الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الخامس

تأليف

السيد جعفر مرتضى العاملي



هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الخامس


الفصل الرابع :

قتل مرحب..



علوتم، والذي أنزل التوراة:

تقدم: أن اليهودي لما سمع باسم علي (عليه‌السلام ) قال: علوتم، والذي أنزل التوراة على موسى.

ونقول:

ألف: إن أبا نعيم قال: (فيه دلالة على أن فتح علي لحصنهم مقدم في كتبهم، بتوجيه من الله وجهه إليهم، ويكون فتح الله تعالى على يديه).

وهي التفاتة جليلة من أبي نعيم، ويؤيدها:

أولاً: ما روي من أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ): خذ الراية، وامض بها فجبرئيل معك، والنصر أمامك، والرعب مبثوث في قلوب القوم..

واعلم يا علي، أنهم يجدون في كتابهم: أن الذي يدمر عليهم اسمه (إيليا)، فإذا لقيتهم فقل: أنا علي.

فإنهم يُخذلون إن شاء الله تعالى الخ..(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص15 عن الإرشاد للمفيد ج1 ص126 وراجع: كتاب الأربعين للماحوزي ص295 وكشف الغمة للإربلي ج1 ص213.


ثانياً: إن مرحباً نفسه قد هرب لما سمع باسم علي (عليه‌السلام )، وكانت ظئره قد أخبرته: بأن اسم قاتله حيدرة، وذلك يدل على أنها قد أخذت ذلك من أحبارهم، الذين كانوا يخبرون عما يجدونه في كتبهم..

أما ما زعموه، من أنها قالت له ذلك: لأنها كانت تتعاطى الكهانة.

فهو مردود:

بأن تعاطيها الكهانة لا يعطيها القدرة على معرفة الغيب الإلهي، فإنه تعالى وحده( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ.. ) (1) .

ويشهد لما قلناه من أنهم يجدون ذكر ما يجري عليهم في كتبهم: أننا وجدنا في جملة الأقوال في تسمية علي (عليه‌السلام ) بحيدرة: أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، والأسد هو الحيدرة..

وتقدم وسيأتي أيضاً بعض الحديث عن ذلك، تحت عنوان: (من سمى علياً (عليه‌السلام ) بحيدرة) إن شاء الله تعالى.

ب: لعل هناك من يريد اعتبار قول اليهودي: علوتم (أو غلبتم) والذي أنزل التوراة على موسى، قد جاء على سبيل التفؤل بالاسم..

ونحن وإن كنا لا نصر على بطلان هذا الاحتمال، باعتبار أن الذين يشتد تعلقهم بالدنيا يتشبثون ولو بالطحلب، ويخافون حتى من هبوب الرياح، ويتشاءمون ويتفاءلون بالخيالات والأشباح..

غير أننا نقول:

____________

1- الآيتان 26 و 27 من سورة الجن.


إنه مع وجود الشواهد والمؤيدات لما ذكره أبو نعيم، لا يبقى مجال لترجيح هذا الإحتمال..

ونزيد هنا: أن ما أكد لهم صحة ما ورد في كتبهم، هو ما تناهى إلى مسامعهم من مواقف علي (عليه‌السلام ) التي تظهر أنه أهل لما أهَّله الله تعالى له، كما دلت عليه معالي أموره في المواقع المختلفة في الحرب، وفي السلم على حد سواء.

ومن ذلك مبيته (عليه‌السلام ) على فراش النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليلة الهجرة، وجهاده في بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والنضير، و.. و.. الخ..

قتل علي (عليه‌السلام ) مرحباً والفرسان الثمانية:

قالوا: ثم خرج أهل الحصن إلى ساحة القتال..

أما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنه لما أصبح أرسل إلى علي (عليه‌السلام ) وهو أرمد، فتفل في عينيه.

قال علي (عليه‌السلام ): فما رمدت حتى الساعة. ودعا له، ومن معه من أصحابه بالنصر.

فكان أول من خرج إليهم الحارث أبو زينب، أخو مرحب في عادية (أي ممن يعدون للقتال على أرجلهم) ـ قال الحلبي: وكان معروفاً بالشجاعة ـ فانكشف المسلمون، وثبت علي (عليه‌السلام )، فاضطربا ضربات، فقتله علي (عليه‌السلام ).

ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن، وأغلقوا عليهم، ورجع المسلمون


إلى موضعهم..

وخرج مرحب وهو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحب الـخ..

فحمل عليه علي (عليه‌السلام ) فقطَّره (أي ألقاه على أحد قطريه، أي جانبيه) على الباب، وفتح الباب، وكان للحصن بابان(1) .

ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن، وبرز عامر، وكان رجلاً جسيماً طويلاً، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين برز وطلع عامر: (أترونه خمسة أذرع)؟ وهو يدعو إلى البراز.

فخرج إليه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فضربه ضربات، كل ذلك لا يصنع شيئاً، حتى ضرب ساقيه فبرك، ثم ذفَّف عليه، وأخذ سلاحه.

قال ابن إسحاق: ثم برز ياسر وهو يقول:

قد علمت خيبر أني ياسرَ

شاكي السلاح بطل مغاور

إذا الليوث أقبلت تبادرَ

وأحجمت عن صولة تساور

إن حسامي فيه موت حاضرَ

قال محمد بن عمر: وكان من أشدائهم، وكان معه حربة يحوس الناس بها حوساً.

فبرز له علي بن أبي طالب، فقال له الزبير بن العوام: أقسمت إلا خليت

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص653 و 654 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص34.


بيني وبينه، ففعل.

فقالت صفية لما خرج إليه الزبير: يا رسول الله، يقتل ابني؟

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (بل ابنك يقتله، إن شاء الله)، فخرج إليه الزبير وهو يقول:

قد علمت خيبر أني زبار

قرم لقرم غير نكس فرار

ابن حماة المجد، ابن الأخيار

ياسر لا يغررك جمع الكفار

فجمعهم مثل السراب الختار

ثم التقيا فقتله الزبير.

قال ابن إسحاق: وذكر أن علياً هو الذي قتل ياسراً.

قال محمد بن عمر: وقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للزبير لما قتل ياسراً: فداك عم وخال.

ثم قال: (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير وابن عمتي)(1) .

وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم، والبيهقي: أن مرحباً خرج وهو يخطر بسيفه.

وفي حديث ابن بريدة، عن أبيه: خرج مرحب وعليه مغفر معصفر يماني، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:

____________

1- راجع: المغازي للواقدي ج2 ص657 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 و 126 وتاريخ الخميس ج2 ص51.


قد علمت خيبر أني مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الليوث أقبلت تلهب

قال سلمة: فبرز له عامر (أي عامر بن الأكوع) وهو يقول:

قد علمت خيبر أني عامر

شاكي السلاح بطل مغامر

قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له، وكان سيفه فيه قصر، فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله.

وفي رواية: أصاب عين ركبته، وكانت فيها نفسه.

قال بريدة: فبرز مرحب وهو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الليوث أقبلت تلهب

وأحجمت عن صولة المغلب

فبرز له علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وعليه جبة أرجوان حمراء قد أخرج خملها، وهو يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدَرَة

كليث غاباتٍ كريه المنَظَرة

أوفـيـهم بالصـاع كيـلَ السنـدَرَة

فضرب مرحباً ففلق رأسه، وكان الفتح(1) .

____________

1- صحيح مسلم ج5 ص195 ومسند أحمد ج5 ص333 و 351 والمستدرك للحاكم ج3 ص38 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي (ط المكتبة الإسلامية بطهران) ص176 ولباب التأويل ج4 ص182 = = و183 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 و 187 والبداية والنهاية ج4 ص185 فما بعدها ومعالم التنزيل (ط مصر) ج4 ص156 وحياة الحيوان ج1 ص237 وطبقات ابن سعد (مطبعة الثقافة الإسلامية) ج3 ص157 وينابيع المودة (ط بمبي) ص41 والمغازي للواقدي ج2 ص657.


وفي نص آخر: أن علياً (عليه‌السلام ) أجاب مرحباً بقوله:

أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَة

كليث غابات كريه المَنْظَرَة

عبل الذراعين شديد القسورة

أضرب بالسيف وجوه الكَفَرَة

ضرب غلام ماجد حزوَّرَة

أكيلكم بالسيف كيلَ السندَرَة(1)

وفي حديث بريدة، فاختلفا ضربتين، فبدره علي (عليه‌السلام ) بضربة (بذي الفقار) فقدَّ الحجر، والمغفر، ورأسه، ووقع في الأضراس، وأخذ المدينة.

وفي نص آخر: سمع أهل العسكر صوت ضربته. وقام الناس مع علي حتى أخذ المدينة(2) .

____________

1- تذكرة الخواص ص26.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص126 و 125 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص32 و 37 و 38 ومسند أحمد ج5 ص358 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 والبداية والنهاية ج4 ص185 فما بعدها، ولباب التأويل ج4 ص182 و 183 ومعارج النبوة ص219 والإصابة ج2 ص502 والكامل في التاريخ ج2 ص220 والمستدرك للحاكم ج3 ص437 ومعالم التنزيل ج4 ص156 وتاريخ الخميس ج2 ص50 وراجع بعض ما تقدم في: إمتاع الأسماع ص315 و 316.


وفي نص آخر: ضربه على هامته حتى عض السيف منها بأضراسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته.

قال: وما تَتَامَّ آخر الناس مع علي (عليه‌السلام ) حتى فتح لأولهم(1) .

وفي نص آخر: (فخرج يهرول هرولة، فوالله ما بلغت أخراهم حتى دخل الحصن.

قال جابر: فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا.

وصاح سعد: اربع، يلحق بك الناس.

فأقبل حتى ركزها قريباً من الحصن الخ..)(2) .

____________

1- مسند أحمد ج5 ص358 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص300 والمستدرك للحاكم ج3 ص437 وراجع: العمدة لابن البطريق ص141 ومجمع الزوائد ج6 ص150 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص110 و 178 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص55 وكنز العمال ج10 ص464 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص95 وعن الإصابة ج4 ص466 وفضائل الصحابة لابن حنبل ج2 ص604 وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص509 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص522 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص594 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص411 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص422 وج22 ص650 وج23 ص116 و 119 و 131 وج30 ص186 وج32 ص374.

2- بحار الأنوار ج21 ص22 عن إعلام الورى ج1 ص208 وفي هامشه قال: انظر الإرشاد للمفيد ج1 ص125 والخرائج والجرائح ج1 ص159 و 249.


وفي بعض النصوص: (أن مرحباً لما رأى أن أخاه قد قتل خرج سريعاً من الحصن في سلاحه، أي وقد كان لبس درعين، وتقلد بسيفين، واعتم بعمامتين، ولبس فوقهما مغفراً، وحجراً قد ثقبه قدر البيضة، ومعه رمح لسانه ثلاثة أسنان، وذكر أن ياسراً خرج بعد مرحب)(1) .

ولم يكن بخيبر أشجع من مرحب ولم يقدر أحد من أهل الإسلام أن يقاومه في الحرب(2) .

وزعموا: أن محمد بن مسلمة قتل أسيراً أيضاً(3) .

وعن علي (عليه‌السلام ) قال: لما قتلت مرحباً، جئت برأسه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(4) .

قال الدياربكري: قيل هذا ـ أي قتل علي مرحباً ـ هو الصحيح، وما نظمه بعض الشعراء يؤيده، وهو:

علي حمى الإسلام من قتل مرحب

غداة اعتلاه بالحسام المضخم

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص37 و 38 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص50.

2- تاريخ الخميس ج2 ص50.

3- إمتاع الأسماع ص315.

4- سبل الهدى والرشاد ج5 ص127 ومسند أحمد ج1 ص111 وتذكرة الخواص ص26 وعن البداية والنهاية ج4 ص185 فما بعدها، ومجمع الزوائد للهيثمي ج6 ص152 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص357.


وفي رواية: قتله محمد بن مسلمة(1) .

وسيأتي الكلام حول ذلك، وأنه مكذوب ومختلق.

ولنا مع هذه النصوص وقفات عديدة، نكتفي منها بما يلي:

ضربات علي (عليه‌السلام ) لا تصنع شيئاً:

لا مجال لقبول ما ذكرته بعض الروايات المتقدمة من أن علياً (عليه‌السلام ) ضرب عامر الخيبري ضربات، فلم تصنع شيئاً.

فإن علياً (عليه‌السلام ) كان إذا علا قدّ.. وإذا اعترض قطّ(2) ..

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص50 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص5 عن جماعة من السفساف والمعاندين ادَّعوا: أن مرحباً قتله محمد بن مسلمة، وادّعوا، وادَّعوا.

2- مناقب آل أبي طالب ج1 ص355 وبحار الأنوار ج21 ص179 وج41 ص67 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص50 ومجمع البيان ج1 ص252 و 389 والهاشميات والعلويات (قصائد الكميت وابن أبي الحديد) ص153 والصحاح ج2 ص597 وج3 ص1153 والفروق اللغوية ص432 و 433 ولسان العرب ج3 ص344 وج4 ص80.

وراجع: مختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر ص39 ومجمع البحرين ج1 ص232 وتاج العروس ج2 ص460 وج3 ص58 وج5 ص207 وأعيان الشيعة ج1 ص330 و 340 و 382 و 397 وشرح إحقـاق الحق ج8 ص328 و 329 = = وج18 ص79 وج31 ص569 وج32 ص305 و 336 و 337 وتفسير أبي السعود ج4 ص267 وتفسير الآلوسي ج12 ص218 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص149.


وكانت ضرباته وتراً(1) ..

قطع رأس مرحب:

ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن علياً (عليه‌السلام ) كان قد قطع رأس عمرو بن عبد ود في حرب الخندق، وجاء به إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ولم يقل له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شيئاً..

وذكرت الروايات المتقدمة عن قريب: أنه (عليه‌السلام ) قطع رأس مرحب، وجاء به إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أيضاً، ولم يعترض عليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في فعله هذا..

ونحن لا نرى أن لهذين الخبرين أساساً من الصحة.

أولاً: إنه (عليه‌السلام ) لم يقطع رأس الوليد في بدر، ولا رأس غيره ممن قتلهم في تلك الحرب، كما أنه لم يقطع رأس كبش الكتيبة ولا غيره من بني عبد الدار حملة اللواء في أحد، ولم يقطع أيضاً رؤوس العشرة الذين قتلهم في بني النضير، ولا رأس أي ممن قتلهم في الخندق غير ما زعموه عن عمرو بن عبد ود، ولا رأس أحدٍ من بني قريظة..

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص20 والصراط المستقيم ج1 ص161 وكتاب الأربعين للشيرازي ص415 وبحار الأنوار ج41 ص143.


وأما قطعه لرأس الأسيرين في بدر، فلأن قتلهما قد تم بهذه الصورة. ولعل ذلك كان أهون أنواع القتل.. لأن غير هذه الطريقة يطيل أمد موت القتيل، ويعرِّضه معها لآلام هائلة..

ثانياً: لم نجد مبرراً لقطع الرؤوس، والإتيان بها من ساحة المعركة إلى محضر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للتشفي، ولا لغيره.. وذلك بعيد عن منطق الرسول، وعن منهجه..

وقد كان هدف خوض هذه الحرب، هو دفع شر هؤلاء الطغاة عن أهل الإسلام، ولم يكن يراد التشفي بهم، بقطع رؤوسهم بعد موتهم، ولا بتعذيبهم في حياتهم..

وقد علمنا: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يجهز على عمرو بن عبد ود حين أساء إليه وشتم أمه، إلا بعد أن زال غضبه، لأنه أراد أن يكون قتله خالصاً لله تعالى.. كما تقدم.

ولما ضربه ابن ملجم (لعنه الله)، قال: (ما فعل ضاربي؟! أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي، فإن عشت فأنا أولى بحقي، وإن مت، فاضربوه ولا تزيدوه)(1) .

وفي نص آخر: (احبسوه، وأطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش

____________

1- المناقب للخوارزمي ص280 و281 وكشف الغمة ج2 ص111 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص623 وأشار في الهامش إلى العديد من المصادر.


فعفو، أو قصاص)(1) .

ثالثاً: إذا كانت ضربته (عليه‌السلام ) قد شقت رأس مرحب وجسده نصفين، حتى بلغ السرج كما في بعض النصوص(2) ، فإن قطع رأسه وحمله في هذه الحالة يصبح بمثابة جمع أشلاء، ولملمة قطع من جسد بشري، بصورة غير مستساغة، ولا يرضى الإنسان العادي بالإقدام عليها، فكيف بأنبل الناس، وأكرمهم وأشرفهم؟!

ولو أنه (عليه‌السلام ) قطع رأس عمرو بن عبد ود أو غيره لرأيت قريشاً، وسائر من حاربهم من اليهود والمشركين يقطعون رؤوس قتلى المسلمين طيلة كل تلك الحروب التي دارت فيما بينهم.

أحداث خيبر بصيغة أخرى:

تقدم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال لعلي (عليه‌السلام ): قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله..

ولكن نصاً آخر ذكر تفصيلاً لهذه الوصية يحتاج إلى الكثير من التأمل، وهو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين دفع إليه الراية قال له:

____________

1- الثقات ج2 ص303 والأخبار الطوال ص215 والطبقات الكبرى لابن سعد = = ج3 ق1 ص25 و26 وراجع: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص459 و502 و504.

2- معارج النبوة ص323 و219.


(سر في المسلمين إلى باب الحصن، وادعهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يدخلوا في الإسلام، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وأموالهم لهم..

وإما أن يذعنوا للجزية والصلح، ولهم الذمة، وأموالهم لهم.

وإما الحرب.

فإن اختاروا الحرب فحاربهم.

فأخذها وسار بها والمسلمون خلفه، حتى وافى باب الحصن، فاستقبله حماة اليهود، وفي أولهم مرحب يهدر كما يهدر البعير.

فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ثم دعاهم إلى الذمة فأبوا، فحمل عليهم أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فانهزموا بين يديه، ودخلوا الحصن، وردوا بابه، وكان الباب حجراً منقوراً في صخر، والباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور كأنه حجر رحى، وفي وسطه ثقب لطيف.

فرمى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بقوسه من يده اليسرى، وجعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر دون اليمنى، لأن السيف كان في يده اليمنى، ثم جذبه إليه، فانهار الصخر المنقور، وصار الباب في يده اليسرى.

فحملت عليه اليهود، فجعل ذلك ترساً له، وحمل عليهم فضرب مرحباً فقتله، وانهزم اليهود من بين يديه؛ فرمى عند ذلك الحجر بيده اليسرى إلى خلفه، فمر الحجر الذي هو الباب على رؤوس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر.

قال المسلمون: فذرعنا المسافة التي مضى فيها الباب فكانت أربعين ذراعاً، ثم اجتمعنا على الباب لنرفعه من الأرض، وكنا أربعين رجلاً حتى


تهيأ لنا أن نرفعه قليلاً من الأرض)(1) .

ونقول:

يلاحظ هنا ما يلي:

1 ـ أن الناس يعاملون من ينقض العهود، ويخون المواثيق بحزم وصرامة، ويجرون عليه أحكامهم وقراراتهم، ولا يعطونه بعدها أي خيار، ولا يمنحونه أية فرصة للإختيار. ومع تكرار الخيانات، وظهور تصميم العدو على العدوان، فإنهم يبادرون إلى ضربه ضربة قاضية، وسحق كل مظاهر القدرة لديه، واقتلاعه من جذوره.

ولكن نبينا الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعامل اليهود بهذه الروحية، بل بالعفو والتسامح، وفتح مجال الخيار والاختيار أمامهم، لمجرد إبطال كيدهم، ودفع شرهم، رغم تكرر خياناتهم، وتآمرهم المتواصل عليه، وإصرارهم على نقض العهود والمواثيق.

وقد أظهر النص المتقدم هذه الحقيقة، فإنه عرض عليهم خيارات تمنحهم الحياة، وتعفيهم من العقوبة. وبعضها يجعل لهم حصانةً وحقوقاً تساويهم مع سائر المسلمين، فهو لم يضعهم أمام خيار الموت والفناء، والعقاب والجزاء، بل عرض عليهم أولاً أن يسلموا، فإن فعلوا ذلك حقنوا دماءهم، وأحرزوا أموالهم، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم..

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص29 والخرائج والجرائح ج1 ص161 وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص368.


فإن أبوا ذلك، فإنه أيضاً لم يسد عليهم باب النجاة، بل فتحه لهم على مصراعيه أيضاً، ومنحهم فرصة أخرى للعيش بأمن وسلام، وتكون أموالهم لهم، ولهم ذمة المسلمين، وحظر عليهم الإحتفاظ بالسلاح، بل يتولى المسلمون حمايتهم، والدفع عنهم، مقابل بدل مالي يعطونه (يسمى جزية).

فإن أبوا ذلك.. وأصروا على العداوة والبغي، فإنهم يكونون هم الذين عرضوا أنفسهم لما لا يحب لهم أن يتعرضوا له.. ورضوا بأن يعاملهم معاملة الأعداء، وبأن يكسر شوكتهم، ويقوض هيمنتهم..

2 ـ لقد كان اقتلاع باب خيبر بيد رجل واحد كافياً لإقناع اليهود بالكف عن عدوانهم، وإفهامهم أن هذا الدين مؤيد ومنصور من الله، وأن الإيمان بهذا النبي هو الخيار الصائب، وما عداه هلاك وبوار في الدنيا والآخرة.

ولكن ذلك ليس فقط لم يحصل.. وإنما حصل عكسه، حيث ظهر حرصهم على البغي والعدوان، حين حملوا على علي (عليه‌السلام ) مرة ثانية، فحمل عليهم وهزمهم، كما تقدم بيانه.

3 ـ كما أن رميه (عليه‌السلام ) باب الحصن إلى مسافات بعيدة، دليل آخر على ذلك التأييد الإلهي، وقد كان يفترض أن يكون كافياً لصحوة ضميرهم، واستجابة وجدانهم، وعطف قلوبهم إلى الحق، وإعلان إيمانهم.. لكن ذلك لم يحصل أيضاً..

4 ـ قول الرواية: إنه (عليه‌السلام ) رمى الباب، فوقع خلف


المسلمين.. وكانت المسافة بين موقع علي (عليه‌السلام )، وموضع سقوط الباب أربعين ذراعاً.. موضع ريب، فإن من غير المعقول أن يكون المسلمون محصورين في هذه المسافة الضيقة جداً، لأنهم كانوا يعدون بالألوف.. حتى لو فرضنا أن قسماً من الجيش كان يقوم بمهمات أخرى.

ولعله لم يكن خلفه سوى طائفة من المسلمين، ممن كان في ضمن الأربعين ذراعاً، أما الآخرون، فكانوا قد قصروا في اللحاق به..

ويؤيد ذلك: ما سيأتي من أن علياً (عليه‌السلام ) قد فتح الحصن وحده.

5 ـ والأهم من كل ذلك: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يغير طريقة تعامله مع اليهود، بل بقي يعتمد سياسة الصفح، والرفق، والتخفيف، فهو بعد كل هذا العناد والتحدي، والإصرار على مواصلة الحرب، لم ينتقم منهم، ولم يعاقبهم على ما فعلوه، بل قبل منهم أن يعملوا في الأرض، وأن يعطوه نصف حاصلها.. وكان يمكنه أن لا يعطيهم شيئاً سوى ما يقيم أودهم، ويحفظ حياتهم..

بل لو أراد أن يجازيهم بأعمالهم لما كانوا يستحقون البقاء على قيد الحياة.

من سمى علياً بحيدرة؟!:

تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) قال في مواجهة مرحب:

أنا الذي سمتني أمي حيدَرَة

كليث غابات كريه المنظَرَة

وقال ثابت بن قاسم: في تسمية علي (عليه‌السلام ) بحيدرة، ثلاثة


أقوال:

أحدها: أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، والأسد هو الحيدرة.

الثاني: أن أمه فاطمة بنت أسد (رضي‌الله‌عنه ) حين ولدته كان أبوه غائباً، فسمته باسم أبيها. فقدم أبوه فسماه علياً.

الثالث: أنه كان لقب في صغره بحيدرة، لأن (الحيدرة) الممتلئ لحماً مع عظم بطن. وكذلك كان علي(1) .

وذكر ذلك الحلبي أيضاً، ولكنه لم يشر إلى أن اسمه في الكتب المتقدمة أسد، فراجع(2) .

ثم قال: (ويقال: إن ذلك كان كشفاً من علي كرم الله وجهه، بحيث إن الله أطلع علياً على رؤيا كان مرحب قد رآها في تلك الليلة في المنام: أن أسداً افترسه، فذكَّره علي كرم الله وجهه بذلك، ليخيفه، ويضعف نفسه)(3) .

ونقول:

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص163 وقال: (وذكره الشيخ كمال الدين الدميري في شرح المنهاج) وراجع: حياة الحيوان (ط المكتبة الشرفية بالقاهرة) ج1 ص237 ولسان العرب (ط سنة 1416 هـ) ج3 ص84 و 85 ومجمع البحرين ج3 ص261 وتاريخ الخميس ج2 ص50 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص12.

2- السيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص739.

3- السيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص739.


أولاً: لو صح قولهم: إن لكلمة حيدرة عدة معان، فلماذا يختارون منها ما يوهم الناس بأمور غير محببة؟! كقولهم: الحيدرة: الممتلئ لحماً مع عظم بطن، وكذلك كان علي (عليه‌السلام ). أي أنه لقب بـ (الحيدرة) لعظم بطنه..

مع أنهم يقولون: إن أمه هي التي سمته بذلك حين ولدته، فهل كان عظيم البطن من حين ولادته؟!

وإذا كان قد صرح هو نفسه: بأن أمه قد سمته بحيدرة، وكان ذلك منذ ولادته، فما معنى قولهم: لُقِّب بذلك منذ صغره؟!

فإن اللقب غير الاسم.. والاسم يوضع للمولود من حين يولد، ولحوق اللقب في الصغر قد يتأخر لعدَّة سنوات.

ثانياً: ما معنى قولهم: كان لُقِّب في صغره بـ (الحيدرة)؟ ألا ينافي هذا قول علي (عليه‌السلام ) نفسه:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة

كليث غابات كريه المنظرة

ثالثاً: لماذا لا يذكرون ما قاله ابن الأعرابي: الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس، وما قاله أبو العباس: يعني لغلظ عنقه، وقوة ساعديه؟!

رابعاً: ذكر ابن بري: أن أم علي لم تسم علياً (عليه‌السلام ) حيدرة، بل سمته أسداً(1) .

____________

1- لسان العرب (ط سنة 1416 هـ.) ج3 ص84 و (نشر أدب الحوزة) ج4 ص174 وخـزانـة الأدب للبغـدادي ج6 ص64 والإمـام علي بن أبي طالب = = (عليه‌السلام ) للهمداني ص612. وراجع: شرح مسلم للنووي ج12 ص185 والفايق في غريب الحديث ج1 ص232 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج19 ص127 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص17 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص738 وينابيع المودة ج2 ص144 وغريب الحديث ج1 ص350 والصحاح للجوهري ج2 ص625 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص354.


لكنه (عليه‌السلام ) لم يتمكن من ذكر الأسد لأجل القافية، فعبر بمعناه وهو: (حيدرة)، فرد عليه ابن منظور بقوله:

(وهذا العذر من ابن بري لا يتم له، إلا إن كان الرجز أكثر من هذه الأبيات، ولم يكن أيضاً ابتدأ بقوله: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة)، وإلا فإذا كان هذا البيت ابتداء الرجز، وكان كثيراً أو قليلاً، كان (عليه‌السلام ) مخيراً في إطلاق القوافي على أي حرف شاء، مما يستقيم الوزن له به.

كقوله: (أنا الذي سمتني أمي الأسد)، أو (أسداً)، وله في هذه القافية مجال واسع، فنطقه بهذا الاسم على هذه القافية من غير قافية تقدمت، يجب اتباعها، ولا ضرورة صرفته إليها، مما يدل على أنه سمي حيدرة)(1) .

____________

1- لسان العرب (ط سنة 1416 هـ.) ج3 ص84 و 85 و (نشر أدب الحوزة سنة 1405هـ) ج4 ص174 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص612.


الصحيح في هذه القضية:

والصحيح هو: ما رواه المفيد، عن الحسين بن علي بن محمد التمار، عن علي بن ماهان، عن عمه، عن محمد بن عمر، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، قال:

لما كان يوم خيبر خرج رجل يقال له: مرحب، وكان طويل القامة، عظيم الهامة، وكانت اليهود تقدمه لشجاعته ويساره.

قال: فخرج ذلك اليوم إلى أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فما واقفه قرن إلا قال: أنا مرحب، ثم حمل عليه، فلم يثبت له.

قال: وكانت له ظئر، وكانت كاهنة، تعجب بشبابه، وعظم خلقه.

وكانت تقول له: قاتل كل من قاتلك، وغالب كل من غالبك، إلا من تسمَّى عليك بـ (حيدرة)، فإنك إن وقفت له هلكت.

قال: فلما كثر مناوشته، وجزع الناس بمقاومته، شكوا ذلك إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وسألوه أن يخرج إليه علياً (عليه‌السلام )، فدعا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام )، وقال له: (يا علي، اكفني مرحباً).

فخرج إليه أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فلما بصر به مرحب يسرع إليه، فلم يره يعبأ به، أنكر ذلك، وأحجم عنه، ثم أقدم وهو يقول:

أنا الذي سمتني أمي مرحباً......

فأقبل علي (عليه‌السلام ) وهو يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدَرَة

كليث غابات كريه المنظَرَه


فلما سمعها منه مرحب هرب ولم يقف، خوفاً مما حذرته منه ظئره، فتمثل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود، فقال: إلى أين يا مرحب؟!

فقال: قد تسمى عَلَيَّ هذا القرن بحيدرة!!

فقال له إبليس: فما حيدرة؟!

فقال: إن فلانة ظئري كانت تحذرني من مبارزة رجل اسمه حيدرة، وتقول: إنه قاتلك.

فقال له إبليس: شوهاً لك، لو لم يكن حيدرة إلا هذا وحده لما كان مثلك يرجع عن مثله، تأخذ بقول النساء، وهن يخطئن أكثر مما يصبن؟! وحيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سُدت قومك، وأنا في ظهرك أستصرخ اليهود لك، فرده.

فوالله ما كان إلا كفواق ناقة حتى ضربه علي ضربة سقط منها لوجهه، وانهزم اليهود يقولون: قتل مرحب، قتل مرحب(1) .

وقالوا أيضاً: إن ضربته (عليه‌السلام ) على رأس مرحب قدته نصفين، حتى بلغت إلى السرج(2) .

وقد تقدم: أن الكاهنة لا تعلم الغيب، فهي مع أنها كانت كاهنة لا بد أن تكون قد أخذت هذا الخبر عن أحبار اليهود الذين وجوده في كتبهم..

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص9 عن الأمالي للمفيد، والأمالي للطوسي ص4 ومدينة المعاجز ج1 ص178.

2- معارج النبوة ص323 و 219


إشارات ودلالات:

وقد تضمن هذا الحديث أموراً هامة تحسن الإشارة إليها، والدلالة عليها، وهي التالية:

ألف: سر زعامة مرحب:

ذكر الحديث: أن سبب تقديم اليهود لمرحب أمران:

أحدهما: شجاعته.

والثاني: يساره.

نعم.. وهذا هو المتوقع من اليهود الذين لا يفكرون إلا بالمال، وبالدنيا، والذين يسعون في الأرض فساداً، ويثيرون الفتن بين الناس، وكل همهم هو الهيمنة على الآخرين، وإذلالهم، وقهرهم، فإن ذلك هو ما ينسجم مع نظرتهم الاستعلائية إلى كل من هو غير إسرائيلي، لأنهم ـ بزعمهم ـ شعب الله المختار، وقد خلق الله تعالى غيرهم من أجل خدمتهم، وقد تحدثنا عن بعض ذلك في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي.

إن تقدم مرحب بينهم لم يكن لأجل عقله، ودينه، ومزاياه الأخلاقية، والإنسانية، بل لأنهم يحتاجون إلى فروسيته وشجاعته، وقوته، وإلى ماله ودنياه أيضاً.

ب: اكفني مرحباً:

وبعد، فما أروع كلمة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (يا علي، اكفني مرحباً)، فإنه تحدث بصيغة المتكلم وحده (اكفني)، ربما لكي يشير: إلى أنه


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو المقصود الحقيقي لمرحب، وأن همة اليهود منصرفة إلى النيل من شخص رسول لله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأن لا مشكلة لمرحب مع أحد من الناس إلا معه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

أما سائر من حضر، فلا يقيم مرحب لهم وزناً، وهو قادر على استيعاب كل حركتهم ضده.

وليشير (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أيضاً: إلى أن الذي يكفيه إياه، ويدفعـه عنه هـو خصوص علي (عليه‌السلام ) دون سواه، وإن كانت الدعـاوى عريضة.

ج: الناس يريدون علياً (عليه‌السلام ):

وصرحت الرواية المتقدمة أيضاً: بأن الناس حين جزعوا وعَجَزوُا عن مقاومة مرحب التجأوا إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وسألوه أن يخرج إليه علياً (عليه‌السلام )، مع علمهم بشدة مرضه (عليه‌السلام )، فإن صحت هذه الرواية، فهي تدل على أنهم كانوا يعرفون طرفاً من جهاده (عليه‌السلام )، وإقدامه وتضحياته في سبيل الله تعالى. ويعرفون أنه لا يتعرض له أحد إلا هلك، ولعل طلبهم هذا يشير إلى أنهم كانوا لا يعرفون بأنه (عليه‌السلام ) مصاب بالرمد..

وهذه الرواية لا تنافي روايات إرسال غير علي (عليه‌السلام ) بالراية قبله، لجواز أن يكون الناس قد طلبوا من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إرسال علي (عليه‌السلام ) بعد فشل الذين كان قد أرسلهم قبل ذلك..

بل قد يكون طلبهم هذا قبل إرسال الآخرين أيضاً، لكن النبي


الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) آثر أن لا يرسل علياً (عليه‌السلام ) من أول يوم لمصالح رآها..

قاتل مرحب محمد بن مسلمة:

تقدم: أن هناك من يزعم: أن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، وليس علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فقد روى البيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة، وعن الزهري، وعن ابن إسحاق، وعن محمد بن عمر عن شيوخه، قالوا: واللفظ لابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد الله، قال:

خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر، وقد جمع سلاحه يقول: من يبارز؟ ويرتجز:

قد علمت خيبر أني مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب

أطعن أحياناً وحيناً أضرب

إذا الليوث أقبلت تجرب

إن حمــاي لـلـحـمـى لا يـقـرب

فأجابه كعب بن مالك:

قد علمت خيبر أني كعب

مفرج الغمى جريء صلب

إن شبت الحرب تلتها الحرب

معي حسام كالعقيق عضب

نطؤكم حتى يذل الصعب

نعطي الجزاء أو يفيء النهب

بـكـف مـاضٍ لـيـس فـيـه عـتـب

قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد:


قد علمت خيبر أني كعب

وأنني متى تشب الحرب

ماض على الهول جريء صلب

معي حسام كالعقيق عضب

بكف ماضٍ ليس فيه عتب

ندككم حتى يذل الصعب

قال: ومرحب: ابن عميرة.

قال جابر: فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (من لهذا)؟

قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس.

فأمره بأن يقوم إليه، وقال: (اللهم أعنه عليه).

(وفي بعض المصادر: وأعطاه سيفه، فخرج إليه، ودعاه إلى البراز، فارتجز كل منهما).

قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عُمْرية (غمرته) من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، فكلما لاذ منه بها اقتطع صاحبه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن.

ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فضربه، فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة فقطع فخذيه حتى قتله(1) .

____________

1- سبل الهـدى والرشـاد ج5 ص127 و 128 والسـيرة الحلبيـة ج3 ص37 و 38 = = والمغازي للواقدي ج2 ص655 و 656 وتاريخ الخميس ج2 ص50 و 51 عن الإكتفاء وعن مسند أحمد ج3 ص385 ومجمع الزوائد ج6 ص150 وبغية الباحث ص217 وتاريخ مدينة دمشق ج55 ص268 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص299 عن السيرة النبوية لابن هشام ج3 ص797 والبداية والنهاية ج4 ص215.


قالوا: ونفَّل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) محمد بن مسلمة يوم خيبر سلب مرحب: سيفه، ورمحه، ومغفره، وبيضته(1) .

قال الواقدي: (فكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه، فيه كتاب لا يدرى ما هو، حتى قرأه يهودي من يهود تيماء، فإذا فيه:

هـذا سـيـف مـرحـب مـن يـذقـه يـعـطـب)(2) .

ويقولون أيضاً: إنه بعد تعذيب كنانة بن أبي الحقيق دفعه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمحمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود.

وذكروا في توجيه بشارة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمحمود بن مسلمة هذا بنزول فرائض البنات: أن محمود كان متمولاً، وكان ماله أكثر من

____________

1- مختصر المزني ص270 والسيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص738 عنه، وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص656.

2- المغازي للواقدي ج2 ص656 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص417 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص215 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص358 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص309 وشرح السير الكبير ج2 ص606.


أموال أخيه محمد. فلما سقطت عليه الرحى في حصن ناعم جعل يقول لأخيه: بنات أخيك لا يتبعن الأفياء، يسألن الناس.

فيقول له محمد: لو لم تترك مالاً لكان لي مال. ولم تكن فرائض البنات قد نزلت.

فلما كان يوم موته، وهو اليوم الذي قتل فيه مرحب، أرسل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جعيل بن سراقة الغفاري، ليبشر محموداً بأن الله قد أنزل فرائض البنات، وأن محمد بن مسلمة قد قتل قاتله.

فسر بذلك، ومات في اليوم الذي قتل فيه مرحب، بعد ثلاث من سقوط الرحى عليه من حصن ناعم(1) .

ونقول:

إن ذلك مكذوب جملة وتفصيلاً، وذلك لما يلي:

أولاً: هناك فاصل زمني كبير بين قتل محمود بن مسلمة وبين قتل مرحب، يصل إلى عشرات الأيام وقد قتل محمود في حصن ناعم لا في حصن القموص.

ثانياً: لا ربط بين البشارة بنزول فرائض البنات، وبين البشارة بقتل مرحب..

ثالثاً: إن الآيات المرتبطة بفرائض البنات كانت قد نزلت قبل ذلك، بسنوات، فراجع..

____________

1- إمتاع الأسماع ص316 و(ط أخرى) ج1 ص311 والمغازي للواقدي ج2 ص658.


رابعاً: لم يثبت أن قاتل محمود بن مسلمة هو مرحب، إذ يقال: إن قاتله هو ذلك الذي أخذه علي حين فتح الحصن وسلّمه لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه، فقتله به..

ولعله هو كنانة بن أبي الحقيق الذي دفعه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمحمد بن مسلمة ليقتله بأخيه(1) ، فإن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي أخذ كنانة أيضاً وهو فاتح الحصن، فيصح نسبة تسليمه لابن مسلمة إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تارة، وإلى علي (عليه‌السلام ) أخرى.

خامساً: دعوى تعذيب كنانة على يد هذا تارة، وذاك أخرى، دليل آخر على وهن هذه الرواية، فإن التعذيب لا يمكن أن يقبله النبي، ولا الوصي، ولا أي من الذين يأتمرون بأمرهما، وقد قدمنا عن قريب وصايا علي (عليه‌السلام ) بقاتله، وعلي هو تلميذ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

سادساً: قال الحاكم النيسابوري والذهبي: الأخبار متواترة بأسناد كثيرة أن قاتل مرحب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )(2) .

وقال الصالحي الشامي:

قلت: جزم جماعة من أصحاب المغازي: بأن محمد بن مسلمة هو الذي

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص34 و (ط دار المعرفة) ج2 ص740 وشرح السير الكبير للسرخسي ج1 ص281 وراجع: السير الكبير للشيباني ج1 ص218 والكامل في التاريخ ج2 ص221.

2- المستدرك للحاكم ج3 ص437 وأعيان الشيعة ج1 ص272 و 404.


قتل مرحباً.

ولكن ثبت في صحيح مسلم ـ كما تقدم ـ عن سلمة بن الأكوع: أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي قتل مرحباً.

وورد ذلك: في حديث بريدة بن الحصيب، وأبي رافع مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعلى تقدير صحة ما ذكره جابر، وجزم به جماعة، فما في صحيح مسلم مقدم عليه من وجهين:

أحدهما: أنه أصح إسناداً.

الثاني: أن جابراً لم يشهد خيبر، كما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما، وقد شهدها سلمة، وبريدة، وأبو رافع. وهم أعلم ممن لم يشهدها.

وما قيل: من أن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، ولم يجهز عليه، ومرَّ به علي (عليه‌السلام ) فأجهز عليه، يأباه حديث سلمة، وأبي رافع، والله أعلم.

وصحح أبو عمر: أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي قتل مرحباً.

وقال ابن الأثير: إنه الصحيح(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص127 و 128 وأسد الغابة ج4 ص331 وراجع: نيل الأوطار ج8 ص87 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص214 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص357.


وقال أيضاً: (وقيل: إن الذي قتل مرحباً، وأخذ الحصن علي بن أبي طالب، وهو الأشهر والأصح)(1) .

وقال: (الصحيح الذي عليه أهل السير والحديث: أن علياً كرم الله وجهه قاتله)(2) .

وقال الحلبي: (وقيل: القاتل له علي (عليه‌السلام )، وبه جزم مسلم في صحيحه.

وقال بعضهم: والأخبار متواترة به)(3) .

وقال أيضاً: (وقد يجمع بين القولين: بأن محمد بن مسلمة أثبته، أي بعد أن شق علي كرم الله وجهه هامته، لجواز أن يكون قد شق هامته، ولم يثبته، فأثبته محمد بن مسلمة. ثم إن علياً كرم الله وجهه وقف عليه)(4) .

ثم استدل الحلبي على ذلك بما في بعض السير عن الواقدي، قال: (لما قطع محمد بن مسلمة ساقي مرحب، قال له مرحب: أجهز عليَّ.

فقال: لا، ذق الموت كما ذاقه أخي.

ومرّ به علي فضرب عنقه، وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- الكامل في التاريخ ج2 ص219.

2- أسد الغابة ج4 ص331 وشرح مسلم للنووي ج12 ص186 وأعيان الشيعة ج1 ص272 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص738.

3- السيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص738.

4- السيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص739.


في سلبه.

فقال محمد: يا رسول الله، ما قطعت رجليه وتركته إلا ليذوق الموت، وكنت قادراً أن أجهز عليه.

فقال علي (عليه‌السلام ): صدق.

فأعطى سلبه لمحمد بن مسلمة)(1) .

وقالوا: لعل هذا كان بعد مبارزة عامر بن الأكوع لمرحب، فلا ينافي ما مر عن فتح الباري(2) .

وفي الإستيعاب: (والصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن علياً قاتله)(3) .

الإختصام في سلب مرحب:

ثم إن الحديث عن اختصام علي (عليه‌السلام ) ومحمد بن مسلمة إلى

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص739. وأشار إلى ذلك في الإمتاع ص315 والمغازي للواقدي ج2 ص656 وراجع: السير الكبير ج2 ص606 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص215 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص358.

2- السيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص739.

3- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1377 والسيرة الحلبية ج3 ص38 و (ط دار المعرفة) ج2 ص738.


رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في سلب مرحب، مكذوب أيضاً، بدليل:

أنهم رووا: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يقدم على سلب عمرو بن عبد ود، وهوأنفس سلب! وحين طالبه عمر بن الخطاب بذلك قال: (كرهت أن أبز السبيَّ ثيابه)(1) .

قال المعتزلي: فكأن حبيباً (يعني أبا تمام الطائي) عناه بقوله:

إن الأسود أسود الغاب همتها

يوم الكريهة في المسلوب لا السلب(2)

كما أنه (عليه‌السلام ) قال لعمرو بن عبد ود حين طلب منه أن لا يسلبه حلته: هي أهون علي من ذلك(3) .

فمن كان كذلك: فهو لا يجاحش على السلب، ولا ينازع فيه أحداً، فضلاً عن أن يرفع الأمر إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليفصل فيه.

____________

1- شرح النهج للمعتزلي ج14 ص237 وأعيان الشيعة ج1 ص255.

2- شرح النهج للمعتزلي ج14 ص237 وأعيان الشيعة ج1 ص255.

3- كنز الفوائد للكراجكي ص137 وبحار الأنوار ج20 ص216 و 263 وشجرة طوبى ج2 ص290 وأعيان الشيعة ج1 ص399 والإرشاد (ط دار المفيد) ج1 ص112 والدر النظيم ص169 وكشف الغمة ج1 ص208.



الفصل الخامس:

قلع باب خيبر في الحديث والتاريخ..



علي (عليه‌السلام ) قالع باب خيبر:

ومن الأمور التي لا يرتاب منها أحد، وقد شاعت وذاعت بين الناس: قلع علي باب حصن خيبر.

فقد قالوا: (وقتل علي يومئذٍ ثمانية من رؤسائهم، وفر الباقون إلى الحصن، فتبعهم المسلمون. فبينما علي يشتد في أثرهم، إذ ضربه يهودي على يده ضربة سقط منها الترس، فبادر يهودي آخر، فأخذ الترس، فغضب علي، فتناول باب الحصن، وكان من حديد، فقلعه، وترس به عن نفسه)(1) .

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص51 وراجع: ذخائر العقبى ص73 ومسند أحمد ج6 ص8 والدرر لابن عبد البر ص198 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص411 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص216 والسيرة النبوية لابن هشام (ط محمد علي صبيح) ج3 ص798 والمناقب للخوارزمي ص172والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص359 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص128 وينابيع المودة ج2 ص164 وبحار الأنوار ج21 ص4 و مجمع البيان ج9 ص202 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص301 والكامل في التاريخ ج2 ص220.


قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) حين بعثه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود ـ وقد صرحوا بأنه مرحب(1) ـ فطرح ترسه من يده، فتناول علي باباً كان عند الحصن فترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل، حتى فتح الله تعالى عليه الحصن.

ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه(2) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737 وإمتاع الأسماع ج1 ص310 وأعيان الشيعة ج1 ص405 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص419 وج8 ص389.

2- السيرة النبوية لابن هشام (ط المكتبة الخيرية بمصر) ج3 ص175 و (ط محمد علي صبيح) ج3 ص798 والمناقب للخوارزمي ص172 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص30 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص301 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص128 ومطالب السؤول ص210 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص110 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص70 والكامل في التاريخ ج2 ص220 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص411 و 626 وشرح أصول الكافي ج6 ص137 وج12 ص498 وبحـار الأنـوار ج21 ص4 ومنـاقب أهل البيت = = للشيرواني ص140 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص11 ومجمع الزوائد ج6 ص152 وفتح الباري ج7 ص367 والدرر لابن عبد البر ص198 ومجمع البيان ج9 ص202 وتفسير الثعلبي ج9 ص51 والدر النظيم ص175 وكشف الغمة ج1 ص212 وعيون الأثر ج2 ص139 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص359 وراجع: الإصابة ج2 ص502.وراجع: تذكرة الخواص ص27 والبداية والنهاية ج4 ص185 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص216 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص74 و 75 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 ـ 188 ومعارج النبوة ص219 والسيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737 ومسند أحمد ج6 ص8 وتاريخ الخميس ج1 ص51 عن المنتقى، والتوضيح، عن الطبراني، وأحمد.


وعن زرارة، عن الإمام الباقر (عليه‌السلام ): انتهى إلى باب الحصن، وقد أغلق الباب في وجهه، فاجتذبه اجتذاباً، وتترس به، ثم حمله على ظهره، واقتحم الحصن اقتحاماً، واقتحم المسلمون، والباب على ظهره..

إلى أن قال (عليه‌السلام ): ثم رمى بالباب رمياً الخ..(1) .

قال الدياربكري: ثم لما وضعت الحرب أوزارها ألقى علي ذلك الباب الحديد وراء ظهره ثمانين شبراً.. وفي هذا قال الشاعر:

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص22 وج41 ص280 وإعلام الورى ج1 ص208 ومدينة المعاجز ج1 ص176 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص125 ونهج الإيمان ص324.


علي رمى باب المدينة خيبر

ثمانين شبراً وافياً لم يثلم(1)

غير أن الحلبي قال: (قال بعضهم: في هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر.

قال: وقيل: ولم يقدر على حمله أربعون رجلاً. وقيل: سبعون.

وفي رواية: أن علياً كرم الله وجهه لما انتهى إلى باب الحصن اجتذب أحد أبوابه، فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده سبعون رجلاً، فكان جهداً أن أعادوه إلى مكانه)(2) .

وقال القسطلاني وغيره: (قلع علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلاً إلا بعد جهد)(3) .

وروى البيهقي من طريقين: عن المطلب بن زياد، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه‌السلام ) عن آبائه، قال: حدثني جابر بن عبد الله: أن علياً (عليه‌السلام ) حمل الباب يوم خيبر، حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها. وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً.

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص51 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737.

2- السيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737 وتاريخ الخميس ج2 ص51 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص128 والإصابة ج2 ص502 والبداية والنهاية ج4 ص184 وعن البيهقي، والحاكم.

3- شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص383 عن الأنوار المحمدية (ط بيروت) ص98.


رجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف(1) .

وفي شواهد النبوة: روي أن علياً (عليه‌السلام ) بعد ذلك حمله على ظهره، وجعله قنطرة حتى دخل المسلمون الحصن(2) .

وهذا إشارة إلى وجود خندق كان هناك.

فلما أغلقوا باب الحصن صار أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إليه، فعالجه حتى فتحه، وأكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) باب الحصن فجعله على الخندق جسراً لهم، حتى عبروا، فظفروا بالحصن، ونالوا الغنائم.

فلما انصرفوا من الحصن أخذه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بيمناه، فدحا به أذرعاً من الأرض. وكان الباب يغلقه عشرون رجلاً(3) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص128 و 129 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص212 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص90 والبداية والنهاية ج4 ص189 والسيرة الحلبية ج3 ص37 وراجع: تذكرة الخواص ص27 والرياض النضرة (ط محمد أمين بمصر) ج1 ص185 ـ 188 ومعارج النبوة ص219 وتاريخ الخميس ج2 ص51 عن الحاكم، والبيهقي، وبحار الأنوار ج21 ص19 وفي هامشه عن المجالس والأخبار ص6.

2- تاريخ الخميس ج2 ص51 وراجع: تحف العقول ص346.

3- بحار الأنوار ج21 ص16 وج41 ص281 والإرشاد للمفيد ج1 ص128 وعن مناقب آل أبي طالب ج2 ص126 ومدينة المعاجز ج1 ص175.


وخُبِّر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن رميه (عليه‌السلام ) باب خيبر أربعين شبراً، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): والذي نفسي بيده، لقد أعانه عليه أربعون ملكاً(1) .

قال الشيخ المفيد (رحمه‌الله ): روى أصحاب الآثار عن الحسن بن صالح، عن الأعمش، عن أبي عبد الله الجدلي قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يقول: لما عالجت باب خيبر، جعلته مجناً لي، فقاتلتهم به، فلما أخزاهم الله، وضعت الباب على حصنهم طريقاً، ثم رميت به في خندقهم.

فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلاً.

فقال: ما كان إلا مثل جنتي التي في يدي في غير ذلك المقام(2) .

ولا عجب في ذلك، فإنه هو الذي يقول: إنه ما قلع باب خيبر بقوة جسمانية، ولكن بقوة إلهية(3) .

وقال بعض الصحابة: ما عجبنا ـ يا رسول الله ـ من قوته في حمله ورميه وإتراسه، وإنما عجبنا من إجساره، وإحدى طرفيه على يده!

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص19 وفي هامشه عن مناقب آل أبي طالب ج2 ص78.

2- الإرشاد للمفيد ج1 ص128 وأعيان الشيعة ج1 ص339 والثاقب في المناقب ص258 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص257 ومدينة المعاجز ج1 ص171 وبحار الأنوار ج21 ص16 و 17 وكشف الغمة ج1 ص215 ونهج الإيمان ص323.

3- ستأتي مصادر ذلك إن شاء الله.


فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلاما معناه: يا هذا، نظرت إلى يده، فانظر إلى رجليه.

قال: فنظرت إلى رجليه، فوجدتهما معلقين، فقلت: هذا أعجب، رجلاه على الهواء؟!

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ليستا على الهواء، وإنما هما على جناحي جبرئيل(1) .

ونقول:

لا مجال لاعتبار هذا من الخرافة، فإن الله تبارك وتعالى يفعل أعظم من ذلك لمن يشاء من عباده المخلصين والمجاهدين. وقد قال تعالى في كتابه:( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (2) .

وأن يضع جبريل جناحه تحت قدمي علي (عليه‌السلام ) هو أحد مفردات تثبيت الأقدام، ومن أجلى مظاهر النصر الإلهي.

التشكيك غير المنطقي:

قال القسطلاني: قال شيخنا: (قال بعضهم: وطرق حديث الباب كلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء)(3) .

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص281 عن روض الجنان.

2- الآية 7 من سورة محمد.

3- تاريخ الخميس ج2 ص51 عن المواهب اللدنية وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737.


وفي بعضها قال الذهبي: إنه منكر.

وفي الإمتاع: وزعم بعضهم: أن حمل علي كرم الله وجهه الباب لا أصل له، وإنما يروونه عن رعاع الناس، وليس كذلك.

ثم ذكر جملة ممن خرجه من الحفاظ)(1) .

ونقول:

إن لنا هنا العديد من الوقفات، نجملها فيما يلي:

خبر قلع الباب صحيح:

وتقدم أنهم زعموا: أن خبر قلع باب خيبر بعضه فيه جهالة، وبعضه فيه انقطاع، وبعضه ضعيف أو منكر..

بل فيهم من يقول: طرق حديث الباب كلها واهية، أو يقول: حديث الباب لا أصل له، أو أنه يروي عن رعاع الناس..

ونقول:

أولاً: إذا ثبت حديث قلع الباب أو غيره من طريق أهل البيت (عليه‌السلام ) فذلك يكفينا عن كل حديث، لأن أهل البيت هم سفينة نوح، وهم أحد الثقلين الذين لن يضل من تمسك بهما.

ثانياً: لقد روى حديث قلع باب خيبر محدثوا أهل السنة، وأثبته علماء

____________

1- إمتاع الأسماع ج1 ص310 والسيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737. وراجع: كشف الخفاء للعجلوني ج1 ص232


المسلمين في كتبهم، وذكروا أن أربعين أو سبعين رجلاً عَجَزوا عن حمله.. فإذا كان هذا الحديث مكذوباً أو مختلقاً، فمعنى ذلك اتهام محدثي أهل السنة وعلمائهم بالكذب والإختلاق، لأنهم قد رووه وتناقلوه بأسانيدهم وفي مصادرهم.. لأن رواية هذا الحديث لا تنحصر بشيعة أهل البيت (عليهم‌السلام ).

ثالثاً: ضعف سند الحديث لا يبرر الحكم عليه بأنه مكذوب أو موضوع، لأن الكذاب والوضاع لا يكون جميع ما يرويه مكذوباً، بل يكون الكثير أو ربما أكثر ما يرويه صحيحاً، ولكنه يدخل فيه بعض الموضوعات أو التحريفات التي توافق أغراضه.

إذ لو كان جميع ما يقوله الوضاع والكذاب موضوعاً لم يجد من يروي عنه، فلا معنى للحكم الجازم بكذب حديث قلع الباب حتى لو فرضنا أن راويه يتهم بالكذب أو بالوضع..

رابعاً: لقد حكموا على بعض طرق الحديث: بأن فيه انقطاعاً.

وقالوا عن خبر آخر: إن رجاله ثقات، باستثناء شخص واحد هو ليث بن أبي سليم، مع أنه وإن ضعَّف الكثيرون منهم ليثاً هذا، ولكن آخرين منهم قد أثنوا عليه، ووصفوه بالصلاح والعبادة، وبغير ذلك، ولم يصفه أحد بالكذب، ولا بالوضع على الإطلاق..

بل غاية ما قالوه عنه: إنه ضعيف في الحديث، أو مضطرب الحديث، أو ليِّن الحديث، أو نحو ذلك.. وذكروا هم أنفسهم أن سبب قولهم هذا: هو أنه اختلط في آخر عمره.


فذلك يدل على: أنه في نفسه ليس من رعاع الناس، وإليك طائفة من كلماتهم فيه، نأخذها من كتاب تهذيب التهذيب متناً وهامشاً.

قال الذهبي: أحد العلماء، كوفي.

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق، اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه، فترك.

وقال العجلي: جائز الحديث.

وقال عبد الوارث: من أوعية العلم.

وقال ابن معين: منكر الحديث، صاحب سنة.

وقال عثمان ابن أبي شيبة: صدوق ضعيف الحديث.

وقال ابن شاهين: في الثقات.

وقال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيِّئ الحفظ، كثير الغلط.

وقال البزار: كان أحد العُبَّاد، إلا أنه أصابه اختلاط، فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم بهذا، وإلا فلا نعلم أحداً ترك حديثه..

وقال ابن سعيد: كان رجلاً صالحاً عابداً.. وكان ضعيفاً في الحديث..

ثم ذكر: أنه كان يسأل عطاء، وطاووساً، ومجاهداً، فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد.

وقال ابن حِبان: اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل الخ..

وقال الدارقطني: صاحب سنة، يكتب حديثه، إنما أنكر عليه الجمع


بين عطاء، وطاووس، ومجاهد حسب..

وسئل عنه يحيى، فقال: لا بأس به.

وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه.

وقال محمد: ليث صدوق، يهم.

وقال فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة بالمناسك.

وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه، فقال: ليث عن طاووس أحب إلي من سلمة بن وهرام عن طاووس.

قلت: أليس تكلموا في ليث؟!

قال: ليث أشهر من سلمة. ولا نعلم روى عن سلمة إلا ابن عيينة، وربيعة.

فهذه العبارات وأمثالها أفادت: أن اختلاطه في آخر عمره هو السبب في تكلمهم في حديثه، أما هو نفسه فقد وصفوه بأجل الأوصاف كما رأينا..

فإذا حصل الإطمئنان: بأن ما رواه إنما رواه قبل الإختلاط، خصوصاً إذا تأيدت صحته من طرق أخرى، كما في رواية عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، وكذلك غيرها من الطرق التي ذكرها البيهقي في دلائل النبوة، وما أورده في الإمتاع، فإن الرواية تصبح صحيحة، ولا يكون رواتها من الرعاع، وليس فيها انقطاع ولا جهالة، ولا غير ذلك.

رابعاً: ذكر العلماء: أن تعدد طرق الحديث يعد من الشواهد التي


توصله إلى درجة الحسن(1) .

وقال الزرقاني: (..ومن القواعد: أن تعدد الطرق يفيد: أن للحديث أصلاً)(2) .

خامساً: ما معنى وصف رواة هذا الحديث بأنهم من رعاع الناس.. وفيهم جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم‌السلام )، وفيهم أبو رافع، وعبد الله بن حسن، وسواهم ممن يعتمد عليهم نفس هؤلاء الجارحين ويصفونهم بالأوصاف الحميدة، ويثنون عليهم الثناء الجميل، ويعظمونهم؟!

اختلافات لا أثر لها:

إن الروايات المتعارضة هي تلك التي يكون موضوعها ومحمولها واحداً ذاتاً، وزماناً ومكاناً، وجهةً، وشرطاً وإضافة، وقوة، وفعلاً، وفي الكل والجزء وغير ذلك.. ولكن إحداها تثبت هذا المحمول لذلك الموضوع، والأخرى تنفيه..

وفي مثل هذه الحال لا بد من طرح الروايتين، إن لم يمكن ترجيح إحداهما بمرجح مقبول ومعقول، وطرح الأخرى، أو إذا لم يمكن الأخذ بهما معاً بإسقاط التناقض، باكتشاف الخلل في أحد العناصر التي يتحقق بها التنافي، بشرط أن لا يكون جمعاً تبرعياً اقتراحياً، ليس له شاهد يؤيده.

____________

1- راجع: نسيم الرياض ج3 ص10 و 11 وتحفة الأحوذي ج2 ص372.

2- شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص490.


وقد نجد في أحاديث ما جرى في خيبر بعض الروايات التي يظن لأول وهلة أنها متناقضة، فإذا تأمل فيها الباحث اكتشف أنها ليست كذلك، ونذكر منها ما يلي:

1 ـ أربعون أم سبعون:

تقدم: أن الذين حاولوا حمل الباب الذي أخذه علي (عليه‌السلام ) بيده هم ثمانية رجال، وفي أخرى أنهم أربعون، وفي ثالثة: سبعون رجلاً.. فقد يتخيل أن ثمة تناقضاً..

ويمكن الجواب بأن من الممكن أن تكون هناك أكثر من محاولة لحمل ذلك الباب، أو لتحريكه، فحاول ثمانية رجال، ثم أربعون، وفي مرة ثالثة حاول سبعون، فعجزوا جميعاً عن حمله..

فلا يمكن إحراز توفر عناصر التناقض في هذا المورد، ليكون ذلك من موجبات ضعف أو سقوط الرواية عن الإعتبار..

2 ـ باب واحد أو بابان..

وفي بعض الروايات: أن علياً (عليه‌السلام ) اقتلع باب الحصن، وبعضها الآخر يقول: إن ترسه طرح من يده، فوجد عند الحصن باباً، فأخذه فترس به عن نفسه.

ويجاب: بأن الروايتين صريحتان بالإختلاف الموجب لدفع الشبهة، فإحداهما: تصرح بأنه قد اقتلع باب الحصن حين كان يهاجمه.. والأخرى: تصرح بأنه وجد باباً عند الحصن فترس به عن نفسه، أي قبل اقتلاع باب


الحصن.. ولا مانع من حصول كلا الأمرين.

وبذلك تنحل الإختلافات الأخرى التي تقول: تارة إن الباب من الحجر تارة، وإنه من الحديد تارة أخرى..

ولعل بعض الرواة قد خلط في توصيفه للباب المقتلع بما هو وصف للباب الملقى على الأرض، أو عكس ذلك.

ولعل إحدى الروايتين، التي تقول: إنه لم يستطع الثمانية أن يقلبوه ناظرة إلى أحد البابين، والأخرى تتحدث عن عجز الأربعين والسبعين عن الباب الآخر..

3 ـ المناداة من السماء:

وكذلك الحال بالنسبة للمناداة من السماء:

ولا فتـى إلا عــلي

لا سـيــف إلا ذو الفَـقـار

حيث ذكرت روايات أن ذلك كان في أحد، وأخرى إنه كان في بدر، وثالثة إنه كان في خيبر، أو غيرها..

فظهر التناقض بين هذه الأخبار..

ونجيب: بأنه لا مانع من أن يكون النداء بذلك من السماء قد حصل في المواطن الثلاثة: بدر، وأحد، وخيبر.. وسواها.. إذ لم تصرح أية واحدة منها بنفي حصول ذلك في غير موردها.. بل اقتصرت على التنويه بحصول ذلك في الواقعة التي تتحدث عنها..


لا سيف إلا ذو الفقار في المواطن الثلاثة:

قلنا: إن الروايات ذكرت أن الناس سمعوا تكبيراً من السماء في ذلك اليوم، وسمعوا نداء يقول:

ولا فتى إلا علي

لا سيف إلا ذو الفقار

ورووا أيضاً: أن علياً (عليه‌السلام ) لما شطر مرحباً شطرين نزل جبرئيل من السماء متعجباً، فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ممَّ تعجبت؟!

فقال: إن الملائكة تنادي في صوامع جوامع السماوات:

ولا فتى إلا علي

لا سيف إلا ذو الفقار(1)

وذكر أحمد في الفضائل: أنهم سمعوا تكبيراً من السماء في ذلك اليوم، وقائلاً يقول:

ولا فتى إلا علي

لا سيف إلا ذو الفقار

فاستأذن حسان بن ثابت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن ينشد شعراً، فأذن له، فقال:

جبريل نادى معلناً

والنقع ليس بمنجلي

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص40 عن مشارق أنوار اليقين، وراجع: حلية الأبرار للبحراني ج2 ص161 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص319 ومجمع النورين ص178 و 194 وشجرة طوبى ج2 ص292.


والمسلمون قد احدقوا

حول النبي المرسل

ولا فتى إلا علي

لا سيف إلا ذو الفقار(1)

قال سبط ابن الجوزي: (فإن قيل: قد ضعَّفوا لفظة: لا سيف إلا ذو الفقار.

قلنا: الذي ذكروه: أن الواقعة كانت في يوم أحد.

ونحن نقول: إنها كانت في يوم خيبر). وكذا ذكر أحمد بن حنبل في الفضائل.

وفي يوم أحد، فإن ابن عباس قال: لما قتل علي (عليه‌السلام ) طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين صاح صائح من السماء:

ولا فتى إلا علي

لا سيف إلا ذو الفقار

قالوا: في أسناد هذه الرواية عيسى بن مهران، تكلم فيه، وقالوا: كان شيعياً.

أما يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء)(2) .

وقيل: إن ذلك كان يوم بدر. والأول أصح.

____________

1- راجع: الإحتجاج للطبرسي ج1 ص167 ونهج الإيمان لابن جبر ص177 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص17 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص52 والغدير ج2 ص59 وج7 ص205 وتذكرة الخواص ص16.

2- الغدير للأميني ج2 ص60 عن تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص16.


مضمون النداء دلالة ومعنى:

قد تحدثنا في واقعة أحد عن بعض ما نستفيده من هذا النداء، ونزيد هنا الأمور التالية:

الأول: إن هذا التكبير وذلك النداء حجة قاطعة على الأعداء، وعلى الأولياء، يفرض عليهم اليقين بحقانية هذا الدين، وبأنه مرعي من الله، وأنه ظاهر ومنصور لا محالة.

فلا معنى لاستمرار المكابرة، ولا مبرر للقتال، إلا إذا اعتقد هؤلاء الناس أنهم أقوى من الله، وأن بإمكانهم أن يغلبوا ربهم، ويفرضوا عليه إراداتهم.

لا بد أن تزيل عنهم هذه الكرامة (المعجزة) كل شبهة، وتغنيهم عن الأدلة والبراهين.. وتفهمهم أن حربهم على الإسلام والمسلمين، حرب باغية وظالمة وبلا مبرر، وأنهم إنما ينقادون فيها لشهواتهم، وعصبياتهم وأهوائهم..

كما أنه لا بد لأهل هذا الدين من أن يتعمق ويترسخ إيمانهم به، ويزول كل ترديد أو شبهة لهم فيه، ولا بد أيضاً من أن يزول الخوف عنهم، وأن تزيد صلابتهم في الدفاع عنه..

فما معنى فرارهم من الزحف هنا.. وما المبرر لفرارهم في حنين وأحد، وذات السلاسل، وقريظة وغيرها من المواطن؟!

ثم إن ذلك لا بد أن يسقط هيمنة القوة من نفوسهم، فلا مجال بعد للإنبهار بكثرة الأعداء، أو بحسن عدتهم وظهور قوتهم..


الثاني: إن هذا النداء يتضمن تعريضاً بأولئك الهاربين، ويبين أن سيوفهم ليست سيوفاً حقيقة، وإنما هي أشكال سيوف.. لأن السيف لا بد أن يجد موقعه في رقاب أهل البغي والطغيان، والجحود، ودوره في الذب عن الحق وأهله، فإذا لم يحصل ذلك فإن وجوده يكون كعدمه.. فيصح نفي صفة السيف عنه..

الثالث: إن الفتوة والرجولة، تعني القوة، والمنعة، والقوة تؤثر فيما عداها وتفعل فيه، والضعف منفعل ومحل لظهور الأثر.. فإذا أصبحت القوة بلا أثر، فإن وجودها أيضاً كعدمها.. ولذلك صح النداء:

ولا فتى إلا علي

لا سيف إلا ذو الفقار

الرابع: إن أهم سبب للعناد والجحود، والمكابرة لدى المشركين واليهود هو الشعور بالقوة، والإعتماد على الكثرة في العدد، وعلى حسن العدة وتوفرها. وقد أظهرت الحروب التي سلفت، ابتداء من بدر، مروراً بأحد، وحمراء الأسد، والنضير، وقينقاع، والخندق وقريظة، وظهر الآن في خيبر: أن ما اعتمد عليه المشركون واليهود في هذه المواطن وسواها لم يكن مفيداً، ولا مؤثراً، بل سقط كله تحت أقدام رجل واحد اسمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وكان نصيب أهل الكثرة والعدة والعدد هو الفناء، والدمار، والسقوط والبَوار، وظهر لهم أن الله أكبر من كل شيء عندهم، وأن كل ما سوى الله يباب وسراب..

اهتزاز حصن خيبر:

ورووا: أنه لما اقتلع علي (عليه‌السلام ) باب خيبر اهتز الحصن كله،


حتى سقطت صفية عن سريرها، فشجها جانب السرير(1) . وهي كرامة صنعها الله تعالى لعلي (عليه‌السلام )، كان لا بد أن يعرف بها يهود خيبر كلهم، لتقوم بذلك الحجة عليهم.. وليتناقل الناس هذا الحدث الكبير، ويعرف النساء والرجال، والصغار والكبار.. ليحيي من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.

وذلك منه تعالى لطف بالأحياء منهم، لأنه يتضمن فتح باب الهداية لهم..

وكان اهتزاز الحصن كله هو الوسيلة الفضلى التي لا مجال للريب فيها والأداة الأصلح لهذا التعريف.. كما هو ظاهر لا يخفى..

ما قلعته بقوة جسمانية:

ورووا أيضاً: أن علياً (عليه‌السلام ) قال: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، ولكن بقوة إلهية(2) .

____________

1- معارج النبوة ص323 و 219 ومشارق أنوار اليقين ص170 وحلية الأبرار ج2 ص161 ومدينة المعاجز ج1 ص425 وبحار الأنوار ج21 ص40 وشجرة طوبى ج2 ص293 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص576

2- المواقف للإيجي ج3 ص628 و 638 وتاريخ الخميس ج2 ص51 عن شرح المواقف، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص316 والطرائف لابن طاووس ص519 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم ص257 وكتاب الأربعين للشـيرازي ص430 وبحـار الأنـوار ج55 ص47 وج70 ص76 وج84 = = ص32 وج99 ص138 ومناقب أهل البيت (عليه‌السلام ) للشيرواني ص222 والدر النظيم ص271 وكشف اليقين ص141.


وفي نص آخر: أن عمر سأل علياً (عليه‌السلام ) قال: يا أبا الحسن، لقد اقتلعت منيعاً، وأنت ثلاثة أيام خميصاً، فهل قلعتها بقوة بشرية؟!

فقال (عليه‌السلام ): ما قلعتها بقوة بشرية، ولكن قلعتها بقوة إلهية، ونفس بلقاء ربها مطمئنة رضية(1) .

وجاء في رسالته (عليه‌السلام ) لسهل بن حنيف قوله: (والله، ما قلعت باب خيبر، ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوة جسدية، ولا حركة غذائية، لكنني أيدت بقوة ملكوتية، ونفس بنور ربها مضيئة، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء الخ..)(2) .

ونقول:

1 ـ إن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) عرف نفسه فعرف ربه، عرف في نفسه الضعف، فعرف أن القوة من الله، وعرف في نفسه الحاجة، فعرف الله تعالى بالغنى، وعرف نفسه بأنها مخلوقة، فعرف ربه بالخالقية، وهكذا.. فاستمد كل كمالاته منه تعالى.

ولأجل ذلك نلاحظ: أنه حين قلع باب خيبر، وجعله ترساً، أو جعله

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص40 عن مشارق أنوار اليقين.

2- الأمالي للصدوق ص307 و (ط مؤسسة البعثة) ص604 وبحار الأنوار ج21 ص26 ونهج السعادة ج5 ص21.


جسراً، يعبر عليه الناس.. كان أشد تذكراً لله تعالى، ورؤية لنعمه، وإحساساً بكرمه، وألطافه، وأعمق شعوراً بفضله عليه، فجاء اعترافه بهذه الحقيقة التي يراها رأي العين بمثابة الشكر والتعظيم له تعالى، وليعلمنا أن على الإنسان أن لا يغتر بنفسه، وأن يستكين ويخضع أمام عظمة ربه تبارك وتعالى..

2 ـ إن قوله هذا (عليه‌السلام ) يهدف إلى إبعاد شبح الغلو فيه، بتقويض مبررات هذا الغلو، لأن مبرر الغلو هو توهم أن يكون (عليه‌السلام ) قد قلع الباب بقوته الجسدية.. وهذا درس آخر للناس، يتضمن أن عليهم أن لا يأخذوا الأمور على ظواهرها، بل لا بد من التدبر والتفكر، ووضع كل شيء في موضعه. ولا غرو فإنه (عليه‌السلام ) كان يهتم بالحفاظ على صفاء الإيمان، ونقاء العقيدة من أية شائبة أو عائبة..

3 ـ إنه (عليه‌السلام ) أوضح: أن الإطمئنان بلقاء الله تعالى، يهون على النفس الإنسانية الإقدام على كل أمر تعرف أن فيه رضا الله تعالى.. أما من أخلد إلى الأرض، فإنه لن يحقق شيئاً، ولن يقدم على شيء ذي بال. بل هو سوف يعيش الضعف والهروب، والفشل الذريع، والخيبة القاتلة، والخزي في الدنيا، والخسران في الآخرة..

القموص ليس آخر ما فتح:

وقد صرحت بعض الروايات: بأن حصن القموص ليس هو آخر الحصون التي فتحها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعلي (عليه‌السلام ). بل هناك قلعة أخرى فتحت بعده، يقول النص:

(ولما فتح علي حصن خيبر الأعلى بقيت لهم قلعة فيها جميع أموالهم،


ومأكولهم. ولم يكن عليها حرب بوجه من الوجوه.

فنزل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) محاصراً لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم، فقال: يا محمد، تؤمنني على نفسي، وأهلي، ومالي، وولدي، حتى أدلك على فتح القلعة؟!

فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنت آمن، فما دلالتك؟!

قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع؛ فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة، فيخرج ويبقون بلا ماء، ويسلمون إليك القلعة طوعاً.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أو يحدث الله غير هذا وقد أمناك..

فلما كان من الغد ركب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بغلته، وقال للمسلمين: اتبعوني.

وسار نحو القلعة، فأقبلت السهام والحجارة نحوه، وهي تمر عن يمنته ويسرته، فلا تصيبه ولا أحداً من المسلمين شيء منها حتى وصل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى باب القلعة.

فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار مع الأرض، وقال للناس: ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة)(1) .

ونقول:

تستوقفنا هنا أمور عديدة، نكتفي منها بما يلي:

____________

1- الخرائج والجرائح ج1 ص164 و 165 وبحار الأنوار ج21 ص30 و 31 عنه.


1 ـ إن هذه الرواية إذا صحت، فإنها تكون حجة على اليهود، تفرض عليهم التخلي عن اللجاج والعناد، وتوجب عليهم قبول الحق.. وتكون أيضاً آية للمسلمين، تقوي من ثباتهم، وتربط على قلوبهم. وتعرفهم بأن الله سبحانه يرعى نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويحفظه، ويسهل له العسير، وأن انتصاره ليس متوقفاً على أحد منهم، ولا منوطاً بهم.

فإذا فروا، فإن فرارهم يحرمهم من الخيرات والبركات، ويوجب لهم المذلة في الدنيا، والخسران في الآخرة..

2 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعمل بمشورة اليهودي، واستعاض عنها بإظهار هذا الأمر الخارق للعادة، ليسهل على الناس تحصيل القناعة بهذا الدين، والدخول في زمرة أهل الإيمان، والتخلي عن الإستكبار والجحود..

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رغم عدم عمله بمشورة ذلك اليهودي، لكنه لم يلغ الأمان الذي أعطاه إياه، بل هو قد صرح بأنه ملتزم به، وحافظ له..

4 ـ نحتمل جداً أن تكون هذه القضية هي الرواية الصحيحة التي أوردناها في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أبواب غزوة خيبر، وفيها: أن بعض اليهود دل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على دبول (أي جدول، أو نفق) لليهود تحت الأرض، وأنهم سوف يخرجون منه..

وربما تكون أيضاً هي الأصل للرواية الأخرى التي تزعم: أن النبي


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد سمم لهم المياه التي يشربون منها. وقد عبرنا عن شكنا بصحة هذه الرواية أيضاً.

وللرواية الثالثة التي تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رمى حصن النزار بكف من تراب فساخ، ولم يبق له أي أثر. وذلك بعد قتال وحصار..

تواتر حديث جهاد علي (عليه‌السلام ) في خيبر:

لقد روى حديث جهاد علي (عليه‌السلام ) في خيبر جم غفير، وجماعة كثيرة، منهم:

1 ـ علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

2 ـ الحسن المجتبى (عليه‌السلام ).

3 ـ سهل بن سعد.

4 ـ حسان بن ثابت.

5 ـ بريدة الأسلمي.

6 ـ سويد بن غفلة.

7 ـ أبو ليلى الأنصاري.

8 ـ عبد الرحمن بن أبي ليلى.

9 ـ ابن عباس.

10 ـ عمر بن الخطاب.

11 ـ أنس بن مالك.

12 ـ أبو هريرة.


13 ـ سلمة بن الأكوع.

14 ـ سعد بن مالك.

15 ـ عمران بن حصين.

16 ـ الضحاك الأنصاري.

17 ـ أبو سعيد الخدري.

18 ـ أبو رافع.

19 ـ ابن عمر.

20 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

21 ـ عامر بن سعد.

22 ـ سعد بن أبي وقاص.

23 ـ حذيفة.

ومعنى ذلك: أن هذا الحديث متواتر، والحديث المتواتر قطعي الصدور، ولا ينظر في رجال أسناده.

علي (عليه‌السلام ) يفتح خيبر وحده:

تؤكد النصوص المتقدمة على أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي فتح خيبر دون سواه، فقد ذكرت: أنه لما خرج أهل الحصن، بقيادة الحارث أخي مرحب، هاجموا أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (فانكشف


المسلمون، وثبت علي)(1) .

ويقول علي (عليه‌السلام ) مخاطباً يهودياً سأله عن علامات الأوصياء:

(إنَّا وردنا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مدينة أصحابك خيبر، على رجال من اليهود وفرسانها، من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال، من الخيل، والرجال، والسلاح، وهم في أمنع دار، وأكثر عدد، كل ينادي، ويدعو، ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلا قتلوه.

حتى إذا احمرت الحدق، ودعيت إلى النزال، وأهمت كل امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض، وكل يقول: يا أبا الحسن، انهض.

فأنهضني رسـول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى دارهم، فلم يبرز إلي منهم أحد إلا قتلته، ولا يثبت لي فارس إلا طحنته، ثم شددت عليهم شدة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم، مسدداً عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلا الله وحده)(2) .

____________

1- راجع: إمتاع الأسماع ج1 ص310 و 333 والسيرة الحلبية ج3 ص37 و (ط دار المعرفة) ج2 ص737 والمغازي للواقدي ج2 ص653 و 654 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص125 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص386 وأعيان الشيعة ج1 ص271 و 403.

2- بحار الأنوار ج21 ص27 وج38 ص171 والخصال ج2 ص16 و (ط مركز = = النشر الإسلامي) ص369 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص127 والإختصاص للمفيد ص168 وحلية الأبرار ج2 ص364.


وهذا صريح في: أن الذين كانوا مع علي (عليه‌السلام ) قد هربوا عنه، وبقي (عليه‌السلام ) وحده، وبالتالي يكون (عليه‌السلام ) قد أخذ المدينة وحده.

ثم إن في هذا النص الذي ذكرناه إشارات عديدة، منها:

1 ـ قد يقال: إنه (عليه‌السلام ) ذكر: أن اليهود لم يكونوا وحدهم في خيبر، بل كان معهم فرسان، من قريش، ومن غيرها. وقد بقوا يحاربون معهم إلى النهاية.. مع أن اليهود لم يكن معهم أحد من قريش..

ويجاب:

أولاً: لعل بعض فرسان قريش التحقوا بهم لمساعدتهم..

ثانياً: لعل كلمة: من قريش ومن غيرها، أريد بها توضيح المراد من الذين وردوا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقد كان فيهم من قريش وغيرها، وكلهم سمع عن فرسان اليهود، وأخذتهم الرهبة منهم.

2 ـ أن أعداد مقاتلي خيبر كانت كبيرة جداً، حتى إنه (عليه‌السلام ) يصفهم بأمثال الجبال من الرجال، والخيل، والسلاح، وبأنهم قد قاتلوا المسلمين بأكثر عدد، وأمنع دار..

3 ـ أن رغبة اليهود ومن معهم في الحرب كانت جامحة وقوية بصورة غير عادية..


4 ـ يظهر من كلامه (عليه‌السلام ): أن عدد القتلى من المسلمين لم يكن قليلاً، حيث قال: فلم يبرز من أصحابي أحد إلا قتلوه.

5 ـ أن المسلمين تضايقوا إلى حدّ أن كلاً منهم قد أهمته نفسه.

6 ـ أنهم كانوا يرون: أن أحداً سواه (عليه‌السلام ) لا يستطيع كشف هذه الغمة عنهم، فكانوا يحثونه على مباشرة الحرب، رغم ما هو فيه من رمد في العين، وصداع في الرأس.

7 ـ أنه (عليه‌السلام ) قد طحن ذلك العدو طحناً، حتى أدخلهم إلى جوف حصنهم.

8 ـ أنه (عليه‌السلام ) قد اقتلع باب حصنهم، ودخل وحده، ولم يشاركه المسلمون في ذلك، فإن كانوا قد شاركوه فإنما كان ذلك بعد سكون رياح الحرب.. وانحسار كل خطر.

9 ـ والأهم من ذلك: تأكيده (عليه‌السلام ) على أنه هو الذي فتح خيبر، وأن أحداً غير الله تعالى لم يعنه على ذلك.

فلا يصح قولهم: (وقام الناس مع علي حتى أخذ المدينة).

لأن الناس بعد أن قاموا معه انهزموا أمام اليهود من أهل الحصن.

ولكن حين هاجمهم علي (عليه‌السلام )، وأخذ باباً كان عند الحصن، ثم قتل (عليه‌السلام ) مرحباً وسائر الفرسان، انهزم اليهود إلى داخل حصنهم، فاقتلع (عليه‌السلام ) بابه، وهاجمهم، فثاب إليه المسلمون، وحمل (عليه‌السلام ) باب الحصن بيده، وصار المسلمون يصعدون عليه، ويمرون إلى الحصن، فلما حصل له ما أراد ألقاه خلف ظهره ثمانين شبراً..


فلم يساعده المسلمون في الفتح، كما تحاول بعض الروايات أن تدَّعيه، بل الحقيقة، كل الحقيقة هي: أن علياً (عليه‌السلام ) قد فتح الحصن وحده، ومن دون مساعدة أحد.

ولأجل ذلك: نسب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الفتح إلى علي (عليه‌السلام ) كما تقدم. فقال: لا يرجع حتى يفتح الله على يديه.

كما أن نفس روايات الفتح فيها تصريحات عديدة بأنه (عليه‌السلام ) هو الذي أخذ المدينة، ولا تشير طائفة منها إلى مشاركة أحد له في ذلك، فراجع النصوص في مصادرها تجد صحة ذلك.

بل هو (عليه‌السلام ) قد فتح الحصن قبل أن يلحق آخر الناس بأولهم، كما صرحت به بعض الروايات(1) .

وفي نص آخر: عن عبد الله بن عمر، قال: (فلا والله ما تتامت الخيل

____________

1- الإصابة ج2 ص502 و (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص466 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص521 وكنز العمال ج10 ص463 وبحار الأنوار ج21 ص22 وإعلام الورى ج1 ص207 ومسند أحمد ج5 ص358 ومجمع الزوائد ج6 ص150 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص110 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص300 والمستدرك للحاكم ج3 ص437 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص55 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص411 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص422 ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج2 ص509.


حتى فتحها الله عليه)(1) .

وتقدم: أنهم قالوا في الحديث الوارد في تفسير قوله تعالى:( ..وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) (2) : (أجمعوا على أنه فتح خيبر، وكان ذلك بيد علي بن أبي طالب بإجماع منهم).

وهذا، وسواه يجعلنا نعتقد: أن ذلك من الواضحات، فلا حاجة إلى تكثير النصوص والمصادر.

جراح علي (عليه‌السلام ) في خيبر:

عن علي (عليه‌السلام ) قال: جرحت في وقعة خيبر خمساً وعشرين جراحة، فجئت إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلما رأى ما بي بكى. وأخذ من دموع عينيه، فجعلها على الجراحات، فاسترحت من ساعتي(3) .

ونقول:

دل هذا الخبر على ما يلي:

أولاً: إن هذه الرواية لم تتضمن أمراً غير مألوف، فإن ما ذكرته من كثرة جراح علي (عليه‌السلام ) في خيبر لا توجب الريب فيها، فقد كان

____________

1- مجمع الزوائد ج9 ص123 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص406.

2- الآية 18 من سورة الفتح.

3- كمال الدين وتمام النعمة ص542 وبحار الأنوار ج51 ص228 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص48 وإلزام الناصب ج1 ص270.


(عليه‌السلام ) وكأنه يقاتلهم وحده، حيث سبق الجميع إليهم. ولم يكن أحد أقرب إليهم منه، وقد لحقوا به، وقد فتحها.. ولا بد أن تناله سهامهم ورماحهم، وحتى سيوفهم. فلماذا لا تصيبه الجراحات الكثيرة، وهو يواجه عشرات، بل مئات الرجال؟!

ثانياً: إن للأنبياء، والأوصياء، والأولياء، وأدعيتهم، ولمساتهم، ولريقهم وعرقهم، وكل ما هو منهم آثاراً لا يمكن إنكارها في الشفاء، وفي سائر الأحوال، وفوائد جليلة وكبيرة، في الكثير الكثير من الموارد والحالات..

فما ورد في هذه الرواية من تغير حال علي (عليه‌السلام ) بمجرد جعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من دموع عينيه على الجراحات، ليس بالأمر المستغرب، فكم لهذا الأمر من نظير في حياته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثالثاً: إن ذلك يسقط مقولات من ينكر التبرك والإستشفاء، بالأنبياء وبآثارهم، وريقهم، ودموعهم، وعرقهم.

رابعاً: يلاحظ: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يقل: فشفيت من ساعتي. بل قال: فاسترحت من ساعتي، فالله تعالى يريد الكرامة الإلهية، والبركات النبوية من جهة، ثم هو نيله ثواب الجهاد، ومعانات آلام الجراح من جهة أخرى.

اللمسات الأخيرة:

قال العليمي المقدسي: كان فتح خيبر في صفر على يد علي (عليه‌السلام )(1) .

____________

1- الأنس الجليل (ط الوهبية) ص179.


وعن آية:( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.. ) (1) قال جابر: (أولى الناس بهذه الآية علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، لأنه تعالى قال:( وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) (2) أجمعوا على أنه فتح خيبر. وكان ذلك بيد علي بإجماع منهم)(3) .

وفي هذه المناسبة يقول حسان بن ثابت:

وكان علي أرمد العين يبتغي

دواءً فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة

فبورك مرقياً وبورك راقيا

وقال سأعطي راية القوم فارساً

مكيناً شجاعاً في الحروب مجاريا

يحب إلهي والإله يحبه

به يفتح الله الحصون الأوابيا

فخص لها دون البرية كلها

علياً وسماه الولي المؤاخيـا(4)

والبيت الأوسط حسب رواية المفيد كما يلي:

____________

1- الآية 18 من سورة الفتح.

2- الآية 18 من سورة الفتح.

3- كفاية الطالب (ط الغري) ص120 عن الخوارزمي، وراجع: بحار الأنوار ج36 ص121 والمناقب للخوارزمي ص276 وكشف الغمة ج1 ص311 وغاية المرام ج4 ص288.

4- الفصول المهمة لابن الصباغ ص19 و (ط دار الحديث) ج1 ص217 والإرشاد للمفيد ج1 ص64 و 128 وبحار الأنوار ج21 ص16 ورسائل المرتضى ج4 ص104 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص320 ومصادر كثيرة أخرى.


وقال سأعطي الراية اليوم صارماً

كمياً محباً للرسول مواليـا(1)

وجاء في خطبة الإمام الحسن (عليه‌السلام ) بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، قوله: منها قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ويقاتل جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثم لا ترد رايته حتى يفتح الله عليه(2) .

____________

1- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج1 ص128 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص320 ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج2 ص499 وروضة الواعظين ص131 ورسائل المرتضى ج4 ص106 وبحار الأنوار ج21 ص16 وج39 ص16وج41 ص87 وإعلام الورى ج1 ص365 والدر النظيم ص176 و 398.

2- راجع: خصائص أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للنسائي ص61 وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص208 و (ط دار الأسوة) ج2 ص212 والثقات لابن حبان ج2 ص303 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص112 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص114 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص412 وج15 ص632 وج16 ص250 وج21 ص480 وج23 ص123 وج26 ص487 وج30 ص181 وج31 ص284 وج32 ص266.



الفصل السادس:

فدك.. وحديث رد الشمس..



حدود فدك:

فدك: قرية بالحجاز ـ بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة ـ أفاءها الله على رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في سنة سبع للهجرة صلحاً، فكانت خالصة له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وفيها عين فوارة، ونخل كثير.

روى عبد الله بن حماد الأنصاري: أن دخْلها كان أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة(1) .

وفي رواية غيره: سبعين ألف دينار(2) .

حديث فدك:

زعموا: أن أهل فدك لما سمعوا ما جرى في فتح حصن الناعم في خيبر

____________

1- بحار الأنوار ج17 ص379 وج29 ص116 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص152 و ج9 ص478 ومجمع النورين ص117 و 118 واللمعة البيضاء ص300 والخرائج والجرائح ج1 ص113.

2- كشف المحجة ص124 وسفينة البحار ج7 ص45 وبحار الأنوار ج29 ص123 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص152 و ج9 ص478 ومجمع النورين ص118 واللمعة البيضاء ص300.


انصاعوا للصلح، رغم أنهم كانوا قد ترددوا في بادئ الأمر، فارسلوا إلى النبي جماعة منهم، فبعد القيل والقال صالحوه على أن لهم نصف أرضها، وللنبي النصف الآخر، فلما أجلاهم عمر، هم وأهل خيبر إلى الشام اشترى منهم حصتهم بمال من بيت المال(1) .

وفي نص آخر: لما سمعوا ما فعل المسلمون بأهل خيبر، بعثوا إلى رسول الله يسألونه أن يسيرهم أيضاً، ويتركوا الأموال، ففعل(2) .

وهذا هو قول ابن اسحاق.

ونقول:

أولاً: لا صحة لما زعموه، من أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صالحهم على نصف أرضهم، ثم اشترى عمر منهم النصف الآخر..

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص58 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص760 واللمعة البيضاء ص297 و 300 وراجع: السقيفة وفدك للجوهري ص99 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص210 و 211 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص194 وفتوح البلدان ج1 ص33 والكامل في التاريخ ج2 ص225.

2- تاريخ الخميس ج2 ص58 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص421 وبحار الأنوار ج21 ص6 والدرر لابن عبد البر ص201 ومجمع البيان ج9 ص203 وتفسير البغوي ج4 ص197 وتاريخ خليفة بن خياط ص50 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص302 والكامل في التاريخ ج2 ص221 والسيرة النبوية لابن هشام ج3 ص800 واللمعة البيضاء ص297 ومعجم ما استعجم ج2 ص523.


وقد تحدثنا عن ذلك في الجزء الثامن عشر من كتابنا الصحيح من سيرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ونكتفي هنا بالإشارة إلى التناقض الذي وقع فيه هؤلاء.

فقد ذكر النص الذي أشار إلى ذلك: أنهم عرضوا أن يجليهم، فإذا كان أوان جذاذها، جاؤا فجذوها، فأبى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يقبل ذلك

وقال لهم محيصة بن مسعود: ما لكم منعة ولا حصون، ولا رجال، ولو بعث إليكم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مائة رجل لساقوكم إليه، فوقع الصلح بينهم بأن لهم نصف الأرض بتربتها(1) .

فما معنى أن يصالحهم على نصف الأرض بتربتها بعد أن رضوا بالجلاء؟! فمن يرضى بالجلاء، هل يعطى نصف الأرض؟! ألا يعد ذلك سفهاً وتضييعاً؟!

كما أنه لا معنى لأن يطلبوا الجلاء، ثم أن يأتوا أوان الجذاذ، فيجذوا النخل، فإن من يجلو عن الأرض لا يبقى له علاقة بها، ولا يسمح له بالإحتفاظ بغلتها ومحاصيلها وشجرها.

فظهر: أن هذا النص ظاهر التناقض، بديهي السقوط..

يضاف إلى ذلك: ما سيأتي من التصريح: بأن الصلح وقع على حقن

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص138 والسيرة الحلبية ج3 ص50 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص707.


دمائهم وحسب(1) .

ونحن هنا لا نريد التحقيق الشامل في موضوع فدك، ولكننا نود أن نشير إلى بعض ما يرتبط منها بسيرة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فنقول:

الراية لعلي (عليه‌السلام ) في فدك:

قالوا: لما فرغ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من خيبر عقد لواء ثم قال: من يقوم إليه، فيأخذه بحقه، وهو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك.

فقام الزبير إليه، فقال: أنا.

فقال: أمط عنه.

ثم قام إليه سعد، فقال: أمط عنه.

ثم قال: يا علي، قم إليه فخذه.

فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماءهم، فكانت حوائط فدك لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خاصاً خالصاً.

فنزل جبرئيل فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تؤتي ذا القربى حقه.

قال: يا جبرئيل، ومن قرباي؟! وما حقها؟!

قال: فاطمة، فأعطها حوائط فدك، وما لله ولرسوله فيها.

فدعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة، وكتب لها كتاباً، جاءت

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص22 و 23 و 32 وإعلام الورى ج1 ص209 ومكاتيب الرسول ج1 ص291 والطبقات الكبرى لا بن سعد ج2 ص110.


به بعد موت أبيها إلى أبي بكر، وقالت: هذا كتاب رسول الله لي ولابنيَّ(1) .

وعن أبي سعيد الخدري: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها؟!

فجاء فلان، فقال: أنا.

فقال: أمِطْ.

ثم جاء آخر فقال: أنا.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أمِطْ.

فعل ذلك مراراً بجماعة..

ثم قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): والذي كرم وجه محمد، لأعطينها رجلاً لا يفر.

هاك يا علي.

فانطلق، وفتح الله خيبر على يديه.

وفي مسند أحمد: حتى فتح الله عليه خيبر وفدك، وجاء بعجوتها وقديدها(2) .

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص22 و 23 وإعلام الورى ج1 ص209 ومكاتيب الرسول ج1 ص291.

2- راجع: تذكرة الخواص ص25 عن أحمد في الفضائل، ومجمع الزوائد ج9 ص124 ومسنـد أحمـد (ط دار صـادر) ج3 ص16 والبدايـة والنهايـة ج4 = = ص184 و 185 و (ط أخرى) ص211 و 212 وذخائر العقبى ص73 ـ 75 والرياض النضرة ج1 ص185 ـ 187 وشرح الأخبار ج1 ص321 والعمدة لابن البطريق ص139 و 140 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص104 و 105 ومسند أبي يعلى ج2 ص500 ونهج الإيمان ص317 و 318 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص352.


وفي مجمع الزوائد: ذكر أن الزبير طلبها أيضاً(1) .

ونقول:

لنا هنا وقفات هي التالية:

في خيبر؟! أو في فدك؟!:

صرحت الرواية المتقدمة: بأن عرض اللواء على من يأخذه كان بعد الفراغ من خيبر، وإرادة البعث إلى حوائط فدك، ثم صرحت ببعث علي (عليه‌السلام ) إلى فدك، وبوقوع الصلح بينه وبينهم على حقن دمائهم.. وزادت في صراحتها بالتصريح بنزول جبرئيل بأمر الله تعالى للنبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإعطاء فدك للزهراء (عليها‌السلام ).

وهذا يعطي: أن رواية أبي سعيد الخدري، إما رواية أخرى لخصوص ما جرى في خيبر.. ولم يتعرض فيها لفدك من قريب ولا من بعيد، أو أنهم ربما حاولوا أخذ الراية لها مرة أخرى بعد فشلهم السابق. لأنهم احتملوا أن

____________

1- مجمع الزوائد ج9 ص124 والعمدة لابن البطريق ص142 ومسند أبي يعلى ج2 ص500 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص104 و 105.


يكون ثمة تدخل إلهي يحقق لهم النصر السهل.. فمنعهم إياه، لأن التدخل الإلهي لن يكون لتأييد ومساعدة الخاملين والفاشلين، لأنه يضر بحال الأمة، حين يراد الإستفادة منه بطرق ملتوية..

نعم.. إما إن الأمر كذلك، أو أن ثمة تبديلاً حصل فيها، بتوهم أن عرض الراية إنما كان في خيبر فقط، أما فدك، ففتحت صلحاً، فلم تكن هناك حاجة للرايات فيها..

وهو توهم باطل، فإن إرسال علي (عليه‌السلام ) إليهم، أمر مطلوب لبث المزيد من الرعب في قلوبهم، لكي يبادروا إلى نبذ العناد، والتسليم لحكم رب العباد..

المزيد من التوضيح والبيان:

ونزيد في توضيح ما تقدم، فنقول:

1 ـ قد يقال: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا كان قد عرض اللواء على من يأخذه بحقه، فالمفروض: أن يعطيه لأول طالب له.. فلماذا قال للزبير: أمط، وكذلك قال لغيره؟! أليس ذلك يشير إلى عدم صحة هذه الرواية؟!

ونجيب بما يلي:

إن نفس قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من يأخذه بحقه يدل على أن هؤلاء لم يكن يحق لهم أن يطلبوه، لأنهم هربوا في خيبر مرات عديدة، حتى حين أرسلهم مع علي (عليه‌السلام ).. ومن يفعل ذلك، فإنه يكون قد بين أنه ليس أهلاً لأخذ اللواء، وليس هو من الذين يفون بحقه..

2 ـ إن هذا العرض الذي تعقبه هذا الرفض القوي يزيد في توضيح


الأمر للناس وللأجيال، ويعرفهم بأن هؤلاء رغم فشلهم، ورغم فرارهم بالراية من دون حق، لا يزالون يطمحون إلى ما ليسوا أهلاً له.. وهذا يعطي أنه لا بد من الحذر منهم، حين يذرّ قرن الطمع، أو الجشع فيهم..

3 ـ إن مبادرة هؤلاء لطلب اللواء، بعد أن فروا به وعنه بالأمس، معناها: أنهم يريدون استغفال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. والتعمية على الناس، مع أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو القائل منذ حرب بدر: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين.

4 ـ يلاحظ هنا هذا التعبير القوي الذي صدر عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): حيث قال للطالب في كل مرة: امط.. وهو رد أو فقل: طرد ينضح بالحسم والحزم، ولنا أن نتخيل ما كانت تحمله النبرات التي رافقت هذا الرد، أو الطرد، وما لها من دلالات وإيحاءات.

وقد يقال: لعل هؤلاء ظنوا أن بإمكانهم تحقيق النصر في فدك، لأن ما جرى في خيبر قد أرعب أهل فدك، حتى أصبحوا لقمة سائغة لهم.

ويجاب:

بأنه إذا عرف أهل فدك أن حملة الراية هم الذين فروا بها في خيبر، فسيكونون أكثر جرأة على مقاومتهم ومنازلتهم.. وإلحاق هزيمة أخرى بالمسلمين، لن تكون مقبولة، ولن تكون محتملة، وربما يكون ضررها على روحيات الناس كبيراً جداً.

6 ـ ولعلك تقول: إن فدك كانت أضعف من أن يُحتاج لفتحها إلى جيش عظيم، وإلى قدرات متميزة، لا سيما وأن محيصة بن مسعود قال لهم:


لو بعث إليكم مائة رجل لساقكم إليه.. فما معنى عرض الراية من جديد؟!

ويجاب:

بأن الذي يخاف من الموت، ويسعى للبقاء على قيد الحياة يحاول أن يتجنب حتى المواجهة لأضعف الإحتمالات، وقد بين عرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الراية مرة ثانية: أن أحداً لم يطلبها سوى هؤلاء الذين هربوا بها في خيبر مع الجيش، الذي كان حوالي عشرة آلاف. وكان لا بد من رد هؤلاء الهاربين. لأنهم أثبتوا عملياً: أنهم غير مأمونين، ولا مؤهلين لهذه المهمة. فكان المقصود هو قيام غيرهم.. مع أنه لم يقم أحد.

فلان.. وآخر، وهاك يا علي:

1 ـ وقد لاحظنا: أن رواية أبي سعيد الخدري فشلت بالتصريح بأي اسم من أسماء هؤلاء المردودين، بل عبرت بكلمة: فلان. وبكلمة: آخر، وبكلمة جماعة، فلماذا يتعمدون إبهام أسماء هؤلاء يا ترى ؟!..

2 ـ ودلت أيضاً على أن الذين طلبوا الراية ورد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طلبهم، قد كثروا حتى صاروا جماعة.

3 ـ ثم هي قد دلت: على أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عرض الراية مراراً..

4 ـ وفي مقابل ذلك نجده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعطيها لعلي (عليه‌السلام ) دون أن يطلبها منه.. ولا يحتاج فهم أسباب هذا وذاك إلى التعليق والبيان..


قطع الشك باليقين:

قد يتخيل أحد من أولئك الناس: أن الذين هزموا بالراية أو اللواء بالأمس، إن كانوا لا يستحقون أخذ هذا اللواء وليسوا أهلاً له، فلعل غيرهم كان يستحق، فذلك جاء هذا التأكيد والتكرار منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرة بعد أخرى، فإنه يريد أن يقطع الشك باليقين بأن أحداً غير علي (عليه‌السلام ) لا يستحق أخذ هذا اللواء، لأنه هو الوحيد الذي يأخذه بحقه، وقد اثبت ذلك عملاً في خيبر وغيرها.

