي) ص37 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص156 وأسد الغابة ج5 ص517 والإصابة ج4 ص380 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص268 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج4 ص382 و (ط دار الجيل) ج4 ص1894 وإمتاع الأسماع ج5 ص352 وتاريخ الخميس ج1 ص468 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص358 وتهذيب الكمال ج35 ص248 وسير أعلام النبلاء ج2 ص125 وتاريخ الإسلام ج3 ص621 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص47 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص134.
وروي عن علي "عليهالسلام "، أنه قال: أهدي إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله " حلة استبرق، فقال: اجعلها خمراً بين الفواطم..
فشققتها أربعة أخمرة: خماراً لفاطمة بنت رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وخماراً لفاطمة بنت أسد، وخماراً لفاطمة بنت حمزة، ولم يذكر الرابعة، قال ابن حجر: قلت: ولعلها امرأة عقيل الآتية(1) .
ولعلها فاطمة التي اصطحبها "عليهالسلام " حين الهجرة.
ونشير هنا إلى ما يلي:
1 ـ إن علياً "عليهالسلام " لم يفرض على زوجته خدمة أمه، ولا فرض
____________
1- راجـع: الإصابـة ج4 ص381 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص271 وأسد = = الغابة ج5 ص519 وعمدة القاري ج22 ص17 و 18 والآحاد والمثاني ج1 ص142 وج5 ص469 وشرح معاني الآثار ج4 ص254 والتمهيد لابن عبد البر ج14 ص251 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص205 وسبل السلام للكحلاني ج2 ص86 وشرح مسلم للنووي ج14 ص50 وعون المعبود ج11 ص62 وعيون الأثر ج2 ص371.
على أمه خدمة زوجته، بل هو طلب أن يتوزعا المهمات فيما بينهما..كل منهما بحسب ما يناسب حاله..
2 ـ إنه "عليهالسلام " تكلم بطريقة تفيد: أن ما طلبه من هذه كان مطلوباً من تلك، والعكس صحيح، وذلك لسببين:
أولهما: ليدل على أن أحداً ليس مكلفاً بخدمة أحد، بل كل إنسان مكلف بالطحن والعجن، والسقي لنفسه، فإذا كفاه أحد الناس شيئاً من ذلك، فإن مكافأته له بأن يكفيه هو شيئاً آخر تصبح طبيعية..
ولو أنه "عليهالسلام " فرض الأمر فرضاً عليهما بأن قال: عليك السقي، وعليها الطحن والعجن، لم يشعر أي من الطرفين بإحسان وجميل الطرف الآخر، ولم تتبلور لديه رغبة في مساعدته، لو وجده مغلوباً في الذي يتولاه..
الثاني: هذه الطريقة في البيان تعطي: أن العامل سوف يشعر بأنه مدين للطرف الآخر.. ويشعره بمحبته ومودته، وصفاء نيته تجاهه، ويبعد عنه أية حساسية معه.
3 ـ ثمة عناية خاصة من النبي "صلىاللهعليهوآله " بهؤلاء الفواطم، فهو قد أوصى علياً أن يستصحبهنَّ في الهجرة، وهو يهتم بتهيئة موجبات الستر التام، والصون لهن، فهيأ لهن الخُمُر الساترة، لا الثياب الفاخرة.
النبي (صلىاللهعليهوآله ) يلقن الأموات الإمامة:
روى الكليني: أنه حين توفيت فاطمة بنت أسد حمل النبي "صلىاللهعليهوآله " جنازتها على عاتقه، فلم يزل حتى أوردها قبرها، وأخذها على
يديه، ووضعها فيه، وانكب عليها طويلاً يناجيها، ولقنها ما تسأل عنه حتى إمامة ولدها "عليهالسلام ".
وحينما سئل عن ذلك قال: اليوم فقدت بر أبي طالب، إن كانت لتكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها، وولدها.. إلى آخر ما قال "صلىاللهعليهوآله "(1) .
ونقول:
1 ـ بالنسبة للرواية الأولى نلاحظ ما يلي:
أنه "صلىاللهعليهوآله " يلقن الأموات الإمامة، وهذا يدلنا على أمور، هي:
____________
1- الكافي ج1 ص453 وقاموس الرجال (الطبعة الأولى) ج11 ص6 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج12 ص310 وخصائص الأئمة ص64 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص40 والفضائل لشاذان ص102 والإعتقادات في دين الإمامية للصدوق ص58 وشرح أصول الكافي ج7 ص197 وبحار الأنوار ج6 ص279 وج35 ص180 وكشف اليقين ص193 وجامع أحاديث الشيعة ج19 ص221 ـ 223 وموسوعـة أحـاديث أهـل البيـت "عليهمالسلام " = = للنجفي ج9 ص25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص76 عن در بحر المناقب لابن حسنويه (مخطوط) ص15 وراجع: وفاء الوفاء المجلد الثاني ص898.
ألف: إن الأموات يسمعون، ويفهمون، ويحفظون هذا التلقين، وقد تأكدت هذه الحقيقة في حرب بدر حين كلم رسول الله "صلىاللهعليهوآله " قتلى المشركين، وهم في القليب، فلما سئل عن ذلك، قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني(1) .
____________
1- راجع: فتح الباري ج7 ص234 و235 وتاريخ الخميس ج1 ص386 والسيرة الحلبية ج2 ص82 و (ط دار المعرفة) ج2 ص431 وحياة الصحابة ج2 ص333 و 334 وبحار الأنوار ج19 ص346 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص300 ومسند أبي يعلى ج6 ص433 وصحيح ابن حبان ج14 ص458 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص179 وإمتاع الأسماع ج12 ص143 و 160 وعيون الأثر ج1 ص345 والميزان ج9 ص31 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص156 والكامل في التاريخ ج2 ص129 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التـراث العـربي) ج1 ص158 ج3 ص357 والسيرة النبويـة لابن هشام (ط = = مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج2 ص466 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص449 و 452 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص55 وقصص الأنبياء لابن كثير ج1 ص162 وإعانة الطالبين ج2 ص160 ومسند أحمد ج1 ص27 وج3 ص104 و 220 و 262 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج2 ص101 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج8 ص163 و 164 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص411 والسنن الكبرى للنسائي ج1 ص665 ومسند أبي يعلى ج1 ص130 وج6 ص72 و 433 و 460 وصحيح ابن حبان ج14 ص424 و 458 والمعجم الصغير للطبراني ج2 ص113 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة ) ج10 ص377 و 392 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص260 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص63 و 83 والمعجم الأوسط للطبراني ج8 ص219 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص480 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص364 وسنن النسائي ج4 ص110 ومجمع الزوائد ج6 ص91 ومسند أبي داود ص9 والديباج على مسلم ج6 ص205 وعمدة القاري ج8 ص201.
