کتاب شرح نهج البلاغة
الجزء الخامس
ابن ابي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله أجمعين
58 و قال ع لما عزم على حرب الخوارج و قيل له إن القوم قد عبروا جسر النهروان
مَصَارِعُهُمْ دُونَ اَلنُّطْفَةِ وَ اَللَّهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ قال الرضيرحمهالله يعنى بالنطفة ماء النهر و هي أفصح كناية عن الماء و إن كان كثيرا جما و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضي ما أشبهه هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة لاشتهاره و نقل الناس كافة له و هو من معجزاته و أخباره المفصلة عن الغيوب و الأخبار على قسمين أحدهما الأخبار المجملة و لا إعجاز فيها نحو أن يقول الرجل لأصحابه إنكم
ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها غدا فإن نصر جعل ذلك حجة له عند أصحابه و سماها معجزة و إن لم ينصر قال لهم تغيرت نياتكم و شككتم في قولي فمنعكم الله نصره و نحو ذلك من القول و لأنه قد جرت العادة أن الملوك و الرؤساء يعدون أصحابهم بالظفر و النصر و يمنونهم الدول فلا يدل وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب يتضمن إعجاز. و القسم الثاني في الأخبار المفصلة عن الغيوب مثل هذا الخبر فإنه لا يحتمل التلبيس لتقييده بالعدد المعين في أصحابه و في الخوارج و وقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة و لا نقصان و ذلك أمر إلهي عرفه من جهة رسول الله ص و عرفه رسول الله ص من جهة الله سبحانه و القوة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا و لقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره و بمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته و أحواله المنافية لقوى البشر غلا فيه من غلا حتى نسب إلى أن الجوهر الإلهي حل في بدنه كما قالت النصارى في عيسى ع و قد أخبره النبي ص بذلك
فقال يهلك فيك رجلان محب غال و مبغض قال و قال له تارة أخرى و الذي نفسي بيده لو لا أني أشفق أن يقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بملإ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة
و أول من جهر بالغلو في أيامه عبد الله بن سبإ قام إليه و هو يخطب فقال له أنت أنت و جعل يكررها فقال له ويلك من أنا فقال أنت الله فأمر بأخذه و أخذ قوم كانوا معه على رأيه
و روى أبو العباس أحمد بن عبيد الله عن عمار الثقفي عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه و عن غيره من مشيخته أن عليا قال يهلك في رجلان محب مطر يضعني غير موضعي و يمدحني بما ليس في و مبغض مفتر يرميني بما أنا منه بريء و قال أبو العباس و هذا تأويل الحديث المروي عن النبي ص فيه و هو
قوله إن فيك مثلا من عيسى ابن مريم أحبته النصارى فرفعته فوق قدره و أبغضته اليهود حتى بهتت أمه قال أبو العباس و قد كان علي عثر على قوم خرجوا من محبته باستحواذ الشيطان عليهم إلى أن كفروا بربهم و جحدوا ما جاء به نبيهم و اتخذوه ربا و إلها و قالوا أنت خالقنا و رازقنا فاستتابهم و توعدهم فأقاموا على قولهم فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها طمعا في رجوعهم فأبوا فحرقهم بالنار
و قال
أ لا ترون قد حفرت حفرا |
إني إذا رأيت أمرا منكرا |
وقدت ناري و دعوت قنبرا
و روى أصحابنا في كتب المقالات أنه لما حرقهم صاحوا إليه الآن ظهر لنا ظهورا بينا أنك أنت الإله لأن ابن عمك الذي أرسلته قال: لا يعذب بالنار إلا رب النار.
و روى أبو العباس عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه و مشيخته أن عليا مر بهم و هم يأكلون في شهر رمضان نهارا فقال أ سفر أم مرضى قالوا و لا واحدة منهما قال أ فمن أهل الكتاب أنتم قالوا لا قال فما بال الأكل في شهر رمضان نهارا قالوا أنت أنت لم يزيدوه على ذلك ففهم مرادهم فنزل عن فرسه فألصق خده بالتراب ثم قال ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله و ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فدعاهم مرارا فأقاموا على أمرهم فنهض عنهم ثم قال شدوهم وثاقا و علي بالفعلة و النار و الحطب ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل إحداهما سربا و الأخرى مكشوفة و ألقى الحطب في المكشوفة و فتح بينهما فتحا و ألقى النار في الحطب فدخن عليهم و جعل يهتف بهم و يناشدهم ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فأمر بالحطب و النار و ألقى عليهم فاحترقوا فقال الشاعر :
لترم بي المنية حيث شاءت |
إذا لم ترم بي في الحفرتين |
|
إذا ما حشتا حطبا بنار |
فذاك الموت نقدا غير دين |
قال فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما قال أبو العباس ثم إن جماعة من أصحاب علي منهم عبد الله بن عباس شفعوا في عبد الله بن سبإ خاصة و قالوا يا أمير المؤمنين إنه قد تاب فاعف عنه فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة فقال أين أذهب قال المدائن فنفاه إلى المدائن
فلما قتل أمير المؤمنين ع أظهر مقالته و صارت له طائفة و فرقة يصدقونه و يتبعونه و قال لما بلغه قتل علي و الله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة لعلمنا أنه لم يمت و لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه فلما بلغ ابن عباس ذلك قال لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه و لا قسمنا ميراثه قال أصحاب المقالات و اجتمع إلى عبد الله بن سبإ بالمدائن جماعة على هذا القول منهم عبد الله بن صبرة الهمداني و عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي و آخرون غيرهما و تفاقم أمرهم و شاع بين الناس قولهم و صار لهم دعوة يدعون إليها و شبهة يرجعون إليها و هي ما ظهر و شاع بين الناس من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال فقالوا إن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى أو ممن حلت ذات الإله في جسده و لعمري إنه لا يقدر على ذلك إلا بإقدار الله تعالى إياه عليه و لكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هو الإله أو تكون ذات الإله حالة فيه و تعلق بعضهم بشبهة ضعيفة نحو قول عمر و قد فقأ علي عين إنسان ألحد في الحرم ما أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله و نحو
قول علي و الله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية بل بقوة إلهية و نحو
قول رسول الله ص لا إله إلا الله وحده صدق وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده و الذي هزم الأحزاب هو علي بن أبي طالب لأنه قتل بارعهم و فارسهم عمرا لما اقتحموا الخندق فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين من غير حرب سوى قتل فارسهم و قد أومأ بعض شعراء الإمامية إلى هذه المقالة فجعلها من فضائله و ذلك قوله
إذا كنتم ممن يروم لحاقه |
فهلا برزتم نحو عمرو و مرحب |
و كيف فررتم يوم أحد و خيبر |
و يوم حنين مهربا بعد مهرب |
|
أ لم تشهدوا يوم الإخاء و بيعة |
الغدير و كل حضر غير غيب |
|
فكيف غدا صنو النفيلي ويحه |
أميرا على صنو النبي المرجب |
|
و كيف علا من لا يطأ ثوب أحمد |
على من علا من أحمد فوق منكب |
|
إمام هدى ردت له الشمس جهرة |
فصلى أداء عصره بعد مغرب |
|
و من قبله أفنى سليمان خيله |
رجاء فلم يبلغ بها نيل مطلب |
|
يجل عن الأفهام كنه صفاته |
و يرجع عنها الذهن رجعة أخيب |
|
فليس بيان القول عنه بكاشف |
غطاء و لا فصل الخطاب بمعرب |
|
و حق لقبر ضم أعضاء حيدر |
و غودر منه في صفيح مغيب |
يكون ثراه سر قدس ممنع |
و حصباؤه من نور وحي محجب |
|
و تغشاه من نور الإله غمامة |
تغاديه من قدس الجلال بصيب |
|
و تنقض أسراب النجوم عواكفا |
على حجرتيه كوكب بعد كوكب |
|
فلولاك لم ينج ابن متى و لا خبا |
سعير لإبراهيم بعد تلهب |
|
و لا فلق البحر ابن عمران بالعصا |
و لا فرت الأحزاب عن أهل يثرب |
|
و لا قبلت من عابد صلواته |
و لا غفر الرحمن زلة مذنب |
|
و لم يغل فيك المسلمون جهالة |
و لكن لسر في علاك مغيب |
و قالوا أيضا إن بكريا و شيعيا تجادلا و احتكما إلى بعض أهل الذمة ممن لا هوى له مع أحد الرجلين في التفضيل فأنشدهما
كم بين من شك في عقيدته |
و بين من قيل إنه الله |
فأما الإخبار عن الغيوب فلمعترض أن يقول قد يقع الإخبار عن الغيوب من طريق النجوم فإن المنجمين قد اتفقوا على أن شكلا من أشكال الطالع إذا وقع لمولود اقتضى أن يكون صاحبه متمكنا من الإخبار عن الغيوب و قد يقع الإخبار عن الغيوب من الكهان كما يحكى عن سطيح و شق و سواد بن قارب و غيرهم.
و قد يقع الإخبار عن الغيوب لأصحاب زجر الطير و البهائم كما يحكى عن بني لهب في الجاهلية و قد يقع الإخبار عن الغيوب للقافة كما يحكى عن بني مدلج و قد يخبر أرباب النيرنجات و أرباب السحر و الطلسمات بالمغيبات و قد يقع الإخبار عن الغيوب لأرباب النفس الناطقة القوية الصافية التي تتصل مادتها الروحانية على ما تقوله الفلاسفة و قد يقع الإخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة على ما رآه أكثر الناس و قد وردت الشريعة نصا به و قد يقع الإخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي كما رأيناه عن أبي البيان و ابنه و قد يقع الإخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك الغيب إنسانا آخر لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد و ذلك كما يحكي أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب المعتبر قال و المرأة العمياء التي رأيناها ببغداد و تكررت مشاهدتنا لها منذ مدة مديدة قدرها ما يقارب ثلاثين سنة و هي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا فتدل عليها بأنواعها و أشكالها و مقاديرها و أعدادها غريبها و مألوفها دقيقها
و جليلها تجيب على أثر السؤال من غير توقف و لا استعانة بشيء من الأشياء إلا أنها كانت تلتمس أن ترى الذي يسأل عنه أبوها أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض و عند قوم دون قوم فيتصور في أمرها أن الذي تقوله بإشارة من أبيها و كان الذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة إذا قيل بصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر و إنما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع و الأشكال في مدة واحدة كلمة واحدة و أقصاه كلمتان و هي التي يكررها في كل قول و مع كل ما يسمع و يرى سلها و سلها تخبرك أو قولي له أو قولي يا صغيرة قال أبو البركات و لقد عاندته يوما و حاققته في ألا يتكلم البتة و أريته عدة أشياء فقال لفظة واحدة فقلت له الشرط أملك فاغتاظ و احتد طيشه عن أن يملك نفسه فباح بخبيئته قال و مثلك يظن أنني أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة فاسمع الآن ثم التفت إليها و أخذ يشير بإصبعه إلى شيء و هو يقول تلك الكلمة و هي تقول هذا كذا و هذا كذا على الاتصال من غير توقف و هو يقول تلك الكلمة لا زيادة عليها و هي لفظة واحدة بلحن واحد و هيئة واحدة حتى ضجرنا و اشتد تعجبنا و رأينا أن هذه الإشارة لو كانت تتضمن هذه الأشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء قال أبو البركات و من عجيب ما شاهدناه من أمرها أن أباها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به فتخبر هي عنه على معتقد أبيها كان نفسها هي نفسه قال أبو البركات و رأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التي اطلع عليها أبوها فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها و على ما لم يعلمه أبوها و هذا أعجب و أعجب
قال أبو البركات و حكاياتها أكثر من أن تعد و عند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جوابا بحسب السؤال قال و ما زلت أقول إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها فإن قلت لي أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه قلت لك العلة التي تصلح في جواب لم في نسبة المحمول إلى الموضوع تكون الحد الأوسط في القياس و هذه فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوتها و خاصتها فما الذي أقوله في هذا و هل لي أن أجعل ما ليس بعلة علة و اعلم أنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب و لكن كل ذلك مستند إلى البارئ سبحانه بإقداره و تمكينه و تهيئة أسبابه فإن كان المخبر عن الغيوب ممن يدعي النبوة لم يجز أن يكون ذلك إلا بإذن الله سبحانه و تمكينه و أن يريد به تعالى استدلال المكلفين على صدق مدعى النبوة لأنه لو كان كاذبا لكان يجوز أن يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك إضلالا للمكلفين و كذلك لا يجوز أن يمكن سبحانه الكاذب في ادعاء النبوة من الإخبار عن الغيب بطريق السحر و تسخير الكواكب و الطلسمات و لا بالزجر و لا بالقيافة و لا بغير ذلك من الطرق المذكورة لما فيه من استفساد البشر و إغوائهم و أما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة نظر في حاله فإن كان ذلك من الصالحين الأتقياء نسب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يده إبانة له و تمييزا
من غيره كما في حق علي ع و إن لم يكن كذلك أمكن أن يكون ساحرا أو كاهنا أو نحو ذلك و بالجملة فصاحب هذه الخاصية أفضل و أشرف ممن لا تكون فيه من حيث اختصاصه بها فإن كان للإنسان العاري منها مزية أخرى يختص بها توازيها أو تزيد عليها فنرجع إلى التمييل و الترجيح بينهما و إلا فالمختص بهذه الخاصية أرجح و أعظم من الخالي منها على جميع الأحوال
59 و قال لما قتل الخوارج
و قيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم : كَلاَّ وَ اَللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ اَلرِّجَالِ وَ قَرَارَاتِ اَلنِّسَاءِ وَ كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ نجم ظهر و طلع قرارات النساء كناية لطيفة عن الأرحام و من الكنايات اللطيفة الجارية هذا المجرى قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ ) يعني الجماع و قوله تعالى( إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً ) . و قوله( شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ ) يعني الفروج
و قول رسول الله ص للحادي يا أنجشة رفقا بالقوارير يعني النساء
و الكناية إبدال لفظة يستحى من ذكرها أو يستهجن ذكرها أو يتطير بها و يقتضي الحال رفضها لأمر من الأمور بلفظة ليس فيها ذلك المانع و من هذا الباب قول إمرئ القيس
سموت إليها بعد ما نام أهلها |
سمو حباب الماء حالا على حال |
|
فقالت لك الويلات إنك فاضحي |
ألست ترى السمار و الناس أحوالي |
|
فلما تنازعنا الحديث و أسمحت |
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال |
|
فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا |
و رضت فذلت صعبة أي إذلال |
قوله فصرنا إلى الحسنى كناية عن الرفث و مقدمات الجماع و قال ابن قتيبة تمازح معاوية و الأحنف فما رئي مازحان أوقر منهما قال
معاوية يا أبا بحر ما الشيء الملفف في البجاد فقال السخينة يا أمير المؤمنين و إنما كنى معاوية عن رمي بني تميم بالنهم و حب الأكل بقول القائل:
إذا ما مات ميت من تميم |
فسرك أن يعيش فجيء بزاد |
|
بخبز أو بتمر أو بسمن |
أو الشيء الملفف في البجاد |
|
تراه يطوف في الآفاق حرصا |
ليأكل رأس لقمان بن عاد |
و أراد الشاعر وطب اللبن فقال الأحنف هو السخينة يا أمير المؤمنين لأن قريشا كانت تعير بأكل السخينة قبل الإسلام لأن أكثر زمانها كان زمان قحط و السخينة ما يسخن بالنار و يذر عليه دقيق و غلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة قال حسان:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها |
و ليغلبن مغالب الغلاب |
فعبر كل واحد من معاوية و الأحنف عما أراده بلفظ غير مستهجن و لا مستقبح و علم كل واحد منهما مراد صاحبه و لم يفهم الحاضرون ما دار بينهما و هذا من باب التعريض و هو قريب من الكناية و من كنايات الكتاب العزيز أيضا قوله تعالى( وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها ) كنى بذلك عن مناكح النساء و منها قوله تعالى( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) كنى عن مواقع النسل بمواقع الحرث
و مما ورد في الأخبار النبوية في هذا الباب الخبر الذي فيه أن المرأة قالت للرجل القاعد منها مقعد القابلة لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فقام عنها و تركها و قد أخذ الصاحب بن عباد هذه اللفظة فقال لأبي العلاء الأسدي الأصفهاني و قد دخل بزوجة له بكر
قلبي على الجمرة يا أبا العلا |
فهل فتحت الموضع المقفلا |
|
و هل فضضت الكيس عن ختمه |
و هل كحلت الناظر الأحولا |
و أنشد الفرزدق في سليمان بن عبد الملك شعرا قال فيه
دفعن إلي لم يطمثن قبلي |
و هن أصح من بيض النعام |
|
فبتن بجانبي مصرعات |
و بت أفض أغلاق الختام |
فاستنكر سليمان ذلك و كان غيورا جدا و قال له قد أقررت بالزنا فلأجلدنك فقال يا أمير المؤمنين إني شاعر و إن الله يقول في الشعراء( وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ) و قد قلت ما لم أفعل قال سليمان نجوت بها
و من الأخبار النبوية أيضا : قوله ع في الشهادة على الزنا حتى تشاهد الميل في المكحلة
و منها قوله ع للمرأة التي استفتته في الذي استخلت له و لم يستطع جماعها لا حتى تذوقي عسيلته و يذوق عسيلتك و منها قول المرأة التي شكت إلى عائشة زوجها أنه يطمح بصره إلى غيرها إني عزمت على أن أقيد الجمل إشارة إلى ربطه
و منها قول عمر يا رسول الله هلكت قال و ما أهلكك قال حولت رحلي فقال ع أقبل و أدبر و اتق الحيضة ففهم ص ما أراد و رأى عبد الله بن سلام على إنسان ثوبا معصفرا فقال لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك فذهب الرجل فأحرق ثوبه في تنور أهله و ظن أنه أراد الظاهر و لم يرد ابن سلام ذلك و إنما أراد لو صرف ثمنه في دقيق يخبزه في تنور أهله
و من ذلك قوله ص : إياكم و خضراء الدمن و الدمن جمع دمنة و هي المزبلة فيها البعر تنبت نباتا أخضر و كنى بذلك عن المرأة الحسناء في منبت السوء و من ذلك قولهم إياك و عقيلة الملح لأن الدرة تكون في الماء الملح و مرادهم النهي عن المرأة الحسناء و أهلها أهل سوء و من ذلك قولهم لبس له جلد النمر و قلب له ظهر المجن و قال أبو نواس
لا أذود الطير عن شجر |
قد بلوت المر من ثمره |
و قد فسر قوم قوله تعالى( وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ) فقالوا أراد و إذا عبروا عن اللفظ بما يقبح ذكره كنوا عنه فسمى التعبير عن الشيء مرورا به و سمى الكناية عنه كرما و من ذلك أن بنت أعرابية صرخت و قالت لسعتني العقرب فقالت أمها أين فقالت موضع لا يضع الراقي فيه أنفه كنت بذلك عن السوأة. و من هذا الباب قوله سبحانه( مَا اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ اَلطَّعامَ ) قال كثير من المفسرين هو كناية عن الغائط لأنه يكون من الطعام فكني عنه إذا هو منه مسبب كما كنوا عن السمة بالنار فقالوا ما نار تلك أي ما سمتها و منه قول الشاعر:
قد وسموا آبالهم بالنار |
و النار قد تشفي من الأوار |
و هذا من أبيات المعاني يقول هم أهل عز و منعة فسقى راعيهم إبلهم بالسمات التي على الإبل و علم المزاحمون له في الماء أنه لا طاقة لهم بمنازعتهم عليه لعزهم فكانت السمات سببا لسقيها و الأوار العطش فكنى سبحانه بقوله( يَأْكُلانِ اَلطَّعامَ ) عن إتيان الغائط لما كان أكل الطعام سببا له كما كنى الشاعر بالنار عن السمة لما كانت النار سبب السمة
و من هذا الباب قوله سبحانه( وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ) كنى بالإفضاء عن الجماع
و من الأحاديث النبوية : من كشف قناع امرأة وجب عليه مهرها كنى عن الدخول بها بكشف القناع لأنه يكشف في تلك الحالة غالبا و العرب تقول في الكناية عن العفة ما وضعت مومسة عنده قناعا
و من حديث عائشة كان رسول الله ص يصيب من رءوس نسائه و هو صائم كنت بذلك عن القبلة و من ذلك قوله تعالى( هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ) كنى بذلك عن الجماع و المخالطة و قال النابغة الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها |
تثنت فكانت عليه لباسا |
و قد كنت العرب عن المرأة بالريحان و بالسرحة قال ابن الرقيات:
لا أشم الريحان إلا بعيني |
كرما إنما تشم الكلاب |
أي أقنع من النساء بالنظر و لا أرتكب منهن محرما و قال حميد بن ثور الهلالي:
أبى الله إلا أن سرحة مالك |
على كل أفنان العضاه تروق |
|
فيا طيب رياها و برد ظلالها |
إذا حان من حامي النهار وديق |
و هل أنا إن عللت نفسي بسرحة |
من السرح مسدود علي طريق |
و السرحة الشجرة و قال أعرابي و كنى عن امرأتين
أيا نخلتي أود إذا كان فيكما |
جنى فانظرا من تطعمان جناكما |
|
و يا نخلتي أود إذا هبت الصبا |
و أمسيت مقرورا ذكرت ذراكما |
و من الأخبار النبوية قوله ع : من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره أراد النهي عن نكاح الحبائل لأنه إذا وطئها فقد سقى ماءه زرع غيره
و قال ص لخوات بن جبير ما فعل جملك يا خوات يمازحه فقال قيده الإسلام يا رسول الله لأن خواتا في الجاهلية كان يغشى البيوت و يقول شرد جملي و أنا أطلبه و إنما يطلب النساء و الخلوة بهن و خوات هذا هو صاحب ذات النحيين و من كنايات القرآن العزيز قوله تعالى( وَ لَا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ ) كنى بذلك عن الزنا لأن الرجل يكون في تلك الحال بين يدي المرأة و رجليها و منه في الحديث إذا قعد الرجل بين شعبها الأربع
و قد فسر قوم قوله تعالى( وَ اِمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ اَلْحَطَبِ ) عن النميمة و العرب تقول لمن ينم و يشي يوقد بين الناس الحطب الرطب و قال الشاعر يذكر امرأة
من البيض لم تصطد على خيل لامة |
و لم تمش بين الناس بالحطب الرطب |
أي لم تؤخذ على أمر تلام عليه و لم تفسد بين الحي بالكذب و النميمة و مما ورد نظير ممازحة معاوية و الأحنف من التعريضات أن أبا غسان المسمعي مر بأبي غفار السدوسي فقال يا غفار ما فعل الدرهمان فقال لحقا بالدرهم أراد بالدرهمين قول الأخطل
فإن تبخل سدوس بدرهميها |
فإن الريح طيبة قبول |
و أراد الآخر قول بشار:
و في جحدر لؤم و في آل مسمع |
صلاح و لكن درهم القوم كوكب |
و كان محمد بن عقال المجاشعي عند يزيد بن مزيد الشيباني و عنده سيوف تعرض عليه فدفع سيفا منها إلى يد محمد فقال كيف ترى هذا السيف فقال نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف أراد يزيد قول جرير في الفرزدق
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع |
ضربت و لم تضرب بسيف ابن ظالم |
|
ضربت به عند الإمام فأرعشت |
يداك و قالوا محدث غير صارم |
و أراد محمد قول مروان بن أبي حفصة:
لقد أفسدت أسنان بكر بن وائل |
من التمر ما لو أصلحته لمارها |
و قال محمد بن عمير بن عطاء التميمي لشريك النميري و على يده صقر ليس في الجوارح أحب إلي من البازي فقال شريك إذا كان يصيد القطا أراد محمد قول جرير :
أنا البازي المطل على نمير |
أتيح من السماء لها انصبابا |
و أراد شريك قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا |
و لو سلكت سبل المكارم ضلت |
و دخل عبد الله بن ثعلبة المحاربي على عبد الملك بن يزيد الهلالي و هو يومئذ والي أرمينية فقال له ما ذا لقينا الليلة من شيوخ محارب منعونا النوم بضوضائهم و لغطهم فقال عبد الله بن ثعلبة إنهم أصلح الله الأمير أضلوا الليلة برقعا فكانوا يطلبونه أراد عبد الملك قول الشاعر:
تكش بلا شيء شيوخ محارب |
و ما خلتها كانت تريش و لا تبري |
|
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت |
فدل عليها صوتها حية البحر |
و أراد عبد الله قول القائل:
لكل هلالي من اللؤم برقع |
و لابن يزيد برقع و جلال |
و روى أبو بكر بن دريد في كتاب الأمالي عن أبي حاتم عن العتبي عن أبيه أنه عرض على معاوية فرس و عنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص فقال كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف قال أراه أجش هزيما قال معاوية أجل لكنه لا يطلع على الكنائن قال يا أمير المؤمنين ما استوجبت منك هذا الجواب كله قال قد عوضتك عنه عشرين ألفا قال أبو بكر بن دريد أراد عبد الرحمن التعريض بمعاوية بما قاله النجاشي في أيام صفين:
و نجا ابن حرب سابح ذو علالة |
أجش هزيم و الرماح دواني |
|
إذا قلت أطراف الرماح تنوشه |
مرته له الساقان و القدمان |
فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح و قال لكنه لا يطلع على الكنائن لأن عبد الرحمن كان يتهم بنساء إخوته و روى ابن دريد أيضا في كتاب الأمالي عن أبي حاتم النخعي أن النجاشي دخل على معاوية فقال له كيف قلت و نجا ابن حرب سابح و قد علمت أن الخيل لا تجري بمثلي فرارا قال إنما عنيت عتبة أخاك و عتبة جالس فلم يقل معاوية و لا عتبة شيئا
و ورد إلى البصرة غلام من بني فقعس كان يجلس في المربد فينشد شعرا و يجمع الناس إليه فذكر ذلك للفرزدق فقال لأسوءنه فجاء إليه فسمع شيئا من شعره فحسده عليه فقال ممن أنت قال من بني فقعس قال كيف تركت القنان فقال مقابل لصاف فقال يا غلام هل أنجدت أمك قال بل أنجد أبي قال أبو العباس المبرد أراد الفرزدق قول الشاعر
ضمن القنان لفقعس سوآتها |
إن القنان لفقعس لمعمر |
و القنان جبل في بلاد فقعس يريد أن هذا الجبل يستر سوآتهم و أراد الغلام قول أبي المهوش
و إذا يسرك من تميم خلة |
فلما يسوءك من تميم أكثر |
|
أكلت أسيد و الهجيم و دارم |
أير الحمار و خصيتيه العنبر |
|
قد كنت أحسبهم أسود خفية |
فإذا لصاف يبيض فيه الحمر |
و لصاف جبل في بلاد بني تميم و أراد بقوله هل أنجدت أمك أي إن كانت
أنجدت فقد أصابها أبي فخرجت تشبهني فقال بل أنجد أبي يريد بل أبي أصاب أمك فوجدها بغيا قال عبد الله بن سوار كنا على مائدة إسحاق بن عيسى بن علي الهاشمي فأتينا بحريرة قد عملت بالسكر و السمن و الدقيق فقال معد بن غيلان العبدي يا حبذا السخينة ما أكلت أيها الأمير سخينة ألذ من هذه فقال إلا أنها تولد الرياح في الجوف كثيرا فقال إن المعايب لا تذكر على الخوان أراد معد ما كانت العرب تعير به قريشا في الجاهلية من أكل السخينة و قد قدمنا ذكره و أراد إسحاق بن عيسى ما يعير به عبد القيس من الفسو قال الشاعر
و عبد القيس مصفر لحاها |
كان فساءها قطع الضباب |
و كان سنان بن أحمس النميري يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاري و هو على بغلة له فتقدمت البغلة على فرس الأمير فقال اغضض بغلتك يا سنان فقال أيها الأمير إنها مكتوبة فضحك الأمير أراد عمر بن هبيرة قول جرير
فغض الطرف إنك من نمير |
فلا كعبا بلغت و لا كلابا |
و أراد سنان قول ابن داره
لا تأمنن فزاريا خلوت به |
على قلوصك و اكتبها بأسيار |
و كانت فزارة تعير بإتيان الإبل و لذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة هذا و يخاطب يزيد بن عبد الملك
أمير المؤمنين و أنت بر |
تقي لست بالجشع الحريص |
|
أ أطعمت العراق و رافديه |
فزاريا أحذ يد القميص |
|
تفنق بالعراق أبو المثنى |
و علم قومه أكل الخبيص |
|
و لم يك قبلها راعي مخاض |
لتأمنه على وركي قلوص |
الرافدان دجلة و الفرات و أحذ يد القميص كناية عن السرقة و الخيانة و تفنق تنعم و سمن و جارية فنق أي سمينة و البيت الآخر كناية عن إتيان الإبل الذي كانوا يعيرون به و روى أبو عبيدة عن عبد الله بن عبد الأعلى قال كنا نتغدى مع الأمير عمر بن هبيرة فأحضر طباخه جام خبيص فكرهه للبيت المذكور السابق إلا أن جلده أدركه فقال ضعه يا غلام قاتل الله الفرزدق لقد جعلني أرى الخبيص فأستحي منه قال المبرد و قد يسير البيت في واحد و يرى أثره عليه أبدا كقول أبي العتاهية
في عبد الله بن معن بن زائدة
فما تصنع بالسيف |
إذا لم تك قتالا |
|
فكسر حلية السيف |
و صغها لك خلخالا |
و كان عبد الله بن معن إذا تقلد السيف و رأى من يرمقه بان أثره عليه فظهر الخجل منه و مثل ذلك ما يحكى أن جريرا قال و الله لقد قلت في بني تغلب بيتا لو طعنوا بعدها بالرماح في أستاههم ما حكوها و هو
و التغلبي إذا تنحنح للقرى |
حك استه و تمثل الأمثالا |
و حكى أبو عبيدة عن يونس قال قال عبد الملك بن مروان يوما و عنده رجال هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا لو أنهم افتدوا منه بأموالهم فقال أسماء بن خارجة الفزاري نحن يا أمير المؤمنين قال و ما هو قال قول الحارث بن ظالم المري
و ما قومي بثعلبة بن سعد |
و لا بفزارة الشعر الرقابا |
فو الله يا أمير المؤمنين إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل لي أن شعر قفاي قد بدا منها
و قال هانئ بن قبيصة النميري نحن يا أمير المؤمنين قال و ما هو قال قول جرير
فغض الطرف إنك من نمير |
فلا كعبا بلغت و لا كلابا |
كان النميري يا أمير المؤمنين إذا قيل له ممن أنت قال من نمير فصار يقول بعد هذا البيت من عامر بن صعصعة و مثل ذلك ما يروى أن النجاشي لما هجا بني العجلان بقوله
إذا الله عادى أهل لؤم و قلة |
فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل |
|
قبيلة لا يغدرون بذمة |
و لا يظلمون الناس حبة خردل |
|
و لا يردون الماء إلا عشية |
إذا صدر الوراد عن كل منهل |
|
و ما سمي العجلان إلا لقوله |
خذ القعب فاحلب أيها العبد و اعجل |
فكان الرجل منهم إذا سئل عن نسبه يقول من بني كعب و ترك أن يقول عجلاني و كان عبد الملك بن عمير القاضي يقول و الله إن التنحنح و السعال ليأخذني و أنا في الخلاء فأرده حياء من قول القائل
إذا ذات دل كلمته لحاجة |
فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل |
و من التعريضات اللطيفة ما روي أن المفضل بن محمد الضبي بعث بأضحية هزيل إلى شاعر فلما لقيه سأله عنها فقال كانت قليله الدم فضحك المفضل و قال مهلا يا أبا فلان أراد الشاعر قول القائل
و لو ذبح الضبي بالسيف لم تجد |
من اللؤم للضبي لحما و لا دما |
و روى ابن الأعرابي في الأمالي قال رأى عقال بن شبة بن عقال المجاشعي على إصبع ابن عنبس وضحا فقال ما هذا البياض على إصبعك يا أبا الجراح فقال سلح النعامة يا ابن أخي أراد قول جرير
فضح العشيرة يوم يسلح قائما |
سلح النعامة شبة بن عقال |
و كان شبة بن عقال قد برز يوم الطوانة مع العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى رجل من الروم فحمل عليه الرومي فنكص و أحدث فبلغ ذلك جريرا باليمامة فقال فيه ذلك و لقي الفرزدق مخنثا يحمل قماشه كأنه يتحول من دار إلى دار فقال أين راحت عمتنا فقال قد نفاها الأغر يا أبا فراس يريد قول جرير في الفرزدق
نفاك الأغر ابن عبد العزيز |
و حقك تنفى من المسجد |
و ذلك أن الفرزدق ورد المدينة و الأمير عليها عمر بن عبد العزيز فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير و أعطاه و قعد عنه عبد الله بن عمرو بن عفان و قصر به فمدح الفرزدق حمزة بن عبد الله و هجا عبد الله فقال
ما أنتم من هاشم في سرها |
فاذهب إليك و لا بني العوام |
|
قوم لهم شرف البطاح و أنتم |
وضر البلاط موطئوا الأقدام |
فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز فأمره أن يخرج عن المدينة و قال له إن وجدتك فيها بعد ثلاث عاقبتك فقال الفرزدق ما أراني إلا كثمود حين قيل لهم( تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) فقال جرير يهجوه
نفاك الأغر ابن عبد العزيز |
و حقك تنفى من المسجد |
|
و سميت نفسك أشقى ثمود |
فقالوا ضللت و لم تهتد |
|
و قد أجلوا حين حل العذاب |
ثلاث ليال إلى الموعد |
|
وجدنا الفرزدق بالموسمين |
خبيث المداخل و المشهد |
و حكى أبو عبيدة قال بينا نحن على أشراف الكوفة وقوف إذ جاء أسماء بن خارجة الفزاري فوقف و أقبل ابن مكعبر الضبي فوقف متنحيا عنه فأخذ أسماء خاتما كان في يده فصه فيروز أزرق فدفعه إلى غلامه و أشار إليه أن يدفعه إلى ابن مكعبر فأخذ ابن مكعبر شسع نعله فربطه بالخاتم و أعاده إلى أسماء فتمازحا و لم يفهم أحد من الناس ما أرادا أراد أسماء بن خارجة قول الشاعر
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر |
كذا كل ضبي من اللؤم أزرق |
و أراد ابن مكعبر قول الشاعر
لا تأمنن فزاريا خلوت به |
على قلوصك و اكتبها بأسيار |
و كانت فزارة تعير بإتيان الإبل و عيرت أيضا بأكل جردان الحمار لأن رجلا منهم كان في سفر فجاع فاستطعم قوما فدفعوا إليه جردان الحمار فشواه و أكله فأكثرت الشعراء ذكرهم بذلك و قال الفرزدق
جهز إذا كنت مرتادا و منتجعا |
إلى فزارة عيرا تحمل الكمرا |
|
إن الفزاري لو يعمى فيطعمه |
أير الحمار طبيب أبرأ البصرا |
|
إن الفزاري لا يشفيه من قرم |
أطايب العير حتى ينهش الذكرا |
و في كتب الأمثال أنه اصطحب ثلاثة فزاري و تغلبي و مري و كان اسم التغلبي مرقمة فصادوا حمارا و غاب عنهما الفزاري لحاجة فقالوا نخبأ له جردانه نضحك منه و أكلوا سائره فلما جاء دفعا إليه الجردان و قالا هذا نصيبك فنهسه فإذا هو صلب فعرف أنهم عرضوا له بما تعاب به فزارة فاستل سيفه و قال لتأكلانه و دفعه إلى مرقمة فأبى أن يأكله فضربه فقتله فقال المري طاح مرقمة قال و أنت إن لم تلقمه فأكله و ذكر أبو عبيدة أن إنسانا قال لمالك بن أسماء بن خارجة الفزاري اقض ديني أيها الأمير فإن علي دينا قال ما لك عندي إلا ما ضرب به الحمار بطنه فقال له عبيد بن أبي محجن
بارك الله لكم يا بني فزارة في أير الحمار إن جعتم أكلتموه و إن أصابكم غرم قضيتموه به و يحكى أن بني فزارة و بني هلال بن عامر بن صعصعة تنافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمي و تراضوا به فقالت بنو هلال أكلتم يا بني فزارة أير الحمار فقالت بنو فزارة و أنتم مدرتم الحوض بسلحكم فقضى أنس لبني فزارة على بني هلال فأخذ الفزاريون منهم مائة بعير كانوا تخاطروا عليها و في مادر يقول الشاعر
لقد جللت خزيا هلال بن عامر |
بني عامر طرا بسلحة مادر |
|
فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها |
بني عامر أنتم شرار المعاشر |
و ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب الكامل أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله و آلات لم يسمع مثلها فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليه و يعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم فأمر بدار ففرشت و في صحنها قدور يرتقى إليها بالسلاليم فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل و الناس جلوس على مراتبهم و الحضين شيخ كبير فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة ائذن لي في معاتبته قال لا ترده فإنه خبيث الجواب فأبى عبد الله إلا أن يأذن له و كان عبد الله يضعف و كان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك فأقبل على الحضين فقال أ من الباب دخلت يا أبا ساسان قال أجل أسن عمك عن تسور
الحيطان قال أ رأيت هذه القدور قال هي أعظم من ألا ترى قال ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها قال أجل و لا عيلان و لو رآها سمي شبعان و لم يسم عيلان فقال عبد الله أ تعرف يا أبا ساسان الذي يقول
عزلنا و أمرنا و بكر بن وائل |
تجر خصاها تبتغي من تحالف |
فقال أعرفه و أعرف الذي يقول
فأدى الغرم من نادى مشيرا |
و من كانت له أسرى كلاب |
|
و خيبة من يخيب على غني |
و باهلة بن أعصر و الرباب |
فقال أ فتعرف الذي يقول
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع |
و قد عرقت أفواه بكر بن وائل |
قال نعم و أعرف الذي يقول
قوم قتيبة أمهم و أبوهم |
لو لا قتيبة أصبحوا في مجهل |
قال أما الشعر فأراك ترويه فهل تقرأ من القرآن شيئا قال نعم أقرأ الأكثر الأطيب( هَلْ أَتى عَلَى اَلْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً )
فأغضبه فقال و الله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه و هي حبلى من غيره قال فما تحرك الشيخ عن هيأته الأولى بل قال على رسله و ما يكون تلد غلاما على فراشي فيقال فلان ابن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم فأقبل قتيبة على عبد الله و قال له لا يبعد الله غيرك و غرضنا من هذه الحكاية الأدبية المستحسنة قول الحضين تعريضا بفاحشة عبد الله أجل أسن عمك عن تسور الحيطان و يحكى أن أبا العيناء أهدى إلى أبي علي البصير و قد ولد له مولود حجرا يذهب في ذلك إلى
قوله ع الولد للفراش و للعاهر الحجر فاستخرج أبو علي ذلك بفطنته و ذكائه ثم ولد بعد أيام لأبي العيناء مولود فقال له في أي وقت ولد لك قال وقت السحر فقال اطرد قياسه و خرج في الوقت الذي يخرج فيه أمثاله يعنى السؤال يعرض بأن أبا العيناء شحاذ و أن ولده خرج يشبهه و من التعريضات و الرموز بالفعل دون القول ما ذكره مؤرج بن عمرو السدوسي في كتاب الأمثال أن الأحوص بن جعفر الكلابي أتاه آت من قومه فقال أن رجلا لا نعرفه جاءنا فلما دنا منا حيث نراه نزل عن راحلته فعلق على شجرة وطبا من لبن و وضع في بعض أغصانها حنظلة و وضع صرة من تراب و حزمة من شوك ثم أثار راحلته فاستوى عليها و ذهب و كان أيام حرب تميم و قيس عيلان فنظر الأحوص في ذلك فعي به فقال أرسلوا إلى قيس بن زهير فأتوا قيسا فجاءوا به إليه فقال له أ لم تك أخبرتني أنه لا يرد
عليك أمر إلا عرفت ما فيه ما لم تر نواصي الخيل قال ما خبرك فأعلمه فقال قد بين الصبح لذي عينين هذا رجل قد أخذت عليه العهود ألا يكلمكم و لا يرسل إليكم و أنه قد جاء فأنذركم أما الحنظلة فإنه يخبركم أنه قد أتاكم بنو حنظلة و أما الصرة من التراب فإنه يزعم أنهم عدد كثير و أما الشوك فيخبركم أن لهم شوكة و أما الوطب فإنه يدلكم على قرب القوم و بعدهم فذوقوه فإن كان حليبا فالقوم قريب و إن كان قارصا فالقوم بعيد و إن كان المسيخ لا حلوا و لا حامضا فالقوم لا قريب و لا بعيد فقاموا إلى الوطب فوجدوه حليبا فبادروا الاستعداد و غشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدين و من الكنايات بل الرموز الدقيقة ما حكي أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج و بين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك و هو يقرؤه و لا يعلم معناه و هو مفكر فقال ما الذي أحزن الأمير قال كتاب ورد من أمير المؤمنين لا أعلم معناه فقال إن رأى الأمير إعلامي به فناوله إياه و فيه أما بعد فإنك سالم و السلام فقال قتيبة ما لي إن استخرجت لك ما أراد به قال ولاية خراسان قال إنه ما يسرك أيها الأمير و يقر عينك إنما أراد قول الشاعر
يديرونني عن سالم و أديرهم |
و جلدة بين العين و الأنف سالم |
أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر فولاه خراسان حكى الجاحظ في كتاب البيان و التبيين قال خطب الوليد بن عبد الملك فقال
أمير المؤمنين عبد الملك قال إن الحجاج جلدة ما بين عيني و أنفي ألا و إني أقول إن الحجاج جلدة وجهي كله و على ذكر هذا البيت حكي أن رجلا كان يسقي جلساءه شرابا صرفا غير ممزوج و كان يحتاج إلى المزج لقوته فجعل يغني لهم
يديرونني عن سالم و أديرهم |
و جلدة بين العين و الأنف سالم |
فقال له واحد منهم يا أبا فلان لو نقلت ما من غنائك إلى شرابك لصلح غناؤنا و نبيذنا جميعا و يشبه حكاية قتيبة و الحجاج كتاب عبد الملك إلى الحجاج جوابا عن كتاب كتبه إليه يغلظ فيه أمر الخوارج و يذكر فيه حال قطري و غيره و شدة شوكتهم فكتب إليه عبد الملك أوصيك بما أوصى به البكري زيدا و السلام فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب فلم يعلموه فقال من جاءني بتفسيره فله عشرة آلاف درهم و ورد رجل من أهل الحجاز يتظلم من بعض العمال فقال له قائل أ تعلم ما أوصى به البكري زيدا قال نعم أعلمه فقيل له فأت الأمير فأخبره و لك عشرة آلاف درهم فدخل عليه فسأله فقال نعم أيها الأمير إنه يعنى قوله
أقول لزيد لا تترتر فإنهم |
يرون المنايا دون قتلك أو قتلي |
|
فإن وضعوا حربا فضعها و إن أبوا |
فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي |
|
و إن رفعوا الحرب العوان التي ترى |
فشب وقود النار بالحطب الجزل |
فقال الحجاج أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني و أصاب البكري فيما أوصى به زيدا و أصبت أيها الأعرابي و دفع إليه الدراهم
و كتب إلى المهلب أن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا و أنا أوصيك بذلك و بما أوصى به الحارث بن كعب بنيه فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب فإذا فيها يا بني كونوا جميعا و لا تكونوا شيعا فتفرقوا و بزوا قبل أن تبزوا الموت في قوة و عز خير من الحياة في ذل و عجز فقال المهلب صدق البكري و أصاب و صدق الحارث و أصاب و اعلم أن كثيرا مما ذكرناه داخل في باب التعريض و خارج عن باب الكناية و إنما ذكرناه لمشابهة الكناية و كونهما كالنوعين تحت جنس عام و سنذكر كلاما كليا فيهما إذا انتهينا إلى آخر الفصل إن شاء الله و من الكنايات قول أبي نواس
و ناظرة إلي من النقاب |
تلاحظني بطرف مستراب |
|
كشفت قناعها فإذا عجوز |
مموهة المفارق بالخضاب |
|
فما زالت تجشمني طويلا |
و تأخذ في أحاديث التصابي |
|
تحاول أن يقوم أبو زياد |
و دون قيامه شيب الغراب |
|
أتت بجرابها تكتال فيه |
فقامت و هي فارغة الجراب |
و الكناية في البيت الأخير و هي ظاهرة و منها قول أبي تمام
ما لي رأيت ترابكم بئس الثرى |
ما لي أرى أطوادكم تتهدم |
