الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الرابع

تأليف

السيد جعفر مرتضى العاملي



هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الرابع

السيد جعفر مرتضى العاملي


الباب الخامس :

حتى الحديبية..



الفصل الأول :

علي (عليه‌السلام ) في حرب الخندق..



موجز عن حرب الخندق:

وفي السنة الرابعة أو الخامسة كانت غزوة الخندق، وكان حامل لواء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيها علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).. وحين بلغ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خبر مسير قريش استعد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها، وحفر الخندق. فوافى المشركون، ونزلوا في الجهة الأخرى منه ، وكان المسلمون من جهة المدينة.

وكان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على العسكر كله بالليل يحرسهم، فان تحرك أحد من قريش نابذهم..

وقد حاول أكثر المسلمين النأي بانفسهم عن الحرب، حتى قيل: إنه لم يبق مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سوى اثني عشر رجلاً.. وقد تحدثت سورة الأحزاب عن هؤلاء الفارين..

وانتدب فوارس من المشركين، فأتوا مكاناً ضيقاً من الخندق، وأكرهوا خيلهم على عبوره، فعبره عكرمة بن أبي جهل، وعمر بن عبد ود، وضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن أبي وهب، وحسل بن عمرو بن عبد ود، ونوفل بن عبد الله المخزومي.

فخرج أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في نفر من المسلمين، حتى أخذوا


عليهم تلك الثغرة، وطلب عمرو بن عبد ود البراز، فلم يبرز إليه أحد من المسلمين، وخافوا خوفاً شديداً وكان يعد بألف فارس.

وانتدب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المسلمين لمبارزة عمرو، وضمن لهم الجنة، فلم يقم منهم أحد سوى علي (عليه‌السلام )، فلم يأذن له.

ثم كرر عمرو النداء، وأنشد بعض الأرجاز، وعيّر المسلمين المحجمين، فعاود علي طلبه من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يأذن له بمبارزته، فلم يأذن له أيضاً..

ثم أذن له في المرة الثالثة، وعممه، ودعا له، وقال: برز الإيمان كله إلى الشرك كله.. فبارز علي (عليه‌السلام )، عَمرواً، فقتله، وقتل ولده حسلاً، ونوفل بن عبد الله، وفر الباقون..

ثم ألقى الله في قلوب المشركين الرعب، وهربوا ليلاً، وكفى الله المؤمنين القتال (بعلي) (عليه‌السلام ). وحينئذ قال رسول الله: الآن نغزوهم ولا يغزوننا..

هدف الأحزاب قتل النبي وأهل البيت (عليهم‌السلام ):

تقول النصوص: بأن هدف الأحزاب من مهاجمتهم المدينة هو استئصال محمد ومن معه..

وقد ورد هذا في كلماتهم مباشرة حيث قال اليهود لهم: سنكون معكم عليه (أي على محمد) حتى نستأصله ومن معه(1) .

____________

1- راجع: المغازي للواقدي ج1 ص441 والثقات لابن حبان ج1 ص265 وعـون = = المعبود ج8 ص165 وجامع البيان ج21 ص156 وتفسير الثعلبي ج8 ص13 وتفسير البغوي ج3 ص509 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص233 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص108 وإمتاع الأسماع ج8 ص372 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص700 وعيون الأثر ج2 ص33 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص182 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص629.


غير أن من الواضح: أن هذا لم يكن بمقدورهم، لأن الذين مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أصبحوا يعدون بالمئات والألوف بما فيهم الأوس والخزرج، وكثير من قبائل العرب.. فاستئصالهم يكلف غالياً.. ولم يكن المشركون مستعدين لدفع اثمان كبيرة إلى هذا الحد، ولا سيما في الأرواح..

وهذا يدلنا على أن النص الأصح، والأقرب إلى الإعتبار هو ما روي عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) حيث قال: "إن قريشاً والعرب تجمعت، وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب(1) ..

وهذا هو الأسهل والأيسر لهم بزعمهم، وبه يشفون غليل صدورهم، ولكن هذا يدل على غباء قريش، وقصر نظرها، فقد رأت من المعجزات والكرامات، والتأييدات الإلهية لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ما يبهر

____________

1- الخصال ج2 ص368 وبحار الأنوار ج20 ص244 وج38 ص170 وشرح الأخبار ج1 ص287 والإختصاص ص166 و167 ومصباح البلاغة ج3 ص125 وحلية الأبرار ج2 ص363 وغاية المرام ج4 ص318.


العقول، ويحتم حصول اليقين بأنها إنما تحارب الله تبارك وتعالى، ولا يمكن أن يتوهم عاقل أنه قادر على تحقيق أي نصر في هذا الحال.. إلا إذا كان على جانب كبير من قلة العقل، وعمى البصيرة.

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والوصي (عليه‌السلام ) في حفر الخندق:

وقد صرح القمي: بأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان هو البادئ في حفر الخندق، فهو يقول: وأخذ معولاً، فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ينقل التراب من الحفرة، حتى عرق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعيي، وقال:

لا عيش إلا عيـش الآخـــرة

اللهم اغفر لـلأنصار والمهاجرة

فلما نظر الناس إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يحفر اجتهدوا في الحفر، ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر، وقعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مسجد الفتح(1) .

عناء علي (عليه‌السلام ) وشيعته:

قال القاضي النعمان: "وكان علي صلوات الله عليه وشيعته أكثر الناس عناء، وفيه عملاً. وكان في ذلك من الأخبار ما يطول ذكره"(2) .

____________

1- تفسير القمي ج2 ص177 و 178 وبحار الأنوار ج20 ص218 والصافي ج4 ص171 وج6 ص21 ونور الثقلين ج4 ص244.

2- شرح الأخبار ج1 ص292.


ونقول:

1 ـ ليس غريباً أن يشارك ويتشارك النبي والوصي، والقائد والوزير، في العمل في حفر الخندق، ولا يكتفيان بالأمر والنهي..

ولم يكن عملهما صورياً وشكلياً، بل كان معاناة حقيقية، وبذل جهد، ونصب وتعب إلى حد الإعياء..

وهذا يعطي درساً في ممارسة القيادة دورها، فإنها ليست هي القيادة التي نعتادها، بل هي قيادة النبوة الخاتمة، والإمامة العظمى، المتمثلتين بأكرم وأشرف وأفضل خلق الله..

2 ـ كما أن هذا القائد النبي، يحدد للناس الدوافع والغايات، ويضع نصب أعينهم الهدف الأقصى، وهو الآخرة، ليكون جهدهم هذا هو الذي يهيء لهم سبيل العيش الكريم في الآخرة.. ولذلك قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرة..

3 ـ إن هذا قد أثر في الناس، فاجتهدوا في الحفر، ونقل التراب، ودعاهم ذلك إلى التبكير في اليوم التالي إلى العمل.

4 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) وشيعته كانوا أعظم الناس عناء، وأكثرهم عملاً في حفر الخندق.. ولعل ذلك من أجل نيل شرف التأسي والمواساة للرسول وللوصي.. ومن منطلق التفاني في حب الله ورسوله، وأخيه ووصيه.

عثمان في مأزق:

روى الشيخ بإسناده يرفعه إلى جابر بن عبد الله، قال: كنت مع رسول


الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حفر الخندق، وقد حفر الناس وحفر علي (عليه‌السلام )، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "بأبي من يحفر وجبرائيل يكنس التراب بين يديه وميكائيل يعينه، ولم يكن يعين أحداً قبله من الخلق ".

ثم قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعثمان بن عفان: "إحفِر"، فغضب عثمان، وقال: لا يرضى محمد أن أسلمنا على يده حتى يأمرنا بالكدّ، فأنزل الله على نبيه:( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (1) ) (2) .

ورروى عليّ بن إبراهيم: قوله تعالى:( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) ، نزلت في عثمان يوم الخندق، وذلك أنه مرّ بعمّار بن ياسر وهو يحفر الخندق، وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثمان كمه على أنفه ومرّ، فقال عمّار:

لا يستـوي من يعمـر المسـاجـدا

يـظـلّ فيهـا راكـعـــاً وسـاجــدا

كـمـن يـمُرّ بالـغبــار حائـدا

يـعـرض عنـه جـاهِـداً مُـعـانـدا

فالتفت إليه عثمان، فقال: يا بن السوداء، إيّاي تعني؟

ثم أتى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال له: لم ندخل معك لتسبّ أعراضنا، فقال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "قد أقلتك إسلامك فاذهب".

فأنزل الله تعالى: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ

____________

1- الآية 17 من سورة الحجرات.

2- البرهان (تفسير) ج7 ص276 عن الشيخ في مصباح الأنوار.


بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي لستم صادقين ( إِنَّ اللَهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (1) .

ونقول:

قد دلت هذه الرواية على:

1 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يفدي علياً (عليه‌السلام ) بأبيه.. مع أن لآبائه من منازل الكرامة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله، وإن كانت لا تبلغ منزلة علي (عليه‌السلام )، وربما يكون عبد الله بن عبد المطلب من الأنبياء أيضاً كما دل عليه حديث: ما زال الله ينقلني من صلب نبي إلى صلب نبي حتى صرت نبياً، أو أخرجه نبياً، أو نحو ذلك(2) .

وعن أبي جعفر (عليه‌السلام ) في تفسير الآية قال: في أصلاب النبيين(3) .

أو قال: من صلب نبي إلى صلب نبي(4) .

أو قال: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح(5) .

____________

1- الآية 18 من سورة الحجرات. تفسير القمي ج2 ص297 عن مصباح الأنوار.

2- مجمع الزوائد ج7 ص86 وج 8 ص214 وتفسير السمعاني ج4 ص71 وتفسير ابن كثيرج3 ص365.

3- إختيار معرفة الرجال ج2 ص488.

4- معجم رجال الحديث ج18 ص132وبحار الأنوار ج16 ص374.

5- الصراط المستقيم ج1 ص 341.


ومثله عن الإمامين الباقر والصادق "عليهما‌السلام "(1) .

وروى البياضي عن الثعلبي في تفسير الآية: أن محمداً لم يلده إلا نبي أو وصي نبي أو مؤمن(2) .

2 ـ تقول الرواية: ان جبرائيل، وهو أفضل الملائكة وميكائيل، وله فضل عظيم فكان أحدهما يكنس التراب بين يديه والآخر يعينه. والملائكة هم قالوا حين خلق الله تعالى آدم، وجعله خليفة في الأرض( .. أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. ) (3) .

3 ـ إن ميكائيل لم يكن يعين أحداً من الخلق قبل علي (عليه‌السلام ). وهذه ميزة فريدة له (عليه‌السلام ).. أن يتقرب ميكائيل إلى الله، ويطلب رضاه بمعونته لعلي (عليه‌السلام ). ولو أن ميكائيل وجد أن ذلك يحصل له مع أحد من الخلق غير علي (عليه‌السلام ) لما تردد في معونته.

4 ـ إن النبي حين امر عثمان: بأن يحفر، لم يكن يريد الإساءة إليه، بل أراد الإحسان إليه لأنه يأمره بطاعة الله، والتقرب إليه، وطلب رضاه..

فلماذا أجاب عثمان بذلك الجواب الجافي، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!

5 ـ إن الشعر الذي ردّده عمار:

____________

1- بحار الأنوار ج65 ص 118.

2- بحار الأنوار ج 65 ص 118.

3- الآية 30 من سورة البقرة.


لا يستـوي من يعمـر المســـاجـداإلخ..

يروى أنه أنشده حين بناء المسجد، لا عند حفر الخندق. وإن كان لا شيء يمنع من تكرار الحادثة في المقامين..

6 ـ لم يكن هناك أي مبرر لأن يذكر عثمان دخوله في الدين، ويجعله سبباً لتعرضه للسّب، والأمر في السب وعدمه تابع لأسبابه ودوافعه، التي قد تكون شخصية، وقد لا تكون.. وقد تكون مبررة، وقد لا تكون.. قد تكون عدوانية، وقد تكون على سبيل رد الإعتداء.

فقد قال رجل من الخوارج عن علي (عليه‌السلام ): قاتله الله كافراً ما أفقهه!، فوثب القوم ليقتلوه، فقال (عليه‌السلام ): "رويداً، إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب"(1) .

7 ـ إن المؤمن الحقيقي يدخل في الدين لقناعته به، وطمعاً بالحصول على رضا الله تعالى.. وهو يضحي بأهله وماله وولده، ويتعرض لمختلف أنواع الأذي ولا يتراجع ولا يندم.. بل يزداد بصيرة وإصراراً وتصلباً في دينه.. فما معنى أن يكون اختلاف إنسان مع آخر محقاً أم مبطلاً سبباً في إظهار ندامته على الدخول في هذا الدين.. فإن الدين لا يقايض عليه بين الأشخاص.. ولا يوضع في سوق العرض والطلب، فيؤخذ تارة ويعطى أخرى..

____________

1- نهج البلاغة (الخطب): ج 4 ص 99.


علي (عليه‌السلام ) يروي لنا:

عن علي (عليه‌السلام )، قال: "كنا مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة، ومعها كسرة خبز، فدفعتها إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ما هذه الكسرة؟!

قالت: قرصاً خبزتها للحسن والحسين، جئتك منه بهذه الكسرة.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث(1) .

ونقول:

قد دلنا هذا الحديث على أمور عديدة، نذكر منها:

1 ـ إنه حين يروي أمير المؤمنين لنا أمراً ما، فلا بد أن يكون له أهمية بالغة، ودلالات هامة، يريد لنا أن نلتفت إليها ونقف عليها..

2 ـ إن ذلك يشير إلى إهتمام فاطمة الزهراء بأبيها، حتى إنها لتؤثره بكسرة من قرص خبزتها للحسن والحسين (عليه‌السلام )، الذين كان

____________

1- عيون أخبار الرضا ج2 ص40 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص43 وذخائر العقبى ص47 وبحار الأنوار ج16 ص225 وج20 ص245 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص133 وينابيع المودة ج2 ص136 وصحيفة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) (ط دار الأضواء) ص71 و 72 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص143 و 330 ومسند زيد بن علي ص461 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص286.


عمرهما في حدود سنة وأزيد منها بأشهر قليلة..

3 ـ إن جهره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن هذه الكسرة هي أول طعام دخل فمه منذ ثلاثة أيام يعطي أنه يريد أن يواسى أولي الحاجة من أصحابه، على قاعدة: هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي على تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، أو اكون كما قال القائل:

وحسبـك داء أن تـبـيـت ببطـنـة

وحـولـك أكبـاد تحـن إلى الـقــد

أأقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟!(1) .

لمن لواء المهاجرين؟!:

قالوا: كان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة(2) .

____________

1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص72 ومستدرك الوسائل ج16 ص301 وبحار الأنوار ج33 ص474 وج40 ص341 وجامع أحاديث الشيعة ج23 ص273 ونهج السعادة ج4 ص36 وشرح نهج البلاغـة للمعتزلي ج16 ص287.

2- إمتاع الأسماع ج1 ص230 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص371 ص170 وعيون الأثر ج2 ص37 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص67.


ونقول:

لماذا أهمل هؤلاء الإشارة إلى صاحب الراية العظمى، مع تصريحهم باسم حامل لواء المهاجرين، وبإسم حامل لواء الأنصار، مع أننا:

1 ـ قدمنا في حرب أحد أن علياً (عليه‌السلام ) كان صاحب لواء (وراية) النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بدر وفي كل مشهد.

2 ـ ورد في احتجاج الإمام الحسن المجتبى (عليه‌السلام ) على معاوية وابن العاص، والوليد الفاسق قوله: "ثم لقيكم يوم أحد، ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله، ومعك ومع أبيك راية الشرك"(1) .

3 ـ روى الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: "كانت راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع علي (عليه‌السلام ) في المواقف كلها: يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، ويوم الأحزاب، ويوم فتح مكة.

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلها، ويوم فتح مكة، وراية المهاجرين مع علي (عليه‌السلام )(2) .

وهذا يدل على أن قولهم: كانت راية المهاجرين يوم الأحزاب مع زيد

____________

1- كفاية الطالب ص336 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص289 والغدير ج10 ص168 عنه، وجمهرة الخطب ج2 ص23 وأعيان الشيعة ج1 ص574 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص212 وج26 ص541.

2- إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص191 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص374 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص72.


بن حارثة غير صحيح.

الغطرسة القرشية، والحكمة المحمدية:

وعن علي (عليه‌السلام ) قال: "فقدمت قريش، فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يدعوها إلى الله عز وجل، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى، ولا يزيدها ذلك إلا عتواً"(1) .

ونقول:

ليس غريباً على قريش هذا العتو، وهذه الغطرسة، ما دامت تقيس الأمور بمقاييس مادية، وترى القوة في أنفسها، والضعف في المسلمين، الذين جاءت لاستئصالهم، وإبادة خضرائهم، ولكن هذا العتو وتلك الغطرسة سرعان ما تلاشت، ليحل محلها الضعف والخنوع، والخيبة القاتلة، كما سنرى.

وليس غريباً أيضاً: أن نجد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومن موقع الشعور بالمسؤولية يعتمد الأسلوب الإنساني، ويستثير العاطفة الناشئة عن صلات القربى ولحمة النسب، والتي تكون لها هيمنة حقيقية على الإنسان، ولا بد أن تجتاح لمعاتها وهزاتها الجامحة كل كيانه، وكل وجوده. ثم هو

____________

1- الخصال ج2 ص68 باب السبعة، و (ط مركز النشر الإسلامي) ص368 وبحار الأنوار ج20 ص244 وج38 ص170 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص125 وحلية الأبرار ج2 ص363 وغاية المرام ج4 ص319.


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقرن ذلك بالدعوة إلى الله عز وجل، الذي هو مصدر الخير والقوة والبركات.

وحين لا تستجيب لداعي الرحم، ولا لداعي الله، وتصرّ على الإستجابة للهوى وللشيطان، فلا يبقى خيار سوى التصدي لها، وإسقاط هذا العنفوان الرديء والرذل، وتمريغ أنفها برغام الذلة والخزي والهوان.. وهكذا كان.

حراسة العسكر:

قال القمي: "كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل، وكان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على العسكر كله بالليل يحرسهم، فإن تحرك أحد من قريش نابذهم.

وكان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يجوز الخندق، ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائماً وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه..

ومسجد أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) هناك معروف، يأتيه من يعرفه، فيصلي فيه، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشابة(1) "(2) .

____________

1- غلوة نشاب: أي مقدار رمية سهم.

2- راجع: تفسير القمي ج2 ص186 وبحار الأنوار ج20 ص230 ومستدرك الوسائل ج10 ص200 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص274 والصافي ج4 ص178 وج6 ص28 ونور الثقلين ج4 ص254.


ونقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات هي التالية:

ضرورة الحراسة:

إن من البديهيات ضرورة الحذر من العدو المحارب، وحرمانه من فرصة تسديد ضربات هنا وهناك، من شأنها إرباك الجيش الإسلامي، أو إحداث ثغرات خطيرة فيه، وإلحاق الأذى بمعنوياته، وبثقته بقدارته، وطمأنينته إلى حسن تدبير القائمين على الأمور فيه.

ولم يكن يتولى الحراسة في حرب الخندق أشخاص عاديون، بل كان يتولاها قائد الجيش كله، وحامل لوائه وأميره الذي لم يكن فقط قادراً على اتخاذ القرار المناسب، ثم يأمر وينهى، بل كان يقرر ثم يباشر التنفيذ بنفسه، ثم هو في نفس الوقت لا يترك الفرصة تمر، ولا يمنح العدو أية قدرة على إتخاذ أي قرار آخر سوى الفرار، أو مواجهة الموت المحتم..

وكان لا بد لهذه الحراسة من أن تتواصل لتستغرق الزمان كله، لأن ذلك يعطي العدو الفرصة السانحة، ويجعل من الغفلة العارضة أو المنظمة منفذاً وسبباً لتضييع الجهد، وحمل النصر للعدو.

ولذلك كان لا بد من مواصلة الحراسة في الليل كله، لأن الليل هو وقت الهجعة اللذيذة، والغفلة القاهرة، لا سيما بعد أن يأخذ الملل والتعب مأخذهما.

والليل أيضاً هو الذي يمنح العدو الغطاء والوقاء، ويمكنه من تسديد ضرباته وفق ما يحلو له، وفي المكان الذي يختاره.


من أجل ذلك نقول:

إنها لا بد أن تكون حراسة غير خاضعة لحدود الزمان والمكان، فلا تستقر في نقاط بعينها، لأنها في هذه الحال تمنح العدو فرصة التخطيط لإختراقها، أو لتحاشيها..

كما أن إطلاقها هذا يضيع على العدو الإحساس بالأمن، في أي من حالاته، ويجعله يتوقع المفاجآت، فيشغله ذلك بالعمل على تحاشيها، والإهتمام بحفظ نفسه قبل أن يفكر بأي تحرك خارج هذا النطاق، حيث لا بد أن يتوقع أن يفاجأ بدوريات الحراسة في كل إتجاه..

رصد العدو قتالياً:

كما أن المهمة التي اضطلع بها علي (عليه‌السلام ) لم تقف عند حدود الحراسة، بل تعدت ذلك إلى الرصد الدقيق لتحركات العدو..

ولم يكن ذلك مجرد رصد يهتم بنقل مشاهداته إلى القيادة لكي تتخذ هي القرار، بل هو الذي يرصد، ثم يقرر، ثم يباشر التنفيذ..

والذي يتولى الرصد ليس إنساناً عادياً، بل هو قائد الجيش كله، الذي لن يجد معلومات أصح مما يحصل هو بنفسه عليه، ويراه بعينيه، ويسمعه بأذنيه.. ولن يحسن أحد تنفيذ ما يريده، ويرسم خطته أكثر منه، ولا يحتاج في المستجدات إلى انتظار القرار من أحد.. وهو أيضاً رصد دائم ومتواصل.

وكان الموضع الذي يستقر فيه لممارسة مهمته، موقعاً متقدماً جداً، قد لا يجرؤ على الوصول إليه أحد سواه.. وإن بلغه أحد، فلن يجرؤ على الإستقرار فيه طوال الليل.


مسجد في موضع صلاة علي (عليه‌السلام ):

وقد بقي المسجد في ذلك المكان الذي كان علي (عليه‌السلام ) يرصد ويصلي فيه طوال الليل ـ بقي ذلك الشاهد الصادق على هذه التضحيات الجسام من أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وقد صمد هذا المسجد عشرات أو مئات الأعوام.

ولكن هل تركته الفئة الوهابية، أم هدمته متذرعة بأعذار واهية، لممارساتها المتواصلة لمحو آثار الإسلام، حيث هدمت قبور أهل البيت، وأزالت المساجد، ومحت الآثار الدالة على جهاد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجهاد وصيه، والشاهدة على تضحيات الأخيار من أصحابه، والصفوة من أهل بيته؟!

وإذا كان لا يزال باقياً، فهل سيستمر بمرأى ومسمع منهم، ولا سيما إذا علموا أن لعلي (عليه‌السلام ) أي أثر فيه؟!

الراصد المصلي:

ويواجهنا هنا سؤال يقول:

ذكروا: أن علياً (عليه‌السلام ) أصاب رجله في غزوة أحد سهم صعب، فأمر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإخراجه منها حين اشتغال علي (عليه‌السلام ) بالصلاة، فأخرجوه من رجله، فقال بعد فراغه من الصلاة: إنه لم يلتفت لما جرى(1) .

____________

1- إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص602 عن المناقب المرتضوية الكشفي الحنفي ص364.


وفي نص آخر: كانوا إذا أرادوا إخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتى يصلي، فإذا اشتغل بالصلاة، وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك، فيقول لولده الحسن (عليه‌السلام ): إن هي إلا فعلتك يا حسن(1) .

وفي نص ثالث: أن الزهراء "عليها‌السلام " هي التي أشارت عليهم بذلك(2) .

وفي نص آخر: أن ذلك كان في حرب صفين، وأنهم أخرجوه حال سجوده(3) .

ولا مانع من أن تتكرر الواقعة، فإنه (عليه‌السلام ) قد خاض حروباً كثيرة، لعلها تعد بالعشرات، ولم يكن يجرؤ أحد على الإقتراب منه، فكان رشقه بالسهام هي الطريقة الممكنة لإلحاق الأذى به (عليه‌السلام )..

فلنا بعد هذا أن نسأل: كيف يمكن رصد حركة العدو من قبل من هو مشغول بالصلاة، إذا كان هذا هو حال الراصد في صلاته؟!

ونجيب:

أولاً: بأن الله تعالى قد أجاب عن ذلك في آية قرآنية مباركة، هي قوله

____________

1- إرشاد القلوب ص217 وحلية الأبرار ج2 ص179.

2- المحجة البيضاء ج1 ص397 و 398 وجامع السعادات ج3 ص263.

3- الحدائق الناضرة ج7 هامش ص242 وأسرار الشهادة (ط سنة 1319هـ) ص255.


تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) .

وقد جعل الله تبارك وتعالى حديث التصدق بالخاتم في حال الركوع مبرراً للإعلان عن أخطر منصب، وأجلّ مقام، يرتبط بمستقبل ومصير البشرية بأسرها، لا في جيل بعينه، وإنما في الأجيال المتعاقبة كلها إلى يوم القيامة..

مع أن هذا التصدق إنما حصل من نفس هذا الذي استخرجت السهام من جسده وهو يصلي، ولم يشعر بذلك..

ثانياً: إن هذا التصدق لا يتنافى مع تلك الصلاة، فإنهما معاً من سنخ واحد، فهما عيش مع الله، وتفكير بما يرضيه، فهو لم يفكر في الدنيا، ولا اهتم لزبارجها وبهارجها.. بل انصرف إلى عبادة الله..

ثالثاً: بل هو (عليه‌السلام ) قد مارسهما معاً في آن واحد، ومن الممكن توضيح ذلك بالإشارة إلى أن من يشرف على الجنة، فإنه يرى أشجارها، وأنهارها، وحورها، وقصورها بنظرة واحدة.

كما أن من يعيش في واحات الرضى والقرب الإلهي، فإنه يشعر ويحس ويرى، ويتفاعل مع كل ما تحويه تلك الواحات، فهو يسبح الله، ويبكي خوفاً منه، ويفرح بكونه في مقام الزلفى، ويرجو أن يحصل على المزيد من منازل الكرامة في آن واحد أيضاً.

____________

1- الآية 55 من سورة المائدة.


وهذا بالذات هو ما جرى حين التصدق بالخاتم في الصلاة، وكذلك حين كان (عليه‌السلام ) يصلي ويرصد حركة أعداء الله..

رابعاً: حتى لو أردنا أن نضع هذا الأمر في سياق الحسابات المفرطة في ماديتها، فنسلخها عن أبعادها الإيمانية، العميقة، فإن الناس العاديين قد يتمكنون من فعل ذلك، فإذا كان الراصد يصلي ركعتين مثلاً، ثم يجري معاينة للمحيط الذي يرصده، فإن رأى أنه لم يتغير شيء عاد إلى صلاته.. فإن التحرك المؤثر للعدو، يستغرق أكثر مما تستغرقه صلاة ركعة أو ركعتين، لأن الهدوء في الليل يفضح الأصوات، لمن يكون قريباً من مصدرها، مهما حاول من تصدر عنه أن يتستر عليها، وتحتاج لكي تختفي في ذلك الزمان الذي كان يعتمد في تحركاته الوسائل المغرقة في بدائيتها إلى المزيد من الوقت، حال الإنتقال من مكان إلى مكان.

فكيف إذا كانت تلك التحركات في مكان لا يتحاشى العدو وفيها من أحداث الأصوات، لأنه يظن نفسه بعيداً عن مواقع الرصد من الطرف الآخر..


الفصل الثاني :

عمرو في المواجهة.. نصوص.. وآثار



علي (عليه‌السلام ) يسد طريق الهرب:

وذُكر أنه لما عبر عمرو بن عبد ود ومن معه الخندق أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام )، بأن يمضي بمن خف معه ليأخذ الثغرة عليهم، وقال: "فمن قاتلكم عليها فاقتلوه"(1) .

فخرج (عليه‌السلام ) في نفر من المسلمين حتى أخذ الثغرة، وسلمها إليهم، فوقف عمرو، وطلب البراز(2) .

____________

1- شرح الأخبار ج1 ص294.

2- راجع المصادر التالية: مناقب آل أبي طالب ج1 ص198 والإرشاد للمفيد ص52 و (ط دار المفيد) ج1 ص98 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص207 و 203 والكامل في التاريخ ج2 ص181 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص239 ومجمع البيان ج8 ص342 وبحار الأنوار ج20 ص253 وتاريخ الخميس ج1 ص487 وعيون الأثر ج2 ص61 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص235 و (ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج3 ص708 وتهذيب سيرة ابن هشام ص193 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص437 والبدء والتاريخ ج4 ص218 وبهجة المحافل ج1 ص266 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص166 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص202 وتاريخ= = الإسلام للذهبي (المغازي) ص239 و (ط دار الكتاب العربي) ص290 وإعلام الورى (ط دار المعرفة) ص100 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص192 وشرح الأخبار ج1 ص294 والدرر لابن عبد البر ص174 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص134 وقصص الأنبياء للراوندي ص342 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص378 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص108 عن مختصر سيرة الرسول لابن عبد الوهاب الحنبلي الوهابي (ط المطبعة السلفية في القاهرة) ص 285.


وقد وصف علي (عليه‌السلام ) قريشاً: "..وفارسها وفارس العرب عمرو بن ود يهدر كالبعير المغتلم..

إلى أن قال: والعرب لا تعد لها فارساً غيره"(1) .

مبارزة علي (عليه‌السلام ) لعمرو:

ونذكر هنا طائفة من النصوص التي تصف ما جرى بين علي وعمرو بن عبد ود ومن معه. وقد آثرنا أن نستعيرها من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) ، فنقول:

____________

1- الخصال ج2 ص368 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص368 وبحار الأنوار ج20 ص244 وج38 ص170 والإختصاص ص167 وشرح الأخبار ج1 ص287 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص126 وحلية الأبرار ج2 ص363 وغاية المرام ج4 ص319.

2- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (الطبعة الخامسة) ج11 ص120 ـ 136.


ذكروا: أن عمرو بن عبد ود جعل يدعو للبراز وكان قد أعلم(1) ، لكي يرى مكانه.. وهو يعِّرض بالمسلمين.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على ما في الروايات: من لهذا الكلب؟!

فلم يقم إليه أحد.

فلما أكثر، قام علي (عليه‌السلام )، فقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأمره بالجلوس، انتظاراً منه ليتحرك غيره.

وأعاد عمرو النداء والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير، لمكان عمرو، والخوف منه وممن معه، ومن وراءه.

فقال عمرو: أيها الناس، إنكم تزعمون: أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار؟ أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة، أو يقدم عدواً له إلى النار؟.

فلم يقم إليه أحد.

فقام علي (عليه‌السلام ) مرة أخرى، فقال: أنا له يا رسول الله، فأمره بالجلوس.

فجال عمرو بفرسه مقبلاً مدبراً. وجاءت عظماء الأحزاب، ووقفت من وراء الخندق، ومدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو: أن أحداً لا يجيبه قال:

ولقد بححت من النداء

بجمعهم هل من مبارز

____________

1- أعلم: أي ميز نفسه بعلامة، لكي يراه الأقران، وهو يدلل على شجاعته، وأنه غير هائب من أحد.


طووقـفــت مـذ جبـن المـشجـع

مـوقــف القــرن المـنـاجـز

إنـي كذلــــك لــــم أزل

متســرعاً قـبــل الهـزاهـــز

إن الـشــجاعــة فــي الفـتى

والجـود مـــن خــيـــر الغرائز

فقام علي (عليه‌السلام )، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في مبارزته.

فلما طال نداء عمرو بالبراز، وتتابع قيام أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، قال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ادن مني يا علي.

فدنا منه، فقلده سيفه (ذا الفقار)، ونزع عمامته من رأسه، وعممه بها، وقال: امض لشأنك.

فلما انصرف، قال: اللهم أعنه عليه(1) .

____________

1- راجع المصادر التالية: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص63 و 64 والإرشاد للمفيد ص59 و 60 وعيون الأثر ج2 ص61 و (ط مؤسسة عز الدين ـ بيروت) ج2 ص39 وإعلام الورى ص194 و 195 والمغازي للواقدي ج2 ص470 و 471 وحبيب السير ج1 ص361 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص135 وبحار الأنوار ج39 ص4 و 5 وج41 ص88 و 89 وج20 ص225 ـ 228 و 203 و 205 و 254 ـ 256 وتفسير القمي ج2 ص181 ـ 185 وكشف الغمة ج1 ص204 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص6 و 7 والسيرة الحلبية ج2 ص319 و (ط دار المعرفة) ج2 ص641 وشجرة طوبى ج2 ص287 ـ 288 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص68 و إمتاع الأسماع ج1 ص236 وأعيان الشيعة ج1 ص264 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص377.


ولكن ابن شهرآشوب قال: إن عمرواً جعل يقول: هل من مبارز؟! والمسلمون يتجاوزون عنه.

فركز رمحه على خيمة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال: ابرز يا محمد.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟!

فنكل الناس عنه.

إلى أن قال: روي: أنه لما قتل عمرو أنشد علي (عليه‌السلام ):

ضربتـه بـالسيف فوق الهـامـة

بـضربة صارمـــة هــدامــة

أنـا علي صاحب الصمصــامة

وصـاحب الحوض لدى القيامة

أخـو رسول الله ذي العـلامــة

وقال إذ عـمـمـنـي عـمامــة

أنـت الـذي بـعـدي لـه الإمامة(1)

والمفارقة هنا أن علياً هو الذي يقتل عمرواً الذي نكل عنه أبو بكر الذي طلب الإمامة واستأثر بها لنفسه بالقوة والقهر..

وعن حذيفة قال: فألبسه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه بعمامته السحاب على رأسه تسعة أكوار، ثم قال: تقدم.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما ولى: اللهم احفظه من بين يديه،

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص135 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص324 وبحار الأنوار ج41 ص88.


ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه(1) .

ويضيف البعض: "أنه رفع عمامته، ورفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه، وقال: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحرث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب.( رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (2) "(3) .

____________

1- مجمع البيان ج8 ص343 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج3 ص132 وبحار الأنوار ج20 ص203 و 226 وشواهد التنزيل (ط سنة 1411 هـ.ق) ج2 ص11 وينابيع المودة ص95 و (ط دار الأسوة) ج1 ص284 وشرح الأخبار ج1 ص323 وشجرة طوبى ج2 ص288 وتفسير القمي ج2 ص183 وجوامع الجامع ج3 ص52 والصافي ج4 ص176 وج6 ص26 ونور الثقلين ج4 ص251 وتأويل الآيات ج2 ص451 وغاية المرام ج4 ص274 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص625 وج31 ص234.

2- الآية 89 من سورة الأنبياء.

3- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص61 وج 13 ص283 و 284 وكنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج1 ص297 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص137 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص6 وتاريخ الخميس ج1 ص487 والسيرة الحلبية ج2 ص319 وبحار الأنوار ج20 ص215 وج38 ص300 و 309 وج39 ص3 وكنز العمال ج12 ص219 وج10 ص290 و (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص623 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص221 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص62 = = ومستدركات علم رجال الحديث ج5 ص200 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص152 وفضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لابن عقدة ص79 والمناقب للخوارزمي ص144 وكشف الغمة ج1 ص300 وتأويل الآيات ج1 ص329 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص44 وج17 ص112 وج20 ص624 و 626 وج23 ص648 وج31 ص394.


وتصور لنا رواية عن علي (عليه‌السلام ) الحالة حين عبور الفرسان الخندق، فهو يقول: "وفارسها وفارس العرب يومئذٍ عمرو بن عبد ود، يهدر كالبعير المغتلم، يدعو إلى البراز، ويرتجز، ويخطر برمحه مرة، وبسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع فيه طامع، فأنهضني إليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعممني بيده، وأعطاني سيفه هذا ـ وضرب بيده إلى ذي الفقار ـ فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواك إشفاقاً عليَّ من ابن عبد ود، فقتله الله عز وجل بيدي، والعرب لا تعد لها فارساً غيره"(1) .

ونحن نشك في الفقرة التي تذكر أن نساء المدينة بواك على علي (عليه‌السلام ) حين خرج إلى عمرو.. فإن نساء المدينة لم يحضرن إلى ذلك المكان، إلا إن كان المقصود كل النساء اللواتي حضرن مع أزواجهن كما هو عادة كثير منهم.

____________

1- راجع: الخصال ج2 ص368 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص368 وبحار الأنوار ج20 ص244 وج38 ص170 والإختصاص ص166 و 167 وشرح الأخبار ج1 ص287 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص126 وحلية الأبرار ج2 ص363 وغاية المرام ج4 ص319.


ويذكر البعض: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "أدناه، وقبله، وعممه بعمامته، وخرج معه خطوات كالمودع له، القلق لحاله، المنتظر لما يكون منه. ثم لم يزل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رافعاً يديه إلى السماء، مستقبلاً لها بوجهه، والمسلمون صموت حوله، كأن على رؤوسهم الطير الخ.."(1) .

برز الإسلام كله إلى الشرك كله:

وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حينئذٍ: برز الإسلام أو الإيمان كله، إلى الشرك كله(2) .

فخرج له علي (عليه‌السلام ) وهو راجل، وعمرو فارساً، فسخر به

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص285 والعثمانية للجاحظ ص332 وغاية المرام ج4 ص272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص626.

2- راجع: كشف الغمة ج1 ص205 وإعلام الورى ص194 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص136 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص261 و 285 وج19 ص61 والطرائف لابن طاووس ص35 و 60 وكنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج1 ص297 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص137 ومجمع البيان ج8 ص343 وبحار الأنوار ج20 ص215 و 273 وج39 ص3 ونهج الحق ص217 وشجرة طوبى ج2 ص288 والعثمانية للجاحظ ص324 و 333 وتأويل الآيات ج2 ص451 وينابيع المودة ج1 ص281 و 284 وغاية المرام ج4 ص274 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص9 وج16 ص404 وج20 ص140 و 625 وج31 ص234.


عمرو، ودنا منه علي(1) ، ومعه جابر بن عبد الله الأنصاري "رحمه‌الله "، لينظر ما يكون منه ومن عمرو(2) .

وفي بعض الروايات: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لأصحابه: أيكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة؟! والجنة اعظم خطرا من السلطة، ومن المناصب الدنيوية والأموال وكل ما في الدنيا ولكنهم زهدوا بها.

فلم يجبه منهم أحد هيبة لعمرو، واستعظاماً لأمره. فقام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ثلاث مرات، والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يأمره بالجلوس(3) .

وحسب نص ابن إسحاق، وغيره من المؤرخين: خرج عمرو بن عبد ود، وهو مقنع بالحديد، فنادى: من يبارز؟!

فقام علي بن أبي طالب، فقال أنا (له) يا نبي الله.

____________

1- إمتاع الأسماع ج1 ص232 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص371.

2- راجع: الإرشاد للمفيد ص59 و 60 و (ط دار المفيد) ج1 ص100 و 101 وحبيب السير ج1 ص361 وكشف الغمة ج1 ص203 وإعلام الورى ص194 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص381 والدر النظيم ص164 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص70 وبحار الأنوار ج20 ص255 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 395.

3- كنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج1 ص297 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص137 وبحار الأنوار ج20 ص215.


فقال: إنه عمرو، إجلس.

ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟! فجعل يؤنبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟! أفلا تُبرزون إليَّ رجلاً؟!

فقام علي، فقال: أنا يا رسول الله.

فقال: إجلس.

ثم نادى الثالثة، فقال:

ولـقـد بـحـحــت مـن الـنــداء (... إلى آخر الأبيات)

قال: فقام علي (عليه‌السلام )، فقال: يا رسول الله، أنا له.

فقال: إنه عمرو.

فقال: وإن كان عمرواً.

فأذن له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:

لا تـعـجـلن فـقـد أتــاك

مجـيــب صـوتـك غير عـاجز

ذو نـيـــة وبـصــيـــرة

والـصـدق مـنـجــا كـل فـائز

عـلـيــك نـائـحـة الجـنـائز

عـلـيــك نـائـحـة الجـنـائز

مـن ضـربـة نـجـلاء يـبقى

ذكــرهــا عـنــد الهــزاهـز

وفي الديوان المنسوب لعلي (عليه‌السلام ) بيتان آخران هما:

ولـقــد دعــوت إلى الـبـراز

فـتـى يجـيـب إلــى المـبـارز

يـعـلـيـك أبـيـض صـارماً

كـالمـلـح حـتـفـاً لـلـمبارز

فقال له عمرو: من أنت؟!


قال: أنا علي.

قال: ابن عبد مناف؟!

قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك.

فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك.

فغضب، فنزل، وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي (عليه‌السلام ) مغضباً، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته، فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه.

وضربه علي (عليه‌السلام ) على حبل عاتقة فسقط، وثار العجاج، فسمع رسول الله التكبير، فعرفنا أن علياً قد قتله، فثم يقول علي:

أعلي تـقـتحم الفوارس هكذا

عنــي وعنهـم أخروا أصحابي

الأبيات.

إلى أن قال: وخرجت خيولهم منهزمة، حتى اقتحمت الخندق(1) .

____________

1- راجع المصادر التالية: البداية والنهاية ج4 ص106 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص121 عن البيهقي في دلائل النبوة، عن ابن إسحاق. وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص204 ومجمع البيان ج8 ص343 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص131 وبحار الأنوار ج20 ص203 وج25 ص203 و 204 و 239 وج 41= = ص89 مناقب آل أبي طالب ج3 ص135 و 136. وتاريخ الخميس ج1 ص486 و 487 وعيون الأثر ج1 ص61 و 62 و (ط مؤسسة عز الدين ـ بيروت) ج2 ص41 والروض الأنف ج3 ص27 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص438 و 439 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص78 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص104. وراجع أيضاً: السيرة النبوية لدحلان ج2 ص6 و 7 والسيرة الحلبية ج2 ص319 و 320 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص261 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص167 و 168 وديوان أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) ص67 والمستدرك للحاكم ج3 ص32 و 33 والمناقب للخوارزمي ص104 وراجع: ينابيع المودة ص95 و 96 وكنز الفوائد للكراجكي ص137.


الخصال الثلاث وقتل عمرو:

وقد ذكرت بعض النصوص زيادة على ما تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) عرض على عمرو خصلتين، وهما: الإسلام، فرفضه، أو النزال، فاعتذر بالخلة بينه وبين أبي طالب، أو بغير ذلك(1) .

____________

1- راجع عرض الخصلتين على عمرو، ثم قتل علي (عليه‌السلام ) له في المصادر التالية: الإرشاد للمفيد ص58 و (ط دار المفيد) ج1 ص98 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص198 و 202 والكامل في التاريخ ج2 ص181 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص239 و240 وشرح الأخبار ج1 ص295 و 323 والدر النظيم ص163 والبداية والنهاية ج4 ص105 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص120 وبحار الأنوار ج20 ص253 و 254 والسيرة النبوية لدحلان = = ج2 ص6 و 7 وبهجة المحافل وشرحه ج1 ص266 و 267 ونهاية الأرب ج17 ص173 و 174 وكنز العمال ج10 ص288 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص166 و 167 وعيون الأثر ج2 ص61 و (ط مؤسسة عز الدين) ج2 ص40 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص236 و (مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج3 ص 709 وتهذيب سيرة ابن هشام ص193 و 194 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص436 و 437 والسيرة الحلبية ج2 ص319 والمستدرك للحاكم ج3 ص32 وتفسير الثعلبي ج8 ص15 وتفسير البغوي ج3 ص513 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص341 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص203 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص78 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص290 ومطالب السؤول ص207 وكشف اليقين ص133 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص372 وج18 ص106 وج32 ص336 و 364.


لكن بعض الروايات ذكرت: أنه عرض عليه ثلاث خصال. وأنه (عليه‌السلام ) قال: يا عمرو، إنك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها.

قال: أجل.

قال علي: فإني أدعوك إلى: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتسلم لرب العالمين.

قال: يا ابن أخي، أخِّر عنى هذه.

قال: وأخرى، ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد صادقاً كنت أسعد


الناس به، وإن يك كاذباً كان الذي تريد.

وفي نص آخر: كفتهم ذؤبان العرب أمره.

قال: هذا ما لا تحدث به نساء قريش أبداً، وقد نذرت ما نذرت، وحرمت الدهن(1) .

قال: فالثالثة؟!

قال: البراز.

فضحك عمرو، وقال: إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحداً من العرب يرومني عليها، فمن أنت؟!

قال: أنا علي بن أبي طالب.

قال: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك.

فقال علي (عليه‌السلام ): لكني ـ والله ـ لا أكره أن أهريق دمك.

فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعقرها، وسل سيفه كأنه شعلة نار،

____________

1- زاد في نص القمي: ولا تنشد الشعراء في أشعارها: أنه جبن ورجع، وخذل قوماً رأَّسوه عليهم. راجع: تفسير القمي ج2 ص184 والصافي ج4 ص176 وج6 ص27 ونور الثقلين ج4 ص252. وعند المعتزلي: إذن تتحدث نساء قريش عني: أن غلاماً خدعني. راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص64 وبحار الأنوار ج39 ص6 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص374.


ثم أقبل نحو علي مغضباً، واستقبله علي بدرقته الخ...

أما المفيد وغيره، فقالوا: إن عمرواً قال لعلي (عليه‌السلام ): إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديماً.

وعند الواقدي قال: "فأنت غلام حدث، إنما أردت شيخي قريش: أبا بكر وعمر.

فقال علي (عليه‌السلام ): لكني أحب أن أقتلك، فانزل إن شئت، فأسف عمرو، ونزل، وضرب وجه فرسه حتى رجع" انتهى.

وعند آخرين: أنه عرقب فرسه، وضرب علياً (عليه‌السلام ) بالسيف، فاتقاه بدرقته، فقطها، فثبت السيف على رأسه.

وقال القمي وغيره: فقال له (عليه‌السلام ): أما كفاك أني بارزتك، وأنت فارس العرب، حتى استعنت علي بظهر؟!.

فالتفت عمرو إلى خلفه، فضربه على ساقيه، فقطعهما جميعاً.

وعبارة حذيفة هكذا: "وتسيف علي رجليه بالسيف من أسفل، فوقع على قفاه"(1) .

وتستمر رواية القمي فتقول: وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة، فنظروا، فإذا أمير المؤمنين

____________

1- راجع عبارة حذيفة في: مجمع البيان ج8 ص343 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص132 وبحار الأنوار ج20 ص204 وج 41 ص90 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص136 و 137 والميزان ج16 ص298.


(عليه‌السلام ) على صدره آخذ بلحيته، يريد أن يذبحه.

فذبحه، ثم أخذ رأسه، وأقبل إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم، وهو يقول والرأس بيده:

أنا علي وأنـا ابـن المـطلب

الموت خير للفتـى من الهرب

فقال له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا علي، ماكرته؟!.

قال: نعم يا رسول الله، الحرب خدعة.

وينقل المفيد عن جابر، ونقله غيره من دون تصريح باسم الراوي قوله: فثارت بينهما قترة، فما رأيتهما. فسمعت التكبير تحتها، فعلمت أن علياً (عليه‌السلام ) قد قتله.

فانكشف أصحابه، حتى طفرت خيولهم الخندق.

وتبادر أصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد الله الخ..(1) .

____________

1- راجع فيما تقدم بتفصيل أو إجمال المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج4 ص534 والإرشاد للمفيد ص59 و 60 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص204 و 203 وإعلام الورى ص194 و 195 وتفسير القمي ج2 ص181 ـ 185 وبحار الأنوار ج20 ص225 ـ 228 و 203 فما بعدها وص254 ـ 256 وج41 ص90 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص6 و 7 والسيرة الحلبية ج2 ص319 والمغازي للواقدي ج2 ص470 و471 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص63 و46 وبهجة المحافل = = وشرحه ج1 ص266 و 267 وحبيب السير ج1 ص361 وتاريخ ابن الوردي ج1 ص162 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص135.

وراجع المصادر التالية: شواهد التنزيل (ط سنة 1411 ه‍. ق) ج2 ص11 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص239 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص203 وتاريخ الخميس ج1 ص487 والبدء والتاريخ ج4 ص218 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص166 وشرح الأخبار ج1 ص295 و 296 وكنز العمال ج10 ص290 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص139.


وعند المعتزلي: ثارث الغبرة، وسمعوا التكبير من تحتها، فعلموا أن علياً قتل عمرواً، فكبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين(1) .

وروي: أن عمرواً جرح رأس علي (عليه‌السلام )، فجاء إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فشده، ونفث فيه، فبرئ وقال: أين أكون إذا خضب هذه من هذه؟!(2) .

وفي القاموس وغيره: كان علي ذا شجتين في قرني رأسه، إحداهما: من

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص284 والغدير ج7 ص212 والعثمانية للجاحظ ص332 وغاية المرام ج4 ص272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص626.

2- مناقب آل أبي طالب ج2 ص220 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص61 وبحار الأنوار ج38 ص299.


عمر بن عبد ود، والثانية: من ابن ملجم، ولذا يقال له: ذو القرنين(1) .

وعنه (عليه‌السلام ) أنه قال عن عمرو: "وضربني هذه الضربة. وأومأ بيده إلى هامته"(2) .

نص الحسكاني:

وقد ذكر لنا الحاكم الحسكاني بعض التفصيلات الهامة هنا، فقال:

"ثم ضرب وجه فرسه فأدبرت، ثم أقبل إلى علي (عليه‌السلام )، وكان رجلاً طويلاً، يدواى دبرة البعير وهو قائم.

وكان علي في تراب دق، لا يثبت قدماه عليه، فجعل علي ينكص إلى ورائه يطلب جلداً من الأرض يثبت قدمه، ويعلوه عمرو بالسيف. وكان في درع عمرو قصر، فلما تشاك بالضربة، تلقاها علي بالترس، فلحق ذباب السيف في

____________

1- تاريخ الخميس ج1 ص487 وتـاج العروس ج9 ص307 و (ط دار الفكر) ج18 ص447 والنهاية لابن الأثير ج4 ص52 و 51 والقاموس المحيط ج4 ص258 ولسان العرب ج13 ص332 و 333 والغارات للثقفي ج2 ص744 والكنى والألقاب ج2 ص257 وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص123 لتجد حديث: إنك لذو قرنيها. وكذا نوادر الأصول ص307.

2- الخصال ج2 ص368 و 369 وبحار الأنوار ج20 ص244 وج38 ص171 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص126 وشرح الأخبار ج1 ص288 والإختصاص للمفيد ص167 وحلية الأبرار ج2 ص364 وغاية المرام ج4 ص319.


رأس علي، حتى قطعت تسعة أكوار، حتى خط السيف في رأس علي.

وتسيف علي رجليه بالسيف من أسفل، فوقع على قفاه.

وثارث بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قتله والذي نفسي بيده.

فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو.

فكبر عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، قتله.

فحز علي رأسه، ثم أقبل يخطر في مشيته، فقال له رسول الله: يا علي، إن هذه مشية يكرهها الله عز وجل إلا في هذا الموضع الخ..(1) .

وفي نص آخر عند الحسكاني عن علي (عليه‌السلام ): أنه لما برز لعمرو دعا بدعاء علمه إياه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم بك أصول، وبك أجول، وبك أدرأ في نحره(2) .

لكن البعض يقول: "أتى برأسه وهو يتبختر في مشيته، فقال عمر: إلا ترى يا رسول الله إلى علي كيف يتيه في مشيته؟!

____________

1- شواهد التنزيل (ط سنة 1411 هـ. ق) ج2 ص11 و 12 ومجمع البيان ج8 ص243 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص132 وبحار الأنوار ج20 ص204.

2- شواهد التنزيل (ط سنة 1411 هـ. ق) ج2 ص13 وفضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لابن عقدة ص208.


فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إنها مشية لا يمقتها الله في هذا المقام"(1) .

نصوص أخرى:

وذكر نص آخر: أنه (عليه‌السلام ) احتز رأسه، وحمله، وألقاه بين يدي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي، ووجه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يتهلل، فقال: هذا النصر، أو قال: هذا أول النصر(2) .

وقال له أبو بكر: المهاجرون والأنصار رهين شكرك ما بقوا(3) .

وقالوا: إن علياً (عليه‌السلام ) ضرب عمرواً على حبل العاتق فسقط

____________

1- كنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج1 ص297 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص137 وبحار الأنوار ج20 ص216 وشجرة طوبى ج2 ص289.

2- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص62 والإرشاد للمفيد ص61 و (ط دار المفيد) ج1 ص104 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص205 ومجمع البيان ج8 ص344 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص133 وبحار الأنوار ج20 ص206 و 258 وج39 ص4 وج41 ص91 وحبيب السير ج1 ص362 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 396 والدر النظيم ص165 ورسائل المرتضى ج4 ص119 و 123.

3- مناقب آل طالب ج3 ص138 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص326 وبحار الأنوار ج41 ص91.


وثار العجاج.

وقيل: طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فسقط وسمع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التكبير، فعرف أن علياً قتله(1) .

وحكى البيهقي عن ابن إسحاق: أن علياً طعنه في ترقوته(2) .

وقالوا أيضاً: أنه حين قتل علي عمرواً ومن معه "انصرف إلى مقامه الأول، وقد كادت نفوس القوم الذين خرجوا معه إلى الخندق تطير جزعاً"(3) .