كما أن علياً "عليهالسلام " قد كلم قتلى أعدائه في حرب الجمل(1) .
ب: إن هذا التلقين لا يزال سنة جارية، يمارسها أهل الإيمان مع الأموات منهم..
ج: إن السؤال في القبر عن أمور بعينها ثابت وواقع، فلا بد من إعداد الجواب.
د: إن إمامة علي "عليهالسلام " هي مما يسأل عنه الأموات أيضاً..
هـ: إن السؤال عن الإمامة يشير إلى أنها ليست مجرد حكومة وخلافة، بل هي معنى أوسع وأكبر يجعلها أمراً عقائدياً أيضاً، بالإضافة إلى أبعد أخرى كامنة فيها..
____________
1- الجمل للشيخ المفيد ص391 و (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص209 والإرشاد للمفيد ج1 ص254 والجمل لابن شدقم ص153 وبحار الأنوار ج32 ص207 وأعيان الشيعة ج1 ص461.
و: إن سؤال فاطمة بنت أسد عن الإمامة بعد موتها كان في حال حياة النبي "صلىاللهعليهوآله "، وقبل أن يكون لخلافة غير النبي وحاكميته الفعلية مورد..
2 ـ بالنسبة للرواية الثانية نلاحظ أيضاً:
ألف: إن قول النبي "صلىاللهعليهوآله ": اليوم فقدت برّ أبي طالب يشير إلى أن فاطمة بنت أسد، قد واصلت برها به، الذي تعلمته من أبي طالب "عليهالسلام "، حتى كأنه "صلىاللهعليهوآله " كان يشعر بحياة أبي طالب إلى تلك اللحظة.
ب: أي برَّ هذا الذي يتواصل كل هذه السنوات؟! وكيف شعر "صلىاللهعليهوآله " بفقد ذلك البرّ في اليوم الأول؟! إن ذلك يحتاج إلى التفسير.
الفصل الثامن :
علي (عليهالسلام ) في بني النضير..
بنو النضير بعد قتل ابن الأشرف:
لقد فاجأت نتائج حرب بدر اليهود، وقام كعب بن الأشرف بتحرك واسع ضد المسلمين، حتى لقد ذهب إلى مكة ليحرضهم على حرب رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وهجا النبي "صلىاللهعليهوآله "، وصار يشبب بنساء المسلمين في شعره، حتى آذاهم..
فانتدب النبي "صلىاللهعليهوآله " إليه من قتله، فخافت اليهود خوفاً شديداً، وذهبوا إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فدعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحاً..
قالوا: فذلك الكتاب مع علي(1) .
ونقول:
____________
1- المصنف للصنعاني ج5 ص204 ومجمع الزوائد ج6 ص195 وتفسير القرآن للصنعاني ج1 ص142 وجامع البيان ج4 ص267 وراجع الحديث أيضاً في: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص23 ودلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج3 ص198 وراجع: المغازي للواقدي ج1 ص192.
ألف: قتل كعب بن الأشرف فلا يعد فتكاً، لأنه كان كافراً معلناً بعداوته، ومحارباً، والمحارب تترصّد غفلته ويقتل، وليس له أن يدعى أنه آمن، وأن قتله من الفتك الممنوع، فإن الفتك الممنوع هو قتل من لم يعلن الحرب.
ولذلك لم يقتل مسلم بن عقيل عبيد الله بن زياد، الذي كان يتظاهر بالإسلام. وقال: الإسلام قيد الفتك.
ب: وقد يتساءل البعض هنا عن سر كون هذا الكتاب مع علي "عليهالسلام "، فهل يشير ذلك إلى خصوصية له "عليهالسلام " فيما يرتبط بالمجال السياسي المتعلق برسول الله "صلىاللهعليهوآله "، أو حتى فيما يرتبط بموقعه "عليهالسلام " من بعده؟!
بنو النضير ينقضون العهد:
ويذكر المؤرخون هنا غزوة النبي "صلىاللهعليهوآله " لبني النضير، وسببها: أنه كان هناك عهد بين بني النضير وبين النبي "صلىاللهعليهوآله "، وبالإستناد إلى ذلك العهد، فجاءهم النبي "صلىاللهعليهوآله " في أقل من عشرة أشخاص من أصحابه يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر كان عمرو بن أمية الضمري قتلهما دون أن يشعر بوجود عهد بين قبيلتهما وبين النبي "صلىاللهعليهوآله "، وحلف وعهد آخر كان بين بني عامر وبين بني النضير أيضاً..
فرحب به بنو النضير، ولكنهم حين رأوه في قلة من أصحابه تآمروا
على قتله، بإسقاط رحى عليه من سطح المنزل الذي كان "صلىاللهعليهوآله " يجلس مع بعض أصحابه إلى جواره..
فأخبر جبرئيلُ رسولَ الله "صلىاللهعليهوآله " بأمرهم، فخرج "صلىاللهعليهوآله " راجعاً إلى المدينة، ثم دعا علياً "عليهالسلام "، وقال: لا تبرح مقامك، فمن خرج عليك من أصحابي، فسألك عني، فقل: توجه إلى المدينة.
ففعل ذلك علي، حتى انصبوا إليه، ثم تبعوا النبي "صلىاللهعليهوآله " ولحقوا به.
وأرسل "صلىاللهعليهوآله " إلى بني النضير يأمرهم بالجلاء، لأنهم نقضوا العهد، فرفضوا ذلك استناداً إلى وعود المنافقين لهم بنصرتهم.. فقدم النبي "صلىاللهعليهوآله " لحصارهم، وقال لعلي "عليهالسلام ": تقدم إلى بني النضير.
فأخذ "عليهالسلام " الراية وتقدم، وأحاط بحصنهم.
