الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الثامن

السيد جعفر مرتضى العاملي



هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء الثامن

السيد جعفر مرتضى العاملي


الفصل الثاني:

علم.. وقضاء..



قضاء علي.. وقضاء الشيخين:

روى جمع من العامة، عن مصعب بن سلام التميمي، ومن طرق الخاصة بسندهم عن الصادق (عليه‌السلام ) وغيره، أنه قال: ثور قتل حماراً على عهد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فرفع ذلك إليه، وهو في أناس من أصحابه، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا أبا بكر، إقض بينهما.

فقال: يا رسول الله، بهيمة قتلت بهيمة، ما عليها شيء.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعمر: اقض بينهما.

فقال كقول أبي بكر صاحبه.

فالتفت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى علي (عليه‌السلام ) وقال له: يا علي، اقض بينهما.

فقال: حباً وكرامة، إن كان الثور دخل على الحمار فقتله في مستراحه ضمن أصحاب الثور دية الحمار، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان على صاحب الثور.

فرفع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يده إلى السماء وقال: الحمد لله


الذي منَّ على العباد بمن يقضي قضاء النبيين(1) .

ونقول:

في هذه الرواية إشارات عديدة، نجملها في ما يلي:

1 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اكتفى بقضاء أبي بكر وعمر، ولم يطلب ذلك من عثمان، ربما لأنهما هما الأساس في الخلاف على أمير المؤمنين، فإذا ظهر حالهما في القضاء، وسقط اعتبارهما فيه، لم تصل النوبة إلى الآخرين.

2 ـ يلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد انتدب أبا بكر للقضاء أولاً، وسماه باسمه، ليظهر أنه هو المقصود في هذا الأمر، فلم يعد له مناص منه.

ثم نص على عمر، فكان الأمر كذلك.

____________

1- الأربعين لأبي الفوارس ص13 وينابيع المودة ص76 وراجع الفصول المهمة ص34 وإرشاد المفيد ص185 الفصل 75 من الباب 2، وكذا في مناقب آل أبي طالب ج2 ص254 وبحار الأنوار ج40 ص246 وشرح إحقاق الحق ج8 ص48 وراجع: الكافي ج7 ص352 وخصائص الأئمة ص81 وتهذيب الأحكام ج10 ص229 و الفضائل لشاذان ص167 وعوالي اللآلي ج3 ص626 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص354 وعجائب أحكام أمير المؤمنين للسيد محسن الأمين ص46 وغاية المرام ج5 ص255 وينابيع المودة ج1 ص228 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج29 ص256 و (ط دار الإسلامية) ج19 ص191 ومستدرك الوسائل ج18 ص321 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لشاذان ص208


ولم يطلب من الحاضرين أن يقضوا في القضية، بأن يقول: اقضوا في هذه القضية، فيتقدم كل واحد منهم فيدلي بدلوه، إذ قد لا يتقدم هذان الرجلان لذلك، ليصونا بذلك أنفسهما عن التعرض للمزالق..

3 ـ يلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعلق على قضاء أبي بكر ولا على قضاء عمر بنفي أو إثبات، إذ لو صوَّب أو خطَّأ قضاء أبي بكر، أو قضاء عمر، لاتخذ الذي يأتي بعد هذا أو ذاك منحى آخر، يفرضه عليه ما يقوله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). ولأجل ذلك أبقى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الأمر في دائرة الابهام والإحتمال.

4 ـ والغريب في الأمر ذلك التعليل الذي انقدح في ذهن أبي بكر، فبنى عليه حكمه في المورد، حيث قال: (بهيمة قتلت بهيمة، ما عليها من شيء..) ثم وافقه عمر على ذلك.

وكأنهما ظنا: أن المطلوب هو مجازاة البهيمة القاتلة بالقتل، أو بالسجن، أو بتغريمها ثمن البهيمة المقتولة مع أن الكلام إنما هو في تغريم صاحب البهيمة القاتلة ثمن البهيمة المقتولة لصاحبها.

والنزاع لم يكن بين الثور وأقارب الحمار.. بل كان بين صاحب الثور وصاحب الحمار، الذي يطالبه بثمن حماره، أو تهيئة مثله له.

وكان على عمر وأبي بكر أن يفهما مرجع الضمير في قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اقض بينهما، وأنه يرجع إلى الرجلين، لا إلى الثور والحمار!!.

5 ـ والأغرب من هذا وذاك هو هذه العفوية التي ساقها أبو بكر وعمر للتدليل على بداهة حكم المسألة، ووضوحه الذي لا يقاوم، والذي


يغني المتخاصمين عن الترافع، بل وعن التنازع.

6 ـ وعلينا أن نتأمل كثيراً، ونتوقف طويلاً عند قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإنه وإن كان قد أعرض عن الحديث عن قضاء عمر وأبي بكر, ولكنه ذكر قضاء علي (عليه‌السلام ) بصورة اهتز لها الطامحون والطامعون والمناوئون له من الأعماق.. حيث إنه جعل قضاءه (عليه‌السلام ) قضاء النبيين, ليدلل على أنه (عليه‌السلام ) هو وارثهم, والأحق بمقامهم, والقادر على مواصلة نهجهم, وتحقيق أهدافهم.

7 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جعل نفس وجود علي (عليه‌السلام ) من منن الله تعالى على العباد التي لا بد أن يحمد عليها..

وهذا يشير إلى أن على العباد أن يتعاملوا مع علي (عليه‌السلام ) بما يتوافق مع هذا العطاء الإلهي لهم..

وهو يعني: أن وجود علي (عليه‌السلام ) له أعظم الأثر على العباد, وليس كوجود أي كان من الناس. فكيف ولماذا يقاس بغيره.

فأين الثريا من الثرى؟! وأين معاوية من علي؟!

8 ـ ونعود إلى التذكير بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد جسد للناس عدم أهلية غير علي (عليه‌السلام ) للمقامات التي يطمحون إليها، وأن وجودهم بالنسبة للعباد لا يختلف عن وجود غيرهم من سائر الناس, فقد يكون نافعاً لهم, وقد لا يكون, بل قد يكون بالغ الضرر لهم.

وجسد لهم أيضاً أهلية علي (عليه‌السلام ) بصورة عملية في فعل علي (عليه‌السلام ), وفي رفع يديه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لحمد الله, والثناء عليه.


وجسده أيضاً: بالكلمة القوية التي أطلقها في حق علي (عليه‌السلام )، لتضمنها تصويب قضائه. والإرتفاع بهذا القضاء إلى مستوى قضاء النبيين, ثم اعتبار نفس وجود علي (عليه‌السلام ) من المنن الإلهية التي لا بد أن يحمد على عليها.

القرعة لكل أمر مشكل:

عن حريز، عن أحدهما (عليهما‌السلام ) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم، فبقي صبيان: أحدهما مملوك، والآخر حر، فأسهم بينهما، فخرج السهم على أحدهما، فجعل المال له وأعتق الآخر(1) .

ونقول:

إن القرعة لكل أمر مشكل, وهي هنا وإن كانت قد حلت مشكلة المال، فصار لأحدهما دون الآخر. لكن موضوع الرقية والعبودية لا يستخرج بالقرعة, لأن الإنسان يمكن أن يُعطى المال وأن يؤخذ منه, وقد يعطيه الإنسان لغيره, وقد يحتفظ به لنفسه. لكن ليس لأحد الحق في أن

____________

1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام " ص163 عن الكافي، وتهذيب الأحكام، وعن الإرشاد للمفيد. والكافي ج7 ص137 وتهذيب الأحكام ج6 ص239 وج9 ص362 و 363 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج26 ص311 وج27 ص259 و (ط دار الإسلامية) ج17 ص592 وج18 ص179 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص85.


يتنازل عن حريته, ويجعل نفسه مملوكاً,كما أنه ليس من حق أحد أن يستعبد من جعله الله حراً، لا بواسطة القرعة، ولا بغيرها.

وإعطاء المال لمن خرجت القرعة باسمه لا يجعله حراً، ولا الطفل الآخر عبداً. ولكن احتمال أن يكون الطرف الآخر عبداً يبقى قائماً. وقد يقوى في ذهن العوام، بل في ذهن الذي أخذ المال أن الشخص الآخر عبد.

وقد حصل التخلص من هذا المحذور كان بمبادرته (عليه‌السلام ) إلى إعتاق الطفل الآخر لإزالة أي احتمال في حقه.

حدث في الجاهلية وقضاء في الإسلام:

عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام )، قال: قضى علي (عليه‌السلام ) في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، وذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الإسلام، فأقرع بينهم، فجعل الولد لمن (للذي ـ ئل) قرع له، وجعل عليه ثلثي الدية للآخرين.

فضحك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى بدت نواجذه.

قال: وقال: ما أعلم فيها شيئاً إلا ما قضى علي (عليه‌السلام )(1) .

____________

1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام " ص162 عن الشيخ، وعن المفيد، والكليني مع اختلاف. وعن مناقب آل أبي طالب عن أبي داود، وابن ماجة في سننهما، وابن بطة، وابن حنبل في فضائله، وابن مردويه بطرق كثيرة عن زيد بن أرقم. والحدائق الناضرة ج25 ص25 ورياض المسائل ج10 ص499= = وعوائد الأيام ص649 وجواهر الكلام ج29 ص262 ونيل الأوطار ج7 ص78 والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص266 وغاية المرام ج5 ص256 وسنن ابن ماجة ج2 ص786 وسنن أبي داود ج1 ص506 وسنن النسائي ج6 ص182 والمستدرك للحاكم ج2 ص207 وج3 ص135 والسنن الكبرى للبيهقي ج10 ص267 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص386 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص379 و 496 وشرح معاني الآثار ج4 ص382 والمعجم الكبير للطبراني ج5 ص173 ونصب الراية ج4 ص49 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص841 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج2 ص89 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج5 ص124 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص208 و 209 وينابيع المودة ج1 ص227 وتخريج الأحاديث والآثار ج3 ص15 ومعرفة السنن والآثار ج7 ص475 والإستبصار للطوسي ج3 ص368 وتهذيب الأحكام ج8 ص169 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج21 ص171 و (ط دار الإسلامية) ج14 ص566 وجامع أحاديث الشيعة ج21 ص116 وج25 ص90.


ونقول:

1 ـ إن القرعة قد عينت من يأخذ الولد, ويكون له.. ويبدو أن الثلاثة قد واقعوا جارية كان يملك كل منهم ثلثها.

فأعطاه (عليه‌السلام ) الولد وأسقط عنه حصته وهي الثلث, وضمَّنه الثلثين لرفيقيه المشاركين له في ملكية الجارية, فإن لكل واحد منهما ثلثها


أيضاً.

2 ـ لعله (عليه‌السلام ) قد أسقط الحد عنهم, لأنهم إنما فعلوا ذلك, وحملت بالولد في أيام جاهليتهم وكفرهم, ثم ولدته بعد إسلامهم.. والإسلام يجب ما قبله، فلا يقام الحد بعد الإسلام على من زنى قبل الإسلام.

3 ـ لقد ضحك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى بدت نواجذه، إعجاباً وفرحاً بقضاء علي (عليه‌السلام ) المصيب للواقع..

القارصة والقامصة والواقصة:

روي: أن جارية حملت جارية أخرى على عاتقها عبثاً ولعباً، فجاءت جارية ثالثة، أخرى فقرصت الحاملة، فقفزت لقرصتها، فوقعت الراكبة، فاندقت عنقها وهلكت.

فقضى (عليه‌السلام ) على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي بقموص الراكبة لركوب الواقصة عبثاً القامصة.

وبلغ الخبر بذلك إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأمضاه وشهد له بالصواب به(1) .

____________

1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام " ص37 والإرشاد للمفيد ص105 و (ط دار المفيد) ج1 ص196 والمقنعة ص117 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج29 ص240 و241 و (ط دار الإسلامية) ج19 ص179 = = وجواهر الكلام ج43 ص75 وجامع المدارك ج6 ص196 وبحار الأنوار ج40 ص245 وجامع أحاديث الشيعة ج26 ص360 وعجائب أحكام أمير المؤمنين للسيد محسن الأمين ص40.


قال التستري:

وأما ما رواه الصدوق والشيخ عن الأصبغ قال: قضى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في جارية ركبت جارية، فنخستها جارية أخرى، فقمصت المركوبة، فصرعت الراكبة فماتت، فقضى بديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة(1) .. فمن روايات محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله، عن محمد بن عبد الله بن مهران، وقد استثنى ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح روايته عنهما. وقررهم على ذلك الشيخ والنجاشي.

وفي طريقه أيضاً: أبو جميلة، وهو المفضل بن صالح، وحكم النجاشي بضعفه، وصرح ابن الغضائري بوضعه الحديث.

ورواية المفيد وإن كانت مرسلة إلا أن إرسال مثله معتبر، وقد ذكره في

____________

1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام " ص37 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج29 ص240 و (ط دار الإسلامية) ج19 ص179 وتهذيب الأحكام ج10 ص241 ومن لا يحضره الفقيه ج4 ص125 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج4 ص170 والنهاية للطوسي ص763 والسرائر لابن إدريس ج3 ص373 ومختلف الشيعة ج9 ص337 ومستدرك الوسائل ج18 ص316 و 317.


الإرشاد والمقنعة.

فإن قيل: خبر التنصيف من روايات الخاصة، والأصل في التثليث العامة، بدليل أن صاحب المناقب رواه عن أبي عبيدة في غريب الحديث، وابن مهدي في نزهة الأبصار، عن الأصبغ هكذا: قضى (عليه‌السلام ) في القارصة والقامصة والواقصة، وهن ثلاث جوار كن يلعبن، فركبت إحداهن صاحبتها، فقرصتها الثالثة، فقمصت المركوبة، فوقعت الراكبة فوقصت عنقها، فقضى بالدية أثلاثاً، وأسقط حصة الراكبة لما أعانت على نفسها، فبلغ ذلك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فاستصوبه.

قلنا: على تسليم استناد المفيد إلى تلك الرواية، يكون هي أولى بموافقته للإعتبار الصحيح، مع ضعف سند الأول بمن تقدم، وبسعد بن طريف عند الأكثر(1) .

ملاحظة:

قرص لحمه: أخذه ولوى عليه بإصبعه فآلمه.

قمصت الدابة: أي وثبت ونفرت.

وقص عنقه: كسرها ودقها.

والمراد بالواقصة هنا: (التي هي اسم فاعل) معنى اسم المفعول.

____________

1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )" ص38.


الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يمتحن أصحابه:

وروي: جابر وابن عباس: أن أبي بن كعب قرأ عند النبي:( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (1) . فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لقوم عنده، وفيهم: أبو بكر، وأبو عبيدة، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن: قولوا الآن: ما أول نعمة غرسكم الله بها، وبلاكم بها.

فخاضوا في المعاش والرياش، والذرية والأزواج، فلما أمسكوا قال: يا أبا الحسن، قل.

فقال (عليه‌السلام ): إن الله خلقني ولم أك شيئاً مذكوراً، وأن أحسن بي فجعلني حياً لا مواتاً، وأن أنشأني ـ فله الحمد ـ في أحسن صورة، وأعدل تركيب، وأن جعلني متفكراً واعياً لا أبله ساهياً، وأن جعل لي شواعر أدرك بها ما ابتغيت، وجعل فيَّ سراجاً منيراً، وأن هداني لدينه، ولن يضلني عن سبيله، وأن جعل لي مراداً في حياة لا انقطاع لها، وأن جعلني ملكاً مالكاً لا مملوكاً، وأن سخر لي سمائه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه، وأن جعلنا ذكراناً قواماً على حلائلنا لا إناثاً.

وكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول في كل كلمة: صدقت.

ثم قال: فما بعد هذا؟!

فقال علي (عليه‌السلام ):( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا ) (2) .

____________

سورة لقمان.

2- الآية 20 من سورة لقمان.


فتبسم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال: ليهنئك الحكمة، ليهنئك العلم يا أبا الحسن، أنت وارث علمي، والمبين لأمتي ما اختلفت فيه من بعدي، الخبر(1) .

ونقول:

لا بأس بالإشارة هنا إلى ما يلي:

قولوا الآن:

إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين سأل القوم الذين عنده، حدَّد لهم وقتاً معيناً للإجابة، وزمناً خاصاً، فقال لهم: (قولوا الآن).

فلم يعطهم مهلة، يمكنهم فيها البحث عن إجابة لدى غيرهم. كما أنه ألزمهم بالبقاء في أمكنتهم.. لأن حصر زمان الإجابة بأن تكون (الآن) يجعل الإنتقال إلى مكان آخر، إما غير ذي جدوى، وإما غير مسموح به..

وارث علمي، والمبين لأمتي:

وقد أنتج هذا الإمتحان إعلان حقيقة: أن علم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) موجود عند علي (عليه‌السلام ) أيضاً، وأن غيره ممن سوف يسعى لاستلاب مقامه (عليه‌السلام ) فاقد لهذا العلم، الذي يحتاج إليه من يخلفه

____________

1- قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام " ص98 و99 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص177 و 178 وأعيان الشيعة ج1 ص415 وعجائب أحكام أمير المؤمنين ص173.


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المرجعية للأمة، حين الإختلاف، وفي كل حين.. لا سيما حين تهجم عليها اللوابس..

ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حصر المرجعية للأمة كلها بعلي (عليه‌السلام ). في كل موارد الإختلاف.

وأعظم مورد اختلاف وخلاف حصل في الأمة هو مقام الخلافة بعده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وهم ليس فقط لم يرجعوا إلى علي (عليه‌السلام ) فيه، بل قهروه على التخلي عنه..

لماذا يمتحنهم؟!:

لا شك في أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان عالماً بحال أصحابه، وبما عندهم من العلم، ولا يحتاج إلى أن يمتحنهم بهذا السؤال الذي وجهه إليهم، ويكلفهم الخوض في أمور لم يكن لهم أن يخوضوا فيها، لعدم أهليتهم لذلك.

ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد بامتحانهم هذا: أن يعرفوا هم، ويعرف الناس عنهم الأمور التالية:

1 ـ إن الذين خاضوا فيما خاضوا فيه بمحضر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إنما اقتحموا أموراً لم يكن ينبغي لهم أن يقتحموها. بل كان يجب عليهم الإقرار بعدم المعرفة، والتورع عن القول بغير علم، فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.. لا سيما وأن السؤال هو عن معنى آية قرآنية.. وقد نهى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن تفسير القرآن بالرأي..


فمن لا يتورع أن يقول بغير علم بحضرة الرسول، وفي مورد صرح النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالنهي عن القول فيه بغير علم.. لا بد أن يكون بعد رحيله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن الدنيا أكثر جرأة على هذا الأمر، ولن يردعه رادع، ويمنعه مانع (إيماني أو وجداني) عن اقتحام جراثيم جهنم، إلا إن رأى أن أموره ستختل، وأن مصلحته الدنيوية تقضي عليه بالتريث أو الإنسحاب..

2 ـ إن هذا الإمتحان قد هدف إلى كشف حال رواد التمرد على شرع الله، ونقض التدبير الإلهي والنبوي، حين اتلعوا أعناقهم إلى أخطر وأجل وأعظم مقام بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مدَّعين لأنفسهم الأهلية له، ويعدون العدة للإستيلاء عليه.

ولم يكن صاحب الحق قادراً على مواجهتهم بأكثر من الحجة والدليل، لأن في التعدي عن هذا الأسلوب تفريطاً بأمن الناس، وقد يفسح المجال لاختلال الأمور، وحصول الردة.

أما سائر الناس، فلعل الكثيرين منهم لا يملكون الحجة التي تفي بدفع ادعاءات أولئك الطامحين.. أو أنهم يخشون من مواجهتهم ـ ولو بالحجة ـ على مصالحهم أو أمنهم. ولعل بعضهم يغض الطرف عما يجري، لأنه يرى نفسه منتفعاً من هذا الجو الذي أثاروه وأوجدوه..

ليهنئك الحكمة والعلم:

وقد هنأ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) بالحكمة أولاً، ثم بالعلم ثانياً. والحكمة تحتاج إلى توفيق وتعليم، وهي هبة إلهية، لا ينالها


إلا الأوحدي من الناس عن جدارة واستحقاق. وليست مجرد تقديرات وإدراكات عقلية، كما ربما يتوهمه المتوهمون.

ولذلك يقول تعالى:( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (1) .

ويقول:( وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) (2) .

وقال:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (3) . والآيات المصرحة بتوقيفية الحكمة كثيرة.

وقدم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التهنئة بالحكمة، لأنها محض عطاء إلهي..

أما العلم، فقد ينال البشر شيئاً منه مهما كان ضئيلاً بوسائلهم التي منحهم الله إياها مما اقتضته خلقتهم، مثل: العقل والفطرة، وغير ذلك..

ولعل التهنئة بالحكمة هنا يشير: إلى أن الإجابة على السؤال هنا مرهونة بالحكمة بالدرجة الأولى، ثم بالعلم.. وهذا ما لم يكن يملكه سوى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ). كما أظهرته هذه الواقعة وسواها..

____________

1- الآية 2 من سورة الجمعة.

2- الآية 12 من سورة لقمان.

3- الآية 269 من سورة البقرة.



الفصل الثالث:

بذل علي (عليه‌السلام ) والإمامة..



ويؤثرون على أنفسهم:

1 ـ قال ابن شهرآشوب (رحمه‌الله ): تفسير أبي يوسف: يعقوب بن سفيان، وعلي بن حرب الطائي، ومجاهد بأسانيدهم، عن ابن عباس وأبي هريرة، وروى جماعة عن عاصم بن كليب عن أبيه ـ واللفظ له ـ عن أبي هريرة: أنه جاء رجل إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أزواجه، فقلن: ما عندنا إلا الماء.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من لهذا الرجل الليلة؟!

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): أنا يا رسول الله، فأتى فاطمة وسألها: ما عندك يا بنت رسول الله؟!

فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، لكنا نؤثر ضيفنا به.

فقال علي (عليه‌السلام ): يا بنت محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، نومي الصبية واطفئي المصباح. وجعلا يمضغان بألسنتهما.

فلما فرغ من الأكل أتت فاطمة بسراج، فوجد الجفنة مملوءة من فضل الله، فلما أصبح صلى مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فلما سلم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من صلاته نظر إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ). وبكى بكاء شديداً، وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عجب


الرب من فعلكم البارحة، اقرأ:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) أي مجاعة.( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) . يعني: علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم‌السلام )( فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (1) )(2) .

قال الحميري:

قائل للنبي إني غريب جايع قد أتيتكم مستجيرا

فبكى المصطفى وقال: غريب لا يكن للغريب عندي ذكورا

من يضيف الغريب قال علي: أنا للضيف فانطلق مأجورا

ابنة العم هل من الزاد شيء فأجابت أراه شيئاً يسيرا

كف بر قال: اصنعيه فإن الله قد يجعل القليل كثيرا

ثم أطفي المصباح كي لا يراني فأخلي طعامه موفورا

جاهد يلمظ الأصابع والضيف يراه إلى الطعام مشيرا

عجبت منكم ملائكة الله وأرضيتم اللطيف الخبيرا

ولهم قال: يؤثرون على أنفسهم، قال: ذاك فضلاً كبيرا(3)

____________

1- الآية 9 من سورة الحشر.

2- بحار الأنوار ج41 ص28 وص 34 وج36 ص59 ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص87 والأمالي للطوسي ص116 وعن كنز جامع الفوائد، وشواهد التنزيل ج2 ص246 ومجمع البيان ج9 ص260.

3- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص87 و 88 و(ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص347 و 348.


2 ـ روت الخاصة والعامة، منهم: ابن شاهين المروي، وابن شيرويه الديلمي، عن الخدري وأبي هريرة: أن علياً أصبح ساغباً، فسأل فاطمة طعاماً.

فقالت: ما كانت إلا ما أطعمتك منذ يومين، آثرت به على نفسي، وعلى الحسن، والحسين.

فقال: ألا أعلمتني، فأتيتكم بشيء؟!

فقالت: يا أبا الحسين، إنى لأستحي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر عليه.

فخرج واستقرض من النبي ديناراً، فخرج يشتري به شيئاً.

فاستقبله المقداد قائلاً ما شاء الله.

فناوله علي الدينار، ثم دخل المسجد، فوضع رأسه، فنام، فخرج النبي، فإذا هو به، فحركه وقال: ما صنعت؟!

فأخبره، فقام وصلى معه فما قضى النبي صلاته، قال: يا أبا الحسن، هل عندك شيء نفطر عليه، فنميل معك؟!

فأطرق لا يجيب جواباً حياء منه. وكان الله أوحى إليه أن يتعشى تلك الليلة عند علي.

فانطلقا حتى دخلا على فاطمة، وهي في مصلاها، وخلفها جفنة تفور دخاناً، فأخرجت فاطمة الجفنة، فوضعتها بين أيديهما.

فسأل علي (عليه‌السلام ): أنى لك هذا؟!


قالت: هو من فضل الله ورزقه، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

قال: فوضع النبي كفه المبارك بين كتفي علي، ثم قال: يا علي، هذا بدل دينارك. ثم استعبر النبي باكياً وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا لمريم.

وفي رواية الصادق (عليه‌السلام ): أنه أنزل الله فيهم:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) (1) .

قال الحميري:

وحدثنا عن حادث الأعور الذي تصدقه في القول منه وما يروي

بأن رسول الله نفسي فداؤه وأهلي ومالي طاوي الحشا يطوي

لجوع أصاب المصطفى فاغتدى إلى كريمته والناس لاهون في سهو

فصادفها وابني علي وبعلها وقد أطرقوا من شدة الجوع كالنضو

فقال لها: يا فطم قومي تناولي ولم يك فيما قال ينطق بالهزو

هدية ربى إنه مترحم فقامت إلى ما قال تسرع بالخطو

فجاءت عليها الله صلى بجفنة مكرمة باللحم جزواً على جزو

فسموا وظلوا يطعمون جميعهم فَبَخْ بَخْ لهم نفسي الفداء وما أحوي

فقال لها: ذاك الطعام هدية من الله جبريل أتاني به يهوى

ولم يك منه طاعماً غير مرسل وغير وصي خصه الله بالصفـو

____________

1- الآية 9 من سورة الحشر.


3 ـ وفي رواية حذيفة: أن جعفراً أعطى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الفرع من العالية، والقطيفة، فقال النبي: لأدفعن هذه القطيفة إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.

وأعطاها علياً (عليه‌السلام )، ففصل على القطيفة سلكاً، فباع بالذهب، فكان ألف مثقال، ففرقه في فقراء المهاجرين كلها.

فلقيه النبي ومعه حذيفة، وعمار، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، فسأله النبي الغداء.

فقال حياء منه: نعم.

فدخلوا عليه، فوجدوا الجفنة(1) .

4 ـ عن محمد بن العباس، عن محمد بن أحمد بن ثابت، عن القاسم بن إسماعيل، عن محمد بن سنان، عن سماعة بن مهران، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه‌السلام ) قال:

أتي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمال وحلل وأصحابه حوله جلوس، فقسمه عليهم حتى لم تبق منه حلة ولا دينار، فلما فرغ منه جاء رجل من فقراء المهاجرين، وكان غائباً. فلما رآه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: أيكم يعطي هذا نصيبه، ويؤثره على نفسه؟!

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص190 و 191 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 350 وبحار الأنوار ج41 ص30 و 31 وراجع ج36 ص60 عن كنز جامع الفوائد، وتأويل الآيات الظاهرة.



فسمعه علي (عليه‌السلام )، فقال: نصيبي.

فأعطاه إياه، فأخذه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأعطاه الرجل، ثم قال: يا علي، إن الله جعلك سباقاً للخير، سخَّاء بنفسك عن المال. أنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة. والظلمة هم الذين يحسدونك، ويبغون عليك، ويمنعونك حقك بعدي(1) .

قالوا: الفرع: المال الطائل. والعالية: مكان بأعلى أراضي المدينة، ويبدو أن القطيفة كانت مطرزة بأسلاك الذهب(2) .

ونقول:

1 ـ إن الفقر ليس عيباً، إلا حين يكون سببه الكسل، والإتكال على جهد الآخرين، أو غير ذلك من أسباب تشير إلى خلل في المزايا الروحية والإنسانية.. ولم يكن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولا علي (عليه‌السلام ) إلا القمة في الفضل والكمال، والأخلاق الفاضلة، والمزايا النبيلة..

والأسباب التي اقتضت نزول الآية المباركة مرة أو أكثر تبين أن هذا الفقر قد كشف لنا عن أفضل المزايا، وأعظم الفضائل في هؤلاء الذين نأوا بأنفسهم عن الدنيا وزخارفها، ولم يهتموا لها إلا بالمقدار الذي فرضه الله تعالى عليهم..

2 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أراد مساعدة ذلك الجائع لم

____________

1- بحار الأنوار ج36 ص60 عن كنز جامع الفوائد.

2- بحار الأنوار ج41 ص31 و 32.


يبادر إلى دق أبواب الأغنياء، وطلب المساعدة منهم، بل بدأ بنفسه، وببيوته..

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يذهب بنفسه إلى تلك البيوت لسؤال أزواجه عن شيء من الطعام، بل أرسل إليهن من يسألهن عن ذلك.. فلم يعد هناك أية فرصة لتوهم أي نوع من أنواع حب الإستئثار بشيء، مهما كان الدافع إلى ذلك معقولاً ومقبولاً، وكافياً لتبرير المنع..

4 ـ وبعد أن ظهر أن بيوت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خالية إلا من الماء، لم يخاطب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمره للناس شخصاً بخصوصه، فلم يطلب من علي (عليه‌السلام ) مثلاً أن يتولى سد حاجته، بل أطلق الخطاب لكل من حضر، وقال: من لهذا الرجل الليلة؟!

ولعل سبب ذلك: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن ينيل علياً (عليه‌السلام ) ثواب المبادرة والإختيار، وثواب البذل والعطاء، والإيثار، ولكي لا يتوهم أحد أنه (عليه‌السلام ) قد رضي بما فرض عليه حياء، أو اتباعاً وطاعة. ولا يعلم إن كان وراءها حرص واندفاع، أو ليس وارءها شيء من ذلك.

5 ـ واللافت هنا: أن فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) هي التي اقترحت إيثار ذلك الجائع بقوت ولديها، مع أن الأم تكون عادة أحرص على طعام أبنائها وتوفيره لهم.

6 ـ ربما يسأل سائل عن أنه كيف جاز للزهراء وعلي (عليهما‌السلام ) أن يجيعا ولديهما، ويتصرفا بحقهما تصرفاً يعرضهما للأذى أو الضرر. أو


يوقعهما في تعب ومشقة؟!

ويمكن أن يجاب:

أولاً: بأن الحسنين (عليهما‌السلام ) كانا منسجمين مع تصرف أبويهما، ولا يرضيان بالإحتفاظ بالطعام لنفسيهما، وإبقاء ذلك الرجل جائعاً.

وصغر سنهما لا يعني أنهما يريان أنفسهما في منأى عن التكاليف الإلهية، فإن التكليف الذي هو منوط بالسن، إنما لوحظ السن فيه بالنسبة لنا نحن. أما الأنبياء وأوصيائهم، فلعل الأمر ليس منوطاً بالسن، بل بالقدرة والعلم والإدراك. وهذا متحقق فيهم (عليهم‌السلام ) بأقصى الدرجات، كما يدل عليه قول عيسى (عليه‌السلام ) حين ولادته:( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ) (1) ، كما تدل عليه أجوبتهم على أدق المسائل في حال صغرهم، بالإضافة إلى شواهد أخرى..

ولأجل ذلك تقول الرواية: إن الآية المباركة نزلت في الأربعة: علي وفاطمة والحسنين (عليهم‌السلام )، فراجع..

ثانياً: إننا وإن لم نعرف الوجه في هذا التصرف، فلا نشك في صحة ومشروعية، فإننا إنما نأخذ التشريع منهم (عليهم‌السلام )، وتكفينا عصمتهم الثابتة بنص القرآن للإجابة على على أي سؤال، وإزالة أية شبهة..

7 ـ إن تعدد الوقائع المروية في بيان شأن نزول قوله تعالى:( وَيُؤْثِرُونَ

____________

1- الآيتان 30 و 31 من سورة مريم.


عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) (1) في علي (عليه‌السلام ) لا يوجب خللاً في الروايات، لإمكان صحة جميعها، وتكرر نزول الآية في هذه الواقعة وتلك.. وهذا معروف ومألوف..

فلا عجب إذا كانت آية الإيثار قد نزلت في قضية الرجل الجائع، وإيثارهم إياه بطعام الإمامين: الحسن والحسين (عليهما‌السلام ).. ثم نزلت في مناسبة إيثار علي (عليه‌السلام ) بالحلة التي كساه إياها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذلك الذي جاءه يشكو عريه وعري أهل بيته..

ثم نزلت في إيثاره (عليه‌السلام ) المقداد بالدنيار الذي استقرضه.

وهذا يفسر التعبير في الآية بالفعل المضارع الدال على الدوام والإستمرار، وأن هو خلقهم (عليهم‌السلام ).

8 ـ وعن قول الراوي: إنهما جعلا يمضغان بألسنتهما نقول:

هل أرادا (عليهما‌السلام ) الإيحاء لذلك الضيف بأنهما يأكلان ما يأكل؟!

ولماذا يريدان إفهامه ذلك؟! وهل كان هو مهتماً لهذا الأمر؟!

وإذا كان علي (عليه‌السلام ) يريد أن يفهمه ذلك، فما شأن الزهراء (عليها‌السلام ) في هذا الأمر؟! وهل تجلس مع رجل غريب لتأكل معه، وتسمعه صوت مضغها للطعام؟!

وإن كان المقصود هو الإيحاء للصبية بذلك، فهو لا معنى له، لأن ذلك يزيد في رغبتهما بالطعام!!

____________

1- الآية 9 من سورة الحشر.


فالأنسب القول: بأن علياً وفاطمة (عليهما‌السلام ) جعلا يفعلان ذلك من دون أن يكون الهدف إسماع الضيف، بل كان ذلك هو ما اقتضته شدة حاجتهما إلى الطعام.

أو يقال: إن الصبية ـ والمقصود هو الحسنان (عليهما‌السلام ) ـ باتا يمضغان بألسنتهما، استجابة لدواعي الحاجة إلى الطعام..

ولكن أين كانت زينب وأم كلثوم عن هذه الحادثة؟! هل كان ذلك قبل ولادتهما؟!

أم أن الإيثار كان بخصوص طعام الحسن والحسين (عليهما‌السلام )؟! لأنهما اللذان يمكنهما المبادرة الإختيارية إلى أمر من هذا القبيل، لخصوصية فيهما أشرنا إليها فيما قدمناه آنفاً برقم(6)

9 ـ وقد أظهر الله سبحانه الكرامة لهما حين وجدا الجفنة مملوءة طعاماً، ليعلم الناس أن التجارة مع الله رابحة دائماً..

10 ـ وحديث الدنيار الذي أعطاه (عليه‌السلام ) للمقداد دل أن علياً (عليه‌السلام ) أصبح ساغباً، ويبدو أنه كان قد مضى عليه يومان بلا طعام.. وأن الزهراء (عليها‌السلام ) آثرت بالطعام على نفسها وعلى الحسنين (عليهما‌السلام )..

ومن المعلوم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان أيضاً يطوي بعض أيامه بلا طعام، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع.. مع أن الكثيرين من الناس كانوا على استعداد لبذل أموالهم له، وكثير منهم يبذل نفسه في سبيله ومن أجله..


وكان علي والزهراء والحسنان (عليهم‌السلام ) أقرب الناس إليه، وأحبهم إليه، ولكنهم جميعاً يعرضون عن هذه الدنيا، ويسوون أنفسهم بأضعف الناس فيها.. على قاعدة: (ولعل بالحجاز أو اليمامة، من لا عهد له بالشبع)، وعلى قاعدة: (ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن عيشه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد)(1) .

11 ـ وقد ذكرت الزهراء (عليها‌السلام ) لعلي (عليه‌السلام ): أنها آثرت بالطعام غيرها على نفسها، وعلى ولديها، مصرحة باسمهما: (الحسن والحسين)، فهما اللذان يمكن التصرف بحصتهما، لخصوصيتهما في التكليف، والإدراك وسائر الكمالات، بملاحظة ما لهما من مقام في الإمامة للأمة.

وربما كان هذا التصرف بطلب منهما، كما أشرنا إليه حين الحديث عن سورة هل أتى.

____________

1- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص70 ومختصر بصائر الدرجات ص154 ومستدرك الوسائل ج12 ص54 وج16 ص300 والخرائج والجرائح ج2 ص542 وبحار الأنوار ج33 ص474 وج40 ص318 و 340 وج67 ص320 وجامع أحاديث الشيعة ج14 ص34 وج23 ص272 ونهج السعادة ج4 ص32 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص205 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج2 ص139 وينابيع المودة ج1 ص439.


12 ـ وقد صرحت الزهراء (عليها‌السلام ): بأنها تستحي من الله أن تكلف علياً (عليه‌السلام ) ما لايقدر عليه.. مع أن علياً (عليه‌السلام ) ألمح إلى أنه كان قادراً على أن يأتيهم بشيء، حيث قال لها: (ألا أعلمتني، فأتيتكم بشيء)؟!

فهل علمت (عليها‌السلام ) ما لم يعلمه علي (صلوات الله عليه)؟! بمعنى أنها تحدثت عن علمها بالواقع، فأخبرته: أنه (عليه‌السلام ) حتى لو سعى للحصول على شيء فإنه لن يحصل عليه..

أما علي (عليه‌السلام ) فكلمها وفق الأحوال الظاهرة، والمتوقعة، بحسب العادة عند سائر الناس، بغض النظر عما ينكشف له بعلم الإمامة..

وبذلك تكون هذه الرواية قد تضمنت إشارة إلى أن لدى الزهراء (عليها‌السلام ) معرفة أرقى من المعرفة الظاهرية المتوفرة لدى سائر الناس. وذلك لبيان عظمتها، وتأكيد تميزها عن سائر النساء بهذا المقام الذي لا يناله إلا صفوة الخلق.. وعلى رأسهم أبوها (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وزوجها (عليه‌السلام ).

13 ـ وقد لفت نظرنا: أنه (عليه‌السلام ) قد (استقرض) من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ديناراً. مع أن الأمور كانت تجري بينهما على أساس أنهما عائلة واحدة.. والإستقراض معناه: أن ثمة قيوداً وحدوداً لم نعهدها!! فكيف نفسر ذلك؟!

ونجيب:

أولاً: لعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد ادخر هذا الدينار


للإنفاق على أزواجه. ولم يكن يمكنه التفريط به، مع حاجة من تجب نفقته عليه..

ثانياً: لعل المقصود: هو أن ينال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثواب القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشرة(1) . وأن ينال علي (عليه‌السلام ) ثواب الكاد على عياله، فإنه كالمجاهد في سبيل الله(2) ، حيث لا بد أن يكد في تحصيل الدينار ليرده إلى صاحبه..

14 ـ وقد أعطى علي (عليه‌السلام ) الدينار كله للمقداد، وكان بإمكانه أن يتقاسمه معه. فيكون قد نال ثواب الصدقة من جهة، وحل مشكلة العيال من جهة أخرى.

____________

1- الكافي ج4 ص34 وبحار الأنوار ج100 ص138 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج9 ص300 و (ط دار الإسلامية) ج6 ص209 ومستدرك الوسائل ج12 ص364 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص122 وج18 ص286 و 289 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص501 وألف حديث في المؤمن للشيخ هادي النجفي ص107 وتفسير القمي ج2 ص159 و 350 وتفسير نور الثقلين ج4 ص190 وج5 ص239.

2- الكافي ج5 ص88 وراجع: تحف العقول ص445 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج17 ص67 و (ط دار الإسلامية) ج12 ص42 وبحار الأنوار ج75 ص339 وجامع أحاديث الشيعة ج17 ص12 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج7 ص381.


ولكنه (عليه‌السلام ) أراد:

أولاً: أن ينال ثواب الإيثار على النفس حتى مع الخصاصة الظاهرة..

ثانياً: إذا نظرنا إلى مجموع الروايات وجمعنا بينها، فقد نستفيد: أنه (عليه‌السلام ) أراد أن يعطى المقداد ما يغينه عن العودة إلى معاناة شدائد الحاجة في الجهات المختلفة، وربما كان منها كسوة عياله (رحمه‌الله ) أيضاً.

بل لعله رأى أن حاجة المقداد وعياله كانت غير قابلة للتجزئة، فقد كانوا بحاجة إلى الكسوة أكثر من أي شيء آخر. والكسوة قد تكون أكثر أهمية وحساسية حتى من معاناة الجوع. فأعطاه الحلة ليكتسي هو بها، ثم أعطاه الدينار ليكسو به عياله.

15 ـ ورغم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد سأل علياً (عليه‌السلام ) عما صنع، فأخبره. فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) طلب منه بعد انقضاء صلاته أن يتعشى عنده، لأن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك، ليظهر الكرامة الإلهية للزهراء وعلي (عليهما‌السلام )، كما أظهرها لمريم (عليها‌السلام ) من قبل.

ولكن هناك فرق جوهري بينهما، وهو: أن علياً (عليه‌السلام ) قد نام بعد تصدقه بالدينار، فكان نومه كيقظته عبادة يستحق معها الكرامة.

أما مريم (عليها‌السلام )، فإن استحقاقها لإظهار هذه الكرامة لها مرهون باشتغالها بالعبادة بالفعل، فأنالها الله تعالى تلك الكرامة نتيجة لذلك.

إذ لم يكن نومها مثل نوم علي (عليه‌السلام ).


كما أن فاطمة (عليها‌السلام ) كانت حياتها كحياة علي (عليه‌السلام ) كلها عبادة، وكان نومها ويقظتها وشغلها وفراغها على حد سواء في ذلك.. فهي تستحق الكرامة في كل حال، وعلى كل حال.

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ضيافة علي (عليه‌السلام ):

عبد الله بن علي بن الحسين، يرفعه: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أتى مع جماعة من أصحابه إلى علي (عليه‌السلام )، فلم يجد علي شيئاً يقربه إليهم، فخرج ليحصل لهم شيئاً، فإذا هو بدينار على الأرض، فتناوله وعرَّف به، فلم يجد له طالباً، فقومه على نفسه، واشترى به طعاماً، وأتى به إليهم.

وأصاب [به] عوضه، وجعل ينشد صاحبه، فلم يجده، فأتى به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأخبره.

فقال: يا علي، إنه شيء أعطاكه الله لما اطلع على نيتك وما أردته، وليس هو شيء للناس، ودعا له بخير(1) .

ونقول:

لا نرى حاجة إلى التعليق على هذه الحادثة، غير أننا نعيد على مسامع القارئ الكريم ما صرحت به الرواية من أنه (عليه‌السلام ):

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص30 عن مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص89 و 90 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص394 وشرح الأخبار ج2 ص183.


1 ـ قوم الدينار على نفسه قبل أن يتصرف فيه.

2 ـ إنه (عليه‌السلام ) عرَّف الدينار مرتين:

إحداهما: قبل التصرف فيه.

والثانية: بعد أن أصاب عوضه، وأصبح قادراً على الوفاء به لصاحبه.

3 ـ إن قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) قد تضمن أن للنوايا الحسنة آثارها على صعيد استدعاء الهبات والمنح الإلهية.

4 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أسقط عن علي (عليه‌السلام ) مسؤولية البحث عن صاحب الدينار حين أخبره أنه عطاء إلهي، وليس له صاحب بعينه في الناس.

صدقات (عليه‌السلام ) علي وصدقات غيره:

جاء في تفسير الإمام العسكري: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أصبح يوماً وقد غص مجلسه بأهله، فقال: أيكم اليوم أنفق من ماله ابتغاء وجه الله؟! فسكتوا.

فقال علي (عليه‌السلام ): أنا، خرجت ومعي دينار أريد أشتري به دقيقاً، فرأيت المقداد بن أسود، وتبينت في وجهه أثر الجوع، فناولته الدينار.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): وجبت.

ثم قام آخر، فقال: قد أنفقت اليوم أكثر مما أنفق علي، جهزت رجلاً وامرأة يريدان طريقاً ولا نفقة لهما، فأعطيتهما ألف درهم. فسكت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).


فقالوا: يا رسول الله، مالك قلت لعلي: (وجبت)، ولم تقل لهذا وهو أكثر صدقة؟!

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أما رأيتم ملكاً يهدي خادمه إليه هدية خفيفة فيحسن موقعها، ويرفع محل صاحبها. ويحمل إليه من عند خادم آخر هدية عظيمة، فيردها ويستخف بباعثها؟!

قالوا: بلى.

قال: فكذلك صاحبكم علي، دفع ديناراً منقاداً لله، ساداً خلة فقير مؤمن، وصاحبكم الآخر أعطى ما أعطى معاندة لأخي رسول الله، يريد به العلو على علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فأحبط الله عمله، وصيره وبالاً عليه.

أما لو تصدق بهذه النية من الثرى إلى العرش ذهباً أو لؤلؤاً لم يزدد بذلك من رحمة الله إلا بعداً، ولسخط الله تعالى إلا قرباً، وفيه ولوجاً واقتحاماً. الحديث(1) .

ونقول:

يلاحظ هنا ما يلي:

أولا ً: يستوقفنا هنا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) استخدم أسلوباً استدراجياً أراد أن يظهر به إخلاص علي (عليه‌السلام )، وفضله.. وأنه لا يظهر الزهد والعبادة بالدنيا تصنعاً، كما سيأتي بيانه في خلافة عمر بن

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص18 والتفسير المنسوب للإمام العسكري (ط مدرسة الإمام المهدي) ص83 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص631.


الخطاب، حيث زعموا أن عمر قد اتهمه بذلك.

ثانياً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يعطي للناس درساً في الإخلاص، ولكن لا بأسلوب الوعظ الكلامي، بل بتقديم الأمثولة العملية، وتجسيد المعنى بصورة واقعية وحيَّة، تشد الأنظار إليه، وتحنو القلوب عليه، فإنه أوقع في النفس، وأرضى للوجدان..

ثالثاً: إن البعض توهم أمرين:

أحدهما: توهم: أن الميزان في الفضل، وفي قبول الأعمال هو الكثرات والأحجام. وتوهم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منح علياً (عليه‌السلام ) وسام القبول لأجل ذلك، فقد كانت صدقته ديناراً في وقت حاجة وعوز، يقل التصدق فيها بالذهب..

الثاني: توهم: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنما تكلم مع علي (عليه‌السلام ) بمقتضى المجاملة، أو على الطريقة القانونية، التي تلاحظ الأحوال في مظاهرها وتجلياتها الخارجية، وتصدر الحكم على هذا الأساس.

ونقول:

لقد غاب عن ذهن هذا البعض أمران آخران هما:

الأول: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له طريق إلى الباطن، ويستطيع باستشرافه إليه، واطلاعه عليه أن يعرف المخلص في عمله من غيره.

وأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لو لم يطلع على إخلاص علي (عليه‌السلام )، وأنه قد ابتغى وجه الله بالفعل، لم يقل له: (وجبت)، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ولا يمكن أن يخطئ الوحي في كشفه للحقائق.


وقد كان سؤاله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن الذي ابتغى وجه الله في صدقته، وهذا أمر باطني لا يقف عليه إلا علام الغيوب، ومن أعطاه الله تعالى معرفة ذلك بوسائل يهيؤها له..

الثاني: إن المعيار في الأعمال: هو الكيف. وليس الكم والمقدار، وذلك الرجل إنما أراد أن يتباهى بالكم والحجم، حين قال: (أنفقت اليوم أكثر مما أنفق علي)..

والأريب اللبيب لا بد أن يسأل عن سبب هذه المقايسة بين مقدار ما أنفقه ذلك الرجل، وما أنفقه علي (عليه‌السلام )، وسيشتم رائحة اعتماد الأحجام والمقادير في مقاييس هذا الرجل، ومعايير الرد والقبول عنده.

رابعاً: إن اعتراض الجماعة على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بين أنهم كانوا على شاكلة ذلك الرجل في فهمهم للأمور وتعاطيهم معها، فكانوا بحاجة إلى التوضيح والتصحيح، كصاحبهم..

خامساً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بين الفرق بين الرجلين، فعلي (عليه‌السلام ) دعاه إلى الأعطاء أمران:

أحدهما: رضا الله.

والآخر: شعوره الإنساني، وإحساسه بآلام الآخرين، وحبه للتخفيف عنهم..

أما الرجل الآخر، فأعطى إرضاء لمن يراه سلطاناً يضر وينفع، ويعطي ويمنع، وهو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان يريد بذلك منافسة علي(عليه‌السلام ) والإستعلاء عليه.. فأحبط الله عمله إلى آخر ما قال.


سادساً: إن هذه الحادثة رغم أهميتها وحساسيتها لم تستطع أن تفصح لنا عن اسم ذلك الشخص الذي أراد منافسة علي (عليه‌السلام )، ولعله من ذلك الفريق الذي جرت عادتهم بالذب عنه، والتستر عليه في أمثال هذه الحالات، وما أكثرها!!

يبيع درعه ليطعم المقداد:

وفي حديث ابن عباس: أن المقداد قال له: أنا منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئاً.

فخرج أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وباع درعه بخمس مائة، ودفع إليه بعضها، وانصرف متحيراً.

فناداه أعرابي: اشتر مني هذه الناقة مؤجلاً.

فاشتراها بمائة، ومضى الأعرابي.

فاستقبله آخر، وقال: بعني هذه بمائة وخمسين درهماً.

فباع.

وصاح: يا حسن ويا حسين، إمضيا في طلب الأعرابي وهو على الباب.

فرآه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يتبسم ويقول: يا علي، الأعرابي صاحب الناقة جبرئيل، والمشتري ميكائيل.

يا علي، المائة عن الناقة، والخمسين بالخمس التي دفعتها إلى المقداد، ثم


تلا:( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) (1) الآية(2) .

ونقول:

1 ـ إن حديث المقداد هذا هو واقعة أخرى غير ما تقدم من إعطائه الحلة حين احتاج إلى الكسوة، وإعطائه الدينار حين احتاج إليه.

2 ـ إن لهذه الحادثة رمزية خاصة، من حيث إنها إيثار.

ثم من حيث نوع ما آثره به، وهي درعه التي يفترض أن تحميه من سيوف ونصول وسهام أعدائه، التي يراد لها أن تفتك فيه، وتزهق روحه. فكأنه (عليه‌السلام ) جاد له بنفسه.

(والجود بالنفس أقصى غاية الجود).

3 ـ إن هذا الإخلاص والإيثار استحق أن يجد (عليه‌السلام ) التعويض عما أنفقه مادياً ومعنوياً إلى الحد الذي تولت الملائكة فيه التجارة له، ومعه.

4 ـ إن ما فعله جبرئيل وميكائيل لم يأت في سياق المكافأة. لأن ما يستحقه من ذلك لا يقدر بثمن. بل جاء في سياق إيجاد المخرج من الحيرة. وهذا ينبئ عن أن المكافأة الحقيقية لا مجال لتصورها في أهميتها وعظمتها.

____________

1- الآية 2 من سورة الطلاق.

2- بحار الأنوار ج41 ص31 عن مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص91 و 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص350.


رجال لا تلهيهم تجارة:

قال ابن شهرآشوب:

كتاب أبي بكر الشيرازي بإسناده عن مقاتل، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) إلى قوله:( بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1) .

قال: هو والله أمير المؤمنين.

ثم قال بعد كلام: وذلك أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى علياً يوماً ثلاثمائة دينار أهديت إليه، قال علي: فأخذتها وقلت: والله لأتصدقن الليلة من هذه الدنانير صدقة يقبلها الله مني، فلما صليت العشاء الآخرة مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخذت مائة دينار، وخرجت من المسجد، فاستقبلتني امرأة، فأعطيتها الدنانير.

فأصبح الناس بالغد يقولون: تصدق علي الليلة بمائة دينار على امرأة فاجرة.

فاغتممت غماً شديداً، فلما صليت الليلة القابلة صلاة العتمة أخذت مائة دينار وخرجت من المسجد وقلت: والله لأتصدقن الليلة بصدقة يتقبلها ربي مني، فلقيت رجلاً، فتصدقت عليه بالدنانير.

فأصبح أهل المدينة يقولون: تصدق علي البارحة بمائة دينار على رجل سارق.

____________

1- الآيتان 37 و 38 من سورة النور.


فاغتممت غماً شديداً وقلت: والله لأتصدقن الليلة صدقة يتقبلها الله مني، فصليت العشاء الآخرة مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثم خرجت من المسجد ومعي مائة دينار، فلقيت رجلاً، فأعطيته إياها.

فلما أصبحت قال أهل المدينة: تصدق علي البارحة بمائة دينار على رجل غني.

فاغتممت غماً شديداً، فأتيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فخبرته.

فقال لي: يا علي، هذا جبرئيل يقول لك: إن الله عز وجل قد قبل صدقاتك، وزكى عملك.

إن المائة دينار التي تصدقت بها أول ليلة وقعت في يدي امرأة فاسدة، فرجعت إلى منزلها وتابت إلى الله عز وجل من الفساد، وجعلت تلك الدنانير رأس مالها، وهي في طلب بعل تتزوج به.

وإن الصدقة الثانية وقعت في يدي سارق، فرجع إلى منزله وتاب إلى الله من سرقته، وجعل الدنانير رأس ماله يتجر بها.

وإن الصدقة الثالثة وقعت في يدي رجل غني لم يزك ماله منذ سنين، فرجع إلى منزله، ووبخ نفسه، وقال:

شحاً عليك يا نفس، هذا علي بن أبي طالب تصدق علي بمائة دينار ولا مال له، وأنا فقد أوجب الله على مالي الزكاة لأعوام كثيرة لم أزكه؟!

فحسب ماله وزكاه، وأخرج زكاة ماله كذا وكذا ديناراً، فأنزل الله


فيك:( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ) (1) الآية(2) .

ونقول:

في هذه الرواية أمور يحسن الوقوف عندها، والتأمل فيها، وهي التالية:

ثلاث مئة دينار لماذا؟!:

قد يسأل سائل عن المبرر لإعطاء هذه المبالغ الطائلة لرجل واحد، وكان بالإمكان تفريقها على مئات الفقراء. مع علمنا بانتشار الفقر، وشيوع الحاجة بين الناس.

ونجيب:

إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعطها لمن يدخرها، ويقفل عليها في خزائنه، بل هو يعطيها لمن ينفقها وفق ما يرضي الله تعالى ويرضيه على أتم وجه، ويقول للدنيا : غري غيري.. أبي تعرضت؟! أم إليَّ تشوفت؟!(3) .

____________

1- الآية 37 من سورة النور.

2- بحار الأنوار ج41 ص28 و 29 ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص88 و 89 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص348 ومستدرك الوسائل ج7 ص267 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص327.

3- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج4 ص16 وخصائص الأئمة ص71 وروضة الواعظين ص441 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص52 وكنز الفوائد ص270 والأربعون حديثاً لمنتجب الدين بن بابويه ص86 ومناقب آل أبي طالب (المكتبة الحيدرية) ج1 ص370 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي = = ص557 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص32 وشرح مئة كلمة لأمير المؤمنين لابن ميثم البحراني ص226 وذخائر العقبى ص100 والعقد النضيد والدر الفريد ص102 ومشكاة الأنوار لعلي الطبرسي ص467 وعدة الداعي لابن فهد الحلي ص195 وحلية الأبرار ج2 ص212 و 214 ومدينة المعاجز ج2 ص79 وبحار الأنوار ج33 ص251 و 257 و 34 ص284 وج40 ص328 و 345 وج41 ص121 وج70 ص128 وج75 ص23 وج84 ص156 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص221 وشجرة طوبى ج1 ص111 والغدير ج2 ص319 وج7 ص114 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص333 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص609 و 765.


ومن يقول فيه أعداؤه: (لو كان له بيتان: بيت من تبن، وبيت من تبر، لأنفق تبره قبل تبنه)(1) .