وقال علي (عليه‌السلام ) في المناسبة أبياتاً نذكرها، ونضم ما ذكروه بعضه إلى بعض، وهي:

____________

1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج4 ص378 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص79 والمناقب للخوارزمي ص169 وعيون الأثر ج2 ص41 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص366 وخاتم النبيين ج2 ص937.

2- البداية والنهاية ج4 ص107 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص122 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 وبحار الأنوار ج20 ص205 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص575 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص133 والميزان ج16 ص298 وتفسير الآلوسي ج21 ص156 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص205.

3- راجع: الإرشاد للمفيد ص60 و (ط دار المفيد) ج1 ص99 وبحار الأنوار ج20 ص254 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 394 و 396 وكشف الغمة ج1 ص203.


أعلي تـقـتـحـم الـفـوارس هكـذا

عـنـي وعـنـهم أخرجوا أصحابي

الـيـوم تمـنـعـنـي الفرار حفيظتـي

ومـصـمـم فـي الرأس ليس بناب

آلى ابن ود حيــن شد ألــيـــة

وحـلـفـت فاستمعوا إلى الكذاب

أن لا أصد ولا يـولي والتقـــى

رجلان يضطربان كـل ضراب

عـرف ابن عبد حين أبصر صارماً

يـهـتـز أن الأمـر غــيـر لـعاب

أرديـت عـمـرواً إذ طغى بمهنـد

صـافي الحـديـد مجـرب قضـاب

نـصـر الحـجـارة مـن سفاهة رأيه

ونـصـرت رب محـمـد بـصـواب

فـصـدرت حـيـن تركته متجدلاً

كـالجـذع بـين دكــادك وروابي

وعففت عـن أثـوابـه ولـو أنني

كـنـت المـقـطـر بـزني أثــوابي

لا تحـسـبـن الله خــاذل ديـنـه

ونـبـيـه يـا مـعـشـر الأحزاب(1)

____________

1- هذه الأبيات توجد موزعة ومجتمة في مصادر كثيرة، لكن رواية السهيلي لها تختلف جزئياً عما ذكرناه هنا، ومهما يكن من أمر، فإن ما ذكرناه مذكور كله أو بعضه في المصادر التالية وغيرها: سبل الهدى والرشاد ج4 ص534 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص236 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص199 والمستدرك للحاكم ج3 ص33 والبداية والنهاية ج4 ص105 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص122 والإرشاد للمفيد ص59 و 61 و و (ط دار المفيد) ج1 ص104 وإعلام الورى (ط دار المعرفة) ص100 و 101 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص203 و 205 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص239 وراجع: مجمع = = البيان ج8 ص343 و 344 وبحار الأنوار ج41 ص91 وج20 ص205 و 206 و 254 و 257 و 264 و 65 وعن الديوان المنسوب لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ص23 وعيون الأثر ج2 ص61 والبدء والتاريخ ج4 ص218 وحبيب السير ج1 ص362 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص168 و 169 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص137 و 138 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص326 وشرح الأخبار ج1 ص296 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج1 ص324 وكنز الفوائد للكراجكي 137 و 138 ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص68 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص79 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص366.


قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي (عليه‌السلام )(1) .

وستأتي لنا: وقفة مع ابن هشام فيما يرتبط بكلامه هذا.

وخرجت خيولهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق.

قال ابن هشام وغيره: وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذٍ، وهو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت في ذلك:

فــرَّ وألــقــى لـنـا رمحــه

لـعـلـك عـكــرم لم تـفـعــل

وولـيـت تـعـدو كعدو الظليم

مـا إن تجــور عــن المـعــدل

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج4 ص379 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص236 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص709 والبداية والنهاية ج4 ص105 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص121 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص203.


ولـم تـلـق ظـهـرك مستأنساً

كـأن قـفـاك قــفــا فرعل(1)

وحول مبارزة علي لعمرو، وقتله على يده، راجع المصادر الموجودة في الهامش(2) ، وبعضها قد صرح: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد رد علياً

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج4 ص379 وراجع: خاتم النبيين ج2 ص938 ونهاية الأرب ج17 ص174 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص237 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص709 وتهذيب سيرة ابن هشام ص194 وراجع: البداية والنهاية ج4 ص106 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص121 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 وبهجة المحافل ج1 ص266. والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص203 و 205 وشرح الأخبار ج1 ص296 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص134.

2- راجع فيما عدا المصادر التي تقدمت في الهوامش السابقة ما يلي: مرآة الجنان ج1 ص10 وزاد المعاد ج2 ص118 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص150 والوفاء ج2 ص693 وإمتاع الأسماع ج1 ص232 وأنساب الأشراف ج1 ص345 والمواهب اللدنية ج1 ص113 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص50 وبهجة المحافل ج1 ص266 و 267 وراجع: إعلام الورى (ط دار المعرفة) ص100 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق 2 ص30 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص239 وتجارب الأمم ج2 ص153 والأوائل للعسكري ج2 ص223 والطرائف ص60 وبحار الأنوار ج39 ص1 عنه.


(عليه‌السلام ) مرتين، وأجازه في الثالثة(1) .

وقد ذكر رجز عمرو في طلب البراز، وجواب علي له برجز على نفس الوزن والقافية في كثير من المصادر أيضاً(2) .

____________

1- خاتم النبيين ج2 ص937 وينابع المودة ص94 و 136 وشواهد التنزيل (ط سنة 1411 هـ.ق) ج2 ص10 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص641 وبحار الأنوار ج20 ص203 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص131 والميزان ج16 ص297 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 230 و 395 وعيون الأثر ج2 ص41 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص118 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص104 و 107 وج30 ص148.

2- راجع بالإضافة المصادر المتقدمة ما يلي: كشف الغمة ج1 ص197 و 198 وتفسير القمي ج2 ص183 وعن ديوان أمير المؤمنين ص67 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص291 وج19 ص63 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص533 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص167 و 168 والسيرة الحلبية ج2 ص318 و 319 ورسائل المرتضى ج4 ص118 وشرح الأخبار ج1 ص323 والإرشاد (ط دارالمفيد) ج1 ص100 وكنز الفوائد ص137 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص324 وبحار الأنوار ج20 ص203 و 215 و 225 و 255 وج39 ص5 وج41 ص89 وشجرة طوبى ج2 ص288 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص452 والصافي ج4 ص175 وج6 ص26 ونور الثقلين ج4 ص250 وتاريخ مدينـة دمشق ج42 ص79 والبـدايـة والنهايـة ج4 ص106 = = و(ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص121 ومطالب السؤول ص206 وعيون الأثر ج2 ص41 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص339.


يقول أهلكت مالاً لبداً:

وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر في قوله:( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ) (1) ، قال:

هو عمرو بن عبد ود، حين عرض عليه علي بن أبي طالب الإسلام يوم الخندق، وقال: فأين ما أنفقت فيكم مالاً لبداً؟! وكان قد أنفق مالاً في الصد عن سبيل الله، فقتله علي(2) .

ولم نجد هذه الرواية إلا في تفسير القمي، فليلاحظ ذلك.

ونقول:

هنا وقفات عديدة، نذكر منها ما يلي:

____________

1- الآية 6 من سورة البلد.

2- تفسير القمي ج2 ص422 وبحار الأنوار ج9 ص251 وج20 ص242 والأصفى ج2 ص1444 والصافي ج5 ص330 وج7 ص483 ونور الثقلين ج5 ص580.


الفصل الثالث :

قتل عمرو..



أخذ الثغرة على الفرسان:

إن أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً بأن يأخذ الثغرة على الفرسان يشير إلى عدة أمور:

أحدها: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أمر علياً (عليه‌السلام ) بأن يأخذ الثغرة، رغم الخطر الذي يمثله وجود فارس العرب، وفرسان آخرين معه، يرون أن هذا الإجراء يعنيهم،

فدلنا ذلك على ثقة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقدرة علي (عليه‌السلام ) على تحقيق المطلوب، وعلى أن الذين كانوا مع علي (عليه‌السلام ) لم يكن لهم دور يذكر في أخذ تلك الثغرة، بل دورهم كان في حفظها، بعد أن يأخذها علي (عليه‌السلام ) لهم، ويمكنهم منها..

الثاني: لعله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يخشى أن يوجه الخطاب للمجموعة كلها، فيظهر بعضها التردد، فيكون ذلك سبباً في زيادة رعب المسلمين، وظهور الفشل فيهم، وطمع عدوهم بهم.

الثالث: إن أخذ الثغرة من شأنه أن يجعل الفرسان الذين عبروا إلى جهة المسلمين محاصرين وغير آمنين، لا من جهة المسلمين، ولا من الجهة الأخرى التي عبروا منها..


الرابع: إن ذلك يمنع من وصول المدد إليهم، أو يؤخره، فلا يصلهم إلا بعد فوات الأوان، أو أنه يعرقل تقهقرهم لو احتاجوا إلى ذلك، فيتمكن المسلمون منهم.. وذلك من موجبات قلقهم، وإرباك حركتهم، وتحديد وتضييق مجال عملهم..

الخامس: إن المسلمين الذين يحرسون الثغرة، بعضهم ما كان يجرؤ على الوصول إلى ذلك الموقع، والوقوف فيه لولا شعوره بقدر من الطمأنينة بسبب وجود علي (عليه‌السلام ) معهم، وعلمهم بأنه سوف ينجدهم لو تعرضوا لأي خطر، فإلى علي (عليه‌السلام ) استندوا، وعلى مبادرته لحمايتهم ونجدتهم اعتمدوا.

السادس: إنه لا محل للسؤال عن دور الذين أخذوا الثغرة في منع من هرب من الهرب، فإن الهرب خفيف المؤنة، فإنه يخيفه بسيفه، ثم يزيغ عنه. ولا مجال للحاق به، لأن ذلك معناه: التصادم المباشر مع جيش الأحزاب كله..

عمرو شيخ كبير!!:

زعموا: أن عمرواً بن عبد ود كان قد بلغ تسعين سنة، وقد حرم الدهن حتى يثأر بمحمد وأصحابه، وذلك أنه في بدر قد أثبتته الجراحة، وارتث فلم يشهد أحداً(1) .

____________

1- راجع المصادر التالية، فقد تعرضت لذلك كله أو بعضه: إمتاع الأسماع ج1 ص232 والسيرة الحلبية ج2 ص218 و (ط دار المعرفة) ج2 ص641 وسبل الهـدى والرشـاد ج4 ص378 والكامـل في التـاريخ ج2 ص181 والمغـازي = = للواقدي ج2 ص470 وتاريخ الخميس ج1 ص486 وعيون الأثر ج2 ص61 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص437 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص6 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص62 و63 وج15 ص85 و86 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص202 و 203 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص239 ووفاء الوفاء ص693 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق 2 ص30 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص370.


وإذا صح هذا فلماذا نكل كبار الصحابة عن مبارزته..

وهذه مبالغة في مقدار عمره، لعلها بهدف التقليل من شأن عمرو، وأن قتله ليس بذلك الإنجاز المهم، لأنه كان قد شاخ وضعف..

وهو كلام باطل، فإن وصف علي (عليه‌السلام ) له بأنه فارس العرب يومئذٍ، ولا تعد العرب لها فارساً غيره، ثم جبن المسلمين عن مواجهته ـ وهم يعدون بالمئات، وكذلك ما قاله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حق قاتله كل ذلك يدل على مكانة عمرو في ساحات الحرب..

علي (عليه‌السلام ) غلام حدث:

وفي رواية: أن عمرو بن عبد ود قال لعلي (عليه‌السلام ): "إذن تتحدث نساء قريش أن غلاماً خدعني"(1) ..

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص64 وبحار الأنوار ج39 ص6 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص374.


ووصفه في رواية الواقدي: بأنه (عليه‌السلام ) حدث(1) .

ونقول:

أولاً: إن كلمة "غلام" وإن كانت تطلق على الشيخ الكبير، وعلى الفتى الناشيء، ولكن المقصود هنا هو القول بأن علياً كان غلاماً صغيراً بنظر الناس، يأنف الرجال الكبار أن يقال: إنهم خدعوا منه، أو من أمثاله.. ويؤيده: إضافة إلى الواقدي لكلمة "حدث"!!

وهذا كلام غير دقيق، فإن علياً (عليه‌السلام ) كان قد بلغ السابعة أو الثامنة والعشرين عاماً.. فهو رجل كامل الرجولة، لا يأنف أحد من منازلته.

إلا إذا فرض: أن عمرواً كان يريد أن يوجه إهانة متعمدة لعلي (عليه‌السلام ) في هذا الموقف.

ثانياً: إذا صحت هذه الرواية، فإن أنفة عمرو من أن تتحدث نساء قريش بهذا الأمر، ليست بذات قيمة، فإن المعيار يجب أن يكون هو العدل، والإنصاف، وللإنقياد لحكم العقل وقضاء الفطرة، وفوق ذلك كله طلب رضا الله تبارك وتعالى، لا حديث النساء، اللواتي كان عمرو وأشباهه من أهل الجاهلية يحتقرونهن، ويظلمونهن، بل كانوا يئدونهن في التراب، وهن أحياء.. ويصفونهن بالنقص، والمهانة، ولا يعتدون برأيهن.

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص471.


شيخا قريش:

وتقدم في رواية الواقدي قول عمرو بن عبد ود لعلي (عليه‌السلام ): "فأنت غلام حدث، إنما أردت شيخي قريش: أبا بكر وعمر"(1) .

ونقول:

أولاً: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يكن حدثاً كما تقدم، كما أن أبا بكر وعمر لم يكونا شيخي قريش، لا يوم الخندق، ولا قبله في أي يوم من الأيام، فلماذا يعطيهما سمة ليست فيهما؟!

وقد أوردنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنهما من أقل وأذل حي في قريش. فراجع.

ثانياً: إنه إذا كان المقصود: أنهما شيخا قريش من حيث الفروسية، والبطولة.. أو من حيث إن قتلهما سوف يفت في أعضاد المسلمين، وتنكسر بذلك شوكتهم، ويختل أمرهم.. فهو غير ظاهر الوجه.. لأنهما لم يكونا معروفين بالفروسية والشجاعة والإقدام، ولم يظهر لهما أي أثر في ذلك، لا في بدر، ولا في أحد، بل إن فرارهما في أحد، وعزوفهما عن مبارزة عمرو، مع أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ضمن الجنة أو الإمامة لمن يبرز إليه قد أظهر أنهما على خلاف ذلك..

والذي كان له الأثر العظيم في الحروب هو علي (عليه‌السلام )، وقد شاهد عمرو نفسه بعض آثاره (عليه‌السلام ) في بدر، وسمع عما فعله في أحد.

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص471.


كما أن قتل أبي بكر وعمر لا يغير شيئاً، ولا يفيد عمروا فيما يرمي إليه، إذ أنهما ليسا بأعظم من عبيدة بن الحارث بن المطلب، ولا من حمزة بن عبد المطلب.. ومع ذلك لم يوجب إستشهادهما إنكسار جيش المسلمين، ولا إختلال أمرهم، ولا إنكسار شوكتهم..

بل لقد رأينا لأبي بكر موقفاً من أسرى بدر، لا تذمه قريش.. كما أن لخالد بن الوليد وضرار بن الخطاب الفهري موقفاً من عمر بن الخطاب العدوي، لا يذمهما عليه عمر(1) .

من يبرز لعمرو فله الإمامة:

وتقدم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: "من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي"..

فقد دلت هذه الكلمة على أمور، وهي:

ألف: الأخبار عن فشل المشركين في معركتهم، لأن الإسلام سيبقى إلى ما بعد إستشهاد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وإن الإمامة ستكون من بعده..

والمقصود بالإمامة: هو معناها الشرعي الحقيقي، لأنه هو الذي يجعله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهذا أو لذاك من بعده. وهذا الجعل النبوي لا يعني التخلي عما جرى في يوم إنذار عشيرته الأقربين، بل هو يؤكده، لأنه

____________

1- راجع غزوة بدر وأحد في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).


كان يعرف أصحابه، ويعرف أن الإمام الحقيقي هو الذي يضحي بنفسه إلى هذا الحد.

ب: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعط الإمامة لمن يقتل عمرو، فلعل الكثيرين يرون أنفسهم عاجزين عن قتله لفروسته وشدته.. بل جعلها لمن يقوم لمبارزته..

ج: إنها إخباراً بأن مبارز عمرو لن يصاب بأذى.

د: تضمنت الأخبار عن بقاء مبارزه على قيد الحياة إلى ما بعد إستشهاد الرسول(صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وضمان الجنة للمبارز لا تعني استشهاده، إذ إن نفس المبارزة هي التي تجعله مستحقاً للجنة.

والقول: بأن مبارزة علي (عليه‌السلام ) لعمرو لا تدل على شجاعته، لأنها اقترنت بإخبار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للمبارز بالبقاء حياً لا ينفع قائله.. إذ لماذا لم يبرز له غير علي (عليه‌السلام ) مع علمهم بالبقاء، فإن الأخبار بالبقاء لا يختص بعلي (عليه‌السلام ) لكن نفس يقين علي (عليه‌السلام ) بصحة وقوع ما يخبر به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وشكهم في ذلك كان من أعظم فضائله (عليه‌السلام ).

على أننا قد ذكرنا في حديث إنذار العشيرة ما يفيد في دفع هذا التوهم.. فلا بأس بمراجعته.

هـ: إننا نعلم إن للإمامة مؤهلات وشروطاً، ومنها العلم والعصمة والشجاعة... فكيف أنيطت هنا بمجرد القيام لمبارزة شخص ما من الناس.. مع أن قد يقوم إليه من لا يملك شيئاً من ذلك.


ويجاب:

بأن إطلاق هذه الكلمة في مثل هذا الحال، يشير إلى أنه الله سبحانه قد أطلع نبيه على غيبه، وأنه لن يقوم لمبارزة ذلك الرجل إلا من إختاره الله تعالى للأمامة، ويكون هذا الإعلان مستبطن للنص على صاحب الحق، وكاشفاً عنه وعن إختيار الله تعالى له..

و: لا ندري لماذا نكل أبو بكر وعمر عن مبارزة عمرو ألم يكفهما هذا الضمان من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لسلامتهما لو بارزا عمرواً ولماذا لم يثقا بالله ورسوله ولم يتيقنا بصدق هذا الوعد القاطع.

ز: إن هذا لا يتنافى مع قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من يبرز لعمرو وأضمن له على الله الجنة، إذ يمكن أن يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد قال الكلمتين معاً..

هل جرح علي (عليه‌السلام )؟!:

زعمت بعض الروايات المتقدمة: أن علياً (عليه‌السلام ) جرح بسيف عمرو، وكان (عليه‌السلام ) ذا شجتين في رأسه:

إحداهما: من عمرو.

والأخرى: من ابن ملجم، فهو ذو قرنيها كما ورد في الرواية.. فإن البلاذري يقول: ويقال: إن علياً لم يجرح قط(1) .

____________

1- راجع: أنساب الأشراف ج1 ص345 وسبل الهـدى والرشـاد ج4 ص378 = = وأعيان الشيعة ج1 ص498 وصفين للمنقري ص363.


ونحن لا نوافق البلاذري على مدعاه، فقد جرح (عليه‌السلام ) في أحد جراحات كثيرة، بل ورد أنهم كانوا يسلون السهام من جسده حين كان يدخل في الصلاة، لأنه لا يشعر بالألم في حال الصلاة(1) .

بين علي (عليه‌السلام ) وعمرو:

ذكر الحاكم الحسكاني: أن علياً (عليه‌السلام ) حينما برز لعمرو، وكان عمرو طويلاً: "جاء حتى وقف على عمرو، فقال: من أنت؟!.

فقال عمرو: ما ظننت أني أقف موقفاً أُجهل فيه، أنا عمرو بن عبد ود، فمن أنت؟!

قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال: الغلام الذي كنت أراك في حجر أبي طالب؟!

قال: نعم.

قال: إن أباك كان لي صديقاً، وأنا أكره أن أقتلك.

فقال له علي (عليه‌السلام ): لكني لا أكره أن أقتلك.

____________

1- راجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص602 عن المناقب المرتضوية الكشفي الحنفي ص364 وراجع: إرشاد القلوب ص217 وحلية الأبرار ج2 ص179 والحدائق الناضرة ج7 هامش ص242 وأسرار الشهادة (ط سنة 1319هـ) ص255.


ثم ذكر تخييره بين الخصال الثلاث، فرفضها، فقال له علي (عليه‌السلام ): فأنت فارس وأنا راجل.

فنزل عن فرسه وقال: ما لقيت من أحد ما لقيت من هذا الغلام(1) .

والظاهر: أن علياً (عليه‌السلام ) أراد إذلال عمرو، وتحطيم كبريائه. وقد تحقق له ما أراد، حتى شكا ذلك عمرو نفسه كما ترى.

وقلنا ذلك، لأننا لا نشك في أنه (عليه‌السلام ) كان يعرف قِرنه، الذي كان قد حضر بدراً، وأخبره النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أذن له بمبارزته بقوله: إنه عمرو، وكان يراه منذ صغره، كما صرحت به الرواية الآنفة الذكر نفسها.

ثانياً: قال المعتزلي: "كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول، إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع: والله، ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله. فاستحيا أن يظهر الفشل، فأظهر الإبقاء والإرعاء، وإنه لكاذب فيهما"(2) .

إنه عمرو:

تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) ألحّ على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن يأذن له بمبارزة عمرو، فقال له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إنه عمرو.

____________

1- شواهد التنزيل (ط سنة 1411 هـ.ق) ج2 ص11.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص64 وراجع: بحار الأنوار ج20 ص274 وسيرة المصطفى ص502 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 395.


فقال (عليه‌السلام ): وأنا عليّ.

فاعتبر الإسكافي: أن هذا يدل على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ضن بعلي (عليه‌السلام ) عن مبارزة عمرو(1) .

ونقول:

إن كلام الإسكافي غير دقيق.. لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يعرف علياً (عليه‌السلام )، ويعرف عَمرواً، ولعل الأصح أن يقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يقطع عذر الآخرين، حتى لا يقول قائل قد سبقني إليه علي (عليه‌السلام )، أو أن يتوهم: أنه كان يمكن أن يقتل عمرو على يد أي رجل كان من المسلمين، فأراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يعرِّفنا أن من أحجم عن مبارزة عمرو إنما أحجم فَرَقاً وجبناً، وضعف ثقة بالله وبرسوله، وأن يعرِّف الناس بقيمة الإنجاز الذي سوف يقدمه علي (عليه‌السلام ) في منازلة عمرو وغيره، وانه توفيق إلهي عظيم، فلا معنى للإستخفاف بعمرو بهدف انكار هذا الفضل لعلي (عليه‌السلام ) الذي لم يكن لديه أدنى تردد في بذل نفسه في سبيل دينه وربه.

ويريد أن يعرف الناس أن علياً (عليه‌السلام ) قد بارز عمرواً مع علمه بفروسيته، وأن قتله لم يكن مجرد صدفة، حالفه الحظ فيها.

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص283 و 284 والغدير ج7 ص212 والعثمانية للجاحظ ص332 وغاية المرام ج4 ص272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص626.


عرض الخصال الثلاث على عمرو:

إن عرض علي (عليه‌السلام ) الخصال الثلاث على عمرو، وهي أن يُسْلِم، أو يرجع، أو يبارز.. لهو الغاية في النَصَفَة، وتدل على أن الهدف ليس هو قتل الناس، بل المطلوب هو حقن دمائهم، ودفع بغيهم.. وقد ترك هذا التصرف الحكيم، والمنصف، عمرواً في موقع الباغي والمعتدي، والظالم..

وقد رأينا: أنه (عليه‌السلام ) لم يفرض عليه أن يسلم أو يقتل، ولو أنه فعل ذلك لصحت التهمة التي يروج لها أعداء الإسلام أن الإسلام قام بالسيف، بمعنى أن الناس أسلموا تحت طائلة التهديد بالقتل، ولم يكن أمامهم سوى أحد خيارين: إما القتل، أو الإسلام..

لقد خيره (عليه‌السلام ) بين ثلاثة أمور هي:

الإسلام.. أو الرجوع عن البغي والعدوان، أو المبارزة التي فرضها هو على نفسه حين جاء لحرب المسلمين بغياً منه وعتواً..

وذلك لأن المشركين قد قطعوا تلك المسافات الطويلة، لكي يمنعوا الناس من ممارسة حريتهم، ويسلبوهم الإختيار الذي منحه الله لهم ولكل البشر.

والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنما عرض الإسلام على الناس فاختاروه، ولم يفرضه على أحد، لكن قريشاً والطواغيت هم الذين انبروا لقتال من مارس حريته في الإختيار، والتدين..

وحين عرض علي (عليه‌السلام ) الإسلام على عمرو فإنما عرضه عليه، من موقع الرفق به، والإنصاف له، وإعطائه فرصة أخيرة لينقذ نفسه من النار..

على أنه لم يقتصر على هذا الخيار، بل شفعه بخيار آخر، يمنحه فرصة


النجاة في الدنيا، وهو خيار يتناغم مع رغبته في الحياة، والتمتع بمباهجها، كما أنه لا يعارض آراءَه وميولَه ومعتقداتِه، فإنه (عليه‌السلام ) لم يكتف بطلبه الرجوع عن حرب محمد والمسلمين، بل شفع ذلك بما يرغِّبه في هذا الخيار بالذات، حين قال له: إن يكن محمد صادقاً كان أسعد الناس به، وإن يك كاذباً كفتهم ذؤبان العرب أمره.

وهي كلمة تحتم على عمرو إعادة النظر في صوابية قراره الذي جاء به إلى هذه الحرب، مستثيراً في نفسه نوازع الطموح، ومستحثاً في داخله مشاعره القبلية، علها تفيد في ضبط حركته، ولجم اندفاعه نحو الهاوية..

كما أن هذه الكلمة تسهّل عليه إختيار ما يتناغم مع حب السلامة، والإبتعاد عن المشاكل والأخطار.

ولكن عمرواً رفض هذا الخيار أيضاً معتمداً على سراب خادع، وإلى نزعة استكبار ظالم، وعنجهية جاهلية، وبغي بغيض، يزين له التجني والظلم الذي يودي بصاحبه إلى الخزي والعار، والخسران في الدنيا والآخرة، وساء للظالمين بدلاً.

ولم يبق أمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلا التعامل مع خيار عمرو الأخير، ودفع غائلة هذا الجبار الظالم، فكان النصر على يديه، وأورد عليه ضربته التي تعدل عبادة الثقلين، (الجن والإنس) إلى يوم القيامة..

قطع رجل عمرو:

قال بعضهم: "وتبادر المسلمون يكبرون، فوجدوه على فرسه برجل واحدة، يحارب علياً (عليه‌السلام ). ورمى رجله نحو علي، فخاف من


هيبتها رجلان، ووقعا في الخندق"(1) .

ونقول:

إن هذا لا يصح لما يلي:

أولاً: تقدم أن علياً (عليه‌السلام ) ألزم عمرواً بالنزول عن فرسه، فنزل عنها كارهاً لذلك.

ثانياً: إن كان عمرو قد استمسك على فرسه، ورجله مقطوعة، ـ والمفروض أنها سقطت على الأرض ـ فكيف استطاع أن يتناولها وهو على فرسه، ويقذف بها علياً (عليه‌السلام )؟! وكيف مكنه علي (عليه‌السلام ) من تناولها، ثم من أن يرميه بها؟!

ثالثاً: تقدم: أنه (عليه‌السلام ) تسيف رجلي عمرو فقطعهما بضربة واحدة. وهذا لا يكون إلا إذا كان عمرو راجلاً، لا راكباً.

توقف علي (عليه‌السلام ) عن قتل عمرو:

ويقول النص التاريخي: إن علياً (عليه‌السلام ) حين أدرك عمرو بن عبد ود لم يبادر إلى قتله، فوقع بعض المسلمين في علي (عليه‌السلام )، فرد عنه حذيفة.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): مه يا حذيفة، فإن علياً سيذكر سبب وقفته.

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص137 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص326 وبحار الأنوار ج41 ص90.


ثم إنه (عليه‌السلام ) أجهز على عمرو، فلما جاء سأله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن ذلك، فقال: قد كان شتم أمي، وتفل في وجهي، فخشيت أن أضربه لحظِّ نفسي، فتركته حتى سكن ما بي، ثم قتلته في الله"(1) .

ونقول:

إن علينا أن نلتفت إلى النقاط التالية:

1 ـ إن قتل هذا المشرك كان محبوباً لله تعالى على كل حال، فلو قتله (عليه‌السلام ) لأنه شتم أمه لم يكن في ذلك ضير، فهو محارب من جهة، وهو يجترئ على المسلمين بالشتم وهم أموات من جهة أخرى.

2 ـ إننا على يقين من أنه (عليه‌السلام ) لم يكن ليقتل عمرواً حتى في اللحظة الأولى انتقاماً لنفسه، أو لمجرد شتمه لأمه، ولكنه (عليه‌السلام ) أراد أن يتعامل مع الأمور كما لو كان رجلاً عادياً.. وهذا هو تكليفه الذي يجب عليه العمل به.. وهو أيضاً يمكنه من أن يقدم للناس العظة والأمثولة بصورة عملية وحية، ليروا بأم أعينهم كيف يكون الرجل الإلهي، الذي يتعامل مع كل الأمور من موقع الإخلاص والخلوص، والمعرفة، والوعي، والثبات والتثبت، والسيطرة على النفس، حتى في أحرج اللحظات، ويصل

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص115 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص381 وبحار الأنوار ج41 ص51 ومستدرك الوسائل ج18 ص28 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص631 والدرجات الرفيعة ص287 وأعيان الشيعة ج4 ص598.


كل أعماله، ما دق منها وقل، وما عظم وجل بالله سبحانه، ليقربه خطوة إليه.

إنه ذلك الجبل الأشم الشامخ، الذي لا تزله الرياح العواصف، وهو الإنسان القوي والرصين، الذي لا يثور ولا يغضب إلا لله، ولله فقط، وحده لا شريك له.

فبإرادة الله ورضاه يسل سيفه، ويقاتل الأبطال، ويسحق كل جبروتهم وكبريائهم، وهو يغمد سيفه ويستسلم لإرادة الله سبحانه وامتثالاً لأمره، حتى حين يهجمون عليه في بيته، ويضربون زوجته، ويسقطون جنينها، ويحرقون عليه بيته، أو يكادون.

وهو علي هنا، وهو علي هناك، ولا أحد غير علي والأئمة الأطهار من ولده "عليهم‌السلام " يستطيع أن يفعل ذلك.

علي (عليه‌السلام ) وسلب عمرو!!:

وحين قَتل أميرُ المؤمنين (عليه‌السلام ) عمرو بن عبد ود ولم يسلبه درعه، ولا غيرها.. أقبل نحو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته يا علي درعه؟! فإنه ليس في العرب درع مثلها.

وعند الحسكاني: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي سأله عن سبب عدم سلبه له.


فقال علي (عليه‌السلام ): يا رسول الله، إنه تلقاني بعورته(1) .

وفي نص آخر: إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي. أو قال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت من ابن عمي أن أسلبه(2) .

ويقال: إنه (عليه‌السلام ) حين جلس على صدر عمرو يريد أن يذبحه، وهو يكبر الله، ويمجده، طلب منه عمرو أن لا يسلبه حلته.

فقال له علي (عليه‌السلام ): هي أهون علي من ذلك، وذبحه(3) .

____________

1- راجع: شواهد التنزيل ج2 ص12.

2- راجع: الإرشاد للمفيد ص61 و (ط دار المفيد) ج1 ص104 ومجمع البيان ج8 ص343 وبحار الأنوار ج20 ص257 و 204 وج 41 ص73 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص534 و 535 والمستدرك للحاكم ج3 ص33 والبداية والنهاية ج4 ص107 والروض الأنف ج3 ص280 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص439 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص205 والسيرة الحلبية ج2 ص320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643 وخاتم النبيين ج2 ص938 ونهاية الأرب ج17 ص174 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص80 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 265 و 397 وكشف الغمة ج1 ص205 وكشف اليقين ص133 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص118 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص30 وج30 ص148 وج32 ص366.

3- كنز الفوائد (ط دار الأضواء) ج1 ص297 و (ط مكتبة المصطفوي ـ قم) ص137 وبحـار الأنـوار ج20 ص216 و 263 وراجع: الإرشـاد (ط دار = = المعرفة) ج1 ص112 وشجرة طوبى ج2 ص290 وأعيان الشيعة ج1 ص399 والدر النظيم ص169 وكشف الغمة ج1 ص208.


وزعم الحلبي: أن هذا اشتباه من بعض الرواة، وأن ذلك كان في حرب أحد مع طلحة بن أبي طلحة(1) .

ونقول:

هما قضيتان مختلفتان، وقد كان السؤال في أحد من قبل سعد لعلي (عليه‌السلام ).. وفي الخندق كان السائل هو عمرو.

وفي جميع الأحوال نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات هي التالية:

الذي يجاحش على السلب:

ونعيد التذكير هنا بمقارنة المعتزلي بين سعد بن أبي وقاص الذي كان يتأسف على فوت سلب أحد الفرسان منه، وبين علي في موقفه هذا، فقد قال:

"قلت: شتان بين علي وسعد، هذا يجاحش على السلب، ويتأسف على فواته، وذلك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، وهو فارس قريش وصنديدها، ومبارزه، فيعرض عن سلبه، فيقال له: كيف تركت سلبه، وهو أنفس سلب؟!

فيقول: كرهت أن أبز السبي، ثيابه.

____________

1- السيرة الحلبية ج2 ص320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643.


فكأن حبيباً عناه بقوله:

إن الأسود أسود الغاب همتها

يوم الكريهة في المسلوب لا السَلَبِ(1)

حرص عمر على السلب.. ونبل علي (عليه‌السلام ):

1 ـ ولا ندري بماذا نفسر حرص عُمر بن الخطاب على سلب عَمرو درعه، لا سيما مع قوله: ليس في العرب درع مثلها، وعتبه على أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لعدم مبادرته لأخذها. مع أنه يعلم: أن الدرع لن تخرج من يد المسلمين، وأن غير أمير المؤمنين أحوج إلى تلك الدرع منه (عليه‌السلام )..

إلا إن كان يرى أن الحصول على درع ليس في العرب مثلها أمر يهتم له علي (عليه‌السلام )، وسوف يتحسر أو يتحرق على فواته.. حتى وهو يعلم أن بعض المسلمين يحتاجونها لحفظ أنفسهم..

ولكن الحقيقة هي: أن من يضحي بنفسه في سبيل الله، ويشري نفسه ابتغاء مرضات الله، لا يفكر بالحصول على الغنائم والأسلاب.

2 ـ إن جواب علي (عليه‌السلام ) ينضح بالترفع، ويفيض بالنبل والكرم والرجولة، ويؤكد عزوفه عن كل ما هو من حطام الدنيا..

كما أنه (عليه‌السلام ) حتى في هذا الموقف الصعب والخطير، الذي تزل فيه الأقدام، وتختل فيه المعايير والضوابط، وفي زحمة الأهوال والمخاطر، وفي

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص238 وأعيان الشيعة ج1 ص255.


خضم إلتهاب المشاعر، يبقى محتفظاً بالدقة في ممارساته، وبالتوازن والإستقامة على خط القيم الرفيعة، والتزام الأخلاق الفاضلة والنبيلة..

وهو (عليه‌السلام ) يتجاوز حدود الإنصاف مع أعدائه ليرتقي إلى درجات التفضل والتكرم عليهم بما ليسوا من أهله.. فهو يتعامل معهم بأخلاقه وقيمه، ولا يعاملهم بما تقتضيه ممارساتهم اللاإنسانية، وأخلاقهم الشيطانية.

علي (عليه‌السلام ) استحيا من ابن عمه:

أما ما نسب إلى علي (عليه‌السلام ) من أنه استحيا من ابن عمه أن يسلبه.. فيبقى موضع ريب عندنا، فإن عمرواً وإن كان ابن عم علي (عليه‌السلام )، فهو عمرو بن عبد ود بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لؤي. ولؤي هو الأب التاسع لعلي (عليه‌السلام ).. إلا أن ذلك لم يكن هو السبب في عدم أخذ سلبه، بل السبب هو ما ذكرته الرواية من أن عمرواً طلب منه ذلك، فقال له علي (عليه‌السلام ): هي علي أهون من ذلك..

لو صرفنا النظر عن ذلك، فقد صرح علي (عليه‌السلام ): بأنه إنما أعرض عنه، لأنه اتقاه بسوأته..

إتقاه بسوأته.. فلم يسلبه:

ثم إن التبرير الذي ذكر لعدم أخذه سلبه وهو أنه حين ضربه اتقاه بسوأته، فاستحيا منه أن يسلبه، غير واضح:

أولاً: قد يقال: إنه لا ربط لهذه العلة بذلك المعلول..

ثانياً: ان النص الآخر يناقض هذا النص، فإنه يجعل السبب في عدم


التعرض لسلبه أنه كره أن يكشف سوأته.. فأي ذلك هو الصحيح..

ثالثاً: إن النص يقول: إنه بعد أن ضربه وقطع رجله، جلس على صدره وذبحه.. وهو إنما فعل ذلك بعد أن اتقاه بسوأته بعد الضربة الأولى التي أطاحت برجله.. فما المانع من أن يسلبه في هذه الحال؟! فإن سوأته لم تكن ظاهرة!!

والذي نستخلصه مما تقدم: أنه يمكن أن تكون قد اجتمعت الأسباب كلها على صرف علي (عليه‌السلام ) عن سلبه، فلعله لما سقط كان عازماً على سلبه، فلما اتقاه بعورته استحيا وأعرض عن ذلك، وتأكد هذا الإعراض حين علم أنه لو سلبه ستنكشف عورته.. ثم طلب منه عمرو أن لا يسلبه بزته، فقال له (عليه‌السلام ): هي أهون عليَّ من ذلك.

التكبير.. وتمجيد الله:

وقد تقدم: أنه حين أجهز علي (عليه‌السلام ) على عمرو، كان (عليه‌السلام ) يكبر الله ويمجده..

وهذا ينظر إليه في أكثر من اتجاه، فهو يمثل تحدياً إيمانياً لعمرو، الذي استحق أن يتجرع كأس الحسرة والغصة حتى في هذه اللحظات.. فإنه قد تجاوز كل الحدود في بغيه، وسعيه لإطفاء نور الله.

كما أنه يعطي: أن علياً (عليه‌السلام ) لا يمارس القتل، لأنه حرفته، أو لأنه يغذي روحه به، أو لأنه يكتسب به مجداً، أو يحصل على موقع، بل هو يمارسه لأنه تكليف إلهي، تعلو به كلمة الله، ويعرف الناس به مجده وآلاءه ونعمه، وما إلى ذلك..


وللتكبير هنا معناه ومغزاه، حين يعلن به وهو على صدر جبار، يريد أن يجهز عليه، فإنه يريد أن يفهمه عملاً وقولاً: أن الله أكبر منه، ومن كل باغ وطاغ وجبار، ومن كل شيء..

الوسام الإلهي:

عن ابن مسعود، وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لمبارزة علي (أو قتل علي) لعمرو بن عبد ود (أو ضربة علي يوم الخندق) أفضل (أو خير) من عبادة الثقلين، أو أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة(1) .

____________

1- راجع النصوص التي تشير إلى ذلك في: كنز العمال ج12 ص219 و (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص623 وتاريخ بغداد ج13 ص19 ومقتل الحسين للخوارزمي ص45 والمستدرك للحاكم ج3 ص32 وتلخيصه للذهبي بهامشه، والمناقب للخوارزمي ص58 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص106 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص138 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص326 وشرح المواقف ج8 ص371 وفرائد السمطين ج1 ص256 وشواهد التنزيل (ط سنة 1411هـ) ج2 ص14 وإقبال الأعمال ج2 ص267 والتفسير الكبير للرازي ج32 ص31 وتاريخ مدينة دمشق ج50 ص333 وفضائـل الخمسة من الصحاح الستة ج2 ص323 وحبيب السير ج1 ص362 وينابيع المودة ص94 و 95 و 96 وسعد السعود ص139 والطرائف لابن طاووس ص60 و 514 وحليـة الأبـرار ج2 ص160 وكنـز الفوائـد ص137 والسـيرة الحلبيـة ج2 = = ص319 و 320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص642 وشرح المقاصد للتفتازاني ج5 ص298 وفردوس الأخبار ج3 ص455 ونفحات اللاهوت ص91 ومجمع البيان ج8 ص343 وبحار الأنوار ج36 ص165 وج39 ص1 و 2 وج41 ص91 و 96 وج 20 ص205 وشجرة طوبى ج2 ص287 وتنبيه الغافلين ص52 والغدير ج7 ص206 وكشف الغمة ج1 ص148 ونهج الإيمان ص627 وتأويل الآيات ج2 ص690 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص472 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص338 و 361 ومنهاج الكرامة ص166 ومشارق أنوار اليقين ص312 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 وج 6 ص5 وج 16 ص403 عن بعض من تقدم، وعن حياة الحيوان (ط القاهرة) ص274 وعن المصادر التالية: نهاية العقول (مخطوط) ص114 وروضة الاحباب للدشتكي (مخطوط) ص327 وتجهيز الجيش للدهلوي (مخطوط) ص407 و 163 ومفتاح النجاة ص26 وتاريخ آل محمد لبهجت أفندي ص57 ومناقب علي ص26 ووسيلة النجا ص84.


وفي نص آخر عن ابن مسعود: أبشر يا علي، فلو وزن عملك اليوم بعمل أمتي لرجح عملك بعملهم(1) .

____________

1- ينابيع المودة ص94 و (ط دار الأسوة) ج1 ص281 و 284 وشواهد التنزيل (ط سنة 1411هـ) ص12 وشجرة طوبى ج2 ص289 وبحار الأنوار ج20 ص216 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص439 وكنز الفوائد ص137 وجوامع الجامع ج3 ص52 ومجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص132 وتأويل = = الآيات ج2 ص452 وغاية المرام ج4 ص275 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص405 وج20 ص140 و 625 وج21 ص584 وج31 ص234.


زاد المجلسي والطبرسي قوله: "وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو. ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل عمرو"(1) .

ونقول:

إن قيمة العمل ليست بمواصفاته المادية، ولا بكبره وصغره، ولا بقوته وضعفه، ولا بكثرته وقلته، ولا بشكله الظاهر، من حيث الجمال، وصفاء الألوان..

فالحديد مهما كثر وكبر، وازداد صلابةً، واتخذ اشكالاً جميلة ومتناسقة، واتخذ ألواناً لامعة وبديعة، فإنه لن تكون له قيمة الذهب أو الماس.

بل قيمته بخصوصيته الكامنة فيه، وبحقيقة جوهره، وشرف عنصره.

ولأجل ذلك نلاحظ: أن الله سبحانه قد أنزل سورة قرآنية في الثناء على أهل البيت هي سورة هل أتى، لمجرد أنهم "عليهم‌السلام " تصدقوا بأقراص من شعير على مسكين ويتيم وأسير، كما أنه تعالى أنزل آية الولاية لتعلن لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) أعظم وأجل مقام بعد مقام النبوة

____________

1- راجع: مجمع البيان ج8 ص343 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص132 وبحار الأنوار ج20 ص205 وج39 ص2 وشواهد التنزيل (ط سنة 1411هـ) ج2 ص12 وكنز الفوائد للكراجكي ص137 وتفسير الميزان ج16 ص298.


الخاتمة، وله مساس بمصير البشر إلى يوم القيامة، في خصوص مناسبة تصدقه بخاتم وهو راكع على سائل دخل المسجد.

وتنزل آية أخرى لتثني على علي (عليه‌السلام ) وتخلد ذكره إلى يوم يبعثون، لمجرد تصدقه ببضعة دراهم، ليناجي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وكذلك الحال حين تصدق بدرهم ليلاً ودرهم نهاراً، وبدرهم سراً ودرهم جهراً.. فإن القرآن نزل أيضاً بالثناء عليه صلوات الله وسلامه عليه من أجل ذلك..

وفي المقابل نجد: أنه تعالى يؤكد على الخطورة القصوى لبعض الأمور التي يظن الناس أنها ليست بذات أهمية، فيذكر أن عدم الحض على طعام المسكين هو من سمات من يكذب بيوم الدين..

وقد يدخل في هذا السياق كشاهد أو مؤيد أن بعض الأعمال يذكر لها في الأخبار مقادير متفاوتة من الثواب، فتارة يكون ثواب زيارة قبر الإمام الحسين (عليه‌السلام ) مثلاً حَجَّة، وتارة يكون ثواب كل خطوة يخطوها الزائر حَجَّة.. مما يعني: أن لدرجة الإخلاص وما يكتشف الفعل من مشقات ومخاوف وغيرها مدخلية في مقدار المثوبة. وربما تخضع المثوبة والعقوبة لخصوصيات تضاف إلى نفس العمل، فقول الحق محبوب للمولى، وله مثوبة معينة، لكنه إذا كان أمام سلطان جائر، زادت مثوبته..

وقد تزيد المثوبة بسبب أحوال أخرى لها مدخلية في زيادة الأثر، فلو أن عمرو بن عبد ود، وهو فارس جيوش الأحزاب.. قتل في بدر أو مات من جراحته فيها، لم يمنع ذلك من أن تغزو قريش المسلمين.. ولكنه حين قاد


جيش الأحزاب، وقتل في الخندق أدى ذلك إلى عجز المشركين عن غزو المسلمين بعدها.. مما يعني: أن هذه الضربة قد غيرت مجرى الأحداث بصورة أساسية، غير أن الأساس في اعتبار ضربة علي (عليه‌السلام ) أفضل من عبادة الثقلين هو درجة الصفاء والنقاء، والإخلاص فيها، وقيمتها في ذاتها، وشرف عنصرها، وارتقاء جوهرها..

تمحلات وتعصبات ابن تيمية:

وقد اعتبر ابن تيمية حديث: قتل علي لعمرو أفضل من عبادة الثقلين، ونحوه، من الأحاديث الموضوعة، التي ليس لها سند صحيح، ولم يروه أحد من علماء المسلمين في شيء من الكتب التي يعتمد عليها. بل ولا يُعرف له أسناد صحيح ولا ضعيف.

وهو كذب لا يجوز نسبته إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنه لا يجوز أن يكون قتل كافر أفضل من عبادة الجن والإنس، فإن ذلك يدخل فيه عبادة الأنبياء.

وقد قُتل من الكفار من كان قتله أعظم من قتل عمرو، مثل أبي جهل وعقبة بن أبي معيط، وشيبة. وقصته في الخندق لم تذكر في الصحاح(1) .

____________

1- منهاج السنة ج4 ص171 و 172 باختصار، والسيرة الحلبية ج2 ص320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643 وسيرة الرسول (ط دار الفكر للجميع سنـة 1968م) ص220 و القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع للأصبهاني ص37 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 397.


أما الذهبي، فقال عن حديث: ضربة علي أفضل من عبادة الثقلين: "قبح الله رافضياً افتراه"(1) .

ونقول:

أولاً: رد الحلبي استبعاد أن تكون ضربة عمرو أفضل من عبادة الثقلين بقوله: "فيه نظر، لأن قتل هذا كان فيه نصرة للدين، وخذلان للكافرين"(2) .

ونزيد على ذلك: أنه إذا كانت قد زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وصاروا يظنون الظنون السيئة بالله سبحانه. وإذا كان المسلمون قد أحجموا عن مبارزة عمرو، خوفاً ورعباً، وكانوا كأن على رؤوسهم الطير.

وإذا كان عمرو هو فارس الأحزاب، الذين هم ألوف كثيرة، وقد جاؤوا لاستئصال المسلمين، وهم قلة، وقد جاءهم اليهود من جانب، وقريش من جانب، وغطفان من جانب، وكانوا في أشد الخوف على نسائهم وذراريهم.

وإذا كان المنافقون لا يألون جهداً في تخذيل الناس، وصرفهم عن

____________

1- تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي ج3 ص32 والسيرة الحلبية ج2 ص320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643.

2- السيرة الحلبية ج2 ص320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643 وأعيان الشيعة ج1 ص265 و 397.


الحرب، حتى أصبح الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قلة قليلة، لا تزيد على ثلاث مئة رجل، بل قيل: لم يبق معه سوى اثني عشر رجلاً.

وإذا كان الجوع والبرد يفتكان في المسلمين، ويضعفان من عزائمهم..

نعم.. إذا كان ذلك، فمن الطبيعي: أن يكون قتل هذا الكافر فيه حياة الإسلام، وانتعاش المسلمين، وفيه خزي الأحزاب، وفشلهم، ولاسيما وأن النصر كان بسبب قتل عمرو كما ربما نشير إليه فيما يأتي إن شاء لله..

ثانياً: أما بالنسبة لضعف سند الحديث، وعدم ذكره في الصحاح، فلا يقلل ذلك من قيمته واعتباره، إذ ما أكثر الأحاديث الصحيحة، والمتواترة التي لم تذكر في كتب الصحاح.

وقد عرفنا تعصب أصحاب الصحاح على علي وأهل بيته "عليهم‌السلام ".

ثالثاً: قول ابن تيمية ليس له سند ضعيف ولا صحيح، يكذبه رواية المستدرك لهذا الحديث عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده، وقد قال أبو داود: بهز بن حكيم أحاديثه صحاح(1) .

وهذا يسقط سائر دعاوى ابن تيمية حول سند هذا الحديث.

____________

1- خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص381 وتهذيب الكمال ج28 ص173 وتاريخ الإسلام للذهبي ج9 ص79 والوافي بالوفيات ج10 ص193 وراجع سائر كتب الرجال والتراجم.


شهادة حذيفة:

قال المفيد: "روى قيس بن الربيع، قال: حدثنا أبو هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنا لنتحدث عن علي (عليه‌السلام ) ومناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي (عليه‌السلام ). هل أنت محدثي بحديث فيه؟!

فقال حذيفة: يا ربيعة، وما تسألني عن علي (عليه‌السلام )! فوالذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في كفة الميزان، منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي (عليه‌السلام ) في الكفة الأخرى لرجح عمل علي (عليه‌السلام ) على جميع أعمالهم.

فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد.

فقال حذيفة: يا لكع: وكيف لا تحمل؟! وأين كان أبو بكر، وعمر، وحذيفة، وجميع أصحاب محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم عمرو بن عبد ود دعا إلى المبارزة، فأحجم الناس كلهم ما خلا علياً (عليه‌السلام )؟! فإنه برز إليه وقتله الله على يده.

والذي نفس حذيفة بيده، لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى يوم القيامة(1) .

____________

1- الإرشاد ص55 و (ط دار المفيد) ج1 ص103 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص204 وسـيرة المصطـفـى ص504 وشـرح نهج البلاغـة للمعـتزلي ج19 = = ص60 و61 وإعلام الورى (ط دار المعرفة) ص195 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج1 ص379 وبحار الأنوار ج20 ص256 و 257 وج34 ص304 وج39 ص3 ونهـج الحـق ص249 و 250 وشـرح الأخبـار ج1 ص229 و300 وأعيان الشيعة ج1 ص265 و 598 والدر النظيم ص165 ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج1 ص222 وحلية الأبرار ج2 ص158 وكشف اليقين ص134.


شهادات ومواقف أخرى:

قال المعتزلي:

1 ـ "فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود، فإنها أجلُّ من أن يقال: جليلة، وأعظَمُ من أن يُقال: عظيمة.

2 ـ وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل، وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله: علي أم أبو بكر؟!

فقال: يا ابن أخي، والله، لمبارزة علي عمرواً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها، وتربي عليها، فضلاً عن أبي بكر وحده.

3 ـ وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه الخ..(1) .

وعن حذيفة: لو قسمت فضيلة علي (عليه‌السلام ) بقتل عمرو يوم

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص60 وعنه في إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص8 وسيرة المصطفى ص503 وبحار الأنوار ج20 ص273 وج39 ص3.


الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم(1) .

4 ـ وقال أبو بكر بن عياش: لقد ضَرَبَ علي ضربة ما كان في الإسلام أعزّ منها ـ يعني ضربة عمرو بن عبد ود ـ ولقد ضُرِبَ علي ضربة ما ضرب الإسلام أشأم منها ـ يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله(2) .

5 ـ وقال الحافظ يحيى بن آدم ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري: ما شبهت قتل علي عمرواً إلا بقوله تعالى:( فَهَزَمُوْهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) (3) "(4) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص284 والغدير ج7 ص212 والعثمانية للجاحظ ص333 وأعيان الشيعة ج4 ص598 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص626.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص61 والإرشاد ص61 و (ط دار المفيد) ج1 ص105 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص205 ومجمع البيان ج8 ص344 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص133 وبحار الأنوار ج20 ص206 و 258 وج41 ص91 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص138 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص327 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص237 وأعيان الشيعة ج1 ص265 و 397 والدر النظيم ص165.

3- الآية 251 من سورة البقرة.

4- سبل الهدى والرشاد ج4 ص379 والإرشاد للمفيد ص60 و (ط دار المفيد) ج1 ص102 وكشف الغمـة للأربـلي ج1 ص205 والمستـدرك للحاكم ج3 = = ص34 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وإعلام الورى (ط دار المعرفة) ص196 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص382 وبحار الأنوار ج20 ص256 وج39 ص4 وج41 ص91 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج19 ص61 و 62 والمناقب للخوارزمي ص106 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص171 وكنز الفوائد للكراجكي ص138 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص137 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص326 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 396 والدر النظيم ص164.


6 ـ وروي أن عمرواً قال لعلي: ما أكرمك قرناً(1) .