وقال الواقدي: استعمل علياً "عليهالسلام " على العسكر، وقيل: أبا بكر، وقاتلهم إلى الليل حتى أظلموا(1) .
____________
1- المغازي للواقدي ج1 ص371 وراجع: السيرة الحلبية ج2 ص265 وتفسير القمي ج2 ص359 وبحار الأنوار ج20 ص164 و 168 وتفسير الثعلبي ج4 ص35 وتفسير البغوي ج2 ص19 والأصفى ج2 ص1281 والصافي ج5 ص153 وج7 ص148 وعمدة القاري ج17 ص125 والميزان ج9 ص127 وتاريخ الخميس ج1 ص460 وشرح بهجة المحافل ج1 ص214 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص57.
الفتح على يد علي (عليهالسلام ) :
وضرب قبته "صلىاللهعليهوآله " في أقصى بني خطمة من البطحاء.
فلما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم، فأصاب القبة، فأمر النبي "صلىاللهعليهوآله " أن تحول قبته إلى السفح، وأحاط بها المهاجرون والأنصار. (وعند الواقدي: أنها حولت إلى مسجد الفضيخ).
فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين "عليهالسلام "؛ فقال الناس: يا رسول الله، لا نرى علياً.
فقال "صلىاللهعليهوآله ": أراه(1) في بعض ما يصلح شأنكم.
فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي "صلىاللهعليهوآله " ـ وكان يقال له: عزورا ـ فطرحه بين يدي النبي "صلىاللهعليهوآله ".
فقال له النبي "صلىاللهعليهوآله ": كيف صنعت؟!
فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريَّاً شجاعاً؛ فكمنت له، وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل، يطلب منا غرة.
فأقبل مصلتاً بسيفه، في تسعة نفر من اليهود؛ فشددت عليه، وقتلته،
____________
1- في مغازي الواقدي، والسيرة الحلبية: دعوه فإنه في بعض شأنكم.
فأفلت أصحابه، ولم يبرحوا قريباً؛ فابعث معي نفراً فإني أرجو أن أظفر بهم.
فبعث رسول الله "صلىاللهعليهوآله " معه عشرة، فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف؛ فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن؛ فقتلوهم، وجاؤوا برؤوسهم إلى النبي "صلىاللهعليهوآله " فأمر أن تطرح في بعض آبار بني خطمة.
وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير.
وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:
الله أي كريـهــة أبلـيـتـهـا |
ببني قريظـة والنـفوس تطلع |
|
أردى رئيسهم وآب بتسـعة |
طوراً يشلهم(1) وطوراً يدفـع |
إلى أن تقول الرواية: فيئسوا من نصرهم (أي من نصر المنافقين لهم)، فقالوا: نحن نخرج من بلادك الخ..(2) .
____________
1- يشلهم بالسيف: يضربهم ويطردهم.
2- راجع ما تقدم في المصادر التالية: الإرشاد للمفيد ص49 ـ 50 و (ط دار المفيد) ج1 ص92 ـ 93 وبحار الأنوار ج20 ص172 و 173 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص196 و 197 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص169 و 170 والمغازي للواقدي ج1 ص371 و 372 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص200 والسيرة الحلبية ج2 ص265 و (ط دار المعرفة) ج2 ص562 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص262 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص322 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص340.
قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب، وقال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين، ولم أر أحداً يعرفها لعلي:
عرفـت ومـن يعتـدل يعرف |
وأيقنــت حقـاً ولم أصـدف |
|
عن الكـلم المحكـم اللاء من |
لدى الله ذي الـرأفــة الأرأف |
|
رسـائـل تـدرس في المؤمنين |
بهـن اصطفى أحمـد المـصـطـفي |
|
فـأصبح أحـمـد فـيـنـا عزيزاً |
عـزيـز الـمـقـامـة والمـوقـف |
|
فـيـا أيـهـا الموعـدوه سفـاهـاً |
ولـم يـأت جـوراً ولـم يـعـنـفِ |
|
ألستم تـخـافون أدنى العذاب |
ومـا آمــن الله كـالأخــوف |
|
وأن تـصـرعوا تـحت أسيـافه |
كـمـصـرع كعب أبي الأشرف |
|
غـداة رأى الله طـغـيـانــه |
وأعـرض كـالجـمـل الأجـنف |
|
فـأنـزل جـبـريـل فـي قـتله |
بـوحـي إلـى عـبـده مـلـطـف |
|
فـدس الـرسـول رسـولاً لـه |
بـأبـيـض ذي هـبـة مـرهـف |
|
فـبـاتـت عـيـون لـه معولات |
مـتـى يـنـع كـعـب لها تذرف |
|
وقـلـن لأحـمـد ذرنـا قليـلاً |
فـإنـا مـن الـنـوح لـم نـشـتـف |
|
فـخـلاهـم ثـم قـال اظـعـنوا |
دحـوراً عـلـى رغـم الآنـف |
وأجـلى الـنـضـيـر إلـى غربة |
وكـانـوا بــدار ذوى أخـرف |
إلـى أذرعـات ردافـاً وهـم عـلـى كـل ذي ذمـر أعـجـف
ونقول:
أبو بكر قائد العسكر:
ما زعمه الواقدي من أن ثمة من قال: بأن النبي "صلىاللهعليهوآله " جعل أبا بكر على العسكر، لا يمكن أن يكون صحيحاً، وذلك لما يلي:
أولاً: ما تقدم في غزوة أحد، من أن علياً "عليهالسلام " كان حامل لواء رسول الله "صلىاللهعليهوآله " في بدر وفي كل مشهد..
ثانياً: إن ما ذكره الواقدي لم يعرف قائله، ولا مستنده، في حين أن الكثيرين صرحوا: بأن القيادة وراية العسكر في بني النضير ـ بالتحديد، كانت لعلي "عليهالسلام "(1) .
____________
1- الثقات لابن حبان ج1 ص242 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص58 وج2 ص123 ووفاء الوفاء ص689 وتاريخ الخميس ج1 ص461 وعيون الأثر ج2 ص25 وبحار الأنوار ج20 ص165 و 169 عن الكازروني وغيره، وراجع: الكامل في التاريخ ج2 ص74 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص555 وزاد المعاد ج1 ص71 وحبيب السير ج1 ص355 والسيرة الحلبية ج2 ص264 و 265 و (ط دار المعرفة) ج2 ص562 وإمتاع الأسماع ج1 ص189 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص322 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص261 وتفسير القمي ج2 ص359 والصافي ج5 ص154 وج7 ص148 ونور الثقلين ج5 ص272 والأصفى ج2 ص1282 وشرح الأخبار ج1 ص321 والميزان ج19 ص208.