ثانياً: إن الإعطاء لا يجب أن يكون دائماً لسد الخلة، ودفع الحاجة، بل قد يكون سببه نشر الدين، أو التألف على الإسلام، أو إفهام الآخرين معانٍ يحسن بهم أن يعرفوها ويفهموها، وأن يتلمسوها.

من أجل ذلك نقول:

إنه (عليه‌السلام ) حين أعطى مئة دينار لرجل واحد في الليلة الأولى،

____________

1- شرح الأخبار ج2 ص99 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص414 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص539 وبحار الأنوار ج33 ص254 وكشف الغمة ج2 ص48 وكشف اليقين ص475.


ومثلها في الليلة الثانية والثالثة، لعله قد توخى أموراً أخرى غير الحاجة، تستحق أن تبذل في سبيلها هذه المقادير من الأموال..

هل هذا تدخل إلهي؟!:

قد يقال: إن الله تعالى قد يتدخل لتغيير مسار الأحداث، حين لا يكون هذا التدخل مخلاً بالضوابط التي رضيها الله تعالى أساساً للتعامل مع عباده، وفيما بينهم..

ونستطيع أن نلمح هذا التدخل في هذه الواقعة بالذات، حيث رأينا أنه تعالى قد حجب عن علي (عليه‌السلام ) المعرفة بماهية السائلين في الليالي الثلاث، لتقع الصدقة الأولى والثانية والثالثة في يد غير أهلها، لكي تنتج عنها هذه التوبة، ومراجعة الحسابات، التي انتهت بإنقاذ هؤلاء مما هم فيه من انحراف..

ولكننا حين نتأمل في نص الرواية، لا نجد فيها ما يدل على عدم معرفة علي (عليه‌السلام ) بواقع حال من تصدق عليهم في الليالي الثلاث.. بل غاية ما ذكرته هو قوله: إن الناس يقولون كذا وكذا، ويقول (عليه‌السلام ): (فاغتممت غماً شديداً)..

ثم خبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما جرى..

فقال: يا علي، هذا جرئيل الخ..

فما الذي يمنع من أن يكون (عليه‌السلام ) على علم بما يجري، وكان قاصداً لهدايتهم عن هذا الطريق.. ولكنه كان يغتم بانكشاف واقع هؤلاء


الأشخاص الذين تصدق عليهم للناس..

الدينار المرهون عند الجزار:

بسنده عن أسماء بنت عميس، عن فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أتاها يوماً، فقال: أين ابناي؟! يعني حسناً وحسيناً

قالت: قلت: أصبحنا وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق.

فقال علي: أذهب بهما، فإني أتخوف أن يبكيا عليك، وليس عندك شيء.

فذهب بهما إلى فلان اليهودي، فوجه إليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فوجدهما يلعبان في مشربة بين أيديهما فضل من تمر، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا علي، ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر عليهما.

قال: فقال علي: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله حتى أجمع لفاطمة تمرات.

فجلس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلي ينزع لليهودي كل دلو بتمرة، حتى اجتمع له شيء من تمر، فجعله في حجزته، ثم أقبل، فحمل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أحدهما، وحمل علي الآخر(1) .

____________

1- الذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص145 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص616 عن أرجح المطالب ص149 وراجع: ذخائر العقبى للطبري ص49 و 104 ومجـمـع الزوائـد ج10 ص316 والمعجم الكبير ج22 ص422 وتاريـخ = = مدينة دمشق ج14 ص171 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص188 وكشف الغمة ج2 ص272 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص48 وينابيع المودة ج2 ص138 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص24 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص616 وج10 ص740 وج19 ص206 وج26 ص250.


روى العلامة محب الدين الطبري عن سهل بن سعد: أن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) دخل على فاطمة وحسن وحسين يبكيان. فقال: ما يبكيهما؟

قالت: الجوع.

فخرج علي، فوجد ديناراً في السوق، فجاء إلى فاطمة، فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان اليهودي، فخذ لنا به دقيقاً.

فجاء إلى اليهودي، فاشترى به دقيقاً.

فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال: نعم.

قال: فخذ دينارك وخذ الدقيق.

فخرج علي حتى جاء فاطمة فأخبرها.

فقالت: اذهب إلى فلان الجزار، فخذ لنا بدرهم لحماً.

فذهب، فرهن الدينار بدرهم في لحم، فجاء به.


فعجنت، وخبزت، وطبخت. وأرسلت إلى أبيها (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فجاءهم، وقالت: يا رسول الله، أذكر لك، فإن رأيته حلالاً أكلنا وأكلت: من شأنه كذا وكذا.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): كلوا باسم الله، فأكلوا، فبينما هم بمكانهم وإذا بغلام ينشد الله والإسلام الدينار.

فأمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً: يا علي، اذهب إلى الجزار فقل له: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول لك: ارسل إلي بالدينار، ودرهمك علي.

فأرسل به، فدفعه إليه(1) .

ونقول:

لاحظ ما يلي:

1 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) لم يأخذ ولديه إلى اليهودي ليستعطفه بهما، ويحصل منه على المال.. بل ذهب ليعمل، ويحصل على حاجته من المال بكديده، وبعرق جبينه.

2 ـ إنه (عليه‌السلام ) قد أخذ ولديه معه ليخفف عن فاطمة (عليها‌السلام ).. حتى لا يبكيا عليها، حين يعضهما الجوع.. ولا شك في أنها سوف تتأثر لبكائهما هذا، فإذا كان يمكنه (عليه‌السلام ) أن يخفف عنها،

____________

1- ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي بمصر) ص105 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص615 ومدينة المعاجز ج1 ص166 وج32 ص247.


فلم لا.. وهذا درس ظاهر الدلالة في تعاون الزوجين في مواجهة مصاعب الحياة.. يضاف إليه درس آخر عن أخلاق الأنبياء والأوصياء في التعامل مع الدنيا.. فلا تهزمه شدائدها، بل يصبر على ألم الجوع حتى حين يعض أطفاله الصغار، الذين هم كالحسنين (عليهما‌السلام ). فيحفظ توازنه، ويستقيم على طريق التعفف، والزهد حتى لو كان يستطيع بأدنى إشارة منه إلى أي كان من الناس أن يحصل على ما يريد.. وفوق ما يريد..

3 ـ إن الحسنين (عليهما‌السلام )، وإن كانا معصومين وكاملين، ومتوازنين وعاقلين في الصغر والكبر، ولكن لا بد أن يتعاملا مع الأمور معاملة تشبه حالهما، أي أن المطلوب الذي تفرضه مصالح العباد، هو أن تظهر عليهما حالات الطفولة.. التي منها أن يعبر عن حاجته للطعام حين يحتاج إليه، ثم أن تكون وسيلة تعبيره هي البكاء حين يشتد عليه الجوع..

4 ـ ذكرت الرواية: أن الرسول قد وجدهما يلعبان في مشربة، فيرد سؤال يقول: كيف يكون هذا والإمام المعصوم لا يلعب؟!

ويجاب: بأن الظاهر: أن المراد باللعب هو ممارسة حركات ذات معان جليلة وعالية لا يفهمها الناس العاديون إلا على أنها لعب، لأن الناس لا يحتملون أن يكون الأطفال الذين في سنهما يتداولون فيما بينهم بأمثال هذه المعاني الراقية.

وسيأتي: أن طفلاً حبا حتى أصبح على الميزاب، فلم يمكنهم الوصول إليه، فاستنجدوا بسيد الوصيين، فجاء بطفل يخاطبه، فكلمه بكلام غير مفهوم، فخرج من موضعه. ثم أخبر علي (عليه‌السلام ) بما قالاه.. وإذ به


يحمل معان لا يظن احد أن من كان في هذا السن يدركها، أو يحسن التعبير عنها.

5 ـ إن العمل لليهودي ليس ممنوعاً عنه شرعاً، ولا هو ما يعاب به الناس، بل العمل شرف للعامل، والعمل بالأجرة ما هو إلا تبادل للمنافع، فهو لا يختلف عن البيع والشراء الذي هو تداول للسلع معهم..

6 ـ كانت شوكة اليهود قد كسرت في المدينة، بعد ظهور خياناتهم، والحروب معهم التي انتهت بإجلائهم، وبقتل من قاتل أهل الإسلام منهم..

وكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو رأس أهل الإسلام، وكان علي(عليه‌السلام )، وابنته فاطمة (عليها‌السلام ) أعز الناس عليه.. وها هم يقاسون الألام والمصاعب والمتاعب بسبب الجوع، وأعداؤهم ومخالفوهم في الدين، الذين عاملوهم بالخيانة والغدر، يملكون البساتين والأموال، ولكن النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وكذلك علي(عليه‌السلام )، وسائر المسلمين لا يحاولون ابتزاز هؤلاء اليهود، الذين لم يكونوا أوفياء لهم حتى قبضة من تمر. بل هم لا يأخذون منهم ولو تمرة واحدة ، أو ما يعادلها.

7 ـ بل إنك تجد أعظم الناس أثراً بعد نبي الإسلام، وأخاه وابن عمه، وصهره، الذي حصد رؤوس الشرك والكفر، وأفنى جموع اليهود والمشركـين ـ تجـده ـ يعمل عند يهودي كأجير، فينزع له كل دلو بتمرة ولا يستفيد حتى من هيبته في الحصول ولو على تمرة واحدة، إضافة على ما يستحقه بعمله، إلا إذا أدى في مقابلها ما يوازيها.


8 ـ وعن قصة الدينار نقول:

إنها، وإن كانت تشير إلى العديد من الأمور، ولكننا نكتفي منها بذكر ما يلي:

ألف: قد يقال: إن ظاهر الرواية: أن فاطمة (عليها‌السلام ) لم تكن تعرف الحكم الشرعي في هذا المورد، حيث ذكرت لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنها سوف تحكي له القصة، فإن رأى الطعام حلالاً أكل وأكلوا معه.

فهل يمكن أن تجهل فاطمة (عليها‌السلام ) تكليفها الشرعي، في هذا المورد؟!

وإذا كانت شاكة في الحكم الشرعي، فلماذا تصرفت بالمال، فطبخت، وعجنت، وخبزت؟!

ونجيب:

أولاً: إنها (عليها‌السلام ) أرادت أن يعرف الناس الحكم الشرعي على لسان أبيها. أما هي فكانت على بينة من أمرها. ولذلك طبخت وعجنت وخبزت دون أن تسأل. ولو كانت شاكة في ذلك لسألت عنه قبل أن تفعل أي شيء، حتى لا يضيع تعبها سدى، لو كان الجواب بالمنع.

ثانياً: لعل هدفها بالإضافة إلى ما ذكرناه أنفاً هو دفع ظنون الناس وأوهامهم، في أن يكون علي وفاطمة (عليهما‌السلام ) يتصرفان بالمال بدون احتياط. ويجمعان المال من أي سبيل. ولا يباليان بالشبهة، وكان الأجدر بهما الإحتفاظ بالدينار لصاحبه، فلماذا تسرعا في التصرف فيه؟!


ثم يدعون: أنهم لو أخبروا النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمر الدينار لم يأكل معهم، لاحتمال أن يكون صاحب الدينار لا يرضى بالتصرف بديناره..

ب: قد يتوهم: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يبحث عن صاحب الدينار، بل تصرف فيه بمجرد وجدانه له..

ولكن هذا التوهم لا مبرر له، فإن علياً (عليه‌السلام ) كان يعرف الحكم الشرعي، وهو لزوم تعريف اللقطة، وقد عرف ديناراً آخراً، في مرة أخرى..

وليس في الرواية ما يدل على عدم مراعاته لهذا الحكم، غاية الأمر أنها لم تذكر ذلك.

فلعل الراوي أسقطه اختصاراً، أو لم ير حاجة إلى ذكره.. أو لعل هذه الخصوصية غابت عن ذهن بعض الرواة.. ولعل.. ولعل..

ج: بل قد يقال: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يتصرف بالدينار، بل وضعه عند الجزار وثيقة للدين، وتحفظاً على الدرهم، الذي كان له في ذمة علي (عليه‌السلام ) ، فإذا جاءه بالدرهم ارجع إليه الدينار.

ولذلك بادر ذلك الجزار إلى إرسال الدينار، بعد أن ضمن له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) درهمه..

فإن قيل: كيف لا يثق ذلك الجزار بعلي (عليه‌السلام )؟! ولماذا يأخذ منه الدينار وثيقة لدرهم؟!


ونجيب:

بأن ذلك لا يدل على عدم ثقة الجزار بعلي (عليه‌السلام )، إذ لم تصرح الرواية لنا بتفاصيل ما جرى، فلعل علياً (عليه‌السلام ) هو الذي عرض عليه الإحتفاظ بالدينار إلى أ ن يأتيه بالدرهم. ولعله خشي من أن يحدث لعلي (عليه‌السلام ) حدث في الحروب.. ويقع الذين هم بعده في الإرتباك، ويصعب أو يطول عليهم الوقت في تحصيل درهمهم.

قبول الصدقات وتزكية العمل:

ثم ذكرت الرواية: أنه تعالى قد زكى عمل علي (عليه‌السلام ) وقبل صدقاته. وفي هذا إلماح لما ذكرناه، من أن المال الطاهر إذا خلصت النية في إنفاقه، فإن الله تعالى يتدخل ليزيل عنه التلوثات التي قد يُلْحِقُها به الإغيار، لدواع شيطانية مختلفة. على قاعدة:

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آَيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1) .

أي أن الشيطان يسعى لإفساد تدبير الأنبياء والرسل، وإحباط مسعاهم إلى أهدافهم النبيلة الكبرى، ولكن الله يتدخل لإبطال كيد الشيطان، وإزالة الشبهات التي يلقيها، لتسطع أنوار آياته وبراهينه ودلائله..

____________

1- الآية 52 من سورة الحج.


سورة الليل نزلت في علي (عليه‌السلام ):

1ـ عن علي بن الحسين (عليهما‌السلام ) قال: كان رجل مؤمن على عهد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )في داره حديقة، وله جار له صِبْيَة، فكان يتساقط الرطب من النخلة، فَيَنْشَدُّون صِبْيَتَه يأكلونه، فيأتي الموسر، فيخرج الرطب من جوف أفواه الصبية.

وشكا الرجل ذلك إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فأقبل وحده إلى الرجل، فقال: بعني حديقتك هذه بحديقة في الجنة.

فقال له الموسر: لا أبيعك عاجلاً بآجل!

فبكى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورجع نحو المسجد.

فلقيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فقال [له]: يا رسول الله، ما يبكيك لا أبكى الله عينيك؟!

فأخبره خبر الرجل الضعيف والحديقة.

فأقبل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) حتى استخرجه (أي استخرج الرجل الموسر) من منزله، وقال له: بعني دارك.

قال الموسر: بحائطك الحسي.

فصفق على يده ودار (أي استدار) إلى الضعيف، فقال له: تحول إلى دارك، فقد ملكها الله رب العالمين لك.

وأقبل أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، ونزل جبرئيل على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال له: يا محمد، اقرأ:( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ) (1) . إلى آخر السورة..

فقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقبل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت (وأمي)، قد أنزل الله فيك هذه السورة كاملة(2) .

2 ـ عن موسى بن عيسى الأنصاري قال: كنت جالساً مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) بعد أن صلينا مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) العصر بهفوات، فجاء رجل إليه، فقال له: يا أبا الحسن، قد قصدتك في حاجة لي، أريد أن تمضي معي فيها إلى صاحبها.

فقال له: قل.

قال: إني ساكن في دار لرجل فيها نخلة، وإنه يهيج الريح فيسقط من ثمرها بلح وبسر، ورطب وتمر. ويصعد الطير فيلقي منه، وأنا آكل منه ويأكلون منه الصبيان من غير أن نبخسها بقصب، أو نرميها بحجر، فاسأله أن يجعلني في حل.

قال: انهض بنا.

فنهضت معه، فجئنا إلى الرجل، فسلم عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

فرحب، وفرح به وسر، وقال: فيما جئت يا أبا الحسن؟!

قال: جئتك في حاجة.

____________

1- آيات سورة الليل.

2- بحار الأنوار ج41 ص37 وتفسير فرات ص565 وجامع أحاديث الشيعة ج18 ص221.


قال: تقضى إن شاء الله، فما هي؟!

قال: هذا الرجل ساكن في دار لك في موضع كذا، ذكر أن فيها نخلة، فإنه يهيج الريح، فيسقط منها بلح وبسر، ورطب وتمر، ويصعد الطير، فيلقي مثل ذلك من غير حجر يرميها به، أو قصبة يبخسها. فاجعله في حل.

فتأبى عن ذلك.

وسأله ثانياً، وأقبل عليه في المسألة، ويتأبى.

إلى أن قال: والله أنا أضمن لك عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يبدلك بهذا النبي حديقة في الجنة.

فأبى عليه، ورهقنا المساء.

فقال له علي (عليه‌السلام ): تبيعنيها بحديقتي فلانة؟!

فقال له: نعم.

قال: فاشهد لي عليك الله وموسى بن عيسى الأنصاري، أنك قد بعتها (أي الحديقة )بهذخ الدار؟!

قال: نعم أشهد الله وموسى بن عيسى [الأنصاري على] أني قد بعتك هذه الحديقة، بشجرها، ونخلها، وثمرها، بهذه الدار، أليس قد بعتني هذه الدار بما فيها بهذه الحديقة ولم يتوهم أنه يفعل.

فقال: نعم أشهد الله وموسى بن عيسى على أني قد بعتك هذه الدار بهذه الحديقة.

فالتفت علي (عليه‌السلام ) إلى الرجل، فقال له: قم، فخذ الدار بارك


الله لك، وأنت في حل منها.

وسمعوا أذان بلال، فقاموا مبادرين حتى صلوا مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المغرب والعشاء الآخرة، ثم انصرفوا إلى منازلهم.

فلما أصبحوا صلى النبي بهم الغداة وعقب، فهو يعقب حتى هبط عليه جبرئيل (عليه‌السلام ) بالوحي من عند الله.

فأدار وجهه إلى أصحابه، فقال: من فعل منكم في ليلته هذه فعلاً؟! فقد أنزل الله بيانها، فمنكم أحد يخبرني أو أخبره.

فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): بل أخبرنا يا رسول الله.

قال: نعم، هبط جبرئيل، فأقراني عن الله السلام، وقال لي: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فعل البارحة فعلة.

فقلت لحبيبي جبرئيل: ما هي؟!

فقال: اقرأ يا رسول الله.

فقلت: وما أقرأ؟!

فقال: اقرأ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) . إلى آخر السورة( وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) (1) .

____________

1- آيات سورة الليل.


أنت يا علي، ألست صدقت بالجنة، وصدقت بالدار على ساكنها، وبذلت الحديقة؟!

قال: نعم يا رسول الله.

قال: فهذه سورة نزلت فيك، وهذا لك..

فوثب إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فقبل بين عينيه وضمه إليه، وقال له: أنت أخي، وأنا أخوك، صلى الله عليهما وآلهما..(1) .

ونقول:

وقد تضمنت الرواية الأولى:

1 ـ قسوة ذلك الرجل الموسر، التي بلغت به حد أنه كان يستخرج الرطب المتساقط من جوف أفواه الصبية، مع أن النخلة في دار سكناهم.. وفي الرواية الأولى: أنهم كانوا جيرانها، ورطبها يتساقط في دارهم، دون أن يحركوها.. الأمر الذي يدل على خلو قلبه من أية مشاعر إنسانية حية، بل هو قد تحول إلى سبع ضار، لا مجال للسكوت عن فتكاته بمشاعر الناس، حتى الأطفال الذين يعيشون البراءة والطهر بكل ما لهذه الكلمة من معنى..

2 ـ لقد رأينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الرواية الأولى يبادر بنفسه إلى معالجة الأمر، فلا يستنيب أحداً، ربما لأنه أراد أن يحفظ لذلك الرجل ماء وجهه أمام الناس.

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص37 ـ 39 وتفسير فرات ص566 و 567.


ولعله أراد أيضاً: أن يوظف مقامه وموقعه، وما له من قداسة في النفوس، لصالح نهاية مربحة لذلك الرجل بالذات في الدنيا والآخرة..

كما أنه يكون بذلك قد بذل أقصى ما يمكن أن يبذل من جاه ومقام في سبيل معالجة هذه القضية، فلا مجال لتوهم أي قصور أو تقصير في المعالجة، استناداً لافتراضات توهم أنها ربما تكون هي الأولى بالاعتماد..

3 ـ ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بلغ مع ذلك الرجل أقصى مدى يمكن بلوغه لسد أبواب الذرائع، فيما قدمه له من عروض المقايضة، حيث عرض عليه بيع حديقته تلك بحديقة بالجنة.

4 ـ ثم كانت المفجأة الأكبر والأخطر حين رفض ذلك الرجل الموسر طلب سيد رسل الله، وصرح له أيضاً: بأنه لا يبيع عاجلاً بآجل، فدل على أن تلك القسوة تستند إلى عزوف شديد عن الآخرة، وتفضيل الدنيا عليها.

فأصبح بذلك على عتبة الخروج عن الدين،حيث إنه لا يحتاج بعدُ إلى أكثر من تفسير كلامه هذا: بأنه لا يرى للآخرة قيمة في مقابل الدنيا..

ولأجل ذلك بكى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وأما الرواية الثانية، فتضمنت أموراً عديدة، نشير إضافة إلى ما قدمناه إلى الأمور التالية:

1 ـ إنه (عليه‌السلام ) يضمن لذلك الرجل عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يعطيه حديقة في الجنة، لمجرد أن يرضى بإحلال ذلك الرجل..


فيلاحظ ما يلي:

ألف: إنه لم يضمن هو مباشرة، بل أحال الأمر على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه لا يتقدم رسول الله في أمر من الأمور..

ب: إنه يضمن ذلك عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأنه يعرف المعايير التي ينطلق منها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الإعطاء والمنع.

ج: إن هذا العطاء العظيم لمجرد أن يحل ذلك الرجل لتمرات تسقطها الريح، أو العصافير من نخلة. يدل على مدى خطورة التعدي على مال الناس.

كما أن الثمن الذي بذله علي (عليه‌السلام ) لتلك الدار، كان بحيث إن مشتريها لم يتوهم أن علياً سيبذله له بالفعل.

2 ـ إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يذكر علياً (عليه‌السلام ) باسم أمير المؤمنين.

3 ـ وفي هذه المناسبة بالذات، وفي أجواء هذا التصرف العلوين رأى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ضرورة أن ينبه الناس إلى مدى التوافق فيما بينه وبين علي، فرأى الأخوة متجسدة فيه بجميع معانيها، ويريد من الناس أن يروا ذلك. ولذلك قال له في هذه المناسبة بالذات أيضاً: أنت أخي، وأنا أخوك.

سورة الليل في من نزلت؟!:

وتقدم: أن سورة( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) قد نزلت في علي (عليه‌السلام )


بهذه المناسبة، التي تضمنت التصديق بالآخرة في مقابل من كذب بها، وتضمنت الإعطاء وظهور التقوى لدى علي (عليه‌السلام ) في مقابل من( بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى ) ، والعطاء الإلهي في الآخرة.

وقد ادعى بعضهم نزول قوله تعالى:( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ) : في أبي بكر حين اشترى بلالاً وأعتقه وعامر بن فهيرة وأعتقهما(1) .

ونقول:

إن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي:

أولاً: لما ذكره الإسكافي، الذي قال: (أما بلال، وعامر بن فهيرة، فإنما أعتقهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، روى ذلك الواقدي، وابن إسحاق)(2) .

____________

1- العثمانية ص35 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص273 والدر المنثور ج6 ص358 ـ 360 عن عدد من المصادر، والسيرة الحلبية ج1 ص299 وعمدة القاري ج8 ص306 وتفسير مجمع البيان ج10 ص376 وتفسير ابن أبي حاتم ج10 ص3440 وتفسير الواحدي ج2 ص1208 وتفسير البغوي ج4 ص495 وتفسير الآلوسي ج30 ص148.

2- راجع: العثمانية (ط دار الكتاب العربي ـ مصر) ص317 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص273 وقاموس الرجال ج5 ص196 وج2 ص238 عن الإسكافي، وعن الواقدي، وابن إسحاق.


وعدَّ ابن شهرآشوب وغيره بلالاً من موالي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

ثانياً: روى ابن بابويه، عن عبد الله بن علي قال: حملت متاعي من البصرة إلى مصر فقدمتها، فبينا أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل، شديد الأدمة، أبيض الرأس واللحية، عليه طمران: أحدهما: أسود. والآخر: أبيض، فقلت: من هذا؟

فقالوا: هذا بلال مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخذت ألواحي فأتيته فسلمت عليه الخ..(2) .

ثالثاً: ذكر الواقدي في كتاب فتوح الشام: أنه لما برز بلال من عسكر المسلمين ونظر إليه القس أنكره، وقال: إن القوم قد هنَّا عليهم، فإنَّا دعوناهم نخاطبهم، فبعثوا إلينا بعبيدهم لصغر قدرنا عندهم.

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص171 ورجال ابن داود ص58 ورجال الطوسي ص27 ونقد الرجال للتفرشي ج1 ص302 وجامع الرواة للأردبيلي ج1 ص131 وإكليل المنهج للكرباسي ص151 وطرائف المقال ج2 ص129 وسماء المقال ج2 ص281 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج30 ص326 و (ط دار الإسلامية) ج20 ص148 وأعيان الشيعة ج2 ص375 وراجع: العقد النضيد والدر الفريد ص149

2- من لا يحضره الفقيه ج1 ص292 وروضة الواعظين ص313 وجامع أحاديث الشيعة ج4 ص634 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص380 ومنتهى المطلب (ط.ج) ج4 ص372 و (ط. ق) ج1 ص253 والحدائق الناضرة ج7 ص329.


ثم قال: أيها العبد، أبلغ مولاك وقل له: إن الملك يريد أميراً منكم حتى يخاطبه بما يريد.

فقال بلال: أيها القس أنا بلال مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومؤذنه، ولست بعاجز عن جواب صاحبك.. الخ..(1) .

رابعاً: إنهم يروون روايات متناقضة في هذا المجال، حتى لا تكاد تلتقي رواية مع أخرى، ويكفي أن نذكر اختلافها في الثمن الذي أعطاه أبو بكر.

فرواية تقول: إنه أعطى ثمنه غلاماً له أجلد منه.

وأخرى: إنه أعطى غلاماً وزوجته، وابنته، ومائتي دينار.

وثالثة: اشتراه بسبع أواق.

ورابعة: بتسع.

وخامسة: بخمس.

وسادسة: برطل من ذهب.

وسابعة: إنه اشتراه بعبده قسطاس، الذي كان صاحب عشرة آلاف دينار، وجوار، وغلمان، ومواش.

وثامنة: ببردة، وعشر أواق من فضة، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف والتناقض(2) .

____________

1- فتوح الشام للواقدي ج2 ص20.

2- راجع ما تقدم في: السيرة الحلبية: ج1 ص298 و 299، وقاموس الرجال: ج1= = ص216، وسير أعلام النبلاء: ج1 ص353، والسيرة النبوبة لابن هشام: ج1 ص340، وحلية الأولياء: ج1 ص148، وغير ذلك كثير.


خامساً: عن عائشة أنها قالت: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن غير أن الله أنزل عذري(1) . (يعني الآيات المرتبطة بالإفك).

ولكننا ذكرنا أن آيات الإفك لم تنزل فيها أيضاً(2) .

وهناك كلام أوسع من هذا أوردناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، يتعلق بموضوع شراء أبي بكر لبلال وغيره من الموالي، فراجع.

سادساً: ذكرت بعض الروايات: أن نزول الآيات، وهي قوله تعالى:

____________

1- راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1309) ج3 ص121 و (ط دار الفكر) ج6 ص42 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص171 وفتح القدير ج5 ص21 والدر المنثور ج6 ص41 وعمدة القاري ج19 ص170 وفتح الباري ج8 ص443 ولباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص192 و (ط دار الكتب العلمية) ص175 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص96. وراجع: الغدير ج8 ص247 والصراط المستقيم ج3 ص89 و 137 وكتاب الأربعين للشيرازي ص506 وبحار الأنوار ج31 ص540 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص462

2- راجع كتابنا: حديث الإفك تاريخ ودراسة، وكتابنا: الصحيح في سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله " ج13.


( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) (1) في سمرة بن جندب في قضية النخلة التي كانت في بيت بعض الصحابة، وقد أبى سمرة إلا أن يديم الدخول إليها من غير استئذان، ولم يبعها بمثلها في الجنة..

فأمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقلعها وإلقائها إليه.. وقال: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

ونرجح: أن تكون الآيات كلها في سورة الليل، قد نزلت في علي (عليه‌السلام )، وفي ذلك الغني الموسر.. ولعل سمرة لم يتعظ بها، فاستشهد الرسول له بآيات سورة الليل إذا يغشى لانطباقها عليه في بعض جونبها، وبعض آياتها. ولكن انطباقها على ما جرى لأمير المؤمنين بصورة أتم، وأوفى وأبين وأظهر.. فلاحظ وقارن.

____________

1- الآيات 8 ـ 10 من الليل.


الفصل الرابع:

علي (عليه‌السلام ) في كلام الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..



بحق علي اغفر للمذنبين:

عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فسلمت وقلت: يا رسول الله، أرني الحق أنظر إليه بياناً (عياناً. ظ.).

فقال: يا ابن مسعود، لج المخدع، فانظر ماذا ترى؟!

قال: فدخلت، فإذا علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) راكعاً وساجداً وهو يخشع في ركوعه وسجوده، ويقول: اللهم بحق نبيك محمد إلا ما غفرت للمذنبين من شيعتي.

فخرجت لأخبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك، فوجدته راكعاً وساجداً. وهو يخشع في ركوعه وسجوده ويقول: اللهم بحق علي وليك إلا ما غفرت للمذنبين من أمتي.

فأخذني الهلع، فأوجز (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في صلاته، وقال: يا ابن مسعود، أكفراً بعد إيمان؟!

فقلت: لا وعيشك يا رسول الله، غير أني نظرت إلى علي وهو يسأل الله تعالى بجاهك، ونظرت إليك وأنت تسأل الله تعالى بجاهه، فلا أعلم أيكما أوجه عند الله تعالى من الآخر؟!

فقال: يا ابن مسعود، إن الله تعالى خلقني وخلق علياً والحسن والحسين


من نور قدسه، فلما أراد أن ينشئ خلقه فتق نوري، وخلق منه السماوات والأرض، وأنا والله أجل من السماوات والأرض.

وفتق نور علي، وخلق منه العرش والكرسي، وعلي والله أجل من العرش والكرسي.

وفتق نور الحسن، وخلق منه الحور العين والملائكة، والحسن والله أجل من الحور العين والملائكة.

وفتق نور الحسين، وخلق منه اللوح والقلم، والحسين والله أجل من اللوح والقلم.

فعند ذلك أظلمت المشارق والمغارب.

فضجت الملائكة ونادت: إلهنا وسيدنا، بحق الأشباح التي خلقتها إلا ما فرجت عنا هذه الظلمة.

فعند ذلك تكلم الله بكلمة أخرى، فخلق منها روحاً، فاحتمل النور الروح، فخلق منه الزهراء فاطمة، فأقامها أمام العرش، فأزهرت المشارق والمغارب، فلأجل ذلك سميت الزهراء.

يا ابن مسعود، إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل لي ولعلي: أدخلا الجنة من أحببتما، وألقيا في النار من أبغضتما.

والدليل على ذلك قوله تعالى:( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) (1) .

____________

1- الآية 24 من سورة ق.


فقلت: يا رسول الله، من الكفار العنيد؟!

قال: الكفار من كفر بنبوتي، والعنيد من عاند علي بن أبي طالب(1) .

ونقول:

أولاً: دلت هذه الرواية على جواز التوسل بالأنبياء والأوصياء. وأن ذلك ليس من الشرك في شيء.

ثانياً: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مستجاب الدعوة، وكذلك الوصي، ولا يحتاجان إلى التوسل بأحد، ولكنهما (عليهما الصلاة والسلام) يتعاملان مع نفسيهما كما يتعامل سائر الناس مع أنفسهم، فلا يأخذان معنى العصمة في تعاملهما هذا.. ومن فوائد ذلك تجسيد معنى الأسوة والقدوة بصورة عملية؛ إذ لو فهم الناس أنهما يتعاملان على أساس حقيقة النبوة والإمامة، ليشعر الناس بالعجز عن التأسي بهما، والمجارات لهما..

ثالثاً: المطلوب هنا: تعريف ابن مسعود بأمور:

أحدها: أن يرى بأم عينيه وبصورة عملية مقام علي (عليه‌السلام ) من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

____________

1- بحار الأنوار ج36 ص73 و 74 وج40 ص43 و 44 عن جامع الفوائد، وعن الفضائل لشاذان، وتأويل الآيات ج2 ص610 ـ 612 والفضائل لشاذان ص128 و 129 ومدينة المعاجز ج3 ص219 ـ 221 و 417 ـ 419 والدر النظيم ص765 و 766 واللمعة البيضاء ص107 و 108 وغاية المرام ج4 ص163 وج7 ص66 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص250.


الثاني: تعريفه بمدى اهتمام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمته، واهتمام علي (عليه‌السلام ) بشيعته.

الثالث: أن هذا الهمَّ همٌّ حقيقي، يحمله كل منهما إلى خلواته، ويناجي به ربه، ويبذل الجهد في العبادة والتبتل إلى الله من أجله..

الرابع: أن محبة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للمطيعين لا تعني سعيه لعذاب وشقاء العاصين، بل هو يسعى لإنقاذهم من البلاء، وتخليصهم من العذاب والعناء والشقاء.

رابعاً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين قال لابن مسعود: أكفر بعد إيمان؟! قد أعطاه جرعة تفيده في التحمل والتماسك والثبات، وتؤهله لتلقي ما هو أعظم، مما تضمنته أقواله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من حقائق ودقائق، حول هذه الموجودات النورانية السامية المقام، ليقيم بذلك الحجة على ابن مسعود، ولتكون له ذخراً وملاذاً في الأيام الصعبة، حين تهجم عليه وعلى غيره اللوابس، وتعصف رياح الشبهات، وتلقي ظلم الأضاليل والأباطيل والترهات بكلاكلها..

فلعله يستعين بها على إنقاذ غيره.. وليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة، وما ربك بظلام للعبيد.

النبي شجرة، وعلي فرعها:

عن أبي الزبير، عن جابر: كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعرفات، وعلي (عليه‌السلام ) تجاهه، فأومأ إليَّ وإلى علي (عليه‌السلام )، فأتيناه، فقال: ادن مني يا علي.


فدنا علي منه، فقال: أطرح خمسك في خمسي ـ يعني كفك في كفي ـ يا علي، أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن من أغصانها أدخله الله تعالى الجنة.

يا علي، لو أن أمتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا، وصلوا حتى يكونوا كالأوتار، ثم أبغضوك لأكبهم الله تعالى في النار(1) .

ونقول :

لاحظ ما يلي:

1 ـ وتقول الرواية: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أومأ إلى جابر، وإلى علي (عليه‌السلام ) معاً، ولكنه وجه الخطاب لعلي (عليه‌السلام ) دون سواه.. فهل أراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن يتخذ جابراً كشاهد على ما يجري؟! وقد أشار إليه معه ليفهم أنه هو الآخر يتحمل مسؤولية تجاه ما سيقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام )!!

____________

1- الفصول المئة ج3 ص289 وفرائد السمطين ج1 ص51 ح16 وعن الرسالة القوامية في فضائل الصحابة، وراجع إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص180 و83 وج9 ص158 وج16 ص124 و 125 وج17 ص184 وج21 ص442 وج23 ص135 وج31 ص84 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص64 ومناقب الإمام أمير المؤمنين الكوفي ج1 ص242 والعقد النضيد والدر الفريد للقمي ص52 وبحار الأنوار ج27 ص226 وينابيع المودة ج1 ص270 وغاية المرام ج3 ص62 و 63 وسفينة النجاة للتنكابني ص334


2 ـ قد يقال: إن جابراً توهم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أومأ إليه، وهو إنما أومأ لعلي (عليه‌السلام ) فقط..

ونجيب:

بأنه يستشم من الرواية: أن جابراً كان في ناحية أخرى في ذلك المجلس، ولم يكن إلى جانب علي (عليه‌السلام )، حيث صرح جابر: بأن علياً كان تجاه النبي، وسكت عن نفسه، ولو كان جابر في نفس الإتجاه لقال: وأنا وعلي (عليه‌السلام ) تجاهه..

3 ـ إذا ترجح أنهما كانا في موضعين مختلفين، فذلك يعني: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أومأ إيماءتين، إحداهما لعلي (عليه‌السلام )، والأخرى لجابر (رحمه‌الله )..

4 ـ إن وضع علي (عليه‌السلام ) خمسه في خمس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمر من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يشير إلى التلاحم، وإلى تمام الإنسجام والتطابق بينهما.. وعلى استيعاب هذا التطابق وهذا التلاحم كما تستوعب الكف بخمس أصابعها الكف الأخرى بخمس أصابعها أيضاً.

5 ـ ثم أعلن (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذا التوافق والتطابق ـ بالقول ـ ليؤكد هذا الفعل، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) : أنا وأنت يا علي من شجرة واحدة.

6 ـ وحيث إن ذلك لا يمنع من أن يكون غيرهما أيضاً من شجرة، كما لا يمنع من أن يكون أشخاص آخرون من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (مع علي (عليه‌السلام ) أو بدونه) فقد شفع ذلك بقوله النافي لهذه الإحتمالات،


حين فصل حقيقة هذه الشجرة بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أصلها، وعلياً فرعها، والحسنين غصناها، فلم يبق في الشجرة مكان تمكن المشاركة فيه لأي كان من الناس..

7 ـ بينت هذه الرواية: أن لهؤلاء الأطهار حقيقة منسجمة، ومتوافقة في آثارها، وأحوالها وأطوارها، وفي الأمر الأهم للإنسان، الوصول للجنة بالتعلق بأي غصن من أغصانها.

وإذا كانت الأغصان منطلقة من الفرع، والفرع منطلق من الأصل، فذلك يعني أنه يحمل حقيقته، وخصائصه في عمق ذاته وكنهه.

8 ـ ثم صرحت الرواية: بأن الأعمال لا تقبل من مبغضي علي (عليه‌السلام )، مهما بلغت في كثرتها، وشدة معاناة الإنسان لها في حياته الدينا..

وهذا المضمون مؤيد بمضامين كثيرة جداً أو متواترة تؤكد على أن الأعمال لا تقبل بدون ولاية ولاية علي (عليه‌السلام ) حتى لو صام نهاره، وقام ليله، وحج دهره.. بل قد ذكرنا في بعض فصول هذا الكتاب أن الفقرة الأخيرة، في قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (1) ، تدل على ذلك أيضاً.

9 ـ وحيث إن هذا الحدث قد كان في عرفات، فمن المتوقع أن يكون كثير من الناس قد شهدوه، وسمعوا ورأوا ما جرى..

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.


ومعنى هذا: أن الإيماءة النبوية لجابر وعلي (عليه‌السلام ) ستثير الأسئلة عن سبب عدم مخاطبة جابر بشيء من الكلام رغم الإشارة إليه.. ويكون نفس هذا اللغز من أسباب تذكر الحدث، والتأمل فيه، وفي مراميه ومغازيه.

تكذيب سلمان بحضرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوماً لأصحابه: أيكم يصوم الدهر؟!

فقال سلمان: أنا يا رسول الله.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): فأيكم يحيى الليل؟!

فقال سلمان: أنا يا رسول الله.

قال: فأيكم يختم القرآن في كل يوم.

فقال سلمان: أنا يا رسول الله.

فغضب بعض أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن سلمان رجل من الفرس، يريد أن يفتخر علينا معاشر قريش.

قلت: أيكم يصوم الدهر؟!

فقال: أنا، وهو أكثر أيامه يأكل.

وقلت: أيكم يحيى الليل؟

فقال: أنا، وهو أكثر ليلة ينام.

وقلت: أيكم يختم القرآن في كل يوم؟!


فقال: أنا، وهو أكثر نهاره صامت.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): مه يا فلان، أنى لك بمثل لقمان الحكيم؟! سله فإنه ينبئك.

فقال الرجل لسلمان: يا أبا عبد الله، أليس زعمت أنك تصوم الدهر؟!

قال: نعم.

فقال: رأيتك في أكثر نهارك تأكل.

فقال: ليس حيث تذهب، إني أصوم الثلاثة في الشهر، وقال الله:( مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (1) ، وأصل شعبان بشهر رمضان، فذلك صوم الدهر.

فقال: أليس زعمت أنك تحيي الليل؟!

فقال: نعم.

فقال: أنت أكثر ليلك نائم.

فقال: ليس حيث تذهب، ولكني سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: من نام على طهر، فكأنما حيا الليل كله، وأنا أبيت على طهر.

فقال: أليس زعمت أنك تختم القرآن في كل يوم؟!

قال: نعم.

قال: فإنك أيامك صامت.

____________

1- الآية 160 من سورة الأنعام.


فقال: ليس حيث تذهب، ولكني سمعت حبيبي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن، مثلك في أمتي مثل( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) (1) ، فمن قرأها مرة، فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فقد قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فقد ختم القرآن، ومن أحبك بلسانه فقد كمل له ثلث الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه فقد كمل له ثلثا الإيمان، ومن أحبك بلسانه وقلبه ونصرك بيده فقد استكمل الإيمان. والذي بعثني بالحق يا علي، لو أحبك أهل الأرض كمحبة أهل السماء لك لما عذب أحد بالنار.

وأنا أقرأ قل هو الله أحد في كل يوم ثلاث مرات.

فقام وكأنه ألقم حجراً(2) .

____________

1- الآية 1 من سورة التوحيد.

2- الأمالي للصدوق ص85 وفضائل الأشهر الثلاثة للصدوق ص49 ومعاني الأخبار ص234 وروضة الواعظين ص280 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص4 وبحار الأنوار ج22 ص317 وج39 ص257 وج73 ص181 وج89 ص345 وج94 ص93 وغاية المرام ج6 ص144 والفصول المئة ج3 ص280 وجامع أحاديث الشيعة ج9 ص397 وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج8 ص379 والدرجات الرفيعة ص212 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص369.


ونقول:

1 ـ لقد كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعرف سلمان، أكثر مما يعرفه سائر أصحابه. ويعرف أنه يفطر ويصوم، وينام الليل، وكان يراه صامتاً في كثير من أيامه. ولكنه ليس فقط لم يعترض على سلمان، بل وقف في موقع المدافع عنه، بل هو قد تجاوز الدفاع إلى الثناء العظيم عليه، وجعله مثل لقمان الحكيم.

2 ـ إن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لذلك المتهجم على سلمان: سله ينبئك، يشير إلى ثقته بأن سلمان يملك الجواب الكافي والشافي.

3 ـ إن تشبيه سلمان بلقمان الحكيم يشير إلى أنه (رحمه‌الله ) يضع الأمور في مواضعها بدقة متناهية، وليس في تصرفاته وأقواله زلل ولا خطل..

4 ـ إن كلمة أنى لك بمثل فلان، تشير ـ بعد استثناء علي وفاطمة والحسنين (عليهم‌السلام )، الذين لا يقاس بهم أحد ـ إلى أنه لا نظير لسلمان في دقة مواقفه، وصوابية أقواله، وموافقتها للحكمة.

5 ـ إن ذلك الذي تهجَّم على سلمان كان من المهاجرين، وكان قرشياً فيما يظهر..

6 ـ إنه قد تكلم بمنطق أهل العصبية الجاهلية الذي لا يقره الإسلام، ولا يرضاه أهل العقل والدين، فقد اعتبر سلمان فارسياً يريد أن يفتخر على قريش.

7 ـ إن جواب سلمان يدل على مدى علمه وفقاهته، ودقته في فهم كلام الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو يفهم ويعمل بما يفهم..


8 ـ لعل تشبيه علي (عليه‌السلام ) في الأمة بقل هو الله أحد قد جاء ليظهر أن الإيمان كله يتمحور حول علي (عليه‌السلام )، ويقوم به، وقد أوضح ذلك كلام الرسول الذي نقله سلمان أيما إيضاح.

9 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يبادر إلى توضيح مراد سلمان، بل ترك الأمر إليه، ربما لكي لا يتوهم متوهم أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أحسن الظن بسلمان، وأنه يبعد أن يكون سلمان قد نحى هذا المنحى الدقيق..

10 ـ ومن يدري؟! فلعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يفسح المجال أمام سلمان ليظهر هذه الكرامة العظيمة لعلي (عليه‌السلام )، بهذه الصورة التي جاءت مثيرة ومؤثرة.

رسول الله يخبر علياً بما يكون:

عن علي (عليه‌السلام ) قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

يا علي! كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا. وأكلوا التراث أكلا لماً، وأحبوا المال حباً جماً واتخذوا دين الله دخلاً ومال الله دولاً؟

قلت: أتركهم وما اختاروا، وأختار الله ورسوله والدار الآخرة وأصبر على مصائب الدنيا وبلواها حتى ألحق بك إن شاء الله!

قال: صدقت، اللهم افعل ذلك به(1) .

____________

1- ينابيع المودة ص217 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص280 وذخائر العقبى ص101 وبحار الأنوار ج29 ص463 وتفسير فرات ص555 وجواهر = = المطالب في مناقب الإمام علي لابن الدمشقي ج1 ص272 وشرح إحقاق الحق ج18 ص136 وج32 ص232 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص211.


ونقول:

1 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوجه كلامه إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ليعلن موقفه من أحداث لا يقرها الشرع، ويأباها الوجدان والضمير الحي، كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يريد أن يعلمه بوقوعها، لتكون عنواناً مشيراً إلى أن تغير الأحوال وتحولها باتجاه لا يرضاه الله تبارك وتعالى..

2 ـ إن هذا الإخبار معناه: أن معرفة موقف علي (عليه‌السلام ) وطريقة تعامله مع هذا الواقع أمر مهم جداً، يبرر أهمية السؤال عنه..

3 ـ إن هذا السؤال يشير أيضاً: إلى أن هذا الأمر يعني علياً (عليه‌السلام ) أكثر من أي شخص آخر.

4 ـ وهو يعني: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سيكون غائباً بحسب الظاهر..

إذ لو كان حاضراً لكان موقفه هو الذي يحدد مسار الأحداث..

5 ـ إن ما سوف يستجد سيكون له تجذر في أعماق النفوس، ثم ينطلق منها له ليتجسد حركة وسلوكاً وموقفاً على صعيد الواقع الخارجي العام..

6 ـ قد أوضح جواب علي (عليه‌السلام ): أنه سوف لا يتعامل بانفعال وإنما بحكمة وروية.. حيث أخبر أنه سوف لا يهتم لما يصدر عنهم من


أفعال، بل هو يلتزم بما يرضي الله ورسوله، ويحقق الفوز بالآخرة.. مهما كلفه ذلك من مصائب وبلايا، ومحن ورزايا في الدنيا، نتيجة لطغيان الأهواء، والنزوات، ويقظة أحقاد وعصبيات.

7 ـ وقد صرح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بصدق علي (عليه‌السلام )، ووفائه في تعهداته، ولكنه طلب من الله تعالى أن يشمله برعايته، ويمده بالطافه، لما يعلم من شدة الأمر، وعظيم البلاء والإبتلاء فيه.

آية حب أهل البيت حب علي (عليه‌السلام ):

عن أبي بردة قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات يوم ونحن حوله: والذي نفسي بيده، لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟! وعن جسده فيما أبلاه؟! وعن ماله مما كسبه وفيما أنفقه؟! وعن حبنا أهل البيت؟!

فقال عمر: يا رسول الله، وما آية حبكم من بعدك؟!

قال: فوضع يده على رأس علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ـ وهو إلى جنبه ـ فقال: آية حبنا من بعدي حب هذا(1) .

____________

1- الفصول المهمة ص125 وبحار الأنوار ج36 ص79 وراجع ج39 ص299 وفوائد العراقيين لابن عمرو النقاش ص49 والمناقب للخوارزمي ص76 و 77 وكشف الغمة ج1 ص103 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص235 وج18 ص356 و 478 وج20 ص135 وج21 ص342 وج24 ص393 = = ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص4 وكتاب الأربعين للماحوزي ص244 وكشف اليقين ص227 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص584 وينابيع المودة ج1 ص336 و 337 وغاية المرام ج3 ص93


ويلاحظ هنا:

أولاً: لا ندري لماذا اختار عمر بن الخطاب السؤال عن علامة حب أهل البيت (عليهم‌السلام )، ولم يسأل عن شيء له ارتباط بالأمور الثلاثة التي سبقتها!! هل أراد أن يعرف علامة حب أهل البيت، ليكتشف الأشخاص الذين يحملون هذا الحب، فيتعامل معهم وفق ما يرتأيه وتفرضه عليه سياساته في الأحوال المختلفة؟!

أم أنه أراد أن يعرف نفسه إن كان يحمل، أو لا يحمل هذا الحب لهم (عليهم‌السلام )؟!

وهل يجب أن تكون لهذا الحب علامة يعرف الناس من خلالها المحب والمبغض؟!

ثانياً: حبذا لو سأل عمر عن الأمور التي ينبغي إفناء العمر فيها، أو عن الأمور التي ينبغي إبلاء الجسد فيها، أو عن المواضع التي يصح كسب المال فيها، والمواضع التي يجب إنفاقه فيها!!.. وعن الأمور التي تزيد هذا الحب قوة لدى صاحبه، أو عن موجبات الحصول على هذا الحب لدى من لا يملك شيئاً منه، أو نحو ذلك!!

ثالثاً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جعل الميزان هو حبهم (عليهم‌السلام )


من بعده، فإنها هي الفترة التي يمتحن فيها الناس، وتشرئب فيها الأعناق لنيل المقامات والمناصب مهما غلت القيم التي سيبذلونها في هذا السبيل، ومهما بلغ الظلم الذي سيمارسونه

أبو ذر وحديث الرحى:

روى محب الدين الطبري، بسنده عن أبي ذر قال: بعثني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أدعو علياً. فأتيته، فناديته، فلم يجبني، فعدت وأخبرت [رسول الله]، فقال: عد إليه وادعه، فهو في البيت.

قال: فعدت وناديته، فسمعت صوت الرحى تطحن، فشارفت الباب، فإذا الرحى تطحن وليس معها أحد!!! فناديته، فخرج إلي منشرحاً، فقلت له: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يدعوك.

فجاء.

ثم لم أزل أنظر إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وينظر إلي، فقال: يا أبا ذر، ما شأنك؟!

فقلت: يا رسول الله، عجب من العجائب، رأيت رحى في بيت علي تطحن وليس معها أحد يديرها!!!

فقال: يا أبا ذر، إن لله ملائكة سياحين في الأرض، وقد وكلوا بمعونة آل محمد(1) .

____________

1- ذخائر العقبى ص98 والرياض النضرة ج3 ص202 وجواهر المطالـب لابن = = الدمشقي ج1 ص264 وينابيع المودة ج2 ص187 و 380 و 465 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص706 وج18 ص197 و 211 و 484 وج19 ص151 وج24 ص284 و 285 وج31 ص208 و 425 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص206 عن الصواعق المحرقة، والغدير ج4 ص145


ونقول:

يلاحظ في الرواية الأمور التالية:

1 ـ إن عدم جواب أمير المؤمنين لأبي ذر (رحمه‌الله ) حين ناداه في المرة الأولى قد يكون لأجل انشغاله بالصلاة، أو لغير ذلك من أسباب، ارتفعت حين عاد إليه في المرة الثانية.

2 ـ ما معنى أن يشارف أبو ذر ليرى الرحى، وهي تطحن، ألا يعد ذلك من محاولة النظر إلى العورات؟! أو من التطلع في الدور المنهي عنه؟!

ونجيب:

أولاً: قد يكون أبو ذر على علم بخلو الدار من النساء، وعلى علم أيضاً بأن علياً أو غيره، ممن يحتمل أن يكونوا هناك كانوا في وضع طبيعي، لا يزعجهم اطلاع الناس عليه.

ثانياً: لعل هذه الرحى كانت في مكان لا يحظر على الناس الإشراف عليه، أو الوصول اليه.

3 ـ قد يمكن إبداء احتمال أن تكون ثمة رغبة في اطلاع أبي ذر على تلك الرحى، وهي تعمل بنفسها. ليخبر الناس بما رأى. وهو الذي أعلم

الصفحة 90

الرسول الاعظم الناس، بأنه ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق منه.

4 ـ لقد بين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن حديث الرحى ليس مجرد كرامة عابرة، قد يتوهم زوالها بزوال أو باختلال موجبات استحقاقها. بل هو كرامة إلهية ثابتة وباقية ببقاء هذا التوكيل الإلهي لأولئك الملائكة بمعونة آل محمد في أي مكان في الأرض، وفي أي زمان احتاجوا فيه إلى المعونة.

فالحديث عن توكيل الملائكة يشير إلى بقاء واستمرار موجبات هذه الكرامة لآل محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

5 ـ كان يمكن للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يخبر الناس بأمر هؤلاء الملائكة، من دون انتظار ما جرى.. والحقيقة هي: أن اقتران الخبر بالحدث، ثم الانتظار التعجبي، وتأمل أبي ذر للحصول على تفسير ما رأى سيكون أشد تأثيراً في حفظه ما يراد له حفظه، ويجعله أكثر دقة في فهم المراد، وإدراك المعنى التطبيقي والعملي للكلمة التي يريد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يطلقها.

رابع الخلفاء كيف؟ ولماذا؟!:

عن علي (عليه‌السلام ) قال: بينما انا أمشي مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بعض طرقات المدينة، إذ لقينا شيخ طوال، كث اللحية، بعيد ما بين المنكبين، فسلم على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورحب به. ثم التفت إلي، فقال: السلام عليك يا رابع الخلفاء ورحمة الله وبركاته: أليس كذلك هو يا رسول الله؟!



فقال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بلى.

ثم مضى، فقلت: يا رسول الله، ما هذا الذي قال لي هذا الشيخ، وتصديقك له؟!

قال: أنت كذلك والحمد لله، إن الله عز وجل قال في كتابه:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (1) ، والخليفة المجعول فيها آدم (عليه‌السلام ).

وقال:( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ ) (2) ، فهو الثاني.

وقال عز وجل حكاية عن موسى حين قال لهارون (عليهما‌السلام ):( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ) (3) ، فهو هارون إذ استخلفه موسى (عليه‌السلام ) في قومه، فهو الثالث.

وقال الله عز وجل:( وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الْأَكْبَرِ ) (4) ، فكنت أنت المبلغ عن الله وعن رسوله، وأنت وصيي، ووزيري، وقاضي ديني، والمؤدى عني، وأنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فأنت رابع الخلفاء كما سلم عليك الشيخ، أولا تدري من هو؟!

____________

1- الآية 30 من سورة البقرة.

2- الآية 26 من سورة ص.

3- الآية 142 من سورة الأعراف.

4- الآية 3 من سورة التوبة.


قلت: لا.

قال: ذاك أخوك الخضر (عليه‌السلام )، فاعلم(1) .

ونقول:

إن هذه الرواية تشير إلى العديد من الأمور, نذكر منها:

1 ـ إن الخضر (عليه‌السلام ) وإن كان قد تحدث عن الأنبياء والخلفاء من السابقين. ولكنه فيما يبدو قد استخدم التورية، فأشار إلى ما يأتي. وأشار إلى ما سبق في آن واحد، ليدل على أنه يعلم أن علياً سيكون الحليفة الرابع في اللاحق، كما هو علي في السابق.

ولكن شتان بين أن آدم وداود وهارون، وعلي (عليه‌السلام ) رابعهم. فإنهم أنبياء جعل الله الخلافة لله كما جعلها له.

وبين أبي بكر وعمر وعثمان، فإنهم قد تغلبوا (صلى‌الله‌عليه‌وآله )أخذوا ما ليس لهم بحق رغم كل هذه التأكيدات من الله ورسوله على أنه لا يحق لأحد سوى علي (عليه‌السلام ) أن يتصدى لهذا الأمر.

