الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء السابع

السيد جعفر مرتضى العاملي



هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء السابع

السيد جعفر مرتضى العاملي


الفصل الرابع: تبليغ سورة براءة



إرسال أبي بكر إلى مكة:

قلنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن أبا بكر حج بالناس في سنة تسع بأمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثم بعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) على أثر أبي بكر ليأخذ سورة براءة منه، ويقرأها هو على الناس، فأدركه بالعرج في قول ابن سعد، أو في ضجنان(1) كما قاله ابن عائذ. وكان علي (عليه‌السلام ) على العضباء ناقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فزعموا: أن أبا بكر لما رآه قال: أميراً أو مأموراً؟!

قال: لا بل مأمور. ثم مضيا(2) .

وحسب نص آخر: بعث أبا بكر على إقامة الحج سنة تسع، وبعث في أثره علياً يقرأ على الناس سورة براءة.

____________

1- العرج: قرية تبعد عن المدينة نحو ثمانية وسبعين ميلاً. وضجنان: جبل يبعد عن مكة اثني عشر ميلاً.

2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص73 و 74 والدرر لابن عبد البر ص250 وإمتاع الأسماع ج14 ص322.


فقيل: لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج(1) .

وقيل: بل لأن عادة العرب كانت أنه لا تحل العقود والعهود ويعقدها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته، فلهذا بعث علياً (عليه‌السلام ) في أثره(2) .

وقيل: أردفه به عوناً له ومساعداً، ولهذا قال له الصدِّيق: أأميراً أو مأموراً؟!

قال: بل مأموراً.

وقالوا: وأما أعداء الله الرافضة، فيقولون: عزله بعلي، وليس هذا ببدع من بهتهم وافترائهم(3) .

وقيل: كان في سورة براءة الثناء على الصدِّيق، فأحب أن يكون على لسان غيره، قال في الهدى: لأن السورة نزلت بعد ذهاب أبي بكر إلى

____________

1- راجع: الدرر لابن عبد البر ص250 وإمتاع الأسماع ج14 ص321 و 322.

2- راجع: سبل الهدى والرشاد ج11 ص338 وج12 ص75 ودلائل الصدق ج2 ص245 و 246 عن الفضل بن روزبهان، والجامع لأحكام القرآن ج8 ص61 وبحار الأنوار ج30 ص319 عن الجبائي، والمغني للقاضي عبد الجبار ج20 ص351 وتفسير الرازي ج15 ص218 والكشاف للزمخشري ج2 ص172 وتفسير البيضاوي ج1 ص405 وشرح التجريد للقوشجي ص372 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص345.

3- راجع: سبل الهدى والرشاد ج11 ص338.


الحج(1) .

ونقول:

لا بد من ملاحظة ما يلي:

وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ:

إن هذا العرض لما جرى لأبي بكر في تبليغ مضامين سورة براءة في موسم الحج يمثل أنموذجاً لمكر الماكرين، وجحود الجاحدين، وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(2) ..

مع أن أحداث هذه القضية كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، ولم يزل العلماء يتداولونها، ويستدلون بها في قضايا الإمامة، ولا يجد الآخرون مناصاً عن البخوع لمقتضيات مضامينها، والتسليم بدلالاتها، ولو وجدوا أي مجال للتأويل أو التحوير لما ترددوا في اللجوء إليه، والتعويل عليه.

ونحن نوضح هنا الحقيقة في هذه القضية، فنقول:

حقيقة ما جرى:

عن الحارث بن مالك: أنه سأل سعد بن أبي وقاص (أو: سعد بن مالك): هل سمعت لعلي منقبة؟!

____________

1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص75.

2- الآية 46 من سورة إبراهيم.


قال: قد شهدت له أربعاً، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا، أُعمّر فيها مثل عمر نوح: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوماً وليلة. ثم قال لعلي: اتبع أبا بكر فخذها وبلغها.

فَرَدَّ عليٌّ أبا بكر، فرجع يبكي، فقال: يا رسول الله، أنزل فيَّ شيء؟!

قال: لا، إلا خيراً، إنه ليس يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني.

أو قال: من أهل بيتي الخ..)(1) .

وكان مع أبي بكر، قبل أن يرجع ثلاث مائة رجل(2) .

خلاصات ضرورية:

ولتوضيح هذه القضية نحتاج إلى إيراد خلاصة جامعة لما جرى فيها، وهي كما يلي:

يظهر من النصوص المتوافرة لدينا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر أبا بكر أن يسير إلى مكة ليقيم للناس حجهم في سنة تسع، وليبلغ الناس عنه صدر

____________

1- كفاية الطالب ص287 وبحار الأنوار ج35 ص285 عن علل الشرايع ص74 ومقام الإمام علي "عليه‌السلام " لنجم الدين العسكري ص36 والغدير للشيخ الأميني ج1 ص40 وج6 ص346 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص445 وج15 ص661 وج22 ص429 عن مختصر تاريخ دمشق (ط إسلامبول) ج17 ص130.

2- بحار الأنوار ج35 ص309 عن الكامل لابن الأثير.


سورة براءة، بالإضافة إلى قرارات أخرى يريد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يلزم الناس بمراعاتها.

ويستفاد من مجموع الروايات: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كتب عشر آيات، أو ثلاثين أو أربعين آية من سورة براءة، وكتب أيضاً:

1 ـ أن لا يطوفنَّ بالبيت عريان.

2 ـ لا يجتمع المسلمون والمشركون.

3 ـ ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عهد، فأجله إلى مدته، ومن لم يكن بينه وبينه عهد فأجله إلى أربعة أشهر.

4 ـ إن الله بريء من المشركين وَرَسُولُهُ.

5 ـ لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (أو إلا من كان مسلماً).

6 ـ لا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا.

7 ـ أن هذه أيام أكل وشرب.

8 ـ أن يرفع الخمس من قريش، وكنانة وخزاعة إلى عرفات(1) .

والخمس: هي أحكام كانوا قد قرروها لأنفسهم: هي ترك الوقوف بعرفات والإفاضة منها(2) .

____________

1- تفسير فرات ص161 وبحار الأنوار ج35 ص300 عنه، وراجع: تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج8 ص87.

2- راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص199.


فلما كان أبو بكر ببعض الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وإذا هو علي (عليه‌السلام )، فأخذ الكتاب من أبي بكر ومضى.

ويبدو أن الكتب كانت ثلاثة:

أحدها: ما أشير إليه آنفاً.

والثاني: كتاب يشتمل على سنن الحج، كما روي عن عروة.

والكتاب الثالث: كتبه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الى أبي بكر وفيه: أنه استبدله بعلي (عليه‌السلام ) لينادي بهذه الكلمات في الموسم، ويقيم للناس حجهم.

وعند المفيد: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي: (وخيِّر أبا بكر أن يسير مع ركابك، أو يرجع إليَّ).

فاختار أبو بكر أن يرجع إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلما دخل عليه قال: (يا رسول الله، إنك أهلتني لأمر طالت الأعناق فيه إليَّ، فلما توجهت له رددتني عنه؟! ما لي؟! أنزل فيَّ قرآن؟!

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا، الخ..)(1) .

وفي نص آخر: فأخبره النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن جبرئيل جاءه وقال له: إنه لا يبلغ عنه إلا هو أو رجل منه، وهو علي (عليه‌السلام ).

____________

1- الإرشاد ج1 ص65 و 66 وبحار الأنوار ج21 ص275 وج35 ص303 عنه، وعن المناقب ج1 ص326 و 327 والمستجاد من كتاب الإرشاد (المجموعة) ص55 ونهج الإيمان لابن جبر ص247 وكشف اليقين ص173.


فقرأ علي (عليه‌السلام ) في موقف الحج سورة براءة حتى ختمها كما عن جابر.

وعن عروة: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر علياً (عليه‌السلام ) أن يؤذّن بمكة وبمنى، وعرفة، وبالمشاعر كلها: بأن برئت ذمة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من كل مشرك حج بعد العام، أو طاف بالبيت عريان الخ..

ولهذا الحديث مصادر كثيرة جداً، فراجعه في مظانه(1) .

____________

1- راجع هذا الحديث في المصادر التالية: الدر المنثور ج3 ص209 و 210 عن أحمد، وابن أبي شيبة، والترمذي، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن حبان، والطبراني، والتراتيب الإدارية ج1 ص72 ورسالات نبوية ص72 وبحار الأنوار ج21 ص266 و 267 و 274 و 275 وج35 ص285 ـ 309 والجامع لأبي زيد القيرواني ص396 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص66 والرياض النضرة ج3 ص118 و 119 وذخائر العقبى ص69 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج3 ص91 وعن تاريخ الأمم والملوك ج3 ص122 و 123 و (ط أخرى) ص152 والكفاية للخطيب ص313 والسنة لابن أبي عاصم ص589 وكنز العمال ج2 ص422 و 417 و 431 وج13 ص109 ومجمع الزوائد ج7 ص29 وتفسير المنار ج10 ص157 و 156 والعمدة لابن البطريق ص160 وكشف اليقين ص172 والبداية والنهاية ج5 ص38 وج7 ص357 وعمدة القاري ج18 ص260 وج4 ص78 ووسيلة المآل ص122 والجمل للمفيد ص219 والكامل لابن عدي (ط دار الفكر) ج3 ص256 و 413 وابن زنجويه ج1 ص663 والمعجم الكبـير ج11 = = ص400 وفتح القدير ج2 ص334 والمناقب للخوارزمي ص99 و 165 و 164 وزوائد المسند ص353 وفرائد السمطين ج1 ص61 وأنساب الأشراف ج1 ص383 وجامع البيان ج10 ص44 ـ 47 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص333 والصواعق المحرقة ص32 وتفسير أبي حيان ج5 ص6 وإمتاع الأسماع ص499 والإصابة ج2 ص509 وخصائص الإمام علي بن أبي طالب للنسائي ص92 و 93 والأموال لأبي عبيد ص213 و 215 وتيسير الوصول ج1 ص158 وعن الكشاف ج2 ص243 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص203 والسنن الكبرى ج5 ص128 ح8461 وج9 ص224 وكفاية الطالب ص255 و 254 و 285 عن أحمد، وابن عساكر، وأبي نعيم، وتشييد المطاعن ج1 ص164 و 165 ونور الثقلين ج2 ص177 و 182 وتهذيب تاريخ دمشق ج3 ص89 ومسند أحمد ج1 ص3 و 151 و 150 وج3 ص212 و 283 وإرشاد الساري ج10 ص283 وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج10 ص36 وتذكرة الخواص ص37 وترجمة الإمام علي "عليه‌السلام " من تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص376 و 390 والمستدرك على الصحيحين ج2 ص361 وج3 ص52 وينابيع المودة ص89 والطرائف ص38 و 39 وعن فتح الباري ج8 ص318 ومختصر تاريخ دمشق ج18 ص6 وج20 ص68 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص257 و 256 وتفسير النسفي ج2 ص115 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص168 وتفسير البيضاوي ج1 ص394 ومطالب السؤل ص17 وشرح نهج البلاغة للـمـعتـزلـي ج12 ص46 وج7 ص288 وسنن الـدارمي ج2 ص67 و 237 = وصحيح ابن خزيمة ج4 ص319 والروض الأنف ج7 ص374 والكامل في التاريخ ج1 ص644 والتفسير الكبير للرازي ج15 ص218 والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج5 ص19 وج15 ص16 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص44 والمواهب اللدنية ج1 ص640 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص140 وروح المعاني ج10 ص44 و 45 وتاريخ الخميس ج2 ص141 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص128 وج2 ص407 وعن ابن خزيمة، وأبي عوانة، والدارقطني في الإفراد، وابن أبي حاتم، وتفسير البغوي (مطبوع مع تفسير الخازن) ج3 ص49 وتفسير الخازن ج2 ص203 والإرشاد للمفيد ج1 ص65 و 66 والبرهان (تفسير) ج2 ص100 و 101 وإعلام الورى ص132 وعن علل الشرايع ص74 وعن الخصال ج2 ص16 و 17 ومسند علي ص741.



وقد نظم الشعراء هذه المنقبة شعراً، فقال شمس الدين المالكي المتوفى سنة 780هـ:

وأرسله عنه الرسول مبلغاً وخُص بهذا الأمر تخصيص مفردِ

وقال: هل التبليغ عني ينبغي لمن ليس من بيتي من القوم فاقتدِ(1)

استمرار أبي بكر في مسيره إلى مكة:

اختلفت روايات غير الرافضة! في مسير أبي بكر إلى مكة، أو رجوعه إلى المدينة، فهي على ثلاثة أقسام:

الأول: لم يتعرض للنفي، ولا للإثبات..

____________

1- الغدير ج6 ص58 و 338 عن نفح الطيب ج10 ص244.


الثاني: صرح بمواصلة مسيره إلى مكة، وحج مع علي (عليه‌السلام )، رووا ذلك عن أبي هريرة، وابن عباس، ونسب إلى أبي جعفر أيضاً.

الثالث: تحدث عن رجوع أبي بكر إلى المدينة، وهو المروي عن علي (عليه‌السلام )، وابن عباس، وأبي هريرة والسدي(1) ، وزيد بن بثيع، وأبي بكر نفسه.

وتعبير بعض روايات هؤلاء: بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث (براءة) أولاً مع أبي بكر، ثم دعاه فبعث بها علياً (عليه‌السلام )(2) .

فيلاحظ: أن أصحاب الرأي الثاني هم ثلاثة فقط، وهم أنفسهم رووا رجوعه إلى المدينة، ووافقهم عليه آخرون، حتى أبو بكر نفسه.

فلا يصح ما ادعاه ابن روزبهان، من أن علياً لم يكن أمير الحج، لأنه كان مكلفاً فقط بتبليغ الآيات، مع تواتر الأخبار بأن أبا بكر قد حج في تلك

____________

1- مكاتيب الرسول ج1 ص268.

2- راجع: مسند أحمد ج3 ص283 ونحوه في سنن الترمذي في تفسير سورة التوبة. وقال: هذا حديث حسن. وكنز العمال ج2 ص422 وراجع: الغدير ج6 ص345 وشواهد التنزيل للحسكاني ج1 ص309 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص344 وكشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد (بتحقيق الآملي) للعلامة الحلي ص509 و (بتحقيق السبحاني) ص204 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص422.


السنة(1) . انتهى.

ولا يصح أيضاً ما ادعاه القاضي عبد الجبار: من أن ولاية أبي بكر على الموسم والحج في تلك السنة قد ثبت بلا خلاف بين أهل الأخبار، ولم يصح أنه عزله..

قال: ولا يدل رجوع أبي بكر إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مستفهماً عن القصة على العزل(2) .

نعم، لا يصح ذلك.

أولاً: لأنه قد ظهر مما ذكرناه آنفاً، أن الأخبار متواترة في رجوع أبي بكر إلى المدينة.. ولم يرو عندهم مضي أبي بكر مع علي (عليه‌السلام ) إلى مكة سوى ما نسبوه إلى أبي جعفر..

أما رواية أبي هريرة، وابن عباس ذهابه إلى مكة فهي مشكوكة، لمعارضتها بروايتهما رجوعه إلى المدينة..

ثانياً: إن مهمة أبي بكر أولاً كانت إقامة الحج وتبليغ الآيات، فما الذي يمنع من أن يتولى علي (عليه‌السلام ) ـ بعد رجوع أبي بكر ـ تبليغ الآيات،

____________

1- دلائل الصدق ج3 ق1 ص18 و 19 عن فضل بن روزبهان، وشرح إحقاق الحق (الأصل) ص222.

2- بحار الأنوار ج3 ص314 وج30 ص416 والمغني لعبد الجبار ج20 ص350 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص195 والشافي في الإمامة ج4 ص153.


وإقامة الحج أيضاً؟! فلماذا يريد ابن روزبهان أن يشكك في هذا الأمر..

ثالثاً: لا إجماع على تولية أبي بكر الحج في تلك السنة كما ظهر من رواية علي (عليه‌السلام )، وابن عباس، وابن بثيع، وأبي هريرة وأبي بكر نفسه، وغيرهم.

وتقدم: أن راوي مواصلة أبي بكر مسيره إلى مكة واحد.

يضاف إلى ذلك: قول الطبرسي عن علي (عليه‌السلام ): (روى أصحابنا أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولاه أيضاً الموسم، وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر(1) .

رابعاً: إن إجماع بعض أهل الأخبار على مسير أبي بكر إلى مكة مع روايتهم رجوعه إلى المدينة عمن ذكرناهم عن قريب، يؤكد التهمة لهؤلاء الناس، في أنهم يسعون لتحسين صورة أبي بكر، وإبعاد الظنون والشبهات عنه.

والقول بأن الرجوع إلى المدينة رجوع بهدف الاستفهام، ولا يدل على عدم استئناف سفر جديد إلى مكة، لإنجاز مهمة الحج بالناس.. مجازفة ظاهرة.. فإن القائلين بذلك لم يدعوا استئناف السفر إلى مكة وتولي الحج من جديد، بل هم يقولون: إنه رجع إلى المدينة بصورة نهائية.

____________

1- مجمع البيان ج5 ص9 وبحار الأنوار ج21 ص266 وج30 ص417 والصافي (تفسير) ج2 ص321 والتبيان للطوسي ج5 ص169 ونور الثقلين ج2 ص182.


تبدل آراء الأنبياء:

وقد يتساءل البعض فيقول:

كيف يتبنى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رأياً، ويباشر بتنفيذه ثم يعدل عنه؟!

هل لأنه ظهر له خطؤه؟!

ألا يضعف ذلك ثقة الناس بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويخل بمكانته في نفوسهم؟!

ونجيب:

ليست القضية قضية خطأ في الرأي قد بان صوابه، بل كان هناك أمران لا بد من ملاحظتهما، وهما:

1 ـ أن المطلوب كان إرسال أبي بكر إلى المكان الذي أرسل إليه، وأن يرى الناس ذلك.

2 ـ ثم إرسال علي (عليه‌السلام ) في أثره ليأخذ الكتاب، وأن يرى الناس ذلك أيضاً.

وقد كان الأمران كلاهما بوحي من الله، لا برأي بان خطؤه، لأننا نعلم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1) .

وأما المصلحة في ذلك فسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

____________

1- الآيتان 3 و4 من سورة النجم.


لماذا يتبرع أبو بكر؟!:

إذا كان أبو بكر يرغب في جمع الدلائل على أهليته للخلافة، فمن المتوقع: أن يتبرع هو بالذهاب إلى مكة، لا أن ينزعج من اختياره لها، إلا إن كانت خشيته على حياته هي التي أوجبت له هذا الانزعاج..

وحينئذ نقول:

لقد كان علي (عليه‌السلام ) أولى بهذه الخشية منه، فإنه هو الذي وتر قريشاً، وأسقط هيبتها.

ومن جهة أخرى: إذا كان أبو بكر يخاف على نفسه من أهل مكة، فلماذا ينزعج من إرجاعه؟! لا سيما بعد التوضيح له: بأن سبب إرجاعه هو أن الذي يبلغ عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شخص له أوصاف لا تنطبق عليه..

سبب إرجاع أبي بكر:

لعل من أسباب إرجاع أبي بكر عن تبليغ رسالة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وآيات سورة براءة لأهل مكة الأمور التالية:

1 ـ قد يقال: إن من أهداف ذلك بيان أن أبا بكر لا يصلح للنيابة عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمر الإبلاغ.. ربما لأنه لا يؤدي الأمر بحرفيته التامة، بل يراعي أموراً تجعله يقدم على التغيير والتبديل، وربما تكون هذه الأمور مصالح شخصية، تعود إليه.. ككونه لا يريد جرح مشاعر قومه، ولا إزعاجهم، ولا تصعيب علاقته بهم، أو غير ذلك..

والخلاصة: النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد تعريف الناس بأن أبا بكر


لا يؤتمن على إبلاغ الرسالة، التي وكل بإبلاغها.. ولذلك لم يقل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أبو بكر لا يقدر على التبليغ، بل قال: لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني..

2 ـ وقد يقال: إن من الأهداف أنه لو قام أبو بكر بهذه المهمة لاستغلها هو ومؤيدوه فيما بعد، لادعاء مقامات تضر بسير الأمور كما يريده الله، من حيث إنها تساعده على اغتصاب الخلافة من صاحبها المنصوص عليه من الله ورسوله، وتثير الشبهة حين يدعي أبو بكر: أن هذه الإستنابة في التبليغ تشير إلى أهليته للقيام مقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حياته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبعد وفاته.. وهذا بالذات ما فعلوه، حين زعموا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صلى بالناس في مرض الرسول، بأمر منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مع أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عزله عن تلك الصلاة رغم مرضه الشديد..

صرحت الرواية المنسوبة إلى الإمام الحسن (عليه‌السلام )، ووردت في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه‌السلام )، بأن المطلوب هو تصحيح الصورة التي في أذهان ضعفاء المسلمين عن هذا الرجل الذي يرشح نفسه لمقام يفقد المؤهلات له ولما هو أقل منه، ويكون ما جرى بمثابة إشارة لهم على هذه الحقيقة.

تقول الرواية المشار إليها:

إن جبرئيل قال لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن (براءة): (ما أمرك ربك بدفعها إلى علي، ونزعها من أبي بكر سهواً، ولا شكاً، ولا استدراكاً على نفسه غلطاً، ولكن أراد أن يبين لضعفاء المسلمين: أن المقام الذي يقومه


أخوك علي (عليه‌السلام ) لن يقومه غيره سواك يا محمد، وإن جلَّت في عيون هؤلاء الضعفاء من أمتك مرتبته، وشرفت عندهم منزلته)(1) .

4 ـ قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا يؤدي عني إلا أنا، أو رجل مني.. قد يشير إلى أنه ليس من حق النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يولي أحداً شيئاً من مهمات الإمام بعده، مثل تولية أمر التبليغ عن الله ورسوله غير علي (عليه‌السلام ).. لأن هذا المقام خاص به صلوات الله وسلامه عليه، لأنه هو الحافظ للشريعة، وأحكامها، والكتاب وآياته، وهو المرجع للفقهاء والمبلغين، والمهيمن على حركتهم.

هل هذا من الأسباب أيضاً؟!:

وقد يقال: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ بالإضافة إلى ما تقدم ـ خاف أن يضعف أبو بكر أمام المشركين، خوفاً من أن يغتالوه، أو أن يؤذوه. وهو لا يثق بنصرة أهل مكة له، لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام.

وقد أشار المعتزلي إلى ذلك، فقال: لعل السبب في ذلك، أن علياً (عليه‌السلام )، من بني عبد مناف، وهم جمرة قريش في مكة، وعلي (عليه‌السلام ) أيضاً شجاع لا يقام له، وقد حصل في صدور قريش منه الهيبة الشديدة، والمهابة العظيمة، فإذا حصل مثل هذا البطل وحوله من بني عمه من هم أهل العزة، والقوة، والحمية، كان أدعى إلى نجاته من قريش،

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص297 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري ص231 و 232 و (تحقيق مدرسة الإمام المهدي) ص559.


وسلامة نفسه الخ..(1) .

ونجيب:

بأن علماءنا(2) ناقشوا في ذلك، فقالوا: لو كان الغرض من استبدال أبي بكر بعلي (عليه‌السلام ) هو سلامة من أرسله رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من الأذى كان الأحرى أن يرسل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) العباس، أو عقيلاً، أو غيرهما ممن لم يكن لدى قريش حقد عليهم، لأنهم لم يشاركوا في قتل آبائهم، وإخوانهم.

وحديث الخوف من شجاعة علي (عليه‌السلام ) لا ينفع هنا، فإن قريشاً كانت تجترئ على علي (عليه‌السلام )، وتسعى لقتله في الحروب، وإن كانت تُمنى دائماً بالخزي والخيبة، فهل تكف عنه إذا وجدته وحده في مكة بالذات، وكان معها ألوف من أهل الشرك؟!

على أنهم قد زعموا: أن أبا بكر ذهب إلى مكة أميراً على الحاج(3) ، فلماذا لم يخف من قريش ومن المشركين أن يغتالوه، إذا كان قد خاف من القتل، بسبب حمله لرسالة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إليهم؟!.

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص200 وبحار الأنوار ج30 ص423.

2- راجع: بحار الأنوار ج30 ص423.

3- فتح العزيز ج7 ص31 وبحار الأنوار ج30 ص418 وعمدة القاري ج18 ص260 وتحفة الأحوذي ج8 ص387 وجامع البيان للطبري ج10 ص77 والتفسير الكبير للرازي ج15 ص219 والمعارف لابن قتيبة ص165.


جزع قريش:

وقالوا: لما أذَّن علي (عليه‌السلام ) (ببراءة) في مكة أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام. جزعت قريش جزعاً شديداً، وقالوا: ذهبت تجارتنا، وضاعت عيالنا، وخربت دورنا، فأنزل الله تعالى:

( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (1) ) (2) .

نعم، إن هذا هو ما يهم أهل الدنيا، وطلاب زخرفها، والمهتمين بزبارجها وبهارجها، مع أن دعوة إبراهيم الله تعالى بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذلك الوادي، وأن يرزق أهله من الثمرات، كانت أقوى من كل تجاراتهم، وعلاقاتهم، وأوسع وأكبر من كل آمالهم وتوقعاتهم، وبهذه الدعوة يرزقهم الله، لا بكدِّهم وجدِّهم، لو كانوا يعقلون..

علي (عليه‌السلام ) يتهدد المشركين:

ويلاحظ هنا: أن الأمور حين إبلاغ سورة براءة قد انقلبت رأساً على

____________

1- الآية 24 من سورة التوبة.

2- بحار الأنوار ج35 ص293 وتفسير القمي ج1 ص284 وتفسير الميزان ج9 ص216 والتفسير الأصفى ج1 ص457 والصافي (تفسير) ج2 ص329.


عقب، فبدلاً من أن يخاف علي (عليه‌السلام ) المشركين على نفسه، كان هو الذي يتهددهم ويتوعدهم ويتحداهم، حتى لقد أبلغهم سورة براءة وكتاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد (لمع بسيفه)!(1) .

وفي نص آخر: (لما دخل مكة اخترط سيفه وقال: والله لا يطوف بالبيت عريان إلا ضربته بالسيف)(2) .

وعن علي (عليه‌السلام ): (فأتيت مكة، وأهلها من قد عرفتم، ليس منهم أحد إلا ولو قدر أن يضع على كل جبل مني إرباً لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله، وولده، وماله، فبلغتهم رسالة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقرأت عليهم كتابه، فكلهم يلقاني بالتهديد والوعيد، ويبدي لي البغضاء، ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم)(3) .

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص288 وإقبال الإعمال ج2 ص39.

2- بحار الأنوار ج21 ص275 و 267 وج35 ص296 وإعلام الورى ص132 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص248 والحدائق الناضرة ج16 ص94 وجواهر الكلام ج19 ص276 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج13 ص401 و (ط دار الإسلامية) ج9 ص464 وجامع أحاديث الشيعة ج11 ص326 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص597 وتفسير العياشي ج2 ص74 وجوامع الجامع ج2 ص45 ومجمع البيان ج5 ص9 والصافي (تفسير) ج2 ص321 ونور الثقلين ج2 ص182 وقصص الأنبياء للراوندي ص351.

3- الخصال ج2 ص369 و 370 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص369 وبحار = = الأنوار ج35 ص286 وج38 ص171 والإختصاص للمفيد ص168 ونور الثقلين ج2 ص178 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص129 وشرح الأخبار ج1 ص304 وإقبال الأعمال ج2 ص37 وحلية الأبرار ج2 ص365.


وقالوا أيضاً: (لما وصل علي (عليه‌السلام ) إلى المشركين بآيات براءة لقيه خراش بن عبد الله ـ أخو عمرو بن عبد الله ـ الذي قتله علي (عليه‌السلام ) مبارزةً يوم الخندق ـ وشعبة بن عبد الله أخوه، فقال لعلي (عليه‌السلام ): ما تسيرنا يا علي أربعة أشهر، بل برئنا منك ومن ابن عمك، إن شئت، إلا من الطعن والضرب).

وقال شعبة: ليس بيننا وبين ابن عمك إلا السيف والرمح، وإن شئت بدأنا بك.

فقال علي (عليه‌السلام ): أجل، أجل، إن شئتم فهلموا(1) .

وعن أبي جعفر الباقر (عليه‌السلام ): (خطب علي (عليه‌السلام ) الناس: واخترط سيفه، وقال: لا يطوفن بالبيت عريان الخ..)(2) .

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص290 و 304 وإقبال الأعمال ص320 و 321 و (ط ايران) ج2 ص41 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص392 والصوارم المهرقة ص126 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص422 ونهج الإيمان ص251.

2- بحار الأنوار ج35 ص296 و 303 وتفسير العياشي ج2 ص74 و 75 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص326 ـ 328 والحدائق الناضرة ج16 ص94 وجواهر = = الكلام ج19 ص276 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج13 ص401 و (ط دار الإسلامية) ج9 ص464 وجامع أحاديث الشيعة ج11 ص326 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص597 وجوامع الجامع ج2 ص45 ومجمع البيان ج5 ص9 والصافي (تفسير) ج2 ص321 ونور الثقلين ج2 ص182 وتفسير الميزان ج9 ص163.


وعن الامام الصادق (عليه‌السلام ): أخذ علي (عليه‌السلام ) الصحيفة، وأتى الموسم، وكان يطوف على الناس، ومعه السيف، ويقول: بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ..(1) . فلا يطوف بالبيت عريان بعد عامه هذا، ولا مشرك، فمن فعل، فإن معاتبتنا إياه بالسيف.

قال: وكان يبعثه إلى الأصنام فيكسرها، ويقول: (لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت)(2) .

عمر شريك أبي بكر:

والشيء الذي قلما أشار إليه الباحثون هو: أن ثمة نصوصاً تصرح بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أرسل أبا بكر وعمر معاً ببراءة إلى أهل مكة، فانطلقا، فإذا هما براكب، فقال: من هذا؟!

قال: أنا علي. يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك.

____________

1- الآيتان 1 و 2 من سورة براءة.

2- بحار الأنوار ج35 ص299 وتفسير فرات ص159.


فأخذ علي الكتاب، فذهب به، ورجع أبو بكر وعمر إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟!

قال: (ما لكما إلا خيراً، ولكن قيل لي: لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك)(1) .

ويؤيد شراكة عمر لأبي بكر في هذا الأمر: أن بعض الروايات صرحت: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عرض حمل الكتاب إلى المشركين على جميع أصحابه، فكلهم تثاقل عن حمله، والمضي به إلى مكة، فندب منهم رجلاً فوجهه به(2) .

وهذا يدل على أن عمر كان ممن تثاقل في الإستجابة لطلب الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولأجل هذا التثاقل الظاهر من الناس، كان لا بد للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من أن يفرض على رجل بعينه القيام بذلك.. وهكذا كان.. وقد اختار (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خصوص الذين لهم دعاوى عريضة، ويسعون للإستيلاء على أمر الأمة، وإبعاد صاحبه الشرعي.. وجرى ما جرى.

وشارك عمر أبا بكر فيما ترتب على إرجاعه من آثار، وما يمكن أن يكون له من دلالات كما شاركه في المسير.

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص51 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص50 وشواهد التنزيل ج1 ص318 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص124.

2- الخصال ج2 ص369 وبحار الأنوار ج35 ص286 وج38 ص172.


واللافت هنا: أن عمار بن ياسر هو الآخر قد شارك علياً (عليه‌السلام ) في المسير إلى مكة، ولكن الناس يقتصرون على ذكر علي (عليه‌السلام ) وقلما يذكرون عماراً.. تماماً كما يذكرون أبا بكر في حملة سورة البراءة ولا يذكرون عمر الذي كان معه أيضاً، لأن أنظار هؤلاء وأولئك تكون مشدودة للأهم من الرجلين.

ولا ندري لماذا تثاقل عمر أولاً، ثم عاد فذهب مع أبي بكر ثانياً.. مع العلم: بأن امتناع عمر عن تلبية طلب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن هو المرة الأولى، فإنه في غزوة الحديبية امتنع أيضاً عن امتثال أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له بالذهاب إلى مكة ليبلغ أشراف قريش بما جاء له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي(1) .

____________

1- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص278 وإقبال الأعمال ج2 ص38 عنه، وعين العبرة في غبن العترة لأحمد آل طاووس ص24 وبحار الأنوار ج35 ص287 ومسند أحمد ج4 ص324 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص310 وجامع البيان للطبري ج26 ص111 وتفسير الثعلبي ج9 ص47 وتفسير البغوي ج4 ص193 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص200 و 210 وتفسير الثعالبي ج5 ص254 والثقات لابن حبان ج1 ص298 وتاريخ مدينة دمشق ج39 ص78 والبداية والنهاية ج4 ص191 وعيون الأثر ج2 ص118 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص318 وسبل الهدى والرشاد ج5 ص46.

متى أرسل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام )؟!:

وتقدم قول بعض الروايات: إن أبا بكر إنما سأل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن سبب إرسال علي (عليه‌السلام ) إلى مكة، بعد أداء مناسك الحج، وذلك للإيهام بأن أبا بكر قد ذهب هو وعلي (عليه‌السلام ) إلى مكة.. فلما رجعا استفهم عن سبب إلحاق علي به، ليحمل الرسالة دونه..

مع أن الأمر جرى على خلاف ذلك، لما يلي:

ألف: تقدم: أن الروايات ـ باستثناء واحدة منها ـ تصرح: بأنه حين أخذ علي (عليه‌السلام ) الرسالة من أبي بكر، وتوجه إلى مكة، رجع هو إلى المدينة.

وفي بعضها: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر علياً بأن يرد أبا بكر.

وبعد اتفاق الروايات تقريباً على رجوع أبي بكر، فإن اختلافها فيما بينها في بعض الخصوصيات، يمكن معالجته بأدنى تأمل..

ب: لو قبلنا بأن أبا بكر واصل طريقه إلى مكة، فذلك لا يعني أنه هو الذي حج بالناس، إذ يمكن أن يكون قد حج تحت إمرة علي (عليه‌السلام ) أيضاً.

ج: ويمكن أن يستدل على ذلك أيضاً بقولهم: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يؤمر على علي (عليه‌السلام ) أحداً طيلة حياته..

أهلية أبي بكر للخلافة:

هذا، وقد استدل علماء الشيعة بهذه الواقعة على عدم صلاحية أبي بكر للخلافة، فضلاًً عن الإمامة، فقالوا: من لم يصلح لأداء سورة واحدة إلى أهل بلدة. فهو لا يصلح للرئاسة العامة، المتضمنة لأداء جميع الأحكام إلى


عموم الرعايا في سائر البلاد(1) .

أضاف الشريف المرتضى (رحمه‌الله ) قوله: (لو سلمنا أن ولاية الموسم لم تنسخ لكان الكلام باقياً، لأنه إذا كان ما ولي ـ مع تطاول الأزمان ـ إلا هذه الولاية، ثم سلب شطرها، والأفخم والأعظم منها، فليس ذلك إلا تنبيهاً على ما ذكرنا)(2) .

ويؤكد ذلك: أن الذي أوكلت إليه المهمة، وهو علي (عليه‌السلام )، كان خطر تعرضه لغدر الحاقدين عليه كبيراً جداً، أما أبو بكر الذي أعفي من المهمة، فقد تقدم: أنه كان أكثر مقبولية عندهم، والخطر عنه أبعد بسبب مواقفه الإيجابية، تجاه أسراهم، لأنه لم يتعرض أحد منهم لأي خطر من قبله مهما صغر.. ولغير ذلك من أسباب..

علي (عليه‌السلام ) وعمار:

عرفنا: أن عماراً (رحمه‌الله ) رافق علياً (عليه‌السلام ) إلى مكة، ويقول النص: إن فلاناً وفلاناً انزعجا من إرسال علي (عليه‌السلام )، وأحبا أن يرسل من هو أكبر منه سناً، وقالا: بعث هذا الصبي؟! ولو بعث غيره إلى أهل مكة، وفي مكة صناديد قريش ورجالها، والله، الكفر أولى بنا مما نحن فيه.

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج30 ص211 وج35 ص310 ومنهاج الكرامة ص181 ونهج الحق ص265 وشرح إحقاق الحق (الأصل) ص222.

2- الشافي في الإمامة ج4 ص155 وبحار الأنوار ج30 ص417 عنه، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص197 والصوارم المهرقة ص126.


ثم إنهما سارا إلى علي وعمار وخوفاهما بأهل مكة، وغلظا عليهما الأمر، وقالا لهما: إن أبا سفيان، وعبد الرحمان، وعبد الله بن عامر، وأهل مكة قد جمعوا لهم.

فقال علي (عليه‌السلام ): حسبنا الله ونعم الوكيل.

ومضيا، فلما دخلا مكة أنزل الله تعالى:( الَّذِينَ قَالَ لـَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (1) .

ونقول:

1 ـ لعل انزعاج فلان وفلان قد كان بعد تثاقلهما أولاً، وبعد الإنتداب القسري لأبي بكر للمهمة، ثم عزله عنها، حيث فاجأهما هذا العزل، وأزعجهما أن يكون علي (عليه‌السلام ) هو البديل، واستفاقا على ضربة معنوية هائلة، وموجعة جداً، فأحبا تدارك الأمر، ولو بأن يعلن علي (عليه‌السلام ) انصرافه، أو تردده، وخوفه، بسبب تخويفهما إياه بجمع الناس..

كما أن نفس إظهار شيء من الحرص منهما على تولي هذه المهمة قد يعيد شيئاً من الإعتبار لمن فقده، مهما كان قليلاً وضئيلاً..

2 ـ ماذا نقول لرجلين يريان الكفر أولى من الإيمان، لأجل أمر لا حقيقة له، بل هو أمر أرعن وتافه، وهو أن ذا السن الجاهل والقاصر

____________

1- الآيتان 173 و 174 من سورة آل عمران.


التفكير، والجبان، والناقص الإيمان، والذي يعاني من الكثير الكثير من العاهات، والنقائص لا بد أن يقدم على الأصغر منه سناً.

رغم أن الأصغر أشرف الخلق وأفضلهم، وأكرمهم، وأعلمهم، وأتقاهم وأحكمهم، وأعقلهم، وأشجعهم، وأصحهم إيماناً ويقيناً، وأكملهم في كل شيء..

مع العلم: بأن معادلة السن لو صحت لبطلت خلافة أبي بكر، لأن أباه كان حياً حين استدل على هذا الأمر، بالإضافة إلى وجود عشرات أو مئات من الصحابة كانوا أسن منه.

بل لو صح ذلك، لبطلت كل خلافة ورئاسة، بل كل إمامة ونبوة، حتى نبوة أولي العزم لأنهم جميعاً كان في قومهم من هم أسن منهم..

وكذلك الحال بالنسبة لنبينا الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فإن عمه العباس وكثيرين غيره كانوا أسن منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

3 ـ لا ندري كيف يجيز مسلم لنفسه ترجيح الكفر على الإيمان، لأجل تقديم الأصغر سناً على الأكبر، وما الذي عرف ورأى من هنات في الإسلام والإيمان حتى أصبح عنده رخيصاً، ومحتقراً، ويريد التخلص منه، وتنزيه نفسه عنه؟!

عودة علي (عليه‌السلام ) حدث ودلالة:

تقول رواية لخصناها:

إن علياً (عليه‌السلام ) انصرف إلى المدينة يَقْصِد في السير، وأبطأ


الوحي عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمر علي (عليه‌السلام )، وما كان منه، فاغتم لذلك غماً شديداً..

وكان من عادته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه إذا صلى الغداة استقبل القبلة، واستقبل علي (عليه‌السلام ) الناس خلف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فيستأذنون في حوائجهم، وبذلك أمرهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فلما غاب علي (عليه‌السلام ) إلى مكة لم يجعل أحداً مكان علي (عليه‌السلام )، بل كان هو نفسه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يستقبل الناس.

فأذن للناس.. فاستأذنه أبو ذر، فأذن له. فخرج يستقبل علياً (عليه‌السلام )، فلقيه ببعض الطريق، فالتزمه وقبله، وسبقه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبشره بقدومه، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأبي ذر: (لك بذلك الجنة)(1) .

ثم ركب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وركب معه الناس، فلما رآه أناخ ناقته، ونزل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فتلقاه، والتزمه وعانقه، ووضع خده على منكب علي (عليه‌السلام ).

وبكى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فرحاً بقدومه. وبكى علي (عليه‌السلام ) معه..

ثم سأله عما صنع، فأخبره، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (كان الله عز

____________

1- إقبال الأعمال لابن طاووس ج2 ص40 وبحار الأنوار ج35 ص289.


وجل أعلم بك مني حين أمرني بإرسالك)(1) ..

ونقول:

لفت نظرنا في هذا النص أمور عديدة، فلاحظ منها ما يلي:

1 ـ إن النظام الذي تحدثت الرواية أنه كان قائماً بالنسبة لاستئذان الناس نبيهم ليذهبوا في حوائجهم، يشير إلى شدة الضبط والإنضباط الذي يهيء للقائد الإشراف المباشر والدقيق على حركة الناس معه، ويعطيه القدرة على التصرف ووضع الأمور في مواضعها، وفق معطيات دقيقة، ومعرفة تفصيلية، وإشراف على النتائج، وسيكون قراره متوافقاً مع الظروف الموضوعية القائمة، ومترافقاً مع معطيات النجاح والفلاح.

2 ـ إن هذا الإجراء من شأنه أن يبلور بصورة عفوية شعوراً لدى كل فرد بارتباطه الفعلي والمستمر بقائده ورائده، ويعطيه المزيد من الشعور بالقيمة والأهمية لحضوره ولوجوده، ولحركتهم معه.. وتأثيره في المنظومة العامة. كما أنه يبعث فيه حيوية، تدفعه للتأثير الإيجابي والفاعل..

3 ـ وقد أظهر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إهتماماً بالغاً بسلامة علي (عليه‌السلام )، حتى صار همّ أبي ذر منصرفاً إلى التعجيل باستجلاء خبر علي (عليه‌السلام )، ليدخل السرور على قلب الرسول، معتبراً ذلك من أعظم القربات.

وقد ظهر مصداق ذلك بالمكافأة التي تلقاها من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- بحار الأنوار ج35 ص288 ـ 290 وإقبال الأعمال ج2 ص40.


على بشارته بقدومه (عليه‌السلام )، وهي قوله له: (لك بذلك الجنة).

وهي مكافأة لم يكن يتوقعها أبو ذر، ولا أحد ممن حضر وسمع، لأنهم لم يعرفوا علياً (عليه‌السلام )، ليعرفوا قيمته عند الله وعند رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وهو ما أشار إليه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقوله: (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا)(1) .

والمراد المعرفة التامة، أو فقل: معرفته حق معرفته..

4 ـ إن استقبال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) كان فريداً لم ير منه مثله، حتى حين قدم عليه جعفر من الحبشة، حيث استقبله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخطوات.

ولكنه بالنسبة لعلي (عليه‌السلام ) خرج من المدينة، وركب راحلته، وسار ما شاء الله أن يسير لاستقباله، ثم هو يضع خده على منكب على (عليه‌السلام )، ويبكي علي (عليه‌السلام )، ويبكي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فرحاً بقدومه.

____________

1- راجع: مختصر بصائر الدرجات ص125 والمحتضر للحلي ص78 و 285 ومدينة المعاجز ج2 ص439 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص182 وتأويل الآيات ج1 ص139 و 221 ومشارق أنوار اليقين ص172 ومكيال المكارم ج1 ص369 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص60 وبحار الأنوار ج39 ص84.


الفصل الخامس: أقاويل.. لا مبرر لها..



نحن في حيرة من أمرنا:

ونريد ان نعترف هنا: أننا في حيرة شديدة من أمرنا في أبي بكر، فإن محبيه، إذا رأوا أن إظهار الفخامة والعظمة هو المفيد له، يجعلون حتى فراره من الزحف شجاعة، وابتعاده عن المعركة في بدر رياسة، ويدَّعون: أن من دلائل عظمته وشجاعته إقناعه عمر بن الخطاب بموت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وينسبون له نفوذ الكلمة والإحترام والرياسة بين المشركين في مكة، فلم يعذبه المشركون لمكانته فيهم، ولم يمنعوه من إقامة المسجد من أجل ذلك، كما أن قريشاً تبذل فيه مائة ناقة لمن يمكّنها منه حين الهجرة، كما بذلت في رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعلى هذا فقس ما سواه.

وإذا احتاجوا لتخليصه من بعض المآزق إلى ادِّعاء ضعفه، وخوفه، وكونه بلا نصير، ولا عشيرة، ولا ظهير.. فإنهم يبادرون إلى ذلك، ويبالغون فيه ما شاؤا، وبلا رقيب ولا حسيب!!

من بدع الرافضة:

وقد تقدم: أن بعضهم زعم: أن حديث عزل أبي بكر عن الحج من بدع الرافضة..


وهذا كلام سيق على سبيل التهمة لجماعة كبيرة سماها الرافضة.. وصحته وفساده مرهون بما تثبته الوقائع والأدلة..

وسنرى: أن الروايات والشواهد من طرق محبي أبي بكر أنفسهم متضافرة على صحة ووقوع ما ادعى أنه من بدع الرافضة، باستثناء رواية واحدة أوردها محبو أبي بكر هي التي لا بد أن تبقى في قفص الإتهام، إن لم نقل: إنها موصومة بوصمة الإختلاق والإبتداع..

الثناء على أبي بكر في سورة البراءة:

ادعى بعض محبي أبي بكر: أن سبب أخذ الآيات من أبي بكر هو أن سورة براءة تضمنت ثناء عليه، فأحب أن يكون على لسان غيره.. إن المتأمل بالآيات التي ذكرت كلب أهل الكهف، والآيات التي ذكرت أبو بكر يتيقن أن كلب أهل الكهف أولى بالفخر من أبي بكر وأتباعه الذين هم أولى بالخزي.

ونقول:

أولاً: إنه يقصد بالثناء على أبي بكر قوله تعالى( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (1) وقد ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين الحديث عن الهجرة: أن هذه الآية تضمنت

____________

1- الآية 40 من سورة التوبة.


شواهد عديدة، على أنها في مقام الذم، والتأنيب، والإدانة. فإن صاحبه يحزن ويخاف رغم أنه يرى المعجزات والكرامات تتوالى وهي تدل على أن الله حافظ لنبيه، فهو يرى نسج العنكبوت، والشجرة تنبت على باب الغار والحمامة الوحشية تبيض، وغير ذلك.

ويحاول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يهدئه ويطمئنه، ثم تنزل الآية بنزول السكينة على الرسول، وإخراجه هو منها، مع أن أبا بكر هو الحزين الخائف، وتصرح بأن الله سبحانه أيد رسوله بجنودٍ لم يروها. ولم تأت على ذكر صاحبه في ذلك.

ومن كان هذا حاله، فإنه يحتاج إلى المزيد من العمل لتأكيد يقينه، وبلورة إيمانه..

ثانياً: إن الآيات التي أرسلها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى مكة إن كانت عشراً، أو عشرين أو ثلاثين، فليست آية الغار من بينها، لأنها هي الآية الأربعون في تلك السورة.

ثالثاً: لو سلمنا أن آية الغار كانت من بين الآيات المرسلة، فيرد السؤال عن السبب في عدم التفات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى هذا الأمر قبل أن يرسل أبا بكر!

وسؤال آخر عن السبب في تأخر نزول الوحي إلى حين خرج أبو بكر، وسار في البراري والقفار، باتجاه مكة، مع العلم بأن المسير إلى مكة يحتاج إلى تهيئة الأسباب، والإستعداد الذي يحتاج إلى بعض الوقت الذي يتسع ولا شك لنزول الوحي بتصحيح القرار، وحفظ ماء وجه أبي بكر؟!.


تأول بارد، ورأي سقيم كاسد:

وزعموا: أن السبب فيما جرى هو أن العقود والعهود لا يحلها إلا المطاع، والعاقد لها، أو رجل من أهل بيته(1) .

ونجيب:

أولاً: بأن المهمة التي أوكلت إلى أبي بكر أولاً، ثم علي ثانياً لم تكن نقض عهد، ولا حل عقد.

ثانياً: لو كان الأمر كذلك، فلماذا أرسل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر أولاً، فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان عارفاً بالرسوم والأعراف في زمانه، كما كان يعرفها غيره..

ثالثاً: دعوى أن العهد لا ينقضه إلا من عقده، أو رجل من أهل بيته، لا تصح، فقد قال المعتزلي: (وما نسب إلى عادة العرب غير معروف، وإنما هو تأويل تأول به متعصبوا أبي بكر، لانتزاع براءة منه، وليس بشيء)(2) .

ولم نسمع أن أحداً توقف في نقض عقد أو عهد حتى يبلغه إياه عاقده، أو أحد أقاربه(3) .

____________

1- راجع: دلائل الصدق ج2 ص245 عن فضل بن روزبهان، وبقية المصادر تقدمت في بداية الحديث عن تبليغ سورة "براءة".

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص200 وراجع: بحار الأنوار ج30 ص422 وج35 ص312 عنه.

3- الشافي في الإمامة ج4 ص150 والصراط المستقيم ج2 ص6 وبحار الأنوار ج3 ص319.


على أننا قد ذكرنا: أنه ليس ثمة نقض عهد، بل الآية في سورة التوبة تأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم.

رابعاً: لو صح قول هؤلاء، فلماذا يخاف أبو بكر من أن يكون قد نزل فيه شيء؟!

خامساً: ما معنى أن يعترض أبو بكر على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالطريقة التي تقدمت. فإنها أظهرت حالة تمرد من أبي بكر على الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلاحظ قوله: ما لي؟! أنزل في قرآن؟!.

ويشير إلى ذلك أيضاً قوله: إنك أهلتني لأمر طالت إليه الأعناق، فلما توجهت له رددتني عنه!!

وما معنى أن يهتم أبو بكر بالجاه والمقام الدنيوي، كما دل عليه قوله: (أهلتني لأمر طالت إليه الأعناق)؟!

وما معنى سؤاله عن نزول القرآن فيه، هل كان يخفي شيئاً يخشى أن يظهره القرآن؟!

سادساً: لماذا لم يعترض أبو بكر من بداية الأمر على انتداب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويذكِّره: بأن المشركين لا يرضون بنقض عهدهم، لأن هذا النقض لا بد أن يكون منك أو من أحد أقاربك، فإن أعراف العرب تمنع من إرسالي؟!

كما أن أحداً من الصحابة لم يبادر إلى لفت نظر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى هذا الأمر..

سابعاً: لو صح ذلك، فلماذا قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (لا


يؤدي عني إلا أنا أو علي)؟! روي ذلك عن يحيى بن آدم السلولي، وعن حبشي بن جنادة، وحفش، وعمران، وأبي ذر الغفاري، وروي أيضاً عن ابن عباس.

فلو كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد الأخذ بأعراف الجاهلية لم يصح منه حصر الأمر به وبعلي (عليه‌السلام )، بل لا بد من تعميمه لجميع أقاربه..

فإن قيل: الصحيح هو ما روي عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني، أو من أهل بيتي)(1) .

____________

1- راجع: المناقب للخوارزمي ص165 وعلل الشرائع ج1 ص189 وشرح الأخبار ج2 ص179 وراجع ج1 ص94 وأحكام القرآن لابن العربي ج2 ص453 وبحار الأنوار ج35 ص285 وراجع ص292 و 307 وج21 ص266 وج30 ص411 و 419 وج34 ص221 وج90 ص124 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص44 وتفسير البحر المحيط ج1 ص672 وراجع ج5 ص9 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص232 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص69 والسيرة النبوية لابن هشام ج4 ص972 والإستغاثة ج2 ص16 وتنبيه الغافلين ص78 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص347 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص315 والطرائف لابن طاووس ص38 وفتح الباري ج8 ص66 وعمدة القاري ج18 ص17 وشواهد التنزيل ج1 ص308 وراجع ص315 ونور الثقلين ج2 ص178 وراجع 182 وجامع البيان ج10 ص84 وراجع: الدر المنثور ج3 ص209 وأنساب الأشراف ص107 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي = = ج1 ص471 والصوارم المهرقة ص125 ومناقب أهل البيت "عليهم‌السلام " للشيرواني ص460 و 461 والغدير ج6 ص346 و 350 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص595 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص129 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص92 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج7 ص288 و 291 وج17 ص195 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص49 وتفسير القمي ج1 ص282 و 341 و 420 ومجمع البيان ج5 ص8 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص251 وخصائص الوحي المبين ص167 والصافي (تفسير) ج2 ص320 وتفسير الميزان ج9 ص162 و 168 وتمهيد الأوائل ص546 وتفسير النسفي ج2 ص77 والتفسير الكبير للرازي ج15 ص218 وتفسير البيضاوي ج3 ص128.


ويجاب:

أولاً: لا دليل على صحة هذه الرواية، وكذب تلك.

ثانياً: لا مانع من أن تكون الروايتان رواية واحدة بأن يكون قد قال: لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني، وهو علي مثلاً.. أو يكون قد قال ذلك في مناسبتين، ليعرف الناس أن المقصود بمن هو من أهل بيته خصوص علي (عليه‌السلام )..

المؤاخذة على النوايا:

قد يقال: إن أبا بكر حين حمل الآيات إلى مكة لم يرتكب ذنباً، فلماذا يعاقبه الله ورسوله على هذا النحو، الذي يحمل معه فضيحة كبرى له أمام الناس، وهي تظهر ضعف أبي بكر، أو توجب التشكيك بأمانته، أو نحو ذلك؟! وهل


تصح العقوبة قبل الجناية؟! أو هل تصح العقوبة على النوايا؟!.

ونجيب:

أولاً: قد يقال في الجواب: إن أبا بكر كان يجري إتصالات، ويدبر مع غيره لإبعاد الخلافة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن صاحبها الشرعي، المنصوص عليه، وكفى بذلك ذنباً يستحق عليه العقوبة من الله ورسوله.

كما أن من حق أهل الحق أن يدبروا لإفشال المساعي التي تبذل لتضييع الحق، وإلقاء الأمة في متاهات الأهواء.

بل قد تكون هناك نوايا يجب أن تظهر، وقد علم بها علام الغيوب، وأراد إظهاراها بهذه الطريقة.

ثانياً: إن من الحق والخير للناس أن يمتحن الله ورسوله أولئك الذين يرشحون أنفسهم لمقامات خطيرة وحساسة تؤثر على مصير الأمة بأسرها.. لكي تظهر قدرات هؤلاء الناس، وملكاتهم، وخصائصهم، ونواياهم أيضاً، حتى لا يحملهم الناس ما لا طاقة لهم به، أو حتى لا يستجيب لهم الناس إذا دعوهم إلى مساعدتهم في الوصول إلى أهداف لا يحق لهم الوصول إليها، وقد يوجب وصولهم هذا بلاءات كبيرة، وإخفاقات خطيرة عليهم وعلى غيرهم.

