الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء السادس
السيد جعفر مرتضى العاملي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليهالسلام )
(المرتضى من سيرة المرتضى)
الجزء السادس
السيد جعفر مرتضى العاملي
علي (عليهالسلام ) في بني جذيمة..
رواية صحيحة عن الإمام الباقر (عليهالسلام ):
حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمهالله )، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر (عليهالسلام )، قال:
بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خالد بن الوليد إلى حي يقال لهم: بنو المصطلق من بني جذيمة. وكان بينهم وبين بني مخزوم إحنة في الجاهلية.
فلما ورد عليهم كانوا قد أطاعوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وأخذوا منه كتاباً، فلما ورد عليهم خالد أمر منادياً فنادى بالصلاة، فصلى وصلوا. فلما كانت صلاة الفجر أمر مناديه فنادى، فصلى وصلوا. ثم أمر الخيل، فشنوا فيهم الغارة، فقتل، وأصاب.
فطلبوا كتابهم فوجدوه، فأتوا به النبي (صلىاللهعليهوآله )، وحدثوه بما صنع خالد بن الوليد.
فاستقبل القبلة، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد
قال: ثم قدم على رسول الله تبر ومتاع، فقال لعلي (عليهالسلام ): يا علي، إئت بني جذيمة من بني المصطلق، فأرضهم مما صنع خالد.
ثم رفع (صلىاللهعليهوآله ) قدميه، فقال: يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك.
فأتاهم علي (عليهالسلام )، فلما انتهى إليهم حكم فيهم بحكم الله.
فلما رجع إلى النبي (صلىاللهعليهوآله )، قال: يا علي، أخبرني بما صنعت.
فقال: يا رسول الله، عمدت، فأعطيت لكل دم دية، ولكل جنين غرة، ولكل مال مالاً.
وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم لميلغة كلابهم، وحبلة رعاتهم.
وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم لروعة نسائهم، وفزع صبيانهم.
وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم لما يعلمون ولما لا يعلمون.
وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله.
فقال (صلىاللهعليهوآله ): يا علي، أعطيتهم ليرضوا عني؟! رضي الله عنك، يا علي، إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي(1) .
____________
1. - الأمالي للشيخ الصدوق (ط سنة 1389 هـ) ص152 و 153 و (ط مؤسسة البعثة) ص238 وبحار الأنوار ج21 ص142 و ج101 ص423 و 424 ومستدرك الوسائل ج18 ص366 و 367 وعلل الشرائع (ط سنة 1385 هـ) ج2 ص473 و 474 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص486 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهمالسلام) ج11 ص80 وغاية المرام ج2 ص76
حديثان آخران:
وفي حديث آخر: أنه (صلىاللهعليهوآله ) بعث خالداً والياً على صدقات بني المصطلق حي من خزاعة.
ثم ساق الحديث نحو ما تقدم، ولكنه (صلىاللهعليهوآله ) قال لعلي (عليهالسلام ) في آخره:
(أرضيتني، رضي الله عنك، يا علي، أنت هادي أمتي. ألا إن السعيد كل السعيد من أحبك، وأخذ بطريقتك. ألا إن الشقي كل الشقي من خالفك، ورغب عن طريقتك إلى يوم القيامة)(1) .
وفي حديث المناشدة يوم الشورى، قال (عليهالسلام ):
(نشدتكم بالله، هل علمتم أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، ففعل ما فعل، فصعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) المنبر، فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) ثلاث مرات.
ثم قال: (اذهب يا علي).
فذهبت، فوديتهم، ثم ناشدتهم بالله هل بقي شيء؟!
فقالوا: إذا نشدتنا بالله، فميلغة كلابنا، وعقال بعيرنا.
____________
1- الأمالي للشيخ الطوسي (ط سنة 1414 هـ) ص498 وبحار الأنوار ج21 ص143 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) ج11 ص219.
فأعطيتهم لهما(1) . وبقي معي ذهب كثير، فأعطيتهم إياه، وقلت: وهذا لذمة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولما تعلمون، ولما لا تعلمون، ولروعات النساء والصبيان.
ثم جئت إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأخبرته، فقال: (والله، ما يسرني يا علي أن لي بما صنعت حمر النعم).
قالوا: اللهم نعم(2) .
علي (عليهالسلام ) يصلح ما أفسده خالد:
وحين أوقع خالد ببني جذيمة، وقتلهم صبراً، وغدراً بعد أن أمنهم، وبلغ الخبر النبي (صلىاللهعليهوآله ) رفع (صلىاللهعليهوآله ) يده إلى السماء قال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، وبكى.
ثم أرسل (صلىاللهعليهوآله ) علياً أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بمال ورد إليه من اليمن، فودى به لهم الدماء، وما أصيب من الأموال، حتى إنه ليدي العقال وميلغة الكلب، وبقيت بقية من المال أعطاهم إياها، إحتياطاً لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )(3) .
____________
1- أي أنه أعطى بني جذيمة مالاً لأجل ميلغة الكلب، وعقال البعير.
2- الخصال ج2 ص562 وبحار الأنوار ج1 ص141 و 327.
3- سبل الهدى والرشاد ج6 ص201 وأشار في هامشه إلى: البخاري ج4 ص122، والنسائي ج8 ص237 وأحمد في المسند ج2 ص151 والبيهقي في السنن ج9 = = ص115. وراجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص153 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص33 و 34 والإصابة ج1 ص318 و 227 وج2 ص81 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص147 و 148 والبداية والنهاية ج4 ص358 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص592 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج3 ص67 و 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص342 وأعيان الشيعة ج1 ص278 و 409 والكامل في التاريخ ج2 ص173 والغدير ج7 ص168 و 169 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص72 و 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص884 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص145 وأسد الغابة ج3 ص102 والمغازي للواقدي ج3 ص882 وتاريخ الخميس ج2 ص98 والمنمق ص259 و 260 و217 وراجع: الثقات لابن حبان ج2 ص62 و 63.
وفي نص آخر: أنه (عليهالسلام ) فعل ذلك على أن يُحلُّوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مما علم ومما لا يعلم.
فقال له (صلىاللهعليهوآله ): لما فعلت أحب إلي من حمر النعم، ويومئذ قال لعلي (عليهالسلام ): فداك أبواي(1) . فلماذا قالوا: لم يحمع أبويه لأحد إلا لسعد؟!
وفي نص آخر: ثم دعا علياً (عليهالسلام ) فقال: أخرج إليهم، وانظر في أمرهم، وأعطاه سفطاً من ذهب، ففعل ما أمره، وأرضاهم(2) .
وعن إبراهيم بن جعفر المحمودي، قال: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج2 ص61.
2- بحار الأنوار ج21 ص140 وإعلام الورى ج1 ص228.
: (رأيت كأني لقمت لقمة من حيس، فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل عليٌّ يده، فنزعه).
فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، هذه سرية من سراياك، تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض، فتبعث علياً فيسهله(1) .
قال أبو جعفر، محمد بن علي (عليهماالسلام ): فدعا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال:
(يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك).
فخرج علي (عليهالسلام ) حتى جاءهم، ومعه مال قد بعث به رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم عليٌّ حين فرغ منهم: (هل بقي لكم مال لم يؤد إليكم)؟!
قالوا: لا.
قال: فإني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مما لا يعلم ومما لا تعلمون).
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص200 و 201 عن ابن هشام، والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص72 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص883 وتاريخ الخميس ج2 ص98 والغدير ج7 ص169.
ففعل، ثم رجع إلى رسو ل الله (صلىاللهعليهوآله )، فأخبره الخبر، فقال: (أصبت، وأحسنت).
ثم قام رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد). ثلاث مرات(1) .
وذكر الواقدي: أن علياً (عليهالسلام ) جاءهم بالمال الذي أعطاه إياه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فودى لهم ما أصاب خالد، ودفع إليهم ما
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص201 وأشار في هامشه إلى: البخاري ج4 ص122، والنسائي ج8 ص237 وأحمد في المسند ج2 ص151 والبيهقي في السنن ج9 ص115. وراجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص153 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص33 و 34 والإصابة ج1 ص318 و 227 وج2 ص81 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص147 و 148 والبداية والنهاية ج4 ص358 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص592 وتاريخ الأمم والملوك (ط دار المعارف بمصر) ج3 ص67 و 68 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص342 وأعيان الشيعة ج1 ص278 و 409 والكامل في التاريخ ج2 ص173 والغدير ج7 ص168 و 169 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص72 و 73 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص884 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص145 وأسد الغابة ج3 ص102 والمغازي للواقدي ج3 ص882 وتاريخ الخميس ج2 ص98 والمنمق ص259 و 260 و 217 وراجع: الثقات لابن حبان ج2 ص62 و 63.
لهم، وبقي لهم بقية من المال، فبعث علي (عليهالسلام ) أبا رافع إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ليستزيده، فزاده مالاً، فودى لهم كل ما أصاب(1) .
ولما رجع علي (عليهالسلام ) إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال له: ما صنعت يا علي؟!
فأخبره، وقال: يا رسول الله، قدمنا على قوم مسلمين، قد بنوا المساجد بساحتهم، فوديت لهم كل من قتل خالد حتى ميلغة الكلاب الخ..(2) .
جرى لأبي زاهر مثل ما جرى لبني جذيمة:
ذكر ابن شهرآشوب قضية إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، فجاء سياقها موافقاً ـ تقريباً ـ لسياق قضية بني جذيمة، فقال:
(في رواية الطبري: أنه أمر بكتفهم، ثم عرضهم على السيف، فقتل منهم من قتل.
فأتوا بالكتاب الذي أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أماناً له ولقومه إلى النبي (صلىاللهعليهوآله )، وقالوا جميعاً: إن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد.
وفي رواية الخدري: اللهم إني أبرأ إليك من خالد ثلاثاً.
ثم قال: (أما متاعكم فقد ذهب، فاقتسمه المسلمون، ولكنني أرد عليكم
____________
1- المغازي للواقدي ج3 ص882 وراجع: إمتاع الأسماع ج2 ص7.
2- المغازي للواقدي ج3 ص882.
مثل متاعكم).
ثم إنه قدم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ثلاث رزم من متاع اليمن، فقال: يا علي، فاقض ذمة الله، وذمة رسوله. ودفع إليه الرزم الثلاث.
فأمر علي (عليهالسلام ) بنسخة ما أصيب لهم.
فكتبوا، فقال: خذوا هذه الرزمة، فقوّموها بما أصيب لكم.
فقالوا: سبحان الله هذا أكبر مما أصيب لنا!
فقال: خذوا هذه الثانية، فاكسوا عيالكم وخدمكم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا، وخذوا الثالثة بما علمتم وما لم تعلموا، لترضوا عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فلما قدم علي (عليهالسلام ) على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أخبره بالذي كان منه، فضحك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) حتى بدت نواجذه، وقال: أدى الله عن ذمتك، كما أديت عن ذمتي.
ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة(1) .
ونقول:
قد ناقشنا ما جرى لبني جذيمة في كتابنا الصحيح من سيرة النبي (صلىاللهعليهوآله )، فصل: خالد يبيد بني جذيمة.. ونقتصر هنا على ذكر ما يرتبط بعلي أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وذلك فيما يلي من عناوين..
____________
1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء سنة 1412 هـ) ج1 ص150 و 151 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص395 وبحار الأنوار ج38 ص73.
البراءة مما صنع خالد:
ويلاحظ: أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. ولم يصرح ببراءته من خالد نفسه.. ربما لان فعل خالد كانت تكتنفه الشبهة بحسب ظواهر الامور، التي يجب على النبي(صلىاللهعليهوآله ) أن يعامل الناس بها وعلى أساسها.. فالشبهة تدرأ المؤاخذة عن خالد.. ويبقى الفعل وآثاره التي يجب إزالتها في الواقع الخارجي..
ولأجل ذلك لم يكن التعرض لخالد بشيء مما يدخل في دائرة المؤاخذة، وترتيب الأمر على فعله هذا..
فداك أبواي:
تقدم: أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال لعلي (عليهالسلام ) في قصة بني جذيمة: فداك أبواي، وعبارة اليعقوبي تشعر بأن قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) هذه الكلمة لعلي (عليهالسلام )، كان شائعاً ومعروفاً، فإنه قال: (ويومئذٍ قال لعلي: فداك أبواي) فكأن قوله هذا لعلي (عليهالسلام ) كان مفروغاً عنه، ولكنه أراد أن يعين مناسبة وزمان حصوله.
وذلك يدل على كذب ما زعموه: من أن هذه الكلمة قالها النبي لسعد بن أبي وقاص، ثم رووا عن علي (عليهالسلام ) قوله: ما سمعت النبي (صلىاللهعليهوآله ) جمع أبويه إلا لسعد)(1) .
____________
1- راجع: المغازي للواقدي ج1 ص241 والسيرة الحلبية ج2 ص229 وتاريخ الخميس = = ج1 ص433 والمجموع للنووي ج19 ص288 ومسند أحمد ج1 ص137 وصحيح البخاري ج3 ص228 وج5 ص32 و 33 وج7 ص116 وصحيح مسلم ج7 ص125 وسنن الترمذي ج4 ص211 وج5 ص314 وفضائل الصحابة للنسائي ص34 والمستدرك للحاكم ج2 ص96 والسنن الكبرى ج9 ص162 وشرح مسلم للنووي ج15 ص184 وفتح الباري ج6 ص69 وج7 ص66 وعمدة القاري ج14 ص142 و 185 وج17 ص148 و 149 وج22 ص204 والأدب المفرد للبخاري ص174 ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص63 وكتاب السنة ص600 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص61 وج6 ص56 و 57 و 58 و 59 ومسند أبي يعلى ج1 ص334 وج2 ص35 وصحيح ابن حبان ج15 ص447 ومصادر كثيرة أخرى.
مع أنهم هم أنفسهم يدعون ـ زوراً أيضاً ـ أنه (صلىاللهعليهوآله ) قد قال هذه الكلمة للزبير يوم أحد، وقريظة(1) .
____________
1- السيرة الحلبية ج2 ص229 و 217 و 327 و 328 عن الشيخين، والترمذي، وحسَّنه، والتاريخ الكبير للبخاري ج6 ص139 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص5 و 10 وسبل الهدى والرشاد ج4 ص562 وحدائق الأنوار ج2 ص590 عن الصحيحين، وصحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي ( صلىاللهعليهوآله )، باب مناقب الزبير، وفضائل الصحابة للنسائي ص34 وفتح الباري ج10 ص469 وعمدة القاري ج14 ص142 وج16 ص225 وج22 ص204 وتحفة الأحوذي ج8 ص96 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص510 وج8 ص501 و 503 وكتاب السنـة ص597 والسنن الكـبرى للنسائي ج5 ص61 وج6 ص58 ومسند أبي = = يعلى ج2 ص35 والإستيعاب ج2 ص513 وكنز العمال ج13 ص206 و 208 و 210 و 211 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص106 وتاريخ ابن معين ج2 ص56 ومصادر كثيرة أخرى.
والمهم عند هؤلاء المنحرفين عن علي (عليهالسلام ) هو جحد كل فضيلة له (عليهالسلام )، أو التشكيك بها ولو عن طريق نسبتها إلى غيره بلفظ قيل، ونحو ذلك.
وقد فات هؤلاء: أن عبد الله وآمنة بنت وهب أجل وأعظم عند الله من أن يفدّي النبي (صلىاللهعليهوآله ) بهما سعداً والزبير، اللذين ظهرت منهما المخزيات، والموبقات بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فأما عبد الله، فقد روي عن ابن عباس، وأبي جعفر، وأبي عبد الله (عليهماالسلام ) عن قول الله عز وجل( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (1) قال: يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه، من نكاح غير سفاح من لدن آدم (عليهالسلام )(2) .
____________
1- الآية 219 من سورة الشعراء.
2- راجع: بحار الأنوار ج15 ص3 وج16 ص204 وج86 ص118 وميزان الحكمة ج4 ص3019 ومجمع البيان ج7 ص358 والتفسير الصافي ج4 ص54 ونور الثقلين ج4 ص69 ومجمع البيان ج7 ص358 وتفسير الميزان ج15 ص336 ومدينة المعاجز ج1 ص347 ومجمع الزوائد ج7 ص86 وج8 ص214 وإختيار معرفة الرجال ج2 ص488 وتفسير السمعاني ج4 ص71 وتفسير القرآن العظيم= = ج3 ص365 ومعجم رجال الحديث ج18 ص132 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص235 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص49.
فهذا الحديث يدل على نبوة عبد الله ـ ولو لنفسه ـ ولا يمكن أن يكون أحد الأنبياء فداء لإنسان عادي، يرتكب المعاصي، ويقع في الموبقات.
قال المجلسي عن آباء النبي (صلىاللهعليهوآله ): (بل كانوا من الصديقين، إما أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين)(1) .
كتابة الخسائر:
وتقدم: أن علياً (عليهالسلام ) أمر بكتابة خسائر حي أبي زاهر: وقال ابن شهرآشوب: (ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة)(2) .
وهذا الإجراء له أهدافه ومبرراته، فمن ذلك:
1 ـ أن الكتابة تضمن حفظ حقوق الناس.
2 ـ إن ذلك يدخل في نظم الأمر والتخلص من الفوضى بصورة عملية.
3 ـ إنه يمنع محاولات الخداع، وأخذ ما لا يحق أخذه، ولو بالأخذ أكثر من مرة.
____________
1- بحار الأنوار ج15 ص117.
2- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص151 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص395 وبحار الأنوار ج38 ص73 ومكاتيب الرسول ج1 ص244.
4 ـ إنه درس عملي في ضبط الأمور ونظمها وحفظ الامانة وأدائها على أتم وجه..
5 ـ إن ذلك يمنع من اتهام أهل الأهواء بأن الإعطاء كان يقوم على أساس أهوائي، أو أنه يتضمن خللاً من حيث المقدار، أو بأن يأخذ البعض ويحرم البعض الآخر.
6 ـ إن ذلك يحفظ الآخذين من التحاسد، والتباغض، وإشاعة الشكوك ببعضهم البعض.
7 ـ إذا عرف الإنسان مقدار حقه بدقة، فإنك لو وفيته إياه، ثم زدته حبة لعرف ذلك، وشكره لك وذلك لأن المطلوب هوسل سخيمة هؤلاء الناس، الذين وقعوا ضحية أحكام الجاهلية، وأحقادها وعصبياتها البغيضة.
وذلك يدخل في سياق حفظ إيمانهم بعد أن ظلموا، حتى لا يتعرض لأية كدورة أو ضعف، وهو من مفردات إقامة صرح العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه.
مبررات إعطاء الاموال للمنكوبين:
هذا.. وقد ذكرت الروايات: المبررات والمعايير التي اعتمد علي (عليهالسلام ) في إعطاء المال لبني جذيمة، ونحن نعرضها وفق ما أشارت إليه النصوص، كما يلي:
1 ـ أعطى لكل دم دية.
2 ـ رد مثل متاعهم عليهم، وأما المتاع نفسه، فقد ذهب، بعد أن
اقتسمه المسلمون، فلا سبيل إلى رد عينه (وقد ورد ذلك في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهرآشوب: إنه قد روي نحو ذلك في بني جذيمة).
3 ـ أعطاهم إحتياطاً لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )، مما يعلمون، ومما لا يعلمون.
4 ـ وفي نص آخر: أعطاهم على أن يحلوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مما علم، ومما لا يعلم.
5 ـ ليرضوا عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
6 ـ لروعة نسائهم، وفزع صبيانهم.
7 ـ قضاء، لذمة الله، وذمة رسوله.
8 ـ أعطاهم كسوة عيالهم، وخدمهم، ليفرحوا بقدر ما حزنوا (كما ورد في حديث إغارة خالد على حي أبي زاهر الأسدي، حيث قال ابن شهرآشوب: ونحو ذلك روي أيضاً في بني جذيمة).
9 ـ لكل جنين غرة.
10 ـ لكل مال مالاً.
11 ـ لميلغة كلبهم، وحبلة رعاتهم.
دلالات باهرة في فعل علي (عليهالسلام ):
وما نريد أن نقوله هنا هو: أن مجموع هذه النصوص يشير إلى أمور عديدة، كلها على جانب كبير من الأهمية، فلاحظ ما يلي:
ألف: إن ذلك يدل على: أن الذين قتلوا لم يكونوا جميعاً من الكبار والبالغين، بل كان فيهم أجنة أيضاً، ولذلك أعطى علي (عليهالسلام ) لكل جنين غرة.
ب : الغُرَّة ـ بالضم ـ عبد أو أمة.
ومنه: قضى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في الجنين بغرة.
وقال الفقهاء: الغرة من العبد الذي ثمنه عشر الدية(1) .
وزعم بعضهم: أن الغرة من العبيد الذي يكون ثمنه نصف عشر الدية(2) .
ج ـ في قوله: (لكل جنين غرة) ـ: إشارة ضمنية إلى تعدد، أو كثرة القتلى من الأجنة، حتى ذكرهم أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بصيغة الجمع إلى جانب ديات البالغين..
ثم إنه لم يتضح إن كان هناك قتلى من النساء، أو لم يكن..
د: إن علياً (عليهالسلام ) قد أعطى مالاً لروعات النساء، وعوضاً عما أصابهن من الحزن، وصرح: بأن المطلوب هو: أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.
____________
1- راجع: مجمع البحرين ج3 ص422 و (ط مكتب نشر الثقافة الإسلامية) ج3 ص302.
2- أقرب الموارد ج2 ص867 وراجع: عمدة القاري ج24 ص67 وتحفة الأحوذي ج4 ص554 ومرقاة المفاتيح ج7 ص40 والنهاية في غريب الأثر ج3 ص353 وكتاب الكليات ج1 ص670 والتعريفات للجرجاني ج1 ص208.
وهذا تأصيل لمعنى جديد لا بد من مراعاته في مجالات التعامل مع الناس، ولم يكن هذا المعنى معروفاً، ولا مألوفاً قبل هذه الحادثة.. كما أننا لم نجد أحداً قد راعى هذا المعنى في معالجته لآثار العدوان على الآخرين.
ولعل قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ): (يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك).
يشير إلى هذا المعنى، ولا يختص ذلك بموضوع مقادير الديات، أو ما يرتبط بالثأر من غير القاتل الحقيقي.
بل إن الفقهاء وعلى مدى كل هذا التاريخ الطويل لم يشيروا في فتاواهم، ولو إلى رجحان التعرض لمعالجة هذا النوع من الآثار، ولا رسموا له حدوداً، ولا بينوا له أحكاماً، ولا حددواً له شروطاً!
فهل هذه غفلة كانت منهم؟!
أم أنهم فهموا: أن ذلك يختص بالمعصوم، من نبي وإمام؟! أم ماذا؟!
هـ: يلاحظ: أن علياً (عليهالسلام )، قد بذل لبني جذيمة أموالاً من أجل أن يفرحوا بقدر ما حزنوا.
أي أنه (عليهالسلام ) قد لاحظ مقدار الحزن، ومقدار الفرح، وأراد أن يكون هذا بقدر ذاك، ولذلك لم يقل : (ليفرحوا بعد ما حزنوا). بل قال: (ليفرحوا بقدر ما حزنوا ).
و: إن سرد ما اعطاه علي (عليهالسلام ) لبني جذيمة يصلح أن يكون هو الوصف الدقيق لحقيقة ما جرى على هؤلاء الناس من قتل وسلب وخوف. فهم قد سلبوهم كل شيء. حتى حبلة الرعاة، وميلغة الكلب، ولم
يتركوا لهم حتى كسوة العيال والخدم.. وأخذوا منهم ما يعلمون، وما لا يعلمون.
بالإضافة إلى قتل الرجال، وإسقاط الأجنة، وروعة النساء، وفزع الصبيان، وحزن العيال والخدم.
ز: واللافت هنا: أنه (عليهالسلام ) لم يهمل حتى الخدم، فقد أعطى مالاً أيضاً لحزن هؤلاء، مما يعني: أن كونهم خدماً لا تسقط الحقوق التي تترتب على روعاتهم، وحزنهم. ولا يصيرهم بمثابة الآلة التي لا مشاعر لها.
قد صرحت الكلمات الواردة في الروايات: بأن علياً (عليهالسلام ) يريد أن يقضي عن ذمة الله ورسوله. أي أن الذين قتلهم خالد، قد كانوا في ضمان ذمة الله، وذمة الرسول (صلىاللهعليهوآله ).
ولعل هذا يؤيد صحة القول: بأنه كان لديهم كتاب من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، يضمن لهم سلامتهم، وأمنهم، ويعتبرهم في ذمة الله ورسوله.
وعدوان خالد عليهم يعتبر إخلالاً بهذه الذمة، وهذا يحتم الوفاء بها، وإعادة الأمور إلى نصابها.
بل قد يقال: إن هذا التعبير يدل على: أنه لو أن أحداً من غير المسلمين اعتدى على بني جذيمة لوجب نصرهم، وتحمل مسؤولية تعويض كل نقص يعرض لهم عليهم، في الأموال والأنفس على حد سواء..
ح: ذكرت النصوص المتقدمة: أنه (عليهالسلام ) أعطاهم مقداراً من المال، ليرضوا عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، مع العلم: بأن السخط
على الرسول (صلىاللهعليهوآله ) من موجبات الكفر، والخروج من الدين.
فكيف يمكن الجمع بين الحكم بإسلامهم، وبين عدم رضاهم عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )؟!
ومن المعلوم: أن السخط والرضا لا يشترى ولا يعطى بالمال، فكيف نفهم هذا الإجراء منه (عليهالسلام )؟!
ونجيب:
إن المراد بالرضا هنا ليس ما يقابل السخط، بل المراد به: الشعور بالرضا، بعد الشعور بالحاجة إلى الإنصاف، وبضرورة إيصال حقهم إليهم..
فإذا رأوا علياً (عليهالسلام ) قد اعطاهم فوق ما لهم من حق، فلابد أن يتكون لديهم شعور باستعادة كامل حقوقهم، وبما فوق مستوى الإنصاف والعدل الذي يتوقعونه أو ينتظرونه..
وهذا معناه: أنه (عليهالسلام ) لم يشتر رضاهم بالمال.. بل هو قد وفاهم حقهم، حتى تكوَّن لديهم الشعور بالرضا بهذا الوفاء.
ط: إن تخصيص جزء من المال لما يعلمون، وما لا يعلمون. قد يكون من أهم الأمور التي تبلِّغهم درجات ذلك الرضا بأكمل وجوهه، وأتمها، فإن هناك أموراً قد يفقدها الإنسان، ولكنها تكون من التفاهة إلى حد يرى أن مطالبته بها تنقص من قدره، وتحط من مقامه، فيعرض عنها.
ولكنه حتى حين يغض النظر عنها قد يبقى لديه شعور بالانتقاص من حقه، أو فقل بعدم بلوغه درجة الإشباع.
فإذا رضخ علي (عليهالسلام ) له مالاً في مقابل تلك الأمور أيضاً، فإنه
لا يبقى مجال لأي خاطر يعكر صفو الشعور بالإرتواء التام..
فإذا زاد على ذلك: بأن أعطاه أموالاً في مقابل ما ربما يكون قد عجز عن استحضاره في ذهنه، فإنه سينتقل إلى مرحلة الشعور بالامتنان. والإحساس بمزيد من اللطف به، والتفضل عليه، والنظر إليه، والشعور معه..
حكم علي (عليهالسلام ) حكم الله تعالى:
وقد صرحت الروايات المتقدمة: بأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد أمر علياً (عليهالسلام ) بأن يضع قضاء الجاهلية تحت قدميه.. أي أنه (صلىاللهعليهوآله ) يعلن أن خالداً قد قضى في بني جذيمة بحكم الجاهلية..
وذلك يكذب ما زعمه خالد: من أنه قد نفذ أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فيهم.. حسبما تقدم. كما كذَّبه قبل ذلك حين أعلن ثلاث مرات براءته مما صنع خالد.
وهو يكذِّب أيضاً رواية محبي خالد: التي تزعم أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كان راضياً من خالد، ولم يعترض على فعله، ولم تسقط منزلته عنده.. فإن النبي الأعظم والأكرم (صلىاللهعليهوآله ) لا يمكن أن يرضى بما يكون من قضاء الجاهلية، ولا يمكن أن يرضى بما يعلن أنه بريء إلى الله منه..
وفي المقابل نجد علياً (عليهالسلام ) كما يصرح به الإمام الباقر (عليهالسلام ): لما انتهى إلى بني جذيمة (حكم فيهم بحكم الله).
وهذا صريح: بأن جميع ما فعله علي (عليهالسلام ) إنما هو إجراء لحكم
الله تعالى، وليس مجرد تبرعات منه (عليهالسلام )، تستند إلى الاستحسان، أو إلى تفاعل أو اندفاع عاطفي آني، أو رغبة أذكتها العصبية للقربى، أو محبة أكدتها علاقة المودة والإلف بينه وبين ابن عمه نبي الله (صلىاللهعليهوآله )..
بل ما فعله كان ـ كما قلنا ـ إجراء وتنفيذاً لحكم الله تبارك وتعالى، من دون تأثر بهوى، أو ميل مع عصبية أو انسياقاً مع عاطفة..
ويؤكد هذا المعنى: أن المال الذي حمله (عليهالسلام ) معه إليهم، سواء أكان مُلْكاً شخصياً للنبي (صلىاللهعليهوآله )، أو كان من بيت مال المسلمين، لا يجوز له الإسراف والتبذير فيه، فضلاً عن تمزيقه وبعثرته وفق ما يقود إليه الهوى، وما يرجحه الذوق والاستنساب، وتدعو إليه العاطفة والإنفعالات الشخصية.
حديث المنزلة كان في بني جذيمة:
روي عن الإمام الباقر (عليهالسلام )(1) : أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال لعلي (عليهالسلام ) ـ في مناسبة ما فعله في بني جذيمة: (أنت مني
____________
1- راجع: الأمالي للصدوق ص238 وعلل الشرائع ج2 ص473 و 474 ومستدرك الوسائل ج18 ص366 و 367 وبحار الأنوار ج21 ص142 وج101 ص423 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص485 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) للنجفي ج11 ص79 و 80 وغاية المرام ج2 ص75 و 76.
بمنزلة هارون من موسى).
فقد ظهر أنه لو أراد النبي (صلىاللهعليهوآله ) ان يتولى هذا الأمر في بني جذيمة لم يزد على ما فعله علي (عليهالسلام ).
وسنشير إلى بعض ما يرتبط بهذا الحديث في غزوة تبوك إن شاء الله تعالى..
أنت هادي أمتي:
وفي النصوص: أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال لعلي (عليهالسلام ) في بني جذيمة: (أنت هادي أمتي، ألا إن السعيد من أحبك، وأخذ بطريقتك، ألا إن الشقي كل الشقي، من خالفك، ورغب عن طريقك إلى يوم القيامة)(1) .
فقد دلتنا هذه الكلمة على أمور ثلاثة أساسية وذات أهمية بالغة هي:
الأمر الأول:
إن وصف النبي (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) بأنه هادي أمته، يدلنا على أن ما أجراه (عليهالسلام ) في بني جذيمة ـ ليس هو مجرد إيصال حقوق مالية إلى أصحابها.. وإنما هو يرتبط بالهداية إلى الحق، وتعريف الناس بما يرضى الله تعالى..
____________
1- الأمالي للطوسي (ط سنة 1414) ص498 وبحار الأنوار ج21 ص143 وموسوعة احاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) ج11 ص219.
ولعل مما يدلنا على ذلك تنوّع العطاءات، وتنوع أسبابها، حيث أظهرت أحكاماً وأسراراً دقيقة وعميقة، مثل أن لروعات النساء، وفزع الصبيان قيمة مادية، وأنه لا بد من دية الأجنة إذا أسقطت في مثل هذه الحالات.
يضاف إلى ذلك: أنها دلتنا على مسؤولية حقيقية لولي الأمر وهو الرسول ووصيه والإمام من بعده.. عن أمثال هذه الأمور، وأنها ليست مسؤولية أدبية أو سلطوية، بل هي مسؤولية مادية حقيقية وواقعية، ويحتاج إلى إبراء ذمته من هذا الحق المالي، وأن هذا الحق قد أثبته الله على نفسه أيضاً.
ولأجل ذلك صرح (عليهالسلام ) بأنه أراد ببعض ما أعطاه أن يبرئ ذمة الله ورسوله.
وليتأمل المتأمل مليا في جعل ذلك من الوفاء بذمة الله تعالى أيضاً..
كما أن عدم علم صاحب الحق بمقدار الحق الذي ضاع له لا يعني أن لا يعطي ما يوجب براءة ذمة الله ورسوله مما لا يعلمه.. بل لا بد من إعطاء ما يفي بما يعلمون، وبما لا يعلمون أيضاً..
وهذه وسواها أمور لم تكن واضحة للناس، لولا فعل علي (عليهالسلام ) في هذه الحادثة، وقد لا تخطر لأحد على بال..
والأهم من ذلك كله: أنه (عليهالسلام ) أعطاهم من أجل أن يرضوا عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ليحفظ دينهم ويصون إيمانهم.
وهي تدل على أنه لا بد لمن يتصدى لإنصاف الناس، ويتحمل مسؤوليتهم أن يكون عارفاً بأسرار الشريعة، واقفاً على دقائقها وحقائقها، وكوامنها وأهدافها..
الأمر الثاني:
إنه (صلىاللهعليهوآله ) بين أن حقيقة السعادة تنال بأمرين:
أحدهما: أن يحب عليا (عليهالسلام ) كما هو في جميع حالاته يحبه وفي الرضا وفي الغضب، في الرخاء وفي البلاء، بل هو يحبه حتى حين يحكم عليه، أو على ولده بالقتل حين يستحق ذلك، ولا ينقص ذلك من محبته وتفانيه فيه شيئاً.
أما حب علي (عليهالسلام ) لأنه شجاع مثلاً، فهو ليس حباً لعلي (عليهالسلام )، بل هو حب للشجاعة التي سيحبها حتى لو كانت في أعداء الله، وأعداء الإنسانية، فهذا الحب لا ينفع صاحبه، ولا يسعده في الدنيا والآخرة، ولا ينيله رضا الله تبارك وتعالى.
الثاني: الأخذ بطريقة علي (عليهالسلام )، بمعنى أن ينسجم فيه العمل الجوارحي مع المشاعر، ويستجيب لدعوتها، وهذا ما يعبر عنه بالتأسي والإقتداء، وأما الحب العقيم، الذي لا يلد العمل الصالح، فليس بذي قيمة، وليس من موجبات السعادة، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الأمر الثالث:
إنه (صلىاللهعليهوآله ) تحدث عن الأخذ بطريقة علي (عليهالسلام )، ولم يأمر بعمل نفس علي، لا من حيث الكم، ولا من حيث الكيف، بحيث يكون لعمل الناس نفس قيمة وخلوص عمل علي (عليهالسلام ).. وسائر حالاته وآثاره، بل المطلوب هو أن يتبع المؤمن سبيله، وطريقته، وعلي (عليه الصفحة 31
السلام) هو القائل: (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)(1) .
وهذا هو السبب أيضاً في أنه (صلىاللهعليهوآله ) قد رتب الشقاء والبوار على مخالفة طريقة علي (عليهالسلام )، لا على فقدان الأعمال لخصوصيات وقيمة عمل علي (عليهالسلام )، وذلك لطف آخر من الله تعالى ورسوله (صلىاللهعليهوآله ) في هذه الأمة، وذلك واضح لا يخفى..
____________
1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص71 ومختصر بصائر الدرجات ص154 ومستدرك الوسائل ج12 ص54 وبحار الأنوار ج33 ص474 وج40 ص340 وج67 ص320 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص34 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) للنجفي ج5 ص91 وج7 ص165 وج8 ص425 ونهج السعادة ج4 ص33 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص205 وينابيع المودة (ط دار الأسوة) ج1 ص439 وقواعد المرام في علم الكلام لابن ميثم البحراني ص185 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص305.
علي (عليهالسلام ) في غزوة حنين..
علي (عليهالسلام ) صاحب اللواء الأعظم:
ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن علياً (عليهالسلام ) كان حامل اللواء الأكبر في حنين. وكثير من المؤرخين وإن لم يجرؤا على التصريح بإسمه، أو عزفوا عن ذلك خيانة منهم للحقيقة، ولكن هناك من صرح به، فقد قال القمي (رحمهالله ): (فرغب الناس، وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الأكبر، ودفعه إلى أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها، وخرج في اثني عشر ألف رجل إلخ..)(1) .
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص147 و 149 و 155 و 165 وتفسير القمي ج1 ص286 والبرهان (تفسير) ج2 ص113 ونور الثقلين ج2 ص199 وإعلام الورى ج1 ص228 وراجع: الإرشاد للمفيد ج1 ص140 وتحفة الأحوذي ج5 ص139 والتفسير الأصفى ج1 ص459 والتفسير الصافي ج2 ص330 وشرح النهج للمعتزلي ج15 ص106 وجوامع الجامع للطبرسي ج2 ص55 وجامع البيان ج10 ص130 وكشف الغمة ج1 ص220 و 221 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص341 وشجرة طوبى ج2 ص307 وزاد المسير ج3 ص281 وتفسير القرطبي ج8 ص100 والبحر المحيط ج5 ص25 وفتح القدير ج2 ص348.
وكان معه (عليهالسلام ) لواء المهاجرين أيضاً.
ولا يصح ما زعموه من أنه (دفع لواء المهاجرين إلى عمر بن الخطاب، ولواء إلى علي بن أبي طالب، ولواء إلى سعد بن أبي وقاص إلخ..)(1) .
أولاً: لأنهم هم أنفسهم يصرحون بأنه (صلىاللهعليهوآله ) أعطى لواء المهاجرين لعلي (عليهالسلام )، وأعطى راية لعمر بن الخطاب(2) .
ثانياً: إن لواء المهاجرين لا يعطى إلا للشجعان الأكفاء، ولم يظهر من عمر ما يدل على ذلك، بل ظهر منه ما يدل على خلافه، وهو الفرار في أحد، وخيبر، وقريظة، وغيرها وها هو يفر في حنين أيضاً..
ما جرى في حنين:
وفي غزوة حنين انهزم المسلمون عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، رغم كثرتهم التي لم يسبق أن حصلت لهم قبل ذلك، والتي جعلت بعضهم
____________
1- تاريخ الخميس ج2 ص101 السيرة الحلبية ج3 ص107 و (ط دار المعرفة) ص64 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص109 وراجع: الطبقات الكبرى ج2 ص150 وأعيان الشيعة ج1 ص279 وإمتاع الأسماع ج2 ص12 وج7 ص170.
2- السيرة الحلبية ج3 ص107 و (ط دار المعرفة) ص64 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص109 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص150 وإمتاع الأسماع ج7 ص170.
يقول: (لن نغلب اليوم من قلّة)(1) .
نعم لقد هزم الجيش كله، ولم يبق معه (صلىاللهعليهوآله ) سوى بعض بني هاشم، أحاطوا به (صلىاللهعليهوآله )، ليكونوا جداراً بشرياً يحميه، وعلي (عليهالسلام ) وحده، هو الذي كان يقاتل المشركين حتى هزمهم..
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص317 عن الواقدي، وأبي الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبزار، وتاريخ اليعقوبي ج2 ص100 والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج5 ص25 وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص110 و (ط دار المعرفة) ص69 والإفصاح للمفيد ص68 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص180 وبحار الأنوار ج21 ص155 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص106 وتفسير الآلوسي ج10 ص73 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص150 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص574 والبداية والنهاية ج4 ص369 وأعيان الشيعة ج1 ص279 وكشف الغمة ج1 ص221 وكشف اليقين ص143 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص610 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج1 ص255 ونهج الحق للحلي ص251 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وراجع: مجمع الزوائد ج6 ص178 و 181 وزاد المسير لابن الجوزي ج3 ص281 وتفسير السمعاني ج2 ص298 وتفسير أبي السعود ج4 ص55 وراجع: بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص139.
الثابتون في حنين:
زعموا: أن عدداً من المسلمين قد ثبتوا في حرب حنين، ولم يفروا عن النبي (صلىاللهعليهوآله ).. وقد اختلفوا في أعدادهم، وأوردوا طائفة من الأسماء، ونحن هنا نقتبس بعض المقاطع مما ذكرناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلىاللهعليهوآله ) في الجزء الرابع والعشرين منه..
مكتفين بها عما سواها.. وذلك على النحو التالي:
لم يثبت سوى علي (عليهالسلام ):
لا مجال لتأييد أي من الدعاوى حول ثبات أي كان من الناس سوى علي (عليهالسلام )..
غير أنه يمكن ترجيح أن يكون هناك أفراد قليلون من بني هاشم أحاطوا برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، حتى لا يناله سلاح الكفار.
أما القتال فكان محصوراً به (عليهالسلام ).
ونستند في ذلك إلى ما يلي من نصوص:
1 ـ قال الشيخ المفيد (رحمهالله ): ولم يبق منهم مع النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة، وعاشرهم أيمن ابن أم أيمن، فقتل أيمن رحمة الله عليه، وثبت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من كان انهزم.
فرجعوا أولاً فأولاً حتى تلاحقوا، وكانت لهم الكرة على المشركين، وفي ذلك أنزل الله تعالى، وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة:
( ..وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ ) (1) .
يعني: أمير المؤمنين علياً (عليهالسلام ).
ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم يومئذ ثمانية، أمير المؤمنين (عليهالسلام ) تاسعهم:
العباس بن عبد المطلب، عن يمين رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
والفضل بن العباس عن يساره.
وأبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر بغلته.
وأمير المؤمنين (عليهالسلام ) بين يديه يضرب بالسيف.
ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب حوله.
وقد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه(2) .
____________
1- الآيتان 25 و 26 من سورة التوبة.
2- الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج1 ص140 و 141، ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص30 وراجع: بحار الأنوار ج38 ص220 وج21 ص156 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص81 و 82 وشجرة طوبى ج2 ص308 وأعيان الشيعة ج3 ص522 وإعلام الورى ج1 ص386= = وقريب منه ذكره الطبرسي في مجمع البيان ج5 ص18 و 19.
وكذلك عدهم ابن قتيبة في المعارف، والثعلبي في الكشف(1) .
وأضافوا إلى هؤلاء: أيمن مولى النبي (صلىاللهعليهوآله )(2) .
قال ابن شهرآشوب: (وكان العباس عن يمينه، والفضل عن يساره، وأبو سفيان ممسك بسرجه عند ثفر بغلته، وسائرهم حوله، وعلي (عليهالسلام ) يضرب بالسيف بين يديه)(3) .
2 ـ وفي ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي:
لم يواس النبي غير بني هاشم عند السيوف يوم حنين
هرب الناس غير تسعة رهط فهم يهتفون بالناس: أين
ثم قاموا مع النبي على المو ت فآبوا زيناً لنا غير شين
وسوى أيمن الأمين من القوم شهيداً فاعتاض قرة عين(4)
____________
1- بحار الأنوار ج41 ص93 و 94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص330.
2- بحار الأنوار ج41 ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 و 605 و (ط المكتبة الحيدرية) ص330.
3- المصدر السابق.
4- الإرشاد للمفيد ج2 ص141. وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص31 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص305 وج2 ص331 وبحار الأنوار ج38 ص220 وج21 ص156 والمستجاد من كتاب الإرشـاد (المجموعة) = = ص83 وأعيان الشيعة ج1 ص280 وج3 ص522 وكشف الغمة ج1 ص221 وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص162.
3 ـ وقال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
وقولي إذا ما الفضل شد بسيفه على القوم أخرى يا بني ليرجعوا
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه لما ناله في الله لا يتوجع(1)
4 ـ وفي احتجاج المأمون على علماء عصره، يقول المأمون عن نزول السكينة في حنين: (إن الناس انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلا سبعة من بني هاشم: علي (عليهالسلام ) يضرب بسيفه، والعباس أخذ بلجام بغلة النبي (صلىاللهعليهوآله )، والخمسة محدقون
____________
1- الإرشاد للمفيد ص141 و 142 والمواهب اللدنية ج1 ص164 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص30 وفي بحار الأنوار ج21 ص156 وج38 ص220 وج41 ص94 ومجمع البيان ج5 ص18 و 19 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص35 وكشف الغمة ج1 ص221 وأعيان الشيعة ج1 ص280 وج3 ص522 وتفسير الميزان ج9 ص231 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص98 وتفسير البحر المحيط ج5 ص26 وروح المعاني ج10 ص74 وتفسير الآلوسي ج10 ص74 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص348 و 349 وفي المعارف لابن قتيبة ص164 ونصب الراية للزيلعي ج4 ص180 وأسد الغابة ج1 ص161 والوافي بالوفيات ج10 ص20: سبعة، بدل: تسعة. وثامننا، بدل: وعاشرنا.
بالنبي (صلىاللهعليهوآله )، خوفاً من أن يناله سلاح الكفار، حتى أعطى الله تبارك وتعالى رسوله (عليهالسلام ) الظفر.
عنى بالمؤمنين في هذا الموضع(1) : علياً (عليهالسلام )، ومن حضر من بني هاشم.
فمن كان أفضل؟! أمَن كان مع النبي (صلىاللهعليهوآله )، ونزلت السكينة على النبي (صلىاللهعليهوآله ) وعليه؟!
أم من كان في الغار مع النبي (صلىاللهعليهوآله )، ولم يكن أهلاً لنزولها عليه؟!(2) .
5 ـ قال ابن قتيبة: (كان الذين ثبتوا مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم حنين، بعد هزيمة الناس: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب ـ آخذ بحَكَمَةِ بغلته ـ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد ـ وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وحاضنته، وقتل يومئذٍ هو وابن أبي سفيان، ولا عقب لابن أبي سفيان ـ وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة..)(3) .
____________
1- أي في قوله تعالى: ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ ) .
2- بحار الأنوار ج49 ص199 وج69 ص144 وعيون أخبار الرضا ج2 ص193 وحياة الإمام الرضا ( عليهالسلام ) للقرشي ج2 ص264.
3- المعارف لابن قتيبة ص164وبحار الأنوار ج38 ص220 عنه، ومناقب آل أبي = = طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص330 وأعيان الشيعة ج1 ص279.
فتجد أنه لم يذكر أبا بكر وعمر في جملة من ثبت.
6 ـ وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو في وجوه المنهزمين التراب، وتقول: أين تفرون عن الله، وعن رسوله؟!
ومر بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت؟!
فقال لها: هذا أمر الله(1) .
وهذا يدل على عدم صحة قولهم: إنه كان في جملة من ثبت مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في حنين. حتى ادَّعوا: أنه كان آخذاً بلجام بغلته (صلىاللهعليهوآله )..
7 ـ عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه كان يحدث الناس عن يوم حنين، قال: (فر الناس جميعاً، وأعروا رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فلم يبقَ معه إلا سبعة نفر، من بني عبد المطلب: العباس، وابنه الفضل، وعلي، وأخوه عقيل، وأبو سفيان، وربيعة، ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب، ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مصلت سيفه في المجتلد، وهو على بغلته الدلدل، وهو يقول:
أنا النبي لا كَذِبْ أنا ابن عبد المطَلِبْ
____________
1- تفسير القمي ج1 ص287 وبحار الأنوار ج21 ص150 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص106 وشجرة طوبى ج2 ص308 والتفسير الصافي ج2 ص331 ونور الثقلين ج2 ص200.
إلى أن قال: (التفت العباس يومئذٍ وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير علياً (عليهالسلام ) في من ثبت، فقال: شوهة بوهة، أفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وهو صاحب ما هو صاحبه؟! يعني المواطن المشهورة له.
فقلت: نقِّص قولك لابن أخيك يا أبه.
قال: ما ذاك يا فضل؟!
قلت: أما تراه في الرعيل الأول؟! أما تراه في الرهج؟!
قال: أشعره لي يا بني.
قلت: ذو كذا، (ذو كذا)، ذو البردة.
قال: فما تلك البرقة؟!
قلت: سيفه يزيّل به بين الأقران.
قال: برّ، ابن بر، فداه عم وخال.
قال: فضرب علي يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدّه حتى أنفه وذكره، قال: وكانت ضرباته مبتكرة)(1) .
8 ـ وقال اليعقوبي: (فانهزم المسلمون عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص178 و 179 والأمالي للشيخ الطوسي ص575 أو 585 وشجرة طوبى ج2 ص328 وإمتاع الأسماع ج2 ص14 و 15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص473.
حتى بقي في عشرة من بني هاشم.
وقيل: تسعة.
وهم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وعتبة، ومعتب ابنا أبي لهب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب. وقيل: أيمن ابن أم أيمن)(1) .
9 ـ (..وفي رواية: لما فرّ الناس يوم حنين عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: علي بن أبي طالب، والعباس ـ وهما بين يديه ـ وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر. ولا يقبل أحد من المشركين جهته إلا قتل)(2) .
10 ـ وقال الطبرسي: (الذين ثبتوا مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي، والعباس، في نفر من بني هاشم. عن الضحاك بن مزاحم)(3) .
11 ـ عن البراء بن عازب قال: (ولم يبق مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص62 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج1 ص254.
2- راجع المصادر المتقدمة.
3- مجمع البيان ج5 ص17 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص32 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص147.
إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث)(1) .
12 ـ ويقول البعض: (وانهزم المسلمون، فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب، فقلت له: ما شأن الناس؟!
قال: أمر الله.
ثم تراجع الناس إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(2) .
13 ـ قال المجلسي: (إن الإمام الباقر (عليهالسلام ) قد احتج على الحروري: بأنهم (كانوا تسعة فقط: علي، وأبو دجانة، وأيمن؛ فبان أن أبا بكر لم يكن من المؤمنين)(3) .
____________
1- التفسير الكبير للرازي ج16 ص22 والكشاف ج2 ص259 والمواهب اللدنية ج1 ص163 عن البخاري في الصحيح، وحاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج3 ص39.
2- السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص624 وراجع ص623 عن البخاري وبقية الجماعة إلا النسائي. والمغازي للواقدي ج3 ص908 وصحيح البخاري (ط دار ابن كثير) ج4 ص1570 و (ط دار الفكر) ج5 ص101 وعمدة القاري ج17 ص300 و 302 والسيرة الحلبية ج3 ص65 وفتح الباري ج8 ص29 والبداية والنهاية ج4 ص329 وراجع: نيل الأوطار ج8 ص92 وعون المعبود ج7 ص275 والمنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص111 وشرح الزرقاني على الموطأ ج3 ص28.
3- بحار الأنوار ج27 ص323.
14 ـ وعند الطبرسي: فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد، والقنا، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب(1) .
15 ـ وعند بعضهم: أن الذين ثبتوا مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كانوا اثني عشر رجلاً(2) .