وثبت أيضاً عملاً ومن خلال فرار الجمع كله أكثر من مرة حتى عن علي (عليه‌السلام ) في خيبر نفسها ، فضلاً عما سواها: أن غيره (عليه‌السلام ) يدعي ما ليس فيه، وبديهي أن:

كل من يدعي بما ليس فيه

كذبته شواهد الإمتحان

يضاف إلى ذلك: أنه كان من المصلحة سد أبواب انتحال الأعذار، التي قد يصل بعضها في وقاحته إلى حد اتهام النبي الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمحاباة أحبائه، وأصفيائه، وذوي قرابته.

فضيحة لا بد منها:

ولعل ما ذكرناه وسواه يدل على أن الذين يفرون مرة بعد أخرى، ثم لا يزال حبهم للدنيا يدعوهم للتنطح لما ليسوا أهلاً له، وقد أثبتوا فشلهم فيه ـ إن هؤلاء ـ يستحقون هذه الفضيحة، لكي يكون الناس منهم على حذر، ولا تغرهم الإدعاءات الفارغة، والإنتفاخات المصطنعة.


هذا.. وقد تحدثنا عن موضوع فدك وإعطائها لفاطمة (عليها‌السلام ) في الجزء الثامن عشر من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسيأتي شطر من الكلام عن ذلك في الجزء الذي نتحدث فيه عن سيرة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في عهد أبي بكر..

ما جرى في وادي القرى:

وخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من خيبر إلى وادي القرى، وتهيأ يهودها ومن انضوى إليهم من العرب للقتال، قالوا: وعبأ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم: إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله.

فبرز رجل منهم، فبرز له الزبير فقتله، ثم برز آخر فقتله الزبير، ثم برز آخر، فبرز إليه علي (عليه‌السلام ) فقتله، وبرز آخر، فقتله أبو دجانة، ثم قتل أبو دجانة مبارزاً آخر، حتى قتل منهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أحد عشر رجلاً(1) .

ونقول:

إننا نكتفي هنا بالإلماح إلى ما يلي:

____________

1-سبل الهدى والرشاد ج5 ص148 و 149 والسيرة الحلبية ج3 ص59 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص442 وإمتاع الأسماع ج1 ص325 والبداية والنهاية ج4 ص248 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص412.


1 ـ إن اعطاء اللواء لسعد، واعطاء الرايات لمن ذكروا آنفاً لا يصح، فإن علياً (عليه‌السلام ) كان هو صاحب الراية واللواء معاً في كل مشهد..

والظاهر: أن اللواء الذي أعطاه لعلي (عليه‌السلام ) هو اللواء الأعظم، وهو لواء الجيش كله.. ثم أعطى رايات كل فريق لرجل فيهم.. فراية الخزرج لسعد، وراية الأوس لفلان. وهكذا..

2 ـ إننا لا نكاد نطمئن إلى ما زعمته الرواية المتقدمة من وقوع القتال في وادي القرى، فإن ما جرى في خيبر، وفتح حصونها، وقلع بابها، وقتل مرحب، واستسلام أهل فدك، يجعل أهل وادي القرى يجبنون عن القتال.. بل هو يميتهم رعباً.. ولا سيما مع عدم التكافؤ بينهم وبين المسلمين في العدة وفي العدد..

3 ـ اللافت هنا: التواضع الذي أظهرته الرواية في نصيب علي (عليه‌السلام ) من القتلى، مقابل نصيب أبي دجانة والزبير، فإنهما قتلا ضعف ما قتل علي (عليه‌السلام )؟!

وفي جميع الأحوال نقول:

إننا نلمح درجة من التزوير المتعمد في هذا الموضع.. كما في غيره.. والله هو العالم بالحقائق..

رد الشمس لعلي (عليه‌السلام ):

وذكروا: أن الشمس قد ردت ـ بعدما غربت ـ لعلي (عليه‌السلام ) في


منطقة الصهباء، قرب خيبر(1) .

وفي بعض الروايات: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان مشغولاً بقسم الغنائم في خيبر.

وفي نص آخر: كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أرسله في حاجة فعاد، فنام (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على ركبته، وصار يوحى إليه.. فغابت الشمس، أو كادت.

وفي بعض الروايات: أنها ردت إليه مرات عديدة، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا: (رد الشمس لعلي (عليه‌السلام) ، فراجع.

____________

1- مصادر ذلك كثيرة، فراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج2 ص517 ومشكل الآثار ج2 ص9 وج4 ص389 وكفاية الطالب ص385 والشفاء ج1 ص284 والمعجم الكبير ج24 ص145 وكنز العمال ج12 ص349 وعمدة القاري ج15 ص43 والبداية والنهاية ج6 ص80 واللآلي المصنوعة ج1 ص338 و 339 و 340 ومنهاج السنة ج4 ص191 و 188 و 189 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص201 والسيرة الحلبية ج1 ص386 و 385 وبحار الأنوار ج41 ص167 و 174 و 179 وج21 ص42 و 43 عن علل الشرائع ص124 وعن المناقب ج1 ص359 و 361 وعن الخرائج والجرائح، ونسيم الرياض ج3 ص10 و 11 و 12 والمواهب اللدنية ج2 ص209 و 210 وتاريخ الخميس ج2 ص58 وعن المنتقى في مولد المصطفى للكازروني.


غير أننا سوف نكتفي هنا بالإلماح إلى نقاط يسيرة، حول ما كان من ذلك في غزوة خيبر، فنقول:

رواة حديث رد الشمس:

إن حديث رد الشمس لعلي (عليه‌السلام ) في المواضع المختلفة قد روي عن ثلاثة عشر صحابياً، وقد وردت رواية اثني عشر منهم في مصادر أهل السنة أيضاً. وهم:

1 ـ علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

2 ـ والإمام الحسين (عليه‌السلام ).

3 ـ وأسماء بنت عميس.

4 ـ وأبو هريرة.

5 ـ وأبو ذر.

6 ـ وأم هانئ.

7 ـ وعبد خير.

8 ـ وأم سلمة.

9 ـ وجابر بن عبد الله الأنصاري.

10 ـ وأبو سعيد الخدري.

11 ـ وسلمان.

12 ـ وأنس.




13 ـ وأبو رافع مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

____________

1- تجد هذه الروايات في: كتاب مناقب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لابن المغازلي ص96 وميزان الإعتدال ج3 ص170 ومشكل الآثار ج2 ص8 وج4 ص388 ـ 390 وكفاية الطالب ص381 ـ 388 وفتح الملك العلي ص16 و 17 و 18 و 19 و 21 و 141 و 144 وعن الرياض النضرة ص179 و 180 وراجع: البداية والنهاية ج6 ص77 ـ 87 والمناقب للخوارزمي ص 306 و 307 ولسان الميزان ج5 ص76 و 140 و 301 وكنز العمال ج12 ص349 وج11 ص524 وج13 ص152 والشفاء لعياض ج1 ص284 وترجمة الإمام علي (عليه‌السلام ) من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج2 ص283 ـ 307 وتاريخ الخميس ج2 ص58 وصفين لنصر بن مزاحم ص135 وينابيع المودة للقندوزي ص138 وتذكرة الخواص ص49 ـ 53 ونزل الأبرار ص 76 ـ 79 والضعفاء الكبير للعقيلي ج3 ص327 و 328 والمعجم الكبير ج24 ص145 ـ 158 ومنهاج السنة ج2 ص186 ـ 195 ومجمع الزوائد ج3 ص50 وج8 ص297 وكشف الخفاء للعجلوني ج1 ص220 و 428 والمقاصد الحسنة للسخاوي ص226 والخصائص الكبرى للسيوطي ج2 ص324 وعمدة القاري للعيني ج15 ص43 واللآلي المصنوعة للسيوطي ج1 ص336 ـ 341 والفصل لابن حزم ج2 ص87 وج5 ص3 و 4 عن كتاب رد الشمس للفضلي العراقي وفتح الباري ج6 ص155 عن الطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، والطحاوي، وفرائـد السمطين ج1 ص183 ونهج السعـادة ج1 = = ص117 وج7 ص448 و 449 والإمام علي (عليه‌السلام ) لأحمد الهمداني ص 177 ـ 179 وإفحام الأعداء والخصوم ص26 وشرح معاني الآثار ج1 ص45 ـ 47 وتذكرة الموضوعات للفتني ص96 وحقائق التأويل ص74 وشواهـد التنزيل ج1 ص9 و 10 ـ 16 ورجال النجاشي ص85 و 428 والفهرست ص79 ونور الثقلين ج5 ص225 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ج1 ص 111 ـ 114 و 117 و 118 و 119 والإحتجاج (ط النجف) ج1 ص166 ومائة منقبة ص8 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص135 والصراط المستقيم ج1 ص16 و 99 و 104 و 153 و 201 وحلية الأبرار ج2 ص327 وكشف الظنون ج2 ص1494 وبشارة المصطفى، ومرآة الجنان ج4 ص178 والجامع لأحكام القرآن ج15 ص97 وعلل الشرائع ج2 ص48 ـ 50 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص201 و 202 والسيرة الحلبية ج1 ص383 ـ 387 وبحار الأنوار ج41 ص166 ـ 191 وج21 ص43 وج97 ص217 وج99 ص30 وج17 ص357 و 358 وج55 ص166 وج80 ص317 و 318 و 324 و 325 وقرب الإسناد ص82 والخرائج والجرائح ج2 ص500 و 502 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص51 وعن أمالي المفيد ص94 وعن الكافي ج4 ص561 و 562 وأمالي ابن الشيخ ص64 وعن السرائر وعدة الداعي ص88 والإرشاد للمفيد ج1 ص346 وتفسير العياشي ج2 ص70 وتفسير البرهان ج2 ص98 وج4 ص387 ونسيم الرياض ج3 ص10 ـ 14 وشرح الشفاء للمـلا علي القـاري (بهامش نسيم الريـاض) ج3 = = ص10 ـ 13 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج16 ص316 ـ 331 وج5 ص521 ـ 539 وج21 ص261 ـ 271 وفيض القدير ج5 ص440 والمواهب اللدنية ج2 ص209 ـ 211 وشرح المواهب للزرقاني ج6 ص284 ـ 294.

وراجع أيضاً: عيون المعجزات ص7 و 4 و 136 وبصائر الدرجات ص217 و 239 و 237 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج2 ص135 ـ 138 وكتاب المزار الكبير لابن المشهدي ص258 و 205 وإقبال الأعمال ج3 ص130 والمزار للشهيد الأول ص91 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج5 ص81 وج14 ص255 وج3 ص469 وج10 ص277 وج30 ص30 و 38 وج19 ص328 و 340 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص130 و 611 والهداية الكبرى ص123 ـ 130 والمسترشد ص265 ومناقب أمير المؤمنين ج2 ص516 و 518 و 519 و 520 و 521 وخاتمة المستدرك ج4 ص94 و 224 و 226 وروضة الواعظين ص129 و 130 وخصائص الأئمة ص52 و 56 و 57 والخصال ص550 ومعالم العلماء ص56 و 78 و 113 و 152 وإيضاح الإشتباه ص102 ورجال ابن داود ص39 ونقد الرجال ج1 ص129 وج5 ص353 و 351 وجامع الرواة ج1 ص53 وج2 ص531 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج2 ص77 وتهذيب المقال ج2 ص22 وج3 ص353 و 356 وج4 ص453 وتذكرة الحفاظ ج3 ص1200 وسير أعلام النبلاء ج10 ص544 والكشف الحثيث ص44 وإعلام الورى ج1 ص350 و 351 وقصص الأنبياء للراوندي، ونهج الإيمان لابن جبر ص70 وكشف اليقين ص112 ودفع الشبهة عن الرسول للحصني الدمشقي ص206 = = ومدينة المعاجز ج1 ص196 و 197 و 202 و 205 و 207 و 210 و 217 وج4 ص258 وكتاب الأربعين للماحوزي ص12 و 417 و 419 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص147.


وهذا الحديث متواتر، فلا حاجة إلى التكلم حول أسانيده وقد صححه، أو حسنه عدد من الحفاظ، من علماء أهل السنة أنفسهم، مثل الطحاوي، وعياض، وأبي زرعة، والطبراني، وأبي الحسن الفضلي، والقسطلاني، ودحلان، وغيرهم(1) .

وقال الدياربكري: وهذا حديث ثابت الرواية عن ثقات(2) .

وقال بعضهم: يتعذر الحكم على هذا الحديث بالضعف(3) .

لماذا لم تنقل الأمم ذلك؟!:

وقد حاولوا التشكيك بهذه الحادثة، بأن الشمس لو ردَّت بعدما غربت لرآها المؤمن والكافر، وهو أمر غريب تتوفر الدواعي على نقله،

____________

1- راجع كتابنا: رد الشمس لعلي (عليه‌السلام )، فصل: الأسانيد والرواة.

2- تاريخ الخميس ج2 ص58 وبحار الأنوار ج21 ص43 عن المنتقى في مولد المصطفى.

3- راجع: بحار الأنوار ج41 ص175 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص359 ـ 365 والبداية والنهاية ج6 ص79 و 80 و 87 والمواهب اللدنية ج2 ص211 ومنهاج السنة ج4 ص187 و 189 والغدير ج3 ص138 ورسائل في حديث رد الشمس للمحمودي ص69 و 187 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص438.


فالمفروض أن ينقله جماعةكثيرة من الأمم المختلفة(1) .

والجواب:

أولاً: إن الدواعي لدى كثير من أهل الإسلام كانت متوافرة على كتمان هذا الحديث والتكتم على هذا الحدث، لأنه مرتبط بعلي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، الذي سبوه حوالي ألف شهر على منابرهم، ولم يدخروا وسعاً في تصغير قدره، وإبطال أمره، والتشكيك بفضائله، وإنكار مقاماته إن أمكنهم ذلك.

ورغم ذلك، فإن هذه الحادثة قد نقلت عن ثلاثة عشر صحابياً.

ثانياً: إن الشمس قد حبست ليوشع بالإتفاق، وهو حدث كوني أيضاً، وإنما وصل إلينا خبر ذلك بواسطة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم(2) . ولم تنقله الأمم في كتاباتها، ولا أهل الأخبار في مروياتهم.

ثالثاً: وقد عبرت بعض الروايات: بحبس الشمس لعلي (عليه‌السلام ).. والحبس يقتضي أن تكون قد شارفت على المغيب، فتحبس حتى يقضي علي (عليه‌السلام ) صلاته، ثم تغيب. وقد لا يلتفت إلى هذا الأمر إلا الذي هو معني به.

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج41 ص175 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص359 ـ 365 وراجع: البداية والنهاية ج6 ص79 و 80 وراجع ص87 والمواهب اللدنية ج2 ص211 ومنهاج السنة ج4 ص187 و 189 وغير ذلك.

2- منهاج السنة ج4 ص184.


كما أن بعضها قال: إن الشمس حين رُدَّت، كانت قد غابت، أو كادت تغيب(1) .

فردها مع وجود النور القوي قد لا يتنبه له الكثيرون، وليس لمراد بردها جعلُها في وسط قبة الفلك، بل المراد ردها بمقدار يتمكن فيه المصلي من أداء صلاته..

فلماذا لا يقال: إن الشمس حبست في بعض المرات، وردَّت في بعضها الآخر، في وقت كان نورها لا يزال غامراً للأفق، فلم يلتفت الناس إلى ما جرى، إلا الذين كانوا يراقبونها، كأولئك الذين جرت القضية أمامهم، ويريد الله ورسوله أن يريهم هذه الكرامة لعلي (عليه‌السلام )..

رابعاً: سيأتي إن شاء الله تعالى: أن حصول هذا الأمر كان على سبيل الكرامة والإعجاز الإلهي، وإنما يجب أن يري الله تعالى معجزته لمن أراد سبحانه إقامة الحجة عليه، وإظهار الكرامة له، كما سيتضح.

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج17 ص359 وج80 ص324 عن صفين للمنقري، وعن الخرائج والجرائح، وفضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لابن عقدة ص75 ورسائل في حديث رد الشمس للمحمودي ص213 و 214 وراجع: البداية والنهاية ج6 ص77 و (ط دار إحياء التراث العربي) ص86 وتاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ترجمة الإمام على ج2 ص292 و(ط دار الفكر) ج 42 ص314 وراجع ج70 ص36 والموضوعات لابن الجوزي (ط المكتبة السلفية) ج1 ص15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص526.


لم تحبس الشمس إلا ليوشع:

وزعم أبو هريرة: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع، أو نحو ذلك. وقد تمسك البعض بهذا الحديث لإنكار حديث رد الشمس(1) .

ويرد عليه:

أولاً: إن أبا هريرة لا يؤتمن فيما يرويه على علي (عليه‌السلام )، كيف وقد ضرب على صلعته في باب مسجد الكوفة، ثم روى لهم حديث: من أحدث في المدينة أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله. ثم شهد بالله أن علياً (عليه‌السلام )

____________

1- السيرة الحلبية ج1 ص285 وراجع الحديث في: مشكل الآثار ج2 ص10 وج4 ص389 وعن المعتصر من المختصر، وتذكرة الخواص ص51 ونزل الأبرار ص78 وميزان الإعتدال ج3 ص170 والضعفاء الكبير للعقيلي ج3 ص328 وكنز العمال ج11 ص524 وفتح الباري ج6 ص154 والبداية والنهاية ج6 ص79 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج1 ص376 وج6 ص87 و 313 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص202 ونسيم الرياض ج3 ص10 و 11 وبهامشه شرح الشفاء للقاري ج3 ص11 و 13 والجامع الصغير حديث رقم (7889) ومسند أحمد (ط دار الحديث في القاهرة) ج8 ص275 و (ط دار صادر) ج2 ص325 والمواهب اللدنية ج2 ص210 وفيض القدير ج5 ص562 وتاريخ بغداد ج7 ص37 وقصص الأنبياء لابن كثير ج2 ص208 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص439.


قد أحدث في المدينة(1) .

مكذباً بذلك آية التطهير، وجميع أقوال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حق علي (عليه‌السلام )، مثل أن علياً مع الحق والحق مع علي، ونحو ذلك..

ومن جهة أخرى، فقد روي عن علي (عليه‌السلام ) قوله: ألا إن أكذب الناس، أو أكذب الأحياء على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أبو هريرة(2) .

____________

1- راجع: شرح النهج للمعتزلي ج4 ص67 وأضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص218 وشيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبي رية ص237 والغارات للثقفي ج2 ص659 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص255 والنص والإجتهاد ص514 وكتاب الأربعين للشيرازي ص295 ونهاية الدراية للسيد حسن الصدر ص22 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص529 ونهج السعادة ج8 ص486 والكنى والألقاب ج1 ص179 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص43.

2- الإيضاح لابن شاذان ص496 والغارات للثقفي ج2 ص660 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص68 وكتاب الأربعين للشيرازي ص296 وبحار الأنوار ج33 ص215 وج34 ص287 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص525 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص247 وشجرة طوبى ج1 ص97 وأضواء على السنة المحمدية ص204 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص160 و 186 و 188 وشيخ المضيرة أبو هريرة ص135 عن سير أعلام النبلاء ج2 ص435 وراجع: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص16.


وقد وضع معاوية قوماً من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه‌السلام )، تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً يرغب فيه، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة(1) .

ثانياً: لو صح هذا الحديث، فلعل أبا هريرة قد دلس فيه، ورواه عن شخص آخر. ويكون قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لم تحبس الشمس إلا ليوشع، قد صدر عنه قبل رد الشمس لعلي (عليه‌السلام ) في خيبر وفي بدر..

ثالثاً: إن هذا الحديث لو صح: فإنما ينفي حبس الشمس لغير يوشع، ولا ينفي ردها..

رابعاً: حديث أبي هريرة مردود عليه، فقد روي حبس الشمس لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صبيحة الإسراء، وفي الخندق(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص63 و 64 وكتاب الأربعين للشيرازي ص294 وبحار الأنوار ج30 ص401 وج33 ص215 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص528 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص554 وشيخ المضيرة أبو هريرة ص199 و 236 وصلح الحسن للسيد شرف الدين ص326.

2- راجع: عمدة القاري ج15 ص42 و43 وراجع: فتح الباري ج6 ص155 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص202 والسيرة الحلبية ج1 ص383 ونسيم الرياض ج3 ص11 و12 و13 وبهامشه شرح الشفاء للقاري ج3 ص13 وفيض القدير ج5 ص440 وبحار الأنوار ج17 ص359 والمواهب اللدنية ج2 ص210 و211.


خامساً: قد حبست الشمس، وردَّت لغير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أيضاً، فقد روي: أنها حبست لداود (عليه‌السلام ).

وردت لسليمان (عليه‌السلام ).

وحبست لموسى (عليه‌السلام ).

وحبست في أيام حزقيل.

وزعموا: أنها حبست لأبي بكر.

وزعموا: أنها حبست للحضرمي(1) .

سادساً: ورد عن الشافعي وغيره: ما أوتي نبي معجزة إلا أوتي نبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نظيرها أو أبلغ منها(2) .

سابعاً: قال الشافعي: إن الشمس إذا كانت قد حبست ليوشع ليالي قتال الجبارين، فلا بد أن يقع نظير ذلك في هذه الأمة أيضاً(3) . فيدل ذلك على أن ما ثبت ليوشع، وهو وصي موسى، ولحزقيل، وداود، وسليمان،

____________

1- راجع كتابنا: رد الشمس لعلي (عليه‌السلام ) ص63 ـ 65 للإطلاع على بعض تفاصيل ذلك، وعلى بعض مصادره.

2- عمدة القاري ج15 ص144 راجع: رسائل في حديث رد الشمس للشيخ المحمودي ص108 وتفسير البغوي ج1 ص236 وتفسير البحر المحيط ج2 ص283.

3- نسيم الرياض ج3 ص12 واللآلي المصنوعة ج1 ص341 ورسائل في حديث رد الشمس للمحمودي ص108 وعن الصواعق المحرقة ص197.


وموسى (عليه‌السلام ) لا بد أن يثبت لوصي محمد في هذه الأمة، ولنبينا محمد نفسه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وذلك للأخبار الواردة عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أنه سيجري في أمته ما جرى في الأمم السابقة(1) .

ثامناً: إن كلام أبي هريرة ليس صريحاً في نفي ردها لعلي (عليه‌السلام ). إذ لعل المراد: أن الله تعالى لم يردها قبل علي (عليها‌السلام ) لغير يوشع.. ويقصد بالغير: من عدا الأنبياء طبعاً. أو يكون المقصود لم يحبسها لأحد من الأوصياء لغير يوشع وصي موسى (عليهما‌السلام )، وعلي (عليه‌السلام ) وصي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

الذين يرون المعجزة:

وبعد.. فإن الذين يجب أو يمكن أن يروا المعجزة كمعجزة شق القمر، أو رد الشمس هم:

إما الصفوة الأخيار، الذين تزيدهم يقيناً وإيماناً.

وإما الذين يراد إقامة الحجة عليهم، أو ردّ التحدي الوارد من قبلهم، وتحطيم كبريائهم، وبغيهم.

ويراها أيضاً أولئك الذين خدعوا بالباطل، من أجل تعريفهم بزيف الذين خدعوهم، وبباطلهم، وجحودهم..

____________

1- راجع: المستدرك للحاكم ج1 ص129 ومجمع الزوائد ج7 ص260 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص636 والمعجم الكبير ج17 ص13 ومسند الشاميين ج2 ص100 وكنز العمال ج11 ص170 و230.


وأما الآخرون الغافلون فقد يجب أن لا يراها الكثيرون منهم، وهم الذين يصابون بالخوف، والهلع، الذي يُفقِدُ إيمانهم قدرته على التأثير في جلب المثوبة لهم، لأن المناط في جلب المثوبة هو الإختيار، البعيد عن أجواء الإلجاء، والاضطرار، ليكون إيماناً مستنداً إلى الوعي والالتفات، وإلى القناعة الناتجة عن روية وتبصر، وعن تأمل وتفكر، ووعي وتدبر.

إختلال النظام الكوني:

وقد زعموا أيضاً: أن رد الشمس لعلي (عليه‌السلام ) غير ممكن، لأنها لو تخلفت أو ردّت لاختلت الأفلاك، وفسد النظام(1) .

ونقول:

أولاً: إن أمر الكون بيد الله تعالى، فهو يخضعه للمعجزة، دون أن يوجب حدوثها أي اختلال في نظامه.. لأن صانع المعجزة هو إله قادر عالم حكيم.. وليس عاجزاً ولا جاهلاً.

ثانياً: هذا الكلام لو صح للزم تكذيب جميع المعجزات التي لها ارتباط بالنظام الكوني، ومن ذلك معجزة انشقاق القمر. ومعجزة حبس الشمس ليوشع. وغير ذلك..

____________

1- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص385 و (ط دار المعرفة) ج2 ص101 وبحار الأنوار ج41 ص175 وتذكرة الخواص ص52 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص359 ـ 365 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص146.


لو ردت لعلي (عليه‌السلام ) لردت للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وقالوا: لو ردت الشمس لعلي (عليه‌السلام ) لردت للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حينما نام هو وأصحابه عن صلاة الصبح في الصهباء، وهو راجع من غزوة خيبر نفسها(1) .

ونقول:

أولاً: حديث نوم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن صلاة الصبح لا يمكن قبوله.

ثانياً: إن الشمس ردت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في غزوة الخندق وغيرها، وحبست له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين الإسراء.

وتقدم أيضاً: أنها ردَّت وحبست لغيره من الأنبياء والأوصياء السابقين..

بل زعموا: أنها حبست للحضرمي، ولأبي بكر أيضاً. كما أن من يصدق بهذا وذاك، فعليه أن يعتقد أن ذلك لا يوجب اختلال النظام الكوني أيضاً.

ثالثاً: قال الخفاجي: (إنما ردت إلى علي (عليه‌السلام ) ببركة دعائه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). مع أن كرامات الأولياء في معنى معجزات الأنبياء).

____________

1- البداية والنهاية ج6 ص79 و 80 و 87 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج6 ص88 وراجع: منهاج السنة ج4 ص187 و 189.


إلى أن قال: (مع أن المفضول قد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل. كما يلزم منه القول بعدم حبسها ليوشع)(1) .

ولعله يقصد بقوله: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل: أن بعض المصالح قد توجب حدوث أمر للمفضول، ولا يكون هناك ما يوجب حدوثه للفاضل..

فإذا كان هناك من سوف يعاند علياً (عليه‌السلام ) في إمامته، وفي خصوصيته، وفي أفضليته على البشر جميعاً، باستثناء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإن الله يختصه (عليه‌السلام ) بكرامات تثبت له ذلك كله، وتقيم عليهم الحجة فيه، فيولد علي (عليه‌السلام ) في الكعبة، ولا يولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيها، ويقلع علي (عليه‌السلام ) باب حصن خيبر، وترد له الشمس و.. و.. الخ.. ولا يكون هناك ما يقتضي حدوث ذلك لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

علي (عليه‌السلام ) لا يترك الصلاة:

وقالوا: إن علياً (عليه‌السلام ) أجلُّ من أن يترك الصلاة(2) . فإذا ورد ما ينسب ذلك إليه، فلابد من ردِّه.

ونقول:

أولاً: صرح النص الذي ذكر رد الشمس لعلي (عليه‌السلام ) في منزل

____________

1- شرح الشفاء للقاري (مطبوع مع نسيم الرياض) ج3 ص13.

2- منهاج السنة ج4 ص186 و 195.


رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المدينة، بأن علياً (عليه‌السلام ) قد صلى إيماءً، وأراد الله أن يظهر كرامته، فردها عليه ليصلي صلاة المختار.

ثانياً: إذا كان الغروب يتحقق بذهاب الحمرة المشرقية، فإذا أردت فور غيابها عن النظر، فإن الصلاة لا تكون قضاء في هذه الحالة، لأن المفروض أن الغروب لم يتحقق بعد.. فلا يصح القول: إن الصلاة قد فاتته، وقد روي في صحيح مسلم وغيره: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: إذا غابت الشمس من ها هنا وأشار إلى المغرب، وأقبل الليل من ها هنا، وأشار إلى المشرق، فقد أفطر الصائم(1) .

ثالثاً: ذكرت بعض النصوص: أن الله تعالى رد الشمس عليه، أو حبسها له بعدما كادت تغرب.

وهذا معناه: أن صلاة العصر لم تكن قد فاتته، لأن وقتها يمتد إلى وقت غروب الشمس.

وقال ابن إدريس في السرائر: (ولا يحل أن يعتقد أن الشمس غابت، ودخل الليل، وخرج وقت العصر بالكلية، وما صلى الفريضة (عليه‌السلام )، لأن هذا من مٌعْتَقِدِهِ جهل بعصمته (عليه‌السلام )، لأنه يكون مخلاً بالواجب

____________

1- صحيح مسلم ج3 ص132 والمجموع للنووي ج6 ص303 وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج2 ص328 و 329 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص578 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص216 ومسند الحميدي ج1 ص12 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص252 والإستذكار لابن عبد البر ج3 ص288


المضيق عليه. وهذا لا يقوله من عرف إمامته، واعتقد بعصمته)(1) .

وعلى كل حال: فإن مناوئي علي (عليه‌السلام ) قد سعوا بكل ما لديهم من طاقة وحول إلى إبطال هذه الكرامة الكبرى له (عليه‌السلام )، أو إثارة الشبهات والتشكيكات حولها، ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره، ولو كره الشانئون، والحاقدون، والحاسدون لعلي (عليه‌السلام )، وللأئمة الطاهرين من ولده (عليهم‌السلام )..

فمن أراد الاطلاع على المزيد مما يرتبط بهذا الموضوع، فليرجع إلى كتابنا الموسوم بـ: (رد الشمس لعليعليه‌السلام )، والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

____________

1- راجع: السرائر ج1 ص265 وبحار الأنوار ج80 ص318.


الباب السابع:

إلى فتح مكة..



الفصل الأول:

ذات السلاسل..



سرية ذات السلاسل:

1 ـ ورد في بعض الروايات عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ): أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجَّه عمر بن الخطاب في سرية فرجع منهزماً، يجبِّن أصحابه ويجبنونه، فأرسل علياً (عليه‌السلام ) وأمره أن لا يفارقه العين، فأغار عليهم، فنزلت:( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً.. ) إلى آخر السورة(1) .

2 ـ وروي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما بعث سرية ذات السلاسل، عقد الراية وسار بها أبو بكر، حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل بهم خبرهم، فتحرزوا ولم يصل المسلمون إليهم.

فأخذ الراية عمر وخرج مع السرية، فاتصل بهم خبرهم، فتحرزوا، ولم يصل المسلمون إليهم.

فأخذ الراية عمرو بن العاص، فخرج في السرية فانهزموا.

فأخذ الراية علي، وضم إليه أبا بكر، وعمر، وعمرو بن العاص، ومن

____________

1- أمالي ابن الشيخ ص259 و 260 وبحار الأنوار ج21 ص75 و 76 عنه، والبرهان (تفسير) ج4 ص498 و 499 ونور الثقلين ج5 ص652 والتفسير الصافي ج5 ص361.


كان معه في تلك السرية.

وكان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم، ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة، فيأخذون حذرهم واستعدادهم.

فلما خرج علي (عليه‌السلام ) ترك الجادة، وأخذ بالسرية في الأودية بين الجبال.

فلما رأى عمرو بن العاص وقد فعل علي ذلك، علم أنه سيظفر بهم، فحسده، فقال لأبي بكر، وعمر، ووجوه السرية: إن علياً رجل غر، لا خبرة له بهذه المسالك، و نحن أعرف بها منه، وهذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع، وسيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو، فاسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة.

فعرَّفوا أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ذلك، فقال: من كان طائعاً لله ولرسوله منكم فليتبعني، ومن أراد الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عني.

وفي نص آخر: فقال لهم أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): الزموا رحالكم، وكفوا عما لا يعنيكم، واسمعوا وأطيعوا، فإني أعلم بما أصنع(1) .

فسكتوا، وساروا معه، فكان يسير بهم بين الجبال في الليل، ويكمن في الأودية بالنهار، وصارت السباع التي فيها كالسنانير، إلى أن كبس المشركين

____________

1- راجع هذه الفقرة في: بحار الأنوار ج21 ص74 وتفسير القمي ج2 ص439 ونور الثقلين ج5 ص657.


وهم غارون آمنون وقت الصبح، فظفر بالرجال، والذراري، والأموال، فحاز ذلك كله، وشد الرجال في الحبال كالسلاسل، فلذلك سميت غزاة ذات السلاسل.

فلما كانت الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على العدو ـ ومن المدينة إلى هناك خمس مراحل ـ خرج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فصلى بالناس الفجر، وقرأ: (والعاديات) في الركعة الأولى، وقال: (هذه سورة أنزلها الله عليَّ في هذا الوقت، يخبرني فيها بإغارة علي على العدو. وجعل حسده (أي حسد الإنسان) لعلي حسداً له، فقال:( إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) (1) . والكنود: الحسود(2) .

3 ـ وذكر نص آخر: أن أعرابياً أخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) باجتماع قوم من العرب في وادي الرمل ليبيتوه في المدينة.. فأخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المسلمين..

فانتدب إليهم جماعة من أهل الصفة، فأقرع بينهم، فخرجت القرعة على ثمانين رجلاً، فاستدعى أبا بكر، فقال له: خذ اللواء، وامض إلى بني سليم، فإنهم قريب من الحرة..

فمضى إليهم. وهم ببطن الوادي، والمنحدر إليهم صعب. فخرجوا

____________

1- الآية 6 من سورة العاديات.

2- بحار الأنوار ج21 ص76 و 77 والخرائج والجرائح ج1 ص167 و 168 وراجع: إثبات الهداة ج2 ص118.


إليه ـ حين أرادوا الإنحدار ـ فهزموه، وقتلوا من المسلمين جمعاً كثيراً.

فعقد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعمر بن الخطاب، وبعثه إليهم.. فهزموه أيضاً.

فأرسل إليهم عمرو بن العاص بطلب من عمرو نفسه، فخرجوا إليه، فهزموه، وقتلوا جماعة من أصحابه..

فدعا علياً (عليه‌السلام )، فعقد له، ثم قال: (أرسلته كراراً غير فرار).

وشيعه إلى مسجد الأحزاب، وأنفذ معه أبا بكر، وعمر، وعمرو بن العاص.

فسار بهم (عليه‌السلام ) نحو العراق متنكباً للطريق، حتى ظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثم انحدر بهم على محجة غامضة، حتى استقبل الوادي من فمه..

وكان يسير بالليل، ويكمن بالنهار.

فلما قرب من الوادي أمرهم أن يعكموا الخيل..

فعرف عمرو بن العاص أنه الفتح.

ثم ذكرت الرواية نحو ما تقدم في الرواية السابقة.

ثم قالت: قالوا: وقتل منهم مئة وعشرين رجلاً. وكان رئيس القوم الحارث بن بشر، وسبى منهم مئة وعشرين.

فلما رجع واستقبله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والمسلمون.. قال له: (لولا أني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في


المسيح عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر بملأ من الناس إلا وأخذوا التراب من تحت قدميك)(1) .

4 ـ وجاء في نص آخر: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخبر الناس بما أنذر به الإعرابي، وقال لهم: (فمن للوادي)؟!

فقام رجل من المهاجرين، فقال: أنا له يا رسول الله، فناوله اللواء، وضم إليه سبع مائة رجل، فسار إليهم، فسألوه عن شأنه، فأخبرهم، فقالوا: (ارجع إلى صاحبك، فإنَّا في جمع لا تقوم له)، فرجع.

فأرسل مهاجرياً آخر، فمضى، ثم عاد بمثل ما عاد به صاحبه.

فأرسل علياً (عليه‌السلام ) فمضى إلى وادي الرمل، فوافى القوم بسحر، فأقام حتى أصبح، ثم عرض على القوم أن يسلموا أو يضربهم بالسيف، فطلبوا منه أن يرجع كما رجع صاحباه، فأبى، وأخبرهم أنه علي، فاضطربوا لما عرفوه، ثم اجترأوا على مواقعته، فقتل منهم ستة أو سبعة، وانهزموا، وظفر المسلمون بالغنائم، ورجعوا.

فاستقبله المسلمون والنبي، فلما بصر بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ترجل عن فرسه، وأهوى إلى قدميه يقبلهما.

فقال له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (اركب، فإن الله تعالى ورسوله عنك

____________

1- الإرشاد للمفيد ج1 ص 164 و 165 وبحار الأنوار ج21 ص77 ـ 79 وراجع ص83 و 84 وتفسير فرات، والبرهان (تفسير) ج4 ص498 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص103 وكشف الغمة ج1 ص203 و 231.


راضيان).

فبكى علي (عليه‌السلام ) فرحاً، ونزلت سورة العاديات في هذه المناسبة(1) .

5 ـ وفي حديث ابن عباس: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دعا أبا بكر إلى غزوة ذات السلاسل، فأعطاه الراية فردها..

ثم دعا عمر، فأعطاه الراية فردها.

ثم دعا خالد بن الوليد فأعطاه الراية، فرجع.

فأعطاها علياً (عليه‌السلام ) فانطلق بالعسكر، فنزل في أسفل جبل كان بينه وبين القوم، وقال: اركبوا (لعل الصحيح: اكعموا) دوابكم.

فشكا خالد لأبي بكر وعمر: أنه أنزلهم في واد كثير الحيات، كثير الهام، كثير السباع، فإما يأكلهم مع دوابهم سبع، أو تعقرهم ودوابهم حيات، أو يعلم بهم العدو فيقتلهم..

فراجعوا علياً (عليه‌السلام ) بالأمر، فلم يقبل منهم.

____________

1- راجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص 114 ـ 117 وبحار الأنوار ج21 ص80 ـ 82 عنه وج36 ص178 و 179 وج41 ص92 و 93 وعن إعلام الورى ص 116 و 117 ومناقب آل أبي طالب ص328 ـ 330 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص100 ـ 103 وشجرة طوبى ج2 ص295 و 296 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص574 ـ 576 وعن كشف الغمة ج1 ص230 ـ 232 وكشف اليقين ص151 و 152 وتأويل الآيات ج2 ص840 و 841.


ثم راجعوه مرة أخرى فلم يقبل.

فلما كان السحر أمرهم فطلعوا الجبل، وانحدروا على القوم، فأشرف عليهم، وقال لأصحابه: انزعوا عكمة دوابكم، فشمَّت الخيل ريح الإناث، فصهلت، فسمع القوم صهيل الخيل فهربوا.

فقتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم. فنزلت سورة (والعاديات) على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثم جاءته البشارة(1) .

إختلافات لها حل:

وقد ظهرت في النصوص المتقدمة بعض الإختلافات التي تحتاج إلى معالجة معقولة ومقبولة.

وهذه المعالجة ليست بعيدة المنال في هنا.

ونحن نذكر نماذج من تلك الإختلافات، ثم نعقب ذلك بما نراه معالجة مناسبة، فنقول:

من اختلافات الروايات:

ظهرت إختلافات كثيرة في الروايات التي ذكرناها، وفي سواها مما لم نذكر، مما تعرض لهذه الحادثة.. فلاحظ ما يلي:

1 ـ هل بعث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذه السرية إلى قضاعة،

____________

2- 1- بحار الأنوار ج21 ص82 و 83 وج41 ص92 و 93 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص328 و 329 وشجرة طوبى ج2 ص295 وتفسير فرات ص591.


وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين؟!(1) .

أو إلى قضاعة فقط(2) .

أو إلى بني سليم(3) .

أو بعث عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الشام؟!(4) .

2 ـ هل المقتولون من الأعداء حين هاجمهم علي (عليه‌السلام ) مئة

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص168 عن البلاذري.

2- سبل الهدى والرشاد ج6 ص167 والمغازي للواقدي ج2 ص770 وعيون الأثر ج2 ص171 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص131 وفتح الباري ج8 ص59 وعمدة القاري ج18 ص13 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص199.

3- بحار الأنوار ج20 ص308 وج21 ص77 و 80 وج36 ص178 وتفسير فرات ص592 وكشف اليقين ص151 وتأويل الآيات ج2 ص840 و 841 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص174 والإرشاد للمفيد ج1 ص162 وكشف الغمة ج1 ص230.

4- سبل الهدى والرشاد ج6 ص167 والمغازي للواقدي ج2 ص770 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص23 وأسد الغابة ج4 ص116 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص314 والبداية والنهاية ج4 ص311 و 312 وج5 ص238 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1040 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص516 وج4 ص435 وفتح الباري ج8 ص59.


وعشرون رجلاً، والسبايا منهم مئة وعشرون ناهداً؟!(1) .

أم قتل منهم ستة، أو سبعة، ثم انهزموا؟!(2) .

3 ـ هل المحرض لأبي بكر وعمر على الإعتراض على علي في مسيره في الطريق الوعر هو عمرو بن العاص؟!(3) .

أم هو خالد بن الوليد؟!(4) .

4 ـ هل اعترض أبو بكر وعمر، وابن العاص على المنزل الذي أنزلهم فيه علي (عليه‌السلام )(5) .

أم اعترضوا على الطريق التي سلكها بهم؟!(6) .

____________

1- تفسير فرات ص592 وبحار الأنوار ج21 ص84 عنه.

2- بحار الأنوار ج21 ص81 والإرشاد للمفيد ج1 ص116 وإعلام الورى ص116 و 117 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص576 وأعيان الشيعة ج1 ص285 ومنهاج الكرامة ص167.

3- بحار الأنوار ج21 ص77 و 78 وج36 ص179 وج41 ص92 والخرائج والجرائح ج1 ص167 والإرشاد ج1 ص164 وتأويل الآيات ج2 ص842 وكشف اليقين ص151 و 152.

4- بحار الأنوار ج21 ص82 وج41 ص92 وتفسير فرات ص591.

5- بحار الأنوار ج21 ص82 وج36 ص179 وج41 ص92 وتفسير فرات ص591 وشجرة طوبى ج2 ص295.

6- الإرشاد ج1 ص164 وتأويـل الآيـات ج2 ص842 وكشف اليقين ص151 = = و 152 وكشف الغمة ج1 ص231 وبحار الأنوار ج21 ص77 و 78.


5ـ من الذي أخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بجمع الأعـداء، وبعددهم، وبما تعاقدوا عليه؟!

هل هو جبرائيل؟!(1) أم رجل أَعرابي؟!(2) .

6 ـ هل أغار علي (عليه‌السلام ) على الأعداء عند الفجر؟!(3) أم عند السحر؟!(4) .

7 ـ هل خرج إلى أبي بكر مئتا رجل، فكلموه، وخوفوه، فرجع؟!(5) أم

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص68 وتفسير القمي ج2 ص434 ونور الثقلين ج5 ص652 وتفسير الصافي ج5 ص362 وتأويل الآيات ج2 ص844.

2- بحار الأنوار ج21 ص77 و 80 والإرشاد ج1 ص114 و 162 وكشف الغمة ج1 ص230 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص844.

3- راجع: بحار الأنوار ج21 ص76 و 77 و 79 و 83 وج41 ص92 والأمالي للشيخ ص259 و 260 وشجرة طوبى ج2 ص295 وتفسير فرات ص602 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص329 والخرائج والجرائح ج1 ص168 والإرشاد ج1 ص165 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص103 وكشف الغمة ج1 ص232.

4- بحار الأنوار ج1 ص83 و 84 وتفسير فرات ص592.

5- بحار الأنوار ج21 ص69 و 70 وتفسير القمي ج2 ص435 وتفسير فرات ص599 وتفسير الصافي ج5 ص362 وإعلام الورى ص116 و 117 وتأويل الآيات ص845 ونور الثقلين ج5 ص653.


أنه لما صار إلى الوادي، وأراد الإنحدار هاجموه، وهزموه، ثم أرسل إليهم عمر فهزموه، ثم عمرو بن العاص فكذلك؟!(1) .

8 ـ هل تمكن علي من كبس المشركين وهم غارون فظفر بهم؟!(2) ، أم أنهم سمعوا صهيل خيله فولوا هاربين؟!(3) .

أم أنه لم يباغتهم، بل خاطبهم، وأخبرهم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسله إليهم، فأجترأوا عليه وقاتلوه؟!(4) .

9 ـ هل ذهبت السرية إلى وادي اليابس؟!(5) أو أنها ذهبت إلى وادي

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص78 وج36 ص179 وج41 ص92 والإرشاد ج1 ص163 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص328 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص101 و 102 وتأويل الآيات ج2 ص840 وكشف الغمة ج1 ص231 وكشف اليقين ص151.

2- بحار الأنوار ج21 ص79 و 84 وتفسير فرات ص593 ص602 والخرائج والجرائح ج1 ص168 وراجع: الإرشاد ج1 ص165 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص103.

3- بحار الأنوار ج21 ص83 وج41 ص93 وتفسير فرات ص592 ومناقب آل أبي طالب ج2 3 ص329.

4- بحار الأنوار ج21 ص81 والإرشاد للمفيد ج1 ص116 وإعلام الورى ص116 و 117 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص576.

5- بحار الأنـوار ج21 ص68 وشـجرة طوبى ج2 ص295 وتفسـير القمي ج2 = = ص434 وتفسير فرات ص599 والتفسير الصافي ج5 ص362 والتفسير الأصفى ج2 ص1469 وبحوث في تاريخ القرآن للزرندي ص51 وتأويل الآيات ج2 ص844.


الرمل؟!(1) .

10 ـ هل فر المشركون بمجرد سماعهم صهيل خيل علي (عليه‌السلام )؟!(2) أو أنهم فروا بعد أن كلمهم علي، وأخبرهم بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسله إليهم؟!(3) .

11 ـ بعض النصوص اقتصرت على أن عمرو بن العاص هو المهاجم، لأولئك القوم، الذي دوَّخ البلاد.

وفي بعضها: أنه أرسل عمر ففشل، فأرسل علياً (عليه‌السلام )، فكان

____________

1- مستدرك الوسائل ج4 ص161 وبحار الأنوار ج20 ص308 وج21 ص80 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص574 وإعلام الورى ج1 ص382 وكشف الغمة ج1 ص230 والإرشاد ج1 ص162 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص100 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص174 والنص والإجتهاد ص336 وكشف اليقين ص151 وتأويل الآيات ج2 ص840.

2- بحار الأنوار ج21 ص83 وج41 ص93 وتفسير فرات ص592 ومناقب آل أبي طالب ج2 3 ص329.

3- بحار الأنوار ج21 ص81 والإرشاد للمفيد ج1 ص116 وإعلام الورى ص116 و 117 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص576.


الفتح على يديه(1) .

وفي بعضها: أرسل أبا بكر، وعمر، وعلياً(2) .

وفي بعضها: أرسل رجلاً من المهاجرين ثم رجلاً من الأنصار، ثم علياً (عليه‌السلام )(3) .

وفي بعضها: أرسل أبا بكر، ثم عمر، ثم ابن العاص، ثم علياً(4) .

ونص آخر: يذكر أبا بكر، ثم عمر، ثم خالداً، ثم علياً(5) .

13 ـ وهل كان عدد أفراد السرية خمس مئة مقاتل، مئتان منهم جاء

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص75 والأمالي للشيخ ص259 و 260 والصافي (تفسير) ج5 ص361 والتفسير الأصفى ج2 ص1469.

2- بحار الأنوار ج21 ص68 وتفسير القمي ج2 ص434 وتأويل الايات ج2 ص844 ونور الثقلين ج5 ص652 وتفسير الصافي ج5 ص362.

3- بحار الأنوار ج21 ص80 وراجع ص66 والإرشاد للمفيد ج1 ص114 وإعلام الورى ص116 و 117 ومجمع البيان ج10 ص528 و 529 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص574.

4- بحار الأنوار ج21 ص77 وج41 ص92 والخرائج والجرائح ج1 ص167 والإرشاد ج1 ص163 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص328 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص101 وكشف الغمة ج1 ص231.

5- بحار الأنوار ج21 ص82 وتفسير فرات ص591.


بهم أبو عبيدة مدداً لعمرو بن العاص؟!(1) .

أو كان العدد أربعة آلاف؟!(2) ، أو سبع مئة مقاتل؟!(3) .

أو أنه أرسل ثمانين رجلاً مع علي أخرجتهم له القرعة؟!(4) .

14 ـ وهل إن أبا بكر وعمر عادا إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولم يباشرا قتالاً، كما في رواية القمي؟!..

أم أن أولئك القوم خرجوا إلى أبي بكر فهزموه، وقتلوا من المسلمين

____________

1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص167 و 168 والمغازي للواقدي ج2 ص770 وتاريخ الخميس ج2 ص175 وعن عيون الأثر ج2 ص171 وعن فتح الباري ج8 ص59 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص131 وغير ذلك كثير.

2- بحار الأنوار ج21 ص67 ـ 73 وتفسير القمي ج2 ص435 وتفسير فرات ص599 والتفسير الصافي ج5 ص362 ونور الثقلين ج5 ص652 وتأويل الآيات ج2 ص844.

3- بحار الأنوار ج21 ص80 و 82 والإرشاد للمفيد ج1 ص114 و 117 وعن إعلام الورى ص116 و 117 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص575.

4- بحار الأنوار ج21 ص77 ـ 79 و 83 و 84 وج36 ص178 وراجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص164 ـ 166 وتفسير فرات ص592 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص101 وكشف اليقين ص151 وتأويل الآيات ج2 ص840 وكشف الغمة ج1 ص23.


جمعاً كثيراً؟!(1) .

15 ـ هل يبعد موقع هذا الحدث عن المدينة اثنتي عشرة مرحلة؟!(2) أو أربع عشرة؟!(3) أو خمس مراحل؟!(4) .

أم أنها كانت أقرب من ذلك، حيث كان المشركون قد جعلوا رقباءهم فوق جبالهم ينظرون إلى كل عسكر يخرج من المدينة إليهم؟!(5) ، أم أنهم كانوا من بني سليم، وكانوا قريبين من الحرة؟!(6) .

____________

1- الإرشاد للمفيد ج1 ص163 وبحار الأنوار ج21 ص78 عنه ومناقب آل أبي طالب ج2 ص328 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص101 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج2 ص577 وكشف الغمة ج1 ص231.

2- معجم البلدان ج2 ص15 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص479 وكتاب العين للفراهيدي ج5 ص342.

3- راجع: فتح الباري ج8 ص448 وشرح النووي على صحيح مسلم (ط دار الكتاب العربي) ج15 ص45 و (ط دار الفكر) ص58 وتحفة الأحوذي (ط دار الفكر) ج5 ص312 وج8 ص405 و (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص310 وج8 ص402 وشجرة طوبى ج2 ص312 وعون المعبود ج1 ص174 وعمدة القاري ج9 ص64 ومجمع البحرين ج1 ص265.

4- بحار الأنوار ج21 ص77 والخرائج والجرائح ج1 ص168.

5- بحار الأنوار ج21 ص77 والخرائج والجرائح ج1 ص167.

6- الإرشاد للمفيد ج1 ص163 ـ 165 وبحار الأنوار ج21 ص77 ـ 79 و 83 = = و 84 عنه، وعن تفسير فرات ص592 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص101 وكشف الغمة ج1 ص231.


16 ـ وهل حدث ذلك قبل مؤتة؟! أو بعدها؟! أو سنة سبع؟!(1) ، أو ثمان في جمادي الآخرة؟! أو بعد قريظة، وقبل المريسيع؟!(2) .

فإن كانت سنة سبع، أو قبل المريسيع، فلا يتلاءم ذلك مع قولهم: إن إسلام عمرو بن العاص كان سنة ثمان.