2 ـ إن هذا الإلماح قد أريد به تعريف الناس: بأن الأمور سوف تجري

____________

1- عيون أخبار الرضا ج2 ص9 رقم الحديث 23 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص12 وبحار الأنوار ج36 ص417 ومدينة المعاجز ج2 ص419 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص127 وتفسير نور الثقلين ج1 ص48 وينابيع المودة ج3 ص402 و 403 وغاية المرام ج2 ص78 وج4 ص82 وعن العوالم ص309


على خلاف ما يرضي الله تبارك وتعالى, وأن ثمة من يسعى لنقض تدبير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد وفاته.

3 ـ إن الخضر قد استشهد برسول الله على صحة ما يخبر به, ليفيد: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين يؤكد هذا الخبر, فإنه يدل على أن خلافة علي (عليه‌السلام ) أمر إلهي، كخلافة آدم وداود وهارون، وليس لأحد أن يختار أو أن يرد على الله، ولأجل ذلك لا بد أن يستمر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في التأكيد على إمامة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بعده, وأن يأخذ البيعة له من الناس في غدير خم. رضي الناس أم غضبوا، فإن الأمر لله يضعه حيث يشاء.. والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يفعل المتناقضات, وليس غافلاً عما يدبر في الخفاء, ولكنه مكلف بأن يقيم الحجة على الناس. وأن يعرفهم: أنهم يخالفون أمر الله إن لم يرضوا بعلي (عليه‌السلام ). وأنهم إن زعموا رضا الله ورسوله بسوى ذلك, فإنما يخدعون بذلك الناس, وأنفسهم.

4 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) بدوره لم يسأل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن ذلك الشيخ من هو؟! بل سأل عن الذي قاله الشيخ له. لكي يصرح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالتأكيد على قوله مرة أخرى. لأنه يعلم أن ما يقوله رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ وهو الصادق الأمين ـ في جواب ذلك الشيخ هو المطلوب من الناس أن يسمعوه وأن يعوه. وأن يعرفوه حتى لا يتلاعب به المتلاعبون وأصحاب الطموحات..

5 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أكد في جوابه لعلي (عليه‌السلام ) من خلال استشهاده بأربع آيات قرآنية على أن علياً (عليه‌السلام ) رابع


الخلفاء، وأنه كأولئك الأنبياء، واغتصاب هذا الأمر منه لا ينقص من مقامه، ولا يبطل خلافته ولا يسقطها، وأن سعي أولئك الناس في إبطال خلافته (عليه‌السلام ) لن يؤتي ثماره التي منه.. بل قد يستفاد منه الإشارة ولو بنحو من الخفاء إلى أن علياً سيصل إلى ذلك الأمر الذي يجهدون في طمسه، بعد أن يتولى الأمر ثلاثة منهم.

6 ـ ومن الواضح: أن تولي ثلاثة منهم الخلافة قبل علي (عليه‌السلام ) سوف يجعل الناس يتيقنون بعدم وصوله (عليه‌السلام ) إلى هذا الأمر, ولا سيما حين يتولى ثالثهم,الذي يقوم معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع, ومعهم سياساتهم الهادفة إلى إخمال ذكره (عليه‌السلام ), والحيلولة بينه وبين الخلافة، فإن ذلك سيزيد من يقين من الناس باستحالة وصوله (عليه‌السلام ) إلى هذا الأمر.

7 ـ يلاحظ: أن الآيات الأربع عن آدم وداود وهارون، وعن إبلاغ علي (عليه‌السلام ) يوم الحج الأكبر، قد تضمنت الحديث عن خصوص الخلافة الفعلية في الناس. والهيمنة على قرارهم، ولم تتحدث عن خصوص معنى الإمامة، بصورة تجريدية، وفكرية، وإيمانية بحتة..

كما أن قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ): وأنت وصيي ووزيري إلخ.. قد أشار إلى هذه الخلافة العملية التي تتصرف في الشؤون، وتدير وتدبر الأمور بصورة فعلية أيضاً.

8 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخبر علياً (عليه‌السلام ) بأن الذي تكلم بذلك هو الخضر، فالكلام قد صدر من نبي، وليس من إنسان عادي، قد


يخطئ أو يقصر في بيان مراميه. ولا يتكلم الأنبياء إلا بوحي من الله.. وذلك يعني: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمر الخضر (عليه‌السلام ) بأن يأتي إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ويقول ذلك. وعلى الناس أن يأخذوا ذلك بجدية تامة.. فإن الله تعالى لم يفعل ذلك عبثاً، ولا كان ذلك مجرد مداعبة من الخضر (عليه‌السلام ).

9 ـ ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يقل لعلي (عليه‌السلام ) أنه الخضر، بل قال: إنه أخوك الخضر، وهذا معناه: أن أخوة علي للأنبياء لم تكن لدواع شخصية، وإنما هي أهلية اختص الله تعالى بها علياً (عليه‌السلام ).



الفصل الخامس:

علي (عليه‌السلام ) في سورة هل أتى..



سورة هل أتى:

روى ابن بابويه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا شعيب بن واقد، قال: حدثنا القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس.

وحدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدثنا الحسن بن مهران، قال: حدثنا سلمة بن خالد، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما‌السلام ) في قول الله عز وجل:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (1) ، قال: (مرض الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) وهما صبيان صغيران، فعادهما رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومعه رجلان، فقال أحدهما: يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذراً لله إن عافاهما الله.

فقال: أصوم ثلاثة أيام شكراً لله عز وجل، وكذلك قالت فاطمة (عليها‌السلام ).

وقال الصبيان: ونحن أيضاً نصوم ثلاثة أيام، وكذلك قالت جاريتهم فضة.

____________

1- الآية 7 من سورة الإنسان.


فألبسهما الله العافية، فأصبحوا صائمين وليس عندهم طعام.

فانطلق علي (عليه‌السلام ) إلى جار له من اليهود، يقال له: شمعون، يعالج الصوف، فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير.

قال: نعم.

فأعطاه، فجاء بالصوف والشعير، وأخبر فاطمة (عليها‌السلام )، فقبلت وأطاعت. ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف. ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص.

وصلى علي (عليه‌السلام ) مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المغرب، ثم أتى منزله، فوضع الخوان، وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه‌السلام ) إذا مسكين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة.

فوضع اللقمة من يده ثم قال:

فاطم ذات المجد واليقين يا بنت خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين جاء إلى الباب له حنين

يشكو إلى الله ويستكين يشكو إلينا جائع حزين

كل امرء بكسبه رهين من يفعل الخير غداً يدين

موعده في جنة رهين حرمها الله على الضنيـن


وصاحب البخل يقف حزين تهوي به النار إلى سجين

شرابه الحميم والغسلين يمكث فيه الدهر والسنين

فأقبلت فاطمة (عليها‌السلام ) تقول:

أمرك سمع يا بن عم وطاعة ما بي من لؤم ولا ضراعة

غذيت باللب وبالبراعة أرجو إذا أشبعت من مجاعة

إذن ألحق الأخيار والجماعة وأدخل الجنة في شفاعة

وعمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، وباتوا جياعاً، وأصبحوا صياماً لم يذوقوا إلا الماء القراح.

ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعاً من الشعير، فطحنته وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرص.

وصلى علي (عليه‌السلام ) المغرب مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثم أتى إلى منزله، فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه‌السلام ) إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة.

فوضع علي (عليه‌السلام ) اللقمة من يده، ثم قال:

فاطم بنت السيد الكريم بنت نبي ليس بالزنيم

قد جائنا الله بذا اليتيم من يرحم اليوم فهو رحيم

موعده في جنة النعيم حرمها الله على اللئيـم


وصاحب البخل يقف ذميم تهوي به النار إلى الجحيم

شرابه الصديد والحميم

فأقبلت فاطمة (عليها‌السلام ) تقول:

فسوف أعطيه ولا أبالي وأوثر الله على عيالي

أمسوا جياعاً وهم أشبالي أصغرهما يقتل في القتال

بكربلاء يقتل باغتيال لقاتليه الويل مع وبال

تهوي به النار إلى سفال كبوله زادت على الأكبال

ثم عمدت، فأعطته جميع ما على الخوان، وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلا الماء القراح، فأصبحوا صياماً.

وعمدت فاطمة (عليها‌السلام ) فغزلت الثلث الباقي من الصوف، وطحنت الصاع الباقي وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، وصلى علي (عليه‌السلام ) المغرب مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثم أتى منزله، فقرب إليه الخوان، فجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه‌السلام ) إذا أسير من أسراء المشركين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا!!

فوضع علي (عليه‌السلام ) اللقمة من يده، ثم قال:

فاطم يا بنت النبي أحمد بنت نبي سيد مسود

قد جائك الأسير ليس يهتد مكبلاً في غله مقيد

يشكو إلينا الجوع قد تقدد من يطعم اليوم يجده في غد


عند العلي الواحد الموحد ما يزرع الزارع سوف يحصد

فأطعمي من غير منٍ أو نكـد

فأقبلت فاطمة (عليها‌السلام ) وهي تقول:

لم يبق مما كان غير صاع قد دبرت كفي مع الذراع

شبلاي والله هما جياع يا رب لا تتركهما ضياع

أبوهما للخير ذو اصطناع عبل الذراعين طويل الباع

وما على رأسي من قناع إلا عباء نسجها بصاع

وعمدوا إلى ما كان على الخوان، فأعطوه، وباتوا جياعاً، وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء.

قال شعيب في حديثه: وأقبل علي (عليه‌السلام ) بالحسن والحسين (عليهما‌السلام ) نحو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: يا أبا الحسن، أشد ما يسؤني ما أرى بكم. انطلق إلى ابنتي فاطمة (عليها‌السلام ).

فانطلقوا إليها وهي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع، وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ضمها إليه وقال: (وا غوثاه، بالله أنتم منذ ثلاث فيما أرى)!!

فهبط جبرائيل (عليه‌السلام )، فقال: (يا محمد، خذ ما هيأ لك في أهل بيتك).

فقال: وما آخذ يا جبرائيل؟!


قال:( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) حتى بلغ:( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) (1) .

وقال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى دخل منزل فاطمة (عليها‌السلام )، فرأى ما بهم، فجمعهم ثم انكب عليهم يبكي، وقال: (أنتم منذ ثلاث فيما أرى، وأنا غافل عنكم).

فهبط جبرائيل بهذه الآيات:( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ) (2) .

قال: هي عين في دار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين.

( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (3) .

يعني: علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين، وجاريتهما فضة(4) .

____________

1- الآيات 1 ـ 22 من سورة الإنسان.

2- الآيتان 5 و 6 من سورة الإنسان.

3- الآية 7 من سورة الإنسان.

4- راجع: البرهان (تفسير) ج8 ص179 ـ 182 و(ط مؤسسة إسماعيليان ـ الطبعة الثالثة) ج4 ص412 ـ 413 وغاية المرام ج4 ص100 والأمالي للصدوق ص329 وروضة الواعظين ص160 وبحار الأنوار ج35 ص237 وشجرة طوبى ج2 ص263 وتفسير نور الثقلين ج5 ص471 و 474 وشواهد التنزيل ج2 ص398 وتفسـير الثعلبي ج10 ص101 ونهج الإيمان ص174 وبنـاء = = المقالة الفاطمية ص235 والعمدة لابن البطريق ص348 وخصائص الوحي المبين ص179.


ونقول:

إن هذا الحديث قد روي بطرق كثيرة يصعب حصرها وجمعها.. وقد اخترنا منها النص الآنف الذكر، وإن كنا نرى في بعض أبيات الشعر المذكور خللاً من ناحية الوزن. ومن ناحية العربية أيضاً. لكن سائر النصوص خالية من الشعر المذكور.

وعلى كل حال، فإن لنا كتاباً في جزئين في تفسير سورة هل أتى، لا بد لنا من إحالة القارئ الكريم عليه.. فلعله يكون مفيداً في هذا الموضوع. ونحن هنا نعتمد على هذه الإحالة. ولا نذكر هنا إلا لمحات يسيرة جداً، قد لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، فلاحظ ما يلي من عناوين:

تشكيكات واهية:

قد يقال: لماذا يبقى الصائمون ثلاثة أيام بلا طعام، مع أنه قد بقي عندهم في اليوم الأول صاعان من شعير، كان يمكنهما طحن صاع منه وخبزه، بعد تصدقهما بالأقراص مباشرة. فإن الوقت إلى طلوع الفجر يسع ذلك؟!.

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إن التصريح بالأيام الثلاثة قد ورد في بعض الروايات دون بعضها الآخر، إذ إن بعضها يقول: (فلما تم إنضاجه، أتى مسكين،


فأخرجوا إليه الطعام.. ثم عمل الثلث الثاني. فلما تم إنضاجه أتى يتيم، فسأل فأطعموه. ثم عمل الثلث الثالث، فلما تم إنضاجه، أتى أسير الخ..)(1) .

ورواه القمي عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )، وفيه: أنهم جعلوا الشعير عصيدة، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فأعطوه ثلثها، فلم يلبث أن جاء يتيم، فأعطوه الثلث الثاني، ثم جاء أسير، فأعطوه الثلث الباقي، وما ذاقوها(2) .

وفي نص آخر: كانت عندهم ثلاثة أرغفة ـ قال ـ: فجلسوا ليأكلوا، فأتاهم سائل، فقال: أطعموني فإني مسكين.

____________

1- مجمع البيان ج10 ص404 و 405 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج10 ص209 و 210 وتفسير القمي ج2 ص398 وراجع: ذخائر العقبى ص103 وتفسير نور الثقلين ج5 ص470 وأسباب نزول الآيات ص296 وشواهد التنزيل ج2 ص405 وتفسير البغوي ج4 ص428 ومطالب السؤول ص174 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص270 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص451 وج20 ص153 و 155 و 160 وج30 ص45.

2- تفسير البرهان ج8 ص177 وتفسير القمي ج2 ص390 و (ط مطبعة النجف) ج2 ص398 ومستدرك الوسائل ج7 ص269 وبحار الأنوار ج35 ص243 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص375 وتفسير مجمع البيان ج10 ص210 وتفسير نور الثقلين ج5 ص470 وغاية المرام ج4 ص100.


فقام علي فأعطاه رغيفه، ثم جاء سائل فقال: أطعموا اليتيم، فأعطته فاطمة الرغيف.

ثم جاء سائل، فقال: أطعموا الأسير، فقامت الخادمة، فأعطته الرغيف. وباتوا ليلتهم طاوين، فشكر الله لهم، فأنزل فيهم هذه الآيات(1) .

ثانياً: قد يقال: إن اقتراض الشعير مقابل غزل الصوف(2) لا يعني أنه تسلمها كلها من مقرضه، إذ لعل المطلوب هو أن يأخذ كل يوم صاعاً، مقابل ما ينجزه من الغزل..

ويرد هذا الإحتمال: أن الرواية تصرح بأنه (عليه‌السلام ) قد جاء بالأصوع الثلاثة ووضعها في ناحية البيت.

فلعل الأصوب أن يقال: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يكن ليتصرف بهذا الشعير إلا بالمقدار الذي أنجز غزلاً في مقابله، ويشير إلى ذلك قول رواية الأمالي:

____________

1- المناقب لابن المغازلي ص272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص446 وشواهد التنزيل ج2 هامش ص410.

2- مجمع البيان ج10 ص404 وتفسير البرهان ج8 ص179 والأمالي للصدوق ص212 و (ط مؤسسة البعثة) ص329 وروضة الواعظين ص160 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص147 وبحار الأنوار ج35 ص237 وشجرة طوبى ج2 ص263 وجامع أحاديث الشيعة ج17 ص375 وتفسير نور الثقلين ج5 ص471 و 474 وغاية المرام ج4 ص101 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص118 وج18 ص339.


(ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعاً من الشعير، فطحنته الخ..

إلى أن قال: ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته..

إلى أن قال: وعمدت فاطمة (عليها‌السلام )، فغزلت الثلث الباقي من الصوف، وطحنت الصاع الباقي..)(1) .

فلعل التملك أو التصرف في الشعير مشروط بتسليم أو بإنجاز مقدار معين من الغزل.

ثالثاً: لعل الأسباب لم تكن مهيأة للطحن في الليل، مثل: الإنارة، والحطب، وسائر ما يحتاجه تجهيز الطعام، ومن وسائل؟! ولعل الحركة في تلك الليالي لا تروق لكثير من الناس الساكنين في جوارهم. وتثير فضولهم، وتدفعهم للوقوف على ما لا يحب أهل البيت (عليهم‌السلام ) أن يوقفوهم عليه، من منطلق الإباء والعزة، والشعور بالكرامة.. أو لغير ذلك من أسباب..

هل يحتمل هذا الجوع؟!:

وقالوا: كيف يمكن لإنسان أن يبقى ثلاثة أيام بلياليها بلا طعام،

____________

1- الأمالي للصدوق ص212 فما بعدها و (ط مؤسسة البعثة) ص329 ـ 333 والبرهان ج8 ص179 و 180 و 181 وراجع: روضة الواعظين ص160 ـ 162 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص178 ـ 182 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص147 ـ 149 وبحار الأنوار ج35 ص237 وتفسير نور الثقلين ج5 ص471.


ويفطر على الماء؟! ولا سيما إذا كان طفلاً قد لا يتجاوز عمره عد أصابع اليد الواحدة..

وأجيب: بأن وقوع ذلك أدل دليل على إمكانه.. وشاهدنا على ذلك كثرة الذين يضربون عن الطعام أياماً كثيرة، ولا يتناولون غير الماء، احتجاجاً على سياسات بعينها(1) .

ولكن هذا الجواب، إنما يقبل في حق الكبار، أما الأطفال الصغار، فلا يقبل ذلك بالنسبة إليهم.. إلا في حالة الفوز باللطف والمدد الإلهي، حيث استحقاقهم في أعلى وجل الصور..

الآية عامة.. والرافضة يكذبون:

وقال ابن حزم: إن القول بنزول آية ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً في علي (عليه‌السلام ) من أكاذيب الرافضة.

بل هذا لا يصح، لأن الآية على عمومها، وظاهرها لكل من فعل ذلك(2) .

وجوابه واضح:

أولاً: إن عموم معنى الآية لا ينافي نزولها في مورد خاص، بل هذا هو شأن كثير من الآيات، فإن مفهومها يكون عاماً وشاملاً، ولكنها تنزل في

____________

1- الفصول المئة ج2 ص222.

2- الغدير ج3 ص106 عن ابن حزم، ونظرة في كتاب الفصل في الملل ص48.


مورد بعينه، لتدل على أنه المصداق الأكمل، والأتم، والأظهر..

ثانياً: إن نسبة هذا القول للرافضة لا معنى له، لأن الحديث مروي عند العامة والخاصة، كما أوضحته المصادر التي أشرنا إليها فيما سبق، وقد أفرد العاصمي كتاباً لهذه السورة في مجلدين، باسم زين الفتى في تفسير سورة هل أتى. وليس العاصمي من الرافضة.

هل تجوز الصدقة بهذا المقدار؟!:

ذكر المحقق التستري في إحقاق الحق أنهم قالوا: أنكر هذه الرواية كثير من المحدثين وأهل التفسير، وتكلموا في أنه: هل يجوز أن يبالغ الإنسان في الصدقة إلى هذا الحد؟! ويجوِّع نفسه وأهله حتى يشرف على الهلاك؟!

وقد قال الله تعالى:( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) (1) ، والعفو ما كان فاضلاً من نفقة العيال.

وقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): خير الصدقة ما يكون صنواً (لعل الصحيح: صفواً) عفواً(2) .

وأجاب المحقق التستري بما يلي:

أولاً: إن أهل التفسير والمحدثين لم ينكروا الحادثة، وإنما هناك طائفة منهم لم يذكروها، بل أبقوا الآية على عمومها، ربما بقصد إخفاء هذه

____________

1- الآية 19 من سورة التوبة.

2- إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص170.


الفضيلة لعلي وأهل بيته (عليهم‌السلام )، أو لغير ذلك من أسباب.

ثانياً: فسر العفو تارة: بالفاضل من المال عن الحاجة. وفسر أخرى: بأفضل المال وأطيبه(1) ، ويؤيده قوله تعالى:( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (2) .

ثالثاً: إن علياً (عليه‌السلام ) لم ينفق قوت عياله، بل أنفق هو قوته، وهم بادروا إلى إنفاق قوتهم أيضاً(3) .

ويدل على ذلك: ما تقدم عن ابن المغازلي، من أن علياً (عليه‌السلام ) أعطى المسكين رغيفه، فلما جاء اليتيم أعطته فاطمة (عليها‌السلام ) رغيفها، فلما جاء الأسير قامت الخادمة فأعطته الرغيف(4) .

رابعاً: ونضيف إلى ما تقدم: أن الله قد مدح المؤثرين على أنفسهم، فقال عز وجل:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (5) . فلماذا لا يعدون هذا من الإيثار الممدوح والمحبوب لله تعالى؟! وقد ورد في هذه الرواية: أن علياً (عليه‌السلام ) لما جاءهم الأسير قال: يا فاطمة، إني أحب

____________

1- إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص176 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص256.

2- الآية 92 من سورة آل عمران.

3- إحقاق الحق (الملحقات) ج3 ص177.

4- المناقب لابن المغازلي ص272 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج14 ص446 وشواهد التنزيل ج2 هامش ص410.

5- الآية 9 من سورة الحشر.


أن يراك الله وقد آثرت هذا الأسير على نفسك وأشبالك!!(1) .

لكن في هذه الرواية التي أشرنا إليها فقرات تضمنت ما لا يمكن القبول به. فلا بأس بملاحظتها لمن أراد. وربما يكون الإيثار إلى هذا الحد جائز لهم دون سواهم، أو أنه كان جائزاً للناس كلهم، ثم نسخ.

مسكيناً ويتيماً وأسيراً:

وفي سورة هل أتى التي نزلت في هذه المناسبة دقائق وأسرار عظيمة، ربما نكون قد وفقنا للتنبه إلى نزر يسير منها في كتابنا: (تفسير سورة هل أتى). ولعل من المناسب ذكر فقرات منه. ونختار منه ما حاولنا فيه تسليط الضوء على التسلسل العفوي بين بعض عناصر هذا الحدث من خلال الآية، في خصوص المسكين واليتيم والأسير، فقلنا ما يلي:

1 ـ تنوين التنكير لماذا؟!:

إن أول ما يواجهنا هنا: أنه تعالى أورد هذه الكلمات:( مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) ، منونة بتنوين التنكير، ولم يوردها محلاة بالألف واللام..

وربما يكون السبب في ذلك: هو أنه إذا قال: (المسكين، واليتيم، والأسير) فقد يوهم ذلك: إرادة خصوص المعهودين لديهم، والمعروفين عندهم، فيكون إطعامهم لهم ناشئاً عن عدة دواع متمازجة، ومتعاضدة في

____________

1- البرهان (تفسير) ج8 ص183 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص750 ونهج السعادة ج1 ص32 وغاية المرام ج4 ص104.


التأثير، وفي الاندفاع إلى الإطعام.. لأن المعرفة بالشخص قد تدعو لإجابة طلبه، وكذا لو كان ذا قرابة مثلاً، أو من قومه، أو من بلده، أو مرتبطاً بذي قرابة، أو بصديق، أو جاراً، أو ما إلى ذلك..

أما تنوين التنكير فهو صريح في أنهم يطعمون أي مسكين، وأي يتيم، وأي أسير كان، ممن لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة.

وذلك يدل على أن اليتم والمسكنة والأسيرية هي المحرك الإنساني، وعلى أن الغاية هي وجه الله. وليس ثمة أية شائبة في هذا الخلوص، وذلك الإخلاص.. فليس في نفوسهم أية آثار لمؤثرات دنيوية أرضية غير إلهية، أو غير إنسانية.

فالدافع إنساني مرتبط بالمشاعر، والهدف إلهي، وقد تناغم هذا الهدف مع ذلك الداعي، فكان هذا الإيثار العظيم..

2 ـ توافق الترتيب البياني مع الواقع الخارجي:

وقد حدثتنا الروايات: عن أن الواقعة التاريخية، قد حدثت وفق الترتيب الذي أورده القرآن، فقد جاء المسكين أولاً، ثم اليتيم، ثم الأسير..

وذلك هو التوفيق والتسديد الإلهي الظاهر.. لكي لا يبقى أي مجال للتفكير في أن ما هو افتراضي، قد لا يكون منسجماً مع حركة الواقع الخارجي، خصوصاً حينما تتوافر الدواعي في الإتجاه المعاكس كما سنبينه..

كما لا يبقى أيضاً مجال للقول: بأن الحديث هنا جارٍ في ما هو مثالي.. وقد لا يتوافق المثالي مع مقتضيات الواقع وشروطه.

بل نقول:


إنه حتى لو لم يكن الترتيب في الآية مطابقاً لما حصل بالفعل، فإن نفس أن يأتي سياقها القرآني على هذا النحو، ستكون له أهدافه وأغراضه التكريمية، أو البيانية لمعانٍ يريد الله لنا أن نتلمسها ونعرفها فيهم (عليهم‌السلام ).. وقد تكون هذه المعاني الغيبية التي يكشفها الله لنا، رحمة بنا، وامتناناً منه تعالى علينا..

وحيث يأتي البيان على سبيل الإخبار عن طبيعة وسجية وديدن هؤلاء الصفوة، فإنه لا بد أن يزيد ارتباطنا بهم، وتعريفنا بحقيقتهم، ليكونوا لنا الأسوة والقدوة والمثل الأعلى.. فكيف، وقد تطابق الواقع الخارجي، مع السجية والطبيعة، فجاء المسكين، ثم اليتيم، ثم الأسير.. ليكون ذلك أدعى في الإقناع، وأوثق في الدلالة..

3 ـ حالتان تصاعديتان تتعاكسان:

وحين نريد أن نبحث الموضوع بعمق، فسنجد أن هناك حالة تصاعدية في جهة السائلين، تقابلها حالة تصاعدية في ناحية الباذلين..

بمعنى أن الإنتقال كان في ناحية السائلين من الأعلى إلى الوسط، ثم إلى الأدنى.

ولكن الإنتقال في ناحية الباذلين كان من الأدنى.. وانتهى بالأعلى..

وهذا هو سر عظمة هذا الحدث، وهو أقوى تعبير عن حقيقة هؤلاء الصفوة الأطهار، حيث إنه يؤسس بصورة حية لفهم سرّ كل هذه الكرامة التي اختصهم الله بها، وهذا التشريف العظيم الذي حباهم سبحانه به..

وتوضيح ذلك يكون على النحو التالي:


4 ـ المسكين.. والباذلون في اليوم الأول:

إننا إذا أردنا أن نوضح ذلك، برسم صورة تطبيقية، فسنجد: أن الذي أتى للصائمين في وقت إفطارهم، في اليوم الأول، هو (مسكين)، فمن هو هذا المسكين، وما هي حالته؟!

إن المسكين هو إنسان بلغ به الفقر أقصى مداه. إلى درجة أنه أسكنه، وجعله عاجزاً.

وقد روى أبو بصير (رحمه‌الله ) عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) أنه قال: (الفقير الذي لا يسأل، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهد منهما)(1) .

وصيغة (مسكين)، تفيد التكثير.. أي يكثر سكونه، لأنه كلما أراد أن يتحرك للحصول على شيء أحس بعجزه، فيسكن..

ومعنى ذلك: أنه قد جرب حظه في الحياة أكثر من مرة، وبذل أكثر من محاولة للخروج من المأزق، فلم يفلح.

____________

1- بحار الأنوار ج93 ص57 و 70 وتهذيب الأحكام ج4 ص104 وتفسير نور الثقلين ج3 ص491 ووسائل الشيعة (ط دار الإسلامية) ج6 ص144 ومستدرك الوسائل ج7 ص103 وعوالي اللآلي ج2 ص71 وج3 ص120 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص174 وتفسير نور الثقلين ج2 ص229 ودعائم الإسلام ج1 ص260 وراجع: الكافي ج3 ص502 والمعتبر ج2 ص565 ومختلف الشيعة ج3 ص199


وواضح: أن الإنسان إذا بلغ هذا الحد، فإن أمله يتضاءل ويذوي.. كما أنه يفقد شيئاً من عنفوانه، ومن قوة شخصيته.

إذن، فحالة هذا الشخص تثير العطف الشديد، وتوجد اندفاعاً قوياً لمساعدته، ممن يرى ذله، وعجزه، وحاجته، وانكساره..

وفي المقابل كان الباذلون للطعام، الذين تتحدث عنهم الآية الشريفة، قد صاموا يوماً كاملاً، واحتاجوا إلى الطعام بصورة حقيقية وفعلية، وضعفت أجسادهم، ولا سيما أجساد الأطفال الذين في جملتهم، وكانوا صائمين أيضاً..

وهؤلاء الأطفال ليسوا كسائر الأطفال، بل هم خيرة الله سبحانه من خلقه، وصفوته من عباده..

وقد كان من الطبيعي أن يتنازع أولئك الباذلين عاملان:

أحدهما: يدفعهم للبذل، وهو حالة المسكين الصعبة للغاية.. وحالة حاجتهم الذاتية للطعام..

وثانيهما: الحاجة العاطفية للإحتفاظ به، لأجل طفلين هما الغاية في الكمال، والنبل، والفضل، والصفاء.. ولا شك في أن أحداً على وجه الأرض، لا يملك مواصفاتهما، وميزاتهما.

فإمكانية الإستجابة للعامل الأول تبقى موجودة، وفيها شيء من القوة.. فإذا استجابوا له، فإنهم ـ ولا شك ـ يكونون قد قاموا بعمل عظيم، ولكنه ليس مستحيلاً، بسبب قوة التحريك للعطاء، من خلال الإنسجام العاطفي والإنساني، مع حالة المسكين.


ومن جهة أخرى: فقد كان بالإمكان أن يعطوا المسكين بعضاً من طعامهم على سبيل المشاركة، والتسوية بالنفس.. ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل اندفعوا بالإيثار إلى أقصى مداه، فأعطوه جميع ما أعدوه لإفطارهم. لأنهم أرادوا له أن يجد الفرصة لمراجعة حساباته، واستئناف تحركاته في سبيل عمل يخرجه مما هو فيه..

أضف إلى ذلك: أن هذا العطاء كان بالنسبة للباذلين، في ساعة حرجة جداً. وبالذات في ساعة الإفطار، حيث تلح النفس بالمطالبة بالطعام، وتدعو للإحتفاظ به، إذ لو طلب منهم بذل الطعام، قبل حلول ساعة الإفطار، فإن التخلي عن الطعام يكون أيسر، لعدم وجود هذا الإلحاح على الإحتفاظ به، بفعل قوة الحاجز، مع الإفساح في الأمل بإمكانية الحصول على البديل فيما تبقى من الوقت..

ولكن الطلب قد جاء في الساعة الحرجة والصعبة، وحيث يشتد تعلق النفس بالطعام، فكيف إذا مازج ذلك عامل الحضور والمشاهدة والعيش بالأجواء، حتى لتكاد الأيدي تمتد إليه، فإن التعلق به سيكون ـ بلا شك ـ أقوى، والتخلي عنه أصعب..

ولكن حالة المسكين وضعفه، وشدة حاجته، فيها أيضاً شيء من قوة الدعوة للبذل، ودرجة من التأثير المعاكس في أحوال كهذه..

5 ـ اليتيم والباذلون في اليوم الثاني:

وفي اليوم الثاني.. حيث لم يذق الصائمون طعاماً طيلة يومين كاملين. بل اكتفوا بشرب الماء في الليلة السابقة. قد أصبح واضحاً: أن الحاجة إلى


الطعام قد اشتدت، ودواعي الإحتفاظ به قد ازدادت، والحرص عليه قد تنامى وعظم، لا سيما مع وجود صبيين معهم، هما الحسنان (عليهما‌السلام ) بالذات.. وهما سيدا شباب أهل الجنة، وريحانتا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وكان وقت الإفطار قد حضر أيضاً، وطبيعي أن يزداد التطلع للطعام، والبحث عنه، وبعد حضوره يزيد التعلق بما حضر منه.. فكيف إذا وضع أمامهم، وتكاد الأيدي تتحرك باتجاهه، وتمتد إليه.

وإذا بسائل جديد، هو في هذه المرة (يتيم)، وليتمه تأثيره على النفوس. ولكن الإندفاع إلى مساعدته يكون في العادة أضعف من الإندفاع لمساعدة المسكين، لأن احتمالات الحاجة فيه أقل وأضعف. إذ إن يتمه لا يدل على حاجته المادية..

فإن نفس الحالة الظاهرة للمسكين هي حالة حاجة وفقر، وعجز عن إيجاد ما يتبلَّغ به، وهي فورية، وحادة، وهي بنفس ظهورها فيه تمثل دعوة لمساعدته بلسان الحال، وهي شاهد صدقه في ما يدعيه، بلسان المقال..

أما اليتيم، فإن هناك شفقة عليه، لأجل يتمه، وحاجته للعاطفة والطمأنينة، لا لأجل حاجة ظاهرة له، تستبطن دعوة بلسان الحال لمساعدته.. إذ لعله كاذب في دعواه الفقر..

وحتى لو كان صادقاً، فإن الفقر الذي يخبر عنه لا يصل في حدته إلى درجة ظهور ذلك في حالته. كما كان الحال بالنسبة إلى المسكين..

بل هو لا يزال في مقتبل العمر، والفرص أمامه، ولم يمارس بعد


إمكاناته، وقدراته، بل هو لم يكتشفها بعد. ولعل مشكلته ناشئة من فقد التوجه الصحيح له، بعد أن فقد كافله.. ففرص النجاح أمامه متوفرة، وأمله كبير، وطموحه عارم.

وتحرك العاطفة لأجل فقر اليتيم، ليس بدرجة تحركها لأجل ذل ومسكنة المسكين.. ويتمه، لا يحرك الإنسان ليتخلى له عن طعامه، حتى في الحالات العادية. فكيف بعد طي يومين من الصيام المتواصل، واشتداد الحاجة للطعام؟!..

وحتى لو أراد أن يتخلى ذلك الصائم له عن شيء، فإنه سيقنع نفسه بأنه لا حاجة لأن يتخلى له عن جميع ما هيأه.. فضلاً عن أن يعطيه إياه ساعة الإفطار، وبعد أن وُضع أمامه، وبعد مضي يومين على الصيام.

وإذا أعطاه شيئاً، فإنما يعطيه طعام نفسه، ولا يعطيه طعام غيره كزوجته، وولده.. فكيف إذا كانت السيدة الزهراء (عليها‌السلام ) هي الزوجة، وكان الولدان الوحيدان له طفلين صغيرين، ثم كانا هما الحسنان (عليهما‌السلام ) بالذات، في ميزاتهما، وفي موقعهما من الدين، ومن الإسلام كله، وليس لهما على وجه الأرض مثيل، لا من الأيتام، ولا من غيرهم. وهما اللذان تتجلى فيهما ميزات الإمامة وخصائصها، بأجلى وأبهى مظاهرها..

وأبواهما كانا أعرف من كل أحد بهما، وبقيمة مزاياهما، وبكرامتهما على الله سبحانه، فهل يمكن أن يخاطرا بحياتهما، لمجرد احتمال حاجةٍ يدّعيها يتيم، ليس هو مثل الحسنين قطعاً؟! وهي حاجة ـ حتى لو كانت واقعية ـ فليس ثمة ما يدل على أنها تبلغ درجة الإحراج والعسر..


إذن.. فقد ازدادت المثبطات، وتوافرت الموانع عن الإعطاء، سواء فيما يرتبط بالإعتبارات التي تزداد قوة وتنوعاً، في ناحية الباذلين، أم فيما يرتبط بضعف المشجعات في جانب السائلين، حيث تضاءلت وانحسرت وضعفت تلك الخصوصيات التي تثير وتحرك.

ولكن وبرغم ذلك كله، فإن العطاء والبذل، قد بلغ أيضاً أقصى مداه، حيث أعطوا (عليهم‌السلام ) في اليوم الثاني أيضاً جميع ما يملكون، وآثروا اليتيم به على أنفسهم مع شدة الحاجة والخصاصة. وبذلك فقد أصبح هذا الإطعام أعظم قيمة، وأشد أهمية، إذا لوحظت جميع الخصوصيات التي أشرنا إليها..

6 ـ الأسير.. والباذلون: في اليوم الثالث:

ويطوي الصائمون ليلتهم، ولا يقدرون على شيء إلا على شرب الماء، ويصومون يوماً ثالثاً هو الأشد، والأقسى، والأمض، وقد أصبحت الأخطار الجسام تتهدد صفوة الخلق، وصبية هم خيرة الله، وحججه على عباده، بصورة أعظم وأقوى..

ويحين وقت الإفطار، وهو ما يجعل النفوس أيضاً تهفوا وتتطلع إلى الطعام، فكيف إذا كان ذلك بعد ثلاثة أيام من الطوى؟! ثم يوضع الطعام أمامهم، ولا يحول بينهم وبينه شيء..

وقد بلغت خطورة الموقف حداً قاسياً، يدعوهم ليس فقط إلى عدم بذل الطعام، وإنما إلى بذل كل الجهد والتضحية في سبيل الإحتفاظ به..

وإذا بسائل جديد يطرق الباب.. غير أن حالة هذا السائل كانت أخف


الحالات وأهونها، فإنها ليست فقط لا تثير شعوراً قوياً بالرغبة في مساعدته، بل ربما تكون المثبطات والموانع عن إعطاء هذا السائل، أكبر وأظهر..

ولا نريد أن نتحدث عن الحالات، ولا عن الخصوصيات التي كانت في جانب الباذلين، فقد ظهر جانب منها في البيانات السابقة، بل نريد فقط أن نُلْمِحَ إلى ما كان منها في ناحية السائل.. فنقول:

إنه عدا عن جميع ما لاحظناه من خصوصيات في جانب اليتيم والمسكين.. فإن الأسير رجل مكتمل قوي البنية، قادر على مواجهة الآخرين، حتى بالقتال، وله قدرة على تحمل الصعاب، ومكابدة المشاق..

والزهراء (عليها‌السلام ) في هذا الجانب امرأة، والحسنان (عليهما‌السلام ) أيضاً لم يكونا قد بلغا سن الأقوياء، فيما يعرفه الناس من ذلك..

ومشكلة الأسير تبقى محصورة في مدة أسره، المانع له من بعض ضروب السعي.. وهي مشكلة لها أمد، ولها مخرج. وسينتهي الأمر به إلى الخروج من هذه الحالة، والعودة إلى أهله، وأملاكه، وإلى الذين لديهم أكثر من دافع لمد يد العون له.. بخلاف المسكين الذي ليس لديه ما ينعش به، وبخلاف اليتيم الذي لن يجد مثل كفيله الذي فقده كفيلاً، وحامياً، وراعياً، وحبيباً..

ثم إنه ليس في الأسير أية جهة أخرى ـ سوى ما يدَّعيه من الحاجة ـ تدعو إلى العطف عليه، كما كان الحال بالنسبة ليتم اليتيم..

بل هناك ما يدعو إلى النفور منه، وإلى حرمانه، فإنه مجرد أسير، والأسير في واقع الأمر محارب للإسلام وللمسلمين.. وربما لا يكون قد


تخلى عن عدائه لهم، ولا ذهب حقده عليهم.. بل ربما لا يكون قد تخلى عن كفره، أو شركه، أو انحرافه.

وإذا كان قد أسر في ساحة الحرب، فلعله قد قتل بعض الأحبة، والأصفياء، أو شارك في قتلهم..

ولعل اليتيم الذي جاءهم بالأمس قد فقد كافله، وحاميه في الحرب التي شارك فيها هذا الأسير نفسه، أو شارك هو في قتله، أو في الأجواء التي تمكن القتلة من القيام بجريمتهم..

أضف إلى جميع ذلك: أن نهاية هذا الأسير ستكون هي الرجوع إلى قومه، ولعله يعود معهم إلى حرب الإسلام والمسلمين من جديد..

وكل هذا الذي ذكرناه، قد يكوّن معذراً مقبولاً أمام الوجدان، وتبريراً معقولاً لرد طلبه عند العرف والعقلاء..

ثم إنه لم يظهر من حال هذا الأسير ما يشي بصدقه فيما يدَّعيه من الحاجة.. وحتى لو كان صادقاً، فإن حاجته ليست بمستوى حاجة من طوى ثلاثة أيام بدون طعام، فكيف إذا كان هذا الطاوي هو طفلان صغيران. ثم كانا هما الحسن والحسين، ومعهما الزهراء، وعلي أمير المؤمنين (عليهم‌السلام ).

ثم إنه قد كان يمكنهم (عليهم‌السلام ) أن يعطوه بعضاً من ذلك الطعام، ويحتفظوا لأنفسهم بالباقي، أو يحتفظوا بطعام الحسنين (عليهما‌السلام ) على الأقل..

فكل هذه العوامل التي ذكرناها تدعو إلى الإحتفاظ بالطعام..


تضاف إليها العوامل المضادة والمانعة من العطاء، ومن بينها ما هو قوي، ومتناغم مع العواطف والمشاعر الإنسانية، ومع كثير من النقاط التي سجلناها من ابتداء الحديث إلى هنا..

وبعد هذا كله.. فقد جاءت المفاجأة وأعطى هؤلاء الصفوة ذلك الأسير كل ما لديهم، وعرَّضوا أنفسهم للأخطار الجسام. مع أنه قد كان يكفيه بعض ما أعطوه، غير أنهم أرادوا له أن يجد لنفسه قوتاً في أطول زمن يمكنهم أن يمدوه بالقوت فيه..

والبذل في مثل هذه الحالات، وبملاحظة كل تلكم الخصوصيات، هو منتهى الكمال الإنساني، والإيماني، والروحي، وهو الحد الذي لا يصل إليه بشر. إلا إذا كان ذلك البشر هو الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رغم أن عطاءهم في ظاهر الأمر، كان بضعة أقراصٍ من شعير.. لكن الحقيقة هي أن في هذه الأقراص، كل حياتهم، وكل وجودهم، وكل الطهر، والإيمان والإخلاص..

7 ـ السائلون.. هل هم مسلمون؟!:

وقد يحاول البعض أن يدعي: أن المسكين، واليتيم، والأسير، كانوا من المسلمين.

ونقول:

إنه لا مبرر لهذا التخصيص، ولا دليل يثبته، بل إن الأمور التي ركزت الآيات عليها ترجع إلى شعور إنساني فياض، ونبيل، لا يفرق بين مسلم وغيره، فإن لكل كبد حرّى أجر، ومن خلال هذا الشعور الإنساني يتحرك


الإنسان في الإتجاه الصحيح، يرفده بالدفقات الروحية وبالمشاعر الإنسانية حتى يبلغ به إلى الهدف الأقصى، وهو أن يصبح عمله كله لله سبحانه..

هذا كله فضلاً عن أن بعض الروايات قد أشارت إلى أن الأسير الذي سأل هؤلاء الصفوة فأعطوه.. قد أسره المسلمون أنفسهم، ولم نجد في تاريخ الإسلام أن أحد المسلمين قد أسره الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع المشركين حتى احتاج إلى زيارة بيوت الناس للإستجداء..

8 ـ الترتيب هنا عكسه في آيات أخرى:

وبعد.. فإن هذه الآية قد ذكرت المسكين أولاً، ثم اليتيم، ثم الأسير.. ولكننا نجد أنه تعالى حين يعدد أصناف المستحقين للزكاة والخمس.. رتبهم بطريقة مختلفة، فهو يقدم الفقراء، أو اليتامى مثلاً على المساكين.. فما هو السبب يا ترى؟!

وقد يمكن الجواب عن هذا: بأن النظر في تلك الآيات المباركة يحتاج إلى إثبات أن هذا الصنف مستحق لهذا القسط من الخمس.. أو الزكاة، أو الصدقات. وليس ثمة أي اختلاف في ناحية المقدار فيما بين جميع الأصناف. وقد جيء بالعناوين لمجرد أن تكون مشيرة إلى موضوعاتها، ليتعلق الحكم بها.

ولكن الأمر هنا ليس كذلك، إذ إن لنفس هذه العناوين دوراً في إفهام الخصوصيات المطلوبة في المعنى الذي هو بصدد بيانه والتأكيد عليه، وهو ذلك المعنى الإنساني الإلهي العظيم، الذي ألمحنا إلى بعض جوانبه..


9 ـ الإكرام أم الإطعام؟!:

وقد ركزت هذه الآيات على إطعام اليتيم، ولكنه تعالى في آيات أخرى قد تحدث عن إكرامه..

ثم إنه تعالى حين تحدث عن إطعامه أخَّره بالذكر عن المسكين. ولكنه حين تحدث عن إكرامه قدمه بالذكر على المسكين، فقال:( كَلاَ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) (1) .

وقال تعالى:( فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) (2) .

فالدعُّ هو الدفع.. وعدم التقبُّل.. وهذا يعتبر عدواناً على من يفترض في الإنسان المتوازن أن يبادر إلى الترحيب به وإكرامه..

وعدم الحض على طعام المسكين يأتي في المرتبة التالية.. لأن الحالة الظاهرة في المسكين هي حاجته لما يزيل حالة السكون الناشئة عن شدة حاجته..

أما اليتيم فإنه بحاجة إلى المعالجة الروحية، وإلى أن يخرج من دائرة الصدمة، والخوف من المستقبل، وأن يشعر بأنه ليس وحده في هذه الحياة، بل الجميع معه، وإلى جانبه..

فلا بد من ذكره أولاً، لأن سلامة الحالة النفسية، هي الأهم.. وبها

____________

1- الآية 18 من سورة الفجر.

2- الآية 2 من سورة الماعون.


يكون قوام وسلامة شخصيته.. فكيف إذا كان هناك دعٌّ له، وممارسة درجة من العدوان عليه.

أما حين تكون القضية مجرد قضية الحاجة إلى المال.. فإن الأولوية إنما تكون لمن تشتد حاجته للمال.. والمسكين هو الحالة الأصعب بالنسبة لليتيم، والأسير..

10 ـ قصة الإطعام.. وهدف السورة:

هذه السورة تتحدث عن النشأة الإنسانية، ومسيرتها إلى غاياتها في ظل الهداية الإلهية، لتتجلى من ثم أنوار أشرف المخلوقات، من سماء الكرامة والمجد، لتضيء هذه الحياة بأنواع الهدايات إلى صراط الله العزيز الحميد..

وقد ذكر الله سبحانه ذلك، تارة بطريقة البيان لمنازل كرامتهم، وتارة أخرى بأسلوب التجسيد الحي، الذي تتجلى فيه كمالاتهم، وإنسانيتهم، موقفاً وسلوكاً، وطريقة حياة..

فجاءت قصة إطعامهم اليتيم والمسكين والأسير، لتجسد أمام عين الإنسان تلك المضامين. لكي يحس بها، ويتلمسها، ويتمازج لديه المحسوس بالمعقول، ليكون ذلك أوقع في النفس، وأشد في الإقناع، وأرسخ في اليقين(1) .

____________

1- تفسير سورة هل أتى 214 ـ 226.


الفصل السادس:

آية التطهير.. وحديث الكساء..



حديث الكساء:

ويذكر هنا حديث الكساء، ونزول آية التطهير، وقد حصل ذلك قبل شهر، أو قبل أربعين صباحاً، أو قبل ستة، أو سبعة، أو ثمانية، أو تسعة، أو عشرة أشهر، أو سبعة عشر، أو تسعة عشر شهراً من وفاة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. حيث بقي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يمر في كل يوم ببيت علي وفاطمة (عليهما‌السلام )، ويقول:

الصلاة يا أهل البيت،( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

وذلك ليؤكد: أنهم المقصودون بالآية الشريفة دون سواهم. وأن المراد هو: أهل بيت النبوة، لا بيت السكنى.

ولينتشر ذلك في الناس، ولا سيما في تلك الفترة التي تكثر الوفود فيها إلى المدينة، ليعلنوا إسلامهم، ثم يعودون إلى بلادهم.

فراجع في تفصيل الكلام حول هذه القضية، ودلالة الآية، كتابنا: أهل البيت في آية التطهير.

____________

1- الآية 33 من سورة الأحزاب.


وملخص ما جرى:

أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جمع علياً، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم‌السلام ) معه تحت كساء خيبري فدكي، في حجرة أم سلمة وفي يومها، وقال:

اللهم هؤلاء أهل بيتي، وهؤلاء أهلي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً.

فقالت أم سلمة: أدخل معهم يا رسول الله؟!

قال لها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يرحمك الله، أنت على خير، وإلى خير، وما أرضاني عنك، ولكنها خاصة لي ولهم.

ثم مكث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد ذلك بقية عمره، حتى قبضه الله إليه، يأتينا في كل يوم عند طلوع الفجر، فيقول: الصلاة يرحمكم الله،( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) الحديث(2) .

____________

1- الآية 33 من سورة الأحزاب.

2- بحار الأنوار ج10 ص138 وراجع هذه الأحاديث الكثيرة جداً على اختلاف ألفاظها في المصادر التالية: جامع البيان ج22 ص5 و 7 والدر المنثور ج5 ص198 و 199 عنه، وعن ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والخطيب، والترمذي، والحاكم، وصححاه، والبيهقي في سننه، وابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، وفتح القدير ج4 ص279 و 280 وجوامع الجامع ص372


____________

والتسهيل لعلوم التنزيل ج3 ص137 وتأويل الآيات الظاهرة ج2 ص457 ـ 459 والطرائف ص122 ـ 130 والمناقب لابن المغازلي ص301 ـ 307 وشواهد التنزيل ج2 ص11 ـ 92 ومسند الطيالسي ص274 والعمدة لابن بطريق ص31 ـ 46 ومجمع الزوائد ج7 ص91 وج9 ص121 و 119 و 146 و 167ـ 169 و 172 وأسد الغابة ج4 ص49 وج2 ص9 و 12 و 20 وج3 ص413 وج5 ص66 و 174 و 521 و 589 وآية التطهير في أحاديث الفريقين، المجلد الأول كله. وأسباب النزول ص203 ومجمع البيان ج9 ص138 وج8 ص356 و 357 وبحار الأنوار ج35 ص206 ـ 223 وج45 ص199 وج37 ص35 و 36 ونهج الحق ص173 ـ 175 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص182 وصحيح مسلم ج7 ص130 وسعد السعود ص204 و 106 و 107 وذخائر العقبى ص21 ـ 25 و 87 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص405 والإيضاح لابن شاذان ص170 ومسند أحمد ج4 ص107 وج3 ص259 و 285 وج6 ص292 و 298 و 304 وج1 ص331 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص483 ـ 486 وكفاية الطالب ص54 و 242 و 371 و 377 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج1 ص184 و 183 والمعجم الصغير ج1 ص65 و 135 والجامع الصحيح ج5 ص663 و 699 و 351 و 352 وخصائص الإمام علي للنسائي ص49 و 63 والمستدرك على الصحيحين ج2 ص416 وج3 ص172 و 146 و 147 و158 و133 وتلخصيـه للـذهـبي (مطبوع بهـامشـه)، وتفسير القمي ج2


____________

ص193 والتبيان ج8 ص307 ـ 309 والتفسير الحديث ج8 ص261 و 262 ومختصر تاريخ دمشق ج7 ص13 والبرهان (تفسير) ج3 ص309 ـ 325 وتفسير فرات ص332 ـ 340 ووفاء الوفاء ج1 ص450 وراجع: نزهة المجالس ج2 ص222 ومنتخب ذيل المذيل للطبري ص83 وحبيب السير ج1 ص407 وج2 ص11 والشفاء لعياض ج2 ص48 وسير أعلام النبلاء ج10 ص346 و 347 وج3 ص270 و 315 و 385 و 254 والغدير ج1 ص50 وج3 ص196 وإحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص1 ـ 69 وج3 ص513 ـ 531 وج2 ص502 ـ 573 وج14 ص40 ـ 105 وج18 ص359 ـ 383 عن مصادر كثيرة جداً، وسليم بن قيس ص 105 و 52 و 53 وراجع ص100 ونزل الأبرار ص102 ـ 104 و 108 وكنز العمال ج13 ص646 ونوادر الأصول ص69 و 265 والصراط المستقيم ج1 ص184 ـ 188 وقال في جملة ما قال: (أسند نزولها فيهم صاحب كتاب الآيات المنتزعة. وقد وقفه المستنصر بمدرسته، وشرط أن لا يخرج من خزانته. وهو بخط ابن البواب. وفيه سماع لعلي بن هلال الكاتب. وخطه لا يمكن أحد أن يزوره عليه" ومرقاة الوصول ص105 ـ 107 وذكر أخبار أصبهان ج2 ص253 وج1 ص108 وتهذيب التهذيب ج2 ص297 والرياض النضرة ج3 ص152 و 153 ونهج الحق (مطبوع ضمن إحقاق الحق) ج2 ص502 و 563 ومصابيح السنة ج4 ص183 والكشاف ج1 ص369 والإتقان ج2 ص199 و 200 وتذكرة الخواص ص233 وأحكام القرآن لابن عربي ج3 ص1538 والفصول المهمة


____________

لابن الصباغ ص7 و 8 والإصابة ج2 ص509 وج4 ص378 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر (بتحقيق المحموي) ص63 ـ 70 والصواعق المحرقة ص141 ـ 143 و 137 ومتشابه القرآن ومختلفه ج2 ص52 وتفسير نور الثقلين ج4 ص270 ـ 277 وإسعاف الراغبين (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص106 و 107 ونور الأبصار ص110 ـ 112 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص224 ـ 243 والإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج4 ص46 وج3 ص37 وفرائد السمطين ج1 ص316 و 368 وج2 ص10 و 19 و 22 ـ 23 وينابيع المودة ص107 و 167 و 108 و 228 و 229 و 230 و 260 و 15 و 8 و 174 و 294 و 193 والعقد الفريد ج4 ص313 ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص61 ـ 62 وراجع: التاريخ الكبير للبخاري ج1 قسم2 ص69 ـ 70 و 110 وراجع ص197 وكتاب الكنى للبخاري ص25 ـ 26 ونظم درر السمطين ص 133 و 238 و 239 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص207 ـ 209 والنهاية في اللغة ج1 ص446 ولباب التأويل ج3 ص466 والكلمة الغراء (مطبوع مع الفصول المهمة" ص203، 217 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج2 ص104 و 106 وترجمة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص60 ـ 76 والمعتصر من المختصر ج2 ص226 و 267 وراجع أيضاً: المواهب اللدنية ج2 ص122 والمحاسن والمساوئ ج1 ص481 ونفحات اللآهوت ص84 و 85 وتيسير الوصول ج2 ص161 والكافي ج1 ص287 ومنتخب كنز العمال (مطبـوع بهامش مسنـد = = أحمد) ج5 ص96 عن ابن أبي شيبة، وكنز العمال (ط الهند) ج16 ص257 والإتحاف ص18 وتاريخ الإسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) ص44 وأحكام القرآن للجصاص ج5 ص230 وتاريخ بغداد ج10 ص278 وج9 ص26 ـ 27 والمناقب للخوارزمي ص23 و 224 والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص300 ومشكل الآثار ج1 ص332 ـ 339 والسنن الكبرى ج2 ص149 ـ 152 وج7 ص63 والبداية والنهاية ج5 ص321 وج8 ص35 و 205 ومنهاج السنة ج3 ص4 وج4 ص20 وعن ذخائر المواريث ج4 ص293 وعن ميزان الإعتدال ج2 ص17.


وقد احتج علي (عليه‌السلام ) بهذه القضية، وبنزول الآية فيها في يوم الشورى، ثم استدل بها في مسجد المدينة في خلافة عثمان على جماعة من المهاجرين والأنصار، كما سيأتي..

بل واحتج (عليه‌السلام ) بهذه الآية على أبي بكر أيضاً.

فقد روى حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) في حديث قال: قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لأبي بكر: يا أبا بكر تقرأ الكتاب؟!