16 ـ عن أنس بن مالك، قال: ولى المسلمون مدبرين، وبقي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وحده(3) .
____________
1- إعلام الورى ص121 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص230 وبحار الأنوار ج21 ص166 وقصص الأنبياء للراوندي ص347 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص181 وشجرة طوبى ج2 ص309 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص182.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص348 عن النووي، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص108 و (ط دار المعرفة) ص65 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص110 وتاريخ الخميس ج2 ص102 وعمدة القاري ج14 ص157 وفتح الباري (ط دار المعرفة ـ الطبعة الثانية) ج8 ص23 و (تحقيق محب الدين الخطيب) ج8 ص30.
3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص248 و 225 عن أحمد، وابن أبي شيبة، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي. وفي هامشه عن: ابن أبي شيبة ج14 ص530 و 531 = = وعن أحمد ج3 ص190 و 279 وج5 ص286 وابن سعد ج2 ق1 ص113 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج5 ص141 والسنن الكبرى ج6 ص206 وعن الدولابي في الكنز ج1 ص42 وراجع: الدر المنثور ج3 ص224 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص555 وكنز العمال ج10 ص552 والبداية والنهاية ج4 ص374 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص620.
17 ـ عن عكرمة: لما كان يوم حنين، ولى المسلمون، وثبت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقال: أنا محمد رسول الله ثلاث مرات، وإلى جنبه عمه العباس(1) .
حنين تشبه بدراً:
ونلاحظ هنا: أن ما جرى في حنين يشبه ما جرى في بدر من نواح عدة، نذكر منها:
1 ـ الإمداد بالملائكة للمسلمين في الغزوتين..
2 ـ إن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة في كليهما..
3 ـ إن النكاية في العدو كانت لعلي..
4 ـ تقارب عدد الذين قتلهم علي (عليهالسلام ) في الغزوتين، فقد قتل بيده أربعين رجلاً في حنين(2) .. وفي بدر قتل نصف السبعين، وشارك في قتل
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص226 والدر المنثور ج3 ص225.
2- الجامع لأحكام القرآن ج8 ص99 وراجع: كشف الغطاء (ط ق) ج1 ص15 = = والكافي ج8 ص376 وشرح أصول الكافي ج12 ص542 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص452 وج21 ص176 و 178 و 179 وج41 ص94 و 66 والتفسير الصافي ج2 ص332 ونور الثقلين ج2 ص201 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة ج1 ص257 وج9 ص341.
وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص295 و 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 والأمالي لابن الشيخ ص585 والإرشاد للمفيد ج1 ص144.
النصف الآخر(1) ، وهو الذي قتل عتبة وشيبة كما ظهر من سياق رواية قتلهما.
5 ـ إن ظروف الحرب، والإمتيازات التي تؤثر على مسار القتال كانت لصالح المشركين في بدر، وكذلك الحال في غزوة حنين(2) .
6 ـ إن كلاً من حرب بدر وحرب حنين كانت مصيرية بالنسبة
____________
1- راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج2 ص353. ولم يعترض عليه ابن روزبهان بشيء. ونور الأبصار ص86 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص24، وقال: إذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي، وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري، وغيرها علمت صحة ذلك. وكتاب الأربعين للشيرازي ص419 وبحار الأنوار ج41 ص146 وشجرة طوبى ج2 ص273 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج9 ص339 وأعيان الشيعة ج1 ص330 و 395 وكشف اليقين ص126 وإحقاق الحق (الأصل) ص206 وشرح إحقاق الحق ج32 ص334.
2- راجع: الصحيح من سيرة النبي ( صلىاللهعليهوآله ) ج24.
للمسلمين، ولذلك قال (صلىاللهعليهوآله ) في بدر وحنين: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد..
7 ـ توافق عدد قتلى المشركين في بدر وحنين وهو عدد سبعين(1) .
8 ـ إن عدد الشهداء فيهما كان خمسة على بعض الأقوال(2) ..
9 ـ حاجة المسلمين إلى الماء كانت في حنين، كما كانت في بدر(3) .
10 ـ كانت غزوة بدر أول غزوة للعرب، وحنين كانت آخر غزوة
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص334 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص588 والبداية والنهاية ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص899 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص246 وعيون الأثر ج2 ص218.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص334 وراجع: تفسير الميزان ج9 ص235 ومجمع الزوائد ج6 ص189 و 190 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص352 والبداية والنهاية ج4 ص389 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص906 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص644 وتاريخ خليفة بن خياط ج1 ص88.
3- سبل الهدى والرشاد ج5 ص335 وج9 ص454 عن أبي نعيم، وعمدة القاري ج13 ص43 وراجع: الفايق في غريب الحديث ج3 ص307 وتاج العروس ج10 ص126 ومسند الروياني ج2 ص257 والخصائص الكبرى ج1 ص450 وغريب الحديث للخطابي ج1 ص412 والمعجم الكبير للطبراني ج7 ص18.
لهم، فخمدت جمرة العرب بهاتين الغزوتين.
11 ـ إنه (صلىاللهعليهوآله ) رمى في الغزوتين بالتراب في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه..
12 ـ كلتا الغزوتين كانت بين المسلمين والمشركين..
وقد ذكرنا تفاصيل هذه الغزوة في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) فليراجع.
أحداث ما بعد الهزيمة:
ويقولون: إنه لما رأى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الهزيمة وقعت على المسلمين في حنين ركض بغلته نحو علي، فرآه قد شهر سيفه، فأمر العباس بأن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، ويا أصحاب الشجرة إلى أين تفرون؟! هذا رسول الله إلخ..(1) .
ولم يفصح لنا هذا النص عن سبب توجه النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى علي (عليهالسلام )، فهو لم يذهب نحوه ليتأكد من فراره وعدمه، فهو
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص150 و 151 والتفسير الصافي ج2 ص331 و 332 والتفسير الأصفى ج1 ص459 و 460 وتفسير الميزان ج9 ص234 ونور الثقلين ج2 ص199 و 200 وتفسير القمي ج1 ص287 و 288 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص104 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص111.
يعرف علياً، وقد خبره طيلة عشرين عاماً من الجهاد والتضحية، ولكنه أراد أن يطمئن إلى سلامة علي (عليهالسلام )، لأن هذا الفرار الذي وقع على المسلمين لا مبرر له، إلا إن كانوا قد فقدوا الحامي والناصر، وهو علي (عليهالسلام ) بأن يكون قد أصيب بمكروه، لأنه (عليهالسلام ) كان هو العماد للجيش، وهو الآتي بالنصر في جميع الحروب.. وكم من مرة هزم الجيش كله، أو أخذه الرعب حتى حجزه عن القتال.. ثم كان (عليهالسلام ) هو المنقذ، وهو الحامي.
كما أن هذه اللفتة النبوية المباركة قد بينت لنا مقام علي (عليهالسلام )، وأهمية موقعه في ساحات الجهاد.. لكي يصونه من الأباطيل التي ربما يحاول المغرضون نسبتها إليه، وخداع بسطاء الناس بها، مثل أن يزعموا للناس أن علياً (عليهالسلام ) قد فر ايضاً.. فإن علياً (عليهالسلام ) كان قد غاص في أوساط الأعداء حتى افتقده العباس، وظن أنه تخلى عن موقعه، وعن دوره، فأطلق كلمات تعبر عن تبرم وشك(1) ، فدلوه عليه وهو في جموع أولئك الأعداء المتكالبين على قتله، وقتل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ومن معهما من المؤمنين..
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج21 ص178 و 179 والأمالي للشيخ الطوسي ص575 أو ص585 وشجرة طوبى ج2 ص328 وإمتاع الأسماع ج2 ص14 و 15 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص473.
علي (عليهالسلام ) يقتل ذا الخمار:
وقالوا: لما انهزمت هوازن كانت راياتهم مع ذي الخمار، فلما قتله علي (عليهالسلام ) أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فقاتل بها حتى قتل(1) .
ويلاحظ: أن عامة الذين يذكرون قتل عثمان بن عبد الله، قد ذكروا أنه أخذ الراية بعد قتل ذي الخمار، ولكنهم لا يصرحون بإسم الذي قتل ذا الخمار هذا(2) .
كما أنهم لم يذكروا لنا إسم الذي قتل عثمان بن عبد الله.. ونكاد نطمئن إلى أن قاتله هو علي (عليهالسلام ) دون سواه.. لأنه هو الذي هزم المشركين دون سواه علي (عليهالسلام )..
وسيأتي: أن الظاهر هو أن أحداً من المسلمين لم يقتل أحداً من المشركين
____________
1- بحار الأنوار ج41 ص96 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص606 (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص333 عن محمد بن إسحاق، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص898 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635.
2- راجع على سبيل المثال: تاريخ الخميس ج2 ص106 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص349 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص899 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص334 والإكتفاء للكلاعي ج2 ص246 والبداية والنهاية ج4 ص383 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص635.
في هذه الحرب، في ساحات القتال. بل انهم حين رجعت راجعة المسلمين وجدوا الأسرى مكتفين. وقد ذكرنا بعض الدلائل على هذا(1) .
قتل أبي جرول:
ويذكرون في قتل أبي جرول ما يشبه ما ذكروه في قتل ذي الخمار فقد رووا:
عن البراء بن عازب قال: كان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء، على رمح طويل، أمام هوازن، وهوازن خلفه. إذا أدرك طعن برمحه، وإن فاته الناس، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله.
واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(2) .
____________
1- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلىاللهعليهوآله ) ج24.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص319 وتاريخ الخميس ج2 ص102 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج2 ص111 والسيرة الحلبية ج3 ص111 و (ط دار المعرفة) ص69 وراجع: مسند أحمد ج3 ص376 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص348 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج4 ص373 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص896 وعيون الأثر ج2 ص216 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص618 ومصادر كثيرة تقدمت.
ونقول:
إن الصحيح هو أن علياً (عليهالسلام ) هو الذي قتل أبا جرول، فلاحظ ما يلي:
1 ـ قال اليعقوبي: (ومضى علي بن أبي طالب إلى صاحب راية هوازن فقتله، وكانت الهزيمة)(1) .
2 ـ لعل هذا النص قد تعرض للتحريف، والتصرف والتزييف كما تعودناه في كثير من المواضع، من قبل شانئي علي (عليهالسلام ).. إذ قد روى الآخرون حادثة قتل أبي جرول، مصرحين، بأن الذي قتله هو علي (عليهالسلام ) وحده..
وقال الشيخ المفيد (رحمهالله ): وإذا فاته الناس دفع لمن وراءه، وجعل يقتلهم وهو يرتجز:
أنا أبو جرول لا براح حتى نبيح القوم أو نباح
قال: فصمد له أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فضرب عجز بعيره، فصرعه، ثم ضربه فقطره، ثم قال:
قد علم القوم لدى الصباح أني لدى الهيجاء ذو نصاح
فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول.
قال: وقتل علي (عليهالسلام ) أربعين رجلاً بعد قتل أبي جرول(2) .
____________
1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص63.
2- الإرشـاد للمفيـد ج1 ص142 ـ 144 وبحار الأنـوار ج21 ص157 وج41 = = ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص604 ـ 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص331 والدر النظيم ص183 وكشف الغمة ج1 ص222.
3 ـ قال ابن شهرآشوب: (وفارسهم أبو جرول، وإنه قدَّه عظيماً بنصفين، بضربة في الخوذة، والعمامة، والجوشن، والبدن إلى القربوس، وقد اختلفوا في اسمه)(1) .
بيانات ضرورية:
وهنا بيانات يحسن التعرض لها، وهي التالية:
1 ـ قالوا: (في عقر علي (عليهالسلام ) بعير حامل راية الكفار دليل جواز عقر فرس العدو، ومركوبه، إذا كان ذلك عوناً على قتله)(2) .
2 ـ إن اللواء هو محط أنظار جميع المقاتلين، فقتل حامله، وسقوط اللواء، يرعب الجيش، ويشوش حركته، ويصيب المقاتلين بحالة من الضياع والإحباط.. ويهيؤهم للهزيمة، ويدخلهم في التفكير فيها فعلاً.. وهذا ما حصل بقتل أبي جرول..
3 ـ لا منافاة بين قولهم: إن هزيمة المشركين كانت حين رماهم النبي (صلىاللهعليهوآله ) بكف من تراب أو حصى.. وبين كون السبب هو قتل أبي جرول، فإن قتله قد يكون متصلاً بما فعله النبي (صلىاللهعليهوآله ) من
____________
1- بحار الأنوار ج41 ص66 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص295 ـ 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص355 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص542.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص350 وزاد المعاد ج3 ص483.
حيث الزمان..
4 ـ قول ابن شهرآشوب: إن علياً قدّ أبا جرول بنصفين يدل على عدم صحة قولهم: إن أنصارياً قد شارك علياً في ذلك.. وإن كنا لا نستبعد أن يكون ذلك الأنصاري حاضراً وناظراً.. لكن إثبات مشاركته غير ظاهر..
5 ـ لو صح ما ذكروه لبادروا إلى ذكر إسم ذلك الأنصاري، ولعل ذكر اسمه أولى عند هؤلاء من ذكر اسم علي (عليهالسلام ).. إذ ليس من الإنصاف أن يذكروا اسم من ضرب الجمل، ويهملوا من قتل ذلك الفارس العظيم القائد لجيوش المشركين!!
6 ـ ما ذكرته الرواية من اجتلاد المسلمين والمشركين بعد عودة المسلمين من الهزيمة، يتناقض مع ما صرحت به بعض النصوص من أن الهزيمة وقعت على المشركين، ولم يضرب المسلمون بسيف، ولا طعنوا برمح.
شعر علي (عليهالسلام ) في حرب حنين:
وذكروا أيضاً: أن علياً (عليهالسلام ) قال في حرب حنين؛ وأنكرها ابن هشام:
ألم تر أن الله أبلى رسوله بلاء عزيز ذى اقتدار وذي فضل
وقد أنزل الكفار دار مذلة فلاقوا هواناً من أسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره وكان أمين الله أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من الله منزل مبينة آياته لذوي العقل
فآمن أقوام بذاك فأيقنوا فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم فزادهم ذو العرش خبلاً على خبل
وحكم فيهم(1) يوم بدر رسوله وقوماً كماة(2) فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيض خفاف قواطع وقد حادثوها بالجلاء وبالصقلِ
فكم تركوا من ناشئ ذي حمية صريعاً ومن ذي نجدة منهم كهل
وتبكي عيون النائحات عليهم تجود بإرسال الرشاش وبالوبل
نوائح تبكي عتبة الغي وابنه وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل
وذا الذحل تنعى وابن جدعان فيهم مسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة ذوو نجدات في الحروب وفي المحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابه وللغي أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل عن الشغب والعدوان في أسفل السفل(3)
ونقول:
أولاً: إن الشعر طريقة تعبير لها أثر في النفوس، ويستهويها لحفظه،
____________
1- وأمكن منهم.
2- غضاباً.
3- راجع: سبل الهدى والرشاد ج4 ص125 وبحار الأنوار ج19 ص321 وج41 ص94 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص75 وج2 ص331 والبداية والنهاية ج3 ص404 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص538 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص525.
وترديده، وتناقله، والإحتفاظ به، وإبلاغه للأجيال كما أنه يستفز المشاعر، ويلهب الأحاسيس في كثير من الأحيان، فإذا أمكن الإستفادة منه في خدمة الحق والدين فلا ضير في ذلك، ولا حرج إذا التزموا بحدود الله فيه.
ثانياً: إن علياً حين يقول الشعر، فإنك لا تجد في شعره (عليهالسلام ) تلك السلبيات التي ألمح القرآن إليها.. فهو لا يستهوي الغاوين عن الحق، وليس فيه هيمان في كل واد، ولا هو يقول ما لا يفعل..
بل هو شعر يستهوي الباحثين عن الحق، وفيه إتباع لسبيل الرشد، ولا يحيد عن سبيل الله له سبحانه، ولو بمقدار ذرة أو شعرة.. وهو تقرير للحقائق، وإخبار عن الوقائع، وقول فصل، ووعد صادق..
كما أنك لا تجد فيه أي نوع من أنواع الخيال الباطل، والأوهام الرعناء، والزائفة..
ثالثاً: إنه (عليهالسلام ) لم يذكر شيئاً عن جهد نفسه وجهاده في بدر، وأحد، وخيبر، والخندق، وقريظة، والنضير، وذات السلاسل، وفدك، وسواها، ولا يتغنى فيه ببطولات سطرها أي من الناس في حنين.
بل هو يخص رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالثناء، وينسب إليه كل نصر وتوفيق.
رابعاً: إنه (عليهالسلام ) يذكر الناس في شعره هذا بحقائق الدين القائمة على الحق والعدل، ويشير إلى القرآن بعنوان أنه المفرق بين الحق والباطل، والمنسجم مع ما تقضي به العقول، بما فيه من هدايات تستنزل التوفيق الإلهي، وتكون معاندتها من أسباب الخذلان وزيادة العمى في القلب..
غنائم حنين لمن:
إننا نعتقد: أن غنائم حنين كانت لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وعلي (عليهالسلام )، لأن المسلمين انهزموا عن بكرة أبيهم، وقد صرحت بعض النصوص بأنه لم يكن منهم قتال في حنين أبداً.. وقد بقيت جماعة من بني هاشم ـ حسب قول عدد من النصوص المتقدمة ـ آثروا أن يحيطوا بالنبي (صلىاللهعليهوآله ).
أما علي فقد قام بأمر الله بقتال المشركين، حتى هزمهم وحده كما تقدم..
ولكن النبي (صلىاللهعليهوآله ) بعد أن هزم الله المشركين، أراد أن يحفظ ماء وجه أصحابه، فقرر أن يجعل لهم نصيباً من الغنائم.. فأعلن لهم بذلك، ثم استجازهم بأن يعطي من هذه الغنائم المؤلفة قلوبهم، متوخياً طيب نفوس الأنصار بعدما نفذ ما أمره الله تعالى به(1) .
وقد تحدثنا عن ذلك في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) جزء 25.
____________
1- الروض الأنف ج4 ص167 وراجع: مسند أحمد ج4 ص42 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص104 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص339 وعمدة القاري ج17 ص307 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص556 وكنز العمال ج14 ص64 وجامع البيان ج10 ص129 وتفسير الثعلبي ج5 ص24 وتفسير البغوي ج2 ص280 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص397 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق1 ص293 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص677.
اقطع لسانه:
قالوا: كان (صلىاللهعليهوآله ) قد أعطى العباس بن مرداس أربعاً(1) (وقيل: أربعين(2 ) من الإبل يوم حنين، فسخطها، وأنشد يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد(3) بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس يفوقان شيخي في المجمع
وما كان (كنت) دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع
فبلغ النبي (صلىاللهعليهوآله ) ذلك، فاستحضره، وقال له: أنت القائل:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج26 ص414 والإرشاد (ط دار المفيد) ج1 ص147 وبحار الأنوار ج21 ص160 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص272 وحلية الأبرار ج1 ص294 وكشف الغمة ج1 ص224 وإمتاع الأسماع ج9 ص298 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص272 ومستدركات علم رجال الحديث ج4 ص358 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص398.
2- السيرة الحلبية ج3 ص120 و (ط دار المعرفة) ج3 ص84 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص153 وعيون الأثر ج2 ص220.
3- العبيد كزبير: فرس، قاموس المحيط ج1 ص311 وهو اسم فرس عباس بن مرداس بالذات.
فقال له أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لست بشاعر.
قال: وكيف؟!
قال: قال: بين عيينة والأقرع.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لأمير المؤمنين (عليهالسلام ): (قم ـ يا علي ـ إليه، فاقطع لسانه).
قال: فقال العباس بن مرداس: فوالله، لهذه الكلمة كانت أشد علىَّ من يوم خثعم، حين أتونا في ديارنا.
فأخذ بيدي علي بن أبي طالب، فانطلق بي، ولو أرى أحداً يخلصني منه لدعوته، فقلت: يا علي، إنك لقاطع لساني؟!
قال: إني لممضٍ فيك ما أُمِرْتُ.
قال: ثم مضى بي، فقلت: يا علي، إنك لقاطع لساني.
قال: إني لممض فيك ما أمرت.
فما زال بي حتى أدخلني الحظائر، فقال لي: اعتد ما بين أربع إلى مائة.
قال: قلت: بأبي أنتم وأمي، ما أكرمكم، وأحلمكم، وأعلمكم!
قال: فقال: إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أعطاك أربعاً، وجعلك مع المهاجرين. فإن شئت فخذ المائة، وكن مع أهل المائة.
قال: قلت: أشر علي.
قال: فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك، وترضى.
قلت: فإني أفعل(1) .
وذكروا في توضيح ما جرى: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لما قال: اقطعوا عني لسانه، قام عمر بن الخطاب، فأهوى إلى شفرة كانت في وسطه ليسلها، فيقطع بها لسانه.
فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ) لأمير المؤمنين (عليهالسلام ): قم أنت فاقطع لسانه، أو كما قال(2) .
وفي نص آخر: فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك، ولا والله ما أنت بشاعر، وما ينبغي لك، وما أنت براوية.
قال: فكيف قال؟!
فأنشده أبو بكر.
فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ): اقطعوا عني لسانه.
ففزع منها ناس، وقالوا: أمر بالعباس بن مرداس أن يمثل به، وإنما
____________
1- الإرشاد للمفيد ج1 ص146 ـ 148 وبحار الأنوار ج21 ص160 و161 و170 و171 وإعلام الورى ص125 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص237 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج5 ص398 و 399 والسيرة الحلبية ج3 ص120 وعن دلائل النبوة للبيهقي ج5 ص181 وكشف الغمة ج1 ص225 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص272 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص415 وأعيان الشيعة ج1 ص281.
2- راجع: الإرشاد للمفيد (هامش) ص147 وحلية الأبرار ج1 ص294.
أراد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بقوله: اقطعوا عني لسانه، أي يقطعوه بالعطية من الشاء والغنم(1) .
وقد ذكروا كذلك: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أرسل إليه بحلة(2) .
وفي رواية: فأتم له رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ماءة(3) .
والظاهر: أنه (صلىاللهعليهوآله ) أعطاه ذلك مكافأة، لقبوله ما عرضه عليه أمير المؤمنين علي (عليهالسلام ).
ونقول:
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص399 والسيرة الحلبية ج3 ص120 و (ط دار المعرفة) ص84 وراجع: زاد المسير ج6 ص280 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص415.
2- السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص85 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص272 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج26 ص425 وأحكام القرآن لابن العربي ج3 ص466 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج9 ص290.
3- صحيح مسلم ج3 ص108 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص17 ومسند الحميدي ج1 ص200 ومعرفة السنن والآثار ج5 ص199 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص271 وكنز العمال ج10 ص543 وتفسير البغوي ج2 ص280 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص413 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص602 والبداية والنهاية ج4 ص412 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص680 والسيرة الحلبية ج3 ص120 و (ط دار المعرفة) ص84 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص399 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص48.
إن لنا هنا بيانات عديدة، نذكر منها:
لا معنى للخوف إذن:
زعمت بعض المرويات:
أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال لأبي بكر: (اقطع لسانه عني، وأعطه مئة)(1) .. وهذا غير صحيح:
أولاً: لأن ابن مرادس توهم أنه يريد قطع لسانه بالفعل(2) ، وظن ذلك ناس آخرون(3) وهذا الظن لا يتلاءم مع كلمة (عني) فإنها تدل عند جميع الناس أنه يريد أن يكون العطاء هو يقطع لسانه عن الكلام حول هذا الموضوع..
يضاف على ذلك قوله: وأعطه مئة من الإبل، فإنها تشير إلى إرادة تكريمه، لا إلى معاقبته بقطع لسانه على الحقيقة.
ثانياً: إن أبا بكر قد سعى إلى تغيير قرار النبي بقطع لسان الرجل،
____________
1- السيرة الحلبية ج3 ص120 و (ط دار المعرفة) ص84 عن الكشاف، وتفسير أبي السعود ج5 ص169 وتفسير الآلوسي ج15 ص65.
2- السيرة الحلبية ج3 ص120 و (ط دار المعرفة) ص84 والإرشاد للمفيد ج1 ص146 ـ 148 وكنز العمال ج10 ص517 وإعلام الورى ص125 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص237 وبحار الأنوار ج21 ص160 و 161 و 170 و 171 وتاريخ مدينة دمشق ج26 ص413 وأعيان الشيعة ج1 ص281.
3- السيرة الحلبية ج3 ص120 و (ط دار المعرفة) ص84 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص399.
وصار يوضح للنبي أن كلام ابن مرداس لا يتضمن إساءة تستحق قطع لسانه، متهماً النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأنه لم يفهم معنى كلام ابن مرداس.. فهل بعد هذا يمكن أن يأمن النبي (صلىاللهعليهوآله ) على أبي بكر من أن يخطئ في فهم قوله: اقطع لسانه، فيقطع لسان الرجل على الحقيقة؟!..
ثالثاً: كانت هناك وحدة حال قائمة بين أبي بكر وعمر، فلعله ـ يتأثر بموقف عمر، ويقبل بتأويله لكلام النبي (صلىاللهعليهوآله )، ويفسح المجال له ليقطع لسان الرجل بشفرته التي أهوى إليها ليسلها من وسطه.. ولسوف لن ينفع الندم والأسف بعد ذلك..
إخافة الناس بالمزاح لا تجوز:
وقد يقال: إن من المعلوم: أنه لا يجوز إخافة الناس بلا سبب يرضاه الله تعالى.. فكيف يخيف النبي (صلىاللهعليهوآله ) ابن مرداس بكلام كان أشد عليه من يوم خثعم، حين أتوهم في ديارهم؟!
وكيف يواصل علي (عليهالسلام ) إخافته بإيهامه أنه سينفذ فيه أمر النبي الذي يخشاه؟!
ونجيب:
أولاً: إن الحرام هو الفعل والقول الذي يدل دلالة قاطعة على ضرر يخشاه ذلك الشخص.. ولكن لو فعل أو قال ما هو حلال، وما له دلالة صحيحة على أمر مباح، لكن السامع أخطأ في فهمه، بسبب قلة تدبره في معناه، أو لخطأ السامعة عنده.. فليس هذا من الحرام في شيء، لأن المتكلم
لا يتحمل مسؤولية الأخطاء التي يقع فيها السامع المقصر أو المخطئ في فهم معنى الكلام أو في سماعه.. وهذا بالذات هو ما جرى لعباس بن مرداس..
ثانياً: إن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يخاطب ابن مرداس، بل كان خطابه موجهاً إلى علي (عليهالسلام )، والمطلوب منه هو أن يُفْهِم مقاصده من يوجِّه خطابه إليه، بالطريقة التي يعرف أنه يفهم تلك المقاصد من خلالها.
وربما يكون هناك إشارات أو رموز بين المتخاطبين.. ولا يعنيه ما يفهمه الآخرون في شيء، فقد يفهمون شيئاً، وقد لا يفهمون، وقد يخطئون وقد يصيبون، وربما يكون قاصداً للتعمية عليهم.
وجواب علي لابن مرداس لم يتضمن جديداً، بل هو أكد له على عزمه على تنفيذ أمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).. لكي تحصل المفاجأة السارة التي ستتضاعف آثارها على ابن مرداس، من خلال زيادة البهجة، وعمق الفرحة، والسعادة، والشعور بالإمتنان بصورة أعمق وأصدق..
مشورة علي (عليهالسلام ) على ابن مرداس:
وتأتي نصيحة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لابن مرداس لتكون إسهاماً في تكامل هذا الرجل روحياً، وتعميق شعوره بالكرامة وبالقيمة الإنسانية، وليصبح معيار الربح والخسارة عنده ليس هو الحصول على الأموال، والمناصب، بل هو الحصول على الميزات الروحية والإيمانية، والسابقة في الدين، والتحلي بالشيم والميزات الإنسانية.
وقد رسمت مشورة علي (عليهالسلام ) لابن مرداس حدوداً أظهرت له: أن هناك نوعان من الناس، هم: أهل الهجرة والسابقة، والجهاد، والتضحية بالمال، والنفس، والولد، والتخلي عن الأوطان، وعن الأهل والعشيرة من أجل دينهم، وحفظ إيمانهم.
ويقابلهم: أهل الطمع وطلاب الدنيا، الذين يقيسون الأمور بالأرقام والأعداد.
وقد جاء رسم هذه الحدود له في نفس اللحظة التي انفتحت فيها بصيرته على معنى القيمة، حين ساقته تحولات الأمور معه إلى أن يلهج بالقول: (بأبي أنتم وأمي، ما أكرمكم، وأحلمكم، وأعلمكم..)!
فوجد نفسه أمام كرم لا يضاهى، تجلى له بهذا العطاء الجليل..
وأمام حلم لا يجارى، حيث اعترض على من دانت له العرب، ولم تقصر همته عن مناهضة العجم، ولم يجد فيه إلا الخلق الرضي، وإلا السماح، والسماحة، والحلم والنبل، وكمال الرصانة والعقل، والعفو، والإنصاف والعدل..
فقد استدعاه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وسأله سؤالاً واحداً، ولم ينتظر منه جواباً، بل بادر إلى اتخاذ القرار الحاسم بحقه.
ولكنه لم يكن قرار ملك أو جبار، بل كان قرار الرحمة والرضا، والكرم، والحلم.
ووجد نفسه كذلك أمام علم لا يوصف، اضطره إلى البخوع والتسليم، وطلب المشورة من علي (عليهالسلام ) بالذات، فجاءته مشورته الصادقة، فلم يجد حرجاً من العمل والإلتزام بها..
سرايا حنين.. وغزوة الطائف..
سرايا تجاهلوها:
ونلاحظ: أن ثمة سرايا قام بها علي (عليهالسلام ) بأمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) تجاهلها عامة المؤرخين الذين يؤيدون الفريق الذي ناوأ علياً (عليهالسلام ) في حياته.
ونذكر من هذه السرايا التي حصلت ـ فيما يظهر بين حنين والطائف، ما يلي:
1 ـ سرايا لكسر الأصنام:
قال اليعقوبي، وغيره: (ووجه علياً (عليهالسلام ) لكسر الأصنام فكسرها)(1) .
____________
1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص64، وإعلام الورى ص123 و 124 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص387 و 388 وكشف الغمة ج1 ص226 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص265 وبحار الأنوار ج21 ص163 و 164 و 169 وج41 ص95 ومكاتيب الرسول ج1 ص33 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص332 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص92 وأعيان الشيعة ج1 ص280 والإرشاد للمفيد ج1 ص151 ـ 153.
ونقول:
1 ـ سيأتي إن شاء الله أنه (عليهالسلام ) بعد حنين لم يعد إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلا بعد الإنتهاء من حصار الطائف. فدلنا ذلك على أنه كان يقوم بمهمات جسام، توازي في أهميتها مواجهة أهل الطائف في أيام حصارهم.
2 ـ إن النص لم يحدد لنا عدد هذه الأصنام، ولا أسماء، ولا أمكنة وجودها.. فإن كانت هي الأصنام المعهودة، وهي العزى، وود، وسواع، ومناة، وذو الكفين، واللات، وما إلى ذلك.. فهو يدل على عدم صحة ما ذكروه من أنه (صلىاللهعليهوآله ) أرسل المغـيرة وأبا سفيان لهدم الطاغية، وهو اللات، وفلاناً الآخر لهدم مناة، وفلانـاً لهدم العزى وما إلى ذلك.. وأن ذكر هؤلاء وعدم التصريح بما أوكل إلى علي (عليهالسلام ) قد جاء للتعمية على الحقيقة، والتشكيك بها.
2 ـ سرية لمواجهة خيل ثقيف:
وقالوا: (خرج رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى الطائف، ووجه علي بن أبي طالب، فلقي نافع بن غيلان بن سلمة بن معتب في خيل من ثقيف (ببطن وج وهو واد بالطائف) فقتله، وانهزم أصحابه).
زاد المفيد وغيره قوله: ولحق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبي (صلىاللهعليهوآله )(1) .
____________
1- تاريخ اليعقوبي ج2 ص64 وإعلام الورى ص124 و (ط مؤسسة آل البيت) = = ج1 ص388، وبحار الأنوار ج21 ص164 و 168 وج41 ص95 والإرشاد للمفيد ج1 ص153 وأعيان الشيعة ج1 ص281 والدر النظيم لابن حاتم العاملي ص185 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص257 وعن مناقب آل أبي طالب ج1 ص605 و 606 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص93.
3 ـ سرية علي (عليهالسلام ) إلى خثعم:
قالوا: سار (صلىاللهعليهوآله ) بنفسه إلى الطائف (في شوال سنة ثمان، فحاصرهم بضعة عشر يوماً(1) أو) فحاصرهم أياماً.
وأنفذ أمير المؤمنين علي (عليهالسلام ) في خيل، وأمره أن يطأ ما وجد، وأن يكسر كل صنم وجده.
فخرج حتى لقيته خيل خثعم في جمع كثير، فبرز له رجل من القوم يقال له شهاب، في غبش الصبح، فقال: هل من مبارز؟!
فقال أمير المؤمنين (عليهالسلام ): (من له)؟!
____________
1- إعلام الورى ص123 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص387 وبحار الأنوار ج21 ص164 و 168 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص598 وراجع: قصص الأنبياء للراوندي ص348 والدر النظيم ص185 وكشف الغمة ج1 ص226 والإرشاد ج1 ص153 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص93 وأعيان الشيعة ج1 ص281 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص257.
فلم يقم أحد، فقام إليه أمير المؤمنين (عليهالسلام ).
فوثب أبو العاص بن الربيع، فقال: تكفاه أيها الأمير.
فقال: (لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس).
فبرز إليه أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وهو يقول:
إن على كل رئيس حقاً أن يروي الصعدة أو تدقا(1)
ثم ضربه فقتله. ومضى في تلك الخيل، حتى كسر الأصنام، وعاد إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وهو محاصر لأهل الطائف (ينتظره).
فلما رآه النبي (صلىاللهعليهوآله ) كبر (للفتح)، وأخذ بيده، فخلا به، وناجاه طويلاً(2) .
____________
1- الصعدة: القناة المستوية من منبتها لا تحتاج إلى تعديل. راجع: الصحاح ـ صعد ـ ج2 ص498.
2- راجع: إعلام الورى ص123 و 124 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص235 و 388 و 389، والدر النظيم ص185 والكنى والألقاب ج1 ص115 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص605 و 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ص182 وج2 ص332. وبحار الأنوار ج21 ص163 و 164 و 169 وج41 ص95 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص92 وأعيان الشيعة ج1 ص281 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص266 والإرشاد للمفيد ج1 ص151 ـ 153 وفي هامشه قال: روي باختلاف يسير في سنن الترمذي ج5 ص303، وتاريخ بغداد ج7 ص402، = = ومناقب المغازلي ص124، وأسد الغابة ج4 ص27، وكفاية الطالب ص327 وكشف الغمة ج1 ص226.
فروى عبد الرحمن بن سيابة، والأجلح جميعاً، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لما خلا بعلي بن أبي طالب (عليهالسلام ) يوم الطائف، أتاه عمر بن الخطاب، فقال: أتناجيه دوننا، وتخلو به دوننا؟!
فقال: (يا عمر، ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه)(1) .
قال: فأعرض عمر وهو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية:( لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ ) (2) ، فلم ندخله، وصددنا عنه.
فناداه النبي (صلىاللهعليهوآله ): (لم أقل: إنكم تدخلونه في ذلك العام)!(3) .
____________
1- راجع المصادر المتقدمة.
2- الآية 27 من سورة الفتح.
3- راجع: إعلام الورى ص124 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص388 وبحار الأنوار ج21 ص164 و 169 والإرشاد للمفيد ج1 ص153 وقال في هامشه: أنظر قطعاً منه في سنن الترمذي ج5 ص639/3726. وجامع الأصول ج8 ص658/6505، وتاريخ بغداد ج7 ص402، ومناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) لابن المغازلي ص124 و 163، وكفاية الطالب ص327، وأسد الغابة ج4 ص27، ومصباح الأنوار ص88، وكنز العمال ج11 ص625/33098 = = عن الترمذي، والطبراني. انتهى.
وحديث المناجاة مذكور في كثير من مصادر أهل السنة، ولكنهم يتحاشون غالباً التصريح باسم المعترضين على رسول الله ( صلىاللهعليهوآله )، فراجع على سبيل المثال: إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص525 ـ 531 عن المصادر التالية:
صحيح الترمذي (ط الصاوي) ج13 ص173 والرسالة القوامية للسمعاني، والمناقب للخوارزمي (ط تبريز) ص83، والنهاية في اللغة ج4 ص138 وتذكرة الخواص (ط الغري) ص47 ونهج البلاغة (ط القاهرة) ج2 ص167 و 411 ومسند أحمد، ودر بحر المناقب (مخطوط) ص47 والرياض النضرة (ط الخانجي) ج2 ص200 وذخائر العقبى (ط القدسي) ص85 والبداية والنهاية ج7 ص356 ومشكاة المصابيح (ط دهلي) ص564 وشرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي (مخطوط) ص187 والمناقب لعبد الله الشافعي (مخطوط) ص164 ومفتاح النجا للبدخشي (مخطوط) ص47 وأسنى المطالب لمحمد الحوت، وتاج العروس ج1 ص358 وينابيع المودة ص58 وتجهيز الجيش ص374 وسعد الشموس والأقمار (ط التقدم العلمية بمصر) ص210 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص594 عن الترمذي، والنسائي، والطبراني عن أبي هريرة.
وعن جابر، عن أبي عبد الله (عليهالسلام ): أن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قال يوم الشورى: نشدتكم بالله هل فيكم أحد ناجاه رسول الله يوم الطائف، فقال أبو بكر وعمر: (يارسول الله ناجيت علياً دوننا).
فقال لهما النبي (صلىاللهعليهوآله ): (ما أنا ناجيته، بل الله أمرني
بذلك) غيري؟!
قالوا: لا(1) .
ونقول:
تضمنت الروايات المتقدمة أموراً عديدة، نقتصر منها على ما له ارتباط بأمير المؤمنين (عليهالسلام )، فلاحظ المطالب التالية:
من دلالات شعر علي (عليهالسلام ):
قد بين الشعر المنسوب إلى علي (عليهالسلام ) ما يلي:
1 ـ أن المفروض بالرئيس والقائد أن يتصدى بنفسه لقتال العدو، وأن يكون قتالاً مؤثراً، بحيث يروي رمحه من دماء أعدائه، أو أن يتحطم ذلك الرمح ويتلاشى.
2 ـ إن ذلك ينتج: أن سلاح القائد ليس لمجرد الدفاع عن شخصه، بل هو للدفاع عن القضية، إذ لو كان للدفاع عن الشخص، فربما يكفيه ما هو أقل من ذلك بكثير، أو ربما لم يحتج إليه من الأساس.
3 ـ إن ذلك يستبطن: أن على الرئيس، والقائد أن لا يخرج نفسه من دائرة التصدي للقتال، بحيث يكون همه حفظ نفسه، ليضحي بغيره، ليكون دوره هو مجرد إصدار التوجيهات، كما يفعله الكثير من الرؤساء والقادة
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص180 وج31 ص337 والإحتجاج ج1 ص202 و 203 ومصباح البلاغة للميرجهاني ج3 ص221 وغاية المرام ج2 ص132.
قديماً وحديثاً.
تعدد المناجاة:
وقد أظهرت المصادر التي ذكرت المناجاة: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) ناجى علياً (عليهالسلام ) في غير ذلك الموضع أيضاً.. فراجع(1) .
____________
1- إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص534 ـ 536 وراجع: ج4 ص98 وج17 ص56 وج18 ص185 و 186 وج20 ص335 وج21 ص672 وج22 ص553 وج23 ص30 و 31 و 524 و 585 وج30 ص654.
وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص457 وج2 ص87 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص203 وج2 ص64 والعمدة لابن البطريق ص287 وذخائر العقبى ص72 وكتاب الأربعين للشيرازي ص128 وبحار الأنوار ج22 ص473 وج38 ص312 ومسند أحمد ج6 ص300 ومجمع الزوائد ج9 ص112 وكتاب الوفاة للنسائي ص52 والمعجم الكبير للطبراني ج23 ص375. وراجع أيضاً: والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص154 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص130 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص494 ومسند أبي يعلى ج12 ص364 وكنز العمال ج13 ص146 ومعجم الرجال والحديث ج2 ص172 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص394 و 395 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص251 والبداية والنهاية ج7 ص397 وأعيان الشيعة ج1 ص358 وسبل الهدى والرشاد 12 ص255 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج1 ص305.
دلالات مناجاة النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ):
إن مناجاة النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ) دلت على أنه (عليهالسلام ) هو موضع سر النبي (صلىاللهعليهوآله ) دون غيره.. ولم يعد يمكن لأحد أن يدعي لنفسه خصوصية لدى النبي (صلىاللهعليهوآله ) تؤهله لمقام الخلافة بعده (صلىاللهعليهوآله )..
ولعل هذا هو السبب في تغيظ بعض الناس، حتى جاهر بالإعتراض على النبي (صلىاللهعليهوآله ) في هذا الأمر..
فجاءه الجواب الصاعق، الذي كان أشد ضرراً بطموحاته، حين أعلن النبي (صلىاللهعليهوآله )، أن الله تعالى هو الذي أمره بذلك.
بل زاد على ذلك بأن أعلن أنه (عليهالسلام ) موضع سر الله أيضاً تماماً كما هو حال النبي (صلىاللهعليهوآله ) نفسه، فقال: (بل الله انتجاه)، والفرق بينهما أن الله ينتجي رسوله مباشرة، وبالوحي إليه، وينتجي علياً (عليهالسلام ) بواسطة النبي (صلىاللهعليهوآله ).
وقد روي عنه (صلىاللهعليهوآله ) أنه قال لعلي (عليهالسلام ): (إنك لحجة الله على خلقه، وأمينه على سره، وخليفة الله على عباده(1) .
____________
1- ينابيع المودة ص53 و (ط دار الإسوة) ج1 ص167 وفضائل أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) لابن عقدة ص135 وبشارة المصطفى للطبري ص437 ومشارق الشموس للمحقق الخوانساري ج2 ص442 والأمالي للصدوق ص155 وعيون أخبار الرضا ج2 ص267 وفضائل الأشهر الثلاثة للصدوق ص79 وروضة الواعظين = = ص346 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج1 ص27 وبحار الأنوار ج42 ص191 وج93 ص358 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص21 ومسند الإمام الرضا ( عليهالسلام ) ج2 ص187 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) ص269 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص146 وج8 ص180 وغاية المرام ج1 ص109 و 170 وج2 ص191 وج5 ص25 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص82 وج5 ص50 وج22 ص324 وج23 ص404.
وعنه (صلىاللهعليهوآله ): (هذا وصيي، وموضع سري، وخير من أترك بعدي)(1) .
____________
1- إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج4 ص75 و 76 و 350 وراجع: ج15 ص153 و 154 وج21 ص600 وج23 ص521 و 555 وج31 ص192 و 247 عن ميزان الإعتدال (مطبعة السعادة بمصر) ج1 ص298 و (ط البابي الحلبي بالقاهرة) ص 635 و (ط دار الكتب العلمية) ج6 ص446 وج7 ص5 عن جامع الأحاديث (ط دمشق) تأليف عباس صقر، وأحمد عبد الجواد بمصر ج3 ص97، ومجمع الزوائد ج9 ص113 و 114 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج5 ص32 عن الطبراني، وابن مردويه، وعن مفتاح النجا (مخطوط) ص94 عن العقيلي، وعن در بحر المناقب (مخطوط) ص60 عن ابن المغازلي، وأرجح المطالب ص24 و 589 وقرة العينين في تفضيل الشيخين ص234 وراجع: مناقب أمير المؤمنـين (عليهالسلام ) ج1 ص335 و 385 = = و 387 و 445 وشرح الأخبار ج1 ص117 و 195 والأمالي للمفيد ص61 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص246 و 247 و 256 وكتاب الأربعين للشيرازي ص49 وبحار الأنوارج38 ص12 وميزان الحكمة ج1 ص137 والمعجم الكبير للطبراني ج6 ص221 وكنز العمال ج11 ص280 و (ط مؤسسة الرسالة) ص610 والإكمال في أسماء الرجال ص96 و 204 وقاموس الرجال ج10 ص335 والفوائد المجموعة والأحاديث الموضوعة ج1 ص346 ومعجم الرجال والحديث ج2 ص62 وكتاب المجروحين ج1 ص279 وج3 ص5 والموضوعات لابن الجوزي (ط المكتبة السلفية) ج1 ص375 والموضوعات لأبي الفرج القرشي ص259 و 281 و 283 وتهذيب التهذيب ج3 ص91 وأعيان الشيعة ج6 ص295 وكشف الغمة ج1 ص156 وكشف اليقين ص255 وأهل البيت (عليهمالسلام ) في الكتاب والسنة ص143 والكامل في ضعفاء الرجال ج6 ص397 واللآلي المصنوعة ج1 ص328 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص57 وذخيرة الحفاظ لابن القيسراني محمد بن طاهر المقدسي ج3 ص1588 ومعرفة التذكرة لابن القيسراني ج1 ص117 ومحاضرات الأدباء للأصفهاني ج2 ص496.
وورد هذا المعنى في روايات أخرى أيضاً(1) .
____________
1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلىاللهعليهوآله ) ج25 ص157 و158.
التشكيك بما قاله النبي (صلىاللهعليهوآله ):
وأغرب ما قرأناه: أن عمر بن الخطاب حين سمع قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) عن علي (عليهالسلام ): بل الله انتجاه، بادر إلى القول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، فلم تدخله وصددنا عنه..
فقال (صلىاللهعليهوآله ): لم أقل إنكم تدخلونه في ذلك العام..
أي أن عمر يريد أن يقول: كما أن ذلك الوعد لم يتحقق، وكنت تتكلم من دون ضابطة، فإن قولك هذا: إن الله انتجى علياً (عليهالسلام )، ليس بصحيح أيضاً..
فإذا ظهر للناس أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) يخبر عن أشياء لا واقع لها، ثم قُدِّم لهم شاهد على ذلك، فلا بد أن يستقر هذا الأمر في أذهانهم وقلوبهم، وسيصعب اقتلاعه بعد ذلك: وهذا يؤدي إلى محق الإيمان بالنبوة في قلوبهم وعقولهم..
فاجابه النبي (صلىاللهعليهوآله ) بما دل على أن ذلك القائل أراد أن يوهم الناس بأمر لا واقع له، فإن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يقل: إن دخولهم مكة سيكون في ذلك العام، بل قال لهم: إنهم سوف يدخلونها من دون تحديد وقت، فلماذا ينسب إليه عمر ما لم يقله؟!
وهي إجابة واضحة، يفهمها كل أحد.. وهي تدين ذلك الرجل الذي اتهم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بما لم يقله.. وتبقى هذه الإدانة ماثلة أمام أعين الأجيال والأحقاب، وتنبئ عن معان كان الأجدر بهم التسترُّ عليها.
إجابات النبي (صلىاللهعليهوآله ) أحرجتهم:
وهذه الإجابات النبوية عن أسباب المناجاة، ثم إبطاله التهمة العمرية هو السبب في سعي أتباع أولئك المعترضين على النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى التكتم على أسماء المعترضين عليه (صلىاللهعليهوآله )، كما تدل عليه تعابيرهم في رواياتهم، مثل قولهم:
فقال الناس.. فقالوا.. فقال ناس من أصحابه.. فقال رجل.. فقال بعض أصحابه.. فقال قوم.. حتى كره من الصحابة ذلك، فقال قائل منهم..
هذا بالإضافة إلى محاولاتهم إسقاط اعتراض عمر على النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأنه وعد بدخول مكة وجوابه (صلىاللهعليهوآله )..
تهديد أهل الطائف بعلي (عليهالسلام ):
عن المطلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه: أنه (صلىاللهعليهوآله ) حاصر أهل الطائف إلى عشرة أو سبعة عشر يوماً، فلم يفتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة، ثم نزل، ثم هجّر، فقال:
(أيها الناس، إني لكم فرط، وإن موعدكم الحوض، وأوصيكم بعترتي خيراً..).
ثم قال: (..والذي نفسي بيده، لتقيمنّ الصلاة، ولتأتنّ الزكاة، أو لأبعثنّ إليكم رجلاً مني، أو كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليكم، وليسبين ذراريكم).
فرأى أناس: أنه يعني أبا بكر أو عمر.
فأخذ بيد علي (عليهالسلام )، فقال: هو هذا.
قال المطلب بن عبد الله: فقلت لمصعب بن عبد الرحمن بن عوف: فما حمل أباك على ما صنع؟!
قال: أنا ـ والله ـ أعجب من ذلك(1) .
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ـ وقد قدم عليه وفد أهل الطائف ـ: يا أهل الطائف، والله لتقيمنّ الصلاة، ولتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ إليكم رجلاً كنفسي، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يقصعكم بالسيف.
فتطاول لها أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأخذ بيد علي (عليهالسلام )، فأشالها، ثم قال: هو هذا.
فقال أبو بكر وعمر: ما رأينا كاليوم في الفضل قط(2) .
ونقول:
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص152 وج40 ص30 والأمالي للطوسي ص516 و (ط دار الثقافة) ص504.
2- أمالي الطوسي ص590 و (ط دار الثقافة) ص579 وبحار الأنوار ج21 ص179 و180 وج38 ص324 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص463 وج2 ص24 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج11 ص224.
لا بد من ملاحظة الأمور التالية:
أفعال أفصح من الأقوال:
تضمنت النصوص المتقدمة:
1 ـ أنه (صلىاللهعليهوآله ) حاصر الطائف أسبوعين أو ثلاثة أو أكثر..
2 ـ ثم إنه (صلىاللهعليهوآله ) أوغل روحة، أو غدوة.
3 ـ ثم نزل.
4 ـ ثم هجّر.
5 ـ ثم أطلق تهديداته القوية: بأنه سوف يرميهم بعلي (عليهالسلام )، ليضرب أعناق مقاتليهم، ويسبي ذراريهم، أو يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة.. فما تفسير ذلك كله؟!
ونقول:
تظهر الإجابة على ذلك بالتأمل فيما يلي من نقاط:
1 ـ إن تحركات النبي (صلىاللهعليهوآله )، على النحو المشار إليه آنفاً، حيث كان يتركهم، ثم يعود إليهم.. روحة أو غدوة، ثم ينزل، ثم يهجر، أمر لم يعرفه الناس في الحروب آنئذٍ.. ولا سيما حين يكون التحرك في وقت الهاجرة.. فإن هذه التحركات كانت مرصودة من قبل أهل الطائف، ولا بد أنها كانت تثير دهشتهم وتساؤلاتهم، وتوقعهم في حيرة بالغة..