وقد أخفق أبو بكر في هذا الإمتحان، فإنه حين أرجعه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ظهر ضعفه، وتجلت معانٍ لا تليق بمن يطلب ما يطلبه هذا الرجل، فقد بكى، وانزعج، واهتم واغتم، وعاتب واشتكى، وأكثر الكلام


على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ولم نره رضي بما رضيه له الله ورسوله، ولم يسلم له تسليماً.

وكان أبعد الناس عن القاعدة التي أطلقتها الحوراء زينب صلوات الله وسلامه عليها: (رضا الله رضانا أهل البيت)(1) .

وإنما كان يتعامل مع ما يجري على قاعدة: كاد المريب أن يقول خذوني، فقد كان خائفاً من أن يكون قد نزل في حقه شيء..

مع أن المفروض بمن يعلم أن الله تعالى أعدل العادلين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.. أن يعرف أن الله لا يظلمه، وأن رسوله لا يحيف عليه، فلو لم يكن قد صدر ما يخشى المؤاخذة عليه، أو فضح أمره فيه لم يكن معنى لخوفه، ولا لسؤاله، ولا ولا.. إلخ..

ولعل مما يدل على ذلك: أن الرواية عن علي (عليه‌السلام ) تذكر: أن أبا بكر كان قد تثاقل عن حمل الكتاب كما تثاقل غيره، حتى لجأ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى فرض ذلك عليه، وإلزامه به(2) .

إن التثاقل عن حمل الكتاب حتى لو كان حباً بالراحة لعدم وجود

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج44 ص367 واللهوف لابن طاووس ص38 وكشف الغمة ج2 ص239 ومعارج الوصول ص94 ومثير الأحزان ص29 ولواعج الأشجان ص239 و 70 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص86 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص207 عن مقتل الخوارزمي ج1 ص186.

2- الخصال ج2 ص369 وبحار الأنوار ج35 ص386 وج38 ص172.


خطر من المشركين على أبي بكر. لا بد أن يجعل أبي بكر يفرح حين يتم الإستغناء عنه.. وسيزيد ارتياحه حين يسأل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إن كان قد نزل فيه شيء، فأجابه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالنفي، حيث إن تحويل المهمة عنه إلى غيره، لم يكن لأجل أن قرآناً نزل بذمه.

لا يؤدي عنك إلا علي:

وقد يقال أيضاً:

إذا كان لا يؤدي عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلا هو أو علي (أو رجل منه)، فما معنى أن يرسل عشرات الكتب إلى الملوك، وإلى الأشخاص والقبائل، والبلاد والجماعات مع أشخاص من فئات شتى، ليسوا من أهل بيته أصلاً، فإن هذا تبليغ عنه.

ويجاب:

أولاً: لعل المقصود أن أبا بكر لا يؤدي عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خصوص هذا المورد الذي يحتاج إلى حزم وصلابة، وإصرار واقتدار، وعزة ومهابة، لا يملكها سوى علي (عليه‌السلام ) حتى كان الطرف الآخر هُم قومه.

ثانياً: المقصود: التبليغ عنه فيما هو من شأنه كمبلغ عن الله، مما يرتبط بالشريعة والكتاب الذي له مساس بالإمامة من بعده، فإن إبرام العهود والمواثيق التي تحدثت الآيات في سورة براءة عنها، وعن تعاهدها بالوفاء، وعقاب ناقضها هي من صلاحيات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثم الإمام من بعده، وأين هذا الأمر من بعث الرسل في الحاجات المختلفة إلى هذه


الجهة أو تلك؟!

وبعبارة أكثر تفصيلاً: إن حامل الآيات بريد أن يعلن الحرب على من يصر على انتهاك حرمة المسجد الحرام بعد ذلك العام، وإبلاغ قرارات حازمة وحاسمة فيما يرتبط بالشأن العام، بما في ذلك إبطال سنن الجاهلية فيما يرتبط بعرفات.. وإنذار المشركين، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر، وأنه لا تجديد لعهد مشرك.

وهي قرارات تمس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والخليفة من بعده مباشرة.. ولا بد من قطع أمل المشركين بالحصول على أي امتياز يقوي موقعهم.

ولعلهم يطمعون بالحصول على بعض التساهل من الخليفة بعد رسول الله إن كان فلان من الناس هو الخليفة، ولا سيما إذا كان قد عاش الشرك ومارسه طيلة عشرات السنين، فإنه لن يكون قادراً على اقناعهم ببراءته الحقيقية مما كان عليه، ولن يكون لكلامه ذلك التأثير فيهم.

أما إن كان الخليفة هو ذلك الذي قصم ظهر الشرك، وأبار أحلامهم، وأبطل كيدهم، فإن الأمر سيكون مختلفاً، لا سيما وأن علياً هو أخو الرسول، وهو منه بمنزلة هارون من موسى، فإرساله بهذه الرسالة إليهم سيقصم ظهورهم، ويميتهم في حسرتهم، ويقطع دابر كل أمل لهم.

ويؤكد هذه الحقيقة الشواهد التالية:

ألف: تقدم: أن بعض الروايات عن علي (عليه‌السلام ) تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كتب الكتاب، وعرض على جميع أصحابه المضي به إلى


المشركين، فكلهم يرى التثاقل فيهم، فلما رأى ذلك ندب منهم رجلاً، فوجهه به، فأتاه جبرئيل (عليه‌السلام )، فقال: يا محمد، لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك، فأنبأني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك، ووجهني بكتابه ورسالته إلى مكة الخ..(1) .

ب: صرحت بعض نصوص الرواية بأكثر من ذلك، فعن الإمام الباقر (عليه‌السلام ) قال: لما سرح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر بأول سورة (براءة) إلى أهل مكة أتاه جبرئيل (عليه‌السلام )، فقال: يا محمد، إن الله تعالى يأمرك أن لا تبعث هذا، وأن تبعث علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وإنه لا يؤديها عنك غيره..

فأمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فلحقه، فأخذ منه الصحيفة، وقال: ارجع إلى النبي.

فقال أبو بكر: هل حدث في شيء؟!.

فقال: سيخبرك رسول الله.

فرجع أبو بكر إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: يا رسول الله، ما كنت ترى أني مؤد عنك هذه الرسالة؟!.

____________

1- الخصال ج2 ص369 وبحار الأنوار ج35 ص286 وج38 ص171 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص128 وشرح الأخبار ج1 ص304 والإختصاص للمفيد ص168 وإقبال الأعمال ج2 ص37 وحلية الأبرار ج2 ص365 ونور الثقلين ج2 ص178.


فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أبى الله أن يؤديها إلا علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

فأكثر أبو بكر عليه من الكلام، فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): كيف تؤديها وأنت صاحبي في الغار؟!(1) .

فإن قوله الأخير: (كيف تؤديها وأنت صاحبي في الغار)، قد جاء على سبيل التقريع والتشنيع والذم، وبيان السبب والمبرر لهذا الإجراء.

ولعل الوجه في ذلك: أن أبا بكر كان في الغار خائفاً فزعاً، إلى حد أن هذا الجزع كان له من الأثر السلبي الخطر وما أوجب نزول قرآن يندد به، ويتلى إلى يوم القيامة.. مع أنه كان يرى الآيات الدالة على حفظ الله تعالى لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مثل نسج العنكبوت، ونبات شجرة السدر، ووضع الحمامة الوحشية بيضها، ووقوفها على باب الغار.

ومع وجوده إلى جانب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ومع تطمينات نبي الرحمة له.

ومع عدم علم أحد من المشركين بمكانهما. و.. و.. إلى غير ذلك مما يشير إلى أنه في مأمن.. ولكنه بقي مرعوباً وخائفاً إلى هذا الحد، فكيف سيكون حاله إذاً أمام مئات أو ألوف من الناس، ممن يعرفون مكانه، وهو في بلدهم وفي قبضتهم، وجموعهم تحيط به، وليس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى جانبه، ليهدئ من روعه، وهو ليس ممن تظهر الآيات والمعجزات

____________

1- إقبال الأعمال ج2 ص39 وبحار الأنوار ج35 ص288.


المطمئنة له.

مع العلم: بأن أولئك القوم قد أصبحوا موتورين من الإسلام، الذي قتل صناديدهم، وآباءهم، وإخوانهم، وأبناء عشائرهم، وفتح بلادهم، وغنم أموالهم..

ج: لماذا يخاف أبو بكر من أهل مكة، فإنه لم يكن له أثر في ساحات القتال والنزال، بل كان من الفرارين، أو كان على رأسهم في كل موقع فر فيه أولئك الضعفاء كما جرى في أحد، وقريظة، وخيبر، وحنين، وذات السلاسل، وفدك و.. و..

وكان هو الساعي لفك أسرى المشركين في بدر.. ثم كان من المتخاذلين يوم عمرو بن عبد ود، ومن المخذلين يوم بدر، ولم يعرف له قتيل ولا جريح في أي من الحروب التي واجهها المسلمون في حياة الرسول.

على أنهم قد زعموا في مقابل ذلك: أن أبا بكر لم يتعرض للتعذيب في مكة، لأنه كان محبباً للمشركين، مقرباً إليهم.. وهو أول من بنى مسجداً في بني جمح ـ على حد زعمهم ـ في الوقت الذي كان المسلمون يعذبون فيه حتى الموت، نساء ورجالاً، كما جرى لياسر وسمية والدي عمار رضوان الله تعالى عليهم..

وهو الآن قد أصبح أكثر قرباً من الكثيرين من أهل مكة الذين كانوا من قومه، أو من إخوانه وأحبائه في الأيام الخالية، وقد أظهروا الإسلام الآن..

فإن ذلك كله يشير إلى أن احتمال الخطر على أبي بكر يكاد يلحق بالعدم.


د: أما علي (عليه‌السلام ) فهو الذي أبار صناديدهم، وأكذب أحدوثتهم، وكانوا يتربصون به الدوائر، ويبغون له الغوائل، ومراجل حقدهم تغلي عليه أشد الغليان.

وهذا يدلنا على أن موقف علي (عليه‌السلام ) هو الأصعب، وأن الخطر عليه أعظم، ولا سيما إذا واجههم بهذا القرار الحاد المتضمن للتهديد بالقتل، والوعيد بالحرب الضروس، فإن ذلك لا بد أن يستفزهم، ويثير حفيظتهم، فإذا وجدوه وحيداً بينهم، وفي عقر دارهم وموضع قوتهم، ومحل اجتماعهم، فلربما بادروا إلى الإنتقام منه، إن لم يكن بالعلن، فإنهم سوف يغتالونه بالسر ولن يجرؤ أحد من بني هاشم، أو من غيرهم على إظهار نفسه، في هذه المعمعة الهائلة التي لن يكون حصادها إلا الدمار والبوار.

قد يقال:

أولاً: قد يرى البعض: أن تثاقل أبي بكر عن إجابة طلب الرسةل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد سهل القرار بعزله عن أدائها، لا سيما إذا كان ظهر: أن استمراره في المهمة قد يساعد بعض الناس على اتخاذ ذلك ذريعة لإضفاء صفات من العظمة والقداسة عليه، ترغِّب الناس بتأييده، أو تجعلهم يتقبلون سعيه لنيل مقام الخلافة الذي صرح الله ورسوله بأنه لغيره.. ويسهل عليهم غض الطرف على ما صدر منه من تصرفات في سياق هذا المقام من صاحه الشرعي..

ثانياً: ويبقى هنا سؤال عن سبب فرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على


أبي بكر القيام بهذه المهمة، ثم عزله عنها، أر يعد ذلك ظلماص له؟! فإن كان ذلك لأجل أنه لا يؤدي عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلا هو أو رجل منه، فلماذا ألزمه بالمهمة؟!

إلا إن قيل: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن يعرف بهذا الحكم، أو لأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن يعرف مؤهلات أبي بكر، وأنه غير قادر على أداء المهمة بالنحو الذي يرضي الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهل حمل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر فوق طاقته؟! أم أن الأمر خطة إلهية لتعريف الناس بأن ما يدبر له أبي بكر ما هو إلا تعد على الله ورسوله، فاستحق بذلك تعريف الناس بأمره، لكي لا ينساقوا معه، ولينال هو جزاء على سعيه ذاك غير المشروع..

أبو بكر لم يعزل:

وهناك من أنكر أصل الواقعة، وأصر على أن أبا بكر هو المبلغ لآيات سورة براءة، ومن هؤلاء عباد بن سليمان، والقوشجي، وأضرابهما(1) .

واستدل بعضهم على ذلك: بأن عزل أبي بكر عن تبليغ سورة براءة قبل الوصول إلى موضعها، يلزم منه نسخ الفعل قبل حضور وقت العمل، وهو غير جائز(2) .

____________

1- المغني للقاضي عبد الجبار ج2 ص350 وبحار الأنوار ج30 ص315 و 318 وراجع: منار الهدى ص187 عن القوشجي، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص200.

2- المغني لعبد الجبار ج20 ص350 وبحار الأنوار ج30 ص315 و318.


ونجيب:

أولاً: إن إنكار أصل الواقعة استناداً إلى ما ذكر لا يلتفت إليه، اجتهاد في مقابل النص، إذ قد تضافرت الأخبار، واشتهرت الواقعة حتى أصبحت أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، كما اعترف به القاضي عبد الجبار(1) .

ثانياً: هذا المورد ليس من موارد النسخ، لأنه ليس حكماً شرعياً كلياً، لكي يتعلق به النسخ.. وإنما هو أمر مرتبط بشخص بعينه هو أبو بكر، كانت هناك مصلحة بإعطائه كتاباً، وأمره بأن يبلغ مقالاً لأهل الموسم، فإذا حمل الكتاب، وبلغ به مكاناً بعينه انتهت تلك المصلحة وتبلورت مصلحة أخرى تتمثل بأخذ الكتاب منه، وإعطائه لعلي (عليه‌السلام ) ليقرأه هو على أهل الموسم..

ولعل هذه المصلحة في ذلك كله هي إظهار فضل علي (عليه‌السلام )، وعدم أهلية أبي بكر لما يطلبه ويسعى من أجله..

ثالثاً: جوز جمهور الأشاعرة، وكثير من علماء الأصول النسخ قبل حضور وقت العمل(2) .

رابعاً: إذا دلت الأخبار المتواترة على وقوع النسخ قبل حضور وقت العمل، وأجمع نقلة الأخبار على حصوله، كان ذلك دليلاً على جوازه، وبه

____________

1- بحار الأنوار ج30 ص315 و318.

2- هداية المسترشدين ج1 ص590 وبداية الوصول ج4 ص256 وعناية الأصول ج2 ص334.


يعلم أن ما يتشبث به القائل بالمنع، هو مجرد شبهة لا تصلح للوقوف عندها.

قصة براءة دليل إمامة أبي بكر:

قال الرازي: (قيل: قرر أبا بكر على الموسم، وبعث علياً خليفة (خلفه) لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر، ويكون ذلك جارياً مجرى تنبيه على إمامة أبي بكر، والله أعلم).

قال: (وقرر الجاحظ هذا المعنى، فقال: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث أبا بكر أميراً على الحاج، وولاه الموسم، وبعث علياً يقرأ على الناس سورة براءة، فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الرافع بالموسم، والسائق لهم، والآمر لهم، ولم يكن ذلك لعلي)(1) .

وقد أجاب العلامة المجلسي على هذا بما ملخصه(2) :

أولاً: إن تولي أبي بكر للموسم ممنوع، كما أظهرته النصوص.

ثانياً: إن جعل شخص أميراً لا يجعل الناس ملزمين بالصلاة خلفه.. (بل كل يعمل بتكليفه، من حيث ثبوت جامعيته لشرائط إمامة الصلاة وعدمها).

ثالثاً: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يكن من أهل الموسم، ليكون أبو بكر

____________

1- التفسير الكبير للرازي ج15 ص218 وبحار الأنوار ج35 ص299 عن تفسير فرات ص54 وراجع: تحفة الأحوذي ج8 ص387.

2- بحار الأنوار ج30 ص418 فما بعدها.


أميراً عليه، بل هو مرسل إليهم برسالة.. وليس في الأخبار أي شيء يدل على أن علياً (عليه‌السلام ) صلى خلف أبي بكر.

رابعاً: إن الصلاة خلف أبي بكر لا تعني ثبوت فضيلة له، على ما زعموه من جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر(1) .

خامساً: إن قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): (لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل منيٍٍٍ)، يدل على أنها تأدية خاصة، لا ينالها أحد من البشر، أما إمارة الحاج فيتولاها أي كان من الناس، براً كان أو فاجراً، وقد تولاها عتَّاب بن أسيد قبل أبي بكر، ولا تحتاج إلى أكثر من المعرفة بما هوالأصلح في سوق الإبل، والبهائم، ومعرفة المياه، والتجنب عن مواضع اللصوص ونحو ذلك.. فهو أمر إداري صرف..

سادساً: إن إمارة الحاج لا تستلزم خطابة، لتستلزم الإستماع.

____________

1- راجع: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، الباب 63 وراجع: فتح العزيز ج4 ص331 والمجموع للنووي ج5 ص268 ومغني المحتاج ج3 ص75 والمبسوط للسرخسي ج1 ص40 وتحفـة الفقهاء للسمرقندي ج1 ص229 و 248 وبدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج1 ص156 و 311 و 312 والجوهر النقي للمارديني ج4 ص19 والبحر الرائق ج1 ص610 وحاشية رد المحتار لابن عابدين ج2 ص224 والمغني لابن قدامة ج2 ص25 والشرح الكبير لابن قدامة ج2 ص25 وج11 ص379 وكشاف القناع للبهوتي ج6 ص366 وتلخيص الحبير ج4 ص331 وسبل السلام ج2 ص29.


سابعاً: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يأمر علياً (عليه‌السلام ) بطاعة أبي بكر، ومجرد رفاقته له ـ لو صحت ـ لا تعني ائتماره بأمره..

الباب الحادي عشر: حجة الوداع.. ويوم الغدير..



الفصل الأول: علي (عليه‌السلام ) في حجة الوداع



الذين حجوا مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

لقد حج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في سنة عشر حجة الوداع، مع جمع كبير من المسلمين، وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن الذين قدموا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في السنة العاشرة ليحجوا معه كانوا بشراً كثيراً، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، وكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، مدَّ البصر.

وقد ذكرت الروايات: أن الذين خرجوا معه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كانوا سبعين ألفاً(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج37 ص202 وروضة الواعظين ص89 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص68 واليقين لابن طاووس ص344 والصافي (تفسير) ج2 ص53 ونور الثقلين ج2 ص73 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص308 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " للنجفي ج8 ص48 وغاية المرام ج1 ص327 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص19 والسقيفة للمظفر ص174.


وقيل: كانوا تسعين ألفاً(1) .

ويقال: مائة ألف، وأربعة عشر ألفاً(2) .

وقيل: كانوا مائة وعشرين ألفاً(3) .

وقيل: كانوا مئة واربعة وعشرين ألفاً. ويقال أكثر من ذلك(4) .

____________

1- الغدير ج1 ص9 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص308 والنص والإجتهاد ص577 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص52 عن السيرة الحلبية ج3 ص283 والسيرة النبوية لدحلان ج3 ص3 وتاريخ الخلفاء لابن الجوزي في الجزء الرابع، وتذكرة خواص الأمة ص18 ودائرة المعارف لفريد وجدي ج3 ص542 (غ 1/9).

2- الغدير ج1 ص9 والمجموع للنووي ج7 ص104 ومغني المحتاج ج1 ص345 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص308 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص52 عن المصادر التي تقدمت.

3- بحار الأنوار ج37 ص150 عن ابن الجوزي، والغدير ج1 ص9 و 296 و 392 عن تذكرة خواص الأمة ص18 والعدد القوية ص183 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص308 والنص والإجتهاد ص206 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص350 وج9 ص196 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص52 عن المصادر التي تقدمت.

4- الغدير ج1 ص9 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص308 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص52.


أما قول بعضهم: إن الذين حجوا في تلك السنة كانوا أربعين ألفاً(1) ، فلعل المقصود: هو صحابته الذين كانوا يعيشون في المدينة وأطرافها(2) .

قال العلامة الأميني: (وهذه عدة من خرج معه، أما الذين حجوا معه، فأكثرمن ذلك، كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي (عليه‌السلام ) (أمير المؤمنين)، وأبي موسى)(3) .

قالوا: (وأخرج معه نساءه كلهن في الهوادج، وسار معه أهل بيته، وعامة المهاجرين والأنصار، ومن شاء الله من قبائل العرب، وأفناء الناس)(4) .

لماذا هذا الحشد؟!:

ونقول:

لم يكن هذا الحشد الهائل بصورة عفوية، بل كان بطلب من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه، فإنه إرسل الكتب إلى أقصى بلاد الإسلام، وأمر

____________

1- راجع: تفسير القرآن العظيم ج2 ص80 والبداية والنهاية ج5 ص154 وج4 ص270 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص270 ومقدمة ابن الصلاح لعثمان بن عبد الرحمن ص177.

2- راجع المصادر في الهامش السابق.

3- الغدير ج1 ص9 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص52.

4- الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج3 ص225 و (ط دار صادر) ج2 ص173 وإمتاع الأسماع ص510 وإرشاد الساري ج6 ص429 والغدير ج1 ص9 عنهم.


المؤذنين بأن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: بأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يحج في عامه هذا.

ومن الواضح: أن إخراج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نساءه كلهن في الهوادج إلى الحج، وجمع هذه الأعداد الهائلة، لتسير معه، سوى من سار إلى مكة من دون أن يمر بالمدينة، وما والاها، وسوى الذين جاؤوا من اليمن مع ذلك، إن ذلك لم يكن أمراً عفوياً، ولا مصادفة، ولا كان استجابة لرغبة شخصية، ولا لشيء من أمور الدنيا، فرض على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يجمع الناس حوله. فحاشاه من ذلك، فإن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يفكر ولا يفعل إلا وفق ما يريده الله تبارك وتعالى..

ولعل الهدف من كل هذا الحشد هو تحقيق أمور كلها تعود بالنفع العميم على الإسلام والمسلمين، ويمكن أن نذكر منها، ما يلي:

1 ـ إنه أراد للناس المتمردين، بل والمنافقين، والذين يحلمون بالإرتداد على الإسلام وأهله عند أول فرصة تسنح لهم، يريد لهم أن يروا عظمة الإسلام، وامتداداته الواسعة، وأنه لم يعد بإمكان أحد الوقوف في وجهه، أو إيقاف مده، فلييأس الطامحون والطامعون، وليراجع حساباتهم المتوهمون، وليعد إلى عقولهم المتهورون والمجازفون..

2 ـ إنه يريد أن يربط على قلوب الضعفاء، ويشد على أيديهم، ويريهم عياناً ما يحصنهم من خدع أهل الباطل، وكيد أهل الحقد والشنآن.. ومن كل ما يمارسونه معهم من تخويف، أو تضعيف..

3 ـ يريد أن ينصب علياً (عليه‌السلام ) إماماً وخليفة من بعده أمام كل


هذه الجموع الهائلة، ليكونوا هم الشهداء بالحق على أنفسهم وعلى جميع الناس، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..

ثم أن يقطع الطريق على الطامحين والطامعين من أن يتمكنوا من خداع الآخرين ببعض الإدعاءات أو الإشاعات كما سنرى حين الحديث عما جرى في عرفات، ومنى، وفي طريق العودة، في غدير خم.

وأما أخذه لجميع نسائه معه، فلعله لأن فيهن من يريد أن يقيم عليها الحجة في ذلك كله، لأنها سيكون لها دور قوي في الإتجاه الآخر الذي يريد أن يحذر الناس من الإنغماس به، والمشاركة فيه..

يمنعهم من ركوب إبل الصدقة:

عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه، فلما احتفر (كذا) إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا، وكنا قد رأينا في إبلنا خللاً، فأبى علينا وقال: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين.

قال: فلما فرغ علي، وانطلق من اليمن راجعاً أمر علينا إنساناً، فأسرع هو فأدرك الحج، فلما قضى حجته قال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم.

قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي (عليه‌السلام ) منعنا إياه، ففعل. فلما جاء عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، رأى أثر المراكب، فذم الذي أمره ولامه.


فقلت: أما إن لله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق..

قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أريد أن أفعل ما كنت قد حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجاً من عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلما رآني وقف معي، ورحب بي، وساءلني وساءلته، وقال: متى قدمت؟!

قلت: قدمت البارحة.

فرجع معي إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدخل وقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد

قال: ائذن له.

فدخلت، فحييت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحياني، وسلم علي، وساءلني عن نفسي، وعن أهلي، فأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله، ما(ذا) لقينا من علي من الغلظة، وسوء الصحبة والتضييق.

فانتبذ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فخذي ـ وكنت قريباً منه ـ وقال: [يا] سعد بن مالك بن الشهيد، مه بعض قولك لأخيك علي، فوالله لقد علمت أنه أخشن في الله!!

قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك سعد بن مالك، ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم وما أدري؟! لا جرم والله، لا أذكره بسوء أبداً، سراً ولا


علانية(1) .

ونقول:

1 ـ إن ما يثير الدهشة هنا: هو أن أبا سعيد الخدري قد أخذ على علي (عليه‌السلام ) أمراً هو عين الحق والعدل، والإلتزام بأحكام الشرع الحنيف، فاتخذ منه ذريعة للطعن عليه، وسبباً للتشهير به..

ثم زاد على ذلك أنه اشتكاه لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الذي كان كل همه وجهده مصروفاً لإقامة هذا العدل، ونشر هذه الأحكام، وحملهم على العمل بها..

فهل يمكن أن يصبر وأن يسكت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على هذا التجني والظلم الظاهر، الذي يريدون التسويق له، وأن يجعلوه نهجاً في الناس؟!

وكيف لم يفهم أبو سعيد وغيره: أن إبل الصدقة ليست ملكاً طلقاً له ولا لغيره. وأنها ليست لهم وحدهم، بل هي أمانة في أيديهم، لا بد من أن

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ترجمة الإمام علي (تحقيق المحمودي) ج1 ص387 و 388 و (ط دار الفكر) ج42 ص200 و 201 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج20 ص301 وج21 ص631 وج31 ص46 و 516 عن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج 17 ص 351 و (ط بيروت) ج17 ص350 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص122 وج7 ص382 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص204.


يؤدوها إلى أهلها من دون أدنى تصرف فيها..

2 ـ إنه (عليه‌السلام ) قد استفاد من الوسائل الطبيعية لاكتشاف ما حصل، حيث رأى أثر المراكب، فدله ذلك على ما جرى، فرتب الأثر على ما حصل عليه من معلومات، وذم ذلك الرجل الذي سمح لهم بركوب تلك الإبل..

3 ـ لا ندري أية غلظة في علي (عليه‌السلام ) ظهرت لأبي سعيد الخدري!! فهل المنع من التصرف بمال الغير، يعتبر غلظة، وتضييقاً؟! ولو سمح لهم بأن يغيروا على أموال غيرهم، هل يزول التضييق؟! وتزول صفة الغلظة عنه، ويصبح حسن الصحبة؟!..

4 ـ إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بدأ مهمة إيقاظ أبي سعيد بالضرب على فخذ أبي سعيد.. ولم يكتف بمجرد نصيحته بالكلمة، فإن هذه الضربة لا بد أن تثير اهتمامه، وتنقله إلى جو أكثر جدية وحساسية، وتدفعه إلى تفهُّم الكلام الذي سيورده رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عليه بصورة أكثر دقة، وتنبهاً. وسيدرك أن القضية أكثر حساسية وأهمية وجدية مما يظن، وأن مواصلة هذا النهج ربما يجعلهم في مواجهة أمور تتصف بالخطورة الحقيقية على مستقبل علاقتهم برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وربما يضع علامة استفهام كبيرة حول التزامهم وحركتهم الدينية والإيمانية.

علي (عليه‌السلام ) يلتقي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مكة:

لقد كان علي (عليه‌السلام ) في اليمن حين جمع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الناس وسار بهم إلى حجة الوداع.. ونزل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدور.

قالوا: وقدم علي (عليه‌السلام ) من اليمن على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو بمكة، فدخل على فاطمة (سلام الله عليها) وقد أحلت، فوجد ريحاً طيبةً، ووجد عليها ثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟!

فقالت: أمرنا بهذا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فخرج علي (عليه‌السلام ) إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مستفتياً، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فاطمة قد أحلت وعليها ثياب مصبوغة؟!

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (أنا أمرت الناس بذلك، فأنت يا علي بما أهللت)؟!

قال: يا رسول الله، إهلالاً كإهلال النبي.

فقال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (قرّ على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديي)(1) .

هل هذا تحريف متعمد؟!:

وقد روى ابن كثير وغيره النص المتقدم محرفاً، فقال: قدم علي من

____________

1- الكافي ج4 ص245 ـ 247 وبحار الأنوار ج21 ص390 ـ 392 وراجع ج38 ص72 وراجع: تهذيب الأحكام ج5 ص454 ـ 456 وجامع أحاديث الشيعة ج10 ص350 ـ 354 ومجمع البيان ج2 ص40 و 41 ومنتقى الجمان ج3 ص122 و 123 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص394 وعوالي اللآلي ج2 ص90 و 91.


اليمن بِبُدْن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) محرشاً لفاطمة.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): صدقت ـ ثلاثاً ـ أنا أمرتها، يا علي بم أهللت؟!.

قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهل به رسولك، قال: ومعي هدي.

قال: فلا تحل.

فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي ساقه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من المدينة مئة بدنة(1) .

فيلاحظ: أن كلمة (مستفتياً) الواردة في الرواية عن أهل البيت صارت محرشاً، وبدل أن يكون مستفتياً لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، صار (محرشاً لفاطمة) (عليها‌السلام )، للإيحاء بأن فاطمة (عليها‌السلام ) لم تكن ـ بنظر علي (عليه‌السلام ) ـ مأمونة على دينها، أو للدلالة على أن علياً (عليه‌السلام ) كان ذا طبيعة عدوانية استفزازية، حتى بالنسبة لفاطمة (عليها‌السلام )..

أو أن المقصود هو الأمران معاً..

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج8 ص467 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص165 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص291 وراجع: مسند أبي يعلى ج12 ص107 وراجع ج4 ص95 والمنتقى من السنن المسندة ص122 والدرر لابن عبد البر ص262 ومسند أحمد ج3 ص320.


الإجمال في النية:

ويلاحظ: أن نية علي (عليه‌السلام ) في إهلاله كانت مجملة، لأنه أهل بما أهل به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. والمفروض: أنه كان غائباً ولم يطلع ـ بحسب الظاهر ـ على نية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأن علينا أن لا نحمل تصرفات النبي والإمام على أنها تستند إلى علم الإمامة، وعلم النبوة، وإلا لبطلت الأسوة والقدوة بهما..

فدلنا ظاهر حال علي (عليه‌السلام ) هنا: على كفاية النية التي يكون تحديد المنوي فيها على سبيل الإجمال، إذ يكفي كون المنوي محدداً في واقع الأمر، وإن لم يعلمه صاحب النية تفصيلاً، ولا يجب تحديد حدوده واستحضار خصوصياته حين انشاء النية، والدخول في العمل..

وكانت نية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هنا محددة في واقع الأمر، فقصد علي (عليه‌السلام ) ما قصده النبي إجمالاً، وأغناه ذلك عن التفصيل، إذ لا ترديد في النية، ولا في المنوي بحسب الواقع..

لماذا كان سؤال علي (عليه‌السلام ):

وقد ذكرت الرواية المشار إليها: إن علياً (عليه‌السلام ) كان يريد بسؤاله أن يعرف بماذا أحرم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهو يرى فاطمة (عليها‌السلام ) في حال تختلف عن الحال الذي كان عليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فسألها عن سبب ذلك، فلم تفصح له.

فسأل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فبين له أن حجها حج تمتع. أما


النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فكان حجه حج قران..

إذن فلم يكن علي (عليه‌السلام ) جاهلاً بالحكم، بل هو لم يخبره أحد بطبيعة ما جرى عليه الحال.

هل ندم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على ما اختاره؟!:

قد يحاول البعض أن يدعي: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أظهر أنه قد ندم على اختياره حج القران. وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لاختيار حج التمتع..

غير أننا نقول:

أولاً: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يقدم على فعل أمر من تلقاء نفسه، بل بوحي ودلالة إلهية..

ثانياً: إن المطلوب منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خصوص هذه الحجة هو حج القران، لكي يشرك علياً (عليه‌السلام ) في الهدي، ويظهر فضل علي (عليه‌السلام ) ومنزلته منه.. وليمهد لإعلان إمامته، وأخذ البيعة له في هذا الحج بالذات، في عرفة أو منى، أو في غدير خم. وهذا ما يفسر لنا أمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للزهراء (عليها‌السلام ) بأن تحرم بحج التمتع، وأحرم هو بحج القران.

البدن التي نحرت:

قالوا: ثم انصرف (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى النحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة بالحربة، وكان ينحرها قائمة معقولة اليسرى،


وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنيِّ عمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثم أمسك، وأمر علياً (عليه‌السلام ) أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها، وجلودها، ولحومها، في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئاً منها، وقال: (نحن نعطيه من عندنا)(1) ، وقال: (من شاء اقتطع)(2) .

قال ابن جريج: قلت: من الذي أكل مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وشرب من المرق؟!

قال جعفر: علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) أكل مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وشرب من المرق(3) .

وقول أنس: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نحر بيده سبع بدن قياماً(4) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج8 ص476 و 477 والمجموع للنووي ج8 ص361 وقد تقدمت مصادره فراجع.

2- سبل الهدى والرشاد ج8 ص476 و 477 والمغني لابن قدامة ج3 ص558 وقد تقدمت مصادره فراجع.

3- سبل الهدى والرشاد ج8 ص476 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص177 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص340.

4- سبل الهدى والرشاد ج8 ص477 ونيل الأوطار ج5 ص213 وأحكام القرآن لابن العربي ج3 ص292 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج2 ص185 وعمدة القاري ج10 ص49.


حمله أبو محمد: على أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين(1) ، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر علياً (عليه‌السلام ) فنحر ما بقي.

أو أنه لم يشاهد إلا نحره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سبعاً فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشاهد. أو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نحر بيده مفرداً سبع بدن كما قال أنس، ثم أخذ هو وعلي الحربة معاً، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين.

وقال عروة (غرفة) بن الحارث الكندي: أنه شاهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يومئذ أخذ بأعلى الحربة، وأمر علياً (عليه‌السلام ) فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي (عليه‌السلام ) بنحر الباقي من المائة كما قال جابر(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج8 ص477 وصحيح ابن خزيمة ج4 ص285.

2- سبل الهدى والرشاد ج7 ص376 وج8 ص477 وسنن أبي داود ج1 ص396 والمعجم الأوسط ج3 ص173 والمعجم الكبير للطبراني ج18 ص262 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1255 والسنن الكبرى للبيهقي ج5 ص238 والمغني لابن قدامة ج3 ص564 والطبقات الكبرى لابن سعد ج7 ص431 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص514 وأسد الغابة ج4 ص169 وتهذيب الكمال ج23 ص97 والمنتخب من ذيل المذيل ص79 والبداية والنهاية ج5 ص207 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص376.


وكان الهدي الذي جاء به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أربعة وستين، أو ستة وستين.

وجاء علي (عليه‌السلام ) بأربعة وثلاثين، أو ستة وثلاثين، فنحر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ستة وستين، ونحر علي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أربعة وثلاثين بدنة(1) .

وفي الرواية الأخرى: نحر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثلاثاً وستين نحرها بيده، ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر الخ..(2) .

وأمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة، ثم تطبخ، فأكل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج8 ص477 وعوائد الأيام ص28 والكافي ج4 ص247 وبحار الأنوار ج21 ص393 وجامع أحاديث الشيعة ج10 ص354 وج12 ص34 و 49 وراجع: الصافي (تفسير) ج3 ص378.

2- الكافي ج4 ص249 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج1 ق3 ص551 وعلل الشرائع ج2 ص413 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص223 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص157 وبحار الأنوار ج21 ص396 وج96 ص89 وجامع أحاديث الشيعة ج10 ص357 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص6 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " للنجفي ج3 ص45 ومنتقى الجمان ج3 ص121 وتفسير الميزان ج2 ص84 وسبل الهدى والرشاد ج8 ص476 عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن جابر.


وعلي (عليه‌السلام )، وحسيا من مرقها(1) .

وفي صحيح الحلبي عن علي (عليه‌السلام ): أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ساق مئة بدنة(2) .

____________

1- الكافي ج4 ص246 ـ 248 ومجمع الفائدة والبرهان ج7 ص286 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج1 ق3 ص670 وج1 ق3 ص670 والحدائق الناضرة ج14 ص318 وجواهر الكلام ج19 ص159 وجامع المدارك ج2 ص462 وتهذيب الأحكام ج5 ص457 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص217 وج14 ص163 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص153 وج10 ص144 وبحار الأنوار ج21 ص393 و 395 وجامع أحاديث الشيعة ج10 ص354 وج12 ص101 وج12 ص104 ومنتقى الجمان ج3 ص125 وج3 ص373 وج3 ص401 وراجع المغني لابن قدامة ج11 ص109 والشرح الكبير لابن قدامة ج3 ص579 وج3 ص582 والتمهيد لابن عبد البر ج2 ص111 وتفسير البغوي ج3 ص284.

2- الكافي (الفروع) ج4 ص248 و 249 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج1 ق3 ص551 وجواهر الكلام ج18 ص211 وعلل الشرائع ج2 ص412 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص222 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص157 ومستدرك الوسائل ج8 ص75 وبحار الأنوار ج21 ص395 وج96 ص88 وجامع أحاديث الشيعة ج10 ص356 وج10 ص455 و 499 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " للنجفي ج3 ص44 وتفسير العياشي ج1= = ص89 ونور الثقلين ج1 ص185 وكنز الدقائق ج1 ص465 وتفسير الميزان ج2 ص83 ومنتقى الجمان ج3 ص121.


وقد ذكر المجلسي: أن المقصود: هو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ساق مئة بدنة، لكن ساق بضعاً وستين لنفسه، والباقي لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )، لعلمه بأنه (عليه‌السلام ) يحرم كإحرامه، ويهل كإهلاله إلخ..(1) .

لكن قد تقدم قولهم: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلياً (عليه‌السلام ) ساقا البدن، فساق منها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ستاً وستين، وساق علي (عليه‌السلام ) أربعاً وثلاثين.

وقال ابن كثير: قدم علي من اليمن ببدن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

فنسب ما جاء به علي (عليه‌السلام ) إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه أخوه، ولأنهما تشاركا في مجموع المئة، ونحراها بصورة مشتركة.

وقد تقدم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يأخذ بأعلى الحربة، وعلي (عليه‌السلام ) يأخذ بأسفلها إلى ثلاث وستين، ثم نحر علي (عليه‌السلام ) الباقي، وأخذا من كل واحدة جذوة من لحم، وجعلاها في قدرٍ واحد، وأكلا منها، وحسيا من مرقها..

____________

1- مرآة العقول ج17 ص116.

2- سبل الهدى والرشاد ج8 ص467 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص165 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص291.


مضافاً إلى أن علياً (عليه‌السلام ) أهل بما أهل به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فنية علي (عليه‌السلام ) معتمدة على نية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومتقومة بها..

مجموع البدن:

تذكر الروايات: أن الذي سِيقَ من البدن هو مئة بدنة..

وتذكر أيضاً: أن علياً (عليه‌السلام ) نحر عن نفسه أربعاً وثلاثين، ونحر هو والنبي (صلى الله عليهما وآلهما) ثلاثاً وستين بدنة، فيصير المجموع سبعاً وتسعين وليس مئة.. فلعل إطلاق كلمة مئة قد جاء على سبيل التسامح لا لأجل التحديد.

أو يقال: كان المجموع مئة، وقد نحرت الثلاث الباقية تطوعاً.. أو يكون عمر علي (عليه‌السلام ) آنئذٍ كان سبعة وثلاثين سنة أن كان عمره حين البعثة ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة.

أو تكون قد حسبت أيام زادت على الثلاث وستين سنة في عمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فنحرت بدنة لأجلها وأيام زادت على سني عمر علي (عليه‌السلام )، فنحرت لها بدنة أيضاً.

ملاحظة ذات مغزى:

إذا كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد نحر من البدن على عدد سني عمره الشريف، وهو ثلاث وستون سنة.. فإن علياً (عليه‌السلام ) قد نحر على عدد سني عمره أيضاً في ذلك الوقت، وهو أربع وثلاثون سنة.


وليس لأحد أن يدعي ـ على سبيل القطع واليقين ـ: بأن ذلك قد جاء على سبيل الصدفة.

يضاف إلى ذلك: أن مشاركة علي (عليه‌السلام ) شارك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في نحر البدن التي كانت على عدد سني عمره الشريف لا تخلو من إشارة إلى مشاركته (عليه‌السلام ) له في كل حلو ومرّ.

وقد أنتجت هذه المشاركة كل ما عاش النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من أجله وهو إقامة دين الله سبحانه.. وكانت سني عمر علي (عليه‌السلام )، التي عاشها مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد استغرقها ما نحره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) متوافقاً مع سني عمره الشريف، فشارك كل منهما الآخر فيما يخصه، وأعانه عليه.. وهكذا كان الحال في كل ما يتصل بإقامة دين الله، ونشر شرائعه، وحقائقه..

لو أشرك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر:

ويمر الناس على هذا الحدث الجليل مرور الكرام، ونحن على يقين من أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لو أشرك أبا بكر في هديه كما أشرك علياً، بل لو أشركه في واحدة من هديه، ولو بأن يهتم بها، ويرعاها بالسقي، والإطعام لأقام أتباع أبي بكر الدنيا ولم يقعدوها في التحليل، والإستنتاج، والإستدلال على عظمة أبي بكر ومنزلته، وإمامته وخلافته.. وربما تجنح بهم الأوهام إلى ما هو أبعد من هذا بكثير..

وكيف لا يكون الأمر كذلك، ونحن نرى كيف تحولت أخطاء، وضعف وهنات أبي بكر وعمر إلى فضائل وكرامات، وإشارات ودلالات.. وسنرى


كيف أصبح قول عمر: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليهجر فضيلة لعمر، وسبباً في إنقاذ الإسلام والأمة من أمر عظيم..

ولكن الأمر إذا تعلق بعلي (عليه‌السلام )، فإن الألسنة تخرس، والأسماع تصم، والعيون تعمى، والمحابر تجف، والأقلام تلتوي وتتحطم، أو تعيا عن تسجيل عشر معشار الحقيقة، ثم هي تقتل ما سجلته بالتأويلات الباردة، والإحتمالات السقيمة، وقشور العبقريات، لاختراع المعارضات، والتحريف والتزييف، والسعي لإفراغ أعظم المواقف من محتواها، فهل نتوقع بعد هذا أن نجد في كلامهم ما ينفع ويجدي من الإستنطاق الموضوعي للنصوص، أو الإشارة إلى شيء ذي بال من الدلالات واللمحات؟!


الفصل الثاني: اضواء على ما جرى في عرفة.



للإمامة تاريخها:

صحيح أن موضوع الإمامة هو من أكثر الموضوعات حساسية، وأشدها أهمية.. وله تأثيره في الكثير الكثير من قضايا التاريخ، وفي فهمها، ومعرفة أسرارها وخلفياتها..

وصحيح أيضاً: أن أمير المؤمنين علياً (عليه‌السلام ) هو محورها الأعظم، وهو أساسها وبه قوامها.. وأنه لا يمكن لمن يريد أن يبحث في أي شأن من شؤونه أن يتجاهل أمر الإمامة هذا..

ولكن من الواضح والصحيح أيضاً: أن إيفاء هذا الأمر حقه من البحث والتقصي غير ميسور، بل غير مقدور.. بل هو كإيفاء علي (عليه‌السلام ) حقه من ذلك. وإن أياً كان من الناس لا يستطيع أن يدعي أنه قادر على استيفاء البحث في هذين الأمرين معاً، ولو حاول أن يتصدى لذلك، فإنه سوف ينتهي إلى الفشل الذريع، والخيبة القاتلة، والفضيحة الصلعاء والنكراء..

من أجل ذلك نقول:

لا بد لنا من تجنب الدعاوى الفارغة، وتحاشي استعراض العضلات المنتفخة بالأورام التي تنتج له الأسقام والآلام.. فلا ندعي أننا نريد أن نوفي سيرة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) حقها.. أو نريد إعطاء موضوع الإمامة


حقه.. لأن نتيجة المغامرة ستكون غاية في الضعف، وفي منتهى الهزال، والتواضع..

لذلك آثرنا أن نحيل القارئ الكريم إلى ما أوردناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا سيما الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه، ليطلع منها على بعض التفاصيل في الناحيتين التاريخية والعقائدية في موضوع الإمامة.. فإن ما ذكرناه هناك وما نذكره هنا ربما يعطي لمحة ولو محدودة ومتواضعة عن بعض معاناة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلي (عليه‌السلام ) فيما يرتبط بالعمل على ترسيخ موضوع الإمامة، وصيانته في ضمير ووجدان الأمة..

وإحالتنا هذه على كتاب الصحيح سوف تغنينا عن التعرض هنا لكثير مما ذكرناه هناك.. مع اعترافنا بأننا لم نوف كلا الأمرين حقهما، ونحن أعجز من ذلك.. فكيف نجيز لأنفسنا أن ندعيه..

ليلة عرفة تمهيد ليوم عرفة:

1ـ رووا: أنه خرج (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على الحجيج عشية عرفة، فقال لهم: إن الله قد باهى بكم الملائكة عامة، وغفر لكم عامة، وباهى بعلي خاصة، وغفر له خاصة، إني قائل لكم قولاً غير محاب فيه لقرابتي: إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب علياً (عليه‌السلام ) في حياته وبعد موته(1) .

____________

1- الفصول المئة ج3 ص291 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص168 عن أحمد= = بن حنبل في المسند والفضائل، وبحار الأنوار ج40 ص81 وج39 ص265 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص92 وينابيع المودة ج2 ص487 والتحفة العسجدية ص135 وغاية المرام ج5 ص140 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص254 وج21 ص296.


2 ـ وعن فاطمة (عليها‌السلام )، قالت: خرج علينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عشية عرفة، فقال: إن الله تبارك وتعالى باهى بكم وغفر لكم عامة، ولعلي خاصة، وإني رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي، هذا جبرئيل يخبرني: أن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب علياً في حياته وبعد موته.

زاد في نص آخر: (إن الشقي من أبغض علياً في حياته وبعد مماته)(1) .

____________

1- المعجم الكبير للطبراني ج22 ص415 والمناقب للخوارزمي ص78 والأمالي للصدوق ص248 ومجمع الزوائد ج9 ص132 ودلائل الإمامة ص74 والأمالي للمفيد ص161 والأربعون حديثاً لمنتجب الدين بن بابويه ص33 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص3 والعمدة لابن البطريق ص200 والصراط المستقيم ج2 ص50 وكتاب الأربعين للشيرازي ص462 وبحار الأنوار ج27 ص74 وج39 ص257 و 274 و 284 وكشف الغمة ج1 ص92 و 105 وج2 ص78 ونهج الإيمان ص452 والفصول المهمة لابن الصباغ ص125 و (ط دار الحديث) ج1 ص585 عن معالم العترة النبوية، وكتاب الأربعين للماحوزي ص243 وبشارة المصطفى ص237.


ونقول:

يلاحظ هنا ما يلي:

أولاً: إن يوم عرفة قد شهد حدثاً هاماً يرتبط بالنص النبوي على إمامة علي (عليه‌السلام ).. ويأتي هذا الموقف من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عشية ليلة في سياق الإعداد لما سيقوم به في اليوم التالي..

ثانياً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ضمن كلامه ما يدل على أنه كان يتوقع اتهامه بمحاباة قرابته، لكي يسقطوا كلامه في حقه عن الإعتبار بالرغم من أن اتهاماً من هذا القبيل يُخرج من يطلقه عن دائرة التقوى، بل عن دائرة الإيمان، لتضمنه اتهام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالإنقياد إلى الهوى، وتجاوز ما يمليه عليه الوحي الإلهي، ليصبح (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خارج دائرة العصمة، ولا يبقى مأموناً على ما أتمنه الله عليه..

ثالثاً: إنه أخبرهم: بأن الله تعالى قد باهى بهم، وغفر لهم عامة، وباهى وغفر لعلي خاصة، وفي هذا النص كلام من عدة جهات، هي:

ألف: إن علياً (عليه‌السلام ) معصوم لا يصدر منه الذنب، إلا إن كان المقصود الذنب الذي هو من قبيل ما ورد في أول سورة الفتح:( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ) (1) .

حيث ثبت: أن المراد بالذنب: هو ما كان قومه يعدونه ذنباً، وهو مجيئه

____________

1- الآيتان 1 و 2 من سورة الفتح.


بهذا الدين. فإنهم غفروا له ذلك، وصاروا يعتبرونه فضلاً وسداداً.. شاهدنا على ذلك: أنه لو كان بالذنب معصية لما كافأه عليه بالفتح المبين، لأن المذنب يعاقب ولا يكافأ.

أو أن المراد: أن الله تعالى غفر لعلي ما يراه (عليه‌السلام ) ذنباً في جنب الله، وإن لم يكن كذلك في الواقع. حيث يرى: أن عبادته لا تليق بمقام الألوهية الأقدس.. ويعتبر نفسه مذنباً ومقصراً في أداء واجبه..

ب: إن المراد بمغفرة ذنوبهم عامة: هو مغفرة ذنوب من تاب منهم وأناب، وعزم على عدم العود للمعاصي. أما المصر على معصية الله، وعلى مخالفة ما يأتي به نبيه الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا سيما فيما يرتبط بإمامة وصيه من بعده، فلا تشمله المغفرة، لا عموماً ولا خصوصاً.

رابعاً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ربط السعادة كل السعادة بحب علي (عليه‌السلام ) في حياة علي وبعد موته.. ولم يزد على ذلك..

فهنا سؤلان:

أولهما: ما معنى التأكيد على حب علي (عليه‌السلام ) في الحياة وبعد الممات؟!

ونجيب:

لعل السبب في تعميم الحب إلى ما بعد الممات: هو أن حبه في هذه الحالة يكون صادقاً وحقيقياً، وليس حباً مصلحياً، ولا متأثراً بمؤثرات خارجية، بل هو يحبه لأنه يراه مستحقاً للحب..لا لشيء آخر.

الثاني: لقد اقتصر على ذكر الحب، ولم يشر إلى الطاعة والقبول بحكمه

وخلافته، لأن الحديث عن السعادة التامة في الدنيا والآخرة، وأي شيء آخر غير الحب قد لا يحققهما معاً، حتى الطاعة والإنقياد، فإن الإنسان قد يطيع الحاكم خوفاً، أو طمعاً، أو حباً بالسلامة، أو لغير ذلك.. أما الحب الحقيقي فهو يدعوه للطاعة في الدنيا، ويجعله أهلاً لشفاعته في الآخرة.

وبعد ما تقدم نقول، ونتوكل على خير مسؤول:

حديث عرفات:

ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نصوصاً تدل على ما جرى للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في عرفات، وهي التالية:

ذكرت الروايات الصحيحة: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، خطب الناس في حجة الوداع؛ في عرفة، فلما ذكر حديث الثقلين(1) ، ثم ذكر عدد الأئمة، وأنهم اثنا عشر، واجهته فئات من الناس بالضجيج والفوضى، إلى حد أنه لم يتمكن من إيصال كلامه إلى الناس.

وقد صرح بعدم التمكن من سماع كلامه كل من: أنس، وعبدالملك بن عمير، وعمر بن الخطاب، وأبي جحيفة، وجابر بن سمرة(2) ، ولكن رواية

____________

1- راجع: حديث الثقلين للوشنوي ص13 وما ذكره من مصادر..

2- راجع: كشف الغطاء (ط.ق) ج1 ص7 والسنة في الشريعة الإسلامية لمحمد تقي الحكيم ص63 والأمالي للصدوق ص387 و 469 والخصال ص470 و 471 و 472 وإكمال الدين ص68 و 272 و 273 وكفاية الأثر ص51 و 76 و 77 و 78 = = وشرح أصول الكافي ج2 ص240 وج5 ص230 وج7 ص374 وكتاب الغيبة للنعماني ص104 و 105 و 120 و 121 و 122 و 123 و 124 والغيبة للطوسي ص128 و 129 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص248 و 249 و 254 والعمدة لابن البطريق ص416 و 417 و 418 و 420 و 421 والطرائف لابن طاووس ص170 وبحار الأنوار ج36 ص231 و 234 و 235 و 236 و 237 و 266 و 267 و 269 و 298 و 362 و 363 و 364 و 365 وكتاب الأربعين للماحوزي ص381 و 386 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص385 والإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص193 والملاحم والفتن لابن طاووس ص345 والمسلك في أصول الدين للمحقق الحلي ص274 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص418 وإعلام الورى ج2 ص159 و 162 وكشف الغمة ج1 ص57 و 58 ومسند أحمد ج5 ص87 و 88 و 90 و 92 و 93 و 94 و 95 و 96 و97 و 98 و 99 و 100 و 101 و 106 و 107 و 108 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج8 ص127 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج6 ص3 و 4 وسنن أبي داود ج2 ص309 وسنن الترمذي ج3 ص340 والمستدرك للحاكم ج3 ص617 و 618 وشرح مسلم للنووي ج12 ص201 ومجمع الزوائد ج5 ص190 وفتح الباري ج13 ص181 وعمدة القاري ج24 ص281 ومسند أبي داود الطيالسي ص105 و 180 ومسند ابن أبي الجعد ص390 والآحاد والمثاني ج3 ص126 و 127 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص518 وصحيح ابن حبان ج15 ص43 و 44 و 46 والمعجـم الأوسـط ج3 ص201 وج6 ص209 والمعجـم الكـبـير ج2 ص195 = = و196 و 197 و 214 و 218 و 223 و 226 و 232 و 241 و 249 و 253 و 254 و 255 وج22 ص120 والرواة عن سعيد بن منصور لأبي نعيم الأصبهاني ص44 والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص95 والكامل لابن عدي ج2 ص386 وطبقات المحدثين بأصبهان ج2 ص90 وتاريخ بغداد ج2 ص124 وج14 ص354 وتاريخ مدينة دمشق ج5 ص191 وسير أعلام النبلاء ج8 ص184 وج14 ص444 وذكر أخبار إصبهان ج2 ص176 والبداية والنهاية ج1 ص177 وج6 ص278 و 279 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج12 ص302 و 203 وينابيع المودة ج3 ص289.