قال: نعم.

قال: فأخبرني عن قول الله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) في من نزلت؟! فينا؟! أم في غيرنا؟!

____________

1- الآية 33 من سورة الأحزاب.


قال أبو بكر: بل فيكم(1) .

وراجع في تفصيل الكلام حول هذه القضية، وفي دلالة الآية كتابنا: أهل البيت في آية التطهير..

لمحات ضرورية:

غير أن ذلك لا يمنع من تسجيل بعض اللمحات التي ترتبط بهذه الحادثة الهامة جداً هنا أيضاً، وبيان مفاد الآية التي نزلت بهذه المناسبة، وسوف نستلُّها، أو نلخصها من كتابنا: أهل البيت في آية التطهير، وذلك على النحو التالي:

أهل البيت:

قد يراد بالبيت:

1 ـ بيت السكنى. وتكون الألف واللام عهدية، فأهل البيت هم: الناس الساكنون فيه. ولعله هو المقصود بقول الملائكة لزوجة إبراهيم (عليه‌السلام ):

( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ

____________

1- البرهان (تفسير) ج3 ص312 وتفسير القمي ج2 ص156 و 274 وتفسير نور الثقلين ج4 ص187 وغاية المرام ج3 ص199 وبحار الأنوار ج29 ص129 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص122 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص117


حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) (1) .

وزوجة إبراهيم من جملة أهل البيت هنا، لأنها وقعت في الآية مورداً للخطاب المباشر. وهذا الخطاب هو القرينة على ذلك.

وليس هذا المعنى هو المقصود في آية التطهير، إذ قد كان لعلي وفاطمة (عليهما‌السلام )، ومعهما الحسنان (عليهما‌السلام ) أيضاً بيت مستقل عن بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). والدليل على ذلك حديث سد الأبواب.

2 ـ وقد يراد بالبيت: العشيرة والأقارب، كقولك: البيت الأموي، والبيت العلوي أو الهاشمي.. وهذا ما نفاه زيد بن أرقم عن الأزواج، فقد قيل له: أليس نساؤه من أهل بيته؟!

فقال: نساؤه من أهل بيته؟! لكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده..(2) . فإنه قرر: أن نساء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لسن من أهل بيته،

____________

1- الآية 73 من سورة هود.

2- راجع: الدر المنثور ج5 ص199 وصحيح مسلم ج7 ص130 وتفسير القرآن العظيم ج3 ص486 وفتح القدير ج4 ص280 وكنز العمال ج13 ص641 والمواهب اللدنية ج2 ص122 والتفسير الحديث ج8 ص261 والبرهان في تفسير القرآن ج3 ص324 والصواعق المحرقة ص226 وراجع ص227 و 228 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص148 وتهذيب الأسماء واللغات ج1 ص347 وكتاب سليم بن قيس ص104 ونور الأبصار ص110 وإسعاف الراغبين ص108 والإتحاف بحب الأشراف ص22 والسيرة النبوية لدحلان = = ج2 ص300 وراجع: بحار الأنوار ج35 ص229 وكفاية الطالب ص53 (وليس فيه عبارة: نساؤه من أهل بيته؟!) عن مسلم، وأبي داود، وابن ماجة. وفي هامشه عن: مسند أحمد ج4 ص336 وعن كنز العمال ج1 ص45 وعن مشكل الآثار ج4 ص368 وعن أسد الغابة ج2 ص12 وعن المستدرك على الصحيحين ج3 ص109.


لأنهن لم يحرمن الصدقة، وأهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد حرموا منها.

وذلك، لأن قول زيد: نساؤه من أهل بيته؟! إستفهام إنكاري، حذفت منه أداة الإستفهام للتخفيف. والقرينة على ذلك: تعقيبه بعبارة: لكن أهل بيته من حرموا الصدقة بعده.. إذ لو لم يكن إستدراكاً لأجل التصحيح لكان ينبغي أن يقول: نساؤه من أهل بيته وكذا من حرموا الصدقة بعده..

وأصرح من ذلك: ما روي، من أن الحصين سأل زيد بن أرقم: من أهل بيته؟! نساؤوه؟!

قال: لا، وأيم الله، إن المرأة لتكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها.

أهل بيته: أصله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده(1) .

____________

1- صحيح مسلم ج7 ص123 والصراط المستقيم ج1 ص185 وتيسير الوصول ج2 ص161 والبرهان في تفسير القرآن ج3 ص324 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص486 والطـرائـف ص122 وبحـار الأنـوار ج35 ص230 وج23 = = ص117 والعمدة لابن البطريق ص35 والتفسير الحديث ج8 ص261 عن التاج الجامع للأصول ج3 ص308 و 309 وخلاصة عبقات الأنوار ج2 ص64 عن دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب ص227 ـ 231 وإحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص323 عن الجمع بين الصحيحين، والصواعق المحرقة ص148 ونقل أيضاً عن جامع الأصول ج10 ص103.


3 ـ وقد يراد به معنى آخر، يصطلح عليه من يُقْبَلُ منه ذلك، لغرض بعينه، وهذا هوما حصل هنا، فإن المراد بالبيت: بيت النبوة. وأهل هذا البيت: من لهم موقعية، ودور أساس في تحقيق أهداف النبوة، ونشرها وحفظها.

ولأجل ذلك نجد هذا التعبير قد شاع وذاع، ويكفي أن نذكر هنا قول الإمام الحسين (عليه‌السلام ): إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة(1) .

أهل الرجل:

وقد دلت روايات حديث الكساء على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم

____________

1- بحار الأنوار ج44 ص325 والعوالم، الإمام الحسين ص174 ومثير الأحزان لابن نما الحلي ص14 ولواعج الأشجان ص25 واللهوف في قتلى الطفوف ص17 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج1 ص120 وج2 ص209 و 255 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص182 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص615 و 674.


يرض بدخول كل من أم سلمة ولا عائشة، ولا زينب بن جحش في جملة أهل البيت، ومنعهن من دخول أي منهم تحت الكساء، بل قال لأم سلمة: إنك من أهلي، وإنك على خير.

أو قال: إنك من أهلي، وهؤلاء أهل بيتي، أو نحو ذلك. أي أنه أخبرها أنها من أهله، أما من هم تحت الكساء، فهم أهل بيته (أي بما هو نبي ورسول).

لا بما هم من سكان البيت، لأن الأزواج كن يسكن البيت أيضاً، في حين أن علياً وفاطمة والحسنين (عليهم‌السلام ) لم يكونوا كذلك، بل كان لهم بيت سكنى خاص بهم..

ولا بما أنهم عصبته وعشيرته، فإن العباس كان عم الرسول، وأبناء العباس كانوا أبناء عمه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكذلك عقيل رضوان الله تعالى عليه، ولم يدخلهم في هذا الأمر..

أهل البيت في اللغة:

بل في كتب اللغة ما يدل على أن إطلاق كلمة الأهل على الزوجة ليس على نحو الحقيقة. مما يعني: أن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأم سلمة: إنك من أهلي قد جاء على سبيل المجاز، والتوسع في الإطلاق أيضاً.

قال الزبيدي: (ومن المجاز: الأهل للرجل: زوجته، ويدخل فيه الأولاد)(1) .

____________

1- تاج العروس ج1 ص217.


ويفهم من كلام ابن منظور: أن دلالة كلمة: (الأهل) على الزوجة إنما تكون مع القرينة، لا بدونها(1) .

وقال الراغب: (وعبر بأهل الرجل عن امرأته)(2) ، فدل على أن إرادة الزوجة من هذه الكلمة من باب الإطلاق والإستعمال.

آيات سورة الأحزاب:

وحيث إن آية التطهير قد وردت كجزء من آية ترتبط بنساء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقد وقعت الشبهة في شمولها للنساء وعدمه، رغم إصرار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على بيان اختصاصها بفاطمة وبعلها وبنيها (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، فاقتضى الأمر بيان المراد بالآية، وسبب ورود هذه الفقرة في هذا الموضع من الآية فنقول:

إننا نذكر هنا بعض ما أوردنا في كتابنا: أهل البيت في آية التطهير بعين لفظه، فنقول:

قال تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً.

يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً.

____________

1- راجع: لسان العرب ج11 ص38 وراجع: الغدير ج 6 ص170.

2- راجع: مفردات غريب القرآن للراغب ص29 وبحار الأنوار ج70 ص66


وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً.

يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً.

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) .

وتستمر الآيات إلى أن تقول:

( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) (1) .

ثم تستمر الآيات في الحديث عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومعه، ومع المؤمنين في ما يخص شأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فلتراجع.

ونقول:

ألف: إن الظاهر الصريح المستفاد من هذه الآيات هو أن الله سبحانه:

1 ـ قد أمر نبيه الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن يخيِّر نساءه بين الله ورسوله، وبين الحياة الدنيا وزينتها.

2 ـ وأمره بأن يقول لهن:

____________

1- الآيات 28 ـ 37 من سورة الأحزاب.


( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ) .

3 ـ وأمره أيضاً بأن يقول لهن:

( فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) .

( وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) .

( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) .

( وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأولَى ) .

( وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ ) .

( وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) .

4 ـ وبعد أن ينفذ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما طلبه الله منه، ويبلغ هذه الأوامر للنساء، يواصل الله سبحانه خطابه لمقام النبوة، وبيت الرسالة، ليخبره: بأن هذه الأوامر والنواهي التي أمره أن يبلغها لهن، إنما جاءت لأجل الحفاظ على قدسية بيت النبوة، ومهبط الوحي والتنزيل، ومختلف الملائكة.

وعلى هذا الأساس يكون:( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ.. ) . استمراراً لأمر الله تعالى لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقوله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ) ، فهو مقول القول أيضاً، علاوة على ما سبق من تخييرهن بين الدنيا والآخرة.

ب: ولو صرفنا النظر عن ذلك، لأجل الإصرار على أن قوله تعالى:( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ.. ) . إنما هو خطاب منه تعالى للنساء مباشرة؛ فإننا نقول أيضاً: إنه لا يضر فيما نرمي إليه؛ لأنه قد جاء على سبيل


الالتفات إليهن، وتكون النتيجة هي:

1 ـ أنه تعالى، قد أمر نبيه بأن يخير نساءه بين الله ورسوله، وبين الحياة الدنيا وزينتها.

2 ـ ثم التفت الله سبحانه إليهن وخاطبهن مباشرة، بعنوان أنهن منسوبات إلى النبي، لا بعنوان كونهن مجرد نساء. فأمرهن وزجرهن، وقرر لمن تأتي منهن بفاحشة مبينة: أن يضاعف لها العذاب ضعفين، ولمن تطيع الله ورسوله، أن تؤتى أجرها مرتين. وقرر أيضاً: أنهن لسن كأحد من النساء، إن التزمن جانب التقوى والورع.

3 ـ ثم عاد سبحانه وتعالى إلى خطاب مقام النبوة وبيت الرسالة من جديد، موضحاً أن سبب هذا الالتفات إلى الزوجات وعلة ما أصدره إليهن من أوامر وزواجر هو إذهاب الرجس عن هذا البيت، وتطهيره، فإن الحفاظ على قدسية بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، ومختلف الملائكة ضرورة لابد منها، لحفظ الرسالة نفسها.

فالخطاب للنبي ـ كما ظهر من خلال الآيات الشريفة ـ إنما هو من حيث إنه نبي، وصاحب وحي وقداسة إلهية، لا بما هو شخص.

ومن الواضح: أن حفظ بيت النبوة والرسالة، ما هو إلا حفظ للرسالة نفسها.

فالكلام مع النساء إذن، قد جاء على طريق الالتفات إليهن، كالالتفات الذي في قوله تعالى:( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ


اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (1) .

فيلاحظ: أن الحديث قد كان عن الله تعالى بصورة الحديث عن الغائب الرحمان ـ الرحيم ـ مالك، ثم التفت وخاطب الله تعالى مباشرة من موقع الحضور بين يديه تعالى فقال:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) .

الإرادة بماذا تعلقت؟!:

ويظهر من كلام العلماء الأبرار (رضوان الله عليهم): أن الإرادة الإلهية المعبر عنها بقوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ.. ) قد تعلقت أولاً وبالذات بإذهاب الرجس، وبالتطهير(2) .

ولكننا نقول:

إن الظاهر: هو أنها قد تعلقت أولاً وبالذات بأمر آخر، وهو نفس الأوامر والزواجر التي توجهت إلى زوجات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

بيان ذلك:

أنه تعالى قال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) .

ولم يقل: إنما يريد الله أن يذهب، أو إذهاب الرجس عنكم.

ولو أنه قال: يريد أن يذهب الرجس عنكم، لكانت الإرادة متعلقة

____________

1- الآيات 3 ـ 5 من سورة الفاتحة.

2- ستأتي المصادر لذلك إن شاء الله تعالى، حيث الحديث حول انحصار آية التطهير بأهل الكساء.


بنفس الإذهاب؛ وذلك معناه: أن الرجس موجود فيهم، ويريد الله إزالته عنهم. وحاشاهم (صلوات الله عليهم).

بل الصحيح: هو أن الرجس ليس فيهم، بل هو في غيرهم، ويريد الله إزالته عن الغير حفاظاً وإكراماً لـ (أهل البيت) (عليهم‌السلام ) وإفهام الناس ان صدور المخالفات من النساء لا يضر بعصمة وطهارة أهل البيت.

بيان ذلك:

أن كلمة: (إنما) تفيد حصر المقصود، والغاية من الأمر والنهي لنساء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حفظ (أهل البيت) وتطهيرهم.

واللام في (ليذهب) هي لام كي، وهي تفيد التعليل، أي أن ما بعدها يكون علة لما قبلها، كقولك: (جئت لأكرمك)؛ فمدخول اللام، وهو الإكرام، علة لما قبلها وهو المجيء.

فما ذكره البعض من أن متعلق الإرادة هو نفس إذهاب الرجس، ليس على ما يرام لا من حيث التركيب ولا من حيث المعنى حسبما أوضحناه.

بل متعلق الإرادة شيء آخر، ويكون الإذهاب علة لتعلق الإرادة به.

وذلك الشيء الذي تعلقت به الإرادة هنا هو نفس التكاليف، والأوامر والنواهي الصادرة لزوجات الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؛ فإن الله سبحانه قد أراد منهن ذلك لأجل إذهاب الرجس.

وبتعبير آخر: إذهاب الرجس عن (أهل البيت) علة لإرادة الله سبحانه من زوجات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ بالإرادة التشريعية ـ أن يفعلن كذا، أو يتركن كذا.


فلا دلالة في الآية على أن النساء من (أهل البيت)، بل فيها دلالة على العكس إذ لو كانت النساء داخلات في مدلول الآية لكان المناسب أن يقول: إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس، لأن نساءه قد صدر منهن أشياء هي من الرجس ومنها حرب الجمل بقيادة بعض نسائه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

أضف إلى ذلك: أن لا رجس على الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليريد الله إزالته عنه.

ويتضح ذلك، بملاحظة النظائر التي استعملت فيها لام كي، بدلاً من كلمة (أن) في القرآن الكريم، وغيره.

فلاحظ: قوله تعالى في ذيل آية الوضوء والتيمم:( مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) (1) .

أي أن أمره تعالى لكم بالتيمم بدلاً عن الوضوء، إنما هو لأجل أن يطهركم.

فالتطهير لهم علة لإرادة هذا الأمر منهم بالإرادة التشريعية.

وفي مورد آخر، بعد أن ذكر الله تعالى بعض التشريعات والأحكام قال:

( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) (2) .

وقال تعالى في موضع آخر:( بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) (3) .

____________

1- الآية 6من سورة المائدة.

2- الآية 26 من سورة النساء.

3- الآية 5 من سورة القيامة.


وفي مورد آخر يقول تعالى:( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (1) .

ومما يزيد الأمر وضوحاً: أننا نجد آيتين قد تعرضتا لأمر واحد، ولكن إحداهما قد جاءت (بأن) والأخرى (بلام كي)، التي تقدر بعدها أن.

فبعد أن ذكر الله سبحانه قول اليهود والنصارى في عزير، والمسيح، قال:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) .

وقال تعالى في مورد آخر:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (3) .

والسبب في اختلاف التعبير أنهم في المورد الأول (أي في سورة التوبة) قد تعلقت إرادتهم مباشرة في إطفاء نور الله، فاستعمل الله كلمة (أن)، وقال: يريدون أن يطفئوا.

أما في هذا المورد الأخير فقد تعلقت إرادتهم بالافتراء على الله، لأجل أن يطفئوا، فالإطفاء كان داعياً لهم، وعلة وسبباً لتعلق إرادتهم بالافتراء

____________

1- الآية 55 من سورة التوبة.

2- سورة التوبة الآية31 و 32.

3- الآيتان 7 و 8 من سورة الصف.


والكذب، فاستعمل (اللام) فقال: (يريدون ليطفئوا).

ثم رأيت أن الراغب الأصفهاني قد أشار إلى ذلك أيضاً، فقال: (يريدون أن يطفئوا نور الله، يريدون ليطفئوا نور الله.

والفرق بين الموضعين: أن في قوله: (يريدون أن يطفئوا)، يقصدون إطفاء نور الله.

وفي قوله: (ليطفئوا) يقصدون أمراً يتوصلون به إلى إطفاء نور الله)(1) كالانفاق في وجوه الخير مع أن المقصود هو الإضلال أو التسلط على الناس بغير حق. والأمر في آية التطهير كذلك أيضاً كما أوضحناه.

الأولوية القطعية ومفهوم الموافقة:

من الأمور التي لا يجهلها أحد: أن الأولوية القطعية هي من الظهورات اللفظية التي جرى عليها القرآن، كما جرى عليها أهل اللسان في محاوراتهم، وبيان مراداتهم.

والأولوية القطعية، ومفهوم الموافقة هذا موجود هنا أيضاً، ويدل على عصمة (أهل البيت) (عليهم‌السلام ) بشكل قاطع ونهائي.

التوضيح بالمثال:

وتوضيح ذلك بالمثال على النحو التالي:

إنه إذا كان ثمة رجل يعزّ عليك، وتهتم بالحفاظ على مقامه، وترسيخ

____________

1- مفردات غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص305 وتفسير الميزان ج19 ص255.


وتأكيد احترامه، فإنك ستنزعج كثيراً إذا رأيت ولده أو غيره ممن ينتسب إليه يرتكب بعض المخالفات التي تسيء إلى سمعة أبيه، وتدفع بالناس إلى توجيه النقد إلى ذلك الأب، ولسوف تردع ذلك الولد عن فعله ذاك؛ بهدف الحفاظ على كرامة الأب، وسمعته.

أما الولد نفسه، فقد لا يكون واقعاً في دائرة اهتماماتك أصلاً، بحيث لو لم يكن ابناً لذلك الرجل لما تعرضت له، ولما وجدت الدافع القوي في نفسك لأمره ولا لنهيه.

والحال في الآيات الشريفة من هذا القبيل، فإن الرجس ليس في أهل البيت، بل هو في غيرهم، فالله إنما يأمر وينهى نساء النبي الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأن مخالفاتهن سوف تنعكس سلباً على أهل بيت الرسالة أنفسهم. فـ (أهل البيت) هم الأهم ولا يريد الله سبحانه أن ينالهم أدنى رجسٍ أو هنات، ولو على سبيل النسبة المجازية، ولو من طرف خفي، كما لو كان ذلك الرجس صادراً ممن ينسبون إلى ذلك البيت نسبة مجازية، كما تقدم عن أهل اللغة عن زيد بن أرقم، وأوضحه الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حديث الكساء.

وهذا هو غاية الاهتمام بـ (أهل البيت)، وهو يقع في سياق شمولهم بالعنايات والألطاف الإلهية، والتوفيقات الربانية.

ومعنى ذلك كما قلنا: أن الدلالة على الاهتمام الإلهي بطهر (أهل البيت)، وعدم لحوق أي رجس بهم أولاً وبالذات، لسوف تكون أشد وأعظم وأهم، وآكد وأتم.


ثم إنه إذا كان الله تعالى يريد أن يذهب حتى الرجس الذي ينسب إلى (أهل البيت) (عليهم‌السلام )، ولو بالعرض والمجاز، فإنه يريد إذهاب ما يلحق بهم (عليهم‌السلام ) أولاً وبالذات بطريق أولى؛ فنستفيد، بمفهوم الموافقة والأولوية القطعية: أن الله سبحانه قد طهرهم ونزههم فعلاً عن الرجس، لاسيما وأن المقام مقام تعظيم لبيت النبوة، وهو يدخل في نطاق خطة إلهية، تعمل على إبعاد الرجس بكل حالاته ومجالاته، حتى ما كان منه ليس لهم فيه أي اختيار، بأن كان صادراً عن أشخاص آخرين كالزوجات.

فإذا كان الله سبحانه يبادر للمنع من حصول هذا، حتى لَيقرر للزوجات ضعفي العذاب، والثواب لو بدرت منهن أية بادرة، فإن ذلك يكشف عن تصميم إلهي أكيد على أن لا يلحق (أهل البيت) أنفسهم رجس أصلاً، لا أولاً وبالذات ولا ثانياً وبالعرض.

ومما يشير إلى أن الأهمية إنما هي لأهل بيت النبوة لا للزوجات ـ بل هنّ كغيرهن من بني الإنسان، ما ألمحت إليه الآيات التي سبقت الآيات التي هي مورد البحث والتي تحدثت عن أن الله تعالى قد أمر نبيه بأن يخير زوجاته بين الحياة الدنيا وزينتها، فيمتعهن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويسرحهن سراحاً جميلاً.. وبين الله ورسوله، والدار الآخرة، فإن الله ـ والحالة هذه ـ قد أعد للمحسنات منهن أجراً عظيماً.

فهذا التخيير يشير إلى أنه ليس للزوجات أهمية مميزة، وترجيح خاص لهن، بل هن عبء على غيرهن. والمطلوب في الآية التخلص منه.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى أن اللواتي يخترن الله ورسوله قد كن على


قسمين: محسنات وغير محسنات.

أضف إلى ذلك: أن السورة نفسها قد ذكرت بعد ذلك: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان بالخيار بين أن يرجي من يشاء منهن، وأن يؤوي إليه من يشاء.

فكل ذلك يشير بوضوح: إلى أن الأهمية الباعثة على تسجيل الموقف هنا إنما هي للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما هو نبي وقد قال الإمام الحسين (عليه‌السلام ): إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة.

وبيت النبوة له حالات وشؤون يجب مراعاتها وهناك تكاليف ومسؤوليات تجاهه يجب الالتزام بها. خصوصاً من قبل الزوجات وليس المراد (أهل البيت) بمعنى السكن ولا (أهل البيت) بمعنى العشيرة..

وقد أكد ذلك حين اختار أن يخاطبه بالقول:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ) . ويخاطبهن بالقول:( يَا نِسَاء النَّبِيِّ ) . ولم يقل: يا نساء الرسول، أو نحو ذلك. ولم يقل: أيتها النساء، أو يا محمد، حتى لا يفهم الأمر على أنه حديث معه كشخص من الناس. أو يقال: إن الهدف هو الحفاظ على ثقة الناس به وانقيادهم له كرسول، من خلال سلوك زوجاته.

كل ذلك يدل: على أن الأمر والزجر للزوجات لا لخصوصية وامتياز ذاتي لهن، إذ قد ظهر من الآيات أنه يعاملهن معاملةً عادية جداً.

بل الخصوصية هي للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بما هو نبي، وهي التي توجب الحفاظ عليه، ولأجل ذلك قرر سبحانه أن يكون العذاب والثواب لزوجاته ـ أي هذا النبي بما هو نبي ـ ضعفين في صورة المخالفة والموافقة،


حتى إنهن إذا خرجن عن صفة الزوجية للنبي بما هو نبي، فإنهن كما دلت عليه آية التخيير يصبحن كسائر النساء الأُخريات.

ولأجل ما ذكرناه بالذات كان التهديد الإلهي للتين تظاهرتا على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالطلاق، ثم ضرب لهن مثلاً بامرأتي نوح ولوط، وما كان لهما من المصير الذي انتهتا إليه.

هذا.. ونلاحظ أخيراً: أن القرآن قد تحدث في موارد متعددة عن زوجات الرسول بطريقة تُظهر أنهن لسن في منأى عن ارتكاب الذنب، فلتلاحظ آيات سورة الأحزاب، والطلاق، والتحريم.

وقد حكى سبحانه عن صدور مخالفات كبيرة من بعضهن، ولم يمنع من صدور المزيد من ذلك في المستقبل، كما قد حصل ذلك بالفعل ممن خضن منهن حروباً قتلت فيها الألوف من النفوس المسلمة والبريئة، دونما سبب معقول، أو مقبول.

أما (أهل البيت) فقد تحدث الله تعالى عنهم في هذه الآية، وعلى لسان نبيه في عشرات المواقع والمواضع بطريقة مباينة تماماً، لحديثه عن الزوجات، فأوضح أن الله سبحانه قد عصمهم وطهرهم، كما أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد جعلهم بأمر الله عِدْلاً للقرآن، وسفينة للنجاة، والعروة الوثقى، إلى غير ذلك مما يظهر بملاحظة النصوص المشهورة والمتواترة، والتي تفوق حد الحصر والعدّ.

وبذلك كله ظهر: أنه تعالى يريد بأوامره للزوجات أن يتوسل إلى إذهاب الرجس عن (أهل البيت)، وقد جاء التعبير بالإذهاب لا بالإزالة


ربما ليشير إلى أن الرجس ليس فيهم وإنما في غيرهم وهو يتوجه إليهم عن طريق ذلك الغير، لان حلوله في غيرهم (كالزوجات) يهئ لنسبته إليهم بالعرض والمجاز خصوصاً وأن النبي المعصوم بالقطع واليقين من جملتهم..

الإرادة تشريعية:

ومن المعلوم: أن الإرادة على نحوين:

تكوينية: وهي التي تتعلق بفعل المريد نفسه، أي بتكوين الشيء وإيجاده. كالإرادة الإلهية التي تعلقت بإيجاد الزرع والشجر والشمس والقمر.

وتشريعية: وهي التي تتعلق بفعل الغير، على أن يصدر العمل منه باختياره.

وقد اتضح مما تقدم: أن الإرادة الملحوظة في الآيات أولاً وبالذات. لم تتعلق بإزالة الرجس مباشرة لكي تكون إرادة تكوينية، بل هي إرادة تشريعية تعلقت بأوامر وزواجر موجهة إلى زوجات الرسول الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وهي إرادة منبثقة عن إرادة أخرى ـ سيأتي الحديث عنها إن شاء الله ـ تعلقت بإذهاب الرجس عن (أهل البيت)، وتطهيرهم إلى درجة العصمة. والإرادة الأولى قد دلت عليها الآية صراحة، أما الإرادة الثانية فقد دُلّ عليها بمفهوم الموافقة، والأولوية القطعية.

الإرادة التشريعية أولى وأدل:

ولاشك في أن الإرادة التشريعية أشد وآكد، وأكثر رسوخاً وجديةً من إرادة التكوين، في دلالتها على عظيم فضل (أهل البيت) (عليهم‌السلام )


وذلك لأن الله سبحانه وهو في مقام جلاله وعزته يهتم بأن لا يلحق بيت النبوة ـ لا العشيرة ولا بيت السكنى ـ وهم الخمسة أصحاب الكساء أدنى شيء يوجب حزازة وإساءة إليهم ولو من طرف خفي ولو بالانتساب المجازي إليهم، بل هو يضع أحكاماً إلزامية يلزم بها أناساً آخرين ليسوا منهم بل لهم بهم علقة عرضية بسبب مصاهرة توجب الاختلاط بهم. فيأمر أولئك الأغيار وينهاهم ثم يعاقبهم على مخالفة أوامره وزواجره فذلك يكشف عن درجة الاهتمام بأولئك الناس الذين يريد الحفاظ عليهم.

أما لو كانت الإرادة تكوينية وقد تعلقت بإذهاب الرجس عنهم فإنها لا تدل على عظيم فضلهم عنده، إذ لو فرضنا أن إرادة التكوين قد تعلقت بخلق شيء بعينه فإن ذلك لا يدل على عظمة ذلك المخلوق.

وإرادة خلق الذباب لا تدل على عظمة الذباب، بل تدل على الحاجة إليه. كما أن حاجتنا إلى سائق سيارة لا تدل على عظمة ذلك السائق ولا على قداسته نعم قد يكون لذلك السائق قداسته لأسباب أخرى غير مجرد كونه سائقاً.

والأمر هنا كذلك، فإنه حينما يشرع الأمر والنهي لأناس آخرين ويبيّن أنه يضاعف العقاب على المخالفة من أجل الحفاظ على غيرهم فإن العظمة لذلك الغير تصبح ظاهرة ولا حاجة إلى الاستدلال عليها بأكثر من ذلك.

بل قد يقال: لو كانت الإرادة في الآية تكوينية تتعلق بإزالة الرجس عنهم فإن ذلك قد يكون على العجز والضعف أدل، لدلالتها على الحاجة إلى التدخل الإلهي للمساعدة، وهذا التدخل كما يمكن أن يكون للتكريم،


كذلك يمكن أن يكون لظهور الحاجة والضعف.

الخبر الصادق والشهادة الإلهية:

والحاصل: أن الآية تتضمن إخباراً عن أن الله سبحانه يرعى (أهل البيت)، ويريد تطهيرهم من كل رجس، حتى ما كان منه ثانياً وبالعرض.

وذلك يعني: أنهم قد حصلوا على الطهارة التامة بالفعل، فاستحقوا منه هذه العناية التامة وهذا التكريم العظيم فاختصاصهم بهذه العناية الإلهية يتضمن إخباراً صادقاً، وشهادة إلهية(1) بأنهم حاصلون على مزية الطهر، ونفي الرجس، دون كل من عداهم، إلى درجة العصمة التي صرح بها الرسول الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ مستشهداً بهذه الآية (آية التطهير) بالذات حيث قال: (فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب)(2) .

وفي دعاء عرفة يقول الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ): (وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك، وجعلتهم الوسيلة)(3) .

____________

1- وقد نص على أنها تضمنت شهادة إلهية بالطهارة أمير المؤمنين (عليه‌السلام " في خطابه لأبي بكر في أمر فدك، فراجع: علل الشرايع ج1 ص191 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص123 وتفسير القمي ج2 ص156 و 157 إضافة إلى مصادر أخرى تقدمت.

2- ستأتي مصادر هذه الحديث في أواخر هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

3- راجع الصحيفة السجادية الدعاء رقم47.


طريقان آخران: الإلتفات والإعتراض:

ولو سلمنا: أن الآيات تخاطب النساء مباشرة، لا بواسطة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهناك طريقان آخران لبيان اختصاص آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء، وهما:

1 ـ الالتفات:

فإن الإلتفات هو من الأساليب البيانية، التي جرى عليها الناس في محاوراتهم.

وهو يعطي الكلام جمالاً، ورونقاً، وإشراقاً. وله أيضاً فوائد جليلة لأنه يشد السامع، ويثير انتباهه، ويجعله يتطلع لمعرفة هذا الجديد، وإلى سماع المزيد.

وقد استخدم القرآن هذا الأسلوب في كثيرٍ من الموارد، حتى في فاتحة الكتاب، كما تقدم، وكما يكون الإلتفات من الغيبة للخطاب كما ورد في سورة الفاتحة، أو عكسه كذلك قد يكون من شخص لآخر كما في قوله تعالى:( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) (1) .

وحكمة هذا الالتفات في آية التطهير: هو الإشارة إلى أن تأديب الزوجات إنما هو من توابع إذهاب الرجس والدنس عن (أهل البيت)،

____________

1- الآية 29 من سورة يوسف.


وإكراماً لهم حتى لا يلحقهم بسببهن وصمة أو عيب(1) .

2 ـ الاعتراض:

ولنا أن نعتبر قوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ.. ) جملة اعتراضية، إذا صححنا ورود الاعتراض في آخر الكلام، أو اعتبرنا الآيات سابقاً ولاحقاً كلها ذات وحدة واحدةً، جاءت الجملة الاعتراضية فيما بينها؛ للإشارة إلى حيثيات ودوافع الحكم الوارد في الفقرات السابقة واللاحقة.

وهذا الاعتراض ليس فقط قد جاء معقولاً ومقبولاً، بل هو راجح ومطلوب، بل ضروري أيضاً؛ لحكمة ونكتة، وهي بيان هذا الأمر الهام والخطير، أعني أن الإرادة الإلهية قد تعلقت بتطهير (أهل البيت)، ثم هو لبيان الفرق الشاسع بين أهل بيته الحقيقيين، وبين الزوجات اللواتي لا يصح توهم أنهن في مستوى أهل بيت النبوة في العصمة والطهارة.

وبعد هذا فإن الجمل الإعتراضية كثيرة في القرآن، وقد قال تعالى:( فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) (2) .

____________

1- راجع: نفحات اللاهوت ص85 ودلائل الصدق ج2 ص72 والصوارم المهرقة للتستري ص147 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص569.

2- الآيتان 28 و 29 من سورة يوسف.


وقال تعالى:( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) (1) .

وقال تعالى:( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً.. ) .

إلى أن قال:( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) (2) .

وأمثال ذلك في القرآن ليس بعزيز.

مخالفة السياق لأجل القرينة:

ولنفترض: أن السياق القرآني يؤيد كون الخطاب للنساء، فإن رفع اليد عن الظهور السياقي، الذي هو أضعف الظهورات، لأجل وجود قرينة بل قرائن داخلية وخارجية على خلافه، ليس فيه أي محذور.

ويكفي من القرائن الخارجية على ذلك روايات حديث الكساء المتواترة. أما القرائن في الآيات نفسها، فقد ذكرنا بعضها في كتابنا: أهل البيت في آية التطهير. فراجع.

____________

1- الآية 76 من سورة الواقعة.

2- الآيات 13 ـ 16 من سورة لقمان.

وليراجع حول الإلتزام بالإستطراد والإعتراض: تفسير القمي ج2 ص193 ـ 194 والكلمة الغراء (مطبوع مع الفصول المهمة) ص213 ـ 214 ونهج الحق (هامش) ص174.


موقع الإرادة التكوينية:

ولكن ذلك كله لا يعني أن الإرادة التكوينية في نطاق الألطاف والتأييد والتسديد، محظورة الحضور في دلالات الآية المباركة وإشاداتها. فإنها، وإن لم توفق للقاء بها نشاهد لها ظهوراً قوياً في نطاق الدلالة المباشرة إلا أننا نجدها حاضرة بوضوح في الإشارات غير المباشرة، فإن المقام مقام شريف والتعظيم والتكريم، والتأكيد التام على الطهارة الواقعية، وحصرها بأهل البيت بالإستفاد من كلمة (إنما)، وبالتصريح بالإرادة الإلهية، وبتأكيد ذلك بالمفعول المطلق، المنون بتنوين التعظيم، أو التنكير الهادف إلى تعميم الطهارة مورد مورد. وبالإستفادة أيضاً من اللام في كلمة (ليذهب) وبغير ذلك.

الإرادة التكوينية لا تنافي الإختيار:

وكل ما تقدم من إشارات إلى الإرادة التكوينية يحتم علينا المزيد من التوضيح لها، لكي لا يتوهم أحد أنها تؤدي إلى الإعتقاد بالجبر الإلهي الذي لا مجال للقبول به.

ونستطيع أن نزيد في توضيح المراد من الإرادة التكوينية هنا، فنقول:

إن الله تعالى حين أفاض الوجود على المخلوقات، كانت هذه الصفوة تسعى إلى الحصول على أقصى ما يمكن الحصول عليه من ملكات، وميزات وأحوال، تمكنها من الوصول إلى أعلى مقامات القرب والزلفى من الله سبحانه وتعالى. ولم ترد شيئاً غير ذلك، فأفاض سبحانه عليها، ما استحقت الحصول علىه بسعيها، وبتحقيق عبوديتها التامة لله تبارك وتعالى..


ولم يقف الأمر بهم عند هذا الحد، بل وظفوا هذه العطايا والألطاف، والنعم، والملكات والسجايا، والتوفيقات، والإمدادات الغيبية في الحصول على المزيد، شكراً وعرفاناً منهم لله، واعتداداً بفواضله.. فكان لهم المزيد على قاعدة:( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) (1) ، و( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (2) ، و( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (3) .

ومن الواضح: أن هذه الإرادة التكوينية لإعطاء النعم، والمزايا والملكات والسجايا والألطاف تابعة لما اختاروه هم، وهم لا يختارون إلا ما هو خير وصلاح وفلاح ونجاح..

وهذا هو مراد من قال: إن الإرادة في آية التطهير تكوينية لا تشريعية.. ولا يريد به: أن العصمة مخلوقة فيهم، ومفروضة عليهم بصورة جبرية، يفقدون معها الاختيار والقدرة على المخالفة والموافقة..

بل المراد فيما يبدو: أن فطرتهم السليمة وإدراكهم العميق لمساوئ المخالفة، وحسن الطاعة يجعل المخالفة بالنسبة إليهم بمثابة إقدام العاقل المتوازن على شرب السم، من العارف به وبآثاره.

ويجعل الطاعة بمثابة التخلي عن أعظم النعم والملذات من دون مبرر،

____________

1- الآية 17 من سورة محمد.

2- الآية 7 من سورة إبراهيم.

3- الآية 69 من سورة العنكبوت.


وهذا لا يصدر عن عاقل، فكيف بأعقل البشر وأعدلهم مزاجاً، وأصفاهم نفساً، وأطهرهم روحاً؟!

خلاصة وبيان:

إن هناك إرادة تشريعية في الآية، وقد تعلقت بالأوامر والزواجر الموجهة إلى زوجات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو ما تعلقت به كلمة:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ) .

وهي منبثقة عن إرادة تكوينية تعلقت بإبعاد الرجس عنهم، والتطهير لهم. ونستفيد هذه الثانية بالدلالة عليها بمفهوم الموافقة، المستند إلى الإشعار بها من خلال نسبة إذهاب الرجس والتطهير في قوله تعالى:( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ ) و( وَيُطَهِّرَكُمْ ) إلى الله سبحانه. لأن الفاعل لكلا الفعلين المذكورين إنما هو ضمير عائد للفظ الجلالة المتقدم في:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ) .. بالإضافة إلى إشارات أخرى دلتنا عليها.

ولكن هذه الإرادة التكوينية له تعالى، إنما تعلقت بإبعاد الرجس وبالتطهير. ولم تتعلق بنفس الفعل الصادر عن (أهل البيت)؛ حيث إنه تعالى لم يقل: يريد الله أن يجعلكم تفعلون هذا وتجتنبون ذاك مثلاً؛ لتكون إرادتهم مقهورة لإرادته سبحانه تعالى التكوينية.

بل تعلقت بإبعاد الرجس عنهم، بتوجيه الأوامر والنواهي لغيرهم إكراماً لهم، مع إبقاء إرادتهم حرة طليقة، من دون أدنى تعرض لها. بل قد صرف النظر عنها بالكلية.



فصل السابع:

الاسم الأكبر.. وأدعية علي (عليه‌السلام )..



أعرابي يدعو بالإسم الأكبر:

عن خالد بن ربعي قال: إن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) دخل مكة في بعض حوائجه، فوجد أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: يا صاحب البيت، البيت بيتك، والضيف ضيفك. ولكل ضيف من ضيفه قرى، فاجعل قراي منك الليلة المغفرة.

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لأصحابه: (أما تسمعون كلام الأعرابي)؟!

قالوا: نعم.

فقال: الله أكرم من أن يرد ضيفه.

فلما كانت الليلة الثانية وجده متعلقاً بذلك الركن وهو يقول: يا عزيزاً في عزك، فلا أعز منك في عزك، أعزني بعز عزك في عز لا يعلم أحد كيف هو، أتوجه وأتوسل إليك، بحق محمد وآل محمد عليك، أعطني ما لا يعطيني أحد غيرك، واصرف عني ما لا يصرفه أحد غيرك.

قال: فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لأصحابه: هذا والله الاسم الأكبر بالسريانية، أخبرني به حبيبي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، سأله الجنة فأعطاه، وسأله صرف النار وقد صرفها عنه.


قال: فلما كانت الليلة الثالثة وجده وهو متعلق بذلك الركن، وهو يقول: يا من لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان، بلا كيفية كان، ارزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.

قال: فتقدم إليه أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فقال: يا أعرابي سألت ربك القرى فقراك، وسألته الجنة فأعطاك، وسألته أن يصرف عنك النار وقد صرفها عنك، وفي هذه الليلة تسأله أربعة آلاف درهم؟!

قال الأعرابي: من أنت؟!

قال: أنا علي بن أبي طالب.

قال الأعرابي: أنت والله بغيتي، وبك أنزلت حاجتي.

قال: سل يا أعرابي.

قال: أريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي به ديني، وألف درهم أشتري به داراً، وألف درهم أتعيش منه.

قال: أنصفت يا أعرابي، فإذا خرجت من مكة فاسأل عن داري بمدينة الرسول.

فأقام الأعرابي بمكة أسبوعاً، وخرج في طلب أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلى مدينة الرسول، ونادى: من يدلني على دار أمير المؤمنين علي؟!

فقال الحسين بن علي من بين الصبيان: أنا أدلك على دار أمير المؤمنين، وأنا ابنه الحسين بن علي.

فقال الأعرابي: من أبوك؟!


قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

قال: من أمك؟!

قال: فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.

قال: من جدك؟!

قال: رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

قال: من جدتك؟!

قال: خديجة بنت خويلد.

قال: من أخوك.

قال: أبو محمد الحسن بن علي.

قال: لقد أخذت الدنيا بطرفيها، امش إلى أمير المؤمنين وقل له: إن الأعرابي صاحب الضمان بمكة على الباب.

قال: فدخل الحسين بن علي (عليه‌السلام )، فقال: يا أبة، أعرابي بالباب، يزعم أنه صاحب الضمان بمكة.

قال: فقال: يا فاطمة، عندك شيء يأكله الأعرابي؟!

قالت: اللهم لا.

قال: فتلبس أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وخرج، وقال: ادعوا لي أبا عبد الله سلمان الفارسي.

قال: فدخل إليه سلمان الفارسي، فقال: يا با عبد الله، أعرض الحديقة التي غرسها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لي على التجار.


قال: فدخل سلمان إلى السوق وعرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم. وأحضر المال، وأحضر الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعين درهماً نفقه.

ووقع الخبر إلى سؤَّال المدينة فاجتمعوا، ومضى رجل من الأنصار إلى فاطمة (عليها‌السلام ) فأخبرها بذلك، فقالت: آجرك الله في ممشاك.

فجلس علي (عليه‌السلام ) والدراهم مصبوبة بين يديه حتى اجتمع إليه أصحابه، فقبض قبضة قبضة، وجعل يعطي رجلاً رجلاً، حتى لم يبق معه درهم واحد.

فلما أتى المنزل قالت له فاطمة (عليه‌السلام ): يا ابن عم، بعت الحائط الذي غرسه لك والدي؟!

قال: نعم، بخير منه عاجلاً وآجلاً.

قالت: فأين الثمن؟!

قال: دفعته إلى أعين استحييت أن أذلها بذل المسألة قبل أن تسألني.

قالت فاطمة: أنا جائعة، وابناي جائعان، ولا أشك إلا وأنك مثلنا في الجوع، لم يكن لنا منه درهم؟!

وأخذت بطرف ثوب علي (عليه‌السلام )، فقال علي (عليه‌السلام ): يا فاطمة، خليني.

فقالت: لا والله، أو يحكم بيني وبينك أبي.

فهبط جبرئيل (عليه‌السلام ) على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله


فقال: يا محمد، السلام يقرؤك السلام، ويقول: اقرأ علياً مني السلام، وقل لفاطمة: ليس لك أن تضربي على يديه.

فلما أتى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منزل علي وجد فاطمة ملازمة لعلي (عليه‌السلام )، فقال لها: يا بنية ما لك ملازمة لعلي؟!

قالت: يا أبة، باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر ألف درهم، لم يحبس لنا منه درهماً نشتري به طعاماً.

فقال: يا بنية، إن جبرئيل يقرؤني من ربي السلام، ويقول: اقرأ علياً من ربه السلام، وأمرني أن أقول لك: ليس لك أن تضربي على يديه.

قالت فاطمة (عليها‌السلام ): فإني أستغفر الله، ولا أعود أبداً.

قالت فاطمة (عليها‌السلام ): فخرج أبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ناحية وزوجي في ناحية، فما لبث أن أتى أبي ومعه سبعة دراهم سود هجرية، فقال: يا فاطمة، أين ابن عمي؟!

فقلت له: خرج.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): هاك هذه الدراهم، فإذا جاء ابن عمي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً.

فما لبثت إلا يسيراً حتى جاء علي (عليه‌السلام )، فقال: رجع ابن عمي، فإني أجد رائحة طيبة؟!

قالت: نعم، وقد دفع إلي شيئاً تبتاع به لنا طعاماً.

قال علي (عليه‌السلام ): هاتيه، فدفعت إليه سبعة دراهم سوداً هجرية،


فقال: بسم الله، والحمد لله كثيراً طيباً، وهذا من رزق الله عز وجل، ثم قال: يا حسن قم معي، فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض المليِّ الوفي؟!

قال: يا بني نعطيه؟!

قال: إي والله يا أبة.

فأعطاه علي (عليه‌السلام ) الدراهم.

فقال الحسن: يا أبتاه، أعطيته الدراهم كلها؟!

قال: نعم يا بني، إن الذي يعطي القليل قادر على أن يعطي الكثير.

قال: فمضى علي بباب رجل يستقرض منه شيئاً، فلقيه أعرابي ومعه ناقة، فقال: يا علي اشتر مني هذه الناقة.

قال: ليس معي ثمنها.

قال: فإني أنظرك به إلى القبض.

قال: بكم يا أعرابي؟!

قال: بمائة درهم.

قال علي: خذها يا حسن.

فأخذها، فمضى علي (عليه‌السلام )، فلقيه أعرابي آخر، المثال واحد، والثياب مختلفة، فقال: يا علي تبيع الناقة؟!

قال علي: وما تصنع بها؟!

قال: أغزو عليها أول غزوة يغزوها ابن عمك.


قال: إن قبلتها فهي لك بلا ثمن.

قال: معي ثمنها، وبالثمن أشتريها، فبكم اشتريتها؟!

قال: بمائة درهم.

قال الأعرابي: فلك سبعون ومائة درهم.

قال علي (عليه‌السلام ): خذ السبعين والمائة، وسلم الناقة.

والمائة للأعرابي، الذي باعنا الناقة، والسبعين(!!) لنا نبتاع بها شيئاً.

فأخذ الحسن (عليه‌السلام ) الدراهم وسلم الناقة.

قال علي (عليه‌السلام ): فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه ثمنها.

فرأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالساً في مكان لم أره فيه قبل ذلك ولا بعده، على قارعة الطريق، فلما نظر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إليَّ تبسم ضاحكاً حتى بدت نواجذه.

قال علي (عليه‌السلام ): أضحك الله سنك، وبشرك بيومك.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا أبا الحسن، إنك تطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفيه الثمن؟!

فقلت: إي والله فداك أبي وأمي.

فقال: يا أبا الحسن، الذي باعك الناقة جبرئيل، والذي اشتراها منك ميكائيل، والناقة من نوق الجنة، والدراهم من عند رب العالمين عز وجل،


فأنفقها في خير، ولا تخف إقتاراً(1) .

ونقول:

تضمنت هذه الرواية أموراً عديدة تحتاج إلى بيان، نذكر بعضها فيما يلي من عناوين:

هذا في عهد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

تضمنت الرواية المتقدمة تصريحات ودلالات عديدة، على أن هذا قد جرى في أواخر عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وفي حياة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ). وحيث كان الإمام الحسن (عليه‌السلام ) قادراً على التصرف. وكذلك الحسين (عليه‌السلام ) الذي ولد في السنة الرابعة للهجرة، فإنه هو الذي أوصل الأعرابي إلى أبيه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

الاسم الأكبر:

ذكرت الرواية: أن علياً (عليه‌السلام ) قال: إن ما دعا به الأعرابي هو الاسم الأكبر.. وقد أبهم علينا مراده (عليه‌السلام ) بهذا من جهات:

إحداها: هل المراد بالاسم الأكبر هو الاسم الأعظم؟! أم هو تعبير عن

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص44 ـ 47 والأمالي للصدوق المجلس 77 و (ط مؤسسة البعثة) ص553 ـ 557 وروضة الواعظين ص124 ـ 126 وحلية الأبرار ج2 ص273 ـ 277 ومدينة المعاجز ج1 ص113 ـ 119 وشجرة طوبى ج2 ص267 ـ 270.


معنى آخر غيره؟!

الثانية: هل أراد بالاسم الأكبر خصوص ما دعا به في الليلة الثانية؟! أم هو بالإضافة إلى ما دعا به في الليلة الأولى؟!

كلاهما محتمل. وإن كنا نستظهر أن المقصود هو ما دعا به في الليلة الثانية.

الثالثة: هل الاسم الأكبر بالسريانية يختلف عن الذي بالعربية، أو بغيرها من اللغات أم هو نفسه؟! وإذا كان يختلف عنه، فلماذا اختلف؟! وبماذا؟!

الرابعة: هل المراد بالاسم الأكبر أو الأعظم اسماً خاصاً تضمنه بعض العبارات بعينه، وشخص؟!

أو المراد أنها تحكي عن بعض وجوه معناه، ولو بعبارات تختلف وتتفاوت في الوضوح والخفاء في التعبير والجكابة عن المراد من لغة لأخرى ومن مورد لأخر؟! والشاهد على هذا المعنى الأخير أن الدعاء قد تضمن الاسم الأكبر هنا، وتضمن توسلاً إلى الله سبحانه بحق محمد وآل محمد..

الخامسة: لا ندري من أين عرف ذلك الأعرابي الاسم الأكبر؟! فهل هو قد جرى على لسانه بصورة عفوية، ومن دون معرفة تفصيلية له به؟!

أم أن الأعرابي لم يكن رجلاً عادياً، بل هو رجل من أهل الله تبارك وتعالى. أرسله الله تعالى إلى علي (عليه‌السلام ) ليكون السبب تعريف الناس بالاسم الأكبر، وبأهمية الدعاء في تحقيق أعظم النتائج. وفي حصول ما حصل؟!


بحق محمد وآل محمد عليك:

وقد قال الأعرابي وهو يدعو بالاسم الأكبر: (أتوجه إليك، وأتوسل إليك، بحق محمد وآل محمد عليك، أعطني إلخ..).

فقد يثير البعض إشكالاً هنا، فيقول: ليس لأحد حق على الله تعالى، لا محمد ولا غيره، بل الله تعالى له حق على جميع البشر بما فيهم الأنبياء والأوصياء، ومنهم محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأهل بيته الطاهرون (عليهم‌السلام )..

ونقول:

يبدو أن ثمة اشتباهاً في المراد من الحق، فتخيل هذا المعترض: أن المراد به ما يشبه حق الوالد على الولد، والخالق على المخلوق، وليس للنبي وأهل بيته صفة الخالقية ولا الوالدية..

مع أن هذا ليس هو المراد. بل المراد الحق الذي يكون للمخلوق على خالقه، وللولد على والده.. فإن من حق الولد على والده مثلاً: أن يعلمه القرآن، وأن يسميه بالاسم الحسن، وأن يكنيه. وأن يربيه تربية صالحة، وأن يعوله.. وأن.. وأن..

وحق المخلوق على خالقه هو ما قرره الله سبحانه له من حقوق عليه، كل بحسبه فلا يظلمه، ولا يحمله وما لا يطيق، وأن يهيئ له أسباب الهداية والرشاد، وأن يقبل توبته، وأن يستجيب دعاءه الجامع لشرائط الإستجابة، وغير ذلك.

أما إذا كان هذا العبد نبياً، أو وصياً، باذلاً نفسه في ذات الله، فإن ما


وعده الله به، وما تكفل تعالى به له، وما أخذ على نفسه أن يستجيب له فيه لا بد أن يتناسب مع واقع ذلك النبي، ومنزلته عنده تعالى، وقربه منه، ولذلك يكرمه الله تعالى بأن يشفعه في الخلائق، ويقضي حاجاتهم إكراماً له، ويشفي مرضاهم من أجله.. و.. و.. إلخ..

وفي دعاء أبي حمزة: (إلهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك، وإن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك. وأنا والله أعلم أن سرور نبيك أحب إليك من سرور عدوك).

وكمثال على ذلك نذكر: أنه لو كان لأحدهم عدة بنين، وكان فيهم الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فإنه يرى أن عليه أن يستجيب للصالح المطيع المرضي عنده بأضعاف ما يرى أن عليه أن يستجيب فيه للولد العاق والعاصي.

ويتفاوت أولاده عنده في هذا بتفاوت مراتب طاعتهم وصلاحهم.

ولذلك جاء في الدعاء أيضاً قوله: (بحقهم عليك، وبحقك العظيم عليهم).

وفي دعاء أبي حمزة: (لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بكرمك).

علي (عليه‌السلام ) يقول: استجاب الله للأعرابي:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن علياً (عليه‌السلام ) أخبر الأعرابي: أن الله تعالى غفر ذنوبه، وأعطاه الجنة، وصرف عنه النار..


مع أنه (عليه‌السلام ) كان في تلك الأيام في ظل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدل ذلك على أنه (عليه‌السلام ) قد اطلع إما من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إن كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مكة آنئذٍ، أو إن كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أخبره بهذه الواقعة قبل حدوثها. أو أن له طرقاً أخرى للمعرفة بهذه الأمور، وليس في الرواية ما يمكن أن نستدل به على أي من هذين الأمرين..

موعدنا المدينة:

وقد وعد علي (عليه‌السلام ) ذلك الأعرابي: بأن يلبي مطالبه في المدينة، لأنه لم يكن لديه في مكة ما يمكنه أن يتصرف فيه ببيع ولا بغيره، ليقضي حاجة ذلك الأعرابي..

أما في المدينة فكانت له حديقة يمكنه أن يبيعها ليستفيد من ثمنها في هذا السبيل، وهكذا كان..

الحسين بن علي (عليه‌السلام ) بين الصبيان:

تقول الرواية: إن الحسين (عليه‌السلام ) أجاب الأعرابي من بين الصبيان بقوله: أنا أدلك على دار أمير المؤمنين (عليه‌السلام )..

فقد يوهم هذا التعبير: أن الحسين (عليه‌السلام ) كان يلعب مع الصبيان.. وهذا لا يتلاءم مع مقام الإمامة الذي يدعيه له الشيعة.

ونجيب:

إن حضوره بين الصبيان، لا يعني أنه يجاريهم في لعبهم، ويفعل


كفعلهم. فقد تحضر الأم أو المعلمة أو المعلم، أو حتى طفل آخر بين الصبيان ليراقب عملهم، أو ليوجه حركتهم في الإتجاه التربوي أو التعليمي الصحيح، وإن كانوا هم يمارسون حركاتهم تلك، من دون هدف لهم فيها سوى اللعب.

فهي لعب بنظرهم، ومن حيث هدفهم منها، وهي توجيه، وصلاح وتعليم بنظر معلمهم، وما يتوخاه من توجيههم إليها.. وهي منشأ للفكرة والعبرة.. للناظر المراقب لها.

من أبوك؟! من أمك؟!:

ورغم أن الإمام الحسين (عليه‌السلام ) قد أخبر الأعرابي بأنه ابن أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، ولكن الأعرابي عاد ليسأله مرة أخرى: من أبوك؟! ثم سأله: من أمك؟!

ولعل سبب ذلك: أن قول الإمام الحسين (عليه‌السلام ): أنا ابنه، ليس صريحاً فيما يريد الأعرابي أن يتوصل إليه، فإنه قد يكون على سبيل التوسع في الإطلاق. حيث يراد منه الابن المباشر تارة، والابن الذي هو من جملة الذرية أخرى. وربما يطلق على الابن بالتربية والرعاية، وما إلى ذلك.