لا نأكل ثمن الموتى:

قال ابن إسحاق ـ كما رواه البيهقي ـ : وبعث المشركون إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يشترون جيفة عمرو بن عبد ود بعشرة آلاف.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى(2) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص136 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص325 وبحار الأنوار ج41 ص90.

2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج4 ص379 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 والسيرة الحليبة ج2 ص320 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص198 (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص171 وبحار الأنوار ج20 ص205 ج41 ص90 وأعيان الشيعة ج1 ص264

وراجع: مستدرك سفينة البحار ج7 ص575 وسنن النـبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله " = = للطباطبائي ص232 ومجمع البيان ج8 ص133 وتفسير الميزان ج16 ص298 وتفسير الآلوسي ج21 ص156 والبداية والنهاية ج4 ص107 (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص122 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص205.


وقال أبو زهرة: "ويظهر: أنه كان عظيماً بين المشركين، يعتزونه، فأرسلوا يطلبون جثمانه(1) .

وقد ذكرت نفس هذه الحادثة: بالنسبة لجيفة نوفل بن عبد الله بن المغيرة، ونكاد نشك في صحة ذلك. ولعل الزبيريين قد حرفوا ما قيل عن جيفة عمرو ليكون لصالح جيفة نوفل، بهدف تضخيم شأن نوفل، ليصبح أهم من عمرو بن عبد ود، زعماً منهم أن روايتهم المكذوبة: أن الزبير قد قتل نوفلاً قد راجت على الناس.

مع أن علياً (عليه‌السلام ) أيضاً هو الذي قتل نوفلاً وغيره كما سيأتي.

وإن كنا نحتمل أيضاً: أن يكون بنو مخزوم قد طلبوا جيفة صاحبهم، ليرفعوا من شأنه حتى لا يكون أقل من عمرو.

فرح الملائكة بقتل عمرو:

عن الصادق (عليه‌السلام ): لما قتل علي (عليه‌السلام ) عمرو بن عبد ود أعطى سيفه الحسن (عليه‌السلام )، وقال: قل لأمك تغسل هذا الصيقل.

____________

1- خاتم النبيين ج2 ص938.


فردَّه ـ وعلي (عليه‌السلام ) عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ وفي وسطه نقطة لم تنقَ، قال: أليس قد غسلته الزهراء؟!

قال: نعم.

قال: فما هذه النقطة؟!

قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا علي، سل ذا الفقار يخبرك.

فهزه، وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة، من دم الرجس النجس؟!

فأنطق الله السيف فقال: بلى، ولكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو بن عبد ود، فأمرني ربي فشربت هذه النقطة من دمه، وهو حظي منه، فلا تنتضيني يوماً إلا ورأته الملائكة وصلَّت عليك(1) .

نقول:

ليس لدينا ما ينفي صحة هذه الرواية. ومجرد الإستبعاد، والإعلان بإنكارها، لا يكفي، لأن الجواب على ذلك هو أنه حين يصعب علينا فهم بعض ما ورد فيها، فإن علينا أن نكل علم ذلك إلى أهله، ما دام أنه لا يمس أساس العقيدة، ولا يؤثر على الضوابط والمرتكزات العامة للبحث العلمي الرصين.

____________

1- بحار الأنوار ج20 ص249 و 150 والخرائج والجرائح ج1 ص215 و 216 ومدينة المعاجز ج2 ص19 وشجرة طوبى ج2 ص289.


أين المخلصون؟!:

ويبقى هنا سؤال: أين كان المخلصون الأوفياء، والأبرار الأتقياء من أصحاب خاتم الأنبياء: كالمقداد، وعمار وسواهما عن إجابة طلب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمبارزة عمرو بن عبد ود، وقد وعدهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالجنة؟!

ونجيب:

أولاً: لم تصرح الروايات بحضور هؤلاء الأشخاص بين ذلك الجمع، فلعلهم غابوا لأعذار مختلفة، كالمرض، والسفر، ولعل بعضهم بقي في المدينة لحراستها من بني قريظة.

ثانياً: لقد رتب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أبواب الخندق الثمانية لحراستها أشخاصاً من قبائل شتى، كما أن من الطبيعي أن يكون للجيش المرابط حراس يمنعون الأعداء من الإيقاع بالمسلمين على حين غفلة منهم.. فلعل هؤلاء المخلصين كانوا من هؤلاء، أو من أولئك..

ولكن مما لا شك فيه: هو أن معظم المسلمين كانوا عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفيهم الطامحون والطامعون، وأصحاب الدعاوى العريضة.. وقد تحداهم عمرو ومن معه، وطلب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منهم مبارزته، فلم يستجب منهم أحد..

ثالثاً: لم يكن هؤلاء الذين تذكر أسماؤهم يدَّعون، ولا كان أحد يدَّعي لهم أنهم يقدرون؛ على مواجهة عمرو بن عبد ود. كما أنهم لا يرشحون أنفسهم لمقامات تفرض اتصافهم بصفات معينة، التي منها العلم الشامل،


والعصمة، والشجاعة التي تفوق شجاعة البشر كلهم.

الخوارج.. وقتل عمرو بن عبد ود:

هذا.. وقد أورد الحاكم النيسابوري العديد من الأحاديث عن قتل علي (عليه‌السلام ) لعمرو، ثم قال:

"قد ذكرت في مقتل عمرو بن عبد ود من الأحاديث المسندة، ومما عن عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار ما بلغني، ليتقرر عند المنصف من أهل العلم: أن عمرو بن عبد ود لم يقتله، ولم يشترك في قتله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

وإنما حملني على هذا الإستقصاء فيه قول من قال من الخوارج: إن محمد بن مسلمة أيضاً ضربه ضربة، وأخذ بعض السلب.

ووالله، ما بلغنا هذا من أحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

وكيف يجوز هذا وعلي (عليه‌السلام ) يقول ما بلغنا: إني ترفعت عن سلب ابن عمي، فتركته. وهذا جوابه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب بحضرة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) " انتهى.

فظهر أن الخوارج كانوا يتعمدون وضع الحديث الذي يسيء إلى علي (عليه‌السلام ).. وهذا هو المتوقع منهم، فقد تاب شيخ منهم ورجع عن مقالتهم، فقال: "إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم،

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص34.


فإنَّا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً"(1) .

وقال الجوزجاني عن الخوارج في الصدر الأول: "نبذ الناس حديثهم إتهاماً لهم"(2) .

فكيف يروي البخاري إذن عن عمران بن حطان، مادح عبد الرحمان بن ملجم، لقتله علياً؟!(3) .

____________

1- لسان الميزان ج1 ص10 و 11 والكفاية في علم الرواية للخطيب ص123 و 156 وآفة أصحاب الحديث ص71 و 72 وتذكرة الموضوعات ص7 وفتح الملك العلى ص90 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص78 والموضوعات لابن الجوزي ص38 واللآلي المصنوعة ج2 ص468 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص29 وعن السنة ومكانتها في التشريع، للسباعي ص97 وراجع: العتب الجميل ص122.

2- أحوال الرجال ص34 وراجع: لسان الميزان ج1 ص10 و11 والكفاية للخطيب ص123 وآفة أصحاب الحديث ص71 و 72 واللآلي المصنوعة ج2 ص468 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص29 عن الأولين، وعن: السنة ومكانتها في التشريع، للسباعي ص97 وعن: الموضوعات لابن الجوزي ص38 راجع: العتب الجميل ص122.

3- راجع: العتب الجميل (ط الهدف للإعلام والنشر) ص99 والسقيفة للمظفر ص186 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص286 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص573 و 587 وفتح الباري (المقدمة) ص432 وج10 = = ص244 وعمدة القاري ج22 ص13 وأضواء البيان ج3 ص126 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص654 والنصائح الكافية ص31 ومستدرك الوسائل ج1 ص18 ومقاتل الطالبيين ص23 وأجوبة مسائل جار الله ص72 والنص والإجتهاد ص535 والغدير ج5 ص293 وج9 ص393.


وكيف يقول أبو داوود: "ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج"(1) .

____________

1- ميزان الإعتدال ج1 ص10 و (ط دار المعرفة) ج3 ص236 وتهذيب الكمال ج22 ص323 وسير أعلام النبلاء ج4 ص214 وتهذيب التهذيب ج8 ص113 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص155 والعتب الجميل ص121 و (ط الهدف للإعلام والنشر) ص20 وفتح الباري (المقدمة) ص432 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص587 وسؤالات الآجري لأبي داود ج2 ص117 والكفاية في علم الرواية للخطيب ص158 وتاريخ مدينة دمشق ج43 ص489


الفصل الرابع :

علي (عليه‌السلام ) في نهايات حرب الخندق



قاتل عمرو، وحسل، ونوفل:

وذكر ابن هشام: أن علياً (عليه‌السلام ) قتل عمرو بن عبد ود، وابنه حسل بن عمرو(1) ، وهو الذي قتل نوفل بن عبد الله أيضاً.

قال اليعقوبي: "وكبا بنوفل بن المغيرة بن عبد الله فرسه، فلحقه علي فقتله(2) .

وقال الطبرسي، وابن كثير، والطبري: إنه لما تورط في الخندق جعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله، وطلب

____________

1- راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص265 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص732 وراجع: سيرة المصطفى ص502 و 503 عنه والبداية والنهاية ج4 ص116 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص133 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص222 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص32 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص198 و 198 وتاريخ الخميس ج1 ص492 وراجع: نهاية الأرب ج17 ص179.

2- تاريخ اليعقوبي ج2 ص50 وراجع: بهجة المحافل ج1 ص266.


المشركون رِمَّتَه، فمكنهم من أخذه(1) .

وذكرت بعض المصادر: أنه (عليه‌السلام ) ضربه بالسيف فقطعه نصفين(2) .

وذكر ابن إسحاق: أن علياً طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه،

____________

1- راجع: تاريخ الأمم والملوك (ط مطبعة الإستقامة) و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص240 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص380 وتاريخ الخميس ج1 ص487 و 488 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص137 وبحار الأنوار ج41 ص90 وج20 ص274 وخاتم النبيين ج2 ص938 والبداية والنهاية ج4 ص107 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص123 والسيرة الحلبية ج2 ص315 و (ط دارالمعرفة) ج2 ص637 وراجع ص320 وسيرة المصطفى ص502 ومحمد رسول الله لمحمد رضا ص231 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 و 5 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص64 وبهجة المحافل ج1 ص267 وحبيب السير ج1 ص362 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص206 والإرشاد للمفيد ص60 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص204 وإعلام الورى ص195 وتفسير الثعلبي ج8 ص16.

2- تاريخ الخميس ج1 ص487 و 488 والسيرة الحلبية ج2 ص315 و (ط دارالمعرفة) ج2 ص637 وأعيان الشيعة ج1 ص396.


فمات في الخندق(1) .

وزعم بعضهم: أن الزبير هو الذي قتله، وقد ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن ذلك لا يصح، وذكرنا بعض ما يفيد في ذلك(2) .

الهاربون من علي (عليه‌السلام ):

وقد هرب ضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن وهب من وجه علي (عليه‌السلام )، وقالوا: إن الزبير قد ضرب هبيرة آنئذٍ حتى فلق هامته.

ونقول:

نحن نشك في صحة ذلك، استناداً إلى ما يلي:

1 ـ لو كان الزبير قد ضرب هبيرة بالسيف حتى فلق هامته، فاللازم أن يكون قد قُتل، مع أن الجميع متفقون على أنه لم يقتل آنئذٍ.

2 ـ ذكرت بعض النصوص: أن علياً (عليه‌السلام ) لحق هبيرة فأعجزه، وضرب قربوس سرجه، فسقطت درع كانت عليه، وفر عكرمة،

____________

1- مجمع البيان ج8 ص343 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص133 وبحار الأنوار= = ج20 ص205 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص575 وتفسير الميزان ج16 ص298 وتفسير الآلوسي ج21 ص156 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص122 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص205.

2- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج11 ص161 فما بعدها.


وهرب ضرار(1) .

3 ـ ويفصل ذلك نص آخر، فيقول: ثم حمل ضرار بن الخطاب وهبيرة على علي، فأقبل علي عليهما. فأما ضرار فولى هارباً ولم يثبت، وأما هبيرة فثبت أولاً، ثم ألقى درعه وهرب. وكان فارس قريش وشاعرها(2) .

وسئل ضرار عن سبب فراره، فقال: خيل إلي أن الموت يريني صورته(3) .

4 ـ ومما يدل على بقاء هبيرة حياً.. أنه اعتذر عن فراره من وجه علي (عليه‌السلام )، فقال:

لـعـمـرك مــا ولـيت ظهراً محمداً

وأصـحـابـه جبنـاً ولا خيفة القتلِ

ولـكـنـني قـلبت أمـري فلم أجد

لسيفي غـنـاءً إن وقـفـت ولا نبلي

____________

1- راجع: الإرشاد للمفيد ص60 و (ط دار المفيد) ج1 ص102 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبـة الحيدريـة) ج2 ص326 والمستجـاد من كتـاب الإرشـاد = = (المجموعة) ص72 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص204 وبحار الأنوار ج20 ص256 وج41 ص90 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 396 والدر النظيم ص164 وراجع: إعلام الورى ص195 وتاريخ الخميس ج1 ص487 و 488 عن روضة الأحباب.

2- راجع: السيرة النبوية لدحلان ج2 ص7 والسيرة الحلبية ج2 ص321 و (ط دار المعرفة) ج2 ص644 وأعيان الشيعة ج1 ص396.

3- تاريخ الخميس ج1 ص487.


الــخ.. الأبيات..

ويؤيد قولهم بأن الفرسان قد هاجموا علياً بعد قتله عمرواً، قوله (عليه‌السلام ):

أعـلي تـقـتـحم الفوارس هكـذا

عنـي وعـنـهـم أخـروا أصحـابي

ولعل مواجهة هبيرة لعلي (عليه‌السلام ) ولو للحظات جعلته يستحق وسام فارس قريش وشاعرها(1) .

عن علي (عليه‌السلام ) أنه قال:

وكـانـوا على الإسـلام إلـبـاً ثـلاثة

فـقـد خـر من تـلـك الثلاثة واحدُ

وفـر أبـو عـمـرو هبـيرة لـم يعد

ولكن أخو الحـرب المجرب عائد

نهـتـهم سيـوف الهند أن يـقفوا لنا

غـداة الـتـقـيـنـا والرمـاح مصائد

فإن كان الزبير قد ضرب هبيرة ـ ونحن لا نرى صحة ذلك ـ فلعلها كانت ضربة خفيفة جرحته في رأسه، ولم تعقه عن ممارسة الحرب، والطعن والضرب..

بل نستطيع أن نؤكد على أن علياً (عليه‌السلام ) كان في الميدان وحده،

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص288 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1963 وأسد الغابة ج5 ص624 والعثمانية للجاحظ ص336 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص741 وعيون الأثر ج1 ص378 وج2 ص47 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص127.


أما سائر المسلمين فلم يضربوا بسيف، ولا طعنوا برمح أصلاً..

أشعار في حرب الخندق:

وعنه (عليه‌السلام ) في الخندق:

الحمد لله الجـمـيـل المفضــلِ

المسـبـغ المـولي الـعطاء المجزلِ

شكـراً عـلـى تمكينـه لرسوله

بالنصر مـنـه عـلى الغواة الجُهّلِ

كم نعمة لا أستطـيع بلوغها

جهداً ولو أعملت طاقة مِقول

لله أصبح فضـلـه مـتـظـاهراً

منه علي سألت أم لم أســأل

قـد عـايـن الأحزاب مـن تأييده

جـنـد النبي وذي البيـان المرسـل

مـا فـيـه مـوعـظة لـكـل مفـكر

إن كـان ذا عـقـل وإن لم يـعـقل

وعنه (عليه‌السلام ) مخاطباً لعمرو بن عبد ود:

يا عمرو قد لاقيت فارس بهمة

عند اللقـاء مـعـاود الأقــدامِ

من آل هاشم من سناء باهر

ومهذبيـن مـتـوجـيـن كـرام

يدعو إلى دين الإلـه ونصـره

وإلى الهدى وشرائـع الإسلام

بمهند عـضـب رقـيـق حـده

ذي رونق يقري الـفـقار حسام

ومحمد فينـا كـأن جـبـيـنـه

شمس تجلت مـن خـلال غمام

والله ناصر ديـنـه ونـبـيـه

ومعين كل موحــد مـقـدام


شـهدت قـريـش والـقـبائل كلها

أن ليـس فـيها من يقوم مقامي(1) .

وروي أنه لما قتل عمرواً أنشد:

ضـربـتـه بـالسيـف فـوق الهامَة

بـضـربــة صـارمــة هـدامَـة

أنــا عـلي صاحب الصمصامَـة

وصـاحب الحـوض لدى القيامَة

أخـو رسـول الله ذي الـعـلامَة

قـد قــال إذ عممـنـي العِـمامَـة

أنـت الـذي بـعـدي لـه الإمـامَـة(2)

أشعار قيلت في حرب الخندق:

وقال حسان بن ثابت:

أمسى (الفتى) عمرو بن عبد يبتغي

بـجـنـوب يـثـرب عـادة لم تنـظـرَ

ولـقـد وجـدت سيوفنا مشهورة

ولـقـد وجـدت جـيـادنـا لم تقصر

ولـقـد رأيـت غـداة بـدر عصبة

ضـربوك ضرباً غير ضرب المحسر

أصـبحت لا تدعى ليـوم عظيمـة

يا عمـرو أو لجسـيـم أمر منكر(3)

____________

1- راجع المقطوعات الثلاث المتقدمة في: بحار الأنوار ج20 ص279 و 280 وج41 ص89 و 91 و 90 عن ديـوان علي أمـير المؤمنين "عليه‌السلام " ص46 و 109 و 110 و 126 و 127 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص136 و137.

2- بحار الأنوار ج41 ص88 وراجع: الفصول المختارة ص289 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص219 وأعيان الشيعة ج1 ص553 وتنبيه الغافلين ص56.

3- الإرشاد للمفيد ص56 و (ط دار المفيد) ج1 ص106 وراجع: بحار الأنوار ج20 ص259 وج41 ص98 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص381 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص742 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص205 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص344 والفصول المختارة ص293 والعثمانية للجاحظ ص337 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص312 وأعيان الشيعة ج1 ص265 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص290 والبيت الأول فيه = = وفي بحار الأنوار عن الإرشاد هكذا:

أمسى الفتى عمرو بن عبد ناظــراًكـيـف العـبـور ولـيـتـه لم يـنـظر


قال ابن هشام: وبعض أهل العلم ينكرها لحسان فأجابه فتى من بني عامر:

كـذبتم وبـيـتِ الله لا تـقـتـلوننا

ولـكـن بسيف الهاشميين فافخروا

بـسيف ابن عبد الله أحمد في الوغا

بـكـف عـلي نـلـتـم ذاك فاقصروا

ولم تقتلوا عمـرو بن عبد ببأسكم

ولـكـنـه الـكُـفـؤُ الهِزَبرُ الغَضَنفَرُ

عـلي الـذي في الفـخر طال بنـاؤه

فلا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا

بـبـدر خـرجـتـم للبراز فـردكم

شـيـوخ قـريـش جهرة وتـأخروا

فـلـما أتـاهــم حمـزة وعبيدة

وجـاء عـلي بـالمـهـنـد يخــطر

فقـالـوا: نعم أكفاء صدق فأقبلوا

إلـيـهـم سـراعاً إذ بغوا وتجبـروا

فجـال عـلي جـولـة هـاشـمـية

فـدمـرهــم لمــا عتـوا وتكبروا


فـلـيــس لـكم فـخر علينا بغيرنا

وليس لـكـم فـخر نعد ونذكر(1)

وروي: أن علياً (عليه‌السلام ) لما قتل عمرواً لم يسلبه، وجاءت أخت عمرو حتى قامت عليه فلما رأته غير مسلوب سلبه قالت: ما قتله إلا كفؤ كريم، ثم سألت عن قاتله، قالوا: علي بن أبي طالب، فأنشأت هذين البيتين(2) :

لـو كـان قـاتــلَ عمرو غـيرُ قـاتلـه

لكـنـت أبـكـي عـليه آخر الأبدِ

لـكـن قـاتـل عـمـرو لا يعاب بـــه

من كان يدعى قديماً بيضةَ البلد(3)

ولكن نصاً آخر يقول: لما نعي عمرو إلى أخته قالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟!

____________

1- الإرشاد للمفيد ص56 و (ط دار المفيد) ج1 ص107 والفصول المختارة ص293 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص206 وبحار الأنوار ج19 ص291 وج20 ص259 وج41 ص80 و 99 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص312 وأعيان الشيعة ج1 ص266 و 299 والدر النظيم ص166.

2- تاريخ الخميس ج1 ص488 وحبيب السير ج1 ص362 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص649 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص381 عن مفتاح النجا للبدخشي (مخطوط) ص26 وج18 ص28 عن تاريخ الخميس.

3- الإرشاد للمفيد ص57 و (ط دار المفيد) ج1 ص108 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص199 وكشف الغمة ج1 ص206 وبحار الأنوار ج20 ص260 وج41 ص73 و 97 وشجرة طوبى ج2 ص290 وأعيان الشيعة ج1 ص265 و 398.


فقالوا: ابن أبي طالب.

فقالت: لم يعد موته إلا على يد كفؤ كريم. لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه. قتل الأبطال، وبارز الأقران، وكانت منيته على يد كفؤ كريم من قومه.

وفي لفظ آخر: "على يد كريم قومه"، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر. ثم أنشأت تقول:

لـو كـان قـاتــلَ عمرو غـيرُ قـاتلـهالخ..

وقال المعتزلي: "فأما قتلاه، فافتخار رهطهم بأنه (عليه‌السلام ) قتلهم أظهر وأكثر، قالت: أخت عمرو بن عبد ود ترثيه:

لو كان قـاتـل عـمرو غير قاتله

بكيـتـه أبداً ما دمـت في الأبـد

لـكـن قـاتـلـه مـن لا نـظير له

وكان يدعـى أبـوه بيضة البلد(1)

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص20 والبيتان في لسان العرب أيضاً ج8 ص195 وفيه: بكيته ما أقام الروح في جسدي. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص415 وبحار الأنوار ج41 ص143 وأعيان الشيعة ج1 ص338. وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص33.


وقالت أيضاً في ذلك:

أسـدان في ضـيـق المِـكَـرّ تصاولا

وكـلاهمـا كـفـؤ كـريـم باسل

فتخـالسـا مهج الـنفوس كـلاهما

وسـط المـدار مخـاتـل ومقاتـل

وكـلاهمـا حضـر القـراع حفيظة

لم يـثـنـه عـن ذاك شـغـل شاغـل

فـاذهـب عـلي فـما ظـفرت بـمثله

قـول سـديـد لـيـس فـيـه تحامـل

والـثـار عـنـدي يـا عـلي فـلـيتني

أدركتـه والـعـقـل مـنـي كـامـل

ذلـت قـريـش بـعـد مقتل فارس

فـالـذل مـهلكها وخزي شـامـل

ثم قالت: والله، لا ثأرت قريش بأخي ما حنت النيب(1) .

وقال مسافع بن عبد مناف يبكي عمرو بن عبد ود، لما جزع المذاد، أي قطع الخندق:

عـمـرو بـن عبد كـان أولَ فـارسٍ

جـزع المذاد وكـان فارسَ مَليَلِ(2)

إلى أن قال:

سـأل الـنـزال هـنـاك فارس غالب

بجنـوب سـلـع لـيـتـه لم يـنزل

فـاذهـب عـلي مـا ظـفرت بمثلهـا

فـخـراً ولـو لاقيت مثل المعضل

نفسي الـفـداء لـفـارس من غالب

لاقــى حمـام المــوت الخ...(3)

____________

1- الإرشاد للمفيد ص57 و (ط دار المفيد) ج1 ص108 والفصول المختارة ص293 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص199 و (ط المكتبة الحيدرية ـ النجف)= = ج1 ص171 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص206 وبحار الأنوار ج20 ص260 وج41 ص98 وأعيان الشيعة ج1 ص265 والدر النظيم ص167.

2- الصحيح: يليل، وهو واد ببدر.

3- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص288 وذكرها في آخر العثمانية ص336 عنه، وراجع: مجمع البيان ج8 ص342 وبحار الأنوار ج20 ص203 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص278 و 279 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص741 وأعيان الشيعة ج1 ص266 والدر النظيم ص166.


وعند ابن هشام: تسل النزال علي فارس غالب.

وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي، يعتذر من فراره عن علي بن أبي طالب وتركه عمرواً يوم الخندق، ويبكيه:

لـعـمـرك مـا ولـيـت ظهراً محمداً

وأصحـابـه جـنـباً ولا خيفة القتل

إلى أن يقول:

كـفـتـك عـلي لن ترى مثل موقف

وقـفـت على شلـو المقدم كالفحل

فـما ظـفـرت كـفـاك يـومـاً بمثلها

أمنت بها ما عشت من زلة النعل(1)

وقال هبيرة بن أبي وهب يرثي عمرواً، ويبكيه:

لـقـد علمت عَلْـيَـا لؤي بن غالب

لـفـارسهــا عمـرو إذا ناب نائب

وفـارسـهـا عمرو إذا ما يسوقه(2)

علي، وإن المــوت لا شــك طالب

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص289 وعيون الأثر ج2 ص67 و (ط مؤسسة عز الدين) ج2 ص47 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص280 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص742 والملحق بالعثمانية ص336.

2- وفي نسخة (يسومه).


عشـيـة يـدعــوه عـلي وإنه

لفـارسهـا إذ خام عنه الكتائب

فيـا لهف نفسي إن عمرواً لكائن

بيـثرب لا زالت هنـاك المصائب

لقد أحرز العلـــيا علي بقتله

وللخـيـر يوماً لا محالة جالب(1)

وقال حسان:

لقـد شقيت بنو جمح بن عمرو

ومخـزوم وتـيــم ما نـقيـل

وعمـرو كالحـسام فـتى قريش

كــأن جبـيـنه سـيف صقيل

فتـى من نـسل عـامر أريحي

تطـاوله الأسنـة والنـصول

دعـاه الفـارس المقـدام لمـا

تكـشـفت المقـانـب والخيول

أبو حـسن فـقنـعـه حسـامـاً

جرازاً لا أفــل ولا نكـول

فغـادره مكـبــاً مسلـحـباً

على عفـراء لا بعـد القـتيل(2)

وقال مسافع يؤنب الفرسان الذين كانوا مع عمرو، فأجلوا عنه وتركوه:

عمـرو بـن عـبـد والجياد يقودها

خـيــل تقــاد لـه وخـيـل تنعــل

____________

1- مسلحب: منبطح. والأبيات في شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص290 والملحق بالعثمانية ص337.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص289 و 290 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص281 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص742 والملحق بالعثمانية ص337.


أجلـت فوارسـه وغـادر رهطه

ركنــاً عظـيــماً كان فـيها أول

عجـبـاً وإن أعجب فقد أبصرته

مهـما تسوم عـلي عمـرواً ينزل

لا تبـعـدن فقـد أصبـت بقتله

ولقـيـت قبـل الموت أمراً يثقل

وهبـيرة المسـلـوب ولى مدبـراً

عنـد القـتـال مخافـة أن يقتلوا

وضرار كان البـأس منه محضراً

ولى كما ولى الـلـئـيـم الأعزل

قال ابن هشام: بعض أهل العلم بالشعر ينكرها له(1) .

وقال حسان بن ثابت يفتخر بقتل عمرو بن عبد ود:

بـقيـتكم عمــرو أبـحناه بالقنا

بـيـثـرب نـحـمي والحـماة قـليـل

ونحن قـتـلناكم بكـل مهـنـدالخ..

قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان(2) .

وروى المعتزلي عن بعض شعراء الإمامية قوله:

إذا كنتـمُ ممن يروم لحــاقَـــهُ

فهلا برزتم نحو عمروٍ ومرحبِ(3)

ولا ننسى هنا قول الأزري "رحمه‌الله ":

____________

1- السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص280 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص741.

2- السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص281 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص742.

3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص7 وراجع: أعيان الشيعة ج1 ص530.


فانتـضى مـشـرفـيـه فـتـلـقـى

سـاق عـمـرو بـضـربـة فـبراهـا

وإلى الحـشـر رنـة الـسـيـف منـه

يـمـلأ الخـافـقـين رجـع صـداها

يـا لهـا ضـربـة حـوت مكرمـاتٍ

لم يـزن ثـقـلَ أجــرهــا ثـقـلاها

هـذه مـن عـلاه إحـدى المعــالي

وعلى هـذه فـقـس مـا سواهـا(1)

ابن هشام مغرض في السيرة النبوية:

ويلاحظ هنا: أن ابن هشام قد علق على عدد من مقطوعات الأشعار المتقدمة المرتبطة بعلي (عليه‌السلام ) بما يوجب التشكيك في صحة نسبتها إليه (عليه‌السلام ) وإلى غيره، بل هو يدعي أن أكثر أهل العلم ينكر أن يكون هذا الشعر لعلي، أو لحسان بن ثابت أو لمسافع إلخ.. رغم أننا لم نعثر ولو على رجل واحد أنكر نسبة أي من تلك المقطوعات المشار إليها إلى حسان، أو مسافع أو علي (عليه‌السلام ).

وقد تعودنا أمثال هذه التشكيكات من ابن هشام في كتابه، وكثير منها له ارتباط بعلي (عليه‌السلام ).

كما أنه قد استبعد من سيرته نصوصاً كثيرة أخرى ترتبط بعلي وأهل بيته، أو الخلص من أصحابه.. مع أنها مذكورة في سيرة ابن إسحاق، فليلاحظ ذلك..

____________

1- الأزرية للشيخ الأزري (ط دار الأضواء) ص125 والكنى والألقاب ج2 ص24 وأعيان الشيعة ج1 ص557 وج9 ص18.


تجاهل قتل عمرو بن عبد ود في الخندق:

1 ـ ورغم أن قتل علي (عليه‌السلام ) لعمرو بن عبد ود كالنار على المنار، أو كالشمس في رائعة النهار، فإننا نجد بعض المتعصبين الحاقدين يسوق حديث الخندق، بطريقة يتجاهل فيه هذا الحدث الهام الذي كان هو سبب هزيمة المشركين في تلك الحرب، فيقول أحدهم مثلاً:

"ولم يكن بين القوم قتال إلا الرمي بالنبل والحصا، فأوقع الله بينهم التخاذل، ثم أرسل الله عليهم في ظلمة شديدة من الليل ريح الصبا الشديدة في برد شديد، فأسقطت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وزلزلتهم، حتى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظلمة، فارتحلوا خائبين"(1) . ثم يذكر إرسال الزبير بن العوام لكشف خبر القوم.

بينما نجد رجلاً مسيحياً، لا يرغب بالإعتراف للمسلمين بشيء ذي بال، يعتبر قتل علي (عليه‌السلام ) لعمرو ولصاحبه "سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عَدَدِهم، ووفرة عِدَدِهم"(2) .

2 ـ ادعى ابن تيمية: أن عمرو بن عبد ود لم يعرف له ذكر إلا في هذه

____________

1- حدائق الأنوار ج2 ص590 وراجع: الزمخشري في الكشاف ج3 ص526 وقد تعجب منه في سعد السعود ص138 و 139.

2- تاريخ مختصر الدول ص95.


الغزوة(1) .

وحاول الجاحظ أن يدَّعي: أن شهرة عمرو بن عبد ود بالشجاعة مصنوعة من قبل محبي علي، حتى تركوه أشجع من عامر بن الطفيل، وعتيبة بن الحارث، وبسطام بن قيس، مع أنه لم يسمع لعمرو ذكر في حرب الفجار، ولا في الحروب بين قريش ودوس.

وقد رد عليه الإسكافي بما حاصله: أن أمر عمرو بن عبد ود أشهر من أن يذكر، ولينظر ما رثته به شعراء قريش لما قتل. ثم ذكر شعر مسافع بن عبد مناف، وشعره الآخر في رثائه له.

وليس أحد يذكر عمرواً إلا قال: كان فارس قريش وشجاعها، وقد شهد بدراً، وجرح فيها، وقتل قوماً من المسلمين. وكان عاهد الله عند الكعبة أن لا يدعوه أحد إلى إحدى ثلاث خصال إلا قبلها، وآثاره في أيام الفجار مشهورة.

كما أنه لما جزع الخندق في ستة فرسان هو أحدهم، جبن المسلمون كلهم عنه، وهو يوبخهم ويقرعهم، وملكهم الرعب والوهل، فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه، أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب وأذلهم وأفشلهم.

وإنما لم يذكر مع الفرسان الثلاثة لأنهم كانوا أصحاب غارات ونهب،

____________

1- منهاج السنة ج4 ص172 والسيرة الحلبية ج2 ص32 و (ط دار المعرفة) ج2 ص643 وسيرة الرسول ص220 وأعيان الشيعة ج1 ص264 و 265 و 397.


وأهل بادية، وقريش أهل مدينة، وساكنوا مدر وحجر، لا يرون الغارات، ولا ينهبون غيرهم من العرب، وهم مقيمون ببلدتهم، فلم يشتهر اسمه كاشتهار هؤلاء(1) .

ونضيف إلى ذلك: أن قتل عمرو قد أرعب بني قريظة، ولما رأوا أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) تصايحوا: جاءكم قاتل عمرو. ولم يظهر لنا أن عمرواً كان مسناً بحيث يمكنه أن يحضر حرب الفجار، فقد وصف في بعض الأشعار بالفتى. وحتى لو كان قادراً على الحضور، فقد يغيب عنها لسفر، أو لمرض، أو لعلة أخرى..

سبب هزيمة الأحزاب:

إن سبب هزيمة المشركين يوم الأحزاب يرجع إلى أمور ثلاثة:

أحدها: صعوبة المقام بعد طول الحصار.

الثاني: ما أرسله الله عليهم من الريح والجنود التي لا ترى.

ثم كان السبب الأهم، والأبعد أثراً في هزيمتهم قتل فارسهم، وكبش كتيبتهم، ومعه غيره على يد علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وذلك هو الذي قطع آمالهم بغزو المسلمين مرة أخرى.. ويدل على ذلك النصوص التالية:

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص287 ـ 291 وراجع الملحق آخر العثمانية ص335 ـ 339.


ألف: قال ابن العبري: "وبقوا بضعة وعشرين يوماً لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز، فسعى نحوه علي بن أبي طالب، فقتله، وقتل بعده صاحباً له، وكان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب، على كثرة عَددهم، ووفرة عُدَدِهم"(1) .

ب: وقال المعتزلي: "الذي هزم الأحزاب هو علي بن أبي طالب، لأنه قتل شجاعهم وفارسهم عمرواً لما اقتحموا الخندق، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين، من غير حرب سوى قتل فارسهم"(2) .

ج: وقال الشيخ المفيد: "فتوجه العتب إليهم، والتوبيخ والتقريع، والخطاب. ولم ينج من ذلك أحد بالإتفاق إلا أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، إذ كان الفتح له، وعلى يديه. وكان قتله عمرواً ونوفل بن عبد الله سبب هزيمة المشركين"(3) .

د: ويقولون أيضاً: "وفر عكرمة، وهبيرة، ومرداس، وضرار، حتى انتهوا إلى جيشهم، فأخبروهم قتل عمرو ونوفل، فتوهن من ذلك قريش، وخاف أبو سفيان. وكادت أن تهرب فزارة، وتفرقت غطفان"(4) .

ه‍ : تقدم عن علي "عليه الصلاة والسلام": أنه قال عن قتله لعمرو بن

____________

1- تاريخ مختصر الدول ص95.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص7.

3- الإرشاد ص62 وبحار الأنوار ج20 ص258 وأعيان الشيعة ج1 ص339 و 397.

4- تاريخ الخميس ج1 ص487 و 488 عن روضة الأحباب.


عبد ود يوم الأحزاب: "فهزم الله قريشاً والعرب بذلك، وبما كان مني فيهم من النكاية"(1) .

و: روي عن ابن مسعود: أنه كان يقرأ:( وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) بعلي(2) .

____________

1- الخصال ج2 ص369 وبحار الأنوار ج20 ص244 والإختصاص للمفيد ص167 وحلية الأبرار ج2 ص364 وغاية المرام ج4 ص319.

2- راجع: الدر المنثور ج5 ص192 عن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر وينابيع المودة ص94 و 96 و 137 و (ط دار الأسوة) ج1 ص281 و 283 عن المناقب، وأبي نعيم، ومناقب آل أبي طالب ج3 ص134 والإرشاد للمفيد ص62 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص205 و 324 وروضة الواعظين ص106 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص323 والبحر المحيط ج7 ص224 وروح المعاني ج21 ص175 وكشف اليقين ص134 وكفاية الطالب ص234 ومجمع البيان ج8 ص350 و 334 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص133 وبحار الأنوار ج20 ص196 و 205 و 259 وج41 ص88 ومستدرك سفينـة البحـار ج8 = = ص454 والتبيان للطـوسي ج8 ص331 وتفسير الآلوسي ج21 ص175 وميزان الإعتدال ج2 ص380 وإكمال الكمال ج7 ص67 وتفسير جوامع الجامع ج3 ص58 وشواهد التنزيل (ط وزارة الثقافة والإرشاد الإيرانية) ج2 ص7 و 8 و 9 ونهج الحق ص199 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ج2 ص420 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص300 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص376 ـ 380 وج14 ص327 ـ 329 وج20 ص140 عن مصادر تقدمت، وعن المصادر التالية: معارج النبوة للكاشفي ج1 ص163 ومناقب مرتضوي ص55 ومفتاح النجا للبدخشي (مخطوط) ص41 وتجهيز الجيش ص81 (مخطوط) ودر بحر المناقب (مخطوط) ص85 وأرجح المطالب ص75 و 186.


فكلمة: بعلي ليست من القرآن، وإنما هي زيادة تفسيرية للآية، للتأكيد على نزولها في أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

وما أكثر القراءات التفسيرية هذه، فراجع كتابنا: "حقائق هامة حول القرآن الكريم".

ز: عن ابن عباس: كفاهم الله القتال يوم الخندق، بعلي بن أبي طالب، حين قتل عمرو بن عبد ود(1) .

وذكر القمي أيضاً: نزول الآية في علي فراجع أيضاً(2) .

وكذا روي عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(3) .

____________

1- شواهد التنزيل (ط وزراة الثقافة والإرشاد الإيرانية) ج2 ص10 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص284 عن الإسكافي، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص329.

2- تفسير القمي ج2 ص189 وبحار الأنوار ج20 ص233 وراجع: شجرة طوبى ج2 ص289.

3- ينابيع المودة ص96 و (ط دار الأسوة) ج1 ص284 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص134 وبحار الأنوار ج41 ص88 وغاية المرام ج4 ص275 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص140.


ح: تقدم في الفصل السابق قول الحافظ يحيى بن آدم، أو جابر بن عبد الله الأنصاري: ما شبهت قتل علي عمرواً إلا بقوله تعالى:( فَهَزَمُوْهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) (1) .

ط: قال الشيخ المفيد: "وقال رسول الله بعد قتله هؤلاء النفر (يعني: عمرواً وأصحابه): الآن نغزوهم ولا يغزوننا"(2) .

وعند المعتزلي الشافعي: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال عند قتل عمرو: "ذهبت ريحهم، ولا يغزوننا بعد اليوم، ونحن نغزوهم إن شاء الله"(3) .

____________

1- الآية 251 من سورة البقرة.

2- الإرشاد ص62 وبحار الأنوار ج20 ص258 وتفسير مجمع البيان ج8 ص136 وتفسير الميزان ج16 ص300 وتفسير الثعلبي ج8 ص30 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص132 وإمتاع الأسماع ج13 ص296 وإعلام الورى ج1 ص382 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص221 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص389.

3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص62 وبحار الأنوار ج20 ص273 وج39 ص4.


أشجع الأمة:

قال المحقق التستري: تدل الآية بناء على قراءة ابن مسعود: "على كون علي أشجع من كل الأمة، وأنه تعالى به (عليه‌السلام ) كفى شر العدو عنهم يوم الأحزاب، فيكون أفضل منهم،( وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (1) "(2) .

وقال المظفر: "..فمنه حياة الإسلام والمسلمين، ولولا أن يكفيهم الله تعالى القتال بعلي لاندرست معالم الإسلام، لضعف المسلمين ذلك اليوم، وظهور الوهن عليهم الخ.."(3) .

الآن نغزوهم ولا يغزوننا:

وعن قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد قتل عمرو، أو بعد رحيل الأحزاب: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، أو نحو ذلك(4) .نقول:

____________

1- الآية 95 من سورة النساء.

2- إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص381.

3- دلائل الصدق ج2 ص175.

4- راجع المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج4 ص549 عن أحمد، والبخاري، والبزار، والبيهقي، وأبي نعيم، وفتح الباري ج7 ص312 والمواهب اللدنية ج1 ص115. =

= وراجع: ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص394 و 457 و 458 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص12 ووفاء الوفاء ج1 ص305 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص62 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص251 والسيرة الحلبية ج2 ص328.

وراجع: صحيح البخاري ج3 ص22 وبحار الأنوار ج20 ص258 و 273 و 209 والإرشاد للمفيد ص62 ونهاية الأرب ج17 ص178 وعيون الأثر ج2 ص66 وراجع ص76 وحدائق الأنوار ج2 ص592 والكامل في التاريخ ج2 ص184 والبداية والنهاية ج4 ص115 عن ابن إسحاق، ومجمع البيان ج8 ص344 وبهجة المحافل ج1 ص271 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص221 وتاريخ الخميس ج1 ص492.


كان المشركون قد أشاعوا زوراً أنهم قد انتصروا في حرب أحد، وبدأوا بالإستعداد للجولة التالية، فحزبوا الأحزاب، وجمعوا الجموع، واتفقوا مع يهود قريظة، وشاركتهم القبائل الفاعلة في المنطقة مشاركة واسعة، طمأنت زعماء قريش، الذين حشدوا كل ما لديهم من قوى بشرية ومادية إلى أن الأمر سيحسم لصالحهم..

وزين لهم الشيطان أن المسألة أصبحت مسألة وقت.

وجاءوا بقضهم وقضيضهم، وحدهم وحديدهم، ففوجئوا بالخندق.. وبحسن إدارة الحرب.

وطاولهم المسلمون في الحرب، حتى ملوا، وواجهوا مشاكل مختلفة ومنها مشكلة البرد، ومشكلة التموين، ومشكلة الريح، ومشكلة الإرهاق،


بسبب إستمرار الإستنفار، وغير ذلك، وفسد الأمر بينهم وبين بني قريظة..

ثم جاءتهم قاصمة الظهر بقتل علي (عليه‌السلام ) فارسهم، وألحق به آخرين إلى درك الجحيم..

فآثروا الفرار على القرار، ورضوا بالخزي والعار على البوار والدمار، على يد حيدر الكرار (عليه‌السلام )، الذي كان الحق معه وكان هو مع الحق يدور معه حيثما دار.

فإذا كان هذا أكبر حشد وأقواه، من حيث العدد والعدة، وقد طار صيته في طول البلاد وعرضها، وتوقع الناس في أرجاء الجزيرة العربية، وربما في خارجها نتائجه، فإن النتائج التي عاد بها هذا الحشد كانت بمثابة زلزال هز المنطقة بأسرها من الأعماق، وبث الوهن والفشل في كل قلب، وزرع الرعب في كل بيت، وسقط عنفوان الشرك، وتزلزل جبروته..

وبذلك تكون قريش قد فقدت هيبتها، والكثير من نفوذها في المنطقة، وانفك الإرتباط بينها وبين القبائل المختلفة في طول البلاد وعرضها، فلم تعد هذه القبائل ترى نفسها ملزمة بالخط، أو بالموقف التي تريد قريش أن تلزمها به، ولم يعد بإمكان قريش إقناع الكثير من القبائل بالمخاطرة بمستقبلها، وبأمنها، وبعلاقاتها مع المسلمين..

كما أن فساد العلاقة بين بني قريظة والأحزاب قد أعطى الإنطباع بأن الإعتماد والرهان على التحالفات والتفاهمات لم يعد مُطَمئناً، بل هو رهان يكاد يكون على يباب وسراب.

ولا بد لقريش من أن ترضى على مضض بأن ترى القبائل تسعى لمد


الجسور مع المسلمين، وترميم علاقاتها بهم، والتفاهم معهم في المجالات المختلفة. ما دام أن تيار الإسلام والمسلمين في حالة نمو وتعاظم مطرد في البلاد القريبة والبعيدة..

وظهر مصداق قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بعد ما جرى: الآن نغزوهم ولا يغزوننا.

شهداء المسلمين، وقتلى المشركين:

في عدد الشهداء من المسلمين اختلاف ـ يبدأ من أربعة إلى ثمانية.

كما أن الأقوال في عدد قتلى المشركين تتراوح ما بين ثلاثة إلى ثمانية(1) .

وقد قتل علي (عليه‌السلام ) منهم حسب إحصائية ابن شهرآشوب خمسة، هم:

1 ـ عمرو بن عبد ود.

2 ـ حسل بن عمرو بن عبد ود.

3 ـ نوفل بن عبد الله بن المغيرة.

4 ـ منبه بن عثمان العبدري.

____________

1- للإطلاع على هذه الأقوال وبعض مصادرها راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج11 ص247 ـ 249.


5 ـ هبيرة بن أبي هبيرة المخزومي(1) .

غير أننا نقول:

ألف: بالنسبة لشهداء المسلمين: لم يثبت لنا أنهم قتلوا في سياق معركة جرت.. إذ لا نحسب ان شيئاً من ذلك قد حصل..

إلا إن كان بعض الناس الذين كانوا يترددون بالقرب من جيش الأحزاب كانوا يصادفون دوريات المشركين في ذلك المحيط، فيوقع بهم المشركون..

كما أن ما يثير الشبهة هو هذا الترديد في عدد الشهداء بين ثلاثة إلى ثمانية.. والحال أن ضبط عددهم وأسمائهم، وأسماء قاتليهم، وسائر ما جرى لهم كان مطلوباً لمناوئي علي (عليه‌السلام )، لكي يخطفوا بعضاً من بهجة النصر الذي تحقق على يد علي (عليه‌السلام )، ويقللوا من أهميته، بإيجاد شركاء له في الجهاد والتضحية..

ب: بالنسبة لعدد القتلى من المشركين أيضاً نقول: لقد عجز التاريخ عن الإفصاح بغير من قتلهم علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، ويبقى ما عدا ذلك في حيز الإدعاءات التي لا مجال لإثباتها.

ج: تقدم: أن قتل هبيرة موضع شك، مع أن ابن شهرآشوب قد عده في جملة من قتلهم علي (عليه‌السلام )..

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص83 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 وبحار الأنوار ج41 ص66.


الفصل الخامس :

علي (عليه‌السلام ) في غزوة بني قريظة..



علي (عليه‌السلام ) في بني قريظة:

قالوا: لما عاد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والمسلمون إلى المدينة جاءه جبرئيل مباشرة يأمره بالمسير إلى بني قريظة، وكان حينئذ ـ كما يبدو ـ في بيت فاطمة (عليه‌السلام )، وأنفذ علياً (عليه‌السلام ) في ثلاثين من الخزرج، قال المفيد والأربلي وغيرهما: وقال له: انظر إلى بني قريظة، هل تركوا حصونهم؟!

فلما شارف حصونهم سمع منهم الهُجْر، فعاد إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأخبره، فقال: دعهم، فإن الله سيمكن منهم. إن الذي أمكنك من عمرو بن عبد ودّ لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، وأبشر بنصر الله، فإن الله قد نصرني بالرعب بين يدي مسيرة شهر.

قال علي (عليه‌السلام ): فاجتمع الناس إلي، وسرت حتى دنوت من سورهم، فأشرفوا عَلَيّ، فلما رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو.

وقال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو.

وجعل بعضهم يصيح ببعض، ويقولون ذلك، وألقى الله في قلوبهم


الرعب، وسمعت راجزاً يرتجز:

قتل عــلي عـمــــرواً

صاد عــلي صقـــراً

قصـــم علي ظــهراً

أبــرم علي أمــــراً

هتك عـلي سـتــــراً

فقلت: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك.

وكان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لي حين توجهت إلى بني قريظة: سر على بركة الله، فإن الله قد وعدك (وعدكم) أرضهم وديارهم.

فسرت مستيقناً لنصر الله عز وجل حتى ركزت الراية في أصل الحصن، (وجعل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يسرّب إليه الرجال)، واستقبلوني في صياصيهم، يسبون رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلما سمعت سبهم له (عليه‌السلام ) كرهت أن يسمعه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فعملت على الرجوع إليه، فإذا به (عليه‌السلام ) قد طلع(1) .

ثم ذكر المفيد "رحمه‌الله " حصار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم خمسة وعشرين يوماً، ثم نزولهم على حكم سعد بن معاذ، ثم قال:

____________

1- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج1 ص109 و 110 وبحار الأنوار ج20 ص261 و 262 وج41 ص95 و 96 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص145 و (ط دار الأضواء) ج1 ص251 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص207 و 208 وكشف اليقين ص135.


ولما جيء بالأسارى إلى المدينة حبسوا في دار من دور بني النجار، وخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى موضع السوق اليوم، فخندق فيها خنادق، وحضر أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) معه والمسلمون، فأمر بهم أن يخرجوا، وتقدم إلى أمير المؤمنين أن يضرب أعناقهم في الخندق. فأخرجوا أرسالاً، وفيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وهما ـ إذ ذاك ـ رئيسا القوم، فقالوا لكعب بن أسد، وهو يُذْهَبُ بهم إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟!

فقال: في كل موطن لا تعقلون، ألا ترون الداعي لا ينزع، ومن ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل.

وجيء بحيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه، فلما نظر إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل.

ثم أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس، إنه لا بد من أمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل. ثم أقيم بين يدي أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) وهو يقول: قتلة شريفة بيد شريف.

فقال له أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): "إن خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرار الناس يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الأخيار الأشراف، والسعادة لمن قتله الأرذال الكفار".

فقال: صدقت، لا تسلبني حلتي.


قال: "هي أهون عَلَيّ من ذاك".

قال: سترتني سترك الله، ومد عنقه، فضربها علي (عليه‌السلام ) ولم يسلبه من بينهم.

ثم قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لمن جاء به: ما كان يقول حيي وهو يقاد إلى الموت؟!

فقال: كان يقول:

لعمـرك ما لام ابن أخطب نفسه

ولكـنـه من يخـذل الله يخذل

لجاهد حتى بلغ النفس جهدها

وحاول يبغي العز كل مقـلقل

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ):

لقـد كـان ذا جد وجد بكفره

فقيـد إلينـا في المجامع يعتـل

فقلدته بالسيف ضربة محـفظ

فصار إلى قعر الجـحيم يكبـل

فذاك مآب الكافرين ومن يكن

مطيعـاً لأمر الله في الخلد ينزل(1)

الراية واللواء مع علي (عليه‌السلام ):

روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه "عليهما‌السلام ": أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث علياً (عليه‌السلام ) يوم بني قريظة بالراية،

____________

1- الإرشاد للمفيد ص65 و (ط دار المفيد) ج1 ص111 ـ 113 وبحار الأنوار ج20 ص262 ـ 264.


وكانت سوداء تدعى العقاب، وكان لواؤه أبيض(1) .

وقال ابن إسحاق: "وقدَّم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة"(2) .

____________

1- قرب الإسناد ص62 و (ط مؤسسة آل البيت) ص131 وبحار الأنوار ج20 ص246 عنه، ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص144 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص110 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص115 ومستدرك= = سفينة البحار ج4 ص257 وإمتاع الأسماع ج1 ص309.

2- العبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص31 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص245 وعيون الأثر ج2 ص50 و 69 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص716 وتفسير فرات (ط سنة 1410 ه‍. ق) ص174 ومجمع البيان ج8 ص351 وجامع البيان ج21 ص181 وبحار الأنوار ج20 ص277 و 210 وإمتاع الأسماع ج8 ص376 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص493 و 494 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص13 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص11.

وراجع ايضاً: تاريخ ابن الوردي ج1 ص162 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص227 والبداية والنهاية ج4 ص118 والكامل في التاريخ ج2 ص185 ووفاء الوفاء ج1 ص306 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص11 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص245 والسيرة الحلبية ج2 ص333 و (ط دار المعرفة) ج2 ص659 ونور اليقين ص166 ومحمد رسول الله وأثره في الحضارة ص245 وفقه السيرة للغزالي ص338 وخاتم النبيين ج2 ص946 والثقات ج1 ص274 وجوامع السيرة النبوية ص153.


وصرح القمي: بأنها كانت الراية العظمى(1) .

وقال البعض: وخرج علي بالراية، وكانت على حالها لم تطو بعد(2) .

ويظهر من روايات أخرى: أن راية المهاجرين أيضاً كانت مع علي (عليه‌السلام )..

فقد روي: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دعا علياً، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة، فقام علي (عليه‌السلام )، ومعه المهاجرون، وبنو عبد الأشهل، وبنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد(3) .

ويظهر من روايات أخرى: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد دفع إلى علي اللواء أيضاً، فهي تقول:

"فدعا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً فدفع إليه لواءه. وكان اللواء على حاله، لم يحل من مرجعه من الخندق، فابتدر الناس"(4) .

____________

1- تفسير القمي ج2 ص189 و 190 وبحار الأنوار ج20 ص233 و 234 عنه.

2- تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص121.