هذا الأخير، كانت أكثر صراحة ووضوحاً.

ويبدو أنه قد حدّث بما جرى مرات عديدة، فرويت عنه بأكثر من طريق. وبأكثر من تعبير يشير إلى المعنى الثابت، ونختار بعض نصوص تلك الرواية ـ ولا سيما ما ورد منها في الصحاح والكتب المعتبرة، فنقول:

1 ـ في مسند أحمد؛ حدّثنا عبد الله، حدثني أبو الربيع الزهراني، سليمان بن داود، وعبيد الله بن عمر القواريري، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، قالوا: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: خطبنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعرفات ـ وقال المقدمي في حديثه: سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخطب بمنى.

وهذا لفظ حديث أبي الربيع: فسمعته يقول:

(لن يزال هذا الأمر عزيزاً ظاهراً، حتى يملك اثنا عشر كلهم ـ ثم لغط


القوم، وتكلموا ـ فلم أفهم قوله بعد (كلّهم)؛ فقلت لأبي: يا أبتاه، ما بعد كلّهم؟!

قال: (كلّهم من قريش)(1) .

وحسب نص النعماني: (وتكلم الناس، فلم أفهم، فقلت لأبي..)(2) .

2 ـ عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، يُنصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة.

قال: (فجعل الناس يقومون ويقعدون)(3) .

____________

1- مسند أحمد ج5 ص99 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص34 و 37 وكتاب الغيبة للنعماني ص123 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص196 وراجع: الأمالي للصدوق ص387 والخصال ص475 وكمال الدين ص273 وبحار الأنوار ج36 ص231 و 241 وغاية المرام ج2 ص271.

2- الغيبة للنعماني ص121 و 122وعن عوالم العلوم ص153/106 ح16.

3- مسند أحمد ج5 ص99 وراجع ص98 و 101 والغيبة للنعماني ص105 والغيبة للطوسي ص129 وإعلام الورى ص384 و (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص162 والإستنصار لأبي الفتح الكراجكي ص25. وبحار الأنوار ج36 ص237 و 299 وراجع ص235 و 268 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص418 ومنتخب الأثر ص20 وغاية المرام ج2 ص254 و 275 وراجع ص274 والخصال ص470 و 472 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص250 والملاحم والفتن لابن طاووس ص345 وصحيح ابن حبان ج15 ص45.


زاد الطوسي: (وتكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي، أو لأخي:..)(1) .

وفي حديث آخر عن جابر بن سمرة صرّح فيه: (أن ذلك كان في حجة الوداع)(2) .

ومن المعلوم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يحج إلا هذه الحجَّة..(3) .

____________

1- الغيبة للطوسي ص88 و 89 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية) ص128 و 129 وكتاب الغيبة للنعماني ص105 وإعلام الورى ص384 و (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص162 وبحار الأنوار ج36 ص237 و 299 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص418 ومنتخب الأثر ص20 وغاية المرام ج2 ص254 و275.

2- مسند أحمد ج5 ص87 والثقات لابن حبان ج7 ص241.

3- راجع: السيرة الحلبية (ط سنة 1391 هـ) ج3 ص289 والسيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية أيضاً) ج3 ص2 وصحيح ابن خزيمة ج4 ص352 ومسند زيد بن علي ص220 وعمدة القاري ج4 ص271 وج9 ص125 وج18 ص36 و 40 و 41 وج25 ص62 وشرح مسلم للنووي ج8 ص236 وأضواء البيان للشنقيطي ج4 ص331 والبداية والنهاية ج4 ص205 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص342 واختلاف الحديث للشافعي ص568 ومعرفة السنن والآثار ج3 ص515 وسنن النسائي ج5 ص163 ومسند أبي يعلى ج4 ص23 وعون المعبود ج5 ص135 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص342 وج5 ص6 والكافي ج4 ص244 وبحار الأنوار ج21 ص399 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص187 والتمهيد لابن عبد البر ج16 ص174.


3 ـ عن جابر بن سمرة، قال: (خطبنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعرفات؛ فقال: لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً، ظاهراً على من ناواه حتى يملك اثنا عشر، كلهم ـ قال: فلم أفهم ما بعد ـ قال: فقلت لأبي: ما قال بعد كلّهم؟

قال: (كلّهم من قريش)(1) .

وعن أبي داود وغيره: ـ وإن لم يصرّح بأن ذلك كان في عرفات ـ زاد قوله: كلّهم تجتمع عليه الأمة، فسمعت كلاماً من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم أفهمه، فقلت لأبي..(2) .

____________

1- مسند أحمد ج5 ص93 وفي ص96 في موضعين وص98 و 101، وكتاب الغيبة للنعماني ص123 والإكمال في أسماء الرجال ص34 و 183.

2- سنن أبي داود السجستاني ج4 ص106 و (ط دار الفكر) ج2 ص309 ومسند أبي عوانة ج4 ص400 وتاريخ الخلفاء ص10 و 11 وراجع: فتح الباري ج13 ص181 وكرر عبارة "كلهم تجتمع عليه الأمة" في ص182 و 183 و 184.

وذكرها أيضاً في: الصواعق المحرقة ص18 وفي إرشاد الساري ج10 ص273 وينابيع المودة ص444 و(ط دار الأسوة) ج3 ص289.

وراجع: الغيبة للطوسي ص88 و الغيبة للنعماني ص121 و 122 و 123 و 124 والبحار ج36 ص365 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص386 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص18 وج19 ص629.


وفي لفظ آخر: (كلهم يعمل بالهدى ودين الحق)(1) .

وفي بعض الروايات: ثم أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟

قال: قال: (كلهم من بني هاشم)(2) .

4 ـ وذكر في نص آخر: أن ذلك كان في حجة الوداع، وقال:

ثم خفي عليّ قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مني؛ فقلت: يا أبتاه، ما الذي خفي عليّ من قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟!

قال: يقول (كلهم من قريش).

قال: فأشهد على إفهام أبي إيّاي: قال: (كلهم من قريش)(3) .

____________

1- الخصال ج2 ص474 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص474 وعيون أخبار الرضا "عليه‌السلام " للصدوق ج2 ص55 والبحار36 ص240 عنه وعن عيون أخبار الرضا "عليه‌السلام ". وفتح الباري ج13 ص184 وعمدة القاري ج24 ص282 وتاريخ بغداد ج4 ص258 وتاريخ مدينة دمشق ج45 ص189 والبداية والنهاية ج6 ص280 وإمتاع الأسماع ج12 ص306 وشرح إحقاق الحق ج13 ص47 وج19 ص629.

2- ينابيع المودة ص445 و (ط دار الأسوة) ج2 ص315 وج3 ص290 عن كتاب: مودة القربى للسيد علي الهمداني (المودة العاشرة) وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص30 عن مودة القربى (ط لاهور) ص445.

3- مسند أحمد ج5 ص90 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص32.


5 ـ وبعد أن ذكرت رواية أخرى عنه حديث أن الأئمة اثنا عشر قال: ثم تكلم بكلمة لم أفهمها، وضج الناس؛ فقلت لأبي: ما قال؟(1) .

6 ـ ولفظ مسلم عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومعي أبي؛ فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة؛ فقال كلمة صمّنيها الناس.

فقلت لأبي: ما قال؟

قال: (كلهم من قريش)(2) .

وعند أحمد وغيره: فقلت لأبي ـ أو لابني ـ: ما الكلمة التي أصمّنيها الناس؟!.

قال: (كلهم من قريش)(3) .

7 ـ وعن جابر بن سمرة قال: كنت عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: يلي هذا الأمر اثنا عشر، فصرخ الناس؛ فلم أسمع ما قال، فقلت لأبي

____________

1- مسند أحمد ج5 ص93 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص35.

2- صحيح مسلم ج6 ص4 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص1 عنه، والعمدة لابن البطريق ص421 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص418 الإكمال في أسماء الرجال ص34.

3- مسند أحمد ج5 ص101 والخصال ج2 ص470 و 472 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص39 والبحار ج36 ص235 وراجع: النهاية في اللغة ج3 ص54 ولسان العرب ج12 ص343 ونقل عن كتاب: القرب في محبة العرب ص129.


ـ وكان أقرب إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مني ـ فقلت: ما قال رسول الله؟

فقال: قال: (كلّهم من قريش، وكلهم لا يُرى مثله)(1) .

8 ـ ولفظ أبي داود: فكبر الناس، وضجوا، ثم قال كلمة خفية..(2) .

ولفظ أبي عوانة: فضج الناس.

وقد قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلمة خفيت عليّ..(3) .

وعلى كل حال.. فإن حديث الاثني عشر خليفة بعده (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والذي قال فيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلمة لم يسمعها جابر، وغيره ـ ممن كان حاضراً، وروى الحديث.. أو لم يفهمها، أو خفض بها صوته، أو خفيت عليه، أو نحو ذلك ـ إن هذا الحديث ـ مذكور في كثير من المصادر

____________

1- إكمال الدين ج1 ص272 ـ 273 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص68 و 273 والخصال ج2 ص473 وراجع: البحار ج36 ص239.

2- سنن أبي داود ج4 ص106 و (ط دار الفكر) ج2 ص309 ومسند أحمد ج5 ص98 وفتح الباري ج13 ص181 والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص95 وإرشاد الساري ج10 ص237 والبحار ج36 ص365 تاريخ بغداد ج2 ص124 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج29 ص94.

3- مسند أبي عوانة ج4 ص394 والخصال ج2 ص471 والبحار ج36 ص236 والمستدرك للحاكم ج3 ص617 والمعجم الكبير ج2 ص196 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص29 و 41.


والمراجع، فليراجعها طالبها(1) .

ونقول:

إن ملاحظة الحدث المتقدم: تفرض على الباحث التأمل ملياً في كل ما جرى، فإنه على درجة عالية جداً من الخطورة، ونستطيع نحن أن نفتح للقارئ باب التأمل من خلال لفتات ولمحات نشير إليها ضمن العناوين التالية:

علي (عليه‌السلام ) امتداد للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وذكرت الروايات: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطب الناس في منى،

____________

1- راجع المصادر التالية: صحيح مسلم ج6 ص3 بعدة طرق، ومسند أحمد ج5 ص93 و 92 و 94 و 90 و 95 و 96 و 97 و 98 و 89 و 99 و 100 و 101 و 106 و 107 و 108 ومسند أبي عوانة ج4 ص394 وحلية الأولياء ج4 ص333 وإعلام الورى ص382 والعمدة لابن البطريق ص416 ـ 422 وإكمال الدين ج1 ص272 و 273 والخصال ج2 ص469 و 475 وفتح الباري ج13 ص181 ـ 185 والغيبة للنعماني ص119 ـ 125 وصحيح البخاري ج4 ص159 وينابيع المودة ص444 ـ 446 وتاريخ بغداد ج2 ص126 وج14 ص353 ومستدرك الحاكم ج3 ص 618 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) نفس الصفحة، ومنتخب الأثر ص10 ـ 23 عن مصادر كثيرة، والجامع الصحيح ج4 ص501 وسنن أبي داود ج4 ص116 وكفاية الأثر ص49 إلى آخر الكتاب، والبحار ج36 ص231 إلى آخر الفصل، وإحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص1 ـ 50 عن مصادر كثيرة..


وخطبهم في عرفات، ولكن قد ظهر أن ثمة فرقاً قد ظهر بين الموقفين..

فقد أظهر الله الكرامة للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في منى.. ولم يحصل مثل ذلك في عرفات.

فقد ذكروا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان في منى يخطبهم، ويصل صوته إلى كل من كان في منى(1) .

ولكنه حين خطبهم في عرفات كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخطبهم وكان علي (عليه‌السلام ) يقف في مكان آخر، ويوصل كلامه إلى من هم في الجهة الأخرى(2) .

____________

1- راجع المصادر المتقدمة في الفصل السابق.

2- راجع: مسند أحمد ج3 ص477 والبداية والنهاية ج5 ص217 وتاريخ مدينة دمشق ج18 ص4 و 5 وأسد الغابة ج2 ص155 وج5 ص11 وتهذيب الكمال ج9 ص33 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص396 وأدب الإملاء والإستملاء ص101 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص343 و (ط دار الفكر) ج3 ص247 وج5 ص140 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص443 والمعجم الكبير ج5 ص19 وإمتاع الأسماع ج6 ص389 والمغني لابن قدامة ج1 ص624 وتحفة الأحوذي ج5 ص319 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص312 و 314 وج8 ص212 وج9 ص138 وتلخيص الحبير لابن حجر ج4 ص621 وسنن أبي داود ج1 ص437 وج2 ص263 ونيل الأوطار ج2 ص90 وكشف اللثام (ط.ج) ج6 ص78 و (ط.ق) ج1 ص356 والمجموع للنووي ج8 ص90.


وقد يمكن أن نستفيد من هذا: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان في المواضع المشابهة من حيث كثرة الحاضرين، يمارس هذه الطريقة لإبلاغ كلامه. أي أنه كان يجعل في الجهة الأخرى من يبلغ كلامه لمن هو بعيد عنه..

ولعل من إشارات هذا الحدث:

أولاً: إرادة الإيحاء بأن علياً (عليه‌السلام ) امتداد لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حياة الرسول وبعد مماته.

ثانياً: إنه تعالى قد تعامل مع الناس هنا ـ أي في عرفات ـ بمنطق المألوف لهم، دون أن يمارس أي نوع من التصرف الغيبي ليفسح لهم المجال للتعبير عن موقفهم، وإظهار دخائل أنفسهم، حيث إنهم قد يحجمون عن ذلك رهبة وخوفاً حين يرون آثار الغيب..

مكان خطبة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

إختلفت الروايات في المكان الذي خطب فيه الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتصدت له قريش، هل هو: المسجد(1) ، أو منى، أو عرفات كما تقدم؟!

____________

1- راجع بالنسبة لخصوص هذه الطائفة من الروايات: الخصال ج2 ص469 و 472 وكفاية الأثر ص50 ومسند أبي عوانة ج4 ص398 وإكمال الدين ج1 ص272 وحلية الأولياء ج4 ص333 وبحار الأنوار ج36 ص234 و 269 و 363 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص197 ومنتخب الأثر ص19 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص251 وغاية المرام ج2 ص251 و 273 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص17 و 33 وج29 ص95.


وهل حدث ذلك ثلاث مرات، فكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يواجه بالضجيج والفوضى؟! أم هي مرة واحدة؟! اختلف الرواة في تحديدها بسبب النسيان! مع العلم بأن حدثاً كهذا لا ينسى! أم أن الإختلاف في التحديد نشأ عن تلاعب متعمد، يهدف إلى التلاعب بالحقيقة، وجعلها موضع شبهة؟!

كل ذلك محتمل، وقد يؤكد لنا احتمال التعمد: أن حدثاً كهذا شهده عشرات الألوف من الناس، الذين كانوا يتحركون بحركة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويطبقون أعمالهم على عمله، ويهتمون بعدم الإبتعاد عنه حتى لا يفوتهم شيء مما يصدر منه، لا بد أن نتوقع أن يرويه لنا المئات، وليس العشرات من الناس وحسب.. فلماذا لم ينقله لنا إلا قلة قليلة جداً، إذا قيسوا إلى ما نتوقعه في مثل هذه الحالات؟!

وإن كان هذا الحدث قد تكرر، فالمتوقع أن يشير رواته إلى هذا التعدد، حتى لو قل عددهم.

وقد يؤيد هذا التعدد أيضاً تصريحهم بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطب في حجة الوداع خمس خطب: في مكة، وفي عرفات، ويوم النحر بمنى، ويوم النفر بمنى، ويوم النفر الأول أيضاً.

كلهم من قريش:

ونحن على يقين من أن قريشا لا تغضب لو اقتصر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على كلمة: (كلهم من قريش)، ولكنها كانت تعلم: أن الأمر سيتجاوز ذلك إلى ذكر بني هاشم، ثم التصريح باسم من لم تزل قريش


تكرهه وتبغضه ـ كما دلت عليه النصوص الكثيرة(1) ـ لا سيما وأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ذكر حديث الثقلين في نفس خطبته، وكان ولا يزال يصرح لهم بإمامة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) من بعده.

وهذا الإبلاغ لو تم في عرفات وفق ما رسم له، فسوف لا تبقى لمناوئي علي (عليه‌السلام ) أية فرصة للتخلص أو التملص، والمناورة، وسوف يتحتم عليهم تجرع الغصة، وتضيع منهم الفرصة، فلا بد لهم من درء هذا الخطر الداهم، فحاولوا قطع كلامه، فلم يمكنهم ذلك، وضجت قريش وعجت، وكذلك فعل أنصارها ومحبوها، حتى لا يتمكن أحد من سماع ما يقول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وهكذا كان، فلم يسمع جابر كلمة (كلهم من قريش)، ويبدو أن كلمة: كلهم (من بني هاشم)، قد جاءت بعدها، فلم يسمعها أيضاً إلا أقل القليل.

التمرد على الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

هذا.. وقد كانت هناك قلة من الصحابة تلتزم بأوامره (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتنتهي بنواهيه، وتضع نفسها في موقع التسليم والرضا، والأكثرون هم أصحاب الطموحات، وطلاب اللبانات، أو من الذين غُلِبُوا على أمرهم فاستسلموا، بل إن الأكثرية الساحقة من هؤلاء الحاضرين إنما

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله " ج31 ص135 ـ 158.


أعلنت إسلامها بعد فتح مكة.

وكان من بين هؤلاء ثلة كانوا يتبركون بفضل وضوء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحتى ببصاقه، ونخامته، ويدّعون الحرص على امتثال أوامر الله سبحانه بتوقيره، وبعدم رفع أصواتهم فوق صوته(1) ، وبالتأدّب

____________

1- راجع الآيتين 1 و 2 من سورة الحجرات.

وقد ورد أنّ هذه الآيات نزلت حينما حصل اختلاف فيما بين أبي بكر وعمر حول تأمير بعض الأشخاص. فقد روي: أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله "، فقال أبو بكر: أمَّر القعقاع معبد بن زرارة.

وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس.

قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.

قال عمر: ما أردت خلافك.

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَهِ وَرَسُولِهِ ) إلى قوله تعالى:( ..أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون ) [الآيتان 1 و 2 من سورة الحجرات].

ويلاحظ:( أن المراد من الإيمان قوله تعالى في الآية: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا? هو الإيمان بمعناه العام ـ أي إظهار الإسلام ـ لا الخاص. ويدل على ذلك قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ) [الآية 136 من سورة النساء].

راجع في الحديث الذي ذكرناه آنفـاً: الدر المنثـور ج6 ص83 ـ 84 عن البخـاري، = = وابن المنذر، وابن مردويه، وأسباب النزول ص218 و (ط أخرى) ص257 وصحيح البخاري ج3 ص122 و (ط دار الفكر) ج5 ص116 وج6 ص47 والجامع الصحيح ج5 ص387 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص205 ـ 206 ولباب التأويل ج4 ص164 وفتح القدير ج5 ص61 والجامع لأحكام القرآن ج16 ص300 ـ 301 وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج26 ص72 والبداية والنهاية ج5 ص50 وتاريخ مدينة دمشق ج9 ص191 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص78 وسنن النسائي ج8 ص226 وعمدة القاري ج18 ص19 وج19 ص181 و 184 وتحفة الأحوذي ج9 ص108 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص465 وج6 ص466 ومسند أبي يعلى ج12 ص193 وشرح معاني الآثار ج4 ص172 وزاد المسير ج7 ص177 وتفسير الثعلبي ج9 ص70 وتفسير البغوي ج4 ص209 وأضواء البيان للشنقيطي ج7 ص401 والإحكام لابن حزم ج6 ص804 وتفسير الآلوسي ج26 ص133 ولباب النقول ص178 وتفسير الثعالبي ج5 ص267 وبحار الأنوار ج30 ص278 والطرائف ص403 وعين العبرة في غبن العترة ص4 والغدير ج7 ص223.


معه، وبأن لا يقدموا بين يدي الله ورسوله و.. و..

لكن الذي حدث أن نفس هؤلاء بمجرد إحساسهم بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد الحديث عن الأئمة الاثني عشر، وبيان مواصفاتهم ـ ويتجه نحو تحديدهم بصورة أدق، وأوفى وأتم ـ قد ثارت ثائرتهم. وذلك بسبب خشيتهم من إعلان إمامة من لا يرضون إمامته، وخلافة من يرون أنه قد


وترهم، وأباد خضراءهم في مواقفه المشهورة، دفاعاً عن الحق والدين ـ ألا وهو علي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فظهر حقدهم، وعلا ضجيجهم، وزاد صخبهم، ومن التعبيرات التي وردت في الروايات واصفة حالهم:

(ثم لغط القوم وتكلموا)(1) .

أو: فلم أفهم قوله بعد (كلهم)، فقلت لأبي: ماذا قال؟! الخ..

أو: (وتكلم الناس فلم أفهم)(2) .

أو: (وضج الناس)(3) .

أو: (فقال كلمة أصمّنيها الناس)(4) .

____________

1- مسند أحمد ج5 ص99 والمعجم الكبير ج2 ص196 وكتاب الغيبة للنعماني ص123 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص34 ومكاتيب الرسول ج1 ص595 وج3 ص727.

2- الغيبة للنعماني ص121 وعوالم العلوم ص153 / 106 ح16.

3- مسند أحمد ج5 ص93 ومسند أبي عوانة ج4 ص394 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص29 و 35.

4- راجع: مسند أحمد ج5 ص98 و 101 وصحيح مسلم ج6 ص4 والخصال ج2 ص470 و 472 وبحار الأنوار ج36 ص235 و 266 و 362 والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج3 ص54 ولسان العرب ج12 ص343 وإثبات الهداة ج1 ص535 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص39 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص386 والعمدة لابن بطريق ص421.


أو: (صمّنيها الناس)(1) .

وفي نسخة: (صمّتنيها الناس)(2) .

أو: (فصرخ الناس، فلم أسمع ما قال)(3) .

أو: (فكبر الناس، وضجوا)(4) .

أو: (فجعل الناس يقومون، ويقعدون)(5) .

____________

1- راجع: العمدة لابن البطريق ص418 و 421 وصحيح مسلم ج6 ص4 والديباج على مسلم ج4 ص440 والإكمال في أسماء الرجال ص34 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص1.

2- راجع: شرح مسلم للنووي ج12 ص203 والديباج على مسلم ج 4 ص 440 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج29 ص93.

3- الخصال ص473 وإكمال الدين ج1 ص272 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص68 و 273 وإثبات الهداة ج1 ص494 و 507 وبحار الأنوار ج36 ص239.

4- مسند أحمد ج5 ص98 وسنن أبي داود ج4 ص106 و (ط دار الفكر) ج2 ص309 وفتح الباري ج13 ص181 وبحار الأنوار ج36 ص365 وإرشاد الساري ج1 ص273 والكفاية للخطيب البغدادي ص95 وتاريخ بغداد ج2 ص124 وإحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص20 وج29 ص94.

5- مسند أحمد ج5 ص99 وإثبات الهداة ج1 ص546 والخصال ج2 ص75 وبحار الأنوار ج36 ص237 و 299 وكتاب الغيبة للنعماني ص105 وإعلام الورى ص384 و (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص162 وتقريب المعارف لأبي الصلاح = = الحلبي ص418 والغيبة للطوسي ص88 و 89 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية) ص129 وغاية المرام ص194 ومنتخب الأثر ص20.


المجتمعون في منى وعرفات:

1 ـ المجتمعون في موسم الحج هم من كل بلد، وحي، وقبيلة. قدموا ليحجوا مع أكرم وأعظم وأشرف خلق الله، الذي يتمنى كل أحد أن يراه ولو مرة واحدة في حياته، ولو من بعيد..

وهم حين يرجعون من سفرهم هذا المحفوف بالأخطار سيحدثون بكل ما مر بهم، وسيصغي إليهم الناس بشغف وشوق لكل كلمة كلمة، وسيلذ لهم كل حديث منهم حتى لو كان في الظروف العادية لا يعني لهم شيئاً.. فكيف إذا كانوا يحدثونهم عن أعظم نبي، وأقدس وأغلى، وأشرف وأفضل مخلوق في الدنيا؟!

والذين رأوه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حجته تلك ستبقى الذكريات محفورة في قلوبهم طيلة حياتهم، وسيحرص الناس بدورهم على استخراج كل كلمة من أولئك الحجاج، وسيتأملونها بدقة وشغف وحرص..

فإذا رأى هؤلاء وأولئك أن أقرب الناس إلى الرسول، الذين يدعون التقوى، والزهد والعلم، والمكانة عنده، والأثرة لديه، يعاملونه بطريقة تخالف أبسط قواعد الأدب، وبنحو يمس قداسته، ويقوض هيبته، ويبطل تدبيره، فإن ذلك سيكون له وقع الصاعقة عليهم..

2 ـ وإذا كان هذا هو السفر الأخير الذي يرون فيه الرسول، فسيكون


حرصهم على وعي ما يجري فيه أشد وآكد، لأن ذكراه ستكون عزيزة، ومقرونة بمؤثر عاطفي، خصوصاً بعد أن يفقد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بينهم، أو يصلهم خبر وفاته بعد أيام يسيرة من وصول بعضهم إلى بلده، أو قبل أن يصلوا إلى ديارهم بالنسبة للبعض الآخر..

3 ـ إن ما ذكرناه يشير إلى أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يريد أن يصل ما يرونه ويسمعونه إلى كل بلد، وحي، وبيت دخل إليه الإسلام، ولن يستطيع أحد التمويه أو التشويه، فالناس قد رأوا الوقائع بأنفسهم، ووعوها ونقلوها إلى أهلهم وإخوانهم، ولن يمكن مصادرة هذه المعرفة منهم، ولا منعها من الإنتشار والوصول، فقد وصلت وانتهى الأمر..

4 ـ إنه مهما ادعى ذلك الفريق لنفسه بعد ذلك من الطاعة والإنقياد لرسول الله، ومن التقوى والزهد، أو ادعى تغير الأحوال، وعدول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن تدبيره الأول فقد أصبح الشك في صحة كل ما يقوله هؤلاء المتجرؤون ممكناً، وإذا جاء الناس ما يدل على خلافه، لم يكن مستغرباً ولا مستهجناً..

من هم المتجرؤون؟!:

هناك أكثرية صامتة ومستضعفة منصرفة إلى أعمالها، ومنشغلة بتحصيل لقمة عيشها، وفيها الكثير من البسطاء والسذج ممن ليس له بصر بالسياسة، ولا يعرف الكثير عن ألاعيب الساسة، بل هو ينقاد لكل قائد، ويخضع لكل متسلط، بدءاً من كبير العائلة، إلى رئيس العشيرة، ثم الوالي، وانتهاءاً بأي ملك وحاكم، سواء أكان نبياً أم جباراً.


ولا نريد هنا أن نتحدث عن هذه الأكثرية، بل نريد أن نتحدث عن الناشطين في المجتمع الإسلامي في حياة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فنقول:

هناك فريق من الصحابة عرف عنهم التزامهم بالحق، ومناصرته، وعدم تخطيه، وهم أفاضل الصحابة، وأماثلهم، كسلمان وعمار، والمقداد، وأبي ذر، وأبي الهيثم بن التيهان، وثلة من بني هاشم، وآخرين، وعلى رأس هؤلاء جميعاً علي (عليه‌السلام ).. وقد دلت سيرتهم على صدق التزامهم واستقامتهم.

وهناك فريق آخر التزم طريق النفاق، وإظهار الطاعة والإيمان، وإبطان الخلاف..

وقد كثر هؤلاء بعد فتح مكة حيث رجح الكثيرون اللجوء إلى التريث والمجارات بانتظار مرور ما اعتبروه عاصفة لا بد لهم من الإنحناء لها، وبعد أن تعود المياه إلى مجاريها، يكون لكل حادث حديث.

وهناك فريق ثالث يهتم بمصالحه، ويسعى لتحقيق طموحاته التي أذكاها التوسع الهائل، والإنتشار السريع للإسلام، وما جلب ذلك لهم منافع، وما بسط لهم من نفوذ. ولا يهم هذا الفريق كثيراً ما يجري حوله خارج هذا السياق..

ولا شك في أنه كان من بين هؤلاء من يريد أن يحتفظ بلبوس الدين، وأن يراعي أحكامه، وأن يعمل بشرائعه، ولكنه انساق وراء تقديرات خاطئة، أو خضع لضغوط أجواء وتأثير محيط موبوء.

ولم يكن هذان الفريقان يرتاحان لتأكيدات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


على مقام وفضل علي (عليه‌السلام )، ولا سيما ما كان يعلنه من وزارته له، ووصايته وإمامته من بعده.. ولشدَّ ما كانا ينزعجان ويحرجان وهما يواجهان الآيات القرآنية التي كانت تنزل في حقه (عليه‌السلام )، وبيان فضله، والتنويه بمقامه، وجهاده وتضحياته..

قريش هي السبب:

وكان المهاجرون هم حملة لواء المناوأة لعلي (عليه‌السلام )، والساعون لانتزاع الخلافة منه بكل قوة وعزم، وبعد الفتح كثر حولهم المنحرفون عنه، والحاقدون عليه، بعد أن أبطل كيدهم، وخضد شوكتهم.

وكان عامة أهل مكة ومحيطها يسيرون في هذا الإتجاه.. ومن ورائهم الكثير الكثير من القبائل والفئات التي أعلنت إسلامها أو استسلامها في سنة تسع وعشر من الهجرة، أي قبل فترة يسيرة جداً، ولم يتفقهوا بعد في الدين، ولا فهموا معانيه، ولا طبقوا أحكامه، ولا تربوا على مفاهيمه، ولا استبانت لهم حقائقه ودقائقه..

فاستفاد من هؤلاء المهاجرون القرشيون الطامحون والطامعون، الذين ذهبوا إلى الحج وهم بضع عشرات، كما استفادوا من أجواء مكة ومحيطها. فإنهم يعتبرونها وما وراءها الرصيد الأكبر، والثقل الحقيقي، والعضد القوي لهم، فبادروا إلى مواجهة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك القدر من الجفاء، وبهذه الحدة!


أضواء على ما جرى في عرفة:

ونلاحظ: أن ما جرى في عرفة.. وما صدر من أولئك الناس من إساءات وأذى لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. قد أسهم إسهاماً كبيراً في تعريف الأمة بالتقي الوفي، والمطيع والصادق. وتمييزه عن المتآمر الطامح لما ليس له، المتجرئ على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والساعي لتحقيق مآربه الخاصة بكل ثمن..

وقد توفرت عناصر كثيرة جعلت هذا الأمر من أوضح الواضحات لكل الناس: كبيرهم، وصغيرهم، عالمهم، وجاهلهم، مؤمنهم، وفاسقهم، ونذكر من هذه العناصر ما يلي:

1 ـ إن يوم عرفة هو يوم يجتمع فيه الحجيج كله في صعيد واحد.. ولا يجوز لهم الخروج منه، والتفرق عنه.. أما في منى، أو في مكة، فالناس يتفرقون في حاجاتهم العبادية أو غيرها..

2 ـ إنه يوم عبادة وابتهال، ودعاء ومناجات، وطلب حوائج الدنيا والآخرة، وإظهار الندم، والتوبة والإستغفار..

3 ـ وهو يوم يهتم فيه الإنسان بنفسه وبمصيره، وتصفية حساباته مع ربه، ولا يهتم فيه بالدنيا وحطامها، ولا يمارس فيه السياسة، ولا يسعى فيه لنيل المقامات الدنيوية.

وهو يوم يهيء الإنسان لإلتزام جادة التقوى، والإنسجام مع الأوامر الإلهية، والإنضباط على أساسها، والخضوع للمشيئة الربانية.

4 ـ وقد لفت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نظرهم إلى فضل هذا اليوم،


فأقروا له ـ كما جاء في خطبة عرفة في حجة الوداع حين سألهم عن يومهم، وعن شهرهم، وغير ذلك..

5 ـ وهو يوم لا نظير له في حياة هؤلاء الناس، لأنهم يجتمعون بحضور، وبرعاية خير خلق الله، وأشرف، وأقدس، وأفضل المخلوقات.

فإذا بادر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى بيان أمر ما في هذا اليوم، فلا بد أن يروا أنه من الأمور الهامة جداً، في دنياهم وفي آخرتهم.. ويرى كل فرد ٍ فردٍ منهم أن عليه أن يهتم بكل توجيه وكل كلمة تصدر منه وعنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويلاحقها بدقة وبانتباه فائق..

فإذا رأى أن أصحاب هذا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في هذا المقام بالذات يتمردون عليه، ويسيئون الأدب معه، وهم يدعون التقوى، والورع والإخلاص، والتوبة، و.. و.. فإن ذلك سيشكل مفاجأة له تصل إلى حد الصدمة.

6 ـ للإحرام خصوصيته أيضاً، فالجميع في عرفة وهو المكان المقدس، وكلهم على صفة الإحرام ـ الذي انعقد بتلبيتهم داعي الله، وبراءتهم من الشرك، والإقرار بالمملوكية له تعالى، ومالكيته لكل شيء.. وبأن الحمد والنعمة له تعالى.

وفي الإحرام يمتنعون عن الملذات، ويمارسون تجربة السيطرة على أنفسهم، وعلى دوافعهم الغريزية، والإمتناع عن إيذاء أي مخلوق، حتى النملة والقملة..

ويشعرون بمساواة غنيهم لفقيرهم، والملك بالسوقة، والعبد بالسيد،


والعالم بالجاهل أمام محكمة العدل الإلهية..

فهل يعقل بعد هذا أن يؤذوا رسول الله، أو أن يظلموا أيا من عباد الله، أو أن يتمردوا على الله، أو أن يطمعوا بالدنيا، ويؤثروها على الآخرة؟!

7 ـ وفي موسم الحج يأتي الناس من كل حي وقبيلة وبلد، وينقلون ما رأوه، وما سمعوه لمن وراءهم.. ولا بد أن يحجزهم هذا ويردعهم عن الإنسياق وراء الإنفعالات الطائشة، ويصدهم عن التصرفات المشينة..

8 ـ إن وجود الرسول يساعد على فهم ما يجري وعلى نشره على أوسع نطاق، كما شرحناه فيما سبق.

9 ـ قد تمازج الحدث المثير للإستهجان والإستغراب مع المشاعر العاطفية والروحية، والبُعد العقيدي حيث سيعقبه بفترة وجيزة ارتحال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى الرفيق الأعلى..

ومن الواضح: أن العلاقة بالحدث حين تترافق مع هزة مشاعرية وعاطفية، فإنها تصبح أكثر صفاء وعمقاً ورسوخاً، وأبعد أثراً في مجال الإلتزام والوفاء..

10 ـ إن للمكان أيضاً خصوصيته، فإنه من أقدس الأمكنة.

11 ـ وللزمان أيضاً خصوصيته، فإن الحدث جاء في يوم من أيام الله الكبرى.

12 ـ وللمناسبة دورها، فإن الحدث جاء في سياق أداء إحدى أهم عبادات الإسلام، وهي عبادة الحج..

13 ـ واختار (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أسلوب خطاب الجماعة، لا الأفراد


والأشخاص، ربما ليفهمهم أن هذا واجب على الجميع، فلا يختص بفرد دون فرد، ولا بفئة دون أخرى.

نتائج وآثار:

ثم إننا لا نريد أن نستقصي هنا آثار ونتائج هذا الحدث.. وإنما نريد لفت النظر إلى أمور بعينها منها، فنقول:

1 ـ إن ما جرى في عرفات، قد أخرج قضية الإمامة وسواها من يد جماعة تسعى لاحتكار القرار فيها وفي غيرها. وهم القرشيون، الذين يدعون أنهم هم أهل الحل والعقد في هذا الأمر كما في غيره.. وأصبحت من مسؤوليات الأمة بأسرها، فعلى الأمة أن تطالب بالعمل بتوجيهات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتنفيذ أوامره فيها..

ولعل هذا هو أهم إنجاز حصل في موقف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذا في عرفة، فقد منع هذه الجماعة من ممارسة الإقطاع السياسي والديني القائم على أسس ومفاهيم جاهلية، دونما أثارة من علم، ولا دليل يهدي إلى الرشد، وإنما من منطلق الأهواء الشيطانية، والأطماع الرخيصة، والأهواء والغرائز، والأحقاد المقيتة والبغيضة.

2 ـ وإنجاز آخر تحقق أيضاً، وهو أن موقف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذا قد دفع أولئك الناس إلى الإقدام على حركة تفضح كثيراً مما اختزنته نفوسهم. وهي حركة يفهمها الناس كلهم: الذكي والغبي، المرأة والرجل، والعالم والجاهل، والعدو والصديق، والمسلم وغير المسلم.. وهو أنهم أساءوا الأدب مع نبيهم، وعرف الناس أنهم لا يوقرونه، ولا ينقادون له،


ولا يطيعون الله فيما أمرهم فيه

فقد رأى الجميع: أن هؤلاء الذين يدَّعون: أنهم يوقرون رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويتبركون بفضل وضوئه، وببصاقه، وحتى بنخامته ـ رأوا ـ أنهم لا يعملون بالتوجيهات الإلهية التي تقول:

( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِه ) ِ (1) .

( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) (2) .

( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3) .

( أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ ) (4) .

وغير ذلك من آيات تنظم تعاملهم، وتضع الحدود، وترسم معالم السلوك معه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مما يكون الفسق والخروج عن الدين، في تجاهله، وفي تعديه.

هذا إلى جانب اعترافهم بما له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من فضل عليهم، وأياد لديهم، فإنه هو الذي أخرجهم ـ بفضل الله ـ من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وأبدلهم الذل بالعز، والشقاء بالسعادة، والنار بالجنان.

____________

1- الآية 1 من سورة الحجرات.

2- الآية 2 من سورة الحجرات.

3- الآية 7 من سورة الحشر.

4- الآية 59 من سورة النساء.


يضاف إلى ذلك كله: ادِّعاء هؤلاء أنهم قد جاؤوا مع هذا الرسول الأكرم والأعظم، في هذا الزمان الشريف، إلى هذا المكان المقدس ـ عرفات ـ لأداء إحدى أهم شعائر الإسلام، وهي فريضة الحج، ولِعبادة الله سبحانه، وطلب رضاه، معلنين بالتوبة، وبالندم على ما فرطوا به في جنب الله، منيبين إليه سبحانه، ليس لهم في حطام الدنيا مطمع، ولا في زخارفها مأرب.

وهم يظهرون أنفسهم بمظهر من يسعى لإنجاز عمل صالح يوجب غفران ذنوبهم، ورفعة درجاتهم.

نعم، رغم ذلك كله: فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) استطاع أن يري الجميع بأم أعينهم: كيف أن حركة بسيطة منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد فضحتهم، وكشفت ما أبطنوه، حيث تبدل موقفهم من نبيهم بالذات، وظهر أنهم قد تحولوا إلى وحوش كاسرة، ضد هذا النبي بالذات.

وظهر كيف أنهم لا يوقرونه، ويرفعون أصواتهم فوق صوته، ويجهرون له بالقول أكثر من جهر بعضهم لبعضهم، ويعصون أوامره، ويتجاهلون زواجره.. و.. و.. كل ذلك رغبة في الدنيا، وزهداً في الآخرة، وعزوفاً عن الكرامة الإلهية، وعن طلب رضى الرحمن.

3 ـ الكل يعلم أن هؤلاء إذا كانوا لا يوقرون رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلا يمكن أن يتوقع أحد منهم الرفق والتوقير لغيره، لأن البشر كلهم دونه.

وقد أظهرت الأحداث اللاحقة هذه الحقيقة، حيث ضربوا ابنته حتى الإستشهاد، وأسقطوا جنينها.. فهل يمكن أن نتصور موقفهم تجاه علي


(عليه‌السلام ) الذي طفحت قلوبهم بالحقد عليه، ولهم قِبله ترات وثارات آبائهم، وإخوانهم وأبنائهم، الذين قتلهم على الشرك؟!

ولا يمكن لهؤلاء واتباعهم أن يقدموا أي تعليل لما صدر منهم إلا الإصرار على الباطل الصريح، والجحود للحق الظاهر والواضح.

من الرابح؟!:

وظنوا أنهم ربحوا المعركة، حين تمكنوا من منع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من إعلان إمامة علي (عليه‌السلام ) على الحجيج ولكنهم كانوا يدركون أيضاً ـ وهم الدهاة المهرة ـ أن مكانتهم قد تزعزعت لدى الكثيرين..

فلا بد لهم من التدارك والترقيع، ولو بالإعتذار اللساني عما صدر وبدر، واعتبارها مجرد غلطة جرَّت لهم الندم والألم.

وإن لم يمكن الإعتذار، فمن الممكن ادعاء ذلك، ثم زعم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عفا وصفح، وأثنى عليهم ومدح..

وربما يدعون أيضاً أنه أسر إليهم: أنه لم يرد إعلان إمامة علي (عليه‌السلام ) في عرفات، بل أراد مجرد التنويه بإسمه، وإظهار فضله..

فكان لا بد من سد الطريق عليهم، ومنعهم من ذلك. وهذا ما حصل بالفعل كما سنوضحه.

الخروج السريع من مكة:

وقد جاءت الخطوة النبوية التالية لتفسد عليهم ما دبروه، وهي المبادرة إلى الخروج من مكة، فإنه بعد أن انتهى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من أداء


المناسك وبعد نفره من منى.. قيل: دخل مكة، وطاف بالبيت، وبقي إلى صباح اليوم التالي، ثم ارتحل(1) .

ولكن هذا غير دقيق ولا صحيح، بل الصحيح المروي عن أهل البيت (عليهم‌السلام ) هو أنه لم يطف بالبيت ولا زاره، بل نفر حتى انتهى إلى الأبطح، فطلبت عائشة العمرة، فأرسلها، فاعتمرت، ثم أتت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فارتحل من يومه، ولم يدخل المسجد الحرام، ولم يطف بالبيت(2) . وكان هذا آخر عهد بالبيت والمسجد الحرام.

وقولهم: إنه صلى الصبح ثم طاف بالبيت سبعاً، ووقف في الملتزم وبين الركن الذي فيه الحجر الأسود، والزق جسده بجدار الكعبة.. ثم ارتحل.

____________

1- السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص406 و 407 و 410 و 411 والمغازي للواقدي ج3 ص1114 وراجع: مغني المحتاج ج1 ص472. والسيرة الحلبية (ط سنة 1391 هـ) ج3 ص307 و (ط دار المعرفة) ج3 ص334 والمجموع ج4 ص363 وج8 ص249 وتحفة الأحوذي ج3 ص90 ومصادر كثيرة من كتب أهل السنة.

2- الكافي ج4 ص248 وبحار الأنوار ج21 ص393 وج96 ص327 وراجع: تهذيب الأحكام ج5 ص275 و 457 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج11 ص217 و 218 وج14 ص284 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص153 وج8 ص154 وج10 ص229 ومستطرفات السرائر لابن إدريس ص553 وجامع أحاديث الشيعة ج10 ص355 و 455 وج12 ص207 ومنتقى الجمان ج3 ص125 والحدائق الناضرة ج14 ص319.

غير دقيق أيضاً..

فقد روي عن جابر قال: خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مكة عند غروب الشمس، وصلى المغرب في سرف(1) .

مما يعني: أن وقوفه في الملتزم، وإلزاق جسده بجدار الكعبة لم يحصل، وإن كان قد حصل، فلا بد أن يكون إما قبل النفر من منى، أو في عمرة القضاء.

ولا بد أن يفاجئ الناس هذا الإجراء النبوي، وهم الذين يعلمون أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أحرص الناس على تعظيم البيت، والإلتزام بالسنن فيه..

نعم.. إن مبادرته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للخروج من مكة لا بد أن تثير الهواجس الكثيرة، وستنهال الأسئلة الغزيرة عن سبب ذلك.. وسيدرك الجميع أنه لو لم يكن ثمة ما هو أخطر لما فعل (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وسيراقبون حركته بدقة، وسيتوقعون ما يكون منه، وسيدققون في دلالاته ومراميه، وسيربطون ذلك بما حصل في عرفة، ولو بنحو غائم.. إلى أن تنجلي لهم الأمور بموقفه العظيم في يوم الغدير.. كما سنرى.

وأما السبب في هذا كله، فهو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يعلم: أن

____________

1- راجع: مسند أحمد ج3 ص305 والمعجم الأوسط للطبراني ج2 ص134 والجامع لأحكام القرآن ج10 ص305 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص412 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج8 ص247.


أي تأخير سيكون معناه: أن يخرج أشتات من الناس إلى بلادهم، ولا يتمكن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، من إيصال ما يريد إيصاله إليهم..

أما حين يخرج (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) معهم، فمن الطبيعي أن يتقيدوا في مسيرهم بمسيره (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والكون في ركابه، إما حياءً، أو طلباً لليسر والأمن، والبركة، والكون إلى جانبه أكبر قدر ممكن من الوقت، والفوز بسماع توجيهاته.

هذا.. وقد قطع (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المسافة ما بين مكة والجحفة، حيث غدير خم ـ وهي عشرات الأميال ـ في أربعة أيام فقط، مع أنه كان يسير في جمع عظيم تبطئ كثرته حركته..

الصحابة يعاقبون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

ثم إن ما جرى في منى وعرفات قد أوضح لقريش، ومن تابعها: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مصرٌّ على تنصيب علي (عليه‌السلام ) إماماً وخليفة من بعده.. فضاقت بذلك صدورهم، وأجمعوا أمرهم على مقاطعته ولم يعودوا يطيقون حضور مجلسه، فاعتزلوه وخلا مجلسه منهم.. وابتعدوا عنه.. مع أنهم كانوا دائمي الدخول عليه عادة، وظهر ما أبطنوه على حركاتهم، وفي وجوههم، وعلى تصرفاتهم، وصاروا يعاملونه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بصورة بعيدة حتى عن روح المجاملة الظاهرية.

فواجههم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذه الحقيقة، وصارحهم بها، في تلك اللحظات بالذات. ويتضح ذلك من النص التالي:

عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نزل بخم


فتنحى الناس عنه، ونزل معه علي بن أبي طالب، فشق على النبي تأخر الناس، فأمر علياً، فجمعهم، فلما اجتمعوا قام فيهم متوسداً (يد) علي بن أبي طالب، فحمد الله، وأثنى عليه.. ثم قال:

(أيها الناس، إنه قد كَرِهْتُ تخلفكم عني، حتى خُيِّلَ إلي: أنه ليس شجرة أبغض إليكم من شجرة تليني)(1) .

وروى ابن حبان بسند صحيح على شرط البخاري ـ كما رواه آخرون بأسانيد بعضها صحيح أيضاً:

أنه حين رجوع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مكة، حتى إذا بلغ

____________

1- راجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص226 و 227 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص25 والعمدة لابن البطريق ص107 وإقبال الأعمال ج2 ص248 والطرائف لابن طاووس ص145 مجمع البيان ج3 ص223 وتفسير العياشي ج1 ص331 وتفسير البرهان ج1 ص489 وشواهد التنزيل ج1 ص192 وكتاب الأربعين للشيرازي ص115 ومكاتيب الرسول ج1 ص597 وكتاب الأربعين للماحوزي ص143 وبحار الأنوار ج37 ص133 و134 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص89 وج6 ص253 وج30 ص408 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص138 و 231 ج9 ص169 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص75 و 115 والغدير ج1 ص22 و219 و223 و327 عنه، وعن الثعلبي في تفسيره، كما في ضياء العالمين، وعن مجمع البيان وعن روح المعاني ج2 ص348.


الكديد أو (قدير)، جعل ناس من أصحابه يستأذنون، فجعل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يأذن لهم.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله أبغض إليكم من الشق الآخر)؟!.

قال: فلم نر من القوم إلا باكياً.

وهو بكاء لا يعبر عن الحقيقة، فإن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الصادق المصدق. إذ لا معنى لهذا البكاء، بعد ما سبقه ذلك الجفاء، الذي بلغ في الظهور حداً دعا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى مطالبته بالإقلاع عنه.

قال: يقول أبو بكر: (إن الذي يستأذنك بعد هذا لسفيه في نفسي الخ..)(1) .. مع أن المطالب الحقيقي هنا هو أبو بكر بالذات.

____________

1- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج1 ص444 ومسند أحمد ج4 ص16 ومسند الطيالسي ص182 ومجمع الزوائد ج1 ص20 وج10 ص408 وقال: رواه الطبراني، والبزار بأسانيد رجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح، وكشف الأستار عن مسند البزار ج4 ص206 وقال في هامش (الإحسان): إنه في الطبراني برقم: 4556 و 4559 و 4557 و 4558 و 4560. وراجع: بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص212 والآحاد والمثاني ج5 ص24 وصحيح ابن حبان ج1 ص444 والمعجم الكبير للطبراني ج5 ص50 و 51 وموارد الظمآن للهيثمي ج1 ص103 وكنز العـمال ج10 = = ص477 وتهذيب الكمال للمزي ج9 ص208. وراجع: مسند الحارث ج3 ص103 والمسند الجامع ج12 ص221 وحلية الأولياء ج3 ص93.



الفصل الثالث: حديث الغدير: تاريخ ووقائع..



لا بد من الرجوع لكتاب الصحيح:

إن ما جرى في واقعة الغدير بعد حجة الوداع هام جداً، وحساس، وفيه الكثير من البحوث الهامة التي ذكرنا شطراً منها في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الجزئين الأخيرين منه، وقد آثرنا أن نأخذ النصوص المرتبطة بالغدير ومصادرها من ذلك الكتاب بالذات، توفيراً للوقت والجهد.. ثم نشير إلى ما نرى ضرورة للإشارة إليه من استدلالات، أو مناقشات، أو استفادات فنقول:

نصوص حديث الغدير:

1 ـ قال الطبرسي: (اشتهرت الروايات عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (عليهما‌السلام ): أن الله أوحى إلى نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن يستخلف علياً (عليه‌السلام )؛ فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه؛ فأنزل الله هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره الله بأدائه..)(1) .

____________

1- مجمع البيان ج3 ص223 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص383 وسعد السعود للسيد ابن طاووس ص69 وبحار الأنوار ج37 ص250 وكتاب الأربعين للماحوزي ص153 والتبيان ج3 ص588 ومجمع البحرين ج1 ص242.


والمراد بـ (هذه الآية) قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ..(1) .

2 ـ عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنه لما أُمر بإبلاغ أمر الإمامة قال: (إن قومي قريبوا عهد بالجاهلية، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره وليّهم، وإني أخاف، فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ....)(2) .

3 ـ عن ابن عباس، وجابر الأنصاري، قالا: أمر الله تعالى محمداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن ينصب علياً للناس، فيخبرهم بولايته، فتخوف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك فأوحى الله:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ....) (3) .

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- شواهد التنزيل ج1 ص191 و (بتحقيق المحمودي) ج1 ص254 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص261 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص39 وراجع: مكاتيب الرسول ج1 ص597 وقال في هامشه: راجع البرهان ج2 ص146 وكنز الدقائق ج3 ص137 و 140 و 158 ومجمع البيان ج3 ص223 والدر المنثور ج2 ص298 و ج3 ص259 و 260.

3- الدر المنثور ج2 ص193 وص298 عن أبي الشيخ، وراجع: البرهان ج2 ص146 وكنز الدقائق ج3 ص137 و 140 و 158 ومجمع البيان ج3 ص344 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص382 وتفسير الآلوسي ج6 ص193 ومكاتيب = = الرسول ج1 ص597 وروح المعاني ج2 ص348 وكتاب الأربعين للماحوزي ص152 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص227 والغدير ج1 ص219 و 223 و 377 وبحار الأنوار ج37 ص250.


4 ـ ويقول نص آخر: إنه لما أمر الله نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بنصب علي (عليه‌السلام ): (خشي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من قومه، وأهل النفاق، والشقاق: أن يتفرقوا ويرجعوا جاهلية، لِما عرف من عداوتهم، ولِما تنطوي عليه أنفسهم لعلي (عليه‌السلام ) من العدواة والبغضاء، وسأل جبرائيل أن يسأل ربّه العصمة من الناس).

ثم تذكر الرواية:

(أنه انتظر ذلك حتى بلغ مسجد الخيف. فجاءه جبرئيل، فأمره بذلك مرة أخرى، ولم يأته بالعصمة.

ثم جاء مرة أخرى في كراع الغميم ـ موضع بين مكة والمدينة ـ وأمره بذلك، ولكنه لم يأته بالعصمة.

ثم لما بلغ غدير خم جاءه بالعصمة).

فخطب (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الناس، فأخبرهم: (أن جبرئيل هبط إليه ثلاث مرات يأمره عن الله تعالى، بنصب علي (عليه‌السلام ) إماماً ووليّاً للناس)..

إلى أن قال: (وسألت جبرائيل: أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم ـ أيها الناس ـ لعلمي بقلة المتقين، وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وختل


المستهزئين بالإسلام، الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم:

( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) (1) ،( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ ) (2) ،( وكثرة أذاهم لي في غير مرّة، حتى سمّوني أُذناً، وزعموا: أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي، وإقبالي عليه، حتى أنزل الله عز وجل في ذلك قرآناً: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) (3) .

إلى أن قال: ولو شئت أن أسميهم بأسمائهم لسميت، وأن أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لفعلت. ولكني والله في أمورهم تكرّمت)(4) .

5 ـ عن مجاهد، قال: (لما نزلت: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... قال: (يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع، يجتمع عليّ الناس؟! فنزلت: وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..)(5) .

____________

1- الآية 11 من سورة الفتح.

2- الآية 15 من سورة النور.

3- الآية 61 من سورة التوبة.

4- راجع: مناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لابن المغازلي ص25 والعمدة لابن البطريق ص107 والإحتجاج ج1 ص73 واليقين ص349 وبحار الأنوار ج37 ص206 ونور الثقلين ج2 ص236 والغدير ج1 ص22 عنه وعن الثعلبي في تفسيره. وراجع: موسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " ج8 ص53 والصافي (تفسير) ج2 ص58.

5- الإحتجاج ج1 ص69 و 70 و 73 و 74 وراجع: روضة الواعظين ص90 و = = 92 والبرهان ج1 ص437 ـ 438 والغدير ج1 ص221 وفتح القدير ج2 ص60 والدر المنثور ج2 ص298 عن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. وراجع: مناقب أهل البيت "عليهم‌السلام " للشيرواني ص130.