فكنى ببئس الثرى عن تنكر ذات بينهم و بتهدم الأطواد عن خفة حلومهم و طيش عقولهم و منها قول أبي الطيب
و شر ما قنصته راحتي قنص |
شهب البزاة سواء فيه و الرخم |
كنى بذلك عن سيف الدولة و أنه يساوي بينه و بين غيره من أراذل الشعراء و خامليهم في الصلة و القرب. و قال الأقيشر لرجل ما أراد الشاعر بقوله
و لقد غدوت بمشرف يافوخه |
مثل الهراوة ماؤه يتفصد |
|
أرن يسيل من المراح لعابه |
و يكاد جلد إهابه يتقدد |
قال إنه يصف فرسا فقال حملك الله على مثله و هذان البيتان من لطيف الكناية و رشيقها و إنما عنى العضو. و قريب من هذه الكناية قول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان و هو غلام يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب ولد هشام بن عبد الملك و قد جمشه عبد الصمد فأغضبه فدخل إلى هشام فقال له
إنه و الله لو لا أنت لم |
ينج مني سالما عبد الصمد |
فقال هشام و لم ذلك قال
إنه قد رام مني خطة |
لم يرمها قبله مني أحد |
قال هشام و ما هي ويحك قال
رام جهلا بي و جهلا بأبي |
يدخل الأفعى إلى بيت الأسد |
فضحك هشام و قال لو ضربته لم أنكر عليك و من هذا الباب قول أبي نواس
إذا ما كنت جار أبي حسين |
فنم و يداك في طرف السلاح |
|
فإن له نساء سارقات |
إذا ما بتن أطراف الرماح |
|
سرقن و قد نزلت عليه عضوي |
فلم أظفر به حتى الصباح |
|
فجاء و قد تخدش جانباه |
يئن إلى من ألم الجراح |
و الكناية في قوله أطراف الرماح و في قوله في طرف السلاح و من الكناية الحسنة قول الفرزدق يرثي امرأته و قد ماتت بجمع
و جفن سلاح قد رزئت فلم أنح |
عليه و لم أبعث عليه البواكيا |
|
و في جوفه من دارم ذو حفيظة |
لو أن المنايا أخطأته لياليا |
أخذه الرضيرحمهالله تعالى فقال يرثي امرأة
إن لم تكن نصلا فغمد نصول |
غالته أحداث الزمان بغول |
|
أو لم تكن بأبي شبول ضيغم |
تدمى أظافره فأم شبول |
و من الكنايات ما يروى أن رجلا من خواص كسرى أحب الملك امرأته فكان يختلف إليها سرا و تختلف إليه فعلم بذلك فهجرها و ترك فراشها فأخبرت كسرى فقال له يوما بلغني أن لك عينا عذبة و أنك لا تشرب منها فقال بلغني أيها الملك أن الأسد يردها فخفته فتركتها له فاستحسن ذلك منه و وصله و من الكنايات الحسنة قول حاتم
و ما تشتكيني جارتي غير أنني |
إذا غاب عنها بعلها لا أزورها |
|
سيبلغها خيري و يرجع بعلها |
إليها و لم يسبل على ستورها |
فكنى بإسبال الستر عن الفعل لأنه يقع عنده غالبا فأما
قول عمر من أرخى سترا أو أغلق بابا فقد وجب عليه المهر فيمكن أن يكنى بذلك عن الجماع نفسه و يمكن أن يكنى به عن الخلوة فقط و هو مذهب أبي حنيفة و هو الظاهر من اللفظ لأمرين أحدهما قوله أغلق بابا فإنه لو أراد الكناية لم يحسن الترديد بأو و ثانيهما أنه قد كان مقررا عندهم أن الجماع نفسه يوجب كمال المهر فلم يكن به حاجة إلى ذكر ذلك و يشبه قول حاتم في الكناية المقدم ذكرها قول بشار بن بشر
و إني لعف عن زيارة جارتي |
و إني لمشنوء إلى اغتيابها |
|
و لم أك طلابا أحاديث سرها |
و لا عالما من أي حوك ثيابها |
|
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها |
زءورا و لم تنبح علي كلابها |
و قال الأخطل في ضد ذلك يهجو رجلا و يرميه بالزنا
سبنتى يظل الكلب يمضغ ثوبه |
له في ديار الغانيات طريق |
السبنتى النمر يريد أنه جريء وقح و أن الكلب لأنسه به و كثرة اختلافه إلى جاراته يعرفه و يمضغ ثوبه يطلب ما يطعمه و العفيف ينكره الكلب و لا يأنس به ثم أكد ذلك بأنه قد صار له بكثرة تردده إلى ديار النساء طريق معروف و من جيد الكناية عن العفة قول عقيل بن علفة المري
و لست بسائل جارات بيتي |
أ غياب رجالك أم شهود |
و لا ملق لذي الودعات سوطي |
ألاعبه و ريبته أريد |
و من جيد ذلك و مختاره قول مسكين الدارمي
ناري و نار الجار واحدة |
و إليه قبلي تنزل القدر |
|
ما ضر جارا لي أجاوره |
ألا يكون لبابة ستر |
|
أعمى إذا ما جارتي برزت |
حتى يواري جارتي الخدر |
و العرب تكني عن الفرج بالإزار فتقول هو عفيف الإزار و بالذيل فتقول هو طاهر الذيل و إنما كنوا بهما لأن الذيل و الإزار لا بد من رفعهما عند الفعل و قد كنوا بالإزار عن الزوجة في قول الشاعر
أ لا أبلغ أبا بشر رسولا |
فدا لك من أخي ثقة إزاري |
يريد به زوجتي أو كنى بالإزار هاهنا عن نفسه و قال زهير
الحافظون ذمام عهدهم |
و الطيبون معاقد الأزر |
|
الستر دون الفاحشات و لا |
يلقاك دون الخير من ستر |
و يقولون في الكناية عن العفيف ما وضعت مومسة عنده قناعها و لا رفع عن مومسة ذيلا و قد أحسن ابن طباطبا في قوله
فطربت طربة فاسق متهتك |
و عففت عفة ناسك متحرج |
|
الله يعلم كيف كانت عفتي |
ما بين خلخال هناك و دملج |
و من الكناية عن العفة قول ابن ميادة
و ما نلت منها محرما غير أنني |
أقبل بساما من الثغر أفلجا |
|
و ألثم فاها آخذا بقرونها |
و أترك حاجات النفوس تحرجا |
فكنى عن الفعل نفسه بحاجات النفوس كما كنى أبو نواس عنه بذلك العمل في قوله
مر بنا و العيون ترمقه |
تجرح منه مواضع القبل |
أفرغ في قالب الجمال فما |
يصلح إلا لذلك العمل |
و كما كنى عنه ابن المعتز بقوله
و زارني في ظلام الليل مستترا |
يستعجل الخطو من خوف و من حذر |
|
و لاح ضوء هلال كاد يفضحه |
مثل القلامة قد قصت من الظفر |
|
فقمت أفرش خدي في الطريق له |
ذلا و أسحب أذيالي على الأثر |
|
فكان ما كان مما لست أذكره |
فظن خيرا و لا تسأل عن الخبر |
و مما تطيروا من ذكره فكنوا عنه قولهم مات فإنهم عبروا عنه بعبارات مختلفة داخلة في باب الكناية نحو قولهم لعق إصبعه و قالوا اصفرت أنامله لأن اصفرار الأنامل من صفات الموتى قال الشاعر
فقرباني بأبي أنتما |
من وطني قبل اصفرار البنان |
|
و قبل منعاي إلى نسوة |
منزلها حران و الرقتان |
و قال لبيد
و كل أناس سوف تدخل بينهم |
دويهية تصفر منها الأنامل |
يعني الموت و يقولون في الكناية عنه صك لفلان على أبي يحيى و أبو يحيى كنية الموت كني عنه بضده كما كنوا عن الأسود بالأبيض و قال الخوارزمي
سريعة موت العاشقين كأنما |
يغار عليهم من هواها أبو يحيى |
و كنى رسول الله ص عنه بهاذم اللذات
فقال أكثروا من ذكر هاذم اللذات و قال أبو العتاهية
رأيت المنايا قسمت بين أنفس |
و نفسي سيأتي بينهن نصيبها |
|
فيا هاذم اللذات ما منك مهرب |
تحاذر نفسي منك ما سيصيبها |
و قالوا حلقت به العنقاء و حلقت به عنقاء مغرب قال
فلو لا دفاعي اليوم عنك لحلقت |
بشلوك بين القوم عنقاء مغرب |
و قالوا فيه زل الشراك عن قدمه قال
لا يسلمون العداة جارهم |
حتى يزل الشراك عن قدمه |
أي حتى يموت فيستغني عن لبس النعل فأما قولهم زلت نعله فيكنى به تارة عن غلطه و خطئه و تارة عن سوء حاله و اختلال أمره بالفقر و هذا المعنى الأخير أراده الشاعر بقوله
سأشكر عمرا ما تراخت منيتي |
أيادي لم تمنن و إن هي جلت |
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه |
و لا مظهر الشكوى إذا النعل زلت |
|
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها |
فكانت قذى عينيه حتى تجلت |
و يقولون فيه شالت نعامته قال
يا ليت أمي قد شالت نعامتها |
أيما إلى جنة أيما إلى نار |
|
ليست بشبعى و لو أوردتها هجرا |
و لا بريا و لو حلت بذي قار |
أي لا يشبعها كثرة التمر و لو نزلت هجر و هجر كثيرة النخل و لا تروى و لو نزلت ذا قار و هو موضع كثير الماء قال ابن دريد و النعامة خط باطن القدم في هذه الكناية و يقال أيضا للقوم قد تفرقوا بجلاء عن منازلهم شالت نعامتهم و ذلك لأن النعامة خفيفة الطيران عن وجه الأرض كأنهم خفوا عن منزلهم و قال ابن السكيت يقال لمن يغضب ثم يسكن شالت نعامته ثم وقعت و قالوا أيضا في الكناية عن الموت مضى لسبيله و استأثر الله به و نقله إلى جواره و دعي فأجاب و قضى نحبه و النحب النذر كأنهم رأوا أن الموت لما كان حتما في الأعناق كان نذرا و قالوا في الدعاء عليه اقتضاه الله بذنبه إشارة إلى هذا و قالوا ضحا ظله و معناه صار ظله شمسا و إذا صار الظل شمسا فقد عدم صاحبه و يقولون أيضا خلى فلان مكانه و أنشد ثعلب للعتبي في السري بن عبد الله
كان الذي يأتي السري لحاجة |
أباح إليه بالذي جاء يطلب |
|
إذا ما ابن عبد الله خلى مكانه |
فقد حلقت بالجود عنقاء مغرب |
و قال دريد بن الصمة
فإن يك عبد الله خلى مكانه |
فما كان وقافا و لا طائش اليد |
و كثير ممن لا يفهم يعتقد أنه أراد بقوله خلى مكانه فر و لو كان كذلك لكان هجاء و يقولون وقع في حياض غتيم و هو اسم للموت و يقولون طار من ماله الثمين يريدون الثمن يقال ثمن و ثمين و سبع و سبيع و ذلك لأن الميت ترث زوجته من ماله الثمن غالبا قال الشاعر يذكر جوده بماله و يخاطب امرأته
فلا و أبيك لا أولى عليها |
لتمنع طالبا منها اليمين |
|
فإني لست منك و لست مني |
إذا ما طار من مالي الثمين |
أي إذا مت فأخذت ثمنك من تركتي و قالوا لحق باللطيف الخبير قال
و من الناس من يحبك حبا |
ظاهر الود ليس بالتقصير |
|
فإذا ما سألته ربع فلس |
ألحق الود باللطيف الخبير |
و قال أبو العلاء
لا تسل عن عداك أين استقروا |
لحق القوم باللطيف الخبير |
و يقولون قرض رباطه أي كاد يموت جهدا و عطشا و قالوا في الدعاء عليه لا عد من نفره أي إذا عد قومه فلا عد معهم و إنما يكون كذلك إذا مات قال إمرؤ القيس
فهو لا تنمي رميته |
ما له لا عد من نفره |
و هذا إنما يريد به وصفه و التعجب منه لا أنه يدعو عليه حقيقة كما تقول لمن يجيد الطعن شلت يده ما أحذقه و قالوا في الكناية عن الدفن أضلوه و أضلوا به قال الله تعالى( وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي إذا دفنا في الأرض و قال المخبل السعدي
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها |
و سيدها في الدهر قيس بن عاصم |
و يقولون للمقتول ركب الأشقر كناية عن الدم و إليه أشار الحارث بن هشام المخزومي في شعره الذي يعتذر به عن فراره يوم بدر عن أخيه أبي جهل بن هشام حين قتل
الله يعلم ما تركت قتالهم |
حتى علوا فرسي بأشقر مزبد |
و علمت أني إن أقاتل واحدا |
أقتل و لا يضرر عدوي مشهدي |
|
فصددت عنهم و الأحبة فيهم |
طمعا لهم بعقاب يوم مرصد |
أراد بدم أشقر فحذف الموصوف و أقام الصفة مقامه كناية عنه و العرب تقيم الصفة مقام الموصوف كثيرا كقوله تعالى( وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ ) أي على سفينة ذات ألواح و كقول عنترة
تمكو فريصته كشدق الأعلم
أي كشدق الإنسان الأعلم أو البعير الأعلم و يقولون ترك فلان بجعجاع أي قتل قال أبو قيس بن الأسلت
من يذق الحرب يجد طعمها |
مرا و تتركه بجعجاع |
أي تتركه قتيلا مخلى بالفضاء و مما كنوا عنه قولهم للمقيد هو محمول على الأدهم و الأدهم القيد قال الشاعر
أوعدني بالسجن و الأداهم |
رجلي و رجلي شثنة المناسم |
و قال الحجاج للغضبان بن القبعثرى لأحملنك على الأدهم فتجاهل عليه و قال مثل الأمير حمل على الأدهم و الأشهب
و قد كنوا عن القيد أيضا بالأسمر أنشد ابن عرفة لبعضهم
فما وجد صعلوك بصنعاء موثق |
بساقيه من سمر القيود كبول |
|
قليل الموالي مسلم بجريرة |
له بعد نومات العيون غليل |
|
يقول له البواب أنت معذب |
غداة غد أو رائح فقتيل |
|
بأكثر من وجدي بكم يوم راعني |
فراق حبيب ما إليه سبيل |
و هذا من لطيف شعر العرب و تشبيهها و من كناياتهم عنه ركب ردعه و أصله في السهم يرمى به فيرتدع نصله فيه يقال ارتدع السهم إذا رجع النصل في السنخ متجاوزا فقولهم ركب ردعه أي وقص فدخل عنقه في صدره قال الشاعر و هو من شعر الحماسة
تقول و صكت صدرها بيمينها |
أ بعلي هذا بالرحا المتقاعس |
|
فقلت لها لا تعجلي و تبيني |
بلاي إذا التفت علي الفوارس |
|
أ لست أرد القرن يركب ردعه |
و فيه سنان ذو غرارين يابس |
|
لعمر أبيك الخير إني لخادم |
لضيفي و إني إن ركبت لفارس |
و أنشد الجاحظ في كتاب البيان و التبيين لبعض الخوارج
و مسوم للموت يركب ردعه |
بين الأسنة و القنا الخطار |
|
يدنو و ترفعه الرماح كأنه |
شلو تنشب في مخالب ضاري |
فثوى صريعا و الرماح تنوشه |
إن الشراة قصيرة الأعمار |
و قد تطيرت العرب من لفظة البرص فكنوا عنه بالوضح فقالوا جذيمة الوضاح يريدون الأبرص و كني عنه بالأبرش أيضا و كل أبيض عند العرب وضاح و يسمون اللبن وضحا يقولون ما أكثر الوضح عند بني فلان و مما تفاءلوا به قولهم للفلاة التي يظن فيها الهلاك مفازة اشتقاقا من الفوز و هو النجاة و قال بعض المحدثين
أحب الفأل حين رأى كثيرا |
أبوه عن اقتناء المجد عاجز |
|
فسماه لقلته كثيرا |
كتلقيب المهالك بالمفاوز |
فأما من قال إن المفازة مفعلة من فوز الرجل أي هلك فإنه يخرج هذه اللفظة من باب الكنايات و من هذا تسميتهم اللديغ سليما قال
كأني من تذكر ما ألاقي |
إذا ما أظلم الليل البهيم |
|
سليم مل منه أقربوه |
و أسلمه المجاور و الحميم |
و قال أبو تمام في الشيب
شعلة في المفارق استودعتني |
في صميم الأحشاء ثكلا صميما |
|
تستثير الهموم ما اكتن منها |
صعدا و هي تستثير الهموما |
|
دقة في الحياة تدعى جلالا |
مثلما سمي اللديغ سليما |
|
غرة بهمة ألا إنما كنت |
أغرا أيام كنت بهيما |
|
حلمتني زعمتم و أراني |
قبل هذا التحليم كنت حليما |
و من هذا قولهم للأعور ممتع كأنهم أرادوا أنه قد متع ببقاء إحدى عينيه و لم يحرم ضوءهما معا و من كناياتهم على العكس قولهم للأسود يا أبا البيضاء و للأسود أيضا يا كافور و للأبيض يا أبا الجون و للأقرع يا أبا الجعد و سموا الغراب أعور لحدة بصره قال ابن ميادة
إلا طرقتنا أم عمرو و دونها |
فياف من البيداء يعشى غرابها |
خص الغراب بذلك لحدة نظره أي فكيف غيره و مما جاء في تحسين اللفظ ما روي أن المنصور كان في بستان داره و الربيع بين يديه فقال له ما هذه الشجرة فقال وفاق يا أمير المؤمنين و كانت شجرة خلاف فاستحسن منه ذلك و مثل هذا استحسان الرشيد قول عبد الملك بن صالح و قد أهدي إليه باكورة فاكهة في أطباق خيزران بعثت إلى أمير المؤمنين في أطباق قضبان تحمل من جنايا باكورة بستانه ما راج و أينع فقال الرشيد لمن حضر ما أحسن ما كنى عن اسم أمنا و يقال إن عبد الملك سبق بهذه الكناية و إن الهادي قال لابن دأب و في يده عصا ما جنس هذه فقال من أصول القنا يعني الخيزران و الخيزران أم الهادي و الرشيد معا و شبيه بذلك ما يقال إن الحسن بن سهل كان في يده ضغث من أطراف الأراك فسأله المأمون عنه ما هذه فقال محاسنك يا أمير المؤمنين تجنبا لأن يقول مساوئك و هذا لطيف و من الكنايات اللطيفة أن عبد الملك بعث الشعبي إلى أخيه عبد العزيز بن مروان و هو أمير مصر يومئذ ليسبر أخلاقه و سياسته و يعود إليه فيخبره بحاله فلما عاد سأله فقال وجدته أحوج الناس إلى بقائك يا أمير المؤمنين و كان عبد العزيز يضعف و من الألفاظ التي جاءت عن رسول الله ص من باب الكنايات
قوله ص بعثت إلى الأسود و الأحمر يريد إلى العرب و العجم فكنى عن العرب بالسود و عن العجم بالحمر و العرب تسمى العجمي أحمر لأن الشقرة تغلب عليه
قال ابن قتيبة خطب إلى عقيل بن علفة المري ابنته هشام بن إسماعيل المخزومي و كان والي المدينة و خال هشام بن عبد الملك فرده لأنه كان أبيض شديد البياض و كان عقيل أعرابيا جافيا غيورا مفرط الغيرة و قال
رددت صحيفة القرشي لما |
أبت أعراقه إلا احمرارا |
فرده لأنه توسم فيه أن بعض أعراقه ينزع إلى العجم لما رأى من بياض لونه و شقرته و منه قول جرير يذكر العجم
يسموننا الأعراب و العرب اسمنا |
و أسماؤهم فينا رقاب المزاود |
و إنما يسمونهم رقاب المزاود لأنها حمراء و من كناياتهم تعبيرهم عن المفاخرة بالمساجلة و أصلها من السجل و هي الدلو المليء كان الرجلان يستقيان فأيهما غلب صاحبه كان الفوز و الفخر له قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب
و أنا الأخضر من يعرفني |
أخضر الجلدة من بيت العرب |
|
من يساجلني يساجل ماجدا |
يملأ الدلو إلى عقد الكرب |
|
برسول الله و ابني عمه |
و بعباس بن عبد المطلب |
و يقال إن الفرزدق مر بالفضل و هو ينشد من يساجلني فقال أنا أساجلك
و نزع ثيابه فقال الفضل برسول الله و ابن عمه فلبس الفرزدق ثيابه و قال أعض الله من يساجلك بما نفت المواسي من بظر أمه و رواها أبو بكر بن دريد بما أبقت المواسي و قد نزل القرآن العزيز على مخرج كلام العرب في المساجلة فقال تبارك و تعالى( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ ) الذنوب الدلو و المراد ما ذكرناه و قال المبرد المراد بقوله و أنا الأخضر أي الأسمر و الأسود و العرب كانت تفتخر بالسمرة و السواد و كانت تكره الحمرة و الشقرة و تقول إنهما من ألوان العجم و قال ابن دريد مراده أن بيتي ربيع أبدا مخصب كثير الخير لأن الخصب مع الخضرة و قال الشاعر
قوم إذا اخضرت نعالهم |
يتناهقون تناهق الحمر |
أي إذا أعشبت الأرض اخضرت نعالهم من وطئهم إياها فأغار بعضهم على بعض و التناهق هاهنا أصواتهم حين ينادون للغارة و يدعو بعضهم بعضا و نظير هذا البيت قول الآخر
قوم إذا نبت الربيع لهم |
نبتت عداوتهم مع البقل |
أي إذا أخصبوا و شبعوا غزا بعضهم بعضا و مثله قول الآخر
يا ابن هشام أهلك الناس اللبن |
فكلهم يغدو بسيف و قرن |
أي تسفهوا لما رأوا من كثرة اللبن و الخصب فأفسدوا في الأرض و أغار بعضهم على بعض و القرن الجعبة
و قيل لبعضهم متى يخاف من شر بني فلان فقال إذا ألبنوا و من الكنايات الداخلة في باب الإيماء قول الشاعر
فتى لا يرى قد القميص بخصره |
و لكنما يوهي القميص عواتقه |
لما كان سلامة القميص من الخرق في موضع الخصر تابعا لدقة الخصر و وهنه في الكاهل تابعا لعظم الكاهل ذكر ما دل بهما على دقة خصر هذا الممدوح و عظم كاهله و منه قول مسلم بن الوليد
فرعاء في فرعها ليل على قمر |
على قضيب على حقف النقا الدهس |
|
كأن قلبي وشاحاها إذا خطرت |
و قلبها قلبها في الصمت و الخرس |
|
تجري محبتها في قلب عاشقها |
مجرى السلامة في أعضاء منتكس |
فلما كان قلق الوشاح تابعا لدقة الخصر ذكره دالا به عليه و من هذا الباب قول القائل
إذا غرد المكاء في غير روضة |
فويل لأهل الشاء و الحمرات |
أومأ بذلك إلى الجدب لأن المكاء يألف الرياض فإذا أجدبت الأرض سقط في غير روضة و غرد فالويل حينئذ لأهل الشاء و الحمر و منه قول القائل
لعمري لنعم الحي حي بني كعب |
إذا جعل الخلخال في موضع القلب |
القلب السوار يقول نعم الحي هؤلاء إذا ريع الناس و خافوا حتى إن المرأة لشدة خوفها تلبس الخلخال مكان السوار فاختصر الكلام اختصارا شديدا و منه قول الأفوه الأودي
إن بني أود هم ما هم |
للحرب أو للجدب عام الشموس |
أشار إلى الجدب و قلة السحب و المطر أي الأيام التي كلها أيام شمس و صحو لا غيم فيها و لا مطر فقد ذكرنا من الكنايات و التعريضات و ما يدخل في ذلك و يجري مجراه من باب الإيماء و الرمز قطعة صالحة و سنذكر شيئا آخر من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى إذا مررنا في شرح كلامه ع بما يقتضيه و يستدعيه
و قد كنا وعدنا أن نذكر كلاما كليا في حقيقة الكناية و التعريض و الفرق بينهما فنقول الكناية قسم من أقسام المجاز و هو إبدال لفظة عرض في النطق بها مانع بلفظة لا مانع عن النطق بها كقوله ع قرارات النساء لما وجد الناس قد تواضعوا على استهجان لفظة أرحام النساء و أما التعريض فقد يكون بغير اللفظ كدفع أسماء بن خارجة الفص الفيروز الأزرق من يده إلى ابن معكبر الضبي ادكارا له بقول الشاعر
كذا كل ضبي من اللؤم أزرق
فالتعريض إذا هو التنبيه بفعل أو لفظ على معنى اقتضت الحال العدول عن التصريح به و أنا أحكي هاهنا كلام نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري في كتابه المسمى بالمثل السائر في الكناية و التعريض و أذكر ما عندي فيه قال خلط أرباب هذه الصناعة الكناية بالتعريض و لم يفصلوا بينهما فقال ابن سنان إن قول إمرئ القيس
فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا |
و رضت فذلت صعبة أي إذلال |
من باب الكناية و الصحيح أنه من باب التعريض قال و قد قال الغانمي و العسكري و ابن حمدون و غيرهم نحو ذلك و مزجوا أحد القسمين بالآخر قال و قد حد قوم الكناية فقالوا هي اللفظ الدال على الشيء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه كاللمس و الجماع فإن الجماع اسم لموضوع حقيقي و اللمس كناية عنه و بينهما وصف جامع إذ الجماع لمس و زيادة فكان دالا عليه بالوضع المجازي. قال و هذا الحد فاسد لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه و المشبه فإن التشبيه هو اللفظ الدال على الوضع الحقيقي الجامع بين المشبه و المشبه به في صفة من الأوصاف أ لا ترى إذا قلنا زيد أسد كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين زيد و الأسد و ذلك الوصف هو الشجاعة قال و أما أصحاب أصول الفقه فقالوا في حد الكناية إنها اللفظ المحتمل و معناه أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى و على خلافه و هذا منقوض بالألفاظ المفردة المشتركة و بكثير من الأقوال المركبة المحتملة للشيء و خلافه و ليست بكنايات قال و عندي أن الكنايات لا بد أن يتجاذبها جانبا حقيقة و مجاز و متى أفردت جاز حملها على الجانبين معا أ لا ترى أن اللمس في قوله سبحانه( أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ )
يجوز حمله على الحقيقة و المجاز و كل منهما يصح به المعنى و لا يختل و لهذا قال الشافعي إن ملامسة المرأة تنقض الوضوء و الطهارة و ذهب غيره إلى أن المراد باللمس في الآية الجماع و هو الكناية المجازية فكل موضع يرد فيه الكناية فسبيله هذا السبيل و ليس التشبيه بهذه الصورة و لا غيره من أقسام المجاز لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة و لو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى أ لا ترى أنا إذا قلنا زيد أسد لم يصح أن يحمل إلا على الجهة المجازية و هي التشبيه بالأسد في شجاعته و لا يجوز حمله على الجهة الحقيقية لأن زيدا لا يكون سبعا ذا أنياب و مخالب فقد صار إذن حد الكناية أنها اللفظ الدال على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز بوصف جامع بين الحقيقة و المجاز قال و الدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء و تريد غيره يقال كنيت بكذا عن كذا فهي تدل على ما تكلمت به و على ما أردته من غيره فلا يخلو إما أن يكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة و حقيقة أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز و مجاز أو في لفظ لا يتجاذبه أمر و ليس لنا قسم رابع و الثاني باطل لأن ذاك هو اللفظ المشترك فإن أطلق من غير قرينة مخصصة كان مبهما غير مفهوم و إن كان معه قرينة صار مخصصا لشيء بعينه و الكناية أن تتكلم بشيء و تريد غيره و ذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة لأنه يختص بشيء واحد بعينه و لا يتعداه إلى غيره و الثالث باطل أيضا لأن المجاز لا بد له من حقيقة ينقل عنها لأنه فرع عليها
و ذلك اللفظ الدال على المجاز إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركة في الدلالة عليه كان اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء أحدها الحقيقة و الآخران المجازان و هذا مخالف لأصل الوضع لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء و أنت تريد غيره و هاهنا يكون قد تكلمت بشيء و أنت تريد شيئين غيرين و إن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا لأصل الوضع أيضا إذ أصل الوضع أن تتكلم بشيء و أنت تريد غيره فيكون الذي تكلمت به دالا على غيره و إذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به و هذا محال فثبت إذن أن الكناية هي أن تتكلم بالحقيقة و أنت تريد المجاز قال و هذا مما لم يسبقني إليه أحد ثم قال قد يأتي من الكلام ما يجوز أن يكون كناية و يجوز أن يكون استعارة و يختلف ذلك باختلاف النظر إليه بمفرده و النظر إلى ما بعده كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها على بني أمية عند خروج أبي مسلم
أرى خلل الرماد و ميض جمر |
و يوشك أن يكون له ضرام |
|
فإن النار بالزندين توري |
و إن الحرب أولها كلام |
دأقول من التعجب ليت شعري |
أأيقاظ أمية أم نيام |
فالبيت الأول لو ورد بمفرده لكان كناية لأنه لا يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز فإذا نظرنا إلى الأبيات بجملتها كان البيت الأول المذكور استعارة لا كناية ثم أخذ في الفرق بين الكناية و التعريض فقال التعريض هو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم لا بالوضع الحقيقي و لا بالمجازي فإنك إذا قلت لمن تتوقع معروفه و صلته بغير طلب أنا محتاج و لا شيء في يدي و أنا عريان و البرد قد آذاني فإن هذا و أشباهه تعريض بالطلب و ليس اللفظ موضوعا للطلب لا حقيقة و لا مجازا و إنما يدل عليه من طريق المفهوم بخلاف قوله( أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ ) و على هذا ورد تفسير التعريض في خطبة النكاح كقولك للمرأة أنت جميلة أو إنك خلية و أنا عزب فإن هذا و شبهه لا يدل على طلب النكاح بالحقيقة و لا بالمجاز و التعريض أخفى من الكناية لأن دلالة الكناية وضعية من جهة المجاز و دلالة التعريض من جهة المفهوم المركب و ليست وضعية و إنما يسمى التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ المفهوم أي من جانبه
قال و اعلم أن الكناية تشتمل على اللفظ المفرد و اللفظ المركب فتأتي على هذا مرة و على هذا أخرى و أما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب و لا يأتي في اللفظ المفرد البتة لأنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة و لا من جهة المجاز بل من جهة التلويح و الإشارة و هذا أمر لا يستقل به اللفظ المفرد و يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب قال فقد ظهر فيما قلنا في البيت الذي ذكره ابن سنان مثال الكناية و مثال التعريض هو بيت إمرئ القيس لأن غرض الشاعر منه أن يذكر الجماع إلا أنه لم يذكره بل ذكر كلاما آخر ففهم الجماع من عرضه لأن المصير إلى الحسنى و رقة الكلام لا يدلان على الجماع لا حقيقة و لا مجازا ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه( أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنَّارِ . ) الآية قال كنى بالماء عن العلم و بالأودية عن القلوب و بالزبد عن الضلال. قال و قد تحقق ما اخترعناه و قدرناه من هذه الآية لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة كما يجوز حملها على جانب المجاز قال و قد أخطأ الفراء حيث زعم أن قوله سبحانه و تعالى( وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبالُ ) كناية عن أمر النبي ص و أنه كنى عنه بالجبال قال و وجه الخطأ أنه لا يجوز أن يتجاذب اللفظ هاهنا جانبا الحقيقة و المجاز لأن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية
قال و من الكنايات المستحسنة
قوله ع للحادي بالنساء يا أنجشة رفقا بالقوارير و قول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه و قول بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله ص إن قريشا قد نزلت على ماء الحديبية معها العوذ المطافيل و إنهم صادوك عن البيت قال فهذه كناية عن النساء و الصبيان لأن العوذ المطافيل الإبل الحديثات النتاج و معها أولادها و من الكناية ما ورد في شهادة الزنا أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة
و منها قول عمر لرسول الله ص هلكت يا رسول الله قال و ما أهلكك قال حولت رحلي البارحة قال أشار بذلك إلى الإتيان في غير المأتي و منها قول ابن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك قال و من الكنايات المستقبحة قول الرضي يرثي امرأة
إن لم تكن نصلا فغمد نصول
لأن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح و إنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته و قد ماتت بجمع
و جفن سلاح قد رزئت فلم أنح |
عليه و لم أبعث عليه البواكيا |
و في جوفه من دارم ذو حفيظة |
لو أن المنايا أخطأته لياليا |
فأخذه الرضي فأفسده و لم يحسن تصريفه قال فأما أمثلة التعريض فكثيرة منها قوله تعالى( قالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ اَلرَّأْيِ وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ) فقوله( ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا ) تعريض بأنهم أحق بالنبوة و أن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر لجعلها فيهم فقالوا هب إنك واحد من الملأ و موازيهم في المنزلة فما جعلك أحق بالنبوة منهم أ لا ترى إلى قوله( وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) .هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب و اعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثير من هذا الموضع في كتابنا الذي أفردناه للنقض عليه و هو الكتاب المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر فقلنا أولا أنه اختار حد الكناية و شرع يبرهن على التحديد و الحدود لا يبرهن عليها و لا هي من باب الدعاوي التي تحتاج إلى الأدلة لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص لا يحتاج إلى دليل كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل ثم يقال له لم قلت إنه لا بد من أن يتردد لفظ الكناية بين محملي حقيقة و مجاز و لم لا يتردد بين مجازين و ما استدللت به على ذلك لا معنى له . . أما أولا فلأنك أردت أن تقول إما أن تكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة لأن كلامك هكذا يقتضي و لا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله و قلت إما أن يكون للحقيقة شركة في
اللفظ الدال على المجازين و هذا قلب للكلام الصحيح و عكس له و أما ثانيا فلم قلت إنه لا يكون للفظة الدالة على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما فأما قولك هذا فيقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشيء و هو يريد شيئين غيره و أصل الوضع أن يتكلم بشيء و هو يريد غيره فليس معنى قولهم الكناية أن تتكلم بشيء و أنت تريد غيره أنك تريد شيئا واحدا غيره كلا ليس هذا هو المقصود بل المقصود أن تتكلم بشيء و أنت تريد ما هو مغاير له و إن أردت شيئا واحدا أو شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد فقد أردت ما هو مغاير له لأن كل مغاير لما دل عليه ظاهر لفظك فليس في لفظه غير ما يقتضي الوحدة و الإفراد و أما ثالثا فلم لا يجوز أن يكون للفظ الدال على المجازين شركة في الدلالة على الحقيقة أصلا بل يدل على المجازين فقط فأما قولك إذا خرجت الحقيقة عن أن يكون لها في ذلك شركة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به و هو محال و مرادك بهذا الكلام المقلوب أنه إذا خرجت اللفظة عن أن يكون لها شركة في الدلالة على الحقيقة التي هي موضوعة لها في الأصل لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به و هو حقيقة و لا دالا أيضا على ما تكلم به و هو مجاز لأنه إذا لم يدل على الحقيقة و هي الأصل لم يجز أن يدل على المجاز الذي هو الفرع لأن انتفاء الدلالة على الأصل يوجب انتفاء الدلالة على الفرع و هكذا يجب أن يتأول استدلاله و إلا لم يكن له معنى محصل لأن اللفظ هو الدال على مفهوماته و ليس المفهوم دالا على اللفظ و لا له شركة في الدلالة عليه و لا على مفهوم آخر يعترض اللفظ بتقدير انتقال اللفظ اللهم إلا أن يكون دلالة عقلية و كلامنا في الألفاظ و دلالتها
فإذا أصلحنا كلامه على ما ينبغي قلنا له في الاعتراض عليه لم قلت إنه إذا خرج اللفظ عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به و لم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة فإذا تكلم الإنسان بذلك اللفظ كان دالا به على أحد ذينك المجازين و لا يكون له تعرض ما بتلك الحقيقة فلا يكون الذي تكلم به غير دال على ما تكلم به لأن حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية فلا يكون عدم إرادتها موجبا أن يكون اللفظ الذي يتكلم به المتكلم غير دال على ما تكلم به لأنها قد خرجت بترك الاستعمال عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم ثم يقال إنك منعت أن يكون قولنا زيد أسد كناية و قلت لأنه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ على أن زيدا هو السبع ذو الأنياب و المخالب و منعت من قول الفراء إن الجبال في قوله( لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبالُ ) كناية عن دعوة محمد ص و شريعته لأن أحدا لا يعتقد و لا يتصور أن مكر البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها و منعت من قول من قال إن قول الشاعر
و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب
من باب الكناية لأن أحدا لا يتصور أن الحقائب و هي جمادات تثني و تشكر و قلت لا بد أن يصح حمل لفظ الكناية على محملي الحقيقة و المجاز ثم قلت إن
قول عبد الله بن سلام لصاحب الثوب المعصفر لو أنك جعلت ثوبك في تنور أهلك كناية و قول الرضي في امرأة ماتت
إن لم تكن نصلا فغمد نصول
كناية و إن كانت مستقبحة و قول النبي ص يا أنجشة رفقا بالقوارير و هو يحدو بالنساء كناية فهل يجيز عاقل قط أو يتصور في الأذهان أن تكون المرأة غمدا للسيف و هل يحمل أحد قط قوله للحادي رفقا بالقوارير على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العنف بالزجاج أو يحمل أحد قط قول ابن سلام على أنه أراد إحراق الثوب بالنار أو يحمل قط أحد قوله الميل في المكحلة على حقيقتها أو يحمل قط أحد قوله لا يحل لك فض الخاتم على حقيقته و هل يشك عاقل قط في أن هذه الألفاظ ليست دائرة بين المحملين دوران اللمس و الجماع و المصافحة و هذه مناقضة ظاهرة و لا جواب عنها إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية أو بحذف ذلك الشرط الذي اشترطته في حد الكناية فأما ما ذكره حكاية عن غيره في حد الكناية بأنها اللفظ الدال على الشيء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه و قوله هذا الحد هو حد التشبيه فلا يجوز أن يكون حد الكناية فلقائل أن يقول إذا قلنا زيد أسد كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي و ذلك المدلول هو بعينه الوصف المشترك بين المشبه و المشبه به أ لا ترى أن المدلول هو الشجاعة و هي المشترك بين زيد و الأسد و أصحاب الحد قالوا في حدهم الكناية هي اللفظ الدال على الشيء بغير الوضع الحقيقي باعتبار وصف جامع بينهما فجعلوا المدلول أمرا
و الوصف الجامع أمرا آخر باعتباره وقت الدلالة أ لا ترى أن لفظ( لامَسْتُمُ ) يدل على الجماع الذي لم يوضع لفظ( لامَسْتُمُ ) له و إنما يدل عليه باعتبار أمر آخر هو كون الملامسة مقدمة الجماع و مفضية إليه فقد تغاير إذن حد التشبيه و حد الكناية و لم يكن أحدهما هو الآخر فأما قوله إن الكناية قد تكون بالمفردات و التعريض لا يكون بالمفردات فدعوى و ذلك أن اللفظ المفرد لا ينتظم منه فائدة و إنما تفيد الجملة المركبة من مبتدأ و خبر أو من فعل و فاعل و الكناية و التعريض في هذا الباب سواء و أقل ما يمكن أن يقيد في الكناية قولك لامست هندا و كذلك أقل ما يمكن أن يفيد في التعريض أنا عزب كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض فإن قال أردت أنه قد يقال اللمس يصلح أن يكنى به عن الجماع و اللمس لفظ مفرد قيل له و قد يقال التعزب يصلح أن يعرض به في طلب النكاح فأما قوله إن بيت نصر بن سيار إذا نظر إليه لمفرده صلح أن يكون كناية و إنما يخرجه عن كونه كناية ضم الأبيات التي بعده إليه و يدخله في باب الاستعارة فلزم عليه أن يخرج قول عمر حولت رحلي عن باب الكناية بما انضم إليه من قوله هلكت
و بما أجابه رسول الله ص من قوله أقبل و أدبر و اتق الدبر و الحيضة و بقرينة الحال و كان يجب إلا تذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات فأما بيت إمرئ القيس فلا وجه لإسقاطه من باب الكناية و إدخاله في باب
التعريض إلا فيما اعتمد عليه من أن من شرط الكناية أن يتجاذبها جانبا حقيقة و مجاز و قد بينا بطلان اشتراط ذلك فبطل ما يتفرع عليه و أما قول بديل بن ورقاء معها العوذ المطافيل فإنه ليس بكناية عن النساء و الأولاد كما زعم بل أراد به الإبل و نتاجها فإن كتب السير كلها متفقة على أن قريشا لم يخرج معها في سنة الحديبية نساؤها و أولادها و لم يحارب رسول الله ص قوما أحضروا معهم نساءهم و أولادهم إلا هوازن يوم حنين و إذا لم يكن لهذا الوجه حقيقة و لا وجود فقد بطل حمل اللفظ عليه فأما ما زرى به على الرضيرحمهالله تعالى من قوله
إن لم تكن نصلا فغمد نصول
و قوله هذا مما يسبق الوهم فيه إلى ما يستقبح و استحسانه شعر الفرزدق و قوله إن الرضي أخذه منه فأساء الأخذ فالوهم الذي يسبق إلى بيت الرضي يسبق مثله إلى بيت الفرزدق لأنه قد جعل هذه المرأة جفن السلاح فإن كان الوهم يسبق هناك إلى قبيح فهاهنا أيضا يسبق إلى مثله و أما الآية التي مثل بها على التعريض فإنه قال إن قوله تعالى( ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا ) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه و لم يبين ذلك و إنما قال فحوى الكلام أنهم قالوا له هب إنك واحد من الملإ و موازيهم في المنزلة فما جعلك أحق بالنبوة منهم أ لا ترى إلى قوله( وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) و هذا الكلام لا يقتضي ما ادعاه أولا من التعريض لأنه ادعى أن قوله( ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا ) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه و ما قرره به يقتضي مساواته لهم و لا يقتضي كونهم أحق بالنبوة منه فبطل دعوى الأحقية التي زعم أن التعريض إنما كان بها
فأما قوله تعالى( أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَداً ) و قوله إن هذا من باب الكناية و إنه تعالى كنى به عن العلم و الضلال و قلوب البشر فبعيد و الحكيم سبحانه لا يجوز أن يخاطب قوما بلغتهم فيعمي عليهم و أن يصطلح هو نفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها و إنما يعلمها هو وحده أ لا ترى أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى( وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّماءَ اَلدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ) على أنه أراد أنا زينا رءوس البشر بالحواس الباطنة و الظاهرة المجعولة فيها و جعلناها بالقوى الفكرية و الخيالية المركبة في الدماغ راجمة و طاردة للشبه المضلة و إن من حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك فقد نسبه إلى الإلغاز و التعمية و ذلك يقدح في حكمته تعالى و المراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرها و المتكلف لحملها على غيرها سخيف العقل و يؤكد ذلك قوله تعالى( وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنَّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ) أ فترى الحكيم سبحانه يقول إن للذهب و الفضة زبدا مثل الجهل و الضلال و يبين ذلك قوله( كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْأَمْثالَ ) فضرب سبحانه الماء الذي يبقى في الأرض فينتفع به الناس و الزبد الذي يعلو فوق الماء فيذهب جفاء مثلا للحق و الباطل كما صرح به سبحانه فقال( كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْباطِلَ ) و لو كانت هذه الآية من باب الكنايات و قد كنى سبحانه بالأودية عن القلوب و بالماء الذي أنزله من السماء عن العلم و بالزبد عن الضلال لما جعل تعالى هذه الألفاظ أمثالا فإن الكناية خارجة عن باب المثل و لهذا لا تقول إن قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ اَلنِّساءَ ) من باب المثل و لهذا أفرد هذا الرجل في كتابه بابا آخر غير باب الكناية سماه باب المثل و جعلهما قسمين متغايرين في علم البيان و الأمر في هذا
الموضع واضح و لكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات و يذهب وقته فيها و قد استقصينا في مناقضته و الرد عليه في كتابنا الذي أشرنا إليه فأما قوله ع كلما نجم منهم قرن قطع فاستعارة حسنة يريد كلما ظهر منهم قوم استؤصلوا فعبر عن ذلك بلفظة قرن كما يقطع قرن الشاة إذا نجم و قد صح إخباره ع عنهم أنهم لم يهلكوا بأجمعهم في وقعة النهروان و أنها دعوة سيدعو إليها قوم لم يخلقوا بعد و هكذا وقع و صح إخباره ع أيضا أنه سيكون آخرهم لصوصا سلابين فإن دعوة الخوارج اضمحلت و رجالها فنيت حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق متظاهرين بالفسوق و الفساد في الأرض
فممن انتهى أمره منهم إلى ذلك الوليد بن طريف الشيباني في أيام الرشيد بن المهدي فأشخص إليه يزيد بن مزيد الشيباني فقتله و حمل رأسه إلى الرشيد و قالت أخته ترثيه و تذكر أنه كان من أهل التقى و الدين على قاعدة شعراء الخوارج و لم يكن الوليد كما زعمت
أيا شجر الخابور ما لك مورقا |
كأنك لم تجزع على ابن طريف |
|
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى |
و لا المال إلا من قنا و سيوف |
و لا الذخر إلا كل جرداء شطبة |
و كل رقيق الشفرتين خفيف |
|
فقدناك فقدان الربيع و ليتنا |
فديناك من ساداتنا بألوف |
و قال مسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد و يذكر قتله الوليد
و المارق ابن طريف قد دلفت له |
بعارض للمنايا مسبل هطل |
|
لو أن شيئا بكى مما أطاف به |
