الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء العاشر

السيد جعفر مرتضى العاملي



هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


الصحيح من سيرة الإمام عليّ (عليه‌السلام )

(المرتضى من سيرة المرتضى)

الجزء العاشر

السيد جعفر مرتضى العاملي


الفصل السادس: سياسات لاستيعاب أمويين..

1ـ أبو سفيان

2ـ خالد بن سعيد بن العاص



حماس أبي سفيان:

وذكروا: أن أبا سفيان قال لعلي (عليه‌السلام ): ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟!(1) والله: لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً.

فقال علي (عليه‌السلام ): يا أبا سفيان، طالما عاديت الإسلام وأهله، فلم تضره بذاك شيئاً، إنا وجدنا أبا بكر لذاك أهلاً(2) .

وفي نص آخر: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله، إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم. يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم؟! أين المستضعفان؟! أين الأذلان: علي والعباس؟!

وقال: أبا حسن، أبسط يدك حتى أبايعك.

فأبى علي (عليه‌السلام ) عليه.

____________

1- ستأتي مصادر هذه الرواية.

2- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص209 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص449 والمستدرك للحاكم ج3 ص78 وكنز العمال ج5 ص657 وتاريخ مدينة دمشق ج23 ص465. وراجع: الكامل في التاريخ ج2 ص325 و 326 والصوارم المهرقة ص281 والغدير ج3 ص254.


فجعل يتمثل بشعر المتلمس:

ولن يقيمَ على خسفٍ يُراد بهِ إلا الأذلان عيرُ الحيّ والوتدُ

هذا على الخسفِ معكوسٌ برمتهِ وذا يشجُ فلا يبكي له أحدُ

قال: فزجره علي (عليه‌السلام )، وقال: إنك ـ والله ـ ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك ـ والله ـ طالما بغيت للإسلام شراً، لا حاجة لنا في نصيحتك(1) .

وجعل أبو سفيان يطوف في أزقة المدينة ويقول:

بني هاشم لا تُطمعوا الناس فيكمُ ولا سيما تيم ابن مرة أو عديّ

فما الأمر إلا فيكمُ وإليكمُ وليس لها إلا أبو حسن عليّ

فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قدم، وهو فاعل شراً. وقد كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يستألفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة.

ففعل. فرضي أبو سفيان، وبايعه(2) .

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص209 وراجع ص210 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص449 والكامل في التاريخ ج2 ص325 و 326 والغدير ج3 ص253 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج3 ص54.

2- الغدير ج3 ص254 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في الكتاب والسنة والتاريخ ج3 ص57 وعن العقـد الفريـد ج3 ص271 و (ط أخرى) ج2= = ص249 والإرشاد للشيخ المفيد ج1 ص190 والفصول المختارة للشريف المرتضى ص248 وبحار الأنوار ج22 ص520 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص44 ودلائل الصدق ج2 ص39 وقاموس الرجال ج5 ص117.


ونقول:

إننا نكتفي هنا بالإشارة إلى الأمور التالية:

الأمر في أقل حي من قريش:

إن أول ما يطالعنا في النصوص المتقدمة: وصف أبي سفيان لقوم أبي بكر بأنهم أقل حي من قريش..

ويبدو لنا: أن يد السياسة والعصبيات المذهبية قد تلاعبت في هذا النص، فقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن أبا سفيان قال كما رواه الحاكم وغيره:

(ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة، وأذلها ذلة، يعني أبا بكر)(1) .

فحذف هؤلاء كلمة (وأذلها ذلة) ليوهموا الناس أن المقصود هو الحديث عن القلة والكثرة العددية..

ومما يؤيد القول بأن قوم أبي بكر كانوا بهذه المثابة، قول عوف بن عطية:

____________

1- راجع: المصنف للصنعاني ج5 ص451 ومستدرك الحاكم ج3 ص78 عن ابن عساكر، وأبي أحمد الدهقان. وراجع: النزاع والتخاصم ص19 وكنز العمال ج5 ص383 و 385.


وأما الألأمان بنو عدي وتيم حين تزدحم الأمور

فلا تشهد بهم فتيان حرب ولكن ادن من حلب وعير

إذا رهنوا رماحهم بزبدٍ فإن رماح تيم لا تضير(1)

حماس أبي سفيان لماذا؟!:

وقد أظهرت هذه الحادثة أبا سفيان في صورة المتحمس لبني هاشم ضد تيم وعدي.. فيثور سؤال أمام المرء عن سبب هذا الحماس، هل هو تقوى أبي سفيان؟!

أم هو أنفته من أن يتحكم أقل قريش قلة، وأذلهم ذلة بالمسلمين، وهو منهم؟!

أم أنه أراد إشعال نار الفتنة؟!

أم هو حبه المفاجئ لعلي (عليه‌السلام ) وبني هاشم؟! أم ماذا؟!

ثم يستوقفنا أيضاً: أنه برغم الجواب القاسي الذي سمعه من علي (عليه‌السلام ) فإنه لم يرتدع، بل واصل حملته، وجعل يدور في أزقة المدينة، وينشد الأشعار في تحريض بني هاشم على بني تيم وعدي.

ثم يأتي السؤال الأكبر والأخطر، وهو: أنه بمجرد أن تركوا له ما في يده من أموال بيت المال رضي، وبايع أبا بكر..

ولسنا بحاجة إلى القول: بأن علياً (عليه‌السلام ) كان أخبر بأبي سفيان

____________

1- طبقات الشعراء لابن سلام ص38.


من كل أحد، وكانت نظرته (عليه‌السلام ) هي الصائبة لكبد الحقيقة، كما دلت عليه نهايات تحرك أبي سفيان، الذي كان يسعى للفتنة، حيث تختلّ الأمور، وتنفتح له الأبواب لتحقيق ما يرمي إليه، بتوريط من يبغضهم ويعاديهم في عداء مستحكم مع من كانوا أنصار بني هاشم عليه، وعلى غيره من المشركين. فلعله يدرك بذلك بعض ثأره، فإن من ليس يؤمن لا يعرف إلا نفسه، وتحسبهم جميعاً، وقلوبهم شتى.

كما أنه يكون هو الفريق الذي يخطب وده جميع الفرقاء، ويقدم له كل منهم الوعود والإمتيازات، لينصره على الفريق الآخر..

فأبو سفيان يبقى هو الرابح، ويكون هو بيضة القبان. ويصبح قادراً على التلاعب بالأمور حسب هواه.

الفشل الذريع لأبي سفيان:

وقد أفشل علي (عليه‌السلام ) خطة أبي سفيان، التي كانت تهدف إلى إثارة فتنة هائلة وعظيمة، وذات نتائج مدمرة فلجأ إلى الرضا بفتات ألقاه إليه الفريق الحاكم..

غير أن القضية بالنسبة إلى أبي سفيان وأمثاله من أهل الدنيا كانت أكثر من فتات، فهو يرى أنه حصل في حركته هذه على نتائج يعتبرها في غاية الأهمية.. فإن هذا الفتات الذي حصل عليه قد أعطاه وأعطى غيره من الطامعين، والطامحين إشارة قوية إلى النهج الذي سيسير عليه الحكام معهم في المستقبل.. ودلهم ذلك على أن الحكم سوف لا يتوقف كثيراً ولا يتقيد بحدود وقيود الشريعة، وأن الميزان في ذلك هو مصلحتهم، وحفظ ما


بيدهم، وأن بإمكان أبي سفيان وغيره أن يتعاملوا معهم وفق هذه القاعدة.

ولذا فلا مانع من إعطاء الصدقات التي جعلها الله للفقراء والمساكين لمن يؤيدهم في ملكهم وسلطانهم.. مهما كانت حاله في الغنى، وفي الإستهتار بأحكام الشرع والدين، وفي غير ذلك من أحوال..

وهذا الأمر بالذات هو ما يأخذونه على علي (عليه‌السلام )، ومن معه من بني هاشم وغيرهم، وينعون عليهم عدم قبولهم به، ويدينون، وصلابتهم في محاربة هذا النهج، ومن يلتزم به..

والشاهد على ذلك: أن علياً (عليه‌السلام ) لم يرض بإعطاء أشراف ورؤساء القبائل شيئاً من المال، لكي يؤيدوه ضد خصومه، وليتفادى حرب الجمل، قائلاً: (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور)(1) ، فكانت حرب الجمل.

____________

1- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج2 ص6 وتحف العقول ص185 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج15 ص107 ومستدرك الوسائل ج11 ص91 و 93 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص199 و 201 والغارات للثقفي ج1 ص75 وج2 ص827 والأمالي للمفيد ص176 والأمالي للطوسي ص194 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج1 ص365 وحلية الأبرار ج2 ص283 و 355 و 357 وبحار الأنوار ج32 ص48 وج34 ص208 وج40 ص321 وج41 ص108 و 122 وج72 ص358 وج75 ص96 وج93 ص165 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص203 وج8 ص109 والإمامة والسياسة لابن قتيبة (تحقيق الزيني) ج1 ص132.


مفارقة في موقف عمر!!:

واللافت هنا: أن الذي أشار على أبي بكر بإعطاء أموال بيت المال إلى أبي سفيان هو عمر بن الخطاب نفسه، مع أن عمر بن الخطاب هو الذي ألغى ومزق كتاب أبي بكر الذي كتبه لبعض المؤلفة قلوبهم، وقال: (أعز الله الإسلام، وأغنى عنكم، فإن أسلمتم، وإلا فالسيف بيننا وبينكم.

فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له: أنت الخليفة، أم هو؟!

فقال: بل هو إن شاء الله. وأمضى ما فعله عمر(1) .

وروى الطبري عن حبان بن أبي جبلة، قال: قال عمر وقد أتاه عيينة بن حصن:( ألحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاء فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاء فَلْيَكْفُرْ ) (2) . أي ليس اليوم مؤلفة(3) .

____________

1- راجع: مختصر القدوري في الفقه الحنفي ج1 ص164 وبدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج2 ص45 والنص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص43 وتفسير السمرقندي ج2 ص68 وتفسير الآلوسي ج10 ص122 وغاية المرام ج6 ص255 والفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد شرف الدين ص88 وكنز العمال ج1 ص315 وفقه السنة لسيد سابق ج1 ص390.

2- الآية 29 من سورة الكهف.

3- جامع البيان للطبري (ط دار الكتب العلمية سنة 1412 هـ) ج6 ص400 و (ط دار الفكر سنة 1415هـ) ج10 ص209 ونصب الراية للزيلعي ج2 ص476 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج1 ص265 وتفسير الثعلبي ج5 ص60.


وجدنا أبا بكر أهلاً للخلافة:

وقد زعمت الرواية المتقدمة: أن علياً (عليه‌السلام ) قال لأبي سفيان: (إنا وجدنا أبا بكر لذاك (أي للخلافة) أهلاً).

غير أننا نقول: إن ذلك غير صحيح، لما يلي:

1 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) كان يرى: أن أبا بكر غاصب لهذا الأمر، مخالف لأمر الله ورسوله فيه. بل هو ناكث لبيعته له (عليه‌السلام ) يوم الغدير..

والخطبة الشقشقية لعلي (عليه‌السلام )، وعشرات غيرها يدل على هذا الأمر دلالة صريحة..

2 ـ صرحت المصادر، ومنها صحيح البخاري: بأن علياً (عليه‌السلام ) لم يبايع أبا بكر إلّا بعد أن مضت ستة أشهر من وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) ، وحديث أبي سفيان هذا قد كان قبل هذا التاريخ..

بل تقدم أن علياً (عليه‌السلام ) لم يبايعهم طائعاً أبداً..

____________

1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص82 وصحيح مسلم ج5 ص154 وشرح أصول الكافي ج7 ص218 والصوارم المهرقة ص71 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص413 وشرح مسلم للنووي ج12 ص77 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 وصحيح ابن حبان ج14 ص573 ونصب الراية للزيلعي ج2 ص360 والبداية والنهاية ج5 ص307 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص568 والإكمال في أسماء الرجال ص168.


3 ـ إن علياً (عليه‌السلام ) لم يشارك في اختيار أبي بكر، بل اختاره عمر وأبو عبيدة، كما أن سعد بن عبادة وفريقاً كبيراً من الأنصار، وكذلك بنو هاشم وكثير غيرهم لم يروه أهلاً، ولم يبايعه كثير منهم إلا بالإكراه، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا هذا، وغيره..

وبذلك كله يظهر: أن الصحيح هنا هو ذلك النص الذي لم يذكر هذه الفقرة، وإنما أضافها في هذه الرواية التي نحن بصدد مناقشتها نصحاء أبي بكر ومحبوه..

خالد بن سعيد يتربص ببيعته:

وذكروا أيضاً: أن خالد بن سعيد بن العاص لما قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تربص ببيعته شهرين. يقول: قد أمَّرني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثم لم يعزلني حتى قبضه الله.

وقد لقي علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وعثمان بن عفان. فقال: يا بني عبد مناف، لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم؟!

فأما أبو بكر فلم يحفلها (يحقدها) عليه. وأما عمر فاضطغنها عليه..

ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشام. وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال؟!

فلم يزل بأبي بكر حتى عزله، وأمَّر يزيد بن أبي سفيان(1) .

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص387 و388 و(ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص586 والمستدرك للحاكم ج3 ص249 وأعيان الشيعة ج6 ص291 وراجع: تاريخ = مدينة دمشق ج16 ص78 والوافي بالوفيات للصفدي ج17 ص167 والإستيعاب ج3 ص976 وغاية المرام ج6 ص130.


وفي نص آخر: أن خالد بن سعيد قدم من اليمن بعد وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بشهر، وعليه جبة ديباج، فلقي عمر وعلياً (عليه‌السلام )، فصاح عمر بمن يليه: مزقوا عليه جبته. أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور؟! فمزقوا جبته.

فقال خالد: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغلبتم عليها؟!

فقال علي (عليه‌السلام ): أمغالبة ترى، أم خلافة؟!

قال: لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم يا بني عبد مناف.

وقال عمر لخالد: فض الله فاك. والله، لا يزال كاذب يخوض فيما قلت، ثم لا يضر إلا نفسه.

فأبلغ عمر أبا بكر مقالته.

فلما عقد أبو بكر الألوية لقتال أهل الردة عقد له فيمن عقد. فنهاه عنه عمر، وقال: إنه لمخذول، وإنه لضعيف التروئة. ولقد كذب كذبة لا يفارق الأرض مدلٍ بها، وخائض فيها، فلا يستنصر به.

فلم يحتمل أبو بكر عليه، وجعله ردءاً بتيماء. أطاع عمر في بعض أمره، وعصاه في بعض(1) .

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص388 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص586 وتاريخ مدينة دمشق ج16 ص78 وأعيان الشيعة ج6 ص292.


وفي نص ثالث: ان عمر بن الخطاب لم يزل يكلم أبا بكر في خالد بن الوليد، وفي خالد بن سعيد. فأبى أن يطيعه في خالد بن الوليد، وقال: لا أشيم سيفاً سله الله على الكفار، وأطاعه في خالد بن سعيد، بعد ما فعل فعلته(1) .

وقالوا: (لعل المقصود بفعلته هو: مواجهة جيش الروم التي انتهت بانكساره، بسبب خطة وضعها أحد قوادهم، كما ذكره الطبري وغيره)(2) .

لكننا نقول:

ربما يكون الأصح هو أن المقصود بها موقفه المتقدم من بيعة أبي بكر، بعد عودته من اليمن..

وقد قال أبو بكر بعد أن خرج خالد من عنده: (كان عمر وعلي أعلم

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص391 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص589 والطبقات الكبرى لابن سعد ج7 ص396 وتاريخ مدينة دمشق ج16 ص240 وأسد الغابة ج4 ص295 والإصابة ج5 ص561 والغدير ج7 ص155 و 158 والمصنف لابن أبي شيبة ج8 ص5 والعثمانية للجاحظ ص86 و 248 وفتوح البلدان ج1 ص116 والكامل في التاريخ ج2 ص359 والوافي بالوفيات للصفدي ج13 ص162 والبداية والنهاية ج6 ص354 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص74 وإمتاع الأسماع ج14 ص239.

2- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص391 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص589.


مني بخالد، ولو أطعتهما فيه اختشيته، واتقيته)(1) .

ونقول:

هذه رواية سيف بن عمر المتهم بالدس والكذب..

ويستوقفنا فيها أمور، نذكر منها:

ألف: استعملني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثم لم يعزلني:

ماذا يقصد خالد بن سعيد بقوله: استعملني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثم لم يعزلني؟!

هل يريد بذلك تقرير رضا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عنه، ليصبح قوله مقبولاً لدى الناس، لأنه كان يتوقع الطعن فيه وفي آرائه بمجرد إعلانه معارضته لما جرى؟!

أم يقصد: أنه أحق بالخلافة من أولئك الذين عزلهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد أن نصبهم، وظهر عجزهم، وعدم أهليتهم، في خيبر، وفي ذات السلاسل وغيرها؟!..

أم أنه يريد أن يقرر لنفسه الحق في أن يكون من أهل الشورى، الذي يحتاج إلى رأيهم ومواقفهم في إمضاء الأمور الخطيرة والكبيرة.. فهو يعتبر أن ما أمضوه في غيبته، ومن دون مشورته لاغياً وغير ذي قيمة؟!

أم أنه يريد تأكيد وثاقته، وأمانته بالإستناد إلى فعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ،

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص392 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص590.


تمهيداً للجهر بأن صاحب الحق الحقيقي هو علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وأن على الناس أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يكافحوا بالوسائل المشروعة. لإعادة الحق إلى أهله، ووضع الأمور في نصابها؟!..

ربما يكون هذا الإحتمال الأخير هو الأقرب والأصوب بملاحظة، موقفه اللاحق، حين كان مع الإثني عشر الذين اعترضوا على أبي بكر ـ كما سيأتي عن قريب إن شاء الله..

ب: متى رجع خالد بن سعيد؟!:

وقد صرحت الرواية المتقدمة: بأن خالد بن سعيد قد رجع من اليمن بعد شهر أو شهرين، فوجد أن أبا بكر هو المتحكم والحاكم.. وربما يكون خبر ما جرى قد بلغه قبل وصوله، فأعلن اعتراضه على النحو الذي مرّ ذكره..

ويؤيد ذلك أن رواية أخرى ستأتي في فصل: (إحتجاجات ومناشدات)، تذكر احتجاج اثني عشر رجلاً من أعلام المهاجرين في المسجد النبوي الشريف كان خالد بن سعيد أول المحتجين على أبي بكر من بين هؤلاء..

وصرحت بأن: هذا الإحتجاج حصل بعد جمع علي (عليه‌السلام ) للقرآن، وبعد أن دار علي (عليه‌السلام ) بفاطمة والحسنين (عليهم‌السلام ) على أعيان المهاجرين والأنصار يطالبهم بنصرته..

كما أنها صرحت: بأن أولئك الاثني عشر كانوا غائبين حين البيعة لأبي بكر(1) .

____________

1- الإحتجاج للطبرسي ج1 ص190.


وإن كنا نعتقد: أن منهم من كان حاضراً.

ولعل مقصود الراوي: هو أن أكثرهم كان غائباً..

ج: بنو عبد مناف.. وبنو تيم:

وقد لوحظ في الرواية: أن خالد بن سعيد، وجه كلامه إلى علي وعثمان على حد سواء، معتمداً على الحس القبلي من خلال الموازنة بين بني عبد مناف وبني تيم.

ومن الواضح:

1 ـ إن هذا المنطق مرفوض ومدان بنظر الإسلام..

2 ـ إن هذا المنطق ليس فقط لا يحرك علياً (عليه‌السلام )، وإنما هو يثيره لمعارضته وإدانته.

3 ـ إنه يعطي بني أمية، الذين يمثلهم عثمان ـ حيث كان الخطاب موجهاً إليه وإلى علي (عليه‌السلام ) الحق في الخلافة والإمامة. وهذا مخالف للنصوص القرآنية والنبوية حول إمامة علي (عليه‌السلام )، ولم يزل علي (عليه‌السلام ) وبنو هاشم يأبون ما عدا ذلك ويرفضونه، ويقيمون الأدلة، ويحشدون الشواهد من القرآن الكريم، ومن كلام سيد المرسلين على خلافه..

4 ـ إن الروايات الأخرى تؤكد على أن خالداً كان يسعى لإثبات أن الحق لخصوص أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، بالإستناد إلى ما عاينه وسمعه من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وهو ينفي أي حق فيه لسواه، سواء


أكان من بني عبد مناف أو من غيرهم.

5 ـ إن ذلك كله يشير إلى أن موازنته بين بني عبد مناف وبين تيم كانت لبيان أمر واقعي، وهو: أن بني عبد مناف هم أهل الفضل والسؤدد والكرامة، والإلتزام بالقيم والمبادئ، فلا يعقل صرف الأمر عنهم إلى أناس ليسوا بهذه المثابة.. وهو يتوقع مؤازرة بني ابيه الأمويين للحق الثابت.

ولكن بما أن الكلام قد جاء بطريقة توحي بالمنطق القبلي، كان لا بد من اعتراض علي (عليه‌السلام ) لوضع الأمور في نصابها، وبعيداً عن الحدة.. فجاء بصيغة سؤال يكفي للتخلص من مفاعيله توضيح المراد من كلمة غلبكم التي وردت على لسان خالد..

د: أبو بكر لم يحفلها على خالد:

قول الرواية: إن أبا بكر لم يحفلها (أو لم يحقدها) على خالد بن سعيد، لم يظهر وجهه..

أولاً: لأنه لا ينسجم مع ما ذكرته الرواية التي بعدها، فهي تقول:

إن أبا بكر أطاع عمر في بعض الأمر، وعصاه في بعضه؛ حيث صرف خالداً عن وجهه، وجعله في تيماء، ليكون ـ حسب زعمهم ـ ردءاً..

ثانياً: إن تولية أبي بكر لخالد بن سعيد، يراد من خلالها تأليف بني أمية، وكسر الحزازاة التي يجدونها في نفوسهم، بعد أن أصبح تيمي أميراً عليهم. وهو ما لم يكونوا يتوقعونه في أيام نفوذ كلمتهم، وظهور أمرهم في الجاهلية..


ثالثاً: إن عزل خالد بعد نصبه، سيزيد من تعقيد الأمور في هذا الإتجاه، فأبقاه أبو بكر في ظاهر الأمر، ولكنه أفرغه من محتواه حين جعله في تيماء، فارغاً من أي فائدة، فاقداً لدوره الذي يتوقع من مثله..

ثم أرضى سائر الأمويين بتأميره يزيد بن أبي سفيان مكانه..

وكل ذلك يظهر حنكة أبي بكر، وتعمقه في سياساته وخططه بطابعها الخاص.

هـ: خالد.. وجبَّة الديباج:

وقد زعمت رواية سيف: أن خالداً حين قدم من اليمن بعد وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يلبس جبة ديباج.. وأن عمر أمر بتمزيقها عليه. فمُزِّقت. ونحن نكاد لا نصدّق ذلك..

فأولاً: إن خالداً لم يكن ليلبس الحرير، بعد ما علم من نهي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن لبسه.. ولو فعل ذلك، فلا بد أن يتوقع اعتراض المسلمين عليه في ذلك.. فما الذي يدعوه لوضع نفسه موضع المؤاخذة والمهانة؟!

ثانياً: إن عمر لم يكن هو الحاكم، ولم يكن حكم أبي بكر قد ثبت واستقر بعد، لا سيما مع وجود المعترضين والمعارضين له، والخوف من ازديادهم وتكثرهم.. ولم يكن ليحتمل أحد من عمر أن يتطفل عليه في أمثال هذه الأمور، بل هو سوف يثأر لنفسه، ويبادر إلى رد الإهانة بمثلها.

ثالثاً: هل كان الناس يأتمرون بأمر عمر آنئذٍ، حتى إذا صاح بمن يليه من الناس، وأمرهم بالإعتداء على أحد القادة بادروا إلى تنفيذ أمره، ومزقوا


عليه جبته؟! إلا إن كانوا يخشون من أن يستعين مرة أخرى ببني أسلم وسواهم من الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وكانوا قد استعانوا بهم في إقامة وتثبيت خلافة أبي بكر. وكانوا جيشاً جراراً ربما يصل عدده إلى الألوف. ولعل قسماً منهم كان لا يزال في المدينة..

و: لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم:

ثم إنه بالرغم من أن علياً (عليه‌السلام ) يوجه سؤاله الإنكاري إلى خالد، فيقول: أمغالبة ترى، أم خلافة؟!.. فإن الرواية تقول:

إن خالداً لم يتراجع عن مفهوم المغالبة، بل أكده بقوله: لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم. مع أنه يعلم أن علياً (عليه‌السلام ) لا يتفاعل مع هذا المنطق، بل هو لا يرضى بإثارة الأمور على هذا النحو..

يضاف إلى ذلك: أن الرواية الآتية في فصل: (احتجاجات ومناشدات)، والتي تضمنت احتجاج الإثني عشر صحابياً على أبي بكر تبين: أن خالداً كان يرى أن المعيار في أمر الخلافة هو نص النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وتقريره أن الحق له دون سواه..

ز: السكوت المحير:

وبعد.. فإن الرواية تذكر: أن عمر بن الخطاب يقول لخالد بن سعيد: (فض الله فاك، والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت، ثم لا يضر إلا نفسه).

ولم تذكر شيئاً عن جواب خالد على هذا الكلام البالغ في جرأته وقسوته.. مع أن طبيعة الأمر تقتضي أن يجيبه خالد ولو برد كلامه عليه في


أدنى الفروض..

فما الذي منع خالداً من الجواب؟! هل هو الخوف من عمر؟! وهذا ما لا نتوقعه من أمثال خالد..

أم الخوف من تهديده المبطن بأن الحكم سوف لا ينفعه بنافعة أو خاف من التهديد بأن يكون الحكم كله ضدّه، وسوف يتعرض لأضرار بالغة تلحقه كشخص؟!

ولكن هل يمكن أن نصدق أن من يبادر إلى المعارضة بهذه الشدة والحدة، لا يتوقع أي ضرر ربما يلحق به نتيجة لمعارضته؟! أم ماذا؟!

أم أنه رأى أنه يقصد بذلك غيره، ممن لا يعنيه أمره؟!

ح: كذبة خالد:

تذكر الرواية الآنفة الذكر: أن عمر بن الخطاب وصف خالد بن سعيد بأنه يكذب كذبة، لا يفارق الأرض مدل بها، وخائض فيها. فلا يستنصر به.

ونقول:

أولاً: ليس في كلام خالد ما يصح وصفه بالكذب، بل مجرد كلام تحريضي، قائم على قواعد المفاضلة العشائرية، بين بني عبد مناف، وبين قبيلة تيم، وهي قبيلة أبي بكر..

ثانياً: قول عمر عن كذبة خالد: (لا يفارق الأرض مدل بها، وخائض فيها) لم نفهم له معنى. فإن كلمة خالد ليست هي السبب في إثارة موضوع غاصبية أبي بكر للخلافة من صاحبها الشرعي، بل هو موضوع مثار من


اللحظة الأولى.

وقد ارتكبت من أجله الجرائم، وواجه الناس فيه الأهوال، ولحقهم الكثير من الهضم والظلم، سواء بالنسبة لعلي (عليه‌السلام ) نفسه، أو بالنسبة للسيدة الزهراء (عليها‌السلام )، فضلاً عن آخرين تعرضوا لكثير من الأذى في هذا السبيل..

فإذا كان تداول هذا الموضوع والخوض فيه، وعدم مفارقة الأرض لخائضٍ فيه ليس بسبب موقف خالد بن سعيد، فلماذا يحمِّله عمر بن الخطاب مسسؤولية ذلك؟!

ثالثاً: إذا كان خالد قد كذب هذه الكذبة الكبيرة، فمن المصلحة أن يستنصر به أبو بكر، لتكون نصرته لأبي بكر من أدلة تكذيبه لنفسه، ويكون ذلك أقوى لحجة أبي بكر، وأولى من استبعاد خالد، وإقصائه عن موقعه..

ط: فعلة خالد بن سعيد:

وقد حاولت روايات سيف: أن تضعف من موقف خالد، بادعاء أنه ارتكب خطأً في مواجهاته مع جيش الروم، ومني بهزيمة نتيجة لذلك.

والذي يثير الإنتباه هنا: أن هذا الذي ينسب إلى خالد بن سعيد هو برواية سيف بن عمر، وهو متهم فيما ينقله، فقد أظهرت الوقائع أنه يسعى للطعن في الفئة التي لم تبادر إلى تأييد خلافة أبي بكر وعمر، أو من ظهر منهم تردد في ذلك.. وهذا المورد ليس بعيداً عن هذه الأجواء، إذا أخذ موقف خالد بن سعيد بنظر الإعتبار..


عمرو وطلحة وعلي (عليه‌السلام ):

لما رجع عمرو بن العاص من البحرين، أخبرهم: أن العساكر معسكرة من دبا إلى حيث انتهى إليهم، فتفرقوا، وتحلقوا حلقاً. وأقبل عمر يريد التسليم على عمرو، فمرّ بحلقة، وهم في شيء من الذي سمعوا من عمرو، وفي تلك الحلقة: عثمان، وعلي، وطلحة والزبير، وعبد الرحمان، وسعد، فلما دنا عمر منهم سكتوا، فقال: فيم أنتم؟!

فلم يجيبوه، فقال: ما أعلمني بالذي خلوتم عليه، فغضب طلحة، وقال: تالله يا بن الخطاب، لتخبرنا بالغيب!

قال: لا يعلم الغيب إلا الله. ولكن أظن قلتم: ما أخوفنا على قريش من العرب، وأخلقهم ألا يقروا بهذا الأمر.

قالوا: صدقت.

قال: فلا تخافوا هذه المنزلة. أنا ـ والله ـ منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم. والله، لو تدخلون معاشر قريش جحراً لدخَلْتُه في آثاركم، فاتقوا الله فيهم.

ومضى إلى عمرو، فسلم عليه، ثم انصرف إلى أبي بكر(1) .

ونقول:

إننا نرتاب كثيراً في صحة بعض مضامين هذه الرواية، وذلك لما يلي:

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص258 و 259 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص448 والكامل في التاريخ ج2 ص353 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج17 ص211.


أولاً: لماذا يبالغ عمرو بن العاص في إظهار حجم العساكر التي تتهيأ لمهاجمة المدينة؟!

هل يريد بذلك خدمة أبي بكر من خلال تخويف الفريق الآخر بهذه العساكر، لكي يسلِّموا لأبي بكر، ويرضوا باغتصابه لأمر الخلافة، الذي جعله الله تعالى لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )؟!

أم أنه يريد أن يحرك أبا بكر ليبادر للتفاوض معه، ويقدم له الإمتيازات، ليكون معه وإلى جانبه ضد خصومه؟!

ثانياً: إننا لم نر أثراً يذكر لهذه العساكر، فأين ذهبت؟! وماذا صنعت؟! وهل وصلت إلى المدينة أم لم تصل؟. ومن هم قادتها؟! وكيف تعامل أبو بكر معهم ومعها؟!

ثالثاً: ما هذه المصادفة التي جمعت أهل الشورى في جلسة واحدة، ثم جاءت بعمر بن الخطاب ليصول عليهم، ويقرعهم بمر القول، ويحذرهم، ويعرِّض بهم باتهامهم في تقواهم لله تبارك وتعالى؟!..

رابعاً: إن هذا الذي ذكره عمر للمتحدثين، من أنهم قد تداولوه في حديثهم ليس من الأسرار التي يُتكتّم عليها من عمر.. فلماذا يسكتون حين مر بهم عمر؟! وما الذي يمنعهم من إخباره بمضمونه؟!

أم أن عمر قد سمع ذلك منهم، ثم تظاهر بعدم السماع، ليؤكد لهم عبقريته في استخراج ما في ضمائرهم؟!

أم أن الهدف هو إظهار قوة عمر وجرأته حتى على هؤلاء الجماعة الكبار، حتى لو كان علي (عليه‌السلام ) بينهم؟!..


خامساً: كيف اتفق هؤلاء الستة على هذا القول، الذي تكتموا عليه أمام عمر، مع أن أكثرهم كان إلى جانب عمر ومن حزبه، ومن أنصار أبي بكر، ولا سيما عثمان، وعبد الرحمان بن عوف، وكذلك سعد بن أبي وقاص، ثم طلحة..

كما أن الزبير كان قد أنهى معارضته لهم، ور ضي بالبيعة لأبي بكر منذ اليوم الأول، وانتهى الأمر.

سادساً: إذا صح كلام عمر لهم حول تبعية العرب لقريش، وأن قريشاً هي التي يخشى على العرب منها، وليس العكس.. فلماذا كان الأمر على عكس ما قاله عمر؟!

ولماذا ارتدت العرب بعد وفاة الرسول؟!

ولماذا منعوا (الزكاة) عن أبي بكر؟!

ولماذا احتاج أبو بكر إلى حربهم؟! حتى إنهم ليدَّعون: أنه خرج بنفسه لمحاربة معارضيه من العرب، مع أنه قرشي..

سابعاً: إن هذا النص يريد أن يتوصل إلى اتهام علي (عليه‌السلام ) بالخيانة، وبقلة الدين، وبأنه طامح وطامع، وبأنه يريد أن يورد الناس الهلكات بسبب أطماعه هذه..

لأن سائر أهل الجلسة كانوا موافقين لعمر وأبي بكر فيما فعلاه من اغتصاب الخلافة من أهلها، وفي غير ذلك من أمور..


الفصل السابع: إحتجاجات... ومناشدات..



بداية توضيحية:

وقد جرت بين علي (عليه‌السلام ) وأبي بكر احتجاجات كثيرة، لا يمكننا إيرادها بأجمعها، وبعضها تضمن أموراً قد لا تناسب لذائقة كثيرين، إما من ناحية استثقالهم ما يتضمن منها معجزة إلهية تقهر عقولهم.. أو من ناحية إظهار تلك الإحتجاجات حقائق لا يتوقعونها، من حيث إنها تتسبب بإسقاط هالة القداسة التي أحاطوا بها أناساً هم أبعد ما يكون عنها..

وقد تضمن الكتاب الشريف (بحار الأنوار) وكثير من كتب الحديث المعتبرة غاية الإعتبار: الكثير الكثير من هذه الأحاديث.. فلا بد من إحالة القارئ إليها، والتعويل عليها لمن أراد التوسع في هذا الموضوع..

أما نحن، فنكتفي هنا بذكر نماذج يسيرة ثم ننصرف ـ بالرغم عنا ـ إلى غيرها..

والموارد التي اخترناها وآثرنا أن نعرضها كما هي، ومن دون تصرف أو تعليق سوى بعض ما يقتضيه التوضيح أو التصحيح، هي التالية:

مناشدات علي (عليه‌السلام ) لأبي بكر:

عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم‌السلام ) قال: لما كان من أمر أبي بكر، وبيعة الناس له، وفعلهم بعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ،


ما كان، لم يزل أبو بكر يظهر له الإنبساط، ويرى منه الإنقباض، فكبر ذلك على أبي بكر، وأحب لقاءه، واستخراج ما عنده، والمعذرة إليه مما اجتمع الناس عليه، وتقليدهم إياه أمر الأمة، وقلة رغبته في ذلك، وزهده فيه. فأتاه في وقت غفلة، وطلب منه الخلوة، وقال له:

والله يا أبا الحسن، ما كان هذا الأمر مواطاة مني، ولا رغبة فيما وقعت فيه، ولا حرصاً عليه، ولا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه الأمة، ولا قوة لي بمال، ولا كثرة العشيرة، ولا استيثاراً به دون غيري، فما لك تضمر عليَّ ما لم أستحقه منك، وتظهر لي الكراهة فيما صرت إليه، وتنظر إليَّ بعين الشناءة لي؟!

فقال له (عليه‌السلام ): فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به؟!

قال: فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (إن الله لا يجمع أمتي على ضلال)، فلما رأيت إجماعهم اتبعت قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأحلت(1) أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى من الضلال، فأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أن أحداً يتخلف لامتنعت!

قال: فقال علي (عليه‌السلام ): أما ما ذكرت من حديث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن الله لا يجمع أمتي على ضلال، أفكنت من الأمة، أم لم أكن؟!

____________

1- أي حكمت باستحالة ذلك.


قال: بلى.

قال: وكذلك العصابة الممتنعة عنك، من سلمان، وعمار، وأبي ذر، والمقداد، وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟!

قال: كل من الأمة.

فقال علي (عليه‌السلام ): فكيف تحتج بحديث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك، وليس للأمة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول ونصيحته منهم تقصير؟!

قال: ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام الأمر، وخفت إن قعدت عن الأمر أن يرجع الناس مرتدين عن الدين، وكان ممارستهم إلىَّ إن أجبتهم أهون مؤنة على الدين، وإبقاءً له من ضرب الناس بعضهم ببعض، فيرجعون كفاراً، وعلمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم وعلى أديانهم!

فقال علي (عليه‌السلام ): أجل، ولكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الأمر، بما يستحقه؟!

فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، والمحاباة، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعلم بالكتاب والسنة، وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من الظالم للقريب والبعيد.. ثم سكت.

فقال علي (عليه‌السلام ): والسابقة والقرابة؟!

فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة.

قال: فقال علي (عليه‌السلام ): أنشدك بالله، يا أبا بكر، أفي نفسك تجد


هذه الخصال، أو فيَّ؟!

قال أبو بكر: بل فيك يا أبا الحسن.

قال: أنشدك بالله، أنا المجيب لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قبل ذكران المسلمين، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا صاحب الأذان لأهل الموسم ولجميع الأمة بسورة براءة، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا وقيت رسول الله بنفسي يوم الغار، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، ألي الولاية من الله مع ولاية رسوله في آية زكاة الخاتم، أم لك؟!

قال: بل لك.

قال: فأنشدك بالله، أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم الغدير، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، ألي الوزارة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والمثل من هارون وموسى، أم لك؟!

قال: بل لك.


قال: فأنشدك بالله، أبي برز رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبأهل بيتي وولدي في مباهلة المشركين من النصارى، أم بك وبأهلك وولدك؟!

قال: بكم.

قال: فأنشدك بالله، ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس، أم لك ولأهل بيتك؟!

قال: بل لك ولأهل بيتك.

قال: فأنشدك بالله، أنا صاحب دعوة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهلي وولدي يوم الكساء: اللهم هؤلاء أهلي، إليك لا إلى النار، أم أنت؟!

قال: بل أنت، وأهلك، وولدك.

قال: فأنشدك بالله، أنا صاحب الآية:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) (1) ، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي ردت له الشمس لوقت صلاته فصلاها ثم توارت، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الفتى الذي نودي من السماء: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي)، أم أنا؟!

____________

1- الآية 7 من سورة هل أتى.


قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي حباك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) برايته يوم خيبر، ففتح الله له، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي نفست عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعن المسلمين بقتل عمرو بن عبد ود، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي ائتمنك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على رسالته إلى الجن فأجابت، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: أنشدك بالله، أنا الذي طهره رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من السفاح من آدم إلى أبيه بقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): خرجت أنا وأنت من نكاح لا من سفاح، من آدم إلى عبد المطلب، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا الذي اختارني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وزوجني ابنته فاطمة (عليها‌السلام )، وقال: الله زوجك إياها في السماء، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا والد الحسن والحسين سبطيه وريحانتيه إذ يقول:


(هما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما)، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أخوك المزين بجناحين يطير في الجنة مع الملائكة، أم أخي؟!

قال: بل أخوك.

قال: فأنشدك بالله، أنا ضمنت دين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وناديت في المواسم بإنجاز مواعيده، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا الذي دعاه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والطير عنده يريد أكله، فقال: (اللهم ايتني بأحب خلقك إليَّ وإليك بعدي، يأكل معي من هذا الطير)، فلم يأته غيري، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا الذي بشرني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين على تأويل القرآن، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا الذي دل عليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعلم القضاء وفصل الخطاب بقوله: (علي أقضاكم)، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك الله، أنا الذي أمر لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


أصحابه بالسلام علي بالإمرة في حياته، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ووليت غسله ودفنه، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي حباك الله عز وجل بالدينار عند حاجته إليه، وباعك جبرئيل (عليه‌السلام )، وأضفت محمداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأطعمت ولده، أم أنا؟!

قال: فبكى أبو بكر! وقال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي جعلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على كتفه في طرح صنم الكعبة وكسره، حتى لو شئت أن أنال أفق السماء لنلتها، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي قال لك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنت صاحب لواي في الدنيا والآخرة، أم أنا؟!

قال: بل أنت.


قال: فأنشدك بالله، أنت الذي أمرك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بفتح بابه في مسجده عندما أمر بسد أبواب جميع أهل بيته وأصحابه، وأحل لك فيه ما أحله الله له، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي قدمت بين يدي نجوى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صدقة فناجيته، إذ عاتب الله عز وجل قوماً، فقال:( ءأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ) (1) ، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله، أنت الذي قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لفاطمة: زوجتك أول الناس إيماناً، وأرجحهم إسلاماً. في كلام له، أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله يا أبا بكر، أنت الذي سلمت عليه ملائكة سبع سماوات يوم القليب أم أنا؟!

قال: بل أنت.

قال: ..فلم يزل علي (عليه‌السلام ) يورد مناقبه التي جعل الله عز وجل له ورسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دونه، ودون غيره.

ويقول أبو بكر: بل أنت.

____________

1- الآية 13 من سورة المجادلة.


قال: فبهذا وشبهه يستحق القيام بأمور أمة محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فما الذي غرك عن الله تعالى وعن رسوله ودينه، وأنت خلو مما يحتاج أهل دينه.

قال: فبكى أبو بكر وقال: صدقت يا أبا الحسن، أنظرني قيام يومي، فأدبِّر ما أنا فيه، وما سمعت منك.

قال: فقال علي (عليه‌السلام ): لك ذلك يا أبا بكر.

فرجع من عنده، وطابت نفسه يومه، ولم يأذن لأحد إلى الليل، وعمر يتردد في الناس لما بلغه من خلوته بعلي (عليه‌السلام ).

فبات في ليلته، فرأى في منامه كأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تمثل له في مجلسه، فقام إليه أبو بكر ليسلم عليه، فولى عنه وجهه، فصار مقابل وجهه، فسلم عليه، فولى وجهه عنه.

فقال أبو بكر: يا رسول الله! أمرت بأمر لم أفعله؟!

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أرد عليك السلام وقد عاديت من والاه الله ورسوله؟! رد الحق إلى أهله.

فقلت: من أهله؟!

قال: من عاتبك عليه، علي.

قلت: فقد رددت عليه يا رسول الله، ثم لم يره.

فأصبح وبكَّر إلى علي (عليه‌السلام ) وقال: ابسط يدك يا أبا الحسن أبايعك، وأخبره بما قد رأى.


قال: فبسط علي يده، فمسح عليها أبو بكر، وبايعه وسلم عليه، وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخبر الناس بما رأيت في ليلتي، وما جرى بيني وبينك، وأخرج نفسي من هذا الأمر، وأسلمه إليك؟!

قال: فقال علي (عليه‌السلام ): نعم.

فخرج من عنده متغيراً لونه، عاتباً نفسه، فصادفه عمر ـ وهو في طلبه ـ فقال له: ما لك يا خليفة رسول الله؟!

فأخبره بما كان، وما رأى، وما جرى بينه وبين علي (عليه‌السلام ).

فقال له عمر: أنشدك بالله يا خليفة رسول الله، والإغترار بسحر بني هاشم، والثقة بهم، فليس هذا بأول سحر منهم..

فما زال به حتى رده عن رأيه، وصرفه عن عزمه، ورغَّبه فيما هو فيه، في الثبات عليه والقيام به.

قال: فأتى علي (عليه‌السلام ) المسجد على الميعاد، فلم ير فيه منهم أحداً، فأحس بشيء منهم، فقعد إلى قبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال: فمر به عمر، فقال: يا علي، دون ما تريد خرط القتاد.

فعلم (عليه‌السلام ) بالأمر، ورجع إلى بيته.

متى كانت المناشدة:

ويبدو لنا أن هذه القضية قد حدثت قبل وفاة أبي بكر بيسير، بدليل أنه (عليه‌السلام ) ناشده بقوله: فانشدك بالله، أنا ضمنت دين رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ،


وناديت في المواسم بانجاز مواعيده أم أنت؟!

فقال: بل أنت.

وإنما تصح هذه المناشدة إذا كانت قد مرت أكثر من سنة كان يحضر فيها المواسم لأجل انجاز مواعيد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلا إن المقصود بالمواسم، مواسم الحج، ومواسم العمرة، ومواسم عكاظ ونحو ذلك..

ولدني أبو بكر مرتين:

ورد في الرواية المتقدمة.. استدلال علي (عليه‌السلام ) بآية التطهير على أنه هو الذي ولد من لدن آدم من نكاح دون سفاح دون أبي بكر. وقد اعترف له ابو بكر له بذلك.

وهذا ينقض الإستدلال على طهارة أبي بكر برواية بعضهم عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) أنه قال: (ولدني أبو بكر مرتين)(1) .

____________

1- راجع: تهذيب التهذيب ج2 ص103 وتذكرة الحفاظ ج1 ص166 وعمدة الطالب ص176 (مطبعة الصدر سنة 1417هـ قم) وغاية الاختصار ص100 وكشف الغمة ج2 ص161 (ط سنة 1381 هـ. المطبعة العلمية قم المقدسة) عن الجنابذي وعن جواهر الكلام لابن وهيب ص13 وسير أعلام النبلاء ج6 ص255 والصواعق المحرقة ص84 وأورده السيد الخوئي في مستند العروة كتاب الخمس ج1 ص317 وتنقيح المقال ج3 ص73 وعن الدر المنثور ج1 ص240 ولم أجده.


ويؤكد ما قلناه من أن الصحيح هو ما ذكره القرحاني من أن أم الإمام الصادق (عليه‌السلام )، هي بنت القاسم بن محمد بن أبي سمرة، لا إبن أبي بكر(1) . وقد ناقشنا هذا الموضوع في كتابنا مختصر مفيد ج1 ص71 ـ 78 فراجع.

اثنا عشر صحابياً يحتجون على أبي بكر:

وعن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما‌السلام ): جعلت فداك، هل كان أحد في أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه [في] مجلس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

فقال: نعم، كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلاً من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي (رضي‌الله‌عنه )، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي.

ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان، وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري (رضي‌الله‌عنه م أجمعين).

قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

____________

1- اخبار الدول (مطبوع بهامش الكامل في التاريخ سنة 1302 هـ.) ج1 ص234.


وقال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذاً أعنتم على أنفسكم، فقد قال الله عز وجل:( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (1) .

قالوا: فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لنستشيره ونستطلع رأيه.

فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بأجمعهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين تركت حقاً أنت أحق به وأولى به من غيرك، لأنَّا سمعنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: (علي مع الحق والحق مع علي، يميل مع الحق كيف ما مال).

ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فجئناك نستشيرك ونستطلع رأيك، فما تأمرنا؟!

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): وأيم الله، لو فعلتم ذلك لما كنتم لهم إلا حرباً، ولكنكم كالملح في الزاد، وكالكحل في العين، وأيم الله، لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم، مستعدين للحرب والقتال، وإذاً لأتوني فقالوا لي: بايع وإلا قتلناك، فلا بد لي من أدفع القوم عن نفسي، وذلك أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أوعز إلي قبل وفاته وقال لي:

(يا أبا الحسن، إن الأمة ستغدر بك من بعدي، وتنقض فيك عهدي، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى، وإن الأمة الهادية من بعدي كهارون ومن اتبعه، والأمة الضالة من بعدي كالسامري ومن اتبعه).

____________

1- الآية 195 من سورة البقرة.


فقلت: يا رسول الله، فما تعهد إلي إذا كان كذلك؟!

فقال: (إذا وجدت أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً كف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوماً).

فلما توفي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اشتغلت بغسله وتكفينه، والفراغ من شأنه، ثم آليت على نفسي يميناً أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، ففعلت.

ثم أخذت بيد فاطمة (عليها‌السلام ) وابني الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) فدرت على أهل بدر وأهل السابقة، فناشدتهم حقي، ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلا أربعة رهط: سلمان، وعمار، وأبو ذر، والمقداد (رضي‌الله‌عنه م).

ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي، فأبوا علي إلا السكوت لما علموا من وغارة صدور القوم، وبغضهم لله ورسوله، ولأهل بيت نبيه.

فانطلقوا بأجمعكم إلى الرجل، فعرفوه ما سمعتم من قول نبيكم، ليكون ذلك أوكد للحجة، وأبلغ للعذر، وأبعد لهم من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا وردوا عليه.

فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار: تقدموا وتكلموا.

فقال الأنصار للمهاجرين: بل تكلموا وتقدموا أنتم، فإن الله عز وجل بدأ بكم في الكتاب، إذ قال الله عز وجل:( لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ


وَالمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) (1) .

إلى أن تقول الرواية:

فأول من تكلم به خالد بن سعيد بن العاص، ثم باقي المهاجرين، ثم [من] بعدهم الأنصار(2) .

وروي: أنهم كانوا غُيَّباً عن وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقدموا، وقد تولى أبو بكر، وهم يومئذ أعلام مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

1 ـ فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: اتق الله يا أبا بكر، فقد علمت أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال ـ ونحن محتوشوه يوم بني قريظة، حين فتح الله عز وجل له باب النصر، وقد قتل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) يومئذ عدة من صناديد رجالهم، وأولي البأس والنجدة منهم ـ:

يا معاشر المهاجرين والأنصار، إني موصيكم بوصية فاحفظوها، وموعدكم أمراً فاحفظوه، ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي، وخليفتي

____________

1- الآية 117 من سورة التوبة.

2- الإحتجاج للطبرسي ج1 ص157 والخصال للصدوق ص548 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص201 وحلية الأبرار ج2 ص305 ومدينة المعاجز ج3 ص23 وبحار الأنوار ج29 ص3 و (ط حجرية) ج8 ص79 وكتاب الأربعين للماحوزي ص273 وغاية المرام ج2 ص123 وج3 ص196 وج6 ص11.


فيكم. بذلك أوصاني ربي. ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه اختلفتم في أحكامكم، واضطرب عليكم أمر دينكم، ووليكم أشراركم. ألا وإن أهل بيتي هم الوارثون لأمري، والعالمون لأمر أمتي من بعدي.

اللهم من أطاعهم من أمتي، وحفظ فيهم وصيتي، فاحشرهم في زمرتي، واجعل لهم نصيباً من مرافقتي، يدركون به نور الآخرة.

اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي، فاحرمه الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض.

فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد، فلست من أهل المشورة، ولا ممن يقتدى برأيه.