كانت تلك طائفة من الإختلافات بين الروايات، وهناك اختلافات أخرى أعرضنا عنها اكتفاءً بما ذكرناه.. وهذه الإختلافات وإن أمكن معالجة قسم منها، ولكن القسم الآخر لا بد أن يبقى على لائحة الإنتظار.

وربما يمكن القول بأن هناك أكثر من واقعة حدثت، وقد تشابهت في بعض الخصوصيات، وظهر التباين في البعض الآخر.

وفي جميع الأحـوال لا بـد من معالجـة بعض ما ورد في هـذا المقام، فنقول:

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص172 وتاريخ الخميس ج2 ص75 والنص والإجتهاد ص336 عن السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص272 و 274 وعن الكامل لابن الأثير ج2 ص156 والسيرة الحلبية ج3 ص190 وراجع: معجم قبائل العرب ج3 ص974 وعن فتح الباري ج8 ص58.

2- بحار الأنوار ج21 ص80.


تحرزوا، بدل: انهزموا:

وقد ذكرت بعض الروايات: أن أبا بكر وعمر، انهزما بمن معهما من وجه المشركين، ولكننا نجد الرواية رقم(2) تقول: (حتى إذا صار بقرب المشركين اتصل بهم، خبرهم، فتحرزوا، ولم يصل المسلمون إليهم).

ولكن حين يصل الحديث إلى ابن العاص نجد الرواية تصرح بهزيمته ومن معه، فما هذا العطف والحنان على أبي بكر وعمر، الذي حرم منه عمرو بن العاص، مع أن عمرواً كان من حزبهم أيضاً!

ولكن قد فات هؤلاء أن القارئ والسامع لا بد أن يشك في الأمر هنا ويقول: لماذا تحرز المشركون من أبي بكر وعمر، ولم يتحرزوا من عمرو بن العاص؟! ولماذا هاجموه، وتحاشوا مهاجمتهما؟!

كرار غير فرار، مرة أخرى:

وقد ذكرت الرواية الثانية قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن علي (عليه‌السلام ): إنه كرار غير فرار.. وهي العبارة نفسها التي كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد قالها في خيبر، بعد هزيمة أبي بكر وعمر وغيرهما، وأعطى الراية لعلي، فعاد بالفتح..

وقد ظهر مصداق هذه الكلمة في علي (عليه‌السلام )، وفي مناوئيه في مناسبات عدة أخرى، فهم فرارون، حتى عن علي (عليه‌السلام ) الذي كان كراراً في نفس تلك المواطن التي فرَّ فيها أولئك، فضلاً عما عداها..

فقد حصل ذلك في:


1 ـ قريظة.

2 ـ خيبر.

3 ـ فدك.

4 ـ وادي الرمل بمشاركة عمرو بن العاص..

5 ـ ذات السلاسل قرب المدينة بمشاركة خالد.

6 ـ وربما في بني سليم.

7 ـ وربما في قضاعة في بلاد الشام..

هذا كله.. عدا ما جرى في أحد، وحنين، والخندق.. وغير ذلك.. فهل هذه محض صدف؟! ولماذا يصر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على تكرار إعطاء الراية لغير علي أولاً، وربما لعدة أشخاص، فينهزمون، ثم يعطيها علياً (عليه‌السلام ) فيعود بالنصر المؤزر؟!

ثم يكرر هذا الفعل في مورد آخر.

ثم في ثالث ورابع و.. و.. الخ..؟! ألا ترى معي أنه كان يريد أن يفهم الناس أمراً بعينه؟!

على خلاف ما يتوقع:

وقد رأينا أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أرسل مع علي (عليه‌السلام ) نفس أولئك المهزومين بالراية قبله.. ولعل سبب ذلك هو:

1 ـ أن يريهم بأم أعينهم أن النصر قد تحقق بوسائله الطبيعية، من خلال شجاعة، وحكمة وتدبير القائد.


2 ـ إنه قد يكون هناك رغبة لدى بعضهم لإفشال علي في مهمته، ولو بالإتصال بالمشركين، وتحذيرهم من هجومه (عليه‌السلام ).

النصر بالقائد، لا بالعسكر:

وقد رأينا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسل علياً (عليه‌السلام ) في ثمانين رجلاً فقط، وهم من أهل الصفة كما تقدم، وأهل الصفة هم من الضعفاء الذين ليس لهم أموال، يعتمدون عليها..

أما أبو بكر وعمر، وابن العاص، فقد كان معهم الجيش الكثيف، المؤلف من خمس مئة، أو سبع مئة مقاتل، أو من آلاف المقاتلين.. وإذ بالنصر يأتي على يد علي (عليه‌السلام )، ويأبى أن يأتي على يد أولئك، رغم كثرة جموعهم.

مع العلم بأن هزيمة الجيش أولاً ثلاث أو أربع مرات، من شأنها أن تجعل الهزيمة في المرة التالية أكثر احتمالاً، لأن الهمم تكون قد تضاءلت، والرهبة والرغبة في السلامة تأكدت..

كما أن الأعداء يصبحون أكثر جرأة، وحملاتهم أشد شراسة.

فالنصر في هذه المرة يكون أبعد منالاً، وأقل احتمالاً.

ولكن حين يكون المنتدب لهذه المهمة هو علي (عليه‌السلام )، فإنه يجعل من الضعف لدى أصحابه قوة له، ومن رهبتهم جرأة وإقداماً، ومن الهزيمة الروحية لهم اندفاعاً وبأساً ومراساً.


الحسد القاتل:

وإن تحريض عمرو بن العاص لأبي بكر وعمر على نقض تدبير علي (عليه‌السلام )، حين أدرك أنه سوف يأتي بالنصر، لا نجد له مبرراً إلا الحسد الغبي، والحقد الأرعن لإنسان مهزوم، كان يمكن أن يلمِّع صورته ببعض الأعذار حتى لو كانت باهتة وشوهاء، ولو بأن يقر بما انتابه من رعب وخَوَر، وخوف، ناشيء عن ضعف البصيرة، وضعف الصلة بالله، الأمر الذي هوَّن عليه مخالفة التكليف الإلهي، وليدَّع ـ بعد ذلك ـ أنه قد ندم وتاب، وأسف لما بدر منه.

ولكن لا يمكن تصور إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر يسعى لتضييع النصر على الدين وأهله، استجابة منه لرذيلة الحسد، والحقد غير المبرر ولا المقبول!

استجابة الشيخين لتحريض ابن العاص:

ولا ندري كيف نفسر انقياد أبي بكر وعمر لتحريض عمرو لهما على العمل لكسر إرادة علي (عليه‌السلام )، والإخلال بعزيمته، وإبطال تدبيره.

فإن كانا لم يلتفتا إلى حقيقة ما يرمي إليه ابن العاص.. فالسؤال هو أين ما يدعيه محبوهما لهما من حصافة في الرأي، ومن بعد نظر، وحكمة وتبصر في الأمور..

وإن كانا قد التفتا إلى مقاصد عمرو بن العاص، ورضيا بأن يشاركاه في سعيه هذا، فالمصيبة أعظم، وأشد مرارة، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.


منطق علي (عليه‌السلام ):

ويظهر من جواب أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لهؤلاء المعترضين: أنه يعتبر اتباعهم له (عليه‌السلام ) إطاعة لله ولرسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأن الاعتراض عليه عصيان لله ولرسوله..

وهو يصرح: بأن إصرارهم على اعتراضهم سوف ينتج طردهم من صفوف الجيش الذي يقوده (عليه‌السلام ). وعليهم أن يواجهوا عاقبة فعلهم هذا، وأن يقدموا تفسيراً مقبولاً ومرضياً لدى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وإذا أضيف إلى ذلك جوابه الآخر، المتضمن لأمرهم بلزوم رحالهم، والكف عما لا يعنيهم، فإنه يكون قد أفهمهم:

1 ـ أنه سوف يكون حازماً في موقفه هذا بنحو لا مجال فيه لأي جدل، أو اعتراض، لأنه في موقف لا مكان لغير الحزم فيه، وسيكون إفساح المجال للجدل، وللتشكيك، والأخذ والرد فيه سبباً في خلق مشكلات، ونشوء عراقيل قد تؤثر على المهمة التي انتدبه الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لإنجازها.

2 ـ إن الانضباط في المهمات القتالية، والكون في المواقع التي تحددها من قبل القيادة للأفراد، يعطي القدرة على التخطيط، والطمأنينة لسلامة التنفيذ، ويمكِّن من تحقيق النتائج، بعيداً عن المفاجآت التي يهيئ لها الخلل في الإعداد والاستعداد..

3 ـ إن تدخل الجنود فيما لا يعنيهم، وخصوصاً فيما يرتبط بالقرارات


الحربية للقيادة.. معناه: أن يفقد القائد قدرته على التأثير في فرض قراراته، وفي سلامة تنفيذها حرفياً.

4 ـ إنه (عليه‌السلام ) قد عرَّف الناس: أن اعتراض هؤلاء يهدف إلى تهيئة الأجواء لعصيان أوامر القائد، والتمرد على قراراته، وليس من مصلحة المعترضين أن يظهر هذا الأمر للناس عنهم، ولذلك لم يعد أمامهم أي خيار سوى التراجع عن موقفهم..

5 ـ إنه قد عرفهم وعرف الناس: أن ما يتذرعون به من أنهم يعرفون أمراً لم يكن علي (عليه‌السلام ) عارفاً به غير صحيح، فهو عالم بما يصنع، فلا مجال لتضليل الناس بذرائع من هذا القبيل.

خطة علي (عليه‌السلام ):

إن حذر القوم الذين يراد مهاجمتهم، واستعدادهم لابد أن يكون له أسبابه الواقعية.. وهي أحد أمرين:

1 ـ أن يكون لهم عين في المسلمين، يرسل إليهم بما يجري، ويعلمهم بتوجه السرية نحوهم، وبطبيعة تحركاتها وبغير ذلك من أمور..

2 ـ أن يكون لهم رقباء في الجبال المشرفة، يخبرونهم بما يرونه، فيحتاطون ويستعدون للأمر قبل وقوعه.

وقد كان سلوك علي (عليه‌السلام ) لطريق آخر يكفي لتعريف أولئك القادة الذين هزموا أو هربوا بأن علياً (عليه‌السلام ) يتصرف بحكمة، وبدقة بالغة..


ولذلك عرف عمرو بن العاص: أنه (عليه‌السلام ) سيظفر بهم.. فكيف لم يعرف ذلك أبو بكر وعمر؟! ولعل وضوح هذا الأمر وبداهته قد دلَّ علياً (عليه‌السلام ) على أن المعترضين يسعون إلى مجرد الخلاف عليه، وأنهم يريدون معصية الله ورسوله بذلك..

هل أغار عليهم وهم غارّون؟!:

تقدم قولهم : إن علياً أغار على هؤلاء المشركين، وهم غارون..

ونقول:

إننا على يقين من أن علياً (عليه‌السلام ) لا يحارب قوماً إلا بعد أن يحتج عليهم، ويعظهم، ويذكرهم، فإن أصروا على الحرب استعان بالله عليهم، وهذه هي وصية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


له: (يا علي، لا تقاتل أحداً حتى تدعوه إلى الإسلام(1) .

وعن الإمام الصادق (عليه‌السلام ): (ما بيّت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عدواً قط ليلاً)(2) .

وعن الإمام الصادق (عليه‌السلام ): (كان أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لا يقاتل حتى تزول الشمس، ويقول: تفتح أبواب السماء، وتقبل الرحمة، وينزل النصر).

ويقول: هو أقرب إلى الليل، وأجدر أن يقل القتل، ويرجع الطالب، ويفلت المهزوم(3) .

فإن كان (عليه‌السلام ) قد هاجمهم على حين غرة منهم ليلاً ـ وهذا ما نفته الرواية التي قدمناها عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) ـ فلا بد أن يكون ذلك قد حصل بعد إقامة الحجة عليهم، وظهور عدوانيتهم،

____________

1- بحار الأنوار ج19 ص167 وج97 ص34 وج98 ص364 ووسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج11 ص30 و (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص43 وفي هامشه عن تهذيب الأحكام ج2 ص47 وغيره، والكافي ج5 ص36 ومستدرك الوسائل ج11 ص30 وج17 ص210 وكتاب النوادر ص140 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص502 ومنتهى المطلب (ط ق) ج2 ص904 وتذكرة الفقهاء (ط ج) ج9 ص44 و 45 ورياض المسائل (ط ج) ج1 ص486 و 493 ومشكاة الأنوار ص193.

2- وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج11 ص46 و (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص63 وفي هامشه عن فروع الكافي ج1 ص334 ومنتهى المطلب (ط ق) ج2 ص909 وتذكرة الفقهاء (ط ق) ج1 ص412 ورياض المسائل (ط ق) ج1 ص489 و (ط ج) ج7 ص511 وجواهر الكلام ج21 ص82 وتهذيب الأحكام ج6 ص174.

3- وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج11 ص46 و (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص63 وفي هامشه عن علل الشرايع ج2 ص603 وعن تهذيب الأحكام ج2 ص56 وبحار الأنوار ج33 ص453 وج97 ص22 والكافي للحلبي ص256 ورياض المسائل (ط ج) ج7 ص511 وجواهر الكلام ج21 ص81 والكافي للكليني ج5 ص28.


وإصرارهم على القتال، ووقوع مواجهات عسكرية معهم من خلال أبي بكر، وعمر، وعمرو بن العاص، وإن كانت هذه المواجهات قد انتهت لغير صالح المسلمين، ولا تجب دعوتهم مرة أخرى في مثل هذا الحال، كما دلت عليه الرواية عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(1) .

بل تقدم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر علياً (عليه‌السلام ) أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، وقد فعل (عليه‌السلام ) ذلك.

وقد يجوز أن يكون هؤلاء القوم قد تمردوا وتآمروا مرتين، فأرسل إليهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فلاناً وفلاناً في المرأة الأولى فهزموهم، ثم أرسل إليهم علياً (عليه‌السلام )، فأقام عليهم الحجة.

ثم نكثوا، فتكرر ما يشبه المرة الأولى، ولكن علياً (عليه‌السلام ) لم يعد بحاجة إلى إقامة الحجة فأغار عليهم ليلاً.

تبييت العدو ليس غدراً:

وقد ذكرت الروايات المتقدمة، وسواها: أنه (عليه‌السلام )، قد بيت المشركين وكبسهم، وهم غارون فظفر بهم..

ونعتقد: أن ذلك قد كان بعد الاحتجاج عليهم كما دلت عليه رواية

____________

1- وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج11 ص30 و (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص43 وراجع: جواهر الكلام ج21 ص18 والكافي (ط دار الكتب الإسلامية) ج5 ص20 وتهذيب الأحكام (ط دار الكتب الإسلامية) ج6 ص135.


القمي الآتية، التي ذكرت: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر أبا بكر (أن إذا رآهم أن يعرض عليهم الإسلام، فإن تابعوا وإلا واقعهم).

كما أنه سيأتي: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما كان يقاتل قوماً حتى يدعوهم، ويحتج عليهم. وعلى كل حال، فإنه إن أمكن إثبات أن هؤلاء القوم قد حاولوا مهاجمة المسلمين مرتين: فأرسل إليهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من احتج عليهم وهاجموه وهزموه مرة بعد أخرى، ثم أرسل إليهم علياً (عليه‌السلام )، فاحتج عليهم وقتل منهم.. ثم نكثوا مرة أخرى، فجرى لهم كما جرى في المرة الأولى.. فبيَّتهم علي (عليه‌السلام ) وهاجمهم. فإن أمكن إثبات ذلك أو اعتماده فلا إشكال. وإن لم يكن إثبات ذلك، أو اعتماده، فإننا نقول:

إن علياً (عليه‌السلام )، بعد أن فرض المعركة على أعدائه، في الموقع والمكان، والوقت والزمان الذي أحب، لم يعد يمكنهم التخلي عن مواقعهم إلى أي موقع آخر، لأن ذلك معناه: الإستيلاء على كل ما لديهم، وعلى منازلهم وأموالهم، بل وسبي نسائهم وأطفالهم أيضاً..

فإذا أبوا الاستجابة لأي منطق، ورفضوا الانصياع لأي خيار مقبول أو معقول، واختاروا طريق البغي والعدوان، فلا مانع من أن يكبسهم وهم غارون في أي وقت شاء..

وليس في هذا العمل أية مخالفة للشرايع، أو الأخلاق. بل هو العمل الحكيم الذي يؤيده الخلق الإنساني، ويرضاه الشرع، وتقره الضمائر.. لأنه ليس من حق العدو المحارب، والمعتدي والظالم أن يعتبر نفسه في مأمن، في


الوقت الذي يعطي لنفسه الحق بالغدر بالآخرين، ويسمح لنفسه في تبييتهم، والفتك فيهم، ظلماً وعتواً، وبغياً وعلواً..

بل إن أخذ ذلك الظالم على حين غرة يعد إحساناً لكلا الفريقين المتحاربين، لأن من شأنه أن يقلل من عدد القتلى في صفوف هؤلاء، وأولئك لأنه يسقط قدرتهم على المقاومة. وينتهي الأمر بالاستسلام.

وإذا استسلموا لأهل الدين.. فإن معاملتهم لابد أن تخضع لأحكام الشرع، ووفق ما تفرضه الأخلاق الفاضلة، وتقضي به العقول، ولن يكون متأثراً بالأهواء، والنزوات والميول..

علي (عليه‌السلام ) يقبل قدمي الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وفي الرواية الرابعة: أن علياً (عليه‌السلام ) أهوى إلى قدمي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقبلهما.. وفي هذا دلالة على جواز التبرك بالأنبياء وآثارهم، لا سيما مع عدم اعتراض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فعله هذا.

ومن الواضح: أنه (عليه‌السلام ) إنما فعل ذلك طلباً لمرضاة الله، ورغبة في ثوابه، والتماساً للبركة التي تعني المزيد من العطاء الهنيء، والخير النامي، والمقام السامي، ولا يمكن لأحد أن يتوهم في حقه الإخلال بأي درجة من درجات التوحيد الصحيح والخالص..

وفي هذه البادرة إشارة إلى شدة خضوع علي (عليه‌السلام ) لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومدى تقديسه له. رغم أنه أقرب الناس إليه، وأكثرهم إطلاعاً على تفاصيل حياته..


ثم هو يشير إلى شدة صفاء روح علي (عليه‌السلام )، وطهارة ذاته، وخلوص نواياه..

واللافت هنا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه كان يتبرك بعرق علي (عليه‌السلام ) أيضاً(1) .

رضى الله ورسوله عن علي (عليه‌السلام ):

وقد كانت الجائزة العظمى التي نالها علي (عليه‌السلام ) هنا هي أن الله تعالى ورسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) راضيان عنه.. فتكون هذه الكلمات هي البشارة الكبرى التي يبكي علي (عليه‌السلام ) فرحاً بها، وشوقاً إليها..

____________

1- راجع: مستدرك الوسائل ج17 ص335 ومناقب أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج1 ص394 والمسترشد للطبري ص602 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي (ابن شاذان) ص58 والتحصين للسيد ابن طاووس ص555 واليقين للسيد ابن طاووس ص179 و 196 و 197 و 243 و 367 وبحار الأنوار ج37 ص300 و 324 وج38 ص2 وج40 ص15 و 82 و 315 وج89 ص91 وكتاب الأربعين للشيرازي ص55 وحلية الأبرار ج2 ص446 وكتاب الأربعين للماحوزي ص249 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص116 والغدير ج8 ص87 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص194 و 381 والإمام علي (عليه‌السلام ) للهمداني ص92 و 148 وتفسير فرات ص406 والمناقب للخوارزمي ص85 وكشف الغمة ج1 ص112 وكشف اليقين ص266 وتأويل الآيات ج1 ص185 وتنبيه الغافلين ص28.


فهو إذن لا يطمع بالقصور، ولا بالحور، ولا تهمه الجنان، ولا يفرحه كل ما فيها من حور حسان، بمقدار ما يهمه ويفرحه رضى الله تعالى، ورضى رسوله، وفقاً لقوله تعالى:( ..رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (1) .

وقوله تعالى:( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) (2) .

____________

1- الآية 8 من سورة البينة.

2- الآيتان 27 و 28 من سورة الفجر.



الفصل الثاني:

لمحات أخرى عن ذات السلاسل..



ذات السلاسل برواية القمي:

وقد روى القمي عن جعفر بن أحمد، عن عبيد بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) ـ ما ملخصه ـ:

إن أهل وادي اليابس اجتمعوا اثني عشر ألف فارس، وتعاقدوا، وتعاهدوا، وتواثقوا: أن لا يتخلف رجل عن رجل، ولا يغدر بصاحبه، ولا يخذل أحد أحداً، ولا يفر عن صاحبه، حتى يموتوا كلهم، ويقتلوا محمداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

فنزل جبرئيل (عليه‌السلام ) على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأخبره بالأمر، وأمره أن يبعث أبا بكر في أربعة آلاف فارس، من المهاجرين والأنصار.

فخطب (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الناس، وأخبرهم بما أخبره به جبرئيل (عليه‌السلام ) عن أهل وادي اليابس، وأن جبرئيل أمره بأن يسير إليهم أبو بكر بأربعة آلاف فارس.

ثم أمرهم أن يتجهزوا للمسير مع أبي بكر يوم الإثنين، فلما حان وقت المسير أمر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر: (أن إذا رآهم أن يعرض عليهم


الإسلام، فإن تابعوا، وإلا واقعهم، فقتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم، واستباح أموالهم، وخرب ضياعهم، وديارهم).

فسار أبو بكر بهم سيراً رفيقاً، حتى نزل قريباً منهم، فخرج إليه منهم مئتا فارس، وهم مدججون بالسلاح، فسألوهم: من أين أقبلوا؟! وإلى أين يريدون؟! ثم طلبوا مقابلة صاحبهم.

فخرج إليهم أبو بكر، فسألوه، فأخبرهم بما جاء له.

فقالوا: أما واللات والعزى، لولا رحم ماسة، وقرابة قريبة لقتلناك وجميع أصحابك قتلة تكون حديثاً لمن يكون بعدكم، فارجع أنت ومن معك، وارتجوا العافية، فإنما نريد صاحبكم بعينه، وأخاه علي بن أبي طالب.

فقال أبو بكر لأصحابه: يا قوم، القوم أكثر منكم أضعافاً، وأعدُّ منكم، وقد نأت داركم عن إخوانكم من المسلمين، فارجعوا نُعلِم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بحال القوم.

فقالوا جميعاً: خالفت يا أبا بكر رسول الله، وما أمرك به، فاتق الله وواقع القوم، ولا تخالف قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقال: إني أعلم ما لا تعلمون. الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

ورجعوا إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأعلن على المنبر: أن أبا بكر قد عصى أمره، وأنه لما سمع كلامهم: (انتفخ صدره، ودخله الرعب منهم) ثم قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

(وإن جبرئيل (عليه‌السلام ) أمرني عن الله: أن أبعث إليهم عمر مكانه في أصحابه، في أربعة آلاف فارس، فسر يا عمر على اسم الله، ولا تعمل كما


عمل أبو بكر أخوك، فإنه عصى الله وعصاني).

وأمره بما أمر به أبا بكر.

فسار بهم يقتصد بهم في سيرهم، حتى نزل قريباً من القوم، وخرج إليه مئتا رجل، وقالوا له ولأصحابه مثل مقالتهم لأبي بكر.

فانصرف، وانصرف الناس معه، وكاد أن يطير قلبه مما رأى من عدة القوم وجمعهم، ورجع يهرب منهم.

فنزل جبرئيل (عليه‌السلام ) وأخبر محمداً بما صنع عمر..

فصعد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المنبر، وأخبرهم بما صنع عمر، وأنه خالف أمره وعصاه..

فلما قدم عمر قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (يا عمر، عصيت الله في عرشه، وعصيتني، وخالفت قولي، وعملت برأيك، ألا قبح الله رأيك).

ثم ذكر: أن جبرئيل (عليه‌السلام ) أمره أن يرسل علياً (عليه‌السلام ) مع الأربعة آلاف، وأن الله يفتح عليه وعلى أصحابه، ثم دعاه وأخبره بذلك..

فخرج علي (عليه‌السلام ) فسار بأصحابه سيراً غير سير أبي بكر وعمر، فقد أعنف بهم في السير، حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب، وتحفى دوابهم، فقال لهم: لا تخافوا، فإن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أمرني بأمر، وأخبرني: أن الله سيفتح عليَّ، وعليكم، فأبشروا، فإنكم على خير، وإلى خير.

فطابت نفوسهم وقلوبهم، وواصلوا سيرهم التَّعِب، حتى نزلوا


بالقرب منهم..

فخرج إليه منهم مائتا رجل شاكين بالسلاح، فلما رآهم علي (عليه‌السلام ) خرج إليهم في نفر من أصحابه، فقالوا لهم: من أنتم؟! ومن أين أنتم؟! ومن أين أقبلتم؟! وأين تريدون؟!

قال: أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأخوه ورسوله إليكم، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ولكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم من خير وشر.

فقالوا له: إياك أردنا، وأنت طلبتنا، قد سمعنا مقالتك، فاستعد للحرب العوان، واعلم أنَّا قاتلوك وقاتلوا أصحابك، والموعود فيما بيننا وبينك غداً ضحوة، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينك.

فقال لهم علي (عليه‌السلام ): ويلكم تهددوني بكثرتكم وجمعكم؟! فأنا أستعين بالله وملائكته والمسلمين عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فانصرفوا إلى مراكزهم، وانصرف علي (عليه‌السلام ) إلى مركزه. فلما جنه الليل أمر أصحابه أن يحسنوا إلى دوابهم، ويقضموا، ويسرجوا.

فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغلس، ثم غار عليهم بأصحابه، فلم يعلموا حتى وطئتهم الخيل، فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم، واستباح أموالهم، وخرب ديارهم، وأقبل بالأسارى والأموال معه.

ونزل جبرئيل فأخبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما فتح الله على


علي (عليه‌السلام ) وجماعة المسلمين، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وأخبر الناس بما فتح الله على المسلمين، وأعلمهم أنه لم يصب منهم إلا رجلان.

ونزل فخرج يستقبل علياً (عليه‌السلام ) في جميع أهل المدينة من المسلمين، حتى لقيه على أميال من المدينة.

فلما رآه علي مقبلاً نزل عن دابته، ونزل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى التزمه، وقبل ما بين عينيه.

فنزل جماعة المسلمين إلى علي (عليه‌السلام ) حيث نزل رسول الله، وأقبل بالغنيمة والأسارى، وما رزقهم الله من أهل وادي اليابس.

ثم قال جعفر بن محمد (عليهما‌السلام ): ما غنم المسلمون مثلها قط إلا أن تكون خيبراً، فإنها مثل خيبر.

فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك اليوم:( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً.. ) إلى آخر الرواية(1) .

ونقول:

إن لنا هنا وقفات نجملها على النحو التالي:

____________

3- 1- بحار الأنوار ج21 ص67 ـ 73 وتفسير القمي ج2 ص434 ـ 438 وتفسير فرات ص599 ـ 602 والبرهان (تفسير) ج4 ص495 ـ 497 ونور الثقلين ج5 ص652 ـ 655 والتفسير الصافي ج5 ص361 ـ 365 وتأويل الآيات ص844 ـ 848.


قد استعرضنا الكثير من النقاط الواردة في هذه الرواية، وناقشناها في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج20 فصل: رواية القمي توضح بل تصرح.. فلا نرى حاجة لإعادته هنا.. فنكتفي هنا بالإلماح إلى بعض ما له ارتباط بعلي (عليه‌السلام )، وهو كما يلي:

الرفق بالحيوان:

تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) أمر أصحابه في الليلة التي عزم على مهاجمة العدو في صبيحتها بأن يحسنوا إلى دوابهم، والمراد بالإحسان إليها هو إنزال أحمالها عنها، وتقديم الماء والعلف لها، وجعلها في مكان مناسب ومريح، وإبعاد جُلِّها عنها، وأن لا تحمل على القيام بجهد لا تطيقه ونحو ذلك..

وهذا يجعلها أكثر حيوية ونشاطاً في مواقع النزال، فلا تتعب بسرعة..

على نفسها جنت براقش:

وقد لوحظ في الرواية أيضاً: أن الأعداء أعلنوا إصرارهم على الحرب، وتوعدوه بأنهم قاتلوه ومن معه.. فلم يعد أمامهم سوى الإعداد والإستعداد للمواجهة، وتوقع أن يلتمس المسلمون ـ الذين يسمعون منهم هذا التهديد ـ غرَّتهم، وأن يوردوا عليهم ضربتهم عند أية فرصة تلوح لهم.

وليس لهم أن يستسلموا للأماني، وأن يأمنوا جانب عدوهم، فإن ترصد غفلتهم، والسعي لخديعتهم، هو غاية الحزم، والتدبير الذكي الذي يستحق عليه التقدير والثناء، لأنه يحفظ بذلك أهل الإيمان، ويبعد عنهم شر


أهل الطغيان، ويبطل كيدهم.

كما لا بد أن يعتمد عنصر السرعة التي لا تترك للعدو مجالاً لإلتقاط أنفاسه، ويفقده القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب..

وبذلك يتمكن من تسديد الضربات السريعة والمؤثرة في تدمير قدرات العدو بأقل الخسائر في جانب أهل الإيمان..

وهكذا كان، فإنه لم يصب من أهل الإيمان إلا رجلان..

لا نريد إلا محمداً وعلياً:

واللافت هنا: أن هؤلاء الأعداء يعلنون لأبي بكر حين جاء لمواجهتهم بأنهم لا يريدون إلا شخص رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ونفس علي (عليه‌السلام ).

والأغرب من ذلك: أن لا تظهر من أبي بكر ردة فعل على طلبهم هذا، بل هو يرضى بالرجوع عنهم.. مع أن مقتضيات الإيمان، ومن مقتضيات البيعة للرسول هو الذب عنها، وعن صاحبها وأهل بيته، فموقف أبي بكر هذا لا بد أن يكون قد أعطى انطباعاً غير حميد، من حيث أنه يوحي بأن المسلمين لا يهتمون بالدفاع عن دينهم، وعن نبيهم ووصيه.

بل هم إن وجدوا أن الحرب قد حادت عنهم، ولم تعد تستهدف أشخاصهم، فربما ينصرفون عنها، ولا تعود تعني لهم شيئاً ليتولاها ذلك المعني بها، والمطلوب لها.. أي أنهم يسلمون نبيهم ووصيه لمصير يقرره أعداؤه وفق ما يحلو لهم.


ومن شأن هذا التصور أن يزيد أولئك المشركين تصميماً على الحرب، وحماساً واندفاعاً لها وحرصاً على الوصول إلى شخص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ونفس علي (عليه‌السلام ) فيها.

وربما يفكر هؤلاء المشركون بالبحث عن قنوات تصلهم بهذا أو بذاك من رجال المسلمين، لإغداق الوعود عليهم، وإغرائهم بما يثبط عزائمهم عن نصرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلي (عليه‌السلام )..

ثم إننا لا ندري إن كان أبو بكر ومن معه قد فكروا في السبب الذي دعا هؤلاء للكف عنهم، ولتقصُّد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلي (عليه‌السلام ) بالسوء، دون سائر المسلمين، أليس لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو صاحب الدعوة، التي كانت السبب في منابذة المشركين له، ولأن علياً (عليه‌السلام ) شريكه الأساس فيها، وهو سبب حفظها وبقائها بعده، وهو السيف الإلهي المسلول للدفاع عنها، وعن صاحبها، وعن كل من آمن بها؟!

ألم يكن هؤلاء الراجعون يعتبرون أنفسهم من أتباع صاحب الدعوة، ومن المؤمنين بها، والمكلفين بالدفاع عنها، وعمن جاء بها؟!

أبو بكر أخو عمر، وعلي (عليه‌السلام ) أخو النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وتقدم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعمر: (ولا تعمل كما عمل أبو بكر أخوك).. وأنه قال وهو يخطب على المنبر عن علي (عليه‌السلام ): (حتى يقتلوني وأخي علي بن أبي طالب).

وحين تحدث علي (عليه‌السلام ) لأهل وادي اليابس وصف نفسه لهم


بأنه: (ابن عم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأخوه)، والأعداء وصفوه بنفس هذا الوصف أيضاً.

من أجل ذلك نلاحظ: أن عمر قد فعل ما يشبه عمل أخيه أبي بكر، حيث سار بأصحابه ـ كأبي بكر ـ سيراً رفيقاً ـ ثم هرب من الأعداء كما هرب، وعاش الرعب والخوف كما عاش.

كما أن علياً (عليه‌السلام ) قد عمل بنفس ما يقتضيه خلق أخيه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فكان دائماً المجاهد، والمحامي، والناصر، والمنتصر.

وذلك كله يشير إلى أن الأخوة هنا، والأخوة هناك قد جاءت على أساس ملاحظة معانٍ حقيقية، وقواسم مشتركة، اقتضت التوافق في السلوك وفي المواقف.

القائد هو المعيار:

وقد وجدنا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اكتفى بتبديل القائد، وأما الجيش نفسه، فأبقاه على ما هو عليه، ولم يستبدل منه حتى رجلاً واحداً، وقد كانت الهزيمة من نصيب هذا الجيش مرتين متواليتين، مع نفس العدو، ومع تقارب الزمان، وفي نفس المكان، وفي نفس الظروف، وبنفس الأسلوب، وبعين الكلمات التي استخدمت، ونفس الخطاب والجواب..

وكان النصر حليفاً لهذا الجيش نفسه، مع ذلك العدو بالذات، وفي نفس الحالات، وفي الزمان والمكان عينه، رغم أن القائدين الأولين قد سارا بهذا الجيش سيراً رفيقاً، أو مقتصداً، يحببهم بقائدهم.


أما الأمير الثالث، فقد أعنف بهم في السير، حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب، وأن تحفى دوابهم.. ولا بد أن يثقل أمر هذا القائد عليهم، الذي فعل بهم ذلك، وأن تتجافى عنه قلوبهم، ولا يندفعون في محبته، وفي طاعته بالمقدار الذي يحظى به اللذان سبقاه..

ولكن النتائج جاءت معاكسة تماماً، فقد تحقق النصر، وكان نصيبهم معه الفتح والعز والكرامة، وكانت الهزيمة والمذلة، والمعصية لله في عرشه ولرسوله مع ذينك الأولين.

وهذا مثل للبشر جميعاً، يحمل لهم العبرة، والعظة، ويدعوهم للتأمل العميق، والفكر الدقيق، حملته لنا كلمته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) عن جبرئيل: (فأخبرني: أن الله يفتح عليه، وعلى أصحابه)..

فقد نسب الفتح إلى الله، الذي حبا به علياً (عليه‌السلام ) وأصحابه معاً، مع أن الإنسان العادي قد يتوقع تخصيص الفتح بعلي دون أصحابه، الذين هزموا مع القائدين اللذين سبقاه..

ولكن الله ورسوله يريدان لنا أن ندرك حقيقة أن القيادة الصالحة، هي التي تصنع المواقف، وتغير من أحوال الرعية، وتؤثر في توجهاتها ومواقفها، وتعطيها صلابة في الدين، وورعاً في يقين، وتحملها على الصراط المستقيم، ولو لم تصدر لها أمراً، أو تفرض عليها قراراً، أو تبتز منها موقفاً.

وهي التي تثير حميتها وإباءها، وتمنحها نفحة الشجاعة والإقدام، أو التخاذل والإحجام..

وقد ظهر ذلك في هذه الغزوة بصورة جلية وواضحة، فقد ساقهم


موقف أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلى مواقع العزة والكرامة والإباء، وأعطاهم نفحة من نفحات الشجاعة، والشعور بالكرامة. ففتح الله عليه وعليهم، وفق ما قاله الرسول الأكرم والأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

تطمينات علي (عليه‌السلام ) لأصحابه:

وحين سار علي (عليه‌السلام ) باصحابه ذلك السير الحثيث الذي أتعبهم، يكون قد أفهمهم بذلك أن ثمة جدية حقيقية في إنجاز أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أحسن وجه وأتمه.

ولعلهم أصبحوا يتخوفون من أن يكون للتعب الذي لحقهم في مسيرهم هذا دوراً في خسارتهم الحرب التي يترقبونها.. فأراد (عليه‌السلام ) أن يطمئنهم، ولكن لا بالوعود المادية، ولا بالخطب الحماسية، بل بإعطائهم جرعة إيمانية روحية، تتولى هي شحذ عزائمهم، وتقوية ضعفهم، وتعطيهم المزيد من الرضا والسعادة والبهجة، وذلك بالاعتماد على الغيب الذي يربطهم بالله سبحانه، وبرسوله.

فذكر لهم قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بصيغة الإخبار من النبي الكريم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم بالفتح العظيم.

والخبر من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) معناه: أن الله سبحانه هو الذي عرف رسوله به، وأطلعه على غيبه.. فليس الأمر مجرد تفاؤل، ولا هو كلام لمجرد التشجيع، وإثارة الحماس..

ولذلك يقول النص المتقدم: إن نفوسهم قد طابت وقلوبهم اطمأنت، وواصلوا سيرهم الشاق، وزالت عنهم الوساوس والمخاوف..


وقد حرص علي (عليه‌السلام ) على أن يستعيد جيشه الثقة التي فقدها بسبب تثبيط عزائمه من قبل الذين سبقوه، حيث صار يجبِّن بعضهم بعضاً. وأن يزيل كل شبهة عن المقاتلين، ويطمئنهم إلى أنه لا مبرر للمخاوف، ولا معنى لمعاناة أية توترات..

علي (عليه‌السلام ) أخو النبي ورسوله إليكم:

ولم نعهد في الذين آخى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بينهم أن يذكروا هذه الأخوة في مواقع إبلاغ رسائل الحرب والقتال، لاسيما وأنها أخوة أنشأها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمر وجعل من الله تعالى، وليست أخوة نسب..

ولكن علياً (عليه‌السلام ) قد فعل ذلك، وأبلغ هذا العدو المحارب بهذه الحقيقة، حين قال لهم: إنه أخو النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورسوله إليهم.

ولعله أراد أن يفهمهم أن موقفه منهم يحدده موقفهم من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وأنه لا مجال للفصل في حسابات الربح والخسارة بين علي كشخص، وبين علي الشريك مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الأخوة، وفي العمل على حفظ الرسالة، من خلال حفظ الرسول، فإن ذلك هو مقتضى هذه الأخوة، وهو الذي يوصل إلى حفظ هذا الدين، والذود عن حياضه.


علي (عليه‌السلام ) لا يحتكر النصر:

وعلي (عليه‌السلام ) الذي حقق المعجزات في تاريخه الجهادي الطويل، ولاسيما حين قلع باب خيبر، وجعله ترساً يدفع به ضرب السيوف، وطعن الرماح، ثم حمله جاعلاً منه معبراً عن الخندق للجيش، بالإضافة إلى أعظم الإنجازات القتالية في بدر، وأُحد، والأحزاب، وقريظة، والنضير، وما إلى ذلك..

إن علياً هذا لا يتهدد الأعداء بقوته، ولا يذكر لهم مواقفـه هذه، بل يكتفي باستنكار تهديد الأعداء له، ثم هو يستعين بالله، وبالملائكة، وبالمسلمين عليهم، ويخبرهم بأن كل حول وقوة لديه إنما هـو من الله، وبه سبحانه وتعالى..

وهذا يعطي المسلمين نفحة روحية، ويذكرهم بنصر الله لهم في بدر، حين أمدهم بالملائكة وفي سائر المواطن. ولا بد أن يحدث هذا التذكير ارتعاشاً قوياً وبلبلة حقيقية في قلوب الكافرين، وطمأنينة وسكينة في قلوب المؤمنين، لأن له سابقة أثبتت صحة هذا المنطق وقوته، وظهرت نتائجه نصراً مؤزراً في حروب صعبة وهائلة، لابد أن تبقى على مر الأجيال تتمثله كحدث تاريخي فريد، وكيوم من أيام الإسلام مجيد..

ولا بد أن يترك إشراك علي (عليه‌السلام ) للمسلمين في هذا العمل الجهادي أثراً طيباً في نفوسهم.. لأن الذي يعطيهم هذا الوسام هو نفس علي الذي لا يرتاب أحد في مقامه الجهادي والإيماني العظيم، ولا يشك في صدقه، وفي تجربته، وخبرته بالحرب.


وستكون لشهادته هذه قيمة كبيرة لديهم، ولابد أن يهتم كل أحد في أن يحصل على أدنى لفتة من علي، أعظم مجاهد على وجه الأرض، فكيف بما هو أعظم، وأكرم وأفخم..

يضاف إلى ذلك: أن هذا المنطق العلوي، الذي أوضح: أن الله وملائكته سوف يساهمون في تسجيل هذا النصر، لابد أن يصعِّب على المتخاذلين، وعلى غيرهم اتخاذ قرار الانسحاب من المعركة، وسيفرض على الجميع بذل جهد، ودرجة تحملٍ وصبرٍ أعلى وأكبر مما اعتادوا عليه في سائر الحالات..

تخريب الديار:

ولا بد من التروي والتأمل في صدقية ما ذكرته الرواية المتقدمة من أن علياً (عليه‌السلام ) قد خرب ديار الأعداء.

فقد عرفنا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أصدر أوامره لجيوشه بعدم التعرض للديار والأشجار(1) ، إلا إذا فرضت الحرب نفسها إجراءات تؤدي إلى شيء من ذلك، مثل حفظ المسلمين من الأخطار، أو توقف النصر على العدو على أمر كهذا..

أو كان ذلك إجراء رادعاً للعدو عن معاودة الفساد والإفساد، والعبث بأمن البلاد والعباد..

____________

1- راجع ما ذكرناه في غزوة مؤتة في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).


سورة العاديات.. وأصول الحرب:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة وغيرها: أن سورة (العاديات) نزلت في غزوة ذات السلاسل، أو وادي اليابس.. وتضمنت هذه السورة المباركة أموراً دقيقة ترتبط بالحرب وأصولها، وربما كان السبب في ذلك هو أن هذه الأصول قد روعيت، وطبقت، وظهرت صدقيتها في هذه الغزوة بالذات، فلا محيص عن الإشارة إلى هذا الأمر هنا، فنقول:

إنه إذا أقسم الله بأمر بعينه، فذلك يدل على أن لهذا الأمر موقعاً أساسياً وحساساً جداً في المنظومة الكونية، إن كان أمراً كونياً، أو في المنظومة النظامية إن كان أمراً نظامياً.. أو في منظومة السنن إن كان من سنن الخلق والتكوين، وكذلك الحال لو كان ما أقسم به من مفردات منظومة القيم، أو التدبير، أو غير ذلك، مما ورد القسم به في القرآن الكريم..

فإن الإهتمام الظاهر بذلك الأمر بعينه، بحيث يجعله موضعاً لقسمه، ويجعل الإلتزام ببقائه على حاله ضمانة لما يريد تقريره ـ إن ذلك ـ يدل على أن لما يقسم به أثراً عظيماً في إنجاز الأهداف الإلهية الكبرى، بإيصال الإنسان وما في هذا الكون إلى كماله..

2 ـ وقبل أن نتحدث عن العاديات يحسن بنا أن نشير إلى أن المناسبة التي نزلت فيها هذه السورة، وهي غزوة ذات السلاسل، قد تضمنت نصوصها أمر علي (عليه‌السلام ) أصحابه ليلة الغارة بأن يحسنوا إلى دوابهم، ويُقْضِمُوا، ويُسْرِجوا..

وهذا يدل على لزوم إعداد وسائل الحرب، وتهيئتها، لتكون في أفضل


حالاتها، وأن يكون إعدادها بحيث لا تحتاج في ساعة الصفر إلا إلى الإستعمال الناجز في القتال. فلا يؤجل ذلك إلى اللحظة الأخيرة.. إذ قد يطرأ ظرف يمنع من الإعداد بالمستوى المطلوب، أو بالطريقة الصحيحة.

3 ـ وقد أقسم الله تعالى بالعاديات، وبالموريات، والمغيرات.. وهي لا تخرج عن هذا السياق الذي أشرنا إليه، فالخيل تعدوا في سبيل الله تعالى، وتسرع في هذا العدو إلى الحد الذي تضبح فيه بأنفاسها، مما يعني أنها قد استنفدت كل طاقتها في سرعة الحركة..

لأن المطلوب هو أن تنجز أمراً هو بأمس الحاجة إلى السرعة. وللسرعة دورها الحاسم في الحرب.

والضبح ـ كما قيل ـ: هو صوت أنفاس الفرس، تشبيهاً له بالضباح، وهو صوت الثعلب.

وقيل: هو حفيف العَدْوِ.

وقيل: الضبح: كالضبع، وهو مد الضبع في العدو(1) ، أي حتى لا يجد مزيداً(2) .

____________

1- المفردات للراغب ص292.

2- بحار الأنوار ج21 ص66 ومجمع البيان ج10 ص528 و 529 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج10 ص422 ومعجم مقاييس اللغة ج3 ص385 وج5 ص349 ولسان العرب ج3 ص509 وج7 ص405 والقاموس المحيط ج1 ص358.


والضبع: هو وسط العضد بلحمة، أو العضد كله، أو الإبط(1) .

وقيل: الضبح: صوت أجواف الخيل إذا عَدَتْ ليس بصهيل ولا حمحمة(2) .

4 ـ إن عَدْوَ الخيل هذا يشير إلى أنها دائمة الإنتقال من موقع إلى آخر.. وأنه انتقال سريع.. مما يدل على عدم التموضع في مكان بعينه. ولكنه انتقال هادف، يضع نصب عينيه نقطة بعينها يراد الوصول إليها. ومن شأن عدم التموضع، وسرعة الإنتقال هذه أن يحرما العدو من القدرة على تحديد مواضعهم ومواقعهم، ويجرده من فرصة رصد القوى العاملة في مكان بعينه، وهذا يفقده القدرة على التخطيط لأي عمل يمثل لها خطراً، أو يلحق بها ضرراً..

5 ـ إن شدة اندفاع الخيل في هجمتها تحتم على ذلك العدو أن يتراجع عن موقعه، وبالتالي أن يفقد السيطرة على حركته، ويفقده أيضاً وعي هذه الحركة، وتقديرها.. وتحديد مداها، ومواقعها، وأهدافها، وأماكنها..

ثم هو لا يملك قدرة العودة إلى أي موقع يرغب في العودة إليه.. وهذا مأزق لا يختار المحارب أن يضع نفسه فيه، بل هو يريد أن يكون زمام

____________

1- راجع: أقرب الموارد، مادة: ضبع، وراجع: بدائع الصنائع ج1 ص210 وكتاب العين ج1 ص284 ولسان العرب ج8 ص216.

2- بحار الأنوار ج21 ص66 عن مجمع البيان ج10 ص528 و 529 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص421 و 422 وكتاب العين للفراهيدي ج3 ص110 ولسان العرب ج2 ص543 والقاموس المحيط ج1 ص226 وتاج العروس ج2 ص186.


المبادرة بيده، وأن يكون قادراً على التقلب في خياراته، حسبما يحلو له.

6 ـ إنه إذا صاحب هذا الاندفاع القوي للخيل كيفيات وحالات خاصة، مثل الأصوات الغامضة، أو الهيئات المخيفة، ومنها صوت ضبح الخيل الذي يدعوهم لتصور حجم اندفاع عدوهم نحوهم، ثم إذا صاحب ذلك لمعات نارية خاطفة وكثيرة، حين تقدح الخيل الشرر بحوافرها، فسوف يتشارك لدى ذلك العدوِّ السمع والبصر في رسم صورة الخطر الداهم، وما يحمله من عنف، من شأنه أن يزعزع ثباته، ويهزمه في عمق وجوده.

بل قد يوجب قدح النار تحت حوافر الخيل نشوء حالة تضليلية، من خلال تلهي أفراد العدو بالنظر إليها، وإثارة التكهنات حولها، فتتهيأ الفرصة لمفاجأتهم بالقتال المرير، والضاري.

هذا كله، عدا عن أن قدح النار من حوافر الخيل، يبهج روح فرسانها، ويقوي من اندفاعهم، ما دام أنه ناتج عن حركتهم وفعلهم.

7 ـ ويأتي بعد ذلك كله عنصر المفاجأة بالقتال، بشتى أنواعه، التي يحتاج العدو في تحرزه منها إلى حركات متفاوتة في مداها وفي اتجاهاتها، شريطة أن تكون بالغة السرعة، وقوية التأثير..

ولن يكون الإنتقال إلى هذه الحركات سهلاً وميسوراً، إلا لأقل القليل من الناس.

فكيف إذا كان هؤلاء المقاتلون في صفوف العدو، لا يقومون بعمل اختاروه لأنفسهم، بل تكون حركتهم مجرد رد فعل، يفقدون معه أي خيار، أو اختيار لموقع القتال ولأسلوبه، فضلاً عن عجزهم عن استهداف أي


نقطة بالقتال، بالإضافة إلى الضعف الذي سوف يعتري طبيعة حركاتهم القتالية نفسها..

والخلاصة: أن هذه المفاجأة بالقتال لابد أن تربكهم، وتمنعهم من التأمل ومن التدبر والتدبير، ومن تدارك خطة مدروسة لمواجهة الموقف.

8 ـ إن للتوقيت وتحديد ساعة الصفر أهمية بالغة في النجاح في الحرب، فإن المفاجأة إذا كانت في وقت الصبح، على قاعدة:( فَالمُغِيرَاتِ صُبْحاً ) (1) ، فلا بد أن تكون فرص نجاحها أكبر وأوفر، ويقول النص التاريخي: إنه في الغزوة التي نزلت فيها سورة العاديات أغار علي (عليه‌السلام ) على العدو في ذات السلاسل، فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغلس، ثم غار عليهم بأصحابه، فلم يعلموا حتى وطئتهم الخيل، فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم.. عملاً بمبدأ المفاجأة، وبمبدأ سرعة العمل، وبمبدأ الحركة في وقت لا يمكن رصد الحركة فيه، بسبب طبيعة النور المنتشر في ذلك الوقت، والذي من شأنه أن يعطل الرؤية.

ومن جهة ثانية: فإن الفريق الذي لم يكلف بمهمات قتالية، ولو بمثل الرصد والحراسة، يميل في هذه الساعة إلى أن يخلد للراحة، ظناً منه أن غيره يشاركه في هذا الميل، فينسجم ظنه هذا مع رغبته تلك، ويستسلم من ثم لأحلامه اللذيذة، وتأخذه سنة الكرى، وهو أكثر طمأنينة، وأبعد عن التفكير فيما يزعج ويثير.

____________

1- الآية 3 من سورة العاديات.


وأما المكلف بالرصد أو بالحراسة، فإنه إذا كان قد سهر الليل، حتى بلغ ساعات الصباح الأولى، فلابد أن يتنفس هذا الساهر المرهق في هذا الوقت الصعداء، ويحسب أنه قد أنهى مهمته، وأن عليه أن يستريح، ويعوض جسده عن هذا السهر الطويل، بالنوم المستغرق والعميق..