6 ـ قال ابن رستم الطبري: (فلما قضى حجّه، وصار بغدير خم، وذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة، أمره الله عز وجل بإظهار أمر علي؛ فكأنه أمسك لما عرف من كراهة الناس لذلك، إشفاقاً على الدين، وخوفاً من ارتداد القوم؛ فأنزل الله يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ....)(1) .

7 ـ وفي حديث مناشدة علي (عليه‌السلام ) للناس بحديث الغدير، أيّام عثمان، شهد ابن أرقم، والبراء بن عازب، وأبو ذر، والمقداد، أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسلم قال، وهو قائم على المنبر، وعلي (عليه‌السلام ) إلى جنبه:

(أيها الناس، إن الله عز وجل أمرني أن أنصب لكم إمامكم، والقائم فيكم بعدي، ووصيي، وخليفتي، والذي فرض الله عز وجل على المؤمنين في كتابه طاعته، فقرب(2) بطاعته طاعتي، وأمركم بولايته، وإني راجعت ربّي خشية طعن أهل النفاق، وتكذيبهم، فأوعدني لأبلغها، أو ليعذبني)(3) .

____________

1- المسترشد في إمامة علي "عليه‌السلام " (ط مؤسسة الثقافة الإسلامية) ص465.

2- لعل الصحيح: فقَرَنَ.

3- الإحتجاج ج1 ص214 وإكمال الدين للصدوق ص277 والغدير ج1 ص166 والتحصـين للسيد ابن طـاووس ص634 وبحـار الأنـوار ج31 ص412 = = وكتاب الأربعين للماحوزي ص442 ومصباح الهداية في إثبات الولاية للسيد علي البهبهاني ص354 والمناشدة والإحتجاج بحديث الغدير للشيخ الأميني ص14 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص79 وج5 ص36 وج13 ص52.


وعند سليم بن قيس:

(إن الله عز وجل أرسلني برسالة ضاق بها صدري، وظننت الناس تكذبني، فأوعدني..)(1) .

8 ـ وعن ابن عباس: لما أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يقوم بعلي بن أبي طالب المقام الذي قام به؛ فانطلق النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى مكة، فقال:

(رأيت الناس حديثي عهد بكفر (بجاهلية) ومتى أفعل هذا به،

____________

1- فرائد السمطين ج1 ص315 و 316 والغدير ج1 ص165 ـ 166 و 196 و 377 عنه، وإكمال الدين ج1 ص277 وراجع البرهان ج1 ص445 و 444 وبحار الأنوار ج31 ص411 وج33 ص147 وكتاب الولاية لابن عقدة الكوفي ص198 وينابيع المودة للقندوزي ج1 ص347 وكتاب الأربعين للماحوزي ص441 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص28 وسليم بن قيس ص149 و (بتحقيق الأنصاري) ص199 والإحتجاج ج1 ص213 وكتاب الغيبة للنعماني ص75 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص35 وج20 ص96 و 361 وج21 ص78 وج22 ص285 وثمة بعض الإختلاف في التعبير.


يقولوا، صنع هذا بابن عمّه. ثم مضى حتى قضى حجة الوداع)(1) .

وعن زيد بن علي، قال: لما جاء جبرائيل بأمر الولاية ضاق النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك ذرعاً، وقال: (قومي حديثو عهد بجاهليّة، فنزلت الآية)(2) .

9 ـ وروي: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما انتهى إلى غدير خم: (نزل عليه جبرائيل، وأمره أن يقيم علياً، وينصبه إماماً للناس.

فقال: إن أمتي حديثوا عهد بالجاهلية.

فنزل عليه: إنها عزيمة لا رخصة فيها، ونزلت الآية: وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ....)(3) .

10 ـ عن ابن عباس إنّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال في غدير خم: (إن

____________

1- كتاب سليم بن قيس ص148 والبرهان ج1 ص444 و 445 والغدير ج1 ص52 و 377 عن سليم بن قيس، وراجع ص217 عن ابن مردويه. وراجع: خلاصة عبقات الأنوار ج7 ص198 وج8 ص262.

2- الغدير ج1 ص51 ـ 52 و 217 و 378 عن كنز العمال ج6 ص153 عن المحاملي في أماليه، وعن شمس الأخبار ص38 عن أمالي المسترشد بالله، وبحار الأنوار ج37 ص177 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص269 و 308 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص349 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لابن مردويه ص240 وكشف الغمة ج1 ص318 و 324 و 325.

3- إعلام الورى ص132 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص261.


الله أرسلني إليكم برسالة، وإني ضقت بها ذرعاً، مخافة أن تتهموني، وتكذبوني، حتى عاتبني ربي بوعيد أنزله علي بعد وعيد..)(1) .

11 ـ عن الحسن قال في غدير خم أيضاً: (إن الله بعثني برسالة؛ فضقت بها ذرعاً، وعرفت: أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أوليعذبني، فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ....)(2) .

12 ـ وجاء في رواية عن الإمام الباقر (عليه‌السلام ): أنه حين نزلت

____________

1- شواهد التنزيل ج1 ص193 و (بتحقيق المحمودي) ج1 ص258 والأمالي للصدوق ص436 والتحصين لابن طاووس ص633 وبحار الأنوار ج37 ص111 ونور الثقلين ج1 ص654 وتأويل الآيات ج1 ص159 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص34.

2- شواهد التنزيل ج1 ص193 والدر المنثور ج2 ص298 عن ابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ. وراجع: إكمال الدين ص276 والإحتجاج ج1 ص213 وفتح القدير ج2 ص60 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص351 والتحصين لابن طاووس ص633 وبحار الأنوار ج33 ص147 ومناقب أهل البيت "عليهم‌السلام " للشيرواني ص129 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص255 و 270 ولباب النقول (دار إحياء العلوم) للسيوطي ص94 و (دار الكتب العلمية) ص82 والغدير ج1 ص165 و 196 و 221 ومسند ابن راهويه ج1 ص402 ومسند الشاميين ج3 ص314 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص413 والدر المنثور ج2 ص298.


آية إكمال الدين بولاية علي (عليه‌السلام ):

(قال عند ذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي، يقول قائل، ويقول قائل. فقلت في نفسي من غير أن ينطلق لساني، فأتتني عزيمة من الله بتلةً، أوعدني: إن لم أبلغِّ أن يعذبني. فنزلت: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ..)(1) .

وفي بعض الروايات: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنما أخر نصبه (عليه‌السلام ) فَرَقاً من الناس، أو لمكان الناس(2) .

ولما انتهى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من نصب علي (عليه‌السلام ) لقي عمر علياً فقال: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(3) .

____________

1- البرهان في تفسير القرآن ج1 ص488 والكافي ج1 ص290 والتفسير الأصفى ج1 ص285 ونور الثقلين ج1 ص588 والصافي (تفسير) ج2 ص52 وشرح أصول الكافي ج6 ص122 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص287.

2- تفسير العياشي ج1 ص332 والبرهان (تفسير) ج1 ص489 وبحار الأنوار ج37 ص139 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص262 وتفسير الميزان ج6 ص53 وغاية المرام ج3 ص325.

3- مسند أحمد ج4 ص281 والمصنف لابن أبي شيبـة ج7 ص503 وكنز العـمال = = ج13 ص134 والتفسير الكبير للرازي (ط الثالثة) ج12 ص2 و 49 وتفسير الآلوسي ج6 ص194 وتفسير الثعلبي ج4 ص92 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص220 و 221 و 222 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص632 والبداية والنهاية ج5 ص229 وج7 ص386 والمناقب للخوارزمي ص156 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص417 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص84 ونهج الإيمان لابن جبر ص113 و 116 و 120 وتنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص64 و 65 وبشارة المصطفى ص284 وذخائر العقبى للطبري ص67 ونظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص109 وينابيع المودة للقندوزي ج1 ص98 و 101 و 158 وج2 ص285 ومودة القربى (المودة الخامسة)، وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص294 و 297 وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري ج6 ص170 وخصائص الوحي المبين ص90 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص236 و 237 والعمدة لابن البطريق ص92 و 96 و 100 والمراجعات ص263 وشرح أصول الكافي ج5 ص196وج6 ص120 والعدد القوية للحلي ص185 والطرائف ص146 و 150 وبحار الأنوار ج37 ص149 و 159 و 179 و 198 و 249 وكتاب الأربعين للماحوزي ص144 و 148 والإكمال في أسماء الرجال ص25 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص305 وج7 ص29 و 54 و 61 و 69 و 86 و 92 و 115 و 119 و 122 و 124 و 127 و 146 و 148 و 149 و 167 و 170 و 180 و 182 و 192 و 196 و 208 و 218 و 253 و 285 و 295 و 301 و 321 و 326 وج8 = = ص218 و 234 و 241 و 247 و 259 و 272 وج9 ص93 والغدير ج1 ص19 و 143 و 144 و 219 و 220 و 221 و 271 و 272 و 273 و 274 و 275 و 277 و 279 و 280 و 281 و 306 و 355 وج2 ص37 وج6 ص56 وكتاب الأربعين للشيرازي ص116 و 118 و 120 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص264 و 272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص231 و 235 و 236 و 238 و 239 و 240 و 290 و 362 و 363 و 364 و 366 وج14 ص34 و 561 و 569 و 583 وج20 ص173 و 174 و 358 و 603 وج21 ص31 و 32 و 34 و 35 و 37 و 38 و 39 و 40 و 66 و 86 و 88 وج22 ص113 و 115 و 121 وج23 ص4 و 9 و 325 و 554 و 635 و 637 وج30 ص23 و 418 و 419 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص368 و 370.



أو قال له: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(1) .

____________

1- ما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لأبي نعيم ص86 وثمار القلوب للثعالبي ص636 وراجع: تاريخ بغداد ج8 ص290 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص284 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص233 و 234 وسير أعلام النبلاء ج19 ص328 والبداية والنهاية ج7 ص386 والمناقب للخوارزمي ص156 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص430 و 516 وينابيع المودة = = ج2 ص249 وكشف الغمة ج1 ص238 و 335 وكشف اليقين ص208 و 250 ونهج الإيمان لابن جبر ص427 والإرشاد ج1 ص177 وكنز الفوائد ص232 والعمدة لابن البطريق ص106 و 170 و 195 و 344 والطرائف ص147 والمحتضر للحلي ص114 وبشارة المصطفى ص158 و402 وإعلام الورى ج1 ص262 و 329 وتنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص64 وبحار الأنوار ج21 ص388 وج37 ص108 و 142 و 251 وج38 ص344 وج94 ص110 وج95 ص321 ومسار الشيعة للمفيد ص39 والأمالي للصدوق ص50 ورسائل المرتضى للشريف المرتضى ج4 ص131 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص356 وروضة الواعظين للنيسابوري ص350 وشرح أصول الكافي ج5 ص196 وج6 ص120 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص134 و 246 و 277 و 344 و 354 وج8 ص261 و 278 و 279 و 302 و 303 وج9 ص186 والغدير ج1 ص11 و 222 و 233 و 272 و 275 و 276 و 392 و 402 والمعيار والموازنة ص212 والتفسير المنسوب للإمام العسكري "عليه‌السلام " ص112 وتفسير فرات ص516 وخصائص الوحي المبين ص97 و 153 وكنز الدقائق ج1 ص114 وشواهد التنزيل ج1 ص203 وج2 ص391.


ماذا جرى يوم الغدير؟!:

قال العلامة الأميني (رحمه‌الله ):

(فلما قضى مناسكه، وانصرف راجعاً إلى المدينة، ومعه من كان من


الجموع المذكورات، وصل إلى غدير خم من الجحفة، التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) . وأمره أن يقيم علياً علماً للناس، ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية، وفرض الطاعة على كل أحد.

وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة، فأمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يرد من تقدم منهم، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، ونهى عن سمرات خمس متقاربات، دوحات عظام، أن لا ينزل تحتهن أحد، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، فَقُمَّ ما تحتهن.

حتى إذا نودي بالصلاة ـ صلاة الظهر ـ عمد إليهن فصلى بالناس تحتهن، وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض رداءه على رأسه، وبعضه تحت قدميه، من شدة الرمضاء، وظلّل لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بثوب على شجرة سمرة من الشمس.

فلما انصرف (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من صلاته، قام خطيباً وسط القوم(2)

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- راجع: الغدير ج1 ص210 ـ 223 وقد صرح بنزول الآية في هذه المناسبة كثيرون، فراجع ما عن المصادر التالية: ابن جرير الطبري في كتاب الولاية في طرق حديث الغدير كما في ضياء العالمـين، والـدر المنثـور ج2 ص298 وفتح = = القدير ج2 ص57 و 60 عن ابن أبي حاتم، وكنز العمال ج11 ص603 وعن أبي بكر الشيرازي وابن مردويه، وكشف الغمة للأربلي ص324 و 325 وعن تفسير الثعلبي، والعمدة لابن البطريق ص100 والطرائف لابن طاووس ج1 ص152 و 121 ومجمع البيان ج3 ص344 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص29 وأبي نعيم في كتابه ما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " ص86 وخصائص الوحي المبين ص53 وأسباب النزول ص135 وشواهد التنزيل ج1 ص255 وتاريخ مدينة دمشق ج12 ص237 والتفسير الكبير للرازي ج12 ص49 ومفتاح النجا في مناقب آل العبا ص34 ومودة القربى (المودة الخامسة) وفرائد السمطين ج1 ص158 والفصول المهمة لابن الصباغ ص42 وعمدة القاري ج18 ص206 وغرائب القرآن للنيسابوري ج6 ص170 وشرح ديوان أمير المؤمنين للميبذي ص406 وعن أبي الشيخ، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن مردويه، وثمار القلوب للثعالبي ص636 وراجع: روح المعاني ج6 ص192 وينابيع المودة ج1 ص119 وراجع: تفسير المنار ج6 ص463 وبحار الأنوار ج37 ص115 ونور الثقلين ج1 ص657 وإعلام الورى ج1 ص261 وقصص الأنبياء للراوندي ص353 وكشف اليقين ص240 وتفسير القمي ج1 ص173 والصافي (تفسير) ج2 ص69.


على أقتاب الإبل، وأسمع الجميع رافعاً عقيرته(1) ، فقال:

____________

1- راجع: الغدير ج1 ص10 وراجع: بحار الأنوار ج37 ص166 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص544.


(الحمد لله، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد.. أيها الناس، قد نبأني اللطيف الخبير: أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟!

قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، و أن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حق، وناره حق، وأن الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟!

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: أيها الناس ألا تسمعون؟!

قالوا: نعم.

قال: فإني فرط على الحوض، وأنتم واردون علي الحوض، وإن عرضه ما بين صنعاء وبُصرى(1) ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين(2) .

____________

1- صنعاء: عاصمة اليمن اليوم. وبُصرى: قصبة كورة حوران من أعمال دمشق.

2- الثقل، بفتح المثلثة والمثناة: كل شيء خطير نفيس.


فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟!

قال: الثقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله عز وجل، وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، والآخر الأصغر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربي، فلا تَقَدَّموهما فتهلكوا، ولا تُقَصِّروا عنهما فتهلكوا.

ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟!

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات ـ وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات ـ ثم قال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب.

ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية (1) ) (2) .

____________

1- الآية 3 من سورة المائدة.

2- وقد روي نزول الآية في يوم الغدير في المصادر التالية: الغدير ج1 ص11 و 230 ـ 237 و 296 وروى ذلك الطبري في كتاب الولاية في طرق حديث الغدير، كما في ضياء العالمين. وتفسير القرآن العظيم ج2 ص14 عن ابن مردويه، والـدر = = المنثور ج2 ص259 وتاريخ مدينة دمشق ج12 ص237 والإتقان ج1 ص31 وكشف الغمة ج1 ص330 وعن مفتاح النجا، وعن الفرقة الناجية وما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لأبي نعيم ص56 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص828 وتاريخ بغداد ج8 ص290 ومناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص18 والعمدة لابن البطريق ص106 وشواهد التنزيل للحسكاني ج1 ص201 والمناقب للخوارزمي ص135 و156 وفرائد السمطين ج1 ص74 و72 وعن النطنزي في كتابه الخصائص العلوية، وتوضيح الدلائل للصالحاني، وتذكرة الخواص ص30 والبداية والنهاية ج5 ص210. وراجع: بحار الأنوار ج21 ص390 وج37 ص134 و 166 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص301 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص544 وإعلام الورى ج1 ص261 ـ 363 قصص الأنبياء للراوندي ص353 ـ 354 وتنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص20 وكشف اليقين ص253.


فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي.

ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وممن هنأه في مقدم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر، كلٌّ يقول: بَخٍ بَخٍ لك يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولايَ ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

وقال ابن عباس: وجبت والله في أعناق القوم(1) .

____________

1- الغدير ج1 ص10 و 11. وراجع: العمدة لابن البطريق ص104 ـ 106 وبحار = = الأنوار ج37 ص184 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص132 وج8 ص122 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص255 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص341 و 342 عن ابن المغازلي.


الخطبة برواية الطبري:

وعن زيد بن أرقم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطب في يوم الغدير خطبة بالغة، ثم قال: إن الله تعالى أنزل إليَّ:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) ، وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد، وأُعلم كل أبيض وأسود: أن علي بن أبي طالب أخي، ووصيي، وخليفتي، والإمام بعدي.

فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربي، لعلمي بقلة المتقين، وكثرة المؤذين لي، واللائمين لكثرة ملازمتي لعلي، وشدة إقبالي عليه، حتى سموني أذناً، فقال تعالى:( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) (2) . ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت.

فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه. فاعلموا معاشر الناس ذلك، فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه، جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا، فإن الله

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- الآية 67 من سورة المائدة.


مولاكم، وعلي إمامكم.

ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى القيامة، لا حلال إلا ما أحله الله ورسوله وهم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم.

فما من علم إلا وقد أحصاه الله فيَّ، ونقلته إليه؛ فلا تضلوا عنه، ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره، ولن يغفر له، حتماً على الله أن يفعل ذلك، أن يعذبه عذاباً نكراً أبد الآبدين.

فهو أفضل الناس بعدي، ما نزل الرزق، وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرئيل عن الله، فلتنظر نفس ما قدمت لغد.

إفهموا محكم القرآن، ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذ بيده، وشائل بعضده، ومُعْلِمُكم: أن من كنت مولاه فهذا (فعلي) مولاه، وموالاته من الله عز وجل أنزلها عليَّ.

ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره.

ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال:

معاشر الناس! هذا أخي، ووصيي، وواعي علمي، وخليفتي على من آمن بي، وعلى تفسير كتاب ربي.

وفي رواية: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، والعن من أنكره، وأغضب على من جحد حقه.


اللهم إنك أنزلت عند تبيين ذلك في علي:( ألْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (1) بإمامته، فمن لم يأتم به، وبمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة، فأولئك حبطت أعمالهم، وفي النار هم خالدون.

إن إبليس أخرج آدم (عليه‌السلام ) من الجنة، مع كونه صفوة الله، بالحسد(2) ، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم، وتزل أقدامكم.

في علي نزلت سورة( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر ) (3) .

معاشر الناس!( آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ) (4) . النور من الله فيَّ، ثم في عليٍّ، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.

معاشر الناس!( سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم، إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار. وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً، فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان و يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (5) ) (6) .

____________

1- الآية 3 من سورة المائدة.

2- لنا كتاب مستقل حول هذا الموضوع أسميناه "براءة آدم" راجع ذلك.

3- الآيتان 1 و 2 من سورة العصر.

4- الآية 47 من سورة النساء.

5- الآية 35 من سورة الرحمن.

6- الغدير للعلامة الأميني ج1 ص215 و 216 عن ضياء العالمين للفتوني عن كتاب = = الولاية للطبري. وراجع: كتاب الإحتجاج ج1 ص133 ـ 162 والتحصين لابن طاووس ص579 ـ 590 ونهج الإيمان لابن جبر ص91 ـ 112 والعدد القوية للحلي ص169 ـ 183 والصافي (تفسير) ج2 ص56 ـ 67 وفيها زيادات هامة، وبحار الأنوار ج37 ص201 ـ 219 وروضة الواعظين ص100 ـ 113 وغاية المرام ج1 ص402 ـ 419 وراجع: الصراط المستقيم ج1 ص301 ـ 304.


النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعلمهم التهنئة والبيعة:

وتذكر الروايات أيضاً: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال:

(معاشر الناس! قولوا أعطيناك على ذلك عهداً من أنفسنا، وميثاقاً بألسنتنا، وصفقة بأيدينا، نؤديه إلى من رأينا من أولادنا وأهالينا، لا نبغي بذلك بدلاً، وأنت شهيد علينا، و كفى بالله شهيداً.

قولوا ما قلت لكم، وسلموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين، وقولوا:( الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ ) (1) ، فإن الله يعلم كل صوت، وخائنة كل عين،( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (2) . قولوا ما يرضي الله عنكم،( فـ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ (3) ) (4) .

____________

1- الآية 43 من سورة الأعراف.

2- الآية 10 من سورة الفتح.

3- الآية 7 من سورة الزمر.

4- الغدير للعلامة الأميني ج1 ص508 و 509 و (ط دار الكتاب العربي) ص270 = = عن الطبري في كتاب الولاية ص 214 ـ 216، وعن الخليلي في مناقب علي بن أبي طالب. وعن كتاب النشر والطي. وعيد الغدير في الإسلام للشيخ الأميني ص20 وراجع: الصراط المستقيم ج1 ص303 وبحار الأنوار ج37 ص217.


قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم، سمعنا وأطعنا لما أمرنا الله ورسوله، بقلوبنا، وأنفسنا، وألسنتنا، وجميع جوارحنا.

ثم انكبوا على رسول الله، وعلى عليٍّ بأيديهم..

وكان أول من صافق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبو بكر وعمر، وطلحة والزبير، ثم باقي المهاجرين [والأنصار وباقي] الناس على طبقاتهم، ومقدار منازلهم، إلى أن صليت الظهر والعصر في وقت واحد، والمغرب والعشاء الآخ


وفي نص آخر: قال أبو بكر وعمر: أمسيت يابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة(1) .

____________

1- راجع: الغدير ج1 ص273 عن كتاب الولاية لابن عقدة، وعن المرزباني في كتابه سرقات الشعر، وعن الدارقطني، وعن الإبانة لابن بطة، وعن التمهيد للباقلاني، وعن العاصمي في زين الفتى، والصواعق المحرقة ص44 وكفاية الطالب ص62 ـ 64 وفيض القدير للمناوي ج6 ص218 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج7 ص13 والفتوحات الإسلامية ج2 ص306. والفضائل لابن شاذان ص133 وكتاب الولاية لابن عقدة ص155 وبحار الأنوار ج104 ص117 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص211 و 263 و364 و 405 و 412 وج8 ص82 وج9 ص97 و 143 و المراجعات ص282 والغدير ج1 ص11 و 273 و 281 و 282= = و 303 و 309 و 354 وشرح إحقاق الحق ج6 ص366 وج20 ص581 و 599 وج21 ص50 و 52 و 56 وج31 ص500 ونهج الإيمان ص127.


فقال حسان: إئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليٍّ أبياتاً تسمعهن.

فقال: قل على بركة الله.

فقام حسان، فقال: يا معشر مشيخة قريش، أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية، ثم قال(1) :

____________

1- الغدير للعلامة الأميني ج1 ص11 و 232 ورسائل المرتضى ج4 ص131 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص119 و 363 والمسترشد للطبري (الشيعي) ص469 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص94 والطرائف ص146 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص64 والجمل للمفيد ص117 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " وما نزل من القرآن في علي "عليه‌السلام " لابن مردويه ص233 والمناقب للخوارزمي ص136 وبحار الأنوار ج21 ص388 وج37 ص112 و 166 و 178 و 179 وكتاب الأربعين للماحوزي ص147 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص309 و 310 و 316 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص356 وج20 ص199 والأمالي للصدوق ص670 ونهج الإيمان لابن جبر ص116 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص42 وروضة الواعظين ص103 وشرح أصول الكافي ج6 ص120 ونظم درر السمطين ص112 والفصول المختارة للشريف المرتضى ص290 والإرشاد ج1 ص177 وأقسام المولى للشيخ المفيد ص35 والصراط المستقيم ج1 ص305 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص230 وكنز = = الفوائد ص123 ومسار الشيعة للشيخ المفيد ص39 وإعلام الورى ج1 ص262 والدر النظيم ص253 و 396 وكشف الغمة ج1 ص325.


يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم فاسمع بالرسول مناديا

يقول: فمن مولاكم ووليكم؟! فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت ولينا ولم تر منا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا: اللهم وال وليه وكن للذي عادا علياً معاديا

وحسب رواية سليم بن قيس:

ألم تعلموا أن النبي محمداً لدى دوح خم حين قام مناديا

وقد جاءه جبريل من عند ربه بأنك معصوم فلا تك وانيا

وبلغهم ما أنزل الله ربهم وإن أنت لم تفعل وحاذرت باغيا

عليك فما بلغتهم عن إلههم رسالته إن كنت تخشى الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفه بيمنى يديه معلن الصوت عاليا

فقال لهم: من كنت مولاه منكم وكان لقولي حافظاً ليس ناسيا

فمولاه من بعدي علي وإنني به لكم دون البرية راضيا

فيا رب من والى علياً فواله وكن للذي عادى علياً معاديا

ويا رب فانصر ناصريه لنصرهم إمام الهدى كالبدر يجلو الدياجيا


ويا رب فاخذل خاذليه وكن لهم إذا وقفوا يوم الحساب مكافيا(1)

وعن عمر بن الخطاب قال:

نصب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً علماً، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، اللهم أنت شهيدي عليهم.

قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! وكان في جنبي شاب حسن الوجه طيب الريح، قال لي: يا عمر لقد عقد رسول الله عقداً لا يحله إلا منافق.

فأخذ رسول الله بيدي فقال: يا عمر، إنه ليس من ولد آدم، لكنه جبرائيل أراد أن يؤكد عليكم ما قلته في علي(2) ..

____________

1- كتاب سليـم بن قيس ج2 ص828 و 829 و (بتحقيق الأنصـاري) ص356 وبحار الأنوار ج37 ص195.

2- الغدير للعلامة الأميني ج1 ص57 عن مودة القربى لشهاب الدين الهمداني، المودة الخامسة، وينابيع المودة ج2 ص73 و (ط دار الأسوة) ص284 عنه.

وراجع: خلاصة عبقات الأنوار ج7 ص187 وج9 ص273 والعقد النضيد والدر الفريد للقمي ص178 وشرح إحقاق الحق ج6 ص252 عن أرجح المطالب (ط لاهور) ص565 وج21 ص65 عن آل محمد (نسخة مكتبة السيد الأشكوري) ص453 وراجع: الدر النظيم ص253.



الفصل الرابع: هكذا حورب عيد الغدير..



بداية ضرورية:

لقد حاول مناوؤا علي (عليه‌السلام )، والرافضون لامامته بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يتخلصوا من حديث الغدير باتجاهان:

1 ـ تغييبه من التاريخ بادعاء أن هذه الواقعة أما حدث جاهلي، أو حدث اسلامي، ولكن لا ربط له بموضوع الإمامة، بل اريد به تبرئة علي (عليه‌السلام ) من تهمة وجهت إليه.

2 ـ تغيبه عن الممارسة ومنعه من الحضور في الواقع العملي عن طريق محاربته في كل سنة، والمنع من الإحتفال به..

3 ـ الطعن في أسانيده، وهذه الأمور الثلاثة هي التي سنتحدث عنها بايجاز في هذا الفصل..

4 ـ التشكيك في دلالة مضمونة، وهذا ما سنتعرض له في الفصول التي تليه.

وعلى هذا الأساس نقول:

حديث الغدير واقعة حرب:

زعم الدكتور ملحم إبراهيم الأسود: أن واقعة الغدير هي واقعة حرب


معروفة(1) .

ونقول:

إن من المعلوم: أنه ليس في غزوات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا في سراياه أية واقعة حرب معروفة بهذا الاسم.

وقد ذكر: أنه كان في الجاهلية واقعة حرب بهذا الإسم(2) ، وتطبيقها على حديث الغدير هنا لا معنى له، فإنه لم يكن للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولا لعلي (عليه‌السلام ) أدنى ارتباط به.. فلا معنى لتفسير المراد بذلك بصورة مطلقة، وبطريق التعميم.. فإن ما حدث في الإسلام وذكر فيه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلي (عليه‌السلام ) لا يمكن أن يراد به تلك الواقعة التي كانت في الجاهلية.

يوم الغدير لتبرئة علي (عليه‌السلام ):

قال ابن كثير: (فصل: في إيراد الحديث الدال على أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطب بمكان بين مكة والمدينة، مرجعه من حجة الوداع، قريب من الجحفة ـ يقال له غدير خم ـ فبين فيها فضل علي بن أبي طالب، وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة، التي ظنها بعضهم جوراً، وتضييقاً وبخلاً،

____________

1- الغدير للعلامة الأميني ج1 ص12 وج2 ص331 عن شرح ديوان أبي تمام ص381 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص569.

2- الأغاني ج10 ص14 و15 والعقد الفريد ج5 ص99.


والصواب كان معه في ذلك.

ولهذا لما تفرغ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بيان المناسك، ورجع إلى المدينة بيَّن ذلك في أثناء الطريق. فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذٍ ـ وكان يوم الأحد بغدير خم ـ تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. وذكر من فضل علي، وأمانته وعدله، وقربه إليه، ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه)(1) .

إلى أن قال: (قال محمد بن إسحاق ـ في سياق حجة الوداع ـ: حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: لما أقبل علي من اليمن، ليلقى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمكة، تعجل إلى رسول الله، واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل، فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي.

فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك! ما هذا؟

قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس.

قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز.

قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم(2) .

____________

1- البداية والنهاية ج5 ص227 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص414.

2- البداية والنهاية ج5 ص228 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص415 والسيرة النبوية لابن هشـام ج2 ص603 و (نشر مكتبـة محمد علي صبيح) ج4 ص1021 وبحـار = = الأنوار ج41 ص115 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص402 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص377 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص304 وتفسير الآلوسي ج6 ص194.


ثم روى ابن إسحاق، عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس علياً، فقام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فينا خطيباً، فسمعته يقول:

(أيها الناس لا تشكوا علياً، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يُشكى)(1) .

ونقول:

1 ـ قد تحدثنا عن القضية التي أشار إليها ابن كثير في فصل سابق.. فلا بأس بمراجعة ما ذكرناه هناك.

2 ـ إن ما زعمه ابن كثير من أن السبب هو قضية الحلل، التي من الخمس، حيث منع علي (عليه‌السلام ) المقاتلين من الإستيلاء عليها.. ليس له ما يدل عليه في كلمات الرسول في غدير خم، ولا في النصوص التاريخية التي

____________

1- البداية والنهاية ج5 ص228 وج7 ص381 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص415 وتفسير الآلوسي ج6 ص194 ومسند أحمد ج3 ص86 ومجمع الزوائد ج9 ص129 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص603 و (نشر مكتبة محمد علي صبيح) ج4 ص1022 وينابيع المودة ج2 ص398 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج4 ص1857 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص199 وتهذيب الكمال ج35 ص187 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص240 و 234 و 440 و 441 و 442 وج20 ص300 و 302 وج23 ص606 وج31 ص48.


يمكن التعويل عليها، بل هو مجرد حدس، وتخمين من ابن كثير على الأظهر.. إن لم نقل: أن وراء الأكمة ما وراءها من الكيد، والتعصب ضد علي (عليه‌السلام ).. والسعي لإنكار مقاماته وفضائله..

والنصوص المعتبرة والمتواترة صريحة: بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد نصب علياً (عليه‌السلام ) ولياً في ذلك اليوم، وليست القضية قضية تبرئة علي (عليه‌السلام ) مما نسب إليه..

3 ـ إن نزول قوله تعالى:( ألْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَـكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ) (1) شاهد صدق على ما نقول، ويسقط ما يريد ابن كثير أن يسوِّق له.. وسيأتي الكلام حول ذلك إن شاء الله تعالى..

4 ـ إن الخطبة التي رواها ابن إسحاق هي خطبة أخرى، لا ربط لها بما جرى في غدير خم.. ولكن ابن كثير اجتهد في تطبيق هذه على تلك، وتجاهل الخطبة الحقيقية، والنصوص الصحيحة المتواترة، الآتي شطر منها.

يوم الغدير عيد:

هذا.. ولا حاجة بنا إلى إثبات أن يوم الغدير عيد إسلامي أصيل، وأنه لم يزل معروفاً بهذه الصفة منذ القرون الثلاثة الأولى.

فلا يصح قول المقريزي عن عيد الغدير: (أول ما عرف في الإسلام

____________

1- الآية 3 من سورة المائدة.


بالعراق، أيام معز الدولة علي بن بويه، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة، فاتخذه الشيعة من حينئذٍ عيداً)(1) .

ويدل على بطلانه:

1 ـ قول المسعودي: (وولْدُ علي (عليه‌السلام )، وشيعته يعظمون هذا اليوم)(2) .

والمسعودي قد توفي قبل التاريخ المذكور، أي في سنة 346 هـ.

2 ـ وروى فرات بن إبراهيم، وهو من علماء القرن الثالث عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه (عليهم‌السلام )، قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي الخ..)(3) .

3 ـ وعن أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) أنه خطب في سنة اتفق فيها الجمعة والغدير، فقال: (إن الله عز وجل جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين..).

____________

1- الخطط للمقريزي ج1 ص288.

2- التنبيه والإشراف ص221 و 222.

3- راجع: الغدير ج1 ص283 والأمالي للصدوق ص188 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج2 ص264 وبحار الأنوار ج37 ص109 وج94 ص110 ونور الثقلين ج1 ص589 وبشارة المصطفى للطبري ص49 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص339 وروضة الواعظين ص102.


والخطبة طويلة يأمرهم فيها تفصيلاً بفعل ما ينبغي فعله في الأعياد، وبإظهار البشر والسرور، فمن أراد فليراجع(1) .

4 ـ وعن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ): قال: قلت: جعلت فداك، للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى، ويوم الجمعة، ويوم عرفة؟!

قال: فقال لي:( نعم، أفضلها، وأعظمها، وأشرفها عند الله منزلة، هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأنزل على نبيه محمد: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية (2) ) (3) .

5 ـ وفي الكافي: عن الحسن بن راشد، عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )

____________

1- مصباح المتهجد ص698 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص754 والغدير ج1 ص284 عنه، ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص445 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص327 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج2 ص256 والمصباح للكفعمي ص697 وبحار الأنوار ج94 ص114 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص421 والغدير ج1 ص284 ومسند الإمام الرضا "عليه‌السلام " للعطاردي ج2 ص23 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " ج8 ص72.

2- الآية 3 من سورة المائدة.

3- الغدير ج1 ص284 و 285 وتفسير فرات ص117 حديث 123 ومستدرك الوسائل ج6 ص278 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص473 وبحار الأنوار ج37 ص169 وجامع أحاديث الشيعة ج6 ص180 و 313 و 413.


أيضاً: أنه اعتبر يوم الغدير عيداً.

وفي آخره قوله: (فإن الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيداً).

قال: قلت: فما لمن صامه؟!

قال: (صيام ستين شهراً)(1) .

6 ـ ويؤيده: ما رواه الخطيب البغدادي، بسند رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم الخ..)(2) .

____________

1- الكافي ج4 ص148 و 149 والغدير ج1 ص285 عنه، ومصباح المتهجد ص680 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص737 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج1 ق3 ص519 ومشارق الشموس (ط.ق) ج2 ص451 والحدائق الناضرة ج13 ص361 وجامع المدارك ج2 ص224 وثواب الأعمال للصدوق ص74 ومن لا يحضره الفقيه ج2 ص90 وتهذيب الأحكام ج4 ص305 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص441 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص324 وبحار الأنوار ج37 ص172 وج94 ص111 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص420 وبشارة المصطفى للطبري ص364.

2- تاريخ بغداد ج8 ص290 و (ط دار الكتب العلمية) ج8 ص284 وأشير إليه في تذكرة الخواص ص30 والمناقب للخوارزمي ص94 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص156 وفيه ستين سنة بدل ستين شهراً، ومناقب الإمـام عـلي = = "عليه‌السلام " لابن المغازلي ص19 وفي فرائد السمطين الباب13 ج1 ص77 كما في المناقب للخوارزمي، والغدير ج1 ص232 و 401 و 402 عنهم، وعن زين الفتى للعاصمي. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص114 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص425 والأمالي للصدوق ص50 وشرح أصول الكافي ج5 ص196 وج6 ص120 وينابيع المودة ج2 ص283 والطرائف ص147 وروضة الواعظين ص350 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص134 و 187 و 246 و 277 و 344 و 348 و 354 وج8 ص277 و 281 و 292 و 293 و 301 و 302 والعمدة لابن البطريق ص106 وبحار الأنوار ج37 ص108 وج94 ص110 وج95 ص321 وتفسير الآلوسي ج6 ص194 وشواهد التنزيل ج1 ص200 و 203 وكتاب الأربعين للماحوزي ص148 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص233 و 234 وبشارة المصطفى للطبري ص158 و 402 وكشف الخفاء للعجلوني ج2 ص258 وشرح إحقاق الحق ج6 ص234 و 255 و 353 وج14 ص289 و 290 و 291 وج20 ص197 وج21 ص61 و 64 وج30 ص77 و و 78 و 79 والبداية والنهاية ج5 ص233 و 386.


7 ـ وفي رواية أخرى: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أوصى علياً (عليه‌السلام ) أن يتخذوا ذلك اليوم عيداً(1) .

____________

1- الكافي ج4 ص149 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص440 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص323 وبحار الأنوار ج37 ص172 والغدير ج1 ص285 و 286 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج1 ق3 ص519 وجامـع أحـاديث = = الشيعة ج9 ص419 والحدائق الناضرة ج13 ص362 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص342.


8 ـ وليراجع ما رواه المفضل بن عمر، عن الصادق (عليه‌السلام )(1) .

9 ـ وما روي عن عمار بن حريز العبدي عنه (عليه‌السلام )(2) .

10 ـ وعن أبي الحسن الليثي عنه (عليه‌السلام )(3) .

____________

1- الخصال ج1 ص264 والغدير ج1 ص286 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص443 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص325 وبحار الأنوار ج94 ص11 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص421 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص342.

2- مصباح المتهجد ص680 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص737 والغدير ج1 ص286 وبحار الأنوار ج95 ص298 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص444 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص 326 ومستدركات علم رجال الحديث ج8 ص470 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص344 والحدائق الناضرة ج10 ص535 وجامع أحاديث الشيعة ج7 ص411 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " ج8 ص33.

3- الغدير ج1 ص287 عن الحميري، ومستدرك الوسائل ج6 ص276 وإقبال الأعمال ج2 ص279 وبحار الأنوار ج95 ص300 وجامع أحاديث الشيعة ج7 ص411 وموسوعة الإمام علي "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص343.


11 ـ وعن زياد بن محمد عن الصادق (عليه‌السلام )(1) .

12 ـ وعن سالم عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(2) .

13 ـ وقال الفياض بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومائتين، وقد بلغ التسعين: إنه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) في يوم الغدير، وبحضرته جماعة من خاصته، قد احتبسهم للإفطار، وقد قدم إلى منازلهم الطعام، والبر والصلات، والكسوة حتى الخواتيم والنعال، وقد غير من أحوالهم، وأحوال حاشيته، وجددت لهم آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه(3) .

____________

1- مصباح المتهجد ص679 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص736 والمصباح للكفعمي ص688 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص419 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص443 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص326 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " ج8 ص38.

2- الكافي ج4 ص149 والغدير ج1 ص285 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج1 ق3 ص519 والحدائق الناضرة ج13 ص362 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص440 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص323 وإقبال الأعمال ج2 ص263 وبحار الأنوار ج37 ص172 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص419 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " ج6 ص192 وج7 ص392 وج8 ص36.

3- الغديـر ج1 ص287 ومصبـاح المتهجد ص696 و (ط مؤسسة فقه الشيعـة) = = ص752 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص444 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص326 وبحار الأنوار ج94 ص112 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص421 ومسند الإمام الرضا "عليه‌السلام " للعطاردي ج2 ص21 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليه‌السلام " ج8 ص70 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص346.


وفي المحتضر، بالإسناد، عن محمد بن علاء الهمداني الواسطي، ويحيى بن جريح البغدادي، قالا في حديث: قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمي، صاحب الإمام أبي محمد العسكري (عليه‌السلام )، بمدينة قم، وقرعنا عليه الباب، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده، فإنه يوم عيد.

فقلنا: سبحان الله، أعياد الشيعة أربعة: الأضحى، والفطر، والغدير، والجمعة الخ..)(1) .

وبعد.. فقد حشد العلامة الأميني، في كتابه القيم: (الغدير) عشرات النصوص عن عشرات المصادر الموثوقة عند أهل السنة، والتي تؤكد على عيدية يوم الغدير في القرون الأولى، وأنه كان شائعاً ومعروفاً في تلك العصور..

وتكفي مراجعة الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر

____________

1- الغدير ج1 ص287 وبحار الأنوار ج31 ص120 وج95 ص351 والمحتضر ص93.


لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بهذه المناسبة، فقد ذكر ذلك عن ستين مصدراً..

هذا.. عدا المصادر الكثيرة التي ذكرت تهنئة الصحابة له (عليه‌السلام ) بهذه المناسبة، وعدا المصادر التي نصت على عيدية يوم الغدير، فإنها كثيرة أيضاً(1) .

عيد الغدير لا أصل له:

ومن ذلك كله يعلم: عدم صحة قول ابن تيمية عن عيد الغدير: (إن اتخاذ هذا اليوم عيداً لا أصل له، فلم يكن في السلف، لا من أهل البيت، ولا من غيرهم، من اتخذ ذلك عيداً)(2) .

فإنه كلام ساقط عن الإعتبار، لأنه لا يستند إلى دليل علمي، ولا تاريخي على الإطلاق.. وإنما الأدلة كلها على خلافه.

____________

1- الغدير ج1 ص267 ـ 289 و 508 و 509 و (ط دار الكتاب العربي) ص270 عن الطبري في كتاب الولاية، وعن الخليلي في مناقب علي بن أبي طالب. وعن كتاب النشر والطي. وراجع: الصراط المستقيم ج1 ص303 وبحار الأنوار ج37 ص217. وراجع: التنبيه والإشراف للمسعودي ص222 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص367.

2- إقتضاء الصراط المستقيم ص294 و (ط سنة 1419هـ ـ 1999م) ج2 ص83.


ماذا يقول شانئو علي (عليه‌السلام )؟!:

ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة يعدل صيام ستين شهراً، ولكن نفوس شانئي علي (عليه‌السلام )، والمتحاملين عليه لم تحتمل سماع هذه الفضيلة له، فبادرت إلى تكذيبها بصورة قاطعة معززة بالأيمان المغلظة، وكان مستندهم في ذلك غريباً وعجيباً، فاستمع إلى ابن كثير وهو ينقل لنا ذلك عن الذهبي، فيقول عن هذا الحديث:

(إنه حديث منكر جداً، بل كذب، لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة، يوم عرفة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بها كما قدمنا.

وكذا قوله: إن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو يوم غدير خم، يعدل صيام ستين شهراً، لا يصح، لأنه قد ثبت ما معناه في الصحيح: أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهراً؟! هذا باطل.

وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث: هذا حديث منكر جداً. ورواه حبشون الخلال، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري، وهما صدوقان، عن علي بن سعيد الرملي، عن ضمرة.

قال: ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك، وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية.

قال: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


قاله، وأما: اللهم وال من والاه، فزيادة قوية الإسناد. وأما هذا الصوم فليس بصحيح، ولا والله، ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة، قبل غدير خم بأيام، والله تعالى أعلم)(1) .

ونقول:

إن كلام الذهبي مرفوض جملة وتفصيلاً، وذلك لما يلي:

1 ـ قد ذكرنا: أن نزول الآية في يوم عرفة في ضمن سورة المائدة لا يعني عدم نزولها مرة أخرى بعد ثمانية أيام في غدير خم..

بل إن ثمة آيات وسوراً قد نزلت أكثر من مرة لمناسبات اقتضت نزولها أكثر من مرة..

2 ـ إن هؤلاء رووا أيضاً: أن من صام رمضان ثم اتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر(2) .

____________

1- البداية والنهاية ج5 ص233 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص425.

2- سنن أبي داود ج1 ص544 ومجمع الزوائد ج3 ص183 وفتح الباري ج4 ص194 ومسند الحميدي ج1 ص188 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص163 وصحيح ابن خزيمة ج3 ص298 والمعجم الأوسط ج5 ص171 والمعجم الكبير ج4 ص136 وأمالي الحافظ الأصبهاني ص21 و 34 ومعرفة السنن والآثار ج3 ص450 والإستذكار ج3 ص379 والإنصاف للمرداوي ج3 ص343 وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص109 وج 321 والبرهان للزركشي ج2 ص136 الدر المنثور ج3 ص66 وتاريخ مدينة دمشق ج36 ص35.


3 ـ عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أنه كان يأمر بصيام البيض. ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. ويقول: (هو كصوم الدهر، أو كهيئة صوم الدهر)(1) .

4 ـ وعن علي (عليه‌السلام ): (في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة، كان له من الأجر كمن صام مائة سنة، وقام مائة سنة. وهي لثلاث ليال بقين من رجب. في ذلك اليوم بعث الله محمداً نبياً)(2) .

5 ـ وروي: من صام يوماً من رجب كان كصيام سنة(3) .

6 ـ عن ابن عمر عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): صوم يوم عرفة صوم

____________

1- مسند أحمد ج5 ص27 و 28 وسنن ابن ماجة ج1 ص544 وعمدة القاري ج11 ص96 والآحاد والمثاني ج3 ص268 وج4 ص289 والمعجم الكبير ج10 ص137 وج19 ص17 وراجع: مسند أبي داود الطيالسي ص170 وأسد الغابة ج4 ص195 و 414 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص294 وفتح الباري ج4 ص197 وشرح معاني الآثار ج2 ص81.

2- تذكرة الموضوعات للفتني ص116 وفضائل الأوقات للبيهقي ص96 والدر المنثور ج3 ص235.

3- فضائل الأوقات للبيهقي ص93 وكنز العمال ج8 ص578 وج12 ص311 والدر المنثور ج3 ص235.


سنة(1) .

وفي نص آخر: يعدله بصوم سنتين(2) .

7 ـ عن أبي قتادة قال: صيام يوم عرفة يعدل السنة والتي تليها، وصيام عاشوراء يعدل سنة(3) .

8 ـ وروي مرسلاً: صيام كل يوم من أيام العشر كصيام شهر، وصيام عرفة كصيام أربعة عشر شهراً(4) .

9 ـ وعن ابن عباس، عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من صام يوم عرفة كان له كفارة سنتين، ومن صام يوماً من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوماً(5) .

10 ـ وروى البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن ماجة وغيرهم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعبد الله بن عمرو: صم ثلاثة أيام من الشهر صوم

____________

1- مسند أبي يعلى ج10 ص17 وكنز العمال ج5 ص75 و 193 وشرح معاني الآثار ج2 ص72.

2- مسند أحمد ج5 ص307 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص152.

3- كنز العمال ج5 ص75 و 76 وراجع: السنن الكبرى للنسائي ج2 ص152 والطبقات الكبرى لابن سعد ج7 ص277.

4- كنز العمال ج5 ص76 وراجع: جامع أحاديث الشيعة ج9 ص427 ومستدرك الوسائل ج7 ص529.

5- مجمع الزوائد ج3 ص190 والمعجم الصغير ج2 ص71 والجامع الصغير ج2 ص614 والعهود المحمدية ص191 وكنز العمال ج8 ص572 وفيض القدير ج6 ص210.


الدهر كله(1) .

فهل يستطيع العجلوني والذهبي، ومن ينسج على منوالهما أن يحكم بكذب هذه الروايات كلها وسواها مما يدخل في هذا السياق، مع أن بعضها وارد في صحاحهم، ولا يكاد يخلو منه كتاب حديث لهم يتعرض لثواب صيام الأيام؟!

أم أن وراء الأكمة ما وراءها من التحامل على علي (عليه‌السلام )، والتشكيك في كل ما يؤيد إمامته، ويسعى لتكذيب ما جرى عليه وعلى زوجته فاطمة الزهراء (عليهما‌السلام ) بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

الإبتداع الغبي:

وقالوا عن سنة 389 هـ: (وفيها أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فيما يزعمونه، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السنّة؛ فادعوا: أنّه في مثل هذا اليوم حصر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأبو بكر في الغار، فامتنعوا من ذلك)(2) .

____________

1- مسند أحمد ج2 ص189 وسنن النسائي ج4 ص214 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص299 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص131.

2- راجع: البداية والنهاية ج11 ص325 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج11 ص373 والمنتظـم ج7 ص206 وشذرات الـذهـب ج3 ص130 والخطط = = المقريزية ج1 ص389 والكامل في التاريخ ج9 ص155 وذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ج3 ص339 ـ 340 ونهاية الإرب ج1 ص185.


واستمر أهل السنّة يعملون هذا العيد المزعوم دهراً طويلاً. وقد أظهروا فيه الزينة، ونصب القباب، وإيقاد النيران الخ..(1) .

ونقول:

1 ـ إن الشيعة لم يبتدعوا هذا الأمر من عند أنفسهم، وإنما عملوا بقناعاتهم، وبما ثبت لديهم أنه من الدين، فهل الذي يعمل بقناعاته الإيمانية، التي يستند فيها إلى الدليل والبرهان القاطع يعتبر جاهلاً؟!..

2 ـ وهل يصح مساواة من يعمل بما ثبت لديه بالدليل بالذي يعتدي عليه من غير حق، وبدون وجه شرعي، وإنما لمجرد البغي عليه، والتجبر فيه، والتحكم به، انطلاقاً من العصبية والهوى؟!

3 ـ وإذا كان هذا الرجل قد اعترف بأن المعتدين على الشيعة جهلة من حيث إن هؤلاء المعتدين هم أهل نحلته، وهو أعرف الناس بهم، فمن أين علم أن الآخرين جهلة أيضاً، ولماذا يتهمهم بما لا يحق له اتهامهم به؟!

4 ـ ولماذا لا يردع عقلاء أهل السنة جهلاءهم المعتدين عن عدوانهم؟!

____________

1- راجع: البداية والنهاية ج11 ص325 ـ 326 وشذرات الذهب ج3 ص130 والمنتظم ج7 ص206 والكامل في التاريخ ج9 ص155 وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 380 ـ 400 هـ) ص25 وعن تاريخ كزيده ص148 وذيل تجارب الأمم للوزير أبي شجاع ج3 ص339 ـ 340.


5 ـ وما هو المبرر لاختراع عيد جديد لم نجد من علمائهم أية إدانة له، أو اعتراض عليه، رغم اعترافه بأنه بدعة، والبدعة لا يصح ترويجها، ورغم أنهم حنابلة يتشددون في مثل هذا الأمر إلى حد تكفير فاعله ولا سيما إذا أصر عليه؟! ولا أقل من أنهم يرون ذلك خروجاً عن حدود الشرع والدين، فلا بد لهم من النهي عن المنكر..

فكيف إذا استمر هذا العيد بينهم دهراً طويلاً، كما صرحوا به أنفسهم، دونما مانع أو رادع؟!

6 ـ واللافت هنا: أن علماءهم ينسبون هذا العيد إلى العوام، ويتحاشون التعبير بكلمة عيد، وينأون بأنفسهم عن توصيفه بالبدعة، فيقولون: عمل عوام السنة يوم سرور، وكأن الأسماء تغير الواقع وتلغيه.

ولكن ما أسرعهم إلى وصم الآخرين الذين يخالفونهم في الإجتهاد والرأي ـ ولو كانوا من أهل السنة بالكفر ـ والشرك، وما إلى ذلك، لأتفه الأسباب، وأوهى العلل..

7 ـ والأدهى من ذلك كله.. : أن عيدهم هذا قد ارتكز على تزوير عظيم وظالم، لتاريخٍ بريء من هذا الأمر، براءة الذئب من دم يوسف، ولا علاقة له بموضوع الغدير والإمامة والبيعة، حيث الزموا أنفسهم بأن يجعلوا يوم الثامن عشر من ذي الحجة هو عيد الهجرة المرتبطة بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحصره بالغار! في حين أن الأمة بأسرها مجمعة على أن ذلك قد حصل في شهر ربيع الأول..

فلماذا لم يلفت علماؤهم نظرهم إلى هذا الخطأ الفادح والمعيب؟!


وإن كان علماؤهم يوافقونهم على ذلك، ولم يلتفتوا إلى هذا الخطأ فعلى الإسلام السلام..

8 ـ على أننا لا ندري لماذا اعتبروا يوم حصر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الغار يوم سرور وفرح؟! ولم لا يكون سائر ما جرى على النبي أعياداً، وايام فرح وسرور؟! مثل يوم قلع باب خيبر، ويوم فتح مكة، ويوم قتل عمرو بن عبد ود، وسائر أيام النصر أعياداً..

9 ـ إذا كان حصر النبي في الغار من موجبات السرور والفرح عند هؤلاء، فهل لنا أن نتوقع أن يتخذوا يوم وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم عيد أيضاً؟!.. تماماً كما اعتبروا يوم عاشوراء يوم توسعة على العيال، ولبس الجديد، وما إلى ذلك؟!


الفصل الخامس: حديث الغدير: ثابت.. ومتواتر..



المنكرون والمشككون...:

هناك من حاول الطعن في سند حديث الغدير، ولكن بصورة عشوائية وأهوائية، وهم إما لم يقدموا أي دليل على رفضهم لهذا الحديث، أو قدموا دليلاً، لا أساس له من الصحة.. فلاحظ ما يلي:

1 ـ زعم التفتازاني: أن أكثر الذين تنسب إليهم رواية حديث الغدير لم يرووه على الحقيقة(1) .

وهذا تحكم غير مقبول، ودعوى بلا دليل، ولا مبرر له من الناحية العلمية..

2 ـ زعم ابن تيمية: أنه لا ريب في كذب هذا الحديث(2) .

وهذا كسابقه، من حيث إنه محض دعوى لم يقدم دليلاً عليها، ولو جاز رد الأحاديث بهذه الطريقة لبطل الدين، ومحقت شريعة سيد المرسلين..