ثالثاً: صرحوا أيضاً بأن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " لم يؤمر على علي "عليهالسلام " أحداً(1) .
____________
1- راجع: مناقب آل أبي طالب ج4 ص223 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص351 = = و 404 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص418 ودلائل الإمامة ص261 وشرح الأخبار ج1 ص320 ونوادر المعجزات ص144 ومدينة المعاجز ج5 ص434 والطرائف لابن طاووس ص277 وبحار الأنوار ج37 ص335 وج38 ص79 و 188 وج47 ص127 وج49 ص209 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص121 والنص والإجتهاد ص338 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص96 والغدير ج1 ص212 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص123 و 135 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص151 ونهج الإيمان ص467 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص114 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص19 وإعلام الورى ج1 ص315 والدر النظيم ص248 وفصل الحاكم في النزاع والتخاصم ص215 وغاية المرام ج2 ص316 والصراط المستقيم ج2 ص9 و 304 والشافي في الإمامة ج2 ص65.
رابعاً: لم يكن أبو بكر معروفاً بشجاعة وبسالة، وهو بالأمس قد فر في أحد، ويبدو أنه بقي معتصماً بالجبل مع طائفة من الفارين إلى أن عاد المشركون إلى بلادهم، كما أنه في بدر نأى بنفسه عن الحرب، وبقي في العريش محتمياً برسول الله، ومتترساً به
خامساً: إن النبي "صلىاللهعليهوآله " كان يريد أن يلقي الرعب في قلوب الأعداء، فيسقط بذلك مقاومتهم، ولا يريد أن يعرض أرواح المؤمنين للخطر، فإن كان ولا بد من خسائر، فالمطلوب هو أن تكون في أدنى مستوى ممكن..
وهو يعرف أن ما فعله علي "عليهالسلام " في بدر وفي أحد، ثم لحاقه بالمشركين إلى حمراء الأسد، وفرارهم من مواجهته، قد أصبح على كل شفة ولسان، واصبح اسمه مرعباً، لا سيما لليهود الذين هم أحرص الناس على حياةٍ (أي مهما كانت تافهة، وحقيرة، وذليلة).. فهل يترك علياً والحال هذه، ويجعل قيادة جيشه لمن عرف الناس بهزيمته هنا وتحاشيه للحرب هناك؟!.
الشعور بالمسؤولية:
لا شك في أن ثمة قواعد عامة، من شأنها أن تساعد الإنسان على بلوغ أهدافه، وأن تصونه عن المزالق، وتحفظه من المهالك، شرط أن يعيها الإنسان، ويعرف قيمتها، ويحسن الإستفادة منها، من خلال دقة معرفته بمواردها ومصادرها، ومنطبقاتها، وهي تغنيه عن التلقين المستمر، والذي يصبح تكراراً مملاً حين تتشابه الموارد، وتتشابه معالجاتها..
فضلاً عن أن هذا التلقين قد لا يتوفر له، إذ قد يواجه بعض العوائق في الحصول عليه، أو يعرض الخلل في وسائل الوصول إليه، الأمر الذي يؤدي إلى الإخلال بمستوى الطمأنينة لهذا التلقين، أو الإعتماد عليه بسبب الشوائب التي لحقت به..
وأمير المؤمنين "عليهالسلام " كان يعرف واجبه وما هو المطلوب منه لمواجهة خطر اليهود، فكان يندفع لإنجاز ذلك الواجب، معتمداً على الله تعالى، من دون الحاجة إلى إصدار الأوامر له، حين لا يكون لهذه الأوامر أثر في الإعلام بالمطلوب، لأنه عارف به، واقف عليه، فيتمحض تأثيرها في إيجاد الدافع، الذي لا ريب في وجوده لديه أيضاً، في أفضل حالاته وأقصى درجاته.. فيكون تسجيل الأمر في مورده من باب تحصيل الحاصل أيضاً.
وهذا الشعور بالمسؤولية، والإندفاع لانجاز المهمات، لم نجده عند سائر الصحابة الذين كانوا حاضرين مع النبي "صلىاللهعليهوآله "، وشهدوا ما شهد علي، وعاينوا ما عاينه، وعرفوا ما عرف..
لا أخفي عنكم سراً إلا في حرب:
وقد رأينا أن أمير المؤمنين "عليهالسلام " انطلق للقيام بواجبه، مراعياً عنصر السرية التامة، على قاعدة: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان..
وعلى قاعدة: إن لكم عليَّ أن لا أحتجز عنكم سراً إلا في حرب(1) .
____________
1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص79 والأمالي للطوسي ج1 ص221 و (ط دار الثقافة) ص217 وبحار الأنوار ج33 ص76 و 469 وج72 ص354 وميزان الحكمة للريشهري ج1 ص124 وأعيان الشيعة ج1 ص463 والمعيار والموازنة ص104 وشرح النهج للمعتزلي ج17 ص16 صفين للمنقري ص107 ونهج السعادة ج4 ص229.
وقد كانت المهمة عسكرية حربية هنا، ثم رأينا كيف راعى النبي "صلىاللهعليهوآله " خصوصية السرية فيها أيضاً، حين سئل عن علي "عليهالسلام " فأشار إلى أنه في مهمة، ولكنه لم يفصح لهم عن طبيعتها، بل هو لم يشر إلى طابعها: هل هو عسكري، أو استطلاعي، أو تمويني، أو غير ذلك.
ولو أن النبي أو علياً "صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما" أفصحا عن شيء من ذلك، فإن المنافقين قد يوصلون الخبر إلى بني النضير، وربما يتمكن بنو النضير من إفشال المهمة، أو على الأقل يتمكنون من تقليل مستويات النجاح فيها، ولو من خلال إنجاد سريتهم العاملة، أو مساعدتها على الفرار والنجاة، أو الإختفاء في الأمكنة المناسبة.