فاز الوليد بقدح الناضل الخصل |
|
ما كان جمعهم لما لقيتهم |
إلا كرجل جراد ريع منجفل |
|
فاسلم يزيد فما في الملك من أود |
إذا سلمت و لا في الدين من خلل |
ثم خرج في أيام المتوكل ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة فقطع الطريق و أخاف السبيل و تسمى بالخلافة فحاربه أبو سعيد محمد بن يوسف الطائي الثغري الصامتي فقتل كثيرا من أصحابه و أسر كثيرا منهم و نجا بنفسه هاربا فمدحه أبو عبادة البحتري و ذكر ذلك فقال
كنا نكفر من أمية عصبة |
طلبوا الخلافة فجرة و فسوقا |
|
و نلوم طلحة و الزبير كليهما |
و نعنف الصديق و الفاروقا |
|
و نقول تيم أقربت و عديها |
أمرا بعيدا حيث كان سحيقا |
|
و هم قريش الأبطحون إذا انتموا |
طابوا أصولا في العلا و عروقا |
حتى غدت جشم بن بكر تبتغي |
إرث النبي و تدعيه حقوقا |
|
جاءوا براعيهم ليتخذوا به |
عمدا إلى قطع الطريق طريقا |
|
عقدوا عمامته برأس قناته |
و رأوه برا فاستحال عقوقا |
|
و أقام ينفذ في الجزيرة حكمه |
و يظن وعد الكاذبين صدوقا |
|
حتى إذا ما الحية الذكر انكفى |
من أرزن حربا يمج حريقا |
|
غضبان يلقى الشمس منه بهامة |
يعشى العيون تألقا و بروقا |
|
أوفى عليه فظل من دهش |
يظن البر بحرا و الفضاء مضيقا |
|
غدرت أمانيه به و تمزقت |
عنه غيابة سكره تمزيقا |
|
طلعت جيادك من ربا الجودي قد |
حملن من دفع المنون وسوقا |
|
فدعا فريقا من سيوفك حتفهم |
و شددت في عقد الحديد فريقا |
|
و مضى ابن عمرو قد أساء بعمره |
ظنا ينزق مهره تنزيقا |
|
فاجتاز دجلة خائضا و كأنها |
قعب على باب الكحيل أريقا |
|
لو خاضها عمليق أو عوج إذا |
ما جوزت عوجا و لا عمليقا |
|
لو لا اضطراب الخوف في أحشائه |
رسب العباب به فمات غريقا |
|
لو نفسته الخيل لفتة ناظر |
ملأ البلاد زلازلا و فتوقا |
|
لثنى صدور الخيل تكشف كربة |
و لوى رماح الخط تفرج ضيقا |
|
و لبكرت بكر و راحت تغلب |
في نصر دعوته إليه طروقا |
|
حتى يعود الذئب ليثا ضيغما |
و الغصن ساقا و القرارة نيقا |
هيهات مارس فليقا متيقظا |
قلقا إذا سكن البليد رشيقا |
|
مستسلفا جعل الغبوق صبوحه |
و مرى صبوح غد فكان غبوقا |
و هذه القصيدة من ناصع شعر البحتري و مختاره
و قد خرج بعد هذين جماعة من الخوارج بأعمال كرمان و جماعة أخرى من أهل عمان لا نباهة لهم و قد ذكرهم أبو إسحاق الصابي في الكتاب التاجي و كلهم بمعزل عن طرائق سلفهم و إنما وكدهم و قصدهم إخافة السبيل و الفساد في الأرض و اكتساب الأموال من غير حلها و لا حاجة لنا إلى الإطالة بذكرهم و من المشهورين برأي الخوارج الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين ع إنهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء عكرمة مولى ابن عباس و مالك بن أنس الأصبحي الفقيه يروى عنه أنه كان يذكر عليا ع و عثمان و طلحة و الزبير فيقول و الله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر و منهم المنذر بن الجارود العبدي و منهم يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج و روي أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج و بحضرته مولاه يزيد بن أبي مسلم و كان يستسر برأي الخوارج فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه فقال لها يزيد الأمير ويلك يكلمك فقالت بل الويل لك أيها الفاسق الرديء و الرديء عند الخوارج هو الذي يعلم الحق من قولهم و يكتمه و منهم صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق و ممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف جابر بن زيد و عمرو بن دينار و مجاهد و ممن ينسب إليه بعد هذه الطبقة أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي يقال إنه كان يرى رأي الصفرية
و منهم اليمان بن رباب و كان على رأي البيهسية و عبد الله بن يزيد و محمد بن حرب و يحيى بن كامل و هؤلاء إباضية و قد نسب إلى هذا المذهب أيضا من قبل أبو هارون العبدي و أبو الشعثاء و إسماعيل بن سميع و هبيرة بن بريم و زعم ابن قتيبة أن ابن هبيرة كان من غلاة الشيعة و نسب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إلى رأي الخوارج لإطنابه في كتاب المعروف ب الكامل في ذكرهم و ظهور الميل منه إليهم
60 و قال ع في الخوارج
لاَ تُقَاتِلُوا [ تَقْتُلُوا ] اَلْخَوَارِجَ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ اَلْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ [ فَأُعْطِيَ ] كَمَنْ طَلَبَ اَلْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ قال الرضيرحمهالله يعني معاوية و أصحابه مراده أن الخوارج ضلوا بشبهة دخلت عليهم و كانوا يطلبون الحق و لهم في الجملة تمسك بالدين و محاماة عن عقيدة اعتقدوها و إن أخطئوا فيها و أما معاوية فلم يكن يطلب الحق و إنما كان ذا باطل لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة و أحواله كانت تدل على ذلك فإنه لم يكن من أرباب الدين و لا ظهر عنه نسك و لا صلاح حال و كان مترفا يذهب مال الفيء في مآربه و تمهيد ملكه و يصانع به عن سلطانه و كانت أحواله كلها مؤذنة بانسلاخه عن العدالة و إصراره على الباطل و إذا كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه و تحارب الخوارج عليه و إن كانوا أهل ضلال لأنهم أحسن حالا منه فإنهم كانوا ينهون عن المنكر و يرون الخروج على أئمة الجور واجبا و عند أصحابنا أن الخروج على أئمة الجور واجب و عند أصحابنا أيضا أن الفاسق المتغلب
بغير شبهة يعتمد عليها لا يجوز أن ينصر على من يخرج عليه ممن ينتمي إلى الدين و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر بل يجب أن ينصر الخارجون عليه و إن كانوا ضالين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينية دخلت عليهم لأنهم أعدل منه و أقرب إلى الحق و لا ريب في تلزم الخوارج بالدين كما لا ريب في أن معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك
ذكر أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل أن عروة بن أدية أحد بني ربيعة بن حنظلة و يقال إنه أول من حكم حضر حرب النهروان و نجا فيها فيمن نجا فلم يزل باقيا مدة من خلافة معاوية ثم أخذ فأتي به زياد و معه مولى له فسأله عن أبي بكر و عمر فقال خيرا فقال له فما تقول في عثمان و في أبي تراب فتولي عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر و فعل في أمر علي ع مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال أولك لريبة و آخرك لدعوة و أنت بعد عاص ربك فأمر فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال صف لي أموره فقال أ أطنب أم أختصر قال بل اختصر قال ما أتيته بطعام في نهار قط و لا فرشت له فراشا في ليل قط قال و حدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة فأحسوا بالخوارج فقال واصل لأهل الرفقة إن هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا و دعوني و إياهم و قد كانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا شأنك فخرج إليهم فقالوا ما أنت و أصحابك فقال قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله و يفهموا حدوده فقالوا قد أجرناكم قال فعلمونا فجعلوا يعلمونهم أحكامهم و واصل يقول قد قبلت أنا و من معي قالوا فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا فقال ليس ذاك إليكم قال الله و عز و جل( وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اَللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ )
فأبلغونا مأمننا فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا ذاك لكم فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن و قال أبو العباس أتي عبد الملك بن مروان برجل من الخوارج فبحثه فرأى منه ما شاء فهما و علما ثم بحثه فرأى منه ما شاء أدبا و ذهنا فرغب فيه فاستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا فزاده في الاستدعاء فقال تغنيك الأولى عن الثانية و قد قلت و سمعت فاسمع أقل قال قل فجعل يبسط من قول الخوارج و يزين له من مذهبهم بلسان طلق و ألفاظ بينة و معان قريبة فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته و فضله لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة إنما خلقت لهم و أني أولى العباد بالجهاد منهم ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة و قرر في قلبي من الحق فقلت له الدنيا و الآخرة لله و قد سلطنا الله في الدنيا و مكن لنا فيها و أراك لست تجيبنا إلى ما نقول و الله لأقتلنك إن لم تطع فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان قال أبو العباس و كان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمه أمهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية و كان أبيا عزيز النفس فدخل به على أبيه في هذا الوقت باكيا
لضرب المؤدب إياه فشق ذلك على عبد الملك فأقبل عليه الخارجي و قال له دعه يبك فإنه أرحب لشدقه و أصح لدماغه و أذهب لصوته و أحرى ألا تأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة و استدعى عبرتها فأعجب ذلك من قوله عبد الملك و قال له متعجبا أ ما يشغلك ما أنت فيه و يعرضك عن هذا فقال ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شيء فأمر بحبسه و صفح عن قتله و قال بعد معتذرا إليه لو لا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك ثم قال عبد الملك لقد شككني و وهمني حتى مالت بي عصمة الله و غير بعيد أن يستهوي من بعدي
قال أبو العباس و كان من المجتهدين من الخوارج البلجاء و هي امرأة من بني حرام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم و كان مرداس بن حدير أبو بلال أحد بني ربيعة بن حنظلة ناسكا تعظمه الخوارج و كان كثير الصواب في لفظه مجتهدا فلقيه غيلان بن خرشة الضبي فقال يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة يعني عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء و أحسبها ستؤخذ فمضى إليها أبو بلال فقال إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية فاستتري فإن هذا
المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك قالت إن يأخذني فهو أشقى به فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي فوجه إليها عبيد الله بن زياد فأتي بها فقطع يديها و رجليها و رمى بها في السوق فمر بها أبو بلال و الناس مجتمعون فقال ما هذا قالوا البلجاء فعرج إليها فنظر ثم عض على لحيته و قال لنفسه لهذه أطيب نفسا من بقية الدنيا منك يا مرداس قال ثم إن عبيد الله أخذ مرداسا فحبسه فرأى صاحب السجن منه شدة اجتهاده و حلاوة منطقه فقال له إني أرى لك مذهبا حسنا و إني لأحب أن أوليك معروفا أ فرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أ تدلج إلي قال نعم فكان يفعل ذلك به و لج عبيد الله في حبس الخوارج و قتلهم و كلم في بعضهم فأبى و قال أقمع النفاق قبل أن ينجم لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرطة فقال ابن زياد ما أدري ما أصنع بهؤلاء كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله لأقتلن من في حبسي منهم و أخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل فأتى مرداسا الخبر فلما كان في السحر تهيأ للرجوع إلى السجن فقال له أهله اتق الله في نفسك فإنك إذا رجعت قتلت فأبى و قال و الله ما كنت لألقى الله غادرا فرجع إلى السجان فقال إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك قال أعلمت ثم جئت
قال أبو العباس و يروى أن مرداسا مر بأعرابي يهنأ بعيرا له فهرج البعير فسقط مرداس مغشيا عليه فظن الأعرابي أنه صرع فقرأ في أذنه فلما أفاق قال له الأعرابي إني قرأت في أذنك فقال مرداس ليس بي ما خفته علي و لكني رأيت بعيرا هرج من القطران فذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت فقال الأعرابي لا جرم و الله لا أفارقك أبدا قال أبو العباس و كان مرداس قد شهد مع علي ع صفين ثم أنكر التحكيم و شهد النهروان و نجا فيمن نجا ثم حبسه ابن زياد كما ذكرناه و خرج من حبسه فرأى جد ابن زياد في طلب الشراة فعزم على الخروج فقال لأصحابه إنه و الله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للقصد و الله إن الصبر على هذا لعظيم و إن تجريد السيف و إخافة الناس لعظيم و لكنا ننتبذ عنهم و لا نجرد سيفا و لا نقاتل إلا من قاتلنا فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل و كهمس بن طلق الصريمي و أرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى فولوا أمرهم مرداسا فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري و كان له صديقا فقال يا أخي أين تريد قال أريد أن أهرب بديني و دين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة فقال أ علم بكم أحد قال لا قال فارجع قال أ و تخاف علي نكرا قال نعم و أن يؤتى بك قال لا تخف فإني لا أجرد سيفا و لا أخيف أحدا و لا أقاتل إلا من قاتلني ثم مضى حتى نزل آسك و هي ما بين رامهرمز و أرجان فمر به مال يحمل إلى ابن
زياد و قد قارب أصحابه الأربعين فحط ذلك المال و أخذ منه عطاءه و عطاء أصحابه و رد الباقي على الرسل و قال قولوا لصاحبكم إنا قبضنا أعطياتنا فقال بعض أصحابه علام ندع الباقي فقال إنهم يقيمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم على الصلاة قال أبو العباس و لأبي بلال مرداس في الخروج أشعار اخترت منها قوله
أ بعد ابن وهب ذي النزاهة و التقى |
و من خاض في تلك الحروب المهالكا |
|
أحب بقاء أو أرجي سلامة |
و قد قتلوا زيد بن حصن و مالكا |
|
فيا رب سلم نيتي و بصيرتي |
و هب لي التقى حتى ألاقي أولئكا |
قال أبو العباس ثم إن عبيد الله بن زياد ندب جيشا إلى خراسان فحكى بعض من كان في ذلك الجيش قال مررنا بآسك فإذا نحن بهم ستة و ثلاثين رجلا فصاح بنا أبو بلال أ قاصدون لقتالنا أنتم قال و كنت أنا و أخي قد دخلنا زربا فوقف أخي ببابه فقال السلام عليكم فقال مرداس و عليكم السلام ثم قال لأخي أ جئتم لقتالنا قال لا إنما نريد خراسان قال فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض و لا لنروع أحدا و لكن هربا من الظلم و لسنا نقاتل إلا من يقاتلنا و لا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا ثم قال أ ندب لنا أحد قلنا نعم أسلم بن زرعة الكلابي قال فمتى ترونه يصل إلينا قلنا يوم كذا و كذا فقال أبو بلال حسبنا الله و نعم الوكيل. قال أبو العباس و جهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة في أسرع مدة و وجهه إليهم
في ألفين و قد تتام أصحاب مرداس أربعين رجلا فلما صار أسلم إليهم صاح به أبو بلال اتق الله يا أسلم فإنا لا نريد فسادا في الأرض و لا نحتجر فيئا فما الذي تريد قال أريد أن أردكم إلى ابن زياد قال إذن يقتلنا قال و إن قتلكم قال تشرك في دمائنا قال إني أدين بأنه محق و أنتم مبطلون فصاح به حريث بن حجل أ هو محق و هو يطيع الفجرة و هو أحدهم و يقتل بالظنة و يخص بالفيء و يجور في الحكم أ ما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة برآء و أنا أحد قتلته و قد وضعت في بطنه دراهم كانت معه ثم حملوا على أسلم حملة رجل واحد فانهزم هو و أصحابه من غير قتال و كاد يأسره معبد أحد الخوارج فلما عاد إلى ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا و قال ويلك أ تمضي في ألفين فتهزم بهم من حملة أربعين فكان أسلم يقول لأن يذمني ابن زياد و أنا حي أحب إلي أن يمدحني و أنا ميت و كان إذا خرج إلى السوق أو مر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك و ربما صاحوا به يا معبد خذه حتى شكا إلى ابن زياد فأمر الشرط أن يكفوا الناس عنه ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك من بني تيم اللات بن ثعلبة أحد الخوارج
فلما أصبحوا صلوا و قاموا |
إلى الجرد العتاق مسومينا |
|
فلما استجمعوا حملوا عليهم |
فظل ذوو الجعائل يقتلونا |
|
بقية يومهم حتى أتاهم |
سواد الليل فيه يراوغونا |
|
يقول نصيرهم لما أتاهم |
فإن القوم ولوا هاربينا |
|
أألفا مؤمن فيكم زعمتم |
و يهزمكم بآسك أربعونا |
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم |
و لكن الخوارج مؤمنونا |
|
هم الفئة القليلة غير شك |
على الفئة الكثيرة ينصرونا |
قال أبو العباس أما قول حريث بن حجل أ ما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة برآء و أنا أحد قتلته فابن سعاد هو المثلم بن مسروح الباهلي و سعاد اسم أمه و كان من خبره أنه ذكر لعبيد الله بن زياد رجل من سدوس يقال له خالد بن عباد أو ابن عبادة و كان من نساك الخوارج فوجه إليه فأخذه فأتاه رجل من آل ثور فكذب عنه و قال هو صهري و في ضمني فخلى عنه فلم يزل الرجل يتفقده حتى تغيب فأتى ابن زياد فأخبره فلم يزل يبعث إلى خالد بن عباد حتى ظفر به فأخذه فقال أين كنت في غيبتك هذه قال كنت عند قوم يذكرون الله و يسبحونه و يذكرون أئمة الجور فيتبرءون منهم قال ادللني عليهم قال إذن يسعدوا و تشقى و لم أكن لأروعهم قال فما تقول في أبي بكر و عمر فقال خيرا قال فما تقول في عثمان و في معاوية أ تتولاهما فقال إن كانا وليين لله فلست معاديهما فأراغه مرارا ليرجع عن قوله فلم يفعل فعزم على قتله فأمر بإخراجه إلى رحبة تعرف برحبة الرسي و قتله بها فجعل الشرطة يتفادون من قتله و يروغون عنه توقيا لأنه كان متقشفا عليه أثر العبادة حتى أتى المثلم بن مسروح الباهلي و كان من الشرطة فتقدم فقتله فائتمر به الخوارج أن يقتلوه و كان مغرما باللقاح يتبعها فيشتريها من مظانها و هم في تفقده فدسوا إليه رجلا في هيئة الفتيان عليه ردع
زعفران فلقيه بالمربد و هو يسأل عن لقحة صفي فقال له الفتى إن كنت تبتغي فعندي ما يغنيك عن غيره فامض معي فمضى المثلم معه على فرسه يمشي الفتى أمامه حتى أتى به بني سعد فدخل دارا و قال له أدخل علي فرسك فلما دخل و توغل في الدار أغلق الباب و ثارت به الخوارج فاعتوره حريث بن حجل و كهمس بن طلق الصريمي فقتلاه و جعلا دراهم كانت معه في بطنه و دفناه في ناحية الدار و حكا آثار الدم و خليا فرسه في الليل فأصيب في الغد في المربد و تجسس عنه الباهليون فلم يروا له أثرا فاتهموا بني سدوس به فاستعدوا عليهم السلطان و جعل السدوسية يحلفون فتحامل ابن زياد مع الباهليين فأخذ من السدوسيين أربع ديات و قال ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج كلما أمرت بقتل رجل اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكان المثلم حتى خرج مرداس و أصحابه فلما واقفهم ابن زرعة الكلابي صاح بهم حريث و قال أ هاهنا من باهلة أحد قالوا نعم قال يا أعداء الله أخذتم للمثلم من بني سدوس أربع ديات و أنا قتلته و جعلت دراهم كانت معه في بطنه و هو في موضع كذا مدفون فلما انهزم ابن زرعة و أصحابه صاروا إلى الدار فأصابوا أشلاءه ففي ذلك يقول أبو الأسود
و آليت لا أغدو إلى رب لقحة |
أساومه حتى يئوب المثلم |
قال أبو العباس فأما ما كان من مرداس فإن عبيد الله بن زياد ندب إليه الناس فاختار عباد بن أخضر المازني و ليس بابن أخضر بل هو عباد بن علقمة المازني و كان أخضر زوج أمه و غلب عليه فوجهه إلى مرداس و أصحابه في أربعة آلاف فارس و كانت الخوارج قد تنحت من موضعها بدارابجرد من أرض فارس فصار إليهم عباد فكان التقاؤهم في يوم جمعة فناداه أبو بلال اخرج إلي يا عباد فإني أريد أن أحاورك فخرج إليه فقال ما الذي تبغي قال أن آخذ بأقفيتكم فأردكم إلى الأمير عبيد الله بن زياد قال أ و غير ذلك إن نرجع فإنا لا نخيف سبيلا و لا نذعر مسلما و لا نحارب إلا من يحاربنا و لا نجبي إلا ما حمينا فقال عباد الأمر ما قلت لك فقال له حريث بن حجل أ تحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد ضال فقال لهم أنتم أولى بالضلال منه و ما من ذاك من بد قال و قدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج فلما رأى الجمعين قال ما هذا قالوا الشراة فحمل عليهم و نشبت الحرب بينهم فأخذت الخوارج القعقاع أسيرا فأتوا به أبا بلال فقال له من أنت قال ما أنا من أعدائك إنما قدمت للحج فحملت و غررت فأطلقه فرجع إلى عباد و أصلح من شأنه و حمل على الخوارج ثانية و هو يقول
أقاتلهم و ليس علي بعث |
نشاطا ليس هذا بالنشاط |
|
أكر على الحروريين مهري |
لأحملهم على وضح الصراط |
فحمل عليه حريت بن حجل السدوسي و كهمس بن طلق الصريمي فأسراه و قتلاه و لم يأتيا به أبا بلال و لم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت صلاة الجمعة فناداهم أبو بلال يا قوم هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي و تصلوا قالوا لك ذاك فرمى القوم
أجمعون بأسلحتهم و عمدوا للصلاة فأسرع عباد و من معه و قضوا صلاتهم و الحرورية مبطئون فيهم ما بين راكع و ساجد و قائم في الصلاة و قاعد حتى مال عليهم عباد و من معه فقتلوهم جميعا و أتي برأس أبي بلال قال و يرى الشراة أن مرداسا أبا بلال لما عقد على أصحابه و عزم على الخروج رفع يديه فقال اللهم إن كان ما نحن فيه حقا فأرنا آية فرجف البيت و قال آخرون فارتفع السقف و يقال إن رجلا من الخوارج ذكر ذلك لأبي العالية الرياحي يعجبه من الآية و يرغبه في مذهب القوم فقال أبو العالية كاد الخسف ينزل بهم ثم أدركتهم نظرة من الله قال فلما فرغ عباد من الجماعة أقبل بهم فصلب رءوسهم و فيهم داود بن شبيب و كان ناسكا و فيهم حبيبة البكري من عبد القيس و كان مجتهدا و يروى عنه أنه قال لما عزمت على الخروج فكرت في بناتي فقلت ذات ليلة لأمسكن عن نفقتهن حتى أنظر فلما كان في جوف الليل استسقت بنية لي فقالت يا أبت اسقني فلم أجبها و أعادت فقامت أخت لها فسقتها فعلمت أن الله عز و جل غير مضيعهن فأتممت عزمي و كان في القوم كهمس و كان من أبر الناس بأمه فقال لها يا أمه لو لا مكانك لخرجت فقالت يا بني وهبتك لله ففي مقتلهم يقول عيسى بن فاتك الخطي
ألا في الله لا في الناس سالت |
بداود و إخوته الجذوع |
|
مضوا قتلا و تمزيقا و صلبا |
تحوم عليهم طير وقوع |
|
إذا ما الليل أظلم كابدوه |
فيسفر عنهم و هم ركوع |
|
أطار الخوف نومهم فقاموا |
و أهل الأرض في الدنيا هجوع |
و قال عمران بن حطان
يا عين بكي لمرداس و مصرعه |
يا رب مرداس اجعلني كمرداس |
|
تركتني هائما أبكي لمرزئه |
في منزل موحش من بعد إيناس |
|
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه |
ما الناس بعدك يا مرداس بالناس |
|
إما شربت بكأس دار أولها |
على القرون فذاقوا جرعة الكأس |
|
فكل من لم يذقها شاربا عجلا |
يسقى بأنفاس ورد بعد أنفاس |
و قال أيضا
لقد زاد الحياة إلي بغضا |
و حبا للخروج أبو بلال |
|
أحاذر أن أموت على فراشي |
و أرجو الموت تحت ذرا العوالي |
|
فمن يك همه الدنيا فإني |
لها و الله رب البيت قال |
و قال أبو العباس و عمران هذا أحد بني عمرو بن يسار بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عك بن بكر بن وائل و كان رأس القعد من الصفرية و فقيههم و خطيبهم و شاعرهم و شعره هذا بخلاف شعر أبي خالد القناني و كان من قعد الخوارج أيضا و قد كان كتب قطري بن الفجاءة المازني يلومه على القعود
أبا خالد أيقن فلست بخالد |
و ما جعل الرحمن عذرا لقاعد |
|
أ تزعم أن الخارجي على الهدى |
و أنتم مقيم بين لص و جاحد |
فكتب إليه أبو خالد
لقد زاد الحياة إلي حبا |
بناتي إنهن من الضعاف |
|
أحاذر أن يرين الفقر بعدي |
و أن يشربن رنقا بعد صاف |
|
و أن يعرين إن كسي الجواري |
فتنبو العين عن كرم عجاف |
|
و لو لا ذاك قد سومت مهري |
و في الرحمن للضعفاء كاف |
و قال أبو العباس و مما حدثني به العباس بن أبي الفرج الرياشي عن محمد بن سلام أن عمران بن حطان لما طرده الحجاج جعل يتنقل في القبائل و كان إذا نزل بحي انتسب نسبا يقرب منهم ففي ذلك يقول
نزلنا في بني سعد بن زيد |
و في عك و عامر عوبثان |
|
و في لخم و في أدد بن عمرو |
و في بكر و حي بني الغدان |
ثم خرج حتى لقي روح بن زنباع الجذامي و كان روح يقري الأضياف و كان مسايرا لعبد الملك بن مروان أثيرا عنده و قال ابن عبد الملك فيه من أعطي مثل ما أعطي أبو زرعة أعطي فقه الحجاز و دهاء أهل العراق و طاعة أهل الشام و انتمى عمران إليه أنه من الأزد فكان روح لا يسمع شعرا نادرا و لا حديثا غريبا
عند عبد الملك فيسأل عنه عمران إلا عرفه و زاد فيه فقال روح لعبد الملك إن لي ضيفا ما أسمع من أمير المؤمنين خبرا و لا شعرا إلا عرفه و زاد فيه فقال أخبرني ببعض أخباره فأخبره و أنشده فقال إن اللغة لغة عدنانية و لا أحسبه إلا عمران بن حطان حتى تذاكروا ليلة البيتين اللذين أولهما يا ضربة . . فلم يدر عبد الملك لمن هما فرجع روح فسأل عمران عنهما فقال هذا الشعر لعمران بن حطان يمدح عبد الرحمن بن ملجم فرجع روح إليه فأخبره فقال ضيفك عمران بن حطان فاذهب فجئني به فرجع إليه فقال أمير المؤمنين قد أحب أن يراك فقال له عمران قد أردت أن أسألك ذاك فاستحييت منك فاذهب فإني بالأثر فرجع روح إلى عبد الملك فخبره فقال أما إنك سترجع فلا تجده فرجع فوجد عمران قد احتمل و خلف رقعة فيها
يا روح كم من أخي مثوى نزلت به |
قد ظن ظنك من لخم و غسان |
|
حتى ذا خفته زايلت منزله |
من بعد ما قيل عمران بن حطان |
|
قد كنت جارك حولا لا يروعني |
فيه طوارق من إنس و لا جان |
|
حتى أردت بي العظمى فأدركني |
ما أدرك الناس من خوف ابن مروان |
|
فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له |
في الحادثات هنات ذات ألوان |
|
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن |
و إن لقيت معديا فعدناني |
لو كنت مستغفرا يوما لطاغية |
كنت المقدم في سري و إعلاني |
|
لكن أبت ذاك آيات مطهرة |
عند التلاوة في طه و عمران |
ثم ارتحل حتى نزل بزفر بن الحارث أحد بني عمرو بن كلاب فانتسب له أوزاعيا و كان عمران يطيل الصلاة فكان غلمان بني عامر يضحكون منه فأتاه رجل ممن كان عند روح فسلم عليه فدعاه زفر فقال له من هذا فقال رجل من الأزد رأيته ضيفا لروح بن زنباع فقال له زفر يا هذا أزديا مرة و أوزاعيا أخرى إن كنت خائفا أمناك و إن كنت فقيرا جبرناك فلما أمسى خلف في منزله رقعة و هرب فوجدوا فيها
إن التي أصبحت يعيا بها زفر |
أعيت عياء على روح بن زنباع |
|
ما زال يسألني حولا لأخبره |
و الناس ما بين مخدوع و خداع |
|
حتى إذا انقطعت مني وسائله |
كف السؤال و لم يولع بإهلاع |
|
فاكفف لسانك عن لومي و مسألتي |
ما ذا تريد إلى شيخ بلا راع |
|
فاكفف كما كف عني إنني رجل |
إما صميم و إما فقعة القاع |
أما الصلاة فإني غير تاركها |
كل امرئ للذي يعنى به ساع |
|
أكرم بروح بن زنباع و أسرته |
قوم دعا أوليهم للعلا داع |
|
جاورتهم سنة مما أسر به |
عرضي صحيح و نومي غير تهجاع |
|
فاعمل فإنك منعي بواحدة |
حسب اللبيب بهذا الشيب من داع |
ثم ارتحل حتى أتى عمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال و يظهر فيهم فأظهر أمره فيهم فبلغ ذلك الحجاج فكتب فيه إلى أهل عمان فهرب حتى أتى قوما من الأزد في سواد الكوفة فنزل بهم فلم يزل عندهم حتى مات و في نزوله فيهم يقول
نزلنا بحمد الله في خير منزل |
نسر بما فيه من الأنس و الخفر |
|
نزلنا بقوم يجمع الله شملهم |
و ليس لهم دعوى سوى المجد يعتصر |
|
من الأزد إن الأزد أكرم أسوة |
يمانية طابوا إذا انتسب البشر |
|
فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر |
أتوني فقالوا من ربيعة أو مضر |
|
أم الحي قحطان فتلكم سفاهة |
كما قال لي روح و صاحبه زفر |
|
و ما منهما إلا يسر بنسبة |
تقربني منه و إن كان ذا نفر |
|
فنحن عباد الله و الله واحد |
و أولى عباد الله بالله من شكر |
قال أبو العباس و من الخوارج من مشى في الرمح و هو في صدره خارجا من ظهره حتى خالط طاعنه فضربه بالسيف فقتله و هو يقول( و عجلت إليك رب لترضى ) و منهم الذي سأل عليا ع يوم النهروان المبارزة في قوله
أطعنهم و لا أرى عليا |
و لو بدا أوجرته الخطيا |
فخرج إليه علي فضربه بالسيف فقتله فلما خالطه السيف قال يا حبذا الروحة إلى الجنة و منهم ابن ملجم و قطع الحسن بن علي يديه و رجليه و هو في ذلك يذكر الله ثم عمد إلى لسانه فقطعه فجزع فقيل له في ذلك قال أحببت ألا يزال لساني رطبا من ذكر الله و منهم القوم الذين وثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فلفظها تورعا و منهم أبو بلال مرداس الذي ينحله من الفرق لتقشفه و تصرمه و صحة عبادته و صلابة نيته أما المعتزلة فتنتحله و تقول إنه خرج منكرا لجور السلطان داعيا إلى الحق و إنه من أهل العدل و يحتجون لذلك بقوله لزياد و قد كان قال في خطبته على المنبر و الله لآخذن المحسن بالمسيء و الحاضر بالغائب و الصحيح بالسقيم فقام إليه مرداس فقال قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان و ما هكذا قال الله تعالى لنبيه إبراهيم إذ يقول
( وَ إِبْراهِيمَ اَلَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ثم خرج عليه عقيب هذا اليوم و أما الشيعة فتنتحله و تزعم أنه كتب إلى الحسين بن علي إني و الله لست من الخوارج و لا أرى رأيهم و إني على دين أبيك إبراهيم
و منهم المستورد أحد بني سعد بن زيد بن مناة كان ناسكا مجتهدا و هو أحد من ترأس على الخوارج في أيام علي و له الخطبة المشهورة التي أولها أن رسول الله ص أتانا بالعدل تخفق راياته و تلمع معالمه فبلغنا عن ربه و نصح لأمته حتى قبضه الله تعالى مخيرا مختارا و نجا يوم النخيلة من سيف علي فخرج بعد مدة على المغيرة بن شعبة و هو والي الكوفة فبارزه معقل بن قيس الرياحي فاختلفا ضربتين فخر كل واحد منهما ميتا و من كلام المستورد لو ملكت الدنيا بحذافيرها ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت و من كلامه إذا أفضيت بسري إلى صديقي فأفشاه لم ألمه لأني كنت أولى بحفظه و من كلامه كن أحرص على حفظ سرك منك على حقن دمك و كان يقول أول ما يدل على عيب عائب الناس معرفته بالعيوب و لا يعيب إلا معيب
و كان يقول المال غير باق عليك فاشتر به من الحمد و الأجر ما يبقى عليك
قال أبو العباس و خرج من الخوارج على معاوية بعد قتل علي حوثرة الأسدي و حابس الطائي خرجا في جمعهما فصارا إلى مواضع أصحاب النخيلة و معاوية يومئذ بالكوفة قد دخلها في عام الجماعة و قد نزل الحسن بن علي و خرج يريد المدينة فوجه إليه معاوية و قد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج فكان جواب الحسن و الله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين و ما أحسب ذاك يسعني أ فأقاتل عنك قوما أنت و الله أولى بالقتال منهم قلت هذا موافق لقول أبيه لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه مثل من طلب الباطل فأدركه و هو الحق الذي لا يعدل عنه و به يقول أصحابنا فإن الخوارج عندهم أعذر من معاوية و أقل ضلالا و معاوية أولى بأن يحارب منهم قال أبو العباس فلما رجع الجواب إلى معاوية أرسل إلى حوثرة الأسدي أباه و قال له اذهب فاكفني أمر ابنك فصار إليه أبوه فدعاه إلى الرجوع فأبى فماراه فصمم فقال يا بني أجيئك بابنك فلعلك تراه فتحن إليه فقال يا أبت أنا و الله إلى طعنة نافذة أتقلب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ابني
فرجع إلى معاوية فأخبره فقال يا أبا حوثرة لقد عتا بحق هذا جدا ثم وجه إليه جيشا أكثره أهل الكوفة فلما نظر إليهم حوثرة قال لهم يا أعداء الله أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه و أنتم اليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه فخرج إليه أبوه فدعاه إلى البراز فقال يا أبت لك في غيري مندوحة و لي في غيرك مذهب ثم حمل على القوم و هو يقول
أكرر على هذي الجموع حوثرة |
فعن قليل ما تنال المغفرة |
فحمل عليه رجل من طيئ فقتله فلما رأى أثر السجود قد لوح جبهته ندم على قتله
و قال الرهين المرادي أحد فقهاء الخوارج و نساكها:
يا نفس قد طال في الدنيا مراوغتي |
لا تأمنن لصرف الدهر تنغيصا |
|
إني لبائع ما يفنى لباقية |
إن لم يعقني رجاء العيش تربيصا |
|
و أسأل الله بيع النفس محتسبا |
حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا |
|
و ابن المنيح و مرداسا و إخوته |
إذ فارقوا هذه الدنيا مخاميصا |
قال أبو العباس و أكثرهم لم يكن يبالي بالقتل و شيمتهم استعذاب الموت و الاستهانة بالمنية و منهم الهازئ بالأمراء و قد قدم إلى السيف ولى زياد شيبان بن عبد الله الأشعري صاحب مقبرة بني شيبان باب عثمان و ما يليه بالبصرة فجد في طلب الخوارج و أخافهم فلم
يزل على ذلك حتى أتاه ليلة و هو متكئ بباب داره رجلان من الخوارج فضرباه بأسيافهما فقتلاه فأتي زياد بعد ذلك برجل من الخوارج فقال اذهبوا به فاقتلوه متكئا كما قتل شيبان متكئا فصاح به الخارجي يا عدلاه يهزأ به
قال و أما عباد بن أخضر قاتل أبي بلال مرداس بن أدية و قد ذكرنا قصته فإنه لم يزل بعد قتله مرداسا محمودا في المصر موصوفا بما كان منه حتى ائتمر جماعة من الخوارج أن يقتلوه فذمر بعضهم بعضا على ذلك فجلسوا له يوم جمعة بعد أن أقبل على بغلته و ابنه رديفه فقام إليه رجل منهم فقال له أسألك عن مسألة قال قل قال رأيت رجلا قتل رجلا بغير حق و للقاتل جاه و قدر و ناحية من السلطان و لم يعد عليه السلطان لجوره أ لولي ذلك المقتول أن يقتل القاتل إن قدر عليه فقال بل يرفعه إلى السلطان قال إن السلطان لا يعدي عليه لمكانه منه و لعظم جاهه عنده قال أخاف عليه إن فتك به فتك به السلطان قال دع ما تخافه من السلطان أ يلحقه تبعة فيما بينه و بين الله قال لا فحكم هو و أصحابه ثم خبطوه بأسيافهم و رمى عباد بابنه فنجا و تنادي الناس قتل عباد فاجتمعوا فأخذوا أفواه الطرق و كان مقتل عباد في سكة بني مازن عند مسجد بني كليب بن يربوع فجاء معبد بن أخضر أخو عباد و هو معبد
بن علقمة و أخضر زوج أمهما في جماعة من بني مازن و صاحوا بالناس دعونا و ثارنا فأحجم الناس فتقدم المازنيون فحاربوا الخوارج حتى قتلوهم جميعا لم يفلت منهم أحد إلا عبيدة بن هلال فإنه خرق خصا و نفذ فيه ففي ذلك يقول الفرزدق
لقد أدرك الأوتار غير ذميمة |
إذا ذم طلاب الترات الأخاضر |
|
هم جردوا الأسياف يوم ابن أخضر |
فنالوا التي ما فوقها نال ثائر |
|
أقادوا به أسدا لها في اقتحامها |
إذا برزت نحو الحروب بصائر |
ثم هجا كليب بن يربوع رهط جرير بن الخطفى لأنه قتل بحضرة مسجدهم و لم ينصروه فقال في كلمته هذه
كفعل كليب إذ أخلت بجارها |
و نصر اللئيم معتم و هو حاضر |
|
و ما لكليب حين تذكر أول |
و ما لكليب حين تذكر آخر |
قال و كان مقتل عباد بن أخضر و عبيد الله بن زياد بالكوفة و خليفته على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة فكتب إليه يأمره ألا يدع أحدا يعرف بهذا الرأي إلا حبسه فجد في طلب من تغيب عنه و جعل يتبعهم و يأخذهم فإذا شفع إليه أحد منهم كفله إلى أن يقدم به على ابن زياد حتى أتوه بعروة بن أدية فأطلقه و قال أنا كفيلك فلما قدم ابن زياد أخذ من في الحبس فقتلهم جميعا و طلب الكفلاء بمن كفلوا به فكل من جاء بصاحبه أطلقه و قتل الخارجي و من لم يأت بمن كفل به منهم قتله ثم قال لابن أبي بكرة هات عروة بن أدية قال لا أقدر عليه قال إذا و الله أقتلك فإنك كفيله فلم يزل يطلبه حتى دل عليه في سرب العلاء بن سوية المنقري فكتب بذلك إلى عبيد الله بن زياد فقرأ عليه كتابه فقال إنا قد أصبناه في شرب
العلاء فتهانف به عبيد الله و قال صحفت و لؤمت إنما هو في سرب العلاء و لوددت أنه كان ممن شرب النبيذ فلما أقيم عروة بين يديه قال لم جهزت أخاك علي يعني أبا بلال فقال و الله لقد كنت به ضنينا و كان لي عزا و لقد أردت له ما أريد لنفسي فعزم عزما فمضى عليه و ما أحب لنفسي إلا المقام و ترك الخروج فقال له أ فأنت على رأيه قال كلنا نعبد ربا واحدا قال أما و الله لأمثلن بك قال اختر لنفسك من القصاص ما شئت فأمر به فقطعوا يديه و رجليه ثم قال له كيف ترى قال أفسدت علي دنياي و أفسدت عليك آخرتك فأمر به فصلب على باب داره
قال أبو العباس و كان أبو الوازع الراسبي من مجتهدي الخوارج و نساكها و كان يذم نفسه و يلومها على القعود و كان شاعرا و كان يفعل ذلك بأصحابه فأتى نافع بن الأزرق و هو في جماعة من أصحابه يصف لهم جور السلطان و فساد العامة و كان نافع ذا لسان عضب و احتجاج و صبر على المنازعة فأتاه أبو الوازع فقال له يا نافع إنك
أعطيت لسانا صارما و قلبا كليلا فلوددت أن صرامة لسانك كانت لقلبك و كلال قلبك كان للسانك أ تحض على الحق و تقعد عنه و تقبح الباطل و تقيم عليه فقال نافع يا أبا الوازع إنما ننتظر الفرص إلى أن تجمع من أصحابك من تنكئ به عدوك فقال أبو الوازع
لسانك لا تنكي به القوم إنما |
تنال بكفيك النجاة من الكرب |
|
فجاهد أناسا حاربوا الله و اصطبر |
عسى الله أن يجزي غوي بني حرب |
يعني معاوية ثم قال و الله لا ألومك و نفسي ألوم و لأغدون غدوة لا أنثني بعدها أبدا ثم مضى فاشترى سيفا و أتى صيقلا كان يذم الخوارج و يدل على عوارتهم فشاوره في السيف فحمده ثم قال اشحذه فشحذه حتى إذا رضيه خبط به الصيقل فقتله و حمل على الناس فهربوا منه حتى أتى مقبرة بني يشكر فدفع عليه رجل حائط ستره فشدخه و أمر ابن زياد بصلبه
قال أبو العباس و من نساكهم الذين قتلوا في الحرب عمران بن الحارث الراسبي قتل يوم دولاب التقى هو و الحجاج بن باب الحميري و كان الأمير يومئذ على أهل البصرة و صاحب رايتهم فاختلفا ضربتين فخرا ميتين فقالت أم عمران ترثيه
الله أيد عمرانا و طهره |
و كان يدعو الله في السحر |
يدعوه سرا و إعلانا ليرزقه |
شهادة بيدي ملحادة غدر |
|
ولى صحابته عن حر ملحمة |
و شد عمران كالضرغامة الذكر |
قال و ممن قتل من رؤسائهم يوم دولاب نافع بن الأزرق و كان خليفتهم خاطبوه بإمرة المؤمنين فقال رجل منهم يرثيه
شمت ابن بدر و الحوادث جمة |
و الجائرون بنافع بن الأزرق |
|
و الموت حتم لا محالة واقع |
من لا يصبحه نهارا يطرق |
|
فئن أمير المؤمنين أصابه |
ريب المنون فمن يصبه يغلق |
و قال قطري بن الفجاءة يذكر يوم دولاب
لعمرك إني في الحياة لزاهد |
و في العيش ما لم ألق أم حكيم |
|
من الخفرات البيض لم ير مثلها |
شفاء لذي بث و لا لسقيم |
لعمرك إني يوم ألطم وجهها |
على نائبات الدهر جد لئيم |
|
فلو شهدتنا يوم دولاب شاهدت |
طعان فتى في الحرب غير ذميم |
|
غداة طفت علماء بكر بن وائل |
و عجنا صدور الخيل نحو تميم |
|
و كان بعبد القيس أول جدنا |
و أحلافها من يحصب و سليم |
|
و ظلت شيوخ الأزد في حومة الوغى |
تعوم فمن مستنزل و هزيم |
|
فلم أر يوما كان أكثر مقعصا |
يمج دما من فائظ و كليم |
|
و ضاربة خدا كريما على فتى |
أغر نجيب الأمهات كريم |
أصيب بدولاب و لم تك موطنا |
له أرض دولاب و أرض حميم |
|
فلو شهدتنا يوم ذاك و خيلنا |
تبيح الكفار كل حريم |
|
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم |
بجنات عدن عنده و نعيم |
و من رؤساء الخوارج و كبارهم عبد الله بن يحيى الكندي الملقب طالب الحق و صاحبه المختار بن عوف الأزدي صاحب وقعة قديد و نحن نذكر ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني من قصتهما في كتاب الأغاني مختصرا محذوفا منه ما لا حاجة بنا في هذا الموضع إليه قال أبو الفرج كان عبد الله بن يحيى من حضرموت و كان مجتهدا عابدا و كان يقول قبل أن يخرج لقيني رجل فأطال النظر إلي و قال ممن أنت قلت من كندة فقال من أيهم فقلت من بني شيطان فقال و الله لتملكن و تبلغن وادي القرى و ذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك و قد ذهبت و أنا أتخوف ما قال و أستخير الله فرأى باليمن جورا ظاهرا و عسفا شديدا و سيرة في الناس قبيحة فقال لأصحابه إنه لا يحل لنا المقام على ما نرى و لا الصبر عليه و كتب إلى جماعة من الإباضية بالبصرة و غيرها يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فافعل
فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل و لست تدري متى يأتي أجلك و لله بقية خير من عباده يبعثهم إذا شاء بنصر دينه و يختص بالشهادة منهم من يشاء و شخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي و بلج بن عقبة المسعودي في رجال من الإباضية فقدموا عليه حضرموت فحرضوه على الخروج و أتوه بكتب أصحابه يوصونه و يوصون أصحابه إذا خرجتم فلا تغلوا و لا تغدروا و اقتدوا بسلفكم الصالحين و سيروا بسيرتهم فقد علمتم أن الذي أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم فدعا عبد الله أصحابه فبايعوه و قصدوا دار الإمارة و على حضرموت يومئذ إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي فأخذه فحبسه يوما ثم أطلقه فأتى صنعاء و أقام عبد الله بحضرموت و كثر جمعه و سموه طالب الحق و كتب إلى من كان من أصحابه بصنعاء أني قادم عليكم ثم استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرمي و توجه إلى صنعاء و ذلك في سنة تسع و عشرين و مائة في ألفين و العامل على صنعاء يومئذ القاسم بن عمرو أخو يوسف بن عمرو الثقفي فجرت بينه و بين عبد الله بن يحيى حروب و مناوشات كانت الدولة فيها و النصرة لعبد الله بن يحيى فدخل إلى صنعاء و جمع ما فيها من الخزائن و الأموال فأحرزها فلما استولى على بلاد اليمن خطب فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله و ذكر و حذر ثم قال إنا ندعوكم أيها الناس إلى كتاب الله و سنة نبيه و إجابة من دعا إليهما الإسلام ديننا و محمد نبينا و الكعبة قبلتنا و القرآن إمامنا رضينا بالحلال حلالا لا نبتغي به بدلا و لا نشتري به ثمنا و حرمنا الحرام و نبذناه وراء ظهورنا و لا حول و لا قوة إلا بالله و إلى الله المشتكى و عليه المعول من زنى فهو كافر و من سرق فهو كافر و من شرب الخمر فهو كافر و من شك في أنه كافر فهو كافر ندعوكم إلى فرائض بينات و آيات محكمات