كما أنه لو جاز رد الأحاديث التي لها هذه الأسانيد الصحيحة والمتواترة كما سنرى، فإنه لا يمكن إثبات أية حقيقة على الإطلاق..

____________

1- شرح المقاصد ج5 ص274.

2- منهاج السنة ج4 ص85.


3 ـ وثمة من طعن في حديث الغدير، واعترف بصحة الدعاء: وهو قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وقال: لم يخرِّج غير أحمد إلا الجزء الأخير من قوله: (اللهم وال من والاه إلخ..)(1) .

وهذا الكلام أيضاً تحكم باطل.. وأدنى مراجعة للمصادر تظهر ذلك، على أن نفس هذا الدعاء الذي اعترف بصحته كاف في إثبات إمامته (عليه‌السلام ).. فإن من يكون كذلك هو الذي يصلح لمقام الإمامة، بل يكون هو الإمام دون سواه، ولا سيما قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): وانصر من نصره، واخذل من خذله..

4 ـ وثمة من يقول: (لم يروه علماؤنا)(2) ، ويقول: (لا يصح من طريق الثقات)(3) .

وهذا كذب صراح، فإن المصادر التي تقدمت تكفي في إثبات زيفه..

5 ـ ومثله قول بعضهم: (لم يذكره الثقات من المحدثين)(4) إذا ما أكثر الثقات الذين رووه وذكروه..

____________

1- الغدير ج1 ص315 عن نجاة المؤمن لمحمد محسن الكشميري.

2- الغدير ج1 ص315 عن ابن حزم في المفاضلة بين الصحابة.

3- الغدير ج1 ص315 والفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص148 وعنه في منهاج السنة ج4 ص86.

4- الغدير ج1 ص316 عن السهام الثاقبة لسبط ميرزا مخدوم بن عبد الباقي.


6 ـ وهناك من يزعم: أنه لم يخرجه إلا أحمد في مسنده(1) .

وكل ذلك تحكم جائر، وتمحل غبي، يظهر عواره للعيان، حتى للعميان، فضلاً عن العوران والحولان..

مصادر حديث الغدير:

قد جمع العلامة الأميني في كتابه القيم (الغدير) طائفة كبيرة من مصادر حديث الغدير، ولكنه لم يستطع أن يستقصيها كلها أو أكثرها، ويمكن الإستدراك عليه بمثل ما جمعه أو يزيد.

وقد ألف الكثيرون في مصادر هذا الحديث وطرقه، وأسانيده ـ كما سيمر معنا ـ وكثير من رواياته هي في عداد الصحاح والحسان..

علماً بأن هذا الحديث متواتر بلا ريب، وتواتره يغني عن النظر في أسانيده، فلا عبرة بعدها بتضعيف بعض ما لا خبرة له..

طرق حديث الغدير:

قال العلامة الأميني (رحمه‌الله ): (رواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقاً، وابن جرير الطبري من نيف وسبعين طريقاً، والجزري المقري من ثمانين طريقاً، وابن عقدة من مائة وخمس طرق، وأبو سعيد السجستاني من مائة وعشرين طريقاً، وأبو بكر الجعابي من مائة وخمس وعشرين طريقاً، وفي تعليق هداية العقول ج2 ص30 عن الأمير محمد اليمني (أحد شعراء

____________

1- الغدير ج1 ص315 عن نجاة المؤمن لمحمد محسن الكشميري.


الغدير في القرن الثاني عشر): إن له مائة وخمسين طريقاً)(1) . وكذا في طبق الحلوى، عن السيد محمد إبراهيم.

وأنهاها أبو العلاء العطار إلى مائتين وخمسين طريقاً(2) .

وجمع الدارقطني الحافظ طرقه في جزء(3) .

وجمع الحافظ ابن عقدة الكوفي كتاباً مفرداً فيه الخ..(4) . عن سبعين صحابياً وأكثر(5) .

وقال العسقلاني في فتح الباري: (وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها

____________

1- الغدير ج1 هامش ص14 وذكر تفاصيل ذلك ص152 ـ 158.

2- الغدير ج1 هامش ص302 و 158 عن القول الفصل ج1 ص445 للعلوي الهدار الحداد، ونهج الإيمان لابن جبر ص133 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص678.

3- الغدير ج1 ص154 و 297 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص50 عن كفاية الطالب ص60.

4- كفاية الطالب ص59 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص102 والغدير ج1 ص297 وكتاب الولاية لابن عقدة ص139.

5- تهذيب التهذيب ج7 ص339 و (ط دار الفكر) ج7 ص298 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص193 والغدير ج1 ص153 و 299 وكتاب الولاية لابن عقدة ص140 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص289.


ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان)(1) .

وقال العاصمي: (هذا حـديـث تلقتـه الأمـة بالقبول، وهـو مـوافـق بالأصول)(2) .

وقال ابن عبد البر عن حديث المؤاخاة، وحديثي الراية والغدير: (وهذه كلها آثار ثابتة)(3) .

وقال ابن المغازلي عن هذا الحديث: (وقد رواه نحو مائة نفس، منهم العشرة المبشرة، وهو حديث ثابت، لا أعرف له علة)(4) .

____________

1- الغدير ج1 ص153 و 399 و 304 و 310 وفتح الباري ج7 ص61 والمواهب اللدنية ج3 ص365 والصواعق المحرقة ص42 و 43 ووسيلة المآل ص117 و 118 ونزل الأبرار ص54 وبحار الأنوار ج37 ص199 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص211 و 216 وينابيع المودة ج2 ص369 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص291 و 292 و 295.

2- الغدير ج1 ص295 عن زين الفتى.

3- الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص373 و (ط دار الجيل) ج3 ص1099 والغدير ج1 ص295 ومناقب أهل البيت "عليهم‌السلام " ص44.

4- مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص27 والعمدة ص108 والطرائف ص142 والصراط المستقيم ج1 ص300 وكتاب الأربعين للشيرازي ص121 وبحار الأنوار ج37 ص183 وكتاب الأربعين للماحوزي ص141 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص139 وج9 ص16 والغدير ج1 ص295 و 315 ونهج الإيمان ص122.


وفي سر العالمين: (أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم، باتفاق الجميع)(1) .

وفي المناقب لابن الجوزي: (اتفق علماء السير)(2) .

وقال السمناني: (هذا حديث متفق على صحته)(3) .

وقال الذهبي: (صدر الحديث متواتر، أتيقن أن رسول الله قاله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قاله، وأما (اللهم وال من والاه..) فزيادة قوية الإسناد)(4) .

كما أن شمس الدين الجزري روى حديث الغدير من ثمانين طريقاً، وأفرد في إثبات تواتره رسالته المسماة بـ (أسنى المطالب).

____________

1- سر العالمين ص21 وكتاب الأربعين للشيرازي ص284 وبحار الأنوار ج37 ص251 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص186 والغدير ج1 ص276 و 296 و 392.

2- بحار الأنوار ج37 ص150 وج109 ص19 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص350 وج9 ص195 والغدير ج1 ص296 و 392 والعدد القوية ص183.

3- العروة لأهل الخلوة ص422 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص314 و 315 والغدير ج1 ص297 و 396.

4- البداية والنهاية ج5 ص228 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص333 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص426 وراجع: الغدير ج1 ص 297 و 298 و (ط مركز الغدير للدراسات) ج1 ص132 و 133 وراجع: روح المعاني ج6 ص195 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص282.


وقال بعد ذكر مناشدة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يوم الرحبة: (هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام )..)(1) .

رواة حديث الغدير:

وتابع الأميني (رحمه‌الله ): ولا شك في أن هذا الحديث متواتر أيضاً عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير. والروايات الصحاح والحسان كثيرة فيه، رغم أن تواتر الحديث يغني عن النظر في الأسانيد، ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطِّلاع ولا بصيرة له في هذا العلم، فقد ورد مرفوعاً ـ كما قالوا ـ عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وحبشي بن جنادة، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وأسعد بن زرارة، وخزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وحذيفة بن اليمان، وسمرة بن جندب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم.

____________

1- الغدير ج1 ص298 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص186 و 190 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص102.


وصحح عن جماعة منهم ممن يحصل القطع بخبرهم(1) .

وقد أحصى العلامة الأميني رواية مائة وعشرة من الصحابة لهذا الحديث، وربما يمكن إضافة عدد وافر آخر إليهم بالإستفادة من الجهاز الآلي (الكمبيوتر)، تبعاً لازدياد المصادر التي تضاف إلى ذاكرته.

تواتر حديث الغدير:

تقدم معنا ما دل على تواتر حديث الغدير، ونزيد هنا قول جمال الدين الحسيني الشيرازي: أصل هذا الحديث ـ سوى قصة الحارث(2) ـ تواتر عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وهو متواتر عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أيضاً، ورواه جمع كثير، وجم غفير من الصحابة(3) .

وعن السيوطي أيضاً: إنه حديث متواتر(4) .

____________

1- الغدير ج1 ص298 و 299 وأسنى المطالب ص47 و 48 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص190 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص103.

2- أي التي نزلت آيات سورة المعارج بسببها.

3- الغدير ج1 ص301 و 302 عن الأربعين للشيرازي، وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص198 وج8 ص261 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص294.

4- فيض القدير ج6 ص218 وقطف الأزهار ص277 والبيان والتعريف ج3 ص75 و 233 والغدير ج1 ص300 و 308 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص291.


وعده المقبلي أيضاً في جملة الأحاديث المتواترة، والمفيدة للعلم(1) .

وقال محمد الصنعاني: حديث الغدير متواتر عند أكثر أئمة الحديث(2) .

وعده العمادي الحنفي من المتواترات(3) .

وراجع كتاب تشنيف الآذان ص77، فإنه حكم بتواتره وذكر طائفة من طرقه أيضاً.

الرازي.. والأربع مئة طريق:

يقول الرازي: (ظفرت بأربع مئة طريق إلى حديث الغدير، ومع ذلك لم يؤثر صحته في قلبي)(4) .

وللرازي مكانته المرموقة بين علماء أهل السنة، وهو هنا كما ترى يصرح بأنه ينقاد لدواعي الهوى والتعصب، وهذا تصريح خطير منه، نكل أمر الحكم عليه إلى ضمير القارئ، ليعرف مع من نتعامل، وبمن ابتلي علي

____________

1- الغدير ج1 ص306 عن كتاب الأبحاث المسددة في الفنون المتعددة، وعن هداية العقول إلى غاية السؤول ج2 ص30 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص213.

2- الروضة الندية ص154 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص218 والغدير ج1 ص307 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص296.

3- الصلات الفاخرة ص49 والغدير ج1 ص310.

4- رسالة في الإمامة للشيخ عباسي نجل الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة ص98.


أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وماذا يمكن أن يكون قد جرى لكثير من الحقائق المرتبطة به (عليه‌السلام ) التي لم توفق إلى أربع مئة طريق من الأسانيد؟! وهل بلغتنا؟! وإن كانت قد بلغتنا، فهل وصلت سليمة عن التحريف والتزييف، والتقليم والتطعيم؟!..

وإذا كان هذا هو حال علماء السلف القريب، فكيف كان حال سلف الرازي نفسه، والذين ذاقوا أو ذاق آباؤهم وإخوانهم طعم سيف علي (عليه‌السلام )، وواجهوا صلابته في دينه (عليه‌السلام )؟!

هذا مع العلم بأن الرازي يتهم بالتشيع أيضاً.. فاضحك بعد هذا، أو فابك، ما بدا لك..

ما أصعب أن يتواتر حديث الغدير!:

وكلنا يعلم مدى شراسة أعداء علي (عليه‌السلام )، ولا سيما الأمويين والعباسيين، وغيرهم ممن جاء بعدهم، وإلى يومنا هذا تجاه كل من يروي فضيلة لعلي (عليه‌السلام ) مهما كانت، ومدى الأخطار التي يواجهها العلماء في هذا المجال، حيث يتعرضون لمختلف أنواع الأذى، وأهونها تشويه السمعة، والإهانات والضرب والزج بالسجون، وقطع الأرزاق، إن لم يمكنهم قطع الأعناق..

هذا فضلاً عن أن الكثيرين من حملة الحديث كانت الأحقاد والضغائن تصدهم عن رواية أي شيء يتعلق بعلي (عليه‌السلام )، فهل يروون له حديث الغدير الذي يدينهم في اعتقادهم، ويسقط حجتهم؟!..

من أجل ذلك نقول:


إن تواتر هذا الأمر الذي يحاربه الأكثرون، ويعاقَبُ من يرويه بأشد ما يكون. لا يحتاج إلى كل هذا العدد الهائل، بل يكفي لإثباته، وظهور تواتره خمس هذا العدد، أو أقل من ذلك، ما دام أن الراوي له إنما يحمل دمه على كفه، ويخاطر بروحه ونفسه، ويسير إلى حتفه بظلفه..

وقد قال ابن قتيبة عن تعصب أهل السنة على علي (عليه‌السلام ) ما يلي:

(وتحامى كثير من المحدثين أن يحدثوا بفضائله (عليه‌السلام )، أو يظهروا ما يجب له.. وأهملوا من ذَكَرَه، أو روى حديثاً من فضائله، حتى تحامى كثير من المحدثين ثوابها، وعنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص، ومعاوية! كأنهم لا يريدونهما بذلك. بل يريدونه.

فإن قال قائل: أخو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي، وأبو سبطيه الحسن والحسين، وأصحاب الكساء: علي، وفاطمة، والحسن والحسين، تمعَّرت الوجوه، وتنكرت العيون، وطرَّت حسائك الصدور.

وإن ذكر ذاكر قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (من كنت مولاه فعلي مولاه)، و (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) واشباه هذا التمسوا لتلك الأحاديث المخارج ليتنقصوه ويبخسوه حقه). انتهى(1) .

____________

1- الإختلاف في اللفظ (ط دار القدسي بمصر سنة 1349 هـ) ص47 وفتح الملك العلي لأحمد بن الصديق المغربي ص154 ودفع الإرتياب عن حديث الباب لعلي بن محمد العلوي ص33.


أسباب إنكارهم التواتر:

ولأن الشيعة يقولون: لا بد في الأمور الإعتقادية الأساسية، ومنها الإمامة من الثبوت بالدليل القطعي، من العقل، أو النقل، فلا يكفي خبر الواحد.. فقد سعى بعض الناس إلى إنكار تواتر حديث الغدير، زعماً منهم أنهم بذلك يسقطون هذا الحديث عن صلاحية الإستدلال به..

وقد غفلوا عن أن المتواتر عند بعض علماء أهل السنة: هو الذي يرويه ثمانية من الصحابة(1) ، أو أربعة منهم(2) ، أو خمسة(3) ، بل إن هذا المدعي نفسه يجزم بتواتر حديث الأئمة من قريش، وقد رواه عندهم ثلاثة أشخاص فقط، هم: أنس، وابن عمر، ومعاوية، وروى معناه ثلاثة آخرون هم: جابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وعبادة بن الصامت(4) .

ومنهم من يحكم بتواتر حديث روي باثنتي عشرة طريقاً(5) ، وجوَّد

____________

1- الصواعق المحرقة ص23 والغدير ج1 ص321 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص35.

2- المحلى لابن حزم ج2 ص135 وج7 ص512 وج8 ص453 وج9 ص7 والغدير ج1 ص321 والفصول في الأصول للجصاص ج3 ص51 وفيض القدير ج1 ص649.

3- المنخول للغزالي ص329.

4- الفصل لابن حزم ج4 ص89.

5- البداية والنهاية ج7 ص289 ونظم المتناثر من الحديث المتواتر ص16.


السيوطي قول من حدد التواتر بعشرة(1) .

فكيف إذا كان الحديث مروياً بمئات الطرق ذكر منها بعضهم مائة وخمسين، وبعضهم الآخر مائتين وخمسين طريقاً عن أكثر من مائة وعشرة من الصحابة؟! والرازي يقول: (ظفرت بأربع مئة طريق إلى حديث الغدير..).

أما أحمد أمين، فقد فضح نفسه، حين قال: إن الشيعة يروون حديث الغدير عن البراء بن عازب.. فاقرأ واعجب، فما عشت أراك الدهر عجباً!

الغدير لم يخرِّجه الشيخان:

وطعن بعضهم في حديث الغدير: بأن البخاري ومسلم لم يخرِجاه(2) .

بل قال بعضهم: إن أحداً من أصحاب الصحاح لم يخرجه(3) .

مع أن الترمذي قد أخرجه في صحيحه، وكذلك ابن ماجة في سننه، فضلاً عمن عداهم، مثل الضياء في المختارة وغيره.

وعدم إخراج الشيخين له إنما يوجب الطعن بهما، من حيث إنه يشير

____________

1- ألفية السيوطي في علم الحديث ص44 والمجموع للنووي ج19 ص232 ونظم المتناثر من الحديث المتواتر ص 8.

2- شرح المقاصد للتفتازاني ج5 ص274 والمواقف لعضد الدين الأيجي ص405 والغدير ج1 ص316.

3- الغدير ج1 ص317 عن مرافض الروافض للسهارنپوري.


إلى تعصبهما، ومجانبتهما سبيل الإنصاف، واتباعهما طريق الإعتساف..

على أن هناك آلافاً من الأحاديث التي لم يخرجها الشيخان، فراجع المستدرك للحاكم، وتلخيصه للذهبي، فضلاً عن مستدركات أخرى ذكرها آخرون، فهل يرضى هؤلاء بإهمالها، أو بطمسها؟!

المؤلفات في حديث الغدير:

وقد أشار العلامة الأميني (رحمه‌الله ) إلى طائفة من المؤلفات في حديث الغدير بلغت ستة وعشرين مؤلفاً.

كما أن للعلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه‌الله ) كتاباً بعنوان: (الغدير في التراث الإسلامي) صدر عن دار المؤرخ العربي في بيروت سنة 1414 هـ. أشار فيه إلى الكثير مما لم يذكره العلامة الأميني (رحمه‌الله ).

وقد حكي عن الجويني الملقب بإمام الحرمين، وهو أستاذ الغزالي: أنه كان يتعجب ويقول: (رأيت مجلداً في بغداد في يد صحاف فيه روايات خبر غدير خم، مكتوباً عليه: المجلدة الثامنة والعشرون من طرق قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون)(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج37 ص236 والغدير ج1 ص158 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص545 وقاموس الرجال ج11 ص517 ونهج الإيمان لابن جبر ص134 وينابيع المودة ج1 ص113 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص292.


وقال الذهبي: رأيت مجلداً من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له، ولكثرة تلك الطرق(1) .

ثم إن أكثر من حضر يوم الغدير كان من أعراب البوادي، الذين ذهبوا وذهب ما عندهم، ولم ينقل شيء عنهم إلى غيرهم إلا ما شذ..

____________

1- تذكرة الحفاظ ج2 ص713 ومشكل الآثار ج2 ص308 والصواعق المحرقة ص42 و 43 والمعتصر من المختصر ج2 ص301 والمرقاة في شرح المشكاة ج10 ص476 والمسترشد للطبري (الشيعي) ص43 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص219 والغدير ج1 ص152 و 307 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لأحمد الرحماني ص808 وفتح الملك العلي لابن الصديق المغربي ص15.



الفصل السادس: خطبة الغدير: حدث.. ودلالة..



قبل أن يبدأ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطبته:

بعد ما جرى في عرفات، وإلى أن بلغ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غدير خم، خطب الناس مرات عديدة وجرت أحداث لها العديد من الإشارات والدلالات، ونذكر من ذلك:

ألف: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين خطب بمنى اسمع الله الناس كلهم صوته، لتكون هذه المعجزة تذكيراً للناس بالهيمنة والتصرف الإلهي، لكي لا يظنوا أن ما جرى في عرفة دليل على قوة أولئك المتجرئين وضعف في النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ولكي يعرفوا أن الله تعالى لم يعاملهم بعدله، وإنما عاملهم بحِلمه..

أي أنه إنما سكت عنهم رحمة بهم، وتكرماً وتفضلاً عليهم، وذلك يزيد في ظهور قبح عملهم، ولا بد أن يؤكد سر النبوة، ونبل وخلق الأصفياء، والأطياب من أهل الله تبارك وتعالى..

ب : ثم كانت مبادرته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للخروج من مكة بمجرد نفره من منى، فلم يطف بالبيت، ولم يدخل المسجد الحرام أصلاً، ولو لإلقاء نظرة الوداع على أحب الأمكنة إليه..

ج : ثم قطع المسافة بين مكة والجحفة، ثم غدير خم في مدة أربعة أيام،


مع أن عائشة بذلت محاولة لإعاقته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن مقصده هذا، حيث أصرت عليه أن يعمرها عمرة مفردة، فأخبرها بأن طوافها بالبيت، وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها، فأبت إلا أن تعتمر، فأرسلها مع أخيها إلى التنعيم لتعتمر منه، وواعدها أن تلقاه في مكان كذا وكذا..(1) .

د: إن حبس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المتقدمين في غدير خم، وانتظاره المتأخرين قد عرَّف الناس أن ثمة أمراً يريده النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منهم، حيث إنه لم يفعل ذلك إلا هذه المرة.. فهو لم يتركهم يجتمعون في بعض المنازل، ثم يقوم فيهم خطيباً، بصورة مفاجئة، لأنهم قد يتلقَّون ذلك على أنه أمر عادي من نبي يريد ان يعظ قومه، وأن ينصحهم، فلا يهتمون بالإصغاء إليه، وقد يخطر على بال بعضهم أن يذهب للإستراحة، أو

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج8 ص484 وراجع: نيل الأوطار ج5 ص59 ومسند أحمد ج6 ص122 و 43 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج2 ص151 و 196 و 201 و 202 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج4 ص32 و 33 وسنن النسائي ج5 ص178 وعمدة القاري ج9 ص195 وج10 ص98 و 123 و 125 ومسند ابن راهويه ج3 ص862 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص366 و 474 وشرح معاني الآثار ج2 ص202 و 203 وتغليق التعليق ج3 ص114 وصحيح ابن خزيمة ج4 ص339 وسبل السلام ج2 ص187 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص331 والمصنف لابن أبي شيبة ج4 ص231 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص189.


لأي حاجة أخرى.

كما أن الكثيرين منهم قد لا يبلغهم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يخطبهم، أو لا يبلغه خبر ذلك إلا بعد أن ينتهي الأمر، ولعل أحداً لا يعرف بما جرى أصلاً.

وخلاصة الأمر: إن هذا التصرف منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا بد أن يثير فيهم الرغبة للتدقيق فيما يجري، وسيجعلهم ذلك أشد انتباهاً وتيقظاً، وسعياً لتحليل الحدث وفهم معانيه ومراميه.. وستفقد سائر الصوارف قدرتها على التأثير في درجة اهتمامهم به..

هـ: ومما يضاعف شعورهم بخطورة وأهمية الحدث الذي ينتظرونه: أن هذا الإجراء قد جاء في حر الهاجرة، التي يصفها زيد بن أرقم بقوله: (ما أتى علينا يوم كان أشد حراً منه)(1) مع أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرأف الناس بالناس، وأشدهم عطفاً عليهم، وقد وصفه الله بقوله: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ(2) ، أي يعز عليه أدنى تعب ينالكم مهما كان قليلاً وضئيلاً..

و: ويتأكد ما ذكرناه: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منعهم من النزول تحت

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص533 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص248 وج9 ص83 والغدير ج1 ص32 والمعجم الكبير ج5 ص171 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص438 وج18 ص271 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص440 وراجع: شرح الأخبار ج1 ص99

2- الآية 128 من سورة التوبة.


دوحات خمس كانت هناك، وهي دوحات عظام متقاربات، وقد أمر بإزالة الشوك، وتمهيد المكان هناك..

وهذا يدل على أن عليهم أن ينتظروا حدثاً من نوعٍ مّا عند تلك الشجرات، ولا بد أن تبقى تلك الشجرات وما حدث عندها ماثلة في عمق وجدان وذاكرة الناس كل الناس..

حيث إنه في ذلك المكان بالذات نودي بالصلاة، فعمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إليهن، فصلى بالناس تحتهن، ثم نصب لهم علياً (عليه‌السلام ) ولياً وإماماً(1) .

علي (عليه‌السلام ) في السحاب:

وعن علي (عليه‌السلام ) أنه قال: عممني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم غدير خم بعمامة، فسدلها خلفي (أو فسدل طرفها على منكبي)، ثم قال: (إن الله أمدَّني (أيدني) يوم بدر وحنين بملائكة يعتمّون هذه العمة).

____________

1- الفصول المهمة لابن الصباغ ص241 والغدير ج1 ص10 و 26 و 27 عن مصادر كثيرة أخرى، والبداية والنهاية ج5 ص209 وج7 ص348 وتاريخ مدينة دمشق ج12 ص226 والصواعق المحرقة ص43. وراجع: كتاب الأربعين للماحوزي ص139 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص155 و 156 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص342 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص53 وغاية المرام ج1 ص299 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص147.


وقال: (إن العمامة حاجزة بين الكفر والإيمان)(1) .

وعن ابن شاذان في مشيخته عن علي (عليه‌السلام ): أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عممه بيده، فذنب العمامة من ورائه، ومن بين يديه، ثم قال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أدبر.

فأدبر.

ثم قال له: أقبل.

فأقبل.

وأقبل على أصحابه، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): هكذا تكون تيجان الملائكة(2) .

____________

1- مسند أبي داود ص23 وكنز العمال ج15 ص306 و 482 و 483 والسمط المجيد ص99 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص42 وفرائد السمطين ج1 ص75 و 76 وعن ابن أبي شيبة، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ج1 ص301 والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص14 والرياض النضرة ج3 ص170 والغدير ج1 ص291 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص234 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج5 ص10 وشرح الأخبار ج1 ص321 والفصول المهمة لابن الصباغ ص41 وعن الصراط السوي.

2- الغدير ج1 ص291 وفرائد السمطين ج1 ص76 ونظم درر السمطين ص112 وكنز العمال ج15 ص484 وراجع: وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج5 ص56 و (ط دار الإسلامية) ج3 ص377. =

= وراجع: كشف اللثام (ط.ج) ج3 ص263 والحدائق الناضرة ج7 ص127 والكافي ج6 ص461 وجواهر الكلام ج8 ص247 وغنائم الأيام ج2 ص353 وبحار الأنوار ج42 ص69 وج80 ص198 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص747 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص120 ورياض المسائل ج3 ص213.


والعمامة التي عممه بها تسمى السحاب(1) .

وقال ابن الأثير: (كان اسم عمامة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) السحاب)(2) .

قال الملطي: (قولهم ـ يعني الروافض ـ: علي في السحاب. فإنما ذلك قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي: أقبل، وهو معتم بعمامة للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كانت تدعى (السحاب).

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قد أقبل علي في السحاب، يعني في تلك العمامة التي تسمى (السحاب)، فتأولوه هؤلاء على غير تأويله)(3) .

وقال الغزالي والحلبي والشعراني: (وكانت له عمامة تسمى السحاب،

____________

1- الفردوس ج3 ص87 وفرائد السمطين ج1 ص76 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص236 والغدير ج1 ص290 و 291.

2- النهاية في اللغة ج2 ص345 وراجع: بحار الأنوار ج10 ص5 وج16 ص97 و 121 و 126 وج30 ص94 وشرح السير الكبير للسرخسي ج1 ص71 ونهج الإيمان لابن جبر ص497 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص271 ولسان العرب ج1 ص461 وتاج العروس ج2 ص68.

3- التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص19 والغدير ج1 ص292.


فوهبها من علي، فربما طلع علي فيها، فيقول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): طلع علي في السحاب)(1) .

قال الزبيدي: (ومن المجاز: عُمِّمَ ـ بالضم ـ أي سُوِّد، لأن تيجان العرب العمائم، فكلما قيل في العجم: توج، من التاج قيل في العرب: عمم.. وكانوا إذا سودوا رجلاً عمموه عمامة حمراء، وكانت الفُرْسُ تتوج ملوكها، فيقال له: المتوج..)(2) .

وقال: (والعرب تسمي العمائم التاج، وفي الحديث: (العمائم تيجان العرب) جمع تاج، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر، أراد أن العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك؛ لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤوس أو بالقلانس، والعمائم فيهم قليلة.. والأكاليل: تيجان

____________

1- إحياء علوم الدين ج2 ص345 والبحر الزخار ج1 ص215 والسيرة الحلبية ج3 ص341 و (ط دار المعرفة) ج3 ص452 والغدير ج1 ص292 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص563 و 564 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص 283 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص59 وبحار الأنوار ج16 ص250 وج38 ص297 ومستدرك سفينة البحار ج4 ص499 وج7 ص380 وسنن النبي للطباطبائي ص174 وتفسير الميزان ج6 ص319.

2- تاج العروس ج8 ص410 و (ط دار الفكر) ج17 ص506 والغدير ج1 ص290 وراجع: لسان العرب ج17 ص506.


ملوك العجم. وتوّجه: أي سوّده، وعممه)(1) .

وعن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (العمائم تيجان العرب)(2) .

ونقول:

1 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مازج بين حركة الواقع، وبين رمزه المشير إليه، الأمر الذي يجعل الإنسان يعيش الشعور التمثلي الرابط بين الواقع وبين الرمز بصورة واقعية..

2 ـ من أجل ذلك نلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اسبغ على علي (عليه‌السلام ) مقام الرئاسة والسيادة بإعلانه إمامته من بعده، ثم عممه بيده، ولم يطلب منه أن يلبس العمامة، وذلك لتتوافق هذه الحركة العملية الواقعية مع مضمون الموقف النبوي القاضي بنصبه (عليه‌السلام ) من قبل الله تعالى..

وكأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد للناس أن يربطوا بأنفسهم بين هذه الحركة

____________

1- تاج العروس ج2 ص12 و (ط دار الفكر) ج3 ص305 والغدير ج1 ص290 ولسان العرب ج2 ص219.

2- راجع بالإضافة إلى تاج العروس ج2 ص12: الجامع الصغير ج2 ص193 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص199 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج5 ص56 و 57 و (ط دار الإسلامية) ج3 ص378 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص119 وأدب الإملاء والإستملاء للسمعاني ص39 ومسند الشهاب لابن سلامة ج1 ص75 والغدير ج1 ص290 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص746 ونور الأبصار ص58 والفردوس للديلمي ج3 ص87 حديث رقم 4246.


الرمز ـ وهي أنه عممه بيده ـ وبين إنشاء الحاكمية له، لتصبح هذه الحركة بمثابة إنشاء عملي آخر منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. والعمائم تيجان العرب..

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يتوِّجه (عليه‌السلام ) بأية عمامة كانت، بل توجه بعمامة تميزت عما سواها، ولها إسم خاص بها، فعرَّف الناس أن العمامة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وذلك ليشير بذلك: أنه إنما يعطيه موقع خلافته، بما له من خصوصية امتاز بها عن كل ما سواه ـ وليفهمهم أنه يريده امتداداً له فيما يمثّله وفيما يوكل إليه من مهام، وبما هو مبلغ لرسالات الله تبارك، وتعالى.

كما أن اسم هذه العمامة (السحاب) ربما يشير إلى رفعة المقام، وصعوبة الوصول إليه من سائر الناس.

4 ـ ثم هو يتجاوز هذا الفعل التعبيري إلى التصريح القولي، بأنه يقصد بهذا التتويج معنى السيادة والحاكمية، فإن العمائم تيجان..

5 ـ ثم انتقل إلى ما هو أوضح وأدل، حين أعطى تصرفه هذا مضموناً دينياً عميقاً ومثيراً بإعلانه أن ما فعله بعلي من تتويجه بعمامته لا يشبه لبس غيره من الحكام والأسياد لعمائم السادة، بل هي سيادة خاصة ومقدسة، تمتد قداستها بعمقها الروحي، وبمضمونها الإيماني لترتبط بالسماء.. من حيث أن الملائكة فقط هم الذين يعتمون بهذه العمامة..

6 ـ ولم يكن فعل الملائكة هذا مجرد ممارسة لأمر يخصهم، ولا كان يريد لعلي أن يتشبه بهم في ذلك، أو أن يكون له شبه بهم، بل هو فعل له امتداداته الواقعية التي ترتبط بفعل جهادي وإيماني تجعل الملائكة يستمدون هذه


الخصوصية من علي نفسه، وذلك حين ذكر أن الملائكة تعتم بهذه العمامة في خصوص بدر وحنين، المتشابهتين في كثير من خصوصياتهما.

وهاتان الواقعتان هما لخصوص علي (عليه‌السلام )، لأنه هو الذي جاء بالنصر فيهما.. أما غير علي (عليه‌السلام )، فقد فر في إحداهما، ولم يظهر له أثر إيجابي جهادي في الأخرى..

7 ـ ثم جاء التصريح بعد التلميح، بأن هذه العمامة هي الحد الفاصل بين تلويثات الشرك، وبين الإيمان الخالص من دنس الشرك، مهما كان خفيفاً وضئيلاً، ولو كان أخفى من دبيب النمل، فإنه مرفوض بمختلف مظاهره وحالاته، ولو بمستوى أن يراود الخاطر، أو يلوث الوجدان أية استجابة لأي نوع من أنواع إيثار شيء من متاع الدنيا.

8 ـ أما ما نسبه الملطي للروافض، من أنهم قد تأولوا قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (طلع علي في السحاب)، فلعله لا يقصد بالروافض الإمامية الاثني عشرية أعزهم الله تعالى.. فإننا لا نشعر أن لديهم أي تأويل يعاني من أية شائبة تذكر..

أما غيرهم، فإن كان الملطي صادقاً فيما ينسبه لهم، فلسنا مسؤولين عن أفعال وأقوال أهل الزيغ، بل سنكون مع من يناوئهم، ويدفع كيدهم، ويسقط أباطيلهم.

أكثر من خطبة:

ويبدو: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد خطب الناس في أيام إقامته في غدير خم أكثر من مرة، فإن النصوص تارة تذكر أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


خطبهم في حر الهاجرة، بعد صلاة الظهر.. كما تقدم عن قريب، وتارة تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطبهم عشية بعد الصلاة(1) .

ويؤيد ذلك أمران:

أحدهما: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقي في ذلك المكان ثلاثة أيام، واختلاف أوقات الخطب.. في حر الهاجرة بعد صلاة الظهر تارة، وبعد صلاة العشاء أخرى يصبح أمراً طبيعياً..

والثاني: اختلاف نصوص الخطب المنقولة..

وتصرح بعض النصوص: بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان ينادي بأعلى صوته(2) .

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص109 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص437 وج9 ص321 وج18 ص272 وج21 ص41 وج24 ص189 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص153 وج7 ص105 و 261 و 339 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص24 والغدير ج1 ص31 والإكمال في أسماء الرجال ص119.

2- راجع: المناقب للخوارزمي ص94 والغدير ج1 ص277 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص235 وكتاب الولاية لابن عقدة ص198 وغاية المرام ج2 ص108 و 244 و 256 وج3 ص336 وكتاب الغيبة للنعماني ص75 وبحار الأنوار ج33 ص47 وراجع ج28 ص98 وكشف الغمة ج1 ص237 وراجع: الكافي ج8 ص27 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص185 وج2 ص42 والدرجات الرفيعة ص297 وتفسير نور الثقلين ج1 ص588.

هذا وقد تضمنت خطبته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ذلك المقام أموراً كثيرة، نود أن نشير إلى بعضها، ضمن ما يلي من عناوين..

الضلال والهدى:

استهل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطبته يوم الغدير بالحديث عن الهدى والضلال، وكل الناس يحبون ـ ويعتزون بالهدى، وبانتسابهم إليه، حتى لو لم تكن النسبة واقعية، ويربأون بأنفسهم عن الوصف بالضلال حتى لو كانوا من أهل الضلال بالفعل..

فإذا كان المتحدث نبياً، فالكل يحب أن يجد نفسه في عداد الفريق الذي يحبه ذلك النبي..

ولعل الكثيرين منهم قد أشعرتهم هذه البداية بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يبين لهم أمراً له مساس بموضوع الهدى والضلال.. وذلك يعني أن كل شخص منهم سيكون معنياً بما سيقوله..

يوشك أن أدعى فأجيب:

وأكد لهم على لزوم التنبه الشديد لما سيقوله لهم، حين ساق كلامه باتجاه مثيرٍ لمشاعر الخوف من المستقبل، الذي لا سبيل إلى معرفته، والرهبة من فقدان ما يرونه ضماناً لهم من كل شر وسوء، وما يشعرون معه بالسكينة والأمان في كل حركة وموقف، حيث قال لهم: (يوشك أن ادعى فأجيب..).

وهذا معناه: أن عليهم أن يهتموا بما سيقوله لهم، لأنه سيكون مفيداً في هدايتهم، وفي حفظهم في خصوص تلك المرحلة المخيفة، وأعني بها مرحلة


ما بعد موته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

كما أن ذلك يثير لديهم مشاعر الحب والحنان متمازجة مع الشعور بالحزن لموت الحبيب والطبيب.. ألا وهو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

إني مسؤول، وأنتم مسؤولون:

ثم أكد لهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شدة حساسية هذا الأمر، الذي يريد أن يثيره أمامهم حين قال: إني مسؤول، وأنتم مسؤولون..، فما أنتم قائلون؟!..

فساوى نفسه بهم في المسؤولية عن هذا الأمر، مما دل على أنه أمر بالغ الخطورة، وأن المسؤولية عنه تلاحقهم، والمطالبة به تنتظرهم، ولا سيما في الآخرة..

ثم أفهمهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه لا يريد أن يفرض عليهم أمراً بعينه، بل ترك الخيار لهم، في أن يقبلوا وأن يرفضوا، ولذلك قال: فما أنتم قائلون؟!..

أي أن المطلوب هنا هو إعطاء العهد والإلتزام، والإستجابة إلى الحق.. فمن نكث بعد ذلك، فإنما ينكث على نفسه..

التذكير بالمنطلقات العقائدية:

ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذكرهم بالركائز العقائدية، والإيمانية، ووضعهم أمام العقل والضمير لكي يكونا هما الحافز لهم لتقبل القرار الرباني، الذي سيثقل عليهم، بسبب هيمنة الأهواء والعصبيات عليهم، لكي تحميهم


تلك الركائز الإعتقادية، وحياة الضمير من طغيان الهوى، وجذبات الغرائز.. وارتكاس الجاهلية.. وحدد لهم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيته مرجعاً لهم في ظلمات الجهالة، وعند حيرة الضلالة..

بماذا.. ولماذا قررهم؟!:

ثم واجههم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأسئلة تقريرية تفرض عليه التنبه التام، والوعي لكل كلمة ينطق بها، فالسؤال يتطلب الإجابة، والإجابة مسؤولية وقرار، والتزام يحتاج منهم إلى استنطاق كل حرف ينطق به الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والتعامل معه بجدية تامة وبمسؤولية بالغة.

وستأتي النتيجة بعد ذلك كله في غاية الوضوح، وذات نتائج دقيقة وصادقة بالنسبة لبراءة ذمة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مما هو مسؤول عنه، وهو البلاغ التام لما أنزل عليه من ربه..

وبأسلوب التقرير الذي انتهجه معهم، منع أي تأويل، أو ادعاء لوجوهٍ اجتهادية في المعنى، أو اللجوء إلى التنصل بحجة عدم السماع، أو عدم الفهم، أو عدم الإلتفات أو غير ذلك مما يمكِّن ذوي الأغراض من تمييع القضية، أو الإنتقاص من حيويتها، أو من الشعور بأهميتها وخطورتها..

أما مضمون أسئلته التقريرية، فكان هوالأهم، من حيث أنه يدفع بوضوح القضية، وسلامة وصحة الإلتزام منهم أمام الله، وأمام ضمائرهم إلى أقصى مداه، فقد سألهم أولاً ـ بما هم جماعة ـ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم سألهم عن أولويته بكل فردٍ منهم من نفسه.. ليدلهم بذلك على أن الأمر يعنيهم بما هم جماعة لها شؤونها العامة.. ويعنيهم أيضاً بما هم أفراد


فرداً فرداً، بلحمه ودمه، وبكل وجوده..

ثم سألهم ثالثاً: عن حدود سلطتهم على أنفسهم، ويريد أن يسمع إقرارهم له بأن سلطته وولايته عليهم، وموقعه منهم فوق سلطة وموقعية وولاية حتى أمهاتهم وآبائهم، وحتى أنفسهم على أنفسهم.

وهذا يؤكد لهم: أن القرار الذي يريد أن يتخذه يعنيهم في صميم وجودهم، وينالهم في أخص شؤونهم وحالاتهم.

ولا بد أن يزيد ذلك من اهتمامهم بمعرفة هذا الأمر الخطير، والتعامل معه بإيجابية متناهية.

ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكتف بسؤالهم عن ذلك لمرة واحدة، بل كرر السؤال عن هذه الأمور الأساسية والحساسة عليهم ثلاث مرات، على سبيل التعميم أولاً، ثم على سبيل التحديد والتشخيص بفرد بعينه أخرى، فقد روي أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين.

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: أولى الناس بالمؤمنين أهل بيتي. يقول ذلك ثلاث مرات.

ثم قال في الرابعة، وأخذ بيد علي: اللهم من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ـ يقولها ثلاث مرات ـ ألا فليبلغ الشاهد الغائب(1) .

____________

1- الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص237 ـ 241 وكشف الغمة ج1 ص49 ـ 50 عن الزهري، وينابيع المودة ج1 ص118 ـ 119 وخلاصة عبقات الأنـوار ج7 = = ص229 وج9 ص109 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص234 و 301 وج21 ص93 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص118 وسعد السعود لابن طاووس ص71 وبحار الأنوار ج42 ص156 والغدير ج1 ص11 و 33 و 176 وحياة الإمام الحسين "عليه‌السلام " للقرشي ج1 ص199 وغاية المرام ج1 ص298 وقاموس الرجال للتستري ج11 ص215 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص66 وراجع: الإصابة لابن حجر (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص34.


وفي نص آخر: كرر ذلك أربع مرات(1) .

وعن البراء بن عازب: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نزل بعد حجته في بعض الطريق، وأمر بالصلاة جامعة، فأخذ بيد علي، فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!

قالوا: بلى.

قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟!

قالوا: بلى.

____________

1- مشكاة المصابيح ج3 ص360 وتذكرة الخواص ص29 وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج2 ص586 وعن مسند أحمد ج5 ص494 وكفاية الطالب ص285 وعن ابن عقدة، والغدير ج1 ص11 و 33 وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص258 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص54 وكتاب الأربعين للماحوزي ص143 و 144 و 145.


قال: فهذا ولي من أنا مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه(1) .

وفي نص آخر عن البراء: خرجنا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى نزلنا غدير خم، بعث منادياً ينادي.

فلما اجتمعنا قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟!

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: ألست أولى بكم من أمهاتكم؟!

قلنا: بلى يا رسول الله.

____________

1- الطرائف ص149 وكتاب الأربعين للشيرازي ص116 والعمدة لابن البطريق ص96 و 100 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص236 وبحار الأنوار ج37 ص159 ومسند أحمد ج4 ص281 وسنن ابن ماجة ج1 ص43 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص442 وج2 ص370 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص80 و 86 و 115 و 122 و 147 و 294 و 301 و 335 وج8 ص117 و 218 و 247 وج9 ص261 والغدير ج1 ص220 و 272 و 274 و 277 و 279 ونظم درر السمطين ص109 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص89 وتفسير الثعلبي ج4 ص92 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص221 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص632 وبشارة المصطفى ص284 والمناقب للخوارزمي ص155 ونهج الإيمان لابن جبر ص120 وينابيع المودة ج1 ص102 وج2 ص284 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص235 و 238 وج14 ص34 وج20 ص173 و 357 وج21 ص34 و 38 و 39 وج23 ص325 و 554 وج30 ص418 و 419.


قال: ألست أولى بكم من آبائكم؟!

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: ألست؟! ألست؟! ألست؟!

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).

فقال عمر بن الخطاب: هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم ولي كل مؤمن(1) .

التزيين الشيطاني:

وقد بدأ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خطبته بالإستعاذة بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا.. باعتبار أن الإنسان قد لا يبادر إلى بعض المعاصي إلا إذا زينها له الشيطان، وأظهرها له على غير واقعها، وقلب له الحقائق، فجعل له

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ج42 ص220 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج2 ص368 و 441 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص29 و 146 وج9 ص93 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص386 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص361 و 376 والغدير (ط مركز الغدير) ج1 ص50 ـ 53 و (ط دار الكتاب العربي) ج1 ص19 و 20 متناً وهامشاً عن مصادر كثيرة جداً.


القبيح حسناً، والعكس، ولو بإيهامه أن هذا من مصاديق ذلك العمل الحسن مثلاً قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ) ..(1) .

وقال تعالى: ( زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ) (2) .

وهناك أمور تكون زينتها ظاهرة فيها، من حيث أنها تلاءم نوازع النفس الأمارة، فيتلهي بزينتها عن التدبر في واقعها السيء، ومثال هذا جميع ما يندفع إليه الإنسان بغرائزه وشهواته، ومنها الإمارة والحكم..

فإن الإندفاع إلى الإمارة لا يحتاج إلى تزيين، بل النفس تشتهيها وتميل إليها، وربما يرتكب الإنسان من أجلها العظائم، والجرائم.

ولأجل ذلك استعاذ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من شرور النفس وسيئات الأعمال..

ولعله يريد بذلك الإلماح إلى ما سيكون بعده من منازعة الأمر أهله، والتحذير منه، لا سيما وأن بوادر ذلك قد ظهرت في عرفة، كما أوضحناه..

الله يعيذهم:

وقد أفهمهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن الله تعالى هو الذي يعيذهم من شرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، من حيث إنه المالك الحقيقي للتصرف،

____________

1- الآية 137 من سورة الأنعام.

2- الآية 37 من سورة التوبة.


فإذا كانوا صادقين في لجوئهم إليه تعالى، بقطعهم أية علاقة أو أمل بغيره، فسيجدون أنفسهم في حصن حصين، وسيعني هذا اللجوء الصادق استحقاقهم أن يعود تعالى عليهم بالفضل، ويفتح لهم أبواب الرحمة.. لتكون استقامتهم على طريق الحق ضماناً للكون في أمانه الدائم..

كما أنه حين يكون الإنسان نفسه هو السبب في أن توصد أبواب الرحمة في وجهه، فلن يستطيع أحد أن يفتحها له، إلا أن يصلح الإنسان نفسه ما أفسده، فإن الله وحده المالك الحقيقي لذلك، ولأجل ذلك قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا هادي لمن أضل إلخ..

وقد قال تعالى:( مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) .

الإعلان بالشهادتين:

وقد شهد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لله بالوحدانية، ولنفسه بالعبودية لله وبالرسولية، لينال ثواب الجهر بالشهادة، وليتلذذ بهذه العبارة، ولتكون موطئة لإقرار ذلك الحشد العظيم بمثل ذلك، وتسهيلاً لذلك عليهم، ورفعاً لاستهجانهم، وإبعاداً لأي احتمال قد يراود ذهن بعضهم حول مستوى ثقته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بصدق إيمانهم، وحقيقة إسلامهم..

كل ذلك لأنه يريد أن يأخذ منهم عهداً، ويريد أن يغلظ عليهم فيه، ليكون ذلك أدعى لإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم، وأقوى وأشد في تعظيم

____________

1- الآية 2 من سورة فاطر.


أمر النكث وتهجينه، واستقباح صدوره منهم، إن لم يكن تديناً، وخوفاً من العقوبة الأخروية، فالتزاماً بالإعتبارات التي يلزمون أنفسهم بها في الحياة الدنيا.

ولصاحب الحق أن يضيق الخناق على الباطل، وأن يؤكد وضوح الحق بكل وسيلة مشروعة، (أي لا تتضمن تمرداً على أمر الله تعالى)، فهو نظير ما فعله من إثارة معاني الغيرة، والحياء في الناس، لأجل ضبط حركة النساء في محيط الرجال، الذي استفاد منه أمير المؤمنين في قوله: أما تستحيون، ولا تغارون؟! نساؤكم يخرجن إلى الأسواق ويزاحمن العلوج(1) .

وهكذا فعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنه ذكرهم بأصل التوحيد، فشهدوا لله تعالى بالوحدانية، وبأصل النبوة، فشهدوا له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأنه رسول من الله إليهم، مما يعني أن ما يأتيهم به هو من عند الله؟!

وذكَّرهم بالنار التي يعاقب بها المتمردون على الله، المخالفون لرسوله، وبالجنة التي يثاب بها المطيعون لهما، وبأن الموت حق، والبعث والحساب

____________

1- الكافي ج5 ص537 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج20 ص236 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص174 ومشكاة الأنوار ص417 وجامع أحاديث الشيعة ج20 ص271 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج8 ص243 ومسند أحمد ج1 ص133 والشرح الكبير لابن قدامة ج8 ص144 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج3 ص780.


حق، فلماذا يتعلقون بالدنيا، ويفسدون آخرتهم من أجلها؟!

ثم ذكَّرهم بالإمامة، وبما يحفظ من الهداية والضلال، وبميزان الأعمال من خلال التأكيد على حديث الثقلين.

كل ذلك توطئة لنصب أمير المؤمنين (عليه الصلاة السلام) ولياً وهادياً، ومرجعاً وإماماً.

فليبلغ الشاهد الغائب:

ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يتكل على ما يعرفه من رغبة الناس بنقل ما يصادفونه في أسفارهم، إلى زوارهم بعد عودتهم، فلعل أحداً يكتفي بذكر ذلك مرة واحدة فور عودته، ثم لا يعود لديه دافع إلى ذكره في الفترات اللاحقة، فجاء أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم ليلزمهم بإبلاغ كل من غاب عن هذا المشهد، مهما تطاول الزمن، وجعل ذلك مسؤولية شرعية في أعناقهم، فقال: (فليبلغ الشاهد الغائب)(1) .

____________

1- الفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص238 وكتاب الأربعين للماحوزي ص144 وكشف الغمة ج1 ص49 ـ 50 عن الزهري، وخلاصة عبقات الأنوار ج1 ص258 وج7 ص229 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص234 و 301 وج21 ص93 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص118 وسعد السعود لابن طاووس ص71 وبحار الأنوار ج42 ص156 والغدير ج1 ص11 و 33 و 176 ونظرة إلى الغدير للمروج الخراساني ص55 وحياة الإمام الحسين "عليه‌السلام " للقـرشي ج1 ص199 وغـايـة المـرام ج1 ص299 وكشف المهم في = = طريق خبر غدير خم ص147 وراجع: الإصابة لابن حجر (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص34.


وبذلك يكون قد سد باب التعلل من أي كان من الناس بادعاء أن أحداً لم يبلغه هذا الأمر، وأنه إنما كان قضية في واقعة، وقد لا ينشط الكثيرون لذكرها، إن لم يكن ثمة ما يلزمهم بذلك.. ولعلهم قد كانت لديهم اهتمامات أخرى شغلتهم عنها..

الحب والبغض إختياريان:

وإثبات العقوبة الإلهية على الحب والبغض، والعداء والموالاة، يدل على أنهما من الأمور الاختيارية المقدورة للإنسان، ولو بواسطة قدرته على أسبابهما، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب..

وأكثر الأمور لا يقدر الإنسان عليها إلا بعد الإتيان بمقدماتها، فإن من يريد زيارة كربلاء مثلاً، يحتاج إلى قطع المسافة أولاً..

ولأجل ذلك دعا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في غدير خم، فقال: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه..

وأدر الحق معه حيث دار:

وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (وأدر الحق معه حيث دار) يدل على أن المولوية المجعولة لعلي (عليه‌السلام ) تختزن معنى الحق، والمسؤولية عنه، علماً، أو عملاً، أو كليهما.. ولولا ذلك لم يحتج إلى هذا الدعاء.


أي مولى الخلق لا بد أن يعرف الحق، وأن يلتزم به، وأن يفرضه في كل الواقع الذي يتحمل مسؤوليته.. ولذلك جاء هذا الدعاء: (وأدر الحق معه حيث دار).

حديث الثقلين:

وهذه المسؤولية عن الحق هي التي فرضت أن يقرن (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين القرآن والعترة لحفظ الأمة من الضلال، وأن يجعل استمرار هذا الاقتران بينهما من مسؤولية الأمة أيضاً.

ولا بد أن يكون اقتراناً متناسباً مع شمولية القرآن، ومع ما تضمنه من حقائق، وما يتوخى من موقف للأمة تجاهه.. ومتناسباً مع مسؤولية العترة تجاه القرآن في مجال العلم والعمل، والتربية، وما يترتب على ذلك من لزوم الطاعة والنصرة، وما إلى ذلك.. ولا يكون ذلك إلا بالتمسك به، وبالعترة، في العلم، وفي العمل والممارسة.. سواء في الأحكام أو في القضاء بين الناس، أو في السياسات، أو الإعتقادات، أو الأخلاق، و في كل ما عدا ذلك من حقائق، لهج وصرح بها القرآن الكريم. وهذا يختزن معنى الإمامة بكل أبعادها وشؤونها..

وانصر من نصره:

ويؤكد هذا المعنى، ويزيده رسوخاً قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (وانصر من نصره، واخذل من خذله..)، فإن إيجاب النصر له على الناس، وتحريم الخذلان إنما هو في صورة التعرض للتحدي، والمواجهة بالمكروه، من أي


نوع كان، ومن أي جهة صدر.

وذلك يشير إلى: أنه (عليه‌السلام ) هو المحق في كل نزاع يحاول الآخرون أن يفرضوه عليه، وأن على الأمة نصره، بردع المعتدي، فإن لم تستطع، فلا أقل من أن لا تنصر أعداءه عليه، وأن تعتقد بأن غيره ظالم له، معتد عليه، مبطل في ما يدَّعيه.

وقد جاءت هذه الإشارات اللائحة، والدلالات الواضحة قبل وفاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيسير، وقد واجه علي (عليه‌السلام ) المحنة التي فرضها عليه نفس هؤلاء الذين خاطبهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذا الخطاب!! واستنطقهم، وقررهم، وردوا عليه الجواب. وهم الذين هنأوا علياً (عليه‌السلام )، وبخبخوا له، وبايعوه، حتى قال ابن عباس: وجبت ـ والله ـ في أعناق القوم.

معنى الولاية في حديث الغدير:

قال السيد المرتضى (رحمه‌الله ): أولى بمعنى مولى، كما قاله أئمة اللغة في تفسير الآية(1) .

