كتاب شرح نهج البلاغة- الجزء 9
التجميع أمير المؤمنين عليه السلام
الکاتب ابن أبي الحديد
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

کتاب شرح نهج البلاغة

الجزء التاسع

ابن ابي الحديد


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل

تتمة خطبة 135

ذكر أطراف مما شجر بين علي و عثمان في أثناء خلافته

و اعلم أن هذا الكتاب يستدعي منا أن نذكر أطرافا مما شجر بين أمير المؤمنين ع و عثمان أيام خلافته إذ كان هذا الكلام الذي شرحناه من ذلك النمط و الشي‏ء يذكر بنظيره و عادتنا في هذا الشرح أن نذكر الشي‏ء مع ما يناسبه و يقتضي ذكره.قال أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب أخبار السقيفة حدثني محمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق عن معمر عن زياد بن جبل عن أبي كعب الحارثي و هو ذو الإداوة قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز و إنما سمي ذا الإداوة لأنه قال إني خرجت في طلب إبل ضوال فتزودت لبنا في إداوة ثم قلت في نفسي ما أنصفت ربي فأين الوضوء فأرقت اللبن و ملأتها ماء فقلت هذا وضوء و شراب و طفقت أبغي إبلي فلما أردت الوضوء اصطببت من الإداوة ماء فتوضأت ثم أردت الشرب فلما اصطببتها إذا لبن فشربت فمكثت بذلك ثلاثا فقالت


له أسماء النحرانية يا أبا كعب أ حقينا كان أم حليبا قال إنك لبطالة كان يعصم من الجوع و يروي من الظمأ أما إني حدثت بهذا نفرا من قومي منهم علي بن الحارث سيد بني قنان فلم يصدقني و قال ما أظن الذي تقول كما قلت فقلت الله أعلم بذلك و رجعت إلى منزلي فبت ليلتي تلك فإذا به صلاة الصبح على بابي فخرجت إليه فقلت رحمك الله لم تعنيت ألا أرسلت إلي فآتيك فإني لأحق بذلك منك قال ما نمت الليلة إلا أتاني آت فقال أنت الذي تكذب من يحدث بما أنعم الله عليه قال أبو كعب ثم خرجت حتى أتيت المدينة فأتيت عثمان بن عفان و هو الخليفة يومئذ فسألته عن شي‏ء من أمر ديني و قلت يا أمير المؤمنين إني رجل من أهل اليمن من بني الحارث بن كعب و إني أريد أن أسألك فأمر حاجبك ألا يحجبني فقال يا وثاب إذا جاءك هذا الحارثي فأذن له قال فكنت إذا جئت فقرعت الباب قال من ذا فقلت الحارثي فيقول ادخل فدخلت يوما فإذا عثمان جالس و حوله نفر سكوت لا يتكلمون كأن على رءوسهم الطير فسلمت ثم جلست فلم أسأله عن شي‏ء لما رأيت من حالهم و حاله فبينا أنا كذلك إذ جاء نفر فقالوا إنه أبى أن يجي‏ء قال فغضب و قال أبى أن يجي‏ء اذهبوا فجيئوا به فإن أبى فجروه جرا.قال فمكثت قليلا فجاءوا و معهم رجل آدم طوال أصلع في مقدم رأسه شعرات و في قفاه شعرات فقلت من هذا قالوا عمار بن ياسر فقال له عثمان أنت الذي تأتيك رسلنا فتأبى أن تجي‏ء قال فكلمه بشي‏ء لم أدر ما هو ثم خرج فما زالوا


ينفضون من عنده حتى ما بقي غيري فقام فقلت و الله لا أسأل عن هذا الأمر أحدا أقول حدثني فلان حتى أدري ما يصنع فتبعته حتى دخل المسجد فإذا عمار جالس إلى سارية و حوله نفر من أصحاب رسول الله ص يبكون فقال عثمان يا وثاب علي بالشرط فجاءوا فقال فرقوا بين هؤلاء ففرقوا بينهم.ثم أقيمت الصلاة فتقدم عثمان فصلى بهم فلما كبر قالت امرأة من حجرتها يا أيها الناس ثم تكلمت و ذكرت رسول الله ص و ما بعثه الله به ثم قالت تركتم أمر الله و خالفتم عهده...و نحو هذا ثم صمتت و تكلمت امرأة أخرى بمثل ذلك فإذا هما عائشة و حفصة.قال فسلم عثمان ثم أقبل على الناس و قال إن هاتين لفتانتان يحل لي سبهما و أنا بأصلهما عالم.فقال له سعد بن أبي وقاص أ تقول هذا لحبائب رسول الله ص فقال و فيم أنت و ما هاهنا ثم أقبل نحو سعد عامدا ليضربه فانسل سعد.فخرج من المسجد فاتبعه عثمان فلقي عليا ع بباب المسجد فقال له ع أين تريد قال أريد هذا الذي كذا و كذا يعني سعدا يشتمه فقال له علي ع أيها الرجل دع عنك هذا قال فلم يزل بينهما كلام حتى غضبا فقال عثمان أ لست الذي خلفك رسول الله ص له يوم تبوك فقال علي أ لست الفار عن رسول الله ص يوم أحد.قال ثم حجز الناس بينهما قال ثم خرجت من المدينة حتى انتهيت إلى الكوفة فوجدت أهلها أيضا وقع بينهم شر و نشبوا في الفتنة و ردوا سعيد بن العاص فلم يدعوه يدخل إليهم فلما رأيت ذلك رجعت حتى أتيت بلاد قومي.


و روى الزبير بن بكار في كتاب الموفقيات عن عمه عن عيسى بن داود عن رجاله قال قال ابن عباسرحمه‌الله لما بنى عثمان داره بالمدينة أكثر الناس عليه في ذلك فبلغه فخطبنا في يوم جمعة ثم صلى بنا ثم عاد إلى المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال أما بعد فإن النعمة إذا حدثت حدث لها حساد حسبها و أعداء قدرها و إن الله لم يحدث لنا نعما ليحدث لها حساد عليها و منافسون فيها و لكنه قد كان من بناء منزلنا هذا ما كان إرادة جمع المال فيه و ضم القاصية إليه فأتانا عن أناس منكم أنهم يقولون أخذ فيئنا و أنفق شيئنا و استأثر بأموالنا يمشون خمرا و ينطقون سرا كأنا غيب عنهم و كأنهم يهابون مواجهتنا معرفة منهم بدحوض حجتهم فإذ غابوا عنا يروح بعضهم إلى بعض يذكرنا و قد وجدوا على ذلك أعوانا من نظرائهم و مؤازرين من شبابهم فبعدا بعدا و رغما رغما ثم أنشد بيتين كأنه يومئ فيهما إلى علي ع:

توقد بنار أينما كنت و اشتعل

فلست ترى مما تعالج شافيا

تشط فيقضي الأمر دونك أهله

وشيكا و لا تدعى إذا كنت نائيا

ما لي و لفيئكم و أخذ مالكم أ لست من أكثر قريش مالا و أظهرهم من الله نعمة أ لم أكن على ذلك قبل الإسلام و بعده و هبوني بنيت منزلا من بيت المال أ ليس هو لي و لكم أ لم أقم أموركم و إني من وراء حاجاتكم فما تفقدون من حقوقكم شيئا فلم لا أصنع في الفضل ما أحببت فلم كنت إماما إذا.ألا و إن من أعجب العجب أنه بلغني عنكم أنكم تقولون لنفعلن به و لنفعلن فبمن تفعلون لله آباؤكم أ بنقد البقاع أم بفقع القاع أ لست أحراكم إن دعا أن يجاب و أقمنكم إن أمر أن يطاع


لهفي على بقائي فيكم بعد أصحابي و حياتي فيكم بعد أترابي يا ليتني تقدمت قبل هذا لكني لا أحب خلاف ما أحبه الله لي عز و جل إذا شئتم فإن الصادق المصدق محمدا ص قد حدثني بما هو كائن من أمري و أمركم و هذا بدء ذلك و أوله فكيف الهرب مما حتم و قدر أما إنه ع قد بشرني في آخر حديثه بالجنة دونكم إذا شئتم فلا أفلح من ندم.قال ثم هم بالنزول فبصر بعلي بن أبي طالب ع و معه عمار بن ياسررضي‌الله‌عنه و ناس من أهل هواه يتناجون فقال إيها إيها أ سرارا لا جهارا أما و الذي نفسي بيده ما أحنق على جرة و لا أوتى من ضعف مرة و لو لا النظر لي و لكم و الرفق بي و بكم لعاجلتكم فقد اغتررتم و أفلتم من أنفسكم.ثم رفع يديه يدعو و يقول اللهم قد تعلم حبي للعافية فألبسنيها و إيثاري للسلامة فآتنيها.قال فتفرق القوم عن علي ع و قام عدي بن الخيار فقال أتم الله عليك يا أمير المؤمنين النعمة و زادك في الكرامة و الله لأن تحسد أفضل من أن تحسد و لأن تنافس أجل من أن تنافس أنت و الله في حسبنا الصميم و منصبنا الكريم إن دعوت أجبت و إن أمرت أطعت فقل نفعل و ادع تجب جعلت الخيرة و الشورى إلى أصحاب رسول الله ص ليختاروا لهم و لغيرهم و إنهم ليرون مكانك و يعرفون مكان غيرك فاختاروك منيبين طائعين غير مكرهين و لا مجبرين ما غيرت و لا فارقت و لا بدلت و لا خالفت فعلام يقدمون عليك و هذا رأيهم فيك أنت و الله كما قال الأول:

اذهب إليك فما للحسود

إلا طلابك تحت العثار


حكمت فما جرت في خلة

فحكمك بالحق بادي المنار

فإن يسبعوك فسرا و قد

جهرت بسيفك كل الجهار

قال و نزل عثمان فأتى منزله و أتاه الناس و فيهم ابن عباس فلما أخذوا مجالسهم أقبل على ابن عباس فقال ما لي و لكم يا ابن عباس ما أغراكم بي و أولعكم بتعقب أمري أ تنقمون علي أمر العامة أتيت من وراء حقوقهم أم أمركم فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم لا و الله لكن الحسد و البغي و تثوير الشر و إحياء الفتن و الله لقد ألقى النبي ص إلي ذلك و أخبرني به عن أهله واحدا واحدا و الله ما كذبت و لا أنا بمكذوب.فقال ابن عباس على رسلك يا أمير المؤمنين فو الله ما عهدتك جهرا بسرك و لا مظهرا ما في نفسك فما الذي هيجك و ثورك إنا لم يولعنا بك أمر و لم نتعقب أمرك بشي‏ء أتيت بالكذب و تسوف عليك بالباطل و الله ما نقمنا عليك لنا و لا للعامة قد أوتيت من وراء حقوقنا و حقوقهم و قضيت ما يلزمك لنا و لهم فأما الحسد و البغي و تثوير الفتن و إحياء الشر فمتى رضيت به عترة النبي و أهل بيته و كيف و هم منه و إليه على دين الله يثورون الشر أم على الله يحيون الفتن كلا ليس البغي و لا الحسد من طباعهم فاتئد يا أمير المؤمنين و أبصر أمرك و أمسك عليك فإن حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى لعمري إن كنت لأثيرا عند رسول الله و إن كان يفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك و لا كذبت و لا أنت بمكذوب اخسأ الشيطان عنك و لا يركبك و اغلب غضبك و لا يغلبك فما دعاك إلى هذا الأمر الذي كان منك.


قال دعاني إليه ابن عمك علي بن أبي طالب فقال ابن عباس و عسى أن يكذب مبلغك قال عثمان إنه ثقة قال ابن عباس إنه ليس بثقة من بلغ و أغرى قال عثمان يا ابن عباس آلله إنك ما تعلم من علي ما شكوت منه قال اللهم لا إلا أن يقول كما يقول الناس و ينقم كما ينقمون فمن أغراك به و أولعك بذكره دونهم فقال عثمان إنما آفتي من أعظم الداء الذي ينصب نفسه لرأس الأمر و هو علي ابن عمك و هذا و الله كله من نكده و شؤمه قال ابن عباس مهلا استثن يا أمير المؤمنين قل إن شاء الله فقال إن شاء الله ثم قال إني أنشدك يا ابن عباس الإسلام و الرحم فقد و الله غلبت و ابتليت بكم و الله لوددت أن هذا الأمر كان صار إليكم دوني فحملتموه عني و كنت أحد أعوانكم عليه إذا و الله لوجدتموني لكم خيرا مما وجدتكم لي و لقد علمت أن الأمر لكم و لكن قومكم دفعوكم عنه و اختزلوه دونكم فو الله ما أدري أ دفعوه عنكم أم دفعوكم عنه.قال ابن عباس مهلا يا أمير المؤمنين فإنا ننشدك الله و الإسلام و الرحم مثل ما نشدتنا أن تطمع فينا و فيك عدوا و تشمت بنا و بك حسودا إن أمرك إليك ما كان قولا فإذا صار فعلا فليس إليك و لا في يديك و إنا و الله لنخالفن إن خولفنا و لننازعن إن نوزعنا و ما تمنيك أن يكون الأمر صار إلينا دونك إلا أن يقول قائل منا ما يقوله الناس و يعيب كما عابوا فأما صرف قومنا عنا الأمر فعن حسد قد و الله عرفته و بغي قد و الله علمته فالله بيننا و بين قومنا و أما قولك إنك لا تدري أ دفعوه عنا أم دفعونا عنه فلعمري إنك لتعرف أنه لو صار إلينا هذا الأمر ما زدنا به فضلا إلى فضلنا و لا قدرا إلى قدرنا و إنا لأهل الفضل و أهل القدر و ما فضل فاضل إلا بفضلنا و لا سبق سابق إلا بسبقنا و لو لا هدينا ما اهتدى أحد و لا أبصروا من عمى و لا قصدوا من جور.فقال عثمان حتى متى يا ابن عباس يأتيني عنكم ما يأتيني هبوني كنت بعيدا أ ما كان لي من الحق عليكم أن أراقب و أن أناظر بلى و رب الكعبة و لكن الفرقة


سهلت لكم القول في و تقدمت بكم إلى الإسراع إلي و الله المستعان.قال ابن عباس مهلا حتى ألقى عليا ثم أحمل إليك على قدر ما رأى قال عثمان افعل فقد فعلت و طالما طلبت فلا أطلب و لا أجاب و لا أعتب.قال ابن عباس فخرجت فلقيت عليا و إذا به من الغضب و التلظي أضعاف ما بعثمان فأردت تسكينه فامتنع فأتيت منزلي و أغلقت بابي و اعتزلتهما فبلغ ذلك عثمان فأرسل إلي فأتيته و قد هدأ غضبه فنظر إلي ثم ضحك و قال يا ابن عباس ما أبطأ بك عنا إن تركك العود إلينا لدليل على ما رأيت عند صاحبك و عرفت من حاله فالله بيننا و بينه خذ بنا في غير ذلك.قال ابن عباس فكان عثمان بعد ذلك إذا أتاه عن علي شي‏ء فأردت التكذيب عنه يقول و لا يوم الجمعة حين أبطأت عنا و تركت العود إلينا فلا أدري كيف أرد عليه.و روى الزبير بن بكار أيضا في الموفقيات عن ابن عباسرحمه‌الله قال خرجت من منزلي سحرا أسابق إلى المسجد و أطلب الفضيلة فسمعت خلفي حسا و كلاما فتسمعته فإذا حس عثمان و هو يدعو و لا يرى أن أحدا يسمعه و يقول اللهم قد تعلم نيتي فأعني عليهم و تعلم الذين ابتليت بهم من ذوي رحمي و قرابتي فأصلحني لهم و أصلحهم لي.قال فقصرت من خطوتي و أسرع في مشيته فالتقينا فسلم فرددت عليه فقال إني خرجت ليلتنا هذه أطلب الفضل و المسابقة إلى المسجد فقلت إنه أخرجني ما أخرجك فقال و الله لئن سابقت إلى الخير إنك لمن سابقين مباركين و إني لأحبكم و أتقرب إلى الله بحبكم فقلت يرحمك الله يا أمير المؤمنين إنا لنحبك و نعرف سابقتك و سنك و قرابتك و صهرك قال يا ابن عباس فما لي و لابن عمك و ابن خالي قلت أي بني عمومتي و بني أخوالك قال اللهم اغفر أ تسأل مسألة الجاهل.


قلت إن بني عمومتي من بني خئولتك كثير فأيهم تعني قال أعني عليا لا غيره فقلت لا و الله يا أمير المؤمنين ما أعلم منه إلا خيرا و لا أعرف له إلا حسنا قال و الله بالحري أن يستر دونك ما يظهره لغيرك و يقبض عنك ما ينبسط به إلى سواك.قال و رمينا بعمار بن ياسر فسلم فرددت عليه سلامه ثم قال من معك قلت أمير المؤمنين عثمان قال نعم و سلم بكنيته و لم يسلم عليه بالخلافة فرد عليه ثم قال عمار ما الذي كنتم فقد سمعت ذروا منه قلت هو ما سمعت فقال عمار رب مظلوم غافل و ظالم متجاهل قال عثمان أما إنك من شنائنا و أتباعهم و ايم الله إن اليد عليك لمنبسطة و إن السبيل إليك لسهلة و لو لا إيثار العافية و لم الشعث لزجرتك زجرة تكفي ما مضى و تمنع ما بقي.فقال عمار و الله ما أعتذر من حبي عليا و ما اليد بمنبسطة و لا السبيل بسهلة إني لازم حجة و مقيم على سنة و أما إيثارك العافية و لم الشعث فلازم ذلك و أما زجري فأمسك عنه فقد كفاك معلمي تعليمي فقال عثمان أما و الله إنك ما علمت من أعوان الشر الحاضين عليه الخذلة عند الخير و المثبطين عنه فقال عمار مهلا يا عثمان فقد سمعت رسول الله ص يصفني بغير ذلك قال عثمان و متى قال يوم دخلت عليه منصرفه عن الجمعة و ليس عنده غيرك و قد ألقى ثيابه و قعد في فضله فقبلت صدره و نحره و جبهته فقال يا عمار إنك لتحبنا و إنا لنحبك و إنك لمن الأعوان على الخير المثبطين عن الشر فقال عثمان أجل و لكنك غيرت و بدلت قال فرفع عمار يده يدعو و قال أمن يا ابن عباس اللهم من غير فغير به ثلاث مرات.قال و دخلنا المسجد فأهوى عمار إلى مصلاه و مضيت مع عثمان إلى القبلة


فدخل المحراب و قال تلبث علي إذا انصرفنا فلما رآني عمار وحدي أتاني فقال أ ما رأيت ما بلغ بي آنفا قلت أما و الله لقد أصعبت به و أصعب بك و إن له لسنه و فضله و قرابته قال إن له لذلك و لكن لا حق لمن لا حق عليه و انصرف.و صلى عثمان و انصرفت معه يتوكأ علي فقال هل سمعت ما قال عمار قلت نعم فسرني ذلك و ساءني أما مساءته إياي فما بلغ بك و أما مسرته لي فحلمك و احتمالك فقال إن عليا فارقني منذ أيام على المقاربة و إن عمارا آتيه فقائل له و قائل فابدره إليه فإنك أوثق عنده منه و أصدق قولا فألق الأمر إليه على وجهه فقلت نعم.و انصرفت أريد عليا ع في المسجد فإذا هو خارج منه فلما رآني تفجع لي من فوت الصلاة و قال ما أدركتها قلت بلى و لكني خرجت مع أمير المؤمنين ثم اقتصصت عليه القصة فقال أما و الله يا ابن عباس إنه ليقرف قرحة ليحورن عليه ألمها فقلت إن له سنه و سابقته و قرابته و صهره قال إن ذلك له و لكن لا حق لمن لا حق عليه.قال ثم رهقنا عمار فبش به علي و تبسم في وجهه و سأله فقال عمار يا ابن عباس هل ألقيت إليه ما كنا فيه قلت نعم قال أما و الله إذا لقد قلت بلسان عثمان و نطقت بهواه قلت ما عدوت الحق جهدي و لا ذلك من فعلي و إنك لتعلم أي الحظين أحب إلي و أي الحقين أوجب علي.قال فظن علي أن عند عمار غير ما ألقيت إليه فأخذ بيده و ترك يدي فعلمت أنه يكره مكاني فتخلفت عنهما و انشعب بنا الطريق فسلكاه و لم يدعني فانطلقت إلى منزلي فإذا رسول عثمان يدعوني فأتيته فأجد ببابه مروان و سعيد بن العاص.


في رجال من بني أمية فأذن لي و ألطفني و قربني و أدنى مجلسي ثم قال ما صنعت فأخبرته بالخبر على وجهه و ما قال الرجل و قلت له و كتمته قوله إنه ليقرف قرحة ليحورن عليه ألمها إبقاء عليه و إجلالا له و ذكرت مجي‏ء عمار و بش علي له و ظن علي أن قبله غير ما ألقيت عليه و سلوكهما حيث سلكا قال و فعلا قلت نعم فاستقبل القبلة ثم قال اللهم رب السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم أصلح لي عليا و أصلحني له أمن يا ابن عباس فأمنت ثم تحدثنا طويلا و فارقته و أتيت منزلي.و روى الزبير بن بكار أيضا في الكتاب المذكور عن عبد الله بن عباس قال ما سمعت من أبي شيئا قط في أمر عثمان يلومه فيه و لا يعذره و لا سألته عن شي‏ء من ذلك مخافة أن أهجم منه على ما لا يوافقه فإنا عنده ليلة و نحن نتعشى إذ قيل هذا أمير المؤمنين عثمان بالباب فقال ائذنوا له فدخل فأوسع له على فراشه و أصاب من العشاء معه فلما رفع قام من كان هناك و ثبت أنا فحمد عثمان الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا خال فإني قد جئتك أستعذرك من ابن أخيك علي سبني و شهر أمري و قطع رحمي و طعن في ديني و إني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب إن كان لكم حق تزعمون أنكم غلبتم عليه فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم و أنا أقرب إليكم رحما منه و ما لمت منكم أحدا إلا عليا و لقد دعيت أن أبسط عليه فتركته لله و الرحم و أنا أخاف ألا يتركني فلا أتركه.قال ابن عباس فحمد أبي الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا ابن أختي فإن كنت لا تحمد عليا لنفسك فإني لا أحمدك لعلي و ما علي وحده قال فيك بل غيره فلو أنك


اتهمت نفسك للناس اتهم الناس أنفسهم لك و لو أنك نزلت مما رقيت و ارتقوا مما نزلوا فأخذت منهم و أخذوا منك ما كان بذلك بأس قال عثمان فذلك إليك يا خال و أنت بيني و بينهم قال أ فأذكر لهم ذلك عنك قال نعم و انصرف فما لبثنا أن قيل هذا أمير المؤمنين قد رجع بالباب قال أبي ائذنوا له فدخل فقام قائما و لم يجلس و قال لا تعجل يا خال حتى أوذنك فنظرنا فإذا مروان بن الحكم كان جالسا بالباب ينتظره حتى خرج فهو الذي ثناه عن رأيه الأول فأقبل علي أبي و قال يا بني ما إلى هذا من أمره شي‏ء ثم قال يا بني أملك عليك لسانك حتى ترى ما لا بد منه ثم رفع يديه فقال اللهم اسبق بي ما لا خير لي في إدراكه فما مرت جمعة حتى ماترحمه‌الله .و روى أبو العباس المبرد في الكامل عن قنبر مولى علي ع قال دخلت مع علي على عثمان فأحبا الخلوة فأومأ إلي علي ع بالتنحي فتنحيت غير بعيد فجعل عثمان يعاتبه و علي مطرق فأقبل عليه عثمان و قال ما لك لا تقول قال إن قلت لم أقل إلا ما تكره و ليس لك عندي إلا ما تحب.قال أبو العباس تأويل ذلك إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي فلذعك عتابي و عقدي ألا أفعل و إن كنت عاتبا إلا ما تحب.و عندي فيه تأويل آخر و هو أني إن قلت و اعتذرت فأي شي‏ء حسنته من الأعذار لم يكن ذلك عندك مصدقا و لم يكن إلا مكروها غير مقبول و الله تعالى يعلم أنه ليس لك عندي في باطني و ما أطوي عليه جوانحي إلا ما تحب و إن كنت لا تقبل المعاذير التي أذكرها بل تكرهها و تنبو نفسك عنها.


و روى الواقدي في كتاب الشورى عن ابن عباسرحمه‌الله قال شهدت عتاب عثمان لعلي ع يوما فقال له في بعض ما قاله نشدتك الله أن تفتح للفرقة بابا فلعهدي بك و أنت تطيع عتيقا و ابن الخطاب طاعتك لرسول الله ص و لست بدون واحد منهما و أنا أمس بك رحما و أقرب إليك صهرا فإن كنت تزعم أن هذا الأمر جعله رسول الله ص لك فقد رأيناك حين توفي نازعت ثم أقررت فإن كانا لم يركبا من الأمر جددا فكيف أذعنت لهما بالبيعة و بخعت بالطاعة و إن كانا أحسنا فيما وليا و لم أقصر عنهما في ديني و حسبي و قرابتي فكن لي كما كنت لهما.

فقال علي ع أما الفرقة فمعاذ الله أن أفتح لها بابا و أسهل إليها سبيلا و لكني أنهاك عما ينهاك الله و رسوله عنه و أهديك إلى رشدك و أما عتيق و ابن الخطاب فإن كانا أخذا ما جعله رسول الله ص لي فأنت أعلم بذلك و المسلمون و ما لي و لهذا الأمر و قد تركته منذ حين فإما ألا يكون حقي بل المسلمون فيه شرع فقد أصاب السهم الثغرة و إما أن يكون حقي دونهم فقد تركته لهم طبت به نفسا و نفضت يدي عنه استصلاحا و أما التسوية بينك و بينهما فلست كأحدهما إنهما وليا هذا الأمر فظلفا أنفسهما و أهلهما عنه و عمت فيه و قومك عوم السابح في اللجة فارجع إلى الله أبا عمرو و انظر هل بقي من عمرك إلا كظم‏ء الحمار فحتى متى و إلى متى أ لا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين و أبشارهم و أموالهم و الله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه و بينك.قال ابن عباس فقال عثمان لك العتبى و افعل و اعزل من عمالي كل من تكرهه


و يكرهه المسلمون ثم افترقا فصده مروان بن الحكم عن ذلك و قال يجترئ عليك الناس فلا تعزل أحدا منهم.و روى الزبير بن بكار أيضا في كتابه عن رجال أسند بعضهم عن بعض عن علي بن أبي طالب ع قال أرسل إلي عثمان في الهاجرة فتقنعت بثوبي و أتيته فدخلت عليه و هو على سريره و في يده قضيب و بين يديه مال دثر صبرتان من ورق و ذهب فقال دونك خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني فقلت وصلتك رحم إن كان هذا المال ورثته أو أعطاكه معط أو اكتسبته من تجارة كنت أحد رجلين إما آخذ و أشكر أو أوفر و أجهد و إن كان من مال الله و فيه حق المسلمين و اليتيم و ابن السبيل فو الله ما لك أن تعطينيه و لا لي أن آخذه فقال أبيت و الله إلا ما أبيت ثم قام إلي بالقضيب فضربني و الله ما أرد يده حتى قضى حاجته فتقنعت بثوبي و رجعت إلى منزلي و قلت الله بيني و بينك إن كنت أمرتك بمعروف أو نهيت عن منكر و روى الزبير بن بكار عن الزهري قال لما أتي عمر بجوهر كسرى وضع في المسجد فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر فقال لخازن بيت المال ويحك أرحني من هذا و اقسمه بين المسلمين فإن نفسي تحدثني أنه سيكون في هذا بلاء و فتنة بين الناس فقال يا أمير المؤمنين إن قسمته بين المسلمين لم يسعهم و ليس أحد يشتريه لأن ثمنه عظيم و لكن ندعه إلى قابل فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه قال ارفعه فأدخله بيت المال.و قتل عمر و هو بحاله فأخذه عثمان لما ولي الخلافة فحلى به بناته.


قال الزبير فقال الزهري كل قد أحسن عمر حين حرم نفسه و أقاربه و عثمان حين وصل أقاربه.

قال الزبير و حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد قال جاء رجل إلى علي ع يستشفع به إلى عثمان فقال حمال الخطايا لا و الله لا أعود إليه أبدا فآيسه منه و روى الزبير أيضا عن شداد بن عثمان قال سمعت عوف بن مالك في أيام عمر يقول : يا طاعون خذني فقلنا له لم تقول هذا و

قد سمعت رسول الله ص يقول إن المؤمن لا يزيده طول العمر إلا خيرا قال إني أخاف ستا خلافة بني أمية و إمارة السفهاء من أحداثهم و الرشوة في الحكم و سفك الدم الحرام و كثرة الشرط و نشأ ينشأ يتخذون القرآن مزامير.و روى الزبير عن أبي غسان عن عمر بن زياد عن الأسود بن قيس عن عبيد بن حارثة قال سمعت عثمان و هو يخطب فأكب الناس حوله فقال اجلسوا يا أعداء الله فصاح به طلحة إنهم ليسوا بأعداء الله لكنهم عباده و قد قرءوا كتابه.و روى الزبير عن سفيان بن عيينة عن إسرائيل عن الحسن قال شهدت المسجد يوم جمعة فخرج عثمان فقام رجل فقال أنشد كتاب الله فقال عثمان اجلس أ ما لكتاب الله ناشد غيرك فجلس ثم قام آخر فقال مثل مقالته فقال اجلس فأبى


أن يجلس فبعث إلى الشرط ليجلسوه فقام الناس فحالوا بينهم و بينه قال ثم تراموا بالبطحاء حتى يقول القائل ما أكاد أرى أديم السماء من البطحاء فنزل عثمان فدخل داره و لم يصل الجمعة

فصل فيما شجر بين عثمان و ابن عباس من الكلام بحضرة علي

و روى الزبير أيضا في الموفقيات عن ابن عباسرحمه‌الله قال صليت العصر يوما ثم خرجت فإذا أنا بعثمان بن عفان في أيام خلافته في بعض أزقة المدينة وحده فأتيته إجلالا و توقيرا لمكانه فقال لي هل رأيت عليا قلت خلفته في المسجد فإن لم يكن الآن فيه فهو في منزله قال أما منزله فليس فيه فابغه لنا في المسجد فتوجهنا إلى المسجد و إذا علي ع يخرج منه قال ابن عباس و قد كنت أمس ذلك اليوم عند علي فذكر عثمان و تجرمه عليه و قال أما و الله يا ابن عباس إن من دوائه لقطع كلامه و ترك لقائه فقلت له يرحمك الله كيف لك بهذا فإن تركته ثم أرسل إليك فما أنت صانع قال أعتل و أعتل فمن يقسرني قال لا أحد.قال ابن عباس فلما تراءينا له و هو خارج من المسجد ظهر منه من التفلت و الطلب للانصراف ما استبان لعثمان فنظر إلي عثمان و قال يا ابن عباس أ ما ترى ابن خالنا يكره لقاءنا فقلت و لم و حقك ألزم و هو بالفضل أعلم فلما تقاربا رماه عثمان بالسلام فرد عليه فقال عثمان إن تدخل فإياك أردنا و إن تمض فإياك طلبنا فقال علي أي ذلك أحببت قال تدخل فدخلا و أخذ عثمان بيده فأهوى به إلى القبلة فقصر عنها و جلس قبالتها فجلس عثمان إلى جانبه فنكصت عنهما فدعواني جميعا فأتيتهما فحمد عثمان الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال أما بعد يا بني خالي و ابني


عمي فإذ جمعتكما في النداء فسأجمعكما في الشكاية عن رضاي على أحدكما و وجدي على الآخر إني أستعذركما من أنفسكما و أسألكما فيئتكما و أستوهبكما رجعتكما فو الله لو غالبني الناس ما انتصرت إلا بكما و لو تهضموني ما تعززت إلا بعزكما و لقد طال هذا الأمر بيننا حتى تخوفت أن يجوز قدره و يعظم الخطر فيه و لقد هاجني العدو عليكما و أغراني بكما فمنعني الله و الرحم مما أراد و قد خلونا في مسجد رسول الله ص و إلى جانب قبره و قد أحببت أن تظهرا لي رأيكما في و ما تنطويان لي عليه و تصدقا فإن الصدق أنجى و أسلم و أستغفر الله لي و لكما.قال ابن عباس فأطرق علي ع و أطرقت معه طويلا أما أنا فأجللته أن أتكلم قبله و أما هو فأراد أن أجيب عني و عنه ثم قلت له أ تتكلم أم أتكلم عنك قال بل تكلم عني و عنك فحمدت الله و أثنيت عليه و صليت على رسوله ثم قلت أما بعد يا ابن عمنا و عمتنا فقد سمعنا كلامك لنا و خلطك في الشكاية بيننا على رضاك زعمت عن أحدنا و وجدك على الآخر و سنفعل في ذلك فنذمك و نحمدك اقتداء منك بفعلك فينا فإنا نذم مثل تهمتك إيانا على ما اتهمتنا عليه بلا ثقة إلا ظنا و نحمد منك غير ذلك من مخالفتك عشيرتك ثم نستعذرك من نفسك استعذارك إيانا من أنفسنا و نستوهبك فيئتك استيهابك إيانا فيئتنا و نسألك رجعتك مسألتك إيانا رجعتنا فإنا معا أيما حمدت و ذممت منا كمثلك في أمر نفسك ليس بيننا فرق و لا اختلاف بل كلانا شريك صاحبه في رأيه و قوله فو الله ما تعلمنا غير معذرين فيما بيننا و بينك و لا تعرفنا غير قانتين عليك و لا تجدنا غير راجعين إليك فنحن نسألك من نفسك مثل ما سألتنا من أنفسنا و أما قولك لو غالبتني الناس ما انتصرت إلا بكما أو تهضموني ما تعززت إلا بعزكما فأين بنا و بك عن ذلك و نحن و أنت كما قال أخو كنانة


بدا بحتر ما رام نال و إن يرم

يخض دونه غمرا من الغر رائمه

لنا و لهم منا و منهم على العدا

مراتب عز مصعدات سلالمه

و أما قولك في هيج العدو إياك علينا و إغرائه لك بنا فو الله ما أتاك العدو من ذلك شيئا إلا و قد أتانا بأعظم منه فمنعنا مما أراد ما منعك من مراقبة الله و الرحم و ما أبقيت أنت و نحن إلا على أدياننا و أعراضنا و مروءاتنا و لقد لعمري طال بنا و بك هذا الأمر حتى تخوفنا منه على أنفسنا و راقبنا منه ما راقبت.و أما مساءلتك إيانا عن رأينا فيك و ما ننطوي عليه لك فإنا نخبرك أن ذلك إلى ما تحب لا يعلم واحد منا من صاحبه إلا ذلك و لا يقبل منه غيره و كلانا ضامن على صاحبه ذلك و كفيل به و قد برأت أحدنا و زكيته و أنطقت الآخر و أسكته و ليس السقيم منا مما كرهت بأنطق من البري‏ء فيما ذكرت و لا البري‏ء منا مما سخطت بأظهر من السقيم فيما وصفت فإما جمعتنا في الرضا و إما جمعتنا في السخط لنجازيك بمثل ما تفعل بنا في ذلك مكايلة الصاع بالصاع فقد أعلمناك رأينا و أظهرنا لك ذات أنفسنا و صدقناك و الصدق كما ذكرت أنجى و أسلم فأجب إلى ما دعوت إليه و أجلل عن النقض و الغدر مسجد رسول الله ص و موضع قبره و اصدق تنج و تسلم و نستغفر الله لنا و لك

قال ابن عباس فنظر إلي علي ع نظر هيبة و قال دعه حتى يبلغ رضاه فيما هو فيه فو الله لو ظهرت له قلوبنا و بدت له سرائرنا حتى رآها بعينه كما يسمع الخبر عنها بأذنه ما زال متجرما منتقما و الله ما أنا ملقى على وضمة و إني لمانع ما وراء ظهري و إن هذا الكلام لمخالفة منه و سوء عشرة فقال عثمان مهلا أبا حسن فو الله إنك لتعلم أن رسول الله ص وصفني


بغير ذلك يوم يقول و أنت عنده إن من أصحابي لقوما سالمين لهم و إن عثمان لمنهم إنه لأحسنهم بهم ظنا و أنصحهم لهم حبا فقال علي ع فتصدق قوله ص بفعلك و خالف ما أنت الآن عليه فقد قيل لك ما سمعت و هو كاف إن قبلت قال عثمان فتثق يا أبا الحسن قال نعم أثق و لا أظنك إلا فاعلا قال عثمان قد وثقت و أنت ممن لا يخفر صاحبه و لا يكذب لقيله.قال ابن عباس فأخذت بأيديهما حتى تصافحا و تصالحا و تمازحا و نهضت عنهما فتشاورا و تآمرا و تذاكرا ثم افترقا فو الله ما مرت ثالثة حتى لقيني كل واحد منهما يذكر من صاحبه ما لا تبرك عليه الإبل فعلمت أن لا سبيل إلى صلحهما بعدها.و روى أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب أخبار السقيفة عن محمد بن قيس الأسدي عن المعروف بن سويد قال كنت بالمدينة أيام بويع عثمان فرأيت رجلا في المسجد جالسا و هو يصفق بإحدى يديه على الأخرى و الناس حوله و يقول وا عجبا من قريش و استئثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معدن الفضل و نجوم الأرض و نور البلاد و الله إن فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول الله ص أولى منه بالحق و لا أقضي بالعدل و لا آمر بالمعروف و لا أنهى عن المنكر فسألت عنه فقيل هذا المقداد فتقدمت إليه و قلت أصلحك الله من الرجل الذي تذكر فقال ابن عم نبيك رسول الله ص علي بن أبي طالب.قال فلبثت ما شاء الله ثم إني لقيت أبا ذررحمه‌الله فحدثته ما قال المقداد فقال صدق قلت فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم قال أبى ذلك قومهم قلت فما يمنعكم أن تعينوهم قال مه لا تقل هذا إياكم و الفرقة و الاختلاف.


قال فسكت عنه ثم كان من الأمر بعد ما كان.و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ في الكتاب الذي أوردفيه المعاذير عن أحداث عثمان أن عليا اشتكى فعاده عثمان من شكايته فقال علي ع:

و عائدة تعود لغير ود

تود لو أن ذا دنف يموت

فقال عثمان و الله ما أدري أ حياتك أحب إلي أم موتك إن مت هاضني فقدك و إن حييت فتنتني حياتك لا أعدم ما بقيت طاعنا يتخذك رديئة يلجأ إليها.فقال علي ع ما الذي جعلني رديئة للطاعنين العائبين إنما سوء ظنك بي أحلني من قبلك هذا المحل فإن كنت تخاف جانبي فلك علي عهد الله و ميثاقه أن لا بأس عليك مني ما بل بحر صوفة و إني لك لراع و إني عنك لمحام و لكن لا ينفعني ذلك عندك و أما قولك إن فقدي يهيضك فكلا أن تهاض لفقدي ما بقي لك الوليد و مروان.فقام عثمان فخرج.و قد روي أن عثمان هو الذي أنشد هذا البيت و قد كان اشتكى فعاده علي ع فقال عثمان:

و عائدة تعود بغير نصح

تود لو أن ذا دنف يموت

و روى أبو سعد الآبي في كتابه عن ابن عباس قال وقع بين عثمان و علي


ع كلام فقال عثمان ما أصنع إن كانت قريش لا تحبكم و قد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأن وجوههم شنوف الذهب تصرع أنفهم قبل شفاههم.و روى المذكور أيضا أن عثمان لما نقم الناس عليه ما نقموا قام متوكئا على مروان فخطب الناس فقال إن لكل أمة آفة و لكل نعمة عاهة و إن آفة هذه الأمة و عاهة هذه النعمة قوم عيابون طعانون يظهرون لكم ما تحبون و يسرون ما تكرهون طغام مثل النعام يتبعون أول ناعق و لقد نقموا علي ما نقموا على عمر مثله فقمعهم و وقمهم و إني لأقرب ناصرا و أعز نفرا فما لي لا أفعل في فضول الأموال ما أشاء.و روى المذكور أيضا أن عليا ع اشتكى فعاده عثمان فقال ما أراك أصبحت إلا ثقيلا قال أجل قال و الله ما أدري أ موتك أحب إلي أم حياتك إني لأحب موتك و أكره أن أعيش بعدك فلو شئت جعلت لنا من نفسك مخرجا إما صديقا مسالما و إما عدوا مغالبا و إنك لكما قال أخو إياد

جرت لما بيننا حبل الشموس فلا

يأسا مبينا نرى منها و لا طمعا

فقال علي ع ليس لك عندي ما تخافه و إن أجبتك لم أجبك إلا بما تكرهه.و كتب عثمان إلى علي ع حين أحيط به أما بعد فقد جاوز الماء الزبى و بلغ الحزام الطبيين و تجاوز الأمر في قدره فطمع في من لا يدفع عن نفسه


فإن كنت مأكولا فكن خير آكل

و إلا فأدركني و لما أمزق

و روى الزبير خبر العيادة على وجه آخر قال مرض علي ع فعاده عثمان و معه مروان بن الحكم فجعل عثمان يسأل عليا عن حاله و علي ساكت لا يجيبه فقال عثمان لقد أصبحت يا أبا الحسن مني بمنزلة الولد العاق لأبيه إن عاش عقه و إن مات فجعه فلو جعلت لنا من أمرك فرجا إما عدوا أو صديقا و لم تجعلنا بين السماء و الماء أما و الله لأنا خير لك من فلان و فلان و إن قتلت لا تجد مثلي فقال مروان أما و الله لا يرام ما وراءنا حتى تتواصل سيوفنا و تقطع أرحامنا.فالتفت إليه عثمان و قال اسكت لا سكت و ما يدخلك فيما بيننا.و روى شيخنا أبو عثمان الجاحظ عن زيد بن أرقم قال سمعت عثمان و هو يقول لعلي ع أنكرت علي استعمال معاوية و أنت تعلم أن عمر استعمله قال علي ع نشدتك الله أ لا تعلم أن معاوية كان أطوع لعمر من يرفأ غلامه إن عمر كان إذا استعمل عاملا وطئ على صماخه و إن القوم ركبوك و غلبوك و استبدوا بالأمر دونك فسكت عثمان

أسباب المنافسة بين علي و عثمان

قلت حدثني جعفر بن مكي الحاجبرحمه‌الله قال سألت محمد بن سليمان حاجب الحجاب و قد رأيت أنا محمدا هذا و كانت لي به معرفة غير مستحكمة و كان ظريفا


أديبا و قد اشتغل بالرياضيات من الفلسفة و لم يكن يتعصب لمذهب بعينه قال جعفر سألت عما عنده في أمر علي و عثمان فقال هذه عداوة قديمة النسب بين عبد شمس و بين بني هاشم و قد كان حرب بن أمية نافر عبد المطلب بن هاشم و كان أبو سفيان يحسد محمدا ص و حاربه و لم تزل الثنتان متباغضتين و إن جمعتهما المنافية ثم إن رسول الله ص زوج عليا بابنته و زوج عثمان بابنته الأخرى و كان اختصاص رسول الله ص لفاطمة أكثر من اختصاصه للبنت الأخرى و للثانية التي تزوجها عثمان بعد وفاة الأولى و اختصاصه أيضا لعلي و زيادة قربه منه و امتزاجه به و استخلاصه إياه لنفسه أكثر و أعظم من اختصاصه لعثمان فنفس عثمان ذلك عليه فتباعد ما بين قلبيهما و زاد في التباعد ما عساه يكون بين الأختين من مباغضة أو مشاجرة أو كلام ينقل من إحداهما إلى الأخرى فيتكدر قلبها على أختها و يكون ذلك التكدير سببا لتكدير ما بين البعلين أيضا كما نشاهده في عصرنا و في غيره من الأعصار و قد قيل ما قطع من الأخوين كالزوجتين ثم اتفق أن عليا ع قتل جماعة كثيرة من بني عبد شمس في حروب رسول الله ص فتأكد الشنئان و إذا استوحش الإنسان من صاحبه استوحش صاحبه منه ثم مات رسول الله ص فصبا إلى علي جماعة يسيرة لم يكن عثمان منهم و لا حضر في دار فاطمة مع من حضر من المخلفين عن البيعة و كانت في نفس علي ع أمور من الخلافة لم يمكنه إظهارها في أيام أبي بكر و عمر لقوة عمر و شدته و انبساط يده و لسانه فلما قتل عمر و جعل الأمر شورى بين الستة و عدل عبد الرحمن بها عن علي إلى عثمان لم يملك علي نفسه فأظهر ما كان كامنا و أبدى ما كان مستورا و لم يزل الأمر يتزايد بينهما حتى شرف و تفاقم و مع ذلك فلم يكن علي ع لينكر من أمره إلا منكرا و لا ينهاه إلا كما تقتضي الشريعة نهيه عنه و كان عثمان مستضعفا في نفسه رخوا قليل الحزم واهي العقدة و سلم عنانه إلى


مروان يصرفه كيف شاء الخلافة له في المعنى و لعثمان في الاسم فلما انتقض على عثمان أمره استصرخ عليا و لاذ به و ألقى زمام أمره إليه فدافع عنه حيث لا ينفع الدفاع و ذب عنه حين لا يغني الذب فقد كان الأمر فسد فسادا لا يرجى صلاحه.قال جعفر فقلت له أ تقول إن عليا وجد من خلافة عثمان أعظم مما وجده من خلافة أبي بكر و عمر فقال كيف يكون ذلك و هو فرع لهما و لولاهما لم يصل إلى الخلافة و لا كان عثمان ممن يطمع فيها من قبل و لا يخطر له ببال و لكن هاهنا أمر يقتضي في عثمان زيادة المنافسة و هو اجتماعهما في النسب و كونهما من بني عبد مناف و الإنسان ينافس ابن عمه الأدنى أكثر من منافسة الأبعد و يهون عليه من الأبعد ما لا يهون عليه من الأقرب.قال جعفر فقلت له أ فتقول لو أن عثمان خلع و لم يقتل أ كان الأمر يستقيم لعلي ع إذا بويع بعد خلعه فقال لا و كيف يتوهم ذلك بل يكون انتقاض الأمور عليه و عثمان حي مخلوع أكثر من انتقاضها عليه بعد قتله لأنه موجود يرجى و يتوقع عوده فإن كان محبوسا عظم البلاء و الخطب و هتف الناس باسمه في كل يوم بل في كل ساعة و إن كان مخلى سربه و ممكنا من نفسه و غير محول بينه و بين اختياره لجأ إلى بعض الأطراف و ذكر أنه مظلوم غصبت خلافته و قهر على خلع نفسه فكان اجتماع الناس عليه أعظم و الفتنة به أشد و أغلظ.قال جعفر فقلت له فما تقول في هذا الاختلاف الواقع في أمر الإمامة من مبدأ الحال و ما الذي تظنه أصله و منبعه فقال لا أعلم لهذا أصلا إلا أمرين أحدهما أن رسول الله ص أهمل أمر الإمامة فلم يصرح فيه بأحد بعينه و إنما كان هناك رمز و إيماء و كناية و تعريض لو أراد صاحبه أن يحتج به وقت الاختلاف و حال المنازعة


لم يقم منه صورة حجة تغني و لا دلالة تحسب و تكفي و لذلك لم يحتج علي ع يوم السقيفة بما ورد فيه لأنه لم يكن نصا جليا يقطع العذر و يوجب الحجة و عادة الملوك إذا تمهد ملكهم و أرادوا العقد لولد من أولادهم أو ثقة من ثقاتهم أن يصرحوا بذكره و يخطبوا باسمه على أعناق المنابر و بين فواصل الخطب و يكتبوا بذلك إلى الآفاق البعيدة عنهم و الأقطار النائية منهم و من كان منهم ذا سرير و حصن و مدن كثيرة ضرب اسمه على صفحات الدنانير و الدراهم مع اسم ذلك الملك بحيث تزول الشبهة في أمره و يسقط الارتياب بحاله فليس أمر الخلافة بهين و لا صغير ليترك حتى يصير في مظنة الاشتباه و اللبس و لعله كان لرسول الله ص في ذلك عذر لا نعلمه نحن إما خشية من فساد الأمر أو إرجاف المنافقين و قولهم إنها ليس بنبوة و إنما هي ملك به أوصى لذريته و سلالته و لما لم يكن أحد من تلك الذرية في تلك الحال صالحا للقيام بالأمر لصغر السن جعله لأبيهم ليكون في الحقيقة لزوجته التي هي ابنته و لأولاده منها من بعده.و أما ما تقوله المعتزلة و غيرهم من أهل العدل أن الله تعالى علم أن المكلفين يكونون على ترك الأمر مهملا غير معين أقرب إلى فعل الواجب و تجنب القبيح قال و لعل رسول الله ص لم يكن يعلم في مرضه أنه يموت في ذلك المرض و كان يرجو البقاء فيمهد للإمامة قاعدة واضحة و مما يدل على ذلك أنه لما نوزع في إحضار الدواة و الكتف ليكتب لهم ما لا يضلون بعده غضب و قال اخرجوا عني لم يجمعهم بعد الغضب ثانية و يعرفهم رشدهم و يهديهم إلى مصالحهم بل ارجأ الأمر إرجاء من يرتقب الإفاقة و ينتظر العافية.قال فبتلك الأقوال المحجمة و الكنايات المحتملة و الرموز المشتبهة مثل حديث


خصف النعل و منزلة هارون من موسى و من كنت مولاه و هذا يعسوب الدين و لا فتى إلا علي و أحب خلقك إليك...و ما جرى هذا المجرى مما لا يفصل الأمر و يقطع العذر و يسكت الخصم و يفحم المنازع وثبت الأنصار فادعتها و وثب بنو هاشم فادعوها و قال أبو بكر بايعوا عمر أو أبا عبيدة و قال العباس لعلي امدد يدك لأبايعك و قال قوم ممن رعف به الدهر فيما بعد و لم يكن موجودا حينئذ إن الأمر كان للعباس لأنه العم الوارث و إن أبا بكر و عمر غصباه حقه فهذا أحدهما.و أما السبب الثاني للاختلاف فهو جعل عمر الأمر شورى في الستة و لم ينص على واحد بعينه إما منهم أو من غيرهم فبقي في نفس كل واحد منهم أنه قد رشح للخلافة و أهل للملك و السلطنة فلم يزل ذلك في نفوسهم و أذهانهم مصورا بين أعينهم مرتسما في خيالاتهم منازعة إليه نفوسهم طامحة نحوه عيونهم حتى كان من الشقاق بين علي و عثمان ما كان و حتى أفضى الأمر إلى قتل عثمان و كان أعظم الأسباب في قتله طلحة و كان لا يشك أن الأمر له من بعده لوجوه منها سابقته و منها أنه ابن عم لأبي بكر و كان لأبي بكر في نفوس أهل ذلك العصر منزلة عظيمة أعظم منها الآن و منها أنه كان سمحا جوادا و قد كان نازع عمر في حياة أبي بكر و أحب أن يفوض أبو بكر الأمر إليه من بعده فما زال يفتل في الذروة و الغارب في أمر عثمان و ينكر له القلوب و يكدر عليه النفوس و يغري أهل المدينة و الأعراب و أهل الأمصار به و ساعده الزبير و كان أيضا يرجو الأمر لنفسه و لم يكن رجاؤهما الأمر بدون رجاء علي بل رجاؤهما كان أقوى لأن عليا دحضه الأولان و أسقطاه و كسرا ناموسه بين الناس فصار نسيا منسيا و مات الأكثر ممن يعرف خصائصه التي كانت في أيام النبوة و فضله و نشأ قوم لا يعرفونه و لا يرونه إلا رجلا من عرض المسلمين و لم يبق له مما يمت به إلا أنه ابن عم الرسول و زوج ابنته و أبو سبطيه و نسي ما وراء ذلك كله و اتفق له من بغض


قريش و انحرافها ما لم يتفق لأحد و كانت قريش بمقدار ذلك البغض تحب طلحة و الزبير لأن الأسباب الموجبة لبغضهم لم تكن موجودة فيهما و كانا يتألفان قريشا في أواخر أيام عثمان و يعدانهم بالعطاء و الإفضال و هما عند أنفسهما و عند الناس خليفتان بالقوة لا بالفعل لأن عمر نص عليهما و ارتضاهما للخلافة و عمر متبع القول و مرضى الفعال موفق مؤيد مطاع نافذ الحكم في حياته و بعد وفاته فلما قتل عثمان أرادها طلحة و حرص عليها فلو لا الأشتر و قوم معه من شجعان العرب جعلوها في علي لم تصل إليه أبدا فلما فاتت طلحة و الزبير فتقا ذلك الفتق العظيم على علي و أخرجا أم المؤمنين معهما و قصدا العراق و أثارا الفتنة و كان من حرب الجمل ما قد علم و عرف ثم كانت حرب الجمل مقدمة و تمهيدا لحرب صفين فإن معاوية لم يكن ليفعل ما فعل لو لا طمعه بما جرى في البصرة ثم أوهم أهل الشام أن عليا قد فسق بمحاربة أم المؤمنين و محاربة المسلمين و أنه قتل طلحة و الزبير و هما من أهل الجنة و من يقتل مؤمنا من أهل الجنة فهو من أهل النار فهل كان الفساد المتولد في صفين إلا فرعا للفساد الكائن يوم الجمل ثم نشأ من فساد صفين و ضلال معاوية كل ما جرى من الفساد و القبيح في أيام بني أمية و نشأت فتنة ابن الزبير فرعا من فروع يوم الدار لأن عبد الله كان يقول إن عثمان لما أيقن بالقتل نص علي بالخلافة و لي بذلك شهود و منهم مروان بن الحكم أ فلا ترى كيف تسلسلت هذه الأمور فرعا على أصل و غصنا من شجرة و جذوة من ضرام هكذا يدور بعضه على بعض و كله من الشورى في الستة.قال و أعجب من ذلك قول عمر و قد قيل له إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان و سعيد بن العاص و معاوية و فلانا و فلانا من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء و أبناء الطلقاء و تركت أن تستعمل عليا و العباس و الزبير و طلحة فقال أما علي فأنبه من ذلك و أما هؤلاء النفر


من قريش فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك و يدعيه كل واحد منهم لنفسه كيف لم يخف من جعلهم ستة متساوين في الشورى مرشحين للخلافة و هل شي‏ء أقرب إلى الفساد من هذا و قد روي أن الرشيد رأى يوما محمدا و عبد الله ابنيه يلعبان و يضحكان فسر بذلك فلما غابا عن عينه بكى فقال له الفضل بن الربيع ما يبكيك يا أمير المؤمنين و هذا مقام جذل لا مقام حزن فقال أ ما رأيت لعبهما و مودة بينهما أما و الله ليتبدلن ذلك بغضا و شنفا و ليحتلسن كل واحد منهما نفس صاحبه عن قريب فإن الملك عقيم و كان الرشيد قد عقد الأمر لهما على ترتيب هذا بعد هذا فكيف من لم يرتبوا في الخلافة بل جعلوا فيها كأسنان المشط.فقلت أنا لجعفر هذا كله تحكيه عن محمد بن سليمان فما تقول أنت فقال:

إذا قالت حذام فصدقوها

فإن القول ما قالت حذام


136 و من كلام له ع

لَمْ تَكُنْ بَيْعَتِكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً وَ لَيْسَ أَمْرِي وَ أَمْرُكُمْ وَاحِداً إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَ أَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ اَلْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَ لَأَقُودَنَّ اَلظَّالِمَ بِخَزَامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ اَلْحَقِّ وَ إِنْ كَانَ كَارِهاً الفلتة الأمر يقع عن غير تدبر و لا روية و في الكلام تعريض ببيعة أبي بكر و قد تقدم لنا في معنى قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها كلام.و الخزامة حلقة من شعر تجعل في أنف البعير و يجعل الزمام فيها.و أعينوني على أنفسكم خذوها بالعدل و أقنعوها عن اتباع الهوى و اردعوها بعقولكم عن المسالك التي ترديها و توبقها فإنكم إذا فعلتم ذلك أعنتموني عليها لأني أعظكم و آمركم بالمعروف و أنهاكم عن المنكر فإذا كبحتم أنفسكم بلجام العقل الداعي إلى ما أدعو إليه فقد أعنتموني عليها.فإن قلت ما معنى قوله أريدكم لله و تريدونني لأنفسكم.


قلت لأنه لا يريد من طاعتهم له إلا نصرة دين الله و القيام بحدوده و حقوقه و لا يريدهم لحظ نفسه و أما هم فإنهم يريدونه لحظوظ أنفسهم من العطاء و التقريب و الأسباب الموصلة إلى منافع الدنيا.و هذا الخطاب منه ع لجمهور أصحابه فأما الخواص منهم فإنهم كانوا يريدونه للأمر الذي يريدهم له من إقامة شرائع الدين و إحياء معالمه


137 و من كلام له ع في شأن طلحة و الزبير

وَ اَللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً وَ لاَ جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نِصْفاً وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ وَ إِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا اَلطَّلِبَةُ إِلاَّ قِبَلَهُمْ وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَ لاَ لُبِسَ عَلَيَّ وَ إِنَّهَا لَلْفِئَةُ اَلْبَاغِيَةُ فِيهَا اَلْحَمَأُ وَ اَلْحُمَّةُ وَ اَلشُّبْهَةُ اَلْمُغْدَفَةُ اَلْمُغْدِفَةُ وَ إِنَّ اَلْأَمْرَ لَوَاضِحٌ وَ قَدْ زَاحَ اَلْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ وَ اِنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ لاَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ وَ لاَ يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حِسْيٍ النصف الإنصاف قال الفرزدق:

و لكن نصفا لو سببت و سبني

بنو عبد شمس من قريش و هاشم

و هو على حذف المضاف أي ذا نصف أي حكما منصفا عادلا يحكم بيني و بينهم و الطلبة بكسر اللام ما طلبته من شي‏ء و لبست على فلان الأمر و لبس عليه الأمر كلاهما بالتخفيف.


و الحمأ الطين الأسود قال سبحانه( مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) و حمة العقرب سمتها أي في هذه الفئة الباغية الضلال و الفساد و الضرر و إذا أرادت العرب أن تعبر عن الضلال و الفساد قالت الحم‏ء مثله الحمأة بالتاء و من أمثالهم ثأطة مدت بماء يضرب للرجل يشتد موقه و جهله و الثأطة الحمأة و إذا أصابها الماء ازدادت فسادا و رطوبة.و يروى فيها الحما بألف مقصورة و هو كناية عن الزبير لأن كل ما كان بسبب الرجل فهم الأحماء واحدهم حما مثل قفا و أقفاء و ما كان بسبب المرأة فهم الأخاتن فأما الأصهار فيجمع الجهتين جمعا و كان الزبير ابن عمة رسول الله ص و قد كان النبي ص أعلم عليا بأن فئة من المسلمين تبغي عليه أيام خلافته فيها بعض زوجاته و بعض أحمائه فكنى علي ع عن الزوجة بالحمة و هي سم العقرب و يروى و الحم‏ء يضرب مثلا لغير الطيب و لغير الصافي و ظهر أن الحم‏ء الذي أخبر النبي ص بخروجه مع هؤلاء البغاة هو الزبير ابن عمته و في الحمأ أربع لغات حما مثل قفا و حم‏ء مثل كم‏ء و حمو مثل أبو و حم مثل أب.قوله ع و الشبهة المغدفة أي الخفية و أصله المرأة تغدف وجهها بقناعها أي تستره و روي المغدفة بكسر الدال من أغدف الليل أي أظلم.و زاح الباطل أي بعد و ذهب و أزاحه غيره.و عن نصابه عن مركزه و مقره و منه قول بعض المحدثين:

قد رجع الحق إلى نصابه

و أنت من دون الورى أولى به

و الشغب بالتسكين تهييج الشر شغب الحقد بالفتح شغبا و قد جاء بالتحريك في لغة ضعيفة و ماضيها شغب بالكسر.


و لأفرطن لهم حوضا أي لأملأن يقال أفرطت المزادة أي ملأتها و غدير مفرط أي ملآن.و الماتح بنقطتين من فوق المستقي من فوق و بالياء مالئ الدلاء من تحت و العب الشرب بلا مص كما تشرب الدابة و في الحديث الكباد من العب و الحسي ماء كامن في رمل يحفر عنه فيستخرج و جمعه أحساء.يقول ع و الله ما أنكروا علي أمرا هو منكر في الحقيقة و إنما أنكروا ما الحجة عليهم فيه لا لهم و حملهم على ذلك الحسد و حب الاستئثار بالدنيا و التفضيل في العطاء و غير ذلك مما لم يكن أمير المؤمنين ع يراه و لا يستجيزه في الدين قال و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا يعني وسيطا يحكم و ينصف بل خرجوا عن الطاعة بغتة و إنهم ليطلبون حقا تركوه أي يظهرون أنهم يطلبون حقا بخروجهم إلى البصرة و قد تركوا الحق بالمدينة.قال و دما هم سفكوه يعني دم عثمان و كان طلحة من أشد الناس تحريضا عليه و كان الزبير دونه في ذلك.روي أن عثمان قال ويلي على ابن الحضرمية يعنى طلحة أعطيته كذا و كذا بهارا ذهبا و هو يروم دمي يحرض على نفسي اللهم لا تمتعه به و لقه عواقب بغيه.و روى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار أن طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام و رووا أيضا أنه لما امتنع على الذين


حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الأنصار فأصعدهم إلى سطحها و تسوروا منها على عثمان داره فقتلوه.و رووا أيضا أن الزبير كان يقول اقتلوه فقد بدل دينكم فقالوا إن ابنك يحامي عنه بالباب فقال ما أكره أن يقتل عثمان و لو بدئ بابني إن عثمان لجيفة على الصراط غدا.و قال مروان بن الحكم يوم الجمل و الله لا أترك ثأري و أنا أراه و لأقتلن طلحة بعثمان فإنه قتله ثم رماه بسهم فأصاب مأبضه فنزف الدم حتى مات.ثم قال ع إن كنت شريكهم في دم عثمان فإن لهم نصيبهم منه فلا يجوز لهم أن يطلبوا بدمه و هم شركاء فيه و إن كانوا ولوه دوني فهم المطلوبون إذن به لا غيرهم.و إنما لم يذكر القسم الثالث و هو أن يكون هو ع وليه دونهم لأنه لم يقل به قائل فإن الناس كانوا على قولين في ذلك أحدهما أن عليا و طلحة و الزبير مسهم لطخ من عثمان لا بمعنى أنهم باشروا قتله بل بمعنى الإغراء و التحريض و ثانيهما أن عليا ع بري‏ء من ذلك و أن طلحة و الزبير غير بريئين منه.ثم قال و إن أول عدلهم للحكم على أنفسهم يقول إن هؤلاء خرجوا و نقضوا البيعة و قالوا إنما خرجنا للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إظهار العدل و إحياء الحق و إماتة الباطل و أول العدل أن يحكموا على أنفسهم فإنه يجب على الإنسان أن يقضي على نفسه ثم على غيره و إذا كان دم عثمان قبلهم فالواجب أن ينكروا على أنفسهم قبل إنكارهم على غيرهم.


قال و إن معي لبصيرتي أي عقلي ما لبست على الناس أمرهم و لا لبس الأمر علي أي لم يلبسه رسول الله ص علي بل أوضحه لي و عرفنيه.ثم قال و إنها للفئة الباغية لام التعريف في الفئة تشعر بأن نصا قد كان عنده أنه ستخرج عليه فئة باغية و لم يعين له وقتها و لا كل صفاتها بل بعض علاماتها فلما خرج أصحاب الجمل و رأى تلك العلامات موجودة فيهم قال و إنها للفئة الباغية أي و إن هذه الفئة أي الفئة التي وعدت بخروجها علي و لو لا هذا لقال و إنها لفئة باغية على التنكير.ثم ذكر بعض العلامات فقال إن الأمر لواضح كل هذا يؤكد به عند نفسه و عند غيره أن هذه الجماعة هي تلك الفئة الموعود بخروجها و قد ذهب الباطل و زاح و خرس لسانه بعد شغبه.ثم أقسم ليملأن لهم حوضا هو ماتحه و هذه كناية عن الحرب و الهيجاء و ما يتعقبهما من القتل و الهلاك لا يصدرون عنه بري أي ليس كهذه الحياض الحقيقية التي إذا وردها الظمآن صدر عن ري و نقع غليله بل لا يصدرون عنه إلا و هم جزر السيوف و لا يعبون بعده في حسي لأنهم هلكوا فلا يشربون بعده البارد العذب.و كان عمرو بن الليث الصفار أمير خراسان أنفذ جيشا لمحاربة إسماعيل بن أحمد الساماني فانكسر ذلك الجيش و عادوا إلى عمرو بن الليث فغضب و لقي القواد بكلام غليظ فقال له بعضهم أيها الأمير إنه قد طبخ لك مرجل عظيم و إنما نلنا منه لهمة يسيرة و الباقي مذخور لك فعلام تتركه اذهب إليهم فكله فسكت عمرو بن الليث عنه و لم يجب.