فقال له خالد: بل اسكت أنت يا بن الخطاب، فإنك تنطق على لسان غيرك، وأيم الله، لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسباً، وأدناها منصباً، وأخسها قدراً، وأخملها ذكراً، وأقلهم عناءاً عن الله ورسوله.

وإنك لجبان في الحروب، [و] بخيل بالمال، لئيم العنصر، ما لك في قريش من فخر، ولا في الحروب من ذكر، وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان( إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) (1) . فأبلس عمر، وجلس خالد بن سعيد.

____________

1- الآيتان 16 و 17 من سورة الحشر.


2 ـ ثم قام سلمان الفارسي وقال: (كرديد ونكرديد).

أي فعلتم ولم تفعلوا، وقد كان امتنع من البيعة قبل ذلك حتى وجئ عنقه.

فقال: يا أبا بكر إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه، وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه، وما عذرك في التقدم على من هو أعلم منك، وأقرب إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأعلم بتأويل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه، ومن قدمه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حياته، وأوصاكم به عند وفاته، فنبذتم قوله، وتناسيتم وصيته، وأخلفتم الوعد، ونقضتم العهد، وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد، حذراً من مثل ما أتيتموه، وتنبيهاً للأمة على عظيم ما اجترمتموه من مخالفة أمره.

فعن قليل يصفو لك الأمر، وقد أثقلك الوزر، ونقلت إلى قبرك، وحملت معك ما كسبت يداك.

فلو [أنك] راجعت الحق من قريب، وتلافيت نفسك، وتبت إلى الله من عظيم ما اجترمت، كان ذلك أقرب إلى نجاتك يوم تفرد في حفرتك، ويسلمك ذوو نصرتك، فقد سمعت كما سمعنا، ورأيت كما رأينا، فلم يردعك ذلك عما أنت متشبث به من هذا الأمر الذي لا عذر لك في تقلده، ولا حظ للدين ولا المسلمين في قيامك به، فالله الله في نفسك، فقد أعذر من أنذر، ولا تكن كمن أدبر واستكبر.

3 ـ ثم قام [إليه] أبو ذر الغفاري (رحمه‌الله )، فقال: يا معشر قريش،


نصبتم قناعة (قباحة)، وتركتم قرابة، والله لترتدن جماعة من العرب ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهلها، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة ـ فكان كما قال أبو ذر ـ.

ثم قال: لقد علمتم وعلم خياركم: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: (الأمر [من] بعدي لعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، ثم من بعده لابنيَّ [منه] الحسن والحسين، ثم للطاهرين من ذريتي)، فأطرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم، فأطعتم الدنيا الفانية، ونسيتم الآخرة الباقية، التي لا يهرم شبابها، ولا يزول نعيمها، ولا يحزن أهلها، ولا يموت سكانها، بالحقير التافه، الفاني الزائل، فكذلك الأمم من قبلكم كفرت بعد أنبيائها، ونكصت على أعقابها، وغيرت وبدلت، واختلفت، فساويتموهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وعما قليل تذوقون وبال أمركم، وتجزون بما قدمت أيديكم. وما الله بظلام للعبيد.

4 ـ ثم قام المقداد بن الأسود (رضي‌الله‌عنه )، فقال: يا أبا بكر، ارجع عن ظلمك، [ورد الأمر إلى صاحبه]، وتب إلى ربك، والزم بيتك، وابك على خطيئتك، وسلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك.

فقد علمت ما عقده رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في عنقك من بيعته، وألزمك من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد وهو مولاه.

ونبه على بطلان وجوب هذا الأمر لك ولمن عضدك عليه، بضمه لكما إلى علم النفاق، ومعدن الشنآن والشقاق، عمرو بن العاص، الذي أنزل الله


على [لسان] نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ) (1) ، فلا اختلاف بين أهل العلم أنها نزلت في عمرو، وهو كان أميراً عليكما وعلى سائر المنافقين في الوقت الذي أنفذه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في غزاة ذات السلاسل.

وإن عَمْراً قلدكما حرس عسكره، فأين الحرس إلى الخلافة؟!

اتق الله، وبادر بالإستقالة قبل فوتها، فإن ذلك أسلم لك في حياتك وبعد وفاتك، ولا تركن إلى دنياك، ولا تغرنك قريش وغيرها، فعن قليل تضمحل عنك دنياك، ثم تصير إلى ربك، فيجزيك بعملك.

وقد علمت وتيقنت أن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) هو صاحب الأمر بعد رسول الله، فسلمه إليه بما جعله الله له، فإنه أتم لسترك واخف لوزرك، فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي، وإلى الله ترجع الأمور.

5 ـ ثم قام إليه بريدة الأسلمي (رضي‌الله‌عنه ) فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا لقي الحق من الباطل!! يا أبا بكر، أنسيت أم تناسيت، [وخدعت] أم خدعتك نفسك، أم سولت لك الأباطيل؟! أولم تذكر ما أمرنا به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من تسمية علي (عليه‌السلام ) بإمرة المؤمنين، والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين أظهرنا؟!

وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في عدة أوقات: (هذا علي أمير المؤمنين، وقاتل الناكثين، والمشركين، والقاسطين، والمارقين).

____________

1- الآية 3 من سورة الكوثر.


فاتق الله، وتدارك نفسك قبل أن لا تدركها، وأنقذها مما يهلكها، واردد الأمر إلى من هو أحق به منك، ولا تتماد في اغتصابه، وراجع وأنت تستطيع أن تراجع، فقد محضتك النصح، ودللتك على طريق النجاة، فلا تكونن ظهيراً للمجرمين.

6 ـ ثم قام عمار بن ياسر (رضي‌الله‌عنه )، فقال: يا معاشر قريش، ويا معاشر المسلمين، إن كنتم علمتم، وإلا فاعلموا: أن أهل بيت نبيكم أولى به، وأحق بإرثه، وأقوم بأمور الدين، وآمن على المؤمنين، وأحفظ لملته، وأنصح لأمته، فمروا صاحبكم، فليرد الحق إلى أهله، قبل أن يضطرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظهر شتاتكم، وتعظم الفتنة بكم، وتختلفوا فيما بينكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم، وعلي أقرب منكم إلى نبيكم، وهو وليكم بعهد الله ورسوله.

وفرق ظاهر قد [علمتموه و] عرفتموه في حال بعد حال، عند سد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة (عليها‌السلام )، دون سائر من خطبها إليه منكم، وقوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

(أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد [العلم و] الحكمة فليأتها من بابها). وإنكم جميعاً مضطرون فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه، وهو مستغن [عن دينكم و] عن كل أحد منكم، إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه.

فما بالكم تحيدون عنه، وتبتزون علياً حقه، وتؤثرون الحياة الدنيا على


الآخرة، بئس للظالمين بدلاً؟!

أعطوه ما جعله الله له، ولا تتولوا عنه مدبرين، ولا ترتدوا على أعقابكم، فتنقلبوا خاسرين.

7 ـ ثم قام أُبي بن كعب (رحمه‌الله )، فقال: يا أبا بكر، لا تجحد حقاً جعله الله لغيرك، ولا تكن أول من عصى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في وصيه وصفيه، وصدف عن أمره.

واردد الحق إلى أهله تسلم، ولا تتماد في غيك فتندم، وبادر الإنابة يخف وزرك، ولا تخصص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك نفسك، فتلقى وبال عملك، فعن قليل تفارق ما أنت فيه، وتصير إلى ربك، فيسألك عما جنيت، وما ربك بظلام للعبيد.

8 ـ ثم قام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فقال: أيها الناس، ألستم تعلمون أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قبل شهادتي وحدي، ولم يرد معي غيري؟!

قالوا: بلى.

قال: فأشهد أني سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: (أهل بيتي يفرِّقون بين الحق والباطل، وهم الأئمة الذين يقتدى بهم). وقد قلت ما علمت، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

9 ـ ثم قام أبو الهيثم بن التيهان، فقال: وأنا أشهد على نبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه أقام علياً ـ يعني في يوم غدير خم ـ فقالت الأنصار: ما أقامه إلا للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان


رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مولاه، وكثر الخوض في ذلك، فبعثنا رجالاً منا إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فسألوه عن ذلك، فقال: قولوا لهم: علي ولي المؤمنين بعدي، وأنصح الناس لأمتي.

وقد شهدت بما حضرني، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، إن يوم الفصل كان ميقاتاً.

10 ـ ثم قام سهل بن حنيف (رضي‌الله‌عنه )، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على النبي محمد وآله، ثم قال: يا معاشر قريش، اشهدوا علي أني أشهد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقد رأيته في هذا المكان ـ يعني الروضة ـ وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وهو يقول:

(أيها الناس، هذا علي إمامكم من بعدي، ووصيي في حياتي وبعد وفاتي، وقاضي ديني، ومنجز وعدي، وأول من يصافحني على حوضي، فطوبى لمن اتبعه ونصره، والويل لمن تخلف عنه وخذله).

11 ـ وقام معه أخوه عثمان بن حنيف فقال: سمعنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: أهل بيتي نجوم الأرض، فلا تتقدموهم وقدموهم، فهم الولاة بعدي.

فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وأي أهل بيتك؟!

فقال: علي والطاهرون من ولده.

وقد بين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فلا تكن يا أبا بكر أول كافر به، ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.

12 ـ ثم قام أبو أيوب الأنصاري (رضي‌الله‌عنه ) فقال: اتقوا الله عباد


الله في أهل بيت نبيكم، وارددوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومجلس بعد مجلس، يقول: (أهل بيتي أئمتكم بعدي).

ويؤميء إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ويقول: ([إن] هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة. مخذول من خذله، منصور من نصره).

فتوبوا إلى الله من ظلمكم إياه إن الله تواب رحيم، ولا تتولوا عنه مدبرين، ولا تتولوا عنه معرضين.

قال الصادق جعفر بن محمد (عليه‌السلام ): فأفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحر جواباً، ثم قال:

وليتكم ولست بخيركم، أقيلوني أقيلوني، فقال له عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لكع، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام؟! والله لقد هممت أن أخلعك، وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة.

قال: فنزل، ثم أخذ بيده وانطلق [به] إلى منزله، وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد [المخزومي] ومعه ألف رجل، فقال لهم: ما جلوسكم، فقد طمع فيها والله بنو هاشم؟!

وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل.

وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع [لهم] أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطاب، حتى وقفوا بمسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ،


فقال عمر: والله يا أصحاب علي، لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.

فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص، وقال: يا بن صهاك الحبشية، أبأسيافكم تهددوننا، أم بجمعكم تفزعوننا؟!

والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم، وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين، لأن حجة الله فينا.

والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى بي، لشهرت سيفي، وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري.

فقال له أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ): اجلس يا خالد، فقد عرف الله لك مقامك، وشكر لك سعيك. فجلس.

وقام إليه سلمان الفارسي (رضي‌الله‌عنه )، فقال: الله أكبر، الله أكبر، سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهاتين [الأذنين] وإلا صمتا يقول:

(بينا أخي وابن عمي، علي بن أبي طالب جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه، إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار، يريدون قتله وقتل من معه).

فلست أشك إلا وأنكم هم.

[قال:] فهم به عمر بن الخطاب، فوثب إليه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وأخذ بمجامع ثوبه، ثم جلد به الأرض، ثم قال: يا بن صهاك الحبشية، لولا كتاب من الله سبق، وعهد من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تقدم، لأريتك أينا أضعف ناصراً وأقل عدداً.


ثم التفت إلى أصحابه (رضي‌الله‌عنه م)، فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه:( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (1) .

[ثم قال (عليه‌السلام )]: والله، لا دخلته إلا لصلاة، أو لزيارة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو لقضية أقضيها، فإنه لا يجوز لحجة أقامها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يترك الناس في حيرة.

وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: ثم إن عمر احتزم بأزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي:

ألا إن أبا بكر قد بويع [له]، فهلموا إلى البيعة.

فينثال الناس يبايعون.

فعرف أن جماعة في بيوت مستترون.

[قال:] فكان يقصدهم في جمع كثير، ويكبسهم ويحضرهم [في] المسجد، فيبايعون.

حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير، إلى منزل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي نفس عمر بيده، ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه.

فقيل له: إن فيه فاطمة (عليها‌السلام ) بنت رسول الله، وفيه الحسن والحسين، ولدي رسول الله، وآثار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيه،

____________

1- الآية 24 من سورة المائدة.


وأنكر الناس ذلك من قوله.

فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم، أتروني فعلت ذلك؟! إنما أردت التهويل.

فراسلهم علي (عليه‌السلام ): أن ليس إلى خروجي حيلة، لأني في جمع كتاب الله عز وجل الذي قد نبذتموه، وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن.

قال: وخرجت فاطمة (عليها‌السلام ) بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إليهم، فوقفت خلف الباب، ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضراً منكم، تركتم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم فيما بينكم، [و] لم تؤمِّرونا (لعل الصحيح: تؤامرونا) ولم تروا لنا حقاً، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة(1) .

____________

1- الإحتجاج ج1 ص186 ـ 203 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص97 ـ 105 وأشار في هامشه إلى: الخصال ج2 ص461 أبواب الإثني عشر، الحديث 4:

حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، قال: حدثني أبي، عن جده أحمد بن أبي عبد الله البرقي قال: حدثني النهيكي قال: حدثنا أبو محمد خلف بن سالم قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب، قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتقدمه على علي بن = = أبي طالب (عليه‌السلام ) اثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار.. (مع اختلاف).

والحديث في كتاب: الإمامة والسياسة ج1 ص12 مع تفاوت. وفي أعلام النساء ج4 ص114 نقل ذيل الحديث (قصة إحراق البيت) ملخصاً.

وقال العلامة المجلسي (رحمه‌الله ): اعلم أن هذا الحديث روته الشيعة متواترين، ولو كانت هذه الرواية برجال الشيعة ما نقلناه، لأنهم عند مخالفيهم متهمون، ولكن نذكره حيث هو من طريقهم الذي يعتمدون عليه.. فقال أحمد بن محمد الطبري ما هذا لفظه: (خبر الإثني عشر الذين أنكروا على أبى بكر جلوسه في مجلس رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): حدثنا أبو علي، الحسن بن علي بن النحاس الكوفي العدل الأسدي، قال: حدثنا..) وذكر مثله إلى أخر الخبر، مع تغيير يسير ـ بحار الأنوار ج28 ص214 ـ 219 و 189 و 205 و 208.


ونقول:

قد تضمنت تلك المناشدة، وهذه الاحتجاجات أموراً كثيرة وهامة، ولا نريد أن نرهق القارئ الكريم بإعادة تذكيره بها، غير أننا نختار منها نزراً يسيراً جداً، وهو ما يلي:

العودة إلى عادة الإحراق:

تضمنت الرواية المتقدمة: أن عمر بن الخطاب دعا بحطب ونار، وأقسم أن يحرق البيت على من فيه إن لم يخرجوا للبيعة.. فلما عيب عليه ذلك، وانكره الناس عليه، اعتذر بأنه أراد تخويفهم.


وصرحت الرواية: بأن هذه الحادثة قد حصلت بعد أيام، ويبدو أنها كانت بعد أكثر من شهرين، أي بعد رجوع خالد بن سعيد بن العاص من اليمن، كما تقدم..

وقد قلنا في كتابنا: خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليها‌السلام )، وفي كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن إحراق بيت الزهراء (عليها‌السلام ) قد حصل في ثاني يوم السقيفة، وذلك عند جلوس أبي بكر على المنبر ليبايع له.

فتكون هذه الحادثة قد تكررت بعد شهرين أيضاً.. ويبدو أن عمر بن الخطاب رأى أن ما جرى قد أخلَّ بثبات قدم أبي بكر في الخلافة، فأراد إحكام الأمر، فطالب الناس بتحديد البيعة، وسعى إلى إجبار من كان قد توارى عن الأنظار..

وربما يكون الراوي قد دمج بين روايتين، لتكتمل صورة ما جرى بنظره..

ارتد الناس سوى أربعة:

وتذكر الروايات أن الناس ارتدوا على أدبارهم بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غير أربعة، هم سلمان، وعمار، وأبوذر، والمقداد. ويبدو ان المقصود به هو التمرد على الأوامر والزواجر الإلهية والنبوية، ولاسيما فيما يرتبط بولاية على (عليه‌السلام ) ثم بعد مرور شهر أو شهرين، أي بعد عودة خالد بن سعيد بن العاص من اليمن وتكشف الأمور لهم، وظهور جانب من سياسات وممارسات الذين استولوا على السلطة، عاد قسم من الناس، كان منهم هؤلاء الإثنا عشر الذين بادروا إلى الإحتجاج على أبي


بكر، كما ذكرته هذه الرواية.

عمر يتهدد أبا بكر بخلعه:

قد تضمنت الرواية السابقة: أن عمر بن الخطاب قد وجه لأبي بكر كلمات لاذعة، فقد وصفه بأنه لكع، وقال له: لقد هممت بأن أخلعك، وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة.. وهذا يدل على: أن عمر بن الخطاب يرى نفسه هو الذي يخلع، وهو الذي يضع..

علي والطاهرون من ولده:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: إن أهل بيته هم نجوم أهل الأرض وهم الولاة بعده، فلما قيل له: وأي أهل بيتك؟

قال: علي والطاهرون من ولده.

فدلن ذلك على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إما عرف الناس بهؤلاء الطاهرين، أو أنه جعل الطهارة من أي رجس، والعصمة الظاهرة لكل أحد هي الدليل الذي يدل الناس على وليهم وإمامهم.. وهذا نص شرعي يتوافق مع قضاء العقل بلزوم العصمة في الإمام والولي.. وهي علامة يمكن لكل الناس أن يتلمسوها بأنفسهم، وأن يعرفوا الإمام بها ومن خلالها.

الإحتجاج بحديث الغدير:

إن هذه الإحتجاجات تضمنت الإستدلال على أبي بكر بحديث الغدير.. وقد كان ذلك من علي والزهراء (عليهما‌السلام )، ومن الصحابة أيضاً، فمن ذلك:


1 ـ قول علي (عليه‌السلام ) لأبي بكر: (فأنشدك بالله، أنا المولى لك ولكل مسلم، بحديث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم الغدير، أم أنت)؟!

قال: بل أنت.

2 ـ قالت فاطمة (عليها‌السلام ) للذين اجتمعوا على بابها وأرادوا إحراقه: (ولم تروا لنا حقاً، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء).

3 ـ ورد في كلام المقداد قوله لأبي بكر: ( فقد علمت ما عقده رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في عنقك من بيعته). أي بيعة علي (عليه‌السلام ).

4 ـ قال أبو الهيثم بن التيهان: (وأنا أشهد ـ يا أبا بكر ـ على نبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه أقام علياً ـ يعني في يوم غدير خم ـ فقالت الأنصار: ما أقامه إلا للخلافة.

وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس: أنه مولى من كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مولاه، وكثر الخوض في ذلك، فبعثنا رجالاً منا إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فسألوه عن ذلك. فقال:

قولوا لهم: علي ولي المؤمنين بعدي).

علي (عليه‌السلام ) يجلد بعمر الأرض:

واللافت هنا: أن علياً (عليه‌السلام )، بمجرد أن رأى عمر بن الخطاب بصدد التعدي على سلمان الفارسي، وثب إليه، وأخذ بمجامع ثوبه، وجلد به الأرض.. وتهدده.. ثم أمر أصحابه بالإنصراف..


لقد فعل به هذا في الوقت الذي كان عمر يرى أنه في أقصى درجات القوة، حيث كان معه أربعة آلاف مقاتل، فلم تغن عنه شيئاً..

وعرف أن علياً (عليه‌السلام ) لو أراد أن يقضي عليه، فلا شيء يقف في وجهه.. فلم يكن له بد من السكوت.

عمر بن الخطاب في قريش:

وقد أعلن خالد بن سعيد: أن قريشاً تعلم: أن عمر من ألأمها حسباً، وأدناها منصباً، وأخسها قدراً، وأخملها ذكراً، وأقلها غناء عن الله ورسوله، وإنه لجبان في الحروب، وبخيل بالمال، لئيم العنصر، ما له في قريش من فخر، ولا في الحروب من ذكر الخ..

ولم نجد أحداً ناقشه في ذلك، أو اعترض عليه فيه، حتى عمر نفسه.. وهذا أمر غير معهود، إلا في الحالات التي يكون الإعتراض فيها، من موجبات تأكيد الفضيحة، واتساع الخرق على الراقع..

محاولات التحوير والتزوير:

وقد أظهر النص الذي أورده أبو الهيثم بن التيهان (رحمه‌الله ) أموراً:

أحدها: أن الأنصار كانوا موافقين لعلي (عليه‌السلام )، راضين به إماماً وخليفة بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وقد فهموا واقعة الغدير بصورة صحيحة.

فلا وجه لعدم فهم غيرهم لها، إلا إن كانت السياسة التي قضت بضرب الزهراء (عليها‌السلام )، وإسقاط جنينها، وأخذ فدك منها هي التي


قضت بتجاهل الواضحات، والإغماض عن أبده البديهيات..

الثاني: إن الذين أثاروا الشبهات حول دلالة كلام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في يوم الغدير هم غير الأنصار.

الثالث: إن حملة التشكيك، وإيراد الشبهات، والتحوير والتزوير بدأت في وقت مبكر، أي في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

الرابع: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يتصدى لإزالة الشبهة بصورة واضحة وصريحة وحازمة..

الخامس: إن محبي الخلفاء لم يعبأوا بتوضيحات الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بل بقوا يثيرون نفس الشبهة. ويروجون نفس الشائعات، وإلى يومنا هذا..

أين الحرس من الخلافة؟!:

وما أحسن، وألطف، وأدق استدلال المقداد على أبي بكر، حيث ذكَّره بتأمير عمرو بن العاص عليه في غزوة ذات السلاسل، وكان عمرو عَلم النفاق، ومعدن الشنآن والشقاق ـ على حد تعبيره ـ فقلد أبا بكر وعمر حرس عسكره، فإين الحرس.. إلى الخلافة؟!

لم يستجب لعلي (عليه‌السلام ) سوى أربعة:

وقد بين علي (عليه‌السلام ): أن الذين استجابوا له حين توجه إليهم ودار عليهم ومعه فاطمة والحسنان (عليهم‌السلام ) كانوا أربعة هم سلمان، وأبو ذر، وعمار، والمقداد. أما بنو هاشم فأبوا ذلك لما علموا من شدة حقد


الناس عليهم.

غير أن ما يثير الإهتمام هنا:

1 ـ أنه (عليه‌السلام ) يقول: إن امتناع بني هاشم إنما كان لعلمهم ببغض القوم لله ولرسوله، وأهل بيته..

وهذا أمر عظيم وهائل، أن يكون هؤلاء القوم قد عُرِفُوا ببغض الله والرسول!!..

2 ـ إن هذا يدل على: أن ذكر الزبير في جملة من استجابوا لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) غير صحيح..

ويدل عليه أيضاً: أن الزبير قد انقاد للقوم، وبايع أبا بكر بمجرد أخذ سيفه منه. وكان ذلك قبل أخذ علي الزهراء (عليهما‌السلام ) إلى بيوت المهاجرين والأنصار لطلب النصرة..

3 ـ إن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إنما أخذ الزهراء والحسنين (عليهم‌السلام ) ودار بهم على المهاجرين والأنصار، ليتحقق أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له بأنه إن وجد أعواناً فليجاهدهم، وقد استعان بكل الوسائل للتأثير على الصحابة وإقناعهم بمساعدته، حتى لقد واجههم بالزهراء، وبالحسنين، وما يمثلونه للإنسان المسلم، ويثيرونه فيه، في المجال العاطفي والإيماني.


الباب الثاني: إرث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وفدك



الفصل الأول: فدك.. وما أدراك ما فدك..



تركة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

عن الحسن بن علي الوشا، قال: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ): هل خلَّف رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غير فدك شيئاً؟!

فقال أبو الحسن (عليه‌السلام ): إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خلف حيطاناً بالمدينة صدقة، وخلف ستة أفراس، وثلاث نوق: العضباء، والصهباء، والديباج. وبغلتين: الشهباء، والدلدل، وحماره اليعفور، وشاتين حلوبتين، وأربعين ناقة حلوباً، وسيفه ذا الفقار، ودرعه ذات الفضول، وعمامته السحاب، وحبرتين يمانيتين. وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، وفراشاً من ليف، وعباءتين قطوانيتين، ومخاداً من أدم.

صار ذلك كله إلى فاطمة، ما خلا درعه، وعمامته، وخاتمه، فإنه جعلها لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )(1) .

____________

1- كشف الغمة ج2 ص118 وبحار الأنوار ج29 ص210 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج26 ص102 و (ط دار الإسلامية) ج17 ص443 واللمعة البيضاء ص801.


وفي بعض الروايات: أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى بغلته لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وذلك في حجة الوداع(1) .

ولم يأخذوا هذه الأشياء من الزهراء وعلي (عليهما‌السلام )، رغم روايتهم عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أن الأنبياء لا يورثون، ما تركوه صدقة؟!.

وقد أخذت ابنته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثيابه حين غُسّل. ودفع أبو بكر إلى علي (عليه‌السلام ) آلة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ودابته، وحذاءه(2) .

أما حجرات النبي، فقد مكّن أبو بكر أزواج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منها، مع أن حكمها حكم فدك. واعتذاراتهم عن ذلك غير صحيحة، كما تقدم..

الوصي أعرف بتركة الموصي:

وبعد.. فلا شك في أن علياً (عليه‌السلام ) هو وصي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد طفحت كتب المسلمين بالشواهد التي تدل على ذلك

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص261 واللمعة البيضاء ص801.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص214 والسقيفة وفدك للجوهري ص103 واللمعة البيضاء ص758 ومعالم المدرستين ج2 ص138 عن: الأحكام السلطانية للماوردي ص171.


وهي تكاد تعد بالمئات، فضلاً عن العشرات.

فهل يعقل: أن يُعْلِمَ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبا بكر: بأن الأنبياء لا يورثون، ولا يعلم بذلك وصيه، وباب مدينة علمه. وعلى أي شيء جعله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وصياً.

فإن كان وصياً على الأموال، فالمفروض: أن الأنبياء لا يورثون بحسب دعوى أبي بكر.

وإن كان على الأطفال، فلم يكن للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سوى الزهراء (عليها‌السلام )، وهي زوجة علي (عليه‌السلام ).

وإن كان على شؤون الأمة، فلماذا يتصدى لها أبو بكر؟!

فدك من مهر خديجة:

وقد روي عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ): أنه لما أفاء الله فدكاً على رسوله. ورجع إلى المدينة (دخل على فاطمة (عليه‌السلام )، فقال: يا بنية، إن الله قد أفاء على أبيك بفدك، واختصه بها. فهي له خاصة دون المسلمين، أفعل بها ما أشاء.

وإنه قد كان لأمك خديجة على أبيك مهر، وإن أباك قد جعلها لك بذلك، ونحلتها تكون لك ولولدك بعدك.

قال: فدعا بأديم (عكاظي)، ودعا علي بن أبي طالب، فقال: اكتب لفاطمة (عليها‌السلام ) بفدك نحلة من رسول الله.

فشهد على ذلك علي بن أبي طالب، ومولى لرسول الله، وأم أيمن.


فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن أم أيمن امرأة من أهل الجنة(1) .

ونقول:

أولاً: تضمنت هذه الرواية تصريحاً من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن الله اختصه بفدك، وبأنها ملك له، ثم صرح: بأن المسلمين لا حق لهم فيها. ثم عاد وأكد أن له أن يفعل بها ما يشاء، مما دلّ على أنه إنما يفعل ذلك من موقع مالكيته الحقيقية لها. وذلك لكي يسد أبواب الإحتمالات والتمحلات، والتأويلات الباردة، التي ربما يحاول البعض إثارتها.

ولسنا بحاجة إلى تذكير القارئ الكريم بأن الأحاديث التي تتحدث عن زهد الأنبياء بالدنيا، وأنهم لم يأتوا ليجمعوا ذهباً ولا فضة، لتوريثها لأبنائهم لا تتنافى مع تمليك الله تعالى ما هو أعظم من فدك، ولا ضير في أن يعطي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدكاً للزهراء (عليها‌السلام )، ولا يتنافي ذلك

____________

1- بحار الأنوار ج17 ص379 وج29 ص115 و 116 و 118 والخرائج والجرائح ج1 ص112 و 113 حديث 187 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص142 وراجع: الإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص121 ونور الثقلين ج4 ص186 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص171 واللمعة البيضاء ص300 و 309 و 747 و 789 والأنوار العلوية ص292 ومجمع النورين ص117 و 134 وإحقاق الحق (الأصل) ص223 وغاية المرام ج5 ص348 وبيت الأحزان ص133.


مع وراثتها لأبيها إن ترك شيئاً من حطام الدنيا.

ثانياً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطاها فدكاً بعنوان الوفاء بحق كان لأمها خديجة عليه، وهو بقية مهرها. وبذلك يكون قد سدّ الباب أمام أية محاولة لانتزاعها منها، فإن هذا التصرف لا يمكن أن يكون من باب الترخيص لها بالإستفادة من مال يكون للمسلمين فيه حق، ولو على سبيل كونه من الأملاك العامة.. أو تكون فيه أية شبهة أخرى.

ثالثاً: قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للسيدة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ): (تكون لك ولولدك من بعدك)، ـ وقد تكرر هذا المعنى في روايات أخرى(1) ـ يتضمن إظهار الرغبة في أن لا تتصرف الزهراء (عليها‌السلام ) في أرض فدك، لا ببيع ولا بهبة، ولا بالتصدق بها، ولا بأن تقفها،

____________

1- بحار الأنوار ج17 ص378 وج25 ص225 وج29 ص106 و 122 والخرائج والجرائح ج1 ص113 وتفسير فرات 322 وعيون أخبار الرضا ج1 ص233 و (ط مؤسسة الأعلمي ط1404هـ) ج2 ص211 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص152 والأمالي للصدوق ص619 وتحف العقول ص430 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص436 و (ط دار الإسلامية) ج7 ص320 والصافي ج3 ص187 ونور الثقلين ج3 ص153 وج5 ص275 وبشارة المصطفى ص353 وينابيع المودة ج1 ص138 واللمعة البيضاء ص300 و 303 و 786 ومجمع النورين ص117 وغاية المرام ج2 ص329 وج3 ص285 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص441.


ولا بغير ذلك.. بل عليها أن تحتفظ بها، بحيث تنتقل إلى ولدها من بعدها.. ولعل إظهار هذه الرغبة كان لسببين:

أحدهما: التأكيد على حقيقة كونها ملكاً لها (عليها‌السلام )، بحيث يرثها ولدها من بعدها..

الثاني: استشرافه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للغيب، ومعرفته بأن هذه الأرض بالذات سوف تتعرض للإغتصاب، وسيكون لها تأثير في فضح إدعاءات الغاصبين لمقام الخلافة الأهلية لهذا الأمر، حيث ستظهر فدك أنهم ليسو أهلاً لهذا المقام ولا لغيره. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وقد تضمنت الروايات إشارات صدرت عن: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى غصب فدك من بعده(1) .

رابعاً: إن توثيق أمر فدك بكتاب وشهود، هو الآخر من وسائل التأكيد على هذا الحق، وحفظه. وسد أبواب تعلل الغاصبين، وللإسهام في فضح ما يسعون للتستر عليه..

خامساً: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد عبّر في الكتاب بكلمة (نحلة)؛ لأنها أبعد عن أية شبهة يمكن أن تثار فيما يرتبط بالدلالة.

سادساً: إن إشهاد علي (عليه‌السلام )، وهو ممن نزلت فيهم آية التطهير

____________

1- بحار الأنوار ج29 ص118 والمناقب لابن شهرآشوب ج1 ص142 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص123 واللمعة البيضاء ص789.


يجعل رد شهادته تكذيباً للقرآن، تماماً كما كان الحال بالنسبة لرد دعوى الزهراء (عليها‌السلام ) كما سيأتي.

ثم إنه (عليه‌السلام ) قد أشهد أم أيمن، وشهد لها بالجنة، ليكون تكذيبها من موجبات فضح أمر من يدَّعون خلافته من بعده.

ثم إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنما قد أشهد رجلين، هما: علي، والمولى الذي معه؛ لكي تتم أركان الشهادة، وتتكامل موجبات الأخذ بها، سداً لأبواب الأعذار والتمحلات.

غصب فدك:

وبعد عشرة أيام من وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بادر الخليفة إلى غصب فدك(1) : وإخراج عمال الزهراء (عليها‌السلام ) منها، بعد أن كانوا فيها عدة سنين، فبادرت (عليها‌السلام ) إلى المطالبة بها، وأقامت الحجج، وأتت بالشهود، فلم يسمع أبو بكر منها، ورد شهادتهم، وأبطل دعواها.

كما أن علياً (عليه‌السلام ) احتج عليهم حتى ظهر الحق، وأسفر الصبح لذي عينين، وقد ندم الناس وأنكروا ما يجري، ونظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: صدق ـ والله ـ علي بن أبي طالب، ورجع علي (عليه‌السلام ) إلى منزله.

ورجع أبو بكر وعمر إلى منزلهما، وبعث أبو بكر إلى عمر فدعاه، ثم

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص263 واللمعة البيضاء ص751.


قال له: أما رأيت مجلس علي منا اليوم؟! والله، لئن قعد مقعداً آخر مثله ليفسدن علينا أمرنا، فما الرأي؟!

قال عمر: الرأي أن تأمر بقتله.

قال: فمن يقتله؟!

قال: خالد بن الوليد.

فبعثا إلى خالد، وطلبا منه أن يقتل علياً (عليه‌السلام )(1) .

وستأتي هذه القضية بتفاصيلها إن شاء الله تعالى..

رسالة علي (عليه‌السلام ) إلى أبي بكر:

ثم أرسل علي (عليه‌السلام ) رسالة إلى أبي بكر، فلما قرأها رعب منها رعباً شديداً.. ثم حاول أن يستنصر بالمسلمين، ويلقي عليهم بالمسؤولية عن غصب فدك، وإرث فاطمة (عليها‌السلام ) عليهم، وذكر أنه استقال من موقعه هرباً من نزاع علي، فلم يُقَل.

وقال: ما لي ولابن أبي طالب، هل نازعه أحد ففلج عليه.

____________

1- راجع: الإحتجاج ج1 ص234 ـ 240 و (ط دار النعمان) ج1 ص119 ـ 130 وتفسير القمي ج2 ص155 ـ 159 وبحار الأنوار ج29 ص124 و 125 و 127 ـ 132 وراجع ص157 ومصباح الأنوار ص246 و 247 ومدينة المعاجز ج3 ص151 واللمعة البيضاء ص795 ـ 797 والأنوار العلوية ص311 ـ 313 وغاية المرام ج5 ص348 ـ 350 وبيت الأحزان ص135 ـ 136.


فجعل عمر يلوم أبا بكر ويقرعه.. فبين له أبو بكر أن علياً (عليه‌السلام ) قادر على قتلهما لو شاء.. وطلب منه أن لا يغتر بقول خالد: إنه يقتل علياً، فإنه لا يجسر على ذلك، ولو رامه لكان أول مقتول بيد علي (عليه‌السلام )(1) . ومن شاء تفصيل ما جرى فليرجع إلى المصادر.

فاطمة (عليها‌السلام ) تطالب، وعلي (عليه‌السلام ) يشهد:

وقد ذكروا: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى فدكاً لابنته فاطمة (عليها‌السلام )، فلما مات (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) استولى عليها أبو بكر، فاحتجت عليه فاطمة، وقالت له: إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نحلنيها.

قال أبو بكر: أريد لذلك شهوداً(2) .

قال الطريحي: (كانت لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنه فتحها هو وأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لم يكن معهما أحد)(3) .

____________

1- راجع: الإحتجاج ج1 ص243 ـ 252 و (ط دار النعمان) ج1 ص119 ـ 130 وبحار الأنوار ج29 ص140 ـ 145 وحلية الأبرار ج2 ص429 ـ 430.

2- معجم البلدان ج4 ص288 و (ط دار إحياء التراث) ص238 وراجع: مجمع البحرين ج5 ص283 ولسان العرب ج10 ص203 والمسترشد ص501 والإمام علي (عليه‌السلام ) لأحمد الرحماني الهمداني ص737 وجوامع الجامع ج2 ص105.

3- مجمع البحرين ج5 ص283 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص152 والأصفى ج1 ص177 واللمعة البيضاء ص293.


وفي نص آخر: (فبعثت إلى علي، والحسن، والحسين، وأم أيمن، وأسماء بنت عميس ـ وكانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة ـ فأقبلوا إلى أبي بكر وشهدوا لها بجميع ما قالت وادَّعت.

فقال (عمر): أما علي فزوجها.

وأما الحسن والحسين فابناها.

وأما أم أيمن فمولاتها.

وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب، فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة، وكل هؤلاء يجرون إلى أنفسهم.

فقال علي (عليه‌السلام ): أما فاطمة فبضعة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومن آذاها فقد آذى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). ومن كذبها فقد كذب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وأما الحسن والحسين، فابنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وسيدا شباب أهل الجنة. من كذبهما فقد كذب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إذ كان أهل الجنة صادقين.

وأما أنا فقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنت مني وأنا منك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة، والراد عليك هو الراد علي، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني.

وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالجنة، ودعا لأسماء بنت عميس وذريتها.

قال عمر: أنتم كما وصفتم (به) أنفسكم. ولكن شهادة الجار إلى نفسه


لا تقبل.

فقال علي (عليه‌السلام ): إذا كنا نحن كما تعرفون (ولا تنكرون)، وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل، وشهادة رسول الله لا تقبل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. إذا ادَّعينا لأنفسنا تسألنا البينة؟! فما من معين يعين.

وقد وثبتم على سلطان الله وسلطان رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة ولا حجة،( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (1) (2) .

ونقول:

إنه لم يكن يحق لأبي بكر طلب الشهود من فاطمة (عليها‌السلام )، لأنها كما سنرى مطهرة بنص الكتاب الكريم من كل رجس، فلا يمكن احتمال خلاف ذلك في حقها..

ولأن فدكاً كانت في يدها، وكان أبو بكر هو المدَّعي الذي يطالَب بالبينة، بل لا بد من رد شهادته، لأنها تعارض شهادة القرآن، كما قلناه وسنقوله..

مفارقة ظاهرة:

وقد أشار علي (عليه‌السلام ) في آخر كلامه إلى أنهم أخرجوا سلطان

____________

1- الآية 227 من سورة الشعراء.

2- الكشكول فيما جرى على آل الرسول ص203 ـ 205 وبحار الأنوار ج29 ص197 ـ 199 واللمعة البيضاء ص315.


محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بيته إلى بيت غيره من غير بينة ولا حجة.. وذلك ليظهر التناقض الذي اوقع أبو بكر نفسه فيه: فإنه يطلب البينة من الزهراء في قضية فدك، ولا يأتي ببينة على ما يدعيه لنفسه في أمر الخلافة.

الشهادة المردودة:

ومع ذلك كله: فإنها (عليها‌السلام ) جاءته بالشهود، فكانت أم أيمن الشاهد الأول، فقد رووا: أن أبا بكر قال لها (عليها‌السلام ): هاتي على ذلك بشهود.

[قال]: فجاءت بأم أيمن.

فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أنشدك بالله، ألست تعلم أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: (أم أيمن امرأة من أهل الجنة)؟!

فقال: بلى.

قالت: (فأشهد: أن الله عز وجل أوحى إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (1) . فجعل فدكاً لفاطمة (فجعل فدكاً لها طعمة) بأمر الله تعالى.

فجاء علي (عليه‌السلام )، فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً، ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟!

____________

1- الآية 38 من سورة الروم.


فقال: إن فاطمة (عليها‌السلام ) ادَّعت في فدك، وشهدت لها أم أيمن وعلي (عليه‌السلام )، فكتبته لها.

فأخذ عمر الكتاب من فاطمة (عليها‌السلام ) فتفل فيه، ومزقه!!

فخرجت فاطمة (عليها‌السلام ) باكية (تبكي)، وهي تقول: مزق الله بطنك كما مزقت كتابي هذا.

فلما كان بعد ذلك جاء علي (عليه‌السلام ) إلى أبي بكر، وهو في المسجد، وحوله المهاجرون والأنصار، فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة (بنت رسول الله حقها و) ميراثها من رسول الله، وقد ملكته في حياته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جعله لها، وإلا فلا حق لها فيه.

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): يا أبا بكر! تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟!

قال: لا.

قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادَّعيت أنا فيه من تسأل البينة؟!

قال: إياك كنت أسأل البينة.

قال: فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها؟! وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبعده؟! ولم تسأل المسلمين بينة على ما ادَّعوه شهوداً، كما سألتني على ما ادَّعيت عليهم؟!


فسكت أبو بكر.

فقال عمر: يا علي! دعنا من كلامك. فإنا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فيء للمسلمين، لا حق لك ولا لفاطمة فيه!!

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): يا أبا بكر تقرأ كتاب الله؟!

قال: نعم.

قال: أخبرني عن قول الله عز وجل:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فيمن نزلت، فينا، أم في غيرنا؟!

قال: بل فيكم.

قال (يا أبا بكر): فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بفاحشة، ما كنت صانعاً بها؟!

قال: كنت أقيم عليها الحد، كما أقيمه على نساء المسلمين.

قال (له أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) يا أبا بكر): إذن كنت عند الله من الكافرين.

قال: ولم؟!

قال: لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله، أن جعل لها فدكاً وقد قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكاً، وزعمت أنه فيء للمسلمين.

وقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (البينة على المدَّعي، واليمين


على المدَّعى عليه)، فرددت قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): البينة على من ادَّعى، واليمين على من ادُّعي عليه.

قال: فدمدم الناس وأنكروا، ونظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: صدق والله علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، ورجع إلى منزله(1) .

ونقول:

هناك الكثير من الأمور التي تحتاج هنا إلى بحث وبيان، ولكننا سوف نقتصر منها على أقل القليل، حتى لا نخرج عن سياق سيرة أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فلاحظ ما يلي:

أولاً: إن كلام أم أيمن قد سد الطريق على أبي بكر، وحيث بينت: أن رده لشهادتها، يستبطن التطاول على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأن النبي شهد لها بالجنة، فهي إذن لا تشهد شهادة زور، وقد روي عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قوله: (شاهد الزور لا يزول قدمه حتى توجب له النار)(2) .

____________

1- الإحتجاج للطبرسي ج1 ص234 ـ 239 وراجع: علل الشرائع ج1 ص191 ونور الثقلين ج4 ص273 وتفسير القمي ج2 ص155 والبحار (ط حجرية) ج8 ص92.

2- سفينة البحار ج4 ص518 وبحار الأنوار ج101 ص311 وقرب الإسناد ص41 والكافي ج7 ص383 ح2 وأمالي الصدوق ص389 ح2 والمبسوط ج8 ص105 و 164 والمجموع ج20 ص232 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص77.


فإن كانت لا تفصح لأجل كونها أعجمية، فبإمكانهم الإتيان بالمترجمين العدول.. مع العلم بأنها قد أفصحت في كلامها الآنف مع أبي بكر..

كما أن تقريرها له جاء قبل أداء الشهادة، فلا مجال للإعتذار بأنه لم يكن ملتفتاً إلى هذه الخصوصية.

ثانياً: إن كلام أم أيمن يجعل أبا بكر أمام مأزق مخالفة القرآن، فإنه قد شهد لعلي والحسنين، وللزهراء أيضاً بالتطهير، فرد دعوى الزهراء (عليها‌السلام )، ورد شهادة زوجها وولديها، رد لشهادة القرآن فيهم، إذا لا فرق بين أن يقول القرآن: فدك لفاطمة وبين أن يقول: فاطمة صادقة في كل ما تدعيه، وعلي والحسنان (عليهم‌السلام ) صادقون فيما يشهدون به..

ولا يصح الإعتذار عن ذلك بأن علياً (عليه‌السلام ) يجر النار إلى قرصه، لأن ذلك إنما هو في من يحتمل في حقه الكذب في شهادته..

ثالثاً: لا يصح رد شهادة الحسنين لأجل صغر سنهما.. فإن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أشهدهما على كتاب لثقيف(1) ، وهو أمر يرتبط بمصير قوم من الناس، وقد باهل بهم نصارى نجران، لتكون شهادتهما بالصدق سبباً في نزول العذاب على الكاذبين.

رابعاً: لقد قرر علي (عليه‌السلام ) أبا بكر، فاعترف له بأن البينة تطلب

____________

1- الأموال ص289 و 280 وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص33 و (ط دار صادر) ص284 و285 والتراتيب الإدارية ج1 ص274 ومكاتيب الرسول (ط سنة 1419) ج3 ص58 و72 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص373.


من المدعي، لا من صاحب اليد، فأصبح أبو بكر أمام خيارين كلاهما مرّ، لأنه كلاهما ينتهي بفضيحة أبي بكر فضيحة نكراء، من شأنها أن تظهر بما لا شك فيه أنه متقمص للخلافة، وغاصب لموقع ليس من أهله، لا من قريب ولا من بعيد..

فهو إما جاهل بالبديهيات من أحكام القضاء، فيحكم تارة بالبينة على المدعي، وأخرى بالبينة على المدعى عليه، من دون أن يعرف أيهما الحق، وأيهما الباطل..

وإما كان عالماً بها، لكنه يتعمد العمل بخلاف شرع الله، مما يعني أنه لا يملك الرادع الديني عن تعمد مخالفة أحكام الشريعة..

أو أنه كان عالماً بها ثم نسيها، فلماذا لم يتراجع عن الغلط الذي وقع فيه بعد تذكيره؟! وفي جميع هذه الفروض لا يصلح لمقام خلافة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

خامساً: إن اعتراف عمر بأنه غير قادر على مقارعة علي (عليه‌السلام ) الحجة بالحجة، لا يعد فضيلة له، لأنه اعتراف جاء في سياق رده (عليه‌السلام ) على إصرار عمر على مخالفة الحق الذي أظهره له علي (عليه‌السلام ). نعم.. لقد أصر عمر على المخالفة، اعتداداً منه بالسلطان، واستناداً للسيف والسوط، واعتماداً على القوة لإكراه الآخرين وقهرهم من دون حق، ولعل هذا هو ما يفسر لنا تجاهل علي لعمر، وتوجيه كلامه إلى أبي بكر.

سادساً: إن أبا بكر زعم أنه لو شهد الشهود على فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) بالفاحشة لأقام عليها الحد، فألزمه علي (عليه‌السلام ) بأن ذلك


تكذيب منه للقرآن الذي حكم بطهارة فاطمة (عليها‌السلام )..

واللافت هنا: أن أبا بكر قد أطلق حكمه ذاك بعد تلاوة علي (عليه‌السلام ) آية التطهير عليه..!!

وهذا معناه: أن أبا بكر إما لا يكترث بالقرآن وآياته، وإما أنه كان بعيداً غاية البعد عن التدبر في آيات القرآن، ومعرفة مراميها ومعانيها حتى الظاهرة منها.. فكيف يمكن أن يأخذ موقع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويحكم في الدين وأهله، وفي دمائهم وأعراضهم؟!

سابعاً: ذكرنا في موضع آخر: أن أبا بكر قد أعطى أبا بشير المازني وجابراً من بيت المال ما ادعيا أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعدهما به، من دون أن يطلب منهما بينة على دعواهما(1) ..

فلماذا يأخذ فدكاً من يد فاطمة جبراً وقهراً، ولا يتركها لها وهي ملكها؟!

رواية فدك بنحو آخر:

ونحن وإن كنا قد تحدثنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم

____________

1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج2 ص317 و 318 و 319 وفدك في التاريخ ص194 وكنز العمال ج5 ص626 وعن صحيح البخاري ج3 ص163 كتاب الشهادات باب 29، ومجمع الزوائد ج6 ص3 وشرح معاني الآثار ج3 ص305 والسنن الكبرى للبيهقي ج4 ص109 والمصنف للصنعاني ج4 ص78.


(صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) بما لعله كاف وشاف في بعض الجهات في موضوع فدك، غير أننا نحب أن نورد هنا رواية ذكرها الشيخ المفيد (رحمه‌الله ) في كتابه: الإختصاص، ثم نشير إلى بعض ما لفت نظرنا فيها، وسنكتفي ها هنا بها. والرواية هي التالية:

(أبو محمد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال: لما قبض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجلس أبو بكر مجلسه، بعث إلى وكيل فاطمة (صلوات الله عليها)، فأخرجه من فدك.

فأتته فاطمة (عليها‌السلام )، فقالت: يا أبا بكر، ادَّعيت أنك خليفة أبي، وجلست مجلسه، وأنك بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صدَّق بها عليَّ، وأن لي بذلك شهوداً).

فقال لها: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث.

فرجعت إلى علي (عليه‌السلام )، فأخبرته.

فقال: ارجعي إليه وقولي له: زعمت: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث،( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (2) . وورث يحيى زكريا، وكيف لا أرث أنا أبي؟!

فقال عمر: أنت معلمة.

____________

1- راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ج18 ص219 ـ 285.

2- الآية 16 من سورة النمل.


قالت: وإن كنت معلمة، فإنما علمني ابن عمي وبعلي.

فقال أبو بكر: فإن عائشة تشهد، وعمر: أنهما سمعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يقول: إن النبي لا يورث.

فقالت: هذا أول شهادة زور شهدا بها في الإسلام.

ثم قالت: فإن فدك إنما هي صدَّق بها علي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولي بذلك بينة.

فقال لها: هلمي ببينتك.

قال: فجاءت بأم أيمن، وعلي (عليه‌السلام ).

فقال أبو بكر: يا أم أيمن، إنك سمعت من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول في فاطمة؟!

فقالت: سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة(1) .

____________

1- قال المعلق في هامش بحار الأنوار ج29 ص190:

انظر: صحيح البخاري، باب مناقب فاطمة (عليها‌السلام ) ج5 ص29، وحكاه في العمدة لابن البطريق ص384. وقد ورد الحديث بمضامين مختلفة.

منها: فاطمة سيدة نساء العالمين، كما في صحيح البخاري، كتاب الإستئذان، باب 43، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة حديث 98 و 99، وطبقات ابن سعد، القسم الثاني من ج2 ص40 و ج8 ص17 ومسند أحمد ج3 ص135.

ومنها: فاطمة من أفضل نساء أهل الجنة، كما في سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب = = 30 و 60 و 63 ومسند أحمد ج1 ص293 وج3 ص64 و 80 و 135 وج5 ص391 ومسند الطيالسي حديث 1374. انتهى.