ولا بد أن تكون قد أفهمتهم أموراً كثيرة، أهونها أنهم غير متروكين،
وأن عليهم أن يتوقعوا مفاجأتهم في كل وقت، وزمان، فلا يمكنهم أن يأمنوا على أنفسهم بالخروج من حصونهم، والتخلي عن أسوارهم.. بل عليهم أن يبقوا في حالة تأهب وحذر.
كما لا بد أن تبقى ماشيتهم معهم، فلا يمكنهم تسريحها، ولا بد لها من أن تجد ما تأكله، ليمكنهم أن يستفيدوا منها في هذا الوقت الذي هم بأمس الحاجة إليها، كما أن عليهم أن يتدبروا أمرهم في إيجاد المؤن لأنفسهم، وربما ينفد منهم كل شيء.. ولا يبقى لهم حتى ماشيتهم.
2 ـ إنه (صلىاللهعليهوآله ) هددهم بأنهم إن لم يستجيبوا لنداء العقل، فسيرميهم بأخيه علي (عليهالسلام )، الذي هزمهم في حنين قبل أيام هزيمة مرة، وذليلة ومخزية، وقد كانوا عشرات الألوف، فهل يمكنهم الصمود الآن بعد أن تفرق ذلك الجمع عنهم؟!
3 ـ إن قذائف المنجنيق أضرت بهم.. مع علمهم بأن علياً (عليهالسلام ) لم يشارك بعد في الحرب عليهم، بل هو لم يحضر بعد إلى ساحات النزال، لأنه كان منشغلاً بتطهير بعض الجهات من الجماعات الصغيرة المنتشرة في المنطقة، الأمر الذي يشير إلى أن المنطقة قد خرجت من أيديهم، ولم تعد قادرة على مد يد العون لهم..
4 ـ إن عليهم أن يتوقعوا أن مصيبتهم الكبرى ستكون حين يأذن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ) بمناجزتهم.. فإنه لا شيء يصده عن إنزال عقاب الله فيهم، وسوف لا تغني عنهم حصونهم شيئاً، كما لم تفد حصون قريظة وخيبر أهلها شيئاً.
ولأجل ذلك هددهم بأن يبعث عليهم رجلاً منه كنفسه، يضرب أعناق مقاتليهم، ويسبى ذراريهم.
5 ـ وقد اقتصر (صلىاللهعليهوآله ) على هذين الأمرين: قتل المقاتلين، وسبي الذراري.. على قاعدة:( رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ) (1) ، والمطلوب هو التخلص من الظلم، وقطع دابر الظالمين، وإفساح المجال للناس ـ من غير المصرين على القتال ـ ليمارسوا حريتهم في اختيار معتقداتهم، استناداً إلى الدليل القاطع للعذر، وليختاروا طريقة عيشهم بأنفسهم.
6 ـ إنه (صلىاللهعليهوآله ) لم يصرح بإسم الذي يريد أن يرميهم به.. ووصفه بأوصاف جليلة وجميلة، ليطلق الناس العنان لخيالهم في التعرف على ذلك الشخص، ويتلمسوا تلك الميزات في هذا، ثم في ذاك، حتى يجدوها بأنفسهم في صاحبها المعهود والمقصود.. بعد أن يكونوا قد استحضروا ميزات هذا وذاك من الطامحين والطامعين..
7 ـ ولكن هذا الإبهام لم يدم طويلاً حيث جاءت المطالبة بالتصريح بإسمه، فصرح لهم بذلك الإسم الشريف.. الأمر الذي حمل المطلب بن عبد الله على أن يسأل مصعب بن عبد الرحمان بن عوف فقال: فما حمل أباك على ما صنع.
فقال مصعب: وأنا والله أعجب من ذلك.
____________
1- الآيتان 26 و 27 من سورة نوح.
أي أنه سأله عن سبب عدم مبايعة عبد الرحمان بن عوف لعلي (عليهالسلام ) بالخلافة، وتقديم عثمان عليه في يوم الشورى العمرية! إذا كان يعلم أن ذلك جرى له، فإن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قد قال فيه ما قال..
فلم يجد عنده جواباً معقولاً، لأن الجواب المعقول لا يسعده، فإن السبب الحقيقي هو الطمع وعدم الورع..
فك الحصار لتسهيل الإستسلام:
وعن الإمام الصادق (عليهالسلام ) أنه (صلىاللهعليهوآله ) لما واقع ـ وربما قال: فزغ(1) ـ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من هوازن، سار حتى نزل الطائف، فحصر أهل وجٍ(2) أياماً، فسأله القوم أن يبرح عنهم ليقدم عليه وفدهم، فيشترط له، ويشترطون لأنفسهم.
فسار حتى نزل مكة، فقدم عليه نفر منهم باسلام قومهم. ولم يبخع القوم له بالصلاة ولا الزكاة.
فقال (صلىاللهعليهوآله ): إنه لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود. أما والذي نفسي بيده ليقيمُنّ الصلاة، وليؤتُنّ الزكاة، أو لأبعثنّ إليهم رجلاً هو مني كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتليهم، وليسبينّ ذراريهم، وهو هذا.
____________
1- الصحيح: فرغ.
2- وجّ: موضع بناحية الطائف. أو اسم جامع حصونها. أو اسم واحد منها.
وأخذ بيد علي (عليهالسلام ) فأشالها.
فلما صار القوم إلى قومهم بالطائف أخبروهم بما سمعوا من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأقروا له بالصلاة، وأقروا له بما شرط عليهم.
فقال (صلىاللهعليهوآله ): ما استعصى عليّ أهل مملكة، ولا أمة إلا رميتهم بسهم الله عز وجل.
قالوا: يا رسول الله: وما سهم الله؟!
قال: علي بن أبي طالب. ما بعثته في سرية إلا رأيت جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وملكاً أمامه، وسحابة تظله، حتى يعطي الله عز وجل حبيبي النصر والظفر(1) .
وهذا معناه: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد حقق نصراً عظيماً، يوازي ما حققه في غزوة الخندق وخيبر وسواهما..
ويدل على ذلك أيضاً: ما تقدم من أنه (صلىاللهعليهوآله ) قد قال لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا عن الطائف: (قولوا: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب
____________
1- الأمالي للطوسي ص516 و517 و (ط دار الثقافة ـ قم) ص505 وبحار الأنوار ج21 ص153 وج38 ص305 وج39 ص101 وج40 ص32 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص315 ومناقب أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) ج1 ص359 وشرح الأخبار ج2 ص414 والثاقب في المناقب ص121 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص67 و 77 ومدينة المعاجز ج2 ص308.
وحده)(1) .
فلو لم يكونوا منتصرين كانتصار يوم الأحزاب، لم يكن وجه لأمرهم بأن يقولـوا ذلك، فإن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لا يطلق الشعـارات جزافاً.
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص388 عن الواقدي، وتاريخ الخميس ج2 ص112 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص114 وراجع المصادر المتقدمة.
إلى تـبـوك..
آل حاتم الطائي عند رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
هدم صنم طيء: الفُلْس:
قالوا: وفي شهر ربيع الآخر من سنة تسع بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في خمسين ومائة رجل ـ أو مائتين كما ذكره ابن سعد ـ من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض إلى الفلس، ليهدمه.
فأغاروا على أحياء من العرب، وشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه، وملأوا أيديهم من السبي، والنعم، والشاء.
وكان في السبي سفانة أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام.
ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب، والمخذم ـ كان الحارث بن أبي شمر قلده إياهما ـ وسيف يقال له: اليماني، وثلاثة أدرع (وكان عليه ثياب يلبسونه إياها).
واستعمل علي (عليهالسلام ) على السبي أبا قتادة، واستعمل على الماشية والرثة عبد الله بن عتيك.
فلما نزلوا ركك (أحد أجبال طي) اقتسموا الغنائم، وعزلوا للنبي (صلىاللهعليهوآله ) صفياً: رسوباً والمخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس.
وعزل آل حاتم، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة.
ومرَّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأخت عدي بن حاتم، فقامت إليه وكلمته: أن يمن عليها.
فمنّ عليها، فأسلمت، وخرجت إلى أخيها، فأشارت عليه بالقدوم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقدم عليه(1) .
وذكر ابن سعد في الوفود: أن الذي أغار، وسبى ابنة حاتم هو خالد بن الوليد(2) .
والفُلْس ـ بضم الفاء، وسكون اللام ـ: صنم لطيء ومن يليها(3) .
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص218 والمغازي للواقدي ج3 ص984 و 985 والسيرة الحلبية ج3 ص205 وراجع: المواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج4 ص48 و 49 و 50 وتاريخ الخميس ج2 ص120 و 121 والإصابة ج4 ص329 وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج69 ص194 ـ 203 وإحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص234 ـ 237 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص164 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص624 وإمتاع الأسماع ج2 ص45.
2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص218 والطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص322 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج69 ص193.
3- شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج4 ص48 وراجع: معجم البلدان ج4 ص273 وج5 ص205 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص194 والطبقات الكـبرى = = لابن سعد ج1 ص322 وج2 ص164 وتاريخ مدينة دمشق ج69 ص193 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص624 وإمتاع الأسماع ج2 ص45 و 142.
وفي نص آخر ذكره الواقدي:
أن علياً (عليهالسلام ) دفع رايته إلى سهل بن حنيف، ولواءه إلى جبار بن صخر السلمي، وخرج بدليل من بني أسد يقال له: حريث، فسلك بهم على طريق فيد (جبل)، فلما انتهى بهم إلى موضعٍ قال: بينكم وبين الحيّ الذي تريدون يوم تام، وإن سرناه بالنهار وطئنا أطرافهم ورعاءهم، فأنذروا الحيّ، فتفرقوا، فلم تصيبوا منهم حاجتكم، ولكن نقيم يومنا هذا في موضعنا حتى نمسي، ثم نسري ليلتنا على متون الخيل، فنجعلها غارة حتى نصبحهم في عماية الصبح.
قالوا: هذا الرأي!
فعسكروا، وسرحوا الإبل، واصطنعوا، وبعثوا نفراً منهم يتقصّون ما حولهم، فبعثوا أبا قتادة، والحباب بن المنذر، وأبا نائلة، فخرجوا على متون خيل لهم يطوفون حول المعسكر، فأصابوا غلاماً أسود، فقالوا: ما أنت؟!
قال: أطلب بغيتي.
فأتوا به علياً (عليهالسلام )، فقال: ما أنت؟!
قال: باغ.
قال: فشدوا عليه.
فقال: أنا غلام لرجل من طيء من بني نبهان، أمروني بهذا الموضع
وقالوا: إن رأيت خيل محمد فطر إلينا فأخبرنا، وأنا لا أدرك أسراً(1) (شراً)، فلما رأيتكم أردت الذهاب إليهم، ثم قلت: لا أعجل حتى آتي أصحابي بخبر بيِّن، من عددكم وعدد خيلكم، ورقابكم، ولا أخشى ما أصابني، فلكأني كنت مقيداً حتى أخذتني طلائعكم.
قال علي (عليهالسلام ): أصدقنا ما وراءك.
قال: أوائل الحيّ على مسيرة ليلة طرادة، تصبحهم الخيل ومغارها حين غدوا.
قال علي (عليهالسلام ) لأصحابه: ما ترون؟!
قال جبار بن صخر: نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتنا حتى نصبح القوم وهم غارون، فنغير عليهم، ونخرج بالعبد الأسود ليلاً، ونخلف حريثاً مع العسكر حتى يلحقوا إن شاء الله.
قال علي (عليهالسلام ): هذا الرأي.
فخرجوا بالعبد الأسود، والخيل تعادى، وهو ردف بعضهم عقبة (نوبة)، ثم ينزل فيردف آخر عقبة، وهو مكتوف، فلما انهار الليل كذب العبد، وقال: قد أخطأت الطريق وتركتها ورائي.
قال علي (عليهالسلام ): فارجع إلى حيث أخطأت.
فرجع ميلا أو أكثر، ثم قال: أنا على خطأ.
____________
1- أي لا أدرك لكي أؤخذ أسيراً.
فقال علي (عليهالسلام ): إنَّا منك على خدعة، ما تريد إلا أن تثنينا عن الحيّ، قدموه، لتصدقنا، أو لنضربن عنقك.
قال: فقدم وسل السيف على رأسه، فلما رأى الشر قال: أرأيت إن صدقتكم أينفعني؟!
قالوا: نعم.
قال: فإني صنعت ما رأيتم، إنه أدركني ما يدرك الناس من الحياء، فقلت: أقبلت بالقوم أدلهم على الحيّ من غير محنة ولاحق فآمنهم، فلما رأيت منكم ما رأيت، وخفت أن تقتلوني كان لي عذر، فأنا أحملكم على الطريق.
قالوا: أصدقنا.
قال: الحيّ منكم قريب.
فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحيّ، فسمعوا نباح الكلاب وحركة النعم في المراح والشاء.
فقال: هذه الأصرام (الجماعات) وهي على فرسخ، فينظر بعضهم إلى بعض.
فقالوا: فأين آل حاتم؟!
قال: هم متوسطو الأصرام.
قال القوم بعضهم لبعض: إن أفزعنا الحيّ تصايحوا، وأفزعوا بعضهم بعضاً، فتغيب عنا أحزابهم في سواد الليل، ولكن نمهل القوم حتى يطلع
الفجر معترضاً، فقد قرب طلوعه فنغير، فإن أنذر بعضهم بعضاً لم يخفَ علينا أين يأخذون، وليس عند القوم خيل يهربون عليها، ونحن على متون الخيل.
قالوا: الرأي ما أشرت به.
قال: فلما اعترضوا الفجر أغاروا عليها، فقتلوا من قتلوا، وأسروا من أسروا، واستاقوا الذرية والنساء، وجمعوا النعم والشاء، ولم يخف عليهم أحد تغيب، فملأوا أيديهم.
قال: تقول جارية من الحي، وهي ترى العبد الأسود ـ وكان اسمه أسلم ـ وهو موثق: ما له؟! هُبِل(1) . هذا عمل رسولكم أسلم، لا سلم، وهو جلبهم عليكم، ودلهم على عورتكم!
قال يقول الأسود: أقصري يا ابنة الأكارم، ما دللتهم حتى قدّمت ليضرب عنقي.
قال: فعسكر القوم، وعزلوا الأسرى وهم ناحية نفير، وعزلوا الذرية، وأصابوا من آل حاتم أخت عدي، ونسيات معها، فعزلوهن على حدة.
فقال أسلم لعلي (عليهالسلام ): ما تنتظر بإطلاقي؟!
فقال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
قال: أنا على دين قومي هؤلاء الأسرى، ما صنعوا صنعت.
____________
1- أي رماه الله بالهبل.
قال: ألا تراهم موثقين، فنجعلك معهم في رباطك؟!
قال: نعم، أنا مع هؤلاء موثقاً أحب إلي من أن أكون مع غيرهم مطلقاً، يصيبني ما أصابهم، فضحك أهل السرية منه، فأوثق وطرح مع الأسرى.
وقال: أنا معهم حتى ترون منهم ما أنتم راؤن.
فقائل يقول له من الأسرى: لا مرحباً بك، أنت جئتنا بهم!
وقائل يقول: مرحباً بك وأهلاً، ما كان عليك أكثر مما صنعت، لو أصابنا الذي أصابك لفعلنا الذي فعلت وأشد منه، ثم آسيت بنفسك.
وجاء العسكر، واجتمعوا، فقربوا الأسرى، فعرضوا عليهم الإسلام، فقال: والله، إن الجزع من السيف للؤم، وما من خلود.
قال: يقول رجل من الحي ممن أسلم: يا عجباً منك، ألا كان هذا حيث أخذت، فلما قتل من قتل، وسبي منا من سبي، وأسلم منا من أسلم، راغباً في الإسلام تقول ما تقول؟! ويحك أسلم واتبع دين محمد.
قال: فإني أسلم وأتبع دين محمد. فأسلم وترك، وكان يعد فلا يفي، حتى كانت الردة، فشهد مع خالد بن الوليد اليمامة، فأبلى بلاء حسناً.
قال الواقدي: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن جعفر الزهري، فقال: حدثني ابن أبي عون قال: كان في السبي أخت عدي بن حاتم لم تقسم، فأنزلت دار رملة بنت الحارث.
وكان عدي بن حاتم قد هرب حين سمع بحركة علي (عليهالسلام )، وكان له عين بالمدينة، فحذره فخرج إلى الشام.
وكانت أخت عدي إذا مر النبي (صلىاللهعليهوآله ) تقول: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علينا منّ الله عليك.
كل ذلك يسألها رسول الله (عليهالسلام ): من وافدك؟!
فتقول: عدي بن حاتم.
فيقول: الفار من الله ورسوله؟! حتى يئست.
فلما كان يوم الرابع مرّ النبي (صلىاللهعليهوآله )، فلم تتكلم، فأشار إليها رجل: قومي فكلميه.
فكلمته، فأذن لها ووصلها، وسألت عن الرجل الذي أشار إليها، فقيل: علي، وهو الذي سباكم، أما تعرفينه؟!
فقالت: لا والله، ما زلت مُدْنِيَةً طرف ثوبي على وجهي، وطرف ردائي على بُرقعي من يوم أُسرت حتى دخلتُ هذه الدار، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أصحابه(1) .
وفي نص آخر: أنه (صلىاللهعليهوآله ) مضى حتى مرَّ ثلاثاً.
قالت: فأشار إليَّ رجل من خلفه: أن قومي فكلميه.
قالت: فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ، منّ الله عليك.
____________
1- المغازي للواقدي ج3 ص985 ـ 989. وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج69 ص194 ـ 198 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص234 ـ 238.
قال: قد فعلت، فلا تعجلي، حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني.
فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ، فقيل: علي بن أبي طالب.
وقدم ركب من بلى، فأتيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقلت: قدم رهط من قومي.
قالت: وكساني رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وحملني، وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت على أخي، فقال: ما ترين في هذا الرجل؟!
فقلت: أرى أن نلحق به(1) .
وفي نص آخر، قالت: يا محمد، أرأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب؟! فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط. أنا ابنة حاتم طيء.
فقال لها النبي (صلىاللهعليهوآله ): يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقاً، ولو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق(2) .
____________
1- الإصابة ج4 ص329 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص180 عن ابن إسحاق، وابن الأثير، وأبي نعيم، والطبراني، والخرائطي في مكارم الأخلاق، وراجع: السيرة الحلبية ج3 ص205 وراجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج4 ص49 و50 وأسد الغابة ج5 ص475.
2- السيرة الحلبية ج3 ص205 و (ط دار المعرفة) ج3 ص224 والبداية والنهاية = = ج2 ص271 وج5 ص80 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص109 وج4 ص132 وتاريخ مدينة دمشق ج11 ص359 وج36 ص446 وج69 ص202 و 203 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص376 ومستدرك الوسائل ج11 ص194 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص210 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) ج10 ص398 ونهج السعادة للمحمودي ج7 ص362 وكنز العمال ج3 ص664 والدرجات الرفيعة ص355.
ونقول:
إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات، نجملها فيما يلي من مطالب:
الرايـة السوداء:
وقد كانت راية علي (عليهالسلام ) في مسيره ذاك سوداء، وقد قلنا: أكثر من مرة: أن راية النبي (صلىاللهعليهوآله ) في حرب الكافرين والمشركين كانت سوداء ورايته (صلىاللهعليهوآله ) في فتح مكة كانت سوداء، وكانت راية علي (عليهالسلام ) سوداء، وراية علي (عليهالسلام ) هي راية النبي (صلىاللهعليهوآله ). قال الكميت الأسدي:
وإلا فارفعوا الرايات سوداً على أهل الضلالة والتعدي
لا بد من هدم الصنم:
إن هدم صنم طي يمثل تحدياً كبيراً لطيء، ولسائر القبائل في منطقتها، لأنهم كانوا يلزمون أنفسهم بعبادته، ويزعمون أنه يضر وينفع، وهدم هذا
الصنم هو الكفيل بإسقاط هذا الإعتقاد، وإظهار خرافيته.
وقد كلف علي (عليهالسلام ) بهذه المهمة..
مع أنهم لو فكروا في الأمر لوجدوا أن الأمر على عكس ذلك تماماً، فإن هدم الصنم لا يمثل أي تحدٍ لتلك القبائل، لأن الصنم إذا كان لديه القدرة على الضرر والنفع، وفيه صفات يستحق أن يعبد لأجلها، فهو الذي يدفع عن نفسه، ولا يحتاج إلى أحد في ذلك..
بل إن مبادرة أي كان من الناس لنصرة ذلك الصنم ضرب من الحمق، والرعونة والناصر له يكون ظالماً وباغياً، لأن نصرته هذه تعني أنه يريد أن يقهر الآخرين على القبول بما يدعيه لحجر أو خشب أو قطعة من نحاس من دون دليل، ومن دون إعطاء الفرصة لهم ليختبروا صحة ما يزعمه لذلك الصنم، وفساده، ويكون هذا الناصر والمدافع ممن يريد أن يبقى الناس في دائرة الخرافة، والضلال، والضياع.
لآل حاتم خصوصية:
ولكن ذلك لا يعني أنه (عليهالسلام ) لم يحارب الطائيين، وذلك لأنهم كانوا معلنين بالحرب على الإسلام والمسلمين، وقد وصل بعض جواسيسهم إلى المدينة نفسها، وقد غادر عدي بن حاتم إلى الشام، لأنه علم بمسير المسلمين من أحد جواسيس طي.
وأخذ علي (عليهالسلام ) بعض عيونهم على مسيرة يوم من محالهم، وكانت مهمته رصد خيل المسلمين، لينذرهم بها، ليأخذوا حذرهم.
ومن كان مع المسلمين في حالة حرب، فللمسلمين أن يأخذوه على حين غرة، من أجل تقليل خسائرهم في الأرواح، وفي غيرها، والتي لولا ذلك لكانت كبيرة وخطيرة. وليس للمحارب أن يأمن عدوه، وأن يطالبه بأن لا يقدم على حربه إلا بعد إستكمال عناصر قوته وإستعداده..
ولا شيء يدل على أنه (عليهالسلام ) لم يكن قد أنذرهم وأقام الحجة عليهم.. إذ يمكن أن يكون قد فعل ذلك قبل ظهور العداوة بينهم وبين المسلمين، بل قد يمكن إقامة الحجة بعد أن يهاجمهم، ويحوز المواشي وسواها.. ثم يعرض عليهم ما تتم به الحجة عليهم.
من الذي سبى سفانة؟!:
قد عرفت: أن الذي جاء بسفانة بنت حاتم هو علي (عليهالسلام ).
ولكن ابن سعد يذكر: أن الذي سباها هو خالد بن الوليد، ولا يمكن الجمع بينهما: بأن خالداً كان في جيش علي (عليهالسلام )، لأن جيش علي (عليهالسلام ) كانوا كلهم من الأنصار(1) .
____________
1- راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج4 ص50 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص233 وتاريخ مدينة دمشق ج69 ص194 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص164 ومعجم البلدان ج4 ص273 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص624 وإمتاع الأسماع ج2 ص45 وعيون الأثر ج2 ص241 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص218 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص223.
هروب عدي بن حاتم:
وهنا سؤال يقول:
إن عدي بن حاتم كان سيد قبيلة طي ورئيسها، فلماذا هرب حين عرف بمسير علي (عليهالسلام ) إليهم.. وكيف لم يُواس عشيرته فيما يجري عليها؟!
ويمكن أن يجاب: بأنه كان يعرف نتائج الحرب مع المسلمين، ولا سيما إذا كان علي (عليهالسلام ) هو المتصدي للمعتدين.. وقد عرف هو وغيره بما جرى في بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، وحنين، وفتح مكة، والطائف، وقريظة، والنضير وسواها، وهو يعرف قدرات قومه، ولا سيما بعد أن لم يعد هناك من يؤمل نصره.
يضاف إلى ذلك: أن عدي بن حاتم قد اعتنق النصرانية، ربما لأنه أدرك سخافة عبادة الأصنام.. وعدم معقولية الدخول في حروب للدفاع عنها، وتعريض النفس والأهل والمال للأخطار من أجلها..
فربما يكون قد هرب إلى الشام على أمل أن يجد لدى أهلها ومَن وراءَهم وخصوصاً الغساسنة والقياصرة والذين هم من النصارى من يعينه على محاربة أهل الإسلام..
علي (عليهالسلام ) لم يقسم آل حاتم:
وتقدم: أن علياً (عليهالسلام ) قد عزل خمس الغنائم، ثم قسم الباقي بين المسلمين، ولكنه لم يقسم آل حاتم، وذلك لأنه يريد أن يحفظ كرامة أهل
الكرامة، وليعرف الناس أن الإسلام لا يريد إذلال أحد، وإنما يريد إعزازهم، حتى وهم ينابذونه ويحاربونه.
كما أنه قدم دليلاً آخر جديداً بالفعل، لا بمجرد القول على أنه يتعامل مع الناس من خلال المثل والقيم، لا بالأهواء والأطماع، والعصبيات والإنفعالات.
سيوف يصطفيها علي (عليهالسلام ):
1 ـ تقدم: أن علياً (عليهالسلام ) اصطفى ثلاثة سيوف لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فوهب (صلىاللهعليهوآله ) اثنين منها لعلي (عليهالسلام ) نفسه، وهما رسوب، والمخذم، قالوا: وهما سيفا علي (عليهالسلام )(1) .
2 ـ لقد اختار (عليهالسلام ) السيوف دون سواها ليتحف بها رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لأنه (صلىاللهعليهوآله ) سيد المجاهدين الباذلين أنفسهم في سبيل الله تعالى، وفي سبيل تحرير المستضعفين، ودفع الأذى والظلم عنهم، والمنع من مصادرة حرياتهم..
ولم يكن (صلىاللهعليهوآله ) بصدد الحصول على المال والجاه، والمقام الدنيوي لنفسه، ولا كان يرغب بسوى إسعاد الناس في الدنيا والآخرة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
____________
1- شرح المواهب اللدنية ج4 ص49 وراجع: أسد الغابة ج1 ص30 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص359 وبحار الأنوار ج16 ص110.
تهديد المتهم:
وقد تهدد علي (عليهالسلام ) ذلك الجاسوس، الذي أراد أن يخدع المسلمين، وهذا يدل على أنه إذا أصر بعض الناس على إلحاق الضرر بالمسلمين، وعلم ذلك على نحو اليقين، فإن كونه أسيراً لا يمنع من ممارسة الضغط عليه، لإفساد خطته التي يسعى من خلالها لخداعهم، وإيقاعهم في فخ ربما يكون قد نصبه لهم.
وليس في هذا دلالة على جواز تهديده أو إجباره على الإقرار بما لا يعلم أنه يكتمه، فإن مجرد احتمال كتمانه لشيء لا يبرر إلحاق الأذى به..
إستهداف المقاتلين من آل حاتم:
وقد أظهرت الرواية المتقدمة: أن المسلمين كانوا يحرصون على مواجهة مقاتلي آل حاتم بالحرب، بهدف استئصال الروح القتالية ضد المسلمين فيهم.. والتقليل من ميلهم إلى السعي لجمع الجموع لقتال أهل الإيمان، ويهيؤهم إلى التفكير بجدية بما يعرض عليهم من خيارات، وقد تنفتح بصيرتهم على الإيمان والإسلام أيضاً..
قتل الأسرى:
إن هؤلاء الأسرى كانوا مقاتلين لمصلحة الأعداء، يسعون لإطفاء نور الله بالأقوال وبالأفعال، ويريدون منع الناس من ممارسة حرياتهم في الفكر، والإعتقاد، والممارسة.
إنهم رغم إقامة الحجة عليهم، يأبون إلا الفساد والإفساد، وإلا التآمر،
وإثارة الحروب، وسفك الدماء.. وحين أسرهم المسلمون تكرم (عليهالسلام ) عليهم بإعطائهم فرصة أخرى للكف عن بغيهم وظلمهم هذا، فعرض عليهم الإسلام، فإن أبوه بعد ظهور الحجج والدلائل القاطعة للعذر لهم، فلا بد من تخليص الناس من شرهم، وفق ما يمليه الواجب، وتحكم به جميع الشرائع والأعراف.
علي (عليهالسلام ) يحرض سفانة على الإلحاح:
تقدم: أن سفانة طلبت من النبي (صلىاللهعليهوآله ) ثلاث مرات أن يمن عليها، فلم تسمع جواباً سوى أنه كان يسألها عن وافدها.. فتقول: عدي بن حاتم، فيقول: الفار من الله ورسوله؟!
ثم حرضها علي (عليهالسلام ) على معاودة طلبها ففعلت، فاستجاب النبي (صلىاللهعليهوآله ) لطلبها فوراً، فلماذا استجاب (صلىاللهعليهوآله ) لها في المرة الرابعة؟!
ويمكن أن يجاب:
1 ـ بأنه (صلىاللهعليهوآله ) يريد أن يؤكد على رعونة موقف أخيها عدي بن حاتم، والتصريح لها ولكل من يبلغه ذلك: أنه خرج عن حدود المعقول والمقبول، فإن الصحيح والمقبول، والموافق للحكمة والروية والإتزان هو الهروب إلى الله ورسوله، وليس الهروب من الله ورسوله، لأن الهروب منهما رعونة وطيش، وافتتان..
والمتوقع من الإنسان العاقل والمتزن هو أن يدرك أن الله مدرك الهاربين، مبير الظالمين، صريخ المستصرخين، موضع حاجات الطالبين..
2 ـ إن علياً (عليهالسلام ) هو الذي أسر سفانة.. وها هو الآن هو الذي يحرضها على معاودة طلب العفو من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أي أنه كان مهتماً بأن يبلغها ما تريد، ليحفظ لها عزتها وكرامتها بذلك.. وهذا هو ما يريده رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لها أيضاً. ولكن بعد إفهامها ما يجب أن تفهمه وتعيه بدقة وعمق. سواء بالنسبة لأخيها، أو بالنسبة للنبي (صلىاللهعليهوآله )، وعلي (عليهالسلام )، والإسلام والمسلمين.
مع الإشارة إلى أن العزيز هو الذي يسعى لحفظ عزته، ويصر على ذلك. ومن لا يفعل ذلك، لا يكون من أهل العزة..
ولأجل إظهار هذا المعنى كان لا بد من أن تكون هي المبادرة والساعية للحصول على الحرية والكرامة، مثبتة بذلك أنها جديرة بهما..
3 ـ إن هذه المرارة التي أظهرها لها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من فعل أخيها غير المعقول، من خلال تكرار طلبها، والإصرار على إجابته الأولى، إلى أن تدخل علي (عليهالسلام ) لا بد أن تترك أثرها على هذه المرأة العاقلة والحازمة، ولأجل ذلك نجد أنها قد تأثرت بهذا الموقف، واختارت الإسلام، وكانت سبباً في هداية أخيها، حيث إنه أخذ بنصيحتها، واختار الإسلام، ووفد على النبي (صلىاللهعليهوآله )..
4 ـ إن علياً (عليهالسلام ) لم يقسم آل حاتم وأرسلهم إلى النبي (صلىاللهعليهوآله )، لكي يحفظ لهم عزتهم وكرامتهم. ولا بد أن يكون هذا التصرف قد ترك أثره على آل حاتم، وكان له دور في رغبتهم في الإسلام..
تحريفات وأكاذيب:
وقد لوحظ: أن بعض الروايات تحاول أن تنسب لعلي (عليهالسلام ) كلاماً لا يعقل صدوره منه في وصفه سفّانة بنت حاتم، وأنه (عليهالسلام ) لما رآها عند النبي (صلىاللهعليهوآله ) أعجب بها، وصمم على أن يطلب من النبي (صلىاللهعليهوآله ) أن يجعلها في فيئه(1) .
مع أنه (عليهالسلام ) لم يكن ممن يهتم بحطام الدنيا، ولا كان بصدد تلبية رغباته الغرائزية، ولا هو ممن تحركه الشهوات والأهواء والميول. للطلب من النبي (صلىاللهعليهوآله ) أن يعطيه دون أن يعطي غيره من المسلمين.
يضاف إلى ذلك: أنه (عليهالسلام ) هو الذي سباها، وجاء بها من بلادها إلى المدينة، فهل يقبل قولهم: إنه إنما رآها في المدينة؟!..
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج11 ص358 وج36 ص445 وج69 ص202 و203 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص210 ونهج السعادة ج7 ص361 وكنز العمال ج3 ص664 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج2 ص271 وج5 ص80 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص108 وج4 ص131 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص376.
مباهلة نصارى نجران..
حديث المباهلة:
قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وفد نصارى نجران، ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم العاقب هو والسيد، وأبو حارثة بن علقمة، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنس.
منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه. واسمه عبد المسيح.
والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم، ومجتمعهم، واسمه الأيهم.
وأبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل أسقفهم، وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم، وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه، ومولوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللاً لهم يجرونها من حبرة، وتختموا بالذهب.
وفي لفظ: دخلوا على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في مسجده [في
المدينة] حين صلى العصر، عليهم ثياب الحِبرات: جبب وأردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب.
فقال بعض من رآهم من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يومئذ: ما رأينا وفدا مثلهم. وقد حانت صلاتهم. فقاموا في مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يصلون نحو المشرق (فأراد الناس منعهم).
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (دعوهم).
ثم أتوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فسلموا عليه، فلم يردعليهمالسلام ، وتصدوا لكلامه نهاراً طويلاً، فلم يكلمهم، وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب.
فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا لهما: يا عثمان، ويا عبد الرحمن، إن نبيكما كتب إلينا كتاباً فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما؟ أنعود إليه، أم نرجع إلى بلادنا؟
فقالا لعلي بن أبي طالب (عليهالسلام ) وهو في القوم: ما الرأي في هؤلاء القوم يا أبا الحسن؟
فقال لهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودوا إليه.
ففعل وفد نجران ذلك ورجعوا إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم، ثم قال: (والذي بعثني بالحق، لقد أتوني
المرة الأولى وإن إبليس لمعهم)(1) .
وفد نجران يحاور رسول الله (صلىاللهعليهوآله ):
وعن ابن عباس، والأزرق بن قيس: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) دعا وفد نجران إلى الإسلام، فقال العاقب، عبد المسيح، والسيد أبو حارثة بن علقمة: قد أسلمنا يا محمد.
فقال: (إنكما لم تسلما).
قالا: بلى، وقد أسلمنا قبلك.
قال: (كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولداً).
ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟! فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبياً أن نعلم قولك فيه.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (ما عندي فيه شيء يومي هذا،
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص416 و 417 والمواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج5 ص187 و 188 وبحار الأنوار ج21 ص337 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص378 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص65 وإمتاع الأسماع ج14 ص69 وإعلام الورى ج1 ص255 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص103 ومكاتيب الرسول ج2 ص495.
فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى)(1) .
وعن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي: أنه سمع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول: (ثبت (ليت) بيني وبين أهل نجران حِجاب، فلا أراهم ولا يروني)، من شدة ما كانوا يمارون رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(2) . انتهى.
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن سعد عن الأزرق بن قيس، وابن جرير عن السدي، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي جريج: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟!
قال: (من صاحبكم)؟!
قالوا: عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد.
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص417 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبي نعيم، وابن سعد، وعبد بن حميد، وتفسير القرآن العظيم ج1 ص378 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص65 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص103 وغاية المرام ج3 ص215 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص286 وج35 ص263 وتفسير الميزان ج3 ص234.
2- سبل الهدى والرشاد ج6 ص417 عن ابن جرير، وجامع البيان للطبري ج3 ص405 والمحرر الوجيز للأندلسي ج1 ص447 والدر المنثور ج2 ص38 وتفسير الآلوسي ج3 ص194 وراجع: مجمع الزوائد ج1 ص155 وفتوح مصر وأخبارها ص511.
قال: (أجل، إنه عبد الله وروحه وكلمته، ألقاها إلى مريم، وروح منه).
فغضبوا وقالوا: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم، ثم خرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنساناً خلق من غير أب؟
فأنزل الله تعالى:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ.. ) (1) .
وأنزل تبارك وتعالى:( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ ) (2) .
فلما أصبحوا عادوا إليه، فقرأ عليهم الآيات، فأبوا أن يقروا. فأمر تعالى نبيه الكريم (صلىاللهعليهوآله ) بمباهلتهم، فقال سبحانه وتعالى:
( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللَهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ) (3) . فرضوا بمباهلته (صلىاللهعليهوآله )..
فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم: السيد، والعاقب، والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه؛ فإنه ليس نبياً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله،
____________
1- الآية 17 من سورة المائدة.
2- الآيتان 59 و 60 من سورة آل عمران.
3- الآيات 61 ـ 63 من سورة آل عمران.
فإنه لا يقدم على أهل بيته إلا وهو صادق.
وعن جابر، وابن عباس، وقتادة، وسلمة بن عبد يسوع، عن ابيه عن جده، وعن حذيفة، والأزرق بن قيس، والشعبي: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله) لما نزلت هذه الآيات دعا وفد نجران إلى المباهلة، فقال: (إن الله تعالى أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم).
فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا.
وفي حديث آخر فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فخلا بعضهم إلى بعض وتصادقوا.
فقال السيد العاقب: والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين، إنه لَلْإستئصال لكم، وما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم.
وفي رواية: فقال شرحبيل: لئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك.
وفي رواية: لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا.
قالوا: فما الرأي يا أبا مريم؟!
فقال: رأيي أن أُحَكِّمَه، فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً.
فقال السيد: فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.
فلما انقضت المدة أقبل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مشتملاً(1) على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة. فقال (صلىاللهعليهوآله ): (إن أنا دعوت فأمنوا أنتم)(2) .
وعن سعد بن أبي وقاص، عن علي بن أحمر قالا: لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علياً وفاطمة، وحسناً وحسيناً، فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي)(3) . انتهى.
____________
1- لم تذكر هذه الرواية علياً ( عليهالسلام ). ولعله هو النص المروي عن الشعبي، الذي ينكر حضور علي ( عليهالسلام )، كما سنرى.
2- سبل الهدى والرشاد ج6 ص419 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي، وأبي الشيخ، والترمذي، والنسائي، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور. وراجع: المواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج5 ص187 ـ 190 والشفا لعياض ج2 ص48 وبحار الأنوار ج35 ص264 والدر المنثور ج2 ص39 وتفسير الآلوسي ج3 ص188 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص79 ومناقب أهل البيت ( عليهمالسلام ) للشيرواني ص90.
3- سبل الهدى والرشاد ج6 ص419 عن مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم في السنن، وفي هامشه عن: الحاكم ج4 (1871)، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج5 ص190 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص66 والعمدة لابن البطريق ص132 و188 والطرائف لابن طاووس ص45 وص129 والصراط المستقيم للعاملي ج1 ص186 وبحار الأنوار ج37 ص265 و270.
فتلقى شرحبيل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك.
فقال: (وما هو)؟!
فقال: حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فما حكمت فينا فهو جائز. وأبوا أن يلاعنوه.
وعن ابن عباس قال: لو باهل أهل نجران رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً(1) .
وروي عن الشعبي مرسلاً: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال: (لقد أراني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر، لو تموا على الملاعنة).
وروي عن قتادة مرسلاً: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، أن لو فعلوا لاستؤصلوا من الأرض)(2) .
ولما غدا إليهم أخذ بيد حسن وحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص419 عن عبد الرزاق، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر. ومجمع البيان للطبرسي ج1 ص310 والدر المنثور للسيوطي ج2 ص39 وراجع: بحار الأنوار ج17 ص169 ومسند أحمد ج1 ص248 ومجمع الزوائد ج8 ص228 وفتح الباري ج8 ص557 والسنن الكبرى للنسائي ج6 ص308 ومسند أبي يعلى ج4 ص472 وتفسير القرآن للصنعاني ج1 ص52 وجامع البيان للطبري ج1 ص597 وج3 ص409.
2- سبل الهدى والرشاد ج6 ص419 والدر المنثور للسيوطي ج2 ص39.
خلفها، وهو يقول: (إذا أنا دعوت فأمِّنوا).
فقال أسقفهم: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله. فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. والله، لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، أي عيسى. فوالله، ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا، فإن أبيتم إلا دينكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا.
فقالوا: يا أبا القاسم لا نلاعنك.
فقال: (فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم). فأبوا.
قال: (فإني أناجزكم).
فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة. ولكن نصالحك.
فصالحهم، وقال: (والذي نفسي بيده، إن العذاب تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر)(1) .
____________
1- شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج5 ص190 عن ابن أبي شيبة، وأبي نعيم وغيرهما، وراجع: المحرر الوجيز للأندلسي ج1 ص448 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص185 و 186 وتفسير البغوي ج1 ص310 والتفسير الكبير ج8 ص85 وتفسير أبي السعود ج2 ص46 ومناقب آل أبي طالب (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص144 والعمدة لابن البطريق ص190 والطرائف لابن طـاووس ص42 وبحار الأنـوار ج21 ص281 وج35 ص258 وكتـاب = = الأربعين للماحوزي ص303 وشجرة طوبى ج2 ص425 وتحفة الأحوذي ج8 ص279 وتفسير جوامع الجامع ج1 ص294 وخصائص الوحي المبين ص126 و 127 وتفسير الميزان ج3 ص231 ومطالب السؤول ص38.
وفي بعض النصوص أنهم قالوا له: لم لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر، وأهل الشارة ممن آمن بك واتبعك؟!
فقال (صلىاللهعليهوآله ): (أجل، أباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض، وأفضل الخلق).
ثم تذكر الرواية قول الأسقف لأصحابه: (أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله..
إلى أن قال: أفلا ترون الشمس قد تغير لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة، والريح تهب هائجة سوداء، حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان؟! لقد أطلَّ علينا العذاب! انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها، وإلى الشجر كيف يتساقط أوراقها، وإلى هذه الأرض ترجف تحت أقدامنا)(1) .
____________
1- راجع: تفسير القمي ج1 ص104 وحياة الإمام الحسن ( عليهالسلام ) للقرشي ج1 ص49 ـ 51. وقد روى قضية المباهلة بأهل الكساء بالاختصار تارة، وبالتفصيل أخرى جم غفير من الحفاظ والمفسرين.
ونذكر على سبيل المثال منهم هنا: تفسير العياشي ج1 ص176 و 177 ومجمع البيان ج2 ص452 و 453 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1 ص370 و 371 = = وتفسير جامع البيان للطبري ج3 ص211 و213 و212. وتفسير النيسابوري (بهامش جامع البيان) ج3 ص213 و 214 وتفسير الرازي ج8 ص80 وبعد ذكره حديث عائشة في المباهلة بأهل البيت ( عليهمالسلام )، وأنه ( صلىاللهعليهوآله ) جعل حينئذٍ الجميع تحت المرط الأسود، حيث قرأ آية التطهير قال الرازي: (وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث).
____________
وراجع: التفسير الحديث لمحمد عزت دروزة ج8 ص108 عن التاج الجامع للأصول ج3 ص396 عن مسلم والترمذي. والكشاف للزمخشري ج 1 ص 368 ـ 370 والإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ص166 والصواعق المحرقة ص 153 و 154 وأسباب النزول للواحدي ص 58 و 59 وصحيح مسلم ج7 ص120 و 121 والبداية والنهاية ج5 ص54 وحياة الصحابة ج2 ص492 وج1 ص130 و 121 وصحيح الترمذي ج5 ص638 و 22 وينابيع المودة ص52 و 232 وعن ص479 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص298 و 299 وحقائق التأويل للشريف الرضي (رحمهالله) ص110 و 112 وفرائد السمطين ج1 ص378 وج2 ص23 و 24 وشواهد التنزيل ج1 ص126 و 127 و 124 و 123 وج2 ص20 والمسترشد في الإمامة ص60 وترجمة الإمام علي ( عليهالسلام ) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي ط1) ج1 ص206 و (ط2) ص225 والمناقب للخوارزمي ص59 و 60 كشف الغمة للأربلي ج1 ص232 و 233 والإصابة ج2 ص503 و 509 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص50 وتفسير فرات ص15 و 14 و 16 و 117 وأمالي الشيخ الطوسي ج2 ص172 وج1 ص265 والجوهرة في نسب علي= = وآله ( عليهمالسلام ) ص69 وذخائر العقبى ص25 وروضة الواعظين ص164 وما نزل من القرآن في أهل البيت لابن الحكم ص50 والفصول المهمة لابن الصباغ ص110 و 5 و 7 ومستدرك الحاكم ج3 ص150 وأُسد الغابة ج4 ص26 وسنن البيهقي ج7 ص63 ومسند أحمد ج1 ص185 ومناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) لابن المغازلي ص263 وفي هامشه عن نزول القرآن لأبي نعيم (مخطوط) والدر المنثور ج2 ص38 ـ 40 عن بعض من تقدم وعن البيهقي في الدلائل، وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
وراجع: تفسير البرهان ج1 ص286 ـ 290 عن بعض من تقدم وعن موفق بن أحمد، في كتاب فضائل الإمام علي، والإختصاص، وعن الصدوق وعن الثعلبي، عن مقاتل، والكلبي، وفي تفسير الميزان ج2 ص228 ـ 235. عن كثير ممن تقدم، وعن عيون أخبار الرضا، وإعلام الورى ص79 والخرائج والجرائح، وحلية الأولياء، والطيالسي.
وهو أيضاً في: فتح القدير ج1 ص347 و 348 والتبيان في تفسير القرآن ج2 ص485 ونور الثقلين ج1 ص288 ـ 290 عن بعض من تقدم وعن الخصال وروضة الكافي وغيرهما، وعن نور الأبصار ص111 وعن المنتقى باب 38 وفي تفسير الميزان ج3 ص 235 وقال ابن طاووس في كتاب سعد السعود ص91: رأيت في كتاب تفسير ما نزل في القرآن في النبي وأهل بيته، تأليف محمد بن العباس بن مروان: أنه روى خبر المباهلة من أحد وخمسين طريقاً عمن سماه من الصحابة وغيرهم، وعد منهم الحسن بن علي ( عليهماالسلام ) وعثمـان بن عفـان، وسعد بن أبي وقاص، = = وبكر بن سمال، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس، وأبا رافع مولى النبي، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك) انتهى.
____________
وروي ذلك أيضاً عن: علي ( عليهالسلام ) وأم سلمة وعائشة، وأبي سعيد الخدري وعمرو بن سعيد بن معاذ، وحذيفة بن اليمان، (وزاد ابن طاووس نقلاً عن الحجام) أبا الطفيل عامر بن واثلة، وجرير بن عبد الله السجستاني، وأبا قيس المدني، وأبا إدريس، ومحمد بن المنكدر، وعلي بن الحسين، وأبا جعفر محمد بن علي بن الحسين، وأبا عبد الله جعفر بن محمد، والحسن البصري، وقتادة، وعلباء بن الأحمر، وعامر بن شراحيل الشعبي، ويحيى بن نعمان، ومجاهد، وشهر بن حوشب.
وأضاف ابن شهرآشوب في مناقبه ج 3 ص 368 ـ 369 و 370: أبا الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، وابن البيع في معرفة علوم الحديث، واحمد في الفضائل، وابن بطة في الإبانة، والأشفهي في اعتقاد أهل السنة، والخركوشي في شرف النبي، ومحمد بن اسحاق، وقتيبة بن سعيد، والقاضي أبا يوسف، والقاضي المعتمد أبا العباس، وأبا الفرج الأصبهاني في الأغاني عن كثيرين وهامش حقائق التأويل ص 110 عن بعض من تقدم، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص165 والكامل لابن الأثير ج2 ص392 وعن كنز العمال ج 6 ص 407 وعن تفسير الخازن، وعن تفسير البغوي بهامشه.
وثمة مصادر كثيرة أخرى ذكرها في مكاتيب الرسول ج2 ص502 و 503 و 504 مثل: تاريخ اليعقوبي ج2 ص66 وفي (ط أخرى) ص71 وفتوح البلاذري ص75 وفي (ط أخـرى) ص85 والسـيرة الحلبيـة ج3 ص240 والسـيرة النبـويـة لدحـلان = = (بهامش الحلبية) ج3 ص6 والشفاء للقاضي عيـاض ج2 ص107 ونسيم الريـاض ج3 ص411 وشرح القاري (بهامشه) ج2 ص522 وج3 ص411 وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص141 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4 ص104 والمنار ج3 ص322 وأعيان الشيعة ج1 ص416 وبحار الأنوار ج35 وج21 ص277 و282 و321 و338 و339 و341 ـ 343 و346 و354 ودلائل النبوة للبيهقي ص298 والقاضي البيضاوي في تفسير الآية، وروح المعاني ج3 ص190 وروح البيان ج2 ص44 والسراج المنير ج1 ص222 وتفسير الشريف اللاهيجي ج1 ص332 وجلاء الأذهان ج1 ص61 وكنز الدقائق ج2 ص102 والعبر وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون ج2 ق2 ص57 والعمدة لابن بطريق ص188 وما بعدها، وتذكرة الخواص لابن الجوزي ص14 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص16 وفي (ط أخرى) ص295 والأغاني ج12 ص7 ونهج الحق ص177 وغاية المرام المقصد الثاني الباب 3 و4 عن سعد، وجابر، وابن عباس، والشعبي، والسدي، وأبي عبد الله والحسن وأبي الحسن موسى وأبي ذر عن علي ( عليهماالسلام ) في حديث (المناشدة)، وعن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير، وعن أبي الحسن الرضا ( عليهالسلام ).
____________
وكذا أخرجه في ملحقات إحقاق الحق ج3 ص46 فما بعدها وج5 وج9 وج14 عن مصادر أهل السنة جمعاء. عن جمع ممن قدّمناه، وعن الثعلبي في تفسيره، ومعالم التنزيل ج1 ص302 ومصابيح السنة ج2 ص204 وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص115 وجامـع الأصول ج9 ص470 وتلخيص الـذهبي ذيـل المستدرك ج3 = = ص150 ومطالب السؤول ص7 والرياض النضرة ص188 وتفسير النسفي ج1 ص136 وتبصير الرحمن ج1 ص114 ومشكاة المصابيح ج2 ص356 والكاف الشاف ص226 والمواهب للكاشفي ج1 ص71 ومعارج النبوة ج1 ص315 والإكليل ص53 وتفسير الجلالين ج1 ص33 وتفسير أبي السعود ج2 ص143 ومدارج النبوة ص500 ومناقب مرتضوي ص44 والإتحاف بحب الأشراف ص50 والجواهر للطنطاوي ج2 ص120 ورشفة الصادي ص35 وكفاية الخصام ص39. وراجع أيضاً ج9 ص70 عن منهاج السنة لابن تيمية ج4 ص34 ومقاصد المطالب ص11 والمنتقى ص188، وأرجح المطالب ص55 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص194 ومرآة الجنان ج1 ص109 وشرح المقاصد للتفتازاني ج2 ص219 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج4 ص43 وإمتاع الأسماع ص502 والمواقف ج2 ص614 وشرح ديوان أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) ص184 وراجع أيضاً ج5 ص59 و 102 وج14 ص131 ـ 148.