و مرادنا من هذه المشابهة و المناسبة بين الكنايتين : مِنْهُ فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ اَلْعُوذِ اَلْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلاَدِهَا تَقُولُونَ اَلْبَيْعَةَ اَلْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا وَ نَازَعْتُكُمْ نَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا اَللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَ ظَلَمَانِي وَ نَكَثَا بَيْعَتِي وَ أَلَّبَا اَلنَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ لاَ تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا وَ أَرِهِمَا اَلْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلاَ وَ عَمِلاَ وَ لَقَدِ اِسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ اَلْقِتَالِ وَ اِسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ اَلْوِقَاعِ فَغَمَطَا اَلنِّعْمَةَ وَ رَدَّا اَلْعَافِيَةَ العوذ النوق الحديثات النتاج الواحدة عائذ مثل حائل و حول و قد يقال ذلك للخيل و الظباء و يجمع أيضا على عوذان مثل راع و رعيان و هذه عائذة بينة العئوذ و ذلك إذا ولدت عن قريب و هي في عياذها أي بحدثان نتاجها.و المطافيل جمع مطفل و هي التي زال عنها اسم العياذ و معها طفلها و قد تسمى المطافيل عوذا إلى أن يبعد العهد بالنتاج مجازا و على هذا الوجه قال أمير المؤمنين إقبال العوذ المطافيل و إلا فالاسمان معا لا يجتمعان حقيقة و إذا زال الأول ثبت الثاني.قوله و ألبا الناس علي أي حرضا يقال حسود مؤلب.


و استثبتهما بالثاء المعجمة بثلاث طلبت منهما أن يثوبا أي يرجعا و سمي المنزل مثابة لأن أهله ينصرفون في أمورهم ثم يثوبون إليه و يروى و لقد استتبتهما أي طلبت منهما أن يتوبا إلى الله من ذنبهما في نقض البيعة.و استأنيت بهما من الإناءة و الانتظار.و الوقاع بكسر الواو مصدر واقعتهم في الحرب وقاعا مثل نازلتهم نزالا و قاتلتهم قتالا.و غمط فلان النعمة إذا حقرها و أزرى بها غمطا و يجوز غمط النعمة بالكسر و المصدر غير محرك و يقال إن الكسر أفصح من الفتح.يقول ع إنكم أقبلتم مزدحمين كما تقبل النوق إلى أولادها تسألونني البيعة فامتنعت عليكم حتى علمت اجتماعكم فبايعتكم ثم دعا علي على طلحة و الزبير بعد أن وصفهما بالقطيعة و النكث و التأليب عليه بأن يحل الله تعالى ما عقدا و ألا يحكم لهما ما أبرما و أن يريهما المساءة فيما أملا و عملا.فأما الوصف لهما بما وصفهما به فقد صدق ع فيه و أما دعاؤه فاستجيب له و المساءة التي دعا بها هي مساءة الدنيا لا مساءة الآخرة فإن الله تعالى قد وعدهما على لسان رسوله بالجنة و إنما استوجباها بالتوبة التي ينقلها أصحابنا رحمهم الله في كتبهم عنهما و لولاها لكانا من الهالكين


138 و من خطبة له ع يومئ فيها إلى ذكر الملاحم

يَعْطِفُ اَلْهَوَى عَلَى اَلْهُدَى إِذَا عَطَفُوا اَلْهُدَى عَلَى اَلْهَوَى وَ يَعْطِفُ اَلرَّأْيَ عَلَى اَلْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا اَلْقُرْآنَ عَلَى اَلرَّأْيِ هذا إشارة إلى إمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان و هو الموعود به في الأخبار و الآثار و معنى يعطف الهوى يقهره و يثنيه عن جانب الإيثار و الإرادة عاملا عمل الهدى فيجعل الهدى قاهرا له و ظاهرا عليه.و كذلك قوله و يعطف الرأي على القرآن أي يقهر حكم الرأي و القياس و العمل بغلبة الظن عاملا عمل القرآن.و قوله إذا عطفوا الهدى و إذا عطفوا القرآن إشارة إلى الفرق المخالفين لهذا الإمام المشاقين له الذين لا يعملون بالهدى بل بالهوى و لا يحكمون بالقرآن بل بالرأي


مِنْهَا حَتَّى تَقُومَ اَلْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا أَلاَ وَ فِي غَدٍ وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ اَلْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا وَ تَخْرُجُ لَهُ اَلْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ اَلسِّيرَةِ وَ يُحْيِي مَيِّتَ اَلْكِتَابِ وَ اَلسُّنَّةِ الساق الشدة و منه قوله تعالى( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ) .و النواجذ أقصى الأضراس و الكلام كناية عن بلوغ الحرب غايتها كما أن غاية الضحك أن تبدو النواجذ.قوله مملوءة أخلافها و الأخلاف للناقة حلمات الضرع واحدها خلف و كذلك و قوله حلوا رضاعها علقما عاقبتها قد أخذه الشاعر فقال:

الحرب أول ما تكون فتية

تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا اشتعلت و شب ضرامها

عادت عجوزا غير ذات حليل

شمطاء جزت رأسها و تنكرت

مكروهة للشم و التقبيل


و هو الرضاع بالفتح و الماضي رضع بالكسر مثل سمع سماعا و أهل نجد يقولون رضع بالفتح يرضع بالكسر رضعا مثل ضرب يضرب ضربا و أنشدوا

و ذموا لنا الدنيا و هم يرضعونها

أفاويق حتى ما يدر لها ثعل

بكسر الضاد

فصل في الاعتراض و إيراد مثل منه

و قوله ألا و في غد تمامه يأخذ الوالي و بين الكلام جملة اعتراضية و هي قوله و سيأتي غد بما لا تعرفون و المراد تعظيم شأن الغد الموعود بمجيئه و مثل ذلك في القرآن كثير نحو قوله تعالى( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ اَلنُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) فقوله تعالى( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) هو الجواب المتلقى به قوله( فَلا أُقْسِمُ ) و قد اعترض بينهما قوله( وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) و اعترض بين هذا الاعتراض قوله( لَوْ تَعْلَمُونَ ) لأنك لو حذفته لبقي الكلام على إفادته و هو قوله و إنه لقسم عظيم و المراد تعظيم شأن ما أقسم به من مواقع النجوم و تأكيد إجلاله في النفوس و لا سيما بقوله( لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) .و من ذلك قوله تعالى( وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ اَلْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) فقوله( سُبْحانَهُ ) اعتراض و المراد التنزيه و كذلك قوله( تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي اَلْأَرْضِ ) ف لَقَدْ عَلِمْتُمْ اعتراض و المراد به تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة.و كذلك قوله( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ )


مُفْتَرٍ ) فاعترض بين إذا و جوابها بقوله( وَ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا.و من ذلك قوله( وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ ) فاعترض بقوله( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ ) بين( وَصَّيْنَا ) و بين الموصى به و فائدة ذلك إذكار الولد بما كابدته أمه من المشقة في حمله و فصاله.و من ذلك قوله( وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اَللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ) فقوله ( وَ اَللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) اعتراض بين المعطوف و المعطوف عليه و المراد أن يقرر في أنفس السامعين أنه لا ينفع البشر كتمانهم و إخفاؤهم لما يريد الله إظهاره.و من الاعتراض في الشعر قول جرير:

و لقد أراني و الجديد إلى بلى

في موكب بيض الوجوه كرام

فقوله و الجديد إلى بلى اعتراض و المراد تعزيته نفسه عما مضى من تلك اللذات.و كذلك قول كثير:

لو أن الباخلين و أنت منهم

رأوك تعلموا منك المطالا

فقوله و أنت منهم اعتراض و فائدته ألا تظن أنها ليست باخلة.


و من ذلك قول الشاعر:

فلو سألت سراة الحي سلمى

على أن قد تلون بي زماني

لخبرها ذوو أحساب قومي

و أعدائي فكل قد بلاني

بذبي الذم عن حسبي و مالي

و زبونات أشوس تيحان

و إني لا أزال أخا حروب

إذا لم أجن كنت مجن جاني

فقوله

على أن قد تلون بي زماني

اعتراض و فائدته الإخبار عن أن السن قد أخذت منه و تغيرت بطول العمر أوصافه.و من ذلك قول أبي تمام:

رددت رونق وجهي في صحيفته

رد الصقال بهاء الصارم الخذم

و ما أبالي و خير القول أصدقه

حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي

فقوله

و خير القول أصدقه اعتراض و فائدته إثبات صدقه في دعواه أنه لا يبالي أيهما حقن.فأما قول أبي تمام أيضا :

و إن الغنى لي إن لحظت مطالبي

من الشعر إلا في مديحك أطوع

فإن الاعتراض فيه هو قوله إلا في مديحك و ليس قوله إن لحظت مطالبي اعتراضا كما زعم ابن الأثير الموصلي لأن فائدة البيت معلقة عليه لأنه لا يريد أن الغنى


لي على كل حال أطوع من الشعر و كيف يريد هذا و هو كلام فاسد مختل بل مراده أن الغنى لي بشرط أن تلحظ مطالبي من الشعر أطوع لي إلا في مديحك فإن الشعر في مديحك أطوع لي منه و إذا كانت الفائدة معلقة بالشرط المذكور لم يكن اعتراضا و كذلك وهم ابن الأثير أيضا في قول إمرئ القيس :

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة

كفاني و لم أطلب قليل من المال

و لكنما أسعى لمجد مؤثل

و قد يدرك المجد المؤثل أمثالي

فقال إن قوله و لم أطلب اعتراض و ليس بصحيح لأن فائدة البيت مرتبطة به و تقديره لو سعيت لأن آكل و أشرب لكفاني القليل و لم أطلب الملك فكيف يكون قوله و لم أطلب الملك اعتراضا و من شأن الاعتراض أن يكون فضلة ترد لتحسين و تكملة و ليست فائدته أصلية.و قد يأتي الاعتراض و لا فائدة فيه و هو غير مستحسن نحو قول النابغة :

يقول رجال يجهلون خليقتي

لعل زيادا لا أبا لك غافل

فقوله لا أبا لك اعتراض لا معنى تحته هاهنا و مثله قول زهير :

سئمت تكاليف الحياة و من يعش

ثمانين حولا لا أبا لك يسأم

فإن جاءت لا أبا لك تعطي معنى يليق بالموضع فهي اعتراض جيد نحو قول أبي تمام

عتابك عني لا أبا لك و اقصدي

فإنه أراد زجرها و ذمها لما أسرفت في عتابه.


و قد يأتي الاعتراض على غاية من القبح و الاستهجان و هو على سبيل التقديم و التأخير نحو قول الشاعر :

فقد و الشك بين لي عناء

بوشك فراقهم صرد فصيح

تقديره فقد بين لي صرد يصيح بوشك فراقهم و الشك عناء فلأجل قوله و الشك عناء بين قد و الفعل الماضي و هو بين عد اعتراضا مستهجنا و أمثال هذا للعرب كثير.قوله ع يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوئ أعمالها كلام منقطع عما قبله و قد كان تقدم ذكر طائفة من الناس ذات ملك و أمره فذكر ع أن الوالي يعني الإمام الذي يخلقه الله تعالى في آخر الزمان يأخذ عمال هذه الطائفة على سوء أعمالهم و على هاهنا متعلقة بيأخذ التي هي بمعنى يؤاخذ من قولك أخذته بذنبه و آخذته و الهمز أفصح.و الأفاليذ جمع أفلاذ و أفلاذ جمع فلذ و هي القطعة من الكبد و هذا كناية عن الكنوز التي تظهر للقائم بالأمر و قد جاء ذكر ذلك في خبر مرفوع في لفظة و قاءت له الأرض أفلاذ كبدها و قد فسر قوله تعالى( وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقالَها ) بذلك في بعض التفاسير.و المقاليد المفاتيح : مِنْهَا كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ اَلضَّرُوسِ وَ فَرَشَ اَلْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي اَلْأَرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِيدَ اَلْجَوْلَةِ عَظِيمَ اَلصَّوْلَةِ


وَ اَللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ اَلْأَرْضِ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي اَلْعَيْنِ فَلاَ تَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تَئُوبَ إِلَى اَلْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلاَمِهَا فَالْزَمُوا اَلسُّنَنَ اَلْقَائِمَةَ وَ اَلآْثَارَ اَلْبَيِّنَةَ وَ اَلْعَهْدَ اَلْقَرِيبَ اَلَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي اَلنُّبُوَّةِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَلشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ هذا إخبار عن عبد الملك بن مروان و ظهوره بالشام و ملكه بعد ذلك العراق و ما قتل من العرب فيها أيام عبد الرحمن بن الأشعث و قتله أيام مصعب بن الزبير.و نعق الراعي بغنمه بالعين المهملة و نغق الغراب بالغين المعجمة و فحص براياته هاهنا مفعول محذوف تقديره و فحص الناس براياته أي نحاهم و قلبهم يمينا و شمالا.و كوفان اسم الكوفة و ضواحيها ما قرب منها من القرى و الضروس الناقة السيئة الخلق تعض حالبها قال بشر بن أبي خازم:

عطفنا لهم عطف الضروس من الملا

بشهباء لا يمشي الضراء رقيبها

و قوله و فرش الأرض بالرءوس غطاها بها كما يغطى المكان بالفراش.و فغرت فاغرته كأنه يقول فتح فاه و الكلام استعارة و فغر فعل يتعدى و لا يتعدى و ثقلت في الأرض وطأته كناية عن الجور و الظلم.بعيد الجولة استعارة أيضا و المعنى أن تطواف خيوله و جيوشه في البلاد أو جولان رجاله في الحرب على الأقران طويل جدا لا يتعقبه السكون إلا نادرا.و بعيد منصوب على الحال و إضافته غير محضة.


و عوازب أحلامها ما ذهب من عقولها عزب عنه الرأي أي بعد.و يسني لكم طرقه أي يسهل و العقب بكسر القاف مؤخر القدم و هي مؤنثة.فإن قلت فإن قوله حتى تئوب يدل على أن غاية ملكه أن تئوب إلى العرب عوازب أحلامها و عبد الملك مات في ملكه و لم يزل الملك عنه بأوبة أحلام العرب إليها فإن فائدة حتى إلى و هي موضوعة للغاية.قلت إن ملك أولاده ملكه أيضا و ما زال الملك عن بني مروان حتى آبت إلى العرب عوازب أحلامها و العرب هاهنا بنو العباس و من اتبعهم من العرب أيام ظهور الدولة كقحطبة بن شبيب الطائي و ابنيه حميد و الحسن و كبني رزتني بتقديم الراء المهملة الذين منهم طاهر بن الحسين و إسحاق بن إبراهيم المصعبي و عدادهم في خزاعة و غيرهم من العرب من شيعة بني العباس و قد قيل إن أبا مسلم أيضا عربي أصله و كل هؤلاء و آبائهم كانوا مستضعفين مقهورين مغمورين في دولة بني أمية لم ينهض منهم ناهض و لا وثب إلى الملك واثب إلى أن أفاء الله تعالى إلى هؤلاء ما كان عزب عنهم من إبائهم و حميتهم فغاروا للدين و المسلمين من جور بني مروان و ظلمهم و قاموا بالأمر و أزالوا تلك الدولة التي كرهها الله تعالى و أذن في انتقالها.ثم أمرهم ع بأن يلزموا بعد زوال تلك الدولة الكتاب و السنة و العهد القريب الذي عليه باقي النبوة يعني عهده و أيامه ع و كأنه خاف من أن يكون بإخباره لهم بأن دولة هذا الجبار ستنقضي إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها كالأمر لهم باتباع ولاة الدولة الجديدة في كل ما تفعله فاستظهر عليهم بهذه الوصية و قال لهم إذا ابتذلت الدولة فالزموا الكتاب و السنة و العهد الذي فارقتكم عليه


139 و من كلام له ع في وقت الشورى

لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ وَ صِلَةِ رَحِمٍ وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَ عُوا مَنْطِقِي عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا اَلْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ اَلسُّيُوفُ وَ تُخَانُ فِيهِ اَلْعُهُودُ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ اَلضَّلاَلَةِ وَ شِيعَةً لِأَهْلِ اَلْجَهَالَةِ هذا من جملة كلام قاله ع لأهل الشورى بعد وفاة عمر

من أخبار يوم الشورى و تولية عثمان

و قد ذكرنا من حديث الشورى فيما تقدم ما فيه كفاية و نحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك و هو من رواية عوانة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي في كتاب الشورى و مقتل عثمان و قد رواه أيضا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في زيادات كتاب السقيفة قال لما طعن عمر جعل الأمر شورى بين ستة نفر علي بن أبي طالب و عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله و سعد بن مالك و كان


طلحة يومئذ بالشام و قال عمر إن رسول الله ص قبض و هو عن هؤلاء راض فهم أحق بهذا الأمر من غيرهم و أوصى صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان و يقال إن أصله من حي من ربيعة بن نزار يقال لهم عنزة فأمره أن يصلي بالناس حتى يرضى هؤلاء القوم رجلا منهم و كان عمر لا يشك أن هذا الأمر صائر إلى أحد الرجلين علي و عثمان و قال إن قدم طلحة فهو معهم و إلا فلتختر الخمسة واحدا منها و روي أن عمر قبل موته أخرج سعد بن مالك من أهل الشورى و قال الأمر في هؤلاء الأربعة و دعوا سعدا على حاله أميرا بين يدي الإمام ثم قال و لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لما تخالجتني فيه الشكوك فإن اجتمع ثلاثة على واحد فكونوا مع الثلاثة و إن اختلفوا فكونوا مع الجانب الذي فيه عبد الرحمن.و قال لأبي طلحة الأنصاري يا أبا طلحة فو الله لطالما أعز الله بكم الدين و نصر بكم الإسلام اختر من المسلمين خمسين رجلا فائت بهم هؤلاء القوم في كل يوم مرة فاستحثوهم حتى يختاروا لأنفسهم و للأمة رجلا منهم.ثم جمع قوما من المهاجرين و الأنصار فأعلمهم ما أوصى به و كتب في وصيته أن يولي الإمام سعد بن مالك الكوفة و أبا موسى الأشعري لأنه كان عزل سعدا عن سخطة فأحب أن يطلب ذلك إلى من يقوم بالأمر من بعده استرضاء لسعد.قال الشعبي فحدثني من لا أتهمه من الأنصار و قال أحمد بن عبد العزيز الجوهري هو سهل بن سعد الأنصاري قال مشيت وراء علي بن أبي طالب حيث انصرف من عند عمر و العباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه فسمعته يقول للعباس ذهبت منا و الله فقال كيف علمت قال أ لا تسمعه يقول كونوا في الجانب الذي فيه عبد الرحمن لأنه ابن عمه و عبد الرحمن نظير عثمان و هو صهره فإذا اجتمع هؤلاء فلو أن الرجلين


الباقيين كانا معي لم يغنيا عني شيئا مع أني لست أرجو إلا أحدهما و مع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلا علينا لعمر الله ما جعل الله ذلك لهم علينا كما لم يجعله لأولادهم على أولادنا أما و الله لئن عمر لم يمت لأذكرته ما أتى إلينا قديما و لأعلمته سوء رأيه فينا و ما أتى إلينا حديثا و لئن مات و ليموتن ليجتمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنا و لئن فعلوها و ليفعلن ليرونني حيث يكرهون و الله ما بي رغبة في السلطان و لا حب الدنيا و لكن لإظهار العدل و القيام بالكتاب و السنة.قال ثم التفت فرآني وراءه فعرفت أنه قد ساءه ذلك فقلت لا ترع أبا حسن لا و الله لا يستمع أحد الذي سمعت منك في الدنيا ما اصطحبنا فيها فو الله ما سمعه مني مخلوق حتى قبض الله عليا إلى رحمته.قال عوانة فحدثنا إسماعيل قال حدثني الشعبي قال فلما مات عمر و أدرج في أكفانه ثم وضع ليصلى عليه تقدم علي بن أبي طالب فقام عند رأسه و تقدم عثمان فقام عند رجليه فقال علي ع هكذا ينبغي أن تكون الصلاة فقال عثمان بل هكذا فقال عبد الرحمن ما أسرع ما اختلفتم يا صهيب صل على عمر كما رضي أن تصلي بهم المكتوبة فتقدم صهيب فصلى على عمر.قال الشعبي و أدخل أهل الشورى دارا فأقبلوا يتجادلون عليها و كلهم بها ضنين و عليها حريص إما لدنيا و إما لآخرة فلما طال ذلك قال عبد الرحمن من رجل منكم يخرج نفسه عن هذا الأمر و يختار لهذه الأمة رجلا منكم فإني طيبة نفسي أن أخرج منها و أختار لكم قالوا قد رضينا إلا علي بن أبي طالب فإنه اتهمه و قال أنظر و أرى فأقبل أبو طلحة عليه و قال يا أبا الحسن ارض برأي عبد الرحمن كان الأمر لك أو لغيرك فقال علي أعطني يا عبد الرحمن موثقا من الله لتؤثرن الحق و لا تتبع الهوى


و لا تمل إلى صهر و لا ذي قرابة و لا تعمل إلا لله و لا تألو هذه الأمة أن تختار لها خيرها قال فحلف له عبد الرحمن بالله الذي لا إله إلا هو لأجتهدن لنفسي و لكم و للأمة و لا أميل إلى هوى و لا إلى صهر و لا ذي قرابة قال فخرج عبد الرحمن فمكث ثلاثة أيام يشاور الناس ثم رجع و اجتمع الناس و كثروا على الباب لا يشكون أنه يبايع علي بن أبي طالب و كان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان و هوى طائفة من الأنصار مع علي و هوى طائفة أخرى مع عثمان و هي أقل الطائفتين و طائفة لا يبالون أيهما بويع.قال فأقبل المقداد بن عمرو و الناس مجتمعون فقال أيها الناس اسمعوا ما أقول أنا المقداد بن عمرو إنكم إن بايعتم عليا سمعنا و أطعنا و إن بايعتم عثمان سمعنا و عصينا فقام عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي فنادى أيها الناس إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا و أطعنا و إن بايعتم عليا سمعنا و عصينا فقال له المقداد يا عدو الله و عدو رسوله و عدو كتابه و متى كان مثلك يسمع له الصالحون فقال له عبد الله يا ابن الحليف العسيف و متى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش.فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيها الملأ إن أردتم ألا تختلف قريش فيما بينها فبايعوا عثمان فقال عمار بن ياسر إن أردتم ألا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا عليا ثم أقبل على عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال يا فاسق يا ابن الفاسق أ أنت ممن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في أمورهم و ارتفعت الأصوات و نادى مناد لا يدرى من هو فقريش تزعم أنه رجل من بني مخزوم و الأنصار تزعم أنه رجل طوال آدم مشرف على الناس لا يعرفه أحد منهم يا عبد الرحمن افرغ من أمرك و امض على ما في نفسك فإنه الصواب.


قال الشعبي فأقبل عبد الرحمن على علي بن أبي طالب فقال عليك عهد الله و ميثاقه و أشد ما أخذ الله على النبيين من عهد و ميثاق إن بايعتك لتعملن بكتاب الله و سنة رسوله و سيرة أبي بكر و عمر فقال علي ع طاقتي و مبلغ علمي و جهد رأيي و الناس يسمعون.فأقبل على عثمان فقال له مثل ذلك فقال نعم لا أزول عنه و لا أدع شيئا منه ثم أقبل على علي فقال له ذلك ثلاث مرات و لعثمان ثلاث مرات في كل ذلك يجيب علي مثل ما كان أجاب به و يجيب عثمان بمثل ما كان أجاب به.فقال ابسط يدك يا عثمان فبسط يده فبايعه و قام القوم فخرجوا و قد بايعوا إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يبايع.قال فخرج عثمان على الناس و وجهه متهلل و خرج علي و هو كاسف البال مظلم و هو يقول يا ابن عوف ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا من دفعنا عن حقنا و الاستئثار علينا و إنها لسنة علينا و طريقة تركتموها.فقال المغيرة بن شعبة لعثمان أ ما و الله لو بويع غيرك لما بايعناه فقال عبد الرحمن بن عوف كذبت و الله لو بويع غيره لبايعته و ما أنت و ذاك يا ابن الدباغة و الله لو وليها غيره لقلت له مثل ما قلت الآن تقربا إليه و طمعا في الدنيا فاذهب لا أبا لك.فقال المغيرة لو لا مكان أمير المؤمنين لأسمعتك ما تكره و مضيا.قال الشعبي فلما دخل عثمان رحله دخل إليه بنو أمية حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم فقال أبو سفيان بن حرب أ عندكم أحد من غيركم قالوا لا قال يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب و لا حساب و لا جنة و لا نار و لا بعث و لا قيامة.


قال فانتهره عثمان و ساءه بما قال و أمر بإخراجه.قال الشعبي فدخل عبد الرحمن بن عوف على عثمان فقال له ما صنعت فو الله ما وفقت حيث تدخل رحلك قبل أن تصعد المنبر فتحمد الله و تثني عليه و تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر و تعد الناس خيرا.قال فخرج عثمان فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال هذا مقام لم نكن نقومه و لم نعد له من الكلام الذي يقام به في مثله و سأهيئ ذلك إن شاء الله و لن آلو أمة محمد خيرا و الله المستعان.ثم نزل.

قال عوانة فحدثني يزيد بن جرير عن الشعبي عن شقيق بن مسلمة أن علي بن أبي طالب لما انصرف إلى رحله قال لبني أبيه يا بني عبد المطلب إن قومكم عادوكم بعد وفاة النبي كعداوتهم النبي في حياته و إن يطع قومكم لا تؤمروا أبدا و و الله لا ينيب هؤلاء إلى الحق إلا بالسيف قال و عبد الله بن عمر بن الخطاب داخل إليهم قد سمع الكلام كله فدخل و قال يا أبا الحسن أ تريد أن تضرب بعضهم ببعض فقال اسكت ويحك فو الله لو لا أبوك و ما ركب مني قديما و حديثا ما نازعني ابن عفان و لا ابن عوف فقام عبد الله فخرج.قال و أكثر الناس في أمر الهرمزان و عبيد الله بن عمر و قتله إياه و بلغ ما قال فيه علي بن أبي طالب فقام عثمان فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس إنه كان من قضاء الله أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب أصاب الهرمزان و هو رجل من


المسلمين و ليس له وارث إلا الله و المسلمون و أنا إمامكم و قد عفوت أ فتعفون عن عبيد الله ابن خليفتكم بالأمس قالوا نعم فعفا عنه فلما بلغ ذلك عليا تضاحك و قال سبحان الله لقد بدأ بها عثمان أ يعفو عن حق امرئ ليس بواليه تالله إن هذا لهو العجب قالوا فكان ذلك أول ما بدا من عثمان مما نقم عليه.قال الشعبي و خرج المقداد من الغد فلقي عبد الرحمن بن عوف فأخذ بيده و قال إن كنت أردت بما صنعت وجه الله فأثابك الله ثواب الدنيا و الآخرة و إن كنت إنما أردت الدنيا فأكثر الله مالك فقال عبد الرحمن اسمع رحمك الله اسمع قال لا أسمع و الله و جذب يده من يده و مضى حتى دخل على علي ع فقال قم فقاتل حتى نقاتل معك قال علي فبمن أقاتل رحمك الله و أقبل عمار بن ياسر ينادي

يا ناعي الإسلام قم فانعه

قد مات عرف و بدا نكر

أما و الله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم و الله لئن قاتلهم واحد لأكونن له ثانيا

فقال علي يا أبا اليقظان و الله لا أجد عليهم أعوانا و لا أحب أن أعرضكم لما لا تطيقون و بقي ع في داره و عنده نفر من أهل بيته و ليس يدخل إليه أحد مخافة عثمان.قال الشعبي و اجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع فقاموا إلى علي فقالوا قم فبايع عثمان قال فإن لم أفعل قالوا نجاهدك قال فمشى إلى عثمان حتى بايعه و هو يقول صدق الله و رسوله فلما بايع أتاه عبد الرحمن بن عوف فاعتذر إليه و قال إن عثمان أعطانا يده و يمينه و لم تفعل أنت فأحببت أن أتوثق للمسلمين فجعلتها فيه فقال إيها عنك إنما آثرته بها لتنالها بعده دق الله بينكما عطر منشم.


قال الشعبي و قدم طلحة من الشام بعد ما بويع عثمان فقيل له رد هذا الأمر حتى ترى فيه رأيك فقال و الله لو بايعتم شركم لرضيت فكيف و قد بايعتم خيركم قال ثم عدا عليه بعد ذلك و صاحبه حتى قتلاه ثم زعما أنهما يطلبان بدمه.قال الشعبي فأما ما يذكره الناس من المناشدة و قول علي ع لأهل الشورى أ فيكم أحد قال له رسول الله ص كذا فإنه لم يكن يوم البيعة و إنما كان بعد ذلك بقليل دخل علي ع على عثمان و عنده جماعة من الناس منهم أهل الشورى و قد كان بلغه عنهم هنات و قوارص فقال لهم أ فيكم أ فيكم كل ذلك يقولون لا قال لكني أخبركم عن أنفسكم أما أنت يا عثمان ففررت يوم حنين و توليت يوم التقى الجمعان و أما أنت يا طلحة فقلت إن مات محمد لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا و أما أنت يا عبد الرحمن فصاحب قراريط و أما أنت يا سعد فتدق عن أن تذكر قال ثم خرج فقال عثمان أ ما كان فيكم أحد يرد عليه قالوا و ما منعك من ذلك و أنت أمير المؤمنين و تفرقوا قال عوانة قال إسماعيل قال الشعبي فحدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله الأزدي قال كنت جالسا بالمدينة حيث بويع عثمان فجئت فجلست إلى المقداد بن عمرو فسمعته يقول و الله ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت و كان عبد الرحمن بن عوف جالسا فقال و ما أنت و ذاك يا مقداد قال المقداد إني و الله أحبهم لحب رسول الله ص و إني لأعجب من قريش و تطاولهم على الناس بفضل رسول الله ثم انتزاعهم سلطانه من أهله قال عبد الرحمن أما و الله لقد أجهدت نفسي


لكم قال المقداد أما و الله لقد تركت رجلا من الذين يأمرون بالحق و به يعدلون أما و الله لو أن لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر و أحد فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك لا يسمعن هذا الكلام الناس فإني أخاف أن تكون صاحب فتنة و فرقة.قال المقداد إن من دعا إلى الحق و أهله و ولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة و لكن من أقحم الناس في الباطل و آثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة و الفرقة.قال فتربد وجه عبد الرحمن ثم قال لو أعلم أنك إياي تعني لكان لي و لك شأن.قال المقداد إياي تهدد يا ابن أم عبد الرحمن ثم قام عن عبد الرحمن فانصرف.قال جندب بن عبد الله فاتبعته و قلت له يا عبد الله أنا من أعوانك فقال رحمك الله إن هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان و لا الثلاثة قال فدخلت من فوري ذلك على علي ع فلما جلست إليه قلت يا أبا الحسن و الله ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك فقال صبر جميل و الله المستعان.فقلت و الله إنك لصبور قال فإن لم أصبر فما ذا أصنع قلت إني جلست إلى المقداد بن عمرو آنفا و عبد الرحمن بن عوف فقالا كذا و كذا ثم قام المقداد فاتبعته فقلت له كذا فقال لي كذا فقال علي ع لقد صدق المقداد فما أصنع فقلت تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك و تخبرهم أنك أولى بالنبي ص و تسألهم النصر على هؤلاء المظاهرين عليك فإن أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين فإن دانوا لك فذاك و إلا قاتلتهم و كنت أولى بالعذر قتلت أو بقيت و كنت أعلى عند الله حجة.فقال أ ترجو يا جندب أن يبايعني من كل عشرة واحد قلت أرجو ذلك قال لكني لا أرجو ذلك لا و الله و لا من المائة واحد و سأخبرك أن الناس إنما ينظرون


إلى قريش فيقولون هم قوم محمد و قبيله و أما قريش بينها فتقول إن آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا و يرون أنهم أولياء هذا الأمر دون قريش و دون غيرهم من الناس و هم إن ولوه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا و متى كان في غيرهم تداولته قريش بينها لا و الله لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا.فقلت جعلت فداك يا ابن عم رسول الله لقد صدعت قلبي بهذا القول أ فلا أرجع إلى المصر فأوذن الناس بمقالتك و أدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذاك.قال فانصرفت إلى العراق فكنت أذكر فضل علي على الناس فلا أعدم رجلا يقول لي ما أكره و أحسن ما أسمعه قول من يقول دع عنك هذا و خذ فيما ينفعك فأقول إن هذا مما ينفعني و ينفعك فيقوم عني و يدعني.و زاد أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري حتى رفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة أيام ولينا فبعث إلي فحبسني حتى كلم في فخلى سبيلي.و روى الجوهري قال نادى عمار بن ياسر ذلك اليوم يا معشر المسلمين إنا قد كنا و ما كنا نستطيع الكلام قلة و ذلة فأعزنا الله بدينه و أكرمنا برسوله فالحمد لله رب العالمين يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحولونه هاهنا مرة و هاهنا مرة ما أنا آمن أن ينزعه الله منكم و يضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله.فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة يا ابن سمية لقد عدوت طورك و ما عرفت قدرك ما أنت و ما رأت قريش لأنفسها إنك لست في شي‏ء من أمرها و إماراتها فتنح عنها.و تكلمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار و انتهروه فقال الحمد لله رب العالمين ما زال أعوان الحق أذلاء ثم قام فانصرف


140 و من كلام له ع في النهي عن غيبة الناس

وَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ اَلْعِصْمَةِ وَ اَلْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي اَلسَّلاَمَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ اَلذُّنُوبِ وَ اَلْمَعْصِيَةِ وَ يَكُونَ اَلشُّكْرُ هُوَ اَلْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَ اَلْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ اَلَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَ عَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اَللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ اَلذَّنْبِ اَلَّذِي عَابَهُ بِهِ وَ كَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ اَلذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اَللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي اَلْكَبِيرِ وَ عَصَاهُ فِي اَلصَّغِيرِ لَجُرْأَتُهُ لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ اَلنَّاسِ أَكْبَرُ يَا عَبْدَ اَللَّهِ لاَ تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَ لاَ تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ وَ لْيَكُنِ اَلشُّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا اُبْتُلِيَ غَيْرُهُ بِهِ بِهِ غَيْرُهُ ليس في هذا الفصل من غريب اللغة ما نشرح


أقوال مأثورة في ذم الغيبة و الاستماع إلى المغتابين

و نحن نذكر مما ورد في الغيبة لمعا نافعة على عادتنا في ذكر الشي‏ء عند مرورنا على ما يقتضيه و يستدعيه.و قد ورد في الكتاب العزيز ذم الغيبة قال سبحانه( وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) و قال رسول الله ص لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا يغتب بعضكم بعضا و كونوا عباد الله إخوانا و روى جابر و أبو سعيد عنه ص إياكم و الغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا إن الرجل يزني فيتوب الله عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه و روى أنس عنه ص مررت ليلة أسري بي فرأيت قوما يخمشون وجوههم بأظافيرهم فسألت جبريل عنهم فقال هؤلاء الذين يغتابون الناس و في حديث سلمان قلت يا رسول الله علمني خيرا ينفعني الله به قال لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أرفضت من دلوك في إناء المستقي و الق أخاك ببشر حسن و لا تغتابنه إذا أدبر و في حديث البراء بن عازب خطبنا رسول الله ص حتى أسمع العواتق في بيوتهن فقال ألا لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتتبع عورة أخيه تتبع الله عورته و من يتتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته


و في حديث أنس أن رسول الله ص قال في يوم صوم إن فلانة و فلانة كانتا تأكلان اليوم شحم امرأة مسلمة يعني الغيبة فمرهما فلتتقيئا فقاءت كل واحدة منهما علقة دم و في الصحاح المجمع عليها أنه ع مر بقبرين جديدين فقال إنهما ليعذبان و ما يعذبان بكبير أما أحدهما فكان يغتاب الناس و أما الآخر فكان لا يتنزه من البول و دعا بجريدة رطبة فكسرها اثنتين أو قال دعا بجريدتين ثم غرسهما في القبرين و قال أما إنه سيهون من عذابهما ما دامتا رطبتين و في حديث ابن عباس أن رجلين من أصحابه اغتابا بحضرته رجلا و هو يمشي ع و هما يمشيان معه فمر على جيفة فقال انهشا منها فقالا يا رسول الله أ و ننهش الجيفة فقال ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه و في حديث أبي هريرة من أكل لحم أخيه حيا قرب إليه لحمه في الآخرة فقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله و يضج و يكلح و روي أن رجلين كانا عند باب المسجد فمر بهما رجل كان مخنثا فترك ذلك فقالا لقد بقي عنده منه شي‏ء فأقيمت الصلاة فصليا مع الناس و ذلك يجول في أنفسهما فأتيا عطاء بن أبي رباح فسألاه فأمرهما أن يعيدا الوضوء و الصلاة و إن كانا صائمين أن يقضيا صيام ذلك اليوم.و عن مجاهد( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) الهمزة الطعان في الناس و اللمزة النمام.و عن الحسن و الله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في الجسد.


بعضهم أدركنا السلف و هم لا يرون العبادة في الصوم و لا في الصلاة و لكن في الكف عن أعراض الناس.ابن عباس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك و هذا مشتق من كلام أمير المؤمنين ع.أبو هريرة يبصر أحدهما القذى في عين أخيه و لا يبصر الجذع في عين نفسه و هذا كالأول.الحسن يا ابن آدم إنك إن قضيت حقيقة الإيمان فلا تعب الناس بعيب هو فيك حتى تبدأ بإصلاح ذلك العيب من نفسك فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك و أحب العباد إلى الله من كان هكذا.و يروى أن المسيح ع مر على جيفة كلب فقال بعض التلامذة ما أشد نتنه فقال المسيح ما أشد بياض أسنانه كأنه نهاهم عن غيبة الكلب و نبههم إلى أنه لا ينبغي أن يذكر من كل شي‏ء إلا أحسنه.و سمع علي بن الحسين ع رجلا يغتاب آخر فقال إن لكل شي‏ء إداما و إدام كلاب الناس الغيبة و في خطبة حجة الوداع أيها الناس إن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إن الله حرم الغيبة كما حرم المال و الدم عمر : ما يمنعكم إذا رأيتم من يخرق أعراض الناس أن تعربوا عليه أي تقبحوا قالوا نخاف سفهه و شره قال ذلك أدنى ألا تكونوا شهداء

أنس يرفعه من مات على الغيبة حشر يوم القيامة مزرقة عيناه ينادى بالويل و الندامة يعرف أهله و لا يعرفونه


و قال هشام بن عبد الملك في بعض ولد الوليد بن عقبة:

أبلغ أبا وهب إذا ما لقيته

بأنك شر الناس غيبا لصاحب

فتبدي له بشرا إذا ما لقيته

و تلسعه بالغيب لسع العقارب

مر الشعبي بقوم يغتابونه في المسجد و فيهم بعض أصدقائه فأخذ بعضادتي الباب و قال:

هنيئا مريئا غير داء مخامر

لعزة من أعراضنا ما استحلت

و من كلام بعض الحكماء أبصر الناس بالعوار المعوار هذا مثل قول الشاعر:

و أجرأ من رأيت بظهر غيب

على عيب الرجال ذوو العيوب

قيل لشبيب بن شبة بن عقال ما بال عبد الله بن الأهتم يغتابك و ينتقصك قال لأنه شقيقي في النسب و جاري في البلد و شريكي في الصنعة.دخل أبو العيناء على المتوكل و عنده جلساؤه فقال له يا محمد كلهم كانوا في غيبتك منذ اليوم و لم يبق أحد لم يذممك غيري فقال:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي

فلا زال غضبان علي لئامها

قال بعضهم بت بالبصرة ليلة مع المسجديين فلما كان وقت السحر حركهم واحد فقال إلى كم هذا النوم عن أعراض الناس و قيل لشاعر وصله بعض الرؤساء و أنعم عليه ما صنع بك فلان قال ما وفت نعمته بإساءته منعني لذة الثلب و حلاوة الشكوى.أعرابي من عاب سفلة فقد رفعه و من عاب شريفا فقد وضع نفسه.


نظر بعض السلف إلى رجل يغتاب رجلا و قال يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا فانظر ما ذا تقول.ابن عباس ما الأسد الضاري على فريسة بأسرع من الدني‏ء في عرض السري بعضهم:

و مطروفة عيناه عن عيب نفسه

فإن لاح عيب من أخيه تبصرا

و قالت رابعة العدوية إذا نصح الإنسان لله أطلعه الله تعالى على مساوئ عمله فتشاغل بها عن ذكر مساوئ خلقه.قال عبد الله بن عروة بن الزبير لابنه يا بني عليك بالدين فإن الدنيا ما بنت شيئا إلا هدمه الدين و إذا بنى الدين شيئا لم تستطع الدنيا هدمه أ لا ترى علي بن أبي طالب و ما يقول فيه خطباء بني أمية من ذمه و عيبه و غيبته و الله لكأنما يأخذون بناصيته إلى السماء أ لا تراهم كيف يندبون موتاهم و يرثيهم شعراؤهم و الله لكأنما يندبون جيف الحمر.و من كلام بعض الصالحين الورع في المنطق أشد منه في الذهب و الفضة لأنك إذا استودعك أخوك مالا لم تجد بك نفسك لخيانة فيه و قد استودعك عرضه و أنت تغتابه و لا تبالي.كان محمد بن سيرين قد جعل على نفسه كلما اغتاب أحدا أن يتصدق بدينار و كان إذا مدح أحدا قال هو كما يشاء الله و إذا ذمه قال هو كما يعلم الله.الأحنف في خلتان لا أغتاب جليسي إذا قام عني و لا أدخل بين القوم فيما لم يدخلوني فيه.قيل لرجل من العرب من السيد فيكم قال الذي إذا أقبل هبناه و إذا أدبر اغتبناه.


قيل للربيع بن خيثم ما نراك تعيب أحدا فقال لست راضيا على نفسي فأتفرغ لذكر عيوب الناس ثم قال:

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها

لنفسي في نفسي عن الناس شاغل

عبد الله بن المبارك قلت لسفيان ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة ما سمعته يغتاب عدوا قال هو و الله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها.سئل فضيل عن غيبة الفاسق فقال لا تشتغل بذكره و لا تعود لسانك الغيبة أشغل لسانك بذكر الله و إياك ذكر الناس فإن ذكر الناس داء و ذكر الله دواء.بعض الشعراء:

و لست بذي نيرب في الصديق

خئون العشيرة سبابها

و لا من إذا كان في مجلس

أضاع القبيلة و اغتابها

و لكن أبجل ساداتها

و لا أتعلم ألقابها

و كان يقال الغيبة فاكهة القراء و قيل لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أي اللحمان أطيب قال لحوم الناس هي و الله أطيب من لحوم الدجاج و الدراج يعني الغيبة.ابن المغيرة لا تذكر الميت بسوء فتكون الأرض أكتم عليه منك.و كان عبد الملك بن صالح الهاشمي إذا ذكر عنده الميت بسوء يقول كفوا عن أسارى الثرى.و في الأثر سامع الغيبة أحد المغتابين.


أبو نواس:

ما حطك الواشون من رتبة

عندي و ما ضرك مغتاب

كأنهم أثنوا و لم يعلموا

عليك عندي بالذي عابوا

الحسن ذم الرجل في السر مدح له في العلانية.

علي ع الغيبة جهد العاجز أخذه المتنبي فقال:

و أكبر نفسي عن جزاء بغيبة

و كل اغتياب جهد من ما له جهد

بلغ الحسن أن رجلا اغتابه فأهدى إليه طبقا من رطب فجاءه الرجل معتذرا و قال أصلحك الله اغتبتك فأهديت لي قال إنك أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافئك.أتى رجل عمرو بن عبيد الله فقال له إن الأسواري لم يزل أمس يذكرك و يقول عمرو الضال فقال له يا هذا و الله ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه و لا رعيت حقي حين بلغت عن أخي ما أكرهه أعلمه أن الموت يعمنا و البعث يحشرنا و القيامة تجمعنا و الله يحكم بيننا

حكم الغيبة في الدين

و اعلم أن العلماء ذكروا في حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرت نقصانا في بدنه مثل أن تقول الأقرع أو الأعور أو في نسبه نحو أن تقول ابن النبطي و ابن الإسكاف أو الزبال أو الحائك أو خلقه نحو سيئ الخلق أو بخيل


أو متكبر أو في أفعاله الدنيئة نحو قولك كذاب و ظالم و متهاون بالصلاة أو الدنيوية نحو قولك قليل الأدب متهاون بالناس كثير الكلام كثير الأكل أو في ثوبه كقولك وسخ الثياب كبير العمامة طويل الأذيال.و قد قال قوم لا غيبة في أمور الدين لأن المغتاب إنما ذم ما ذمه الله تعالى و احتجوا بما روي أنه ذكر لرسول الله ص امرأة و كثرة صومها و صلاتها و لكنها تؤذي جارتها فقال هي في النار و لم ينكر عليهم غيبتهم إياها.

و روي أن امرأة ذكرت عنده ع بأنها بخيلة فقال فما خيرها إذن.و أكثر العلماء على أن الغيبة في أمور الدين محرمة أيضا و ادعوا الإجماع على أن من ذكر غيره بما يكرهه فهو مغتاب سواء أ كان في الدين أو في غيره قالوا و المخالف مسبوق بهذا الإجماع و قالوا و قد روي عن النبي ص أنه قال هل تدرون ما الغيبة قالوا الله و رسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكرهه فقائل قال أ رأيت يا رسول الله إن كان ذلك في أخي قال إن كان فيه فقد اغتبته و إن لم يكن فقد بهته.قالوا و روى معاذ بن جبل أن رجلا ذكر عند رسول الله ص فقال قوم ما أعجزه فقال ع اغتبتم صاحبكم فقالوا قلنا ما فيه فقال إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه.قالوا و ما احتج به الزاعمون أن لا غيبة في الدين ليس بحجة لأن الصحابة إنما ذكرت ذلك في مجلس رسول الله ص لحاجتها إلى تعرف الأحكام بالسؤال و لم يكن غرضها التنقص.و اعلم أن الغيبة ليست مقصورة على اللسان فقط بل كل ما عرفت به صاحبك


نقص أخيك فهو غيبة فقد يكون ذلك باللسان و قد يكون بالإشارة و الإيماء و بالمحاكاة نحو أن تمشي خلف الأعرج متعارجا و بالكتاب فإن القلم أحد اللسانين.و إذا ذكر المصنف شخصا في تصنيفه و هجن كلامه فهو غيبة فأما قوله قال قوم كذا فليس بغيبة لأنه لم يعين شخصا بعينه.و كان رسول الله ص يقول ما بال أقوام يقولون كذا فكان لا يعين و يكون مقصوده واحدا بعينه و أخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المراءين و ذلك نحو أن يذكر عندهم إنسان فيقول قائلهم الحمد لله الذي لم يبلنا بدخول أبواب السلطان و التبذل في طلب الحطام و قصده أن يفهم الغير عيب ذلك الشخص فتخرج الغيبة في مخرج الحمد و الشكر لله تعالى فيحصل من ذلك غيبة المسلم و يحصل منه الرياء و إظهار التعفف عن الغيبة و هو واقع فيها و كذلك يقول لقد ساءني ما يذكر به فلان نسأل الله أن يعصمه و يكون كاذبا في دعوى أنه ساءه و في إظهار الدعاء له بل لو قصد الدعاء له لأخفاه في خلوة عقب صلواته و لو كان قد ساءه لساءه أيضا إظهار ما يكرهه ذلك الإنسان.و اعلم أن الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب كالغيبة بل أشد لأنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها حكاية يستخرج الغيبة منه بذلك و إذا كان السامع الساكت شريك المغتاب فما ظنك بالمجتهد في حصول الغيبة و الباعث على الاستزادة منها و قد روي أن أبا بكر و عمر ذكرا إنسانا عند رسول الله فقال أحدهما إنه لنئوم ثم أخرج رسول الله ص خبزا قفارا فطلبا منه أدما فقال قد ائتدمتما قالا ما نعلمه قال بلى بما أكلتما من لحم صاحبكما فجمعهما في الإثم و قد


كان أحدهما قائلا و الآخر مستمعا فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه فإن خاف فبقلبه و إن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر لزمه ذلك فإن قال بلسانه اسكت و هو مريد للغيبة بقلبه فذلك نفاق و لا يخرجه عن الإثم إلا أن يكرهه بقلبه و لا يكفي أن يشير باليد أي اكفف أو بالحاجب و العين فإن ذلك استحقار للمذكور بل ينبغي أن يذب عنه صريحا

فقد قال رسول الله ص من أذل عنده مؤمن و هو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رءوس الخلائق

فصل في الأسباب الباعثة على الغيبة

و اعلم أن الأسباب الباعثة على الغيبة على أمور منها شفاء الغيظ و ذلك أن يجري من الإنسان سبب يغضب به عليه آخر فإذا هاج غضبه تشفى بذكر مساوئه و سبق إليها لسانه بالطبع إن لم يكن هناك دين وازع و قد يمنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوئ.و منها موافقة الأقران و مساعدتهم على الكلام فإنهم إذا اجتمعوا ربما أخذوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر أو قطع المجلس استثقلوه و نفروا عنه فيساعدهم و يرى ذلك من حسن المعاشرة و يظن أنه مجاملة في الصحبة و قد يغضب رفقاؤه من أمر فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء و الضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب و المساوئ.


و منها أن يستشعر من إنسان أنه سيذمه و يطول لسانه فيه و يقبح حاله عند بعض الرؤساء أو يشهد عليه بشهادة فيبادره قبل أن يقبح حاله فيطعن فيه ليسقط أثر شهادته عليه.و قد يبتدئ بذكر بعض ما فيه صادقا ليكذب عليه بعد ذلك فيروج كذبه بالصدق الأول.و منها أن ينسب إلى أمر فيريد التبرؤ منه فيذكر الذي فعله و كان من حقه أن يبرئ نفسه و لا يذكر الذي فعله لكنه إنما يذكر غيره تأكيدا لبراءة نفسه و كيلا يكون تبرؤا مبتورا و ربما يعتذر بأن يقول فلان فعله و كنت شريكا في بعض الأمر ليبرئ نفسه بعض البراءة.و منها المباهاة و حب الرئاسة مثل أن يقول كلام فلان ركيك و معرفته بالفن الفلاني ناقصة و غرضه إظهار فضله عليه.و منها الحسد و إرادة إسقاط قدر من يمدحه الناس بذكر مساوئه لأنه يشق عليه ثناء الناس عليه و لا يجد سبيلا إلى سد باب الثناء عليه إلا بذكر عيوبه.و منها اللعب و الهزل و المطايبة و تزجية الوقت بالضحك و السخرية فيذكر غيره بما يضحك الحاضرين على سبيل الهزء و المحاكاة.و اعلم أن الذي يقوى في نفسي أن الغيبة لا تكون محرمة إلا إذا كانت على سبيل القصد إلى تنقص الإنسان فقط و غض قدره فأما إذا خرجت مخرجا آخر فليست بحرام كمن يظلمه القاضي و يأخذ الرشوة على إسقاط حقوقه فإن له أن يذكر حاله للسلطان متظلما من حيف الحاكم عليه إذ لا يمكنه استيفاء حقوقه إلا بذلك

فقد قال ص مطل الغني ظلم و قال لي الواجد يحل عقوبته و عرضه


و كذلك النهي عن المنكر واجب و قد يحتاج الإنسان إلى الاستعانة بالغير على تغييره و رد القاضي إلى منهج الصلاح فلا بد له أن يشرح للغير حال ذلك الإنسان المرتكب المنكر و من ذكر الإنسان بلقب مشهور فعرف عن عيبه كالأعرج و الأعمش المحدثين لم يكن مغتابا إذا لم يقصد الغض و النقص.و الصحيح أن المجاهر بالفسق لا غيبة له كصاحب الماخور و المخنث و من يدعو الناس إلى نفسه أبنة و كالعشار و المستخرج بالضرب فإن هؤلاء غير كارهين لما يذكرون به و ربما تفاخروا بذلك و

قد قال النبي ص من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له و قال عمر ليس لفاجر حرمة و أراد المجاهر بالفسق دون المستتر.و قال الصلت بن طريف قلت للحسنرحمه‌الله الرجل الفاجر المعلن بالفجور غير مراقب هل ذكري له بما فيه غيبة فقال لا و لا كرامة له

طريق التوبة من الغيبة

و اعلم أن التوبة من الغيبة تكفر عقابها و التوبة منها هي الندم عليها و العزم على ألا يعود فإن لم يكن الشخص المذكور قد بلغته الغيبة فلا حاجة إلى الاستحلال منه بل لا يجوز إعلامه بذلك هكذا قال شيخنا أبو الحسينرحمه‌الله لأنه لم يؤلمه فيحتاج إلى أن يستوهب منه إثم ذلك الإيلام و في إعلامه تضييق صدره و إدخال مشقة عليه و إن كان الشخص المذكور قد بلغته الغيبة وجب عليه أن يستحله و يستوهبه فإن كان قد مات سقط بالتوبة عقاب ما يختص بالبارئ سبحانه من ذلك الوقت و بقي ما يختص بذلك الميت لا يسقط حتى يؤخذ العوض له من المذنب يوم القصاص


141 و من كلام له ع

أَيُّهَا اَلنَّاسُ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَ سَدَادَ طَرِيقٍ فَلاَ يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ اَلرِّجَالِ أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي اَلرَّامِي وَ تُخْطِئُ اَلسِّهَامُ وَ يُحِيلُ اَلْكَلاَمُ وَ بَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَ اَللَّهُ سَمِيعٌ وَ شَهِيدٌ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ إِلاَّ أَرْبَعُ أَصَابِعَ فَسُئِلَ ع عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ وَ وَضَعَهَا بَيْنَ أُذُنِهِ وَ عَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ اَلْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ وَ اَلْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ هذا الكلام هو نهي عن التسرع إلى التصديق بما يقال من العيب و القدح في حق الإنسان المستور الظاهر المشتهر بالصلاح و الخير و هو خلاصة قوله سبحانه( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) ثم ضرب ع لذلك مثلا فقال قد يرمي الرامي فلا يصيب الغرض و كذلك قد يطعن الطاعن فلا يكون طعنه صحيحا و ربما كان لغرض فاسد أو سمعه ممن له غرض


فاسدا كالعدو و الحسود و قد يشتبه الأمر فيظن المعروف منكرا فيعجل الإنسان بقول لا يتحققه كمن يرى غلام زيد يحمل في إناء مستور مغطى خلا فيظنه خمرا.قال ع و يحيل الكلام أي يكون باطلا أحال الرجل في منطقه إذا تكلم الذي لا حقيقة له و من الناس من يرويه و يحيك الكلام بالكاف من قولك ما حاك فيه السيف و يجوز أحاك بالهمزة أي ما أثر يعني أن القول يؤثر في العرض و إن كان باطلا و الرواية الأولى أشهر و أظهر.و يبور يفسد و قوله و باطل ذلك يبور مثل قولهم للباطل جولة و للحق دولة و هذا من قوله تعالى( وَ قُلْ جاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْباطِلُ إِنَّ اَلْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) .و الإصبع مؤنثة و لذلك قال أربع أصابع فحذف الهاء.فإن قلت كيف يقول ع الباطل ما يسمع و الحق ما يرى و أكثر المعلومات إنما هي من طريق السماع كعلمنا الآن بنبوة محمد ص بما بلغنا من معجزاته التي لم نرها و إنما سمعناها.قلت ليس كلامه في المتواتر من الأخبار و إنما كلامه في الأقوال الشاذة الواردة من طريق الآحاد التي تتضمن القدح فيمن قد غلبت نزاهته فلا يجوز العدول عن المعلوم بالمشكوك


142 و من كلام له ع

وَ لَيْسَ لِوَاضِعِ اَلْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ اَلْحَظِّ فِيمَا أَتَى إِلاَّ مَحْمَدَةُ اَللِّئَامِ وَ ثَنَاءُ اَلْأَشْرَارِ وَ مَقَالَةُ اَلْجُهَّالَ مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ مَا أَجْوَدَ يَدَهُ وَ هُوَ عَنْ ذَاتِ اَللَّهِ بِخَيْلٌ فَمَنْ آتَاهُ اَللَّهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ اَلْقَرَابَةَ وَ لْيُحْسِنْ مِنْهُ اَلضِّيَافَةَ وَ لْيَفُكَّ بِهِ اَلْأَسِيرَ وَ اَلْعَانِيَ وَ لْيُعْطِ مِنْهُ اَلْفَقِيرَ وَ اَلْغَارِمَ وَ لْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى اَلْحُقُوقِ وَ اَلنَّوَائِبِ اِبْتِغَاءَ اَلثَّوَابِ فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ اَلْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ اَلدُّنْيَا وَ دَرْكُ فَضَائِلِ اَلآْخِرَةِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ هذا الكلام يتضمن ذم من يخرج ماله إلى الفتيان و الأقران و الشعراء و نحوهم و يبتغي به المدح و السمعة و يعدل عن إخراجه في وجوه البر و ابتغاء الثواب قال ع ليس له من الحظ إلا محمدة اللئام و ثناء الأشرار و قولهم ما أجود يده أي ما أسمحه و هو بخيل بما يرجع إلى ذات الله يعني الصدقات و ما يجري مجراها من صلة الرحم و الضيافة و فك الأسير و العاني و هو الأسير بعينه و إنما اختلف اللفظ.


و الغارم من عليه الديون و يقال صبر فلان نفسه على كذا مخففا أي حبسها قال تعالى( وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) .و قال عنترة يذكر حربا:

فصبرت عارفة لذلك حرة

ترسو إذا نفس الجبان تطلع

و في الحديث النبوي في رجل أمسك رجلا و قتله آخر فقال ع اقتلوا القاتل و اصبروا الصابر أي احبسوا الذي حبسه للقتل إلى أن يموت.و قوله فإن فوزا أفصح من أن يقول فإن الفوز أو فإن في الفوز كما قال الشاعر:

إن شواء و نشوة

و خبب البازل الأمون

من لذة العيش و الفتى

للدهر و الدهر ذو شئون

و لم يقل إن الشواء و النشوة و السر في هذا أنه كأنه يجعل هذا الشواء شخصا من جملة أشخاص داخلة تحت نوع واحد و يقول إن واحدا منها أيها كان فهو من لذة العيش و إن لم يحصل له كل أشخاص ذلك النوع و مراده تقرير فضيلة هذه الخصال في النفوس أي متى حصل للإنسان فوز ما بها فقد حصل له الشرف و هذا المعنى و إن أعطاه لفظة الفوز بالألف و اللام إذا قصد بها الجنسية إلا أنه قد يسبق إلى الذهن منها الاستغراق لا الجنسية فأتى بلفظة لا توهم الاستغراق و هي اللفظة المنكرة و هذا دقيق و هو من لباب علم البيان


143 و من خطبة له ع في الاستسقاء

إِلاَّ وَ إِنَّ اَلْأَرْضَ اَلَّتِي تَحْمِلُكُمْ وَ اَلسَّمَاءَ اَلَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ وَ مَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ وَ لاَ زُلْفَةً إِلَيْكُمْ وَ لاَ لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا وَ أُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا إِنَّ اَللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ اَلْأَعْمَالِ اَلسَّيِّئَةِ بِنَقْصِ اَلثَّمَرَاتِ وَ حَبْسِ اَلْبَرَكَاتِ وَ إِغْلاَقِ خَزَائِنِ اَلْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبٌ وَ يُقْلِعَ مُقْلِعٌ وَ يَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ وَ يَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ وَ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ اَلاِسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ اَلرِّزْقِ وَ رَحْمَةِ اَلْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ( اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ اَلسَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) فَرَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً اِسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ وَ اِسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ اَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ اَلْأَسْتَارِ وَ اَلْأَكْنَانِ وَ بَعْدَ عَجِيجِ اَلْبَهَائِمِ وَ اَلْوِلْدَانِ رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ وَ رَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ وَ خَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَ نِقْمَتِكَ


اَللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ وَ لاَ تَجْعَلْنَا مِنَ اَلْقَانِطِينَ وَ لاَ تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ وَ لاَ تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ اَلسُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ اَلرَّاحِمِينَ اَللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ أَلْجَأَتْنَا اَلْمَضَايِقُ اَلْوَعْرَةُ وَ أَجَاءَتْنَا اَلْمَقَاحِطُ اَلْمُجْدِبَةُ وَ أَعْيَتْنَا اَلْمَطَالِبُ اَلْمُتَعَسِّرَةُ وَ تَلاَحَمَتْ عَلَيْنَا اَلْفِتَنُ اَلْمَسْتَصْعَبَةُ اَلْمُسْتَصْعِبَةُ اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلاَّ تَرُدَّنَا خَائِبِينَ وَ لاَ تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ وَ لاَ تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا وَ لاَ تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا اَللَّهُمَّ اُنْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَ بَرَكَتِكَ وَ رِزْقَكَ وَ رَحْمَتَكَ وَ اِسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وَ تُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ نَافِعَةَ اَلْحَيَا كَثِيرَةَ اَلْمُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا اَلْقِيعَانَ وَ تُسِيلُ اَلْبُطْنَانَ وَ تَسْتَوْرِقُ اَلْأَشْجَارَ وَ تُرْخِصُ اَلْأَسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ تظلكم تعلو عليكم و قد أظلتني الشجرة و استظللت بها و الزلفة القربة يقول إن السماء و الأرض إذا جاءتا بمنافعكم أما السماء فبالمطر و أما الأرض فبالنبات فإنهما لم تأتيا بذلك تقربا إليكم و لا رحمة لكم و لكنهما أمرتا بنفعكم فامتثلتا الأمر لأنه أمر من تجب طاعته و لو أمرتا بغير ذلك لفعلتاه و الكلام مجاز و استعارة لأن الجماد لا يؤمر و المعنى أن الكل مسخر تحت القدرة الإلهية و مراده تمهيد قاعدة الاستسقاء كأنه يقول إذا كانت السماء و الأرض أيام الخصب و المطر و النبات لم يكن ما كان منهما محبة لكم و لا رجاء منفعة منكم بل طاعة الصانع الحكيم سبحانه فيما سخرهما له


فكذلك السماء و الأرض أيام الجدب و انقطاع المطر و عدم الكلأ ليس ما كان منهما بغضا لكم و لا استدفاع ضرر يخاف منكم بل طاعة الصانع الحكيم سبحانه فيما سخرهما له و إذا كان كذلك فبالحري ألا نأمل السماء و لا الأرض و أن نجعل آمالنا معلقة بالملك الحق المدبر لهما و أن نسترحمه و ندعوه و نستغفره لا كما كانت العرب في الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا و قد سخط النوء الفلاني على بني فلان فأمحلوا.ثم ذكر ع أن الله تعالى يبتلي عباده عند الذنوب بتضييق الأرزاق عليهم و حبس مطر السماء عنهم و هذا الكلام مطابق للقواعد الكلامية لأن أصحابنا يذهبون إلى أن الغلاء قد يكون عقوبة على ذنب و قد يكون لطفا للمكلفين في الواجبات العقلية و هو معنى قوله ليتوب تائب إلى آخر الكلمات و يقلع يكف و يمسك.ثم ذكر أن الله سبحانه جعل الاستغفار سببا في درور الرزق و استدل عليه بالآية التي أمر نوح ع فيها قومه بالاستغفار يعني التوبة عن الذنوب و قدم إليهم الموعد بما هو واقع في نفوسهم و أحب إليهم من الأمور الآجلة فمناهم الفوائد العاجلة ترغيبا في الإيمان و بركاته و الطاعة و نتائجها كما قال سبحانه للمسلمين( وَ أُخْرى‏ تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اَللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ ) فوعدهم بمحبوب الأنفس الذي يرونه في العاجل عيانا و نقدا لا جزاء و نسيئة و قال تعالى في موضع آخر( وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ اَلسَّماءِ وَ اَلْأَرْضِ ) و قال سبحانه( وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا اَلتَّوْراةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ )


و قال تعالى:( وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً )

الثواب و العقاب عند المسلمين و أهل الكتاب

و كل ما في التوراة من الوعد و الوعيد فهو لمنافع الدنيا و مضارها أما منافعها فمثل أن يقول إن أطعتم باركت فيكم و كثرت من أولادكم و أطلت أعماركم و أوسعت أرزاقكم و استبقيت اتصال نسلكم و نصرتكم على أعدائكم و إن عصيتم و خالفتم اخترمتكم و نقصت من آجالكم و شتت شملكم و رميتكم بالجوع و المحل و أذللت أولادكم و أشمت بكم أعداءكم و نصرت عليكم خصومكم و شردتكم في البلاد و ابتليتكم بالمرض و الذل و نحو ذلك.و لم يأت في التوراة وعد و وعيد بأمر يتعلق بما بعد الموت و أما المسيح ع فإنه صرح بالقيامة و بعث الأبدان و لكن جعل العقاب روحانيا و كذلك الثواب أما العقاب فالوحشة و الفزع و تخيل الظلمة و خبث النفس و كدرها و خوف شديد و أما الثواب فما زاد على أن قال إنهم يكونون كالملائكة و ربما قال يصعدون إلى ملكوت السماء و ربما قال أصحابه و علماء ملته الضوء و اللذة و السرور و الأمن من زوال اللذة الحاصلة لهم هذا هو قول المحققين منهم و قد أثبت بعضهم نارا حقيقية لأن لفظة النار وردت في الإنجيل فقال محققوهم نار قلبية أي نفسية روحانية و قال الأفلون نار كهذه النار و منهم من أثبت عقابا غير النار و هو بدني فقال الرعدة و صرير الأسنان فأما الجنة بمعنى الأكل و الشرب و الجماع فإنه لم يقل منهم قائل به أصلا و الإنجيل صرح بانتفاء ذلك في القيامة تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب و جاء خاتم الأنبياء محمد


ص فأثبت المعاد على وجه محقق كامل أكمل مما ذكره الأولان فقال إن البدن و النفس معا مبعوثان و لكل منهما حظ في الثواب و العقاب.و قد شرح الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا هذا الموضع في رسالة له في المعاد تعرف بالرسالة الأصحوبة شرحا جيدا فقال إن الشريعة المحمدية أثبتت في القيامة رد النفس إلى البدن و جعلت للمثاب و المعاقب ثوابا و عقابا بحسب البدن و النفس جميعا فكان للمثاب لذات بدنية من حور عين و ولدان مخلدين و فاكهة يشتهون و كأس لا يصدعون عنها و لا ينزفون و جنات تجري من تحتها الأنهار من لبن و عسل و خمر و ماء زلال و سرر و أرائك و خيام و قباب فرشها من سندس و إستبرق و ما جرى مجرى ذلك و لذات نفسانية من السرور و مشاهدة الملكوت و الأمن من العذاب و العلم اليقيني بدوام ما هم فيه و أنه لا يتعقبه عدم و لا زوال و الخلو عن الأحزان و المخاوف و للمعاقب عقاب بدني و هو المقامع من الحديد و السلاسل و الحريق و الحميم و الغسلين و الصراخ و الجلود التي كلما نضجت بدلوا جلودا غيرها و عقاب نفساني من اللعن و الخزي و الخجل و الندم و الخوف الدائم و اليأس من الفرج و العلم اليقيني بدوام الأحوال السيئة التي هم عليها.قال فوفت الشريعة الحكمة حقها من الوعد الكامل و الوعيد الكامل و بهما ينتظم الأمر و تقوم الملة فأما النصارى و ما ذهبوا إليه من أمر بعث الأبدان ثم خلوها في الدار الآخرة من المطعم و الملبس و المشرب و المنكح فهو أرك ما ذهب إليه أرباب الشرائع و أسخفه و ذلك أنه إن كان السبب في البعث هو أن الإنسان هو البدن أو أن البدن شريك النفس في الأعمال الحسنة و السيئة فوجب أن يبعث فهذا القول بعينه إن أوجب ذلك فإنه يوجب أن يثاب البدن و يعاقب بالثواب و العقاب البدني المفهوم عند العالم و إن كان الثواب و العقاب روحانيا فما الغرض في بعث الجسد ثم ما ذلك


الثواب و العقاب الروحانيان و كيف تصور العامة ذلك حتى يرغبوا و يرهبوا كلا بل لم تصور لهم الشريعة النصرانية من ذلك شيئا غير أنهم يكونون في الآخرة كالملائكة و هذا لا يفي بالترغيب التام و لا ما ذكروه من العقاب الروحاني و هو الظلمة و خبث النفس كاف في الترهيب و الذي جاءت به شريعة الإسلام حسن لا زيادة عليه انقضى كلام هذا الحكيم.فأما كون الاستغفار سببا لنزول القطر و درور الرزق فإن الآية بصريحها ناطقة به لأنها أمر و جوابه قال اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ اَلسَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً كما تقول قم أكرمك أي إن قمت أكرمتك و عن عمر أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار فقيل له ما رأيناك استسقيت فقال لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر.و عن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال استغفر الله فشكا آخر إليه الفقر و آخر قلة النسل و آخر قلة ريع أرضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقال له الربيع بن صبيح رجال أتوك يشكون أبوابا و يشكون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلا له الآية.قوله استقبل توبته أي استأنفها و جددها و استقال خطيئته طلب الإقالة منها و الرحمة و بادر منيته سابق الموت قبل أن يدهمه.