و آثار نقتدي بها و نشهد أن الله صادق فيما وعد و عدل فيما حكم و ندعو إلى توحيد الرب و اليقين بالوعد و الوعيد و أداء الفرائض و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الولاية لأهل ولاية الله و العداوة و لأعداء الله أيها الناس إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى و يصبرون على الألم في جنب الله و يقتلون على الحق في سالف الأيام شهداء فما نسيهم ربهم و ما كان ربك نسيا أوصيكم بتقوى الله و حسن القيام على ما وكلتم بالقيام عليه و قابلوا الله حسنا في أمره و زجره أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم قال و أقام عبد الله بن يحيى بصنعاء أشهرا يحسن السيرة في الناس و يلين جانبه لهم و يكف الأذى عنهم و كثر جمعه و أتته الشراة من كل جانب فلما كان في وقت الحج وجه أبا حمزة المختار بن عوف و بلج بن عقبة و أبرهة بن الصباح إلى مكة و الأمير عليهم أبو حمزة في ألف و أمره أن يقيم بمكة إذا صدر الناس و يوجه بلجا إلى الشام فأقبل المختار إلى مكة يوم التروية و عليها و على المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مروان بن محمد بن مروان و أم عبد الواحد بنت عبد الله بن خالد بن أسيد فكره عبد الواحد قتالهم و فزع الناس منهم حين رأوهم و قد طلعوا عليهم بعرفة و معهم أعلام سود في رءوس الرماح و قالوا لهم ما لكم و ما حالكم فأخبروهم بخلافهم مروان و آل مروان و التبري منهم فراسلهم عبد الواحد في ألا يعطلوا على الناس حجتهم فقال أبو حمزة نحن بحجنا أضن و عليه أشح فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير و أصبحوا من الغد و وقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة و دفع عبد الواحد بالناس فلما كانوا بمنى قيل لعبد الواحد قد أخطأت فيهم و لو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس
و بعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان و عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر و عبيد الله بن عمر بن حفص العمري و ربيعة بن عبد الرحمن و رجالا أمثالهم فلما قربوا من أبي حمزة أخذتهم مسالحه فأدخلوا على أبي حمزة فوجدوه جالسا و عليه إزار قطري قد ربطه بحوره في قفاه فلما دنوا تقدم إليه عبد الله بن الحسن العلوي و محمد بن عبد الله العثماني فنسبهما فلما انتسبا له عبس في وجوههما و أظهر الكراهية لهما ثم تقدم إليه بعدهما البكري و العمري فنسبهما فانتسبا له فهش إليهما و تبسم في وجوههما و قال و الله ما خرجنا إلا لنسير سيرة أبويكما فقال له عبد الله بن حسن و الله ما جئناك لتفاخر بين آبائنا و لكن الأمير بعثنا إليك برسالة و هذا ربيعة يخبركها فلما أخبره ربيعة قال له إن الأمير يخاف نقض العهد قال معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به و الله لا أفعل و لو قطعت رقبتي هذه و لكن إلى أن تنقضي الهدنة بيننا و بينكم فخرجوا من عنده فأبلغوا عبد الواحد فلما كان النفر الأخير نفر عبد الواحد و خلى مكة لأبي حمزة فدخل بغير قتال فقال بعض الشعراء يهجو عبد الواحد
زار الحجيج عصابة قد خالفوا |
دين الإله ففر عبد الواحد |
|
ترك الإمارة و المواسم هاربا |
و مضى يخبط كالبعير الشارد |
|
فلو أن والده تخير أمه |
لصفت خلائقه بعرق الوالد |
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة و دعا بالديوان فضرب على الناس البعث و زادهم في العطاء عشرة عشرة و استعمل على الجيش عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا فلقيتهم جزر منحورة فتشاءم الناس بها فلما كانوا بالعقيق علق لواء عبد العزيز بسمرة فانكسر الرمح فتشاءموا بذلك أيضا ثم ساروا حتى نزلوا قديدا فنزل بها قوم معتزلون ليسوا بأصحاب حرب و أكثرهم تجار أغمار قد خرجوا في المصبغات و الثياب الناعمة و اللهو لا يظنون أن للخوارج شوكة و لا يشكون في أنهم في أيديهم و قال رجل منهم من قريش لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء و لكنهم داهنوا في دين الله و الله لنظفرن و لنسيرن إلى أهل الطائف فلنسبينهم ثم قال من يشتري مني من سبي أهل الطائف قال أبو الفرج فكان هذا الرجل أول المنهزمين فلما وصل المدينة و دخل داره أراد أن يقول لجاريته أغلقي الباب قال لها غاق باق دهشا فلقبه أهل المدينة بعد ذلك غاق باق و لم تفهم الجارية قوله حتى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب. قال و كان عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة فمر به أمية بن عنبسة بن سعيد بن العاص فرحب به و ضحك إليه ثم مر به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه و لم يلتفت إليه فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع و كان ابن خالته أما هما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد سبحان الله مر بك شيخ من شيوخ قريش فلم تنظر
إليه و لم تكلمه و مر بك غلام من بني أمية فضحكت إليه و لاطفته أما و الله لو التقى الجمعان لعلمت أيهما أصبر قال فكان أمية بن عنبة أول من انهزم و ركب فرسه و مضى و قال لغلامه يا مجيب أما و الله لئن أحرزت هذه الأكلب من بني الشراة إني لعاجز و أما عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فقاتل يومئذ حتى قتل و كان يحمل و يتمثل
و إني إذا ضن الأمير بإذنه |
على الإذن من نفسي إذا شئت قادر |
و الشعر للأغر بن حماد اليشكري قال فلما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكة أبرهة بن الصباح و شخص إليهم و على مقدمته بلج بن عقبة فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها و أهل المدينة نزول بقديد قال لأصحابه إنكم ملاقو القوم غدا و أميرهم فيما بلغني ابن عثمان أول من خالف سنة الخلفاء و بدل سنة رسول الله ص و قد وضح الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله و تلاوة القرآن و وطنوا أنفسكم على الموت و صبحهم غداة الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين و مائة قال أبو الفرج و قال عبد العزيز لغلامه في تلك الليلة ابغنا علفا قال هو غال فقال ويحك البواكي علينا غدا أغلى و أرسل أبو حمزة إليهم بلج بن عتبة ليدعوهم فأتاهم في ثلاثين راكبا فذكرهم الله و سألهم أن يكفوا عنهم و قال لهم خلوا سبيلنا إلى الشام لنسير
إلى من ظلمكم و جار في الحكم عليكم و لا تجعلوا حدنا بكم فإنا لا نريد قتالكم فشتمهم أهل المدينة و قالوا يا أعداء الله أ نحن نخليكم و نترككم تفسدون في الأرض فقالت الخوارج يا أعداء الله أ نحن نفسد في الأرض إنما خرجنا لنكف الفساد و نقاتل من قاتلنا منكم و استأثر بالفيء فانظروا لأنفسكم و اخلعوا من لم يجعل الله له طاعة فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فادخلوا في السلم و عاونوا أهل الحق فناداه عبد العزيز ما تقول في عثمان قال قد برئ منه المسلمون قبلي و إنا متبع آثارهم و مقتد بهم قال ارجع إلى أصحابك فليس بيننا و بينكم إلا السيف فرجع إلى أبي حمزة فأخبره فقال كفوا عنهم و لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم بالقتال فواقفوهم و لم يقاتلوهم فرمى رجل من أهل المدينة بسهم في عسكر أبي حمزة فجرح منهم رجلا فقال أبو حمزة شأنكم الآن فقد حل قتالهم فحملوا عليهم فثبت بعضهم لبعض و راية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع ثم انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم و كان على عامتهم صخر بن الجهم بن حذيفة العدوي فكبر و كبر الناس معه فقاتلوا قليلا ثم انهزموا فلم يبعدوا حتى كبر ثانية فثبت معه ناس و قاتلوا ثم انهزموا هزيمة لم يبق بعدها منهم باقية فقال علي بن الحصين لأبي حمزة اتبع آثار القوم أو دعني أتبعهم فأقتل المدبر و أذفف على الجريح فإن هؤلاء شر علينا من أهل الشام و لو قد جاءك أهل الشام غدا لرأيت من هؤلاء ما تكره قال لا أفعل و لا أخالف سيرة أسلافنا و أخذ جماعة منهم أسرا و أراد إطلاقهم فمنعه علي بن الحصين و قال إن لكل
زمان سيرة و هؤلاء لم يؤسروا و هم هراب و إنما أسروا و هم يقاتلون و لو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم فهكذا الآن قتلهم حلال و دعا بهم فكان إذا رأى رجلا من قريش قتله و إذا رأى رجلا من الأنصار أطلقه قال أبو الفرج و ذلك لأن قريشا كانوا أكثر الجيش و بهم كانت الشوكة و أتى محمد بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان فنسبه فقال أنا رجل من الأنصار فسأل الأنصار فأقرت بذلك فأطلقه فلما ولى قال و الله إني لأعلم أنه قرشي و لكن قد أطلقته قال و قد بلغت قتلى قديد ألفين و مائتين و ثلاثين رجلا منهم من قريش أربعمائة و خمسون رجلا و من الأنصار ثمانون رجلا و من الموالي و سائر الناس ألف و سبعمائة رجل قال و كان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزى بن قصي أربعون رجلا قال و قتل يومئذ أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان خرج مقنعا فلم يكلم أحدا و قاتل حتى قتل و دخل بلج المدينة بغير حرب فدخلوا في طاعته و كف عنهم و رجع إلى ملكه و كان على شرطته أبو بكر بن عبد الله بن عمر من آل سراقة فكان أهل المدينة يقولون لعن الله السراقي و لعن الله بلجا العراقي و قالت نائحة أهل المدينة تبكيهم
ما للزمان و ما ليه |
أفنت قديد رجاليه |
|
فلأبكين سريرة |
و لأبكين علانية |
|
و لأبكين على قديد |
بسوء ما أولانيه |
|
و لأعوين إذا خلوت |
مع الكلاب العاوية |
قال أبو الفرج و لما سار عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام و خلف المدينة لبلج أقبل أبو حمزة من مكة حتى دخلها فرقي المنبر فحمد الله و قال يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فأسأتم لعمري و الله القول فيهم و سألناكم هل يقتلون بالظن فقلتم نعم و سألناكم هل يستحلون المال الحرام و الفرج الحرام فقلتم نعم فقلنا لكم تعالوا نحن و أنتم فأنشدوا الله وحده أن يتنحوا عنا و عنكم ليختار المسلمون لأنفسهم فقلتم لا نفعل فقلنا لكم تعالوا نحن و أنتم نلقاهم فإن نظهر نحن و أنتم يأت من يقيم لنا كتاب الله و سنة نبيه و يعدل في أحكامكم و يحملكم على سنة نبيكم فأبيتم و قاتلتمونا فقاتلناكم و قتلناكم فأبعدكم الله و أسحقكم يا أهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك و قد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم فكتب بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم فزاد الغني غنى و الفقير فقرا و قلتم جزاه الله خيرا فلا جزاه خيرا و لا جزاكم قال أبو الفرج فأما خطبتا أبي حمزة المشهورتان اللتان خطب بهما في المدينة فإن إحداهما قوله تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا و أموالنا أشرا و لا بطرا و لا عبثا و لا لهوا و لا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه و لا لثأر قديم نيل منا و لكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت و معالم العدل قد عطلت و عنف القائم بالحق و قتل القائم بالقسط ضاقت علينا الأرض بما رحبت و سمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن و حكم القرآن فأجبنا داعي الله( وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي اَلْأَرْضِ )
فأقبلنا من قبائل شتى النفر منا على البعير الواحد و عليه زادهم يتعاورون لحافا واحدا قليلون مستضعفون في الأرض فآوانا الله و أيدنا بنصره و أصبحنا و الله المحمود من أهل فضله و نعمته ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن و حكم القرآن فدعونا إلى طاعة الشيطان و حكم مروان فشتان لعمر الله ما بين الغي و الرشد ثم أقبلوا يزفون و يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه و صدق عليهم إبليس ظنه و أقبل أنصار الله عصائب و كتائب بكل مهند ذي رونق فدارت رحانا و استدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون و ايم الله يا أهل المدينة إن تنصروا مروان و آل مروان فيسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا و يشف صدور قوم مؤمنين يا أهل المدينة الناس منا و نحن منهم إلا مشركا عباد وثن أو كافرا من أهل الكتاب أو إماما جائرا يا أهل المدينة من يزعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها و سألها عما لم يؤتها فهو لنا حرب يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي و الضعيف فجاء تاسع ليس له منها سهم فأخذها جميعا لنفسه مكابرا محاربا لربه ما تقولون فيه و فيمن عاونه على فعله يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم هم شباب أحداث و أعراب جفاة ويحكم يا أهل المدينة و هل كان أصحاب رسول الله ص إلا شبابا
أحداثا نعم و الله إن أصحابي لشباب مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أقدامهم قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا قد خلطوا كلالهم بكلالهم و قيام ليلهم بصيام نهارهم محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار و كلما مروا بآية رجاء شهقوا شوقا إلى الجنة و إذا نظروا إلى السيوف و قد انتضيت و إلى الرماح و قد أشرعت و إلى السهام و قد فوقت و أرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفوا وعيدها عند وعيد الله و انغمسوا فيها فطوبى لهم و حسن مآب فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية الله و كم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا و ساجدا في طاعة الله أقول قولي هذا و أستغفر الله و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب و أما الخطبة الثانية فقوله يا أهل المدينة ما لي رأيت رسم الدين فيكم عافيا و آثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة و لا تفقهون من أهله حجة قد بليت فيكم جدته و انطمست عنكم سنته ترون معروفه منكرا و المنكر من غيره معروفا فإذا انكشفت لكم العبر و أوضحت لكم النذر عميت عنها أبصاركم و صمت عنها آذانكم ساهين في غمرة لاهين في غفلة تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر و تنقبض عن الحق إذا ذكر مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل كلما وردت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة فهي لا تلين بكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
يا أهل المدينة إنه لا تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم قد جعل الله لكل شيء سببا غالبا عليه لينقاد إليه مطيع أمره فجعل القلوب غالبة على الأبدان فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا و إن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها و لا يصححها إلا المعرفة بالله و قوة النية و نفاذ البصيرة و لو استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت في طاعة الله أبدانكم يا أهل المدينة داركم دار الهجرة و مثوى الرسول ص لما نبت به داره و ضاق به قراره و آذاه الأعداء و تجهمت له فنقله الله إليكم بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم متوازرين مع الحق على الباطل مختارين الأجل على العاجل يصبرون للضراء رجاء ثوابها فنصروا الله و جاهدوا في سبيله و آزروا رسوله ص و اتبعوا النور الذي أنزل معه و آثروا الله على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة فقال الله تعالى لهم و لأمثالهم و لمن اهتدى بهديهم( وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ) و أنتم أبناؤهم و من بقي من خلفهم تتركون أن تقتدوا بهم أو تأخذوا بسنتهم عمى القلوب صم الآذان اتبعتم الهوى فأرداكم عن الهدى و أسهاكم عن مواعظ القرآن لا تزجركم فتنزجرون و لا تعظكم فتتعظون و لا توقظكم فتستيقظون لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ما سرتم سيرتهم و لا حفظتم وصيتهم و لا احتذيتم مثالهم لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم أ لا ترون إلى خلافة الله و إمامة المسلمين كيف أضيعت حتى تداولها بنو مروان أهل بيت اللعنة و طرداء رسول الله و قوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التابعين بإحسان فأكلوا مال الله أكلا و تلعبوا بدين الله لعبا و اتخذوا عباد الله عبيدا يورث الأكبر منهم ذلك الأصغر فيا لها
أمة ما أضعفها و أضيعها و مضوا على ذلك من سيئ أعمالهم و استخفافهم بكتاب الله قد نبذوه وراء ظهورهم فالعنوهم لعنهم الله لعنا كما يستحقونه و لقد ولى منهم عمر بن عبد العزيز فاجتهد و لم يكد و عجز عن الذي أظهر حتى مضى لسبيله قال و لم يذكره بخير و لا بشر ثم قال و ولى بعده يزيد بن عبد الملك غلام سفيه ضعيف غير مأمون على شيء من أمور المسلمين لم يبلغ أشده و لم يؤنس رشده و قد قال الله عز و جل( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) و أمر أمة محمد ص و أحكامها و فروجها و دمائها أعظم عند الله من مال اليتيم و إن كان عند الله عظيما غلام مأبون في فرجه و بطنه يأكل الحرام و يشرب الخمر و يلبس بردين قد حيكا من غير حلهما و صرفت أثمانهما في غير وجهها بعد أن ضربت فيهما الأبشار و حلقت فيهما الأشعار استحل ما لم يحله الله لعبد صالح و لا لنبي مرسل فأجلس حبابة عن يمينه و سلامة عن يساره يغنيانه بمزامير الشيطان و يشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها حتى إذا أخذت منه مأخذها و خالطت روحه و لحمه و دمه و غلبت سورتها على عقله مزق برديه ثم التفت إليهما فقال أ تأذنان لي بأن أطير نعم فطر إلى النار طر إلى لعنة الله طر إلى حيث لا يردك الله ثم ذكر بني أمية و أعمالهم فقال أصابوا إمرة ضائعة و قوما طغاما جهالا لا يقومون لله بحق و لا يفرقون بين الضلالة و الهدى و يرون أن بني أمية أرباب لهم فملكوا الأمر و تسلطوا فيه تسلط ربوبية بطشهم بطش الجبابرة يحكمون بالهوى و يقتلون على الغضب و يأخذون بالظن و يعطلون الحدود بالشفاعات و يؤمنون الخونة و يعصون ذوي
الأمانة و يتناولون الصدقة من غير فرضها و يضعونها غير موضعها فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله فالعنوهم لعنهم الله قال ثم ذكر شيعة آل أبي طالب فقال و أما إخواننا من الشيعة و ليسوا بإخواننا في الدين لكني سمعت الله يقول( يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا ) فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله و آثرت الفرقة على الله لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن و لا عقل بالغ في الفقه و لا تفتيش عن حقيقة الثواب قد قلدوا أمورهم أهواءهم و جعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه و أطاعوه في جميع ما يقوله لهم غيا كان أو رشدا ضلالة كان أو هدى ينتظرون الدول في رجعة الموتى و يؤمنون بالبعث قبل الساعة و يدعون علم الغيب لمخلوقين لا يعلم واحدهم ما في بيته بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه ينقمون المعاصي على أهلها و يعملون بها و لا يعلمون المخرج منها جفاة في دينهم قليلة عقولهم قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم و زعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة و تنجيهم من عقاب الأعمال السيئة قاتلهم الله أنى يؤفكون فأي الفرق يا أهل المدينة تتبعون أم بأي مذاهبهم تقتدون و لقد بلغني مقالكم في أصحابي و ما عبتموه من حداثة أسنانهم ويحكم و هل كان أصحاب رسول الله ص إلا أحداثا نعم إنهم لشباب مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم ثقيلة في الباطل أرجلهم أنضاء عبادة قد نظر الله إليهم في جوف الليل محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا و كلما مر بآية فيها ذكر النار شهق خوفا كأن زفير جهنم بين أذنيه قد أكلت الأرض جباههم و ركبهم
و وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم مصفرة ألوانهم ناحلة أبدانهم من طول القيام و كثرة الصيام يوفون بعهد الله منجزون لوعد الله قد شروا أنفسهم في طاعة الله حتى إذا التقت الكتيبتان و أبرقت سيوفهما و فوقت سهامهما و أشرعت رماحهما لقوا شبا الأسنة و زجاج السهام و ظبى السيوف بنحورهم و وجوههم و صدورهم فمضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه و اختضبت محاسن وجهه بالدماء و عفر جبينه بالتراب و الثرى و انحطت عليه الطير من السماء و مزقته سباع الأرض فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله و كم من وجه رقيق و جبين عتيق قد فلق بعمد الحديد ثم بكى فقال آه آه على فراق الإخوان رحمة الله تعالى على تلك الأبدان اللهم أدخل أرواحها الجنان قال أبو الفرج و سار أبو حمزة و خلف بالمدينة المفضل الأزدي في جماعة من أصحابه و بعث مروان بن محمد عبد الملك بن عطية السعدي في أربعة آلاف من أهل الشام فيهم فرسان عسكره و وجهوهم لحرب أبي حمزة و عبد الله بن يحيى طالب الحق و أمر ابن عطية بالجد في المسير و أعطى كل رجل من الجيش مائة دينار و فرسا عربيا و بغلا لثقله فخرج ابن عطية حتى إذا كان بالمعلى فكان رجل من أهل وادي القرى يقال له العلاء
بن أفلح أبي الغيث يقول لقيني في ذلك اليوم و أنا غلام رجل من أصحاب ابن عطية فقال لي ما اسمك يا غلام فقلت العلاء فقال ابن من قلت ابن أفلح قال أ عربي أم مولى فقلت مولى قال مولى من قلت مولى أبي الغيث قال فأين نحن قلت بالمعلى قال فأين نحن غدا قلت بغالب قال فما كلمني حتى أردفني خلفه و مضى حتى أدخلني على ابن عطية و قال له أيها الأمير سل الغلام ما اسمه فسأل و أنا أرد عليه القول فسر بذلك و وهب لي دراهم قال أبو الفرج و قدم أبو حمزة و أمامه بلج بن عقبة في ستمائة رجل ليقاتل عبد الملك بن عطية فلقيه بوادي القرى لأيام خلت من جمادى الأولى سنة ثلاثين و مائة فتواقفوا و دعاهم بلج إلى الكتاب و السنة و ذكر بني أمية و ظلمهم فشتمه أهل الشام و قالوا يا أعداء الله أنتم أحق بهذا ممن ذكرتم فحمل بلج و أصحابه عليهم و انكشفت طائفة من أهل الشام و ثبت ابن عطية في عصبة صبروا معه فناداهم يا أهل الشام يا أهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم و أميركم و اصبروا و قاتلوا قتالا شديدا فقتل بلج و أكثر أصحابه و انحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام فقتل منهم سبعين رجلا و نجا منهم ثلاثون فرجعوا إلى أبي حمزة و هو بالمدينة و قد اغتموا و جزعوا من ذلك الخبر و قالوا فررنا من الزحف فقال لهم أبو حمزة لا تجزعوا فإنا لكم فئة و إلي تحيزتم و خرج أبو حمزة إلى مكة فدعا عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أهل المدينة إلى قتال المفضل خليفة أبي حمزة على المدينة فلم يجد أحدا لأن القتل قد كان أسرع في الناس و خرج وجوه أهل البلد عنه فاجتمع إلى عمر البربر و الزنوج و أهل السوق و العبيد
فقاتل بهم الشراة فقتل المفضل و عامة أصحابه و هرب الباقون فلم يبق منهم أحد فقال في ذلك سهيل مولى زينب بنت الحكم بن أبي العاص
ليت مروان رآنا |
يوم الإثنين عشية |
|
إذ غسلنا العار عنا |
و انتضينا المشرفية |
قال فلما قدم ابن عطية أتاه عمر بن عبد الرحمن فقال له أصلحك الله إني جمعت قضي و قضيضي فقاتلت هؤلاء الشراة فلقبه أهل المدينة قضي و قضيضي قال أبو الفرج و أقام ابن عطية بالمدينة شهرا و أبو حمزة مقيم بمكة ثم توجه إليه فقال علي بن الحصين العبدي لأبي حمزة إني كنت أشرت عليك يوم قديد و قبله أن تقتل الأسرى فلم تفعل حتى قتلوا المفضل و أصحابنا المقيمين معه بالمدينة و أنا أشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكة فإنهم كفرة فجرة و لو قد قدم ابن عطية لكانوا أشد عليك من أهل المدينة فقال لا أرى ذلك لأنهم قد دخلوا في الطاعة و أقروا بالحكم و وجب لهم حق الولاية فقال إنهم سيغدرون فقال( وَ مَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) و قدم ابن عطية مكة فصير أصحابه فرقتين و لقي الخوارج من وجهين فكان هو بإزاء أبي حمزة في أسفل مكة و جعل طائفة أخرى بالأبطح بإزاء أبرهة بن الصباح فقتل أبرهة كمن له ابن هبار و هو على خيل دمشق فقتله عند بئر ميمون و التقى ابن عطية بأبي حمزة فخرج أهل مكة بأجمعهم مع ابن عطية و تكاثر الناس على أبي حمزة فقتل على فم الشعب و قتلت معه امرأته و هي ترتجز
أنا الجديعاء و بنت الأعلم |
من سأل عن اسمي فاسمي مريم |
و قتلت الخوارج قتلا ذريعا و أسر منهم أربعمائة فقال لهم ابن عطية ويلكم ما دعاكم إلى الخروج مع هذا فقالوا ضمن لنا الكنة يريدون الجنة فقتلهم كلهم و صلب أبا حمزة و أبرهة بن الصباح على شعب الخيف و دخل علي بن الحصين دارا من دور قريش فأحدق أهل الشام بها فأحرقوها فرمى بنفسه عليهم و قاتل فأسر و قتل و صلب مع أبي حمزة فلم يزالوا مصلوبين حتى أفضى الأمر إلى بني هاشم فأنزلوا في خلافة أبي العباس قال أبو الفرج و ذكر ابن الماجشون أن ابن عطية لما التقى بأبي حمزة قال أبو حمزة لأصحابه لا تقاتلوهم حتى تختبروهم فصاحوا فقالوا يا أهل الشام ما تقولون في القرآن و العمل به فقال ابن عطية نضعه في جوف الجوالق قالوا فما تقولون في اليتيم قالوا نأكل ماله و نفجر بأمه في أشياء بلغني أنهم سئلوا عنها فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا فصاحت الشراة ويحك يا ابن عطية إن الله جل و عز قد جعل الليل سكنا فاسكن و نسكن فأبى و قاتلهم حتى أفناهم قال و لما خرج أبو حمزة من المدينة خطب فقال يا أهل المدينة إنا خارجون لحرب مروان فإن نظهر عليه نعدل في أحكامكم و نحملكم على سنة نبيكم و إن يكن ما تمنيتم لنا فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
قال و قد كان اتبعه على رأيه قوم من أهل المدينة و بايعوه منهم بشكست النحوي فلما جاءهم قتله وثب الناس على أصحابه فقتلوهم و كان ممن قتلوه بشكست النحوي طلبوه فرقي في درجة دار فلحقوه فأنزلوه و قتلوه و هو يصيح يا عباد الله فيم تقتلونني فقيل فيه
لقد كان بشكست عبد العزيز |
من أهل القراءة و المسجد |
|
فبعدا لبشكست عبد العزيز |
و أما القرآن فلا تبعد |
قال أبو الفرج و حدثني بعض أصحابنا أنه رأى رجلا واقفا على سطح يرمي بالحجارة قوم أبي حمزة بمكة فقيل له ويلك أ تدري من ترمي مع اختلاط الناس فقال و الله ما أبالي من رميت إنما يقع حجري في شام أو شار و الله ما أبالي أيهما قتلت قال أبو الفرج و خرج ابن عطية إلى الطائف و أتى قتل أبي حمزة إلى عبد الله بن يحيى طالب الحق و هو بصنعاء فأقبل في أصحابه يريد حرب ابن عطية فشخص ابن عطية إليه و التقوا فقتل بين الفريقين جمع كثير و ترجل عبد الله بن يحيى في ألف رجل فقاتلوا حتى قتلوا كلهم و قتل عبد الله بن يحيى و بعث ابن عطية رأسه إلى مروان بن محمد و قال أبو صخر الهذلي يذكر ذلك
قتلنا عبيدا و الذي يكتني الكنى |
أبا حمزة القارئ المصلي اليمانيا |
|
و أبرهة الكندي خاضت رماحنا |
و بلجا منحناه السيوف المواضيا |
و ما تركت أسيافنا منذ جردت |
لمروان جبارا على الأرض عاصيا |
و قال عمرو بن الحصين العنبري يرثي أبا حمزة و غيره من الشراة و هذه القصيدة من مختار شعر العرب
هبت قبيل تبلج الفجر |
هند تقول و دمعها يجري |
|
إذ أبصرت عيني و أدمعها |
تنهل واكفة على النحر |
|
أنى اعتراك و كنت عهدي لا |
سرب الدموع و كنت ذا صبر |
|
أ قذى بعينك لا يفاوقها |
أم عائر أم ما لها تذري |
|
أم ذكر إخوان فجعت بهم |
سلكوا سبيلهم على قدر |
|
فأجبتها بل ذكر مصرعهم |
لا غيره عبراتها تمري |
|
يا رب أسلكني سبيلهم |
ذا العرش و اشدد بالتقى أزري |
|
في فتية صبروا نفوسهم |
للمشرفية و القنا السمر |
|
تالله ما في الدهر مثلهم |
حتى أكون رهينة القبر |
|
أوفى بذمتهم إذا عقدوا |
و أعف عند العسر و اليسر |
|
متأهبون لكل صالحة |
ناهون من لاقوا عن النكر |
|
صمت إذا حضروا مجالسهم |
من غير ماعي بهم يزري |
|
إلا تجيئهم فإنهم |
رجف القلوب بحضرة الذكر |
متأوهون كأن جمر غضا |
للموت بين ضلوعهم يسري |
|
فهم كأن بهم جرى مرض |
أو مسهم طرف من السحر |
|
لا ليلهم ليل فيلبسهم |
فيه غواشي النوم بالسكر |
|
إلا كرى خلسا و آونة |
حذر العقاب فهم على ذعر |
|
كم من أخ لك قد فجعت به |
قوام ليلته إلى الفجر |
|
متأوها يتلو قوارع من |
آي الكتاب مفزع الصدر |
|
ظمآن وقدة كل هاجرة |
تراك لذته على قدر |
|
رفاض ما تهوى النفوس إذا |
رغب النفوس دعت إلى المرز |
|
و مبرأ من كل سيئة |
عف الهوى ذا مرة شزر |
|
و المصطلي بالحرب يوقدها |
بحسامه في فتية زهر |
|
يختاضها بأفل ذي شطب |
عضب المضارب ظاهر الأثر |
|
لا شيء يلقاه أسر له |
من طعنة في ثغرة النحر |
|
منهارة منه تجيش بما |
كانت عواصم جوفه تجري |
لخليلك المختار أذك به |
من مغتد في الله أو مسري |
|
خواض غمرة كل متلفة |
في الله تحت العثير الكدر |
|
نزال ذي النجوات مختضبا |
بنجيعه بالطعنة الشزر |
|
و ابن الحصين و هل له شبه |
في العرف أنى كان و النكر |
|
بشهامة لم تحن أضلعه |
لذوي أحزته على غدر |
|
طلق اللسان بكل محكمة |
رآب صدع العظم ذي الكسر |
|
لم ينفكك في جوفه حزن |
تغلي حرارته و تستشري |
|
ترقي و آونة يخفضها |
بتنفس الصعداء و الزفر |
|
و مخالطي بلج و خالصتي |
سهم العدو و جابر الكسر |
|
نكل الخصوم إذا هم شغبوا |
و سداد ثلمة عورة الثغر |
|
و الخائض الغمرات يخطر في |
وسط الأعادي أيما خطر |
|
بمشطب أو غير ذي شطب |
هام العدا بذبابه يفري |
|
و أخيك أبرهة الهجان أخي الحرب |
العوان و موقد الجمر |
|
و الضارب الأخدود ليس لها |
حد ينهنهها عن السحر |
|
و ولى حكمهم فجعت به |
عمرو فوا كبدي على عمرو |
|
قوال محكمة و ذو فهم |
عف الهوى متثبت الأمر |
|
و مسيب فاذكر وصيته |
لا تنس إما كنت ذا ذكر |
فكلاهما قد كان مختشعا |
لله ذا تقوى و ذا بر |
|
في مخبتين و لم أسمهم |
كانوا ندي و هم أولو نصري |
|
و هم مساعر في الوغي رجح |
و خيار من يمشي على العفر |
|
حتى وفوا لله حيث لقوا |
بعهود لا كذب و لا غدر |
|
فتخالسوا مهجات أنفسهم |
و عداتهم بقواضب بتر |
|
و أسنة أثبتن في لدن |
خطية بأكفهم زهر |
|
تحت العجاج و فوقهم خرق |
يخفقن من سود و من حمر |
|
فتوقدت نيران حربهم |
ما بين أعلى البيت و الحجر |
|
و تصرعت عنهم فوارسهم |
لم يغمضوا عينا على وتر |
|
صرعى فخاوية بيوتهم |
و خوامع بجسومهم تفري |
قال أبو الفرج و أقام ابن عطية بحضرموت بعد ظفره بالخوارج حتى أتاه كتاب مروان يأمره بالتعجيل إلى مكة فيحج بالناس فشخص إلى مكة متعجلا مخفا في تسعة عشر فارسا و ندم مروان على ما كتبه و قال قتلت ابن عطية و سوف يخرج متعجلا مخفا من اليمن ليلحق الحج فيقتله الخوارج فكان كما قال صادفه في طريقه جماعة متلففة فمن كان منهم إباضيا قال ما تنتظر أن ندرك ثأر إخواننا و من لم يكن منهم إباضيا ظن أنه إباضي منهزم من ابن عطية فصمد له سعيد و جمانة ابنا الأخنس
الكنديان في جماعة من قومهما و كانوا على رأي الخوارج فعطف ابن عطية على سعيد فضربه بالسيف و طعنه جمانة فصرعه فنزل إليه سعيد فقعد على صدره فقال له ابن عطية هل لك في أن تكون أكرم العرب أسيرا فقال سعيد يا عدو الله أ تظن الله يهملك أو تطمع في الحياة و قد قتلت طالب الحق و أبا حمزة و بلجا و أبرهة فذبحه و قتل أصحابه أجمعون فهذا يسير مما هو معلوم من حال هذه الطائفة في خشونتها في الدين و تلزمها بناموسه و إن كانت في أصل العقيدة على ضلال و هكذا
قال النبي ص عنهم تستحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم و صيام أحدكم في جنب صيامهم و معلوم أن معاوية و من بعده من بني أمية لم تكن هذه الطريقة طريقتهم و لا هذه السنة سنتهم و أنهم كانوا أهل دنيا و أصحاب لعب و لهو و انغماس في اللذات و قلة مبالاة بالدين و منهم من هو مرمي بالزندقة و الإلحاد
و قد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية و لم يقتصروا على تفسيقه و قالوا عنه إنه كان ملحدا لا يعتقد النبوة و نقلوا عنه في فلتات كلامه و سقطات ألفاظه ما يدل على ذلك و روى الزبير بن بكار في الموفقيات و هو غير متهم على معاوية و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي ع و الانحراف عنه قال المطرف بن المغيرة بن شعبة دخلت مع أبي على معاوية و كان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية و عقله و يعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء و رأيته مغتما فانتظرته ساعة و ظننت أنه لأمر حدث
فينا فقلت ما لي أراك مغتما منذ الليلة فقال يا بني جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم قلت و ما ذاك قال قلت له و قد خلوت به إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فإنك قد كبرت و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه و إن ذلك مما يبقى لك ذكره و ثوابه فقال هيهات هيهات أي ذكر أرجو بقاءه ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل أبو بكر ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر و إن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات أشهد أن محمدا رسول الله فأي عملي يبقى و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك لا و الله إلا دفنا دفنا و أما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة من لبسه الحرير و شربه في آنية الذهب و الفضة حتى أنكر عليه ذلك أبو الدرداء فقال له
إني سمعت رسول الله ص يقول إن الشارب فيها ليجرجر في جوفه نار جهنم و قال معاوية أما أنا فلا أرى بذلك بأسا فقال أبو الدرداء من عذيري من معاوية أنا أخبره عن الرسول ص و هو يخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أبدا نقل هذا الخبر المحدثون و الفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج على أن خبر الواحد معمول به في الشرع و هذا الخبر يقدح في عدالته كما يقدح أيضا في عقيدته لأن من قال في مقابلة خبر قد روى عن رسول الله ص أما أنا فلا أرى بأسا فيما حرمه رسول الله ص ليس بصحيح العقيدة و من المعلوم أيضا من حالة استئثاره بمال الفيء و ضربه من لا حد عليه و إسقاط الحد عمن يستحق إقامة الحد عليه و حكمه
برأيه في الرعية و في دين الله و استلحاقه زيادا و هو يعلم قول رسول الله ص الولد للفراش و للعاهر الحجر و قتله حجر بن عدي و أصحابه و لم يجب عليهم القتل و مهانته لأبي ذر الغفاري و جبهه و شتمه و إشخاصه إلى المدينة على قتب بعير وطاء لإنكاره عليه و لعنه عليا و حسنا و حسينا و عبد الله بن عباس على منابر الإسلام و عهده بالخلافة إلى ابنه يزيد مع ظهور فسقه و شربه المسكر جهارا و لعبه بالنرد و نومه بين القيان المغنيات و اصطباحه معهن و لعبه بالطنبور بينهن و تطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله ص و خلافته حتى أفضت إلى يزيد بن عبد الملك و الوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين صاحب حبابة و سلامة و الآخر رامي المصحف بالسهام و صاحب الأشعار في الزندقة و الإلحاد و لا ريب أن الخوارج إنما بريء أهل الدين و الحق منهم لأنهم فارقوا عليا و برئوا منه و ما عدا ذلك من عقائدهم نحو القول بتخليد الفاسق في النار و القول بالخروج على أمراء الجور و غير ذلك من أقاويلهم فإن أصحابنا يقولون بها و يذهبون إليها فلم يبق ما يقتضي البراءة منهم إلا براءتهم من علي و قد كان معاوية يلعنه على رءوس الأشهاد و على المنابر في الجمع و الأعياد في المدينة و مكة و في سائر مدن الإسلام فقد شارك الخوارج في الأمر المكروه منهم و امتازوا عليه بإظهار الدين و التلزم بقوانين الشريعة و الاجتهاد في العبادة و إنكار المنكرات و كانوا أحق بأن ينصروا عليه من أن ينصر عليهم فوضح بذلك قول أمير المؤمنين لا تقاتلوا الخوارج بعدي يعني في ملك معاوية و مما يؤكد هذا المعنى أن عبد الله بن الزبير استنصر على يزيد بن معاوية بالخوارج و استدعاهم إلى ملكه فقال فيه الشاعر
يا ابن الزبير أ تهوى فتية قتلوا |
ظلما أباك و لما تنزع الشكك |
|
ضحوا بعثمان يوم النحر ضاحية |
يا طيب ذاك الدم الزاكي الذي سفكوا |
فقال ابن الزبير لو شايعني الترك و الديلم على محاربة بني أمية لشايعتهم و انتصرت بهم
61 و من كلام له ع لما خوف من الغيلة
وَ إِنَّ عَلَيَّ مِنَ اَللَّهِ جُنَّةً حَصِينَةً فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي اِنْفَرَجَتْ عَنِّي وَ أَسْلَمَتْنِي فَحِينَئِذٍ لاَ يَطِيشُ اَلسَّهْمُ وَ لاَ يَبْرَأُ اَلْكَلْمُ الغيلة القتل على غير علم و لا شعور و الجنة الدرع و ما يجن به أي يستتر من ترس و غيره و طاش السهم إذا صدف عن الغرض و الكلم الجرح و يعني بالجنة هاهنا الأجل و على هذا المعنى الشعر المنسوب إليه ع
من أي يومي من الموت أفر |
أ يوم لم يقدر أم يوم قدر |
|
فيوم لا يقدر لا أرهبه |
و يوم قد قدر لا يغني الحذر |
و منه قول صاحب الزنج
و إذا تنازعني أقول لها قري |
موت يريحك أو صعود المنبر |
|
ما قد قضى سيكون فاصطبري له |
و لك الأمان من الذي لم يقدر |
و مثله
قد علم المستأخرون في الوهل |
أن الفرار لا يزيد في الأجل |
و الأصل في هذا كله قوله تعالى( وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً )
و قوله تعالى( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ ) و قوله سبحانه( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ ) و في القرآن العزيز كثير من ذلك
و اختلف الناس في الآجال فقالت الفلاسفة و الأطباء لا أجل مضروب لأحد من الحيوان كله من البشر و لا من غيرهم و الموت عندهم على ضربين قسري و طبيعي فالقسري الموت بعارض إما من خارج الجسد كالمتردي و الغريق و المقتول و نحو ذلك أو من داخل الجسد كما يعرض من الأمراض القاتلة مثل السل و الاستسقاء و السرسام و نحو ذلك و الموت الطبيعي ما يكون بوقوف القوة الغاذية التي تورد على البدن عوض ما يتحلل منه و هذه القوة المستخدمة للقوى الأربع الجاذبة و الدافعة و الماسكة و الهاضمة و البدن لا يزال في التحلل دائما من الحركات الخارجية و من الأفكار و الهموم و ملاقاة الشمس و الريح و العوارض الطارئة و من الجوع و العطش و القوة الغاذية تورد على البدن عوض الأجزاء المتحللة فتصرفها في الغذاء المتناول و استخدام القوى الأربع المذكورة و منتهى بقاء هذه القوة في الأعم الأغلب للإنسان مائة و عشرون سنة و قد رأيت في كتب بعض الحكماء أنها تبقى مائة و ستين سنة و لا يصدق هؤلاء بما يروى من بقاء المعمرين فأما أهل الملل فيصدقون بذلك
و اختلف المتكلمون في الآجال فقالت المعتزلة ينبغي أولا أن نحقق مفهوم قولنا أجل ليكون البحث في التصديق بعد تحقق التصور فالأجل عندنا هو الوقت الذي يعلم الله أن حياة ذلك الإنسان أو الحيوان تبطل فيه كما أن أجل الدين هو الوقت الذي يحل فيه فإذا سألنا سائل فقال هل للناس آجال مضروبة قلنا له ما تعني بذلك أ تريد هل يعلم الله تعالى الأوقات التي تبطل فيها حياة الناس أم تريد بذلك أنه هل يراد بطلان حياة كل حي في الوقت الذي بطلت حياته فيه فإن قال عنيت الأول قيل له نعم للناس آجال مضروبة بمعنى معلومة فإن الله تعالى عالم بكل شيء و إن قال عنيت الثاني قيل لا يجوز عندنا إطلاق القول بذلك لأنه قد تبطل حياة نبي أو ولي بقتل ظالم و البارئ تعالى لا يريد عندنا ذلك فإن قيل فهل تقولون إن كل حيوان يموت و تبطل حياته بأجله قيل نعم لأن الله قد علم الوقت الذي تبطل حياته فيه فليس تبطل حياته إلا في ذلك الوقت لا لأن العلم ساق إلى ذلك بل إنما تبطل حياته بالأمر الذي اقتضى بطلانه و البارئ تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فإن بطلت حياته بقتل ظالم فذلك ظلم و جور و إن بطلت حياته من قبل الله تعالى فذلك حكمة و صواب و قد يكون ذلك لطفا لبعض المكلفين و اختلف الناس لو لم يقتل القاتل المقتول هل كان يجوز أن يبقيه الله تعالى فقطع الشيخ أبو الهذيل على موته لو لم يقتله القاتل و إليه ذهب الكرامية قال محمد بن الهيصم مذهبنا أن الله تعالى قد أجل لكل نفس أجلا لن ينقضي عمره دون بلوغه و لا يتأخر عنه و معنى الأجل هو الوقت الذي علم الله أن الإنسان يموت فيه و كتب ذلك في اللوح المحفوظ و ليس يجوز أن يكون الله تعالى قد أجل له أجلا ثم يقتل قبل بلوغه أو يخترم دونه و لا أن
يتأخر عما أجل له ليس على معنى أن القاتل مضطر إلى قتله حتى لا يمكنه الامتناع منه بل هو قادر على أن يمتنع من قتله و لكنه لا يمتنع منه إذ كان المعلوم أنه يقتله لأجله بعينه و كتب ذلك عليه و لو توهمنا في التقدير أنه يمتنع من قتله لكان الإنسان يموت لأجل ذلك لأنهما أمران مؤجلان بأجل واحد فأحدهما قتل القاتل إياه و الثاني تصرم مدة عمره و حلول الموت به فلو قدرنا امتناع القاتل من قتله لكان لا يجب بذلك ألا يقع المؤجل الثاني الذي هو حلول الموت به بل كان يجب أن يموت بأجله قال و بيان ذلك من كتاب الله توبيخه المنافقين على قولهم( لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا ) فقال تعالى لهم( قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فدل على أنهم لو تجنبوا مصارع القتل لم يكونوا ليدرءوا بذلك الموت عن أنفسهم و قالت الأشعرية و الجهمية و الجبرية كافة إنها آجال مضروبة محدودة و إذا أجل الأجل و كان في المعلوم أن بعض الناس يقتله وجب وقوع القتل منه لا محالة و ليس يقدر القاتل على الامتناع من قتله و تقدير انتفاء القتل ليقال كيف كانت تكون الحال تقدير أمر محال كتقدير عدم القديم و إثبات الشريك و تقدير الأمور المستحيلة لغو و خلف من القول و قال قوم من أصحابنا البغداديين رحمهم الله بالقطع على حياته لو لم يقتله القاتل و هذا عكس مذهب أبي الهذيل و من وافقه و قالوا لو كان المقتول يموت في ذلك الوقت لو لم يقتله القاتل لما كان القاتل مسيئا إليه إذ لم يفوت عليه حياة لو لم يبطلها لبقيت و لما استحق