كتاب مصالحة النجرانيين:
وبعد امتناع نجران عن الدخول في الملاعنة، تقرر ضرب الجزية علىهم فانصرفوا حتى إذا كان من الغد كتب إليهم كتاباً بذلك..
وذكرت بعض المصادر: أن كاتب الكتاب هو المغيرة بن شعبة(1) .
____________
1- راجع: مكاتيب الرسول ج3 ص148 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص266 و (ط ليدن) ج1 ق2 ص21 والبداية والنهاية ج5 ص55 ورسالات نبوية ص66 وحياة الصحابة ج1 ص123 وزاد المعاد ج3 ص41 = = وجمهرة رسائل العرب ج1 ص76 ومدينة العلم ج2 ص297 ومجموعة الوثائق ص179/95 عن جمع ممن قدمناه، وعن إمتاع الأسماع (خطية كوپرلو) ص1038 وراجع: سبل الهدى والرشاد (خطية باريس) 1992، ورقة 65 ـ ألف وراجع أيضاً ص718 و (ط دار الحديث سنة 1419هـ) ج11 ص393.
وقيل: هو معيقيب(1) .
وقيل: عبد الله بن أبي بكر(2) .
وقال اليعقوبي: إنه علي (عليهالسلام )(3) .
ويؤيده: ما ذكره يحيى بن آدم(4) .
ويؤيده أيضاً: ما ذكروه من أن النجرانيين جاؤوا علياً (عليهالسلام ) بكتابه الذي كتبه لهم بيده، فراجع(5) .
____________
1- ذكر ذلك أبو عبيد، وابن زنجويه.
2- ذكر ذلك أبو يوسف.
3- تاريخ اليعقوبي ج2 ص82.
4- فتوح البلدان للبلاذري ج1 ص78 ومكاتيب الرسول ج3 ص107 و 153 و 169.
5- السنن الكبرى للبيهقي ج10 ص120 ومعجم البلدان ج5 ص269 ومكاتيب الرسول ج3 ص170 عن المصادر التالية: المصنف لابن أبي شيبة ج14 ص550 و 551 عن سالم، وكنز العمال ج4 ص323 و (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص601 عـن ابـن أبـي شيبـة، والأمـوال لأبي عبيد، والبيهقي وج14 = = ص247 عن البيهقي، عن عبد خير، والأموال لابن زنجويه ج1 ص276 و 418 عن سالم، والخراج لأبي يوسف ص80 قال: وكان الكتاب في أديم أحمر، والأموال لأبي عبيد ص143/273 والمطالب العالية ج4 ص41 وراجع: فتوح البلدان ج1 ص79 والكامل في التاريخ ج2 ص294.
ما عندي شيء في يومي هذا:
ذكرت رواية ابن عباس والأزرق بن قيس: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يجب نصارى نجران على سؤالهم عن عيسى. بل قال لهم: ما عندي فيه شيء من يومي هذا(1) . مع أن جعفر بن أبي طالب (رحمهالله ) قد ذكر لملك الحبشة قبل ما يقرب من خمس عشرة سنة الآيات التي تتحدث عن بشرية عيسى، وهي قوله تعالى:
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً، فَحَمَلَتْهُ
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص286 وج35 ص263 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص378 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص53 و (ط دار الكتب العلمية) ص42 وتفسير الآلوسي ج3 ص186 وبحار الأنوار ج18 ص420 و 473 عن مجمع البيان ج3 ص233 و 234 وعن تفسير القمي، وعن إعلام الورى.
فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً، فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنسِيّاً، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً، ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) ..
وفيها قوله تعالى:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً.. بالإضافة إلى ما ورد في سورة آل عمران، وغيرها ) (2) .
كما أن الآيات التي نزلت إنما هي من سورة آل عمران، وقد نزلت ثمانون آية منها دفعة واحدة.
____________
1- الآيات 16 ـ 35 من سورة مريم.
2- بحار الأنوار ج18 ص420 و413 و215 وعن مجمع البيان ج3 ص233 و 234 وعن تفسير القمي، وعن إعلام الورى (ط 2) ص53 ـ 55 و (الطبعة الأولى) ج1 ص133 وعن الخرائج والجرائح ص186.
وقوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) هي الآية التسعة والخمسون، فلماذا لم يقرأها عليهم مباشرة؟!
ولماذا يصر إلى أن تنزل عليه، فيقرؤها عليهم في اليوم التالي كما تقدم؟!
والرأي يا أبا الحسن؟!:
وقد أظهر ما جرى لوفد نجران من إعراض النبي (صلىاللهعليهوآله ) عنهم، ولم يجدوا عند أحد تفسيراً لذلك إلا عند علي (عليهالسلام )، فإنه هو الذي كان يعرف ما يرضاه ويحبه الرسول (صلىاللهعليهوآله )، وما يكرهه، ويمقته، لأنه يعرف أحكام الله تعالى، وما حرَّم سبحانه، وما أحل، وما يرضيه، وما لا يرضيه.. وتلك دلالة أخرى على اختصاصه برسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
وقد ظهر: أنه (صلىاللهعليهوآله ) لا يريد أن يخدعوا الناس بزبارج الدنيا وبهارجها تماماً كما فعل قارون حين خرج على قومه في زينته، وكما فعل فرعون حين استخف قومه، فأطاعوه، فلا بد أن يستخدموا أمثال هذه الوسائل الخادعة، بل عليهم أن يتركوا المجال للمنطق وللحجة، ولا شيء غير ذلك.
ولذلك قال (صلىاللهعليهوآله ): والذي بعثني بالحق، لقد أتوني في
____________
1- الآية 59 من سورة آل عمران.
المرة الأولى، وإن إبليس لمعهم(1) .
لماذا لا يذكرون علياً (عليهالسلام ):
لم تذكر بعض المصادر علياً (عليهالسلام ) في حديث المباهلة(2) .
والظاهر: أنه تابع الشعبي في ذلك، فقد قال الطبري: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، قال:
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج21 ص337 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص222 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص378 وإمتاع الأسماع ج14 ص69 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص103 وغاية المرام ج3 ص215 وإعلام الورى ج1 ص255 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص417.
2- البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص65 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص378 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص103 والعجاب في بيان الأسباب ج2 ص685 والدر المنثور ج2 ص38 وتفسير الآلوسي ج3 ص186 وإمتاع الأسماع ج14 ص69 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص75 و 88 وج24 ص16 و 17 وج33 ص24.
وراجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص419 عن الدلائل للبيهقي، وبحار الأنوار ج35 ص262 و 263 وتفسير الميزان ج3 ص234 والمعجم الصغير للطبراني ج1 ص199 وتاريخ مدينة دمشق ج13 ص25 وترجمة الإمام الحسين ( عليهالسلام ) لابن عساكر ص135.
فقلت للمغيرة: إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن علياً كان معهم.
فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في علي؟! أو لم يكن في الحديث؟!(1) ..
ونقول:
قال الرازي وغيره عن الرواية التي تذكر علياً والحسنين وفاطمة (عليهمالسلام ): (إن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث)(2) .
وقال الجصاص: (فنقل رواة السير، ونقلة الأثر، لم يختلفوا فيه: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة (عليهمالسلام )، ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة)(3) .
____________
1- جامع البيان (ط دار الفكر) ص407 و (ط دار المعرفة) ج3 ص210 وعن زاد المعاد ج3 ص39 و40.
2- التفسير الكبير للرازي ج8 ص80 و (الطبعة الثالثة) ج8 ص85 وراجع: بحار الأنوار ج21 ص285 والإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) للهمداني ص266 ومكاتيب الرسول ج2 ص506 عن النيسابوري في تفسيره (بهامش الطبري) ج3 ص213 وأعيان الشيعة ج1 ص417.
3- أحكام القرآن للجصاص ج2 ص16 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج2 ص18 و (ط أخرى) ص295 و مكاتيب الرسول ج2 ص505.
وقال الحاكم: (تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عباس وغيره: أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أخذ يوم المباهلة بيد علي، وحسن وحسين، وجعلوا فاطمة وراءهم الخ..)(1) .
وبعدما تقدم نقول:
لعل السبب في هذا التجني على الحقيقة هو أن هؤلاء لم يجدوا أية فرصة لإقحام أي من الرموز التي ينتمون إليها في هذا الحدث الهام جداً، ولم يمكنهم إنكار دلالة هذا الحدث على عظيم فضل علي (عليهالسلام ).. حيث دلت الآية على أنه أفضل من جميع الأنبياء باستثناء نبينا الأعظم (صلىاللهعليهوآله )، فلجأوا إلى السعي لحجب إسم علي (عليهالسلام ) عن التداول، توطئة لحجبه عن الذاكرة، على أمل أن يجدوا مخرجاً لهم من هذه الورطة.
وكان الشعبي أحد رواد هذا التوجّه، مع أنه يناقض نفسه في مورد آخر، فيروي أن المقصود بقوله:( وَأَنْفُسَنَا ) (2) هو علي(3) وسيكون له
____________
1- معرفة علوم الحديث ص50 ومكاتيب الرسول ج2 ص505.
2- الآية 61 من سورة آل عمران.
3- دلائل الصدق ج2 ص85 والطرائف لابن طاووس ص47 وبحار الأنوار ج21 ص349 وج35 ص262 وتفسير فرات الكوفي ص87 ومجمع البيان ج2 ص311 وأسباب نزول الآيات ص68 وشواهد التنزيل ج1 ص159 ونهج الإيمان لابن جبر ص346 والعمدة لابن البطريق ص191 عن المناقب لابن = = المغازلي ص263 والإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) للهمداني ص284 وخصائص الوحي المبين ص129 وراجع: تفسير القرآن العظيم ج1 ص379 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص226 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص138.
موقف بين يدي الله تعالى، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
ومن الدس الرخيص أيضاً:
وقد ذكر بعضهم: أن عمر قال للنبي (صلىاللهعليهوآله ): (لو لاعنتهم بيد من تأخذ؟!
قال: آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، وعائشة، وحفصة. وهذا ـ أي زيادة عائشة وحفصة في هذه الرواية ـ دل علىه قوله تعالى:( وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ) (1)(2) .
وعن الصادق (عليهالسلام ) عن أبيه، في هذه الآية:( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) (3) قال: (فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان
____________
1- الآية 61 من سورة آل عمران.
2- السيرة الحلبية ج3 ص212 و (ط دار المعرفة) ج3 ص236 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص144 و 145 ومكاتيب الرسول ج2 ص506.
3- الآية 61 من سورة آل عمران.
وولده، وبعلي وولده)(1) .
ونقول:
معنى هذا: أن فاطمة ايضاً قد استبعدت من المباهلة لصالح ولد أبي بكر وعمر. وهذا أيضاً يأتي في نفس الإتجاه الذي سار فيه الشعبي، وتابعه فيه ابن كثير، كما ذكرناه في الفقرة السابقة.. ولكن الشعبي لجأ إلى طريقة التجاهل، وإغفال ذكر علي (عليهالسلام )، وهؤلاء هنا آثروا اعتماد طريقة الدس الرخيص الذي لم يكن موفقاً كما سنرى، فلاحظ الأمور التالية:
1 ـ إن ظاهر كلام هذا البعض أنه يستنبط إشراك عائشة من الآية الشريفة، وهي قوله تعالى:( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (2) ، ولو قبلنا بهذا لكان ينبغي إشراك أم سلمة وسواها من زوجاته (صلىاللهعليهوآله ).
2 ـ سيأتي: أن قوله تعالى:( وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ) ، لا يقصد به الزوجات، ولا مطلق المرأة. بل المقصود به المرأة المسلمة المعصومة الكاملة التي تكون شريكة في الدعوى وفي المباهلة لإثباتها.. ولا بد أن تكون عارفة بتفاصيل
____________
1- الدر المنثور ج2 ص40 عن ابن عساكر، وتفسير المنار ج3 ص322 ومكاتيب الرسول ج2 ص507 وكنز العمال ج2 ص379 وتفسير الميزان ج3 ص244 وفتح القدير ج1 ص348 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص177 والإمام علي بن أبي طالب (عليهالسلام) للهمداني ص278.
2- الآية 61 من سورة آل عمران.
الدعوة، وأحكامها وسائر شؤونها، وتحملها المسؤولية كاملة مع النبي (صلىاللهعليهوآله ) وعلي والحسنين (عليهالسلام ).. ولولا هذه المعرفة التامة لكان هذا الإشراك ظلماً، لأنه يجعلهم في مواجهة أمر له تبعات خطيرة جداً ما دام أن أحد طرفيها يستحق نزول العذاب..
3 ـ إن الحديث المنسوب إلى الإمام الصادق (عليهالسلام )خلاف المتواتر والثابت.
ويلاحظ: أن الحديث قد رتب الأشخاص حسب ترتيب الخلافة!!
4 ـ إن نظرة الإمام الصادق (عليهالسلام ) السلبية للخلفاء الذين استولوا على الخلافة، وابعدوا علياً (عليهالسلام ) عنها، واعتبارهم معتدين وغاصبين مما لا يمكن النقاش فيه، وهذه الرواية تناقض ذلك..
5 ـ كيف بقيت هذه الرواية مخفية، ولا يهتدى إليها أحد من محبي الخلفاء طيلة أكثر من قرن من الزمن.. رغم أن هذا الحدث قد عرف واشتهر، وذاع صيته في كل ناد، وفي جميع البلاد.. وكذلك الحال بالنسبة لأخذه (صلىاللهعليهوآله ) بيد عائشة وحفصة إلى المباهلة.. فإن ذلك لو كان لطبلوا له وزمروا، وملأوا به الدنيا، وشغلوا به الناس..
ليت بيني وبين النجرانيين حجاب!!:
وقد زعمت رواية ابن جزء الزبيدي: أن النبي (صلىاللهعليهوآله )تمنى أن يكون بينه وبين أهل نجران حجاب، فلا يراهم ولا يرونه.. من شدة ممارتهم له (صلىاللهعليهوآله ).. غير أننا نقول:
إننا نشك في ذلك، فإن النبي (صلىاللهعليهوآله )لا يضجر من البحث العلمي، بل هو يسر به، لأنه يظهر الحجة، ويعرف الناس على محاسن الإسلام وحقانيته.. ولكن حين يصبح البحث لجاجاً وعناداً، وتكراراً للمكررات، ولف ودوران. وسعي لخداع الناس، عن طريق إطلاق شعارات طنانة وفارغة، ولا حصاد له، إلا تلف الوقت والأذى، فلا بد من إيقافه، ولو بصد أولئك الجاحدين والمعاندين، وجعل الحجاب بين أهل الحق وبينهم..
ما الذي يصدهم عن الهدى:
وقد بين (صلىاللهعليهوآله ) لنصارى نجران أن الذي يصدهم عن الإسلام، أمور ثلاثة. وذكر منها: أكلهم الخنزير. فدل ذلك على أن للمآكل تأثيراً في الصدود عن الحق، ولذلك فإننا حين نقرأ قوله تعالى:( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) (1) .. فلا بد أن لا نستثني هذا الأمر من أجواء هذه الآية المباركة.. كما أننا حين نقرأ آية التطهير، لا بد أن نفهم منها المعنى الأوسع والأشمل..
كلام صاحب المنار:
وقد حاول البعض التشكيك في حديث المباهلة، بأنحاء أخرى، فنقل عن أستاذه الشيخ محمد عبده:
____________
1- الآية 24 من سورة عبس.
(أن الروايات متفقة على أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) اختار للمباهلة علياً وفاطمة وولديهما. ويحملون كلمة (نساءنا) على فاطمة، وكلمة (أنفسنا) على علي فقط).
ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، حتى راجت على كثير من أهل السنة.
ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فإن كلمة (نساءنا) لا يقولها العربي ويريد بها بنته، لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم.
وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.
ثم إن وفد نجران الذين قالوا: إن الآية نزلت فيهم، لم يكن معهم نساؤهم وأولادهم.
وكل ما يفهم من الآية أمر النبي (صلىاللهعليهوآله ) أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الإجتماع رجالاً ونساءً، وأطفالاً، ويبتهلون إلى الله بأن يلعن هو الكاذب فيما يقول عن عيسى.
وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول. كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب، سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم، على امترائهم في حجاجهم، ومماراتهم فيما يقولون، وزلزالهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ولا يقين. وأنى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد، متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه، وإبعاده من رحمته؟! وأي جراءة على
الله، واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا؟!
قال: أما كون النبي (صلىاللهعليهوآله ) والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى (عليهالسلام ) فحسبنا في بيانه قوله تعالى:( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ ) (1) فالعلم في هذه المسائل الإعتقادية لا يراد به إلا اليقين.
وفي قوله:( نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ.. ) (2) وجهان:
أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر، فأنتم تدعون أبناءنا، ونحن ندعو أبناءكم، وهكذا الباقي.
وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله، فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا، وأنتم كذلك.
ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس، وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم من القول بالتخصيص(3) .
ونقول:
إننا نذكر هنا ما أوردناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله )(4) . وهو كما يلي:
أولاً: ما زعمه من أن مصادر هذا الحديث هم الشيعة غير صحيح، فقد
____________
1- الآية 61 من سورة آل عمران.
2- الآية 61 من سورة آل عمران.
3- تفسير المنار ج3 ص322 و 323 وتفسير الميزان ج3 ص236.
4- الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلىاللهعليهوآله ) ج29 ص12 ـ 17.
روي هذا الحديث في صحاح أهل السنة ومجاميعهم الحديثية والتفسيرية وبطرقهم. ومن غير المعقول أن يكون الشيعة قد دسوا هذه الروايات في تلك المجاميع.. إذ إن ذلك يؤدي إلى سقوطها، ومنها صحيح مسلم والترمذي، وتفسير الطبري، والدر المنثور، وسائر صحاح ومصادر أهل السنة..
ثانياً: لو صح ما زعمه، لأفسح المجال للقول: بأن الدس في كتب أهل السنة ميسور لكل أحد، من قبل الشيعة وغيرهم، والنتيجة هي: أن تصبح روايات أهل السنة كلها مسرحاً لتلاعب جميع الفئات، ولا مجال للوثوق بها، وتسقط بذلك عن الإعتبار..
ثالثاً: إن كان المقصود بالشيعة خصوص الصحابة والتابعين الذين رووا هذا الحديث، فالأمر يصبح أشد خطورة، إذ هو يؤدي إلى نسبة جماعة من أئمة أهل السنة، ورواة حديثهم، وفقهائهم، إلى التشيع والشيعة، مع أنه لا يرتاب أحد في تسننهم، بل فيهم من هو من الأركان في التسنن..
رابعاً: بالنسبة لقوله عن الشيعة: (ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة، وكلمة أنفسنا على علي فقط) نقول:
إن التعبير بالنساء والأبناء جار وفق ما يقتضيه طبعه العام، وإن كان مصداقه ينحصر في فرد واحد، تماماً كما هو الحال في قوله تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) . إذ لا مصداق للمفهوم العام سوى علي بن أبي طالب (عليهالسلام )
____________
1- الآية 55 من سورة المائدة.
حين تصدق بالخاتم وهو راكع، وهي قضية يعرفها كل أحد.
وكذلك الحال في قوله:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) (1) ، التي لا يقصد بها سوى الأئمة الإثني عشر..
ومن المعلوم: أن الله لا يأمر بإطاعة أمثال فرعون ويزيد ونمرود.
ومنه: آية التطهير التي قصد بها خصوص الخمسة أصحاب الكساء.
وكذلك الحال في قوله تعالى:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) ، مع أن المقصود بها خصوص أصحاب الكساء والتسعة من ذرية الإمام الحسين (عليهالسلام ). كما دلت عليه الروايات.
ولا يقصد بها من كان من الضالين، أو الجبارين، كالذين قتلوا واضطهدوا أبناء عمهم من أبناء علي (عليهالسلام )، والذين أحرقوا قبر الأمام الحسين (عليهالسلام )، وإن كانوا من قرابته (صلىاللهعليهوآله ).
ومنه: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ ) (3) ، ونحن نعلم أن إثبات بنات للنبي (صلىاللهعليهوآله) غير الزهراء (عليهاالسلام) صعب المنال، فراجع كتابنا (بنات النبي أم ربائبه)، وكتاب: (القول الصائب في إثبات الربائب)، وكتاب: (البنات ربائب)، وكتاب (ربائب النبي شبهات وردود)..
____________
1- الآية 59 من سورة النساء.
2- الآية 23 من سورة الشورى.
3- الآية 59 من سورة الأحزاب.
خامساً: بالنسبة لقوله: (إن العربي لا يطلق كلمة نساءنا على بنت الرجل، لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم) نقول:
ألف: إن الذين أوردوا هذه الروايات التي طبقت الآية على علي وفاطمة (عليهماالسلام )، كانوا من العرب الأقحاح، الذين عاشوا في عصر النبوة وبعده، وقد سجلها أئمة اللغة، وعلماء البلاغة في كتبهم ومجاميعهم، ولم يسجلوا أي تحفظ على هذه الروايات..
ب: لو صح إشكال هذا الرجل، فهو وارد على قوله هو أيضاً، فإنه يزعم: أن وفد نجران لم يكن معه نساءٌ ولا أولادٌ، فما معنى أن تقول الآية:( نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ؟!. فكيف يمكنه تطبيق الآية ) ؟!.
ج: إن المقصود هو أن يُبْلِغَهم أنه يباهلهم في قضية بشرية عيسى بجميع الأصناف البشرية التي لها خصوصية الإشتراك في العلم والأهلية، وفي الدعوى، وفي إثباتها. وهم هنا من النساء والأطفال والرجال، حتى لو لم يكن الجامعون للشرائط المشار إليها منهم سوى فرد واحد من كل صنف.
فهو كقول القائل: شرفونا وسنخدمكم: نساءً، ورجالاً، وأطفالاً. أي أن جميع الأصناف سوف تشارك في خدمتهم، حتى لو شارك واحد أو اثنان من كل صنف.
سادساً: زعم هذا القائل: أن ظاهر الآية هو أن المطلوب هو دعوة المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب جميع نسائهم ورجالهم
وأبنائهم، ويجمع النبي جميع أبناء ونساء ورجال المؤمنين، ثم يبتهلون.
ونقول:
إن هذا لا يمكن أن يكون هو المراد من الآية، لأنه من طلب المحال. ويحق للنصارى أن يرفضوا هذا الطلب، لأنه يثبت أن ثمة تعنتاً، وطلباً لما لا يكون. وهو يستبطن الإعتراف بصحة ما عليه النصارى.. إذ لو لم يكونوا على حق لما لجأ إلى التعنت وطلب المحال.
سابعاً: قد يقال: إن كان المقصود هو: نساء وأبناء الوفد، ونساء وأبناء النبي، فيرد إشكال: إنه لم يكن مع الوفد نساء وأبناء..
ويجاب عنه:
بأن الناس كثيراً ما كانوا يسافرون ومعهم نساؤهم وأبناؤهم. وكان النبي (صلىاللهعليهوآله ) يصطحب معه في حروبه إحدى زوجاته، وكان المشركون يأتون بنسائهم في حروبهم، كما كان الحال في بدر، وأحد، رغم الأخطار المحدقة.
أما الوفود فلا يحتمل فيها مواجهة أخطار، أو تعرض لأذى، وأسر وسبي إلا في حدود ضئيلة، فالداعي إلى استصحاب النساء والأطفال، لا يواجهه أي مانع أو رادع..
ثامناً: زعم هذا القائل: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى (عليهالسلام ). ونقول:
لا شك في أن الآية تدل على يقين النبي (صلىاللهعليهوآله ) بذلك، وقد دل فعل النبي (صلىاللهعليهوآله ) في المباهلة على أن الذين أخرجهم
معه كانوا أيضاً على يقين من ذلك.
ودل على ذلك أيضاً قوله تعالى:( فَنَجْعَلْ لَعْنتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) . حيث إنهم جميعاً كانوا شركاء في الدعوى، وعلى يقين من صحتها. ووعي تام لتفاصيلها، ومعرفة بدقائقها وحقائقها.
وأما بالنسبة لسائر المؤمنين فلا شيء يثبت أنهم كانوا على يقين من ذلك، فلعل بعضهم كان خالي الذهن عن كثير من التفاصيل. وربما لو عرضت عليه لتحير فيها.
بل لقد صرح القرآن بأن الشكوك كانت تراود أكثرهم، فقال:( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (2) .
تاسعاً: ونضيف إلى ما تقدم:
ألف: إنه لا معنى لقوله: إن الآية قد تعني أن يفوض إلى النصارى دعوة الأبناء والنساء من المؤمنين، ويدعو المؤمنون أبناء ونساء النصارى في المباهلة، إذ كيف يسلط النبي (صلىاللهعليهوآله ) النصارى على أبناء ونساء المؤمنين، ثم يطلب من النصارى أن يسلطوه على دعوة نسائهم وأبنائهم.. في حين أن المباهلة لا تحتاج إلى ذلك، بل يمكن أن يأتي كل فريق بمن أحب، لكي يباهل بهم الجماعة التي تأتي من قبل الفريق الآخر؟!
ب: لو صح ما ذكره، فقد كان المطلوب هو المشاركة في دعوة الفريقين
____________
1- الآية 61 من سورة آل عمران.
2- الآية 106 من سورة يوسف.
لمن ذكرتهم الآية من الفريقين معاً، أي أن يدعو المسلمون أبناءهم وأنفسهم ونساءهم، وأبناء وأنفس ونساء النصارى أيضاً.
ج: لو صح ذلك، لتخير كل فريق ما قد لا يتوقعه الفريق الآخر، إذ قد يتخير من الزوجات زينب بنت جحش مثلاً، وليس عائشة، ولا يتخير فاطمة.
وقد يتخير من الأبناء الحسن فقط دون الحسين، وقد يتخير من الأنفس نفس رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
عاشراً: بالنسبة لدعوة النبي (صلىاللهعليهوآله ) نفسه نقول:
إن الشيعة لا يقولون بأن الآية تفرض ذلك، بل هم يقولون: إن المراد بقوله:( وَأَنْفُسَنَا ) (1) هو الرجال من أهل بيت الرسول (صلىاللهعليهوآله )، الذين يكون حضورهم بمثابة حضور نفس النبي (صلىاللهعليهوآله )، وهم إنما يحضرون بدعوة بعضهم بعضاً(2) .
المباهلة بأعز الناس:
زعم بعضهم: أن آية المباهلة قد دلت على لزوم إحضار كل فريق أعز شيء عنده، وأحب الخلق إليه في المباهلة، والأعز والأحب هو الأبناء، والنساء، والأنفس (الأهل والخاصة).
____________
1- الآية 61 من سورة آل عمران.
2- راجع: تفسير الميزان ج3 ص242 و 243.
ثم تقدم بعض آخر خطوة أخرى فزعم: أن إشراك أهل البيت في المباهلة أسلوب اتبعه النبي (صلىاللهعليهوآله ) للتأثير النفسي على الطرف الآخر، ليوحي لهم بثقته بما يدَّعيه.
ونقول:
1 ـ إن قوله هذا الأخير يؤدي إلى إبعاد قضية المباهلة عن مستوى الجدية، لتصبح مجرد مناورة، تهدف إلى التأثر النفسي على الطرف الآخر..
2 ـ إن هذه المباهلة لم تكن إقتراحاً نبوياً، بل هي تدبير إلهي، يكون دور النبي (صلىاللهعليهوآله ) فيه هو الإبلاغ والإجراء للأمر الصادر من الله تعالى.
3 ـ إن الإختيار الإلهي لهؤلاء الصفوة، يدل على أن لهم قيمة كبرى عند الله تعالى، فليست القضية مجرد حب شخص النبي (صلىاللهعليهوآله ) لابنته أو لصهره، أو لابن بنته.
4 ـ إن ما يراد إثباته بالمباهلة هو بشرية عيسى (عليهالسلام ).. والآية تدل على أن نفس المشاركين في المباهلة هم الذين يدعون بشرية عيسى، ويتحملون مسؤولية الكذب والصدق في دعواهم هذه، ولأجل ذلك قال:( فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) ..
وهذا معناه: أن الحسنين (عليهماالسلام ) قد بلغا في الفهم، والعلم والفضل، ووضوح الرؤية والإختيار حداً يجعلون أنفسهم أمام الله ضمانة
____________
1- الآية 61 من سورة آل عمران.
على صدقهم في هذا الأمر..
فعليٌّ، وفاطمة، والحسنان(عليهمالسلام) شركاء في الدعوى، وفي الدعوة إلى المباهلة لإثباتها. وهذا من أفضل المناقب التي خص الله بها أهل بيت نبيه(1) .
وتقدم قول الزمخشري: (وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء).
وقال الطبرسي وغيره: (قال ابن أبي علان ـ وهو أحد أئمة المعتزلة ـ: هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.
وقال أصحابنا: إن صغر السن ونقصانها عن حد البلوغ لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حداً لتعلق الأحكام الشرعية)(2) .
على أن من الثابت عندنا: أنه يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لم يمنع ذلك من كونهم أكمل البشر عقلاً.. إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم.
ويؤيده من الأخبار قول النبي (صلىاللهعليهوآله ): (ابناي هذان
____________
1- راجع: تفيسر الميزان ج3 ص224 ودلائل الصدق ج2 ص84 والإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) للهمداني ص270.
2- ومن الواضح: أنه قد لوحظ في ذلك عامة الناس وغالبهم.
إمامان، قاما، أو قعدا)(1) .
ونكتفي هنا بهذا المقدار، وبقية الكلام حول حديث المباهلة أوردناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) أواخر الجزء الثامن والعشرين، وأوائل الجزء التاسع والعشرين، وإنما ذكرنا هنا خصوص ما يرتبط بأمير المؤمنين (عليهالسلام ).
____________
1- مجمع البيان ج2 ص452 و 453 و 311 وغنية النزوع للحلبي ص299 والسرائر لابن إدريس ج3 ص157 وجامع الخلاف والوفاق للقمي ص404 والإرشاد للمفيد ج2 ص30 والفصول المختارة للشريف المرتضى ص303 والمسائل الجارودية للمفيد ص35 والنكت في مقدمات الأصول للمفيد ص48 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص141 و 368 وبحار الأنوار ج16 ص307 وجوامع الجامع للطبرسي ج3 ص70 وإعلام الورى ج1 ص407. وكلام ابن أبي علان موجود في التبيان أيضاً ج2 ص485، وفي بحار الأنوار للمجلسي بحث حول إيمان علي ( عليهالسلام )، وهو لم يبلغ الحلم.
علي (عليهالسلام ) في اليمن..
خالد وعلي في اليمن:
عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام.
قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا.
ثم إن النبي (صلىاللهعليهوآله ) بعث علي بن أبي طالب مكان خالد، وأمره أن يقفل خالداً، وقال:
(مر أصحاب خالد: من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل).
قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأسلمت همدان جميعاً.
فكتب علي إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بإسلامهم.
فلما قرأ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الكتاب خر ساجداً، ثم رفع رأسه وقال: (السلام على همدان)، مرتين.
زاد في نص آخر أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال أيضاً: نِعم الحي همدان،
ما أسرعها إلى النصر! وأصبرها على الجهد ! فيهم أبدال، وفيهم أوتاد(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص235 و 427 عن البيهقي في السنن بإسناد صحيح، والدلائل، والمعرفة، وعن البخاري مختصراً، وقال في الهامش: أخرجه البيهقي في السنن ج2 ص366 و 369 وفي الدلائل ج5 ص369 والبخاري ج7 ص663 (4349). وراجع: المواهب اللدنية للزرقاني ج5 ص176 و 177 وج4 ص34.
وأشار في مكاتيب الرسول ج3 ص387 إلى المصادر التالية أيضاً: السيرة الحلبية ج3 ص259 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج3 ص31 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص300 وتاريخ الأمم والملوك للطبري ج3 ص131 و 132 وأنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص384 وعن فتح الباري ج8 ص53 وينابيع المودة ص219 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ص833 و (في ط أخرى) ج2 ق2 ص55 وبحار الأنوار ج21 ص360 و 363 عن إعلام الورى، وغيره، وج38 ص71 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص129 والإرشاد للمفيد (رحمهالله) ص28 والبداية والنهاية ج5 ص105 وزاد المعاد ج3 ص36 ومجموعة الوثائق السياسية ص132/80 عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج1 ص504 و 509 و 510، وحياة الصحابة ج1 ص95 والعدد القوية ص251 والتنبيه والإشراف ص238 وذخائر العقبى ص109 وتاريخ الخميس ج2 ص145 وملحقات إحقاق الحق ج18 ص64 وج21 ص620 عن: الجامع بين الصحيحين ص731 ونثر الدر المكنون ص43 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص201 من طرق كثيرة، والتدوين للقزويني ج2 ص429.
وعند البخاري عن البراء أنه قال عن سفره ذاك: (فغنمت أواق ذوات عدد)(1) .
علي (عليهالسلام ) في اليمن:
قال محمد بن عمر، وابن سعد، واللفظ للأول: بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علياً إلى اليمن في شهر رمضان، وأمره أن يعسكر بقناة، فعسكر بها حتى تتامّ أصحابه. فعقد له رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لواءً، وأخذ عمامته فلفها مثنية مربعة، فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه. وعممه بيده عمامة ثلاثة أكوار، وجعل له ذراعاً بين يديه، وشبراً من ورائه، وقال له: (امض ولا تلتفت).
فقال علي (عليهالسلام ): يا رسول الله، ما أصنع؟!
قال: (إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، وادعهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فإن قالوا: نعم، فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا، فمرهم بالزكاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك. والله، لَأَن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت).
فخرج علي (عليهالسلام ) في ثلاثمائة فارس، فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد. فلما انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد من مذحج فرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبايا، نساءً وأطفالاً، ونعماً وشاءً، وغير ذلك.
____________
1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص110 وراجع: عمدة القاري ج18 ص6 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص235.
فجعل علي (عليهالسلام ) على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقى لهم جمعاً. ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، ورموا أصحابه بالنبل والحجارة.
فلما رأى أنهم لا يريدون إلا القتال صف أصحابه، ودفع اللواء إلى مسعود بن سنان السلمي، فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن خزاعي، فقتله الأسود، وأخذ سلبه.
ثم حمل عليهم علي (عليهالسلام ) وأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، وتركوا لواءهم قائماً، وكفَّ علي (عليهالسلام ) عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا.
وتقدم نفر من رؤسائهم، فبايعوه على الإسلام وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا. وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق الله تعالى.
وجمع علي (عليهالسلام ) ما أصاب من تلك الغنائم، فجزأها خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها لله، ثم أقرع عليها، فخرج أول السهمان سهم الخمس، وقسم علي (عليهالسلام ) على أصحابه بقية المغنم. ولم ينفل أحداً من الناس شيئاً.
وكان من كان قبله يعطون خيلهم الخاص دون غيرهم من الخمس، ثم يخبرون رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بذلك فلا يردُّه عليهم، فطلبوا ذلك من علي (عليهالسلام )، فأبى، وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يرى فيه رأيه(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص238 والسيرة الحلبيـة ج3 ص206 والطبقـات = = الكبرى لابن سعد ج2 ق1 ص122 وشرح المواهب اللدنية ج5 ص177 عن ابن سعد، وراجع: إمتاع الأسماع ج2 ص96 و 97 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص627.
وأقام فيهم يقرئهم القرآن، ويعلمهم الشرائع، وكتب إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كتاباً مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يخبره الخبر.
فأتى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد الله بن عمرو بن عوف إلى علي (عليهالسلام ) بذلك، فانصرف علي (عليهالسلام ) راجعاً.
فلما كان بالفتق تعجل إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يخبره الخبر، وخلَّف على أصحابه والخمس أبا رافع، فوافى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بمكة قد قدمها للحج.
وكان في الخمس ثياب من ثياب اليمن، أحمال معكومة، ونعم وشاء مما غنموا، ونعم من صدقة أموالهم. فسأل أصحاب علي (عليهالسلام ) أبا رافع أن يكسوهم ثياباً يحرمون فيها، فكساهم منها ثوبين ثوبين.
فلما كانوا بالسدرة داخلين خرج علي (عليهالسلام ) ليتلقَّاهم ليقدم بهم، فرأى على أصحابه الثياب، فقال لأبي رافع: ما هذا؟!
فقال: (كلموني، ففرِقْت من شكايتهم، وظننت أن هذا ليسهل عليك، وقد كان مَنْ قبلك يفعل هذا بهم).
فقال: (قد رأيت امتناعي من ذلك، ثم أعطيتهم؟! وقد أمرتك أن
تحتفظ بما خلَّفت، فتعطيهم)؟!.
فنزع علي (عليهالسلام ) الحلل منهم.
فلما قدموا على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) شكوه، فدعا علياً (عليهالسلام )، فقال: (ما لأصحابك يشكونك)؟!
قال: ما أشكيتهم، قسمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس حتى يقدم عليك، فترى فيه رأيك.
فسكت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(1) .
ونقول:
إن هذا النص قد تضمن أموراً عديدة يحسن الوقوف عندها، وهي التالية:
امضِ ولا تلتفت:
تقدم: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) حين أرسل علياً (عليهالسلام ) إلى اليمن قال له: إذهب ولا تلتفت.. وهذه هي نفس الكلمة التي قالها (صلىاللهعليهوآله ) له في خيبر حين أرسله لقتل مرحب فقتله، وقلع باب الحصن، ولا ندري إن قد قال له هذه الكلمة في غير هذين الموردين.
ولعل سبب ذلك هو:
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص239 وراجع: إمتاع الأسماع ج2 ص97 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص628.
1 ـ اشتراك خيبر واليمن في أن ظهور الإسلام فيهما فيه إسقاط لهيمنة اليهود على المنطقتين، وكسر لشوكتهم، وإذلال لهم.
2 ـ إن هذه الحادثة تمهد لإظهار مدى طاعة علي (عليهالسلام )، وإلتزامه بحرفية الأوامر النبوية، وعلى الناس أن يوازنوا بينه وبين غيره ممن يحاولون مناوأته، ويعرضون صدورهم لأمور لا يقدرون عليها، أوليسوا أهلاً لها، مع أنهم يتصرفون من خلال أهوائهم وطموحاتهم الدنيوية.
3 ـ إن هذا التوجيه النبوي الكريم يعطي درساً في أنه يجب الكف عن التوسع الإجتهادي في امتثال الأوامر الصادرة عن القيادة، ولا سيما إذا كانت قيادة معصومة، مسددة بالوحي الإلهي..
4 ـ هو يشير إلى أن من يكلفه النبي، والإمام والقائد المنصوب من أحدهما بمهمة جهادية، فعليه أن يكون كل همه تنفيذ الأمر الصادر إليه، وإنجاز المهمة، وأن يقطع تعلقاته بكل ما يمكن أن يصرفه عن مهمته هذه مهما كان..
لا تقاتلهم حتى يقاتلوك:
وكان علي (عليهالسلام ) يعرف ما كان يجب عليه فعله.. ولكنه أراد أن يسمع الناس كيف أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) يحتم على الناس أن لا يقاتلوا أحداً حتى يقاتلوهم.. لأن المهمة منحصرة في الدعوة إلى الله، وإصلاح أمر الناس، وسلوك طريق الرشاد والسداد.
فما ذكرته بعض الروايات المتقدمة، من أنه (عليهالسلام ) لما وصل إلى أدنى ما يريد من مذحج فرق أصحابه، فأتوه بنهب وسبايا، قبل أن يلقى
لهم جمعاً، فلما لقيهم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، لا يتنافى مع ما ذكرناه. لأن الأصحاب هم الذين أتوا بالنهب والسبايا، ولعله بمبادرة منهم، ولكنه (عليهالسلام ) لم يتصرف بما جاؤوا به، بل جمعه في مكان، ووكل به من يحفظه حتى يدعو أهل الحي، فإن قبلوا الدعوة رد المال والسبي إليهم، وإن أبوا كانوا من المحاربين.. فيجري عليهم أحكام أهل الحرب.. فيكون ما فعله (عليهالسلام ) منسجماً مع وصية النبي (صلىاللهعليهوآله ) له بأن لا يقاتلهم حتى يقاتلوه؟! فهو لم يقاتلهم، ولا دليل على أنه رضي من أصحابه ما فعلوه، بل ظاهر فعله أنه لم يرض به. ولعل الرواية مختصرة، أو أن ما فعله خالد نسب لعلي (عليهالسلام ).
وكثرة أفراد السرية لم يكن لأجل أن مهمتهم كانت قتالية، بل لأجل صيانة حرية الدعاة، وحفظهم من أي سوء قد يتعرضون له من أهل العدوان أو الطغيان..
التدرج في الدعوة:
ويلاحظ: أنه (صلىاللهعليهوآله ) أراد أن تكون الدعوة تدريجية وعلى مراحل.. وأن المطلوب انحصر بأمور ثلاثة، ومنع من طلب الزائد عليها:
أولها: أن يشهدوا الشهادتين.. فإذا فعلوا لم يجز التعرض لهم بشيء، بل هو قد منع من التدقيق في أي شيء آخر، وبعد أن يتحقق ذلك، ينتقل إلى الطلب.
الثاني: وهو أن يصلُّوا.. فإن فعلوا ذلك، انتقل إلى الطلب.
الثالث: وهو أن يزكوا.
ثم قال (صلىاللهعليهوآله ): ولا تبغ منهم غير ذلك..
ومعنى ذلك: أن على من يشارك في تلك السرايا أن يعرف حده فيقف عنده، فلا يسعى للإبتزاز، أو للحصول على الغنائم بإسم الدين، أو باسم الدعوة..
كما أن على الذين يطلب منهم الدخول في هذا الدين أن لا يتوهموا: أن هذه الدعوة تخفي وراءها الطمع بأموالهم، أو بنسائهم، أو بالهيمنة عليهم.
لمن يعود نفع هذه المطالب؟!:
وإذا فكروا فيما يطلب منهم، فسيجدون أن الشهادتين من أعمال القلب، التي ليس فيها مكسب مادي أو معنوي لغير من يشهدهما..
وأن الصلاة هي صلة بين الإنسان وربه.
وأن الزكاة نفع يعود على الفقراء والمساكين الذين هم منهم، ويعيشون معهم، ولا يتحرج أحد في برهم، وسد حاجاتهم.. ولا يجوز للنبي (صلىاللهعليهوآله ) ولا لأحد من أهل بيته أن يستفيد منها بشيء، ولو بمقدار حبة.
دلالات إرجاع خالد:
وحول أمر النبي (صلىاللهعليهوآله ) علياً بأن يقفل خالداً إليه نقول:
إن هذا يضع علامة استفهام كبيرة حول خالد، وحول طبيعة أدائه، وسلامة تصرفاته، ويؤكد هذه الشبهة حوله أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يلزم أحداً ممن كان معه بالرجوع أو بالمضي.
فهل الهدف من ذلك هو الإشارة إلى أنهم لا مسؤولية لهم عما جرى،
وأن المسؤولية منحصرة بشخص خالد..
أو أن الهدف هو تحقيق فرز طبيعي وطوعي لمن كان منسجماً مع مسلكية خالد، عمن لم يكن كذلك، بل كان لا يوافقه الرأي، ولا يرضى مسلكيته، ويكون هذا الفريق الأخير هو الذي يلتحق بعلي (عليهالسلام ).
غير أن النصوص المتوفرة لا تحدد لنا طبيعة الخلل الذي ظهر من خالد، ولم تشر إلى من أيده فيه.. ونحن لا نستغرب شحة النصوص في ذلك، ما دام أن الأمر يرتبط برجل كان بمجرد وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سيف السلطةالذي اشهرته في وجه معارضيها ممن رفض البيعة لأبي بكر..
كما أن هذا الأمر يرتبط أيضاً بعلي (عليهالسلام ) الذي لم يزل محارباً على كل صعيد، وتمارس ضده مختلف أساليب القهر، والتزوير والتحامل.. وإلى يومنا هذا..
يقبلون من علي (عليهالسلام )، لا من خالد:
وقد يقال: إن الإسلام الذي دعا إليه خالد أهل اليمن هو الإسلام الذي دعا إليه علي (عليهالسلام )، فلماذا لم يقبلوا دعوة خالد، وقبلوا دعوة علي؟!.. مع أن خالداً بقي ستة أشهر يدعوهم.. وعلي (عليهالسلام ) ذهب إليهم، وصلى بأصحابه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأسلمت همدان كلها في ساعة واحدة!
وأجاب البعض: بأن الناس الذين لا يقبلون دعوة الدعاة إلى الإسلام، يواجهون التجريدات العسكرية، وبذلك تحمل القوة الحربية رسالة هؤلاء
الدعاة السلمية، وحين ذهب خالد إلى اليمن سنة عشر، ولم تثمر جهوده طيلة ستة أشهر، عززت قوة خالد بجيش يقوده علي، فأسلمت همدان في يوم واحد(1) .
ونقول:
هذا كلام باطل من عدة جهات.
فأولاً: إن خالداً أرسل إلى اليمن في سنة ثمان، بعد الفراغ من غزوة الفتح، وحنين، والطائف. وقد أرسله (صلىاللهعليهوآله )، حين كان لا يزال بالجعرانة..
ثانياً: إن علياً (عليهالسلام ) ذهب إلى خالد بعد ستة أشهر لكي يقفله، فأقفله ومن معه إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لا ليعينه، وبعد أن ذهب إليهم، وصلى بأصحابه، وقرأ كتاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، أسلمت همدان في يوم واحد..
ثالثاً: إن قبائل اليمن لا تنحصر بهمدان، فكانت همدان هي البادئة بالإسلام ثم تبعها غيرها، أي أن أهل اليمن لم يسلموا دفعة واحدة خوفاً من السيف، كما زعمه ذلك القائل.
رابعاً: إن هذا الرجل يريد أن يدعى أن هؤلاء أسلموا تحت وطأة التهديد والجبر والقهر.. وأن الإسلام كان يفرض على الناس بقوة
____________
1- نشأة الدولة الإسلامية (تأليف عون شريف قاسم) ص227 و 240.
السيف.. وهو كلام باطل جزماً، فقد قال تعالى:( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) (1) .
وقال:( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (2) .
وقال:( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (3) .
والقتال في الإسلام كان دفاعياً، أو استباقاً لخطر يكون المشركون قد أعدوا واستعدوا له بالفعل، ويريدون الإنقضاض على المسلمين على حين غفلة منهم، ولم يكن في أي وقت هجومياً إبتدائياً..
والجواب الأقرب والأصوب هو التالي:
أولاً: إن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب(4) ، وقد أسلم خالد أو استسلم في سنة ثمان، أي قبل أشهر يسيرة من إرساله إلى اليمن، بعد أن بقي يحارب الله ورسوله أكثر من عشرين سنة، رغم ما يراه من معجزات وكرامات، وما يشاهده من محاسن الإسلام، التي كان يجسدها سلوك النبي والوصي صلى الله عليهما وعلى آلهما، والأخيار من الصحابة..
____________
1- الآية 256 من سورة البقرة.
2- الآية 99 من سورة يونس.
3- الآية 29 من سورة الكهف.
4- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص287 وراجع: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج2 ص8 وشرح اللمعة للشهيد الثاني ج1 ص661 وإثنا عشر رسالة للمحقق الداماد ج8 ص1 و 3 و 20 و 28 والحديقة الهلالية للشيخ البهائي ص13.
ولم يدخل في الإسلام إلا بعد أن أيقن بسطوع نجمه، وظهوره على الدين كله.. وأفول نجم الشرك، وصيرورته إلى البوار والتلاشي والسقوط في حمأة الذل والخزي والعار..
فكان خالد ـ كما أظهرته سيرة حياته وممارساته قبل وبعد سفره إلى اليمن ـ لا يزال يعيش مفاهيم الجاهلية، وعصبياتها، وانحرافاتها، وتهيمن عليه أهواؤه وشهواته وغرائزه..
أما علي (عليهالسلام ) فهو الرجل الإلهي الخالص، الذي وهب كل حياته ووجوده لله تعالى.. ورضاه عنده كان هو الأغلى والأسمى والأعلى.
فإذا دعا خالد إلى الإسلام، فإن دعوته لن تخرج من قلبه كي تدخل في قلوب الآخرين، ولن تكون أكثر من حركات يجريها، أو كلمات يؤديها، تنوء بثقل الشكليات ولا تتجاوز التراقي أو اللهوات..
ثانياً: لعل خالداً لم يستوف شرائط الدعوة، مع أولئك الناس، أي أنه لم يدع إلى سبيل الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، ولا جادلهم بالتي هي أحسن..
أو أن الناس لم يروا محاسن الإسلام في تصرفاته، ولا في أقواله وكلماته، فهو يترك ما يأمرهم به، ويرتكب ما ينهاهم عنه..
ولعله أساء إليهم، أو حاول أن يبتزهم في أموالهم، أو يتجاوز على أعراضهم.. أو أن يفرض عليهم الإسلام، والخضوع لأوامره ونواهيه، أي أنه قدم لهم دعوة لسانية مقرونة بكثير من الصوارف والمنفرات العملية..
وربما يدلنا على ذلك، ما ورد في النصوص المتقدمة من أنه (صلىاللهعليهوآله ) أمر علياً (عليهالسلام ) بأن يقفل خالداً إليه، أما من كان مع
خالد فهم بالخيار بين القفول والبقاء..
أما علي (عليهالسلام ) فإنه بمجرد وصوله إلى أولئك القوم أفهمهم بطريقة عفوية، وعملية أنه ملتزم بفروض الطاعة والعبودية لله تعالى من خلال إلتزامه بالإسلام، الذي يجعل من المتفرقين عشائرياً، ومناطقياً، وطبقاتياً، أو غير ذلك نموذجاً فذاً في مجتمعاتهم ـ سواء من الناحية الإقتصادية، أو العرقية، أو الثقافية، أو غير ذلك من خصوصيات جعلها الله تعالى من أسباب التكامل، والتعاون بين البشر، فجعلت منها الأهواء أسباباً للتفرق والتشتت والتمزق.
وأفهمهم أيضاً أن هذا الدين سبب للقوة، والتعاون، والتوحد في الله كأنهم بنيان مرصوص، لهم نهج واحد، وقائد واحد، وهدف واحد.
يرسل الخمس للنبي (صلىاللهعليهوآله ):
لا شك في أن الخمس للنبي (صلىاللهعليهوآله )، ولبني هاشم، ولكنه كان يرى أن في الناس حاجة، ولهم بالمال رغبة، فكان يعطيهم إياه رفقاً بهم، ومراعاةً لحالهم.