قوله ع لا تهلكنا بالسنين جمع سنة و هي الجدب و المحل قال تعالى( وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ) و قال النبي ص يدعو على المشركين اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف و السنة لفظ محذوف منه حرف قيل إنه الهاء و قيل الواو فمن قال المحذوف هاء قال أصله سنهة مثل جبهة لأنهم قالوا نخلة سنهاء أي تحمل سنة و لا تحمل أخرى و قال بعض الأنصار

فليست بسنهاء و لا رجبية

و لكن عرايا في السنين الجوائح

و من قال أصلها الواو احتج بقولهم أسنى القوم يسنون إسناء إذا لبثوا في المواضع سنة فأما التصغير فلا يدل على أحد المذهبين بعينه لأنه يجوز سنية و سنيهة و الأكثر في جمعها بالواو و النون سنون بكسر السين كما في هذه الخطبة و بعضهم يقول سنون بالضم.و المضايق الوعرة بالتسكين و لا يجوز التحريك و قد وعر هذا الشي‏ء بالضم وعورة و كذلك توعر أي صار وعرا و استوعرت الشي‏ء استصعبته.و أجاءتنا ألجأتنا قال تعالى( فَأَجاءَهَا اَلْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ اَلنَّخْلَةِ ) .و المقاحط المجدبة السنون الممحلة جمع مقحطة.و تلاحمت اتصلت.و الواجم الذي قد اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام و الماضي وجم بالفتح يجم وجوما.قوله و لا تخاطبنا بذنوبنا و لا تقايسنا بأعمالنا أي لا تجعل جواب دعائنا لك ما تقتضيه ذنوبنا كأنه يجعله كالمخاطب لهم و المجيب عما سألوه إياه كما يفاوض الواحد


منا صاحبه و يستعطفه فقد يجيبه و يخاطبه بما يقتضيه ذنبه إذا اشتدت موجدته عليه و نحوه.و لا تقايسنا بأعمالنا قست الشي‏ء بالشي‏ء إذا حذوته و مثلته به أي لا تجعل ما تجيبنا به مقايسا و مماثلا لأعمالنا السيئة.قوله سقيا ناقعة هي فعلى مؤنثة غير مصروفة.و الحيا المطر و ناقعة مروية مسكنة للعطش نقع الماء العطش نقعا و نقوعا سكنه و في المثل الرشف أنقع أي أن الشراب الذي يرشف قليلا قليلا أنجع و أقطع للعطش و إن كان فيه بطء.و كثيرة المجتنى أي كثيرة الكلأ و الكلأ الذي يجتنى و يرعى و القيعان جمع قاع و هو الفلاة.و البطنان جمع بطن و هو الغامض من الأرض مثل ظهر و ظهران و عبد و عبدان


144 و من خطبة له ع

بَعَثَ اَللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلاَّ تَجِبَ اَلْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ اَلْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ اَلصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ اَلْحَقِّ أَلاَ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ اَلْخَلْقَ كَشْفَةً لاَ أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً فَيَكُونَ اَلثَّوَابُ جَزَاءً وَ اَلْعِقَابُ بَوَاءً أَيْنَ اَلَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ اَلرَّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ دُونَنَا كَذِباً وَ بَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا اَللَّهُ وَ وَضَعَهُمْ وَ أَعْطَانَا وَ حَرَمَهُمْ وَ أَدْخَلَنَا وَ أَخْرَجَهُمْ بِنَا يُسْتَعْطَى اَلْهُدَى وَ يُسْتَجْلَى اَلْعَمَى إِنَّ اَلْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا اَلْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لاَ تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ وَ لاَ تَصْلُحُ اَلْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهِمْ أول الكلام مأخوذ من قوله سبحانه( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ ) و قوله تعالى( وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) .


فإن قلت فهذا يناقض مذهب المعتزلة في قولهم بالواجبات عقلا و لو لم تبعث الرسل.قلت صحة مذهبهم تقتضي أن تحمل عموم الألفاظ على أن المراد بها الخصوص فيكون التأويل لئلا يكون للناس على الله حجة فيما لم يدل العقل على وجوبه و لا قبحه كالشرعيات و كذلك وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً على ما لم يكن العقل دليلا عليه حتى نبعث رسولا.الإعذار تقديم العذر ثم قال إن الله تعالى كشف الخلق بما تعبدهم به من الشرعيات على ألسنة الأنبياء و لم يكن أمرهم خافيا عنه فيحتاج إلى أن يكشفهم بذلك و لكنه أراد ابتلاءهم و اختبارهم ليعلم أيهم أحسن عملا فيعاقب المسي‏ء و يثيب المحسن.فإن قلت الإشكال قائم لأنه إذا كان يعلم أيهم يحسن و أيهم يسي‏ء فما فائدة الابتلاء و هل هو إلا محض العبث قلت فائدة الابتلاء إيصال نفع إلى زيد لم يكن ليصح إيصاله إليه إلا بواسطة هذا الابتلاء و هو ما يقوله أصحابنا إن الابتلاء بالثواب قبيح و الله تعالى يستحيل أن يفعل القبيح.قوله و للعقاب بواء أي مكافأة قالت ليلى الأخيلية

فإن تكن القتلى بواء فإنكم

فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر

و أبأت القاتل بالقتيل و استبأته أيضا إذا قتلته به و قد باء الرجل بصاحبه أي قتل به


و في المثل باءت عرار بكحل و هما بقرتان قتلت إحداهما بالأخرى و قال مهلهل لبجير لما قتل بؤ بشسع نعل كليب.قوله ع أين الذين زعموا هذا الكلام كناية و إشارة إلى قوم من الصحابة كانوا ينازعونه الفضل فمنهم من كان يدعي له أنه أفرض و منهم من كان يدعي له أنه أقرأ و منهم من كان يدعي له أنه أعلم بالحلال و الحرام هذا مع تسليم هؤلاء له أنه ع أقضى الأمة و أن القضاء يحتاج إلى كل هذه الفضائل و كل واحدة منها لا تحتاج إلى غيرها فهو إذن أجمع للفقه و أكثرهم احتواء عليه إلا أنه ع لم يرض بذلك و لم يصدق الخبر الذي قيل أفرضكم فلان إلى آخره فقال إنه كذب و افتراء حمل قوما على وضعه الحسد و البغي و المنافسة لهذا الحي من بني هاشم أن رفعهم الله على غيرهم و اختصهم دون من سواهم.و أن هاهنا للتعليل أي لأن فحذف اللام التي هي أداة التعليل على الحقيقة قال سبحانه( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ ) و قال بعض النحاة لبعض الفقهاء الزاعمين أن لا حاجة للفقه إلى النحو ما تقول لرجل قال لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار فقال لا يقع إلا بالدخول فقال فإن فتح الهمزة قال كذلك فعرفه أن العربية نافعة في الفقه و أن الطلاق منجز لا معلق إن كان مراده تعليل الطلاق بوقوع الدخول لاشتراطه به.ثم قال بنا يستعطى الهدى أي يطلب أن يعطى و كذلك يستجلى أي يطلب جلاؤه.ثم قال إن الأئمة من قريش إلى آخر الفصل


اختلاف الفرق الإسلامية في كون الأئمة من قريش

و قد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة فقال قوم من قدماء أصحابنا إن النسب ليس بشرط فيها أصلا و إنها تصلح في القرشي و غير القرشي إذا كان فاضلا مستجمعا للشرائط المعتبرة و اجتمعت الكلمة عليه و هو قول الخوارج.و قال أكثر أصحابنا و أكثر الناس إن النسب شرط فيها و إنها لا تصلح إلا في العرب خاصة و من العرب في قريش خاصة و قال أكثر أصحابنا معنى

قول النبي ص الأئمة من قريش أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطا فيها.و قال بعض أصحابنا معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبدا ممن يصلح للإمامة فأوجبوا بهذا الخبر وجود من يصلح من قريش لها في كل عصر و زمان.و قال معظم الزيدية إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين لا تصلح في غير البطنين و لا تصح إلا بشرط أن يقوم بها و يدعو إليها فاضل زاهد عالم عادل شجاع سائس و بعض الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين من ولد علي ع و هو من أقوالهم الشاذة.و أما الراوندية فإنهم خصصوها بالعباسرحمه‌الله و ولده من بين بطون قريش كلها و هذا القول هو الذي ظهر في أيام المنصور و المهدي و أما الإمامية فإنهم جعلوها سارية في ولد الحسين ع في أشخاص مخصوصين و لا تصلح عندهم لغيرهم.و جعلها الكيسانية في محمد بن الحنفية و ولده و منهم من نقلها منه إلى ولد غيره.فإن قلت إنك شرحت هذا الكتاب على قواعد المعتزلة و أصولهم فما قولك في هذا


الكلام و هو تصريح بأن الإمامة لا تصلح من قريش إلا في بني هاشم خاصة و ليس ذلك بمذهب للمعتزلة لا متقدميهم و لا متأخريهم.قلت هذا الموضع مشكل و لي فيه نظر و إن صح أن عليا ع قاله قلت كما قال لأنه ثبت عندي

أن النبي ص قال إنه مع الحق و أن الحق يدور معه حيثما دار و يمكن أن يتأول و يطبق على مذهب المعتزلة فيحمل على أن المراد به كمال الإمامة كما حمل

قوله ص لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد على نفي الكمال لا على نفي الصحة : مِنْهَا آثَرُوا عَاجِلاً وَ أَخَّرُوا آجِلاً وَ تَرَكُوا صَافِياً وَ شَرِبُوا آجِناً كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ اَلْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلاَئِقُهُ ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لاَ يُبَالِي مَا غَرَّقَ أَوْ كَوَقْعِ اَلنَّارِ فِي اَلْهَشِيمِ لاَ يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ أَيْنَ اَلْعُقُولُ اَلْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ اَلْهُدَى وَ اَلْأَبْصَارُ اَللاَّمِحَةُ إِلَى مَنَازِلِ اَلتَّقْوَى أَيْنَ اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ اِزْدَحَمُوا عَلَى اَلْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى اَلْحَرَامِ وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ اَلْجَنَّةِ وَ اَلنَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ اَلْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ وَ أَقْبَلُوا إِلَى اَلنَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا وَ دَعَاهُمُ اَلشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا


آثروا اختاروا و أخروا تركوا الآجن الماء المتغير أجن الماء يأجن و يأجن.و بسئ به ألفه و ناقة بسوء ألفت الحالب و لا تمنعه و شابت عليه مفارقه طال عهده به مذ زمن الصبا حتى صار شيخا و صبغت به خلائقه ما صارت طبعا لأن العادة طبيعة ثانية.مزبدا أي ذو زبد و هو ما يخرج من الفم كالرغوة يضرب مثلا للرجل الصائل المقتحم.و التيار معظم اللجة و المراد به هاهنا السيل و الهشيم دقاق الحطب.و لا يحفل بفتح حرف المضارعة لأن الماضي ثلاثي أي لا يبالي.و الأبصار اللامحة الناظرة و تشاحوا تضايقوا كل منهم يريد ألا يفوته ذلك و أصله الشح و هو البخل.فإن قلت هذا الكلام يرجع إلى الصحابة الذين تقدم ذكرهم في أول الخطبة.قلت لا و إن زعم قوم أنه عناهم بل هو إشارة إلى قوم ممن يأتي من الخلف بعد السلف أ لا تراه قال كأني أنظر إلى فاسقهم قد صحب المنكر فألفه و هذا اللفظ إنما يقال في حق من لم يوجد بعد كما قال في حق الأتراك كأني أنظر إليهم قوما كأن وجوههم المجان و كما قال في حق صاحب الزنج كأني به يا أحنف قد سار في الجيش و كما قال في الخطبة التي ذكرناها آنفا كأني به قد نعق بالشام يعني به عبد الملك و حوشي ع أن يعني بهذا الكلام الصحابة لأنهم ما آثروا العاجل و لا أخروا الآجل و لا صحبوا المنكر و لا أقبلوا كالتيار لا يبالي ما غرق و لا كالنار لا تبالي ما أحرقت و لا ازدحموا على الحطام و لا تشاحوا على الحرام و لا صرفوا عن الجنة وجوههم و لا أقبلوا


إلى النار بأعمالهم و لا دعاهم الرحمن فولوا و لا دعاهم الشيطان فاستجابوا و قد علم كل أحد حسن سيرتهم و سداد طريقتهم و إعراضهم عن الدنيا و قد ملكوها و زهدهم فيها و قد تمكنوا منها و لو لا قوله كأني أنظر إلى فاسقهم لم أبعد أن يعني بذلك قوما ممن عليه اسم الصحابة و هو ردي‏ء الطريقة كالمغيرة بن شعبة و عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و معاوية و جماعة معدودة أحبوا الدنيا و استغواهم الشيطان و هم معدودون في كتب أصحابنا و من اشتغل بعلوم السيرة و التواريخ عرفهم بأعيانهم


145 و من خطبة له ع

أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ اَلْمَنَايَا مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى وَ لاَ يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ وَ لاَ تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلاَّ بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ وَ لاَ يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلاَّ مَاتَ لَهُ أَثَرٌ وَ لاَ يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ وَ لاَ تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلاَّ وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ وَ قَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ الغرض ما ينصب ليرمى و هو الهدف و تنتضل فيه المنايا تترامى فيه للسبق و منه الانتضال بالكلام و بالشعر كأنه يجعل المنايا أشخاصا تتناضل بالسهام من الناس من يموت قتلا و منهم من يموت غرقا أو يتردى في بئر أو تسقط عليه حائط أو يموت على فراشه.ثم قال مع كل جرعة شرق و في كل أكلة غصص بفتح الغين مصدر قولك غصصت يا فلان بالطعام و روي غصص جمع غصة و هي الشجا و هذا مثل قول بعضهم المنحة فيها مقرونة بالمحنة و النعمة مشفوعة بالنقمة


و قد بالغ بعض الشعراء في الشكوى فأتى بهذه الألفاظ لكنه أسرف فقال:

حظي من العيش أكل كله غصص

مر المذاق و شرب كله شرق

و مراد أمير المؤمنين ع بكلامه أن نعيم الدنيا لا يدوم فإذا أحسنت أساءت و إذا أنعمت أنقمت.ثم قال لا ينالون منها نعمة إلا بفراق أخرى هذا معنى لطيف و ذلك أن الإنسان لا يتهيأ له أن يجمع بين الملاذ الجسمانية كلها في وقت فحال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا و حال ما يشرب لا يأكل و حال ما يركب للقنص و الرياضة لا يكون جالسا على فراش وثير ممهد و على هذا القياس لا يأخذ في ضرب من ضروب الملاذ إلا و هو تارك لغيره منها.ثم قال و لا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله و هذا أيضا لطيف لأن المسرور ببقائه إلى يوم الأحد لم يصل إليه إلا بعد أن قضى يوم السبت و قطعه و يوم السبت من أيام عمره فإذا قد هدم من عمره يوما فيكون قد قرب إلى الموت لأنه قد قطع من المسافة جزءا.ثم قال و لا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه و هذا صحيح فإن فسرنا الرزق بما وصل إلى البطن على أحد تفسيرات المتكلمين فإن الإنسان لا يأكل لقمة إلا و قد فرغ من اللقمة التي قبلها فهو إذا لا يتجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه.ثم قال و لا يحيا له أثر إلا مات له أثر و ذلك أن الإنسان في الأعم الأغلب لا ينتشر صيته و يشيع فضله إلا عند الشيخوخة و كذلك لا تعرف أولاده و يصير لهم اسم في الدنيا إلا بعد كبره و علو سنه فإذا ما حيي له أثر إلا بعد أن مات له أثر و هو قوته و نشاطه و شبيبته و مثله قوله و لا يتجدد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد.


ثم قال و لا تقوم له نابتة إلا و تسقط منه محصودة هذه إشارة إلى ذهاب الآباء عند حدوث أبنائهم في الأعم الأغلب و لهذا قال و قد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله و قد نظر الشعراء إلى هذا المعنى فقالوا فيه و أكثروا نحو قول الشاعر:

فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب

لعلك تهديك القرون الأوائل

فإن لم تجد من دون عدنان والدا

و دون معد فلتزعك العواذل

و قال الشاعر:

فعددت آبائي إلى عرق الثرى

فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا

لا بد من تلف مصيب فانتظر

أ بأرض قومك أم بأخرى تصرع

و قد صرح أبو العتاهية بالمعنى فقال:

كل حياة إلى ممات

و كل ذي جدة يحول

كيف بقاء الفروع يوما

و قد ذوت قبلها الأصول

مِنْهَا وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلاَّ تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ فَاتَّقُوا اَلْبِدَعَ وَ اِلْزَمُوا اَلْمَهْيَعَ إِنَّ عَوَازِمَ اَلْأُمُورِ أَفْضَلُهَا وَ إِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا


البدعة كل ما أحدث مما لم يكن على عهد رسول الله ص فمنها الحسن كصلاة التراويح و منها القبيح كالمنكرات التي ظهرت في أواخر الخلافة العثمانية و إن كانت قد تكلفت الأعذار عنها.و معنى قوله ع ما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة أن من السنة ألا تحدث البدعة فوجود البدعة عدم للسنة لا محالة.و المهيع الطريق الواضح من قولهم أرض هيعة أي مبسوطة واسعة و الميم مفتوحة و هي زائدة.و عوازم الأمور ما تقادم منها من قولهم عجوز عوزم أي مسنة قال الراجز:

لقد غدوت خلق الثياب

أحمل عدلين من التراب

لعوزم و صبية سغاب

فآكل و لاحس و آبي

و يجمع فوعل على فواعل كدورق و هوجل و يجوز أن يكون عوازم جمع عازمة و يكون فاعل بمعنى مفعول أي معزوم عليها أي مقطوع معلوم بيقين صحتها و مجي‏ء فاعلة بمعنى مفعولة كثير كقولهم عيشة راضية بمعنى مرضية و الأول أظهر عندي لأن في مقابلته قوله و إن محدثاتها شرارها و المحدث في مقابلة القديم


146 و من كلام له ع و قد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه

إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَ لاَ خِذْلاَنُهُ بِكَثْرَةٍ وَ لاَ بِقِلَّةٍ وَ هُوَ دِينُ اَللَّهِ اَلَّذِي أَظْهَرَهُ وَ جُنْدُهُ اَلَّذِي أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَيْثُمَا طَلَعَ وَ نَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اَللَّهِ وَ اَللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ وَ مَكَانُ اَلْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ اَلنِّظَامِ مِنَ اَلْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَ يَضُمُّهُ فَإِنِ اِنْقَطَعَ اَلنِّظَامُ تَفَرَّقَ وَ ذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً وَ اَلْعَرَبُ اَلْيَوْمَ وَ إِنْ كَانُوا قَلِيلاً فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلاَمِ عَزِيزُونَ بِالاِجْتِمَاعِ فَكُنْ قُطْباً وَ اِسْتَدِرِ اَلرَّحَى بِالْعَرَبِ وَ أَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ اَلْحَرْبِ فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ اَلْأَرْضِ اِنْتَقَضَتْ عَلَيْكَ اَلْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ اَلْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ إِنَّ اَلْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا هَذَا أَصْلُ اَلْعَرَبِ فَإِذَا اِقْتَطَعْتُمُوهُ اِسْتَرَحْتُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلْبِهِمْ عَلَيْكَ وَ طَمَعِهِمْ فِيكَ فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ اَلْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ اَلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ وَ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ اَلْمَعُونَةِ


نظام العقد الخيط الجامع له و تقول أخذته كله بحذافيره أي بأصله و أصل الحذافير أعالي الشي‏ء و نواحيه الواحد حذفار.و أصلهم نار الحرب اجعلهم صالين لها يقال صليت اللحم و غيره أصليه صليا مثل رميته أرميه رميا إذا شويته و في الحديث أنه ص أتي بشاة مصلية أي مشوية و يقال أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار و جعلته يصلاها فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت أصليته بالألف و صليته تصلية و قرئ( وَ يَصْلى‏ سَعِيراً ) و من خفف فهو من قولهم صلى فلان بالنار بالكسر يصلى صليا احترق قال الله تعالى( هُمْ أَوْلى‏ بِها صِلِيًّا ) و يقال أيضا صلى فلان بالأمر إذا قاسى حره و شدته قال الطهوي:

و لا تبلى بسالتهم و إن هم

صلوا بالحرب حينا بعد حين

و على هذا الوجه يحمل كلام أمير المؤمنين ع و هو مجاز من الإحراق و الشي‏ء الموضوع لها هذا اللفظ حقيقة.و العورات الأحوال التي يخاف انتقاضها في ثغر أو حرب قال تعالى( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ ) و الكلب الشر و الأذى

يوم القادسية

و اعلم أن هذا الكلام قد اختلف في الحال التي قاله فيها لعمر فقيل قاله له في


غزاة القادسية و قيل في غزاة نهاوند و إلى هذا القول الأخير ذهب محمد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير و إلى القول الأول ذهب المدائني في كتاب الفتوح و نحن نشير إلى ما جرى في هاتين الوقعتين إشارة خفيفة على مذهبنا في ذكر السير و الأيام.فأما وقعة القادسية فكانت في سنة أربع عشرة للهجرة استشار عمر المسلمين في أمر القادسية فأشار عليه علي بن أبي طالب في رواية أبي الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني ألا يخرج بنفسه و قال إنك إن تخرج لا يكن للعجم همة إلا استئصالك لعلمهم أنك قطب رحى العرب فلا يكون للإسلام بعدها دولة و أشار عليه غيره من الناس أن يخرج بنفسه فأخذ برأي علي ع.و روى غير المدائني أن هذا الرأي أشار به عبد الرحمن بن عوف قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري لما بدا لعمر في المقام بعد أن كان عزم على الشخوص بنفسه أمر سعد بن أبي وقاص على المسلمين و بعث يزدجرد رستم الأرمني أميرا على الفرس فأرسل سعد النعمان بن مقرن رسولا إلى يزدجرد فدخل عليه و كلمه بكلام غليظ فقال يزدجرد لو لا أن الرسل لا تقتل لقتلتك ثم حمله وقرا من تراب على رأسه و ساقه حتى أخرجه من باب من أبواب المدائن و قال ارجع إلى صاحبك فقد كتبت إلى رستم أن يدفنه و جنده من العرب في خندق القادسية ثم لأشغلن العرب بعدها بأنفسهم و لأصيبنهم بأشد مما أصابهم به سابور ذو الأكتاف فرجع النعمان إلى سعد فأخبره فقال لا تخف فإن الله قد ملكنا أرضهم تفاؤلا بالتراب.قال أبو جعفر و تثبط رستم عن القتال و كرهه و آثر المسالمة و استعجله يزدجرد مرارا و استحثه على الحرب و هو يدافع بها و يرى المطاولة و كان عسكره مائة و عشرين ألفا


و كان عسكر سعد بضعا و ثلاثين ألفا و أقام رستم بريدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسية إلى المدائن كلما تكلم رستم كلمة أداها بعضهم إلى بعض حتى تصل إلى سمع يزدجرد في وقتها و شهد وقعة القادسية مع المسلمين طليحة بن خويلد و عمرو بن معديكرب و الشماخ بن ضرار و عبدة بن الطبيب الشاعر و أوس بن معن الشاعر و قاموا في الناس ينشدونهم الشعر و يحرضونهم و قرن أهل فارس أنفسهم بالسلاسل لئلا يهربوا فكان المقرنون منهم نحو ثلاثين ألفا و التحم الفريقان في اليوم الأول فحملت الفيلة التي مع رستم على الخيل فطحنتها و ثبت لها جمع من الرجالة و كانت ثلاثة و ثلاثين فيلا منها فيل الملك و كان أبيض عظيما فضربت الرجال خراطيم الفيلة بالسيوف فقطعتها و ارتفع عواؤها و أصيب في هذا اليوم و هو اليوم الأول خمسمائة من المسلمين و ألفان من الفرس و وصل في الثاني أبو عبيدة بن الجراح من الشام في عساكر من المسلمين فكان مددا لسعد و كان هذا اليوم على الفرس أشد من اليوم الأول قتل من المسلمين ألفان و من المشركين عشرة آلاف و أصبحوا في اليوم الثالث على القتال و كان عظيما على العرب و العجم معا و صبر الفريقان و قامت الحرب ذلك اليوم و تلك الليلة جمعاء لا ينطقون كلامهم الهرير فسميت ليلة الهرير.و انقطعت الأخبار و الأصوات عن سعد و رستم و انقطع سعد إلى الصلاة و الدعاء و البكاء و أصبح الناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها و الحرب قائمة بعد إلى وقت الظهر فأرسل الله تعالى ريحا عاصفا في اليوم الرابع أمالت الغبار و النقع على العجم فانكسروا و وصلت العرب إلى سرير رستم و قد قام عنه ليركب جملا و على رأسه العلم فضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم فوقه فقطع حباله و وقع على هلال أحد العدلين فأزال فقار ظهره و مضى رستم نحو العتيق فرمى نفسه فيه و اقتحم هلال عليه فأخذ


برجله و خرج به يجره حتى ألقاه تحت أرجل الخيل و قد قتله و صعد السرير فنادى أنا هلال أنا قاتل رستم فانهزمت الفرس و تهافتوا في العقيق فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا و نهبت أموالهم و أسلابهم و كانت عظيمة جدا و أخذت العرب منهم كافورا كثيرا فلم يعبئوا به لأنهم لم يعرفوه و باعوه من قوم بملح كيلا بكيل و سروا بذلك و قالوا أخذنا منهم ملحا طيبا و دفعنا إليهم ملحا غير طيب و أصابوا من الجامات من الذهب و الفضة ما لا يقع عليه العد لكثرته فكان الرجل منهم يعرض جامين من ذهب على صاحبه ليأخذ منه جاما واحدا من فضة يعجبه بياضها و يقول من يأخذ صفراوين ببيضاء.و بعث سعد بالأنفال و الغنائم إلى عمر فكتب إلى سعد لا تتبع الفرس و قف مكانك و اتخذه منزلا فنزل موضع الكوفة اليوم و اختط مسجدها و بنى فيها الخطط للعرب

يوم نهاوند

فأما وقعة نهاوند فإن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ذكر في كتاب التاريخ أن عمر لما أراد أن يغزو العجم و جيوش كسرى و هي مجتمعة بنهاوند استشار الصحابة فقام عثمان فتشهد فقال أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم و تكتب إلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم ثم تسير أنت بأهل هذين الحرمين إلى المصرين البصرة و الكوفة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين فإنك إذا سرت


بمن معك و من عندك قل في نفسك ما تكاثر من عدد القوم و كنت أعز عزا و أكثر إنك لا تستبقي من نفسك بعد اليوم باقية و لا تمتع من الدنيا بعزيز و لا تكون منها في حرز حريز إن هذا اليوم له ما بعده فاشهد بنفسك و رأيك و أعوانك و لا تغب عنه.قال أبو جعفر و قام طلحة فقال أما بعد يا أمير المؤمنين فقد أحكمتك الأمور و عجمتك البلايا و حنكتك التجارب و أنت و شأنك و أنت و رأيك لا ننبو في يديك و لا نكل أمرنا إلا إليك فأمرنا نجب و ادعنا نطع و احملنا نركب و قدنا ننقد فإنك ولي هذا الأمر و قد بلوت و جربت و اختبرت فلم ينكشف شي‏ء من عواقب الأمور لك إلا عن خيار.

فقال علي بن أبي طالب ع أما بعد فإن هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة و لا قلة إنما هو دين الله الذي أظهره و جنده الذي أعزه و أمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ فنحن على موعود من الله و الله منجز وعده و ناصر جنده و إن مكانك منهم مكان النظام من الخرز يجمعه و يمسكه فإن انحل تفرق ما فيه و ذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا و العرب اليوم و إن كانوا قليلا فإنهم كثير عزيز بالإسلام أقم مكانك و اكتب إلى أهل الكوفة فإنهم أعلام العرب و رؤساؤهم و ليشخص منهم الثلثان و ليقم الثلث و اكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم و لا تشخص الشام و لا اليمن إنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم و إن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم و متى شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أقطارها و أطرافها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات و العيالات إن الأعاجم إن ينظروا


إليك غدا قالوا هذا أمير العرب و أصلهم فكان ذلك أشد لكلبهم عليك و أما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لسيرهم منك و هو أقدر على تغيير ما يكره و أما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة و إنما كنا نقاتل بالصبر و النصر.فقال عمر أجل هذا الرأي و قد كنت أحب أن أتابع عليه فأشيروا علي برجل أوليه ذلك الثغر قالوا أنت أفضل رأيا فقال أشيروا علي به و اجعلوه عراقيا قالوا أنت أعلم بأهل العراق و قد وفدوا عليك فرأيتهم و كلمتهم قال أما و الله لأولين أمرهم رجلا يكون عمدا لأول الأسنة قيل و من هو يا أمير المؤمنين قال النعمان بن مقرن قالوا هو لها.و كان النعمان يومئذ بالبصرة فكتب إليه عمر فولاه أمر الجيش.قال أبو جعفر كتب إليه عمر سر إلى نهاوند فقد وليتك حرب الفيروزان و كان المقدم على جيوش كسرى فإن حدث بك حدث فعلى الناس حذيفة بن اليمان فإن حدث به حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن فإن فتح الله عليكم فاقسم على الناس ما أفاء الله عليهم و لا ترفع إلي منه شيئا و إن نكث القوم فلا تراني و لا أراك و قد جعلت معك طليحة بن خويلد و عمرو بن معديكرب لعلمهما بالحرب فاستشرهما و لا تولهما شيئا.قال أبو جعفر فسار النعمان بالعرب حتى وافى نهاوند و ذلك في السنة السابعة من خلافة عمر و تراءى الجمعان و نشب القتال و حجزهم المسلمون في خنادقهم و اعتصموا بالحصون و المدن و شق على المسلمين ذلك فأشار طليحة عليه فقال أرى أن تبعث خيلا ببعض القوم و تحمشهم فإذا استحمشوا خرج بعضهم و اختلطوا بكم


فاستطردوا لهم فإنهم يطمعون بذلك ثم تعطف عليهم حتى يقضي الله بيننا و بينهم بما يحب.ففعل النعمان ذلك فكان كما ظن طليحة و انقطع العجم عن حصونهم بعض الانقطاع فلما أمعنوا في الانكشاف للمسلمين حمل النعمان بالناس فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون مثله و زلق بالنعمان فرسه فصرع و أصيب و تناول الراية نعيم أخوه فأتى حذيفة لها فدفعها إليه و كتم المسلمون مصاب أميرهم و اقتتلوا حتى أظلم الليل و رجعوا و المسلمون وراءهم فعمي عليهم قصدهم فتركوه و غشيهم المسلمون بالسيوف فقتلوا منهم ما لا يحصى و أدرك المسلمون الفيروزان و هو هارب و قد انتهى إلى ثنية مشحونة ببغال موقرة عسلا فحبسته على أجله فقتل فقال المسلمون إن لله جنودا من عسل.و دخل المسلمون نهاوند فاحتووا على ما فيها و كانت أنفال هذا اليوم عظيمة فحملت إلى عمر فلما رآها بكى فقال له المسلمون إن هذا اليوم يوم سرور و جذل فما بكاؤك قال ما أظن أن الله تعالى زوي هذا عن رسول الله ص و عن أبي بكر إلا لخير أراده بهما و لا أراه فتحه علي إلا لشر أريد بي إن هذا المال لا يلبث أن يفتن الناس.ثم رفع يده إلى السماء يدعو و يقول اللهم اعصمني و لا تكلني إلى نفسي يقولها مرارا ثم قسمه بين المسلمين عن آخره


147 و من خطبة له ع

فَبَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ اَلْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ اَلشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَ أَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ اَلْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَ لِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلاَتِ وَ اِحْتَصَدَ مَنِ اِحْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ الأوثان جمع وثن و هو الصنم و يجمع أيضا على وثن مثل أسد و آساد و أسد و سمي وثنا لانتصابه و بقائه على حال واحدة من قولك وثن فلان بالمكان فهو واثن و هو الثابت الدائم.قوله فتجلى سبحانه لهم أي ظهر من غير أن يرى بالبصر بل بما نبههم عليه في القرآن من قصص الأولين و ما حل بهم من النقمة عند مخالفة الرسل.و المثلات بضم الثاء العقوبات.فإن قلت ظاهر هذا الكلام أن الرسول ع بعث إلى الناس ليقروا بالصانع و يثبتوه و هذا خلاف قول المعتزلة لأن فائدة الرسالة عندهم هي إلطاف


المكلفين بالأحكام الشرعية المقربة إلى الواجبات العقلية و المبعدة من المقبحات العقلية و لا مدخل للرسول في معرفة البارئ سبحانه لأن العقل يوجبها و إن لم يبعث الرسل.قلت إن كثيرا من شيوخنا أوجبوا بعثة الرسل إذا كان في حثهم المكلفين على ما في العقول فائدة و هو مذهب شيخنا أبي عليرحمه‌الله فلا يمتنع أن يكون إرسال محمد ص إلى العرب و غيرهم لأن الله تعالى علم أنهم مع تنبيهه إياهم على ما هو واجب في عقولهم من المعرفة أقرب إلى حصول المعرفة فحينئذ يكون بعثه لطفا و يستقيم كلام أمير المؤمنين : وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ أَخْفَى مِنَ اَلْحَقِّ وَ لاَ أَظْهَرَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ لاَ أَكْثَرَ مِنَ اَلْكَذِبِ عَلَى اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَ لاَ أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لاَ فِي اَلْبِلاَدِ شَيْ‏ءٌ أَنْكَرَ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفَ مِنَ اَلْمُنْكَرِ فَقَدْ نَبَذَ اَلْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لاَ يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ فِي اَلنَّاسِ وَ لَيْسَا فِيهِمْ وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسَا مَعَهُمْ لِأَنَّ اَلضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ اَلْهُدَى وَ إِنِ اِجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ عَلَى اَلْفُرْقَةِ وَ اِفْتَرَقُوا عَنِ اَلْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكِتَابِ وَ لَيْسَ اَلْكِتَابُ إِمَامَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ اِسْمُهُ وَ لاَ يَعْرِفُونَ إِلاَّ خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَلُوا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اَللَّهِ فِرْيَةً وَ جَعَلُوا


فِي اَلْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ اَلسَّيِّئَةِ وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ اَلْمَوْعُودُ اَلَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ اَلْمَعْذِرَةُ وَ تُرْفَعُ عَنْهُ اَلتَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ اَلْقَارِعَةُ وَ اَلنِّقْمَةُ أخبر ع أنه سيأتي على الناس زمان من صفته كذا و كذا و قد رأيناه و رآه من كان قبلنا أيضا قال شعبة إمام المحدثين تسعة أعشار الحديث كذب.و قال الدارقطني ما الحديث الصحيح في الحديث إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود و أما غلبة الباطل على الحق حتى يخفى الحق عنده فظاهرة.و أبور أفسد من بار الشي‏ء أي هلك و السلعة المتاع و نبذ الكتاب ألقاه و لا يؤويهما لا يضمهما إليه و ينزلهما عنده.و الزبر مصدر زبرت أزبر بالضم أي كتبت و جاء يزبر بالكسر و الزبر بالكسر الكتاب و جمعه زبور مثل قدر و قدور و قرأ بعضهم وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً أي كتبا و الزبور بفتح الزاي الكتاب المزبور فعول بمعنى مفعول و قال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول أنا أعرف بزبرتي أي خطي و كتابتي.و مثلوا بالصالحين بالتخفيف نكلوا بهم مثلت بفلان أمثل بالضم مثلا بالفتح و سكون الثاء و الاسم المثلة بالضم و من روى مثلوا بالتشديد أراد جدعوهم بعد قتلهم.و على في قوله و سموا صدقهم على الله فرية ليست متعلقة بصدقهم بل بفرية


أي و سموا صدقهم فرية على الله فإن امتنع أن يتعلق حرف الجر به لتقدمه عليه و هو مصدر فليكن متعلقا بفعل مقدر دل عليه هذا المصدر الظاهر و روي و جعلوا في الحسنة العقوبة السيئة و الرواية الأولى بالإضافة أكثر و أحسن.و الموعود هاهنا الموت و القارعة المصيبة تقرع أي تلقى بشدة و قوة : أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اِسْتَنْصَحَ اَللَّهَ وُفِّقَ وَ مَنِ اِتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ فَإِنَّ جَارَ اَللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ وَ إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اَللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ فَإِنَّ رِفْعَةَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ وَ سَلاَمَةَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ اَلْحَقِّ نِفَارَ اَلصَّحِيحِ مِنَ اَلْأَجْرَبِ وَ اَلْبَارِئِ مِنْ ذِي اَلسَّقَمِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا اَلرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي تَرَكَهُ وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ اَلْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَقَضَهُ وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَبَذَهُ فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ اَلْعِلْمِ وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ هُمُ اَلَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لاَ يُخَالِفُونَ اَلدِّينَ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ من استنصح الله من أطاع أوامره و علم أنه يهديه إلى مصالحه و يرده عن مفاسده و يرشده إلى ما فيه نجاته و يصرفه عما فيه عطبه.


و التي هي أقوم يعني الحالة و الخلة التي اتباعها أقوم و هذا من الألفاظ القرآنية قال سبحانه( إِنَّ هذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) و المراد بتلك الحالة المعرفة بالله و توحيده و وعد له.ثم نهى ع عن التكبر و التعظم و قال إن رفعة القوم الذين يعرفون عظمة الله أن يتواضعوا له و ما هاهنا بمعنى أي شي‏ء و من روى بالنصب جعلها زائدة و قد ورد في ذم التعظم و التكبر ما يطول استقصاؤه و هو مذموم على العباد فكيف بمن يتعظم على الخالق سبحانه و إنه لمن الهالكين و قال رسول الله ص لما افتخر أنا سيد ولد آدم ثم قال و لا فخر فجهر بلفظة الافتخار ثم أسقط استطالة الكبر و إنما جهر بما جهر به لأنه أقامه مقام شكر النعمة و التحدث بها و في الحديث المرفوع عنه ص أن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية و فخرها بالآباء الناس بنو آدم و آدم من تراب مؤمن تقي و فاجر شقي لينتهين أقوام يفخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من جعلان تدفع النتن بأنفها.قوله و اعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه فيه تنبيه على أنه يجب البراءة من أهل الضلال و هو قول أصحابنا جميعهم فإنهم بين مكفر لمن خالف أصول التوحيد و العدل و هم الأكثرون أو مفسق و هم الأقلون و ليس أحد منهم معذورا عند أصحابنا و إن ضل بعد النظر كما لا نعذر اليهود و النصارى إذا ضلوا بعد النظر.ثم قال ع فالتمسوا ذلك عند أهله هذا كناية عنه ع و كثيرا ما يسلك هذا المسلك و يعرض هذا التعريض و هو الصادق الأمين العارف بأسرار الإلهية.


ثم ذكر أن هؤلاء الذين أمر باتباعهم ينبئ حكمهم عن علمهم و ذلك لأن الامتحان يظهر خبيئة الإنسان.ثم قال و صمتهم عن نطقهم صمت العارف أبلغ من نطق غيره و لا يخفى فضل الفاضل و إن كان صامتا.ثم ذكر أنهم لا يخالفون الدين لأنهم قوامه و أربابه و لا يختلفون فيه لأن الحق في التوحيد و العدل واحد فالدين بينهم شاهد صادق يأخذون بحكمه كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق.و صامت ناطق لأنه لا ينطق بنفسه بل لا بد له من مترجم فهو صامت في الصورة و هو في المعنى أنطق الناطقين لأن الأوامر و النواهي و الآداب كلها مبنية عليه و متفرعة عليه


148 و من كلام له ع في ذكر أهل البصرة

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو اَلْأَمْرَ لَهُ وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ لاَ يَمُتَّانِ إِلَى اَللَّهِ بِحَبْلٍ وَ لاَ يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ وَ عَمَّا قَلِيلٍ يَكْشِفُ قِنَاعَهُ بِهِ وَ اَللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا اَلَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا قَدْ قَامَتِ اَلْفِئَةُ اَلْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ اَلْمُحْتَسِبُونَ قَدْ سُنَّتَ لَهُمُ اَلسُّنَنُ وَ قُدِّمَ لَهُمُ اَلْخَبَرُ وَ لِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَ لِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ وَ اَللَّهِ لاَ أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اَللَّدْمِ يَسْمَعُ اَلنَّاعِيَ وَ يَحْضُرُ اَلْبَاكِيَ ثُمَّ لاَ يَعْتَبِرُ ضمير التثنية راجع إلى طلحة و الزبيررضي‌الله‌عنه ما و يمتان يتوسلان الماضي ثلاثي مت يمت بالضم و الضب الحقد و المحتسبون طالبو الحسبة و هي الأجر و مستمع اللدم كناية عن الضبع تسمع وقع الحجر بباب جحرها من يد الصائد فتنخذل و تكف


جوارحها إليها حتى يدخل عليها فيربطها يقول لا أكون مقرا بالضيم راغنا أسمع الناعي المخبر عن قتل عسكر الجمل لحكيم بن جبلة و أتباعه فلا يكون عندي من التغيير و الإنكار لذلك إلا أن أسمعه و أحضر الباكين على قتلاهم.و قوله لكل ضلة علة و لكل ناكث شبهة هو جواب سؤال مقدر كأنه يقول إن قيل لأي سبب خرج هؤلاء فإنه لا بد أن يكون لهم تأويل في خروجهم و قد قيل إنهم يطالبون بدم عثمان فهو ع قال كل ضلالة فلا بد لها من علة اقتضتها و كل ناكث فلا بد له من شبهة يستند إليها.و قوله لينتزعن هذا نفس هذا قول صحيح لا ريب فيه لأن الرئاسة لا يمكن أن يدبرها اثنان معا فلو صح لهما ما أراداه لوثب أحدهما على الآخر فقتله فإن الملك عقيم و قد ذكر أرباب السيرة أن الرجلين اختلفا من قبل وقوع الحرب فإنهما اختلفا في الصلاة فأقامت عائشة محمد بن طلحة و عبد الله بن الزبير يصلي هذا يوما و هذا يوما إلى أن تنقضي الحرب.ثم إن عبد الله بن الزبير ادعى أن عثمان نص عليه بالخلافة يوم الدار و احتج في ذلك بأنه استخلفه على الصلاة و احتج تارة أخرى بنص صريح زعمه و ادعاه و طلب طلحة من عائشة أن يسلم الناس عليه بالإمرة و أدلى إليها بالتيمية و أدلى الزبير إليها بأسماء أختها فأمرت الناس أن يسلموا عليهما معا بالإمرة.و اختلفا في تولي القتال فطلبه كل منهما أولا ثم نكل كل منهما عنه و تفادى منه و قد ذكرنا في الأجزاء المتقدمة قطعة صالحة من أخبار الجمل


من أخبار يوم الجمل

و روى أبو مخنف قال لما تزاحف الناس يوم الجمل و التقوا قال علي ع لأصحابه لا يرمين رجل منكم بسهم و لا يطعن أحدكم فيهم برمح حتى أحدث إليكم و حتى يبدءوكم بالقتال و بالقتل فرمى أصحاب الجمل عسكر علي ع بالنبل رميا شديدا متتابعا فضج إليه أصحابه و قالوا عقرتنا سهامهم يا أمير المؤمنين و جي‏ء برجل إليه و إنه لفي فسطاط له صغير فقيل له هذا فلان قد قتل فقال اللهم اشهد ثم قال أعذروا إلى القوم فأتي برجل آخر فقيل و هذا قد قتل فقال اللهم اشهد أعذروا إلى القوم ثم أقبل عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي و هو من أصحاب رسول الله ص يحمل أخاه عبد الرحمن بن بديل قد أصابه سهم فقتله فوضعه بين يدي علي ع و قال يا أمير المؤمنين هذا أخي قد قتل فعند ذلك استرجع علي ع و دعا بدرع رسول الله ص ذات الفضول فلبسها فتدلت بطنه فرفعها بيده و قال لبعض أهله فحزم وسطه بعمامة و تقلد ذا الفقار و دفع إلى ابنه محمد راية رسول الله ص السوداء و تعرف بالعقاب و قال لحسن و حسين ع إنما دفعت الراية إلى أخيكما و تركتكما لمكانكما من رسول الله ص.

قال أبو مخنف و طاف علي ع على أصحابه و هو يقرأ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْساءُ وَ اَلضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اَللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ )


ثم قال أفرغ الله علينا و عليكم الصبر و أعز لنا و لكم النصر و كان لنا و لكم ظهيرا في كل أمر ثم رفع مصحفا بيده فقال من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه و له الجنة فقام غلام شاب اسمه مسلم عليه قباء أبيض فقال أنا آخذه فنظر إليه علي و قال يا فتى إن أخذته فإن يدك اليمنى تقطع فتأخذه بيدك اليسرى فتقطع ثم تضرب بالسيف حتى تقتل فقال لا صبر لي على ذلك فنادى علي ثانية فقام الغلام و أعاد عليه القول و أعاد الغلام القول مرارا حتى قال الغلام أنا آخذه و هذا الذي ذكرت في الله قليل فأخذه و انطلق فلما خالطهم ناداهم هذا كتاب الله بيننا و بينكم فضربه رجل فقطع يده اليمنى فتناوله باليسرى فضربه أخرى فقطع اليسرى فاحتضنه فضربوه بأسيافهم حتى قتل فقالت أم ذريح العبدية في ذلك:

يا رب إن مسلما أتاهم

بمصحف أرسله مولاهم

للعدل و الإيمان قد دعاهم

يتلو كتاب الله لا يخشاهم

فخضبوا من دمه ظباهم

و أمهم واقفة تراهم

تأمرهم بالغي لا تنهاهم

قال أبو مخنف فعند ذلك أمر علي ع ولده محمدا أن يحمل الراية فحمل و حمل معه الناس و استحر القتل في الفريقين و قامت الحرب على ساق


مقتل طلحة و الزبير

قال فأما طلحة فإن أهل الجمل لما تضعضعوا قال مروان لا أطلب ثار عثمان من طلحة بعد اليوم فانتحى له بسهم فأصاب ساقه فقطع أكحله فجعل الدم يبض فاستدعى من مولى له بغلة فركبها و أدبر و قال لمولاه ويحك أ ما من مكان أقدر فيه على النزول فقد قتلني الدم فيقول له مولاه انج و إلا لحقك القوم فقال بالله ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي هذا حتى انتهى إلى دار من دور البصرة فنزلها و مات بها.و قد روي أنه رمي قبل أن يرميه مروان و جرح في غير موضع من جسده.

و روى أبو الحسن المدائني أن عليا ع مر بطلحة و هو يكيد بنفسه فوقف عليه و قال أما و الله إن كنت لأبغض أن أراكم مصرعين في البلاد و لكن ما حتم واقع ثم تمثل:

و ما تدري إذا أزمعت أمرا

بأي الأرض يدركك المقيل

و ما يدري الفقير متى غناه

و لا يدري الغني متى يعيل


و ما تدري إذا ألقحت شولا

أ تنتج بعد ذلك أم تحيل

و أما الزبير فقتله ابن جرموز غيلة بوادي السباع و هو منصرف عن الحرب نادم على ما فرط منه و تقدم ذكر كيفية قتله فيما سبق.و روى الكلبي قال كان العرق الذي أصابه السهم إذا أمسكه طلحة بيده استمسك و إذا رفع يده عنه سال فقال طلحة هذا سهم أرسله الله تعالى و كان أمر الله قدرا مقدورا ما رأيت كاليوم دم قرشي أضيع.قال و كان الحسن البصري إذا سمع هذا و حكي له يقول ذق عقعق.و روى أبو مخنف عن عبد الله بن عون عن نافع قال سمعت مروان بن الحكم يقول أنا قتلت طلحة.و قال أبو مخنف و قد قال عبد الملك بن مروان لو لا أن أبي أخبرني أنه رمى طلحة فقتله ما تركت تيميا إلا قتلته بعثمان قال يعني أن محمد بن أبي بكر و طلحة قتلاه و كانا تيميين.قال أبو مخنف و حدثنا عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله قال مررت بطلحة و إن معه عصابة يقاتل بهم و قد فشت فيهم الجراح و كثرهم الناس فرأيته جريحا و السيف في يده و أصحابه يتصدعون عنه رجلا فرجلا و اثنين فاثنين و أنا أسمعه و هو يقول عباد الله الصبر الصبر فإن بعد الصبر النصر و الأجر


فقلت له النجاء النجاء ثكلتك أمك فو الله ما أجرت و لا نصرت و لكنك وزرت و خسرت ثم صحت بأصحابه فانذعروا عنه و لو شئت أن أطعنه لطعنته فقلت له أما و الله لو شئت لجدلتك في هذا الصعيد فقال و الله لهلكت هلاك الدنيا و الآخرة إذن فقلت له و الله لقد أمسيت و إن دمك لحلال و إنك لمن النادمين فانصرف و معه ثلاثة نفر و ما أدري كيف كان أمره إلا أني أعلم أنه قد هلك.و روي أن طلحة قال ذلك اليوم ما كنت أظن أن هذه الآية نزلت فينا( وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) .و روى المدائني قال لما أدبر طلحة و هو جريح يرتاد مكانا ينزله جعل يقول لمن يمر به من أصحاب علي ع أنا طلحة من يجيرني يكررها قال فكان الحسن البصري إذا ذكر ذلك يقول لقد كان في جوار عريض


149 و من كلام له ع قبل موته

أَيُّهَا اَلنَّاسُ كُلُّ اِمْرِئٍ لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ اَلْأَجَلُ مَسَاقُ اَلنَّفْسِ وَ اَلْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ اَلْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا اَلْأَمْرِ فَأَبَى اَللَّهُ إِلاَّ إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللَّهَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ مُحَمَّداً ص فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ اَلْعَمُودَيْنِ وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ اَلْمِصْبَاحَيْنِ وَ خَلاَكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا حُمِّلَ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ وَ خُفِّفَ عَنِ اَلْجَهَلَةِ رَبٌّ رَحِيمٌ وَ دِينٌ قَوِيمٌ وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ أَنَا اَلْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ غَفَرَ اَللَّهُ لِي وَ لَكُمْ إِنْ ثَبَتَتِ اَلْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ اَلْمَزَلَّةِ فَذَاكَ وَ إِنْ تَدْحَضِ اَلْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ وَ مَهَبِّ مَهَابِّ رِيَاحٍ وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اِضْمَحَلَّ فِي اَلْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وَ عَفَا فِي اَلْأَرْضِ مَخَطُّهَا وَ إِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلاَءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وَ صَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظَكُمْ هُدُوئِي لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي وَ خُفُوتُ إِطْرَاقِي وَ سُكُونُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ اَلْمَنْطِقِ اَلْبَلِيغِ وَ اَلْقَوْلِ اَلْمَسْمُوعِ


وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ اِمْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلاَقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَ يَكْشِفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي وَ تَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَ قِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي أطردت الرجل إذا أمرت بإخراجه و طرده و طردته إذا نفيته و أخرجته فالإطراد أدل على العز و القهر من الطرد و كأنه ع جعل الأيام أشخاصا يأمر بإخراجهم و إبعادهم عنه أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي و أي وقت يكون بعينه و في أي أرض يكون يوما يوما فإذا لم أجده في اليوم أطردته و استقبلت غده فأبحث فيه أيضا فلا أعلم فأبعده و أطرده و أستأنف يوما آخر هكذا حتى وقع المقدور و هذا الكلام يدل على أنه لم يكن يعرف حال قتله معرفة مفصلة من جميع الوجوه و أن رسول الله ص أعلمه بذلك علما مجملا لأنه قد ثبت أنه ص قال له ستضرب على هذه و أشار إلى هامته فتخضب منها هذه و أشار إلى لحيته و ثبت أنه ص قال له أ تعلم من أشقى الأولين قال نعم عاقر الناقة فقال له أ تعلم من أشقى الآخرين قال لا قال من يضربك هاهنا فيخضب هذه.و كلام أمير المؤمنين ع يدل على أنه بعد ضرب ابن ملجم له لا يقطع على أنه يموت من ضربته أ لا تراه يقول إن ثبتت الوطأة في هذه المزلة فذاك و إن تدحض فإنما كنا في أفياء أغصان و مهاب رياح أي إن سلمت فذاك الذي تطلبونه يخاطب أهله و أولاده و لا ينبغي أن يقال فذاك ما أطلبه لأنه ع كان يطلب الآخرة


أكثر من الدنيا و في كلامه المنقول عنه ما يؤكد ما قلناه و هو قوله إن عشت فأنا ولي دمي و إن مت فضربة بضربة.و ليس قوله ع و أنا اليوم عبرة لكم و غدا مفارقكم و ما يجري مجراه من ألفاظ الفصل بناقض لما قلناه و ذلك لأنه لا يعني غدا بعينه بل ما يستقبل من الزمان كما يقول الإنسان الصحيح أنا غدا ميت فما لي أحرص على الدنيا و لأن الإنسان قد يقول في مرضه الشديد لأهله و ولده ودعتكم و أنا مفارقكم و سوف يخلو منزلي مني و تتأسفون على فراقي و تعرفون موضعي بعدي كله على غلبة الظن و قد يقصد الصالحون به العظة و الاعتبار و جذب السامعين إلى جانب التقوى و ردعهم عن الهوى و حب الدنيا.فإن قلت فما تصنع بقوله ع لابن ملجم:

أريد حباءه و يريد قتلي

عذيرك من خليلك من مراد

و قول الخلص من شيعته فهلا تقتله فقال فكيف أقتل قاتلي و تارة قال إنه لم يقتلني فكيف أقتل من لم يقتل و كيف قال في البط الصائح خلفه في المسجد ليلة ضربه ابن ملجم

دعوهن فإنهن نوائح و كيف قال تلك الليلة

إني رأيت رسول الله ص فشكوت إليه و قلت ما لقيت من أمتك من الأود و اللدد فقال ادع الله عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرا مني و كيف قال إني لا أقتل محاربا و إنما أقتل فتكا و غيلة يقتلني رجل خامل الذكر.و قد جاء عنه ع من هذا الباب آثار كثيرة.قلت كل هذا لا يدل على أنه كان يعلم الأمر مفصلا من جميع الوجوه أ لا ترى أنه


ليس في الأخبار و الآثار ما يدل على الوقت الذي يقتل فيه بعينه و لا على المكان الذي يقتل فيه بعينه و أما ابن ملجم فمن الجائز أن يكون علم أنه هو الذي يقتله و لم يعلم علما محققا أن هذه الضربة تزهق نفسه الشريفة منها بل قد كان يجوز أن يبل و يفيق منها ثم يكون قتله فيما بعد على يد ابن ملجم و إن طال الأمد و ليس هذا بمستحيل و قد وقع مثله فإن عبد الملك جرح عمرو بن سعيد الأشدق في أيام معاوية على منافرة كانت بينهما فعفا عمرو عنه ثم كان من القضاء و القدر أن عبد الملك قتل عمرا أيضا بيده ذبحا كما تذبح الشاة.و أما قوله في البط دعوهن فإنهن نوائح فلعله علم أنه تلك الليلة يصاب و يجرح و إن لم يعلم أنه يموت منه و النوائح قد ينحن على المقتول و قد ينحن على المجروح و المنام و الدعاء لا يدل على العلم بالوقت بعينه و لا يدل على أن إجابة دعائه تكون على الفور لا محالة.ثم نعود إلى الشرح أما قوله كل امرئ لاق ما يفر منه في فراره أي إذا كان مقدورا و إلا فقد رأينا من يفر من الشي‏ء و يسلم لأنه لم يقدر و هذا من قوله تعالى( وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ و قوله لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ ) و من قوله تعالى( قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) و في القرآن العزيز مثل هذا كثير.قوله و الأجل مساق النفس أي الأمر الذي تساق إليه و تنتهي عنده و تقف إذا بلغته فلا يبقى له حينئذ أكلة في الدنيا.