وهذا كله يجعل المفاجأة لهؤلاء وأولئك كبيرة وخطيرة؛ حيث يكون الراصد والحارس في أقصى حالات الإرهاق، ويكون غيره من الناس مستغرقاً في أحلامه، ولن يكون قادراً على الإنتقال من حالة الإسترخاء الشديد بأقصى درجاته إلى حالة الإستنفار، بل إلى الدخول في أعنف حالات الحركات القتالية، التي لا يقتصر الأمر فيها على أن يفكر في الأسلوب وفي الطريقة القتالية التي يختارها وحسب. بل عليه أن يفكر في اكتشاف الحركة القتالية للعدو أولاً، ثم يعود إلى نفسه ليفكر فيما يمتلكه من وسائل دفعها، وفي كيفية استعمال تلك الوسائل بما يناسب حركة العدو هذه..

وفي سياق آخر نقول:

إن المغير يعرف هدفه، وقد حدده ورسم خطة للتعامل معه، وهو ينفذ ما رسم.

أما المستهدفون بالغارة، فلا يعرفون شيئاً عن مواقع المهاجمين أو عن خطتهم، أو حالاتهم، وليس لديهم أية وسيلة لكشف ذلك فيهم، لأن العين وهي حاسة الرؤية تكون معطلة بسبب الظلمة، والنور الضئيل الذي ربما يكون قد بدأ ينتشر إنما هو في مستوى محدود، ولا يغير من


الواقع شيئاً..

وحتى في حالات الحرب في العصور الحديثة، فمن جهة تكون أجهزة الرصد غير ذات أثر، فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وكذلك بعد غياب الشمس إلى مضي حوالي ساعة من أول الليل.

ومن جهة أخرى تكون العين المجردة محجوبة بالظلمة، أو تكون دائرة عملها محاصرة ومحدودة بمقدار النور الذي استطاع أن يقتحم جحافل الظلام، وأن يتسلل إلى ثنايا تراكماته المهيمنة..

9 ـ وهنا يأتي دور النقع والغبار، الذي يثور في ساحة المعركة، بسبب سرعة حركة الخيل المغيرة، ليكون الساتر، والمانع من استفادة العدو حتى من كمية النور الضئيلة، التي تسللت إلى الأفق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

كما أن لهذا النقع دوراً في إرباك حركة العدو، وفي التأثير على مخيلته، ويهيء الفرصة لتوهم كيفيات وصور قتالية ضخمة ومهولة، لا وجود لها في الواقع.

ومن شأن هذا أيضاً أن يزيد ذلك العدو ضعفاً ووهناً، ويؤكد هزيمته الروحية، وربما يكون سبباً في مبادرته إلى هدر طاقات، وبذل جهد في غير الاتجاه الصحيح.

10 ـ ثم يأتي دور تلك الخيل العادية في الالتفاف على العدو، ومحاصرته وصيرورته في وسط تلك الخيل بسرعة حسبما أشير إليه في قوله


تعالى:( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) (1) ، حتى إذا رأى العدو أنه يواجه القتال في كل اتجاه، فإنه يصاب بالإحباط، وباليأس من أن تتيح له المقاومة شيئاً ذا بال، وستتأكد لديه القناعة بأنه لا فائدة من الاستمرار فيها، لأن حصادها لن يكون في هذه الحال سوى أن يصبح طعمة للسيوف، وأن يلاقي الحتوف، وفي مثل هذه الحال سيرى: أن الاستسلام هو الأرجح والأصلح.

وقد أظهرت النصوص المنقولة، وكذلك نزول هذه السورة المباركة في هذه المناسبة: أن علياً (عليه‌السلام ) قد طبق هذه الأمور كلها في غزوة ذات السلاسل.

فصلوات الله وسلامه على علي، سيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، إلى جنات النعيم.

____________

1- الآية 5 من سورة العاديات.


الفصل الثالث:

بنو خثعم وعلي (عليه‌السلام )..



سرية علي (عليه‌السلام ) إلى بني خثعم:

عن سلمان الفارسي (رحمه‌الله ) قال: بينما أجمع ما كنا حول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) ما خلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) إذ أقبل أعرابي بدوي، فتخطى صفوف المهاجرين والأنصار حتى جثا بين يدي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فسأله النبي عن نفسه، وما جاء به، فأخبره أنه رجل من بني لجيم.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (ما وراك (يا أخا) لجيم)؟!

قال: يا رسول الله خلفت خثعم، وقد تهيأوا وعبأوا كتائبهم، وخلفت الرايات تخفق فوق رؤوسهم، يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسمائة من رجال خثعم، يتألَّون باللَّات والعزى أن لا يرجعوا حتى يردوا المدينة، فيقتلوك ومن معك يا رسول الله.

قال: فدمعت عينا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى أبكى جميع أصحابه، ثم قال: (يا معشر الناس، سمعتم مقالة الأعرابي)؟!

قالوا: كلّ قد سمعنا يا رسول الله.

____________

1- أي كنا حول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كأجمع ما يكون.


قال: (فمن منكم يخرج إلى هؤلاء القوم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله يفتح على يديه، وأضمن له على الله الجنة؟!

قال: فوالله ما قال أحد: أنا يا رسول الله.

قال: فقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على قدميه وهو يقول: (معاشر أصحابي هل سمعتم مقالة الأعرابي)؟!

قالوا: كلّ قد سمعنا يا رسول الله.

قال: (فمن منكم يخرج إليهم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا، لعل الله أن يفتح على يديه، وأضمن له على الله اثني عشر قصراً في الجنة).

قال: فوالله ما قال أحد: أنا يا رسول.

قال: فبينما النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واقف إذ أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فلما نظر إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واقفاً ودموعه تنحدر كأنها جمان انقطع سلكه على خديه لم يتمالك أن رمى بنفسه عن بعيره إلى الأرض، ثم أقبل يسعى نحو النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يمسح بردائه الدموع عن وجه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يقول: ما الذي أبكاك؟! لا أبكى الله، عينيك يا حبيب الله! هل نزل في أمتك شيء من السماء؟!

قال: (يا علي، ما نزل فيهم إلا خير، ولكن هذا الأعرابي حدثني عن رجال خثعم بأنهم قد عبأوا كتائبهم.

ثم ذكر له ما جرى، فطلب منه أن يصف له القصور، فوصفها له.

فقال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): فداك أمي وأبي يا


رسول الله، أنا لهم.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (يا علي، هذا لك وأنت له، أنجد إلى القوم).

فجهزه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خمسين ومائة رجل من الأنصار والمهاجرين، فقام ابن عباس، وقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله تجهز ابن عمي في خمسين ومائة رجل من العرب إلى خمسمائة رجل وفيهم الحارث بن مكيدة يعد بخسمائة فارس؟!

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (امط عني يا ابن عباس، فوالذي بعثني بالحق لو كانوا على عدد الثرى وعليٌّ وحده لأعطى الله عليهم النصر حتى يأتينا بسبيهم أجمعين).

فجهزه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يقول: (اذهب يا حبيبي، حفظك الله من تحتك، ومن فوقك، وعن يمينك، وعن شمالك، الله خليفتي عليك).

فسار علي (عليه‌السلام ) بمن معه حتى نزلوا بواد خلف المدينة بثلاثة أميال يقال له: وادي ذي خشب، قال: فوردوا الوادي ليلاً، فضلوا الطريق، قال: فرفع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) رأسه إلى السماء وهو يقول: يا هادي كل ضال، ويا مفرج كل مغموم، لا تقو علينا ظالماً، ولا تظفر بنا عدونا، واهدنا إلى سبيل الرشاد.

قال: فإذا الخيل يقدح بحوافرها من الحجارة النار، حتى عرفوا الطريق فسلكوه، فأنزل الله على نبيه محمد:( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً.. ) يعنى الخيل


( فَالمُورِيَاتِ قَدْحاً ) قال: قدحت الخيل بحوافرها من الحجارة النار( فَالُمغِيرَاتِ صُبْحاً ) قال: صبحهم علي مع طلوع الفجر.

وكان لا يسبقه أحد إلى الأذان، فلما سمع المشركون الاذان قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون راعٍ في رؤوس هذه الجبال يذكر الله.

فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال بعضهم لبعض: ينبغى أن يكون الراعي من أصحاب الساحر الكذاب.

وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لا يقاتل حتى تطلع الشمس، وتنزل ملائكة النهار.

قال: فلما أن دخل النهار، التفت أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلى صاحب راية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال له: ارفعها.

فلما أن رفعها، ورآها المشركون عرفوها، وقال بعضهم لبعض: هذا عدوكم الذي جئتم تطلبونه، هذا محمد وأصحابه.

قال: فخرج غلام من المشركين، من أشدهم بأساً، وأكفرهم كفراً، فنادى أصحاب النبي: يا أصحاب الساحر الكذاب، أيكم محمد؟! فليبرز إليَّ.

فخرج إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وهو يقول: ثكلتك أمك أنت الساحر الكذاب، محمد جاء بالحق من عند الحق.

قال له: من أنت؟!


قال: أنا علي بن أبي طالب، أخو رسول الله، و ابن عمه، وزوج ابنته.

قال: لك هذه المنزلة من محمد؟!

قال له علي: نعم.

قال: فأنت ومحمد شرع واحد، ما كنت أبالي لقيتك أو لقيت محمداً، ثم شد على علي وهو يقول:

لاقيت يا علي ضيغماً(1)

قرماً كريماً في الوغا معلَّما

ليثاً شديداً من رجال خثعماً

ينصر ديناً معلماً ومحكما

فأجابه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وهو يقول:

لاقيت قرناً حدثاً وضيغماً

ليثاً شديداً في الوغا غشمشما

أنا علي سأبير خثعماً

بكل خطِّيٍّ يري النقع دما

وكـل صـارم يثبت الضرب فينعـما(2)

ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فاختلف بينهما ضربتان، فضربه علي (عليه‌السلام ) ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): هل من مبارز؟!

____________

1- هذا الشعر ورد هكذا، ولا يخفى عدم استقامة الوزن في هذا الشطر. ولعل الصحيح:

لاقيت حقــاً يا عـلي ضـيـغـماً***ليثـاً شديـداً في الـوغـا غشمشـما

2- هذا الشطر غير مستقيم الوزن.


فبرز أخ للمقتول، وحمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ضربة، فقتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي (عليه‌السلام ): هل من مبارز؟!

فبرز له الحارث بن مكيدة، وكان صاحب الجمع، وهو يعد بخمسمائة فارس، وهو الذي أنزل الله فيه:( إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) ، قال: كفور( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) قال: شهيد عليه بالكفر( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): يعني باتباعه محمداً.

فلما برز الحارث، حمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه علي ضربة فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار.

ثم نادى علي (عليه‌السلام ): هل من مبارز؟!

فبرز إليه ابن عمه، يقال له: عمرو بن الفتاك، وهو يقول:

أنا عمرو وأبي الفتاك

وبيدي نصل سيف هتاك

أقطـع بـه الـرؤس لمـن أرى كـذاك

فأجابه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وهو يقول:

هاكها مترعة دهاقا

كأس دهاق مزجت زعاقا

إني امرؤ إذا ما لاقا

أقد الهام وأجذ ساقـا(1)

ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه علي (عليه‌السلام ) ضربة

____________

1- يلاحظ ما في هذا البيت من اختلال الوزن. وكذلك الحال في شعر ابن الفتاك.


فقتله، وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي (عليه‌السلام ): هل من مبارز؟!

فلم يبرز إليه أحد، فشد أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) عليهم حتى توسط جمعهم، فذلك قول الله:( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ) ، فقتل علي (عليه‌السلام ) مقاتليهم، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وأقبل بسبيهم إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فبلغ ذلك النبي، فخرج وجميع أصحابه حتى استقبل علياً (عليه‌السلام ) على ثلاثة أميال من المدينة.

وأقبل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يمسح الغبار عن وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) بردائه، ويقبل بين عينيه ويبكي، وهو يقول:

(الحمد لله يا علي الذي شد بك أزري، وقوَّى بك ظهري. يا علي، إنني سألت الله فيك كما سأل أخي موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه أن يشرك هارون في أمره، وقد سألت ربي أن يشد بك أزري).

ثم التفت إلى أصحابه وهو يقول:

(معاشر أصحابي لا تلوموني في حب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فإنما حبي علياً من أمر الله، والله أمرني أن أحب علياً وأدنيه، يا علي، من أحبك فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب الله أحبه الله، وحقيق على الله أن يسكن محبيه الجنة.

يا علي، من أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن


أبغض الله أبغضه ولعنه، وحقيق على الله أن يوقفه يوم القيامة موقف البغضاء، ولا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً)(1) .

ونقول:

لا بأس بعطف النظر إلى الأمور التالية:

نزول سورة العاديات:

بالنسبة لنزول سورة العاديات في هذه المناسبة نقول:

قد تحدثنا عن أصول الحرب في هذه السورة في آخر الفصل السابق، فلا بأس بمراجعته.. غير أننا نقول:

إن مضامين الآيات لا تتطابق مع المعاني التي تريد الرواية أن تعزوها إليها، فلاحظ ذلك.

أين كان ابن عباس؟!:

ذكرت الرواية: اعتراض ابن عباس على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لإرساله علياً في مئة وخمسين رجلاً لمواجهة خمس مئة رجل فيهم الحارث بن مكيدة، الذي يعد بخمس مئة فارس(2) .

ونحن نرتاب في صحة ذلك:

أولاً: لشكنا في أن يكون ابن عباس في المدينة آنئذٍ لأن العباس إنما

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص84 ـ 90 عن تفسير فرات ص593 ـ 598.

2- بحار الأنوار ج21 ص87 وتفسير فرات الكوفي ص595.


أسلم في فتح مكة، وهاجر إلى المدينة بعد ذلك، وكان قبل ذلك في مكة، والمفروض أن زوجته وأولاده كانوا معه.. والقضية التي نحن بصددها كانت قبل ذلك الفتح..

ثانياً: إن الناس قد عادوا من خيبر للتوّ، وقتل فيها علي (عليه‌السلام ) مرحب اليهودي، وقلع باب الحصن بيده، وقتل قبل ذلك عمرو بن عبد ود وهو يعد بألف فارس، وهزم جيش الأحزاب، وهزم أيضاً قريظة والنضير، والمشركين في أحد.. وفعل في بدر الأفاعيل بالمشركين، فلماذا يخشى عليه ابن عباس، أو غيره..

ثالثاً: إن ابن عباس كان في هذا الوقت صغيراً، فإن عمره ما بين الثمان إلى العشر سنوات، وحتى لو زاد عمره عن ذلك، فإن اعتراضه على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ليس مستساغاً، ولا مقبولاً لا سيما مع ما ظهر منه من جرأة وبعد عن الأدب واللياقة مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

كما أن الجواب المنسوب إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو قوله: أمط عني يا ابن عباس.. لا يخلو من قسوة على طفل بهذه السن..

جموع الأعداء:

وقالوا: إن بني خثعم قد جمعوا خمس مئة فارس لمهاجمة المدينة..

ونقول:

إذا كان ما جرى في الخندق، وأحد، وخيبر، قد بلغ الخثعميين، فمن البعيد أن يجرؤوا على غزو المدينة بخمس مئة مقاتل بهدف القتال والنزال.. إلا إن كانوا يقصدون الإغارة على أطرافها، وأخذ بعض المواشي والغنائم،


على طريقة العرب في شن غارات السلب والنهب..

والمقصود هو الإيقاع بالمسلمين بأخذهم على حين غرة منهم، تنتهي بقتل الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وانفراط عقد جمع المسلمين معه، وارتكاب مذبحة هائلة فيهم..

فأراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يزيل هذا الخطر، فأرسل إليهم سيد الأولياء، وخير الأوصياء علياً (عليه‌السلام )، فنصره الله عليهم، وأبطل بغيهم، وكيدهم..

بكاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لماذا؟!:

وتذكر الرواية: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بكى حتى أبكى جميع أصحابه، حين أعلمه ذلك الرجل بما عزم عليه بنو خثعم..

والسؤال هو: إن كان بكاؤه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خوفاً، أو ضعفاً، فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد واجه أضعاف هذه الأعداد في عدة حروب، حين كان المسلمون في غاية القلة، مع فقد الإمكانات، وضعف التجهيزات. ولم نره يخاف أو يضعف.

على أنه لا بد من تنزيه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن هذه المعاني التي تعني أن ثمة خللاً حقيقياً في ثقته بالله، وفي معرفته به، وهو يناقض الكثير من توجيهاته لأصحابه..

يضاف إلى ذلك: أنه الآن قد أصبح قادراً على حشد أضعاف ما حشده الخثعميون..


وإن كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بكى إشفاقاً على بعض أصحابه من أن يصيبهم سوء، فلماذا لم نره يبكي إشفاقاً عليهم قبل الدخول في حرب بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، وسواها؟!

ولماذا كان هذا البكاء علنياً، ألا يوجب وهناً في المسلمين؟! وإطماعاً لعدوهم بهم، فيكون نقضاً للغرض، وتفريطاً غير مقبول..

لا مبرر لإحجام المسلمين:

ثم إننا لم نجد مبرراً لإحجام المسلمين عن الخروج إلى بني خثعم، مع أنهم نفروا في حرب اليهود في قريظة، وخيبر، ولحرب الروم في مؤتة، ولحرب المشركين في أحد، وبدر والأحزاب..

مع العلم بأنه لم يكن بحاجة إلى أكثر من مئة وخمسين رجلاً.. لا سيما وأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ كما صرحت به الرواية عنه ـ كان يريد أن يظهر أثر علي (عليه‌السلام )، وفضله، ومدى استعداده للتضحية في سبيل الله تعالى، وحرصه على الفوز برضاه، وشدة تفانيه في ذات الله.. ولو أرسله وحده، فإن الله تعالى ينصره عليهم.

هل ضلوا عن الطريق؟!:

ثم إننا نستبعد أن يكون علي (عليه‌السلام ) ومن معه قد ضلوا عن الطريق، فإنهم أهل البلاد، العارفون بمسالكها، وشعابها..

4-والأهم من ذلك أن قائدهم وهو أمير المؤمنين قد سلك هذه المسالك الوعرة في غزوة ذات السلاسل، حتى حرك ذلك عمرو بن العاص للإعتراض


عليه، بواسطة أبي بكر وعمر وخالد، فأجاب (عليه‌السلام ) بأنه يعلم ما يصنع..

ولو سلمنا أنهم قد ضلوا الطريق فكيف يكون قدح النار من حوافر الخيول قد أنار الطريق لهم حتى رأوه وعرفوه، وميزوه عن سائر الطرق.

متى تنزل ملائكة النهار؟!:

وفي الرواية: أن علياً (عليه‌السلام ) كان لا يقاتل حتى تطلع الشمس وتنزل ملائكة النهار.. ونقول:

أولاً: ذكرت الروايات الأخرى: أنه (عليه‌السلام ) كان لا يقاتل حتى تزول الشمس وأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما بيت عدواً قط، فلا حاجة لإعادة ذلك.

مع أنه قد تقدم في بعض الروايات: أنه (عليه‌السلام ) أغار على الأعداء في غزوة ذات السلاسل حين طلوع الفجر.

وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق. ولعل الأقرب هو أنه إذا أراد يبدأ الحرب لم يبدأها إلا بعد الزوال، أما إذا كانت الحرب قد نشبت، فلا مانع من الإغارة على العدو حين الفجر أيضاً.

أما ابتداء الحرب حين طلوع الشمس فلم يكن من فعل علي (عليه‌السلام ).

ثانياً: إن ملائكة النهار تنزل من حين طلوع الفجر، لا حين طلوع الشمس، فقد روي ذلك عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) في تفسير قوله


تعالى:( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ) (1) يعني صلاة الفجر، تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار(2) .

____________

1- الآية 78 من سورة الإسراء.

2- راجع: بحار الأنوار ج5 ص321 وج9 ص296 وج11 ص117 و 118 وج53 ص212 وج73 ص254 و 263 وج77 ص30 و 72 و 73 و 99 و 102 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص329 وج8 ص132 وعن مسند أحمد ج2 ص474 وراجع: فقه الرضا (عليه‌السلام ) ص72 والمعتبر للمحقق الحلي ج2 ص17 ومنتهى المطلب (ط ق) ج1 ص196 و (ط ج) ج4 ص25 و 27 وتذكرة الفقهاء (ط ق) ج1 ص72 و (ط ج) ج2 ص273 والذكرى ص113 و 122 ومدارك الأحكام ج3 ص24 والحبل المتين ص122 ومفتاح الفلاح ص4 والحدائق الناضرة ج6 ص207 ومستند الشيعة ج4 ص53 وجواهر الكلام ج7 ص168 ومسند زيد بن علي ص99 والمبسوط للسرخسي ج1 ص157 وفقه السنة ج1 ص97 و 157 والمحاسن ج2 ص323 والكافي ج3 ص283 و 487 وج8 ص341 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص222 و 455 وعلل الشرايع ج2 ص324 و 336 وأمالي الصدوق ص254 وثواب الأعمال ص136 والإستبصار ج1 ص275 وتهذيب الأحكام ج2 ص37 وروضة الواعظين ص317 ومختصر بصائر الدرجات ص131 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص273 و ج4 ص50 و 52 و 53 و 212 و 213 و (ط دار الإسـلاميـة) ج1 ص261 وج3 ص35 و 36 و 37 و 60 و 154 = = و 155 ومستدرك الوسائل ج3 ص51 و 120 و 124 و 164 وج4 ص75 والإختصاص ص36 وأمالي الطوسي ص695 وعوالي اللآلي ج1 ص421 وحلية الأبرار ج1 ص160 وسنن ابن ماجة ج1 ص220 وسنن الترمذي ج4 ص364 والمستدرك للحاكم ج1 ص211 والمصنف للصنعاني ج1 ص523 وعن السنن الكبرى للنسائي ج6 ص381 وصحيح ابن خزيمة ج2 ص365 وصحيح ابن حبان ج5 ص409 وكتاب الدعاء للطبراني ص59 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص236 وتفسير القمي ج2 ص25 والتبيان ج6 ص509 ومجمع البيان ج2 ص128 وج6 ص283 وتفسير جوامع الجامع ج2 ص382 وفقه القرآن ج1 ص82 و114 وتفسير غريب القرآن ص197 والتفسير الصافي ج3 ص210 والتفسير الأصفى ج1 ص692 ونور الثقلين ج3 ص201 وجامع البيان ج15 ص173 و 174 و 175 و 176 ومعاني القرآن ج4 ص183 وزاد المسير ج5 ص53 والجامع لأحكام القرآن ج10 ص306 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص13 و 53 وتفسير الجلالين ص374 وعن الدر المنثور ج4 ص396 وعن فتح القدير ج3 ص251 و 255 وعن البداية والنهاية ج1 ص56 وسبل الهدى والرشاد ج9 ص150 والنهاية في غريب الحديث ج2 ص513.


لماذا لا يُقاتل علي (عليه‌السلام ) إلا بعد الزوال؟!:

وقد شرح أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) نفسه أسباب عدم قتاله إلا بعد زوال الشمس.. فركز على الأسباب التالية:


1 ـ إن هذا الوقت أقرب إلى الليل، فإذا ذاق المقاتلون طعم القتال، وعرفوا أن الحرب ليست مجرد نزهة، بل فيها آلام ومصائب، وكوارث ونوائب، فإذا جنهم الليل، فسوف يعيدون النظر في حساباتهم، وسيقيِّمون الأمور وفق تجربة مباشرة وملموسة، لم تعد مجرد تصورات غائمة، تكتنفها الكثير من التخيلات التي تقلل من وضوحها، وتهون من أمرها.

فالألم المتصور والمفترض لا يؤثر في قرار الإنسان بمقدار ما إذا أصبح ماثلاً وحاضراً، والمصاب الذي تسمع به أو تقرأ عنه ليس له تأثير بمقدار المصاب الذي تراه وتعيشه، وتعاني منه ما تعاني..

فقد يدفعك خيال مَّا، أو يهيجك هائج حمية أو عصبية، أو يدعوك داعي طمع، أو جشع، أو تزين لك أحلام وردية، تنطلق من حسابات خاطئة، أن تقتحم أتون الحرب.. فتبادر إلى ذلك.. فإذا مسَّك شيء من بلاياها ورزاياها وآلامها، يرجع إليك صوابك، وتلتمس الخلاص، ولات حين مناص..

ثم تطحنك رحى الحرب فيما تطحن، وتحطم ما صلب منك، وتلتهم ما رقَّ ولان. وتجد نفسك غير قادر على استرجاع ما ذهب، ولا استدراك ما يأتي، وتفرض عليك تلك الحرب كل تبعاتها، وتحملك ما أردته وما لم ترده من جرائمها وموبقاتها، وتلقي عليك بكلاكلها وأثقالها، وتبوء بكل مخزياتها..

2 ـ إن هذا الوقت القصير، الذي هو بداية القتال، يكون فيه رجال الحرب على درجة عالية من اليقظة، والنشاط والحذر، ويريد كل منهم أن


يختبر قدرات العدو، وأن يكتشف مكامن قوته، ومواضع ضعفه.

فالإقدام فيه محدود، والحذر فيه على أشده.. ولا تتوفر فيه دواع للاستقتال، وطلب الموت، إذ لم يستحر القتل فيه بالأحبة، ولا وقع الأسر بعد على الأبناء والإخوة، ولا السبي أو العدوان على رموز الشرف، ومواضع الغيرة..

فلا موجب إذن لثورة حماس الشجعان. ليلقوا بأنفسهم في المهالك، طلباً للثار، أو لأجل محو العار.

وإذا كانت الأمور لا تزال في حدودها المعقولة، فيمكن للعاقل أن يثوب إليه رشده في الليلة التي تعقب هذه البداية، ويكون ـ في هذه الحال ـ مدركاً بعمق حقيقة ما هو فيه، ونتائج ما يقدم عليه، فيوازن بين الحالين، ويتخذ القرار الرشيد، والموقف السديد..

3 ـ وإذا كان هناك من يلاحق مهزوماً فسيمنعه حلول الليل من مواصلة سعيه.

4 ـ ولا ضير في أن ينجو ذلك المهزوم، فإن هزيمته النفسية، تكفيه هو الآخر ليعيد حساباته، ويستأنف حياته، بنمط جديد، وحذر شديد.

كما أن المطلوب المهم هو دفع شره، والتخلص من أذاه.. وقد حصل ذلك فعلاً.. وليس المطلوب قتله، ولا أسره، إلا إذا كان دفع شره يحتاج إلى ذلك.

وهذا هو ما قاله علي (عليه‌السلام ): (هو أقرب إلى الليل، وأجدر أن


يقل القتل، ويرجع الطالب، ويفلت المنهزم )(1) .

( إن الإنسان لربه لكنود ) في من نزلت؟!:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن قوله تعالى:( إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) (2) قد نزل في الحارث بن مكيدة، إلى أن قال تعالى:( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (3) .

قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

يعني: باتباعه محمداً(4) .

____________

1- الكافي لأبي الصلاح الحلبي ص256 وعن تهذيب الأحكام ج2 ص256 وعن علل الشرايع ج2 ص603 وبحـار الأنـوار ج33 ص453 وج11 ص453 وج94 ص22 ومنتهى المطلب (ط ق) ج2 ص997 والتحفة السنية (مخطوط) ص199 ورياض المسائل (ط ق) ج1 ص489 و (ط ج) ج7 ص511 وجواهر الكلام ج21 ص81 والكافي (ط دار الكتب الإسلامية) ج6 ص173 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص63 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص46 و 47.

2- الآية 6 من سورة العاديات.

3- الآية 8 من سورة العاديات.

4- بحار الأنوار ج21 ص88 و 89 وتفسير فرات ج1 ص16 و (ط سنة 1410هـ 1990م) ص597 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص410.


وقيل: المراد عمرو بن العاص(1) .

وقيل: غير ذلك..

ونقول:

إن هذا الإختلاف لا يضر، لإمكان أن تكون السورة قد نزلت أكثر من مرة، ولهذا نظائر كثيرة..

ولكن قول الرواية: إن المقصود بقوله تعالى:( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (2) هو علي غير سديد، لأن الآيات في مقام الذم والتوبيخ، حيث يظهر من سياقها: أن حب ذلك الكنود للخير، (أي للنعم الدنيوية، كالمال والجاه، والبقاء على قيد الحياة..) شديد..

وهذا إنما ينطبق على الذين أرسلهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قبل علي (عليه‌السلام )، فخافوا على أنفسهم، وحسدوا علياً، وحاولوا إحباط مسعاه..

ثم ذكرت الرواية: أن هؤلاء المحبين للدنيا سيرون يوم القيامة كيف أن الله تعالى خبير بهم، وسيظهر ما أضمروه في صدورهم، ويفضح ما انطوت عليه قلوبهم قال تعالى:( أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) (3) .

____________

1- الخرائج والجرائح ج1 ص168 وبحار الأنوار ج21 ص77 عنه.

2- الآية 8 من سورة العاديات.

3- الآيات 9 ـ 11 من سورة العاديات.


الفصل الرابع:

قبل فتح مكة..



العبرة من حنين الجذع:

وذكرت الروايات: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ استند ـ أو كان يستند حين يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة هناك، فلما صنع المنبر لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وترك الإستناد إلى ذلك الجذع اضطرب، وسُمع له حنين إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

معاشر المسلمين، هذا الجذع يحن إلى رسول رب العالمين، ويحزن لبعده عنه إلى أن قال: والذي بعثني بالحق نبياً، إن حنين خزَّان الجنان، وحور عينها، وسائر قصورها ومنازلها إلى من يوالى محمداً وعلياً وآلهما الطيبين، ويبرأ من أعدائهما، لأشد من حنين هذا الجذع، الذي رأيتموه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وإن الذي يسكِّن حنينهم وأنينهم، ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معـاشر شيعتـنا على محمد وآلـه الطيبـين، أو صـلاة نافلـة، أو صـوم، أو صدقة.

وإن من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد وعلي، ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، ومعونتهم لهم على دهرهم.


ونقول:

إن هذا يعطينا: أن علينا أن نتوقع لمحمد وآله وشيعتهم علاقة وأثراً في كل شيء، ولو كان بمستوى الإستناد إلى جذع نخلة مرة أو مرات.

وهذا يشير إلى أن ثمة أسراراً لا يحيط بها إلا عالم الغيب والشهادة.. وأن علينا أن لا نستهين ولو ببسمة أو لمسة أو لمحة من إنسان مؤمن.. فقد يكون لها من الآثار ما لا يخطر على قلب بشر.

رب لا تذرني فرداً، بعد مؤتة:

قال المسعودي: (..وكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد أن قتل جعفر بن أبي طالب الطيار بمؤتة من أرض الشام، لا يبعث بعلي في وجه من الوجوه إلا ويقول:( رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (1)(2) .

ونقول:

إن هذه الكلمة تعني: أن جميع من كان حول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ممن تُدَّعى لهم المقامات والكرامات، لا يفيد، ولا يؤثر في رفع الوحدة عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وليس فيهم من يصلح أن يكون استمراراً له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعلي وحده هو الذي يصلح لوراثته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه هو الذي يحمل ميزاته وصفاته، وسائر مكنوناته، ويعكس صورته الحقيقية،

____________

1- الآية 89 من سورة الأنبياء.

2- مروج الذهب ج2 ص434.


ويذكر الناس به، بكل ما لهذه الكلمة من معنى.. تماماً كما كان يحيى يمثل زكريا في حقيقته وفي إنسانيته، وهو استمرار له في كل وجوده.

ابنة حمزة في عمرة القضاء:

ويذكرون أيضاً: ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اعتمر عمرة القضاء، فلماذا انتهى منها لحقته عمارة، أو أمامة، أو أم أبيها ـ على الخلاف في اسمها ـ بنت الشهيد حمزة بن عبد المطلب، وأمها سلمى بنت عميس، وكانت بمكة. تطلب منهم أن يأخذوها معهم..

فكلم علي (عليه‌السلام ) النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين أظهر المشركين؟!

فلم ينهه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن إخراجها، فخرج بها(1) .

وفي نص آخر: أنها حين خرج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مكة تبعته وهي تنادي: يا عم، يا عم.

وقيل: إن أبا رافع خرج بها، فتناولها علي (عليه‌السلام )، وأخذ بيدها،

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص124 و125 عن البخاري، ومسلم، وأحمد، والواقدي، وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص63.

وراجع أيضاً: بحار الأنوار ج20 هامش ص372 وعن الإمتاع، وعن تاريخ مدينة دمشق ج19 ص361 وعن أسد الغابة ج5 ص508 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص779.


وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك(1) .

المشاجرة:

قالوا: وفي المدينة تكلم زيد بن حارثة في أمرها، وأراد أن يكون هو المتكفل لها، استناداً إلى كونه وصي أبيها؛ ولأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد آخى بينه وبين حمزة.

وطالب بها جعفر، باعتبار أن خالتها أسماء بنت عميس زوجته، والخالة أم.

أما علي (عليه‌السلام ) فقال: ألا أراكم في ابنة عمي(2) ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها نسب دوني، وأنا أحق بها منكم.

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص65 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص195 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص63 وراجع: العمدة ص201 و 226 وعن مسند أحمد ج1 ص98 و 115 وعن صحيح البخاري ج3 ص168 وج5 ص85 والمستدرك للحاكم ج3 ص120 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص6 وعن فتح الباري ج7 ص288 وتحفة الأحوذي ج8 ص113 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص127 و 168 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص88 و 151 وصحيح ابن حبان ص229 ونصب الراية ج3 ص549 وكنز العمال ج5 ص578 وعن تفسير القرآن العظيم ج3 ص475 وج4 ص218 وعن البداية النهاية ج4 ص267 وج3 ص442.

2- أي ألا أراكم تختلفون في أمر ابنة عمي الخ..


فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنا أحكم بينكم.

أما أنت يا زيد، فمولى لله ولرسوله.

وأما أنت يا علي، فأخي وصاحبي.

وأما أنت ياجعفر، فتشبه خَلقي وخُلقي. وأنت يا جعفر أحق بها، تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على خالتها، ولا عمتها.

فقضى بها لجعفر.

فقام جعفر فحجل حول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ما هذا يا جعفر؟!

قال: يا رسول الله، كان النجاشي إذا أرضى أحداً قام فحجل حوله.

فقيل للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): تزوجها.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ابنة أخي من الرضاعة، فزوَّجها سلمة بن أبي سلمة(1) .

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص738 و 739 والسيرة الحلبية ج3 ص65 و 66 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص195 وفي هامشه عن: صحيح مسلم ج3 ص1409 وعن سنن أبي داود رقم (2280) والجامع الصحيح ج4 ص338 ودلائل النبوة للبيهقي ج4 ص338 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص6 وتاريخ الخميس ج2 ص63 والأمالي للطوسي ص561 و 562 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص35 و 36 وج8 ص159 و 160 وج3 ص8 و 9 ومستدرك الحاكم ج4 = = ص87 و 220 والبداية والنهاية ج4 ص234 وعن تفسير القرآن العظيم ج7 ص331 وصحيح البخاري (ط دار إحياء التراث) ج8 ص284 وعن مسند أحمد ج1 ص158 و 185 وجامع الأحاديث والمراسيل ج12 ص53 وج18 ص253 وج20 ص124 وكنز العمال ج1 ص986 وج5 ص580 و 581 وعن فتح الباري ج8 ص284 وج9 ص130 وعمدة القاري ج17 ص262 والبيان والتعريف ج1 ص103 ونصب الراية ج5 ص115 وبحار الأنوار ج20 هامش ص372 عن ابن إسحاق، وعن تاريخ مدينة دمشق ج19 ص261 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص443.


ونقول:

لا بد من ملاحظة ما يلي:

1ـ ذكرت الرواية أن ابنة حمزة خرجت تنادي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا عم، يا عم(1) ، مع أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليس عمها، وإنما هو ابن عمها. إلا إن كان قد قالت ذلك انسياقاً مع منطق الطفولة.

ويجاب: بأن طفولتها غير ظاهرة، فإنها كانت في سن الزواج.. وقد زوجها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سلمة بن أبي سلمة. وذلك بعد أن سئل

____________

1- راجع: تاريخ الخميس ج2 ص63 و 64 والعمدة ص201 و 326 وبحار الأنوار ج28 ص328 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص85 وتحفة الأحوذي ج8 ص113 وعن تفسير القرآن العظيم ج4 ص217 وتهذيب الكمال ج5 ص54 وعن البداية والنهاية ج4 ص267 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص442.


النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن سبب عدم زواجه منها.. إلا إن هذا التزويج قد جرى من قبل وليها رغم صغرها.. مع تأييد صغر سنها بتعبير الإمام عنها بأنها يتيمة..

2 ـ ذكرت الرواية: أن جعفراً حجل حينئذٍ سروراً بقضاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فسأله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن ذلك، فأخبر أن هذا ما يفعله النجاشي في هذه الحالات.

ونلاحظ على هذا: أن جعفراًَ قد حجل قبل ذلك في خيبر، حين قدومه من الحبشة، فسأله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن ذلك، وأجابه.. فيبقى السؤال.

وما قيل من أجوبة على ذلك لا يصح، كما بيناه في موضع آخر في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

3 ـ قولهم: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رفض الزواج من ابنة حمزة، لأنها بنت أخيه من الرضاعة، لا يصح، لما يلي:

ألف: لتناقض الروايات في كثير من الأمور المرتبطة بهذا الأمر.

ب: إن حمزة كان أكبر من النبي بأكثر من عشر سنوات، لأن نذر عبد المطلب وما جرى على أساسه يعطي أن حمزة كان قد ولد وكبر قبل زواج عبد الله بآمنة بنت وهب، وحمزة أكبر سناً من عبد الله والد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج19 ص219 و 220.

2- راجع: البداية والنهاية ج2 ص248 والسيرة النبوية لابن كثـير ج1 ص174 = = والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص160 وراجع: السيرة الحلبية ج1 ص36 وفي السيرة النبوية لدحلان ج1 ص15 وإن كان لم يذكر: أن عبد الله كان أصغر ولده، لكنه ذكر حمزة والعباس في جملة أولاد عبد المطلب حين قضية الذبح.. وذكر في الكامل لابن الأثير ج2 ص6 وتاريخ الأمم والملوك (ط مطبعة الإستقامة) ج2 ص4: أن عبد الله كان أصغر ولده، وأحبهم، لكنه لم يسم أولاد عبد المطلب وراجع: المصنف للصنعاني ج5 ص315 و 316 وعن الدر المنثور ج3 ص220 وعن تاريخ مدينة دمشق ج57 ص240 وتاريخ اليعقوبي ج1 ص250 و 251.


ج: حتى بناء على ما زعموه من أن حمزة كان أكبر من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بسنتين، أو بأربع، نقول:

إن حدوث هذا الرضاع يصبح بعيداً، أيضاً بناءً على الأول، لأن قلة قليلة جداً تبلغ في رضاعها السنتيت، فضلاً عن أن تزيد عليه، وغير صحيح بناء على الثاني.

4 ـ لماذا لم يأخذ النبي نفسه بنت حمزة، فإن ميمونة بنت الحارث كانت أخت سلمى بنت عميس لأمها، فهي خالة بنت حمزة، فكان يمكن أن يأخذها (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لكون خالتها عنده؟! ولكونه أخاً لأبيها من الرضاعة، فلديه سببان لأخذها دون غيره..

5 ـ إن صفية بنت عبد المطلب كانت عمة لبنت حمزة، فلماذا لم تُعْطَ لها، وهل طالبت بها كما طالبوا؟! فإن كانت لم تطالب فما هو السبب؟! هل هو


دم قدرتها على القيام بشؤونها؟!

أم أنهم حسموا الأمر من دون علمها، ثم علمت فرضيت؟!

وكيف يقدم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على حسم الأمر، دون أن يستكمل استكشاف آراء من لهم ارتباط بالمشكلة.. ولماذا؟! ولماذا؟!

6 ـ ما السبب في وجود سلمى زوجة حمزة مع ابنتها في مكة، هل هي لم تهاجر مع زوجها حمزة إلى المدينة؟!.. أم أنها عادت إلى مكة بعد استشهاده (عليه‌السلام )؟! وما الذي جعل أهل مكة يرضون بعودتها إلى بلدهم؟!

7 ـ لماذا لم يطلب زيد، وجعفر ابنة حمزة في مكة، قبل أن تلحق هي بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتتوسل إليه أن يأخذها معه..

8 ـ لماذا لم يجبها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهي تناديه أن يأخذها معه؟! بل هو لم يبد رأياً في ذلك حتى كلمه علي (عليه‌السلام ) في شأنها؟!

ولعل الصحيح: هو أن علياً (عليه‌السلام ) قد أخرج فاطمة بنت الحمزة ـ كما قيل: بنت سلمى بنت عميس(1) ، وقيل: أن اسمها عمارة(2) ،

____________

1- الإصابة ج4 ص381 والجوهر النقي ج6 ص241 ومقاتل الطالبيين ص11 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص35 و 36 وتهذيب الكمال ج15 ص82 وسير أعلام النبلاء ج1 ص213 و 214 و 151 وعن فتح الباري ج7 ص388 و 389.

2- بحار الأنوار ج20 هامش ص372 عن الإمتاع، وعن فتح الباري ج7 ص388 و 389 وكنز العمال ج5 ص580 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص122 = = وج8 ص159 وعن تاريخ مدينة دمشق ج19 ص361 وعن أسد الغابة ج5 ص508 وج8 ص185 و 242 والمنتخب من ذيل المذيل ص114 وعن البداية والنهاية ج4 ص267 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص443 وعمدة القاري ص17 ص262 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص779.


وقيل: أمامة(1) ـ من مكة حين هجرة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) ، لا في عمرة القضاء.. فإن صح هذا، فلماذا عادت إلى مكة؟! وكيف؟!

وحين يذكرون هجرة الفواطم مع علي (عليه‌السلام )، ونزولهم ضجنان لا يذكرون فاطمة بنت الحمزة مع الفواطم الثلاث، ولعل ذلك لأنها كانت طفلاً تابعاً.

وحين يتحدثون عن غير الهجرة يقولون: إن الفواطم أربعة، أو ثلاث

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص48 و 58 وكتاب المحبر ص107 وعن أسد الغابة ج5 ص399 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص779 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص195 و 196.

2- السيرة الحلبية ج2 ص204 و 205 وتفسير الميزان ج4 ص91 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج1 ص748 والأمالي للطوسي ص471 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص159 وحلية الأبرار ج1 ص151 و 152 وبحار الأنوار ج19 ص66 وج63 ص350 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص468 والتفسير الصافي ج1 ص410 ونور الثقلين ج1 ص423 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص326 وكشف الغمة ص33 وسيرة المصطفى ص259.


ويذكرونها بينهن(1) . فما هو السبب أيضاً في ذلك؟!

كتاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لخزاعة بخط علي (عليه‌السلام ):

وفي جمادى الآخرة سنة ثمان كتب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد الحديبية كتاباً لخزاعة، يبدأ كما يلي:

بسم الله الرحمان الرحيم:

من محمد رسول الله إلى بديل وبشر، وسروات بني عمرو، سلام عليكم إلخ(2) ..

____________

1- راجع: نيل الأوطار ج2 ص77 وشرح أصول الكافي ج6 ص167 وشرح مسلم للنووي ج14 ص50 وفتح الباري (المقدمة) ص282 وج11 ص477 والديباج على مسلم ج5 ص126 والفايق في غريب الحديـث ج2 ص174 وعيون الأثر ج2 ص371 واللمعة البيضاء ص207 ولسان العرب ج12 ص455 وتارج العروس ج9 ص13 وكنز العمال ج1 ص3102 وسبل السلام ج2 ص86 وعون المعبود ج11 ص101 وعمدة القاري ج21 ص23 وج22 ص17 والتمهيد ج14 ص239 وشرح معاني الآثار ج4 ص243 ومرقاة المفاتيح ج8 ص177 وعن الإصابة ج4 ص381 وعن أسد الغابة ج5 ص362 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص153 وتعريف الأحياء بفضائل الإحياء للعيدروسي ج1 ص116.

2- المغازي للواقدي ج2 ص749 و 750. ونقله في مكاتيب الرسول ج3 ص126 عن: الأموال لأبي عبيد ص201 وفي (ط أخرى) ص288 والطبقات الكبرى = = لابن سعد (ط ليدن) ج2 ق1 ص25 وفي (ط دار صادر) ج1 ص272 وأسد الغابة ج1 ص170 في ترجمة بديل، ورسالات نبوية ص96 (عن ابن حجر والطبراني) وابن أبي شيبة ج14 ص486 وكنز العمال ج4 ص276 (عن ابن سعد، والباوردي، والفاكهي في أخبار مكة، والطبراني، وأبي نعيم وص310 عن ابن أبي شيبة. والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص15 بسندين، ومدينة البلاغة ج2 ص315 والأموال لابن زنجويه ج2 ص464 وأعيان الشيعة ج3 ص550 ومجمع الزوائد ج8 ص172 و 173 ومجموعة الوثائق السياسة 275 و 276/172 (عن جمع ممن تقدم وعن) وسيلة المتعبدين ج8 ص 28/ألف، ثم قال: قابل ابن عبد ربه ج2 ص76 والإستيعاب، وانظر: كايتاني ج8 ص21 واشبرنكر ج3 ص404 واشبربر ص20.

ثم قال العلامة الأحمدي: وأوعز إليه كنز العمال ج1 ص273 وجمهرة النسب لهشام الكلبي ص365 والإصابة ج1 ص149 و 646 في ترجمة بسر عن ابن أبي شيبة، والطبراني، والفاكهي وص141/641 وص321 في حرملة، وج2 ص504 والإستيعاب ج1 ص166 في بديل، وص411 في خالد بن هوذة، ورسالات نبوية ص17 وأسد الغابة ج1 ص398 وج2 ص97 وراجع: ثقات ابن حبان ج2 ص36 والإشتقاق ص476 والمفصل ج6 ص423 وج4 ص15 و 367.


ويلاحظ: أن أكثر المصادر لم تذكر اسم كاتب الكتاب، لكن ابن الأثير قال: كان الكتاب بخط علي بن أبي طالب، أخرجه الثلاثة(1) ، وفي رسالات

____________

1- مكاتيب الرسول ج3 ص137 عن المعجم الكبير ج2 ص15 ومدينة البلاغة ج2 = = ص315 وراجع: مجمع الزوائد ج8 ص173 وعن أسد الغابة ج1 ص197 وعن الإصابة ج1 ص410.


نبوية: أن الكتاب بيد علي بن أبي طالب.

وقال الطبراني: قال أبو محمد: وحدثني أبي قال: سمعت يقولون: هو خط علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )(1) .

علي (عليه‌السلام ) وجلد المستحاضة:

عن علي (عليه‌السلام ) قال: أرسلني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أمة له سوداء، زنت، لأجلدها الحدّ، قال: فوجدتها في دمائها، فأتيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخبرته بذلك، فقال لي: إذا تعالت [تعافت] فاجلدها خمسين(2) .

ونقول:

1 ـ لا يقام الحدّ على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها، لأن الإستحاضة

____________

1- المعجم الكبير للطبراني ج2 ص30 ومجمع الزوائد ج8 ص173 ومكاتيب الرسول ج3 ص137.

2- مسند أحمد ج1 ص136 وراجع: تفسير القرآن العظيم ج1 ص476 وعن نيل الأوطار ج7 ص272 وعن صحيح مسلم ج3 ص537 ح34 كتاب الحدود، والجامع الصحيح للترمذي ج4 ص37 وعن سنن أبي داود ج1 ص164 ح4473، وليس في الثلاثة الأخيرة لفظ خمسين.


في معنى المرض، ولذلك قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إذا تعافت، فاجلدها خمسين. أما الحيض فهو يدل على اعتدال المزاج. والحائض صحيحة، فيقام عليها الحدّ مطلقاً.

2 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) لم يبادر إلى إقامة الحد على تلك الأمة، بل تحرى عنها، لكي يعرف إن كانت واجدة لشرائط إقامة الحد أم لا.. فلما علم باختلال الشرائط لم يتركها انتظاراً لتوفر تلك الشرائط، واستناداً إلى ما يعرفه هو من الأحكام الخاصة في هذا المورد، بل راجع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمرها، ليكون التأخير مستنداً إلى قرار الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه، لا إلى قرار علي (عليه‌السلام ).

3 ـ قد يعترض بعضهم على علي (عليه‌السلام ) بأنّه لم يلتزم بحرفية أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بل استلبث وتريث، حتى وجد فرصة لتأجيل تنفيذ الأمر الصادر إليه، فهو لم يكن كالسكة المحماة فيه، كما هو المفروض.

ونجيب: بأنّ هناك أموراً تكون في عهدة النبي أو في عهدة وصيه، الحاكم والحافظ لأحكام الشريعة، لا بد أن يتصدى لها الحاكم مثل: أن يصدر أمره بإقامة الحدّ على مستحقه.

وهناك أمور أخرى تكون من حق المحدود، وعلى المنفذ للأمر أن يراعيها فيه.

فالمورد هنا: من قبيل هذا الثاني، لا الأول، أي أنه مورد التأكد من جامعية المحدود لشرائط إقامة الحدّ، وهذا من وظائف علي (عليه‌السلام )، فهو من موارد قاعدة: (الشاهد يرى ما لا يراه الغائب)، تماماً كما حصل له


(عليه‌السلام ) في حديث الإفك، حيث أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) بقتل جريج القبطي إن وجده عند مارية، فلما وجده، وتأكد من فاقديته لشرط إقامة الحدّ رجع إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال له: تأمرني بالأمر أكون فيه كالسمكة المحماة، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟!

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

فهل هذا المورد من الموارد التي يكون فيها كالسكة المحماة؟! تماماً كما حدث حين أمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالإتيان بالحكم، كالشاة التي تساق لحلبها؟! أم أن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟!

أي أنّه (عليه‌السلام ) لم يرفع حكم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالرجم، بل هو سيمضيه، ويكون فيه كالسكة المحماة، حين تتحقق شرائط إجرائه، إذ هو بالنسبة لتوفر شرائط إقامة الحدّ، محكوم بقاعدة: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، لأن اليقين بتوفر الشروط من مسؤولية ذلك الشاهد نفسه.

كأنك في الرقة علينا منا:

نقل عن خط الشهيدرحمه‌الله ما يلي:

(قيل: كتب النجاشي كتاباً إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): اكتب جواباً وأوجز..

فكتب (عليه‌السلام ):

(بسم الله الرحمان الرحيم: أما بعد، فكأنك في الرقة علينا منا، وكأنا من الثقة بك منك، لأنا لا نرجو شيئاً منك إلا نلناه، ولا نخاف منك أمراً


إلا أمناه، وبالله التوفيق).

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): الحمد لله الذي جعل من أهلي مثلي، وشد أزري بك)(1) .

ونقول:

أولاً: قد تم الإستيلاء على هذا الوسام أيضاً، بالإستيلاء على سبب منحه، حيث زعموا: أن عمرو بن أمية قال للنجاشي: كأنك في الرقة علينا منا، وكأننا في الثقة بك منك، لأننا لم نظن بك خيراً قط إلا نلناه، ولم نحفظك على شر قط (ولا نخاف أمراً منك) إلا أمناه إلخ(2) ..

غير أن من الواضح: أن عمرو بن أمية قد ذهب إلى الحبشة بعنوان رسول، فمتى توطَّن الحبشة، ولمس رقة ملكها عليه، وتنامت ثقته به، حتى

____________

1- بحار الأنوار ج20 ص397 و (ط حجرية) ج6 ص571 ومستدرك سفينة بحار الأنوار ج9 ص541 ومكاتيب الرسول ج2 ص453 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص28 عن نزهة الجليس (ط المطبعة الحيدرية) ج1 ص354 وراجع: ناسخ التواريخ، ترجمة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومدينة البلاغة ج2 ص244.