وراجع: صحيح البخاري (ط دار إحياء التراث) ج7 ص442 و 476 و (ط دار الفكر) ج4 ص183 و 209 و 219 ومسند أحمد ج6 ص541 وسنن الترمذي (ط دار الكتب العلمية) ج10 ص214 و (ط دار الفكر) ج5 ص326 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص81 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص527 والمستدرك للحاكم ج3 ص151 وجامع المسانيد والمراسيل ج1 ص56وج2 ص136 و 405 وج5 ص169 وج7 ص480 وج18 ص221 وج19 ص328 ومشكاة المصابيح ج10 ص543 والفتح الكبير ج1 ص28 و 426 وفضائل الصحابة ص58 و 76 والآحـاد والمثـاني ج5 ص366 ومجمع الزوائـد ج9 ص201 وفتح الباري ج6 ص340 وج7 ص63 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص403 والجامع الصغير للسيوطي ج1 ص20 وكنز العمال ج12 ص96 و 102 و 108 و 110 و 113 وج13 ص640 و 675 ومصادر كثيرة أخرى.


ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدعي ما ليس لها؟! وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنت لأشهد إلا بما سمعت من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأي شيء تشهدين؟!

فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة (عليها‌السلام ) ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالس حتى نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمد، قم، فإن الله


تبارك وتعالى أمرني أن أخط لك فدكاً بجناحي.

فقام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع جبرئيل (عليه‌السلام )، فما لبث أن رجع.

فقالت فاطمة (عليها‌السلام ): يا أبه، أين ذهبت؟!

فقال: خط جبرئيل (عليه‌السلام ) لي فدكاً بجناحه، وحد لي حدودها.

فقالت: يا أبه، إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدَّق بها عَلَيّ.

فقال: هي صدقة عليك. فقبضتِها؟.

قالت: نعم.

فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا أم أيمن، اشهدي. ويا علي، اشهد.

فقال عمر: أنت امرأة، ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، وأما عليٌّ فيجر إلى نفسه.

قال: فقامت مغضبة، وقالت: اللهم إنهما ظلما ابنة محمد نبيك حقها، فاشدد وطأتك عليهما.

ثم خرجت، وحملها عليّ على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار، والحسن والحسين (عليهما‌السلام ) معها، وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار، انصروا الله، فإني ابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم بايعتموه: أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


ببيعتكم.

قال: فما أعانها أحد، ولا أجابها، ولا نصرها.

قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل، فقالت: يا معاذ بن جبل، إني قد جئتك مستنصرة، وقد بايعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أن تنصره وذريته، وتمنعه مما تمنع منه نفسك وذريتك، وإن أبا بكر قد غصبني على فدك، وأخرج وكيلي منها.

قال: فمعي غيري؟!

قالت: لا، ما أجابني أحد.

قال: فأين أبلغ أنا من نصرك؟!

قال: فخرجت من عنده، ودخل ابنه، فقال: ما جاء بابنة محمد إليك.

قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر، فإنه أخذ منها فدكاً.

قال: فما أجبتها به؟!

قال: قلت: وما يبلغ من نصرتي أنا وحدي؟!

قال: فأبيت أن تنصرها؟!

قال: نعم.

قال: فأي شيء قالت لك؟!

قال: قالت لي: والله لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال: فقال: أنا والله لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول


الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إذ لم تجب ابنة محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال: وخرجت فاطمة (عليها‌السلام ) من عنده وهي تقول: والله لا أكلمك كلمة حتى أجتمع أنا وأنت عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). ثم انصرفت.

فقال علي (عليه‌السلام ) لها: ائت أبا بكر وحده، فإنه أرق من الآخر، وقولي له: ادَّعيت مجلس أبي، وأنك خليفته، وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها علي.

فلما أتته وقالت له ذلك، قال: صدقت.

قال: فدعا بكتاب، فكتبه لها برد فدك.

فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر، فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟!

فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك.

فقال: هلميه إلي.

فأبت أن تدفعه إليه.

فرفسها برجله ـ وكانت حاملة بابن اسمه المحسن ـ فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت، ثم أخذ الكتاب فخرقه.

فمضت، ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت، فلما حضرتها الوفاة دعت علياً (صلوات الله عليه)، فقالت: إما


تضمن، وإلا أوصيت إلى ابن الزبير.

فقال علي (عليه‌السلام ): أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد.

قالت: سألتك بحق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا أنا مت ألا يشهداني ولا يصليا عليَّ.

قال: فلك ذلك(1) .

فلما قبضت (عليها‌السلام ) دفنها ليلاً في بيتها، وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، وأبو بكر وعمر كذلك، فخرج إليهما علي (عليه‌السلام )، فقالا له: ما فعلت بابنة محمد؟! أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟!

____________

1- أنظر واقعة حديث وصيتها بعدم حضور جنازتها في: حلية الأولياء ج2 ص43 والمستدرك للحاكم ج3 ص163 وأسد الغابة ج5 ص254 والإستيعاب ج2 ص751 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص83 وإرشاد الساري للقسطلاني ج6 ص362 والإصابة ج4 ص378 و 380 وتاريخ الخميس ج1 ص313 وغيرها، ولا حاجة إلى سردها، وراجع ما ذكره ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ج1 ص14 وعمر رضا كحالة في أعلام النساء ج3 ص1214 والجاحظ في رسائله ص300.

وراجع: الإختصاص ص183 ـ 185 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص424 و اللمعة البيضاء ص862 عن مصباح الأنوار، ومجمع النورين للمرندي ص121 ـ 124 و بيت الأحزان ص159 وبحار الأنوار ج29 ص193 ووفاة الصديقة الزهراء للمقرم ص78.


فقال علي (عليه‌السلام ): قد والله دفنتها.

قالا: فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها؟!

قال: هي أمرتني.

فقال عمر: والله، لقد هممت بنبشها والصلاة عليها.

فقال علي (عليه‌السلام ): أما والله، ما دام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي، إنك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم.

فقال أبو بكر: اذهب فإنه أحق بها منا، وانصرف الناس(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج29 ص189 ـ 193 و 134 وج48 ص157 والإختصاص للشيخ المفيد ص183 ـ 185 والعوالم ج11 ص633 و 764 ومجمع النورين للمرندي ص121 ـ 123 وبيت الأحزان ص157 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيخ هادي النجفي ج8 ص422 ـ 424 وراجع: اللمعة البيضاء ص310 و 747 والكافي ج1 ص543 وشـرح نهج البلاغـة للمعتزلي ج16 ص235 و 274 والبرهان ج3 ص263 وتفسير القمي ج2 ص155.

وتمزيق عمر للكتاب موجود أيضاً في: بحار الأنوار ج29 ص128 و 134 و 157 وج21 ص23 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص116 وتفسير القمي ج2 ص155 ونور الثقلين ج4 ص186 والأنوار العلوية ص292 وغاية المرام ج5 ص348 وبيت الأحزان ص133 ومجمع النورين للمرندي ص118 والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج4 ص97 وعن إعلام الـورى ص69 ومن المصـادر = = التي ذكر فيها الكتاب ولم يذكر تمزيقه. راجع: السيرة الحلبية ج2 ص400 عن سبط ابن الجوزي. وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص273 ومختصر القدوري في الفقه الحنفي ج1 ص164 وبدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج2 ص45 والنص والإجتهاد للسيد شرف الدين ص43 وتفسير السمرقندي ج2 ص68 وتفسير الآلوسي ج10 ص122 وغاية المرام ج6 ص255 والفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد شرف الدين ص88 وكنز العمال ج1 ص315 وفقه السنة لسيد سابق ج1 ص390.


ونقول:

قد ذكرت هذه الرواية أموراً تحتاج إلى التوقف عندها، وهي التالية:

إن لي بذلك شهوداً:

قد يقال: لو كانت فدك للسيدة الزهراء (عليها‌السلام )، وفي يدها، فلماذا تقول لأبي بكر: (قد تعلم: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تصدَّق بها علي)؟!.

ولماذا تذكر له: أن لها شهوداً على ما تدَّعيه؟!.

ويجاب: بأن كونها في يدها، وإن كان إمارة ودليلاً على ملكيتها، ولكن أسباب الملكية متعددة. فقد تملك بالبيع، وبالنحلة، وبالإرث وبغير ذلك..

فأبو بكر يعلم: أنها في يدها، وعليه أن يأخذ بهذه الإمارة، ويعتبرها ملكاً لها.. ولكنها أرادت أن تعلمه بسبب الملكية، وهو تصدُّقُ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بها عليها، مع حصول القبض، والتصرف..


كما أنها إنما أرادت من الشهود أن يشهدوا بهذه الخصوصية بالذات..

لماذا لا يحكم أبو بكر بعلمه؟!:

وقد يقال: إنه حتى لو كان أبو بكر يعلم: بأن الله قد طهر فاطمة (عليها‌السلام )، ويعلم: بأنها صادقة فيما تدَّعيه، فليس له أن يحكم بعلمه.. بل عليه أن يحكم بالأَيمان والبينات.

ويجاب:

أولاً: قلنا في موضع آخر: إن أبا بكر هو المدَّعي على الزهراء (عليها‌السلام )، فإن فدكاً كانت في يدها سنوات قبل استشهاد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حيث كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطاها إياها منذ واقعة خيبر. فالبينة تطلب من أبي بكر لا من الزهراء.. وحتى لو جاء بالبينة فلا بد من ردها والحكم بكذبها استناداً إلى آية التطهير..

ثانياً: كان أبو بكر يعلم بصدق الزهراء (عليها‌السلام ) كما صرح به هو نفسه(1) ، ويدل على ذلك: أنه لما شهد لها علي (عليه‌السلام ) كتب بتسليم فدك إليها، لكن عمر اعترض على أبي بكر ومزق الكتاب قائلاً: إن علياً يجر إلى نفسه، وأم أيمن امرأة(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص228 وص216 وبحار الأنوار ج29 ص207 و 208 وج101 ص299 وكشف الغمة ج2 ص107 واللمعة البيضاء ص754.

2- شرح نهج البلاغـة للمعتزلي ج16 ص274. وراجع: جامـع أحاديث الشيعة = = ج25 ص116 والشافي في الإمامة للمرتضى ج4 ص98 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص71 وتفسير القمي ج2 ص155 ونور الثقلين ج4 ص186 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص122 وبحار الأنوار ج29 ص128 واللمعة البيضاء ص309 و 747 ومجمع النورين للمرندي ص120 وكتاب سليم بن قيس ص391 والطرائف ص248.


فلماذا لم يحكم بعلمه؟!.

فقد حكم خزيمة بن ثابت بكذب الأعرابي الذي نازع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ناقة، فشهد خزيمة: أن الناقة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مع أنه لم يحضر المعاملة بين النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبين الأَعرابي، مصرحاً: بأنه علم بذلك لعلمه بنبوة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فأجاز (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شهادته، وجعلها شهادتين(1) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص273 والإنتصار للشريف المرتضى ص491 وراجع: الشافي للمرتضى ج4 ص96 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص109 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج27 ص276 و (ط دار الإسلامية) ج18 ص202 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص101 والغدير ج5 ص55 واللمعة البيضاء ص793 والخلاف للطوسي ج6 ص250 والمجموع للنووي ج20 ص224 والمحلى لابن حزم ج8 ص348 ونيل الأوطار للشوكاني ج5 ص271 ومسند أحمد ج5 ص216 وسنن أبي داود ج2 ص167 والمستدرك للحـاكم ج2 ص18 والسنن الكـبرى للبيهقي ج7 ص66 وج10 ص146 = = وفتح الباري ج8 ص398 و 399 وعون المعبود ج10 ص20 والسنن الكبرى للنسائي ج4 ص48 وشرح معاني الآثار ج4 ص146 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص379 ومعرفة السنن والآثار ج7 ص373 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص618 والجامع لأحكام القرآن ج3 ص405 وتفسير القرآن العظيم ج1 ص344 وأضواء البيان للشنقيطي ج1 ص187 والطبقات الكبرى لابن سعد ج4 ص379 وتاريخ مدينة دمشق ج16 ص367 والإصابة ج3 ص179 وإمتاع الأسماع ج7 ص195 وج13 ص166 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص400.


وإنما رضي أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بمحاكمة اليهودي إلى قاضيه وفق الطرق الشرعية، ولم يحكم القاضي بعلمه، ورضي علي (عليه‌السلام ) منه بذلك، تكرماً وإمعاناً منه في إقامة الحجة عليه.

وقد أخطأ القاضي حين طالب علياً (عليه‌السلام ) ببينة.

وقد روي: أن علياً (عليه‌السلام ) خطَّأ شريحاً في طلب البينة منه على درع طلحة، وقال: إن إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من ذلك، وأخذ ما ادَّعاه من درع طلحة بغير حكم شريح(1) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص228 وص216 وبحار الأنوار ج29 ص351 وج101 ص299 وعن كشف الغمة ج2 ص107 واللمعة البيضاء ص793 ومن لا يحضره الفقيه ج3 ص110 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص445 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج1 ص374 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص254= = والكافي ج7 ص386 وتهذيب الأحكام ج6 ص274 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج27 ص267 و (ط دار الإسلامية) ج18 ص194.


ثالثاً: سلمنا: أنه قاضٍ، وأنه أيضاً لم يعمل بأحكام القضاء، فقد جاءته بشاهدين، هما: علي، ومولى لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كما ورد في بعض النصوص.. بالإضافة إلى أم أيمن.. فتمت أركان الشهادة.

رابعاً: سلمنا: أن الموجود هو شاهد واحد، وامرأة واحدة، وهما: علي، وأم أيمن كما في بعض الروايات(1) ، فإن عليه أن يطالبها باليمين، إن كانت تطلب النحلة. ولا معنى حينئذ لما رواه أبو بكر من عدم توريث الأنبياء.

وإن كانت تطلب ميراثاً فلا حاجة إلى الشهود، إذا علم صحة نسب الوارث.

جواب أبي بكر ليس هو الجواب:

والذي يثير عجبنا هو: جواب أبي بكر لها، فإنها قررت أن فدكاً كانت في يدها، وأنه هو الذي أخرج وكيلها منها، واليد أمارة على الملكية السابقة

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص274 وبحار الأنوار ج29 ص128 و 210 وكشف الغمة ج2 ص117 والإحتجاج ج1 ص122 وجامع أحاديث الشيعة ج25 ص116 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص607 والمعيار والموازنة لإبن الإسكافي ص42 وتفسير القمي ج2 ص155 ونور الثقلين ج4 ص186 و اللمعة البيضاء ص309 و 747 والأنوار العلوية ص292 وغاية المرام ج5 ص348 وبيت الأحزان ص134.


على موت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

وقررت أيضاً: أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد تصدَّق عليها بها ومنحها إياها في حال حياته، ولم تدَّعِ الإرث ولا أشارت إليه، لا من قريب ولا من بعيد، فما معنى أن يقول لها أبو بكر: إن النبي لا يورث؟!..

ويلفت نظرنا هنا أيضاً: أنها (عليها‌السلام ) لم تعترض على جواب أبي بكر هذا.

مع علمنا الأكيد: بأنها تعرف فساد هذا الإستدلال من أساسه، كما أنها تعرف أنه لا يتلاءم مع دعواها.

إننا لا نرى وجهاً معقولاً أو مقبولاً لسكوتها هذا إلا أنها أدركت: أن هذا الجواب يستبطن التصميم على منعها، وعدم الإستجابة لطلبها، وعلمت: أنه لا فائدة من النقاش.. فصرفت النظر عن ذلك.

أنت معلَّمة:

وبعد.. فإن قول عمر للسيدة فاطمة (عليها‌السلام ): أنت معلَّمة، يدل على ما يلي:

أولاً: على أنه يرى أنها (عليها‌السلام ) لا تعرف هذا الحكم الشرعي البديهي، المستند إلى آيات القرآن الكريم..

ثانياً: لعله أراد بقوله هذا: أن يسقط دعواها عن الإعتبار، زعماً منه: أن تلقين أحد الخصمين لا يجوز..

ولكنه أخطأ في هذا خطأً فاحشاً، فإنه لا يجوز للقاضي تلقين أحد


الخصمين. إلا إذا علم أن الحق معه، فيجوز له ذلك..

أما غير القاضي، فيجوز له ذلك، مع علمه بصحة دعواه.

وعلي (عليه‌السلام ):

أولاً: لم يكن هو القاضي..

ثانياً: لقد كان (عليه‌السلام ) عالماً بصحة دعوى الزهراء (عليها‌السلام )، فلا يصح اعتراض عمر مطلقاً..

ولأجل ذلك قالت (عليها‌السلام ) لعمر: (وإن كنت معلمة، فإنما علمني ابن عمي وبعلي)(1) . أي لم يعلمني القاضي..

ومن جهة أخرى: إن تعليم علي (عليه‌السلام ) للسيدة الزهراء (عليها‌السلام ) لا يدل على جهلها بهذا الحكم البديهي.. وإنما هو قد أشار عليها بأن تعاود الكرّة في الإحتجاج عن هذا الطريق، فإن في ذلك مصلحة ظاهرة، من حيث إنها تؤدي إلى فضح هذا الإصرار على اغتصاب حقها.. من جهة.

كما أنه من جهة ثانية يدفع التسويلات المغرضة، التي يمكن أن تزعم: بأنها (عليها‌السلام ) قد اقتنعت بحجة أبي بكر، وأن الحق كان معه.

____________

1- الإختصاص ص183 وبحار الأنوار ج29 ص189 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص422 واللمعة البيضاء ص310 ومجمع النورين للمرندي ص121 وبيت الأحزان ص157.


شهادة عائشة وعمر:

وقد استشهد أبو بكر لصحة ما ينسبه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعائشة وعمر..

وقد علمنا كما في هذه الرواية، وفي الروايات الأخرى أيضاً: أن أبا بكر وعمر قد ردّا شهادة علي (عليه‌السلام )، وأم أيمن بحجة: أن أم أيمن امرأة، ولا يجيز شهادة امرأة وحدها..

فكيف جازت شهادة عائشة لأبي بكر، مع أنها ابنته وهي امرأة وتجر النار إلى قرصها، وقرض أبيها؟! وكيف جازت شهادة عمر، وهو يجر إلى قرصه وقرض أبي بكر أيضاً؟!

ويدل على ذلك قول علي (عليه‌السلام ) لعمر: احلب يا عمر، حلباً لك شطره، اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً(1) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص11 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص18 و (تحقيق الشيري) ج1 ص29 والإحتجاج ج1 ص183 و (ط دار النعمان) ج1 ص96 وبحار الأنوار ج28 ص185 و 348 و 388 وج29 ص626 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص400 والسقيفة للمظفر ص89 والغدير ج5 ص371 وج7 ص80.

وراجع: نهج السعادة للمحمودي ج1 ص45 والسقيفة وفدك للجوهري ص62 والصراط المستقيم ج2 ص225 وكتاب الأربعين للشيرازي ص153 والوضاعـون وأحاديثهم ص493 والشـافي في الإمامـة ج3 ص240 وغايـة = = المرام ج5 ص305 وسفينة النجاة للتنكابني ص347 وبيت الأحزان ص81 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج2 ص351.


على أن الروايات الأخرى قد ذكرت أيضاً شهادة أحد موالي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) للزهراء (عليها‌السلام ) أيضاً.. فلماذا لم يعتد به أبو بكر؟!

هذا.. ولا ريب في أن فاطمة وعلياً، والحسن والحسين (عليهم‌السلام ) كلهم من مصاديق آية التطهير، المتضمنة للشهادة الإلهية بتطهيرهم من كل رجس، ومنه: الكذب، وهو معنى العصمة.. كما أن أم أيمن امرأة من أهل الجنة.

وفي المقابل لا شيء يشهد أو يدل على عصمة أبي بكر، فضلاً عن عائشة، وعمر بن الخطاب.

ثم إن نفس أن يكتب لها في بعض المرات كتاباً بفدك، ثم ينتزعه عمر منها ويمزقه، يدل على أن حديث عدم توريث الأنبياء، وكذلك سائر ما ادعاه أبو بكر لرد دعوى الزهراء (عليها‌السلام ) لا أساس له، ويصبح

____________

1- الخرائج والجرائح ج1 ص113 وبحار الأنوار ج17 ص379 وج29 ص116 واللمعة البيضاء ص300 و 789 ومجمع النورين ص117 والنص والإجتهاد للسيد شـرف الـدين ص69 ومستـدرك سفينة البحـار ج8 ص152 وتفسير الرازي ج29 ص284 وفلك النجاة في الإمامة والصلاة، لعلي محمد فتح الدين الحنفي ص162.


ساقطاً، وغير ذي قيمة..

ويشهد على ذلك أيضاً: أن أبا بكر وعمر وعثمان لم ينتزع أي منهم الحُجَرَ من نساء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فإن قيل: إن الحُجَرَ لهن بنص القرآن حيث قال تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) (1) .

وقيل في الجواب: تصح نسبة البيوت إليهن لأدنى ملابسة، وهي هنا كونهنَّ قد سكنَّ في تلك البيوت، يضاف إلى ذلك: أن الحُجَرَ قد نسبت إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه بعد تلك الآية أيضاً.

فقد قال تعالى:( لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) (2) .

ويدل على تراجعه أيضاً: وصيته أن يدفن إلى جوار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؛ لأن ذلك الموضع إن كان صدقة للمسلمين، فلا يصح تصرف أبي بكر فيه.

وإن كان إرثاً لعائشة، فقد بطل حديث عدم إرث الأنبياء.

وإن كانت الحجرة لفاطمة (عليها‌السلام )، فلماذا لم يستأذن من ورثة فاطمة؟!

كما أن ابنته عائشة قد رجعت عن شهادتها له بحديث عدم توريث الأنبياء حين أذنت له ولعمر بأن يدفنا مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________

1- الآية 33 من سورة الأحزاب.

2- الآية 53 من سورة الأحزاب.


مدَّعية أن الحجرة لها.

كما أنها قد منعت من دفن الإمام الحسن مع جده قائلة: ما لي ولكم؟! تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أحب(1) .

مع أن حديث عدم توريث الأنبياء يدل على أن البيت ليس بيتها..

وأي سبب آخر تدَّعيه لملكية البيت يحتاج إلى إثبات. ولا تكفي فيه مجرد الدعوى.

أول شهادة زور في الإسلام:

ثم إنها (عليها‌السلام ) حكمت على شهادة عائشة وعمر: بأنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام(2) . وإطلاق هذا الحكم بصورة يقينية،

____________

1- راجع: روضة الواعظين ص168 والإرشاد للمفيد ج2 ص18 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص149 وبحار الأنوار ج44 ص154 و 157 والأنوار البهية ص92 والدرجات الرفيعة ص125 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص300 وأعيان الشيعة ج1 ص576 والجمل للمفيد ص234 وكشف الغمة ج2 ص209.

2- الإختصاص للمفيد ص183 وبحار الأنوار ج29 ص190 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص422 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص171 واللمعة البيضاء ص310 ومجمع النورين للمرندي ص122 وبيت الأحزان ص157.


يعطي: أنها كانت تعلم بعدم صدور الحديث عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لا في السر، ولا في العلن.

إذ لو كانت لا تعلم بذلك لم يصح منها اعتبار قولهما شهادة زور.

وهذا يجعلنا نتيقن بوجود مستند معصوم لهذا النفي القاطع، لعله هو إخبار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها بهذا الأمر، حين أسرّ إليها بحديث في مرض موته ولعله غير ذلك..

ويلاحظ هنا: أننا لم نلحظ وجود أية ردة فعل على قولها هذا، كما أن أحداً لم يطالبها بمستندها فيه.. ولا عتب عليها بأنها قالت ذلك من غير علم. ولا قيل لها: لا يحق لك توجيه هذه التهمة الخطيرة لهؤلاء القوم.

ثم إن المعتزلي اعترف بتفرد أبي بكر بحديث: عدم توريث الأنبياء.

فقال: (صدق المرتضى (رحمه‌الله ) فيما قال، أما عقيب وفاة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومطالبة فاطمة (عليها‌السلام ) بالإرث، فلم يرو الخبر إلا أبو بكر وحده.

وقيل: إنه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان.. وأما المهاجرون الذين ذكرهم قاضي القضاة، فإنما شهدوا بالخبر في خلافة عمر)(1) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص245 وراجع ص221 و 227 وراجع: بحار الأنوار ج29 ص370 واللمعة البيضاء ص821 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص456.


دليل أعلمية أبي بكر:

وقد اعتُبِرت رواية أبي بكر عن عدم توريث الأنبياء دليل أعلميته على سائر الصحابة، لأن هذا الأمر لم يعلمه سواه، كما ذكره ابن حجر(1) .

لكنه هو نفسه عاد فذكر بعد صفحات يسيرة: أن هذه الرواية رواها: علي (عليه‌السلام )، والعباس، وعثمان، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير، وسعد، وأمهات المؤمنين..

ثم زعم: أن أبا بكر قد استحضر ذلك أولاً، ثم استحضره الباقون.

مع أن الإستحضار السريع ليس من مظاهر الأعلمية، ولا من مواردها..

إني أخاف العيلة:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) قالت لأبيها: (إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدق بها عليّ الخ..)(2) .

ونقول: إن هذا لا يصح لما يلي:

1 ـ قولهم: إن الزهراء (عليها‌السلام ) تخاف العيلة والحاجة، إهانة لها،

____________

1- الصواعق المحرقة ص35.

2- الإختصاص ص184 وبحار الأنوار ج29 ص191 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص423 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص171 واللمعة البيضاء ص311 ومجمع النورين للمرندي ص122 وبيت الأحزان ص158.


وانتقاص من مقامها، فإن ظنها بالله أحسن من هذا بلا ريب. بل إن هذا الكلام لا يصدر عن أي إنسان صحيح أو كامل الإيمان، فإن من أبسط قواعد الإيمان هو التوكل على الله، واللجوء إليه في الحاجات، واعتباره هو الرزاق والمعطي، والكافي والمعين.

2 ـ روي عن فاطمة (عليها‌السلام ) قالت: أتيت النبي، فقلت: السلام عليك يا أبه.

فقال: وعليك السلام يا بنية.

فقلت: والله، ما أصبح يا نبي الله في بيت علي حبة طعام، ولا دخل بين شفتيه طعام منذ خمس، ولا أصبحت له ثاغية ولا راغية، ولا أصبح في بيته سفة ولا هفّة.

فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): أدني مني.

فدنوت.

فقال: ادخلي يدك بين ظهري وثوبي، فإذا حجر بين كتفي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مربوط إلى صدره.

فصاحت فاطمة صيحة، فقال لها: ما أوقدت في بيوت آل محمد نار منذ شهر.. إلخ(1) .

____________

1- راجع: أهل البيت لتوفيق أبي علم ص130 ودلائل الإمامة لابن رستم الطبري ص69 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج18 ص171. وراجع: كشف اليقين للعلامة الحلي ص455.


وثمة روايات أخرى بهذا المعنى فلتراجع.

3 ـ يضاف إلى ذلك: أن المتوقع من النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يبادر إلى توجيه موعظة قوية لابنته، وأن تتضمن لوماً لها على عدم ثقتها بالله تبارك وتعالى. وأن يوجهها نحو الزهد بالدنيا، والرضا بما قسمه الله تعالى، ويصر عليها بأن تتخذ من واقع سائر الناس أمثولة لها.. بل أن تكون هي أسوة وقدوة لهم في ذلك.

4 ـ على أن هذه الرواية لا تتوافق مع تلك الرواية التي تقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطى فدكاً لفاطمة (عليها‌السلام ) عوضاً عن بعض مهر أمها كما تقدم.

وإن كنا نعتقد: أن مهر أمها قد أدي إليها كاملاً من قبل أبي طالب (عليه‌السلام )، ولكنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أراد أن يبين عظمة حقها، وأن يكرمها بما جعله الله تعالى له، وأن يبر بها من خلال ابنتها (عليها‌السلام )، علماً بأن قيمة خديجة (عليها‌السلام ) لا تقدر بالمال، ولا بالعقار.

ولعل ما يزيد في أهمية هذا البر والتكريم، أن خديجة بذلت مالها كله في سبيل هذا الدين. وبذلت مهرها أيضاً، فأراد الله أن يشكر لها هذه التضحيات الجِسام، وينوه بها، فأعطى فدكاً لإبنتها، والمرء إنما يكرم في ولده. وفدك لا تكفي للتعبير عن مقامها عند الله، فلا بد أن يزيدها من فضله في رفع درجاتها في الآخرة على قاعدة كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء..

وبذلك يظهر: أن ادعاء فدك أنها من مهر خديجة لا يعني أن مهرها


كان بهذه الكثرة والضخامة، كما هو ظاهر..

معاذ وابنه:

وذكرت الرواية: أن ابن معاذ اتخذ من أبيه موقفاً قوياً وحاسماً، لأنه لم يجب السيدة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، حينما اسنتصرته..

مع أننا رأينا كيف أن معاذاً كان من أعوان أبي بكر في سعيه لإقصاء علي (عليه‌السلام ) عن مقامه. وكان أيضاً مع المهاجمين لبيت الزهراء (عليها‌السلام )، فور العودة من سقيفة بني ساعدة، وكان في جملة الذين نصروا أبا بكر في مقابل الاثني عشر الذين احتجوا عليه، بل تذكر الرواية: أنه جاء يقود ألف رجل لمواجهة علي (عليه‌السلام )، ومن معه، ولوقف حركتهم، وإخماد صوتهم.. فلماذا لم يتخذ منه ابنه أي موقف في كل تلكم المواقف؟!..

إسقاط المحسن في قصة فدك:

وذكرت الرواية المتقدمة: أن عمر بن الخطاب إنما رفس فاطمة (عليها‌السلام ) برجله، فأسقطت محسناً، حين أخذ منها الكتاب برد فدك.

مع أن سائر الروايات تقول: إنها أسقطت محسناً، حين هجوم عمر ومن معه على بيتها (عليها‌السلام )، حيث عصروها بين الباب والحائط..

إلا أن يقال: إن ما جرى في البيت هو ابتداء نفاسها بالمحسن، حيث أصيب ومات وهو في بطنها، واستمرت تعاني الآلام بسبب ذلك بضعة أيام، حتى كانت رفسة عمر لها، في موضوع فدك، فكان الإسقاط الفعلي للمحسن.. والله هو العالم بالحقائق..


تريد الوصية لابن الزبير:

ذكرت الرواية المتقدمة: أن الزهراء (عليها‌السلام ) دعت علياً (عليه‌السلام ) حين وفاتها، وقالت له: إما تضمن، وإلا أوصيت إلى ابن الزبير..

مع أنه لم يظهر من علي (عليه‌السلام ) ما يدعو إلى التهديد بخيار كهذا، وليس ثمة ما يوحي أو يدل على أنه (عليه‌السلام ) متردد أو سوف يتردد في تنفيذ وصيتها..

كما أنه لا معنى لاختيار ابن الزبير لهذه المهمة ـ والمقصود به هو عبد الله ابن الزبير ابن عبد المطلب ـ دون علي (عليه‌السلام ) لأن ذلك يعد إهانة منها لسيد الأوصياء وهي منزهة عن ذلك، وكذا يقال بالنسبة لسائر بني هاشم، والخلَّص من الصحابة، أمثال: سلمان، وعمار، وأبي ذر، والمقداد، وأبي الهيثم بن التيهان، وقيس بن سعد، وغيرهم.

مطالبة الزهراء (عليها‌السلام ) بحقها بأمر علي (عليه‌السلام ):

وقد ذكرت بعض الروايات التي تقدمت: أن علياً أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) هو الذي طلب من الزهراء (عليها‌السلام ) أن تبادر للمطالبة بإرثها ونحلتها.. ولعله لأنه (عليه‌السلام ) يريد بذلك أن يحرج الغاصبين، من حيث إن صاحب الحق الشرعي هو الذي انبرى للمطالبة بحقه.. فلا مجال لاتهام علي (عليه‌السلام ) بأنه يثير أموراً من عند نفسه، لتكون وسيلته إلى غيرها.

كما أن المطالب بهذا الحق هو الزهراء (عليها‌السلام )، التي تعيش


ويعيش الناس معها أجواء الفجيعة برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وهي تثير في الناس معاني الأسى والحزن، كما أنها تمثل الحنان والرقة والعاطفة، والمحبة والصفاء.

ولا يمكن اتهامها بأنها تريد إثارة أجواء حرب أو نزاع. خصوصاً بعد أن أعلن (عليه‌السلام ) أنه ملتزم بتوجيهات الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعدم مواجهة الغاصبين، إلا إذا توفرت له القوة الكافية والقادرة على حسم الأمور.. والتي يكفي نفس وجودها لردع من يريد التعدي على الحقوق المادية وغيرها.

فإذا ظهر للناس الحق من خـلال مطالبة الزهـراء (عليها‌السلام ) واستدلالاتها وبراهينها النيرة، فإنهم سوف يدركون أن من يتصدى لمقام رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يفقد المواصفات المطلوبة لهذا المقام، من جهات عدة..

منها: أنه قد خالف النصوص الصريحة: القرآنية والنبوية.

ومنها: أنه لم يمتثل لحكم الله سبحانه حين ظهر له الحق، بل اكتفى بتسطير بعض الكلمات العاطفية التي لا ربط لها بأصل الموضوع..

عمر يمزق كتاب أبي بكر:

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن عمر بن الخطاب أخذ الكتاب من السيدة الزهراء (عليها‌السلام ) عنوة ومزّقه.

ونشير هنا: إلى أن سبب هذا الموقف من عمر هو ما يلي:


1 ـ ما نقل عن عمر من أنه دخل على أبي بكر، وقد كتب أبو بكر كتاباً لفاطمة (عليها‌السلام ) بميراثها من أبيها (والمقصود هو فدك) فقال له عمر: ماذا تنفق على المسلمين، وقد حاربتك العرب كما ترى؟! ثم أخذ الكتاب فشقه(1) .

ولعل عمر قد نسي: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حاربته العرب، ولم يستعن بفدك للإنفاق على المسلمين.

2 ـ عن المفضل بن عمر قال: قال مولاي جعفر الصادق (عليه‌السلام ): لما ولي أبو بكر بن أبي قحافة، قال عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا، لا يريدون غيرها، فامنع عن علي وأهل بيته الخمس، والفيء، وفدكاً، فإن شيعته إذا علموا ذلك، تركوا علياً، وأقبلوا إليك، رغبة في الدنيا، وإيثاراً، ومحاباة عليها.

ففعل أبو بكر ذلك، وصرف عنهم جميع ذلك(2) .

____________

1- شرج نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص234 و 235 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة سنة 1400) ج3 ص488 و (ط أخرى) ج3 ص363 عن سبط ابن الجوزي، والغدير ج7 ص194 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص427 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص542 وأعيان الشيعة ج1 ص318.

2- بحار الأنوارج29 ص194 عن الكشكول فيما جرى على آل الرسول ص203 ومستدرك الوسائل ج7 ص290 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص572 واللمعة البيضاء ص305 ومجمع النورين للمرندي ص126.


3 ـ وقال علي بن تقي النيلي: (وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها (أي عن فدك) إلا ألّا يتقوى علي بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا اتبعا ذلك بمنع فاطمة وعلي وسائر بني هاشم وبني عبد المطلب حقهم في الخمس، فإن الفقير الذي لا مال له تضعف همته، ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالإحتراف والإكتساب عن طلب الملك والرياسة)(1) .

4 ـ إن نفس أن يظهروا أبا بكر ـ بصورة عملية ـ: أنه في موقع الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأنه يمارس صلاحياته، حتى على أصحاب الحق الشرعيين، بأبشع الصور، واقسى أنواع الظلم والتعدي مع أن أصحاب الحق هم علي والزهراء (عليهما‌السلام ).

نعم.. إن هذا الأمر مطلوب للغاصبين، ويرون أنفسهم بحاجة ماسة له.

5 ـ قال علي بن مهنـا: عن السبب في منع فـدك: (أرادا ألّا يظهرا لعلي ـ وقد اغتصباه الخلافة ـ رقة وليناً وخذلاناً، ولا يرى عندهما خوراً، فأتبعا القرح بالقرح)(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص236 و 237 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص306 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص510.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص236 واللمعة البيضاء ص306.


ولذلك منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى(1) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص231.

وراجع: الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص739 والسقيفة وفدك للجوهري ص118 واللمعة البيضاء ص844.



الفصل الثاني: مأزق أبي بكر بين خطبة الزهراء (عليها‌السلام ) ومطالبات علي (عليه‌السلام )



بـدايـة:

وبما أن خطبة السيدة الزهراء في مناسبة غصب فدك، تتضمن الكثير مما يرتبط بأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فقد آثرنا الإلماح إليها، لدفع ما قد يتوهمه المتوهمون حول ما قصدته في بعض فقراتها.

فنقول:

الخطبة العظيمة:

عن عبد الله بن الحسن، عن آبائه: (لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك، وبلغها ذلك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة فجلست، ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت (عليها‌السلام ):

الحمد لله على ما أنعم..


إلى أن قالت:

كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه ويخمد لهبها بسيفه.

مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيداً في أولياء الله، مشمراً ناصحاً، مجداً، كادحاً، لا تأخذه في الله لومة لائم.

وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون من القتال.

فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، واطلع الشيطان رأسه من مغرزة هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحشمكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير مشربكم.

هذا.. والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، فهيهات منكم، وكيف بكم، وأني تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلاً، ومن يبتع غير الإسلام ديناً فلن يقبل


منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.

ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي وإهمال سنن النبي الصفي، تشربون حسواً في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضراء، ويصير منكم على مثل حز المدى، ووخز السنان في الحشاء.

وأنتم الآن تزعمون: أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟! أفلا تعلمون؟

بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية: أني ابنته.

أيها المسلمون أغلب على إرثي؟

يا بن أبي قحافة: أفي كتاب الله ترث أباك ولا إرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً!

أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟

إذ يقول:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) وقال: فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا، إذ قال:( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، وقال:( وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ) ، وقال:( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ) ، وقال:( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ ) .

وزعمتم: أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟


أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟

أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟

أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟

فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ويحل عليه عذاب مقيم.

ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت: يا معشر النقيبة، وأعضاد الملة، وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبي يقول (المرء يحفظ في ولده)؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول..

إلى أن قالت:

أيهاً بني قيلة أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة، والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودر


حلب الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين فأنى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤسا لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.

ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة، ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم، فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد

ألا وقد قلت ما قلت..

هذا.. على معرفة مني بالجذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وخور القناة، وبثة الصدر، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الجبار، وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الـذين ظلموا أي مقلب ينقلبون.

وأنا ابنة نذير لكم، بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون.

إلى أن قالت في جواب أبي بكر:

سبحان الله.. ما كان أبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن كتاب الله


صادفاً ولا لأحكامه مخالفاً! بل كان يتبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً يقول:( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، ويقول:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ، وبين عز وجل فيما وزع من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث، ما أزاح به علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين.

كلا بل سولت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبد، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود.

فالتفتت فاطمة (عليها‌السلام ) إلى الناس وقالت:

معاشر المسلمين المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟

كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم لتجدن والله محمله ثقيلاً، وغبه وبيلاً، إذا كشف لكم الغطاء، وبان بأورائه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون.


ثم انكفأت (عليها‌السلام )، وأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يتوقع رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار، قالت: لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ):

يابن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل.

هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة ابني! لقد أجهد في خصامي، وألفيته ألد في كلامي حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت طائلاً ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي، عذيري الله منه عادياً، ومنك حامياً، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب! مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى أبي! وعدواي إلى ربي! اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد بأسا وتنكيلاً.

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): لا ويل لك، بل الويل لشانئك ثم نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أعد لك أضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله.

فقالت: حسبي الله وأمسكت)(1) .

____________

1- الأحتجاج ج 1 ص 131 ـ 146 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص210 ـ= = 211 وص 249 وبلاغات النساء ص 12 و أعلام النساء ج 4 ص 116 و الشافي ج 4 ص 69 وأمالي الطوسي ج 2 ص 69 والبحار (ط قديمة) ج 8 ص 106 و (ط أخرى) ج29 ص324.


مصاب الزهراء (عليها‌السلام ).. في خطبتها:

هناك من يطرح الأسئلة التالية:

1 ـ هل الخطبة التي ألقتها السيدة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) في المسجد أمام أبي بكر والمهاجرين والأنصار، كانت قبل الهجوم على الدار، أو بعد الهجوم؟!

2 ـ إن كان بعد الهجوم على الدار، فلم لم تذكر السيدة فاطمة (عليها‌السلام ) مصابها، وما جرى عليها للناس؟!

3 ـ وبعد تلك المصائب والإصابات والأذية، كإسقاط المحسن (عليه‌السلام )، وكسر الضلع، كيف خرجت الزهراء (عليها‌السلام ) من بيتها، وتحملت هذه الآلام التي قد تقعد شخصاً في بيته لمدة طويلة؟

ونجيب:

1 ـ بالنسبة للسؤال عن تاريخ خطبتها نقول:

إن السيدة الزهراء (عليها‌السلام ) ألقت خطبتها المشار إليها بعد اغتصابهم لفدك، واستيلائهم على إرثها من أبيها صلوات الله وسلامه عليه وعليها، وعلى الأئمة الطاهرين.

وقد كان اغتصابهم فدكاً بعد عشرة أيام من استشهاد رسول الله


(صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

ويدل على ذلك قول الطبرسي أيضاً:

(لما بويع أبو بكر، واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فجاءت فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) إلى أبي بكر الخ..)(2) .

فإن استقامة الأمر لأبي بكر على جميع المهاجرين والأنصار، لم يتيسر له إلا بعد عدة أيام، كما يظهر من نقلهم الكثير من الاعتراضات التي واجهها أبو بكر(3) .

2 ـ وأما لماذا لم تذكر مصابها، وما جرى عليها للناس فنقول:

من الواضح: أن ذلك لا مبرر له، لأن الناس كانوا حاضرين لتلك الأحداث الفظيعة، وناظرين لها، ولا يزيدهم ذكر هذا الأمر معرفة بأمر

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص263 واللمعة البيضاء ص751.

2- الإحتجاج ج1 ص234 و 235 و (ط دار النعمان) ج1 ص119 وبلغة الفقيه لبحر العلوم ج3 ص354 وبحار الأنوار ج29 ص127 ونور الثقلين ج4 ص186 و 374 واللمعة البيضاء ص309 و 747 والأنوار العلوية ص292 ومجمع النورين للمرندي ص134 وغاية المرام ج5 ص348 وبيت الأحزان ص133.

3- راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني (رحمه‌الله )، والإحتجاج ج1 ص186 ـ 202 وغير ذلك..


يجهلونه، ولا يزيل عنهم شبهة يحتاجون إلى إزالتها، ولكن الأمر الذي كان يحتاج إلى كشف وبيان، هو تلك الشبهة التي ألقاها أبو بكر حول ما تركه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان لابد من فضح أمره فيها، لأن ذلك معناه جعله أمام خِيارَين، كل منهما يعد كارثة بالنسبة إليه، وهما:

الف ـ ظهور جهله بآيات القرآن، وبأحكام الإسلام البديهية التي لا يجهلها حتى الأطفال..

ب ـ إظهار تعمده مخالفة نص القرآن، وانتهاك حرمة الشريعة، والدين، عن علم ودراية والتفات..

وليرى الناس بأم أعينهم: أنه فاقد لأبسط الشرائط والمواصفات التي تؤهله لأن يكون ولياً حتى على عائلته، فضلاً عن أن يؤتمن على الدين، وعلى دماء المسلمين، وعلى أعراضهم، وأموالهم.. وعلى مستقبل الأمة بصورة عامة..

على أن المتأمل في خطبتها يجد: أنها كانت تركز على أمور من شأنها تعريف الناس بالإمام الحقيقي، وبيان المواصفات التي تبعد من تصدى لهذا الأمر عن أن يكون أهلاً لأي مقام..

علماً بأن الحديث عما جرى عليها قد يستفيد منه الخصوم لتحويل القضية، إلى قضية شخصية، وادعاء أنها كانت حانقة عليهم من أجل ما تعرضت هي شخصياً له، لا من أجل أخطر قضية، وهي قضية الإسلام الكبرى..

وأما السؤال الثالث فإننا نقول:


إن كسر الضلع، لا يمنع ـ ولا سيما بعد مرور عدة أيام ـ من الحركة والمشي، مع مراعاة الإحتياط، ولا يمنع من الكلام والإحتجاج، وذلك ظاهر لا يخفى..

يضاف إلى ذلك: أن خطبتها في المهاجرين كانت في المسجد، وبيتها كان في المسجد أيضاً، فلا تحتاج في إلقاء خطبتها إلا إلى بضع خطوات يمكن أن يساعدها عليها النساء.

هل الزهراء (عليها‌السلام ) تؤنب علياً (عليه‌السلام ):

لما اجتمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة (عليها‌السلام ) فدكاً، وبلغها ذلك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت إلى المسجد. وخطبت فيه خطبتها الشهيرة في المهاجرين والأنصار..

لكن أبا بكر أجابها بالإصرار على موقفه، واجتهاده في تمييع القضية، رغم تصريحه في جوابه لها بقوله:

(وأنت يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودةٍ عن حقك، ولا مصدودة عن صدقك).

ثم أتبع ذلك بادِّعاء: أنه ما عمل إلا بقول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبإذنه.

ثم نسب إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قوله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).

فأجابته (عليها‌السلام ) بتفنيد كلامه، وأن أباها (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


لا يخالف كتاب الله. وأنهم أجمعوا على الغدر بها..

ثم استدلت عليه بآيات القرآن..

فعاد أبو بكر ليواجهها بالإطراء والمديح، دون أن يقر لها بالحق.

فانكفأت (عليها‌السلام )، وكان علي (عليه‌السلام ) يتوقع رجوعها.

فلما استقرت بها الدار كلمت أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بكلام زعموا: أنه قاسٍ، وفيه تقريع ولوم وجفاء، فقالت له:

(أَشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الضنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل؟!.

هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي، وبليغة ابني، والله لقد أجهر في خصامي، وألفيته ألد في كلامي، حتى منعتني (الـ) قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة.

أَضرعت خدك، يوم أضعت حدك؟!

أَفترست الذئاب وافترشت التراب؟!

ما كففت قائلاً، ولا أغنيت باطلاً؟!

ولا خيار لي، ليتني مت قبل هينتي، ودون زلتي.

عذيري الله منك عادياً، ومنك حامياً.

ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، ويلاي مات العمد ووهى العضد، وشكواي إلى أبي. وعدواي إلى ربي اللهم أنت أشد قوة).


وقد أجابها (عليه‌السلام ) بكلام جاء فيه: (فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنتِ تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أُعِدّ لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي الله.

فقالت: حسبي الله. وأمسكت)(1) .

فهل يمكن أن يصدر هذا الكلام القاسي والجافي في حق سيد الوصيين من فاطمة (عليها‌السلام )، وهي المعصومة الطاهرة؟!

أم أن ذلك مكذوب عليها؟!

وهل يمكن أيضاً: أن يظن بها أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) أنها تريد البلغة؟! أم أن ذلك مكذوب عليه؟!

الجواب:

ونجيب بما يلي:

أولاً: إن الله سبحانه وتعالى قال مخاطباً عيسى بن مريم (عليه‌السلام ):

____________

1- بحار الأنوار ج29 ص234 و 311 والإحتجاج (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص145 ـ 146 و (ط أخرى) ج1 ص280 ـ 282 ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج2 ص50 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص322 وأعيان الشيعة ج1 ص318 و 432 والدر النظيم ص478 واللمعة البيضاء للتبريزي ص723 والأنوار العلوية ص300 ومجمع النورين للمرندي ص135 وبيت الأحزان للقمي ص150.


( وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَمُ الْغُيُوبِ ) (1) .

فعلّام الغيوب إذن يسأل عيسى (عليه‌السلام ) عن هذا الأمر، ولكنه ليس سؤالاً يهدف إلى معرفة شيء جديد من خلال الإجابة. بل هو سؤال تقرير، يراد به إسماع الإجابة للآخرين. مع كون السائل عالماً بها، وهو يشبه من بعض الجهات الأسئلة الإمتحانية.

وهذا النحو من التعاطي مع القضايا شائع في حياة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والأئمة الطاهرين (عليهم‌السلام ).. وهو طريقة عقلائية متبعة في كل وقت وحين.

ونظير ذلك: ما فعله نبي الله موسى بأخيه هارون (عليهما‌السلام )، فقد أخذ برأس أخيه يجره إليه مع علمه ببراءته.. لأنه أراد أن يعرِّف قومه عظيم جنايتهم، وشدة قبح فعلتهم حين عبدوا العجل، ليظهر للناس: أنهم ليسوا أهلاً للمقام الذي يضعون أنفسهم فيه..

وتوضيح ذلك:

هناك من يقرأ كلمة اشتملت على إنها إخبار عن أنه (عليه‌السلام ) فعل ذلك والذي يظهر لنا هو:

أن الهمزة في كلمة (أشتملت) هي همزة الإستفهام، التي تكون مفتوحة

____________

1- الآية 116 من سورة المائدة.


لا مكسورة. أي: هل اشتملت؟!

فهي (عليها‌السلام )، إنما تسأل علياً (عليه‌السلام ) هذا السؤال لأجل تقريره، أي لكي تسمع الناس جوابه. وتعرِّفهم: بأن ما قد يفكرون به من أنه (عليه‌السلام ) قد ونى عن دينه، وتساهل في القيام بواجبه الشرعي، ليس له ما يبرره، فهم مخطئون جداً حين يفكرون بهذه الطريقة..

ولعل هذا يشير إلى وجود أجواء مسمومة تثار حول موقف أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).. أو هي على الأقل قد أرادت تحصيننا نحن من أن نقع فريسة أوهام كهذه، وذلك استشرافاً منها للغيب، وانسجاماً مع مقتضياته..

ويؤيد ذلك: أنها (عليها‌السلام ) صرحت في آخر كلامها بقولها: (ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ..)(1) .

ثانياً: لو سلمنا: أن الهمزة ليست للإستفهام، فإننا نقول:

____________

1- بحار الأنوار ج29 ص227 ـ 229 و 298 وكشف الغمة ج1 ص491 وج2 ص114 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص212 و213 والإحتجاج ج1 ص273 ودلائل الإمامة ص121 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص50 و السقيفة وفدك للجوهري ص102 و 146 والدر النظيم ص477 و اللمعة البيضاء ص670 والأنوار العلوية ص298 ومجمع النورين للمرندي ص132 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج19 ص163 ـ 167.