قوله و الهرب منه موافاته هذا كلام خارج مخرج المبالغة في عدم النجاة و كون الفرار غير مغن و لا عاصم من الموت يقول الهرب بعينه من الموت موافاة للموت أي إتيان إليه كأنه لم يرتض بأن يقول الهارب لا بد أن ينتهي إلى الموت بل جعل نفس الهرب هو ملاقاة الموت.قوله أبحثها أي أكشفها و أكثر ما يستعمل بحث معدى بحرف الجر و قد عداه هاهنا إلى الأيام بنفسه و إلى مكنون الأمر بحرف الجر و قد جاء بحثت الدجاجة التراب أي نبشته.قوله فأبى الله إلا إخفاءه هيهات علم مخزون تقديره هيهات ذلك مبتدأ و خبره هيهات اسم للفعل معناها بعد أي علم هذا العيب علم مخزون مصون لم أطلع عليه.فإن قلت ما معنى قوله كم أطردت الأيام أبحثها و هل علم الإنسان بموته كيف يكون و في أي وقت يكون و في أي أرض يكون مما يمكن استدراكه بالنظر و الفكر و البحث.قلت مراده ع أني كنت في أيام رسول الله ص أسأله كثيرا عن هذا الغيب فما أنبأني منه إلا بأمور إجمالية غير مفصلة و لم يأذن الله تعالى في اطلاعي على تفاصيل ذلك.قوله فالله لا تشركوا به شيئا الرواية المشهورة فالله بالنصب و كذلك محمدا بتقدير فعل لأن الوصية تستدعي الفعل بعدها أي وحدوا الله و قد روي بالرفع و هو جائز على المبتدأ و الخبر.قوله أقيموا هذين العمودين و أوقدوا هذين المصباحين و خلاكم ذم ما لم تشردوا كلام داخل في باب الاستعارة شبه الكتاب و السنة بعمودي الخيمة و بمصباحين


يستضاء بهما و خلاكم ذم كلمة جارية مجرى المثل معناها و لا ذم عليكم فقد أعذرتم و ذم مرفوع بالفاعلية معناه عداكم و سقط عنكم.فإن قلت إذا لم يشركوا بالله و لم يضيعوا سنة محمد ص فقد قاموا بكل ما يجب و انتهوا عن كل ما يقبح فأي حاجة له إلى أن يستثني و يقول ما لم تشردوا و إنما كان يحتاج إلى هذه اللفظة لو قال وصيتي إليكم أن توحدوا الله و تؤمنوا بنبوة محمد ص كان حينئذ يحتاج إلى قوله ما لم تشردوا و يكون مراده بها فعل الواجبات و تجنب المقبحات لأنه ليس في الإقرار بالوحدانية و الرسالة العمل بل العمل خارج عن ذلك فوجب إذا أوصى أن يوصي بالاعتقاد و العمل كما قال عمر لأبي بكر في واقعة أهل الردة كيف تقاتلهم و هم مقرون بالشهادتين و قد قال رسول الله ص أمرت بأن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال أبو بكر إنه قال تتمة هذا فإذا هم قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و أداء الزكاة من حقها.قلت مراده بقوله ما لم تشردوا ما لم ترجعوا عن ذلك فكأنه قال خلاكم ذم إن وحدتم الله و اتبعتم سنة رسوله و دمتم على ذلك و لا شبهة أن هذا الكلام منتظم و أن اللفظتين الأوليين ليستا بمغنيتين عن اللفظة الثالثة و بتقدير أن يغنيا عنه فإن في ذكره مزيد تأكيد و إيضاح غير موجودين لو لم يذكر و هذا كقوله تعالى( وَ مَنْ يُطِعِ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اَللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ اَلْفائِزُونَ ) و ليس لقائل أن يقول من لا يخشى الله لا يكون مطيعا لله و الرسول و أي حاجة به إلى ذكر ما قد أغنى اللفظ الأول عنه قوله حمل كل امرئ مجهوده و خفف عن الجهلة هذا كلام متصل بما قبله


لأنه لما قال ما لم تشردوا أنبأ عن تكليفهم كل ما وردت به السنة النبوية و أن يدوموا عليه و هذا في الظاهر تكليف أمور شاقة فاستدرك بكلام يدل على التخفيف فقال إن التكاليف على قدر المكلفين فالعلماء تكليفهم غير تكليف العامة و أرباب الجهل و المبادئ كالنساء و أهل البادية و طوائف من الناس الغالب عليهم البلادة و قلة الفهم كأقاصي الحبشة و الترك و نحوهم و هؤلاء عند المكلفين غير مكلفين إلا بحمل التوحيد و العدل بخلاف العلماء الذين تكليفهم الأمور المفصلة و حل المشكلات الغامضة و قد روي حمل على صيغة الماضي و مجهوده بالنصب و خفف على صيغة الماضي أيضا و يكون الفاعل هو الله تعالى المقدم ذكره و الرواية الأولى أكثر و أليق.ثم قال رب رحيم أي ربكم رب رحيم و دين قويم أي مستقيم و إمام عليم يعني رسول الله ص و من الناس من يجعل رب رحيم فاعل خفف على رواية من رواها فعلا ماضيا و ليس بمستحسن لأن عطف الدين عليه يقتضي أن يكون الدين أيضا مخففا و هذا لا يصح.ثم دعا لنفسه و لهم بالغفران.ثم قسم الأيام الماضية و الحاضرة و المستقبلة قسمة حسنة فقال أنا بالأمس صاحبكم و أنا اليوم عبرة لكم و غدا مفارقكم إنما كان عبرة لهم لأنهم يرونه بين أيديهم ملقى صريعا بعد أن صرع الأبطال و قتل الأقران فهو كما قال الشاعر:

أكال أشلاء الفوارس بالقنا

أضحى بهن و شلوه مأكول

و يقال دحضت قدم فلان أي زلت و زلقت.ثم شبه وجوده في الدنيا بأفياء الأغصان و مهاب الرياح و ظلال الغمام لأن ذلك كله سريع الانقضاء لا ثبات له.


قوله اضمحل في الجو متلفقها و عفا في الأرض مخطها اضمحل ذهب و الميم زائدة و منه الضحل و هو الماء القليل و اضمحل السحاب تقشع و ذهب و في لغة الكلابيين امضحل الشي‏ء بتقديم الميم و متلفقها مجتمعها أي ما اجتمع من الغيوم في الجو و التلفيق الجمع و عفا درس و مخطها أثرها كالخطة.قوله و إنما كنت جارا جاوركم بدني أياما في هذا الكلام إشعار بما يذهب إليه أكثر العقلاء من أمر النفس و أن هوية الإنسان شي‏ء غير هذا البدن.و قوله ستعقبون مني أي إنما تجدون عقيب فقدي جثة يعني بدنا خلاء أي لا روح فيه بل قد أقفر من تلك المعاني التي كنتم تعرفونها و هي العقل و النطق و القوة و غير ذلك ثم وصف تلك الجثة فقال ساكنة بعد حراك بالفتح أي بعد حركة و صامتة بعد نطق و هذا الكلام أيضا يشعر بما قلناه من أمر النفس بل يصرح بذلك أ لا تراه قال ستعقبون مني جثة أي تستبدلون بي جثة صفتها كذا و تلك الجثة جثته ع و محال أن يكون العوض و المعوض عنه واحدا فدل على أن هويته ع التي أعقبنا منها الجنة غير الجثة.قوله ليعظكم هدوي أي سكوني و خفوت إطراقي مثله خفت خفوتا سكن و خفت خفاتا مات فجأة و إطراقه إرخاؤه عينيه ينظر إلى الأرض لضعفه عن رفع جفنه و سكون أطرافه يداه و رجلاه و رأسه ع.قال فإنه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ و القول المسموع و صدق ع فإن خطبا أخرس ذلك اللسان و هد تلك القوى لخطب جليل و يجب أن يتعظ العقلاء به و ما عسى يبلغ قول الواعظين بالإضافة إلى من شاهد تلك الحال بل بالإضافة إلى من سمعها و أفكر فيها فضلا عن مشاهدتها عيانا و في هذا الكلام شبه من كلام الحكماء الذين تكلموا عند تابوت الإسكندر فقال أحدهم حركنا بسكونه


و قال الآخر قد كان سيفك لا يجف و كانت مراقيك لا ترام و كانت نقماتك لا تؤمن و كانت عطاياك يفرح بها و كان ضياؤك لا ينكشف فأصبح ضوؤك قد خمد و أصبحت نقماتك لا تخشى و عطاياك لا ترجى و مراقيك لا تمنع و سيفك لا يقطع.و قال الآخر انظروا إلى حلم المنام كيف انجلى و إلى ظل الغمام كيف انسلى و قال آخر ما كان أحوجه إلى هذا الحلم و إلى هذا الصبر و السكون أيام حياته و قال آخر القدرة العظيمة التي ملأت الدنيا العريضة الطويلة طويت في ذراعين.و قال الآخر أصبح آسر الأسراء أسيرا و قاهر الملوك مقهورا كان بالأمس مالكا فصار اليوم هالكا.ثم قال ع ودعتكم وداع امرئ مرصد للتلاقي أرصدته لكذا أي أعددته له و في الحديث إلا أن أرصده لدين علي و التلاقي هاهنا لقاء الله و يروى وداعيكم أي وداعي إياكم و الوداع مفتوح الواو.ثم قال غدا ترون أيامي و يكشف لكم عن سرائري و تعرفونني بعد خلو مكاني و قيام غيري مقامي هذا معنى قد تداوله الناس قديما و حديثا قال أبو تمام:

راحت وفود الأرض عن قبره

فارغة الأيدي ملاء القلوب

قد علمت ما رزئت إنما

يعرف قدر الشمس بعد الغروب

و قال أبو الطيب:

و نذمهم و بهم عرفنا فضله

و بضدها تتبين الأشياء


و من أمثالهم

الضد يظهر حسنة الضد

و منها أيضا لو لا مرارة المرض لم تعرف حلاوة العافية.و إنما قال ع و يكشف لكم عن سرائري لأنهم بعد فقده و موته يظهر لهم و يثبت عندهم إذا رأوا و شاهدوا إمرة من بعده أنه إنما كان يريد بتلك الحروب العظيمة وجه الله تعالى و ألا يظهر المنكر في الأرض و إن ظن قوم في حياته أنه كان يريد الملك و الدنيا


150 و من خطبة له ع و يومئ فيها إلى الملاحم

وَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالاً ظَعْناً فِي مَسَالِكِ اَلْغَيِّ وَ تَرْكاً لِمَذَاهِبِ اَلرُّشْدِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ وَ لاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِي‏ءُ بِهِ اَلْغَدُ فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ وَ مَا أَقْرَبَ اَلْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ وَ دُنُوٌّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ أَلاَ وَ إِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ اَلصَّالِحِينَ لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً وَ يُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً وَ يَصْدَعَ شَعْباً وَ يَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ اَلنَّاسِ لاَ يُبْصِرُ اَلْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ اَلْقَيْنِ اَلنَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ وَ يُغْبَقُونَ كَأْسَ اَلْحِكْمَةِ بَعْدَ اَلصَّبُوحِ يذكر ع قوما من فرق الضلال أخذوا يمينا و شمالا أي ضلوا عن الطريق الوسطى التي هي منهاج الكتاب و السنة و ذلك لأن كل فضيلة و حق فهو محبوس بطرفين خارجين عن العدالة و هما جانبا الإفراط و التفريط كالفطانة التي هي محبوسة


بالجربزة و الغباوة و الشجاعة التي هي محبوسة بالتهور و الجبن و الجود المحبوس بالتبذير و الشح فمن لم يقع على الطريق الوسطى و أخذ يمينا و شمالا فقد ضل.ثم فسر قوله أخذ يمينا و شمالا فقال ظعنوا ظعنا في مسالك الغي و تركوا مذاهب الرشد تركا و نصب تركا و ظعنا على المصدرية و العامل فيهما من غير لفظهما و هو قوله أخذوا.ثم نهاهم عن استعجال ما هو معد و لا بد من كونه و وجوده و إنما سماه كائنا لقرب كونه كما قال تعالى( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) و نهاهم أن يستبطئوا ما يجي‏ء في الغد لقرب وقوعه كما قال:

و إن غدا للناظرين قريب

و قال الآخر

غد ما غد ما أقرب اليوم من غد

و قال تعالى( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) .ثم قال كم من مستعجل أمرا و يحرص عليه فإذا حصل ود أنه لم يحصل قال أبو العتاهية:

من عاش لاقى ما يسوء

من الأمور و ما يسر

و لرب حتف فوقه

ذهب و ياقوت و در

و قال آخر:

فلا تتمنين الدهر شيئا

فكم أمنية جلبت منية


و قال تعالى( وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) و تباشير الصبح أوائله.ثم قال يا قوم قد دنا وقت القيامة و ظهور الفتن التي تظهر أمامها.و إبان الشي‏ء بالكسر و التشديد وقته و زمانه و كنى عن تلك الأهوال بقوله و دنو من طلعة ما لا تعرفون لأن تلك الملاحم و الأشراط الهائلة غير معهود مثلها نحو دابة الأرض و الدجال و فتنته و ما يظهر على يده من المخاريق و الأمور الموهمة و واقعة السفياني و ما يقتل فيها من الخلائق الذين لا يحصى عددهم.ثم ذكر أن مهدي آل محمد ص و هو الذي عنى بقوله و إن من أدركها منا يسري في ظلمات هذه الفتن بسراج منير و هو المهدي و أتباع الكتاب و السنة.و يحذو فيها يقتفي و يتبع مثال الصالحين ليحل في هذه الفتن و ربقا أي حبلا معقودا.و يعتق رقا أي يستفك أسرى و ينقذ مظلومين من أيدي ظالمين و يصدع شعبا أي يفرق جماعة من جماعات الضلال و يشعب صدعا يجمع ما تفرق من كلمة أهل الهدى و الإيمان.قوله ع في سترة عن الناس هذا الكلام يدل على استتار هذا الإنسان المشار إليه و ليس ذلك بنافع للإمامية في مذهبهم و إن ظنوا أنه تصريح بقولهم و ذلك لأنه من الجائز أن يكون هذا الإمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان و يكون مستترا مدة و له دعاة يدعون إليه و يقررون أمره ثم يظهر بعد ذلك الاستتار و يملك الممالك


و يقهر الدول و يمهد الأرض كما ورد في قوله لا يبصر القائف أي هو في استتار شديد لا يدركه القائف و هو الذي يعرف الآثار و الجمع قافة و لا يعرف أثره و لو استقصى في الطلب و تابع النظر و التأمل.و يقال شحذت السكين أشحذه شحذا أي حددته يريد ليحرضن في هذه الملاحم قوم على الحرب و قتل أهل الضلال و لتشحذن عزائمهم كما يشحذ الصيقل السيف و يرقق حده.ثم وصف هؤلاء القوم المشحوذي العزائم فقال تجلى بصائرهم بالتنزيل أي يكشف الرين و الغطاء عن قلوبهم بتلاوة القرآن و إلهامهم تأويله و معرفة أسراره.ثم صرح بذلك فقال و يرمى بالتفسير في مسامعهم أي يكشف لهم الغطاء و تخلق المعارف في قلوبهم و يلهمون فهم الغوامض و الأسرار الباطنة و يغبقون كأس الحكم بعد الصبوح أي لا تزال المعارف الربانية و الأسرار الإلهية تفيض عليهم صباحا و مساء فالغبوق كناية عن الفيض الحاصل لهم في الآصال و الصبوح كناية عما يحصل لهم منه في الغدوات و هؤلاء هم العارفون الذين جمعوا بين الزهد و الحكمة و الشجاعة و حقيق بمثلهم أن يكونوا أنصارا لولي الله الذي يجتبيه و يخلقه في آخر أوقات الدنيا فيكون خاتمة أوليائه و الذي يلقى عصا التكليف عنده : مِنْهَا وَ طَالَ اَلْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا اَلْخِزْيَ وَ يَسْتَوْجِبُوا اَلْغِيَرَ حَتَّى إِذَا اِخْلَوْلَقَ


اَلْأَجَلُ وَ اِسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى اَلْفِتَنِ وَ اِشْتَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اَللَّهِ بِالصَّبْرِ وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي اَلْحَقِّ حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ اَلْقَضَاءِ اِنْقِطَاعَ مُدَّةِ اَلْبَلاَءِ حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ هذا الكلام يتصل بكلام قبله لم يذكره الرضيرحمه‌الله و هو وصف فئة ضالة قد استولت و ملكت و أملى لها الله سبحانه قال ع و طال الأمد بهم ليستكملوا الخزي و يستوجبوا الغير أي النعم التي يغيرها بهم من نعم الله سبحانه كما قال( وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) و كما قال تعالى( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) .حتى إذا اخلولق الأجل أي قارب أمرهم الانقضاء من قولك اخلولق السحاب أي استوى و صار خليقا بأن يمطر و اخلولق الرسم استوى مع الأرض.و استراح قوم إلى الفتن أي صبا قوم من شيعتنا و أوليائنا إلى هذه الفئة و استراحوا إلى ضلالها و فتنتها و اتبعوها.و اشتالوا عن لقاح حربهم أي رفعوا أيديهم و سيوفهم عن أن يشبوا الحرب بينهم و بين هذه الفئة مهادنة لها و سلما و كراهية للقتال يقال شال فلان كذا أي رفعه و اشتال افتعل هو في نفسه كقولك حجم زيد عمرا و احتجم هو نفسه و لقاح حربهم هو بفتح اللام مصدر من لقحت الناقة.قوله لم يمنوا هذا جواب قوله حتى إذا و الضمير في يمنوا راجع إلى


العارفين الذين تقدم ذكرهم في الفصل السابق ذكره يقول حتى إذا ألقى هؤلاء السلام إلى هذه الفئة عجزا عن القتال و استراحوا من منابذتهم بدخولهم في ضلالتهم و فتنتهم إما تقية منهم أو لشبهة دخلت عليهم أنهض الله تعالى هؤلاء العارفين الشجعان الذين خصهم بحكمته و أطلعهم على أسرار ملكوته فنهضوا و لم يمنوا على الله تعالى بصبرهم و لم يستعظموا أن يبذلوا في الحق نفوسهم قال حتى إذا وافق قضاء الله تعالى و قدره كي ينهض هؤلاء بقضاء الله و قدره في انقضاء مدة تلك الفئة و ارتفاع ما كان شمل الخلق من البلاء بملكها و إمرتها حمل هؤلاء العارفون بصائرهم على أسيافهم و هذا معنى لطيف يعني أنهم أظهروا بصائرهم و عقائدهم و قلوبهم للناس و كشفوها و جردوها من أجفانها مع تجريد السيوف من أجفانها فكأنها شي‏ء محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف و لا ريب أن السيوف المجردة من أجلى الأجسام للأبصار فكذلك ما يكون محمولا عليها و من الناس من فسر هذا الكلام فقال أراد بالبصائر جمع بصيرة و هو الدم فكأنه أراد طلبوا ثأرهم و الدماء التي سفكتها هذه الفئة و كأن تلك الدماء المطلوب ثأرها محمولة على أسيافهم التي جردوها للحرب و هذا اللفظ قد قاله بعض الشعراء المتقدمين بعينه:

راحوا بصائرهم على أكتافهم

و بصيرتي يعدو بها عتد وأى

و فسره أبو عمرو بن العلاء فقال يريد أنهم تركوا دم أبيهم و جعلوه خلفهم أي لم يثأروا به و أنا طلبت ثأري و كان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول في هذا البيت البصيرة الترس أو الدرع و يرويه حملوا بصائرهم


حَتَّى إِذَا قَبَضَ اَللَّهُ رَسُولَهُ رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى اَلْأَعْقَابِ وَ غَالَتْهُمُ اَلسُّبُلُ وَ اِتَّكَلُوا عَلَى اَلْوَلاَئِجِ وَ وَصَلُوا غَيْرَ اَلرَّحِمِ وَ هَجَرُوا اَلسَّبَبَ اَلَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ وَ نَقَلُوا اَلْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي اَلْحَيْرَةِ وَ ذَهَلُوا فِي اَلسَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى اَلدُّنْيَا رَاكِنٍ أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ رجعوا على الأعقاب تركوا ما كانوا عليه قال سبحانه( وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللَّهَ شَيْئاً ) .و غالتهم السبل أهلكهم اختلاف الآراء و الأهواء غاله كذا أي أهلكه و السبل الطرق.و الولائج جمع وليجة و هي البطانة يتخذها الإنسان لنفسه قال سبحانه( وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) .و وصلوا غير الرحم أي غير رحم رسول الله ص فذكرها ع


ذكرا مطلقا غير مضاف للعلم بها كما يقول القائل أهل البيت فيعلم السامع أنه أراد أهل بيت الرسول.و هجروا السبب يعني أهل البيت أيضا و هذه إشارة إلى

قول النبي ص خلفت فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فعبر أمير المؤمنين عن أهل البيت بلفظ السبب لما كان النبي ص قال حبلان و السبب في اللغة الحبل.عنى بقوله أمروا بمودته قول الله تعالى( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ ) .قوله و نقلوا البناء عن رص أساسه الرص مصدر رصصت الشي‏ء أرصه أي ألصقت بعضه ببعض و منه قوله تعالى( كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) و تراص القوم في الصف أي تلاصقوا فبنوه في غير موضعه و نقلوا الأمر عن أهله إلى غير أهله.ثم ذمهم ع و قال إنهم معادن كل خطيئة و أبواب كل ضارب في غمرة الغمرة الضلال و الجهل و الضارب فيها الداخل المعتقد لها.قد ماروا في الحيرة مار يمور إذا ذهب و جاء فكأنهم يسبحون في الحيرة كما يسبح الإنسان في الماء.و ذهل فلان بالفتح يذهل على سنة من آل فرعون أي على طريقة و آل فرعون أتباعه قال تعالى( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذابِ )


من منقطع إلى الدنيا لا هم له غيرها راكن مخلد إليها قال الله تعالى( وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا ) أو مفارق للدين مباين مزايل.فإن قلت أي فرق بين الرجلين و هل يكون المنقطع إلى الدنيا إلا مفارقا للدين قلت قد يكون في أهل الضلال من هو مفارق للدين مباين و ليس براكن إلى الدنيا و لا منقطع إليها كما نرى كثيرا من أحبار النصارى و رهبانهم.فإن قلت أ ليس هذا الفصل صريحا في تحقيق مذهب الإمامية قلت لا بل نحمله على أنه عنى ع أعداءه الذين حاربوه من قريش و غيرهم من أفناء العرب في أيام صفين و هم الذين نقلوا البناء و هجروا السبب و وصلوا غير الرحم و اتكلوا على الولائج و غالتهم السبل و رجعوا على الأعقاب كعمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و مروان بن الحكم و الوليد بن عقبة و حبيب بن مسلمة و بسر بن أرطاة و عبد الله بن الزبير و سعيد بن العاص و حوشب و ذي الكلاع و شرحبيل بن السمط و أبي الأعور السلمي و غيرهم ممن تقدم ذكرنا له في الفصول المتعلقة بصفين و أخبارها فإن هؤلاء نقلوا الإمامة عنه ع إلى معاوية فنقلوا البناء عن رص أصله إلى غير موضعه.فإن قلت لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأولته لأنه قال ع حتى إذا قبض الله رسوله رجع قوم على الأعقاب فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرسول ص و ما ذكرته أنت كان بعد قبض الرسول بنيف و عشرين سنة.قلت ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لما مات رسول الله ص و أضمروا في أنفسهم مشاقة أمير المؤمنين و أذاه و قد كان فيهم من


يتحكك به في أيام أبي بكر و عمر و عثمان و يتعرض له و لم يكن أحد منهم و لا من غيرهم يقدم على ذلك في حياة رسول الله و لا يمتنع أيضا أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام بالكلية فإن كثيرا من أصحابنا يطعنون في إيمان بعض من ذكرناه و يعدونهم من المنافقين و قد كان سيف رسول الله ص يقمعهم و يردعهم عن إظهار ما في أنفسهم من النفاق فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك خصوصا فيما يتعلق بأمير المؤمنين الذي ورد في حقه ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ببغض علي بن أبي طالب و هو خبر محقق مذكور في الصحاح.فإن قلت يمنعك من هذا التأويل قوله و نقلوا البناء عن رص أساسه فجعلوه في غير موضعه و ذلك لأن إذا ظرف و العامل فيها قوله رجع قوم على الأعقاب و قد عطف عليه قوله و نقلوا البناء فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في الظرف المذكور و هو وقت قبض الرسول وجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في ذلك الوقت أيضا لأن أحد الفعلين معطوف على الآخر و لم ينقل أحد وقت قبض الرسول ص البناء إلى معاوية عن أمير المؤمنين ع و إنما نقل عنه إلى شخص آخر و في إعطاء العطف حقه إثبات مذهب الإمامية صريحا.قلت إذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا وقت قبض النبي ص فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظرف و لا يجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في تلك الحال أيضا بل يجوز أن يكون واقعا في زمان آخر إما بأن تكون الواو للاستئناف لا للعطف أو بأن تكون للعطف في مطلق الحدث لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزمان المخصوص كقوله تعالى( حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ


يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ ) فالعامل في الظرف استطعما و يجب أن يكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة و لا يجب أن تكون جميع الأفعال المذكورة المعطوفة واقعة حال الإتيان أيضا أ لا ترى أن من جملتها فأقامه و لم يكن إقامة الجدار حال إتيانهما القرية بل متراخيا عنه بزمان ما اللهم إلا أن يقول قائل أشار بيده إلى الجدار فقام أو قال له قم فقام لأنه لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنا للإتيان إلا على هذا الوجه و هذا لم يكن و لا قاله مفسر و لو كان قد وقع على هذا الوجه لما قال له( لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) لأن الأجر إنما يكون على اعتمال عمل فيه مشقة و إنما يكون فيه مشقة إذا بناه بيده و باشره بجوارحه و أعضائه.و اعلم أنا نحمل كلام أمير المؤمنين ع على ما يقتضيه سؤدده الجليل و منصبه العظيم و دينه القويم من الإغضاء عما سلف ممن سلف فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر فإما أن يكون ما كانوا فيه حقهم أو حقه فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة أو لما رآه من المصلحة و على كلا التقديرين فالواجب علينا أن نطبق بين آخر أفعاله و أقواله بالنسبة إليهم و بين أولها فإن بعد تأويل ما يتأوله من كلامه ليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد و العدل الآيات المتشابهة في القرآن و لم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الأصول المقررة فكذلك هاهنا


151 و من خطبة له ع

وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ اَلشَّيْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ وَ اَلاِعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِيبُهُ وَ صَفْوَتُهُ لاَ يُؤَازَى فَضْلُهُ وَ لاَ يُجْبَرُ فَقْدُهُ أَضَاءَتْ بِهِ اَلْبِلاَدُ بَعْدَ اَلضَّلاَلَةِ اَلْمُظْلِمَةِ وَ اَلْجَهَالَةِ اَلْغَالِبَةِ وَ اَلْجَفْوَةِ اَلْجَافِيَةُ وَ اَلنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ اَلْحَرِيمَ وَ يَسْتَذِلُّونَ اَلْحَكِيمَ يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلاَيَا قَدِ اِقْتَرَبَتْ فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ اَلنِّعْمَةِ وَ اِحْذَرُوا بَوَائِقَ اَلنِّقْمَةِ وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ اَلْعِشْوَةِ وَ اِعْوِجَاجِ اَلْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا وَ اِنْتِصَابِ قُطْبِهَا وَ مَدَارِ رَحَاهَا تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ شِبَابُهَا كَشِبَابِ اَلْغُلاَمِ وَ آثَارُهَا كَآثَارِ اَلسِّلاَمِ يَتَوَارَثُهَا اَلظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لآِخِرِهِمْ وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ اَلتَّابِعُ مِنَ اَلْمَتْبُوعِ وَ اَلْقَائِدُ مِنَ اَلْمَقُودِ فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ وَ يَتَلاَعَنُونَ عِنْدَ اَللِّقَاءِ ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ اَلْفِتْنَةِ اَلرَّجُوفِ وَ اَلْقَاصِمَةِ اَلزَّحُوفِ فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اِسْتِقَامَةٍ وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلاَمَةٍ وَ تَخْتَلِفُ اَلْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا وَ تَلْتَبِسُ اَلآْرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا


مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ وَ مَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ اَلْحُمُرِ فِي اَلْعَانَةِ قَدِ اِضْطَرَبَ مَعْقُودُ اَلْحَبْلِ وَ عَمِيَ وَجْهُ اَلْأَمْرِ تَغِيضُ فِيهَا اَلْحِكْمَةُ وَ تَنْطِقُ فِيهَا اَلظَّلَمَةُ وَ تَدُقُّ أَهْلَ اَلْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا اَلْوُحْدَانُ وَ يَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا اَلرُّكْبَانُ تَرِدُ بِمُرِّ اَلْقَضَاءِ وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ اَلدِّمَاءِ وَ تَثْلِمُ مَنَارَ اَلدِّينِ وَ تَنْقُضُ عَقْدَ اَلْيَقِينِ يَهْرُبُ مِنْهَا اَلْأَكْيَاسُ وَ يُدَبِّرُهَا اَلْأَرْجَاسُ مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا اَلْأَرْحَامُ وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا اَلْإِسْلاَمُ بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وَ ظَاعِنُهَا مُقِيمٌ مداحر الشيطان الأمور التي يدحر بها أي يطرد و يبعد دحرته أدحره دحورا قال تعالى( دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ) و قال سبحانه( اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً ) أي مقصى.و مزاجره الأمور يزجر بها جمع مزجر و مزجرة و كثيرا ما يبني ع من الأفعال مفعلا و مفعلة و يجمعه و إذا تأملت كلامه عرفت ذلك.و حبائل الشيطان مكايده و أشراكه التي يضل بها البشر و مخاتله الأمور التي يختل بها بالكسر أي يخدع.لا يؤازى فضله لا يساوى و اللفظة مهموزة آزيت فلانا حاذيته و لا يجوز وازيته.


و لا يجبر فقده لا يسد أحد مسده بعده و الجفوة الجافية غلظ الطبع و بلادة الفهم.و يستذلون الحكيم يستضيمون العقلاء و اللام هاهنا للجنس كقوله( وَ جاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) .يحيون على فترة على انقطاع الوحي ما بين نبوتين.و يموتون على كفرة بالفتح واحد الكفرات كالضربة واحدة الضربات.و يروى ثم إنكم معشر الناس و الأغراض الأهداف و سكرات النعمة ما تحدثه النعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسكر قال الشاعر:

خمس سكرات إذا مني المرء

بها صار عرضة للزمان

سكرة المال و الحداثة و العشق

و سكر الشراب و السلطان

و من كلام الحكماء للوالي سكرة لا يفيق منها إلا بالعزل و البوائق الدواهي جمع بائقة يقال باقتهم الداهية بوقا أي أصابتهم و كذلك باقتهم بئوق على فعول و ابتاقت عليهم بائقة شر مثل انباحت أي انفتقت و انباق عليهم الدهر هجم بالداهية كما يخرج الصوت من البوق و

في الحديث لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه أي غوائله و شره.و القتام بفتح القاف الغبار و الأقتم الذي يعلوه قتمة و هو لون فيه غبرة و حمرة.و العشوة بكسر العين ركوب الأمر على غير بيان و وضوح و يروى و تبينوا في قتام العشوة كما قرئ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) و( فتثبتوا ) .


و اعوجاج الفتنة أخذها في غير القصد و عدولها عن المنهج.ثم كنى عن ظهور المستور المخفي منها بقوله عند طلوع جنينها و ظهور كمينها.و الجنين الولد ما دام في البطن و الجمع أجنة و يجوز ألا يكون الكلام كناية بل صريحا أي عند طلوع ما استحن منها أي استتر و ظهور ما كمن أي ما بطن.و كنى عن استحكام أمر الفتنة بقوله و انتصاب قطعها و مدار رحاها.ثم قال إنها تبدو يسيرة ثم تصير كثيرة.و الفظاعة مصدر فظع بالضم فهو فظيع أي شديد شنيع تجاوز المقدار و كذلك أفظع الرجل فهو مفظع و أفظع الرجل على ما لم يسم فاعله نزل به أمر عظيم و أفظعت الشي‏ء وجدته فظيعا و مثله استفظعته و هذا المعنى كما قال الشاعر:

و لربما هاج الكبير

و من الأمور لك الصغير

و في المثل و الشر تبدؤه صغاره و قال الشاعر:

فإن النار بالعودين تذكى

و إن الحرب أولها كلام

و قال أبو تمام:

رب قليل جدا كثيرا

كم مطر بدؤه مطير

و قال أيضا:

لا تذيلن صغير همك و انظر

كم بذي الأسل دوحة من قضيب

قوله شبابها كشباب الغلام بالكسر مصدر شب الفرس و الغلام يشب و يشب شبابا و شبيبا إذا قمص و لعب و أشببته أنا أي هيجته.


و السلام الحجارة جمع واحده سلمة بكسر اللام يذكر الفتنة و يقول إنها تبدو في أول الأمر و أربابها يمرحون و يشبون كما يشب الغلام و يمرح ثم تئول إلى أن تعقب فيهم آثارا كآثار الحجارة في الأبدان قال الشاعر:

و الحب مثل الحرب أولها

التخيل و النشاط

و ختامها أم الربيق

النكر و الضرب القطاط

ثم ذكر أن هذه الفتنة يتوارثها قوم من قوم و كلهم ظالم أولهم يقود آخرهم كما يقود الإنسان القطار من الإبل و هو أمامها و هي تتبعه و آخرهم يقتدي بأولهم أي يفعل فعله و يحذو حذوه.و جيفة مريحة منتنة أراحت ظهر ريحها و يجوز أن تكون من أراح البعير أي مات و قد جاء في أراح بمعنى أنتن راح بلا همز.ثم ذكر تبرؤ التابع من المتبوع يعني يوم القيامة.فإن قلت إن الكتاب العزيز إنما ذكر تبرؤ المتبوع من التابع في قوله( إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَ رَأَوُا اَلْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبابُ ) و هاهنا قد عكس ذلك فقال إن التابع يتبرأ من المتبوع قلت إنه قد ورد في الكتاب العزيز مثل ذلك في قوله( أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ )( قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً ) فقولهم( لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً ) هو التبرؤ و هو قوله حكاية عنهم( وَ اَللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) و هذا هو التبرؤ.


ثم ذكر ع أن القائد يتبرأ من المقود أي يتبرأ المتبوع من التابع فيكون كل من الفريقين تبرأ من صاحبه كما قال سبحانه( ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) .و يتزايلون يتفرقون.قوله ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف طالعها مقدماتها و أوائلها و سماها رجوفا لشدة الاضطراب فيها.فإن قلت أ لم تكن قلت إن قوله عن قليل يتبرأ التابع من المتبوع يعني به يوم القيامة فكيف يقول ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة و هذا إنما يكون قبل القيامة قلت إنه لما ذكر تنافس الناس على الجيفة المنتنة و هي الدنيا أراد أن يقول بعده بلا فصل ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف لكنه لما تعجب من تزاحم الناس و تكالبهم على تلك الجيفة أراد أن يؤكد ذلك التعجب فأتى بجملة معترضة بين الكلامين تؤكد معنى تعجبه منهم فقال إنهم على ما قد ذكرنا من تكالبهم عليها عن قليل يتبرأ بعضهم من بعض و يلعن بعضهم بعضا و ذلك أدعى لهم لو كانوا يعقلون إلى أن يتركوا التكالب و التهارش على هذه الجيفة الخسيسة ثم عاد إلى نظام الكلام فقال ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف و مثل هذا الاعتراض في الكلام كثير و خصوصا في القرآن و قد ذكرنا منه فيما تقدم طرفا.قوله و القاصمة الزحوف القاصمة الكاسرة و سماها زحوفا تشبيها لمشيها قدما بمشي الدبى الذي يهلك الزروع و يبيدها و الزحف السير على تؤدة كسير الجيوش بعضها إلى بعض.


قوله و تزيغ قلوب أي تميل و هذه اللفظة و التي بعدها دالتان على خلاف ما تذهب إليه الإمامية من أن المؤمن لا يكفر و ناصرتان لمذهب أصحابنا.و نجومها مصدر نجم الشر إذا ظهر.من أشرف لها من صادمها و قابلها و من سعى فيها أي في تسكينها و إطفائها و هذا كله إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزمان.و التكادم التعاض بأدنى الفم كما يكدم الحمار و يقال كدم يكدم و المكدم المعض.و العانة القطيع من حمر الوحش و الجمع عون.تغيض فيها الحكمة تنقض.فإن قلت ليس قوله و تنطق فيها الظلمة واقعا في نقيض قوله تغيض فيها الحكمة فأين هذا من الخطابة التي هو فيها نسيج وحده قلت بل المناقضة ظاهرة لأن الحكمة إذا غاضت فيها لم ينطق بها أحد و لا بد من نطق ما فإذا لم تنطق الحكماء وجب أن يكون النطق لمن ليس من الحكماء فهو من الظلمة فقد ثبت التناقض.و المسحل المبرد يقول تنحت أهل البدو و تسحتهم كما يسحت الحديد أو الخشب بالمبرد و أهل البدو أهل البادية و يجوز أن يريد بالمسحل الحلقة التي في طرف شكيم اللجام المعترضة بإزاء حلقة أخرى في الطرف الآخر و تدخل إحداهما في الأخرى بمعنى أن هذه الفتنة تصدم أهل البدو بمقدمة جيشها كما يصدم الفارس الراجل أمامه بمسحل لجام فرسه.و الكلكل الصدر و ترضهم تدقهم دقا جريشا.


قوله تضيع في غبارها الوحدان جمع واحد مثل شاب و شبان و راع و رعيان و يجوز الأحدان بالهمز أي من كان يسير وحده فإنه يهلك بالكلية في غبارها و أما إذا كانوا جماعة ركبانا فإنهم يضلون و هو أقرب من الهلاك و يجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد يقال فلان أوحد الدهر و هؤلاء الوحدان أو الأحدان مثل أسود و سودان أي يضل في هذه الفتنة و ضلالها الذي كنى عنه بالغبار فضلاء عصرها و علماء عهدها لغموض الشبهة و استيلاء الباطل على أهل وقتها و يكون معنى الفقرة الثانية على هذا التفسير أن الراكب الذي هو بمظنة النجاة لا ينجو و الركبان جمع راكب و لا يكون إلا ذا بعير قوله ترد بمر القضاء أي بالبوار و الهلاك و الاستئصال.فإن قلت أ يجوز أن يقال للفتنة القبيحة إنها من القضاء.قلت نعم لا بمعنى الخلق بل بمعنى الإعلام كما قال سبحانه( وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي اَلْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ ) أي أعلمناهم أي ترد هذه الفتنة بإعلام الله تعالى لمن يشاء إعلامه من المكلفين أنها أم اللهيم التي لا تبقي و لا تذر فذلك الإعلام هو المر الذي لا يبلغ الوصف مرارته لأن الأخبار عن حلول المكروه الذي لا مدفع عنه و لا محيص منه مر جدا.قوله و تحلب عبيط الدماء أي هذه الفتنة يحلبها الحالب دما عبيطا و هذه كناية عن الحرب و قد قال ع في موضع آخر أما و الله ليحلبنها دما و ليتبعنها ندما و العبيط الدم الطري الخالص.و ثلمت الإناء أثلمه بالكسر.و الأكياس العقلاء.


و الأرجاس جمع رجس و هو القذر و النجس و المراد هاهنا الفاسقون فإما أن يكون على حذف المضاف أي و يدبرها ذوو الأرجاس أو أن يكون جعلهم الأرجاس أنفسها لما كانوا قد أسرفوا في الفسق فصاروا كأنهم الفسق و النجاسة نفسها كما يقال رجل عدل و رجل رضا.قوله مرعاد مبراق أي ذات وعيد و تهدد و يجوز أن يعني بالرعد صوت السلاح و قعقعته و بالبرق لونه و ضوءه.و كاشفة عن ساق عن شدة و مشقة.قوله بريئها سقيم يمكن أن يعني بها أنها لشدتها لا يكاد الذي يبرأ منها و ينفض يده عنها يبرأ بالحقيقة بل لا بد أن يستثني شيئا من الفسق و الضلال أي لشدة التباس الأمر و اشتباه الحال على المكلفين حينئذ.و يمكن أن يعني به أن الهارب منها غير ناج بل لا بد أن يصيبه بعض معرتها و مضرتها.و ظاعنها مقيم أي ما يفارق الإنسان من أذاها و شرها فكأنه غير مفارق له لأنه قد أبقى عنده ندوبا و عقابيل من شرورها و غوائلها : مِنْهَا بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ اَلْأَيْمَانِ وَ بِغُرُورِ اَلْإِيمَانِ فَلاَ تَكُونُوا أَنْصَابَ اَلْفِتَنِ وَ أَعْلاَمَ اَلْبِدَعِ


وَ اِلْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ اَلْجَمَاعَةِ وَ بُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ اَلطَّاعَةِ وَ اِقْدَمُوا عَلَى اَللَّهِ مَظْلُومِينَ وَ لاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ وَ اِتَّقُوا مَدَارِجَ اَلشَّيْطَانِ وَ مَهَابِطَ اَلْعُدْوَانِ وَ لاَ تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ اَلْحَرَامِ فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَعْصِيَةَ وَ سَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ اَلطَّاعَةِ يقال طل دم فلان فهو مطلول أي مهدر لا يطلب به و يجوز أطل دمه و طله الله و أطله أهدره و لا يقال طل دم فلان بالفتح و أبو عبيدة و الكسائي يقولانه.و يختلون يخدعون بالأيمان التي يعقدونها و يقسمون بها و بالإيمان الذي يظهرونه و يقرون به.ثم قال فلا تكونوا أنصار الفتن و أعلام البدع أي لا تكونوا ممن يشار إليكم في البدع كما يشار إلى الأعلام المبنية القائمة و

جاء في الخبر المرفوع كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب و لا ضرع فيحلب و هذه اللفظة يرويها كثير من الناس لأمير المؤمنين ع.قوله و اقدموا على الله مظلومين

جاء في الخبر كن عبد الله المقتول.و مدارج الشيطان جمع مدرجة و هي السبيل التي يدرج فيها و مهابط العدوان محاله التي يهبط فيها.و لعق الحرام جمع لعقة بالضم و هي اسم لما تأخذه الملعقة و اللعقة بالفتح المرة الواحدة.قوله فإنكم بعين من حرم يقال أنت بعين فلان أي أنت بمرأى منه و قد

قال ع في موضع آخر بصفين فإنكم بعين الله و مع ابن عم رسول الله و هذا من باب الاستعارة قال سبحانه( وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي ) و قال( تَجْرِي بِأَعْيُنِنا )


152 و من خطبة له ع

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ لاَ تَسْتَلِمُهُ اَلْمَشَاعِرُ وَ لاَ تَحْجُبُهُ اَلسَّوَاتِرُ لاِفْتِرَاقِ اَلصَّانِعِ وَ اَلْمَصْنُوعِ وَ اَلْحَادِّ وَ اَلْمَحْدُودِ وَ اَلرَّبِّ وَ اَلْمَرْبُوبِ اَلْأَحَدِ بِلاَ تَأْوِيلِ عَدَدٍ وَ اَلْخَالِقِ لاَ بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَ نَصَبٍ وَ اَلسَّمِيعِ لاَ بِأَدَاةٍ وَ اَلْبَصِيرِ لاَ بِتَفْرِيقِ آلَةٍ وَ اَلشَّاهِدِ لاَ بِمُمَاسَّةٍ وَ اَلْبَائِنِ لاَ بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ وَ اَلظَّاهِرِ لاَ بِرُؤْيَةٍ وَ اَلْبَاطِنِ لاَ بِلَطَافَةٍ بَانَ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَ اَلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَ بَانَتِ اَلْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَ اَلرُّجُوعِ إِلَيْهِ مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ وَ مَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اِسْتَوْصَفَهُ وَ مَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ حَيَّزَهُ عَالِمٌ إِذْ لاَ مَعْلُومٌ وَ رَبٌّ إِذْ لاَ مَرْبُوبٌ وَ قَادِرٌ إِذْ لاَ مَقْدُورٌ

أبحاث كلامية

في هذا الفصل أبحاث أولها في وجوده تعالى و إثبات أن للعالم صانعا و هاتان طريقتان في الدلالة على وجوده الأول سبحانه.


إحداهما الطريقة المذكورة في هذا الفصل و هي طريقة المتكلمين و هي إثبات أن الأجسام محدثة و لا بد للمحدث من محدث.و الثانية إثبات وجوده تعالى من النظر في نفس الوجود.و ذلك لأن الوجود ينقسم بالاعتبار الأول إلى قسمين واجب و ممكن و كل ممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب لأن طبيعة الممكن يمتنع من أن يستقل بنفسه في قوامه فلا بد من واجب يستند إليه و ذلك الواجب الوجود الضروري الذي لا بد منه هو الله تعالى.و ثانيها إثبات أزليته و بيانه ما ذكره في هذا الفصل و هو أن العالم مخلوق له سبحانه حادث من جهته و المحدث لا بد له من محدث فإن كان ذلك المحدث محدثا عاد القول فيه كالقول في الأول و يتسلسل فلا بد من محدث قديم و ذلك هو الله تعالى.و ثالثها أنه لا شبيه له أي ليس بجسم كهذه الأجسام و بيانه ما ذكر أيضا أن مخلوقاته متشابهة يعني بذلك ما يريده المتكلمون من قولهم الأجسام متماثلة في الجسمية و أن نوع الجسمية واحد أي لا يخالف جسم جسما بذاته و إذا كانت متماثلة صح على كل واحد منها ما صح على الآخر فلو كان له سبحانه شبيه منها أي لو كان جسما مثلها لوجب أن يكون محدثا كمثلها أو تكون قديمة مثله و كلا الأمرين محال.و رابعها أن المشاعر لا تستلمه و روي لا تلمسه و المشاعر الحواس و بيانه أنه تعالى ليس بجسم لما سبق و ما ليس بجسم استحال أن تكون المشاعر لامسة له لأن إدراك المشاعر مدركاته مقصور على الأجسام و هيئاتها و الاستلام في اللغة لمس الحجر باليد و تقبيله و لا يهمز لأن أصله من السلام و هي الحجارة كما يقال استنوق الجمل و بعضهم يهمزه


و خامسها أن السواتر لا تحجبه و بيانه أن السواتر و الحجب إنما تحجب ما كان في جهة و ذلك لأنها ذوات أين و وضع فلا نسبة لها إلى ما ليس من ذوات الأين و الوضع.ثم قال ع لافتراق الصانع و المصنوع إشارة إلى أن المصنوع من ذوات الجهة و الصانع منزه عن ذلك بري‏ء عن المواد فلا يلزم فيه ما يلزم في ذوات المادة و الجهة.و سادسها معنى قولنا إنه أحد أنه ليس بمعنى العدد كما يقوله الناس أول العدد أحد و واحد بل المراد بأحديته كونه لا يقبل التجزؤ و باعتبار آخر كونه لا ثاني له في الربوبية.و سابعها أنه خالق لا بمعنى الحركة و النصب و هو التعب و ذلك لأن الخالقين منا يحتاجون إلى الحركة من حيث كانوا أجساما تفعل بالآلات و البارئ سبحانه ليس بجسم و لا يفعل بالآلة بل كونه قادرا إنما هو لذاته المقدسة لا لأمر زائد عليها فلم يكن فاعلا بالحركة.و ثامنها أنه سميع لا بأداة و ذلك لأن حاجتنا إلى الحواس إنما كانت لأمر يخصنا و هو كوننا أحياء بحياة حالة في أبعاضنا و البارئ تعالى حي لذاته فلم يحتج في كونه مدركا إلى الأداة و الجارحة.و تاسعها أنه بصير لا بتفريق آلة و المراد بتفريق الآلة هاهنا الشعاع الذي باعتباره يكون الواحد منا مبصرا فإن القائلين بالشعاع يقولون إنه يخرج من العين أجسام لطيفة هي الأشعة و تكون آلة للحي في إبصار المبصرات فيتفرق عليها فكل جسم يقع عليه ذلك الشعاع يكون مبصرا و البارئ تعالى بصير لا بشعاع يجعله آلة في الإدراك و يتفرق على المرئيات


فيدركها به و ذلك لما قدمناه من أنه حي لذاته لا بمعنى فلا يحتاج إلى آلة و أداة و وصلة تكون كالواسطة بينه و بين المدركات.و عاشرها أنه الشاهد لا بمماسة و ذلك لأن الشاهد منا هو الحاضر بجسمه عند المشهود أ لا ترى أن من في الصين لا يكون شاهدا من في المغرب لأن الحضور الجسماني يفتقر إلى القرب و القرب من لوازم الجسمية فما ليس بجسم و هو عالم بكل شي‏ء يكون شاهدا من غير قرب و لا مماسة و لا أين مطلوب.و حادي عشرها أنه البائن لا بتراخي مسافة بينونة المفارق عن المادة بينونة ليست أينية لأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر بالجهة فلا جرم كان البارئ تعالى مباينا عن العالم لا بمسافة بين الذاتين.و ثاني عشرها أنه الظاهر لا برؤية و الباطن لا بلطافة و ذلك لأن الظاهر من الأجسام ما كان مرئيا بالبصر و الباطن منها ما كان لطيفا جدا إما لصغره أو لشفافيته و البارئ تعالى ظاهر للبصائر لا للأبصار باطن أي غير مدرك بالحواس لأن ذاته لا تقبل المدركية إلا من حيث كان لطيف الحجم أو شفاف الجرم.و ثالث عشرها أنه قال بان من الأشياء بالقهر لها و القدرة عليها و بانت الأشياء منه بالخضوع له و الرجوع إليه هذا هو معنى قول المتكلمين و الحكماء و الفرق بينه و بين الموجودات كلها أنه واجب الوجود لذاته و الأشياء كلها ممكنة الوجود بذواتها فكلها محتاجة إليه لأنها لا وجود لها إلا به و هذا هو معنى خضوعها له و رجوعها إليه و هو سبحانه غني عن كل شي‏ء و مؤثر في كل شي‏ء إما بنفسه أو بأن يكون مؤثرا فيما هو مؤثر في ذلك الشي‏ء كأفعالنا فإنه يؤثر فينا و نحن نؤثر فيها فإذا هو قاهر لكل شي‏ء و قادر على كل شي‏ء فهذه هي البينونة بينه و بين الأشياء كلها.


و رابع عشرها أنه لا صفة له زائدة على ذاته و نعني بالصفة ذاتا موجودة قائمة بذاته و ذلك لأن من أثبت هذه الصفة له فقد حده و من حده فقد عده و من عده فقد أبطل أزله و هذا كلام غامض و تفسيره أن من أثبت له علما قديما أو قدرة قديمة فقد أوجب أن يعلم بذلك العلم معلومات محدودة أي محصورة و كذلك قد أوجب أن يقدر بتلك القدرة على مقدورات محدودة و هذه المقدمة في كتب أصحابنا المتكلمين مما يذكرونه في تقرير أن العلم الواحد لا يتعلق بمعلومين و أن القدرة الواحدة لا يمكن أن تتعلق في الوقت الواحد من الجنس الواحد في المحل الواحد إلا بجزء واحد و سواء فرض هذان المعنيان قديمين أو محدثين فإن هذا الحكم لازم لهما فقد ثبت أن من أثبت المعاني القديمة فقد أثبت البارئ تعالى محدود العالمية و القادرية و من قال بذلك فقد عده أي جعله من جملة الجثة المعدودة فيما بيننا كسائر البشر و الحيوانات و من قال بذلك فقد أبطل أزله لأن كل ذات مماثلة لهذه الذوات المحدثة فإنها محدثة مثلها و المحدث لا يكون أزليا.و خامس عشرها أن من قال كيف فقد استوصفه أي من قال لزيد كيف الله فقد استدعى أن يوصف الله بكيفية من الكيفيات و البارئ تعالى لا تجوز الكيفيات عليه و الكيفيات هي الألوان و الطعوم و نحوها و الأشكال و المعاني و ما يجري مجرى ذلك و كل هذا لا يجوز إلا على الأجسام.فإن قلت ينبغي أن يقول فقد وصفه و لا يقال فقد استوصفه لأن السائل لم يستوصف الله و إنما استوصف صاحبه الذي سأله عن كيفية الله.قلت استوصف هاهنا بمعنى وصف كقولك استغنى زيد عن عمرو أي غني عنه و استعلى عليه أي علا و مثله كثير.و سادس عشرها أن من قال أين فقد حيزه لأن أين سؤال عن المكان و ليس الله تعالى في مكان و يأتي أنه في كل مكان بمعنى العلم و الإحاطة.


و سابع عشرها أنه عالم إذ لا معلوم و رب إذ لا مربوب و قادر إذ لا مقدور و كل هذا صحيح و مدلول عليه لأنه عالم فيما لم يزل و ليس شي‏ء من الأشياء بموجود و هو رب كل شي‏ء قبل أن يخلقه كما تقول أنه سميع بصير قبل أن يدرك المسموعات و المبصرات أي قبل أن يخلقها و قادر على الأشياء قبل كونها لأنه يستحيل حال كونها أن تكون مقدوره لاستحالة إيجاد الموجود.و قد شرحنا كل هذه المسائل التوحيدية في كتبنا المصنفة في علم الكلام : مِنْهَا قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَ لَمَعَ لاَمِعٌ وَ لاَحَ لاَئِحٌ وَ اِعْتَدَلَ مَائِلٌ وَ اِسْتَبْدَلَ اَللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَ بِيَوْمٍ يَوْماً وَ اِنْتَظَرْنَا اَلْغِيَرَ اِنْتِظَارَ اَلْمُجْدِبِ اَلْمَطَرَ وَ إِنَّمَا اَلْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ عُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ لاَ يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ وَ لاَ يَدْخُلُ اَلنَّارَ إِلاَّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَ أَنْكَرُوهُ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلاَمِ وَ اِسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اِسْمُ سَلاَمَةٍ وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ اِصْطَفَى اَللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَ بَاطِنِ حُكْمٍ لاَ تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَ لاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فِيهِ مَرَابِيعُ اَلنِّعَمِ وَ مَصَابِيحُ اَلظُّلَمِ لاَ تُفْتَحُ اَلْخَيْرَاتُ إِلاَّ بِمَفَاتِيحِهِ وَ لاَ تُكْشَفُ اَلظُّلُمَاتُ إِلاَّ بِمَصَابِيحِهِ قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ فِيهِ شِفَاءُ اَلْمُشْتَفِي اَلْمُسْتَشْفِي وَ كِفَايَةُ اَلْمُكْتَفِي


هذه خطبة خطب بها بعد قتل عثمان حين أفضت الخلافة إليه.قد طلع طالع يعني عود الخلافة إليه و كذلك قوله و لمع لامع و لاح لائح كل هذا يراد به معنى واحد.و اعتدل مائل إشارة إلى ما كانت الأمور عليه من الاعوجاج في أواخر أيام عثمان و استبدل الله بعثمان و شيعته عليا و شيعته و بأيام ذاك أيام هذا.ثم قال و انتظرنا الغير انتظار المجدب المطر و هذا الكلام يدل على أنه قد كان يتربص بعثمان الدوائر و يرتقب حلول الخطوب بساحته ليلي الخلافة.فإن قلت أ ليس هو الذي طلق الدنيا فأين هذا القول من طلاقها قلت إنه طلق الدنيا أن يقبل منها حظا دنيويا و لم يطلقها أن ينهى فيها عن المنكرات التي أمره الله تعالى بالنهي عنها و يقيم فيها الدين الذي أمره الله بإقامته و لا سبيل له إلى النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف إلا بولاية الخلافة

عقيدة علي في عثمان و رأي المعتزلة في ذلك

فإن قلت أ يجوز على مذهب المعتزلة أن يقال إنه ع كان ينتظر قتل عثمان انتظار المجدب المطر و هل هذا إلا محض مذهب الشيعة.قلت إنه ع لم يقل و انتظرنا قتله و إنما انتظر الغير فيجوز أن يكون أراد انتظار خلعه و عزله عن الخلافة فإن عليا ع عند أصحابنا كان يذهب إلى أن عثمان استحق الخلع بإحداثه و لم يستحق القتل و هذا الكلام إذا حمل على انتظار الخلع كان موافقا لمذهب أصحابنا.


فإن قلت أ تقول المعتزلة إن عليا كان يذهب إلى فسق عثمان المستوجب لأجله الخلع قلت كلا حاش لله أن تقول المعتزلة ذلك و إنما تقول إن عليا كان يرى أن عثمان يضعف عن تدبير الخلافة و أن أهله غلبوا عليه و استبدوا بالأمر دونه و استعجزه المسلمون و استسقطوا رأيه فصار حكمه حكم الإمام إذا عمي أو أسره العدو فإنه ينخلع من الإمامة.ثم قال ع الأئمة قوام الله على خلقه أي يقومون بمصالحهم و قيم المنزل هو المدبر له.قال و عرفاؤه على عباده جمع عريف و هو النقيب و الرئيس يقال عرف فلان بالضم عرافة بالفتح مثل خطب خطابة أي صار عريفا و إذا أردت أنه عمل ذلك قلت عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة بالكسر مثل كتب يكتب كتابة.قال و لا يدخل الجنة إلا من عرفهم و عرفوه و لا يدخل النار إلا من أنكرهم و أنكروه هذا إشارة إلى قوله تعالى( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال المفسرون ينادى في الموقف يا أتباع فلان و يا أصحاب فلان فينادى كل قوم باسم إمامهم يقول أمير المؤمنين ع لا يدخل الجنة يومئذ إلا من كان في الدنيا عارفا بإمامه و من يعرفه إمامه في الآخرة فإن الأئمة تعرف أتباعها يوم القيامة و إن لم يكونوا رأوهم في الدنيا كما أن النبي ص يشهد للمسلمين و عليهم و إن لم يكن رأى أكثرهم قال سبحانه( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً ) و جاء في الخبر


المرفوع من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية و أصحابنا كافة قائلون بصحة هذه القضية و هي أنه لا يدخل الجنة إلا من عرف الأئمة أ لا ترى أنهم يقولون الأئمة بعد رسول الله ص فلان و فلان و يعدونهم واحدا واحدا فلو أن إنسانا لا يقول بذلك لكان عندهم فاسقا و الفاسق لا يدخل الجنة عندهم أبدا أعني من مات على فسقه فقد ثبت أن هذه القضية و هي قوله ع لا يدخل الجنة إلا من عرفهم قضية صحيحة على مذهب المعتزلة و ليس قوله و عرفوه بمنكر عند أصحابنا إذا فسرنا قوله تعالى( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) على ما هو الأظهر و الأشهر من التفسيرات و هو ما ذكرناه.و بقيت القضية الثانية ففيها الإشكال و هي قوله ع و لا يدخل النار إلا من أنكرهم و أنكروه و ذلك أن لقائل أن يقول قد يدخل النار من لم ينكرهم مثل أن يكون إنسان يعتقد صحة إمامة القوم الذين يذهب أنهم أئمة عند المعتزلة ثم يزني أو يشرب الخمر من غير توبة فإنه يدخل النار و ليس بمنكر للأئمة فكيف يمكن الجمع بين هذه القضية و بين الاعتزال فالجواب أن الواو في قوله و أنكروه بمعنى أو كما في قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ ) فالإنسان المفروض في السؤال و إن كان لا ينكر الأئمة إلا أنهم ينكرونه أي يسخطون يوم القيامة أفعاله يقال أنكرت فعل فلان أي كرهته فهذا هو تأويل الكلام على مذهبنا فأما الإمامية فإنهم يحملون ذلك على تأويل آخر و يفسرون قوله و لا يدخل النار فيقولون أراد و لا يدخل النار دخولا مؤبدا إلا من ينكرهم و ينكرونه.


ثم ذكر ع شرف الإسلام و قال إنه مشتق من السلامة و إنه جامع للكرامة و إن الله قد بين حججه أي الأدلة على صحته.ثم بين ما هذه الأدلة فقال من ظاهر علم و باطن حكم أي حكمه من هاهنا للتبيين و التفسير كما تقول دفعت إليه سلاحا من سيف و رمح و سهم و يعني بظاهر علم و باطن حكم و القرآن أ لا تراه كيف أتى بعده بصفات و نعوت لا تكون إلا للقرآن من قوله لا تفنى عزائمه أي آياته المحكمة و براهينه العازمة أي القاطعة و لا تنقضي عجائبه لأنه مهما تأمله الإنسان استخرج منه بفكر غرائب عجائب لم تكن عنده من قبل.فيه مرابيع النعم المرابيع الأمطار التي تجي‏ء في أول الربيع فتكون سببا لظهور الكلأ و كذلك تدبر القرآن سبب للنعم الدينية و حصولها.قوله قد أحمى حماه و أرعى مرعاه الضمير في أحمى يرجع إلى الله تعالى أي قد أحمى الله حماه أي عرضه لأن يحمى كما تقول أ قتلت الرجل أي عرضته لأن يقتل و أ ضربته أي عرضته لأن يضرب أي قد عرض الله تعالى حمى القرآن و محارمه لأن يجتنب و مكن منها و عرض مرعاه لأن يرعى أي مكن من الانتفاع بما فيه من الزواجر و المواعظ لأنه خاطبنا بلسان عربي مبين و لم يقنع ببيان ما لا نعلم إلا بالشرع حتى نبه في أكثره على أدلة العقل


153 و من خطبة له ع

وَ هُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اَللَّهِ يَهْوِي مَعَ اَلْغَافِلِينَ وَ يَغْدُو مَعَ اَلْمُذْنِبِينَ بِلاَ سَبِيلٍ قَاصِدٍ وَ لاَ إِمَامٍ قَائِدٍ يصف إنسانا من أهل الضلال غير معين بل كما تقول رحم الله امرأ اتقى ربه و خاف ذنبه و بئس الرجل رجل قل حياؤه و عدم وفاؤه و لست تعني رجلا بعينه.و يهوي يسقط و السبيل القاصد الطريق المؤدية إلى المطلوب.و الإمام إما الخليفة و إما الأستاذ أو الدين أو الكتاب على كل من هؤلاء تطلق هذه اللفظة : مِنْهَا حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ وَ اِسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلاَبِيبِ غَفْلَتِهِمْ اِسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَ اِسْتَدْبَرُوا مُقْبِلاً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ وَ لاَ بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ


وَ إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ وَ نَفْسِي هَذِهِ اَلْمَنْزِلَةَ فَلْيَنْتَفِعِ اِمْرُؤٌ بِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا اَلْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ وَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ اِنْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ اَلصَّرْعَةَ فِي اَلْمَهَاوِي وَ اَلضَّلاَلَ فِي اَلْمَغَاوِي وَ لاَ يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ اَلْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ فَأَفِقْ أَيُّهَا اَلسَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ وَ اِسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ وَ اِخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وَ أَنْعِمِ اَلْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ عَلَى لِسَانِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ ص مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَ لاَ مَحِيصَ عَنْهُ وَ خَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ وَ دَعْهُ وَ مَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ وَ ضَعْ فَخْرَكَ وَ اُحْطُطْ كِبْرَكَ وَ اُذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ وَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَ كَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ وَ مَا قَدَّمْتَ اَلْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَ قَدِّمْ لِيَوْمِكَ فَالْحَذَرَ اَلْحَذَرَ أَيُّهَا اَلْمُسْتَمِعُ وَ اَلْجِدَّ اَلْجِدَّ أَيُّهَا اَلْغَافِلُ( وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) فاعل كشف هو الله تعالى و قد كان سبق ذكره في الكلام و إنما كشف لهم عن جزاء معصيتهم بما أراهم حال الموت من دلائل الشقوة و العذاب

فقد ورد في الخبر الصحيح أنه لا يموت ميت حتى يرى مقره من جنة أو نار.و لما انفتحت أعين أبصارهم عند مفارقة الدنيا سمى ذلك ع استخراجا لهم من جلابيب غفلتهم كأنهم كانوا من الغفلة و الذهول في لباس نزع عنهم.قال استقبلوا مدبرا أي استقبلوا أمرا كان في ظنهم و اعتقادهم مدبرا عنهم و هو الشقاء و العذاب و استدبروا مقبلا تركوا وراء ظهورهم ما كانوا خولوه من الأولاد و الأموال و النعم و في قوة هذا الكلام أن يقول عرفوا ما أنكروه و أنكروا ما عرفوه


و روي أحذركم و نفسي هذه المزلة مفعلة من الزلل و في قوله و نفسي لطافة رشيقة و ذلك لأنه طيب قلوبهم بأن جعل نفسه شريكة لهم في هذا التحذير ليكونوا إلى الانقياد أقرب و عن الإباء و النفرة أبعد بطريق جدد لاحب.و المهاوي جمع مهواة و هي الهوة يتردى فيها.و المغاوي جمع مغواة و هي الشبهة التي يغوى بها الناس أي يضلون.يصف الأمور التي يعين بها الإنسان أرباب الضلال على نفسه و هي أن يتعسف في حق يقوله أو يأمر به فإن الرفق أنجح و أن يحرف المنطق فإن الكذب لا يثمر خيرا و أن يتخوف من الصدق في ذات الله قال سبحانه( إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ ) فذم من لا يصدق و يجاهد في الحق.قوله و اختصر من عجلتك أي لا تكن عجلتك كثيرة بل إذا كانت لك عجلة فلتكن شيئا يسيرا.و تقول أنعمت النظر في كذا أي دققته من قولك أنعمت سحق الحجر و قيل إنه مقلوب أمعن.و النبي الأمي إما الذي لا يحسن الكتابة أو المنسوب إلى أم القرى و هي مكة.و لا محيص عنه لا مفر و لا مهرب حاص أي تخلص من أمر كان شب فيه.قوله فإن عليه ممرك أي ليس القبر بدار مقام و إنما هو ممر و طريق إلى الآخرة.