ولكنهم صاروا يستأثرون بهذا الخمس، فيعطيه قادة السرايا إلى خيلهم الخاص، ثم يخبرون النبي (صلىاللهعليهوآله ) بما فعلوا، فلا يطالبهم به..
ولكن علياً (عليهالسلام ) أبى أن يعطي الخمس لهؤلاء، رغم طلبهم ذلك، وحمله الى النبي (صلىاللهعليهوآله )، فلما رجعوا إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) شكوا علياً (عليهالسلام )، فسأله فأخبره، فسكت (صلىاللهعليهوآله ).. فنلاحظ هنا ما يلي:
1 ـ لم يكن من اللائق أن يستأثر أولئك القادة بالخمس بقرار من عند أنفسهم، ومن دون استئذان من صاحبه (صلىاللهعليهوآله )
2 ـ وأقبح من ذلك: أن يشتكوا علياً (عليهالسلام ) إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، لأنه أراد أن يوصل الحق إلى صاحبه، وأن يلتزم بقواعد الدين، فلا يتصرف في مال الغير بدون إذن.
بل إن شكواهم هذه تفيد: أنهم أصبحوا يرون الخمس صار لهم، وها هم يطالبون صاحبه الشرعي بأن يصحح ما يرونه خطأ وقع فيه وكيله ونائبه..
3 ـ إنهم يريدون أن يستفيدوا من هذا المال الذي لا حق لهم به، في صلاتهم، وفي حجهم، وفي سائر شؤونهم، غير متحرجين من ذلك.
4 ـ إن علياً (عليهالسلام ) قد وضع حداً لهذه التصرفات.. ولولاه (عليهالسلام ) لصار ذلك سنة جارية، ولأصبح من العسير إعادة الحق إلى أهله..
5 ـ لو أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أراد أن يفعل ذلك لاتهموه بالإمساك والبخل والعياذ بالله..
6 ـ إنهم قد انتهزوا فرصة غياب علي (عليهالسلام ) لمعاودة السعي لنقض قراره، ومحاولة الحصول على تلك الأموال التي لا حق لهم بها..
وكأنهم ظنوا أن غيبته (عليهالسلام ) تزيل عنه صفة الأمين الذي لا بد أن يؤدي الأمانة إلى أهلها.
7 ـ إنه (عليهالسلام ) رفض المبررات التي ساقها أبو رافع لتقسيمه
الحلل على أفراد السرية، والمبررات هي:
ألف: خاف من شكايتهم..
ب : ظن أن الأمر يسهل على علي (عليهالسلام ).
ج: إن من كان قبل علي (عليهالسلام ) كان يفعل ذلك..
وهي مبررات لا قيمة لها.
فأولاً: لا معنى للخوف من شكايتهم، إذا كان علي (عليهالسلام ) منعهم أمراً لا يستحقونه.
ثانياً: إن علياً مؤتمن على مال الغير، فلا بد من تأدية ذلك المال إلى صاحبه، من دون تفريط، فكيف يسهل عليه إعطاؤه لغير صاحبه؟!
ثالثاً: إن فعل السابقين على علي (عليهالسلام ) إذا كان خطأ لم يجز لعلي (عليهالسلام ) ولا لغيره أن يتأسى بهم فيه..
التكريم والتعظيم:
وقد بادر النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى تعميم علي (عليهالسلام ) بيده بصورة لافتة، ميزت فعله عما هو مألوف ومعهود، وأخذ عمامته وجعلها مثنية مربعة في رأس الرمح.. وقد فعل ذلك بعد أن تتام أصحابه (عليهالسلام )..
وهذا كله يعد من التكريم والتعظيم لعلي (عليهالسلام )، الذي يشد أنظار الناس، ويثير لديهم مشاعر متمازجة بالإعجاب والرضا، ويفسح المجال لسياحات مرضية في آفاق البهاء والصفاء، والجمال والجلال، والمحبة والرضا.
هل كان ثمة غنائم؟!:
ملاحظة الروايات تعطي: أنها لا تخلو من شائبة ثم إن خلط فيما بينها..
ولعل الأقرب إلى الحقيقة هو السياق التالي:
أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أرسل خالداً إلى اليمن، ثم أرسل علياً بعده.. وبعد رجوعهما أرسل (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) في سرية، وخالداً في سرية أخرى، وقال لهما النبي (صلىاللهعليهوآله ): إن التقيتما فعلي الأمير.
ثم فتحت بعض الحصون على يد أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وأخذ منها سبايا وغنائم، فحصل البراء من الغنائم على أواقي ذوات عدد..
ولا ندري إن كان خالد قد حصل على بعض السبايا من قتاله في مجال آخر أو لا. ولكن من الثابت أن علياً (عليهالسلام ) اصطفى جارية من السبي وأخذها من الخمس.. فشكوه إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).. إلى آخر ما جرى..
سرور النبي (صلىاللهعليهوآله ) بإسلام همدان:
لا شك في أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كان أحرص الناس على إخراج الناس من الظلمات إلى النور.. مما يعني أنه أشد الناس سروراً بما يتحقق من ذلك.
ولكن الملاحظ هنا هو أن سروره (صلىاللهعليهوآله ) بإسلام همدان كان غير عادي، إذا قورن بما أظهره من سرور في موارد أخرى قد يكون
الذين أسلموا فيها أكثر عدداً، أو أن لهم موقعاً ـ كقريش ـ أشد حساسية، وأعظم أهمية مما عُرِف لقبيلة همدان في اليمن.
فهل تراه (صلىاللهعليهوآله ) كان ينظر في ذلك إلى الغيب، وتكشف له الحجب عن موقف سوف تتخذه قبيلة همدان، يحبه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )؟!
إننا إذا راجعنا التاريخ، فلا نجد لهمدان موقفاً مميزاً سوى مناصرتها لعلي (عليهالسلام )، حتى استحقت منه القول الشهير:
فلو كنت بواباً على باب جنةٍ لقلت لهمدان ادخلوا بسلام(1)
____________
1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص394 وبحار الأنوار ج32 ص477 وج38 ص71 وأصدق الأخبار للسيد محسن الأمين ص9 والغدير ج11 ص222 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص552 والإمام علي بن ابي طالب ( عليهالسلام ) للهمداني ص770 ومكاتيب الرسول ج2 ص556 و 575 ومواقف الشيعة ج1 ص390 ونهج السعادة ج5 ص43 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص217 وج8 ص78 وتفسير الآلوسي ج19 ص149 وتاريخ مدينة دمشق ج45 ص487 والأعلام للزركلي ج8 ص94 وأنساب الأشراف للبلاذري ص322 والأنساب للسمعاني ج5 ص647 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص25 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق1 ص252 وتاريخ الكوفة للسيد البراقي ص234 و 531 وأعيان الشيعة ج1 ص410 و 489 و 505 و 553 وج2 ص515 وج4 ص160 و 366 وج7 ص43 و 243 و 245 وج9 = = ص234 وصفين للمنقري ص274 و 437 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص604 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج2 ص255 والخصائص الفاطمية للشيخ الكجوري ج2 ص110.
وهذا لا ينافي ما ثبت عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): من أنه قسيم الجنة والنار، لأن المقصود بهذا الشعر المبالغة في مدح هذه القبيلة، حتى إنها لتستحق أن لا ينظر في أعمال أفرادها، فيؤخذ المسيء بإسائته، ةالمحسن بإحسانه.. بل هي بمجرد أن ترد عليه، فإنه يصدرها مباشرة إلى الجنة.
ومن أمثلة نصرة همدان هذه:
1 ـ أنه حين أراد أهل الكوفة بعد موت يزيد (لعنه الله) أن يؤمروا عليهم الخبيث المجرم عمر بن سعد لعنه الله واخزاه، جاءت نساء همدان، وربيعة، وكهلان، والأنصار، والنخع إلى الجامع الأعظم صارخات، باكيات، معولات، يندبن الحسين (عليهالسلام ) ويقلن: أما رضي عمر بن سعد بقتل الحسين حتى أراد ان يكون أميراً علينا على الكوفة؟!
فبكى الناس، وأعرضوا عنه(1) .
____________
1- مروج الذهب ج2 ص105 ومقتل الحسين للمقرم ص246 عنه. وأنصار الحسين ( عليهالسلام ) للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص199 عن المبرد (أبي العباس محمد بن يزيد) في: الكامل (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاتة ـ مطبعة نهضة مصر) (غير مؤرخة) ج1 ص223.
2 ـ إنه حين طعن الإمام الحسن (عليهالسلام ) دعا ربيعة وهمدان. فأطافوا به ومنعوه، فسار ومعه شوب من غيرهم(1) .
____________
1- كشف الغمة للأربلي ج2 ص163 وراجع: الأخبار الطوال ص217 والإرشاد للمفيد ج2 ص12 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص41 وأعيان الشيعة ج1 ص569.
علي (عليهالسلام ) في بني زبيد..
علي (عليهالسلام ) في بني زبيد:
وقالوا: (وجه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن، وقال: (إذا اجتمعتما فعلي الأمير، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير)(1) .
فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معد يكرب مكانهما. فأقبل على جماعة من قومه(2) . فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم، فإني لم أسمَّ لأحد قط إلا هابني.
فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور، وأنا عمرو بن معد يكرب.
فابتدره علي وخالد، وكلاهما يقول لصاحبه: خلني وإياه، ويفديه بأمه وأبيه.
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص386 و 246 عن مناقب الإمام الشافعي لمحمد بن رمضان بن شاكر، وفي هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني ج4 ص14 والإصابة ج3 ص18 والإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج2 ص522 و (ط دار الجيل) ج3 ص1203 وأسد الغابة ج4 ص133.
2- أي مترئِّساً على جماعة من قومه.
فقال عمرو إذ سمع قولهما: العرب تُفَزَّع بي، وأراني لهؤلاء جزراً.
فانصرف عنهما.
وكان عمرو فارس العرب، مشهوراً بالشجاعة. وكان شاعراً محسناً(1) .
وقالوا أيضاً: إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعث خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال له: (إن مررت بقرية فلم تسمع أذاناً، فاسبهم).
فمر ببني زبيد، فلم يسمع أذانا، فسباهم.
فأتاه عمرو بن معد يكرب، فكلمه فيهم، فوهبهم له، فوهب له عمرو سيفه الصمصامة، فتسلمه خالد. ومدح عمرو خالداً في أبيات له(2) .
ونقول:
1 ـ لقد ظن عمرو بن معدي كرب أن جميع الناس على شاكلته، من حيث تعلقهم بالحياة الدنيا، وخشيتهم من الموت، فكلما زادت احتمالات تعرضهم للخطر ازداد حبهم لما يقرِّبهم من السلامة والأمن..
وقد اعتاد أن يرى ذوي السطوة والنفوذ يدفعون من هم تحت أيديهم
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص246 و 386 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1204 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص569 وعيون الأثر ج2 ص292.
2- سبل الهدى والرشاد ج6 ص246 عن ابن أبي شيبة من طرق. وفي هامشه عن: الإصابة ج3 ص18 و (ط دار الكتب العلمية) ج4 ص569 وتاريخ مدينة دمشق ج46 ص377 وراجع: كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص483.
إلى مواجهة الأخطار، ودرئها عن أنفسهم، وأن يستغنوا بذلك عن التعرض لها ومكابدتها. ولكنه رأى هؤلاء القادمين عليه يتسابقون إلى الموت حباً بسلامة إخوانهم ففاجأه ذلك.
2 ـ إن غرور ابن معد يكرب بنفسه، واعتماده على بعد صيته دفعه إلى التهويل باسمه على هؤلاء القادمين، فلم يجد عندهم ما تعوده في غيرهم، فاضطر إلى التراجع الذليل، ولم يكلف نفسه عناء خوض معركة لعلها هي أول معركة حقيقية يشهدها في حياته.
فرضي بوصمة الخوف والجبن، والتراجع الذليل، حين أعلن أن هؤلاء القادمين يعتبرونه جزراً.
3 ـ إننا نلمح في هذه الواقعة: أن ما كان يشاع عن هذا الرجل بين الناس كانت تشوبه شائبة التزوير للحقائق، وهو إعلام معتمد على التهويل الكاذب، وعلى الدعايات الفارغة.
ولعل عمرواً كان يبطش ببعض الضعفاء، أو الجبناء، أو يغدر ببعض الآمنين، ثم يخلط ذلك بكثير من الشائعات التي تصل إلى حد الخرافة، ويشيعه بين الناس على أنه بطولات، وإنجازات، وهي لا تعدو كونها أوهاماً وخيالات باطلة.
ولأجل ذلك كله كان عمرو بن معدي كرب هذا قد عرف بالكذب بين الناس.
فقد رووا: أنه كان يحدث بحديث، فقال فيه: لقيت في الجاهلية خالد بن الصقعب، فضربته وقددته، وخالد في الحلقة.
فقال له رجل: إن خالداً في الحلقة.
فقال له: أسكت يا سيء الأدب، إنما أنت مُحدَّث، فاسمع أو فقم.
ومضى في حديثه، ولم يقطعه، فقال له رجل: أنت شجاع في الحرب والكذب معاً.
قال: كذلك أنا تام الآلات(1) .
أسئلة بلا جواب:
وقد ادعت الرواية المتقدمة: أن عمرواً انصرف عن علي (عليهالسلام ) فهنا أسئلة تحتاج إلى جواب، فهل كان علي (عليهالسلام )، وخالد بن سعيد، ومن معهما يقصدون بني زبيد؟!
أم كانوا يقصدون قوماً آخرين؟!
أم كانوا يقصدون دعوة كل من يصادفونه إلى الإسلام؟!
فإن كانوا يقصدون بني زبيد.. فعلى أي شيء اتفقوا مع عمرو وجماعته؟!
وكيف تركوهم ينصرفون من دون دعوة؟!
وإن كانوا يقصدون قوماً غيرهم، فمن هم أولئك القوم؟!
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج46 ص389 وقال في هامشه: رواه المعافي بن زكريا في الجليس الصالح الكافي ج2 ص214 و 215 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص362.
ولماذا تعرض لهم عمرو..
ولو أنهم هابوه وضعفوا أمامه، فما كان سيصنع بهم؟!
هل سيأسرهم؟!
أم يقتلهم؟!
أو يسلبهم ويخلي سبيلهم؟!
وإن كانوا يقصدون دعوة كل من يصادفونه، فلماذا لم يدعوا عمروا ومن معه..
سبي بني زبيد لماذا؟!(1) :
1 ـ إن عدم سماع المسلمين آذاناً من بني زبيد، لا يبرر لهم الإغارة عليهم، أو ترويعهم، فضلاً عن سبيهم، فلعل المؤذن استغرق في نومه.. أو لعلهم لا يزالون على شركهم، لكنهم لا يعاندون الحق لو عرض عليهم.. علماً بأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم يزل يصدر أوامره لسراياه، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم..
____________
1- الكافي ج5 ص36 وبحار الأنوار ج19 ص167 وج97 ص34 وج101 ص364 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص502 والنوادر للراوندي ص139 ومشكاة الأنوار لعلي الطبرسي ص193 وتذكرة الفقهاء (ط.ج) ج9 ص44 و 45 و (ط.ق) ج1 ص409 ومنتهى المطلب (ط.ق) ج2 ص904 ورياض المسائل للطباطبائي ج7 ص493.
وقد صدر هذا الأمر لخصوص علي (عليهالسلام ) في نفس مسيره إلى اليمن، فقد أمره (صلىاللهعليهوآله ) بأن لا يقاتل أحداً حتى يدعوه..
وقد أوجب الله على نبيه أن يدعو الناس إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة.
2 ـ أين كان عمرو بن معد يكرب الزبيدي حين سبا خالد بن سعيد قومه؟! فإن كان حاضراً فلماذا لم يدفع عن قومه؟! وإن كان غائباً، فماذا كان موقفه مما جرى؟!
النص الأوضح والأصرح:
ولعل النص الأوضح والأصرح هنا هو التالي:
قالوا: لما عاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معدي كرب، فقال له النبي (صلىاللهعليهوآله ): أسلم يا عمرو يؤمنك الله من الفزع الأكبر.
قال: يا محمد، وما الفزع الأكبر؟! فإني لا أفزع.
فقال: يا عمرو، إنه ليس كما تظن وتحسب، إن الناس يصاح بهم صيحة واحدة، فلا يبقى ميت إلا نشر، ولا حي إلا مات، إلا ما شاء الله، ثم يصاح بهم صيحة أخرى، فينشر من مات، ويصفون جميعاً، وتنشق السماء، وتهد الأرض، وتخر الجبال هداً، وترمي النار بمثل الجبال شرراً، فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه، وذكر ذنبه، وشغل بنفسه إلا من شاء الله، فأين أنت يا عمرو من هذا؟!
قال: ألا إني أسمع أمراً عظيماً؛ فآمن بالله ورسوله، و آمن معه من قومه ناس، ورجعوا إلى قومهم.
ثم إن عمرو بن معدي كرب نظر إلى أبي بن عثعث الخثعمي، فأخذ برقبته، ثم جاء به إلى النبي (صلىاللهعليهوآله )، فقال: أَعْدِني على هذا الفاجر الذي قتل والدي.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية، فانصرف عمرو مرتداً، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب، ومضى إلى قومه.
فاستدعى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) وأمره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد، وأرسل خالد بن الوليد في الأعراب وأمَّره أن يعمد لجعفي(1) . فإذا التقيا فأمير الناس أمير المؤمنين (عليهالسلام ).
فسار أمير المؤمنين (عليهالسلام )، واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص، واستعمل خالد على مقدمته أبا موسى الأشعري.
فأما جعفي فإنها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين: فذهبت فرقة إلى اليمن، وانضمت الفرقة الأخرى إلى بني زبيد.
فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فكتب إلى خالد بن الوليد: أن قف حيث أدركك رسولي، فلم يقف.
____________
1- جعفي بن سعد العشيرة، بطن من سعد العشيرة، من مذحج، من القحطانية.
فكتب إلى خالد بن سعيد بن العاص: تعرض له حتى تحبسه.
فاعترض له خالد حتى حبسه، وأدركه أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فعنفه على خلافه.
ثم سار حتى لقي بني زبيد بواد يقال له: كثير (أو كسير)، فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة؟!
قال: سيعلم إن لقيني.
قال: وخرج عمرو فقال: من يبارز؟!
فنهض إليه أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وقام إليه خالد بن سعيد وقال له: دعني يا أبا الحسن ـ بأبي أنت وأمي ـ أبارزه.
فقال له أمير المؤمنين (عليهالسلام ): إن كنت ترى أن لي عليك طاعة فقف مكانك، فوقف.
ثم برز إليه أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فصاح به صيحة، فانهزم عمرو، وقتل (عليهالسلام ) أخاه وابن أخيه، وأخذت امرأته ركانة بنت سلامة، وسبي منهم نسوان.
وانصرف أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وخلف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم، و يؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلماً.
فرجع عمرو بن معدي كرب، واستأذن على خالد بن سعيد، فأذن له، فعاد إلى الإسلام، فكلمه في امرأته وولده، فوهبهم له.
وقد كان عمرو لما وقف بباب خالد بن سعيد وجد جزوراً قد نحرت، فجمع قوائمها ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعاً، وكان يسمى سيفه الصمصامة.
فلما وهب خالد بن سعيد لعمرو امرأته وولده وهب له عمرو الصمصامة.
وكان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) وقال له: تقدم الجيش إليه، فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه.
فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه، فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي (عليهالسلام ) وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.
فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي (عليهالسلام ).
فدخل بريدة على النبي (صلىاللهعليهوآله ) ومعه كتاب من خالد بما أرسل به بريدة، فجعل يقرأه ووجه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يتغير،
فقال بريدة: يا رسول الله، إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيئهم.
فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ): ويحك يا بريدة، أحدثت نفاقاً؟!
إن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) يحل له من الفيء ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة أمتي، يا بريدة، احذر أن تبغض علياً، فيبغضك الله.
قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي، فسخت فيها، وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله. يا رسول الله، استغفر لي فلن أبغض علياً أبداً، ولا أقول فيه إلا خيراً.
فاستغفر له النبي (صلىاللهعليهوآله )(1) .
وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وشرحه: أن عمرو بن معدي كرب خاطب علياً (عليهالسلام ) حين واجهه:
الآن حين تقلصت منك الكلى إذ حر نارك في الوقيعة يسطعُ
والخيل لاحقة الأياطل شزب قب البطون ثنيها والأقرع
يحملن فرساناً كراماً في الوغا لا ينكلون إذا الرجال تكعكع
إني امرؤ أحمي حماي بعزة وإذا تكون شديدة لا أجزع
وأنا المظفر في المواطن كلها وأنا شهاب في الحوادث يلمع
من يلقني يلق المنية والردى وحياض موت ليس عنه مذيع
فاحذر مصاولتي وجانب موقفي إني لدى الهيجا أضر وأنفع
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص356 ـ 358 عن إعلام الورى (ط1) ص87 و (ط2) ص134 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص252 و 253 والإرشاد للمفيد ج1 ص159 ـ 161 وكشف اليقين ص151 و 152 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص98 و 99 وكشف الغمة ج1 ص229 و 230.
فأجابه (عليهالسلام ):
يا عمرو قد حمي الوطيس وأضرمت نار عليك وهاج أمر مفظع
وتساقت الأبطال كأس منية فيها ذراريح وسم منقع
فإليك عني لا ينالك مخلبي فتكون كالأمس الذي لا يرجع
إني امرؤ أحمي حماي بعزة والله يخفض من يشاء ويرفع
إني إلى قصد الهدى وسبيله وإلى شرايع دينه أتسرع
ورضيت بالقرآن وحياً منزلاً وبربنا ربا يضر وينفع
فينا رسول الله أيد بالهدى فلواؤه حتى القيامة يلمع(1)
ونقول:
إن المقارنة بين هذه الرواية، والروايات التي ذكرناها فيما سبق تظهر مدى انسجام هذه، وانسيابها ومدى ما نال تلك من تزوير وتحوير، هروباً من الإقرار ببعض الحقائق، وسعياً في طمس ما لا يروق لهم ظهوره، ولا تذوق أعينهم طعم النوم حين يسطع نوره.
ومهما يكن من أمر، فإننا نحب لفت النظر إلى ما يلي:
عمرو يرتد بعد النبي (صلىاللهعليهوآله ):
صرحت هذه الرواية: بأن عمرو بن معد يكرب ارتد عن الإسلام في عهد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بحجة أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لم
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص359 عن الديوان المنسوب لأمير المؤمنين ( عليهالسلام ) ص79 و 80.
يقتص له من قاتل أبيه، لأن الإسلام يجب ما قبله.. ولم يلتفت عمرو إلى أنه (صلىاللهعليهوآله ) لو قبل طلبه فالمفروض أن يطبق هذا الحكم على الجميع، ومنهم عمرو نفسه، فيقتله بمن قتلهم قبل إسلامه.
ويبدو: أن عمرواً قد ارتد مرة أخرى بعد وفاة النبي (صلىاللهعليهوآله )، كما دلت عليه الروايات، فراجع(1) .
خالد أمير على الأعراب:
وصرحت الرواية المتقدمة: بأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أمر علياً على المهاجرين، وخالد بن الوليد على الأعراب.. وفي هذا الإجراء إشارة لطيفة فيما يرتبط بكل من علي (عليهالسلام ) وخالد، ولا سيما بملاحظة ما يزعمه خالد لنفسه، ويزعمه له بعض محبيه، وقد أكد خالد ذلك عملياً في ممارساته السابقة
____________
1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج46 ص372 و 373 و 377 والطبقات الكبرى لابن سعد ج6 ص526 وتاريخ الأمم والملوك (بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم) ج3 ص134 و (ط دار صادر) ج2 ص391 و 538 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص377 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص112 ومستدركات علم رجال الحديث ج6 ص64 و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص281 والأعلام للزركلي ج5 ص86 والبداية والنهاية ج5 ص84 وج6 ص364 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1005 وعيون الأثر ج2 ص291 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص139 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص386 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص259 و 260.
مع بني جذيمة، ثم في اللاحقة ولا سيما بالنسبة لقتله مالك بن نويرة، وزناه بزوجته في نفس الليلة.
لماذا ولى خالداً؟!:
وقد علمنا أن خالداً قد فعل ببني جذيمة ما فعل، فلماذا لم يعاقبه (صلىاللهعليهوآله ).. ولماذا عاد فولاه في هذه الغزوة أيضاً؟!
ونجيب:
أولاً: إن فعل خالد كان محفوفاً بالشبهة في مرحلة الظاهر، لأنه ادعى أن الذين قتلوا كانوا على الكفر. وإنما تدرأ الحدود بالشبهات..
ثانياً: قد كان ثمة حاجة لإشراك قريش في حسم الأمور في المنطقة، لأن ذلك يطمئن الكثيرين إلى أن أحداً لن يحاسبهم على قبولهم الإسلام. ولن يجعل ذلك ذريعة للتنكيل بهم، أو الإنتقام منهم، أو اتهامهم بالتسبيب للهزيمة، وما إلى ذلك..
ولا سيما في مناطق اليمن التي تكون مكة أقرب إليها من المدينة.. ويرى أهلها منقطعون عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، الذي قد يحتاجون لحمايته من المكيين، لو حدث ما يقتضي ذلك.
لماذا المهاجرون؟!:
ولعل الهدف من اختيار المهاجرين لمواجهة عمرو بن معدي كرب المرتد عن الإسلام، هو إفهامه أن عليه أن لا يتوهم بأن أحداً في الجزيرة العربية قادر على مساعدته.. أو أن من الممكن أن يتعاطف معه.. فإن الذين
كانوا أكثر الناس حرصاً على هدم الإسلام قد أصبحوا هم الذين يفترض فيهم أن يدافعوا عنه..
وقد جاءه المكيون أنفسهم لمحاربته وإرجاعه إلى جادة الصواب، ولا بد أن يدرك أن قتال هؤلاء لن يكون في صالحه، فإن أي سوء يلحق بأي منهم يزيد في محنته، ويعقد الأمور ضده، لأنه سيغضب أهل مكة، كما سيغضب أهل المدينة، وكل من صح إسلامه منهم، ومن لم يكن كذلك أيضاً..
إخضاع عمرو بن معد يكرب:
تقدم: أن عمرو بن معد يكرب لم يقتصر على الإرتداد، بل بدأ بارتكاب الجرائم، وبالإغارة على الناس الآمنين، فأغار على قوم من بني الحارث بن كعب، ومضى إلى قومه..
وهذا يشير إلى وقاحة وجرأة على الدماء، واستهانة بكرامات الناس، وسقوط حجاب الأمن المفروض على دماء الناس، وأعراضهم وأموالهم..
فكان لا بد من وضع حد له بصرامة وحزم واقتلاع مصدر الأذى.. ولكن من دون قتله، وذلك رفقاً منه (صلىاللهعليهوآله ) بقومه، وتسهيلاً عليهم لقبول الإسلام عن قناعة ورضا.. بعيداً عن أي إكراه وقهر.
فبادر (صلىاللهعليهوآله ) إلى إرسال علي (عليهالسلام ) للقيام بهذه المهمة، وهكذا كان.
قالوا: (..ومع مبارزته جذبه أمير المؤمنين (عليهالسلام ) والمنديل في
عنقه، حتى أسلم)(1) .
ولأجل خشيته منه (عليهالسلام ) كان كثيراً ما سأل عن غاراته فيقول: قد محا سيف علي الصنائع.
والصنيع(2) : هو السيف الصقيل المجرب(3) .
تمرد خالد:
وتقدم: أن خالداً تمرد على الأمر الذي صدر إليه من علي (عليهالسلام )، فأرسل إليه خالد بن سعيد، فحبسه حتى أدركه علي (عليهالسلام ) فعنفه على ما كان منه.
وهذا معناه:
1 ـ أن خالداً قد أثبت عملياً أنه غير منضبط..
2 ـ أن علياً (عليهالسلام ) عامله بالحكمة والحزم..
3 ـ إنه أرسل إليه خالد بن سعيد، الذي كان خالد بن الوليد لا يستطيع مناوأته، لقرشيته ولموقعه.. إلا إن كان يريد أن يتمادى في غيه، إلى حيث لا رجعة، وكان خالد يعلم عواقب ذلك، وأنه ليس في صالحه، ولا
____________
1- بحار الأنوار ج41 ص96 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص334 وسفينة البحار ج6 ص482.
2- راجع الهامش السابق.
3- أقرب الموارد ج1 ص665.
سيما مع علي (عليهالسلام )..
4 ـ إن هذا يدل على أن ما جعله (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ) كان أكثر من مجرد جعل الإمارة له حين يلتقي بخالد.. بل كان خالد ملزماً بطاعة علي (عليهالسلام ) في جميع الأحوال، أي سواء التقيا أو افترقا.
والدليل على ذلك: أن علياً (عليهالسلام ) لو كان قد تعدى صلاحياته مع خالد، فإن خالداً كان يشتكيه لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
كما أنه سوف لا يستجيب لطلب خالد بن سعيد، وسيعلن مظلوميته، وسيبادر إلى الإحتجاج على هذا الإجراء..
ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، ولم يعترض، ولم يعتذر بأنه كان يجهل أنه مكلف بطاعة علي (عليهالسلام )، كما هو ظاهر..
هزيمة ذليلة، وسبي نساء:
إن قوم عمرو بن معد يكرب، حاولوا إثارة حفيظته بقولهم له: لعل هذا الوافد يجبره على دفع الإتاوة، مع وصفهم لذلك الوافد بكلمة (الغلام)، المشعرة بتقدم عمرو عليه بالسن، وبالتجربة، وغير ذلك..
ثم وصفوا هذا الغلام بـ (القرشي) ليشعر ذلك بغربته، وبالإختلاف معه في العدنانية والقحطانية، وفي طبيعة الحياة، فإن هذا الوافد حضري، يفترض أن تكون حياته أقرب إلى الراحة والسعة والرفاه، أما عمرو وقومه، فإنهم يعيشون حياة البداوة والخشونة، ويدَّعون لأنفسهم الإمتياز بالقدرة
على تحمل المكاره، ومواجهة الصعاب، والإعتزاز بالشجاعة وبالفروسية، وما إلى ذلك..
ولكن كل ذلك لم ينفع في تحريك عمرو، بل هو قد زاد من شعور بمرارة الهزيمة التي حلت به، ومما زاد في خزي عمرو أن هزيمته قد جاءت بعد أن استعرض قوته أمام الملأ، قائلاً: من يبارز؟!
وكان يرى أن الناس يهابونه، وأنه يكفي أن يذكر لهم اسمه حتى تتبدل أحوالهم، ويدب الرعب في قلوبهم، ويتخذوا سبيل الإنسحاب من ساحة المواجهة، بكل حيلة ووسيلة، وإذ به يرى أن هؤلاء يتنافسون على مبارزته، وعلى سفك دمه.
وكان الأخطر والأمرّ، والأشر والأضر هو: أن هزيمة عمرو أمام نفس هذا الغلام القرشي لم تكن نتيجة قتال، بل كانت من مجرد صيحة أطلقها، دون أن يلوح له بسيف، أو يشرع في وجهه رمحاً!
فما هذه الفضيحة النكراء، والداهية الدهياء؟!
ثم كان الأخزى من ذلك، والأمضّ ألماً، والأعظم ذلاً أن يقتل هذا الغلام القرشيّ على حد تعبيرهم أخا عمرو وابن أخيه، ويسبي ريحانة بنت سلامة زوجة عمرو، بالإضافة إلى نساء أخريات.
ثم انصرف أمير المؤمنين (عليهالسلام ) مطمئناً إلى عدم جرأة عمرو وغيره على القيام بأية مبادرة تجاه خالد بن سعيد، الذي أبقاه (عليهالسلام ) في بني زبيد أنفسهم، ليقبض صدقاتهم، ويؤمِّن من عاد إليه من هُرّابهم مسلماً.
استجداء عمرو.. وأريحية خالد!:
وتواجهنا هنا مفارقة، وهي: أن عمرو بن معد يكرب جاء إلى خالد بن سعيد بن العاص الذي خلّفه علي (عليهالسلام ) في بني زبيد، فأظهر عودته إلى الإسلام، ثم كلّمه في امرأته وولده، فوهبهم له.
ولكن هذا المستكبر المغرور بنفسه بالأمس، والذي جرَّ على نفسه هذه الهزيمة الفضيحة اليوم، وكان سبباً في قتل أخيه، وابن أخيه، ثم في سبي زوجته وولده.. لا لشيء إلا لأن الرسول الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) لم يجب له طلباً ظالماً رفعه إليه..
إن هذا الرجل بالذات يتراجع عن موقفه، ويستعطف ذلك الذي خلَّفه ابن عم الرسول (صلىاللهعليهوآله ) في قومه ليجبي صدقاتهم، ويؤمِّن من عاد إليه من هرّابهم مسلماً..
وقد كان هذا الرجل في غنى عن هذا الإستعطاف هنا، وعن الإستكبار هناك..
والأغرب من ذلك: أن نجده حتى حين يرى نفسه بحاجة إلى الإستعطاف والخضوع، ويمارسه، لا يتخلى عن العنجهية والغرور، وحب الظهور، وإثبات الذات، وإظهار القوة بغباوة وحمق. فإنه لما وقف على باب خالد وجد جزوراً قد نحرت، فجمع قوائمها، ثم ضربها بسيفه فقطعها جميعاً..
ثم وهب سيفه الذي كان يسميه بالصمصامة لخالد بن سعيد، إمعاناً منه في ادِّعاء الشدة، والقوة لنفسه..
وذلك كله ـ إن صح ـ يجعلنا نقول:
لقد صدق من وصفه: بأنه (مائق بني زبيد)(1) .
فإن المائق هو: الأحمق في غباء، أو الهالك حمقاً وغباوة(2) .
____________
1- راجع: بحار الأنوار ج41 ص96 عن ابن إسحاق، ومناقب آل أبي طالب ج2 ص333.
2- أقرب الموارد ج2 ص1252.
حديث بريدة..
بغضهم علياً (عليهالسلام ):
وعن البراء قال: بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى اليمن جيشين، وأمَّر علياً على أحدهما. وعلى الآخر خالد بن الوليد. وقال: (إذا كان قتال فعلي رضي الله تعالى عنه الأمير).
قال: فافتتح علي حصناً، فغنمت أواقي ذوات عدد، وأخذ علي منه جارية.
قال: فكتب معي خالد إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) (يشي به) كما في جامع الترمذي.
قال: فلما قدمت على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وقرأ الكتاب رأيته يتغير لونه، فقال: (ما ترى في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله تعالى ورسوله)؟!
فقلت: أعوذ بالله من غضب الله تعالى وغضب رسوله، إنما أنا رسول.
فسكت(1) .
____________
1- سبل الهدى ج6 ص235، وقال في هامشه: أخرجه الترمذي ج4 ص180 ونهج السعادة ج5 ص285 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص196 وبحار الأنوار ج39 ص11 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص142 وينابيع المودة ج1 ص169.
وعن بريدة بن الحصيب قال: (أصبنا سبياً، فكتب خالد إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (ابعث إلينا من يخمسه). وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي.
فبعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علياً إلى خالد ليقبض منه الخمس، وفي رواية: ليقسم الفيء، فقبض منه، فخمس وقسم، واصطفى علي سبية، فأصبح وقد اغتسل ليلاً.
وكنت أبغض علياً بغضاً لم أبغضه أحداً، وأحببت رجلاً من قريش لم أحبه إلا لبغضه علياً.
فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟!
وفي رواية: فقلت: يا أبا الحسن، ما هذا؟!
قال: ألم تر إلى الوصيفة، فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم في آل علي، فوقعت بها.
فلما قدمنا على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ذكرت له ذلك(1) .
____________
1- سبل الهدى ج6 ص235 و 236 عن أحمد، والبخاري، والنسائي، والإسماعيلي، وفي هامشه قال: أخرجه البخاري في كتاب النكاح (5210). وراجع: فتح الباري ج8 ص52 ونيل الأوطار ج7 ص110 والعمدة لابن البطريق ص275 ونهج السعادة ج5 ص284 ومسند أحمد ج5 ص351 ومجمع الزوائد ج9 ص127 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص102 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص196 و البداية والنهاية ج5 ص120 وج7 ص380 والسيرة النبوية= = لابن كثير ج4 ص202 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ للريشهري ج11 ص260 وشرح إحقاق الحق ج21 ص630 وج23 ص5 و 274 و 276 وج30 ص272.
وفي رواية: فكتب خالد إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقلت: ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب وأقول: صدق، فإذا النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد احمر وجهه، فقال: (من كنت وليه فعلي وليه).
ثم قال: (يا بريدة أتبغض علياً)؟!
فقلت: نعم.
قال: (لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك)(1) .
____________
1- سبل الهدى ج6 ص236 وراجع: نيل الأوطار ج7 ص110 والعمدة لابن البطريق ص275 ونهج السعادة ج5 ص283 ومسند أحمد ج5 ص359 وصحيح البخاري (ط دار المعرفة) ج5 ص110 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج18 ص6 وتحفة الأحوذي ج10 ص145 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص102 ومعرفة السنن والآثار ج5 ص156 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص194 و 195 وأسد الغابة ج1 ص176 وتهذيب الكمال ج20 ص460 والبداية والنهاية ج7 ص380 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج1 ص88 وشرح إحقاق الحق ج6 ص86 وج16 ص453 ج21 ص532 وج23 ص275 و 276 و 277 و 278 وج30 ص278.
وفي رواية: (والذي نفسي بيده لنصيب علي في الخمس أفضل من وصيفة، وإن كنت تحبه فازدد له حباً)(1) .
وفي رواية: (لا تقع في علي، فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي)(2) .
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص236 ونيل الأوطار ج7 ص111 والعمدة لابن البطريق ص275 وبحار الأنوار ج39 ص277 ونهج السعادة ج5 ص285 ومسند أحمد ج5 ص351 ومجمع الزوائد ج9 ص127 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج18 ص7 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص136 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص103 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص196 والبداية والنهاية ج5 ص121 وج7 ص381 وكشف الغمة ج1 ص293 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص202 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج1 ص87 وشرح إحقاق الحق ج6 ص85 وج16 ص451 ج21 ص630 وج23 ص6 و 275 و 276 وج30 ص272.
2- سبل الهدى ج11 ص297 وج6 ص236 وقال في هامشه: أخرجه أحمد في المسند ج5 ص356، وذكره الهيثمي في المجمع ج9 ص128 وراجع: ذخائر العقبى ص68 وبحار الأنوار ج37 ص220 وج38 ص326 والنص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص560 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج18 ص7 وتحفة الأحوذي ج10 ص146 و 147 وكنز العمال ج11 ص608 وفيض القدير ج4 ص471 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص388 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص190 والبداية والنهاية ج7 ص380 وكشف الغمة ج1 ص294 وجـواهـر = = المطالب لابن الدمشقي ج1 ص87 وينابيع المودة ج2 ص159 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص288 و 290 و 292 وج15 ص103 و 106 و 107 وج20 ص527 وج23 ص544.
قال بريدة: فما كان في الناس أحد أحب إلي من علي.
وعن بريدة: بعث (صلىاللهعليهوآله ) علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، وخالد بن الوليد كل واحد منهما وحده، وجمعهما، فقال: إن اجتمعتما فعليكم علي.
قال: فأخذا يميناً ويساراً، فدخل علي، وأبعد وأصاب سبياً، وأخذ جارية من السبي، قال بريدة: وكنت من أشد الناس بغضاً لعلي.
قال: فأتى رجل خالد بن الوليد فذكر أنه أخذ جارية من الخمس.
فقال: ما هذا؟!
ثم جاء آخر، ثم تتابعت الأخبار على ذلك، فدعاني خالد، فقال: يا بريدة قد عرفت الذي صنع، فانطلق بكتابي هذا إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فكتب إليه، فانطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأخذ الكتاب بشماله، وكان كما قال الله عز وجل: لا يقرأ ولا يكتب، وكنت إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي، فطأطأت رأسي، فرأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) غضب غضباً لم أره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير.
فنظر إليّ، فقال: يا بريدة، أحِبَّ علياً، فإنما يفعل ما أمر به، فقمت وما من الناس أحد أحب إليّ منه(1) .
____________
1- المعجم الأوسط للطبراني ج5 ص117 ومجمع الزوائد ج9 ص128 عنه.
وراجع روايات بريدة على اختلافها في المصادر التالية: شرح الأخبار ج1 ص94 والعمدة لابن البطريق ص198 والطرائف لابن طاووس ص66 وذخائر العقبى ص68 والصراط المستقيم ج2 ص59 وكتاب الأربعين للشيرازي ص111 وبحار الأنوار ج37 ص220 وج38 ص326 وكتاب الأربعين للماحوزي ص32 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص306 و 307 والمراجعات للسيد شرف الدين ص223 والنص والإجتهاد ص339 و 560 والغدير ج3 ص244 ومكاتيب الرسول ج1 ص564 ونهج السعادة ج5 ص277 و 278 ومسند أحمد ج5 ص356 ومجمع الزوائد ج9 ص128 وفتح الباري ج8 ص53 وعمدة القاري ج16 ص214 وج18 ص7 وتحفة الأحوذي ج10 ص146 و 147 وكنز العمال ج11 ص608 وفيض القدير ج4 ص471 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص388 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص189 و 190 ومناقب علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) لابن مردويه ص119 والبداية والنهاية ج5 ص104 وج7 ص342 و344 و 380 وكشف الغمة للشعراني ج2 ص114 وكشف الغمة للأربلي ج1 ص294 ومجمع الفوائد ج2 ص68 والمنهل العذب المورود ج1 ص114 ومشكل الآثار ج4 ص160 ونهج الإيمان لابن جبر ص483 و 483 وجـواهـر المطـالب لابن الدمشقـي ج1 = = ص87 والسيرة الحلبية ج3 ص338 وينابيع المودة ج2 ص159 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج3 ص243 وغاية المرام للسيد هاشم البحراني ج5 ص26 ونظرة في كتاب البداية والنهاية للشيخ الأمينيي ص93 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص288 و 290 و 291 و 292 وج15 ص103 و106 و 107 وج16 ص157 وج20 ص527 وج21 ص23 و 144 وج22 ص582 وج23 ص161 و 544 وج30 ص415 والفضائل لأحمد بن حنبل ج2 ص351 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وخصائص أمير المؤمنين علي ( عليهاالسلام ) للنسائي (ط التقدم بمصر) ص25 وتيسير الوصول ج2 ص132 ومناقب علي ( عليهاالسلام ) للعيني الحيدر آبادي ص48 وإزالة الخفاء ج2 ص449 وقرة العين في تفضيل الشيخين ص169 والتاج الجامع للأصول ج3 ص298.
وعن بريدة: أنه لما استلم علي (عليهالسلام ) الغنائم من خالد بن الوليد في غزوتهم لبني زبيد، حصلت جارية من أفضل السبي في الخمس، ثم صارت في سهم آل علي، فخرج عليهم علي (عليهالسلام ) ورأسه يقطر، فسألوه؛ فأخبرهم: أنه وقع بالوصيفة التي صارت في سهم آل علي.
فقدم بريدة في كتاب من خالد على النبي (صلىاللهعليهوآله )، وصار يقرؤه عليه بريدة، ويصدق (أي بريدة) ما فيه، فأمسك (صلىاللهعليهوآله ) بيده، وقال: يا بريدة أتبغض علياً؟!
قال: نعم.
فقال (صلىاللهعليهوآله ): لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حباً، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة.
وفي نص آخر: فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول الله غضب غضباً لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، وقال: يا بريدة، أحب علياً، فإنه يفعل ما آمره. وكذا روي عن غير بريدة(1) .
____________
1- راجع: المعجم الأوسط للطبراني ج5 ص117 مجمع الزوائد ج9 ص128 عنه، وخصائص النسائي ص102 و 103 ومشكل الآثار ج4 ص160 ومسند أحمد ج5 ص359 و 350 و 351 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص342 وقال: رواه البخاري في الصحيح، وحلية الأولياء ج6 ص294 وسنن الترمذي ج5 ص632 و 639 وكنز العمال ج15 ص124 و 125 و126 ـ 271 والمناقب للخوارزمي ص92 والمستدرك للحاكم ج3 ص110 و 111 على شرط مسلم، وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه وسكت عنه، والبداية والنهاية ج7 ص344 و345 عن أحمد والترمذي، وأبي يعلى وغيره بنصوص مختلفة. والغدير ج3 ص216 عن بعض من تقدم وعن نزل الأبرار للبدخشي ص22 والرياض النضرة ج3 ص129 و 130 وعن مصابيح السنة للبغوي ج2 ص257. والبحر الزخار ج6 ص435 وجواهر الأخبار والآثـار المستخرجـة من لجـة البحر الزخـار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد والصفحة، عن البخاري والترمذي. وراجع: الأمالي للطوسي ص250 والطرائف لابن طاووس ص67 وبحـار الأنـوار ج38 = = ص116 و 117 وج39 ص281 و 282 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص191 وبشارة المصطفى ص194 و 195 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص414.
وفي الرواية التي عند المفيد (رضوان الله عليه): (فسار بريدة، حتى انتهى إلى باب النبي (صلىاللهعليهوآله )، فلقيه عمر، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه؛ فأخبره: أنه إنما جاء ليقع في علي، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: امض لما جئت له؛ فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي)(1) .
قال الصالحي الشامي:
تنبيهات:
الأول: قال ابن إسحاق وغيره: كانت غزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن مرتين، قال في العيون: ويشبه أن تكون هذه السرية الأولى، وما ذكره ابن سعد هي السرية الثانية كما سيأتي.
الثاني: قال الحافظ: كان بعث علي بعد رجوعهم من الطائف، وقسمة الغنائم بالجعرانة.
الثالث: قال الحافظ أبو ذر الهروي: إنما أبغض بريدة علياً، لأنه رآه أخذ من المغنم، فظن أنه غلّ.
____________
1- الإرشاد للمفيد ص93 و (ط دار المفيد) ج1 ص161 وقاموس الرجال ج2 ص173 عنه، والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص98 وبحار الأنوار ج21 ص358 وكشف الغمة ج1 ص230.
فلما أعلمه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنه أخذ أقل من حقه أحبه.
قال الحافظ: وهو تأويل حسن، لكن يبعده صدر الحديث الذي رواه أحمد، فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال، ونهى النبي (صلىاللهعليهوآله ) عن بغضه.
الرابع: استشكل وقوع علي رضي الله تعالى عنه على الجارية.
وأجيب: باحتمال أنها كانت غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ، كما صار إليه غيره من الصحابة.
أو أنها كانت حاضت عقب صيرورتها له، ثم طهرت بعد يوم وليلة، ثم وقع عليها.
أو كانت عذراء.
الخامس: استشكل أيضاً قسمته لنفسه.
وأجيب: بأن القسمة في مثل ذلك جائزة ممن هو شريكه فيما يقسمه، كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم، فكذلك ممن نصبه الإمام، فإنه مقامه(1) .
لعله يغضب لابنته:
وذكرت بعض نصوص حديث بريدة المتقدم: أنه لما ارتد عمرو بن معد يكرب أرسل النبي (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) إلى بني
____________
1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج6 ص236 وفتح الباري ج8 ص53.
زبيد، فغنم وسبى، واصطفى (عليهالسلام ) جارية، وذهب بريدة ليشتكي على علي (عليهالسلام ).
فسار حتى انتهى إلى باب النبي (صلىاللهعليهوآله )، فلقيه عمر بن الخطاب، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه. فأخبره أنه إنما جاء ليقع في علي (عليهالسلام )، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه.
فقال له عمر: امض لما جئت له، فإنه سيغضب لابنته مما صنع علي.
ثم ذكرت الرواية: أن بريدة دخل على النبي (صلىاللهعليهوآله ) وجعل يحدثه بما جرى، فتغير وجه النبي (صلىاللهعليهوآله )، فقال له بريدة: إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم..
فقال له (صلىاللهعليهوآله ): ويحك يا بريدة، أحدثت نفاقاً!
إن علي بن أبي طالب يحل له من الفيء ما يحل لي.
إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة أمتي.
يا بريدة، احذر أن تبغض علياً فيبغضك الله.
قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي فسخت فيها الخ..(1) .
____________
1- الإرشاد للمفيد ج1 ص160 و 161 وراجع: قاموس الرجال ج2 ص288 عنه. وراجع: المستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص98 وبحار الأنوار ج21 ص358 وكشف الغمة ج1 ص230.
ونقول:
ألف: لقد بادر بريدة إلى العودة إلى المدينة ليقع في علي (عليهالسلام ).. وكان يمكنه تأجيل ذلك إلى حين عودة السرية إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )..
فهل كان هو وخالد يريدان أن يدفعا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى إتخاذ قرار غيابي بحق علي (عليهالسلام )، دون أن يتمكن علي من الدفاع عن نفسه؟! أم أن حقدهما كان هو الدافع لعجلتهما هذه؟!
أم أنهما خشيا من أن يحن (صلىاللهعليهوآله ) إلى ابن عمه وصهره وهو بقربه، ولكنه حين يكون بعيداً عنه، فإن وطأة الحنين تكون أخف؟!
وإذا أصدر قراراً غيابياً، فإنه حتى لو أراد أن يتراجع عنه، فسيكون تراجعاً ضعيفاً، وترقيعياً، لا يفي بمحو ما أحدثه قراره الأول من ندوب وتشويهات.
ب: إن علياً (عليهالسلام ) قد بين لخالد ولبريدة الحكم الشرعي، فما المبرر للوقيعة فيه بعد ذلك؟! فإن كانوا يرون أن علياً (عليهالسلام ) قد أخطأ فيما قال، فلماذا لم يصرحا له بذلك؟!
ثم ألم يخطر على بالهما أن يجيبهما النبي (صلىاللهعليهوآله ) بمثل جواب علي (عليهالسلام )؟! وهذا هو ما حصل بالفعل، بل زاد (صلىاللهعليهوآله ) على ذلك قوله: إن نصيب علي (عليهالسلام ) في الخمس أكثر من وصيفة..
ج: لماذا يحرص عمر على أن يرى النبي (صلىاللهعليهوآله ) يغضب
لإبنته؟! هل كان يرى أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) يكيل بمكيالين، فيبيح للناس أمراً، فإذا تعلق الأمر به حرمه عليهم؟! انقياداً منه للهوى، وانسياقاً مع الرغبات الشخصية والعياذ بالله!
د: لماذا لم يقل عمر لبريدة: إن علياً (عليهالسلام ) عمل ما أحله الله تعالى له؟! ولو شئنا أن نتوهم أن عمر كان لا يعرف الحكم الشرعي في هذه المسألة لرمانا محبوه بألف تهمة وتهمة..