فأراد الأعرابي أن يتوثق من المراد، وأنه ابنه المباشر. فكرر السؤال عليه، وشفعه بأسئلة أخرى تزيد من تأكيده، وتضيف إليه خصوصيات أخرى له غرض بالتعرف عليها، والتأكد منها، كما أوضحته كلمة الأعرابي أخيراً: (لقد أخذت الدنيا بطرفيها).

أما سؤال الأعرابي للإمام الحسين (عليه‌السلام ) عن أمه، فربما كان


الهدف منه هو التأكد من اتصاله بالرسول عن طريق الأم، وليزيل ـ من ثم ـ احتمال أن يكون قد ولد لعلي (عليه‌السلام ) من أم أخرى غير فاطمة (عليها‌السلام ).

هل تعدت الزهراء (عليها‌السلام ) الحدود؟!:

وذكرت الرواية المتقدمة: أن الزهراء (عليها‌السلام ) قد أخذت بطرف ثوب أمير المؤمنين، لكي ترفع الأمر إلى أبيها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليحكم بينهما..

ونقول:

قال العلامة المجلسي (رحمه‌الله ): (لعل منازعتها صلوات الله عليها إنما كانت ظاهراً لظهور فضله (صلوات الله عليه) على الناس، أو لظهور الحكمة فيما صدر عنه، أو لوجه من الوجوه لا نعرفه)(1) .

أي أنها (عليها‌السلام ) لم تنازعه على الحقيقة، بل هي منازعة ظاهرية أرادت بها إظهار فضل علي (عليه‌السلام )، أو أرادت تعريف الناس بالحكمة التي توخاها مما أقدم عليه..

ونضيف إلى ذلك: أننا نعلم أن من تتصدق على المسكين واليتيم، والأسير بطعام أبنائها الصائمين، وترضى بأن لا يذوقوا شيئاً طيلة ثلاثة أيام لا يمكن تلوم علياً (عليه‌السلام ) حين يتصدق بالدراهم على الفقراء، فإن الدرهم الذي طالبته بالإحتفاظ به لإطعامها.. لا يزيد عن أقراص

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص47.


الشعير التي تصدقت بها في قصة نزول سورة هل أتى، ولا يزيد أيضاً في أهميته على الطعام الذي حرمت منه ولديها، وأطعمته للضيف، وباتت هي وعلي (عليه‌السلام ) يمضغان بألسنتهما..

فلو أبقى لها علي (عليه‌السلام ) دهماً، وجاءها يتيم أو مسكين أو أسير، هل تردهما خاليي الوفاض. وتحتفظ هي بدرهمها، لتأكل هي وتشبع؟!

إن تاريخ الزهراء (عليها‌السلام ) في الفداء والتضحية والإيثار لا يسمح لنا بأن نتصور حصول شيء من ذلك على الإطلاق.

لذلك نقول:

لا بد لنا من تأييد كلام العلامة المجلسي (رحمه‌الله )، ورفع مقامه.

من يقرض المليَّ الوفي:

وقد لاحظنا: أن علياً (عليه‌السلام ) حين أعطى الدراهم السبع لذلك الرجل. إنما أعطاها بموافقة ولده الإمام الحسن (عليه‌السلام )، ليظهر أن ولده على مثل نهجه، وأنه (عليه‌السلام ) لا يفرض قرار الجوع على أبنائه من عند نفسه، بل تلك هي رغبتهم، وبها لذتهم وسعادتهم..

وقد أظهر الإمام الحسن وعلي (عليهما‌السلام ) بذلك أنهما يؤثران صاحب الحاجة، ولو كان ملياً على أنفسهما، لمجرد قضاء حاجته والتوسعة عليه، حتى لو كانا هما في أشد الخصاصة..

المثال واحد والثياب مختلفة:

ولا مجال لقبول ادعاء: أن يكون علي (عليه‌السلام ) لم يلاحظ التشابه


الظاهر فيما بين صاحب الناقة، الذي باعه إياها.. والرجل الآخر الذي اشتراها منه، حيث كان المثال واحداً، والثياب مختلفة..

والسؤال هو: كيف فسَّر (عليه‌السلام ) هذا التوافق والإختلاف بين الرجلين؟!

أم أنه أجرى الأمور وفق سياقها الطبيعي على اعتبار أن الخلق قد يتشابهون إلى هذا الحد، كما هو الحال في التوأمين؟!

أو أنه عرف سرَّ القضية، ولكنه تغافل عنه، حتى يكون رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي يفصح عنه، فإن المصلحة تكمن في هذا؟!

يسأل الأعرابي غرضه من الشراء:

وتقدم: أنه (عليه‌السلام ) سأل الأعرابي عن غرضه من شراء الناقة، ولا يسأل البائع المشتري عادة عن سبب شرائه للسلعة منه، فهل أراد (عليه‌السلام ) أن يطمئن إلى أن الناقة سوف لا تكون في خدمة أغراض غير مشروعة، بل سيستفاد منها في طاعة الله؟! أو أنه عرف أن المشتري من الملائكة، وليس من البشر. فسأله عن ذلك، لأنه رأى الملائكة غير معنيين بالإستفادة من الوسائل المادية في حياتهم.. وربما يكون السبب في هذا السؤال شيئاً آخر، والله هو العالم بحقيقة الحال.

أدعية علي (عليه‌السلام ):

عن عروة بن الزبير، قال:

كنا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله


فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم، ألا أخبركم بأقل القوم مالاً، وأكثرهم ورعاً، وأشدهم اجتهاداً في العبادة؟!

قالوا: من؟!

قال: علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

قال: فوالله، إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه.

ثم انتدب له رجل من الأنصار، فقال له: يا عويمر، لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.

فقال أبو الدرداء: يا قوم، إني قائل ما رأيت، وليقل كل قوم منكم ما رأوا، شهدت علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): بشويحطات النجار، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبعد علي مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين، ونغمة شجي، وهو يقول:

إلهي، كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك. (أو حلمت عني، فقابلتها بنعمتك)، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك.

فشغلني الصوت، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) بعينه، فاستترت له، وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع إلى الدعاء، والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به الله أن قال:


إلهي، أفكر في عفوك، فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك، فتعظم علي بليتي.

ثم قال: آه، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها، وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء.

ثم قال: آه، من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهبات لظى.

قال: ثم أنعم (أمعن. ظ) في البكاء، فلم أسمع له حساً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر.

قال أبو الدرداء: فأتيته، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب.

قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم.

فقالت فاطمة (عليه‌السلام ): يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه ومن قصته؟!

فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله ـ يا أبا الدرداء ـ الغشية التي تأخذه من خشية الله.

ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق. ونظر إليَّ وأنا أبكي، فقال: مم بكاؤك، يا أبا الدرداء؟!

فقلت: مما أراه تنزله بنفسك.


فقال: يا أبا الدرداء، فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء، ورحمني (كذا) أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية.

فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

ونقول:

هنا أمور نحب لفت النظر إليها:

الأول: أبو الدرداء من حزب معاوية:

صرحت الرواية: بأن أبا الدرداء هو الذي حدث بهذا الحديث. وهذا يؤكد لنا صحته، فإن أبا الدرداء لم يكن من محبي علي (عليه‌السلام )، بل كان ليس فقط متعاطفاً مع بني أمية، وإنما هو ـ كأبي هريرة ـ من المتحمسين لهم.

ويكفي أن نذكر: أن معاوية ولاه قضاء دمشق(2) . وكان يثني عليه،

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص11 و 12 وج84 ص194 والأمالي للصدوق ص137 وروضة الواعظين ص112 والدر النظيم ص242 ص111 ومدينة المعاجز ج2 ص79 ومنازل الآخرة ص258 وراجع: مناقب آل أبي طالب 2 ص124 وغاية المرام ج7 ص19.

2- راجع: الإصابة في تمييز الصحابة ج3 ص460 و (ط دار الكتب العلمية) ج4 = = ص621 وأسد الغابة ج4 ص160 وج5 ص186 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج3 ص17 و 18 وج4 ص60 و (ط دار الجيل) ج3 ص1229 والثقات لابن حبان ج3 ص285 وتهذيب التهذيب ج8 ص157 والأعلام للزركلي ج5 ص98 وفتوح البلدان للبلاذري ج1 ص167وسير أعلام النبلاء ج3 ص115 والوافي بالوفيات ج24 ص13.


ويقول: (إلا أبا الدرداء أحد الحكماء)(1) .

ويقول عنه مرة أخرى ـ حسب رواية ولده يزيد عنه ـ: (إن أبا الدرداء من الفقهاء، العلماء الذين يشفون من كل داء)(2) .

وقد اعتزل علياً (عليه‌السلام ) في حرب صفين(3) .

____________

1- الإصابة ج3 ص316 و (ط دار الكتب العلمية) ج5 ص483 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج2 ق2 ص115 و (ط دار صادر) ج2 ص358 وتاريخ مدينة دمشق ج50 ص169 وتهذيب الكمال ج24 ص192 وتهذيب التهذيب ج8 ص394.

2- الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج4 ص60 والتاريخ الكبير للبخاري ج7 ص77 وتاريخ بغداد ج4 ص317 وتاريخ مدينة دمشق ج47 ص120 و 131.

3- الأخبار الطوال للدينوري ص170 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص288 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص18 وصفين للمنقري ص190 وبحار الأنوار ج32 ص451 ومستدرك سفينة البحار ج3 ص268 والكنى والألقاب ج1 ص66 وأعيان الشيعة ج1 ص482.


الثاني: إنكار فضائل علي (عليه‌السلام ):

وقد بينت الرواية المتقدمة مدى إصرار أولئك المجتمعين على إنكار فضائل علي (عليه‌السلام ). فقد أعرض جميع من كان في ذلك المجلس بوجهه.. حتى انتدب رجل أنصاري لأبي الدرداء: ليعلن له موقف تلك الجماعة، وكأنه يطالبه بالشاهد على ما يدعيه..

فإذا كان هذا حال السلف الذين شاهدوا فضائل علي (عليه‌السلام ) بأم أعينهم، وسمعوا أقوال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيه، ومواقفه منه، ووعوها.. ورأوا آيات القرآن تنزل فيه، ثم هم يصرون على تجاهلها وإنكارها إلى هذا الحد، فما بالك بمن لم يسمع ولم ير، وكتمت عنه الحقائق، وربي على البغض والشنآن لعلي، وأهل بيته. هل تراه سيحبه، وسينقل شيئاً فضائله؟!

وألا يثير العجب الذي لا ينقضي من وصول هذا الكم الهائل من فضائله (عليه‌السلام ) إلينا، بواسطة نفس هؤلاء الشانئين له، والمنحرفين عنه؟! أليس هذا من صنع الله تعالى له (عليه‌السلام )؟!

الثالث: ذنوب علي (عليه‌السلام ):

تضمنت هذه الرواية الإشارة إلى أدعية علي (عليه‌السلام ) التي يذكر فيها الذنوب التي يصفها في دعاء كميل: بأنها تقطع الرجاء، وتنزل النقم، وتهتك العصم، وتحبس الدعاء.. ثم يطلب من الله تعالى أن يغفرها له.. مع أن المفروض هو طهارته وعصمته منها بنص آية التطهير، وبغيرها. فكيف


نفسر ذلك؟!

ونجيب:

أولاً: إن الله سبحانه حين شرّع أحكامه، قد شرعها على البشر كلهم، على النبي والوصي المعصوم، وعلى الإنسان العادي غير المعصوم، وعلى العالم والجاهل، وعلى الكبير الطاعن في السن والشاب في مقتبل العمر، وعلى المرأة والرجل، وعلى العربي والأعجمي، وعلى العادل والفاسق.

فيجب على الجميع الصلاة والزكاة والحج، والصدق والأمانة، و.. الخ.. وقد رتبت على كثير من التشريعات مثوبات، وعلى مخالفتها عقوبات.. ينالها الجميع، وتنال الجميع بدون استثناء أيضاً. حتى لو لم يفهموا معاني ألفاظها، ولم يدركوا عمق مراميها، كما لو كانوا لا يعرفون لغة العرب، أو كانوا أميين لم يستضيئوا بنور العلم.

فالثواب المرسوم لمن سبّح تسبيحة الزهراء (عليها‌السلام ) هو كذا حسنة.. لكل من قام بهذا العمل استحق هذه الحسنات.

كما أن لهذه العبادات آثاراً خاصة تترتب على مجرد قراءتها، حتى لو لم يفهم قارؤها معاني كلماتها، فمن قرأ آخر سورة الكهف مثلاً، وأضمر الإستيقاظ لصلاة الصبح في الساعة الفلانية، فإن الإستيقاظ سيتحقق، كما أن من كتب نصاً بعينه يشفي من الحالة الكذائية، فإن الشفاء يتحقق.

كما أن المعراجية للمؤمن المترتبة على الصلاة في قوله (عليه‌السلام ): الصلاة معراج المؤمن. أو القربانية في قوله (عليه‌السلام ): الصلاة قربان كل تقي. سوف تتحقق بالصلاة حتى لو لم يفهم المصلي معاني كلماتها


تفصيلاً، ومرامي حركاتها فإن نفس هذا الاتصال بالله سبحانه بطريقة معينة ومحدودة على شكل صلاة أو زيارة، أو تسبيح وغير ذلك مما شرعه الله سبحانه، مع توفر الإخلاص وقصد القربة والفهم الإجمالي يحقق هذه الآثار، ويقود إليها، إذا كان مع نية القربة وظهور الإنقياد والتعبد لله سبحانه وفق تلك الكيفيات المرسومة من قبله تعالى، وذلك يحقق غرضاً تربوياً، وإيحائياً تلقينياً يريد الله سبحانه له أن يتحقق.

ولأجل ذلك نجد: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويقول في الأذان والإقامة:

أشهد أن محمداً رسول الله.. ويقول ذلك غيره.. ولا يصح منه الأذان ولا الإقامة، ولا يحصل على ثوابهما، ولا على ثواب الصلاة، ولا على آثارها بدون الإتيان بكل ما هو مرسوم فيها.

والرجل والمرأة يقرآن في دعاء واحد: ومن الحور العين برحمتك فزوّجنا.. ولا يعني ذلك: أن تقصد المرأة مضمون هذه الفقرة بالذات وبصورة تفصيلية، بل هي تقصد الإتيان بالمرسوم والمقرر.

وإذا سألت: هل يعقل أن تكون صلاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والولي (عليه‌السلام ) كصلاة أي إنسان عادي آخر من حيث ثوابها، وتأثيراتها؟!

فإن الجواب هو: إن التفاوت إنما يكون فيما ينضم لذلك المرسوم من حالات الإخلاص والإقبال أو ما يصاحبه من تعب وجهد، فالثواب إنما هو بإزاء خصوصية إضافية (كالخشية) الخشوع والرهبة والخضوع التي أنتجتها عوامل أخرى كمعرفة الله سبحانه، وكمال العقل، والسيطرة على الشهوات


والميول وعلى الحواس الظاهرة والباطنة.. أو أي جهد آخر إضافي قد بذل ووعد الله عليه بالمثوبة المناسبة له على اعتبار: أن أفضل الأعمال أحمزها..

فاتضح مما تقدم: أن إتيان المعصوم بالعبادات المرسومة، ومنها الأدعية لا يستلزم أن يكون قد أصبح موضعاً لكل ما فيها من دلالات، فلا يكون استغفاره دليلاً على وقوع الذنب منه.

ثانياً: يقول بعض المهتمين بقضايا العلم: إن أجهزة جسم الإنسان تقوم بوظائف لو أردنا نحن أن نوجدها بوسائلنا البشرية لاحتجنا ربما إلى رصف الكرة الأرضية بأسرها بالأجهزة: هذا على الرغم من أنه إنما يتحدث عن وظائف الجسد وخلاياه التي اكتشفت، مع أنه لم يتم اكتشاف الكثير الكثير منها حتى الآن فضلاً عن سائر جهات وجود هذا الإنسان.

فالله سبحانه يفيض الوجود والطاقة والحيوية على كل أجهزة هذا الجسد وخلاياه لحظة فلحظة، وهذه الفيوضات وطبيعة المهام التي تنتج عنها، وكل هذا التنوع وهذه التفاصيل المحيرة تشير إلى عظمة مبدعها في علمه وفي إحاطته، وفي حكمته، وفي تدبيره، وفي غناه، وفي قدرته و.. و.. و..

فإذا كان النبي والولي المعصومان يدركان هذه النعم التي لولا الله سبحانه لاحتجنا لإنجازها إلى أجهزة تغلف الأرض بكثرتها.

ويعرف أيضاً: بعمق أنه المحل الأعظم لتلك النعم ويعرف عظمتها وتنوعها في مختلف جهات وجوده ويجد ويحس بآثارها في جسده، وفي روحه ونفسه، وكيف أن كل ذرّة في الكون مسخرة لأجله، ولأجل البشر كلهم حسبما صرّح به القرآن الكريم، ويعرف الكثير من أسرار ملكوت الله


سبحانه..

وخلاصته: أن النبي والولي يحس أكثر من كل أحد بقيمة وعظمة واتساع النعم التي يفيضها الله عليه.

فلا غرو إذن إذا كان يرى نفسه ـ مهما فعل ـ مذنباً، ومقصراً لعدم قيامه بواجب الشكر لذلك المنعم العظيم.. بل هو يبكي.. ويبكي من أجل ذلك، ولا يكف عن بذل الجهد.. وحين يقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟!

نجده يقول: أفلا أكون عبداً شكوراً.

ونوضح ذلك بالمثال، فنقول: إن من يريد تقديم هدية لسلطان أو ملك، فإنه قد لا يجد فيما يقدمه ما يناسب جلال السلطان وأبهة الملك، فيرى نفسه مقصراً فيما قدّمه إليه.. بل ومذنباً في حقه.. تماماً كما كان لسان القبّرة التي أهدت لسليمان جرادة كانت في فيها، وذلك لأن الهدايا على مقدار مهديها.

وواضح أن حال المعصوم مع الله تختلف عن حالنا، فهو يعرف الله حق معرفته، ولأجل ذلك فإن عبادته له ليست خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، بل لأنه يراه أهلاً للعبادة، فهو يعبده عبادة العارفين، والعالمين.. كما أنه يعرف أيضاً: أن موقعه يجب أن يكون موقع العبودية التامة، والخالصة، لأنه واقف على حقيقة ذاته في ضعفه، وفي واقع قدراته، وحقيقة قصوره وحاجته إليه في كل آن، كما هو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.. ويرى نفسه مذنباً في هذا التقصير.. وقد يجر عليه ذلك فقدان لطف الله به، وهتك


العصم التي يكون بها قوته وثباته، ثم قطع الرجاء، وحبس الدعاء.. الخ..

ثالثاً: وبتقريب آخر نقول:

إن نسيج الأدعية والأذكار حين يراد له أن يكون دعاءً أو ذكراً مرسوماً للبشر كلهم بجميع فئاتهم، ومختلف طبقاتهم ويلائم جميع حالاتهم، وتوجهاتهم، فإنه يكون ـ بما له من المعنى ـ بحيث يتسع لتطبيقات عامة ومتنوعة، ويجمعها نظام المعنى العام.

ويساعد على اتساع نطاق تلك التطبيقات، ويزيد في تنوعها مدى المعرفة بمقام الألوهية، ومعرفة أياديه ونعمه وأسرار خلقه وخليقته تبارك وتعالى وما إلى ذلك.. من جهة.. ثم معرفة الإنسان بنفسه، وبموقعه، وحالاته.. و.. من جهة أخرى.

فبملاحظة هذا وذاك يجد المعصوم نفسه ـ نبياً كان أو إماماً ـ في موقع التقصير، ويستشعر من ثم المزيد من الذل والخشية، والخشوع له تعالى.

فالقاتل والسارق والكذاب حين يستغفر الله ويتوب إليه، فإنما يستغفر ويتوب من هذه الذنوب التي يشعر بلزوم التخلص من تبعاتها، ويرى أنها هي التي تحبس الدعاء وتنزل عليه البلاء، وتهتك العصم التي تعصمه، ويعتصم بها، وتوجب حلول النقم به.

أما من ارتكب بعض الذنوب الصغائر، كالنظر إلى الأجنبية، أو أنه سلب نملة جلب شعيرة، أو لم يهتم بمؤمن بحسب ما يليق بشأنه.. وما إلى ذلك..

فإنه يستغفر ويتوب من مثل هذه الذنوب أيضاً، ويرى أنها هي التي


تحبس دعاءه، وتهتك العصم التي تعصمه ويعتصم بها، وتحل النقم به من أجلها.

وهناك نوع آخر من الناس لم يقترف ذنباً صغيراً ولا كبيراً، فإنه حين يقصّر في الخشوع والتذلل أمام الله سبحانه، ولا يجد في نفسه التوجه الكافي إلى الله في دعائه وابتهاله، بل يذهب ذهنه يميناً وشمالاً.. فإنه يجد نفسه في موقع المذنب مع ربه، والعاقّ لسيده، والمستهتر بمولاه. وهذه ذنوب كبيرة بنظره، لا بد له من التوبة والإستغفار منها.. وهي قد توجب عنده هتك العصم التي اعتصم بها، وحلول النقم، وحبس الدعاء، وقطع الرجاء، وما إلى ذلك.

أما حين يبلغ في معرفته بالله سبحانه مقامات سامية، كما هو الحال بالنسبة لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )، أو بالنسبة لرسول رب العالمين، فإنه لا يجد في شيء مما يقوم به من عبادة ودعاء وابتهال: أنه يليق بمقام العزة الإلهية.

بل هو يعد الإلتفات إلى أصل المأكل والمشرب والإقتصار على مثل هذه الطاعات تقصيراً خطيراً يحتاج إلى الخروج عنه إلى ما هو أسمى وأسنى، وأوفق بجلال وعظمة الله سبحانه، وبنعمه وبفضله وإحسانه وكرمه..

وهذا التقصير ـ بنظره ـ لا بد أن ينتهي إلى الحرمان من النعم الجلّى، التي يترصّدها، حينما لا يصل إلى درجات تؤهله لتقبلها، وكذلك الحال بالنسبة إلى نفوذ دعائه وحجبه عن أن يستنزل العطايا الإلهية الكبرى، أو


يرتفع به إلى مقامات سامية يطمع بها، ويطمح إليها.. كما أن النبي والوصي قد يجد نفسه غير متمكن من العصم التي يريد لها أن تكون منطلقاً قوياً يدفع به إلى ما هو أعلى وأسمى، وأجل.

وبعبارة أخرى: إنهم يرون: أن عملهم هو من القلّة والقصور بحيث يوجب حجب الدعاء، ووقوعهم بالبلاء، ومن حيث أنه غير قادر على النهوض بهم بصورة أسرع وأتم ليفتح لهم تلك الآفاق التي يطمحون لارتيادها، ما دام أن شوقهم إلى لقاء الله يدعوهم إلى الطموح إلى طي تلك المنازل بأسرع مما يمكن تصوره.

فما يستغفر منه الأنبياء والأوصياء، وما يعتبرونه ذنباً وجرماً.. إنما هو في دائرة مراتب القرب والرضا وتجليات الألطاف الإلهية.. وكل مرتبة تالية تكون كمالاً بالنسبة لما سبقها، وفي هذه الدائرة بالذات يكون تغيير النعم، ونزول النقم، وهتك العصم الخ.. بحسب ما يتناسب مع الغايات التي هي محطّ نظرهم (عليه‌السلام ).

والخلاصة: إن كل فئة من هؤلاء إنما تقصد الإستغفار والتوبة تطبيقاً للمعنى الذي يناسب حالها، وموقعها وفهمها ووعيها، وطموحاتها وخصوصيات شخصيتها، وحياتها وفكرها وواقعها الذي تعيشه، أي أنهم يقرؤون الأدعية ويفهمونها، ويقصدون من تطبيقات معانيها ما يناسب حال كل منهم، وينسجم مع معارفهم، وطموحاتهم.. ولكنها على كل حال أدعية مرسومة على البشر كلهم، وللبشر كلهم.


لفت نظر:

وأخيراً.. فإننا نلفت القارئ الكريم إلى الأمور التالية:

أولاً: إن إنكار البعض أن يكون دعاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أو الإمام (عليه‌السلام ) تعليمياً، ليس في محله، إذ لا ريب في أن ثمة أدعية قد جاءت على سبيل التعليم للناس، وبالأخص بعض الأدعية التي تعالج حالات معينة كالأدعية التي لبعض الأمراض أو لدفع الوسوسة أو لبعض الحاجات، وما إلى ذلك.. أو تريد بيان التشريع الإلهي للدعاء في مورد معين وقد لا يكون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أو الإمام (عليه‌السلام ) مورداً لذلك التشريع لسبب أو لآخر..

ثانياً: قوله: إن الإمام إنما يدعو الله من حيث هو إنسان، لا يحل المشكلة، فإنه إذا كان هذا الإنسان لم يرتكب ذنباً، ولا اقترف جريمة، فلماذا يطلب المغفرة الإلهية؟! ولماذا يبكي ويخشع؟! فإن الإنسانية من حيث هي لا تلازم كونه عاصياً.

وإن كان قد أذنب وأجرم بالفعل، فأين هي العصمة؟! وأين هو الجبر الإلهي ـ المزعوم من قبل هذا البعض ـ في عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟!.

ثالثاً: إن من الواضح: أن الذنوب المشار إليها في الأدعية لم يرتكبها الداعي جميعاً، فكيف إذا كان هذا الداعي هو المعصوم كما اعترف به هذا البعض.. وذلك يشير إلى صحة ما ذكرناه في الوجوه التي أشرنا إليها آنفاً وخصوصاً الأخيرة منها


رابعاً: إن المراد بالمغفرة في بعض نصوص الأدعية خصوصاً بالنسبة الى المعصوم، هو مرحلة دفع المعصية عنه، لا رفع آثارها بعد وقوعها..

كما أن الطلب والدعاء في موارد كثيرة قد يكون وارداً على طريقة الفرض والتقدير، بمعنى أنه يعلن أن لطف الله سبحانه هو الحافظ، والعاصم.. ولكن المعصوم يفرض ذلك واقعاً منه لا محالة لو لم يكن الله يكفي بلطف منه، فهو على حد قول أمير المؤمنين (عليه‌السلام )..

(لست بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني)(1) .

وقد شرحنا هذه الكلمة في بحث مستقل (كُتَيِّب)، بعنوان: (لست بفوق أن أخطئ) فليراجعه من أراد..

____________

1- الكافي ج8 ص293 وبحار الأنوار ج27 ص253 وج41 ص154 وج74 ص358 و 359 ونهج البلاغة (ط دار التعارف بيروت) ص245 وتفسير الآلوسي ج22 ص18.


الفصل الثامن:

حديث الطير..



حديث الطير في النصوص:

نذكر هنا عدداً من نصوص حديث الطير، وهي التالية:

1 ـ عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه ، عن علي (عليهم‌السلام ) قال: كنت أنا ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المسجد بعد أن صلى الفجر. ثم نهض ونهضت معه، وكان إذا أراد أن يتجه إلى موضع أعلمني بذلك، فكان إذا أبطأ في الموضع صرت إليه لأعرف خبره، لأنه لا يتقار قلبي على فراقه ساعة، فقال لي: أنا متجه إلى بيت عائشة.

فمضى ومضيت إلى بيت فاطمة (عليها‌السلام )، فلم أزل مع الحسن والحسين، وهي وأنا مسروران بهما، ثم إني نهضت وصرت إلى باب عائشة، فطرقت الباب، فقالت لي عائشة: من هذا؟!

فقلت لها: أنا علي.

فقالت: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) راقد.

فانصرفت ثم قلت: النبي راقد وعائشة في الدار؟! فرجعت وطرقت الباب.

فقالت لي عائشة: من هذا؟!

فقلت: أنا علي.


فقالت: إن النبي على حاجة.

فانثنيت مستحيياً من دقي الباب، ووجدت في صدري ما لا أستطيع عليه صبراً.

فرجعت مسرعاً، فدققت الباب دقاً عنيفاً.

فقالت لي عائشة: من هذا؟

فقلت: أنا علي، فسمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول لها: يا عائشة، افتحي [له] الباب.

ففتحت، فدخلت.

فقال لي: اقعد يا أبا الحسن، أحدثك بما أنا فيه، أو تحدثني بإبطائك عني؟!

فقلت: يا رسول الله، [حدثني]، فإن حديثك أحسن.

فقال: يا أبا الحسن، كنت في أمر كتمته من ألم الجوع، فلما دخلت بيت عائشة وأطلت القعود ليس عندها شيء تأتي به مددت يدي وسألت الله القريب المجيب، فهبط علي حبيبي جبرئيل (عليه‌السلام ) ومعه هذا الطير ـ ووضع أصبعه على طائر بين يديه ـ فقال: إن الله عز وجل أوحى إلي أن آخذ هذا الطير، وهو أطيب طعام في الجنة، فأتيتك به يا محمد.

فحمدت الله كثيراً، وعرج جبرئيل، فرفعت يدي إلى السماء، فقلت: اللهم يسر عبداً يحبك ويحبني يأكل معي هذا الطائر.

فمكثت ملياً فلم أر أحداً يطرق الباب، فرفعت يدي ثم قلت: اللهم


يسر عبداً يحبك ويحبني، وتحبه وأحبه، يأكل معي هذا الطائر، فسمعت طرقك للباب وارتفاع صوتك، فقلت لعائشة: أدخلي علياً، فدخلت، فلم أزل حامداً لله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني، ويحبك الله وأحبك، فكل يا علي.

فلما أكلت أنا والنبي الطائر قال لي: يا علي حدثني.

فقلت: يا رسول الله، لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعاً، ثم نهضت أريدك، فجئت، فطرقت الباب، فقالت لي عائشة: من هذا؟!

فقلت لها: أنا علي.

فقالت: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) راقد.

فانصرف، فلما صرت إلى الطريق الذي سلكته رجعت، فقلت: النبي راقد وعائشة في الدار لا يكون هذا.

فجئت، فطرقت الباب، فقالت لي: من هذا؟!

فقلت لها: أنا علي.

فقالت: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على حاجة.

فانصرفت مستحيياً، فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة، وجدت في قلبي ما لا أستطيع عليه صبراً، وقلت: النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على حاجة وعائشة في الدار.

فرجعت، فدققت الباب الدق الذي سمعته، فسمعتك يا رسول الله


وأنت تقول لها: ادخلي علياً.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أبيت إلا أن يكون الأمر هكذا يا حميراء، ما حملك على هذا؟!

فقالت: يا رسول الله، اشتهيت أن يكون أبي يأكل من الطير!

فقال لها: ما هو بأول ضغن بينك وبين علي. وقد وقفت على ما في قلبك لعلي. إنك لتقاتلينه!

فقالت: يا رسول الله، وتكون النساء يقاتلن الرجال؟!

فقال لها: يا عائشة، إنك لتقاتلين علياً، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أصحابي، فيحملونك عليه.

وليكونن في قتالك له أمر تتحدث به الأولون والآخرون.

وعلامة ذلك: أنك تركبين الشيطان، ثم تبتلين قبل أن تبلغي إلى الموضع الذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوأب، فتسألين الرجوع، فيشهد عندك قسامة أربعين رجلاً ما هي كلاب الحوأب، فتصيرين إلى بلد أهله أنصارك، هو أبعد بلاد على الأرض إلى السماء، وأقربها إلى الماء.

ولترجعين وأنت صاغرة، غير بالغة [إلى] ما تريدين.

ويكون هذا الذي يردك مع من يثق به من أصحابه، إنه لك خير منك له، ولينذرنك ما يكون الفراق بيني وبينك في الآخرة، وكل من فرق علي بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائز.


فقالت: يا رسول الله، ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني!

فقال لها: هيهات هيهات، والذي نفسي بيده، ليكونن ما قلت، حتى كأني أراه.

ثم قال لي: قم يا علي، فقد وجبت صلاة الظهر، حتى آمر بلالاً بالأذان، فأذن بلال، وأقام الصلاة، وصلى، وصليت معه، ولم نزل في المسجد(1) .

2 ـ عن أنس بن مالك قال: دخلت على محمد بن الحجاج، فقال: يا أبا حمزة، حدثنا عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حديثاً ليس بينك وبينه فيه أحد.

فقلت: تحدثوا، فإن الحديث شجون يجر بعضه بعضاً.

فذكر أنس حديثاً عن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فقال له محمد بن الحجاج: عن أبي تراب تحدثنا؟! دعنا من أبي تراب!

فغضب أنس، وقال: لعلي تقول هذا؟! أما والله، إذ قلت هذا، فلأحدثنك بحديث فيه سمعته من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

أهديت له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعاقيب، فأكل منها، وفضلت فضلة، وشيء من خبز، فلما أصبح أتيته به، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطائر.

____________

1- بحار الأنوار ج38 ص348 ـ 350 وج32 ص277 ـ 278 والإحتجاج ج1 ص292 ـ 294 ومدينة المعاجز ج1 ص388 ـ 392


فجاء رجل، فضرب الباب، فرجوت أن يكون من الأنصار، فإذا أنا بعلي (عليه‌السلام )، فقلت: أليس إنما جئت الساعة فرجعت؟!

ثم قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر.

فجاء رجل، فضرب الباب، فإذا به علي (عليه‌السلام )، فسمعه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: اللهم وإلي، اللهم وإلي(1) .

3 ـ عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن أبي هدبة، قال: رأيت أنس بن مالك معصوباً بعصابة، فسألته عنها، فقال: هذه دعوة علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

فقلت له: وكيف كان ذاك؟!

فقال: كنت خادماً لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأهدي إليه طائر مشوي، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلي، يأكل معي من هذا الطائر.

فجاء علي (عليه‌السلام )، فقلت له: رسول الله عنك مشغول، وأحببت أن يكون رجلاً من قومي، فرفع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- بحار الأنوار ج38 ص356 ـ 357 والعمدة لابن البطريق ص244 ونهج الإيمان ص332 وغاية المرام ج5 ص70 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص352 و 357 وج16 ص197 عن مناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي (ط طهران ) ص157.


يديه الثانية، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلي، يأكل معي من هذا الطائر.

فجاء علي (عليه‌السلام )، فقلت له: رسول الله عنك مشغول، وأحببت أن يكون رجلاً من قومي، فرفع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يديه الثالثة، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلي، يأكل معي من هذا الطائر.

فجاء علي (عليه‌السلام )، فقلت له: رسول الله عنك مشغول، وأحببت أن يكون رجلاً من قومي.

فرفع علي (عليه‌السلام ) صوته، فقال: وما يشغل رسول الله عني؟!

فسمعه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: يا أنس، من هذا؟!

فقلت: علي بن أبي طالب.

قال: ائذن له.

فلما دخل قال له: يا علي، إني قد دعوت الله عز وجل ثلاث مرات أن يأتيني بأحب خلقه إليه وإلي يأكل معي من هذا الطائر ، ولو لم تجئني في الثالثة لدعوت الله باسمك أن يأتيني بك.

فقال علي (عليه‌السلام ): يا رسول الله، إني قد جئت ثلاث مرات، كل ذلك يردني أنس ويقول: رسول الله عنك مشغول.

فقال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا أنس ما حملك على هذا؟!

فقلت: يا رسول الله، سمعت الدعوة، فأحببت أن يكون رجلاً من قومي.


فلما كان يوم الدار استشهدني علي (عليه‌السلام ) فكتمته، فقلت: إني نسيته، فرفع علي (عليه‌السلام ) يده إلى السماء، فقال: اللهم ارم أنساً بوضح لا يستره من الناس، ثم كشف العصابة عن رأسه، فقال: هذه دعوة علي، هذه دعوة علي، هذه دعوة علي(1) .

4 ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: صنعت امرأة من الأنصار لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أربعة أرغفة، وذبحت له دجاجة، فطبختها، فقدمته بين يدي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فبعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أبي بكر وعمر، فأتياه. ثم رفع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم سق إلينا رجلاً رابعاً محباً لك ولرسولك، تحبه اللهم أنت ورسولك، فيشركنا في طعامنا، وبارك لنا فيه. ثم قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم اجعله علي بن أبي طالب.

قال: فوالله، ما كان بأوشك أن طلع علي بن أبي طالب.

فكبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال: الحمد لله الذي سرى بكم جميعاً، وجمعه وأياكم. ثم قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): انظروا، هل ترون بالباب أحداً.

قال جابر: وكنت أنا وابن مسعود، فأمر بنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ،

____________

1- الأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة سنة 1417هـ) ص753 وراجع: روضة الواعظين ص130 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص115 وبحار الأنوار ج38 ص352 وج57 ص301


فأدخلنا عليه، فجلسنا معه. ثم دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتلك الأرغفة، فكسرها بيده، ثم غرف عليها من تلك الدجاجة، ودعا بالبركة، فأكلنا جميعاً حتى تملأنا شبعاً وبقيت فضلة لأهل البيت(1) .

5 ـ وفي نص آخر: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي (عليه‌السلام ): ما أبطأك؟!

قال: هذه ثالثة، ويردني أنس.

قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا أنس، ما حملك على ما صنعت؟!

قال: رجوت أن يكون رجلاً من الأنصار!

فقال لي: يا أنس، أوفي الأنصار خير من علي؟! أوفي الأنصار أفضل من علي؟!(2) .

ونقول:

____________

1- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص105 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص245 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص204 وج16 ص215 وج30 ص254 وعن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج17 ص361 والمناقب للخوارزمي ص77.

2- بحار الأنوار ج38 ص356 عن ابن المغازلي، والطرائف ص18 و (ط الخيام ـ قم) ص73 وإحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص232 عن التبر الذاب، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص166 وحياة الحيوان ج2 ص297 ونزهة المجالس ج2 ص212 والصراط المستقيم ج1 ص193 وكتاب الأربعين للماحوزي ص449.


في هذا الحديث وقفات عديدة، نذكرمنها ما يلي:

رواة حديث الطير:

إن رواة حديث الطير كثيرون ونحن نذكر أقوال بعض أهل العلم، الذين أشاروا إلى هذا الأمر، فنقول:

1 ـ قال ابن شهرآشوب: روى حديث الطير جماعة منهم: الترمذي في جامعه، وأبو نعيم في حلية الأولياء، والبلاذري في تاريخه، والخركوشي في شرف المصطفى، والسمعاني في فضائل الصحابة، والطبري في الولاية، وابن البيع في الصحيح، وأبو يعلى في المسند، وأحمد في الفضائل، والنطنزي في الإختصاص.

وقد رواه محمد بن إسحاق، ومحمد بن يحيى الأزدي، وسعيد، والمازني، وابن شاهين، والسدي، وأبو بكر البيهقي، ومالك، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد الملك بن عمير، ومسعر بن كدام، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو حاتم الرازي، بأسانيدهم عن: أنس، وابن عباس، وأم أيمن.

ورواه ابن بطة في الإبانة من طريقين، والخطيب وأبو بكر في تاريخ بغداد من سبعة طرق.

وقد صنف أحمد بن محمد بن سعيد كتاب الطير.

وقال القاضي أحمد: قد صح عندي حديث الطير.

وقال أبو عبد الله البصري: إن طريقة أبي عبد الله الجبائي في تصحيح


الأخبار يقتضي القول بصحة هذا الخبر، لإيراده يوم الشورى، فلم ينكر.

قال الشيخ: قد استدل به أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على فضله في قصة الشورى بمحضر من أهلها، فما كان فيهم إلا من عرفه وأقر به، والعلم بذلك كالعلم بالشورى نفسها، فصار متواتراً.

وليس في الأمة على اختلافها من دفع هذا الخبر.

وحدثني أبو العزيز كادش العكبري، عن أبي طالب الحربي العشاري، عن ابن شاهين الواعظ في كتابه (ما قرب سنده) قال: حدثني نصر بن أبي القاسم الفرائضي، قال: محمد بن عيسى الجوهري، قال: قال نعيم بن سالم بن قنبر، قال: قال أنس بن مالك، الخبر.

وقد أخرجه علي بن إبراهيم في كتاب قرب الإسناد، وقد رواه خمسة وثلاثون رجلاً من الصحابة عن أنس، وعشرة عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقد صح: أن الله تعالى والنبي يحبانه، وما صح ذلك لغيره، فيجب الإقتداء به، ومن عزى خبر الطائر إليه قصر الإمامة عليه(1) .

ورواه أحمد بن حنبل في مسنده عن سفينة مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص114 و 115 وبحار الأنوار ج38 ص351 و 352.

2- بحار الأنوار ج38 ص355 والطرائف ص18 و (ط الخيام ـ قم) ص73 وكتاب الأربعين للماحوزي ص448.


واحتج به علي (عليه‌السلام ) يوم الشورى، وأقروا له به، وإقرارهم به بمثابة رواية له..

وقال المجلسي (رضوان الله تعالى عليه): (ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتابه من نحو أكثر من ثلاثين طريقاً، فمنها ما يدل على أن ذلك قد وقع من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في طائر آخر)(1) .

قال أسلم: روى هذا الحديث عن أنس بن مالك: يوسف بن إبراهيم الواسطي، وإسماعيل بن سليمان الأزرق، وإسماعيل السدي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ويمامة بن عبد الله بن أنس، وسعيد بن زربى.

قال ابن سمعان: سعيد بن زربى. إنما حدث به عن أنس، وقد روى جماعة عن أنس، منهم: سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن عمير، ومسلم الملائي، وسليمان بن الحجاج الطائفي، وابن أبي الرجاء الكوفي، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، ونعيم بن سالم، وغيرهم

أقول: روى ابن بطريق هذا الخبر بعبارات قريبة المضامين من مسند أحمد بسند، ومن مناقب ابن المغازلي بأربعة وعشرين سنداً، ومن سنن أبي داود بسندين.

وقال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب الفصول، عند اعتراض السائل: بأن هذا الخبر من أخبار الآحاد، لأنه إنما رواه أنس بن مالك وحده، فأجاب: بأن الأمة بأجمعها قد تلقته بالقبول، ولم يروا أن أحداً رده

____________

1- بحار الأنوار ج38 ص355.


على أنس، ولا أنكر صحته عند روايته، فصار الإجماع عليه هو الحجة في صوابه.

مع أن التواتر قد ورد بأن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) احتج به في مناقبه يوم الدار، فقال: أنشدكم الله، هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فجاء أحد غيري؟!

قالوا: اللهم لا.

قال: اللهم اشهد.

فاعترف الجميع بصحته، ولم يكن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ليحتج بباطل، لا سيما وهو في مقام المنازعة، والتوصل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الإمامة والخلافة للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وإحاطة علمه بأن الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه، مع قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار(1) .

ما ذكره صاحب العبقات:

وذكر العلامة المتبحر السيد حامد حسين الموسوي الهندي في كتابه عقبات الأنوار، الجزء الرابع: طائفة من أسماء رواة حديث الطير، بلغوا

____________

1- الفصول المختارة ص97 وبحار الأنوار ج10 ص431 و 432 وج38 ص357 و 358.


(91) شخصاً منهم: أبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وعباد بن يعقوب الرواحبي، وغيرهم. وعد (250) كتاباً من مؤلفات أهل السنة نقلت هذا الحديث.

وقال الخوارزمي: (أخرج الحافظ ابن مردويه هذا الحديث بمئة وعشرين إسناداً)(1) .

وقال الذهبي في ترجمة الحاكم النيسابوري: وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً، قد أفردتها بمصنف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل(2) .

المؤلفات في طرق حديث الطير:

وذكر صاحب عقبات الأنوار ثمانية كتب ألفت في طرق حديث الطير، وهي:

1 ـ طرق حديث الطير وألفاظه، لمحمد بن جرير الطبري المفسر، وصاحب التاريخ، والمتوفي سنة 310هـ

____________

1- مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص46 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص329

2- تذكرة الحفاظ ج3 ص1042 والطبقات الشافعية ج4 ص165 الطبقة الثانية. وخلاصة عبقات الأنوار ج7 ص179 والغدير ج1 ص156 وتحفة الأحوذي ج10 ص154 وفتح الملك العلى للمغربي ص13.


2 ـ كتاب حديث الطير، لأحمد بن محمد بن سعيد، المعروف بإبن عقدة المتوفى سنة 333هـ

3 ـ كتاب طرق حديث الطائر، لأبي عبيد الله بن أحمد الأنباري المتوفى سنة 356هـ

4 ـ كتاب جمع طرق حديث الطير، لأبي عبد الله الحاكم النيشابوري، المعروف بـ (ابن البيع) صاحب المستدرك على الصحيحين، المتوفى سنة 407هـ

5 ـ كتاب طرق حديث الطير، لأحمد بن موسى بن مردويه الأصفهاني، المتوفى سنة 410.

6 ـ كتاب الطير لأبي نعيم، أحمد بن عبد الله الأصفهاني، المتوفى سنة 430.

7 ـ كتاب طرق حديث الطير، لأبي طاهر محمد بن أحمد بن علي، المعروف بابن حمدان، المتوفى سنة 441هـ

8 ـ كتاب طرق حديث الطير لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748هـ(1) .

بين الحاكم والذهبي:

تقدم: أن الحاكم النيشابوري روى حديث الطير في مستدركه، وصححه

____________

1- عبقات الأنوار ج4 (المقدمة).


على شرط الشيخين. وقال: رواه عن أنس جماعة من أصحابه، زيادة علي ثلاثين نفساً. ثم صحت الرواية عن علي، وأبي سعيد الخدري وسفينة.

وبعدما تقدم نقول:

ذكر العلامة الحجة الشيخ محمد حسن المظفر ما مؤداه: أن الحاكم رواه من طريقين: عن إبراهيم بن ثابت البصري القصار، عن ثابت البناني، عن أنس. فتعقبه الذهبي: بأن إبراهيم بن ثابت ساقط.

ويرد عليه: أنه ذكر في ميزان الإعتدال: أنه لا يعرف حاله جيداً. فعدم معرفة الذهبي بحال الراوي جيداً لا يعني سقوط ذلك الراوي عند من عرفه جيداً. كما أن عدم معرفة الذهبي، لا يعني أن لا يعرفه غيره، وقد عرفه الحاكم وصحح حديثه على شرط الشيخين..

كما أن الذهبي تعقب الحديث الأول: بأن في سنده محمد بن أحمد بن عياض، عن أبيه.

فقال: ابن عياض لا أعرفه.

ولكنه قال في ميزان الإعتدال، في ترجمة محمد بن أحمد بن عياض، بعد ما ذكر روايته لحديث الطير بالسند الذي ذكره الحاكم:

(قال الحاكم: هذا على شرط البخاري ومسلم، ثم قال الذهبي: الكل ثقات إلا هذا. يعني محمداً، فأنا أتهمه به. ثم ظهر لي أنه صدوق)..

إلى أن قال: (فأما أبوه فلا أعرفه).

ونعود فنكرر: إن عدم معرفة الذهبي له لا تضر بعد ما عرفه الحاكم،


وصحح حديثه على شرط الشيخين(1) .

وكيفما كان، فإن الذهبي نفسه قد ألف في حديث الطير كتاباً، وقال عن طرق الحديث الكثيرة: إنها توجب أن له أصلاً.. فما معنى أن يتهم به هذا وذاك؟!

كما أنه هو نفسه قد روى حديث الطير في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي بسند صحيح، لأنه روا، عن قطن بن نسير، عن جعفر بن سليمان الضبعي، (وهما من رجال مسلم) عن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس (وهو من رجال البخاري) عن أنس..

وعلى كل حال، فإن طرق حديث الطير كثيرة وغزيرة.. والمصادر التي أوردته أكثر وأغزر(2) .

____________

1- دلائل الصدق ج2 ص281.

2- إننا نحيل هنا على بعض المصادر التي ذكرت حديث الطير، ونترك سائرها لمن أراد التتبع والإستقصاء، فنقول:

سنحاول أن نذكر شطراً مما ذكره في إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج5 ص318 ـ 368 وج16 ص169 ـ 219 وج21 ص222 ـ 242 وغير ذلك. فلاحظ:

صحيح الترمذي (ط الصاوي بمصر) ج5 ص300 والخصائص للنسائي ص29 ح10 والمناقب لابن المغازلي من ص156 إلى ص177 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص105 ـ 134. والمعجم الكبير للطبراني ج7 ص95 وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ص560 وعن


____________

طبقات المحدثين بأصبهان، وعن الرسالة القوامية، ومناقب الصحابة للسمعاني، والجمع بين الصحاح للعبدري الأندلسي، وشرح الأرجوزة للآبي، ومفتاح النجا، وتجهيز الجيش والأربعون حديثاً لعطاء الله الشيرازي، ومناقب العشرة.

وراجع: مصابيح السنة ص202 والمناقب للخوارزمي (ط مركز النشر الإسلامي) ص108 و 115 وفرائد السمطين ج1 ص209 ـ 214. وجامع الأصول (ط السنة المحمدية بمصر) ج9 ص471 وأسد الغابة ج4 ص30 وتذكرة الخواص ص44 وعن شرح نهج البلاغة للمعتزلي (ط القاهرة) ج4 ص221 وكفاية الطالب ص144 ـ 156 وذخائر العقبى ص61 و 62 وتاريخ الإسلام للذهبي (الخلفاء الراشدون) ص633 والبداية والنهاية ج7 ص305 و 351 و 350 و 353 ومشكاة المصابيح (ط دلهي ـ الهند) ص564 وشرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي (مخطوط) ص190 وكنوز الحقائق ص24 وذخائر المواريث ج1 ص18 وينابيع المودة ص56 و 203 عن الترمذي، وأبي داود، والجزلي والبغوي. وسعد الشموس والأقمار (ط التقدم العلمية بالقاهرة سنة 1330) ص209 وتاريخ آل محمد ص52 ومستدرك الحاكم ج3 ص130 و 131 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه ج3 ص130 و 131 ومجمع الزوائد ج9 ص125 و 126) ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص46 والمواقف للأيحجي (ط الأستانة مع شرح الجرجاني) ج2 ص615 وتاريخ بغداد ج11 ص376 وج3 ص171 وج8 ص382 وج9 ص369 والإتحــاف ص8 وتــاريـخ


____________

جرجان ص134 وميزان الإعتدال ج1 ص329 و 321 وج3 ص380 والعثمانية للجاحظ ص134 و 139 وحياة الحيوان (ط القاهرة) ج2 ص340 وذكر أخبار إصبهان ج1 ص232 ـ 205 وحلية الأولياء ج6 ص339 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج5 ص53 وموضح أوهام الجمع والتفريق ج2 ص398 و 304 ونزهة المجالس ج2 ص212 وشرح المقاصد ج2 ص219 ولسان الميزان ج5 ص199 وج1 ص37 ونظم درر السمطين ص100 وأرجح المطالب (ط لاهور) ص502 و 501 ومناقب سيدنا علي، للحيدرآبادي ص17 وأشعة اللمعات (ط نول كشور) ج4 ص677 وشرح وصايا أبي حنيفة (ط إسلامبول) ص176 والنكت الظراف على الأطراف (مطبوع مع تحفة الأشراف) ص94 وجمع الفوائد (ط بلدة ميرية في الهند) ج2 ص211 والرصف ص369 وكنز العمال ( ط حيدر آباد ـ الدكن) ج15 ص147 ووسيلة النجاة (ط كلشن فيض ـ لكنهو) ص114 وتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (ط بمبئ) ص94 وقرة العينين (ط بشاور) ص119 و 166 وتقريب المرام للسنندجي (ط بولاق) ص332 وإتحاف السادة المتقين (ط الميمنية بمصر) ج7 ص120 ومرقاة المفاتيح (ط ملتان) ج11 ص343 ومودة القربى (ط لاهور) ص87 وتفريح الآل والأحباب في مناقب الآل والأصحاب (ط الهند) ص308 والإدراك للواسطي (ط كانبور) ص46 والبريقة المحمودية (ط مصطفى الحلبي بالقاهرة) ج1 ص211 ومرآة المؤمنين ص34 والمعيار والمـوازنـة ص224 والكامـل لابن عـدي (ط بيروت) ج6 = = ص2309 و 2449 وج2 ص793 و 773 وج7 ص2738 والجوهرة (ط دمشق) ص63 وعن مختصر تاريخ دمشق (مخطوط) ج17 ص144 و 145.

وراجع: بحار الأنوار ج38 ص348 ـ 358 والأمالي للصدوق المجلس94 حديث3 ص389 والفصول المختارة ص60 فما بعدها، والطرائف ص18 وتذكرة الحفاظ ج3 ص1042 وعبقات الأنوار ج4 ودلائل الصدق ج2 ص280 فما بعدها، والعلل المتناهية ج1 ص227 و 228 وتاريخ دمشق الكبير (ط دار إحياء التراث العربي سنة1421هـ) ج45 ص185 ـ 196 والأمالي للطوسي ص159 وعن الإحتجاج ج1 ص104 ـ 105 واليقين ص113 وبشارة المصطفى ص202 ـ 204.


لا قيمة لهملجات ابن تيمية:

وذلك كله يدلنا: على أنه لا قيمة لقول ابن تيمية: إنه لم يرو حديث الطير أحد من أصحاب الصحاح، ولا صححه أئمة الحديث.

والحال: أنه رواه الترمذي، والنسائي، وصححه الحاكم، ورواه الذهبي بسند لا شبهة في صحته عندهم.

كما لا قيمة لقول ابن تيمية: إن الحديث عند أهل المعرفة والعلم من المكذوبات والموضوعات..

فإن كثرة طرق الحديث تمنع من تكذيبه، والحكم عليه بالوضع، كما أن الحاكم قد صححه على شرط الشيخين، والذهبي حكم بأن له أصلاً..

وليس في أهل العلم والمعرفة من حكم بكذب ووضع هذا الحديث،


إلا إن كان ابن تيمية نفسه، ومن هم على شاكلته ممن يتعصب على علي (عليه‌السلام )، ويجهد لإبطال فضائله، وردها(1) .

حدث واحد أم أحداث؟!:

هناك اختلافات بين عدد من نصوص حديث الطير.. وربما يجعل البعض هذا الإختلاف منشأ للقول بتعدد الوقائع التي تشابهت في بعض عناصرها. ولا مانع من ذلك، إذا كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه أراد أن يكرر تأكيده على مضمون بعينه، فيعيد نفس الموقف كلما حضرت المناسبة التي تصلح له.

فتعدد الوقائع، واختلافها في بعض الخصوصيات الجانبية، أو اختلاف بعض الأشخاص فيها، لا يضر فيما يرمي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى التأكيد عليه، ونشره في الناس.

ولذلك نلاحظ:

1 ـ أن هناك رواية تقول: إن عائشة هي التي منعت علياً (عليه‌السلام ) من الدخول.

وأخرى تقول: إن أنساً هو الذي منعه من ذلك.

وثمة رواية يظهر منها: أنه لم يمنع أصلاً(2) .

____________

1- دلائل الصدق ج2 ص283.

2- ترجمة الإمام علي من تاريـخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص105 وتاريخ = = مدينة دمشق ج42 ص245 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص204 وج16 ص215 وج30 ص254 وعن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج17 ص361 والمناقب للخوارزمي ص77.


أما الروايات الساكتة عن ذكر رده، فلعلها أرادت اختصار ما جرى، أو أنها سعت لحفظ ماء وجه أنس.

2 ـ رواية الإحتجاج، التي تنص على منع عائشة لعلي (عليه‌السلام ) تقول: إن جبرئيل هو الذي جاء بالطير من الجنة(1) .

وأخرى تقول: إن امرأة من الأنصار جاءت بها(2) .

وثالثة تقول: جاءت بها أم سليم(3) .

____________

1- راجع: الإحتجاج للطبرسي ج1 ص292 وبحار الأنوار ج38 ص348 ومدينة المعاجز ج1 ص388.

2- فرائد السمطين ج1 ص214 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص133 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص258 والمطالب العالية ج4 ص62 وتذكرة الخواص ص44 وعن مسند أحمد، وعن مناقب العشرة للنقشبندي ص10 والعمدة لابن البطريق ص242 والطرائف لابن طاووس ص71 وبحار الأنوار ج38 ص355 وكتاب الأربعين للماحوزي ص448 ونهج الإيمان ص331 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص360 وج21 ص239 و 242.