لا مانع أن يكون هذا الكلام قد جاء على سبيل التألم والتأسف أيضاً لما انتهى إليه حال أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، الذي لم يكن أمامه أي خيار مشروع إلا التصرف بهذه الطريقة، حتى لكأنه الجنين المحبوس، الجالس في بيته فراراً من الناس الذين لا يفهمون حكمة موقفه.

ثم عادت (عليها‌السلام ) لتصف حاله (عليه‌السلام ) فتقول:

إنه في بدء أمره نقض مقاديم ريش الصقر ببسالته وشجاعته، ثم أصبح كالأعزل من السلاح والقوة، فكأنه أصبح صقراً نقضت قوادمه، ولا يجديه صغار ريش الصقر الذي نقضت قوادم ريشه القوية.

فإن هذه الريش الصغار لا تعطي الصقر أية قوة على الطيران.

فكأنها (عليها‌السلام ) تقول له: أنت الذي فعلت بالمشركين الأفاعيل، وقد انتهى بك الأمر إلى هذه الحال الصعبة عليك وعلى هؤلاء الضعفاء..

وبعد ذكر مظلوميتها، وما جرى عليها من غاصبي حقها، عادت لتقول له (عليه وعليها‌السلام ):

إنك امتثالاً لأمر الله، وطلباً لرضاه خضعت، ووضعت خدك على التراب، ورضيت بتحمّل الأذى، وصبرت على استخفاف ظالميك بك، وتركت سعيك واهتمامك بالأمر، حتى ذهبت شوكتك وبأسك بنظرهم..

ورغم أنه (عليه‌السلام ) كان يفترس ذئاب الشرك في حروبه مع المشركين، ولكنه رضي بأن يفترش التراب، ويصبح في منتهى الفاقة والبؤس؛ لأن الله تعالى يريد منه ذلك.

ثم ذكرت (عليها‌السلام ): أنه ما كفّ عنها، وعنه قول الباطل من


الذين كانوا يؤذونهما بكلماتهم القارصة. ولم يغن (أي لم ينفع) في دفع باطل (وفي رواية: ولا أغنيت طائلاً)، أي ما عملت ما أنتج شيئاً عظيماً فيما يرتبط باسترجاع الحق المغتصب، بسبب استكبار أولئك وبطشهم، ولأنك التزمت بوصية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

لأنك كل همك هو حفظ معنى الإمامة في وجدان الأمة، فكان عملك هذا مؤثراً في حفظ الإمامة التي هي الركن الأعظم بعد النبوة.

ويمكن قراءة كلمتي: (كففت، وأغنيت) بضم التاء. أي أنها هي (عليها‌السلام ) لم تحقق ما كانت ترمي إلى تحقيقه. حيث لم يستجب لها الغاصبون لحقها.

وقولها: عذيري الله منه عادياً، ومنك محامياً معناه: العذير كالسميع، والأليم بمعنى: العاذر، والسامع، والمؤلم.

أي أن الله تعالى هو الذي يقبل عذرها في كلامها هذا الذي قالته لأبي بكر المعتدي عليها، حيث إنه تعالى يعلم أنها لم تتجنّ عليه في شيء من ذلك..

كما أن الله هو الذي يقبل عذرها في إظهارها للألم والأسى من الحالة التي بلغها علي (عليه‌السلام )، وهو سبحانه يعلم أن ما قالته في بيان ذلك لم يعدُ الحقيقة.

قذف الزهراء (عليها‌السلام ) على المنابر:

ومما جرى بعد تلك الأحداث الصعبة أن أبا بكر قد شبَّه علياً وفاطمة


(عليهما‌السلام ) بثعالة (أي الثعلب) شاهده ذنبه. ثم شبه علياً (عليه‌السلام ) وهو يستعين بالسيدة فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأم طحال، أحب أهلها إليها البغي(1) .

فقد قال المعتزلي: قال أبو بكر: (قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنتم فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ألا إني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك منا

ثم نزل، فانصرفت فاطمةعليه‌السلام إلى منزلها.

قلت: قرأت هذا الكلام على النقيب أبى يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له: من يعرض؟!

فقال: بل يصرح.

قلت: لو صرح لم أسألك.

فضحك وقال: بعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص214 و 215 ودلائل الامامة لابن رستم الطبري ص123 وبحار الأنوار ج29 ص325 ـ 328 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص447 و 448 والسقيفة وفدك للجوهري ص104 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص323 واللمعة البيضاء ص744 ومجمع النورين للمرندي ص136 وسفينة النجاة للتنكابني ص344 وبيت الأحزان ص152 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص509.


قلت: هذا الكلام كله لعلي يقوله؟!

قال: نعم، إنه الملك يا بنى..)

فإن أم طحال امرأة كانت من بغايا الجاهلية، كان يضرب بها المثل، فيقال: أزنى من أم طحال(1) .

فقول أبي بكر: إن علياً كأم طحال، وأن أحب أهله إليه البغي، ولذلك كانت الزهراء (عليها‌السلام ) أحب أهله إليه، مطبقاً عليها ـ والعياذ بالله ـ هذا الوصف القبيح. لهو كلام بالغ الخطورة

من حيث إنه يعتبر بمثابة القذف الصريح للسيدة الزهراء (عليها‌السلام )؟! أو هو سب سمج وممجوج لا يمكن قبوله، ولا السكوت عنه!!

ولعل هذا هو مراد الإمام الصادق (عليه‌السلام ) بقوله: (وأما قذف المحصنات، فقد قذفوا فاطمة على منابرهم)(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص215 وبحار الأنوار ج29 ص328 واللمعة البيضاء ص745 وبيت الأحزان ص153.

2- الخصال للصدوق ص364 وعلل الشرائع ج2 ص475 وتهذيب الأحكام ج4 ص149 و 150 ومعادن الحكمة ج2 ص122 و 123 ومن لا يحضره الفقيه (ط النجف) ج2 ص366 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص375 و 376 وبحار الأنوار ج27 ص210 و 211 وج76 ص5 و 6 و 14 وجامع أحاديث الشيعة ج8 ص621 وج13 ص356 و 357 و 358. راجع: موسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص342 وج9 ص272 وتفسير العياشي = ج1 ص237 وتفسير فرات الكوفي ص102 و 103 ونور الثقلين ج5 ص163 و 164 وكنز الدقائق ج2 ص434 وأطائب الكلم في بيان صلة الرحم للشيخ حسن الكركي ص45.


فإنا لله، وإنا إليه راجعون!!..

فضّال يحرج أبا حنيفة:

وروي: أن فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مرَّ بأبي حنيفة وهو في جمع كثير، يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه.

فقال ـ لصاحب كان معه ـ: والله لا أبرح حتى أخجل أبا حنيفة.

فقال صاحبه ـ الذي كان معه ـ: إن أبا حنيفة ممن قد علت حاله، وظهرت حجته.

قال: مه! هل رأيت حجة ضال علت على حجة مؤمن؟!

ثم دنا منه فسلم عليه، فردها، ورد القوم السلام بأجمعهم.

فقال: يا أبا حنيفة، إن أخاً لي يقول: إن خير الناس بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وأنا أقول: أبو بكر خير الناس، وبعده عمر. فما تقول أنت رحمك الله؟!

فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كرماً وفخراً، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة تريد أوضح من هذا؟!


فقال له فضَّال: إني قد قلت ذلك لأخي فقال: والله لئن كان الموضع لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما حق فيه، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لقد أساءا وما أحسنا، إذ رجعا في هبتهما، ونسيا عهدهما.

فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عايشة وحفصة، فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما.

فقال له فضَّال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مات عن تسع نساء، ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك؟!

وبعد، فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وفاطمة بنته تمنع الميراث؟!

فقال أبو حنيفة: يا قوم، نحوه عني فإنه رافضي خبيث(1) .

____________

1- راجع: الإحتجاج ج2 ص315 و 316 و (ط دار النعمان) ج2 ص150 وكنز الفوائد للكراجكي ج1 ص294، وبحار الأنوار ج10 ص231 وج31 ص93 وج44 ص155 وج47 ص400 والأنوار النعمانية ج1 ص87 والفصول المختارة ص74 واللمعة البيضاء ص803 و 804 والخرائج والجرائح ج1 ص243 وشجرة طوبى ج2 ص428.


علي (عليه‌السلام )والعباس يتنازعان في الميراث:

عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن أبي رافع قال:

إني لعند أبي بكر إذ طلع علي والعباس، يتدافعان ويختصمان في ميراث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، (في المناقب: في برد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وسيفه، وفرسه)، فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل. يعني بالقصير: علياً، وبالطويل: العباس.

فقال العباس: أنا عم النبي ووارثه، وقد حال علي بيني وبين تركته.

قال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبي بني عبد المطلب وأنت أحدهم، فقال: أيكم يؤازرني، ويكون وصيي وخليفتي في أهلي، ينجز عدتي، ويقضي ديني؟؟.

فأحجمتم عنها إلا علياً.

فقال النبي: أنت كذلك.

فقال العباس: فما أقعدك في مجلسك هذا؟! تقدمته وتأمرت عليه.

قال أبو بكر: أعذرونا يا بني عبد المطلب (أو أغدراً يا بني عبد المطلب؟!)(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج29 ص67 و 68 وج38 ص3 وراجع: الإحتجاج للطبرسي ج1 ص229 و 230 و (ط دار النعمان سنة 1386هـ) ج1 ص116 وإثبات الهداة ج2 ص175 عن كتـاب البرهـان للشمشاطي، ومناقـب آل أبي طـالب ج3 = = ص49 و (ط المكتبة الحيدرية 1376هـ) ج2 ص249 وراجع: الدرجات الرفيعة ص90 والمسترشد لابن رستم الطبري ص577 والعقد النضيد للقمي ص144 وستأتي خصومة علي والعباس في الميراث لدى عمر.

وقد ذكر عمر خصومتهما إلى أبي بكر، وسنن أبي داوود برقم 2693 و 1964 و 2965 و 2967 والترمذي برقم 1610 وسنن النسائي ج7 ص136 و 137 وصحيح مسلم رقم 1757 ج3 ص1377 ـ 1379 و (ط دار الفكر) ج5 ص152 وصحيح البخاري كتاب الفرائض: باب قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا نورث ما تركناه صدقة (ط دار الفكر) ج8 ص3 و 4 وج4 ص43 وج5 ص23. وكتاب الجهاد باب المحن، ومختصر المنذري حديث 2843 و 2847 وجامع الأصول حديث 1202 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص297 و 298 وكنز العمال ج7 ص240 واللمعة البيضاء ص761.


ونقول:

إن لنا مع هذا الحديث وقفات، هي التالية:

تحريف الحديث الشريف:

إننا نعتقد: أن هذا الحديث قد تعرض للتلاعب والتحريف، كما يدل عليه نفس متنه، لأن ما نقله أبو بكر عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنما تضمن ذكر خلافة علي (عليه‌السلام ) للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أهله، وليس في الأمة.

وقول العباس لأبي بكر: فما أقعدك في مجلسك هذا. إنما يتم لو كان


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد جعله خليفة في أمته، أو خليفته من بعده على الإطلاق..

إلا إذا قلنا: أن خلافته في أهله لا تنفصل عن خلافته في أمته من حيث هو نبي وولي، إذ لا أهل للنبي بعد وفاته غير الزهراء، وهي زوجة علي (عليه‌السلام ).

فاستدلال العباس بهذه الفقرة على أحقية علي (عليه‌السلام ) بموقع الخلافة من أبي بكر، وقبول أبي بكر بهذا الإستدلال، وخشيته من أن يكون بنو هاشم بصدد استرجاع هذا الأمر منه، لأنهم هم الأحق به، يدل على أن كلمة (في أهلي) إما زيدت في الرواية للتشويه والتمويه، أو انها تدل على الولاية العامة حسبما ذكرناه..

أيهما المحق؟! وأيهما المبطل؟!:

وقد سأل يحيى بن خالد البرمكي هشام بن الحكم بمحضر الرشيد، فقال: أخبرني يا هشام، هل يكون الحق في جهتين مختلفتين؟!

قال هشام: الظاهر لا..

إلى أن قال يحيى: فأخبرني عن علي والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث، أيهما كان المحق من المبطل؟! إذ كنت لا تقول إنهما كانا محقين، ولا مبطلين!!

قال هشام: فنظرت، فإذا إنني إن قلت: إن علياً (عليه‌السلام ) كان مبطلاً كفرت، وخرجت من مذهبي.


وإن قلت: إن العباس كان مبطلاً ضرب الرشيد عنقي. ووردت علي مسألة لم أكن سئلت عنها قبل ذلك الوقت، ولا أعددت لها جواباً.

فذكرت قول أبي عبد الله (عليه‌السلام ): يا هشام، لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. فعلمت أني لا أخذل، وعنّ لي الجواب في الحال، فقلت له:

لم يكن لأحدهما خطأ حقيقة، وكانا جميعاً محقين، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داود (عليه‌السلام )، يقول الله عز وجل:( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) .

إلى قوله تعالى:( خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ) (1) . فأي الملكين كان مخطئاً، وأيهما كان مصيباً؟!

أم تقول: إنهما كانا مخطئين؟! فجوابك في ذلك جوابي.

فقال يحيى: لست أقول: إن الملكين أخطئا، بل أقول: إنهما أصابا، وذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة، ولم يختلفا في الحكم. وإنما أظهرا ذلك لينبها داود (عليه‌السلام ) في الخطيئة، ويعرفاه الحكم، ويوقفاه عليه.

قال هشام: قلت له: كذلك علي (عليه‌السلام ) والعباس لم يختلفا في الحكم، ولم يختصما في الحقيقة، وإنما أظهرا الإختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على خطئه، ويدلا على أن لهما في الميراث حقاً، ولم يكونا في ريب من أمرهما، وإنما كان ذلك منهما على حد ما كان من الملكين.

____________

1- الآيتان 21 و 22 من سورة ص.


فاستحسن الرشيد ذلك الجواب(1) .

أبو بكر يناقض نفسه:

روى المدائني عن هشام بن سعد، عن عيسى بن عبد الله بن مالك قال: خاصم العباس علياً إلى أبي بكر، فقال: العم أولى أو ابن العم؟!

قال: العم.

قال: ما بال درع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وبغلته دلدل، وسيفه عند علي؟!

فقال أبو بكر: هذا شيء وجدته في يده، فأنا أكره نزعه منه، وتركه العباس(2) .

____________

1- بحار الأنوار ج10 ص293 وج29 ص69 و 70 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص49 والفصول المختارة للمرتضى ص49 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص545 وإحقاق الحق (الأصل) ص228 وهشام بن الحكم للشيخ عبد الله نعمة ص227 وقال في هامشه: الفصول المختارة ج1 ص24 ـ 25 وقارن ما نقله في ضحى الإسلام ج3 ص262 ـ 269، فإنه اختصر هذه المناظرة، وانظر بحار الأنوار ج4 ص159. وعيون الأخبار لابن قتيبة ج5 ص150 والعقد الفريد ج1 ص270.

2- إمتاع الأسماع ج7 ص148 وراجع: مسند أحمد ج1 ص13 ومجمع الزوائد ج4 ص207 ومسند أبي يعلى ج1 ص34 والتمهيد لابن عبد البر ج8 ص159 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص586.


فنلاحظ:

1 ـ كان بإمكان أبي بكر أن يسأل علياً (عليه‌السلام ) عن هذا الذي تحت يده كيف وصل إليه.. فإن كان بنحو مملك تركه له، وإن كان على سبيل الإستيلاء والتعدي فلماذا لا ينتزعه منه؟!

2 ـ لماذا انتزع أبو بكر فدكاً من يد فاطمة (عليها‌السلام ) وطرد وكلاءَها منها.. ولا ينتزع بغلة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من علي (عليه‌السلام )؟!

3 ـ إن السؤال الصحيح ليس هو عن كون ابن العم أولى من العم، بل السؤال هو: هل العم أولى من البنت؟!

إذ إن علياً (عليه‌السلام ) لم يدَّعِ أنه هو الوارث للمال، بل هو يقول: إن فاطمة هي التي ترث دون العم.

أنا ولي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

قال العلامة: (كيف يجوز لأبي بكر أن يقول: أنا ولي رسول الله، وكذا لعمر، مع أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مات وقد جعلهما من جملة رعايا أسامة بن زيد)(1) .

وأجاب البعض: بأن المراد بالولي: من تولى الخلافة، فإنه يصبح

____________

1- نهج الحق ص364 وراجع: دلائل الصدق ج3 قسم 2 ص124 والطرائف لابن طاووس ص272 وإحقاق الحق (الأصل) ص302.


المتصرف في أمور رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعده، وتأمير أسامة عليهما لا يجعلهما من رعاياه، بل هم جميعاً من رعايا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

وهو جواب لا يصح: فقد قال الشيخ محمد حسن المظفر (رحمه‌الله )، ما حاصله: إن الولي للشخص هو المتصرف في أموره؛ لسلطانه عليه ولو في الجملة، كالمتصرف في أمور الطفل والغائب. ولا يصدق على الوكيل أنه ولي، مع أنه متصرف في أمور غيره. فلا أقل من أن ذلك إساءة أدب معه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ولو سلم اعتبار السلطنة في معنى الولي، فدعواهما أنهما وليا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غير صحيحة، لأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يستصلحهما حين وفاته إلا لأن يكونا في جملة رعايا أسامة، فكيف صلحا بعده للإمامة على الناس عامة ومنهم أسامة؟!

على أن إضافة الولي إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، من دون اعتبار السلطنة في معنى الولي، تقتضي ظاهراً: أن تكون الولاية مجعولة من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لأنها من إضافة الصفة إلى الفاعل، لا إلى المفعول، وذلك باطل بالاتفاق.

____________

1- هذا كلام ابن روزبهان في كتابه المسمى: (إبطال نهج الباطل) فراجع دلائل الصدق ج3 قسم 2 ص125.


وإنكار إطلاق الرعية على مثل تأمير أسامة في غير محله(1) .

عثمان رسول نساء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أبي بكر:

وقال المجلسي أيضاً والمعتزلي روي عن عائشة: إن أزواج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسلن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- دلائل الصدق ج3 قسم 2 ص126.

2- بحار الأنوار ج29 ص71 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص223 و 228 وفتوح البلدان للبلاذري ج1 ص34 وأنساب الأشراف ج1 ص520 ومسند ابي عوانة ج4 ص145 وراجع ص143 وطبقات ابن سعد ج2 ص315 والمصنف للصنعاني ج5 ص471 و472 والصواعق المحرقة ص36 وتلخيص الشافي ج3 ص150 والموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج3 ص154 والبداية النهاية ج4 ص203 وج5 ص288 والإيضاح لشاذان ص257 ـ 262 وراجع هوامشه، وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج5 ص24 وتركة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للبغدادي ص84 ومسند الشاميين ج4 ص199 لكن في صحيح مسلم ج3 ص1379 حديث51: إنهن أردن أن يرسلن عثمان إلى أبي بكر، فاعترضت عائشة عليهن بحديث أبي بكر: إن النبي لا يورث. وراجع: سنن أبي داود ج3 ص144 و 145 وراجع: السقيفة وفدك للجوهري ص113 و 115 ومعجم البلدان ج4 ص239 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص205 و 207 و201 وعمـدة القـاري ج17 ص130 و 131 واللمـعـة البيضاء ص762 = والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص299.


فهل جهل نساء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن النبي لا يورث؟!

وكيف يذهب عثمان بهذه المهمة، مع أن عمر قد أقسم على جماعة فيهم عثمان: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة.

فقالوا: نعم؟!(1) .

وكيف لم يصدق عثمان أبا بكر فيما رواه عن رسول الله من أن الأنبياء لا يورثون؟!

وكيف دفع عمر صدقة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالمدينة إلى علي (عليه‌السلام ) إذا كان النبي لا يورث أصلاً؟!

وكيف دفع عمر سهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخيبر، وما أفاءه الله عليه إلى علي وحده، أو إلى علي (عليه‌السلام ) والعباس؟!

وكيف ترك أبو بكر سيف رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبغلته وعمامته إلى علي (عليه‌السلام )؟! فإن كان لأجل احتمال أن يكون قد منحه النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إياهما قبل وفاته.. فلماذا لم يحتمل مثل الاحتمال في فدك أيضاً مع وجود الشهود، وسائر الدلائل والشواهد على ذلك، وإن كان لأجل أن الوارث هو الزهراء (عليها‌السلام ).. فلماذا يمنع الزهراء

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص223 و 222 واللمعة البيضاء ص762 ونيل الأوطار للشوكاني ج6 ص196 وأضواء البيان للشنقيطي ج3 ص361 وعن الرياض النضرة ج2 ص124.


إرثها؟!

وكيف، ولماذا إذن.. يروي أبو بكر عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة؟!.

وأيضاً تناقضات أبي بكر:

1 ـ ورد في النصوص: أن أبا بكر قال: سمعت رسول الله يقول: إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة، ولا أرضاً، ولا عقاراً، ولكنا نورث الإيمان، والحكمة، والعلم، والسنة(1) .

وهو كلام يدل على أن الأنبياء لم يأتوا إلى الدنيا لجمع الأموال..

ولا يدل على أنهم لو تركوا شيئاً كان لغير ورثتهم، وهذه الإختلافات في نقل حديث عدم توريث الأنبياء قد تكررت في كلام أبي بكر، ولعله لأنه

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص214 و 252 و 224 والسقيفة وفدك للجوهري ص103 واللمعة البيضاء ص758 و 687 وراجع: الإحتجاج (ط دار النعمان) ج1 ص142 وبحار الأنوار ج29 ص231 ومناقب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ومـا نـزل من القرآن في عـلي لابن مردويـه الأصفهاني ص203 والخصائص الفاطمية للكجوري ج2 ص17 ومجمع النورين للمرندي ص133 والشافي في الإمامة للمرتضى ج4 ص76 وسفينة النجاة للتنكابني ص173 وبيت الأحزان ص147 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص359 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص493.


كرر كلامه في أكثر من موقف ومناسبة.

2 ـ وقد ذكر الشيخ الطوسي وغيره: أن أبا بكر قد ناقض نفسه في موضوع الإرث بصورة لا يمكن معالجتها، فهو قد روى عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث.

ثم دفع سيف رسول الله وبغلته، وعمامته وغير ذلك (وفي نص آخر: دفع آلة رسول الله ودابته وحذاءه(1) ) إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ). وقد نازعه العباس فيها، فحكم بها لعلي (عليه‌السلام ).

إما لأن ابن العم ـ إذا كان عم الميت ـ من الأب والأم، أولى من العم إذا كان من جانب الأب فقط(2) ، لأن المتقرب إلى الميت بسببين أولى من

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص214 والسقيفة وفدك للجوهري ص103 واللمعة البيضاء ص758 ومعالم المدرستين ج2 ص138 عن: الأحكام السلطانية للماوردي ص171.

2- البداية والنهاية ج6 ص9 والرياض النضرة ج2 ص17 وبحار الأنوار ج29 ص70 وج101 ص394 وإحقاق الحق (الأصل) للتستري ص226 والمقنعة للشيخ المفيد ص692 وراجع: الخلاف للشيخ الطوسي ج4 ص20 والمراسم العلوية لسلار ص225 والمهذب لابن البراج ج2 ص145 والنهاية للطوسي ص653 وشرائع الإسلام للمحقق الحلي ج4 ص831 وقواعد الأحكام للعلامة الحلي ج3 ص370 ومختلف الشيعة ج9 ص24 وإيضاح الفوائد ج4 ص227 ومسالك الأفهام ج13 ص158وكشف اللثام (ط.ق) ج2 ص297= = و (ط.ج) ج9 ص446 والقواعد والفوائد ج2 ص291 وفقه الرضا ص289 ونضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري ص450 والمناقب لابن شهرآشوب ج1 ص129 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص225 والإحتجاج.


المتقرب إليه بسبب واحد..

وإما لأن العم لا يرث مع وجود البنت، كما هو مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام )(1) .

دفاع الأتباع:

و قد دافع أتباع أبي بكر وعمر عنهما في موضوع إرث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما لا يصلح ولا يفيد، فقالوا:

1 ـ بالنسبة لما أعطاه لعلي (عليه‌السلام ) من تركة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

لا شك في أن أبا بكر لم يدفع هذه الاشياء ذلك إلى علي (عليه‌السلام ) بعنوان أنها إرث، لأن ذلك لا ينسجم مع حديث نحن معاشرالأنبياء لا نورث.

كما أنه لا إرث لعلي (عليه‌السلام ) مع العم، لأنه عصبة.. فإن كانت فاطمة (عليها‌السلام ) قد ورثت شيئاً، فالعباس شريكها، وأزواج النبي

____________

1- تلخيص الشافي ج3 ص147 و 148 وبحار الأنوار ج29 ص70 وإحقاق الحق (الأصل) ص226 وراجع ص458.


(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شركاؤها أيضاً.

ولوجب أن يكون ذلك ظاهراً مشهوداً، ليعرف أنهم أخذوا نصيبهم من غير ذلك، أو بدله..

وذكروا أيضاً: أن عدم أخذ الشيء بالإرث لا يعني عدم الحصول عليه أصلاً، إذ قد يحصل عليه عن طريق النحلة، أو قد يعطيه إياه أبو بكر، ليكون في يده لمصلحة يراها، كتقوية الدين.. (ثم يتصدق أبو بكر ببدله).

وأما البردة والقضيب، فلعل أبا بكر لم يتصدق بهما، بل جعلهما عدة في سبيل الله، تقوية على المشركين، فتداولته الأئمة.

هذا إن ثبت أنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم ينحله أحداً في حال حياته..

ونقول:

أولاً: إذا جاز أن يكون كل ذلك مما نحله الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حال حياته.. لأحد من الناس، فلماذا لم يصدقوا الزهراء (عليها‌السلام ) في أمر فدك، فإنها كانت نحلة لها من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، في حال حياته وكانت في يدها، وعمالها فيها لعدة سنوات في حياته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

إلا إذا فرض ـ والعياذ بالله ـ: أن أبا بكر يكذّب السيدة الزهراء (عليها‌السلام )، التي طهرها الله تطهيراً..

ثانياً: لقد أوجب هذا المدافع: أن يكون ما وصل إلى فاطمة (عليها‌السلام ) معروف الجهة، هل هو نحلة؟! أو على سبيل الإرث؟! أو غير ذلك؟! وأن يكون ذلك ظاهراً مشهوداً.


ولكنه يعود فيدَّعي لأجل تصحيح فعل أبي بكر بالبردة والقضيب، وإعطائه سيف وبغلة وعمامة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام ) ـ يدعي ـ: أنه قد يكون ذلك ملك علي من جهة أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد نحله إياه، وقد يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطى البردة والقضيب لأحد على سبيل النحلة.

مع أنه لا بد أن يكون ذلك ظاهراً مشهوداً أيضاً حسب قوله. إلا إذا كان هذا المدافع يشترط الظهور والشهرة في نحلة الزهراء (عليها‌السلام ) دون غيرها!!

مع أن كون فدك نحلة للزهراء (عليها‌السلام ) أيضاً كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.

2 ـ أما بالنسبة لتنازع علي (عليه‌السلام ) والعباس، وكذلك بالنسبة لطلب الأزواج الميراث، فقد أجاب المدافعون عن أبي بكر، بأن من الممكن أن يكون العباس، وعلي (عليه‌السلام )، وكذلك الأزواج غير عالمين بحديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث..

ونجيب:

بأن هذا الإحتمال غريب وعجيب، فإن علياً (عليه‌السلام ) وكذلك سائر الصحابة، قد شهدوا ما جرى بين أبي بكر والزهراء (عليها‌السلام )، وسمعوا خطبتها المشهورة حول هذا الموضوع.

وعرفوا ورأوا كيف استدل أبو بكر بهذا الحديث ناسباً له إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. فمتى نسوا هذا الحديث؟! وهل يمكن أن ينسى


العباس وعلي (عليه‌السلام ) هذا الحديث، وقد انتزع أبو بكر بسببه من يدهم تلك الأراضي والأموال؟!

والحال أن هذه المنازعة بين العباس وعلي (عليه‌السلام ) قد جرت بعد استشهاد الزهراء (عليها‌السلام ).


الفصل الثالث: مطالبات.. في نفس السياق: العباس وفاطمة (عليهما‌السلام )..



نماذج أخرى على طريق الخيبة:

ورغم كل مزاعمهم الرامية إلى تخفيف حدة النقد الموجه إلى أبي بكر، وتحاشى ما يمكن تحاشيه من المؤاخذات له. فإن نفس تلك المزاعم قد حفلت بالتناقضات التي تحبط مسعاهم، وتسقط مكرهم.. ونذكر نماذج يسيرة وقصيرة من ذلك هنا للتذكير، فقط وهي التالية:

أموال بني النضير:

عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي منها في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله(1) .

____________

1- صحيح البخاري ج3 ص227 وج6 ص58 وصحيح مسلم ج5 ص151 وسنن أبي داود ج2 ص22 وسنن الترمذي ج3 ص131 وسنن النسائي ج7 ص132 ومسند أحمد ج1 ص25 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص296 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص633 والدر المنثور ج6 ص284 و (ط دار المعرفة) ج6 ص192 عن البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن داود، والترمذي، = = والنسائي، وابن المنذر. وبحار الأنوار ج29 ص348 عن جامع الأصول، وكنز العمال ج4 ص522 واللمعة البيضاء ص785 وعون المعبود ج8 ص159 ونيل الأوطار ج8 ص230 وأحكام القرآن لابن العربي ج2 ص407 وإمتاع الأسماع ج2 ص294 وج13 ص147 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص443 وكتاب المسند للشافعي ص322 وشرح مسلم للنووي ج12 ص70 وفتح الباري ج6 ص69 و 143 وعمدة القاري ج14 ص185 وج19 ص224 والسنن الكبرى للنسائي ج3 ص46 وج5 ص377 وج6 ص848 ومسند أبي حنيفة ص258 و معرفة السنن والآثار للبيهقي ج5 ص112 والتمهيد لابن عبد البر ج8 ص169 وأحكام القرآن لابن إدريس الشافعي ج1 ص154 والجامع لأحكام القرآن ج8 ص14 وج18 ص11 و تفسير القرآن العظيم ج4 ص359 وفتح القدير ج5 ص199 و تفسير الآلوسي ج28 ص44 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص208 وفتوح البلدان للبلاذري ج1 ص20 والبداية والنهاية ج4 ص91 وج6 ص61 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص153 وسبل الهدى والرشاد ج7 ص89.


ونقل القرطبي عن عمر: قال: (إنها كانت خالصة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، يعني: بني النضير، وما كان مثلها)(1) .

____________

1- الجامع لأحكام القرآن ج18 ص11 و (ط دار إحياء التراث العربي سنة 1405) ج18 ص13 وأحكام القرآن لابن العربي ج4 ص214 وفتح القدير ج5 ص197 و 198.


ونقول:

ان ملاحظة الفصول السابقة تعطي:

أن الكلام عن فدك قد كثر وتنامى، لأنها كانت نحلة من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لابنته فاطمة (عليها‌السلام ) في حال حياته. فأخذوها منها ـ كما بيناه أكثر من مرة، ـ فاحتجت على أبي بكر، وطالبته بنحلتها، فمنعها إياها.

وطالبته أيضاً بإرثها في بني النضير، وفي سائر ما تركه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فمنعها إياه أيضاً.. فإن عمر يقر أن بني النضير كانت خالصة للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ولكنه يعود فيقول: إنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يأخذ قوت سنته ويجعل الباقي في الكراع والسلاح، ليوهم السامع أو القارئ أن هذا هو مصرف ما كان للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مع أن الأمر ليس كذلك، فإنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذا كان يضع الباقي في الكراع والسلاح فإنما كان يفعل ذلك على سبيل التطوع. كان انسان يبذل ماله في سبيل الخير..

وما نريد أن نشير إليه هنا هو: أن أموال بني النضير كانت ملكاً شخصياً للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وإذا كان قد جعل باقي غلتها في الكراع والسلاح فإنما كان ذلك على سبيل التطوع والإستحباب.. لا لأن ذلك هو حكم الله أمثال هذه الأموال..

وقد رأينا: أن علياً (عليه‌السلام ) قد بلغت زكاة أمواله أربعة آلاف


(أو أربعون ألف) دينار في كل سنة(1) .

وقد وقف على الحُجاج مئة عين استنبطها في ينبع(2) .

____________

1- راجع: كشف المحجة ص134 وبحار الأنوار ج41 ص26 و 43 وأنساب الأشراف ج2 ص117 ومنتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج5 ص560 ومسند أحمد ج1 ص159 وينابيع المودة ص372 عن فصل الخطاب لخواجة پارسا، وأسد الغابة ج4 ص23 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص199 ومجمع الزوائد ج9 ص123 والتراتيب الإدارية ج1 ص407 وتهذيب الأسماء ج1 ص346 وصيد الخاطر ص26 وشرح إحقاق الحق (ملحقات) ج8 ص574 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص72 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج2 ص450 و 451 وحلية الأولياء ج1 ص86 وكنز العمال ج15 ص159 عن أحمد، وأبي نعيم، والدورقي، والضياء في المختارة، والسيرة الحلبية ج2 ص207 والرياض النضرة ج4 ص208 وعن أرجح المطالب ص166 وعن ربيع الأبرار، وراجع: أصول مالكيت للأحمدي ج2 ص74 وراجع: الصراط المستقيم ج3 ص95 ومناقب الإمام أمير المؤمنـين (عليها‌السلام ) للكـوفي ج2 ص66 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص478 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص632 ونظم درر السمطين ص191 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص375 والبداية والنهاية ج7 ص368.

2- أصول مالكيت ج2 ص79 عن المناقب ج2 ص123 وراجع: البحار ج41 ص32 وراجع حول ثورته (عليه‌السلام ) أيضاً ج41 ص125 ففيه قصة طريفة حول هذا الموضوع وراجع: الوسائل ج12 ص225.


وكانت صدقاته تكفي لبني هاشم جميعاً(1) .

ولكن هل ورث أبناؤه من هذه الأموال شيئاً، أم أنه لم يخلف شيئاً سوى سبع مئة درهم كان قد اقترضها من بيت المال ليشتري بها خادماً لأهله(2) ، ثم أوصى الإمام الحسن (عليه‌السلام ) بأن يرجعها إلى بيت المال،

____________

1- كشف المحجة ص124 والبحار ج41 ص26.

2- بحار الأنوار ج25 ص214 وج40 ص340 وج42 ص202 وج43 ص359 و 362 وشرح النهج للمعتزلي ج15 ص146 وج16 ص30 وينابيع المودة ص208 و (ط دار الأسوة) ج2 ص32 و 212 والإمامة والسياسة ج1 ص162 والفتوح لابن أعثم ج4 ص146 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج3 ص48 وتاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص207 وراجع: الأصول الستة عشر ص29 ومسائل علي بن جعفر ص328 والكافي ج1 ص457 والأمالي للصدوق ص397 وخصائص الأئمة ص80 وروضة الواعظين ص138 وشرح أصول الكافي ج7 ص211 ومقاتل الطالبيين ص33 وشرح الأخبار ج2 ص436 والإرشاد للمفيد ج2 ص8 وذخائر العقبى ص138 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص144 ومدينة المعاجز ج3 ص51 والمستدرك للحاكم ج3 ص172 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص112 والذرية الطاهرة النبوية ص110 وتفسير فرات ص198 وقاموس الرجال للتستري ج10 ص501 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص581 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص213 وإمتاع الأسماع ج11 ص179 وبشارة المصطفى ص362 وإعـلام الـورى ج1 ص406 وكشـف الغمـة ج2 ص155 و 161 و 169 = = والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص716 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص67.


ففعل(1) .

ولو أن شيئاً من تلك الأراضي والأموال بقي عند وفاة علي (عليه‌السلام )، فلا بد أن يقتسمها ورثته (عليه‌السلام ) كما هو معلوم.

ولكن علياً (عليه‌السلام ) قد تصدق بكل الأراضي التي كانت عنده، أو وقفها على المسلمين، ولم يبق منها شيء حين وفاته(2) .

وقد عاش (عليه‌السلام ) ومات وما بنى لبنة على لبنة، ولا قصبة(3) على قصبة، بل هو قد باع سيفه، وقال: (لو كان عندي ثمن عشاء ـ أو ازار ـ ما بعته)(4) .

ويقول اليعقوبي: إنه (عليه‌السلام ): (لم يلبس ثوباً جديداً ولم يتخذ ضيعة، ولم يقعد على مال، إلا ما كان بينبع والبغيبغة مما يتصدق به)(5) .

____________

1- الفتوح لابن أعثم ج4 ص146 و (ط دار الأضواء) ج4 ص282.

2- راجع: شرح النهج للمعتزلي ج15 ص46 وكشف المحجة ص126 والبحار ج40 ص340.

3- تهذيب الأسماء ج2 ص346 واسد الغابة ج4 ص24 والمناقب للخوارزمي ص70 والبداية والنهاية ج8 ص55 والبحار ج40 ص322.

4- كشف المحجة ص124 والبحار ج41 ص324 وأصول مالكيت ج2 ص78 ـ 98 عن مصادر كثيرة.

5- مشاكلة الناس لزمانهم ص15.


وعنه يقول معاوية: (والله، لو كان له بيتان: بيت تبن، وبيت تبر، لأنفق تبره قبل تببه)(1) .

تناقض الفعل والقول:

روي: أن فاطمة (عليها‌السلام ) أرسلت رسولاً إلى أبي بكر ليطالبه بما كان لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر؛ فقال أبو بكر:

(إن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال. وإني ـ والله ـ لا أغير شيئاً من صدقات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن حالها التي كانت في عهد رسول الله)(2) .

____________

1- كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص475 وكشف الغمة ج2 ص47 وترجمة الإمام علي (عليه‌السلام ) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج3 ص58 و60.

2- صحيح البخاري ج4 ص210 وج5 ص82 و 153 ومسند أحمد ج1 ص9 وسنن أبي داود ج2 ص23 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص218 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص300 وج7 ص65 وج10 ص143 وج17 ص257 والمنتقى من السنن المسندة ص276 وشرح معاني الآثار ج2 ص5 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص369 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص196 وصحيح ابن حبان ج11 ص153 وج14 ص573 والتمهيد لابن عبد البر ج8 ص152 والإكمال في أسماء الرجال ص168 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص315 وكنز العمال ج5 ص604 = = وتركة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لحماد بن زيد البغدادي ص82 وعمدة القاري ج16 ص222 والسقيفة وفدك للجوهري ص107 والعمدة لابن البطريق ص390 و 391 والطرائف لابن طاووس ص258 و 259 وكتاب الأربعين للشيرازي ص522 وبحار الأنوار ج29 ص111 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص412 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص740 وشرح أصول الكافي ج7 ص405 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج25 ص535 وج33 ص356.


ونقول:

أولاً: ورد في نص آخر: أن أبا بكر قال عن فدك: (إن هذا المال لم يكن للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وإنما كان مالاً من أموال المسلمين، يحمل النبي به الرجال، وينفقه في سبيل الله. فلما توفي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وليته كما كان يليه..)(1) .

فأبو بكر تارة يعترف بأن فدكاً للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لكن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث، لأنه جعل ما تركه صدقة.

وتارة يقول: ليست هي للنبي من الأساس.. وإنما للمسلمين.

وسواء أكانت فدك للمسلمين، أو كانت صدقة، فالسؤال هو: كيف

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص214 وبحار الأنوار ج29 ص328 و 391 والسقيفة وفدك للجوهري ص104 وبيت الأحزان ص154 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص468 واللمعة البيضاء ص750.


أعطى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مال المسلمين لفاطمة (عليها‌السلام ) أو مال الصدقة لغير أهله وبقيت معها عدة سنوات؟!

ثانياً: إن فاطمة (عليها‌السلام ) لم تطالب أبا بكر بأكثر مما يلزم به نفسه ـ ويعمل بضده ـ وهو: أن يبقي صدقات رسول الله على حالها. وقد كانت فدك ـ كما يدَّعيه أبو بكر ـ صدقة، فإذا كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطاها لفاطمة، فلماذا لم يبقها بيد فاطمة (عليها‌السلام )؟! فإنه يقول: إني لا أغير شيئاً مما كان على عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثالثاً: لماذا عاد أبو بكر، وكتب لها كتاباً بفدك، ثم تصدى عمر بن الخطاب لها، فأخذه منها قهراً، ومزّقه.. فهل انقلبت الأمور عما هي عليه، وأصبح بالإمكان أن تعطى فدك للزهراء (عليها‌السلام )؟!

وبعد اعتراض عمر، وتمزيقه للكتاب لماذا لم يحرك أبو بكر ساكناً، ولو بتوجيه كلمة لوم لعمر، أو أي شيء يدل على عدم رضاه بفعله..

رابعاً: إذا كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطى فدكاً لفاطمة (عليها‌السلام ) في حياته، وصح لأبي بكر أن يسترجعها منها، فلماذا لم يسترجع أيضاً سائر عطايا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟! فإنه لا فرق بينها في الحكم الذي نسبه أبو بكر لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

أبو بكر يقرّ بإرث الأنبياء:

عن أبي الطفيل أنه قال: أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أم أهله؟


قال: بل أهله.

قالت: فما بال سهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

قال: إني سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: إن الله أطعم نبيه طعمة، ثم قبضه، وجعله للذي يقوم بعده، فوليت أنا بعده على أن أرده على المسلمين.

قالت: أنت وما سمعت من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعلم. وقريب منه ما عن أم هاني(1) .

وعن عائشة: إن أبا بكر أجاب رسول فاطمة (عليها‌السلام ) بروايته عن النبي: (لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال إلخ..)(2) .

وقد علّق المعتزلي رواية أبي الطفيل بأن قوله: (بل أهله) تصريح بأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) موروث يرثه أهله. وهو خلاف قوله: (لا نورث).

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص218 و 219.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص217 و 218. وراجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص210 وسنن أبي داود ج2 ص23 والسقيفة وفدك للجوهري ص107 وعمدة القاري ج16 ص222 وصحيح ابن حبان ج11 ص152 وكنز العـمال ج5 ص604 وسبل الهـدى والرشـاد ج12 ص369 والعمدة لابن البطريق ص390 و 391 والطرائف لابن طاووس ص258 وكتاب الأربعين للشيرازي ص522 وبحار الأنوار ج29 ص111.


وبأن قوله: بأن الله أطعم نبياً طعمة: أن ذلك يجري أيضاً على نبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

ونقول:

أولاً: إن التناقض في مواقف أبي بكر ليس بالمستهجن، حيث يبدو أن مطالبات فاطمة (عليها‌السلام ) له قد تكررت، وربما يكون قد فوجئ أحياناً بالسؤال، فجاء جوابه مرتجلاً. فتناقض مع جواب له سابق.

وقد صرح المعتزلي بوقوع عمر أيضاً في مثل هذا الأمر، فقال: (كان عمر يفتي كثيراً بالحكم ثم ينقضه، ويفتي بضده وخلافه)(2) .

ثانياً: إن كلامه حول الطعمة لا يتناقض مع مقولة عدم توريث الأنبياء (عليهم‌السلام )، فهو قد صرّح: بأن فدكاً لم تكن ملكاً لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وحديثه عن الإرث لعله لم يكن عن فدك بالذات..

ثالثاً: إن حديث عائشة لا ينافي حديث أبي الطفيل، فلعل فاطمة (عليها‌السلام ) أرسلت إلى أبي بكر من يطالبه بحقها أكثر من مرة.

رابعاً: ليس لكلمة: (أنت وما سمعت من رسول الله أعلم) معنى يحسن السكوت عليه، إلا على تأويل بعيد عن مساق الكلام، كأن يكون المراد: أنت أعلم. وأنت وما سمعت عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وهذا كلام ركيك. ولا يخفى على المتأمل. أنه مكذوب على لسان فاطمة

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص219.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص181.


(عليها‌السلام ).

خامساً: زعم أبو بكر أنه ولي المسلمين بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أن يرد الطعمة التي كانت للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على المسلمين.

والسؤال هو:

ألف: من الذي اشترط على أبي بكر هذا الشرط؟! وهو رد الطعمة على المسلمين.

ب: من الذي أخبر أبا بكر بأن هذه طعمة للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!.

ج: هل هذه الطعمة كانت مأخوذة من المسلمين لكي ترد عليهم؟!.

د: هل يصح رد الطعمة؟!..

فاطمة (عليها‌السلام ) والعباس يطالبان بإرثهما:

روى الطبري عن أبي صالح الضراريّ، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت:

إن فاطمة والعباس أتيا يطلبان ميراثهما من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر.

فقال لهما أبو بكر: أما إني سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة. إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يصنعه إلا صنعته.


قال: فهجرته فاطمة، فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت. فدفنها علي ليلاً.

فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي.

فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثم توفيت.

قال معمر: فقال رجل للزهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهر؟!

قال: لا. ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي.

فلما رأى علي (عليه‌السلام ) انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر.

فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا. ولا يأتينا معك أحد. وكره أن يأتيه عمر، لما علم من شدة عمر.

فقال عمر: لا تأتهم وحدك.

قال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي. وما عسى أن يصنعوا بي؟!

قال: فانطلق أبو بكر، فدخل على علي، وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

أما بعد، فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً، فاستبددتم به علينا.

ثم ذكر قرابته من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحقهم.. فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر.


فلما صمت علي تشهد أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله أحب إلي من أن أصل من قرابتي، وإني والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير. ولكني سمعت رسول الله يقول: (لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني أعوذ بالله أن لا أذكر أمراً صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله.

ثم قال علي: موعدك العشية للبيعة.

فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس، ثم عذر علياً ببعض ما اعتذر. ثم قام علي (عليه‌السلام ) فعظّم من حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته. ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه.

قالت: فأقبل الناس إلى علي، فقالوا: أصبت، وأحسنت.

قالت: فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الحق والمعروف(1) .

____________

1- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج3 ص207 ـ 209 و (ط مؤسسسة الأعلمي) ج2 ص448 والبداية والنهاية ج5 ص307 والمصنف للصنعاني ج5 ص472 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص46 والثقات لابن حبان ج2 ص170 وبحار الأنوار ج28 ص353 وج29 ص203 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص103 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص568 واللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري ص756 وغاية المرام ج5 ص327.


ونقول:

إن هذا النص يعاني من أمور كثيرة نذكر منها ما يلي:

أولاً: إن هذه الرواية تنتهي إلى أناس حاربوا أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وقتل بسبب ذلك ألوف من المسلمين، فعائشة هي التي قادت حرب الجمل، وعروة هو ابن الزبير بن العوام أحد القائدين الأساسيين في حرب الجمل(1) . وقد قتل أبوه الزبير وهو فار في تلك الحرب.

أما الزهري، فهو معلم أولاد خلفاء بني أمية.. وله مقامات تدعو إلى الريبة فيما يصدر عنه في حق علي وأهل بيته (عليهم‌السلام )، فراجع ترجمته في كتاب قاموس الرجال وغيره.

ثانياً: لماذا يأتي العباس إلى فاطمة للمطالبة بإرث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص207 ـ 209 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص448 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص567 وبحار الأنوار ج28 ص353 وج29 ص202 وصحيح مسلم ج5 ص155 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص300 وعمدة القاري ج23 ص232 والمصنف للصنعاني ج5 ص472 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص46 وج16 ص218 ومسند أحمـد ج1 ص4 و 10 وصحيح البخاري ج8 ص3 وتركة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لحماد بن زيد البغدادي ص82 وتاريخ المدينة لابن شبة النميري ج1 ص197 وتاريخ الإسلام للذهبي ج19 ص343 والبداية والنهاية ج5 ص306 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج13 ص157.


فإن العم لا يرث مع وجود البنت، بل البنت ترث نصف المال بالفرض، والنصف الباقي بالرد، لآية:( وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (1) .

غير أن الحقيقة هي: أن أتباع الخلفاء قد غيروا هذه الفتوى، ليصححوا ما صدر من خليفتهم في حق فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، لكي يدعوا: أن إرث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا ينحصر بفاطمة (عليها‌السلام ).

ثالثاً: ما هذا التناقض الظاهر في الرواية، فإنها تقول: إن علياً (عليه‌السلام ) قال لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، ثم تذكر أن البيعة قد تمت بعد صلاة الظهر.

رابعاً: إذا كان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطى فدكاً للزهراء (عليها‌السلام ) نحلة منه لها في حال حياته، وقبضتها، ووضعت فيها عمالها، واستثمرتها عدة سنوات إلى أن توفي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثم كان أبو بكر هو الذي أخرج عمال فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) من فدك، واستولى عليها.

فذلك يعني: أن فدكاً لم تكن في جملة أموال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لكي يطالب العباس وفاطمة (عليها‌السلام ) بإرثهما منها..

خامساً: لا بد من التوقف عند رواية أبي بكر عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة. فنقول:

____________

1- الآية 75 من سورة الأنفال.


إنها تثير الريب في أكثر من اتجاه.. فلاحظ ما يلي:

ألف: هل يريد بقوله: (ما تركنا فهو صدقة). إنشاء التصدق بأمواله، كما يفهم من قوله (فهو صدقة)؟!

فإن كان يريد ذلك، فمعناه: أن ما ترك النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أصبح ملكاً للفقراء منذ قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هذه الكلمة، فلماذا لم يسلم أمواله منذ تلك اللحظة إلى الفقراء، بل تركها إلى ما بعد موته؟!

ب: لماذا يتصدى أبو بكر لقبض تلك الأموال، ولا يتركها في يد وصي النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليعطيها لأصحابها؟!

ج: لِمَ لَمْ يذكر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر هذه الأموال والصدقات لوصيه، والذي يؤدي أماناته، ويقضي دينه(1) .. وهو علي (عليه‌السلام ).

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج1 ص329 ـ 333 و (ط المكتبة الحيدرية ـ النجف) ج1 ص396 وكتاب سليم بن قيس وبحار الأنوار ج21 ص380 و 381 وج28 ص55 وج36 ص109 و 311 و 355 وج38 ص1 و 73 و 103 و 111 و 334 وج39 ص33 و 216 وج72 ص445 وج99 ص106 والخصال ج2 ص84 والأمالي للصدوق ص450 وعيون أخبار الرضا (عليه‌السلام ) ج1 ص9 وكفاية الأثر ص76 و 135 و 217 ومناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج1 ص432 وشرح الأخبار ج1 ص113 و 117 و 211 ومائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص140 والأمالي للطوسي ص600 والمناقب لابن شهرآشوب ج1 ص396 وج2 ص247 وج3 ص16 وكتاب الأربعين = = للماحوزي ص192 والعمدة لابن البطريق ص181 والمزار لابن المشهدي ص577 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج1 ص507 والطرائف ص133 وكتاب الأربعين للشيرازي ص53 عن المناقب لابن المغازلي الشافعي ص261 ح309 وبشارة المصطفى للطبري ص101 و 258 وكشف الغمة ج1 ص341 ونهج الإيمان ص196 و 440 وفضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لابن عقدة الكوفي ص204 ونور الثقلين ج3 ص624 وتفسير القمي ج2 ص109 ومسند الإمام الرضا (عليه‌السلام ) للعطاردي ج1 ص123 و 127 وجامع أحاديث الشيعة ج23 ص252.