هـ: إن علياً (عليهالسلام ) كان ستِّيراً وحيياً، ولم يكن من عادته أن يتجاهر بما يشير إلى مقاربته لحليلته خارج دائرة ما تقتضيه الضرورات الدينية.
ولكننا رأيناه هنا يتصرف بطريقة تعطي أنه يتعمد دفعهم إلى تخيل شيء من هذا القبيل حيث خرج عليهم ورأسه يقطر، الأمر الذي أثار فضولهم، ودعاهم إلى سؤاله عن هذا الأمر، فلما سألوه أجابهم بما عمق شعورهم بالمرارة..
و: إن إجابته وإن كانت ليست نصاً في حدوث مقاربة جنسية فعلية، ولكنها توهم ذلك بصورة قوية.. ولعله (عليهالسلام ) استعمل التورية في هذا الأمر، فأتى بكلام ذي وجهين.
نقول ذلك: لوجود رواية تدل على أن الله قد حرم النساء على علي (عليهالسلام ) ما دامت فاطمة حية(1) .
____________
1- تهذيب الأحكام ج7 ص475 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص330 و (ط المطبعة = = الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ سنة 1956م) ج3 ص110 وبشارة المصطفى ص306 والأمالي للطوسي ج1 ص42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص64 وبحار الأنوار ج43 ص16 و 153 وضياء العالمين (مخطوط) ج2 ق3 ص7 وعوالم العلوم ج11 ص387 و 66 ومستدرك الوسائل ج2 ص42 وراجع: فتح الباري ج9 ص287 ومجمع النورين ص23 والإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) لأحمد الرحماني الهمداني ص231 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص201 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص431 والحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج23 ص108.
إلا أن يقال: هذا التحريم مشروط بعدم إذن النبي (صلىاللهعليهوآله )، أو فاطمة (عليهاالسلام ) له بذلك.
أو يدعى: أن المراد: أنه حرم عليه الزواج بالنساء، أما الوطء بملك اليمين فلا..
وإن كنا نرى أن هذا الإحتمال خلاف الظاهر..
علي (عليهالسلام ) خير الناس:
جاء في النص المروي عن المفيد (رحمهالله ) قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) عن علي (عليهالسلام ): إنه خير لبريدة، ولقومه، بل هو خير من يخلِّف بعده لكافة أمته (صلىاللهعليهوآله )..
مما يعني: أنه (صلىاللهعليهوآله ) أراد أن يدخل علياً (عليهالسلام ) إلى قلب بريدة من باب الرغبة الطبيعية للإنسان بجلب المنافع لنفسه، ودرء
المضار عنها.
ثم أطلق (صلىاللهعليهوآله ) دعوته الشاملة للأمة إلى محبة علي (عليهالسلام )، بالإستناد إلى نفس هذه المعادلة التي قررها.
وبديهي: أن الناس قبل تصفية أرواحهم، والسمو بنظرتهم، وإطلاق عقولهم من أسر الأهواء والشهوات، ينطلقون في مواقفهم من حبهم وبغضهم، وارتباطاتهم العاطفية، ويكون إقدامهم وإحجامهم من منطلقات محسوسة لهم، أو قريبة من الحس، ولا يتفاعلون بعمق مع المُثل والقيم الشريفة، والمفاهيم والمعاني الإيمانية العالية، ذات القيمة الروحية والمعنوية.
من أجل ذلك كان لابد من الرفق بهم، وتيسير الأمور عليهم، بإبراز الجانب الحسي، أو القريب من الحس لتقريبهم من خط الإستقامة على طريق تصفية قلوبهم، وأرواحهم، ليتمكنوا من نيل المعاني السامية، والتفاعل الروحي معها، والإنصهار في بوتقة الإيمان، والإنشداد إلى كل حقائقه ودقائقه، والتفاعل معها بكل وجودهم.
لماذا يبغضون علياً (عليهالسلام )؟!:
لقد صرح بريدة بشدة بغضه لعلي (عليهالسلام )، دون أن يذكر مبرراً، مع أنه قد أسلم في السنوات الأولى للهجرة، ورأى تضحيات علي (عليهالسلام ) وسلوكه، وبعضاً من عبادته، ودلائل إخلاصه، وسمع من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الكثير مما يدل على فضله ومقامه..
ولم يتراجع عن بغضه هذا إلا بعد هذا الموقف القوي والصريح من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، الذي أفقد مناوئي علي (عليهالسلام ) كل
شيء، وجعلهم يواجهون خطر السقوط المخزي والمريع، في وقت كان يظن بريدة ومن معه أنهم أمام الفرصة الذهبية الكبرى للإيقاع به (عليهالسلام )..
تتابع المخبرين:
وفي النص الذي رواه الطبري: أن المخبرين تتابعوا على خالد بما صنعه علي (عليهالسلام )، ثم تتابعت الأخبار.. وذلك يدل على كثرة الذين يتعاطفون مع خالد، أو يريدون التزلف إليه بهذه الأخبار..
وذلك ينتج أن الذين سيطلعون على ما جرى لبريدة مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سيكونون كثيرين أيضاً، ولا سيما إذا انضم إليهم فريق كبير من أهل المدينة..
فإذا رأى الناس تبدل موقف بريدة مع علي (عليهالسلام )، فسيدفعهم ذلك لمعرفة السبب، مما يعني: أن هذا الخبر سوف يستمر في التوسع والإنتشار.
النبي (صلىاللهعليهوآله ) يأخذ الكتاب بشماله:
ومن الأمور التي لا مناص من الوقوف عندها، ومعرفة مبرراتها أنه (صلىاللهعليهوآله ) تناول كتاب خالد من بريدة بشماله.. مع أن المروي عنه (صلىاللهعليهوآله ) أنه (كان يمينه لطعامه وشرابه، وأخذه وإعطائه، فكان لا يأخذ إلا بيمينه، ولا يعطي إلا بيمينه إلخ..(1) .
____________
1- مكـارم الأخـلاق ص23 وبحـار الأنـوار ج16 ص237 وسنن النبي للسيد = = الطباطبائي ص120 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) للنجفي ج1 ص144 ومستدرك سفينة البحار ج14 ص154 وتفسير الميزان ج6 ص313 ومعجم المحاسن والمساوئ لأبي طالب التبريزي ص471. وراجع: سنن النسائي ج8 ص133 ومنتهى المطلب (ط ق) ج1 ص306 ومغني المحتاج للشربيني ج1 ص55 وفتح المعين ج1 ص65 والمغني لابن قدامة ج1 ص90 والشرح الكبير ج1 ص19 و 110 وج2 ص87 وتلخيص الحبير ج1 ص419 ومسند أحمد ج6 ص94 و 130 و 147 و 210 وصحيح البخاري ج1 ص110 وج6 ص197 وج7 ص49 وصحيح مسلم ج1 ص156 وسنن أبي داود ج2 ص277 وشرح مسلم للنووي ج3 ص160 و 161 ومسند أبي داود الطيالسي ج1 ص200 ومجمع الزوائد ج5 ص171 وج10 ص139 وجامع الأحاديث والمراسيل ج5 ص519 ومشكاة المصابيح للهيثمي ج2 ص111 والفتح الكبير ج2 ص364 وعمدة القاري ج3 ص31 وج4 ص171 وج21 ص31 ومسند ابن راهويه ج3 ص820 و 821 ومسند ابي يعلى ج4 ص478 والجامع الصغير ج2 ص351 وكنز العمال ج7 ص124 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص386 و 481 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص411 وتاريخ مدينة دمشق ج4 ص61 وإمتاع الأسماع ج2 ص258 وسبل الهدى والرشاد ج8 ص93 وج9 ص354 والنهاية في غريب الحديث ج5 ص302 ولسان العرب ج13 ص458 ومجمع البحرين ج4 ص583.
ولم نسمع، ولم نقرأ أنه (صلىاللهعليهوآله ) أخذ أو أعطى بشماله في
أي مورد سوى هذا المورد.. ألا يدلنا هذا التصرف على أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد علم بمحتوى، وبغرض كتاب خالد، وهو مأمور بهذا الموقف منه تعالى، فإنه لا يفعل( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1) ..
فهو (صلىاللهعليهوآله ) يريد أن يفهمنا أن تلك الرسالة تحمل في طياتها أموراً لا خير ولا يمن فيها، بل هي بمثابة قاذورات، لا بد من التنزه عنها قولاً وفعلاً وممارسة، كما لا بد من إرفاقها بدلالات صريحة وعملية، من شأنها أن تتجذر في عمق الذاكرة من خلال دلالاتها على المعنى السلبي، حتى لا يتمكن أصحاب الأهواء من التعمية على هذا الأمر، والتدليس على الناس.
علي (عليهالسلام ) وليهم:
وقد قال (صلىاللهعليهوآله ) لبريدة في هذه المناسبة: (من كنت وليه فعلي وليه)، وهذا يدلنا على ما يلي:
أولاً: إنه (صلىاللهعليهوآله ) وجد الفرصة سانحة لتجديد الإخبار عن ثبوت الولاية لعلي (عليهالسلام )..
ثانياً: قد دل ما جرى على أن هذه الولاية ثابتة في زمن الرسول (صلىاللهعليهوآله ) أيضاً، حيث قرر (صلىاللهعليهوآله ) ثبوتها بالفعل، ولم يقل: فإن علياً سيكون وليه. أو فقل: هي ولاية فعلية، وليست إنشائية
____________
1- الآيتان 3 و4 من سورة النجم.
تصل إلى درجة الفعلية بعد وفاة النبي (صلىاللهعليهوآله )..
ثالثاً: إنه يشير إلى أن تصرف علي (عليهالسلام ) الذي تحدثت عنه تلك الرواية كان تصرفاً ولائياً..
رابعاً: إن ولايته (عليهالسلام ) للناس من سنخ ولاية النبي (صلىاللهعليهوآله ).
خامساً: إن سعة هذه الولاية وامتدادها لا يختلف عن سعة وامتداد ولاية النبي (صلىاللهعليهوآله )..
يفعل ما أمر به:
وقد صرح (صلىاللهعليهوآله ): بأن علياً (عليهالسلام ) لا يفعل ما يفعل انطلاقاً من الهوى والرغبات الشخصية، وإنما هو يفعل ما أمره الله تعالى به، وينفذ أحكامه الشرعية.. بل لعل النبي (صلىاللهعليهوآله ) كان هو الذي أمره بذلك.. ليدل على أن الله تعالى يريد أن يكشف بعض النوايا، أو يمهد لهذا الإعلان النبوي في حق علي (عليهالسلام ).. وإقامة الحجة به على القريب والبعيد..
غضب لم ير بريدة مثله:
صرح بريدة: بأنه رأى النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد غضب غضباً لم يره غضب مثله، إلا يوم قريظة والنضير..
وكيف لا يغضب (صلىاللهعليهوآله )، وهؤلاء يصرون على الطعن في خير خلق الله من بعده. والمجاهد الذي يقذف نفسه في لهوات الأخطار
في سبيل الله.. وقد أظهر الله فضله وكراماته وآياته الباهرة في عشرات المناسبات والآيات..
كما أن آياته الجهادية الباهرة في بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، وحنين، وذات السلاسل وغير ذلك لا تخفى على أحد.
ورغم ما بذله (صلىاللهعليهوآله ) من جهد في إعلام الناس بحق علي (عليهالسلام )، ونزول الآيات في الثناء عليه، وإظهار فضله، وتأكيد ولايته، فإنهم يصمون آذانهم، ويطبقون أعينهم، ويقفلون قلوبهم وعقولهم عن ذلك كله..
ومن الواضح: أن هذا العناد منهم، مع هذا الكم الهائل من الدلالات، ومع الوعد والوعيد الإلهي لهم يوازي هدم أساس الإسلام، وتقويض أركانه.
وهذا هو سر هذا الغضب الشديد الذي رآه بريدة في وجه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
قضاء علي (عليهالسلام ) في اليمن..
علي (عليهالسلام ) إلى اليمن مرتين:
وبالنسبة لذهاب علي (عليهالسلام ) إلى اليمن نقول:
لعل الصحيح هو: أنه (عليهالسلام ) ذهب إلى اليمن أولاً، فأسلمت همدان كلها على يديه في ساعة واحدة، وانتشر الإسلام في تلك البلاد.
ثم شعر أهلها بحاجتهم إلى من يفقههم في الدين، فوفدوا إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وطلبوا منه ذلك، فأرسل إليهم علياً (عليهالسلام ) مرة ثانية.
فقد روي: أنه أتى النبي (صلىاللهعليهوآله ) ناس من اليمن، فقالوا: ابعث فينا من يفقهنا في الدين، ويعلمنا السنن، ويحكم فينا بكتاب الله.
فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ): انطلق يا علي إلى أهل اليمن، ففقههم في الدين وعلمهم السنن، واحكم فيهم بكتاب الله.
فقلت: إن أهل اليمن قوم طغام، يأتوني من القضاء بما لا علم لي به.
فضرب (صلىاللهعليهوآله ) على صدري، ثم قال: اذهب، فإن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك. فما شككت في قضاء بين اثنين حتى الساعة(1) .
____________
1- منتخب كنز العمال (مطبوع مـع مسند أحمـد) ج5 ص36 وكنز العـمال ج13 = = ص113 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص35 و 40 و 45 وج21 ص634 وج22 ص511 وج23 ص667 وراجع: أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان ج1 ص86 و تاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص637.
وقال الطبرسي: بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) إلى اليمن، ليدعوهم إلى الإسلام، وليخمس ركازهم، ويعلمهم الأحكام، ويبين لهم الحلال والحرام، وإلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم(1) .
هل أرسل علياً (عليهالسلام ) إلى اليمن قاضياً؟!:
إننا لا ننكر أن يكون علي (عليهالسلام ) قد قضى وحكم بين الناس في اليمن، كما أنه علمهم، وفقههم في دينهم، وسعى إلى تزكية نفوسهم، وبث مكارم الأخلاق فيهم..
ولكن بعض الروايات تزعم: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أرسل علياً (عليهالسلام ) إلى اليمن قاضياً، وحسب بعض الروايات: أنه قال للنبي:
تبعثني إلى قوم وأنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء (أو بكثير من القضاء)؟!
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص360 ومكاتيب الرسول ج1 ص210 وإعلام الورى (ط1) ص79 و 80 و (ط2) ص137 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص257.
فوضع يده على صدره وقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك.
يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر الخ..(1) .
ولذلك اعتبر السكتواري: أن علياً (عليهالسلام ) أول قاض بعثه رسول
____________
1- مسند أحمد ج1 ص83 و 88 و 149 و (ط دار صادر) ج1 ص111 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار المعارف بمصر) ج2 ص337 والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص140 وذخائر المواريث ج3 ص14 وتيسير الوصول (ط نول كشور) ج2 ص216 وقضاة الأندلس ص23 وخصائص الإمام علي ( عليهالسلام ) للنسائي (ط التقدم بمصر) ص12 وأخبار القضاة لوكيع ج1 ص85 وفرائد السمطين، ونظم درر السمطين ص127 والشذورات الذهبية ص119 وطبقات الفقهاء ص16 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص236 ومناقب علي ( عليهالسلام ) لابن المغازلي ص248 والرصف ص313 وجمع الفوائد من جامع الأصول، ومجمع الزوائد ج1 ص259 وفتح المنعم (مطبوع مع زاد المسلم) ج4 ص217 وبحار الأنوار ج21 ص360 و 361 وفي هامشه عن: إعلام الورى (ط 1) ص80 و (ط2) ص137. وراجع: العمدة لابن البطريق ص256 وفتح الباري ج8 ص52 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص117 وكنز العمال ج13 ص125 والبداية والنهاية ج5 ص124 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص208 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) ج1 ص205 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص65 وج20 ص565 و 571 وج22 ص176 وج31 ص387.
الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى اليمن(1) .
ونقول:
قد يقال: إن علياً كان باب مدينة علم رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وعنده علم الكتاب بنص القرآن الكريم، فما معنى قوله (عليهالسلام ): أنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء؟!.
ويمكن أن يجاب:
بأنه (عليهالسلام ) إنما تكلم بلسان غيره، وعبر عما قد يدور بِخَلَدِ بعضهم، لا سيما وأن القضاء من أي كان لا يرضي من يُقْضى عليهم.. فيبادرون إلى إدعاء المظلومية، أو ادعاء حصول خطأ في الحكم، نتيجة التقصير أو القصور لدى الحاكم، أو لغير ذلك من أسباب، قد يجدون من يصدقهم، أو من يقع في الشبهة نتيجة لذلك.. فأراد (عليهالسلام ) أن يتلافى ذلك بهذا السؤال، وبذاك الجواب..
ويشهد لذلك:
أن الجواب الذي سمعه من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لم يتضمن تعليماً لأحكام القضاء، بل هو مجرد دعاء له (عليهالسلام ) بالهداية والثبات، ثم أخبره بأن الله تعالى هو الذي يتولى هداية قلبه (عليهالسلام )، وذلك ليدلنا على عظيم منزلته (عليهالسلام ) عند الله، لأن هداية القلب لا تكون على سبيل الجبر والقهر لأي كان من الناس، بل هي منحة إلهية لمن
____________
1- محاضرة الأوائل ص62 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص47 عنه.
جاهد في الله حق جهاده على قاعدة:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (1) و( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً ) (2) و( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) (3) .
مفردات من قضائه (عليهالسلام ) في اليمن:
وقد ذكروا العديد من مفردات الأقضية التي صدرت عن علي (عليهالسلام ) في اليمن، ومنها:
1 ـ إن قوماً احتفروا بئراً باليمن، فأصبحوا وقد سقط فيها أسد، فنظروا إليه، فسقط إنسان بالبئر، فتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، حتى كانوا في البئر أربعة، فقتلهم الأسد، فأهوى إليه رجل برمح فقتله.
فتحاكموا إلى علي (عليهالسلام ).
فقال: ربع دية، وثلث دية، ونصف دية، ودية تامة: للأسفل ربع دية، من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث دية، لأنه هلك فوقه إثنان، وللثالث نصف دية، من أجل أنه هلك فوقه واحد، وللأعلى الدية كاملة.
فإن رضيتم فهو بينكم قضاء، وإن لم ترضوا فلا حق لكم حتى تأتوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فيقضي بينكم.
فلما أتوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قصوا عليه خبرهم، فقال: (أنا
____________
1- الآية 69 من سورة العنكبوت.
2- الآية 17 من سورة محمد.
3- الآية 11 من سورة التغابن.
أقضي بينكم إن شاء الله تعالى).
فقال بعضهم: يا رسول الله، إن علياً قد قضى بيننا.
قال: (فيم قضى)؟!
فأخبروه، فقال: (هو كما قضى به)(1) .
2 ـ كان علي (عليهالسلام ) باليمن، فأُتي بامرأة وطأها ثلاثة نفر في طهر واحد، فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟!
____________
1- راجع: مسند الطيالسي ص18 وأخبار القضاة لوكيع ج1 ص95 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص111 وذخائر العقبى ص84 وتذكرة الخواص ص49 والقياس في الشرع الإسلامي ص45 وأعلام الموقعين ج2 ص39 ومجمع بحار الأنوار ج2 ص57 وينابيع المودة ص75 وأرجح المطالب ص120 والطرق الحكمية لابن القيم ص262 عن أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم في صحيحه، وإرشاد الفحول ص257 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص239 ومسند أحمد ج1 ص77 و 152 ومشكل الآثار ج3 ص58 وكتاب الديات للشيباني ص65 وتفريع الأحباب ص321 ووسيلة النجاة للسهالوي ص152 ومرآة المؤمنين ص70 وكنز العمال (ط الهند) ج15 ص103 عن الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وابن منيع، وابن جرير وصححه، وقرة العينين في تفضيل الشيخين ص158 وبذل القوة ص285 وتلخيص التحبير ج4 ص30 عن أحمد، والبزار، والبيهقي، وإحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص493 ـ 497 وج8 ص67 ـ 70 عما تقدم وعن مصادر أخرى.
فلم يقرَّا.
ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟!
فلم يقرَّا.
ثم سأل اثنين، حتى فرغ، يسأل اثنين اثنين غير واحد، فلم يقرُّوا.
ثم أقرع بينهم، فألزم الولد، الذي خرجت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية.
فرفُع ذلك للنبي (صلىاللهعليهوآله )، فضحك حتى بدت نواجذه
زاد في نص آخر: وقال: (القضاء ما قضى).
أو قال: (لا أعلم فيها إلا ما قضى علي).
أو قال: (حكمتَ فيه بحكم الله).
أو قال: (لقد رضي الله عز وجل حكمك فيهم)(1) .
____________
1- راجع: مسند أحمد ج4 ص373 وسنن النسائي (ط الميمنة بمصر) ج2 ص107 وأخبار القضاة ج1 ص90 و 91 و 93 و 94 ومستدرك الحاكم ج2 ص207 وج3 ص135 وج4 ص96 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع مع المستدرك) ج4 ص96 وذخائر العقبى ص85 والقياس في الشرع الإسلامي ص48 وزاد المعاد لابن القيم (ط الأزهرية بمصر) ج7 ص380 والبداية والنهاية ج5 ص107 عن أحمد، وأبي داود، والنسائي، وينابيع المودة ص211 و 75 وتيسير الوصول ج2 ص281 وأرجح المطالب ص121 والمعجم الكبير = = ج5 ص193 و 194 وفيه: أن علياً ( عليهالسلام ) كتب إلى رسول الله ( صلىاللهعليهوآله ) يخبره بذلك. ومسند ابن أبي شيبة ج2 ص345 وأخبار الموفقيات ص363 عن مسند الحميدي، ومرآة المؤمنين ص71.
3 ـ عن أبي جعفر الباقر (عليهالسلام )، قال: بعث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) إلى اليمن، فانفلت فرس لرجل من أهل اليمن، فنفح رجلاً برجله فقتله، وأخذه أولياء المقتول، فرفعوه إلى علي (عليهالسلام )، فأقام صاحب الفرس البيّنة أن الفرس انفلت من داره فنفح الرجل برجله، فأبطل علي (عليهالسلام ) دم الرجل.
فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) يشكون علياً (عليهالسلام ) فيما حكم عليهم، فقالوا: إن علياً ظلمنا، وأبطل دم صاحبنا.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): إن علياً ليس بظلام، ولم يخلق علي للظلم، وإن الولاية من بعدي لعلي، والحكم حكمه، والقول قوله، لا يرد حكمه وقوله وولايته إلا كافر، ولا يرضى بحكمه وقوله وولايته إلا مؤمن.
فلما سمع اليمانيون قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في علي (عليهالسلام ) قالوا: يا رسول الله، رضينا بقول علي وحكمه.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): هو توبتكم مما قلتم(1) .
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص362 وج38 ص102 وج40 ص316 وج101 ص390= = والأمالي للشيخ الصدوق ص428 ومستدرك الوسائل ج18 ص322 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص343 وعجائب أحكام أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للسيد محسن الأمين ص42 وقضاء أمير المؤمنين علي ( عليهالسلام ) ص192 عن الكليني، والشيخ، وعن الصدوق في أماليه. والكافي ج7 ص353.
ونقول:
يحسن لفت النظر إلى أمور تضمنتها النصوص الآنفة الذكر، نذكر منها ما يلي:
أولاً: ذكرت الروايات الثلاث الأولى المتقدمة أن الذين قضى عليهم أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لم يرضوا بقضائه..
ولا نرى أن سبب ذلك هو كراهتهم لشخص علي (عليهالسلام ).. بل لأن التخاصم عادة يكون بسبب شبهة عرضت لأحد المتخاصمين، أو كليهما، أوهمته أن الحق له، ودفعته إلى السعي لتحصيل حقه ولو بالترافع إلى القاضي، فإذا قضى عليه القاضي توهم أنه قصر في تحري الحق، أو جهل الحكم، أو مال مع الهوى..
وبما أن الناس كانوا في اليمن لا يعرفون الكثير عن علي (عليهالسلام )، وعلمه وتقواه، وتضحياته وعدله، والآيات النازلة في حقه، وبيان فضله، فلا يلامون إذا ظنوا أنه لم يدقق بما يكفي لإحقاق الحق، أو لم يكن يعرف الكثير من أسرار القضاء، فأرادوا الإستيثاق من صحة قضائه.
فجاء الرد الحاسم من قبل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وبين لهم:
أولاً: موقع علي فيهم، وحقيقة علي (عليهالسلام ) ومنزلته، وأن له فيهم مقام الولاية، وهو الذي لا يرد حكمه، ولا يشك في قوله..
ثانياً: لقد قرر (صلىاللهعليهوآله ) أنه (عليهالسلام ) ليس بظلام، ليكون هذا القول هو الضابطة لمن تكون له الولاية على الناس، لأن من يظلم واحداً منهم، فلا يؤمن أن ينال ظلمه الجميع، إذ لا خصوصية للفرد من هذه الجهة، ولذلك قال: (صلىاللهعليهوآله ): (إن علياً ليس بظلام)، فجاء بصيغة المبالغة لتدل على نفي الظلم عن كل فرد، والمطلوب من الولي الإنصاف والعدل، وإيصال الخير للناس، والظلاّم لا يؤمن أن ينال ظلمه هذا الفرد أو ذاك، فلا يصلح للولاية لأنها نقض للغرض.
ثالثاً: قوله: إن علياً (عليهالسلام ) لم يخلق للظلم، أي أن علياً (عليهالسلام ) هو صاحب الفطرة السليمة والصافية، والمعافاة من كل سوء، فهي لم تتعرض لأي تشويه، أو عدوان. وفطرة كهذه لا يصدر منها الظلم، لأن الظلم لا يلائمها، بل هي تتنافر معه وترفضه..
الذين وقعوا في زبية الأسد:
بالنسبة للذين قتلهم الأسد في البئر نقول:
اختلفت الرواية في الحكم الذي صدر عنه (عليهالسلام )، فواحدة منها تقول: إن للأول ربع الدية، وللثاني ثلثها، وللثالث نصفها، وللرابع الدية كاملة، وقد جعلها (عليهالسلام ) على قبائل الذين ازدحموا..
قال التستري: للأول الربع، لاحتمال استناد موته إلى أربعة أشياء:
أحدها: تضييق المزدحمين، وباقيها إسقاطه لثلاثة رجال فوق نفسه.
وللثاني الثلث، لإحتمال استناده إلى ثلاثة أمور:
أحدها: إسقاط الأول له.
وللثالث النصف، حيث يحتمل استناده إلى أمرين:
أحدهما: إسقاط الثاني له.
وللرابع التمام حيث إن قتله كله مستند إلى الثالث، وجعل الدية على قبائل المزدحمين لأن الساقطين أيضاً كانوا منهم(1) .
وجاء في نص آخر أنه (عليهالسلام ) قال: الأول فريسة الأسد، وغرّم أهله ثلث الدية لأهل الثاني، وغرّم الثاني لأهل الثالث ثلثي الدية.. وغرّم الثالث لأهل الرابع الدية كاملة(2) .
وذكر التستري: أن الوجه في ذلك: أن هلاك الأول لم يكن مستنداً إلى أحد..
____________
1- قضاء أمير المؤمنين علي ( عليهالسلام ) ص36.
2- راجع: وسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج9 ص176 وقضاء أمير المؤمنين علي ( عليهالسلام ) للتستري ص35 عن الإرشاد، وعن المشايخ الثلاثة، والمناقب، ومسند أحمد، وأمالي أحمد بن منيع. وراجع: دعائم الإسلام ج2 ص418 ومستدرك الوسائل ج18 ص313 وشرح الأخبار ج2 ص331 والإرشاد للمفيد ج1 ص196 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص198 وبحار الأنوار ج40 ص245 وج101 ص393 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص338 و 339 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص280.
والثاني كان هلاكه مستنداً إلى ثلاثة أمور: جذب الأول، وسقوط الثالث والرابع فوقه، وكان هو السبب في سقوطهما، فيكون ثلث قتله مستنداً إلى الأول فله الثلث.
والثالث كان ثلث قتله مستنداً إلى نفسه بجذب الرابع، فيكون له الثلثان فقط على الثاني.
والرابع كان جميع قتله مستنداً إلى الثالث، فكان عليه تمام ديته(1) .
ويحتمل أن هذه الحادثة قد تكررت مرتين، كان سقوط الأشخاص فوق بعضهم البعض في إحداهما، وكان السقوط للأفراد في مواقع أخرى في الحادثة الثانية.
من وصايا النبي (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ):
1 ـ روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليهالسلام ) قال: قال أمير المؤمنين (عليهالسلام ): بعثني رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى اليمن وقال لي: يا علي، لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه، وأيم الله لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي(2) .
____________
1- قضاء أمير المؤمنين علي ( عليهالسلام ) ص35 و 36.
2- بحار الأنوار ج21 ص361 وج97 ص34 والكافي ج5 ص28 ومختلف الشيعة ج4 ص393 وكشف اللثام (ط ج) ج9 ص341 و (ط ق) ج2 ص276 وجـواهـر = = الكلام ج21 ص52 وتهذيب الأحكام ج6 ص141 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص43 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص30 والنوادر للراوندي ص140 ومستدرك الوسائل ج11 ص30 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص143 وموسوعة أحاديث أهل البيت ج12 ص23 وأعيان الشيعة ج1 ص418.
قال المجلسي (رحمهالله ): قوله (صلىاللهعليهوآله ): ولك ولاؤه، أي لك ميراثه إن لم يكن له وارث، وعليك خطاؤه(1) .
2 ـ روى جماعة عن أبي المفضل، عن عبد الرزاق بن سليمان، عن الفضل بن الفضل الأشعري، عن الرضا، عن آبائه (عليهمالسلام ): أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعث علياً (عليهالسلام ) إلى اليمن، فقال له وهو يوصيه:
يا علي، أوصيك بالدعاء، فإن معه الإجابة، وبالشكر، فإن معه المزيد، وإياك عن أن تخفر عهداً وتعين عليه، وأنهاك عن المكر، فإنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وأنهاك عن البغي، فإنه من بغي عليه لينصرنه الله(2) .
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص361.
2- بحار الأنوار ج21 ص361 وج74 ص69 عن المجالس والأخبار ص28 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج7 ص29 و (ط دار الإسلامية) ج4 ص1088 والأمالي للطوسي ص597 وجامع أحاديث الشيعة ج15 ص192 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص345 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) ج2 ص62 وج10 ص414.
ونقول:
أولاً: تقدم: أنه (صلىاللهعليهوآله ) أوصى علياً (عليهالسلام ) بأن لا يقاتل أحداً حتى يدعوه، ثم قال: (وأيم الله لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت علي الشمس وغربت..).
والكلام إنما هو بالنسبة لأولئك الذين يعلنون العداء للإسلام وأهله، أو بالنسبة لأولئك الذين يريدون منع الناس من ممارسة حريتهم في الإعتقاد، أو في الدعوة..
وهذا يدل على أن الهدف الأول والأخير هو هداية الناس، ونشر الإسلام، والقتال إنما هو لدفع الأعداء، أو للحصول على حرية الإعتقاد والدعوة..
فما يذكرونه في أكثر السرايا والبعوث من أنها كانت تبادر إلى الغارة، واغتنام الأموال، وسبي النساء والأطفال، وأسر واستعباد الرجال، إما غير صحيح، أو أنه إن كان قد حصل منه شيء فهو على سبيل التمرد على صريح الأوامر النبوية، طمعاً بالدنيا، وجريا على عادات أهل الجاهلية، واستجابة لدواعي الهوى العصبية.
ثانياً: إن مجرد إسلام شخصٍ على يد آخر ليس من أسباب اختصاصه بإرثه، إلا في موردين.
أحدهما: أن يكون مولى له، وما نحن فيه ليس كذلك، إذا المفروض: أنه (صلىاللهعليهوآله ) أمر علياً أن يدعوهم إلى الإسلام قبل حربهم، فمن أسلم منهم كان له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم..
الثاني: أن يكون ولاؤه له من حيث أنه إمام مفترض الطاعة، لأن الإمام وارث من لا وارث له.. ومعنى هذا أن يصبح هذا الحديث من دلائل إمامة علي (عليهالسلام ) بعد النبي (صلىاللهعليهوآله ).
ثالثاً: إن الوصايا المتقدمة، التي رويت عن الإمام الرضا (عليهالسلام )، عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ليس فقط لا تشير إلى أنه (صلىاللهعليهوآله ) أصدر أي أمر بقتال، وإنما هي في سياق إثارة أجواء ومشاعر سليمة وطبيعية، والتوجيه نحو تنظيم العلاقة مع أهل اليمن، على أساس التوافق، وإبرام العهود، ولزوم الوفاء بها. ولزوم الوضوح والصدق في التعامل، والإبتعاد عن المكر والخداع، وعن البغي والتجني، والتزام جادة الإنصاف، والرفق..
وقد مهد لذلك كله بالتوجيه نحو الله تعالى بالدعاء، والطلب منه دون سواه، ثم بالشكر له، الذي يجلب معه المزيد من العطاءات الإلهية، والألطاف والرحمات والبركات الربانية..
هدايا علي (عليهالسلام ) من اليمن إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ):
روى الكليني عن العدة، عن سهل وأحمد بن محمد جميعاً، عن بكر بن صالح، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن (عليهالسلام ) قال: سمعته يقول: أهدى أمير المؤمنين إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أربعة أفراس من اليمن، فقال: سمها لي.
فقال: هي ألوان مختلفة.
فقال: ففيها وضح؟!
قال: نعم، فيها أشقر به وضح.
قال: فأمسكه عليّ.
قال: وفيها كميتان أوضحان.
فقال: أعطهما ابنيك.
قال: والرابع أدهم بهيم.
قال: بعه، واستخلف به نفقة لعيالك، إنما يمن الخيل في ذوات الأوضاح(1) .
ونقول:
1 ـ في هذه الهدية إلماح إلى استمرار المسيرة الجهادية، التي تحتاج إلى إعداد القوة التي ترهب العدو.. على قاعدة:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (2) .
وقد جاءت هذه الهدية في وقت ظهر فيه أن بعض قاصري النظر من
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص361 وج61 ص169 عن الكافي، والمحاسن للبرقي ج2 ص631 والكافي ج6 ص536 ومن لا يحضره الفقيه ج2 ص285 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص475 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص347 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص855 ومسند الإمام الرضا ( عليهالسلام ) للعطاردي ج2 ص377 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) ج12 ص339.
2- الآية 60 من سورة الأنفال.
المسلمين اعتبر أن زمن الجهاد قد انتهى، ولا حاجة بعد للسلاح، فباعوا أسلحتهم، كما صرحت به الروايات(1) .
2 ـ تضمن هذا النص إشارة إلى أن للألوان والأشكال دورها في الإختيار، وإن لقضية اليُمْنِ أيضاً تأثير في ذلك، فلا معنى لإسقاطها من الحساب..
ذهبية أخرى من اليمن:
وعن أبي سعيد الخدري: أن علياً كرم الله وجهه (بعث إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من اليمن بذهبية في أديم مقروظ لم تحصَّل من ترابها، فقسمها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر،
____________
1- راجع: السنن الكبرى للنسائي ج3 ص35 وج5 ص218 ومسند أحمد ج4 ص104 وسنن النسائي ج6 ص214 والآحاد والمثاني ج4 ص411 وج5 ص84 و 259 وصحيح ابن حبان ج16 ص297 والمعجم الكبير للطبراني ج7 ص52 ومسند الشاميين ج3 ص387 والأربعين في الجهاد لأبي الفرج المقرئ ص44 وموارد الظمآن ج5 ص205 وكنز العمال ج4 ص450 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص187 والطبقات الكبرى لابن سعد ج7 ص427 والتاريخ الكبير للبخاري ج4 ص70 وتاريخ مدينة دمشق ج1 ص115 و 116 و 117 وتهذيب الكمال ج11 ص324 والدر المنثور ج6 ص47 وتفسير الآلوسي ج26 ص42.
وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، وعلقمة بن غيلان (علاثة) (1) .
وهؤلاء من المؤلفة قلوبهم، الذين يهتمون لهذه الأمور.
مع ملاحظة: أن هذا الذهب لم يكن من الأموال العامة التي لا بد من تقسيمها بين أهلها ومستحقيها من المسلمين، وإنما هي مال خاص برسول الله (صلىاللهعليهوآله ). وقد أراد أن يجعلها في خدمة هذا الدين، وكف الأذى عن أهله، وتوفير المنافع لهم بهذه الطريقة.
علي (عليهالسلام ) في اليمن مرة أخرى:
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) قال: دعاني رسول
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج6 ص358 وراجع: الإصابة ج1 ص572 والمواهب اللدنية وشرحه للزرقاني ج5 ص158 والدر المنثور ج3 ص251 عن البخاري، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والمحلى لابن حزم ج6 ص110 وج11 ص220 وعمدة القاري ج18 ص7 والبداية والنهاية ج5 ص123 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص206 ودعائم الإسلام ج1 ص260.
وراجع ايضاً: مستدرك الوسائل ج7 ص116 وبحار الأنوار ج93 ص70 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص235 و مسند أحمد ج3 ص4 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص110 وصحيح مسلم (ط دارالفكر) ج3 ص110 وشرح مسلم للنووي ج7 ص162 وفتح الباري ج8 ص53 وصفات الرب جل وعلا للواسطي ص13 وأحكام القرآن للجصاص ج3 ص160.
الله (صلىاللهعليهوآله ) فوجهني إلى اليمن لأصلح بينهم، فقلت له: يا رسول الله، إنهم قوم كثير، وأنا شاب حدث!
فقال لي: يا علي، إذا صرت بأعلى عقبة (أفيق) فناد بأعلى صوتك: يا شجر، يا مدر، يا ثرى، محمدٌ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقرؤكم السلام.
قال: فذهبت، فلما صرت بأعلى عقبة أفيق أشرفت على اليمن، فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوي، مشرعون أسنتهم، متنكبون قسيهم، شاهرون سلاحهم، فناديت بأعلى صوتي: يا شجر، يا مدر، يا ثرى، محمد (صلىاللهعليهوآله ) يقرؤكم السلام.
قال: فلم يبق شجرة، ولا مدرة، ولا ثرى إلا ارتجت بصوت واحد: وعلى محمد رسول الله وعليك السلام.
فاضطربت قوائم القوم، وارتعدت ركبهم، ووقع السلاح من أيديهم، وأقبلوا مسرعين، فأصلحت بينهم، وانصرفت(1) .
____________
1- بحار الأنوار ج17 ص371 وج21 ص362 وج41 ص252 وبصائر الدرجات ص145 و 146 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص521 و 523 والأمالي للصدوق ص293 وروضة الواعظين ص116 ومختصر بصائر الدرجات (ط المطبعة الحيدرية) ص14 والثاقب في المناقب ص69 والخرائج والجرائح ج2 ص492 ومدينة المعاجز ج1 ص416 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص299 وقصص الأنبياء للراوندي ص285 وغاية المرام ج5 ص255 وراجع: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج7 ص62 وتاريخ جرجان للسهمي ص387.
ونقول:
هناك شكوك تراودنا حول هذه الرواية، فلاحظ ما يلي:
أولاً: إن عقبة أفيق كانت بين حوران وغور الأردن، فغور الأردن في أول العقبة التي تنزل منها إلى الغور، وهي عقبة طولها نحو ميلين(1) فهي شمالي المدينة..
أما اليمن فهي إلى الجنوب من المدينة، فكيف تقول الرواية: إن علياً (عليهالسلام ) لما صار بأعلى عقبة أفيق أشرف على اليمن، فإذا هم بأسرهم مقبلون نحوهم؟!
ثانياً: هل يمكن أن يأتي أهل اليمن بأسرهم لاستقبال علي (عليهالسلام ) بالسلاح ليحاربوه؟!
وهل هم مجتمعون عند عقبة أفيق؟!
وهل اليمن بمثابة قرية أو مدينة، يمكن أن تخرج على بكرة أبيها لمواجهة قادم؟!
ثالثاً: لم يكن هناك أية مشكلة بينهم وبين علي (عليهالسلام ) ومن معه، بل هم قد اختلفوا فيما بينهم، وقد جاء علي (عليهالسلام ) ليصلح بينهم، فدفع الله شرهم عنه بطريقة الكرامة والإعجاز..
فما معنى أن يتفق الفريقان المتنازعان على حرب من جاء ليصلح
____________
1- معجم البلدان ج1 ص233 وراجع: ج4 ص286 وبحار الأنوار ج21 ص363 وراجع: تاج العروس ج13 ص7 و413.
بينهما؟! ولماذا هذا الإندفاع الشديد منهم لحربه؟!
ولعل الصحيح في القضية ـ إن لم يكن الأمر على سبيل الكشف والكرامة لعلي (عليهالسلام ) ـ: أن هناك جماعة صغيرة يسكنون في بلد صغير في اليمن، حصل خلاف فيما بين جماعتين منهما، وقد ذهب (عليهالسلام ) إليهم ليصلح بينهم.
وربما يكون بالقرب من بلدهم عقبة اسمها (أفيق) متوافق مع اسم عقبة أخرى في غور الأردن..
خلاصة توضيحية:
ذكر بعض كتَّاب السيرة الأحداث المتقدمة في موضع واحد، وتحت عنوان واحد..
فكأن هذا البعض فهم أنها تتحدث عن أحداث سَفْرة واحدة، وهي في سفرة علي (عليهالسلام ) وخالد إلى اليمن..
وربما يكون ذلك صحيحاً بالنسبة لخالد، فإنه هو الذي بقي ستة أشهر في اليمن دفعة واحدة، أما علي (عليهالسلام ) فربما يكون قد سافر أكثرمن مرة، تارة لأجل بني زبيد كما ذكره في الإشارة، أو لمعالجة أمور خالد، أو لغير ذلك..
ويمكننا أن نعرض فهمنا لما جرى كما يلي:
كان خالد قد سار إلى اليمن، ليدعو أهلها إلى الإسلام، ولعله خاض فيها حرباً مع بعض الفئات، فأصاب منهم سبياً، فطلب من النبي (صلىاللهعليهوآله )
أن يرسل إليه من يقبضه منه، فأرسل علياً (عليهالسلام )، فاصطفى علي (عليهالسلام ) جاريةً من السبي، فأرسل خالد بريدة إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) ليشتكيه.. حسبما تقدم..
أو أنه (عليهالسلام ) اصطفاها بعد أن أوغل في داخل البلاد وأبعد، وافتتح في طريقه حصناً، وأصاب سبياً، وانضم السبي بعضه إلى بعض، فاصطفى (عليهالسلام ) من مجموع السبي تلك الجارية، فشكاه بريدة إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأجابه بما تقدم.
وربما يستظهر أن علياًً (عليهالسلام ) قد عاد إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) وبقي خالد في بلاد اليمن، لكي يسعى لأسلمة أهلها، فلم يفلح.
ولعله قد أساء إلى أولئك الناس، فلم يستجيبوا له ـ كما سنرى ـ وبعد ستة أشهر أرسل (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) إليه، ليقفله، ويمضي هو إلى اليمن ليدعو أهلها، ففعل ذلك، فأسلمت همدان في ساعة واحدة(1) .
____________
1- راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج2 ص369 وفتح الباري ج8 ص52 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص690 والبداية والنهاية ج5 ص121 وأعيان الشيعة ج1 ص410 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص203 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص235 و 427 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص319 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص622 و 626.
وثمة تصور آخر:
وربما تكون الأمور قد سارت على نحو آخر، وهو أن يكون علي (عليهالسلام ) قد سار إلى اليمن مرة واحدة، فواجه بني مذحج وهو في طريقه، وجرى بينهم ما جرى. وواجه ايضاً بني زبيد، وعمرو بن معد يكرب في نفس مسيره ذاك وجرى بينه وبينهم ما جرى، ثم التقى بخالد، وحين قسمة الغنائم اصطفى جارية لنفسه من السبي، فكانت قصة بريدة، وبعد ذلك جرى أرجاع خالد من مناطق اليمن حسبما ذكرته الروايات.
وتعيين المتقدم والمتأخر من هذه الأحداث لا يهم هنا في سياق حديثنا هذا..
من تبوك.. إلى مرض النبي (صلىاللهعليهوآله )..
حديث المنزلة في تبوك..
علي (عليهالسلام ) يتولى المدينة في غزوة تبوك:
وفي غزوة تبوك خلف رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) على المدينة وحينئذٍ قال لعلي (عليهالسلام ) أنت مني بمنزلة هارون من موسى. وقال هذه الكلمة أيضاً في موارد أخرى(1) ، فلاحظ النصوص التالية:
____________
1- الهداية للشيخ الصدوق ص157 و 158 و 160 و 162 والمقنعة للشيخ المفيد ص18 ورسائل الشريف المرتضى ج1 ص333 وج4 ص76 والإقتصاد للشيخ الطوسي ص222 و 225 والرسائل العشر للشيخ الطوسي ص114 وإشارة السبق لأبي المجد الحلبي ص53 والحدائق الناضرة ج8 ص 512 ونخبة الأزهار للسبحاني ص160 والخلل في الصلاة للسيد مصطفى الخميني ص130 وكتاب الطهارة للسيد الخميني ج2 ص128 والمحاسن للبرقى ج1 ص159 والكافي ج8 ص107 وعلل الشرائع ج1 ص222 وج2 ص474 وعيون أخبار الرضا ( عليهالسلام ) ج1 ص208 وج2 ص210 والخصال ص211 و 311 و 554 و 572 والأمالي للشيخ الصدوق ص238 و 402 و 491 و 618 وكمال الدين وتمام النعمة ص278 ومعاني الأخبار للشيخ الصدوق ص74 و 75 و 77 و 78 و 79 وتحـف العقـول ص430 و 459 وتهذيب الأحكـام ج1 ص27 = = وج10 ص41 وروضة الواعظين للفتال النيسابوري ص89 وشرح أصول الكافي ج5 ص199 وج6 ص110 وج9 ص122 وج12 ص39 و 41 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص32 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص21 ومستدرك الوسائل ج18 ص367 وكتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري) ص167 و 195 و 201 و 204 و 299 و 305 و 314 و 322 و 400 و 408 و 414 و 422 و 458 والغارات للثقفي ج1 ص62 وج2 ص745 و 767 ومناقب أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) لمحمد بن سليمان الكوفي ج1 ص224 و 301 و 317 و 459 و 499 و 501 و 502 و 503 و 508 و 510 و 511 و 512 و 519 و 520 و 522 و 523 و 524 و 527 و 529 و 534 و 539 و 540 و 541 وج2 ص516 المسترشد للطبري ص67 و 335 و 440 و 441 و 446 و 454 و 459 و 460 و 621 ودلائل الإمامة للطبري ص124 وشرح الأخبار ج1 ص97 و 319 وج2 ص177 و 186 و 250 و 477 وج3 ص202 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص92 و 160 والفصول المختارة للشيخ المفيد ص28 و 252 والإفصاح للشيخ المفيد ص33 والنكت الإعتقادية للشيخ المفيد ص38 و 42 والنكت في مقدمات الأصول للشيخ المفيد ص47 و 47 والإرشاد للشيخ المفيد ج1 ص8 والأمالي للشيخ المفيد ص19 والأمالي للسيد المرتضى ج4 ص186 وكنزالفوائد ص274 و 275 ـ 283 والأمالي للشيخ الطوسي ص227 و 253 و 333 و 351 و 548 و 555 و 560 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص155 و 162 و 163 و 197 = = و 216 و 218 و 233 و 247 و 278 وج2 ص8 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص3 و 4 و 190 وج2 ص37 و 219 و 302 وج3 ص44 و 46 و 60 والعمدة لابن البطريق ص13 و 97 و 126 ـ 137 و 144 و 183 و 214 و 258 و 337
____________
والمزار لمحمد بن المشهدي ص576 والفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي ص152 وسعد السعود لابن طاووس ص43 وإقبال الأعمال ج1 ص506 واليقين لابن طاووس ص208 و 448 والطرائف لابن طاووس ص51 ـ 54 و 63 و 151 و 277 و 414 و 521 والصراط المستقيم ج1 ص61 و 101 و 207 ـ 323 وج2 ص47 و 64 و 87 وج3 ص78 والمحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص96 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار لوالد البهائي العاملي ص54 وكتاب الأربعين للشيرازي ص98 ـ103 و 190 و 222 وحلية الأبرار للسيد هاشم البحراني ص80 و 327 و 338 و 424 ومدينة المعاجز ج2 ص420 وبحار الأنوار ج5 ص69 وج8 ص1 وج16 ص412 و413 وج21 ص142 وج25 ص224 وج26 ص3 وج28 ص45 و 55 و 222 و 350 وج29 ص83 و 606 وج31 ص316 و 333 و 351 و 362 و 368 و 371 و 376 و 414 و 417 و 429 و 433 وج32 ص487 و 617 وج33 و 149 و 154 و 176 و 183 وج35 و 58 و 275 وج36 ص331 و 418 وج37 ص254 ـ و305 وج38 ص123 و 240 و 246 و 247 و 331 و 334 ـ 338 و 341 و 342 وج39 ص20 و 21 و 28 و 59 و 62 و 85 وج40 ص2 و 9 و 10 و 43 و 78 و 88 و 95 = = وج42 ص155 وج44 ص23 و 35 و 63 وج 49 ص200 و 209 و 229 وج64 ص148 و 194 وج68 ص65 وج69 ص146 و 155 وج72 و 445 وج82 ص265 وج97 ص362 وج99 ص106 وج101 ص424 وكتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص79 و 81 و 82 و 137 و 146 و 236 و 239 و 342 و 435 و 443 ومناقب أهل البيت ( عليهالسلام ) للشيرواني ص106 و 133 ـ 135 و 201 و 216 و 220 و 446 وخلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج1 ص52 و 55 و 61 و 72 و 85 و 86 و 92 و 97 وج2 ص213 وج7 ص58 و 75 و 87 و 121 و 179 و 188 و 233 وج8 ص263 وج9 ص106 و 269 و 314 ونهاية الدراية للسيد حسن الصدر ص131 و 133 والنص والإجتهاد ص491 و 564 والمراجعات ص200 و 204 و 209 و 210 و 283 و 310 و 389 وسبيل النجاة في تتمة المراجعات لحسين الراضي ص117 و 213 و 276 ومقام الإمام علي ( عليهالسلام ) لنجم الدين العسكري ص13 و 18 و 19 و 30 و 33 والغدير ج1 ص39 و 197 و 198 و 208 و 212 و 213 و 297 و 396 وج2 ص108 وج3 ص115 و 201 و 228 وج4 ص63 و 65 وج5 ص295 وج6 ص333 وج10 ص104 و 258 و 259 وفدك في التاريخ للسيد محمد باقر الصدر ص27
____________
ومستدرك سفينة البحار ج7 ص229 وج8 ص231 وج10 ص29 و 30 و 31 و 55 ونهج السعادة ج1 ص124 و 160 و 363 وج7 ص471 والإمام علي (عليهالسلام ) لحمد الرحماني الهمداني ص253 و 282 و 307 و 586 = = وكلمات الإمام الحسين (عليهالسلام ) للشيخ الشريفي ص272 ومسند الإمام الرضا (عليهالسلام ) للعطاردي ج1 ص128 وج2 ص116 وأضواء على الصحيحين للنجمي ص329 و 344 ومعالم المدرستين للعسكري ج1 ص296 و 316 وأحاديث أم المؤمنين عائشة للعسكري ج1 ص245 ومكاتيب الرسول ج1 ص43 و 564 ومواقف الشيعة ج1 ص102 و 305 و 315 و 440 و 454 وج2 ص402 وج3 ص269 و 302 والمناظرات في الإمامة للشيخ عبدالله الحسن ص5 و 101 و 109 و 112 و 116 و 165 و 166 و 169 و 213 و 215 و 237 و 238 و 259 و 332 و 475. وفضائل الصحابة ص13 و 14 وصحيح مسلم ج7 ص120 وسنن الترمذي ج5 ص304 وشرح مسلم للنووي ج15 ص174 ومجمع الزوائد ج9 ص109 ـ 111 والديباج على مسلم للسيوطي ج5 ص386 وتحفة الأحوذي ج10 ص161 ومسند أبي داود ص29 والمعيار والموازنة للإسكافي ص219 و 220 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص496 ومسند سعد بن أبي وقاص للدورقي ص176 وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص13 والآحاد والمثاني ج5 ص172 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص551 و 586 ـ 588 و 595 و 596 ومجلسان من إملاء النسائي ص83 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص44 و 45 و 120 ـ 125 وخصائص أمير المؤمنين (عليهالسلام ) للنسائي ص77 ـ 79 و 84 و 85 و 89 ومسند أبي يعلى ج2 ص87 و 99 وجزء الحميري ص28 و 34 وأمالي المحاملي ص209 وحديث خيثمة بن سليمان الأطرابلسي ص199 = = وصحيح ابن حبان ج15 ص369 والمعجم الصغير ج2 ص22 و 54 والمعجم الأوسط ج3 ص139 وج5 ص287 وج6 ص77 و 83 وج7 ص311 والمعجم الكبير ج1 ص146 و 148 وج2 ص247 وج4 ص17 و 184 وج11 ص61 وج24 ص146 و 147 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص252 وفوائد العراقيين للنقاش ص94 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص59 و 264 وج5 ص248 وج6 ص169 وج9 ص305 وج10 ص222 وج13 ص211 وج17 ص174 وج18 ص24 ودرر السمط في خبر السبط ص79 ونظم درر السمطين ص24 و 134 وكنز العمال وج5 ص724 وج9 ص167 و 170 وج11 ص599 و 607 وج13 ص106 و 123 و 124 و 151 و 163 و 192 وج16 ص186 وتذكرة الموضوعات للفتني ص8 وكشف الخفاء للعجلوني ج2 ص384 و 420 ونظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص195 وفتح الملك العلى لأحمد بن الصديق المغربي ص109 و 154 وإرغام المبتدع الغبي لحسن بن علي للسقاف ص59 وقاموس شتائم للسقاف ص198 ودفع الإرتياب عن حديث الباب للعلوي ص33 وتفسير الإمام العسكري (عليهالسلام ) ص250
____________
وخصائص الوحى المبين لابن البطريق ص186 و 243 و 245 ونور الثقلين ج2 ص314 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص266 و 267 وعدة الأصول (ط.ق) ج1 ص170 ورجال النجاشي ص94 و 233 و 401 والفهرست للطوسي ص74 ونقد الرجال للتفرشي ج3 ص176 والفوائـد الرجالية لبحـر العلـوم ج4 ص113 وطـرائـف المقـال = = للبروجردي ج2 ص487 و 569 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج3 ص64 و 65 وج11 ص96 وج18 ص215 وتهذيب المقال للأبطحى ج3 ص489 وج5 ص432 والتاريخ الكبير للبخاري ج1 ص115 ومعرفة الثقات للعجلي ج2 ص184 و 457 وضعفاء العقيلي ج2 ص47 والكامل لابن عدي ج2 ص142 و 315 وج3 ص207 وج6 ص68 و 216 وج7 ص39 وطبقات المحدثين بأصبهان لابن حبان ج4 ص264 وعلل الدارقطني ج4 ص313 و 381 وتاريخ بغداد ج1 ص342 وج4 ص176 و 291 وج5 ص147 وج8 ص52 و 262 وج9 ص370 وج10 ص45 وج12 ص320 وتاريخ مدينة دمشق ج12 ص349 وج13 ص150 و 151 وج18 ص138 وج20 ص360 وج21 ص415 وج30 ص359 وج38 ص7 وج39 ص201 وج41 ص18 وج42 ص53 و 116 و 143 و 146 ـ 148 و 150 و 153 ـ و157 و 162 ـ 175 و 177 و 179 و 180 و 182 ـ 185 وج54 ص226 وج59 ص74 وج70 ص35 و 36 وأسد الغابة ج4 ص27 وج5 ص8 وذيل تاريخ بغداد لابن النجار البغدادي ج4 ص209 وتهذيب الكمال للمزي ج5 ص577 وج8 ص443 وج14 ص407 وج20 ص483 وج32 ص482 وج35 ص263 وتذكرة الحفاظ ج1 ص10 و 217 وج2 ص523 وسير أعلام النبلاء ج7 ص362 وج13 ص341 وج14 ص210 وتهذيب التهذيب ج2 ص209 وج5 ص160 ج7 ص296 ولسان الميزان ج2 ص414 والإصابة ج4 ص467 وأنساب الاشراف ص96 و106 والجوهرة = = في نسب الإمام علي وآله (عليهمالسلام ) للبري ص14 و 15 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص80 وج2 ص281 و 328 والبداية والنهاية ج7 ص376 و 378 وج8 ص84 وصفين للمنقري ص315 وبشارة المصطفى للطبري ص352 و 374 و 409 وإعلام الورى للطبرسي ج1 ص326 و 331 والمناقب للخوارزمي ص55 و 61 و 129 و 133 و 140 و 158 و 301 وكشف الغمة ج1 ص63 و 79 و 123 و 292 و 342 وج2 ص24 ونهج الإيمان لابن جبر ص68 و 119 و 379 ـ 405 و 531 و 616 و 658 والعدد القوية ص51 و 247.