3- حلية الأولياء ج6 ص339 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص166 = = وتاريخ مدينة دمشق ج37 ص406 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص181 و 183.


ولعل هذه الرواية لا تنافي سابقتها.

ورابعة تقول: جاءت بها أم أيمن(1) .

3 ـ هل الهدية كانت دجاجة طبختها امرأة من الأنصار؟!(2) .

أم كانت من الحبارى؟!(3) .

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص131 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص114 و 131 وموضح أوهام الجمع والتفريق (ط حيدرآباد) ج2 ص304 والبداية والنهاية ج7 ص351 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص170 وأمالي المحاملي ص443 والمعجم الأوسط ج2 ص206 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص334 و 361 وج16 ص171.

2- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص105 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص245 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص204 وج16 ص215 وج30 ص254 وعن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج17 ص361 والمناقب للخوارزمي ص77.

3- تاريخ بغداد ج1 ص376 والبداية والنهاية ج7 ص353 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص390 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص107 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص245 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص344 وج5 ص359 وج16 ص173 وج30 ص242 = = عن كفاية الطالب (ط الغري) ص62 وعن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج17 ص62.


أم كانت نحامة مشوية، أم نحامات؟!(1) .

أم حجل مشوي، أم حجلات؟!(2) .

أم قطاتان؟!(3) .

____________

1- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 156 وكفاية الطالب ص155 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص119 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص250 و 251 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص310 وغاية المرام ج5 ص69 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص204 و30 ص244.

2- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص112 والبداية والنهاية ج7 ص350 وشرح الأخبار ج1 ص137 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص310 ونظم درر السمطين ص100 وحلية الأولياء ج6 ص339 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج13 ص166 وتاريخ مدينة دمشق ج37 ص406 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص181 و 183 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص207.

3- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص161 ونهج الإيمان ص333 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص310 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص337 وج16 ص201 وغاية المرام ج5 ص71


أم يعاقيب؟!(1) .

4 ـ هل كانت طيراً كما في أكثر الروايات؟!.

أو كانت طيرين؟!(2) .

وقد يقال: لا منافاة بينهما، إذ لعل المراد بالطير اسم الجنس، الصادق على القليل والكثير..

أم كانت طوائر ( أو أطيار(3) )؟!

____________

1- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص158 والعمدة لابن البطريق ص244 وغاية المرام ج5 ص70 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص356 وج16 ص197.

2- فرائد السمطين ج1 ص214 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص133 والمطالب العالية ج4 ص62 وتذكرة الخواص ص44 وعن مسند أحمد، وعن مناقب العشرة للنقشبندي ص10 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص360 وج16 ص171 وج21 ص239 و 242 والعمدة لابن البطريق ص242 والطرائف لابن طاووس ص71 وبحار الأنوار ج38 ص355 وكتاب الأربعين للماحوزي ص448 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص258 ونهج الإيمان ص331

3- كفاية الطالب ص151 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص133 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص258 ومناقب الإمام علي لابن المغـازلي ص168 وتاريخ بغداد ج14 ص317 وعوالي اللآلي ج1 ص108 = = ومجمع الزوائد ج9 ص126 وسير أعلام النبلاء ج9 ص51 وعن حلية الأولياء ج10 ص243 وأمالي المحاملي ص445 والعهود المحمدية ص159 والكامل لابن عدي ج7 ص122 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص322 و 337 و 361 وج16 ص171 و 181 و 201 وج30 ص245 و 252 والعمدة لابن البطريق ص245 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص310 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص254 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص633 وغاية المرام ج5 ص71.


5 ـ وهل ردوا علياً (عليه‌السلام ) مرتين، ثم دخل في الثالثة؟! كما ورد في العديد من الروايات.

أم ردوه ثلاث مرات، ودخل في الرابعة؟!(1) .

هذا بالإضافة إلى اختلافات أخرى لا حاجة إلى التعرض لها، وقد ظهر، وسيظهر شطر منها في سياق حديثنا هذا..

ولا بأس بملاحظة النص التالي:

حديث الطير عن جابر:

وروي هذا الحديث عن جابر بطريقة مختلفة تماماً عما هو مروي عن

____________

1- فرائد السمطين ج1 ص209 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص251 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص243 وعن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج17 ص62.


غيره، حيث ذكر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث إلى أبي بكر وعمر، فجاءا، ثم دعا الله أن يسوق إليهم رابعاً، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. ثم دعا أن يجعله علياً.

فجاء علي (عليه‌السلام ). وليس في الرواية أنهم ردوه مرة بعد أخرى.

ثم ذكرت الرواية إشراك ابن مسعود وجابر أيضاً(1) .

فإذا صحت هذه الرواية، فهل لنا أن نحتمل أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يسمع أبا بكر وعمر مقالته في علي (عليه‌السلام )، لأنه كان يعلم بما يطمحان إليه، ويدبران له، كما كانت تصرفاتهما تشي به، فأراد أن يبين لهما: أن الإمامة والخلافة حق لعلي (عليه‌السلام )، لأنه أحب الخلق إلى الله تعالى. فلا يحق لهما منازعته في هذا الحق..

علي أفضل الخلق (عليه‌السلام ):

وقد دل الحديث: على أن علياً (عليه‌السلام ) أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه يقول: إنه (عليه‌السلام ) أحب الخلق إلى الله تعالى.. وقد استثنيا الرسول، لأنه هو القائل لذلك.. ولقيام الإجماع على أنه

____________

1- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص105 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص245 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص204 وج16 ص215 وج30 ص254 وعن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج17 ص361 والمناقب للخوارزمي ص77.


ليس أحب إلى الله منه.

المراد بحب الله لعلي (عليه‌السلام ):

والمراد بحب الله له ليس هو هذا الإنفعال النفساني الذي يسميه البشر حباً، لأنه تعالى منزه عن الإنفعالات والتغيرات.

بل المراد به: هو كثرة الثواب، والتوفيقات، والهدايات المترتبة على كثرة طاعات علي (عليه‌السلام )، وعلى اتصافه بالصفات الحسنة..

فلا بد من وجود فضيلة، أو خصلة كريمة، أو عمل حسن لدى علي (عليه‌السلام ) يوجب ثواب الله تعالى، وإكرامه له..

ولأجل ذلك قال تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (1) ، فإن اتباع الرسول طاعة، وعمل حسن، يوجب المزيد من ثواب الله تعالى. ولذلك ترتب حب الله لهم على متابعتهم للرسول.

ومن الواضح: أنه لا يمكن أن يثيب الله العاصي، والمقصر، أكثر من المطيع المكثر من الأعمال الصالحة، لحكم العقل بقبح تفضيل الناقص على الكامل، والعاصي على المطيع، والجاهل على العالم. والمتقدم في الكمالات المتفوق فيها على فاقدها أو القاصر فيها.

ولعلك تقول:

لعله (عليه‌السلام ) كان في ذلك الوقت أحب الخلق إلى الله، ثم صار

____________

1- الآية 31 من سورة آل عمران.


غيره أحب إلى الله منه.

ونجيب:

بأن جعل الإمامة والخلافة يدل على أنه (عليه‌السلام ) كان هو الأفضل في جميع الأحوال وسائر الأزمنة.. إذ لا يجوز جعل الخلافة لغير الأفضل كما سنوضحه في الفقرة التالية:

الخلافة للأفضل:

وإذا كان (عليه‌السلام ) هو الأفضل كان هو الأحق بالخلافة، ولذلك نصبه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمر من الله تعالى خليفة، ووصياً وإماماً للناس من بعده، وأخذ له البيعة من الناس يوم الغدير، ونص عليه في مقامات كثيرة قبل ذلك وبعده، وإلى حين وفاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ويقبح من الحكيم، ولا يجوز عند العقل القويم تقديم غير الأفضل على الأفضل.. فكيف يجوز تقديم من لم تثبت له فضيلة إلا من طريق محبيه ومؤيديه المستفيدين من سلطانه؟! بل قد ثبتت له هفوات عديدة على لسان نفس هؤلاء الناس، فضلاً عما رواه غيرهم.

تقديم المفضول على الفاضل:

ولعلك تقول:

إن المعتزلة البغداديين لا يرون بأساً بتقديم المفضول على الفاضل لحكمة يراها. وقال المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة: (الحمد لله الذي قدم


المفضول على الفاضل لحكمة اقتضاها التكليف)(1) .

ونجيب:

بأن التقديم لم يكن من الله تعالى، ليقال: إن ذلك ينقض ما قلناه، بل الناس هم الذين قدموا من يصفونه بالمفضول. وإنما فعلوا ذلك بأهوائهم، وما ظنوه منافع شخصية لهم. وقد خالفوا بهذا الذي فعلوه أمر الله تعالى، الذي جعل الفاضل خليفة عليهم دون سواه..

فلا معنى لقول المعتزلي: إن الله هو الذي قدم أبا بكر، ولا سبيل لادعاء وجود حكمة اقتضاها التكليف دعت إلى ذلك.. فإن الملتزمين بخلافة أبي بكر لا يدعون الخلافة له بالنص، بل يدعونها له بالإنتخاب في السقيفة.

مع العلم بأنه حتى الإنتخاب في السقيفة لم يحصل. بل الذي حصل هو التغلب بواسطة التهديد، وإثارة الإنقسامات والخلافات، وبالضرب على الوتر العشائري، والعصبيات والمنافسات القبلية كما أوضحناه في هذا الكتاب حين الكلام حول أحداث السقيفة..

شك علي (عليه‌السلام ) في كلام عائشة:

لقد كان علي (عليه‌السلام ) يتعامل مع موضوع الأمن الشخصي لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بكل دقة وحكمة، فلا مجال للتعامل بمنطق غض النظر والتغاضي، لإمكان أن تتسلل بعض السلبيات من خلال هذا التغاضي بالذات، ولذلك نلاحظ: أنه يبادر إلى التدقيق في معاني

____________

1- شرج نهج البلاغة للمعتزلي، الجزء الأول، خطبة الكتاب..


كلام عائشة وفي مراميه، ويسعى لاتخاذ جانب الحيطة والحذر، ويتساءل (عليه‌السلام ) عن مغزى كلام عائشة، ويزنه بميزان الحكمة، فلم يره مقبولاً ولا معقولاً وفق ما يعرفه من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). إذ لا يستقيم أن تكون عائشة في الدار والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) راقد..

ثم أشار (عليه‌السلام ) إلى تناقض كلام عائشة في المرة الثانية، حيث قالت له: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على حاجة. وهذا لا يستقيم، إذ كيف يكون راقداً، ويكون على حاجة خلال لحظات، وتكون عائشة في الدار.

والمفروض: أن تكفي هي النبي حاجته، ولذلك عاد مسرعاً في المرة الثالثة، ودق الباب دقاً عنيفاً، ثم ظهر صدق ما فكر به، إذ لم يكن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) راقداً، ولا كان على حاجة..

وظهر أن عائشة أرادت إبعاد علي (عليه‌السلام ) عن نيل الوسام الذي رصده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمن يحب الله ورسوله، ويرسله الله ليأكل معه من ذلك الطير.. وأنها تريد أن يكون أبوها هو الذي يأكل من الطير، ويفوز بذلك الوسام..

عائشة تحقد على علي (عليه‌السلام ):

وقد صرح (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): بأن عائشة، قد ردت علياً (عليه‌السلام )، انطلاقاً من ضغن في قلبها على علي (عليه‌السلام ). وليس الأمر مجرد حب الخير لأبيها.


واللافت: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أخبر عائشة بأن الضغن هو الذي دعاها لرد علي (عليه‌السلام ) في المرتين، وبأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعرف بما في قلبها على علي (عليه‌السلام ) لم تنكر هي ذلك..

ثم أخبرها النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتفاصيل ما يجري بدقة، لا مجال معها لاحتمال حصول بداء في شيء من ذلك، فقد أخبرها بحربها لعلي، وبأنها تركب الشيطان، وتنبحها كلاب الجوأب.. وبغير ذلك مما يجري لها، وبأنها سترجع صاغرة، لا تبلغ ما تريد. وبغير ذلك

التنسيق الأمني:

وتضمنت رواية الإحتجاج: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان إذا أراد أن يتجه إلى موضع أعلم علياً بذلك. فإذا أبطأ أسرع علي (عليه‌السلام ) إليه، ليعرف خبره.

ويبدو: أن هذا من الإحتياطات الأمنية التي كان علي (عليه‌السلام ) متكفلاً بها، فقد كان (عليه‌السلام ) يتولى حراسة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد اختار أسطوانة في المسجد يصلى عندها، وهو يؤدي مهمته هذه.. وها هو هنا يريد أن يبقى (عليه‌السلام ) على علم مسبق بالمواضع التي يكون فيها، ثم هو يريد أن يبقى على علم بما يجري له.

وفي بدر كان يتفقد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) باستمرار، ليطمئن على سلامته.

وفي بعض النصوص أيضاً: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا أراد أن يدخل إلى الحجرة، كان شخص يدخل إليها قبله. حيث إن التعليل الأقرب لذلك


هو إرادة الإطمئنان إلى خلو المكان من كل ما يخشى منه.

وهذا احتياط محمود، فإن المتربصين شراً برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كثيرون، وهو يتعرض لمؤامرات مختلفة من المشركين واليهود، والمنافقين، وحتى من بعض أصحابه المتظاهرين بمحبته، والحريصين على ملازمته.. وقد نفروا به ناقته ليلة العقبة، لكي تلقيه إلى الوادي.. وذلك بعد عودته من غدير خم، أو من تبوك..

فلا عجب إذا كان قلب علي (عليه‌السلام ): لا يسكن ولا يثبت، ولا يستقر على فراقه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ساعة واحدة، وذلك خوفاً وقلقاً عليه، ومحبته له..

غير أن الأكثر إثارة هنا: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى حين يريد أن يدخل إلى بيت إحدى نسائه كان يخبر علياً (عليه‌السلام ) بذلك.. فهل كان أيضاً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يشعر بالأمن، أو كان علي (عليه‌السلام ) يقلق عليه حتى في هذه المواضع؟!

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يردُّ أبا بكر وعمر:

وورد في بعض نصوص حديث الطير: أنه أتى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعنده طائر، فقال:

اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطير.

فجاء أبو بكر، فرده.

ثم جاء عمر، فرده.


(وفي نص آخر: ثم جاء عثمان فرده). ثم جاء علي، فأذن له(1) .

ونقول:

إن ظاهر هذه الرواية: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي ردهم، وأذن لعلي (عليه‌السلام )، ومعنى ذلك: أن المردودين لم يكونوا أحب خلق الله إلى الله تعالى..

بل تدل الرواية: على أنهم يستحقون الفضيحة بين الناس، وإسقاط محلهم، وإثارة الشبهة حولهم والريب فيهم، والتساؤل عما أوجب لهم هذه العقوبة المسقطة للمقام.

وهل جاء أبو بكر بدعوة عائشة، ثم جاء عمر بدعوة حفصة، ثم جاء عثمان بإشارة أحد محبيه عليه؟! أم أن مجيئهم جميعاً كان بمحض الصدفة، أو بتدبير إلهي؟!

____________

1- خصائص الإمام علي بن أبي طالب للنسائي ص51 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص27 والبداية والنهاية ج7 ص305 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص388 وعن أبي يعلى، ومجمع الزوائد ج9 ص125 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص107 وعن مختصر تاريخ دمشق (مخطوط) ج17 ص144 و 145 ومسند أبي يعلى ج7 ص105 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص39 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص254 وإمتاع الأسماع ج7 ص298 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص319 و 324 وج21 ص230 و 235 وج30 ص253.


قد يقال: إن النص التالي يقرب احتمال أن تكون عائشة وحفصة أشارتا على أبيهما بالمجيء، لنيل وسام عظيم تهفو له النفوس، وتطمح إليه الأنظار، والنص هو التالي:

اللهم اجعله أبي:

قال أبو يعلى: حدثنا قطن بن بشير، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا عبد الله بن مثنى، حدثنا عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، قال:

أهدي لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حجل مشوي بخبزه وضيافة (كذا)، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطعام.

فقالت عائشة: اللهم اجعله أبي.

وقالت حفصة: اللهم اجعله أبي.

وقال أنس: وقلت: اللهم اجعله سعد بن عبادة.

قال أنس: فسمعت حركة بالباب(1) .. ثم ذكر مجيء علي (عليه‌السلام ) ،

____________

1- ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص112 والبداية والنهاية ج7 ص350 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص387 وشرح الأخبار ج1 ص428 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص311 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص247 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص333 وج21 ص228 وج30 ص242.


ورده إياه.. إلخ..

أمنيات عائشة وحفصة:

وعن تمنيات عائشة المشار إليها نقول:

هل أرادت عائشة البر بأبيها، فتمنت له أن يكون أحب الخلق إلى الله؟! وكذلك أرادت حفصة ؟!

أم أن المطلوب هو الحصول على ما ينفع أباها في أن يرضى به الناس خليفة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟! وبغض النظر عن هذا وذاك، نلاحظ ما يلي:

إن هذا الحديث يدل على عدم صحة ما يزعم: من أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سئل عن أحب الناس إليه، فقال: عائشة.

فقالوا له: من الرجال؟!

فقال: أبوها(1) .

____________

1- مسند أحمد ج4 ص203 وج6 ص241 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص192 وج5 ص113 وصحيح مسلم (ط ار الفكر) ج7 ص109 وسنن ابن ماجة ج1 ص38 وسنن الترمذي ج5 ص364 و 365 و 366 وفضائل الصحابة للنسائي ص8 والمستدرك للحاكم ج4 ص12 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص370 وج7 ص299 وج10 ص233 وشرح مسلم للنووي ج15 ص153 وعمـدة القـاري ج16 ص181 وج18 ص13 والمصنف لابن أبي شيبـة ج7 = = ص476 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص121 وبغية الباحث ص289 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص564 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص39 وصحيح ابن حبان ج15 ص309 و 326 وج16 ص40 والمعجم الكبير ج23 ص43 و 44 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص967 وج4 ص1883 والجامع الصغير للسيوطي ج1 ص37 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج12 ص133 و 500 و 510 و 523 وشرح مسند أبي حنيفة ص253 و 466 وفيض القدير ج1 ص218 وتفسير البغوي ج4 ص207 والجامع لأحكام القرآن ج14 ص218 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص176 وج8 ص67 وتاريخ بغداد ج11 ص423 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص199 وج30 ص134 و 135 و 136 و 137 وج44 ص221 وأسد الغابة ج5 ص503 وتهذيب الكمال ج35 ص235 وسير أعلام النبلاء ج2 ص142 و 147 و 148 وميزان الإعتدال ج2 ص349 والإصابة ج4 ص149 وتهذيب التهذيب ج12 ص386 ولسان الميزان ج3 ص216 و تاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص246 والوافي بالوفيات ج16 ص342 و البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج3 ص283 وج5 ص238 وج8 ص100 وإمتاع الأسماع ج5 ص405 وعيون الأثر ج2 ص383 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص333 وج3 ص520 و 521 وج4 ص435 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص170 و 255 وعيون أخبار الرضا ج1 ص202 والإيضاح لابن شاذان ص254 وشرح الأخبار ج3 ص55 وذخائر العقبى ص35 والصوارم المهرقة ص322 وبحار الأنوار ج33 ص224 وج49 ص192.



فإن ذلك لوصح لم يكن مجـال للتمني، بل سوف تتيقن عائشة بأن أباها هو المطلوب، وهو الفائز بهذا الوسام. كما أنه لم يكن لتمني حفصة معنى..

أبو بكر لم يكن معروفاً بالفضل:

ثم إن هذا يدل على أن عائشة وحفصة وأنساً لم يكونوا يعرفون فضلاً لأبي بكر يميزه عن عمر، أو عن سعد بن عبادة. ولذلك قالت عائشة وحفصة: اللهم اجعله أبي..

وقال أنس: اللهم اجعله سعد بن عبادة.

مع أن المفروض هو: أن هؤلاء قريبون من الرسول، ويمكنهم سؤاله عن أي شيء!! فكيف انقلبت الأمور بين ليلة وضحاها، وصار أبو بكر أفضل الناس وأحب الناس إلى الله ورسوله. كما يقول محبوه، ومن هم من حزبه؟!

فشل السياق على الإمتيازات!!:

وكشاهد على ما سبق، ولكن في سياق آخر، نقول:

لقد وجدنا من عائشة وحفصة تصرفاً مشابهاً في أكثر من موقف ومقام، فقد تسابقتا إلى تقديم أبويهما في قضية الصلاة بالناس في مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حيث أمرت عائشة أباها، وأمرت حفصة أباها بالصلاة بالناس.

فصلى أبو بكر، فبادر بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رغم مرضه إلى


عزله.. كما ذكرناه في كتابنا هذا.. وفي كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ومرة أخرى يتسابقان أيضاً في هذا المجال.

فعن ابن عباس: لما مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرضه الذي مات فيه قال: ادعوا لي علياً.

قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر؟!

قالت حفصة: ندعو لك عمر؟!

قالت أم الفضل: ندعو لك العباس؟!

فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير علياً (عليه‌السلام ) فسكت.

فقال عمر: قوموا عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

وفي نص آخر: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: ادعو إليَّ حبيبي، فدعوا أبا بكر، ثم عمر، فأعرض عنهما، فدعوا له علياً، فلما رآه أفرج له الثوب

____________

1- مسند أحمد ج1 ص356 ومناقب آل أبي طالب (ط الأضواء) ج1 ص293 و (ط أخرى) ج1 ص293 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص203 عنه، وبحار الأنوار ج22 ص521 وسنن ابن ماجة ج1 ص391 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص439 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص33 و 35 والجمل للمفيد ص227 وسفينة النجاة للتنكابني ص149 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص397 والمعجم الكبير للطبراني ج12 ص89.


الذي كان عليه، ثم أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه(1) .

ومن طريق أهل البيت (عليهم‌السلام ): أن عائشة دعت أباها، فأعرض عنه، ودعت حفصة أباها فأعرض عنه، ودعت أم سلمة علياً (عليه‌السلام )، فناجاه طويلاً ثم أغمي عليه(2) .

وقد ذكرنا هذه الروايات مع مصادرها في آخر الجزء السابع من هذا الكتاب في فصل: أحداث جرت في مرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تحت

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص293 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص203 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج42 ص393 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص70 والمناقب للخوارزمي ص68 وشرح الأخبار ج1 ص147 والأمالي للطوسي ص332 والطرائف لابن طاووس ص154 والعقد النضيد والدر الفريد ص92 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص175 وكشف الغمة ج1 ص100 والدر النظيم ص194 وكتاب الأربعين للشيرازي ص128 وبحار الأنوار ج22 ص455 و 473 وج38 ص308 و 312 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص287 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص335 وج15 ص527 و 528 و 529 وج21 ص670 و 671 وج22 ص212 و 213 وج30 ص652 وج31 ص52 وراجع: عمدة القاري ج18 ص71 وبشارة المصطفى ص373.

2- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص293 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص203 وبحار الأنوار ج22 ص521 والدر النظيم ص194.


عنوان: علي (عليه‌السلام ) يروي ويستدل. وقد ذكرنا هناك بعض ما له ارتباط بهذه الروايات.

حب الرجل لقومه:

ويبقى أن نشير إلى أن الروايات تذكر: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال حين سمع جواب أنس: (الرجل يحب قومه). كما ذكرته بعض النصوص.

ونقول:

ألف: إن مراجعة النصوص والمقارنة بينها تظهر: أن ثمة محاولة للتصرف فيما خاطب به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنساً بعد سماع جوابه، وذلك بهدف تلطيف الجواب مهما أمكن.

بل قد يظهر من بعضها: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان بصدد التعبير عن الرضا، أو الإستحسان لتصرف أنس. والتصرف بكلام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى هذا الحد غير مقبول، لأنه يصل إلى حد الخيانة، والإفتراء على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

ب: لا شك في أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يدين تصرف أنس، لأكثر من سبب، أهونها: أنه قد انساق وراء العصبية الجاهلية التي ذمها الله ورسوله والأئمة الطاهرون، وحذروا منها أشد تحذير.

فعن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من كان في قلبه حبة خردل من


عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية(1) .

وعنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من تعصب أو تُعُصِّبَ له، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

وفي نص آخر عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) قال: (الإيمان) بدل (الإسلام)(2) .

وعن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) قال: من تعصب عصبه الله بعصابة

____________

1- الكافي ج2 ص308 وبحار الأنوار ج70 ص284 و 289 عن الكافي، والأمالي للصدوق ص361 و (ط مؤسسة البعثة) ص704 وثواب الأعمال ص241 و (ط منشورات الشريف الرضي) ص271 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص371 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص296 ومستدرك الوسائل ج12 ص26 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص440 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص250 ونور الثقلين ج5 ص71.

2- الكافي ج2 ص307 وبحار الأنوار ج70 ص291 و 283 وثواب الأعمال ص241 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص370 و 373 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص296 و 298 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص439 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص250 ومعارج اليقين للسبزواري ص461 وأعلام الدين للديلمي ص401 والإثنا عشرية للحر العاملي ص196 و 197 ونور الثقلين ج5 ص72.


من نار(1) .

ولا شك في أن تعصب أنس لم يكن للحق وأهله، بل كان تعصباً جاهلياً.

فأولاً: إنه أنكر الخير على أهل الخير، وغمطهم حقهم.

ثانياً: إنه أساء إليهم، واستخف بهم، وبمقامهم، بإرجاعهم ثلاث أو أربع مرات.

ثالثاً: إنه لم ينفذ أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). بل خانه، كما ذكره ابن أبي داود.

رابعاً: صرحت رواية عن أنس بأنه يقول: إن الذي حمله على رد علي (عليه‌السلام ) ثلاث مرات هو الحسد له (صلوات الله عليه)(2) .

خامساً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أنكر على أنس أن يرى أن أحداً من الأنصار أفضل من علي (عليه‌السلام )، وبين له: أن هذا الظلم الشنيع

____________

1- الكافي ج2 ص308 وبحار الأنوار ج70 ص284 و 291 وثواب الأعمال ص241 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص371 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص297 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص440 ونور الثقلين ج5 ص72 ومعارج اليقين للسبزواري ص461 والإثنا عشرية للحر العاملي ص196.

2- مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص174 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص140 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج30 ص249.


لعلي (عليه‌السلام )، ولأجل ذلك ينكر عليه، ويقول:

(يا أنس، أوفي الأنصار خير من علي؟! أوفي الأنصار أفضل من علي (عليه‌السلام )؟!)(1) .

وهذا يجعل أنساً مصداقاً للتفسير الوارد للعصبية المذمومة، فقد سئل الإمام علي بن الحسين (عليه‌السلام ) عن العصبية، فقال:

العصبية التي يأثم عليها صاحبها: أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين.

وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه. ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم(2) .

____________

1- بحار الأنوار ج38 ص356 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص166 وحياة الحيوان ج2 ص297 ونزهة المجالس ج2 ص212 والطرائف ص18 و (ط الخيام ـ قم) ص73 وعن التبر المذاب، والعمدة لابن البطريق ص248 وبحار الأنوار ج38 ص356 والصراط المستقيم ج1 ص193 وغاية المرام ج5 ص73 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج16 ص196.

2- الكافي ج2 ص308 وبحار الأنوار ج70 ص288 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص373 و (ط دار الإسلامية) ج11 ص297 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص441 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص251 ونور الثقلين ج5 ص73 والإثنا عشرية للحر العاملي ص197 وراجع: طبقات خليفة ص207 وأسد الغابة ج5 ص332


أما العصبية المحمودة، فقد بينها أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في خطبته المفصلة، بقوله: (فإن كان لا بد من العصبية، فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور)(1) .

سادساً: إن ملاحظة نصوص الحديث تشير: إلى أن أنس بن مالك قد موَّه على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

بل في بعضها: أنه كذب عليه ثلاث مرات.. وهذا يضع علامة استفهام كبيرة حول مدى استقامة أنس، وحول ما يدعى عدالة كل من رأى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، يستدلون على ذلك بآيات القرآن، وقد ذكرنا أن الآيات لا تدل على ذلك(2) .

والحديث الذي يكذب فيه أنس على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ويعترف هو بذلك هو التالي:

عن أنس: بعثتني أم سليم إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بطير مشوى، ومعه أرغفة من شعير، فأتيته به، فوضعته بين يديه، فقال: يا أنس، ادع لنا من يأكل معنا من هذا الطير، اللهم آتنا بخير خلقك.

____________

1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص150 وبحار الأنوار ج14 ص472 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص251 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص166 ونور الثقلين ج4 ص338 وحياة الإمام الحسين (عليه‌السلام) للقرشي ج1 ص416.

2- راجع: صراع الحرية في عصر المفيد.


فخرجت فلم تكن لي همة إلا رجل من أهلي آتيه فأدعوه، فإذا أنا بعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فدخلت فقال: أما وجدت أحداً؟!

قلت: لا.

قال: انظر فنظرت، فلم أجد أحداً إلا علياً.

ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثم خرجت، فرجعت، فقلت: هذا علي بن أبي طالب يا رسول الله.

فقال: ائذن له. اللهم وإلي، اللهم وإلي، وجعل يقول ذلك بيده، وأشار بيده اليمنى يحركها(1) .

بل هو قد صرح في رواية أخرى عنه: بأنه إنما رد علياً (عليه‌السلام ) في المرات كلها حسداً منه، فراجع(2) . فإن هذا أشنع وأبشع أن تجد صحابياً يحسد أحب الخلق إلى الله ورسوله، ويجعل نفسه مصداقاً لقوله تعالى:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (3) ، ولقوله تعالى:( حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) (4) .

سابعاً: في حديث آخر يعترف أنس: أنه يرد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأنه كذب على علي أيضاً.

____________

1- حلية الأولياء ج6 ص339 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص346.

2- تقدمت مصادر ذلك.

3- الآية 54 من سورة النساء.

4- الآية 109 من سورة البقرة.


فهو يقول: لما وضع بين يديه قال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير.

قال أنس: أريد أن يأكله رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحده. فجاء علي: فقلت رسول الله نائم.

قال: فرفع يده ثانية، وقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجاء علي فقلت: رسول الله نائم.

قال: فرفع يده الثالثة: فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطير.

قال أنس: كم أرد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). أدخل.

فلما رآه قال: اللهم وإلي، فأكلا جميعاً(1) .

ملاحظة: قوله: اللهم وإلي، يريد أن يعطف كلمة إلي على كلمة إليك، ليصير الكلام هكذا: بأحب خلقك إليك وإليّ..

دلالات أخرى في حديث الطير:

وفي نص آخر يقول أنس: فلما دخل مسح رسول الله وجهه، ثم مسح رسول الله بوجه علي، ثم مسح وجه علي فمسحه بوجهه. فعل ذلك ثلاث مرات.

فبكى علي، ثم قال: ما هذا يا رسول الله؟!

____________

1- كفاية الطالب ص155 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص344.


فقال: ولم لا أفعل بك هذا؟! وأنت تسمع صوتي، وتؤدي عني، وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي.

ثم قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اللهم إني سألتك أن تأتيني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطير، فجئت به. اللهم وإنه أحب خلقك إلي(1) .

ونقول:

دل هذا الحديث على أمور عديدة، نذكر منها:

1 ـ أن الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد مسح وجهه أولاً، ثم مسح وحه علي (عليه‌السلام ). أي أنه أراد أن يبارك على علي (عليه‌السلام ) بآثار وجهه هو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). ثم مسح وجه علي (عليه‌السلام )، وأخذ من آثاره ومسح بها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجهه الشريف، لينال هو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بركات وجه علي (عليه‌السلام ).

وقد كرر ذلك ثلاث مرات، طلباً للمزيد من الثواب، ولتأكيد المعنى في الأذهان بصورة نهائية..

وهذا يبطل ما يزعمه بعض الناس من حرمة التبرك، واعتباره من الشرك.

2 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) قد بكى فرحاً برضوان الله تبارك وتعالى،

____________

1- مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص46 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص141 و 142 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص328.


ولم يبك حزناً على شيء فاته، كما لم يأخذه الزهو والغرور، بل اعترف لله بالعبودية، وأن ما به من نعمة وفضل فمن الله سبحانه..

ولأجل ذلك سأل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن السبب الذي أوجب أن يفعل به ما فعله، فإنه لم ير نفسه مستحقاً لشيء من ذلك.

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علل تبركه بعلي (عليه‌السلام ) بثلاثة أمور:

الأول: أنه يسمع صوته. أي بنحو لا يتيسر لغيره. أي أنه يسمعه في كل زمان ومكان.. وحيثما كان. فدل ذلك على أن الله تعالى قد حباه بهذه المنحة التي لا ينالها إلا من اختاره الله لأمر عظيم.. ولأنه يستحق هذا الأمر لأهلية واستعداد كان فيه.

كما أنه يشير بذلك إلى أنس ليعرفه أن علياً كان مطلعاً على الأمر، غير أنه كان يعامله بالعفو والصفح. كما أن ذلك يتضمن دلالة وإشارة إلى صفة من صفات إمامته (عليه‌السلام ).

الثاني: إنه يؤدي عنه. فدل ذلك على خلافته له، وعلى أنه حامل الأمانة بعده، ولا يكلف بهذه المهمة إلا من كان من الأولياء والأصفياء، الذين تلتمس البركة والزيادة والسمو الروحي والمادي منه.

الثالث: إنه يملك من المعارف والعلوم ما ليس لدى أحد سواه، فهو القادرعلى حل المشكلات، وإزالة الخلافات بعلمه الصائب، وحرصه على شرع الله، وعلى كل حقائق الدين، ومن كان كذلك، فإن التماس البركة منه يكون أولى وآكد، لأنه عالم عامل بعلمه.


لا أهمية لأكل الطير:

وقال ابن تيمية: إن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم هنا يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ليأكل معه. فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الآكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا(1) .

وأجاب العلامة الحجة الشيخ محمد حسن المظفر بما يلي:

بل هنا أمر عظيم، وهو تعريف الأحب إلى الله للناس، بدليل وجداني، فإنه آكد من اللفظ، وأقوى في الحجة. كما عرفهم نبي الهدى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن علياً حبيب الله في قصة خيبر، بإخبارهم: بأنه يعطي الراية من يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، وأن الفتح على يده.

على أنه يكفي في المناسبة رغبة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن يأكل مع أحب الخلق إلى الله، وإليه(2) .

ألا يعرف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أحب الخلق إلى الله؟!:

وقال ابن تيمية أيضاً: هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة، لأنهم يقولون: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يعرف أحب الخلق إلى الله. وإنه جعله خليفة من بعده. وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب

____________

1- دلائل الصدق ج2 ص283.

2- دلائل الصدق ج2 ص283.


الخلق إلى الله..

وأجاب العلامة الحجة المظفر أيضاً: بإنَّا لا نعرف وجه الدلالة على أنه لا يعرف.

أتراه لو قال: ائتني بعلي، يدل على عدم معرفته له؟!

وكيف لا يعرفه، وقد قال كما في بعض الأخبار: اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي؟!

وقال لعلي في نصٍ آخر: ما حبسك عليَّ؟!

وقال له في بعضها: ما الذي أبطأ بك؟!

فالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان عارفاً، لكنه أبهم في الكلام ليحصل التعيين من الله سبحانه، فيعرف الناس: أن علياً (عليه‌السلام ) هو الأحب إلى الله تعالى بنحو الإستدلال(1) .

حديث الطير لا ينافي النبوة:

قال علي بن عبد الله الداهري: سألت ابن أبي داود بالري عن حديث الطير، فقال: إن صح حديث الطير فنبوة النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) باطلة، لأنه يحكي عن حاجب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خيانة، وحاجب النبي لا يكون خائناً(2) .

____________

1- دلائل الصدق ج2 ص283.

2- تاريخ مدينـة دمشـق ج29 ص179 و (ط دار الفكـر) ج29 ص179 ترجمـة = = عبد الله بن سليمان بن الأشعث، المعروف بأبي بكر بن أبي داود الأزدي السجستاني، والكامل لابن عدي ج4 ص266 وسير أعلام النبلاء ج13 ص231 و 517.


ونقول:

أولاً: لا ملازمة بين خيانة حاجب النبي، وبين بطلان نبوة ذلك النبي.. فقد يكون الحاجب مؤمناً، وقد يكون منافقاً وفاسقاً، وقد يكون عالماً وقد يكون جاهلاً.. وقد.. وقد..

ثانياً: قال تعالى:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (1) . فهل كفر زوجة نبي، أو كفر ابن نوح يبطل نبوة ذلك النبي؟!

حديث الطير وعموم الأفضلية:

وأشكل في المواقف وشرحها على الحديث: بأنه لا يفيد أنه أحب إليه في كل شيء، لصحة تقسيم وإدخال لفظ الكل والبعض، ألا ترى أنه يصح أن يستفسر ويقال: أحب إليه في كل الأشياء، أو في بعض الأشياء، فلا يدل على الأفضلية مطلقاً.

والجواب: أن الإطلاق مع عدم القرينة على الخصوص يفيد العموم في مثل المقام، ألا ترى أن كلمة الشهادة تدل على التوحيد، وبمقتضى ما ذكرناه

____________

1- الآية 10 من سورة التحريم.


ينبغي أن لا تدل عليه، لإمكان الإستفسار بأنه لا إله إلا هو في كل شيء، أو في السماء، أو في الأرض، إلى غير ذلك، فلا تفيد نفي التشريك مطلقاً، وهذا لا يقوله عارف، والعجب منهمما أن يقولا ذلك، وهما يستدلان على فضل أبي بكر بقوله تعالى:( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ) (1) . زاعمين: أن المراد بالأتقى أبو بكر، فيكون أفضل. والحال أنه يمكن الإستفسار بأنه الأتقى في كل شيء، أو في بعض الأشياء، مضافاً إلى أنه لا يصح حمل الحديث على إرادة الأحب في بعض الأمور، وإلا لجاء مع علي (عليه‌السلام ) كل من هو أحب منه بزعمهم في بعض الأمور كالشيخين، لاستجابة دعاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والحال أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ردهما كما في حديث النسائي، ونحن نمنع أن يكون أحد أحب إلى الله سبحانه بعد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من علي (عليه‌السلام ) في شيء من الأشياء، لما سبق في المبحث الثاني من مباحث الإمامة: أن الإمام أفضل الناس في كل شيء، فيكون أحب إلى الله تعالى في كل شيء(2) .

____________

1- الآية 17 من سورة الليل.

2- دلائل الصدق ج2 ص282 ـ 283.



الفصل التاسع:

من أحاديث الإمامة..



النداء بالولاية بعد الغدير:

وقبل وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتسعة عشر يوماً كان النداء بالولاية، الذي رواه الإمام الكاظم، عن أبيه عن جده (عليهم‌السلام )، عن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) قال:

أمرني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن أخرج فأنادي في الناس: ألا من ظلم أجيراً أجره فعليه لعنة الله. ألا من توالى غير مواليه فعليه لعنة الله. ألا ومن سب أبويه فعليه لعنة الله.

قال علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): فخرجت فناديت في الناس كما أمرني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقال لي عمر بن الخطاب: هل لما ناديت به من تفسير؟!

فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال: فقام عمر وجماعة من أصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدخلوا عليه، فقال عمر: يا رسول الله، هل لما نادى علي من تفسير؟!

قال: نعم، أمرته أن ينادي: ألا من ظلم أجيراً أجره فعليه لعنة الله، والله يقول:


( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) ، فمن ظلمنا فعليه لعنة الله.

وأمرته أن ينادي: من توالى غير مواليه فعليه لعنة الله، والله يقول:( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (2) ، ومن كنت مولاه فعلي مولاه، فمن توالى غير علي فعليه لعنة الله.

وأمرته أن ينادي: من سب أبويه فعليه لعنة الله، وأنا أشهد الله وأشهدكم أني وعلياً أبوا المؤمنين، فمن سب أحدنا فعليه لعنة الله.

فلما خرجوا قال عمر: يا أصحاب محمد، ما أكد النبي لعلي في الولاية في غدير خم، ولا في غيره، أشد من تأكيده في يومنا هذا.

قال خباب بن الأرت: كان هذا الحديث قبل وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتسعة عشر يوماً(3) .

ونقول:

1 ـ إن هذا النداء بمضمونه، لا بد أن يثير لدى الناس أكثر من سؤال، فإن الأمور التي نادى بها لا يجهل الناس حرمتها، وليس في النداء بها إبهام في معناها القريب والظاهر. ولكن نفس هذا الوضوح هو منشأ الغموض،

____________

1- الآية 23 من سورة الشورى.

2- الآية 6 من سورة الأحزاب.

3- بحار الأنوار ج22 ص489 عن ابن طاووس، وغاية المرام ج3 ص232 والصراط المستقيم ج2 ص93.


فإنهم يعلمون: أن وضوحه يجعل النداء به على هذا النحو غير مفهوم.

ولو كان ثمة من يحتاج إلى تذكير وتأكيد على الحرمة، فيمكن القيام بذلك في الجلسات، وفي خطب الجمعة، وعند حضورهم لصلاة الجماعة وما إلى ذلك.

فإذا وجد الناس للوهلة الأولى أنه ضرورة للنداء، فلا بد أن تثور الأسئلة لديهم عن سبب ذلك ومغزاه..

2 ـ ثم إنهم لا بد أن يتساءلوا عن الجامع الذي برر جمع هذه الثلاثة، في نداء واحد، إذ لماذا ربط (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين ظلم الأجير أجره، وبين تولي الإنسان غير مواليه؟! ثم ما الذي برر ضم هذين إلى موضوع سب الأبوين؟!

3 ـ كما أن تولي أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وانتدابه للقيام بهذا النداء، يثير هو الآخر التعجب والتساؤل..

4 ـ ولأجل ذلك بادر عمر بن الخطاب إلى سؤال علي (عليه‌السلام ) عن تفسير ذلك، ولكنه لم يجد الجواب عند علي (عليه‌السلام )، بل أحال علم ذلك على الله ورسوله.. فزاد بذلك الحماس لمعرفة الدوافع والأسباب، واتسعت دائرة الإتهامات، وكثر المهتمون باستجلاء الحقيقة..

5 ـ ولم يعد الأمر مقصوراً على عمر، بل تعداه إلى غيره، فقام معه جماعة من أصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدخلوا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسألوه عن الأمر.. ولم نجدهم يفعلون مثل ذلك في الحالات المشابهة، فدل ذلك على أنهم رأوا أن النداء يتضمن أمراً خفياً، وأنه


يعنيهم الإطلاع عليه.

6 ـ وكانت المفاجأة الكبرى لعمر في تفسير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمضمون النداء، حيث ظهر له أنه يضارع في خطورته وأهميته ما جرى في يوم عرفة، وفي يوم الغدير. وأنه مكمل لهما..

فالمراد بالأجير: أهل البيت (عليهم‌السلام )، وعلى الأمة أن تؤدي لهم (عليهم‌السلام ) أجر إبلاغ الرسالة بنص القرآن الكريم:( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) .

والمراد بالمولى الذي يجب توليه، ويلعن الله من تولى غيره هو علي (عليه‌السلام )، الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وهو ـ كرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ مولى كل مؤمن ومؤمنة..

والمراد بالأب الذي لا يجوز سبه، ويلعن الله تعالى من يسبه هو علي أيضاً..

7 ـ يبدو لنا: أن قوله في الفقرة الثالثة: من سب أبويه فعليه لعنة الله، كان هو المفتاح الذي أراد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يفتح به أبواب الحيرة أمام عمر وغيره من الصحابة، حيث لا بد أن يستوقفهم الحديث عن سب الأبوين ، في حين أن المتعارف هو الحديث عن عقوقهما في مقابل برهما..

واللافت هنا: أن علياً (عليه‌السلام ) قد سب على منبر أهل الإسلام

____________

1- الآية 23 من سورة الشورى.


حوالي ألف شهر.

8 ـ وقد اعترف عمر بن الخطاب نفسه مباشرة هنا بأن التأكيد على الولاية في هذا النداء أشد مما جرى في غدير خم وغيره من شأن هذا أن يضاعف من مسؤوليته عما جرى حين وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وسوف يصعب عليه التماس العذر لنفسه. وكذلك التماس الناس له العذر في ذلك..

9 ـ ولا ينبغي أن نهمل الإشارة هنا إلى أنه قد ظهر أن الذي تعارف عليه الناس هو إرادة الأب والأم معاً من كلمة (الأبوين)، ولكن قد ظهر في هذه الرواية: أن المراد بهما: النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعلي (عليه‌السلام ).. وذلك على القاعدة التي أطلقها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (أنا وعلي أبوا هذه الأمة).

10 ـ وقد أظهر ما جرى: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يمارس أرقى الأساليب المؤثرة في تركز المفهوم في اذهان الناس.. وبصورة تفرض على الآخرين الحرص بأقوى صوره على اقتناص الفكرة التي يريد إبلاغهم إياها قبل أن يتفوه بها.. رغم أن تلك الفكرة قد تكون مُرَّةً بالنسبة لأولئك الناس.. وربما يكونون في الحالات العادية من أشد الناس اهتماماً بخنقها، وبالتعتيم عليها، ومصادرتها، أو اغتيالها من عقول الناس، فإن لم يمكنهم ذلك عملوا على مسخها، وتشويهها بكل الوسائل..

إخراج الإمامة عن دائرة الإختيار:

1 ـ عن ثابت، عن أنس، قال: انقضَّ كوكب على عهد رسول الله


(صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): انظروا إلى هذا الكوكب، فمن انقضَّ في داره، فهو الخليفة من بعدى.

فنظروا، فإذا هو قد انقضَّ في منزل علي (عليه‌السلام )، فأنزل الله تعالى:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1) )(2) .

2 ـ وفيه أيضاً: بسنده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إذ انقضَّ كوكب، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): من انقضَّ هذا النجم في منزله، فهو الوصي من بعدى.

فقام فتية من بني هاشم، فنظروا، فإذا الكوكب قد انقضَّ في منزل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ). قالوا: يا رسول الله، قد غويت في حب علي (عليه‌السلام )، فأنزل الله تعالى :( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا

____________

1- الآيات 1 ـ 4 من سورة النجم.

2- المناقب لابن المغازلي ص266 رقم الحديث 313، والعمدة لابن البطريق ص90 وبحار الأنوار ج35 ص280 وراجع: مدينة المعاجز ج2 ص435 وشواهد التنزيل ج2 ص275 و 276 وميزان الإعتدال ج2 ص45 ولسان الميزان ج2 ص449 وكشف اليقين ص408 والشهب الثواقب للشيخ محمد آل عبد الجبار ص61 وغاية المرام ج1 ص228 و ج4 ص231 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص86 و 353 وج14 ص297 و15 ص210


غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) إلى قوله تعالى:( وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَ ) (1) )(2) .

3 ـ عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: اجتمع أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليلة في العام الذي فتح فيه مكة، وقالوا: يا رسول الله، من شأن الأنبياء، أنهم إذا استقام أمرهم أن يوصوا إلى وصي، أو من يقوم مقامه بعده، ويأمر بأمره، ويسير في الأمة بسيرته.

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قد وعدني ربي بذلك، أن يبين لي ربي عز وجل من يختاره للأمة خليفة بعدي. ومن هو الخليفة على الأمة: بأنه ينزل

____________

1- الآيات 1 ـ 7 من سورة النجم.

2- المناقب لابن المغازلي ص310 رقم الحديث 353، والعمدة لابن البطريق ص78 وشواهد التنزيل ج2 ص278 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص392 وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص556 والصراط المستقيم ج1 ص232 والطرائف لابن طاووس ص22 وكتاب الأربعين للشيرازي ص42 وحلية الأبرار ج2 ص444 ومدينة المعاجز ج2 ص436 وبحار الأنوار ج35 ص283 وكتاب الأربعين للماحوزي ص119 وتفسير فرات ص451 وخصائص الوحي المبين ص95 ونهج الإيمان ص198 وتأويل الآيات ج2 ص620 والشهب الثواقب للشيخ محمد آل عبد الجبار ص57 وغاية المرام ج2 ص145 وج4 ص231 وشرح إحقاق الحق (المحقات) ج3 ص336 وج4 ص85 وج14 ص294 وج15 ص136 وج30 ص78.


من السماء نجم، ليعلموا من الوصي بعدي.

قال: فلما فرغوا من صلاتهم، صلاة العشاء الآخرة، في تلك الساعة. والناس ينظرون ما يكون، وهي ليلة مظلمة، لا قمر فيها، وإذا بضوء قد أضاء منه المشرق والمغرب.

وقد نزل نجم من السماء إلى الأرض، وجعل يدور على الدور، حتى وقف على حجرة علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وله شعاع عظيم هائل.

وقد أضاءت بشعاعه الدور، وقد فزع الناس، وصار على الحجرة.

قال: فجعل الناس يكبرون ويهللون، وقالوا: يا رسول الله، نجم من السماء، قد نزل على ذروة حجرة دار علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

قال: فقام، وقال: هو ـ والله ـ الوصي من بعدي، والقائم بأمري، فأطيعوه ولا تخالفوه، وقدموه ولا تتقدموا عليه، فهو والله خليفة الله في أرضه بعدي.

قال: فخرج الناس من عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقال واحد من المنافقين: ما يقول محمد في ابن عمه إلا بالهوى، وقد ركبته الغواية حتى لو أمكن أن يجعله نبياً، لجعله نبياً.

قال: فنزل جبرئيل (عليه‌السلام ) وقال: يا محمد، ربك يقرؤك السلام، ويقول لك إقرأ:

( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا


غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (1) )(2) .

ونقول:

1 ـ إن انقضاض كوكب من السماء، وسقوطه في موضع بعينه ليس من الأمور التي تخضع لإرادات الناس العاديين، بل هو حدث كوني لا يرى الناس أن لهم فيه حيلة، ولا إلى بلوغه وسيلة..

كما لا سبيل لهم إلى تحديد موقع سقوط الكوكب، إذا لم يقع على مرأى مباشر منهم. فقول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم: من انقضَّ في داره فهو الخليفة من بعدي، لا يمكن إلا أن يكون بوحي من الله تبارك وتعالى.. إذ لا يعقل أن تجعل الإمامة والخلافة، وقيادة الأمة وهدايتها معلقة على الصدفة المحضة، فلعل الكوكب قد وقع في الصحراء، أو في إحدى ساحات أو طرقات وأزقة المدينة، ولم يقع في دار أحد. أو وقع في داركافر، أو منافق أو جاحد، أو امرأة أو مجنون. أو جاهل أو ما إلى ذلك.. فهل يمكن أن تسلم الأمة لأمثال هؤلاء؟!

2 ـ إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد بين لبني هاشم،

____________

1- الآيات 1 ـ 4 من سورة النجم.

2- در بحر المناقب (مخطوط) لابن حسنويه الموصلي الحنفي ص19 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص86 وغاية المرام ج4 ص235 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص172 وراجع: شرح الأخبار ج1 ص243 ومدينة المعاجز ج3 ص161.


ولغيرهم في مناسبات كثيرة من هو الإمام والخليفة من بعده، ومن ذلك حديث إنذار العشيرة الأقربين.

ولكن النفوس تأبى، والأهواء تمنع من الإستسلام والرضا.. فكانوا ينسبون النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى الهوى والعصبية في ذلك.

فكأن الله تعالى أراد أن يخرج هذا الأمر عن دائرة اختيار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ليفهمهم أن الأمر قرار إلهي، لا حيلة للنبي، ولا لغيره فيه. فما عليهم إلا الرضا به، والبخوع له. والكف عن إثارة الهواجس الباطلة بالطريقة التي لا يرضاها الله تبارك وتعالى..

3 ـ ما ذكرته الرواية الأخيرة، من أن أحد المنافقين خرج، وهو يتهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالعمل بالهوى، وبأنه قد ركبته الغواية في علي (عليه‌السلام )، ربما كان قبل انقضاض الكوكب، وبعد إخبار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بانقضاضه.. ثم لما حصل ما حصل نزلت الآيات المباركة.

فإن هذا هو المسار الطبيعي للحدث، إذ لا معنى لأن يتهم ذلك المنافق النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالعمل بالهوى والغواية، بعد ظهور هذه المعجزة العظيمة، التي كان قد أخبرهم بها قبل وقوعها.

أولئك هم خير البرية:

وروي عن جابر بن عبد الله، قال: كنا عند النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأقبل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قد أتاكم أخي.


ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة.

ثم قال: إنه أولكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية.

قال: فنزلت( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (1) .

قال: وكان أصحاب محمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا أقبل علي (عليه‌السلام ) قالوا: قد جاء خير البرية(2) .

ونقول:

نلاحظ هنا ما يلي:

____________

1- الآية 9 من سورة الحشر.

2- ترجمة الإمام علي (عليه‌السلام ) من تاريخ دمشق (تحقيق المحمودي) ج2 ص442 وتاريخ مدينة دمشق (تحقيق الشيري) ج42 ص371 وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة الكوفي ص219 وبشارة المصطفى ص196 و 296 والمناقب للخوارزمي ص111 وكشف الغمة ج1 ص151 وج2 ص23 وينابيع المودة ج1 ص196 والأمالي للطوسي ص251 والمحتضر للحلي ص168 وحلية الأبرار ج2 ص407 وبحار الأنوار ج38 ص5 وغاية المرام ج3 ص299 و 302 وج5 ص5 و 186 وج6 ص55 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص217 وج14 ص258.


1 ـ صرحت الرواية: بأن هذا الذي جرى كان بجوار الكعبة، فدل ذلك على أن هذه القضية قد حصلت إما في عمرة القضاء، أو في فتح مكة، أو في حجة الوداع.

2 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول لأصحابه حين أقبل علي (عليه‌السلام ): (قد أتاكم أخي..) مع أن الحاضرين قد رأوا علياً (عليه‌السلام ) مقبلاً، كما رآه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). مما يعني: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد اتخذ من إقبال علي (عليه‌السلام ) ذريعة للحديث عن علي (عليه‌السلام )، وإبلاغهم أمراً يرى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن إبلاغهم له لازم وضروري..

وهذا الأمر إما للتأكيد على أمر سبق بيانه، أو هو تأسيس لأمر جديد، أو هما معاً، وهذا هو الظاهر كما بينته المضامين التي صدرت عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ذكر في هذه الرواية ما يلي:

ألف: ما هو بمثابة التذكير بأمر سابق، يريد للناس أن لا ينظروا إليه على أنه حدث عابر، بل هو أمر له أهميته البالغة، ويراد التأسيس والبناء عليه، ألا وهو موضوع أخوة علي (عليه‌السلام ) لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، التي تجلت في عملية المؤاخاة في مطلع الهجرة وقبلها.

ب: تقرير أمور هامة وأساسية لصيانتها عن التلاعب، وإفشال محاولات إنكارها، ألا وهي كونه (عليه‌السلام ) أولهم إيماناً، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله.


4 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين أمرين:

أولهما: أفضلية علي (عليه‌السلام ) على جميع الصحابة في ذاته، وشخصيته الإسلامية، فهو أولهم في الإيمان، وأولهم في العمل والممارسة، فإنه أوفاهم بعهد الله.

ثانيهما: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فضل علياً (عليه‌السلام ) عليهم بأمور ترتبط بالحكومة والسلطة، وهي: كونه أقومهم بأمر الله، وأعدلهم في الرعية، وأقسمهم بالسوية، والأقوم بأمر الله، فقد أخرجهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن عمومه بذكر الرعية والقسمة.. ليدل بصورة واضحة على أنه يريد أن يسد أمامهم باب منافسته (عليه‌السلام ) في أمر الحكومة والولاية.