و كما تدين تدان أي كما تجازي غيرك تجازى بفعلك و بحسب ما عملت و منه قوله سبحانه( إِنَّا لَمَدِينُونَ ) أي مجزيون و منه الديان في صفة الله تعالى.قوله و كما تزرع تحصد معنى قد قاله الناس بعده كثيرا قال الشاعر:

إذا أنت لم تزرع و أدركت حاصدا

ندمت على التقصير في زمن البذر

و من أمثالهم من زرع شرا حصد ندما.فامهد لنفسك أي سو و وطئ.( وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) من القرآن العزيز أي و لا يخبرك بالأمور أحد على حقائقها كالعارف بها العالم بكنهها : إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اَللَّهِ فِي اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ اَلَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ وَ لَهَا يَرْضَى وَ يَسْخَطُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ عَبْداً وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَ أَخْلَصَ فِعْلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ اَلدُّنْيَا لاَقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ اَلْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلاَكِ نَفْسٍ أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى اَلنَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ أَوْ يَلْقَى اَلنَّاسَ بِوَجْهَيْنِ أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ اِعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ اَلْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ إِنَّ اَلْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا وَ إِنَّ اَلسِّبَاعَ هَمُّهَا اَلْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا وَ إِنَّ اَلنِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْفَسَادُ فِيهَا إِنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ إِنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ إِنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ


عزائم الله هي موجباته و الأمر المقطوع عليه الذي لا ريب فيه و لا شبهة قال ع إن من الأمور التي نص الله تعالى عليها نصا لا يحتمل التأويل و هي من العزائم التي يقطع بها و لا رجوع فيها و لا نسخ لها أن من مات و هو على ذنب من هذه الذنوب المذكورة و لو اكتفى بذلك ع لأغناه عن قوله لم يتب إلا أنه ذكر ذلك تأكيدا و زيادة في الإيضاح فإنه لا ينفعه فعل شي‏ء من الأفعال الحسنة و لا الواجبة و لا تفيده العبادة و لو أجهد نفسه فيها بل يكون من أهل النار و الذنوب المذكورة هي أن يتخذ مع الله إلها آخر فيشركه في العبادة أو يقتل إنسانا بغير حق بل ليشفي غيظه أو يقذف غيره بأمر قد فعله هو.عره بكذا يعره عرا أي عابه و لطخه أو يروم بلوغ حاجة من أحد بإظهار بدعة في الدين كما يفعل أكثر الناس في زماننا أو يكون ذا وجهين و هو أيضا قوله أو يمشي فيهم بلسانين و إنما أعاده تأكيدا.لما نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء و أدخل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى قبة يزيد فيسلمون عليه بولاية العهد حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال يا أمير المؤمنين أما إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها و كان الأحنف جالسا فلما خف الناس قال معاوية ما بالك لا تقول يا أبا بحر قال أخاف الله إن كذبتك و أخافك إن صدقتك فما ذا أقول فقال جزاك الله عن الطاعة خيرا و أمر له بصلة جزيلة فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب فقال يا أبا بحر إني لأعلم أن شر من خلق الله هذا الرجل و لكن هؤلاء


قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب و الأقفال فلسنا نطمع في استخراجها إلا بما سمعت فقال يا هذا أمسك عليك فإن ذا الوجهين خليق ألا يكون وجيها عند الله غدا.ثم أمر ع بأن يعقل ما قاله و يعلم باطن خطابه و إنما رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل لأنهم حاولوا أن يشفوا غيظهم بإهلاكه و إهلاك غيره من المسلمين و عروه ع بأمر هم فعلوه و هو التأليب على عثمان و حصره و استنجحوا حاجتهم إلى أهل البصرة بإظهار البدعة و الفتنة و لقوا الناس بوجهين و لسانين لأنهم بايعوه و أظهروا الرضا به ثم دبوا له الخمر فجعل ذنوبهم هذه مماثلة للشرك بالله سبحانه في أنها لا تغفر إلا بالتوبة و هذا هو معنى قوله اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه و روي فإن المثل واحد الأمثال أي هذا الحكم بعدم المغفرة لمن أتى شيئا من هذه الأشياء عام و الواحد منها دليل على ما يماثله و يشابهه.فإن قلت فهذا تصريح بمذهب الإمامية في طلحة و الزبير و عائشة.قلت كلا فإن هذه الخطبة خطب بها و هو سائر إلى البصرة و لم تقع الحرب إلا بعد تعدد الكبائر و رمز فيها إلى المذكورين و قال إن لم يتوبوا و قد ثبت أنهم تابوا و الأخبار عنهم بالتوبة كثيرة مستفيضة.ثم أراد ع أن يومئ إلى ذكر النساء للحال التي كان وقع إليها من استنجاد أعدائه بامرأة فذكر قبل ذكر النساء أنواعا من الحيوان تمهيدا لقاعدة ذكر النساء فقال إن البهائم همها بطونها كالحمر و البقر و الإبل و الغنم و إن السباع همها العدوان


على غيرها كالأسود الضارية و النمور و الفهود و البزاة و الصقور ثم قال و إن النساء همهن زينة الحياة الدنيا و الفساد فيها.نظر حكيم إلى امرأة مصلوبة على شجرة فقال ليت كل شجرة تحمل مثل هذه الثمرة.و مرت امرأة بسقراط و هو يتشرق في الشمس فقالت ما أقبحك أيها الشيخ فقال لو أنكن من المرائي الصدئة لغمني ما بان من قبح صورتي فيكن.و رأى حكيم امرأة تعلم الكتابة فقال سهم يسقى سما ليرمي به يوما ما.و رأى بعضهم جارية تحمل نارا فقال نار على نار و الحامل شر من المحمول.و قيل لسقراط أي السباع أحسن قال المرأة.و تزوج بعضهم امرأة نحيفة فقيل له في ذلك فقال اخترت من الشر أقله.و رأى بعض الحكماء امرأة غريقة قد احتملها السيل فقال زادت الكدر كدرا و الشر بالشر يهلك.ثم ذكر ع خصائص المؤمن فقال إن المؤمنين مستكينون استكان الرجل أي خضع و ذل.إن المؤمنين مشفقون التقوى رأس الإيمان كما ورد في الخبر.ثم قال إن المؤمنين خائفون هو الأول و إنما أكده و التأكيد مطلوب في باب الخطابة


154 و من خطبة له ع

وَ نَاظِرُ قَلْبِ اَللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ دَاعٍ دَعَا وَ رَاعٍ رَعَى فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي وَ اِتَّبِعُوا اَلرَّاعِي يقول إن قلب اللبيب له عين يبصر بها غايته التي يجري إليها و يعرف من أحواله المستقبلة ما كان مرتفعا أو منخفضا ساقطا و النجد المرتفع من الأرض و منه قولهم للعالم بالأمور طلاع أنجد.ثم قال داع دعا موضع داع رفع لأنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره في الوجود داع دعا و راع رعى و يعني بالداعي رسول الله ص و بالراعي نفسه ع : قَدْ خَاضُوا بِحَارَ اَلْفِتَنِ وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ اَلسُّنَنِ وَ أَرَزَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ نَطَقَ اَلضَّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ نَحْنُ اَلشِّعَارُ وَ اَلْأَصْحَابُ وَ اَلْخَزَنَةُ وَ اَلْأَبْوَابُ وَ لاَ تُؤْتَى اَلْبُيُوتُ إِلاَّ مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً


هذا كلام متصل بكلام لم يحكه الرضيرحمه‌الله و هو ذكر قوم من أهل الضلال قد كان أخذ في ذمهم و نعى عليهم عيوبهم.و أرز المؤمنون أي انقبضوا و المضارع يأرز بالكسر أرزا و أروزا و رجل أروز أي منقبض و

في الحديث إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي ينضم إليها و يجتمع.ثم قال نحن الشعار و الأصحاب يشير إلى نفسه و هو أبدا يأتي بلفظ الجمع و مراده الواحد.و الشعار ما يلي الجسد من الثياب فهو أقرب من سائرها إليه و مراده الاختصاص برسول الله ص.و الخزنة و الأبواب يمكن أن يعني به خزنة العلم و أبواب العلم

لقول رسول الله ص أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب.و قوله فيه خازن علمي و قال تارة أخرى عيبة علمي و يمكن أن يريد خزنة الجنة و أبواب الجنة أي لا يدخل الجنة إلا من وافى بولايتنا فقد جاء في حقه الخبر الشائع المستفيض أنه قسيم النار و الجنة و ذكر أبو عبيد الهروي في الجمع بين الغريبين أن قوما من أئمة العربية فسروه فقالوا لأنه لما كان محبه من أهل الجنة و مبغضه من أهل النار كأنه بهذا الاعتبار قسيم النار و الجنة قال أبو عبيد و قال غير هؤلاء بل هو قسيمها بنفسه في الحقيقة يدخل قوما إلى الجنة و قوما إلى النار و هذا الذي ذكره أبو عبيد أخيرا هو ما يطابق الأخبار الواردة فيه يقول للنار هذا لي فدعيه و هذا لك فخذيه.ثم ذكر أن البيوت لا تؤتى إلا من أبوابها قال الله تعالى( وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا


اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) .ثم قال من أتاها من غير أبوابها سمي سارقا و هذا حق ظاهرا و باطنا أما الظاهر فلأن من يتسور البيوت من غير أبوابها هو السارق و أما الباطن فلأن من طلب العلم من غير أستاذ محقق فلم يأته من بابه فهو أشبه شي‏ء بالسارق

ذكر الأحاديث و الأخبار الواردة في فضائل علي

و اعلم أن أمير المؤمنين ع لو فخر بنفسه و بالغ في تعديد مناقبه و فضائله بفصاحته التي آتاه الله تعالى إياها و اختصه بها و ساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الرسول الصادق ص في أمره و لست أعني بذلك الأخبار العامة الشائعة التي يحتج بها الإمامية على إمامته كخبر الغدير و المنزلة و قصة براءة و خبر المناجاة و قصة خيبر و خبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة و نحو ذلك بل الأخبار الخاصة التي رواها فيه أئمة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره و أنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا مما رواه علماء الحديث الذين لا يتهمون فيه و جلهم قائلون بتفضيل غيره عليه فروايتهم فضائله توجب من سكون النفس ما لا يوجبه رواية غيرهم.

الخبر الأول يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها هي زينة الأبرار عند الله تعالى الزهد في الدنيا جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا و لا ترزأ الدنيا منك شيئا و وهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا و يرضون بك إماما


رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف ب حلية الأولياء و زاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند فطوبى لمن أحبك و صدق فيك و ويل لمن أبغضك و كذب فيك

الخبر الثاني قال لوفد ثقيف لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو قال عديل نفسي فليضربن أعناقكم و ليسبين ذراريكم و ليأخذن أموالكم قال عمر فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ و جعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا فالتفت فأخذ بيد علي و قال هو هذا مرتين.رواه أحمد في المسند و

رواه في كتاب فضائل علي ع أنه قال لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم أمري يقتل المقاتلة و يسبي الذرية

قال أبو ذر فما راعني إلا برد كف عمر في حجزتي من خلفي يقول من تراه يعني فقلت إنه لا يعنيك و إنما يعني خاصف النعل و إنه قال هو هذا

الخبر الثالث إن الله عهد إلي في علي عهدا فقلت يا رب بينه لي قال اسمع إن عليا راية الهدى و إمام أوليائي و نور من أطاعني و هو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني و من أطاعه فقد أطاعني فبشره بذلك فقلت قد بشرته يا رب فقال أنا عبد الله و في قبضته فإن يعذبني فبذنوبي لم يظلم شيئا و إن يتم لي ما وعدني فهو أولى و قد دعوت له فقلت اللهم اجل قلبه و اجعل ربيعه الإيمان بك قال قد فعلت ذلك غير أني مختصه بشي‏ء من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي فقلت رب أخي و صاحبي قال إنه سبق في علمي أنه لمبتل و مبتلى


ذكره أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء عن أبي برزة الأسلمي ثم رواه بإسناد آخر بلفظ آخر عن أنس بن مالك أن رب العالمين عهد في علي إلي عهدا أنه راية الهدى و منار الإيمان و إمام أوليائي و نور جميع من أطاعني إن عليا أميني غدا في القيامة و صاحب رايتي بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي

الخبر الرابع من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه و إلى آدم في علمه و إلى إبراهيم في حلمه و إلى موسى في فطنته و إلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب رواه أحمد بن حنبل في المسند و رواه أحمد البيهقي في صحيحه

الخبر الخامس من سره أن يحيا حياتي و يموت ميتتي و يتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب

ذكره أبو نعيم الحافظ في كتاب حلية الأولياء و رواه أبو عبد الله بن حنبل في المسند في كتاب فضائل علي بن أبي طالب و حكاية لفظ أحمدرضي‌الله‌عنه من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه فليتمسك بحب علي بن أبي طالب

الخبر السادس و الذي نفسي بيده لو لا أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لا نمر بملإ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة ذكره أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند

الخبر السابع خرج ص على الحجيج عشية عرفة فقال لهم إن الله قد


باهى بكم الملائكة عامة و غفر لكم عامة و باهى بعلي خاصة و غفر له خاصة إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي إن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته و بعد موته رواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في كتاب فضائل علي ع و في المسند أيضا

الخبر الثامن رواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في الكتابين المذكورين أنا أول من يدعى به يوم القيامة فأقوم عن يمين العرش في ظله ثم أكسى حلة ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض فيقومون عن يمين العرش و يكسون حللا ثم يدعى بعلي بن أبي طالب لقرابته مني و منزلته عندي و يدفع إليه لوائي لواء الحمد آدم و من دونه تحت ذلك اللواء ثم قال لعلي فتسير به حتى تقف بيني و بين إبراهيم الخليل ثم تكسى حلة و ينادي مناد من العرش نعم العبد أبوك إبراهيم و نعم الأخ أخوك علي أبشر فإنك تدعى إذا دعيت و تكسى إذا كسيت و تحيا إذا حييت

الخبر التاسع يا أنس اسكب لي وضوءا ثم قام فصلى ركعتين ثم قال أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين و سيد المسلمين و يعسوب الدين و خاتم الوصيين و قائد الغر المحجلين قال أنس فقلت اللهم اجعله رجلا من الأنصار و كتبت دعوتي فجاء علي فقال ص من جاء يا أنس فقلت علي فقام إليه مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه فقال علي يا رسول الله صلى الله عليك و آلك لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل قال و ما يمنعني و أنت تؤدي عني و تسمعهم صوتي و تبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي : رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء :


الخبر العاشر ادعوا لي سيد العرب عليا فقالت عائشة أ لست سيد العرب فقال أنا سيد ولد آدم و علي سيد العرب فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال لهم يا معشر الأنصار أ لا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا قالوا بلى يا رسول الله قال هذا علي فأحبوه بحبي و أكرموه بكرامتي فإن جبرائيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز و جل رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء

الخبر الحادي عشر مرحبا بسيد المؤمنين و إمام المتقين فقيل لعلي ع كيف شكرك فقال أحمد الله على ما آتاني و أسأله الشكر على ما أولاني و أن يزيدني مما أعطاني ذكره صاحب الحلية أيضا

الخبر الثاني عشر من سره أن يحيا حياتي و يموت مماتي و يسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال عليا من بعدي و ليوال وليه و ليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي و رزقوا فهما و علما فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي ذكره صاحب الحلية أيضا

الخبر الثالث عشر بعث رسول الله ص خالد بن الوليد في سرية و بعث عليا ع في سرية أخرى و كلاهما إلى اليمن و قال إن اجتمعتما فعلي على الناس و إن افترقتما فكل واحد منكما على جنده فاجتمعا و أغارا و سبيا نساء و أخذا أموالا و قتلا ناسا و أخذ علي جارية فاختصها لنفسه فقال خالد لأربعة من المسلمين منهم بريدة الأسلمي اسبقوا إلى رسول الله ص فاذكروا له كذا و اذكروا


له كذا لأمور عددها على علي فسبقوا إليه فجاء واحد من جانبه فقال إن عليا فعل كذا فأعرض عنه فجاء الآخر من الجانب الآخر فقال إن عليا فعل كذا فأعرض عنه فجاء بريدة الأسلمي فقال يا رسول الله إن عليا فعل ذلك فأخذ جارية لنفسه فغضب ص حتى احمر وجهه و قال دعوا لي عليا يكررها إن عليا مني و أنا من علي و إن حظه في الخمس أكثر مما أخذ و هو ولي كل مؤمن من بعدي رواه أبو عبد الله أحمد في المسند غير مرة و رواه في كتاب فضائل علي و رواه أكثر المحدثين

الخبر الرابع عشر كنت أنا و علي نورا بين يدي الله عز و جل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق آدم قسم ذلك فيه و جعله جزءين فجزء أنا و جزء علي رواه أحمد في المسند و في كتاب فضائل علي ع و

ذكره صاحب كتاب الفردوس و زاد فيه ثم انتقلنا حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة و لعلي الوصية

الخبر الخامس عشر النظر إلى وجهك يا علي عبادة أنت سيد في الدنيا و سيد في الآخرة من أحبك أحبني و حبيبي حبيب الله و عدوك عدوي و عدوي عدو الله الويل لمن أبغضك رواه أحمد في المسند قال و كان ابن عباس يفسره و يقول إن من ينظر إليه يقول سبحان الله ما أعلم هذا الفتى سبحان الله ما أشجع هذا الفتى سبحان الله ما أفصح هذا الفتى


الحديث السادس عشر لما كانت ليلة بدر قال رسول الله ص من يستقي لنا ماء فأحجم الناس فقام علي فاحتضن قربة ثم أتى بئرا بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها فأوحى الله إلى جبريل و ميكائيل و إسرافيل أن تأهبوا لنصر محمد و أخيه و حزبه فهبطوا من السماء لهم لغط يذعر من يسمعه فلما حاذوا البئر سلموا عليه من عند آخرهم إكراما له و إجلالا

رواه أحمد في كتاب فضائل علي ع و زاد فيه في طريق أخرى عن أنس بن مالك لتؤتين يا علي يوم القيامة بناقة من نوق الجنة فتركبها و ركبتك مع ركبتي و فخذك مع فخذي حتى تدخل الجنة

الحديث السابع عشر خطب ص يوم جمعة فقال أيها الناس قدموا قريشا و لا تقدموها و تعلموا منها و لا تعلموها قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم و أمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي و ابن عمي علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤمن و لا يبغضه إلا منافق من أحبه فقد أحبني و من أبغضه فقد أبغضني و من أبغضني عذبه الله بالنار رواه أحمدرضي‌الله‌عنه في كتاب فضائل علي ع

الحديث الثامن عشر الصديقون ثلاثة حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى و مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه و علي بن أبي طالب و هو أفضلهم رواه أحمد في كتاب فضائل علي ع

الحديث التاسع عشر أعطيت في علي خمسا هن أحب إلي من الدنيا و ما فيها أما واحدة فهو كاب بين يدي الله عز و جل حتى يفرغ من حساب الخلائق و أما الثانية


فلواء الحمد بيده آدم و من ولد تحته و أما الثالثة فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي و أما الرابعة فساتر عورتي و مسلمي إلى ربي و أما الخامسة فإني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان و لا زانيا بعد إحصان رواه أحمد في كتاب الفضائل

الحديث العشرون كانت لجماعة من الصحابة أبواب شارعة في مسجد الرسول ص فقال ع يوما سدوا كل باب في المسجد إلا باب علي فسدت فقال في ذلك قوم حتى بلغ رسول الله ص فقام فيهم فقال إن قوما قالوا في سد الأبواب و تركي باب علي إني ما سددت و لا فتحت و لكني أمرت بأمر فاتبعته رواه أحمد في المسند مرارا و في كتاب الفضائل

الحديث الحادي و العشرون دعا ص عليا في غزاة الطائف فانتجاه و أطال نجواه حتى كره قوم من الصحابة ذلك فقال قائل منهم لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه ع ذلك فجمع منهم قوما ثم قال إن قائلا قال لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه أما إني ما انتجيته و لكن الله انتجاه رواه أحمدرحمه‌الله في المسند

الحديث الثاني و العشرون أخصمك يا علي بالنبوة فلا نبوة بعدي و تخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش أنت أولهم إيمانا بالله و أوفاهم بعهد الله و أقومهم بأمر الله و أقسمهم بالسوية و أعدلهم في الرعية و أبصرهم بالقضية و أعظمهم عند الله مزية


رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء

الخبر الثالث و العشرون قالت فاطمة إنك زوجتني فقيرا لا مال له فقال زوجتك أقدمهم سلما و أعظمهم حلما و أكثرهم علما أ لا تعلمين أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك رواه أحمد في المسند

الحديث الرابع و العشرون لما أنزل إِذا جاءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَ اَلْفَتْحُ بعد انصرافه ع من غزاة حنين جعل يكثر من سبحان الله أستغفر الله ثم قال يا علي إنه قد جاء ما وعدت به جاء الفتح و دخل الناس في دين الله أفواجا و إنه ليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في الإسلام و قربك مني و صهرك و عندك سيدة نساء العالمين و قبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن فأنا حريص على أن أراعي ذلك لولده رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير القرآن :.و اعلم أنا إنما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا لأن كثيرا من المنحرفين عنه ع إذا مروا على كلامه في نهج البلاغة و غيره المتضمن التحدث بنعمة الله عليه من اختصاص الرسول له ص و تميزه إياه عن غيره ينسبونه إلى التيه و الزهو و الفخر و لقد سبقهم بذلك قوم من الصحابة قيل لعمر ول عليا أمر الجيش و الحرب فقال هو أتيه من ذلك و قال زيد بن ثابت ما رأينا أزهى من علي و أسامة.فأردنا بإيراد هذه الأخبار هاهنا عند تفسير قوله نحن الشعار و الأصحاب و نحن الخزنة و الأبواب أن ننبه على عظم منزلته عند الرسول ص و أن من قيل


في حقه ما قيل لو رقي إلى السماء و عرج في الهواء و فخر على الملائكة و الأنبياء تعظما و تبجحا لم يكن ملوما بل كان بذلك جديرا فكيف و هو ع لم يسلك قط مسلك التعظم و التكبر في شي‏ء من أقواله و لا من أفعاله و كان ألطف البشر خلقا و أكرمهم طبعا و أشدهم تواضعا و أكثرهم احتمالا و أحسنهم بشرا و أطلقهم وجها حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة و المزاح و هما خلقان ينافيان التكبر و الاستطالة و إنما كان يذكر أحيانا ما يذكره من هذا النوع نفثة مصدور و شكوى مكروب و تنفس مهموم و لا يقصد به إذا ذكره إلا شكر النعمة و تنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة فإن ذلك من باب الأمر بالمعروف و الحض على اعتقاد الحق و الصواب في أمره و النهي عن المنكر الذي هو تقديم غيره عليه في الفضل فقد نهى الله سبحانه عن ذلك فقال( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) : مِنْهَا فِيهِمْ كَرَائِمُ اَلْإِيمَانِ وَ هُمْ كُنُوزُ اَلرَّحْمَنِ إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَ لْيُحْضِرْ عَقْلَهُ وَ لْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ اَلآْخِرَةِ فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَ إِلَيْهَا يَنْقَلِبُ فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ اَلْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ فَإِنَّ اَلْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ فَلاَ يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ


إِلاَّ بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ وَ اَلْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ قوله فيهم يرجع إلى آل محمد ص الذين عناهم بقوله نحن الشعار و الأصحاب و هو يطلق دائما هذه الصيغ الجمعية و يعني نفسه و في القرآن كثير من ذلك نحو قوله تعالى( اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللَّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ ) .و كرائم الإيمان جمع كريمة و هي المنفسات منه قال الشاعر:

ماض من العيش لو يفدى بذلت له

كرائم المال من خيل و من نعم

فإن قلت أ يكون في الإيمان كرائم و غير كرائم قلت نعم لأن الإيمان عند أكثر أصحابنا اسم للطاعات كلها واجبها و نفلها فمن كانت نوافله أكثر كانت كرائم الإيمان عنده أكثر و من قام بالواجبات فقط من غير نوافل كان عنده الإيمان و لم يكن عنده كرائم الإيمان.فإن قلت فعلى هذا تكون النوافل أكرم من الواجبات.قلت هي أكرم منها باعتبار و الواجبات أكرم منها باعتبار آخر أما الأول فلأن صاحبها إذا كان قد قام بالواجبات كان أعلى مرتبة في الجنة ممن اقتصر على الواجبات فقط و أما الثاني فلأن المخل بها لا يعاقب و المخل بالواجبات يعاقب.قوله و هم كنوز الرحمن لأن الكنز مال يدخر لشديدة أو ملمة تلم بالإنسان و كذلك هؤلاء قد ذخروا لإيضاح المشكلات الدينية على المكلفين.


ثم قال إن نطقوا صدقوا و إن سكتوا لم يكن سكوتهم عن عي يوجب كونهم مسبوقين لكنهم ينطقون حكما و يصمتون حلما.ثم أمر ع بالتقوى و العمل الصالح و قال ليصدق رائد أهله الرائد الذاهب من الحي يرتاد لهم المرعى و في أمثالهم الرائد لا يكذب أهله و المعنى أنه ع أمر الإنسان بأن يصدق نفسه و لا يكذبها بالتسويف و التعليل قال الشاعر:

أخي إذا خاصمت نفسك فاحتشد

لها و إذا حدثت نفسك فاصدق

و في المثل المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور.فإنه منها قدم قد قيل إن الله تعالى خلق أرواح البشر قبل أجسادهم و الخبر في ذلك مشهور و الآية أيضا و هي قوله( وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) و يمكن أن يفسر على وجه آخر و ذلك أن الآخرة اليوم عدم محض و الإنسان قدم من العدم و إلى العدم ينقلب فقد صح أنه قدم من الآخرة و يرجع إلى الآخرة.و روي أن العالم بالبصر أي بالبصيرة فيكون هو و قوله فالناظر بالقلب سواء و إنما قاله تأكيدا و على هذا الوجه لا يحتاج إلى تفسير و تأويل فأما الرواية المشهورة فالوجه في تفسيرها أن يكون قوله فالناظر مبتدأ و العامل صفة له و قوله بالبصر يكون مبتدأ عمله جملة مركبة من مبتدأ و خبر موضعها رفع لأنها خبر المبتدأ الذي هو فالناظر و هذه الجملة المذكورة قد دخلت عليها كان فالجار و المجرور و هو الكلمة الأولى منها منصوبة الموضع لأنها خبر كان و يكون قوله فيما بعد أن يعلم منصوب


الموضع لأنه بدل من البصر الذي هو خبر يكون و المراد بالبصر هاهنا البصيرة فيصير تقدير الكلام فالناظر بقلبه العامل بجوارحه يكون مبتدأ عمله بالفكر و البصيرة بأن يعلم أ عمله له أم عليه.و يروى كالسابل على غير طريق و السابل طالب السبيل و قد جاء في الخبر المرفوع من عمل بغير هدى لم يزدد من الله إلا بعدا و في كلام الحكماء العامل بغير علم كالرامي من غير وتر : وَ اِعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ وَ مَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ وَ قَدْ قَالَ اَلرَّسُولُ اَلصَّادِقُ ص إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْعَبْدَ وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ وَ يُحِبُّ اَلْعَمَلَ وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ هذا الكلام مشتق من قوله تعالى( وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ اَلَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ) و هو تمثيل ضربه الله تعالى لمن ينجع فيه الوعظ و التذكير من البشر و لمن لا يؤثر ذلك فيه مثله بالأرض العذبة الطيبة تخرج النبت و الأرض السبخة الخبيثة لا تنبت و كلام أمير المؤمنين ع إلى هذا المعنى يومئ يقول إن لكلتا حالتي الإنسان الظاهرة أمرا باطنا يناسبها من أحواله و الحالتان الظاهرتان ميله إلى العقل و ميله إلى الهوى فالمتبع لمقتضى عقله يرزق السعادة و الفوز فهذا هو الذي طاب


ظاهره و طاب باطنه و المتبع لمقتضى هواه و عادته و دين أسلافه يرزق الشقاوة و العطب و هذا هو الذي خبث ظاهره و خبث باطنه.فإن قلت فلم قال فما طاب و هلا قال فمن طاب و كذلك في خبث قلت كلامه في الأخلاق و العقائد و ما تنطوي عليه الضمائر يقول ما طاب من هذه الأخلاق و الملكات و هي خلق النفس الربانية المريدة للحق من حيث هو حق سواء كان ذلك مذهب الآباء و الأجداد أو لم يكن و سواء كان ذلك مستقبحا مستهجنا عند العامة أو لم يكن و سواء نال به من الدنيا حظا أو لم ينل يستطيب باطنه يعني ثمرته و هي السعادة و هذا المعنى من مواضع ما لا من مواضع من.فأما الخبر المروي فإنه مذكور في كتب المحدثين و قد فسره أصحابنا المتكلمون فقالوا إن الله تعالى قد يحب المؤمن و محبته له إرادة إثابته و يبغض عملا من أعماله و هو ارتكاب صغيرة من الصغائر فإنها مكروهة عند الله و ليست قادحة في إيمان المؤمن لأنها تقع مكفرة و كذلك قد يبغض العبد بأن يريد عقابه نحو أن يكون فاسقا لم يتب و يحب عملا من أعماله نحو أن يطيع ببعض الطاعات و حبه لتلك الطاعة هي إرادته تعالى أن يسقط عنه بها بعض ما يستحقه من العقاب المتقدم : وَ اِعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً وَ كُلُّ نَبَاتٍ لاَ غِنَى بِهِ عَنِ اَلْمَاءِ وَ اَلْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ وَ مَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ


السقي مصدر سقيت و السقي بالكسر النصيب من الماء.و أمر الشي‏ء أي صار مرا.و هذا الكلام مثل في الإخلاص و ضده و هو الرياء و حب السمعة فكل عمل يكون مدده الإخلاص لوجهه تعالى لا غير فإنه زاك حلو الجنى و كل عمل يكون الرياء و حب الشهرة مدده فليس بزاك و تكون ثمرته مرة المذاق


155 و من خطبة له ع يذكر فيها بديع خلقة الخفاش

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي اِنْحَسَرَتِ اَلْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ وَ رَدَعَتْ عَظَمَتُهُ اَلْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ هُوَ اَللَّهُ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ أَحَقُّ وَ أَبْيَنُ مِمَّا تَرَى اَلْعُيُونُ لَمْ تَبْلُغْهُ اَلْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ اَلْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلاً خَلَقَ اَلْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَ لاَ مَشُورَةِ مُشِيرٍ وَ لاَ مَعُونَةِ مُعِينٍ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ فَأَجَابَ وَ لَمْ يُدَافِعْ وَ اِنْقَادَ وَ لَمْ يُنَازِعْ وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنَعْتِهِ وَ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ اَلْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ اَلْخَفَافِيشِ اَلَّتِي يَقْبِضُهَا اَلضِّيَاءُ اَلْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ يَبْسُطُهَا اَلظَّلاَمُ اَلْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ وَ كَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ اَلشَّمْسِ اَلْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا وَ تَتَّصِلُ بِعَلاَنِيَةِ بُرْهَانِ اَلشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا وَ رَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ اَلْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا وَ أَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ اَلذَّهَابِ فِي بُلَجِ اِئْتِلاَقِهَا وَ هِيَ مُسْدَلَةُ اَلْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا وَ جَاعِلَةُ اَللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي اِلْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا فَلاَ يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ وَ لاَ تَمْتَنِعُ مِنَ اَلْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ فَإِذَا أَلْقَتِ اَلشَّمْسُ قِنَاعَهَا وَ بَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا وَ دَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى اَلضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا أَطْبَقَتِ اَلْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا وَ تَبَلَّغَتْ بِمَا اِكْتَسَبَتْهُ مِنَ اَلْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا


فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اَللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَ مَعَاشاً وَ اَلنَّهَارَ سَكَناً وَ قَرَاراً وَ جَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ اَلْحَاجَةِ إِلَى اَلطَّيَرَانِ كَأَنَّهَا شَظَايَا اَلآْذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَ لاَ قَصَبٍ إِلاَّ أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ اَلْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاَماً لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا وَ لَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلاَ تَطِيرُ وَ وَلَدُهَا لاَصِقٌ بِهَا لاَجِئٌ إِلَيْهَا يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ وَ يَرْتَفِعُ إِذَا اِرْتَفَعَتْ لاَ يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ وَ يَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ وَ يَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ وَ مَصَالِحَ نَفْسِهِ فَسُبْحَانَ اَلْبَارِئِ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ الخفاش واحد جمعه خفافيش و هو هذا الطائر الذي يطير ليلا و لا يطير نهارا و هو مأخوذ من الخفش و هو ضعف في البصر خلقة و الرجل أخفش و قد يكون علة و هو الذي يبصر بالليل لا بالنهار أو في يوم غيم لا في يوم صحو.و انحسرت الأوصاف كلت و أعيت و ردعت كفت و المساغ المسلك.قال أحق و أبين مما ترى العيون و ذلك لأن العلوم العقلية إذا كانت ضرورية أو قريبة من الضرورية كانت أوثق من المحسوسات لأن الحس يغلط دائما فيرى الكبير صغيرا كالبعيد و الصغير كبيرا كالعنبة في الماء ترى كالإجاصة و يرى الساكن متحركا كجرف الشط إذا رآه راكب السفينة متصاعدا و يرى المتحرك ساكنا كالظل إلى غير ذلك من الأغاليط و القضايا العقلية الموثوق بها لأنها بديهية أو تكاد فالغلط غير داخل عليها قوله يقبضها الضياء أي يقبض أعينها.قوله و تتصل بعلانية برهان الشمس كلام جيد في مذاهب الاستعارة.


و سبحات إشراقها جلاله و بهاؤه و أكنها سترها و بلج ائتلافها جمع بلجة و هي أول الصبح و جاء بلجة أيضا بالفتح.و الحداق جمع حدقة العين و الإسداف مصدر أسدف الليل أظلم.و غسق الدجنة ظلام الليل فإذا ألقت الشمس قناعها أي سفرت عن وجهها و أشرقت.و الأوضاح جمع وضح و قد يراد به حلي يعمل من الدراهم الصحاح و قد يراد به الدراهم الصحاح نفسها و إن لم يكن حليا و الضباب جمع ضب و وجارها بيتها و شظايا الآذان أقطاع منها و القصب هاهنا الغضروف.و خلاصة الخطبة التعجب من أعين الخفافيش التي تبصر ليلا و لا تبصر نهارا و كل الحيوانات بخلاف ذلك فقد صار الليل لها معاشا و النهار لها سكنا بعكس الحال فيما عداها ثم من أجنحتها التي تطير بها و هي لحم لا ريش عليه و لا غضروف و ليست رقيقة فتنشق و لا كثيفة فتثقلها عن الطيران ثم من ولدها إذا طارت احتملته و هو لاصق بها فإذا وقعت وقع ملتصقا بها هكذا إلى أن يشتد و يقوى على النهوض فيفارقها

فصل في ذكر بعض غرائب الطيور و ما فيها من عجائب

و اعلم أنه ع قد أتى بالعلة الطبيعية في عدم إبصارها نهارا و هو انفعال حاسة بصرها عن الضوء الشديد و قد يعرض مثل ذلك لبعض الناس و هو المرض المسمى روز كور أي أعمى النهار و يكون ذلك عن إفراط التحلل في الروح النوري فإذا لقي حر النهار أصابه قمر ثم يستدرك ذلك برد الليل فيزول فيعود الإبصار.


و أما طيرانها من غير ريش فإنه ليس بذلك الطيران الشديد و إنما هو نهوض و خفة أفادها الله تعالى إياه بواسطة الطبيعة و التصاق الولد بها لأنها تضمه إليها بالطبع و ينضم إليها كذلك و تستعين على ضمه برجليها و بقصر المسافة و جملة الأمر أنه تعجب من عجيب و في الأحاديث العامية قيل للخفاش لما ذا لا جناح لك قال لأني تصوير مخلوق قيل فلما ذا لا تخرج نهارا قال حياء من الطيور يعنون أن المسيح ع صوره و أن إليه الإشارة بقوله تعالى( وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ) .و في الطير عجائب و غرائب لا تهتدي العقول إليها و يقال إن ضربين من الحيوان أصمان لا يسمعان و هما النعام و الأفاعي.و تقول العرب إن الظليم يسمع بعينه و أنفه لا يحتاج معهما إلى حاسة أخرى و الكراكي يجمعها أمير لها كيعسوب النحل و لا يجمعها إلا أزواجا و العصافير آلفة للناس آنسة بهم لا تسكن دارا حتى يسكنها إنسان و متى سكنتها لم تقم فيها إذا خرج الإنسان منها فبفراقه تفارق و بسكناه تسكن و يذكر أهل البصرة أنه إذا كان زمن الخروج إلى البساتين لم يبق في البصرة عصفور إلا خرج إليها إلا ما أقام على بيضه و فراخه و قد يدرب العصفور فيستجيب من المكان البعيد و يرجع.و قال شيخنا أبو عثمان بلغني أنه درب فيرجع من ميل و ليس في الأرض رأس أشبه برأس الحية من رأس العصفور و ليس في الحيوان الذي يعايش الناس أقصر عمرا منه قيل لأجل السفاد الذي يستكثر منه و يتميز الذكر من الأنثى في العصافير تميز الديك


من الدجاجة لأن له لحية و لا شي‏ء أحنى على ولده منه و إذا عرض له شي‏ء صاح فأقبلت إليه العصافير يساعدنه و ليس لشي‏ء في مثل جسم العصفور من شدة وطئه إذا مشى أو على السطح ما للعصفور فإنك إذا كنت تحت السطح و وقع حسبت وقعته وقعة حجر و ذكور العصافير لا تعيش إلا سنة و كثيرا ما تجلب الحيات إلى المنازل لأن الحيات تتبعها حرصا على ابتلاع بيضها و فراخها.و يقال إن الدجاجة إذا باضت بيضتين في يوم واحد و تكرر ذلك ماتت و إذا هرمت الدجاجة لم يكن لأواخر ما تبيضه صفرة و إذا لم يكن للبيضة مح لم يخلق فيها فروج لأن غذاءه المح ما دام في البيضة و قد يكون للبيضة محان فتنفقص عن فروجين يخلقان من البياض و يغتذيان بالمحين لأن الفراريج تخلق من البياض و تغتذي بالصفرة و كل ديك فإنه يلتقط الحبة فيحذف بها إلى الدجاجة سماحا و إيثارا و لهذا قالوا أسمح من لاقطة يعنون الديكة إلا ديكة مرو بخراسان فإنها تطرد دجاجها عن الحب و تنزعه من أفواهها فتبتلعه.و الحمامة بلهاء و في أمثالهم أحمق من حمامة و هي مع حمقها مهتدية إلى مصالح نفسها و فراخها.قال ابن الأعرابي قلت لشيخ من العرب من علمك هذا قال علمني الذي علم الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن.و الهداية في الحمام لا تكون إلا في الخضر و السمر فأما الأسود الشديد السواد فهو كالزنجي القليل المعرفة و الأبيض ضعيف القوة و إذا خرج الجوزل عن بيضته علم أبواه أن حلقه لا يتسع للغذاء فلا يكون لهما هم إلا أن ينفخا في حلقه الريح لتتسع حوصلته بعد التحامها ثم يعلمن أنه لا يحتمل في أول اغتذائه أن يزق بالطعم فيزقانه باللعاب المختلط


بقواهما و قوى الطعم ثم يعلمان أن حوصلته تحتاج إلى دباغ فيأكلان من شورج أصول الحيطان و هو شي‏ء من الملح الخالص و التراب فيزقانه به فإذا علما أنه قد اندبغ زقاه بالحب الذي قد غب في حواصلهما ثم بالذي هو أطرى فأطرى حتى يتعود فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج و يتشوف فتطلبه نفسه و يحرص عليه فإذا فطماه و بلغا منتهى حاجته إليهما نزع الله تلك الرحمة منهما و أقبل بهما على طلب نسل آخر.و يقال إن حية أكلت بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر على رأسها و يدنو منها حتى دلعت الحية لسانها و فتحت فاها تريده و تهم به فألقى فيها حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت.و من دعاء الصالحين يا رزاق النعاب في عشه و ذلك أن الغراب إذا فقص عن فراخه فقص عنها بيض الألوان فينفر عنها و لا يزقها فتنفتح أفواهها فيأتيها ذباب يتساقط في أفواهها فيكون غذاءها إلى أن تسود فينقطع الذباب عنها و يعود الغراب إليها فيأنس بها و يغذيها.و الحبارى تدبق جناح الصقر بذرقها ثم يجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة حتى يموت و لذلك يحاول الحبارى العلو عليه و يحاول هو العلو عليها و لا يتجاسر أن يدنو منها متسفلا عنها و يقال إن الحبارى تموت كمدا إذا انحسر عنها ريشها و رأت صويحباتها تطير.


و كل الطير يتسافد بالأستاه إلا الحجل فإن الحجلة تكون في سفالة الريح و اليعقوب في علاوتها فتلقح منه كما تلقح النخلة من الفحال بالريح.و الحبارى شديد الحمق يقال إنها أحمق الطير و هي أشد حياطة لبيضها و فراخها.و العقعق مع كونه أخبث الطير و أصدقها خبثا و أشدها حذرا ليس في الأرض طائر أشد تضييعا لبيضه و فراخه منه.و من الطير ما يؤثر التفرد كالعقاب و منه ما يتعايش زوجا كالقطا.و الظليم يبتلع الحديد المحمى ثم يميعه في قانصته حتى يحيله كالماء الجاري و في ذلك أعجوبتان التغذي بما لا يغذى به و استمراؤه و هضمه شيئا لو طبخ بالنار أبدا لما انحل.و كما سخر الحديد لجوف الظليم فأحاله سخر الصخر الأصم لأذناب الجراد إذا أراد أن يلقي بيضه غرس ذنبه في أشد الأرض صلابة فانصدع له و ذلك من فعل الطبيعة بتسخير الصانع القديم سبحانه كما أن عود الحلفاء الرخو الدقيق المنبت يلقى في نباته الآجر و الخزف الغليظ فيثقبه.و قد رأيت في مسناة سور بغداد في حجر صلد نبعة نبات قد شقت و خرجت من موضع لو حاول جماعة أن يضربوه بالبيارم الشديدة مدة طويلة لم يؤثر فيه أثرا.و قد قيل إن إبرة العقرب أنفذ في الطنجير و الطست.و في الظليم شبه من البعير من جهة المنسم و الوظيف و العنق و الخزامة التي في أنفه


و شبه من الطائر من جهة الريش و الجناحين و الذنب و المنقار ثم إن ما فيه من شبه الطير جذبه إلى البيض و ما فيه من شبه البعير لم يجذبه إلى الولادة.و يقال إن النعامة مع عظم عظامها و شدة عدوها لا مخ فيها و أشد ما يكون عدوها أن تستقبل الريح فكلما كان أشد لعصوفها كان أشد لحضرها تضع عنقها على ظهرها ثم تخرق الريح و من أعاجيبها أن الصيف إذا دخل و ابتدأ البسر في الحمرة ابتدأ لون وظيفها في الحمرة فلا يزالان يزدادان حمرة إلى أن تنتهي حمرة البسر و لذلك قيل للظليم خاضب و من العجب أنها لا تأنس بالطير و لا بالإبل مع مشاكلتها للنوعين و لا يكاد يرى بيضها مبددا البتة بل تصفه طولا صفا مستويا على غاية الاستواء حتى لو مددت عليه خيط المسطر لما وجدت لبعضه خروجا عن البعض ثم تعطي لكل واحدة نصيبها من الحضن.و الذئب لا يعرض لبيض النعام ما دام الأبوان حاضرين فإنهما متى نقفاه ركبه الذكر فطحره و أدركته الأنثى فركضته ثم أسلمته إلى الذكر و ركبته عوضه فلا يزالان يفعلان به ذلك حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا و النعام قد يتخذ في الدور و ضرره شديد لأن النعامة ربما رأت في أذن الجارية قرطا فيه حجر أو حبة لؤلؤ فخطفته و أكلته و خرمت الأذن أو رأت ذلك في لبتها فضربت بمنقارها اللبة فخرقتها


156 و من كلام له ع خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

فَمَنِ اِسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَفْعَلْ وَ إِنْ أَطَعْتُمُونِي فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ عَلَى سَبِيلِ اَلْجَنَّةِ وَ إِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ وَ أَمَّا فُلاَنَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ اَلنِّسَاءِ وَ ضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ اَلْقَيْنِ وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ وَ لَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا اَلْأَوْلَى وَ اَلْحِسَابُ عَلَى اَللَّهِ يعتقل نفسه على الله يحبسها على طاعته ثم ذكر أن السبيل التي حملهم عليها و هي سبيل الرشاد ذات مشقة شديدة و مذاقة مريرة لأن الباطل محبوب النفوس فإنه اللهو و اللذة و سقوط التكليف و أما الحق فمكروه النفس لأن التكليف صعب و ترك الملاذ العاجلة شاق شديد المشقة.و الضغن الحقد و المرجل قدر كبيرة و القين الحداد أي كغليان قدر من حديد


فصل في ترجمة عائشة و ذكر طرف من أخبارها

و فلانة كناية عن أم المؤمنين عائشة أبوها أبو بكر و قد تقدم ذكر نسبه و أمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة تزوجها رسول الله ص قبل الهجرة بسنتين بعد وفاة خديجة و هي بنت سبع سنين و بنى عليها بالمدينة و هي بنت تسع سنين و عشرة أشهر و كانت قبله تذكر لجبير بن مطعم و تسمى له و كان رسول الله ص رأى في المنام عائشة في سرقة من حرير عند متوفى خديجة فقال إن يكن هذا من عند الله يمضه روي هذا الخبر في المسانيد الصحيحة و كان نكاحه إياها في شوال و بناؤه عليها في شوال أيضا فكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها و أحبتها على أزواجهن في شوال و تقول هل كان في نسائه أحظى مني و قد نكحني و بنى علي في شوال ردا بذلك على من يزعم من النساء أن دخول الرجل بالمرأة بين العيدين مكروه.و توفي رسول الله ص عنها و هي بنت عشرين سنة و استأذنت رسول الله ص في الكنية فقال لها اكتني بابنك عبد الله بن الزبير يعني ابن أختها فكانت تكنى أم عبد الله و كانت فقيهة راوية للشعر ذات حظ من رسول الله ص و ميل ظاهر إليها و كانت لها عليه جرأة و إدلال لم يزل ينمي و يستشري حتى كان منها في أمره في قصة مارية ما كان من الحديث


الذي أسره إلى الزوجة الأخرى و أدى إلى تظاهرهما عليه و أنزل فيهما قرآنا يتلى في المحاريب يتضمن وعيدا غليظا عقيب تصريح بوقوع الذنب و صغو القلب و أعقبتها تلك الجرأة و ذلك الانبساط و حدث منها في أيام الخلافة العلوية ما حدث و لقد عفا الله تعالى عنها و هي من أهل الجنة عندنا بسابق الوعد و ما صح من أمر التوبة.و روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب في باب عائشة عن سعيد بن نصر عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن وضاح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ص لنسائه أيتكن صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلي كثير و تنجو بعد ما كادت.قال أبو عمر بن عبد البر و هذا الحديث من أعلام نبوته ص قال و عصام بن قدامة ثقة و سائر الإسناد فثقة رجاله أشهر من أن تذكر.و لم تحمل عائشة من رسول الله ص و لا ولد له ولد من مهيرة إلا من خديجة و من السراري من مارية.و قذفت عائشة في أيام رسول الله ص بصفوان بن المعطل السلمي و القصة مشهورة فأنزل الله تعالى براءتها في قرآن يتلى و ينقل و جلد قاذفوها الحد و توفيت في سنة سبع و خمسين للهجرة و عمرها أربع و ستون سنة و دفنت بالبقيع


في ملك معاوية و صلى عليها المسلمون ليلا و أمهم أبو هريرة و نزل في قبرها خمسة من أهلها عبد الله و عروة ابنا الزبير و القاسم و عبد الله ابنا محمد بن أبي بكر و عبد الرحمن بن أبي بكر و ذلك لسبع عشرة خلت من شهر رمضان من السنة المذكورة.فأما قوله فأدركها رأي النساء أي ضعف آرائهن و قد جاء في الخبر لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة و جاء إنهن قليلات عقل و دين أو قال ضعيفات و لذلك جعل شهادة المرأتين بشهادة الرجل الواحد و المرأة في أصل الخلقة سريعة الانخداع سريعة الغضب سيئة الظن فاسدة التدبير و الشجاعة فيهن مفقودة أو قليلة و كذلك السخاء و أما الضغن فاعلم أن هذا الكلام يحتاج إلى شرح و قد كنت قرأته على الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعانيرحمه‌الله أيام اشتغالي عليه بعلم الكلام و سألته عما عنده فيه فأجابني بجواب طويل أنا أذكر محصوله بعضه بلفظهرحمه‌الله و بعضه بلفظي فقد شذ عني الآن لفظه كله بعينه قال أول بدء الضغن كان بينها و بين فاطمة ع و ذلك لأن رسول الله ص تزوجها عقيب موت خديجة فأقامها مقامها و فاطمة هي ابنة خديجة و من المعلوم أن ابنة الرجل إذا ماتت أمها و تزوج أبوها أخرى كان بين الابنة و بين المرأة كدر و شنئان و هذا لا بد منه لأن الزوجة تنفس عليها ميل الأب و البنت تكره ميل أبيها إلى امرأة غريبة كالضرة لأمها بل هي ضرة على الحقيقة و إن كانت الأم ميتة و لأنا لو قدرنا الأم حية لكانت العداوة مضطرمة متسعرة فإذا كانت قد ماتت ورثت ابنتها تلك العداوة و في المثل عداوة الحماة و الكنة و قال الراجز:


إن الحماة أولعت بالكنة

و أولعت كنتها بالظنة

ثم اتفق أن رسول الله ص مال إليها و أحبها فازداد ما عند فاطمة بحسب زيادة ميله و أكرم رسول الله ص فاطمة إكراما عظيما أكثر مما كان الناس يظنونه و أكثر من إكرام الرجال لبناتهم حتى خرج بها عن حد حب الآباء للأولاد فقال بمحضر الخاص و العام مرارا لا مرة واحدة و في مقامات مختلفة لا في مقام واحد إنها سيدة نساء العالمين و إنها عديلة مريم بنت عمران و إنها إذا مرت في الموقف نادى مناد من جهة العرش يا أهل الموقف غضوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمد و هذا من الأحاديث الصحيحة و ليس من الأخبار المستضعفة و إن إنكاحه عليا إياها ما كان إلا بعد أن أنكحه الله تعالى إياها في السماء بشهادة الملائكة و كم قال لا مرة يؤذيني ما يؤذيها و يغضبني ما يغضبها و إنها بضعة مني يريبني ما رابها فكان هذا و أمثاله يوجب زيادة الضغن عند الزوجة حسب زيادة هذا التعظيم و التبجيل و النفوس البشرية تغيظ على ما هو دون هذا فكيف هذا.ثم حصل عند بعلها ما هو حاصل عندها أعني عليا ع فإن النساء كثيرا ما يجعلن الأحقاد في قلوب الرجال لا سيما و هن محدثات الليل كما قيل في المثل و كانت تكثر الشكوى من عائشة و يغشاها نساء المدينة و جيران بيتها فينقلن إليها كلمات عن عائشة ثم يذهبن إلى بيت عائشة فينقلن إليها كلمات عن فاطمة و كما كانت فاطمة تشكو إلى بعلها كانت عائشة تشكو إلى أبيها لعلمها أن بعلها لا يشكيها على ابنته فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما ثم تزايد تقريظ رسول الله ص


لعلي ع و تقريبه و اختصاصه فأحدث ذلك حسدا له و غبطة في نفس أبي بكر عنه و هو أبوها و في نفس طلحة و هو ابن عمها و هي تجلس إليهما و تسمع كلامهما و هما يجلسان إليها و يحادثانها فأعدى إليها منهما كما أعدتهما.قال و لست أبرئ عليا ع من مثل ذلك فإنه كان ينفس على أبي بكر سكون النبي ص إليه و ثناءه عليه و يحب أن ينفرد هو بهذه المزايا و الخصائص دونه و دون الناس أجمعين و من انحرف عن إنسان انحرف عن أهله و أولاده فتأكدت البغضة بين هذين الفريقين ثم كان من أمر القذف ما كان و لم يكن علي ع من القاذفين و لكنه كان من المشيرين على رسول الله ص بطلاقها تنزيها لعرضه عن أقوال الشنأة و المنافقين.قال له لما استشاره إن هي إلا شسع نعلك و قل له سل الخادم و خوفها و إن أقامت على الجحود فاضربها و بلغ عائشة هذا الكلام كله و سمعت أضعافه مما جرت عادة الناس أن يتداولوه في مثل هذه الواقعة و نقل النساء إليها كلاما كثيرا عن علي و فاطمة و أنهما قد أظهرا الشماتة جهارا و سرا بوقوع هذه الحادثة لها فتفاقم الأمر و غلظ.ثم إن رسول الله ص صالحها و رجع إليها و نزل القرآن ببراءتها فكان منها ما يكون من الإنسان ينتصر بعد أن قهر و يستظهر بعد أن غلب و يبرأ بعد أن اتهم من بسط اللسان و فلتات القول و بلغ ذلك كله عليا ع و فاطمة ع فاشتدت الحل و غلظت و طوى كل من الفريقين قلبه على الشنئان لصاحبه ثم كان بينها و بين علي ع في حياة رسول الله ص أحوال و أقوال كلها تقتضي تهييج ما في النفوس نحو قولها له و قد استدناه رسول الله فجاء حتى قعد بينه


و بينها و هما متلاصقان أ ما وجدت مقعدا لكذا لا تكني عنه إلا فخذي و نحو ما روي أنه سايره يوما و أطال مناجاته فجاءت و هي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما و قالت فيم أنتما فقد أطلتما فيقال إن رسول الله ص غضب ذلك اليوم و ما روي من حديث الجفنة من الثريد التي أمرت الخادم فوقفت لها فأكفأتها و نحو ذلك مما يكون بين الأهل و بين المرأة و أحمائها.ثم اتفق أن فاطمة ولدت أولادا كثيرة بنين و بنات و لم تلد هي ولدا و أن رسول الله ص كان يقيم بني فاطمة مقام بنيه و يسمي الواحد منهما ابني و يقول دعوا لي ابني و لا تزرموا على ابني و ما فعل ابني فما ظنك بالزوجة إذا حرمت الولد من البعل ثم رأت البعل يتمنى بني ابنته من غيرها و يحنو عليهم حنو الوالد المشفق هل تكون محبة لأولئك البنين و لأمهم و لأبيهم أم مبغضة و هل تود دوام ذلك و استمراره أم زواله و انقضاءه.ثم اتفق أن رسول الله ص سد باب أبيها إلى المسجد و فتح باب صهره ثم بعث أباها ببراءة إلى مكة ثم عزله عنها بصهره فقدح ذلك أيضا في نفسها و ولد لرسول الله ص إبراهيم من مارية فأظهر علي ع بذلك سرورا كثيرا و كان يتعصب لمارية و يقوم بأمرها عند رسول الله ص ميلا على غيرها و جرت لمارية نكبة مناسبة لنكبة عائشة فبرأها علي ع منها و كشف بطلانها أو كشفه الله تعالى على يده و كان ذلك كشفا محسا بالبصر لا يتهيأ للمنافقين أن يقولوا فيه ما قالوه في القرآن المنزل ببراءة عائشة و كل ذلك مما كان يوغر صدر عائشة عليه و يؤكد ما في نفسها منه ثم مات إبراهيم فأبطنت شماتة و إن أظهرت كآبة


و وجم علي ع من ذلك و كذلك فاطمة و كانا يؤثران و يريدان أن تتميز مارية عليها بالولد فلم يقدر لهما و لا لمارية ذلك و بقيت الأمور على ما هي عليه و في النفوس ما فيها حتى مرض رسول الله ص المرض الذي توفي فيه و كانت فاطمة ع و علي ع يريدان أن يمرضاه في بيتهما و كذلك كان أزواجه كلهن فمال إلى بيت عائشة بمقتضى المحبة القلبية التي كانت لها دون نسائه و كره أن يزاحم فاطمة و بعلها في بيتهما فلا يكون عنده من الانبساط لوجودهما ما يكون إذا خلا بنفسه في بيت من يميل إليه بطبعه و علم أن المريض يحتاج إلى فضل مداراة و نوم و يقظة و انكشاف و خروج حدث فكانت نفسه إلى بيته أسكن منها إلى بيت صهره و بنته فإنه إذا تصور حياءهما منه استحيا هو أيضا منهما و كل أحد يحب أن يخلو بنفسه و يحتشم الصهر و البنت و لم يكن له إلى غيرها من الزوجات مثل ذلك الميل إليها فتمرض في بيتها فغبطت على ذلك و لم يمرض رسول الله ص منذ قدم المدينة مثل هذا المرض و إنما كان مرضه الشقيقة يوما أو بعض يوم ثم يبرأ فتطاول هذا المرض و كان علي ع لا يشك أن الأمر له و أنه لا ينازعه فيه أحد من الناس و لهذا قال له عمه و قد مات رسول الله ص امدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله ص بايع ابن عم رسول الله ص فلا يختلف عليك اثنان قال يا عم و هل يطمع فيها طامع غيري قال ستعلم قال فإني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج و أحب أن أصحر به فسكت عنه فلما ثقل رسول الله ص في مرضه أنفذ جيش أسامة و جعل فيه أبا بكر و غيره من أعلام


المهاجرين و الأنصار فكان علي ع حينئذ بوصوله إلى الأمر إن حدث برسول الله ص حدث أوثق و تغلب على ظنه أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية فيأخذه صفوا عفوا و تتم له البيعة فلا يتهيأ فسخها لو رام ضد منازعته عليها فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة بإرسالها إليه و إعلامه بأن رسول الله ص يموت ما كان و من حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب علي ع عائشة أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس لأن رسول الله كما روي قال ليصل بهم أحدهم و لم يعين و كانت صلاة الصبح فخرج رسول الله ص و هو في آخر رمق يتهادى بين علي و الفضل بن العباس حتى قام في المحراب كما ورد في الخبر ثم دخل فمات ارتفاع الضحى فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه و قال أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة و لم يحملوا خروج رسول الله ص إلى الصلاة لصرفه عنها بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي ع على أنها ابتدأت منها.و كان علي ع يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا و يقول إنه لم يقل ص إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال و غضبا منها لأنها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما و أنه استدركها بخروجه و صرفه عن المحراب فلم يجد ذلك و لا أثر مع قوة الداعي الذي كان يدعو إلى أبي بكر و يمهد له قاعدة الأمر و تقرر حاله في نفوس الناس و من اتبعه على ذلك من أعيان المهاجرين و الأنصار و لما ساعد على ذلك من الحظ الفلكي و الأمر السمائي الذي جمع عليه القلوب و الأهواء فكانت هذه الحال عند علي أعظم من كل عظيم و هي الطامة الكبرى


و المصيبة العظمى و لم ينسبها إلا إلى عائشة وحدها و لا علق الأمر الواقع إلا بها فدعا عليها في خلواته و بين خواصه و تظلم إلى الله منها و جرى له في تخلفه عن البيعة ما هو مشهور حتى بايع و كان يبلغه و فاطمة عنها كل ما يكرهانه منذ مات رسول الله ص إلى أن توفيت فاطمة و هما صابران على مضض و رمض و استظهرت بولاية أبيها و استطالت و عظم شأنها و انخذل علي و فاطمة و قهرا و أخذت فدك و خرجت فاطمة تجادل في ذلك مرارا فلم تظفر بشي‏ء و في ذلك تبلغها النساء و الداخلات و الخارجات عن عائشة كل كلام يسوؤها و يبلغن عائشة عنها و عن بعلها مثل ذلك إلا أنه شتان ما بين الحالين و بعد ما بين الفريقين هذه غالبة و هذه مغلوبة و هذه آمرة و هذه مأمورة و ظهر التشفي و الشماتة و لا شي‏ء أعظم مرارة و مشقة من شماتة العدو.فقلت لهرحمه‌الله أ فتقول أنت إن عائشة عينت أباها للصلاة و رسول الله ص لم يعينه فقال أما أنا فلا أقول ذلك و لكن عليا كان يقوله و تكليفي غير تكليفه كان حاضرا و لكم أكن حاضرا فأنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي و هي تتضمن تعيين النبي ص لأبي بكر في الصلاة و هو محجوج بما كان قد علمه أو يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها.قال ثم ماتت فاطمة فجاء نساء رسول الله ص كلهن إلى بني هاشم في العزاء إلا عائشة فإنها لم تأت و أظهرت مرضا و نقل إلى علي ع عنها كلام يدل على السرور.ثم بايع علي أباها فسرت بذلك و أظهرت من الاستبشار بتمام البيعة و استقرار


الخلافة و بطلان منازعة الخصم ما قد نقله الناقلون فأكثروا و استمرت الأمور على هذا مدة خلافة أبيها و خلافة عمر و عثمان و القلوب تغلي و الأحقاد تذيب الحجارة و كلما طال الزمان على علي تضاعفت همومه و باح بما في نفسه إلى أن قتل عثمان و قد كانت عائشة فيها أشد الناس عليه تأليبا و تحريضا فقالت أبعده الله لما سمعت قتله و أملت أن تكون الخلافة في طلحة فتعود الإمرة تيمية كما كانت أولا فعدل الناس عنه إلى علي بن أبي طالب فلما سمعت ذلك صرخت وا عثماناه قتل عثمان مظلوما و ثار ما في الأنفس حتى تولد من ذلك يوم الجمل و ما بعده.هذه خلاصة كلام الشيخ أبي يعقوبرحمه‌الله و لم يكن يتشيع و كان شديدا في الاعتزال إلا أنه في التفضيل كان بغداديا.فأما قوله ع و لو دعيت لتنال من غيري مثل ما أتت إلي لم تفعل فإنما يعني به عمر يقول لو أن عمر ولي الخلافة بعد قتل عثمان على الوجه الذي قتل عليه و الوجه الذي أنا وليت الخلافة عليه و نسب إلى عمر أنه كان يؤثر قتله أو يحرض عليه و دعيت عائشة إلى أن تخرج عليه في عصابة من المسلمين إلى بعض بلاد الإسلام تثير فتنة و تنقض البيعة لم تفعل و هذا حق لأنها لم تكن تجد على عمر ما تجده على علي ع و لا الحال الحال.فأما قوله و لها بعد حرمتها الأولى و الحساب على الله فإنه يعني بذلك حرمتها بنكاح رسول الله ص لها و حبه إياها و حسابها على الله لأنه غفور رحيم لا يتعاظم عفوه زلة و لا يضيق عن رحمته ذنب.


فإن قلت هذا الكلام يدل على توقفه ع في أمرها و أنتم تقولون إنها من أهل الجنة فكيف تجمعون بين مذهبكم و هذا الكلام.قلت يجوز أن يكون قال هذا الكلام قبل أن يتواتر الخبر عنده بتوبتها فإن أصحابنا يقولون إنها تابت بعد قتل أمير المؤمنين و ندمت و قالت لوددت أن لي من رسول الله ص عشرة بنين كلهم ماتوا و لم يكن يوم الجمل و إنها كانت بعد قتله تثني عليه و تنشر مناقبه مع أنهم رووا أيضا أنها عقيب الجمل كانت تبكي حتى تبل خمارها و أنها استغفرت الله و ندمت و لكن لم يبلغ أمير المؤمنين ع حديث توبتها عقيب الجمل بلاغا يقطع العذر و يثبت الحجة و الذي شاع عنها من أمر الندم و التوبة شياعا مستفيضا إنما كان بعد قتله ع إلى أن ماتت و هي على ذلك و التائب مغفور له و يجب قبول التوبة عندنا في العدل و قد أكدوا وقوع التوبة منها ما

روي في الأخبار المشهورة أنها زوجة رسول الله ص في الآخرة كما كانت زوجته في الدنيا و مثل هذا الخبر إذا شاع أوجب علينا أن نتكلف إثبات توبتها و لو لم ينقل فكيف و النقل لها يكاد أن يبلغ حد التواتر : مِنْهُ سَبِيلٌ أَبْلَجُ اَلْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ اَلسِّرَاجِ فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلصَّالِحَاتِ وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلْإِيمَانِ وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ اَلْعِلْمُ وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ اَلْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ اَلدُّنْيَا وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ اَلآْخِرَةُ وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ اَلْجَنَّةُ وَ تُبَرَّزُ اَلْجَحِيمُ


لِلْغَاوِينَ وَ إِنَّ اَلْخَلْقَ لاَ مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ اَلْقِيَامَةِ مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى اَلْغَايَةِ اَلْقُصْوَى هو الآن في ذكر الإيمان و عنه قال سبيل أبلج المنهاج أي واضح الطريق.ثم قال فبالإيمان يستدل على الصالحات يريد بالإيمان هاهنا مسماه اللغوي لا الشرعي لأن الإيمان في اللغة هو التصديق قال سبحانه( وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) أي بمصدق و المعنى أن من حصل عنده التصديق بالوحدانية و الرسالة و هما كلمتا الشهادة استدل بهما على وجوب الأعمال الصالحة عليه أو ندبه إليها لأن المسلم يعلم من دين نبيه ص أنه أوجب عليه أعمالا صالحة و ندبه إلى أعمال صالحة فقد ثبت أن بالإيمان يستدل على الصالحات.ثم قال و بالصالحات يستدل على الإيمان فالإيمان هاهنا مستعمل في مسماه الشرعي لا في مسماه اللغوي و مسماه الشرعي هو العقد بالقلب و القول باللسان و العمل بالجوارح فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يستكمل فعل كل واجب و يجتنب كل قبيح و لا شبهة أنا متى علمنا أو ظننا من مكلف أنه يفعل الأفعال الصالحة و يجتنب الأفعال القبيحة استدللنا بذلك على حسن إطلاق لفظ المؤمن عليه و بهذا التفسير الذي فسرناه نسلم من إشكال الدور لأن لقائل أن يقول من شرط الدليل أن يعلم قبل العلم بالمدلول فلو كان كل واحد من الإيمان و الصالحات يستدل به على الآخر لزم تقدم العلم بكل واحد منهما على العلم بكل واحد منهما فيؤدي إلى الدور و لا شبهة أن هذا الدور غير لازم على التفسير الذي فسرناه نحن.