وراجع: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص28 و (ط مكتبة نينوى الحديثة) ص48 والسنن الكبرى للبيهقي ج5 ص107 ح8397 وخـلاصة عبقات الأنوار ج7 ص313 والمراجعات ص263 والغدير ج1 ص38 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج22 ص190 وج30 ص428 وج31 ص31.


ويسلمه إياها، ويعرّفه بما يصنعه بها؟! فإن هذه الأموال قد أصبحت بحكم الأمانة منذ أنشأ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التصدق بها، حسب نقل أبي بكر..

د: إذا كانت فدك قد مُنحت لفاطمة (عليها‌السلام ) منذ سنوات، فهي لم تعد من أموال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). حتى ينطبق عليها قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (ما تركنا)، بل هي من أموال شخص آخر..

هـ: إذا كانت هناك آيات تتحدث عن إرث الأنبياء(عليهم‌السلام


والنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي أبلغها للناس، فلماذا لا يحل الإشكال الذي سوف ينشأ من ذلك، ويبين أنها على غير وجهها.. لكي لا يستدل أحد بها، كما ظهر من خطبة السيدة الزهراء (عليها‌السلام ) في المهاجرين والأنصار؟!

سادساً: لماذا لم تصدق فاطمة (عليها‌السلام ) أبا بكر فيما نقله عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟! فإن كان السبب هو طمعها بالمال، فذلك مما نجل عنه سيدة نساء العالمين، فإن من تكون كذلك، لا يمكن أن يكون لها هذا المقام عند الله وعند رسوله..

وإن كان هو وقوعها في الإشتباه في فهم الآيات القرآنية. وعدم اقتناعها بحجة أبي بكر، فيرد على ذلك: أنه قد كان بإمكانها سؤال أعلم الأمة بالقرآن وهو زوجها وأقرب الناس إليها..

كما أن ذلك يجعل قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): إن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها في غير محله، فإن من يخطئ، ويجهل بالأحكام لا بد أن يجرى عليه الحق، حتى لو غضب. ولا يغضب الله لغضب المخطئ في فهم الحكم الشرعي.. أو الجاهل به.

وإن كان السبب هو علمها بعدم صحة كلام أبي بكر، فهو يعد إدانة له.. وذلك يسقطه عن الصلاحية للمقام الذي تصدى له.. لا سيما بعد أن نبهته الزهراء (عليها‌السلام )، ولم يتراجع..

سابعاً: بالنسبة لانصراف وجوه الناس عن علي (عليه‌السلام ) بعد استشهاد فاطمة (عليها‌السلام ) نقول:


لماذا هذه الإيحاءات المسمومة الرامية إلى إبراز ثقل ظل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) على الناس. وكراهتهم لمحضره؟!

أليس هذا يشي بالنقص في إيمان هؤلاء الناس، ويشير إلى فشلهم في الإلتزام بأوامر الله ونواهيه. وعدم اكتراثهم بتوجيهات الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيما يرتبط بتعاملهم مع وصيه علي (عليه‌السلام )؟!

ثامناً: إن حديث عدم بيعة علي (عليه‌السلام ) لأبي بكر ستة أشهر يقابله الرواية التي رواها الطبري نفسه قبلها، وإن كانت هي الأخرى لا نشك ببطلانها من أنه (عليه‌السلام ) كان في بيته، فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلاً، كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه.

ثم جلس إليه، وبعث إلى ثوبه، فأتاه، فصار يتجلله، ولزم مجلسه(1) .

وقبل ذلك ذكر أيضاً رواية أخرى تقول: إن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد: فهل قعد أحد من المهاجرين (أي عن البيعة)؟!

قال: لا، تتابع المهاجرون على بيعته، من غير أن يدعوهم(2) .

____________

1- تاريخ الأمم والملوك ج3 ص207 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص447 وقاموس الرجال للتستري ج9 ص154 والكامل في التاريخ لابن الأثير ج2 ص325.

2- راجع: تاريخ الأمم والملوك ج3 ص207 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج2 ص447.


تاسعاً: ما معنى هذا الإجتماع السري بين علي (عليه‌السلام ) وبين أبي بكر؟! ولماذا يخاف علي (عليه‌السلام ) من حضور عمر، ومن شدته؟!

أليس هو علي (عليه‌السلام ) قالع باب خيبر، وقاتل الذين هزموا عمر وفضحوه في ساحات الحرب؟!

فإن كان المقصود بهذا الإجتماع هو بذل علي (عليه‌السلام ) بيعته لأبي بكر، فإن عمر سيكون مسروراً بهذا الأمر، ولن يعارض فيه.

عاشراً: إذا كان انصراف الناس عنه بعد استشهاد الزهراء (عليها‌السلام ) دعاه إلى الضراعة والمبادرة إلى البيعة بالتماس مباشر منه (عليه‌السلام ).. فلماذا لم يضرع؟! ولم يبايع، ولم يلتمس ذلك من أبي بكر في اليوم الأول لبيعة أبي بكر؟! فإن انصراف الناس عنه آنئذٍ كان أشد، بل هم قد هاجموه في بيته، وضربوا زوجته، وأسقطوا جنينها، وأخرجوه إلى مجلس البيعة لأبي بكر قهراً وجبراً. مع أنه كان وحيداً في موقفه ذاك، وكان سائر أعوانه ومحبيه، ومن هم على طريقته ونهجه غائبين عنه يواجهون الظلم والقهر من الجماعات التي كانت تبحث عنهم، وتستخرجهم من بيوتهم، وتأتي بهم إلى البيعة مسحوبين مهانين.

ولست أدري كيف يكون إقبالهم على علي (عليه‌السلام ) إكراماً لفاطمة (عليها‌السلام )، في حين أن أحداً منهم لم ينصرها، رغم طلبها ذلك منهم، وكيف رضوا بضربها وإسقاط جنينها، وهتك حرمة بيتها، وقصده بالإحراق.

حادي عشر: ما معنى: أن يعتبر علي (عليه‌السلام ) البيعة لأبي بكر


خيراً ساقه الله إلى أبي بكر؟! فهل هو يرى الخلافة بقرة حلوباً؟! أم أنه يراها مسؤولية وواجباً لا بد من القيام به على أتم وجه، وأصح طريقة؟! ووفق الأوامر الإلهية والنصوص النبوية؟!

ثاني عشر: ما معنى قول علي (عليه‌السلام ) لأبي بكر: كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً فاستبددتم به علينا؟! فهل الأمر كان مجرد رأي كان لهم؟! أم أنه توجيه إلهي، ومنصب رباني جعله الله تعالى لهم وفيهم؟! وواقعة الغدير أوضح شاهد على ذلك..

ثالث عشر: هل صحيح أن علياً كان مجانباً للحق وللمعروف أولاً، ثم صار مقارباً لهما بعد ستة أشهر؟!

ولماذا تغافل أبو بكر عن آية التطهير الدالة على عصمة علي (عليه‌السلام )، فأجاز لنفسه أن يصف علياً (عليه‌السلام ): بأنه كان مجانباً للحق طيلة ستة أشهر، ثم صار له مقارباً؟!

العباس وفاطمة (عليها‌السلام ) يطلبان ميراثهما (نص آخر):

ورُوي عن عائشة قالت: (إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وهما حينئذٍ يطلبان أرضه بفدك، وسهمه بخيبر.

فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: (لا نورث، ما تركنا صدقة)، إنما يأكل آل محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من هذا المال. والله إني لا أغير أمراً رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يصنعه إلا صنعته.


قال: فهجرته فاطمة حتى ماتت(1) .

ونقول:

أولاً: يظهر من ملاحظة مجموع الروايات: أن المطالبة بفدك وغيرها قد تكررت بأشكال مختلفة، فكانت الزهراء (عليها‌السلام ) ترسل إلى أبي بكر رسولاً يطالبه، وأخرى تذهب وحدها، وثالثة تذهب مع علي وأم أيمن..

وتقول رواية رابعة: إنها ذهبت مع العباس. واستمرت هذه المطالبات من قبل علي (عليه‌السلام ) وأبنائه على مدى عقود من الزمن..

ثانياً: في هذه الرواية إشكال ظاهر، فإن العباس ـ وهو العم ـ لا يرث مع وجود الزهراء (عليها‌السلام )، ـ وهي البنت ـ في فقه أهل البيت (عليهم‌السلام )، بل التركة بعد إخراج ثمن الزوجات تكون كلها للبنت، نصفها بالفرض، ونصفها بالرد.

بل إن من الفتاوى المعروفة لدى مذاهب إسلامية أخرى ـ غير مذهب أهل البيت (عليهم‌السلام ) ـ هو: أن ابن العم إذا كان من الأب والأم أولى بالإرث من العم إذا كان من جانب الأب فقط(2) ، كما هو الحال بالنسبة

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص218 واللمعة البيضاء ص755 وراجع المصادر المتقدمة.

2- البداية والنهاية ج6 ص9 والرياض النضرة ج2 ص17 وبحار الأنوار ج29 ص70 وج101 ص394 وإحقاق الحق (الأصل) للتستري ص226 والمقنعة للشيخ المفيد ص692 وراجع: الخلاف للشيخ الطوسي ج4 ص20 والمراسم = = العلوية لسلار ص225 والمهذب لابن البراج ج2 ص145 والنهاية للطوسي ص653 وشرائع الإسلام للمحقق الحلي ج4 ص831 وقواعد الأحكام للعلامة الحلي ج3 ص370 ومختلف الشيعة ج9 ص24 وإيضاح الفوائد ج4 ص227 ومسالك الأفهام ج13 ص158وكشف اللثام (ط.ق) ج2 ص297 و (ط.ج) ج9 ص446 والقواعد والفوائد ج2 ص291 وفقه الرضا ص289 ونضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري ص450 والمناقب لابن شهرآشوب ج1 ص129 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص225 والإحتجاج.


للعباس (رحمه‌الله )، وعلي (عليه‌السلام ).

ويدل على ذلك: ما ورد في رواية ابن كيسان قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس، فغلبه عليها علي (عليه‌السلام )، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر.

وقال: هما صدقة رسول الله، كانت لحقوقه الخ..(1) .

____________

1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص42 ومسند أحمد ج1 ص6 وصحيح مسلم ج5 ص155 وسنن أبي داود ج2 ص24 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص301 وعمدة القاري ج15 ص19 وكنز العمال ج7 ص242 وأحكام القرآن لابن العربي ج2 ص407 وأضواء البيان للشنقيطي ج2 ص100 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص207 وكشف الغمة ج2 ص102 ومناقب آل أبي طالب (عليه‌السلام ) ج1 ص129 وبحار الأنوار ج29 ص202 واللمعة البيضاء ص755 وسفينة النجاة للتنكابني ص126.


فإن غلبة علي (عليه‌السلام ) إنما هي من أجل صلته بالرسول عن طريق فاطمة وابنيها (عليهم‌السلام ). ولم يغلبه عليها بالعنف والقهر..

وهذا معناه: أن العباس لم يغلبه بالعمومة..

فإن صح هذا كان دليلاً على صحة ما يذهب إليه الإمامية من توريث البنت دون العم.

وقد دلت هذه الرواية أيضاً على أن عمر قد فرق بين فدك وخيبر، وبين صدقته بالمدينة، مع أن الحكم واحد في الجميع، فهلا منعهما عن الجميع، أو أعطاهما الجميع؟!

ثالثاً: ذكرنا في موضع آخر: أن قوله: ما تركناه صدقة ـ حتى لو صح ـ لا يدل على مطلوب أبي بكر، لأسباب مختلفة، فراجع.

شهادتان متعارضتان:

وفي نص آخر: أنه لما شهد علي (عليه‌السلام ) وأم أيمن على أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهب فدكاً لفاطمة (عليها‌السلام ):

(جاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمان بن عوف، فشهدا أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقسمها.

قال أبو بكر: صدقت يا ابنة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وصدق علي (عليه‌السلام )، وصدقت أم أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرحمن بن عوف. وذلك أن ما لك لأبيك. كان رسول الله يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي، ويحمل منه في سبيل الله. فما تصنعين بها؟!


قالت: أصنع بها كما يصنع فيها أبي.

قال: فلك علي الله أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك.

ثم ذكرت الرواية: أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً (عليه‌السلام )، كانوا يصنعون بها كما كان يصنع فيها رسول الله.

فلما ولي معاوية أقطع مروان ثلثها، وعمرو بن عثمان ثلثها، وولده يزيد ثلثها، وذلك بعد موت الحسن (عليه‌السلام )(1) .

ونقول:

أولاً: إنها (عليها‌السلام ) قد طلبت فدكاً من أبي بكر، استناداً إلى أن أباها قد وهبها إياها.. فما معنى قول أبي بكر: إن فدكاً لم تكن لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

ثم ما معنى قوله لها: صدقت يا ابنة رسول الله.

فإن صدقها يقتضي: أن فدكاً كانت ملكاً للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولذلك صح أن يهبها لابنته، ومقتضى أن رسول الله كان يقسمها، ويحمل منها في سبيل الله، كونها ليست لرسول الله، وإنما هي من أموال المسلمين(2) . ولا يجوز للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ كما في رواية أخرى ـ أن

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص216. وراجع: السقيفة وفدك للجوهري ص106 والغدير ج7 ص195 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص153 واللمعة البيضاء ص750 و 843.

2- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص214. وبحار الأنوار ج29 ص328 = = وج29 ص392 والسقيفة وفدك للجوهري ص104 وبيت الأحزان ص154 واللمعة البيضاء ص750 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص468.


يملِّك ابنته أموال المسلمين.

ثانياً: إذا كانت فاطمة (عليها‌السلام ) وأم أيمن وعلي (عليه‌السلام ) صادقين بادعائهم أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهب فاطمة فدكاً.. فكيف يجتمع ذلك مع صدق عمر وعبد الرحمن، اللذين قالا: إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يقسم فدكاً بين المسلمين، ويحمل منها في سبيل الله؟! فإن هذا ينافي كونها هبة لها، وصيرورتها ملكاً لها بالهبة.

إلا إذا كان المراد: أنه كان يعطي المسلمين من فدك برضى فاطمة (عليها‌السلام ) وبإذنها. وهذا يؤكد ملكيتها لها، وعدم جواز الإستيلاء عليها.

ثالثاً: قول أبي بكر لها: (وذلك أن مالك لأبيك) لا معنى له أيضاً؛ لأن تصرف الأب في مال ولده، إنما هو لدالته عليه، ولكن ذلك لا يخرج المال عن ملك الولد. ولا يوجب صحة تصرف أي كان من الناس النبي بمال ذلك الولد، كتصرف النبي نفسه، إلا إن كان الإمام المنصوص عليه من الله ورسوله، فإنه له ما للرسول.

رابعاً: ما ذكرته الرواية: من أن عثمان كان يصنع بفدك نفس ما كان يصنعه أبو بكر غير صحيح، فإنه أقطعها لمروان، قال المغيرة:

(فلما ولي عمر عمل فيها بمثل ما عملا، حتى مضى لسبيله. ثم أقطعها


مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز.. (

إلى أن قال: قال الشيخ إنما أقطع مروان فدكاً أيام عثمان(1) .

كما أن قتيبة، وأبا الغيداء، وابن عبد ربه قد عدّوا مما نقمه الناس على عثمان إقطاعه فدك لمروان(2) .

وقال ابن أبي الحديد أيضاً عن عثمان: (وأقطع مروان فدك. وقد كانت فاطمة (عليها‌السلام ) طلبتها بعد وفاة أبيها (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تارة بالميراث، وتارة بالنحلة، فدفعت عنها)(3) .

إقطاع عثمان فدك لماذا؟!:

قال الأميني ما ملخصه: إن كانت فدك فيئاً للمسلمين، كما ادعاه أبو بكر، فما وجه تخصيصها بمروان دون سائر المسلمين؟!

____________

1- راجع: سنن البيهيقي ج6 ص301 والغدير ج8 ص237 وسنن أبي داود ج2 ص24 وتاريخ مدينة دمشق ج45 ص179 وتهذيب الكمال ج21 ص443 وتاريخ الإسلام للذهبي ج7 ص196.

2- المعارف ص194 و 195 وتاريخ أبي الفداء ج1 ص168 والعقد الفريد ج4 ص103 والغدير ج8 ص236 و 237 عنهم. ومستدرك سفينة البحار ج8 ص154.

3- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص198 و 199 والغدير ج8 ص237 و 238. ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص360 والنص والإجتهاد ص401 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص673.


وإن كانت ميراثاً لآل الرسول، فلماذا منعت عنها الزهراء (عليها‌السلام )؟!

ولماذا تعطى لغيرهم؟! فإن مروان ليس منهم..

وإن كانت نحلة من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لابنته الزهراء (عليها‌السلام ) كما قالت، وشهد به لها علي، والحسنان (عليهم‌السلام ) وأم أيمن. فلماذا يأخذها أيضاً مروان دونها (عليها‌السلام )، وأية سلطة لعثمان عليها؟



الفصل الرابع: أموال بني النضير بين علي (عليه‌السلام ) والعباس في عهد عمر



الإختصام إلى عمر في أموال بني النضير:

قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: (حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية: عن مالك، عن الزهري: أن مالك بن أوس حدثه قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب؛ فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالساً على سرير، مفضياً إلى رماله، متكئاً على وسادة من أدم، فقال لي: يا مالك، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم برضخٍ، فَخُذْه فاقسمه بينهم.

قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري.

قال: خذه يا مالك.

قال: فجاء يرفأ، فقال: هل لك ـ يا أمير المؤمنين ـ في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد؟!

فقال عمر: نعم، فأذن لهم؛ فدخلوا.

ثم جاء فقال: هل لك في عباس، وعلي؟!

قال: نعم، فأذن لهما.

فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم، الغادر الخائن!


فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهما وأرحهما.

(فقال مالك بن أوس: يخيل إلي: أنهم قد كانوا قدموهم لذلك).

فقال عمر: اتّئدا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟!

قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس، وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة؟!

قالا: نعم.

فقال عمر: إن الله جل وعز كان خص رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره، قال:( مَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.. ) (1) (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا)، قال: فقسم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بينكم أموال بني النضير فوالله، ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال؛ فكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال.

ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك؟

قالوا: نعم.

____________

1- الآية 7 من سورة الحشر.


ثم نشد عباساً وعلياً بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟

قالا: نعم.

قال: فلما توفي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فجئتما أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): ما نورث ما تركنا صدقة؛ فرأيتماه كاذباً آثماً، غادراً، خائناً. والله يعلم: إنه لصادق بار، راشد، تابع للحق.

ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذباً، آثماً، غادراً، خائناً. والله يعلم: إني لصادق بار، راشد، تابع للحق، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتما: ادفعها إلينا.

فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله: أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخذتماها بذلك.

قال: أكذلك؟!

قالا: نعم.

قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما؛ فوالله، لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة؛ فإن عجزتما عنها؛ فرداها إلي(1) .

____________

1- صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص151 ـ 153 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص221 ـ 223 وراجع ص229 وراجع: جامـع البيان ج28 ص26 = = و 27 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص202 ـ 204 وراجع ص205 و 206 و 208 و 209 والصواعق المحرقة ص35 و 36 وصحيح البخاري ج3 ص11 والسنن الكبرى للنسائي ج4 ص64 ـ 66 ومسند أبي يعلى ج1 ص13 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج7 ص239 ـ 241 وراجع: ج2 ص121 ووفاء الوفاء ج3 ص996 ـ 998 والمصنف للصنعاني ج5 ص469 ـ 471 وسنن أبي داود ج3 ص139 و 140 و (ط دار الفكر) ج2 ص20 ـ 22. وراجع ص144 والبداية والنهاية ج4 ص203 وج5 ص287 و 288 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص386 وعمدة القاري ج14 ص185 ومسند أبي عوانة ج4 ص136 ـ 140 و 132 و 134 والجامع الصحيح للترمذي ج4 ص158. والأموال ص17 و 18 وتفسير القرآن العظيم ج4 ص335 و 336 ولباب التأويل ج4 ص246 و 247 والجامع لأحكام القرآن ج18 ص11 وسنن النسائي ج7 ص136 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص297 ومسند أحمد ج1 ص208 و 209 و 60 وأشار إلى ذلك في الصفحات التالية: 25 و 48 و 49 و 162 و 164 و 179 و 191 وعن عبد بن حميد، وابن حبان، وابن مردويه والدر المنثور ج6 ص193 عمن تقدم وراجع: تلخيص الشافي ج3 ص138 والتراتيب الإدارية ج1 ص403.


زاد في نص آخر قوله: فغلب علي عباساً عليها، منعه إياها، فكانت بيد علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم كانت بيد الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن.


زاد في نص آخر: ثم عبد الله بن الحسن بن الحسن(1) .

قال ابن كثير: (ثم إن علياً والعباس استمرا على ما كانا عليه، ينظران فيها جميعاً إلى زمان عثمان بن عفان؛ فغلبه عليها علي، وتركها له العباس؛ بإشارة ابنه عبد الله (رض) بين يدي عثمان ـ كما رواه أحمد في مسنده ـ فاستمرت في أيدي العلويين)(2) .

ذكر المجلسي (رحمه‌الله ): أنه حين تنازع علي (عليه‌السلام ) والعباس

____________

1- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص229 وراجع ص221 والمصنف للصنعاني ج5 ص471 والوافي بالوفيات ج11 ص319 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص298 والطرائف لابن طاووس ص283 وصحيح ابن حبان ج14 ص577 وراجع: صحيح مسلم ج5 ص155 ووفاء الوفاء ج3 ص998 والصواعق المحرقة ص36 وصحيح البخاري ج3 ص11 و (ط دار الفكر) ج5 ص25.

وراجع: السقيفة وفدك للجوهري ص111 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص202 و 209 وراجع ص207 وراجع: البداية والنهاية ج4 ص203 و 204 وج5 ص288 وفتح الباري ج6 ص145 والتراتب الإدارية ج1 ص402 وعمدة القاري ج15 ص21 وج17 ص130 و 131 وصحيح ابن خزيمة ج4 ص120 والدرجات الرفيعة ص94 واللمعة البيضاء ص766.

2- السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص573 والبداية والنهاية ج5 ص288 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج5 ص309.


لدى عمر، فيما أفاء الله على رسوله، وفي سهمه من خيبر وغيره، دفعها إلى أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، أو دفعها إلى علي (عليه‌السلام ) وإلى العباس وقال: اقتصلا(1) أنتما فيما بينكما، فأنتما أعرف بشأنكما(2) .

كما أنه قد دفع صدقة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالمدينة إلى علي (عليه‌السلام )(3) .

ونقول:

في هذه الرواية مؤاخذات عديدة، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ونقتصر هنا على ما يلي:

____________

1- قصله: قطعه. راجع: القاموس المحيط ج4 ص37 وتاج العروس ج15 ص618 ومعجم مقاييس اللغة ج5 ص93.

2- بحار الأنوار ج29 ص71 وأشار محققه في هامشه إلى المصادر التالية: صحيح مسلم ج3 ص1377 ـ 1379 وسنن النسائي ج7 ص136 و 137 وسنن أبي داود ج3 ص139 و 140 و 142 و 143 وصحيح البخاري ج4 ص96 ـ 98 وج7 ص81 ـ 83. وراجع: الغدير ج7 ص194 وإحقاق الحق (الأصل) ص224 ومعجم البلدان ج4 ص239.

3- صحيح مسلم (ط دار الحديث ـ مصر ـ سنة 1412 هـ) ج3 ص382 وراجع: الوافي بالوفيات للصفدي ج11 ص319 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص5 وفتح الباري ج6 ص140.


الآثم الغادر:

ذكرت الرواية وصف العباس لعلي (عليه‌السلام ) بالآثم الغادر، وهذا ما لا يتصور صدوره من العباس، وذلك:

أولاً: لأنه يعلم أن الله جعل علياً (عليه‌السلام ) نفس النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في آية المباهلة، وشهدت له آية التطهير بالطهارة، إلى آيات عديدة وروايات كثيرة يعرفها كل أحد..

ثانياً: إن وصف علي (عليه‌السلام ) بالآثم الغادر الخائن يعد من السب، وهو يعلم أن من سب علياً فقد سب الله ورسوله(1) .

____________

1- ينابيع المودة (ط إسلامبول) ص52 و48 و282 و187 و247 و246 و (ط دار الأسوة) ج1 ص152 وج2 ص102 و 156 و 274 و 278 و 395 والكواكب الدرية ج1 ص39 وخصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي ص24 و (ط مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران) ص99 والمستدرك للحاكم ج3 ص121 والمناقب للخوارزمي (ط تبريز) ص89 و81 والرياض النضرة ج2 ص166 وذخائر العقبى ص66 والبداية والنهاية ج7 ص354 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج7 ص391 ومجمع الزوائد ج9 ص130 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص133 وتاريخ الخلفاء ص67 وجزء الحميري ص28 والجامع الصغير ج2 ص525 و (ط دار الفكر) ج2 ص608 والصواعق المحرقة ص174 وأخبار الدول ص102 والبيان والتعريف ج2 ص218 ونظم درر السمطين ص105 ومسند أحمد ج6 ص323 ومنتخب = = كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج5 ص30 ونور الأبصار ص101 والأمالي لابن الشجري ج1 ص136 وفردوس الأخيار ج4 ص189 ومناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لابن المغازلي ص394 وترجمة الإمام علي (عليه‌السلام ) من تاريخ دمشق ج2 ص184 وج3 ص261 وحياة الصحابة ج2 ص774 وكنز العمال (ط الهند) ج12 ص202 و (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص573 و 602 وتفسير فرات ص138 وفهرست منتجب الدين ص352 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص132 وج30 ص179 وج42 ص266 و 533 ومناقب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لابن مردويه ص81 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص634 والأمالي للصدوق ص157 وعيون أخبار الرضا ج1 ص72 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص224 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج2 ص598 وشرح الأخبار ج1 ص155 و 156 و 167 و 171 والأمالي للطوسي ص85 والإحتجاج للطبرسي ج1 ص205 و 420 والأربعون حديثاً لابن بابويه ص97 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص21 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص29 والفضائل لابن شاذان ص96 والعقد النضيد ص181 والصراط المستقيم ج3 ص85 وعوالي اللآلي ج4 ص87 وكتاب الأربعين للشيرازي ص469 وبحار الأنوار ج24 ص14 وج27 ص227 وج31 ص339 وج39 ص311 و 312 وج40 ص77 وج44 ص91 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص165 والمراجعات ص245 و 383 والنص والإجتهاد ص499 و 500 والغدير ج2 ص300 = = وج7 ص194 وج8 ص164 و 265 وج10 ص213 و 279 و 371 وتنبيه الغافلين ص141 و 180 وبشارة المصطفى ص313 وترجمة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) لابن عساكر ص64 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج1 ص65 و 66 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص250 و 294 والنصائح الكافية ص93.



ثالثاً: في رواية البخاري: أن العباس وعلياً (عليه‌السلام ) استبا(1) ، مع العلم بأن سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر(2) ، فهل فسق علي والعباس؟!

____________

1- صحيح البخاري ج3 ص11 و (ط دار الفكر) ج8 ص146 وفتح الباري ج6 ص143 وعمدة القاري ج25 ص41.

2- راجع: نيل الأوطار ج1 ص375 والمغني لابن قدامة ج2 ص301 وج3 ص265 ومسند أحمد ج1 ص385 و 411 و 454 وصحيح البخاري (ط دار الفكر) ج1 ص17 وج7 ص84 وج8 ص91 وصحيح مسلم (ط دارالفكر) ج1 ص58 وسنن ابن ماجة ج1 ص27 وج2 ص1299 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج12 ص281 و (ط دار الإسلامية) ج8 ص598 ومستدرك الوسائل ج18 ص215 والأمالي للطوسي ص537 وكتاب الأربعين للشيرازي ص616 والشرح الكبير لابن قدامة ج1 ص386 وج3 ص329 وبحار الأنوار ج71 ص246 وج72 ص165 وج74 ص89 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص393 وجامع أحاديث الشيعة ج16 ص324 وج23 ص145 وج26 ص104 والمعجم الأوسـط ج1 ص223 = = وج4 ص44 وج6 ص37 والمعجم الكبير ج1 ص145 وج10 ص105 و 157 و 159 و 178 وج17 ص39 وكتاب الدعاء للطبراني ص566 و 567 وصحيح ابن حبان ج13 ص266 وسنن الترمذي ج3 ص238 وج4 ص131 وسنن النسائي ج7 ص121 و 122 والسنن الكبرى للبيهقي ج8 ص20 وشرح مسلم للنووي ج2 ص53 وج16 ص141 ومجمع الزوائد ج4 ص172 وج7 ص300 وج8 ص73 وفتح الباري ج11 ص448 وج13 ص22 وعمدة القاري ج1 ص277 و 279 وج9 ص190 وج22 ص123 وج24 ص188 والديباج على مسلم ج1 ص84 ومسند الحميدي ج1 ص58 ومسند ابن راهويه ج1 ص379 والأدب المفرد للبخاري ص97 وكتاب الصمت وآداب اللسان ص273 والسنن الكبرى للنسائي ج2 ص313 و 314 ومسند أبي يعلى ج8 ص408.


مناشدة عمر لمن عنده:

وتذكر الرواية: أن عمر ناشد الحاضرين عنده، وفيهم عثمان، فشهدوا بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا نورث..

ونقول:

أولاً: روى البخاري عن عائشة: أنها كانت ترد أزواج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين أرسلن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

فلو كان عثمان يعلم بأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث لم


يرض بأن يكون رسولاً للأزواج لمطالبة أبي بكر بالميراث.

ثانياً: إنهم يقولون: إن أبا بكر تفرد بحديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقد استدل الفقهاء بذلك على صحة الإحتجاج برواية الصحابي الواحد(1) .

فلو أن عثمان، وعبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير كانوا قد سمعوا من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قوله: لا نورث ما تركنا صدقة.. لم يكن أبو بكر متفرداً بهذا الحديث.. أما علمهم بهذا الحديث فلعل مستنده نقل أبي بكر نفسه لهم، وهذا لا ينفع عمر في رد العباس وعلي (عليه‌السلام ) لانهما ينكران على أبي بكر روايته هذه.

إتهام العباس وعلي بتعمد الباطل:

ألف: وقد صرحت الرواية أيضاً: بأن علياً والعباس قد أقرا لعمر في تلك اللحظة بأنهما يعلمان بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة..

فيرد هنا سؤال: إن كانا يعلمان أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث، فكيف جاءا يطلبان ميراثه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!، فإن هذا من الإحتيال

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص227 وراجع ص245 وبحار الأنوار ج29 ص371 واللمعة البيضاء ص765 و 821 وسفينة النجاة للتنكابني ص163 والدرجات الرفيعة ص93.


والكذب الفظيع، الدال على قلة الدين، والسعي لأكل المال بالباطل.. وهذا اتهام خطير لهما وهو يتناقض مع حكم القرآن بطهارة علي (عليه‌السلام )..

ب: إذا كان عمر قد تابع أبا بكر في ادِّعاء أن الأنبياء لا يورثون، وهما يريان: أن أبا بكر كاذب آثم غادر ـ كما تقول الرواية ـ فكيف شهدا الآن بأنهما يعلمان بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: (لا نورث ما تركناه صدقة)؟!

قسمة الإرث، أم قسمة النظر؟!:

وزعموا: أن اختلاف علي (عليه‌السلام ) والعباس في قسمة الإرث غير متصورة، لأن لعلي سهم امرأته، وللعباس سهمه، إن كان الأنبياء يورثون، وإن كانوا لا يورثون وقد حسم الأمر أبو بكر، فلماذا يختلف علي والعباس؟! فلا بد أن يكون الإختلاف هو في قسمة النظر بينهما(1) .

ونجيب:

ألف: إن الكلام إنما هو في قسمة الإرث والمال، ولأجل ذلك استشهد عمر ـ كما صرحت الرواية ـ عثمان وابن عوف، وسعداً والزبير على ما ادعاه من أن الأنبياء لا يورثون. ولو كان الخلاف في قسمة النظر لم يكن عمر بحاجة إلى المناشدة المذكورة.

____________

1- راجع: نيل الأوطار ج6 ص197 عن إسماعيل القاضي برواية الدارقطني عنه، وعن سنن أبي داود وغيره. وراجع: فتح الباري ج6 ص145 وتحفة الأحوذي ج5 ص194 وعون المعبود ج8 ص131.


ب: لا دليل على أن الخصومة بينهما كانت في قسمة النظر، فإن ذلك مجرد تبرع بلا دليل.

ج: قول الهيثمي: إن الميراث واضح، فإن لعلي سهماً بسبب زوجته، والسهم الآخر للعباس. لا معنى له، لأن العم لا يرث مع وجود البنت، لبطلان التعصيب، الذي نظن أنهم قالوا به لأجل تصحيح موقف أبي بكر هنا من إرث فاطمة (عليها‌السلام ).

فلعل العباس ظن أن له نصيباً في الميراث، فجاء يطالب به..

أو لعلهما أرادا: أن يعرفا عمر بن الخطاب بأن حقهما في ميراث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثابت..

أو أرادا أن يعرفا الناس بأن عدم ارجاع فدك إنما هو لإصرار الحكام على حرمانهم منها لا لأاجل عدم ثبوت هذا الحق لهم، لأن هذا الحق ثابت لهم بنص القرآن الكريم.. وهذا هو الأقرب والأصوب.

د: قال الشوكاني: لكن في رواية النسائي، وعمر بن شبة، من طريق أبي البختري ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره: ثم جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي الخ..(1) .

____________

1- نيل الأوطار ج6 ص198 وفتح الباري ج6 ص145 وتحفة الأحوذي ج5 ص194 وراجع: تاريخ المدينة ج1 ص206 وبحار الأنوار ج29 ص370 والسقيفة وفدك ص114 وشرح معاني الآثار ج3 ص307 واللمعة البيضاء ص764.


مانعة خلو:

هذا.. وقد ذكر العلامة الحلي (رحمه‌الله )(1) : أن عمر بن الخطاب أخبر أن علياًعليه‌السلام والعباس (رحمه‌الله ) كانا يريان أبا بكر وعمر، كاذبين، آثمين، خائنين، غادرين. فان كان ذلك حقاً، فهما لا يصلحان للخلافة..

وإن كان كذباً، لزمه تطرق الذم إلى علي (عليه‌السلام ) والعباس، فكيف استصلحوا علياً للخلافة بعد ذلك؟! كما أن عمر نفسه قد جعله في الشورى.. مع أن الله تعالى قد نزهه من الكذب وطهره..

وإن كان عمر قد نسب إلى العباس (رحمه‌الله ) وعلي (عليه‌السلام ) ما لا أصل له، تطرق الذم إلى عمر نفسه، لأنه ينسب إليهما الباطل.

ولم نجد علياً اعترض على عمر في ذلك، ولا وجدنا أحداً من الحاضرين برأ ساحة أبي بكر من هذا الأمر..

بل إن نفس عودة العباس وعلي (عليه‌السلام ) إلى الترافع في هذه القضية مع سبق حكم أبي بكر فيها يدل على أنهما لم يصدقاه فيما نسبه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، من نفي إرث الأنبياء.

المعتزلي وحديث الترافع إلى عمر:

وقد علق المعتزلي على حديث: أن العباس وعلياً (عليه‌السلام )، قد

____________

1- راجع: دلائل الصدق ج 3 ق 1 ص33.


ترافعا إلى عمر في موضوع الميراث(1) ..

بقوله:

(هذا من المشكلات، لأن أبا بكر حسم المادة أولاً، وقرر عند العباس وعلي، وغيرهما: أن النبي لا يورث، وكان عمر من المساعدين له على ذلك. فكيف يعود العباس وعلي بعد وفاة أبي بكر يحاولان أمراً قد فرغ منه، ويئس من حصوله؟!

اللهم إلا أن يكونا ظنا: أن عمر ينقض قضاء أبي بكر، وهذا بعيد، لأن علياً والعباس كانا في هذه المسـألة يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك..

ألا تراه يقول: نسبتماني ونسبتما أبا بكر إلى الظلم والخيانة؟! فكيف يظنان أنه ينقض قضاء أبي بكر ويورثهما؟!(2) .

ونقول:

أولاً: إن هدف علي (عليه‌السلام ) والعباس (رحمه‌الله ) إن كان هو الحصول على فدك، فكلام المعتزلي له وجه، ولكن من قال: إن هذا هو هدفهما من المطالبة.

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص229 و 226 و 227 والسقيفة وفدك للجوهري ص116 والدرجات الرفيعة ص94 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص208 واللمعة البيضاء ص766 وسفينة النجاة للتنكابني ص165.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص229 و 230 والدرجات الرفيعة ص94 و 95 واللمعة البيضاء ص766.


بل الهدف منها هو إبقاء موضوع غاصبية فدك حياً في أذهان الناس.. وتعريفهم، وتعريفنا: بأن سكوت علي (عليه‌السلام ) وبني هاشم عن هذا الأمر طيلة هذه المدة لم يكن عن قناعة بصحة كلام أبي بكر، ولا لأنهما اكتشفا صحة الحديث الذي نسبه أبو بكر إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن عدم توريث الأنبياء. كما ربما كان يتوقع من أنصار أبي بكر وعمر أن يروجوا له.

ثانياً: إن عمر قد ناقض نفسه في العديد من الموارد، وخصوصاً في الأحكام.. فلماذا لا يتوقعون، أو لا يحتملون أن يناقض نفسه في هذه القضية أيضاً، بعد أن استحكمت له الأمور، وثبتت دعائم حكمه، فقد يرى: أن من المصلحة التقرب إلى علي (عليه‌السلام )، وإظهار إنصافه له..

وقد فعل الخلفاء ذلك عبر التاريخ، ولا سيما المأمون حتى قال الشاعر:

أصبح وجهُ الزمانِ قد ضَحِكَ بِرَدِّ مَأمونِ هاشِمٍ فَدَكَا(1)

غير أن هذه الرواية قد دس فيها الكثير مما يتضمن الطعن على علي

____________

1- ديوان دعبل الخزاعي (ط الأعلمي) ص141 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص217 ومعجم البلدان ج4 ص239 وإحقاق الحق (الأصل) ص225 واللمعة البيضاء ص838 وبحار الأنوار ج29 ص347 و السقيفة وفدك للجوهري ص107 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص147 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص153 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص737.


والزهراء (عليهما‌السلام )، فقد تضمنت: أن عمر ناشد علياً (عليه‌السلام ) والعباس إن كانا يعلمان بأن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة.

فقالا: نعم.

فكيف يعلمان ذلك، ثم يطالبان بالإرث؟!

وكيف يوافق علي فاطمة (عليهما‌السلام ) على أن تطالب بما يعلم أنها لا حق لها به؟!

وإذا كانا يعلمان ذلك، فكيف يزعمان: أن أبا بكر وعمر كانا ظالمين فاجرَين في هذه القضية؟!

الإنتصار للرسول أم لعمر؟!:

قال العقيلي: (سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق، فأكثر عنه، ثم خرق كتبه، ولزم محمد بن ثور، فقيل له في ذلك، فقال: كنا عند عبد الرزاق، فحدثنا بحديث معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان الحديث الطويل؛ فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس:

(فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها).

قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك يقول: تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ألا يقول: رسول الله


(صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!.

قال زيد بن المبارك: فقمت، فلم أعد إليه، ولا أروي عنه.

قال الذهبي: (لا اعتراض على الفاروق فيها، فإنه تكلم بلسان قسمة التركات)(1) .

وقال: (إن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة والبنوة، وإلا.. فعمر أعلم بحق المصطفى وبتوقيره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وتعظيمه من كل متحذلق متنطع.

بل الصواب أن نقول عنك: انظروا إلى هذا الأنوك الفاعل ـ عفا الله عنه ـ كيف يقول عن عمر هذا، ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق)؟!(2) .

ونقول:

1 ـ إن بيان العمومة والبنوة ليس ضرورياً هنا، وذلك لوضوحهما لكل أحد.

2 ـ إن بيانهما والتكلم بلسان قسمة التركات لا يمنع من الإتيان بعبارة تفيد توقير رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واحترامه.

____________

1- راجع: الضعفاء الكبير ج3 ص110 وميزان الإعتدال ج2 ص611 وسير أعلام النبلاء ج9 ص572 ودلائل الصدق ج3 قسم 2 ص127 وتفسير القرآن للصنعاني ج1 ص20 وتاريخ مدينة دمشق ج36 ص187 ومعجم البلدان ج3 ص429.

2- سير أعلام النبلاء ج2 ص572.


3 ـ إن التكلم بلسان قسمة التركات في غير محله، لأن العباس لا يرث؛ لبطلان التعصيب..

4 ـ إذا صح: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث، فلا حاجة إلى التحدث بلسان قسمة التركات، لا سيما وأن المطلوب ـ حسب ما يدَّعون ـ هو قسمة النظر، كما زعموا. وقد قلنا لهم نحن: إنه باطل أيضاً.

5 ـ إن زيد بن المبارك لا يعود إلى عبد الرزاق، لأنه رآه ينتصر لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا يرضى من اقدام عمر على عدم توقير النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ). وهذا من ابن المبارك عجيب!! وعجيب جداً!!

6 ـ وأعجب منه أن الذهبي، وغيره يغضبون لعمر، ويشتمون عبد الرزاق لتوهينه عمر، ولا يغضبون لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا يقبلون حتى بانتقاد عمر بسبب إهانته له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

7 ـ إنهم يطلبون من عبد الرزاق أن يذكر عمر بألقابه، ولا يطلبون من عمر أن يذكر النبي بألقابه التي شرَّفه الله تعالى بها، مع أن عبد الرزاق تكلم بلسان المنتقد الغاضب، الذي لا يتوقع منه هذا التوقير لمن أهان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ بنظره ـ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الوقائع ترد الأقوال:

ونلاحظ هنا: أن الوقائع لا تتلاءم مع الأقوال، فإن الوقائع تثبت الإرث، والأقوال الحريصة على تأييد قول أبي بكر تنفيها.. فلاحظ ما يلي:


ألف: إن الحكام بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد دفعوا الحجر في مسجد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى زوجاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

كما أن خلفاء بني العباس قد تداولوا البردة والقضيب(2) .

وقد قال ابن المعتز مخاطباً العلويين:

ونحن ورثنا ثياب النبي فكم تجذبون بأهدابها

لكم رحم يا بني بنته ولكن بنو العم أولى بها(3)

فأجابه الصفي الحلي بقوله:

وقلت ورثنا ثياب النبي فكم تجذبون بأهدابها

وعندك لا يورث الأنبياء فكيف حظيتم بأثوابها(4)

____________

1- راجع: تلخيص الشافي ج3 ص129 و 130 ودلائل الصدق ج3 قسم 2 ص129 ونهج الحق ص366.

2- تلخيص الشافي ج3 ص147 و 148 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج7 ص129 وحياة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) للقرشي ج2 ص233.

وراجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج1 ص266 والكامل في التاريخ ج7 ص167 وج8 ص421 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج11 ص237.

3- ديوان ابن المعتز ص29 وراجع: تلخيص الشافي هامش ج3 ص148 والغدير ج6 ص52 والوافي بالوفيات ج17 ص243 وفوات الوفيات للكتبي ج1 ص595 وأعيان الشيعة ج8 ص23.

4- راجع: ديوان الصفي الحلي، وراجع: تلخيص الشافي هامش ج3 ص148 والغدير = = ج6 ص53 والوافي بالوفيات ج17 ص244 وفوات الوفيات للكتبي ج1 ص595 وأعيان الشيعة ج8 ص23.


وقال الشريف الرضي (رحمه‌الله ):

ردوا تراث محمد ردوا ليس القضيب لكم ولا البرد(1)

كما أنهم دفعوا آلته، وبغلته، وحذاءه، وخاتمه، وقضيبه إلى علي (عليه الصلاة والسلام)(2) .

وعليه فيرد ما أورده المعتزلي الشافعي هنا حيث قال: (إذا كان (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يورث؛ فقد أشكل دفع آلته ودابته، وحذائه إلى علي (عليه‌السلام )، لأنه غير وارث في الأصل، وإن كان إعطاؤه ذلك لأن زوجته بعرضة أن ترث لولا الخبر، فهو أيضاً غير جائز؛ لأن الخبر قد منع أن يرث منه شيئاً، قليلا كان أو كثيراً).

ب: إعترض ابن طاووس على دعوى أن علياً (عليه‌السلام ) قد غلب العباس على أرض بني النضير، وقال: إن ذلك غير صحيح.

(لاستمرار يد علي (عليه‌السلام ) وولده على صدقات نبيهم، وترك

____________

1- ديوان الشريف الرضي ج1 ص407 وتلخيص الشافي ج3 هامش ص148.

2- راجع: مناقب آل أبي طالب ج1 ص262 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص224 و 214 والسقيفة وفدك للجوهري ص103 واللمعة البيضاء ص758 ومعالم المدرستين ج2 ص138 عن: الأحكام السلطانية للماوردي ص171 وراجع: تلخيص الشافي ج3 ص147 وفي هامشه أيضاً عن: الرياض النضرة.


منازعة بني العباس لهم، مع أن العباس ما كان ضعيفاً عن منازعة علي، ولا كان أولاد العباس ضعفاء عن المنازعة لأولاد علي في الصدقات المذكورة).

ثم ذكر (رحمه‌الله ) روايتين عن قثم وعن عبد الله ابني عباس، يقرَّان فيها: بأن الحق في إرث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي (عليه‌السلام )(1) .

ويجب أن لا ننسى مدى حرص الحكام على كسر شوكة علي (عليه‌السلام )، وإبطال قوله وقول أهل بيته (عليهم‌السلام ) في ذلك، سواء في ذلك أولئك الذين استولوا على تركة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو الذين أتوا بعدهم من الأمويين أو العباسيين.

علي (عليه‌السلام ) لا يسترد فدكاً، ولا غيرها:

وقد ذكرت الروايات أسباب عدم استرجاع أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) أيام خلافته، ما كان قد أخذ منهم، ويمكن تلخيص ما ورد فيها كما يلي:

____________

1- الطرائف لابن طاووس ص284 و 285 وراجع: المستدرك للحاكم ج3 ص125 والمراجعات ص299 وأجوبة مسائل جار الله للسيد شرف الدين ص136 ونهج السعادة ج2 ص496 و 497 وخصائص أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للنسائي ص107 والمعجم الكبير للطبراني ج19 ص40 وأسد الغابة ج4 ص197 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص509 وج23 ص317.


1 ـ إن الظالم والمظلوم كانا قد قدما على الله عز وجل، وأثاب الله المظلوم، وعاقب الظالم؛ فكره أن يسترجع شيئاً قد عاقب الله عليه غاصبه، وأثاب عليه المغصوب (عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ))(1) .

2 ـ للإقتداء برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لما فتح مكة وقد باع عقيل بن أبي طالب داره؛ فقيل له: يا رسول الله، ألا ترجع إلى دارك؟!

فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): وهل ترك عقيل لنا داراً، إنَّا أهل بيت لا نسترجع شيئاً يؤخذ منا ظلماً.

فلذلك لم يسترجع فدكاً لما ولي (عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ))(2) .

لكن هذه الرواية تنسب الظلم إلى عقيل.. وهذا لا يتلاءم مع ما عرف عن عقيل (رحمه‌الله ) الذي كان يحبه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

إلا أن يقال: إنه إنما فعل ذلك قبل أن تشمله الألطاف.. أو أنه فعل ذلك بعد إسلامه، وقبل أن يهتم ويستجيب للهدايات الإلهية بمراعاة أحكام الشريعة والدين.

وفي نص آخر: لأنَّا أهل بيت لا يأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو (يعني:

____________

1- الطرائف لابن طاووس ص251 وعلل الشرائع ص154 و 155 ومستدرك سفينة البحار ج7 ص325 وبحار الأنوار ج29 ص395 واللمعة البيضاء ص829.

2- الطرائف لابن طاووس ص251 وعلل الشرائع ص155 ومناقب آل أبي طالب ج1 ص270 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص232 والصوارم المهرقة ص165 وبحار الأنوار ج29 ص396 واللمعة البيضاء ص829.


إلا الله)، ونحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم، ونأخذ حقوقهم ممن ظلمهم، ولا نأخذ لأنفسنا (عن أبي الحسن (عليه‌السلام ))(1) .

وغير خاف على احد أن مسألة فدك كانت بالغة الحساسية بالنسبة لمناوئي علي (عليه‌السلام )، فلعل استرجاعها يعطي ذريعة لتعديات على المدى الطويل، لا حاجة إلى اعطائهم المبرر لها.. وربما يحفز ذلك إلى القيام بحملة إعلامية مسمومة، تحمل في طياتها الكثير من الشبهات والأضاليل، والشائعات الباطلة.. التي لا بد من تجنبها في تلك الظروف الحساسة..

____________

1- الطرائف لابن طاووس ص251 و252 وعلل الشرائع ص155 وعيون أخبار الرضا ج1 ص92 وسنن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للطباطبائي ص337 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص136 وفضائل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لابن عقدة ص41 واللمعة البيضاء ص829 وحياة الإمام الرضا للقرشي ج2 ص63.


الفصل الخامس: أحداث وتوقعات.. مسار الأحداث: من حجة الوداع.. إلى غصب فدك..



بداية توضيحية:

هناك سلسلة من الأحداث، تتابعت في غضون أقل من ثلاثة أشهر، كان لكل منها دوره القوي في توضيح معالم الصراع بين خطين: أحدهما يريد حفظ الدين، وتثبيت دعائمه، وتوطيد أركانه، وتشييد بنيانه.. والآخر يريد أن يستفيد من هذا الدين، ويستأثر لنفسه بكل ما يمكنه الحصول عليه، على قاعدة: (احلب حلباً لك شطره). أو: (لشد ما تشطرا ضرعيها)..