____________

1- راجع: رسائل المرتضى ج3 ص253 وج4 ص131 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج2 ص261 وراجع: العمدة لابن البطريق ص116 وبحار الأنوار ج37 ص238 وج37 ص240 وتفسير مجمع البيان ج8 ص125 ونهج الإيمان لابن جبر ص124 والصراط المستقيم ج1 ص308 والرسائل العشر للشيخ الطوسي ص135 وراجع: كنز الفوائـد ص229 وقـد ذكـر العلامـة الأميني = = طائفة كبيرة من أقوال العرب وأهل اللغة، فراجع كتاب الغدير ج1 ص345 ـ 348.


أما سائر معاني كلمة مولى فهي إما بديهية الثبوت لعلي، فيكون ذكرها في يوم الغدير عبثاً.. مثل: (ابن العم، والناصر) التي ذكر أنها من معاني (المولى).

وإما هي واضحة الإنتفاء، ولا يصح إرادتها. مثل: (معنى المعتِق والمعتَق، فلا يصح إرادتهما في مناسبة الغدير، لأن ذلك يستلزم الكذب فيهما.. وهو لا يصدر من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..).

فأجاب الرازي بما ملخصه: لو كان مولى وأولى بمعنى واحد لصح استعمال كل منهما مكان الآخر، فيصح أن يقال: هذا مولى من فلان.. كما صح أن يقال: هذا أولى من فلان(1) .

وأجاب علماؤنا على كلام الرازي هذا بما يلي:

أولاً: إن الترادف إنما يكون في حاصل المعنى، دون الخصوصيات التي تنشأ من اختلاف الصيغ، والإشتقاقات، أو أنحاء الإستعمال.. فكلمة (أفضل) تضاف إلى صيغة التثنيه بدون كلمة (من)، فيقال: زيد أفضل الرجلين، لكن حين تضاف إلى المفرد، فلا بد من كلمة من، فلا يقال: زيد

____________

1- راجع: التفسير الكبير ج29 ص227 والغدير ج1 ص350 و 351 عنه، وعن نهاية العقول، وتفسير الآلوسي ج27 ص178 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص181.


أفضل عمرو، بل يقال: زيد أفضل من عمرو.

ثانياً: لنأخذ معنى الناصر في كلمة (مولى).. فإنه يصح أن يقال: فلان ناصر دين الله، ولكن لا يصح أن يقال: فلان مولى دين الله.

وقال عيسى:( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ ) (1) . ولا يقال: من مواليّ إلى الله..

ويقال: الله ولي المؤمنين ومولاهم.. ويقال: فلان ولي الله، ولا يقال: مولى الله، كما ذكره الراغب(2) .

ويقال: إنك عالم. ولا يقال: إنَّ أنت عالم.

فالمولى اسم للمتولي، والمالك للأمر، والأولى بالتصرف. وليس صفة ولا هو من صيغ أفعل التفضيل بمنزلة الأولى، لكي يقال: إنه لا يأخذ أحكام كلمة (أولى) التي هي صفة..

ثالثاً: إذا لاحظنا المعاني المذكورة، فنقول:

ألف: إن كان المراد بالمولى المحب والناصر، فقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (من كنت مولاه فعلي مولاه).

إن كان المراد به: الإخبار بوجوب حبه (عليه‌السلام ) على المؤمنين، أو إنشاء وجوب حبه عليهم، فذلك يكون من باب تحصيل الحاصل، لأن كل مؤمن يجب حبه على أخيه المؤمن، فما معنى أن يجمع عشرات الألوف في ذلك المكان؟! ليقول لهم: يجب أن تحبوا أخاكم علياً؟!

____________

1- الآية 52 من سورة آل عمران.

2- مفردات الراغب ص533.


ولماذا يكون ذلك موازياً لتبليغ الرسالة وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ؟!(1) .

ولماذا يكمل به الدين، وتتم به النعمة؟!.

ولماذا يهنئه عمر وأبو بكر بهذا الأمر، ويقولان له: أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة؟! وكأنه لم يكن كذلك. قبل هذا الوقت باعتقادهما!!

ألم يكن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يحب بعضهم بعضاً؟!

ألم يكن الله قد اعتبر المؤمنين بمثابة الإخوة؟!

يضاف إلى ما تقدم: أن وجوب النصرة والمحبة لا يختص بعلي (عليه‌السلام )، بل يشمل جميع المؤمنين.

وإن كان المقصود هو إيجاب نصرة مخصوصة تزيد على ما أوجبه الله على المؤمنين تجاه بعضهم، فهو المطلوب، لأن هذا هو معنى الإمامة، ولا سيما مع الإستدلال على هذه النصرة الخاصة بمولوية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم..

وإن كان المراد الإخبار بأنه يجب على علي (عليه‌السلام ) أن يحب المؤمنين وأن ينصرهم.. فلا يحتاج هذا إلى جمع الناس يوم الغدير، ولا إلى نزول الآيات، وما إلى ذلك.. إذ كان يكفي أن يخبر علياً بأنه يجب عليه ذلك..

على أن ذلك يطرح سؤالاً عن السبب في تخصيص هذا الأمر بعلي؟!

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.


وعلى كل حال، فإن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (ألست أولى بكم من أنفسكم) يفيد أنها ولاية نصرة ومحبة ناشئة عن هذه الأولوية منهم بأنفسهم.. كما أن جعل وجوب نصرة علي (عليه‌السلام ) كوجوب نصرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم يؤكد ذلك..

فإن نصرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم إنما هي من حيث نبوته، وملكه لأمورهم، وزعامته عليهم.. وليست كوجوب نصرتهم أو محبتهم لبعضهم بعضاً.

ب: أما القول بأن المراد بالمولى المالك والمعتق، فيرد عليه: أنه لم يكن هناك مالكية حقيقية، ولا عتق، ولا انعتاق.

ج: إن كان المراد بكلمة مولى: السيد، فهو يقترب من معنى الأولى، لأن السيد هو المتقدم على غيره. وهذا التقدم ليس بالقهر والظلم، لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قرن سيادة علي (عليه‌السلام ) بسيادة نفسه، فلا بد أن يكون التقدم بالإستحقاق، من خلال ما يملك من مزايا ترجحه عليهم، وبديهي: أن أية مزية شخصية لا توجب تقدماً، ولا تجعل له حقاً عليهم، يجعله أولى بهم من أنفسهم، إلا إذا كانت هذه المزية قد أوجبت أن يجعل من بيده منح الحق ومنعه لصاحب هذه المزية مقام الأولوية بهذا المستوى الذي هو من شؤون النبوة والإمامة. وليس لأحد الحق في منح هذا المقام إلا لله تبارك وتعالى..

د: ولو كان المراد بكلمة المولى، المتصرف، والمتولي للأمر، فالأمر كذلك أيضاً، فإن حق التصرف إنما يثبت له بجعل من له الحق في الجعل، وهو الله


سبحانه وفق ما ذكرنا آنفاً..

الجمع بين المعاني:

وقد ذكر العلامة الأميني وغيره: أن الذي يجمع تلك المعاني كلها هو أن يراد: الأولى بالشيء، فإنه مأخوذ من جميع تلك المعاني بنوع من العناية، فـ (المعتِق) أولى. لأن له حقاً على (المعتَق)، وهو أولى به لتفضله عليه.

والمالك أولى بالمملوك، والسيد أولى بمن هم تحت سيادته، والابن أولى بالأب، والأخ أولى بأخيه، والتابع أولى بمتبوعه، والصاحب أولى بصاحبه الخ..

فالمعاني التي تذكر لكلمة مولى ليست معاني لها على سبيل الإشتراك اللفظي، بل هي خصوصيات في موارد استعمال كلمة مولى، ولا دخل لها في معناها وهو (الأولى). وقد اشتبه عندهم المفهوم بخصوصية المصداق.

وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (ألست أولى بكم من أنفسكم) يدل على ما نقول..

ويدل عليه أيضاً: ما ورد في بعض نصوص الحديث، من أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سأل الناس، فقال: فمن وليكم؟!

قالوا: الله ورسوله مولانا.

وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في نص آخر: (تمام نبوتي، وتمام دين الله في ولاية علي بعدي..) فإن ما يتم به الدين هو الولاية بمعنى الإمامة.

وفي بعض النصوص أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال في تلك المناسبة: هنئوني، هنئوني، إن الله تعالى خصني بالنبوة، وخص أهل بيتي بالإمامة..


يضاف إلى ذلك قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي.

ويؤيد ذلك أيضاً، بل يدل عليه: بيعتهم لعلي (عليه‌السلام ) في تلك المناسبة، وقد استمرت ثلاثة أيام.

وكذلك قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (إني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق ومكذبيهم، فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني) أو ما هو قريب من هذه المعاني، فإن طعن أهل النفاق، وخوف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من الإبلاغ إنما هو لأمر جليل كأمر الإمامة، ولا ينسجم ذلك مع إرادة المحب أو الناصر من كلمة المولى.

يضاف إلى ذلك، التعبير بكلمة: (نصب علياً)، أو (أمر الله تعالى نبيه أن ينصبني)، أو (نصبني) أو نحو ذلك.

وعبارة ابن عباس: وجبت والله في رقاب (أو في أعناق) القوم.

ونزول قوله تعالى:( وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) .

وثمة مؤيدات وقرائن أخرى ذكرها كلها العلامة الأميني في كتابه الغدير، فراجع الجزء الأول منه، فصل (القرائن المعيّنة لمعنى الحديث). وراجع الأحاديث الأخرى المفسرة لمعناه أيضاً في كتاب الغدير ج1 ص385 ـ 390.

أمهات المؤمنين يهنئن علياً (عليه‌السلام ):

وقد تقدم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر أمهات المؤمنين بأن يسرن إلى

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.


علي (عليه‌السلام ) ويهنئنه، ففعلن، وما ذلك إلا لأنه يريد أن يقطع العذر لمن تريد منهن أن تشن عليه حرباً ضروساً، يقتل فيها المئات والألوف، فليس لها أنها تدَّعي أنها بسبب عزلتها في خدرها، وكونها رهينة الحجاب، لم تعرف شيئاً مما جرى في يوم الغدير.

أو أن تدّعي: أن ما عرفته من أفواه الناس من أقاربها كان لا يقيم حجة، ولا يقطع عذراً، أما النساء فإنهن وإن أبلغنها بشيء مما كان يجري، لكن حالهن حالها، وربما يبلغها ما لا يبلغهن، أو أن ما يبلغها قد يكون أكثر دقة مما يتناهى إلى مسامعهن، بعد أن تعبث به الأهواء، ويختلط بالتفسيرات والتأويلات، والإجتهادات وما إلى ذلك..

وإن نفس الطلب إلى نساء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن يقمن بهذا الأمر، يقتضي فسح المجال لهن لكي يسألن عن سبب هذه التهنئة، وعن حقيقة ما جرى. لا سيما إذا كانت هذه أول مرة يطلب فيها من أمهات المؤمنين أن يشاركن في تهنئة أحد، في أمر له ارتباط بالرجال غير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وقد جاء الأمر بذلك عاماً وشاملاً لهن من دون استثناء، فلا مجال للتأويل والتحليل، أو لاحتمال أن ذلك كان لخصوصية اقتضت طلب ذلك من امرأة بعينها.. بل هو امتداد لبيعتهن لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والتزامهن بطاعة الله ورسوله من ناحية، وتأسيس لمرحلة ما بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من ناحية أخرى.


الفصل السابع: آيات الغدير.



متى نزلت سورة المائدة؟!:

في سورة المائدة آيتان ترتبطان بموضوع الغدير، هما آية كمال الدين، وآية الأمر بإبلاغ ما أنزل إليه من ربه، وقد تقدمت الأولى على الثانية، فلماذا كان ذلك؟!

وقبل البدء في بيان ما نرمي إليه نشير إلى تاريخ نزول سورة المائدة، فنقول:

إن سورة المائدة نزلت كما يقول محمد بن كعب القرظي في حجة الوداع بين مكة والمدينة(1) .

وروي عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قوله في حجة الوداع: (إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً)(2) .

____________

1- الإتقان في علوم القرآن ج1 ص20 والدر النثور ج2 ص252 عن أبي عبيد، والغدير ج6 ص256 وعمدة القاري ج18 ص196 و فتح القدير ج2 ص3 وتفسير الآلوسي ج6 ص47.

2- الغدير ج1 ص227 وتفسير الثعلبي ج4 ص5 وتفسير الآلوسي ج6 ص69 و 172 وتفسير أبي السعود ج3 ص4 و 10 وتفسير الخازن ج1 ص429 والجامع = = لأحكام القرآن ج6 ص350 ودقائق التفسير لابن تيمية ج2 ص15 والبرهان للزركشي ج1 ص194 و 262 وتفسير البيضاوي ج2 ص298 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص615 وإمتاع الأسماع ج4 ص334 والدر المنثور ج2 ص252 عن أبي عبيد، عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس. وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص377 والفتح السماوي للمناوي ج2 ص552 وبحار الأنوار ج77 ص253 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص504 وراجع: الصراط المستقيم ج3 ص284 وعوالي اللآلي ج2 ص6 و 95 وتحفة الأحوذي ج8 ص326 والتفسير الصافي ج2 ص13.


وصرحت عدة روايات بنزولها في حجة الوداع. فراجع ما روي عن محمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس(1) .

وعن عائشة: إن المائدة آخر سورة نزلت(2) .

____________

1- الدر المنثور ج2 ص252 عن أبي عبيد وابن جرير، وعمدة القاري ج18 ص195 و 196 وتفسير الآلوسي ج6 ص47 والغدير ج6 ص256 وجامع البيان للطبري ج6 ص112 والمحرر الوجيز لابن عطية ج2 ص155 وراجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

2- الغدير ج1 ص429 عن تفسير القرآن العظيم ج2 ص3 عن أحمد، والحاكم، والنسائي، والدر المنثور ج2 ص252 عن أحمد، وأبي عبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصحح، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والمحلى لابن حزم ج7 ص390 وج9 ص407 والإتقان في علوم القرآن للسيوطي= = ج1 ص84 ونيل الأوطار ج9 ص204 ومسند أحمد ج6 ص188 ومسند الشاميين ج3 ص144 والجـامع لأحكـام القرآن ج6 ص31 وتفسير السمرقندي ج1 ص388 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص615 والفتح السماوي ج2 ص552 وتفسير الآلوسي ج6 ص47 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص377 وفتح القدير ج2 ص3 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ج5 ص302 والسنن الكبرى للنسائي ج6 ص333 ومسند ابن راهويه ج3 ص956 وعون المعبود ج10 ص13 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص172 والمستدرك للحاكم ج2 ص311.


وعن عبد الله بن عمر: إن آخر سورة أنزلت، سورة المائدة، والفتح(1) ، يعني سورة النصر، قاله السيوطي في الإتقان(2) .

وعن أبي ميسرة: آخر سورة أنزلت سورة المائدة، وإن فيها لسبع عشرة

____________

1- الغدير ج2 ص228 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص257 وتخريج الأحاديث والآثار ج1 ص377 وسنن الترمذي ج4 ص326 وتحفة الأحوذي ج8 ص346 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص84 والفتح السماوي ج2 ص553 وتفسير الآلوسي ج6 ص47 و فتح القدير ج2 ص3 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص3 عن الترمذي، والدر المنثور ج2 ص252 عن أحمد، والترمذي وحسّنه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه.

2- الإتقان في علوم القرآن ج1 ص84 وتحفة الأحوذي ج8 ص346 وراجع: الفتح السماوي ج2 ص553 والغدير ج2 ص228.


فريضة(1) .

وسيأتي المزيد مما يرتبط بتاريخ نزول السورة حين الحديث عن نزولها إن شاء الله تعالى..

موقع آية الإكمال:

وقد أنزل الله تعالى في مناسبة الغدير قوله:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (2) .

وهي في وسط آية ذكرت بعض المحرمات، كما يلي:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (3)

فقد يقال: إن وقوع هذه الفقرة في ضمن بعض المحرمات، يدل على أن

____________

1- الدر المنثور ج2 ص252 عن سعيد بن منصور، وابن المنذر، وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج6 ص30.

2- الآية 3 من سورة المائدة.

3- الآية 3 من سورة المائدة.


إكمال الدين: معناه: أن الله قد أكمل الدين بتشريع هذه الأحكام.. فلا ربط لها بالإمامة والولاية..

والجواب:

إن قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ..) (1) جملة إعتراضية وقعت بين هذه الأحكام، التي كان قد سبق بيانها في آيات أخرى نزلت قبل ذلك بسنوات، إما صراحة، أو ببيان عناوين عامة تشملها..

وهنا ثلاثة أسئلة وأجوبتها:

السؤال الأول: لماذا جملة إعتراضية؟!

والجواب: أن الإتيان بجملة إعتراضية بين أمرين ظاهري التلازم يشير إلى الأهمية البالغة للأمر الذي يراد بيانه بها، وأنه لا مجال لتأجيله، إذ لا يقطع أحد كلامه لأجل بيان أمر تافه، أو عادي.

السؤال الثاني: لماذا جاء الإعتراض بين أحكام سبق بيانها، وليس من بينها أي حكم يبين للمرة الأولى؟!

والجواب: أن المطلوب هو أن لا يتوهم أحد أن الدين قد كمل ببيان هذا الحكم، الذي يبين لأول مرة، كما أن ذلك يشير إلى تناغم بين مضمون الإعتراض وبين مساق الآية، حيث إن الآية تريد التأكيد على مضمون أحكام سبق بيانها بهدف حفظها..

والإمامة التي كمل بها الدين تريد حفظ الشريعة أيضاً، وإلزام الناس

____________

1- الآية 3 من سورة المائدة.


بها، وإشاعة الإلتزام بها، بالإضافة إلى أن من وظائف الإمام حفظ الشريعة من التحريف، والإهمال، وضمان صحة تطبيقها في حياة الأمة.

السؤال الثالث: لماذا وردت الجملة الإعتراضية في سياق أحكام إلزامية تحريمية لا وجوبية ولا استحبابية؟!.

والجواب: أنها بين أحكام إلزامية، للإيحاء بأن أدنى درجة من التفريط في هذا المورد معناها الوقوع في الهلكة.. وهي تحريمية، لأنها لو وقعت بين أحكام وجوبية لتوهم متوهم: أن المطلوب هو جلب المصلحة، والمصلحة قد يتخلى الإنسان عنها لسبب أو لآخر..

وبذلك يتضح:

أنه لا مجال لإيرادها في سياق بعض الأحكام المستحبة، أو المكروهة، أو بعض التوجيهات الأخلاقية، أو في سياق بيان بعض السياسات التدبيرية أو غير ذلك، لكي يمكن لأحد التأويل فيها، والتهرب من مضمونها الإلزامي.

متى يئس الذين كفروا؟!:

وقد يقال: قد دلت آية إكمال الدين على أن يأس الذين كفروا من ديننا هو في نفس يوم إكمال الدين..

فقيل: هو يوم فتح مكة(1) .

____________

1- تفسير السمرقندي ج1 ص393 والجامع لأحكام القرآن ج6 ص60 وفتح القدير ج2 ص10 وتفسير السمعاني ج2 ص10 وتفسير الميزان ج5 ص169 وراجع: تفسير الجلالين ص135.


وقيل: ما بعد تبوك، حيث نزلت سورة براءة، وانبسط الإسلام على جزيرة العرب كلها، وعفيت آثار الشرك، وذهبت سنن الجاهلية(1) .

وقيل: يوم عرفة(2) .

ونجيب:

بأن هذا غير صحيح، لما يلي:

ألف: إذا كان كمال الدين بإتمام إبلاغ أحكام الشريعة، فقد قلنا: إن الأحكام الواردة في الآية كانت قد بينت قبل ذلك بسنوات ـ في آيات أخرى، إما بالتنصيص على بعض مفرداتها، وإما ببيان أحكام باقي المفردات في عمومات تشملها(3) .

____________

1- تفسير الميزان ج5 ص169.

2- تفسير مقاتل بن سليمان ج1 ص280 وجامع البيان للطبري ج6 ص105 وأحكام القرآن للجصاص ج2 ص392 و 405 وتفسير الثعلبي ج4 ص16 وتفسير ابن زمنين ج2 ص8 وتفسير السمعاني ج2 ص10 وتفسير البغوي ج2 ص10 وتفسير الواحدي ج1 ص308 وتفسير الثعالبي ج2 ص342 وزاد المسير لابن الجوزي ج2 ص238 عن مجاهد وابن زيد، والتفسير الكبير للرازي ج5 ص191 وج11 ص137 والمحرر الوجيز ج2 ص154 وتفسير العز بن عبد السلام ج1 ص370 والتسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص168 وتيسير الكريم الرحمن في كلام المنان ص220 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص58.

3- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله " ج31 ص300 و 301.


ب: إن نفس تحريم هذه الأمور الواردة في الآية لا يوجب يأس الذين كفروا، فإنها لا تختلف عن غيرها من الأحكام..

ج: قد استمر تشريع الأحكام إلى ما بعد يوم الفتح.. وبعد نزول سورة براءة، وقد تضمنت سورة المائدة بعضاً من ذلك كما بيناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

د: إنه لا مبرر ليأس الذين كفروا في يوم عرفة، إذ لم يحصل فيه شيء يوجب ذلك.

إلا إن كان المراد: أنهم قد يئسوا يوم عرفة بسبب ما جرى في فتح مكة، أو بنزول سورة براءة، أو لما جرى في غزوة تبوك، أو غير ذلك..

ويجاب:

بأن هذا اليأس في تلك الأحداث قد حصل حين وقوعها، ولا مبرر لتأخر حصوله إلى يوم عرفة.

فإن قلت: لعل سبب اليأس في يوم عرفة هو إبلاغ جميع الأحكام فيه.

قلت: هذا لا يصح، فإن آية الكلالة التي في آخر سورة النساء، وآيات الربا قد نزلت بعد يوم عرفة، كما قاله عمر بن الخطاب في خطبة له(1) .

____________

1- صحيح مسلم ج2 ص81 وج5 ص8 والغدير ج6 ص127 ونهج السعادة ج8 ص422 ومسند أحمد ج1 ص26 و 28 و 48 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص150 وشرح مسلم للنووي ج5 ص53 وج11 ص57 ومسند أبي يعلى ج1 ص166 وج5 ص75 وجامع البيان للطبري ج6 ص59 وتفسير البغوي ج1= = ص404 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص606 والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج1 ص69 و 168 والدر المنثور ج2 ص249 وفتح القدير ج1 ص544 وتفسير الآلوسي ج6 ص44 وأضواء البيان للشنقيطي ج4 ص195 وأحكام القرآن لابن العربي ج1 ص450 والجامع لأحكام القرآن ج6 ص29.


وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً(1) .

وقد يقال: إن نفس حضور النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في يوم عرفة بعد أن كان قد أخرج من مكة أوجب يأس الذين كفروا من هذا الدين.

ويجاب:

بأنه لا خصوصية لحضور النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في يوم عرفة، في موسم الحج، في هذا اليأس، وقد حضر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى مكة فاتحاً

____________

1- راجع: أسباب نزول الآيات ص9 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص563 وعمدة القاري ج18 ص195 و 295 وج11 ص202 وج23 ص246 والبرهان للزركشي ج1 ص209 ومجمع الزوائد ج6 ص324 والسنن الكبرى ج6 ص307 وجامع البيان ج3 ص156 و 157 وتفسير السمرقندي ج1 ص209 ومعاني القرآن للنحاس ج1 ص312 والمعجم الكبير للطبراني ج11 ص293 وج12 ص19 وتخريج الأحاديث للزيلعي ج1 ص371 والفتح السماوي ج2 ص545 والتبيان للطوسي ج2 ص369 وتفسير مجمع البيان ج2 ص213 وتفسير الثوري ص73 وتفسير الثعلبي ج2 ص289 وتفسير البغوي ج1 ص504 وزاد المسير ج1 ص3 و 15 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص60 وج3 ص375 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص340


يوم الفتح، وقبلها في عمرة القضاء.

السبب الحقيقي ليأس الذين كفروا:

والذي نراه: أن سبب يأس الذين كفروا من هذا الدين هو بإيجاد العلة المبقية لهذا الدين، وتكريس معنى الإمامة فيه بنصب الحافظ له، والمبين لحقائقه، والأمين على شرائعه، والعالم بمعاني قرآنه، والعارف بناسخه وبمنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والمسدد والمؤيد، والمعصوم الذي لا يخطئ في شيء من ذلك وسواه.

وبذلك يئس الذين كفروا من التمكن بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من تحريف هذا الدين، والتلاعب بأحكامه، وإلقاء الشبهات حول حقائقه..

وكما أن الكافرين ييأسون، فإن المؤمنين سوف يشعرون بكمال دينهم، وبتمام النعمة عليهم، بعد أن وضعت الضمانات لحفظه، وبذلك رضي الله لهم الإسلام ديناً عالمياً باقياً، وأبدياً للبشرية كلها.

فلا تخشوهم واخشوني:

وبذلك تكون قد زالت موجبات خشية المؤمنين من كيد الذين كفروا، وأصبح الأمر مرهوناً بالمسلمين أنفسهم، وبمدى التزامهم بما أُخِذَ عليهم من عهد وميثاق منه تعالى، وخضوعهم للتدبير الرباني، وباستجابتهم لما يحييهم، وطاعتهم لمن نصبه الله ورسوله ولياً وحافظاً لهم، ولدينهم.


ولذلك قال تعالى:( فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) (1) .

فالآية تريد أن تحدد المسؤوليات، وتسد أبواب التملصات المقيتة، من قبل من يظهرون الطاعة والإنقياد، ويبطنون الصدود والعناد، ويدبرون في الخفاء للإستئثار بالأمر، وإقصاء صاحبه الشرعي عنه، ولا شيء يدفعهم إلى ذلك سوى حب الدنيا وزينتها، وعدم الإعتداد بشيء آخر سواها..

فعلى الناس أن يحفظوا نعمة الله عليهم، وأن لا يفرطوا فيما حباهم الله به، ولا يخضعوا لأهواء أهل الكفر، ولا يخشوا كيدهم ومؤامراتهم، وإلا فإنهم سيذوقون وبال أمرهم، وستكون أعمالهم هي السبب في سلب هذه النعمة منهم وعنهم.

أكملت.. أتممت:

ويلاحظ: أن الآية قد عبرت بالإكمال بالنسبة للدين، وبالإتمام بالنسبة للنعمة، وربما يكون الفرق بينهما: أن الإكمال هو تتميم خاص، فإنه يستعمل حيث يكون للشيء أجزاء لها أغراض وآثار مستقلة، فكلما حصل جزء، تحقق معه أثره وغرضه.

فهو من قبيل العموم الأفرادي، ويمكن أن يمثل له بصيام شهر رمضان، فإن صيام أي يوم منه يوجب تحقيق أثره، ويسقط وجوبه، وتبقى سائر الأيام على حالها..

____________

1- الآية 150 من سورة البقرة.


أما الإتمام، فيستعمل فيما يكون له أجزاء لا يتحقق لها أثر حتى تكتمل، فيكون الأثر لمجموعها، فلو فقد واحد منها لانتفى الأثر المترتب على المجموع.

فهو نظير ساعات اليوم الذي يصام فيه، فإنها لا يترتب الأثر على صيامها إلا بعد انضمام أجزائها إلى بعضها، بحيث لا يتخلف جزء منها، فإنه يوصف بالتمام في هذه الحال، ولذلك قال تعالى:( أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (1) ، وكذلك الحال في الصلاة بالنسبة لأجزائها الأساسية الواجبة، فإن بطلان أو إسقاط أي جزء منها يوجب سقوط الصلاة نفسها، وبطلانها.

والدين هو مجموعة قضايا، ومفاهيم وأحكام، لها آثارها الخاصة بها، ولكل واحد منها طاعته ومعصيته على حدة.. فيصح التعبير عنه بالإكمال.

أما النعمة التي أتمها الله فهي هنا تشريع ما يكون موجباً لحفظ الدين، وهو ولاية أولياء الله تبارك وتعالى، لتقام بهم أركان الإسلام، وتنشر بهم أعلامه. وبذلك يأمن المؤمنون من أي فتنة أو افتتان.

ويتحقق بذلك شرط قبول أعمال العباد، فإذا نقض المسلمون عهدهم، ولم يلتزموا بطاعة الإمام، حرمـوا من بركـات وجوده، وعاشوا في المصائب والبـلايـا في حياتهم الدنيـا، ويكـونـون عرضـة للفتن والمحن بما كسبت أيديهم.

____________

1- الآية 187 من سورة البقرة.


الإسلام مرضي لله تعالى دائماً:

وليس معنى قوله تعالى:( وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (1) . أن الإسلام لم يكن مرضياً قبل ذلك اليوم.. فإن الإسلام مرضي دائماً لله تعالى، والآية لا مفهوم لها..

لأنها تريد أن تقول: إن يأس الكفار، وإتمام النعمة وإكمال الدين، الذي رضيه الله تعالى لكم أيها البشر قد كان في هذا اليوم، فالله سبحانه راض لكم هذا في كل حين، وقد بلغه لكم على لسان أنبيائه، ووضع الضمانات لحفظ حدوده وشرائعه، وهيأ الظروف لبقائه واستمراره، من خلال تشريع الولاية، وتعريف الناس بأئمة دينهم، وبما يحفظهم من الضلال، ويدفع عن دينه تحريف المبطلين، وشبهات المضلين..

أو يكون المراد: أن الله كما لا يرضى الإسلام الناقص، لا يرضى الإسلام بدون حافظ لحدوده وشرائعه..

فإذا لم يبلغ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما أنزل إليه من ربه كان الإسلام ناقصاً، وبلا حافظ معاً. ولا سيما مع ملاحظة: أن قبول الأعمال مرهون بولايته (عليه‌السلام ).

آية الإكمال نزلت مرتين:

ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- الآية 3 من سورة المائدة.


أموراً كثيرة حول آية الأمر بالبلاغ.. وآية إكمال الدين.. فلا غنى عن مراجعته.

وقلنا في ذلك الكتاب ما يلي: إن سورة المائدة قد نزلت يوم عرفة دفعة واحدة، فقرأها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على الناس، وسمعوا آية الإكمال، وحاول أن يبلغ أمر الإمامة في عرفة، فمنعته قريش وأعوانها.

ثم بدأت الأحداث تتوالى، وتنزل تلك الآيات المرتبطة بكل حدث على حدة. فنزلت بعد ذلك آية:( بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (1) . وجاءته بالعصمة من ربه، فبادر إلى إعلان إمامة علي (عليه‌السلام ) يوم الغدير، ثم تلا عليهم، أو نزلت عليه آية الإكمال بعد نصبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) في ذلك اليوم الأغر، وقبل أن يشرع الناس بالتفرق.

فيكون الحديثان في نزول هذه الآية يوم عرفة، ويوم الغدير صحيحين معاً، لكن نزولها يوم عرفة كان في ضمن السورة، التي نزلت دفعة واحدة، ونزولها يوم الغدير كان بصورة منفردة عن بقية آيات السورة، بل ومنفردة عن سائر فقرات الآية التي هي في ضمنها كجملة إعتراضية، حسبما بيناه..

وقد نقل الرواية بذلك الطبرسي في الإحتجاج ونقلها غيره أيضاً(2) ،

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- راجع: الإحتجاج (ط دار النعمان ـ النجف الأشرف) ج1 ص66 فما بعدها، وبحار الأنوار ج37 ص201 واليقين لابن طاووس ص343 والتفسير الصافي ج2 ص53 وروضة الواعظين ص89 وغاية المرام ج1 ص327 وج2 ص142 وج3 ص337 وموسوعة أحاديث أهل البيت "عليهم‌السلام " للنجفي ج8 ص48


وفيها: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قرأ عليهم آية إكمال الدين يوم عرفة، حيث أمره الله تعالى بتبليغ ولاية علي (عليه‌السلام )، ولم تنزل العصمة.

ويعلم بالمراجعة: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حاول تنفيذ هذا الطلب، فمنع، فنزل قوله تعالى:( بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..) (1) ، ففعل ذلك في يوم الغدير، ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة إلا همساً.

ويؤيد هذ المعنى: ما ذكر في بعض الروايات، من أن يوم الغدير كان يوم الخميس كما سيأتي.

وهذا لا يتلاءم مع قولهم: إن يوم عرفة كان يوم الخميس، بل يتلاءم مع كون عرفة يوم الثلاثاء.

وقد روي عن عمر(2) ، ومعاوية، وسمرة بن جندب، ونسب إلى علي

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- راجع: الدر المنثور ج2 ص258 عن الحميدي، و عن عبد بن حميد، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبان، والبيهقي في سننه، وراجع: صحيح البخاري ج5 ص186 وج8 ص137 و (ط دار المعرفة) ج1 ص16 وصحيح مسلم ج8 ص238 و 239 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص181 وج5 ص118 وسنن النسائي ج8 ص114 ومسند أحمد ج1 ص28 وسنن الترمذي ج4 ص316 وعمدة القاري ج18 ص199 وج25 ص23 ومسنـد الحميـدي ج1 ص19 والسنن الكـبرى للنسائي ج2 ص420 = = والمعجم الأوسط للطبراني ج1 ص253 وج4 ص174 ومسند الشاميين ج2 ص60 وفضائل الأوقات للبيهقي ص351 وكنز العمال ج2 ص399 وجامع البيان ج6 ص109 و 111 ومعاني القرآن للنحاس ج2 ص261 وتفسير السمعاني ج2 ص10 وشرح أصول الكافي ج6 ص121 وج11 ص278 والمحلى لابن حزم ج 7 ص 272.


(عليه‌السلام ) أيضاً أن آية الإكمال نزلت في يوم عرفة(1) .

وهو ما يعني: أن آية الإكمال قد نزلت يوم عرفة في ضمن تمام السورة. ثم نزلت في موردها وحدها يوم الخميس، وهو يوم غدير خم.

ولو قلنا: إن الآية لم تنزل يوم الغدير، بل نزلت يوم عرفة فقط، لم يمكن أن نجد لمضمون الآية مورداً، ومنطبقاً حسبما أوضحناه.

كلام الأميني (رحمه‌الله ):

توضيح: أما العلامة الأميني (رحمه‌الله ) فلم يرتض ما ذكروه من أن

____________

1- راجع: مجمع الزوائد ج7 ص13 والمعجم الكبير ج7 ص220 وج12 ص198 وج19 ص392 ومسند الشاميين ج3 ص396 والجامع لأحكام القرآن ج2 ص15 والدر المنثور ج2 ص258 وتاريخ مدينة دمشق ج46 ص318 وسير أعلام النبلاء ج5 ص323 وتاريخ الإسلام للذهبي ج8 ص508 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص15 والكامل لابن عدي ج5 ص11 وكنز العمال ج2 ص400 وجامع البيان ج6 ص106.


آية إكمال الدين قد نزلت في عرفة، وأورد أدلة عديدة على بطلان ذلك..

وكلامه صحيح إن كان يقصد تكذيب قولهم: إن شأن نزولها هو يوم عرفة وحسب، وأنها نزلت فيه لحضور مناسبة نزولها.. فراجع كلامه(1) ..

ولكننا ذكرنا: أن سورة المائدة كانت قد نزلت قبل يوم الغدير كلها، بما فيها آية الإكمال، ثم صارت الأحداث تحصل، فتنزل الآيات المرتبطة بها مرة ثانية، فكلام الأميني (رحمه‌الله ) لا ينفي قولنا هذا..

أبو طالب لم يكن حاضراً:

وقد رووا عن ابن عباس: أن أبا طالب (عليه‌السلام ) كان يرسل كل يوم رجالاً من بني هاشم، يحرسون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حتى نزلت هذه الآية( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (2) ، فأراد أن يرسل معه من يحرسه، فقال: يا عم: إن الله عصمني من الجن والإنس(3) .

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم "صلى‌الله‌عليه‌وآله " ج31 ص313 و 315.

2- الآية 67 من سورة المائدة.

3- الجامع لأحكام القرآن ج6 ص158 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص81 والغدير ج1 ص228 ولباب النقول للسيوطي (ط دار إحياء العلوم) ص95 و (ط دار الكتب العلمية) ص83 ومجمع الزوائد ج7 ص17 وأسباب نزول الآيات ص135 والمعجم الكبير ج11 ص205 والدر المنثور ج2 ص298 وعن ابن مردويه، والطبراني.


ونقول:

أولاً: إن ما ذكرناه آنفاً من الإجماع على نزول سورة المائدة في المدينة، وأنها آخر ما نزل، أو من آخر ما نزل.. ومن الصحابة من يقول: إنها نزلت في حجة الوداع ـ إن ذلك ـ يكفي للرد على هذه المزعمة. فإن أبا طالب قد توفي قبل الهجرة إجماعاً..

ثانياً: لقد كانت هناك حراسات للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تجري في المدينة، وفي المسجد أسطوانة يقال لها: أسطوانة المحرس.. وكان علي (عليه‌السلام ) يبيت عندها يحرس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فإذا كانت الآية المشار إليها قد نزلت في مكة، فترك الحرس منذئذٍ، فلا معنى لتجديد الحراسات عليه في المدينة.

ثالثاً: تقدم في هذا الكتاب: أن أبا طالب (عليه‌السلام ) كان في الشعب إذا حلَّ الظلام، وهدأت الأصوات يقيم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من موضعه، وينيم علياً (عليه‌السلام ) مكانه. حتى إذا حدث أمر، فإن علياً يكون هو الفداء للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فلو صح: أن أبا طالب كان يرسل رجالاً لحراسته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كل يوم، فلا تبقى حاجة لهذا الإجراء، فإن الحرس موجودون، وأي أمر يحدث، فإنهم هم الذين يتصدون له..

ويلاحظ هنا: أن أبا طالب لم يختر غير علي (عليه‌السلام ) لهذه المهمة، الأمر الذي لم يكن بلا موجب وسبب، ولعل السبب أمر إلهي كان لا بد من امتثاله.


رابعاً: إن آية الهجرة التي دلت على مبيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الغار، وحديث مبيت علي (عليه‌السلام ) في فراش النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يكذب هذه الرواية أيضاً.

ويظهر لنا: أن المطلوب بهذه الرواية المكذوبة إلقاء الشبهة حول مبيت علي (عليه‌السلام ) مكان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الشعب، وحول مبيته (عليه‌السلام ) مكانه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ليلة الهجرة.

بلغ ما أنزل إليك.. في اليهود:

من الأساليب التي يتبعونها لتضييع الحقيقة تكثير الأقوال في المورد، وقد زعموا: أن الأقوال في شأن نزول آية:( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) . بلغت العشرة(2) .

وقد رجح الرازي: أنها تريد أن تؤمن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من كيد اليهود والنصارى، فأمره الله بإظهار التبليغ، وعدم المبالاة بهم، ودليله على ذلك: أن ما قبل الآية وما بعدها مرتبط بأهل الكتاب(3) .

ونقول:

أولاً: إن السياق ليس حجة، ولا سيما بعد ورود الروايات الكثيرة المبينة لشأن النزول..

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- التفسير الكبير للرازي ج12 ص49 والغدير ج1 ص225 و226.

3- التفسير الكبير ج12 ص50 والغدير ج1 ص226.


ثانياً: إن أمر اليهود قد حسم قبل نزول الآية بعدة سنوات، أما النصارى فلم يكن لهم حضور يذكر ولا نفوذ ذو بال في جزيرة العرب..

ثالثاً: لم يكن قد بقي شيء من الشريعة يتوهم أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )يمتنع عن إبلاغه خشية منهم، فكيف إذا كانت تصرح بأن الذي أمر الله نبيه بإبلاغه يعدل الدين كله، فقد قالت:( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (1) . مع أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بلغ الرسالة كلها.. باستثناء بضعة أحكام قد لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة. فذلك كله يدل: على أن ما أمر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإبلاغه له مساس بجميع أحكام الدين وشرائعه وحقائقه.. وهو الأمر الذي تخشاه قريش والطامعون والطامحون.. والذين أسلموا في الفتح وبعده.. وهو أخذ البيعة لعلي (عليه‌السلام ) بالخلافة من بعده.

مم يخاف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!:

وفي الآية وعد للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن الله تعالى سوف يعصمه من الناس، ويحفظه منهم، فيرد سؤال: من أي شيء كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخاف، إن بلَّغ ما أمره الله به؟! مع علمنا: بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يبخل بنفسه ولا بأي شيء يعود إليه عن البذل في سبيل الله تعالى..

ونجيب:

بأن الذي أظهرته النصوص التي تقدمت في فصل سابق تحدثنا فيه عما

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.


جرى في عرفة: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يخاف من قومه الذين كانوا حديثي عهد بجاهلية أن يتهموه فيما يبلغهم إياه بما يبطل أثر تبليغه، ويوجب فساد دعوته، فهو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان بصدد تحصين دعوته عن أن ينالها أولئك المتربصون بها بسوء.

ولعلك تقول: إذا كان هذا هو ما يخشاه الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلا شك في أن الله يعلمه، فلماذا أمره بالتبليغ مع علمه بعدم إجتماع شرائطه؟!

ونجيب:

أولاً: إن الله تعالى تارة يأمر نبيه أمراً تنجيزياً فعلياً حاضراً بأمر قد اجتمعت شرائطه، وارتفعت موانعه.. وتارة يأمره بإبلاغ أمر بنحو يجعل للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه مهمة توفير بعض الشرائط، وإزالة بعض الموانع، وتوخي الوقت الأنسب، والأسلوب الأصوب في ذلك، والأمر في موضوع الإمامة من هذا القبيل، فإنه كان يحتاج إلى الإعداد الصحيح، وتهيئة النفوس، وتمهيد الوسائل المناسبة له..

ثانياً: إن قوله تعالى لنبيه وإن لم تفعل، لا يعني أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي يختار أن لا يفعل، بل معناه: أن هذا الفعل إن لم يصدر منك بسبب منعهم إياك، كما حصل في عرفات، ثم في منى، فإننا سوف نعتبر أننا قد عدنا معهم إلى نقطة الصفر، وربما تقوم الضرورة بحربهم، كما حوربوا في بدر وأحد، والخندق، والفتح، وحنين..

ومما يدل على أن المشكلة هي في الناس الذين يمنعون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


قوله تعالى: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. وقوله: إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. فإن هذه الفقرات قد جاءت لتؤيد وتؤكد صحة فعله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وصدق توقعاته، وأن ما فعله كان في محله، وأنه لولا العصمة الإلهية لم يصح التبليغ، لأنه سيكون بمثابة التفريط بالمهمة، وعدم توخي الظرف الملائم.

وربما يشير إلى ذلك أيضاً:( أنه عطف بالواو لا بإلفاء في قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ) (1) ، إذ لو عطف بإلفاء لأفاد أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي يمتنع عن الإبلاغ بقرار منه، ووجود الداعي إلى هذا الإمتناع لديه، ولكنه حين عطف بالواو أفاد أن عدم الفعل سوف يطرأ عليه بسبب مانع وعارض.

فما بلغت رسالته:

إن قوله تعالى:( فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (2) . يدل على أن هذا الذي يراد تبليغه يوازي في أهميته وخطورته تبليغ الرسالة كلها، فبدونه تصبح الرسالة كلا شيء، وتذهب كل الجهود والتضحيات التي بذلت سدى أو فقل: لولاه تصبح الرسالة كلها، بمثابة الجسد الذي لا روح فيه، فهو تام التكوين، ولكن جميع أعضائه معطلة، فإذا نفخت فيه الروح، وسرت فيه الحياة، تحركت جميع الأجهزة وعملت بصورة منتظمة، فتصير العين ترى،

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- الآية 67 من سورة المائدة.


والأذن تسمع، واللسان يتكلم، واليد تتحرك.. والقلب ينبض..وتكون له مشاعر وأحاسيس، فيحب ويبغض، ويفرح ويحزن و.. و.. إلخ..

وولاية علي (عليه‌السلام ) كذلك، فإنها إن فقدت، فإن جميع أعمال الإنسان تفقد خصوصية التأثير في السعادة الأخروية، ويفتقد معها كثيراً من المنافع في الدنيا..

ولأجل ذلك ورد: أما لو أن رجلاً صام نهاره وقام ليله، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله ثواب، ولا كان من أهل الايمان(1) .

تبرئة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

والتعبير في الآية الكريمة بـ:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (2) ، ليفيد: أن هذا الأمر ليس أمراً تدبيرياً أتى به الرسول من عند

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.

2- راجع: وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص119 وج27 ص42 و 66 و (ط دار الإسلامية) ج1 ص91 وج18 ص26 و 44 ومستدرك الوسائل ج17 ص269 وبحار الأنوار ج23 ص294 وج65 ص333 والكافي ج2 ص19 والمحاسن للبرقي ج1 ص287 وكتاب الأربعين للماحوزي ص97 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص588 وج10 ص459 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج3 ص440 وج12 ص227 وتفسير كنز الدقائق ج2 ص544 والوافية للفاضل التوني ص174 وغاية المرام ج3 ص78.


نفسه، بل هو أمر يبلغه لهم من حيث هو رسول يأتيهم بالقرار الرباني، الذي لا خيار له ولهم فيه..

ثم بين لهم بصورة أصرح وأوضح أن هذا الأمر أُنْزِلَ إِلَيْكَ.

ولكي لا تذهب بهم الأوهام إلى أن الذي جاء به هو الملك أو غيره، صرح لهم: بأنه مِنْ رَبِّكَ.


الفصل الثامن: آيات سورة المعارج.. وسورة العصر..



الغدير وآيات سورة المعارج:

وتذكر هنا قضية ذلك المستكبر الذي لم يرض بنصب علي (عليه‌السلام ) إماماً يوم الغدير، فطلب من الله تعالى أن ينزل عليه العذاب، فنزل، ونزل قوله تعالى:( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) (1) . وقد ناقش ابن تيمية في صحة هذه القضية.. ورد العلماء كلامه..

وقد ذكرنا ذلك كله في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد رأينا أنفسنا أمام أحد ثلاثة خيارات:

أولها: أن نهمل ذلك كله، فلا نورد منه شيئاً في كتابنا هذا.. ولم يعجبنا هذا الخيار لأسباب كثيرة منها حرمان القارئ الكريم من أمر له ارتباط ظاهر بحياة علي (عليه‌السلام )، وبأهم قضية تعنيه.

الثاني: أن نعيد كتابة ذلك كله من جديد. وهو خيار غير سديد، لأنه سيكون مجرد إتلاف للوقت، وضرب للجهد، لأجل اعتبارات شخصية ليست ذات أهمية.

الثالث: أن نستعير ما كتبناه هناك ونضعه هنا بين يدي القارئ الكريم

____________

1- الآيتان 1 و 2 من سورة المعارج.


وقد آثرنا هذا الخيار الأخير، رغم ما فيه من حزازة شخصية بالنسبة إلينا..

فإليك ما أوردناه في الجزء الحادي والثلاثين من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حرفياً، وبدون أدنى تصرف فيه:

سورة المعارج مكية:

زعموا في مناقشاتهم لهذه الواقعة: أن سورة المعارج مكية، وهو ما ذكرته الرواية عن ابن عباس(1) ، وابن الزبير(2) ، فتكون قد نزلت قبل بيعة الغدير بسنوات.

ونقول:

الصحيح: أنها نزلت في المدينة، بعد حادثة الغدير، حيث طار خبر ما جرى في غدير خم في البلاد، فأتى الحارث بن النعمان الفهري أو (جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري).

____________

1- الدر المنثور ج6 ص263 عن ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي، وسعد السعود لابن طاووس ص291 وفتح القدير ج5 ص287 وتفسير الميزان ج6 ص56 وج20 ص11 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص219 و (ط دار الكتب العلمية) ص202 وتفسير ابن أبي حاتم ج5 ص1690 وج10 ص3373 عن السدي.

2- الدر المنثور ج6 ص263 عن ابن مردويه، وفتح القدير ج5 ص287 وتفسير الميزان ج6 ص56.


في هامش الغدير: (لا يبعد صحة ما في هذه الرواية من كونه جابر بن النضر، حيث إن جابراً قتل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) والده النضر صبراً، بأمر من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما أسر يوم بدر)(1) .

فقال: يا محمد، أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وبالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك، ففضلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟!

فقال رسول الله(صلى‌الله‌عليه‌وآله ): والذي لا إله إلا هو، إن هذا من الله.

فولى جابر، يريد راحلته، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم.

فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته، وخرج من دبره، وقتله. وأنزل الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ الآية)(2) .

____________

1- الغدير ج1 ص239 هامش.

2- الغدير ج1 ص239 عن غريب القرآن لأبي عبيد، ونقله أيضاً عن مصادر كثيرة أخرى. وراجع: شفاء الصدور لأبي بكر النقاش، والكشف والبيان للثعلبي، وتفسير فرات ص190 و (1410هـ ـ 1990م) ص505 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص88 وكنز الفوائد للكراجكي، وشواهد التنزيل ج2 ص383 و 381 ودعاة الهداة للحاكم الحسكاني. والجامع لأحكام القرآن ج18 ص278 وتـذكـرة الخـواص ص30 والإكتفاء للوصـابي الشـافعي، وفرائـد = = السمطين ج1 ص82 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج2 ص251 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص240 وبحار الأنوار ج37 ص136 و 162 و 176 وكتاب الأربعين للماحوزي ص154 و 161 وكتاب الأربعين للشيرازي ص115 ومعارج الوصول للزرندي الحنفي، ونظم درر السمطين ص93 والفصول المهمة لابن الصباغ ص41 وجواهر العقدين للسمهودي الشافعي، وتفسير أبي السعود للعمادي ج9 ص29 والسراج المنير (تفسير) للشربيني الشافعي ج4 ص364 والأربعين في مناقب أمير المؤمنين لجمال الدين الشيرازي ص40 وينابيع المودة ج2 ص370 وفيض القدير ج6 ص218 ومنهاج الكرامة ص117 والعقد النبوي والسر المصطفوي لابن العيدروس، ووسيلة المآل لأحمد بن باكثير الشافعي ص119 و 120 ونزهة المجالس للصفوري الشافعي ج2 ص209 والسيرة الحلبية ج3 ص302 و (ط دار المعرفة) ج3 ص337 والصراط السوي في مناقب النبي للقادري المدني، وشرح الجامع الصغير للحفني الشافعي ج2 ص387 ومعارج العلى في مناقب المرتضى لمحمد صدر العالم، وتفسير شاهي لمحمد محبوب العالم، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج7 ص13 وذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللآلي لعبد القادر الحفظي الشافعي، والروضة الندية لمحمد بن إسماعيل اليماني ص156 ونور الأبصار للشبلنجي الشافعي ص159 والمنار (تفسير) لرشيد رضا ج6 ص464 والأربعون حديثاً لابن بابويه ص83 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص342 و 357 و 362 و 368 و 370 والمراجعات ص274 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص52.



وقد رد ابن تيمية هذا الحديث، لعدة أدلة أوردها، وتبعه فيها غيره(1) .

وأدلته هي التالية:

1 ـ إن قصة الغدير إنما كانت بعد حجة الوداع بالإجماع ـ والروايات تقول: إنه لما شاعت قصة الغدير جاء الحارث وهو بالأبطح، والأبطح بمكة. مع أن اللازم أن يكون مجيئه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المدينة.

2 ـ إن سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم..

3 ـ إن قوله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، نزلت عقيب بدر بالاتفاق. وقصة الغدير كانت بعد ذلك بسنين.

4 ـ إن هذه الآية ـ أعني آية: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ(2) ـ نزلت

____________

1- راجع: منهاج السنة ج4 ص13 وتفسير المنار لرشيد رضا ج6 ص464 فما بعدها.

2- الغدير ج1 ص239 عن غريب القرآن لأبي عبيد وعن مصادر أخرى، وراجع: شفاء الصدور لأبي بكر النقاش، والكشف والبيان للثعلبي، وتفسير فرات ص190 وكنز الفوائد للكراجكي، وشواهد التنزيل ج2 ص383 و 381 ودعاة الهداة للحاكم الحسكاني. والجامع لأحكام القرآن ج18 ص278 وتذكرة الخواص ص30 والإكتفاء للوصابي الشافعي، وفرائد السمطين ج1 ص82 ومعارج الوصول للـزرنـدي الحنفـي، ونظم درر السمطين ص93 والفصول = = المهمة لابن الصباغ ص41 وجواهر العقدين للسمهودي الشافعي، وتفسير أبي السعود للعمادي ج9 ص29 والسراج المنير (تفسير) للشربيني الشافعي ج4 ص364 والأربعين في مناقب أمير المؤمنين لجمال الدين الشيرازي ص40 وفيض القدير ج6 ص218 والعقد النبوي والسر المصطفوي لابن العيدروس، ووسيلة المآل لأحمد بن باكثير الشافعي ص119 و 120 ونزهة المجالس للصفوري الشافعي ج2 ص209 وعن السيرة الحلبية ج3 ص302 والصراط السوي في مناقب النبي للقادري المدني، وشرح الجامع الصغير للحفني الشافعي ج2 ص387 ومعارج العلى في مناقب المرتضى لمحمد صدر العالم، وتفسير شاهي لمحمد محبوب العالم، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج7 ص13 وذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللآلي لعبد القادر الحفظي الشافعي، والروضة الندية لمحمد بن إسماعيل اليماني ص156 ونور الأبصار للشبلنجي الشافعي ص159 والمنار (تفسير) لرشيد رضا ج6 ص464.


بسبب ما قاله المشركون بمكة، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لقوله تعالى:( مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) .

5 ـ لو صح ذلك لكانت آية كآية أصحاب الفيل، ومثلها تتوفر الدواعي على نقله، مع أن أكثر المصنفين في العلم وأرباب المسانيد والصحاح، والفضايل والتفسير والسير قد أهملوا هذه القضية، فلا تروى إلا بهذا الإسناد المنكر.

6 ـ إن الحارث المذكور في الرواية كان مسلماً حسبما ظهر في خطابه


المذكور مع النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً لم يصبه عذاب على عهد النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

7 ـ إن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة، ولم يذكر في الإستيعاب، ولا ذكره ابن منده، وأبو نعيم وأبو موسى في تآليفهم في أسماء الصحابة.

ونقول:

إن جميع ذلك لا يمكن قبوله.. وسوف نكتفي هنا بتلخيص ما ذكره العلامة الأميني (رحمه‌الله )، فنقول:

بالنسبة للدليل الأول يرد عليه:

ألف: إن كلمة الأبطح إنما وردت في بعض الروايات دون بعض، فإطلاق الكلام بحيث يظهر منه أن الإشكال يرد على جميعها في غير محله..

وورد في بعض نصوص الرواية: أن مجيء السائل كان إلى المسجد(1) .

وقد نص في السيرة الحلبية: على أن ذلك كان في مسجد المدينة(2) .