3- إعلام الورى (ط سنة 1390 هـ. ق) 93 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص195 وبحار الأنوار ج20 ص272 و 273 عنه، وتاريخ اليعقوبي ج2 ص52.

4- المغازي للواقدي ج2 ص497 وإمتاع الأسماع ج1 ص241 و 242 و (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص245 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص74 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص4 والسيرة الحلبية ج2 ص33 و (ط دار المعرفة) ج2 ص659 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص13 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص493.


وفي نص آخر: وخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يحمل لواءه علي بن أبي طالب(1) .

وعن عروة بعث علياً (عليه‌السلام ) على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أثره(2) .

وجمع نص آخر بين اللواء والراية فهو يقول: "وكان علي قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة.. وغرز علي الراية عند أصل الحصن.

____________

1- الثقات ج1 ص274 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص245 وعيون الأثر ج2 ص69 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص247.

2- عمدة القاري ج7 ص192 عن الحاكم، والبيهقي، وموسى بن عقبة، وفتح الباري ج7 ص318 عنهم، والمواهب اللدنية ج1 ص115 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص10 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص256 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص14 ومجمع البيان ج8 ص351 وبحار الأنوار ج20 ص210 عنه.


إلى أن قال أبو قتادة: وأمرني أن ألزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أذاهم وشتمهم"(1) .

ونقول:

لا بأس بالإشارة إلى ما يلي:

الحرب خدعة:

وذكروا: أن علياً (عليه‌السلام ) قال: إن الحرب خدعة، واستشهد على ذلك بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي أوقع الخلاف بين بني قريظة، وجيش الأحزاب، فإنه حين بلغه أن بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان: إذا التقيتم أنتم ومحمد، أمددناكم وأعناكم، خطب فقال: إن بني قريظة بعثوا إلينا: أنا إذا التقينا نحن وأبو سفيان أمددونا وأعانونا..

فبلغ ذلك أبا سفيان، فقال: غدرت يهود، فارتحل عنهم(2) .

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص498 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص599 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص5 وراجع أيضاً: السيرة النبوية لدحلان ج2 ص14 وإمتاع الأسماع ج1 ص242 و (ط دار الكتب العلمية) ص245 وتاريخ الخميس ج1 ص493 و 494 وتاريخ مدينة دمشق ج9 ص92.

2- راجع: قرب الإسناد ص63 و (ط مؤسسة آل البيت) ص133 وبحار الأنوار ج20 ص246 عنه، وج97 ص31 وج100 ص31 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص134 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص102 و 103 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص152 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " للنجفي ج3 ص270.


ويستوقفنا في هذه الرواية:

أولاً: أن الضمير في هذه الرواية في قوله: فارتحل عنهم يرجع إلى المسلمين، وهذا معناه: أن فساد الأمر بين بني قريظة وبين أبي سفيان قد حصل قبل قتل عمرو بن عبد ود.

مع أن ذلك لا يستقيم، فإن ارتحال أبي سفيان كان بعد ذلك، وقتل عمرو بن عبد ود كان هو السبب في ارتحالهم.

ثانياً: ظاهر هذه الرواية: هو أن ارتحال أبي سفيان والأحزاب كان بسب فساد الأمر بين أبي سفيان وبين بني قريظة، مع أن السبب هو قتل عمرو بن عبد ود ومن معه من الفرسان، لأجل ما أصاب الأحزاب من رعب وخوف.

ثالثاً: إن كان الضمير في قوله: فارتحل عنهم يرجع إلى بني قريظة: فهو لا يستقيم أيضاً، لأن أبا سفيان لم ينزل عليهم، ولم يكن عندهم، وإنما بلغه كلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو في جيشه الذي كان عند الخندق..

على أنه لو كان قد قصد بني قريظة لينسق معهم، فبلغه كلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فالسؤال هو:

كيف علم بخطبة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

وهل لحقه لاحق إلى هناك وأخبره؟!


وإذا كان قد حصل ذلك، فلماذا لم يطالبهم؟! وإذا كان قد طالبهم، فبماذا أجابوه؟! ولِم لم يقبل منهم؟!

إن ذلك لم يتضح لنا من نص الرواية المذكورة.

والسؤال الأهم هو: إذا كان قد اتفق مع بني قريظة، وبلغ خبر الإتفاق إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فما الحاجة إلى الذهاب إليهم مرة أخرى؟!

وإذا كان لم يتفق بعد معهم، فلا معنى لقول الرواية: إنه بلغ رسول الله اتفاقهم على كذا، إذ لم يكن هناك اتفاق أصلاً..

رابعاً: المعروف: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، وهذا معناه: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ينزه نفسه حتى عن الكذب الجائز، كالكذب في الحرب، إذ ليس كل جائز يليق أن يصدر من النبي والرسول، لأن الناس إذا رأوا النبي يكذب فيما يجوز، فإنهم يستحلون الكذب فيما لا يجوز أيضاً.

لماذا علي (عليه‌السلام )؟! ولماذا الخزرج؟!:

وقد ذكر النص المتقدم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل في أول الأمر علياً (عليه‌السلام ) في ثلاثين من الخزرج، وقال له: انظر بني قريظة هل تركوا حصونهم؟!

فهنا أمور، لا بد من فهمها، هي:

1 ـ إرسال علي (عليه‌السلام ).


2 ـ اختيار الخزرج دون غيرهم.

3 ـ اختيار ثلاثين رجلاً.

4 ـ توقع أن يترك بنو قريظة حصونهم.

ونوضح ذلك بما يلي:

ألف: إرسال علي (عليه‌السلام ):

بالنسبة لاختياره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) لهذه المهمة نقول:

قد ظهر سببه من حال بني قريظة، حيث أرعبهم مجيء علي، وانبهروا بحضوره، ونادى بعضهم: جاءكم قاتل عمرو، ثم ما كان من تصايحهم، وخوفهم..

ب: إختيار الخزرج:

وعن سبب اختيار الخزرج نقول:

إن بني قريظة كانوا أو أكثرهم يميلون إلى الأوس، لوجود حلف بينهم، كانوا يظنون أنه سيفيدهم في الحالات الصعبة، ولا أصعب من هذه الحالة، ولأجل ذلك رفضوا النزول على حكم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورضوا بالنزول على حكم سعد بن معاذ، الأوسي.

فاختيار الخزرج دون أن يكون معهم أوسي واحد، ولا مهاجري واحد، يشير إلى تعمد هذا الإختيار، وإلى أن أمرهم عند النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله "


شديد، وأنه سوف لا يتسامح معهم، وأنه لن تنفع فيهم الشفاعات، ولا مجال لمراعات الخواطر في أمرهم..

ولو أنه خلطهم بغيرهم، ولو من المهاجرين، فلربما يخيل إليهم أن انضمام الخزرج ولو بكثرة لا يشير إلى شيء من ذلك، لأنه قد يكون عفوياً..

ج: ثلاثون رجلاً:

ومما ذكرناه آنفاً يظهر الوجه في تكثير عددهم إلى ثلاثين، إذ لو كان العدد قليلاً: خمسة، أو ستة أو أكثر أو أقل مثلاً، لتخيلوا أن كونهم خزرجيين قد جاء على سبيل الصدفة، لحضورهم في المجلس مثلاً، أو لرابطة شخصية تدفع بعضهم للإلتحاق بالبعض الآخر، أو لغير ذلك من أسباب..

على أن طبيعة المهمة المعلنة لم تكن تحتاج إلى أكثر من رجل أو رجلين لإنجازها، إذ كان يكفي أن يذهب قلة قليلة ليتحسسوا أمر بني قريظة، ليعرفوا إن كانوا في حصونهم، أو خرجوا منها. ولا يجب أن يراهم بنو قريظة!!.

ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد لبني قريظة أن يروا هذه الكثرة، وأن يلتفتوا إلى خصوصيتها الخزرجية..

د: ترك الحصون:

ويبقى هنا سؤال يقول: إن الأمر الطبيعي هو أن يستقر الإنسان في بيته، وفي حصنه، وفي أرضه، فما هو المبرر إذن لتوقع النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله "


أن يكون بنو قريظة قد تركوا حصونهم ـ وقد قال: "تركوا" ولم يقل: خرجوا.

ونجيب:

بأن بني قريظة قد نقضوا العهد باتفاقهم مع المشركين على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكانوا على يقين من أن نتيجة الحرب ستكون لصالح أهل الشرك، وأنهم سوف يتمكنون بمعونة بني قريظة من استئصال شأفة أهل الإيمان، وقتل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وخيار أصحابه..

فهم قد أقدموا على أمر كانوا قد تعاهدوا مع الرسول على عدم الإقدام عليه، فإن فعلوا ذلك فلا بد من الإنتقام منهم بمثل الفعل الذي أقدموا عليه، وسعوا إلى تحقيقه، وهو الإستئصال، والإخراج من الأرض، والقتل، وما إلى ذلك.. فللنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يتوقع منهم أن يتركوا حصونهم، ويهربوا إلى أرض أخرى..

فمقامهم في حصونهم يعد تحدياً سافراً ووقحاً، إمعاناً في البغي، والتجني.. لا سيما وأنها حصون يتمنعون بها ممن أعلنوا أنهم يسعون إلى قتلهم واستئصالهم.

فإن أمكن تبرير البغض والعداوة الدينية أو الثأرية، ولو بما هو غير مقبول ولا معقول، فإن تضحيتهم بالقيم، بارتكابهم جريمة الغدر، ونقض العهود، لا يمكن تبريريها، فكيف إذا جعلوا تلك القيم ثمناً لارتكاب جريمة استئصال مَنْ حَفِظَهم، وراعى جانبهم، ورضي بالتعامل معهم.


الأمر الذي يزيد في قبح هذه الجريمة وبشاعتها وفظاعتها..

فكيف إذا كان من يريدون قتله واستئصاله هو نبي الله، وأنهم يفعلون ذلك سعياً منهم في إطفاء نور الله، وإبطال دينه، وسد أبواب الهداية الإلهية للبشر..

ثم إنهم أمعنوا في بغيهم وعداوتهم حين بادروا إلى إظهار الكلام القبيح في حق رسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، رغم أن المفروض بالمذنب والمعتدي، والناكث للعهود أن يستحي من نفسه، وأن يظهر الندم على ما بدر منه.

الدليل الحسي:

وقد استفاد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من الدليل والشاهد الحسي للبرهنة على ما يخبر به هنا عن المستقبل، وذلك حين قال لعلي (عليه‌السلام ) عن بني قريظة: دعهم، فإن الله سيمكن منهم، إن الذي أمكنك من عمرو بن عبد ود لا يخذلك إلخ..

وكان (عليه‌السلام ) على يقين من ذلك، ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يسمع الناس ذلك، ويفهمهم: أن لله عناية خاصة بعلي (عليه‌السلام ).. وأن قتل عمرو بن عبد ود إنما هو بتمكين من الله تعالى.. وأنه (عليه‌السلام ) موفق من الله تعالى، وغير مخذول.. وأن مصير بني قريظة هو أن يمكن الله منهم علياً (عليه‌السلام )، مقتصراً على ذكر علي (عليه‌السلام )، ولم يضف إليه أحداً، فلم يقل سيمكنني، أو يمكننا، أو يمكن المسلمين أو المؤمنين منهم..


وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن علياً وحده سيأتي بالنصر على بني قريظة، ولن يشاركه فيه أحد.

ويدل على ذلك أيضاً: قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي بعد ذلك: سر على بركة الله، فإن الله قد وعدك أرضهم وديارهم.

ومعنى هذا: أن بني قريظة كانت خالصة لعلي (عليه‌السلام ) لأنه فتحها وحده، ولكن رواية ابن شهرآشوب تقول: "وعدكم أرضهم إلخ..".

وهي لا تنافي ما ذكرناه، فإن الله وعد المسلمين أرضهم، ولكن على يد علي (عليه‌السلام )..

الأوس.. والمهاجرون:

قال الطبرسي، وكذا ابن شهرآشوب: "فدعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام )، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة.

فقام علي (عليه‌السلام )، ومعه المهاجرون، وبنو عبد الأشهل، وبنو النجار كلهم لم يتخلف عنه منهم أحد(1) ..

____________

1- إعلام الورى (ط سنة 1390 هـ) ص93 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص195 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص251 وبحار الأنوار ج20 ص272 و 273 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص52.


فيلاحظ هنا ما يلي:

ألف: تقديم راية المهاجرين:

إن تقديم راية المهاجرين، معناه: أن يتبعها، ويحيط بها المهاجرون أنفسهم، وليذكّر بني قريظة بأنهم قد نقضوا عهدهم، وجروا البلاء لأنفسهم، وأرادوا أن يشاركوا أهل مكة في استئصال محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومن معه، والقضاء على دينه.

وهؤلاء من أهل مكة أيضاً، وعلى رأسهم ابن شيخ الأبطح، وأنبل وأفضل رجل في مكة.. وقد جاء ليفعل بهم نفس ما أرادوا هم وأهل مكة أن يفعلوه بالمسلمين..

ب: بنو عبد الأشهل:

وهؤلاء حلفاؤهم، الأوسيون: ومنهم بنو عبد الأشهل، وهم أحد جناحي المدينة، والذين يأملون أن يجدوا لديهم بعض الرأفة، أو الميل لمساعدتهم، قد جاؤوا أيضاً لحربهم، بل كانوا في طليعة المبادرين لهذه الحرب، ولا بد أن يؤلمهم ذلك غاية الإيلام، وسيزرع ذلك الحسرة والخيبة واليأس في قلوبهم.

د: بنو النجار:

وهؤلاء بنو النجار، وهم من الجناح الآخر في المدينة، فإنهم من الخزرج، قد جاءوا أيضاً لينتقموا منهم، ولن يجدوا فيهم إلا الغلظة


والشدة، ولا شيء يمنعهم من ذلك، أو يخفف من غلوائهم فيه..

إذا رأوني لم يقولوا شيئاً:

ويقول المؤرخون: قدَّم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي بن أبي طالب برايته (العظمى) إلى بني قريظة، وابتدرها الناس.

فسار حتى دنا من الحصون، فسمع منها مقالة قبيحة لرسول الله، فرجع حتى لقي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابيث

(وفي نص آخر: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود).

قال: لِمَ؟! أظنك سمعت منهم لي أذى.

قال: نعم يا رسول الله.

قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً.

فلما دنا منهم (زاد في نص آخر: أمرهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يستروه بجحفهم، ليقوه الحجارة، حتى يسمع كلامهم، ففعلوا)، فناداهم: يا إخوان القردة (والخنازير)، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟!

فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً (أو: ما كنت فاحشاً) الخ.."(1) .

____________

1- عيون الأثر ج2 ص69 وراجع المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج5 ص12 وتاريخ الخميس ج1 ص494 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص245 والسيرة الحلبية ج2 ص333 ومجمع البيان ج8 ص351 وراجع: بحار الأنوار ج20 ص210 و 272 و 273 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص255 و 256 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص226 و 228 والمصنف للصنعاني ج5 ص370 وراجع: دلائل النبوة لأبي نعيم ص438.

وراجع المصادر التالية: إعلام الورى ص93 ومحمد رسول الله سيرتـه وأثـره في الحضارة ص245 و 246 والبداية والنهاية ج4 ص119 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص13 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص52 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص245 وحياة محمد لهيكل ص306 والتفسير السياسي للسيرة ص279 وجوامع السيرة النبوية ص153 وخاتم النبيين ج2 ص946.


ونقول:

أولاً: لم نفهم الوجه في قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لبني قريظة: هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟! فإن شيئاً من ذلك لم يحصل حتى تلك اللحظة، فإنهم كانوا لا يزالون في حصونهم، ولم يقع بينهم وبين أحد قتال ولا هزيمة ولا نصر..

وقد كان بإمكانهم أن يجيبوه بالنفي، بأن يقولوا: نحن في حصوننا، ولم يتغير علينا شيء، ويمكنهم أن يدَّعوا أن خذلان قريش لهم لا يعني نزول النقمة بهم.. بل قد يدعون أنه إذا وقعت الحرب، فسيكون النصر لهم، أو نحو ذلك..

إلا إذا كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول لهم ذلك على سبيل التوقع


بحصوله، ولفت نظرهم إليه..

ثانياً: قوله في الرواية: "إذا رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً" لا ينسجم مع ما جاء من أنهم "أشرفوا عليه وسبوه، وقالوا: فعل الله بك، وبابن عمك وهو واقف لا يجيبهم"(1) .

ثالثاً: إن ما قاله لهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يتضمن فحشاً، ولا سباً، ولا جهالة.. بل هو أراد أن يحذرهم من أن يصيبهم ما أصاب فئة من قومهم، ومن بني إسرائيل، كان الله تعالى قد مسخهم قردة وخنازير، فعليهم أن لا يسيروا على نفس الخط، وأن لا يصروا على نهجهم، ولا يعملوا مثل عملهم، حتى لا ينتقم الله منهم كما انتقم من أولئك.

فهذا الموقف منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في غاية الحكمة والدقة، وليس فيه جهالة، ولا ما يوجب الإستحياء، ولا ما يستوجب سقوط العَنَزَةَ من يده، والرداء عن ظهره كما زعموا.

مبررات لحقد بني قريظة:

تقدم: أن بني قريظة حين جاءهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "سبوه، وقالوا: فعل الله بك، وبابن عمك".

ونقول:

____________

1- إعلام الورى (ط سنة 1390 هـ) ص93 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص195 وبحار الأنوار ص272 و 273.


إن سبب حقد بني قريظة على علي (عليه‌السلام )، والدعاء عليه، هو ما فعله بإخوانهم من بني النضير وبني قينقاع، يضاف إلى ذلك: رؤيتهم آمالهم تتبخر على يديه، بما سجله من نصر مؤزر على أهل الشرك، بقتل أعظم فرسانهم في الخندق، بالإضافة إلى ما فعله فيهم في أحد وبدر قبل ذلك..

ثم هم يتوقعون أن يواجهوا مصيرهم الأسود على يديه المباركتين..

ولا بد أنهم قد لاحظوا: أن سائر من كان مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن له أثر يذكر في أي من المواقف الصعبة، بل ربما كان أثر بعضهم سلبياً وخطيراً على الإسلام وعلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أحيان كثيرة.. فعلي (عليه‌السلام ) هو المحور، وهو الأساس بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

علي (عليه‌السلام ) يحمد الله:

ويلاحظ هنا: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يفرح بغير رضا الله تبارك وتعالى، ولم ينسب ما جرى على يديه إلى نفسه، فلم يقل: انتصرت على عدوي، بل قال: إن الله هو الذي فعل هذا.

كما أنه (عليه‌السلام ) لم يكن في جهاده هذا وموقفه ذاك يدافع عن نفسه، ولا عن غيره من الناس، ولا عن أموالهم وأعراضهم.. وإنما كان يريد إظهار الإسلام، وقمع الشرك..

ولم يكن يرى أنه حين حقق ذلك الإنجاز الكبير يستحق ثناءً، وحمداً، بل هو ينشئ الحمد كله لله تبارك وتعالى.. وهذا كله هو ما يفيده قوله (عليه‌السلام ): "الحمد لله الذي أظهر الإسلام، وقمع الشرك".


علي (عليه‌السلام ) ينتصر بيقينه:

وقد صرح علي (عليه‌السلام ) بأنه كان على يقين بالنصر، فقال: "فسرت مستيقناً لنصر الله عز وجل، حتى ركزت الراية في أصل الحصن..".

فهو لم يقل مستيقناً بالنصر، بل نسب النصر إلى الله. كما أنه أراد أن يعلم الناس باستيقانه بالنصر، ليكون درساً لهم، لتضمنه التدليل على تسليمه وتصديقه لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وهذا يجب أن يكون شيمة كل مسلم.

علي (عليه‌السلام ) ضرب أعناقهم:

ذكرنا أكثر من مرة، ولا سيما في غزوة بدر أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يقدم أهل بيته في الحروب، ويعرضهم للأخطار لأكثر من سبب، وهو هنا يأمر علياً بأن يتولى قتل بني قريظة بعد أخذهم، جزاء إجرامهم الذي لم يقف عند حد..

وسبب ذلك أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يحصر المشكلة ويحاصرها، فهو يحصرها هنا وفي كل موطن في علي (عليه‌السلام )، فهو الذي قتل صبراً عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ومعاوية بن المغيرة، وأبا عزة الجمحي، وبني قريظة.. وكل من استحق القتل، فأمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقتله!!

وذلك لأنه كان يعلم: أن العرب لا تنسى ثاراتها بسهولة، وهي تثأر


من الغريم، ومن كل من له صلة به، ولم يكن يمكن إشاعة الثارات بين القبائل، لأن ذلك سيؤدي إلى انفراط عقد المجتمع الإسلامي وتمزقه، وتلاشي كل نبضات الحياة فيه، ولم يكن غير علي قادراً على تحمل ذلك.. والتعامل معه بحكمة وروية.. فآثر حصر هذا الموضوع فيه (عليه‌السلام )، وهكذا كان..

الخيار يقتلون الأشرار:

وتقدم: أن حيي بن أخطب أقيم للقتل بين يدي أمير المؤمنين وهو يقول: قتلة شريفة بيد شريف.

فقال له علي (عليه‌السلام ): إن خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرار الناس يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الخيار الأشراف، والسعادة لمن قتله الأراذل الكفار.

فقال: صدقت.

فنلاحظ:

1 ـ إعتراف هذا اليهودي بشرف علي (عليه‌السلام )، وبأن الشريف يقابله الشرير، وهذه شهادة منه على نفسه بأنه من الأشرار، وشهادة منه لعلي بأنه من الأشراف.

وإذا كان قد صدَّق بالمعادلة التي أوردها علي (عليه‌السلام )، وهي أن الأشرار يقتلهم الأخيار، فإنه يكون قد اعترف أيضاً بأن علياً (عليه‌السلام ) من الأخيار..


2 ـ إن المعادلة التي أوردها علي (عليه‌السلام )، واعترف بصحتها ذلك اليهودي المعاند، رغم أن ذلك في غير صالحه.. هي معادلة واقعية وصحيحة، فإن الشرير يندفع لقتل الأخيار، لأنه يحقد عليهم ويعاديهم، لمنافرة حاله مع حالهم، ومناقضة واقعه وكل وجوده مع كل وجودهم وواقعهم، وهو يراهم حجر عثرة في طريقه، فيسعى لإزاحته والتخلص منه، لشدة أنانيته من جهة، ولحقده البالغ من جهة أخرى..

كما أن الأخيار حين يرون أن وجود الأشرار معناه إشاعة الموت والفناء والتلاشي، ويقضي على كل نبضات الحياة، ويهاجم مختلف مصادر الخير والعطاء، ويذهب بكل موجبات الفلاح والنجاح فيها، فإنه يندفع أيضاً لإزاحته من الطريق، لأنه يريد للبشرية أن تحيا، وللخير أن يستمر ويتنامى..

شكوك في حديث ابن أخطب:

أما ما ذكروه عن حيي بن أخطب، وشعر أمير المؤمنين، فهو موضع ريب أيضاً، يضاف إلى ذلك بعض الأمور الأخرى، التي نجملها في الملاحظات التالية:

الأولى: بالنسبة للشعر المنسوب إلى علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) نقول: إنه ليس في المستوى الذي يؤهله، لأن ينسب إلى أمير البيان، وسيد الفصحاء والبلغاء، أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وذلك واضح بأدنى تأمل.

الثانية: إن التجاء حيي بن أخطب إلى القدر والقضاء لتبرير ما يتعرض له هو وبنو قريظة ليس له ما يبرره، إلا إرادة التبرير والتزوير للحقيقة. ومحاولة


التنصل من المسؤولية، بإلقاء اللوم على الله سبحانه، الذي لم يأمره بأن يتآمر، ولا رضي منه أن ينقض العهود والمواثيق، ولا طلب منه ومن أصحابه أن يواجهوا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالحرب، وهم يعرفون صدقه، وصحة نبوته كما يعرفون أبناءهم، ويجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.

وإذا كان لكلام حيي هذا أساس من الصحة، فصحته تكمن في أنه يبين أن الله سبحانه قد قدَّر على الباغي، والناكث، والمكذب للصادقين، وقتلة الأنبياء: أن يُقْتَل جزاء ذلك البغي، والنكث، والتكذيب.

الثالثة: ذكروا: أن جبل بن جوال الثعلبي هو الذي قال:

لعمرك مـا لام ابن أخطب نفسه

ولكــنه مـن يخــذل الله يخـذل(1)

ولكننا نرجح: أن يكون حيي بن أخطب نفسه هو الذي قال هذا الشعر كما ذكر البعض(2) .

بل ذكرت بعض النصوص: أن علياً (عليه‌السلام ) سأل الذي جاء بحيي: ما كان يقول وهو يقاد إلى الموت؟!

فقال: كان يقول:

____________

1- دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص23

2- تفسير القمي ج2 ص191 و 192 وبحار الأنوار ج20 ص237 ومقاتل الطالبيين ص312 والإرشاد (ط دار المفيد) ج1 ص112 وتاريخ الأمم والملوك ج6 ص451 وفي دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص23 قال: "وبعض الناس يقول: حيي بن أخطب قالها" وكذا في الإصابة ج1 ص222 و (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص563.


لـعـمرك ما لام ابن أخطب نفسـه

ولكنه مـن يَخــــذل الله يُخـــذل

فجاهـد حتى أبلغ النفس جهدهـا

وحاول يـبـغي العز كل مقلقل(1)

وهي بحيي أنسب منها بجبل بن جوال، خصوصاً إذا كان جبل قد أسلم قبل قتل حيي وبني قريظة، فإنه بعد أن أسلم لم يكن ليرثي حيي بن أخطب بهذه الأبيات.

الرابعة: إننا نلمح في هذه الروايات، كما هو في غيرها، قدراً من الاهتمام بإظهار مزيد من القوة والثبات لدى اليهود، والصبر على مواجهة المصاب الكارثة، ثم المزيد من التأكيد على أنهم قد اختاروا الموت كراماً على الخضوع لما يخالف قناعاتهم.. وهذا هو أحد سبل تزوير الحقيقة، وتشويه التاريخ الصحيح..

الفتح على يد علي (عليه‌السلام ):

قد تقدم: أن بني قريظة قد طارت قلوبهم رعباً من علي (عليه‌السلام ) حين قدم إليهم، ونزيد هنا:

ان الزبير بن بكار، يذكر لنا في كتاب المفاخرات نصاً يفيد: أنه قد جرى في قريظة كالذي جرى في خيبر.

____________

1- بحار الأنوار ج20 ص263 وكشف الغمة ج1 ص208 والإرشاد للمفيد ص265 و (ط دار المفيد) ج1 ص112 والدر النظيم ص170.


فقد ذكر ابن بكار مناظرة جرت بين الإمام الحسن (عليه‌السلام ) وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، عند معاوية، فكان مما قاله لهم الإمام الحسن (عليه‌السلام ):

"وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون.. أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث علياً بالراية، فاستنزلهم على حكم الله، وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها"؟!(1) .

وقال القاضي النعمان مشيراً إلى جهاد علي (عليه‌السلام ) في بني قريظة: "وانصرف رسول الله صلوات الله عليه وآله على بني قريظة، فقتلهم، وسبى ذراريهم، وكان ذلك بصنع الله لرسوله صلوات الله عليه وآله، وللمسلمين، وبما أجراه الله على يدي وليِّه علي صلوات الله عليه، وكان مقامه ذلك من أشهر المقامات وأفضلها"(2) .

تفاصيل يحسن الوقوف عليها:

ويروي المؤرخون: أنه لما تباطأ اليهود في إجابة طلب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالتسليم، والنزول على حكمه، صاح علي بن أبي طالب قائلاً:

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص289 والغدير ج10 ص168 وأعيان الشيعة ج1 ص574 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص212 وج26 ص541.

2- شرح الأخبار ج1 ص299 والإرشاد للمفيد ص66 فإنه ذكر ما يقرب من هذا أيضاً.


"يا كتيبة الإيمان".

وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: "والله، لأذوقن ما ذاق حمزة أو اقتحم (أفتحن) حصنهم".

(فخافوا، وقالوا: ننزل على حكم سعد).

فأرسل اليهود إلى حلفائهم من الأوس: أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم بني قينقاع الخ.."(1) .

ونقول:

ليلاحظ القارئ: حشر اسم الزبير في هذا المقام!!

وقال ابن الحجاج:

____________

1- محمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص247. وراجع المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص257 و 251 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص721 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص16 وعيون الأثر ج2 ص73 والبداية والنهاية ج4 ص139 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص234 وخاتم النبيين ج2 ص929 وتاريخ الإسلام السياسي ج1 ص121 وذخائر العقبى ص99 وإمتاع الأسماع ج8 ص377 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص266.


أنا مــولى الـكرار يوم حنين

والظبا قـد تحكمت في النحورِ

أنا مولـى لمن به افـتتح الإس‍

لام حصني قريـظـة والنضير

والذي علـم الأرامل في بـدر

على الـمشركين جز الشـعـور

من مضــت ليلة الهرير وقتلاه

جزافـاً يحصون بـالتكبـير(1)

وسام الفتح:

ويحدثنا التاريخ: أن جماعة من الصحابة اعترضوا على أبي بكر على إقدامه على غصب الخلافة من علي بعد وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وكان أول من تكلم منهم خالد بن سعيد بن العاص الأموي، فقال له: "اتق الله، وانظر ما تقدم لعلي بن أبي طالب، أما علمت أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لنا، ونحن محدقون به، وأنت معنا في غزاة بني قريظة، وقد قتل علي (عليه‌السلام ) عدة من رجالهم.

(وعند البياضي: وقد قتل علي رجالهم.

وعند ابن طاووس: وقد قتل علي (عليه‌السلام ) عشرة من رجالهم، وأولي النجدة منهم): وكان الذين يحدقون به (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) آنئذٍ: جماعة من ذوي القدر والشأن من المهاجرين والأنصار:

"يا معاشر قريش، إني أوصيكم بوصية فاحفظوها عني، ومودعكم أمراً، فلا تضيعوه، إن علي بن أبي طالب إمامكم من بعدي، وخليفتي فيكم، وبذلك أوصاني جبرئيل عن الله عز وجل.."(2) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص99 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص356 وأعيان الشيعة ج5 ص434.

2- راجع المصادر التالية: الإحتجاج (ط سنة 1313 ه‍. ق) ج1 ص190 و 191 و 300 والصراط المستقيم ج2 ص80 و 82 وقاموس الرجال ج3 ص476 و 478 و 479 والخصال ج2 ص462 و 463 واليقين في إمرة أمير المؤمنين ص108 ـ 110 عن أحمد بن محمد الطبري، المعروف بالخليلي، وعن محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ في كتابه: مناقب أهل البيت "عليهم‌السلام " وبحار الأنوار ج28 ص210 و 211 و 214 و 219 ورجال البرقي ص63 و 64.


ونقول:

إننا نشير هنا إلى ما يلي:

1 ـ اتضح مما تقدم: أن القتال الذي حصل يوم فتح قريظة لم يكن مجدياً، بل كان مخزياً، إلا ما كان من قتال علي (عليه‌السلام )، فإنه هو الذي كان الفتح على يديه، دون كل أحد سواه، وذلك بعد أن بعث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فهزمهم بنو قريظة، تماماً كما جرى في خيبر..

2 ـ إن قول القاضي النعمان عن علي (عليه‌السلام ): "وكان مقامه ذلك من أشهر المقامات" يثير الدهشة، حيث نرى أن هذا الأمر قد تم تجاهله، أو التعتيم عليه، حتى زال وتلاشى، وطمست معالمه فلم يعد يعرفه أحد.

وهذا يدل على أنه ثمة خيانة كبيرة تعرض لها تاريخ الإسلام الصحيح، وتاريخ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته (عليه‌السلام ).

3 ـ إن حشر إسم الزبير بن العوام في حديث إستسلام بني قريظة ليس


له أي مبرر، فإن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي أرسله النبي بالراية إليهم، بعد إرسال أكابر أصحابه، وهو الذي تهدد بني قريظة بقوله: لأذوقن ما ذاق حمزة، أو أقتحم حصنهم، فخافوا ونزلوا على حكم سعد.

وهو (عليه‌السلام ) الذي قتل عشرة من رجالهم، وأولي النجدة فيهم أو قتل رجالهم، وليس للزبير أي دور في ذلك.

ولأجل ذلك لم يقل أحد: إنه شارك في فتح بني قريظة، أو كان له أي نصيب فيه، بل خصصوا علياً دون سواه بهذا الفضل..

فإن كان للزبير دور فلعله دور الهزيمة، إن كان يُعْتَبَر من أكابر الأصحاب الذين يقول النص: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسلهم إلى بني قريظة، فهزموا، وذلك قبل أن يرسل علياً (عليه‌السلام ) إليهم، فيفتح الله على يديه..

4 ـ يبدو من النصوص أن ما جرى كان على هذا الترتيب: إن علياً (عليه‌السلام ) قتل طائفة من رجال قريظة، وذوي النجدة فيهم، وهم عشرة فرسان، ثم حاصرهم النبي والمسلمون، ثم بعث (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أكابر أصحابه إليهم، فنزلوا من حصنهم إليهم، فهزموهم.

ثم بعث علياً (عليه‌السلام ) بالراية، فحاصرهم، وقهرهم، واستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، فنزلوا حتى حكم فيهم ابن معاذ، وفعل في خيبر مثلها، قال ابن واضح اليعقوبي: "وقتل من بني قريظة، ثم تحصنوا


فحاصرهم"(1) .

وصية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالإمام والإمامة:

أما بالنسبة لوصية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المسلمين بعدم تضييع إمامة علي (عليه‌السلام )، فنشير إلى ما يلي:

1 ـ إن هذه الوصية كانت بعد قتل علي (عليه‌السلام ) فرسان بني قريظة.. ثم كان الفتح بعد ذلك على يده (عليه‌السلام ).

2 ـ إن الذين حضروا هذه الوصية يفترض أن يكونوا من المهاجرين، ومن الأنصار، ومن مختلف القبائل، ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجه كلامه فيها إلى خصوص قريش، مما يدل على أنه يتوقع من قريش موقفاً ذا طابع معين، يريد منها أن تعيد النظر فيه، أو يريد أن يحرجها فيه، بإسماعه الآخرين أمراً يمكنهم مطالبتها به في الوقت المناسب.

وقد يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد علم بالوحي، ويمكن أن يكون قد بلغه بأن لدى قريش نوايا معينة، تكونت، أو هي في طور التكوين تجاه ما سمعته من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حق علي في المواقف المختلفة عن المقام الذي حباه الله به، وأن ثمة رفضاً باطنياً لهذا الأمر.. وهذا ما دلت عليه نصوص عديدة..

3 ـ إن هذه الوصية إنما تصبح ذات تأثير، ولها تبريرها المعقول

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص52.


والمقبول حين يكون علي (عليه‌السلام ) قد حقق إنجازاً عظيماً عَجَزَ عنه المعنيون المخاطبون بهذه الوصية، وهم جماعة من ذوي القدر والشأن من المهاجرين والأنصار، وهم الذين لهم نفوذهم وكلمتهم المسموعة في الناس، إلى حد أن موقعهم هذا يجعلهم يطمحون إلى مواقع ومقامات، وإلى الحصول على إمتيازات لا يطمح لها، ولا يطمع بها غيرهم..

وهم الذين يتوقع منهم الإبتلاء بداء الحسد البغيض، لمن هو جدير حقاً بتلك المقامات والمناصب..

4 ـ والإنجاز الذي حققه علي (عليه‌السلام ) في هذه الغزوة كان عظيماً، وهذه الوصية ستكون أعظم نفعاً، وأشد وقعاً، لأن أولئك الطامحين ليس فقط قد أخفقوا للتوّ في تحقيق نفس ذلك الذي تحقق على يد من يحسدونه ويتآمرون عليه، وإنما هم قد مثلوا هذا الإخفاق وجسدوه ضمن خطيئة كبرى تجلب لهم العار في الدنيا والآخرة، وهي جريمة الفرار من الزحف الذي هو من عظائم الذنوب..

وإرتكاب هذه الخطيئة سوف يلجمهم، ولا يبقى لهم مجالاً للجهر بالإعتراض على هذا القرار الإلهي النبوي، ويحد من قدرتهم على تسميم الأفكار، وبلبلة الخواطر، والتشكيك في صوابية ما يريده الرسول منهم، ويأمرهم بمراعاته والإلتزام به.

5 ـ إن تسجيل موقف في لحظة وقوع حدث هائل يجعل الإنسان أكثر انشداداً إليه، وذاكرته تصبح أكثر استعداداً للإحتفاط به، كما أنه يعطيه بعداً مشاعرياً يميزه عما عداه.


ولذلك نلاحظ: أن خالد بن سعيد بن العاص لما رأى أن تلك الوصية خولفت بادر إلى التذكير ، والمطالبة بالإلتزام بها.

6 ـ لقد حصر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عواقب نقض تلك الوصية بثلاثة أمور، هي:

ألف: الإختلاف في الأحكام.

ب: اضطراب أمر دينهم عليهم.

ج: أن يليهم شرارهم.

وهي أمور خطيرة وحساسة، تلامس بصورة مباشرة سعادتهم في الدنيا والآخرة، لأن ولاية الأشرار تضر بأمنهم في الدائرة الأوسع: الأنفس والأعراض والأموال، ثم هي تفقدهم الثقة بسياسات حكامهم، وبسلامة نواياهم، وبصحة وصوابية قراراتهم، وتفقدهم القدرة على التخطيط السليم للمستقبل، وتضعهم في مهب رياح الأهواء، وتكون قراراتهم غبية، ومرتجلة، وعشوائية. وتتهيأ الفرصة لغيرهم ليتدخل في شؤونهم، ويتحكم في مصيرهم بما ينسجم مع مصالحه وأهوائه..

وذلك هو الخسران المبين في الحياة الدنيا..

كما أن إبعاد من نصبه الله ولياً، وإماماً، وحاكماً عن موقعه الطبيعي، يحرمهم من قسط كبير مما كان يمكن أن يوفره لهم من تربية وتعليم، وهداية، وتهذيب، وتزكية، كما أنه يؤدي بهم إلى الإختلاف في الأحكام، لأن ترك الإمام، وإبعاده عن مقامه يجعل الناس بمثابة غَنَمٍ غاب عنها


راعيها، وفقدت في غابات الجهالات والضلالات حافظها وحاميها.

وسيجعلهم ذلك نهبة لكل ناهب، وطعمة لكل سالب، ولن ينتفعوا بما يقدمه لهم الآخرون، لأن الآخرين لن يكونوا أحسن حالاً منهم، وليس لديهم ضمانة تجعلهم يأمنون من أن يقع من يريدون اللجوء إليه في الزلل، والخطأ، والخطل..

وسيجعلهم غير قادرين على معرفة الكثير الكثير من الحقائق والدقائق، والعلل، والمؤثرات، بل هم قد يفهمون الأمور على غير وجهها، فيقعون في فخ الجهل المركب، الذي لا يرحم، فيفهمون الخاص عاماً والعام خاصاً، والمطلق مقيداً، وعكسه، وتختلط عليهم الأمور، ويضيعون في متاهات الأهواء..

وقد روي عن الإمام الحسن (عليه‌السلام ) عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه قال: "ما ولت أمة أمرها رجلاً قط، وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا.."(1) .

____________

1- أمالي الطوسي ج2 ص172 و (ط دار الثقافة) ص560 و 566 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص219 وج2 ص8 وبحار الأنوار ج10 ص143 وج30 ص323 وج31 ص418 وج44 ص22 و 63 وج69 ص155 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص66 ومستدرك الوسائل ج2 ص247 وج11 ص30 والعدد القوية ص51 وينابيع المودة ج3 ص369 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص336 وج2 ص262 والتعجب للكراجكي ص58 وحلية الأبرار ج2 ص77 و 80 ومدينة المعاجز ج2 ص87 والغدير ج1 ص198 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص467 والدر النظيم ص500 وصلح الحسن للسيد شرف الدين ص287.


والدلائل على ذلك كثيرة ووفيرة.

الدنيا تعير المحاسن وتسلبها:

وهناك أحداث جليلة تُبْذَل محاولات لنسبتها إلى من أثبتت الوقائع، وتضافرت الشواهد على أنه ليس أهلاً لها، وأمور رذيلة تبذل محاولات لنسبتها إلى من هو منزه عنها..

وقد لاحظنا: كيف أنهم ينسبون فضائل علي (عليه‌السلام ) إلى غيره، مثل كونه أول من أسلم، وكونه قاتل مرحب، وغير ذلك، كما أنهم يحاولون نسبة بعض النقائص التي ابتلى بها غير علي إلى علي (عليه‌السلام )، حتى لقد ادعوا أن آية:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) (1) نزلت بحقه(2) .

____________

1- الآية 204 من سورة البقرة.

2- راجع المصادر التالية: النصائح الكافية ص76 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص73 والغارات للثقفي ج2 ص840 وفرحة الغري لابن طاووس ص47 وكتاب الأربعين للشيرازي ص384 وبحار الأنوار ج33 ص215 وكتاب الأربعين للماحوزي ص386 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص263 وشجرة طوبى ج1 ص97 والغدير ج11 ص30 وإكليل المنهج في تحقيق المطلب للكرباسي ص290 وإحقاق الحق (الأصل) ص196 وسفينة النجاة للتنكابني ص303 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج2 ص156.


بل لقد قالوا عنه (عليه‌السلام ): إنه لا يصلي(1) .

وهذا مصداق قول أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): "إذا أقبلت الدنيا على شخص أعارته محاسن غيره.. وإذا أدبرت سلبته محاسن نفسه"(2) .

وربما يكون الهدف من نسبتها إلى هذا وذاك: تصغير شأن العظيم، وتفخيم شأن الحقير، وذلك بالتشكيك بصدور تلك الفضائل عن فاعلها الحقيقي ونسبتها إلى من يرغبون في تخصيصه بالفضائل والكرامات.. أو يراد إبعاد الشبهة عن المرتكب الحقيقي لبعض الرذائل، فينسبونها إلى من هو برئ منها، تعمداً للإساءة إليه، أو حسداً أو كيداً له، حيث يراد تلويث سمعته تارة، وإثارة الشبهة والريب في انتساب الإنجازات الكبرى التي حققها، إليه تارة أخرى..

وربما تجدهم من أجل هذا الغرض أو ذاك، وحيث لا يمكنهم الإنكار السافر ـ يكتفون بدس كلمة: وقيل: إن فلاناً هو الذي فعل هذا، أو نحو ذلك.

____________

1- المعيار والموازنة ص160 وتاريـخ الأمم والملـوك (ط مؤسسة الأعلمي) ج4 = = ص30 والكامل في التاريخ ج3 ص313 وصفين للمنقري ص354 وبحار الأنوار ج33 ص36 والغدير ج9 ص122 و 290 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص752

2- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج4 ص4 وبحار الأنوار ج72 ص357 ودستور معالم الحكم لابن سلامة ص25 وينابيع المودة ج2 ص233.


ونستطيع أن نورد عشرات الأمثلة على هذا الدس، غير أننا نكتفي بما يلي:

ألف: قالوا عن آية الشراء: نزلت في علي (عليه‌السلام ) في مناسبة مبيته على فراش النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وآية الشراء هي قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) .

ثم قالوا: وقيل: نزلت في صهيب(2) .

____________

1- الآية 207 من سورة البقرة.

2- المعجم الكبير للطبراني ج8 ص29 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص729 و 732 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص254 ومعاني القرآن للنحاس ج1 ص152 وتفسير مقاتل ج1 ص108 وجامع البيان ج2 ص437 والجامع لأحكام القرآن ج3 ص20 وتفسير البيضاوي ج1 ص491 وتفسير الثوري ص66 وأسباب نزول الآيات ص39 و 40 وتفسير الواحدي ج1 ص160 وتفسير البغوي ج1 ص182 وتفسير السمعاني ج1 ص209 وتفسير الثعلبي ج2 ص124 وتفسير السمرقندي ج1 ص163 والمحرر الوجيز ج1 ص281 وزاد المسير ج1 ص203 وتفسير أبي السعود ج1 ص211 والتفسير الكبير ج5 ص223 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص40 وتفسير العز بن عبد السلام ج1 ص204 والتسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص76 وتنوير المقباس ص28 وتفسير الجلالين ص43 والإتقان في علوم القرآن ج2 ص385 والعجاب في بيان الأسباب ج1 ص524 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص228 وتاريخ مدينة دمشق ج24 ص222 و 229 وسير أعلام النبلاء ج2 ص22 وتاريخ المدينة لابن شبة ج2 ص480 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص46 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص192 وج3 ص161 والوافي بالوفيات ج16 ص195 وبحار الأنوار ج22 ص353 وتفسير الميزان ج2 ص99 وقاموس الرجال ج10 ص360 وصفين للمنقري ص324.


ب: لا شك في أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي قتل نوفل بن عبد الله في حرب الخندق أو لحق بهبيرة بن وهب وضربه ففلق هامته.. ولكنهم أضافوا إلى ذلك قولهم: وقيل أن الزبير فعل ذلك.. وقد ذكرنا أننا نشك في صحة ذلك عنه.

ج: ومن ذلك اهتمامهم الشديد بتبرئة أبي لبابة، وادعاء توبته مما صدر منه، أو التخفيف من وقع خيانته لله ولرسوله، حين أشار إلى بني قريظة أن لا ينزلوا على حكم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حتى لقد أنزلوا فيه الآيات، وذكروا له الكرامات، بل زعموا أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان استعمله على قتال بني قريظة، ثم لما صدرت منه الخيانة استبدله بابن حضير.. ونحن نعلم: أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي قاتلهم، وقتل فرسانهم، وذوي النجدة منهم..

إلا أن يكون أبو لبابة وأسيد بن حضير كانا في جملة أعيان الصحابة الذين هزمهم بنو قريظة شر هزيمة!!

د: ما ذكروه من مشاركة الزبير وغيره في ضرب أعناق بني قريظة(1) ،

____________

1- راجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص52 ونهاية الأرب ج17 ص193 وشرح بهجة المحافل ج1 ص275 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص18 وتاريخ الخميس ج1 ص498 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص254 والسيرة الحلبية ج2 ص240 والمغازي للواقدي ج2 ص513 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص22 وتفسير الثعلبي ج8 ص28 وتفسير البغوي ج3 ص524.


أو إستقلال سعد بن معاذ في ذلك(1) ، مع أن العديد من العلماء يقولون: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تقدم إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بضرب أعناقهم في الخندق، فأخرجوا أرسالاً(2) .

وفي كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عشرات الموارد التي تدخل في هذا السياق، ولكنها تبقى مجرد رذاذ من قطر، أو نقطة من نهر، أو غَرْفة من بحر.

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص516.

2- المغازي للواقدي ج2 ص515 و 516 والإرشاد (ط دار المفيد) ج1 ص111 وبحار الأنوار ج20 ص263 وكشف الغمة ج1 ص208 وكشف اليقين ص135. وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص252 وإعلام الورى ص93 و 94 والدر النظيم ص169 وإمتاع الأسماع ج1 ص247 ومجمع الزوائد ج6 ص140 عن الطبراني والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص18 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص23 والسيرة الحلبية ج2 ص340 و 341.


تصحيح خطأ:

قالوا: وكان علي (عليه‌السلام ) هو الذي ضرب في بني قريظة "أعناق اليهود، مثل حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف"(1) .

والصحيح: كعب بن أسد، لأن ابن الأشرف كان قد قتل قبل ذلك بزمان، مضافاً إلى أن ابن الأشرف كان من بني النضير، لا من بني قريظة.

إلا أن يكون مراده: أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي قتل ابن الأشرف أيضاً، ثم زور المزورون للتاريخ هذه الحقيقة، فنسبوا قتله إلى غير علي (عليه‌السلام )، حسداً منهم، وحقداً، وبغياً عليه.

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص97 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 وإعلام الورى ج1 ص382 وبحار الأنوار ج41 ص67.



الفصل السادس :

من المريسيع.. وحتى الحديبية..




بـدايـة:

ومن الأحداث التي جرت بعد غزوة بني قريظة غزوة بني المصطلق في المريسيع، وكان لعلي (عليه‌السلام ) فيها أيضاً المقام المشهود، ونذكر هنا ما جرى في هذه الغزوة، فنقول:

أبو بكر وعمر في المريسيع؟!:

قالوا: إن راية المهاجرين كانت في المريسيع مع أبي بكر(1) .

وزعموا: أن عمر بن الخطاب كان على مقدمة الجيش في غزوة المريسيع(2) .

ونقول:

إن هذا غير صحيح، فلاحظ ما يلي:

1 ـ إن جعل عمر مقدمة الجيش في غزوة المريسيع ربما يكون قد جاء للتشويش على علي (عليه‌السلام ) من جهة، وإعطاء شيء من الأوسمة لغيره من جهة أخرى، إذ إن من يكون على مقدمة الجيش هو رمز صمود

____________

1- راجع: عمدة القاري للعيني ج 13 ص 102.

2- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص270.


الجيش، ولا بد أن يكون من الفرسان المعروفين، وممن يرهب جانبهم، ولم يكن عمر بن الخطاب كذلك، فقد كانت الخصوصية الظاهرة فيه هي فراره في المواطن، وتحاشيه مواضع الخطر في المعارك، وما جرى في أحد، ونكوصه عن عمرو بن عبد ود في الخندق، وفِراره في بني قريظة. وسيأتي أنه فر في خيبر وحنين وسواها شاهد صدق على ما قلناه.

2 ـ قلنا أكثر من مرة: إن علياً (عليه‌السلام ) كان صاحب راية ولواء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المشاهد كلها، باستثناء تبوك، التي لم يحضرها كما سنرى.

3 ـ قال خواند أمير: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى راية المهاجرين لعلي (عليه‌السلام )، وراية الأنصار لسعد بن عبادة، وعمر على المقدمة، وعلى الميمنة زيد بن حارثة، وعلى الميسرة عكاشة بن محصن(1) .

لكن هذا النص غير سليم، فقد تقدم: أن جعل عمر بن الخطاب على المقدمة لا مجال لقبوله..

يضاف إلى ذلك: أن البعض يقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) استخلف زيد بن حارثة على المدينة في هذه الغزوة(2) .

____________

1- حبيب السير ج1 ص357.

2- أنساب الأشراف ج1 ص342 وإمتاع الأسماع ج1 ص202 وج8 ص369 وبحار الأنوار ج20 ص295 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص63 وج3 ص45 والوافي بالوفيات ج15 ص17 وتاريخ مدينة دمشق ج19 ص358 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص5 وعمدة القاري ج13 ص102.


4 ـ ذكر البعض: أن راية المهاجرين كانت مع عمار بن ياسر(1) . ونحن وإن كنا نرجح ما قاله خواند أمير من أن راية المهاجرين كانت مع علي (عليه‌السلام ). إلا أنا نقول: إن القول بأنها كانت مع عمار يضعف ادعاء أنها كانت مع أبي بكر.

أما لواء الجيش ورايته فقد كانتا مع علي أمير المؤمنين، حسبما أثبتناه في غزوتي بدر وأحد.

المقتولون من بني المصطلق:

وأما عن المقتولين من بني المصطلق، فقد:

قالوا: إن علياً (عليه‌السلام ) قتل منهم رجلين: مالكاً، وابنه(2) .

____________

1- السيرة الحلبية ج2 ص279 والمغازي للواقدي ج1 ص407 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص297 والبداية والنهاية ج4 ص92 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص178 وإمتاع الأسماع ج1 ص203 وج7 ص167 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص345 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج1 ص266 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص48.

2- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص263 وحبيب السير ج1 ص358 والمغازي للواقدي ج1 ص407 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص306 والبداية والنهاية ج4 ص158 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص302 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص48 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص173 و 355 وج2 ص333 وبحار الأنوار ج41 ص67 و 96 ونهج الحق ص250.


وقتل أبو قتادة: صاحب لواء المشركين، وكان الفتح(1) .

ونحن لا نستطيع تأكيد ذلك أو نفيه، فالمغرضون يهمهم التلاعب في بعض الأمور، وقد يكون هذا منها. ولعل مالكاً كان هو صاحب لواء المشركين.

على أن ذلك لوصح، لذكروا لنا اسم صاحب لواء المشركين الذي قتله أبو قتادة للتدليل على إنجاز أبي قتادة هذا.

جويرية بنت الحارث:

وفي المريسيع سبا علي (عليه‌السلام ) جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية، ثم المصطلقية(2) وهي التي تزوجها رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله ".

____________

1- حبيب السير ج1 ص358 والمغازي للواقدي ج1 ص407 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص48.

2- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص263 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص173 وكشف اليقين ص136 والإرشاد (ط دار المفيد) ج1 ص117 وبحار الأنوار ج20 ص289 و 307 وراجع ص281 و 290 و 296 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص72 والدر النظيم ص170 وكشف الغمة ج1 ص208 ومنهاج الكرامة ص167 ونهج الحق ص250 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص334 والسيرة الحلبية ج2 ص280.


وقتل (عليه‌السلام ) مالكاً وابنه(1) .

وَتَعِيَهَا أذُنٌ وَاعِيَةٌ:

وزعموا: أن آية:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (2) نزلت في زيد بن أرقم، في غزوة المريسيع، حيث إنه سمع عبد الله بن أبي يقول: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يقصد بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فأخبر زيد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما سمع..

وفي الكشاف: ونزل فيه قوله تعالى:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) وصار يقال لزيد: ذو الأذن الواعية(3) .