ثم قال ع و بالإيمان يعمر العلم و ذلك لأن العالم و هو غير عامل بعلمه غير منتفع بما علم بل مستضر به غاية الضرر فكأن علمه خراب غير معمور و إنما يعمر بالإيمان و هو فعل الواجب و تجنب القبيح على مذهبنا أو الاعتقاد و المعرفة على مذهب غيرنا أو القول اللساني على قول آخرين و مذهبنا أرجح لأن عمارة العلم إنما تكون بالعمل من الأعضاء و الجوارح و بدون ذلك يبقى العلم على خرابه كما كان.ثم قال و بالعلم يرهب الموت هذا من قول الله تعالى( إِنَّما يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ ) .ثم قال و بالموت تختم الدنيا و هذا حق لأنه انقطاع التكليف.ثم قال و بالدنيا تحرز الآخرة هذا كقول بعض الحكماء الدنيا متجر و الآخرة ربح و نفسك رأس المال.ثم قال و بالقيامة تزلف الجنة للمتقين و تبرز الجحيم للغاوين هذا من القرآن العزيز و تزلف لهم تقدم لهم و تقرب إليهم.و لا مقصر لي عن كذا لا محبس و لا غاية لي دونه و أرقل أسرع و المضمار حيث تستبق الخيل : مِنْهَا قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ اَلْأَجْدَاثِ وَ صَارُوا إِلَى مَصَايِرِ اَلْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا


لاَ يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَ لاَ يُنْقَلُونَ عَنْهَا وَ إِنَّ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِنَّهُمَا لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَ لاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ وَ عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اَللَّهِ فَإِنَّهُ اَلْحَبْلُ اَلْمَتِينُ وَ اَلنُّورُ اَلْمُبِينُ وَ اَلشِّفَاءُ اَلنَّافِعُ وَ اَلرِّيُّ اَلنَّاقِعُ وَ اَلْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ وَ اَلنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ لاَ يَعْوَجُّ فَيُقَامَ وَ لاَ يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ وَ لاَ يُخْلِقُهُ كَثْرَةُ اَلرَّدِّ وَ وُلُوجُ اَلسَّمْعِ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ شخصوا من بلد كذا خرجوا و مستقر الأجداث مكان استقرارهم بالقبور و هي جمع جدث.و مصاير الغايات جمع مصير و الغايات جمع غاية و هي ما ينتهى إليه قال الكميت

فالآن صرت إلى أمية و الأمور إلى مصاير

ثم ذكر أن أهل الثواب و العقاب كل من الفريقين يقيم بدار لا يتحول منها و هذا كما

ورد في الخبر أنه ينادي مناد يا أهل الجنة سعادة لا فناء لها و يا أهل النار شقاوة لا فناء لها.ثم ذكر أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر خلقان من خلق الله سبحانه و ذلك لأنه تعالى ما أمر إلا بمعروف و ما نهى إلا عن منكر و يبقى الفرق بيننا و بينه أنا يجب علينا النهي عن المنكر بالمنع منه و هو سبحانه لا يجب عليه ذلك لأنه لو منع من إتيان المنكر لبطل التكليف.ثم قال إنهما لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق و إنما قال ع


ذلك لأن كثيرا من الناس يكف عن نهي الظلمة عن المناكير توهما منه أنهم أما إن يبطشوا به فيقتلوه أو يقطعوا رزقه و يحرموه فقال ع إن ذلك ليس مما يقرب من الأجل و لا يقطع الرزق.و ينبغي أن يحمل كلامه ع على حال السلامة و غلبة الظن بعدم تطرق الضرر الموفي على مصلحة النهي عن المنكر.ثم أمر باتباع الكتاب العزيز و وصفه بما وصفه به.و ماء ناقع ينقع الغلة أي يقطعها و يروى منها و لا يزيغ يميل فيستعتب يطلب منه العتبى هي الرضا كما يطلب من الظالم يميل فيسترضى.قال و لا يخلقه كثرة الرد و ولوج السمع هذا من خصائص القرآن المجيد شرفه الله تعالى و ذلك أن كل كلام منثور أو منظوم إذا تكررت تلاوته و تردد ولوجه الأسماع مل و سمج و استهجن إلا القرآن فإنه لا يزال غضا طريا محبوبا غير مملول


157 و من خطبة له ع

و قام إليه ع رجل فقال أخبرنا عن الفتنة و هل سألت عنها رسول الله ص فقال ع : إِنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ( الم أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ ) عَلِمْتُ أَنَّ اَلْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَ رَسُولُ اَللَّهِ ص بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا هَذِهِ اَلْفِتْنَةُ اَلَّتِي أَخْبَرَكَ اَللَّهُ بِهَا فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اَللَّهِ أَ وَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اُسْتُشْهِدَ مَنِ اُسْتُشْهِدَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ حِيزَتْ عَنِّي اَلشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ اَلشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ اَلصَّبْرِ وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ اَلْبُشْرَى وَ اَلشُّكْرِ وَ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَلْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ اَلْكَاذِبَةِ وَ اَلْأَهْوَاءِ اَلسَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ اَلْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَ اَلسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَ اَلرِّبَا بِالْبَيْعِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَبِأَيِّ اَلْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ


قد كان ع يتكلم في الفتنة و لذلك ذكر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لذلك قال فعليكم بكتاب الله أي إذا وقع الأمر و اختلط الناس فعليكم بكتاب الله فلذلك قام إليه من سأله عن الفتنة و هذا الخبر مروي عن رسول الله ص

قد رواه كثير من المحدثين عن علي ع أن رسول الله ص قال له إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين قال فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد قال قوم يشهدون أن لا إله إلا الله و أني رسول الله و هم مخالفون للسنة فقلت يا رسول الله فعلام أقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد قال على الأحداث في الدين و مخالفة الأمر فقلت يا رسول الله إنك كنت وعدتني الشهادة فأسأل الله أن يعجلها لي بين يديك قال فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين أما إني وعدتك الشهادة و ستستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه فكيف صبرك إذا قلت يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر هذا موطن شكر قال أجل أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم فقلت يا رسول الله لو بينت لي قليلا فقال إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن و تعمل بالرأي و تستحل الخمر بالنبيذ و السحت بالهدية و الربا بالبيع و تحرف الكتاب عن مواضعه و تغلب كلمة الضلال فكن جليس بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور و قلبت لك الأمور تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى فقلت يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك أ بمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة فقال بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل فقلت يا رسول الله أ يدركهم العدل منا أم من غيرنا قال بل منا بنا فتح و بنا يختم و بنا ألف الله بين القلوب


بعد الشرك و بنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة فقلت الحمد لله على ما وهب لنا من فضله.و اعلم أن لفظه ع المروي في نهج البلاغة يدل على أن الآية المذكورة و هي قوله ع( الم أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ ) أنزلت بعد أحد و هذا خلاف قول أرباب التفسير لأن هذه الآية هي أول سورة العنكبوت و هي عندهم بالاتفاق مكية و يوم أحد كان بالمدينة و ينبغي أن يقال في هذا إن هذه الآية خاصة أنزلت بالمدينة و أضيفت إلى السورة المكية فصارتا واحدة و غلب عليها نسب المكي لأن الأكثر كان بمكة و في القرآن مثل هذا كثير كسورة النحل فإنها مكية بالإجماع و آخرها ثلاث آيات أنزلت بالمدينة بعد يوم أحد و هي قوله تعالى( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَ اِصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) .فإن قلت فلم قال علمت أن الفتنة لا تنزل بنا و رسول الله بين أظهرنا قلت لقوله تعالى( وَ ما كانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ ) .و قوله حيزت عني الشهادة أي منعت.قوله ليس هذا من مواطن الصبر كلام عال جدا يدل على يقين عظيم و عرفان تام و نحوه

قوله و قد ضربه ابن ملجم فزت و رب الكعبة.


قوله سيفتنون بعدي بأموالهم من قوله تعالى( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) .قوله و يمنون بدينهم على ربهم من قوله تعالى( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ) .قوله و يتمنون رحمته من قوله أحمق الحمقى من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله.قوله و يأمنون سطوته من قوله تعالى( أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اَللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخاسِرُونَ ) .و الأهواء الساهية الغافلة و السحت الحرام و يجوز ضم الحاء و قد أسحت الرجل في تجارته إذا اكتسب السحت.و في قوله بل بمنزلة فتنة تصديق لمذهبنا في أهل البغي و أنهم لم يدخلوا في الكفر بالكلية بل هم فساق و الفاسق عندنا في منزلة بين المنزلتين خرج من الإيمان و لم يدخل في الكفر


158 و من خطبة له ع

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ اَلْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ وَ سَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ وَ دَلِيلاً عَلَى آلاَئِهِ وَ عَظَمَتِهِ عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ اَلدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ لاَ يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ وَ لاَ يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلاَمُهُ فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ اَلزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي اَلظُّلُمَاتِ وَ اِرْتَبَكَ فِي اَلْهَلَكَاتِ وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ فَالْجَنَّةُ غَايَةُ اَلسَّابِقِينَ وَ اَلنَّارُ غَايَةُ اَلْمُفَرِّطِينَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلتَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ وَ اَلْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لاَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَ لاَ يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ أَلاَ وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ اَلْخَطَايَا وَ بِالْيَقِينِ تُدْرَكُ اَلْغَايَةُ اَلْقُصْوَى عِبَادَ اَللَّهِ اَللَّهَ اَللَّهَ فِي أَعَزِّ اَلْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ وَ أَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ اَلْحَقِّ وَ أَنَارَ طُرُقَهُ فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ اَلْفَنَاءِ لِأَيَّامِ اَلْبَقَاءِ قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى اَلزَّادِ وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعَنِ وَ حُثِثْتُمْ عَلَى اَلْمَسِيرِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لاَ يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ أَلاَ فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ


خُلِقَ لِلآْخِرَةِ وَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وَ تَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَ حِسَابُهُ عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اَللَّهُ مِنَ اَلْخَيْرِ مَتْرَكٌ وَ لاَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ اَلشَّرِّ مَرْغَبٌ عِبَادَ اَللَّهِ اِحْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ اَلْأَعْمَالُ وَ يَكْثُرُ فِيهِ اَلزِّلْزَالُ وَ تَشِيبُ فِيهِ اَلْأَطْفَالُ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ عُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لاَ تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لاَ يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وَ إِنَّ غَداً مِنَ اَلْيَوْمِ قَرِيبٌ يَذْهَبُ اَلْيَوْمُ بِمَا فِيهِ وَ يَجِي‏ءُ اَلْغَدُ لاَحِقاً بِهِ فَكَأَنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ اَلْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ وَ مَخَطَّ حُفْرَتِهِ فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ وَ مَنْزِلِ وَحْشَةٍ وَ مَفْرَدِ غُرْبَةٍ وَ كَأَنَّ اَلصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ وَ اَلسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ وَ بَرَزْتُمْ لِفَصْلِ اَلْقَضَاءِ قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ اَلْأَبَاطِيلُ وَ اِضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ اَلْعِلَلُ وَ اِسْتَحَقَّتْ بِكُمُ اَلْحَقَائِقُ وَ صَدَرَتْ بِكُمُ اَلْأُمُورُ مَصَادِرَهَا فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ وَ اِعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ وَ اِنْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ جعل الحمد مفتاحا لذكره لأن أول الكتاب العزيز( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ ) و القرآن هو الذكر قال سبحانه( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ )


و سببا للمزيد لأنه تعالى قال( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) و الحمد هاهنا هو الشكر و معنى جعله الحمد دليلا على عظمته و آلائه أنه إذا كان سببا للمزيد فقد دل ذلك على عظمة الصانع و آلائه أما دلالته على عظمته فلأنه دال على أن قدرته لا تتناهى أبدا بل كلما ازداد الشكر ازدادت النعمة و أما دلالته على آلائه فلأنه لا جود أعظم من جود من يعطي من يحمده لا حمدا متطوعا بل حمدا واجبا عليه.قوله يجري بالباقين كجريه بالماضين من هذا أخذ الشعراء و غيرهم ما نظموه في هذا المعنى قال بعضهم:

مات من مات و الثريا الثريا

و السماك السماك و النسر نسر

و نجوم السماء تضحك منا

كيف تبقى من بعدنا و نمر

و قال آخر:

فما الدهر إلا كالزمان الذي مضى

و لا نحن إلا كالقرون الأوائل

قوله لا يعود ما قد ولى منه كقول الشاعر:

ما أحسن الأيام إلا أنها

يا صاحبي إذا مضت لم ترجع

قوله و لا يبقى سرمدا ما فيه كلام مطروق المعنى قال عدي:

ليس شي‏ء على المنون بباق

غير وجه المهيمن الخلاق

قوله آخر أفعاله كأوله يروى كأولها و من رواه كأوله أعاد الضمير إلى الدهر أي آخر أفعال الدهر كأول الدهر فحذف المضاف.متشابهة أموره لأنه كما كان من قبل يرفع و يضع و يغني و يفقر و يوجد


و يعدم فكذلك هو الآن أفعاله متشابهة و روي متسابقة أي شي‏ء منها قبل شي‏ء كأنها خيل تتسابق في مضمار.متظاهرة أعلامه أي دلالاته على سجيته التي عامل الناس بها قديما و حديثا متظاهرة يقوي بعضها بعضا و هذا الكلام جار منه ع على عادة العرب في ذكر الدهر و إنما الفاعل على الحقيقة رب الدهر.و الشول النوق التي خف لبنها و ارتفع ضرعها و أتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية الواحدة شائلة و هي جمع على غير القياس و شولت الناقة أي صارت شائلة فأما الشائل بغير هاء فهي الناقة تشول بذنبها للقاح و لا لبن لها أصلا و الجمع شول مثل راكع و ركع قال أبو النجم

كأن في أذنابهن الشول

و الزاجر الذي يزجر الإبل يسوقها و يقال حدوت إبلي و حدوت بإبلي و الحدو سوقها و الغناء لها و كذلك الحداء و يقال للشمال حدواء لأنها تحدو السحاب أي تسوقه قال العجاج

حدواء جاءت من بلاد الطور

و لا يقال للمذكر أحدى و ربما قيل للحمار إذا قدم أتنه حاد قال ذو الرمة

حادي ثلاث من الحقب السماحيج

و المعنى أن سائق الشول يعسف بها و لا يتقي سوقها و لا يدارك كما يسوق العشار.


ثم قال ع من شغل نفسه بغير نفسه هلك و ذلك أن من لا يوفي النظر حقه و يميل إلى الأهواء و نصرة الأسلاف و الحجاج عما ربي عليه بين الأهل و الأستاذين الذين زرعوا في قلبه العقائد يكون قد شغل نفسه بغير نفسه لأنه لم ينظر لها و لا قصد الحق من حيث هو حق و إنما قصد نصرة مذهب معين يشق عليه فراقه و يصعب عنده الانتقال منه و يسوؤه أن يرد عليه حجة تبطله فيسهر عينه و يتعب قلبه في تهويس تلك الحجة و القدح فيها بالغث و السمين لا لأنه يقصد الحق بل يقصد نصرة المذهب المعين و تشييد دليله لا جرم أنه متحير في ظلمات لا نهاية لها.و الارتباك الاختلاط ربكت الشي‏ء أربكه ربكا خلطته فارتبك أي اختلط و ارتبك الرجل في الأمر أي نشب فيه و لم يكد يتخلص منه.قوله و مدت به شياطينه في طغيانه مأخوذ من قوله تعالى( وَ إِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي اَلغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ) .و روي و مدت له شياطينه باللام و معناه الإمهال مد له في الغي أي طول له و قال( تعالى قُلْ مَنْ كانَ فِي اَلضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ اَلرَّحْمنُ مَدًّا ) .قوله و زينت له سيئ أعماله مأخوذ من قوله تعالى( أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) .قوله التقوى دار حصن عزيز معناه دار حصانة عزيزة فأقام الاسم مقام المصدر و كذلك في الفجور.و يحرز من لجأ إليه يحفظ من اعتصم به.


و حمة الخطايا سمها و تقطع الحمة كما تقول قطعت سريان السم في بدن الملسوع بالبادزهرات و الترياقات فكأنه جعل سم الخطايا ساريا في الأبدان و التقوى تقطع سريانه.قوله و باليقين تدرك الغاية القصوى و ذلك لأن أقصى درجات العرفان الكشف و هو المراد هاهنا بلفظ اليقين.و انتصب الله الله على الإغراء و في متعلقة بالفعل المقدر و تقديره راقبوا و أعز الأنفس عليهم أنفسهم.قوله فشقوة لازمة مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره فغايتكم أو فجزاؤكم أو فشأنكم و هذا يدل على مذهبنا في الوعيد لأنه قسم الجزاء إلى قسمين إما العذاب أبدا أو النعيم أبدا و في هذا بطلان قول المرجئة إن ناسا يخرجون من النار فيدخلون الجنة لأن هذا لو صح لكان قسما ثالثا.قوله فقد دللتم على الزاد أي الطاعة.و أمرتم بالظعن أي أمرتم بهجر الدنيا و أن تظعنوا عنها بقلوبكم و يجوز الظعن بالتسكين.و حثثتم على المسير لأن الليل و النهار سائقان عنيفان.قوله و إنما أنتم كركب وقوف لا يدرون متى يؤمرون بالسير السير هاهنا هو الخروج من الدنيا إلى الآخرة بالموت جعل الناس و مقامهم في الدنيا كركب وقوف لا يدرون متى يقال لهم سيروا فيسيرون لأن الناس لا يعلمون الوقت الذي يموتون فيه فإن قلت كيف سمى الموت و المفارقة سيرا.قلت لأن الأرواح يعرج بها إما إلى عالمها و هم السعداء أو تهوي إلى أسفل


السافلين و هم الأشقياء و هذا هو السير الحقيقي لا حركة الرجل بالمشي و من أثبت الأنفس المجردة قال سيرها خلوصها من عالم الحس و اتصالها المعنوي لا الأبدي ببارئها فهو سير في المعنى لا في الصورة و من لم يقل بهذا و لا بهذا قال إن الأبدان بعد الموت تأخذ في التحلل و التزايل فيعود كل شي‏ء منها إلى عنصره فذاك هو السير.و ما في عما قليل زائدة و تبعته إثمه و عقوبته.قوله إنه ليس لما وعد الله من الخير مترك أي ليس الثواب فيما ينبغي للمرء أن يتركه و لا الشر فيما ينبغي أن يرغب المرء فيه.و تفحص فيه الأعمال تكشف و الزلزال بالفتح اسم للحركة الشديدة و الاضطراب و الزلزال بالكسر المصدر قال تعالى( وَ زُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ) .قوله و يشيب فيه الأطفال كلام جار مجرى المثل يقال في اليوم الشديد إنه ليشيب نواصي الأطفال و قال تعالى( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدانَ شِيباً ) و ليس ذلك على حقيقته لأن الأمة مجمعة على أن الأطفال لا تتغير حالهم في الآخرة إلى الشيب و الأصل في هذا أن الهموم و الأحزان إذا توالت على الإنسان شاب سريعا قال أبو الطيب:

و الهم يخترم الجسيم نحافة

و يشيب ناصية الصبي و يهرم

قوله إن عليكم رصدا من أنفسكم و عيونا من جوارحكم لأن الأعضاء تنطق في القيامة بأعمال المكلفين و تشهد عليهم.


و الرصد جمع راصد كالحرس جمع حارس.قوله و حفاظ صدق يعني الملائكة الكاتبين لا يعتصم منهم بسترة و لا ظلام ليل و من هذا المعنى قول الشاعر:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل

خلوت و لكن قل علي رقيب

قوله و إن غدا من اليوم قريب و منه قول القائل

فإن غدا لناظره قريب

منه قوله

غد ما غد ما أقرب اليوم من غد

و منه قول الله تعالى( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ أَ لَيْسَ اَلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) و الصيحة نفخة الصور.و زاحت الأباطيل بعدت و اضمحلت تلاشت و ذهبت.قوله و استحقت أي حقت و وقعت استفعل بمعنى فعل كقولك استمر على باطله أي مر عليه.و صدرت بكم الأمور مصادرها كل وارد فله صدر عن مورده و صدر الإنسان عن موارد الدنيا الموت ثم البعث


159 و من خطبة له ع

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ وَ اِنْتِقَاضٍ مِنَ اَلْمُبْرَمِ فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ اَلنُّورِ اَلْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِكَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَ لَنْ يَنْطِقَ وَ لَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَ اَلْحَدِيثَ عَنِ اَلْمَاضِي وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ وَ نَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ الهجعة النومة الخفيفة و قد تستعمل في النوم المستغرق أيضا و المبرم الحبل المفتول و الذي بين يديه التوراة و الإنجيل.فإن قلت التوراة و الإنجيل قبله فكيف جعلهما بين يديه قلت أحد جزأي الصلة محذوف و هو المبتدأ و التقدير بتصديق الذي هو بين يديه و هو ضمير القرآن أي بتصديق الذي القرآن بين يديه و حذف أحد جزأي الصلة هاهنا ثم حذفه في قوله تعالى( تَماماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ وَ تَفْصِيلاً ) في قراءة من جعله اسما


مرفوعا و أيضا فإن العرب تستعمل بين يديه بمعنى قبل قال تعالى( بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) أي قبله : مِنْهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لاَ وَبَرٍ إِلاَّ وَ أَدْخَلَهُ اَلظُّلْمَةُ تَرْحَةً وَ أَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَبْقَى لَهُمْ فِي اَلسَّمَاءِ عَاذِرٌ وَ لاَ فِي اَلْأَرْضِ نَاصِرٌ أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وَ أَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ وَ سَيَنْتَقِمُ اَللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ مَأْكَلاً بِمَأْكَلٍ وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ مِنْ مَطَاعِمِ اَلْعَلْقَمِ وَ مَشَارِبِ اَلصَّبِرِ وَ اَلْمَقِرِ وَ لِبَاسِ شِعَارِ اَلْخَوْفِ وَ دِثَارِ اَلسَّيْفِ وَ إِنَّمَا هُمْ مَطَايَا اَلْخَطِيئَاتِ وَ زَوَامِلُ اَلآْثَامِ فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ اَلنُّخَامَةُ ثُمَّ لاَ تَذُوقُهَا وَ لاَ تَتَطَعَّمُ تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ اَلْجَدِيدَانِ الترحة الحزن قال فحينئذ لا يبقى لهم أي يحيق بهم العذاب و يبعث الله عليهم من ينتقم و هذا إخبار عن ملك بني أمية بعده و زوال أمرهم عند تفاقم فسادهم في الأرض.ثم خاطب أولياء هؤلاء الظلمة و من كان يؤثر ملكهم فقال أصفيتم بالأمر


غير أهله أصفيت فلانا بكذا خصصته به و صفية المغنم شي‏ء كان يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنيمة.و أوردتموه غير ورده أنزلتموه عند غير مستحقه ثم قال سيبدل الله مأكلهم اللذيذة الشهية بمأكل مريرة علقمية و المقر المر و مأكلا منصوب بفعل مقدر أي يأكلون مأكلا و الباء هاهنا للمجازاة الدالة على الصلة كقوله تعالى( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ) و كقول أبي تمام:

فبما قد أراه ريان مكسو

المعاني من كل حسن و طيب

و قال سبحانه( قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ) و جعل شعارهم الخوف لأنه باطن في القلوب و دثارهم السيف لأنه ظاهر في البدن كما أن الشعار ما كان إلى الجسد و الدثار ما كان فوقه.و مطايا الخطيات حوامل الذنوب و زوامل الآثام جمع زاملة و هي بعير يستظهر به الإنسان يحمل متاعه عليه قال الشاعر:

زوامل أشعار و لا علم عندهم

بجيدها إلا كعلم الأباعر

و تنخمت النخامة إذا تنخعتها و النخامة النخاعة.و الجديدان الليل و النهار و قد جاء في الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدثين أن رسول الله ص أخبر أن بني أمية تملك الخلافة بعده مع ذم منه ع


لهم نحو ما روي عنه في تفسير قوله تعالى( وَ ما جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ ) فإن المفسرين قالوا إنه رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة هذا لفظ رسول الله ص الذي فسر لهم الآية به فساءه ذلك ثم قال الشجرة الملعونة بنو أمية و بنو المغيرة و نحو

قوله ص إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا و عباده خولا و نحو

قوله ص في تفسير قوله تعالى( لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قال ألف شهر يملك فيها بنو أمية و ورد عنه ص من ذمهم الكثير المشهور نحو قوله أبغض الأسماء إلى الله الحكم و هشام و الوليد وفي خبر آخر اسمان يبغضهما الله مروان و المغيرة و نحو قوله إن ربكم يحب و يبغض كما يحب أحدكم و يبغض و إنه يبغض بني أمية و يحب بني عبد المطلب فإن قلت كيف قال ثم لا تذوقها أبدا و قد ملكوا بعد قيام الدولة الهاشمية بالمغرب مدة طويلة قلت الاعتبار بملك العراق و الحجاز و ما عداهما من الأقاليم لا اعتداد به


160 و من خطبة له ع

وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ اَلذُّلِّ وَ حَلَقِ اَلضَّيْمِ شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ اَلْقَلِيلِ وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ اَلْبَصَرُ وَ شَهِدَهُ اَلْبَدَنُ مِنَ اَلْمُنْكَرِ اَلْكَثِيرِ أحطت بجهدي من ورائكم حميتكم و حضنتكم و الجهد بالضم الطاقة الربق جمع ربقة و هي الحبل يربق به البهم.و حلق الضيم جمع حلقة بالتسكين و يجوز حلق بكسر الحاء و حلاق فإن قلت كيف يجوز له أن يطرق و يغضي عن المنكر.قلت يجوز له ذلك إذا علم أو غلب على ظنه أنه إن نهاهم عنه لم يرتدعوا و أضافوا إليه منكرا آخر فحينئذ يخرج الإطراق و الإغضاء عن حد الجواز إلى حد الوجوب لأن النهي عن المنكر يكون و الحالة هذه مفسدة


161 و من خطبة له ع

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَ حِكْمَةٌ وَ رِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَةُ يَقْضِي بِعِلْمٍ وَ يَعْفُو بِحِلْمٍ اَللَّهُمَّ لَكَ اَلْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي وَ عَلَى مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى اَلْحَمْدِ لَكَ وَ أَحَبَّ اَلْحَمْدِ إِلَيْكَ وَ أَفْضَلَ اَلْحَمْدِ عِنْدَكَ حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَ يَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْداً لاَ يَحْجُبُ عَنْكَ وَ لاَ يُقْصَرُ دُونَكَ حَمْداً لاَ يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَ لاَ يَفْنَى مَدَدُهُ فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلاَّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ أَدْرَكْتَ اَلْأَبْصَارَ وَ أَحْصَيْتَ اَلْأَعْمَالَ وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَ اَلْأَقْدَامِ وَ مَا اَلَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَ نَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ وَ مَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَ قَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ وَ اِنْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ وَ حَالَتْ سَوَاتِرُ اَلْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ أَعْظَمُ فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وَ كَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ وَ كَيْفَ عَلَّقْتَ فِي اَلْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ وَ كَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ اَلْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً وَ عَقْلُهُ مَبْهُوراً وَ سَمْعُهُ وَالِهاً وَ فِكْرُهُ حَائِراً


يجوز أن يكون أمره هاهنا هو الأمر الفعلي لا الأمر القولي كما يقال أمر فلان مستقيم و ما أمر كذا و قال تعالى( وَ ما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ )( وَ ما أَمْرُ اَلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) فيكون المعنى أن شأنه تعالى ليس إلا أحد شيئين و هما أن يقول و أن يفعل فعبر عن أن يقول بقوله قضاء لأن القضاء الحكم و عبر عن أن يفعل بقوله و حكمة لأن أفعاله كلها تتبع دواعي الحكمة و يجوز أن يكون أمره هو الأمر القولي و هو المصدر من أمر له بكذا أمرا فيكون المعنى أن أوامره إيجاب و إلزام بما فيه حكمة و مصلحة و قد جاء القضاء بمعنى الإلزام و الإيجاب في القرآن العزيز في قوله( وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) أي أوجب و ألزم.قوله و رضاه أمان و رحمة لأن من فاز بدرجة الرضا فقد أمن و حصلت له الرحمة لأن الرضا رحمة و زيادة.قوله يقضي بعلم أي يحكم بما يحكم به لأنه عالم بحسن ذلك القضاء أو وجوبه في العدل.قوله و يعفو بحلم أي لا يعفو عن عجز و ذل كما يعفو الضعيف عن القوي بل هو قادر على الانتقام و لكنه يحلم.ثم حمد الله تعالى على الإعطاء و الأخذ و العافية و البلاء لأن ذلك كله من عند الله لمصالح للمكلف يعلمها و ما يعلمها المكلف و الحمد على المصالح واجب.


ثم أخذ في تفخيم شأن ذلك الحمد و تعظيمه و المبالغة في وصفه احتذاء بقول رسول الله ص الحمد لله زنة عرشه الحمد لله عدد خلقه الحمد لله مل‏ء سمائه و أرضه فقال ع حمدا يكون أرضى الحمد لك أي يكون رضاك له أوفى و أعظم من رضاك بغيره و كذلك القول في أحب و أفضل.قوله و يبلغ ما أردت أي هو غاية ما تنتهي إليه الإرادة و هذا كقول الأعرابية في صفة المطر غشينا ما شئنا و هو من فصيح الكلام.قوله لا يحجب عنك لأن الإخلاص يقارنه و الرياء منتف عنه.قوله و لا يقصر دونك أي لا يحبس أي لا مانع عن وصوله إليك و هذا من باب التوسع و معناه أنه بري‏ء من الموانع عن إثماره الثواب و اقتضائه إياه و روي و لا يقصر من القصور و روي و لا يقصر من التقصير.ثم أخذ في بيان أن العقول قاصرة عن إدراك الباري سبحانه و العلم به و أنا إنما نعلم منه صفات إضافية أو سلبية كالعلم بأنه حي و معنى ذلك أنه لا يستحيل على ذاته أن يعلم و يقدر و أنه قيوم بمعنى أن ذاته لا يجوز عليها العدم أي يقيم الأشياء و يمسكها و كل شي‏ء يقيم الأشياء كلها و يمسكها فليس بمحتاج إلى من يقيمه و يمسكه و إلا لم يكن مقيما و ممسكا لكل شي‏ء و كل من ليس بمحتاج إلى من يقيمه و يمسكه فذاته لا يجوز عليها العدم و أنه تعالى لا تأخذه سنة و لا نوم لأن هذا من صفات الأجسام و ما لا يجوز عليها العدم لا يكون جسما و لا يوصف بخواص الأجسام و لوازمها فإنه لا ينتهي إليه نظر لأن انتهاء النظر إليه يستلزم مقابلته و هو تعالى منزه عن الجهة و إلا لم يكن ذاته مستحيلا عليها العدم و أنه لا يدركه بصر لأن إبصار الأشياء بانطباع أمثلتها في الرطوبة الجليدية كانطباع أشباح المرئيات في المرآة و الباري تعالى لا يتمثل و لا يتشبح و إلا لم يكن


قيوما و أنه يدرك الأبصار لأنه إما عالم لذاته أو لأنه حي لا آفة به و أنه يحصي الأعمال لأنه عالم لذاته فيعلم كل شي‏ء حاضرا و ماضيا و مستقبلا و أنه يأخذ بالنواصي و الأقدام لأنه قادر لذاته فهو متمكن من كل مقدور.ثم خرج إلى فن آخر فقال و ما الذي نعجب لأجله من قدرتك و عظيم ملكك و الغائب عنا من عظمتك أعظم من الحاضر مثال ذلك أن جرم الشمس أعظم من جرم الأرض مائة و ستين مرة و لا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها المائل و لا نسبة لفلكها المائل إلى فلكها المميل و فلك تدوير المريخ الذي فوقها أعظم من مميل الشمس و لا نسبة لفلك تدوير المريخ إلى فلكه المميل و فلك تدوير المشتري أعظم من مميل المريخ و لا نسبة لفلك تدوير المشتري إلى فلكه المميل و فلك تدوير زحل أعظم من مميل المشتري و لا نسبة لفلك تدوير زحل إلى مميل زحل و لا نسبة لمميل زحل إلى كرة الثوابت و لا نسبة لكرة الثوابت إلى الفلك الأطلس الأقصى فانظر أي نسبة تكون الأرض بكليتها على هذا الترتيب إلى الفلك الأطلس و هذا مما تقصر العقول عن فهمه و تنتهي دونه و تحول سواتر الغيوب بينها و بينه كما قال ع.ثم ذكر أن من أعمل فكره ليعلم كيف أقام سبحانه العرش و كيف ذرأ الخلق و كيف علق السماوات بغير علاقة و لا عمد و كيف مد الأرض على الماء رجع طرفه حسيرا و عقله مبهورا و هذا كله حق و من تأمل كتبنا العقلية و اعتراضنا على الفلاسفة الذين عللوا هذه الأمور و زعموا أنهم استنبطوا لها أسبابا عقلية و ادعوا وقوفهم على كنهها و حقائقها علم صحة ما ذكره ع من أن من حاول تقدير ملك الله تعالى و عظيم مخلوقاته بمكيال عقله فقد ضل ضلالا مبينا.


و روي و فكره جائرا بالجيم أي عادلا عن الصواب و الحسير المتعب و المبهور المغلوب و الواله المتحير: مِنْهَا يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اَللَّهَ كَذَبَ وَ اَلْعَظِيمِ مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ إِلاَّ رَجَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلاَّ خَوْفَ اَللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اَللَّهَ فِي اَلْكَبِيرِ وَ يَرْجُو اَلْعِبَادَ فِي اَلصَّغِيرِ فَيُعْطِي اَلْعَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي اَلرَّبَّ فَمَا بَالُ اَللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً وَ كَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لاَ يُعْطِي رَبَّهُ فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ اَلْعِبَادِ نَقْداً وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً وَ كَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ اَلدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اَللَّهِ فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وَ صَارَ عَبْداً لَهَا يجوز بزعمه بالضم و بزعمه بالفتح و بزعمه بالكسر ثلاث لغات أي بقوله فأما من زعمت أي كفلت فالمصدر الزعم بالفتح و الزعامة


ثم أقسم على كذب هذا الزاعم فقال و العظيم و لم يقل و الله العظيم تأكيدا لعظمة البارئ سبحانه لأن الموصوف إذا ألقي و ترك و اعتمد على الصفة حتى صارت كالاسم كان أدل على تحقق مفهوم الصفة كالحارث و العباس.ثم بين مستند هذا التكذيب فقال ما بال هذا الزاعم أنه يرجو ربه و لا يظهر رجاؤه في عمله فإنا نرى من يرجو واحدا من البشر يلازم بابه و يواظب على خدمته و يتحبب إليه و يتقرب إلى قلبه بأنواع الوسائل و القرب ليظفر بمراده منه و يتحقق رجاؤه فيه و هذا الإنسان الذي يزعم أنه يرجو الله تعالى لا يظهر من أعماله الدينية ما يدل على صدق دعواه و مراده ع هاهنا ليس شخصا بعينه بل كل إنسان هذه صفته فالخطاب له و الحديث معه.ثم قال كل رجاء إلا رجاء الله فهو مدخول أي معيب و الدخل بالتسكين العيب و الريبة و من كلامهم ترى الفتيان كالنخل و ما يدريك ما الدخل و جاء الدخل بالتحريك أيضا يقال هذا الأمر فيه دخل و دغل بمعنى قوله تعالى( وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) أي مكرا و خديعة و هو من هذا الباب أيضا.ثم قال و كل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول محقق أي ثابت أي كل خوف حاصل حقيقة فإنه مع هذا الحصول و التحقق معلول ليس بالخوف الصريح إلا خوف الله وحده و تقواه و هيبته و سطوته و سخطه ذلك لأن الأمر الذي يخاف من العبد سريع الانقضاء و الزوال و الأمر الذي يخاف من الباري تعالى لا غاية له و لا انقضاء لمحذوره كما قيل في الحديث المرفوع فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة.


ثم عاد إلى الرجاء فقال يرجو هذا الإنسان الله في الكثير أي يرجو رحمته في الآخرة و لا يتعلق رجاؤه بالله تعالى إلا في هذا الموضع فأما ما عدا ذلك من أمور الدنيا كالمكاسب و الأموال و الجاه و السلطان و اندفاع المضار و التوصل إلى الأغراض بالشفاعات و التوسلات فإنه لا يخطر له الله تعالى ببال بل يعتمد في ذلك على السفراء و الوسطاء و يرجو حصول هذه المنافع و دفع هذه المضار من أبناء نوعه من البشر فقد أعطى العباد من رجائه ما لم يعطه الخالق سبحانه فهو مخطئ لأنه إما ألا يكون هو في نفسه صالحا لأن يرجوه سبحانه و إما ألا يكون البارئ تعالى في نفسه صالحا لأن يرجى فإن كان الثاني فهو كفر صراح و إن كان الأول فالعبد مخطئ حيث لم يجعل نفسه مستعدا لفعل الصالحات لأن يصلح لرجاء البارئ سبحانه.ثم انتقل ع إلى الخوف فقال و كذلك إن خاف هذا الإنسان عبدا مثله خافه أكثر من خوفه البارئ سبحانه لأن كثيرا من الناس يخافون السلطان و سطوته أكثر من خوفهم مؤاخذة البارئ سبحانه و هذا مشاهد و معلوم من الناس فخوف بعضهم من بعض كالنقد المعجل و خوفهم من خالقهم ضمار و وعد و الضمار ما لا يرجى من الوعود و الديون قال الراعي:

حمدن مزاره و أصبن منه

عطاء لم يكن عدة ضمارا

ثم قال و كذلك من عظمت الدنيا في عينه يختارها على الله و يستعبده حبها و يقال كبر بالضم يكبر أي عظم فهو كبير و كبار بالتخفيف فإذا أفرط قيل


كبار بالتشديد فأما كبر بالكسر فمعناه أسن و المصدر منهما كبرا بفتح الباء : وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اَللَّهِ ص كَافٍ لَكَ فِي اَلْأُسْوَةِ وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ اَلدُّنْيَا وَ عَيْبِهَا وَ كَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَ مَسَاوِيهَا إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَ وُطَّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اَللَّهِ ص حَيْثُ يَقُولُ( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) وَ اَللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ اَلْأَرْضِ وَ لَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ اَلْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ ص صَاحِبِ اَلْمَزَامِيرِ وَ قَارِئِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ اَلْخُوصِ بِيَدِهِ وَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا وَ يَأْكُلُ قُرْصَ اَلشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ع فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ اَلْحَجَرَ وَ يَلْبَسُ اَلْخَشِنَ وَ يَأْكُلُ اَلْجَشِبَ وَ كَانَ إِدَامُهُ اَلْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ اَلْقَمَرَ وَ ظِلاَلُهُ فِي اَلشِّتَاءِ مَشَارِقَ اَلْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ فَاكِهَتُهُ وَ رَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَ لاَ وَلَدٌ يَحْزُنُهُ وَ لاَ مَالٌ يَلْفِتُهُ وَ لاَ طَمَعٌ يُذِلُّهُ دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ وَ خَادِمُهُ يَدَاهُ


يجوز أسوة و إسوة و قرئ التنزيل بهما و المساوئ العيوب ساءه كذا يسوؤه سوءا بالفتح و مساءة و مسائية و سوته سواية و مساية بالتخفيف أي ساءه ما رآه مني و سأل سيبويه الخليل عن سوائية فقال هي فعالية بمنزلة علانية و الذين قالوا سواية حذفوا الهمزة تخفيفا و هي في الأصل قال و سألته عن مسائية فقال هي مقلوبة و أصلها مساوئة فكرهوا الواو مع الهمزة و الذين قالوا مساية حذفوا الهمزة أيضا تخفيفا و من أمثالهم الخيل تجري في مساويها أي أنها و إن كانت بها عيوب و أوصاب فإن كرمها يحملها على الجري.و المخازي جمع مخزاة و هي الأمر يستحى من ذكره لقبحه و أكنافها جوانبها و زوى قبض و زخارف جمع زخرف و هو الذهب

روي عن رسول الله ص أنه قال عرضت علي كنوز الأرض و دفعت إلي مفاتيح خزائنها فكرهتها و اخترت الدار الآخرة و جاء في الأخبار الصحيحة أنه كان يجوع و يشد حجرا على بطنه و أنه ما شبع آل محمد من لحم قط و أن فاطمة و بعلها و بنيها كانوا يأكلون خبز الشعير و أنهم آثروا سائلا بأربعة أقراص منه كانوا أعدوها لفطورهم و باتوا جياعا و قد كان رسول الله ص ملك قطعة واسعة من الدنيا فلم يتدنس منها بقليل و لا كثير و لقد كانت الإبل التي غنمها يوم حنين أكثر من عشرة آلاف بعير فلم يأخذ منها وبرة لنفسه و فرقها كلها على الناس و هكذا كانت شيمته و سيرته في جميع أحواله إلى أن توفي.و الصفاق الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن و شفيفه رقيقه الذي يستشف ما وراءه و بالتفسير الذي فسر ع الآية فسرها المفسرون و قالوا إن


خضرة البقل كانت ترى في بطنه من الهزال و إنه ما سأل الله إلا أكلة من الخبز و ما في( لِما أَنْزَلْتَ ) بمعنى أي أي إني لأي شي‏ء أنزلت إلي قليل أو كثير غث أو سمين فقير.فإن قلت لم عدى فقيرا باللام و إنما يقال فقير إلى كذا قلت لأنه ضمن معنى سائل و مطالب و من فسر الآية بغير ما ذكره ع لم يحتج إلى الجواب عن هذا السؤال فإن قوما قالوا أراد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير أي من خير الدين و هو النجاة من الظالمين فإن ذلك رضا بالبدل السني و فرحا به و شكرا له.و تشذب اللحم تفرقه و المزامير جمع مزمار و هو الآلة التي يزمر فيها و يقال زمر يزمر و يزمر بالضم و الكسر فهو زمار و لا يكاد يقال زامر و يقال للمرأة زامرة و لا يقال زمارة فأما الحديث أنه نهى عن كسب الزمارة فقالوا إنها الزانية هاهنا و يقال إن داود أعطي من طيب النغم و لذة ترجيع القراءة ما كانت الطيور لأجله تقع عليه و هو في محرابه و الوحش تسمعه فتدخل بين الناس و لا تنفر منهم لما قد استغرقها من طيب صوته و قال النبي ص لأبي موسى و قد سمعه يقرأ لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود و كان أبو موسى شجي الصوت إذا قرأ و ورد في الخبر داود قارئ أهل الجنة.و سفائف الخوص جمع سفيفة و هي النسيجة منه سففت الخوص و أسففته بمعنى و هذا الذي ذكره ع عن داود يجب أن يحمل على أنه شرح حاله قبل أن يملك فإنه كان فقيرا فأما حيث ملك فإن المعلوم من سيرته غير ذلك.فأما عيسى فحاله كما ذكرها ع لا ريب في ذلك على أنه أكل اللحم و شرب


الخمر و ركب الحمار و خدمه التلامذة و لكن الأغلب من حاله هي الأمور التي عددها أمير المؤمنين ع.و يقال حزنني الشي‏ء يحزنني بالضم و يجوز أحزنني بالهمز يحزنني و قرئ بهما و هو في كلامه ع في هذا الفصل بهما و يقال لفته عن كذا يلفته بالكسر أي صرفه و لواه : فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ اَلْأَطْيَبِ اَلْأَطْهَرِ ص فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى وَ أَحَبُّ اَلْعِبَادِ إِلَى اَللَّهِ اَلْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ وَ اَلْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ قَضَمَ اَلدُّنْيَا قَضْماً وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً أَهْضَمُ أَهْلِ اَلدُّنْيَا كَشْحاً وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ اَلدُّنْيَا بَطْناً عُرِضَتْ عَلَيْهِ اَلدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَ عَلِمَ أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ وَ حَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ تَعَالَى وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ لَقَدْ كَانَ ص يَأْكُلُ عَلَى اَلْأَرْضِ وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ اَلْعَبْدِ وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَ يَرْفَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَ يَرْكَبُ اَلْحِمَارَ اَلْعَارِيَ وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ وَ يَكُونُ اَلسِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ اَلتَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ يَا فُلاَنَةُ لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ اَلدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا فَأَعْرَضَ عَنِ اَلدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَ لاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً وَ لاَ يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ اَلنَّفْسِ وَ أَشْخَصَهَا عَنِ اَلْقَلْبِ وَ غَيَّبَهَا عَنِ اَلْبَصَرِ


وَ كَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اَللَّهِ ص مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ اَلدُّنْيَا وَ عُيُوبِهَا إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ أَكْرَمَ اَللَّهُ مُحَمَّداً ص بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ وَ اَللَّهِ اَلْعَظِيمِ بِالْإِفْكِ اَلْعَظِيمِ وَ إِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اَللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ اَلدُّنْيَا لَهُ وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ اَلنَّاسِ مِنْهُ فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ وَ اِقْتَصَّ أَثَرَهُ وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ وَ إِلاَّ فَلاَ يَأْمَنِ اَلْهَلَكَةَ فَإِنَّ اَللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً ص عَلَماً لِلسَّاعَةِ وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ خَرَجَ مِنَ اَلدُّنْيَا خَمِيصاً وَ وَرَدَ اَلآْخِرَةَ سَلِيماً لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَ أَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اَللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ وَ اَللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اِسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لاَ تَنْبِذُهَا عَنْكَ فَقُلْتُ اُعْزُبْ اُغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ اَلصَّبَاحِ يَحْمَدُ اَلْقَوْمُ اَلسُّرَى المقتص لأثره المتبع له و منه قوله تعالى( وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ) و قضم الدنيا تناول منها قدر الكفاف و ما تدعو إليه الضرورة من خشن العيشة و قال أبو ذررحمه‌الله يخضمون و نقضم و الموعد الله و أصل القضم أكل الشي‏ء اليابس بأطراف الأسنان و الخضم أكل بكل الفم للأشياء الرطبة و روي قصم بالصاد أي كسر


قوله أهضم أهل الدنيا كشحا الكشح الخاصرة و رجل أهضم بين الهضم إذا كان خميصا لقلة الأكل.و روي و حقر شيئا فحقره بالتخفيف و الشقاق الخلاف و المحادة المعاداة و خصف النعل خرزها و الرياش الزينة و المدرعة الدراعة.و قوله عند الصباح يحمد القوم السرى مثل يضرب لمحتمل المشقة العاجلة رجاء الراحة الآجلة

نبذ من الأخبار و الآثار الواردة في البعد عن زينة الدنيا

جاء في الأخبار الصحيحة أنه ع قال إنما أنا عبد آكل أكل العبيد و أجلس جلسة العبيد و كان يأكل على الأرض و يجلس جلوس العبيد يضع قصبتي ساقيه على الأرض و يعتمد عليهما بباطني فخذيه و ركوبه الحمار العاري آية التواضع و هضم النفس و أردف غيره خلفه آكد في الدلالة على ذلك.و جاء في الأخبار الصحيحة النهي عن التصاوير و عن نصب الستور التي فيها التصاوير و كان رسول الله ص إذا رأى سترا فيه التصاوير أمر أن تقطع رأس تلك الصورة.و جاء في الخبر من صور صورة كلف في القيامة أن ينفخ فيها الروح فإذا قال لا أستطيع عذب


قوله لم يضع حجرا على حجر هو عين ما جاء في الأخبار الصحيحة خرج رسول الله ص من الدنيا و لم يضع حجرا على حجر.و جاء في أخبار علي ع التي ذكرها أبو عبد الله أحمد بن حنبل في كتاب فضائله و هو روايتي عن قريش بن السبيع بن المهنا العلوي عن نقيب الطالبيين أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمر عن المبارك بن عبد الجبار أحمد بن القاسم الصيرفي المعروف بابن الطيوري عن محمد بن علي بن محمد بن يوسف العلاف المزني عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أبي عبد الله أحمدرحمه‌الله قال قيل لعلي ع يا أمير المؤمنين لم ترقع قميصك قال ليخشع القلب و يقتدي بي المؤمنون.و روى أحمدرحمه‌الله أن عليا كان يطوف الأسواق مؤتزرا بإزار مرتديا برداء و معه الدرة كأنه أعرابي بدوي فطاف مرة حتى بلغ سوق الكرابيس فقال لواحد يا شيخ بعني قميصا تكون قيمته ثلاثة دراهم فلما عرفه الشيخ لم يشتر منه شيئا ثم أتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم فلما جاء أبو الغلام أخبره فأخذ درهما ثم جاء إلى علي ع ليدفعه إليه فقال له ما هذا أو قال ما شابه هذا فقال يا مولاي إن القميص الذي باعك ابني كان يساوي درهمين فلم يأخذ الدرهم و قال باعني رضاي و أخذ رضاه.و روى أحمدرحمه‌الله عن أبي النوار بائع الخام بالكوفة قال جاءني علي بن أبي طالب إلى السوق و معه غلام له و هو خليفة فاشترى مني قميصين و قال لغلامه اختر أيهما شئت فأخذ أحدهما و أخذ علي الآخر ثم لبسه و مد يده فوجد كمه فاضلة فقال اقطع الفاضل فقطعته ثم كفه و ذهب.


و روى أحمدرحمه‌الله عن الصمال بن عمير قال رأيت قميص علي ع الذي أصيب فيه و هو كرابيس سبيلاني و رأيت دمه قد سال عليه كالدردي.و روى أحمدرحمه‌الله قال لما أرسل عثمان إلى علي ع وجده مؤتزرا بعباءة محتجزا بعقال و هو يهنأ بعيرا له و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و فيما ذكرناه كفاية


162 و من خطبة له ع

اِبْتَعَثَهُ بِالنُّورِ اَلْمُضِي‏ءِ وَ اَلْبُرْهَانِ اَلْجَلِيِّ وَ اَلْمِنْهَاجِ اَلْبَادِي وَ اَلْكِتَابِ اَلْهَادِي أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ وَ ثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَ هِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ عَلاَ بِهَا ذِكْرُهُ وَ اِمْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ وَ مَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ وَ دَعْوَةٍ مُتَلاَفِيَةٍ أَظْهَرَ بِهِ اَلشَّرَائِعَ اَلْمَجْهُولَةَ وَ قَمَعَ بِهِ اَلْبِدَعَ اَلْمَدْخُولَةَ وَ بَيَّنَ بِهِ اَلْأَحْكَامَ اَلْمَفْصُولَةَ فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاَمِ دَيْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ وَ تَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ وَ تَعْظُمْ كَبْوَتُهُ وَ يَكُنْ مَآبُهُ إِلَى اَلْحُزْنِ اَلطَّوِيلِ وَ اَلْعَذَابِ اَلْوَبِيلِ وَ أَتَوَكَّلُ عَلَى اَللَّهِ تَوَكُّلَ اَلْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَ أَسْتَرْشِدُهُ اَلسَّبِيلَ اَلْمُؤَدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ اَلْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ بالنور المضي‏ء أي بالدين أو بالقرآن و أسرته أهله أغصانها معتدلة كناية عن عدم الاختلاف بينهم في الأمور الدينية و ثمارها متهدلة أي متدلية كناية عن سهولة اجتناء العلم منها.و طيبة اسم المدينة كان اسمها يثرب فسماها رسول الله ص طيبة


و مما أكفر الناس به يزيد بن معاوية أنه سماها خبيثة مراغمة لرسول الله ص.علا بها ذكره لأنه ص إنما انتصر و قهر الأعداء بعد الهجرة و دعوة متلافية أي تتلافى ما فسد في الجاهلية من أديان البشر.قوله و بين به الأحكام المفصولة ليس يعني أنها كانت مفصولة قبل أن بينها بل المراد بين به الأحكام التي هي الآن مفصولة عندنا و واضحة لنا لأجل بيانه لها.و الكبوة مصدر كبا الجواد إذا عثر فوقع إلى الأرض و المآب المرجع و العذاب الوبيل ذو الوبال و هو الهلاك و الإنابة الرجوع و السبيل الطريق يذكر و يؤنث و القاصدة ضد الجائرة فإن قلت لم عدى القاصدة ب إلى قلت لأنها لما كانت قاصدة تضمنت معنى الإفضاء إلى المقصد فعداها ب إلى باعتبار المعنى : أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ وَ طَاعَتِهِ فَإِنَّهَا اَلنَّجَاةُ غَداً وَ اَلْمَنْجَاةُ أَبَداً رَهَّبَ فَأَبْلَغَ وَ رَغَّبَ فَأَسْبَغَ وَ وَصَفَ لَكُمُ اَلدُّنْيَا وَ اِنْقِطَاعَهَا وَ زَوَالَهَا وَ اِنْتِقَالَهَا فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اَللَّهِ وَ أَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اَللَّهِ


فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ غُمُومَهَا وَ أَشْغَالَهَا لِمَا أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَ تَصَرُّفِ حَالاَتِهَا فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ اَلشَّفِيقِ اَلنَّاصِحِ وَ اَلْمُجِدِّ اَلْكَادِحِ وَ اِعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ اَلْقُرُونِ قَبْلَكُمْ قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ وَ زَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَ أَسْمَاعُهُمْ وَ ذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَ عِزُّهُمْ وَ اِنْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَ نَعِيمُهُمْ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ اَلْأَوْلاَدِ فَقْدَهَا وَ بِصُحْبَةِ اَلْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا لاَ يَتَفَاخَرُونَ وَ لاَ يَتَنَاسَلُونَ وَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ وَ لاَ يَتَحَاوَرُونَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ حَذَرَ اَلْغَالِبِ لِنَفْسِهِ اَلْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ اَلنَّاظِرِ بِعَقْلِهِ فَإِنَّ اَلْأَمْرَ وَاضِحٌ وَ اَلْعَلَمَ قَائِمٌ وَ اَلطَّرِيقَ جَدَدٌ وَ اَلسَّبِيلَ قَصْدٌ المنجاة مصدر نجا ينجو نجاة و منجاة و النجاة الناقة ينجى عليها فاستعارها هاهنا للطاعة و التقوى كأنها كالمطية المركوبة يخلص بها الإنسان من الهلكة.قوله رهب فأبلغ الضمير يرجع إلى الله سبحانه أي خوف المكلفين فأبلغ في التخويف و رغبهم فأتم الترغيب و أسبغه ثم أمر بالإعراض عما يسر و يروق من أمر الدنيا لقلة ما يصحب الناس من ذلك ثم قال إنها أقرب دار من سخط الله و هذا نحو

قول النبي ص حب الدنيا رأس كل خطيئة.


قوله فغضوا عنكم عباد الله غمومها أي كفوا عن أنفسكم الغم لأجلها و الاشتغال بها يقال غضضت فلانا عن كذا أي كففته قال تعالى( وَ اُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) قوله فاحذروها حذر الشفيق الناصح أي فاحذروها على أنفسكم لأنفسكم كما يحذر الشفيق الناصح على صاحبه و كما يحذر المجد الكادح أي الساعي من خيبة سعيه و الأوصال الأعضاء و المحاورة المخاطبة و المناجاة و روي و لا يتجاورون بالجيم و العلم ما يتسدل به في المفازة و طريق جدد أي سهل واضح و السبيل قصد أي مستقيم


163 و من كلام له ع لبعض أصحابه

و قد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به فقال ع : يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ اَلْوَضِينِ تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ اَلصِّهْرِ وَ حَقُّ اَلْمَسْأَلَةِ وَ قَدِ اِسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ أَمَّا اَلاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا اَلْمَقَامِ وَ نَحْنُ اَلْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَ اَلْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ ص نَوْطاً فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَ اَلْحَكَمُ اَللَّهُ وَ اَلْمَعْوَدُ إِلَيْهِ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ

وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ

وَ لَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ اَلرَّوَاحِلِ

وَ هَلُمَّ اَلْخَطْبَ فِي اِبْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي اَلدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ وَ لاَ غَرْوَ وَ اَللَّهِ فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ اَلْعَجَبَ وَ يُكْثِرُ اَلْأَوَدَ حَاوَلَ اَلْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اَللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ وَ سَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ وَ جَدَحُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَ عَنْهُمْ مِحَنُ اَلْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ اَلْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَ إِنْ تَكُنِ اَلْأُخْرَى( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ )


الوضين بطان القتب و حزام السرج و يقال للرجل المضطرب في أموره إنه لقلق الوضين و ذلك أن الوضين إذا قلق اضطرب القتب أو الهودج أو السرج و من عليه.و يرسل في غير سدد أي يتكلم في غير قصد و في غير صواب و السدد و الاستداد الاستقامة و الصواب و السديد الذي يصيب السدد و كذلك المسد و استد الشي‏ء أي استقام.و ذمامة الصهر بالكسر أي حرمته هو الذمام قال ذو الرمة:

تكن عوجة يجزيكها الله عنده

بها الأجر أو تقضى ذمامة صاحب

و يروى ماتة الصهر أي حرمته و وسيلته مت إليه بكذا و إنما قال ع له و لك بعد ذمامة الصهر لأن زينب بنت جحش زوج رسول الله ص كانت أسدية و هي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة و أمها أمية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فهي بنت عمة رسول الله ص و المصاهرة المشار إليها هي هذه.و لم يفهم القطب الراوندي ذلك فقال في الشرح كان أمير المؤمنين ع قد تزوج في بني أسد و لم يصب فإن عليا ع لم يتزوج في بني أسد البتة و نحن نذكر أولاده أما الحسن و الحسين و زينب الكبرى و أم كلثوم الكبرى فأمهم فاطمة بنت سيدنا رسول الله ص و أما محمد فأمه خولة بنت إياس بن جعفر من بني حنيفة و أما أبو بكر و عبد الله فأمهما ليلى بنت مسعود النهشلية


من تميم و أما عمر و رقية فأمهما سبية من بني تغلب يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبي بكر و إمارة خالد بن الوليد بعين التمر و أما يحيى و عون فأمهما أسماء بنت عميس الخثعمية و أما جعفر و العباس و عبد الله و عبد الرحمن فأمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد من بني كلاب و أما رملة و أم الحسن فأمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي و أما أم كلثوم الصغرى و زينب الصغرى و جمانة و ميمونة و خديجة و فاطمة و أم الكرام و نفيسة و أم سلمة و أم أبيها و أمامة بنت علي ع فهن لأمهات أولاد شتى فهؤلاء أولاده و ليس فيهم أحد من أسدية و لا بلغنا أنه تزوج في بني أسد و لم يولد له و لكن الراوندي يقول ما يخطر له و لا يحقق.و أما حق المسألة فلأن للسائل على المسئول حقا حيث أهله لأن يستفيد منه.و الاستبداد بالشي‏ء التفرد به و النوط الالتصاق و كانت أثرة أي استئثارا بالأمر و استبدادا به قال النبي ص للأنصار ستلقون بعدي أثرة.و شحت بخلت و سخت جادت و يعني بالنفوس التي سخت نفسه و بالنفوس التي شحت أما على قولنا فإنه يعني نفوس أهل الشورى بعد مقتل عمر و أما على قول الإمامية فنفوس أهل السقيفة و ليس في الخبر ما يقتضي صرف ذلك إليهم فالأولى أن يحمل على ما ظهر عنه من تألمه من عبد الرحمن بن عوف و ميله إلى عثمان.ثم قال إن الحكم هو الله و إن الوقت الذي يعود الناس كلهم إليه هو يوم القيامة و روي يوم بالنصب على أنه ظرف و العامل فيه المعود على أن يكون مصدرا.و أما البيت فهو لإمرئ القيس بن حجر الكندي و روي أن أمير المؤمنين ع لم يستشهد إلا بصدره فقط و أتمه الرواة


حديث عن إمرئ القيس

و كان من قصة هذا الشعر أن إمرأ القيس لما تنقل في أحياء العرب بعد قتل أبيه نزل على رجل من جديلة طيئ يقال له طريف بن مل‏ء فأجاره و أكرمه و أحسن إليه فمدحه و أقام عنده ثم إنه لم يوله نصيبا في الجبلين أجأ و سلمى فخاف ألا يكون له منعة فتحول و نزل على خالد بن سدوس بن أصمع النبهاني فأغارت بنو جديلة على إمرئ القيس و هو في جوار خالد بن سدوس فذهبوا بإبله و كان الذي أغار عليه منهم باعث بن حويص فلما أتى إمرأ القيس الخبر ذكر ذلك لجاره فقال له أعطني رواحلك ألحق عليها القوم فأرد عليك إبلك ففعل فركب خالد في إثر القوم حتى أدركهم فقال يا بني جديلة أغرتم على إبل جاري فقالوا ما هو لك بجار قال بلى و الله و هذه رواحله قالوا كذلك قال نعم فرجعوا إليه فأنزلوه عنهن و ذهبوا بهن و بالإبل و قيل بل انطوى خالد على الإبل فذهب بها فقال إمرؤ القيس:

دع عنك نهبا صيح في حجراته

و لكن حديثا ما حديث الرواحل

كان دثارا حلقت بلبونه

عقاب تنوفى لا عقاب القواعل

تلعب باعث بذمة خالد

و أودى دثار في الخطوب الأوائل

و أعجبني مشي الحزقة خالد

كمشي أتان حلئت بالمناهل

أبت أجأ أن تسلم العام جارها

فمن شاء فلينهض لها من مقاتل

تبيت لبوني بالقرية أمنا

و أسرحها غبا بأكناف حائل


بنو ثعل جيرانها و حماتها

و تمنع من رماة سعد و نائل

تلاعب أولاد الوعول رباعها

دوين السماء في رءوس المجادل

مكللة حمراء ذات أسرة

لها حبك كأنها من وصائل

دثار اسم راع كان لإمرئ القيس و تنوفى و القواعل جبال و الحزقة القصير الضخم البطن و اللبون الإبل ذوات الألبان و القرية موضع معروف بين الجبلين و حائل اسم موضع أيضا و سعد و نائل حيان من طيئ و الرباع جمع ربع و هو ما نتج في الربيع و المجادل القصور و مكللة يرجع إلى المجادل مكللة بالصخر و الأسرة الطريق و كذلك الحبك و الوصائل جمع وصيلة و هو ثوب أمغر الغزل فيه خطوط و النهب الغنيمة و الجمع النهاب و الانتهاب مصدر انتهبت المال إذا أبحته يأخذه من شاء و النهبى اسم ما أنهب و حجراته نواحيه الواحدة حجرة مثل جمرات و جمرة و صيح في حجراته صياح الغارة و الرواحل جمع راحلة و هي الناقة التي تصلح أن ترحل أي يشد الرحل على ظهرها و يقال للبعير راحلة و انتصب حديثا بإضمار فعل أي هات حديثا أو حدثني حديثا و يروى و لكن حديث أي و لكن مرادي أو غرضي حديث فحذف المبتدأ و ما هاهنا يحتمل أن تكون إبهامية و هي التي إذا اقترنت باسم نكرة زادته إبهاما و شياعا كقولك أعطني كتابا ما تريد أي كتاب كان و يحتمل أن تكون صلة مؤكدة كالتي في قوله تعالى( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اَللَّهِ ) فأما حديث الثاني فقد ينصب و قد يرفع فمن نصب أبدله من حديث الأول و من رفع جاز أن يجعل ما موصولة بمعنى الذي و صلتها الجملة أي الذي هو حديث الرواحل ثم حذف صدر الجملة كما حذف في( تَماماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ ) و يجوز أن تجعل ما استفهامية بمعنى أي.