5 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد وجه خطابه إلى الصحابة بصورة مباشرة، فقال: أولكم، أوفاكم، أقومكم، أعدلكم، أقسمكم، أعظمكم. وإنما لم يقل: أول الناس مثلاً، لكي يمنع من ظهور أي تأويل، أو توهُّم يريد أن يدعي: أنه يتحدث عن سائر الناس، ولم يقصد الحاضرين عنده، أو الصحابة.. أو كبارهم.. أو نحو ذلك..

6 ـ وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أعظمكم عند الله مزية يشير إلى أن هذا الأمر قد ترك آثاره في مجال أسمى وأعظم من أن يمكنهم التصرف أو الإخلال فيه، لأنه أصبح قراراً إلهياً ماضياً..

وقد نزلت فيه آية مباركة تحسم كل جدل، ولا ينالها خطأ ولا خطل، ألا وهي قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ


الْبَرِيَّةِ ) (1) .

7 ـ إن الطريقة التي اتبعها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بيان ما يريد، جاءت فريدة ورائعة، حيث أرفق الحدث بحركة غير متوقعة، وهو: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التفت إلى الكعبة وضربها بيده، ليدلهم على أن ثمة أمراً اقتضى هذا التصرف الخارج عن المألوف.. لا بد أن يتلمسه المتأمل حين ينتهي الحدث، ليكتشف مبرارته، ثم يبقى يعيش في ذهنه، ويتمكن من استحضاره من خلال تذكره لهذه الحركة التي تشده، فتستخرجه من أعماق الذاكرة، وتحضره أمامه، ليتبصَّره وهو على درجة عالية من التألق والوضوح.

أما لو أورد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كلامه بعفوية وترسُّل، لكان على الذاكرة أن تبذل جهداً كبيراً للعثور عليه بين ذلك الركام الهائل من الصور المتناثرة.. وربما لا توفق للعثور عليه أصلاً..

8 ـ وقد ترك هذا الحدث أثره الظاهر في نفوس الناس، إلى حد أنهم كانوا إذا أقبل علي (عليه‌السلام ) قالوا: (قد جاء خير البرية).

9 ـ وبذلك يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أقام الحجة عليهم، وأكد حضورها في عقولهم وقلوبهم، حين ربطها بهذا الحدث، الذي أصبح يتبادر إلى أذهانهم بصورة عفوية، فتجذره في عمق الوجدان، وتمازج مع المشاعر، التي تنطلق لتعبر عن نفسها بعفوية ظاهرة.

10 ـ إن ضرب الكعبة بيده، ربما أريد به لفت النظر إلى أن ما يريد أن

____________

1- الآية 9 من سورة الحشر.


يقرره له مساس بالكعبة وحفظها.. وتأكيد موقعها ومكانتها في النفوس..

كما أنه مرتبط بالتوحيد الذي تمثله الكعبة، وهي الرمز الأعظم والثابت له على مدى العصور والدهور.

فلا بد من الإنقياد والطاعة لله الواحد تبارك وتعالى، والقبول بأن الأمر له.. وأن على الناس أن لا ينقادوا لأهوائهم، وأن لا يستجيبوا لطموحاتهم في أقدس الأمور، وأشدها حساسية.

11 ـ وبعد.. فإن هذه الروايات قد وردت في مصادر لا تمت إلى الشيعة بصلة.. وقد دونها أناس لا يقولون بالإمامة، أو فقل: لا ينسجمون في مذاهبهم الإعتقادية مع نظام الإمامة، وما يترتب على الإعتقاد به من واجبات ومسؤوليات.

وربما يمكن استفادة أمور أخرى من النص المتقدم، وقد يكون بعضها أدق وأعمق، وأوضح وأصرح مما ذكرناه، غير أننا نكل أمر البحث عنها وبلورتها إلى القارئ إن شاء.

ألف حديث في جلسة واحدة:

عن أم سلمة زوجة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قالت: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مرضه الذي توفي فيه: ادعوا لي خليلي.

فأرسلت عائشة إلى أبيها، فلما جاء غطى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجهه، وقال: ادعوا لي خليلي.

فرجع أبو بكر، وبعثت حفصة إلى أبيها، فلما جاء غطى رسول الله


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجهه، وقال: ادعوا لي خليلي.

فرجع عمر، وأرسلت فاطمة (عليها‌السلام ) إلى علي، فلما جاء قام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدخل، ثم جلل علياً (عليه‌السلام ) بثوبه.

قال علي (عليه‌السلام ): فحدثني بألف حديث، يفتح كل حديث ألف حديث، حتى عرقت وعرق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فسال عليَّ عرقه، وسال عليه عرقي(1) .

وهذا الحديث بهذا المضمون عن بشير الدهقان، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام )، وعن غيره كثير(2) .

ونقول:

أوردنا هذا الحديث، لنشير: إلى أنه لا مجال للإشكال عليه بأنه كيف يحدث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بألف حديث في مثل هذه العجالة؟! فإن هذا مما لا يمكن حدوثه في العادة.

____________

1- الخصال للصدوق ج2 ص642 وبحار الأنوار ج22 ص461 وبصائر الدرجات ص333 والإختصاص للمفيد ص285 وينابيع المعاجز ص148 وغاية المرام ج5 ص223.

2- بحار الأنوار ج22 ص463 و 461 وج26 ص29 وج40 ص130 والخصال للصدوق ج2 ص643 و 645 والإختصاص للمفيد ص283 والفصول المهمة للحر العاملي ج1 ص562 وينابيع المعاجز ص147 ونهج السعادة ج7 ص465 وتفسير نور الثقلين ج4 ص444 وغاية المرام ج5 ص222.


ونجيب:

أولاً: من الذي قال: إن هذا التعليم كان بالوسائل العادية.. وباللغة والألفاظ المتعارفة والمألوفة. فلعل ثمة طريقة أو لغة أخرى يمكن اختزال الألفاظ فيها إلى أقل القليل، وبنحو لا يخدش في دلالاتها؟!

ومن الذي قال: إن هذه المناجات لم تستمر ساعة أو ساعتين أو أكثر، ولا سيما مع تصريح الرواية بعرق النبي والوصي (صلى الله عليهما وآلهما) حتى سال عرق كل منهما على الآخر.

ثانياً: إن العلم نور يقذفه الله في القلب(1) ، فلعل الله تعالى قد تصرف في النبي وفي علي (صلى الله عليهما وآلهما) حتى أمكن نقل هذا النور منه إليه، فحمل عنه ألف حديث يفتح له من كل حديث ألف حديث.

وفي الروايات ما يشير إلى انتقال علم الإمامة أو أسرارها بطرق غير عادية، لحظة اجتماع الإمام السابق باللاحق، قبيل وفاة السابق(2) .

____________

1- فيض القدير ج4 ص510 وتفسير ابن أبي حاتم ج10 ص3180 والدر المنثور ج5 ص250.

2- راجع على سبيل المثال: الأمالي للصدوق ص759 ـ 762 وبحار الأنوار ج49 ص300 ـ 303 وعيون أخبار الرضا ج2 ص242 و 244 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج1 ص271 ـ 274 وروضة الواعظين ص229 ـ 232 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص482 و 483 ومدينة المعاجز ج7 ص158 ـ 164 و 329 ـ 332 ومسند الإمـام الرضـا ج1 ص193ـ 196 وموسوعـة الإمام الجـواد = = للقزويني ج1 ص219 ـ 224 وإعلام الورى ج2 ص81 ـ 85 وكشف الغمة ج3 ص120 ـ 123.


أم سلمة تشهد لعلي (عليه‌السلام ):

عن علي بن محمد بن المنكدر، عن أم سلمة زوجة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكانت من ألطف نسائه، وأشدهن له حباً بعد زوجته خديجه (عليها‌السلام )، قال: وكان لها مولى يحضنها ورباها، وكان لا يصلي صلاة إلا سب علياً وشتمه.

فقالت: يا أبة، ما حملك على سب علي؟!

قال: لأنه قتل عثمان وشرك في دمه.

قالت له: لولا أنك مولاي وربيتني، وأنك عندي بمنزلة والدي ما حدثتك بسر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولكن اجلس حتى أحدثك عن علي وما رأيته في حقه.

قالت: أقبل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وكان يومي، وإنما كان يصيبني في تسعة أيام يوم واحد، فدخل النبي وهو يخلل أصابعه في أصابع علي (عليه‌السلام ) واضعاً يده عليه، فقال: يا أم سلمة، أخرجي من البيت، وأخليه لنا.

فخرجت وأقبلا يتناجيان، وأسمع الكلام، ولا أدري ما يقولان، حتى إذا قلت: قد انتصف النهار، وأقبلت فقلت: السلام عليك يا رسول الله، ألج؟!


فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا تلجي، وارجعي مكانك.

ثم تناجيا طويلاً حتى قام عمود الظهر، فقلت: ذهب يومي، وشغله علي، فأقبلت أمشي حتى وقفت على الباب، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، ألج؟!

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): لا تلجي.

فرجعت، فجلست مكاني، حتى إذا قلت: قد زالت الشمس، الآن يخرج إلى الصلاة فيذهب يومي، ولم أر قط يوماً أطول منه، فأقبلت أمشي حتى وقفت فقلت: السلام عليك يا رسول الله، ألج؟!

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): نعم تلجي.

فدخلت وعلي واضع يده على ركبتي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قد أدنى فاه من أذن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أذن علي يتساران، وعلي يقول: أفأمضي وأفعل؟!

والنبي يقول: نعم.

فدخلت، وعلي معرض وجهه حتى دخلت، وخرج.

فأخذني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأقعدني في حجره، فأصاب مني ما يصيب الرجل من أهله من اللطف والإعتذار، ثم قال: يا أم سلمة، لا تلوميني، فإن جبرئيل أتاني من الله بما هو كائن بعدي، وأمرني أن أوصي به علياً من بعدي، وكنت جالساً بين جبرئيل وعلي، وجبرئيل عن يميني وعلي عن شمالي، فأمرني جبرئيل أن آمر علياً بما هو كائن بعدي إلى يوم القيامة، فاعذريني ولا تلوميني، إن الله عز وجل اختار من كل أمة نبياً، واختار لكل


نبي وصياً، فأنا نبي هذه الأمة، وعلي وصيي في عترتي، وأهل بيتي، وأمتي من بعدي(1) .

ونقول:

نحتاج إلى التذكير هنا بالعديد من الأمور، نذكر منها:

1 ـ إن مكانة علي (عليه‌السلام ) لدى أم سلمة لا تعدلها مكانة أحد بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وإذا كانت (رضوان الله تعالى عليها) أشد نساء النبي حباً له (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلا بد أن تكون أشدهن حباً لمن يحبه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..ولا سيما بملاحظة أقوال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيه، وعظيم ثناء الله تعالى عليه..

وبذلك يتأكد: أن قداسة ومكانة علي عندها، وموقعه في منظومتها الإعتقادية يجعلها في غاية التوتر، والنفور ممن ينحرف عنه ويميل إلى غيره،

____________

1- الطرائف لابن طاووس ص8 و(ط مطبعة الخيام) ص24 والمناقب للخوارزمي ص88 وفرائد السمطين باب 52 حديث 222 وبشارة المصطفى ص70 بسند آخر (نقلاً عن هامش تاريخ مدينة دمشق ترجمة الإمام علي ج3 ص9)، والعقد النضيد والدر الفريد للقمي ص182 والصراط المستقيم ج2 ص29 وكتاب الأربعين للشيرازي ص48 وبحار الأنوار ج38 ص309 وكتاب الأربعين للماحوزي ص117 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه الأصفهاني ص105 وكشف الغمـة ج1 ص301 ونهج الإيـمان لابن جبر ص200 وغايـة المــرام ج6 ص34 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج4 ص76 وج15 ص171.


فكيف بمن يناوئه ويعاديه، أو يسبه ويشتمه؟!

فإذا كان الذي رباها يسب علياً (عليه‌السلام )، ويشتمه عند كل صلاة، فالمتوقع أن ترفضه، وتنفر منه، وتقف منه موقفاً في غاية السلبية، لأنه يمس أقدس شخصية عندها بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

ولكن الملاحظ هنا: أنها ليس فقط لم تفعل شيئاً من ذلك، وإنما عاملته معاملة هي غاية، في الرفق، واللطف به، والأدب معه، وضبط النفس.

وقد تصرفت معه بطريقة فتحت بها باب فهمه، وأيقظت وجدانه، وأطلقت بصيرته من عقال التعصب الأعمى على آفاق مفعمة بالصفاء والنقاء، والتأمل الواعي والهادي.. وأخذت بيده إلى سبيل الرشاد والسداد، فتاب وأناب، وشملته ألطاف الرب الرحيم التواب، الغفور، والوهاب..

وقدمت أم سلمة النموذج الأمثل للمرأة العاقلة، التي تعي مسؤولياتها، فتبادر إلى القيام بها على أكمل وجه، وأتمه.

2 ـ إنها (رحمها الله) قد مهدت لما تريد بإفهامها إياه أنها لا تتعامل معه بانفعالاتها وتعصبها الذي يريد أن يفرض خياره وقراره على الآخرين، بل تتعامل معه من موقع الحرص عليه، وابتغاء الخير له، والعرفان بالجميل والوفاء لحقه، من حيث أنه هو البادئ بالتفضل عليها بالتربية والرعاية لها. ثم من موقع الإحترام والإكبار، لا من الإستهانة به والإستهتار بمقامه، فأخبرته بأنها تنظر إليه على أنه بمنزلة والدها..

3 ـ ثم إنها (رضوان الله تعالى عليها) اعتبرته موضعاً لثقتها، وأهلاً لإيثارها إياه بسر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وميزته بذلك عن غيره،


وهذا يزيده رضاً بنصحها، واطمئناناً إلى صدق نيتها ولهجتها تجاهه، وابتغائها المصلحة له..

4 ـ إن هذه الرواية بينت: أن علياً (عليه‌السلام ) قد علم بما هو كائن بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، من الرسول نفسه، الذي كان يتلقى ذلك من جبرئيل (عليه‌السلام ) في نفس اللحظة.. وجبرئيل إنما يخبر عن الله سبحانه..

ثم تلقى من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الأوامر والتوجيهات الإلهية بطريقة تعامله مع تلك الحوادث. وكان جبرئيل هو الذي يأمره بإبلاغ علي (عليه‌السلام ) بتلك التوجيهات..

فدل ذلك على أن علياً (عليه‌السلام ) لا يتعامل مع الأمور بانفعالاته، واجتهاداته الشخصية، وإنما وفق خطة إلهية مرسومة ومبينة. فلا مجال للطعن في أي موقف يتخذه (عليه‌السلام )، ولا يمكن نسبة التقصير أو الخطأ فيه إليه بأي حال من الأحوال.

5 ـ يلاحظ: أن الأمر لم يقتصر على إخبار علي (عليه‌السلام ) بما يكون بعد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خصوص حياة علي (عليه‌السلام )، بل أخبره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما هو كائن بعده إلى يوم القيامة، وأعطاه توجيهاته وأمره فيه.. فدل ذلك: على أن لعلي (عليه‌السلام ) نوعاً من الحضور والتعاطي بنحو من الأنحاء مع تلك الأحداث المستمرة إلى يوم القيامة، وإن لم ندرك نحن بصورة تفصيلية كيفية، وآفاق ومدى هذا الحضور، وذلك التعامل وحدود ذلك التأثير.


الفصل العاشر:

أحقاد.. وآثار..



الحديقة.. تذكِّر بالضغائن:

1 ـ عن أنس وأبي برزة وأبي رافع، وعن ابن بطة من ثلاثة طرق: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خرج يمشي إلى قبا، فمر بحديقة، فقال علي: ما أحسن هذه الحديقة!!

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): حديقتك يا علي في الجنة أحسن منها. حتى مر بسبع حدائق على ذلك.

ثم أهوى إليه فاعتنقه، فبكى (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وبكى علي (عليه‌السلام ).

ثم قال علي (عليه‌السلام ): ما الذي أبكاك يا رسول الله؟!

قال: أبكي لضغائن في صدور قوم لن تبدو لك إلا من بعدي.

قال: يا رسول الله، كيف أصنع؟!

قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): تصبر، فإن لم تصبر تلق جهداً وشدة.

قال: يا رسول الله، أتخاف فيها هلاك ديني؟!

قال: بل فيها حياة دينك(1) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضـواء) ج2 ص121 و (ط المكتبة الحيدريـة) = = ج1 ص386 عن مسند أبي يعلى، واعتقاد الأشنهي، ومجموع أبي العلاء الهمداني، وعن الإبانة لابن بطة، وبحار الأنوار ج41 ص4 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص323 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص11.


2 ـ وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في خبر: يا علي، اتق الضغائن التي لك في صدر من لا يظهرها إلا بعد موتي،( أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) (1) . ثم بكى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقيل: مم بكاؤك، يا رسول الله؟!

قال: أخبرني جبرئيل (عليه‌السلام ): أنهم يظلمونه ويمنعونه حقه، ويقاتلونه ويقتلون ولده، ويظلمونهم بعده(2) .

3 ـ قال الحميري:

وقد كان في يوم الحدايق عبرة وقول رسول الله والعين تدمع

____________

1- الآية 159 من سورة البقرة.

2- المناقب للخوارزمي ص62 والأمالي للطوسي ص351 وبحار الأنوار ج28 ص45 وج37 ص192 وكشف الغمة ج2 ص25 وكشف اليقين ص467 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص28 والعقد النضيد والدر الفريد ص77 والصراط المستقيم ج2 ص87 وكتاب الأربعين للشيرازي ص266 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص705 وينابيع المودة ج3 ص279 وغاية المرام ج1 ص123 وج2 ص85 وج3 ص191 و 202 وج4 ص77 وج6 ص31 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص54.


فقال علي مم تبكي؟ فقال: من ضغاين قوم شرهم أتوقع

عليك، وقد يبدونها بعد ميتتي فماذا هديت الله في ذاك يصنع(1)

ونقول:

ما أحسن هذه الحديقة!!:

ذكرت الرواية: أن حسن الحديقة لفت نظر علي (عليه‌السلام )، فعبر عن إعجابه بحسنها لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ثم أعجبته الثانية، والثالثة إلى السابعة، فكان في كل ذلك يظهر (عليه‌السلام ) إعجابه بما يراه من حسن تلك الحدائق..

وهذه الشهادة من علي (عليه‌السلام ) وموافقة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له تدلنا على أن إنشاء الحدائق في المدينة، قد قطع أشواطاً واسعة في الرقي والإزدهار، ولعلنا لا نجد له مثيلاً في أيامنا هذه..

وذلك، لأن الحسن إنما هو نتيجة تناسق دقيق لأمور يراد لها أن تتخذ أوضاعاً مختلفة لتكوِّن صورة مختارة للتعبير عن معنى يختزنه ذلك التناسق، ويراد الإيحاء به في المرئيات، أو المسموعات، أو في أي شيء آخر.

ومن غير علي (عليه‌السلام ) بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرهف حساً، وأصفى قريحة، وأعلى ذوقاً، وأدق نظراً، وأوفى شعوراً بالحسن

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص121 و(ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص387 وأعيان الشيعة ج3 ص425.


وبالجمال، وبقيمته وبمزاياه؟!

فإذا شهد (عليه‌السلام ) بالحسن في مورد، فإن أحداً لن يساوره شك في واقعية هذه الشهادة، لأن علياً (عليه‌السلام ) يمثل القمة في كل شيء، ومنه تبدأ الدقائق والحقائق وإليه تنتهي..

الحسن من نعيم الجنة:

وبديهي: أن الحسن إذا كان من مفردات نعيم الجنة، سواء في ذلك حسن حدائقها، أو حسن حورها، أو حسن ولدانها المخلدين. فلا بد من أن يكون المؤمنون قادرين على إدراك هذا الحسن، والتمتع به.

وسيكون إدراكهم قوياً وراقياً ودقيقاً، وإحساسهم مرهفاً بمقدار ما أهلتهم له أعمالهم، واكتسبوه بجهدهم وجهادهم، وتضحياتهم في الحياة الدنيا.

ومن يمكن أن يدعي أنه يملك من ذلك ما يضارع أو يداني ما لدى خير الأنبياء، وسيد الأوصياء (عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام)؟!

ما الذي أبكاك يا رسول الله؟!:

وحين يحزن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأمر، إلى حد أنه يبكي له، فإن علياً (عليه‌السلام )، لا بد أن يحزن لحزنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه نفسه، وحبيبه، وأخوه.

وإذا كان الإمام الصادق (عليه‌السلام ) يقول عن الشيعة (رضوان الله تعالى عليهم): رحم الله شيعتنا، خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا،


ويحزنون لحزننا(1) . فهل يمكن أن نتصور علياً (عليه‌السلام ) لا يفرح لفرح رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهما قد خلقا من نور واحد، ومن شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتى؟!(2) .

____________

1- شجرة طوبى ج1 ص3 و 6 وراجع: الخصال ص635 وبحار الأنوار ج10 ص114 وج44 ص287 والعوالم، الإمام الحسين (عليه‌السلام " ص525 وعيون الحكم والمواعظ للواسطي ص152 ولواعج الأشجان ص5 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص117 وتأويل الآيات ج2 ص667 وغاية المرام ج4 ص266 ومكيال المكارم ج2 ص156 والمجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة ص73 و 162.

2- المستدرك للحاكم ج2 ص241 ومجمع الزوائد ج9 ص100 والمعجم الأوسط ج4 ص263 ونظم درر السمطين ص79 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص608 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص64 وميزان الإعتدال ج2 ص306 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص296 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص265 وشواهد التنزيل ج1 ص375 و 554 والجامع لأحكام القرآن ج9 ص283 والدر المنثور ج4 ص44 وتفسير الثعلبي ج5 ص270 ومجمع البيان ج2 ص311 وج6 ص11 وخصائص الوحي المبين ص242 و 246 والخصال للصدوق ص21 وعيون أخبار الرضا ج1 ص78 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج1 ص476 و 480 وشرح الأخبار ج2 ص578 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج1 ص506 والصراط المستقيم ج1 ص228 وبحار = = الأنوار ج21 ص279 وج22 ص278 وج35 ص25 و 301 وج36 ص180 وج37 ص38 وج40 ص78 وج99 ص106 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص135 وكشف الغمة ج1 ص323 وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص255 ـ 266 وج7 ص180 ـ 184 وج9 ص150 ـ 159 وكتاب فضائل الخمسة ج1 ص171.


ضغائن تبدو بعد وفاة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وعن الضغائن التي أشار إليها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نقول:

إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يخبر عن أمر غيبي، تلقاه من جبرئيل، وحدد له من تفاصيله، ما تقشعر له الأبدان، وتنبو عنه وتأباه النفوس.

ولا شيء يوجب نشوء هذه الضغائن إلا أنه (عليه‌السلام ) قد وترهم، وأبار كيدهم، وأسقط عنفوان الباطل فيهم..

أو أنهم حسدوه لفضائله وميزاته، وما حباه الله به.

أو أنهم وجدوا فيه ما يمنعهم من بلوغ أهدافهم، وتحقيق مآربهم، وطموحاتهم الباطلة..

أو أنهم أبغضوا فيه التزامه بالحق، وحمايته له، وسحقه مناوئيه..

ما يهمُّ علياً (عليه‌السلام ):

وقد بين علي (عليه‌السلام ): أن ما يهمه ليس هو ما يتعرض له من ظلم، ومنع حق، وقتال، وقتل للأولاد والذرية، وسائر أنواع الأذى، بل ما


يهمه هو: حفظ الدين والحق، ولذلك قال: (أتخاف فيها هلاك ديني)؟!(1) .

آية اللعن:

والذي يدعو للتأمل قول النبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ):( أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) (2) ، مع أن هؤلاء الملعونين يعدون أنفسهم، ويعدهم كثير من جملة المسلمين، والآية ترشد إلى مطلوبية لعن الناس لهم، ومحبوبيته. فدعوى مرجوحية اللعن بصورة مطلقة تصبح في غير محلها. ولهذا البحث مجال آخر..

مبغض علي (عليه‌السلام ) رديء الولادة:

عن زيد بن يثيع قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال ـ وقد خيَّم خيمة، وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم‌السلام ) ـ: أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب لمن حاربهم، وولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد، طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد، رديء الولادة

فقال رجل: يا زيد، أنت سمعت من أبي بكر هذا؟!

____________

1- بحار الأنوار ج41 ص5 ومناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج2 ص121 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص386.

2- الآية 159 من سورة البقرة.


قال: إي ورب الكعبة(1) .

ونقول:

1 ـ إن الروايات المصرحة بأن مبغض علي(عليه‌السلام ) رديء الولادة أو ابن زنا كثيرة، رواها أهل السنة والشيعة على حد سواء.. وهذا الخبر واحد منها. وكذلك الخبر الآتي.

2 ـ إن زيد بن يثيع يقسم على أنه قد سمع ذلك من أبي بكر بعد أن سأله سائل: إن كان قد سمع ذلك منه حقيقة.. حيث يبدو أن السائل لم يتعقل صدور هذا الأمر من أبي بكر، الذي نازع علياً (عليه‌السلام ) في الخلافة، وجرت الأمور على النحو المعروف. وحصل ما حصل..

3 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد جعل رداءة الولادة وطيبها مرتبطة بحب ثلاثة آخرين غير علي (عليه‌السلام )، وهم فاطمة والحسنان (عليهم‌السلام ).. وهذا لا ينافي إقتصار سائر الروايات على ذكر علي (عليه‌السلام ) ،

____________

1- الفصول المئة ج3 ص288 عن فرائد السمطين ج2 ص373 والأربعون حديثاً لمنتجب الدين بن بابويه ص19 والمناقب للخوارزمي ص296 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص174 وشرح إحقاق الحق ج9 ص165 وج18 ص415 وج25 ص238 وج26 ص259 وج27 ص95 وج33 ص89 وشرح الأخبار ج3 ص515 والغدير ج1 ص336 وج4 ص323 والنص والإجتهاد ص90 عن سمط النجوم ج2 ص488 والرياض النضرة (ط مكتبة الخانجي بمصر) ج2 ص189.


فإن إثبات شيء لشيء لا يعني الإنحصار به، بل قد يشاركه غيره فيه..

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يشهر علياً (عليه‌السلام ):

عن أنس بن مالك قال: كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا أراد أن يشهر علياً في موطن أو مشهد علا على راحلته، وأمر الناس أن ينخفضوا دونه.

وإن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شهر علياً يوم خيبر، فقال:

يا أيها الناس، من أحب أن ينظر إلى آدم في خلقه ـ وأنا في خلقي ـ وإلى إبراهيم في خلته، وإلى موسى في مناجاته، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في سنه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب، إذا خطر بين الصفين كأنما يتقلع من صخر، أو يتحدر من دهر.

يا أيها الناس، امتحنوا أولادكم بحبه، فإن علياً لا يدعو إلى ضلالة، ولا يبعد عن هدى، فمن أحبه فهو منكم، ومن أبغضه فليس منكم.

قال أنس بن مالك: وكان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه، ثم يقف على طريق علي، وإذا نظر إليه يوجِّهه بوجهه تلقاءه، وأومأ بإصبعه: أي بني تحب هذا الرجل المقبل؟!

فإن قال الغلام: نعم، قبله.

وإن قال: لا، حرف (لعل الصحيح: ضرب) به الأرض، وقال له: الحق بأمك، ولا تلحق أبيك بأهلها [كذا]، فلا حاجة لي فيمن لا يحب علي


بن أبي طالب (عليه‌السلام )(1) .

ونقول:

نستفيد من هذا النص أموراً، نذكر منها:

1 ـ إنه قد تكرر إشهار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) في المواطن والمشاهد حتى أصبح مألوفاً للناس..

2 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يتخذ وضعاً خاصاً للقيام بعمله هذا، صار الناس يعرفون طريقته، وحالاته، فإذا رأوا تلك الحالات عرفوا أن ثمة أمراً يرتبط بعلي، وأنه يريد إشهاره وإعلانه، وهو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعلو على راحلته، ويأمر الناس بالإنخفاض دونه، وهذا الذي جرى في خيبر كان أحد تلك المشاهد.

3 ـ ودلت الصفات التي أطلقها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على أنه قد حوى من صفات الكمال والجمال أتمها وأفضلها، فقد حوى من صفات آدم (عليه‌السلام ) صفات كماله في خلقته، ومن صفات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخلاقه الفاضلة، وأخذ أيضاً خلة إبراهيم، ومناجاة موسى، وزهد يحيى، وسن (أو سنة) عيسى.

أي أنه (عليه‌السلام ) قد حاز الصفات التي امتاز بها الأنبياء، وجاراهم

____________

1- ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (ط بيروت) ج2 ص224 وتاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج42 ص288 و (ط مكتبة المرعشي) ج15 ص611 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج15 ص611 وج21 ص364.


بها، حتى إن النظر إليه يكفي عن النظر إلى جميع الأنبياء، لأن الناظر إلى كل شخص لا بد أن ينجذب إلى الصفة التي كملت فيه حتى امتاز بها. ولكنه حين ينظر إلى علي (عليه‌السلام )، فإنه ينجذب إلى جميع الصفات، لأنها امتازت كلها فيه..

4 ـ ويلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد وقف هذا الموقف في خيبر بالذات، ليدل على أن ما جرى على يد علي (عليه‌السلام ) لا ينبغي أن يتعامل معه بنظرة ضيقة ومحدودة، تجعل من علي (عليه‌السلام ) مجرد رجل شجاع وقوي. بل لا بد أن ينظر إلى علي (عليه‌السلام ) كله في صفاته الخلقية، والخلقية، والنفسية، والإيمانية، ومقاماته الروحية، وفضائله، وفي نهجه، وفي هداه وكمالاته كلها.

5 ـ وأقوى تحذير يمكن أن نتصوره لمن يختار مناوأة أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ومعاداته هو هذا البيان الصريح والقاطع الذي يضع من يعاديه من أهل الهوى والعصبية الجاهلية أمام أصعب الخيارات، حيث يطعن في شرفه، ويضع علامة استفهام على طهارة مولده.

6 ـ وقد أصبح هذا البيان النبوي معياراً، يكشف الناس به الخفايا، ويظهرون به الخبايا، لأنهم على يقين من صدق نبيهم، ومن أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى

وقد كان جابر (رحمه‌الله ) يقول: كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي


طالب(1) ، وعن عبادة بن الصامت مثله. والروايات حول ذلك كثيرة.

وقد اضطر كثير من الناس من أعداء علي (عليه‌السلام ) إلى التظاهر بحب علي (عليه‌السلام ) لإثبات براءتهم مما يرميهم به الناس، مع أن قرائن الأحوال لا تؤيد هذه البراءة..

إمتحان الأولاد بحب علي (عليه‌السلام ):

روى الصفوري الشافعي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر أصحابه يوم خيبر بأن يمتحنوا أولادهم بحب علي بن أبي طالب، فإنه لا يدعو إلى ضلالة ولا يبعد عن هدى، فمن أحبه فهو منكم، ومن أبغضه فليس منكم.

قال أنس: فكان الرجل بعد ذلك يقف بولده على طريق علي، فيقول: يا بني أتحب هذا؟!

فإن قال: نعم، قبله.

____________

1- شرح الأخبار ج1 ص446 وتفسير نور الثقلين ج5 ص45 وشواهد التنزيل ج1 ص449 وراجع: الرواشح السماوية للأسترآبادي ص137والغدير ج3 ص26 وج4 ص322 وتفسير مجمع البيان ج9 ص177 وراجع: الإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص158 و 160 وتفسير جوامع الجامع ج3 ص372 والتفسير الصافي ج5 ص30 وج6 ص482 ونهج الإيمان ص456 والنهاية في غريب الحديث ج1 ص161 وشرح إحقاق الحق ج7 ص266 وج14 ص656 وج17 ص250 وج21 ص365 ـ 367.


وإن قال: لا، طلق أمه وتركه معها(1) .

عن عبادة الصامت قال: كنا نبور أولادنا بحب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فإذا رأينا أحدهم لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا، وأنه لغير رشدة.

ثم قال الجزري: لغير رشدة: ولد زنا. وهذا مشهور من قديم وإلى اليوم، أنه ما يبغض علياً إلا ولد زنا(2) .

عن أبي سعيد الخدري: كنا معشر الأنصار نبور أولادنا بحبهم علياً (عليه‌السلام )، فإذا ولد فينا مولود فلم يحبه، عرفنا أنه ليس منا.

قوله: نبور: نختبر ونمتحن(3) .

ونقول:

إن هذه الأحاديث قد تضمنت أموراً تحتاج إلى بسط في البيان، ربما لا نستطيع أن نوفره في الوقت الحاضر، غير أننا نشير إلى ما يلي:

____________

1- نزهة المجالس ج2 ص208 والمحاسن المجتمعة (مخطوط) ص161 عن الزهر الفاتح، وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص249 وج30 ص301.

2- أسنى المطالب ص57 والغدير ج3 ص26 وج4 ص322.

3- أسنى المطالب ص58 والغدير ج4 ص322 والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص159 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج21 ص367 و 368.


اختبار المولود:

إن موضوع الحب والبغض أمر قلبي جوانحي، لا بد من الإحساس به وإدراكه قبل التعبير عنه بالكلمة، أو بالإشارة ونحوها. والمولود لا يكون مؤهلاً عادة لمثل هذا الإمتحان..

وإذا كان الحب والبغض يحتاج إلى محفزات، ولنفترض أن ذلك الطفل قد كبر حتى صار عمره عدة سنوات، فإن أجواءه قد لا تسمح له بالتعرف على محاسن علي (عليه‌السلام )، حيث يكون له عالمه الخاص به، واهتماماته المناسبة لسنه، فما معنى أن يمتحن المولود بحب علي (عليه‌السلام )..

وهل يمكن الإعتماد على ما يظهره المولود إذا كان لا يتعقل ما يقول، ويتابع غيره فيما يقول وفيما يفعل؟! فلعله ابتلى بمن كان يعلمه بغض علي (عليه‌السلام )، ويوحي إليه بما ينفره منه.. فكيف تؤاخذ أمه على أمر من هذا القبيل، ثم تتهم به، وتطلق، وتمزق العائلة؟!

ويمكن أن يجاب: بأن الله تعالى يقول:( لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا ) (1) . فلو لم يؤته الله سبحانه حب علي (عليه‌السلام ) وإمكان التعبير عنه، وإلهامه الصواب والصدق فيه، لم يعرِّض الله كرامة أمه للخطر، وحياتها للإنتكاس.

ومن الذي قال: إنه تعالى لم يوجد بين القلوب والأرواح علاقات وروابط لا تنالها إدراكاتنا، تجعلها تتواصل، وتتحابب وتتنافر بصورة

____________

1- الآية 7 من سورة الطلاق.


طبيعية، وحتى من دون أن يتم لقاء وتعارف مباشر بين الأشخاص. فقد روي: أن الأرواح جند مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف(1) .

وقيل: من القلب إلى القلب سبيل(2) .

هذا المعيار حساس:

وقد لوحظ: أن هذا المعيار الذي جعله الله، قد جاء في غاية الحساسية والأهمية، بالنسبة للناس الغيورين على نسائهم، والمهتمين بسلامة شرفهم، وطهارة ذيلهم.

____________

1- راجع: روضة الواعظين ص492 والأمالي للصدوق ص209 وعلل الشرائع ج1 ص84 ومن لا يحضره الفقيه ج4 ص380 ومختصر بصائر الدرجات ص214 وراجع: المسائل السروية ص37 والتحفة السنية (مخطوط) ص84 ونهج السعادة ج8 ص254 وعون المعبود ج13 ص124 وراجع: بصائر الدرجات ص109 و 411 وكتاب المؤمن للحسين بن سعيد ص39 والإعتقادات في دين الإمامية للصدوق ص48 والإختصاص للمفيد ص311 وعوالي اللآلي ج1 ص288 ومدينة المعاجز ج2 ص197 وبحار الأنوار ج2 ص265 وج5 ص241 و 261 وج6 ص294 وج25 ص14 وج45 ص404 وج58 ص31 و 63 و 64 و 79 و 80 و 106 و 134 و 139 و 144 وج65 ص205 و 206.

2- راجع: تفسير الآلوسي ج23 ص214.


وهو بنفسه يثير الحماس لممارسة هذا الإختبار، ويثير الخوف والرهبة منه أيضاً.. ويدعو للحذر من مخالفته مقتضياته. والتحفظ من تبعات الفشل في الإمتحان فيه.

كما أنه معيار لمدى ثقة الإنسان المؤمن، بربه ونبيه.

الحادثة في خيبر:

وبما أن العنايات الإلهية، والألطاف الربانية، والكرامة الظاهرة لكل ذي عينين قد تجلت في معركة خيبر، بنحو يوجب اليقين، وزوال أدنى شك أو ريب بها، فمن الطبيعي أن يطلق النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذا المعيار البالغ في دقته وحساسيته، وآثاره على المشاعر، وخطورته على البنية العائلية ـ من الطبيعي أن يطلقه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ في خصوص هذه المناسبة، ليمكن للناس أن يفهموه وأن يستوعبوه، وأن يتقبلوه بنفوس أبية، وبأريحية وحمية، وهكذا كان..


الباب الثالث عشر:

المرض.. والوفاة..



الفصل الأول:

وصايا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مرض الوفاة..



إبعثي بها إلى علي (عليه‌السلام ):

عن سهل بن سعد قال: كان عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سبعة دنانير وضعها عند عائشة، فلما كان في مرضه قال: يا عائشة، ابعثي الذهب إلى علي، ثم أغمي عليه، وشغل عائشة ما به، حتى قال ذلك مراراً، كل ذلك يغمى على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويشغل عائشة ما به، فبعث به إلى علي فتصدق به(1) .

ونقول:

1 ـ لا نرى مبرراً لتواني عائشة عن امتثال أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا سيما بعد أن كرره عليها مراراً، إلا أنها لم تشأ أن ترسلها إلى علي (عليه‌السلام )، الذي كانت لا تطيق ذكره بخير أبداً..

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص250 عن ابن سعد والطبراني برجال الصحيح، وراجع: مجمع الزوائد ج3 ص124 والعهود المحمدية للشعراني ص158 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص239 وإمتاع الأسماع ج14 ص515 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج8 ص627 والمعجم الكبير ج6 ص198 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص472.


2 ـ ألا يعتبر ما فعلته عائشة من موجبات الأذى لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

3 ـ لا نستطيع أن نصدق أن الناس قد تركوا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحده في مرض موته، بحيث تنشغل به زوجته بمفردها، وهل يمكن أن تتركه فاطمة، وسائر زوجاته، والحسنان، وزينب، وغيرهن؟!..

بل إن نفس الرواية قد صرحت بوجود أشخاص آخرين كان يمكنها أن تبعث الدنانير مع واحد منهم.. وهو نفس الشخص الذي بعث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الدنانير معه، بعد أن استنقذها من عائشة..

بل إن نفس قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ابعثي الذهب إلى علي، يدل على تمكنها من فعل ذلك، وأن الأشخاص الذين يمكن أن يطلب منهم ذلك كانوا في متناول يدها.

وصية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

عن إبراهيم بن شيبة الأنصاري، قال: جلست إلى الأصبغ بن نباته، قال: ألا أقرئك ما أملاه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

فأخرج إلي صحيفة، فإذا مكتوب فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

(هذا ما أوصى به محمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أهل بيته وأمته. وأوصى أهل بيته بتقوى الله ولزوم طاعته.

وأوصى أمته بلزوم أهل بيته.


وأهل بيته يأخذون بحجزة نبيهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وإن شيعتهم يأخذون بحجزهم يوم القيامة.

وإنهم لن يدخلوكم باب ضلالة، ولن يخرجوكم من باب هدى)(1) .

ونقول:

1 ـ إن هذه الرواية ذكرت: أن علياً (عليه‌السلام ) أملى وصية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على الأصبغ، ولم تذكر: أن هذه الوصية كانت مكتوبة عند علي (عليه‌السلام )، فيحتمل أن يكون (عليه‌السلام ) قد أملاها على الأصبغ من حفظه.

2 ـ لا يشترط في الوصية أن تكون مكتوبة، بل تكفي الوصية بالقول.

3 ـ ويؤكد هذه الوصية شهرة علي (عليه‌السلام ) باسم الوصي.. وقد ذكرنا في موضع آخر من هذا الكتاب طائفة من الأشعار المتضمنة لإطلاق لفظ (الوصي) عليه.. وهذه النصوص بالقياس إلى سائر ما تضمن هذا الوصف له، نقطة من بحر، لا مجال للإحاطة به..

4 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) لا يكتفي بمجرد نقل الوصية إلى الأصبغ بالقول. بل هو يمليها عليه ليكتبها، لتكون وثيقة يمكن أن تتداولها

____________

1- راجع: نظم درر السمطين ص240 وينابيع المودة ص273 و(ط دار الأسوة) ج2 ص365 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص166 وكتاب الأربعين للشيرازي ص376 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج9 ص477 وج18 ص504.


الأيدي، وليثبت مضمونها، كنص ثابت المضمون، في منأى عن النسيان، وعن النقيصة والزيادة، أو النقل بالمعنى.

5 ـ والوصية صرحت بأنها معنية بفريقين من الناس هما: أهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أولاً. والأمة ثانياً.

وقد أوصى أهل بيته (عليهم‌السلام ) بأمرين:

أولهما: تقوى الله سبحانه..

والثاني: لزوم الطاعة له تبارك وتعالى..

ولو اقتصر على الأمر بتقوى الله، فقد يفسَّر ذلك بمجرد الخوف، الذي لا يستتبع عملاً. ولكنه حين ذكر لزوم الطاعة والإستقامة عليها، فإنه يكون قد قرن الشعور القلبي بالحركة العملية، التي أرادها حائزة لوصف الدوام والمثابرة الدؤوب، لأنه يريدهم أسوة، وقدوة للأمة، أي أن المطلوب هو الكون معهم، وعدم الإستقلال، أو الإستبداد بشيء دونهم.

وهذه هي حقيقة اتخاذهم أئمة وقادة في كل الأمور. إذ لا يكفي مجرد الخضوع لسلطتهم، إن تسلموا زمام السلطة.

6 ـ قد أكد ذلك (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين بين أن المطلوب هو أن يكون التعامل معهم على حدّ تعاملهم هم مع نبيهم، حيث قال عن أهل البيت (عليهم‌السلام ): (وأهل بيته يأخذون بحجزة نبيهم).

7 ـ إن المراد بأهل بيته، أهل بيت النبوة، وليس المراد الساكنين معه في البيت، ولا مطلق الذرية.

وهم ـ أعني أهل بيت النبوة ـ أناس مخصوصون، بينهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


حين نزلت آية التطهير، وهم الذين كانوا معه تحت الكساء: علي وفاطمة، والحسنان (عليهم‌السلام ).

وأضافت نصوص أخرى: بقية الأئمة الاثني عشر (صلوات الله وسلامه عليهم).

8 ـ ثم انتقل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لبيان: أن من كان من شيعتهم في الدنيا سوف ينتفع بهذا التشيع في الآخرة، حيث سيأخذ بحجزته، ليدخل الجنة معهم.

9 ـ قد ذكر (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما دل على أن التشيع لهم، معناه الإلتزام بخطهم واتباعهم، والكون معهم، لأنهم لا يدخلون من يكون معهم في باب ضلالة، ولا يخرجونه من باب هدى.

10 ـ قلنا فيما سبق: إن هذه الروايات قد رواها غير الشيعة، ودونوها في كتبهم، فإن أراد بعض الناس أن يرفضها، فعليه أن يقدم مبرراً معقولاً، يوضح سبب رواية علمائهم ورواتهم لها، وعلل إيرادهم لها في مصادرهم..

درع وسيف وبغلة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

عن إبراهيم بن إسحاق الأزدي ، عن أبيه قال: أتيت الأعمش سليمان بن مهران أسأله عن وصية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال: ائت محمد بن عبد الله فاسأله.

قال: فأتيته، فحدثني عن زيد بن علي (عليه‌السلام ).

قال: لما حضرت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الوفاة، ورأسه في


حجر علي (عليه‌السلام )، والبيت غاص بمن فيه من المهاجرين والأنصار، والعباس قاعد قدامه، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا عباس، أتقبل وصيتي، وتقضي ديني، وتنجز موعدي؟!

فقال: إني امرؤ كبير السن، كثير العيال، لا مال لي.

فأعادها عليه ثلاثاً كل ذلك يردها عليه.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): سأعطيها رجلاً يأخذها بحقها، لا يقول مثل ما تقول ثم قال: يا علي أتقبل وصيتي، وتقضي ديني، وتنجز موعدي؟!

قال: فخنقته العبرة، ولم يستطع أن يجيبه، ولقد رأى رأس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يذهب ويجيء في حجره.

ثم أعاد عليه.

فقال له علي (عليه‌السلام ): نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

فقال: يا بلال، ائت بدرع رسول الله.

فأتى بها.

ثم قال: يا بلال، ائت براية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فأتى بها.

ثم قال: يا بلال، ائت ببغلة رسول الله بسرجها ولجامها.

فأتى بها.

ثم قال: يا علي، قم فاقبض هذا بشهادة من في البيت من المهاجرين


والأنصار، كي لا ينازعك فيه أحد من بعدي.

قال: فقام علي (عليه‌السلام ) حتى استودع جميع ذلك في منزله، ثم رجع(1) .

ونقول:

1 ـ لعل إسحاق الأزدي قد لاحظ: أن الشريعة السمحاء تحث على الوصية، وأن الله تعالى ورسوله قد أمرا بالوصية قبل حلول المنية، فلا يعقل أن يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أول من خالفه، فسأل عنها ليعرف مضمونها، وما آل حالها في مجال الإلتزام والتطبيق..

كما أنه كان يرى أن الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم يقرون لعلي (عليه‌السلام ) بالوصاية وإن كان بعضهم يحاول التكتم على مضمونها بإظهار عدم العلم بها وبه، أو يضطرب ويتناقض في بيان ذلك المضمون، فأحب أن يسمع ما يقوله الأعمش في ذلك..

2 ـ لقد رأينا الأعمش قد أحال السائل على غيره فلماذا أحاله؟! ولماذا اختار محمد بن عبد الله بالذات، ليكون هو المجيب؟!

ونجيب بما يلي:

ألف: بالنسبة لسبب الإحالة فالذي يبدو لنا هو أن الأعمش كان يحاذر من الجهر بالحقيقة، لأنها سوف تكلفه غالياً عند السلطان، وعند الأخطبوط الأموي، ومن يدور في فلكه وسائر المناوئين لعلي أميرالمؤمنين

____________

1- علل الشرائع ج1 ص168 وبحار الأنوار ج22 ص459.


(عليه‌السلام ) من الخوارج وغيرهم.

ب: إنه آثر أن يعطي إحالته على الغير قدراً من الصدق والواقعية، حين اختار من يعرف أنه سيجهر بالحقيقة ولو بدرجة محدودة، ويكون قد دلنا بذلك على أنه هو أيضاً ـ أعني الأعمش ـ يقول بنفس ما يقول محمد بن عبد الله..

3 ـ صرحت الرواية: بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين مات كان رأسه في حجر علي (عليه‌السلام ) وهذا يكذب ما ينقل عن عائشة من أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مات ورأسه بين حاقنتها وذاقنتها.

4 ـ تقول الرواية: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أوصى والبيت غاص بمن فيه من المهاجرين والأنصار.. فدل على أن المنع من كتابة الكتاب لم يفدهم في صد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن الوصية لعلي، وإتمام الحجة على الناس في هذا الشأن.. وإن كانت وصيته غير مكتوبة. فإن ذلك لا يقلل من قيمته، إذ لا يشترط في الوصية أن تكون مكتوبة.

5 ـ إن المطلوب هو: الوصية بأمور محدودة جداً مثل قضاء الدين، وإنجاز العدات.. وليس المطلوب الوصية بالخلافة والإمامة، لأن الأمر لله تعالى في يضعه حيث يشاء، كما صرح به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أكثر من مرة وقد عينه الله ورسوله لهم، وصدر منه النص عليه في مناسبات عديدة، ثم نصبه لهم يوم غدير خم وبايعوه.

6 ـ وقد عرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في وصيته هذه أموراً يسيرة، وهي قبول وصيته، وقضاء دينه، وإنجاز عداته.. وبدأ بعرض هذه الأمور


على عمه العباس.

ولكن العباس رفض قبول ذلك، متذرعاً بكبر السن، وكثرة العيال، وبأنه لا مال له ويلاحظ على ذلك الأمور التالية:

ألف: إن العباس هو أقرب الناس نسباً إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويفترض أن يعتبره مصدر كرامته وعزته حتى بمنطق العصبية، فضلاً عن كرامة الله تعالى له بمقام النبوة، فيندفع إلى تلبية أي طلب له، وتوفير كل الحاجات، والمساعدة في أي شأن يحتاج فيه إلى المساعدة.

ب: إن العباس كان مبجلاً عند أقرانه لأسباب عديدة، وسيزيده اعتماد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عليه، وإيكال تنفيذ الأمور إليه رفعة شأن، وعلو مقام..

ج: إن العباس ـ فيما نعلم ـ كان من أصحاب الأموال، الذين نحروا الإبل ليطعموا المشركين في مسيرهم إلى بدر لحرب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكانوا ينحرون يوماً تسعاً ويوماً عشراً من الإبل، فأين ذهبت أمواله، وعلى أي شيء أنفقها؟!

وكيف يكون عند عثمان من الأموال ما جهز به جيش العسرة إلى تبوك حسب زعمهم الذي أثبتنا كذبه، ويصبح العباس بين ليلة وضحاها لا مال له يقضي به دين رسول الله الذي قد لا يكون سوى دراهم يسيرة جداً لعلها لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة؟! إذ لا شك في أن العباس لم ينفق أمواله في سبيل الله.. ولا في الصدقات، ولا في غير ذلك من الطاعات والمبرات!!


فهل من المعقول أن يفضل العباس بضعة دراهم على الفوز بمقام (الوصي)لأكرم رسول، وأفضل الخلائق؟!

د: ما شأن كبر السن بهذه الأمور اليسيرة التي طلبها منه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والتي لا تحتاج لأي حركة أو جهد؟

مع أن مع العباس أبناءه القادرين على معاونته، والمستعدين لطاعة أوامره.

5 ـ ألم يفهم العباس من تكرار الرسول طلبه ثلاث مرات أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان حريصاً على أن يقبل العباس منه هذه المهمة؟!

و: على أنه لا شيء يدل على أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يريد من العباس أن ينفق أمواله في قضاء دين الرسول، بل لعله يريد منه أن يتولى إنجاز عداته، وقضاء دينه مما تركه هو نفسه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

غير أن العباس قد فهم ذلك وقد ترك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليفهم ما يشاء، وليسمع الناس، وليروا إصرار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورفض العباس فإن ذلك مطلوب له أيضاً، لأنه يريد أن يفهم الناس معنى بعينه، كما سيتضح..

7 ـ وقد ظهر ذلك المعنى الذي أراده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في تعامل وفي كلمات النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع علي (عليه‌السلام ) فقد أشهد الحاضرين في ذلك البيت على إقباض علي (عليه‌السلام ) درعه، ورايته، وبغلته بسرجها وبلجامها، ففهم أن الغرض من هذا الإشهاد هو المنع من منازعة أحد له في ذلك..


8 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يطلب أن يقبل وصيته في هذه الأمور الثلاثة بعد صرفه النظر عن العباس إلا من علي (عليه‌السلام ).. مخاطباً إياه باسمه، كما خاطب العباس باسمه، ليدل على أن هذا التحديد والتعيين مقصود له (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

ولعل من ثمراته أن يبطل دعاوى العباسيين المتوقعة بن لهم حقاً بشيء من الأمر، استناداً إلى الأقربية النسبية إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وإذا بطل الإستناد إلى الأقربية النسبية، فستبطل كل دعاوى الحق بالإستناد إلى الإشتراك إلى القرشية بطريق أولى، حيث استدل أبو بكر وعمر على الأنصار في السقيفة: بأنهم أولياء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعشيرته، فهم أحق بسلطانه.

9 ـ ولا بد من التأمل ملياً في سر اختيار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذه الأمور الثلاثة دون سواها، واختصاص علي (عليه‌السلام ) بها، وهي: الدرع، والراية ، والبغلة ، ثم اشتراطه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على بلال أن يأتي بالبغلة بسرجها ولجامها.

فهل يريد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يقول لنا: إن الدرع رمز للحرب، التي يحتاج إليها خليفته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للدفاع عن الإسلام وأهله، فإذا انضم إلى الراية التي رمز القيادة، وعنوان السلطان، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً، وأقوى تعبيراً..

أما البغلة فهي التي عرف اختيار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها للتنقل في المواقع المختلفة، وفي أكثر الحالات، في السلم، وفي الحرب أيضاً،


مصرحاً بأنه اختارها لأنها تتواضع عن خيلاء الخيل، وترتفع عن الحمار، وشيمة الأنبياء التواضع، والتوسط في أمورهم كلها..

وهذا كله يشير إلى أنه لعلي (عليه‌السلام ) مواقعه، وصفاته وسماته، وأخلاقه، وحالاته.

10 ـ وفي نفس هذا السياق نلاحظ: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يقل: يا بلال إئت بدرعي، ورايتي، وبغلتي، بل أضاف الكلام في المواضع الثلاثة إلى كلمة (رسول الله)، فقال: درع رسول الله، وراية رسول الله، وبغلة رسول الله، مع أنه لو أورد الكلام على النحو الأول لكان أيسر وأخصر..

ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يؤكد هذا المفهوم في ذهن القارئ، ويرسخه ملفَّعاً بخصوص هذا اللثام، ليظهر به الخصوصية التي يريد للناس أن يتلقفوها بوضوح تام.

11 ـ ثم يزيد الأمر وضوحاً، بتصريحه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأنه يريد أن يُشْهِد الحاضرين من المهاجرين والأنصار على إقباضه هذه الأمور الثلاثة لعلي (عليه‌السلام ): فدل ذلك على أنه ليس بصدد إعطائه أمراً عادياً، فإن الناس حين يريدون إعطاء درع أو راية لأحد، لا يرون أنهم بحاجة إلى الإشهاد، فضلاً عن إشهاد من حضر من المهاجرين والأنصار.

12 ـ ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالغ بالتصريح والتوضيح حين أعرب عن هدفه من هذا الإشهاد، فقال: (كي لا ينازعك فيه أحد من بعدي)، إذ لماذا يتخوف رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من منازعة أحد علياً (عليه‌السلام ) في خصوص هذه الأمور؟!


وما المبرر لأن يتوقع (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منهم ذلك، وألم ينازع الناس علياً في بعض ما هو أغلى ثمناً، وأعظم أهمية وشأناً بنظر الناس من درع وراية وبغلة؟!

أليس لأن لهذه الأمور الثلاثة معنى هاماً يدعوهم إلى النزاع عليها، واستلابها من علي (عليه‌السلام )؟! ويريد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يضيِّق ويضيِّع عليهم الفرص للحصول عليها؟!

وهل لهذا كله تفسير معقول غير ما قلناه في معناه ومغزاه؟!

وصايا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ):

عن علي (عليه‌السلام ) قال: (أوصاني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا أنا مت، فغسلني بست قرب من بئر غرس، فإذا فرغت من غسلي، فادرجني في أكفاني، ثم ضع فاك على فمي.

قال: ففعلت. فأنبأنى بما هو كائن إلى يوم القيمة).

وروي نحو ذلك عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(1) .

وعن عمرو بن أبي شعبة قال: (لما حضر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الموت دخل عليه علي (عليه‌السلام ) فأدخل رأسه معه ثم قال: يا

____________

1- بصائر الدرجات ص304 وبحار الأنوار ج40 ص213 و 214 و 215 وج22 ص517 و 514 عنه، ومستدرك الوسائل ج2 ص189 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص190 ومستدركات علم رجال الحديث ج1 ص649.


علي، إذا أنا مت فاغسلني، وكفني، ثم أقعدني، وسائلني، واكتب)(1) .