وقد بذل النبي والوصي صلوات الله عليهما وعلى آلهما أعظم الجهد في حفظ أساس الدين، وإماطة كل أذى عنه، ولا سيما فيما يرتبط بالإمامة.. التي كانت محور طموح أهل الأطماع الذين يبذلون أقصى الجهد في جلب المنافع، والإستئثار بالمناصب والمواقع..

وكنا قد أشرنا إجمالاً لهذين المسارين، في الجزء الثامن عشر من كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. وقد رأينا أن نورده هنا مع بعض التقليم، والتطعيم، فنقول:

1 ـ في حجة الوداع:

لقد بذل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ـ وفقاً للتوجيهات والأوامر الإلهية ـ جهداً يرمي إلى تحصين أمر الإمامة، بالتأكيد والنص عليها بمختلف الأساليب


البيانية: قولاً، وعملاً، وتصريحاً، وتلميحاً، وكناية، وإشارة، وسراً، وجهراً، وما إلى ذلك..

وكان الفريق الطامع والطامح ـ وهم قريش ـ يسعون إلى إحباط هذه المساعي، والتشكيك في تلك البيانات ومحاصرتها، وإبطال آثارها..

وقد اتجهت الأمور نحو التصعيد في الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بصورة قوية وحاسمة. ونحن نذكر هنا سبعة مفاصل أساسية وشاخصة، ظهرت في هذه الفترة بالذات، فنقول:

كان أول مفصل هام وحساس وأساسي، في يوم عرفة، في حجة الوداع؛ حيث بادر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى إبلاغ إمامة علي (عليه‌السلام ) للناس، في موسم الحج هذا، الذي يجتمع فيه الناس من كل الأجناس، والفئات والمستويات ومن مختلف البلاد، يجتمعون في صعيد واحد، يظهرون التوبة والندم، ويجأرون بالدعاء لله تعالى بأن يتوب عليهم، ويتقبل منهم..

فأراد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن يخطبهم، ويبلِّغهم ما أمره الله تعالى بتبليغه، فلما انتهى إلى الحديث عن الإمامة والأئمة، تصدى له الفريق القرشي الطامح، ليفسد عليه تدبيره، وليمنعه من القيام بما أمره الله سبحانه به، فصاروا يقومون ويقعدون، وضجوا إلى حد لم يعد للحاضرين المحيطين به (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مجال لسماع كلامه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ولعلهم قد ظنوا أنهم نجحوا فيما أرادوه، كما توحي به ظواهر الأمور.

ولكن الحقيقة هي العكس من ذلك تماماً.. فإن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )


كان يعلم: أنهم سوف يغتصبون الخلافة على كل حال.. ولكنه يريد أن يعرِّف الأجيال إلى يوم القيامة ذلك.. وأن لا يمكِّنهم من التشكيك في أحقية أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) بها، وفي النص عليه، ونصبه لهذا الأمر من قبل الله ورسوله..

ولأجل ذلك: فإن الخطة النبوية كانت ترمي إلى التأكيد على هذا الأمر، وفضح الذين يريدون أن يتخذوا من التظاهر بالدين والتقوى ذريعة إلى مآربهم..

وقد تحقق ذلك له (صلى‌الله‌عليه‌وآله )في هذا الموقف بالذات، في أقدس البقاع، وهو عرفة وأجل مناسبة عامة وهي الحج، وأفضل الأزمنة ـ يوم عرفة ـ وهم يؤدون فريضة عظيمة، وركناً من أركان الشريعة.

وهم محرمون لله تعالى، يجهرون بتلبية النداء الإلهي: (لبيك اللهم لبيك).

ثم يعلنون اعترافهم بوحدانيته (لبيك لا شريك لك لبيك)، وبمالكيته، وسلطانه وبنعمته وفواضله (إن الحمد والنعمة لك والملك..) ويقفون في أحد المشاعر المعظمة، ولا همَّ لهم إلا الدعاء، والإستغفار، وطلب الحاجات من الله تعالى.. والإجتهاد في الحصول على رضاه لكي يستجيب لهم، ويكون معهم.

نعم، وفي هذا الموقف بالذات ظهر للناس جميعاً: أنه رغم أمر الله تعالى لهم بأن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لكي لا تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون، صاروا يضجون إلى حد أنهم أصموا الناس، فلا يستطيع أحد أن يسمع شيئاً من كلامه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وصاروا


يقومون ويقعدون الخ..

وحمل الناس، الذين أتوا من كل حي وبلد وقبيلة، في قلوبهم هذه الذكرى المرة، معهم إلى بلادهم، التي يعودون إليها من سفر طويل وشاق، وفيه أخطار الامراض والتعديات، ويتلهف من يستقبلهم ليسألهم عما رأوه أو سمعوه من أفضل البشر، وأكرم الأنبياء (عليه‌السلام )، وأشرف المخلوقات، الذي لم يره الكثيرون منهم إلا هذه المرة اليتيمة، وسيموت (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعدها، وتبقى ذكراه في قلوب هؤلاء كأعز شيء عليهم، وأثمنه عندهم.

ولا بد أن ينقلوا ذلك للناس دائماً بحزن، وأسى، ومرارة، بعد أن اتضح لهم أمر عجيب وغريب، وهو: أن صحابته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا يوقرون نبيهم الأعظم، والخاتم، ولا يطيعونه.

2 ـ غدير خم:

وربما يمكن لهم أن يعتذروا للناس، ويقولوا لهم: لقد حاسبنا أنفسنا، وندمنا على ما بدر منا، فإنها كانت هفوة عابرة، وقد اعتذرنا، وقبل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عذرنا..

ثم يزعمون لهم: أنه قد استجدت أمور قبل وفاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أوجبت أن يعدل (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن أمر الإمامة الأئمة، فأعاد الأمر شورى بين المسلمين..

وقد يجدون من طلاب اللبانات، ومن عبيد الدنيا، من يرغب في تصديق مزاعمهم هذه، فجاءت قضية غدير خم لتقول للناس: لا تقبلوا


أمثال هذه الأعذار.

وذلك لأن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بمجرد أن انقضت مراسم الحج، ترك مكة ولم يزر البيت!! وخرج مع الحجيج العائد إلى بلاده قبل أن يتفرقوا في الطرقات إليها.

وكان رؤوس هؤلاء الطامعين والطامحين يرافقونه، ليعودوا معه إلى المدينة، وبقي في مكة والطائف، وفي كل هذا المحيط أنصار هؤلاء ومحبوهم.. وها هم يبتعدون شيئاً فشيئاً عن المناطق التي تدين لهم بالولاء، وأصبحوا غير قادرين على الإقدام على أية إساءة للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. لأنهم يعجزون عن مواجهة عشرات الألوف، وهم بضع عشرات من الأفراد، فإن جماهيرهم في مكة وما والاها لم يأتوا، ولن يستطيعوا أن يأتوا معهم..

فلما بلغ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غدير خم، نزلت الآيات الآمرة له بلزوم إنجاز المهمة التي كلفه الله تعالى بها من جديد، ومعها تهديد صريح لأولئك المعاندين: بأن استمرار اللجاج والعناد سوف يعيد الأمور إلى نقطة الصفر( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.. ) (1) ، أي أن ذلك يعني أنه مستعد للدخول معهم في حرب طاحنة، كحرب بدر وأحد، أو قد ينزل بهم العذاب، كما جرى لبعض الأمم السالفة.. فاضطر هذا الفريق المناوئ، والطامح، والطامع، إلى السكوت، والانحناء أمام العاصفة، ولو إلى حين.

____________

1- الآية 67 من سورة المائدة.


وبلَّغ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إمامة علي (عليه‌السلام ) في غدير خم، وتظاهر ذلك الفريق بالطاعة، وقدم البيعة لعلي (عليه‌السلام )، حتى قال له أحدهم: بخ بخ لك يا علي، لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن..

ولا ندري إن كانت هذه البخبخة أيضاً انحناءً أمام العاصفة؟! أم أنها جاءت لتعبِّر عن حسرة وألم، وعن أمور أخرى لا نحب التصريح بها!

3 ـ تجهيز جيش أسامة:

ولكن الباب قد بقي مفتوحاً أمام هذا الفريق للخروج من هذا المأزق، إذ يمكن أن يقول هؤلاء للناس: صحيح أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نصب علياً (عليه‌السلام ) في غدير خم، وقد بايعناه، وبخبخنا له.. ولكن قد استجدت أمور بعد ذلك جعلته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يعدل عن قراره هذا، والله على ما نقول وكيل، فإننا صحابته المحبون، المطيعون، المأمونون، على ما يأمرنا به.

أو يقولون: إن هذه الأمور جعلت علياً (عليه‌السلام ) نفسه يستقيل من هذا الأمر.. (وقد سرت شائعة بهذا المضمون فعلاً، وتركت لها آثاراً حتى على اجتماع السقيفة نفسه كما تقدم).

فجاءت قضية تجهيز جيش أسامة، لتبين بالفعل لا بالقول: أنهم لا يطيعون أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حتى مع إصراره عليهم، والتصريح بغضبه منهم، فهو يأمرهم بالخروج في جيش أسامة، ويلعن من يتخلف عن ذلك الجيش، ولكنهم يصرون على رفض الخروج معه، ويتعللون بأنهم يخافون على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من أن يحدث له


حدث في غيبتهم.. وهذا يزيد في يقين الناس بنوايا هؤلاء.

ولكنهم قد يعتذرون عن هذه المخالفة أيضاً: بأنها خطأ فرضته محبتهم له (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وشدة خوفهم عليه، ولم تكن ناشئةً عن روح متمردة، أو غير مبالية.

فجاءت قضية:

4 ـ الصلاة بالناس:

فقد اغتنموا فرصة مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فاحتلوا مكانه في إمامة الصلاة، ربما ليؤكدوا على أنهم هم المؤهلون لموقعه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بعده، وليجعلوا ذلك ذريعة لادعاء أن من يخلف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في إمامة الصلاة هو الذي ينبغي أن يخلفه في سائر الأمور..

وقد يَدَّعي بعضهم، أو يَدَّعي لهم محبوهم: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي أمرهم بالصلاة، أو أنهم أخبروه فرضي.

ولكن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبطل تدبيرهم هذا أيضاً، وحوَّله إلى إدانة لهم، وصار سبَّة عليهم، وذلك بمجيئه ـ رغم مرضه ـ محمولاً على عاتق رجلين، هما: علي (عليه‌السلام ) وشخص آخر. فعزل أبا بكر عن الصلاة، وصلى مكانه.

فهو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم يكتف بنفي أن يكون قد أمر أحداً بالصلاة مكانه، أو بالتصريح بعدم الرضا بصلاة من صلَّى، بل قرن عدم رضاه هذا، بالفعل والممارسة، حين جاء وعزله بنفسه، وفي وسط صلاته، وقطعها عليه،


وأبطلها، لأنها كانت صلاة مفروضة على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والناس، ولم يأذن الله ورسوله بها.. ويدلنا على ابطالها نفس تحول الامامة إلى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. من دون مانع يمنع ابا بكر من الاتمام سوى ما ذكرناه من عزل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له.. لكي لا يعتذر أحد بأن أبا بكر حين رأى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مقبلاً آثره وقدَّمه..

وبذلك يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بيَّن أن أبا بكر أقدم على ما لا حقَّ له فيه، إما من حيث فقدانه لشرائط إمامة الصلاة، أو من حيث إن في الأمر سراً أعظم من ذلك، وهو الإعلان بأنه ليس له أن يمثل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أي موقع من مواقعه، وأنه لا يحق له التصدي للمقام الذي يرشح نفسه له، بل لا مجال للسكوت والستر عليه لو تصدى، ولو لمثل إمامة جماعة في صلاتهم، حتى لو كان ذلك من موجبات لحوق الضرر به، ولو بأن تنطلق الشائعات والتكهنات في غير صالحه.

وذلك يدل على: أن هناك أمراً عظيماً أوجب ذلك، وجرَّده من حقوقه، فما هو ذلك الأمر العظيم يا ترى؟!

وبذلك يظهر: أنه لم تعد هناك حاجة إلى تفهيم الناس أن شرائط إمام الجماعة ـ وهي العدالة، وصحة القراءة، ونحو ذلك ـ تختلف عن شرائط الخلافة والإمامة، إذ لا تحتاج إمامة الجماعة في الصلاة إلى العلم، ولا إلى العصمة، أو الشجاعة، ولا إلى أن لا يكون بخيلاً أو جافياً. كما أنها لا تحتاج إلى النصب من المعصوم، ولا غير ذلك من أمور كثيرة ذكرتها الآيات والروايات، ونصت على أنها لا بد منها في الإمامة والخلافة لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..


5 ـ إن الرجل ليهجر:

وربما يعتذرون عن ذلك أيضاً: بأن المبادرة إلى الصلاة من أبي بكر قد جاءت عن حسن نية، وسلامة طوية، وبقصد نيل ثواب الجماعة، ولم يقصد بها الإساءة إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

ولعل عدم الإستئذان في ذلك منه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو الذي أغضبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولم يكن أبو بكر يظن أن الأمور تصل إلى هذا الحد، ولا شك في أنه قد استغفر الله تعالى من هذا الخطأ غير المقصود.

فجاءت القضية التالية: لتؤكد عدم صحة أمثال هذه الإعتذارات أيضاً، فقد طلب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كتفاً ودواة، لكي يكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده، فقال عمر: إن الرجل ليهجر أو غلبه الوجع(1) ..

____________

1- الإيضاح ص359 وتذكرة الخواص ص62 وسر العالمين ص21 وصحيح البخاري ج3 ص60 وج4 ص5 و 173 وج1 ص21 و 22 وج2 ص115 والمصنف للصنعاني ج6 ص57 وج10 ص361 وراجع: ج5 ص438 والإرشاد للمفيد ص107 وبحار الأنوار ج22 ص498 وراجع: الغيبة للنعماني ص81 و 82 وعمدة القاري ج14 ص298 وفتح الباري ج8 ص101 و 102 والبداية والنهاية ج5 ص227 والبدء والتاريخ ج5 ص59 والملل والنحل ج1 ص22 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص244 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص192 و 193 والكامل في التاريخ ج2 ص320 وأنساب الأشراف ج1 ص562 وشرح النهج للمعتزلي ج6 ص51 وتاريـخ الخميس ج2 ص164 = = وصحيح مسلم ج5 ص75 ومسند أحمد ج1 ص324 و 325 و 355 والسيرة الحلبية ج3 ص344 ونهج الحق ص273 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج2 ق2 ص62 وحق اليقين ج1 ص181 و 182 ودلائل الصدق ج3 ق1 ص63 ـ 70 والصراط المستقيم ج3 ص3 و 6 والمراجعات ص353 والنص والإجتهاد ص149 و 163.


فجاءت هذه الكلمة لتكون أوضح في الدلالة، وأصرح في التعبير عن جرأة هؤلاء على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعن مدى تصميمهم على تحقيق طموحاتهم، والوصول إلى أطماعهم، وعن المدى الذي يمكن أن تصل إليه تصرفاتهم في هذا الإتجاه.. وعن الحرمات التي يمكن أن تنتهك من أجل ذلك..

حيث إن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين طلب في مرض موته: أن يأتوه بكتف ودواة، إنما أراد أن يحرجهم في اللحظة الأخيرة، ليظهروا للناس على حقيقتهم..

وبعد ذلك، فإن على الناس أنفسهم أن يعدُّوا للأمر عدته، وأن لا تغرهم الإدعاءات الباطلة، والإنتفاخات الفارغة.

وبذلك يكون (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد فتح باباً يستطيع الداخل فيه أن يصل إلى كنه الأمور، ولو بعد مرور الأحقاب والدهور، التي تنأى بالحدث عن المشاهدة، وتمعن في إبهامه.


6 ـ الهجوم على الزهراء (عليها‌السلام ):

ولعلهم يعتذرون حتى عن مثل هذا الأمر العصي عن الإعتذار، فيقولون: لقد كانت هذه أيضاً هفوة منا غير مقصودة، في ساعة فوضى مشاعرية غير محمودة، وقد عضنا ناب الندم لأجل ما صدر، وأكلتنا نيران الحسرة بسبب ما بدر، فبادرنا إلى الله بالإستغفار، وللنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالإعتذار، فقبل عذرنا، ومات وهو راض عنا، وحمَّلنا للناس وصاياه، وعرَّفنا نواياه، وأخبرنا: أن الأمور قد تغيرت، وجاء ما أوجب نقض الهمم، وفسخ العزائم، فيما يرتبط بالبلاغ الذي كان في يوم الغدير.

فجاءت قضية أخرى أوضح وأصرح، وهي هجومهم على بيت الزهراء (عليها‌السلام )، واقتحامه، وما لحقها (عليها‌السلام ) من إهانة وظلم، واعتداء بالضرب، وإسقاط الجنين، فسقطت كل الأقنعة، بل تلاشت، واهترأت، وتمزقت، وأصبحت أوهى وأكثر حكاية لما وراءها حتى من بيت العنكبوت، لو كان ثمة ما هو أوهى منه..

خصوصاً مع تصريح القرآن بطهارة هذه السيدة المظلومة المعصومة، وبوجوب مودتها، ومع تصريح الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن من آذاها فقد آذى الله، وهي ابنته الوحيدة، وسيدة نساء أهل الجنة..

وقد قاموا بهجومهم هذا عليها في ساعة دفنها لأبيها، وبالتحديد فوق قبره الشريف، وفي مسجده.

ثم منعوها من البكاء على أبيها، وجرعوها الغصص، وساموها أشد الأذى.


فأعلنت (عليها‌السلام ) غضبها عليهم وهَجَرَتْهم إلى أن ماتت، وأوصت أن تدفن ليلاً، ولم ترض بحضورهم جنازتها.

7 ـ غصب فدك:

وقد يعتذر هؤلاء للناس البسطاء، فيقولون: لعن الله الشيطان، إن موت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أدهش عقولنا، وحير ألبابنا، وأصبحنا نخاف من الذل الشامل، والبلاء النازل. فاندفعنا بحسن نية، وسلامة طوية لتدبير الأمر، ولدفع الفتنة، وللإمساك بزمام المبادرة قبل أن ينفرط العقد، ويضيع الجهد، فوقعنا في الهفوات، وارتكبنا الخطيئات، فها نحن نعترف ونعتذر، وقد سعينا لاسترضاء الزهراء (عليها‌السلام )، ورمنا طلب الصفح منها، ولكنها لم تقبل.

غير أن ما صدر منا لا يعني أننا لا نصلح للمقام الذي اضطلعنا به، بل نحن أهل له وزيادة، وقادرون على القيام بأعباء المسؤولية فيه..

فجاء غصب فدك، ليكون آخر مسمار يدق في نعش ما يدَّعونه لأنفسهم من الفلاح والصلاح، لأنه أبدل الشك باليقين، وأسفر الصبح لذي عينين، وصرح الزبد عن المخض، وظهر: أن هؤلاء يفقدون حتى أبسط السمات والمواصفات لمن يتولى شؤون الأمة، وليدل دلالة قاطعة على أن مقام خلافة النبوة قد أخذ عنوة وقهراً.

ولنفترض: أن هؤلاء الطامحين والطامعين، والمعتدين والغاصبين، أنكروا ذلك كله، وزعموا: أنهم أكرموا الزهراء (عليها‌السلام )، ولم يضربوها، ولم يسقطوا جنينها، وزعموا: أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لم


ينص على علي (عليه‌السلام )، ولجأوا إلى التشكيك في سند النص المثبت لإمامة علي (عليه‌السلام )، أو التشكيك في دلالته، أو حاولوا التشكيك في كل القرائن والدلالات والتصريحات، والكنايات، والحقائق والمجازات، في الآيات والروايات المثبتة لإمامته (عليه‌السلام ).

نعم.. لنفترض ذلك، فإن باب المعرفة يبقى مفتوحاً على مصراعيه لكل الأجيال، عبر الأحقاب والأزمان، من خلال قضية فدك بالذات.

لقد أراد هؤلاء أن يأخذوا فدكاً، ليقولوا للناس بالفعل قبل القول: إنهم هم الذين يتبوّؤون منصب خلافة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأن ما كان له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أصبح لهم أيضاً، بحكم كونهم خلفاءه، فلهم الحق في أن يتصرفوا فيما كان يتصرف فيه، والذي كان من شؤونه أصبح من شؤونهم..

واختاروا فدكاً لهذا الأمر؛ لأنها هي الأوضح دلالة، والأعمق أثراً، لأنها في يد بنت الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالذات، وزوجة الرجل الذي يناوئونه، ويواجهونه.

فإن مرت هذه المبادرة بسلام، فإن الناس سوف يقولون: إذا كانت سلطة هؤلاء قد طالت علياً (عليه‌السلام ) نفسه، وبنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مباشرة، فماذا عسى يمكن لغيرهم أن يفعل؟!

فاستولوا على فدك، وأخرجوا عمال الزهراء (عليها‌السلام ) منها، بعد سنوات من تملكها لها، والتصرف فيها في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. متذرعين بحجج واهية، لا تسمن ولا تغني من جوع.


ولم تطالبهم الزهراء (عليها‌السلام ) بما كان منهم من العدوان عليها وضربها، وإسقاط جنينها، لأن غاية ما يمكن أن ينتج عن ذلك هو إزجاؤهم الكلام المعسول، والمديح والثناء الكلامي، وإظهار الأسف، واصطناع حالات من التواضع، وهضم النفس والإستعطاف..

ويرى الناس البسطاء: أنهم بذلك قد أدوا قسطهم للعلى..

وسوف يكون المعتدون سعداء لتحويل القضية برمتها إلى قضية شخصية، تخضع لأمزجة الأفراد ولأخلاقياتهم.

وربما لا يخطر على بال الكثير من الناس القضية الأساس التي كانت السبب في اندفاعهم للعدوان.

وقد لا يدور بخلدهم أيضاً أن هذا لا يكفي، بل لا بد من معاقبة المجرم، وأن من يرتكب هذه الفظائع، لا يصلح لمقام الإمامة والخلافة، وأن عليه أن يتخلى عن المقام الذي اغتصبه إلى صاحبه الشرعي، وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

ولأجل ذلك أبقت الزهراء (عليها‌السلام ) على موضوع العدوان عليها بعيداً عن الأخذ والرد، وعن الحجاج والإحتجاج. ولم تشر إليه في خطبتها في المسجد، كما أنها لم تستجب لاستدراجاتهم لها فيه، بل أبقت على موقفها الغاضب والرافض، لكل بحث ومساومة إلا بعد الإعتراف بالحق، وبعد إرجاعه إلى أهله.

وقد حافظت على هذا الموقف إلى أن لحقت بربها، ليبقى ذلك العدوان ماثلاً في وجدان الناس، بعيداً عن الأيدي العابثة، التي تريد إسقاط تأثيره،


بصورة أو بأخرى.

والذي حصل من خلال قضية فدك: هو دلالتها على الذين اغتصبوها يفقدون إلى آخر لحظة، أبسط الشرائط التي تؤهلهم لأدنى مسؤولية، ومن هذه الشرائط المفقودة، شرط الأمانة، فهم غير مأمونين على دماء الناس، كما أظهره فعلهم بالسيدة الزهراء (عليها‌السلام ).

وغير مأمونين على أعراضهم، كما أوضحه هتكهم لحرمة بيتها، وهي التي تقول: خير للمرأة أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل.

وغير مأمونين على أموال الناس، كما أوضحه ما صنعوه في فدك، وفي ميراثها..

وغير مأمونين على دين الناس لأنهم يخالفون أحكامه على رغم تذكيرهم بها، وبيانها لهم. وغي مأمونين على أخلاقهم، وفي تربيتهم، لأن أفعالهم دلّت على ذلك فيهم. ووشت ببالغ قسوتهم.. حين أرادوا إحراق حتى الأطفال، وأي أطفال!! إنهم الحسنان (عليهما‌السلام )

فإذا كانوا لا يحفظون أموال ودماء وعرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهل يحفظون دماء وأعراض وأموال الضعفاء من الناس العاديين؟!

وإذا كانوا يجهلون حكم الإرث؛ فقد علمتهم إياه السيدة الزهراء (عليها‌السلام ).

وبعد التعليم، والتذكير، فإن إصرارهم يدل على فقدانهم لأدنى درجات الأمانة والعدل.

فهل يمكنهم بعد ذلك كله ادِّعاء: أنهم يريدون إقامة العدل، وحفظ


الدماء، والأعراض، والأموال، وتعليم الناس دينهم، وتربيتهم، وبث فضائل الأخلاق فيهم، وغير ذلك؟!

ومن جهة أخرى: فإنهم يفقدون المعرفة بأبده البديهيات في الإسلام، ويكفي للتدليل على ذلك أن نذكر الفقرة التالية من خطبتها (عليها‌السلام )، حين بلغها اجتماع القوم على منعها فدكاً، فدخلت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار، وقالت:

أيها المسلمون، أغلب على إرثي؟!

يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئاً فرياً!

أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم؟! إذ يقول:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (1) .

وقال: فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال:( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (2) .

وقال:( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ) (3) .

وقال:( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (4) .

____________

1- الآية 16 من سورة النمل.

2- الآيتان 5 و 6 من سورة الأحزاب.

3- الآية 75 من سورة الأنفال.

4- الآية 11 من سورة النساء.


وقال:( إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ ) (1) .

وزعمتم: أن لا حظوة لي، ولا أرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟!

أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟!

أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟!

أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!

فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون..

ثم قالت (عليها‌السلام ) لأبي بكر: سبحان الله، ما كان أبي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن كتاب الله صادفاً، ولا لأحكامه مخالفاً! بل كان يتبع أثره، ويقفو سوره. أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً، يقول:( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (2) .

ويقول:( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (3) .

____________

1- الآية 180 من سورة البقرة.

2- الآيتان 5 و 6 من سورة الأحزاب.

3- الآية 16 من سورة النمل.


وبيَّن عز وجل فيما وزع من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث، ما أزاح به علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين. كلا بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون(1) .

وخلاصة القول:

إن الخلافة عن الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تعني: أخذ موقعه، والتصدي لمهماته، التي هي تعليم الأمة دينها، وتربيتها تربية صحيحة وصالحة، وتدبير أمورها، وقيادتها إلى شاطئ الأمان، وحفظها من أعدائها، وقيادة جيوشها، والقضاء والحكم فيما اختلفوا فيه، بحكم الله ورسوله.. وما إلى ذلك..

فإذا كان من يجلسون في موقعه، وينتحلون مقامه، لا يعرفون هذه الأحكام البديهية، فكيف استحقوا إمامة الأمة.. وكيف يعلِّمونها أحكام الدين، وشرائع الإسلام، وفيها ما هو دقيق وعميق، ولا يعرفه إلا الأقلون، وكان مما يقل الإبتلاء به، وهو بعيد عن التداول؟!

وإذا كانوا لا يعرفون هذه الآيات القرآنية، يلهج بها الكبير والصغير،

____________

1- الإحتجاج ص131 ـ 149 وبحار الأنوار ج29 ص220 ـ 235 ومواقف الشيعة للأحمدي ج1 ص459 ـ 468 وبيت الأحزان ص141 ـ 151 والأنوار العلوية ص293 ـ 301 واللمعة البيضاء ص694 ومجمع النورين ص127 ـ 134.


فكيف يعلِّمون الناس القرآن، ويستخرجون لهم دقائقه وحقائقه؟!

وإذا كانوا بعد التعليم والبيان من قبل الزهراء (عليها‌السلام ) في خطبتها هذه بالذات، قد عجزوا عن التعلم، فكيف يمكن لهم التصدي لشرح معاني القرآن، واستكناه أسراره؟!

وإذا كانوا قد عرفوا وأصروا على مخالفة أمر الله تعالى، فأين هي عدالتهم اللازمة لهم في أبسط الأشياء، والمطلوب توفرها في كل مسلم ومؤمن، فضلاً عمن يتبوأ منصب خلافة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؟!

وأين هي الأمانة على دين الله، وعلى أموال المسلمين، وعلى مصالحهم وشؤونهم؟!

وإذا كانوا هم الذين يظلمون الناس في أحكامهم القضائية، فكيف نتوقع منهم أن يحكموا بالعدل في سائر أفراد الأمة؟!

وإذا كانوا هم الطرف في الدعوى، والسبب في المشكلات، فكيف يكونون هم الحكام والقضاة فيها؟!

وإذا كانوا يضربون طرف الدعوى، ويظلمونه قبل إدلائه بالحجة، وقبل سماعها منه، فكيف نتوقع أن يجرؤ أحد سواها على الإدلاء بحجته، ويقدم أدلته؟!

وإذا كان هذا الظلم يجري على أقدس إنسان على وجه الأرض، وهو بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والتي يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، فكيف يكون حال الناس العاديين الذين لا قداسة ولا موقع لهم، ولم يخبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عنهم بأن الله يرضى لرضاهم، أو


يغضب لغضبهم؟!..

وإذا كانوا قد فعلوا ذلك لجهلهم بأحكام القضاء، فكيف صح أن يتصدوا لهذا المقام الذي هو للعارف بالقضاء؟!

وإذا كانوا فعلوا ذلك تجاهلاً وتعمداً لترك ما يجب عليهم، فأين هي العدالة في القاضي؟! أليس اشتراطها فيه من أبده البديهيات، وأوضح الواضحات؟!

فقضية فدك إذن أوضحت: أن هؤلاء يفقدون الشرائط الأساسية للإمامة والخلافة، ولا يصلحون لتولي شؤون أحد من البشر، حتى أولادهم، فكيف يتولون شؤون الأمة بأسرها؟! وتكون قيمة ذلك هذا العدوان الظاهر والسافر!

واللافت هنا: أن هذه الشرائط التي يفقدونها ليست شرائط معقدة، ولا يحتاج الإلتفات إليها، وإدراك صحتها، ولزوم توفرها إلى دراسة وتعمق، ولا إلى أدلة وبراهين، وثقافة ومعارف.

بل يكفي لإدراك لزومها في الحاكم، وكذلك لمعرفة فعلية وجودها فيمن يدَّعيها، أدنى التفات من أي إنسان، حتى لو كان غير مسلم، بل غير موحِّد أيضاً؛ لأن من البديهيات الأولية لدى البشر أن من يتصدى لإنجاز أمر، لا بد أن يملك القدرة والخبرة الكافية فيه..

وهو ما نسميه هنا بعلم الشريعة. ولا بد أيضاً أن يكون أميناً على ما اؤتمن عليه، فلا يحيف، ولا يخون، ولا يظلم فيه..

وأخيراً: نقول:


لنفترض: أن الإنسان قد يسهو عن بعض الأحكام حتى البديهية، وقد يصدر حكماً جائراً أحياناً بسبب غفلة، أو نزوة هوى عرضت، ولكن حين يعود إلى نفسه، ويتهيأ له من ينقذه من غفلته، ويجد الواعظ القريب، والمؤدب اللبيب الذي خالف هواه، وامتثل أوامر مولاه، فإنه يثوب إلى رشده، ويستيقظ من غفلته، ويتوب إلى ربه..

ولا يضر ذلك في صفة العدالة، إن لم يكن ذلك الذنب من الكبائر، ولو كان يضر بها، فإن عودته إلى الطريق المستقيم تصلح ما فسد، وتعيد الأمور إلى نصابها..

ولكن هؤلاء القوم ليس فقط لم يستيقظوا من غفلتهم، ان كان ثمة غفلة؛ بل هم أصروا على اتباع الهوى بعد البيانات الواضحة، والحجج اللائحة، والنصيحة والموعظة الصالحة، ولم يراعوا أية حرمة، ولم يقفوا عند أي حد، حتى حدود المراعاة العرفية، والمجاملات العادية، وهذا خلل أخلاقي كبير، لا يبقي مجالاً لإغماض النظر عن الخطأ العارض.

بل هو خطأ مفروض ومحمي بشريعة الغاب، وبقانون القوة الغاشمة، والقهر والظلم.. الأمر الذي يشير: إلى أن عنصر الأخلاق مفقود أو يكاد، وهو عنصر هام وضروري للناس جميعاً، فكيف بمن يكون من جملة وظائفه تطهير النفوس، وتربية الأمة على الأخلاق الحميدة، وغرس الفضائل في النفوس، وهدايتها نحو كمالاتها؟!..

فإن هؤلاء يدَّعون: أنهم يستحقون أن يكونوا في موقع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأن يقوموا بوظائفه، ويضطلعوا بمهماته.


وقد بين الله سبحانه طرفاً من وظائف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (1) .

وبذلك تكون فدك قد حسمت الأمور، وكشفت الحقيقة ـ كل الحقيقة ـ للبشر جميعاً، وبمختلف فئاتهم وطبقاتهم، ومذاهبهم، وأديانهم.

ويبقى الباب مفتوحاً أمام الناس كلهم، ليعرفوا الظالم من المظلوم، والمحق من المبطل، والمحسن من المسيء، حتى لو لم تكن هناك نصوص، أو كانت، وادَّعوا أنهم لا يؤمنون بها،( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) ، والحاقدون، والحاسدون.

فدك.. تعني الخلافة:

وبعد غصب فدك من الزهراء (عليها‌السلام ). تعاقبت عليها الأيدي، وتداولتها الفئات المختلفة وأصبحت من المسائل الحساسة عبر التاريخ، وصارت تمثل ميزان الحرارة، الذي يعطي الإنطباع عن طبيعة العلاقة بين الحكام وبين أهل البيت (عليهم‌السلام ) وشيعتهم، فكانت تارة تؤخذ منهم، وتارة ترد إليهم..

بل صارت من العناوين الكبيرة لقضية الإمامة، كما تظهره النصوص التالية وغيرها.

____________

1- الآية 2 من سورة الجمعة.

2- الآية 32 من سورة التوبة.


الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) والرشيد:

قال الزمخشري:

كان هارون الرشيد يقول لموسى بن جعفر (عليهما‌السلام ): خذ فدكاً حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه.

فقال (عليه‌السلام ): لا آخذها إلا بحدودها.

قال: وما حدودها؟!

قال: يا أمير المؤمنين، إن حددتها لم تردها.

قال: بحق جدك إلا فعلت.

قال: أما الحد الأول فعدن.

فتغير وجه الرشيد، وقال: هيه.

قال: والحد الثاني سمرقند.

فاربد وجهه.

قال: والحد الثالث أفريقية.

فاسود وجهه، وقال: هيه.

قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية.

قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحول في مجلسي.

قال موسى (عليه‌السلام ): قد أعلمتك: أنني إن حددتها لم تردها.


فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد الخ..(1) .

الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) والمهدي العباسي:

وقبل ذلك: كان الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) قد دخل على المهدي العباسي، فرآه يرد المظالم، فقال: ما بال مظلمتنا لا ترد؟!

فقال المهدي: وما ذاك يا أبا الحسن؟!..

إلى أن قال: فقال له المهدي: يا أبا الحسن، حدَّها إلي.

فقال: حد منها جبل أحد، وحد منها عريش مصر، وحد منها سيف البحر، وحد منها دومة الجندل.

فقال له: كل هذا؟!

قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إن هذا كله مما لم يوجِف على أهله رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخيل ولا ركاب.

فقال: كثير. وأنظر فيه(2) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص435 وبحار الأنوار ج29 ص200 و 201 وج48 ص144 و 145 ومجمع النورين ص124 واللمعة البيضاء ص294.

2- الكافي ج1 ص543 وشرح أصول الكافي ج7 ص405 وبحار الأنوار ج48 ص156 و 157 والبرهان ج2 ص414 ومجمع البحرين ج5 ص283 والوسائل ج9 ص525 ونور الثقلين ج3 ص154 و 155 وج5 ص276 واللمعة البيضاء ص293.


الباب الثالث: سياسات أفرزتها السقيفة..



الفصل الأول: لا حاجة لنا بمصحف علي (عليه‌السلام )



علي (عليه‌السلام ) يجمع القرآن :

قالوا:

فلما رأى علي (عليه‌السلام ) غدر الناس، وقلة وفائهم، ونكث العهود والعقود، وعدم وفائهم بمقتضيات البيعة، وذهابهم في التيه، وعصيان أمر الله ورسوله، وعدم اطاعتهم إمامهم المنصوص عليه.. لزم بيته، وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله، فكتبه على تنزيله، وكتب الناسخ والمنسوخ، والتفسير والتأويل، وغير ذلك..

فبعث إليه أبو بكر: أن اخرج فبايع.

فبعث إليه: إني مشغول، فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلوات حتى أؤلف القرآن وأجمعه.

(وفي الروايات: أنه أرسل إليه مرتين، فيجيبه بنحو ذلك، فأرسل إليه في الثالثة قنفذاً، ثم ذكرت حديث الإحراق)(1) .

فجمعه في ثوب (واحد)، وختمه.

____________

1- بحار الأنوار ج28 ص231 وتفسير العياشي ج2 ص307 ونور الثقلين ج3 ص199 وغاية المرام ج5 ص337 والبرهان (تفسير) ج2 ص434.


ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فنادى (عليه‌السلام ) بأعلى صوته:

(أيها الناس، إني لم أزل منذ قبض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مشغولاً بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية من القرآن إلا وقد جمعتها كلها في هذا الثوب، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعلمني تأويلها.

فقالوا: لا حاجة لنا به، عندنا مثله.

ثم دخل بيته. (وهو يتلو( فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (1) )(2) .

وفي نص آخر؛ عن أبي ذر الغفاري: أنه (عليه‌السلام ) جاءهم بالقرآن الذي جمعه وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده، فلا حاجة لنا فيه، فأخذه (عليه‌السلام ) وانصرف.

ثم أحضروا زيد بن ثابت ـ وكان قارياً للقرآن ـ فقال له عمر: إن علياً (عليه‌السلام ) جاءنا بالقرآن، وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن

____________

1- الآية 187 من سورة آل عمران.

2- الإحتجاج ج1 ص207 و (ط دار النعمان) ج1 ص107 وكتاب سليم ج2 ص581 ـ 583 وبحار الأنوار ج28 ص265 و 266 وج89 ص40 ومجمع النورين ص96 و 97 وغاية المرام ج5 ص316 وبيت الأحزان ص106.


نؤلف القرآن، ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار.

فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال لهم: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم، وأظهر علي القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما عملتم؟!

ثم قال عمر: فما الحيلة؟!

قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة.

فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك (وسيأتي شرح ذلك).

فلما استخلف عمر، سأل علياً (عليه‌السلام ) أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه.

فقال (عليه‌السلام ): هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به.

إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي.

فقال له عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم.

فقال علي (عليه‌السلام ): نعم، إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به عليه صلوات الله عليه(1) .

____________

1- الإحتجـاج ج1 ص360 و 361 و (ط دار النعـمان) ج1 ص225 و 228 = = وبحار الأنوار ج89 ص42 و43 والأنوار النعمانية ج2 ص360 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص581 و 582 والصافي ج1 ص43 وج5 ص129 وج7 ص100 ونور الثقلين ج5 ص226 ومكيال المكارم ج1 ص61. وراجع بصائر الدرجات ص196 وبحر الفوائد ص99.


علي ( عليه‌السلام ) أول من جمع القرآن :

لا شك في أن علياً (عليه‌السلام ) أول من جمع القرآن، جمعه أولاً على عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. ثم جمعه بعد وفاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مباشرة.. وقد ذكرنا ذلك مع مصادره في كتابنا: (حقائق هامة حول القرآن الكريم).

ونحن نذكر هنا طرفاً مما ذكرناه هناك حول جمع علي (عليه‌السلام ) القرآن، فنقول:

قال المعتزلي: إنه (عليه‌السلام ) أول من جمع القرآن(1) .

وعن أبي جعفر (عليه‌السلام ) قال: (ما أحد من هذه الأمة جمع القرآن،

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص27. وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) للكوفي ج1 ص292 وكتاب الأربعين للشيرازي ص422 وبحار الأنوار ج41 ص149 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص200 والصافي ج1 ص1 والقرآن في الإسلام للطباطبائي ص137 وأسد الغابة ج3 ص224.


إلا وصي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

وكان قد جمعه على ترتيب النزول(2) .

وقال البعض: الصحيح: أن أول من صنف في الإسلام أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام )، جمع كتاب الله جلّ جلاله(3) !!

وعن أبي جعفر (عليه‌السلام ): (ما ادّعى أحد من الناس: أنه جمع القرآن كما أنزل إلا كذاب. وما جمعه، وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب، والأئمة بعده)(4) .

____________

1- تفسير القمي ج2 ص451 وبحار الأنوار ج89 ص48 عنه، والوافي ج5 ص274 عنه أيضاً، والصراط المستقيم ج1 ص366 (الهامش). وتفسير أبي حمزة الثمالي ص103 ونور الثقلين ج5 ص727.

2- راجع: الإتقان للسيوطي ج1 ص72 و (ط دار الفكر) ج1 ص171 و 195 عن ابن أبي داود، وسبل الهدى والرشاد ج11 ص335 وتاريخ الخلفاء ص185 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج4 (الذيل ص28 و 29 هامش) وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص317 و 316 وفتح الباري ج9 ص47 والصافي ج1 ص1 والقرآن في الإسلام للطباطبائي ص134 و 137 والميزان ج12 ص128.

3- معالم العلماء ص2 و (ط قم) ص38 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص233 ومرآة الكتب للتبريزي ص25 و 30 وأعيان الشيعة ج1 ص89 وج4 ص598.

4- بصائر الدرجات ص193 والكافي ج1 ص228 والبرهان ج1 ص20 و 15 = = وشرح أصول الكافي ج5 ص312 والصافي ج1 ص20 ونور الثقلين ج5 ص464 والبيان لآية الله الخوئي ص242 و 243 و (ط دار الزهراء سنة 1395) ص223 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج1 ص239 والوافي ج2، كتاب الحجة، باب 76 ص130. وراجع: كنز العمال ج2 ص373، وفواتح الرحموت (بهامش المستصفى) ج2 ص12.


علي ( عليه‌السلام ) جمع القرآن في عهد النبي ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :

ومما يدل صراحة على أنه (عليه‌السلام ) كان قد جمع القرآن في عهد الرسول، ما روي عنه (عليه‌السلام ): (.. ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلا أقرأنيها، وأملاها علي؛ فكتبتها بخطي. وعلمني تأويلها، وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها إلخ..)(1) .

____________

1- كتاب سليم بن قيس ص99 و (ط النجف) ص106 و (ط أخرى) ص183 وبصائر الدرجات ص198 و (منشورات الأعلمي سنة 1404) ص218 والكافي ج1 ص64 والخصال ص257 وكمال الدين ج1 ص284 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج27 ص206 و 207 و (ط دار الإسلامية) ج18 ص152 و 153 وتحف العقول ص196 والمسترشد ص235 وبحار الأنوار ج2 ص230 وج36 ص275 وج40 ص139 وج89 ص41 و 99 والإحتجاج ج1 ص223 وشواهد التنزيل ج1 ص48 والوافية للتوني ص138 والأصول الأصيلة ص27 والفوائد المدنية والشواهد المكية ص222 وتفسير العياشي ج1 ص253 والصافي ج1 ص19 ونور الثقلين ج1 ص318 وكنز = = الدقائق ج2 ص27 والبرهان في تفسير القرآن ج1 ص16 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج1 ص327 والصراط المستقيم ج3 ص258 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص5 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص16 و 143 ونهج السعادة ج7 ص144 والمعيار والموازنة ص300 وكتاب الأربعين للشيرازي ص309 وشرح أصول الكافي ج2 ص306 والتمهيد في علوم القرآن ج1 ص229 عنه، وأكذوبة تحريف القرآن، عن بعض من تقدم.


وعن علي (عليه‌السلام ): لو ثنيت لي الوسادة؛ لأخرجت لهم مصحفاً، كتبته، وأملاه عليّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

علي (عليه‌السلام ) يجمع القرآن بعد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

ومن النصوص الدالة على جمعه فور وفاته، ما رواه أبو العلاء العطار، والموفق خطيب خوارزم، في كتابيهما، بالإسناد: عن علي بن رباح: (أن النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أمر علياً (عليه‌السلام ) بتأليف القرآن ؛ فألفه، وكتبه)(2) .

بل قد يدل هذا النص على أن ذلك كان في عهد النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه.

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج2 ص41 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص320 وبحار الأنوار ج40 ص155 وج89 ص52.

2- مناقب آل أبي طالب ج2 ص41 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص320 وبحار الأنوار ج40 ص155 وج89 ص52 وأعيان الشيعة ج1 ص89 وج4 ص598.


هذا.. وقد أمره النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأن يتسلم القرآن الذي عنده، وأن يجمعه، وقد كان في الصحف، والجريد، والقرطاس، في بيته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خلف فراشه، حتى لا يضيع، كما ضُيِّعَ التوراة، والإنجيل.

فجمعه علي (عليه‌السلام ) في ثوب أصفر، ثم ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه..

قال: (.. كان الرجل ليأتيه؛ فيخرج إليه بغير رداء، حتى جمعه..)(1) .

زاد البعض: (فكان أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه..)(2) .

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج89 ص48 وراجع ص52 وتفسير القمي ج2 ص451 والصافي ج1 ص40 ونور الثقلين ج5 ص726 ومقدمة تفسير البرهان ص36 والمحجة البيضاء ج2 ص264 ومجمع البحرين ج1 ص399. وراجع: الإتقان ج1 ص57، والوافي ج5 ص274، وتاريخ القرآن للزنجاني ص44 و 45 و 64 وتاريخ القرآن للأبياري ص84 و 106 وعمدة القاري ج20 ص16 وأكذوبة تحريف القرآن ص17 عنه، وعن المصاحف للسجستاني. وراجع: فتح الباري ج9 ص10 والمناقب لابن شهرآشوب ج2 ص41.

2- راجع: شواهد التنزيل ج1 ص36 والبيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص503 وتاريخ القرآن للأبياري ص84 والفهرست لابن النديم ص30 وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص317 و 316 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص527 وأعيان الشيعة ج1 ص89 وج4 ص598 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج1 ص7.


وقيل: إنه جمعه بعد موت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بستة أشهر(1) .

وهذا بعيد.. فهناك أحداث عديدة جرت في تلك الفترة كان علي (عليه‌السلام ) حاضراً وناظراً، ومؤثراً فيها.

وحلفه (عليه‌السلام ): أن لا يرتدي رداء حتى يجمع القرآن، ثم تخلفه ليجمعه، ثم عتاب عمر له على تخلفه عن بيعة أبي بكر، قد ذكر في مصادر أخرى أيضاً(2) .

____________

1- المناقب لابن شهرآشوب ج2 ص140 و 141 و (ط دار النعمان) ج1 ص319 وبحار الأنوار ج40 ص155 وج89 ص51 وأعيان الشيعة ج1 ص89 وج4 ص598.

2- المصنف لعبد الرزاق ج5 ص450 وفي هامشه عن أنساب الأشراف ج1 ص587 وشواهد التنزيل ج1 ص37 و 38 وراجع: والإستيعاب ج3 ص974 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص338 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص398 و 399 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص637 والوافي بالوفيات ج17 ص167 ونهج الإيمان ص579 وينابيع المودة ج2 ص408 وأعيان الشيعة ج1 ص89 و 597 وحياة الصحابة ج3 ص355 وحلية الأولياء ج1 ص67 وكنز العمال ج2 ص373 و (ط مؤسسة الرسالة) ج2 ص588 وج13 ص128 وتاريخ الخلفاء ص185 ومناقب آل أبي طالب ج2 ص41 عن أبي نعيم، وعن الخطيب في الأربعين، وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص317 و 316 وراجع: الإحتجاج ج1 ص98 و 281 وكتاب الأربعين للشيرازي ص238 وبحار الأنوار ج28 ص191 وج29 ص419 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص43 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج17 ص527 وج18 ص254.


وهذه الروايات تفسر لنا بشكل واضح ما ورد: من أنه صلوات الله وسلامه عليه، قد جمع القرآن بعد وفاة النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بثلاثة أيام(1) .

فإن المقصود: أنه بدأ جمعه في الأيام الثلاثة الأولى، أو أنه الف القرآن الذي كان خلف فراش النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورتبه ونسقه ونظمه، وجمعه في خيط واحد.. وكان فيه الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه.. وغير ذلك مما تضمنه مصحف علي (عليه‌السلام )..

إذ يبعد أن يكون المقصود: أنه (عليه‌السلام )، قد كتب القرآن في ثلاثة أيام، إلا على سبيل الاعجاز، ولا يمكن أن يكون المقصود: أنه حفظه، كما يقوله البعض(2) ، لأنه كان حافظاً له منذ بدء نزوله.

____________

1- الفهرست لابن النديم ص30 والأوائل للعسكري ج1 ص214 و 215 وتاريخ القرآن للأبياري ص84 وأعيان الشيعة ج1 ص89 وج4 ص598 ومقدمة تفسير البرهان ص37 وتفسير فرات ص399. وأكذوبة تحريف القرآن ص62 عن بعض من تقدم، وعن المصنف لابن أبي شيبة ج1 ص545 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج1 ص7 وعلوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم ص21. وراجع: بحار الأنوار ج23 ص249.

2- راجع: أكذوبة تحريف القرآن ص16 عن تاريخ القرآن لعبد الصبور شاهين ص71.


مواصفات مصحف علي ( عليه‌السلام ):

وقد صرحت الروايات والنصوص بميزات كانت لمصحف علي (عليه‌السلام )، فقد قال المفيد (رحمه‌الله ) وغيره: إن علياً كتب في مصحفه تأويل بعض الآيات، وتفسيرها بالتفصيل(1) .

وقال هذا الشيخ الجليل حول المصحف الموجود، ومقايسته بمصحف أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

(..ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، من تأويله، وتفسير معانيه، على حقيقة تنزيله. وذلك كان ثابتاً، منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى، الذي هو القرآن المعجز، وقد سمي تأويل القرآن قراناً. قال تعالى:( وَلاَ تَعْجَلْ بِالقرآن مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) (2) ؛ فسمى تأويل القرآن قرآناً)(3) .

وقال المفيد أيضاً: قدم المكي على المدني، والمنسوخ على الناسخ، ووضع كل شيء منه في محله(4) .

____________

1- عن المفيد في الإرشاد، والمسائل السروية، راجع: تاريخ القرآن ص48 وأعيان الشيعة ج1 ص89، عن عدة الرجال للأعرجي.

2- الآية 144 من سورة طه.

3- أوائل المقالات ص55 و (ط دار المفيد) ص81 وبحر الفوائد ص99 عنه، وتفسير شبر ص17.

4- عدّة رسائل للمفيد ص225 والمسائل السروية ص79 وبحار الأنوار ج89 ص74.


وعن علي (عليه‌السلام ): (ولقد أُحضِروا الكتاب كَمَلاً، مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف، ولا لام؛ فلما وقفوا على ما بينه الله، من أسماء أهل الحق والباطل، وأن ذلك إن أُظهِر نقص(1) ، ما عهدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه..)(2) .