2- مكاتيب الرسول ج2 ص447 عن السيرة النبوية لدحلان ج3 ص68 والسيرة الحلبية ج3 ص279 وزاد المعاد ج3 ص60 والروض الأنف ج3 ص304 والمصباح المضيء ج2 ص39 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج1 ص572 وج2 ص654 وعيون الأثر ج2 ص329 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص259.


صار يشعر أنه منه، وحتى صار لا يظن به خيراً إلا ناله إلخ..؟!

على أننا لم نر في طريقة خطاب عمرو بن أمية ما يناسب خطاب مثله لمثله، ولا نرى أن ملك الحبشة وأعوانه يرضى ويرضون بأن يبدأه بعبارة: عليَّ القول، وعليك الإستماع.

وكذا قوله: (وإلا، فأنت في هذا النبي الأمي، واليهود كاليهود في عيسى..)، بل هم سوف يسكتونه فور سماع عبارته هذه.

ثانياً: إن حامل الرسالة لملك الحبشة هو جعفر بن أبي طالب، وملك الحبشة أسلم على يد جعفر، لا على يد عمرو بن أمية.

من صدقات علي (عليه‌السلام ):

وقد أرسل النجاشي لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمناسبة زواجه بأم حبيبة (قميصاً وسراويل، وعطافاً، وخفين ساذجين)(1) .

وروى الكليني: أنه أهدى لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حلة قيمتها ألف دينار، فكساها علياً (عليه‌السلام )، فتصدق بها(2) .

____________

1- مكاتيب الرسول ج2 ص449 وموسوعة التاريخ الإسلامي ج1 ص576 وج2 ص660 وتحفة الأحوذي ج8 ص78 وكتاب المحبر للبغدادي ص76 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص311 وإمتاع الأسماع ج7 ص15.

2- راجع: الكافي ج1 ص288 و 289 الحديث رقم 3 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البـيـت) ج5 ص18 وج9 ص477 و (ط دار الإسـلاميـة) ج3 ص349 وج6 = = ص334 وحلية الأبرار ج2 ص279 وكتاب الأربعين للماحوزي ص184 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص441 وج16 ص685 والتفسير الصافي ج2 ص44 والتفسير الأصفى ج1 ص281 ونور الثقلين ج1 ص643 وشرح أصول الكافي ج6 ص116 وتأويل الآيات ج1 ص153.


ونقول:

1 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعط علياً إلا ما هو ماله الخاص، وليس للمسلمين فيه نصيب..

2 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يشأ أن يلبس حلة بألف دينار، وهو يعلم: أن الكثيرين من المسلمين يحتاجون في كسوتهم إلى شيء، مهما كانت قيمته متواضعة.. فآثر أن يعطيها لمن يستحقها ويحتاجها.. وهو علي (عليه‌السلام )..

3 ـ ولكن علياً (عليه‌السلام ) أيضاً لم يشأ أن يلبس حلة بألف دينار، تأسياً برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من جهة، ومن جهة ثانية: ولعل في الحجاز أو اليمامة من لا عهد له باللباس اللائق به، ولا يقدر على تهيئة ما تكون قيمته متواضعة، فآثر بها غيره من أهل الحاجة لينال ثواب ذلك أيضاً.. وليكون المثل الأعلى في القناعة والإيثار، والزهد بالدنيا..

علي (عليه‌السلام ) يقتل أصل الخوارج:

ونذكر هنا قضية جرت في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولعلها حدثت في هذه السنة أو في غيرها وهي التاية:


رووا: أن أبا بكر قال للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إني مررت بوادي كذا وكذا، فإذ رجل متخشع، حسن الهيئة، يصلي..

فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إذهب إليه فاقتله.

فذهب إليه، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله، فرجع إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعمر: إذهب فاقتله.

فذهب إليه، فرآه على تلك الحال، فكره أن يقتله.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): اذهب فاقتله.. فذهب إليه فلم يجده.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين، وفي آخره: فاقتلوهم هم شرُّ البرية(1) .

____________

1- مسند أحمد ج3 ص15 والمصنف للصنعاني ج10 ص155 و 156 ومجمع الزوائد ج6 ص225 و 226 و 227 والبداية والنهاية ج7 ص299 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص266 و 267 والكامل في الأدب ج3 ص220 و221 ونيل الأوطار للشوكاني ج7 ص351 والمراجعات للسيد شرف الدين ص376 و 378 والنص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص96 والغديرج7 ص216 وأهمية الحديث عند الشيعة للشيخ آقا مجتبي العراقى ص217 وفتح الباري ج12 ص266 والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص121.


وفي نص آخر: فقال علي (عليه‌السلام ): أفلا أقتله أنا يا رسول الله؟!

قال: بلى أنت تقتله إن وجدته.. فانطلق علي (عليه‌السلام ) فلم يجده.. أو نحو ذلك(1) .

ونقول:

1 ـ لقد عودنا عمر بن الخطاب أن يطلب من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يسمح له بقتل هذا تارة وذاك أخرى، وذلك ثالثة، ورابعة، وخامسة. ولم ينل مبتغاه في جميع مطالبه تلك، بل كان القرار النبوي دائماً على خلاف هواه..

أما هنا.. فإن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي يطلب من عمر أن يقتل هذا الرجل، ولكن عمر لا يستجيب!!

2 ـ إن أبا بكر لم يكن في مجمل أحواله يتوافق مع عمر على القتل الذي كان عمر يطلب من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يسمح له به، فلم يطلب

____________

1- كشف الأستار عن مسند البزار ج2 ص360 و 361 والعقد الفريد ج2 ص404 وراجع المصنف للصنعاني ج10 ص155 و 156 ومجمع الزوائد ج6 ص226 و 227 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص187 و 188 عن مسند أبي يعلى، والإعانة لابن بطة، والعكبري. وزينة أبي حاتم الرازي، وكتاب أبي بكر الشيرازي وغيرهم والطرائف ج2 ص429 والبداية والنهاية ج7 ص298 والغدير ج7 ص216 وحلية الأولياء ج2 ص317 و ج3 ص227 والإصابة ج1 ص484 والنص والإجتهاد ص93 و 94 عن بعض ما تقدم.


ما كان يطلبه عمر من ذلك، ولو مرة واحدة، بل هما قد اختلفا في العديد من الموارد، فقد اختلفا في الموقف من خالد حين قتل مالك بن نويرة، وزنى بامرأته.. واختلفا في الموقف من أسارى بدر.

3 ـ إن أبا بكر كان قرين عمر، وحبيبه، وصفيه، ونجيه، وكانا معاً يداً واحدة على الدوام.. غير أنهم يزعمون: أن أبا بكر يميل إلى السلم، وعمر يميل إلى القتل والحرب. حتى أصبح ذلك بمثابة القاعدة.

ولكن هذه القاعدة قد انخرمت مرتين:

إحداهما: في قتال مانعي الزكاة، حيث كان عمر يرى مسالمتهم، وأبو بكر يرى حربهم، وذلك على خلاف ما عهدناه منهما من ميل أبي بكر للسلم، وميل عمر للحرب.. فما هو السبب في ذلك؟!

ويزيد هذا الأمر غرابة حين نرى أن الأمور عادت بينهما إلى التوافق، ولكن لا برجوع أبي بكر إلى رأي عمر، بل برجوع عمر إلى رأي أبي بكر!

الثانية: في قتل أصل الخوارج، فإن عمر قد مال إلى طبع أبي بكر، ورأيه، فآثرا معاً عصيان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولم ينفذا أمره بقتله..

4 ـ إن الرجل الذي طلب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قتله من أبي بكر وعمر، كان يتظاهر بالتخشع والعبادة والصلاح. ولكن ذلك لم يمنع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من الأمر بقتله، فإن العبرة عنده بالجوهر لا بالمظهر.. وأفهمنا أن على المؤمن أن لا ينخدع بالمظاهر.

5-وقد جاءت هذه الحادثة لتكون التطبيق العملي لنهيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


الناس عن النظر إلى صلاة الرجل وصومه، وطنطنته بالليل، بل عليهم أن ينظروا إلى صدقه في الحديث، وأدائه الأمانة(1) .

5 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يرسل أبا بكر إلا بعد أن أخبره أبو بكر نفسه عنه بأنه رآه بمكان كذا متخشعاً، حسن الهيئة يصلي، أي أن النبي أمره بقتله بناء على ما سمعه من أوصاف أغدقها عليه، وحالات نسبها إليه، فما معنى أن يذهب أبو بكر إليه، ثم يرجع فيقول: إنه رآه يصلي فترك قتله؟! فإنه لم يأت للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بشيء جديد يبرر إحجامه عن تنفيذ أمره.

6 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أمر أبا بكر وعمر وعلياً بقتل ذلك الرجل، لم يذكر لهم سبب إصداره لهذا الأمر ـ رغم إخبارهم إياه بصلاة ذلك الرجل وتخشعه ـ وهذا يدل على ضرورة أن يكون التعامل مع

____________

1- راجع: الأمـالي للصدوق ص379 وعيون أخبـار الرضـا ج1 ص55 و 56 وروضة الواعظين ص373 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج19 ص69 و (ط دار الإسلامية) ج13 ص220 ومستدرك الوسائل ج14 ص6 والإختصاص ص229 ومشكاة الأنوار ص109 و 164 وبحار الأنوار ج68 ص9 وج72 ص114 و 115 وشجرة طوبى ج2 ص443 وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص526 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص223 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص274 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج6 ص56 والرسائل الرجالية للكلباسي ج1 ص229.


المعصوم بمنطق الطاعة والإنقياد المطلق والتسليم، تطبيقاً لقوله تعالى:( ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (1) .

تماماً كما سلم إسماعيل نفسه لأبيه إبراهيم ليذبحه قائلاً:( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) (2) .

7 ـ إن امتناع أبي بكر وعمر عن تنفيذ الأمر يدلنا على أنهما لم يتعاملا مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أساس أنه مسدد بالوحي الإلهي، ولا ينطق عن الهوى.. ولا على أساس أنه عالم علم اليقين، بالمبررات الشرعية لحكمه عليه بالقتل.. أي أنهما رأيا أن النبي لم يكن مستجمعاً للشرائط المسوغة لحكمه على الرجل، ومعنى ذلك أنه مخطئ في قراره هذا، وأن ذلك الرجل مظلوم..

وهذا ما لا يمكن قبوله، لا من أبي بكر وعمر، ولا من غيرهما.

8 ـ إن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): (بلى أنت تقتله إن وجدته) يدل على أنه كان يعرف علياً حق المعرفة، حتى لقد أخبر عن فعل علي (عليه‌السلام ) ـ الذي كان سيحصل ـ لو وجد ذلك الرجل.

9 ـ إن هذا الإختبار العملي، قد أظهر فضل ذي الفضل.. وبيّن ميزته (عليه‌السلام ) على من سواه، وسجل معياراً ومقياساً تسقط به الكثير من الدعاوى التي يسوقها محبوا مناوئي علي (عليه‌السلام )..

____________

1- الآية 65 من سورة النساء.

2- الآية 102 من سورة الصافات.


10 ـ إن قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن الذين هم على شاكلة ذلك الرجل الذي أمر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقتله: (فاقتلوهم هم شر البرية) قد أسقط الحصانة عن هذه الفئة من الناس، بإعطائه الأمر بقتلهم، لأنهم تجسيد للشر الذي يصيب البشرية، وتستُّرهم بالمظاهر الخادعة وإظهارهم التخشع، وممارسة العبادات إن كان يراد به حفظ الجحود والطغيان، لا ينفع في دفع العقوبة التي يستحقونها.

11 ـ وإنما كان هؤلاء شر البرية، لأنهم يتسترون بالدين للقضاء على الدين، وإشاعة رذيلة الظلم والطغيان، والعمل بالهوى، وأحكام الجاهلية..

12 ـ وقد أخبر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن علياً (عليه‌السلام ) لن يجد ذلك الرجل، ولو وجده لقتله، وأخبر أيضاً عن المارقين، مع بيان بعض حالاتهم، وما يكون منهم.. مبيناً التكليف الإلهي للأمة تجاههم.

13 ـ ويكون صدق ما أخبر به (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن أن علياً (عليه‌السلام ) لن يجد ذلك الرجل بمثابة شاهد حسي على أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخبر عن الله تعالى، وعلى أن ما يخبر به عن ظهور المارقين لا بد أن يتحقق أيضاً.

14 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يقدم على قتل رجل إلا إذا توفرت الأدلة له على استحقاقه للقتل..

ومن الذي قال: إن البينة لم تقم لدى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على استحقاق ذلك الرجل للقتل..

أو من الذي قال: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يطلع على حال


ذلك الرجل بصورة مباشرة، وبنحو يجيز له قتله.. فرأى أن إظهاره التخشع، واعتصامه بالتظاهر بالدين لا يجديه، فقد قلنا: إن العبرة إنما هي بالجوهر لا بالمظهر..



الباب الثامن :

من فتح مكة.. إلى فتح الطائف..



الفصل الأول:

نقض العهد.. ومقدمات الفتح..



أبو سفيان في المدينة:

وبعد أن عقدت قريش في الحديبية مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عهداً تضمن دخول خزاعة في عقد وعهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نقضت قريش العهد، وأوقعت ببني نفاثة الخزاعيين، ثم بعثت أبا سفيان إلى المدينة، فطلب أن يشد العهد، ويزيد في المدة، وهو يظن أن خبر بني نفاثة لم يصل إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

فسأله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إن كان قد حدث حدث اقتضى هذا الطلب.

فقال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل.

فطلب أبو سفيان من أبي بكر أن يجير بين الناس، ويشفع له عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وطلب ذلك ايضاً من عمر، ومن عثمان، وسعد بن عبادة، وعلي (عليه‌السلام ) وأشراف المهاجرين، والأنصار وكان يسمع منهم رفضاً لطلبه أكيداً وشديداً.


فتوسل بالزهراء (عليها‌السلام )، ثم بالسبطين، الحسن والحسين (عليهما‌السلام )، ربما بهدف الإستفادة من الأثر العاطفي بزعمه، ولكن قد خاب فأله، فقد كان الجواب هو الجواب يقول النص: فأتى علياً (عليه‌السلام )، فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وإني جئت في حاجة، فلا أرجع كما جئت خائباً، فاشفع لي إلى محمد.

فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله، لقد عزم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه..

إلى أن يقول النص:

فلما أيس مما عندهم، دخل على فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) والحسن (عليه‌السلام ) غلام يدب بين يديها، فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تجيري بين الناس؟!

فقالت: إنما أنا امرأة، وأبت عليه(1) .

(وفي نص آخر: قالت: إنما أنا امرأة.

قال: قد أجارت أختك ـ يعني: زينب ـ أبا العاص بن الربيع، وأجاز ذلك محمد.

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص207 والسيرة الحلبية ج3 ص73 و (ط دار المعرفة) ص3 والمغازي للواقدي ج2 ص794 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص321 و (ط مكتبة المعارف) ج2 ص278 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص533 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص263.


قالت: إنما ذاك إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الخ..)(1) .

فقال: مري ابنك هذا ـ أي الحسن بن علي (عليهما‌السلام ) ـ فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب الى آخر الدهر.

قالت: والله ما بلغ ابني ذلك، أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

(وفي نص آخر: ما يدري ابناي ما يجيران من قريش)(3) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص207 والسيرة الحلبية ج3 ص73 و (ط دار المعرفة) ص3 والمغازي للواقدي ج2 ص794 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص102 و 126 ومجمع البيان ج10 ص555 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص468 وإعلام الورى ج1 ص217 والمصنف للصنعاني ج5 ص375 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص363.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص207 وراجع: تفسير البغوي ج4 ص537 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص326 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص524 والبداية والنهاية ج4 ص320 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص856 وعيون الأثر ج2 ص183 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص530 وبحار الأنوار ج21 ص126 وإعلام الورى ج1 ص218.

3- السيرة الحلبية ج3 ص73 والمغازي للواقدي ج2 ص793 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص326 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص320 و (ط مكتبة المعارف) ج2 ص277 والسيرة النبويـة لابن كثـير ج3 ص530 والسيرة = = النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص856 وعيون الأثر ج2 ص184 وراجع: الإرشاد ج1 ص133 وبحار الأنوار ج22 ص77 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص42 وزاد المعاد ج1 ص1147.


(زاد في الحلبية قوله: (قال: فكلمي علياً..

فقالت: أنت تكلمه.

فكلم علياً (عليه‌السلام )، فقال: يا أبا سفيان، إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يفتئت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بجوار(( (1) .

فقال لعلي (عليه‌السلام ): يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني.

قال: والله ما أعلم شيئاً يغني عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة.

قال: صدقت، وأنا كذلك.

قال: فقم، فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك.

قال: أوترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟!

قال: لا والله، ولكن لا أجد لك غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص73 و (ط دار المعرفة) ج3 ص8 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص533 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص321.


الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد.

ثم دخل على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال: يا محمد، إني قد أجرت بين الناس.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة)!

ثم ركب بعيره وانطلق(1) .

وكان قد احتبس وطالت غيبته، وكانت قريش قد اتهمته حين أبطأ أشد التهمة، قالوا: والله إنَّا نراه قد صبأ، واتبع محمداً سرَّاً، وكتم إسلامه.

فلما دخل على هند امرأته ليلاً، قالت: لقد احتبست حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل.

ثم دنا منها، فجلس مجلس الرجل من امرأته.

فقالت: ما صنعت؟!

فأخبرها الخبر، وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي.

فضربت برجلها في صدره وقالت: قبحت من رسول قوم، فما جئت

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص207 والسيرة الحلبية ج3 ص73 و (ط دار المعرفة) ص3 وبحار الأنوار ج21 ص126 و 127 وج22 ص77 وإعلام الورى ج1 ص218 والمغازي للواقدي ج2 ص794 و 795 وتاريخ الخميس ج2 ص78 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص177 والأنوار العلوية للنقدي ص200.


بخير(1) .

فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند إساف ونائلة، وذبح لهما، وجعل يمسح بالدم رؤوسهما (كذا) ويقول: لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبي، إبراء لقريش مما اتهموه به.

فلما رأته قريش، قاموا إليه، فقالوا: ما وراءك؟! هل جئت بكتاب من محمد، أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا محمد؟!

فقال: والله، لقد أبى علي.

وفي لفظ: لقد كلمته، فوالله ما رد علي شيئاً، وكلمت أبا بكر فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو (وفي رواية أعدى العدو) وقد كلمت علية أصحابه، فما قدرت على شيء منهم، إلا أنهم يرمونني بكلمة واحدة، وما رأيت قوماً أطوع لملك عليهم منهم له.

إلا أن علياً لما ضاقت بي الأمور قال: أنت سيد بني كنانة، فأَجِرْ بين الناس، فناديت بالجوار.

(وعند الحلبي: ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم. وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله، لا أدري أيغني عني شيئاً أم لا)(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص207 والسيرة الحلبية ج3 ص73 و (ط دار المعرفة) ج3 ص9 والمغازي للواقدي ج2 ص795 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص264 وإمتاع الأسماع ج1 ص351.

2- السيرة الحلبية ج3 ص74 و (ط دار المعرفة) ص3 وتاريخ الخميس ج2 ص78= = وراجع: الإرشاد ج1 ص133 وبحار الأنوار ج22 ص77 والثقات لابن حبان ج2 ص40 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص327 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص320 و (ط مكتبة المعارف) ج2 ص277 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص531 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص857 و (ط دار المعرفة) ج4 ص27 وعيون الأثر ج2 ص184 وزاد المعاد (ط مؤسسة الرسالة) ج1 ص1147.


فقال محمد: (أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة)!

لم يزدني.

قالوا: رضيت بغير رضى، وجئت بما لا يغني عنا ولا عنك شيئاً، ولعمرو الله ما جوارك بجائز، وإن إخفارك عليهم لهين، ما زاد علي من أن لعب بك تلعباً.

قال: والله ما وجدت غير ذلك(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص207 و 208 والسيرة الحلبية ج3 ص74 و (ط دار المعرفة) ص3 وراجع: الإرشاد ج1 ص134 ونور الثقلين ج5 ص692 وتفسير الميزان ج20 ص380 والثقات ج2 ص40 ومجمع البيان ج10 ص555 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص469 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص178 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص327 وبحار الأنوار ج21 ص126 و 127 وج22 ص78 وإعلام الورى ج1 ص218 والمغازي للواقدي ج2 ص795 وتاريخ الخميس ج2 ص78 والبدايـة والنهايـة (ط دار إحياء التراث العربي) = = ج4 ص322 و (ط مكتبة المعارف) ج2 ص278 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص534 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق3 ص42 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص857 وعيون الأثر ج2 ص184.


ونقول:

إن لنا مع هذا النص وقفات عديدة، نقتصر منها على ما يلي:

فشل محاولة أبي سفيان:

1 ـ إن تجديد العهد إن كان مع عدم اطلاع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والمسلمين على ما حدث. فإن ذلك يظهر أن المقصود هو خداع المسلمين، وإبطال دماء المقتولين، وهو أمر لا يرضى به أحد.. ويؤكد ذلك: أن أبا سفيان قد أنكر أن يكون قد حصل شيء يوجب نقض العهد السابق.

2 ـ إذا كان لم يحدث شيء، فلماذا يجير أبو سفيان بين الناس، إذ لا توجد حرب بين فريقين ليحتاج إلى إجارة هذا أو ذاك.

على عهدنا، لا نغير ولا نبدل:

لقد حسم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الأمر مع أبي سفيان، وقطع عليه الطريق بسؤال واحد وجهه إليه، ليجيب أبو سفيان بنحو يفرض القرار النبوي على نفسه، فلم يعد يمكن لأبي سفيان أن يناقش، أو أن يراجع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ذلك القرار، ولم يبق أي مبرر لطلب تجديد العهد.

فقد سأله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن كان حدث من قبلهم أي شيء


يوجب إعادة النظر في العهد والعقد، فجاء جواب أبي سفيان بالنفي، لأنه مصمم على إنكار قتل الخزاعيين، لكي لا يطالب بإعطاء ديتهم لأهلهم.. طمعاً بالمال، واستكباراً، وانقياداً مع الأهواء والعصبيات الجاهلية..

فكان من الطبيعي أن يأتي القرار النبوي ليقول، ما دام لم يحدث شيء، فالعهد باق على حاله، ولا موجب لتجديده، كما لا موجب لتمديده مع بقاء مدته..

فلم يعد لأبي سفيان أي خيار سوى: إما الإقرار بنقض العهد، وهذا ما لا يريده، أو القناعة بالقرار الموجود، وإبقائه على حاله.. وهو الأمر الذي يحمل معه أيضاً خطر انكشاف أكذوبته، والعودة إلى نقطة الصفر.. ومواجهة الخيارات التي فرّ منها، وهي: إما إعطاء دية المقتولين، وتجديد العهد.. وهم ثلاثة وعشرون قتيلاً، أو البراءة ممن نقض العهد ليتولى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحصيل الحق منهم.. أو مواجهة الحرب التي يخشاها أبو سفيان..

لماذا رفضوا مساعدة أبي سفيان؟!:

إن رفض الصحابة مساعدة أبي سفيان قد اتضح سببه من جواب أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) له، فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد أخبرهم ـ من خلال معرفته الغيبية بما فعلته قريش بخزاعة، وبأن أبا سفيان سيأتي لأجل خداعهم، بالتملص من المسؤولية، والعمل على أن تذهب دماء القتلى هدراً، وبأنه سيرجع خائباً..

وقد دلنا علي (عليه‌السلام ) أيضاً على شدة غضب الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


من فعل قريش هذا، مما يعني أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مصمم على أخذ الحق، وأن أية محاولة في غير هذا الإتجاه ستكون فاشلة بلا ريب، لأن القرار إلهي غيبي، جازم وحاسم..

كلمي علياً:

وقد طلب أبو سفيان من فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) أن تكلم علياً (عليه‌السلام ) في أمر الجوار، وهذا يشير إلى أنه يتعامل مع علي (عليه‌السلام ) كما يتعامل مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فكما حاول أن يستفيد من موقع أم حبيبة زوجة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ليحصل من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على ما يريد، حاول أيضاً أن يستفيد من موقع فاطمة (عليها‌السلام ) من علي لإقناع علي (عليه‌السلام ) بما يريد.

فرفضت (عليها‌السلام ) طلبه، لأنه لو كان يرى أن طلبه حق، أو راجح لبادر هو إلى الطلب من علي (عليه‌السلام )، بل من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويلزمهما بأن يعملا بما هو حق وراجح..

ولكنه أراد أن يمرر خديعته بأساليب الضغط العاطفي، أو استجابة لدواعي النسب، والقربى، والتماس رضا الأصحاب والأحباب، وقد خاب فأله، وطاش سهمه في ذلك..

سيد كنانة! يطلب النصيحة!:

وأول شيء طلبه من الإمام علي (عليه‌السلام ) هو النصيحة له. ولا شك في أن هذا الطلب من أبي سفيان غريب وعجيب، لا لأن علياً (عليه‌السلام )


يبخل بالنصيحة على أي كان من الناس.. فحاشا علياً (عليه‌السلام ) أن يبخل بأمر كهذا..

بل لأن هذا الرجل لا يريد من علي (عليه‌السلام ) أن ينصحه بما هو حق، بل يريد النصيحة التي تعزز وتقوي الباطل، وتنتج تضييعاً للحق، وتزويراً للحقيقة، وظلماً آخر لأولئك الأبرياء من خزاعة، الذين كان أكثرهم من الصبيان، والنساء، والضعفاء. وتنتج أيضاً تقوية ونصراً لظالمهم، ومرتكب الجريمة البشعة والفظيعة بحقهم.

والغريب في الأمر: أن يطلب أبو سفيان هذه النصيحة التي هي بهذه المثابة من نفس ذلك المعني بالحفاظ على حقوق الناس، ويفترض فيه أن ينصر المظلوم، وأن يأخذ له من ظالمه!

وكانت نصيحة علي (عليه‌السلام ) تقضي: بحمله عن الكف عن هذا السعي الظالم، والقائم على الخديعة والمكر حتى لنبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وتتلخص الطريقة التي اعتمدها (عليه‌السلام ) بتذكير أبي سفيان بما يعتقده لنفسه، من مكانة في كنانة كلها، فأقر بأنه هو سيد كنانة مزهواً بذلك.

ثم إنه (عليه‌السلام ) ألزمه بمقتضيات هذه السيادة التي يدعيها لنفسه، لو كان صادقاً فيما يدَّعيه، ومنها أن يقبل الناس جواره.

ولكن أبا سفيان كان يعرف أن هذه السيادة التي يدَّعيها ليست بهذه المثابة، ولا تكفي لتحقيق الغرض الذي سعى إليه، ولكنه سأل علياً (عليه‌السلام ) إن كان ذلك يحقق له ما يريد، فعسى، ولعل!

فأجابه علي (عليه‌السلام ) بما يجلب اليأس والأسى إلى قلبه، وهو: أنه


لا يرى ذلك مغنياً عنه شيئاً، ولكنه لا يجد له سبيلاً للخروج من حيرته غير ذلك..

وربما يكون الهدف من ذلك هو إفهام أبي سفيان أن ما يزعمه لنفسه من موقع وزعامة ليس سوى مجرد خيال، ووهم، وقد تغيرت الأمور، وأصبح للزعامة معايير أخرى، لا بد من مراعاتها، والإلتزام بمقتضياتها..

وفهم هذه الحقيقة لا بد أن يكون مفيداً جداً لأبي سفيان، وسوف يعينه كثيراً على الخروج من أجواء الوهم والخيال التي وضع نفسه فيها.

ما يدري ابناي ما يجيران:

وأما ما زعمته الرواية، من أن الزهراء (عليها‌السلام ) قالت عن الحسنين (عليهما‌السلام ): ما يدري ابناي ما يجيران من قريش، فلا مجال لقبوله على ظاهره. فإن الحسنين (عليهما‌السلام ) قد زقا العلم زقاً، وهم أفضل من عيسى الذي تكلم في المهد، وأفضل من يحيى الذي أتاه الله الحكم صبياً.

إلا إن كانت (عليها‌السلام ) قد خاطبت أبا سفيان بحسب ما يعتقده فيهما، ليتبين له أنه يريد الخداع والتضليل والتغفيل.

علي (عليه‌السلام ) يكشف رسالة ابن أبي بلتعة:

قال القمي: (إن حاطب بن أبي بلتعة كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة، وكان عياله بمكة. وكانت قريش تخاف أن يغزوهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فصاروا إلى عيال حاطب، وسألوهم أن يكتبوا إلى حاطب،


يسألوه عن خبر محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): هل يريد أن يغزو مكة؟! فكتبوا إلى حاطب يسألونه عن ذلك)(1) .

فكتب إليهم حاطب: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد ذلك، ودفع الكتاب إلى امرأة تسمى (صفية)، فوضعته في قرونها..

وأتى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام(2) .

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص112 وج72 ص388 وشجرة طوبى ج2 ص301 وتفسير القمي ج2 ص361 والتفسير الصافي ج5 ص161 وج7 ص165 وتفسير الميزان ج19 ص234.

2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص210 وج10 ص64 وبحار الأنوار ج21 ص112 و 120 وج72 ص388 وتفسير القمي ج2 ص361 والتفسير الصافي ج5 ص161 وج7 ص165 ونور الثقلين ج5 ص199 وتفسير الميزان ج19 ص134 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص266 وجامع البيان للطبري ج28 ص76 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص370 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص328 والبداية والنهاية ج4 ص324 وإمتاع الأسماع ج1 ص352 وج13 ص376 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص858 وعيون الأثر ج2 ص184 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص536 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص11.


زاد أبو رافع: المقداد بن الأسود(1) .

وغير ابن إسحاق، يقول: بعث علياً والمقداد(2) .

وفي رواية عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي: ذكر أبا مرثد، بدل المقداد(3) .

وفي الحلبية: بعث علياً (عليه‌السلام )، والزبير، وطلحة، والمقداد.

وقيل: بعث علياً، وعماراً، أو الزبير، وطلحة، والمقداد، وأبا مرثد.

ولا مانع من أن يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث الكل.

وبعض الرواة اقتصر على بعضهم(4) .

وزاد الطبرسي: عمر.

وكانوا كلهم فرساناً(5) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص210 وج10 ص64 وعيون الأثر ج2 ص184 والسيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ص11 والمحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ج5 ص293 وتفسير القرطبي ج18 ص51.

2- عيون الأثر ج2 ص184.

3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص210 وج10 ص64 وعيون الأثر ج2 ص184 والسيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ص11 والمحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج5 ص293 وتفسير القرطبي ج18 ص51.

4- السيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ج3 ص11.

5- السيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ج3 ص11 وبحار الأنوار ج21 = = ص94 عن مجمع البيان ج9 ص269 و 270 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص446 والمغازي للواقدي ج2 ص797 وتاريخ الخميس ج2 ص79 وعمدة القاري ج14 ص255 و ج19 ص229 وجوامع الجامع ج3 ص542 ونور الثقلين ج5 ص300 وتفسير الثعلبي ج9 ص291 وأسباب نزول الآيات للواحدي ص282 وتفسير القرطبي ج18 ص51 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج2 ص683.


ولا حاجة إلى إرسال كل هؤلاء لأجل أخذ كتاب من امرأة، إلا إن كان قد أرسلهم في اتجاهات مختلفة للإطمئنان على عدم إفلاتها من بعض المنافذ والجهات.. والذي نراه أنه أرسل علياً (عليه‌السلام ) ورجلاً آخر لعله الزبير. وربما أضاف إليهما ثالثاً.

ومهما يكن من أمر فقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (أدرك امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له (عليه) في أمرهم)(1) .

ولفظ أبي رافع: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب). فخرجوا(2) ـ وفي لفظ: فخرجا ـ حتى إذا كان بالخليقة، خليقة بني

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص210 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص328 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص858 وعيون الأثر ج2 ص184 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص11.

2- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص19 وج6 ص60 وصحيح مسلم (ط = = دار الفكر) ج7 ص168 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص210 ومسند أحمد ج1 ص79 وسنن أبي داود ج1 ص597 وسنن الترمذي ج5 ص82 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص146 والسنن الكبرى للنسائي ج6 ص487 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص94 عن مجمع البيان ج9 ص269 و 270 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص446 وتاريخ الخميس ج2 ص79 والأم للشافعي ج4 ص264 والمجموع للنووي ج19 ص340 والمسند للشافعي ص316 وعمدة القاري ج14 ص254 وج17 ص273 وج19 ص229 ومسند الحميدي ج1 ص27 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص57 ومسند أبي يعلى ج1 ص316 وصحيح ابن حبان ج14 ص424 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ج7 ص102 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص447 ونور الثقلين ج5 ص301 وتفسير جامع البيان ج28 ص74 وأسباب نزول الآيات ص283 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص369 وأسد الغابة ج1 ص361 وتفسير البغوي ج4 ص328 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص525 والبداية والنهاية ج4 ص324.


أحمد الخ..

وفي الحلبية: (فخذوه منها وخلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها)(1) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ص11 وتفسير فرات ص183 و 184 وبحار الأنوار ج21 ص136 و 137 وتاريخ الخميس ج2 ص89 وراجع: تفسير الثعلبي ج9 ص291 وأسباب نزول الآيات ص282 وتفسير القرطبي ج18 ص51 ومطالب السؤول ص197 وكشف الغمة ج1 ص179.


وقال المفيد: فاستدعى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وقال له: (إن بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، وقد كنت سألت الله أن يعمي أخبارنا عليهم. والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك والحقها، وانتزع الكتاب منها، وخلها، وصر به إلي).

ثم استدعى الزبير بن العوام وقال له: (امض مع علي بن أبي طالب في هذا الوجه).

فمضيا، وأخذا على غير الطريق، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير، فسألها عن الكتاب الذي معها فأنكرت، وحلفت: أنه لا شيء معها، وبكت.

فقال الزبير: ما أرى يا أبا الحسن معها كتاباً، فارجع بنا إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نخبره ببراءة ساحتها.

فقال له أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): يخبرني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن معها كتاباً، ويأمرني بأخذه منها، وتقول أنت: إنه لا كتاب معها؟!!

ثم اخترط السيف، وتقدم إليها، فقال: أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك، ثم لأضربن عنقك.

فقالت: إذا كان لابد من ذلك فأعرض يا ابن أبي طالب بوجهك عني، فأعرض بوجهه عنها، فكشفت قناعها، وأخرجت الكتاب من عقيصتها، فأخذه أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وصار به إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فأمر أن ينادى: (الصلاة جامعة)، فنودي في الناس، فاجتمعوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم.


ثم صعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى المنبر، وأخذ الكتاب بيده وقال: (أيها الناس إني كنت سألت الله عز وجل أن يخفي أخبارنا عن قريش، وإن رجلاً منكم كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، فليقم صاحب الكتاب وإلا فضحه الوحي).

فلم يقم أحد، فأعاد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مقالته ثانية، وقال: (ليقم صاحب الكتاب وإلا فضحه الوحي).

فقام حاطب بن أبي بلتعة، وهو يرعد كالسعفة في يوم الريح العاصف، فقال: أنا يا رسول الله صاحب الكتاب، وما أحدثت نفاقاً بعد إسلامي، ولا شكاً بعد يقيني.

فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (فما الذي حملك على أن كتبت هذا الكتاب)؟!

قال: يا رسول الله، إن لي أهلاً بمكة، وليس لي بها عشيرة، فأشفقت أن تكون دائرة لهم علينا، فيكون كتابي هذا كفاً لهم عن أهلي، ويداً لي عندهم، ولم أفعل ذلك للشك في الدين.

فقام عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله مرني بقتله، فإنه منافق.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (إنه من أهل بدر. ولعل الله تعالى اطَّلع عليهم فغفر لهم. أخرجوه من المسجد).

قال: فجعل الناس يدفعون في ظهره حتى أخرجوه، وهو يلتفت إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليرق عليه، فأمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بردِّه، وقال له: (قد عفوت عنك وعن جرمك، فاستغفر ربك، ولا تعد لمثل


ما جنيت)(1) .

وفي نص آخر: (فخرج علي والزبير، لا يلقيان أحداً حتى وردا ذا الحليفة، وكان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وضع حرساً على المدينة. وكان على الحرس حارثة بن النعمان، فأتيا الحرس فسألاهم، فقالوا: ما مر بنا أحد.

ثم استقبلا حطَّاباً فسألاه، فقال: رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرة، فأدركاها فأخذ علي منها الكتاب، وردها إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فدعا حاطباً، فقال له: انظر ما صنعت..

قال: أما والله، إني لمؤمن الخ..(2) .

وقال ابن عقبة: أدركاها ببطن ريم، فاستنزلاها فحلفت، فالتمساه في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فهموا بالرجوع، فقال لها علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): إني أحلف بالله ما كذب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك.

وعند القمي: ما كذبنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا كذب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على جبرئيل، ثم ولا كذب جبرئيل عن الله جل ثناؤه، والله لتظهرن الكتاب أو لأوردن رأسك إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص119 ـ 121 وص125 و 126 عن الإرشاد للمفيد ج1 ص56 ـ 59 وراجع: إعلام الورى ج1 ص384 وأعيان الشيعة ج1 ص408.

2- بحار الأنوار ج21 ص125 عن إعلام الورى ج1 ص216.


الخ..(1) .

(زاد في الحلبية: أو أضرب عنقك)(2) .

وفي مجمع البيان: وسل سيفه وقال: (أخرجي الكتاب، وإلا والله لأضربن عنقك)(3) .

فلما رأت الجد، قالت: أعرضا. فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه.

فخلوا سبيلها، ولم يتعرضوا لها ولا لما معها، فأتي به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فدعا حاطباً، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟!

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص112 وج72 ص388 وتفسير القمي ج2 ص361 والتفسير الصافي ج5 ص161 وج7 ص165 ونور الثقلين ج5 ص299 وتفسير الميزان ج19 ص234.

2- السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص11.

3- مجمع البيان (ط مؤسسة الأعلمي) ج9 ص446 وبحار الأنوار ج21 ص94 وج41 ص8 ونور الثقلين ج5 ص301 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج3 ص683 وعين العبرة في غبن العترة لأحمد بن طاووس ص27 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص405 وتاريخ الخميس ج2 ص79 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لأحمد الرحماني الهمداني ص777.


قال: يا رسول الله. إني والله لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت، ولا بدلت، ولكني كنت امرءاً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم(1) .

وفي نص آخر: أنها أخرجت الكتاب من حجزتها، والحجزة معقد الإزار والسراويل(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص210 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ص12 وبحار الأنوار ج21 ص94 و 112 و 136 و 137 ومجمع البيان ج9 ص269 و 270 وتفسير فرات ص183 و 184 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص797 و 798 وتاريخ الخميس ج2 ص79 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص370 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص328 والكامل في التاريخ ج2 ص242 والبداية والنهاية ج4 ص324 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص858 وعيون الأثر ج2 ص185 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص537.

6- 2- السيرة الحلبية ج3 ص75 و (ط دار المعرفة) ص11 وراجع: الخرائج والجرائح ج1 ص60 وبحار الأنوار ج18 ص110 وصحيح البخاري ج4 ص39 ومجمع الزوائد ج6 ص136 وعمدة القاري ج14 ص255 وج15 ص11 و 12 وتحفة الأحوذي ج9 ص141 ومسند بن أبي يعلى ج1 ص320 وتخريج الأحاديث ج3 ص449 و 451 وكنز العمال ج10 ص523 وجامع البيان ج28 ص76 وأحكام القرآن لابن العربي ج4 ص224 والمحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز لابن عطية الأندلسي ج5 ص293 وتفسير القرطبي ج18= = ص51 والتسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي الكلبي ج4 ص112 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص370 وإمتاع الأسماع ج9 ص123 وج13 ص376 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص280.


ونقول:

ما نريد التعرض له هنا هو ما يرتبط بعلي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، ونحيل القارئ إن أراد التوسع إلى الجزء الحادي والعشرين من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلاحظ ما يلي:

علي الأمير:

يلاحظ: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد كلف علياً (عليه‌السلام ) بالمهمة أولاً، ثم طلب الزبير، فلما حضره أمره أن يلتحق بعلي (عليه‌السلام ).

فدل ذلك على أن الأمير هو علي (عليه‌السلام ) والزبير، وكذلك غيره كان تابعاً له.

يقين علي (عليه‌السلام ) وريب غيره:

أظهرت النصوص المتقدمة أن الفضل في كشف الرسالة لدى حاملتها كان لعلي (عليه‌السلام ) وحده.

أما الآخرون، فقبلوا منها، وأرادوا تخلية سبيلها، بل حكم الزبير ببراءتها. وهذا خطأ من جهات:


أولاها: إن ذلك كشف عن أن قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يوجب للزبير وأضرابه اليقين الكافي بوجود الرسالة معها.. بل هم قد صدقوها، أو حكموا ببراءتها، ولزوم إخلاء سبيلها..

وتصديقها معناه تكذيب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وواجب النصيحة لرسول الله يفرض عدم إطلاق سراح المرأة، بل أن يحتفظوا بها، ويراجعوه في أمرها، حتى لو فتشوها ولم يجدوا عندها شيئاً..

ثانيها: إنهم لم يراعوا حتى أبسط القواعد في المهمة التي أوكلت إليهم، فإن تصرفات تلك المرأة، وأحوالها تشي بلزوم الريبة في أمرها، فإنها قد تركت الطرقات السهلة، التي اعتاد الناس سلوكها، واختارت السير في القفار والشعاب فترة طويلة، ثم عادت إلى الطريق في العقيق، فأخذوها هناك، ولا يسلك تلك المسالك إلا هارب، أو خائف من انكشاف أمر خطير يخفيه معه، ويريد أن ينفذ به إلى بلاد أخرى..

ثالثها: إنهم لم يستقصوا تفتيشها ليحكموا ببراءتها.. ولو حصل ذلك لم يكن معنى لتهديد علي (عليه‌السلام ) لها.. مع قيام احتمال أن تكون قد أخفته أو رمته بصورة خفية في مكان قريب حين أحست بالخطر، لتعود إليه وتأخذه من ذلك الموضع بعد أن تأمن الطلب والرقباء..

رابعها: بالنسبة لتهديد علي (عليه‌السلام ) بكشفها أو بتجريدها نقول:

إن هذا التهديد منه (عليه‌السلام ) يهدف إلى تلافي الكشف والتجريد. ولو فرض أنها أصرت على الإنكار، فإن تجريدها وكشفها يمكن أن يتم بواسطة امرأة مثلها، وليس بالضرورة أن يتولى ذلك الرجال، ولو فرض


عدم وجود نساء ـ وهو فرض غير واقعي ـ فإنها تكون هي التي أسقطت حرمة نفسها.. ويصبح الحفاظ على الدين وأهله، وصيانته من كيد المدسوسين والجواسيس أهم عند الله من كشف رأس امرأة تتعمد الإيقاع بالإسلام وأهله.

ألا يكفي إرسال علي (عليه‌السلام ) وحده؟!:

وعن سؤال:

ألم يكن يكفي أن يرسل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً وحده لأخذ الكتاب من تلك المرأة؟!.

ونجيب:

قد تكون هناك عدة أسباب اقتضت إشراك البعض في هذا الأمر:

أولاً: أن الأمر لا يقتصر على إرادة الحصول على الرسالة، ومنعها من الوصول إلى قريش، بل هو يريد أن يثير جواً يشعر الناس بمدى خطورة تصرف كهذا، وأن عواقب تسريب أية معلومة عن تحركات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ستكون بالغة الخطورة والقسوة على من تسول له نفسه الدخول في هذه المخاطرة..

فكان أن اختار (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهذه المهمة أشخاصاً من فئات شتى، ولهم توجهات وارتباطات، وأهواء مختلفة ليشيع هذا الأمر في كل اتجاه، ويكون حديث كل ناد وبيت، وليأخذ الجميع منه العبرة على أتم وأبلغ وجه..

ثانياً: إن إرسال هؤلاء جميعاً، وفشلهم في تحقيق الغرض المطلوب


وظهور ضعف نفوسهم، حتى أمام امرأة لا حول لها ولا قوة، في حالات السلم كما في الحرب ـ إن ذلك ـ كان مطلوباً من أجل تعريف الناس بفضل أهل الفضل، فإن لهذه المهمات أهلها، فلا يصح إيكالها إلى أي كان من الناس.. بل لا بد من التبصر والتدقيق البالغ في مواقف كهذه.

ثالثاً: إن ما حصل قد أفهم الجميع بأن عليهم أن يتلمسوا مدى التفاوت بين عليعليه‌السلام ، وبين سائر من شارك في هذا الأمر.. فلا يقاس أحد منهم به وبما له من معرفة، ووعي ويقين، وصحة تدبير، وكيفية نظرته للوحي الكريم وللنبي العظيم، وتعامله مع أوامره، واخباراته، وسائر ما يصدر عنه..

وأن ما يدعيه الآخرون لأنفسهم، أو ما يدعيه الناس لهم، من مقامات وبطولات، وخصائص وميزات، وجهاد وتضحيات، ما هو إلا زيف خادع، وسراب لامع..

وحسبهم أنهم خالفوا أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم حين قال: خذوه منها، وخلوا سبيلها، فإن أبت فاضربوا عنقها..

إن أبت فاضربوا عنقها:

وبعد ما تقدم نقول:

ألف: قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): فإن أبت فاضربوا عنقها، يدل:

أولاً: على عمق يقين النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمر الرسالة، يجعل من تخلية سبيل تلك المرأة عصياناً لهذا الأمر الصادر عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


بقتلها..

ثانياً: إن هذه الكلمة تدلنا على حكم من يفشي سر المسلمين، ويصر على التآمر عليهم، فإن حكمه القتل، حتى لو كان امرأة.

ثالثاً: إن قتلها يجعل إيصال الكتاب إلى المشركين متعذراً، لأن الكتاب إن كان معها، فقد قتلت، وإن كانت قد خبأته في مكان، فلم يعد هناك من يدل عليه.

أما بالنسبة لتخلية سبيلها بعد أخذ الكتاب منها، فهو حكم إرفاقي، وإحسان بالغ لها، لأن الكتاب أخذ منها رغماً عنها، وبعد التهديد بالقتل.

ب: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لو أمرهم بالإتيان بها ـ ولم يأمر بضرب عنقها ، لوجدنا الكثيرين يأتون بها ـ لأن ذلك لا يضرهم، لا عند قريش، ولا عند غيرها.. ولكنه حين أمرهم بضرب عنقها فـ:

أولاً: إن الكثيرين قد لا ينصاعون لهذا الأمر النبوي..

ثانياً: إن ذلك قد يمنع من انكشاف أمر هؤلاء الذين صدقوا المرأة، وكذبوا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثالثاً: إنه قد لا ينكشف كذب المرأة إذا كانت قد خبأت الكتاب في موضع، حين أحست بالطلب والملاحقة.. بل قد يظهر: أنها مظلومة.. وأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غير دقيق فيما يصدره من أوامر، أو يطلقه من اتهامات..

ج: ويظهر مما تقدم: الحكمة في أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمرهم أن يأتوه بالكتاب لا بالمرأة. فلم يعد يمكنهم الإتيان بالمرأة دون الكتاب..


التهديد بالقتل:

ولا يصح قولهم: إن المتهم لا يهدد بالقتل، فإن هذه المرأة لم تعد متهمة، بل أصبحت مدانة، لأن الوحي الإلهي هو الذي فضحها وكشف أمرها..

ولو استمرت على إنكارها، لكان يجب قتلها..

أولاً: لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر بقتلها، إن أصرت على عدم تسليم الكتاب، لأن ذلك بمثابة:

ألف: الإصرار على محاربة الله ورسوله، والعمل على إطفاء نور الله تعالى..

ب: تكذيب الوحي الإلهي، والارتداد عن الإسلام من دون أن تحصل توبة أو تراجع.

ثانياً: لأن تركها يؤدي إلى إيصال الرسالة إلى الأعداء، وقد يترتب على ذلك متاعب كبرى، وخسائر بشرية بين المسلمين في حربهم، وربما يؤدي إلى العرقلة والتأخير في حسم الأمور مع الأعداء. بالإضافة إلى سلبيات أخرى، قد لا يمكن تحاشيها أو تلافيها.

ردها إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وتذكر النصوص: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يخل سبيلها، بل جاء بها إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ولعله (عليه‌السلام ) أراد أن يؤخر مسيرها إلى مكة بعض الشيء، حتى يتمكن المسلمون من تحقيق الغرض.. لأن وصولها قبل ذلك يمكنها من إخبار قريش بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


بصدد المسير إليهم.. أو أنها تظن أو تحتمل ذلك..

فيكون مراده بإطلاق سراحها هو عدم المبادرة إلى قتلها، ثم يطلق سراحها في الوقت المناسب.

الذي جرأ علياً (عليه‌السلام ) على الدماء:

روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن فلان، قال:

تنازع أبو عبد الرحمن وحبان بن عطية، فقال أبو عبد الرحمن لحبان: لقد علمت الذي جرأ صاحبك على الدماء، يعني علياً.

قال: ما هو؟! لا أبا لك.

قال: شيء سمعته يقوله.

قال: ما هو؟!

قال: بعثني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والزبير، وأبا مرثد، وكلنا فارس.

قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ. فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأتوني بها.

فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، تسير على بعير لها. ثم ذكرت الرواية أنهم سألوها عن الكتاب فأنكرته، قال:

فأنخنا بها بعيرها، فابتغينا في رحلها، فما وجدنا شيئاً، فقال صاحبي:


ما نرى معها كتاباً.

فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثم حلف علي: والذي يحلف به، لتخرجن الكتاب أو لأجردنك.

ثم ذكرت الرواية: إن المرأة أخرجت لهم الكتاب من حجزتها، فأتوا به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، دعني فأضرب عنقه.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟!

قال: يا رسول الله، ما لي أن لا أكون مؤمنـاً بالله ورسوله، ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي. وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله.

قال: صدق. لا تقولوا إلا خيراً.

قال: فعاد عمر، فقال: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، دعني فلأضرب عنقه.

قال: أوليس من أهل بدر؟! وما يدريك لعل الله اطَّلع عليهم، فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة؟!

فاغرورقت عيناه، فقال: الله ورسوله أعلم(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج30 ص577 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج8 ص55 وعمدة القاري ج24 ص93 وإمتاع الأسماع ج13 ص378.


ونقول:

أولاً: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يكن هو المبادر لحرب الجمل وصفين والنهروان، ليقال: إنه (عليه‌السلام ) تجرأ على الدماء، بل كانوا هم الذين بغوا عليه وقاتلوه..

ثانياً: إن أبا بكر قد حارب المسلمين الذين لم يبايعوه، ولم يعطوه زكاة أموالهم، وأصروا على تفريقها في فقرائهم(1) .