وكان فيما أوصى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) به علياً (عليه‌السلام ) قوله:

(ضع يا علي رأسي في حجرك، فقد جاء أمر الله تعالى، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك، وأمسح بها وجهك).

ثم وجهني إلى القبلة.

وتول أمري.

وصل علي أول الناس.

ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي.

فأخذ علي (عليه‌السلام ) رأسه، فوضعه في حجره..

إلى أن تقول الرواية:

ثم قُبِضَ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويد أمير المؤمنين تحت حنكه، ففاضت نفسه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيها، فرفعها إلى وجهه، فمسحه بها.

ثم وجَّهَهُ، وغمضه، ومد عليه إزاره، واشتغل بالنظر في أمره(2) .

____________

1- بصائر الدرجات ص303 وبحار الأنوار ج40 ص213 و 214 وج22 ص518 عن بصائر الدرجات، وعن الخرائج والجرائح، والكافي. وراجع: مكاتيب الرسول ج1 ص415 ومستدركات علم رجال الحديث ج6 ص75.

2- الإرشاد للمفيد ص94 ـ 98 و (ط دار المفيـد) ج1 ص187 وبحار الأنـوار = = ج22 ص470 و 521 عنه، وعن إعلام الورى ص82 ـ 84 و (ط أخرى) 143 ـ 144 و (ط مؤسسة آل البيت) ج1 ص267 وعن مناقب آل أبي طالب ج1 ص203 ومصباح الفقيه (ط.ق) ج1 ق2 ص346 وجواهر الكلام ج4 ص11 وراجع: قصص الأنبياء للراوندي ص357 والدر النظيم ص194 والحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب للسيد فخار بن معد ص304.


وكان مما أوصى به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يدفن في بيته الذي قبض فيه.

ويكفن بثلاثة أثواب. أحدهما: يمان.

ولا يدخل قبره غير علي (عليه‌السلام )(1) .

وفي نص آخر عن ابن عباس: لما مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعنده أصحابه قام إليه عمار بن ياسر، فقال له: فداك أبي وأمي يا رسول الله، من يغسلك منا، إذا كان ذلك منك؟!

قال: ذاك علي بن أبي طالب، لأنه لا يهم بعضو من أعضائي إلا أعانته الملائكة على ذلك.

فقال له: فداك أبي وأمي يا رسول الله، فمن يصلي عليك منا إذا كان

____________

1- بحار الأنوار ج22 ص 493 و 494 وج87 ص379 عن الطرائف ص42 و 43 و45 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص231 و 234 و350 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص83 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص779 ومستدرك الوسائل ج2 ص206.


ذلك منك؟!

قال: مه رحمك الله!

ثم قال لعلي: يا ابن أبي طالب، إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني.

إلى أن قال: واحملوني حتى تضعوني على شفير قبري، [ثم أخرجوا عني ساعة، فإن الله تعالى أول من يصلي علي] فأول من يصلي علي الجبار جل جلاله من فوق عرشه، ثم جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل [ثم ملك الموت]. في جنود من الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، ثم الحافون بالعرش، ثم سكان أهل سماء فسماء، [ثم ادخلوا علي زمرة زمرة، فصلوا علي، وسلموا تسليماً].

ثم جلُّ أهل بيتي ونسائي، الأقربون فالأقربون. يومون إيماءً، ويسلمون تسليماً، لا يؤذوني بصوت نادبة، ولا مرنَّة.

[قال أبو بكر: فمن يدخل قبرك؟!

قال: الأدنى فالأدنى من أهل بيتي، مع ملائكة لا ترونهم.

قوموا نادوا عني إلى من وراءكم.

فقلت للحارث بن مرة: من حدثك هذا الحديث؟!

قال: عبد الله بن مسعود].

وذكر الثعلبي ما يقرب من هذه القضية، لكنه ذكر اسم أبي بكر بدل عمار، وعلي.


ثم إن ما وضعناه بين قوسين إنما هو من رواية الثعلبي(1) .

وفي نص آخر: أوصى أن يخرجوا عنه، حتى تصلي عليه الملائكة(2) .

ويذكر نص آخر: أن مما أوصى به النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) قوله:

(يا علي، كن أنت وابنتي فاطمة، والحسن والحسين، وكبروا خمساً وسبعين تكبيرة، وكبر خمساً وانصرف. وذلك بعد أن يؤذن لك في الصلاة.

قال علي (عليه‌السلام ): بأبي وأمي، من يؤذن غداً؟!

قال: جبرئيل (عليه‌السلام ) يؤذنك.

قال: ثم من جاء من أهل بيتي يصلون علي فوجاً فوجاً، ثم نساؤهم، ثم الناس بعد ذلك(3) .

____________

1- الأمالي للصدوق ص732 و 733 وبحار الأنوار ج22 ص507 و 531 عنه، وكشف الغمة ص6 ـ 8 و (ط دار الأضواء ـ بيروت) ج1 ص17 عن الثعلبي، وروضة الواعظين ص72 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص231.

2- سبل الهدى والرشاد ج 12 ص 329 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص527 والبداية والنهاية ج5 ص285.

3- بحار الأنوار ج22 ص 493 و 494 وج78 ص42 و 43 و45 عن الطرائف، وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص350 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص83 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص779.


الوصية حين الإحتضار:

وحين أغمي على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مرض موته جاء الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأراد علي (عليه‌السلام ) أن ينحيهما عنه.

فأفاق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثم قال: يا علي، دعهما، أشمهما ويشماني، وأتزود منهما ويتزودان مني.

ثم جذب علياً (عليه‌السلام ) تحت ثوبه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه.

فلما حضره الموت قال له: ضع رأسي يا علي في حجرك، فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي، فتناولها بيدك، وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري، وصل علي أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله عز وجل.

وأخذ علي (عليه‌السلام ) برأسه فوضعه في حجره، وأغمي عليه، فبكت فاطمة، فأومأ إليها بالدنو منه، فأسر إليها شيئاً تهلل وجهها، القصة.

ثم قضى، ومد أمير المؤمنين يده اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه، ومد عليه أزاره، واستقبل بالنظر في أمره(1) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج1 ص293 و 294 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص203 وبحار الأنوار ج22 ص521 و 522 والأمالي للصدوق ص736.


ونقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة عدة وقفات هي التالية:

هل أغمي على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

لا مجال لتأييد حديث إغماء الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، الذي معناه: الغيبوبة، وفقد الشعور بما حوله. أما إن أريد به معنى لا يتضمن الغيبوبة، ولا ينافي معرفته وشهوده لكل ما هو مكلف بالشهادة عليه فلا مانع منه.. كأن يكون المراد بالإغماء: عدم قدرته على التكلم مع الناس أو نحو ذلك، مما لا ينافي كمال إدراكه لكل ما كان يدركه قبل عروض هذه الحالة له..

أما بالنسبة لسائر ما تضمنته الرواية، فربما يكون قد مضى بعض ما يفيد في بيان ما يرمي إليه، وقد يمر معنا بعضه الآخر، إن اقتضى الأمر ذلك..

النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد موته:

تقدم قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): اغسلني، وكفني، ثم أقعدني، وسائلني، واكتب.. وهو يدل على أمرين:

أولهما: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حي حتى بعد موته، وأن حياته هذه هي غير حياة الشهداء..

الثاني: أن كلامه حجة بعد مماته، كما هو حجة في حال حياته..

ويشهد لحياته بعد الموت ما يلي:

1 ـ ورد في زيارتنا للمعصومين (عليه‌السلام ) ـ والنبي أعظم منهم


شأناً ـ: (أشهد أنك ترى مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلامي)(1) .

2 ـ بل قالوا: إن الأخبار قد تواترت بحياة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قبره، وكذلك سائر الأنبياء (عليهم‌السلام )(2) .

3 ـ وقالوا أيضاً: إن صلاتنا معروضة على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وإن سلامنا يبلغه، وهم أحياء عند ربهم كالشهداء(3) .

ويؤكد ذلك النص القرآني على: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شاهد على أمته، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (4) . وقال تعالى عن شهادة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على جميع الأنبياء:( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً ) (5) . فهو

____________

1- راجع: عدة الداعي ص56 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص364 و 516 و 523 ومستدرك الوسائل ج10 ص345 وبحار الأنوار ج97 ص295.

2- سبل الهدى والرشاد ج10 ص466 و 486 وج12 ص355 و 356 و 360 عن إنباه الأزكياء بحياة الأنبياء، وعن التذكـرة للقرطبي، والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج2 ص82 و 84 و 432 وج35 ص385.

3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص355 عن الأنوار في أعمال الأبرار للأردبيلي الشافعي، وعن التذكرة للقرطبي. وراجع: فتاوى عبد القاهر بن طاهر البغدادي، وتنوير الحلك للسيوطي ص5.

4- الآية 45 من سورة الأحزاب.

5- الآية 41 من سورة النساء.


شهيد على الأنبياء السابقين، مع أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن قد ولد بعد.. بل كان ولا يزال نوراً محدقاً بالعرش.. فذلك يدل على أن شهادته على الأمة لا تقتصر على خصوص من عاشوا معه في حال حياته..

علي (عليه‌السلام ) الوصي والإمام:

وقد دل أمره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) بأن يضع فمه على فمه، وسماعه منه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة على:

أن لعلي (عليه‌السلام ) خصوصية ليست لأحد سواه، وهي ترتبط بعلم الإمامة، واختيار الله تعالى له، ليختصه بهذا العلم، ليكون دليلاً وشاهداً على اختصاصه بالإمامة نفسها.

لأن الإمامة تثبت بطرق ثلاثة:

الطريق الأول: الإختيار الإلهي لشخص معين، والدلالة عليه بالنص الصريح.

الطريق الثاني: ثبوت أن لديه العلم الخاص الذي يؤثر الله به من يشاء من عباده، وقد دلت الرواية المتقدمة على أن لدى علي (عليه‌السلام ) علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.

الطريق الثالث: إعطاؤه مقاماً لا يكون إلا لنبي أو لإمام، مثل مقام الشاهدية على الأمة، أو إقداره على تصرفات لا يقدر عليها إلا من كان له مقام النبوة والإمامة، أو إيكال أمور إليه لا يصح إيكالها إلى غير المعصوم، الذي هو نبي أو وصي نبي، مثل أن يتولى غسله، والصلاة عليه.


علي (عليه‌السلام ) يقضي الدين، وينجز العداة:

وفي الروايات الكثيرة أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي يقضي دين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وينجز عداته، ويبرئ ذمته(1) .

____________

1- كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ج1 ص136 وبحار الأنوار ج21 ص380 و381 وج28 ص55 وج36 ص109 و 311 و 355 وج38 ص1 و 73 و 103 و 111 و 334 وج39 ص33 و 216 وج72 ص445 وج99 ص106 والخصال ج2 ص84 والأمالي للصدوق ص450 وعيون أخبار الرضا (عليه‌السلام " ج1 ص9 وكفاية الأثر ص76 و 135 و 217 ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام " للكوفي ج1 ص432 وشرح الأخبار ج1 ص113 و 117 و 211 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص140 والأمالي للطوسي ص600 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص396 وج2 ص247 وج3 ص16 وكتاب الأربعين للماحوزي ص192 والعمدة لابن البطريق ص181 والمزار لابن المشهدي ص577 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج1 ص507 والطرائف ص133 وكتاب الأربعين للشيرازي ص53 عن المناقب لابن المغازلي الشافعي ص261 ح309 وبشارة المصطفى للطبري ص101 و 258 وكشف الغمة ج1 ص341 ونهج الإيمان ص196 و 440 وفضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام " لابن عقدة الكوفي ص204 وتفسير نور الثقلين ج3 ص624 وتفسير القمي ج2 ص109 ومسند الإمام الرضا (عليه‌السلام " للعطاردي ج1 ص123 و 127 وجامع أحاديث الشيعة ج23 ص252.


الفصل الثاني:

جيش أسامة والكتاب الذي لم يكتب..



تجهيز جيش أسامة:

ومن الأحداث التي جرت في مرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تجهيزه لجيش أسامة، وجعل الصحابة فيه، بما فيهم أبو بكر وعمر(1) ، وحثه له على المسير، ولكن الصحابة تثاقلوا وسوفوا، رغم أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعن من تخلف عن جيش أسامة(2) .

____________

1- راجع: تاريخ اليعقوبي ج2 ص74 وأنساب الأشراف ج1 ص474 وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج2 ص391 وج3 ص215 وأسد الغابة ج1 ص68 وتاريخ الخميس ج2 ص172 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص156 والطبقات الكبرى ج2 ص190 وج4 ص66 وسبل الهدى والرشاد ج6 ص248 وسمط النجوم العوالي للعاصمي ج2 ص224 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص159 وج6 ص52 والكامل ج2 ص317 عن السيرة الحلبية ج3 ص234 وعن السيرة النبوية لدحلان ج2 ص339 وكنز العمال ج10 ص570 ومنتخب كنز العمال ج4 ص180 وحياة محمد ص467.

2- راجع: الملل والنحل (ط دار المعرفة) ج1 ص23 و (بهامش الفصل لابن حزم) ج1 ص20 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص52 عن كتاب السقيفة لأحمد= = بن عبد العزيز الجوهري وراجع: المسترشد للطبري ص112 وبحار الأنوار ج30 ص431 و 432 ونفحات اللاهوت ص113 وتشييد المطاعن ج1 ص47 ومعالم المدرستين ج2 ص77 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص68 وكتاب الأربعين للشيرازي ص141 و 527 وقاموس الرجال ج12 ص21 والسقيفة وفدك للجوهري ص77 ونهج السعادة ج5 ص259 ومستدرك سفينة البحار ج5 ص209 والنص والإجتهاد ص42 والمراجعات ص374 وإحقاق الحق (الأصل) ص218.


والذي يعنينا من هذا الحدث أمران:

الأول: لماذا لم يكن علي (عليه‌السلام ) في ذلك الجيش؟!

الثاني: إذا لم يكن علي (عليه‌السلام ) في هذا الجيش، فلماذا نذكر نحن هذا الحذف هنا في سيرة علي (عليه‌السلام )؟!

علي (عليه‌السلام ) ليس في جيش أسامة:

أما بالنسبة لعدم دخول علي (عليه‌السلام ) في جيش أسامة، فنقول:

ألف: إن ظاهر الحال يشير إلى أن المسلمين كانوا يعلمون بأن علياً (عليه‌السلام ) لم يجعل في ذلك الجيش، ولم يشمله أمر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للصحابة بالإلتحاق به، ولذلك لم يعترض أحد من الصحابة على تخلُّفه عنه (عليه‌السلام ).

كما أن جميع المسلمين والمحدثين، والناقلين، والمؤرخين لم يشيروا إلى أية شبهة، أو تساؤل حول ذلك، بل أرسلوه إرسال المسلمات، مع يقين


راسخ بأنه لو جعله في ذلك الجيش لكان هو الأمير عليه.

كما أن الشيعة ما زالوا يشنعون على أبي بكر وعمر لأجل تخلفهما عن جيش أسامة، ولم نجد أحداً نقض عليهم بتخلف علي (عليه‌السلام )..

وأعداء علي (عليه‌السلام ) من الأمويين والعباسيين أيضاً لم يشنعوا عليه في ذلك، ولا أوردوه في مناظراتهم، وكانوا وما زالوا يتلمسون المهارب والأعذار لأبي بكر وعمر فيما صدر منهما.

ب: إن جعل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علياً (عليه‌السلام ) وصياً بأمر من الله تعالى، والبيعة له في يوم الغدير يمنع من جعله إياه في جيش أسامة، لا سيما وهو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يتوقع أن ينزل به القضاء لحظة بعد أخرى، فقد أخبرهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بدنو أجله، وأنه يوشك أن يدعى فيجيب.. ولا بد أن يغسله ويصلي عليه، ويدفنه وصيه من بعده.

كما أنه لم يكن (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليجعله مولى للناس، وأولى بهم من أنفسهم، ثم يجعل أسامة أميراً عليه، والمتصرف فيه، والآمر والناهي له.

ج: ورد في رسالة كتبها أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلى شيعته قوله:

(وقد كان نبي الله أمّر أسامة بن زيد على جيش، وجعلهما (يعني أبا بكر وعمر) في جيشه.

وما زال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أن فاضت نفسه يقول: (انفذوا جيش أسامة).


فمضى جيشه إلى الشام، حتى انتهوا إلى أذرعات الخ..)(1) .

فلو كانت حاله (عليه‌السلام ) في التخلف عن جيش أسامة حال غيره لم تصح منه الإشارة إلى تخلفهما، وعصيانهما أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

لماذا جيش أسامة؟!:

ذكر العلماء (رحمهم الله): أن بعث جيش أسامة، وجعل الصحابة كلهم فيه، كان ضمن سياسة معينه، لم يزل الكثيرون يحاولون تجاهلها، ويصرون على عدم الإعتراف بها..

ويؤكد ذلك: أن المهمة التي أوكلت إلى أسامة لم تكن تفوت بالتأجيل وكان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مريضاً، وكان أيضاً قد أخبرهم بقرب حضور أجله.

فالسؤال هنا هو:

ما معنى إصراره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على هذا البعث؟!

ولماذا يجعل فيه كبار صحابته؟!

ولماذا يلعن من يتخلف عنه؟!

والجواب:

هو أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يبعد المناوئين لعلي (عليه‌السلام ) عن

____________

1- الخطبة في بحار الأنوار ج30 ص7 ـ 12 وكشف المحجة ص176 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج4 ص74 ونهج السعادة ج5 ص205 والإمامة وأهل البيت لمحمد بيومي مهران ج1 ص79.


المدينة، ليبرم أمر خلافته في غيابهم، لكي يضعفوا عن منازعته، والخلاف عليه..

وإنما اختار أسامة للإمارة عليهم، رداً لجماح أهل الجماح منهم، ودفعاً لأي نزاع في المستقبل، وتفويتاً للفرصة على من يريد أن يتخذ من السن ذريعة للخلاف على من نصبه الله تعالى ورسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لهم علماً وإماماً..

ولكن امتناعهم من امتثال أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وطعنهم في تأمير أسامة، وتثاقلهم عن الخروج، وتسويفهم حتى مضى حوالي نصف شهر، وتوفي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يستطع أن يحجب عن الناس المعاني والدلالات التي أراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يفهمها للناس وللأجيال إلى يوم القيامة من إجرائه هذا..

هذا.. وقد تكلمنا حول كثير مما يرتبط بهذا الأمر في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج32 فلا بأس للرجوع إليه.

رزية يوم الخميس:

ثم كان من الأحداث التي جرت إبان مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ما عرف برزية يوم الخميس، على حد تعبير ابن عباس: (يوم الخميس، وما يوم الخميس، الرزية كل الرزية، ما حال بين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبين كتابه) أو نحو ذلك(1) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص247 وراجع: نفحات اللاهوت ص117 ومكاتيب الرسول ج1 ص608 وج3 ص693 و 695 و 699 ومسند أحمد = = ج1 ص325 و 336 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص138 وج7 ص9 وج8 ص161 و (ط دار ابن كثير) ج1 ص54 وج4 ص1612 وج5 ص2146 وج6 ص2680 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص76 و (ط دار إحياء التراث) ج3 ص2259 وشرح مسلم للنووي ج11 ص89 وعمدة القاري ج2 ص170 وج18 ص62 و 63 وج21 ص225 وج25 ص76 وفتح الباري ج8 ص132 والملل والنحل للشهرستاني (ط دار المعرفة) ج1 ص22 والمصنف للصنعاني ج5 ص439 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص433 وج4 ص360 وصحيح ابن حبان ج14 ص562 والجمع بين الصحيحين ج2 ص9 ومسند أبي عوانة ج3 ص476 والدرر لابن عبد البر ص270 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص55 وج6 ص51 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص244 والبداية والنهاية ج5 ص248 و 271 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص171 والمنتقى من منهاج الإعتدال للذهبي ج1 ص347 و 349 ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ج6 ص19 و 25 و 316 و 572 ودلائل النبوة للبيهقي ج7 ص184 وسلوة الكئيب بوفاة الحبيب لابن ناصر الدين الدمشقي ج1 ص107 والبدء والتاريخ للمطهر بن طاهر المقدسي ج5 ص59 وسمط النجوم العوالي لعبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي العاصمي المكي ج3 ص356 والأنس الجليل لمجير الدين الحنبلي العليمي ج1 ص216 وإمتاع الأسماع ج14 ص446 و 447 و 449 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص451 و 498 ومجمع النوريـن ص203 وموسوعـة الإمـام علي = = (عليها‌السلام " في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص387 و 388 و 407 ومنهاج الكرامة ص103 ونهج الحق ص333 وأعيان الشيعة ج1 ص294 و 424 و 426 والدرجات الرفيعة ص103 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج14 ص37 ومعجم الرجال والحديث لمحمد حياة الأنصاري ج1 ص127 وج2 ص3 و 97 و 111 و 229 والمسترشد للطبري (الشيعي) ص681 وتشييد المطاعن ج1 ص355 ـ 431 ومناقب آل أبي طالب ج1 2 ص203 وأمالي المفيد ص37 والطرائف ص433 واليقين ص521 وسعد السعود ص297 وكشف المحجة لثمرة المهجة ص65 والصراط المستقيم ج3 ص6 و 100 ووصول الأخيار إلى كتاب الأخبار ص73 والصوارم المهرقة ص192 وكتاب الأربعين للشيرازي ص534 وبحار الأنوار ج22 ص473 و 474 وج30 ص531 و 532 و 534 و 536 و 552 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام " للشيرواني ص384 و388 والمراجعات ص353 والنص والإجتهاد ص149 والغدير ج3 ص215 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص425 وإحقاق الحق (الأصل) ص280 وغاية المرام ج6 ص95 والفصول المهمة في تأليف الأمة ص105.



وذلك أنه لما اشتد برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجعه قال: (إيتوني بكتاب (أو بكتف ودواة) أكتب لكم كتاباً لا (أو لن) تضلوا بعده) أو (لا يَظلمون ولا يُظلمون)، وكان في البيت لغط، فنكل عمر، فرفضها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).


فقال عمر: إن النبي غلبه الوجع. (أو مدّ عليه الوجع)، (أو إن النبي يهجر(1) ) وعندنا كتاب الله، (أو وعندكم القرآن)، حسبنا كتاب الله.

فاختلف من في البيت واختصموا، واختلفوا، أو كثر اللغط، بين من يقول: قربوا يكتب لكم، وبين من يقول: القول ما قال عمر..

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قوموا عني، ولا ينبغي عندي. (أو عند نبي تنازع)(2) .

____________

1- صرح بأن عمر قال: (إن النبي يهجر" في شرح الشفاء للخفاجي ج4 ص278 وبحار الأنوار ج22 ص468 ولا بأس بمراجعة جميع الهوامش في مكاتيب الرسول ج3 ص693 ـ 702.

2- راجع فيما تقدم: سبل الهدى والرشاد ج12 ص248 عن أبي يعلى بسند صحيح عن جابر وعن ابن عباس كذلك، وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج2 ق2 ص37 وراجع: مكاتيب الرسول ج3 ص693 و694 و696 في هامشه عن: البخاري ج1 ص39 وج6 ص11 وج7 ص156 وج9 ص137 وفتح الباري ج1 ص185 وج8 ص100 و 101 وج13 ص289 وعمدة القاري ج2 ص170 وج25 ص76 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق2 ص37 وابن سبأ ص79 وصحيح مسلم ج3 ص1259 ومناقب آل أبي طالب (ط قم المقدسة) ج1 ص235 عن ابن بطة، والطبري، ومسلم، والبخاري، قال: واللفظ للبخاري ولم يسم الراوي عن ابن عباس. وبحار الأنـوار ج22 ص468 وج30 ص531 و533 و535 عن إعـلام الـورى، = = والإرشاد للمفيد، وص472 عن المناقب لابن شهرآشوب، وج36 ص277 عن الغيبة للنعماني ص38 و 39 عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم، عن علي (عليه‌السلام " والمصنف للصنعاني ج5 ص438 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ص849 والسيرة الحلبية ج3 ص382 والإرشاد للمفيد ص87 ومسند أحمد ج1 ص324 و 336 والشفاء للقاضي عياض ج2 ص431 والدرر لابن عبد البر ص125 و 204 وكشف المحجة ص64 والبداية والنهاية ج5 ص227 و 251 والفائق للزمخشري ج4 ص93 والتراتيب الإدارية ج2 ص241 و 243 والأدب المفرد ص47 وشرح الخفاجي للشفاء ج4 ص277 وشرح القاري بهامشه ص277 والطرائف ص432 عن الجمع بين الصحيحين وغيره، وغاية المرام ص596 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص54 عن الشيخين، وكذا ص55 وج6 ص51 عن الجوهري.

أضاف العلامة الأحمدي في مكاتيب الرسول: (لن تضلوا" كما في البخاري ج9 ص137 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق2 ص37 ومسند أحمد ج1 ص324 و 336 والطرائف.

وفي البخاري ج7 ص156 فقال عمر: (إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).." وكذا ج9 ص137.

والطبقات، ومسلم، وابن شهرآشوب، وعبد الرزاق ج5 ص438 ومسند أحمد ج1 ص324 والشفاء ج2 ص431: (إن النبي قد اشتد به الوجع".

والطرائف ص431 و 432 وفي شرح الخفاجي ج4 ص278: (وفي بعض طرقه، = = فقال عمر: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يهجر".

وفي بحار الأنوار ج22 ص468: فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفاً، فقال عمر: (ارجع، فإنه يهجر" و ص498 عن سليم: (فقال رجل منهم: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )يهجر" كما في الإرشاد أيضاً.

وفي شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص51: (فقال عمر كلمة معناها: إن الوجع قد غلب على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).."

وفي العبر وديوان المبتدأ والخبر: (وقال بعضهم: إنه يهجر، وقال بعضهم: (أهجر"؟ مستفهماً.

وقال الحلبي: فقال بعضهم أي: وهو سيدنا عمر: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )قد غلبه الوجع".

وفي بحار الأنوار ج36 ص277 عن علي (عليه‌السلام ): أنه قال لطلحة: (أليس قد شهدت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين دعا بالكنف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: (إن رسول الله يهجر"، فغضب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وتركها)؟

وفي الطرائف: وفي رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدي قال عمر: (إن الرجل ليهجر).

وفي كتاب الحميدي قالوا: (ما شأنه هجر)؟


وفي نص آخر: منهم من يقول: القول ما قاله عمر، فتنازعوا، ولا ينبغي عند النبي التنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر؟! استفهموه.

فذهبوا يعيدون عليه، فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): قوموا ـ لما


أكثروا اللغو والإختلاف عنده ـ دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه الخ..(1) .

وعن ابن عباس قال: دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بكتف، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تختلفون بعدي.

فأخذ من عنده من الناس في لغط، فقالت امرأة ممن حضر: ويحكم، عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إليكم.

فقال بعض القوم: اسكتي، فإنه لا عقل لك.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنتم لا أحلام لكم(2) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص247 عن البخاري ومسلم، والبداية والنهاية ج5 ص271 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص499 الإيضاح لابن شاذان الأزدي ص359 واليقين لابن طاووس ص521 والبحار ج30 ص531 و 534 وفتح الباري ج8 ص102 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص31 والإكمال في أسماء الرجال ص202 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص436 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص320 والعبر وديوان المبتدأ والخبرج2 ق2 ص62 وإمتاع الأسماع ج14 ص447 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص247 ومجمع النورين للمرندي ص202 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص205.

2- سبل الهدى والرشاد ج12 ص248 عن الطبراني، ومكاتيب الرسول ج3 ص698 عن غاية المرام ص598 ومجمع الزوائد ج4 ص215 والمعجم الكبير ج11 ص30.


فخرج ابن عباس وهو يقول: (الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه)(1) لاختلافهم ولغطهم.

ونقول:

إن هذا المورد، وإن كان كسابقه، لا ذكر فيه لعلي (عليه‌السلام ) صراحة أيضاً، ولكنه يعنيه بلا ريب. وفي الجزء 32 من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تفاصيل كثيرة حول هذا الموضوع، فمن أراد التوسع فليراجع ذلك الكتاب..

لكننا نورد هنا لمحة مما له مساس مباشر بعلي (عليه‌السلام )، فنقول:

ما أشبه الليلة بالبارحة:

إن ما جرى يوم الخميس قد تضمن إساءات عديدة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص247 ومكاتيب الرسول ج3 ص695 وقال في هامشه عن: تشييد المطاعن (ط الهند) ج1 ص366 عن البخاري في باب العلم و ص367 عن عبيد الله عنه في كتاب الجهاد، وكتاب الخمس عن سعيد، وباب مرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله " كتاب المرضى باب قول المريض: قوموا عني عن عبيد الله وص368 عن كتاب الإعتصام، وعن مسلم بطرق كثيرة عن سعيد وص369 عن سعيد أيضاً، وعن المشكاة عن عبيد الله عن ابن عباس وص380 عن الملل والنحل، وبحار الأنوار ج30 ص532 بالإضافة إلى نصوص أخرى تقدمت.


منها: امتناعهم عن تلبية طلبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتقديم كتف ودواة له، ومنعهم غيرهم ممن حضر من ذلك أيضاً..

ومنها: رفع أصواتهم، وضجيجهم، ولغطهم في محضره..

ومنها: تنازعهم عنده، حتى طردهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من ذلك المجلس..

ومنها: إغضابهم لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتصرفاتهم غير اللائقة، ومنها قولهم لبعض النساء إنها لا عقل لها..

ومنها: اتخاذهم القرار المخالف لإرادة الرسول، حين قالوا: حسبنا كتاب الله.

ومنها: ما هو أعظم وأدهى، وأشر وأضر، وهو اتهامهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالهجر والهذيان..

وهذا يشبه كثيراً ما جرى في عرفة حيث ضج الناس، وصاروا يقومون ويقعدون، وبلغ من علو أصواتهم فوق صوت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أن صُمَّتِ الآذان عن سماع قول الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. إلى غير ذلك مما تقدم..

تشابه آخر بين الحدثين:

والغريب في الأمر: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يصرح لهم في عرفة بما سوف يقوله، ولكنهم هم الذين استبقوا الأمور، ومنعوه من التصريح به.

وهكذا كان في يوم الخميس، فإنهم فعلوا كل تلك المعاصي، حتى لقد


اتهموه بالهجر والهذيان، والحال أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يصرح لهم بعد بالذي يريد أن يكتبه في ذلك الكتاب أيضاً، وقد منعوه من ذلك بالفعل..

واللافت أيضاً: أن الذين تصدوا للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في عرفات هم الفريق نفسه الذي تصدى له في يوم الخميس بأعيانهم وأشخاصهم!!

فما أشبه اليوم بالأمس، والليلة بالبارحة!!

ما الذي أراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يكتبه؟!:

لا شك في أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكن يريد أن يكتب في ذلك الكتاب أحكاماً ووصايا من قبيل: اخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ونحو ذلك، كما ربما يدعيه بعض الناس.

أولاً: لأن قول الرسول: لن تضلوا بعده صريح في أن ما يريد كتابته يرتبط بالضلالة والهدى. وهذا يمثل استمرار خط النبوة ونهجها من خلال مقام الإمامة.

ثانياً: إنه لا مبرر لحرص عمر على المنع من كتابة أمثال هذه الوصايا التي تصون الأمة من الضلال إلى الحد الذي يتهم فيه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالهجر والهذيان!!

ثالثاً: إن كانت هذه الوصايا قد وردت في القرآن الكريم، فلا حاجة لكتابتها في كتاب، وإن لم تكن قد وردت فيه، فلا معنى لقول عمر: حسبنا كتاب الله..

رابعاً: إن الحافظ للأمة من الضلال لا بد أن يكون أمراً يمكن أن يؤثر في


كل قضايا الإسلام وحقائقه، واعتقاداته، وأخلاقياته، وشرائعه، وتوجيهاته، وتلك الوصايا المزعومة ليست كذلك.

نصوص تدل على مضمون الكتاب:

لقد ورد التصريح بمعلومية ما كان يريد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يكتبه.. على لسان عمر نفسه، وصرح به أيضاً ابن عباس، والخفاجي، والكرماني، والدهلوي، بل النبي نفسه أيضاً، فلاحظ النصوص التالية:

1 ـ قال الخفاجي، والكرماني، والدهلوي: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يكتب ولاية علي (عليه‌السلام )(1) .

2 ـ وقال عمر لابن عباس في حديث لهما عن علي (عليه‌السلام ): (أراد أن يَذْكُرَهُ للأمر في مرضه، فصددته عنه، خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام. فعلم رسول الله ما في نفسي، وأمسك. وأبى الله إلا إمضاء مـا حتم)(2) .

____________

1- راجع: شرح الشفاء للخفاجي ج4 ص325 وتشييد المطاعن ج1 ص426 عن شرح المشكاة للدهلوي، وعن الخفاجي، والكرماني في شرح البخاري، وعن فتح الباري ج1 ص186 وج8 ص101 و 102 وعمدة القاري ج2 ص171.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص79 وراجع: غاية المرام (المقصد الثاني) فصل الفضائل، باب 73 ص596 وبحار الأنوار ج30 ص555 ومكاتيب الرسول ج3 ص706.


3 ـ عن ابن عباس: أن عمر سأله عن علي (عليه‌السلام ): (هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟!

قلت: نعم.

قال: أيزعم أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نص عليه؟!

قلت: نعم.

وأزيدك: سألت أبي عما يدَّعيه، فقال: صدق.

فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمره ذرو من قول لا يثبت حجة، ولا يقطع عذراً. ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما.

ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك، إشفاقاً وحيطة على الإسلام.

لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبداً)(1) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص20 و 21 عن كتاب تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر، وراجع ج12 ص79 و 85 و 86 و 84 و 80 و 82 وقاموس الرجال ج6 ص398 وج7 ص188 وبهج الصباغة ج6 ص244 وج4 ص381 وعن ناسخ التواريخ (الجزء المتعلق بالخلفاء) ص72 و 80. وراجع: بحار الأنوار ج30 ص244 و 556 وج31 ص75 وج38 ص157 ونفحات اللاهوت ص81 و 118 و 121 والصراط المستقيم ج3 ص5 وغاية المرام (ط حجرية) ص595 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص450 ومكاتيب الرسول ج3 ص707 والدرجات الرفيعة ص106 وكشف الغمة = = ج2 ص47 وكشف اليقين ص472 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج2 ص91 و 391 والتحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص144 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص226.


4 ـ وحين قال له ابن عباس: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد الأمر لعلي (عليه‌السلام ). أجابه عمر:

يا ابن عباس، وأراد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الأمر له، فكان ماذا، إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟!

إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أمراً، وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله تعالى، ولم ينفذ مراد رسوله، أوكلما أراد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان؟!(1) .

5 ـ إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان قد أشار في بياناته الأخرى إلى ذلك الشيء الذي تحفظ به الأمة من الضلال، فقال: (يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص78 و 79 وغاية المرام (المقصد الثاني) ص596 وبحار الأنوار ج30 ص554. وراجع: مكاتيب الرسول ج1 ص610 وج3 ص707 والتحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص147.

2- راجع: حديث الثقلين للوشنوي تجد شطراً وافياً من مصادر حديث الثقلين، والمراجعات ص49 و 50.


ولكن هذا لا يعني أن يصبح الهدى أمراً مفروضاً، وجبرياً تكوينياً. بل هو مشروط بالأخذ بما يكتبه لهم، واختيارهم له.. ولكن الكتابة من شأنها لو تحققت بشروطها أن تحصن الناس من الشبهات والأضاليل.

لعله أراد استخلاف أبي بكر:

وقد ادَّعت عائشة: أن غرض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من كتب الكتاب كان: الوصية لأبي بكر، لا لعلي (عليه‌السلام )، وأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعائشة: ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي بكر كتاباً، فإني أخاف أن يقول قائل، ويتمنى متمن، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر(1) .

____________

1- راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج1 ص380 وإمتاع الأسماع ج14 ص433 والسنن الكبرى للنسائي ج4 ص253 وكتاب الوفاة للنسائي ص26 والمعجم الأوسط ج6 ص340. ومكاتيب الرسول ج3 ص710 وفي هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق2 ص24 وج3 ق1 ص127 و 128 و (ط دار صادر) ج3 ص180 والبخاري ج9 ص100 باب الإستخلاف، وفتح الباري ج1 ص186 وج13 ص177 وعمدة القاري ج2 ص171 وج24 ص278 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص541 والدرر لابن عبد البر ص125 و 204 والمنتظم لابن الجوزي ج4 ص32 ومسلم ج4 ص1857 والسيرة الحلبية ج3 ص381 وكنز العمال ج11 ص162 وج12 ص162 وج14 ص152 ومسند أحمد ج6 ص47 و 106 و 144 و 146 والكامل لابن عدي ج6 ص2140 و ج2 ص705 ومنحة المعبود ج2 ص169 والبداية والنهاية = = ج5 ص228 وج6 ص198 ومجمع الزوائد ج3 ص63 وج5 ص181 وبلوغ الأماني ج1 ص235 والصراط المستقيم ج3 ص4. وراجع: بحار الأنوار ج28 ص351 وتشييد المطاعن (ط هند) ج1 ص411 و 431 ومجموعة الوثائق السياسية المقدمة الثالثة ص18 وابن أبي الحديد ج6 ص13 عن البخاري، ومسلم، وأنكره وج11 ص49 وقال: فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه (ائتوني بدواة وبياض اكتب لكم ما لا تضلوا بعده أبدا فاختلفوا عنده وقال قوم منهم: قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله" وفي تشييد المطاعن ج1 ص431 نقل الإنكار عنه وعن جامع الأصول.


ورواه البخاري بلفظ: لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد، أن يقول قائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون.

ورواه مسلم بلفظ: قال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مرضه: ادع لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، أو يقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.

وقد ورد: أنه أراد أن يكتب كتاباً، ولم يذكر أبا بكر(1) .

وعن عائشة: لما ثقل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ائتني بكتف حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه.

فذهب عبد الرحمن ليقوم. فقال: اجلس، أبى الله والمؤمنون أن يختلف

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص247.


على أبي بكر(1) .

____________

1- راجع: سبل الهدى والرشاد ج12 ص247 والأربعين البلدانية ص124 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص269 و 270 ومكاتيب الرسول ج3 ص711 وفي هامشه عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق2 ص24 وج3 ق1 ص127 و 128 و (ط دار صادر) ج3 ص180 والبخاري ج9 ص100 باب الإستخلاف، وفتح الباري ج1 ص186 وج13 ص177 وعمدة القاري ج2 ص171 وج24 ص278 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص541 والدرر لابن عبد البر ص125 و 204 والمنتظم لابن الجوزي ج4 ص32 ومسلم ج4 ص857 والسيرة الحلبية ج3 ص381 وكنز العمال ج11 ص162 وج12 ص162 وج14 ص152 ومسند أحمد ج6 ص47 و 106 و 144 و 146 والكامل لابن عدي ج6 ص2140 وج2 ص705 ومنحة المعبود ج2 ص169 والبداية والنهاية ج5 ص228 وج6 ص198 ومجمع الزوائد ج3 ص63 وج5 ص181 وبلوغ الأماني ج1 ص235 والصراط المستقيم ج3 ص4. وراجع: بحار الأنوار ج28 ص351 وتشييد المطاعن (ط الهند) ج1 ص411 و 431 ومجموعة الوثائق السياسية، المقدمة الثالثة ص18 وابن أبي الحديد ج6 ص13 عن البخاري، ومسلم وأنكره وج11 ص49 وقال: فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلوا بعده أبداً، فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله" وفي تشييد المطاعن ج1 ص431 نقل الأنكار عنه وعن جامع الأصول.


ونقول:

أولاً: إن ما تقدم يدل على خلاف ذلك، ولا سيما ما نقلناه عن عمر نفسه.

ثانياً: إن عمر كان من أشد المتحمسين لولاية أبي بكر، وإبعاد الأمر عن علي (عليه‌السلام ) طمعاً في وصول الأمر إليه.. حتى لقد ضرب الزهراء (عليها‌السلام ) وأسقط جنينها، وفعل الأفاعيل في مختلف الإتجاهات من أجل ذلك، فلماذا يمنع النبي من كتابة ذلك..

ثالثاً: لو كان المقصود هو كتابة إسم أبي بكر، فقد حصل المطلوب، بوصول أبي بكر إلى الخلافة بالفعل بعد وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلماذا كان ابن عباس بعد ذلك يبكي حتى يبل الحصى، لأجل منع النبي من كتابة ذلك الكتاب يوم الخميس؟!

رابعاً: إن روايتهم حول الكتابة لأبي بكر تصرح بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي عدل عن كتابة ذلك الكتاب، فلماذ يبكي ابن عباس؟!

ثم لماذا يتقلب النبي في تصرفاته، ويغير آراءه؟! والحال أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى!

خامساً: لقد أبت الزهراء، وعلي (عليهما‌السلام )، وبنو هاشم وكثير آخرون خلافة أبي بكر، فهل لم يكن هؤلاء من المؤمنين؟! فكيف يقول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبى الله والمؤمنون أن يختلف على أبي بكر..

واللافت: أن مضمون هذه الكلمة لم يتحقق، فإن الإختلاف لا يزال قائماً منذئذٍ وإلى يومنا هذا..


سادساً: لم يترتب على استخلاف أبي بكر صيانة الأمة من الإختلاف والضلال إلى يوم القيامة، بل تمزقت أوصالها، وظهرت الفتن فيها، وسفكت الدماء، وفشت الضلالات، وانتشرت الشبهات، وتحكم فيها فجارها، وقُهِر بل قُتِل خيارها وأبرارها وعلى رأسهم علي، والزهراء، والحسنان، وبقية الأئمة (عليهم‌السلام )..

صلاة أبي بكر بالناس:

ومن الأحداث التي جرت في مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنه لما ثقل (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حاول أبو بكر أن يصلي بالناس مكانه، فمنعه الرسول نفسه.. فعن عائشة: فلما دخل في الصلاة، وجد رسول الله من نفسه خفةً، فخرج يهادي بين رجلين: أحدهما (الفضل بن) العباس، لصلاة الظهر، كأني أنظر إلى رجليه يخطان الأرض من الوجع.

قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، بن مسعود: (فدخلت على ابن عباس، فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئاً، غير أنه قال: أسمَّت لك الرجل الذي كان مع العباس؟!

قال: لا.

قال: علي بن أبي طالب(1) .

____________

1- آفة أصحاب الحديث ص58 و 59 و 85 والبخاري ج1 ص175 و (ط دار الفكر) ج1 ص169 وصحيح مسلم ج2 ص21 وسنن النسائي ج2 ص102 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص81 وج8 ص151 ومعرفة السنن والآثـار = = ج2 ص359 ونصب الراية للزيلعي ج2 ص52 وإمتاع الأسماع ج14 ص455 ومسند ابن راهويه ج2 ص505 وبحار الأنوار ج28 ص142 عن جامع الأصول ج11 ص382 ـ 383 وسنن الدارمي ج1 ص288 وسفينة النجاة للسرابي التنكابني ص148 و 149.


ولكن عائشة لا تقدر على أن تذكره بخير(1) ، أو لا تطيب له نفساً بخير)(2) .

وعن ابن عباس، أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: ابعثوا إلى علي فادعوه.

فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر.

وقالت حفصة: لو بعثت إلى عمر.

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج2 ص433 وعمدة القاري ج5 ص192 وفتح الباري ج2 ص131 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص287 والغدير ج9 ص324 و 392 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج32 ص 415.

2- مسند أحمد ج6 ص34 و 228 وعمدة القاري ج5 ص192 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص287 وفتح الباري ج2 ص131 والغدير ج9 ص324 و 325 وراجع: صحيح البخاري ج1 ص175 والمصنف للصنعاني ج5 ص430 والمسترشد للطبري (الشيعي) ص126 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص175 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص433 والإرشاد للمفيد ج1 ص311 ومناقب أهل البيت (عليه‌السلام ) للشيرواني ص472 وقاموس الرجال ج12 ص299 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج31 ص45.


فاجتمعوا عنده جميعاً، فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، انصرفوا، فإن تك لي حاجة ابعث إليكم، فانصرفوا.

وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): آن الصلاة، قيل: نعم. إلخ(1) ..

7 ـ وحسب نص ابن شهر آشوب عن ابن عباس:

لما مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوا لي علياً.

قالت عائشة: ندعو لك أبا بكر.

قال: ادعوه.

قالت حفصة: يا رسول الله، ندعو لك عمر.

قال: ادعوه.

قالت أم الفضل: يا رسول الله، ندعو لك العباس.

قال: ادعوه.

فلما اجتمعوا رفع رأسه فلم ير علياً، فسكت.

فقال عمر: قوموا عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج2 ص439 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج13 ص33 و35 وسفينة النجاة للتنكابني ص149 ومناقب أهل البيت للشيرواني ص397 والجمل للمفيد ص227.

2- مناقب آل أبي طالب ج1 ص203 وبحار الأنوار ج22 ص521 عنـه، ومسند أحمـد = = ج1 ص356 وسنن ابن ماجة ج1 ص391 والمعجم الكبير للطبراني ج12 ص89.


والظاهر هو أن قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ادعوه.. عن أبي بكر، وعمر، والعباس هو إرجاع للأمر إليهم، وجعلهم بالخيار في أن يفعلوا ما يحبون، إذ لو كان أمراً لهم بدعوتهم لكان قد كلمهم حين حضروا عنده، والروايات المتقدمة تصلح قرينة على ذلك..

علي (عليه‌السلام ) يروي ويستدل:

وروى البلاذري عن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) قال: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يمت فجأة، كان بلال يأتيه في مرضه فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رأوا أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد ولاه أمر دينهم، فولوه أمر دنياهم(1) .

وروى البلاذري عنه قال: لما قبض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لديننا، فقدمنا أبا بكر، ومن ذا كان يؤخره عن مقام أقامه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص316 عن البلاذري، وكنز العمال ج11 ص328 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص441 و 443 وراجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج3 ص490 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص12.


فيه؟!(1) .

وروى الحسن البصري عن قيس بن عباد قال: قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرض ليالي وأياماً ينادى بالصلاة، فيقول: مروا أبا بكر يصلي بالناس.

فلما قبض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نظرت، فإذا الصلاة علم الإسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لديننا، فبايعنا أبا بكر(2) .

وروى البلاذري عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر، وبايعه الناس، قام ينادي ثلاثاً: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم.

فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الصلاة، فمن ذا يؤخرك؟!(3) .

____________

1- سبل الهدى والرشاد ج12 ص316 عن البلاذري، والتمهيد لابن عبد البر ج22 ص129 والغدير ج8 ص36 عن الرياض النضرة ج1 ص150 والوافي بالوفيات ج17 ص166 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص183 وتاريخ مدينة دمشق ج30 ص265.

2- الإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص971 وبحار الأنوار ج28 ص146 عنه، والتمهيد لابن عبد البر ج22 ص129 والغدير ج8 ص36 وعن صفة الصفوة ج1 ص97 والوافي بالوفيات ج7 ص166.

3- سبل الهدى والرشاد ج12 ص317 عن البلاذري، والجامع لأحكام القـرآن ج1 = = ص272 وج7 ص172 وكنز العمال ج5 ص654 و 657 وأضواء البيان للشنقيطي ج1 ص31 وطبقات المحدثين بأصبهان ج3 ص576 والعثمانية ص235 وراجع: عيون أخبار الرضا (عليه‌السلام )للصدوق ج1 ص201 وبحار الأنوار ج31 ص621 وج49 ص192 والغدير ج8 ص40 وتاريخ مدينة دمشق ج64 ص345 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص22 و (تحقيق الشيري) ج1 ص33 ومصباح الهداية في إثبات الولاية ص221.


ونقول:

تقدم: أن عائشة وحفصة ترفضان تلبية طلب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دعوة علي (عليه‌السلام ) إليه، وتصران على دعوة أبي بكر وعمر، ويأتيان، فيرفض النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يكلمهما ويصرفهما عنه.

وهذا يعطي الإنطباع عن محاولاتهم إبعاد علي، والإستبداد بالأمور، من دون رضا من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وقد تأكد ذلك بما جرى يوم الخميس، حيث اتهموا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالهذيان، ورفضوا تقديم كتف ودواة إليه ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً.

كما أنهم رفضوا المسير في جيش أسامة رغم لعن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من تخلف عن ذلك الجيش، وتأكيده على تجهيزه ومسيره..

وحين علم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن أبا بكر قد شرع يصلي بالناس، خرج رغم شدة وجعه، وعزله عن الصلاة، وصلى بهم بنفسه.


وقد ناقشنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما ادعوه من أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه هو الذي أمره بالصلاة، وقلنا: إن ذلك لا يمكن أن يتلاءم مع قولهم: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عزله عن الصلاة.

وأثبتنا هناك فساد أقاويلهم المختلفة في ذلك، فلا حاجة إلى تكرار ذلك هنا، ولكننا نذكر هنا إلماحات يسيرة إلى ما له ارتباط مباشر بعلي (عليه‌السلام )، فنقول:

أولاً: إن الإستدلال على صحة خلافة أبي بكر، الذي نسبوه إلى علي (عليه‌السلام ) كما تقدم لا يصح، فإن من يصلح لإمامة الجماعة في الصلاة قد لا يصلح لإمامة الأمة، ولا لقيادة الجيوش، ولا للقضاء بين الناس إلخ.

ثانياً: لا يشترط في إمامة الصلاة عند هؤلاء الناس العلم والشجاعة في الإمام.. ولا غير ذلك من الشرائط المعتبرة في إمامة الأمة، بل لا يشترطون فيها حتى التقوى والعدالة، فقد رووا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أنه قال: صلوا خلف كل بر وفاجر(1) .

____________

1- راجع: سنن أبي داود كتاب الصلاة: الباب 63 وجامع الخلاف والوفاق ص84 وفتح العزيز للرافعي ج4 ص331 والمجموع للنووي ج5 ص268 ومغني المحتاج للشربيني ج3 ص75 والمبسوط السرخسي ج1 ص40 وتحفة الفقهاء للسمرقندي ج1 ص229 وبدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج1 ص156 والجوهـر النقي للـمارديني ج4 ص19 والبحر الـرائـق لابن نجيم المصـري ج1 = = ص610 وتلخيص الحبير ج4 ص331 ونيل الأوطار ج1 ص429 وشرح أصول الكافي ج5 ص254 والمسترشد للطبري والإفصاح للشيخ المفيد ص202 والمسائل العكبرية للشيخ المفيد ص54 والطرائف لابن طاووس ص232 وعوالي اللآلي ج1 ص37 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص19 وعمدة القاري للعيني ج11 ص48 وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص145 وسنن الدارقطني ج2 ص44 وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج1 ص256 و 257 ونصب الراية ج2 ص33 و 34 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص168 والجامع الصغير للسيوطي ج2 ص97 وكنز العمال ج6 ص54 وكشف الخفاء للعجلوني ج2 ص29 و 32 وشرح السير الكبير للسرخسي ج1 ص156.


ثالثاً: إذا كان الوجع قد غلب على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى صار يهجر، أو غلبه الوجع حتى أسقط كلامه عن الإعتبار، كما زعمه عمر، ووافقه عليه جماعة ممن هم معه، فلا قيمة لما يصدر عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في هذه الحال حسب قول عمر نفسه.

رابعاً: صرحت الروايات بأن أبا بكر قد عزل عن هذه الصلاة، ولا أقل من أن ذلك محتمل إحتمالاً قوياً، استناداً إلى الروايات الصحيحة فيه، فلا يصح الإستدلال بأمر بادر هو إليه، فعزله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عنه.

خامساً: إنهم يذكرون أن علياً (عليه‌السلام ) كان يقول: إن عائشة هي التي أمرت أباها أن يصلي بالناس، فقد قال أستاذ المعتزلي:


(فلما ثقل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مرضه أنفذ جيش أسامة، وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار. فكان علي (عليه‌السلام ) حينئذٍ بوصوله إلى الأمر ـ إن حدث برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حدث ـ أوثق. وتغلب على ظنه: أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية، فيأخذه صفواً عفواً، وتتم له البيعة، فلا يتهيأ فسخها لو رام ضدٌّ منازعته عليها..

فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة ـ بإرسالها إليه، وإعلامه بأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يموت ـ ما كان، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف.

فنسب علي (عليه‌السلام ) إلى عائشة: أنها أمرت بلالاً مولى أبيها ـ حسب زعمهم ـ أن يأمره فليصل بالناس، لأن رسول الله ـ كما روي ـ قال: ليصل بهم أحدهم، ولم يعين. وكانت صلاة الصبح؛ فخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو في آخر رمق، يتهادى بين علي والفضل بن العباس، حتى قام في المحراب ـ كما ورد في الخبر ـ ثم دخل، فمات ارتفاع الضحى.

فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه، وقال: أيكم يطيب نفساً أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة.

ولم يحملوا خروج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن.. فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي (عليه‌السلام ) على أنها ابتدأت منها.

وكان علي (عليه‌السلام ) يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً، ويقول:


إنه لم يقل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكاراً لهذه الحال، وغضباً منها، لأنها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، وأنه استدركها بخروجه، وصرفه عن المحراب، فلم يجْدِ ذلك ولا أثّر. مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر، ويمهد له قاعدة الأمر، وتقرر حاله في نفوس الناس، ومن اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين والأنصار..

فقلت له (رحمه‌الله ): أفتقول أنت: إن عائشة عينت أباها للصلاة، ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يعينه؟!

فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، ولكن علياً كان يقوله، وتكليفي غير تكليفه. كان حاضراً، ولم أكن حاضراً.. الخ)(1) .

ونقول:

ونلاحظ: أن الفقرة الأخيرة أظهرت: أن المعتزلي فاجأ أستاذه اللمعاني بسؤاله، وربما يكون قد أخافه، فاضطر إلى أن يميز نفسه عن علي (عليه‌السلام ) في هذا الأمر، مع إلماحه إلى أن علياً (عليه‌السلام ) هو الذي يعيش الحدث، ويعرف تفاصيله، فقد كـان علي حـاضراً، ولم يكـن اللمعـاني حاضراً!!

ونحن تكفينا شهادة علي (عليه‌السلام ) حول هذا الأمر، فقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص196 ـ 198 وكتاب الأربعين للشيرازي ص619.


كيفما دار) أو نحو ذلك(1) .

سادساً: إن علياً (عليه‌السلام ) لم يزل يعلن سخطه وإدانته لأبي بكر في اغتصابه الخلافة منه بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). فكيف يستدل لصحة خلافة أبي بكر، ثم ينكر عليه أخذها منه؟!

سابعاً: بالنسبة لمناداة أبي بكر في الناس ليقيله الناس البيعة نقول: إن فيه مغالطة ظاهرة، فإن المطلوب هو أن يقيلهم هو بيعتهم له، وليس العكس.

____________

1- المستدرك للحاكم ج3 ص124 والجامع الصحيح للترمذي ج3 ص166 وكنوز الحقائق للمناوي ص65 و 70 ومجمع الزوائد ج7 ص233 و 234 وجامع الأصول ج9 ص420 وراجع: كشف الغمة ج2 ص35 وج1 ص141 ـ 146 والجمل ص36 وتاريخ بغداد ج14 ص322 ومستدرك الحاكم ج3 ص119 و 124 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وراجع نزل الأبرار ص56 وكنز العمال ج6 ص157 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص297 وج18 ص72 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص449.


الفهرس

الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليه‌السلام ) 1

الفصل الثاني: 5

الفصل الثالث: 23

الفصل الرابع: 71

الفصل الخامس: 97

الفصل السادس: 127

فصل السابع: 163

الفصل الثامن: 195

الفصل التاسع: 251

الفصل العاشر: 275

الباب الثالث عشر: 293

الفصل الأول: 295

الفصل الثاني: 319

الفهرس 353