دراسة شخصية العدو:
وقد قال أمير المؤمنين "عليهالسلام ": "إني رأيت هذا الخبيث جرياً شجاعاً، فكمنت له، وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل فيطلب مناغرة".
وهذا يعطينا أمرين:
الأول: أنه لا بد من دراسة شخصية العدو، وحالاته، وخصائصه.
الثاني: أن تكون لدينا القدرة على توقع ما يمكن أن يقدم عليه ذلك العدو، من خلال فهمنا لحالاته، وطبيعة تفكيره..
الثالث: المبادرة إلى تفويت الفرصة عليه، وضربه قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، وعدم الإنتظار لما يصدر منه وعنه، فلا تكون حركتنا مجرد ردات فعل لما يكون منه.
وهذه المعرفة بالعدو، ثم توقع طبيعة تصرفاته، ثم الإقدام على توجيه الضربات المناسبة له، تجعل في الحرب حيوية، وتعطيها معنى جديداً في اسلوبها وفي حركتها، ثم في نتائجها. وبذلك يفقد العدو القدرة على التركيز، ويقع في حالة من الإرباك والضياع..
وهذا هو الذي يقرر مصير الحرب.
إختيار القيادات:
وبناء على ما ذكرناه آنفاً: تمس الحاجة إلى قيادات ذات قدرات وكفاءات فكرية وتحليلية، ومعرفة بأحوال العدو أفراداً وجماعات، ودراسة حالاتهم وشخصياتهم.. كما لا بد من جمع المعلومات المختلفة عن العناصر المؤثرة في جيشه.
كما أن ذلك يشير إلى ضرورة الإلمام بعلوم أخرى غير العلوم العسكرية مما له مساس بالحرب، وليعطي المزيد من القدرة على التنبؤ بما
يمكن أن يفكر فيه العدو، أو يخطط له..
ولا بد من طرح كافة الخِيارات، وبحث مختلف الإفتراضات، وكل ما هو معقول، أو غير معقول، مما يمكن أن يلجأ إليه العدو. فلا يتمكن العدو من أن يفاجئنا بأي إجراء أو تصرف، يجعلنا نتصرف معه من موقع العفوية، والإرتجال، أو الإنفعال..
العمليات الوقائية ومفاجأة العدو:
ثم إن هذه المبادرة من أمير المؤمنين "عليهالسلام " تؤذن بضرورة القيام بضربات وقائية، تهدف إلى إفشال المخططات المحتملة للعدو..
كما أنها تتضمن الإستفادة من عنصر المفاجأة الذي يصرف اهتمامات العدو إلى التفكير بحفظ نفسه، عوضاً عن وضع الخطط لمهاجمة غيره..
والعنصر الثالث: هو أن هذه الضربة كانت في مواقع العدو، التي يشعر فيه بالأمن، وحرية الحركة، وهذا يمثل ضربة روحية له تكسر من عنفوانه، وتطيح بكبريائه.. فإنه ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا(1) .
____________
1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص67 والكافي ج5 ص4 ودعائم الإسلام ج1 ص390 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص310 وج3 ص3 وكتاب سليم بن قيس ص213 والغارات للثقفي ج2 ص475 وشرح الأخبار ج2 ص75 والإرشاد للمفيد ج1 ص281 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص256 والمبسوط للسرخسي ج10 ص35 وعيون الحكم والمواعظ ص110 وبحار الأنوار ج29 ص465 وج34 ص64 و 138 ورياض السالكين ج1 ص560 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص9 والغدير ج11 ص17 ونهج السعادة ج2 ص561 و 571 وج5 ص313 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص74 و 84 وأحكام القرآن للجصاص ج3 ص206 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص292 والأخبار الطوال ص211 و 310 وشرح السير الكبير ج3 ص894 وأنساب الأشراف ص382 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص76 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص130 و (تحقيق الشيري) ج1 ص172.
قاتل العشرة هو علي (عليهالسلام ) :
إن شعر حسان الآنف الذكر يدل على: أن علياً "عليه الصلاة والسلام" هو الذي آب بالتسعة، وأنه قد قتل بعضهم، وآب بالبعض الآخر أحياء.
ولعل دور العشرة الذين أرسلهم رسول الله "صلىاللهعليهوآله " معه قد اقتصر على أمور ثانوية وهامشية في عملية أسر التسعة، أو قتلهم، وإن الدور المصيري والأهم إنما كان لأمير المؤمنين "عليهالسلام ".
ولأجل ذلك لا يصغى إلى ما ذكره الحلبي، من إرسال العشرة مع علي "عليهالسلام " كان لقتل التسعة فقتلوهم، وطرحوهم في بعض الآبار، قال
الحلبي: "..وفي هذا رد على بعض الرافضة حيث ادَّعى: أن علياً هو القاتل لأولئك العشرة"(1) .
علي (عليهالسلام ) فاتح بني النضير:
وكان من الطبيعي: أن يكون لهذه الضربة تأثير كبير على معنويات بني النضير، وأن يضج الرعب في قلوبهم. فإن تصدي رجل واحد من المسلمين لعشرة منهم، ثم قتل العشرة جميعاً، يؤذن بأن المسلمين قادرون على إبادتهم، واستئصال شأفتهم بسهولة ويسر.
وإذا كان يمكن اعتبار حرق الأشجار وقطعها تهديداً، وممارسة لمستوى من الضغط، قد يتم التراجع عنه، حين يؤول الأمر إلى مواجهة خيار سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، فإن هذا التراجع قد أصبح الآن غير محتمل على الإطلاق، بعد أن باشر المسلمون عملاً عسكرياً بهذا المستوى، وبهذه الشدة والصلابة والتصميم.
ولقد باشر هذا الأمر رجل هو أقرب الناس إلى رسول الله، وأعرفهم بنواياه وآرائه، وأشدهم اتباعاً له. رجل عرفوا بعض مواقفه المرعبة في بدر، وفي أحد.. وهو علي بن أبي طالب "عليه الصلاة والسلام".
إذاً.. وبعد أن تخلى عنهم حلفاؤهم، ولم يفِ لهم المنافقون بما وعدوهم
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص265 و (ط دار المعرفة) ج2 ص562 وأعيان الشيعة ج1 ص260 و 392.