وقتل أيضاً: مالك بن نويرة بيد خالد بن الوليد، ووفر له أبو بكر الغطاء والحماية التامة، رغم أنه زنى بإمرأته في نفس الليلة التي تلت قتله، وستأتي هذه القضية مع مصادرها إن شاء الله.

فلماذا لا يقال: إن أبا بكر قد تجرأ على الدماء؟!

ثالثاً: إذا كان علي (عليه‌السلام ) قد تجرأ على الدماء، لمجرد تهديده لتلك المرأة بالقتل، فإن المتجرئ الحقيقي هو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه هو الذي أمره بقتلها إن امتنعت عن إعطائهم الرسالة..

وإذا كان علي (عليه‌السلام ) متجرئاً، لأنه من أهل بدر، ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم، فإن ذلك لا يختص بعلي (عليه‌السلام )، بل يشمل كل من حضر بدراً. ومنهم: طلحة والزبير وعمر وأبو بكر فلماذا لا يقال: إن الجرأة على الدماء كانت منهم؟!

____________

1- المصنف للصنعاني ج4 ص43 وج6 ص67 وج10 ص172 ومسند أحمد ج1 ص35.


رابعاً: إن عمر بن الخطاب هو الذي تجرأ على الدماء حين قال لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن حاطب: مرني بقتله.. وقد طلب هذا الطلب من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرات كثيرة في العديد من المناسبات.

خامساً: إن علياً (عليه‌السلام ) كان يدافع عن نفسه، ويدفع الناكثين والباغين عليه وعلى الدين وأهل الدين، فهم المتجرؤون على الدماء، وعلى معصية رب الأرض والسماء..

علي (عليه‌السلام ) وأبو سفيان بن الحارث:

ويقولون: إن أبا سفيان بن الحارث قدم على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلقيه بالأبواء، أو بنبق العقاب وهو في طريقه لفتح مكة. وكان أخا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من الرضاعة، فإن حليمة أرضعته أياماً، فالتمس الدخول على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأعرض عنه.

وقيل: إن علياً (عليه‌السلام ) قال لأبي سفيان هنا: ائت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف:( ..تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) ؛ فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يرضى بأن يكون أحد أحسن قولاً منه، ففعل.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):( لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (1) .

____________

1- الآيتان 91 و 92 من سورة يوسف.


وكان أبو سفيان قد عادى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نحو عشرين سنة، يهجوه، ولم يتخلف عن قتاله(1) .

وثمة نص آخر يقول: إن علياً (عليه‌السلام ) رفض أن يتوسط له عند النبي، كما رفض العباس:

ونقول:

إن لنا هنا ملاحظات، هي التالية:

1 ـ إن توسط العباس لأبي سفيان بن الحارث موضع ريب، لأن ثمة رواية عن الإمام الباقر (عليه‌السلام ) تصرح: بأن العباس كان من الطلقاء(2) . وهي رواية صحيحة(3) ..

2 ـ إن ثمة تناقضاً في موضوع وساطة العباس لأبي سفيان بن الحارث

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص77 و (ط دار المعرفة) ص14 وإمتاع الأسماع ج1 ص356.

2- الكافي (مطبعة النجف سنة 1385 هـ) ج8 ص165 و (ط دار الكتب الإسلامية) ص189 الحديث رقم 216 وبحار الأنوار ج28 ص251 ومعجم رجال الحديث ج10 ص252 ومجمع النورين للمرندي ص89 وبيت الأحزان ص128 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ للريشهري ج3 ص65 وعقيل بن أبي طالب للأحمدي الميانجي ص78.

3- راجـع المصادر في الهامش السابق، وراجع: معجم رجال الحديث ج9 ص235.


ففي بعضها أنه توسط له(1) .

وفي البعض الآخر: أنه رفض التوسط له(2) .

3 ـ إن أبا سفيان بن الحارث إن كان قد جاء ليسلم تائباً، فلماذا لا يقبل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) توبته؟! فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، وقد قال تعالى:

( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَـهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (3) .

4 ـ هل صنع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأبي سفيان بن حرب مثل ما صنع بأبي سفيان بن الحارث؟!

إلا إذا كان قد ظهر من حال هذا الرجل أنه راغب في حقن دم نفسه، وإصلاح علاقته بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كشخص، لا أنه يريد الدخول في هذا الدين..

وقد ظهر من كلامه: أنه إنما خرج إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خوفاً من القتل، بعد أن أهدر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دمه، وقد ضاقت عليه الدنيا ولم يعد يجد أحداً يصحبه، بعد أن ضرب الإسلام بجرانه(4) . فأظهر

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص178 وإعلام الورى ج1 ص219 وبحار الأنوار ج21 ص127 و128 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص101.

2- قاموس الرجال ج5 ص237 عن أنساب الأشراف وكتاب التوابين ص113 و114.

3- الآية 64 من سورة النساء.

4- راجع: قاموس الرجال ج5 ص237 وكتاب التوابين ص113 و114.


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن العقدة لا تنحل باسترضاء شخص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بل هي تنحل بالتخلي عن العناد والإستكبار والجحود والعودة إلى الله تبارك وتعالى، فإن المسألة ليست من المسائل الشخصية. بل هي مسألة الحق والباطل، والإيمان والكفر، والتسليم والجحود.

ويشهد لما نقول: أنه حين استشار علياً (عليه‌السلام )، فأشار عليه بأن يقول للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):( تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) (1) ففعل، فاستجاب له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأنعم له بالرضا.

ونقول:

إن هذه المبادرة تعني أمرين:

أحدهما: الإعتراف منه بالخطأ في اختيار خط الشرك والكفر، لا الإعتراف بمجرد الخطأ في الممارسة تجاه شخصٍ بعينه..

الثاني: الإعتراف للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالنبوة، وبأن الله قد آثره بها عليهم..

وهذا هو الذي يصلح ما أفسده، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح..

____________

1- الآية 91 من سورة يوسف.


الفصل الثاني:

فتح مكة وتحطيم الأصنام..



اللواء في فتح مكة:

ولا حاجة إلى التذكير بأن اللواء الأعظم والراية العظمى كانت في جميع المشاهد ومنها فتح مكة مع علي (عليه‌السلام )..

ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى رايات وألوية أخرى بعناوين مختلفة لكل بطن من بطون الأنصار، وغيرهم مع المهاجرين أيضاً، ومنهم سعد بن عبادة، فزعموا أن سعداً كانت معه راية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فلما رأى سعد أبا سفيان قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى (أو تستحل الحرمة).

فسمعها عمر، فأخبر بها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال لعلي (عليه‌السلام ): أدركه، وخذ الراية، وكن أنت الذي تدخل بها(1) .

وفي نص آخر: أنه أرسل إلى سعد، فنزع منه اللواء، وجعله إلى ابنه قيس(2) .

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص82.

2- السيرة الحلبية ج3 ص82 و (ط دار المعرفة) ج3 ص22 والمغازي للواقدي ج2 ص822 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص598 وكنز العمال ج10 ص513 وتاريخ مدينة = = دمشق ج23 ص454 وإمتاع الأسماع ج1 ص382 وعيون الأثر ج2 ص191 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص222 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص82 والغدير ج2 ص75 وفتح الباري ج8 ص7 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص272.


وفي نص رابع يقول: إن أبا سفيان هو الذي أخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما يقوله سعد، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): أدركه، فخذ الراية منه، وكن أنت الذي يدخل بها، وأدخلها إدخالاً رفيقاً.

فأخذها علي (عليه‌السلام )، وأدخلها كما أمر(1) .

زاد في نص آخر قوله: فذهب بها إلى مكة، فغرزها عند الركن(2) .

وروي: أن الزبير هو الذي أخذها من سعد(3) .

____________

1- مجمع البيان ج10 ص557 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج10 ص472 وبحار الأنوار ج21 ص105 و130 والإرشاد للمفيد ج1 ص135 ونور الثقلين ج5 ص696 وتفسير الميزان ج20 ص382.

2- المغازي للواقدي ج2 ص822 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص222 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج2 ص599 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص272.

3- راجع: فتح الباري ج8 ص7 وعمدة القاري ج17 ص280 والدرر لابن عبد البر ص218 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص338 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص559 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص222 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1289 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص74 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص330


ونقول:

إننا نسجل ما يلي:

الراية واللواء:

لاحظنا آنفاً، وسيمر معنا أيضاً تعابير بكلمة (لواء) تارة و (راية) أخرى عن شيء واحد، وهذا يشير إلى عدم الفرق بين اللواء والراية..

ولكن بعض الروايات أشارت إلى أن أحدهما أكبر من الآخر. وقد تحدثنا عن هذا الأمر أكثر من مرة، فلا حاجة إلى التكرار.

الراية للزبير، أم لعلي (عليه‌السلام )؟!:

بالنسبة لقولهم: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخذ الراية من سعد، وأعطاها للزبير، نقول: إنها رواية زبيرية.. رواها الزبير نفسه، ليجر بها النار إلى قرصه، وروجها له الزبيريون أيضاً..

ونحن نستبعد أن يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد كلف الزبير بمهمة أخذ الراية من سعد، فقد عرفنا أن الزبير لم يكن على يقين من صدق النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أخبر بحمل تلك المرأة رسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى المكيين، وحكم ببراءتها، وطلب من علي (عليه‌السلام ) إطلاق سراحها كما تقدم، فكيف يكلفه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأخذ الراية من سعد، وهي مهمة حساسة قد يؤدي أدنى سوء تصرف فيها إلى تعقيدات لم يكن من المصلحة ظهورها، خصوصاً في تلك اللحظات الحساسة؟!

فلا بد من تكليف رجل حكيم بصير، يحسن التصرف، ويطمئن (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


إلى أنه يحل الإشكال، ولا يزيده تعقيداً، ولا يجتهد في اتخاذ قرارات تخالف أوامر الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وتضيع أهدافه..

لماذا علي (عليه‌السلام )؟!:

وقد اختار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) ليكون هو الذي يأخذ الراية من سعد.

أولاً: لأن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي يمثل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويبلغ عنه.. وينطق باسمه، وأقرب الناس إليه.. فلا مجال للشبهة وللشك فيما يؤديه عنه..

ولو أن أي إنسان آخر جاء إلى سعد، وهو سيد الخزرج، وطلب الراية منه، فربما تحمل الحمية، والحساسيات القبلية سعداً إلى تكذيب ذلك الشخص، ولا سيما إذا أحس سعد بأن ثمة درجة من التحدي له، أو الإستهانة به، والمساس بكبريائه في ذلك..

ولا يؤمن بعد هذا من تطور الأمور، وتعصب قوم سعد لسعد، وسيجد الآخر من قومه، أو من فريقه من يتعصب له.. وهذا ما لا يريده رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أصلاً، ولا سيما في هذا الظرف الحساس بالذات.

ثانياً: إن حكمة علي (عليه‌السلام ) وحسن تصرفه، يمنع الكثير من ردات الفعل المحتملة، ويجعلها بلا مبرر.. لأنه (عليه‌السلام ) لا بد أن يفهم سعداً أن الأمر ليس فيه إهانة ولا إذلال، وإنما هو مجرد تدبير اقتضته المصلحة العامة، ولأجل تسهيل الأمور، وبلوغ الأهداف، بمراعات


توقعات قريش وبعض الإعتبارات التي ترتبط بموقع علي (عليه‌السلام ) منها. وبغير ذلك من أمور.

ثالثاً: إن الراية حين تؤخذ بواسطة من هو دون سعد في المقام، أو في الشجاعة والإقدام، فإن ذلك يثير الشكوك حول سعد، ويذكي احتمال أن يكون قد صدر من سعد ما يشين، أو وقع في خطيئة، أو رذيلة أوجبت عقوبته بهذه الطريقة..

أما إذا أخذ الراية من هو أعظم من سعد أثراً، وأشد خطراً على الأعداء، باعتراف الناس كلهم، فإن الجميع سيشعر أن ذلك تدبير حربي جاء وفق الحكمة، وأنه لا بد منه ولا محيد عنه، وهو يهدف إلى تخويف المشركين من سطوة علي (عليه‌السلام )، وهزيمتهم روحياً بذلك.. لأن المشركين لا يخشون غير علي (عليه‌السلام ) في ساحات النزال والقتال..

إدخال الراية برفق:

وقد ذكر النص المتقدم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طلب من علي (عليه‌السلام ) أن يدخل الراية إلى مكة إدخالاً رفيقاً.. أي أن المطلوب هو أن يكبت الله المشركين، ويكسر شوكتهم، ويسقط مقاومتهم، بأن يعرفوا أنها مقاومة لا فائدة منها.. ولكن من دون أن يشعروا: أن أبواب الحياة موصدة، وأن لا خيار أمامهم سوى الموت.

بل المطلوب هو فتح باب الأمل أمامهم، بإمكان العيش مع المسلمين، إذا تخلت قريش عن الحرب والمنابذة والجحود.. وأن معاملتهم لهم لن يكون فيها خشونة، ولا عنجهية، واستكبار، رغم كل ما ألحقه المشركون


بهم من أذى.. فلماذا يختارون طريق المنابذة التي لا تجر عليهم سوى البلاء والبوار، والخراب والدمار؟!..

وها هم يلمسون هذا الرفق، لدى المسلمين منذ اللحظة الأولى، ممن ذاقوا طعم ذباب سيفه طيلة سنين..

والإنسان يميل بطبعه إلى الراحة، والسلامة.. فلماذا يصرون على ما فيه تعب وشقاء، وجهد وبلاء؟!..

فهذا الحزم والحسم إذا رافقه ذلك الرفق واللين، فهو رفق القوي، الحازم، الذي لم يكن رفقه قراراً فرضته الإستجابة لضرورات الضعف، والتغلب على المشكلات، بل هو رفق نابع من عمق ذاته، وهو مقتضى طبعه، وليس رفق المصلحة الذي يمكن أن يتحول إلى قسوة وشراسة، إذا اختلفت الظروف، وتبدلت المصالح..

إعطاء الراية لقيس بن سعد..:

وقد ذكرت النصوص: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أخذ الراية من سعد، وأعطاها لولده قيس..

ونحن لا نرى في هذا ما يتناقض مع ما تقدم من إعطائها لعلي (عليه‌السلام ).. إذ يمكن أن تكون مهمة علي (عليه‌السلام ) تنتهي حين إيصاله الراية إلى الركن، وغرزها عنده.. ثم تكون بعد ذلك لقيس بن سعد بن عبادة، باعتبار أنها إذا اعطيت لابن سعد، فكأنها لم تخرج عن سعد نفسه، لأن ولده منه..


ولو أنه (عليه‌السلام ) أخذ الراية من سعد، وأعطاها لقيس مباشرة، لفهم ذلك على أنه إجراء بحق سعد، ولكنه حين أخذ منها، وحملها حتى غرزها عند الركن، ظهر أن المطلوب هو حمل الثلاثة: علي، وسعد، وقيس لها بهذا المقدار الذي تحقق.

علي (عليه‌السلام ) وأم هاني يوم الفتح:

ويقولون: بلغ علياً (عليه‌السلام ): أن أم هاني بنت أبي طالب آوت ناساً من بني مخزوم، منهم: الحارث بن هشام، وقيس بن السائب، (وعند الواقدي: عبد الله بن ربيعة)، فقصد (عليه‌السلام ) نحو دارها مقنَّعاً بالحديد، فنادى: (أخرجوا من آويتم).

فجعلوا يذرقون كما تذرق الحبارى، خوفاً منه.

فخرجت إليه أم هانئ ـ وهي لا تعرفه ـ فقالت: يا عبد الله، أنا أم هانئ، بنت عمِّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأخت علي بن أبي طالب، إنصرف عن داري.

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): (أخرجوهم).

فقالت: والله لأشكونَّك إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فنزع المغفر عن رأسه، فعرفته، فجاءت تشتد حتى التزمته، وقالت: فديتك، حلفت لأشكونك إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقال لها: (إذهبي، فبري قسمك، فإنه بأعلى الوادي).

قالت أم هانئ: فجئت إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو في قبة


يغتسل، وفاطمة (عليها‌السلام ) تستره، فلما سمع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلامي، قال: (مرحباً بك يا أم هانئ وأهلاً).

قلت: بأبي أنت وأمي، أشكو إليك ما لقيت من علي (عليه‌السلام ) اليوم.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (قد أجرتُ من أجرتِ).

فقالت فاطمة (عليها‌السلام ): (إنما جئت يا أم هانئ تشتكين علياً (عليه‌السلام ) في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله)؟!

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (قد شكر الله لعلي (عليه‌السلام ) سعيه، وأجرتُ من أجارت أم هانئ، لمكانها من علي بن أبي طالب)(1) .

وعند الواقدي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن حين تكلمت أم هانئ مع فاطمة (عليها‌السلام )..

ثم جاء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأجار لأم هاني من أجارت، ثم طلب من فاطمة (عليها‌السلام ) أن تسكب له غسلاً، فاغتسل، ثم صلى

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص131 و 132 وج41 ص10 و 11 وإعلام الورى ج1 ص224 و 225 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص376 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص111 والإرشاد للمفيد ج1 ص137 و 138 وكشف الغمة ج1 ص218 والدر النظيم ص180 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص79 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص829 و 830.


ثمان ركعات(1) .

وعن الحارث بن هشام قال: لما دخل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مكة، دخلت أنا وعبد الله بن أبي ربيعة دار أم هانئ، ثم ذكر: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أجاز جوار أم هانئ.

قال: فانطلقنا، فأقمنا يومين، ثم خرجنا إلى منازلنا، فجلسنا بأفنيتها لا يعرض لنا أحد. وكنا نخاف عمر بن الخطاب، فوالله إني لجالس في ملاءة مورَّسة(2) على بابي ما شعرت إلا بعمر بن الخطاب، فإذا معه عدة من المسلمين، فسلم ومضى.

وجعلت أستحي أن يراني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأذكر رؤيته إياي في كل موطن مع المشركين، ثم أذكر بره ورحمته وصلته، فألقاه وهو داخل المسجد، فلقيني بالبشر، فوقف حتى جئته، فسلمت عليه، وشهدت بشهادة الحق، فقال: الحمد لله الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإسلام.

قال الحارث: فوالله ما رأيت مثل الإسلام جُهل(3) .

____________

1- المغازي للواقدي ج2 ص830.

2- مورسة: مصبوغة بلون أحمر.

3- سبل الهدى و الرشاد ج5 ص249 و 250 عن الواقدي، والمغازي للواقدي ج2 ص831 والسيرة الحلبية ج3 ص102 و (ط دار المعرفة) ج3 ص55 والمستدرك للحاكم ج3 ص277 و 278 وتاريخ مدينة دمشق ج11 ص495 و 496 وتهذيب الكمال ج5 ص298.


وعن أم هانئ ـرضي‌الله‌عنه قالت: لما كان عام يوم الفتح فرَّ إليَّ رجلان من بني مخزوم فأجرتهما.

قالت: فدخل عليَّ عليٌّ فقال: أقتلهما.

قالت: فلما سمعته يقول ذلك أغلقت عليهما باب بيتي، ثم أتيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو بأعلى مكة، فلما رآني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رحَّب وقال: (ما جاء بك يا أم هانئ).

قالت: قلت: يا رسول الله، كنت أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي (عليه‌السلام ) قتلهما.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (قد أجرنا من أجرت).

ثم قام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى غسله، فسترته فاطمة (عليها‌السلام )، ثم أخذ ثوباً فالتحف به، ثم صلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثمان ركعات سبحة الضحى(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص231 وفي هامشه عن: صحيح مسلم (صلاة المسافرين) (82) وعن أبي داود (2763) وعن مسند أحمد ج6 ص341 و 342 و 343 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص75 ومستدرك الحاكم ج4 ص45 والسيرة الحلبية ج3 ص93 و (ط دار المعرفة) ج3 ص41 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص830 وتاريخ الخميس ج2 ص84 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص556 والبداية والنهاية ج4 ص343 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص568.


لكن في الحلبية وغيرها: فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟!

إلى أن قال: وفي الرواية الأولى: فلما اغتسل أخذ ثوبه وتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى.

ثم أقبل علي، فقال: مرحباً يا أم هاني، ما جاء بك؟!.

فأخبرته الحديث.

فقال: (أجرنا من أجرت الخ..)(1) .

ونقول:

هل تدل ملاحقة علي (عليه‌السلام ) لهذين الرجلين على أن قتالاً كان يجري يوم الفتح، وتكون مكة قد فتحت بالسيف، وتحت وطأة القتال؟!..

وكيف نوفق بين هذا وبين قولهم: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعلن بالأمان لأهل مكة، وعين لهم مواضع للتواجد فيها، ومنها المسجد، ودار أبي سفيان، وراية أبي رويحة، ومن دخل داره، وأغلق بابه إلخ..

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إن عدم لجوء ذينك الرجلين إلى مواضع الأمان التي حددها لهم

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص93 و (ط دار المعرفة) ج3 ص41 وتاريخ الخميس ج2 ص84 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص78 والبداية والنهاية ج4 ص343 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص869 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص568.


رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، يدل على أنهما لم يلتزما بما قرره الرسول، وأنهما كانا في وضع قتالي، انتهى بهما إلى اللجوء إلى جوار أم هاني..

ثانياً: صرح بعضهم بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد أهدر دم هذين الرجلين: وهما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، فلم يكونا مشمولين لأمان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ويشهد لذلك ثناء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على علي (عليه‌السلام ) وتصويبه في ملاحقته هذين الرجلين، وتصريحه بصرف النظر عن قتلهما، إكراماً لأم هاني، ولكن أيضاً لقربها من علي (عليه‌السلام )، فقد قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (قد شكر الله سعيه، وأجرت من أجارت أم هاني، لمكانها من علي(1) ، وقال لها: قد آمنا من آمنت، وأجرنا من أجرت، فلا نقتلهما)(2) .

فقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (فلا نقتلهما) يشير إلى أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص131 و 132 وج41 ص10 و 11 وإعلام الورى ج1 ص224 و 225 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص376 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص111 والإرشاد للمفيد ج1 ص137 و 138 وكشف الغمة ج1 ص218 والدر النظيم ص180 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص79 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص829 و 830

2- السيرة الحلبية ج3 ص93 و (ط دار المعرفة) ج3 ص41 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص568.


كان مصمماً على قتلهما، وأنهما لم يكونا داخلين في الأمان الذي أطلقه في الناس بشرط الدخول إلى المسجد، أو إلى بعض المواضع الأخرى..

فلا يصح قول بعضهم هنا: (إرادة علي كرم الله وجهه قتل الرجلين اللذين أمنتهما أخته أم هاني لعله تأول فيهما شيئاً، أو جرى منهما قتال له. وتأمين أم هاني لهما من تأكيد الأمان الذي وقع للعموم)(1) .

نعم، لا يصح ذلك للأسباب التالية:

1 ـ قد ظهر مما قدمناه آنفاً: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يكن متأولاً في ملاحقته لهذين الرجلين، بل هو يجري فيهما حكم الله وحكم رسوله، لأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي أهدر دمهما، وكان مصمماً على قتلهما لولا شفاعة أم هاني..

2 ـ لم يكن هناك أمان عام للناس، بل كان هناك أمان لمن يدخل المسجد، ودار أبي سفيان، ويغلق بابه، ويلتجئ إلى راية أبي رويحة..

3 ـ لو كان هناك أمان عام لاحتجت به أم هاني على علي (عليه‌السلام )، ولم تحتج إلى شكواه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

مقارنة ذات مغزى:

تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) يصر على قتل رجلين أجارتهما أخته، ولا يقبل شفاعتها فيهما، ولا يراجع هو النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمرهما

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص84 و (ط دار المعرفة) ج3 ص27.


حتى جاءت إجارتهما من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه.

وفي المقابل نجد عثمان يصر على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في العفو عن ابن أبي سرح، بل هو يخبئه في بيته..

ثم يكرر عثمان التماسه العفو، ويعرض عنه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرة بعد أخرى، حتى استجاب له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على مضض، وظهر عتبه على المسلمين لعدم مبادرتهم إلى قتل ابن أبي سرح قبل ذلك..

كما أنه يخبئ معاوية بن المغيرة، ويضرب زوجته بتهمة أنها دلت عليه حتى تموت من ذلك الضرب..

توضيحات نحتاجها:

واللافت هنا: أن علياً (عليه‌السلام ) يأتي إلى دار أخته مقنعاً بالحديد، ولا يعرِّف أخته بنفسه في بادئ الأمر، ولكنه لا يقتحم الدار، مراعاة للحرمة، ثم هو لا يريد أن يروع أهلها، بل ينادي من خارج الدار: أخرجوا من آويتم!

فخرجت إليه أخته، فلم يبادر إلى تعريفها بنفسه، بل تركها تعرِّف هي بنفسها، بأنها بنت عم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأخت علي (عليه‌السلام )، ثم تأمره بالانصراف عن دارها..

ولكن علياً (عليه‌السلام ) يصرّ على موقفه، ويعيد النداء: أخرجوهم.

فلم تضعف، ولم تتراجع، بل قالت له: والله، لأشكونك إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).


وفي هذه اللحظة ينزع علي (عليه‌السلام ) المغفرة عن رأسه، فعرفته أخته، فجاءته تشتد حتى التزمته.

فنلاحظ: أن علياً (عليه‌السلام ) قد أجرى الأمور على طبيعتها، كما لو كانت ستجري في أية حالة أخرى، وفي أي بيت شخص آخر.

وهو (عليه‌السلام ) رغم أنه كان يواجه أخته لم يتراجع عن أداء واجبه الشرعي مراعاةً لها، أو انسياقاً مع عاطفته تجاهها، كما أنه أراد لها أن تبر بقسمها الذي أطلقته، وهي ترى أنها محقة في إعطائها الأمان لأولئك المشركين فلم يمنعها من ممارسة حقها في الدفاع المشروع عن موقفها، بل كان هو الذي دلها على مكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وطلب منها أن تذهب إليه وتشكوه عنده، ليأتي القرار بالعفو من مصدره الأساس، وهو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وبذلك يسقط التكليف عن أمير المؤمنين بصورة تلقائية..

خوف الجبناء:

لقد أظهرت بعض الروايات المتقدمة: مدى خوف أولئك الظالمين من سيف عدل علي (عليه‌السلام )، حتى جعلوا يذرقون كما يذرق الحبارى خوفاً من رجل واحد، ولم يجرؤوا على الخروج إلى ساحة المواجهة؟!

فبماذا قوي علي (عليه‌السلام ) عليهم؟! أليس بإيمانه الراسخ بالله، واعتزازه وثقته بربه ودينه؟! وعزوفه عن زخارف هذه الدنيا؟! وطلبه لما عند الله الذي هو خير وأبقى؟!


علي (عليه‌السلام ) يحطم الأصنام:

قال الصالحي الشامي: عن علي (عليه‌السلام ) قال: انطلق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى أتى بي إلى الكعبة، فقال: (اجلس)، فجلست بجنب الكعبة، فصعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على منكبي، فقال: (انهض)، فنهضت، فلما رأى ضعفي تحته قال: (اجلس)، فجلست.

ثم قال: (يا علي، اصعد على منكبي)، ففعلت، فلما نهض بي خيّل إلي: لو شئت نلت أفق السماء.

فصعدت فوق الكعبة، وتنحى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: (ألق صنمهم الأكبر)، (وفي نص آخر: لما ألقى الأصنام، لم يبق إلا صنم خزاعة(1) وكان من نحاس، موتد بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (عالجه)، ويقول لي: (إيه إيه)( جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) (2) .

فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه.

وقيل: إن هذا الصنم كان من قوارير صفر، (وقيل: من نحاس(3) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص86 و (ط دار المعرفة) ج3 ص30 وتاريخ الخميس ج2 ص86.

2- الآية 81 من سورة الإسراء.

3- راجع: نظم درر السمطين ص125 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص236 وتأويل الآيات ج1 ص286 وغاية المرام ج4 ص311 وشرح إحقاق الحق ج23 ص362.


وفي نص آخر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ): ارم به، فحمله رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى صعد، فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون، ويقولون: ما رأينا أسحر من محمد(1) .

(ثم إن علياً (عليه‌السلام ) أراد أن ينزل، فألقى نفسه من صوب الميزاب، تأدباً وشفقة على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ولما وقع على الأرض تبسم، فسأله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن تبسمه.

فقال: لأني ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع، وما أصابني ألم.

قال: كيف يصيبك ألم وقد رفعك محمد، وأنزلك جبريل)؟!(2) .

وفي نص آخر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: يا علي، اصعد على منكبي، واهدم الصنم.

فقال: يا رسول الله، بل اصعد أنت، فإني أكرمك أن أعلوك.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إنك لا تستطيع حمل ثقل النبوة، فاصعد أنت..

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص86 و (ط دار المعرفة) ج3 ص30 وتاريخ الخميس ج2 ص86 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص287 وجوامع الجامع ج2 ص389.

2- تاريخ الخميس ج2 ص86 عن الزرندي، والصالحاني، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص202 وراجع: شرح الأخبار ج2 ص395 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص403 وبحار الأنوار ج38 ص78 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص274 ونهج الإيمان ص609 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص692 وج18 ص162 و 163 و 168.


إلى أن قال: ثم نهض به.

قال علي (عليه‌السلام ): فلما نهض بي، فصعدت فوق ظهر الكعبة الخ..(1) .

وجاء في نص آخر قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): لو أن ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة وأنا حي ما قدروا، ولكن قف يا علي، فضرب بيده إلى ساقيه، فرفعه حتى تبين بياض إبطيه، ثم قال: ما ترى يا علي؟!

قال: أرى أن الله قد شرفني بك، حتى لو أردت أن أمس السماء لمسستها الخ..(2) .

وفي نص آخر: قال علي (عليه‌السلام ): أراني كأن الحجب قد ارتفعت، ويخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): طوبى لك تعمل للحق، وطوبى لي أحمل للحق(3) .

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص86 و (ط دار المعرفة) ج3 ص29.

2- المناقب لابن المغازلي ص202 والمناقب المرتضوية ص188 وبحار الأنوار ج38 ص86 وكشف اليقين ص447 والطرائف ص80 والعمدة لابن البطريق ص364 و 365 وغاية المرام ج6 ص279 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص687 وج18 ص164.

3- تاريخ الخميس ج2 ص86 وإحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص162.


كسر الأصنام في الشعر:

وقال بعض الشعراء، وقد نسب القندوزي الحنفي هذا الشعر إلى الإمام الشافعي، ونسبه عطاء الله بن فضل الله الحسيني الهروي في الأربعين إلى حسان بن ثابت:

قيل لي: قل في عليٍّ مدحاً

ذكره يخمد ناراً مؤصده

قلت لا أقدم في مدح امرئ

ضل ذو اللب إلى أن عبده

والنبي المصطفى قال لنا

ليلة المعراج لما صعده

وضع الله بظهري يده

فأحسَّ القلب أن قد برده

وعلي واضع أقدامه

في محل وضع الله يده(1)

وفي حديث يزيد بن قعنب عن فاطمة بنت أسد: أنها لما ولد علي (عليه‌السلام ) في جوف الكعبة، وأرادت أن تخرج به هتف بها هاتف: يا فاطمة سميه علياً، فهو علي..

إلى أن قال عن علي (عليه‌السلام ): وهو الذي يكسر الأصنام، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي الخ..(2) .

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص87 وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص139 و (ط دار الأسوة) ج1 ص423 وإحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص683 وج18 ص163 وشجرة طوبى ج2 ص306 والغدير ج7 ص12.

2- الأمالي للصـدوق ص194 و 195 وعلـل الشرائـع ج1 ص135 و 136 ومعاني = = الأخبار ص62 وروضة الواعظين ص76 و 77 والمحتضر للحلي ص264 والجواهر السنية للحر العاملي ص229 وبحار الأنوار ج35 ص8 و 9 والأنوار البهية ص67 و 68 وشجرة طوبى ج2 ص217 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص635 وبشارة المصطفى ص27 وكشف الغمة ج1 ص61 وكشف اليقين ص19 ـ 21 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص56 عن بشائر المصطفى، وعن تجهيز الجيش للدهلوي العظيم آبادي (مخطوط) ص110.


وفي بعض المصادر: أنه (عليه‌السلام ) جمع الحطب، وأوقد ناراً، ثم وضع قدمه على عضد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وصار يأخذ الأصنام عن جدار الكعبة، ويلقيها في النار(1) .

ونقول:

لا بد لنا من الوقفات التالية:

لماذا علي (عليه‌السلام )؟!:

وقد لوحظ: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أوكل مهمة كسر الأصنام لعلي (عليه‌السلام )، ولم يوكل بها غيره، ولا تولاها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بنفسه، ولو بأن يشير إليها فتتهاوى بصورة إعجازية، كما حصل لعلي (عليه‌السلام )..

ولعل سبب ذلك: أن تولي علي والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحطيم

____________

1- أنيس الجليس للسيوطي (ط سنة 1291 هـ) ص148 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص167.


الأصنام يقطع الطريق على اتهام غيرهما بأنه قد بالغ في التشفي، وأمعن وتجاوز الحد في إجراء التوجيهات التي صدرت، وقد كان يكفي اقتلاعها وإبعادها عن المكان، دون أن يعمل على تهشيمها بهذه الطريقة المهينة..

وقد يدّعى: أن همَّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان مصروفاً إلى الهيمنة على مكة، وقهر قريش، ولعله كان لا يمانع في أن يعتقد الناس بأن لهذه الأصنام شيئاً من التأثير في حياتهم، أو هو على الأقل لا يمانع في اقتنائها للذكرى، أو للتلذذ بجمال صنعها، أو لأي سبب آخر..

فجاء تحطيمها بيد علي (عليه‌السلام ) تحت سمع وبصر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليدلنا على أن وجودها كله مبغوض له تعالى.. ولا يجوز الإحتفاظ بها تحت أي عنوان من العناوين..

تحطيم الأصنام أكثر من مرة:

قد دلتنا الرواية التي ذكرناها قبل الهجرة، عن علي (عليه‌السلام )، وقد جاء فيها: (ونزلت من فوق الكعبة، وانطلقت أنا والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نسعى حتى توارينا بالبيوت، وخشينا أن يرانا أحد) ـ قد دلتنا ـ على أن تكسير الأصنام قد حدث مرتين:

إحداهما: قبل الهجرة.

والأخرى: في فتح مكة.

فراجع ما ذكرناه في فصل سابق تحدثنا فيه عن أحداث ما قبل الهجرة.


ينوء بثقل النبوة:

وقد ذكرت الروايات السابقة: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طلب من علي (عليه‌السلام ) أن يجلس ليصعد هو على ظهر علي.. ففعل ذلك، وإذ به ينوء بثقل النبوة..

فهنا سؤالان:

أحدهما: ألم يكن (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعلم بأن للنبوة ثقلاً ينوء به علي (عليه‌السلام )؟! فإن كان يعلم، فما هي الحكمة في أن يطلب ذلك من علي (عليه‌السلام )؟!

الثاني: هل للنبوة ثقل؟! وهل هو ثقل مادي؟! أم ماذا؟!

ونجيب بما يلي:

بالنسبة للسؤال الأول نقول:

لا ريب في معرفة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن للنبوة ثقلاً ينوء به علي (عليه‌السلام ).. ولذلك فنحن نرجح الروايات الأخرى التي تقول: إن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي طلب من النبي أن يصعد على ظهره، إجلالاً منه للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخبره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن للنبوة ثقلاً يمنع من ذلك، لأنه ينوء به (عليه‌السلام )..

بل نحن لا نستطيع أن نقول: إن علياً (عليه‌السلام ) كان يجهل هذا الأمر أيضاً، ولكنه أراد هو والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التصريح بذلك، ليعلم الناس: أن صعوده على ظهر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يتنافى مع التكريم والإجلال والتعظيم، إذ لولا هذا البيان لدخل في وهم بعض


الناس، ما لا يجوز توهمه في حق علي (عليه‌السلام )..

أو لعله نظر إلى قانون البداء، فلعله اقتضى إظهار معنى في علي (عليه‌السلام ) اقتضى تمكينه (عليه‌السلام ) من النهوض بثقل النبوة..

وبالنسبة للسؤال الثاني نقول:

ليس بإمكاننا تحديد ماهية هذا الثقل، ولكننا نعلم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يركب الراحلة والفرس، وغيرهما، ويراه الناس..

ثم هو يعلن لهم: أنه لو اجتمعت ربيعة ومضر على أن يحملوا بضعة منه وهو حي لما قدروا على ذلك.. مما يعني: أن للنبوة في مضمونها المعنوي خصوصية تحتم التدخل الإلهي لتعجيز البشر عن حمل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو حي، ربما لأن هذا قد يثير خطرات تسيء إلى معنى النبوة.

ونحن وإن كنا ننزه علياً (عليه‌السلام ) عن مثل تلك الخطرات، لأنه هو نفس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في طهره وسائر صفاته، ولكننا لا ننزه غيره عنها ممن يرى ويسمع.

هل يخيَّل لعلي (عليه‌السلام )؟!:

تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) قال: خيل إليَّ: لو شئت نلت أفق السماء، أو نحو ذلك.

والمراد بالتخييل لعلي (عليه‌السلام ): إراءته عين الواقع، إذ لا تخييل للمعصوم من الأنبياء والأئمة (عليهم‌السلام ) خارج دائرة إراءة الحقائق.

فإن كان (عليه‌السلام ) قد عبر بكلمة (خيل إلي) فذلك بهدف الرفق


ببعض ضعفاء النفوس، الذين يصعب عليهم إدراك هذه الحقائق على ما هي عليه..

علماً بأن بعض النصوص لم ترد فيها كلمة: (خيّل إليَّ)، وذكرت أنه لو أراد أن ينال السماء لنالها.

ويشير إلى ذلك قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): رفعك محمد، وأنزلك جبريل، فإن من يكون هذا حاله، لو أراد أن ينال السماء لنالها.

تعمل للحق، وأحمل للحق:

وقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): طوبى لك، تعمل للحق، وأحمل للحق، يشير إلى أن تحطيم الأصنام لم يكن بدافع التشفي من الذين كانوا يعبدونها، ولا الرغبة في الإستئثار بجميع ثمرات النصر، أو الحرص على الإمساك بجميع مفردات الغلبة، وإنما أملاه عليه واجب الحق، والدين، والإخلاص لله تعالى، والتماس رضاه، وبث اليأس في أهل الشرك والبغي..

علي (عليه‌السلام ) يؤذن على ظهر الكعبة:

وزعموا: أنه لما حان وقت الظهر أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بلالاً أن يؤذن فوق الكعبة، ليغيظ بذلك المشركين، وكانت قريش فوق رؤوس الجبال.

ونقول:

إن ذلك موضع ريب، والصحيح: هو أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي


فعل ذلك، بدليل:

أولاً: قد صرحوا: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دخل البيت يوم الفتح وقت الظهر(1) ، فإذا كان الوقت ظهراً، وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مشغولاً هو وعلي (عليه‌السلام ) بإزالة الصور من داخل الكعبة، ومن على ظهرها، فمن أولى من علي (عليه‌السلام ) بالأذان من على ظهر الكعبة في اللحظات الأولى، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يكون بلال قد أذن بعد ذلك في المسجد، أو من على ظهر الكعبة.

ثانياً: عن يزيد بن قعنب، أن فاطمة بنت أسد: قالت: لما ولد علي (عليه‌السلام ) في جوف الكعبة، وأرادت أن تخرج هتف بها هاتف: يا فاطمة، سميه علياً، فهو علي.. إلى أن قال ذلك الهاتف: (هو الذي يكسر الأصنام، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي إلخ..).

وروى ابن الشيخ الطوسي هذا المضمون، عن العباس ويزيد بن قعنب، وفيه: وهو أول من يؤذن فوق ظهر بيتي، ويكسر الأصنام إلخ..(2) .

____________

1- الخرائج والجرائح ج1 ص97 و 163 وبحار الأنوار ج21 ص117 و 119 وجامع أحاديث الشيعة ج4 ص698 ومستدرك الوسائل ج4 ص38.

2- راجع: روضة الواعظين ص77 وبحار الأنوار ج35 ص9 و 37 وعلل الشرائع ج1 ص164 ومعاني الأخبار ص62 و 63 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص192 والأمالي للطوسي ج2 ص318 وإحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص57 عن كتاب تجهيز الجيش للدهلوي.



الفصل الثالث:

الحجابة والسقاية..



مفتاح الكعبة:

وحين فتحت مكة بعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) إلى عثمان بن طلحة، فأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم أمنعه منه، فصعد إلى السطح، فتبعه عليّ (عليه‌السلام ) ولوى يده، وأخذ المفتاح منه قهراً، وفتح الباب(1) .

فلما نزل قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.. ) (2) . أمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يدفع المفتاح إليه، متلطفاً به، (ويعتذر إليه. وقال له: قل له: خذوها يا بني طلحة بأمنة الله، فاعملوا فيها بالمعروف، خالدة تالدة الخ..)(3) .

فجاء علي (عليه‌السلام ) بالمفتاح متلطفاً، فقال له: أكرهت وآذيت، ثم

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص87 و 88 والسيرة الحلبية ج3 ص98 و (ط دار المعرفة) ج3 ص49 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص404 وبحار الأنوار ج21 ص116.

2- الآية 58 من سورة النساء.

3- راجع: تاريخ الخميس ج2 ص88 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص282 وكشف الخفاء ج1 ص374 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص388 وإمتاع الأسماع ج1 ص394 وج13 ص384 وعيون الأثر ج2 ص200.


جئت ترفق؟!

فقال (عليه‌السلام ): لأن الله أمرنا بردها عليك.

فأسلم، فأقره النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في يده(1) .

وذكر نص آخر: أن عثمان بن طلحة ادعى: أنه هو الذي جاء بالمفتاح إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

فقام علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة بيده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية!

(وفي رواية: أن العباس تطاول يومئذٍ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم. أي منهم علي (عليه‌السلام) (3) .

____________

1- راجع: السيرة الحلبية ج3 ص98 و (ط دار المعرفة) ج3 ص49 وبحار الأنوار ج21 ص116 و 117 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص404 و 405.

2- راجع: المصنف للصنعاني ج5 ص83 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص529 و 541 والدرر لابن عبد البر ص220 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص279 وكنز العمال ج2 ص384 وج10 ص535 ومواهب الجليل ج4 ص505 ومجمع الزوائد ج6 ص177 والمعجم الكبير للطبراني ج9 ص61 وفتح الباري ج3 ص371 وعمدة القاري ج9 ص243 ومسند الحميدي ج2 ص304.

3- راجع هذه الفقرة في: السيرة الحلبية ج3 ص100 و (ط دار المعرفة) ج3 ص52 وعيون الأثر ج2 ص200 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص244 وفي هامشه عن البداية والنهاية ج4 ص301.


فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أين عثمان بن طلحة؟!

فدعي، فقال: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء).

قالوا: وأعطاه المفتاح ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مضطبع(1) بثوبه عليه، وقال: (غيبوه. إن الله تعالى رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام)(2) .

وعن ابن جريح: أن علياً (عليه‌السلام ) قال للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اجمع لنا الحجابة والسقاية، فنزلت:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.. ) (3) .

فدعا عثمان، فقال: (خذوها يا بني شيبة خالدة مخلدة).

وفي لفظ: (تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)(4) .

____________

1- اضطبع: أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن وغطى به الأيسر.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص244 عن ابن سعد والواقدي، والسيرة الحلبية ج3 ص100 و 101 وراجع: المغازي للواقدي ج2 ص837 وتاريخ الخميس ج2 ص85 و 88 وعن البداية والنهاية ج4 ص301.

3- الآية 58 من سورة النساء.

4- سبل الهدى والرشاد ج5 ص244 و 245 عن ابن عائذ، والأزرقي، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص100 ومواهب الجليل ج4 ص505 وشرح مسلم للنووي ج9 ص83 ومجمع الزوائد ج3 ص285 وفتح الباري ج8 ص15 وعمدة القاري ج4 ص248 والمعجم الأوسط ج1 ص156 وج11 ص98 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1034 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2= = ص137 والكامل لابن عدي ج4 ص137 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص383 و 388 و 389 وأسد الغابة ج3 ص372 وسير أعلام النبلاء ج3 ص12 وميزان الإعتدال ج2 ص510 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص248 وإمتاع الأسماع ج1 ص394 وج13 ص384 وتاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص83 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص282 وكنز العمال ج12 ص222 وكشف الخفاء ج1 ص374 وتفسير الواحدي ج1 ص270 وتفسير الآلوسي ج5 ص63 وتفسير السمعاني ج1 ص440 والدر المنثور ج2 ص175 والمحرر الوجيز ج2 ص70 وتفسير الرازي ج10 ص138 والجامع لأحكام القرآن ج5 ص256 وتفسير الثعالبي ج1 ص104 وج2 ص252.


وعن الزهري: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما خرج من البيت قال علي (عليه‌السلام ): (إنا أُعطينا النبوة والسقاية والحجابة، ما قوم بأعظم نصيباً منَّا).

فكره رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مقالته، ثم دعا عثمان بن طلحة، فدفع المفتاح إليه وقال: (غيبوه)(1) . فلذلك يغيب المفتاح(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص244 و 245 عن عبد الرزاق، والطبراني. ومواهب الجليل ج4 ص511 ومجمع الزوائد ج6 ص177 والمصنف للصنعاني ج5 ص84 والمعجم الكبير للطبراني ج9 ص62 وكنز العمال ج14 ص108 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص390.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص244 عن الفاكهي، ومواهب الجليل ج4 ص511= = وفتح الباري ج8 ص15 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص125 وكنز العمال ج14 ص107.


وعند الحلبي: أن علياً (عليه‌السلام ) أخذ المفتاح وقال: يا رسول الله، إجمع لنا الحجابة مع السقاية.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): أكرهت وآذيت، وأمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يرد المفتاح على عثمان ويعتذر إليه، فقد أنزل الله في شأنك. أي أنزل الله عليه ذلك وهو في جوف الكعبة. وقرأ عليه الآية، ففعل ذلك علي)(1) .

وسياق هذه الرواية يدل: على أن علياً كرم الله وجهه أخذ المفتاح على أن لا يرده لعثمان، فلما نزلت الآية أمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يرد المفتاح لعثمان..(2) .

وعن ابن جريح، عن ابن مليكة: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح: (إنما أعطيتكم ما تُرزؤون، ولم أعطكم ما تَرزؤون).

يقول: (أعطيتكم السقاية، لأنكم تغرمون فيها، ولم أعطكم حجابة البيت).

____________

1- السيرة الحلبية ج3 ص100 و (ط دار المعرفة) ج3 ص52 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص329 وأسباب نزول الآيات ص105 وتفسير البغوي ج1 ص444 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص893 وتفسير أبي السعود ج2 ص193.

2- السيرة الحلبية ج3 ص100 و (ط دار المعرفة) ج3 ص52.


قال عبد الرزاق: أي أنهم يأخذون من هديته(1) .

وعند الحلبي: إنما أعطيكم ما تبذلون فيه أموالكم للناس، أي وهو السقاية، لا ما تأخذون منه من الناس أموالهم، وهي الحجابة، لشرفكم، وعلو مقامكم(2) .

واللافت هنا: أن الواقدي يذكر نفس هذه القضية، بعين ألفاظها، وينسبها إلى العباس، لا إلى علي (عليه‌السلام )(3) .

وحديث طلب العباس من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يجمع لبني هاشم السقاية والحجابة مروي عن ابن أبي مليكة أيضاً(4) .

____________

1- المصنف للصنعاني ج5 ص84 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص245 عن عبد الرزاق، والمعجم الكبير للطبراني ج9 ص62 ومجمع الزوائد ج6 ص177 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص387 وفتح الباري ج3 ص393 وتاريخ الخميس ج2 ص85.

2- السيرة الحلبية ج3 ص100 و (ط دار المعرفة) ج3 ص52.

3- راجع: المغازي ج2 ص833 وتاريخ الخميس ج2 ص85 عن البحر العميق.

4- راجع: المصنف للصنعاني ج5 ص85 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص245 عنه، وراجع عن غير أبي مليكة: كنز العـمال ج14 ص108 وتاريخ مدينة دمشق ج38 ص387 و 389 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص52 وتفسير ابن زمنين ج1 ص381 وفتح الباري ج3 ص393 وزاد المسير ج2 ص143 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص528 وتنوير المقباس ص72 والعجاب في بيان = = الأسباب ج2 ص892 والدر المنثور ج2 ص174 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص71 و (ط دار الكتب العلمية) ص60 وتفسير الآلوسي ج5 ص63 وكتاب المنمق لابن حبيب ص287.


ونقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة، نذكر منها ما يلي:

أكرهت وآذيت:

تقدم أنهم زعموا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام )، حين طلب منه أن يجمع لهم الحجابة إلى السقاية: أكرهت وآذيت، وأمره أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة.

ونقول:

أولاً: تقدم: أن عثمان بن طلحة هو الذي قال لعلي (عليه‌السلام ) أكرهت وآذيت، فإنه لما تمنع عثمان من دفع المفتاح إليه لحقه إلى سطح الكعبة ولوى يده، وأخذ المفتاح منه..

ثانياً: حتى لو كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي قال ذلك لعلي (عليه‌السلام )، فإنه لا غضاضة فيه عليه، لأنه إكراه وأذى يحبه الله ورسوله، لأنه جاء في سياق تنفيذ أمر الرسول الذي كان عثمان بن طلحة بصدد التمرد عليه، وهو ذنب كبير يدعو علياً (عليه‌السلام ) إلى فرض الطاعة عليه..

ثالثاً: اعطاء المفتاح لبني شيعته يجعل لهم نوع ولاية نصرف فيه.. مع


أنه تعالى قال:( وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَ المُتَّقُونَ ) (1) .

أعطيتكم ما ترزؤون:

وقد قرر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنه أعطى بني هاشم، ما يوجب بذل أموالهم فيه، وهو السقاية.. أما الحجابة فأعطاها لبني شيبة، لأنها تجلب لهم المنافع، لأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد بذل هذه المنافع لهم، لكي يتألفهم على الإسلام، ويسلّ سخيمتهم، ولو أنه أعطى الحجابة لبني هاشم، لوجد الحاسدون والطامعون، والمفسدون والمنافقون الفرصة لتعميق الشرخ بين هؤلاء وهؤلاء، وربما يتهمون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمحاباة أهل قرابته، وابتغاء المنافع لهم، وتخصيصهم بالمغانم، والمناصب.

والعباس، وإن كان يفكر بأن يستفيد من الحجابة، ويحصل على بعض المنافع، ولكن علياً لم يكن يفكر بهذه الطريقة حين طلب الحجابة، بل أراد أن يهيء الجو لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليظهر هذه الحقيقة، حتى لا يشعر بنو شيبة، أو غيرهم بأن إعطاءه الحجابة لهم يدل على تميزهم في الدين، وعلى أن لهم موقعاً دينياً، استحقوه دون بني هاشم، أو لأجل خصوصيات وخصال خير، كامنة في حقيقة ذاتهم.. مثل الطهارة، أو الإخلاص، أو العلم، أو ما إلى ذلك..

____________

1- الآية 34 من سورة الأنفال.


الأمر بأداء الأمانات:

وتقدم: أن قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (1) نزل في مناسبة إعطاء مفتاح الكعبة لبني شيبة.