ثم قال و هلم الخطب هذا يقوي رواية من روى عنه أنه ع لم يستشهد إلا بصدر البيت كأنه قال دع عنك ما مضى و هلم ما نحن الآن فيه من أمر معاوية فجعل هلم ما نحن فيه من أمر معاوية قائما مقام قول إمرئ القيس

و لكن حديثا ما حديث الرواحل

و هلم لفظ يستعمل لازما و متعديا فاللازم بمعنى تعال قال الخليل أصله لم من قولهم لم الله شعثه أي جمعه كأنه أراد لم نفسك إلينا أي اجمعها و اقرب منا و جاءت ها للتنبيه قبلها و حذفت الألف لكثرة الاستعمال و جعلت الكلمتان كلمة واحدة يستوي فيها الواحد و الاثنان و الجمع و المؤنث و المذكر في لغة أهل الحجاز قال سبحانه( وَ اَلْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ) و أهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين هلما و للجمع هلموا و على ذلك و قد يوصل إذا كان لازما باللام فيقال هلم لك و هلم لكما كما قالوا هيت لك و إذا قيل لك هلم إلى كذا أي تعال إليه قلت لا أهلم مفتوحة الألف و الهاء مضمومة الميم فأما المتعدية فهي بمعنى هات تقول هلم كذا و كذا قال الله تعالى( هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ) و تقول لمن قال لك ذلك لا أهلمه أي لا أعطيكه يأتي بالهاء ضمير المفعول ليتميز من الأولى.يقول ع و لكن هات ذكر الخطب فحذف المضاف و الخطب الحادث الجليل يعني الأحوال التي أدت إلى أن صار معاوية منازعا في الرئاسة قائما عند كثير من الناس مقامه صالحا لأن يقع في مقابلته و أن يكون ندا له.ثم قال فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه يشير إلى ما كان عنده من الكآبة لتقدم من سلف عليه فلم يقنع الدهر له بذلك حتى جعل معاوية نظيرا له فضحك ع


مما تحكم به الأوقات و يقتضيه تصرف الدهر و تقلبه و ذلك ضحك تعجب و اعتبار.ثم قال و لا غرو و الله أي و لا عجب و الله.ثم فسر ذلك فقال يا له خطبا يستفرغ العجب أي يستنفده و يفنيه يقول قد صار العجب لا عجب لأن هذا الخطب استغرق التعجب فلم يبق منه ما يطلق عليه لفظ التعجب و هذا من باب الإغراق و المبالغة في المبالغة كما قال أبو الطيب:

أسفي على أسفي الذي دلهتني

عن علمه فبه علي خفاء

و شكيتي فقد السقام لأنه

قد كان لما كان لي أعضاء

و قال ابن هاني المغربي:

قد سرت في الميدان يوم طرادهم

فعجبت حتى كدت ألا أعجبا

و الأود العوج.ثم ذكر تمالؤ قريش عليه فقال حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه يعني ما تقدم من منابذة طلحة و الزبير و أصحابهما له و ما شفع ذلك من معاوية و عمرو و شيعتهما و فوار الينبوع ثقب البئر.قوله و جدحوا بيني و بينهم شربا أي خلطوه و مزجوه و أفسدوه.و الوبي‏ء ذو الوباء و المرض و هذا استعارة كأنه جعل الحال التي كانت بينه و بينهم قد أفسدها القوم و جعلوها مظنة الوباء و السقم كالشرب الذي يخلط بالسم أو بالصبر فيفسد و يوبئ.


ثم قال فإن كشف الله تعالى هذه المحن التي يحصل منها ابتلاء الصابرين و المجاهدين و حصل لي التمكن من الأمر حملتهم على الحق المحض الذي لا يمازجه باطل كاللبن المحض الذي لا يخالطه شي‏ء من الماء و إن تكن الأخرى أي و إن لم يكشف الله تعالى هذه الغمة و مت أو قتلت و الأمور على ما هي عليه من الفتنة و دولة الضلال فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ و الآية من القرآن العزيز.و سألت أبا جعفر يحيى بن محمد العلوي نقيب البصرة وقت قراءتي عليه عن هذا الكلام و كانرحمه‌الله على ما يذهب إليه من مذهب العلوية منصفا وافر العقل فقلت له من يعني ع بقوله كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين و من القوم الذين عناهم الأسدي بقوله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به هل المراد يوم السقيفة أو يوم الشورى فقال يوم السقيفة فقلت إن نفسي لا تسامحني أن أنسب إلى الصحابة عصيان رسول الله ص و دفع النص فقال و أنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول ص إلى إهمال أمر الإمامة و أن يترك الناس فوضى سدى مهملين و قد كان لا يغيب عن المدينة إلا و يؤمر عليها أميرا و هو حي ليس بالبعيد عنها فكيف لا يؤمر و هو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث.ثم قال ليس يشك أحد من الناس أن رسول الله ص كان عاقلا كامل العقل أما المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم و أما اليهود و النصارى و الفلاسفة فيزعمون أنه حكيم تام الحكمة سديد الرأي أقام ملة و شرع شريعة فاستجد ملكا عظيما بعقله و تدبيره و هذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب و غرائزهم و طلبها بالثارات و الذحول و لو بعد الأزمان المتطاولة و يقتل الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر


فلا يزال أهل ذلك المقتول و أقاربه يتطلبون القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثارهم منه فإن لم يظفروا به قتلوا بعض أقاربه و أهله فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة به و إن لم يكونوا رهطه الأدنين و الإسلام لم يحل طبائعهم و لا غير هذه السجية المركوزة في أخلاقهم و الغرائز بحالها فكيف يتوهم لبيب أن هذا العاقل الكامل وتر العرب و على الخصوص قريشا و ساعده على سفك الدماء و إزهاق الأنفس و تقلد الضغائن ابن عمه الأدنى و صهره و هو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس و يتركه بعده و عنده ابنته و له منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حنوا عليهما و محبة لهما و يعدل عنه في الأمر بعده و لا ينص عليه و لا يستخلفه فيحقن دمه و دم بنيه و أهله باستخلافه أ لا يعلم هذا العاقل الكامل أنه إذا تركه و ترك بنيه و أهله سوقة و رعية فقد عرض دماءهم للإراقة بعده بل يكون هو ع هو الذي قتله و أشاط بدمائهم لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم و إنما يكونون مضغة للأكل و فريسة للمفترس يتخطفهم الناس و تبلغ فيهم الأغراض فأما إذا جعل السلطان فيهم و الأمر إليهم فإنه يكون قد عصمهم و حقن دماءهم بالرئاسة التي يصولون بها و يرتدع الناس عنهم لأجلها و مثل هذا معلوم بالتجربة أ لا ترى أن ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل الناس و وترهم و أبقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه ثم أهمل أمر ولده و ذريته من بعده و فسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم و واحدا منهم و جعل بنيه سوقة كبعض العامة لكان بنوه بعده قليلا بقاؤهم سريعا هلاكهم و لوثب عليهم الناس ذوو الأحقاد و الترات من كل جهة يقتلونهم و يشردونهم كل مشرد و لو أنه عين ولدا من أولاده للملك و قام خواصه و خدمه و خوله بأمره بعده لحقنت دماء أهل


بيته و لم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك و أبهة السلطنة و قوة الرئاسة و حرمة الإمارة.أ فترى ذهب عن رسول الله ص هذا المعنى أم أحب أن يستأصل أهله و ذريته من بعده و أين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة إلى قلبه.أ تقول إنه أحب أن يجعلها كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس و أن يجعل عليا المكرم المعظم عنده الذي كانت حاله معه معلومة كأبي هريرة الدوسي و أنس بن مالك الأنصاري يحكم الأمراء في دمه و عرضه و نفسه و ولده فلا يستطيع الامتناع و على رأسه مائة ألف سيف مسلول تتلظى أكباد أصحابها عليه و يودون أن يشربوا دمه بأفواههم و يأكلوا لحمه بأسنانهم قد قتل أبناءهم و إخوانهم و آباءهم و أعمامهم و العهد لم يطل و القروح لم تتقرف و الجروح لم تندمل.فقلت له لقد أحسنت فيما قلت إلا أن لفظه ع يدل على أنه لم يكن نص عليه أ لا تراه يقول و نحن الأعلون نسبا و الأشدون بالرسول نوطا فجعل الاحتجاج بالنسب و شدة القرب فلو كان عليه نص لقال عوض ذلك و أنا المنصوص علي المخطوب باسمي.فقالرحمه‌الله إنما أتاه من حيث يعلم لا من حيث يجهل أ لا ترى أنه سأله فقال كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به فهو إنما سأل عن دفعهم عنه و هم أحق به من جهة اللحمة و العترة و لم يكن الأسدي يتصور النص و لا يعتقده و لا يخطر بباله لأنه لو كان هذا في نفسه لقال له لم دفعك الناس عن هذا المقام و قد نص عليك رسول الله ص و لم يقل له هذا و إنما قال كلاما عاما لبني هاشم كافة


كيف دفعكم قومكم عن هذا و أنتم أحق به أي باعتبار الهاشمية و القربى فأجابه بجواب أعاد قبله المعنى الذي تعلق به الأسدي بعينه تمهيدا للجواب فقال إنما فعلوا ذلك مع أنا أقرب إلى رسول الله ص من غيرنا لأنهم استأثروا علينا و لو قال له أنا المنصوص علي و المخطوب باسمي في حياة رسول الله ص لما كان قد أجابه لأنه ما سأله هل أنت منصوص عليك أم لا و لا هل نص رسول الله ص بالخلافة على أحد أم لا و إنما قال لم دفعكم قومكم عن الأمر و أنتم أقرب إلى ينبوعه و معدنه منهم فأجابه جوابا ينطبق على السؤال و يلائمه أيضا فلو أخذ يصرح له بالنص و يعرفه تفاصيل باطن الأمر لنفر عنه و اتهمه و لم يقبل قوله و لم ينجذب إلى تصديقه فكان أولى الأمور في حكم السياسة و تدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه و لا مطعن عليه فيه


164 و من خطبة له ع

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ اَلْعِبَادِ وَ سَاطِحِ اَلْمِهَادِ وَ مُسِيلِ اَلْوِهَادِ وَ مُخْصِبِ اَلنِّجَادِ لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ اِبْتِدَاءٌ وَ لاَ لِأَزَلِيَّتِهِ اِنْقِضَاءٌ هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ لَمْ يَزَلْ وَ اَلْبَاقِي بِلاَ أَجَلٍ خَرَّتْ لَهُ اَلْجِبَاهُ وَ وَحَّدَتْهُ اَلشِّفَاهُ حَدَّ اَلْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا لاَ تُقَدِّرُهُ اَلْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَ اَلْحَرَكَاتِ وَ لاَ بِالْجَوَارِحِ وَ اَلْأَدَوَاتِ لاَ يُقَالُ لَهُ مَتَى وَ لاَ يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِ حَتَّى اَلظَّاهِرُ لاَ يُقَالُ مِمَّ وَ اَلْبَاطِنُ لاَ يُقَالُ فِيمَ لاَ شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى وَ لاَ مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى لَمْ يَقْرُبْ مِنَ اَلْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ وَ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ وَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ وَ لاَ كُرُورُ لَفْظَةٍ وَ لاَ اِزْدِلاَفُ رَبْوَةٍ وَ لاَ اِنْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ وَ لاَ غَسَقٍ سَاجٍ يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ اَلْقَمَرُ اَلْمُنِيرُ وَ تَعْقُبُهُ اَلشَّمْسُ ذَاتُ اَلنُّورِ فِي اَلْأُفُولِ وَ اَلْكُرُورِ وَ تَقْلِيبِ تَقَلُّبِ اَلْأَزْمِنَةِ وَ اَلدُّهُورِ مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَ مُدَّةِ وَ كُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّةٍ تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ اَلْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ اَلْأَقْدَارِ وَ نِهَايَاتِ اَلْأَقْطَارِ وَ تَأَثُّلِ اَلْمَسَاكِنِ وَ تَمَكُّنِ اَلْأَمَاكِنِ فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَ إِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ لَمْ يَخْلُقِ اَلْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ وَ لاَ مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ


حَدَّهُ وَ صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ لَيْسَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْهُ اِمْتِنَاعٌ وَ لاَ لَهُ بِطَاعَةِ شَيْ‏ءٍ اِنْتِفَاعٌ عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ اَلْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ اَلْبَاقِينَ وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ اَلْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي اَلْأَرَضِينَ اَلسُّفْلَى المهاد هنا هو الأرض و أصله الفراش و ساطحه باسطه و منه تسطيح القبور خلاف تسنيمها و منه أيضا المسطح للموضع الذي يبسط فيه التمر ليجفف.و الوهاد جمع وهدة و هي المكان المطمئن و مسيلها مجرى السيل فيها و النجاد جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض و مخصبها مروضها و جاعلها ذوات خصب

مباحث كلامية

و اعلم أنه ع أورد في هذه الخطبة ضروبا من علم التوحيد و كلها مبنية على ثلاثة أصول.الأصل الأول أنه تعالى واجب الوجود لذاته و يتفرع على هذا الأصل فروع أولها أنه ليس لأوليته ابتداء لأنه لو كان لأوليته ابتداء لكان محدثا و لا شي‏ء من المحدث بواجب الوجود لأن معنى واجب الوجود أن ذاته لا تقبل العدم و يستحيل الجمع بين قولنا هذه الذات محدثة أي كانت معدومة من قبل و هي في حقيقتها لا تقبل العدم.


و ثانيها أنه ليس لأزليته انقضاء لأنه لو صح عليه العدم لكان لعدمه سبب فكان وجوده موقوفا على انتفاء سبب عدمه و المتوقف على غيره يكون ممكن الذات فلا يكون واجب الوجود.و قوله ع هو الأول لم يزل و الباقي بلا أجل تكرار لهذين المعنيين السابقين على سبيل التأكيد و يدخل فيه أيضا قوله لا يقال له متى و لا يضرب له أمد بحتى لأن متى للزمان و واجب الوجود يرتفع عن الزمان و حتى للغاية و واجب الوجود لا غاية له.و يدخل أيضا فيه قوله قبل كل غاية و مدة و كل إحصاء و عدة.و ثالثها أنه لا يشبه الأشياء البتة لأن ما عداه إما جسم أو عرض أو مجرد فلو أشبه الجسم أو العرض لكان إما جسما أو عرضا ضرورة تساوي المتشابهين المتماثلين في حقائقهما.و لو شابه غيره من المجردات مع أن كل مجرد غير ممكن لكان ممكنا و ليس واجب الوجود بممكن فيدخل في هذا المعنى قوله ع حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها أي جعل المخلوقات ذوات حدود ليتميز هو سبحانه عنها إذ لا حد له فبطل أن يشبهه شي‏ء منها و دخل فيه قوله ع لا تقدره الأوهام بالحدود و الحركات و لا بالجوارح.و الأدوات جمع أداة و هي ما يعتمد به و دخل فيه قوله الظاهر فلا يقال مم أي لا يقال من أي شي‏ء ظهر و الباطن فلا يقال فيم أي لا يقال فيما ذا بطن و يدخل فيه قوله لا شبح فيتقصى و الشبح الشخص و يتقصى يطلب أقصاه.و يدخل فيه قوله و لا محجوب فيحوى و قوله لم يقرب من الأشياء بالتصاق و لم يبعد عنها بافتراق لأن هذه الأمور كلها من خصائص الأجسام و واجب الوجود لا يشبه الأجسام و لا يماثلها.و يدخل فيه قوله ع تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار أي مما ينسبه إليه المشبهة و المجسمة من صفات المقادير و ذوات المقادير.


و نهايات الأقطار أي الجوانب.و تأثل المساكن مجد مؤثل أي أصيل و بيت مؤثل أي معمور و كأن أصل الكلمة أن تبنى الدار بالأثل و هو شجر معروف و تمكن الأماكن ثبوتها و استقرارها.و قوله فالحد لخلقه مضروب و إلى غيره منسوب و قوله و لا له بطاعة شي‏ء انتفاع لأنه إنما ينتفع الجسم الذي يصح عليه الشهوة و النفرة كل هذا داخل تحت هذا الوجه.الأصل الثاني أنه تعالى عالم لذاته فيعلم كل معلوم و يدخل تحت هذا الأصل قوله ع لا تخفى عليه من عباده شخوص لحظة أن تسكن العين فلا تتحرك و لا كرور لفظة أي رجوعها.و لا ازدلاف ربوة صعود إنسان أو حيوان ربوة من الأرض و هي الموضع المرتفع و لا انبساط خطوة في ليل داج أي مظلم.و لا غسق ساج أي ساكن.ثم قال يتفيأ عليه القمر المنير هذا من صفات الغسق و من تتمة نعته و معنى يتفيأ عليه يتقلب ذاهبا و جائيا في حالتي أخذه في الضوء إلى التبدر و أخذه في النقص إلى المحاق.و قوله و تعقبه أي و تتعقبه فحذف إحدى التاءين كما قال سبحانه( اَلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ اَلْمَلائِكَةُ ) أي تتوفاهم و الهاء في و تعقبه ترجع إلى القمر أي و تسير الشمس عقبه في كروره و أفوله أي غيبوبته و في تقليب الأزمنة و الدهور من إقبال ليل و إدبار نهار.


فإن قلت إذا كان قوله يتفيأ عليه القمر المنير في موضع جر لأنه صفة غسق فكيف تتعقب الشمس و القمر مع وجود الغسق و هل يمكن اجتماع الشمس و الغسق قلت لا يلزم من تعقب الشمس للقمر ثبوت الغسق.بل قد يصدق تعقبها له و يكون الغسق معدوما كأنه ع قال لا يخفى على الله حركة في نهار و لا ليل يتفيأ عليه القمر و تعقبه الشمس أي تظهر عقيبه فيزول الغسق بظهورها.و هذا التفسير الذي فسرناه يقتضي أن يكون حرف الجر و هو في التي في قوله في الكرور متعلقا بمحذوف و يكون موضعه نصبا على الحال أي و تعقبه كارا و آفلا و يدخل تحته أيضا قوله ع علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين و علمه بما في السماوات العلا كعلمه بما في الأرضين السفلى.الأصل الثالث أنه تعالى قادر لذاته فكان قادرا على كل الممكنات و يدخل تحته قوله لم يخلق الأشياء من أصول أزلية و لا من أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده و صور ما صور فأحسن صورته و الرد في هذا على أصحاب الهيولى و الطينة التي يزعمون قدمها.و يدخل تحته قوله ليس لشي‏ء امتناع لأنه متى أراد إيجاد شي‏ء أوجده و يدخل تحته قوله خرت له الجباه أي سجدت و وحدته الشفاه يعني الأفواه فعبر بالجزء عن الكل مجازا و ذلك لأن القادر لذاته هو المستحق للعبادة لخلقه أصول النعم كالحياة و القدرة و الشهوة.و اعلم أن هذا الفن هو الذي بان به أمير المؤمنين ع عن العرب في زمانه قاطبة


و استحق به التقدم و الفضل عليهم أجمعين و ذلك لأن الخاصة التي يتميز بها الإنسان عن البهائم هي العقل و العلم أ لا ترى أنه يشاركه غيره من الحيوانات في اللحمية و الدموية و القوة و القدرة و الحركة الكائنة على سبيل الإرادة و الاختيار فليس الامتياز إلا بالقوة الناطقة أي العاقلة العالمة فكلما كان الإنسان أكثر حظا منها كانت إنسانيته أتم و معلوم أن هذا الرجل انفرد بهذا الفن و هو أشرف العلوم لأن معلومه أشرف المعلومات و لم ينقل عن أحد من العرب غيره في هذا الفن حرف واحد و لا كانت أذهانهم تصل إلى هذا و لا يفهمونه بهذا الفن فهو منفرد فيه و بغيره من الفنون و هي العلوم الشرعية مشارك لهم و راجح عليهم فكان أكمل منهم لأنا قد بينا أن الأعلم أدخل في صورة الإنسانية و هذا هو معنى الأفضلية : مِنْهَا أَيُّهَا اَلْمَخْلُوقُ اَلسَّوِيُّ وَ اَلْمَنْشَأُ اَلْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ اَلْأَرْحَامِ وَ مُضَاعَفَاتِ اَلْأَسْتَارِ.بُدِئْتَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ وَ وُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لاَ تُحِيرُ دُعَاءً وَ لاَ تَسْمَعُ نِدَاءً ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا فَمَنْ هَدَاكَ لاِجْتِرَارِ اَلْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وَ عَرَّفَكَ عِنْدَ اَلْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَ إِرَادَتِكَ هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي اَلْهَيْئَةِ وَ اَلْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ اَلْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ


السوي المستوي الخلقة غير ناقص قال سبحانه( فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) و المنشأ مفعول من أنشأ أي خلق و أوجد و المرعي المحوط المحفوظ.و ظلمات الأرحام و مضاعفات الأستار مستقر النطف و الرحم موضوعة فيما بين المثانة و المعى المستقيم و هي مربوطة برباطات على هيئة السلسلة و جسمها عصبي ليمكن امتدادها و اتساعها وقت الحاجة إلى ذلك عند الولادة و تنضم و تتقنص إذا استغني عن ذلك و لها بطنان ينتهيان إلى فم واحد و زائدتان يسميان قريني الرحم و خلف هاتين الزائدتين بيضتا المرأة و هما أصغر من بيضتي الرجل و أشد تفرطحا و منهما ينصب مني المرأة إلى تجويف الرحم و للرحم رقبة منتهية إلى فرج المرأة و تلك الرقبة من المرأة بمنزلة الذكر من الرجل فإذا امتزج مني الرجل بمني المرأة في تجويف الرحم كان العلوق ثم ينمي و يزيد من دم الطمث و يتصل بالجنين عروق تأتي إلى الرحم فتغذوه حتى يتم و يكمل فإذا تم لم يكتف بما تحته من تلك العروق فيتحرك حركات قوية طلبا للغذاء فتهتك أربطة الرحم التي قلنا إنها على هيئة السلسلة و تكون منها الولادة.قوله بدئت من سلالة من طين أي كان ابتداء خلقك من سلالة و هي خلاصة الطين لأنها سلت من بين الكدر و فعالة بناء للقلة كالقلامة و القمامة.و قال الحسن هي ما بين ظهراني الطين.ثم قال و وضعت في قرار مكين الكلام الأول لآدم الذي هو أصل البشر و الثاني لذريته و القرار المكين الرحم متمكنة في موضعها برباطاتها لأنها لو كانت متحركة لتعذر العلوق.


ثم قال إلى قدر معلوم و أجل مقسوم إلى متعلقة بمحذوف كأنه قال منتهيا إلى قدر معلوم أي مقدرا طوله و شكله إلى أجل مقسوم مدة حياته.ثم قال تمور في بطن أمك أي تتحرك لا تحير أي لا ترجع جوابا أحار يحير.إلى دار لم تشهدها يعني الدنيا و يقال أشبه شي‏ء بحال الانتقال من الدنيا إلى الأحوال التي بعد الموت انتقال الجنين من ظلمة الرحم إلى فضاء الدنيا فلو كان الجنين يعقل و يتصور كان يظن أنه لا دار له إلا الدار التي هو فيها و لا يشعر بما وراءها و لا يحس بنفسه إلا و قد حصل في دار لم يعرفها و لا تخطر بباله فبقي هو كالحائر المبهوت و هكذا حالنا في الدنيا إذا شاهدنا ما بعد الموت.و لقد أحسن ابن الرومي في صفة خطوب الدنيا و صروفها بقوله:

لما تؤذن الدنيا به من صروفها

يكون بكاء الطفل ساعة يولد

و إلا فما يبكيه منها و إنها

لأوسع مما كان فيه و أرغد

إذا أبصر الدنيا استهل كأنه

بما سوف يلقى من أذاها يهدد

قال فمن هداك إلى اجترار الغذاء من ثدي أمك اجترار امتصاص اللبن من الثدي و ذلك بالإلهام الإلهي.قال و عرفك عند الحاجة أي أعلمك بموضع الحلمة عند طلبك الرضاع فالتقمتها بفمك.


ثم قال هيهات أي بعد أن يحيط علما بالخالق من عجز عن معرفة المخلوق قال الشاعر:

رأيت الورى يدعون الهدى

و كم يدعي الحق خلق كثير

و ما في البرايا امرؤ عنده

من العلم بالحق إلا اليسير

خفي فما ناله ناظر

و ما إن أشار إليه مشير

و لا شي‏ء أظهر من ذاته

و كيف يرى الشمس أعمى ضرير


165 و من كلام له ع لعثمان بن عفان

قالوا لما اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين ع و شكوا إليه ما نقموه على عثمان و سألوه مخاطبته و استعتابه لهم فدخل ع على عثمان فقال : إِنَّ اَلنَّاسَ وَرَائِي وَ قَدِ اِسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ وَ وَ اَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ وَ لاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لاَ تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْ‏ءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ وَ لاَ خَلَوْنَا بِشَيْ‏ءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وَ قَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وَ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَ صَحِبْتَ رَسُولَ اَللَّهِ ص كَمَا صَحِبْنَا وَ مَا اِبْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ لاَ اِبْنُ اَلْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ اَلْخَيْرِ اَلْحَقِّ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا وَ قَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ فَاللَّهَ اَللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ وَ اَللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى وَ لاَ تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ وَ إِنَّ اَلطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وَ إِنَّ أَعْلاَمَ اَلدِّينِ لَقَائِمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اَللَّهِ عِنْدَ اَللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَ هَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَ أَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً وَ إِنَّ اَلسُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلاَمٌ وَ إِنَّ اَلْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلاَمٌ وَ إِنَّ شَرَّ اَلنَّاسِ عِنْدَ اَللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَ ضُلَّ بِهِ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَ أَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ص يَقُولُ يُؤْتَى يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ اَلْجَائِرِ وَ لَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَ لاَ عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ اَلرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا


وَ إِنِّي أَنْشُدُكَ اَللَّهَ أَنْ أَلاَّ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلْمَقْتُولَ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا اَلْقَتْلَ وَ اَلْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَ يَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَ يَبُثُّ اَلْفِتَنَ فِيهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ اَلْحَقَّ مِنَ اَلْبَاطِلِ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً وَ يَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلِ اَلسِّنِّ وَ تَقَضِّي اَلْعُمُرِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُرضي‌الله‌عنه كَلِّمِ اَلنَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ فَقَالَ ع مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلاَ أَجَلَ فِيهِ وَ مَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ نقمت على زيد بالفتح أنقم فأنا ناقم إذا عتبت عليه و قال الكسائي نقمت بالكسر أيضا أنقم لغة و هذه اللفظة تجي‏ء لازمة و متعدية قالوا نقمت الأمر أي كرهته.و استعتبت فلانا طلبت منه العتبى و هي الرضا و استعتابهم عثمان طلبهم منه ما يرضيهم عنه.و استسفروني جعلوني سفيرا و وسيطا بينك و بينهم.ثم قال له و أقسم على ذلك أنه لا يعلم ما ذا يقول له لأنه لا يعرف أمرا يجهله أي من هذه الأحداث خاصة و هذا حق لأن عليا ع لم يكن يعلم منها ما يجهله


عثمان بل كان أحداث الصبيان فضلا عن العقلاء المميزين يعلمون وجهي الصواب و الخطأ فيها.ثم شرع معه في مسلك الملاطفة و القول اللين فقال ما سبقنا إلى الصحبة و لا انفردنا بالرسول دونك و أنت مثلنا و نحن مثلك.ثم خرج إلى ذكر الشيخين فقال قولا معناه أنهما ليسا خيرا منك فإنك مخصوص دونهما بقرب النسب يعني المنافية و بالصهر و هذا كلام هو موضع المثل يسر حسوا في ارتغاء و مراده تفضيل نفسه ع لأن العلة التي باعتبارها فضل عثمان عليهما محققة فيه و زيادة لأن له مع المنافية الهاشمية فهو أقرب.و الوشيجة عروق الشجرة ثم حذره جانب الله تعالى و نبهه على أن الطرق واضحة و أعلام الهدى قائمة و أن الإمام العادل أفضل الناس عند الله و أن الإمام الجائر شر الناس عند الله.ثم روى له الخبر المذكور و روي ثم يرتبك في قعرها أي ينشب.و خوفه أن يكون الإمام المقتول الذي يفتح الفتن بقتله و قد كان رسول الله ص قال كلاما هو هذا أو يشبه هذا.و مرج الدين أي فسد و السيقة ما استاقه العدو من الدواب مثل الوسيقة قال الشاعر:

فما أنا إلا مثل سيقة العدا

إن استقدمت بحر و إن جبأت عقر

و الجلال بالضم الجليل كالطوال و الطويل أي بعد السن الجليل أي العمر الطويل.


و قوله ما كان بالمدينة فلا أجل فيه و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه كلام شريف فصيح لأن الحاضر أي معنى لتأجيله و الغائب فلا عذر بعد وصول الأمر في تأخيره لأن السلطان لا يؤخر أمره.و قد ذكرنا من الأحداث التي نقمت على عثمان فيما تقدم ما فيه كفاية و قد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبريرحمه‌الله في التاريخ الكبير هذا الكلام فقال إن نفرا من أصحاب رسول الله ص تكاتبوا فكتب بعضهم إلى بعض أن اقدموا فإن الجهاد بالمدينة لا بالروم و استطال الناس على عثمان و نالوا منه و ذلك في سنة أربع و ثلاثين و لم يكن أحد من الصحابة يذب عنه و لا ينهى إلا نفر منهم زيد بن ثابت و أبو أسيد الساعدي و كعب بن مالك و حسان بن ثابت فاجتمع الناس فكلموا علي بن أبي طالب ع و سألوه أن يكلم عثمان فدخل عليه و قال له إن الناس...و روى الكلام إلى آخره بألفاظه فقال عثمان و قد علمت أنك لتقولن ما قلت أما و الله لو كنت مكاني ما عنفتك و لا عتبت عليك و لم آت منكرا إنما وصلت رحما و سددت خلة و آويت ضائعا و وليت شبيها بمن كان عمر يوليه أنشدك الله يا علي أ لا تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك قال بلى قال أ فلا تعلم أن عمر ولاه قال بلى قال فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه و قرابته فقال علي ع إن عمر كان يطأ على صماخ من يوليه ثم يبلغ منه إن أنكر منه أمرا أقصى العقوبة و أنت فلا تفعل ضعفت و رققت على أقربائك.


قال عثمان هم أقرباؤك أيضا فقال علي لعمري إن رحمهم مني لقريبة و لكن الفضل في غيرهم.فقال عثمان أ فلا تعلم أن عمر ولى معاوية فقد وليته قال علي أنشدك الله أ لا تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ غلامه له قال بلى قال فإن معاوية يقطع الأمور دونك و يقول للناس هذا بأمر عثمان و أنت تعلم ذلك فلا تعير عليه.ثم قام علي فخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر فخطب الناس و قال أما بعد فإن لكل شي‏ء آفة و لكل أمر عاهة و إن آفة هذه الأمة و عاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون و يسرون عنكم ما تكرهون يقولون لكم و تقولون أمثال النعام يتبع أول ناعق أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغصا و لا يردون إلا عكرا أما و الله لقد عبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله و لكنه وطئكم برجله و ضربكم بيده و قمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم و كرهتم و لنت لكم و أوطأتكم كتفي و كففت يدي و لساني عنكم فاجترأتم علي أما و الله لأنا أقرب ناصرا و أعز نفرا و أكثر عددا و أحرى إن قلت هلم أن يجاب صوتي و لقد أعددت لكم أقرانا و كشرت لكم عن نابي و أخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه و منطقا لم أكن أنطق به فكفوا عني ألسنتكم و طعنكم و عيبكم على ولاتكم فما الذي تفقدون من حقكم و الله ما قصرت عن بلوغ من كان قبلي يبلغ و ما وجدتكم تختلفون عليه فما بالكم.فقام مروان بن الحكم فقال و إن شئتم حكمنا بيننا و بينكم السيف.فقال عثمان اسكت لا سكت دعني و أصحابي ما منطقك في هذا أ لم أتقدم إليك ألا تنطق.فسكت مروان و نزل عثمان


166 و من خطبة له ع يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس

اِبْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ وَ سَاكِنٍ وَ ذِي حَرَكَاتٍ وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ اَلْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ مَا اِنْقَادَتْ لَهُ اَلْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَ مَسَلِّمَةً لَهُ وَ نَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلاَئِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ اَلْأَطْيَارِ اَلَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ اَلْأَرْضِ وَ خُرُوقَ فِجَاجِهَا وَ رَوَاسِيَ أَعْلاَمِهَا مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ هَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ اَلتَّسْخِيرِ وَ مُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ اَلْجَوِّ اَلْمُنْفَسِحِ وَ اَلْفَضَاءِ اَلْمُنْفَرِجِ كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ وَ رَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي اَلْهَوَاءِ خُفُوفاً وَ جَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً وَ نَسَقَهَا عَلَى اِخْتِلاَفِهَا فِي اَلْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَ دَقِيقِ صَنْعَتِهِ فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لاَ يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ وَ مِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلاَفِ مَا صُبِغَ بِهِ الموات بالفتح ما لا حياة فيه و أرض موات أي قفر و الساكن هاهنا كالأرض و الجبال و ذو الحركات كالنار و الماء الجاري و الحيوان.


و نعقت في أسماعنا دلائله أي صاحت دلائله لظهورها كالأصوات المسموعة التي تعلم يقينا.و أخاديد الأرض شقوقها جمع أخدود و فجاجها جمع فج و هو الطريق بين الجبلين و رواسي أعلامها أثقال جبالها.مصرفة في زمام التسخير أي هي مسخرة تحت القدرة الإلهية.و حقاق المفاصل جمع حق و هو مجمع المفصلين من الأعضاء كالركبة و جعلها محتجبة لأنها مستورة بالجلد و اللحم.و عبالة الحيوان كثافة جسده و الخفوف سرعة الحركة و الدفيف للطائر طيرانه فويق الأرض يقال عقاب دفوف قال إمرؤ القيس يصف فرسه و يشبهها بالعقاب:

كأني بفتخاء الجناحين لقوة

دفوف من العقبان طأطأت شملالي

و نسقها رتبها و الأصابيغ جمع أصباغ و أصباغ جمع صبغ.و المغموس الأول هو ذو اللون الواحد كالأسود و الأحمر و المغموس الثاني ذو اللونين نحو أن يكون أحمر و عنقه خضراء.و روي قد طورق لون أي لون على لون كما تقول طارقت بين الثوبين.فإن قلت ما هذه الطيور التي يسكن بعضها الأخاديد و بعضها الفجاج و بعضها رءوس الجبال.قلت أما الأول فكالقطا و الصدى و الثاني كالقبج و الطيهوج و الثالث كالصقر و العقاب


وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً اَلطَّاوُسُ اَلَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْسَنِ أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَ ذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى اَلْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ وَ سَمَا بِهِ مُطِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ وَ يَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ يُفْضِي كَإِفْضَاءِ اَلدِّيَكَةِ وَ يَؤُرُّ بِمَلاَقِحِهِ أَرَّ اَلْفُحُولِ اَلْمُغْتَلِمَةِ لِلضِّرَابِ أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ لاَ كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ وَ لَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ وَ أَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِيضُ لاَ مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى اَلدَّمْعِ اَلْمُنْبَجِسِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ اَلْغُرَابِ الطاوس فاعول كالهاضوم و الكابوس و ترخيمه طويس و نضد رتب قوله أشرج قصبه القصب هاهنا عروق الجناح و غضاريفه عظامه الصغار و أشرجها ركب بعضها في بعض كما تشرج العيبة أي يداخل بين أشراجها و هي عراها واحدها شرج بالتحريك.ثم ذكر ذنب الطاوس و أنه طويل المسحب و أن الطاوس إذا درج إلى الأنثى للسفاد نشر ذنبه من طيه و علا به مرتفعا على رأسه و القلع شراع السفينة و جمعه قلاع و الداري جالب العطر في البحر من دارين و هي فرضة بالبحرين فيها سوق يحمل إليها المسك من الهند و في الحديث الجليس الصالح كالداري إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه قال الشاعر


إذا التاجر الداري جاء بفأرة

من المسك راحت في مفارقهم تجري

و النوتي الملاح و جمعه نواتي.و عنجه عطفه و عنجت خطام البعير رددته على رجليه أعنجه بالضم و الاسم العنج بالتحريك و في المثل عود يعلم العنج يضرب مثلا لتعليم الحاذق.و يختال من الخيلاء و هي العجب و يميس يتبختر.و زيفانه تبختره زاف يزيف و منه ناقة زيافة أي مختالة قال عنترة

زيافة مثل الفنيق المكدم

و كذلك ذكر الحمام عند الحمامة إذا جر الذنابى و دفع مقدمه بمؤخره و استدار عليها.و يفضي يسفد و الديكة جمع ديك كالقرطة و الجحرة جمع قرط و جحر.و يؤر يسفد و الأر الجماع و رجل آر كثير الجماع و ملاقحه أدوات اللقاح و أعضاؤه و هي آلات التناسل.قوله أر الفحول أي أرا مثل أر الفحول ذات الغلمة و الشبق.ثم ذكر أنه لم يقل ذلك عن إسناد قد يضعف و يتداخله الطعن بل قال ذلك عن عيان و مشاهدة.


فإن قلت من أين للمدينة طواويس و أين العرب و هذا الطائر حتى يقول أمير المؤمنين ع أحيلك من ذلك على معاينة لا سيما و هو يعني السفاد و رؤية ذلك لمن تكثر الطواويس في داره و يطول مكثها عنده نادرة.قلت لم يشاهد أمير المؤمنين ع الطواويس بالمدينة بل بالكوفة و كانت يومئذ تجبى إليها ثمرات كل شي‏ء و تأتي إليها هدايا الملوك من الآفاق و رؤية المسافدة مع وجود الذكر و الأنثى غير مستبعدة.و اعلم أن قوما زعموا أن الذكر تدمع عينه فتقف الدمعة بين أجفانه فتأتي الأنثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة و أمير المؤمنين ع لم يحل ذلك و لكنه قال ليس بأعجب من مطاعمة الغراب و العرب تزعم أن الغراب لا يسفد و من أمثالهم أخفى من سفاد الغراب فيزعمون أن اللقاح من مطاعمة الذكر و الأنثى منهما و انتقال جزء من الماء الذي في قانصته إليها من منقاره و أما الحكماء فقل أن يصدقوا بذلك على أنهم قد قالوا في كتبهم ما يقرب من هذا قالوا في السمك البياض إن سفاده خفي جدا و إنه لم يظهر ظهورا يعتد به و يحكم بسببه.هذا لفظ ابن سينا في كتاب الشفاء ثم قال و الناس يقولون إن الإناث تأخذ زرع الذكور في أفواهها إلى بطونها ثم قال و قد شوهدت الإناث منها تتبع الذكور مبتلعة للزرع و أما عند الولادة فإن الذكور تتبع الإناث مبتلعة بيضها.قال ابن سينا و القبجة تحبلها ريح تهب من ناحية الحجل الذكر و من سماع صوته.قال و النوع المسمى مالاقيا تتلاصق بأفواهها ثم تتشابك فذاك سفادها و سمعت


أن الغراب يسفد و أنه قد شوهد سفاده و يقول الناس إن من شاهد سفاد الغراب يثري و لا يموت إلا و هو كثير المال موسر.و الضفتان بفتح الضاد الجنابان و هما ضفتا النهر و قد جاء ذلك بالكسر أيضا و الفتح أفصح.و المنبجس المنفجر و يسفحها يصبها و روي تنشجها مدامعه من النشيج و هو صوت الماء و غليانه من زق أو حب أو قدر : تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ اَلْعِقْيَانِ وَ فِلَذَ اَلزَّبَرْجَدِ فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ اَلْأَرْضُ قُلْتَ جَنِيٌّ جَنًى جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ وَ إِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلاَبِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ اَلْحُلَلِ أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ اَلْيَمَنِ وَ إِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ اَلْمُكَلَّلِ يَمْشِي مَشْيَ اَلْمَرِحِ اَلْمُخْتَالِ وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَهُ جَنَاحَيْهِ فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَ أَصَابِيغِ وِشَاحِهِ فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اِسْتِغَاثَتِهِ وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ اَلدِّيَكَةِ اَلْخِلاَسِيَّةِ قصبه عظام أجنحته و المداري جمع مدرى و هو في الأصل القرن قال النابغة يصف الثور و الكلاب:

شك الفريصة بالمدرى فأنفذها

شك المبيطر إذ يشفي من العضد


و كذلك المدراة و يقال المدرى لشي‏ء كالمسلة تصلح بها الماشطة شعور النساء قال الشاعر:

تهلك المدراة في أكنافه

و إذا ما أرسلته يعتفر

و تمدرت المرأة أي سرحت شعرها شبه عظام أجنحة الطاوس بمدارى من فضة لبياضها و شبه ما أنبت الله عليها من تلك الدارات و الشموس التي في الريش بخالص العقيان و هو الذهب.و فلذ الزبرجد جمع فلذة و هي القطعة و الزبرجد هذا الجوهر الذي تسميه الناس البلخش.ثم قال إن شبهته بنبات الأرض قلت إنه قد جني من زهرة كل ربيع في الأرض لاختلاف ألوانه و أصباغه.و إن ضاهيته بالملابس المضاهاة المشاكلة يهمز و لا يهمز و قرئ( يضاهون قول الذين كفروا ) و( يُضاهِؤُنَ ) و هذا ضهي هذا على فعيل أي شبيهه.و موشي الحلل ما دبج بالوشي و هو الأرقم الملون و العصب برود اليمن.و الحلي جمع حلي و هو ما تلبسه المرأة من الذهب و الفضة مثل ثدي و ثدي و وزنه فعول و قد تكسر الحاء لمكان الياء مثل عصي و قرئ( مِنْ حُلِيِّهِمْ ) بالضم و الكسر.و نطقت باللجين جعلت الفضة كالنطاق لها و المكلل ذو الإكليل.


و زقا صوت يزقو زقوا و زقيا و زقاء و كل صائح زاق و الزقية الصيحة و هو أثقل من الزواقي أي الديكة لأنهم كانوا يسمرون فإذا صاحت الديكة تفرقوا.و معولا صارخا أعولت الفرس صوتت و منه العويل و العولة.و قوائمه حمش دقاق و هو أحمش الساقين و حمش الساقين بالتسكين و قد حمشت قوائمه أي دقت و تقول العرب للغلام إذا كانت أمه بيضاء و أبوه عربيا آدم فجاء لونه بين لونيهما.خلاسي بالكسر و الأنثى خلاسية و قال الليث الديكة الخلاسية هي المتولدة من الدجاج الهندي و الفارسي.يقول ع إن الطاوس يزهى بنفسه و يتيه إذا نظر في أعطافه و رأى ألوانه المختلفة فإذا نظر إلى ساقيه وجم لذلك و انكسر نشاطه و زهوه فصاح صياح العويل لحزنه و ذلك لدقة ساقيه و نتوء عرقوبيه : وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ اَلْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ وَ مَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ وَ مَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ اَلْوَسْمَةِ اَلْيَمَانِيَّةِ أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ وَ كَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ إِلاَّ أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَ شِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ اَلْخُضْرَةَ اَلنَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ اَلْقَلَمِ فِي لَوْنِ اَلْأُقْحُوَانِ أَبْيَضُ يَقَقٌ فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ


مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ وَ قَلَّ صِبْغٌ إِلاَّ وَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ وَ عَلاَهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَ بَرِيقِهِ وَ بَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَ رَوْنَقِهِ فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ اَلْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ وَ لاَ شُمُوسُ قَيْظٍ نجمت ظهرت و الظنبوب حرف الساق و هو هذا العظم اليابس.و الصيصية في الأصل شوكة الحائك التي يسوي بها السداة و اللحمة و منه قوله

كوقع الصياصي في النسيج الممدد

و نقل إلى صيصية الديك لتلك الهيئة التي في رجله.و العرف الشعر المرتفع من عنقه على رأسه و القنزعة واحدة القنازع و هي الشعر حوالي الرأس و في الحديث غطي عنا قنازعك يا أم أيمن.و موشاة ذات وشي.و الوسمة بكسر السين العظلم الذي يخضب به و يجوز تسكين السين.و الأسحم الأسود و المتلفع الملتحف و يروى متقنع بمعجر و هو ما تشده المرأة على رأسها كالرداء.و الأقحوان البابونج الأبيض و جمعه أقاح.


و أبيض يقق خالص البياض و جاء يقق بالكسر و يأتلق يلمع.و البصيص البريق و بص الشي‏ء لمع.و تربها الأمطار تربيها و تجمعها.يقول ع كأن هذا الطائر ملتحف بملحفة سوداء إلا أنها لكثرة رونقها يتوهم أنه قد امتزج بها خضرة ناضرة و قل أن يكون لون إلا و قد أخذ هذا الطائر منه بنصيب فهو كأزاهير الربيع إلا أن الأزهار تربيها الأمطار و الشموس و هذا مستغن عن ذلك : وَ قَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ فَيَسْقُطُ تَتْرَى وَ يَنْبُتُ تِبَاعاً فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ اِنْحِتَاتَ أَوْرَاقِ اَلْأَغْصَانِ ثُمَّ يَتَلاَحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ لاَ يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ وَ لاَ يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَ إِذَا تَصَفَّحَتْ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً وَ أَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ اَلْفِطَنِ أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ اَلْعُقُولِ أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ اَلْوَاصِفِينَ وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ اَلْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ وَ اَلْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ فَسُبْحَانَ اَلَّذِي بَهَرَ اَلْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلاَّهُ لِلْعُيُونِ فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً وَ مُؤَلَّفاً مُلَوَّناً وَ أَعْجَزَ اَلْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ اَلذَّرَّةِ وَ اَلْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ اَلْحِيتَانِ وَ اَلْفِيَلَةِ


وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلاَّ يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ اَلرُّوحَ إِلاَّ وَ جَعَلَ اَلْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَ اَلْفَنَاءَ غَايَتَهُ ينحسر من ريشه ينكشف فيسقط و يروى يتحسر.تترى أي شيئا بعد شي‏ء و بينهما فترة قال الله تعالى( ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ) لأنه لم يرسلهم على تراسل بل بعد فترات و هذا مما يغلط فيه قوم فيعتقدون أن تترى للمواصلة و الالتصاق و أصلها الواو من الوتر و هو الفرد و فيها لغتان تنون و لا تنون فمن ترك صرفها للمعرفة جعل ألفها ألف تأنيث و من نونها جعل ألفها للإلحاق.قال ع و ينبت تباعا أي لا فترات بينهما و كذلك حال الريش الساقط يسقط شيئا بعد شي‏ء و ينبت جميعا.و ينحت يتساقط و انحتات الورق تناثرها و ناميا زائدا يقول ع إذا عاد ريشه عاد مكان كل ريشة ريشة ملونة بلون الريشة الأولى فلا يتخالف الأوائل و الأواخر.و الخضرة الزبرجدية منسوبة إلى الزمرد و لفظة الزبرجد تارة تستعمل له و تارة لهذا الحجر الأحمر المسمى بلخش و العسجد الذهب و عمائق الفطن


البعيدة القعر و القريحة الخاطر و الذهن و بهر غلب و جلاه أظهره و يروى بالتخفيف و أدمج القوائم أحكمها كالحبل المدمج الشديد الفتل.و الذرة النملة الصغيرة و الهمجة واحدة الهمج و هو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم و الحمر و أعينها.و وأى وعد و الوأي الوعد.و اعلم أن الحكماء ذكروا في الطاوس أمورا قالوا إنه يعيش خمسا و عشرين سنة و هي أقصى عمره و يبيض في السنة الثالثة من عمره عند ما ينتقش لونه و يتم ريشه و يبيض في السنة مرة واحدة اثنتي عشرة بيضة في ثلاثة أيام و يحضنها ثلاثين يوما فيفرخ و يلقي ريشه مع سقوط ورق الشجر و ينبته مع ابتداء نبات الورق.و الدجاج قد يحضن بيض الطاوس و إنما يختار الدجاج لحضانته و إن وجدت الطاوسة لأن الطاوس الذكر يعبث بالأنثى و يشغلها عن الحضانة و ربما انفقص البيض من تحتها و لهذه العلة يخبأ كثير من الإناث محاضنها عن ذكرانها و لا تقوى الدجاجة على أكثر من بيضتي طاوس و ينبغي أن يتعهد الدجاجة حينئذ بتقريب العلف منها.و قال شيخنا أبو عثمان الجاحظرحمه‌الله في كتاب الحيوان إن الطاوسة قد تبيض من الريح بأن يكون في سفالة الريح و فوقها طاوس ذكر فيحمل ريحه فتبيض منه و كذلك القبجة.قال و بيض الريح قل أن يفرخ


مِنْهَا فِي صِفَةِ اَلْجَنَّةِ فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى اَلدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اِصْطِفَافِ اِصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ اَلْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وَ فِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اَللُّؤْلُؤِ اَلرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَ أَفْنَانِهَا وَ طُلُوعِ تِلْكَ اَلثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ اَلْمُصَفَّقَةِ وَ اَلْخُمُورِ اَلْمُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ اَلْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ اَلْقَرَارِ وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ اَلْأَسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا اَلْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ اَلْمَنَاظِرِ اَلْمُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ اَلْقُبُورِ اِسْتِعْجَالاً بِهَا جَعَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ اَلْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ قال الرضيرحمه‌الله تعالى تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب قوله ع يؤر بملاقحه الأر كناية عن النكاح يقال أر الرجل المرأة يؤرها إذا نكحها.و قوله ع كأنه قلع داري عنجه نوتيه القلع شراع السفينة و داري منسوب إلى دارين و هي بلدة على البحر يجلب منها الطيب و عنجه أي عطفه يقال عنجت الناقة أعنجها عنجا إذا عطفتها و النوتي الملاح.


و قوله ع ضفتي جفونه أراد جانبي جفونه و الضفتان الجانبان.و قوله و فلذ الزبرجد الفلذ جمع فلذة و هي القطعة.و قوله ع كبائس اللؤلؤ الرطب الكباسة العذق و العساليج الغصون واحدها عسلوج رميت ببصر قلبك أي أفكرت و تأملت و عزفت نفسك كرهت و زهدت و الزخارف جمع زخرف و هو الذهب و كل مموه.و اصطفاف الأشجار انتظامها صفا و يروى في اصطفاق أغصان أي اضطرابها.و يأتي على منية مجتنيها لا يترك له منية أصلا لأنه يكون قد بلغ نهاية الأماني.و العسل المصفق المصفى تحويلا من إناء إلى إناء و المونقة المعجبة و زهقت نفسه مات.و اعلم أنه لا مزيد في التشويق إلى الجنة على ما ذكره الله تعالى في كتابه فكل الصيد في جانب الفرا.


و قد جاء عن رسول الله ص في ذلك أخبار صحيحة، فروى أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ص يذكر الجنة فقال أ لا مشتر لها هي و رب الكعبة ريحانة تهتز و نور يتلألأ و نهر يطرد و زوجة لا تموت مع حبور و نعيم و مقام الأبد و روى أبو سعيد الخدري عنه ص أن الله سبحانه لما حوط حائط الجنة لبنة من ذهب و لبنة من فضة و غرس غرسها قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقال طوبى لك منزل الملوك و

روى جابر بن عبد الله عنه ع إذا دخل أهل الجنة الجنة قال لهم ربهم تعالى أ تحبون أن أزيدكم فيقولون و هل خير مما أعطيتنا فيقول نعم رضواني أكبر و عنه ع إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل و الشرب فقيل له فهل يكون منهم حدث أو قال خبث قال عرق يفيض من أعراضهم كريح المسك يضمر منه البطن و روى الزمخشري في ربيع الأبرار و مذهبه في الاعتزال و نصرة أصحابنا معلوم و كذلك في انحرافه عن الشيعة و تسخيفه لمقالاتهم

أن رسول الله محمدا ص قال لما أسري بي أخذني جبرئيل فأقعدني على درنوك من درانيك الجنة ثم ناولني سفرجلة فبينا أنا أقلبها انفلقت فخرجت منها جارية لم أر أحسن منها فسلمت فقلت من أنت قالت أنا الراضية المرضية خلقني الجبار من ثلاثة أصناف أعلاي من عنبر


و أوسطي من كافور و أسفلي من مسك ثم عجنني بماء الحيوان و قال لي كوني كذا فكنت خلقني لأخيك و ابن عمك علي بن أبي طالب.قلت الدرنوك ضرب من البسط ذو خمل و يشبه به فروة البعير قال الراجز:

جعد الدرانيك رفل الأجلاد


167 و من خطبة له ع

لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ وَ لْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ وَ لاَ تَكُونُوا كَجُفَاةِ اَلْجَاهِلِيَّةِ لاَ فِي اَلدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ وَ لاَ عَنِ اَللَّهِ يَعْقِلُونَ كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَ يُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً أمرهم ع أن يتأسى الصغير منهم بالكبير في أخلاقه و آدابه فإن الكبير لكثرة التجربة أحزم و أكيس و أن يرأف الكبير بالصغير و الرأفة الرحمة لأن الصغير مظنة الضعف و الرقة.ثم نهاهم عن خلق الجاهلية في الجفاء و القسوة و قال إنهم لا يتفقهون في دين و لا يعقلون عن الله ما يأمرهم به و هذا من قول الله سبحانه( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) و روي تتفقهون بتاء الخطاب.ثم شبههم ببيض الأفاعي في الأعشاش يظن بيض القطا فلا يحل لمن رآه أن يكسره لأنه يظنه بيض القطا و حضانه يخرج شرا لأنه يفقص عن أفعى.

و استعار لفظة الأداحي للأعشاش مجازا لأن الأداحي لا تكون إلا للنعام تدحوها بأرجلها و تبيض فيها و دحوها توسيعها من دحوت الأرض.و القيض الكسر و الفلق قضت القارورة و البيضة و انقاضت هي و انقاض الجدار انقياضا أي تصدع من غير أن يسقط فإن سقط قيل تقيض تقيضا و تقوض تقوضا و قوضته أنا و تقول للبيضة إذا تكسرت فلقا تقيضت تقيضا فإن تصدعت و لم تنفلق قلت انقاضت فهي منقاضة و القارورة مثله : مِنْهَا اِفْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ عَلَى أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ اَلْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اَللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ اَلسَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ اَللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ اَلْجَنَّتَيْنِ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سُنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَ لاَ حِدَابُ أَرْضٍ يُذَعْذِعُهُمُ اَللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي اَلْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ اَلْعُلُوِّ وَ اَلتَّمْكِينِ كَمَا تَذُوبُ اَلْأَلْيَةُ عَلَى اَلنَّارِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ اَلْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ اَلْبَاطِلِ لَمْ


يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ اَلتِّيْهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ اَلْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ اَلْأَدْنَى وَ وَصَلْتُمُ اَلْأَبْعَدَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اِتَّبَعْتُمُ اَلدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ اَلرَّسُولِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ اَلاِعْتِسَافِ وَ نَبَذْتُمُ اَلثِّقْلَ اَلْفَادِحَ عَنِ اَلْأَعْنَاقِ هو ع يذكر حال أصحابه و شيعته بعده فيقول افترقوا بعد ألفتهم أي بعد اجتماعهم.و تشتتوا عن أصلهم أي عني بعد مفارقتي فمنهم آخذ بغصن أي يكون منهم من يتمسك بمن أخلفه بعدي من ذرية الرسول أينما سلكوا سلكوا معهم و تقدير الكلام و منهم من لا يكون هذه حاله لكنه لم يذكره ع اكتفاء بذكر القسم الأول لأنه دال على القسم الثاني.ثم قال على أن هؤلاء القوم من ثبت منهم على عقيدته فينا و من لم يثبت لا بد أن يجمعهم الله تعالى لشر يوم لبني أمية و كذا كان فإن الشيعة الهاشمية اجتمعت على إزالة ملك بني مروان من كان منهم ثابتا على ولاء علي بن أبي طالب ع و من حاد منهم عن ذلك و ذلك في أواخر أيام مروان الحمار عند ظهور الدعوة الهاشمية.و قزع الخريف جمع قزعة و هي سحب صغار تجتمع فتصير ركاما و هو ما كثف


من السحاب و ركمت الشي‏ء أركمه إذا جمعته و ألقيت بعضه على بعض.و مستثارهم موضع ثورتهم.و الجنتان هما اللتان قال الله تعالى فيهما( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ ) و سلط الله عليهما السيل قال الله تعالى( فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ ) فشبه ع سيلان الجيوش إلى بني أمية بالسيل المسلط على تينك الجنتين.فإنه لم تسلم عليه قارة و هي الجبيل الصغير و لم تثبت له أكمة و هي التلعة من الأرض.و لم يرد سننه أي طريقه طود مرصوص أي جبل شديد التصاق الأجزاء بعضها ببعض و لا حداب أرض جمع حدبة و هي الروابي و النجاد.ثم قال يذعذعهم الله الذعذعة بالذال المعجمة مرتين التفريق و ذعذعة الشر إذاعته.ثم يسلكهم ينابيع في الأرض من ألفاظ القرآن و المراد أنه كما أن الله تعالى ينزل من السماء ماء فيستكن في أعماق الأرض ثم يظهر منها ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء القوم يفرقهم الله تعالى في بطون الأودية و غوامض الأغوار ثم


يظهرهم بعد الاختفاء فيأخذ بهم من قوم حقوق آخرين و يمكن منهم قوما من ملك قوم و ديارهم.ثم أقسم ليذوبن ما في أيدي بني أمية بعد علوهم و تمكينهم كما تذوب الألية على النار و همزة الألية مفتوحة و جمعها أليات بالتحريك و التثنية أليان بغير تاء قال الراجز

ترتج ألياه ارتجاج الوطب

و جمع الألية ألاء على فعال و كبش آلى على أفعل و نعجة ألياء و الجمع ألي على فعل و يقال أيضا كبش أليان بالتحريك و كباش أليانات و رجل أليأ أي عظيم الألية و امرأة عجزاء و لا تقل ألياء و قد قاله بعضهم و قد ألي الرجل بالكسر يألى عظمت أليته.ثم قال لو لا تخاذلكم لم يطمع فيكم من هو دونكم.و تهنوا مضارع وهن أي ضعف و هو من ألفاظ القرآن أيضا.و تهتم متاه بني إسرائيل حرتم و ضللتم الطريق وقد جاء في المسانيد الصحيحة أن رسول الله ص قال لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه فقيل يا رسول الله اليهود و النصارى قال فمن إذا ومن الأخبار الصحيحة أيضا أ متهوكون أنتم كما تهوكت اليهود و النصارى وفي صحيحي البخاري و مسلم رحمهما الله أنه سيجاء يوم القيامة بأناس من أمتي


فيؤخذ بهم ذات الشمال فإذا رأيتهم اختلجوا دوني قلت أي رب أصحابي فيقال لي إنك لا تدري ما عملوا بعدك فأقول ما قال العبد الصالح( وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) الإسناد في هذا الحديث عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه و في الصحيحين أيضا عن زينب بنت جحش قالت استيقظ رسول الله ص يوما من نومه محمرا وجهه و هو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فقلت يا رسول الله أ نهلك و فينا الصالحون فقال نعم إذا كثر الخبث و في الصحيحين أيضا يهلك أمتي هذا الحي من قريش قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال لو أن الناس اعتزلوهم رواه أبو هريرة عنه ص.

ثم قال ع ليضعفن لكم التيه من بعدي يعني الضلال يضعفه لكم الشيطان و أنفسكم بما خلفتم الحق وراء ظهوركم أي لأجل ترككم الحق و قطعكم الأدنى يعني نفسه و وصلكم الأبعد يعني معاوية و يروى إن اتبعتم الراعي لكم بالراء.و الاعتساف سلوك غير الطريق و الفادح الثقل فدحه الدين أثقله


168 و من خطبة له ع في أول خلافته

إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ اَلْخَيْرَ وَ اَلشَّرَّ فَخُذُوا نَهْجَ اَلْخَيْرِ تَهْتَدُوا وَ اِصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ اَلشَّرِّ تَقْصِدُوا اَلْفَرَائِضَ اَلْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اَللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ إِنَّ اَللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وَ أَحَلَّ حَلاَلاً غَيْرَ مَدْخُولٍ وَ فَضَّلَ حُرْمَةَ اَلْمُسْلِمِ عَلَى اَلْحُرَمِ كُلِّهَا وَ شَدَّ بِالْإِخْلاَصِ وَ اَلتَّوْحِيدِ حُقُوقَ اَلْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ اَلْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ لاَ يَحِلُّ أَذَى اَلْمُسْلِمِ إِلاَّ بِمَا يَجِبُ بَادِرُوا أَمْرَ اَلْعَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَ هُوَ اَلْمَوْتُ فَإِنَّ اَلنَّاسَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ اَلسَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ اِتَّقُوا اَللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلاَدِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ اَلْبِقَاعِ وَ اَلْبَهَائِمِ وَ أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ لاَ تَعْصُوهُ وَ إِذَا رَأَيْتُمُ اَلْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ وَ إِذَا رَأَيْتُمُ اَلشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ


و اصدفوا عن سمت الشر أي أعرضوا عن طريقه تقصدوا أي تعدلوا و القصد العدل.ثم أمر بلزوم الفرائض من العبادات و المحافظة عليها كالصلاة و الزكاة و انتصب ذلك على الإغراء.ثم ذكر أن الحرام غير مجهول للمكلف بل معلوم و الحلال غير مدخول أي لا عيب و لا نقص فيه و أن حرمة المسلم أفضل من جميع الحرمات و هذا لفظ

الخبر النبوي حرمة المسلم فوق كل حرمة دمه و عرضه و ماله.قال ع و شد بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين في معاقدها لأن الإخلاص و التوحيد داعيان إلى المحافظة على حقوق المسلمين صارفان عن انتهاك محارمهم.قال فالمسلم من سلم الناس هذا لفظ الخبر النبوي بعينه.قوله و لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب أي إلا بحق و هو الكلام الأول و إنما أعاده تأكيدا.ثم أمر بمبادرة الموت و سماه الواقعة العامة لأنه يعم الحيوان كله ثم سماه خاصة أحدكم لأنه و إن كان عاما إلا أن له مع كل إنسان بعينه خصوصية زائدة على ذلك العموم.قوله فإن الناس أمامكم أي قد سبقوكم و الساعة تسوقكم من خلفكم.ثم أمر بالتخفف و هو القناعة من الدنيا باليسير و ترك الحرص عليها فإن المسافر الخفيف أحرى بالنجاة و لحاق أصحابه و بلوغ المنزل من الثقيل.