وقال الأبياري: (ويروي غير واحدٍ: أن مصحف علي، كان على ترتيب النزول، وتقديم المنسوخ على الناسخ..)(3) .

وقال الشيخ الصدوق: (قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، لما جمعه؛ فلما جاء به؛ فقال لهم:

هذا كتاب الله ربكم، كما أنزل على نبيكم، لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف.

____________

1- لعل الصحيح: نقض.

2- الإحتجاج ج1 ص383 و (ط دار النعمان) ج1 ص383 وبحار الأنوار ج90 ص125 ومجمع البيان ج6 ص54 وكنز الدقائق ج2 ص312 ونور الثقلين ج1 ص421 والصافي ج1 ص47 والبيان في تفسير القرآن ص242 وبحر الفوائد ص99.

3- تاريخ القرآن للأبياري ص85 عن تاريخ القرآن للزنجاني ص26. وراجع: أعيان الشيعة ج1 ص89 عن السيوطي في الإتقان، عن ابن أبي داود، وراجع: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص317 والمدخل إلى فقه الإمام على لمحمد عبد الرحيم محمد (ط دار الحديث ـ القاهرة) ص38.


فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك.

فانصرف، هو يقول: (فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً؛ فبئس ما يشترون)(1) .

وتقدم: أن أول صفحة فتح عليها أبو بكر، وجد فيها فضائح القوم، أعني: المهاجرين والأنصار؛ فخافوا فأرجعوه إليه، ثم أمروا زيد بن ثابت بجمع القرآن لهم..

وقال ابن سيرين: إن علياً كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ.

وعنه: تطلّبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة ؛ فلم أقدر عليه(2) .

وعنه أنه قال: فبلغني: أنه كتبه على تنزيله؛ ولو أصيب ذلك الكتاب

____________

1- الإعتقادات في دين الإمامية للصدوق، باب: الإعتقاد في مبلغ القرآن ص86 وراجع: المناقب لابن شهرآشوب ج2 ص41 وبصائر الدرجات ص213 والكافي ج2 ص633 وج6 ص221 وتهذيب الأحكام ج9 ص4 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج24 ص138 و (ط دار الإسلامية) ج16 ص337 والإحتجاج ج1 ص383 وبحار الأنوار ج90 ص126.

2- الإتقان في علوم القرآن ج1 ص58 و (ط دار الفكر) ج1 ص162 ومناهل العرفان ج1 ص247 وتاريخ القرآن للزنجاني ص48 والصواعق المحرقة ص126 والطبقات الكبرى لابن سعد (ط صادر) ج2 ص338 وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص317 وأعيان الشيعة ج4 ص597.


لوجد فيه علم كثير(1) .

أو قال: لو أصيب ذلك الكتاب؛ لكان فيه العلم(2) .

وعن ابن جزي: لو وجد مصحفه (عليه‌السلام )؛ لكان فيه علم كثير(3) .

وعن الزهري: لو وجد لكان أنفع، وأكثر علماً(4) .

هذا.. ولا نستبعد: أن يكون هذا المصحف هو نفس المصحف، الذي دفعه أبو الحسن الرضا (عليه‌السلام ) إلى البزنطي، وقال له: لا تنظر فيه.

____________

1- الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص253 و (ط دار الجيل) ج3 ص974 والتمهيد ج8 ص301 والوافي بالوفيات ج17 ص167 وراجع: الصواعق المحرقة ص126.

2- راجع: تاريخ الخلفاء ص185 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ق2 ص101 وأعيان الشيعة ج1 ص89 والبرهان (المقدمة) ص41 عن سمط النجوم العوالي. وكنز العمال ج2 ص373 عن ابن سعد، والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص253. وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص316 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه للسيد مير محمدي زرندي ص128 و 140.

3- التمهيد في علوم القرآن ج1 ص226 عن التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص4 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص140.

4- فواتح الرحموت، بهامش المستصفى ج2 ص12.


قال: ففتحته، وقرأت فيه:( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (1) ؛ فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش، بأسمائهم، وأسماء آبائهم.

قال: فبعث إلي: أن ابعث إليّ بالمصحف(2) .

وليس في رواية الكشي: أنه قال له: لا تنظر فيه.. وهو الصواب؛ إذ لا معنى لأن يعطيه إياه، ثم يمنعه من القراءة فيه، إلا إذا كان يريد أن يختبره بذلك.. فيكون البزنطي قد سقط في الإختبار!!

وفي أخبار أبي رافع: أن النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال في مرضه، الذي توفي فيه لعلي: (يا علي، هذا كتاب الله خذه إليك.

فجمعه في ثوب، فمضى إلى منزله؛ فلما قبض النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جلس علي؛ فألفه كما أنزل الله، وكان به عالماً)(3) .

____________

1- الآية 1 من سورة الكافرون.

2- البرهان (المقدمة) ص37 ومناهل العرفان ج1 ص273 والكافي ج2 ص631 والصافي ج1 ص41 ونور الثقلين ج5 ص642 ومسند الإمام الرضا (عليه‌السلام ) للعطاردي ج1 ص385 وج2 ص427 وشرح أصول الكافي ج11 ص82 والمحجة البيضاء ج2 ص262 ـ 263 وبحار الأنوار ج89 ص54 وإختيار معرفة الرجال ص589 و (ط مؤسسة آل البيت) ج2 ص853 والوافي ج5 ص273.

3- مناقب آل أبي طالب ج2 ص41 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص319 وبحار الأنوار ج40 ص155 وج89 ص52 عنه، وأعيان الشيعة ج1 ص89 وج4 ص598.


أين هو مصحف علي (عليه‌السلام )؟!:

قد يمكن أن نستظهر من رواية البزنطي السابقة: أن ذلك المصحف، الذي دفعه إليه الإمام الرضا (عليه‌السلام )، كان هو مصحف علي (عليه‌السلام ).

ولكن ذلك لا يكفي لإثبات ذلك، كما هو ظاهر..

ولكن ثمة نصوص أخرى، تفيد: أن هذا المصحف موجود الآن عند الإمام الحجة المنتظر، قائم آل محمد (صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطاهرين)، وسيخرجه حين ظهوره، إن شاء الله تعالى..(1) .

ولعله هو القرآن الذي ورد في الروايات: أنه يعلّمه للناس، وأنه يخالف التأليف المعروف للمصحف..

خصائص مصحف علي (عليه‌السلام ):

ويتضح من النصوص الآنفة الذكر: أن مصحف عليّ (عليه‌السلام )، يمتاز بما يلي:

____________

1- الكافي ج2 ص462 وبصائر الدرجات ص193 والإحتجاج ج1 ص228 و (ط دار النعمان) ج1 ص225 وبحار الأنوار ج89 ص42 ـ 43 وراجع: المحجة البيضاء ج2 ص263، ومصباح الفقيه (كتاب الصلاة) ص275 والصافي ج1 ص43 وج5 ص129 وج7 ص100 ونور الثقلين ج5 ص226 ومكيال المكارم ج1 ص61.


1 ـ إنه كان مرتباً على حسب النزول.

فنتج عن ذلك ان:

2 ـ قدّم فيه المنسوخ على الناسخ.

3 ـ كتب فيه تأويل بعض الآيات بالتفصيل.

4 ـ كتب فيه تفسير بعض الآيات بالتفصيل، على حقيقة تنزيله. ولعله كتب فيه التفاسير المنزلة تفسيراً من قبل الله سبحانه على حد الأحاديث القدسية.

5 ـ فيه المحكم والمتشابه.

6 ـ لم يسقط منه حرف ألف، ولا لام. ولم يزد فيه حرف، ولم يسقط منه حرف.

7 ـ فيه أسماء أهل الحق والباطل.

8 ـ كان بإملاء رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وخط عليّ (عليه‌السلام ).

9 ـ كان فيه فضائح القوم ـ أعني: المهاجرين والأنصار ـ من الشخصيات التي لم تتفاعل مع الإسلام، كما يجب. ومنه ذِكر المنافقين بأسمائهم ونحو ذلك.

أمران لابدّ من التنبيه عليهما:

الأول: إن ما ذكر من خصائص وميزات في مصحف عليّ (عليه‌السلام )، يوضح لنا السر في صعوبة تعلمه في زمن ظهور الحجة (عليه‌السلام ) ؛ فقد روي عن أبي جعفر (عليه‌السلام )، قوله:


(إذا قام القائم من آل محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ضرب فساطيط لمن يعلم الناس القرآن على ما أنزله الله عزّ وجلّ، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم؛ لأنه يخالف فيه التأليف)(1) .

الثاني: اتضح: أن مصحف عليّ (عليه‌السلام )، لا يفترق عن القرآن الموجود بالفعل، إلا فيما ذكر.. وقد اعترف بهذه الفوارق، علماء أهل السنة، ومؤلفوهم، ومحدثوهم، كما يظهر من ملاحظة النصوص المتقدمة، ومصادرها..

فمحاولة البعض اعتبار ذلك من المآخذ على الشيعة، على اعتبار: أن قرآناً آخر، يخرجه الإمام الحجة (عليه‌السلام )، يختلف عن القرآن الفعلي..(2) .

إن هذه المحاولة بعيدة عن الإنصاف، وليس لها ما يبررها على الإطلاق ؛ فالقرآن هو القرآن، وإضافة بعض التفسير والتأويل، وترتيبه حسب النزول، لا يوجب اختلافاً في أصله وحقيقته..

____________

1- روضة الواعظين ص265 وراجع: الغيبة للنعماني ص318 و 319 والإرشاد للشيخ المفيد ص365 وبحار الأنوار ج52 ص339 والأنوار البهية ص384 ونور الثقلين ج5 ص27 وكشف الغمة ج3 ص265 وإلزام الناصب ج2 ص247 ومكيال المكارم ج1 ص60.

2- راجع: الشيعة والسنة ص138.

وراجع: كذبوا على الشيعة للسيد محمد الرضي الرضوي ص19 ووركبت السفينة لمروان خليفات ص604 عن كتاب دفاع عن العقيدة والشريعة.


ما كتبه الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من القرآن لم يصل إلى الخلفاء:

إن الروايات السابقة، وكذلك حديث جمع زيد للقرآن من العسب واللخاف، وصدور الرجال، يؤكد: على أن زيداً لم يكتب مصحفه، اعتماداً على المصحف الذي كتب بحضرة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، كما يدَّعي البعض، ويُدَّعى أيضاً: أنه كان في بيت عائشة(1) .

بل هو قد كتب مصحفاً للخليفة وأعوانه، ولم يذكر فيه المحكم والمتشابه، ولا غير ذلك مما هو في مصحف علي (عليه‌السلام ) الذي تسلّمه بأمر من النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نفسه، كما أسلفنا.

وتقدم: أنه (عليه‌السلام ) قد جاءهم به، فلما رأوا أنه قد كتب فيه، ما لا يروق لهم؛ رفضوه، واكتفوا بجمع مصحف لهم، من عسب، ورقاع أخرى، ومن صدور الرجال، حسبما صرحت به رواياتهم.

____________

1- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج6 ص98 وج8 ص118 والسنن الكبرى للبيهقي ج2 ص41 وعمدة القاري ج20 ص16 وج24 ص263 والسنن الكبرى للنسائي ج5 ص7 والبيان في تفسير القرآن ص240 والبرهان للزركشي ج1 ص233 و 238 الإتقان في علوم القرآن ج1 ص55 و (ط دار الفكر) ج1 ص161 وإكليل المنهج في تحقيق المطلب للكرباسي ص544 وإمتاع الأسماع ج4 ص244 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص180 ومناهل العرفان ج1 ص242 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص133.


المراد بالتنزيل:

وتقدم قول أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): (..ولقد أحضروا الكتاب كَمَلاً، مشتملاً على التنزيل والتأويل)(1) .

والظاهر: أن المراد بالتنزيل: هو نفس القرآن..

أو: شأن نزول الآيات، كذكر أسماء المنافقين، ونحو ذلك..

أو: التفاسير، التي أنزلها الله تعالى على رسوله؛ شرحاً لبعض الآيات، مما لا سبيل إلى معرفته، إلا بالوحي، والدلالة الإلهية، كما هو الحال في بيان كيفيات الصلاة، ومقادير الزكاة.. ومعاني كثير من الآيات، التي تحتاج إلى توقيف منه تعالى؛ فينزل الله ذلك على النبيّ الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؛ ولا يكون ذلك قرآنا، بل هو من قبيل الأحاديث القدسية، التي هي وحي إلهي أيضاً.

ولعل ما ورد في بعض الروايات، التي سُجِّلت فيها بعض الإضافات، وقول الإمام (عليه‌السلام ): (هكذا أنزلت). يهدف إلى الإشارة إلى نزول تفسيرها من قبل الله سبحانه.

____________

1- الإحتجاج ج1 ص383 و (ط دار النعمان) ج1 ص383 وبحار الأنوار ج90 ص125 ومجمع البيان ج6 ص54 وكنز الدقائق ج2 ص312 ونور الثقلين ج1 ص421 والصافي ج1 ص47 والبيان في تفسير القرآن ص242 وبحر الفوائد ص99.


ويمكن أن يكون قد مزج هذا التفسير النازل بالآية، على سبيل البيان والتوضيح. باعتماد طريقة يتميز معها ما هو قرآن منزل عما هو تفسير منزل.

وكان التفسير المزجي معروفاً آنئذ، فقد جيء عمر بقرآن كتب على سبيل التفسير المزجي، فدعا بالمقراضين، وصار يفصل به الآية عن تفسيرها(1) .

أما التأويل، فالمراد به ما تنتهي إليه الأمور، من حيث تحقق مداليلها.

قال آية الله الخوئي (رحمه‌الله ): (ليس كل ما نزل من الله وحياً، يلزم أن يكون من القرآن؛ فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام: أن مصحف عليّ (عليه‌السلام )، كان مشتملاً على زيادات: تنزيلاً، أو تأويلاً.

ولا دلالة في شيء من هذه الروايات؛ على أن تلك الزيادات هي من القرآن. وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين (عليه‌السلام )؛ فإن ذكر أسمائهم لا بد وأن يكون بعنوان التفسير.

ويدل على ذلك: ما تقدم من الأدلة القاطعة، على عدم سقوط شيء من القرآن.

أضف على ذلك: أن سيرة النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع المنافقين تأبى ذلك، فإن دأبه تأليف قلوبهم، والإسرار بما يعلمه من نفاقهم. وهذا واضح لمن له أدنى اطلاع على سيرة النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحسن أخلاقه؛ فكيف يمكن أن يذكر أسماءهم في القرآن، ويأمرهم بلعن أنفسهم، ويأمر سائر المسلمين بذلك، ويحثهم عليه، ليلاً ونهاراً؟! وهل يحتمل ذلك؟! حتى

____________

1- راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج7 ص180 وكنز العمال ج2 ص315.


ينظر في صحته وفساده)!!(1) .

ولكن لا يخفى أن السيد الخوئي يحتاج إلى بيان، فإن المنافقين وأهل المعاصي على أقسام:

الأول: اولئك الذين ظهرت منهم القبائح، وآذوا رسول الله، في نفسه وفي عترته من أمثال الحكم بن أبي العاص.. وغيره ممن سعوا في إضلال الناس، وإطفاء نور الله.

وقد لعن الله هذا الصنف، وأمر بلعنهم، ونهى عن قبول صدقاتهم، وعن الاستغفار لهم، وعن الصلاة عليهم، والقيام على قبورهم.. وغير ذلك.. ولا ضير في ذكر اسماء هؤلاء وفضحهم. وقد ذكر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أسماء بعض المنافقين لحذيفة بن اليمان.

الثاني: أولئك الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. ثم تابوا، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم.

الثالث: أولئك الذين هم مرجون إلى أمر الله، إما أن يعذبهم، وإما يتوب عليهم.

والقسمان الثاني والثالث يحسن الستر عليهما، امتثالاً لأمر الله بالرفق بهم. أما القسم الأول فيحسن التبرؤ منه، والتحاشي عنه وسائر ما ذكرناه آنفاً، ولا ينافي ذلك حسن الخلق. بل محبوب ومطلوب لله تعالى.

____________

1- البيان في تفسير القرآن ص244 ـ 245 وراجع: بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص313 و 151.


وهذا بالذات يوضح لنا: كيف أن في سورة الأحزاب فضائح الرجال والنساء، من قريش، وغيرهم، حسبما روي عن الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه)، حيث أضاف قوله:

(يا ابن سنان، إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصوها، وحرفوها)(1) .

فإن المراد: أنهم حذفوا منها التفسير النازل، الذي جاء ليبين المراد منها، فهو من قبيل تحريف المعاني، كما تقدم بيانه.

ولكن آية الله السيّد الفاني (رحمه‌الله )، قد أورد على هذه الرواية: بأنه ليس من اللائق التحدث عن مساوئ النساء في القرآن(2) .

ونقول:

المراد بمساوئ النساء ما هو من قبيل حديث الله سبحانه عن تظاهر بعض نساء النبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعن موضوع الملاعنة في الزنى، وغير ذلك..

____________

1- راجع: ثواب الأعمال ص137 و (منشورات الشريف الرضي ـ قم) ص110 وبحار الأنوار ج35 ص235 وج89 ص50 و 288 وجامع أحاديث الشيعة ج15 ص105 والصافي ج4 ص209 وج6 ص76 ونور الثقلين ج4 ص233 ومقدمة تفسير البرهان ص37 وراجع: بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص315 عن البرهان، ومناهل العرفان ج1 ص273.

2- آراء حول القرآن ص184.


فما ذكره (رحمه‌الله )، لا يصلح مانعاً.

فلعل المراد بكونها فضحت نساء قريش: أنه قد نزل في تفسير سورة الأحزاب بعض ما فعلته بعض نساء قريش تماماً، كما تحدث تعالى عن امرأة أبي لهب، حمالة الحطب، وعن امرأة نوح، وامرأة لوط، وغيرهن، وذكر بعض ما فعلن..

لو قرئ القرآن كما نزل:

وأخيراً.. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )، قوله: لو قرئ القرآن كما أُنزل، لأُلفينا (لألفيتمونا) فيه مسمّين(1) .

أي أن أسماءهم (عليهم‌السلام )، قد أنزلها الله سبحانه، تفسيراً لبعض الآيات.. كما هو الظاهر..

ويلاحظ: أن علياً (عليه‌السلام )، قد كتب القرآن كما أُنزل، وعرضه عليهم، ورفضوه..

والرواية الآنفة الذكر تقول: لو قرئ القرآن كما أُنزل، أُلفينا فيه مسمين..

وعن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (لو أن الناس قرؤوا القرآن كما

____________

1- تفسير البرهان ج1 ص22 وعدة رسائل للمفيد ص225 والمسائل السروية ص80 وبحار الأنوار ج89 ص74 ونور الثقلين ج4 ص12 والبيان في تفسير القرآن ص230 وتفسير العياشي ج1 ص13 وراجع هامشه.


أُنزل، ما اختلف اثنان)(1) .

فنستفيد من ذلك:

أولاً: إن معرفة الناس بالتفسيرات التي أنزلها الله سبحانه، وفيمن نزلت الآية، ومتى نزلت و.. و.. إلخ.. من شأنه أن يعرّف الناس على المخلص، والمزيف، وعلى الصحيح والسقيم، ويقطع الطريق على المستغلين، وأصحاب الأهواء، من النفوذ إلى المراكز الحساسة، ثم التلاعب بالإسلام، وبمفاهيمه، وقيمه.

وثانياً: إننا نجد الكثير من الروايات، التي زخرت بها المجاميع الحديثية والتاريخية لأهل السنة، تشير إلى حدوث بعض الاختلافات في قراءة القرآن. مع أن القرآن ـ كما روي عن أبي جعفر وسيأتي ـ واحد، من عند الواحد، ولكن الإختلاف يجيء من قبل الرواة.

فلو أن القرآن قرئ كما أنزل، لما اختلف اثنان حقاً، وإنما نشأ الإختلاف؛ لأن كل راو أراد أن يقرأ بلهجته، ويدخل تفسيراته، وتأويلاته، أو نحو ذلك..

____________

1- الوافي ج5 ص274 وبحار الأنوار ج89 ص48 وتفسير القمي ج2 ص451 ونور الثقلين ج5 ص726.



الفصل الثاني: يقتلونها.. ويسترضونها..



علي (عليه‌السلام ) يتوسط لأبي بكر وعمر:

ومرضت السيدة الزهراء (عليها‌السلام ) فجاءا أبو بكر وعمر يعودانها، فلم تأذن لهما.

فجاءا ثانية من الغد، فأقسم عليها أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فأذنت لهما.

فدخلا عليها، فسلما.

فردت رداً ضعيفاً، (وفي غير هذه الرواية: أنها لم ترد عليهما) ثم قالت لهما: سألتكما بالله الذي لا إله إلا هو، أسمعتما قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حقي: من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.

قالا: اللهم نعم.

قالت: فأشهد أنكما آذيتماني(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج29 ص157 وفي هامشه عن: مصابيح الأنوار ص246 و 247 و 255 والغدير ج7 ص229 وعن إحقاق الحق ج10 ص217 وغيرهما.

وراجع: دلائل الإمامة ص134 و 135 وبحار الأنوار ج43 ص170 و 181 و 157 والإمامة والسياسة ج1 ص20 والدر النظيم ص484 واللمعة البيضاء ص775 و 852 و 861 و 862 وعوالم العلـوم ج11 ص411 و 504 والمناقـب لابن = = شهرآشوب ج3 ص362 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص281 وأعلام النساء ج4 ص123 و 124.


ونقول: هنا أمور تحتاج إلى ايضاح:

لماذا يتوسط لهما علي (عليه‌السلام )؟!:

1 ـ لقد كان من الحق أن تمتنع الزهراء (عليها‌السلام ) عن قبول هذين الرجلين، لكي يعرف الناس كلهم: أنهما لم يفعلا شيئاً لتلافي ما بدر منهما..

وأن ما يصدر عنهما من كلام طيب، وودود إنما هو على سبيل المجاملة، وذر الرماد في العيون، دون أن يكون وراءه أي فعل يؤكده أو يؤيده.. بل هم يريدون به الحصول على البراءة أمام أعين الناس ليتخلصا بذلك من سلبيات ما فعلوه.

2 ـ ثم كان من اللازم: أن يتوسط لهما علي (عليه‌السلام )، لكي يسمعا، ويسمع الناس كلمات الزهراء (عليها‌السلام ) لهم، وموقفها منهم.

3 ـ ثم يأتي دفن الزهراء (عليه‌السلام ) ليلاً، تنفيذاً لوصيتها، ليكون الدليل القاطع على استمرار هذا الغيظ منهما؛ وليكون إرغاماً لمعاطس المحرفين والمزورين، حين لا بد لهم من الإعتراف بأنها (عليها‌السلام ) ماتت وهي واجدة على أبي بكر، ومهاجرة له.

هل أذنت الزهراء (عليها‌السلام ) لهما؟!:

وقد ذكرت الرواية السابقة: أن الزهراء (عليه‌السلام ) أذنت للشيخين


بعيادتها بعد أن أقسم عليها أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

ونقول:

إن ذلك موضع ريب كبير، فقد ذكرت الروايات: أن الزهراء (عليها‌السلام ) بعد إصرار أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، قالت له: البيت بيتك، والحرة زوجتك، إفعل ما تشاء(1) .

وفي نص آخر: أن عمر توسط لدى علي ليدخل أبا بكر على الزهراء (عليها‌السلام )، بعد أن أتياها مراراً، فكانت تأبى أن تأذن لهما، فكلمها، فلم تأذن.

فقال: فإني ضمنت لهما ذلك.

قالت: إن كنت قد ضمنت لهما شيئاً، فالبيت بيتك، والنساء تتبع الرجال، ولا أخالف عليك، فأذن لمن أحببت.

ثم ذكر أنها (عليها‌السلام ) لم ترد السلام عليهما. فراجع(2) .

وهذا معناه: أنها لم تأذن، لأن البيت بيت علي (عليه‌السلام )، وهو حر

____________

1- بحار الأنوار ج28 ص303 وج43 ص198 وكتاب سليم بن قيس ج2 ص869 واللمعة البيضاء ص871 والخصائص الفاطمية للكجوري ج1 ص191 والأنوار العلوية ص301.

2- بحار الأنوار ج43 ص203 واللمعة البيضاء ص874 وعلل الشرايع ج1 ص221 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ج1 ص178 والدر النظيم ص484 ومجمع النورين للمرندي ص143 وبيت الأحزان ص172.


في أن يأذن لمن يشاء.

وقد حاولت بعض نصوص الرواية تلطيف الموضوع، فبعد أن ذكرت أن الزهراء (عليها‌السلام ) لم تأذن لهما، قالت: فأتيا علياً، فكلماه، فأدخلهما عليها(1) .

هل رضيت الزهراء (عليها‌السلام ) عن الشيخين؟!:

صرحت بعض روايات هذه الحادثة: بأنه بعد أن هدأت تلك الفورة مشى أبو بكر إلى فاطمة (عليها‌السلام ) فشفع لعمر، وطلب إليها، فرضيت عنه(2) .

ونقول:

أولاً: قال المعتزلي: (الصحيح عندي: أنها ماتت وهي واجدة على أبي

____________

1- الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص20 و (تحقيق الشيري) ج1 ص31 والغدير ج7 ص229 وبحار الأنوار ج28 ص357 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص328 ومصباح الهداية ص218 وبيت الأحزان ص84 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص217 وج25 ص541 وج33 ص275 و 359.

2- راجع: بحار الأنوار ج28 ص322 وتشييد المطاعن ج1 ص436 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص49 والرياض النضرة ج1 ص152 والبداية والنهاية ج5 ص289. والسقيفة وفدك للجوهري ص74 وكتاب الأربعين للشيرازي ص157 و 158 وغاية المرام ج5 ص326 وبيت الأحزان ص113.


بكر وعمر، وأنها أوصت أن لا يصليا عليها..)(1) .

ثانياً: راوي هذا الحديث هو عامر الشعبي.. وقد روى العشرات من الحفاظ والرواة: أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر على حد سواء(2) .

____________

1- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص50. وراجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص157 وبحار الأنوار ج28 ص322 وبيت الأحزان ص113.

2- راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج4 ص42 وج5 ص82 وصحيح مسلم (ط دار الفكر) ج5 ص154 ومسند أحمد ج1 ص6 و 9 ومشكل الآثار ج1 ص41 والسنن الكـبرى للبيهقي ج6 ص300 و 301 وعمـدة الـقـاري ج15 ص19 وج17 ص258 وصحيح ابن حبان ج11 ص153 و 573 ومسند الشاميين للطبراني ج4 ص198 ونصب الراية للزيلعي ج2 ص360 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص28 و (ط دار صادر) ج2 ص315 ووفاء الوفاء ج30 ص995 والبداية والنهاية ج5 ص306 و285 وكنز العمال ج7 ص242 و (ط مؤسسة الرسالة) ج5 ص604 وتاريخ المدينة لابن شبة النميري ج1 ص196 وإمتاع الأسماع للمقريزي ج13 ص159 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص567 وسبل الهدى والرشاد ج12 ص369 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص46 والسيرة الحلبية ج3 ص361 وتاريخ الخميس ج2 ص174 وبحار الأنوار ج29 ص112 وج30 ص386 وفتح الباري ج6 ص197 وج7 ص493 و (ط دار المعرفة) ج6 ص139 والجامـع الصحيح = = للترمذي ج4 ص185 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص20 و (تحقيق الشيري) ج1 ص31 وسير أعلام النبلاء ج2 ص120 و 121 وشرح النووي لصحيح مسلم ج12 ص77. والإكمال في أسماء الرجال ص168 وأبو هريرة لشرف الدين ص138 وشرح أصول الكافي ج7 ص218 و 405 والعمدة لابن البطريق ص390 و 391 والطرائف لابن طاووس ص258 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص69 وكتاب الأربعين للشيرازي ص522 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص412 والنص والإجتهاد ص51 و 59 والغدير ج7 ص227 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص740 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص255 و 256 واللمعـة البيضاء ص758 ومجمع النورين للمرندي ص238 وفلك النجاة في الإمامة والصلاة لعلي محمد فتح الدين الحنفي ص157 ونهج الحق للعلامة الحلي ص359 وإحقاق الحق (الأصل) للتستري ص298 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص478 وج25 ص535 و 536 و 538 وج33 ص356.


ثالثاً: إن ثمة نصاً آخر لهذه القضية يقول: (فلما وقع بصرهما على فاطمة (عليها‌السلام )، فلم تردّ عليهما، وحولت وجهها عنهما، فتحولا، واستقبلا وجهها حتى فعلت ذلك مراراً.

وقالت: يا علي، جاف الثوب.

وقالت للنسوة حولها: حولن وجهي، فلما حولن وجهها حوّلا إليها


الخ..).

إلى أن تقول الرواية: (ثم قالت: اللهم أشهدك ـ فاشهدوا يا من حضرني ـ أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي. والله لا أكلمكما من رأسي حتى ألقى ربي).

وهي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها(1) .

عدم رد السلام:

قد صرحت هذه الرواية: بأنها (عليها‌السلام ) لم ترد السلام على أبي بكر وعمر.

ومن الواضح: أن رد السلام على المسلم واجب.. والزهراء (عليها‌السلام ) أتقى وأبر من أن تخالف حكماً شرعياً في أي من الظروف والأحوال، كما دلت عليه آية التطهير.

فلا بد أن تكون قد رأت في الجرأة التي أظهراها على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورميه بالهجر ونحوه.

ثم في عدم الاكتراث بنص القرآن الكريم في موضوع الإرث، وما

____________

1- راجع: علل الشرائع الباب 148 ص222 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص186 والغدير ج7 ص229 وبحار الأنوار ج43 ص203 واللمعة البيضاء ص874 وبيت الأحزان ص172. وراجع: الإمامة والسياسة ص20 وأعلام النساء ج4 ص123 و 124 ورسائل الجاحظ ص301.


أفاءه الله على رسوله من دون أن يوجف عليه بخيل ولا ركاب. رغم تذكيرها لهم به.

ثم في نسبة أحكام إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لم يقلها جزماً.

ثم في قتل النفس المحرمة، بإسقاط جنينها المحسن وسواه.

إنها رأت في ذلك كله ـ ما يجعل رد السلام على من فعل ذلك غير ذي موضوع..

الإستدراج للإعتراف:

ويلاحظ القارئ هنا: الأسلوب البديع الذي انتهجته لاستدراجهما إلى الإعتراف بصدقها(1) . ثم الإعتراف بما ترويه لهما عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )؛ لتسجيل موقفها المستند إلى ذلك الإعتراف، لكي يبقى نوراً يهدي إلى الحق على مرِّ الدهور وكرِّ العصور.

____________

1- راجع على سبيل المثال: اللمعة البيضاء ص836 و 871 و 872 و 874 و875 وكتاب سليم بن قيس جص869 وبحار الأنوار ج28 ص203 و 303 و 204 وج29 ص390 وج43 198 و 199 وعلل الشرايع ج1 ص221 و 222 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص186 و 187 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص281 والأنوار العلوية ص301 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص324 والشافي في الإمامة ج4 ص115 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص467.


رواية دلائل الإمامة صحيحة:

روى محمد بن جرير بن رستم الطبري، عن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، عن أبيه، عن محمد بن همام، عن أحمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام )، قال:

قبضت فاطمة (عليها‌السلام )، في جمادى الآخرة، يوم الثلاثاء، لثلاث خلون منه، سنة إحدى عشرة من الهجرة. وكان سبب وفاتها: أن قنفذاً ـ مولى عمر ـ لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسناً، ومرضت من ذلك مرضاً شديداً، ولم تدع أحداً ممن آذاها يدخل عليها.

وكان الرَّجلان من أصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سألا أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ أن يشفع لهما إليها، فسألها أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فلمَّا دخلا عليها قالا لها: كيف أنتِ يا بنتَ رسول الله؟!

قالت: بخير بحمد الله، ثمَّ قالت لهما: ما سمعتما النبي يقول:

(فاطمة بضعةٌ منِّي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله؟).

قالا: بلى.

قالت: فوالله لقد آذيتماني..

قال: فخرجا من عندها (عليها‌السلام )، وهي ساخطة عليهما [انتهى].

وسند هذه الرواية صحيح كما ترى..

ولكن بعضهم اعترض بقوله:


ذكرتم في السند (عبد الله بن سنان)، وليس (ابن سنان) كما هو موجود في البحار.

والغريب في الأمر أن عبد الله بن مسكان يروي عن عبد الله بن سنان، وليس العكس، كما هو مذكور في كتب الرجال.

والذي يروي عن عبد الله بن مسكان، هو محمد بن سنان، وليس عبد الله بن سنان.. وروايات محمد بن سنان عن ابن مسكان كثيرة في الكتب الأربعة..

فهل ترون أن عبد الله بن سنان يروي أيضاً عن ابن مسكان؟!

وهل عثرتم على روايات أخرى؟! أم أن هذه الرواية هي الوحيدة التي يرويها عبد الله بن سنان عن ابن مسكان؟!

وأجبنا بما يلي:

لا بد من ملاحظة الأمور التالية:

1 ـ إنهم يقولون: إن ابن سنان يروي عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )..

وقيل: إنه يروي عن أبي الحسن موسى (عليه‌السلام )، ولم يثبت..(1) .

مع أنهم يذكرون أنه كان خازناً للمنصور، والمهدي، والهادي،

____________

1- راجع: بهجة الآمال ج5 ص238 عن النجاشي، والخلاصة، وابن داود. وجامع الرواة للأردبيلي ج1 ص487 وراجع: رجال الخاقاني ص347


والرشيد..(1) والرشيد تولى الخلافة في سنة 170 للهجرة، فابن سنان إذن قد مات بعد ابتداء خلافة الرشيد أي بعد سنة 170 هـ..

وإذا كان الإمام الصادق (عليه‌السلام ) قد استشهد في سنة 148 للهجرة، فلماذا لم يرو عن الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) مع أنه قد عاصره هذه السنين الطويلة؟!

هل لأنه كان (عليه‌السلام ) في المدينة، وهو كان في بغداد مع الخلفاء، يعمل لهم خازناً، ولا يستطيع أن يلتقي بالإمام بسبب ذلك؟!.. أم أن السبب غير ذلك؟!..

2 ـ ومن جهة أخرى، فقد عد الشيخ في رجاله: ابن مسكان من أصحاب الإمام الصادق (عليه‌السلام )، وعدَّه المفيد من فقهاء أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما‌السلام )..(2) وعدّوه من أحداث أصحاب الإمام الصادق (عليه‌السلام ) أيضاً..

فابن مسكان قد عاصر الإمامين الصادق والكاظم (عليهما‌السلام )، على حد سواء، ولكنه لم يرو ـ كما يقولون ـ عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) سوى حديث واحد، هو: من أدرك المشعر، فقد أدرك الحج..

____________

1- راجع: بهجة الآمال ج5 ص238 عن النجاشي، والخلاصة، وابن داود. وجامع الرواة للأردبيلي ج1 ص487.

2- راجع: تنقيح المقال ج2 ص216. وراجع: قاموس الرجال للتستري ج11 ص126.


مع أنه كان من أروى أصحاب أبي عبد الله (عليه‌السلام )..

ويذكرون في سبب ذلك: أنه كان لا يدخل على أبي عبد الله (عليه‌السلام ) شفقة من أن لا يوفيه حق إجلاله، وكان يسمع من أصحابه، ويأبى أن يدخل عليه إجلالاً وإعظاماً له..(1) .

وابن مسكان أيضاً قد مات في زمن الإمام موسى الكاظم (عليه‌السلام ) قبل الحادثة..(2) .

والظاهر: أن المقصود بالحادثة هو نكبة البرامكة التي حصلت في سنة 186 للهجرة.

____________

1- راجع: بهجة الآمال ج5 ص285 و 286 عن الكشي، وأبي داود، والخلاصة. وإختيار معرفة الرجال للطوسي ج2 ص680 والإختصاص ص207 وخلاصة الأقوال للعلامة الحلي ص194 والرواشح السماوية ص110 وبحار الأنوار ج47 ص394 وخاتمة المستدرك ج4 ص430 والحبل المتين (ط.ق) للبهائي العاملي ص35 وجواهر الكلام ج13 ص53 والتحرير الطاووسي ص336 وجامع الرواة ج1 ص507 والرسائل الرجالية لأبي المعالي الكلباسي ج2 ص43 و 410 وج4 ص231 ومستدركات علم رجال الحديث ج5 ص108 والكنى والألقاب ج1 ص408.

2- رجال النجاشي ص215 وبهجة الآمال ج5 ص285 عنه، ورجال ابن داود ص124 والفوائد الرجالية للكجوري الشيرازي ص165وتوضيح المقال للملا على كني ص164 والرسائل الرجالية لأبي المعالي الكلباسي ج2 ص53 و 283.


لكن المامقاني قال: أراد حادثة حمل الإمام من الحجاز عن طريق البصرة وحبسه، أو وقوع الوقف بعد موته..(1) .

وما ذكرناه لعله الأقرب..

3 ـ مما تقدم يظهر: أن ابن سنان، وابن مسكان، كانا متعاصرين. وأنهما قد عاصرا الإمامين الصادق والكاظم (عليهما‌السلام )، وكانا في خلافة الرشيد، قبل استشهاد الإمام الكاظم (عليه‌السلام )، على قيد الحياة..

وقد صرحت الروايات بموت ابن مسكان قبل استشهاد الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) ولم تصرح بذلك عن ابن سنان..

ولكن رغم هذه المعاصرة، فإن ابن سنان لم يرو عن الإمام الكاظم (عليه‌السلام )، وابن مسكان لم يرو عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) مباشرة..

وقد صرحت بعض النصوص بأن سبب عدم رواية ابن مسكان عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) هو تهيبه من الدخول عليه، خوفاً من أن لا يوفيه حقه، ولكنها لم تصرح بشيء بالنسبة لسبب عدم رواية ابن سنان، عن الإمام الكاظم (عليه‌السلام )..

4 ـ إن ملاحظة أسماء الذين يروون عن ابن سنان، وعن ابن مسكان، تعطي أن عدداً منهم يروي عن هذا تارة، وعن ذاك أخرى..

5 ـ إن مراجعة كلمات الذين يذكرون من يروي عن هذا أو عن ذاك،

____________

1- راجع: تنقيح المقال ج2 ص216.


تعطينا أيضاً: أن الإحصائيات التي يوردونها ناظرة غالباً إلى خصوص الكتب الأربعة: الكافي، والتهذيب، والإستبصار، ومن لا يحضره الفقيه..(1) .

6 ـ إحصائياتهم المشار إليها لا تمتع بالدقة في التتبع، فيقعون في الخطأ أحياناً.. وقد وقعوا في الخطأ حتى في نفس هذا المورد الذي نحن بصدده.

فقد قالوا: إن ابن مسكان لم يرو عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )، إلا حديث: من أدرك المشعر فقد أدرك الحج..

مع أن ابن مسكان قد روى عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(2) في نفس الكتب الأربعة. وقد جاء حديثه بلفظ: سمعت أبا عبد الله يقول.. فراجع الكافي، باب طلب الرياسة..

وبلفظ: سألت أبا عبد الله في باب السعي بين الصفا والمروة في كتاب التهذيب..

وبلفظ: عن أبي عبد الله.

وبلفظ: قال أبو عبد الله، كثير في الكافي والتهذيب..

وقال الوحيد البهبهاني في التعليقات:

قال جدي في شرح الفقيه: قد تقدم قريباً من ثلاثين حديثاً من الكتب الأربعة وغيرها عنه، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ).

إلا أن يقال: إن ذلك كله ليس صريحاً في روايته وسماعه المباشر من

____________

1- راجع كتاب: معجم رجال الحديث.

2- دلائل الإمامة ص284.


الإمام الصادق (عليه‌السلام )..(1) .

ولكن هذا مرفوض بعد تصريحه بالسماع منه (عليه‌السلام ) في الكافي في باب طلب الرياسة، وتصريحه بسؤاله الإمام (عليه‌السلام ) في باب السعي بين الصفا والمروة، كما في كتاب التهذيب..

والقول بوقوع الاشتباه من قبل العلماء في هذا الأمر هو الأولى بالقبول والاعتماد..

هذا على الرغم من أن هذا النفي يحتاج إلى إثبات تتبعهم التام للأحاديث، وأن تتبعهم يشمل حتى غير الكتب الأربعة.. وهو موضع شك أكيد..

7 ـ إن العلماء حين يذكرون من يروي عن ابن سنان، وعن ابن مسكان، أو من يرويان عنه يُتْبِعُون كلامهم بكلمة: وغيرهم..(2) .

8 ـ قال المامقاني وهو يعدد من يروي عن عبد الله بن مسكان: (والحسن بن الجهم، وابنه محمد بن عبد الله بن مسكان، وعبد الله بن سنان، وعلي بن رئاب، ومحمد بن علي، وغيرهم عنه..)(3) .

وقال المولى أحمد الأردبيلي وهو يتحدث عن عبد الله بن مسكان: (عنه

____________

1- راجع في ما تقدم: بهجة الآمال ج5 ص287 وتنقيح المقال ج2 ص216 و 217 وتعليقة على منهج المقال للوحيد البهبهاني ص231.

2- راجع: تنقيح المقال ج2 ص186 و 217.

3- راجع: تنقيح المقال ج2 ص186 و 217.


عبد الله بن سنان في باب من اشترط في حال الإحرام الخ..)(1) .

9 ـ ما المانع من أن يروي عبد الله بن سنان عن ابن مسكان خصوص هذه الرواية، حتى لو لم يرو عنه أية رواية أخرى..

بل حتى لو كان عبد الله بن سنان في مرتبة الشيخ بالنسبة لابن مسكان، فإن رواية الأكابر عن الأصاغر ليست بالأمر المستهجن..

10 ـ يلاحظ أن الطبري قد أورد هذه الرواية بنفس هذا السند في كتابه في موردين أحدهما ص79 فقال:

(.. وحدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام، قال: روى أحمد بن محمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمدعليهما‌السلام )(2) .

والآخر في صفحة 134، قال: (حدثني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو علي محمد بن همام بن سهيل، قال: روى أحمد بن محمد بن البرقي، عن أحمد بن محمد الأشعري القمي، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه‌السلام )، قال:

____________

1- جامع الرواة ج1 ص510.

2- دلائل الإمامة ص79.


الخ..)(1) .

فذكره للرواية في الموردين بطريقين إلى محمد بن همام، ثم بسند واحد إلى أبي بصير يؤكد: أنه متعمد للتصريح بالاسم، وأنه لا يوجد اشتباه في السند..

وقد نقلها في البحار عنه، لكنه اختصر السند كعادته، وتصرف فيه، فقال: عن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، عن أبيه، عن محمد بن همام، عن أحمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير..(2) .

ونقل الحديث الأول متصرفاً فيه، ومختصراً له أيضاً فقال: عن أبي المفضل الشيباني، عن محمد بن همام، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير..(3) .

11 ـ وبعد.. فإنهم حين يقولون: ابن سنان، فالمتبادر هو عبد الله، إلا إذا دلت قرينة على أن المراد به محمد بن سنان. ويشير إلى ذلك: اختصار البحار لكلمة عبد الله بن سنان، وابن مسكان، في الموردين بقوله: ابن سنان، وابن مسكان..

____________

1- دلائل الإمامة ص134.

2- راجع: بحار الأنوار ج43 ص170.

3- بحار الأنوار ج43 ص9.


وقد وردت رواية ابن سنان عن ابن مسكان، من دون تصريح في الكافي..(1) .

وَحمْلُها على أن المراد هو محمد بن سنان، لا عبد الله، مجرد استحسان، إذ إن الرجلين كانا متعاصرين، ولا مانع من رواية كل منهما عن الآخر.. والعدول عما شاع بين العلماء ليس له ما يبرره، إلا إذا دل دليل قاطع على عدم رواية عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان أصلاً..

ومجرد كثرة رواية محمد عن ابن مسكان، لا ترجح كونه هو المراد، ولا توجب العدول عما هو شائع في طريقة تعبيرهم.

على أن رواية محمد عن ابن مسكان ليست بهذه الكثرة التي تمنع من إرادة غيره..

12 ـ إننا نعود فنكرر ونلخص: أنه حتى لو لم يرو عبد الله بن سنان عن ابن مسكان إلا هذه الرواية، فإنه يؤخذ بها مع هذا التصريح المتعمد بالاسم في موردين من موارد النقل، الأمر الذي يبعِّد احتمال الخلط، والاشتباه في الأسماء.. لأن رواية الأكابر عن الأصاغر هي بطبيعتها مبنية على الندرة والقلة، وذلك حين يلفت نظره أمر لم يصل إليه عن غير هذا الطريق، فيبادر إلى نقله عمن لا يضارعه في السن، ولا في المقام والمرتبة، ولا يعد من أقرانه..

____________

1- راجع الكافي ج1 ص26 باب: الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه وج5 ص84 باب: كراهية النوم والفراغ.


فكيف إذا كان لم يثبت ذلك، بل كانت القرائن تشير إلى أنه من أقرانه، كما تقدم!! وقد عدُّوه من أصحاب الإمام الصادق (عليه‌السلام )..

وأما الإشكال على الرواية بعدم إمكان رواية البرقي، وهو من أصحاب الإمام الرضا (عليه‌السلام )، عن ابن سنان، وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه‌السلام )..

فهو مردود.. لأن ابن سنان كان خازناً للرشيد، فهو من أصحاب الإمام الكاظم (عليه‌السلام )، وقد روى البرقي عن أصحاب الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) كثيراً..

وفي جميع الأحوال نقول:

إن الروايات لا تنحصر في الكتب الأربعة، فحتى لو لم يرد في الكتب الأربعة أية رواية لابن سنان، عن ابن مسكان، فإن ذلك لا يدفع رواية دلائل الإمامة، ولا يسقطها عن درجة الاعتبار..



الفصل الثالث: إستشهاد الزهراء (عليها‌السلام ) أحداث وتفاصيل



يا سيدتي ما يبكيك؟!

عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليه‌السلام )، قال: لما حضرت فاطمة الوفاة بكت؛ فقال لها أمير المؤمنين: يا سيدتي ما يبكيك؟!

قالت: أبكي لما تَلقَى من بعدي.

فقال لها: لا تبكي، فوالله، إن ذلك لصغير عندي في ذات الله(1) .

وفي هذا النص إشارة إلى العديد من الأمور الهامة، نقتصر منها على الأمرين التاليين:

يا سيدتي:

إن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يخاطب الزهراء بـ (يا سيدتي) وهذا أعلى درجات الإحترام والتقدير، من إنسان هو الغاية في الكمال وهو معدن الفهم، والعلم والمعرفة. ولديه وعنده، وإليه ترجع المعايير والقيم، التي على أساسها، ومن خلالها يكون الاحترام للناس، أو لا يكون.

____________

1- بحار الأنوار ج43 ص218 عن مصباح الأنوار ص262 واللمعة البيضاء ص890 والأنوار البهية ص60 ومجمع النورين للمرندي ص148 وبيت الأحزان ص27 و 177 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص330.


وهو يعيش مع الزهراء (عليها‌السلام ) لسنوات عديدة تكفي لأن تكشف ما يسعى الناس للتستر عليه عادة.. وليست حياته معها قشرية وظاهرية، بل هي نافذة إلى الأعماق، تعطيه القدرة على الإطلاع على جميع الجهات والأحوال والأوضاع، وليس من المفروض أن تقف عند حد بعينه، سوى ما حدده الشرع الشريف..

وهي زوجته التي يعتاد عليها، وتسقط الكلفة معها، ولا يبقى فيها مجال للمجاملة، أو التظاهر بخلاف الواقع. وحاشاه وحاشاه!!

فإذا ظهر أن هذا الرجل بالذات يصل به الأمر في احترام امرأته إلى حد يخاطبها بـ: (يا سيدتي)، مع أنه قد عاشرها طيلة هذه السنوات كزوجة، ورآها في صحتها، وفي مرضها، وفي حزنها وفرحها، وفي جميع أحوالها.

إن هذا إن دلّ على شيء، فهو يدل على عظمة تلك المرأة من جهة، وأنها قد فرضت عليه احترامها إلى هذا المستوى..

ويدل أيضاً: على تقوى وورع هذا الرجل، وعلى ما يتمتع به من كريم المزايا، وحميد الخصال..

أبكي لما تلقى بعدي:

وليس من المستهجن على أي كان من الناس إذا حضره الموت، أن يبكي لهول المطلع، ورهبة الموقف، أو خوفاً من أن يكون قد قصر في الإعداد والإستعداد لهذا الأمر..

ولكن الأهم والأعظم قيمة، والأكثر دلالة على استحقاق سيدتنا


الزهراء (عليها‌السلام ) لأن يخاطبها سيد الأوصياء بـ (يا سيدتي): هو أنها لم تكن تبكي عند حضور أجلها من أجل نفسها، بل كانت تبكي لأجل سيدها وإمامها (صلوات الله وسلامه عليه وعليها).

وذلك إن دلّ على شيء، فهو يدل أيضاً على معرفتها بحقيقة علي (عليه‌السلام )، كفر، وكأمة، وكإمام!! ويشير إلى عمق ثقتها به، ويدلل أيضاً على معرفتها بزمانها، وبأهله وبأطماعهم، وبأساليبهم، ومدى بعدهم عن الإلتزام بأحكام الله، وشرائعه.

ثم هو يدل على وقوفها على حجم التحديات التي ستواجهه (عليه‌السلام )، كفرد، وكأمة، وكإمام!! وعلى مستويات التحمل التي يحتاج إليها في تصدىه لها..

ويدل أيضاً: على رهافة حسها، وطبيعة اهتماماتها، وسمو أهدافها.

ويدل أخيراً: على أنها واثقة بما أعد الله لها من نعيم مقيم، ومن روح وريحان وجنة نعيم.. فهي كزوجها لو كشف لها الغطاء ما ازدادت يقيناً.

وجاء جوابه (عليه‌السلام ) بلسماً لجراحها، وسكينة على قلبها، ورضاً لروحها، حين طمأنها بقوله: (إن ذلك لصغير عندي في ذات الله)(1) .

____________

1- بحار الأنوار ج43 ص218 عن مصباح الأنوار ص262 واللمعة البيضاء ص890 والأنوار البهية ص60 ومجمع النورين للمرندي ص148 وبيت الأحزان ص27 و 177 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص330.


تجهيز الزهراء ( عليها‌السلام ) ودفنها:

1 ـ رُوي: أن فاطمة الزهراء (عليه‌السلام ) قالت لعلي (عليه‌السلام ): إن لي إليك حاجة يا أبا الحسن!