____________

1- تذكرة الخواص ص30 والسيرة الحلبية ج3 ص274 و (ط دار المعرفة) ج3 ص337 والغدير ج1 ص248 عنه، وعن معارج العلى للشيخ محمد صدر العالم، والعدد القوية للحلي ص185 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص368 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص442.

2- الغدير ج1 ص248 والسيرة الحلبية ج3 ص274 و (ط دار المعرفة) ج3 ص337 وشرح إحقاق الحق ج4 ص442.


ب: إن كلمة الأبطح لا تختص ببطحاء مكة، بل هي تطلق على كل مسيل فيه دقائق الحصى(1) .

وقد وردت في البخاري في صحيحه(2) ، أحاديث ترتبط بالبطحاء بذي الحليفة.

____________

1- راجع: معجم البلدان ج2 ص213 و215 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج1 ص74 و 446 والغدير ج1 ص250 وراجع: عمدة القاري ج10 ص101 والخلاف للطوسي ج6 ص196.

2- صحيح البخاري ج2 ص556 حديث 1459 وج1 ص183 حديث 470 و (ط دار الفكر) ج2 ص143 و 197 وراجع: صحيح مسلم (كتاب الحج) ج3 ص154 و 155 و (ط دار الفكر) ج4 ص106 والتمهيد لابن عبد البر ج15 ص243 وج24 ص429 و 477 وكتاب الموطأ ج1 ص405 وتاريخ مدينة دمشق ج22 ص226 وسنن النسائي ج5 ص127 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص73 وسير أعلام النبلاء ج18 ص542 وسنن أبي داود ج1 ص453 وعمدة القاري ج9 ص146 وج10 ص101 و 102 وفتح الباري ج3 ص471 والسنن الكبرى للبيهقي ج5 ص244 و 245 وشرح مسلم للنووي ج9 ص114والإستذكار لابن عبد البر ج4 ص339 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ج3 ص540 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص330 و 477 وكتاب الموطأ لمالك ج1 ص405 والغدير ج1 ص248 ومسند أحمد ج2 ص28 و 87 و 112 و 119 و 138 وعون المعبود ج6 ص27 والمعجم الأوسط ج4 ص307 وج5 ص236.


وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا رجع إلى المدينة دخل من معرس الأبطح، فكان في معرسه ببطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة(1) .

وورد التعبير بذلك أيضاً في كلام عائشة عن موضع قبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- إمتاع الأسماع للمقريزي ج2 ص122 والغدير ج1 ص248 وسبل الهدى والرشاد ج8 ص485 وراجع: مسند أحمد ج2 ص90 و 136 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج2 ص144 وج3 ص71 وج8 ص155 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج4 ص106 وسنن النسائي ج5 ص127 وشرح مسلم للنووي ج9 ص115 والسنن الكبرى للبيهقي ج5 ص245 وفتح الباري ج5 ص16 وعمدة القاري ج9 ص146 و 148 وج12 ص177 وج25 ص62 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص330 ومسند أبي يعلى ج9 ص350 وصحيح ابن خزيمة ج4 ص169 والمعجم الأوسط ج8 ص52 والمعجم الكبير ج12 ص231 والتمهيد لابن عبد البر ج15 ص245 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص131 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص222.

2- كما في مصابيح السنة للبغوي ج1 ص83 وإعانة الطالبين للدمياطي ج2 ص135 والمحلى لابن حزم ج5 ص134 والجوهر النقي ج4 ص3 ومسند أبي يعلى ج8 ص53 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص614 وتاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص945 والبداية والنهاية ج5 ص293 والتنبيه والإشراف ص251 وتهذيب الكمال ج22 ص158 والطبقات الكبرى لابن سعـد ج3 ص209 = = والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص242 ونصب الراية ج2 ص358 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص342 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص541 وتحفة الأحوذي ج4 ص130 وعمدة القاري ج8 ص224 وفتح الباري ج3 ص204 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص3 والمستدرك للحاكم ج1 ص369 وسنن أبي داود ج2 ص84 ونيل الأوطار ج4 ص129 وسبل السلام ج2 ص110 وتلخيص الحبير ج5 ص225 وفيض القدير ج4 ص153.


وثمة أحاديث عن حذيفة بن أسيد، وعامر بن ليلى، تذكر في أحاديث الغدير: أنه حين رجوع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من حجة الوداع، لما كان بالجحفة نهى عن سمرات متقاربات بالبطحاء أن لا ينزل تحتهن أحد(1) .

وثمة حديث عن بطحاء واسط، وبطحاء ذي الحليفة، وبطحاء ابن أزهر، وبطحاء المدينة، وهو أجل من بطحاء مكة(2) ، وقد نسب البطحاوي العلوي إلى جده قوله:

____________

1- راجع: الغدير ج1 ص10 و 26 و 249 ومعجم البلدان ص213 ـ 222 وكتاب الولاية لابن عقدة ص232 وغاية المرام ج1 ص299 والبلدان لليعقوبي ص84 ومجمع الزوائد ج9 ص164 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص241 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص155 و 249 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص342 وج24 ص200 وكتاب الأربعين للماحوزي ص139 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص33.

2- معجم البلدان ج1 ص444 و 445 والغدير ج1 ص249


وبطحا المدينة لي منزل فيا حبذا ذاك من منزل..

وفي قول حيص بيص المتوفى سنة 574 هـ.

ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطحُ(1)

ويوم البطحاء (منسوب إلى بطحاء ذي قار) من أيام العرب المعروفة.

ومن الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين(عليه‌السلام ):

أنا ابن المبجل بالأبطحين وبالبيت من سلفي غالبِ

قال الميبذي في شرحه: يريد أبطح مكة والمدينة(2) .

وأما الجواب عن الدليل الثاني، وهو أن سورة المعارج مكية بالإجماع لا مدنية، فنقول:

أولاً: إن الإجماع إنما هو على أن مجموع السورة كان مكياً، لا جميع

____________

1- راجع: ديوان حيص بيص ج3 ص404 وخلاصة عبقات الأنوار ج8 ص391 والغدير ج1 ص255 وشجرة طوبى ج2 ص303 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للهمداني ص648 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص101 ووفيات الأعيان ج2 ص365 والوافي بالوفيات ج15 ص104 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص842 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص314 والكنى والألقاب ج1 ص338 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص257 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص488 و 506.

2- راجع: شرح ديوان أمير المؤمنين "عليه‌السلام " ص197 وبحار الأنوار ج34 ص397 و الغدير ج1 ص252.

آياتها. فلعل هذه الآية بالخصوص كانت مدنية..

وقد يعترض على ذلك: بأن المتيقن في اعتبار السورة مكية أو مدنية هو تلك التي تكون بداياتها كذلك، أو تكون تلك الآيات التي انتزع اسم السورة منها كذلك..

والجواب عن ذلك..

ألف: إن هناك سوراً كثيرة يقال عنها: إنها مكية مثلاً مع أن أوائلها تكون مدنية، وكذلك العكس، وذلك مثل:

سورة العنكبوت.. فإنها مكية إلا عشر آيات من أولها(1) .

سورة الكهف.. مكية إلا سبع آيات من أولها(2) .

____________

1- راجع: جامع البيان ج20 ص86 والجامع لأحكام القرآن ج13 ص323 والسراج المنير للشربيني ج3 ص123 وسعد السعود لابن طاووس ص289 والغدير ج1 ص255 والبيان في عد آي القرآن للداني ص203 وزاد المسير ج6 ص119 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للأندلسي ج4 ص305 وتفسير السمعاني ج4 ص165 وتفسير ابن زمنين ج3 ص339 والتفسير الكبير للرازي ج25 ص25 وفتح القدير ج4 ص191 وتفسير الثعالبي ج4 ص288 والجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 323 وتفسير العز بن عبد السلام ج2 ص504 والتفسير الصافي ج4 ص110 والتبيان ج8 ص185 وعمدة القاري ج19 ص108 ومجمع البيان ج8 ص5.

2- راجع: الجامع لأحكام القرآن ج10 ص346 والإتقان في علوم القرآن للسيوطي= = ج1 ص16 و (ط دار الفكر) ج2 ص185 والغدير ج1 ص256 وتفسير الثعالبي ج3 ص505 وراجع: عمدة القاري ج19 ص36 والتبيان ج7 ص3 وتفسير شبر ص289 وتفسير مقاتل بن سليمان ج2 ص278 وتفسير العز بن عبد السلام ج2 ص237 وتفسير أبي السعود ج5 ص202 وفتح القدير ج3 ص268 وج9 ص37 وتفسير الآلوسي ج15 ص199.


سورة المطففين، مكية إلا الآية الأولى، (وفيها اسم السورة)(1) .

سورة الليل، مكية إلا أولها، (وفيها اسم السورة أيضاً)(2) .

وهناك سور أخرى كثيرة مكية، وفيها آيات مدنية.. مثل سورة هود، ومريم، والرعد، وإبراهيم، والإسراء، والحج، والفرقان، والنمل، والقصص، والمدثر، والقمر، والواقعة، والليل، ويونس(3) .

____________

1- راجع: جامع البيان ج30 ص58 والغدير ج1 ص257 وراجع: التفسير الصافي ج5 ص298 وج7 ص421 وتفسير العز بن عبد السلام ج3 ص429 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص17 و (ط دار الفكر) ص55 وفتح القدير ج5 ص397 وتفسير مجمع البيان ج10 ص289 وبحار الأنوار ج66 ص116.

2- راجع: الإتقان في علوم القرآن ج1 ص17 و (ط دار الفكر) ص54 والغدير ج1 ص257.

3- راجع ذلك كله في: الغدير ج1 ص256 ـ 257 وراجع: الجامع لأحكـام القرآن ج9 ص1 و 278 و 338 وج10 ص203 وج12 ص1 وج13 ص1 و 247 وج15 ص65 والسراج المنير ج2 ص40 و 511 و 617 وج4 ص136 و171 = = والتفسير الكبير للرازي ج4 ص774 وج5 ص540 وج6 ص206 و 258 و 585 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص15 و 16 وتفسير الشربيني ج2 ص2 و 137و 159 و 261 و 205 وتفسير الخازن ج4 ص343


ب: وهناك سور مدنية، وفيها آيات مكية، مثل:

سورة المجادلة، فإنها مدنية إلا العشر الأول، (وفيها تسمية السورة)(1) .

سورة البلد، وهي مدنية إلا الآية الأولى، (وفيها اسم السورة) وحتى الرابعة(2) ، وغير ذلك.

ثانياً: لو سلمنا أن هذه السورة مكية، فإن ذلك لا يبطل الرواية التي تنص على نزولها في مناسبة الغدير، لإمكان أن تكون قد نزلت مرتين، فهناك آيات كثيرة نص العلماء على نزولها مرة بعد أخرى، عظة وتذكيراً، أو اهتماماً بشأنها، أو اقتضاء موردين لنزولها، نظير: البسملة، وأول سورة

____________

1- راجع: إرشاد العقل السليم لأبي السعود ج8 ص215 والسراج المنير ج4 ص219 والغدير ج1 ص257 وراجع: تفسير مجمع البيان ج9 ص407 والتفسير الصافي ج5 ص142 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج5 ص272 وفتح القدير ج5 ص181 وتفسير الآلوسي ج28 ص2 وتفسير البيضاوي ج5 ص307 والجامع لأحكام القرآن ج17 ص269 وتفسير العز بن عبد السلام ج3 ص291 وزاد المسير ج7 ص314.

2- راجع: الإتقان ج1 ص17 و (ط دار الفكر) ص55 وتفسير الآلوسي ج30 ص133 والغدير ج1 ص257.


الروم، وآية الروح.

وقوله:( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) ...

وقوله:( أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ) .

وقوله:( أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) .

وسورة الفاتحة، فإنها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة، ولتثنية نزولها سميت بالمثاني(1) .

وعن الدليل الثالث أجاب:

أن نزول آية سورة الأنفال قبل سنوات وهي قوله تعالى:( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (2) . لا يمنع من أن يتفوه بها هذا المعترض على الله ورسوله، ويظهر كفره بها. ولعله قد سمعها من قبل، فآثر أن يستخدمها في دعائه، لإظهار شدة عناده وجحوده أخزاه الله.

وعن الدليل الرابع أجاب:

____________

1- راجع: الغدير ج1 ص257 وتفسير مجمع البيان ج1 ص47 والتفسير الصافي ج1 ص80 وبحار الأنوار ج84 ص79 والتفسير الكبير للرازي ج19 ص207 والبرهان للزركشي ج1 ص29 وتفسير الآلوسي ج14 ص79 وتفسير الميزان ج12 ص191 والسيرة الحلبية ج1 ص396 والإتقان ج1 ص60 و (ط دار الفكر) ص105 وفيه موارد أخرى أيضاً.

2- الآية 32 من سورة الأنفال.


ألف: قد لا ينزل العذاب على المشركين لبعض الأسباب المانعة من نزوله، مثل إسلام جماعة منهم، أو ممن هم في أصلابهم، ولكنه ينزل على هذا الرجل الواحد المعاند في المدينة لارتفاع المانع من نزوله.. ولا سيما مع طلبه من الله أن ينزل عليه العذاب.

ب: قد يقال: إن المنفي في آية مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ هو عذاب الاستئصال للجميع، ولا يريد أن ينفي نزول العذاب على بعض الأفراد خصوصاً مع طلبه ذلك..

ج: دلت الروايات على نزول العذاب على قريش، وذلك حين دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عليهم بأن يجعل سنيهم كسني يوسف (عليه‌السلام ) فارتفع المطر، وأجدبت الأرض، وأصابتهم المجاعة حتى أكلوا العظام، والكلاب، والجيف(1) ..

____________

1- راجع: صحيح مسلم ج5 ص342 ح39 كتاب صفة القيامة والجنة والنار، و (ط دار الفكر) ج8 ص131 وسنن الترمذي ج5 ص56 وصحيح البخاري ج2 ص125 و (ط دار الفكر) ج2 ص15 وج5 ص217 وج6 ص19 و 32 و 40 و 41 ومسند أحمد ج1 ص431 و 441 والتفسير الكبير للرازي ج27 ص242 والنهاية في اللغة ج3 ص293 و ج5 ص200 والخصائص الكبرى للسيوطي ج1 ص246 وعمدة القاري ج7 ص27 و 28 وج19 ص140 ودلائل النبوة ج2 ص324 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص353 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص575 ح369 والغدير ج1 ص259 وبحار الأنوار ج16 = = ص411 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص189 والبداية والنهاية ج6 ص101 وراجع: تفسير السمعاني ج2 ص359.


د: قد نزل العذاب أيضاً على بعض الأفراد بدعاء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، كما جرى لأبي زمعة، الأسود بن المطلب، حيث كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدعا عليه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يعمى، ويثكل ولده، فأصابه ذلك(1) .

ودعا على مالك بن الطلاطلة، فأشار جبريل إلى رأسه، فامتلأ قيحاً فمات(2) .

ثم ما جرى للحكم بن أبي العاص حيث كان يحكي مشية النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص27 و (ط دار صادر) ج2 ص74 وإمتاع الأسماع ج14 ص332 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص220 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص461 والغدير ج1 ص259 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج1 ص513 والجامع لأحكام القرآن ج10 ص62 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص580.

2- راجع: الكامل في التاريخ ج2 ص27 و (ط دار صادر) ج2 ص75 والغدير ج1 ص259 وراجع: بحار الأنوار ج18 ص49 وتخريج الأحاديث والآثار ج2 ص220 وتفسير مجمع البيان ج6 ص133 وجامع البيان ج14 ص95 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص580 وسيرة ابن إسحاق ج5 ص254 والسيرة النبوية لابن هشام ج2 ص278.


، فرآه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: كن كذلك، فكان الحكم مختلجاً يرتعش منذئذٍ(1) .

وما جرى لجمرة بنت الحارث، فقد خطبها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال أبوها: إن بها سوءاً، ولم تكن كذلك، فرجع إليها، فوجدها قد برصت(2) .

ولعلها كانت تستحق هذا العذاب، بسبب بعض ما كانت تبطنه أو تظهره من سيئات الأعمال، أو يقال: هناك آثار وضعية قد يبتلى بها الأبناء، بسبب فعل الآباء، ويكون الأبناء ضحية عدوان آبائهم فيثابون إن عاشوا وصبروا، ويعوضهم الله عن ذلك، وليكن هذا من آثار التعامل مع الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذه الطريقة. فلا يرد: أنه إذا كان أبوها قد أذنب فما

____________

1- راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج1 ص218 و (ط دار الجيل) ج1 ص359 والنهاية في اللغة ج2 ص60 وإمتاع الأسماع ج12 ص101 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص150 والإصابة ج1 ص345 و 346 وبحار الأنوار ج31 ص173 والخصائص الكبرى ج2 ص132 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص214 ودلائل النبوة للبيهقي ج6 ص239 و 240 والغدير ج1 ص260 وج8 ص244.

2- راجع الإصابة ج1 ص276 و (ط دار الكتب العلمية) ج1 ص663 والخصائص الكبرى ج1 ص133 وعيون الأثر لابن سيد الناس ج2 ص392 والكامل في التاريخ ج2 ص310 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص418 والغدير ج1 ص260 الجامع لأحكام القرآن ج14 ص169.


ذنبها هي؟!

وما جرى لذلك الرجل الذي كذب على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

وما جرى لابن أبي لهب، فإنه سب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدعا الله أن يسلط عليه كلبه، فافترسه الأسد(2) .

هـ: قد هدد الله تعالى قريشاً بقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ(3) .. فإن كان مناط الحكم في هذه الآية هو إعراض الجميع، فإن الصاعقة لم تأتهم، لأن بعضهم قد آمن. ولو أنهم استمروا جميعاً على الضلال لأتاهم ما هددهم به.

ولو كان وجود النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مانعاً من جميع أقسام العذاب، لم يصح هذا التهديد.. ولم يصح أن يصيب الحكم بن أبي العاص، وغيره ممن تقدمت أسماؤهم شيء من الأذى..

____________

1- راجع: الخصائص الكبرى ج1 ص244 ودلائل النبوة للبيهقي ج6 ص245 والغدير ج1 ص260 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص84.

2- الغدير ج1 ص261 وجامع البيان للطبري ج27 ص55 وتفسير القرآن للصنعاني ج3 ص250 والبداية والنهاية ج6 ص294 والدر المنثور ج6 ص121 والخصائص الكبرى ج1 ص147 و 244 والنهاية في اللغة ج3 ص91 ودلائل النبوة للبيهقي ج2 ص338 و 339 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص588 و 585 و 586 حديث رقم 383 و 381 و 380 وتاريخ مدينة دمشق ج11 ص65.

3- الآية 13 من سورة فصلت.


وعن الدليل الخامس أجاب (رحمه‌الله ):

إن حادثة الفيل استهدفت تدمير أعظم رمز مقدس للبشرية بأسرها، فالدواعي متوفرة على نقلها.. وليست مرتبطة بعلي (عليه‌السلام ) بحسب الظاهر.

أما قصة هذا الرجل الذي واجه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قضية الغدير، المرتبطة بعلي (عليه‌السلام ) في أهم قضية تعنيهم وهي الإمامة، فالدواعي لنقلها أقل بكثير، وهي ككثير من معجزات الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التي نقلت عن طريق الآحاد، وبعضها قبله المسلمون من دون نظر في سنده..

بل الدواعي متوفرة على طمس هذه القضية، وذلك إمعاناً في إضعاف واقعة الغدير، وإبعادها عن أذهان الناس، وحمل الناس على نسيانها، لأنها تمثل إدانة خطيرة لفريق تقدسه طائفة كبيرة من الناس.. وتمثل معنى هاماً في فضل علي (عليه‌السلام ).

وأما دعواهم: أن المصنفين قد أهملوا هذه القضية، فهي مجازفة ظاهرة، إذ قد تقدم أن كثيرين منهم قد رووها..

وعن الدليل السادس أجاب (رحمه‌الله ):

بأن الحديث كما أثبت إسلام الحارث، فإنه قد أثبت ردته.. والعذاب نزل عليه بعد ردته، لا حين إسلامه، فلا يصح قوله: إنه لم يصب العذاب أحداً من المسلمين في عهد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثم ذكر شواهد عن عذاب لحق بعض المسلمين في عهد رسول الله


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كقصة جمرة بنت الحارث، وغيرها.

وقصة ذلك الذي أكل عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بشماله، فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): كل بيمينك.

فقال: لا أستطيع.

قال: لا استطعت. فما رفعها إلى فيه بعد(1) . وقد رواها مسلم في صحيحه.

وقصة الأعرابي الذي عاده رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فقال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا بأس، طهور إن شاء الله.

قال: قلت: طهور؟! كلا بل حمى تفور (أو تثور)، على شيخ كبير، تزيره القبور.

قال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): فنعم إذا.

فما أمسى من الغد إلا ميتاً(2) .

____________

1- صحيح مسلم ج4 ص259 ح107 والغدير ج1 ص264 وفتح الباري ج9 ص456 وعمدة القاري ج21 ص29 وتحفة الأحوذي ج5 ص422 وعون المعبود ج10 ص179 وسبل الهدى والرشاد ج10 ص215 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص367.

2- راجع: صحيح البخاري ج3 ص1324 ح3420 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص383 والمصنف للصنعاني ج11 ص197 وكنز العمال ج9 ص211 وصحيح ابن حبان ج7 ص225 والجوهر النقي ج3 ص382.


وكذا بالنسبة لمن نقى شعره في الصلاة، فقال له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قبح الله شعرك، فصلع مكانه(1) .

وأجاب عن الوجه السابع:

بأن معاجم الصحابة لم تستوف ذكر جميعهم، وقد استدرك المؤلفون على من سبقهم أسماء لم يذكروها.

وقد أوضح العسقلاني ذلك في مستهل كتابه (الإصابة) فراجع..

وقد ذكروا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) توفي وكان عدد من رآه وسمع منه زيادة على مئة ألف إنسان..

أضف إلى ذلك: أنه قد يكون إهمال ذكر هذا الرجل في معاجم الصحابة لأجل ردته..

كما أن ما جرى له فيه فضيلة لعلي (عليه‌السلام ) في أكثر الأمور حساسية، فلماذا لا يتجاهل اسمه المتجاهلون؟!

سورة والعصر نزلت في علي (عليه‌السلام ):

وقد يتساءل البعض عن المقصود بقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خطبة يوم الغدير: (في علي نزلت سورة وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر.

ويمكن أن يجاب: بأن الأحاديث الشريفة صرحت: بأن المراد بالإنسان

____________

1- راجع: أعلام النبوة للماوردي ص81 و (ط أخرى) 134 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص72 والغدير ج1 ص264.


الذي في خسر، هم أعداؤهم (عليهم‌السلام )، ثم استثنى أهل صفوته من خلقه، حيث قال:( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: آمنوا بولاية أمير المؤمنين وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ ذرياتهم ومن خلقوا بالولاية، وتواصوا بها، وصبروا عليها)(1) .

وفي نص:( وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ ) يعني الإمامة و( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) يعني بالعترة(2) .

____________

1- البرهان (تفسير) ج4 ص504 و 505 ونور الثقلين ج5 ص666 و 667 وبحار الأنوار ج24 ص215 و ج36 ص183 وج64 ص59 وتفسير القمي ج2 ص441 والتفسير الصافي ج5 ص372.

2- البرهان (تفسير) ج4 ص504 و 505 ونور الثقلين ج5 ص666 و 667 إكمال الدين ص656 وبحار الأنوار ج64 ص59 وج66 ص270 والتفسير الأصفى ج2 ص1474.



الفصل التاسع: قرائن ودلالات..



لماذا آية الإكمال أولاً؟!:

هنا سؤال يقول: لماذا أوردت آية:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (1) ، قبل آية:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (2) . وهما في سورة واحدة؟! فإن السير الطبيعي للأحداث يفرض تقدم هذه على تلك.. لا سيما وأن القرآن كان ينزل نجوماً..

ونجيب:

أولاً: إن سورة المائدة قد نزلت أولاً دفعة واحدة، إما في حجة الوداع في الطريق، أو يوم عرفة، ثم صارت الأحداث تمر، والآيات المناسبة تنزل مرة ثانية(3) .

____________

1- الآية 3 من سورة المائدة.

2- الآية 67 من سورة المائدة.

3- الجامع لأحكام القرآن ج6 ص61 وراجع ص30 وراجع: تفسير البحر المحيط ج3 ص427 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج2 ص143 والغدير ج1 ص227 وشرح أصول الكافي ج6 ص121 وج11 ص278


ويدل على نزولها دفعة واحدة ما يلي:

1 ـ عبد الله بن عمرو، قال: أنزلت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها(1) .

2 ـ عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إذ نزلت المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة(2) .

____________

1- مسند أحمد ج2 ص176 والدر المنثور ج2 ص252 عنه، ومجمع الزوائد ج7 ص13 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص3 وفتح القدير ج2 ص3 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص31 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص424 وإمتاع الأسماع ج3 ص49 والسيرة الحلبية ج1 ص415 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص258.

2- مسند أحمد ج6 ص455 والدر المنثور ج2 ص252 عنه، وعن عبد بن حميد، وابن جرير، ومحمد بن نصر في الصلاة، والطبراني، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الإيمان، ومجمع الزوائد ج7 ص13 وجامع البيان ج6 ص112 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص3 و 126 والبداية والنهاية ج3 ص31 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص424 والسيرة الحلبية ج1 ص424 ومسند ابن راهويه ج5 ص174 وإمتاع الأسماع ج3 ص48 وذم الكلام وأهله للأنصاري الهروي ج1 ص16 والمعجم الكبير للطبراني ج24 ص177 و 178 وسبل الهدى والرشاد ج2 ص257.


3 ـ عن أم عمرو بنت عبس، عن عمها: أنه كان في مسير مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق كتف راحلته العضباء، من ثقل السورة(1) .

4 ـ عن محمد بن كعب القرظي، قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حجة الوداع، فيما بين مكة والمدينة، وهو على ناقته، فانصدعت كتفها، فنزل عنها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

5 ـ عن الربيع بن أنس قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المسير من حجة الوداع، وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها(3) .

أما القول بأنها نزلت منصرف رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الحديبية(4) ، فيرده: ما دل على أن سورة المائدة كانت آخر ما نزل.

ثانياً: قالوا: (الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي،

____________

1- الدر المنثور ج2 ص252 عن ابن أبي شيبة في مسنده، والبغوي في معجمه، وابن مردويه، والبيهقي في دلائل النبوة، والسيرة الحلبية ج1 ص415.

2- الدر المنثور ج2 ص252 عن أبي عبيد، وتفسير الآلوسي ج6 ص47.

3- الدر المنثور ج2 ص252 عن ابن جرير، وجامع البيان ج6 ص112.

4- الجامع لأحكام القرآن ج6 ص61 وراجع ص30 وراجع تفسير البحر المحيط ج3 ص427 والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج2 ص143 والغدير ج1 ص227.


لا شبهة في ذلك)(1) ..

وقد رووا: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، كان يقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا..

وقد روي ذلك عن ابن عباس(2) ..

وعن عثمان بن عفان أيضاً(3) ..

____________

1- الإتقان ج1 ص24 و (ط دار الفكر) ج1 ص167 والغدير ج1 ص227 وراجع: تحفة الأحوذي ج8 ص380 وإعجاز القرآن الباقلاني (مقدمة المحقق) ص60 وتاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص61.

2- راجع: الدر المنثور ج1 ص7 عن الحاكم وصححه، وعن أبي داود، والبزار، والطبراني، والبيهقي في المعرفة وفي شعب الإيمان، والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص272 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص43 والإتقان ج1 ص62 والبرهان للزركشي (ط دار إحياء الكتب العربية) ج1 ص234 و 241 عن الترمذي والحاكم، والتمهيد ج1 ص213 وتاريخ القرآن للصغير ص81 عن: مدخل إلى القرآن الكريم لدراز ص34، لكن في غرائب القرآن للنيسابوري، بهامش جامع البيان للطبري ج1 ص24 ومناهل العرفان ج1 ص240 هكذا: "ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا".

3- مستدرك الحاكم ج2 ص330 و221 وتلخيصه للذهبي بهامشه وغريب الحديث ج4 ص104، والبرهان للزركشي ج1 ص234 و 235 وسنن الترمذي ج4 ص336 وراجع ص61 وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج1 ص24 وفتح = = الباري ج9 ص19 و 20 و 39 و 38، وكنز العمال ج2 ص367 عن أبي عبيد في فضائله، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن المنذر، وابن أبي داود، وابن الأنباري معاً في المصاحف، والنحاس في ناسخه، وابن حبان، وأبي نعيم في المعرفة، والحاكم وسعيد بن منصور، والنسائي، والبيهقي، وفواتح الرحموت بهامش المستصفى ج2 ص12 عن بعض من ذكر، والدر المنثور ج3 ص207 و 208 عن بعض من ذكر، وعن أبي الشيخ، وابن مردويه ومشكل الآثار ج2 ص152 والبيان ص268 عن بعض من تقدم، وإمتاع الأسماع ج4 ص241 وتاريخ المدينة لابن شبة ج3 ص1015 وفتح القدير ج2 ص331 وعن الضياء في المختارة، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج2 ص48.

وراجع: بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص103 ومناهل العرفان ج1 ص347 ومباحث في علوم القرآن ص142 عن بعض من تقدم، وتاريخ القرآن للصغير ص92 عن أبي شامة في المرشد الوجيز.. وجواهر الأخبار والآثار بهامش البحر الزخار ج2 ص245 عن أبي داود، والترمذي، وسنن أبي داود ج1 ص209 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص344 وتفسير السمرقندي ج2 ص37 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص42 والإتقان في علوم القرآن ج1 ص167 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص10 ومسند أحمد ج1 ص57 و 69 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص10 وأضواء البيان للشنقيطي ج2 ص112 وجامع البيان ج1 ص69 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص62 وتهذيب الكمال ج32 ص288 وتاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص63.



وفي نص آخر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة(1) .

وهذا معناه: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي قدم آية الإكمال على الآية الأخرى بأمر من الله.. مما يعني: أن ثمة مصلحة اقتضت هذا التقديم، فلا بد من البحث في ذلك، فلاحظ ما يلي:

لماذا قدم آية الإكمال؟!:

قد يقال: إن المصلحة في هذا التقديم هي حفظ الإمامة، وحفظ إيمان الناس، وتيسير سبل الهداية لهم، ثم حفظ القرآن عن أن تمتد إليه يد التحريف.

وتوضيح ذلك باختصار شديد: أن الدعوة لا بد أن تواجه بالشدة والعنف من قبل الطغاة والجبارين، ولا بد من قتالهم لمنع بغيهم، ودفع شرهم، وهذا يضع الرسول أمام عدة خيارات هي:

الخيار الأول: أن يباشر النبي القتال بنفسه، فيقتل المعتدين، ومن يعاونهم في عدوانهم..

____________

1- مسند أحمد ج4 ص218 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص605 وكنز العمال ج2 ص16 ومجمع الزوائد ج7 ص48 وتفسير الآلوسي ج14 ص220 وفتح القدير ج3 ص189 والدر المنثور ج4 ص128 والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج1 ص168 وتاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي ص62 و 68.


وهذا يعني: أن لا تصفو نفوس ذويهم له، وأن لا يتمكن حبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من قلوبهم، فضلاً عن أن يكون أحب إليهم من كل شيء حتى من أنفسهم!!.. كما يفرضه الإلتزام بالإسلام، والدخول في دائرة الإيمان..

وسوف تتهيأ الفرصة أمام شياطين الإنس والجن لدعوة هؤلاء الموتورين إلى خيانته، والكيد له، والتآمر عليه، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً..

كما أنهم إذا ما اتخذوا ذلك ذريعة للعزوف عن إعلان إسلامهم واستسلامهم.. فإنهم سوف يمنعون الكثيرين ممن له اتصال بهم، من أبناء وأرحام، وأقوام، وحلفاء وأصدقاء، من التعاطي بحرية وبعفوية مع أهل الإيمان، ثم حرمانهم وحرمان من يلوذ بهم من الدخول الجدي في المجتمع الإسلامي، والتفاعل معه، والذوبان فيه.

وإذا لم تصف نفوس بعض الناس، ولم يتمكن حب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من قلوبهم بل اتسع النفاق، وارتد بعضهم واضطهدوا آل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بسبب ذلك. فإن ذلك لا ينقض ما قلناه لأن ذلك إنما نشأ عن العناد والاستكبار عن قبول الحق، ولأجل مطامع دنيوية وأمراض قلبية. ويدل على ذلك: أن كثيرين غير هؤلاء قد استجابوا للحق، ولم يحملوا غلاً في صدورهم، وأصبحوا من خيرة الناس، قد أحبوا الله ورسوله حسب ما تيسر لكل منهم.

الخيار الثاني: أن يتولى ذلك الآخرون من رجال القبائل المختلفة، مع احتفاظه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأهل بيته وذوي قرابته.


وهذا سوف يثير لدى الناس أكثر من سؤال، ويضعف عامل الثقة، وقد يؤثر سلباً على اعتقاد الناس بالنبوة، وعلى درجة الإنقياد لها.. ولا أقل من عروض الكدورة على صفاء النوايا، وانحسار الرغبة في التضحية حين يقتضي الأمر ذلك..

مع ملاحظة: أن الناس لا يزالون قريبي عهد بجاهليتهم، ولم يتم اقتلاع مفاهيمها بعد بصورة كاملة، ولم يقطع الناس أشواطاً كبيرة في مسيرة السمو الروحي، والإخلاص لله فيما يحجمون عنه، أو يقدمون عليه..

بل قد يؤسس ذلك لأحقاد بين الفئات والقبائل المختلفة، تنتهي إلى عمليات ثأرية متبادلة.. وسينتهي الأمر بالتمزق والتشرذم، والسقوط في مستنقع الجريمة، ثم في أحضان الرذيلة بأبشع الصور، وأخبثها..

ولذلك نجد أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يعمل على أن يقابل كل قبيلة بأختها من نفس القبيلة، فيقابل تميم الشام بتميم العراق، وربيعة الشام بربيعة العراق(1) ، وهكذا سائر القبائل، لا لأجل أنه يتعامل بمنطق العشيرة والقبيلة.. فإن سيرته خير شاهد على خلاف ذلك، بل لأنه يريد:

أولاً: أن لا يمعن الناس في قتل بعضهم بعضاً، لأن المهم عنده هو وأد

____________

1- وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص229 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص186 وراجع: أنساب الأشراف ج2 ص305 والفتوح لابن أعثم ج3 ص141 وراجع ج2 ص299 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص9 وفيه: أن علياً >عليه‌السلام < سأل أولاً عن قبائل الشام، فلما أخبروه اتخذ قراره ذاك.


الفتنة بأقل قدر من الخسائر..

الثاني: يريد أن لا تكون هناك ثارات يطلبها أهل القبائل من بعضهم البعض، فإن حصر الأمور بين أفراد القبيلة الواحدة يصعِّب الأخذ بالثأر، ويهيء لصرف النظر عن ذلك بالكلية.

الخيار الثالث: أن يدفع (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأهل بيته الأطهار ليكونوا هم حماة هذا الدين، من دون حرمان غيرهم من العمل بتكليفهم الشرعي، فكان علي (عليه‌السلام ) هو القائد والرائد، والمضحي، والناصر والمحامي عن نبيه، والقاتل لأعداء هذا الدين وأهله، وكان أهل البيت (عليهم‌السلام ) هم شهداء هذه الأمة، وقوام وحدتها، وحفظة عزتها وكرامتها.

وإذا ما سعى الموتورون للإنتقام من علي (عليه‌السلام ) وذريته، وتآمروا عليهم، ومكروا بهم، فلن يجدوا عندهم سوى الرفق والصبر، وقد جرت الأمور على هذا المنوال بالفعل، ولذلك لم يجد الناس أي رغبة بالجحود، والعناد الظاهر للدين، وإعلان الخروج منه، أو إبطان الحقد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو السعي لتحريف كتاب الله.

فالأخذ بهذا الخيار يجسد رحمة الله للناس، والرفق بهم، وتيسير الإيمان لهم، ولذرياتهم، ومن يلوذ بهم..

ولعل هذا هو السبب في أن إسم علي (عليه‌السلام ) لم يذكر في القرآن، مع كثرة ذكره للأمور التي تؤكد فضله (عليه‌السلام )، وتبين عظيم منزلته، كآية النجوى، والتصدق بالخاتم وهو راكع، وآية إكمال الدين، وغير ذلك


من آيات ترتبط بالإمامة..

وقد قيل للإمام الصادق (عليه‌السلام ): إن الناس يقولون: فما له لم يسمّ علياً وأهل بيته (عليهم‌السلام ) في كتاب الله عز وجل؟!

فقال: قولوا لهم: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نزلت عليه الصلاة، ولم يسم الله لهم ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي فسر ذلك لهم.

ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهماً درهم، حتى كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي فسر ذلك لهم..

ونزلت:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ) (1) .. ونزلت في علي والحسن والحسين (عليهم‌السلام ) ـ فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في علي (عليه‌السلام ): من كنت مولاه فعلي مولاه..

وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أوصيكم بكتاب الله، وأهل بيتي، فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما، حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك..

وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم.

وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة..

فلو سكت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فلم يبين مَنْ أهل بيته (عليهم‌السلام )، لادّعاها آل فلان، وآل فلان. لكن الله عز وجل، أنزله في

____________

1- الآية 59 من سورة النساء.


كتابه تصديقاً لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .. فكان علي والحسن والحسين، وفاطمة (عليهم‌السلام )، فأدخلهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحت الكساء في بيت أم سلمة الخ(2) ..

تناقضات تحتاج إلى حلول:

أجمع أهل السنة، وروى البخاري ومسلم، عن عمر وغيره: أن يوم عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة(3) .

____________

1- الآية 33 من سورة الأحزاب.

2- راجع: الكافي ج1 ص287 و 288 والتفسير الصافي ج1 ص462 وج4 ص188 وج6 ص43 عنه، وعن العياشي، وراجع: نور الثقلين ج1 ص502 وج4 ص274 وتفسير فرات ص111 وكنز الدقائق ج3 ص441 و442 و (مؤسسة النشر الإسلامي) ج2 ص497 وشرح أصول الكافي ج6 ص109 وبحار الأنوار ج35 ص211 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص187 وتفسير الميزان ج4 ص411 وغاية المرام ج2 ص352 وج3 ص110 و 193.

3- راجع: صحيح البخاري ج5 ص186 وفضائل الأوقات للبيهقي ص351 وسنن الترمذي ج4 ص316 ومسند أحمد ج1 ص28 وتحفة الأحوذي ج8 ص323 وعمدة القاري ج18 ص199 وجامع البيان ج6 ص109 و 111 والتفسير الكبير ج5 ص191 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص14 والدر المنثور ج2 ص258 وسفينة النجاة للتنكابني ص84 والغدير ج1 ص236.


وذكر المؤرخون: أن يوم الغدير كان يوم الخميس(1) في الثامن عشر من ذي الحجة.

فإذا كان يوم عرفة هو يوم الجمعة، فيجب أن يكون الثامن عشر من ذي الحجة هو يوم الأحد لا يوم الخميس.

ويؤكد هذا الإشكال قولهم: إن أول ذي الحجة هو يوم الخميس(2) .

____________

1- راجع: مناقب آل أبي طالب ج2 ص227 والطرائف لابن طاووس ص146 وبحار الأنوار ج37 ص156 و 178 وج55 ص368 وج56 ص27 وتأويل الآيات ج1 ص156 وكتاب الأربعين للشيرازي ص119 وكتاب الأربعين للماحوزي ص147والمناقب للخوارزمي ص135 وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ج1 ص355 وشرح أصول الكافي ج5 ص195 وج6 ص120 ومناقب الإمام أمير المؤمنين "عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص118 و 137 و 362 و 434 والمسترشد للطبري ص468 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص181و303 وج8 ص278 و 280و309 و 310 و 311 و 314 و 315 والغدير ج1 ص42 و 43 و 232 و 233 و 234 ونهج الإيمان لابن جبر ص115 وخصائص الوحي المبين لابن البطريق ص93 وبشارة المصطفى للطبري ص328 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص355 وج20 ص198 ومناقب علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " لابن مردويه ص231.

2- راجع: بحار الأنوار ج22 ص534 عن كتاب التنوير ذو النسبين بين دحية والحسين، وفتح الباري ج3 ص323 وج4 ص107 وج6 ص81 وج8 ص80 = = و 98 و 99 وعمدة القاري ج7 ص124 وج9 ص168 وج14 ص218 وج16 ص99 وج18 ص60 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص129 و 184 و 277 وكشف الغمة ج1 ص20 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص217 و 333 و 509 وإمتاع الأسماع ج14 ص543 وسبل الهدى والرشاد ج8 ص488 وج12 ص306 وراجع: الغدير ج1 هامش ص42.


كما أنه إذا كان يوم الغدير هو يوم الخميس فلا بد أن يكون يوم عرفة هو يوم الثلاثاء.

والقول بأن يوم عرفة كان يوم الخميس كما في بعض الروايات، فلا بد أن يكون الغدير يوم السبت.

بل صرحت بعض الروايات: بأن يوم عرفة، الذي هو يوم نزول سورة المائدة بما فيها آية الإكمال، وهو يوم الإثنين(1) . وهذا لا يتلاءم مع أي من الروايات الأخرى كقولهم لهم إن يوم الغدير كان يوم الخميس.

____________

1- جامع البيان ج6 ص54 و 112 والدر المنثور ج2 ص258 و 259 عنه. وراجع: مجمع الزوائد ج1 ص196 والمعجم الكبير ج12 ص183 وكنز العمال ج12 ص445 والتبيان للطوسي ج3 ص436 وتفسير القرآن العظيم ج2 ص15 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص67 و 69 وتاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص26 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج2 ص319 وإمتاع الأسماع ج14 ص542 والسيرة النبوية لابن كثير ج1 ص198و200 وسبل الهدى والرشاد ج1 ص333 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص28.


وقولهم: إن أول ذي الحجة كان يوم الخميس أيضاً. ولا يتلاءم أيضاً مع ترديدهم ذلك بين يوم الخميس أو الجمعة.

فلعل الأمر قد اشتبه على الراوي، ويكون الصحح هو يوم الثلاثاء ليكون يوم الغدير هو الخميس.. ويكون التبديل في أسماء الأيام وادعاء أن عرفة يوم الجمعة، أو يوم الإثنين. وكذلك ادعاء أن أول ذي الحجة في تلك السنة هو الخميس قد جاء لأثارة الشبهة حول يوم الغدير.. والله هو العالم بالحقائق.

الإحتجاج بحديث الغدير:

وأما فيما يتعلق بإحتجاجات علي والزهراء، والأئمة الطاهرين من ذريتهما (عليهم‌السلام )، بحديث الغدير، فحدث عنه ولا حرج.

ويمكن أن يجد القارئ طائفة من هذه الإحتجاجات، والمناشدات، والإستشهادات بهذا الحديث الشريف في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج32 ص 66ـ 88 فراجع..

زيد بن حارثة في حديث الغدير:

وجاء في حديث احتجاج المأمون على الفقهاء، قول المأمون لإسحاق بن إبراهيم: يا إسحاق، هل تروي حديث الولاية؟!

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: إروه.

ففعلت.


قال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث، هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟!

قلت: إن الناس ذكروا: أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة، لشيء جرى بينه وبين علي، وأنكر ولاء علي، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.

قال: في أي موضع قال هذا؟! أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟!

قلت: أجل.

قال: فإن قتل زيد بن حارثة قبل الغدير!

كيف رضيت لنفسك بهذا؟!

أخبرني لو رأيت ابناً لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيها الناس؟! فاعلموا ذلك. أكنت منكراً ذلك عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟!

فقلت: اللهم نعم.

قال: يا إسحاق، أفتنزه ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

ويحكم لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم، إن الله جل ذكره قال في كتابه:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ) (1) . ولم يصلُّوا لهم، ولا

____________

1- الآية 31 من سورة التوبة.

صاموا، ولا زعموا أنهم أرباب، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم(1) .

والظاهر: أن إشكال المأمون هذا قد آتى ثماره، حيث جاء المصلحون بعد ذلك ليقولوا: إن هذه الحادثة قد جرت بين أسامة بن زيد بن حارثة وبين علي.. وقد كان أسامة حياً آنئذٍ، وأن الذي قتل في مؤتة هو أبوه.. فذكروا: أن أسامة قال لعلي (عليه‌السلام ): لست مولاي، إنما مولاي رسول الله.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (من كنت مولاه فعلي مولاه)(2) .

ومن الواضح: أن إشكال المأمون باستشهاد زيد في مؤتة يدل على أن

____________

1- قاموس الرجال ج12 ص155 والغدير ج1 ص211 ـ 212 والإمام علي "عليه‌السلام " في آراء الخلفاء للشيخ مهدي فقيه إيماني ص182 ـ 197 وفي هامشه عن: العقد الفريد ج5 ص92 ـ 101 و (ط أخرى) ج5 ص56 ـ 61 و (ط أخرى) ج3 ص42 وعيون أخبار الرضا للصدوق ج2 ص185 ـ 200 باختلاف يسير.

2- تحفة الأحوذي ج10 ص148 والنهاية في غريب الحديث ج5 ص228 وعن السيرة الحلبية ج3 ص277 وفيض القدير شرح الجامع الصغير ج6 ص282 ومعاني القرآن للنحاس ج6 ص411 وكتاب الأربعين للماحوزي ص164 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص42 والغدير ج1 ص383 ودليل النص بخبر الغدير ص54 ولسان العرب ج15 ص410 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص244 و 291 وكنز الفوائد ص232.


إقحام اسم أسامة قد جاء متأخراً بهدف حل هذا الإشكال.

لكن لو سلمنا باستبدال زيد بأسامة، فإن إشكال المأمون بعدم معقولية أن يقول الرجل: مولاي مولى ابن عمي.. يبقى على حاله..

يضاف إلى ذلك: أنه لو صحت رواياتهم، فلا معنى لأن يوقف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عشرات الآلاف من البشر في حر الرمضاء.

ولا معنى لأخذ البيعة له من سائر من في الصحراء على مفترق الطرق.. فإن الأمر لا يعنييهم من جهة.. والولاء بهذا المعنى لا تطلب فيه البيعة، بل لا معنى لها فيه..

ولا معنى لقول عمر: أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة..

ولا معنى لأن يحتاج إلى العصمة من الناس..

ولا معنى لإكمال الدين وإتمام النعمة، ولا معنى.. ولا معنى.. لو كان الأمر ينحصر بهذا الخلاف البسيط بين أسامة وبين علي (عليه‌السلام )!!

علي (عليه‌السلام ) كان باليمن:

وذكر ياقوت الحموي: أن محمد بن جرير الطبري (له كتاب فضائل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، تكلم في أوله بصحة الأخبار الواردة في غدير خم، ثم تلاه بالفضائل، ولم يتم)(1) .

وقال: (وكان إذا عرف من إنسان بدعة أبعده واطَّرحه. وكان قد قال

____________

1- معجم الأدباء ج18 ص80 وقاموس الرجال ج9 ص152 والغدير ج1 ص152.


بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خم، وقال: إن علي بن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بغدير خم.

وقال هذا الانسان في قصيدة مزدوجة، يصف فيها بلداً بلداً، ومنزلاً منزلاً، أبياتاً يُلَوِّحُ فيها إلى معنى حديث غدير خم، فقال:

ثم مررنا بغدير خم كم قائل فيه بزور جم

على علي والنبي الأمي

وبلغ أبا جعفر ذلك، فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن أبي طالب، وذكر طرق حديث غدير خم، فكثر الناس لاستماع ذلك الخ..)(1) .

وقال الطحاوي: (فدفع دافع هذا الحديث، وزعم أنه مستحيل، وذكر أن علياً لم يكن مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خروجه إلى الحج من المدينة، الذي مرَّ في طريقه بغدير خم بالجحفة..)(2) .

ونقول:

أولاً: تقدم: أن علياً (عليه‌السلام ) عاد من اليمن، ولقي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مكة، وساق أربعاً وستين بدنة، وأحرم بما أحرم به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحج معه، واشركه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) معه في الهدي.

____________

1- معجم الأدباء ج18 ص84 والغدير ج1 ص152.

2- تذكرة الحفاظ ج2 ص713 رقم 728 والغدير ج1 ص314 و 294 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص98.


ثانياً: إن تنصيب علي (عليه‌السلام ) لم يكن حين ذهاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من المدينة إلى مكة، بل كان حين رجوعه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مكة إلى المدينة، بعد أدائه مناسك الحج(1) .

ويظهر من كلام الذهبي: أن صاحب هذا الزعم الباطل هو ابن داود، فعمل ابن جرير كتاب الفضائل ردّ فيه عليه، والظاهر: أنه سماه (كتاب الرد على الحرقوصية)(2) نسبة إلى حرقوص بن زهير زعيم الخوارج، معرضاً: بأن صاحب هذا الزعم كان خارجياً.

وقال الذهبي: إنه رأى مجلداً من كتاب ابن جرير، فاندهش له ولكثرة

____________

1- إقبال الأعمال ص453 و (ط مكتب الإعلام الإسلامي) ج2 ص279 وأشار إلى كتاب ابن جرير في: البداية والنهاية ج11 ص146 وتهذيب التهذيب ج7 ص339 وقاموس الرجال ج11 ص264 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص82 والفهرست للطوسي ص150 وبحار الأنوار ج95 ص301 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص228 والغدير ج1 ص23 وأسد الغابة ج1 ص308 وتنبيه الغافلين ص65 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص274.

2- راجع: مشكل الآثار ج2 ص308 والصواعق المحرقة ص42 و 43 والمعتصر من المختصر ج2 ص301 والمرقاة في شرح المشكاة ج10 ص476 وشرح الأخبار ج1 ص81 والمسترشد للطبري ص35 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج2 ص239 وبحار الأنوار ج37 ص126 والغدير ج1 ص153 ورجال النجاشي ص322 وقاموس الرجال ج9 ص151 و 154 و 193.


تلك الطرق(1) .

علي (عليه‌السلام ) بعد العبدين الصالحين:

ورد في رواية جرير بن عبد الله البجلي لواقعة الغدير: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخذ بذراع علي (عليه‌السلام ) وقال:

(من يكن الله ورسوله مولاه، فإن هذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. اللهم من أحبّه من الناس فكن له حبيباً، ومن أبغضه فكن له مبغضاً. اللهم إنّي لا أجد أحداً استودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين(2) غيرك(3) ، فاقض له بالحسنى.

____________

1- تذكرة الحفاظ ج2 ص713 ومشكل الآثار ج2 ص308 والصواعق المحرقة ص42 و 43 والإمام علي بن أبي طالب "عليه‌السلام " للرحماني ص807 والمعتصر من المختصر ج2 ص301 وفتح الملك العلي ص15 والمرقاة في شرح المشكاة ج10 ص476 والمسترشد للطبري ص43 والكنى والألقاب ج1 ص241 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص218 والغدير ج1 ص152 و 307.

2- الغدير ج1 ص23 وخلاصة عبقات الأنوار ج9 ص113 و 114 وكنز العمال ج13 ص138.

3- راجع: الغدير (تحقيق مركز الغدير للدراسات) ج1 ص621 ومجمع الزوائد ج9 ص106 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص357 وتاريـخ مدينة دمشق ج42 ص237 والإكمال في أسماء الرجال ص36 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص564 وج30 ص422 عن مخـتـصـر تـاريـخ دمشق (ط دار الفـكـر) ج17 = = ص358 وهداية العقول ص31 وقال في الغدير: في تعليق هداية العقول (ص 31): لعله أراد بالعبدين الصالحين أبا بكر وعمر، وقيل: الخضر وإلياس.

وقيل: حمزة وجعفر رضي الله عنهما، لأن علياً "عليه‌السلام " كان يقول عند اشتداد الحرب: وا حمزتاه ولا حمزة لي؟! وا جعفراه ولا جعفر لي؟!

أقول: هذا رجم بالغيب، إذ لا مجال للنظر في تفسير العبدين الصالحين بمن ذكر إلا أن يعثر على نص، والظاهر: عدم ذلك لما ذكره سيدي العلامة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن المفضل "رحمه‌الله " لما سأله بعضهم عن تفسير الحديث، فأجاب بما لفظه: لم أعثر عليه في شيء من كتب الحديث، إلا أن في رواية مجمع الزوائد ما يدل على عدم معرفة الراوي أيضاً بالمراد بالرجلين، لأن فيه قال بشر، أي الراوي عن جرير: قلت: من هذان العبدان الصالحان؟!

قال: لا أدري.

قال "رحمه‌الله ": ومثل هذا إن لم يرد به نقل فلا طريق إلى تفسيره بالنظر هـ. راجع: الغدير ج1 هامش ص62.

وقال في كتاب على ضفاف الغدير: وأخرجه عنه أحمد بن عيسى المقدسي في الجزء الثاني من فضائل جرير بن عبد الله البجلي الموجود في المجموع 93 في المكتبة الظاهرية. أخرجه في الورقة 240.

وأخرجه ابن عساكر في تاريخـه: رقم 587، وابن منظور في مختصر تاريخ دمشق ص17 ص358، والقرافي في نفحات العبير الساري: ق76/ب، والسيوطي في جمع الجوامع ص1 ص831، وفي قطف الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة= = ص277 ح102، والزبيدي في لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص206، والشوكاني في در السحابة ص210، والكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص194 وإسحاق بن يوسف الصنعاني في تفريج الكروب في حرف الميم.



قال بشر (الراوي عن جرير) قلت: من هذان العبدان الصالحان؟!

قال: لا أدري(1) .

ونقول:

إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أشار إلى أن العبدين الصالحين الذين سيكون علي (عليه‌السلام ) ثالثهما بعده، كانا على قيد الحياة، وأن لهما دوراً في وديعته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ولعلهما: الخضر وإلياس.

لكن لا مجال للتأكيد على أنهما هما اللذان قصدهما (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بكلامه هذا.. وإن كان ذلك محتملاً في حد نفسه. بل قد يقال: أن أحداً لا يصلح للاستيداع، مع وجود الحسنين(عليهما‌السلام ) فهو من قبيل: رب لا تذرني فرداً، أو من قبيل: إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، فهو بمثابة طلب حفظ الحسنين (عليهما‌السلام ) على لسان رسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

____________

1- الغدير ج1 ص23 ومجمع الزوائد ج9 ص106 والمعجم الكبير ج2 ص357 و 358 والإكمال في أسماء الرجال ص36 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص236 وشرح إحقاق الحق ج16 ص564 وج30 ص423 وأسد الغابة ج1 ص308 وقال: أخرجه الثلاثة. يريد: ابن عبد البر، وابن مندة، وأبا نعيم.