القود و لكان ذابح الشاة بغير إذن مالكها قد أحسن إلى مالكها لأنه لو لم يذبحها لماتت فلم يكن ينتفع بلحمها قالوا و الذي احتج به من كونهما مؤجلين بأجل واحد فلو قدرنا انتفاء أحد الأمرين في ذلك الوقت لم يجب انتفاء الآخر ليس بشيء لأن أحدهما علة الآخر فإذا قدرنا انتفاء العلة وجب أن ينتفي في ذلك التقدير انتفاء المعلول فالعلة قتل القاتل و المعلول بطلان الحياة و إنما كان يستمر و يصلح ما ذكروه لو لم يكن بين الأمرين علية العلية و المعلولية قالوا و الآية التي تعلقوا فيها لا تدل على قولهم لأنه تعالى لم ينكر ذلك القول إنكار حاكم بأنهم لو لم يقتلوا لماتوا بل قال كل حي ميت أي لا بد من الموت إما معجلا و إما مؤجلا. قالوا فإذا قال لنا قائل إذا قلتم إنه يبقى لو لم يقتله القاتل أ لستم تكونون قد قلتم إن القاتل قد قطع عليه أجله. قلنا له إنما يكون قاطعا عليه أجله لو قتله قبل الوقت الذي علم الله تعالى أن حياته تبطل فيه و ليس الأمر كذلك لأن الوقت الذي علم الله تعالى أن حياته تبطل فيه هو الوقت الذي قتله فيه القاتل و لم يقتله القاتل قبل ذلك فيكون قد قطع عليه أجله قالوا فإذا قال لنا فهل تقولون إنه قطع عليه عمره قلنا له إن الزمان الذي كان يعيش فيه لو لم يقتله القاتل لا يسمى عمرا إلا على طريق المجاز باعتبار التقدير و لسنا نطلق ذلك إلا مقيدا لئلا يوهم و إنما قلنا إنا نقطع على أنه لو لم يقتل لم يمت و لا نطلق غير ذلك
و قال قدماء الشيعة الآجال تزيد و تنقص و معنى الأجل الوقت الذي علم الله تعالى أن الإنسان يموت فيه إن لم يقتل قبل ذلك أو لم يفعل فعلا يستحق به الزيادة و النقصان في عمره قالوا و ربما يقتل الإنسان الذي ضرب له من الأجل خمسون سنة و هو ابن عشرين سنة و ربما يفعل من الأفعال ما يستحق به الزيادة فيبلغ مائة سنة أو يستحق به النقيصة فيموت و هو ابن ثلاثين سنة قالوا فمما يقتضي الزيادة صلة الرحم و مما يقتضي النقيصة الزنا و عقوق الوالدين و تعلقوا بقوله تعالى( وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ ) . و ربما قال قوم منهم إن الله تعالى يضرب الأجل لزيد خمسين سنة أو ما يشاء فيرجع عن ذلك فيما بعد و يجعله أربعين أو ثلاثين أو ما يشاء و بنوه على قولهم في البداء و قال أصحابنا هذا يوجب أن يكون الله تعالى قد أجل الآجال على التخمين دون التحقيق حيث أجل لزيد خمسين فقتل لعشرين و أفسدوا أن يعلم الله تعالى الشيء بشرط و أن يبدو له فيما يقضيه و يقدره بما هو مشهور في كتبهم و قالوا في الآية إن المراد بها أن ينقص سبحانه بعض الناس عن مقدار أجل المعمر بأن يكون انتقص منه عمرا ليس أنه ينقص من عمر ذلك المعمر فأما مشايخنا أبو علي و أبو هاشم فتوقفا في هذه المسألة و شكا في حياة المقتول و موته و قالا لا يجوز أن يبقى لو لم يقتل و يجوز أن يموت قالا لأن حياته و موته مقدوران لله عز و جل و ليس في العقل ما يدل على قبح واحد منهما و لا في الشرع ما يدل على حصول واحد منهما فوجب الشك فيهما إذ لا دليل يدل على واحد منهما
قالوا فأما احتجاج القاطعين على موته فقد ظهر فساده بما حكي من الجواب عنه قالوا و مما يدل على بطلانه من الكتاب العزيز قوله تعالى( وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي اَلْأَلْبابِ ) فحكم سبحانه بأن إثباته القصاص مما يزجر القاتل عن القتل فتدوم حياة المقتول فلو كان المقتول يموت لو لم يقتله القاتل ما كان في إثبات القصاص حياة قالوا و أما احتجاج البغداديين على القطع على حياته بما حكي عنهم فلا حجة فيه أما إلزام القاتل القود و الغرامة فلأنا غير قاطعين على موت المقتول لو لم يقتل بل يجوز أن يبقى و يغلب ذلك على ظنوننا لأن الظاهر من حال الحيوان الصحيح ألا يموت في ساعته و لا بعد ساعته و ساعات فنحن نلزم القاتل القود و الغرامة لأن الظاهر أنه أبطل ما لو لم يبطله لبقي و أيضا فموت المقتول لو لم يقتله القاتل لا يخرج القاتل من كونه مسيئا لأنه هو الذي تولى إبطال الحياة أ لا ترى أن زيدا لو قتل عمرا لكان مسيئا إليه و إن كان المعلوم أنه لو لم يقتله لقتله خالد في ذلك الوقت و أيضا فلو لم يقتل القاتل المقتول و لم يذبح الشاة حتى ماتا لكان يستحق المقتول و مالك الشاة من الأعواض على البارئ سبحانه أكثر مما يستحقانه على القاتل و الذابح فقد أساء القاتل و الذابح حيث فوتا على المقتول و مالك الشاة زيادة الأعواض. فأما شيخنا أبو الحسين فاختار الشك أيضا في الأمرين إلا في صورة واحدة فإنه قطع فيها على دوام الحياة و هي أن الظالم قد يقتل في الوقت الواحد الألوف الكثيرة في المكان الواحد و لم تجر العادة بموت مثلهم في حالة واحدة في المكان الواحد و اتفاق ذلك نقض العادة و ذلك لا يجوز
قال الشيخ ليس يمتنع أن يقال في مثل هؤلاء إنه يقطع على أن جميعهم ما كانوا يموتون في ذلك المكان في ذلك الوقت لو لم يقتلهم القاتل إن كان الوقت وقتا لا يجوز انتقاض العادات فيه و لكن يجوز أن يموت بعضهم دون بعض لأنه ليس في موت الواحد و الاثنين في وقت واحد في مكان واحد نقض عادة و لا يمتنع هذا الفرض من موتهم بأجمعهم في زمان نبي من الأنبياء و قد ذكرت في كتبي المبسوطة في علم الكلام في هذا الباب ما ليس هذا الشرح موضوعا لاستقصائه
62 و من خطبة له ع
أَلاَ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا [ بِالزُّهْدِ ] وَ لاَ يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا اُبْتُلِيَ اَلنَّاسُ بِهَا فِتْنَةً فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَ حُوسِبُوا عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَ أَقَامُوا فِيهِ فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي اَلْعُقُولِ كَفَيْءِ اَلظِّلِّ بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ وَ زَائِداً حَتَّى نَقَصَ تقدير الكلام أن الدنيا دار لا يسلم من عقاب ذنوبها إلا فيها و هذا حق لأن العقاب المستحق إنما يسقط بأحد أمرين إما بثواب على طاعات تفضل على ذلك العقاب المستحق أو بتوبة كاملة الشروط و كلا الأمرين لا يصح من المكلفين إيقاعه إلا في الدنيا فإن الآخرة ليست دار تكليف ليصح من الإنسان فيها عمل الطاعة و التوبة عن المعصية السالفة فقد ثبت إذا أن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها إن قيل بينوا أن الآخرة ليست بدار تكليف قيل قد بين الشيوخ ذلك بوجهين أحدهما الإجماع على المنع من تجويز استحقاق ثواب أو عقاب في الآخرة و الثاني أن الثواب يجب أن يكون خالصا من المشاق و التكليف يستلزم المشقة لأنها شرط في صحته فبطل أن يجوز استحقاق ثواب في الآخرة للمكلفين المثابين في الآخرة
لأجل تكاليفهم في الآخرة و أما المعاقبون فلو كانوا مكلفين لجاز وقوع التوبة منهم و سقوط العقاب بها و هذا معلوم فساده ضرورة من دين الرسول ع و هاهنا اعتراضان أحدهما أن يقال فما قولكم في قوله تعالى( كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ ) و هذا أمر و خطاب لأهل الجنة و الأمر تكليف و الثاني أن الإجماع حاصل على أن أهل الجنة يشكرون الله تعالى و الشكر عبادة و ذلك يستدعى استحقاق الثواب و الجواب عن الأول أن قوله( كُلُوا وَ اِشْرَبُوا ) عند شيخنا أبي عليرحمهالله تعالى ليس بأمر على الحقيقة و إن كانت له صورته كما في قوله تعالى( كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ) . و أما الشيخ أبو هاشم فعنده أن قوله( كُلُوا وَ اِشْرَبُوا ) أمر لكنه زائد في سرور أهل الجنة إذا علموا أن الله تعالى أراد منهم الأكل و أمرهم به و لكنه ليس بتكليف لأن الأمر إنما يكون تكليفا إذا انضمت إليه المشقة و أما الجواب عن الثاني فإن الشكر الذي بالقلب رجوعه إلى الاعتقادات و الله تعالى يفعل في أهل الجنة المعارف كلها فلا وجوب إذا عليهم و أما الشكر باللسان فيجوز أن يكون لهم فيه لذة فيكون بذلك غير مناف للثواب الحاصل لهم و بهذا الوجه نجيب عن قول من يقول أ ليس زبانية النار يعالجون أهل العذاب في جهنم أعاذنا الله منها و هل هذا إلا محض تكليف لأنا نقول إنه يجوز أن يكون للزبانية في ذلك لذة عظيمة فلا يثبت التكليف معها كما لا يكون الإنسان مكلفا في الدنيا بما يخلص إليه شهوته و لا مشقة عليه فيه
إن قيل هذا الجواب ينبئ على أن معارف أهل الآخرة ضرورية لأنكم أجبتم عن مسألة الشكر بأن الله تعالى يفعل المعارف في أهل الجنة فدللوا على ذلك بل يجب عليكم أن تدللوا أولا على أن أهل الآخرة يعرفون الله تعالى قيل أما الدليل على أنهم يعرفونه تعالى فإن المثاب لا بد أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الذي استحقه و لا يصح ذلك إلا مع المعرفة بالله تعالى ليعلم أن ما فعله به هو الذي لمستحقه و القول في المعاقب كالقول في المثاب و أيضا فإن من شرط الثواب مقارنة التعظيم و التبجيل له من فاعل الثواب لأن تعظيم غير فاعل الثواب لا يؤثر و التعظيم لا يعلم إلا مع العلم بالقصد إلى التعظيم و يستحيل أن يعلموا قصده تعالى و لا يعلموه و القول في العقاب و كون الاستحقاق و الإهانة تقارنه تجري هذا المجرى فأما بيان أن هذه المعرفة ضرورية فلأنها لو كانت من فعلهم لكانت إما أن تقع عن نظر يتحرون فيه و يلجئون إليه أو عن تذكر نظر أو بأن يلجئوا إلى نفس المعرفة من غير تقدم نظر و الأول باطل لأن ذلك تكليف و فيه مشقة و قد بينا سقوط التكليف في الآخرة و لا يجوز أن يلجئوا إلى النظر لأنهم لو ألجئوا إلى النظر لكان إلجاؤهم إلى المعرفة أولا و إلجاؤهم إلى المعرفة يمنع من إلجائهم إلى النظر و لا يجوز وقوعها عند تذكر النظر لأن المتذكر للنظر تعرض له الشبه و يلزمه دفعها و في ذلك عود الأمر إلى التكليف و ليس معاينة الآيات بمانع عن وقوع الشبه كما لم تمنع معاينة المعجزات و الأعلام عن وقوعها و لا يجوز أن يكون الإلجاء إلى المعرفة لأن الإلجاء إلى أفعال القلوب لا يصح إلا من الله تعالى فيجب أن يكون الملجأ إلى المعرفة عارفا بهذه القضية و في ذلك استغناؤه بتقدم هذه المعرفة على الإلجاء إليها إن قيل إذا قلتم إنهم مضطرون إلى المعارف فهل تقولون إنهم مضطرون إلى الأفعال
قيل لا لأنه تعالى قال( وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ) و لأن من تدبر ترغيبات القرآن في الجنة و الثواب علم قطعا أن أهل الجنة غير مضطرين إلى أفعالهم كما يضطر المرتعش إلى الرعشة إن قيل فإذا كانوا غير مضطرين فلم يمنعهم من وقوع القبيح منهم قيل لأن الله تعالى قد خلق فيهم علما بأنهم متى حاولوا القبيح منعوا منه و هذا يمنع من الإقدام على القبيح بطريق الإلجاء و يمكن أيضا أن يعلمهم استغناءهم بالحسن عن القبيح مع ما في القبيح من المضرة فيكونون ملجئين إلى ألا يفعلوا القبيح فأما قوله ع و لا ينجى بشيء كان لها فمعناه أن أفعال المكلف التي يفعلها لأغراضه الدنيوية ليست طريقا إلى النجاة في الآخرة كمن ينفق ماله رئاء الناس و ليست طرق النجاة إلا بأفعال البر التي يقصد فيها وجه الله تعالى لا غير و قد أوضح ع ذلك بقوله فما أخذوه منها لها أخرجوا منه و حوسبوا عليه و ما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه و أقاموا فيه فمثال الأول من يكتسب الأموال و يدخرها لملاذه و مثال الثاني من يكسبها لينفقها في سبيل الخيرات و المعروف ثم قال ع و إنها عند ذوي العقول كفيء الظل . إلى آخر الفصل و إنما قال كفيء الظل لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه قال تأبط شرا
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل |
له كالئ من قلب شيحان فاتك |
و يمكن أن يقال الظل أعم من الفيء لأن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال و كل فيء ظل و ليس كل ظل فيئا فلما كان فيهما تغاير معنوي بهذا الاعتبار صحت الإضافة و السابغ التام و قلص أي انقبض و قوله ع بينا تراه أصل بينا بين فأشبعت الفتحة فصارت بينا على وزن فعلى ثم تقول بينما فتزيد ما و المعنى واحد تقول بينا نحن نرقبه أتانا أي بين أوقات رقبتنا إياه أتانا و الجمل تضاف إليها أسماء الزمان كقولك أتيتك زمن الحجاج أمير ثم حذفت المضاف الذي هو أوقات و ولي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليه كقوله( وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ ) و كان الأصمعي يخفض ببينا إذا صلح في موضعه بين و ينشد بيت أبي ذؤيب بالجر
بينا تعنقه الكمأة و روغه |
يوما أتيح له جريء سلفع |
و غيره يرفع ما بعد بينا و بينما على الابتداء و الخبر و ينشد هذا البيت على الرفع و هذا المعنى متداول قال الشاعر
ألا إنما الدنيا كظل غمامة |
أظلت يسيرا ثم خفت فولت |
و قال
ظل الغمام و أحلام المنام فما |
تدوم يوما لمخلوق على حال |
63 و من خطبة له ع
فَاتَّقُوا اَللَّهَ عِبَادَ اَللَّهِ وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَ اِبْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ وَ تَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ وَ اِسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ وَ كُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وَ عَلِمُوا أَنَّ اَلدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى وَ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَ بَيْنَ اَلْجَنَّةِ أَوِ اَلنَّارِ إِلاَّ اَلْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ وَ إِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اَللَّحْظَةُ وَ تَهْدِمُهَا اَلسَّاعَةُ لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ اَلْمُدَّةِ وَ إِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ اَلْجَدِيدَانِ اَللَّيْلُ وَ اَلنَّهَارُ لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ اَلْأَوْبَةِ وَ إِنَّ قَادِماً يَقْدَمُ بِالْفَوْزِ أَوِ اَلشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ اَلْعُدَّةِ فَتَزَوَّدُوا فِي اَلدُّنْيَا مِنَ اَلدُّنْيَا مَا تُحْرِزُونَ [ تَجُوزُونَ ] بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ وَ اَلشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُزَيِّنُ لَهُ اَلْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا وَ يُمَنِّيهِ اَلتَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً وَ أَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى اَلشِّقْوَةِ نَسْأَلُ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ وَ لاَ تُقَصِّرُ [ تَقْتَصِرُوا ] بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ وَ لاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَ لاَ كَآبَةٌ
بادروا آجالكم بأعمالكم أي سابقوها و عاجلوها البدار العجلة و ابتاعوا الآخرة الباقية بالدنيا الفانية الزائلة و قوله فقد جد بكم أي حثثتم على الرحيل يقال جد الرحيل و قد جد بفلان إذا أزعج و حث على الرحيل و استعدوا للموت يمكن أن يكون بمعنى أعدوا فقد جاء استفعل بمعنى أفعل كقولهم استجاب له أي أجابه و يمكن أن يكون بمعنى الطلب كما تقول استطعم أي طلب الطعام فيكون بالاعتبار الأول كأنه قال أعدوا للموت عدة و بمعنى الاعتبار الثاني كأنه قال اطلبوا للموت عدة و أظلكم قرب منكم كأنه ألقى عليهم ظله و هذا من باب الاستعارة و العبث اللعب أو ما لا غرض فيه أو ما لا غرض صحيح فيه و قوله و لم يترككم سدى أي مهملين و قوله أن ينزل به موضعه رفع لأنه بدل من الموت و الغائب المشار إليه هو الموت و يحدوه الجديدان يسوقه الليل و النهار و قيل الغائب هنا هو الإنسان يسوقه الجديدان إلى الدار التي هي داره الحقيقية و هي الآخرة و هو في الدنيا غائب على الحقيقة عن داره التي خلق لها و الأول أظهر و قوله فتزودوا في الدنيا من الدنيا كلام فصيح لأن الأمر الذي به يتمكن المكلف من إحراز نفسه في الآخرة إنما هو يكتسبه في الدنيا منها و هو التقوى و الإخلاص و الإيمان و الفاء في قوله فاتقى عبد ربه لبيان ماهية الأمر الذي يحرز الإنسان به نفسه
و لتفصيل أقسامه و أنواعه كما تقول فعل اليوم فلان أفعالا جميلة فأعطى فلانا و صفح عن فلان و فعل كذا و قد روي اتقى عبد ربه بلا فاء بتقدير هلا و معناه التحضيض و قد روي ليسوفها بكسر الواو و فتحها و الضمير في الرواية الأولى يرجع إلى نفسه و قد تقدم ذكرها قبل بكلمات يسيرة و يجوز أن يعنى به ليسوف التوبة كأنه جعلها مخاطبة يقول لها سوف أوقعك و التسويف أن يقول في نفسه سوف أفعل و أكثر ما يستعمل للوعد الذي لا نجاز له و من روى بفتح الواو جعله فعل ما لم يسم فاعله و تقديره و يمنيه الشيطان التوبة أي يجعلها في أمنيته ليكون مسوفا إياها أي يعد من المسوفين المخدوعين و قوله فيا لها حسرة يجوز أن يكون نادى الحسرة و فتحة اللام على أصل نداء المدعو كقولك يا للرجال و يكون المعنى هذا وقتك أيتها الحسرة فاحضري و يجوز أن يكون المدعو غير الحسرة كأنه قال يا للرجال للحسرة فتكون لامها مكسورة نحو الأصل لأنها المدعو إليه إلا أنها لما كانت للضمير فتحت أي أدعوكم أيها الرجال لتقضوا العجب من هذه الحسرة
و هذا الكلام من مواعظ أمير المؤمنين البالغة و نحوه من كلام الحسن البصري ذكره شيخنا أبو عثمان في البيان و التبيين
ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا و لا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا و إذا رأيت الناس في الخير فقاسمهم فيه و إذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه البقاء هاهنا قليل و البقاء هناك طويل أمتكم آخر الأمم و أنتم آخر أمتكم و قد أسرع بخياركم فما تنتظرون المعاينة فكأن قد هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحاليها و بقيت الأعمال قلائد في الأعناق فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة ألا إنه لا أمة بعد أمتكم و لا نبي بعد نبيكم و لا كتاب بعد كتابكم أنتم تسوقون الناس و الساعة تسوقكم و إنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم من رأى محمدا ص فقد رآه غاديا رائحا لم يضع لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة رفع له علم فسما إليه فالوحى الوحى النجاء النجاء على ما ذا تعرجون ذهب أماثلكم و أنتم ترذلون كل يوم فما تنتظرون. إن الله بعث محمدا على علم منه اختاره لنفسه و بعثه برسالته و أنزل إليه كتابه و كان صفوته من خلقه و رسوله إلى عباده ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض فآتاه فيها قوتا و بلغة ثم قال( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فركن أقوام إلى غير عيشته و سخطوا ما رضي له ربه فأبعدهم و أسحقهم يا ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك و اعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك رحم الله امرأ نظر فتفكر و تفكر فاعتبر و اعتبر
فأبصر و أبصر فأقصر فقد أبصر أقوام و لم يقصروا ثم هلكوا فلم يدركوا ما طلبوا و لا رجعوا إلى ما فارقوا يا ابن آدم اذكر قوله عز و جل( وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) عدل و الله عليك من جعلك حسيب نفسك خذوا صفوة الدنيا و دعوا كدرها و دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم ظهر الجفاء و قلت العلماء و عفت السنة و شاعت البدعة لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرة عين لكل مسلم و جلاء الصدور و لقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها و كانوا مما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم عليكم منها ما لي أسمع حسيسا و لا أرى أنيسا ذهب الناس و بقي النسناس لو تكاشفتم ما تدافنتم تهاديتم الأطباق و لم تتهادوا النصائح أعدوا الجواب فإنكم مسئولون إن المؤمن من لا يأخذ دينه عن رأيه و لكن عن ربه ألا إن الحق قد أجهد أهله و حال بينهم و بين شهواتهم و ما يصبر عليه إلا من عرف فضله و رجا عاقبته فمن حمد الدنيا ذم الآخرة و لا يكره لقاء الله إلا مقيم على ما يسخطه إن الإيمان ليس بالتمني و لا بالتشهي و لكن ما وقر في القلوب و صدقته الأعمال و هذا كلام حسن و موعظة بالغة إلا أنه في الجزالة و الفصاحة دون كلام أمير المؤمنين ع بطبقات
و من خطب ابن نباتة الجيدة في ذكر الموت أيها الناس ما أسلس قياد من كان الموت جريره و أبعد سداد من كان هواه أميره و أسرع فطام من كانت الدنيا ظئره و أمنع جناب من أضحت التقوى ظهيره فاتقوا الله عباد الله حق تقواه و راقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه و تأهبوا لوثبات المنون فإنها كامنة في الحركات و السكون بينما ترى المرء مسرورا بشبابه مغرورا بإعجابه مغمورا بسعة اكتسابه مستورا عما خلق له لما يغرى به إذ أسعرت فيه الأسقام شهابها و كدرت له الأيام شرابها و حومت عليه المنية عقابها و أعلقت فيه ظفرها و نابها فسرت فيه أوجاعه و تنكرت عليه طباعه و أظل رحيله و وداعه و قل عنه منعه و دفاعه فأصبح ذا بصر حائر و قلب طائر و نفس غابر في قطب هلاك دائر قد أيقن بمفارقة أهله و وطنه و أذعن بانتزاع روحه عن بدنه حتى إذا تحقق منه اليأس و حل به المحذور و البأس أومأ إلى خاص عواده موصيا لهم بأصاغر أولاده جزعا عليهم من ظفر أعدائه و حساده
و النفس بالسياق تجذب و الموت بالفراق يقرب العيون لهول مصرعه تسكب و الحامة عليه تعدد و تندب حتى تجلى له ملك الموت من حجبه فقضى فيه قضاء أمر ربه فعافه الجليس و أوحش منه الأنيس و زود من ماله كفنا و حصر في الأرض بعمله مرتهنا وحيدا على كثرة الجيران بعيدا على قرب المكان مقيما بين قوم كانوا فزالوا و حوت عليهم الحادثات فحالوا لا يخبرون بما إليه آلوا و لو قدروا على المقال لقالوا قد شربوا من الموت كأسا مرة و لم يفقدوا من أعمالهم ذرة و آلى عليهم الدهر ألية برة ألا يجعل لهم الدنيا كرة كأنهم لم يكونوا للعيون قرة و لم يعدوا في الأحياء مرة أسكتهم الذي أنطقهم و أبادهم الذي خلقهم و سيوجدهم كما خلقهم و يجمعهم كما فرقهم يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا و يجعل الله الظالمين لنار جهنم وقودا( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً )
64 و من خطبة له ع
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ وَ كُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ وَ كُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ وَ كُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ وَ كُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ وَ كُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَ يَعْجِزُ وَ كُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ اَلْأَصْوَاتِ وَ يُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا وَ كُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ اَلْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ اَلْأَجْسَامِ وَ كُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِنٍ بَاطِنٌ وَ كُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ وَ لاَ تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ وَ لاَ اِسْتِعَانَةٍ عَلَى نِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لاَ شَرِيكٍ مُكَاثِرٍ وَ لاَ ضِدٍّ مُنَافِرٍ وَ لَكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ لَمْ يَحْلُلْ فِي اَلْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ لَمْ يَؤُدْهُ خَلْقُ مَا اِبْتَدَأَ وَ لاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ وَ لاَ وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ وَ لاَ وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَ قَدَّرَ بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَ عِلْمٌ مُحْكَمٌ وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ اَلْمَأْمُولُ مَعَ اَلنِّقَمِ اَلْمَرْهُوبُ مَعَ اَلنِّعَمِ يصم بفتح الصاد لأن الماضي صممت يا زيد و الصمم فساد حاسة السمع و يصمه بكسرها يحدث الصمم عنده و أصممت زيدا
و الند المثل و النظير و المثاور المواثب و الشريك المكاثر المفتخر بالكثرة و الضد المنافر المحاكم في الحسب نافرت زيدا فنفرته أي غلبته و مربوبون مملوكون و داخرون ذليلون خاضعون و لم ينأ لم يبعد و لم يؤده لم يتعبه و ذرأ خلق و ولجت عليه الشبهة بفتح اللام أي دخلت و المرهوب المخوف فأما قوله الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا فيمكن تفسيره على وجهين أحدهما أن معنى كونه أولا أنه لم يزل موجودا و لا شيء من الأشياء بموجود أصلا و معنى كونه آخرا أنه باق لا يزال و كل شيء من الأشياء يعدم عدما محضا حسب عدمه فيما مضى و ذاته سبحانه ذات يجب لها اجتماع استحقاق هذين الاعتبارين معا في كل حال فلا حال قط إلا و يصدق على ذاته أنه يجب كونها مستحقة للأولية و الآخرية بالاعتبار المذكور استحقاقا ذاتيا ضروريا و ذلك الاستحقاق ليس على وجه وصف الترتيب بل مع خلاف غيره من الموجودات الجسمانية فإن غيره مما يبقى زمانين فصاعدا إذا نسبناه إلى ما يبقى دون زمان بقائه لم يكن استحقاقه الأولية و الآخرية بالنسبة إليه على هذا الوصف بل إما يكون استحقاقا بالكلية بأن يكون استحقاقا قريبا فيكون إنما يصدق عليه أحدهما لأن الآخر لم يصدق عليه أو يكونا معا يصدقان عليه مجتمعين غير مرتبين لكن ليس ذلك لذات الموصوف بالأولية و الآخرية بل إنما ذلك الاستحقاق لأمر خارج عن ذاته الوجه الثاني أن يريد بهذا الكلام أنه تعالى لا يجوز أن يكون موردا للصفات المتعاقبة على ما يذهب إليه قوم من أهل التوحيد قالوا لأنه واجب لذاته و الواجب لذاته
واجب من جميع جهاته إذ لو فرضنا جواز اتصافه بأمر جديد ثبوتي أو سلبي لقلنا إن ذاته لا تكفي في تحققه و لو قلنا ذلك لقلنا إن حصول ذلك الأمر أو سلبه عنه يتوقف على حصول أمر خارج عن ذاته أو على عدم أمر خارج عن ذاته فتكون ذاته لا محالة متوقفة على حضور ذلك الحصول أو السلب و المتوقف على المتوقف على الغير متوقف على الغير و كل متوقف على الغير ممكن و الواجب لا يكون ممكنا فيكون معنى الكلام على هذا التفسير نفي كونه تعالى ذا صفة بكونه أولا و آخرا بل إنما المرجع بذلك إلى إضافات لا وجود لها في الأعيان و لا يكون ذلك من أحوال ذاته الراجعة إليها كالعالمية و نحوها لأن تلك أحوال ثابتة و نحن إنما ننفي عنه بهذه الحجة الأحوال المتعاقبة و أما قوله أو يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا فإن للباطل و الظاهر تفسيرا على وجهين أحدهما أنه ظاهر بمعنى أن أدلة وجوده و أعلام ثبوته و إلهيته جلية واضحة و معنى كونه باطنا أنه غير مدرك بالحواس الظاهرة بل بقوة أخرى باطنة و هي القوة العقلية. و ثانيهما أنا نعني بالظاهر الغالب يقال ظهر فلان على بني فلان أي غلبهم و معنى الباطن العالم يقال بطنت سر فلان أي علمته و القول في نفيه عنه سبحانه أن يكون ظاهرا قبل كونه باطنا كالقول فيما تقدم من نفيه عنه سبحانه كونه أولا قبل كونه آخرا و أما قوله كل مسمى بالوحدة غيره قليل فلأن الواحد أقل العدد و معنى كونه واحدا يباين ذلك لأن معنى كونه واحدا إما نفي الثاني في الإلهية أو كونه يستحيل عليها الانقسام و على كلا التفسيرين يسلب عنها مفهوم القلة هذا إذا فسرنا كلامه على التفسير الحقيقي و إن فسرناه على قاعدة البلاغة و صناعة
الخطابة كان ظاهرا لأن الناس يستحقرون القليل لقلته و يستعظمون الكثير لكثرته قال الشاعر
تجمعتم من كل أوب و وجهة |
على واحد لا زلتم قرن واحد |
و أما قوله و كل عزيز غيره ذليل فهو حق لأن غيره من الملوك و إن كان عزيزا فهو ذليل في قبضة القضاء و القدر و هذا هو تفسير قوله و كل قوى غيره ضعيف و كل مالك غيره مملوك و أما قوله و كل عالم غيره متعلم فهو حق لأنه سبحانه مفيض العلوم على النفوس فهو المعلم الأول جلت قدرته و أما قوله و كل قادر غيره يقدر و يعجز فهو حق لأنه تعالى قادر لذاته و يستحيل عليه العجز و غيره قادر لأمر خارج عن ذاته أما لقدرة كما قاله قوم أو لبنية و تركيب كما قاله قوم آخرون و العجز على من عداه غير ممتنع و عليه مستحيل و أما قوله ع و كل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات و يصمه كبيرها و يذهب عنه ما بعد منها فحق لأن كل ذي سمع من الأجسام يضعف سمعه عن إدراك خفي الأصوات و يتأثر من شديدها و قويها لأنه يسمع بآلة جسمانية و الآلة الجسمانية ذات قوة متناهية واقفة عند حد محدود و الباري تعالى بخلاف ذلك و اعلم أن أصحابنا اختلفوا في كونه تعالى مدركا للمسموعات و المبصرات فقال شيخنا أبو علي و أبو هاشم و أصحابهما إن كونه مدركا صفة زائدة على كونه عالما و قالا إنا نصف الباري تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير و لا نصفه بأنه سامع مبصر و معنى كونه سامعا مبصرا أنه مدرك للمسموعات و المبصرات
و قال شيخنا أبو القاسم و أبو الحسين و أصحابهما أن معنى كونه تعالى مدركا هو أنه عالم بالمدركات و لا صفة له زائدة على صفته بكونه عالما و هذا البحث مشروح في كتبي الكلامية لتقرير الطريقين و في شرح الغرر و غيرهما و القول في شرح قوله و كل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان و لطيف الأجسام كالقول فيما تقدم في إدراك السمع و أما قوله و كل ظاهر غيره غير باطن و كل باطن غيره غير ظاهر فحق لأن كل ظاهر غيره على التفسير الأول فليس بباطن كالشمس و القمر و غيرهما من الألوان الظاهرة فإنها ليست إنما تدرك بالقوة العقلية بل بالحواس الظاهرة و أما هو سبحانه فإنه أظهر وجودا من الشمس لكن ذلك الظهور لم يمكن إدراكه بالقوى الحاسة الظاهرة بل بأمر آخر إما خفي في باطن هذا الجسد أو مفارق ليس في الجسد و لا في جهة أخرى غير جهة الجسد و أما على التفسير الثاني فلأن كل ملك ظاهر على رعيته أو على خصومه و قاهر لهم ليس بعالم ببواطنهم و ليس مطلعا على سرائرهم و البارئ تعالى بخلاف ذلك و إذا فهمت شرح القضية الأولى فهمت شرح الثانية و هي قوله و كل باطن غيره غير ظاهر
فأما قوله لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطانه إلى قوله عباد داخرون فاعلم أن
الناس اختلفوا في كمية خلقه تعالى للعالم ما هي على أقوال القول الأول قول الفلاسفة قال محمد بن زكريا الرازي عن أرسطاطاليس إنه زعم أن العالم كان عن البارئ تعالى لأن جوهره و ذاته جوهر و ذات مسخرة للمعدوم أن يكون مسخرا موجودا قال و زعم ابن قيس أن علة وجود العالم وجود البارئ قال و على كلا القولين يكون العالم قديما أما على قول أرسطو فلأن جوهر ذات البارئ لما كان قديما لم يزل وجب أن يكون أثرها و معلولها قديما و أما على قول ابن قيس فلأن البارئ موجود لم يزل لأن وجوده من لوازم ذاته فوجب أن يكون فيضه و أثره أيضا لم يزل هكذا قال ابن زكريا فأما الذي يقول أصحاب أرسطاطاليس الآن في زماننا فهو أن العالم لم يجب عن الله سبحانه عن قصد و لا غرض لأن كل من فعل فعلا لغرض كان حصول ذلك الغرض له أولى من لا حصوله فيكون كاملا لحصول ذلك الغرض و واجب الوجود لا يجوز أن يكون كاملا بأمر خارج عن ذاته لأن الكامل لا من ذاته ناقص من ذاته قالوا لكن تمثل نظام العالم في علم واجب الوجود يقتضي فيض ذلك النظام منه قالوا و هذا معنى قول الحكماء الأوائل إن علمه تعالى فعلي لا انفعالي و إن العلم على قسمين أحدهما ما يكون المعلوم سببا له و الثاني ما يكون هو سبب المعلوم مثال الأول أن نشاهد صورة فنعلمها و مثال الثاني أن يتصور الصائغ أو النجار أو البناء كيفية العمل فيوقعه في الخارج على حسب ما تصوره
قالوا و علمه تعالى من القسم الثاني و هذا هو المعنى المعبر عنه بالعناية و هو إحاطة علم الأول الحق سبحانه بالكل و بالواجب أن يكون عليه الكل حتى يكون على أحسن النظام و بأن ذلك واجب عن إحاطته فيكون الموجود وفق المعلوم من غير انبعاث قصد و طلب عن الأول الحق سبحانه فعلمه تعالى بكيفية الصواب في ترتيب الكل هو المنبع لفيضان الوجود في الكل القول الثاني قول حكاه أبو القاسم البلخي عن قدماء الفلاسفة و إليه كان يذهب محمد بن زكريا الرازي من المتأخرين و هو أن علة خلق البارئ للعالم تنبيه النفس على أن ما تراه من الهيولى و تريده غير ممكن لترفض محبتها إياها و عشقها لها و تعود إلى عالمها الأول غير مشتاقة إلى هذا العالم و اعلم أن هذا القول هو القول المحكي عن الحرنانية أصحاب القدماء الخمسة و حقيقة مذهبهم إثبات قدماء خمسة اثنان منهم حيان فاعلان و هما البارئ تعالى و النفس و مرادهم بالنفس ذات هي مبدأ لسائر النفوس التي في العالم كالأرواح البشرية و القوى النباتية و النفوس الفلكية و يسمون هذه الذات النفس الكلية و واحد من الخمسة منفعل غير حي و هو الهيولى و اثنان لا حيان و لا فاعلان و لا منفعلان و هما الدهر و القضاء قالوا و البارئ تعالى هو مبدأ العلوم و المنفعلات و هو قائم العلم و الحكمة كما أن النفس مبدأ الأرواح و النفوس فالعلوم و المنفعلات تفيض من البارئ سبحانه فيض النور عن قرص الشمس و النفوس و الأرواح تفيض عن النفس الكلية فيض النور عن القرص إلا أن النفوس جاهلة لا تعرف الأشياء إلا على أحد وجهين إما أن يفيض فيض البارئ تعالى عليها تعقلا و إدراكا و إما أن تمارس غيرها و تمازجه فتعرف ما تعرف باعتبار الممارسة و المخالطة معرفة ناقصة و كان البارئ تعالى في الأزل عالما بأن النفس تميل إلى التعلق بالهيولى
و تعشقها و تطلب اللذة الجسمانية و تكره مفارقة الأجسام و تنسى نفسها و لما كان البارئ سبحانه قائم العلم و الحكمة اقتضت حكمته تركب الهيولى لما تعلقت النفس بها ضروبا مختلفة من التراكيب فجعل منها أفلاكا و عناصر و حيوانات و نباتات فأفاض على النفوس تعقلا و شعورا جعله سببا لتذكرها عالمها الأول و معرفتها أنها ما دامت في هذا العالم مخالطة للهيولى لم تنفك عن الآلام فيصير ذلك مقتضيا شوقها إلى عالمها الأول الذي لها فيه اللذات الخالية عن الآلام و رفضها هذا العالم الذي هو سبب أذاها و مضرتها القول الثالث قول المجوس إن الغرض من خلق العالم أن يتحصن الخالق جل اسمه من العدو و أن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدو فيه و يجعله في ربط و وثاق و العدو عندهم هو الشيطان و بعضهم يعتقد قدمه و بعضهم حدوثه قال قوم منهم إن البارئ تعالى استوحش ففكر فكرة رديئة فتولد منها الشيطان و قال آخرون بل شك شكا رديئا فتولد الشيطان من شكه و قال آخرون بل تولد من عفونة رديئة قديمة و زعموا أن الشيطان حارب البارئ سبحانه و كان في الظلم لم يزل بمعزل عن سلطان البارئ سبحانه فلم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب وثبة عظيمة فصار في سلطان الله تعالى في النور و أدخل معه الآفات و البلايا و السرور فبنى الله سبحانه هذه الأفلاك و الأرض و العناصر شبكة له و هو فيها محبوس لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الأول و صار في الظلمة فهو أبدا يضطرب و يرمي الآفات على خلق الله سبحانه فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت و من أصحه رماه الشيطان بالسقم و من سره رماه بالحزن و الكآبة فلا يزال كذلك و كل يوم ينتقص سلطانه و قوته لأن الله تعالى يحتال له كل يوم و يضعفه إلى أن تذهب قوته كلها
و تجمد و تصير جمادا لا حراك به فيضعه الله تعالى حينئذ في الجو و الجو عندهم هو الظلمة و لا منتهى له فيصير في الجو جمادا جامدا هوائيا و يجمع الله تعالى أهل الأديان فيعذبهم بقدر ما يطهرهم و يصفيهم من طاعة الشيطان و يغسلهم من الأدناس ثم يدخلهم الجنة و هي جنة لا أكل فيها و لا شرب و لا تمتع و لكنها موضع لذة و سرور القول الرابع قول المانوية و هو أن النور لا نهاية له من جهة فوق و أما من جهة تحت فله نهاية و الظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل و أما من جهة فوق فلها نهاية و كان النور و الظلمة هكذا قبل خلق العالم و بينهما فرجة و أن بعض أجزاء النور اقتحم تلك الفرجة لينظر إلى الظلمة فأسرته الظلمة فأقبل عالم كثير من النور فحارب الظلمة ليستخلص المأسورين من تلك الأجزاء و طالت الحرب و اختلط كثير من أجزاء النور بكثير من أجزاء الظلمة فاقتضت حكمة نور الأنوار و هو البارئ سبحانه عندهم أن عمل الأرض من لحوم القتلى و الجبال من عظامهم و البحار من صديدهم و دمائهم و السماء من جلودهم و خلق الشمس و القمر و سيرهما لاستقصاء ما في هذا العالم من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة و جعل حول هذا العالم خندقا خارج الفلك الأعلى يطرح فيه الظلام المستقصى فهو لا يزال يزيد و يتضاعف و يكثر في هذا الخندق و هو ظلام صرف قد استقصى نوره و أما النور المستخلص فيلحق بعد الاستقصاء بعالم الأنوار من فوق فلا تزال الأفلاك متحركة و العالم مستمرا إلى أن يتم استقصاء النور الممتزج و حينئذ يبقى من النور الممتزج شيء يسير فينعقد بالظلمة لا تقدر النيران على استقصائه فعند ذلك تسقط الأجسام العالية و هي الأفلاك على الأجسام السافلة و هي الأرضون و تثور نار و تضطرم في تلك الأسافل
و هي المسماة بجهنم و يكون الاضطرام مقدار ألف و أربعمائة سنة فتحلل بتلك النار تلك الأجزاء المنعقدة من النور الممتزجة بأجزاء الظلمة التي عجز الشمس و القمر عن استقصائها فيرتفع إلى عالم الأنوار و يبطل العالم حينئذ و يعود النور كله إلى حالة الأولى قبل الامتزاج فكذلك الظلمة القول الخامس قول متكلمي الإسلام و هو على وجوه أولها قول جمهور أصحابنا إن الله تعالى إنما خلق العالم للإحسان إليهم و الإنعام على الحيوان لأن خلقه حيا نعمة عليه لأن حقيقة النعمة موجودة فيه و ذلك أن النعمة هي المنفعة المفعولة للإحسان و وجود الجسم حيا منفعة مفعولة للإحسان أما بيان كون ذلك منفعة فلأن المنفعة هي اللذة و السرور و دفع المضار المخوفة و ما أدى إلى ذلك و صححه أ لا ترى أن من أشرف على أن يهوى من جبل فمنعه بعض الناس من ذلك فإنه يكون منعما عليه و من سر غيره بأمر و أوصل إليه لذة يكون قد أنعم عليه و من دفع إلى غيره مالا يكون قد أنعم عليه لأنه قد مكنه بدفعه إليه من الانتفاع و صححه له و لا ريب أن وجودنا أحياء يصحح لنا اللذات و يمكننا منها لأنا لو لم نكن أحياء لم يصح ذلك فينا قالوا و إنما قلنا إن هذه المنفعة مفعولة للإحسان لأنها إما أن تكون مفعولة لا لغرض أو لغرض و الأول باطل لأن ما يفعل لا لغرض عبث و البارئ سبحانه لا يصح أن تكون أفعاله عبثا لأنه حكيم و أما الثاني فإما أن يكون ذلك الغرض عائدا عليه سبحانه بنفع أو دفع ضرر أو يعود على غيره و الأول باطل لأنه غني لذاته يستحيل عليه المنافع و المضار و لا يجوز أن يفعله لمضرة يوصلها إلى غيره لأن القصد إلى الإضرار بالحيوان من غير استحقاق و لا منفعة يوصل إليها بالمضرة قبيح تعالى الله عنه فثبت أنه سبحانه إنما خلق الحيوان
لنفعه و أما غير الحيوان فلو لم يفعله لينفع به الحيوان لكان خلقه عبثا و البارئ تعالى لا يجوز عليه العبث فإذا جميع ما في العالم إنما خلقه لينفع به الحيوان فهذا هو الكلام في علة خلق العالم عندهم و أما الكلام في وجه حسن تكليف الإنسان فذاك مقام آخر لسنا الآن في بيانه و لا الحاجة داعية إليه و ثانيها قول قوم من أصحابنا البغداديين إنه خلق الخلق ليظهر به لأرباب العقول صفاته الحميدة و قدرته على كل ممكن و علمه بكل معلوم و ما يستحقه من الثناء و الحمد قالوا
و قد ورد الخبر أنه تعالى قال : كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف و هذا القول ليس بعيدا و ثالثها للمجبرة إنه خلق الخلق لا لغرض أصلا و لا يقال لم كان كل شيء لعلة و لا علة لفعله و مذهب الأشعري و أصحابه أن إرادته القديمة تعلقت بإيجاد العالم في الحال التي وجد فيها لذاتها و لا لغرض و لا لداع و ما كان يجوز ألا يوجد العالم حيث وجد لأن الإرادة القديمة لا يجوز أن تتقلب و تتغير حقيقتها و كذلك القول عندهم في أجزاء العالم المجددة من الحركات و السكنات و الأجسام و سائر الأعراض و رابعها قول بعض المتكلمين إن البارئ تعالى إنما فعل العالم لأنه ملتذ بأن يفعل و أجاز أرباب هذا القول عليه اللذة و السرور و الابتهاج قالوا و البارئ سبحانه و إن كان قبل أن يخلق العالم ملتذا بكونه قادرا على خلق العالم إلا أن لذة الفعل أقوى من لذة القدرة على الفعل كان يلتذ بأنه قادر على أن يكتب خطا مستحسنا أو يبنى بيتا محكما فإنه إذا أخرج تلك الصناعة من القوة إلى الفعل كانت لذته أتم و أعظم قالوا و لم يثبت بالدليل العقلي استحالة اللذة عليه و قد ورد في الآثار النبوية أن الله تعالى يسر و اتفقت الفلاسفة على أنه ملتذ بذاته و كماله.