قال: تقضى يا بنت سول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فقالت: نشدتك بالله، وبحق محمد رسول الله أن لا يصلي علي أبو بكر وعمر؛ فإني لا كتمتك حديثاً، قال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): يا فاطمة! إنك أول من يلحق بي من أهل بيتي، فكنت أكره أن أسوءك.

قال: فلما قبضت أتاه أبو بكر وعمر، وقالا: لم لا تخرجها حتى نصلي عليها؟!

فقال: ما أرانا إلا سنصبح.

ثم دفنها ليلاً. ثم صور برجله حولها سبعة أقبر.

قال: فلما أصبحوا أتوه، فقالا: يا أبا الحسن! ما حملك على أن تدفن بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولم نحضرها؟!

قال: ذلك عهدها إليّ..

قال: فسكت أبو بكر، فقال عمر: هذا والله شيء في جوفك!

فثار إليه أمير المؤمنين، فأخذ بتلابيبه، ثم جذبه، فاسترخى في يده، ثم قال: والله، لولا كتاب سبق وقول من الله!!

والله لقد فررت يوم خيبر، وفي مواطن، ثم لم ينزل الله لك توبة حتى الساعة.


فأخذه أبو بكر، وجذبه، وقال: قد نهيتك عنه(1) .

2 ـ وذكر نص آخر: أنها (عليها‌السلام ) أوصت علياً (عليه‌السلام ) بما أهمها من أمر أولادها، وغسلها، ونعشها، وغيرها من الأمور الخاصة، ثم أوصت بأن لا يشهد أحد جنازتها من الذين ظلموها، فإنهم عدوُّها وعدوُّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأن لا يصلي عليها أحد منهم، ولا من أتباعهم، وأن يدفنها بالليل، إذا هدأت العيون، ونامت الأبصار.

فلما توفيت (عليها‌السلام ) صاح أهل المدينة صيحة واحدة، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها، فصرخن صرخة واحدة، وكادت أن تتزعزع المدينة من صراخهن.

واجتمع الناس.

وخرج أبو ذر، وقال: انصرفوا فإن ابنة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أُخر إخراجها في هذه العشية.

فقام الناس وانصرفوا.

فدفنها (عليه‌السلام ) في الليل، وحضرها وصلى عليها: علي، والحسنان (عليهم‌السلام )، وعمار، والمقداد، وعقيل، والزبير، وأبوذر، وسلمان، وبريدة، ونفر من بني هاشم.

وسوَّى علي (عليه‌السلام ) حوالي قبرها قبوراً مزورة سبعة، حتى لا

____________

1- مصباح الأنوار ص259 و 260 وبحار الأنوار ج29 ص112 و 113 و اللمعة البيضاء ص862 وراجع: كتاب سليم بن قيس ج2 ص870 و 871.


يعرف قبرها(1) .

3 ـ وفي نص آخر: أخرجها إلى البقيع، ومعه الحسن والحسين (عليهم‌السلام )، وصلى عليها(2) .

4 ـ ويقال: أصبح في البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبراً جدداً، وإن المسلمين جاؤوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور.

(فضج الناس، ولام بعضهم بعضاً، وقالوا: لم يخلِّف نبيكم فيكم إلا بنتاً واحدة، تموت وتدفن، ولم تحضروا وفاتها، والصلاة عليها، ولا تعرفون موضع قبرها)؟!.

وقد حاول ولاة الأمر منهم أن يأتوا بنساء لنبش قبر الزهراء، والصلاة عليها، (ورؤية أو) وزيارة قبرها.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فخرج مغضباً، وقد احمرت عيناه، ودرت أوداجه، وعليه قباؤه الأصفر، الذي كان يلبسه في كل كريهة،

____________

1- اللمعة البيضاء ص868 و 869 وروضة الواعظين ص151 و 152 وبحار الأنوار ج43 ص192 و الأنوار البهية ص62 والأنوار العلوية ص304 ومجمع النورين للمرندي ص150 وبيت الأحزان ص181 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص336.

2- دلائل الإمامة لابن رستم الطبري ص136 وبحار الأنوار ج43 ص171 واللمعة البيضاء ص852.


وهو متوكئ على سيفه ذي الفقار، حتى ورد البقيع، وهو يقسم بالله: لئن حوّل من هذه القبور حجر ليضعن السيف على غابر الآخِر..

فلما بلغهم خبر مجيئه على هذا الحال، تلقاه عمر، ومن معه من أصحابه، وقال له: ما لك يا أبا الحسن! والله لننبشن قبرها.

فضرب علي (عليه‌السلام ) بيده إلى جوامع ثوبه، ثم ضرب به الأرض، وقال له: يا بن السوداء، أما حقي فقد تركته، مخافة أن يرتد الناس عن دينهم. وأما قبر فاطمة، فوالذي نفس علي بيده، لئن رمت وأصحابك شيئاً من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم. فإن شئت فأعرض يا عمر.

فتلقاه أبو بكر، فقال: يا أبا الحسن، بحق رسول الله، وبحق من فوق العرش إلا ما خليت عنه، فإنَّا غير فاعلين شيئاً تكرهه.

قال: فخلى عنه، وتفرق الناس، ولم يعودوا إلى ذلك(1) .

5 ـ وفي دلائل الإمامة: دفنها في الروضة، وحضر دفنها الحسنان، وزينب، وأم كلثوم، وفضة، وأسماء بنت عميس، وأخرجها إلى البقيع وصلى عليها، ولم يعلم بها ولا حضر وفاتها، ولا صلى عليها أحد من سائر

____________

1- راجع: بحار الأنوار ج43 ص171 و 172 وراجع ص212 ودلائل الإمامة ص136 و 137 واللمعة البيضاء ص852 و 853 والأنوار العلوية ص305 و 306 ومجمع النورين للمرندي ص157 و 158 وبيت الأحزان ص186 و 187 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج19 ص171. وراجع: علل الشرايع ج1 ص186 باب 149.


الناس غيره(1) .

6 ـ عن علي (عليه‌السلام ): أنه أخذ في أمرها، وغسلها في قميصها، ثم حنطها من فضلة حنوط رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكفنها.

قال: فلما هممت أن أعقد الرداء، ناديت: يا أم كلثوم، يا زينب، يا سكينة، يا فضة، يا حسن، يا حسين. هلموا تزودوا من أمكم، فهذا الفراق، واللقاء في الجنة.

فلما أقبل الحسنان (عليهما‌السلام )، وكلماها، يقول أمير المؤمنين (عليه‌السلام ): إني أشهد الله أنها قد حنَّت، وأنَّت، ومدَّت يديها، وضمتهما إلى صدرها ملياً. وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن، ارفعهما عنها، فلقد أبكيا ـ والله ـ ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب.

قال: فرفعتهما عن صدرها.

ثم ذكر (عليه‌السلام ): أنه عقد الرداء، ثم حملها على يده، وأقبل بها إلى قبر أبيها.

ثم عدل بها إلى الروضة، فصلى عليها في أهله ومواليه، وأصحابه، وأحبائه، وطائفة من المهاجرين والأنصار. ثم واراها، وألحدها في لحدها(2) .

____________

1- دلائل الإمامة ص136 وراجع: بحار الأنوار ج43 ص171 والهداية الكبرى ص178 واللمعة البيضاء ص852 ومجمع النورين للمرندي ص146.

2- بحار الأنوار ج43 ص179 ـ 180 باختصار، واللمعة البيضاء ص859 و 860 = = وراجع: الأنوار البهية ص62 وعن العوالم ج6 ص261 والأنوار العلوية ص305 ومجمع النورين للمرندي ص153 وبيت الأحزان ص182.


ونقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات عديدة، نكتفي منها بما يلي:

علي (عليه‌السلام ) لم يسأل الزهراء (عليها‌السلام ) عن حاجتها:

جاء في الرواية المتقدمة: أن علياً (عليه‌السلام ) تعهد بقضاء حاجة فاطمة، دون أن يسألها عنها، وما ذلك إلا لثقته (عليه الصلاة والسلام) بأنها (صلوات الله عليها) لا تطلب إلا ما هو خير وصلاح، ومشروع ومقدور ويرضى الله، ويقربها إلى الله؛ لأنها مطهرة، ومعصومة؛ ولأنها من حجج الله تبارك وتعالى..

أعداؤها وأعداء الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ):

وقد صرّحت الرواية المتقدمة: بأنها (عليها‌السلام ) تعتبر ظالميها أعداءً لها، وأعداءً لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).. رغم أن أبا بكر قد تظاهر لها بالكثير من المحبة والتودد في كلماته المعسولة حين جاء هو وعمر لعيادتها واسترضائها، وكذلك حين خطبت خطبتها المعروفة في المسجد في قصة فدك، التي بيّنت فيها عظيم ظلمهم لها، وعدوانهم على حقوقها.

وهذا يدل على: أنها (عليها‌السلام ) تعتبر أن ما يظهره أبو بكر من كلام ودود ليس له حقيقة، بل هو يدخل في سياق السياسة، والتمويه على


الناس لامتصاص حالة التشنج، والتخفيف من وقع ما ارتكبه في حقها.

فمثله كمثل الذي كان يعاني من مرض في عينيه، التي لا يزال يسيل الدمع منها، فصاد عصفوراً، وهو مشغول بذبحه ودموعه تسيل، فرآه عصفوران كانا على الشجرة، فقال أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الصياد ما أرق قلبه، فهو يبكي رقة ورحمة للعصفور.

فقال له رفيقه: لا تنظر إلى دموع عينيه، بل انظر إلى فعل يديه.

وبذلك يقول أحد الشعراء:

فلا تنظري ليلى إلى العين وانظري إلى الكف ماذا بالعصافير تصنعُ

والخلاصة: إن الزهراء (عليها‌السلام ) تعرف أن عمر قد قال لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مرض موته: إن النبي ليهجر، ولم تنس بعد هجوم هؤلاء الناس على بيتها، وضربها، وإسقاط جنينها، وإضرام النار على بابها. إلى آخر ما هنالك مما يدل على عداوتهم لها، وعدم رعايتهم أية حرمة لأبيها.. فكيف تصدّق أنهم يحبونها وهم لم يغيروا شيئاً مما صنعوه، ولا أعادوا الحق الذي اغتصبوه؟! ولا.. ولا.

يا سكينة.. يا فضة:

وتقدم: أن علياً (عليه‌السلام )، نادى قبل أن يعقد الرداء بنات وأبناء الزهراء (عليها‌السلام )، بالإضافة إلى فضة: أن هلموا فتزودوا من أمكم..

ونريد نحن هنا أن نشير إلى عدة نقاط:

الأولى: ذكر سكينة في جملة البنات اللواتي ناداهن.. يشير إلى وجود


بنت للزهراء (عليها‌السلام ) بهذا الإسم أيضاً..

وقد ذكرنا ما يدل على ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب حين ذكرنا أولاده (عليه‌السلام ). فليراجع.

الثانية: ذكر فضة في جملة البنات اللواتي ناداهن، مع أنها لم تكن من بناتها (عليها‌السلام ).. يؤكد نظرة الإسلام الأصيل إلى الموالي، وأنه يراهن بمثابة الأخوة والأبناء..

الثالثة: يلاحظ هنا: أنه (عليه‌السلام ) قد صرح بأسماء الجميع، مع أنه كان يمكنه أن يناديهم بواسطة عنوان جامع، كأن يقول: يا أهل البيت، أو: أيها الحاضرون، هلموا إلى التزود من أمكم..

ولكنه (عليه‌السلام ) أراد أن لا يتوهم متوهم: أنه أطلق الكلام على نحو التغليب، فانطباق الوصف على فضة مثلاً قد لا يكون على نحو الحقيقة. فإذا صرح بالأسماء يكون قد أشعرهم جميعاً، بما فيهم فضة بالإعزاز، والمحبة، بصورة مباشرة، وغير قابلة للتأويل..

ويزيد في تأكيد هذا المعنى: التنصيص على أمومة الزهراء لهم جميعاً، وبلا تمييز..

الرابعة: إنه (عليه‌السلام ) قد نادى البنات أولاً، ثم نادى الحسنين (عليهما‌السلام )، وهي لفتة رائعة وسديدة، جاءت منسجمة مع الموقف العاطفي، في أكثر اللحظات إثارة، وهي لحظة الفراق للأم، التي يكون شعور بناتها بالحاجة إليها، وبعمق العلاقة معها أشد من شعور غيرهن.. وهكذا كان..


حنّت، وأنّت، ومدت يديها:

ونحن لا نستطيع أن نغفل الإشارة إلى أن ما ذكر في بعض الروايات من أنها (عليها‌السلام ) حنّت وأنّت.. ليس بالأمر الباطل، ولا المستجهن على أولياء الله سبحانه، ولا هو بعيد عن قدرة الله، اذ لا تستلزم نسبته إليه تعالى محذوراً عقلياً، يجعل الإعتقاد به في دائرة الباطل، علماً بأن علاقة الروح بالجسد، وإن كانت قد ضعفت بالموت بصورة كبيرة، ولكنها لم تنقطع بصورة نهائية وتامة.

يدلنا على ذلك: وجود حساب القبر.. واستحباب زيارة القبور، وقراءة القرآن عندها وغير ذلك..

فلا مانع من أن يكون لبعض الأمور تأثير في زيادة العلاقة، وتقويتها لدى الأنبياء والأصفياء، أو بطلب منهم..

ولذلك نلاحظ: أن بعض الأموات يرجعون إلى الحياة بسبب طلب نبي، وبعضهم يتكلمون، أو يجيبون على بعض الأسئلة التي توجه إليهم من قبل نبي أو وصي نبي.

وقصة بقرة بني إسرائيل التي ذبحوها، وضربوا ببعضها ذلك الميت فأحياه الله، وأخبرهم بما سألوه عنه، معروفة، ومصرح بها في القرآن.

قال تعالى:( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) (1) .

____________

1- الآية 73 من سورة البقرة.


هل هذه الرواية مكذوبة؟!:

عن ورقة بن عبد الله الأزدي، عن فضة (رحمها الله) (التي كانت عند السيدة الزهراء (عليها‌السلام )) قالت في رواية مطولة: (فأقبل الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وهما يناديان: وا حسرتاه، لا تنطفئ أبداً.. فقدنا جدنا محمداً المصطفى، وأمنا فاطمة الزهراء، يا أم الحسن، يا أم الحسين، إذا لقيت جدنا المصطفى فاقرئيه منا السلام، وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا..

فقال أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ): إني أُشهِد الله أنها قد حنَّت وأنَّت، ومدت يديها، وضمتهما إلى صدرها ملياً. وإذا بهاتف من السماء ينادي:

يا أبا الحسن، ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب.

قال: فرفعتهما عن صدرها، وجعلت أعقد الرداء..)(1) .

وقريب من ذلك ما روي عن أسماء بنت عميس..(2) أيضاً.

وهذه الرواية، وإن كانت لا تملك سنداً صحيحاً، ومعتبراً، لكن ذلك

____________

1- بحار الأنوار ج43 ص174 ـ 180 واللمعة البيضاء ص854 ـ 761 والأنوار العلوية ص302 ـ 306 ومجمع النورين ص151 ـ 154.

2- راجع: الزهراء بهجة قلب المصطفى ص579.


لا يعني لزوم ردها، والحكم ببطلانها، فإنه ليس بالضرورة أن يكون الحديث الضعيف مكذوباً..

وإنما تردُّ الرواية بصورة قاطعة.. إذا اشتملت على ما يخالف القرآن، أو المسلَّمات الدينية بصورة عامة، أو ما يخالف ما تحكم به العقول.. أو ما يخالف الواقع العيني الخارجي.

وليس الأمر في الرواية المشار إليها كذلك.. بل هي قد تضمنت أمراً يتصل بالغيب، وبالكرامة الإلهية للمصطفين من عباده الأكرمين..

وأمثال هذه الأمور مما تجوِّز العقول وقوعها، ولا تحيلها..

غاية الأمر: أن إثبات حصولها يحتاج إلى الدليل المقنع والمعتبر، وحيث لا يوجد مثل هذا الدليل، فلا يصح ردها بصورة قاطعة، بل توضع في بقعة الإمكان، حتى يذود عنها قاطع البرهان..

ما أرانا إلا سنصبح:

وقد اجاب علي (عليه‌السلام ) أبا بكر وعمر حين طلبا منه إخراج الزهراء (عليها‌السلام ) ليصليا عليها: (ما أرانا إلا سنصبح).

وهذا من مفردات التورية البديعة، فإنه إنما أخبرهم عن ميله إلى الإعتقاد ببقائه حياً حتى الصباح. ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى ما سيفعله في موضوع دفن الزهراء، والصلاة عليها، وأين سيكون ذلك، ومتى.

كما أن كلمة أبي ذر لا تدل على أن تأخير التشييع سيستمر إلى اليوم


الثاني؛ لأنه إنما ذكر لهم: أن تشييعها سيتأخر في تلك العشية. ولم يحدد مقدار هذا التأخير.

علي (عليه‌السلام ) يلمح لعمر باستحقاقه للقتل:

بالنسبة لقول علي (عليه‌السلام ) لعمر: لقد فررت يوم خبير وفي مواطن، ثم لم ينزل الله لك توبة حتى الساعة.

نقول: إنه تضمن تلميحاً أو تلويحاً بما أزعج عمر وأبا بكر بشدة، فهو يشير:

أولاً: إلى جبن عمر، وضعفه البالغ..

وثانياً: إن عدم إنزال الله له توبة يعني: أن الله تعالى لم يرض على عمر لأجل ذلك، ولأنه لم يفعل ما يستحق به التوبة عليه..

وثالثاً: لعله يشير إلى أن ذلك يسوِّغ مواجهته بما يستحقه من عقوبة الفارين من الزحف..

الذين شيعوا جنازة فاطمة:

وقد ذكرت إحدى الروايات المتقدمة الزبير في جملة الذين حضروا دفن فاطمة.. وربما يكون ذلك من اضافات الرواة، فإنها أوصته أن يدفنها سراً، ولا ندري إن كان الزبير يؤتمن على سر. وتقدم عن دلائل الإمامة وغيره: أنه لم يعلم بها، ولا حضر وفاتها، ولا صلى عليها أحد من سائر الناس غيره..


إتخاذ النعش:

وقد أوصت الزهراء (عليها‌السلام ): علياً (عليه‌السلام ) بأن يتخذ لها نعشاً صوَّرته لها الملائكة، ووصفته له، فاتخذه لها(1) .

وهي أول من جُعل لها النعش، كما رُوي عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )(2) .

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص362 و (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص137 واللمعة البيضاء ص861 و 868 و 875 وروضة الواعظين ص151 وعلل الشرائع ج1 ص188 وبحار الأنوار ج43 ص182 و 192 و 204 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص96 والأنوار العلوية ص303 ومجمع النورين ص150 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص333.

2- الكافي ج3 ص251 وتهذيب الأحكام ج1 ص469 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص220 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص876 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص364 و (ط المطبعة الحيدرية) ج3 ص138 وبحار الأنوار ج43 ص212 عن التهذيب، وج78 ص249 عن فقه الرضا، وراجع ص250 و 282 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص367 وراجع ص162 و 208 و 271 و 291 و 356. وفقه الرضا ص189 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص194 وراجع: دعائم الإسلام ج1 ص233 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص96 والمستدرك للحاكم ج3 ص162 وعون المعبود للعظيم آبادي ج8 ص338 والذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص153 وناسخ الحديث ومنسوخه ص588 والطبقات الكبرى لابن = = سعد ج8 ص28 والأعلام للزركلي ج5 ص132 والمنتخب من ذيل المذيل ص91 واللمعة البيضاء ص865 وشرح إحقاق الحق ج10 ص471 و 475 وج19 ص177 وج25 ص14 و 548 وج33 ص382.


ورُوي أنها قالت لأسماء: استريني سترك الله من النار، يعني بالنعش(1) .

ولكن ثمة من يدَّعي: أن أسماء هي التي أشارت على الزهراء (عليها‌السلام ) باتخاذ النعش، وأنها قد رأته في بلاد الحبشة.

وروُي ذلك عن الإمام الصادق (عليه‌السلام ) أيضاً(2) .

غير أن ذلك قد اقترن بطلب الزهراء (عليها‌السلام ) منها: أن لا تحملها على سرير ظاهر.

فقالت أسماء: لا، لعمري ولكن أصنع نعشاً كما رأيت يصنع بالحبشة.

____________

1- مناقب آل أبي طالب ج3 ص364 و (المطبعة الحيدرية) ج3 ص138 والحدائق الناضرة ج4 ص89 ومستدركات علم رجال الحديث ج8 ص548 وبيت الأحزان ص173 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص475 وج25 ص549.

2- تهذيب الأحكام ج1 ص469 وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص220 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص876 ومستدرك الوسائل ج2 ص360 واللمعة البيضاء ص883 و 884 و 865 وبحار الأنوار ج43 ص212 وج78 ص255 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص367 و 369 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص253.


فقالت: أرنيه.

فأرتها إياه(1) .

وسبب طلب الزهراء، هذا هو: أنها (استقبحت ما يُصنع بالنساء: أنه يطرح على المرأة الثوب، فيصفها لمن رأى)(2) .

مفارقة تحتاج إلى تفسير:

وفي حديث إصرار أبي بكر وعمر على الصلاة على فاطمة (عليها‌السلام ) مفارقة تحتاج إلى تفسير، وهي: أنه إذا قورن موقفهم هذا بموقفهم من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حين استشهاده، حيث غابوا عن جنازته، وأوكلوا أمر غسله، وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه إلى أهله، وانصرفوا إلى العمل على الفوز بالخلافة، مغتنمين فرصة انشغال علي (عليه‌السلام ) بجنازة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )..

ولكن موقفهم في وفاة الصدّيقة اختلف إلى حدّ التناقض، حيث كانوا يريدون نبش القبور، واستخراج جسد الزهراء (عليها‌السلام )، رغم ما

____________

1- راجع: وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص220 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص876 وج43 ص189 وج78 ص250 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص115 واللمعة البيضاء ص865 عن كشف الغمة ج2 ص126 والذرية الطاهرة ص152 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص368 وتاريخ المدينة لابن شبة ج1 ص108.

2- راجع الهامش السابق.


يتضمنه ذلك من هتك لحرمتها (صلوات الله وسلامه عليها).

إن هذا يجعلنا ندرك: أن السياسة هي التي أملت عليهم هذا الموقف وذاك على حد سواء، فقضت بتجاهل جنازة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هناك، ونبش قبر الزهراء (عليها‌السلام ) هنا، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

الناس يلوم بعضهم بعضاً:

ولا ندري لماذا يتلهّف الناس على ما فاتهم من الصلاة على البنت الوحيدة لنبيهم، وهم الذين خذلوها بالأمس، ولم ينصروها على من هاجمها، وضربها وحاول احراق بيتها عليها وعلى زوجها وابنائها، وخالفوا بذلك وصية أبيها فيها؟!

وماذا ينفع هذا التظاهر بالإعزاز والمحبة للزهراء (عليها‌السلام )، وكيف نفسره من أناس كانوا هم الذين آذوها، وقتلوها.. أو سكتوا عما يجري عليها..

فما أحرى هؤلاء بقول عبيد بن الأبرص:

لا ألفينك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي(1)

____________

1- راجع: خزانة الأدب للبغدادي ج11 ص273 ودرر السمط في خبر السبط لابن الأبار ص83 وتنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ص367 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص165 و (تحقيق الشيري) ج1 ص215.


ولاة الأمر ونبش قبر الزهراء (عليها‌السلام )؟!:

ثم إننا لم نجد أي اندفاع أو حتى تفكير لدى عامة الناس في نبش قبر الزهراء (عليها‌السلام )، للصلاة عليها، ولم نجدهم شجعوا عمر على موقفه.. بل اكتفوا بإظهار الأسف لعدم تمكنهم من حضور جنازتها، ولام بعضهم بعضاً.

بل جاءت الفكرة من قبل ولاة الأمر أنفسهم، حيث ظهر اندفاعهم الشديد لتنفيذ هذا الأمر، لولا أن سيف ذي الفقار حال بينهم وبين ذلك.

ومن حقنا أن نفهم سبب هذا الاندفاع القوي نحو هذا الأمر القبيح، الذي لا يرضاه أي ملتزم بالشرع، أو من يحترم نفسه، وإنسانيته..

ولعل الإجابة الأقرب للاعتبار هي: أنهم أدركوا، أن ما جرى سوف يسجله التاريخ.

ليكون إدانة صريحة لهم، ووصمة لا مجال لمحوها، ولا للتشكيك فيها. ولن يتضاءل تأثيرها مهما طال الزمن.

وأدركوا أيضاً: أنه لن يكون لهم في ظل هذه الإدانة أية قداسة، أو احترام، أو مقبولية لهم، أو ارتياح وجداني لدى الكثيرين ممن يطلعون على ما جرى، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، من عقلاء الناس.. وإلى يوم القيامة..

تهافت في بعض الخصوصيات:

وقد يلمح الباحث تهافتاً في بعض الخصوصيات في الروايات، حيث


ذكر بعضها: أن المسلمين وجدوا في البقيع أربعين قبراً جدداً(1) . ولم يرش قبرها(2) ، فأشكل عليهم الأمر، ولم يعرفوا قبر الزهراء (عليها‌السلام ).

مع أن بعضها الآخر يقول: إنه (عليه‌السلام ) خط برجله سبعة قبور فقط(3) . إلا أن يكون قد خط أولاً سبعة، ثم أكملها إلى أربعين.

ولعل المسلمين قد وجدوا أولاً أربعين، ثم ذهبت علامات أكثرها

____________

1- راجع: دلائل الإمامة ص136 واللمعة البيضاء ص836 و 852 و 887 و 864 وبحار الأنوار ج29 ص390 ج30 ص349 وج43 ص171 و 183 و 212 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص281 ومجمع النورين ص147 والهداية الكبرى ص179 وعيون المعجزات لابن عبد الوهاب ص47 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص138 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص324 والشافي في الإمامة ج4 ص115 وبيت الأحزان ص185 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج19 ص170 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص337 و 467.

2- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج16 ص281 وبحار الأنوار ج29 ص390 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص324 واللمعة البيضاء ص836 والشافي في الإمامة ج4 ص115 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص467.

3- اللمعة البيضاء ص887 و 864 و 869 وبحار الأنوار ج43 ص183 و 193وروضة الواعظين ص152 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص138 والأنوار البهية ص63 والأنوار العلوية ص304 ومجمع النورين للمرندي ص151 وبيت الأحزان ص183 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص337.


بسبب كثرة المترددين، وبقي أثر سبعة، فجاءت جماعة السلطة، فوجدت هذه البقية، فأشكل الأمر عليها.

غضب علي (عليه‌السلام ):

وأما غضب علي (عليه‌السلام ) في محاولة نبش قبر الزهراء (عليها‌السلام )، فإنما كان غضباً لله تعالى.. لأنه يريد أن يمنعهم من هتك حرمة سيدة نساء العالمين (عليها‌السلام ).

ولو أنهم أصروا على ذلك، وحدث الأسوأ من الإحتمالات، فإن كل الناس سوف يتفهمون صوابية موقف علي (عليه‌السلام )، إذ لا مبرر لنبش قبر، واستخراج شخص من قبره لمجرد أن فلاناً من الناس يريد الصلاة على ذلك الميت.. لا سيما إذا كان الميت امرأة، لها مقامها العظيم عند الله تعالى، وفي نبش قبرها هتك لحرمتها.. مع عدم وجود أي داعٍ لهذا الأمر، بعد أن دُفنت وفق أحكام الشرع الشريف، وأجريت جميع المراسم المطلوبة لذلك..

فكيف إذا كانت تلك المرأة المتوفاة لا ترضى بحضورهم جنازتها، ولا بالصلاة عليها، وقد تم استبعادهم بطلبٍ منها. لا سيما مع سوابقهم في توجيه الإساءات الخطيرة إليها، التي بلغت حد ضربها، وإسقاط جنينها، وكون موتها بسبب ذلك الضرب بالذات.. وما يمثل ذلك من إساءة للدين تتجاوز كل حدّ.

وبذلك يتضح الفرق بين هذه الحالة التي لا يأبى فيها علي (عليه‌السلام ) من المبادرة إلى أي تصرف رادع لمن يريد الإساءة للزهراء (عليها‌السلام ) في قبرها.. وبين ما نشهده من وقوفه الصارم عند حدود لا


يتجاوزها في موضوع التصدي لغاصبي مقام الخلافة.

وذلك لكي لا يعرّض الدين للخطر. ويكتفي بمجرد الإحتجاج، ويتحمل جميع أنواع الأذى لأجل حفظ الدين..

إن منعهم من نبش قبر الصديقة الزهراء (عليها‌السلام )، هو عين الصواب حتى لو تفاقمت الأمور وبلغت إلى ما لا تحمد عقباه.

ويدل على ذلك: ما رُوي عن الإمام الباقر (عليه‌السلام )، من أنه قال: (إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر، لم يمنع أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) من أن يدعو إلى نفسه إلا نظراً للناس، وتخوفاً عليهم أن يرتدوا عن الإسلام، فيعبدوا الأوثان، ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

وكان الأحب إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن الإسلام، وإنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا.

فأما من لم يصنع ذلك، ودخل فيما دخل فيه الناس، على غير علم ولا عداء لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فإن ذلك لا يكفره، ولا يخرجه من الإسلام.

فلذلك كتم علي (عليه‌السلام ) أمره، وبايع مكرهاً، حيث لم يجد أعواناً)(1) .

____________

1- الكافي ج8 ص295 وبحار الأنوار ج28 ص255 و 55 وج29 ص468 وج33 ص154 وج44 ص23 وج69 ص156 ومستـدرك الوسائـل ج11 = = ص75 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج3 ص7 وج4 ص238 وكتاب سليم بن قيس (تحقيق الأنصاري) ص137 و 215 و 305 و 459 والإحتجاج ج2 ص8 وحلية الأبرار ج2 ص65 وشرح أصول الكافي ج12 ص412 وجامع أحاديث الشيعة ج13 ص41 ومجمع النورين للمرندي ص90 وغاية المرام ج2 ص105 وج5 ص197 وج6 ص17 و 25.



الفصل الرابع: خارج أجواء السياسة..



زمان وفاة الزهراء (عليها‌السلام ):

وكانت وفاتها (عليها‌السلام ) في السنة الحادية عشرة(1) .

____________

1- مصباح المتهجد ص793 ودلائل الإمامة ص79 و 134 وذخائر العقبى ص52 وتاريخ الأمم والملوك ج3 ص240 وبحار الأنوار ج16 ص78 وج43 ص9 و 188 و 215 وج95 ص196 والأنوار البهية ص58 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج8 ص253 وج9 ص197 ومجمع الزوائد ج9 ص211 وفتح الباري ج7 ص81 وتحفة الأحوذي ج10 ص250 والآحاد والمثاني ج5 ص366 والذرية الطاهرة النبوية ص152 والمعجم الكبير للطبراني ج22 ص400 والإستيعاب ج4 ص1899 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص494 والطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص28 وتاريخ مدينة دمشق ج3 ص162وج14 ص256 وتهذيب الكمال ج35 ص252 والإصابة ج8 ص268 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص18 وترجمة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) لابن عساكر ص441 والعدد القوية ص220 والفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ ج1 ص666 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص49 ومجمع النورين للمرندي ص51 وبيت الأحزان ص189 وشرح إحقاق الحق = (الملحقات) ج10 ص455 وج19 ص175 و 176 وج25 ص556 و 559 و 561 و 562 ونظم درر السمطين ص181.


وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه‌السلام ): أنها توفيت في السنة العاشرة(1) .

وقد اختلفت الروايات أيضاً في تحديد تاريخ ذلك ومقدار بقائها بعد أبيها على أقوال، هي:

1 ـ أربعون يوماً(2) .

2 ـ شهران (ستون يوماً)(3) .

____________

1- اللمعة البيضاء ص884 و 885 وبحار الأنوار ج43 ص215 ح45 وعن مقاتل الطالبيين ص59.

2- مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص31 وبحار الأنوار ج28 ص397 وج43 ص7 و 215 واللمعة البيضاء ص885 ومجمع النورين للمرندي ص155 و 157 وعيون المعجزات ص47 وتاريخ الأئمة (المجموعة) لابن خشاب البغدادي ص10 ونظم درر السمطين ص181 وبيت الأحزان ص189.

3- مجمع النورين للمرندي ص157ومستدرك الوسائل ج2 ص134 وبحار الأنوار ج43 ص217 وج78 ص233 جامع أحاديث الشيعة ج3 ص134 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 ومجمع النورين ص148 و 155 و 157 وبيت الأحزان ص169.


3 ـ سبعون يوماً(1) .

4 ـ اثنان وسبعون يوماً(2) .

5 ـ خمسة وسبعون يوماً(3) .

____________

1- مناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص232 ودعائم الإسلام ج1 ص232 ومستدرك الوسائل ج2 ص361 وبحار الأنوار ج78 ص282 جامع أحاديث الشيعة ج3 ص368 ومستدرك سفينة البحار ج8 ص252 وعمدة القاري ج17 ص258 والإستيعاب ج4 ص1894و 1899 وتاريخ خليفة بن خياط ص59 وأسد الغابة ج5 ص524 والتنبيه والإشراف ص249 وإمتاع الأسماع ج5 ص35.

2- السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص611 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص232 ومجمع النورين ص157.

3- تاج المواليد (المجموعة) للشيخ الطبرسي ص22 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص234 وتاريخ الأئمة (المجموعة) لابن خشاب البغدادي ص10 وتاريخ الأئمة (المجموعة) للكاتب البغدادي ص6 وعيون المعجزات ص47 والخرائج والجرائح ج2 ص525 و 526 والمحتضر ص58 وإمتاع الأسماع ج5 ص35 وينابيع المعاجز ص131 وبحار الأنوار ج22 ص545 وج26 ص41 وج36 ص308 وج43 ص7 و 79 و 156 و 195 و 212 وج78 ص254 وج97 ص216 وبصائر الدرجات ص173 والكافي ج1 ص241 و 458 وج3 ص228 وج4 ص561 وشرح أصـول الكـافي ج5 = = ص341 وج7 ص213 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج3 ص224 وج14 ص356 و (ط دار الإسلامية) ج2 ص879 وج10 ص279 ومستدرك الوسائل ج2 ص304 وجامع أحاديث الشيعة ج1 ص9 و 135 وج3 ص353 و 531 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص205 وج8 ص242 ومسند الإمام الرضا ج1 ص139 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج2 ص375 وج8 ص249 وج10 ص301 وفتح الباري ج7 ص378 ومنتقى الجمان ج1 ص308 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص331 والخصائص الفاطمية ج2 ص362 واللمعة البيضاء ص197 ومجمع النورين ص16 و 156 و 157 ومجمع البحرين ج2 ص588 وج3 ص414 وبيت الأحزان ص168.


6 ـ خمسة وتسعون يوماً (ليلة)(1) .

7 ـ مئة يوم(2) .

8 ـ ثلاثة أشهر(3) .

____________

1- السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص611 وكشف الغمة ج2 ص125وراجع: كفاية الأثر ص65 ونظم درر السمطين ص181 وبيت الأحزان ص189.

2- بحار الأنوار ج43 ص189 وكشف الغمة ج2 ص125 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص669.

3- مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص31 وبحار الأنوار ج43 ص215 و188 واللمعة البيضاء ص885 ومجمع النورين للمرندي ص155 و 157 = = وعيون الأثر ج2 ص365 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص232 وكشف الغمة ج2 ص125 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص49 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص668 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 وأسد الغابة ج5 ص524 والتنبيه والإشراف ص249 وإمتاع الأسماع ج5 ص35.


9 ـ أربعة أشهر(1) .

10 ـ ستة أشهر(2) .

____________

1- السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص611 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص41 وإعلام الورى ج1 ص290.

2- السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص385 وج4 ص567 و 611 وعيون الأثر ج2 ص365 وبحار الأنوار ج28 ص312 و 353 و 397 و 391 وج29 ص112 و 202 و 330 و 389 و 391 وج43 ص183 و 189 و 200 وج100 ص184 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص232 و 234 و 412 والنص والإجتهاد ص51 و 59 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص137 والعمدة لابن البطريق ص390 و 391 وكشف الغمة ج2 ص103 و 125 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص669 ومجمع النورين للمرندي ص157 والطرائف للسيد ابن طاووس ص238 و 258 وكشف المحجة لابن طاووس ص77 وذخائر العقبى ص52 وكتاب الأربعين للشيرازي ص150 و 522 والغدير ج7 ص226 و 227 وموسوعة أحاديـث أهـل البيت (عليهم = = السلام) للنجفي ج8 ص255 ومستدرك سفينة البحار ج10 ص255 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص49 و 371 واللمعة البيضاء ص756 و 776 و 835 و 837 وجامع أحاديث الشيعة ج3 ص141 وج19 ص105 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص740 والسيرة الحلبية ج3 ص488 و 489 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 وتاريخ خليفة بن خياط ص59 وأسد الغابة ج5 ص524 والتنبيه والإشراف ص249 وإمتاع الأسماع ج5 ص35 وبيت الأحزان ص189.


11 ـ ثمانية أشهر(1) .

ونحن هنا نستميح القارئ عذراً عن الخوض في بحث تحديد أي واحد منها، ما دام أن هذا الإبهام أيضاً من موجبات تجديد ذكراها مرات عديدة في كل عام، ومن ثم تعريف الناس بمظلوميتها، واستفادة الدروس والعبر منها.

____________

1- السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص611 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص31 وبحار الأنوار ج43 ص215 واللمعة البيضاء ص885 ومجمع النورين للمرندي ص155 وعيون الأثر ج2 ص365 ومناقب أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيرواني ص232 والفصول المهمة لابن الصباغ ج1 ص668 وذخائر العقبى ص52 وفتح الباري ج7 ص378 وعمدة القاري ج17 ص258 والإستيعاب ج4 ص1894 و 1899 وتاريخ خليفة بن خياط ص59 وإمتاع الأسماع ج5 ص35.


مكان دفن الزهراء ( عليها‌السلام ):

اختلفت الرويات أيضاً في تحديد مكان دفن الزهراء (عليها‌السلام )، هل هو في البقيع؟! أو في الروضة؟! أو في بيتها؟!

ونحن وإن كنا نرجح أنها قد دفنت في بيتها، ولكننا نزيد على ذلك: أن الظاهر هو أنها قد دفنت مع النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قبره فإن النبي مدفون في بيتها كما هو معلوم.

ونستند في هذا الترجيح إلى ثلاثة أمور، هي:

1 ـ إن ذلك أبعد عن احتمالات القوم، الذين سوف يصرون على معرفة مكان دفنها.. لأنهم يرون أن بقاءه مخفياً، يضر بهالة القداسة التي يريدونها لأنفسهم، بل هو يثبت ضدها، من حيث إنه يذكر الناس بمظلوميتها، واغتصابهم حقها، وعدوانهم عليها..

2 ـ أشارت بعض الروايات إلى: أن علياً (عليه‌السلام ) حين صار بها إلى القبر المبارك خرجت يد فتناولتها، وانصرف(1) .

3 ـ إن كلمات أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) التي خاطب بها رسول الله في تلك اللحظات تضمنت إشارة إلى ذلك، فهي تقول:

____________

1- راجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص365 و (ط دار النعمان) ج3 ص139 وبحار الأنوار ج43 ص184 واللمعة البيضاء ص864 ومجمع النورين للمرندي ص156 و 158.


(السلام عليك يا رسول الله عني. والسلام عن ابنتك وزائرتك، والبائتة في الثرى ببقعتك)(1) .

4 ـ سئل الإمام الهادي (عليه‌السلام ): أهي في طيبة؟! أو كما يقول الناس في البقيع؟!

فقال (عليه‌السلام ): هي مع جدي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(2) .

____________

1- دلائل الإمامة ص137 و 138 والأمالي للمفيد ص281 والأمالي للطوسي ج1 ص109 واللمعة البيضاء ص860 وبحار الأنوار ج43 ص193 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص432 والكافي ج1 ص458 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 ص215 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص713 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليه‌السلام ) للنجفي ج8 ص250 وج11 ص13 وج12 ص137 ونور الثقلين ج1 ص337 وج4 ص256 وشرح أصول الكافي ج7 ص213 وكنز الدقائق ج2 ص85 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص324 وبشارة المصطفى ص396 ومجمع النورين للمرندي ص151 و 156 وبيت الأحزان ص183 والأسرار الفاطمية للمسعودي ص337.

2- إقبال الأعمال لابن طاووس ج3 ص161 وبهج الصباغة ج5 ص303 عنه، ومستدرك الوسائل ج2 ص194 و (ط مؤسسة آل البيت) ج10 ص210 وبحار الأنوار ج97 ص198 وجامع أحاديث الشيعة ج12 ص262.


وأما بالنسبة للقبور التي خطها الإمام (عليه‌السلام ) في البقيع، فلعله ليصرف أوهام القوم إلى أنها قد دُفنت في ذلك المكان.

وإنما نذكر ذلك كله على سبيل الإحتمال والترجيح، لا على سبيل الجزم والتصحيح.. ولا نرى داعياً لتجريد البحث في هذا الموضوع، ما دام أنها هي التي أرادت أن يبقى قبرها مخفياً، ليكون ذلك شاهد صدق على محنتها، وما جرى عليها، وسبيل رشاد، ومنار هداية. عبر الأيام والشهور، والأحقاب والدهور.

علي (عليه‌السلام ) في وداع الزهراء (عليها‌السلام ):

و عن الإمام الحسين (عليه‌السلام ) قال: مرضت فاطمة (عليها‌السلام ) ووصت إلى علي (عليه‌السلام ) أن يكتم أمرها، ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحداً بمرضها، ففعل ذلك. وكان يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس، على استسرار بذلك كما وصت به.

فلما قبضت فاطمة (عليها‌السلام ) دفنها أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وعفى على موضع قبرها، ثم قام وحول وجهه إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال:

(السلام عليك يا رسول الله..

إلى أن قال: (قد استرجعت الوديعة، وأٌخذت الرهينة، وأُخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء!

يا رسول الله، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، وهمّ لا يبرح من


قلبي، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم.

كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق بيننا، وإلى الله أشكو.

وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها؛ فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها، لم تجد إلى بثه سبيلاً. وستقول، ويحكم الله، وهو خير الحاكمين.

سلام مودع، لا قالٍ ولا سَئِمٍ، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين.

واه، واها، والصبر أيمن وأجمل.

ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية.

فبعين الله تدفن ابنتك سراً؟! وتهضم حقها، وتمنع إرثها، ولم يتباعد العهد، ولم يُخْلِق منك الذكر؟!

وإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك يا رسول الله أحسن العزاء، وصلى الله عليك، وعليها‌السلام والرضوان)(1) .

____________

1- راجع المصادر التالية: نهج البلاغة (بشرح عبده) الخطبة رقم 200 و (ط مطبعة النهضة ـ قم سنة1412) ج2 ص182 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج10 ص265، والكافي ج1 ص458 ودلائل الإمامة ص137 و 138 والمناقب لابن شهرآشوب ج3 ص364 و 365 والأمالي للشيخ الطوسي ج1 ص107 و 108 و109وروضة الواعظين ص152 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج2 = = ص215 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص139 والأمالي للمفيد ص281 و 283 والأنوار البهية ص64 والغدير ج9 ص373 والإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) للهمداني ص713 وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليهم‌السلام ) للنجفي ج3 ص136 و 250 وج11 ص13 وج12 ص37 وقاموس الرجال للتستري ج12 ص324 وبشارة المصطفى ص397 وكشف الغمة للإربلي ج2 ص127 والأنوار العلوية ص304 ومجمع النورين للمرندي ص151 وبيت الأحزان ص184 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص154 ونهج السعادة ج1 ص71 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص481 وج25 ص550 وج33 ص385 وبحار الأنوار ج43 ص211 و 193 و 184 عن أمالي الشيخ، وعن الكافي، وعن الأحكام الشرعية للحسن الخزاز القمي، وتذكرة الخواص، وكشف الغمة، والوافي ج3 ص748 وغير ذلك.


غليل لم تجد إلى بثه سبيلاً:

وقد تضمنت كلمات أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) هذه في مخاطبة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، الكثير مما يحتاج إلى الوقوف عنده، واستفادة العبر والعظات والدروس منه. ولأن ذلك غير متيسر لنا الآن.. فقد آثرنا الإكتفاء بتذكير القارئ بأمر هام أشار إليه (صلوات الله وسلامه عليه) في كلماته تلك، حيث قال:

(فكم من غليل معتلج بصدرها، لم تجد إلى بثه سبيلاً).

فما هي هذه المفردات سبب كثرة الغليل في صدرها، والتي لم تجد


الفرصة أو السبيل إلى بثه، والإفصاح عنه؟!.

إن من يقرأ النصوص المتوفرة يخيَّل إليه: أنه (عليه‌السلام )قد تحدث أو أشار بالتخصيص أو التعميم إلى جميع الأحداث التي واجهتها، ووصلت إلينا أنباؤها. وإن ثمة ما لم تتمكن من بثه واظهاره.

إن هذا الأمر يستحق الوقوف عنده، والبحث عنه، والتماس السبل إليه..

هل ماتت الزهراء (عليها‌السلام ) بلا إمام؟!:

وصرحت الروايات: بأن الزهراء (عليها‌السلام ) أوصت أن تدفن سراً، وأن لا يحضر جنازتها أبو بكر، ولا عمر، ولا غيرهما ممن ظلموها، وأن يُعَفِّي علي (عليه‌السلام ) موضع قبرها.

كما أنها لم تأذن لهما بعيادتها.. وإنما دخلا عليها بعد ذلك لأن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) هو الذي أدخلهما بيته. وقد صرحت لهما حينئذ: بأنها غاضبة عليهما.. وصرحت الروايات أيضاً: بأنها (عليها‌السلام ) قد ماتت واجدة عليهما..

من هو إمام الزهراء (عليها‌السلام ):

وهنا سؤال يحتاج إلى جواب، وهو: من كان إمام الزهراء (عليها‌السلام ) بعد وفاة أبيها؟! إذ لا شك في أنها لم تعترف لأبي بكر بالإمامة، بل كانت تراه ظالماً لها، معتدياً على حرمات الله تعالى!! وماتت واجدة عليه، هاجرة له، تدعو عليه بعد كل صلاة و...


أم يعقل أن تكون قد ماتت بغير إمام؟! مع أن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.. أو نحو ذلك!!(1) .

____________

1- راجع: مسند أحمد ج4 ص96 وج3 ص446 ومجمع الزوائد ج5 ص218 و 223 و 219 و 224 و 225 وشرح المقاصد ج2 ص275 وشرح التفتازاني لعقائد النسفي (ط سنة 1302 هـ) وسنن البيهقي ج8 ص156 وتيسير الوصول ج2 ص47 وعن صحيح مسلم ج4 ص126 و 124 و 125 وشرح السير الكبير ج1 ص113 والعثمانية ص29 و (ط دار الكتاب العربي ـ مصر) ص301 والمحلى ج9 ص359 والوافي بالوفيات ج9 ص63 و 110 والمعيار والموازنة ص24 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص489 وصحيح ابن حبان ج10 ص434 و 435 والمعجم الأوسط للطبراني ج3 ص361 وج6 ص70 والمعجم الكبير للطبراني ج10 ص289 وج12 ص337 وج19 ص338 ومسند الشاميين للطبراني ج2 ص438 وج3 ص260 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص155 وج13 ص242 وكنز العمال ج1 ص103 و 207 و 208 وج6 ص65 ومسند أبي يعلى ج13 ص366 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1 ص517 وإزالة الخفاء ج1 ص3 والمستدرك للحاكم ج1 ص77 و 117 ومسند أبي داود الطيالسي ص259 وراجع: المحاسن للبرقي ج1 ص92 والكافي ج1 ص377 وج2 ص20 و 21 ودعائم الإسلام ج1 ص25 و 27 وثـواب الأعـمال للصدوق ص205 ووسائـل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) = = ج28 ص353 و (ط دار الإسلامية) ج18 ص567 ومستدرك الوسائل ج18 ص183 وكتاب الغيبة للنعماني ص129 والإفصاح للمفيد ص28 والفصول المختارة للمرتضى ص325 والثاقب في المناقب ص495 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص212 وبحار الأنوار ج8 ص362 و 368 وج23 ص76 و 77 و 78 و 85 و 89 و 94 وج27 ص201 وج32 ص331 وج37 ص27 وج49 ص341 وج65 ص337 و 339 و 387 وكتاب الأربعين للماحوزي ص223 و 226 و 401 ونور الثقلين ج1 ص503 و 504 والميزان ج3 ص381 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص80 وتفسير العياشي ج1 ص252 وينابيع المودة لذوي القربى ج1 ص351 وج3 ص456.


المراد بالميتة الجاهلية:

وقد يسأل سائل هنا فيقول:

فقد فسرت الروايات ميتة الجاهلية بميتة الضلال..

فقد روي عن ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام ) عن قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية).

قال: قلت: ميتة كفر!

قال: ميتة ضلال الخ(1) ..

____________

1- الكافي ج1 ص376 و 377 وإلزام الناصب ج1 ص12 وشرح أصول الكافي ج6 ص354.


فلماذا عدل الإمام (عليه‌السلام ) عن ميتة الكفر إلى ميتة الضلال، مع أن أهل الجاهلية يموتون على الكفر؟!

ونجيب بما قاله المجلسي (رحمه‌الله ): (لعله (عليه‌السلام ) عدل عن تصديق كفرهم إلى إثبات الضلال لهم، لأن السائل توهم أنه يجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا كالنجاسة، ونفي التناكح، والتوارث وأشباه ذلك، فنفى ذلك، وأثبت لهم الضلال عن الحق في الدنيا، وعن الجنة في الآخرة، فلا ينافي كونهم في الآخرة ملحقين بالكفار، مخلدين بالنار، كما دلت عليه سائر الأخبار.

ويحتمل أن يكون التوقف عن إثبات الكفر، لشموله من ليس له إمام من المستضعفين؛ إذ فيهم احتمال النجاة من العذاب الخ..)(1) .

____________

1- مرآة العقول ج4 ص220.


الفهرس

الصحيح من سيرة الإمام عليّ ( عليه‌السلام ) 1

الفصل السادس: 5

الفصل السابع: 29

الباب الثاني: 65

الفصل الأول: 67

الفصل الثاني: 117

الفصل الثالث: 155

الفصل الرابع: 187

الفصل الخامس: 213

الباب الثالث: 239

الفصل الأول: 241

الفصل الثاني: 269

الفصل الثالث: 291

الفصل الرابع: 317

الفهرس 334