الزهري.. وحديث الغدير:

وقد حدث الزهري بحديث الغدير، فقيل له: لا تحدث بهذا بالشّام وأنت تسمع ملء أذنيك سب علي.

فقال: والله، إن عندي من فضائل علي (عليه‌السلام ) ما لو تحدّثت بها لقتلت(1) .

فكلام الزهري هذا صريح في: أن لديه فضائل أكثر صراحة في حقيقة فضله (عليه‌السلام )، وأشد إيلاماً لمناوئيه، وأكثر إثارة لغضبهم إلى حد أنها تدفعهم إلى قتله..

إلا إذا كان مراده: أن كثرتها هي الموجبة لغضب أعداء علي (عليه‌السلام ).

فإذا كان الزهري يكتم من فضائله ما يؤدي به إلى القتل، فما بالك بما كان يكتمه العشرات والمئات غير الزهري من فضائله (عليه‌السلام )؟!

عمر في خدمة جبرئيل:

عن عمر بن الخطاب، قال: نصب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً علماً، فقال: (من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره، اللهم أنت شهيدي عليهم).

____________

1- أسد الغابة ج1 ص308 وقاموس الرجال ج12 ص38 وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص228 والغدير ج1 ص24 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص274 و 376.


قال عمر بن الخطاب: وكان في جنبي شاب حسن الوجه، طيب الريح، قال لي: يا عمر، لقد عقد رسول الله عقداً لا يحله إلا منافق (زاد في مودة القربى، قوله: فاحذر أن لا تحله). (لعل الصحيح: أن تحله، أو فاحذر.. لا تحله).

قال عمر: فقلت: يا رسول الله، إنك حيث قلت في علي كان في جنبي شاب حسن الوجه، طيب الريح قال لي: يا عمر لقد عقد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عقداً لا يحله إلا منافق

فأخذ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيدي، فقال: يا عمر، إنه ليس من ولد آدم، لكنه جبرائيل، أراد أن يؤكد عليكم ما قلته في علي(1) .

ونقول:

إننا نلاحظ ما يلي:

1ـ قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم أنت شهيدي عليهم.. كأنه إشارة إلى أن هذا الحدث سوف يتعرض للإنكار من قبل جماعة من الناس، أو على الأقل لتحريف دلالته، والتلاعب بمقاصده ومراميه، المساوق

____________

1- مودة القربى ص18 لشهاب الدين الهمداني، المودة الخامسة، وينابيع المودة ج2 ص284 والغدير ج1 ص57 وراجع: خلاصة عبقات الأنوار ج7 ص187 وج9 ص273 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج6 ص252 وج21 ص65 والإمام علي "عليه‌السلام " في آراء الخلفاء ص73 عن الكوكب الدري للكشفي ص131 المنقبة رقم154.


لإنكاره. وسيعرض الأمر يوم القيامة للحساب والمطالبة، فيحتاج (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى الشهادة له بأنه قد ابلغهم مقاصده، واضحة لا لبس فيها.

2 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أراد أن يخبر عمر بحقيقة ذلك الشاب الحسن الوجه، الطيب الريح أخذ بيد عمر، لكي تتشارك المشاعر في وعي وحفظ ما سيلقيه إليه.. فإن تحريك الحواس الظاهرية باللمس، ونبرات الصوت، وبتعابير الوجه، يجعل المشاعر أكثر تحفزاً لمتابعة ما يجري بانتباه أشد، ويهيء الذاكرة لاختزان ذلك كله بصورة أعمق وأدق.

3 ـ إن جمال ذلك الشاب قد لفت نظر عمر، حيث لم يعهد في نظرائه وأقرانه جمالاً أو طيب ريح يستحق الذكر، إلا ما كان من ذلك في بني هاشم.

ثم جاءت كلمة ذلك الشاب متوافقة مع مظهره في التأثير على عمر إلى حد دعاه إلى استيضاح الحال من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مباشرة.

ولعله كان يرمي إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أن يسجل شكواه منه، علّه يسمع من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) استنكاراً لكلام ذلك الشاب وإدانة له، لكي يرتاح عمر، وتهدأ خواطره، ويزول بلباله.. ولكن عمر فوجئ بما أخبره به رسول الله، وهو أن ذلك الشاب هو جبرئيل..

ولنا أن نتصور كم كان عمر يحلم في أن يروي للناس أنه قد رأى جبرائيل، مباهياً بذلك ومفاخراً.. ولكن ما يصده عن ذلك كان أعظم وأخطر، فإن حديث جبرائيل قد نص على نفاق من يحل العقدة التي عقدها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ).

وهل يمكن أن يرضى أولئك الذين ساروا في هذا الإتجاه بما قاله


جبرئيل عنهم؟!

وإذا كان جبرئيل قد قال ذلك، فكيف يمكن بعد هذا ادعاء أن هذا التصرف كان من ابتكارات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حباً بصهره وابن عمه؟

ماذا بعد الأئمة؟!:

قلنا: إن قريشاً كانت مهتمة بصرف الأمر عن علي (عليه‌السلام ) بأي ثمن كان، ولو بإثارة الشبهات والشكوك حول عدل النبي وإنصافه، بل إلى حد اتهامه في عقله، حين قالوا: إن النبي ليهجر، فضلاً عن الشائعات وحياكة المؤمرات.. التي كانت تدفع بها في كل اتجاه.. وكانت تمانع بالفعل وبالقول، وتتحدى، وتعج، وتضج، ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يزل يهتف باسمه، ويعمل لإحكام أمره، وتثبيت إمامته من بعده. حتى أمام الحشود الغفيرة في يوم عرفة.

وحين غُلِبت قريش على أمرها، وأعلن النبي للأمة كلها يوم عرفة: أن الأئمة الإثني عشر كلهم من قريش، ومن بني هاشم قصدته قريش إلى منزله، ليستوضحوا منه الأمر عن هؤلاء الأئمة، وماذا يكون من بعدهم، لترى إن كان لها نصيب، ولو بعد انقضاء عهد الأئمة، وإذ بها تفاجأ بقوله: ثم يكون الهرج، وفي نص آخر: (الفرج)، كما رواه الخزاز(1) .

____________

1- راجع: كفاية الأثر ص52 ويقارن ذلك مع ما في إحقاق الحق (الملحقات) وغيبة النعماني ص104 والغيبة للطوسي ص128 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص250 = = وغيرهم. فإنهم صرحوا بان قريشاً هي التي أتته. وراجع: الصوارم المهرقة للتستري ص93 وبحار الأنوار ج36 ص365 ومكاتيب الرسول ج3 ص727 ومسند أحمد ج5 ص92 وسنن أبي داود ج2 ص309 وصحيح ابن حبان ج15 ص43 والمعجم الكبير للطبراني ج2 ص253 وتهذيب الكمال ج3 ص224 والبداية والنهاية ج6 ص279 وإمتاع الأسماع ج12 ص303 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص3 و 16 و 20 وج29 ص91 و 94 و 96.


أي يوم أعظم حرمة؟!:

ولكي نربط الأحداث ببعضها نعود فنذكر القارئ بما جرى في عرفة، فنقول:

إنه بالرغم من أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد ذكرهم بشرف الزمان، وشرف المكان، وشرف المناسبة، فإن ذلك لم يمنعهم من إساءة الأدب مع رسول الله والإسراف في التحدي لله ولرسوله، فقد سألهم: عن أي شهر أعظم حرمة، وأي بلد أعظم حرمة، وأي يوم أعظم حرمة(1) .

____________

1- راجع هذه الفقرات الواردة في خطبة النبي "صلى‌الله‌عليه‌وآله " في حجة الوداع في المصادر التالية: مسند أحمد ج3 ص313 و 371 وكنز العمال ج5 ص286 و 287 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص600 والكافي ج7 ص273 و 275 ودعائم الإسلام ج2 ص484 والمجموع للنووي ج8 ص466 وج14 ص231 والمحلى لابن حزم ج7 ص288 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج29 ص10 و (ط دار الإسلامية) ج19 ص3 والتفسير الصافي ج2 ص67 وتفسير نور الثقلين = = ج1 ص655 وتفسير القمي ج1 ص171 ومستدرك الوسائل ج17 ص87 وبحار الأنوار ج37 ص113 وإمتاع الأسماع ج10 ص343 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص391 والبداية والنهاية ج5 ص215 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص100 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص170 إضافة إلى مصادر أخرى تقدمت.


فأقروا له بالحقيقة، ولكن ذلك لم يمنعهم من العجيج والضجيج، والتحدي.

ولا ندري ماذا كان سيحصل لو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صرح لهم بإسمه (عليه‌السلام ) في ذلك الموقف، فهل كانوا سيكتفون بشتم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (والعياذ بالله) أم أنهم سيتجاوزون ذلك إلى قذفه بالحصباء أو بالحجارة، أو إلى ما هو أعظم من ذلك؟! وهو مباشرة قتله والعياذ بالله!!

التهديد الإلهي حسم الأمر:

وحين جاء التهديد الإلهي لهم، الذي صرح باعتبارهم في دائرة الكفر الذي يفتح باب الحرب معهم، وتضمن تطمين النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أنهم سيكونون عاجزين عن فعل أي شيء يضر في أمر إبلاغ ذلك الأمر الخطير، وإقامة الحجة كما يريده الله في قوله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) .

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.


وحين أبلغهم أن الله سبحانه يعتبر عدم إبلاغ هذا الأمر بمثابة عدم إبلاغ أصل الدين وأساس الرسالة.. مما يعني: أنه قد يحل بهم عذاب الإستئصال، فهو ينذرهم بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، أو على الأقل أنه سيعاملهم على أساس أنهم عادوا إلى نقطة الصفر، التي اقتضت حرب بدر، وأحد، والخندق، وحنين وسوى ذلك.. وهذا ما لا طاقة لهم به..

نعم.. حين بلغ الأمر إلى هذا الحد، قرروا الإنحناء أمام العاصفة، واللجوء إلى سياسة المداراة والمكيدة، وانتظار الفرصة.. حتى لا تحل كارثة فاضحة، تتلاشى معها جميع الآمال..

ولزمتهم الحجة بالبيعة التي أعطوها له (عليه‌السلام ) يوم الغدير، وقامت الحجة بذلك على الأمة بأسرها.. ولم يكن المطلوب أكثر من ذلك..

وكان ذلك قبل استشهاده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بسبعين يوماً.

محاولة قتل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

ومما يذكر هنا: أن بعض النصوص يقول: إن تنفير الناقة برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليلة العقبة ليسقط في ذلك الوادي السحيق قد كان بعد حجة الوداع، وبعد البيعة لعلي (عليه‌السلام ) يوم الغدير..

ويمكن ترجيح هذا النص، لكثير من الإعتبارات التي ألمحنا إليها في كتابنا هذا وفي كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).



الباب الثاني عشر: من تاريخ علي (عليه‌السلام ) في عهد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )



الفصل الأول: أحداث ذات مغزى..



أبو هريرة أعلم من أبي بكر وعمر:

وحدث أبو هريرة: أنه كان في المدينة مجاعة، ومر بي يوم وليلة لم أذق شيئاً، وسألت أبا بكر آية كنت أعرف بتأويلها منه، ومضيت معه إلى بابه، وودعني وانصرفت جايعاً يومي.

وأصبحت وسألت عمر آية كنت أعرف منه بها، فصنع كما صنع أبو بكر.

فجئت في اليوم الثالث إلى علي، وسألته ما يعلمه فقط. فلما أردت أن أنصرف دعاني إلى بيته، فأطعمني رغيفين وسمناً، فلما شبعت انصرفت إلى رسول الله.

فلما بصر بي ضحك في وجهي وقال: أنت تحدثني أم أحدثك، ثم قص علي ما جرى، وقال لي: (جبرئيل عرفني)(1) .

ونقول:

نلاحظ هنا أموراً نقتصر منها على ما يلي:

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص122 و(ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص347 و (ط أخرى) ج2 ص73 وبحار الأنوار ج41 ص27.


1 ـ إن أبا هريرة يصف نفسه بأنه أعرف من أبي بكر وعمر بتأويل الآيات التي سألهما عنها، فكيف نوفق بين قوله هذا، وبين قول الناس الذين لم يروا أبا بكر ولا غيره من الصحابة: بأنه أعلم من أبي هريرة وغيره؟!

2 ـ إنه ذكر: أنه سأل علياً عما يعلمه فقط، أي سأله عما يعلمه هو دون سواه.. ولا يعلمه غيره..

فدل أيضاً بذلك على أنه يرى أن لدى علي (عليه‌السلام ) علوماً قد تفرد بها عن غيره، وذلك ينقض أيضاً دعواهم لحوق غيره (عليه‌السلام ) به. فضلاً عن دعواهم الغريبة والمضحكة للثكلى: أن غيره (عليه‌السلام ) أعلم منه.

3 ـ لا بأس بالمقارنة بين فعل علي (عليه‌السلام ) مع أبي هريرة بعد جوابه له، وبين فعل غيره معه!!

4 ـ نلاحظ: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذكر لأبي هريرة أن جبرئيل عرفه بما جرى.. وذلك يدل على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يعرف بتفاصيل ما يجري للناس، وأن ذلك كان بواسطة الوحي الإلهي.. فليس لأبي هريرة ولا لغيره: أن يظن أنه قد اطلع على ما جرى بنفسه، أو بإخبار علي (عليه‌السلام ) إياه، أو بواسطة ناظر ومراقب من الناس، أو بأية وسيلة أخرى قد يتوهمها متوهم.

لو كان علي (عليه‌السلام ) معكم لما ضللتم:

وعن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن (عليه‌السلام ): أن ماعز بن مالك أقر عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالزنا، فأمر به أن يرجم،


فهرب من الحفرة، فرماه الزبير ـ بن العوام ـ بساق بعير، فعقله به فسقط، فلحقه الناس، فقتلوه.

فأخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك، فقال: هلا تركتموه يذهب إذا هرب، فإنما هو الذي أقر على نفسه. وقال: أما لو كان علي حاضراً معكم لما ضللتم.

قال: ووداه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من مال المسلمين(1) .

ونقول:

1 ـ إن من يثبت عليه الزنا بإقراره يرجم، ولكنه إذا هرب من الحفيرة، لا يعاد إليها، بل يكف عنه، وكأنه لأجل أن هربه بمثابة رجوع عن إقراره ذاك.

2 ـ إن كلمة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (أما لو كان علي حاضراً معكم لما ضللتم) يفيد ما يلي:

ألف: إن هذ الحكم كان قد بلغهم، ولكنهم ضلوا، بعد هدايتهم.

ب: إن التعبير بالضلال دون التعبير بالنسيان، أو الغفلة يشعر بذمهم على ذلك، وأنهم غير معذورين في فعلهم..

ج: إن وجود علي (عليه‌السلام ) معهم يفرض عليهم الإلتزام بأحكام الله، ويمنع من انسياقهم وراء عصبياتهم، وميولهم وأهوائهم، حين يريدون

____________

1- الكافي ج7 ص185 والمحاسن للبرقي ج2 ص306 ووسائل الشيعة ج18 ص376 وبحار الأنوار ج76 ص44.


إجراء الأحكام.

3 ـ يلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وصفهم بالضلال حين فقدهم علياً (عليه‌السلام ) من دون تقييد، فلم يقل: ضللتم عن ذلك الحكم..

ليفيد: أن ضلالهم حين يفقدون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلياً (عليه‌السلام ) يكون عاماً وشاملاً..

4 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يؤاخذهم بفعلهم هذا، ولم يغرمهم ديته، لأنهم يدعون الغفلة عن الحكم ونسيانه، أو عدم سماعه من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فلا محيص من معاملتهم وفقاً لما يظهرونه ولو أمكن تحصيل العلم بالوسائل العادية بوجود متعمد بينهم على سبيل الإجمال، فيصعب تحديد المتعمد للقتل منهم، ويصعب أيضاً تحديد القاتل بصورة أو بأخرى.

5 ـ وربما كان غير علي (عليه‌السلام ) يعرف الحكم، ولو كان حاضراً معهم لعرفهم به كسلمان مثلاً. ولكن بما أنهم قد لا ينقادون له، لأنهم يستضعفونه، ويتعصبون عليه. أو قد يلجأون إلى تكذيبه إلى غير ذلك من حالات وتصرفات. إلا أنهم لا يمكنهم ممارسة ذلك مع علي (عليه‌السلام ) ، فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حصر أمر إعادتهم إلى جادة الصواب به..

يضاف إلى ذلك: أنه (عليه‌السلام ) هو الهادي لهم، والمبين ما يختلفون فيه بعد وفاته كما قاله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكما أثبتته الوقائع والأحوال.


أعتق علي (عليه‌السلام ) ألف مملوك:

1 ـ روى عنبسة العابد عن عبد الله بن الحسين بن الحسن، قال: أعتق علي (عليه‌السلام ) في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ألف مملوك مما مجلت يداه، وعرق جبينه، ولقد ولي الخلافة، وأتته الأموال ، فما كان حلواه إلا التمر ، ولا ثيابه إلا الكرابيس(1) .

2 ـ عن الصادق (عليه‌السلام ): أنه أعتق ألف نسمة من كد يده، جماعة لا يحصون كثرة(2) .

ونقول:

إن اهتمام علي (عليه‌السلام ) بعتق المماليك يدل على عمق شعوره الإنساني معهم، حتى إنه (عليه‌السلام ) ليعمل حتى تمجل يداه من أجل أن يدخل السرور على قلوبهم في أعز شيء لديهم، ألا وهو أنفسهم، حيث ينيلهم نعمة الحرية والخلاص من العبودية.

وهذا يدل على أنه كان يفكر في الآخرين بطريقة تختلف عن تفكير

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص202 والغارات (هامش) ج1 ص92 وبحار الأنوار ج41 ص138 و 139 ونهج السعادة ج8 ص447 وشرح إحقاق الحق ج32 ص245.

2- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص.. و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص388 و (ط أخرى) ج2 ص122 وبحار الأنوار ج41 ص32 وراجع: الثاقب في المناقب ص405 ونهج السعادة ج8 ص452.


غيره. فهو يفكر في إسعادهم، وغيره يزيد في إسعاد نفسه بتعب غيره..

وقد ذكرنا في بعض فصول هذا الكتاب: اعتراض عمر على علي (عليه‌السلام ) حين تسبب في عتق سبي الفرس بإعتاقه نصيبه منهم.

هبني سيفك:

روي: أن علياً (عليه‌السلام ) كان يحارب رجلاً من المشركين، فقال المشرك: يا بن أبي طالب هبني سيفك!!

فرماه إليه.

فقال المشرك: عجباً يا بن أبي طالب، في مثل هذا الوقت تدفع إلي سيفك!

فقال: يا هذا، إنك مددت يد المسألة إليَّ، وليس من الكرم أن يرد السائل.

فرمى الكافر نفسه إلى الأرض، وقال: هذه سيرة أهل الدين، فقبل قدمه، وأسلم(1) .

ونقول:

1 ـ قد يتخيل البعض: أن إقدام علي (عليه‌السلام ) على إعطاء سيفه لذلك المشرك ليس تصرفاً محموداً، بل هو خلاف الحكمة.. لأن فيه إلقاء للنفس في التهلكة. وهو أمر يمنع منه العقل والشرع، فلا ينبغي عدُّ ذلك

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص69 عن أبي السعادات في فضائل العترة، ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص.. و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص358 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص602 ونهج السعادة ج8 ص279.


من فضائله (عليه‌السلام ). بل هو إما مكذوب عليه، أو أن على الشيعة أن يتخلوا عن معنى العصمة فيه (صلوات الله وسلامه عليه)..

وهو خيال باطل، لأن هذا التصرف إنما يكون خلاف الحكمة، وممنوعاً منه عقلاً وشرعاً لو كان علي (عليه‌السلام ) قد فقد السبيل به للنصر على عدوه والوسيلة للتحرز منه. أما إذا كان واثقاً من قدرته عليه، فإن ذلك لا يوجب خللاً في الحكمة، ولا في العصمة..

ولا نقول ذلك على سبيل التخيل والتنظير، والإحتمال العقلي، فقد قرأنا: أنه (عليه‌السلام ) قد انتصر على أعدائه بسيف أعدائه رغم كثرتهم، مثل ما جرى له يوم بات على الفراش ليلة الهجرة. حيث أخذ سيف خالد بن الوليد وصال على مهاجميه، وكانوا عشرة حتى أخرجهم من البيت، وثمة نظائر أخرى لذلك أيضاً تجدها في ثنايا هذا الكتاب..

2 ـ إنه (عليه‌السلام ) أراد أن يقدم لذلك المشرك الأمثولة العملية في الخلق الإسلامي الرفيع، وفي الشجاعة، وفي الثقة بالنفس..

3 ـ وقد تلقفها ذلك المشرك بتدبر، وحكمة، وبفطرة صافية، فوجدت السبيل إلى قلبه، فانفتح قلبه وعقله على مُثُلِ الإسلام العليا. وكان ذلك سبب هدايته وسلامته.. لأنه كان يعرف أن الشرك لا يهدي إلى مكارم الأخلاق، بل إلى ضدها، حيث يكرس حب الدنيا والتعلق بها في قلب الإنسان، ويجعله قاسياً وأنانياً، يضحي بكل شيء في سبيل حفظ نفسه، وفي سبيل الحصول على الملذات. وإن الدين والأمل بما عند الله سبحانه هو الذي ينتج هذا الخلق، ويدعو الإنسان إلى الإلتزام به، حتى في مثل هذه الحالات..


علي (عليه‌السلام ) في حديث المعراج:

النعماني: بسنده عن محمد بن علي الباقر (عليهما‌السلام )، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن الله أوحى إلي ليلة أسري بي: يا محمد، من خلفت في الأرض على أمتك؟! وهو أعلم بذلك.

قلت: يا رب أخي.

قال: يا محمد، إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة، فاخترتك منها، فلا أُذْكَر حتى تُذْكَر معي، فأنا المحمود وأنت محمد.

ثم إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة أخرى، فاخترت منها علي بن أبي طالب وصيك، فأنت سيد الأنبياء وعلي سيد الأوصياء، ثم شققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي.

يا محمد، إني خلقت علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين، والأئمة من نور واحد، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة، فمن قبلها كان من المقربين، ومن جحدها كان من الكافرين.

يا محمد، لو أن عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع، ثم لقيني جاحداً لولايتهم أدخلته النار.

ثم قال: يا محمد، أتحب أن تراهم؟!

فقلت: نعم.

فقال: تقدم أمامك.


فتقدمت أمامي، فإذا علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة القائم كأنه الكوكب الدري في وسطهم.

فقلت: يا رب من هؤلاء؟!

قال: هؤلاء الأئمة، وهذا القائم، محلل حلالي ومحرم حرامي، وينتقم من أعدائي.

يا محمد، أحببه، فإني أحبه وأحب من يحبه(1) .

ونقول:

يحسن ملاحظة ما يلي من نقاط:

1 ـ إن الوحي الإلهي المتضمن للسؤال عن الذي خلفه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الأرض يشير إلى أن أصل الإستخلاف أمر مفروغ عنه، ولذلك لم يقل له: هل استخلفت؟! فإذا كانت الرحلة المختصرة له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحتاج إلى الإستخلاف على الأمة، فهل يمكن أن يستغني عن الإستخلاف حين يرحل عن هذه الدنيا؟!

2 ـ ودل هذا السؤال أيضاً على أن المطلوب هو الإستخلاف في الأمة

____________

1- الغيبة للنعماني ص93 الباب الرابع حديث 25، وبحار الأنوار ج36 ص222 و 280 ومقتضب الأثر للجوهري ص23 و 26 وغاية المرام ج2 ص241 وج3 ص77.


كلها، ولا يكفي الإستخلاف على الأهل والمال والولد، وغير ذلك من الشؤون المرتبطة به كشخص.

3 ـ وقد بين الإمام (عليه‌السلام ): أن هذا السؤال الإلهي ليس على ظاهره، بحيث يراد منه حصول المعرفة بالمسؤول عنه، فإن الله تعالى منزه عن العجز والجهل، وكل نقص.. بل هو سؤال تقريري يراد به التوطئة لتعريف الآخرين بأمر يحتاج إلى هذا النوع من البيان.. فهو على حد قول الله تعالى لعيسى بن مريم:( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) (1) .

4 ـ والجواب بيا رب أخي، ربما يريد أن يشير إلى بعض صفات خليفته في أمته، وهو أن يكون موضع ثقته، كما يثق الإنسان بأخيه، الذي يكون يكون أعرف الناس به.. وربما يشير به أيضاً إلى منزلته في الفضل والكرامة، حتى استحق أن يتخذه أخاً له، ليدل على قربه فيه، وشبهه به في الحالات والخصوصيات.

5 ـ وقد اكتفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذا التوصيف عن ذكر الإسم، ليأتي تطبيق الوصف على الوصوف، من قبل الله تعالى مباشرة، ليدلنا على أنه يمكن معاينة هذا الوصف في علي (عليه‌السلام )، فهو موجود فيه بالفعل.. وليس فيه ادعاء ولا مبالغة، ولا مجازية.

6 ـ ثم جاء الإخبار الإلهي عن اختيار الله تعالى لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- الآية 116 من سورة المائدة.


، وللوصي في شخص علي(عليه‌السلام )، وجعل النبوة والوصاية لهما، ليؤكد أن النبوة والوصاية شأن إلهي لا يرجع للبشر، ولا يحق لهم أن يتدخلوا فيه.

7 ـ إنه تعالى ذكر: أنه هو الذي اشتق لعلي (عليه‌السلام ) اسماً من أسمائه. فدل على أنه تعالى قد ألهم أباه هذا الاسم، ليظهر كمال الإتصال به، والحب له. ولتكن هذه إشارة إلى إيمانه الذي أثبتته الأدلة القاطعة، وإن كان بعض الناس ينكره، بلا مبرر معقول، أو مقبول.

8 ـ وقد جعل تعالى: جحد ولاية المعصومين الأربعة عشر سبباً للكفر ودخول النار، ليدل على أن الموجب للكفر هو إنكار الولاية عن علم ومعرفة، أما لو لم يعتقد بالولاية، ولم يصل الأمر إلى حد الجحود لما هو معلوم عنده، فلا يكفر بذلك.

9 ـ وقد أكد تعالى مقام الحجة من آل محمد (عليه وعليهم‌السلام )، وأنه في وسط المعصومين كالكوكب الدري.. مبيناً أنه هو الذي سوف ينتقم من أعداء الله، ليكون هذا داعياً للناس إلى الإحتياط لأنفسهم، لأنهم يخاف من المجهول، ويسعى الإنسان للتحرز مما خفي عنه فيه.. فكيف إذا عرَّفه بحقيقة ما خفي عليه عالم الغيب والشهادة. فإن المفروض في هذا الحال هو كمال التحرز، والطاعة والإنقياد..

وفي الروايات إشارات كثيرة أخرى، نسأل الله سبحانه أن يوفق أهل الفكر والفضل، لاستخلاصها، وعرضها للناس للإستفادة منها..

إبليس مؤجل إلى الوقت المعلوم:

1 ـ عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: بينا نحن بفناء الكعبة ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يحدثنا، إذ خرج علينا مما يلي الركن اليماني شيء عظيم، كأعظم ما يكون من الفيلة.

قال: فتفل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال: (لعنت).

أو قال: (خزيت) ـ شك إسحاق ـ.

قال: فقال علي بن أبي طالب: ما هذا يا رسول الله؟!

قال: (أوما تعرفه يا علي)؟!

قال: الله ورسوله أعلم.

قال: (هذا إبليس)، فوثب إليه، فقبض على ناصيته، وجذبه فأزاله عن موضعه. وقال: يا رسول الله، أقتله؟!

قال: (أوما علمت أنه قد أجل إلى الوقت المعلوم)؟!

قال: فتركه من يده. فوقف ناحية ثم قال: ما لي ولك يا ابن أبي طالب؟!

والله ما أبغضك أحد إلا وقد شاركت أباه فيه. اقرأ ما قاله الله تعالى:( وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (1) ) (2) .

____________

1- الآية 64 من سورة الإسراء.

2- تاريخ بغداد ج4 ص56 وتاريخ مدينة دمشق ترجمة الإمام علي ج2 ص226 و = = (ط دار الفكر) ج42 ص289 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص386 وميزان الإعتدال ج1 ص197 ولسان الميزان ج1 ص371 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص225 وج18 ص225 وج21 ص587 وج30 ص343 عن مختصر تاريخ دمشق (نسخة طوب قبوسراي بإسلامبول) ج 17 ص 14 و (ط دار الفكر) ج17 ص373.


2 ـ عن الكنجي، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال علي بن أبي طالب: رأيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه، فقلت: ومن هذا الذي يلعنه رسول الله؟!

قال: هذا الشيطان الرجيم.

فقلت: والله يا عدو الله، لأقتلنك. ولأريحن الأمة منك.

قال: ما هذا جزائي منك!

قلت: وما جزاؤك مني يا عدو الله؟!

قال: والله ما أبغضك أحد قط إلا شاركت أباه في رحم أمه(1) .

____________

1- تاريخ بغداد ج4 ص57 والغدير ج4 ص324 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص159 والجامع لأحكام القرآن ج1 ص91 وتاريخ مدينة دمشق ترجمة الإمام علي ج2 ص227 و (ط دار الفكر) ج42 ص290 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص3856 وميزان الإعتدال ج1 ص197 والكشف الحثيث ص65 وكفاية الطالب ص69 ولسان الميزان ج1 ص371 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص225.


ونقول:

أولاً: لا مانع من تكرر ظهور إبليس، تارة عند الصفا، وأخرى بفناء الكعبة مما يلي الركن اليماني..

ثانياً: يلاحظ: أن إبليس قد ظهر هنا وهناك في صورة الفيل، فما هي خصوصية الفيل في ذلك على غيره؟! هل هي أن الفيل من المسوخ أي من الحيوانات التي مسخ الله بعض الجبارين المسرفين على صورتها؟! أم لأنه أراد التهويل على الناس، لكي لا يتجرأ أحد على أن يقصده بسوء؟! أم لسبب آخر لا نعلمه؟!

ثالثاً: إن تمكن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) منه وإذلاله، يدل على خصوصية له (عليه‌السلام ) وهو من المثوبات التي وفقه الله إليها..

رابعاً: إنه (عليه‌السلام ) لا يقدم على قتله ـ إلا بعد أن يسأل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. لأن التصرف بالأمور إلى هذا الحد لا بد أن يكون بإذن منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

خامساً: إن علياً (عليه‌السلام ) قد سأل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إن كان يأذن بقتله. ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يقل: لا آذن لك، بل قال: أوما علمت أنه أُجِّلَ إلى الوقت المعلوم؟!

فدل بذلك: على أن قتله ليس محرماً في ذاته، بل هو مستحق للقتل، ولكن وضع الأجل له هو الذي يمنع من قتله..

سادساً: إن علياً (عليه‌السلام ) بقبضه على ناصية إبليس قد دل على أن قتله ممكن ومقدور له.. وهذه مزية تثبتها له هذه الرواية، ليمتاز بها عن


سائر الناس..

ولكن هل قتله يزيل الشرور من بين الناس؟! أم أن شياطين الجن والإنس، من ذرية إبليس، سوف يواصلون عملهم في إضلال الناس، ودعوتهم إلى المعاصي، وإن كان رأسهم المدبر قد زال؟!

سابعاً: إن ما قاله إبليس عن مشاركته آباء مبغضي علي (عليه‌السلام ) في أبنائهم لا يعني أن إبليس مصيب في عمله، فإن بغضه (عليه‌السلام ) جريمة عظيمة، وفعل إبليس هذا عدوان ومعصية، وتمرد على أمر الله سبحانه..

غير أن الله سبحانه حين يرفع ألطافه عن مبغضي علي (عليه‌السلام ) يتسلط عليهم إبليس بأنواع من التصرفات.

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخبر باستشهاد علي (عليه‌السلام ):

عن أنس بن مالك قال: كان علي بن أبي طالب مريضاً، فدخلت عليه وعنده أبو بكر وعمر جالسان.

قال: فجلست عنده، فما كان إلا ساعة حتى دخل نبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فتحولت عن مجلسي، فجاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى جلس في مكاني، وجعل ينظر في وجهه.

فقال أبو بكر أو عمر: يا نبي الله، لا نراه إلا لما به.

فقال: لن يموت هذا الآن، ولن يموت إلا مقتولاً(1) .

____________

1- تاريخ مدينـة دمشق ج3 ص267 و (ط دار الفكـر) ج 42 ص 536 وراجع: = = الكامل في التاريخ ج3 ص387 وشرح إحقاق الحق ج8 ص780 وج23 ص384 وج23 ص392 و32 ص596 وعن الفخري في الآداب السلطانية (طبع بغداد) ص82


ونقول:

أولاً: لم يحدد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأبي بكر، ولا لعمر تاريخ استشهاد علي (عليه‌السلام ). بل اكتفى ببيان أنه لا يموت في مرضه ذاك. ثم نفى نفياً قاطعاً ومؤبداً موته (عليه‌السلام ) بغير القتل.

ثانياً: إن هذا الإخبار، يدلهم على إمكانيته قتل علي (عليه‌السلام ) بل على أن القتل واقع لا محالة.. وهذا يسقط أي توهم يريد أن ينحو منحى الغلو وأن يتجاوز الحدود في علي (عليه‌السلام ).

كما أنه يسقط ما يراد إشاعته من أن ما حققه (عليه‌السلام ) من انتصارات ، وإنجازات هائلة في ساحات النزال والقتال، ثم خوف الناس منه، ونكولهم عنه لا يجعله مستحقاً للتعظيم والتكريم، والتقديم، لأنه جاء نتيجة التصرف الإلهي، الذي يريد صنع النصر على يد أي كان من الناس.. فليس في ذلك فضل لعلي (عليه‌السلام ) ، لأنه لا يستفيد من قدرات نفسه كما أنه لا يوجب الإنتقاص من مقام أحد ممن كان ينكل في الحرب، ويفر في مقامات الطعن والضرب.

فقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هنا يدل: على أن علياً (عليه‌السلام ) ليس في منأى عن القتل والجرح، وأن ما حققه من انتصارات، إنما كان


بجهده وجهاده، حتى استحق أن يفيض ألطافه عليه، ويشمله بعناياته.. ولم يكن غيره أهلاً ولا محلاً لذلك.

ما أحسب علياً (عليه‌السلام ) فيكم!:

عن علي بن الحسين (عليهما‌السلام )، قال: خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات يوم وصلى الفجر، ثم قال: معاشر الناس، أيكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد آلوا باللات والعزى ليقتلوني. وقد كذبوا ورب الكعبة.

قال: فأحجم الناس وما تكلم أحد، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ما أحسب علي بن أبي طالب فيكم؟!

فقام إليه عامر بن قتادة، فقال: إنه وعك في هذه الليلة، ولم يخرج يصلي معك، أفتأذن لي أن أخبره؟!

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): شأنك.

فمضى إليه فأخبره، فخرج أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) كأنه أنشط من عقال، وعليه إزار قد عقد طرفيه على رقبته، فقال: يا رسول الله، ما هذا الخبر؟!

قال: هذا رسول ربي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا إلي لقتلي، وقد كذبوا ورب الكعبة.

فقال علي (عليه‌السلام ): يا رسول الله، أنا لهم سرية وحدي، هو ذا ألبس علي ثيابي.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بل هذه ثيابي، وهذه درعي،


وهذا سيفي.

فدرَّعه، وعممه، وقلده، وأركبه فرسه.

وخرج أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فمكث (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثلاثة أيام، لا يأتيه جبرئيل بخبره، ولا خبر من الأرض.

فأقبلت فاطمة بالحسن والحسين (عليهم‌السلام ) على وركيها، تقول: أوشك أن ييتم هذين الغلامين.

فأسبل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عينه يبكي، ثم قال: معاشر الناس، من يأتيني بخبر علي أبشره بالجنة.

وافترق الناس في الطلب، لعظم ما رأوا بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وخرج العواتق، فأقبل عامر بن قتادة يبشر بعلي (عليه‌السلام )، وهبط جبرئيل على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخبره بما كان فيه.

وأقبل أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) ومعه أسيران، ورأس، وثلاثة أبعرة، وثلاثة أفراس.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): تحب أن أخبرك بما كنت فيه يا أبا الحسن؟!

فقال المنافقون: هو منذ ساعة قد أخذه المخاض، وهو الساعة يريد أن يحدثه!

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بل تحدث أنت ـ يا أبا الحسن ـ لتكون شهيداً على القوم.


قال: نعم ـ يا رسول الله ـ لما صرت في الوادي، رأيت هؤلاء ركباناً على الأباعر، فنادوني: من أنت؟

فقلت: أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله.

فقالوا: ما نعرف لله من رسول، سواء علينا وقعنا عليك أو على محمد، وشد علي هذا المقتول، ودارت بيني وبينه ضربات، وهبت ريح حمراء سمعت صوتك فيها يا رسول الله وأنت تقول: قد قطعت لك جربان درعه، فاضرب حبل عاتقه. فضربته فلم أحفه.

ثم هبت ريح صفراء، سمعت صوتك فيها يا رسول الله، وأنت تقول: قد قلبت لك الدرع عن فخذه، فاضرب فخذه. فضربته ووكزته، وقطعت رأسه ورميت به.

وقال لي هذان الرجلان: بلغنا أن محمداً رفيق شفيق رحيم، فاحملنا إليه ولا تعجل علينا، وصاحبنا كان يعد بألف فارس.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا علي، أما الصوت الأول الذي صك مسامعك فصوت جبرئيل (عليه‌السلام ).

وأما الآخر فصوت ميكائيل (عليه‌السلام )، قدم إلي أحد الرجلين. فقدمه، فقال: قل لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله.

فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحب إلي من أن أقول هذه الكلمة.

فقال: يا علي، أخره واضرب عنقه.

ثم قال: قدم الآخر.


فقال: قل لا إله إلا الله، واشهد أني رسول الله.

فقال: ألحقني بصاحبي.

قال: يا علي، أخره واضرب عنقه.

فأخره، وقام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ليضرب عنقه، فهبط جبرئيل (عليه‌السلام ) على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: لا تقتله، فإنه حسن الخلق، سخي في قومه.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا علي، أمسك، فإن هذا رسول ربي عز وجل يخبرني أنه حسن الخلق، سخي في قومه.

فقال المشرك، تحت السيف: هذا رسول ربك يخبرك!

قال: نعم.

قال: والله ما ملكت درهماً مع أخ لي قط، ولا قطبت وجهي في الحرب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): هذا ممن جره حسن خلقه وسخاؤه إلى جنات النعيم(1) .

ونقول:

____________

1- الأمالي للصدوق ص166 ـ 168 والخصال للصدوق ص94 ـ 96 وحلية الأبرار ج2 ص88 ـ 90 وبحار الأنوار ج41 ص73 ـ 75 وشجرة طوبى ج1 ص179 ـ 181.


1 ـ دلت هذه الواقعة: على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان على يقين من فشل محاولة قتله على يد هؤلاء الثلاثة، ولا شك في أنه قد علم ذلك بواسطة جبرئيل عن الله تبارك وتعالى، كما ذكره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ).

2 ـ إن معرفته هذه لا تعني أن يقف مكتوف الأيدي تجاه مؤامراتهم، إذ قد يكون فشل مؤامرتهم مرهوناً بتصرف معين من قبل المؤمنين أنفسهم، ولولا ذلك لتبدلت الأمور، ووقع المحذور ـ أي أنه خبر مشروط بأمر اختياري لا بد من إنجازه، فإذا لم يتحقق الشرط، لم يجب تحقق المشروط، ويدل على هذا الإشتراط: نفس مبادرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لانتداب المسلمين لمواجهة المتآمرين..

3 ـ ولأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يعلم بأحوال أصحابه، ويعرف من يقدم منهم ومن يحجم. فإنه عرف أن علياً (عليه‌السلام ) غير موجود بينهم بمجرد عدم إجابته طلبه، إذ لو كان حاضراً فلا بد أن يبادر إلى ذلك..

وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعلم أيضاً: أن أحداً غيره لم يكن على استعداد للتضحية في مثل هذه الحالات..

وقد ظهر: أنه على حق فيما قال، حين أخبره عامر بن قتادة بأن علياً (عليه‌السلام ) قد وعك في تلك الليلة..

4 ـ وحين قال عامر بن قتادة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أفتأذن لي أن أخبره؟!


قال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): شأنك.

أي أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يصدر أمراً باستحضار علي (عليه‌السلام )، بل أرجع الأمر إلى عامر بن قتادة. ولو أنه أجابه بالإيجاب لتوهم متوهم أن علياً (عليه‌السلام ) قد اضطر للخروج إلى المتآمرين، لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد منه ذلك. ولو ترك وشأنه، فلعله يؤثر السلامة على الخروج كما آثرها غيره.

5 ـ وقد أراد علي (عليه‌السلام ) أن يخرج وحده للمتآمرين، لأن من لم ينتدب لهم حين طلب منهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذلك لا يستحق أن ينال شرف المشاركة في أمر كان كارهاً له..لأن مشاركته هذه ستكون لأجل أن ينال المكاسب على يد غيره، ومن دون أن يقدم هو أي شيء يستحقها به..

6 ـ وقد أراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإلباس علي (عليه‌السلام ) درعه، وإعطائه سيفه، وإركابه فرسه، وتعميمه، وتقليده بيده، أن يدل على كمال خصوصيته عنده، وعلى أنه يمثله أدق تمثيل.

وقد دل مجيء فاطمة بأولادها بعد انقطاع خبر علي (عليه‌السلام ) عنهم ثلاثة أيام، على أن لعلي (عليه‌السلام ) عيالاً هم أحب الخلق إلى الله، وكان لغير علي (عليه‌السلام ) زوجات، ولكن لا كفاطمة. وكان لهم أولاد، ولكنهم ليسوا مثل الحسنين، فإن كان حب العيال منع غيره من المخاطرة بنفسه، فلماذا لم يمنع علياً (عليه‌السلام ) حب هؤلاء الصفوة الذين لا نظير لهم على وجه الأرض من الخاطرة بنفسه؟!


7 ـ قد يحاول البعض إثارة الشبهة حول صحة هذه الرواية من جهتين:

إحداهما: أن عامر بن قتادة ليس له ذكر في كتب تراجم الصحابة..

ونجيب:

إن الذين ترجموا للصحابة إنما ذكروا من وجدوا له رواية، أو من ورد له ذكر في حادثة، أو نحو ذلك.. ولا شيء يدل على أنهم قد استقصوا جميع الأحاديث، وكل المؤلفات في التاريخ، والعقيدة، والأخلاق والسياسة، وما إلى ذلك.. ولا يزال أهل التتبع يستدركون على السابقين ما فاتهم في مختلف الموضوعات، ومنها التراجم.

الثانية: إن هذا الحديث لم يتداوله كتاب السيرة، ولا تناقلته الألسن، بل بقي تداوله محصوراً في نطاق معين.

ونجيب:

أولاً: ما زال كتَّاب السيرة يستدرك اللاحق منهم على السابق، وأنت تجد في الكتب المتفرقة أحاديث وأحداثاً وتفاصيل كثيرة، لا تجدها في الكتب التي حظيت باهتمام رواد كتابة السيرة الرسمية، التي يهتم الحكام بتوجيه الأنظار إليها..

ثانياً: إن هذا الحدث مروي عن علي بن الحسين السجاد (عليه‌السلام )


وهو يتضمن فضيلة كبرى لمن لم يزل محارباً بشراسة على جميع الأصعدة وفي جميع المجالات..

والرواية التي ترد في كتب شيعة أهل البيت، وعن أحد أئمتهم (عليهم‌السلام ).. لا يسمح الآخرون لأنفسهم بأخذها وترويجها. كما لا يسمحون لأتباعهم بالإطلاع على كتب شيعة أهل البيت، ويحاولون محاصرة ثقافتهم، واستبعاد كل ما له ارتباط بها وبهم من قريب، أو من بعيد.

8 ـ ويبقى هنا سؤال: كيف يمكن أن نتصور إعطاء الجنة لشخص لمجرد أنه سبق غيره في حمل خبر علي (عليه‌السلام ) إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والحال أن الصدفة قد تكون هي التي مكنت هذا من حمل الخبر إليه، وحرمت ذاك.

ولعل الذي عرف خبر علي (عليه‌السلام ) قبل غيره يكون من الفاسقين، أو من المنافقين؟!.

ونجيب:

أولاً: بأن الرواية نفسها قد أوضحت: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان على علم بما جرى عن طريق جبرئيل (عليه‌السلام )، وقد عرض (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على علي (عليه‌السلام ) أن يخبره بما كان..

فمن الذي قال: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن يعلم بتعليم من الله ـ بشخص الذي سيأتيه بخبر علي (عليه‌السلام )، وبأنه من أهل الجنة؟!

ثانياً: إن الذي يهتم بأن يدخل السرور على قلب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لا بد أن يسارع إلى إعلامه بمجيء علي (عليه‌السلام ).

أما من يكره علياً (عليه‌السلام )، ولا يهتم لسرور رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنه سوف يتثاقل عن ذلك، بل هو سيسعى لحجب هذا الخبر السار عنه.. وسوف يسبقه غيره إلى إخباره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمجيئه..


ويؤكد ذلك: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يجعل ثواباً دنيوياً لهذا العمل، بل جعل له ثواباً أخروياً، يزهد أهل الدنيا به.. بل قد لا يصدقه الكثيرون منهم، ولا يدخل في جملة طموحاتهم أو رغباتهم..

9 ـ إن قول النفر الثلاثة لعلي (عليه‌السلام ): سواء علينا: وقعنا عليك، أو على محمد. يدل على ما بلغه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) من عظيم الأثر في النكاية بأهل الشرك، حتى أصبحوا يعدلونه بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه.. وهم إنما يعرفونه من خلال أثره في الحروب، ولا يعرفونه من خلال مقامه عند الله تعالى، ومن خلال ميزاته الإيمانية والإنسانية، فإنهم لا يعترفون أولا يؤمنون بشيء من ذلك.

10 ـ إن الملائكة حين ساعدت علياً (عليه‌السلام ) على عدوه لم يؤثروا في أجسادهم بصورة مباشرة، بل هم قد دلوا علياً (عليه‌السلام ) على المواضع التي إن استفيد منها أمكن إلحاق الضرر بذلك العدو..

وهذا يشير: إلى أن الملائكة لا تريد أن تختزل من جهاد وتضحيات علي (عليه‌السلام ) شيئاً.. حتى على صعيد احتفاظ عدوه بقدراته الذاتية.

11 ـ لقد لفت نظرنا هؤلاء الأعداء الذين يطمعون في أن تشملهم رحمة محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتشملهم شفقته. مع أنهم ارتكبوا في حقه ما يستحقون به أشد العقوبات.. لأنهم يريدون إطفاء نور الله تعالى بقتل نبيه بدون مبرر، إذ لماذا يريدون أن يمنعوا الناس من اختيار ما يناسبهم؟! ولماذا يريدون فرض الشرك عليهم؟! ولماذا يريدون أن يفرضوا عليهم الإلتزام بأباطيل الجاهلية، وحفظ أضاليلها؟!


12 ـ ورغم أن ما فعله أولئك المجرمون يكفي لإنزال أقسى العقوبات بهم، بما في ذلك عقوبة القتل، إلا أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هيأ لهم فرصة جديدة للخلاص، حين عرض عليهم الإسلام، ولكن استكبارهم وعتوهم خذلهم هذه المرة أيضاً، فاستحقوا القتل بجميع المعايير والمقاييس، حتى الجاهلية منها.

13 ـ وكانت المفاجأة الأعظم هي تلك التي تجلت في نزول جبرئيل بالعفو عن الشخص الثالث، بسبب سخائه، وحسن خلقه.. وكان ذلك هو سبب إيمانه، حين لامس هذا العفو فطرته، وأيقظ وجدانه، وأنعش ضميره، لأنه جاء من دون اشتراط إسلامه وإيمانه، بل جاء بعد رفضه الإيمان والإسلام حين عُرِض عليه..

حجات علي (عليه‌السلام ) مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وذكر ابن شهرآشوب: أن علياً (عليه‌السلام ) قد حج مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عشر حجج(1) .

ولعل المراد حجاته معه، فكانت قبل الهجرة تسع مرات، ثم حجة الوداع سنة عشر من الهجرة..

ولكن يرد على هذا: أن المفروض أن يكون قد حج مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قبل الهجرة أكثر من تسع حجات. إذ لا مبرر لتفويت

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص123 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص187 وبحار الأنوار ج41 ص17.


الحج في أية سنة من السنين. لا سيما وأن النبوة كانت لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منذ صغره، فتشمل الحجات التي حجها قبل أن يبعث رسولاً في سن الأربعين..

ويحتمل أن يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد منع من الحج في سنوات الحصار في الشعب، وهي ثلاث سنوات على الظاهر.

ويحتمل أن يكون المراد: أنه حج مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد الهجرة عشر حجات.. وذلك بالطريقة التي تناسب الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك، ولو كانت طريقة إعجازية..

والله هو العالم بحقيقة الحال..

لم يفكر بالدنيا، فأخذ الناقة:

عن ابن عباس: أهدي إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ناقتان عظيمتان سمينتان، فقال للصحابة: هل فيكم أحد يصلي ركعتين بقيامهما وركوعهما، وسجودهما، ووضوئهما، وخشوعهما، لا يهتم فيهما من أمر الدنيا بشيء، ولا يحدث قلبه بفكر الدنيا، أهدى إليه إحدى هاتين الناقتين؟!

فقالها مرة، ومرتين، وثلاثة، فلم يجبه أحد من أصحابه، فقام أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فقال: أنا يا رسول الله، أصلي ركعتين، أكبر تكبيرة الأولى، وإلى أن أسلم منهما،لا أحدث نفسي بشيء من أمر الدنيا.

فقال: يا علي، صلِّ، صلى الله عليك.


فكبر أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، ودخل في الصلاة، فلما سلم من الركعتين هبط جبرئيل على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: يا محمد، إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أعطه إحدى الناقتين.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إني شارطته أن يصلي ركعتين، لا يحدث فيهما بشيء من الدنيا، أعطيه إحدى الناقتين إن صلاهما، وإنه جلس في التشهد، فتفكر في نفسه أيهما يأخذ.

فقال جبرئيل: يا محمد، إن الله يقرئك السلام ويقول لك: تفكر أيهما يأخذها، أسمنهما وأعظمهما، فينحرها ويتصدق بها لوجه الله. فكان تفكره لله عز وجل، لا لنفسه ولا للدنيا.

فبكى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأعطاه كليهما. وأنزل الله فيه:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ) (1) . لعظة لمن كان له قلب وعقل أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، يعني يستمع أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بإذنيه إلى من تلاه بلسانه من كلام( الله وَهُوَ شَهِيدٌ ) (2) ، يعني وأمير المؤمنين شاهد القلب لله في صلاته، لا يتفكر فيها بشيء من أمر الدنيا(3) .

____________

1- الآية 21 من سورة الزمر.

2- الآية 37 من سورة ق.

3- مناقب آل أبي طالب ج2 ص20 عن تفسير وكيع، والسدي، وعطاء. وراجع: بحار الأنوار ج36 ص161 وتأويل الآيات ج2 ص612.


سؤال يحتاج إلى جواب:

ونقول:

إن هنا سؤالاً هاماً يحتاج إلى جواب، وهو التالي:

كيف صح أن يتعلل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن إعطاء الناقة لعلي (عليه‌السلام ) مع أن جبرئيل أبلغه أمر الله تعالى الصريح بأن يعطي علياً (عليه‌السلام ) إحدى الناقتين؟! ألا ينافي في ذلك عصمته؟! وألا يدل ذلك على عدم صحة هذه الرواية؟!

ونجيب:

إنه إنما ينافي العصمة، ويسقط الرواية عن الإعتبار لو لم يكن له وجه صحيح ومقبول.

والوجه هنا هو: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يدفع التوهمات التي قد تراود أذهان البعض الذين لم يطيقوا فوز علي (عليه‌السلام ) بهذه الفضيلة، فيحاولون لأغراض مختلفة أن يقرروه (عليه‌السلام )، إن كانت الناقة قد خطرت بباله أثناء صلاته، فإذا أجاب بالإيجاب، فسيطيرون بها في الشرق والغرب، وسيحدث الخلل الإيماني من خلال انتشار الشك في النبوة، أو في صفات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في كل اتجاه.

فأوضح النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم، من خلال جبرئيل، الذي لا يمكنهم أن ينسبوا إليه المحاباة لعلي (عليه‌السلام )، لأنه ليس صهره ولا ابن عمه ـ أوضح ـ أن خطور الناقة على باله (عليه‌السلام ) علي يتصور على نحوين:


أحدهما: خطورها له بما لها من قيمة في الدنيا وحسب.. وهذا لو حصل لنقض الشرط الذي شرطه عليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولزالت عنه صفة استحقاقها..

الثاني: أن يفكر كيف يستفيد منها في بلوغ مرضات الله سبحانه، وهذا ليس تفكيراً بالدنيا وليس لنفسه، بل هو لله وفي الله عز اسمه.. كما قال جبرئيل (عليه‌السلام )..

ويلاحظ: أن جبرئيل هنا لم يورد هذا التفسير من عند نفسه، بل أسنده إلى الله تبارك وتعالى علام الغيوب، والمطلع على القلوب.. ليتوهم متوهم: أن جبرئيل (عليه‌السلام ) قد لا يبلغ كنه أمثال هذه الأمور، ليكون ذلك أولى بالإقناع، والإتباع.

يضاف إلى ذلك: أن جبرئيل يذكر تفاصيل ما فكر به علي (عليه‌السلام )، ولولا أنه تلقى ذلك عن الله تبارك وتعالى، وأذن له في بيانه، لم يكن له هو الآخر سبيل إلى معرفة ما في الضمائر، وما تكنه السرائر.. كما أنه لا يحق له البيان، لا الإعلان..


الفهرس

الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليه‌السلام ) 1

الفصل الرابع: 5

الفصل الخامس: 37

الباب الحادي عشر: 59

الفصل الأول: 61

الفصل الثاني: 83

الفصل الثالث: 125

الفصل الرابع: 154

الفصل الخامس: 177

الفصل السادس: 195

الفصل السابع: 229

الفصل الثامن: 255

الفصل التاسع: 281

الباب الثاني عشر: 313

الفصل الأول: 315

الفهرس 347