و قوله فإنما ينتظر بأولكم آخركم أي إنما ينتظر ببعث الموتى المتقدمين أن يموت الأواخر أيضا فيبعث الكل جميعا في وقت واحد.ثم ذكر أنهم مسئولون عن كل شي‏ء حتى عن البقاع لم استوطنتم هذه و زهدتم في هذه و لم أخربتم هذه الدار و عمرتم هذه الدار و حتى عن البهائم لم ضربتموها لم أجعتموها.و روي فإن البأس أمامكم يعني الفتنة و الرواية الأولى أظهر و قد ورد في الأخبار النبوية لينتصفن للجماء من القرناء و

جاء في الخبر الصحيح إن الله تعالى عذب إنسانا بهر حبسه في بيت و أجاعه حتى هلك


169 و من كلام له ع بعد ما بويع له بالخلافة

و قد قال له قوم من الصحابة لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان فقال ع : يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ وَ لَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَ اَلْقَوْمُ اَلْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنَا وَ لاَ نَمْلِكُهُمْ وَ هَا هُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ وَ اِلْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وَ هُمْ خِلاَلَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا وَ هَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُرِيدُونَهُ إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ وَ إِنَّ لِهَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ مَادَّةً إِنَّ اَلنَّاسَ مِنْ هَذَا اَلْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ تَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ لاَ تَرَى هَذَا وَ لاَ هَذَا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ اَلنَّاسُ وَ تَقَعَ اَلْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَ تُؤْخَذَ اَلْحُقُوقُ مُسْمَحَةً فَاهْدَءُوا عَنِّي وَ اُنْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي وَ لاَ تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وَ تُسْقِطُ مُنَّةً وَ تُورِثُ وَهْناً وَ ذِلَّةً وَ سَأُمْسِكُ اَلْأَمْرَ مَا اِسْتَمْسَكَ وَ إِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ اَلدَّوَاءِ اَلْكَيُّ أجلب عليه أعان عليه و أجلبه أعانه و الألف في يا إخوتاه بدل من ياء الإضافة و الهاء للسكت.


و على حد شوكتهم شدتهم أي لم تنكسر سورتهم.و العبدان جمع عبد بالكسر مثل جحش و جحشان و جاء عبدان بالضم مثل تمر و تمران و جاء عبيد مثل كلب و كليب و هو جمع عزيز و جاء أعبد و عباد و عبدان مشددة الدال و عبداء بالمد و عبدى بالقصر و معبوداء بالمد و عبد بالضم مثل سقف و سقف و أنشدوا:

أنسب العبد إلى آبائه

أسود الجلدة من قوم عبد

و منه قرأ بعضهم( وَ عَبَدَ اَلطَّاغُوتَ ) و أضافه.قوله و التفت إليهم أعرابكم انضمت و اختلطت بهم.و هم خلالكم أي بينكم يسومونكم ما شاءوا يكلفونكم قال تعالى( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذابِ ) .و تؤخذ الحقوق مسمحة من أسمح أي ذل و انقاد.فاهدءوا عني أي فاسكنوا هدأ الرجل هدءا و هدوءا أي سكن و أهدأه غيره و تضعضع قوة تضعف و تهد ضعضعت البناء هددته و المنة القوة و الوهن الضعف و آخر الدواء الكي مثل مشهور و يقال آخر الطب و يغلط فيه العامة فتقول آخر الداء و الكي ليس من الداء ليكون آخره


موقف علي من قتلة عثمان

و اعلم أن هذا الكلام يدل على أنه ع كان في نفسه عقاب الذين حصروا عثمان و الاقتصاص ممن قتله إن كان بقي ممن باشر قتله أحد و لهذا قال إني لست أجهل ما تعلمون فاعترف بأنه عالم بوجوب ذلك و اعتذر بعدم التمكن كما ينبغي و صدق ع فإن أكثر أهل المدينة أجلبوا عليه و كان من أهل مصر و من الكوفة عالم عظيم حضروا من بلادهم و طووا المسالك البعيدة لذلك و انضم إليهم أعراب أجلاف من البادية و كان الأمر أمر جاهلية كما قال ع و لو حرك ساكنا لاختلف الناس و اضطربوا فقوم يقولون أصاب و قوم يقولون أخطأ و قوم لا يحكمون بصواب و لا خطأ بل يتوقفون و لا يأمن لو شرع في عقوبة الناس و القبض عليهم من تجدد فتنة أخرى كالأولى و أعظم فكان الأصوب في التدبير و الذي يوجبه الشرع و العقل الإمساك إلى حين سكون الفتنة و تفرق تلك الشعوب و عود كل قوم إلى بلادهم و كان ع يؤمل أن يطيعه معاوية و غيره و أن يحضر بنو عثمان عنده يطالبون بدم أبيهم و يعينون قوما بأعيانهم بعضهم للقتل و بعضهم للحصار و بعضهم للتسور كما جرت عادة المتظلمين إلى الإمام و القاضي فحينئذ يتمكن من العمل بحكم الله تعالى فلم يقع الأمر بموجب ذلك و عصى معاوية و أهل الشام و التجأ ورثة عثمان إليه و فارقوا حوزة أمير المؤمنين ع و لم يطلبوا القصاص طلبا شرعيا و إنما طلبوه مغالبة و جعلها معاوية عصبية الجاهلية و لم يأت أحد منهم الأمر من بابه و قبل ذلك ما كان من أمر طلحة و الزبير و نقضهما البيعة و نهبهما أموال المسلمين بالبصرة و قتلهما الصالحين من أهلها و جرت أمور كلها تمنع الإمام عن التصدي للقصاص و اعتماد ما يجب اعتماده لو كان الأمر وقع على القاعدة


الصحيحة من المطالبة بذلك على وجه السكون و الحكومة و قد قال هو ع لمعاوية فأما طلبك قتلة عثمان فادخل في الطاعة و حاكم القوم إلي أحملك و إياهم على كتاب الله و سنة رسوله.قال أصحابنا المعتزلة رحمهم الله و هذا عين الحق و محض الصواب لأنه يجب دخول الناس في طاعة الإمام ثم تقع المحاكمة إليه فإن حكم بالحق استديمت إمامته و إن حكم بالجور انتقض أمره و تعين خلعه.فإن قلت فما معنى قوله و سأمسك الأمر ما استمسك فإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي.قلت ليس معناه و سأصبر عن معاقبة هؤلاء ما أمكن الصبر فإذا لم أجد بدا عاقبتهم و لكنه كلام قاله أول مسير طلحة و الزبير إلى البصرة فإنه حينئذ أشار عليه قوم بمعاقبة المجلبين فاعتذر بما قد ذكر ثم قال و سأمسك الأمر ما استمسك أي أمسك نفسي عن محاربة هؤلاء الناكثين للبيعة ما أمكنني و أدفع الأيام بمراسلتهم و تخويفهم و إنذارهم و أجتهد في ردهم إلى الطاعة بالترغيب و الترهيب فإذا لم أجد بدا من الحرب فآخر الدواء الكي أي الحرب لأنها الغاية التي ينتهي أمر العصاة إليها


170 و من خطبة له ع عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة

إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ لاَ يَهْلِكُ عَنْهُ إِلاَّ هَالِكٌ وَ إِنَّ اَلْمُبْتَدَعَاتِ اَلْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ اَلْمُهْلِكَاتُ إِلاَّ مَا حَفِظَ اَللَّهُ مِنْهَا وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اَللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لاَ مُسْتَكْرَهٍ بِهَا وَ اَللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اَللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ اَلْإِسْلاَمِ ثُمَّ لاَ يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ اَلْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا اَلرَّأْيِ اِنْقَطَعَ نِظَامُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ اَلدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اَللَّهُ عَلَيْهِ فَأَرَادُوا رَدَّ اَلْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا وَ لَكُمْ عَلَيْنَا اَلْعَمَلُ بِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ سِيرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ اَلْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَ اَلنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ و أمر قائم أي مستقيم ليس بذي عوج لا يهلك عنه إلا هالك تقديره لا يهلك عادلا عنه إلا هالك و هذا كما تقول لا يعلم هذا الفن إلا عالم أي من قد بلغ الغاية


في العلم و استحق أن يوصف بذلك و يشار إليه فيه كذلك لا يهلك بعدوله عنه إلا من هو أعظم الهالكين و من يشار إليه بالهلاك و قد بلغ الغاية في الهلاك.ثم قال إن المبتدعات المشبهات هن المهلكات المبتدعات ما أحدث و لم يكن على عهد الرسول و المشبهات التي تشبه السنن و ليست منها أي المشبهات بالسنن و روي المشبهات بالكسر أي المشبهات على الناس يقال قد شبه عليه الأمر أي ألبس عليه و يروى المشتبهات أي الملتبسات لا يعرف حقها من باطلها.قال إلا من حفظ الله أي من عصمه الله بألطاف يمتنع لأجلها عن الخطأ ثم أمرهم بلزوم الطاعة و اتباع السلطان و قال إن فيه عصمة لأمركم فأعطوه طاعتكم غير ملومة أي مخلصين ذوي طاعة محضة لا يلام باذلها أي لا ينسب إلى النفاق و لا مستكره بها أي ليست عن استكراه بل يبذلونها اختيارا و محبة و يروى غير ملوية أي معوجة من لويت العود.ثم أقسم أنهم إن لم يفعلوا و إلا نقل الله عنهم سلطان الإسلام يعني الخلافة ثم لا يعيده إليهم أبدا حتى يأرز الأمر إلى غيرهم أي حتى ينقبض و ينضم و يجتمع و في الحديث إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها.فإن قلت كيف قال إنه لا يعيده إليهم أبدا و قد عاد إليهم بالخلافة العباسية.قلت لأن الشرط لم يقع و هو عدم الطاعة فإن أكثرهم أطاعوه طاعة غير ملومة و لا مستكره بها و إذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط.


و قد أجاب قوم عن هذا فقالوا خاطب الشيعة الطالبية فقال إن لم تعطوني الطاعة المحضة نقل الله الخلافة عن هذا البيت حتى يأرز و ينضم إلى بيت آخر و هكذا وقع فإنها انضمت إلى بيت آخر من بني هاشم.و أجاب قوم آخرون فقالوا أراد بقوله أبدا المبالغة كما تقول احبس هذا الغريم أبدا و المراد بالقوم الذين يأرز الأمر إليهم بنو أمية كأنه قال إن لم تفعلوا نقل الله الخلافة عنكم حتى يجعلها في قوم آخرين و هم أعداؤكم من أهل الشام و بني أمية و لا يعيده إليكم إلى مدة طويلة و هكذا وقع.و قد تمالئوا قد اجتمعوا و تساعدوا على سخطة إمارتي على كراهيتها و بغضها.ثم وعد بالصبر عليهم ما لم يخف من فرقة الجماعة و انتشار حبل الإسلام.و فيالة الرأي ضعفه و كذلك فيولته و رجل فيل الرأي أي ضعيفه قال:

بني رب الجواد فلا تفيلوا

فما أنتم فنعذركم لفيل

أي لستم على رجل ضعيف الرأي و الجمع أفيال و يقال أيضا رجل فال قال:

رأيتك يا أخيطل إذ جرينا

و جربت الفراسة كنت فالا

قال إن تموا على هذا الرأي الضعيف قطعوا نظام المسلمين و فرقوا جماعتهم.ثم ذكر أن الحسد دعاهم إلى ذلك و أفاءها عليه ردها عليه فاء يفي‏ء رجع و فلان سريع الفي‏ء من غضبه أي سريع الرجوع و إنه لحسن الفيئة بالكسر مثال الفيعة أي حسن الرجوع و هذا الكلام لا يشعر بأنه ع كان يعتقد أن الأمر له و أنه غلب عليه ثم رجع إليه و لكنه محمول على أنه من رسول الله ص بمنزلة الجزء من الكل و أنهما من جوهر واحد فلما كان الوالي قديما و هو رسول الله ص


ثم تخلل بين ولايته ص و ولاية أمير المؤمنين ع ولايات غريبة سمى ولايته فيئا و رجوعا لأنها رجعت إلى الدوحة الهاشمية و بهذا يجب أن يتأول قوله فأرادوا رد الأمور على أدبارها أي أرادوا انتزاع الخلافة من بني هاشم كما انتزعت أولا و إقرارها في بيوت بعيدة عن هذا البيت أسوة بما وقع من قبل.و النعش مصدر نعش أي رفع و لا يجوز أنعش


171 و من كلام له ع كلم به بعض العرب

وَ قَدْ أَرْسَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اَلْبَصْرَةِ لَمَّا قَرُبَ ع مِنْهَا لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ اَلْجَمَلِ لِتَزُولَ اَلشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ فَبَيَّنَ لَهُ ع مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى اَلْحَقِّ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَايِعْ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ وَ لاَ أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ع أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ اَلَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ اَلْغَيْثِ فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ اَلْكَلَإِ وَ اَلْمَاءِ فَخَالَفُوا إِلَى اَلْمَعَاطِشِ وَ اَلْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى اَلْكَلَإِ وَ اَلْمَاءِ فَقَالَ ع فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ فَقَالَ اَلرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ اَلْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ ع وَ اَلرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ اَلْجَرْمِيِّ الجرمي منسوب إلى بني جرم بن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من حمير و كان هذا الرجل بعثه قوم من أهل البصرة إليه ع


يستعلم حاله أ هو على حجة أم على شبهة فلما رآه ع و سمع لفظه علم صدقه و برهانه فكان بينهما ما قد شرحه ع.و لا شي‏ء ألطف و لا أوقع و لا أوضح من المثال الذي ضربه ع و هو حجة لازمة لا مدفع لها.قوله و لا أحدث حدثا أي لا أفعل ما لم يأمروني به إنما أمرت باستعلام حالك فقط فأما المبايعة لك فإن أحدثتها كنت فاعلا ما لم أندب له.و مساقط الغيث المواضع التي يسقط الغيث فيها و الكلأ النبت إذا طال و أمكن أن يرعى و أول ما يظهر يسمى الرطب فإذا طال قليلا فهو الخلى فإذا طال شيئا آخر فهو الكلأ فإذا يبس فهو الحشيش.و المعاطش و المجادب مواضع العطش و الجدب و هو المحل


172 و من كلام له ع لما عزم على لقاء القوم بصفين

اَللَّهُمَّ رَبَّ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ وَ اَلْجَوِّ اَلْمَكْفُوفِ اَلَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ اَلْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ اَلسَّيَّارَةِ وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلاَئِكَتِكَ لاَ يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ وَ رَبَّ هَذِهِ اَلْأَرْضِ اَلَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ اَلْأَنْعَامِ وَ مَا لاَ يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَ مَا لاَ يُرَى وَ رَبَّ اَلْجِبَالِ اَلرَّوَاسِي اَلَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً وَ لِلْخَلْقِ اِعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا اَلْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا اَلشَّهَادَةَ وَ اِعْصِمْنَا مِنَ اَلْفِتْنَةِ أَيْنَ اَلْمَانِعُ لِلذِّمَارِ وَ اَلْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ اَلْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ اَلْحِفَاظِ اَلْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَ اَلْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ السقف المرفوع السماء و الجو المكفوف السماء أيضا كفه أي جمعه و ضم بعضه إلى بعض و يمر في كلامه نحو هذا و إن السماء هواء جامد أو ماء جامد.و جعلته مغيضا لليل و النهار أي غيضة لهما و هي في الأصل الأجمة يجتمع إليها الماء


فتسمى غيضة و مغيضا و ينبت فيها الشجر كأنه جعل الفلك كالغيضة و الليل و النهار كالشجر النابت فيها.و وجه المشاركة أن المغيض أو الغيضة يتولد منهما الشجر و كذلك الليل و النهار يتولدان من جريان الفلك.ثم عاد فقال و مجرى للشمس و القمر أي موضعا لجريانهما.و مختلفا للنجوم السيارة أي موضعا لاختلافها و اللام مفتوحة.ثم قال جعلت سكانه سبطا من ملائكتك أي قبيلة قال تعالى اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً.لا يسأمون لا يملون و قرارا للأنام أي موضع استقرارهم و سكونهم و مدرجا للهوام أي موضع دروجهم و سيرهم و حركاتهم و الهوام الحشرات و المخوف من الأحناش.و ما لا يحصى أي لا يضبط بالإحصاء و العد مما نراه و نعرفه و ما لا نراه و لا نعرفه.و قال بعض العلماء إن أردت أن تعرف حقيقة قوله مما يرى و ما لا يرى فأوقد نارا صغيرة في فلاة في ليلة صيفية و انظر ما يجتمع عليها من الأنواع الغريبة العجيبة الخلق التي لم تشاهدها أنت و لا غيرك قط.قوله و للخلق اعتمادا لأنهم يجعلونها كالمساكن لهم فينتفعون بها و يبنون منازل إلى جانبها فيقوم مقام جدار قد استغنوا عن بنيانه و لأنها أمهات العيون و منابع المياه باعتماد الخلق على مرافقهم و منافعهم و مصالحهم عليها.


قوله و سددنا للحق أي صوبنا إليه من قولك منهم سديد أي مصيب و سدد السنان إلى القرن أي صوبه نحوه.و الذمار ما يحامى عنه و الغائر ذو الغيرة و نزول الحقائق نزول الأمور الشديدة كالحرب و نحوها.ثم قال العار وراءكم أي إن رجعتم القهقرى هاربين.و الجنة أمامكم أي إن أقدمتم على العدو مجاهدين و هذا الكلام شريف جدا


173 و من خطبة له ع

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً وَ لاَ أَرْضٌ أَرْضاً هذا الكلام يدل على إثبات أرضين بعضها فوق بعض كما أن السماوات كذلك و لم يأت في الكتاب العزيز ما يدل على هذا إلا قوله تعالى( اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) و هو قول كثير من المسلمين.و قد تأول ذلك أرباب المذهب الآخر القائلون بأنها أرض واحدة فقالوا إنها سبعة أقاليم فالمثلية هي من هذا الوجه لا من تعدد الأرضين في ذاتها.و يمكن أن يتأول مثل ذلك كلام أمير المؤمنين ع فيقال إنها و إن كانت أرضا واحدة لكنها أقاليم و أقطار مختلفة و هي كرية الشكل فمن على حدبة الكرة لا يرى من تحته و من تحته لا يراه و من على أحد جانبيها لا يرى من على الجانب الآخر و الله تعالى يدرك ذلك كله أجمع و لا يحجب عنه شي‏ء منها بشي‏ء منها.فأما قوله ع لا تواري عنه سماء سماء فلقائل أن يقول و لا يتوارى شي‏ء من السماوات عن المدركين منا لأنها شفافة فأي خصيصة للباري تعالى في ذلك فينبغي أن يقال هذا الكلام على قاعدة غير القاعدة الفلسفية بل هو على قاعدة


الشريعة الإسلامية التي تقتضي أن السماوات تحجب ما وراءها عن المدركين بالحاسة و أنها ليست طباقا متراصة بل بينها خلق من خلق الله تعالى لا يعلمهم غيره و اتباع هذا القول و اعتقاده أولى منها : وَ قَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ يَا اِبْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَ اَللَّهِ لَأَحْرَصُ وَ أَبْعَدُ وَ أَنَا أَخَصُّ وَ أَقْرَبُ وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَ أَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي اَلْمَلَإِ اَلْحَاضِرِينَ هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لاَ يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي ثُمَّ قَالُوا أَلاَ إِنَّ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي اَلْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ هذا من خطبة يذكر فيها ع ما جرى يوم الشورى بعد مقتل عمر و الذي قال له إنك على هذا الأمر لحريص سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه أنت مني بمنزلة هارون من موسى و هذا عجب فقال لهم بل أنتم و الله أحرص و أبعد...الكلام المذكور و قد رواه الناس كافة.و قالت الإمامية هذا الكلام يوم السقيفة و الذي قال له إنك على هذا الأمر لحريص أبو عبيدة بن الجراح و الرواية الأولى أظهر و أشهر.


و روي فلما قرعته بالتخفيف أي صدمته بها.و روي هب لا يدري ما يجيبني كما تقول استيقظ و انتبه كأنه كان غافلا ذاهلا عن الحجة فهب لما ذكرتها.أستعديك أطلب أن تعديني عليهم و أن تنتصف لي منهم.قطعوا رحمي لم يرعوا قربه من رسول الله ص.و صغروا عظيم منزلتي لم يقفوا مع النصوص الواردة فيه.و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي أي بالأفضلية أنا أحق به منهم هكذا ينبغي أن يتأول كلامه.و كذلك قوله إنما أطلب حقا لي و أنتم تحولون بيني و بينه و تضربون وجهي دونه.قال ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تتركه قال لم يقتصروا على أخذ حقي ساكتين عن الدعوى و لكنهم أخذوه و ادعوا أن الحق لهم و أنه يجب علي أن أترك المنازعة فيه فليتهم أخذوه معترفين بأنه حقي فكانت المصيبة به أخف و أهون.و اعلم أنه قد تواترت الأخبار عنه ع بنحو من هذا القول نحو قوله ما زلت مظلوما منذ قبض الله رسوله حتى يوم الناس هذا و قوله اللهم أخز قريشا فإنها منعتني حقي و غصبتني أمري و قوله فجزى قريشا عني الجوازي فإنهم ظلموني حقي و اغتصبوني سلطان ابن أمي


و قوله و قد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم فقال هلم فلنصرخ معا فإني ما زلت مظلوما و قوله و إنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى و قوله أرى تراثي نهبا و قوله أصغيا بإنائنا و حملا الناس على رقابنا و قوله إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى و قوله ما زلت مستأثرا علي مدفوعا عما أستحقه و أستوجبه و أصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الأمر بالأفضلية و الأحقية و هو الحق و الصواب فإن حمله على الاستحقاق بالنص تكفير أو تفسيق لوجوه المهاجرين و الأنصار و لكن الإمامية و الزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها و ارتكبوا بها مركبا صعبا و لعمري إن هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظن ما يقوله القوم و لكن تصفح الأحوال يبطل ذلك الظن و يدرأ ذلك الوهم فوجب أن يجري مجرى الآيات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على البارئ فإنه لا نعمل بها و لا نعول على ظواهرها لأنا لما تصفحنا أدلة العقول اقتضت العدول عن ظاهر اللفظ و أن تحمل على التأويلات المذكورة في الكتب.و حدثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن عالية من ساكني قطفتا بالجانب الغربي من بغداد و أجد الشهود المعدلين بها قال كنت حاضرا مجلس الفخر إسماعيل بن علي الحنبلي الفقيه المعروف بغلام بن المنى و كان الفخر إسماعيل بن علي هذا مقدم


الحنابلة ببغداد في الفقه و الخلاف و يشتغل بشي‏ء في علم المنطق و كان حلو العبارة و قد رأيته أنا و حضرت عنده و سمعت كلامه و توفي سنة عشر و ستمائة.قال ابن عالية و نحن عنده نتحدث إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة فانحدر إليه يطالبه به و اتفق أن حضرت زيارة يوم الغدير و الحنبلي المذكور بالكوفة و هذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة و يجتمع بمشهد أمير المؤمنين ع من الخلائق جموع عظيمة تتجاوز حد الإحصاء.قال ابن عالية فجعل الشيخ الفخر يسأل ذلك الشخص ما فعلت ما رأيت هل وصل مالك إليك هل بقي لك منه بقية عند غريمك و ذلك يجاوبه حتى قال له يا سيدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير و ما يجري عند قبر علي بن أبي طالب من الفضائح و الأقوال الشنيعة و سب الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غير مراقبة و لا خيفة فقال إسماعيل أي ذنب لهم و الله ما جراهم على ذلك و لا فتح لهم هذا الباب إلا صاحب ذلك القبر فقال ذلك الشخص و من صاحب القبر قال علي بن أبي طالب قال يا سيدي هو الذي سن لهم ذلك و علمهم إياه و طرقهم إليه قال نعم و الله قال يا سيدي فإن كان محقا فما لنا أن نتولى فلانا و فلانا و إن كان مبطلا فما لنا نتولاه ينبغي أن نبرأ إما منه أو منهما.قال ابن عالية فقام إسماعيل مسرعا فلبس نعليه و قال لعن الله إسماعيل الفاعل إن كان يعرف جواب هذه المسألة و دخل دار حرمه و قمنا نحن و انصرفنا : مِنْهَا فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ اَلْجَمَلِ فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اَللَّهِ ص كَمَا تُجَرُّ اَلْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا


مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى اَلْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ أَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اَللَّهِ ص لَهُمَا وَ لِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ وَ قَدْ أَعْطَانِيَ اَلطَّاعَةَ وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَ طَائِفَةً غَدْراً فَوَاللَّهِ إِنْ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ إِلاَّ رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلاَ جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ اَلْجَيْشِ كُلِّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لاَ بِيَدٍ دَعْ مَا إِنَّهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ اَلْعِدَّةِ اَلَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ حرمة رسول الله ص كناية عن الزوجة و أصله الأهل و الحرم و كذلك حبيس رسول الله ص كناية عنها.و قتلوهم صبرا أي بعد الأسر و قوله فو الله إن لو لم يصيبوا إن هاهنا زائدة و يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة.و يسأل عن قوله ع لو لم يصيبوا إلا رجلا واحدا لحل لي قتل ذلك الجيش بأسره لأنهم حضروه فلم ينكروا فيقال أ يجوز قتل من لم ينكر المنكر مع تمكنه من إنكاره.و الجواب أنه يجوز قتلهم لأنهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا فإنهم إذا اعتقدوا إباحته فقد اعتقدوا إباحة ما حرم الله فيكون حالهم حال من اعتقد أن الزنا مباح أو أن شرب الخمر مباح.


و قال القطب الراوندي يريد أنهم داخلون في عموم قوله تعالى( إِنَّما جَزاءُ اَلَّذِينَ يُحارِبُونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ) .و ل قائل أن يقول الإشكال إنما وقع في قوله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا لحل لي قتل ذلك الجيش بأسره لأنهم حضروا المنكر و لم يدفعوه بلسان و لا يد فهو علل استحلاله قتلهم بأنهم لم ينكروا المنكر و لم يعلل ذلك بعموم الآية.و أما معنى قوله دع ما إنهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم فهو أنه لو كان المقتول واحدا لحل لي قتلهم كلهم فكيف و قد قتلوا من المسلمين عدة مثل عدتهم التي دخلوا بها البصرة و ما هاهنا زائدة.و صدق ع فإنهم قتلوا من أوليائه و خزان بيت المال بالبصرة خلقا كثيرا بعضهم غدرا و بعضهم صبرا كما خطب به ع

ذكر يوم الجمل و مسير عائشة إلى القتال

و روى أبو مخنف قال حدثنا إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس و روى جرين بن يزيد عن عامر الشعبي و روى محمد بن إسحاق عن حبيب بن عمير قالوا جميعا لما خرجت عائشة و طلحة و الزبير من مكة إلى البصرة طرقت ماء الحوأب و هو ماء لبني عامر بن صعصعة فنبحتهم الكلاب فنفرت صعاب إبلهم فقال قائل منهم لعن الله الحوأب فما أكثر كلابها فلما سمعت عائشة ذكر الحوأب قالت أ هذا ماء الحوأب قالوا نعم فقالت ردوني ردوني فسألوها ما شأنها ما بدا لها فقالت إني سمعت رسول الله ص يقول كأني بكلاب


ماء يدعى الحوأب قد نبحت بعض نسائي ثم قال لي إياك يا حميراء أن تكونيها فقال لها الزبير مهلا يرحمك الله فإنا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثيرة فقالت أ عندك من يشهد بأن هذه الكلاب النابحة ليست على ماء الحوأب فلفق لها الزبير و طلحة خمسين أعرابيا جعلا لهم جعلا فحلفوا لها و شهدوا أن هذا الماء ليس بماء الحوأب فكانت هذه أول شهادة زور في الإسلام فسارت عائشة لوجهها.

قال أبو مخنف و حدثنا عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ص قال يوما لنسائه و هن عنده جميعا ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها و شمالها قتلى كثيرة كلهم في النار و تنجو بعد ما كادت.قلت و أصحابنا المعتزلة رحمهم الله يحملون قوله ع و تنجو على نجاتها من النار و الإمامية يحملون ذلك على نجاتها من القتل و محملنا أرجح لأن لفظة في النار أقرب إليه من لفظة القتلى و القرب معتبر في هذا الباب أ لا ترى أن نحاة البصريين أعملوا أقرب العاملين نظرا إلى القرب.قال أبو مخنف و حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن الزبير و طلحة أغذا السير بعائشة حتى انتهوا إلى حفر أبي موسى الأشعري و هو قريب من البصرة و كتبا إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و هو عامل علي ع على البصرة أن أخل لنا دار الإمارة فلما وصل كتابهما إليه بعث الأحنف بن قيس فقال له إن هؤلاء القوم قدموا علينا و معهم زوجة رسول الله و الناس إليها سراع كما ترى فقال الأحنف


إنهم جاءوك بها للطلب بدم عثمان و هم الذين ألبوا على عثمان الناس و سفكوا دمه و أراهم و الله لا يزايلون حتى يلقوا العداوة بيننا و يسفكوا دماءنا و أظنهم و الله سيركبون منك خاصة ما لا قبل لك به إن لم تتأهب لهم بالنهوض إليهم فيمن معك من أهل البصرة فإنك اليوم الوالي عليهم و أنت فيهم مطاع فسر إليهم بالناس و بادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة فيكون الناس لهم أطوع منهم لك.فقال عثمان بن حنيف الرأي ما رأيت لكنني أكره الشر و أن أبدأهم به و أرجو العافية و السلامة إلى أن يأتيني كتاب أمير المؤمنين و رأيه فأعمل به ثم أتاه بعد الأحنف حكيم بن جبلة العبدي من بني عمرو بن وديعة فأقرأه كتاب طلحة و الزبير فقال له مثل قول الأحنف و أجابه عثمان بمثل جوابه للأحنف فقال له حكيم فأذن لي حتى أسير إليهم بالناس فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين و إلا نابذتهم على سواء.فقال عثمان لو كان ذلك رأيي لسرت إليهم نفسي قال حكيم أما و الله إن دخلوا عليك هذا المصر لينتقلن قلوب كثير من الناس إليهم و ليزيلنك عن مجلسك هذا و أنت أعلم فأبى عليه عثمان.

قال و كتب علي إلى عثمان لما بلغه مشارفة القوم البصرة من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف أما بعد فإن البغاة عاهدوا الله ثم نكثوا و توجهوا إلى مصرك و ساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى الله به و الله أشد بأسا و أشد تنكيلا فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة و الرجوع إلى الوفاء بالعهد و الميثاق الذي فارقونا عليه فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا


عندك و إن أبو إلا التمسك بحبل النكث و الخلاف فناجزهم القتال حتى يحكم الله بينك و بينهم و هو خير الحاكمين و كتبت كتابي هذا إليك من الربذة و أنا معجل المسير إليك إن شاء الله.و كتبه عبيد الله بن أبي رافع في سنة ست و ثلاثين.قال فلما وصل كتاب علي ع إلى عثمان أرسل إلى أبي الأسود الدؤلي و عمران بن الحصين الخزاعي فأمرهما أن يسيرا حتى يأتياه بعلم القوم و ما الذي أقدمهم فانطلقا حتى إذا أتيا حفر أبي موسى و به معسكر القوم فدخلا على عائشة فنالاها و وعظاها و أذكراها و ناشداها الله فقالت لهما القيا طلحة و الزبير فقاما من عندها و لقيا الزبير فكلماه فقال لهما إنا جئنا للطلب بدم عثمان و ندعو الناس إلى أن يردوا أمر الخلافة شورى ليختار الناس لأنفسهم فقالا له إن عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها و أنت تعلم قتلة عثمان من هم و أين هم و إنك و صاحبك و عائشة كنتم أشد الناس عليه و أعظمهم إغراء بدمه فأقيدوا من أنفسكم و أما إعادة أمر الخلافة شورى فكيف و قد بايعتم عليا طائعين غير مكرهين و أنت يا أبا عبد الله لم يبعد العهد بقيامك دون هذا الرجل يوم مات رسول الله ص و أنت آخذ قائم سيفك تقول ما أحد أحق بالخلافة منه و لا أولى بها منه و امتنعت من بيعة أبي بكر فأين ذلك الفعل من هذا القول.فقال لهما اذهبا فالقيا طلحة فقاما إلى طلحة فوجداه أخشن الملمس شديد العريكة قوي العزم في إثارة الفتنة و إضرام نار الحرب فانصرفا إلى عثمان بن حنيف فأخبراه و قال له أبو الأسود:

يا ابن حنيف قد أتيت فانفر

و طاعن القوم و جالد و اصبر


و ابرز لها مستلئما و شمر

فقال ابن حنيف إي و الحرمين لأفعلن و أمر مناديه فنادى في الناس السلاح السلاح فاجتمعوا إليه و قال أبو الأسود:

أتينا الزبير فدانى الكلام

و طلحة كالنجم أو أبعد

و أحسن قوليهما فادح

يضيق به الخطب مستنكد

و قد أوعدونا بجهد الوعيد

فأهون علينا بما أوعدوا

فقلنا ركضتم و لم ترملوا

و أصدرتم قبل أن توردوا

فإن تلقحوا الحرب بين الرجال

فملقحها حده الأنكد

و إن عليا لكم مصحر

ألا إنه الأسد الأسود

أما إنه ثالث العابدين

بمكة و الله لا يعبد

فرخوا الخناق و لا تعجلوا

فإن غدا لكم موعد

قال و أقبل القوم فلما انتهوا إلى المربد قام رجل من بني جشم فقال أيها الناس أنا فلان الجشمي و قد أتاكم هؤلاء القوم فإن كانوا أتوكم خائفين لقد أتوكم من المكان الذي يأمن فيه الطير و الوحش و السباع و إن كانوا إنما أتوكم بطلب دم عثمان فغيرنا ولي قتله فأطيعوني أيها الناس و ردوهم من حيث أقبلوا فإنكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس و الفتنة الصماء التي لا تبقي و لا تذر.قال فحصبه ناس من أهل البصرة فأمسك.قال و اجتمع أهل البصرة إلى المربد حتى ملئوه مشاة و ركبانا فقام طلحة فأشار إلى الناس بالسكون ليخطب فسكتوا بعد جهد فقال أما بعد فإن عثمان بن عفان كان من أهل السابقة و الفضيلة و من المهاجرين الأولين الذيرضي‌الله‌عنه م و رضوا عنه


و نزل القرآن ناطقا بفضلهم و أحد أئمة المسلمين الوالين عليكم بعد أبي بكر و عمر صاحبي رسول الله ص و قد كان أحدث أحداثا نقمنا عليه فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا فعدا عليه امرؤ ابتز هذه الأمة أمرها غصبا بغير رضا منها و لا مشورة فقتله و ساعده على ذلك قوم غير أتقياء و لا أبرار فقتل محرما بريئا تائبا و قد جئناكم أيها الناس نطلب بدم عثمان و ندعوكم إلى الطلب بدمه فإن نحن أمكننا الله من قتلته قتلناهم به و جعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين و كانت خلافة رحمة للأمة جميعا فإن كل من أخذ الأمر من غير رضا من العامة و لا مشورة منها ابتزازا كان ملكه ملكا عضوضا و حدثا كثيرا.ثم قام الزبير فتكلم بمثل كلام طلحة.فقام إليهما ناس من أهل البصرة فقالوا لهما أ لم تبايعا عليا فيمن بايعه ففيم بايعتما ثم نكثتما فقالا ما بايعنا و ما لأحد في أعناقنا بيعة و إنما استكرهنا على بيعة فقال ناس قد صدقا و أحسنا القول و قطعا بالثواب و قال ناس ما صدقا و لا أصابا في القول حتى ارتفعت الأصوات.قال ثم أقبلت عائشة على جملها فنادت بصوت مرتفع أيها الناس أقلوا الكلام و اسكتوا فأسكت الناس لها فقالت إن أمير المؤمنين عثمان قد كان غير و بدل ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قتل مظلوما تائبا و إنما نقموا عليه ضربه بالسوط و تأميره الشبان و حمايته موضع الغمامة فقتلوه محرما في حرمة الشهر و حرمة البلد ذبحا كما يذبح الجمل ألا و إن قريشا رمت غرضها بنبالها و أدمت أفواهها بأيديها و ما نالت بقتلها إياه شيئا و لا سلكت به سبيلا


قاصدا أما و الله ليرونها بلايا عقيمة تنتبه النائم و تقيم الجالس و ليسلطن عليهم قوم لا يرحمونهم و يسومونهم سوء العذاب.أيها الناس إنه ما بلغ من ذنب عثمان ما يستحل به دمه مصتموه كما يماص الثوب الرحيض ثم عدوتم عليه فقتلتموه بعد توبته و خروجه من ذنبه و بايعتم ابن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة ابتزازا و غصبا تراني أغضب لكم من سوط عثمان و لسانه و لا أغضب لعثمان من سيوفكم ألا إن عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ثم اجعلوا الأمر شورى بين الرهط الذين اختارهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب و لا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان.قال فماج الناس و اختلطوا فمن قائل القول ما قالت و من قائل يقول و ما هي و هذا الأمر إنما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها و ارتفعت الأصوات و كثر اللغط حتى تضاربوا بالنعال و تراموا بالحصى.ثم إن الناس تمايزوا فصاروا فريقين فريق مع عثمان بن حنيف و فريق مع عائشة و أصحابها.قال و حدثنا الأشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن أبي الخليل قال لما نزل طلحة و الزبير المربد أتيتهما فوجدتهما مجتمعين فقلت لهما ناشدتكما الله و صحبة رسول الله ص ما الذي أقدمكما أرضنا هذه فلم يتكلما فأعدت عليهما فقالا بلغنا أن بأرضكم هذه دنيا فجئنا نطلبها.


قال و قد روى محمد بن سيرين عن الأحنف بن قيس أنه لقيهما فقالا له مثل مقالتهما الأولى إنما جئنا لطلب الدنيا.و قد روى المدائني أيضا نحوا مما روى أبو مخنف قال بعث علي ع ابن عباس يوم الجمل إلى الزبير قبل الحرب فقال له إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لكم أ لم تبايعني طائعا غير مكره فما الذي رابك مني فاستحللت به قتالي قال فلم يكن له جواب إلا أنه قال لي إنا مع الخوف الشديد لنطمع لم يقل غير ذلك

قال أبو إسحاق فسألت محمد بن علي بن الحسين ع ما تراه يعني بقوله هذا فقال أما و الله ما تركت ابن عباس حتى سألته عن هذا فقال يقول إنا مع الخوف الشديد مما نحن عليه نطمع أن نلي مثل الذي وليتم و قال محمد بن إسحاق حدثني جعفر بن محمد ع عن أبيه عن ابن عباس قال بعثني علي ع يوم الجمل إلى طلحة و الزبير و بعث معي بمصحف منشور و إن الريح لتصفق ورقه فقال لي قل لهما هذا كتاب الله بيننا و بينكم فما تريدان فلم يكن لهما جواب إلا أن قالا نريد ما أراد كأنهما يقولان الملك فرجعت إلى علي فأخبرته.و قد روى قاضي القضاةرحمه‌الله في كتاب المغني عن وهب بن جرير قال قال رجل من أهل البصرة لطلحة و الزبير إن لكما فضلا و صحبة فأخبراني عن مسيركما


هذا و قتالكما أ شي‏ء أمركما به رسول الله ص أم رأي رأيتماه فأما طلحة فسكت و جعل ينكت في الأرض و أما الزبير فقال ويحك حدثنا أن هاهنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها.و جعل قاضي القضاة هذا الخبر حجة في أن طلحة تاب و أن الزبير لم يكن مصرا على الحرب و الاحتجاج بهذا الخبر على هذا المعنى ضعيف و إن صح هو و ما قبله إنه لدليل على حمق شديد و ضعف عظيم و نقص ظاهر و ليت شعري ما الذي أحوجهما إلى هذا القول و إذا كان هذا في أنفسهما فهلا كتماه.ثم نعود إلى خبرهما قال أبو مخنف فلما أقبل طلحة و الزبير من المربد يريدان عثمان بن حنيف فوجداه و أصحابه قد أخذوا بأفواه السكك فمضوا حتى انتهوا إلى موضع الدباغين فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف فشجرهم طلحة و الزبير و أصحابهما بالرماح فحمل عليهم حكيم بن جبلة فلم يزل هو و أصحابه يقاتلونهم حتى أخرجوهم من جميع السكك و رماهم النساء من فوق البيوت بالحجارة فأخذوا إلى مقبرة بني مازن فوقفوا بها مليا حتى ثابت إليهم خيلهم ثم أخذوا على مسناة البصرة حتى انتهوا إلى الرابوقة ثم أتوا سبخة دار الرزق فنزلوها.قال و أتاهما عبد الله بن حكيم التميمي لما نزلا السبخة بكتب كانا كتباها إليه فقال لطلحة يا أبا محمد أ ما هذا كتبك إلينا قال بلى قال فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان و قتله حتى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه فلعمري ما هذا رأيك لا تريد إلا هذه الدنيا مهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من علي ما عرض عليك من البيعة


فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعتك ثم جئت لتدخلنا في فتنتك فقال إن عليا دعاني إلى بيعته بعد ما بايع الناس فعلمت لو لم أقبل ما عرضه علي لم يتم لي ثم يغرى بي من معه.قال ثم أصبحنا من غد فصفا للحرب و خرج عثمان بن حنيف إليهما في أصحابه فناشدهما الله و الإسلام و أذكرهما بيعتهما عليا ع فقالا نطلب بدم عثمان فقال لهما و ما أنتما و ذاك أين بنوه أين بنو عمه الذين هم أحق به منكم كلا و الله و لكنكما حسدتماه حيث اجتمع الناس عليه و كنتما ترجوان هذا الأمر و تعملان له و هل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما فشتماه شتما قبيحا و ذكرا أمه فقال للزبير أما و الله لو لا صفية و مكانها من رسول الله فإنها أدنتك إلى الظل و أن الأمر بيني و بينك يا ابن الصعبة يعني طلحة أعظم من القول لأعلمتكما من أمركما ما يسوءكما اللهم إني قد أعذرت إلى هذين الرجلين.ثم حمل عليهم و اقتتل الناس قتالا شديدا ثم تحاجزوا و اصطلحوا على أن يكتب بينهم كتاب صلح فكتب.هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الأنصاري و من معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و طلحة و الزبير و من معهما من المؤمنين و المسلمين من شيعتهما أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة و الرحبة و المسجد و بيت المال و المنبر و أن لطلحة و الزبير و من معهما أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة و لا يضار بعضهم بعضا في طريق و لا فرضة و لا سوق و لا شرعة و لا مرفق حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فإن أحبوا دخلوا فيما دخلت فيه الأمة و إن أحبوا لحق كل قوم بهواهم و ما أحبوا من


قتال أو سلم أو خروج أو إقامة و على الفريقين بما كتبوا عهد الله و ميثاقه و أشد ما أخذه على نبي من أنبيائه من عهد و ذمة.و ختم الكتاب و رجع عثمان بن حنيف حتى دخل دار الإمارة و قال لأصحابه ألحقوا رحمكم الله بأهلكم و ضعوا سلاحكم و داووا جرحاكم فمكثوا كذلك أياما.ثم إن طلحة و الزبير قالا إن قدم علي و نحن على هذه الحال من القلة و الضعف ليأخذن بأعناقنا فأجمعا على مراسلة القبائل و استمالة العرب فأرسلا إلى وجوه الناس و أهل الرئاسة و الشرف يدعوانهم إلى الطلب بدم عثمان و خلع علي و إخراج ابن حنيف من البصرة فبايعهم على ذلك الأزد و ضبة و قيس بن عيلان كلها إلا الرجل و الرجلين من القبيلة كرهوا أمرهم فتواروا عنهم و أرسلوا إلى هلال بن وكيع التميمي فلم يأتهم فجاءه طلحة و الزبير إلى داره فتوارى عنهما فقالت له أمه ما رأيت مثلك أتاك شيخا قريش فتواريت عنهما فلم تزل به حتى ظهر لهما و بايعهما و معه بنو عمرو بن تميم كلهم و بنو حنظلة إلا بني يربوع فإن عامتهم كانوا شيعة علي ع و بايعهم بنو دارم كلهم إلا نفرا من بني مجاشع ذوي دين و فضل.فلما استوسق لطلحة و الزبير أمرهما خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح و مطر و معهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع و ظاهروا فوقها بالثياب فانتهوا إلى المسجد وقت الصلاة الفجر و قد سبقهم عثمان بن حنيف إليه و أقيمت الصلاة فتقدم عثمان ليصلي بهم فأخره أصحاب طلحة و الزبير و قدموا الزبير فجاءت السبابجة و هم الشرط حرس بيت المال فأخرجوا الزبير و قدموا عثمان فغلبهم أصحاب الزبير فقدموا الزبير و أخروا عثمان فلم يزالوا كذلك حتى كادت الشمس تطلع و صاح بهم أهل المسجد أ لا تتقون أصحاب محمد و قد طلعت الشمس فغلب الزبير فصلى بالناس فلما انصرف من


صلاته صاح بأصحابه المستسلحين أن خذوا عثمان بن حنيف فأخذوه بعد أن تضارب هو و مروان بن الحكم بسيفيهما فلما أسر ضرب ضرب الموت و نتف حاجباه و أشفار عينيه و كل شعرة في رأسه و وجهه و أخذوا السبابجة و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بعثمان بن حنيف إلى عائشة فقالت لأبان بن عثمان اخرج إليه فاضرب عنقه فإن الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله فنادى عثمان يا عائشة و يا طلحة و يا زبير إن أخي سهل بن حنيف خليفة علي بن أبي طالب على المدينة و أقسم بالله إن قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم و أهليكم و رهطكم فلا يبقى أحد منكم فكفوا عنه و خافوا أن يقع سهل بن حنيف بعيالاتهم و أهلهم بالمدينة فتركوه.و أرسلت عائشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة فإنه قد بلغني الذي صنعوا بك قال فذبحهم و الله الزبير كما يذبح الغنم ولي ذلك منهم عبد الله ابنه و هم سبعون رجلا و بقيت منهم طائفة مستمسكين ببيت المال قالوا لا ندفعه إليكم حتى يقدم أمير المؤمنين فسار إليهم الزبير في جيش ليلا فأوقع بهم و أخذ منهم خمسين أسيرا فقتلهم صبرا.قال أبو مخنف فحدثنا الصقعب بن زهير قال كانت السبابجة القتلى يومئذ أربعمائة رجل قال فكان غدر طلحة و الزبير بعثمان بن حنيف أول غدر كان في الإسلام و كان السبابجة أول قوم ضربت أعناقهم من المسلمين صبرا قال و خيروا عثمان بن حنيف بين أن يقيم أو يلحق بعلي فاختار الرحيل فخلوا سبيله فلحق بعلي ع فلما رآه بكى و قال له فارقتك شيخا و جئتك أمرد فقال علي إنا لله و إنا إليه راجعون قالها ثلاثا.


قلت السبابجة لفظة معربة قد ذكرها الجوهري في كتاب الصحاح قال هم قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة و حراس السجن و الهاء للعجمة و النسب قال يزيد بن مفرغ الحميري:

و طماطيم من سبابيج خزر

يلبسوني مع الصباح القيودا

قال فلما بلغ حكيم بن جبلة ما صنع القوم بعثمان بن حنيف خرج في ثلاثمائة من عبد القيس مخالفا لهم و منابذا فخرجوا إليه و حملوا عائشة على جمل فسمي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر و يوم علي يوم الجمل الأكبر.و تجالد الفريقان بالسيوف فشد رجل من الأزد من عسكر عائشة على حكيم بن جبلة فضرب رجله فقطعها و وقع الأزدي عن فرسه فجثا حكيم فأخذ رجله فرمى بها الأزدي فصرعه ثم دب إليه فقتله متكئا عليه خانقا له حتى زهقت نفسه فمر بحكيم إنسان و هو يجود بنفسه فقال من فعل بك قال وسادي فنظر فإذا الأزدي تحته و كان حكيم شجاعا مذكورا.قال و قتل مع حكيم إخوة له ثلاثة و قتل أصحابه كلهم و هم ثلاثمائة من عبد القيس و القليل منهم من بكر بن وائل فلما صفت البصرة لطلحة و الزبير بعد قتل حكيم و أصحابه و طرد ابن حنيف عنهما اختلفا في الصلاة و أراد كل منهما أن يؤم بالناس و خاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما له و رضا بتقدمه فأصلحت بينهما عائشة بأن جعلت عبد الله بن الزبير و محمد بن طلحة يصليان بالناس هذا يوما و هذا يوما.قال أبو مخنف ثم دخلا بيت المال بالبصرة فلما رأوا ما فيه من الأموال قال الزبير( وَعَدَكُمُ اَللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ ) فنحن أحق


بها من أهل البصرة فأخذا ذلك المال كله فلما غلب علي ع رد تلك الأموال إلى بيت المال و قسمها في المسلمين.و قد ذكرنا فيما تقدم كيفية الوقعة و مقتل الزبير فارا عن الحرب خوفا أو توبة و نحن نقول إنها توبة و ذكرنا مقتل طلحة و الاستيلاء على أم المؤمنين و إحسان علي ع إليها و إلى من أسر في الحرب أو ظفر به بعدها

منافرة بين ولدي علي و طلحة

كان القاسم بن محمد بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي يلقب أبا بعرة ولي شرطة الكوفة لعيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كلم إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق ع بكلام خرجا فيه إلى المنافرة فقال القاسم بن محمد لم يزل فضلنا و إحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم و على بني عبد مناف كافة فقال إسماعيل أي فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف أغضب أبوك جدي بقوله ليموتن محمد و لنجولن بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا فأنزل الله تعالى مراغمة لأبيك( وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) و منع ابن عمك أمي حقها من فدك و غيرها من ميراث أبيها و أجلب أبوك على عثمان و حصره حتى قتل و نكث بيعة علي و شام السيف


في وجهه و أفسد قلوب المسلمين عليه فإن كان لبني عبد مناف قوم غير هؤلاء أسديتم إليهم إحسانا فعرفني من هم جعلت فداك

منافرة عبد الله بن الزبير و عبد الله بن العباس

و تزوج عبد الله بن الزبير أم عمرو ابنة منظور بن زبان الفزارية فلما دخل بها قال لها تلك الليلة أ تدرين من معك في حجلتك قالت نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى.قال ليس غير هذا قالت فما الذي تريد قال معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل بمنزلة العينين من الرأس قالت أما و الله لو أن بعض بني عبد مناف حضرك لقال لك خلاف قولك فغضب و قال الطعام و الشراب علي حرام حتى أحضرك الهاشميين و غيرهم من بني عبد مناف فلا يستطيعون لذلك إنكارا قالت إن أطعتني لم تفعل و أنت أعلم و شأنك.فخرج إلى المسجد فرأى حلقة فيها قوم من قريش منهم عبد الله بن العباس و عبد الله بن الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف فقال لهم ابن الزبير أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلي فقام القوم بأجمعهم حتى وقفوا على باب بيته فقال ابن الزبير يا هذه اطرحي عليك سترك فلما أخذوا مجالسهم دعا بالمائدة فتغذى القوم فلما فرغوا قال لهم إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة الستر و زعمت أنه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني لما أقر لي بما قلت و قد حضرتم جميعا و أنت يا ابن عباس ما تقول إني أخبرتها أن معها في خدرها من أصبح في قريش بمنزلة


الرأس من الجسد بل بمنزلة العينين من الرأس فردت علي مقالتي فقال ابن عباس أراك قصدت قصدي فإن شئت أن أقول قلت و إن شئت أن أكف كففت قال بل قل و ما عسى أن تقول أ لست تعلم أني ابن الزبير حواري رسول الله ص و أن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين و أن عمتي خديجة سيدة نساء العالمين و أن صفية عمة رسول الله ص جدتي و أن عائشة أم المؤمنين خالتي فهل تستطيع لهذا إنكارا.قال ابن عباس لقد ذكرت شرفا شريفا و فخرا فاخرا غير أنك تفاخر من بفخره فخرت و بفضله سموت قال و كيف ذلك قال لأنك لم تذكر فخرا إلا برسول الله ص و أنا أولى بالفخر به منك قال ابن الزبير لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة قال ابن عباس

قد أنصف القارة من راماها

نشدتكم الله أيها الحاضرون عبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش قالوا عبد المطلب قال أ فهاشم كان أشرف فيها أم أسد قالوا بل هاشم قال أ فعبد مناف أشرف أم عبد العزى قالوا عبد مناف فقال ابن عباس:

تنافرني يا ابن الزبير و قد قضى

عليك رسول الله لا قول هازل

و لو غيرنا يا ابن الزبير فخرته

و لكنما ساميت شمس الأصائل


قضى لنا رسول الله ص بالفضل في قوله ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب أ فنحن في فرقة الخير أم لا إن قلت نعم خصمت و إن قلت لا كفرت.فضحك بعض القوم فقال ابن الزبير أما و الله لو لا تحرمك بطعامنا يا ابن عباس لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك قال ابن عباس و لم أ بباطل فالباطل لا يغلب الحق أم بحق فالحق لا يخشى من الباطل.فقالت المرأة من وراء الستر إني و الله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلا ما ترون.فقال ابن عباس مه أيتها المرأة اقنعي ببعلك فما أعظم الخطر و ما أكرم الخبر فأخذ القوم بيد ابن عباس و كان قد عمي فقالوا انهض أيها الرجل فقد أفحمته غير مرة فنهض و قال:

ألا يا قومنا ارتحلوا و سيروا

فلو ترك القطا لغفا و ناما

فقال ابن الزبير يا صاحب القطاة أقبل علي فما كنت لتدعني حتى أقول و ايم الله لقد عرف الأقوام أني سابق غير مسبوق و ابن حواري و صديق متبجح في الشرف الأنيق خير من طليق.فقال ابن عباس دسعت بجرتك فلم تبق شيئا هذا الكلام مردود من امرئ حسود فإن كنت سابقا فإلى من سبقت و إن كنت فاخرا فبمن فخرت فإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا فالفخر لك علينا و إن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك و الكثكث في فمك و يديك و أما ما ذكرت


من الطليق فو الله لقد ابتلي فصبر و أنعم عليه فشكر و إن كان و الله لوفيا كريما غير ناقض بيعة بعد توكيدها و لا مسلم كتيبة بعد التأمر عليها.فقال ابن الزبير أ تعير الزبير بالجبن و الله إنك لتعلم منه خلاف ذلك.قال ابن عباس و الله إني لا أعلم إلا أنه فر و ما كر و حارب فما صبر و بايع فما تمم و قطع الرحم و أنكر الفضل و رام ما ليس له بأهل.

و أدرك منها بعض ما كان يرتجي

و قصر عن جري الكرام و بلدا

و ما كان إلا كالهجين أمامه

عناق فجاراه العناق فأجهدا

فقال ابن الزبير لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة و المضاربة.فقال عبد الله بن الحصين بن الحارث أقمناه عنك يا ابن الزبير و تأبى إلا منازعته و الله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك ما كنت إلا كالسغب الظمآن يفتح فاه يستزيد من الريح فلا يشبع من سغب و لا يروى من عطش فقل إن شئت أو فدع و انصرف القوم


174 و من خطبة له ع

أَمِينُ وَحْيِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ اَلنَّاسِ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اَللَّهِ فِيهِ فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اُسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ اَلْإِمَامَةُ لاَ تَنْعَقِدُ حَتَّى تَحْضُرَهَا عَامَّةُ اَلنَّاسِ مَا فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ أَلاَ وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ رَجُلاً اِدَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ اَلَّذِي عَلَيْهِ صدر الكلام في ذكر رسول الله ص و يتلوه فصول.أولها أن أحق الناس بالإمامة أقواهم عليها و أعلمهم بحكم الله فيها و هذا لا ينافي مذهب أصحابنا البغداديين في صحة إمامة المفضول لأنه ما قال إن إمامة غير الأقوى فاسدة و لكنه قال إن الأقوى أحق و أصحابنا لا ينكرون أنه ع أحق ممن تقدمه بالإمامة مع قولهم بصحة إمامة المتقدمين لأنه لا منافاة بين كونه أحق و بين صحة إمامة غيره.


فإن قلت أي فرق بين أقواهم عليه و أعلمهم بأمر الله فيه قلت أقواهم أحسنهم سياسة و أعلمهم بأمر الله أكثرهم علما و إجراء للتدبير بمقتضى العلم و بين الأمرين فرق واضح فقد يكون سائسا حاذقا و لا يكون عالما بالفقه و قد يكون سائسا فقيها و لا يجري التدبير على مقتضى علمه و فقهه.و ثانيها أن الإمامة لا يشترط في صحة انعقادها أن يحضرها الناس كافة لأنه لو كان ذلك مشترطا لأدى إلى ألا تنعقد إمامة أبدا لتعذر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض و لكنها تنعقد بعقد العلماء و أهل الحل و العقد الحاضرين ثم لا يجوز بعد عقدها لحاضريها أن يرجعوا من غير سبب يقتضي رجوعهم و لا يجوز لمن غاب عنها أن يختار غير من عقد له بل يكون محجوجا بعقد الحاضرين مكلفا طاعة الإمامة المعقود له و على هذا جرت الحال في خلافة أبي بكر و عمر و عثمان و انعقد إجماع المسلمين عليه و هذا الكلام تصريح بصحة مذهب أصحابنا في أن الاختيار طريق إلى الإمامة و مبطل لما تقوله الإمامية من دعوى النص عليه و من قولهم لا طريق إلى الإمامة سوى النص أو المعجز.و ثالثها أن الخارج على الإمام يستعتب أولا بالكلام و المراسلة فإن أبى قوتل و هذا هو نص الكتاب العزيز( وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى اَلْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اَللَّهِ ) .و رابعها أنه يقاتل أحد رجلين إما رجلا ادعى ما ليس له نحو أن يخرج على الإمام من يدعي الخلافة لنفسه و إما رجلا منع ما عليه نحو أن يخرج على الإمام رجل لا يدعي الخلافة و لكنه يمتنع من الطاعة فقط.فإن قلت الخارج على الإمام مدع الخلافة لنفسه مانع ما عليه أيضا لأنه قد امتنع من الطاعة فقد دخل أحد القسمين في الآخر.


قلت لما كان مدعي الخلافة قد اجتمع له أمران إيجابي و سلبي فالإيجابي دعواه الخلافة و السلبي امتناعه من الطاعة كان متميزا ممن لم يحصل له إلا القسم السلبي فقط و هو مانع الطاعة لا غير فكان الأحسن في فن علم البيان أن يشتمل اللفظ على التقسيم الحاضر للإيجاب و السلب فلذلك قال إما مدعيا ما ليس له أو مانعا ما هو عليه : أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى اَلْعِبَادُ بِهِ وَ خَيْرُ عَوَاقِبِ اَلْأُمُورِ عِنْدَ اَللَّهِ وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ اَلْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ اَلْقِبْلَةِ وَ لاَ يَحْمِلُ هَذَا اَلْعَلَمَ إِلاَّ أَهْلُ اَلْبَصَرِ وَ اَلصَّبْرِ وَ اَلْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ بِمَوَاضِعِ اَلْحَقِّ فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ وَ لاَ تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً أَلاَ وَ إِنَّ هَذِهِ اَلدُّنْيَا اَلَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِيكُمْ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لاَ مَنْزِلِكُمُ اَلَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لاَ اَلَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ أَلاَ وَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَ لاَ تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا وَ هِيَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى اَلدَّارِ اَلَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا وَ اِنْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا وَ لاَ يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ اَلْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا وَ اِسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ اَلْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اِسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْ‏ءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ


أَلاَ وَ إِنَّهُ لاَ يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْ‏ءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ أَخَذَ اَللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ اَلصَّبْرَ لم يكن المسلمون قبل حرب الجمل يعرفون كيفية قتال أهل القبلة و إنما تعلموا فقه ذلك من أمير المؤمنين ع.و قال الشافعي لو لا علي لما عرف شي‏ء من أحكام أهل البغي.قوله ع و لا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر و الصبر و ذلك لأن المسلمين عظم عندهم حرب أهل القبلة و أكبروه و من أقدم عندهم عليه أقدم على خوف و حذر فقال ع إن هذا العلم ليس يدركه كل أحد و إنما له قوم مخصوصون.ثم أمرهم بالمضي عند ما يأمرهم به و بالانتهاء عما ينهاهم عنه و نهاهم عن أن يعجلوا بالحكم على أمر ملتبس حتى يتبين و يتضح.ثم قال إن عندنا تغييرا لكل ما تنكرونه من الأمور حتى يثبت أنه يجب إنكارها و تغييرها أي لست كعثمان أصر على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغير كل ما ينكره المسلمون و يقتضي الحال و الشرع تغييره.ثم ذكر أن الدنيا التي تغضب الناس و ترضيهم و هي منتهى أمانيهم و رغبتهم ليست دارهم و إنما هي طريق إلى الدار الآخرة و مدة اللبث في ذلك الطريق يسيرة جدا.و قال إنها و إن كانت غرارة فإنها منذرة و محذرة لأبنائها بما رأوه من آثارها في


سلفهم و إخوتهم و أحبائهم و مناداتها على نفسها بأنها فاعلة بهم ما فعلت بأولئك من الفناء و فراق المألوف.قال فدعوا غرورها لتحذيرها و ذلك لأن جانب تحذيرها أولى بأن يعمل عليه من جانب غرورها لأن غرورها إنما هو بأمر سريع مع التصرم و الانقضاء و تحذيرها إنما هو لأمر جليل عظيم فإن الفناء المعجل محسوس و قد دل العقل و الشرائع كافة على أن بعد ذلك الفناء سعادة و شقاوة فينبغي للعاقل أن يحذر من تلك الشقاوة و يرغب في تلك السعادة و لا سبيل إلى ذلك إلا برفض غرور الدنيا على أنه لو لم يكن ذلك لكان الواجب على أهل اللب و البصيرة رفضها لأن الموجود منها خيال فإنه أشبه شي‏ء بأحلام المنام فالتمسك به و الإخلاد إليه حمق.و الخنين صوت يخرج من الأنف عند البكاء و أضافه إلى الأمة لأن الإماء كثيرا ما يضربن فيبكين و يسمع الخنين منهن و لأن الحرة تأنف من البكاء و الخنين و زوي قبض.ثم ذكر أنه لا يضر المكلف فوات قسط من الدنيا إذا حفظ قائمة دينه يعني القيام بالواجبات و الانتهاء عن المحظورات و لا ينفعه حصول الدنيا كلها بعد تضييعه دينه لأن ابتياع لذة متناهية بلذة غير متناهية يخرج اللذة المتناهية من باب كونها نفعا و يدخلها في باب المضار فكيف إذا انضاف إلى عدم اللذة غير المتناهية حصول مضار و عقوبات غير متناهية أعاذنا الله منها.


الفهرس

کتاب شرح نهج البلاغة الجزء التاسع ابن ابي الحديد 1

ذكر أطراف مما شجر بين علي و عثمان في أثناء خلافته 3

فصل فيما شجر بين عثمان و ابن عباس من الكلام بحضرة علي 18

أسباب المنافسة بين علي و عثمان 24

فصل في الاعتراض و إيراد مثل منه 42

من أخبار يوم الشورى و تولية عثمان 49

أقوال مأثورة في ذم الغيبة و الاستماع إلى المغتابين 60

حكم الغيبة في الدين 66

فصل في الأسباب الباعثة على الغيبة 69

طريق التوبة من الغيبة 71

الثواب و العقاب عند المسلمين و أهل الكتاب 79

اختلاف الفرق الإسلامية في كون الأئمة من قريش 87

يوم القادسية 96

يوم نهاوند 99

من أخبار يوم الجمل 111

مقتل طلحة و الزبير 113

أبحاث كلامية 147

عقيدة علي في عثمان و رأي المعتزلة في ذلك 153

ذكر الأحاديث و الأخبار الواردة في فضائل علي 166

فصل في ذكر بعض غرائب الطيور و ما فيها من عجائب 183

فصل في ترجمة عائشة و ذكر طرف من أخبارها 190

نبذ من الأخبار و الآثار الواردة في البعد عن زينة الدنيا 234


حديث عن إمرئ القيس 244

مباحث كلامية 253

موقف علي من قتلة عثمان 293

ذكر يوم الجمل و مسير عائشة إلى القتال 310

منافرة بين ولدي علي و طلحة 323

منافرة عبد الله بن الزبير و عبد الله بن العباس 324

الفهرس 333