به، فإنهم لم يبقَ لهم إلا هذه الأحجار التي يختبئوون خلفها كالفئران. ولكن إلى أي حد يمكن لهذه الحجارة أن تدفع عنهم، وكيف وأنى لهم برد هجوم الجيش الإسلامي عنها حين يصمم على تدميرها؟!
فقد جاءهم ما لم يكن بالحسبان،( فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) (1) و "كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير" كما تقدم في النص السابق.
هذا كله بالنسبة لبني النضير، وأما بالنسبة للمسلمين أنفسهم، فإن هذه الضربة الموفقة لا بد أن تقوي من معنوياتهم، وقد حصنتهم من أن الضعف والوهن لدى المواجهة الأولى مع عدو لا يرون سبيلاً إليه، ما دام بالحصون المنيعة، بالإضافة إلى إعتقاد الكثيرين أن لديه قدرات قتالية عالية.
ومما ذكرناه: يتضح معنى العبارة المنقولة عن النبي "صلىاللهعليهوآله " هنا، حينما سئل عن علي "عليهالسلام " حيث يقول: "أراه في بعض ما يصلح شأنكم".
فإن هذه العملية كان لها أثر كبير في إصلاح شأن المسلمين ـ كل المسلمين ـ وإفساد أمر أعدائهم، ودحرهم وكسر شوكتهم، حيث أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.
____________
1- الآية 2 من سورة الحشر.
قتل قائد المجموعة:
ونلاحظ أيضاً: أن الهدف العسكري الذي وضعه علي "عليهالسلام "، هو قتل قائد المجموعة بالذات.
وهذا العمل يعتبر نموذجياً، وناجحاً من الناحية العسكرية مائة في المائة، فإن حدوث فراغ على مستوى القيادة يزعزع كل الثوابت، ويفقد المجموعة بأسرها كل فاعليتها وحيويتها، وتتحول إلى ركام خاو، ورماد خامد وهامد.
أموال بني النضير:
إن أموال بني النضير كانت خالصة لرسول الله "صلىاللهعليهوآله "، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل قذف الله الرعب في قلوبهم، فرضوا بالجلاء عن منازلهم إلى، خيبر كما قال عمر بن الخطاب(1) .
____________
1- مسند أحمد ج1 ص25 وفتح القدير ج5 ص199 عن الصحيحين وغيرهما، ومسند أبي عوانة ج4 ص132 و 140 وصحيح البخاري ج3 ص128 و (ط دار الفكر) ج3 ص227 وج6 ص58 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص151 وسنن الترمذي ج3 ص131 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص335 والجامع لأحكـام القرآن ج8 ص14 وج18 ص11 وأحكـام القـرآن للجصـاص ج3 ص429 وفـتـوح = = البلدان ج1 ص20 و 34 والجامع الصحيح ج4 ص216 وسنن النسائي ج7 ص132 والتراتيب الإدارية ج1 ص393 وسنن أبي داود ج3 ص141 و (ط دار الفكر) ج2 ص22 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص296 ونيل الأوطار ج8 ص230 والخراج للقرشي ص34 والمغني لابن قدامة ج7 ص308 و 309 والتبيان ج9 ص561 و 562 ومختصر المزني ص148 وكتاب الأم للشافعي ج4 ص146 والشرح الكبير لابن قدامة ج10 ص548 وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج1 ص323 وبحار الأنوار ج29 ص348 وكتاب المسند للشافعي ص322 وشرح مسلم للنووي ج12 ص70 وفتح الباري ج6 ص69 و 143 وعمدة القاري ج14 ص185 وج19 ص224 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص46 وج5 ص377 وج6 ص484 ومسند أبي حنيفة ص258 ومعرفة السنن والآثار ج5 ص112 والتمهيد لابن عبد البر ج8 ص169 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص522 وأحكام القرآن لابن إدريس الشافعي ج1 ص154 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص91 وج6 ص61 وإمتاع الأسماع ج2 ص294 وج13 ص147 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص153 وراجع: أحكام القرآن لابن العربي ج4 ص1772 والدر المنثور ج6 ص192 عن بعض من تقدم، وعن ابن المنذر، والأموال ص14 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص123 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص208 والسيرة النبوية لدحلان ج1 ص262 و 263 والإكتفاء ج2 ص148 ومعجم البلدان ج5 ص290 ومدارك التنزيل مطبوع بهامش لباب التأويل ج4 ص247 لكن ليس في المصادر الثلاثة الأخيرة: أن القائل هو عمر.
هذا إن لم نقل إنها لعلي "عليهالسلام " وحده، لأنه هو الفاتح الرابح.. كما اتضح مما سبق.
وعلى هذا فإن أعطى النبي "صلىاللهعليهوآله " بعض أصحابه شيئاً من أموالهم، فإنما كان ذلك منه "صلىاللهعليهوآله " على سبيل التفضل والإحسان(1) ..
ولكن الهيئة الحاكمة بعد رسول الله "صلىاللهعليهوآله " اغتصبت هذه الأموال من أهلها.. وصار أهلها يطالبون بها.
وسنعالج هذا الموضوع إن شاء الله في موضع آخر من هذا الكتاب، حين نتحدث عن مصادرة أموال رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بعد وفاته من قبل الذين أبعدوا أمير المؤمنين "عليهالسلام " عن مقامه الذي جعله الله تعالى له، ونصبه فيه رسول الله "صلىاللهعليهوآله " يوم الغدير..
علي (عليهالسلام ) وعثمان في بني النضير:
وذكر العلامة الحلي "رحمهالله ": أن السدي روى أن قوله تعالى:( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ) (2) نزل في عثمان.
____________
1- راجع كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلىاللهعليهوآله " (الطبعة الخامسة) ج9 فصل: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء".
2- الآية 47 من سورة النور.
قال: لما فتح رسول الله "صلىاللهعليهوآله " بني النضير، فغنم أموالهم قال عثمان لعلي: ائت رسول الله فسله أرض كذا وكذا، فإن أعطاكها فأنا شريكك فيها، وآتيه أنا فأساله إياها، فإن أعطانيها، فأنت شريكي فيها.
فسأله عثمان أولاً، فأعطاه إياها، فقال علي أشركني.
فأبى عثمان، فقال: بيني وبينك رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
فأبى أن يخاصمه إلى النبي.
فقيل له: لم لا تنطلق معه إلى النبي؟!