غير أننا نقول:

1 ـ إن هذه الآية وردت في سورة النساء التي انتهى نزولها قبل فتح مكة بعدة سنوات..

ودعوى أن الآية ألحقت في موضعها من تلك السورة في فتح مكة.. لا شاهد لها، ولا دليل عليها سوى الإدعاء والتحكُّم.

2 ـ عن زيد بن أسلم، قال: أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر، وفي من ولي من أمور الناس شيئاً(2) .

3 ـ عن شهر بن حوشب قال: (نزلت في الأمراء خاصة( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) )(3) .

____________

1- الآية 58 من سورة النساء.

2- الدر المنثور ج2 ص175 عن ابن المنذر وآخرين، والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص571 وراجع: التبيان للطوسي ج3 ص233 وجامع البيان ج5 ص200 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص986 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص259 وتفسير العز بن عبد السلام ج1 ص330.

3- الدر المنثور ج2 ص175 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، وراجع: عمدة القاري ج12 ص227 وتفسير ابن أبي حاتم ج3 ص986 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص528.


4 ـ عن ابن عباس في قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) ، قال: يعني السلطان، يعطون الناس.

تناقضات تحتاج إلى حل:

إن الروايات التي ذكرت أن علياً (عليه‌السلام ) طلب الحجابة لنفسه، أو لبني هاشم تحتاج إلى تمحيص، لأنها تعاني من إشكالات، تصعِّب على الباحث الإطمئنان إلى صحتها، فلاحظ ما يلي:

1 ـ ذكرت إحدى تلك الروايات: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى المفتاح لعثمان بن طلحة، ثم طلبه علي (عليه‌السلام ) من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان المفتاح في يده فأعطاه إلى عثمان في هذه اللحظة.

وروايات أخرى تقول: بل إن علياً (عليه‌السلام ) ذهب إليه، وأخذ المفتاح منه بالقوة.

فهل أخذ عثمان المفتاح قبل طلب علي (عليه‌السلام ) أم بعده؟!

ويمكن الجواب بأنه بعد أن أخذ علي (عليه‌السلام ) المفتاح من عثمان، حضر إلى مجلس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجرى ما جرى.

2 ـ هل قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أدعو لي عثمان، فدعوه، فأعطاه المفتاح، حين طلب علي الحجابة، أم أعطاه إياه حين كلمه العباس؟!

وقد يجاب: بأن علياً (عليه‌السلام ) والعباس قد كلم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذا الأمر، على التوالي، فأرسل إلى عثمان، فأعطاه المفتاح.


3 ـ هل نزلت آية الأمر بأداء الأمانات لحظة استلام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المفتاح قبل دخول الكعبة؟! أم نزلت حين كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) داخل الكعبة؟!

4 ـ هل طلب العباس من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يجعل الحجابة له، قبل دخوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى الكعبة؟! أم كان ذلك بعد خروجه منها؟!

5 ـ ومما يؤكد الشبهة في صحة ما نسب لعلي (عليه‌السلام ): أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد أن طمس الصور في داخل الكعبة أخذ بعضادتي بابها وخطب، وقال في خطبته: (إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما).

فكيف يصح من العباس أن يطلب السدانة والسقاية بعد ذلك؟! أي بعد أن وضع مفتاح الكعبة في كمه، وتنحى ناحية المسجد، ورد الحجابة والسقاية إلى أهليهما.

6 ـ ينسب إلى علي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه قال: أعطينا النبوة، والسقاية والحجابة.. ما قوم بأعظم نصيب منا.. مع أن الروايات المتقدمة تقول: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعطه الحجابة..

7 ـ على أنه لو كانت الحجابة حقاً لبني شيبة، فلماذا يرسل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) ليأخذ المفتاح منه رغماً عنه؟!.. ألا يدل ذلك على أنه كان غاصباً لما لا حق له به؟!، وقد استرجعه منه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بواسطة علي (عليه‌السلام ).


8 ـ وفي جميع الأحوال نقول:

إن كانت الحجابة حقاً لبني شيبة، فإن حشر اسم علي (عليه‌السلام ) في هذه القضية، يكون في غير محله، ولا بد من البحث عن مبررات ذلك، فلعله يراد إظهاره (عليه‌السلام ) طامعاً بأمر دنيوي، ليتساوى مع غيره في هذه الجهة.. ولعله.. ولعله..

وإن كانت الحجابة لبني هاشم، فلا بد أن يكونوا قد تنازلوا عنها تكرماً وتفضلاً لمصلحة حاضرة، مثل التأليف بطلب من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). ويكون أخذ المفتاح من عثمان بن أبي شيبة في بداية الأمر في محله..

وبذلك لا يبقى مجال للقول: بإن الروايات قد دلت على أن الحجابة لم تعط لبني هاشم. ولعله استعادها من بني شيبة، وردها لبني هاشم أصحابها الحقيقين.

بل قد يقال: إن المقصود بكلام علي (عليه‌السلام ) هو أن أمر الحجابة والسقاية أصبح لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولبني هاشم، ولهم هم أن يعطوه لهذا ثم ينتزعونه منه ليعطوه لغيره..

فإعطاء الحجابة لبني شيبة ليس معناه سقوط حق بني هاشم فيها..

أو يقال: المقصود هو: أن أمر الحجابة يعود البت فيه لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فيصح لبني هاشم أن يقولوا: أعطينا الحجابة، كما صح لهم أن يقولوا: أعطينا النبوة، مع أن النبوة خاصة برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دون كل أحد..


مفاخرة شيبة والعباس وعلي (عليه‌السلام ):

عن ابن عباس، وعن الحارث الأعور قالا: افتخر شيبة بن عبد الدار والعباس بن عبد المطلب، فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة، نفتحها إذا شئنا، ونغلقها إذا شئنا، فنحن خير الناس بعد رسول الله.

وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فنحن خير الناس بعد رسول الله، (فقال: ظ) إذ مر عليهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فأراد أن يفتخر، فقالا له: يا أبا الحسن! أنخبرك بخير الناس بعد رسول الله؟! ها أنا ذا.

فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة، نفتحها إذا شئنا ونغلقها إذا شئنا، فنحن خير الناس بعد النبي.

وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فنحن خير الناس بعد رسول الله.

فقال لهما أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): ألا أدلكما على من هو خير منكما؟!

قالا له: ومن هو؟!

قال: الذي ضرب رقبتكما حتى أدخلكما في الإسلام قهراً.

قالا: ومن هو؟!

قال: أنا.

فقام العباس مغضباً حتى أتى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأخبره


بمقالة علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فلم يرد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شيئاً.

فهبط جبرئيل (عليه‌السلام )، فقال: يا محمد! إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ.. ) (1) .

فدعا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) العباس، فقرأ عليه الآية، وقال: يا عم قم فاخرج، هذا الرحمان، يخاصمك في علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )(2) .

ولكن نصاً آخر عن السدي يقول:

(قال عباس بن عبد المطلب: أنا عم محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأنا صاحب سقاية الحاج، فأنا أفضل من علي [بن أبي طالب. أ].

[و] قال عثمان بن طلحة وبنو شيبة: نحن أفضل من علي [بن أبي طالب. أ، ر] فنزلت هذه الآية:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ

____________

1- الآية 19 من سورة التوبة.

2- تفسير فرات ص165 و 166 وراجع ص167 و 168 وبحار الأنوار ج36 ص36 عنه، والفصول المهمة لابن الصباغ ص124 والبرهان (تفسير) ج3 ص384 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص69 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص343 وتفسير العياشي ج2 ص89 وشجرة طوبى ج1 ص153 وراجع: تفسير نور الثقلين ج2 ص194 وشواهد التنزيل ج1 ص329 وتأويل الآيات ج1 ص200 وغاية المرام ج4 ص76 ومجمع البيان ج5 ص27 و 28 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص609 وسفينة النجاة للتنكابني ص360.


الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) علي بن أبي طالب [(عليه‌السلام ). ب]( لَا يَسْتَوُونَ.. ) ،( الَّذِينَ آَمَنُوا ) علي( الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) (1)(2) .

عن جعفر عن أبيه [(عليهما‌السلام ). ر] قال: لما فتح النبي [ر: رسول الله] (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مكة أعطى العباس السقاية، وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة، ولم يعط علياً شيئاً.

فقيل لعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى العباس السقاية، وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة، ولم يعطك شيئاً.

قال: [فقال. ر، ب]: ما أرضاني بما فعل الله ورسوله.

[قال: أ، ب] فأنزل الله [تعالى هذه الآية:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ.. ) إلى( أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (3) ، نزلت في علي بن أبي طالب

____________

1- الآيات 19 ـ 21 من سورة التوبة.

2- تفسير فرات ص167 وبحار الأنوار ج36 ص37 عنه، وراجع ج41 ص63 وشواهد التنزيل للحسكاني ج1 ص325 و 327 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص608 وجامع البيان ج10 ص124.

3- الآيات 19 ـ 22 من سورة التوبة.


(عليه‌السلام )(1) .

ونقول:

إن ملاحظة الروايات المختلفة يعطي:

اختلاف الروايات:

إن ثمة اختلافاً في بعض نصوص الرواية مثل: أن علياً (عليه‌السلام ) مر على المتفاخرين، فأرادا أن يفتخرا عليه، فقال لهما: إنه خير منهما، لأنه ضرب رؤوسهما حتى أدخلهما في الإسلام قهراً. كما في رواية الحارث الأعور وابن عباس.

____________

1- تفسير فرات ص168 و 169 وبحار الأنوار ج36 ص37 عنه. وقصة الإفتخار هذه مروية عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما‌السلام ، وعبيد الله بن عبدة، وعروة وجابر، وعن الكلبي والحارث الأعور، والسدي. ورواها السيوطي في الدر المنثور ج3 ص218 عن ابن مردويه، وعبد الرزاق، وابن عساكر، وأبي نعيم، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن جرير، وابن أبي شيبة عن ابن عباس، وأنس، والشعبي، والحسن القرظي، وأسباب نزول الآيات ص182 عن بعض هؤلاء، ونقله في ينابيع المودة عن النسائي وجماعة آخرين. وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج8 ص91 والتفسير الكبير للرازي ج4 ص422 وتفسير الخازن ج2 ص221 وتفسير النسفي ج2 ص22 والفصول المهمة لابن الصباغ ص123 وتفسير القرآن العظيم، ونظم درر السمطين، وغير ذلك.


وفي رواية ثانية: أنا أشرف منكما، أنا أول من آمن بالوعيد من ذكور هذه الأمة، وهاجر، وجاهد(1) .

وفي رواية أخرى: أنه قال لهما: إنه آمن بالله قبلهما بسنوات، وإنه صاحب الجهاد(2) .

كما أن الروايات الكثيرة تذكر حصول المفاخرة بينهم على النحو الذي

____________

1- فرائد السمطين ج1 ص203 ونظم درر السمطين ص89 والدر المنثور ج3 ص219 وبحار الأنوار ج36 ص39 و 38 والغدير ج2 ص54 وشواهد التنزيل ج1 ص328 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص358 وغاية المرام ج4 ص72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص197 و 198 و 609 وج20 ص30 وج30 ص33 وعن جامع البيان.

2- الطرائف لابن طاووس ص50 والعمدة لابن البطريق ص193 و 194 وبحار الأنوار ج22 ص37 وج36 ص38 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص71 والغدير ج2 ص54 ومجمع البيان ج5 ص27 وجامع البيان ج10 ص124 وتفسير الثعلبي ج5 ص20 وأسباب نزول الآيات ص164 وتفسير البغوي ج2 ص275 وزاد المسير ج3 ص279 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص355 والدر المنثور ج3 ص219 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص116 و(ط دار الكتب العلمية) ص103 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص80 ومطالب السؤول ص198 وكشف الغمة ج1 ص179 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص581 وينابيع المودة ج1 ص277.


تقدم، لكن رواية لفرات عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) تقول: لما فتح النبي مكة أعطى العباس السقاية، وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة، ولم يعط علياً شيئاً.

فقيل لعلي: لم يعطك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شيئاً.

قال: ما أرضاني بما فعل الله ورسوله..

فأنزل الله تعالى: الخ..

وقد يقال: إن هذه الروايات غير متناقضة، فلعل كل ذلك قد حصل..

لكن التدقيق يعطي: أن الاختلاف موجود، فإن إحدى الروايات تقول: إن المفاخرة كانت مع شيبة بن عبد الدار، أو طلحة بن شيبة، أو شيبة بن طلحة، أو شيبة بن أبي طلحة، حسب اختلاف الروايات الناشئ من اشتباه الرواة بالاسم، أو من النسبة إلى الجد تارة، وإلى الأب أخرى، أو الإستفادة من الاسم في مورد، ومن الكنية في مورد آخر، وما إلى غير ذلك..

نعود فنقول:

إن المفاخرة هل كانت بين شيبة المذكور آنفاً والعباس مع علي (عليه‌السلام )، أو أن المفاخرة كانت بين العباس وعلي فقط(1) .

____________

1- الدر المنثور ج3 ص218 والعمدة لابن البطريق ص193 و 194 والطرائف ص50 وراجع: ينابيع المودة ص93 والمناقب لابن المغازلي ص321 و 322 ومجمع البيان ج5 ص15 ونور الثقلين ج2 ص194 والبرهان (تفسير) ج3 ص384 وتفسير المنار ج10 ص215.


وبعض الروايات زادت: حمزة وجعفراً(1) .

وحديث المناشدة يوم الشورى وبعده، وشهادتهم لعلي بذلك(2) . لا يدل على عدم صحة إضافة الحمزة وجعفر، لأن المطلوب هو بيان أنه لم يكن في الشورى غير علي (عليه‌السلام )، وليس المطلوب حصر نزول الآية به نفي نزولها في حمزة وجعفر.

وثمة مفارقة أخرى بين الروايات، وهي: أن بعضها ذكر أن المفاخرة كانت بين بني شيبة، وبين بني العباس(3) .

الآية.. والإمامة:

وفيما يرتبط بالإمامة نلاحظ:

أولاً: أن علياً (عليه‌السلام ) قد فضل نفسه على العباس (رحمه‌الله )، وطلحة بن شيبة (أو على شيبة) بما يقتضي أفضليته (عليه‌السلام ) على الأمة بأسرها، حيث قال لهما: أنا أول الناس إيماناً، وأكثرهم جهاداً.

____________

1- الكافي ج8 ص204 وبحار الأنوار ج36 ص35 ونور الثقلين ج2 ص193 وغاية المرام ج4 ص74.

2- الإحتجاج للطبرسي ج1 ص202 وبحار الأنوار ج31 ص336 وتفسير البرهان ج3 ص383 ونور الثقلين ج2 ص194 ومصباح البلاغة للميرجهاني ج3 ص221 والمسترشد للطبري ص352 وغاية المرام ج2 ص132.

3- تفسير فرات ص168 والدر المنثور ج3 ص218.


ثم جاءت الآية لتؤكد صحة هذا التفضيل، وتلوم وتقرع من ينكره، فإذا كان (عليه‌السلام ) هو أفضل الأمة، فيكون هو الأحق بالإمامة.

ثانياً: إن الآية التي بعدها، والتي جاءت للتأكيد على مضمونها تضمنت البشارة الإلهية لهذا المؤمن المجاهد برحمة من الله، وبرضوان، وبجنات لهم فيها نعيم مقيم..

ولا يكون هذا إلا لأعظم الناس عناء وفضلاً، والتزاماً بالطاعات، وعصمة لنفسه من المعاصي والمحرمات، إذ لا يمكن أن يعطى ذلك لمن لا يؤمَنُ أن يعصي الله، لأن إعطاءه الأمان يتضمن تشجيعاً له على الحرام، ولا يبقى شيئاً يحجزه عن المعصية.

فالبشارة بالجنة لا تعطى إلا لمن يعلم أن لديه ملكة تحجزه عن المعاصي حتى الصغائر، فكيف إذا كانت المعاصي من الكبائر، وقد تصل إلى حد غصب الخلافة، وشن الحروب على الإمام الحق كما جرى في حربي الجمل وصفين؟!

وهذا يدل على عدم صحة بشارة طلحة والزبير بالجنة، وكذلك الحال بالنسبة لمن قعد عن دفع البغاة على إمام زمانهم.

بين السقاية والعمارة، وبين الإيمان:

إن الآية قابلت بين السقاية والعمارة، وبين الشخص الذي آمن.. ولكن البعض حاول تفسير الآية، فقال: لا معنى لهذه المقابلة إذا أُبقي المعنى على ظاهره، لأن الإنسان لا يقابل بعمل من الأعمال كالسقاية، بل يقابل العمل بالعمل، أو الإنسان ذي العمل بإنسان آخر ذي عمل.


وذلك يدل: على أنه لا بد من تقدير الكلام بحيث يكون على هذا النحو: أجعلتم أهل سقاية الحاج، وأهل عمارة المسجد، كمن آمن؟! فصارت المقابلة بين إنسانين، فاستقام بذلك السياق.

ونقول:

أولاً: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن التعبير القرآني لم يجعل العمارة والسقاية مقابل المؤمن بالله، ليرد ما أوردوه، بل جعل هذين الفعلين الإختياريين مقابل شخص صدر منه هذا الفعل الإختياري أيضاً..

وإذا كان الفعلان الإختياريان، وهما: السقايةن والعمارة، يراد توصيف الشخص بهما، لإثبات فضيلة وشرف له. فتكون المقابلة الحقيقية بين شخص له عمل السقاية أو العمارة الإختياريين، وبين شحص آخر له عمل إختياري آخر، هو الإيمان والجهاد..

أو يقابل بين عملين: أحدهما: السقاية والعمارة. والآخر: الإيمان والجهاد..

ولعل هذا هو الأولى والأقرب، إن لم نقل: إنه هو الأصوب.

ثانياً: يلاحظ: أنه تعالى قد قابل بين أمرين حازهما علي (عليه‌السلام )، وهما: الإيمان والجهاد، وأمرين آخرين لم يجمعهما شخص واحد، وهما: السقاية للعباس، والعمارة لشيبة.. وبذلك يكون (عليه‌السلام ) قد امتاز على كل واحد منهما: من حيث الشكل، فجمع خصوصيتين مقابل خصوصية واحدة لهذا، وأخرى لذاك.

ومن حيث المضمون، لدلالة الآية على أن عملهما لم يكن فيه شيء لله،


بل هو عمل دنيوي جاهلي محض، خال من أية نفحة إلهية، أو أي نظرة إلى اليوم الآخر..

ثالثاً: يلاحظ أيضاً: أن مستوى التضحية في السقاية والعمارة لا يصل إلى مستوى البذل في الجهاد، الذي تبذل فيه الأرواح، ويقصد به الله واليوم الآخر، ويكون منطلقاً من هذا الإيمان، ولا يراد به الدنيا.

رابعاً: يلاحظ: أن الآية ذكرت السقاية والعمارة من دون إشارة للساقي والعامر، لأن المطلوب بيان: أن هذه السقاية خاوية من المعنى الروحي، فهي على حد أفعال أهل الجاهلية.. فلا داعي لفضح الناس بأن ينسبب لهم هذا الأمر الذي يعد منقصة، لأنهم صاروا في جملة المسلمين، الذين يريد تعالى حفظ ماء وجههم، وتهيئة الأجواء لهم، لتصفية نفوسهم، وتزكيتها وإصلاحها..

ولكنه تعالى حين ذكر الطرف الآخر، وهو المجاهد الباذل لنفسه في الله، أشار إلى شخصه، وجعله هو طرف الموازنة، والمقارنة، ليدل على مزيته وفضله، وعظيم منزلته، وسامق مقامه.

حديث النعمان بن بشير:

عن النعمان بن بشير الأنصاري، قال: كنت عند منبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألَّا أعمل عملاً بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج.

وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام.


وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم.

فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ وذلك يوم الجمعة ـ ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه.

قال: (فدخل بعد الصلاة، فاستفتاه)، فأنزل الله تبارك وتعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ.. ) إلى قوله:( وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (1)(2) .

قال السيد رشيد رضا بعد ذكره للروايات المختلفة: (والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده، وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات، من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه من

____________

1- الآية 19 من سورة التوبة.

2- الفصول المئة ج2 ص189 و 190 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج6 ص36 والمعجم الأوسط ج1 ص134 ومسند الشاميين ج4 ص108 وتفسير القرآن للصنعاني ج2 ص268 وجامع البيان ج10 ص122 وتفسير ابن أبي حاتم ج6 ص1767 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص92 ومسند أحمد ج4 ص269 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص158 وراجع: تفسير المنار ج10 ص215 وجامع البيان ج10 ص122 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص355 والدر المنثور ج3 ص218 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص115 و (ط دار الكتب العلمية) ص102 وفتح القدير ج2 ص345 وتفسير الآلوسي ج10 ص67.


أعمال البر البدنية الهينة المستَلَذَّة، وبين الإيمان، والجهاد بالمال، والنفس والهجرة. وهي أشق العبادات النفسية، البدنية، المالية. والآيات تتضمن الرد عليها كلها الخ.. ((1) .

ونقول:

ذكر بعض العلماء الأمور التالية:

أولاً: إن الآيات لم تقارن بين ثلاثة أطراف هي: الجهاد، وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وإنما فاضلت بين طرفين هما: سقاية الحاج، وعمارة المسجد من جهة.. وبين الإيمان بالله، واليوم الآخر والجهاد من جهة أخرى.. أي أن القرآن يريد أن يبطل المقارنة بين هذين الأمرين.

فرواية النعمان بن بشير لا تنسجم مع مضمون الآية.

ثانياً: إن الآية تعتبر أن من يقوم بهذه المفاضلة ظالم معتدٍ، محروم من هداية الله سبحانه.. الأمر الذي يشير إلى أن الإفتخار إنما هو بما كان يحصل في الجاهلية، وهو السقاية والعمارة التي لا يقصد بها الله تعالى..

ورواية النعمان تتحدث عن المفاضلة بين السقاية، التي يقصد بها لله تعالى، والحجابة التي يقصد بها الله تعالى أيضاً، وكذلك الحال بالنسبة للجهاد في سبيل الله تعالى..

فلا يوجد ظلم في سقاية وحجابة كهذه، لكي يصح قوله تعالى:( وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) .

____________

1- تفسير المنار ج10 ص216.


وهذا دليل قاطع على أن حديث النعمان ـ إن صح ـ فلا ربط له بالآية.

ثالثاً: إن النعمان بن بشير لا يؤتمن على كل ما له مساس بعلي (عليه‌السلام )، فهو حامل قميص عثمان إلى معاوية(1) . وهو عامل يزيد بن معاوية على الكوفة(2) . وقد سماه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غدر، لأنه أعطاه عنقوداً ليوصله إلى أمه، فأكله، ولم يوصله إليها(3) .

ولعلك تقول: إن قوله تعالى بعد هذه الآية يدل على أن الكلام عن

____________

1- مروج الذهب، والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص255 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص353 والكامل في التاريخ ج3 ص192.

2- راجع: أنساب الأشراف ص77 والإرشاد للمفيد ج2 ص41 وبحار الأنوار ج44 ص336 وروضة الواعظين ص173 والعوالم، الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ص185 وعمدة القاري ج6 ص199 وتاريخ مدينة دمشق ج62 ص122 وراجع: ينابيع المودة ج3 ص56 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج2 ص4 والامامة والسياسة (تحقيق الشيري) ج2 ص8 وإعلام الورى ج1 ص437 ومطالب السؤول ص395 وكشف الغمة ج2 ص253 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص789.

3- سنن ابن ماجة ج2 ص1117 والمعجم الأوسط ج2 ص253 وتهذيب الكمال ج17 ص281 والوافي بالوفيات ج27 ص86 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص205 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1497 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص375.


السقاية والحجابة عمل جيد وحسن أيضاً، لكن الجهاد أفضل وأحسن، فلاحظ عبارة: (أعظم درجة) في قوله تعالى:( الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (1) .

ونجيب:

إن هذا التعبير بكلمة (أعظم) لا يدل على وجود حسن في المفضل عليه أصلاً، فإن المقارنة والمفاضلة تصح بين عملين أحدهما في غاية الحسن، والآخر خال من ذلك بصورة نهائية، وشاهدنا على ذلك قوله تعالى:( وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ) (2) ، وقوله تعالى:( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) (3) مع أن مسجد الضرار لا يصح القيام فيه، وقال:( وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (4) ..

والآيات التي تعتبر بعض الأعمال خيراً من بعضها الآخر كثيرة جداً، فراجع المعجم المفهرس كلمة (خير)، لتجد أنها تستعمل في الآيات الشريفة للتفضيل حتى في مقابل خير موهوم في الطرف الآخر، أو في مقابل نفع دنيوي زائل.

____________

1- الآية 20 من سورة التوبة.

2- الآية 221 من سورة البقرة.

3- الآية 108 من سورة التوبة.

4- الآية 73 من سورة طه.


متى نزلت الآية؟!:

وقد أظهرت الروايات: أن حديث المفاخرة هذا قد كان بعد فتح مكة، وبعد أن جعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) السقاية للعباس (رحمه‌الله )، والحجابة لبني شيبة..

وإنما أسلم شيبة الذي كان يتولى عمارة المسجد بعد الفتح. فكيف تكون طرفاً في المفاخرة المذكورة. فراجع.

حمزة وعمارة المسجد:

1 ـ ذكرت رواية صحيحة السند، رواها علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه‌السلام ) قال: (نزلت في علي والعباس وشيبة، قال العباس: أنا أفضل لأن سقاية الحاج بيدي.

وقال شيبة: أنا أفضل، لأن حجابة البيت بيدي.

وقال حمزة: أنا أفضل، لأن عمارة البيت بيدي.

وقال علي: أنا أفضل؛ فإني آمنت قبلكما، ثم هاجرت وجاهدت، فرضوا برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فأنزل الله:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ.. ) إلى قوله:( إِنَّ اللهَ


عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (1)(2) .

2 ـ رواية أخرى صحيحة السند رواها الكليني، عن أبي علي الأشعري، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما‌السلام ) في قول الله عز وجل:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ) (3) نزلت في حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة، إنهم فخروا بالسقاية والحجابة، فأنزل الله عز وجل:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ) .

وكان علي وحمزة وجعفر (صلوات الله عليهم) الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله(4) .

____________

1- الآيات 19 ـ 22 من سورة التوبة.

2- تفسير القمي ج1 ص283 والبرهان (تفسير) ج3 ص382 وتفسير نور الثقلين ج2 ص193 وبحار الأنوار ج22 ص289 وج36 ص34 والتفسير الأصفى ج1 ص457 والتفسير الصافي ج2 ص328 وتأويل الآيات ج1 ص201 ومجمع البحرين ج2 ص388 وغاية المرام ج4 ص74.

3- الآية 19 من سورة التوبة.

4- الكافي ج8 ص204 وبحار الأنوار ج36 ص36 وتفسير نور الثقلين ج2 ص193 وتفسير الميزان ج9 ص215 وغاية المرام ج4 ص74 والبرهان (تفسير) ج3 ص382 وقريب منه في تفسير العياشي ج2 ص89.


ونقول:

لا يمكن قبول هذه الرواية بالرغم من صحة سندها.

أولاً: لأن الآية تتحدث عن المؤمن المهاجر المجاهد في سبيل الله تعالى. كما أن الرواية ذكرت: أن علياً (عليه‌السلام ) آمن قبلهم، ثم هاجر وجاهد.. فتكون الآية ـ بناء على هذا ـ قد نزلت بعد الهجرة.

فإذا كان شيبة قد أسلم قبل الفتح، أي في السنة الثامنة للهجرة(1) ، بل هو قد أراد أن يغتال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم حنين، فقذف الله الرعب في قلبه(2) ، فإن الإشكال في الرواية يصبح واضحاً، لأن حمزة قد استشهد في واقعة أحد في سنة ثلاث بعد الهجرة.. ولم يجتمع هؤلاء الأربعة

____________

1- الإصابة ج2 ص161 و (ط دار الكتب العلمية) ج3 ص298 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص551 وراجع: المعجم الكبير ج 7 ص 297 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص168 والأعلام للزركلي ج3 ص181 والأنساب للسمعاني ج3 ص487

2- الإصابة ج2 ص161 و (ط دار الكتب العلمية) ج3 ص299 عن ابن أبي خيثمة، عن مصعب النميري، وذكره ابن إسحاق في المغازي، وأخرجه ابن سعد عن الواقدي، وذكره البغوي. وراجع: بحار الأنوار ج21 ص166 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص359 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص583 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص381 وإمتاع الأسماع ج14 ص16 وإعلام الورى ج1 ص231 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص632.


علي (عليه‌السلام ) وحمزة، والعباس، وشيبة.

ولو كان شيبة مشركاً آنئذٍ، فلا معنى لأن يرضى بتحكيم رسول الله في هذه القضية.

ثانياً: لو كان الأمر كذلك، لكان حمزة (رضوان الله تعالى عليه) في جملة الظالمين، الذين يهديهم الله تعالى حسب نص الآية.. مع أن سيد الشهداء في عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفضائله، وكلمات الرسول في حقه لا يجهلها أهل المعرفة والتتبع.

ثالثاً: إن رواية القمي جعلت حمزة في الفريق المناوئ لعلي (عليه‌السلام )!! وراواية الكليني جعلته مع علي (عليه‌السلام )!!

رابعاً: إن جعفراً لم يجتمع بحمزة بعد الهجرة، بل استشهد حمزة في واقعة أحد، وإنما قدم جعفر إلى المدينة من الحبشة في عام خيبر سنة ست..

خامساً: صرحت بعض الروايات: أن المفاخرة بين عباس وشيبة وعلي (عليه‌السلام ) قد حصلت في مكة في المسجد الحرام، بعد أن أعطى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مفاتيح الكعبة لشيبة، والسقاية لعباس (رحمه‌الله ).


الفصل الرابع:

تنفيذ أحكام وتولية حكام..



علي (عليه‌السلام ) يلاحق الحويرث:

قالوا: كان الحويرث بن نقيدر يؤذي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد نخس بزينب بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما هاجرت إلى المدينة، فأهدر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دمه.

فبينما هو في منزله قد أغلق عليه بابه، سأل عنه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

فقيل: هو بالبادية.

فأخبر الحويرث أنه يُطْلَبُ، فتنحى علي (عليه‌السلام ) عن بابه، فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى آخر، فتلقاه علي (عليه‌السلام )، فضرب عنقه(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص224 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص81 و 91 و (ط دار المعرفة) ص38 وبحار الأنوار ج21 ص131 والمغازي للواقدي ج2 ص857 وتاريخ الخميس ج2 ص92 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص13 وإمتاع الأسماع ج1 ص399 والإرشاد ج1 ص136 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص78 وفتوح البلدان ج1 ص46 وسنن الدارقطني ج2 ص263 وتاريخ مدينـة دمشق = = ج2 ص32 وتهذيب الكمال ج11 ص114 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص336 والكامل في التاريخ ج2 ص250 وعيون الأثر ج2 ص195 والبداية والنهاية ج4 ص341 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص564 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص44 وكشف الغمة ج1 ص218 ونهج الحق وكشف الصدق ص250.


وقالوا أيضاً: كان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة، وأم كلثوم بنتي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث، فرمى بهما الأرض(1) .

وكان (يؤذي) يعظم القول في رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وينشد الهجاء فيه، ويكثر أذاه وهو بمكة(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص225 عن ابن هشام، وراجع: السير ة الحلبية ج3 ص91 و (ط دار المعرفة) ص38 وتاريخ الخميس ج2 ص92 عن الإكتفاء، والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص868 والبداية والنهاية ج4 ص341 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص564 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص451.

2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص225 عن البلاذري، والسيرة الحلبية ج3 ص91 والكامل في التاريخ ج2 ص250 وتاريخ الإسلام ج4 ص184 والإرشاد ج1 ص136 وعيون الأثر ج2 ص195 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وشرح إحقاق الحق ج32 ص306 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص452 والدرر لابن عبد البر ص220 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج18 ص13 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص44 وأعيان الشيعة ج1 ص409 وكشـف = = الغمة ج1 ص218 ونهج الحق وكشف الصدق ص250.


ونقول:

أخطاء تحتاج إلى تصحيح:

تضمنت النصوص المتقدمة أخطاءاً تحتاج إلى تصحيح، وهي التالية:

الأول: إن الذي حمل فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وسائر الفواطم، وبعض ضعفاء المؤمنين حين الهجرة من مكة إلى المدينة هو علي (عليه‌السلام )، وليس العباس بن عبد المطلب.

الثاني: إن التي تعرضت للأذى، ونخس بها البعير، وروعت، وجرى عليها ما جرى هي زينب، وليست فاطمة الزهراء، ولا أم كلثوم..

فما معنى قولهم: إن العباس حمل فاطمة، وأم كلثوم من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث؟!

الثالث: إن أم كلثوم ورقية لم يحملهما العباس ولا علي (عليه‌السلام ) إلى المدينة.

الرابع: إن هبار بن الأسود هو الذي نخس بزينب، وأضافت بعض الروايات إليه الحويرث بن نقيدر.. فلعل هذه الرواية هي الصحيحة.

الخامس: ذكرنا: أن الأدلة تسوقنا إلى التأكيد على أن البنت الوحيدة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هي فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، أما أم كلثوم، ورقية، وزينب فقد تربين في بيت النبي، فصح إطلاق عنوان (بنات


النبي) عليهن لأجل ذلك(1) ..

إستدراج الحويرث:

يلاحظ: أن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) تحاشى مهاجمة الحويرث في بيته، واستدرجه ليخرج منه، والسبب في ذلك:

أولاً: قد يُخيَّل إلى بعض قاصري النظر أن قتل الحويرث في بيته نقض للأمان الذي أعطاه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للناس حيث تضمن: أن من أغلق بابه فهو آمن.. ويتحرك المغرضون للتشنيع على الإسلام وأهله، واتهام علي (عليه‌السلام ) بنقض الأمان، واتهام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأنه تغاضى عن هذا النقض، ومالأ عليه، إن لم يتخذ إجراء ضده (عليه‌السلام ).

مع أن حقيقة الأمر هي:

أن النداء بأن من أغلق بابه فهو آمن لا يشمل الذين أهدر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دمهم. والحويرث هذا منهم.

____________

1- تاريخ الخميس ج2 ص92 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص224 والسيرة الحلبية ج3 ص81 و 91 والمغازي للواقدي ج2 ص857 وبحار الأنوار ج21 ص131 ونيل الأوطار ج8 ص75 وفتح الباري ج6 ص104 ونصب الراية ج4 ص263 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج2 ص120 وسير أعلام النبلاء ج2 ص247 ومقدمة فتح الباري ص288 وتاريخ مدينة دمشق ج40 ص526 والإصابة ج5 ص51 والأنساب ج4 ص573 وإمتاع الأسماع ج5 ص347 و 348.


ثانياً: إنه (عليه‌السلام ) أراد أن يتجنب لحوق أي أذى بغير المجرم، ممن قد يكون حاضراً في ذلك البيت، ولو بمقدار جو الرهبة والخوف الذي يفرض نفسه في مثل هذا الحال.

فعمل (عليه‌السلام ) على استدراج المجرم إلى الخروج من البيت، وأجرى فيه حكم الله، وأمر رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

والأسلوب الذي اتبعه (عليه‌السلام ) لذلك هو أنه سأل عنه بنحو أوصل إليه الخبر بأن ثمة من يبحث عنه، ومن الطبيعي أن يكون بيت الرجل هو الهدف الأول للبحث عنه، فيفتش البيت أولاً، ثم يسأل عنه الجار القريب، والصديق، والقريب، ثم يتوسع في البحث، وفق ما يتوفر من معطيات.

فلما سأل (عليه‌السلام ) عن الحويرث بادر الحويرث إلى الإبتعاد عن هذه النقطة الحساسة، والمقصودة والمرصودة، إلى مكان يكون أكثر أمناً ليتدبر أمره، وفق ما يستجد من معطيات.. فلما خرج من موقعه تلقاه علي (عليه‌السلام )، فأنزل به العقوبة التي أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإنزالها به..

قتل علي (عليه‌السلام ) ابن الطلاطل الخزاعي:

وكان الحويرث بن الطلاطل (الحرث بن طلاطل) الخزاعي يؤذي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقد أهدر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دمه، فقتله علي (عليه‌السلام ).. ذكره أبو معشر(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص225 وتاريخ الخميس ج2 ص94 ونيل الأوطار ج8 ص172 وج12 ص70 وفتح الباري ج8 ص10 وشرح الأخبار ج1 ص307.


قريبة مولاة ابن خطل:

وهناك قينة لابن خطل كانت تغني بهجاء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وقد قتلها علي (عليه‌السلام ) أيضاً، لأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أهدر دمها(1) .

علي (عليه‌السلام ) في رسالة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للمكيين:

قالوا: لما فتح الله مكة أمَّر عتاب بن أسيد عليها، وكتب له عهداً، وهو التالي:

(من محمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى جيران بيت الله الحرام، وسكان حرم الله.

أما بعد.. فمن كان منكم بالله مؤمناً، وبمحمد رسوله في أقواله مصدقاً، وفي أفعاله مصوباً، ولعلي أخي محمد رسوله، ونبيه، وصفيه، ووصيه، وخير خلق الله بعده موالياً، فهو منا وإلينا. ومن كان لذلك أو لشيء منه مخالفاً، فسحقاً وبعداً لأصحاب السعير، لا يقبل الله شيئاً من أعماله، وإن عظم وكبر، يصليه نار جهنم خالداً مخلداً أبداً.

وقد قلد محمد رسول الله عتاب بن أسيد أحكامكم ومصالحكم، وقد

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص131 والإرشاد ج1 ص136 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص77 وتاريخ مدينة دمشق ج29 ص32 وتاريخ الخميس ج2 ص94: أما قريبة فقتلت مصلوبة.


فوض إليه تنبيه غافلكم، وتعليم جاهلكم، وتقويم أَوَدَ مضطربكم، وتأديب من زال عن أدب الله منكم، لما علم من فضله عليكم، من موالاة محمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومن رجحانه في التعصب لعلي ولي الله، فهو لنا خادم، وفي الله أخ، ولأوليائنا موال، ولأعدائنا معاد، وهو لكم سماء ظليلة، وأرض زكية، وشمس مضيئة، قد فضله الله على كافتكم، بفضل موالاته ومحبته لمحمد وعلي، والطيبين من آلهما، وحكَّمه عليكم، يعمل بما يريد الله، فلن يخليه من توفيقه.

كما أكمل من موالاة محمد وعلي (عليه‌السلام ) شرفه وحظه، لا يؤامر رسول الله ولا يطالعه، بل هو السديد الأمين.

فليطمع المطيع منكم بحسن معاملته شريف الجزاء، وعظيم الحباء.

وليتوق المخالف له شديد العذاب، وغضب الملك العزيز الغلاب.

ولا يحتج محتج منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الأكبر هو الأفضل، بل الأفضل هو الأكبر. وهو الأكبر في موالاتنا، وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الأمير عليكم، والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحباً به. ومن خالفه فلا يبعد الله غيره).

قال: فلما وصل إليهم عتاب وقرأ عهده، ووقف فيهم موقفاً ظاهراً، ونادى في جماعتهم حتى حضروه، وقال لهم:

معاشر أهل مكة، إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رماني بكم(1) شهاباً

____________

1- لعل الصحيح: رماكم بي.


محرقاً لمنافقكم، ورحمة وبركة على مؤمنكم، وإني أعلم الناس بكم وبمنافقكم، وسوف آمركم بالصلاة فيقام بها، ثم أتخلف أراعي الناس، فمن وجدته قد لزم الجماعة التزمت له حق المؤمن على المؤمن، ومن وجدته قد بعد عنها فتشته، فإن وجدت له عذراً عذرته، وإن لم أجد له عذراً ضربت عنقه، حكماً من الله مقضياً على كافتكم، لأطهر حرم الله من المنافقين.

أما بعد.. فإن الصدق أمانة، والفجور خيانة، ولن تشيع الفاحشة في قوم إلا ضربهم الله بالذل، قويكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، وضعيفكم عندي قوي حتى آخذ الحق له.

اتقو الله، وشرفوا بطاعة الله أنفسكم، ولا تذلوها بمخالفة ربكم.

ففعل والله كما قال، وعدل، وأنصف، وأنفذ الأحكام، مهتدياً بهدى الله، غير محتاج إلى مؤامرة ولا مراجعة(1) .

ونقول:

إننا نشك في صحة هذا الكتاب لأسباب كثيرة، نذكر منها ما يلي:

آثار الكلفة والصنعة:

قال العلامة الأحمدي (رحمه‌الله ): (لا يخفى ما في هذا الكتاب من آثار الكلفة والصنعة، مع ضعف هذا التفسير في الإنتساب إليه (صلوات الله

____________

1- بحار الأنوار ج21 ص122 ـ 124 والتفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه‌السلام ) ص555 و 557 وراجع: الإقبال ص318 ومدينة البلاغة ج2 ص292.


عليه)، هذا مضافاً إلى أنه يخالف أسلوب كتبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

عتاب لم يكن أفضل المكيين:

لقد أسلم عتاب يوم الفتح.. وكان في المهاجرين المكيين من هو أفضل وأكثر تجربة من عتاب، بل كان في مكة عدد من المسلمين مضت لهم سنوات فيها، وهم على الإسلام، فهل أصبح هذا الشاب حديث الإسلام أفضل من هؤلاء أيضاً وهم قد مضى لهم سنوات طويلة وظهرت صحة إيمانهم وصبرهم على الأذى؟!

إن الحقيقة هي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يريد والياً من سكان مكة بالذات، ومن مسلمة الفتح أيضاً، ليتمكن من التعامل مع أهل مكة، ولا يكون متهماً عندهم.

ثم أراده بهذا السن أميراً على الكبير والصغير في مكة، وأراد أيضاً أن تستمر ولايته إلى حين وفاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. لأن المكيين هم الذين سوف يطعنون في خلافة علي (عليه‌السلام ) استناداً إلى مقدار عمره الشريف.. الذي كان يزيد على عمر عتاب أمير عاصمة الإسلام والإيمان وبلد قريش، ويزيد أيضاً على عمر أسامة بن زيد الأمير على كبار المهاجرين والأنصار ـ بعشر سنوات تقريباً.

____________

1- مكاتيب الرسول ج2 ص662.


ولاء عتاب لعلي (عليه‌السلام ):

وإذا كان عتاب حديث الإسلام، أو فقل: قد أسلم للتوّ، فلم يتحقق بعد الإتجاه الذي سيتجه إليه ولاؤه، هل هو لعلي أو لغيره، فضلاً عن أن يكون قد أصبح متعصباً لعلي بصفتهِ وَلِيَّ الله، ولآل علي الطيبين الأطهار..

فقه عتاب وفضله:

وإذا كان عتاب قد أسلم للتو، فمتى تفقه في الدين، وعرف الأحكام، ليمكن تفويضه تعليمهم؟!

إنه ـ لا شك ـ يحتاج هو الآخر إلى من يفقهه في الدين، ويزيل جهله.. كما هم يحتاجون إلى ذلك.. فلا بد أن يجلس معهم بين يدي معاذ أو غيره، ليعلمه ويعلّمهم أبسط الأحكام، وأوليات القواعد..

كما أنه لم يمض وقت يمكن أن يظهر فيه فضل عتاب على غيره، ويتميز به على أهل مكة.

وكيف يمكن أن يتقبلوا هـذا الأمـر في شـاب أسلم للتو، فـلا مـبرر ـ بنظرهم ـ لإعطائه هذه الأوسمة، ولا يرون لها مبرراً على أرض الواقـع، بل هم لا ينظرون إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه بعين التقديس، ولا يتقبلون نبوته إلا رغماً عنهم فهل يتقبلون مثل هذا الامر في عتاب؟!

عتاب يتحدث عن المنافقين:

أما حديث عتاب عن معرفته بالمنافقين من أهل مكة.. فهو أيضاً من موجبات الريب، لأن أهل مكة كانوا في أول أيام قبولهم بهذا الدين، ولم


يتميز بعد المنافق عن صحيح الإيمان.. ولم يكن لأحد إلا الله تعالى أن يطلع على قلوبهم، ويعرف ويميز المؤمن من المنافق في هذا البلد الكبير..

وسيتلقون ذلك منه على أنه كلام طائش، وغير ذي قيمة من شاب في مقتل العمر مثله.

عتاب سماء ظليلة:

لا معنى لوصف عتاب الذي أسلم للتو بأنه سماء ظليلة، وأرض زكية، وشمس مضيئة، والحال أنه كان لا يزال معانداً إلى ما قبل يوم أو أيام، ولم يتفقه بعد في الدين، ولا أدب نفسه بآداب الإسلام، ولا تخلق بأخلاق أهل الإيمان..

إجراء مضحك:

ومن المضحك المبكي أن يكون أول إجراء يتخذه هذا الوالي الجديد، ـ الذي تدعي الرسالة المنسوبة للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له الفضل والأمانة والسداد، وغير ذلك، ـ هو أنه سوف يأمرهم بالصلاة، ويقيم لهم إماماً، ثم يتخلف هو ليراقب من يحضر ومن لا يحضر، ثم يثيب ويعاقب.

فإن هذا لا يعدو كونه إجراءً صبيانياً مضحكاً.

أولاً: لأنه كان يمكنه أن يوظف من يراقبهم، ويخبره بما يرى، ليتخذ الإجراء المناسب..

ثانياً: إن عدم حضورهم الصلاة حتى لو كان بلا عذر لا يوجب ضرب عنق من لم يحضر..


ثالثاً: كيف صار ضرب عنق من لم يحضر الصلاة حكماً مقضياً من الله على كافة أهل مكة؟! ومن الذي أخبره بهذا الحكم؟! ولماذا اختص هذا الحكم بأهل مكة دون سائر الناس؟!.. ولم نسمع ان الله قد أوجب الصلاة جماعة عليهم دون سائر الناس..

رابعاً: إن عدم حضور الصلاة ليس دليلاً على النفاق..

سرقة كلمات علي (عليه‌السلام ):

وقد لاحظنا: أن بعض الفقرات التي نسبت لعتاب قد استعيرت له من كلام علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فقوله مثلاً: قويكم عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، وضعيفكم عندي قوي حتى آخذ الحق له، مأخوذ من كلام علي (عليه‌السلام ) في نهج البلاغة، ففي الخطبة رقم 37 قال (عليه‌السلام ): الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه.

ففعل ـ والله ـ كما قال:

وأكثر ما لفت نظرنا في النص المتقدم قوله: (ففعل ـ والله ـ كما قال، وعد وأنصف، وأنفذ الأحكام، مهتدياً بهدي الله، غير محتاج إلى مؤامرة ولا مراجعة).

فقد تضمنت هذه الفقرة أموراً لا واقع لها فلاحظ:

ألف: قول الرواية: إنه فعل كما قال، ولو فعل ذلك وقتل أحداً ممن لم يحضر الصلاة لضج التاريخ بالحديث عن ذلك..


ب: إن هذا النص يصور عتاب بن أسيد الأموي، وكأنه رجل يوحى إليه.. حيث إنه يقول: إنه كان مهتدياً بهدي الله، فإذا ضممنا ذلك إلى حقيقة: أنه لم يدخل في الإسلام إلا قبل ذلك بساعات أو بيوم، او بأيام. فلا بد أن نفهم أنه يقصد بالهدي الإلهي ما يجعله مستغنياً عن تعليم أحد..

ج: قوله: من غير حاجة إلى مؤامرة ولا مراجعة، قد جاء ليؤكد ما يسعون إليه من الإيحاء بأنه كان يتمتع بالإكتفاء الذاتي حتى بالنسبة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

ولذلك لم يحتج إلى أن يؤامره في شيء، ولا أن يراجعه بشيء، ولا يمكن تفسير ذلك إلا على أساس نزول الوحي على عتاب..

كما أن ذلك يطرح الإشكال في أن يكون قد احتاج إلى الإعتراف بنبوة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، طيلة حياة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو أنه كان في غنى عن ذلك أيضاً!..

كلمتنا الأخيرة عن عتاب:

ونحن أمام هذه المبالغات لا نريد أن نستبعد مقولة أن يكون المقصود إعطاء الأوسمة لعتاب، لأنه كان أموياً من حيث النسب(1) ، وقد توفي يوم

____________

1- الإستيعاب ج3 ص1023 وطبقات خليفة بن خياط ص485 و 77 وتاريخ مدينة دمشق ج21 ص181 وج37 ص11 والوافي بالوفيات ج19 ص289 والبداية والنهاية ج7 ص41 وأسد الغابة ج3 ص308 والكاشف في معرفة من له رواية = = في كتب الستة للذهبي ج1 ص695 والإصابة ج5 ص35 والأعلام للزركلي ج4 ص199 والمعارف لابن قتيبة ص283 واللباب في تهذيب الأنساب ج2 ص319 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص612 وج3 ص97 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج11 ص123 وج15 ص265 والطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص446 والآحاد والمثاني ج1 ص403 والمعجم الكبير للطبراني ج17 ص161 والمستدرك للحاكم ج3 ص595 وعمدة القاري ج17 ص158 وتفسير مقاتل بن سليمان ج1 ص149 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص347 وتفسير الثعلبي ج2 ص285 وج6 ص128 والأحكام لابن حزم ج7 ص983 والثقات لابن حبان ج2 ص67 وج3 ص304 والدرر لابن عبد البر ص225 وإمتاع الأسماع ج2 ص10 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص181 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص615.


موت أبي بكر، وقيل غير ذلك(1) .

____________

1- أسد الغابة ج3 ص358 وتهذيب التهذيب ج7 ص82 و 191 والإصابة في تمييز الصحابة ج2 ص451/5391 والطبقات الكبرى لابن سعد ج5 ص446 وشرح مسند أبي حنيفة ص546 وتهذيب الكمال ج19 ص282 و 283 والأعلام للزركلي ج4 ص199 و 200 والإصابة ج4 ص356 وراجع: مكاتيب الرسول ج1 ص30 وتحفة الأحوذي ج3 ص244 وعون المعبود ج4 ص345 والبداية والنهاية ج7 ص41 والوافي بالوفيات ج19 ص289 وتاريخ الإسـلام للذهبي ج3 ص98 والمعـارف لابن قتيبـة ص283 والكاشـف في = = معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج1 ص695 والثقات لابن حبان ج3 ص304 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج11 ص123.


وقد أبقاه أبو بكر على مكة إلى أن مات(1) مما يشير إلى مدى التوافق والإنسجام بين عتاب وبين السلطة القائمة آنئذ..

____________

1- الأعلام للزركلي ج4 ص200 والمعارف لابن قتيبة ص283 والكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج1 ص695 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص612 وج3 ص98 والوافي بالوفيات ج19 ص289 والبداية والنهاية ج7 ص41 وإمتاع الأسماع ج2 ص10.


الفهرس

الصحيح من سيرة الإمام علي ( عليه‌السلام ) 1

الفصل الرابع 5

الفصل الخامس: 41

الفصل السادس: 77

الباب السابع: 109

الفصل الأول: 111

الفصل الثاني: 143

الفصل الثالث: 167

الفصل الرابع: 187

الباب الثامن : 215

الفصل الأول: 217

الفصل الثاني: 253

الفصل الثالث: 281

الفصل الرابع: 313

الفهرس 330