وراجع: كشف اليقين ص279 و 425 و 459 و 466 والنزاع والتخاصم للمقريزي ص101 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) لابن الدمشقي ج1 ص37 و 197 و 296 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص292 وينابيع المودة ج1 ص137 و 156 و 157 و 158 و 162 و 240 و 309 و 404 و 431 و 434 وج2 ص86 و 146 و 153 و 302 و 303 و 386 وج3 ص208 و 211 و 278 و 369 و 403 واللمعة البيضاء للتبريزي ص67 والنصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص96 و 117 و 183 والأنوار العلوية للشيخ جعفر النقدي ص23 و 328 و 336 ولمحات للشيخ لطف الله الصافى ص43 ومجموعة الرسائل للشيخ لطف الله الصافي ج1 ص174 وج2 ص329 وحياة الإمام الحسين ( عليهالسلام ) للقرشي ج1 ص255 وحياة الإمام الرضا ( عليهالسلام ) للقرشي ج1 ص169 وج2 ص266 و 318.
ما جرى في غزوة تبوك:
ورد في النصوص أن هذا الحديث الشريف قاله (صلىاللهعليهوآله ) في غزوة تبوك، ونحن نشير ـ على سبيل المثال ـ هنا إلى ما يلي:
1 ـ خرج الناس في غزوة تبوك، فقال علي (عليهالسلام ) للنبي (صلىاللهعليهوآله ): أخرج معك؟!
فقال له النبي (صلىاللهعليهوآله ): لا.
فبكى علي (عليهالسلام )، فقال له النبي (صلىاللهعليهوآله ): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي؟!.
إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي(1) .
2 ـ وقالوا: لما خرج رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في غزوة تبوك، استخلف علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) على المدينة، فماج المنافقون في
____________
1- المعجم الكبير (مطبعة الأمة في بغداد) ج11 ص98 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج12 ص78 وراجع: مختصر تاريخ دمشق ج17 ص329 والعمدة لابن البطريق ص86 و 239 وذخائر العقبى ص87 وبحار الأنوار ج38 ص242 وج40 ص51 والمراجعات للسيد شرف الدين ص197 و 198 و 396 ومسند أحمد ج1 ص331 والمستدرك للحاكم ج3 ص133 ومجمع الزوائد ج9 ص120 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص552 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص64 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص11.
المدينة، وفي عسكر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقالوا: كره قربه، وساء فيه رأيه. فاشتد ذلك على علي (عليهالسلام )، فقال: يا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) تخلفني مع النساء والصبيان؟! أنا عائذ بالله من سخط الله وسخط رسوله.
فقال: رضي الله برضائي عنك، فإن الله عنك راض، إنما منزلك مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي.
فقال علي (عليهالسلام ): رضيت، رضيت(1) .
3 ـ وفي رواية سعد بن أبي وقاص: خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي (عليهالسلام ): أتخلفني مع النساء والصبيان؟!
فقال له (صلىاللهعليهوآله ): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟!(2) .
____________
1- مختصر تاريخ دمشق ج17 ص347 وراجع: مسند أبي يعلى ج2 ص66 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص181 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص51 وج30 ص497.
2- مختصر تاريخ دمشق ج17 ص332 والإعتقاد على مذهب السلف لأحمد بن الحسين البيهقي ص205 ومسند أبي يعلى ج1 ص286 ومعارج القبول ج2 ص471 ومسند فاطمة للسيوطي ص62 والمعجم لابن المثنى التميمي ص230 وتحفة الأحوذي ج10 ص229 وتلخيص المتشابه في الرسم ج2 ص644 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص632 وج3 ص627 وتاريخ الأحمدي ص99 وفضائل = = الصحابة للنسائي ص14 والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ط بيروت) ج9 ص41 والحدائق لابن الجوزي ج1 ص387 عن البخاري، ومسلم، والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص12 والبداية والنهاية ج5 ص7 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص11 وج7 ص375 وإمتاع الأسماع ج3 ص336 و 337 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص123 وتغليق التعليق ج4 ص161 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص48 ومسند أحمد ج1 ص173 ومسند أبي داود الطيالسي ص29 وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص513 والعمدة لابن البطريق ص129 والطرائف لابن طاووس ص51 وكتاب الأربعين للشيرازي ص101 وبحار الأنوار ج37 ص263 وكتاب الأربعين للماحوزي ص80 وشواهد التنزيل ج2 ص35 والإكمال في أسماء الرجال ص130 وتاريخ بغداد ج11 ص430 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص112 و 160 وكشف اليقين ص281 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص171.
زاد في نص آخر قوله: قال: بلى يا رسول الله.
قال: فأدبر علي (عليهالسلام ) فكأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع(1) .
____________
1- مسند سعد بن أبي وقاص للدورقي ص177 ومسند أبي يعلى ج2 ص57 ومناقب الإمام أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص513 و 523 و 533 وراجع: مسند أحمد ج1 ص173 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص24 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص176 وج23 ص72 وج30 ص504 و 508 والعمدة لابن البطريق ص128 وبحار الأنوار ج37 ص262.
4 ـ وفي نص آخر: عندما خلف علياً (عليهالسلام ) في المدينة، قال الناس: ملَّه، وكره صحبته.
فتبع علي النبي (صلىاللهعليهوآله )، حتى لحقه في بعض الطريق، فقال: يا رسول الله، خلفتني في المدينة مع النساء والذراري، حتى قال الناس ملَّه وكره صحبته؟!.
فقال له النبي (صلىاللهعليهوآله ): يا علي، إني خلَّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟!(1) .
5 ـ وفي نص آخر: أنه تبعه إلى ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، تخلفني مع الخوالف؟!.
فقال: أوما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا
____________
1- مناقب أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص531 و 532 وفضائل الصحابة ص13 ومسند سعد بن أبي وقاص ص174 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص44 و 119 و 240 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص76 ومسند أبي يعلى ج2 ص86 والكامل ج2 ص417 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص151 و 152 ومختصر تاريخ دمشق ج17 ص344 وأعيان الشيعة ج1 ص371 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص159 وج16 ص75 وج21 ص176 و 200 وج22 ص390 و 400 وج30 ص477 و 482 و 501 و 502.
النبوة؟!(1) .
6 ـ عن زيد بن أرقم قال: لما عهد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لجيش العسرة، قال لعلي (عليهالسلام ): إنه لا بد من أن تقيم أو أقيم.
قال: فخلَّف علياً وسار. فقال ناس: ما خلفه إلا لشيء يكرهه منه.
فبلغ ذلك علياً (عليهالسلام )، فاتبع رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، حتى انتهى إليه، فقال: ما جاء بك يا علي؟!.
فقال: يا رسول الله، إني سمعت ناساً يزعمون أنك خلَّفتني لشيء كرهته مني.
قال: فتضاحك إليه وقال: ألا ترضى أن تكون مني كهارون من موسى، غير أنك لست بنبي؟!.
قال: بلى يا رسول الله.
____________
1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص162 ومختصر تاريخ دمشق ج17 ص344 وتهذيب خصائص الإمام علي ( عليهالسلام ) ص58 والدر المنثور ج3 ص266 والعمدة لابن البطريق ص127.
وراجع: بحار الأنوار ج37 ص262 ومسند أحمد ج1 ص170 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص112 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص377 وغاية المرام ج2 ص24 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص139 وج16 ص77 و 79 وج21 ص188 وج23 ص72 وج30 ص478.
قال: فإنه كذلك(1) .
7 ـ وعن أبي سعيد: أنه (صلىاللهعليهوآله ) قال لعلي (عليهالسلام ) في غزوة تبوك: اخلفني في أهلي.
فقال علي (عليهالسلام ): يا رسول الله، إني أكره أن يقول العرب، خذل ابن عمه، وتخلف عنه.
فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟!.
قال: بلى.
قال: فاخلفني(2) .
____________
1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص186 ومختصر تاريخ دمشق ج17 ص347 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص24 وتثبيت الإمامة ص53 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص191 و 199 وج16 ص19 و 25 وج30 ص469 و 470 وراجع: مجمع الزوائد ج9 ص111 والمعجم الكبير ج5 ص203.
2- مختصر تاريخ دمشق ج17 ص347 ومجمع الزوائد ج9 ص109 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص172 وفضائل أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) لابن عقدة ص57 والأمالي للطوسي ص261 والعمدة لابن البطريق ص133 وبحار الأنوار ج21 ص232 وج37 ص255 و 265 وموسوعة أحاديث أهل البيت ( عليهمالسلام ) للنجفي ج3 ص278 ونور الثقلين ج2 ص61 وغاية المرام ج1 ص239 وج2 ص28 و 82 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص171 و 174 و 197 وج16 ص7 و 12 و 46 وج21 ص168 وج30 ص471.
ونقول:
إن توضيح ما جرى يحتاج إلى وقفات عديدة.. وقد ذكرنا بعضها في مكان آخر فمن أراد التوسع فعليه المراجعة(1) .
ونقتصر هنا على خصوص ما يرتبط بأمير المؤمنين (عليهالسلام )، فنقول:
ولاه على أهله أو على المدينة:
وأول ما يطالعنا هنا محاولات بذلت للتشويش على حقيقة ما جرى بإدعاء أنه (صلىاللهعليهوآله ) خلف علياً على أهله، لا على المدينة، كما في الرواية الأخيرة المذكورة آنفاً.. ويشاركها في ذلك قولهم:
وخلف رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالاً له، وتخففاً منه.
فلما قالوا ذلك أخذ علي (عليهالسلام ) سلاحه، وخرج حتى لحق برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وهو نازل بالجرف، فأخبره بما قالوا.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟! إلا أنه لا نبي بعدي)؟!
____________
1- راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلىاللهعليهوآله ) ج29 وج23.
فرجع علي (عليهالسلام ) إلى المدينة.
وهذا الحديث رواه الشيخان، وله طرق(1) .
وإمعاناً منهم في حَبْك أكذوبتهم المتمثلة في نفي استخلاف علي (عليهالسلام ) على المدينة، زعموا: أنه (صلىاللهعليهوآله ) استخلف على المدينة محمد بن مسلمة(2) ، وهذا هو الثابت عند الواقدي، وقال: لم يتخلف عنه في
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص441 عن ابن إسحاق، والبخاري، ومسلم. وقال في الهامش: أخرجه البخاري ج7 ص71 (3706) ومسلم ج4 ص1870 (30/2404). وراجع: بحار الأنوار ج21 ص213 وج37 ص267 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص31 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص368 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص125 وذخائر العقبى ص63 والبداية والنهاية ج5 ص7 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص11 والسيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز الأدبية) ج2 ص519 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص946 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص104 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص12 والثقات لابن حبان (ط الهند) ج2 ص93 فما بعدها، والرحيق المختوم للمباركفوري ص398. وراجع: مدينة المعاجز ج2 ص9 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص631 وعيون الأثر ج2 ص255 وغاية المرام ج2 ص37 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص212 وج21 ص181 و 185 و 200 و 215 وج22 ص388 وج30 ص509 وأعيان الشيعة ج1 ص282 و 415.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص442 عن ابن إسحـاق، والـواقـدي، والـرحيـق = = المختوم للمباركفوري ص398 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص125 عن الدمياطي، والبداية والنهاية ج5 ص7 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص11 والسيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز) المجلد الثاني ص519 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص946 والدرر لابن عبد البر ص239 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص165 وإمتاع الأسماع ج2 ص50 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص391 وج9 ص227 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص31 و 35 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص631 والعثمانية للجاحظ ص153 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص12 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص102 والتنبيه والإشراف ص235 وعيون الأثر ج2 ص254 وعمدة القاري ج18 ص45 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص49 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص404.
غزوة غيرها(1) .
وقيل: استخلف سباع بن عرفطة(2) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص442 عن الواقدي، وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص36.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص442 والبداية والنهاية ج5 ص7 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص11 والسيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز) المجلد الثاني ص519 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص946 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص12 والثقات لابن حبان (ط الهند) ج2 ص93 فما بعدهـا، = = والرحيق المختوم للمباركفوري ص398 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص102 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص125 عن المنتقى، وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص35 وإمتاع الأسماع ج2 ص50 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص391 وج9 ص227 والدرر لابن عبد البر ص239 وعيون الأثر ج2 ص254 وتاريخ خليفة بن خياط ص60 والتنبيه والإشراف ص235 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص49.
وقيل: ابن أم مكتوم(1) .
وقيل: علي بن أبي طالب (عليهالسلام ).
قال أبو عمر، وتبعه ابن دحية: وهو الأثبت.
ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه: إن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لما خرج إلى تبوك استخلف على
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص442 والسيرة النبوية لابن هشام (ط دار الكنوز) المجلد الثاني ص519 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص946 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص102 والمصنف للصنعاني ج2 ص395 والثقات لابن حبان (ط الهند) ج2 ص93 فما بعدها، والرحيق المختوم للمباركفوري ص398 وراجع: تاريخ الخميس ج2 ص125 عن المنتقى، وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص35 والعثمانية للجاحظ ص153 والتنبيه والإشراف ص235 وإمتاع الأسماع (ط دار الكتب العلمية) ج9 ص227 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص205 وسير أعلام النبلاء ج1 ص361.
المدينة علي بن أبي طالب، وذكر الحديث(1) .
لا بد من تولية علي (عليهالسلام ):
إن السبب في إبقاء النبي (صلىاللهعليهوآله ) علياً (عليهالسلام ) والياً على المدينة هو تخلف طائفة كبيرة من المنافقين كانت تدبر لأمر عظيم.. غير أن اللافت هنا: أن ثمة محاولات حثيثة بذلت لتقليل عدد وشأن هؤلاء، وبادعاء أنهم كانوا قلة قليلة، فادعى بعضهم أنهم كانوا ما بين السبعين إلى الثمانين(2) .
____________
1- المصنف للصنعاني ج5 ص405 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص442 والفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص92 وتاريخ الخميس ج2 ص125. وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص527 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص428 وج16 ص51 و 58 وج21 ص176 وج30 ص497 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص181.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص442 و 438 و 474 وج9 ص377 وراجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص142.
وراجع: مسند أحمد ج3 ص457 وج6 ص387 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص131 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج8 ص107 وسنن النسائي ج2 ص54 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص34 وفتح الباري ج8 ص89 وعمدة القاري ج18 ص49 والسنن الكبرى للنسائي ج1 ص266 والدرر لابن عبد البر ص244 والديباج على مسلم ج6 ص111 ورياض الصـالحين للنـووي = = ص68 وجامع البيان ج11 ص5 و 79 و 81 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص284 والدر المنثور ج3 ص287 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص412 وتفسير ابن أبي حاتم ج6 ص1900 وتفسير البغوي ج2 ص335 وتاريخ مدينة دمشق ج50 ص198 و 202 وسير أعلام النبلاء ج2 ص528 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص654 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص30 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص959 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص11 والمصنف للصنعاني ج5 ص399 وصحيح ابن حبان ج8 ص157 والمعجم الكبير للطبراني ج19 ص43 و 48 وإمتاع الأسماع ج2 ص80 وكتاب التوابين لابن قدامة ص96 وعيون الأثر ج2 ص254 وتفسير أبي السعود ج4 ص93 وتفسير الآلوسي ج11 ص43 والثقات لابن حبان ج2 ص100.
مع أن المنافقين الذين تخلفوا كانوا من الكثرة إلى حد أن بعضهم يقول: (عسكر عبد الله بن أبي معه (أي مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله) على حدة، وكان عسكره أسفل منه نحو ذباب، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين(1) .
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص442 وجامع البيان للطبري ج10 ص190 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص368 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص631 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص10 والسيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص946 وشـرح إحقـاق الحـق (الملحقات) = = ج22 ص388 وتفسير الثعلبي ج5 ص51 وأسباب نزول الآيات ص166 وتفسير البغوي ج2 ص298 وتفسير البحر المحيط ج5 ص50 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص165 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص31 وإمتاع الأسماع ج2 ص50 وعيون الأثر ج2 ص254.
فلما سار رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) نحو تبوك رجع ابن أبي في من تخلف معه إلى المدينة(1) .
وواضح: أن أكثر الناس كانوا قد أظهروا الإسلام بعد فتح مكة، أي قبل مدة يسيرة من غزوة تبوك، وكثير منهم لم يكونوا صحيحي الإيمان، فاقتضى ذلك نزول الآيات التي تؤنبهم على نفاقهم، لكي لا يتمادوا في الفساد والإفساد، حين يتأكد لهم أن أمرهم غير خاف على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كما يظنون..
وأمكن للنبي (صلىاللهعليهوآله ) أن يستعيد قسماً منهم، وبقيت طائفة كبيرة أخرى مصرة على التخلف، وكانت بتخلفها تضمر شراً للإسلام وأهله.. ولم يكن يمكن السيطرة عليها إلا للنبي (صلىاللهعليهوآله )، أو علي (عليهالسلام )، ولذلك خلفه بالمدينة.
وقد حكى الله تعالى ما جرى، فقال:( وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللهِ
____________
1- السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص102 وإمتاع الأسماع ج2 ص50 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص36 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص442 و443 عن ابن إسحاق والواقدي، وابن سعد، وراجع الهوامش السابقة.
وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لـَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللهُ لـَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَجَاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَـهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى المَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (1)(2) .
ولو كان المخلفون بضعة وثمانين رجلاً، أو نحو ذلك، فلماذا ينزل القرآن بتقريعهم بهذه الحدة والشدة في حين أن الذين تخلفوا في أحد كانوا ثلاث مئة، أي نحو ثلث جيش المسلمين.. ولم تنزل آيات نظيرها في ذلك.. ألا يدلنا ذلك على أن المطلوب هو:
____________
1- الآيات 86 ـ 93 من سورة التوبة.
2- سبل الهدى والرشاد ج5 ص440 و 441 عن الواقدي وابن سعد، وإمتاع الأسماع ج2 ص50 وأعيان الشيعة ج1 ص282 وعيون الأثر ج2 ص254.
أولاً: إلقاء التهمة على فريق بعينه لعله هو الأضعف سياسياً، من حيث أنه لم يكن فيهم أحد يهمهم أمره، والهدف من اتهام هؤلاء هو حفظ آخرين، وإبعادهم عن موضع التهمة والشبهة..
ثانياً: التقليل من أهمية بقاء علي (عليهالسلام ) في المدينة، للإيحاء بصحة ما ادعاه المنافقون من أنه (صلىاللهعليهوآله ) خلفه استثقالاً له، أو لأي سبب آخر يوجب الطعن فيه؟!
لماذا خلَّف علياً (عليهالسلام ) ؟!:
قال الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه، ونعم ما قال:
(وقال: يا علي، إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك.
وذلك أنه (صلىاللهعليهوآله ) علم خبث نيات الأعراب، وكثير من أهل مكة ومن حولها، ممن غزاهم، وسفك دماءهم، فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها، وحصوله ببلاد الروم، فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن من معرَّتهم، وإيقاع الفساد في دار هجرته، والتخطي إلى ما يشين أهله، ومخلفيه..
وعلم أنه لا يقوم مقامه في إرهاب العدو، وحراسة دار الهجرة، وحياطة من فيها إلا أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فاستخلفه استخلافاً ظاهراً، ونص عليه بالإمامة من بعده نصاً جلياً، وذلك فيما تظاهرت به الرواية أن أهل النفاق لما علموا باستخلاف رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على المدينة حسدوه لذلك، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، وعلموا أنها تتحرس به، ولا يكون فيها للعدو مطمع، فساءهم ذلك..
وكانوا يؤثرون خروجه معه، لما يرجونه من وقوع الفساد والإختلاط عند نأي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) عن المدينة، وخُلُوُّها من مرهوب مخوف يحرسها..
وغبطوه (عليهالسلام ) على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله، وتكلف من خرج منهم المشاق بالسفر والخطر، فأرجفوا وقالوا: لم يستخلفه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إكراماً له، وإجلالاً ومودة، وإنما خلفه استثقالاً له).
إلى أن قال: (فلما بلغ أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم، وإظهار فضيحتهم، فلحق بالنبي (صلىاللهعليهوآله ) فقال: يا رسول الله، إن المنافقين يزعمون: أنك خلفتني استثقالاً ومقتاً؟!.
فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ): إرجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك. فأنت خليفتي في أهل بيتي، ودار هجرتي وقومي، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟! الخ..)(1) . وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الإرجاف كان كبيراً في امتداداته، أو في آثاره إلى الحد الذي احتاج معه إلى المواجهة بالتكذيب والإبطال.
قريش وراء الشائعات:
وقد صرحت بعض روايات غزوة تبوك: أن علياً (عليهالسلام ) قال
____________
1- بحار الأنوار ج21 ص207 و 208 والإرشاد ج1 ص156 إضافة إلى مصادر كثيرة ذكرناها في موارد سبقت.
للنبي (صلىاللهعليهوآله ): (زعمت قريش أنك خلفتني استثقالاً لي)(1) .
ومن الواضح: أن قريشاً كانت تتقصد أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بالأذى، حتى شكاها علي (عليهالسلام ) مرات ومرات، ودعا عليها أيضاً فقال: (اللهم عليك بقريش، فإنهم قطعوا رحمي، وأكفأوا إنائي، وصغروا عظيم منزلتي)(2) .
____________
1- المسترشد ص129 و 444 والإرشاد ج1 ص156 وذخائر العقبى ص63 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص95 و 96 والصراط المستقيم ج1 ص316 وبحار الأنوار ج21 ص208 و 245 وج37 ص267 والغدير ج3 ص198 والمناظرات في الإمامة ص214 والثقات ج2 ص93 وتاريخ مدينة دمشق ج2 ص31 وعن تاريخ الأمم والملوك ج2 ص368 وعن البداية والنهاية ج5 ص11 وعن السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص946 وكشف الغمة ج1 ص227 وعن عيون الأثر ج2 ص254 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص12 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص441 ونشأة التشيع والشيعة ص109 وكتاب السنة ص586 وإعلام الورى ج1 ص244 وقصص الأنبياء للراوندي ص349 وشرح الأخبار ج2 ص195 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص183 ونور الثقلين ج3 ص378 والثقات ج2 ص93 وكشف اليقين للعلامة الحلي ص145.
2- راجع: راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) الرسالة رقم (36) وقسم الخطب رقم (212) و (32) و (137) وشرح نهج البـلاغـة للمعتزلي ج6 ص96 وج2 = = ص119 والغارات ج1 ص309 وج2 ص454 و429 و430 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص74 فما بعدها، وبحار الأنوار (ط قديم) ج8 ص621 والإمامة والسياسة ج1 ص155. وراجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج1 ص175 و176 للإطلاع على مصادر أخرى.
وكانت قريش كلها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بنى أمية عليه(1) .
وقد أجمعت قريش على حربه بعد النبي (صلىاللهعليهوآله )، كما أجمعت على حرب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، كما قاله (عليهالسلام ) في رسالته لأخيه عقيل.
وإن كانت بعض المصادر بدلت كلمة (قريش) بكلمة (العرب)(2) .
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص103 وكتاب الأربعين للشيرازي ص298 وبحار الأنوار ج34 ص297 وراجع: الغارات للثقفي ج2 ص569 وراجع ص454.
2- راجع النص المذكور، سواء أكان فيه كلمة (قريش) أو كلمة (العرب) في المصادر التالية: المعيار والموازنة ص180 والغارات للثقفي ج2 ص429 ـ 430 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص118 ـ 119 وأنساب الأشراف (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص74 ـ 75 والأغاني (ط ساسي) ج15 ص46 وبحار الأنوار ج34 ص23 ـ 24 و (ط حجري) ج8 ص621 و 673 وجمهرة رسائل العرب ج1 ص595 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص364 ـ 366 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج4 ص128 ـ 131 وراجع: مكاتيب الرسول = = ج1 ص580 ونهج السعادة ج5 ص300 ـ 302 وسفينة البحار ج2 ص215 وأعيان الشيعة ج1 ص519 ـ 520 وأشار إليه في العقد الفريد (ط دار الكتاب) ج2 ص356 وج3 ص504، وذكره أيضاً في الدرجات الرفيعة ص155 ـ 157.
وفي الإمامة والسياسة (ط سنة 1967م) ج1 ص53 ـ 54 و (تحقيق الزيني) ج1 ص53 و (تحقيق الشيري) ج1 ص74 وقاموس الرجال ج6 ص323 عنه: أن عقيلاً قد التقى بعائشة، وطلحة، والزبير، أيضاً..
وهذا كذب صراح لأن طلحة والزبير كانا قد قتلا قبل غارة الضحاك بسنوات! ولا يخفى سر زيادة ذلك في رسالة عقيل..
ولكنه قال: إن العرب أجمعت على حربه الخ..
وعن الشائعات التي أطلقتها قريش في مناسبة تبوك نقول:
إن إبقاء علي (عليهالسلام ) أميراً على المدينة قد ضايقها، وأفسد خططها، فسعت إلى إطلاق هذه الشائعات، علَّها تؤثر في إعادة النظر في ابقائه، وقد اختارت أن تكون تلك الشائعات تمس الكرامة، وتؤذي العنفوان، من قبيل قولهم: إنه (صلىاللهعليهوآله ) خلَّف علياً (عليهالسلام ) استثقالاً له(1) .
____________
1- المسترشد ص129 و 444 والإرشاد ج1 ص156 وذخائر العقبى ص63 والمستجاد من كتاب الإرشاد ص95 و 96 والصراط المستقيم ج1 ص316 وبحار الأنوار ج21 ص208 و 245 وج37 ص267 والغدير ج3 ص198 والمناظرات في الإمامة ص214 والثقات ج2 ص93 وتاريخ مدينة دمشق ج2= = ص31 وعن تاريخ الأمم والملوك ج2 ص368 وعن البداية والنهاية ج5 ص11 وعن السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص946 وكشف الغمة ج1 ص227 وعن عيون الأثر ج2 ص254 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص12 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص441 ونشأة التشيع والشيعة ص109 وكتاب السنة ص586 وإعلام الورى ج1 ص244 وقصص الأنبياء للراوندي ص349 وشرح الأخبار ج2 ص195 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص183 ونور الثقلين ج3 ص378 والثقات ج2 ص93 وكشف اليقين للعلامة الحلي ص145.
وما هذا الذي جرى في تبوك إلا حلقة من حلقات سياسية قرشية للنيل من هيبة النبي (صلىاللهعليهوآله ) وعلي (عليهالسلام ) وإسقاط قدسيتهما.
أو قولهم: خلفه في النساء والصبيان(1) .
____________
1- مختصر تاريخ دمشق ج17 ص332 والإعتقاد على مذهب السلف لأحمد بن الحسين البيهقي ص205 ومسند أبي يعلى ج1 ص286 ومعارج القبول ج2 ص471 ومسند فاطمة للسيوطي ص62 والمعجم لابن المثنى التميمي ص230 وتحفة الأحوذي ج10 ص229 وتلخيص المتشابه في الرسم ج2 ص644 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص627 وتاريخ الأحمدي ص99 وفضائل الصحابة للنسائي ص14 والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ط بيروت) ج9 ص41 والحدائق لابن الجوزي ج1 ص387 عن البخاري، ومسلم، والبداية والنهاية ج5 ص7 وراجع المصادر المتقدمة.
أو: كره صحبته(1) .
أو: مله وكره صحبته(2) .
أو: استثقله وكره صحبته(3) .
____________
1- شرح الأخبار ج1 ص97 ومسند ابن الجعد ص301 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص24 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص175 وأنساب الأشراف ص94 والمسترشد هامش ص445 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص172 وج16 ص49 وج23 ص72 وج30 ص471 و 472.
2- مناقب أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للكوفي ج1 ص531 و 532 وفضائل الصحابة للنسائي ص13 ومسند سعد بن أبي وقاص ص174 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص44 و 119 و 240 وخصائص أمير المؤمنين ( عليهالسلام ) للنسائي ص76 ومسند أبي يعلى ج2 ص86 والكامل لابن عدي ج2 ص417 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص151 و 152 ومختصر تاريخ دمشق ج17 ص344 وأعيان الشيعة ج1 ص371 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص159 وج21 ص176 و 177 و 200 وج22 ص390 و 400 وج30 ص477 و 482 و 501 و 502.
3- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص117 وبشارة المصطفى ص316 ومقام الإمام علي ( عليهالسلام ) ص36 ومكاتيب الرسول هامش ج1 ص595 وشرح إحقاق الحق (المحقات) ج15 ص662 وج22 ص364 وج4 ص445 و 446 عن كفاية الطالب (ط الغري) ص151.
أو: سئمه وكره صحبته(1) .
وجاء الرد الإلهي الحاسم والحازم في قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ): أنت مني بمنزلة هارون من موسى.
على أن من الواضح: أن ما فعلته قريش، وأعوانها في غزوة تبوك ما هو إلا حلقة من حلقات سياسة قرشية تهدف للنيل من هيبة وقداسة النبي وعلي (صلى الله عليهما وعلى آلهما).. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره أعداء الله، وأعداء نبيه ووليه..
رواة حديث المنزلة:
هذا.. وقد روى حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى جماعة كثيرة، منهم:
1 ـ أمير المؤمنين (عليهالسلام ).
2 ـ وزيد بن أرقم.
3 ـ وأم سلمة.
4 ـ وأسماء بنت عميس.
5 ـ وابن عباس.
____________
1- الإحتجاج ج1 ص59 ومدينة المعاجز ج1 ص288 وبحار الأنوار ج21 ص223 والتفسير المنسوب للإمام العسكري ( عليهالسلام ) ص380 وغاية المرام ج2 ص140.
6 ـ وجابر بن عبد الله.
7 ـ وأبو سعيد الخدري.
8 ـ وعمرو بن ميمون.
9 ـ وحذيفة.
10 ـ ومحدوج الذهلي.
11 ـ وأنس.
12 ـ وجشي بن جنادة.
13 ـ وعمر.
14 ـ وجابر بن سمرة.
15 ـ وسعد بن أبي وقاص.
16 ـ وأبو الطفيل.
17 ـ وقيس.
18 ـ وسعيد بن المسيب.
19 ـ وعلي بن زيد بن جدعان.
20 ـ وسعد بن مالك.
21 ـ وإبراهيم.
22 ـ والحارث بن مالك.
23 ـ وخالد بن عرفطة.
وآخرون كثر، فراجع ما ذكره آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين
(رحمهالله ) حول رواة هذا الحديث الشريف وأسمائهم(1) .
____________
1- راجع على سبيل المثال: مسند فاطمة للسيوطي (ط سنة 1406) ص34 و 43 والحلي بتخريج فضائل علي ص62 عن البزار 185 ـ 186/3 وتهذيب خصائص الإمام علي للنسائي ص64 و 61 وموضح أوهام الجمع والتفريق ج2 ص583 وج1 ص297 وج3 ص72 وكتاب المعجم لابن المثنى التميمي ص94 و 91 ومختصر تاريخ دمشق ج17 ص 344 و 346 و 347 و 345 و 334 و 335 وتهذيب الكمال ج35 ص263 وج25 ص422 وج16 ص346 والفرائد المنتقاة، والغرائب الحسان لابن الصوري ص14 و 22 و 54 والعلل المتناهية ج1 ص228 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص626 وحلية الأولياء ج3 ص345 والتنكيت والإفادة ص46 و 44 وتثبيت الإمامة ص57 وأعلام الحديث ج3 ص1637 والمعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي ج16 ص50 ومعجم الشيوخ لابن جميع الصيداوي ج240 والمغازي النبوية للزهري ص111 والأسرار المرفوعة ص272 والسيرة النبوية لأبي حاتم البستي ص367 ورياض النفوس ج1 ص58 ومعتقد أبي إسحاق الشيرازي ص106 والدر الملتقط ص49 وسلوك المالك ص193 وعلم الحديث لابن تيمية ص266 والثقات ج1 ص141 واللآلي ليموت بن المزرع (مطبوع في نوادر الرسائل) ص100 ومختصر سيرة الرسول لمحمد بن عبد الوهاب ص154 وفضائل الصحابة للنسائي ص14 و13 والفصول في سيرة الرسول لابن كثير ص92 والمعجم الكبير للطبراني ج19 ص291 والوسيلة للموصلي ص161 والمسند للحميدي ج1 ص38 والجوهر = = الثمين ج1 ص59 والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج8 ص221 وج9 ص41 والتبر المذاب ص39 والزبرجد على مسند أحمد ج2 ص167 والمجالسة ص474 والحدائق لابن الجوزي ج1 ص408.
حديث المنزلة ليس عاماً:
وقالوا: إن المراد بقوله (صلىاللهعليهوآله ) لعلي (عليهالسلام ) أنت مني بمنزلة هارون من موسى: أنه بمنزلته في أهل بيته، لا في الأمة كلها..
ونجيب:
أولاً: إن أكثر نصوص حديث المنزلة لم تخص المنزلة بكونها في الأهل، بل أطلقتها، فمن أين جاءت هذه الإضافة..
ثانياً: لو كانت هذه الإضافة موجودة، وكان (صلىاللهعليهوآله ) يريد بها أن يرد على ما روجه المنافقون في سبب إبقائه علياً (عليهالسلام ) في المدينة، فهي لا تكفي لذلك، ولا توجب تطييب خاطر علي (عليهالسلام )..
ثالثاً: إن حديث المنزلة قد صدر عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في مناسبات كثيرة، فما المبرر لتكراره، إذا كان المقصود هو خلافته في أهله؟! فإن ذلك لا يستحق هذا التأكيد، وهذا الحديث إنما يشير إلى أن المطلوب هو إفهام الناس أن علياً (عليهالسلام ) شبيه بهارون في جميع مزاياه. وأظهرها وأشهرها أخوته، وكونه من أهله، وشراكته في الأمر، وشد أزره، ووزارته، وإمامته للناس في غياب أخيه موسى.
وقال تعالى:( وَاجْعَلْ لِّي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (1) . ولو كان المراد خصوص الخلافة في الأهل لم يكن هناك داع لجعله بمنزلة هارون من موسى، بل يكون كأي إنسان آخر يوصيه مسافر برعاية شؤون أهله أيام سفره.
رابعاً: لو كانت خلافة علي (عليهالسلام ) لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) منحصرة في أهله لوقعت المنافاة بين صدر الكلام وذيله، لأن صدرها يقول: إنه يستخلفه في أهله، وذيلها يجعله كهارون من موسى، الذي كان خليفة لموسى في قومه لا في أهله.
وقد صرحت الآيات المباركة بأن موسى (عليهالسلام ) طلب من الله تعالى أن يشرك هارون في أمره، وأن يجعله وزيراً له.
أين ومتى قيل حديث المنزلة؟!:
وحديث المنزلة قاله رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في مواقف كثيرة، وتبوك واحدة منها، فقد قاله في:
1 ـ يوم المؤاخاة الأولى(2) .
____________
1- الآيات 29 ـ 32 من سورة طه.
2- راجع: بحار الأنوار ج38 ص334 وج8 ص330 وإثبات الهداة ج3 باب 10 ح 619 و 761 وعن كنز العمال ج15 ص92 وج6 ص390 وتذكرة الخواص ص23 وفرائد السمطين ج1 ص115 و 121 وترجمة الإمام علي ( عليهالسلام ) من تاريخ = = ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص107 وينابيع المودة ص65 و 57 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص402 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص301 و 316 وشرح الأخبار ج2 ص476 وكنز الفوائد ص282 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص33 والعمدة لابن البطريق ص167 و 169و 230 و 232 والطرائف لابن طاووس ص53 و 71 و 148 وكتاب الأربعين للشيرازي ص98.
2 ـ يوم المؤاخاة الثانية(1) .
3 ـ يوم تسمية الحسن والحسين (عليهماالسلام )(2) .
4 ـ في حجة الوداع(3) .
____________
1- راجع: المناقب للخوارزمي ص7 وتذكرة الخواص ص20 والفصول المهمة لابن الصباغ ص21 ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج5 ص31.
2- علل الشرائع ص137 و 138 وينابيع المودة ص220 وفرائد السمطين ج2 ص103 ـ 105 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص156 والأمالي للطوسي ص367 وعيون أخبار الرضا ج1 ص28 ومعاني الأخبار ص57 وروضة الواعظين ص154 ومستدرك الوسائل ج15 ص144 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص189 وكتاب الأربعين للشيرازي ص103 والجواهر السنية للحر العاملي ص238 و243 و 244 و 266.
3- بحار الأنوار ج37 ص256 ودعائم الإسلام ج1 ص16 والأمالي للطوسي ص521 والغدير ج1 ص268 ووفيات الأعيان لابن خلكان ج5 ص231 وكنز الفوائد ص282.
5 ـ في منى(1) .
6 ـ يوم غدير خم(2) .
7 ـ يوم المباهلة(3) .
8 ـ في غزوة تبوك.
9 ـ عند الرجوع بغنائم خيبر(4) .
____________
1- بحار الأنوار ج37 ص260 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص29 والدر النظيم ص284.
2- بحار الأنوار ج37 ص206 وتفسير العياشي ج1 ص332 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص73 واليقين لابن طاووس ص348 والصافي (تفسير) ج2 ص45 ودعائم الإسلام ج1 ص16.
3- بحار الأنوار ج21 ص343 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص142 والمناقب للخوارزمي ص108 وعن الطرائف ج1 ص148 ـ 149 ح224 عن المناقب لابن المغازلي، وعن العمدة لابن البطريق ص46.
4- الأمالي للصدوق ص85 و (ط مؤسسة البعثة) ص156 وإثبات الهداة ج3 باب10 ح243 والمناقب للخوارزمي ص76 و 96 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص45 وكفاية الطالب ص264 ومجمع الزوائد ج9 ص131 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص449 وينابيع المودة ص130 وكنز الفوائد ص281 والمسترشد للطبري ص634 وروضة الواعظين ص112 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص249 وشرح الأخبار ج2 ص381 و 412 والعقد النضيد ص82 والمحتضر للحلي ص172 وحلية الأبرار ج2 ص69.
10 ـ يوم كان يمشي مع النبي (صلىاللهعليهوآله )(1) .
11 ـ في حديث: لحمه لحمي، حين خاطب (صلىاللهعليهوآله ) أم سلمة بهذا القول(2) .
12 ـ يوم سد الأبواب(3) .
____________
1- إثبات الهداة ج3 باب10 ح108 وعيون أخبار الرضا ( عليهالسلام ) ج1 ص12.
2- بحار الأنوار ج32 ص348 وج37 ص254 و257 و337 وج38 ص122 و132 و 341 وج40 ص14 والأمالي للطوسي ج1 ص50 وعن كنز العمال ج6 ص154 الحديث رقم (2554) ومنتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج5 ص31 وترجمة الإمام علي ( عليهالسلام ) من تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص78 والمناقب للخوارزمي ص86 وينابيع المودة ص50 و 55 و 129 ومجمع الزوائد ج9 ص111 وكفاية الطالب ص168 (ط الحيدرية) وميزان الإعتدال ج2 ص3 وفرائد السمطين ج1 ص150 وشرح الأخبار ج2 ص201 و 544 وعلل الشرائع ج1 ص66 والتحصين لابن طاووس ص566 واليقين لابن طاووس ص161 و 173 و 185 و 334 و 371 و 415 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص354 ـ 355.
3- ينابيع المودة ص88 ومناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص255 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص266 والإحتجاج للطبرسي ج2 ص145 وعلل الشرائع ج1 ص201 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص208 و (ط دار الإسلامية) ج1 ص487 وشرح = = الأخبار ج2 ص204 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص40 والعمدة لابن البطريق ص177 والصراط المستقيم ج1 ص231.
13 ـ يوم بدر(1) .
14 ـ يوم نام الصحابة في المسجد(2) .
15 ـ في قضية الإختصام في ابنة حمزة (عليهالسلام )(3) .
16 ـ يوم كان أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة في حضرة النبي (صلىاللهعليهوآله )، والنبي (صلىاللهعليهوآله ) متكئ على علي (عليهالسلام )(4) .
____________
1- المناقب للخوارزمي ص84.
2- كفاية الطالب ص284 وبحار الأنوار ج37 ص260 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص139 والمناقب للخوارزمي ص109 وكشف اليقين ص282 و ينابيع المودة ج1 ص160.
3- الخصائص للنسائي (ط الحيدرية) ص18 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص338.
4- راجع: كنز العمال (ط2) ج15 ص109 و 108 والمناقب للخوارزمي ص19 وينابيع المودة ص202 وترجمة الإمام علي ( عليهالسلام ) من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج1 ص321 والفصول المهمة لابن الصباغ ص110 والرياض النضرة (ط2) ج2 ص207 و 215 والأربعون حديثاً لابن بابويه ص20 وذخائر العقبى ص58.
17 ـ في قضية بني جذيمة(1) .
18 ـ يوم عرج به(2) .
19 ـ في مرض موته (صلىاللهعليهوآله )(3) .
20 ـ يوم الإنذار(4) .
21 ـ يوم حنين(5) .
الإستثناء دليل عموم المنزلة:
قال علماؤنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم: إن استثناء النبوة يدل على أن جميع منازل هارون من موسى (عليهماالسلام ) ثابتة لعلي (عليهالسلام )، باستثناء منزلة النبوة، فإن الإستثناء دليل العموم.
ونقول:
إننا بغض النظر عن إفادة الإستثناء، لذلك نلاحظ:
أن نفس قول القائل لأحدهم: أنت مني بمنزلة فلان، يراد به أن أظهر
____________
1- الأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص237 وعلل الشرائع ج2 ص473 ومستدرك الوسائل ج18 ص366.
2- كمال الدين ص250 ـ 251 والمحتضر للحلي ص246 ـ 247.
3- كمال الدين ص262ـ 264.
4- كنز الفوائد للكراجكي ص280.
5- الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص74.
منازل ذلك الرجل وأقربها إلى فهم الناس ثابتة للمخاطب..
فلا بد من ملاحظة حال ذينك الشخصين مع بعضهما البعض، فإن كان ذلك القائل أباً أو أخاً أو ابناً كانت منزلة الطرف الآخر منصرفة إلى هذه المعاني، أعني الأبوة، والبنوة والأخوة وما إلى ذلك، وإن كان معلماً أو وزيراً، فإن الكلام ينصرف إلى هذه المعاني أيضاً.
وأظهر خصوصية كانت بين هارون وموسى، هي: أخوته، وشد أزره، وشراكته في الأمر، وقيامه مقامه في غيبته، وكونه أولى الناس به حياً وميتاً.
أما خصوصية النبوة فغير مرادة هنا، لأنها قد استثنيت مباشرة من قِبَلِ النبي (صلىاللهعليهوآله )، فبقيت سائر المنازل مشمولة لكلامه كما كانت.
هل حديث المنزلة خاص بتبوك؟!:
وقال بعضهم: (هارون لم يكن خليفة موسى، إلا في حياته لا بعد موته، لأنه مات قبل موسى، بل المراد استخلافه بالمدينة حين ذهابه إلى تبوك، كما استخلف موسى هارون عند ذهابه إلى الطور، لقوله تعالى:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) (1)(2) .
ونقول:
أولاً: إن هذا يؤدي إلى أن يكون قول النبي (صلىاللهعليهوآله )
____________
1- الآية 142 من سورة الأعراف.
2- فتح الباري ج7 ص60.
متناقضاً، إذ لو كان المقصود هو خلافته له في حياته في خصوص غزوة تبوك لم يكن معنى لقوله: (إلا أنه لا نبي بعدي)، بل كان الأحرى أن يقول: إلا أنه لا نبي معي..
ثانياً: إن كان المراد استخلافه (عليهالسلام ) في خصوص غزوة تبوك، فلا حاجة إلى حديث المنزلة من الأساس، لأنه (صلىاللهعليهوآله ) قد استخلف ابن أم مكتوم وغيره على المدينة مرات كثيرة: في بدر، والفتح، وقريظة، وخيبر و.. و.. إلخ..
ثالثاً: العبرة إنما هي بعموم اللفظ، لا بخصوصية المورد، فكيف إذا تضمن الكلام ما يشبه التصريح باستمرار المنزلة إلى ما بعد وفاة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )؟!
ويوضح ذلك: أن هارون، وإن كان قد خلف موسى عند ذهابه إلى الطور، لمنزلته منه.. فإنه أيضاً له منزلة الشراكة في الأمر، والشريك يتابع أمور شريكه في حياته وبعد وفاته، وله (عليهالسلام ) أيضاً منزلة الأخوة، فلو أن موسى (عليهالسلام ) مات قبل هارون، فإن هارون لا بد أن يتابع أمور شريكه ويرعاها بعد وفاته، كما أنه سيكون بسبب أخوته أولى بأخيه من جميع بني إسرائيل، وسيقوم مقامه في كل ما هو من شؤون الأخوة والشراكة.