و عندي في هذا القول نظر و لي في اللذة و الألم رسالة مفردة و أما قوله لم يحلل في الأشياء فيقال لا هو فيها كائن و لا منها مباين فينبغي أن يحمل على أنه أراد أنه لم ينأ عن الأشياء نأيا مكانيا فيقال هو بائن بالمكان هكذا ينبغي أن يكون مراده لأنه لا يجوز إطلاق القول بأنه ليس ببائن عن الأشياء و كيف و المجرد بالضرورة بائن عن ذي الوضع و لكنها بينونة بالذات لا بالجهة و المسلمون كلهم متفقون على أنه تعالى يستحيل أن يحل في شيء إلا من اعتزى إلى الإسلام من الحلولية كالذين قالوا بحلوله في علي و ولده و كالذين قالوا بحلوله في أشخاص يعتقدون فيها إظهاره كالحلاجية و غيرهم و الدليل على استحالة حلوله سبحانه في الأجسام أنه لو صح أن يحل فيها لم يعقل منفردا بنفسه أبدا كما أن السواد لا يعقل كونه غير حال في الجسم لأنه لو يعقل غير حال في الجسم لم يكن سوادا و لا يجوز أن يكون الله تعالى حالا أبدا و لا أن يلاقي الجسم إذ ذلك يستلزم قدم الأجسام و قد ثبت أنها حادثة فأما قوله لم يؤده خلق ما ابتدأ إلى قوله عما خلق فهو حق لأنه تعالى قادر لذاته و القادر لذاته لا يتعب و لا يعجز لأنه ليس بجسم و لا قادر بقدرة يقف مقدورها عند حد و غاية بل إنما يقدر على شيء لأنه تعالى ذات مخصوصة يجب لها أن تقدر على الممكنات فيكون كل ممكن داخلا تحت هذه القضية الكلية و الذات التي تكون هكذا لا تعجز و لا تقف مقدوراتها عند حد و غاية أصلا و يستحيل عليها التعب لأنها ليست ذات أعضاء و أجزاء و أما قوله و لا ولجت عليه شبهة إلى قوله و أمر مبرم فحق لأنه تعالى عالم لذاته أي إنما علم ما علمه لا بمعنى أن يتعلق بمعلوم دون معلوم بل إنما علم أي شيء أشرت إليه لأنه ذات مخصوصة و نسبة تلك الذات إلى غير ذلك الشيء المشار إليه
كنسبتها إلى المشار إليه فكانت عالمة بكل معلوم و استحال دخول الشبهة عليها فيما يقضيه و يقدره و أما قوله المأمول مع النقم المرهوب مع النعم فمعنى لطيف و إليه وقعت الإشارة بقوله تعالى( أَ فَأَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ ) و قوله سبحانه( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) و قوله تعالى( فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً ) و قوله سبحانه( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) و إليه نظر الشاعر في قوله
من عاش لاقى ما يسوء |
من الأمور و ما يسر |
|
و لرب حتف فوقه |
ذهب و ياقوت و در |
و قال البحتري
يسرك الشيء قد يسوء و كم |
نوه يوما بخامل لقبه |
|
لا ييئس المرء أن ينجيه |
ما يحسب الناس أنه عطبه |
و قال آخر
رب غم يدب تحت سرور |
و سرور يأتي من المحذور |
و قال سعيد بن حميد
كم نعمة مطوية |
لك بين أثناء النوائب |
و مسرة قد أقبلت |
من حيث تنتظر المصائب |
و قال آخر
أنتظر الروح و أسبابه |
أيأس ما كنت من الروح |
و قال آخر
ربما تجزع النفوس من الأمر |
له فرجة كحل العقال |
و قال آخر
العسر أكرمه ليسر بعده |
و لأجل عين ألف عين تكرم |
|
و المرء يكره يومه و لعله |
يأتيه فيه سعادة لا تعلم |
و قال الحلاج
و لربما هاج الكبير |
من الأمور لك الصغير |
|
و لرب أمر قد تضيق |
به الصدور و لا يصير |
و قال آخر
يا راقد الليل مسرورا بأوله |
إن الحوادث قد يطرقن أسحارا |
و قال آخر
كم مرة حفت بك المكاره |
خار لك الله و أنت كاره |
و من شعري الذي أناجي به البارئ سبحانه في خلواتي و هو فن أطويه و أكتمه عن الناس و إنما ذكرت بعضه في هذا الموضع لأن المعنى ساق إليه و الحديث ذو شجون
يا من جفاني فوجدي بعده عدم |
هبني أسأت فأين العفو و الكرم |
أنا المرابط دون الناس فاجف و صل |
و اقبل و عاقب و حاسب لست انهزم |
|
إن المحب إذا صحت محبته |
فما لوقع المواضي عنده ألم |
|
و حق فضلك ما استيأست من نعم |
تسري إلي و إن حلت بي النقم |
|
و لا أمنت نكالا منك أرهبه |
و إن ترادفت الآلاء و النعم |
|
حاشاك تعرض عمن في حشاشته |
نار لحبك طول الدهر تضطرم |
|
ألم تقل إن من يدنو إلي قدر الذراع |
أدنو له باعا و أبتسم |
|
و الله و الله لو عاقبتني حقبا |
بالنار تأكلني حطما و تلتهم |
|
ما حلت عن حبك الباقي فليس على |
حال بمنصرم و الدهر ينصرم |
65 و من كلام له ع كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين
مَعَاشِرَ اَلْمُسْلِمِينَ اِسْتَشْعِرُوا اَلْخَشْيَةَ وَ تَجَلْبَبُوا اَلسَّكِينَةَ وَ عَضُّوا عَلَى اَلنَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ اَلْهَامِ وَ أَكْمِلُوا اَللاَّمَةَ وَ قَلْقِلُوا اَلسُّيُوفَ فِي أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا وَ اِلْحَظُوا اَلْخَزْرَ وَ اُطْعُنُوا اَلشَّزْرَ وَ نَافِحُوا بِالظُّبَى وَ صِلُوا اَلسُّيُوفَ بِالْخُطَا وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ بِعَيْنِ اَللَّهِ وَ مَعَ اِبْنِ عَمِّ رَسُولِ اَللَّهِ [ ص ] فَعَاوِدُوا اَلْكَرَّ وَ اِسْتَحْيُوا مِنَ اَلْفَرِّ فَإِنَّهُ عَارٌ فِي اَلْأَعْقَابِ وَ نَارٌ يَوْمَ اَلْحِسَابِ وَ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً وَ اِمْشُوا إِلَى اَلْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً وَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا اَلسَّوَادِ اَلْأَعْظَمِ وَ اَلرِّوَاقِ اَلْمُطَنَّبِ فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رَجُلاً فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ اَلْحَقِّ وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ وَ اَللَّهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ قوله استشعروا الخشية أي اجعلوا الخوف من الله تعالى من شعاركم و الشعار من الثياب ما يكون دون الدثار و هو يلي الجلد و هو ألصق ثياب الجسد و هذه استعارة حسنة و المراد بذلك أمرهم بملازمة الخشية و التقوى كما أن الجلد يلازم الشعار
قوله و تجلببوا السكينة أي اجعلوا السكينة و الحلم و الوقار جلبابا لكم و الجلباب الثوب المشتمل على البدن قوله و عضوا على النواجذ جمع ناجذ و هو أقصى الأضراس و للإنسان أربعة نواجذ في كل شق و النواجذ بعد الأرحاء و يسمى الناجذ ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ و كمال العقل و يقال إن العاض على نواجذه ينبو السيف عن هامته نبوا ما و هذا مما يساعد التعليل الطبيعي عليه و ذلك أنه إذا عض على نواجذه تصلبت الأعصاب و العضلات المتصلة بدماغه و زال عنها الاسترخاء فكانت على مقاومة السيف أقدر و كان تأثير السيف فيها أقل و قوله فإنه أنبى الضمير راجع إلى المصدر الذي دل الفعل عليه تقديره فإن العض أنبى كقولهم من فعل خيرا كان له خيرا أي كان فعله خيرا و أنبى أفعل من نبا السيف إذا لم يقطع قال الراوندي هذا كلام ليس على حقيقته بل هو كناية عن الأمر بتسكين القلب و ترك اضطرابه و استيلاء الرعدة عليه إلى أن قال ذلك أشد إبعادا لسيف العدو عن هامتكم قوله و أكملوا اللأمة اللأمة بالهمزة الدرع و الهمزة ساكنة على فعلة مثل النأمة للصوت و إكمالها أن يزاد عليها البيضة و السواعد و نحوها و يجوز أن يعبر باللأمة عن جميع أداة الحرب كالدرع و الرمح و السيف يريد أكملوا السلاح الذي تحاربون العدو به قوله و قلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها يوم الحرب لئلا يدوم مكثها في الأجفان فتلحج فيها فيستصعب سلها وقت الحاجة إليها و قوله و الحظوا الخزر الخزر أن ينظر الإنسان بعينه و كأنه ينظر بمؤخرها و هي أمارة الغضب و الذي أعرفه الخزر بالتحريك قال الشاعر
إذا تخازرت و ما بي من خزر |
ثم كسرت العين و ما بي من عور |
|
ألفيتني ألوى بعيد المستمر |
أحمل ما حملت من خير و شر |
فإن كان قد جاء مسكنا فتسكينه جائز للسجعة الثانية و هي قوله و اطعنوا الشزر و الطعن شزرا هو الطعن عن اليمين و الشمال و لا يسمى الطعن تجاه الإنسان شزرا و أكثر ما تستعمل لفظة الشزر في الطعن لما كان عن اليمين خاصة و كذلك إدارة الرحى و خزرا و شزرا صفتان لمصدرين محذوفين تقديره الحظوا لحظا خزرا و اطعنوا طعنا شزرا و عين اطعنوا مضمومة يقال طعنت بالرمح اطعن بالضم و طعنت في نسبه أطعن بالفتح أي قدحت قال
يطوف بي عكب في معد |
و يطعن بالصملة في قفيا |
قوله نافحوا بالظبى أي ضاربوا نفحة بالسيف أي ضربة و نفحت الناقة برجلها أي ضربت و الظبى جمع ظبة و هي طرف السيف قوله و صلوا السيوف بالخطا مثل قول الشاعر
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها |
خطانا إلى أعدائنا فنضارب |
قالوا بكسر نضارب لأنه معطوف على موضع جزاء الشرط الذي هو إذا و قال آخر
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا |
يوما و نلحقها إذا لم تلحق |
و أنشدني شيخنا أبو القاسم الحسين بن عبد الله العكبري و لم يسم قائله و وجدته بعد لنابغة بني الحارث بن كعب
إن تسألي عنا سمي فإنه |
يسمو إلى قحم العلا أدنانا |
و تبيت جارتنا حصانا عفة |
ترضى و يأخذ حقه مولانا |
|
و نقوم إن رق المنون بسحرة |
لوصاة والدنا الذي أوصانا |
|
ألا نفر إذا الكتيبة أقبلت |
حتى تدور رحاهم و رحانا |
|
و تعيش في أحلامنا أشياخنا |
مردا و ما وصل الوجوه لحانا |
|
و إذا السيوف قصرن طولها لنا |
حتى تناول ما نريد خطانا |
و قال حميد بن ثور الهلالي
إلى أن نزلنا بالفضاء و ما لنا |
به معقل إلا الرماح الشواجر |
|
و وصل الخطا بالسيف و السيف بالخطا |
إذا ظن أن المرء ذا السيف قاصر |
و هذه الأبيات من قطعة لحميد جيدة و من جملتها
قضى الله في بعض المكاره للفتى |
برشد و في بعض الهوى ما يحاذر |
|
أ لم تعلمي أني إذا الإلف قادني |
إلى الجور لا انقاد و الإلف جائر |
|
و قد كنت في بعض الصباوة أتقي |
أمورا و أخشى أن تدور الدوائر |
|
و أعلم أني أن تغطيت مرة |
من الدهر مكشوف غطائي فناظر |
و من المعنى الذي نحن في ذكره ما روي أن رجلا من الأزد رفع إلى المهلب سيفا له فقال يا عم كيف ترى سيفي هذا فقال إنه لجيد لو لا أنه قصير قال أطوله يا عم بخطوتي فقال و الله يا ابن أخي أن المشي إلى الصين أو إلى آذربيجان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة و لم يقل المهلب ذلك جبنا بل قال ما توجبه الصورة إذ كانت
تلك الخطوة قريبة للموت قال أبو سعد المخزومي في هذا المعنى
رب نار رفعتها و دجى الليل |
على الأرض مسبل الطيلسان |
|
و أمون نحرتها لضيوف |
و ألوف نقدتهن لجاني |
|
و حروب شهدتها جامع القلب |
فلم تنكر الكمأة مكاني |
|
و إذا ما الحسام كان قصيرا |
طولته إلى العدو بناني |
من الناس من يرويها في ديوانه لجاني بالجيم أي حملت الحمالة عنه و منهم من يرويها بالحاء يعني الخمار. و من المعنى المذكور أولا قول بعض الشعراء يمدح صخر بن عمرو بن الشريد الأسلمي
إن ابن عمرو بن الشريد |
له فخار لا يرام |
|
و حجا إذا عدم الحجا |
و ندى إذا بخل الغمام |
|
يصل الحسام بخطوة |
في الروع إن قصر الحسام |
و مثله قول الراجز
يخطو إذا ما قصر العضب الذكر |
خطوا ترى منه المنايا تبتدر |
و مثله
و إنا لقوم ما نرى القتل سبة |
إذا ما رأته عامر و سلول |
|
يقصر ذكر الموت آجالنا لنا |
و تكرهه آجالهم فتطول |
و منها
و إن قصرت أسيافنا كان وصلها |
خطانا إلى أعدائنا فتطول |
و مثله قول وداك بن ثميل المازني
مقاديم وصالون في الروع خطوهم |
بكل رقيق الشفرتين يماني |
|
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم |
لأية حرب أم بأي مكان |
و قال آخر
إذا الكمأة تنحوا أن يصيبهم |
حد السيوف وصلناها بأيدينا |
و قال آخر
وصلنا الرقاق المرهفات بخطونا |
على الهول حتى أمكنتنا المضارب |
و قال بعض الرجاز
الطاعنون في النحور و الكلى |
و الواصلون للسيوف بالخطا |
قوله ع و اعلموا أنكم بعين الله أي يراكم و يعلم أعمالكم و الباء هاهنا كالباء في قوله أنت بمرأى مني و مسمع قوله فعاودوا الكر أي إذا كررتم على العدو كره فلا تقتصروا عليها بل كروا كرة أخرى بعدها ثم قال لهم و استحيوا من الفرار فإنه عار في الأعقاب أي في الأولاد فإن الأبناء يعيرون بفرار الآباء و يجوز أن يريد بالأعقاب جمع عقب و هو العاقبة و ما يئول إليه الأمر قال سبحانه( خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً ) أي خير عاقبة فيعنى على هذا الوجه أن الفرار عار في عاقبة أمركم و ما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان عنكم ثم قال و نار يوم الحساب لأن الفرار من الزحف ذنب عظيم و هو عند
أصحابنا المعتزلة من الكبائر قال الله تعالى( وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ ) و الجهاد بين يدي الإمام كالجهاد بين يدي الرسول ع قوله ع و طيبوا عن أنفسكم نفسا لما نصب نفسا على التمييز وحده لأن التمييز لا يكون إلا واحدا و إن كان في معنى الجمع تقول انعموا بالا و لا تضيقوا ذرعا و أبقى الأنفس على جمعها لما لم يكن به حاجة إلى توحيدها يقول وطنوا أنفسكم على الموت و لا تكرهوه و هونوه عليكم تقول طبت عن مالي نفسا إذا هونت ذهابه و قوله و امشوا إلى الموت مشيا سجحا أي سهلا و السجاحة السهولة يقال في أخلاق فلان سجاحة و من رواه سمحا أراد سهلا أيضا و السواد الأعظم يعني به جمهور أهل الشام قوله و الرواق المطنب يريد به مضرب معاوية ذا الأطناب و كان معاوية في مضرب عليه قبة عالية و حوله صناديد أهل الشام و ثبجه وسطه و ثبج الإنسان ما بين كاهله إلى ظهره و الكسر جانب الخباء و قوله فإن الشيطان كامن في كسره يحتمل وجهين أحدهما أن يعنى به الشيطان الحقيقي و هو إبليس و الثاني أن يعنى به معاوية و الثاني هو الأظهر للقرينة التي تؤيده و هي قوله قد قدم للوثبة يدا و أخر للنكوص رجلا أي إن جبنتم وثب و إن شجعتم نكص أي تأخر و فر و من حمله على الوجه الأول جعله من باب المجاز أي إن إبليس كالإنسان الذي يعتوره دواع مختلفة بحسب المتجددات فإن أنتم صدقتم عدوكم القتال فر عنكم بفرار عدوكم و إن تخاذلتم و تواكلتم طمع فيكم بطمعه و أقدم عليكم بإقدامه
و قوله ع فصمدا صمدا أي اصمدوا صمدا صمدا صمدت لفلان أي قصدت له و قوله حتى ينجلي لكم عمود الحق أي يسطع نوره و ضوءه و هذا من باب الاستعارة و الواو في قوله و أنتم الأعلون واو الحال و لن يتركم أعمالكم أي لن ينقصكم و هاهنا مضاف محذوف تقديره جزاء أعمالكم و هو من كلام الله تعالى رصع به خطبته ع و هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين ع في اليوم الذي كانت عشيته ليلة الهرير في كثير من الروايات و في رواية نصر بن مزاحم أنه خطب به في أول أيام اللقاء و الحرب بصفين و ذلك في صفر من سنة سبع و ثلاثين
قال نصر كان علي ع يركب بغلة له يستلذها قبل أن يلتقي الفئتان بصفين فلما حضرت الحرب و بات تلك الليلة يعبئ الكتائب حتى أصبح قال ائتوني بفرس فأتي بفرس له ذنوب أدهم يقاد بشطنين يبحث الأرض بيديه جميعا له حمحمة
و صهيل فركبه و قال( سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين ) لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال كان علي ع إذا سار إلى قتال ذكر اسم الله قبل أن يركب كان يقول الحمد لله على نعمه علينا و فضله( سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون ) ثم يستقبل القبلة و يرفع يديه إلى السماء و يقول اللهم إليك نقلت الأقدام و أتعبت الأبدان و أفضت القلوب و رفعت الأيدي و شخصت الأبصار( رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْفاتِحِينَ ) ثم يقول سيروا على بركة الله ثم يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر يا الله يا أحد يا صمد يا رب محمد اكفف عنا بأس الظالمين( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد و إياك نستعين ) بسم الله الرحمن الرحيم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم قال و كانت هذه الكلمات شعاره بصفين
قال و روى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال ما كان علي ع في قتال إلا نادى يا كهيعص
قال نصر و حدثنا قيس بن الربيع عن عبد الواحد بن حسان العجلي عمن حدثه أنه سمع عليا ع يقول يوم لقائه أهل الشام بصفين اللهم إليك رفعت الأبصار و بسطت الأيدي و نقلت الأقدام و دعت الألسن و أفضت القلوب و تحوكم إليك في الأعمال فاحكم بيننا و بينهم بالحق و أنت خير الفاتحين اللهم إنا نشكو إليك غيبة
نبينا و قلة عددنا و كثرة عدونا و تشتت أهوائنا و شدة الزمان و ظهور الفتن فأعنا على ذلك بفتح منك تعجله و نصر تعز به سلطان الحق و تظهره
قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن سلام بن سويد عن علي ع في قوله وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى قال هي لا إله إلا الله و في قوله الله أكبر قال هي آية النصر قال سلام كانت شعاره ع يقولها في الحرب ثم يحمل فيورد و الله من اتبعه و من حاده حياض الموت قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال لما كان غداة الخميس لسبع خلون من صفر من سنة سبع و ثلاثين صلى علي ع الغداة فغلس ما رأيت عليا غلس بالغداة أشد من تغليسه يومئذ و خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف نحوهم و كان هو يبدؤهم فيسير إليهم فإذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم.
قال نصر فحدثني عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال لما خرج علي ع إليهم غداة ذلك اليوم فاستقبلوه رفع يديه إلى السماء و قال اللهم رب هذا السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته محيطا بالليل و النهار و جعلت فيه مجرى الشمس و القمر و منازل الكواكب و النجوم و جعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة و رب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الأنعام و ما لا يحصى مما يرى و مما لا يرى من خلقك العظيم و رب الفلك التي تجري في البحر المحيط بما ينفع الناس و رب السحاب المسخر بين السماء و الأرض و رب البحر
المسجور المحيط بالعالمين و رب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا و للخلق متاعا إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي و سددنا للحق و إن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة و اعصم بقية أصحابي من الفتنة قال فلما رأوه قد أقبل تقدموا إليه بزحوفهم و كان على ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي و على ميسرته عبد الله بن العباس بن عبد المطلب و قراء العراق مع ثلاثة نفر عمار بن ياسر و قيس بن سعد بن عبادة و عبد الله بن بديل و الناس على راياتهم و مراكزهم و علي ع في القلب في أهل المدينة جمهورهم الأنصار و معه من خزاعة و من كنانة عدد حسن قال نصر و كان علي ع رجلا ربعة أدعج العينين كان وجهه القمر ليلة البدر حسنا ضخم البطن عريض المسربة شثن الكفين ضخم الكسور كأن عنقه إبريق فضة أصلع من خلفه شعر خفيف لمنكبه مشاش كمشاش الأسد الضاري إذا مشى تكفأ و مار به جسده و لظهره سنام كسنام الثور لا يبين عضده من ساعده قد أدمجت إدماجا لم يمسك بذراع رجل قط إلا أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس و لونه إلى سمرة ما و هو أذلف الأنف إذا مشى إلى الحرب هرول قد أيده الله تعالى في حروبه بالنصر و الظفر
قال نصر و رفع معاوية قبة عظيمة و ألقى عليها الكرابيس و جلس تحتها قال نصر و قد كان لهم قبل هذا اليوم أيام ثلاثة و هي الرابع من صفر هذا و اليوم الخامس و اليوم السادس كانت فيها مناوشات و قتال ليس بذلك الكثير فأما اليوم الرابع فأن محمد بن الحنفية ع خرج في جمع من أهل العراق فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام فاقتتلوا ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى محمد بن الحنفية أن اخرج إلي أبارزك فقال نعم ثم خرج إليه فبصر بهما علي ع فقال من هذان المتبارزان قيل محمد بن الحنفية و عبيد الله بن عمر فحرك دابته ثم دعا محمدا إليه فجاءه فقال أمسك دابتي فأمسكها فمشى راجلا بيده سيفه نحو عبيد الله و قال له أنا أبارزك فهلم إلي فقال عبيد الله لا حاجة بي إلى مبارزتك قال بلى فهلم إلي قال لا أبارزك ثم رجع إلى صفه فرجع علي ع فقال ابن الحنفية يا أبت لم منعتني من مبارزته فو الله لو تركتني لرجوت أن أقتله قال يا بني لو بارزته أنا لقتلته و لو بارزته أنت لرجوت لك أن تقتله و ما كنت آمن أن يقتلك فقال يا أبت أ تبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدو الله و الله لو أبوه يسألك المبارزة لرغبت بك عنه فقال يا بني لا تذكر أباه و لا تقل فيه إلا خيرا رحم الله أباه قال نصر و أما اليوم الخامس فإنه خرج فيه عبد الله بن العباس فخرج إليه الوليد بن عقبة فأكثر من سب بني عبد المطلب و قال يا ابن عباس قطعتم
أرحامكم و قتلتم إمامكم فكيف رأيتم صنع الله بكم لم تعطوا ما طلبتم و لم تدركوا ما أملتم و الله إن شاء مهلككم و ناصرنا عليكم فأرسل إليه عبد الله بن العباس أن ابرز إلي فأبى أن يفعل و قاتل ابن عباس ذلك اليوم قتالا شديدا ثم انصرفوا و كل غير غالب قال نصر و خرج في ذلك اليوم شمر بن أبرهة بن الصباح الحميري فلحق بعلي ع في ناس من قراء أهل الشام ففت ذلك في عضد معاوية و عمرو بن العاص و قال عمرو يا معاوية إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد ص قرابة قريبة و رحم ماسة و قدم في الإسلام لا يعتد أحد بمثله و حده في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمد ص و إنه قد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين و فرسانهم و قرائهم و أشرافهم و قدمائهم في الإسلام و لهم في النفوس مهابة فبادر بأهل الشام مخاشن الأوعار و مضايق العياض و احملهم على الجهد و ائتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم فيحدث عندهم طول المقام مللا فتظهر فيهم كآبة الخذلان و مهما نسيت فلا تنس أنك على باطل و أن عليا على حق فبادر الأمر قبل اضطرابه عليك فقام معاوية في أهل الشام خطيبا فقال أيها الناس أعيرونا جماجمكم و أنفسكم لا تقتتلوا و لا تتجادلوا فإن اليوم يوم خطار و يوم حقيقة و حفاظ إنكم لعلى حق و بأيديكم حجة إنما تقاتلون من نكث البيعة و سفك الدم الحرام فليس له في السماء عاذر قدموا أصحاب السلاح المستلئمة و أخروا الحاسر و احملوا بأجمعكم فقد بلغ الحق مقطعه و إنما هو ظالم و مظلوم
قال نصر و خطب علي ع أصحابه فيما حدثنا به عمر بن سعد عن أبي يحيى عن محمد بن طلحة عن أبي سنان عن أبيه قال كأني أنظر إليه متوكئا على قوسه و قد جمع أصحاب رسول الله ص عنده فهم يلونه كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه فحمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد فإن الخيلاء من التجبر و إن النخوة من التكبر و إن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابذوا و لا تخاذلوا ألا إن شرائع الدين واحدة و سبله قاصده من أخذ بها لحق و من فارقها محق و من تركها مرق ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن و لا بالمخلف إذا وعد و لا بالكذاب إذا نطق نحن أهل بيت الرحمة و قولنا الصدق و فعلنا القصد و منا خاتم النبيين و فينا قادة الإسلام و فينا حملة الكتاب ألا إنا ندعوكم إلى الله و إلى رسوله و إلى جهاد عدوه و الشدة في أمره و ابتغاء مرضاته و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و حج البيت و صيام شهر رمضان و توفير الفيء على أهله ألا و إن من أعجب العجائب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي و عمرو بن العاص السهمي أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما و لقد علمتم أني لم أخالف رسول الله ص قط و لم أعصه في أمر أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال و ترعد فيها الفرائص بنجدة أكرمني الله سبحانه بها و له الحمد و لقد قبض رسول الله ص و إن رأسه لفي حجري و لقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي و ايم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله
قال أبو سنان الأسلمي فأشهد لقد سمعت عمار بن ياسر يقول للناس أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الأمة لم تستقم عليه أولا و أنها لن تستقيم عليه آخرا قال ثم تفرق الناس و قد نفذت أبصارهم في قتال عدوهم فتأهبوا و استعدوا
قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا ع قال في هذه الليلة حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ثم قام في الناس فقال الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض و لا ينقض ما أبرم و لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة و لا من خلقه و لا تنازع البشر في شيء من أمره و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار حتى لفت بيننا في هذا الموضع و نحن من ربنا بمرأى و مسمع و لو شاء لعجل النقمة و لكان منه النصر حتى يكذب الله الظالم و يعلم الحق أين مصيره و لكنه جعل الدنيا دار الأعمال و الآخرة دار الجزاء و القرار( لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) ألا إنكم لاقوا العدو غدا إن شاء الله فأطيلوا الليلة القيام و أكثروا تلاوة القرآن و اسألوا الله الصبر و النصر و ألقوهم بالجد و الحزم و كونوا صادقين قال فوثب الناس إلى رماحهم و سيوفهم و نبالهم يصلحونها و خرج ع فعبى الناس ليلته تلك كلها حتى أصبح و عقد الألوية و أمر الأمراء و كتب الكتائب و بعث إلى أهل الشام مناديا نادى فيهم اغدوا على مصافكم فضج أهل الشام في معسكرهم و اجتمعوا إلى معاوية فعبى خيله و عقد ألويته و أمر أمراءه و كتب كتائبه و أحاط به أهل حمص في راياتهم و عليهم أبو الأعور السلمي و أهل الأردن في راياتهم عليهم عمرو بن العاص و أهل قنسرين و عليهم زفر بن الحارث الكلابي و أهل دمشق و هم القلب
و عليهم الضحاك بن قيس الفهري فأطافوا كلهم بمعاوية و كان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف و سار أبو الأعور و عمرو بن العاص و من معهما حتى وقفا بحيال أهل العراق فنظرا إليهم و استقلا جمعهم و طمعا فيهم و نصب لمعاوية منبر فقعد عليه في قبة ضربها ألقي عليها الثياب و الأرائك و أحاط به أهل يمن و قال لا يقربن هذا المنبر أحد لا تعرفونه إلا قتلتموه كائنا من كان قال نصر و أرسل عمرو إلى معاوية قد عرفت ما بيننا من العهد و العقد فاعصب برأسي هذا الأمر و أرسل إلى أبي الأعور فنحه عني و دعني و القوم فأرسل معاوية إلى أبي الأعور أن لأبي عبد الله رأيا و تجربة ليست لي و لا لك و قد وليته أعنة الخيل فسر أنت حتى تقف بخيلك على تل كذا و دعه و القوم فسار أبو الأعور و بقي عمرو بن العاص فيمن معه واقفا بإزاء عسكر العراق فنادى عمرو ابنيه عبد الله و محمدا فقال لهما قدما هؤلاء الدرع و أخرا هؤلاء الحسر و أقيما الصف قص الشارب فإن هؤلاء قد جاءوا بخطة قد بلغت السماء فمشيا برايتهما فعدلا الصفوف و سار بينهما عمرو فأحسن الصف ثانية ثم حمل قيسا و كليبا و كنانة على الخيول و رجل سائر الناس قال نصر و بات كعب بن جعيل التغلبي شاعر أهل الشام تلك الليلة يرتجز و ينشد
أصبحت الأمة في أمر عجب |
و الملك مجموع غدا لمن غلب |
|
أقول قولا صادقا غير كذب |
إن غدا يهلك أعلام العرب |
|
غدا نلاقي ربنا فنحتسب |
غدا يصيرون رمادا قد ذهب |
بعد الجمال و الحياء و الحسب |
يا رب لا تشمت بنا و لا تصب |
من خلع الأنداد طرا و الصلب
قال نصر و قال معاوية من في ميسرة أهل العراق فقيل ربيعة فلم يجد في الشام ربيعة فجاء بحمير فجعلها بإزاء ربيعة على قرعة أقرعها بين حمير و عك فقال ذو الكلاع الحميري باستك من سهم لم تبغ الضراب كأنه أنف عن أن تكون حمير بإزاء ربيعة فبلغ ذلك حجدرا الحنفي فحلف بالله إن عاينه ليقتلنه أو ليموتن دونه فجاءت حمير حتى وقفت بإزاء ربيعة و جعل السكاسك و السكون بإزاء كندة و عليهما الأشعث بن قيس و جعل بإزاء همدان العراق الأزد و بإزاء مذحج العراق عكا و قال راجز من أهل الشام
ويل لأم مذحج من عك |
و أمهم قائمة تبكي |
|
نصكهم بالسيف أي صك |
فلا رجال كرجال عك |
قال و طرحت عك حجرا بين أيديهم و قالوا لا نفر حتى يفر هذا الحكر بالكاف و عك تقلب الجيم كافا و صف القلب خمسة صفوف و فعل أهل العراق أيضا مثل ذلك و نادى عمرو بن العاص بأعلى صوته
يا أيها الجند الصليب الإيمان |
قوموا قياما و استعينوا الرحمن |
|
إني أتاني خبر ذو ألوان |
إن عليا قتل ابن عفان |
ردوا علينا شيخنا كما كان
فرد عليه أهل العراق و قالوا
أبت سيوف مذحج و همدان |
بأن ترد نعثلا كما كان |
|
خلقا جديدا مثل خلق الرحمن |
ذلك شأن قد مضى و ذا شان |
ثم نادى عمرو بن العاص ثانية برفع صوته
ردوا علينا شيخنا ثم بجل |
أو لا تكونوا جزرا من الأسل |
فرد عليه أهل العراق
كيف نرد نعثلا و قد قحل |
نحن ضربنا رأسه حتى انجفل |
|
و أبدل الله به خير بدل |
أعلم بالدين و أزكى بالعمل |
و قال إبراهيم بن أوس بن عبيدة من أهل الشام
لله در كتائب جاءتكم |
تبكي فوارسها على عثمان |
|
تسعون ألفا ليس فيهم قاسط |
يتلون كل مفصل و مثان |
|
يسلون حق الله لا يعدونه |
و مجيبكم للملك و السلطان |
|
فأتوا ببينة على ما جئتم |
أو لا فحسبكم من العدوان |
|
و أتوا بما يمحو قصاص خليفة |
لله ليس بكاذب خوان |
قال نصر و بات علي ع ليلته يعبئ الناس حتى إذا أصبح زحف بهم و خرج إليه معاوية في أهل الشام فجعل يقول من هذه القبيلة و من هذه القبيلة يعني قبائل أهل الشام فيسمون له حتى إذا عرفهم و عرف مراكزهم قال للأزد اكفوني الأزد و قال لخثعم اكفوني خثعما و أمر كل قبيلة من العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا قبيلة ليس منهم بالعراق إلا القليل مثل بجيلة فإن لخما كانت بإزائها ثم تناهض القوم يوم الأربعاء سادس صفر و اقتتلوا إلى آخر نهارهم و انصرفوا عند المساء و كل غير غالب قال نصر فأما اليوم السابع فكان القتال فيه شديدا و الخطب عظيما و كان عبد الله بن بديل الخزاعي على ميمنة العراق فزحف نحو حبيب بن مسلمة و هو على ميسرة أهل الشام فلم يزل يحوزه و يكشف خيله حتى اضطر بهم إلى قبة معاوية وقت الظهر قال نصر فحدثنا عمر بن سعد قال حدثنا مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عبد الله بن بديل قام في أصحابه فخطبهم فقال ألا إن معاوية ادعى ما ليس له و نازع الأمر أهله و من ليس مثله و جادل بالباطل ليدحض به الحق و صال عليكم بالأعراب و الأحزاب و زين لهم الضلالة و زرع في قلوبهم حب الفتنة و لبس عليهم الأمور و زادهم رجسا إلى رجسهم و أنتم و الله على نور و برهان مبين قاتلوا الطغاة الجفاة قاتلوهم و لا تخشوهم و كيف تخشونهم و في أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبين( أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) و لقد قاتلتهم مع النبي ص و الله ما هم في هذه بأزكى و لا أتقى و لا أبر انهضوا إلى عدو الله و عدوكم قال نصر و حدثنا عمر بن سعد قال حدثني عبد الرحمن عن أبي عمرو عن أبيه أن عليا ع خطب في ليلة هذا اليوم فقال معاشر المسلمين استشعروا الخشية و تجلببوا السكينة و عضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام . الفصل بطوله إلى آخره و هو المذكور في الكتاب
و روى نصر أيضا بالإسناد المذكور أن عليا ع خطب ذلك اليوم و قال أيها الناس إن الله تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب و تشفي بكم على الخير إيمان بالله و رسوله و جهاد في سبيله و جعل ثوابه مغفرة الذنوب و مساكن طيبة في جنات عدن و رضوان من الله أكبر و أخبركم بالذي يحب فقال( إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص و قدموا الدارع و أخروا الحاسر و عضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام و أربط للجأش و أسكن للقلوب و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار و التووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة و رايتكم فلا تميلوها و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم المانعي الذمار و الصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ
الذين يحفون برايتكم و يكتنفونها يضربون خلفها و أمامها و لا تضيعوها أجزاء كل امرئ وقذ قرنه و واسى أخاه بنفسه و لم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه و قرن أخيه فيكسب بذلك من الإثم و يأتي به دناءة أنى هذا و كيف يكون هكذا هذا يقاتل اثنين و هذا ممسك يده قد خلى قرنه إلى أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنما مردكم إلى الله قال الله تعالى لقوم عابهم( لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ اَلْمَوْتِ أَوِ اَلْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) و ايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة استعينوا بالصدق و الصبر فإنه بعد الصبر ينزل النصر قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن مالك بن قدامة الأرحبي قال قام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين فقال الحمد لله الذي هدانا لدينه و أورثنا كتابه و امتن علينا بنبيه فجعله رحمة للعالمين و سيدا للمرسلين و قائدا للمؤمنين و خاتما للنبيين و حجة الله العظيم على الماضين و الغابرين ثم كان فيما قضى الله و قدره و له الحمد على ما أحببنا و كرهنا أن ضمنا و عدونا بقناصرين فلا يجمل بنا اليوم الحياص و ليس هذا بأوان انصراف و لات حين مناص و قد خصنا الله منه برحمة لا نستطيع أداء شكرها و لا نقدر قدرها إن أصحاب محمد المصطفين الأخيار معنا
و في حيز فو الله الذي هو بالعباد بصير أن لو كان قائدنا رجلا مجدعا إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلا لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا و تطيب أنفسنا فكيف و إنما رئيسنا ابن عم نبينا بدري صدق صلى صغيرا و جاهد مع نبيكم كثيرا و معاوية طليق من وثاق الإسار و ابن طليق ألا إنه أغوى جفاة فأوردهم النار و أوردهم العار و الله محل بهم الذل و الصغار ألا إنكم ستلقون عدوكم غدا فعليكم بتقوى الله من الجد و الحزم و الصدق و الصبر فإن الله مع الصابرين ألا إنكم تفوزون بقتلهم و يشقون بقتلكم و الله لا يقتل رجل منكم رجلا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن و أدخل المقتول نارا تلظى( لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) عصمنا الله و إياكم بما عصم به أولياءه و جعلنا و إياكم ممن أطاعه و اتقاه و أستغفر الله العظيم لي و لكم و للمؤمنين ثم قال الشعبي و لقد صدق فعله ما قال في خطبته قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر و زيد بن الحسن قالا طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له عمرو على أن لي حكمي أن قتل الله ابن أبي طالب و استوثقت لك البلاد فقال أ ليس حكمك في مصر قال و هل مصر تكون عوضا عن الجنة و قتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا( لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) فقال معاوية إن لك حكمك أبا عبد الله إن قتل ابن أبي طالب رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك فقام عمرو
فقال معاشر أهل الشام سووا صفوفكم قص الشارب و أعيرونا جماجمكم ساعة فقد بلغ الحق مقطعه فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم قال نصر و أقبل أبو الهيثم بن التيهان و كان من أصحاب رسول الله ص بدريا نقيبا عقبيا يسوي صفوف أهل العراق و يقول يا معشر أهل العراق إنه ليس بينكم و بين الفتح في العاجل و الجنة في الآجل إلا ساعة من النهار فأرسوا أقدامكم و سووا صفوفكم و أعيروا ربكم جماجمكم استعينوا بالله إلهكم و جاهدوا عدو الله و عدوكم و اقتلوهم قتلهم الله و أبادهم و اصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الفضل بن أدهم عن أبيه أن الأشتر قام يخطب الناس بقناصرين و هو يومئذ على فرس أدهم مثل حلك الغراب فقال الحمد لله الذي خلق السموات العلى( اَلرَّحْمنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى لَهُ ما فِي اَلسَّماواتِ وَ ما فِي اَلْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ اَلثَّرى ) أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء حمدا كثيرا بكرة و أصيلا من هداه الله فقد اهتدى و من يضلل فقد غوى أرسل محمدا بالصواب و الهدى فأظهره على الدين كله و لو كره المشركون صلى الله عليه و سلم ثم قد كان مما قضى الله سبحانه و قدر أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض فلفت بيننا و بين عدو الله و عدونا فنحن بحمد الله و نعمه و منه و فضله قريرة أعيننا طيبة أنفسنا نرجو بقتالهم حسن الثواب و الأمن من العقاب معنا ابن عم نبينا و سيف من سيوف الله علي بن أبي طالب صلى مع رسول الله لم يسبقه إلى الصلاة
ذكر حتى كان شيخا لم تكن له صبوة و لا نبوة و لا هفوة و لا سقطة فقيه في دين الله تعالى عالم بحدود الله ذو رأي أصيل و صبر جميل و عفاف قديم فاتقوا الله و عليكم بالحزم و الجد و اعلموا أنكم على الحق و أن القوم على الباطل إنما تقاتلون معاوية و أنتم مع البدريين قريب من مائة بدري سوى من حولكم من أصحاب محمد أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله و مع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب أنتم على إحدى الحسنيين إما الفتح و إما الشهادة عصمنا الله و إياكم بما عصم به من أطاعه و اتقاه و ألهمنا و إياكم طاعته و تقواه و أستغفر الله لي و لكم قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان عن زامل بن عمرو الجذامي قال طلب معاوية إلى ذي الكلاع أن يخطب الناس و يحرضهم على قتال علي ع و من معه من أهل العراق فعقد فرسه و كان من أعظم أصحاب معاوية خطرا و خطب الناس فقال الحمد لله حمدا كثيرا ناميا واضحا منيرا بكرة و أصيلا أحمده و أستعينه و أومن به و أتوكل عليه و كفى بالله وكيلا و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالفرقان إماما و بالهدى و دين الحق حين ظهرت المعاصي و درست الطاعة و امتلأت الأرض جورا و ضلالة و اضطرمت الدنيا نيرانا و فتنة و ورك عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها و استولى على جميع أهلها فكان محمد ص هو الذي أطفأ الله به نيرانها و نزع به أوتادها و أوهن به
قوى إبليس و آيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم و أظهره على الدين كله و لو كره المشركون ثم كان من قضاء الله أن ضم بيننا و بين أهل ديننا بصفين و إنا لنعلم أن فيهم قوما قد كانت لهم مع رسول الله ص سابقة ذات شأن و خطر عظيم و لكني ضربت الأمر ظهرا و بطنا فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان صهر نبينا ص الذي جهز جيش العسرة و ألحق في مصلى رسول الله ص بيتا و بنى سقاية بايع له نبي الله بيده اليمنى على اليسرى و اختصه بكريمتيه أم كلثوم و رقية فإن كان قد أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خير منه قال الله سبحانه لنبيه( لِيَغْفِرَ لَكَ اَللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ ) و قتل موسى نفسا ثم استغفر الله فغفر له و قد أذنب نوح ثم استغفر الله فغفر له و قد أذنب أبوكم آدم ثم استغفر الله فغفر له و لم يعر أحدكم من الذنوب و إنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله ص فإن لم يكن مالأ على قتل عثمان فلقد خذله و إنه لأخوه في دينه و ابن عمه و سلفه و ابن عمته ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامكم و بلادكم و بيضتكم و إنما عامتهم بين قاتل و خاذل فاستعينوا بالله و اصبروا فلقد ابتليتم أيتها الأمة و لقد رأيت في منامي في ليلتي هذه لكانا و أهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسيوفنا و نحن في ذلك جميعا ننادي ويحكم الله و مع أنا و الله لا نفارق العرصة حتى نموت فعليكم بتقوى الله و لتكن النيات لله فإني
سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ص يقول إنما يبعث المقتتلون على النيات أفرغ الله علينا و عليكم الصبر و أعز لنا و لكم النصر و كان لنا و لكم في كل أمر و أستغفر الله لي و لكم
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن ابن عامر عن صعصعة العبدي عن أبرهة بن الصباح قال قام يزيد بن أسد البجلي في أهل الشام يخطب الناس بصفين و عليه قباء من خز و عمامة سوداء آخذا بقائم سيفه واضعا نصل السيف في الأرض متوكئا عليه قال صعصعة فذكر لي أبرهة أنه كان يومئذ من أجمل العرب و أكرمها و أبلغها فقال الحمد لله الواحد الفرد ذي الطول و الجلال العزيز الجبار الحكيم الغفار الكبير المتعال ذي العطاء و الفعال و السخاء و النوال و البهاء و الجمال و المن و الإفضال مالك اليوم الذي لا بيع فيه و لا خلال أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء و في كل حال من شدة أو رخاء أحمده على نعمه التؤام و آلائه العظام حمدا يستنير بالليل و النهار و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة النجاة في الحياة و عند الوفاة و فيها الخلاص يوم القصاص و أشهد أن محمدا عبده و رسوله النبي المصطفى و إمام الهدى ص ثم كان من قضاء الله أن جمعنا و أهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض و الله يعلم أني كنت كارها لذلك و لكنهم لم يبلعونا ريقنا و لم يتركونا نرتاد لأنفسنا و ننظر لمعادنا حتى نزلوا بين أظهرنا و في حريمنا و بيضتنا و قد علمنا أن في القوم أحلاما و طغاما و لسنا نأمن من طغامهم على ذرارينا و نسائنا و لقد كنا نحب ألا نقاتل أهل ديننا فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم غدا حمية فإنا لله و إنا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين
أما و الذي بعث محمدا بالرسالة لوددت أني مت منذ سنة و لكن الله إذا أراد أمرا لم يستطع العباد رده فنستعين بالله العظيم و أستغفر الله لي و لكم قال نصر و حدثنا عمرو عن أبي روق الهمداني أن يزيد بن قيس الأرحبي حرض أهل العراق بصفين يومئذ فقال إن المسلم السليم من سلم دينه و رأيه و إن هؤلاء القوم و الله ما أن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه و لا على إحياء حق رأونا أمتناه و لا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة و ملوكا و لو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهورا و لا سرورا إذا لوليكم مثل سعيد و الوليد و عبد الله بن عامر السفيه يحدث أحدهم في مجلسه بذيت و ذيت و يأخذ مال الله و يقول لا إثم علي فيه كأنما أعطي تراثه من أبيه كيف إنما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا و رماحنا قاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله و لا تأخذكم فيهم لومة لائم إنهم أن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم و دنياكم و هم من قد عرفتم و جربتم و الله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا و أستغفر الله العظيم لي و لكم قال نصر و ارتجز عمرو بن العاص و أرسل بها إلى علي
لا تأمننا بعدها أبا حسن |
إنا نمر الأمر إمرار الرسن |
و يروى
خذها إليك و اعلمن أبا حسن
لتصبحن مثلها أم لبن |
طاحنة تدقكم دق الحفن |
قال فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق
ألا احذروا في حربكم أبا حسن |
ليثا أبا شبلين محذور فطن |
|
يدقكم دق المهاريس الطحن |
لتغبنن يا جاهلا أي غبن |
حتى تغض الكف أو تقرع سن
قال نصر فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم و هو اليوم السابع من صفر و كان من الأيام العظيمة في صفين ذا أهوال شديدة حجر الخير و حجر الشر أما حجر الخير فهو حجر بن عدي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع و أما حجر الشر فابن عمه كلاهما من كندة و كان من أصحاب معاوية فأطعنا برمحيهما و خرج رجل من بني أسد يقال له خزيمة من عسكر معاوية فضرب حجر بن عدي ضربة برمحه فحمل أصحاب علي ع فقتلوا خزيمة الأسدي و نجا حجر الشر هاربا فالتحق بصف معاوية ثم برز حجر الشر