ونقول:

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص263 وكشف اليقين ص137 ونهج الحق ص250 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص173 و 355 وج2 ص333 وبحار الأنوار ج41 ص66 و 96 وراجع المصادر المتقدمة.

2- الآية 12 من سورة الحاقة.

3- السيرة الحلبية ج2 ص291 و (ط دار المعرفة) ج2 ص603 وسيرة مغلطاي ص56.


إن ذلك لا يصح:

أولاً: لتناقض الروايات في من أخبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمقالة ابن أبي، هل هو زيد بن أرقم، أو سفيان بن تيم، أو أوس بن أرقم، أو عمر بن الخطاب، وثمة تناقضات أخرى فلا بأس بمراجعتها(1) .

ثانياً: إن قوله تعالى:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) قد نزلت قبل الهجرة في ضمن سورة الحاقة، ويقال: كان ذلك قبل أن يسلم عمر بن الخطاب(2) .

ثالثاً: إن سياق الآيات لا يؤيد نزول الآية في زيد بن أرقم، لأن الآية تذكر ما جرى لقوم عاد وثمود، وفرعون، والمؤتفكات..

إلى أن تقول:( إِنَّا لـَمَّا طَغَى المُاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ، لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (3) . أي تعيها أذن تحصي هذه العبر والعظات، والأحداث العظام وتحفظها.. وهذا لا ينسجم ولا ربط له بما حدث مع زيد وابن أبي، لو صح ما يقال أنه جرى بينهما..

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج12 فصل: "ليخرجن الأعز منها الأذل".

2- الدر المنثور ج6 ص258 و 260 عن البيهقي، وابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي، وأحمد، عن ابن عباس، وابن الزبير، وعمرو. وراجع: تفسير الآلوسي ج29 ص39 والإصابة ج4 ص486 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص17.

3- الآيتان 11 و 12 من سورة الحاقة.


رابعاً: روي عن علي (عليه‌السلام ) وعن بريدة، ومكحول، وأبي عمر بن الأشج، وهو عثمان بن عبد الله بن عوام البلوي، وعن ابن عباس، وأنس، والأصبغ بن نباتة، وجابر، وعمر بن علي، وأبي مرة الأسلمي:

أن هذه الآية نزلت في علي (عليه‌السلام )، وقد روى ذلك أهل السنة والشيعة على حد سواء، فراجع(1) .

____________

1- راجع هذه الروايات أو بعضها في المصادر التالية: مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص318 و 319 و 365 وجامع البيان ج29 ص35 و 36 ومناقـب الإمام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان ج1 ص196 و 142 و 158 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص413 عن ابن أبي حاتم، والطبري. وفرائد السمطين ج1 ص198 و 199 و 200 وشواهد التنزيل ج2 ص360 و 380 وفي هامشه مصادر كثيرة جداً، وترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص422 وحلية الأولياء ج1 ص67 وكنز العمال (ط الهند) ج15 ص119 و 157 عن ابن عساكر، وأبي نعيم في المعرفة، وعن الضياء المقدسي في المختارة، وابن مردويه، وأسباب النزول ص339 والكشاف ج4 ص600 والعمدة لابن البطريق ص289 و 290. وراجع: مجمع الزوائد ج1 ص131 وإن كان قد حذف ذيل الحديث. والتفسير الكبير ج30 ص107 وكفاية الطالب ص108 و 109 و 110 ولباب التأويل (مطبوع مع جامع البيان) ج29 ص31 والجامع لأحكام القرآن ج18 ص264 ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج ص48 والبحر المحيط ج8 ص317 والفصول المهمة لابن الصباغ ص107 ولباب النقول ص225 وروح المعاني ج29 ص43 ونور الأبصار ج78 وينابيع المودة ص120. وفتح الملك العلي ص22 و 23 وشرح المقاصد ج5 ص297 والمنـاقب للخوارزمي ص282 = = و 283 ومحاضرات الأدباء ج1 ص39 وج 4 ص447 ونظم درر السمطين ص92 وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص225 و 226 وخصائص الوحي المبين ص154 ـ 157 وكشف الغمة ج1 ص322 ومجمع البيان ج10 ص345 و 346 وبحار الأنوار ج35 ص326 ـ 331 وغاية المرام ص336 وأنساب الأشراف ج2 ص121 (بتحقيق المحمودي) وتفسير فرات ص500 و 501 وتفسير البرهان ج4 ص375 و 376 وفضائل الخمسة ج1 ص272 ـ 274 والدر المنثور ج6 ص260 عن ابن عساكر، وابن النجار، وابن جرير، وابن مردويه وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور، والواحدي، وأبي نعيم، وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج3 ص147 ـ 154 ج14 ص220 و 241 وج20 ص92 و 97 عن أكثر من تقدم وعن المصادر التالية: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص319 وج2 ص263 وإعراب ثلاثين سورة ص103 ومناقب مرتضوي ص36 والكواكب الدرية للمناوي ص39 والذريعة (للراغب) ص92 وتوضيح الدلائل (مخطوط) ص169 و 210 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص423 وج 36 ص77 وعن لسان الميزان ج6 ص376 وسعد السعود ص108 وما نزل من القرآن في علي (لأبي نعيم) ص266 و 286 ومنال الطالب ص85 وغاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام ص72 ونهاية البيان في تفسير البرهان ج8 ص40 والإمام المهاجر ص158 ومطالب السؤل ص20 والكشف والبيان (مخطوط) ومفتاح النجا (مخطوط) ص40 و 41 وأرجح المطالب ص161 و 160 و 63 والإربعين للسيد عطاء الله (مخطوط) = = ص27 وطبقات المالكية ج2 ص72 وشرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي (مخطوط) ص180 والمختار في مناقب الأخيار (مخطوط) ص3 والروض الأزهر ص108 والكاف الشاف ص177 ومعترك الأقران في إعجاز القرآن ج2 ص36 ووسيلة النجاة ص136 و 156 والتعريف والإعلام (مخطوط) ص67 ومناقب علي للعيني ص55 وسمط النجوم ج2 ص504 وزين الفتى (مخطوط) ص605 وجمع الجوامع ج2 ص308 وتفسير الثعلبي (مخطوط) ص201.


بل في شرح المواقف: أكثر المفسرين على أنه علي(1) .

الشانئون والحاقدون:

قال الحلبي الشافعي: "وذكر بعض الرافضة: أن قوله تعالى:( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) جاء في الحديث: أنها نزلت في علي كرم الله وجهه.

قال الإمام ابن تيمية: وهذا حديث موضوع باتفاق أهل العلم. أي

____________

1- شرح المواقف ج8 ص370.


وعلى تقدير صحته لا مانع من التعدد"(1) .

ونقول:

1 ـ تقدم آنفاً: أن حديث نزول هذه الآية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) مروي عند أهل السنة، وبطرقهم، أكثر مما هو مروي عند الشيعة. والمصادر المتقدمة، وشخصيات الرواة توضح ذلك. بل إن بعض الرواة لم يكونوا في خط علي (عليه‌السلام )، ولا من أنصاره.

2 ـ قد عرفنا: أن أصل تصدي زيد لابن أبي مشكوك فيه.

3 ـ إن سياق الآيات لا ينسجم مع قضية زيد.

4 ـ إن سورة الحاقة قد نزلت قبل الهجرة.

إلا أن يدَّعى: أن هذه الآية مما تكرر نزوله.

ولكنها دعوى: تحتاج إلى شاهد، بل الشواهد المذكورة آنفاً على خلافها.

5 ـ أضف إلى ذلك: أن هذه الدعوى لا تتنافى مع حديث نزولها في علي (عليه‌السلام ) قبل الهجرة، أو بعدها.

6 ـ لم يذكر لنا التاريخ أياً من أهل العلم قال: إن هذا الحديث موضوع، فضلاً عن أن يكون أهل العلم قد اتفقوا على ذلك. وهذه هي الكتب والموسوعات متداولة بين أيدي جميع الناس، فليراجعها من أراد.

____________

1- السيرة الحلبية ج2 ص291 و (ط دار المعرفة) ج2 ص603.


ذكر علي (عليه‌السلام ) في حديث الإفك:

وتزعم عائشة أن ثمة مَنْ قَرَفَها بالفاحشة، فنزلت الآية التي في سورة النور لتبرئتها، وهي قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.. ) (1) وتستمر اثنتي عشرة آية..

وزعمت: أن ذلك كان حين الرجوع من غزوة المريسيع، حيث أضاعت عِقدها، وتخلفت تبحث عنه، فسار الجيش، وحمل الموكلون هودجها، ولم يشعروا بأنها ليست فيه، فوجدها صفوان بن المعطل، فأتى بها إلى المدينة، فاتهمها المنافقون به.

فاستشار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً وأسامة بن زيد في أمرها، فأشار عليه أسامة بما يعلم من براءة أهله، أما علي فأشار بطلاقها، وأن يسأل جاريتها بريرة عن أمرها(2) .

____________

1- الآية 11 من سورة النور.

2- صحيح البخاري (ط سنة 1309) ج3 ص106 ـ 108 وص25 ـ 27 وج4 ص74 و (ط دار الفكر) ج5 ص55 ـ 57 وج6 ص5 ـ 7 وج8 ص163 والدر المنثور ج5 ص28 و 29 عن ابن مردويه والطبراني. وراجع: صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج8 ص112 ـ 115 وفتح الباري ج8 ص345 والمعجم الكبير للطبراني ج23 ص111 ـ 118 و 125 ـ 129 ومجمع الزوائد ج9 ص240 و 236 و 230 والجمل ص157 و 158 و 412 و 426 وعمدة القاري ج17 ص205 وج19 ص81 والمصنف للصنعاني ج5 ص410 ـ 415 ومسند ابن راهويه ج2 ص516 ـ 525 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص295 ـ 297 وج6 ص415 ـ 417 ومسند أبي يعلى ج8 ص327 ـ 343.


وعن عائشة وعلي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي عن بريرة: فتولّ أنت يا علي تقريرها، تقول عائشة: فقطع لها علي (عليه‌السلام ) عسباً من النخل، وخلا بها يسألها عني، ويتهددها ويرهبها، لا جرم إني لا أحب علياً أبداً(1) .

وقال الفخر الرازي: لما تكلم الناس بالإفك دخل علي (عليه‌السلام ) على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "فاستشاره، فقال: يا رسول الله، كنا نصلي خلفك فخلعت نعليك في أثناء الصلاة فخلعنا نعالنا، فلما أتممت الصلاة سألتنا عن سبب الخلع، فقلنا الموافقة.

فقلت: أمرني جبرائيل بإخراجها لعدم طهارتها.

فلما أخبرك أن على نعلك قذراً، وأمرك بإخراج النعل من رجلك، بسبب ما التصق من القذر، فكيف لا يأمرك بإخراجها بتقدير أن تكون متلطخة بشيء من الفواحش؟!

وفي المشكاة عن أبي سعيد مثله.

قال الحلبي: ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن خلع إحدى نعليه في أثناء

____________

1- الجمل لابن شدقم (ط سنة 1420هـ) ص20 ـ 25 والجمل للمفيد ص82 وراجع: المعجم الكبير ج23 ص111 ـ 117 ومجمع الزوائد ج9 ص236.


الصلاة، لنجاسة بها، واستمر في الصلاة(1) .

ونقول:

لا ريب في أن حديث الإفك الذي ترويه عائشة غير صحيح، وإن ورد في كتب الصحاح المعتمدة عند فريق من المسلمين، بل حتى وإن أورده بعض علماء الشيعة في كتبهم، مصرحين بالإعتماد عليه، أو مستدلين به.. وقد ذكرنا عشرات الأدلة على بطلانه في كتابنا: "حديث الإفك"، الذي أوردنا معظمه مع بعض التقليم والتطعيم في الجزء الثالث عشر من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فنحن نحيل القارئ الكريم على أحد الكتابين المشار إليهما، غير أننا نشير بإيجاز إلى بعض ما يرتبط بما نسبوه إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).. فنقول:

أولاً: إن ملاحظة الروايات تظهر في كلامهم تناقضات كثيرة، نذكر منها:

1 ـ رواية تقول: إن علياً (عليه‌السلام ) أشار بطلاق عائشة.

وأخرى تقول: إنه أشار ببراءتها، ولا تذكر عن الطلاق شيئاً، فراجع.

2 ـ رواية تقول: إنه (عليه‌السلام ) أشار بسؤال بريرة خادمتها.

وأخرى تقول: إن المشير بذلك هو أسامة بن زيد، أما علي فأشار

____________

1- راجع: تاريخ الخميس ج1 ص476 و 477 والسيرة الحلبية ج2 ص306 و (ط دار المعرفة) ج2 ص625.


بطلاقها(1) .

____________

1- راجع على سبيل المثال: المغازي للواقدي ج2 ص430 والجمل لابن شدقم ص25 وبحار الأنوار ج20 ص312 ومسند أحمد ج6 ص196 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج3 ص155 وج5 ص57 وج6 ص7 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج8 ص115 ومجمع الزوائد ج9 ص233 و 238 وعمدة القاري ج13 ص225 وج17 ص205 وج19 ص81 والديباج على مسلم ج6 ص122 والمصنف للصنعـاني ج5 ص415 ومسنـد ابن راهـويـه ج2 = = ص521 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص495 وج5 ص297 وج6 ص417 ومسند أبي يعلى ج8 ص327 و 343 وصحيح ابن حبان ج10 ص17 والمعجم الكبير للطبراني ج23 ص53 و 58 و 63 و 68 و 71 و 76 و 80 و 85 و90 و 94 و 99 و 113 و 127 ومسند الشاميين ج3 ص334 والكفاية في علم الرواية ص58 والدر المنثور ج5 ص25 و 29 وجامع البيان ج18 ص121 وتفسير ابن أبي حاتم ج8 ص2541 وتفسير السمرقندي ج2 ص500 وأحكام القرآن لابن العربي ج3 ص360 والتفسير الكبير ج23 ص175 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص280 وتفسير الثعلبي ج7 ص74 وأسباب نزول الآيات ص215 وتفسير البغوي ج3 ص329 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص155 و (ط دار الكتب العلمية) ص141 وتفسير الآلوسي ج18 ص112.

وراجع: الثقات لابن حبان ج1 ص291 وتاريخ مدينة دمشق ج5 ص123 وج29 ص333 وسير أعلام النبلاء ج2 ص156 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص314 و 333 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص267 والكامل في التاريخ ج2 ص197 وتفسير السمعاني ج3 ص508 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص275 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص185 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج3 ص767.


3 ـ رواية تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فوض علياً (عليه‌السلام ) تقرير الجارية، فخلا بها وقررها..

وأخرى تقول: إنه (عليه‌السلام ) هو والنبي معاً، خليا بجاريتها، يسألانها عنها(1) .

وثالثة تذكر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي سأل بريرة، فبرأتها.

4 ـ رواية تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله، لم يعد علياً وأسامة..

وغيرها يقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) استشار أيضاً زيد بن ثابت، وعمر، وعثمان، وأم أيمن..

ثانياً: إن بريرة لم تكن في غزوة المريسيع، فكيف يشير علي (عليه‌السلام ) بسؤالها، ويرضى النبي بتقريرها عن أمر قد غابت عنه..

وحتى لو كانت مع عائشة في المريسيع، فإنها لم تكن معها حين وجدها

____________

1- الجمل للمفيد ص426 و (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص82.


ابن المعطل في الصحراء، وجاء بها إلى المدينة..

ثالثاً: لماذا يضرب علي (عليه‌السلام ) الجارية ضرباً شديداً(1) ، وهي لم ترتكب ذنباً، بل لمجرد أن تقر بأمر يرتبط بغيرها، لم يكن لديهم أي شاهد على حصوله؟! مع أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد حرم التوسل بالتخويف، والضرب لانتزاع إقرار الناس على غيرهم، فأية قيمة لإقرارها حتى لو حصل؟! وهل يؤخذ بإقرار الشاهد تحت التهديد والضرب؟!..

ولماذا لم يقرر عائشة نفسها، ويستعمل معها التهديد وسواه؟!..

رابعاً: لنفترض: أنها ـ والعياذ بالله ـ اتهمت سيدتها بشيء، فهل يستطيع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يرتب الأثر على اتهامها لها، مع علمه بعدم حضورها في تلك الغزوة أصلاً..

بل إنها حتى لو حضرت، وفرضنا أن الشهادة مقبولة حتى لو انتزعت بالضرب والتهديد، فما هي الفائدة من شهادتها، وهي امرأة، وهي شاهد واحد؟!. ويحتاج الأمر إلى أربعة شهود؟! ولا تقبل شهادة النساء منفردات، أو شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد.

يضاف إلى ذلك: إن شهادة الأربعة لا بد أن تكون عن حضور، ومشاهدة، والأمر هنا ليس كذلك.

خامساً: إن حديث إخراج النعل في الصلاة لا يدل على أنه يشير على

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هامش 2 ج3 ص224 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص194.


النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بطلاق عائشة، بل هو على خلاف ذلك أدل، لأن المقصود بكلامه ليس هو إخراج عائشة من بيته بالطلاق. بل المقصود: أنها إن كانت قد أساءت، فإن الله تعالى لا بد أن يخبر نبيه بذلك، كما أخبره بنجاسة رجله في الصلاة، فإن هذا الأمر المتعلق بالعرض أهم من نجاسة الرجل.

يريدون الإساءة لعلي (عليه‌السلام ):

والذي يظهر من متابعة النصوص: أن ثمة تعمداً للإساءة إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، واتهامه بما هو منه بريء، فقد صرحت عائشة بقولها: "لا جرم لا أحب علياً أبداً.."(1) .

فهي تتهم علياً (عليه‌السلام ) لتبرر بغضها له، مع أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ذم من يبغض علياً (عليه‌السلام )، فلماذا لا تطيع الله ورسوله في ذلك.

وقد كان بنو أمية، حتى الخلفاء منهم يسعون لتكريس هذا الإتهام الباطل الموجه له (عليه‌السلام )، وتسويقه، ودفع أعوانهم للإقرار به، وترويجه وإشاعته بين الناس.. ويدلنا على ذلك:

ألف: قول الزهري: إن الوليد بن عبد الملك قال له: الذي تولى كبره منهم، علي؟!

قلت: لا. ولكن حدثني سعيد بن المسيب، وعروة، وعلقمة، وعبيد

____________

1- الجمل للمفيد (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص82 والجمل لابن شدقم ص25.


الله، كلهم عن عائشة، قالت: الذي تولى كبره عبد الله بن أُبي(1) .

زاد في الدر المنثور: "فقال لي: ما كان جرمه؟!

قلت: حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئاً في أمري"(2) .

وفي حلية أبي نعيم، من طريق ابن عيينة، عن الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فتلا هذه الآية:( ..وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (3) ، فقال: نزلت في علي بن أبي طالب.

قال الزهري: أصلح الله الأمير، ليس الأمر كذلك، أخبرني عروة، عن عائشة.

قال: وكيف أخبرك؟!

قلت: أخبرني عروة عن عائشة، أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول(4) .

ولابن مردويه من وجه آخر، عن الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي، وهو يقرأ سورة النور مستلقياً، فلما بلغ هذه الآية:

____________

1- فتح الباري ج7 ص336 وقد تقدم نقله عن البخاري، في أوائل هذا البحث.

2- الدر المنثور ج5 ص32 عن البخاري، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وستأتي مصادر أخرى.

3- الآية 11 من سورة النور.

4- فتح الباري ج7 ص336.


( إِنَّ الذِينَ جَاؤُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ.. ) حتى بلغ:( ..وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) جلس.

ثم قال: يا أبا بكر، من الذي تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟!

قال: فقلت في نفسي: ماذا أقول؟ لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شراً، ولئن قلت: نعم، لقد جئت بأمر عظيم.

قلت في نفسي: لقد عودني الله في الصدق خيراً.

قلت: لا.

قال: فضرب بقضيبه على السرير، ثم قال: فمن؟! فمن؟! حتى ردد ذلك مراراً.

قلت: لكنه عبد الله بن أُبي(1) .

ب ـ وأخرج يعقوب بن شيبة في مسنده، عن الحسن بن علي الحلواني، عن الشافعي، قال: حدثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان، الذي تولى كبره من هو؟!

قال: عبد الله بن أُبي.

____________

1- فتح الباري ج7 ص336 والسيرة الحلبية ج2 ص302 و (ط دار المعرفة) ج2 ص619 والمعجم الكبير ج23 ص97 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص79.


قال: كذبت، هو علي.

قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول.

فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟!

قال: ابن أُبي.

قال: كذبت، هو علي.

فقال: أنا أكذب لا أبا لك. والله لو نادى مناد من السماء: أن الله أحل الكذب لما كذبت.. حدثني عروة، وسعيد، وعبيد الله، وعلقمة، عن عائشة: أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أُبي.

فذكر قصته مع هشام.

وجاء في آخرها قول هشام: نحن هيجنا الشيخ، أو ما بمعناه. وأمر فقضى عنه ألف ألف درهم(1) .

فالوليد بن عبد الملك إذن، وكذلك هشام بن عبد الملك يريدان تأكيد هذه الفرية على أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، إلى درجة أنهم قد افتروا عليه: أنه هو الذي تولى كبر الإفك.

____________

1- فتح الباري ج4 ص15 وج7 ص337 والسيرة الحلبية ج2 ص302 و 303 وسير أعلام النبلاء ج5 ص229 والدر المنثور ج5 ص32 وتاريخ مدينة دمشق ج55 ص371 وتاريخ الإسلام للذهبي ج8 ص245 والوافي بالوفيات ج5 ص18.


كما أن عائشة ذكرت: أن علياً (عليه‌السلام ) كان مسيئاً في شأنها، كما تقدم في الرواية التي ذكرها البخاري ـ حسب رواية النسفي وغيره عنه(1) .

غير أن العسقلاني قال: ذكر عياض: أن النسفي رواه عن البخاري بلفظ مسيئاً، قال: وكذلك رواه أبو علي بن السكن، عن الفربري، وقال الأصيلي بعد أن رواه بلفظ مسلماً: كذا قرأناه، ولا أعرف غيره(2) .

وكذلك نقله في الدر المنثور، عن البخاري كما تقدم، وعن ابن المنذر، والطبراني وابن مردويه، والبيهقي.

ورواه عبد الرزاق أيضاً بلفظ "مسيئاً"، وكذلك أخرجه الإسماعيلي، وأبو نعيم في المستخرجين.

ويقوي الرواية التي فيها: "مسيئاً" ما في رواية ابن مردويه بلفظ: إن علياً أساء في شأني، والله يغفر له. انتهى(3) .

____________

1- صحيح البخاري (مطبوع بهامش فتح الباري) ج7 ص336 و (ط دار الفكر) ج5 ص60، وليراجع إرشاد الساري ج6 ص343 وفتح الباري ج7 ص336 وعمدة القاري ج17 ص209 والدر المنثور ج5 ص32 عن البخاري وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي والجامع لأحكام القرآن ج12 ص198 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص278.

2- راجع: فتح الباري ج7 ص336 وإرشاد الساري ج6 ص343.

3- المصدر السابق.


وقال العسقلاني أيضاً: إن عائشة قد نسبت علياً إلى الإساءة في شأنها(1) .

وذلك كله يشير إلى: أن رواية البخاري قد حرفت من قبل النساخ على كل حال.. ونحن نستقرب أن كلمة "مسلماً" حرفت فصارت "مسيئاً" للتقليل من بشاعة هذا الأمر، وفظاعته، وحفاظاً على عائشة، والوليد، والزهري، ومن لف لفهم.

وأيضاً حفاظاً على كرامة البخاري نفسه، إذ ليس من السهل تكذيب القرآن من خلال توجيه هذه الفرية لعلي، الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.. وهو مع الحق، والحق معه يدور معه حيث دار.

واللافت هنا: أنهم في حين يصرون على تأكيد الفرية على أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فإنهم لا يجرؤون على القول: بأن علياً (عليه‌السلام ) قد جلد أيضاً، بل يقولون بكل وضوح وإصرار: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يجلده مع من جلد، ولم يحده النبي معهم بالاتفاق!! رغم أن عائشة، والوليد، وهشاماً يصرون على نسبة الإساءة إليه، وعلى أنه ممن قذفها، وعلى أنه تولى كبره في ذلك!! نعوذ بالله؟!!

فلماذا عفا عنه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذن؟!

وهل للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يعفو عن حد من حدود الله؟! حتى لو كان مستحقه هو صهره وابن عمه!! وماذا سيقول الناس عنه لو

____________

1- فتح الباري ج7 ص357.


فعل ذلك؟!

وقد لاحظنا: أن عائشة كانت في غاية اللطف مع أسامة، الذي كانت له مشكلة مع أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وكان أبوها تحت أمرته، حين وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مع أنه لم يزد على إظهار عدم علمه بشيء من أمرها.

ولكنها كانت في غاية القسوة على علي (عليه‌السلام )، الذي حاربته وأبغضته، ولم تكن تستطيع أن تذكره بخير أبداً، كما يقول ابن عباس(1) .

هذا مع سعيها للإيحاء بأن أسامة قد أشار بما يعلم، لكن علياً (عليه‌السلام ) أشار بغير ما يعلم مع أن الإشارة بطلاقها أو بتقرير بريرة ـ لو فرضنا صحتها ـ لا تدل على شيء من ذلك..

____________

1- راجع: مسند أحمد بن حنبل ج6 ص288 و 38 والجمل للمفيد (ط سنة 1413هـ) ص158 والسنن الكبرى للبيهقي ج1 ص3 والإحسان ج8 ص198 والمستـدرك للحاكـم ج3 ص56 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط = = سنة 1405هـ) ج2 ص231 و 232. وراجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر سنة 1401هـ) ج1 ص162 وصحيح مسلم (بشـرح النـووي) ج4 ص138 و 139 والصوارم المهرقـة ص105 والإرشاد للمفيد ص194 وتاريخ الأمم والملوك (ط ليدن) ج1 ص1801 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص175.


ولأجل ذلك استجاز العقاد وابن أبي الحديد أن يخففا من بشاعة ما ارتكبته عائشة، حين شنت حرباً قتل فيها المئات والألوف من أهل الإسلام.. من حيث إن السبب هو هذا الحقد الذي كان علي نفسه هو السبب في نشوئه..

وكأن الحقد الأعمى وبغير حق يخفف الذنوب!! وهل خفف حقد اليهود والذين أشركوا على المؤمنين من بشاعة ما ارتكبوه في حق النبي وأهل الإيمان؟! أم أن المفروض: هو أن يقتلعوا هذا الحقد الذي لا مبرر له من صدورهم، وكان هذا هو المفروض بكل من يعادي علياً وغيره من أهل الإيمان!!

على من كان الإفك؟!:

قال القمي: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، قال: حدثني عبد الله بن بكير عن زرارة، قال:

سمعت أبا جعفر (عليه‌السلام ) يقول: لما مات إبراهيم ابن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حزن عليه حزناً شديداً، فقالت عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟! فما هو إلا ابن جريح.

فبعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) وأمره بقتله، فذهب علي (عليه‌السلام ) ومعه السيف، وكان جريح القبطي في حائط، فضرب علي (عليه‌السلام ) باب البستان، فأقبل جريح، ليفتح له الباب، فلما رأى علياً (عليه‌السلام )، عرف في وجهه الغضب، فأدبر راجعاً، ولم يفتح الباب.


فوثب علي (عليه‌السلام ) على الحائط، ونزل إلى البستان، واتبعه. وولى جريح مدبراً، فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة، وصعد علي في أثره، فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة، فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال، ولا ما للنساء.

فانصرف علي (عليه‌السلام ) إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال: يا رسول الله، إذا بعثتني في الأمر أكون فيه كالمسمار المحمي في الوبر، أم أثبّت؟!

قال: لا بل اثبّت.

فقال: والذي بعثك بالحق ما له ما للرجال، ولا ما للنساء.

فقال: الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت.."(1) .

مع تحفظنا على ما ذكر أخيراً من أن علياً بعد أن عرف أن جريحاً مجبوب عاد إلى النبي وسأله إن كان تكليفه التثبت أم لا مع أن الصحيح والمناسب هو أن علياً (عليه‌السلام ) سأل هذا السؤال قبل أن يذهب إلى جريح.

أما بالنسبة لنظر علي (عليه‌السلام ) إلى عورة جريح فلعله وقع إتفاقاً

____________

1- تفسـير القمي ج2 ص99 و 100 وص318 و 319 وتفسـير الـبرهـان ج3 = = ص126 و 127 وج4 ص205 ونور الثقلين ج3 ص581 و 582 عنه، وتفسير الميزان ج5 ص103 و 104 وفي تفسير القمي والبرهان في سورة الحجرات: أن آية:( إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) نزلت في هذه المناسبة، وبحار الأنوار ج22 ص155.


كما في الرواية، ولعله إنما جوز لنفسه النظر إلى موضع القدرة لعلمه مسبقاً بأنه مجبوب، وكان يعرف غاية وموجبات وأهداف هذا الأمر الصادر من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعنه في رواية عبد الله بن موسى، عن أحمد بن راشد، عن مروان بن مسلم، عن عبد الله بن بكير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام ):

جعلت فداك، كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر بقتل القبطي، وقد علم أنها كذبت عليه؟! أولم يعلم؟! وقد دفع الله عن القبطي القتل بتثبيت علي (عليه‌السلام

فقال: بل كان والله يعلم، ولو كان عزيمة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما انصرف علي (عليه‌السلام ) حتى يقتله، ولكن إنما فعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لترجع عن ذنبها، فما رجعت، ولا اشتد عليها قتل رجل مسلم(1) .

وفي نص آخر يقرب من النص الذي ذكره القمي يقول: إنه وجده عند مارية(2) .

____________

1- تفسير الميزان ج15 ص104 وتفسير البرهان ج3 ص127 وج4 ص205 وتفسير القمي ج2 ص319 وبحار الأنوار ج22 ص154.

2- أمالي السيد المرتضى ج1 ص77 وصفة الصفوة ج2 ص78 و 79 والبداية والنهاية ج3 ص304 وقال: إسناد رجاله ثقات، عن الإمام أحمد، وكشف الأستار عن مسند البزار ج2 ص188 و 189 ومجمع الزوائد ج4 ص329 وقال: رواه البزار وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس ولكنه ثقة، وبقية رجاله ثقات، وقد أخرجه الضياء في أحاديثه المختارة على الصحيح. وبحار الأنوار ج22 ص167 و 168.


وقد ذكر أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) هذا الأمر في مناشدته لأهل الشورى، وفيه: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمره بالتثبت قبل أن يذهب في أثر ابن جريح(1) .

وروى أهل السنة هذه القضية في كتب صحاحهم وغيرها.. وقد ذكرنا طائفة من نصوصهم في كتابنا: حديث الإفك، وهي التالية:

1 ـ روى مسلم وغيره، والنص لمسلم، عن أنس: أن رجلاً كان يتهم بأم ولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي: اذهب، فاضرب عنقه، فأتاه علي، فإذا هو في ركي(2) يتبرد فيها.

فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب، ليس له ذكر، فكف علي عنه.

ثم أتى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوب ما له ذكر(3) .

____________

1- راجع: تفسير البرهان ج3 ص127 عن ابن بابويه، والخصال ج2 ص120 و 126 وبحار الأنوار ج20 ص154.

2- الركي: البئر.

3- صحيح مسلم (ط مشكول، وط دار الفكر) ج8 ص119 والمستدرك للحاكم ج4 ص39 و 40 وتلخيصه للذهبي، نفس الصفحة وراجع: البداية والنهاية ج4 ص273 والمحلى ج11 ص413 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج4 ص411 و 412 و (ط دار الجيل) ج4 ص1912 والإصابة ج3 ص334 و (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص517 والسيرة الحلبية ج3 ص312 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص431. وليراجع: أسد الغابة ج5 ص542 و 544 وج4 ص268 والكامل في التاريخ ج2 ص313 والديباج على مسلم ج6 ص133.


2 ـ عن أنس بن مالك، قال: كانت أم إبراهيم سرية للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مشربتها، وكان قبطي يأوي إليها، ويأتيها بالماء والحطب، فقال الناس في ذلك: علج يدخل على علجة.

فبلغ ذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأرسل علي بن أبي طالب، فوجده على نخلة، فلما رأى السيف وقع في نفسه، فألقى الكساء الذي كان عليه، وتكشف، فإذا هو مجبوب.

فرجع علي إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأخبره فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا أمرت أحدنا بالأمر ثم رأى في غير ذلك، أيراجعك؟!

قال: نعم. فأخبره بما رأى من القبطي.

قال: وولدت مارية إبراهيم، فجاء جبرائيل (عليه‌السلام ) إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، فاطمأن رسول الله إلى ذلك"(1) .

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص154 و 155 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج8 ص214 والمعجم الأوسط ج4 ص89 ومجمع الزوائد ج9 ص161 عن الطبراني في الأوسط، وراجع: الآحاد والمثاني ج5 ص448 و 449 وفيض القدير ج3 ص323 والإصابة ج1 ص318 وفتوح مصر وأخبارها ص121 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص34 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 326 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص603 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص21.


وفي رواية أخرى مثل ذلك، غير أنه قال: "خرج علي، فلقيه على رأسه قربة مستعذباً لها من الماء، فلما رآه علي شهر السيف، وعمد له، فلما رآه القبطي طرح القربة، ورقى في نخلة وتعرى، فإذا هو مجبوب.

فأغمد علي سيفه، ثم رجع إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخبره الخبر، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أصبت، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب"(1) .

"وروى الواقدي في إسناده قال: كان الخصي الذي بعث به المقوقس مع مارية، يدخل إليها ويحدثها، فتكلم بعض المنافقين في ذلك وقال: إنه غير مجبوب، وأنه يقع عليها، فبعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي بن أبي طالب، وأمره أن يأتيه، ويقرره، وينظر في ما قيل فيه، فإن كان حقاً قتله، فطلبه علي، فوجده فوق نخلة، فلما رأى علياً يؤمه أحس بالشر، فألقى إزاره، فإذا هو مجبوب ممسوح.

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص155 و (ط دار صادر) ج8 ص215.


وقال بعض الرواة: إنه ألفاه يصلح خباء له، فلما دنا منه ألقى إزاره وقام متجرداً. فجاء به علي إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأراه إياه، فحمد الله على تكذيبه المنافقين بما أظهر من براءة الخصي، واطمأن قلبه"(1) .

3 ـ في مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي والنص له: عن عائشة قالت: "أهديت مارية ومعها ابن عم لها، فقال أهل الإفك والزور: من حاجته إلى الولد ادَّعى ولد غيره.

قالت: فدخل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإبراهيم عليَّ فقال: كيف ترين؟!

قلت: من غذي بلبن الضأن يحسن لحمه.

قال: ولا الشبه؟!

قالت: فحملتني الغيرة.

فقلت: ما أرى شبهاً.

قالت: وبلغ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما يقول الناس، فقال لعلي: خذ هذا السيف، فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية.

فانطلق، فإذا هو في حائط على نخلة يخترف، فلما نظر إلى علي، ومعه السيف استقبلته رعدة، فسقطت الخرقة، فإذا هو ممسوح"(2) .

____________

1- أنساب الأشراف ج1 ص450 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص303.

2- المستدرك للحاكم ج4 ص39 وتلخيصه للذهبي، هامش نفس الصفحة. وراجع: الإصابة ج5 ص519 وأسد الغابة ج4 ص268.


وفي نص آخر: فجاء به يحمله على عنقه، فقال: يا عائشة، كيف تري الشبه؟

فقلت ـ أنا غيرى ـ : ما أرى شبهاً(1) .

فقال: ولا باللحم؟!

فقلت: لعمري، لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه.

قال: فجزعت عائشة وحفصة من ذلك، فعاتبته حفصة، فحرّمها، وأسرّ إليها سراً، فأفشته إلى عائشة، فنزلت آية التحريم، فأعتق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رقبة(2) .

وفي نص آخر أنه قال: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟!

فقالت: من قصرت عليه اللقاح أبيض وسمن(3) .

____________

1- الظاهر أن الصحيح: فقلت ـ وأنا غيرى ـ: ما أرى شبهاً.. كما يعلم من سائر المصادر.

2- الدر المنثور ج6 ص240 عن ابن مردويه. وراجع: الآحاد والمثاني ج5 ص448 والبداية والنهاية ج5 ص326 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص603.

3- تقدم هذا النص عن الحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه، والسيوطي عن = = ابن مردويه.

ونزيد هنا: الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 قسم1 ص88 و (ط دار صادر) ج1 ص137 والبداية والنهاية ج3 ص305 وقاموس الرجال ج11 ص305 عن البلاذري وأنساب الأشراف ج1 ص450 والسيرة الحلبية ج3 ص309 من دون الفقرة الأخيرة من كلامها، وتاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج2 ص87 مع حذف كلمة "ما" من قولها: "ما أرى شبهاً" لكن المقصود معلوم من اعتراضه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وقد تكون قد قالت ذلك على سبيل السخرية أو الاستفهام الإنكاري. وراجع: قاموس الرجال للتستري ج12 ص302 و 343 وإمتاع الأسماع ج5 ص336.


ولا نريد التعليق على ما ورد في هذه النصوص، ولا سيما ما دل منها على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يطمئن لأمر إبراهيم حتى سلم عليه جبرئيل بقوله: السلام عليك يا أبا إبراهيم. فإن المفروض: أن عائشة ادعت فيه ما ادعت بعد ذلك أيضاً. كما أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن شاكاً في أمر ولده أبداً، بل كان على يقين ببراءة مارية، ولكنه كان يريد إظهار كذب من قرفها بالفاحشة..

ونكتفي بهذا القدر هنا ونعطف الحديث إلى سائر ما يرتبط بسيرة علي (عليه‌السلام ).

ولكن يبقى أمر يحتاج إلى المعالجة هنا. وهو أن هناك اختلافاً بين الروايات.. فهل تعدد قذف مارية، فتعددت آليات البراءة؟! أو أن الاتهام كان واحداً لكن التبرئة قد تعددت أمام العديد من الفرقاء؟! أو أن هذه الإختلافات متعمدة لأجل إثارة الشبهة حول صحة الحديث؟!

علي (عليه‌السلام ) في سرية حسمي:

ويقولون: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل زيد بن حارثة إلى حسمي ـ وهو وادٍ في ذات القرى ـ وذلك بعد أن أخذ رجل منهم اسمه


الهنيد، وابنه وناس من جذام طريق دحية الكلبي، وسلبوه ما معه.

فأخبر دحية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأرسل إليهم سريةً عليها زيد بن حارثة، فأغاروا عليهم، فقتلوا منهم رجلين، وقتلوا الهنيد وابنه، وأخذ ابلهم وشاءهم، ومئة من النساء والصبيان.

فشكا الجذاميون ذلك إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقالوا: إنهم مسلمون.

فأراد أن يرسل علياً (عليه‌السلام ) إلى زيد ليأمره برد ما أخذ منهم.

فقال علي (عليه‌السلام ): يا رسول الله إن زيداً لا يطيعني، فأعطاه سيفه علامة.

فخرج (عليه‌السلام )، فإذا رسول لزيد على ناقة من إبلهم، أرسله زيد بشيراً، فأنزله علي عن الناقة، وردها على القوم مع الجذاميين الذين كانوا قدموا المدينة لإنجاز هذه المهمة، وأردف علي (عليه‌السلام )، ذلك البشير خلفه.

فقال: يا علي، ما شأني؟!

فقال: ما لهم، عرفوه، فأخذوه.

ثم ساروا، فلقوا الجيش، فطلب زيد من علي علامة.

فقال: هذا سيفه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فعرف زيد السيف، فرد عليهم


كل ما أخذ منهم(1) .

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

1 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) انتدب علياً هنا لإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وانتدبه أيضاً لإرجاع الحقوق إلى بني جذيمة.. وانتدبه للمبيت على فراشه ليلة الهجرة، وانتدبه لتبليغ مشركي مكة سورة براءة، وانتدبه لقتل مرحب، وانتدبه لرد الكتائب يوم أحد، وانتدبه لمبارزة الوليد في بدر، وانتدبه لقتل ابن صياد وانتدبه.. و.. و.. وقد أدى كل ما انتدبه له على أكمل وجه وأحسنه.

وانتدب غيره ـ وهو عمر بن الخطاب ـ لإبلاغ أهل مكة رسالته، فامتنع، بحجة أنه ليس له عشيرة تمنعه، وانتدبهم لمبارزة عمرو بن عبد ود، وضمن لهم على الله الجنة، فلم يستجيبوا..

وانتدبهم لإجابة أبي سفيان في حرب أحد بأمور بعينها، فخالفوه فيها، وانتدبهم ليأتوه بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً، فلم يستجيبوا لطلبه، واتهموه بأنه يهجر.. وانتدبهم ليحلقوا رؤوسهم في الحديبية، فتثاقلوا ولم يجيبوا طلبه إلا بعد لأي.. وانتدبهم لقتل ابن صياد،

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص9 و 10 والسيرة الحلبية ج3 ص179 و (ط دار المعرفة) ج3 ص180 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص88 و 89 وبحار الأنوار ج20 ص375.


فلم يجد عندهم ما يجدي.. و.. و..

وقد فشلوا في سائر المهمات الكبرى التي أوكلت إليهم أيما فشل..

فهل جاء ذلك كله على سبيل الصدفة.. أم أن الأمور جرت وفق ما أراد محبوهم إشاعته، والتسويق له؟!

2 ـ إنه (عليه‌السلام ) يلتزم بدقة في تنفيذ ما يأمره النبي به.. حتى أنه حين قال له في خيبر: إذهب ولا تلتفت.

وقف ولم يلتفت، وقال: علام أقاتل الناس؟!

قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله(1) ..

____________

1- راجع: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص93 والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج15 ص380 وإسناده صحيح، ومسند أحمد ج2 ص384 ـ 385 وصحيح مسلم ج7 ص121 وسنن سعيد بن منصور ج2 ص179 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص58 و 59 و 57 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص159 والغدير ج10 ص202 وج4 ص278 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص200 ومسند الطيالسي ص320 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص110 وشرح أصـول الكـافي ج6 ص136 وج12 ص494 ومنـاقـب أمير المؤمنين ج2 = = ص503 والأمالي للطوسي ص381 والعمدة ص143 و 144 و 149 والطرائف ص59 وبحار الأنوار ج21 ص27 وج39 ص10 و 12 والنص والإجتهاد ص111 وعن فتح الباري ج7 ص366 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص111 ورياض الصالحين ص108 وكنز العمال ج1 ص86 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص82 و 83 و 84 و 85 والبداية والنهاية ج4 ص211 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص352 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج1 ص178 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 وينابيع المودة ج1 ص154.


وهنا أيضاً نلاحظ: أنه (عليه‌السلام ) ينتزع الناقة من رسول زيد، ويردف الرسول خلفه، ويسلمها إلى أصحابها، ولا يسمح بركوب ناقة صدر أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإرجاعها إلى أربابها ولو خطوات يسيرة.

3 ـ قد ظن ذلك الرسول: أن أخذ الناقة منه، كان على سبيل العقوبة له، ولذلك قال: يا علي، ما شأني؟!.

فقال له علي (عليه‌السلام ): مالُهم، عرفوه، فأخذوه.. فليس لأحد الحق في أن يتصرف بمال غيره إلا بإذنه..

4 ـ وأما قول علي (عليه‌السلام ) لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إن زيداً لا يطيعني، فهو مدح وثناء على زيد، من حيث أنه هو الآخر يراعي قواعد الإنضباط في تنفيذ الأوامر النبوية الصادرة إليه، ولا يتعامل على أساس العلاقات الشخصية، حين يطلب منه القيام بمسؤوليات معينة.. حتى لو كان ذلك من علي (عليه‌السلام ) نفسه، الذي يعلم زيد أنه نفس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأن زيداً يرى أن الولاية الفعلية هي للنبي


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا لعلي (عليه‌السلام ).. وكان يعلم أن علياً (عليه‌السلام ) يتعامل معه وفق ما تقتضيه الحياة العادية للناس، لا بالمعجزة والكرامة والغيب.

وكان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكذلك علي (عليه‌السلام ) يريد من الناس أن يلتزموا بهذا النهج، لكي لا تبقى أية ثغرة يمكن أن يتسرب منها ما يفسد أو يعيق تنفيذ القرار النبوي.

ولم يكن زيد ـ من جهته ـ بالذي يجهل موقع علي (عليه‌السلام ) من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومن هذا الدين.. ولكنه يريد أن يُرِي الناس بصورة تطبيقية، كيف يلتزم المسؤول بحرفية البيانات والبلاغات الصادرة إليه من القيادة العليا، وأنه لا مجال للمحاباة في هذا الأمر، ولا يصح الإعتماد على الإجتهادات الشخصية.

الذين يحاربون الله ورسوله:

روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه‌السلام )، قال: قدم على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قوم من بني ضبة، مرضى.

فقال لهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أقيموا عندي، فإذا برئتم بعثتكم في سرية.

فقالوا: أخرجنا من المدينة.

فبعث بهم إلى إبل الصدقة، يشربون من أبوالها، ويأكلون من ألبانها،


فلما برئوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كان في الإبل.

فبلغ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذلك، فبعث إليهم علياً (عليه‌السلام )، فإذا هم في واد قد تحيروا فيه لا يقدرون أن يخرجوا منه، قريباً من أرض اليمن، فأسرهم، وجاء بهم إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فنزلت هذه الآية:( إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (1) .

فاختار رسول الله القطع، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف(2) .

بعث علي (عليه‌السلام ) إلى بني سعد:

وفي شعبان سنة ست بعث (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) في مئة رجل إلى بني سعد بن بكر بفدك التي كان بينها وبين المدينة ست ليال.

____________

1- الآية 33 من سورة المائدة.

2- راجع: نور الثقلين ج1 ص621 و 622 والبرهان ج1 ص465 و 467 عن الكليني، والعياشي، وغيرهما. والكافي ج7 ص245 وكنز الدقائق ج4 ص102 و 103 وتفسير العياشي ج1 ص314 وتفسير الصافي ج2 ص31 وتهذيب الأحكام ج10 ص135 والوسائل (ط دار الإسلامية) ج18 ص535 وميزان الحكمة ج10 ص574 وتفسير الميزان ج5 ص331 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص597.


وسببه أنه بلغ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن لهم جمعاً يريدون أن يمدوا يهود خيبر، وأن يجعلوا لهم تمر خيبر.

وفي الطريق أخذوا رجلاً هناك، فسألوه فأقر انه عين لبني سعد، وأنه مرسل من قبلهم ليهود خيبر، ليعرض عليهم نصرهم مقابل التمر، ثم دلهم على موضع تجمعهم..

فهاجمهم (عليه‌السلام ) بمن معه، فهربوا بالظعن، وغنم المسلمون خمس مئة بعير وألفي شاة.

فعزل (عليه‌السلام ) صفي المغنم لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعزل الخمس، وقسم الباقي على السرية(1) .

ونقول:

لا حاجة إلى بسط القول في دلالات هذا الحدث غير أننا نشير إلى ما يلي:

1 ـ إن الحرب الوقائية هي التدبير السديد، إذا توفرت شروطها، وقد كانت هذه السرية وقائية، استطاع (عليه‌السلام ) أن يورد ضربته في هؤلاء الأشرار قبل اكتمال استعدادهم، وقبل إحكام أمرهم، بل قبل أن يتمكنوا

____________

1- راجع: تاريخ الخميس ج2 ص12 والسيرة الحلبية ج3 ص182 و 183 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص97 وبحار الأنوار ج20 ص293 و 376 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص90.


من إتمام الإتفاق مع من يريدون أن يعينوهم على رسول الله..

وهذه الحرب الوقائية التي خاضها علي (عليه‌السلام ) بأمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها دلالاتها، ومن ذلك:

ألف: قوة جهاز جمع المعلومات عن الأعداء.

ب: دقة تلك المعلومات..

ج: أنها قد وصلت في الوقت المناسب..

د: أن المسلمين استطاعوا أن يفاجئوا عدوهم، وأن يصلوا إليه دون أن يشعر..

هـ: قدرتهم على إبطال نشاطات جهاز استخبارات العدو، وشل حركته، وضربه في المواقع الحساسة منه..

و: دلت على تمكنهم من الإسترشاد بعناصر استخبارات العدو أنفسهم، للحصول على معلومات ثمينة جداً وحساسة عن ذلك العدو..

ز: أعطت هذه الحرب الوقائية المسلمين المزيد من الهيبة في المحيط الذي سوف يستقبل صدى هذه الضربة الموفقة.. وسيزيد في تردد الآخرين في الإقدام على أي عمل يسيء إلى علاقتهم بالمسلمين..

ح: أنها ستزيد المؤمنين ثقة بأنفسهم، وتجرئهم على مواجهة أعدائهم..

ط: تفتح أمامهم آفاقاً جديدة تتمازج فيها القوة والفتوة مع الفكر والتدبير، واجتراح المفاجآت للعدو..

2 ـ إن بني سعد.. يسعون إلى العدوان على الناس وقتلهم، وإنزال أشد البلاء فيهم، لا لذنب أتوه إليهم، ولا نصرة منهم لمظلوم، أو مناوأة


منهم لظالم.. ولا لأجل تأييد حق وإحقاقه، وإبطال باطل وإزهاقه.

وإنما لمجرد الطمع في الدنيا!! ويا ليته كان طمعاً بشيء ذي بال، تهفوا إليه النفوس، كالحصول على الملك والجاه العريض، وقيادة العساكر، والدساكر، والأمر والنهي، أو يا ليته كان طمعاً بالحصول على الأراضي والدور والبساتين والقصور، وإنما هو طمع بشيء من التمر، الذي يحصل عليه كل أحد، ويستوي فيه الذكي والغبي، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والوضيع والشريف.

ومن الواضح: أن التبرع بقتل الأنبياء والأولياء، وإنزال المصائب والبلايا بالأبرياء، من أجل الحصول على حفنة من تمر، لهو الغاية في قصر النظر، والغباء، وفي الرذالة والسقوط، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك..

3 ـ على أنه لا شيء يضمن لهم أن يفي اليهود لهم بما تعهدوا به، لو تم لهم ما أرادوا، فاليهود هم أهل الطمع والجشع، ولا يمكن أن يتنازلوا لهذه القبيلة الضعيفة عن تمر خيبر، بعد قتلهم النبي والوصي، والقضاء على الإسلام وأهله، وصيرورتهم أسياد المنطقة، بل هم سوف يطردون هؤلاء الرعاع، وينكثون عهدهم.. ولليهود تاريخ عريق في نكث العهود، والخلف في الوعود.. ولا سيما إذا كانت الغلبة لهم، والقوة معهم.

حفيد إبليس:

وزعموا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان على جبل من جبال تهامة، فجاءه حفيد إبليس، واسمه هامة بن الهيم، بن لاقيس بن إبليس، الذي


ادعى أنه تاب على يد نوح..

وذكر أنه عاتبه على دعوته على قومه حتى بكى، وعاتب هوداً على دعوته على قومه حتى بكى، وعاتب صالحاً على دعوته على قومه حتى بكى.. وزار يعقوب، وكان مع يوسف..

ولقي إلياس، ولا زال يلقاه، وكان مع إبراهيم حين ألقي في النار، ولقي موسى، وعيسى الذي حمَّله السلام لمحمد.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): وعلى عيسى السلام.

فعلمه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سورة المرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وطلب منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن لا يدع زيارته(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص438 و 439 عن ابن الجوزي في الموضوعات واللآلي المصنوعة، والنكت البديعات، وعن عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، والعقيلي في الضعفاء، وابن مردويه في التفسير، وأبي نعيم في حلية الأولياء والدلائل، والبيهقي في الدلائل، والمستغفري في الصحابة، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، والفاكهي في كتاب مكة، وبحار الأنوار ج60 ص303 و 83 ـ 84 وج38 ص54 ـ 57 وج27 ص14 ـ 17 وج18 ص84 وبصائر الدرجات ص27. وراجع: مستدرك الوسائل ج2 ص513 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص31 وج14 ص330 وج15 ص613 وكنز العمال ج6 ص164 ولسان الميزان ج1 ص356 والشفا لعياض ج1 ص362 والضعفاء للعقيلي ج1 ص98 وج4 ص96 وإكمال الكمال ج7 ص330 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص207 و 208 وميزان الإعتدال ج1 ص186 والإصابة ج6 ص407.


ونقول:

إننا لا نشك في أن هذه الرواية موضوعة:

أولاً: لما تضمنته من الإساءة إلى ساحة قدس الأنبياء، ونسبة الجهل أو الظلم، والخطأ إليهم..

ثانياً: إنها تنسب التعسف والظلم للساحة الإلهية أيضاً، لأنه تعالى كان يستجيب لدعوات أنبيائه، ويهلك الناس، وهم لا يستحقون ذلك.

ثالثاً: إن حفيد إبليس عندما يكون أتقى وأورع، أو أعقل وأحكم من الأنبياء، فالنبوة تصبح به أليق، وعنهم أبعد..

رابعاً: زعمت رواية حفيد إبليس: أنه كان مع هود في مسجده مع من آمن من قومه(1) مع أن القرآن يصرح بأن قوم هود هلكوا على بكرة أبيهم، ولم ينج منهم إلا هود وأهله إلا امرأته..

____________

1- بحار الأنوار ج27 ص16 وبصائر الدرجات ص118 ومدينة المعاجز ج1 ص128 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص330 وكنز العمال ج6 ص165 وضعفاء العقيلي ج1 ص99 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص267 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص207 وميزان الإعتدال ج1 ص187 ولسان الميزان ج1 ص356 والبداية والنهاية ج5 ص113 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص186.