فقال: هو ابن عمه، فأخاف أن يقضي له.
فنزل قوله تعالى:( وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ، وَإِن يَكُنْ لَـهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (1) .
فلما بلغ عثمان ما أنزل الله فيه أتى النبي "صلىاللهعليهوآله "، فأقر لعلي بالحق(2) .
____________
1- الآيات 48 ـ 50 من سورة النور.
2- نهج الحق ( مطبوع مع دلائل الصدق) ج3 ق1 ص203 و (ط دار الهجرة) ص305 والبرهان (تفسير) ج5 ص410 عن السدي، وبحار الأنوار ج31 ص238 و 239 ولا بأس بمراجعة ج22 ص98 والطرائف لابن طاووس ص493.
ونقول:
هنا أمور يحسن التوقف عندها، وهي التالية:
أولاً: إن السدي ليس من الشيعة، بل هو من قدماء مفسري علماء أهل السنة، وقد روى له أصحاب الصحاح باستثناء البخاري، وقد وثقه أحمد(1) .
وقال ابن حجر في التقريب: صدوق.
وقال العجلي: ثقة عالم بالتفسير، راوية له.
وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحداً يذكره إلا بخير، وما تركه أحد.
وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، صدوق(2) .
ثانياً: تضمن هذا الحديث جرأة عظيمة من عثمان على ساحة قدس رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، حين عبر عن خشيته من أن يكون لدى النبي "صلىاللهعليهوآله " هوى وعصبية تؤثر في قضائه، فيقضي بغير الحق؛ لصالح ابن عمه، مع أن الله تبارك وتعالى يأمر الأمة بالتسليم لرسول الله "صلىاللهعليهوآله " والبخوع لقضائه، فيقول:( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
____________
1- راجع: رجال الشيعة في أسانيد السنة للطبسي ص55 وتهذيب الكمال ج3 ص134 والكامل لابن عدي (ط دار الفكر) ج1 ص278.
2- راجع: الكامل لابن عدي (ط دار الفكر) ج1 ص278 وتهذيب الكمال ج3 ص137 رجال الشيعة في أسانيد السنة للطبسي ص55.
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مَمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (1) .
ويقول:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (2) .
هذا فضلاً عن قوله تعالى:( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (3) .
ثالثاً: إن عثمان هو الذي بادر إلى إعطاء العهد لعلي "عليهالسلام "، ثم كان هو الذي نقضه مع أن الله تعالى يقول:( وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) (4) .
رابعاً: إن الذي دعا عثمان إلى إبرام العهد أنّه أراد أن يحصل على تلك الأرض بكل صورة ممكنة، ولعله قدّر في نفسه أن رسول الله "صلىاللهعليهوآله " قد لا يعطيه إياها، ويترجح له أن يعطيها إلى ابن عمه من منطلق العصبية له.
فلما رأى عملياً أن الأمور تسير على خلاف تقديره، دفعه حب المال إلى جحد حق علي "عليهالسلام "، ونقض العهد الذي كان هو المقترح له،
____________
1- الآية 65 من سورة النساء.
2- الآية 56 من سورة الأحزاب.
3- الآيتان 3 ـ 4 من سورة النجم.
4- الآية 34 من سورة الإسراء.
والساعي لإبرامه بدافع من حب المال أيضاً.
خامساً: إنّ هذه الحادثة تشير أيضاً إلى: أن أراضي بني النضير كانت ممّا أفاءه الله على رسوله "صلىاللهعليهوآله "، فكانت خالصة له "صلىاللهعليهوآله "، ولا حق لأحد فيها، ولذلك كان "صلىاللهعليهوآله " يتصرف فيها كيف يشاء.
سادساً: إنّ هذه الحادثة بيّنت: أنّ غصب فدك لم يكن هو المرة الأولى في تاريخ العدوان على حقوق أهل البيت "عليهمالسلام " في حياة النبي "صلىاللهعليهوآله "، بل سبقتها هذه الحادثة أيضاً وسواها ما تدخل فيه الوحي الإلهي الذي حسم الأمر، فإنّهم غصبوا بعد وفاة النبي "صلىاللهعليهوآله " حق فاطمة "عليهاالسلام "، أراضي بني النضير أيضاً ، وكان عثمان نفسه من المساعدين على ذلك ولكن الوحي كان قد انقطع، ولم يعد يمكن استرداد الحق به، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
لعلها وقائع أخرى:
ويذكر في شأن نزول قوله تعالى في سورة النور:( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ، وَإِن يَكُن لهُمُ الحَقُ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (1) .
يذكر في شأن نزولها أيضاً، عدا رواية السدي المتقدمة ما يلي:
1 ـ عن أبي عبد الله: أنّها نزلت في علي وعثمان في منازعة كانت بينهما في حديقة، فقال أمير المؤمنين "عليهالسلام ": ترضى برسول الله "صلىاللهعليهوآله "؟!
فقال عبد الرحمن بن عوف له: لا تحاكمه إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، فإنّه يحكم له عليك، ولكن حاكمه إلى ابن شيبة اليهودي.
فقال عثمان لأمير المؤمنين "عليهالسلام ": لا أرضى إلّا بابن شيبة.
فقال ابن شيبة: تأتمنون رسول الله على وحي السماء، وتتهمونه في الأحكام!! فأنزل الله على رسوله:( وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ.. ) (2) .
2 ـ عن ابن عباس: لما قدم النبي "صلىاللهعليهوآله " المدينة أعطى علياً "عليهالسلام " وعثمان أرضاً، أعلاها لعثمان، وأسفلها لعلي "عليهالسلام ".
فعرض عليه علي "عليهالسلام " أن يبيعه، أو أن يشتري منه، فباعه عثمان، فقال له أصحابه: أي شيء صنعت؟ بعت أرضك من علي، وأنت لو
____________
1- الآيات 47 ـ 52 سورة النور.
2- البرهان (تفسير) ج5 ص408 ـ 409 وتفسير القمي ج2 ص83.
أمسكت عنه الماء ما أنبتت أرضه شيئاً، حتى يبيعك بحكمك.
فجاء عثمان لعلي "عليهالسلام "، فقال له: لا أجيز البيع.
فقال علي "عليهالسلام ": بعت ورضيت، وليس لك ذلك.
قال: فاجعل بيني وبينك رجلاً.
قال علي "عليهالسلام ": النبي "صلىاللهعليهوآله ".