حديث المنزلة في سطور:
لا بد من ملاحظة ما يلي:
ألف: إن هارون كان له من موسى المنازل التالية:
1 ـ منزلة الأخوة.
2 ـ الوزارة المجعولة من الله.
3 ـ كونه من أهله.
4 ـ أنه مصدق له..
5 ـ أنه ردء له.
6 ـ أنه شريكه في أمر الدين.
7 ـ يشد أزره وعضده.
8 ـ أنه خليفته في قومه حال غيبته.
9 ـ أن وظيفته الإصلاح.
وقد دلت الآيات القرآنية على هذه الأمور كلها، فقد قال تعالى:( فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ) (1) .
وقال:( ..وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً ) (2) .
وقال:( وَاجْعَلْ لِّي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (3) .
____________
1- الآية 34 من سورة القصص.
2- الآية 35 من سورة الفرقان.
3- الآيات 29 ـ 32 من سورة طه.
وقال:( قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ.. ) (1) .
وقال:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ) (2) .
ب: قال العلامة الطباطائي (رحمهالله ) عن نبي الله هارون (عليهالسلام ) في سورة الصافات: (أشركه الله تعالى مع موسى (عليهماالسلام ): في المنّ، وإيتاء الكتاب، والهداية إلى الصراط المستقيم، وفي التسليم، وأنه من المحسنين، ومن عباده المؤمنين [الصافات: 114 ـ 122] وعده مرسلاً [طه: 47]، ونبياً [مريم: 53]، وأنه ممن أنعم عليهم [مريم: 58]، وأشركه مع من عدهم من الأنبياء في سورة الأنعام في صفاتهم الجميلة، من الإحسان، والصلاح، والفضل، والإجتباء، والهداية [الأنعام: 84 ـ 88]) انتهى(3) .
ج: ليس المراد بإشراكه في حفظ الدين، ونشره، وتبليغه، ما هو على حد شراكة المؤمنين معه في ذلك، من حيث يجب على كل مؤمن، التبليغ والإرشاد والدعوة إلى الله، والدفاع عن الحق والدين، وتعليم الأحكام.. بل هي شراكة خاصة في كل أمره (صلىاللهعليهوآله )، باستثناء نزول الوحي الخاص بالنبوة وإنزال القرآن عليه.
وتظهر آثار هذه الشراكة في وجوب طاعته (عليهالسلام )، وفي حجية
____________
1- الآية 35 من سورة القصص.
2- الآية 142 من سورة الأعراف.
3- الميزان (تفسير) ج16 ص44.
قوله، وفي كل ما أعطاه الله إياه من علم خاص، ومن عرض أعمال العباد عليه، ومن طاعة الجمادات له، ومن التصرفات والقدرات الخاصة، مثل طي الأرض، ورؤيته من خلفه، وكونه تنام عيناه ولا ينام قلبه، والإسراء والمعراج إلى السماوات لرؤية آيات الله تبارك وتعالى، وما إلى ذلك.
د: إنه (عليهالسلام ) من أهل النبي (صلىاللهعليهوآله ) والأهل يعيشون مع بعضهم بعفوية وشفافية ووضوح، فأهل النبي يشاهدون أحواله، ويطَّلعون على ما لا يطلع عليه سائر الناس، فإذا كان وزيره، وشريكه منهم، فإن معرفته بكل هذه الأمور المعنوية تنطلق من معرفته الواقعية بكل حالاته وخفاياه، وباطنه وظاهره..
ولا بد أن يدخل إلى ضمير هذا الوزير الشريك، وإلى خلجات نفسه، وحنايا روحه، ويلامس شغاف قلبه، بصفته نبياً مقدساً وطاهراً بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ولا يريد لنفسه ردءاً وشريكاً ووزيراً بعيداً عنه، قد يفرض غموضه احترامه عليه، أو يخشى ويحذر ما يجهله منه..
إن هذا الإشراف المباشر على حالات هذا النبي، والعيش معه بعفوية الأهل والأحبة، ومن دون أن يكون هناك أي داع لتحفظه معهم، أو للتحفظ معه.. يعطي للإنسان السكينة والطمأنينة إلى صحة الرؤية، وسلامة المعرفة، وواقعيتها، فيترسخ الإيمان بصحة نبوته في العقل، ويتبلور صفاؤه في الوجدان، ويتجذر طهره في أعماق النفس، وينساب هداه في الروح والضمير إنسياب الدم في العروق..
وهذه خصوصية لا يمكن أن توجد إلا لدى الأنبياء (عليهمالسلام )،
ومن هم في خطهم من الأولياء، والخلّص من المؤمنين..
أما من عداهم من أهل الدنيا.. فلا يمكن أن تستقيم لهم الأمور إلا بوضع الحجب، وإنشاء الحواجز أمام الناس، حتى أقرب الناس إليهم، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم فضلاً عن غيرهم.. لمنعهم من المعرفة بحقيقة سلوكهم، وبواقع نواياهم، وبما تكنّه ضمائرهم.. لأن معرفة الناس بذلك سوف تجر لهم الداء الدوي، والبلاء الظاهر والخفي..
هـ: أما الأخوّة التي ينشدها النبي في الوزير: فقد تعني فيما تعنيه الأمور التالية:
أولاً: المساواة.. والإشتراك.. والمماثلة في الميزات.. والشبه في الصفات..
ولذلك نلاحظ: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كما ذكر المؤرخون كان يؤاخي بين كل ونظيره، ممن هو أقرب الناس إليه في الخُلُق، وفي السيرة، وفي الطموح، وفي المستوى الفكري والعقلي، وسائر الصفات.
مع العلم: بأننا لا نجد ملكاً يعترف لأي مخلوق، سواء أكان وزيراً، أو قريباً، أو حتى ولداً بالمساواة معه في الصفات والأخلاق، وسائر الميزات. بل هو يعطي لنفسه مقاماً متميزاً عن الناس كلهم، ويسعى لتعمية الأمر عليهم، ويتوسل إلى ذلك بأساليب شتى من الإبهام والإيهام، والإدّعاءات الزائفة، والمظاهر الخادعة.
ثانياً: إن هذا التشابه أو التقارب في الميزات من شأنه: أن يفرض تساوياً في الحقوق.. وهذا مرفوض أيضاً في منطق أهل الدنيا، فإن الرؤساء والملوك فيها، إن لم يجدوا لأنفسهم خصوصية، فلابد من انتحالها، والتظاهر
بما يوهم الخصوصية.
فكيف يمكن أن يرضوا بالمساواة مع غيرهم في الحقوق والمزايا؟!
و: إن استثناء النبوة في كلام رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من منازل علي (عليهالسلام ) يفيد: أن المراد بمنزلة هارون من موسى: هو سائر مراتبها، ومختلف متعلقاتها. أي أن هذا الإستثناء يفيد عموم المنزلة وشمولها لكل الأمور والجهات والمراتب.
فهو بمنزلته في لزوم الطاعة، وفي حجية قوله، وفي حاكميته، وفي القضاء، والعطاء، والسلم، والحرب والسفر، والحضر، وفي الحياة، وبعد الممات.. وفي كل شيء..
من أحداث تبوك..
قسمة غنائم تبوك:
روي: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لما غزا تبوك استخلف علياً (عليهالسلام ) على المدينة، فلما نصر الله رسوله (صلىاللهعليهوآله )، وأغنم المسلمين أموال المشركين ورقابهم، جلس (صلىاللهعليهوآله ) في المسجد، وجعل يقسم السهام على المسلمين، فدفع إلى كل رجل سهماً سهماً، ودفع إلى علي سهمين.
فقام زائدة بن الأكوع فقال: يا رسول الله، أوحي نزل من السماء، أو أمر من نفسك؟! تدفع إلى المسلمين سهماً سهماً، وتدفع إلى علي سهمين.
فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ): أنشدكم الله، هل رأيتم في ميمنة عسكركم صاحب الفرس الأغر المحجل، والعمامة الخضراء، لها ذؤابتان مرخاتان على كتفه، بيده حربة، وحمل على الميمنة فأزالها، وحمل على القلب فأزاله؟!
قالوا: نعم يا رسول الله لقد رأينا ذلك.
قال: ذلك جبريل، وإنه أمرني أن أدفع سهمه إلى علي بن أبي طالب.
قال: فجلس زائدة مع أصحابه، وقال قائلهم شعراً:
علي حوى سهمين من غير أن غزا غزاة تبوك حبذا سهم مسهمِ(1)
ونقول:
أولاً: دلت هذه الرواية على: أنه قد جرى في تبوك قتال، وحصل المسلمون على غنائم، قسمها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بين المسلمين.
ويؤيد ذلك حديث مناشدة علي (عليهالسلام ) لأهل الشورى، حيث قال لهم: (أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، وسهم في الغائب)؟!
قالوا: لا(2) .
____________
1- راجع المصادر التالية: السيرة الحلبية ج3 ص142 عن الزمخشري في فضائل العشرة، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج23 ص281 و282 عن غاية المرام (نسخة جستربيتي) ص73 وج31 ص565 وتفسير آية المودة للحنفي المصري ص74 عنه، وعمدة القاري ج16 ص215 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص78 وقال محقق الكتاب: والحديث رواه الحلواني في الباب الثالث من كتاب مقصد الراغب، كما رواه أيضا الخفاجي في الثالثة عشرة من خصائص علي ( عليهالسلام ) من خاتمة تفسير آية المودة الورق 74 /ب/. ورواه قبلهم جميعاً الحافظ السروي في عنوان: (محبة الملائكة إياه) من كتابه مناقب آل أبي طالب (ط بيروت) ج2 ص238.
2- ترجمة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) من تاريخ مدينة دمشق ج3 ص93 واللآلي المصنوعة ج1 ص362 والضعفاء الكبير للعقيلي ج1 ص211 و 212 وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج42 ص435 ومناقب علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) لابـن مـردويـه ص131 وفيـه بـدل (الحاضر) و (الغائب): = = (الخاص) و (العام) وكنز العمال ج5 ص725 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص379 ومسند فاطمة ( عليهاالسلام ) للسيوطي ص21 عنه، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص323 والمناقب للخوارزمي ص315.
ولم يغب علي (عليهالسلام ) عن أي من الغزوات إلا غزوة تبوك.
وقال ابن العرندس المتوفى في حدود سنة 840هـ:
وتبوك نازل شوسها فأبادهم ضرباً بصارم عزمة لن يفللا(1)
ثانياً: لعل غنائم دومة الجندل التي أخذت في تبوك قد بقيت على حالها، ولم تقسم إلا بعد العودة إلى المدينة، فقسمها (صلىاللهعليهوآله ) في المسجد وأعطى علياً (عليهالسلام ) منها.
ثالثاً: ولا مانع من أن يكون المقصود بالمسجد هو المسجد الذي استحدث في ذلك المكان الذي قسمت فيه الغنائم. ولعله كان هو الموضع الذي اختاره (صلىاللهعليهوآله ) طيلة إقامته في تبوك.
رابعاً: ربما تكون قد حصلت احتكاكات بين المسلمين، وبين بعض جماعات المشركين في مناطق تبوك، فنصر الله المسلمين عليهم، وغنمهم أموالهم.
خامساً: إن ذلك، وإن كان لم يكن له شاهد صريح، ولكن نفس ما روي من أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أعطى علياً سهمين يدل على حصول شيء من ذلك.. ولكن المؤرخين أهملوا ذكر هذا الأمر لما فيه من
____________
1- الغدير ج7 ص8 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليهالسلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ لمحمد الريشهري ج9 ص76.
التنويه بعلي (عليهالسلام )، وإظهار لفضائله، وإشاعتها ـ فأراحوا أنفسهم، ومن هم على شاكلتهم من تجشم المخارج والتأويلات، حين يواجههم المؤمنون بالحقيقة.
ثمة ما هو أعجب:
وتذكر الروايات: أنه (صلىاللهعليهوآله ) وهو عائد من تبوك إلى المدينة مروا بمساكن ثمود، وحدث أصحابه ببعض ما جرى لهم.. وقال:
(ألا أنبؤكم بأعجب من ذلك؟! رجل من أنفسكم، فينبؤكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله تعالى لا يعبأ بعذابكم شيئاً الخ..)(1) .
ونقول:
لقد اقتصر (صلىاللهعليهوآله ) على ذكر علامة واحدة لرجل هو من أنفسهم، ينبؤهم بما كان وما هو كائن، ثم أمرهم (صلىاللهعليهوآله ) بالإستقامة والسداد..
____________
1- سبل الهدى والرشاد ج5 ص446 و 447 عن مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن إسحاق، وقال في هامشه: أخرجه البخاري ج8 ص125 (4419) ومسلم ج4 ص2286 (38 و 39/2980) وأحمد ج2 ص9 و 58 و 72 و 74 و 113 و 137 والبيهقي في الدلائل ج5 ص233 وفي السنن ج2 ص451 والحميدي (653) وعبد الرزاق (1625) والطبراني في الكبير ج12 ص457 وانظر الدر المنثور ج4 ص104.
ولم يخبرهم بما سيكون حالهم معه، وحاله معهم، ربما لكي لا تتوهم الجبرية في جريان الأمور.. وليفهمهم أن الأمر بيدهم، فإن التزموا طريق الإستقامة على جادة الحق، والسداد في الأقوال والأفعال ربحوا، وإلا فسينالهم ما نال قوم صالح حين عقروا الناقة، ولا يعبأ الله بعذابهم شيئاً.
ثم قدم لهم دليلاً حسياً، فأخبرهم بما يجري في تلك الليلة مباشرة، مما لا يمكن أن يعلمه أحد إلا الله تعالى.. ثم أمرهم بأمره، ثم ظهر صدق كلامه في تلك الليلة بالذات، وجرى عليهم نفس ما وصفه لهم..
التوضيح.. والتطبيق:
وحين نتصفح تاريخ أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فإننا لا نجد فيهم من كان يخبر بما كان وما يكون غير علي (عليهالسلام )، وقد بلغ من كثرة أخباره أن صاروا يتهمونه بالكذب والعياذ بالله، فقد:
1 ـ سمع أعشى همدان (وهو غلام) حديثه (عليهالسلام )، فاعتبره حديث خرافة(1) .
2 ـ وكان قوم تحت منبره (عليهالسلام )، فذكر لهم الملاحم، فقالوا: قاتله الله، ما أفصحه كاذباً(2) ..
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص289 وبحار الأنوار ج34 ص299 وج41 ص341.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص136.
وهناك قضية أخرى تشبه هذه القضية أيضاً، فراجعها(1) ..
3 ـ وحين أخبر الناس بأنه لو كسرت له الوسادة لحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، وما من آية إلا وهو يعلم أين ومتى، وفي من نزلت.
قال رجل من القعود تحت منبره: يا لله وللدعوى الكاذبة(2) !!
4 ـ وكان ميثم التمار يحدث ببعض العلوم والأسرار الخفية، فيشك قوم من أهل الكوفة، وينسبون أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إلى المخرقة، والإيهام، والتدليس الخ(3) ..
5 ـ وقال (عليهالسلام ): (والله لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مائة، ثم لو شئت لحدثتكم إلى أن تغيب الشمس، لا أخبركم إلا حقاً، ثم لتخرجن فتزعمن: أني أكذب الناس وأفجرهم..)(4) .
6 ـ وقال مخاطباً أهل العراق: (ولقد بلغني أنكم تقولون: علي يكذب! قاتلكم الله)(5) ..
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص136.
2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص136.
3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص291 وبحار الأنوار ج34 ص302.
4- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص128.
5- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج1 ص119 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص99 والإختصاص ص155 عن كتاب ابن دأب، والإرشاد للمفيد = = ص162 والفصول المختارة ص262 والإحتجاج ج1 ص255 وينابيع المودة ج3 ص435 وبحار الأنوار ج34 ص103 و 136 وج35 ص421 وج38 ص269 وج40 ص111 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص127 ونهج الإيمان ص164 وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي ( عليهالسلام ) ج1 ص321.
7 ـ وقد تحدث ابن أبي الحديد عن أن قوماً من عسكر أمير المؤمنين (عليهالسلام ) كانوا يتهمونه فيما يخبرهم به عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) من أخبار الملاحم، والغائبات. وقد كان شك منهم جماعة في أقواله، ومنهم من واجهه بالشك والتهمة(1) ..
ملاحظات سديدة ومفيدة:
1 ـ إن الذي يملك علم ما كان وما يكون ليس إنساناً عادياً، لأن هذا العلم ليس مما يتداوله الناس، بل هو علم خاص، لرجل له طريق إلى الغيب، الذي يدرك الناس أن الله لم يطلع عليه أحداً سوى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
2 ـ إن هذا العلم هو ما نسميه بعلم الإمامة.. وهو أحد سبيلين يمكن معرفة الإمام بهما، هما: الإخبار بالغيب.. والنص..
وهناك أمور أخرى، مثل أن يتولى ما لا يصح لغير الإمام أن يتولاه، وكذلك الحال بالنسبة للتصرفات التي لا يقدر عليها إلا نبي أو وصي،
____________
1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص286.
ولهذا البحث مجال آخر.
3 ـ إن التعامل مع هذا الشخص يجب أن يكون بانتهاج سبيل الإستقامة والسداد، وإذا لم تفعل الأمة ذلك، فإنها تعرض نفسها للغضب وللعذاب الإلهي..
4 ـ إن الذي كان غائباً عن ذلك الجمع كله الذي سار إلى تبوك هو الذي قال له النبي (صلىاللهعليهوآله ): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وهو باب مدينة علمه.. في إشارة منه (صلىاللهعليهوآله ) إلى الشخص الذي يملك ذلك العلم الخاص ـ وهو علم الإمامة.
5 ـ ولا بد لنا أخيراً من أن نتذكر أن هذا الذي أبقاه النبي (صلىاللهعليهوآله ) بالمدينة هو الذي كان (صلىاللهعليهوآله ) يقول: إن قاتله شقيق عاقر ناقة صالح(1) .
وها هو النبي (صلىاللهعليهوآله ) يتحدث عن أنه (عليهالسلام ) باب
____________
1- راجع: العقد الفريد (ط دار الشرفية بمصر) ج2 ص210 والسيرة النبوية لابن هشام ج1 ص591 ط مصطفى الحلبي وإحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص332 عن بحر المناقب لابن حسنويه، ومقاصد المطالب ص11 والبدء والتاريخ ج5 ص61 ونهاية الأرب ج2 ص190 ومجمع الزوائد ج9 ص137 ومستدرك الحاكم ج3 ص113 وأسد الغابة ج4 ص33 وتلخيص المستدرك للذهبي ج3 ص113 ونظم درر السمطين ص126 والفصول المهمة لابن الصباغ ص113 والمناقب للخوارزمي ونور الأبصار (ط دار العامرة بمصر) ص98.
مدينة العلم، كما تحدث عن منزلته منه.. فهل يمكن أن يكون الذي سيخبرهم بالغيوب، ويتوعد النبي الأمة بالعذاب الإلهي، إن هي نابذته وخالفته، ولم تلتزم معه سبيل الإستقامة والسداد؟! هل يمكن أن يكون شخصاً آخر غير باب مدينة علم النبي (صلىاللهعليهوآله )، ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى؟!
لماذا لم ينزل العذاب؟!:
وإنما لم ينزل العذاب على هذه الأمة كما نزلت على قوم صالح، مع أنها قد نابذت علياً (عليهالسلام ). لأن هذه المنابذة لم تكن من جميع الناس، بل كان خيار الأمة وصلحاؤها معه مغلوبين على أمرهم كما كان هو (عليهالسلام )، مغلوباً على أمره..
كما أن الكثيرين من الناس لم تقم الحجة عليهم في إمامته بعد، فلا يصح إنزال العذاب الشامل لهم قبل إقامة الحجة عليهم..
علي (عليهالسلام ) في توصيات قيصر:
وتذكر الروايات: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، فأرسل قيصر رجلاً من غسان، وأمره أن يلاحظ في النبي أموراً ثلاثة، ويحفظها ليخبره بها حين يعود.. والأمور الثلاثة هي:
1 ـ من الذي يجلس عن يمين النبي (صلىاللهعليهوآله ).
2 ـ وعلى أي شيء يجلس.
3 ـ وخاتم النبوة.
فوجد الغساني رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يجلس على الأرض.
وكان علي (عليهالسلام ) عن يمينه.
ونسي الغساني الثالثة، فقال له (صلىاللهعليهوآله ): تعال، فانظر إلى ما أمرك به صاحبك.
فنظر إلى خاتم النبوة.
فعاد إلى هرقل فأخبره بما رأى وجرى، فقال: هذا الذي بشر به عيسى بن مريم أنه يركب البعير، فاتبعوه، وصدقوه.
ثم قال للرسول: اخرج إلى أخي فاعرض عليه، فإنه شريكي في الملك.
فقلت له: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه(1) .
ونقول:
أولاً: روى آخرون ما يقرب من هذه الرواية، ولكنهم قالوا: إن ذلك قد حصل في غزوة تبوك.. كما أن ما طلبه قيصر من رسوله قد اختلف عما في هذه الرواية ما عدا ذكر خاتم النبوة.. وتلك الرواية لا تخلوا عن إشكالات لا تشجع على اعتمادها، ومنها أنها تقول: إن أول وصية لقيصر إلى رسوله هي: هل يذكر صحيفته التي كتب إلي بشيء؟!..
فإن هذا ليس مما يمتحن به الأنبياء..
____________
1- الخرائج والجرائح ج1 ص104 وبحار الأنوار ج20 ص378 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص532.
بالإضافة إلى ملاحظات أخرى ذكرناها في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) ج30.. فراجع..
ومهما يكن من أمر، فإن مجيء رسول قيصر كان إلى المدينة وفق الرواية التي ذكرناها، لأنها تذكر جلوس علي (عليهالسلام ) عن يمين النبي (صلىاللهعليهوآله )، وعلي (عليهالسلام ) لم يكن في تبوك..
ثانياً: لم تذكر هذه الرواية سبب طلب قيصر معرفة من يجلس على يمين النبي (صلىاللهعليهوآله ).. إلا أن من الواضح: أن المقصود هو معرفة نبوة النبي (صلىاللهعليهوآله ) من خلال معرفة اسم وصيه، لأنهما معاً مذكوران في كتب أهل الكتاب، لأن اسم النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد يتعدد في أسماء الرجال، لكن اقترانه باسم وصيه، الذي يفترض أن يكون جلوسه على يمينه (صلىاللهعليهوآله ) يزيد الأمر وضوحاً، فإذا انضم إلى العلامات السلوكية والخَلْقِيّة، فلا مجال بعد هذا لأي شك أو شبهة في نبوته..
ثالثاً: قد لوحظ: أنه (صلىاللهعليهوآله ) أضاف لذلك الرسول علامة أخرى، لعلها هي الأصرح والأوضح، وهي أنه أخبره بما دار بينه وبين صاحبه الذي أرسله، وحقيقة ما أوصاه به..
رابعاً: لا معنى لقول ذلك الرسول في آخر الرواية: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه، فإن قبول الإسلام لا يعني ذهاب الملك. وقد أسلم النجاشي، ولم يذهب ملكه، لأنه تصرف بحكمة وروية.. وحتى لو ذهب ملك الدنيا منه، فهل يقاس بملك الآخرة؟!
كتاب النبي (صلىاللهعليهوآله ) لأهل مقنا:
ذكر المؤرخون: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) كتب ـ وهو في تبوك ـ إلى أهل مقنا كتاباً يصالحهم فيه على ثمارهم وغيرها.. وفي الرواية أن الكاتب لهذا الكتاب هوعلي بن أبي طالب (عليهالسلام ).
غير أن ذلك غير دقيق، لأن علياً (عليهالسلام ) لم يحضر غزوة تبوك، بل بقي في المدينة. فلعلهم وفدوا إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) مرتين مرة إلى تبوك، ولم يكتب لهم شيئاً، ومرة إلى المدينة، فكتب لهم كتاب الصلح، وكان بخط علي (عليهالسلام ). ولعل بعض الرواة خلط بينهما، حيث ظن أنه كتب لهم الكتاب في نفس قدومهم الأول.
تبوك بنحو آخر.. وأسر أكيدر..
محاولة قتل علي (عليهالسلام ) في المدينة:
ذكر المؤرخون: أن المنافقين حاولوا قتل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بواسطة تنفير ناقته به لتطرحه إلى الوادي، وذلك حين عودته من تبوك إلى المدينة.. وذكرت بعض الروايات: أن هذه القضية قد حصلت بعد حادثة الغدير، وذلك في طريق عودته من حجة الوداع إلى المدينة.. ونرجح نحن هذا، غير أننا نورد القضية هنا وفق ما جرى عليه المؤرخون.
ويذكرون هنا أيضاً أمراً آخر، وهو: أن محاولة بذلت لقتل علي (عليهالسلام ) في المدينة حين كان النبي (صلىاللهعليهوآله ) في تبوك..
وملخص ما ذكروه هنا:
أن بعض الروايات تقول: إن المنافقين كانوا قد دبروا لقتل علي (عليهالسلام ) في تبوك كما دبروا لقتل النبي (صلىاللهعليهوآله ) في العقبة، وذلك بأن حفروا في طريق علي (عليهالسلام ) في المدينة حفيرة طويلة بقدر خمسين ذراعاً، وقد عمقوها، ثم غطوها بحصر، ثم وضعوا فوقها يسيراً من التراب، فإذا وقع فيها كبسوه بالأحجار حتى يقتلوه.
وقد أنجاه الله تعالى من كيدهم بكرامة منه، وعرَّفه أسماء تلك الجماعة التي فعلت ذلك، وأعلنها له، وهم عشرة، كانوا قد تواطأوا مع الأربعة
والعشرين، الذين دبروا لقتل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في العقبة.
ثم تذكر الرواية حديث العقبة، وأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) نزل بإزائها، وأخبر الناس بما جرى على علي (عليهالسلام ).. ثم أمرهم بالرحيل، وأمر مناديه فنادى: ألا لا يسبقن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أحد على العقبة، ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة، فينظر من يمر به، وأمره أن يتشبه بحجر، الخ..
ونقول:
لا بأس بملاحظة ما يلي:
1 ـ كانت المدينة بلداً صغيراً قليل السكان، وبيوتها متلاصقة، وحفر حفرة في أي طريق في بلد كهذا، لا بد أن يكون بمرأى ومسمع من الناس، ولا سيما الذين يسكنون في ذلك المحيط، فضلاً عن أنه سيرى ذلك الرجال والنساء والأطفال.
2 ـ إن حفرة مداها خمسون ذراعاً تحتاج إلى أن يعمل العشرات فيها، وإلى وقت طويل لإنجازها.. كما أن التراب المستخرج منها يحتاج إلى مكان يرمى فيه، وأن يتناسب مع حجمه..
3 ـ هل لم يكن أحد من أهل الإيمان قد رأى ما يجري في تلك المحلة، وبادر إلى إخبار علي (عليهالسلام )؟!
وهل لم يتساءلوا عن المقصود بهذا العمل الكبير والخطير؟!
4 ـ هل كان علي (عليهالسلام ) يتجول في طرقات المدينة التي يتولاها
ومنها ذلك الطريق؟! وكيف تأكد لديهم حتمية مروره من نفس ذلك المكان، لكي يحل به ما خططوا له، فإن كان يمر في كل يوم، فلماذا لم يرهم يحفرون ويشتغلون؟! ولماذا لا يسألهم عما يفعلونه؟!
وإن كانوا قد حفروا هذه الحفرة في يوم واحد، فالسؤال هو: هل يكفي يوم واحد، خمسين ذراعاً؟!
5 ـ وإن كان يمر فيها مرة خلال عدة أيام، وبصورة منتظمة، فهل لم يكن يمر أحد في ذلك الطريق أحد سواه ليقع في تلك الحفرة؟!
أم أنهم كانوا يمنعون الناس من المرور في ذلك الطريق؟! ولو لم يمر فيها علي (عليهالسلام ) هل كانوا سيلجئونه إلى ذلك؟! وكيف؟!
6 ـ وكيف تسقف تلك الحفرة وتموه، ولا يتناقل الناس أخبارها؟!
7 ـ هل كان (عليهالسلام ) يمر من هناك في الليل أو في النهار؟! فإن كان يمر عليها ليلاً فلا بد أن تسقف وتموه في النهار، ويرى أهل المحلة ذلك، وإن كان يمر نهاراً فلا بد أن يلتفت إلى التمويه، وإلى التغييرات الحاصلة، ويتساءل عن السبب إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة.
حديث تبوك خلاصة أوضح:
وقد روي حديث تبوك، وما جرى فيها مما له ارتباط بعلي (عليهالسلام ) بنحو أوضح وأصرح، فقد جاء في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليهالسلام )، ما يلي:
قال موسى بن جعفر (عليهالسلام ): ولقد اتخذ المنافقون من أمة محمد
(صلىاللهعليهوآله ) بعد موت سعد بن معاذ، وبعد انطلاق محمد (صلىاللهعليهوآله ) إلى تبوك، أبا عامر الراهب أميراً ورئيساً، وبايعوا له، وتواطأوا على إنهاب المدينة، وسبي ذراري رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وسائر أهله وصحابته، ودبروا التبييت على محمد، ليقتلوه في طريقه إلى تبوك.
فأحسن الله الدفاع عن محمد (صلىاللهعليهوآله )، وفضح المنافقين وأخزاهم، وذلك أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال: (لتسلكن سبل من كان قبلكم، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضبّ لدخلتموه).
قالوا: يا ابن رسول الله، من كان هذا العجل؟!(1) وماذا كان هذا التدبير؟!
فقال (عليهالسلام ): اعلموا أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كان يأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل، وكان ملك تلك النواحي، له مملكة عظيمة مما يلي الشام، وكان يهدد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بأنه يقصده، ويقتل أصحابه، ويبيد خضراءهم.
وكان أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خائفين وجلين من قِبَله، حتى كانوا يتناوبون على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كل يوم عشرون منهم، وكلما صاح صائح ظنوا أنه قد طلع أوائل رجاله وأصحابه.
وأكثر المنافقون الأراجيف والأكاذيب، وجعلوا يتخللون أصحاب
____________
1- العجل: هو وصف أبي عامر الراهب.. الذي شبهوه بعجل بني إسرائيل الذي فتنهم.
محمد (صلىاللهعليهوآله )، ويقولون: إن أكيدر قد أعد من الرجال كذا، ومن الكراع كذا، ومن المال كذا، وقد نادى فيما يليه من ولايته: ألا قد أبحتكم النهب والغارة في المدينة.
ثم يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم: فأين يقع أصحاب محمد من أصحاب أكيدر؟! يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها، ويسبي ذراريها ونساءها.
حتى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ما هم عليه من الخدع.
ثم إن المنافقين اتفقوا، وبايعوا أبا عامر الراهب الذي سماه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الفاسق، وجعلوه أميراً عليهم، وبخعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة، لئلا أتهم بتدبيركم.
وكاتبوا أكيدر في دومة الجندل، ليقصد المدينة، ليكونوا هم عليه، وهو يقصدهم، فيصطلموه(1) .
فأوحى الله إلى محمد (صلىاللهعليهوآله )، وعرَّفه ما اجتمعوا عليه من أمرهم، وأمره بالمسير إلى تبوك.
وكان رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إذا أراد غزواً ورَّى بغيره إلا غزاة تبوك، فإنه أظهر ما كان يريده، وأمرهم أن يتزودوا لها، وهي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون، وذمهم الله تعالى في تثبيطهم عنها.
____________
1- الضمير يعود إلى رسول الله ( صلىاللهعليهوآله ).
وأظهر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ما أوحي إليه أن (الله) سيظفره بأكيدر، حتى يأخذه ويصالحه على ألف أوقية من ذهب في صفر، وألف أوقية من ذهب في رجب، ومائتي حلة في صفر، ومائتي حلة في رجب، وينصرف سالماً إلى ثمانين يوماً.
فقال لهم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (إن موسى وعد قومه أربعين ليلة، وإني أعدكم ثمانين ليلة، ثم أرجع سالماً غانماً، ظافراً بلا حرب يكون، ولا أحد يستأسر من المؤمنين.
فقال المنافقون: لا والله، ولكنها آخر كسراته التي لا ينجبر بعدها، إن أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحر، ورياح البوادي، ومياه المواضع المؤذية الفاسدة، ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر، وقتيل وجريح.
واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتلّ بالحر، وبعضهم بمرض يجده، وبعضهم بمرض عياله، وكان يأذن لهم.
فلما صح عزم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على الرحلة إلى تبوك عمد هؤلاء المنافقون فبنوا مسجداً خارج المدينة، وهو مسجد الضرار، يريدون الإجتماع فيه، ويوهمون أنه للصلاة، وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة، فيتم لهم به ما يريدون.
ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية عن مسجدك، وإنا نكره الصلاة في غير جماعة، ويصعب علينا الحضور، وقد بنينا مسجداً، فإن رأيت أن تقصده وتصلي فيه، لنتيمَّن ونتبرك بالصلاة في موضع مصلاك.
فلم يعرّفهم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ما عرّفه الله من أمرهم ونفاقهم، وقال: ائتوني بحماري.
فأتي باليعفور، فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلما بعثه هو وأصحابه لم ينبعث ولم يمش، فإذا صرف رأسه إلى غيره، سار أحسن سير وأطيبه.
قالوا: لعل هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئاً كرهه، فلذلك لا ينبعث نحوه.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (إيتوني بفرس (فأتي به)، فركبه، فكلما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، وكلما حركوه نحوه لم يتحرك، حتى إذا ولوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير.
فقالوا: لعل هذا الفرس قد كره شيئاً في هذا الطريق.
فقال: تعالوا نمش إليه، فلما تعاطى هو و أصحابه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم، ولم يقدروا على الحركة، و إذا هموا بغيره من المواضع خفت حركاتهم، وحنت أبدانهم، ونشطت قلوبهم.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): إن هذا أمر قد كرهه الله، فليس يريده الآن، وأنا على جناح سفر، فأمهلوا حتى أرجع إن شاء الله تعالى، ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله تعالى.
وجدَّ في العزم على الخروج إلى تبوك، وعزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا، فأوحى الله تعالى إليه: يا محمد، إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: (إما أن تخرج أنت ويقيم علي، وإما أن يخرج علي وتقيم أنت).
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (ذاك لعلي).
فقال علي (عليهالسلام ): السمع والطاعة لأمر الله وأمر رسوله، وإن كنت أحب أن لا أتخلف عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في حال من الأحوال.
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟!
فقال: رضيت يا رسول الله.
فقال له رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): (يا أبا الحسن! إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، وإن الله قد جعلك أمة وحدك، كما جعل إبراهيم أمة، تمنع جماعة المنافقين والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين.
فلما خرج رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وشيعه علي (عليهالسلام ) خاض المنافقون وقالوا: إنما خلفه محمد بالمدينة لبغضه له، وملاله منه، وما أراد بذلك إلا أن يبيته المنافقون فيقتلوه، ويحاربوه فيهلكوه.
فاتصل ذلك برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقال علي (عليهالسلام ): تسمع ما يقولون يا رسول الله؟!
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): أما يكفيك أنك جلدة ما بين عيني، ونور بصري، وكالروح في بدني.
ثم سار رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بأصحابه، وأقام علي (عليهالسلام ) بالمدينة، وكان كلما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من علي (عليهالسلام )، وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك،
وجعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرة محمد التي لا يؤوب منها.
فلما صار بين رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وبين أكيدر مرحلة قال تلك العشية: يا زبير بن العوام، يا سماك بن خرشة، امضيا في عشرين من المسلمين إلى باب قصر أكيدر، فخذاه، وائتياني به.
قال الزبير: وكيف يا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) نأتيك به ومعه من الجيش الذي قد علمت، ومعه في قصره ـ سوى حشمه ـ ألف ما دون عبد وأمة وخادم؟!
قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): تحتالان عليه، وتأخذانه.
قال: يا رسول الله، وكيف وهذه ليلة قمراء، وطريقنا أرض ملساء، ونحن في الصحراء لا نخفى؟!
فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): أتحبان أن يستركما الله عن عيونهم، ولا يجعل لكما ظلاً إذا سرتما، ويجعل لكما نوراً كنور القمر لا تتبينان منه؟!
قالا: بلى.
قال: (عليكما بالصلاة على محمد وآله الطيبين، معتقدين أن أفضل آله علي بن أبي طالب، وتعتقد يا زبير أنت خاصة أن لا يكون علي (عليهالسلام ) في قوم إلا كان هو أحق بالولاية عليهم، ليس لأحد أن يتقدمه.
فإذا أنتما فعلتما ذلك، وبلغتما الظل الذي بين يدي قصره من حائط قصره، فإن الله سيبعث الغزلان والأوعال إلى بابه، فتحك قرونها به، فيقول: من لمحمد في مثل هذا؟! فيركب فرسه لينزل فيصطاد.
فتقول له امرأته: إياك والخروج، فإن محمداً قد أناخ بفنائك، ولست آمن أن يحتال عليك، ودس من يغزونك.
فيقول لها: إليك عني، فلو كان أحد يفصل عنه في هذه الليلة لتلقاه في هذا القمر عيون أصحابنا في الطريق. وهذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، فلو كان في ظل قصرنا هذا إنسي لنفرت منه الوحش.
فينزل ليصطاد الغزلان والأوعال، فتهرب من بين يديه، ويتبعها فتحيطان به وتأخذانه).
وكان كما قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأخذوه، فقال: لي إليكم حاجة.
قالوا: ما هي؟! فإنا نقضيها إلا أن تسألنا أن نخليك.
قال: تنزعون عني ثوبي هذا، وسيفي ومنطقتي، وتحملونها إليه، وتحملوني في قميصي، لئلا يراني في هذا الزي، بل يراني في زي تواضع، فلعله أن يرحمني.
ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون والأعراب يلبسون ذلك الثوب ويقولون: هذا من حلل الجنة، وهذا من حلي الجنة يا رسول الله؟!
قال: (لا، ولكنه ثوب أكيدر، وسيفه ومنطقته، ولمنديل ابن عمتي الزبير وسماك في الجنة أفضل من هذا، إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر.
قالوا: وذلك أفضل من هذا؟!
قال: بل خيط من منديل بأيديهما في الجنة أفضل من ملء الأرض إلى
السماء مثل هذا الذهب.
فلما أتي به رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال: يا محمد أقلني، وخلني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك.
فقال له رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): فإن لم تف به؟!
قال: يا محمد، إن لم أف لك، فإن كنت رسول الله فسيظفرك بي، من منع ظلال أصحابك أن يقع على الأرض حتى أخذوني؟! ومن ساق الغزلان إلى بابي حتى استخرجتني من قصري، وأوقعتني في أيدي أصحابك؟!
وإن كنت غير نبي، فإن دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة، والسبب اللطيف ستوقعني في يدك بمثلها.
قال: فصالحه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على ألف أوقية من ذهب في رجب ومأتي حلة، وألف أوقية في صفر ومائتي حلة، وعلى أنهم يضيفون من مر بهم من العساكر ثلاثة أيام، ويزودونهم إلى المرحلة التي تليها، على أنهم إن نقضوا شيئاً من ذلك فقد برئت منهم ذمة الله، وذمة محمد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
ثم كرّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) راجعاً إلى المدينة إلى إبطال كيد المنافقين في نصب ذلك العجل الذي هو أبو عامر، الذي سماه النبي (صلىاللهعليهوآله ) الفاسق.
وعاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) غانماً ظافراً، وأبطل الله كيد المنافقين.
وأمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بإحراق مسجد الضرار، وأنزل الله عز وجل:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً ) (1) الآيات.
وقال موسى بن جعفر (عليهماالسلام ): فهذا العجل في حياة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) دمر الله عليه، وأصابه بقولنج، وفالج، وجذام، ولقوة. وبقي أربعين صباحاً في أشد عذاب، ثم صار إلى عذاب الله(2) .
ونقول:
قد علقنا على هذه الرواية بما يحسن وقوف القارئ عليه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلىاللهعليهوآله )، وذلك في الجزء الثلاثين منه، ولكننا نقتصر هنا على ما لم نذكره هناك مما يرتبط بالإمام أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وهو ما يلي:
على الزبير أن يعترف:
تضمنت الرواية: أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) طلب من الزبير خاصة أن يعترف بالولاية لأمير المؤمنين (عليهالسلام )..
وعلينا أن نضم ذلك إلى ما أخبره به النبي (صلىاللهعليهوآله )، من أنه
____________
1- الآية 107 من سورة التوبة.
2- راجع: تفسير الإمام العسكري ( عليهالسلام ) ص169 ـ 199 و (ط مدرسة الإمام المهدي ( عليهالسلام ) سنة 1409 هـ) ص480 ـ 488 وبحار الأنوار ج21 ص257 ـ 263 عنه، وراجع: الصافي (تفسير) ج2 ص376.
سيقاتل علياً (عليهالسلام ) وهو له ظالم(1) ..
____________
1- علي والخوارج للمؤلف ج1 ص253 و258 وراجع: أنساب الاشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص258 ومستدرك الحاكم ج3 ص366 وأسد الغابة ج2 ص199 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج4 ص323 والوافي بالوفيات ج14 ص123 ورسائل المرتضى للشريف المرتضى ج4 ص72 وكفاية الأثر ص115 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج4 ص84 وكشف المحجة لثمرة المهجة للسيد ابن طاووس ص183.
وراجع: الصراط المستقيم ج3 ص120 و 171 والجمل لابن شدقم ص10 و 131 وبحار الأنوار ج18 ص123 وج30 ص19 وج32 ص173 وج36 ص324 وفتح الباري ج6 ص161 وج13 ص46 والمصنف للصنعاني ج11 ص241 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص719 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص234 وج 13 ص287 وكنز العمال ج11 ص330 وفيض القدير ج4 ص358 وكشف الخفاء ج2 ص423 والضعفاء للعقيلي ج3 ص65 والعلل للدارقطني ج4 ص245 وتاريخ مدينة دمشق ج18 ص409 و 410 وتهذيب الكمال للمزي ج18 ص93 والإصابة ج2 ص460 وتهذيب التهذيب ج6 ص290 والعثمانية للجاحظ ص335 والكامل في التاريخ ج3 ص240 والبداية والنهاية ج6 ص237 و 238 وج7 ص268 و 269 وكتاب الفتوح لأعثم ج2 ص470 والإستغاثة ج2 ص68 وبشارة المصطفى للطبري ص380 وإعلام الورى ج1 ص91 والمناقب للخوارزمي ص179 ومطالب السؤول في مناقب آل الرسول = = ( عليهالسلام ) لمحمد بن طلحة الشافعي ص215 وكشف الغمة ج1 ص242 وكشف اليقين ص154 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص412 و 415 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص149 وخزانة الأدب للبغدادي ج5 ص416 وج10 ص403.
بالإضافة إلى ما أخبر به الناس عامة، من أن علياً (عليهالسلام ) سيقاتل الناكثين (وهم بقيادة الزبير وعائشة وطلحة) والقاسطين (وهم معاوية ومن معه)، والمارقين، (وهم أصحاب النهروان)..
ذاك لعلي (عليهالسلام ):
لقد أرجع النبي (صلىاللهعليهوآله ): الأمر إلى علي (عليهالسلام ) بقوله: (ذاك لعلي) مع علمه بأنه (عليهالسلام ) تام التسليم لما يريده الله منه ورسوله، ـ إن ذلك ولا يقدم بين يدي الله ورسوله ـ وأريد به إظهار زيادة الإهتمام برضى أمير المؤمنين، واعتباره هو المعيار لاتخاذ الموقف، وهو أيضاً لتأكيد الوثوق بصحة ما يختاره (عليهالسلام )، وأنه إنما يختار ما يحقق أقصى درجات الرضى الإلهي..
السمع والطاعة لله ولرسوله:
وقول علي (عليهالسلام ): (السمع والطاعة لله ولرسوله إلخ..) يظهر مدى دقة علي (عليهالسلام ) في فهم الأمور.. وتراتبية هذا الفهم والوعي، فإنه أعلن أن الطاعة لله، ثم هي لرسوله (صلىاللهعليهوآله ).
فدل ذلك على أنه (عليهالسلام ) لم يكن ليختار أمراً خارجاً عن هذه الدائرة. بل لا بد أن يرجع الأمر إلى الله أولاً، ثم إليه (صلىاللهعليهوآله ) ثانياً..
وهو يرى أنه (صلىاللهعليهوآله ) قد تهيأ للخروج، وجد في العزم عليه، فاعتبر ذلك ترجيحاً واختياراً منه (صلىاللهعليهوآله ) لذلك.. ثم اعتبر هذا الترجيح، أو الإختيار، أو ظهور هذا الميل بمثابة أمر إلهي نبوي، لعلمه بأن النبي (صلىاللهعليهوآله ) لا يفعل إلا ما يحقق رضا الله تبارك، ولا يصدر ولا يورد الأمور من عند نفسه..
وحيث إنه (عليهالسلام ) لا يختار إلا ما يحقق أقصى درجات الرضا، فقد تحقق عنده الإلتزام بهذا الأمر من ناحيتين:
أولاهما: أنه أصبح بمثابة اختيار من الله ورسوله.. وهو بمثابة الأمر بالنسبة إليه..
الثانية: إنه يتوافق مع ما سعى إليه، وهو تحقيق أقصى درجات الرضا الإلهي..
لك أجر خروجك معي:
وأما حبه لأن يكون مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولا يتخلف عنه في حال من الأحوال.. فلا شك في أن الكون معه (صلىاللهعليهوآله ) شرف وفضل، وفيه مثوبات وفواضل يرغب فيها كل مؤمن، فكيف بعلي (عليهالسلام )، ولكن قد يعرض ما يحتم التخلي عن هذا الأمر لمصلحة حفظ الإسلام التي هي الأهم والأولى بالمراعات، حين يتآمر عليه أهل
الباطل، ويكيد له أهل الزيغ، فيتخلى الإنسان عما يحب لينجز أمراً صار هو الأحب إلى الله تعالى، لعروض أمر طارئ..
ويؤيد هذا المعنى: قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له (عليهالسلام ):
(..يا أبا الحسن، إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة)، فدل ذلك على أن حب علي للخروج مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لم يكن عشوائياً، ولا لمصلحة شخصية، بل لحبه نيل الثواب من الله..
يضاف إلى ذلك: ما روي في أن من أحب عمل قوم كان شريكاً لهم فيه، وهذا واضح.
علي (عليهالسلام ) أمة وحدة:
ثم إن الله تعالى قد زاد في إظهار مزايا علي (عليهالسلام )، وفضله وشرفه بأن جعله أمة وحده، كما جعل إبراهيم (عليهالسلام ) أمة.. لأنه (عليهالسلام ) هو المتفرد من بين البشر بأنه الرجل الإلهي الخالص، الذي هو نفس رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في كل خصال الخير، وفي كل المعاني والمزايا التي منحها الله لرسوله، باستثناء ميزة النبوة الخاتمة..
والذي يبدو لنا: هو أن علياً (عليهالسلام ) أمة وحده، من حيث أنه هو المعيار دون كل أحد لقبول الأعمال، وهو الذي يعطي الجواز لدخول الجنة، ولو أن أحداً صام نهاره، وقام ليله، وحج دهره ولم يأت بولاية علي (عليهالسلام )، فليس له في الجنة نصيب.
وبعبارة أخرى.. إن الإيمان بالنبوة لا يكفي إذا لم ينضم إليه الإيمان بالولاية أيضاً، وهذا الأمر ثابت حتى في حياة النبي (صلىاللهعليهوآله ).. وبعد وفاته.. وهذا هو أحد معاني قوله (صلىاللهعليهوآله ): إن علياً أمة وحده حتى في زمن النبي (صلىاللهعليهوآله )، فإنه لم يقل له: أنت أمة وحدك بعد وفاتي، فظهر أن هذا الأمر مما يمتاز به علي (عليهالسلام ) على جميع البشر على الإطلاق.
ونستطيع أن نستفيد من ذلك: أن إقامته بالمدينة حين سار النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى تبوك لا تعني أنه (عليهالسلام ) ليس له ولاية على غير المدينة، بل ولايته واستخلافه يشمل جميع الناس في المدينة وخارجها، وفي جميع البلاد التي كانت خاضعة لسلطان الإسلام.. ولا سيما بملاحظة قوله (صلىاللهعليهوآله ) له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى حسبما أوضحناه فيما سبق.
تأثير الصلاة على النبي (صلىاللهعليهوآله ):
وقد تضمنت الرواية أيضاً: بيان أن اقتران بعض الأعمال بإيمان ذي مواصفات بعينها، يجعلها تؤثر في الواقع الخارجي، ومن هذه الأعمال الصلاة على النبي (صلىاللهعليهوآله ) وآله الطيبين، فإنها:
أولاً: تستر فاعلها عن عيون أعدائه.
ثانياً: لا تبقي له ظلاً.
ثالثاً: تغمره بالنور، وتستره عن عيون الناس.
ولكنها ذكرت: أن مجرد التفوه بالصلاة لا يجدي، بل لا بد أن يصاحب ذلك الإعتقاد بأن علياً (عليهالسلام ) هو أفضل آل النبي..
فعالم الروح متصل بعالم المادة، والتفوه بالألفاظ يترك آثاراً لها نوع ارتباط بسنخ مضمون تلك الألفاظ.. كما أن الإعتقاد مؤثر في الواقع العملي الخارجي..
ولكن هذه الآثار لا يمكن التكهن بها للبشر، ولا طريق لهم لاكتشاف الصلة بينها، بالعلم البشري، بل هي مما يختص الله بعلمه، فلا بد من أخذ العلم بها من الله تعالى، فإذا أخبر الله عنها أمكن تلمسها بالممارسة..
الظل.. والنور:
1 ـ قد بين هذا النص أن الظل أيضاً يمكن التحكم به، وجعله ورفعه وليس كالزوجية للأربعة، أي أنه ليس من اللوازم التي لا تنفك عن النور، وما يعترضه من أجسام..
2 ـ بيَّن أيضاً: أن النور الذي يفترض أن يكون كاشفاً للأجسام، ومن أسباب رؤيتها، يمكن أن يكون بتلألئه ساتراً وحاجباً لما وراءه، ومن أسباب العمى عنه، ومانعاً للبصر من الوصول والإمتداد..
الفهرس
الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليهالسلام ) 1
الفصل الخامس:5
الفصل السادس:32
الفصل السابع:69
الباب التاسع:91
الفصل الأول:93
الفصل الثاني:113
الفصل الثالث:153
الفصل الرابع:175
الفصل الخامس:197
الفصل السادس:219
الباب العاشر:245
الفصل الأول:247
الفصل الثاني:295
الفصل الثالث:309
الفهرس 329