إضافات وزيادات مشبوهة:

وقد أضافت النصوص المروية في كتب الشيعة: أنه لما طلب من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يعلمه شيئاً من القرآن قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) علِّمه.

فقال هام: يا محمد، إنا لا نطيع إلا نبياً أو وصي نبي، فمن هذا؟!

قال: هذا أخي، ووصيي، ووزيري، ووارثي علي بن أبي طالب.

قال: نعم، نجد اسمه في الكتب إليَّا، فعلمه أمير المؤمنين.

فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام )(1) .

ونقول:

أولاً: هناك زيادة طويلة ذكرتها الرواية الواردة في روضة الكافي، وفيها ما يناقض هذا الذي ذكر آنفاً، فقد صرحت: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سأل حفيد إبليس، إن كان يعرف وصيه؟!

فقال: إذا نظر إليه يعرفه بصفته واسمه الذي قرأه في الكتب.

فقال له: انظر، فنظر في الحاضرين، فلم يجده فيهم.

وبعد حديث طويل سأله فيه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن أوصياء الأنبياء "عليهم‌السلام "، وأجابه، ووصف له علياً (عليه‌السلام )، جاء علي

____________

1- تفسير القمي ج1 ص375 والتفسير الصافي ج3 ص107 وبحار الأنوار ج60 ص84 وج27 ص14 و 16 وج18 ص84 عن تفسير القمي، ونور الثقلين ج3 ص8.


(عليه‌السلام )، فعرفه بمجرد أن وقع نظره عليه.

ثم تذكر الرواية: أن الهام بن الهيم بن لاقيس قتل بصفين(1) .

ثانياً: إن نفس اعتراض هذا الجني على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين طلب من علي (عليه‌السلام ) أن يعلمه شيئاً من القرآن يدل على خلل أساسي في إيمانه، لأن الإيمان برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) معناه الطاعة له، والإستسلام لأوامره ونواهيه، ومن يرفض ذلك لا يكون كذلك.

ثالثاً: ما الذي جعل لهذا الجني الحق في أن لا يطيع ما عـدا الأنبيـاء وأوصيائهم، حتى حين يأمره الأنبياء والأوصياء بتلك الطاعة؟! وما الذي يميزه عن غيره من بني جنسه في ذلك لو كان الأمر خاصاً به؟!

أليس ذلك يعدُّ معصية للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه؟! وألا يعتبر ذلك من التناقض غير المقبول ولا المعقول، إلا من الحمقى، الذين لا يقدِّرون الأمور كما ينبغي؟!

رابعاً: بل إن الجني ادعى: أن الجن جميعاً لا يطيعون غير الأنبياء وأوصسائهم، حيث قال: "إنَّا لا نطيع".

خامساً: يضاف إلى ذلك: أن الأمر قد صدر لعلي (عليه‌السلام ) من

رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بحضور ذلك الجني، ولم يكن الأمر من غير النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعلي (عليه‌السلام ) إنما يريد أن يجري أمر الرسول، فما معنى اعتراض ذلك الجني على ذلك الأمر؟!

____________

1- بحـار الأنـوار ج38 ص54 ـ 57 وج27 ص15 ـ 17 وأشـار في هـامشـه إلـى: = = الروضة ص41 و 42 وبصائر الدرجات ص27 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين (بتحقيق علي الشكرچي) ص223. وراجع: مدينة المعاجز ج1 ص136.


الفصل السابع :

أحداث جرت في الحديبية.. وبعدها..



ساقي العطاشى في الجحفة:

قال الشيخ المفيد: روى إبراهيم بن عمر، عن رجاله، عن فايد مولى عبد الله بن سالم، قال: "لما خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في عمرة الحديبية نزل الجحفة، فلم يجد بها ماء، فبعث سعد بن مالك بالروايا، حتى إذا كان غير بعيد رجع سعد بالروايا، فقال: يا رسول الله، ما أستطيع أن أمضي، لقد وقفت قدماي رعباً من القوم!

فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اجلس.

ثم بعث رجلاً آخر، فخرج بالروايا حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الأول رجع، فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "لم رجعت"؟!

فقال: والذي بعثك بالحق، ما استطعت أن أمضي رعباً.

فدعا رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما،


فأرسله بالروايا، وخرج السقاة وهم لا يشكون في رجوعه، لما رأوا من رجوع من تقدمه.

فخرج علي (عليه‌السلام ) بالروايا حتى ورد الحرار(1) فاستقى، ثم أقبل بها إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وله زجل(2) .

فكبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ودعا له بخير"(3) .

ونقول:

1 ـ لا مبرر لرجوع أولئك الرجال الذين أرسلهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لإحضار الماء، بعد أن رأوا من المعجزات الظاهرة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ما يدعوهما للتفاني والتنافس في تنفيذ أوامره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حباً بالفوز برضاه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورغبة بالنجاة في الآخرة..

2 ـ إن هذه الحادثة تذكرنا أيضاً بما جرى لأبي بكر وعمر في خيبر وفدك وقريظة وذات السلاسل، حيث رجعا بالعسكر منهزمين، يجبن

____________

1- الحرار: جمع حرة، وهي أرض ذات أحجار سود نخرة. الصحاح ج2 ص626.

2- الزجل: رفع الصوت الطرب. لسان العرب ج11 ص302.

3- الإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص121 و 122 وبحار الأنوار ج20 ص359 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص623 وكشف الغمة ج1 ص210 والإصابة ج3 ص199 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص88 وكشف اليقين ص139.


بعضهم بعضاً.

3 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) وحده هو الذي كان الله ورسوله وجهاد في سبيله أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه، وكانت لذته وسعادته في طاعة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ونيل رضا الله تبارك وتعالى.. وقد ظهرت آثار هذه السعادة حين أقبل بالروايا وله زجل، أي رفع الصوت الطَّرِب..

4 ـ لا ندري لماذا كتمت الرواية اسم الشخص الثاني الذي أرسله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالروايا، فرجع خائفاً منهزماً؟! مع أنها ذكرت اسم الأول، وهو سعد بن مالك، وذكرت اسم الثالث، وهو علي (عليه‌السلام )، فهل هو من الفئة التي تعودنا التعصب لها من بعض الفئات إلى حد تزوير الحقائق، إن لم يمكن إخفاؤها؟! هل هو أبو بكر، أو عمر مثلاً؟!

ونود أن لا تذهب بنا الظنون، فنحسب أن ذكر سعد بن مالك كان للتمويه وإبعاد الشبهة عمن يحبون؟!

لا ولكنه خاصف النعل:

وقالوا أيضاً: "وفي هذه الغزاة أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال له: يا محمد، إن أرقاءنا لحقوا بك، فارددهم علينا.

فغضب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حتى تبين الغضب في وجهه، ثم قال: لتنتهن ـ يا معشر قريش ـ أو ليبعثن الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه للإيمان، يضرب رقابكم على الدين.

فقال بعض من حضر: يا رسول الله، أبو بكر ذلك الرجل؟!


قال: لا.

قيل: فعمر؟!

قال: لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة.

فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرجل!! فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )..".

وروى جماعة هذا الحديث عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وقالوا فيه: إن علياً قص هذه القصة، ثم قال: سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.

وكان الذي أصلحه أمير المؤمنين من نعل النبي "صلى الله عليهما وآلهما" شسعها، فإنه كان انقطع، فخصف موضعه، وأصلحه"(1) .

____________

1- الإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص122 و 123 وأشار في هامشه إلى: كفاية الطالب ص96 ومصباح الأنوار ص121 وباختلاف يسير في سنن الترمذي ج5 ص297 وإعلام الورى ص191 وفي (ط أخرى) ص372 وتاريخ بغداد ج1 ص133 والمستدرك على الصحيحين ج4 ص298 وبحار الأنوار ج20 ص360 و 364 وج32 ص301 وج36 ص33 وج38 ص247 والإفصاح ص135 والعمدة لابن البطريق ص224 وعوالي اللآلي ج4 ص88 وكتاب الأربعين للماحوزي ص241 ودرر الأخبار ص174 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص239 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص623 والمناقب للخوارزمي ص128 وكشف الغمة ج1 ص211 ونهج الإيمان ص523 وكشف اليقين ص106.


ونلاحظ هنا ما يلي:

1 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد غضب هذا الغضب الشديد، انتصاراً منه لأناس مستضعفين، ظلمهم أسيادهم بحرمانهم من حق الحرية الإعتقادية والدينية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل هو يهدد قريشاً، التي كانت ترى نفسها سيدة المنطقة العربية بأسرها، وترى أن لها الحق ـ من موقعها الديني، وكذلك من موقع مالكيتها لأولئك الأرقاء ـ أن يكون القرار الأول والأخير بالنسبة لأرقائها بيدها، لا ينازعها فيه أحد..

والناس يعترفون لها بهذا وذاك، ويقرونها على ما تزعمه لنفسها..

نعم، إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليس فقط لا يعترف لها بشيء مما تزعمه لنفسها ويزعمه الناس لها، وإنما هو يعطي لنفسه الحق في شن حرب كاسحة، ومدمرة، يريد لها أن تنتهي بضرب رقاب نفس هؤلاء الأسياد المتسلطين، حتى لو كانوا من قريش، أو كانوا سدنة البيت، لمجرد ضمان حرية الفكر والعقيدة حتى لمن هم عبيد أرقاء لهم، وقد اشتراهم أولئك الناس بأموالهم. لأن ملكيتهم لهم لها حدود وقيود، ولا تصل إلى حد منعهم من التفكير، والتدخل في اعتقاداتهم.

2 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يهدد قريشاً بطريقة تجد فيها الشواهد على


جدية ذلك التهديد، وأنه يسير باتجاه التنفيذ، حيث صرح لها: بأن من يتولى تنفيذ هذا القرار هو من نفذ مهمات مشابهة بكل دقة وأمانة وحزم.. ولم تزل تشهد قريش والمنطقة بأسرها آثار جهده وجهاده، طاعة لله ولرسوله..

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يصوغ هذا التهديد بطريقة تستدعي طرح الأسئلة لمعرفة المزيد من الأوصاف، أو تدعو للتصريح باسم هذا الذي أشار إليه..

4 ـ لا ندري، فلعل طرح اسمي أبي بكر، وعمر، ليجيب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بنفي أن يكونا مرادين في كلامه، قد جاء من قبل شخص يريد أن يسمع الناس هذا التصريح، لقطع دابر الكيد الإعلامي الذي قد يمارسه ذلك الحزب الذي عرف بالانحراف عن علي (عليه‌السلام ) منذ بدايات الهجرة، وربما قبل ذلك أيضاً.

أو أنه كان يريد أن يظهر مقام الخليفتين من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى إن اسمهما ليطرح قبل أن يطرح اسم أي رجل آخر.

ولعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عرَّف بعض أهل السر عنده بما يدبره هؤلاء في الخفاء، مما له مساس بمستقبل الدين والأمة، فكان بعض أهل السر يشعرون بأنه لا بد من إيضاح الأمور للناس بطريقة أو بأخرى، ليتحملوا مسؤولياتهم، بعد أن تكون الحجة عليهم قد تمت..

5 ـ يسجل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذا الوسام الرائع لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في إطار فريد ورائع، حين بيَّن أن هذا الذي يستطيع


أن يضرب رقاب قريش على الدين، ليس ممن يرغب في شيء من حطام الدنيا، وليس هو ممن يميِّزون أنفسهم عن الآخرين..

وهو إنسان لا يمدح بكثرة المال، ولا بشيء مما يمدح به أهل الدنيا، ولا يحتاج في استحضار صورته إلى أي إطار تظهر عليه الألوان، والأشكال، والزخرفات، بل هو يظهر في صورته وهو يخصف نعلاً.. وهي صورة لا يتوقعون ظهور الحاكم والقائد والرئيس فيها في أي من الظروف والأحوال.

واللافت: أن هذه النعل التي يخصفها ليست له، وإنما هي لغيره، إنها لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. الأمر الذي يشير إلى طبيعة نظرته لنفسه، ويؤكد صحة ما يلهج به، حيث يقول: أنا عبد من عبيد محمد(1) .

6 ـ إن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن أولئك المستضعفين: "هم عتقاء الله" يستبطن أمرين:

أحدهما: أنه ليس هو المسؤول عنهم، ولا المطالب بهم، بل هم الذين خرجوا وفروا من سلطان قريش، وليس لقريش أن تطالبه بأن يبسط سلطتها على أرقائها، ولا استنابته بملاحقتهم كلما هربوا منها.

____________

1- الكافي ج1 ص90 وشرح أصول الكافي ج3 ص130 و 131 والإحتجاج ج1 ص313 وعوالي اللآلي ج1 ص292 والفصول المهمة في أصول الأئمة ج1 ص168 وبحار الأنوار ج3 ص283 ونور البراهين ج1 ص430 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص64 وميزان الحكمة ج1 ص144 وج4 ص3207 ونور الثقلين ج5 ص233.


وبنود صلح الحديبية لا تشمل هؤلاء؛ لأنهم قد هربوا من قريش قبل عقده، والصلح إنما يعالج الحالات التي تحدث بعد توقيعه.

الثاني: أن إسلامهم هو الذي أعتقهم، فإن العبد إذا أسلم في دار الحرب قبل مولاه، فالمروي: أن ذلك من أسباب عتقه، خصوصاً إذا خرج إلى دار الإسلام قبله(1) .

وهؤلاء قد أسلموا وخرجوا إلى دار الإسلام قبل أسيادهم، وهذا معناه: أنه لا سلطة لقريش عليهم، لأنهم خرجوا عن صفة الرق باختيارهم الإسلام. فلا يجوز لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يرجعهم إليه، أو أن يساعد على ذلك؛ لأن ذلك عدوان عليهم، ومصادرة لحرياتهم، بل أصبح من واجبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الدفاع عنهم، والمنع من ظلمهم، ومن استعبادهم.

بيعة النساء في الحديبية:

قال الشيخ المفيدرحمه‌الله : "وكان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) المبايع

____________

1- سنن البيهقي ج9 ص229 و 230 وراجع: تهذيب الأحكام ج6 ص152 والنهاية للطوسي ص295 والوسائل كتاب الجهاد ج11 ص89 والتنقيح الرائع ج3 ص256 والسرائر ج2 ص10 و 11 ومسالك الأفهام ج10 ص357 و = = 358 وشرائع الإسلام كتاب العتق وكتاب الجهاد، وكنز العرفان (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص129 وعوالي اللآلي ج3 ص187.


للنساء عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكانت بيعته لهن يومئذ: أن طرح ثوباً بينه وبينهن، ثم مسحه بيده، فكانت مبايعتهن للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمسح الثوب، ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يمسح ثوب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) مما يليه(1) .

ويلاحظ هنا أمران:

الأول: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلياً (عليه‌السلام ) قد استفادا في بيعة النساء، من طريقة مبتكرة، تعطي المعنى وتدل على المقصود بصورة كافية، ومفهومة.. لأنهما يريدان تحاشي أمر محظور، وهو مصافحة النساء، أو أي شيء يعطيهن المزيد من الجرأة على الإقتراب من الرجل، ولو بمثل أن تمسح على الثوب الذي يلبسه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أو علي (عليه‌السلام ).

الثاني: قد يقال: إن المفروض هو أن تختص البيعة بالرجال ولا داعي لبيعة النساء، لأن الرجال هم الذين يضحون، وهم الذين يحاربون، وهم أصحاب القرار.. أما النساء فلا شأن لهن في ذلك..

ونجيب: بأنه وإن كان ليس على النساء قتال ونزال، ولا يتولين القضاء والحكومة، ولكن ذلك لا يعني أنهن لا دور لهن، بل لهن دور في الكثير من الشؤون، التي لا بد من التزامهن بما يرضي الله، وبطاعة رسوله فيها، فلا

____________

1- الإرشاد ج1 ص119 وموسوعة التاريخ الإسلامي ح2 ص622 وبحار الأنوار ج20 ص358.


بأس بأخذ البيعة منهن على الإلتزام بمثل هذه الأمور..

ثم إننا لا نوافق على القول بأنه لا شأن للمرأة في كثير من الأمور، فإن المقصود إن كان هو إعادة تكريس المنطق الجاهلي الذي يسلب المرأة حقوقها التي جعلها الله لها، فهذا مرفوض جملة وتفصيلاً..

وإن كان المقصود: أن شؤونها ليست بذات أهمية، لكي تؤخذ منها البيعة، فهو غير صحيح أيضاً، فإن مقام السيدة الزهراء "عليها‌السلام " عند الله يدلنا على أهمية الشؤون التي تعود إليها، والتي استحقت مقامها هذا لقيامها بتلك الواجبات على أكمل وجه.

على أننا نقول:

إن للرجال شؤوناً تخصهم، وليس للمرأة فيها نصيب، وللمرأة شؤون ليس للرجال فيها نصيب، لأن كلاً منهما مهيأ لما خلق له.

وامتياز الرجال أو بعضهم على النساء، أو على بعضهن، إذا اقتضته شؤون الخلقة، والتكوين، فإنما كان بسبب انسجام هذه الميزات، مع تلك المسؤوليات الملقاة على عاتق هذا أو ذاك، لكي تحقق أهدافاً تحتاج إلى هذه الميزات أو تلك، بهذا المستوى من الفعالية والتأثير..

علي (عليه‌السلام ) في الحديبية:

لقد كان من حق المسلمين أن يمارسوا حريتهم في التفكير، وفي التقديس، والإعتقاد، والعبادة، وما إلى ذلك.. ومن حقهم أيضاً أن يزوروا


بيت الله تبارك وتعالى، ويؤدوا مناسكهم، وليس من حق أحد أن يمنعهم منه. فكيف إذا كان البلد الذي يقع فيه هذا البيت هو وطن من يريد زيارته، وقد ولد وعاش فيه، ثم ظلم وقهر، وأجبر على الخروج منه، والتغرب عنه.

وها هو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقرر المسير إلى زيارة بيت الله للعمرة، فلماذا هبت قريش لمواجهته ومواجهة المسلمين، ومنعهم من دخول بيت الله، حتى تطورت الأمور، واصطف المسلمون والمشركون للقتال؟!

قال الشيخ المفيد "رحمه‌الله ": "كان اللواء يومئذٍ إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، كما كان في المشاهد كلها..

وكان من بلائه في ذلك اليوم عند صف القوم في الحرب للقتال، ما ظهر خبره، واستفاض ذكره، وذلك بعد البيعة التي أخذها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أصحابه، والعهود عليهم بالصبر(1) .

فلجأت قريش إلى طلب الصلح، على أن يرجع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمن معه في عامه هذا، ثم يحجون في العام الذي بعده..

وتقرر كتابة كتاب في ذلك، ونزل الوحي على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن يجعل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) كاتبه يومئذٍ، والمتولي لعقد الصلح بخطه(2) .

____________

1- الإرشاد ج1 ص119 وبحار الأنوار ج20 ص358 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص73.

2- الإرشاد ج1 ص119 وبحار الأنوار ج20 ص358 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص627.


وقبل متابعة الحديث نشير إلى ما يلي:

أولاً: لقد عَجزَ التاريخ عن الإفصاح عن حقيقة ما فعله علي (عليه‌السلام ) حين اصطفاف الفريقين، وكيف استفاض ذكر ما جرى، وظهر خبره، ولم نجد منه شيئاً إلى يومنا هذا؟!

ألا يدلنا ذلك على أن ثمة يداً خائنة قد عبثت بالحقائق، وأسقطت ما أمكنها إسقاطه، أو حرفت ما لم يمكن التستر عليه.. مما يرتبط بأمير المؤمنين (عليه‌السلام )؟!

ثانياً: إن كتابة علي (عليه‌السلام ) الكتاب في الحديبية كانت بأمر من الله تعالى، وهذا يدل على أن هناك شيئاً اقتضى هذا الأمر الإلهي.. فهل هو أنه سيجري له (عليه‌السلام ) في واقعة التحكيم، مثل ما جرى في هذه الواقعة؟! أي أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يخبر الناس بما سيجري لعلي في التحكيم ليكون ذلك من دلائل مظلوميته، ومن شواهد إمامته، ومن موجبات زيادة يقين الناس بهذا الأمر؟! أو لأنه لو تصدى غيره لكتابة الكتاب لم يحسن التصرف، أو كان قد تصرف على خلاف رضا الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

قد يكون كل ذلك مأخوذاً بنظر الإعتبار..

ما جرى حين كتابة الكتاب:

هناك تفاصيل مختلفة تذكر لما جرى حين كتابة الكتاب في الحديبية..


وقد أوعزنا إليها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، الجزء الخامس عشر.. ونذكر منها هنا ما يرتبط بأمير المؤمنين علي (عليه‌السلام )، وخلاصة ما قالوه:

إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ): أكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم..

فاعترض سهيل بن عمرو ـ مبعوث المشركين ـ وطلب أن يكتب: باسمك اللهم، فاستجاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهذا الطلب..

ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله..

فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، اكتب في قضيتنا ما نعرف، أكتب محمد بن عبد الله..

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): امحه.

فقال علي (عليه‌السلام ): ما أنا بالذي أمحاه (أو أمحاك).

وفي حديث محمد بن كعب القرظي: فجعل علي يتلكأ، وأبى أن يكتب إلا محمد رسول الله، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اكتب، فإن لك مثلها تعطيها، وأنت مضطهد(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص54 وفي هامشه: عن صحيح البخاري ج5 ص357 (2699) ومسند أحمد ج4 ص328 و 86 وج5 ص23 و 33 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص220 و 227 وعبد الرزاق في المصنف (9720) والطبري في جامع البيان ج26 ص59 و 63 وابن كثير في التفسير ج7 ص324 وانظر مجمع الزوائد ج6 ص145 و 146. وراجع: ميزان الحكمة ج4 ص3196 ومجمع البيان ج9 ص199 والميزان ج18 ص269 والمناقب للخوارزمي ص193 وصفين للمنقري ص509 والمسترشد ص391 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص232 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص628 وينابيع المودة ج2 ص18 والأنوار العلوية ص249 وعن الإحتجاج ج1 ص277 وتفسير القمي ج2 ص313 ونور الثقلين ج5 ص53 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص214 وبحار الأنوار ج20 ص335 وج33 ص314 و 316 و 317 وج32 ص542 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص54 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص390 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص147 والسيرة الحلبية ج3 ص20 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص43.

وعن وعـد النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله " لعـلي بأن له مثلها وهو مقهور راجع أيضاً: = = تاريخ الخميس ج2 ص21 والكامل في التاريخ ج2 ص204 وحبيب السير ج1 ص372 وتفسير البرهان ج4 ص193 وبحار الأنوار ج20 ص352 و 357 وتفسير القمي، والخرايج والجرايح، والخصائص للنسائي (ط التقدم بمصر) ص50 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص190 وج 2 ص588 والمغني لعبد الجبار ج16 ص422 وينابيع المودة ص159 وصبح الأعشى ج14 ص92.


وذكر الواقدي: أن أسيد بن حضير، وسعد بن عبادة أخذا بيد علي (عليه‌السلام )، ومنعاه: أن يكتب إلا محمد رسول الله، وإلا فالسيف بيننا وبينهم(1) .

ونقول:

إن لنا هنا وقفات، نذكر منها ما يلي:

من كتب العهد في الحديبية:

زعم بعضهم: أن كاتب العهد في الحديبية هو محمد بن مسلمة(2) .

وعن معمر قال: سألت عنه الزهري، فضحك، وقال: هو علي بن أبي طالب، ولو سألت عنه هؤلاء قالوا: عثمان(3) .

ولعلهم حاولوا استخلاصه من قولهم: إن قريشاً أبت إلا أن يكتب

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص51 ـ 54 وفي هامشه قال: وأخرجه أبو داود في الجهاد باب (167) وأحمد ج4 ص329 و 330 والسيوطي في الدر المنثور ج6 ص76 وصحيح مسلم ج5 ص175 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص510 وكنز العمال ج10 ص480 والجامع لأحكام القرآن ج16 ص277.

2- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص24 و 25 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج3 ص43 ورسالات نبوية ص179.

3- راجع: المصنف للصنعاني ج5 ص343 والنزاع والتخاصم ص127 ومكاتيب الرسول ج1 ص585 وج3 ص84 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص460.


علي (عليه‌السلام ) أو عثمان(1) .

ونقول:

أولاً: تقدم: أن الوحي هو الذي أمر بأن يتولى علي (عليه‌السلام ) كتابة العهد في الحديبية.

ثانياً: تكاد المصادر تجمع على أن علياً (عليه‌السلام ) هو كاتب العهد(2) .

____________

1- مكاتيب الرسول ج3 ص85 عن: المغازي للواقدي ج2 ص610 والسيرة الحلبية ج3 ص23 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج2 ص212.

2- راجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص305 والنزاع والتخاصم ص127 وتفسير القمي ج2 ص312 و 313 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص629 ومكاتيب الرسول ج3 ص78 و 58 عن المصادر التالية:

الـدر المنثور ج6 ص78 والحلبية ج3 ص23 و 25 و 20 والمغـازي للواقـدي ج2 = = ص610 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص24 وج1 ص73 و 203 وج3 ص214 والمصنف للصنعاني ج5 ص343 وأنساب الأشراف (تحقيق محمد حميد الله) ص349 ومسند أحمد ج1 ص342 وج3 ص268 وج4 ص298 و 86 و 325 وصحيح البخاري ج2 ص73 وج3 ص241 و 242 وج4 ص126 و ج5 ص179 وصحيح مسلم ج3 ص1409 ـ 1411 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص45 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص179 وج9 ص226 و 227 والمصنف لإبن أبي شيبة ج14 ص435 و 439 وبحار الأنوار ج18 ص62 وج20 ص327 و 333 و 335 و 351 ـ 353 و 357 و 359 و 362 و 363 و 371 وج33 ص314 وج31 ص221 ونيل الأوطار للشوكاني ج8 ص45 وجامع البيان ج26 ص61 وتفسير النيسابوري (بهامش جامع البيان) ج26 ص49.

وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص258 وج2 ص275 والبرهان ج4 ص192 و 193 والبداية والنهاية ج4 ص169 ومجمع الزوائد ج6 ص145 وفتح الباري ج5 ص223 وج7 ص286 والكافي ج8 ص326 ومرآة العقول ج26 ص444 وأدب الإملاء والإستملاء ص12 وصفين للمنقري ص508 و 509 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق1 ص71 ورسالات نبوية ص178 والمطالب العالية ج4 ص234 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص34 و 35 والجامع لأحكام القرآن ج16 ص275 ـ 277 وروح المعاني ج9 ص5 وعمدة القاري ج14 ص12 و 13 و ج13 ص275 ونور الثقلين ج5 ص52= = و 53 وتفسير الصافي ج5 ص35 و 36 وحبيب السير ج1 ص372 وتفسير الميزان ج18 ص267 ومجمع البيان ج9 ص118 وتاريخ الخميس ج2 ص21 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص43 والكامل في التاريخ ج2 ص204 وج3 ص320 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص636 وشرح بهجة المحافل ج1 ص316 و 317 والمواهب اللدنية ج1 ص128 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص390.

وراجع: ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص146 و 147 وحدائق الأنوار ج2 ص616 والأموال ص232 و 233 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص202 وتفسير الخازن ج4 ص156 و 157 وكشف الغمة ج1 ص210 والإرشاد للمفيد ج1 ص120 وإعلام الورى ص97 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص54 و 53 وعن السنن الكبرى للبيهقي ج8 ص5 وعن المستدرك للحاكم ج3 ص120 وعن تاريخ بغداد ونهاية الأرب ج17 ص230 وأصول السرخسي ج2 ص135 والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج11 ص222 و 223 ومسند أبي عوانة ج4 ص237 و 239 وصبح الأعشى ج14 ص92 والعثمانية ص78 وتاريخ ابن الوردي ج1 ص215 وخصائص الإمام علي (عليه‌السلام) للنسائي ص150 و 151 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج2 ص233 ـ 236 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص419 و 420 و 637 و 638 و 641 و 642 وج18 ص361 عن بعض من تقدم وعن مصادر أخرى. ومشكل الآثار ج4 ص173 والرياض النضرة ج2 ص191.


ثالثاً: صرح ابن حجر: بأن قولهم: بأن كاتب الكتاب هو ابن مسلمة من الأوهام(1) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص24 و 25 و (ط دار المعرفة) ج2 ص709 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج3 ص43 ورسالات نبوية ص179 ومكاتيب الرسول ج3 ص84.


ونحن نخشى أن يكون المقصود هو مكافأة محمد بن مسلمة على مشاركته في الهجوم على بيت فاطمة الزهراء "عليها‌السلام " فور وفاة أبيها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

كما أنه يهدف إلى التشكيك في كل عملٍ إيجابي أو فضيلة أو كرامة لعلي (عليه‌السلام )، والسعي لمنحها لمناوئيه وأعدائه.

حديث امتناع علي (عليه‌السلام ):

تقدم قولهم: إن علياً (عليه‌السلام ) امتنع عن محو اسم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وذكرنا بعض مصادره، ويضيف ابن حبان: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر علياً (عليه‌السلام ) بمحو اسمه مرتين، فأبى ذلك فيهما معاً(1) .

قال السرخسي: "وطاب لأتباع المذاهب أن يقولوا لشيعة علي (عليه‌السلام ): إذا كنتم قد استطعتم أن تحشدوا الشواهد المتواترة، بل التي لا تكاد تحصى على مخالفات صريحة، وقبيحة، ومؤذية للصحابة الكبار، فإن علياً (عليه‌السلام ) قد وقع بنفس المحذور، حين امتنع عن طاعة أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الحديبية بمحو اسمه الشريف(2) .

وفي سؤال وجه للسيد المرتضى، جاء ما يلي: "..ليس يخلو، إما أن يكون قد علم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يأمر إلا بما فيه مصلحة،

____________

1- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج11 ص222 و 223.

2- أصول السرخسي ج2 ص135.


وتقتضيه الحكمة والبينات، وأن أفعاله عن الله سبحانه وبأمره، أو لم يعلم.

فإن كان يعلم، فلمَ خالف ما علم؟!

وإن كان لم يعلمه، فقد جهل ما تدَّعيه العقول من عصمة الأنبياء عن الخطأ، وجوَّز المفسدة فيما أمر به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهذا، إن لم يكن قطع بها.

وهل يجوز أن يكون أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) توقف عن قبول الأمر، لتجويزه أن يكون أَمْرُ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) معتَبِراً له ومختبراً؟! مع ما في ذلك لكون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عالماً بإيمانه قطعاً، وهو خلاف مذهبكم، ومع ما فيه من قبح الأمر على طريق الاختبار بما لا مصلحة في فعله على كل حال.

فإن قلتم: إنه يجوز أن يكون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أضمر محذوفاً، يخرج الأمر به من كونه قبيحاً.

قيل لكم: فقد كان يجب أن يستفهم ذلك، ويستعلمه منه، ويقول: فما أمرتني قطعاً من غير شرط أضمرته أولاً"(1) .

ونقول:

أولاً: لقد أجاب السيد المرتضى بما يتوافق مع مذاق المعترض في نظرته للأمور، ونوضح مراده على النحو التالي:

____________

1- رسائل الشريف المرتضى ج1 ص441 و 442.


لو سلمنا: صدور هذا الأمر، فإن إمتناع وتوقف علي (عليه‌السلام ) عن المحو لا يدل على عدم عصمته، لأنه جوَّز أن يكون أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالمحو ليس أمراً حقيقياً، بل مجاراة لسهيل، لا لأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يُؤْثِر ذلك.. فتوقف حتى يظهر: أنه مُؤْثِرٌ له.

وتوقفه هذا يقوم مقام الإستفهام، لتتأكد له حقيقة هذا الطلب، وأنه أمر حقيقي، أو ليس بحقيقي(1) . لا سيما وأنه (عليه‌السلام ) يعلم أن المحو هو رغبة المشركين، وليس رغبة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال العيني عن قوله (عليه‌السلام ): "ما أنا بالذي أمحاه: ليس بمخالفة لأمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؛ لأنه علم بالقرينة أن الأمر ليس للإيجاب"(2) .

وقال القسطلاني، والنووي: "قال العلماء: وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحتُّم محوٍ على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولو حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه، ولا أقره النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على المخالفة"(3) .

ثانياً: إن المسارعة للمحو قد لا تكون مستحبة، ولعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يرغب بهذا التلبث والتريث، ليظهر به أن اصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لا يرضون بأن يتعرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- رسائل الشريف المرتضى ج1 ص442.

2- رسائل الشريف المرتضى ج1 ص443.

3- شرح صحيح مسلم للنووي ج12 ص135.


لكسر كلمته، وإهانته وإظهار ضعفه، ثم يكون إصراره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على المحو هو الذي يحسم الأمر.. فلم يكن هذا المحو بسبب قوة المشركين وضعف عزيمة المسلمين، بل كان تفضلاً وتكرماً من الرسول، ورفقاً وسجاحة خلق..

ثالثاً: قد يكون الأمر للتخيير، مثل جالس الحسن وابن سيرين، وقد يكون للإباحة، مثل قوله تعالى:( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) (1) .. وكالأمر عقيب الحظر، أو عقيب توهمه. وهو هنا من هذا القبيل، فإن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد رفع الحظر عن محو اسمه بقوله: "امحه". وهو لا يدل على أكثر من إباحة ذلك..

ثالثاً: إن هذه القضية موضع شك وريب من أساسها، وذلك لأسباب عديدة، سوف نوردها في الفقرة التالية..

الشك فيما ينسب لعلي (عليه‌السلام ):

إن شكنا في صحة ما ينسب إلى علي (عليه‌السلام ) يستند إلى الأمور التالية:

أولاً: إن علياً (عليه‌السلام ) يقول: "لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد: أني لم أردَّ على الله ولا على رسوله ساعة قط الخ.."(2) .

____________

1- الآية 15 من سورة الملك.

2- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص196 و 197 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص179 و 180 وغرر الحكم ج2 ص288 وشرح أصول الكافي ج12 ص454 وبحار الأنوار ج38 ص319 والأنوار البهية ص50 والمراجعات ص330 وينابيع المودة ج1 ص265 وج3 ص436.


وأما عدم محو اسم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين قال له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فالظاهر أنه (عليه‌السلام ) عرف أن أمر يفيد اباحة هذا الفعل لعلي (عليه‌السلام ). وان الأمر يعود إليه (عليه‌السلام ) وأنه لا مانع عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من محو الإسم..

وقال المعتزلي ـ وهو يشير إلى اعتراضات بعض الصحابة على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الحديبية ـ: "إن هذا الخبر صحيح لا ريب فيه، والناس كلهم رووه"(1) .

ويؤكد ذلك: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: "علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيث دار"، أو "علي مع القرآن، والقرآن مع علي"، ونحو ذلك(2) . فإن من يكون مع الحق ومع القرآن، لا يمكن أن

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص180.

2- راجع: دلائل الصدق ج2 ص303 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص72 وعبقات الأنوار ج2 ص324 عن السندي في دراسات اللبيب ص233 وكشف الغمـة ج2 ص35 وج1 ص141 ـ 146 والجمـل ص81 وتاريـخ بغـداد ج14 = = ص321 والمستدرك ج3 ص119 و 124 وربيع الأبرار ج1 ص828 و 829 ومجمع الزوائد ج7 ص234 ونزل الأبرار ص56 وفي هامشه عنه وعن: كنوز الحقائق ص65 وعن كنز العمال ج6 ص157 وملحقات إحقاق الحق ج5 ص77 و 28 و 43 و 623 و 638 وج 16 ص384 و 397 وج4 ص27 عن مصادر كثيرة جداً.


تصدر منه مخالفة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولا عصيان لأمره.

ويؤكد مدى طاعة علي للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قوله (عليه‌السلام ): أنا عبد من عبيد محمد(1) .

فهل يمكن أن يقارن من هذا حاله بمن يقول عن نفسه: أنا زميل محمد؟!(2) .

وقد بلغ في التزامه بحرفية أوامره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال له في خيبر: "اذهب ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك".

فمشى هنيهة، ثم قام ولم يلتفت للعزمة، ثم قال: علام أقاتل الناس؟

قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله(3) .

____________

1- بحار الأنوار ج3 ص283 والتوحيد للصدوق ص174 والإحتجاج ج1 ص496 والكافي ج1 ص90 وشرح أصول الكافي ج3 ص130 و 131 وعوالي اللآلي ج1 ص292 والفصول المهمة ج1 ص168 وبحار الأنوار ج3 ص283 وعن ج108 ص45 ونور البراهين ج1 ص430.

2- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج3 ص291 والغدير ج6 ص212 ومكاتيب الرسول ج1 ص590 وج3 ص716 والفايق في غريب الحديث ج1 ص400 وج2 ص11.

3- راجع: أنساب الأشـراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص93 والإحسـان بترتـيـب = = صحيح ابن حبان ج15 ص380 وإسناده صحيح، ومسند أحمد ج2 ص384 ـ 385 وصحيح مسلم ج7 ص121 وسنن سعيد بن منصور ج2 ص179 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص58 و 59 و 57 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص159 والغدير ج10 ص202 وج4 ص278 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص200 ومسند الطيالسي ص320 والطبقات الكبرى ج2 ص110 وشرح أصول الكافي ج6 ص136 وج12 ص494 ومناقب أمير المؤمنين ج2 ص503 والأمالي للطوسي ص381 والعمدة ص143 و 144 و 149 والطرائف ص59 وبحار الأنوار ج21 ص27 وج39 ص10 و 12 والنص والإجتهاد ص111 وعن فتح الباري ج7 ص366 والسنن الكبرى ج5 ص111 ورياض الصالحين ص108 وكنز العمال ج1 ص86 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص82 و 83 و 84 و 85 والبداية والنهاية ج4 ص211 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص352 وجواهر المطالب ج1 ص178 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 وينابيع المودة ج1 ص154.


وقال ابن عباس لعمر، عن علي (عليه‌السلام ): إن صاحبنا من قد علمت، والله إنه ما غيَّر ولا بدل، ولا أسخط رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أيام صحبته له(1) .

ولو أنه خالف أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الحديبية، لكان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سخط منه، ولم يصح قول ابن عباس هذا.

ثانياً: إن الساعين للطعن في علي (عليه‌السلام )، وتقبيح ما يصدر منه

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص51 ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج5 ص229 وج13 ص454 وحياة الصحابة ج3 ص249 عنه وعن الزبير بن بكار في الموفقيات، وقاموس الرجال ج6 ص25 والدر المنثور ج4 ص309.


والتحايل عليه، لا يحدهم حد، ولا يقعون تحت عد، فلو كان قد صدر منه أمر قبيح لكانوا قد ملأوا الدنيا بأرجازهم وأزجالهم، ولكانوا قد تفننوا وتفاصحوا في خطبهم الطنانة والرنانة في لومه، وتوجيه الإهانات له، والغمز من قناته..

ثالثاً: إن النصوص ليست على نسق واحد في بيانها لهذا الأمر، بل في بعضها تصريح بما يكذب هذه النسبة..

فقد أظهرت بعض النصوص: أن اعتراض سهيل، قد أحفظ المسلمين، فبادر بعضهم للإمساك بيد علي (عليه‌السلام ) ومنعه من الكتابة(1) .

وإن كنا نرى أن الأوفق بالطاعة هو انتظار أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا المبارزة إلى الإمساك بيد علي (عليه‌السلام )..

وفي بعضها: أن سهيلاً هو الذي طلب من علي (عليه‌السلام ) محو الاسم الشريف، فرفض (عليه‌السلام ) طلبه.

فبادر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للطلب من علي أن يضع يده على اسمه الشريف، حسماً للنزاع، وإعزازاً منه لعلي (عليه‌السلام )(2) .

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص610 و 611 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص54 وإمتاع الأسماع ج1 ص296 وغاية البيان في تفسير القرآن ج6 ص58 و 59 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص43 والسيرة الحلبية (ط المعرفة) ج2 ص708.

2- راجع: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص149 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج8 ص419 وج23 ص461 والأمالي للطوسي ص190 و 191 وبحار الأنوار ج33 ص316 وراجع ج20 ص357 والخرايج والجرايح ج1 ص116 وصفين للمنقري ص509 ومكاتيب الرسول ج1 ص87.


وعن علي (عليه‌السلام ): أن المشركين هم الذين راجعوه في هذا الأمر(1) .

رابعاً: في نص آخر: أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي محا الكلمة، وقال للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لولا طاعتك لما محوتها(2) .

ولعل الجدال الذي جرى بين علي (عليه‌السلام ) وسهيل قد انتهى بتدخل الصحابة للإمساك بيد علي (عليه‌السلام )، ثم تدخل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقوله:

ضع يدي عليها، وبذلك يكون قد حفظ أصحابه، ولم يعطل عملية الصلح.

ويؤيد ذلك: أن علياً (عليه‌السلام ) قد محا عبارة: بسم الله الرحمان الرحيم، وكتب: باسمك اللهم، قائلاً: لولا طاعتك لما محوتها، فمن يقول هذا كيف يعصيه بعد لحظات؟! فإن الطاعة إذا كانت تدعو لمحو الأولى، فهي تدعو لمحو الثانية، خصوصاً إذا كان ذلك في مجلس واحد.

كما أن من يرضى بمحو الأولى التي هي الأصعب، لماذا لا يرضى بمحو

____________

1- صفين للمنقري ص508.

2- كشف الغمة ج1 ص310 و (ط دار الأضواء) ج1 ص209 والإرشاد للمفيد ص120 وبحار الأنوار ج20 ص359 و 363 و 357 وعن إعلام الورى ص97 وكشف الغطاء (ط.ق) ج1 ص15.


الثانية؟!

خامساً: لنفترض: أن سهيل بن عمرو طلب من علي ذلك، ورفض علي طلبه، ثم قال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

امحها.. فإن هذا القول لا يدل على إلزام علي (عليه‌السلام ) بالمحو، بل هو يدل على رفع الحظر، أي أنه أصبح يستطيع أن يمحو إذا شاء.. فقد أوكل الأمر إليه.

فإذا بادر الصحابة للإمساك بيد علي (عليه‌السلام ) ليمنعوه من اختيار هذا الطرف ـ وهو طرف المحو ـ فإن تدخل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقوله:

ضع يدي عليها، يكون قد أتى لرفع الحرج عن علي (عليه‌السلام ) مع اخوانه من الصحابة، وإرادة إعزازه، وتعلية شأنه، مقابل سهيل بن عمرو.

سادساً: إن العديد من النصوص والروايات لم تشر إلى امتناع علي (عليه‌السلام ) عن محو الإسم الشريف، بل ساقت الحديث على أساس الأمر، وطاعة الأمر، ولا شيء سوى ذلك، فراجع، ما ذكره ابن حبان، وما روي عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(1) ، واليعقوبي، وابن كثير، وغيرهما تجد طائفة

____________

1- الثقات ج1 ص300 و 301 وراجع: الكافي ج8 ص269 عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) مع بعض إضافات وتغييرات لا تضر. وبحار الأنوار ج20 ص368 ونور الثقلين ج5 ص68 وتفسير البرهـان ج4 ص194 والإكتفاء = = للكلاعي ج2 ص240 وتاريخ ابن الوردي ج1 ص166 وحياة محمد لهيكل ص374 وإكمال الدين ص50.


من هذه النصوص المروية عن:

الزهري، وابن عباس، وأنس بن مالك، ومروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة، وهو المروي عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) أيضاً(1) .

____________

1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص54 وراجع: البداية والنهاية ج7 ص277 و 281 وروح المعاني ج9 ص50 والكشاف ج3 ص542.

وحول النص المنقول عن الزهري راجع: تاريخ الأمم والملوك ج5 ص634 والبداية والنهاية ج4 ص168 وأنساب الأشراف ج1 ص349 و 350 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص331 و 332 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص320 و 321 والمستدرك للحاكم ج3 ص153 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) ومسند أحمد ج1 ص86.

وحول النص المنقول عن ابن عباس راجع: الرياض النضرة المجلد الثاني ص227 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص522 ومسند أحمد ج1 ص342 وخصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص148 و 149 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص200 عن أحمد، وأبي داود، والمستدرك للحاكم ج3 ص151 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) وصححاه على شرط مسلم، وتاريخ اليعقوبي ج2 ص192.

وروايتا أنس ومروان والمسور توجدان معاً أو إحداهما، أو بدون تسمية، في المصادر = = التالية: صحيح البخاري ج2 ص79 و 78 والمصنف للصنعاني ج5 ص337 ومسند أحمد ج3 ص268 وج4 ص330 و 325 وجامع البيان ج25 ص63 والدر المنثور ج6 ص77 عنهم، وعن عبد بن حميد، والنسائي، وأبي داود، وابن المنذر، وصحيح مسلم ج5 ص175.

وراجع: المواهب اللدنية ج1 ص128 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص370 و 371 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص198 و 200 والبداية والنهاية ج4 ص175 ومختصر تفسير ابن كثير ص351 و 352 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص333 والسنن الكبرى الكبرى ج9 ص220 و 227 وتاريخ الخميس ج1 ص21 عن المدارك، وتفسير الخازن ج4 ص156 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص105 و 146 و 147 والإحسان بتقريب صحيح ابن حبان ج11 ص222 و 223 والجامع لأحكام القرآن ج16 ص277 وبهجة المحافل ج1 ص316 وزاد المعاد ج2 ص125 ومسند أبي عوانة ص241.

وحول ما روي عن علي (عليه‌السلام ) وغيره راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص232 وقريب منه مـا في ينابيع المـودة ص159 ومسند أحمـد ج4 ص86 و 87 ومجمع الزوائد ج6 ص145 وقال: رواه أحمد ورجاله الصحيح.

ومختصر تفسير ابن كثير ص347 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص192 وتفسير المراغي ج 9 ص107 والدر المنثور ج6 ص78 عن أحمد، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن جرير، وأبي نعيم في الدلائل، وابن مردويه.



لعلها قضية مستعارة:

ولنا أن نحتمل: أن تكون أجزاء هامة من هذه القضية قد استعيرت من قصة أخرى.. بهدف إثارة الشبهات والتساؤلات حول أقدس شخصية بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

والقصة هي: أن تميم بن جراشة قدم على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في وفد ثقيف، فأسلموا، وسألوه أن يكتب لهم كتاباً فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدا لكم، ثم إيتوني به.

فأتوا علياً (عليه‌السلام ) ليكتب لهم.

قال تميم: "فسألناه في كتابه: أن يحلّ لنا الربا والزنى. فأبى علي (عليه‌السلام ) أ ن يكتب لنا.

فسألناه خالد بن سعيد بن العاص.

فقال له علي: تدري ما تكتب؟!

قال: أكتب ما قالوا، ورسول الله أولى بأمره.

فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال للقارئ: اقرأ.. فلما انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب.

فوضع يده، فقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) الآية(1) .. ثم محاها.

____________

1- الآية 278 من سورة البقرة.


وألقيت علينا السكينة، فما راجعناه.

فلما بلغ الزنى وضع يده عليها، وقال:( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) الآية(1) ، ثم محاه. وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا"(2) .

لك مثلها يا علي:

وقد قلنا: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ) في الحديبية: لك مثلها، تعطيها، وأنت مضطهد، أو مضطر..

وظهر مصداق قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حرب صفين، حينما أخذوا بكتابة كتاب الموادعة، فابتدأوا فيه بعبارة:

هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان..

فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت: أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته.

وقال عمرو: لا بل نكتب اسمه، واسم أبيه، إنما هو أميركم، فأما أميرنا فلا.

فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه.

فقال الأحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك؛ فإني أتخوف، إن محوتها أن لا ترجع إليك أبداً، فلا تمحها.

____________

1- الآية 32 من سورة الإسراء.

2- أسد الغابة ج1 ص216 وقال: أخرجه أبو موسى، ومكاتيب الرسول ج3 ص72.


فقال (عليه‌السلام ): إن هذا اليوم كيوم الحديبية، حين كتب الكتاب عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسهيل بن عمرو.

فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك ولم أخالفك، إني لظالم لك إن منعتك أن تطوف بيت الله، وأنت رسوله، ولكن اكتب: من محمد بن عبد الله..

فقال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا علي، إني لرسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ولن يمحو عني الرسالة كتابي لهم: من محمد بن عبد الله، فاكتبها، فامح ما أرادوا محوه، أما إن لك مثلها، ستعطيها وأنت مضطهد(1) .

لماذا كان التزوير؟!:

ولعل السبب في هذا التزوير:

1 ـ أن ما أخبر به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقوله: ولك مثلها يا علي تعطيها وأنت مضطهد مقهور(2) .. قد أحرج اتباع معاوية ومحبيه بعد

____________

1- بحار الأنوار ج32 ص541 و 542 وصفين للمنقري ص503 و 504 والمسترشد ص391 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص232 والدرجات الرفيعة ص117 وينابيع المودة ج2 ص18 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص628 ومصادر ذلك كثيرة.

2- راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص220 و 204 والمعيار والموازنة ص200 وخصائص أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) للنسائي ص149 و 150 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص419. والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص43 والسـيرة = = الحلبية ج3 ص20 ومجمع البيان ج9 ص118 و 119 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص214 وبحار الأنوار ج20 ص335 و 352 و 357 و 359 و 363 و 333 وج33 ص314 و 316 و 317 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص54 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص390 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص147 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص179 و 180 وتاريخ الخميس ج2 ص21 وحبيب السير ج1 ص372 وتفسير القمي ج2 ص313 والخرايج والجرايح ج1 ص116 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص190 وج2 ص588 و 232 والمغني لعبد الجبار ج16 ص422 وينابيع المودة للقندوزي ص159 وصبح الأعشى ج14 ص92 والأمالي للطوسي ج1 ص190 و 191 وصفين للمنقري ص508 و 509 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص210 والإرشاد للمفيد ج1 ص120 وإعلام الورى ص97 والبرهان ج4 ص193 ونور الثقلين ج5 ص52 والفتوح لابن أعثم ج4 ص8 والبداية والنهاية ج7 ص277 والأخبار الطوال ص194 عن تاريخ الأمم والملوك ج5 ص52 وعن فتح الباري ج5 ص286.


قضية التحكيم بعد صفين.

فلجأوا إلى إثارة الشبهات حول علي (عليه‌السلام )، لتخفيف الوطأة عن فريقهم.

2 ـ إن نفس الطعن بقداسة علي (عليه‌السلام )، وفي عصمته، والحط من


مقامه، والنيل منه، وابتذال شخصيته، ونسبة الرذائل والمعاصي إليه، وتصغير شأنه، حتى يصبح كسائر الناس العاديين، أمر مطلوب، ومحبوب لأعدائه، ومناوئيه. وبذلك تضعف حجة الطاعنين في مناوئيه، ويخرج أتباعهم من الإحراجات القوية التي تواجههم.

3 ـ تكريس أبي بكر على أنه الرجل المميز بين جميع الصحابة، الذي كان يرى في الحديبية رأي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويدعو الناس للقبول منه، والتسليم له..

قال دحلان: ".. ولم يكن أحد في القوم راضياً بجميع ما يرضى به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، غير أبي بكر الصديق، وبهذا يتبين علو مقامه.

ويمكن أن الله كشف لقلبه، وأطلعه على بعض تلك الأسرار التي ترتبت على ذلك الصلح، كما أطلع على ذلك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنه حقيق بذلك، كيف وقد قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): والله، ما صب الله في قلبي شيئاً إلا وصببته في قلب أبي بكر"(1) .

وقد نسي دحلان أن أبا بكر قد حزن في الغار. ولم يحزن الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأين ذهب ما كان النبي قد صبه في قلب أبي بكر آنئذ. وكذلك الحال في مبارزة عمرو في الخندق وكذلك ما جرى في خيبر وسواها..

4 ـ إن السعي إلى جعل علي وعمر في سياق واحد، من حيث إن هذا يشك في دينه في الحديبية، وذاك يعصي أوامر الرسول الأكرم "صلى الله عليه

وآله" من شأنه أن يوجد حالة من التوازن، ثم تترجح كفة الفريق الآخر حيث جعل أبو بكر فوق الجميع، بل هو في مستوى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

____________

1- السيرة النبوية لدحلان ج2 ص43.


الباب السادس :

خيبر وفدك..



الفصل الأول :

فتح ثلاثة حصون من خيبر..




المسير إلى خيبر:

عن الضحاك الأنصاري، قال: لما سار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى خيبر جعل علياً (عليه‌السلام ) على مقدمته، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من دخل النخل فهو آمن.

فلما تكلم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نادى بها علي(عليه‌السلام )، فنظر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى جبرائيل يضحك، فقال: ما يضحكك؟!

قال: إني أحبه.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): إن جبرائيل يقول إنه يحبك!

قال (عليه‌السلام ): بَلَغْتُ أن يحبني جبرائيل؟!

قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): نعم، ومن هو خير من جبرائيل، الله عزَّ وجلّ(1) .

____________

1- أسد الغابة ج3 ص34 ومجمع الزوائد ج9 ص126 و المعجم الكبير للطبراني ج8 ص301 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص79 وج21 ص306 و307.


ونقول:

إننا نشير هنا إلى عدة أمور، في سياق العناوين التالية:

الرايات لم تكن قبل خيبر:

قال ابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فرق الرايات، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر، وإنما كانت الألوية(1) .

وكانت راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سوداء، من برد عائشة تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، دفعه إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )..

ودفع راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة. وكان شعارهم: يا منصور أمت(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص120 وقال في الهامش: أخرجه البيهقي في الدلائل ج4 ص48 وذكره ابن حجر في المطالب العالية (4202) والواقدي في المغازي ج1 ص407، و (ط أخرى) ج2 ص649.

والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص106 وإمتاع الأسماع ص313 والسيرة الحلبية ج3 ص35 و (ط دار المعرفة) ج2 ص734.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص120 وفي الهامش قال: أخرجه البيهقي في الدلائل ج4 ص48 وذكره ابن حجر في المطالب العالية (4202) والواقدي في المغازي ج2 ص649.

وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص35 و (ط دار المعرفة) ج2 ص734 والإمتاع ص311 و 313 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص442.


وأضاف الحلبي: راية إلى أبي بكر، وراية إلى عمر(1) .

ونقول:

أولاً: قالوا: إن اللواء الذي دفعه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى علي (عليه‌السلام ) يوم خيبر ـ وكان أبيضاً ـ كان يقال له: العقاب أيضاً(2) .

وذلك يشير إلى عدم الفرق بين اللواء والراية، فإن العقاب الذي كان عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يقال له: راية تارة، ويقال له: لواء أخرى.

ثانياً: ذكروا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى اللواء لعلي (عليه‌السلام ) في قضية قتل مرحب، مع أن الكلمة التي تناقلوها عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ذلك هي: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله إلخ.."..

وفي نص آخر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ): خذ هذه الراية وتقدم(3) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص35 و (ط دار المعرفة) ج2 ص734.

2- السيرة الحلبية ج3 ص36 و (ط دار المعرفة) ج2 ص734 عن سيرة الدمياطي.

3- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص36 و (ط دار المعرفة) ج2 ص734 وكشف الغطاء ج1 ص15 وشرح الأخبار للقاضي النعمان ج1 ص302 والعمدة ص153 والطرائف لابن طاووس ص57 والصوارم المهرقة ص35 وبحار الأنوار ج39 ص90 وبغية الباحث ص218 والمعجم الكبير للطبراني ج7 ص35 والثقات لابن حبان ج2 ص13 والكامل لابن عدي ج2 ص61 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص89 والبداية والنهاية ج7 ص373 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص798.


وذلك يؤكد على عدم الفرق بين اللواء والراية أيضاً.

إلا أن يقال: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد جمع لعلي (عليه‌السلام ) هنا بين الراية واللواء.

ثالثاً: تقدم في غزوة أحد: أنهم تارة يقولون: كانت راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع علي (عليه‌السلام ) في بدر وفي كل مشهد.

وأخرى يقولون: كان علي (عليه‌السلام ) حامل لواء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بدر وفي كل مشهد، والظاهر أنهم يريدون الحديث عن شيء واحد..

رابعاً: ومما يدل على أن الراية واللواء كانا سابقين على خيبر، وقد جمعهما النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) قبل هذه الغزوة، قول الشيخ المفيد "رحمه‌الله ": "ثم تلت بدراً غزاة أحد، فكانت راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيد أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فيها، كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللواء إليه يومئذ، ففاز بالراية، واللواء جميعاً"(1) .

وقال "رحمه‌الله " أيضاً، ما ملخصه: كانت راية قريش ولواؤها بيد قصي بن كلاب، ثم لم تزل بيد ولد عبد المطلب، فلما بعث النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله "

____________

1- الإرشاد ج1 ص78 وبحار الأنوار ج20 ص79 و80 عنه، والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص65 وأعيان الشيعة ج1 ص254.


صارت راية قريش وغيرها إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأعطاها علياً (عليه‌السلام ) في غزاة ودّان، وهي أول غزاة حملت فيها راية في الإسلام.

ثم لم تزل مع علي (عليه‌السلام ) في المشاهد، في بدر، وأحد.

وكان اللواء بيد بني عبد الدار، فأعطاه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى مصعب بن عمير، فاستشهد، ووقع اللواء من يده، فتشوقته القبائل، فأخذه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدفعه إلى علي (عليه‌السلام )، فجمع له يومئذ الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم(1) .

خامساً: ويدل على عدم صحة قولهم: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جمع الراية واللواء يوم خيبر ما رواه أبو البختري عن الإمام الصادق عن أبيه "عليهما‌السلام ": أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث علياً (عليه‌السلام ) يوم بني قريظة بالراية، وكانت سوداء تدعى العقاب، وكان لواؤه أبيض(2) .

____________

1- الإرشاد ص48 و (ط دار المفيد) ج1 ص79 وبحار الأنوار ج20 ص80 وج42 ص59 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص299 و (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص85 وكفاية الطالب ص335 وإعلام الورى ص193 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص377 وأعيان الشيعة ج1 ص337.

2- قرب الإسناد ص 131 وبحار الأنوار ج20 ص246 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص144 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص110 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص115.


قال المجلسي: الراية: العلم الكبير، واللواء أصغر منها، قال في المصباح: لواء الجيش علمه، وهو دون الراية(1) .

والحديث عن اتحاد اللواء مع الراية واختلافهما لا أثر له هنا، فالنصوص تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يعطي اللواء لعلي (عليه‌السلام )، وكان يعطي الراية لعلي سواء اتحدا أو اختلفا.

راية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من برد عائشة:

وقد زعمت الرواية المتقدمة: أن الراية المسماة بالعقاب هي من مرط لعائشة، وكانت سوداء..

ونقول:

أولاً: لماذا اختار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرط عائشة ليتخذ منه راية حربه؟!. هل لأنه لم يجد في المدينة ما يجعله راية سوى ذلك المرط؟! وهو الثوب الذي يؤتزر به!!

ثانياً: تقدم: أن الشيخ المفيد "رحمه‌الله " قال: إن الراية كانت قد عقدت، وأعطيت لعلي (عليه‌السلام ) في غزوة ودان، وهي إنما كانت في صفر، وهو الشهر الثاني عشر بعد الهجرة النبوية الشريفة، أو نحو ذلك.. ويشك في أن تكون عائشة في بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) آنئذٍ، لأنها إنما

____________

1- بحار الأنوار ج20 ص246.


دخلت بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إما بعد الهجرة بثمانية أشهر، كما قيل، أو دخلته بعدها بثمانية أو بتسعة أشهر، كما عن ابن شهاب الزهري(1) .

وقال ابن الأثير: بنى بها في المدينة سنة اثنتين(2) .

فإذا كان وجود عائشة في بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مشكوكاً فيه، فلا يصح إطلاق القول بأن مرط عائشة قد جعل راية للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأن ذلك يصبح موضع شك وريب كبير أيضاً.

ثالثاً: سيأتي في فتح خيبر الحديث الذي يقول: إن أبا بكر ـ كما يروي بريدة ـ أخذ راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكانت بيضاء، ثم نهض

____________

1- الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج4 ص356 ـ 357 وراجع: الإصابة ج4 ص359 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص231 وتاريخ الخميس ج1 ص357 وراجع ص358 عن المواهب اللدنية، وتاريخ اليافعي، والوفاء لابن الجوزي. وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص58 و 217 والثقات لابن حبان ج1 ص144 والمستدرك للحاكم ج4 ص4 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري ص93 وعيون الأثر ج2 ص382 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص402 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص283 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص332.

2- أسد الغابة ج1 ص33 وراجع: تاريخ الخميس ج1 ص357 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص199.


إلخ..(1) .

لم يؤمر على علي (عليه‌السلام ) أحداً:

قلنا أكثر من مرة: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يؤمّر على علي (عليه‌السلام ) أحداً، فهو قائد الجيش كله في هذه الحرب، وفي كل حرب، وهو أيضاً على مقدمة الجيش فيها.

وكانت الأنباء عن هذا الجيش وقائده تصل إلى يهود خيبر، الذين كانوا يتابعون الأحداث عن كثب، ولا سيما ما حلّ بإخوانهم من بني قريظة

____________

1- الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 والإرشاد للمفيد = = (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص121 وراجع: شرح الأخبار للقاضي النعمان ج1 ص147 والعمدة لابن البطريق ص150 عن تفسير الثعالبي، والطرائف لابن طاووس ص58 وإحقاق الحق ج5 ص373 ومسند أحمد ج5 ص358 والمناقب للخوارزمي (ط النجف) ص103 وفي (طبعة أخرى) ص167 وبحار الأنوار ج21 ص3 وج39 ص10 ومناقب أهل البيت للشـيرواني ص139 والمستدرك للحاكم ج3 ص37 وعن فتح الباري ج10 ص129 ومجمع البيان ج9 ص201 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص156 وتفسير الميزان ج18 ص295 وعن تاريخ الأمم والملوك ج2 ص300 وعن البداية والنهاية ج4 ص213 ونهج الإيمان لابن جبر ص322 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص354 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص124.


والنضير، وقينقاع. وكذلك ما جرى لقريش في حروبها الثلاثة الكبرى مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بدر، وأحد، والخندق.

كما أن كون الجيش بقيادة علي (عليه‌السلام )، لا بد أن يعطي الجيش الإسلامي مزيداً من الإعتزاز، والإندفاع، والثقة بالنصر..

ثمة قيادات أخرى مزعومة:

وقال الدياربكري: "واستعمل على مقدمة الجيش عكاشة بن محصن الأسدي، وعلى الميمنة عمر بن الخطاب، وعلى الميسرة واحداً من أصحابه، وفي بعض الكتب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

وهذا غير صحيح:

لأن الروايات الصحيحة تدل على: أن علياً في أوائل الحال لم يكن في العسكر، وكان به رمد شديد، ولما لحق بالعسكر، أعطاه الراية، وأمَّره على الجيش، ووقع الفتح على يده كما سيجيء.." انتهى(1) .

ونقول:

إن لنا على ما ذكره بعض المؤاخذات:

أولاً: إن عمر بن الخطاب لم يكن قد عرفت عنه تلك الشجاعة التي تؤهله لهذا المقام الخطير، وهو أن يكون على ميمنة الجيش.. بل وجدنا منه خلاف ذلك، خصوصاً في أحد والخندق فضلاً عن أحد وسواها.

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص42.


ولمجارات هؤلاء الناس، نقول:

ألم يكن أبو دجانة، أو الزبير، أو المقداد، أو الحباب بن المنذر، أوسعد بن عبادة، موجودين؟! فلماذا لم يعط القيادة لواحد منهم؟!

ثانياً: لماذا أبهم الدياربكري اسم الذي كان على الميسرة؟! هل لأنه كان معروفاً بدرجة لم تسمح باستبداله بغيره؟! أو هل كتموا اسمه كما كتمت عائشة اسم علي حين ذكرت:

أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خرج في مرض موته إلى الصلاة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلى رجل آخر، لا تحب أن تذكره عائشة بخير، وهو علي (عليه‌السلام )؟!

ثالثاً: قولهم: إن علياً (عليه‌السلام ) في أوائل الحال لم يكن في العسكر ليس دقيقاً، إذ إنه سيأتي: أن علياً (عليه‌السلام ) كان على رأس الجيش إلى خيبر، من حين خروج ذلك الجيش من المدينة، ولكنه حين طال مقامه في خيبر ـ ربما عشرة أيام ـ رمدت عيناه، لأن الرمد لم يصب علياً (عليه‌السلام ) كل هذه المدة الطويلة، بل أصابه قبل قتل مرحب بوقت يسير، وكان قتل مرحب في أواخر حرب خيبر، وبعد حصار حصون اليهود عشرات الأيام، فإن حصن القموص وحده حوصر عشرين يوماً.

وقد أعطى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اللواء لعلي (عليه‌السلام ) قبل أن يفتح أي حصن من خيبر.


علي (عليه‌السلام ) يسمع الناس أقوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وقد تولى علي (عليه‌السلام ) إسماع الناس أقوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ونحن نعلم بأن علياً (عليه‌السلام ) لا يقدم على أمر من دون توجيه أو إذن من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مما يعنى: أن ذلك قد جاء من خلال تنسيق مسبق.. وإلا فقد كان يمكن أن يتصدى غير علي (عليه‌السلام ) لهذه المهمة..

حب الله لعلي (عليه‌السلام ):

وتقدم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد مهد لإعلان حب جبرائيل، ثم حب الله لعلي بإخباره (عليه‌السلام ) بضحك جبرائيل حين نادى مكرراً كلام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ولكن علياً (عليه‌السلام ) بادر إلى هضم نفسه، ولم يعطها مداها، حين قال متسائلاً: بلغت أن يحبني جبرائيل؟!

مع أنه هو الذي جاء بالنصر في بدر وأحد، وحمراء الأسد، والخندق، فضلاً عن قريظة والنضير..

فاتح حصن ناعم علي (عليه‌السلام ):

وكان أول حصن فتح من حصون النطاة حصن ناعم، وقد فتح على يد علي (عليه‌السلام )(1) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص39 و (ط دار المعرفة) ج2 ص740 وعون المعبود ج8 ص172.


وفيه قتل محمود بن مسلمة، وقيل: إن مرحباً هو الذي قتله.

وزعموا: أن أخاه محمداً أخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقتل أخيه، فقال له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إنه سوف يرسل رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليأخذ له بثأر أخيه، ثم أرسل علياً (عليه‌السلام ).

ونقول:

إننا نشك في صحة ذلك، لما يلي:

أولاً: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنما قال كلمته هذه حين قتل علي (عليه‌السلام ) مرحب اليهودي.. إلا إذا كان هؤلاء يريدون التشكيك، أو صرف الأنظار عن فرار عمر بالراية يوم خيبر.. أو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال ذلك على سبيل الإخبار بالغيب، الذي علمه الله إياه حول ما سيكون من فرار البعض، ثم فتح خيبر على يد علي (عليه‌السلام )..

ثانياً: لماذا لم يرسل محمد بن مسلمة بالذات لهذه المهمة؟! أعني: مبارزة مرحب، ليشفي غليل صدره من قاتل أخيه، فإنهم يسعون إلى تسطير الفضائل لابن مسلمة، ربما ليكافئوه على مناصرته، ومؤازرته، ومشاركته في الهجوم على بيت فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد وفاة أبيها..


ثالثاً: زعمت بعض النصوص التي يروونها مضادة منهم لعلي (عليه‌السلام ): أن ابن مسلمة هو الذي قتل مرحباً، الذي يدعون أنه قتل محمود بن مسلمة..

مع أنهم يذكرون ما يدل على أن مرحباً كان حبيباً وقريباً لمحمد بن مسلمة، وأن ابن مسلمة قد انزعج لقتله، وحقد على قاتله.

فقد قال ابن قتيبة: إن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) قال: ذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر: مرحب اليهودي(1) .

ولعله كان أخاه على الحقيقة، أو كان أخاه من الرضاعة، أي لم يكن أخاه لأمه..

رابعاً: هناك نص يقول: إن الذي قتل محمود بن مسلمة هو كنانة بن الربيع، أو شخص آخر، أسره علي (عليه‌السلام )، وسلمه لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه(2) .

____________

1- الإمامة والسياسة (ط سنة 1356 هـ) ج1 ص54 و (تحقيق الزيني) ج1 ص53 و (تحقيق الشيري) ج1 ص73 وقاموس الرجال ج8 ص388 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج9 ص586 عنه.

2- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص34 و (ط دار المعرفة) ج2 ص740 وشرح السير الكبير للسرخسي ج1 ص281.


الحباب في حصن الصعب:

وزعمت بعض الروايات: أنه بعد فتح حصن ناعم دفع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اللواء للحباب بن المنذر، وندب الناس لمهاجمة حصن الصعب بن معاذ، وكان حصناً منيعاً، فما رجعوا حتى فتحه الله عليهم، وذكروا تفاصيل عما فعله الحباب في فتحه لهذا الحصن.

وقد ناقشنا أقاويلهم هذه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) ، فلا حاجة إلى ذلك هنا.. فراجع..

غير أننا نريد أن نشير هنا إلى أن الظاهر: أن المقصود باللواء الذي أعطاه للحباب هو لواء الجيش كله، مع أننا قلنا أكثر من مرة: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعط لواءه لأحد غير علي (عليه‌السلام ) في أي من حروبه إلا في أربعة مواضع هي:

1 ـ غزوة تبوك.

2 ـ غزوة خيبر، حين أعطى الراية لأبي بكر، فرجع منهزماً.

3 ـ غزوة خيبر أيضاً، حين أعطى الراية لعمر، فرجع هو الآخر منهزماً.

4 ـ قريظة، حين أرسل كبار أصحابه، فخرج إليهم بنو قريظة من حصنهم، فعادوا إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مهزومين..

أما في غزوة ذات السلاسل، فيبدو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يجرد جيشاً بنفسه، بل أرسل سرية، وأمر عليها تارة هذا وتارة ذاك، من دون أن

____________

1- الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج17 فصل: "فتح سائر حصون النطاة والشق".


يخرج هو من المدينة..

وإنما فعل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذلك في قريظة وخيبر، لِأَلَّا يقول قائل: لو كنا مكان علي (عليه‌السلام ) لفعلنا مثل فعله، ولحِكَمِ أخرى لا مجال للبحث فيها هنا..

ونحن لا نستطيع أن نتجاهل النص المتواتر الذي يقول: إن علياً (عليه‌السلام ) كان صاحب لواء (أو راية) رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بدر وفي كل مشهد. وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يؤمره على الناس، ولم يؤمر عليه أحداً قط(1) ، وهذا ما كتبه المأمون للعباسيين في رسالة منه لهم(2) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص351 وبحار الأنوار ج37 ص335 وج47 ص127 وراجع: شرح الأخبار ج1 ص320 ودلائل الإمامة ص261 ونوادر المعجزات ص144 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص96 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص123 و 135 ونهج الإيمان ص467.

2- الطرائف لابن طاووس ص131 ـ 135 (ط الفارسية) عن كتاب نديم الفريد، لابن مسكويه صاحب كتاب: حوادث الإسلام، و(ط مطبعة الخيام) ص277 وبحار الأنوار ج49 ص209 وينابيع المودة ج3 ص375 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص121 والغدير ج1 ص212 ومواقف الشيعة ج1 ص315 وقاموس الرجال ج12 ص151 والإمام علي (عليه‌السلام ) في آراء الخلفاء ص180 وغاية المرام ج2 ص53 وراجع كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا ص457 فما بعدها.


وعلى هذا، فإنه إن كان حاضراً ومشاركاً في فتح الحصون، فهو يعني: أنه كان أمير الجيش في جميعها..

حصن النزار:

وذكروا هنا أيضاً: أن صفية بنت حيي، وابنة عمها قد أخذتا من حصن النزار، لأن اليهود أخرجوا النساء والذرية إلى الكتيبة، وفرغوا حصن النطاة للمقاتلة.

ولكن كنانة بن الحُقيق رأى أن حصن النزار أحصن ما هنالك، فأبقاها فيه، هي ونسيات معها؛ فأسرت تلك النسوة في حصن النزار(1) .

ونقول:

هناك نصوص كثيرة تقول: إن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي فتح الحصن، وجاء بصفية إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

فإن كان علي (عليه‌السلام ) هو الذي فتح هذا الحصن أيضاً، كما فتح حصن القموص، فهو يدل على وجود تصرف خطير في الحقائق التاريخية،

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص668 و 669 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص222.

2- قد ذكرنا مصادر ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب، وراجع: بحار الأنوار ج21 ص22 وعن الخصائص للنسائي ص63 وفي هامشه عن: أعلام النساء ج2 ص333 وأسد الغابة ج5 ص490 والدر المنثور ج1 ص263.


ومحاولة تحريف لها..

يضاف إلى ذلك: أن هذا النص يفيد: أن رمد عيني علي (عليه‌السلام ) الذي هيأ الفرصة لأخذ أبي بكر وعمر وغيرهما الراية في حصن القموص، ثم فرارهما بها ـ إن هذا الرمد ـ قد كان بعد فتح حصن النزار، وفي أيام حصار حصن القموص، الذي استمر عشرين ليلة، كما سيأتي..


الفصل الثاني :

المنهزمون.. نصوص.. وآثار..




النصوص والآثار:

وكان حصن القموص من أشد حصون خيبر، وأكثرها رجالاً(1) .

وقد فتح الله هذا الحصن على يد علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، بعد أن حاصره المسلمون عشرين يوماً(2) .

وزعموا: أن كنانة بن أبي الحقيق صالح النبي على حصن القموص(3) .

وهو غلط، فإن الصلح كان على حصن الكتيبة، أما حصن القموص، فقد فتحه علي (عليه‌السلام ) كما هو صريح كلمات المؤرخين، وروايات

____________

1- إعلام الورى ج1 ص207 وبحار الأنوار ج21 ص21 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص56.

2- السيرة الحلبية ج3 ص41 و (ط دار المعرفة) ج2 ص744 وتاريخ الخميس ج2 ص48 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص124 وراجع: قصص الأنبياء للراوندي ص344 وإعلام الورى ج1 ص207 وبحار الأنوار ج21 ص21 وراجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص418.

3- المغازي للواقدي ج2 ص670 وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص226 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص376.


المحدثين.

وهنا أعطى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر، راية رسول الله وكانت بيضاء، فسار بالناس فانهزم، بمن معه حتى انتهى إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يجبنه أصحابه ويجبنهم.

فأرسل عمر باللواء فرجع، ولم يكن فتح، فانهزم هو وأصحابه، حتى انتهى إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأصحابه يجبنونه، ويجبنهم(1) .

تفاصيل روايات الفشل والفاشلين:

روى الشيخان، عن سهل بن سعد.

والبخاري، وابن أبي أسامة، وأبو نعيم، عن سلمة بن الأكوع.

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص127 و 128 ولم يذكروا غير عمر في هذا النص، وكذا في الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 ـ 188 والإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص126 وبحار الأنوار ج21 ص28 عن الخرايج والجرايح وراجع ص3 وج39 ص10، وراجع: العمدة لابن البطريق ص150 والطرائف لابن طاووس ص58 ومجمع البيان للطبرسي ج9 ص201 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص156 وتفسير الميزان ج18 ص295 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص93 ونهج الإيمان لابن جبر ص322.


وأبو نعيم، والبيهقي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه.

وأبو نعيم، عن ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وأبي ليلى.

ومسلم، والبيهقي، عن أبي هريرة.

وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي، عن علي (عليه‌السلام ).

قال بريدة: كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تأخذه الشقيقة، فيمكث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى النـاس، فأرسل أبا بكر، فأخـذ رايـة رسـول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله " ـ وكانت بيضاء(1) ـ ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثم رجع، ولم يكن فتح.

____________

1- الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 والإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص121 وراجع: شرح الأخبار للقاضي النعمان ج1 ص147 والعمدة لابن البطريق ص150 عن تفسير الثعالبي، والطرائف لابن طاووس ص58 وإحقاق الحق ج5 ص373 ومسند أحمد ج5 ص358 والمناقب للخوارزمي (ط النجف) ص103 وفي (طبعة أخرى) ص167.

وراجع: بحار الأنوار ج21 ص3 وج39 ص10 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص139 والمستدرك للحاكم ج3 ص37 وعن فتح الباري ج10 ص129 ومجمع البيان ج9 ص201 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص156 وتفسير الميزان ج18 ص295 وعن تاريخ الأمم والملوك ج2 ص300 وعن البداية والنهاية ج4 ص213 ونهج الإيمان لابن جبر ص322 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص354 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص124.


وقد جهد (وقتل محمود بن مسلمة)(1) .

ثم أرسل عمر، فأخذ راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقاتل قتالاً شديداً هو أشد من القتال الأول، ثم رجع، ولم يكن فتح.

وعن علي (عليه‌السلام ): أن الغلبة كانت لليهود في هذين اليومين(2) . انتهى.

وفي نص آخر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل عمر في اليوم الأول، ثم أرسل أبا بكر في اليوم الثاني، ثم أرسل عمر في اليوم الثالث، ولم يكن فتح(3) .

____________

1- راجع: البداية والنهاية ج4 ص185 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص213 فما بعدها عن البيهقي، وراجع المصادر المتقدمة في الإحالة السابقة. غير أننا ذكرنا فيما تقدم: أن محمود بن مسلمة قد قتل في حصن ناعم.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص124 والبداية والنهاية ج4 ص184 فما بعدها ودلائل النبوة ج4 ص209 والسيرة الحلبية ج3 ص41 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص30 وحلية الأولياء ج1 ص62 ومعالم التنزيل (ط مصر) ج4 ص156 وتذكرة الخواص ص25 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص128 وتاريخ الخميس ج2 ص48.

3- تاريخ الخميس ج2 ص48 وراجع: مناقب أهل البيت للشيرواني ص141.


وعن بريدة: حاصرنا خيبر، فأخذ اللواء أبو بكر، فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه عمر من الغد، فخرج ورجع، ولم يفتح له. وأصاب الناس يومئذٍ شدة جهد، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إني دافع اللواء الخ..(1) .

ونحن لم نعرف حقيقة هذا الجهد، إذ لم نجد منه إلا الهزيمة. والعودة إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يجبن اصحابه وهم يجبنونه.

وعند الطبري: فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، يجبِّنه أصحابه ويجبِّنهم، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الراية ـ اللواء ـ غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.

فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر، وعمر، فدعا علياً (عليه‌السلام ) الخ..(2) .

____________

1- مسند أحمد ج5 ص353 وراجع: الخصائص للنسائي (ط التقدم بمصر) ص5 والسيرة النبوية لابن هشام (المطبعة الخيرية بمصر) ج3 ص175 وأسد الغابة ج4 ص334 وشرح أصول الكافي ج12 ص494 والعمدة لابن البطريق ص140 والطرائف لابن طاووس ص55 وبحار الأنوار ج32 ص133 وج39 ص7 ومجمع الزوائد ج7 ص150 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص109 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص92 و 93 والبداية والنهاية ج7 ص373 ونهج الإيمان لابن جبر ص318 وينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج1 ص155.

2- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص127 و 128 ولم يذكروا غير عمر في هذا النص، وكذا في الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 ـ 188 والإرشاد للمفيد (ط مؤسسة آل = = البيت) ج1 ص126 وبحار الأنوار ج21 ص28 عن الخرايج والجرايح وراجع ص3 وج39 ص10، وراجع: العمدة لابن البطريق ص150 والطرائف لابن طاووس ص58 ومجمع البيان للطبرسي ج9 ص201 وخصائص الوحي لابن البطريق ص156 وتفسير الميزان ج18 ص295 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص93 ونهج الإيمان لابن جبر ص322.


وعن أبي ليلى، وابن عباس: بعث أبا بكر فسار بالناس، فانهزم حتى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الخ..(1) .

زاد بعضهم قوله: ثم بعث رجلاً من الأنصار فقاتل ورجع، ولم يكن فتح(2) .

____________

1- منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج5 ص44 ومجمع الزوائد ج9 ص123 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص318 وبحار الأنوار ج3 ص525 والمستدرك للحاكم ج3 ص37 وعن المصنف لابن أبي شيبة ج1 ص497 وج8 ص522 وكنز العمال ج13 ص121.

2- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص736 والمغازي للواقدي ج2 ص654.


فأخبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك فقال: "لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله عليه، ليس بفرار، يحب الله ورسوله، يأخذها عنوة".

وفي لفظ: "يفتح الله على يديه".

قال بريدة: فبتنا طيبة أنفسنا أن يفتح غداً، وبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها.

فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلهم يرجو أن يعطاها.

قال أبو هريرة: قال عمر: فما أحببت الإمارة قط حتى كان يومئذ(1) .

قال بريدة: فما منا رجل له من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منزلة إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها، ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه، وليس منةً(2) .

وفي حديث سلمة، وجابر: وكان علي تخلف عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لرمد شديد كان به لا يبصر، فلما سار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا، أنا أتخلف عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )!!

فخرج فلحق برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الطريق، أو بعد

____________

1- ستأتي مصادر كثيرة لهذا الحديث إن شاء الله تعالى.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص124 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص128 والبداية والنهاية ج4 ص212 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص354 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص463 ومصادر أخرى كثيرة.


وصوله إلى خيبر(1) .

ثم ذكر البخاري وغيره، قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الراية غداً..

إلى أن قال: فنحن نرجوها، فقيل: هذا علي، فأعطاه، ففتح عليه(2) .

وفي نص آخر: فإذا نحن بعلي، وما نرجوه، فقالوا: هذا علي الخ..(3) .

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص48 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص124 وراجع: صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح) ج5 ص171 وراجع ص23 و (ط دار الفكر) ج5 ص76.

2- صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص171 و (ط دار الفكر) ج5 ص76 والعمدة لابن البطريق ص147 وعمدة القاري ج17 ص243 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص211 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص351.

3- صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص23 و (ط دار الفكر) ج4 ص12 و 207 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج7 ص122 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص362 وعمدة القاري ج14 ص233 وج16 ص215 والثقات لابن حبان ج2 ص267 والبداية والنهاية ج4 ص184 والخصائص الكبرى ج1 ص251 و 252 والعمدة لابن البطريق ص145 و 146 و 147 وبحار الأنوار ج39 ص12 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص89 وإمتاع الأسماع ج11 ص286 ونهج الإيمان لابن جبر ص319 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص62.


قال بريدة: وجاء علي (عليه‌السلام ) حتى أناخ قريباً، وهو رَمِد، قد عصب عينيه بشق برد قطري.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ما لك؟!

قال (عليه‌السلام ): رمدت بعدك.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ادن مني.

فدنا منه، ثم ذكر أنه أعطاه الراية، فنهض بها معه، وعليه حلة أرجوان حمراء، قد أخرج خملها، فأتى خيبر الخ..(1) .

وفي نص آخر: قال بريدة: فلما أصبح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صلى الغداة، ثم دعا باللواء، وقام قائماً.

قال ابن شهاب: فوعظ الناس، ثم قال: "أين علي"؟

قالوا: يشتكي عينيه.

قال: "فأرسلوا إليه".

قال سلمة: فجئت به أقوده، قالوا كلهم: فأُتي به رسول الله "صلى‌الله‌عليه‌وآله "

____________

1- البداية والنهاية ج4 ص185 فما بعدها، وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص301 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص156 والمناقب للخوارزمي ص168 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص355 والكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج2 ص220 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص410 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص130.


، فقال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): "ما لك"؟

قال: رمدت حتى لا أبصر ما قدامي.

قال: "ادن مني".

وفي حديث علي عند الحاكم: فوضع رأسي عند حجره، ثم بزق في ألية يده، فدلك بها عيني.

قالوا: فبرئ، كأن لم يكن به وجع قط، فما وجعهما علي حتى مضى لسبيله، ودعا له، وأعطاه الراية(1) .

____________

1- راجع هذه الكرامة الجليلة في المصادر التالية: منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج4 ص127 و 128 والصواعق المحرقة (ط الميمنية) ص74 وحياة الحيوان (مطبعة الشرفية بالقاهرة) ج1 ص237 ومشكاة المصابيح (ط دهلي) ص 564 والإصابة ج2 ص502 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص107 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي (ط المكتبة الإسلامية) ص176 ومصابيح السنة (ط الخيرية بمصر) ج2 ص201 والإستيعاب (مع الإصابة) ج3 ص366 ومعالم التنزيل ج4 ص156 والشفاء (ط مصر) ج2 ص272 وجامع الأصول ج9 ص469 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص258 وكفاية الطالب ص130 و 116 و 118 والبداية والنهاية ج4 ص184 و 185 فما بعدها وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج2 ص188 وج1 ص50 وصحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص171 وصحيح مسلم ج5 ص195 وج7 ص120 ومسند أحمد ج5 ص333 و 353 و 358 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص638 والخصائص للنسائي (مطبعة التقدم بمصر) ص 4 و 5 و 6 و 7 والسيرة النبوية لابن هشام (المطبعة الخيرية بمصر) ج3 ص175 وطبقات ابن سعد (مطبعة الثقافة الإسلامية) ج3 ص157 والمعجم الصغير ص163 ومستدرك الحاكم ج3 ص38 و 108 و 116 و 437 وراجع ص125= = ولباب التأويل ج4 ص152 و 153 وتاريخ الخميس ج2 ص48 و 49 وبحار الأنوار ج21 ص29 عن الخرايج والجرايح، ومعارج النبوة ص219 والخصائص الكبرى ج1 ص251 فما بعدها وتاريخ الخلفاء (ط مطبعة السعادة) ص168 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 وحلية الأولياء ج1 ص62 وتذكرة الخواص ص24 و 25 والكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج2 ص219 و 220 وأسد الغابة ج4 ص21 و 25 و 28 ومجمع الزوائد ج9 ص123 و 122 ومصادر كثيرة أخرى.


وذكروا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل سلمة بن الأكوع إلى علي (عليه‌السلام )، فجاء يقوده وهو أرمد(1) .

____________

1- صحيح مسلم ج5 ص195 ومسند أحمد ج4 ص54 والطبقات الكبرى لابن سعد (مطبعة الثقافة الإسلامية) ج3 ص157 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي (ط المكتبة الإسلامية) ص176 ومعالم التنزيل ج4 ص156 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص130 وحياة الحيوان (مطبعة الشرفية بالقاهرة) ج1 ص237 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 ـ 187 ولباب التأويل للخازن ج4 ص152 و 153.


قال سهل: فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟

فقال: "أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى، وحق رسوله. فوالله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم"(1) .

وقال أبو هريرة: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي: "اذهب فقاتلهم حتى يفتح الله عليك، ولا تلتفت".

قال: علام أقاتل الناس؟

قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".

فخرجوا، فخرج بها ـ والله يأيح ـ يهرول هرولة، وإنَّا لخلفه نتبع أثره.

____________

1- صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص171 وصحيح مسلم ج7 ص21 ومسند أحمد ج5 ص333 والخصائص للنسائي ص6 وحلية الأولياء ج1 ص62 والسنن الكبرى ج9 ص107 وتذكرة الخواص ص24 وأسد الغابة ج4 ص28 ومشكاة المصابيح (ط دهلي) ص564 والبداية والنهاية ج4 ص184 فما بعدها وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 وراجع: الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج2 ص184 و 188.


حتى ركزها تحت الحصن.

فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟

قال: عليّ.

أو قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال اليهودي: غلبتهم (أو علوتم)، والذي أنزل التوراة على موسى. فما رجع حتى فتح الله تعالى على يديه(1) .

وعن حذيفة: "لما تهيأ علي (عليه‌السلام ) للحملة، قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

"يا علي، والذي نفسي بيده، إن معك من لا يخذلك. هذا جبريل (عليه‌السلام ) عن يمينك، بيده سيف لو ضرب الجبال لقطعها، فاستبشر بالرضوان والجنة.

يا علي: إنك سيد العرب، وأنا سيد ولد آدم".

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص124 و 125 والأنس الجليل (ط الوهبية) ص179 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص35 و 36 و 37 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص175 وحلية الأولياء ج1 ص62 والإكتفاء للكلاعي (ط مكتبة الخانجي) ج2 ص258 والكامل (ط دار صادر) ج2 ص220 والبداية والنهاية ج4 ص184 و 185 فما بعدها، وذخائر العقبى ص184 ـ 188 والخصائص الكبرى ج1 ص251 و 252 وتاريخ الخميس ج2 ص49 وبحار الأنوار ج21 ص16.


وفي رواية: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ألبسه درعه الحديد(1) ، وشد ذا الفقار في وسطه، وأعطاه الراية، ووجّهه إلى الحصن.

فقال علي (عليه‌السلام ): يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟! الخ..(2) .

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص49 وراجع: تحف العقول ص346 وعن عون المعبود ج8 ص172 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص737 وأعيان الشيعة ج1 ص271.

2- السيرة الحلبية ج3 ص37 وتاريخ الخميس ج2 ص49 وراجع: شرح اللمعة للشهيد الثاني ج7 ص152 وزبدة البيان للأردبيلي ص12 وشرح أصول الكافي ج6 ص136 وج12 ص494 ومناقب أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص507 و 508 وعن الإحتجاج ج1 ص167 والعمدة ص142 و 146 و 148 و 149 و 157 والطرائف لابن طاووس ص56 وعن ذخائر العقبى ص73 وبحار الأنوار ج21 ص3 و ج39 ص8 و 12 وكتاب الأربعين للماحوزي ص287 و 288 ومناقب أهل البيت ص137 والغدير ج2 ص41 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص10 وأضواء على الصحيحين للنجمي ص341 وفضائل الصحابة ص166 وعن مسند أحمد ج5 ص333 وعن صحيح البخاري ج4 ص20 و 207 وج5 ص77.

وراجع: عن صحيح مسلم ج7 ص122 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص107 وعن فتح الباري لابن حجر ج7 ص366 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص46 و 110 و 137 وعن الخصائص للنسائي ص56 وشرح معاني الآثار ج3 ص207 وصحيح ابن حبان ج15 ص378 والمعجم الكبير ج6 ص152 و 198 ورياض الصالحين ص145 ونظم درر السمطين ص99 وفيض القدير ج6 ص465 ومجمع البيان للطبرسي ج9 ص201 وتفسير الميزان ج18 ص295 وتاريخ مدينـة دمشق ج42 ص86 و 88 وأسد الغابـة ج4 ص28 = = وعن الإصابة لابن حجر ج1 ص38 والبدايـة والنهايـة لابن كثير ج4 ص211 وبشارة المصطفى ص297 ونهج الإيمان لابن جبر ص320 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص351 وجواهر المطالب ج1 ص177 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 وينابيع المودة ج1 ص153 ومجمع النورين للمرندي ص242.


فخرج علي بها، وهو يهرول"(1) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص37 وراجع: الأربعون حديثاً لابن بابويه ص56 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص128 والعمدة ص153 والطرائف لابن طاووس ص57 وبحار الأنوار ج39 ص9 وج72 ص33 وبغية الباحث ص218 والمعجم الكبير ج7 ص35 والثقات لابن حبان ج2 ص13 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص89 و 90 والجوهرة في نسب علي وآله للبري ص70 والبداية النهاية ج4 ص112 وج7 ص373 وعن السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص798 والجمل للمفيد ص196 ومصادر كثيرة أخرى.


وفي نص آخر: أركبه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم خيبر، وعممه بيده، وألبسه ثيابه، وأركبه بغلته، ثم قال له: "امض يا علي، وجبرئيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، وعزرائيل أمامك، وإسرافيل وراءك، ونصر الله فوقك، ودعائي خلفك"(1) .

رايتان أم ثلاث؟!:

وقد ذُكِرَ في بعض النصوص: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل أبا بكر، فرجع منهزماً، ثم أرسل عمر، فرجع منهزماً أيضاً..

وبعضها اقتصر على عمر..

وبعضها ذكر: أنه أرسل عمر مرتين، مرة قبل أبي بكر، ومرة بعده.

لكن الذي لفت نظرنا هو: إضافة راية ثالثة لرجل من الأنصار، وأنه رجع منهزماً أيضاً(2) .

والظاهر: أن المقصود بذلك هو: سعد بن عبادة، بل لقد صرح الواقدي باسمه، وبأنه قد رجع مجروحاً(3) .

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج21 ص18 و 19 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص78 ومدينة المعاجز ج2 ص307.

2- السيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط أخرى) ج2 ص736 والمغازي للواقدي ج2 ص653.

3- المغازي للواقدي ج2 ص653 وإمتاع الأسماع ج13 ص333.


مع أن الذي ذكرته الروايات الكثيرة، هو: هزيمة أبي بكر وعمر، وربما اقتصرت بعض الروايات على ذكر عمر أيضاً.

فهل السبب في هذه الإضافة لسعد، وربما لابن مسلمة وغيره، هو إخراج هذا الأمر عن دائرة قريش، وعن دائرة الذين استأثروا بالأمر بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لتشمل الهزيمة زعيم الأنصار، الذي نافسهم في السقيفة، فأرادوا أن ينيلوه شرف (!!) الهزيمة وإثم الفرار الذي باؤوا به؟!

وفي نص المقريزي: "ثم خرج مرحب، فحمل على علي، وضربه، فاتقاه بالترس، فأطن ترس علي (عليه‌السلام )، فتناول باباً كان عند الحصن، فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده حتى فتح الله عليه الحصن.

وبعث رجلاً يبشر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بفتح حصن مرحب.

ويقال: إن باب الحصن جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً.

وروي من وجه ضعيف عن جابر: ثم اجتمع عليه سبعون رجلاً، فكان جهدهم أن أعادوا الباب الخ.."(1) .

____________

1- الإمتاع ص314 و 315 والثاقب في المناقب ص257 والإرشاد للمفيد ج1 ص333 وقال في الهامش: انظر حديث فتح خيبر في تاريخ مدينة دمشق ج1 ص174 و 248 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) للعلامة الحلي ص128 وبحار الأنوار ج21 ص1 وج41 ص279 والإمام علي للهمداني ص613 وكشف الخفاء ج1 ص232 و 366 ومجمع البيان ج9 ص202 والميزان ج18 ص296 وعن البداية والنهاية ج4 ص216 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص212 ونهج الإيمان لابن جبر ص323 عن مناقب آل أبي طالب ج2 ص329 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص125 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص359 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص129.


أقوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المصادر والمراجع:

وفي جميع الأحوال نقول:

ذكرت الروايات: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال في خيبر بعد فرار المهاجرين والأنصار: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله(1) .

____________

1- تاريخ بغداد ج8 ص5 ومسند أحمد ج1 ص99 و 185 وج5 ص333 و 353 و 358 وصحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص171 وتاريخ البخاري ج1 ق2 ص115 وج4 ص115 والبداية والنهاية ج4 ص184 فما بعدها، وصحيح مسلم ج7 ص121 و 120 وج5 ص195 وتذكرة الخواص ص24 و 25 والكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج2 ص219 و 220 وأسد الغابة ج4 ص25 و 28 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 وسنن ابن ماجة (ط مكتبة التازية بمصر) ج1 ص56 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص638 والخصائص للنسائي (ط مكتبة التقدم بمصر) ص4 و 5 و 32 و 6 و 7 و 8 ومنتخب كنز العمال ج5 ص44 و 48 وج4 ص130 و 127 و 128 والصواعق المحرقة (ط المكتبة الميمنية بمصر) ص74 والمناقب المرتضوية (ط بمبي) ص158 ومدارج النبوة للدهلوي ص323 ومجمع الزوائد ج9 ص123 وحياة الحيوان (مطبعة الشرفية) ج1 ص237 ومشكاة المصابيح (ط دهلي) ص564 والإصابة ج2 ص502 والفصول المهمة لابن الصباغ ص19 والخصائص الكبرى ج1 ص251 وتاريخ الخلفاء (مطبعة السعادة بمصر) ص168 ونور الأبصار ص81 وإسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص169 وتاج العروس ج7 ص133 وينابيع المودة (ط بمبي) ص41 والطبقات الكبرى لابن سعد (مطبعة الثقافة الإسلامية) ج3 ص156 و 157= = ومشارق الأنوار للصغائي (ط مكتبـة الأستانة) ج2 ص292 وكفاية الطالب (ط الغري) ص130 وحلية الأولياء ج1 ص62 والعقد الفريد (ط مكتبة الجمالية بمصر) ج3 ص94 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي (ط المكتبة الإسلامية) ص176 ومستدرك الحاكم ج3 ص38 و 132 و 437 والشفاء (ط مصر) ج1 ص272 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 وج2 ص188 و 190 ولباب التأويل ج4 ص152 و 153 والمعجم الصغير (ط دهلي) ص163 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج3 ص366 ومصابيح السنة (ط المكتبة الخيرية بمصر) ج2 ص201 ومعالم التنزيل ج4 ص156 وجامع الأصول ج9 ص469 و 471 و 472 وتاريخ الخميس ج2 ص48 وبحار الأنوار ج21 ص28 و 21 و 20 عن الخرايج والجرايح وعن إعلام الورى ص107 و 108 وعن الخصال ج2 ص120 و 124.


ليس بفرار(1) .

أو: كرار غير فرار(2) .

أو: لا يرجع حتى يفتح الله عليه(3) .

أو: يفتح الله على يديه(4) .

____________

1- مسند أحمد ج1 ص133 والخصائص للنسائي (ط مكتبة التقدم بمصر) ص5 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة الخيرية بمصر) ج3 ص175 وحلية الأولياء ج1 ص62 والإستيعاب (مع الإصابة) ج3 ص366 وكفاية الطالب (ط الغري) ص130 ومنتخب كنز العمال (بهامش المسند) ج5 ص48 وج4 ص127 والبداية والنهاية ج4 ص184 و 185 فما بعدها، والمغازي للواقدي ج2 ص653 ومجمع الزوائد ج9 ص123 وبحار الأنوار ج21 ص20 عن الخصال ج2 ص120 و 124.

2- مسند أحمد ج5 ص353 وتاريخ الخميس ج2 ص48 وبحار الأنوار ج21 ص 28 و 21 عن الخرايج والجرايح وعن إعلام الورى ص107 ومنتخب كنز العمال (بهامش المسند) ج5 ص48 والمناقب المرتضوية (ط بمبي) ص158 ومعارج النبوة ص219 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 و 187.

3- المعجم الصغير (ط دهلي) ص163 ومستدرك الحاكم ج3 ص38 والمغازي ج2 ص653 وبحار الأنوار ج21 ص28 و 21 و 20 عن الخرايج والجرايح وعن إعلام الورى ص107 وعن الخصال ج2 ص120.

4- تاريخ الخميس ج2 ص48 ومصادر أخرى.


أو قال: لا يولي الدبر، يفتح الله عليه(1) .

فاستشرف لها الناس، فبعث علياً(2) .

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص38 والمعجم الصغير (ط دهلي) ص163 وتاريخ بغداد ج8 ص5 والسنن الكبرى ج9 ص107 والإستيعاب (مع الإصابة) ج3 ص366 وكفاية الطالب (ط الغري) ص130 وتذكرة الخواص ص24 ومنتخب كنز العمال (بهامش المسند) ج5 ص48 وج4 ص130 والصواعق المحرقة (ط المكتبة الميمنية بمصر) ص74 ومشكاة المصابيح (ط دهلي) ص564 والإصابـة ج2 ص502 والبدايـة والنهايـة ج4 ص184 و 185 فـما بعدهـا = = وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص4 ولباب التأويل ج4 ص182 و 183 ومجمع الزوائد ج9 ص123 ومعارج النبوة ص219 والخصائص الكبرى ج1 ص251 و 252 وتاريخ الخلفاء (ط مكتبة السعادة بمصر) ص168 ونور الأبصار ص81 وإسعاف الراغبين بهامشه ص169 وتاج العروس ج7 ص133 وينابيع المودة (ط بمبي) ص41.

2- مسند أحمد ج1 ص133 وراجع: تاريخ البخاري (ط حيدر آباد الدكن) ج1 ق2 ص115 وصحيح مسلم ج7 ص120 وسنن ابن ماجة (ط المكتبة التازية بمصر) ج1 ص56 والجامع الصحيح ج5 ص638 والخصائص للنسائي (ط مكتبة التقدم بمصر) ص4 والمستدرك للحاكم ج3 ص437 ومنتخب كنز العمال (بهامش المسند) ج4 ص127 والبداية والنهاية ج4 ص184 و 185 فما بعدها وراجع: الرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 ومجمع الزوائد ج9 ص123.


أو: فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطاها(1) .

وفي اليوم التالي غدا الناس على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلهم يرجو أن يعطاها(2) .

____________

1- صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص171 وصحيح مسلم ج7 ص121 ومسند أحمد ج5 ص333 وتاج العروس ج7 ص133 وينابيع المودة (ط بمبي) ص41 فما بعدها ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص205 وحلية الأولياء ج1 ص62 والسنن الكبرى ج9 ص107 وجامع الأصول ج9 ص472 وتذكـرة الخواص ص24 وأسد الغابـة ج4 ص22 والصواعـق المحرقـة (ط = = الميمنية بمصر) ص74 والفصول المهمة لابن الصباغ ص19 والبداية والنهاية ج4 ص184 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص124 ومسند الطيالسي ص320 والخصائص الكبرى ج1 ص251 و 252 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 وتاريخ الخلفاء (ط مكتبة السعادة بمصر) ص168 وإسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) 169 ونور الأبصار ص81.

2- صحيح البخاري (ط محمد علي صبيح بمصر) ج5 ص171 وصحيح مسلم ج7 ص121 ومسند أحمد ج5 ص333 ومشكاة المصابيح (ط دهلي) ص564 والإصابة ج2 ص502 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 والخصائص للنسائي ص6 ومصابيح السنة (ط مكتبة الخيرية بمصر) ج2 ص201 وتذكرة الخواص ص24 والصواعق المحرقة (ط المكتبة الميمنية بمصر) ص74.


وعند الراوندي: فتطاول جميع المهاجرين والأنصار، فقالوا: أما علي فهو لا يبصر شيئاً، لا سهلاً ولا جبلاً(1) .

وعند الطبري: فتطاولت لها قريش ورجال، كل واحد منهم يرجو أن يكون هو صاحب ذلك(2) .

وفي نص آخر: تطاول لها أبو بكر وعمر(3) .

____________

1- بحار الأنوار ج21 عن الخرايج والجرايح.

2- تـاريـخ الأمـم والملـوك ج3 ص30 والسنن الكـبرى للبـيـهقي ج9 ص107 = = والكامل في التاريخ (ط دار صادر) ج2 ص219 وراجع: منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص128 والبداية والنهاية ج4 ص185 فما بعدها والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 والخصائص الكبرى ج1 ص251 و 252 وتاريخ الخميس ج2 ص48.

3- راجع: كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص463 وخصائص الوحي المبين ص156 وتفسير الثعلبي ج9 ص50 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص300 وغاية المرام ج5 ص58 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج4 ص128 وتاريخ الخميس ج2 ص48 والعمدة لابن البطريق ص150 والدرر لابن عبد البر ص199.



الفصل الثالث :

وقفات مع النصوص..




نصوص الفصل السابق في وقفات:

وبعد.. فإن لنا هنا وقفات عديدة مع النصوص التي تقدمت في الفصل السابق، نقتصر منها على ما يلي:

ابن الصباغ ينقل عن صحيح مسلم:

قال ابن الصباغ: "وفي صحيح مسلم: قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فتساورت لها، وحرصت عليها حتى أبديت وجهي، وتصديت لذلك ليتذكرني..

ثم قال: قالوا: وإنما كانت محبة عمر لما دلت عليه من محبته الله ورسوله، ومحبتهما له، والفتح"(1) .

ونقول:

إن العبارة الأخيرة ربما تجعل ذريعة للقول بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين منع عمر من الراية يكون قد اتهم عمر بشيء لا يحب أحد أن يتهم به..

____________

1- الفصول المهمة لابن الصباغ ص38 و (ط دار الحديث) ج1 ص218 عن أبي السعادات اليافعي في المرهم، وكتاب الأربعين للماحوزي ص181 و 287.


ثم إن سائر الروايات قد اقتصرت على القول: بأن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ.

قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى لها(1) .

فدعا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام )، فأعطاه إياها، وقال: امش، ولا تلتفت.

فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟!

____________

1- صحيح مسلم (ط محمد علي صبيح) ج7 ص121 ومسند الطيالسي ص320 والتاج الجامع للأصول ج3 ص326 ومسند أحمد ج2 ص384 وعن صحيح البخاري ج7 ص544 (4209 و 4210) والخصائص الكبرى ج1 ص251 و 252 وخصائص علي بن أبي طالب للنسائي ص7 والطبقات لابن سعد (ط دار الثقافة الإسلامية مصر) ج3 ص156 ومعارج النبوة ص219 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص124 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص205 وجامع الأصول ج9 ص472 وتذكرة الخواص ص24 والبداية والنهاية ج4 ص184 و 185 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 و 75 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188 والنهاية لابن الأثير ج2 ص420 وينابيع المودة ج1 ص154 وبحار الأنوار ج39 ص12 و 13 وشرح صحيح مسلم للنووي ج15 ص176 والديباج على مسلم ج5 ص387 ورياض الصالحين للنووي ص108 والجوهرة في نسب علي بن أبي طالب وولده ص68 وشرح أصول الكافي للمازندراني ج6 ص136 وج12 ص494 وتاريخ الخميس ج2 ص48.


قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم ومالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله(1) .

فهل كانت لدى ابن الصباغ نسخة من صحيح مسلم تختلف عن النسخة التي وصلت إلينا؟

أم أن أحداً قد كتب في هامش نسخته توضيحاً لكلام عمر، فظنه ابن الصباغ جزءاً من الرواية، فأدرجه فيها؟!

أو أن ابن الصباغ نفسه قد شرح كلمة عمر بالنحو المتقدم، لكن نساخ كلامه قد أسقطوا (بعض الكلمات)؟!

إن كل ذلك محتمل.. ويؤيد هذا الاحتمال الأخير: أن الماحوزي نقل كلام ابن الصباغ بإضافة ما يدل على أنه كان بصدد توضيح كلام عمر،

____________

1- صحيح مسلم (ط محمد علي صبيح) ج7 ص121 ومسند الطيالسي ص320 والتاج الجامع للأصول (ط مصر) ج3 ص326 ومسند أحمد ج2 ص384 والخصائص للنسائي ص7 والطبقات لابن سعد (ط دار الثقافة الإسلامية) ج3 ص156 ومستدرك الحاكم ج3 ص38 والمعجم الصغير (ط دهلي) ص163 وتذكرة الخواص ص24 و 25 والبداية والنهاية ج4 ص184 و 185 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص184 ـ 188.


فراجع(1) .

اللهم لا مانع لما أعطيت:

1ـ ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل عمر إلى اليهود مرتين:

إحداهما: قبل أبي بكر.