ثانية فبرز إليه الحكم بن أزهر من أهل العراق فقتله حجر الشر فخرج إليه رفاعة بن ظالم الحميري من صف العراق فقتله و عاد إلى أصحابه يقول الحمد لله الذي قتل حجر الشر بالحكم بن أزهر ثم إن عليا ع دعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشام فقال من يذهب إليهم فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف فسكت الناس و أقبل فتى اسمه سعيد فقال أنا صاحبه فأعاد القول ثانية فسكت الناس و تقدم الفتى فقال أنا صاحبه فسلمه إليه فقبضه بيده ثم أتاهم فأنشدهم الله و دعاهم إلى ما فيه فقتلوه فقال علي ع لعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي احمل عليهم الآن فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة و عليه يومئذ سيفان و درعان فجعل يضرب بسيفه قدما و يقول
لم يبق غير الصبر و التوكل |
و الترس و الرمح و سيف مقصل |
|
ثم التمشي في الرعيل الأول |
مشى الجمال في حياض المنهل |
فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية و الذين بايعوه إلى الموت فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل و بعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري و هو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه و اختلط الناس و اضطرم الفيلقان ميمنة أهل العراق و ميسرة أهل الشام و أقبل عبد الله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما حتى أزال معاوية عن موقفه و جعل ينادي يا ثارات عثمان و إنما يعني أخا له قد قتل و ظن معاوية و أصحابه أنه يعني عثمان بن عفان و تراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا و أشفق على نفسه و أرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية و ثالثة يستنجده و يستصرخه و يحمل حبيب حملة
شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم و لجج ابن بديل في الناس و صمم على قتل معاوية و جعل يطلب موقفه و يصمد نحوه حتى انتهى إليه و مع معاوية عبد الله بن عامر واقفا فنادى معاوية في الناس ويلكم الصخر و الحجارة إذا عجزتم عن السلاح فرضخه الناس بالصخر و الحجارة حتى أثخنوه فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه و جاء معاوية و عبد الله بن عامر حتى وقفا عليه فأما عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه و ترحم عليه و كان له أخا صديقا من قبل فقال معاوية اكشف عن وجهه فقال لا و الله لا يمثل به و في روح فقال معاوية اكشف عن وجهه فإنا لا نمثل به قد وهبناه لك فكشف ابن عامر عن وجهه فقال معاوية هذا كبش القوم و رب الكعبة اللهم أظفرني بالأشتر النخعي و الأشعث الكندي و الله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها |
و إن شمرت عن ساقها الحرب شمرا |
|
و يحمي إذا ما الموت كان لقاؤه |
قدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا |
|
كليث هزبر كان يحمي ذماره |
رمته المنايا قصدها فتقطرا |
ثم قال إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت قال نصر فحدثنا عمرو عن أبي روق قال استعلى أهل الشام عند قتل ابن بديل على أهل العراق يومئذ و انكشف أهل العراق من قبل الميمنة و أجفلوا إجفالا
شديدا فأمر علي ع سهل بن حنيف فاستقدم من كان معه ليرفد الميمنة و يعضدها فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة فحملت عليهم فألحقتهم بالميمنة و كانت ميمنة أهل العراق متصلة بموقف علي ع في القلب في أهل اليمن فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي ع فانصرف يمشي نحو الميسرة فانكشف مضر عن الميسرة أيضا فلم يبق مع علي ع من أهل العراق إلا ربيعة وحدها في الميسرة قال نصر فحدثنا عمرو قال حدثنا مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال لقد مر علي ع يومئذ و معه بنوه نحو الميسرة و معه ربيعة وحدها و إني لأرى النبل يمر بين عاتقه و منكبيه و ما من بنيه إلا من يقيه بنفسه فيكره علي ع ذلك فيتقدم عليه و يحول بينه و بين أهل الشام و يأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه من ورائه و يبصر به أحمر مولى بني أمية و كان شجاعا و قال علي ع و رب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي ع فاختلفا ضربتين فقتله أحمر و خالط عليا ليضربه بالسيف و ينتهزه علي فتقع يده في جيب درعه فجذبه عن فرسه فحمله على عاتقه فو الله لكأني أنظر إلى رجلي أحمر تختلفان على عنق علي ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه و عضديه و شد ابنا علي حسين و محمد فضرباه بأسيافهما حتى برد فكأني أنظر إلى علي قائما و شبلاه يضربان الرجل حتى إذا أتيا عليه أقبلا على أبيهما و الحسن قائم معه فقال له علي يا بني ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك فقال كفياني يا أمير المؤمنين
قال ثم إن أهل الشام دنوا منه يريدونه و الله ما يزيده قربهم منه و دنوهم إليه سرعة في مشيته فقال له الحسن ما ضرك لو أسرعت حتى تنتهي إلى الذين صبروا لعدوك من أصحابك قال يعني ربيعة الميسرة فقال علي يا بني إن لأبيك يوما لن يعدوه و لا يبطئ به عند السعي و لا يقربه إليه الوقوف إن أباك لا يبالي أن وقع على الموت أو وقع الموت عليه
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي إسحاق قال خرج علي ع يوما من أيام صفين و في يده عنزة فمر على سعيد بن قيس الهمداني فقال له سعد أ ما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد و أنت قرب عدوك فقال علي ع إنه ليس من أحد إلا و عليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب أو يخر عليه حائط أو تصيبه آفة فإذا جاء القدر خلوا بينه و بينه قال نصر و حدثنا عمرو عن فضيل بن خديج قال لما انهزمت ميمنة العراق يومئذ أقبل علي ع نحو الميسرة يركض يستثيب الناس و يستوقفهم و يأمرهم بالرجوع نحو الفزع
فمر بالأشتر فقال يا مالك قال لبيك يا أمير المؤمنين قال ائت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم الكلمات و ناداهم إلى أيها الناس أنا مالك بن الحارث يكررها فلم يلو أحد منهم عليه و ظن أن
الأشتر أعرف في الناس من مالك بن الحارث فجعل ينادي ألا أيها الناس فأنا الأشتر فانقلب نحوه طائفة و ذهبت عنه طائفة فقال عضضتم بهن أباكم ما أقبح و الله ما فعلتم اليوم أيها الناس غضوا الأبصار و عضوا على النواجذ و استقبلوا القوم بهامكم و شدوا عليهم شدة قوم موتورين بآبائهم و أبنائهم و إخوانهم حنقا على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كي لا يسبقوا بثأر إن هؤلاء القوم و الله لن يقاتلوكم إلا عن دينكم ليطفئوا السنة و يحيوا البدعة و يدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم فإن الفرار فيه سلب العز و الغلبة على الفيء و ذل المحيا و الممات و عار الدنيا و الآخرة و سخط الله و أليم عقابه ثم قال أيها الناس أخلصوا إلى مذحجا فاجتمعت إليه مذحج فقال لهم عضضتم بصم الجندل و لله ما أرضيتم اليوم ربكم و لا نصحتم له في عدوه و كيف ذلك و أنتم أبناء الحرب و أصحاب الغارات و فتيان الصباح و فرسان الطراد و حتوف الأقران و مذحج الطعان الذين لم يكونوا سبقوا بثأرهم و لم تطل دماؤهم و لم يعرفوا في موطن من المواطن بخسف و أنتم سادة مصركم و أعز حي في قومكم و ما تفعلوا في هذا اليوم فهو مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور الحديث في غد و اصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصابرين و الذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء و أشار بيده إلى أهل الشام رجل على مثل جناح البعوضة من دين الله لله أنتم ما أحسنتم اليوم القراع احبسوا سواد وجهي يرجع فيه دمي عليكم هذا السواد الأعظم فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمه
فقالوا خذ بنا حيث أحببت فصمد بهم نحو عظمهم و استقبله أشباههم من همدان و هم نحو ثمانمائة مقاتل قد انهزموا آخر الناس و كانوا قد صبروا في ميمنة علي ع حتى قتل منهم مائة و ثمانون رجلا و أصيب منهم أحد عشر رئيسا كلما قتل منهم رئيس أخذ الراية آخر و هم بنو شريح الهمدانيون و غيرهم من رؤساء العشيرة فأول من أصيب منهم كريب بن شريح و شرحبيل بن شريح و مرثد بن شريح و هبيرة بن شريح و هريم بن شريح و شهر بن شريح و شمر بن شريح قتل هؤلاء الإخوة الستة في وقت واحد ثم أخذ الراية سفيان بن زيد ثم كرب بن زيد ثم عبد بن زيد فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة أيضا ثم أخذ الراية عمير بن بشر ثم أخوه الحارث بن بشر فقتلا جميعا ثم أخذ الراية أبو القلوص وهب بن كريب فقال له رجل من قومه انصرف يرحمك الله بهذه الراية ترحها الله فقد قتل الناس حولها فلا تقتل نفسك و لا من بقي معك فانصرفوا و هم يقولون ليت لنا عديدا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن و هم فلا ننصرف حتى نظفر أو نقتل فمروا بالأشتر و هم يقولون هذا القول فقال لهم الأشتر أنا أحالفكم و أعاقدكم على ألا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فوقفوا معه على هذه النية و العزيمة فهذا معنى قول كعب بن جعيل
و همدان زرق تبتغي من تحالف
قال و زحف الأشتر نحو الميمنة و ثاب إليه أناس تراجعوا من أهل الصبر و الوفاء
و الحياء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها و لا لجمع إلا حازه و رده فإنه لكذلك إذا مر بزياد بن النضر مستلحما فقال الأشتر هذا و الله الصبر الجميل هذا و الله الفعل الكريم إلي و قد كان هو و أصحابه في ميمنة العراق فتقدم فرفع رايته لهم فصبروا و قاتل حتى صرع ثم لم يلبث الأشتر إلا يسيرا كلا شيء حتى مر بهم يزيد بن قيس الأرحبي مستلحما أيضا محمولا فقال الأشتر من هذا قالوا يزيد بن قيس لما صرع زياد بن النضر دفع رايته لأهل الميمنة فقاتل تحتها حتى صرع فقال الأشتر هذا و الله الصبر الجميل هذا و الله الفعل الكريم أ لا يستحيي الرجل أن ينصرف أ يقتل و لم يقتل و لم يشف به على القتل قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن الصباح قال كان بيد الأشتر يومئذ صفيحة له يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء ينصب و إذا رفعها يكاد يعشي البصر شعاعها و مر يضرب الناس بها قدما و يقول
الغمرات ثم ينجلينا
قال فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي و الأشتر مقنع في الحديد فلم يعرفه فدنا منه و قال له جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين و عن جماعة المسلمين خيرا فعرفه الأشتر فقال يا ابن جمهان أ مثلك يتخلف اليوم عن مثل موطني هذا فتأمله ابن جمهان فعرفه و كان الأشتر من أعظم الرجال و أطولهم إلا أن في لحمه خفة قليلة فقال له جعلت فداك لا و الله ما علمت مكانك حتى الساعة و لا و الله لا أفارقك حتى أموت. قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن الصباح قال رأى الأشتر يومئذ منقذا و حميرا ابني قيس اليقظيان فقال منقذ لحمير ما في العرب رجل مثل هذا إن كان ما أرى من قتاله على نية فقال له حمير و هل النية إلا ما ترى قال إني أخاف أن يكون يحاول ملكا قال نصر و حدثنا عمرو عن فضيل بن خديج عن مولى الأشتر قال لما اجتمع مع الأشتر عظم من كان انهزم من الميمنة حرضهم فقال لهم عضوا على النواجذ من الأضراس و استقبلوا القوم بهامكم فإن الفرار من الزحف فيه ذهاب العز و الغلبة على الفيء و ذل المحيا و الممات و عار الدنيا و الآخرة
ثم حمل على صفوف أهل الشام حتى كشفهم فألحقهم بمضارب معاوية و ذلك بين العصر و المغرب
قال نصر و حدثنا عمرو عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا ع لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها و مصافها و كشفت من بإزائها حتى ضاربوهم في مواقفهم و مراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم فقال إني قد رأيت جولتكم و انحيازكم من صفوفكم يحوزكم الجفاة الطغاة و أعراب أهل الشام و أنتم لهاميم العرب و السنام الأعظم و عمار الليل بتلاوة القرآن و أهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلو لا إقبالكم بعد إدباركم و كركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره و كنتم فيما أرى من الهالكين و لقد هون علي بعض وجدي و شفى بعض لاعج نفسي إني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم و أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحشونهم بالسيوف يركب أولهم آخرهم كالإبل المطرودة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة و ثبتكم الله باليقين و ليعلم المنهزم أنه يسخط ربه و يوبق نفسه و في الفرار موجدة الله عليه و الذل اللازم له و فساد العيش و أن الفار لا يزيد الفرار في عمره و لا يرضي ربه فموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها و الإصرار عليها قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا أبو علقمة الخثعمي أن عبد الله بن حنش الخثعمي رأس خثعم الشام أرسل إلى أبي كعب الخثعمي رأس خثعم العراق إن شئت تواقفنا فلم نقتتل فإن ظهر صاحبكم كنا معكم و إن ظهر صاحبنا كنتم معنا و لا يقتل
بعضنا بعضا فأبى أبو كعب ذلك فلما التقت خثعم و خثعم و زحف الناس بعضهم إلى بعض قال عبد الله بن حنش لقومه يا معشر خثعم إنا قد عرضنا على قومنا من أهل العراق الموادعة صلة لأرحامها و حفظا لحقها فأبوا إلا قتالنا و قد بدءونا بالقطيعة فكفوا أيديكم عنهم حفظا لحقهم أبدا ما كفوا عنكم فإن قاتلوكم فقاتلوهم فخرج رجل من أصحابه فقال إنهم قد ردوا عليك رأيك و أقبلوا إليك يقاتلونك ثم برز فنادى رجل يا أهل العراق فغضب عبد الله بن حنش قال اللهم قيض له وهب بن مسعود يعني رجلا من خثعم الكوفة كان شجاعا يعرفونه في الجاهلية لم يبارزه رجل قط إلا قتله فخرج إليه وهب بن مسعود فقتله ثم اضطربوا ساعة و اقتتلوا أشد قتال فجعل أبو كعب يقول لأصحابه يا معشر خثعم خدموا أي اضربوا موضع الخدمة و هي الخلخال يعني اضربوهم في سوقهم فناداه عبد الله بن حنش يا أبا كعب الكل قومك فأنصف قال إي و الله و أعظم و اشتد قتالهم فحمل شمر بن عبد الله الخثعمي من خثعم الشام على أبي كعب فطعنه فقتله ثم انصرف يبكي و يقول يرحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بي رحما منهم و أحب إلي منهم نفسا و لكني و الله لا أدري ما أقول و لا أرى الشيطان إلا قد فتننا و لا أرى قريشا إلا و قد لعبت بنا قال و وثب كعب بن أبي كعب إلى راية أبيه فأخذها ففقئت عينه و صرع ثم أخذها شريح بن مالك الخثعمي فقاتل القوم تحتها حتى صرع منهم حول رايتهم نحو ثمانين رجلا و أصيب من خثعم الشام مثلهم ثم ردها شريح بن مالك بعد ذلك إلى كعب بن أبي كعب قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر أن راية بجيلة في صفين مع أهل العراق كانت في أحمس مع أبي شداد قيس بن المكشوح بن
هلال بن الحارث بن عمرو بن عوف بن عامر بن علي بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار قالت له بجيلة خذ رايتنا فقال غيري خير لكم مني قالوا لا نريد غيرك قال فو الله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا و كان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب يستره من الشمس فقالوا اصنع ما شئت فأخذها ثم زحف بها و هم حوله يضربون الناس حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب و هو في خيل عظيمة من أصحاب معاوية و كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فاقتتل الناس هناك قتالا شديدا و شد أبو شداد بسيفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومي من دونه لمعاوية فضرب قدم أبي شداد فقطعها و ضرب أبو شداد ذلك الرومي فقتله و أسرعت إليه الأسنة فقتل فأخذ الراية بعده عبد الله بن قلع الأحمسي و ارتجز و قال
لا يبعد الله أبا شداد |
حيث أجاب دعوة المنادي |
|
و شد بالسيف على الأعادي |
نعم الفتى كان لدى الطراد |
و في طعان الخيل و الجلاد
ثم قاتل حتى قتل فأخذها بعده أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل ثم أخذها عفيف بن إياس الأحمسي فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس
قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد السلام قال قتل يومئذ من بني أحمس حازم بن أبي حازم أخو قيس بن أبي حازم و نعيم بن شهيد بن التغلبية فأتى سميه ابن عمه نعيم بن الحارث بن التغلبية معاوية و كان من أصحابه فقال إن هذا القتيل ابن عمي فهبه لي أدفنه فقال لا تدفنوهم فليسوا لذلك بأهل و الله ما قدرنا على دفن عثمان بينهم إلا سرا قال و الله لتأذنن لي في دفنه أو لألحقن بهم و لأدعنك قال ويحك ترى أشياخ العرب لا نواريهم و أنت تسألني في دفن ابن عمك ادفنه إن شئت أو دعه فأتاه فدفنه قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا أبو زهير العبسي عن النضر بن صالح أن راية غطفان العراق كانت مع عياش بن شريك بن حارثة بن جندب بن زيد بن خلف بن رواحة فخرج رجل من آل ذي الكلاع فسأل المبارزة فبرز إليه قائد بن بكير العبسي فبارزه فشد عليه الكلاعي فأوهطه فقال أبو سليم عياش بن شريك لقومه إني مبارز هذا الرجل فإن أصبت فرأسكم الأسود بن حبيب بن جمانة بن قيس بن زهير فإن أصيب فرأسكم هرم بن شتير بن عمرو بن جندب فإن أصيب فرأسكم عبد الله بن ضرار من بني حنظلة بن رواحة ثم مشى نحو الكلاعي فلحقه هرم بن شتير فأخذ بظهره و قال ليمسك رحم لا تبرز إلى هذا الطوال فقال هبلتك الهبول و هل هو إلا الموت قال و هل الفرار إلا منه قال و هل منه بد و الله لأقتلنه أو ليلحقني
بقائد بن بكير فبرز له و معه حجفة من جلود الإبل فدنا منه فإذا الحديد مفرغ على الكلاعي لا يبين من نحره إلا مثل شراك النعل من عنقه بين بيضته و درعه فضربه الكلاعي فقطع جحفته إلا نحوا من شبر فضربه عياش على ذلك الموضع فقطع نخاعه فقتله و خرج ابن الكلاعي ثائرا بأبيه فقتله بكير بن وائل قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن الصلت بن زهير النهدي أن راية بني نهد بالعراق أخذها مسروق بن الهيثم بن سلمة فقتل ثم أخذها صخر بن سمي فارتث ثم أخذها علي بن عمير فقاتل حتى ارتث ثم أخذها عبد الله بن كعب فقتل ثم أخذها سلمة بن خذيم بن جرثومة فارتث و صرع ثم أخذها عبد الله بن عمرو بن كبشة فارتث ثم أخذها أبو مسبح بن عمرو فقتل ثم أخذها عبد الله بن النزال فقتل ثم أخذها ابن أخيه عبد الرحمن بن زهير فقتل ثم أخذها مولاه مخارق فقتل حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي قال نصر فحدثنا عمرو قال حدثنا الصلت بن زهير قال حدثني عبد الرحمن بن مخنف قال صرع يزيد بن المغفل إلى جنبي فقتلت قاتله و قمت على رأسه ثم صرع أبو زينب بن عروة فقتلت قاتله و قمت على رأسه و جاءني سفيان بن عوف فقال أ قتلتم يزيد بن المغفل فقلت إي و الله
إنه لهذا الذي تراني قائما على رأسه قال و من أنت حياك الله قلت أنا عبد الرحمن بن مخنف فقال الشريف الكريم حياك الله و مرحبا بك يا ابن عم أ فلا تدفعه إلي فأنا عمه سفيان بن عوف بن المغفل فقلت مرحبا بك أما الآن فنحن أحق به منك و لسنا بدافعيه إليك و أما ما عدا ذلك فلعمري أنت عمه و وارثه قال نصر حدثنا عمرو قال حدثنا الحارث بن حصين عن أشياخ الأزد أن مخنف بن سليم خطب لما ندبت أزد العراق إلى قتال أزد الشام فقال الحمد لله و الصلاة على محمد رسوله ثم قال إن من الخطب الجليل و البلاء العظيم إنا صرفنا إلى قومنا و صرفوا إلينا و الله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا و ما هي إلا أجنحتنا نحذفها بأسيافنا فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا و لم نواس جماعتنا و إن نحن فعلنا فعزنا آلمنا و نارنا أخمدنا. و قال جندب بن زهير الأزدي و الله لو كنا آباؤهم ولدناهم أو كانوا آباؤنا ولدونا ثم خرجوا عن جماعتنا و طعنوا على إمامنا و وازروا الظالمين الحاكمين بغير الحق على أهل ملتنا و ديننا ما افترقنا بعد إن اجتمعنا حتى يرجعوا عما هم عليه و يدخلوا فيما ندعوهم إليه أو تكثر القتلى بيننا و بينهم فقال مخنف أعزبك الله في التيه و الله ما علمتك صغيرا و لا إلا كبيرا مشئوما و الله ما ميلنا في الرأي بين أمرين قط أيهما نأتي و أيهما ندع في جاهلية و لا إسلام
إلا اخترت أعسرهما و أنكدهما اللهم أن تعافينا أحب إلي من أن تبتلينا اللهم أعط كل رجل منا ما سألك فتقدم جندب بن زهير فبارز أزديا من أزد الشام فقتله الشامي قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن حصين عن أشياخ الحي أن عتبة بن جويرة قال يوم صفين لأهله و أصحابه ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما و أصبح شجرها حصيدا و جديدها سملا و حلوها مرا ألا و إني أنبئكم نبأ امرئ صادق أني قد سئمت الدنيا و عزفت نفسي عنها و لقد كنت أتمنى الشهادة و أتعرض لها في كل حين فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم إلا و إني متعرض ساعتي هذه لها و قد طمعت ألا أحرمها فما تنظرون عباد الله من جهاد أعداء الله أخوف الموت القادم عليكم الذاهب بنفوسكم أو من ضربة كف أو جبين بالسيف أ تستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله و مرافقة النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد ثم قال يا إخوتاه إني قد بعت هذه الدار بالدار التي أمامها و هذا وجهي إليها لا يبرح الله وجوهكم و لا يقطع أرحامكم فتبعه أخواه عبد الله و عوف فقالا لا نطلب ورق العيش دونك قبح الله الدنيا بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك فاستقدموا جميعا و قاتلوا حتى قتلوا
قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثني رجل من آل الصلت بن خارجة أن تميما لما ذهبت لتهزم ذلك اليوم ناداهم مالك بن حري النهشلي ضاع الضراب اليوم و الذي إنا له عبد يا بني تميم فقالوا أ لا ترى الناس قد انهزموا فقال ويحكم أ فرارا و اعتذارا ثم نادى بالأحساب فجعل يكررها فقال له قوم منهم أ تنادي بنداء الجاهلية إن هذا لا يحل فقال الفرار ويلكم أقبح إن لم تقاتلوا على الدين و اليقين فقاتلوا على الأحساب ثم جعل يقاتل و يرتجز فيقول
إن تميما أخلفت عنك ابن مر |
و قد أراهم و هم الحي الصبر |
فإن يفروا أو يخيموا لا أفر
فقتل مالك ذلك اليوم أخوه نهشل بن حري التميمي يرثيه
تطاول هذا الليل ما كاد ينجلي |
كليل التمام ما يريد انصراما |
|
و بت بذكرى مالك بكآبة |
أؤرق من بعد العشاء نياما |
|
أبى جزعي في مالك غير ذكره |
فلا تعذليني إن جزعت أماما |
|
فأبكي أخي ما دام صوت حمامة |
يؤرق من وادي البطاح حماما |
|
و أبعث أنواحا عليه بسحرة |
و تذرف عيناي الدموع سجاما |
|
و أدعو سراة الحي تبكي لمالك |
و أبعث نوحا يلتدمن قياما |
|
يقلن ثوى رب السماحة و الحجا |
و ذو عزة يأبى بها أن يضاما |
|
و فارس خيل لا تنازل خيله |
إذا اضطرمت نار العدو ضراما |
|
و أحيا عن الفحشاء من ذات كلة |
يرى ما يهاب الصالحون حراما |
و أجرأ من ليث بخفان مخدر |
و أمضي إذا رام الرجال صداما |
و قال أيضا يرثيه
بكى الفتى الأبيض البهلول سنته |
عند النداء فلا نكسا و لا ورعا |
|
بكى على مالك الأضياف إذ نزلوا |
حين الشتاء و عز الرسل فانقطعا |
|
و لم يجد لقراهم غير مربعة |
من العشار تزجي تحتها ربعا |
|
أهوى لها السيف صلتا و هي راتعة |
فأوهن السيف عظم الساق فانجذعا |
|
فجاءهم بعد رفد الناس أطيبها |
و أشبعت منهم من نام و اضطجعا |
|
يا فارس الروع يوم الروع قد علموا |
و صاحب العزم لا نكسا و لا طبعا |
|
و مدرك التبل في الأعداء يطلبه |
و إن طلبت بتبل عنده منعا |
|
قالوا أخوك أتى الناعي بمصرعه |
فانشق قلبي غدة القول فانصدعا |
|
ثم ارعوى القلب شيئا بعد طربته |
و النفس تعلم أن قد أثبتت وجعا |
قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثني يونس بن أبي إسحاق قال قال لنا أدهم
بن محرز الباهلي و نحن معه بأذرح هل رأى أحد منكم شمر بن ذي الجوشن فقال عبد الله بن كبار النهدي و سعيد بن حازم البلوي نحن رأيناه قال فهل رأيتما ضربة بوجهه قالا نعم قال أنا و الله ضربته تلك الضربة بصفين قال نصر و حدثنا عمرو قال قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شمر بن ذي الجوشن في هذا اليوم فاختلفا ضربتين فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم و ضربه شمر فلم يصنع شيئا فرجع إلى عسكره فشرب ماء و أخذ رمحا ثم أقبل و هو يقول
إني زعيم لأخي باهله |
بطعنة إن لم أمت عاجله |
|
و ضربة تحت الوغى فاصله |
شبيهة بالقتل أو قاتله |
ثم حمل على أدهم و هو يعرف وجهه و أدهم ثابت له لم ينصرف فطعنه فوقع عن فرسه و حال أصحابه دونه فانصرف شمر و قال هذه بتلك قال نصر و خرج سويد بن قيس بن يزيد الأرحبي من عسكر معاوية يسأل المبارزة فخرج إليه من عسكر العراق أبو العمرطة قيس بن عمرو بن عمير بن يزيد و هو ابن عم سويد و كان كل منهما لا يعرف صاحبه فلما تقاربا تعارفا و تواقفا و تساءلا و دعا كل واحد منهما صاحبه إلى دينه فقال أبو العمرطة أما أنا فو الله الذي لا إله إلا هو لئن استطعت لأضربن بسيفي هذه القبة البيضاء يعني القبة التي كان فيها معاوية ثم انصرف كل واحد منهما إلى أصحابه
قال نصر ثم خرج رجل من عسكر الشام من أزد شنوءه يسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق فقتله الأزدي فخرج إليه الأشتر فما ألبثه أن قتله فقال قائل كان هذا ريحا فصارت إعصارا قال نصر و قال رجل من أصحاب علي ع أما و الله لأحملن على معاوية حتى أقتله فركب فرسا ثم ضربه حتى قام على سنابكه ثم دفعه فلم ينهنهه شيء عن الوقوف على رأس معاوية فهرب معاوية و دخل خباء فنزل الرجل عن فرسه و دخل عليه فخرج معاوية من جانب الخباء الآخر فخرج الرجل في أثره فاستصرخ معاوية بالناس فأحاطوا به و حالوا بينهما فقال معاوية ويحكم إن السيوف لم يؤذن لها في هذا و لو لا ذلك لم يصل إليكم فعليكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتى همد فعاد معاوية إلى مجلسه قال نصر و حمل رجل من أصحاب علي ع يدعى أبا أيوب و ليس بأبي أيوب الأنصاري على صف أهل الشام ثم رجع فوافق رجلا من أهل الشام صادرا قد حمل على صف أهل العراق ثم رجع فاختلفا ضربتين فنفحه أبو أيوب بالسيف فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو و كذب الناس أن يكون هو ضربه فأرابهم ذلك حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام ندر رأسه و وقع ميتا فقال علي ع و الله لأنا من ثبات رأس الرجل أشد تعجبا من الضربة و إن كان إليها ينتهي وصف الواصفين و جاء أبو أيوب فوقف بين يدي علي ع فقال له أنت و الله كما قال الشاعر
و علمنا الضرب آباؤنا |
و نحن نعلم أيضا بنينا |
قال نصر فلما انقضى هذا اليوم بما فيه أصبحوا في اليوم الثامن من صفين و الفيلقان متقابلان فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق
فاقتتلا بين الصفين قتالا شديدا ثم إن العراقي اعتنقه فوقعا جميعا و غار الفرسان ثم إن العراقي قهره فجلس على صدره و كشف المغفر عنه يريد ذبحه فإذا هو أخوه لأبيه و أمه فصاح به أصحاب علي ع ويحك أجهز عليه قال إنه أخي قالوا فاتركه قال لا و الله حتى يأذن أمير المؤمنين فأخبر علي ع بذلك فأرسل إليه أن دعه فتركه فقام فعاد إلى صف معاوية قال نصر و حدثنا محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال كان فارس معاوية الذي يعده لكل مبارز و لكل عظيم حريث مولاه و كان يلبس سلاح معاوية متشبها به فإذا قاتل قال الناس ذاك معاوية و إن معاوية دعاه فقال له يا حريث اتق عليا و ضع رمحك حيث شئت فأتاه عمرو بن العاص فقال يا حريث إنك و الله لو كنت قرشيا لأحب لك معاوية أن تقتل عليا و لكن كره أن يكون لك حظها فإن رأيت فرصة فاقتحم قال و خرج علي ع في هذا اليوم أمام الخيل فحمل عليه حريث
قال نصر فحدثني عمرو بن شمر عن جابر قال برز حريث مولى معاوية هذا اليوم و كان شديدا أيدا ذا بأس لا يرام فصاح يا علي هل لك في المبارزة فأقدم أبا حسن إن شئت فأقبل علي ع و هو يقول
أنا علي و ابن عبد المطلب |
نحن لعمر الله أولى بالكتب |
منا النبي المصطفى غير كذب |
أهل اللواء و المقام و الحجب |
نحن نصرناه على كل العرب
ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين قال نصر فحدثنا محمد بن عبيد الله قال حدثني الجرجاني قال جزع معاوية على حريث جزعا شديدا و عاتب عمرا في إغرائه إياه بعلي ع و قال في ذلك شعرا
حريث أ لم تعلم و جهلك ضائر |
بأن عليا للفوارس قاهر |
|
و أن عليا لم يبارزه فارس |
من الناس إلا أقصدته الأظافر |
|
أمرتك أمرا حازما فعصيتني |
فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر |
|
و دلاك عمرو و الحوادث جمة |
غرورا و ما جرت عليك المقادر |
|
و ظن حريث أن عمرا نصيحه |
و قد يهلك الإنسان من لا يحاذر |
قال نصر فلما قتل حريث برز عمرو بن الحصين السكسكي فنادى يا أبا حسن هلم إلى المبارزة فأومأ ع إلى سعيد بن قيس الهمداني فبارزه فضربه بالسيف فقتله
و قال نصر و كان لهمدان بلاء عظيم في نصره علي ع في صفين و من الشعر الذي لا يشك أن قائله علي ع لكثرة الرواة له
دعوت فلباني من القوم عصبة |
فوارس من همدان غير لئام |
|
فوارس من همدان ليسوا بعزل |
غداة الوغى من شاكر و شبام |
|
بكل رديني و عضب تخاله |
إذا اختلف الأقوام شعل ضرام |
|
لهمدان أخلاق كرام تزينهم |
و بأس إذا لاقوا و حد خصام |
|
و جد و صدق في الحروب و نجدة |
و قول إذا قالوا بغير أثام |
|
متى تأتهم في دارهم تستضيفهم |
تبت ناعما في خدمة و طعام |
|
جزى الله همدان الجنان فإنها |
سمام العدا في كل يوم زحام |
|
فلو كنت بوابا على باب جنة |
لقلت لهمدان ادخلوا بسلام |
قال نصر فحدثني عمرو بن شمر قال ثم قام علي ع بين الصفين و نادى يا معاوية يكررها فقال معاوية سلوه ما شأنه قال أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة فبرز معاوية و معه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو و قال لمعاوية ويحك علام يقتل الناس بيني و بينك و يضرب بعضهم بعضا ابرز إلي فأينا قتل صاحبه فالأمر له فالتفت معاوية إلى عمرو فقال ما ترى يا أبا عبد الله قال قد أنصفك الرجل و اعلم أنك إن نكلت عنه لم يزل سبه عليك و على عقبك ما بقي على ظهر الأرض عربي فقال معاوية يا ابن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه و الله ما بارز ابن أبي طالب شجاع قط إلا و سقي الأرض من دمه ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى
آخر الصفوف و عمرو معه فلما رأى علي ع ذلك ضحك و عاد إلى موقفه قال نصر و في حديث الجرجاني أن معاوية قال لعمرو ويحك ما أحمقك تدعوني إلى مبارزته و دوني عك و جذام و الأشعرون قال نصر قال و حقدها معاوية على عمرو باطنا و قال له ظاهرا ما أظنك قلت ما قلته يا أبا عبد الله إلا مازحا فلما جلس معاوية مجلسه أقبل عمرو يمشي حتى جلس إلى جانبه فقال معاوية
يا عمرو إنك قد قشرت لي العصا |
برضاك لي وسط العجاج برازي |
|
يا عمرو إنك قد أشرت بظنة |
حسب المبارز خطفة من بازي |
|
و لقد ظننتك قلت مزحة مازح |
و الهزل يحمله مقال الهازي |
|
فإذا الذي منتك نفسك حاكيا |
قتلي جزاك بما نويت الجازي |
|
و لقد كشفت قناعها مذمومة |
و لقد لبست بها ثياب الخازي |
فقال عمرو أيها الرجل أ تجبن عن خصمك و تتهم نصيحك و قال مجيبا له
معاوي إن نكلت عن البراز |
و خفت فإنها أم المخازي |
|
معاوي ما اجترمت إليك ذنبا |
و لا أنا في الذي حدثت خازي |
و ما ذنبي بأن نادى علي |
و كبش القوم يدعى للبراز |
|
و لو بارزته بارزت ليثا |
حديد الناب يخطف كل بازي |
|
و تزعم أنني أضمرت غشا |
جزاني بالذي أضمرت جازي |
و روى ابن قتيبة في كتابه المسمى عيون الأخبار قال قال أبو الأغر التميمي بينا أنا واقف بصفين مر بي العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب مكفرا بالسلاح و عيناه تبصان من تحت المغفر كأنهما عينا أرقم و بيده صفيحة يمانية يقلبها و هو على فرس له صعب فبينا هو يمغثه و يلين من عريكته هتف به هاتف من أهل الشام يعرف بعرار بن أدهم يا عباس هلم إلى البراز قال العباس فالنزول إذا فإنه إياس من القفول فنزل الشامي و هو يقول
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا |
أو تنزلون فإنا معشر نزل |
و ثنى العباس رجله و هو يقول
و يصد عنك مخيلة الرجل العريض |
موضحة عن العظم |
|
بحسام سيفك أو لسانك و الكلم |
الأصيل كأرغب الكلم |
ثم عصب فضلات درعه في حجزته و دفع فرسه إلى غلام له أسود يقال له أسلم
كأني و الله أنظر إلى فلافل شعره ثم دلف كل واحد منهما إلى صاحبه فذكرت قول أبي ذؤيب
فتنازلا و تواقفت خيلاهما |
و كلاهما بطل اللقاء مخدع |
و كفت الناس أعنة خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين فتكافحا بسيفيهما مليا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته إلى أن لحظ العباس وهنا في درع الشامي فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته ثم عاد لمجاولته و قد أصحر له مفتق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره فخر الشامي لوجهه و كبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم و سما العباس في الناس فإذا قائل يقول من ورائي( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ) فالتفت فإذا أمير المؤمنين فقال لي يا أبا الأغر من المنازل لعدونا قلت هذا ابن أخيكم هذا العباس بن ربيعة فقال و إنه لهو يا عباس أ لم أنهك و ابن عباس أن تخلا بمراكزكما و أن تباشرا حربا قال إن ذلك كان قال فما عدا مما بدا قال يا أمير المؤمنين أ فأدعى إلى البراز فلا أجيب قال نعم طاعة إمامك أولى من إجابة عدوك ثم تغيظ و استطار حتى قلت الساعة الساعة ثم سكن و تطامن
و رفع يديه مبتهلا فقال اللهم اشكر للعباس مقامه و اغفر ذنبه إني قد غفرت له فاغفر له قال و لهف معاوية على عرار و قال متى ينتطح فحل لمثله أ يطل دمه لاها الله إذا ألا رجل يشري نفسه لله يطلب بدم عرار فانتدب له رجلان من لخم
فقال لهما اذهبا فأيكما قتل العباس برازا فله كذا فأتياه فدعواه للبراز فقال إن لي سيدا أريد أن أؤامره فأتى عليا ع فأخبره الخبر
فقال ع و الله لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في بطنه إطفاء لنور الله( و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره المشركون ) أما و الله ليملكنهم منا رجال و رجال يسومونهم الخسف حتى يحتفروا الآبار و يتكففوا الناس و يتوكلوا على المساحي ثم قال يا عباس ناقلني سلاحك بسلاحي فناقله و وثب على فرس العباس و قصد اللخميين فما شكا أنه هو فقالا إذن لك صاحبك فحرج أن يقول نعم فقال( إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير ) فبرز إليه أحدهما فكأنما اختطفه ثم برز له الآخر فألحقه بالأول ثم أقبل و هو يقول( الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم ) فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ثم قال يا عباس خذ سلاحك و هات سلاحي فإن عاد لك أحد فعد إلي قال فنمي الخبر إلى معاوية فقال قبح الله اللجاج إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت فقال عمرو بن العاص المخذول و الله اللخميان لا أنت فقال اسكت أيها الرجل و ليست هذه من ساعاتك قال و إن لم يكن فرحم الله اللخميين و ما أراه يفعل قال فإن ذاك و الله أخسر لصفقتك و أضيق لحجزتك قال قد علمت ذاك و لو لا مصر لركبت المنجاة منها قال هي أعمتك و لولاها ألقيت بصيرا
قال نصر بن مزاحم و حدثنا عمرو قال حدثني فضيل بن خديج قال خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندي ثم الطمحي فتجاولا ساعة ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامي فطعنه في نقرة نحره فصرعه ثم نزل إليه فسلبه درعه و سلاحه فإذا هو عبد أسود فقال إنا لله أخطرت نفسي بعبد أسود قال و خرج رجل من عك فسأل البراز فخرج إليه قيس بن فهران الكندي فما ألبثه أن طعنه فقتله و قال
لقد علمت عك بصفين أننا |
إذا ما تلاقى الخيل نطعنها شزرا |
|
و نحمل رايات القتال بحقها |
فنوردها بيضا و نصدرها حمرا |
قال و حمل عبد الله بن الطفيل البكائي على صفوف أهل الشام فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم يقال له قيس بن فهد الحنظلي اليربوعي فوضع الرمح بين كتفي عبد الله فاعترضه يزيد بن معاوية البكائي ابن عم عبد الله بن الطفيل فوضع الرمح بين كتفي التميمي و قال و الله لئن طعنته لأطعننك فقال عليك عهد الله لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعنه عن ظهري قال نعم لك العهد و الميثاق بذلك فرفع السنان عن ظهر عبد الله فرفع يزيد السنان عن التميمي فوقف التميمي و قال ليزيد ممن أنت قال من بني عامر قال جعلني الله فداكم أينما لقيناكم كراما أما و الله إني لآخر أحد عشر رجلا من بني تميم قتلتموهم اليوم قال نصر فبعد ذلك بدهر عتب يزيد على عبد الله بن الطفيل فأذكره ما صنع معه يوم صفين فقال
أ لم ترني حاميت عنك مناصحا |
بصفين إذ خلاك كل حميم |
|
و نهنهت عنك الحنظلي و قد أتى |
على سابح ذي ميعة و هزيم |
قال نصر و خرج ابن مقيدة الحمار الأسدي و كان ذا بأس و شجاعة و هو من فرسان الشام فطلب البراز فقام المقطع العامري و كان شيخا كبيرا فقال علي ع له اقعد فقال يا أمير المؤمنين لا تردني إما أن يقتلني فأتعجل الجنة و أستريح من الحياة الدنيا في الكبر و الهرم أو أقتله فأريحك منه و قال له ع ما اسمك فقال المقطع قال ما معنى ذلك قال كنت أدعى هشيما فأصابتني جراحة منكرة فدعيت المقطع منها فقال له ع اخرج إليه و أقدم عليه اللهم انصر المقطع على ابن مقيدة الحمار فحمل على ابن مقيدة الحمار فأدهشه لشدة الحملة فهرب و هو يتبعه حتى مر بمضرب معاوية حيث يراه و المقطع على أثره فجاوزا معاوية بكثير فلما رجع المقطع و رجع ابن مقيدة الحمار ناداه معاوية لقد شمص بك العراقي قال أما إنه قد فعل أيها الأمير ثم عاد المقطع فوقف في موقفه قال نصر فلما كان عام الجماعة و بايع الناس معاوية سأل عن المقطع العامري حتى أدخل عليه و هو شيخ كبير فلما رآه قال آه لو لا أنك على مثل هذه الحال لما أفلت مني قال نشدتك الله إلا قتلتني و أرحتني من بؤس الحياة و أدنيتني إلى لقاء الله قال إني لا أقتلك و إن بي إليك لحاجة قال ما هي قال أحب أن تؤاخيني قال أنا و إياكم افترقنا في الله فلا نجتمع حتى يحكم الله بيننا في الآخرة
قال فزوجني ابنتك قال قد منعتك ما هو أهون علي من ذلك قال فاقبل مني صلة قال لا حاجة لي فيما قبلك قال فخرج من عنده و لم يقبل منه شيئا قال نصر ثم التقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا و حاربت طيئ مع أمير المؤمنين ع حربا عظيما و تداعت و ارتجزت فقتل منها أبطال كثيرون و فقئت عين بشر بن العوس الطائي و كان من رجال طيئ و فرسانها فكان يذكر بعد ذلك أيام صفين فيقول وددت أني كنت قتلت يومئذ و وددت أن عيني هذه الصحيحة فقئت أيضا و قال
ألا ليت عيني هذه مثل هذه |
و لم امش بين الناس إلا بقائد |
|
و يا ليت رجلي ثم طنت بنصفها |
و يا ليت كفي ثم طاحت بساعدي |
|
و يا ليتني لم أبق بعد مطرف |
و سعد و بعد المستنير بن خالد |
|
فوارس لم تغد الحواضن مثلهم |
إذا هي أبدت عن خدام الخرائد |
قال نصر و أبلت محارب يومئذ مع أمير المؤمنين ع بلاء حسنا و كان عنتر بن عبيد بن خالد بن المحاربي أشجع الناس يومئذ فلما رأى أصحابه متفرقين ناداهم يا معشر قيس أ طاعة الشيطان أبر عندكم من طاعة الرحمن ألا إن الفرار فيه معصية الله و سخطه و إن الصبر فيه طاعة و رضوانه أ فتختارون سخط الله على رضوانه و معصيته على طاعته ألا إنما الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا لنفسه ثم يرتجز فيقول
لا وألت نفس امرئ ولى الدبر |
أنا الذي لا أنثني و لا أفر |
و لا يرى مع المعازيل الغدر
و قاتل حتى ارتث قال نصر و قاتلت النخع مع علي ع ذلك اليوم قتالا شديدا و قطعت رجل علقمة بن قيس النخعي و قتل أخوه أبي بن قيس فكان علقمة يقول بعد ما أحب أن رجلي أصح ما كانت لما أرجو بها من حسن الثواب و كان يقول لقد كنت أحب أن أبصر أخي في نومي فرأيته فقلت له يا أخي ما الذي قدمتم عليه فقال لي التقينا نحن و أهل الشام بين يدي الله سبحانه فاحتججنا عنده فحججناهم فما سررت بشيء منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن سويد بن حبة البصري عن الحضين بن المنذر الرقاشي قال إن ناسا أتوا عليا ع قبل الوقعة في هذا اليوم فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر السدوسي إلا قد كاتب معاوية و قد خشينا أن يلتحق به و يبايعه فبعث إليه علي ع و إلى رجال من أشراف ربيعة فجمعهم فحمد الله و أثنى عليه و قال يا معشر ربيعة أنتم أنصاري و مجيبو دعوتي و من أوثق أحياء العرب في نفسي و قد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم هذا و هو خالد بن المعمر و قد أتيت به و جمعتكم لأشهدكم عليه و تسمعوا مني و منه ثم أقبل عليه فقال يا خالد بن المعمر إن كان ما بلغني عنك حقا فإني أشهد من حضرني من المسلمين أنك آمن حتى تلحق بالعراق أو بالحجاز أو بأرض لا سلطان لمعاوية فيها و إن كنت مكذوبا عليك فأبر صدورنا بإيمان نطمئن إليها فحلف له
خالد بالله ما فعل و قال رجال منا كثير و الله يا أمير المؤمنين لو نعلم أنه فعل لقتلناه و قال شقيق بن ثور السدوسي ما وفق الله خالد بن المعمر حين ينصر معاوية و أهل الشام على علي و أهل العراق و ربيعة فقال له زياد بن خصفة يا أمير المؤمنين استوثق من ابن المعمر بالأيمان لا يغدر بك فاستوثق منه ثم انصرفوا فلما تصاف الناس في هذا اليوم و حمل بعضهم على بعض تضعضعت ميمنة أهل العراق فجاءنا علي ع و معه بنوه حتى انتهى إلينا فنادى بصوت عال جهير لمن هذه الرايات فقلنا رايات ربيعة فقال بل هي رايات الله عصم الله أهلها و صبرهم و ثبت أقدامهم ثم قال لي و أنا حامل راية ربيعة يومئذ يا فتى أ لا تدني رايتك هذه ذراعا فقلت بلى و الله و عشرة أذرع ثم ملت بها هكذا فأدنيتها فقال لي حسبك مكانك قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثني يزيد بن أبي الصلت التيمي قال سمعت أشياخ الحي من بني تيم بن ثعلبة يقولون كانت راية ربيعة كلها كوفيتها و بصريتها مع خالد بن المعمر السدوسي من ربيعة البصرة ثم نافسه في الراية شقيق بن ثور من بكر بن وائل من أهل الكوفة فاصطلحا على أن يوليا الراية لحضين بن المنذر الرقاشي و هو من أهل البصرة أيضا و قالوا هذا فتى له حسب تعطيه الراية إلى أن نرى رأينا و كان الحضين يومئذ شابا حدث السن
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر قال أقبل الحضين بن المنذر يومئذ و هو غلام يزحف براية ربيعة و كانت حمراء فأعجب عليا ع زحفه و ثباته فقال
لمن راية حمراء يخفق ظلها |
إذا قيل قدمها حضين تقدما |
|
و يدنو بها في الصف حتى يزيرها |
حمام المنايا تقطر الموت و الدما |
|
تراه إذا ما كان يوم عظيمة |
أبى فيه إلا عزة و تكرما |
|
جزى الله قوما صابروا في لقائهم |
لدى الناس حرا ما أعف و أكرما |
|
و أحزم صبرا يوم يدعى إلى الوغى |
إذا كان أصوات الكمأة تغمغما |
|
ربيعة أعني إنهم أهل نجدة |
و بأس إذا لاقوا خميسا عرمرما |
|
و قد صبرت عك و لحم و حمير |
لمذحج حتى لم يفارق دم دما |
|
و نادت جذام يا ل مذحج ويحكم |
جزى الله شرا أينا كان أظلما |
|
أ ما تتقون الله في حرماتكم |
و ما قرب الرحمن منها و عظما |
|
أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا |
بأسيافنا حتى تولى و أحجما |
|
و فر ينادى الزبرقان و ظالما |
و نادى كلاعا و الكريب و أنعما |
|
و عمرا و سفيانا و جهما و مالكا |
و حوشب و الغاوي شريحا و أظلما |
|
و كرز بن تيهان و عمرو بن جحدر |
و صباحا القيني يدعو و أسلما |
قلت هكذا روى نصر بن مزاحم و سائر الرواة رووا له ع الأبيات الستة الأولى و رووا باقي الأبيات من قوله و قد صبرت عك للحضين بن المنذر صاحب الراية قال نصر و أقبل ذو الكلاع في حمير و من لف لفها و معهم عبيد الله بن عمر
بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشام و ذو الكلاع في حمير في الميمنة و عبيد الله في القراء في الميسرة فحملوا على ربيعة و هم في ميسرة أهل العراق و فيهم عبيد الله بن العباس حملة شديدة فتضعضعت رايات ربيعة ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلا حتى كروا ثانية و عبيد الله بن عمر في أوائلهم يقول يا أهل الشام هذا الحي من العراق قتله عثمان بن عفان و أنصار علي بن أبي طالب و لئن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم من عثمان و هلك علي و أهل العراق فشدوا على الناس شدة عظيمة فثبتت لهم ربيعة و صبرت صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء فأما أهل الرايات و ذوو البصائر منهم و الحفاظ فثبتوا و قاتلوا قتالا شديدا و أما خالد بن المعمر فإنه لما رأى بعض أصحابه قد انصرفوا انصرف معهم فلما رأى أهل الرايات ثابتين صابرين رجع إليهم و صاح بمن انهزم و أمرهم بالرجوع فكان من يتهمه من قومه يقول إنه فر فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا و قال هو لما رأيت رجالا منا قد انهزموا رأيت أن أستقبلهم ثم أردهم إلى الحرب فجاء بأمر مشتبه قال نصر و كان في جملة ربيعة من عنزة وحدها أربعة آلاف مجفف قلت لا ريب عند علماء السيرة أن خالد بن المعمر كان له باطن سوء مع معاوية و أنه انهزم هذا اليوم ليكسر الميسرة على علي ع ذكر ذلك الكلبي و الواقدي و غيرهما و يدل على باطنه هذا أنه لما استظهرت ربيعة على معاوية و على صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمر أن كف عني و لك إمارة خراسان
ما بقيت فكف عنه فرجع بربيعة و قد شارفوا أخذه من مضربه و سيأتي ذكر ذلك قال نصر فلما رجع خالد بن المعمر و استوت صفوف ربيعة كما كانت خطبهم فقال يا معشر ربيعة إن الله تعالى قد أتى بكل رجل منكم من منبته و مسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعا لم تجتمعوا مثله قط منذ أفرشكم الله الأرض و إنكم إن تمسكوا أيديكم و تنكلوا عن عدوكم و تحولوا عن مصافكم لا يرضى الرب فعلكم و لا تعدموا معيرا يقول فضحت ربيعة الذمار و خاموا عن القتال و أتيت من قبلهم العرب فإياكم أن يتشاءم بكم اليوم المسلمون و إنكم إن تمضوا مقدمين و تصبروا محتسبين فإن الإقدام منكم عادة و الصبر منكم سجية فاصبروا و نيتكم صادقة تؤجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا و كرامة الآخرة و الله لا يضيع أجر من أحسن عملا فقام إليه رجل من ربيعة و قال قد ضاع و الله أمر ربيعة حين جعلت أمرها إليك تأمرنا ألا نحول و لا نزول حتى نقتل أنفسنا و نسفك دماءنا فقام إليه رجال من قومه فتناولوه بقسيهم و لكزوه بأيديهم و قالوا لخالد بن المعمر أخرجوا هذا من بينكم فإن هذا أن بقي فيكم ضركم و إن خرج منكم لم ينقصكم عددا هذا الذي لا ينقص العدد و لا يملأ البلد ترحك الله من خطيب قوم لقد جنبك الخير قبح الله ما جئت به
قال نصر و اشتد القتال بين ربيعة و حمير و عبيد الله بن عمر حتى كثرت القتلى و جعل عبيد الله يحمل و يقول أنا الطيب ابن الطيب فتقول له ربيعة بل أنت الخبيث ابن الطيب ثم خرج نحو خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب علي ع على رءوسهم البيض و هم غائصون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق و خرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين و الناس وقوف تحت راياتهم فلم يرجع من هؤلاء و لا من هؤلاء مخبر لا عراقي و لا شامي قتلوا جميعا بين الصفين قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن تميم قال نادى منادي أهل الشام ألا إن معنا الطيب ابن الطيب عبيد الله بن عمر فنادى منادي أهل العراق بل هو الخبيث ابن الطيب و نادى منادي أهل العراق ألا إن معنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبي بكر فنادى منادي أهل الشام بل الخبيث ابن الطيب قال نصر و كان بصفين تل تلقى عليه جماجم الرجال فكان يدعى تل الجماجم فقال عقبة بن مسلم الرقاشي من أهل الشام
و لم أر فرسانا أشد حفيظة |
و امنع منا يوم تل الجماجم |
|
غداة غدا أهل العراق كأنهم |
نعام تلافى في فجاج المخارم |
|
إذا قلت قد ولوا تثوب كتيبة |
ململمة في البيض شمط المقادم |
|
و قالوا لنا هذا علي فبايعوا |
فقلنا صه بل بالسيوف الصوارم |
و قال شبث بن ربعي التميمي
وقفنا لديهم يوم صفين بالقنا |
لدن غدوة حتى هوت لغروب |
|
و ولى ابن حرب و الرماح تنوشه |
و قد أرضت الأسياف كل غضوب |
|
نجالدهم طورا و طورا نشلهم |
على كل محبوك السراة شبوب |
|
فلم أر فرسانا أشد حفيظة |
إذا غشي الآفاق رهج جنوب |
|
أكر و أحمى بالغطاريف و القنا |
و كل حديد الشفرتين قضوب |
قال نصر ثم ذهب هذا اليوم بما فيه فأصبحوا في اليوم التاسع من صفر و قد خطب معاوية أهل الشام و حرضهم فقال إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون و حضركم ما حضركم فإذا نهدتم إليهم إن شاء الله فقدموا الدارع و أخروا الحاسر و صفوا الخيل و أجنبوها و كونوا كقص الشارب و أعيرونا جماجمكم ساعة فإنما هو ظالم أو مظلوم و قد بلغ الحق مقطعه قال نصر و روى الشعبي قال قام معاوية فخطب الناس بصفين في هذا اليوم فقال الحمد لله الذي دنا في علوه و علا في دنوه و ظهر و بطن و ارتفع فوق كل ذي
منظر هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن يقضي فيفصل و يقدر فيغفر و يفعل ما يشاء إذا أراد أمرا أمضاه و إذا عزم على شيء قضاه لا يؤامر أحدا فيما يملك و لا يسأل عما يفعل و هم يسألون و الحمد لله رب العالمين على ما أحببنا و كرهنا و قد كان فيما قضاه الله إن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض و لف بيننا و بين أهل العراق فنحن من الله بمنظر و قد قال الله سبحانه( وَ لَوْ شاءَ اَللَّهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اَللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) انظروا يا أهل الشام إنكم غدا تلقون أهل العراق فكونوا على إحدى ثلاث خصال إما أن تكونوا قوما طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم و إما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم و صهر نبيكم و إما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم و أبنائكم فعليكم بتقوى الله و الصبر الجميل أسأل الله لنا و لكم النصر و أن يفتح بيننا و بين قومنا بالحق و هو خير الفاتحين فقام ذو الكلاع فقال يا معاوية إنا نحن الصبر الكرام لا ننثني عند الخصام بنو الملوك العظام ذوي النهى و الأحلام لا يقربون الآثام فقال معاوية صدقت
قال نصر و كانت التعبية في هذا اليوم كالتعبية في الذي قبله و حمل عبيد الله بن عمر في قراء أهل الشام و معه ذو الكلاع في حمير على ربيعة و هي في ميسرة علي ع فقاتلوا قتالا شديدا فأتى زياد بن خصفة إلى عبد القيس فقال لهم لا بكر بن وائل بعد اليوم إن ذا الكلاع و عبيد الله أبادا ربيعة فانهضوا لهم و إلا هلكوا فركبت عبد القيس و جاءت كأنها غمامة سوداء فشدت أزر الميسرة فعظم القتال فقتل ذو الكلاع الحميري قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف و تضعضعت أركان حمير و ثبتت بعد قتل ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر و أرسل عبيد الله إلى الحسن بن علي ع أن لي إليك حاجة فالقني فلقيه الحسن ع فقال له عبيد الله إن أباك قد وتر قريشا أولا و آخرا و قد شنئه الناس فهل لك في خلعه و أن تتولى أنت هذا الأمر فقال كلا و الله لا يكون ذلك ثم قال يا ابن الخطاب و الله لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك أما إن الشيطان قد زين لك و خدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك و سيصرعك الله و يبطحك لوجهك قتيلا قال نصر فو الله ما كان إلا بياض ذلك اليوم حتى قتل عبيد الله و هو في كتيبة رقطاء و كانت تدعى الخضرية كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر فمر الحسن ع فإذا رجل متوسد برجل قتيل قد ركز رمحه في عينه و ربط فرسه برجله فقال الحسن ع لمن معه انظروا من هذا فإذا رجل من همدان و إذا القتيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب قد قتله الهمداني في أول الليل و بات عليه حتى أصبح قال نصر و قد اختلف الرواة في قاتل عبيد الله فقالت همدان نحن قتلناه قتله هانئ بن الخطاب الهمداني و ركز رمحه في عينه و ذكر الحديث و قالت حضرموت نحن قتلناه قتله مالك بن عمرو الحضرمي و قالت بكر بن وائل نحن قتلناه قتله محرز
بن الصحصح من بني تيم اللات بن ثعلبة و أخذ سيفه الوشاح فلما كان عام الجماعة طلب معاوية السيف من ربيعة الكوفة فقالوا إنما قتله رجل من ربيعة البصرة يقال له محرز بن الصحصح فبعث إليه معاوية فأخذ السيف منه قال نصر و قد روي أن قاتله حريث بن جابر الحنفي و كان رئيس بني حنيفة يوم صفين مع علي ع حمل عبيد الله بن عمر على صف بني حنيفة و هو يقول
أنا عبيد الله ينميني عمر |
خير قريش من مضى و من غبر |
|
إلا رسول الله و الشيخ الأغر |
قد أبطأت عن نصر عثمان مضر |
|
و الربعيون فلا أسقوا المطر |
و سارع الحي اليمانون الغرر |
و الخير في الناس قديما يبتدر
فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي و قال
قد سارعت في نصرها ربيعة |
في الحق و الحق لها شريعة |
|
فاكفف فلست تارك الوقيعة |
في العصبة السامعة المطيعة |
حتى تذوق كأسها الفظيعة
و طعنه فصرعه قال نصر فقال كعب بن جعيل التغلبي يرثي عبيد الله و كان كعب شاعر أهل الشام
ألا إنما تبكي العيون لفارس |
بصفين أجلت خيله و هو واقف |
|
تبدل من أسماء أسياف وائل |
و أي فتى لو أخطأته المتالف |
تركتم عبيد الله في القاع مسلما |
يمج دماء و العروق نوازف |
|
ينوء و تغشاه شآبيب من دم |
كما لاح في جيب القميص الكفائف |
|
دعاهن فاستسمعن من أين صوته |
فأقبلن شتى و العيون ذوارف |
|
تحللن عنه زر درع حصينة |
و ينكر منه بعد ذاك معارف |
|
و قرت تميم سعدها و ربابها |
و خالفت الخضراء فيمن يخالف |
|
و قد صبرت حول ابن عم محمد |
لدى الموت شهباء المناكب شارف |
|
بمرج ترى الرايات فيه كأنها |
إذا جنحت للطعن طير عواكف |
|
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم |
و حتى أسرت بالأكف المصاحف |
|
جزى الله قتلانا بصفين خير ما |
أثيب عباد غادرتها المواقف |
قلت هذا الشعر نظمه كعب بن جعيل بعد رفع المصاحف و تحكيم الحكمين يذكر فيه ما مضى لهم من الحرب على عادة شعراء العرب و الضمير في قوله دعاهن فاستسمعن من أين صوته يرجع إلى نساء عبيد الله و كانت تحته أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي و بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني و كان عبيد الله قد أخرجهما معه إلى الحرب ذلك اليوم لينظرا إلى قتاله فوقفتا راجلتين و إلى أسماء بنت عطارد أشار كعب بن جعيل بقوله تبدل من أسماء أسياف وائل و الشعر يدل على أن ربيعة قتلته لا همدان و لا حضرموت و يدل أيضا على ذلك ما رواه إبراهيم بن ديزيل الهمداني في كتاب صفين قال شدت
ربيعة الكوفة و عليها زياد بن خصفة على عبيد الله بن عمر ذلك اليوم و كان معاوية قد أقرع بين الناس فخرج سهم عبيد الله بن عمر على ربيعة فقتلته فلما ضرب فسطاط زياد بن خصفة بقي طنب من الأطناب لم يجدوا له وتدا فشدوه برجل عبيد الله بن عمر و كان ناحية فجروه حتى ربطوا الطنب برجله و أقبلت امرأتاه حتى وقفتا عليه فبكتا عليه و صاحتا فخرج زياد بن خصفة فقيل له هذه بحرية ابنة هانئ بن قبيصة الشيباني ابنة عمك فقال لها ما حاجتك يا ابنة أخي قالت تدفع زوجي إلي فقال نعم خذيه فجيء ببغل فحملته عليه فذكروا أن يديه و رجليه خطتا بالأرض عن ظهر البغل قال نصر و مما رثى به كعب بن جعيل عبيد الله بن عمر قوله
يقول عبيد الله لما بدت له |
سحابة موت تقطر الحتف و الدما |
|
ألا يا لقومي فاصبروا إن صبركم |
أعف و أحجى عفة و تكرما |
|
فلما تدانى القوم خر مجدلا |
صريعا تلاقى الترب كفيه و الفما |
|
و خلف أطفالا يتامى أذلة |
و عرسا عليه تسكب الدمع أيما |
|
حلالا لها الخطاب لا يمنعنهم |
و قد كان يحمي غيره أن تكلما |
و قال الصلتان العبدي يذكر مقتل عبيد الله و أن حريث بن جابر الحنفي قتله
ألا يا عبيد الله ما زلت مولعا |
ببكر لها تهدي القرى و التهددا |
|
و كنت سفيها قد تعودت عادة |
و كل امرئ جار على ما تعودا |
|
فأصبحت مسلوبا على شر آلة |
صريع القنا تحت العجاجة مفردا |
تشق عليك جيبها ابنة هانئ |
مسلبة تبدي الشجا و التلددا |
|
و كانت ترى ذا الأمر قبل عيانه |
و لكن حكم الله أهدى لك الردى |
|
و قالت عبيد الله لا تأت وائلا |
فقلت لها لا تعجلي و انظري غدا |
|
فقد جاء ما قد مسها فتسلبت |
عليك و أمسى الجيب منها مقددا |
|
حباك أخو الهيجا حريث بن جابر |
بجياشة تحكي بها النهر مزبدا |
|
كان حماة الحي بكر بن وائل |
بذي الرمث أسد قد تبوأن غرقدا |
قال نصر فأما ذو الكلاع فقد ذكرنا مقتله و أن قاتله خندف البكري و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال لما حمل ذو الكلاع ذلك اليوم بالفيلق العظيم من حمير على صفوف أهل العراق ناداهم أبو شجاع الحميري و كان من ذوي البصائر مع علي ع فقال يا معشر حمير تبت أيديكم أ ترون معاوية خيرا من علي ع أضل الله سعيكم ثم أنت يا ذا الكلاع قد كنا نرى أن لك نية في الدين فقال ذو الكلاع إيها يا أبا شجاع و الله إني لأعلم ما معاوية بأفضل من علي ع و لكني أقاتل على دم عثمان قال فأصيب ذو الكلاع حينئذ قتله خندف بن بكر البكري في المعركة قال نصر فحدثنا عمرو قال حدثنا الحارث بن حصيرة أن ابن ذي الكلاع
أرسل إلى الأشعث بن قيس رسولا يسأله أن يسلم إليه جثة أبيه فقال الأشعث إني أخاف أن يتهمني أمير المؤمنين في أمره فأطلبه من سعيد بن قيس فهو في الميمنة فذهب إلى معاوية فاستأذنه أن يدخل إلى عسكر علي ع يطلب أباه بين القتلى فقال له إن عليا قد منع أن يدخل أحد منا إلى معسكره يخاف أن يفسد عليه جنده فخرج ابن ذي الكلاع فأرسل إلى سعيد بن قيس الهمداني يستأذنه في ذلك فقال سعيد إنا لا نمنعك من دخول العسكر إن أمير المؤمنين لا يبالي من دخل منكم إلى معسكره فأدخل فدخل من قبل الميمنة فطاف فلم يجده ثم أتى الميسرة فطاف فلم يجده ثم وجده و قد ربطت رجله بطنب من أطناب بعض فساطيط العسكر فجاء فوقف على باب الفسطاط فقال السلام عليكم يا أهل البيت فقيل له و عليك السلام فقال أ تأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم و معه عبد أسود لم يكن معه غيره فقالوا قد أذنا لكم و قالوا له معذرة إلى الله و إليكم أما إنه لو لا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون فنزل ابنه إليه فوجده قد انتفخ و كان من أعظم الناس خلقا فلم يطق احتماله فقال هل من فتى معوان فخرج إليه خندف البكري فقال تنحوا عنه فقال ابنه و من الذي يحمله إذا تنحينا عنه قال يحمله قاتله فاحتمله خندف حتى رمى به على ظهر بغل ثم شده بالحبال فانطلقا به قال نصر و قال معاوية لما قتل ذو الكلاع لأنا أشد فرحا بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فتحتها قال لأن ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها قال نصر فلما قتل ذو الكلاع اشتدت الحرب و شدت عك و لخم و جذام و الأشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق جعلهم معاوية بإزائهم و نادى منادي عك
ويل لأم مذحج من عك |
لنتركن أمهم تبكي |
|
نقتلهم بالطعن ثم الصك |
بكل قرن باسل مصك |
فلا رجال كرجال عك
فنادى منادي مذحج يا لمذحج خدموا أي اضربوا السوق مواضع الخدمة و هي الخلاخيل فاعترضت مذحج سوق القوم فكان فيه بوار عامتهم و نادى منادي جذام حين طحنت رحى القوم و خاضت الخيل و الرجال في الدماء الله الله في جذام أ لا تذكرون الأرحام أفنيتم لخما الكرام و الأشعرين و آل ذي حمام أين النهى و الأحلام هذي النساء تبكي الأعلام و نادى منادي عك يا عك أين المفر اليوم تعلم ما الخبر لأنكم قوم صبر كونوا كمجتمع المدر لا تشمتن بكم مضر حتى يحول ذا الخبر و نادى منادي الأشعريين يا مذحج من للنساء غدا إذا أفناكم الردى الله الله في الحرمات أ ما تذكرون نساءكم و البنات أ ما تذكرون فارس و الروم و الأتراك لقد أذن الله فيكم بالهلاك قال و القوم ينحر بعضهم بعضا و يتكادمون بالأفواه قال نصر و حدثني عمرو بن الزبير لقد سمعت الحضين بن المنذر يقول أعطاني
علي ع ذلك اليوم راية ربيعة و قال باسم الله سر يا حضين و اعلم أنه لا تخفق على رأسك راية مثلها أبدا هذه راية رسول الله ص قال فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي إلى الحضين و قال هل لك أن تعطيني الراية أحملها لك فيكون لك ذكرها و يكون لي أجرها فقال الحضين و ما غناي يا عم عن أجرها مع ذكرها قال إنه لا غنى بك عن ذلك و لكن أعرها عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك قال الحضين فقلت إنه قد استقتل و إنه يريد أن يموت مجاهدا فقلت له خذها فأخذها ثم قال لأصحابه إن عمل الجنة كره كله و ثقيل و إن عمل النار خف كله و خبيث إن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله و أمره و ليس شيء مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد هو أفضل الأعمال ثوابا عند الله فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا ويحكم أ ما تشتاقون إلى الجنة أ ما تحبون أن يغفر الله لكم فشد و شدوا معه فقاتلوا قتالا شديدا فقتل أبو عرفاءرحمهالله تعالى و شدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها و قال مجزاة بن ثور
أضربهم و لا أرى معاوية |
الأبرج العين العظيم الحاويه |
|
هوت به في النار أم هاويه |
جاوره فيها كلاب عاويه |
أغوى طغاما لا هدته هاديه
قال نصر و كان حريث بن جابر يومئذ نازلا بين الصفين في قبة له حمراء يسقي أهل العراق اللبن و الماء و السويق و يطعمهم اللحم و الثريد فمن شاء أكل و من شاء شرب ففي ذلك يقول شاعرهم
فلو كان بالدهنا حريث بن جابر |
لأصبح بحرا بالمفازة جاريا |
قلت هذا حريث بن جابر هو الذي كتب معاوية إلى زياد في أمره بعد عام الجماعة و حريث عامل لزياد على همدان أما بعد فاعزل حريث بن جابر عن عمله فما ذكرت مواقفه بصفين إلا كانت حزازة في صدري فكتب إليه زياد خفض عليك يا أمير المؤمنين فإن حريثا قد بلغ من الشرف مبلغا لا تزيده الولاية و لا ينقصه العزل قال نصر فاضطرب الناس يومئذ بالسيوف حتى تقطعت و تكسرت و صارت كالمناجل و تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت و تناثرت أسنتها ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب يحثو بعضهم التراب في وجه بعض ثم تعانقوا و تكادموا بالأفواه ثم تراموا بالصخر و الحجارة ثم تحاجزوا فكان الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول كيف آخذ إلى رايات بني فلان فيقولون هاهنا لا هداك الله و يمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول كيف آخذ إلى راية بني فلان فيقولون هاهنا لا حفظك الله و لا عافاك قال نصر و قال معاوية لعمرو بن العاص أ ما ترى يا أبا عبد الله إلى ما قد دفعنا كيف ترى أهل العراق غدا صانعين إنا لبمعرض خطر عظيم فقال له إن أصبحت غدا ربيعة و هم متعطفون حول علي ع تعطف الإبل حول فحلها لقيت منهم جلادا صادقا و بأسا شديدا و كانت التي لا يتعزى لها فقال معاوية أ يجوز أنك تخوفنا يا أبا عبد الله قال إنك سألتني فأجبتك فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا و ربيعة محدقة بعلي ع إحداق بياض العين بسوادها
قال نصر فحدثني عمرو قال لما أصبح علي ع هذا اليوم جاء فوقف بين رايات ربيعة فقال عتاب بن لقيط البكري من بني قيس بن ثعلبة يا معشر ربيعة حاموا عن علي منذ اليوم فإن أصيب فيكم افتضحتم أ لا ترونه قائما تحت راياتكم و قال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة ليس لكم عذر عند العرب إن وصل إلى علي و فيكم رجل حي فامنعوه اليوم و اصدقوا عدوكم اللقاء فإنه حمد الحياة تكسبونه فتعاهدت ربيعة و تحالفت بالأيمان العظيمة منها تبايع سبعة آلاف على ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يردوا سرادق معاوية فقاتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا لم يكن قبله مثله و أقبلوا نحو سرادق معاوية فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال
إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت |
كتائب منها كالجبال تجالد |
ثم قال لعمرو يا عمرو ما ترى قال أرى ألا تحنث أخوالي اليوم فقام معاوية و خلى لهم سرادقه و رحله و خرج فارا عنه لائذا ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس فدخله و انتهبت ربيعة سرادقه و رحله و بعث إلى خالد بن المعمر إنك قد ظفرت و لك إمرة خراسان أن لم تتم فقطع خالد القتال و لم يتمه و قال لربيعة قد برت أيمانكم فحسبكم فلما كان عام الجماعة و بايع الناس معاوية أمره معاوية على خراسان و بعثه إليها فمات قبل أن يبلغها قال نصر في حديث عمرو بن سعد أن عليا ع صلى بهم هذا اليوم صلاة الغداة ثم زحف بهم فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي ع ألف رجل أو أكثر فأحاطوا بهم و حالوا بينهم و بين أصحابهم فلم يروهم فنادى
علي ع يومئذ أ لا رجل يشري نفسه لله و يبيع دنياه بآخرته فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنع في الحديد لا يرى منه إلا عيناه فقال يا أمير المؤمنين مرني بأمرك فو الله لا تأمرني بشيء إلا صنعته فقال علي ع
سمحت بأمر لا يطاق حفيظة |
و صدقا و إخوان الوفاء قليل |
|
جزاك إله الناس خيرا فإنه |
لعمرك فضل ما هناك جزيل |
يا أبا الحارث شد الله ركنك احمل على أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام و يقول لكم هللوا و كبروا من ناحيتكم و نهلل نحن و نكبر من هاهنا و احملوا من جانبكم و نحمل نحن من جانبنا على أهل الشام فضرب الجعفي فرسه حتى إذا أقامه على أطراف سنابكه حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب علي ع فطاعنهم ساعة و قاتلهم فأفرجوا له حتى خلص إلى أصحابه فلما رأوه استبشروا به و فرحوا و قالوا ما فعل أمير المؤمنين قال صالح يقرئكم السلام و يقول لكم هللوا و كبروا و احملوا حملة شديدة من جانبكم و نهلل نحن و نكبر و نحمل من جانبنا ففعلوا ما أمرهم به و هللوا و كبروا و هلل علي ع و كبر هو و أصحابه و حمل على أهل الشام و حملوا هم من وسط أهل الشام فانفرج القوم عنهم و خرجوا و ما أصيب منهم رجل واحد و لقد قتل من فرسان الشام يومئذ زهاء سبعمائة إنسان قال علي ع من أعظم الناس اليوم غناء فقالوا أنت يا أمير المؤمنين فقال كلا و لكنه الجعفي
قال نصر و كان علي ع لا يعدل بربيعة أحدا من الناس فشق ذلك على مضر و أظهروا لهم القبيح و أبدوا ذات أنفسهم فقال الحضين بن المنذر الرقاشي شعرا أغضبهم به من جملته
أرى مضرا صارت ربيعة دونها |
شعار أمير المؤمنين و ذا الفضل |
|
فأبدوا لنا مما تجن صدورهم |
هو السوء و البغضاء و الحقد و الغل |
|
فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا |
و لن تلحقونا الدهر ما حنت الإبل |
فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني و عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي و قبيصة بن جابر الأسدي و عبد الله بن الطفيل العامري في وجوه قبائلهم فأتوا عليا ع فتكلم أبو الطفيل فقال أنا و الله يا أمير المؤمنين ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير و إن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا فاعفهم عن القتال أياما و اجعل لكل امرئ منا يوما يقاتل فيه فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا فقال علي ع نعم أعطيكم ما طلبتم و أمر ربيعة أن تكف عن القتال و كانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشام فغدا أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من كنانة و هم جماعة عظيمة فتقدم أمام الخيل و يقول طاعنوا و ضاربوا ثم حمل و ارتجز فقال
قد ضاربت في حربها كنانه |
و الله يجزيها به جنانه |
|
من أفرغ الصبر عليه زانه |
أو غلب الجبن عليه شانه |
|
أو كفر الله فقد أهانه |
غدا يعض من عصى بنانه |
فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف أبو الطفيل إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين إنك أنبأتنا أن أشرف القتل الشهادة و أحظى الأمر الصبر و قد و الله صبرنا حتى أصبنا فقتيلنا شهيد و حينا سعيد فليطلب من بقي ثأر من مضى فإنا و إن كنا قد ذهب صفونا و بقي كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى و يقينا لا تزحمه الشبهة فأثنى علي ع عليه خيرا ثم غدا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم و هو يومئذ سيد مضر الكوفة فقال يا قوم إني أتبع آثار أبي الطفيل فاتبعوا آثار كنانة ثم قدم رايته و ارتجز فقال
قد ضاربت في حربها تميم |
إن تميما خطبها عظيم |
|
لها حديث و لها قديم |
إن الكريم نسله كريم |
|
دين قويم و هوى سليم |
إن لم تردهم رايتي فلوموا |
ثم طعن برايته حتى خضبها و قاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا و انصرف عمير إلى علي ع و عليه سلاحه فقال يا أمير المؤمنين قد كان ظني بالناس حسنا و قد رأيت منهم فوق ظني بهم قاتلوا من كل جهة و بلغوا من عفوهم جهد عدوهم و هم لهم إن شاء الله ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد و قال لأصحابه يا بني أسد أما أنا فلا أقصر دون صاحبي و أما أنتم فذاك إليكم ثم تقدم برايته و قال
قد حافظت في حربها بنو أسد |
ما مثلها تحت العجاج من أحد |
أقرب من يمن و أنأى من نكد |
كأننا ركنا ثبير أو أحد |
|
لسنا بأوباش و لا بيض البلد |
لكننا المحة من ولد معد |
فقاتل القوم إلى أن دخل الليل ثم انصرفوا ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطفيل العامري في جماعة هوازن فحارب بهم حتى الليل ثم انصرفوا قال نصر فانتصفوا المضرية من الربعية و ظهر أثرها و عرف بلاؤها و قال أبو الطفيل
و حامت كنانة في حربها |
و حامت تميم و حامت أسد |
|
و حامت هوازن يوم اللقا |
فما خام منا و منهم أحد |
|
لقينا الفوارس يوم الخميس |
و العيد و السبت ثم الأحد |
|
لقينا قبائل أنسابهم |
إلى حضرموت و أهل الجند |
|
فأمدادهم خلف آذانهم |
و ليس لنا من سوانا مدد |
|
فلما تنادوا بآبائهم |
دعونا معدا و نعم المعد |
|
فظلنا نفلق هاماتهم |
و لم نك فيها ببيض البلد |
|
و نعم الفوارس يوم اللقا |
فقل في عديد و قل في عدد |
|
و قل في طعان كفرغ الدلاء |
و ضرب عظيم كنار الوفد |
|
و لكن عصفنا بهم عصفة |
و في الحرب يمن و فيها نكد |
|
طحنا الفوارس وسط العجاج |
و سقنا الزعانف سوق النقد |
و قلنا علي لنا والد |
و نحن له طاعة كالولد |
قال نصر و حدثنا عمرو عن الأشعث بن سويد عن كردوس قال كتب عقبة بن مسعود عامل علي على الكوفة إلى سليمان بن صرد الخزاعي و هو مع علي بصفين أما بعد فإنهم( إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا ) فعليك بالجهاد و الصبر مع أمير المؤمنين و السلام
قال نصر و حدثنا عمرو بن سعد و عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر قال قام علي ع فخطب الناس بصفين فقال الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر و الفاجر و على حججه البالغة على خلقه من أطاعه فيهم و من عصاه أن يرحم فبفضله و منه و إن عذب فبما كسبت أيديهم و إن الله ليس بظلام للعبيد أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء و أستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا و الآخرة و أتوكل عليه و كفى بالله وكيلا ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و دين الحق ارتضاه لذلك و كان أهله و اصطفاه لتبليغ رسالته و جعله رحمة منه على خلقه فكان علمه فيه رءوفا
رحيما أكرم خلق الله حسبا و أجملهم منظرا و أسخاهم نفسا و أبرهم لوالد و أوصلهم لرحم و أفضلهم علما و أثقلهم حلما و أوفاهم لعهد و آمنهم على عقد لم يتعلق عليه مسلم و لا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر و يقدر فيصفح حتى مضى ص مطيعا لله صابرا على ما أصابه مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ص فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الأرض البر و الفاجر ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله و ينهاكم عن معصيته و قد عهد إلى رسول الله عهدا فلست أحيد عنه و قد حضرتم عدوكم و علمتم أن رئيسهم منافق يدعوهم إلى النار و ابن عم نبيكم معكم و بين أظهركم يدعوكم إلى الجنة و إلى طاعة ربكم و العمل بسنة نبيكم و لا سواء من صلى قبل كل ذكر لم يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد و أنا من أهل بدر و معاوية طليق و ابن طليق و الله أنا على الحق و إنهم على الباطل فلا يجتمعن على باطلهم و تتفرقوا عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم فقام أصحابه فقالوا يا أمير المؤمنين انهض بنا إلى عدونا و عدوك إذا شئت فو الله ما نريد بك بدلا بل نموت معك و نحيا معك فقال لهم و الذي نفسي بيده لنظر إلى النبي ص أضرب بين يديه بسيفي هذا فقال لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و قال لي يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي
و موتك و حياتك يا علي معي و الله ما كذب و لا كذبت و لا ضل و لا ضللت و لا ضل بي و لا نسيت ما عهد إلى و إني على بينة من ربي و على الطريق الواضح ألقطه لقطا ثم نهض إلى القوم فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق الأحمر و ما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيرا قال و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان قال برز في بعض أيام صفين رجل من حمير من آل ذي يزن اسمه كريب بن الصباح ليس في الشام يومئذ رجل أشهر بالبأس و النجدة منه فنادى من يبارز فخرج إليه المرتفع بن الوضاح الزبيدي فقتله ثم نادى من يبارز فخرج إليه الحارث بن الجلاح فقتله ثم نادى من يبارز فخرج إليه عابد بن مسروق الهمداني فقتله ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض و قام عليها بغيا و اعتداء و نادى من يبارز فخرج إليه علي و ناداه ويحك يا كريب إني أحذرك الله و بأسه و نقمته و أدعوك إلى سنة الله و سنة رسوله ويحك لا يدخلنك معاوية النار فكان جوابه له أن قال ما أكثر ما قد سمعت منك هذه المقالة و لا حاجة لنا فيها أقدم إذا شئت من يشتري سيفي و هذا أثره فقال علي لا حول و لا قوة إلا بالله ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يشحط في دمه ثم نادى من يبرز فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله ثم نادى من يبرز فبرز إليه المطاع بن مطلب العنسي
فقتله ثم نادى من يبرز فلم يبرز إليه أحد فنادى يا معشر المسلمين( الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين ) ويحك يا معاوية هلم إلي فبارزني و لا يقتلن الناس فيما بيننا فقال عمرو بن العاص اغتنمه منتهزا قد قتل ثلاثة من أبطال العرب و إني أطمع أن يظفرك الله به فقال معاوية و الله لن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي اذهب إليك عني فليس مثلي يخدع قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا خالد بن عبد الواحد الجريري قال حدثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين و هو يحرض أهل الشام و قد كان منحنيا على قوس فقال الحمد لله العظيم في شأنه القوي في سلطانه العلي في مكانه الواضح في برهانه أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء في كل رزية من بلاء أو شدة أو رخاء و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد ص من اشتعال نيرانها و اضطراب حبلها و وقوع بأسها بينها فإنا لله و إنا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين أ و لا تعلمون أن صلاتنا و صلاتهم و صيامنا و صيامهم و حجنا و حجهم و قتلنا و قتلهم
و ديننا و دينهم واحد و لكن الأهواء مختلفة اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها و احفظ في ما بينها مع أن القوم قد وطئوا بلادكم و نعوا عليكم فجدوا في قتال عدوكم و استعينوا بالله ربكم و حافظوا على حرماتكم ثم جلس
قال نصر و خطب عبد الله بن العباس أهل العراق يومئذ فقال الحمد لله رب العالمين الذي دحا تحتنا سبعا و سمك فوقنا سبعا و خلق فيما بينهن خلقا و أنزل لنا منهن رزقا ثم جعل كل شيء قدرا يبلى و يفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيا و يبقى إن الله تعالى بعث أنبياء و رسلا فجعلهم حججا على عباده عذرا أو نذرا لا يطاع إلا بعلمه و إذنه يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها و يعصى بعلم منه فيعفو و يغفر بحلمه لا يقدر قدره و لا يبلغ شيء مكانه أحصى كل شيء عددا و أحاط بكل شيء علما و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إمام الهدى و النبي المصطفى و قد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة و انتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا على علي ابن عم رسول الله و صهره و أول ذكر صلى معه بدري قد شهد مع رسول الله ص كل مشاهدة التي فيها الفضل و معاوية مشرك كان يعبد الأصنام و الذي ملك الملك وحده و بان به و كان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله و هو يقول صدق الله و رسوله و معاوية يقول كذب الله و رسوله فعليكم بتقوى الله و الجد و الحزم و الصبر و الله إنا لنعلم
إنكم لعلى حق و إن القوم لعلى باطل فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم و إنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم اللهم أعنا و لا تخذلنا و انصرنا على عدونا و لا تحل عنا و افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين
قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن جندب عن جندب بن عبد الله قال قام عمار يوم صفين فقال انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم و لو درس هذا الدين لم قتلتموه فقلنا لإحداثه فقالوا إنه لم يحدث شيئا و ذلك لأنه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدمت الجبال و الله ما أظنهم يطلبون بدم و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها و استمرءوها و علموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم و بين ما يأكلون و يرعون منها إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون و لولاها ما بايعهم من الناس رجل اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت و إن تجعل
لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم ثم مضى و مضى معه أصحابه فدنا من عمرو بن العاص فقال يا عمرو بعت دينك بمصر فتبا لك و طالما بغيت للإسلام عوجا ثم قال اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحنى عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملا صالحا هذا اليوم هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين و لو أعلم اليوم عملا هو أرضى لك منه لفعلته. قال نصر و حدثني عمرو بن سعيد عن الشعبي قال نادى عمار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له بعت دينك بالدنيا من عدو الله و عدو الإسلام معاوية و طلبت هوى أبيك الفاسق فقال لا و لكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم قال كلا أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله و أنك إن لم تقتل
اليوم فستموت غدا فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك و روى ابن ديزيل في كتاب صفين عن صيف الضبي قال سمعت الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة المحاربي يروي عن أبيه عن جده شريك قال كان الناس من أهل العراق و أهل الشام يقتتلون أيام صفين و يتزايلون فلا يستطيع الرجل أن يرجع إلى مكانه حتى يسفر الغبار عنه فاقتتلوا يوما و تزايلوا و أسفر الغبار فإذا علي تحت رايتنا يعني بني محارب
فقال هل من ماء فأتيته بإداوة فخنثتها له ليشرب فقال لا إنا نهينا أن نشرب من أفواه الأسقية ثم علق سيفه و إنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه فصببت له على يديه فغسلهما حتى أنقاهما ثم شرب بيديه حتى إذا روى رفع رأسه ثم قال أين مضر فقلت أنت فيهم يا أمير المؤمنين فقال من أنتم بارك الله فيكم فقلنا نحن بنو محارب فعرف موقفه ثم رجع إلى موضعه قلت خنثت الإداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج و إنما نهى رسول الله ص عن اختناث الأسقية لأن رجلا اختنث سقاء فشرب فدخل إلى جوفه حية كانت في السقاء
قال ابن ديزيل و روى إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم بن حاطب الجمحي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال لي رسول الله ص كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم و مواثيقهم و كانوا هكذا و خالف بين أصابعه فقلت تأمرني بأمرك يا رسول الله قال تأخذ مما تعرف و تدع ما تنكر و تعمل بخاصة نفسك و تدع الناس و هوام أمرهم قال فلما كان يوم صفين قال له أبوه عمرو بن العاص يا عبد الله اخرج فقاتل فقال
يا أبتاه أ تأمرني أن أخرج فأقاتل و قد سمعت ما سمعت يوم عهد إلى رسول الله ص ما عهد فقال أنشدك الله يا عبد الله أ لم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله ص أن أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال أطع أباك فقال اللهم بلى قال فإني أعزم عليك أن تخرج فتقاتل فخرج عبد الله بن عمرو فقاتل يومئذ متقلدا سيفين قال و إن من شعر عبد الله بن عمرو بعد ذلك يذكر عليا بصفين
فلو شهدت جمل مقامي و مشهدي |
بصفين يوما شاب منها الذوائب |
|
عشية جا أهل العراق كأنهم |
سحاب ربيع رفعته الجنائب |
|
إذا قلت قد ولت سراعا بدت لنا |
كتائب منهم و ارجحنت كتائب |
|
و جئناهم فرادى كأن صفوفنا |
من البحر مد موجه متراكب |
|
فدارت رحانا و استدارت رحاهم |
سراة النهار ما تولى المناكب |
|
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا |
فقلنا بلى إنا نرى أن تضاربوا |
و روى ابن ديزيل عن يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني قال حدثني أبي عن عبد خير الهمداني قال كنت أنا و عبد خير في سفر قلت يا أبا عمارة حدثني عن بعض ما كنتم فيه بصفين فقال لي يا ابن أخي و ما سؤالك فقلت أحببت أن أسمع منك شيئا فقال يا ابن أخي إنا كنا لنصلي الفجر فنصف و يصف أهل الشام و نشرع الرماح إليهم و يشرعون بها نحونا أما لو دخلت تحتها لأظلتك و الله يا ابن أخي إنا كنا لنقف و يقفون في الحرب لا نفتر و لا يفترون حتى نصلي
العشاء الآخرة ما يعرف الرجل منا طول ذلك اليوم من عن يمينه و لا من عن يساره من شدة الظلمة و النقع إلا بقرع الحديد بعضه على بعض فيبرز منه شعاع كشعاع الشمس فيعرف الرجل من عن يمينه و من عن يساره حتى إذا صلينا العشاء الآخرة جررنا قتلانا إلينا فتوسدناهم حتى نصبح و جروا قتلاهم فتوسدوهم حتى يصبحوا قال قلت له يا أبا عمارة هذا و الله الصبر و روى ابن ديزيل قال كان عمرو بن العاص إذا مر عليه رجل من أصحاب علي فسأل عنه فأخبر به فقال يرى علي و معاوية أنهما بريئان من دم هذا قال ابن ديزيل و روى ابن وهب عن مالك بن أنس قال جلس عمرو بن العاص بصفين في رواق و كان أهل العراق يدفنون قتلاهم و أهل الشام يجعلون قتلاهم في العباء و الأكسية يحملونهم فيها إلى مدافنهم فكلما مر عليه برجل قال من هذا فيقال فلان فقال عمرو كم من رجل أحسن في الله عظيم الحال لم ينج من قتله فلان و فلان قال يعني عليا و معاوية قلت ليت شعري لم برأ نفسه و كان رأسا في الفتنة بل لولاه لم تكن و لكن الله تعالى أنطقه بهذا الكلام و أشباهه ليظهر بذلك شكه و أنه لم يكن على بصيرة من أمره و روى نصر بن مزاحم قال حدثني يحيى بن يعلى قال حدثني صباح المزني عن الحارث بن حصن عن زيد بن أبي رجاء عن أسماء بن حكيم الفزاري قال كنا بصفين مع علي تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى و قد استظللنا برداء أحمر إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال أيكم عمار بن ياسر فقال عمار أنا عمار قال أبو اليقظان قال نعم قال إن لي إليك حاجة أ فأنطق بها
سرا أو علانية قال اختر لنفسك أيهما شئت قال لا بل علانية قال فانطق قال إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم و أنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى ليلتي هذه فإني رأيت في منامي مناديا تقدم فأذن و شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ص و نادى بالصلاة و نادى مناديهم مثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة و تلونا كتابا واحدا و دعونا دعوة واحدة فأدركني الشك في ليلتي هذه فبت بليلة لا يعلمها إلا الله تعالى حتى أصبحت فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال هل لقيت عمار بن ياسر قلت لا قال فالقه فانظر ما ذا يقول لك عمار فاتبعه فجئتك لذلك فقال عمار تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي فإنها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع رسول الله ص ثلاث مرات و هذه الرابعة فما هي بخيرهن و لا أبرهن بل هي شرهن و أفجرهن أ شهدت بدرا و أحدا و يوم حنين أو شهدها أب لك فيخبرك عنها قال لا قال فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله ص يوم بدر و يوم أحد و يوم حنين و إن مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب فهل ترى هذا العسكر و من فيه و الله لوددت أن جميع من فيه ممن أقبل مع معاوية يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته و ذبحته و الله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور أ فترى دم عصفور حراما قال لا بل حلال قال فإنهم حلال كذلك أ تراني بينت لك قال قد بينت لي قال فاختر أي ذلك أحببت
فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال أما إنهم سيضربونكم بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولوا لو لم يكونوا على حق ما أظهروا علينا و الله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب و الله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على حق و أنهم على باطل
قال نصر و حدثنا يحيى بن يعلى عن الأصبغ بن نباتة قال جاء رجل إلى علي فقال يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد فما ذا نسميهم قال سمهم بما سماهم الله في كتابه قال ما كل ما في الكتاب أعلمه قال أ ما سمعت الله تعالى يقول( تِلْكَ اَلرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) إلى قوله( وَ لَوْ شاءَ اَللَّهُ مَا اِقْتَتَلَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ اَلْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله و بالكتاب و بالنبي و بالحق فنحن الذين آمنوا و هم الذين كفروا و شاء الله قتالهم فقاتلهم بمشيئته و إرادته.
الفهرس
کتاب شرح نهج البلاغة الجزء الخامس ابن ابي الحديد 1
ذكر الخبر عن ظهور الغلاة 5
طرق الإخبار عن الغيوب 9
الكناية و الرموز و التعريض مع ذكر مثل منها 15
حقيقة الكناية و التعريض و الفرق بينهما 59
مقتل الوليد بن طريف الخارجي و رثاء أخته له 73
خروج ابن عمرو الخثعمي و أمره مع محمد بن يوسف الطائي 74
ذكر جماعة ممن كان يرى رأي الخوارج 76
عود إلى أخبار الخوارج و ذكر رجالهم و حروبهم 80
مرداس بن حدير 82
عمران بن حطان 91
المستورد السعدي 97
حوثرة الأسدي 98
الرهين المرادي 99
عباد بن أخضر المازني 100
أبو الوازع الراسبي 102
عمران بن الحارث الراسبي 103
عبد الله بن يحيى طالب الحق 106
أبو حمزة الشاري 114
بعت سواري بعضب مخذم 123
أخبار متفرقة عن معاوية 129
اختلاف الناس في الآجال 133
عظة للحسن البصري 147
من خطب عمر بن عبد العزيز 150
من خطب ابن نباتة 151
اختلاف الأقوال في خلق العالم 157
من أخبار يوم صفين 175
الفهرس 259