فقال عثمان: هو ابن عمك. ولكن اجعل بيني وبينك رجلاً غيره.
فقال علي "عليهالسلام ": لا أحاكمك إلى غير النبي "صلىاللهعليهوآله "، والنبي شاهد علينا.
فأبى ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات(1) .
3 ـ عن أبي الجارود: إنّ هذه الآيات نزلت في رجل اشترى من علي "عليهالسلام " أرضاً، ثم ندم، وندّمه أصحابه، فقال لعلي "عليهالسلام ": لا حاجة لي فيها.
فقال له: قد اشتريت ورضيت، فانطلق أخاصمك إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
فقال له أصحابه: لا تخاصمه إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
فقال: انطلق أخاصمك إلى أبي بكر وعمر، أيهما شئت كان بيني وبينك.
____________
1- تأويل الآيات ج1 ص367 والبرهان (تفسير) ج5 ص409.
قال علي "عليهالسلام ": لا والله، ولكن رسول الله بيني وبينك، فلا أرضى بغيره.
فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآيات(1) .
4 ـ وعن البلخي: أن علياً "عليهالسلام " اشترى من عثمان أرضاً؛ فخرجت فيها أحجار، فأراد ردها بالعيب، فلم يأخذها.
فقال: بيني وبينك رسول الله "صلىاللهعليهوآله ".
فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمك إلى ابن عمه حكم له، فلا تحاكمه إليه.
فنزلت الآيات.
وهو المروي عن أبي جعفر "عليهالسلام "، أو قريب منه(2) .
5 ـ عن الضحاك: أن النزاع كان بين علي "عليهالسلام " والمغيرة بن وائل(3) .
ونلاحظ هنا الأمور التالية:
أولاً: تضمنت هذه الروايات ما يدل على تعدد وقائعها، ففي رواية البلخي ورد ذكر الحكم بن أبي العاص. وهو إنّما قدم المدينة بعد الفتح ثم لما
____________
1- تأويل الآيات ج1 ص367 والبرهان ج5 ص409 ـ 410.
2- مجمع البيان ج7 ص263 والبرهان ج5 ص410.
3- الميزان (طبعة 1427هـ) ج15 ص115عن روح المعاني.
ظهرت عداوته لرسول الله "صلىاللهعليهوآله "، وصار يجترئ عليه نفاه "صلىاللهعليهوآله " إلى الطائف.
ورواية ابن عباس ذكرت: أن نزول الآيات كان لما قدم الرسول "صلىاللهعليهوآله " المدينة، وإقطاعه أرضاً لعلي وعثمان، فإن كان المقصود بقوله: "لما قدم رسول الله"صلىاللهعليهوآله " المدينة أعطى": دلّ على أن ذلك قد حصل فور قدومه إليها ويكون الفاصل بينها وبين التي ذكر فيها الحكم بن أبي العاص حوالي ثمان سنوات.
ورواية السدي المتقدمة ذكرت: أن ذلك كان في غزوة بني النضير.
ثانياً: إن اختلاف الشخصيات التي وردت أسماؤها في هذه الروايات يشير هو الآخر إلى تعدد الواقعة، وإن كان الأمر قد لا يكون كذلك، أحياناً فإن التي ذكرت أبا بكر وعمر، لا تناقض التي ذكرت ابن شيبة اليهودي، أو كعب بن الأشراف، أو عبد الرحمن بن عوف في هذه الجهة، فقد يحدث كل ذلك في واقعة واحدة بصورة متعاقبة، في مجلس واحد، أو أكثر، ولكن ذلك لا يمنع من أي يكون هناك تناقض في جهات أخرى.
ككون المشتري للأرض تارة، هو علي، وتارة هو عثمان.
وكون طرف النزاع في مقابل علي "عليهالسلام " هو عثمان تارة، والمغيرة بن وائل أخرى.
ثالثاً: لا مانع من تعدد الواقعة، وتكرر نزول الآيات، ولذلك نظائر يذكرها الرواة والمفسرون.
ولا مانع من تكرر رفض بعض الناس رفع القضية المتنازع فيها إلى الرسول ليحكم فيها، ظناً منهم أن نزول الآية لن يتكرر، أو غفلةً منهم عن ذلك.
وكانوا ـ حتى المنافقون ـ يهتمون كثيراً لنزول آيات الذم فيهم وإفتضاح أمرهم، وفشل خططهم الماكرة وسرائرهم الخبيثة.. والتقريع لهم، حتى لو كانوا سيحصلون في مقابل ذلك على المال الذي يحبون، فقد قال تعالى:( يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ) (1) وقال تعالى:( يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ) (2) وقال:( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) (3) وآيات أخرى. أو لأجل أنهم يحسبون أن الأمر قد لا يبلغ إلى النبي "صلىاللهعليهوآله "، أو لأن إيمانهم بصحة النبوة كان ضعيفاً.
رابعاً: إن دخول علي "عليهالسلام " في هذه الشراكة مع عثمان أو مع غيره كان لحكمة بالغة، فقد انتهت بظهور البون الشاسع بين علي "عليهالسلام " في علمه، وتقواه، وتوقيره لرسول الله "صلىاللهعليهوآله "، ووقوفه عند حدود الله، وبين غيره، خصوصاً وأن الله تعالى هو الذي أظهر
____________
1- الآية 64 من سورة التوبة.
2- الآية 62 من سورة التوبة.
3- الآية 96 من سورة التوبة.
هذه الفوارق، وخلدها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.
خامساً: يمكن أن يكون بعض الرواة تلاعب في اسم من رفض التحاكم إلى رسول الله "صلىاللهعليهوآله "، للحفاظ على سمعة بعض الناس، والتشكيك بنسبة هذا الأمر الشنيع إليه، فإن عبد الرحمن بن عوف وعثمان كانا ممن يهم بعض الناس إبعاد أية شبهة عنهم.
الفهرس
الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليهالسلام ) 1
الفصل الخامس:5
الفصل السادس 44
الفصل السابع 74
الفصل الثامن 98
الباب الرابع 135
الفصل الأول 137
الفصل الثاني 161
الفصل الثالث 191
الفصل الرابع 225
الفصل الخامس 258
الفصل السادس 288
الفصل السابع 316
الفصل الثامن 334
الفهرس 364