والثانية: بعده.

فهل فعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليسقط دعاوى عمر لنفسه الشدة والصلابة؟!

أو أنه أراد بذلك أن يسد الطريق على الأعذار التي قد يتعلل بها عمر لهزيمته في المرة الأولى؟! أو أنه قصد الأمرين معاً؟!

2 ـ هل كان إرسال أبي بكر لمهاجمة الحصن الخيبري، لكي لا يدعي محبوه له الشجاعة النادرة، لمجرد أنه قال لعمر: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد مات بعد أن كان عمر قد أنكر موته في غياب أبي بكر، أو لأنه كان مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في العريش، أو نحو ذلك.

وقد ظهر من هزيمته، وهزيمة صاحبه هنا، بالإضافة إلى هزائمهما في قريظة، وأحد، وحنين، وسواهما، ونكولهما عن عمرو بن عبد ود في الخندق.. ظهر أن هذا هو طبعهما الحقيقي.. وأن توثبهما للراية حين أعطاها

____________

1- كتاب الأربعين للماحوزي ص181 و 189.


النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي في خيبر لم يكن في محله، بل كان توثباً لما يريدان أن يحصلا عليه من دون مخاطر..

ولربما يكون ادِّعاء هذا التوثب قد جاء متأخراً منهما، ليستردا بعض ماء الوجه الذي فقداه بهزيمتهما في اليومين الأولين.

وعلى كل حال، فإن هذين الرجلين كانا قد أثبتا بصورة عملية، وبنحو قد تكرر، وتقرر أنهما ليسا من السنخ الذي يفتح الله على يديه الحصون، وتقر بقلع أبوابها العيون..

بل الذي يقوم بهذه المهمات الجسام، هو من نزل فيه قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) .

ومن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ومن هو كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه..

وهو ذلك الذي لا مطمع له بالدنيا، ولا أرب له بشيء من حطامها، ومن يرضى بما قسم الله تعالى له، ويرى أن ما به من نعمة فمن الله، وفق ما صرح به حين قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت".

أبشر يا محمد بن مسلمة:

وذكرت بعض روايات الواقدي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دفع

____________

1- الآية 207 من سورة البقرة.


لواءه إلى أحد المهاجرين، فرجع، ولم يصنع شيئاً، فدفعه إلى آخر، فكذلك.. فدفع لواء الأنصار إلى رجل منهم، فرد كتائب اليهود إلى الحصن.. فخرج ياسر ومعه جماعته، فكشف الأنصارحتى انتهى إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعرض (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الإسلام على أهل خيبر، مقابل أن يحرزوا أموالهم ودماءهم، فرفضوا، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله(1) ، ليس بفرار(2) .

ونقول:

1 ـ قد تكتم الراوي على أسماء المهاجريَّيْنِ، والأنصاري، وإن كان قد ألمح إلى الأنصاري بما يفهم منه أنه سعد بن عبادة.

2 ـ رغم أن الأنصاري قد رد اليهود إلى حصونهم، فقد ظهر أن الراوي يرغب بأن يساويه مع ذينك المهاجريَّيْنِ، حيث ذكر أنه كان يؤنب أصحابه على ما جرى له..

3 ـ إن الراوي قد أبهم التعابير، لكي لا يفهم الناس فرار المهاجريَّيْنِ، مع أنه يذكر أنه صار يستبطئ أصحابه، بدلاً من كلمة "يجبِّن".. وكأنه يريد أن يجعل التبعة على الأصحاب، لا على قائدهم.

____________

1- في الإمتاع ص314 لم يذكر كلمة "ويحب الله ورسوله".

2- المغازي للواقدي ج2 ص653 و654 وإمتاع الأسماع ص313 و314 و (ط دار الكتب العلمية) ج13 ص333 والسيرة الحلبية ج3 ص34.


4 ـ إنه نسب اللواء الذي أعطي للمهاجري إلى رسول الله، ولكنه بالنسبة للأنصاري، قال: أعطاه لواء الأنصار، ليعطي ميزة للمهاجري بأن رسول الله من فئته.. وبأن اللواء الذي أعطاه إياه هو اللواء الأعظم.

ولكنه وقع في محذور نسبة الفرار بلواء الجيش كله إلى المهاجريَّيْنِ.. أما الأنصاري، فإنما فر بلواء الأنصار وحسب، فما عمله المهاجريَّان يكون في غاية القبح، لأن فِرارهما ينسب لرسول الله، وللجيش كله، وفرار الأنصاري ينحصر به وبقومه.

مع أنه قد أقر للأنصاري بتحقيق إنجاز هام عجز عنه المهاجريان، وهو أنه رد كتائب اليهود إلى حصنهم..

الأرمد يطحن:

وفي بعض النصوص: أنه لما سأل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن علي (عليه‌السلام ) قالوا: هو في الرحل يطحن.

قال: وما كان أحدكم ليطحن؟! فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر(1) .

____________

1- مسند أحمد ج1 ص331 والخصائص للنسائي (ط التقدم بمصر) ص8 وفي (طبعة أخرى) ص63 والمستدرك للحاكم ج3 ص132 وكفاية الطالب (ط مكتبة الغري) ص116 وراجع: العمدة لابن البطريق ص85 و 238 وذخائر العقبى ص87 وحلية الأبرار ج2 ص وبحار الأنوار ج38 ص241 وج40 ص50 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص112 و 292 والمراجعات ص196 والغدير ج1 ص50 وج3 ص195 ومواقف الشيعة ج3 ص393 وعن مجمع الزوائد ج9 ص119 وكتاب السنة لابن عاصم ص589 والسنن الكبرى ج5 ص113 وعن خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص118 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص98 و 99 و 101 وج46 ص150 وسير أعلام النبلاء ج3 ص68 وعن الإصابة لابن حجر ج4 ص467 وعن البداية والنهاية ج7 ص374 والمناقب للخوارزمي ص125.


ونلاحظ: أنه (عليه‌السلام ) حتى وهو أرمد، لا يكاد يبصر، لا يكون اتكالياً على غيره في خدمته لنفسه، وللمقاتلين بالاستناد إلى رمد عينيه، بل يكون هو العامل، الذي يختار عملاً يقدر على أدائه، مما فيه فائدة للجيش، الذي هو بصدد دفع أعداء الله تعالى.

في حين أن غيره سارع إلى الحضور في مجلس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكثير منهم مستشرف للراية طامعاً وآملاً بالفوز بها، حين عرف أن حاملها سوف يفتح الله على يديه، وأن ذلك سوف يكون وساماً ربما يكون له تأثيره في تبوء المقامات، وتحقيق الطموحات..

وكأن استشراف هؤلاء الطامعين للراية إنما كان للوعد بالفتح الذي أطلقه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. رغم فرارهم بها بالأمس وقبله..

ولعلهم ظنوا: أن الفتح سيأتي على سبيل الإعجاز، ومن دون تعب، ونصب، وتضحية.. ذاهلين عن أن الفتح إنما يكون على يدي الكرار غير الفرار.

ومن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه..


ومن لا يريد بهذا الجهاد أن يحصل لنفسه على المكاسب أو المناصب الدنيوية..

ومن يلتزم بحرفية أوامر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا يتعداها.

ومن لا يعتبر إعطاء الراية له والفتح على يديه مكسباً دنيوياً.. بل هو عطاء إلهي على قاعدته التي اطلقها (عليه‌السلام ) في هذا الموقف بالذات، حين قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت"(1) .

ومهما يكن من أمر، فإن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد لامهم على تركهم علياً يطحن، ومبادرتهم إلى مجلسه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه رأى أن مبادرتهم هذه، واستشرافهم للراية أيهم يعطاها سعي للدنيا، وطلب لها..

وما كان أحراهم لو اشتغلوا بالطحن، فإنه سيكون نافعاً لهم في دنياهم وفي آخرتهم، التي هم أحوج إليها من أي شيء آخر..

ولو أنهم افسحوا المجال لعلي (عليه‌السلام ) ليحضر، لكان حضوره (عليه‌السلام ) في ذلك المجلس هو المرضي لله، لأن حضوره سيكون من أجل الآخرة، وللعمل على حل العقدة، ونصرة أهل الحق.. ولأجل ذلك استحقوا اللوم من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنهم أوكلوا الطحن إلى علي (عليه‌السلام )، وكان الحري بهم أن يتولوه عنه.

كما أن هذا اللوم الذي وجهه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم يعطي أن

____________

1- قد ذكرنا مصادر هذه الكلمة في موضع آخر، فراجع.


عليهم أن يعرفوا أقدار الناس، وأقدار أنفسهم، وأن يضعوا الأمور في مواضعها، وأن يوكلوا كل عمل إلى أهله.. فلا يوكلوا الطحن واستقاء الماء، وحراسة النساء إلى القادة والذادة، وعلماء الأمة وربانييها.

علام أقاتلهم؟!:

وثمة سؤال يقول:

ألم يكن علي (عليه‌السلام ) يعلم هدف القتال في خيبر، فلماذا إذن وقف وسأل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قائلاً: علام أقاتلهم؟!..

ونجيب:

بأن سؤاله هذا إنما هو لتعريف الذين جاؤا من أجل الغنائم، وأرادوا الحصول على الراية، للحصول على الإمارة والشهرة، والسمعة، والرفعة في الدنيا، فإنهم قد أخطأوا الطريق، والغاية على حد سواء..

ويزيد هذا الخطأ فداحة وقباحة، إذا كانوا يسعون إلى فرض إسلامهم على غيرهم بالقهر والقوة، وبالسيف، لا بالحجة والبرهان.

وقد لوحظ هنا: أنه (عليه‌السلام ) لم يقل للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين؟!

بل قال: "حتى يكونوا مثلنا"، لأن السؤال الأول يجاب عنه بنعم أو بلا.. لكن كلمة "مثلنا" قد مهدت لبيان ذلك الأمر الحساس الذي يراد إفهامه للناس، وهو أنه بعد أن أقيمت الحجة عليهم، واصبحوا مجرد معاندين وجاحدين، يمارسون البغي والعدوان، صار المطلوب مستوى معيناً من المثلية، وهي الدرجة التي توجب حقن دمائهم، وهي قول لا إله


إلا الله، محمد رسول الله..

أما سائر المراتب والدرجات فهي إنما تحصل بالسعي الدؤوب من قبل الأفراد أنفسهم، كل بحسب حاله وقدراته، ودرجات معرفته، وطبيعة ظروفه، وأحواله.

تعريف اليهود حق الله وحق الرسول:

وثمة أمر آخر، وهو: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طلب من علي أن يعرف اليهود حق الله وحق رسوله..

وهذا الطلب يدل على أن الأمر قد تجاوز حدود إقامة الحجة، فقد أثبتت الدلائل القاطعة لهم الألوهية والرسولية له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وهم الآن في مقام جحد حق الله وحق رسوله، وهذا القتال في خيبر إنما هو على هذا..

ما هو حق الله، وحق الرسول؟!:

إن حق الله على الناس هو: توحيده، وطاعته، وعبادته، وحق الرسول هو القبول منه وعنه، وتوقيره، ونصرته، والشهادة والإعتراف له بالرسولية..

أما تعريفهم بأوامر الله ونواهيه، وشرائعه، فيأتي في مرحلة لاحقة، حيث يطلب منهم هم أن يسعوا لذلك من خلال تقواهم، وخوفهم منه، ورغبتهم بما عنده سبحانه..

كما أن معرفة سائر ما يرتبط بالنبي والنبوة، فإن الدواعي الباطنية هي التي تدفع للحصول عليه.


هداية الناس هدف نبيل:

ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عقب كلامه عن حق الله وحق رسوله ببيان مسؤوليات الناس تجاه إخوانهم في الإنسانية، فإن على رأس هذه المسؤوليات العمل على هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فلا يكون همُّ الفاتحين لحصون خيبر هو فتح الحصون والحصول على الأموال والسبايا، والغلبة، وقهر الرجال، بل يكون همهم هو إعزاز الناس، وفتح قلوبهم للحق، وإنقاذهم من ضلالاتهم، وجهالاتهم.

توحيد اليهود مشوب بالشرك:

إن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، يشير إلى أن توحيد اليهود مشوب بالشرك، أو بغيره من المعاني التي تنافي التوحيد الخالص، ولو بمستوى عبادة الذات، والمال، والسلطان، فضلاً عن قولهم: عزير ابن الله، واعتقادهم بالتجسيم الإلهي، وقولهم:( أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً ) (1) . وقولهم:( اجْعَلْ لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (2) ، وقولهم:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) (3) ، ونسبة العجز، والظلم إليه وغير ذلك..

وقد جعل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حفظ الأنفس والأموال منوطاً بالشهادتين،

____________

1- الآية 153 من سورة النساء.

2- الآية 138 من سورة الأعراف.

3- الآية 64 من سورة المائدة.


لأن للكفر وللإيمان مراتب، فأشد وأقبح مراتب الكفر، الإلحاد والشرك، فإن الشرك ظلم عظيم.

ثم يلي هذه المرتبة مرتبة الذين يفرقون بين الله ورسله، ويقولون: نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض أولئك هم الكافرون حقاً.

وهناك أيضاً مرتبة الإعتراف بوجود الله، وإنكار النبوة الخاتمة، وإن اعترفوا أيضاً بأن له رسلاً وكتباً وشرائعَ، وثواباً، وعقاباً، كما هو حال أهل الكتاب.

ولذلك كان لهؤلاء أحكام تختلف عن أحكام المشركين والملحدين، فيجوز التزويج متعة بالكتابية، ولا يجوز تزويجهم. ويصح اعتبارهم من أهل الذمة وعقد العهد معهم، ويمنع التعرض لهم في ممارساتهم الدينية، وفق حدود وقيود..

فإذا ارتقوا في إيمانهم، وشهدوا الشهادتين، وقبلوا الإسلام ديناً، حقنت دماؤهم وأموالهم، وجاز التزوج منهم والتزويج لهم، وتحل ذبائحهم، ويحكم بطهارتهم، ويرثون، ويورثون.

فإن قبلوا الإمامة زادت امتيازاتهم على ذلك أيضاً، فحرمت غيبتهم، ووجبت لهم حقوق الأخوة الإيمانية، وإن طلق أحدهم وفق المذاهب الأخرى لم يقبل منه، فلا يمضى الطلاق بالثلاث، ويحكم بفساد طلاقه إن كان بلا شهود.

فإذا صار من أهل العدالة صحت الصلاة خلفه، وجاز إشهاده على الطلاق، وغيره.


ثم إن الواحد منهم يتدرج في مراتب الفضل والكمال، فللعالم فضله، وللتقي مقامه، وقد يصير التقي العالم ولياً من الأولياء.. وقد اصطفى الله تعالى الأنبياء من هؤلاء.. ثم تدرج الأنبياء في مراتب الفضل، فالرسول أفضل من النبي بلا رسالة، وأولو العزم من الرسل أفضل من غيرهم، وأصحاب الشرائع افضل من سائر أولي العزم، والنبي الخاتم، وهو نبينا الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أفضل من جميع الخلق..

وللأئمة أيضاً درجاتهم في الفضل، وافضلهم الأئمة الإثنا عشر، وأفضلهم علي "عليهم‌السلام ".. بل هو أفضل الخلق على الإطلاق بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وعلى كل حال، فإن للإمامة مراتبها، وأعظمها مرتبة الإمامة للنبوة الخاتمة أيضاً.. ولكل خصوصية مقامها وأحكامها التي تناسبها..

هل قاتل الشيخان؟!:

زعمت النصوص المتقدمة: أن أبا بكر وعمر قاتلا في خيبر قتالاً شديداً، وقد جهدا فلم يفتح لهما..

وهذا غير صحيح:

أولاً: إن قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله عليه، فيه تعريض ظاهر، يصل إلى حد الإتهام لمن سبق علياً (عليه‌السلام ) بأنهم فرارون، وبأنهم لا يحبون الله ورسوله..

بل بعض النصوص تذكر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: هكذا تفعل


المهاجرون والأنصار؟! حتى قالها ثلاثاً ـ لأعطين الراية إلخ..(1) .

وفي بعضها: فغضب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال: ما بال أقوام يرجعون منهزمين، يجبنون أصحابهم؟(2) .

فلو كان أبو بكر وعمر قد قاتلا حتى جهدا لم يصح هذا التعريض منه بهما وبمن معهما، بل كان يجب الإشادة بهما، وإغداق الأوسمة عليهما وعليهم، وذلك يدل على أن هزيمتهم لم تكن بسبب قوة اليهود، بل بسبب الجبن والتخاذل، الأمر الذي الحق ضرراً بالغاً بروحية المسلمين..

ثانياً: ويدل على ذلك: أن الأصحاب كانوا يتبادلون الإتهامات حول ما حدث، كما دلت عليه النصوص المتقدمة.

ثالثاً: في بعض النصوص ما يشير إلى أن عمر بن الخطاب لم يصل إلى العدو، بل سار بالراية غير بعيد، ثم رجع يجبِّن أصحابه ويجبنونه، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ليست هذه الراية لمن حملها، جيئوني بعلي(3) ..

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص12 وج32 ص344 والإحتجاج للطبرسي ج2 ص64.

2- الخرائج والجرائح ج1 ص159 وبحار الأنوار ج21 ص28.

3- الإرشاد للمفيد ج1 ص26 وبحار الأنوار ج21 ص15 وراجع: مدينة المعاجز ج1 ص174.


يحب الله ورسوله:

قلنا فيما سبق: أن كلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حول الراية قد تضمن تعريضاً بمن انهزم بها، لأن لحب الله تعالى وحب رسوله آثاره ومؤثراته، وشواهده وملامحه، ولم نجد شيئاً منها في الذين أخذوا الراية قبل علي (عليه‌السلام ).

فحب الله وحب رسوله يفرضان إيثار رضاهما على النفس، وعلى المال، وعلى الجاه، وعلى أي شيء من حطام الدنيا.

وقد أظهر الفارون أنهم يؤثرون سلامة أنفسهم، أو حفظ مصالحهم على رضا الله ورسوله، فارتكبوا إثم الفرار من الزحف، والتفريط بدين الله، وبعباد الله، وبسلامة رسول الله، مع علمهم بأن هذا الفرار يُطْمِعُ الأعداء بالمسلمين، ويسقط روح الصمود والتصدي لدى الأولياء، وأين هذا مما يدعونه من حب الله ورسوله، وإيثار الجهاد في سبيله؟!

علي (عليه‌السلام ) يحبه الله ورسوله:

وإذا كان علي (عليه‌السلام ) يحب الله ورسوله، وقد صدقته شواهد الإمتحان، على قاعدة:

كل من يدعي لمــا هـو فيـه

صدقته شواهد الإمتـحــان

فإنه إن قام بما يدعوه إليه ذلك الحب، من التماس رضا الله في كل شيء، والتزام طاعة رسوله، والوفاء والتضحية، وبذل النفس والمال وكل شيء في هذا السبيل.. فلا بد أن يحبه الله ورسوله، قبل، ومع، وبعد ذلك.. لأن الله


يحب من يحبه، ويعمل بما يرضيه.

وقد تضمن هذا التعريض بالفارين تحذير لهم ولغيرهم بأن عليهم أن يلتزموا طريق الصدق والإخلاص لله في أعمالهم، وإلا فمن الممكن أن يتعرضوا لمثل هذا الإمتحان العسير.. حين لا بد من ممارسة هذا الحق لتحصين الساحة من حدوث إخلالات كبيرة وخطيرة.

كرار غير فرار:

وقد وصف (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ): بأنه كرار غير فرار ـ بصيغة التكثير ـ ليفيد: أن الكر على الأعداء هو طبيعة وخلق في علي (عليه‌السلام ).. لكن طبيعة غيره هي الفرار، وهو كثير الصدور منهم..

وقد تجلت كثرة الكر منه (عليه‌السلام )، وكثرة الفر منهم في مواطن عديدة، مثل: بدر، وأحد، والنضير، والخندق، وقريظة، وغير ذلك..

لا يولى الدبر:

ثم أكد صفة الرجل الذي يحب الله ورسوله.. وصفة الذين فروا بالراية بقوله: لا يولي الدبر.. وهذا التعبير من شأنه أن يزيد في نفور السامع من هذا العمل.. ويجعل الناس يتذكرون فرارهم في اليومين السابقين أفراداً وجماعات.

واللافت هنا: أن هذا الكرار بالذات سوف يأخذ معه نفس هؤلاء الذين فروا بالأمس مع قادتهم، وسوف يفرون هم وقادتهم عنه مرة أخرى


أيضاً كما ورد في النصوص.

لا يرجع حتى يفتح الله عليه:

1 ـ وربما يخطر في بال أحد من الناس أن الذي لا يولي الدبر قد لا يتمكن من تحقيق النصر، فيرجع خالي الوفاض.. وهذا الرجوع لا يعد هزيمة.. فأخبر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنه (عليه‌السلام ) لا يرضى حتى بهذا الرجوع، بل هو يصر على تحقيق النصر والفتح، ولا يرجع بدونه..

2 ـ ويلاحظ هنا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم ينسب الفتح إلى علي (عليه‌السلام )، فلم يقل: لا يرجع حتى يفتح حصنهم، أو حتى ينتصر عليهم، بل هو ينسب الفتح إلى الله، من حيث أن علياً بجهده وجهاده يستحق اللطف والكرامة الإلهية، فيجعل الله تعالى الفتح على يديه..

وكيف لا يعطيه الله هذه الكرامة، وهو يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وهو كرار غير فرار، وهو لا يولي الدبر؟!

فمن الطبيعي بعد هذا أن تكون النتيجة هي هذا التشريف، والتكريم الإلهي، فكأنها من الأمور التي تكون قياساتها معها.

لا يخزيه الله أبداً:

وجاء في بعض النصوص أيضاً قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً.. مما يعني: أن هزيمة أولئك كانت من القبح بحيث تعد من مفردات الخزي. وهو أمر لا تنحسر آثاره وتبعاته بسهولة، بل يبقى يلاحق فاعليه بكوابيسه المخيفة، والمؤذية، ويلقي بكلاكله الثقيلة عليهم


عبر السنين والأحقاب.

وليلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد حكم حكماً قاطعاً بعدم لحوق الخزي بعلي (عليه‌السلام ) في أي من الظروف والأحوال، وعبر الأحقاب والأزمان.. وهو (صلى‌الله‌عليه‌وآله )( مَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1) .

ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم:

ويقولون: لما قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، قال عمر: ما أحبب الإمارة إلا ذلك اليوم(2) .

____________

1- الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

2- السيرة الحلبية ج3 ص35 وراجع: شرح أصول الكافي ج6 ص136 و 137 و 494 ومناقب أمير المؤمنين ج2 ص503 وأمالي الطوسي ص380 والعمدة ص144 و 149 والطرائف لابن طاووس ص59 وبحار الأنوار ج21 ص27 وج39 ص10 و 12 وكتاب الأربعين للماحوزي ص290 ومقام الإمام علي للعسكري ص30 و 42 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص229 وأضواء على الصحيحين ص432 وعن صحيح مسلم ج7 ص121 وعن فتح الباري ج7 ص47 و 365 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص11 و 180 وعن خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص57 ورياض الصالحين للنووي ص108 وعن تفسير ابن كثير ج1 ص377 وتاريخ مدينة دمشق ج25 ص459 وج42 ص83 و 84 وعن الإصابة ج4 ص466 وعن البداية والنهاية لابن كثير ج7 ص372 وعن السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص422 وعن عيون الأثر ج1 ص291 ونشأة التشيع ص120 وعن التاج الجامع للأصول ج3 ص331 ورواه الشيخان.


ونقول:

هناك دلائل تشير إلى ما يخالف هذا القول من عمر، فلاحظ ما يلي:

أولاً: لما جاء وفد ثقيف إلى المدينة، وقال لهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلاً مني، وفي رواية: مثل نفسي، فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم..

قال عمر: فوالله، ما تمنيت الإمارة إلا يومئذٍ، وجعلت أنصب صدري له، رجاء أن يقول: هو هذا.

فالتفت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى علي (عليه‌السلام )، وقال: هو هذا، هو هذا(1) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص35 وراجع: الطرائف لابن طاووس ص65 وبحار الأنوار ج38 ص325 وج40 ص80 والمناقب للخوارزمي ص136 ونهج الإيمان لابن جبر ص481 والعدد القوية للحلي ص250 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص60 وقال في الهامش: روى الحديث في أواسط ترجمة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) من كتاب الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج3 ص46 وأما عبد الرزاق فروى الحديث في فضائل علي (عليه‌السلام ) تحت الرقم 2389 من كتاب المصنف ج11 ص226، وليلاحظ: ترجمة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) من تاريخ دمشق ج2 ص373.


فكيف يقول عمر عن نفسه في واقعة خيبر: ما تمنيت الإمارة إلى يومئذ؟!

ثانياً: هل كان عمر زاهداً في الإمارة أيضاً حين هاجم بيت الزهراء في أحداث السقيفة، واعتدى عليها بالضرب، وتسبب في إسقاط جنينها محسن، بل في استشهادها؟!

وهل كان يريد رضا الله تعالى بذلك؟! والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول عن فاطمة "عليها‌السلام ": من أغضبها فقد أغضبني..

وكيف نفسر قول علي (عليه‌السلام ) له حينئذٍ: احلب حلباً لك شطره؟!(1) .

____________

1- راجع: الإحتجاج ج1 ص96 والصراط المستقيم ج2 ص225 وج3 ص11 و 111 وكتاب الأربعين للشيرازي ص173 وبحار الأنوار ج28 ص285 و 388 وج29 ص522 و 626 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص400 والسقيفة للمظفر ص89 والغدير ج5 ص271 ونهج السعادة ج5 ص210 ومكاتيب الرسول ج3 ص708 وتثبيت الإمامة ص17 وأنساب الأشراف ص440 والإمامة والسياسة (تحقيق زيني) ج1 ص18 وبيت الأحزان ص81 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج1 ص257.


وكيف نفسر أيضاً قوله (عليه‌السلام ) عنه وعن أبي بكر: لشد ما تَشَطَّرَا ضَرْعَيْها(1) ، أي الخلافة والإمارة.

وهل يرضى محبوه أن نقول: إنه حين قال: ما تمنيت الإمارة إلا يومئذٍ كان يقصدها قبل وفاة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). فلا مانع من أن تحلو الدنيا في عينيه بعد ذلك، ثم يفعل ذلك كله من أجل الإمارة!! وألا يعدون ذلك طعناً فيه، وإهانة له؟!

ثالثاً: أليس قد منح النبيُّ عُمَرَ الفرصة مرة بل مرتين على بعض الروايات، وأعطاه الراية، وأمره على الجيش وأرسله لمهاجمة اليهود؟! فما معنى تمنيه لهذه الإمارة مرة أخرى.. وهو قد تأمر بالأمس، وهرب هو ومن معه؟!

ولماذا لم يقم بمقتضيات هذه الإمارة التي أذلها وأسقطها بهزيمته بمن معه؟! أم أنه أراد أن يظهر حرصه على الفوز بحب الله ورسوله.. ليرى

____________

1- نهج البلاغة (الخطبة الشقشقية) ج1 ص33 ورسائل المرتضى ج2 ص109 والإحتجاج ج1 ص284 وكتاب الأربعين للشيرازي ص167 وحلية الأبرار ج2 ص290 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص457 والنص والإجتهاد ص25 والغدير ج7 ص81 وج10 ص25 والمعيار والموازنة لابن الإسكافي ص46 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص162 و 170 والدرجات الرفيعة ص34 وبيت الأحزان ص89 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج1 ص282 وشرح شافية ابن الحاجب للأسترآبادي ج1 ص78.


الناس أنه ليس زاهداً بهذا الأمر، كما ربما يوحي به فِراره بالأمس، فإن ذلك الفرار كان نزوة عارضة، هو يعمل على تلافي آثاره، وتصحيح مساره؟!

في حين أن عمر كان يعلم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واقف على حقيقة الحال.. وأن الفرار هو ديدن هؤلاء الناس، لأنهم لا يحبون الله بالمستوى المطلوب، وهو بسبب معرفته هذه لن يختاره مرة أخرى، لا هو ولا غيره من الفارين، فإن المؤمن لا يلدغ من جُحرٍ مرتين، كما أن نفس كلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحديثه عن الفرَّارين من جهة، ثم حديثه عن الذين لا يخزيهم الله أبداً.. وغير ذلك يدل دلالة قاطعة على أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سوف لا يختار من هو فَـرار، ويولي الدبر.. و.. و.. بل سوف يختار الذي يحبه الله ورسوله..

فما معنى أن يتطاول لها عمر، وأن يبادر إلى طلبها؟! إلا إن كان يريد أن يلقي بالتبعة في هزيمته على الذين كانوا معه، ويبرئ نفسه منها؟! أو أن هذه الدعاوى قد جاءت بعد ذلك بزمان، بهدف استعادة بعض ماء الوجه للخليفة الثاني، كما أشرنا إليه..

القبائلية تنغض رأسها:

وتصريح المؤرخين باسم قريش على أنها هي التي تطاولت للراية يطرح سؤالاً عن سبب هذا الطموح القرشي القبائلي، ومتى كانت قريش بما هي قبيلة تهتم بأمر الجهاد والتضحية والعطاء؟! فإن القريشيين باستثناء بني هاشم لم يكونوا أكثر ولا أفضل عطاء من غيرهم..


إلا إن كانوا يقصدون تكريس هذه القرشية ليستعيضوا بها عن موضوع النص على علي (عليه‌السلام )، كما ظهر من كلماتهم يوم السقيفة.

أم يظنون: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه هو الذي سوف يعود إلى عشائريته، ويكرس الإمتيازات لقومه وقبيلته؟! وما هي مبررات هذا التوقع الغريب والعجيب؟!

أم أنهم ظنوا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عاد إلى هذه العشائرية، حين رأوه يعطي الراية لأبي بكر، وهو قرشي، ثم يعطيها لعمر، وهو قرشي، رغم فرار القرشي الأول بها.. بل هو قد أعطاها ـ حسب رواياتهم ـ مرة ثالثة لقرشي كان قد فر بها عن قريب، وهو عمر بعد أن فر بها صاحبه القرشي الآخر قبله، وهو أبو بكر..

ثم أعطاها لقرشي ثالث مرة رابعة، وهو الزبير، كما ذكرته بعض الروايات، وقد فر هو الآخر بها، ثم طلبها مرة أخرى في اليوم الأخير، فلم يعطه إياها، بل قال: والذي كرم وجه محمد لأعطين الراية رجلاً لا يفر، هاك يا علي(1) .

____________

1- مجمع الزوائد ج9 ص124 وراجع: شرح الأخبار ج1 ص321 والعمدة ص140 و 143 وفضائل الصحابة ج2 ص617 ح1054 و ص583 ح987 وذخائر العقبى ص73 عن مسند أحمد ج3 ص16 ومسند أبي يعلى ج2 ص500 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص104 و 105 والبداية والنهاية ج4 ص212 ونهج الإيمان لابن جبر ص317 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص352 وينابيع المودة ص164 ومصادر أخرى تقدمت.


هذا بالإضافة إلى أن محمد بن مسلمة كان ممن فرَّ بالراية أيضاً(1) .

نعم.. هل فهموا بعد كل هذا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعطيهم الراية لقرشيتهم؟!

ولم لا يظنون: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يركز ويعمق شعور الناس بفرار القرشيين بالراية، وأنهم ليسوا أهل حرب، ولا يصح الإعتماد عليهم في المواقف الحساسة والصعبة، لكي يحصن الناس من دعايات قريش وإشاعاتها.

الإعلان المسبق، لماذا؟!:

كان من الممكن أن ينتظر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى اليوم التالي، ثـم يدعو علياً (عليه‌السلام ) ويشفيه من الرمد، ثم يرسله إلى الحرب، كما أرسل غيره قبله.. ثم يعطيه الأوسمة بعد انتصاره.. ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يفعل ذلك..

وكان يمكنه أيضاً أن يعطيه الأوسمة لحظة إرساله بالراية.. ولكنه لم يفعل ذلك، بل أعلن الأوسمة قبل يوم من اعطاء الراية.. وقد بات الناس يتهامسون، ويقترحون الأسماء التي ستفوز بالراية: هذا تارة، وذاك

____________

1- أسد الغابة ج4 ص21 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص413 وعن مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص188وأعيان الشيعة ج1 ص270.


أخرى.. وتشرئب الأعناق، وتنطلق الأمنيات من كل جهة وفي كل اتجاه، دون أن يمر في وهم أحد منهم اسم علي (عليه‌السلام )، لأنه كان أرمداً..

ولم يكن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أُخْبِرَ بحاله (عليه‌السلام ) قبل استدعائه لأخذ الراية.. كما أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يسأل عن سبب غيبته، لأن الله تعالى هو الذي يرعى حركة رسوله في تلك اللحظات الحساسة والخطيرة..

واستقرت كلمات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في وصف صاحب الراية في نفوسهم، وتجسدت أمام أعينهم وعوده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالنصر على يد صاحب الراية العتيد. وطبقوا الأوصاف التي أطلقها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على هذا تارة وعلى ذاك أخرى.

ولعلهم قارنوا بين الأشخاص، وتأملوا في ميزاتهم وأوصافهم التي ظهرت لهم فيهم.

وقد ظهر خطؤهم جميعـاً في كل حساباتهم، وتقديراتهم، وفاجأهم القرار النبوي الصائب، وأعطيت الراية لصاحبها.. وكان ما كان..

ولو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد أجَّل قراره، ولم يطلق الأوصاف لحامل الراية إلى اليوم التالي، فلربما لم يفكر أحد في شيء من ذلك، ولم يقم أحد منهم بأي بحث ومقارنة تطبيقية، كان يريد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم أن يقوموا بها، ليكونوا أكثر واقعية، وأبعد عن العيش في أجواء الإدعاءات الباطلة، والإستعراضات الفارغة..

ولو أنه أجَّل كلماته إلى اليوم الثالث لتخيل الكثيرون أنها مجرد مدائح


طارئة، وأوسمة تهدف إلى الحث والتشجيع، وشحذ العزائم، وقد تكون فضفاضة على أصحابها بدرجة كبيرة..

رمد عينيه (عليه‌السلام ) أسعد مناوئيه:

لقد أظهرت النصوص: أن رمد عيني علي (عليه‌السلام ) في ذلك اليوم أسعد قريشاً، والتابعين لها، والمتأثرين بسياساتها، لأن ذلك أبعد علياً عن الساحة..

ولعلهم ظنوا: أن كل الدور سيكون لهم، وإن كل الإنتصارات والإنجازات ستحقق على أيديهم، وسيحصلون على الأوسمة، وينالون المقامات والمناصب، فإنهم وبعد أن قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله إلخ..

غدت قريش يقول بعضهم لبعض: أما علي فقد كفيتموه، فإنه أرمد لا يبصر موضع قدمه(1) .

ولكنه (عليه‌السلام ) لما سمع مقالة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: "اللهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت".

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص319 وإعلام الورى ج1 ص207 والدر النظيم = = ص255 وبحار الأنوار ج21 ص21 وج41 ص85 عن ابن جرير، وابن إسحاق.


فهل تراهم يظنون أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعطي الأوسمة جزافاً، وكيفما اتفق، ومن منطلق الهوى والعصبية؟!.

ويرون: أن وجود علي بينهم كان هو العائق لهم عن نيلها؟!

أو ظنوا: أن هذا النصر الذي وعدهم الله به سيكون سهلاً، ووجود علي (عليه‌السلام ) هو المانع من تحقيقه.

أو ظنوا: أن الله سوف يصنع المعجزة لهم، من دون جهد أو جهاد منهم، وبلا تعب ولا نصب.. وسوف يعوضهم عن هذه النكسة التي حاقت بهم بانهزام إخوانهم في اليومين السابقين أكثر من مرة.

أو لعلهم اعتقدوا أن هذا الوعد النبوي سوف يشد من عزائم المقاتلين، ويجعلهم أكثر اندفاعاً في مهاجمة الحصن، الأمر الذي سوف ينتهي بفوز حاملي الراية بالنصر، ليكون بمثابة الغنيمة الباردة التي يحلم بها الضعفاء، والفرارون في مواقع القتال..

أو أرادوا أن يكون مجرد التصدي لأخذ الراية، مع علمهم بعدم حصولهم عليها، كافياً لتبرئة ساحتهم، ويعوضهم عن هزيمتهم، ويحفظ بعضاً من ماء وجههم، حيث سيظن كثيرون أن الهزيمة لم تكن بسبب تقصير القادة، بل كانت بسبب المقاتلين أنفسهم..

لعل كل ذلك قد دخل في حساباتهم.. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.


متى رمدت عينا علي (عليه‌السلام )؟!:

أما حديث: أن علياً "عليه‌السلام " تخلف عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وبقي في المدينة، فلما سار (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى خيبر، قال (عليه‌السلام ): لا، أنا أتخلف؟!

فلحق برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فلا يصح؛ وذلك لما يلي:

أولاً: إذا كان علي (عليه‌السلام ) يعاني من رمد في عينيه، حتى إنه لم يكن يبصر، وكان غير قادر على السير إلا بقائد يقوده، ومدبر يدبره، فإلى من أوكلت قيادة الجيش يا ترى في كل هذه المدة الطويلة؟! فإن كان قائده هو سلمة بن الأكوع، فإن الرواية قد صرحت: بأنه جاء به يقوده إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، في قضية قتل مرحب فقط..

فكيف جاء (عليه‌السلام ) من المدينة؟! وكيف كان ينتقل من حصن إلى حصن، ومن مكان إلى مكان لقضاء حوائجه؟!

وبعد.. فإن تخلف علي (عليه‌السلام ) في المدينة لا بد أن يكون بإذن وبمعرفة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

كما أن مسيره لا بد أن يكون بإذن منه، فهل استأذن (عليه‌السلام ) في الخروج من المدينة؟! أم أنه فعل ذلك من عند نفسه؟!

وإذا كان قد خرج بإذنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبعلمه، فلماذا لم يخرجه معه، فإن حاله لم يختلف عما كان عليه؟!


وإن كان قد أذن له بالخروج، فكيف أذن له وهو بهذه الحالة؟! وكيف؟! وكيف؟!

ثانياً: إنهم يقولون: إن سبب رمد عيني علي (عليه‌السلام ) هو دخان الحصن الخيبري نفسه، وليس شيئاً آخر عرض له في المدينة، فراجع(1) . فإذا صح هذا، فلا يكون ثمة مبرر لبقائه في المدينة، كما زعموا.

ثالثاً: صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى اللواء في غزوة خيبر إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )(2) .

وقد أعطاه إياها في أول حصن ورد عليه، وباشر معه القتال فيه، وهو حصن ناعم، وقد هاجم هو نفسه ذلك الحصن بالذات، فقتل معه (عليه‌السلام )(3) عبد يهودي اسمه ياسر، وكان قد أسلم آنئذٍ.

فكيف يعطيه اللواء، وهو لا يبصر طريقه؟!

رابعاً: قال المفيد: "كانت الراية يومئذٍ لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فلحقه رمد أعجزه عن الحرب"(4) .

____________

1- راجع: مجمع الزوائد ج9 ص123 والمسترشد للطبري ص299 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج10 ص92 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص406.

2- راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج4 ص48 والمطالب العالية ح4202 والمغازي للواقدي ج1 ص407 وج2 ص649 والسيرة الحلبية ج3 ص35.

3- راجع على سبيل المثال: المغازي للواقدي ج2 ص649.

4- راجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص126.


أي أن هذا الرمد قد عرض له بعد أن تسلم الراية..

خامساً: إن الرواية نفسها تدل على أن رمد عيني علي (عليه‌السلام ) قد عرض له في تلك الفترة، وأنه لم يدم برهة طويلة، بحيث يصل خبر ذلك إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ففي الرواية: أنه في يوم قتل مرحب: أصبح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فصلى الغداة، ثم دعا باللواء، ووعظ الناس، فقال: أين علي؟!

قالوا: يشتكي عينيه.

قال: فأرسلوا إليه..

فلما جيء به قال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ما لك؟!

قال: رمدت، حتى لا أبصر ما قدامي.

فظاهر السياق يعطي: أن الناس كانوا يرون: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن على علم بأمر الرمد، فأخبروه به.. مع أن علياً (عليه‌السلام ) كان مهتماً بالحضور المتواصل في مجلس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وسؤال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): ما لك؟ وجواب علي (عليه‌السلام ) له يقطع كل عذر، ويزيل كل شبهة في ذلك.

ولو كان علي (عليه‌السلام ) غائباً عن ساحة القتال كل هذه الأيام، لعلم بذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لا سيما وأنه هو الذي يعتمد عليه في حروبه، وهو القريب منه، والذي يواصل الاتصال به، والتفقد له،


والحاضر عنده.. وهو حامل لوائه، وقائد جيوشه..

علي (عليه‌السلام ) فاجأهم:

وفي البخاري وغيره: أن علياً (عليه‌السلام ) رمدت عيناه في المدينة، فلما خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لحق به، فوصل في لحظة إعطاء الراية.

ففاجأ حضور علي (عليه‌السلام ) الناس، لأنهم كانوا لا يرجون حضوره، حتى إنهم حين رأوه قالوا بعفوية: هذا علي.

ونقول:

تقدم: أن رمد عيني علي (عليه‌السلام ) إنما حصل في أواخر أيام الحصار، بل صرحت بعض الروايات: بأن الرمد أصابه بسبب دخان الحصن..

وأما الحديث عن أنهم فوجئوا بحضور علي (عليه‌السلام )، فقد يكون بعضه صحيحاً إذا كان أكثر الناس لم يلتفتوا، أو لم يسمعوا كلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حين سأل عن علي (عليه‌السلام )، فتصدى عمار بن ياسر، أو سلمة بن الأكوع لإخباره أو إحضاره. فلما جاء به فوجئوا بحضوره.

أما إن كان المقصود: أنهم كانوا يعتقدون أن رمده قد منعه من الخروج مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من المدينة إلى خيبر، ثم لحق به..

فقد تقدم: أنه لم يفارق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منذ خروجه من المدينة..


كلهم يرجو أن يعطى الراية:

وقد حيرنا قول المؤرخين عن أولئك الذين هربوا بالأمس أكثر من مرة: كلهم يرجو أن يُعْطىَ الراية!!

فهل يحسبون أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يتصرف عشوائياً، وبلا موازين، أو أنه قد نسي هزائمهم المتكررة، أو أنه لا يستفيد من التجربة التي تمر به، وهو القائل في غزوة بدر: لا يلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين(1) ..

____________

1- راجع: مجمع الزوائد ج8 ص90 ومسند ابن راهويه ج1 ص395 والأدب المفرد ص272 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص240 والديباج على مسلم ج6 ص299 وعن فتح الباري ج10 ص439 و 440 وصحيح ابن حبان ج2 ص438 والمعجم الكبير ج2 ص222 و ج17 ص20 والمعجم الأوسط ج7 ص34 و 83 وج1 ص31 ومسند الشاميين ج1 ص161 ومعرفة علوم الحديث ص250 ومسند الشهاب ج2 ص34 ورياض الصالحين ص711 وعن الجامع الصغير ج2 ص758 وعن كنز العمال ج1 ص147 و 166 وفيض القدير ج6 ص588 والفتوح لابن أعثم ج3 ص57 وسبل السلام للعسقلاني ج4 ص55 ومشكاة الأنوار ص551 والصراط المستقيم ج1 ص114 وعن بحار الأنوار ج110 ص10 وعن مسند أحمد ج2 ص115 وسنن الدارمي ج2 ص319 وعن البخـاري ج7 ص103 وعن مسلـم ج8 ص227 وعن سنن = = أبي داود ج2 ص448 وسنن ابن ماجة ج2 ص1318 والسنن الكبرى ج6 ص320 وشرح النووي على صحيح مسلم ج18 ص114 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص97 وقصص الأنبياء للجزائري ص207 وكشف الخفاء ج2 ص185 و 374 و 375 والأحكام لابن حزم ج7 ص968 والضعفاء الكبير للعقيلي ج1 ص74 والمجروحون لابن حبان ج1 ص40 والكامل لابن عدي ج3 ص331 و 444 و ج4 ص65 والعلل للدارقطني ج9 ص109 و 111 وتاريخ بغداد ج5 ص427 وتاريخ مدينة دمشق ج55 ص372 وسير أعلام النبلاء ج5 ص340 و 342 والذريعة ج25 ص51 وتاريخ جرجان ص314 والبداية والنهاية ج3 ص381 و ج4 ص53 وتنزيه الأنبياء ص110 ونهج الإيمان لابن جبر ص54 و 618 والشفاء لعياض ج1 ص80 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص486 وج3 ص92 وعن عيون الأثر ج1 ص401.


أم ظنوا: أن الله يعطي معجزاته وكراماته لمن يستحق ولمن لا يستحق، خصوصاً أولئك الذين لم يلتقطوا أنفاسهم من عناء الهرب، الذي يريد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بنفس موقفه هذا أن يعالج سلبياته، وآثاره المقيتة والمزعجة؟!

وكيف يتطاول للراية من كان بفراره المقيت سبباً في اتخاذ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذا القرار الحاسم باعطاء الراية لكرار غير فرار؟!

التدخل الإلهي خارج دائرة الإختيار:

وقد أظهرت النصوص المتقدمة: أنه حين ظهر إحجام هؤلاء الناس عن القيام بواجبهم الشرعي في دفع العدو، تدخل الله تعالى لحفظ دينه بصورة إعجازية، بشفاء علي (عليه‌السلام ) من دون أن يؤثر ذلك على خيار واختيار


أعدائه تعالى، أي أنه تعالى لم يحل بينهم وبين ما يريدون، ولم يشل حركتهم، ولم يمنعهم من ممارسة حرياتهم، لكي يشعروا بأنهم قد ظلموا في ذلك..

كما أنه سبحانه وتعالى لم يقهر المسلمين ولا علياً (عليه‌السلام ) على التصدي للحرب، بل اكتفى بإزالة الموانع من طريق علي (عليه‌السلام ) بشفاء عينيه، وأفسح المجال له لكي يختار، فاختار ما يقتضيه حبه لله ورسوله بعد أن أساء الآخرون الإختيار، فاختاروا الحياة الدنيا، وأنفسهم، وأظهروا: أن أنفسهم ومصالحهم أحب إليهم من الله ورسوله..

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يصنع المعجزة:

وشفاء عيني علي (عليه‌السلام ) وإن كان معجزة صنعها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم، ولكنها لم تكن المعجزة التي يتوقف عليها إقناع الناس بالنبوة؛ لأن معجزة النبوة هي القرآن الكريم.

وقد كان الناس مقتنعين بنبوته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بالاستناد إليها، أو إلى غيرها من موجبات ذلك..

كما أن هذا الشفاء لم يأت قبل مباشرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأفعال يراها الناس، ويرون آثارها.. أي أن الشفاء لم يحصل ابتداءً من الله تعالى، ليظهر سبحانه فضل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو علي (عليه‌السلام )؛ بل هو أمر تعمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه أن يفعل بعض المقدمات له. وقد اختاره، وقصد إلى إيجاده بعد أن لم يكن، مما يعني:

أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عارف به، ومختار له، وواثق بالنتيجة قبل حصولها..


وعارف بأنه يملك القدرة على فعله، من خلال ما خوله الله تعالى إياه..

وهذا يشير إلى: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يملك قدرات تمكِّنه من التأثير التكويني في أمور واقعية ومادية، خارجية، من دون استخدام الوسائل المعتادة، بل من خلال هذه القدرات الغيبية التي يملكها، وأن القضية ليست مجرد دعاء، قد استجابه الله تعالى له.

وهذا يفسر ما روي، من أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد تفل في عيني علي (عليه‌السلام )، وبزق في إلية يده، فدلك بها عينيه، أو نحو ذلك.

فتلخص: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكتف بالدعاء والطلب إلى الله تعالى أن يشفيه، بل قرن ذلك بممارسة عملية تؤكد: أنه يريد أن ينجز عملاً يقع تحت قدرته وباختياره.

لباس علي (عليه‌السلام ) في الحر والبرد:

ورووا عن علي (عليه‌السلام ) أنه قال: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث إليَّ وأنا أرمد العين يوم خيبر، فقلت: يا رسول الله، إني أرمد!!

فتفل في عيني، فقال: اللهم أذهب عنه الحر والبرد، فما وجدت حراً ولا برداً منذ يومئذٍ.

وذكروا: أنه (عليه‌السلام ) كان يلبس في الحر الشديد القباء المحشو الثخين، ويلبس في البرد الشديد الثوبين الخفيفين(1) .

____________

1- مسند أحمد ج1 ص99 والسيرة الحلبيـة ج3 ص36 وسنن ابن ماجـة (ط المكتبة = = التازية بمصر) ج1 ص56 والخصائص للنسائي (ط مكتبة التقدم بمصر) ص5 والعقد الفريد (ط مكتبة الجمالية بمصر) ج3 ص94 وكفاية الطالب (ط الغري) ص130 وتاريخ الخميس ج2 ص49 ومجمع الزوائد ج9 ص122 وتذكرة الخواص ص25 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج2 ص188 والخصائص الكبرى ج1 ص252 و 253 وبحار الأنوار ج21 ص4 و 20 و 29 عن الخرايج والجرايح، وعن الخصال ج2 وعن دلائل النبوة للبيهقي والميزان (تفسير) ج18 ص296 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص106 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص214 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص121 عن ابن جرير، والبزار، وأحمد، وابن أبي شيبة، والطيالسي، والمستدرك، والبيهقي، وغيرهم والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص497 ومناقب أمير المؤمنين ج2 ص88 و 89 ومجمع البيان (ط سنة 1421هـ) ج9 ص155.


ونقول:

أولاً: قد ذكروا: أن رجلاً دخل على علي (عليه‌السلام ) وهو يرعد تحت سمل قطيفة، (أي قطيفة خلقة) فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله جعل لك في هذا المال نصيباً، وأنت تصنع بنفسك هكذا.

فقال: لا أرزؤكم من مالكم شيئاً، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من المدينة(1) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص36 وحلية الأبرار ج2 ص246 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص477 وعن ينابيع المودة ج2 ص195 وبحار الأنوار ج40 ص334 والتذكرة = = الحمدونية (ط بيروت) ص69 ومختصر حياة الصحابة (ط دار الإيمان) ص253 والأموال ص284 وقمع الحرص بالزهد والقناعة ص79 وصفة الصفوة ج1 ص122 وحلية الأولياء ج1 ص82 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص295 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص284 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص173.


قال الحلبي: "قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون رعدته (عليه‌السلام ) ليست من البرد، خلاف ما ظنه السائل، لجواز أن تكون لحمى أصابته في ذلك الوقت"(1) .

ويرد عليه: أن هذا تأويل بارد، ورأي كاسد، بل فاسد؛ فإن ظاهر الكلام: أن رعدته قد كانت بسبب رقة ما يلبسه، وهو قطيفة خلقة (أي بالية)، وأنه لو استفاد من نصيبه من المال، ولبس ما يدفع هذا البرد لم يكن ملوماً. فما يجري له كان هو السبب فيه، وهو الذي أورده على نفسه.. وقد أصر (عليه‌السلام ) على عدم المساس بالمال الذي تحت يده.

ولعلهم أرادوا في جملة ما أرادوه من هذا الحديث: أن يشككوا الناس بزهده (عليه‌السلام ) في ملبسه، وأن يقولوا: إن ذلك بسبب عدم شعوره بحر ولا برد.

ثانياً: إننا لا نجد أي ارتباط بين شكوى علي (عليه‌السلام ) من الرمد، وبين الدعاء المنسوب للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو: اللهم أذهب عنه

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص36 و (ط دار المعرفة) ج2 ص735.


الحر والبرد، فإنه (عليه‌السلام ) لم يكن يشكو من حر ولا برد.

بل كانت شكواه من رمد عينيه، فهل هذا إلا من قبيل أن تقول لإنسان: إني عطشان، فيقول لك: نم على السرير؟!

ثالثاً: حتى لو كان قد دعا له بإذهاب البرد والحر عنه.. فإنه لا يجب استمرار أثر ذلك حتى الممات، بل يكفي أن لا يشعر بالبرد أو الحر الذي كان يشعر به حين الدعوة في ذلك اليوم.

ويدل على ذلك: أنهم رووا عن بـلال، قوله: أذَّنت في غداة باردة فخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فلم ير في المسجد أحداً، فقال: أين الناس يا بلال؟!

قال: منعهم البرد.

فقال: اللهم أذهب عنهم البرد.

قال بلال: فرأيتهم يتروحون(1) .

فلماذا لم يستمر ذهاب البرد عنهم إلى أن خرجوا من الدنيا؟ كما يزعمونه بالنسبة لعلي (عليه‌السلام )؟!

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج10 ص214 عن البيهقي، وأبي نعيم، والطبراني ومجمع الزوائد للهيثمي ج1 ص318 والكامل لابن عدي ج1 ص346 والموضوعات لابن الجوزي ج2 ص93 وأسد الغابة ج1 ص209 وميزان الإعتدال ج1 ص289 ولسان الميزان لابن حجر ج1 ص482 والبداية والنهاية ج6 ص185.


أم أن هذه هي القصة الواقعية، وقد استُفيد منها في قصة خيبر، لحاجة في أنفسهم؟!


الفهرس

الصحيح من سيرة الإمام علي ( عليه‌السلام ) 1

الباب الخامس 5

الفصل الأول 7

الفصل الثاني 29

الفصل الثالث 57

الفصل الرابع 97

الفصل الخامس 126

الفصل السادس 169

الفصل السابع 216

الباب السادس 251

الفصل الأول 253

الفصل الثاني 273

الفصل الثالث 299

الفهرس 342