کتاب شرح نهج البلاغة
الجزء الخامس عشر
ابن ابي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم و به ثقتي الحمد لله الواحد العدل
القول في أسماء الذين تعاقدوا من قريش على قتل رسول الله ص و ما أصابوه به في المعركة يوم الحرب
قال الواقدي تعاقد من قريش على قتل رسول الله ص عبد الله بن شهاب الزهري و ابن قميئة أحد بني الحارث بن فهر و عتبة بن أبي وقاص الزهري و أبي بن خلف الجمحي فلما أتى خالد بن الوليد من وراء المسلمين و اختلطت الصفوف و وضع المشركون السيف في المسلمين رمى عتبة بن أبي وقاص رسول الله ص بأربعة أحجار فكسر رباعيته و شجه في وجهه حتى غاب حلق المغفر في وجنتيه و أدمى شفتيه.قال الواقدي و قد روي أن عتبة أشظى باطن رباعيته السفلى قال و الثبت عندنا أن الذي رمى وجنتي رسول الله ص ابن قميئة و الذي رمى شفته و أصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.قال الواقدي أقبل ابن قميئة يومئذ و هو يقول دلوني على محمد فو الذي يحلف به لئن رأيته لأقتلنه فوصل إلى رسول الله ص فعلاه بالسيف و رماه عتبة
بن أبي وقاص في الحال التي جلله ابن قميئة فيها السيف و كان ع فارسا و هو لابس درعين مثقل بهما فوقع رسول الله ص عن الفرس في حفرة كانت أمامه.قال الواقدي أصيب ركبتاه جحشتا لما وقع في تلك الحفرة و كانت هناك حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين و كان رسول الله ص واقفا على بعضها و هو لا يشعر فجحشت ركبتاه و لم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهز الضربة بثقل السيف فقد وقع رسول الله ص ثم انتهض و طلحة يحمله من ورائه و علي ع آخذ بيديه حتى استوى قائما.قال الواقدي فحدثني الضحاك بن عثمان عن حمزة بن سعيد عن أبي بشر المازني قال حضرت يوم أحد و أنا غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول الله ص بالسيف و رأيت رسول الله ص وقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى توارى في الحفرة فجعلت أصيح و أنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا إليه.قال فأنظر إلى طلحة بن عبيد الله آخذا بحضنه حتى قام.قال الواقدي و يقال إن الذي شج رسول الله ص في جبهته ابن شهاب و الذي أشظى رباعيته و أدمى شفتيه عتبة بن أبي وقاص و الذي أدمى وجنتيه حتى غاب الحلق فيهما ابن قميئة و إنه سال الدم من الشجة التي في جبهته حتى أخضل لحيته
و كان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه و رسول الله ص يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى قوله( لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ... ) الآية
قال الواقدي و روى سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله ص يومئذ اشتد غضب الله على قوم دموا فا رسول الله ص اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله ص قال سعد فلقد شفاني من عتبة أخي دعاء رسول الله ص و لقد حرصت على قتله حرصا ما حرصت على شيء قط و إن كان ما علمت لعاقا بالوالد سيئ الخلق و لقد تخرقت صفوف المشركين مرتين أطلب أخي لأقتله و لكنه راغ مني روغان الثعلب فلما كان الثالثة قال رسول الله ص يا عبد الله ما تريد أ تريد أن تقتل نفسك فكففت فقال رسول الله ص اللهم لا تحولن الحول على أحد منهم قال سعد فو الله ما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرحه مات عتبة و أما ابن قميئة فاختلف فيه فقائل يقول قتل في المعرك و قائل يقول إنه رمي بسهم في ذلك اليوم فأصاب مصعب بن عمير فقتله فقال خذها و أنا ابن قميئة فقال رسول الله ص أقمأه الله فعمد إلى شاة يحتلبها فتنطحه بقرنها و هو معتلقها فقتلته فوجد ميتا بين الجبال لدعوة رسول الله ص و كان عدو الله رجع إلى أصحابه فأخبرهم أنه قتل محمدا.قال و ابن قميئة رجل من بني الأدرم من بني فهر.و زاد البلاذري في الجماعة التي تعاهدت و تعاقدت على قتل رسول الله ص يوم أحد عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي.قال و ابن شهاب الذي شج رسول الله ص في جبهته هو عبد الله
بن شهاب الزهري جد الفقيه المحدث محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب و كان ابن قميئة أدرم ناقص الذقن و لم يذكر اسمه و لا ذكره الواقدي أيضا.قلت سألت النقيب أبا جعفر عن اسمه فقال عمرو فقلت له أ هو عمرو بن قميئة الشاعر قال لا هو غيره فقلت له ما بال بني زهرة في هذا اليوم فعلوا الأفاعيل برسول الله ص و هم أخواله ابن شهاب و عتبة بن أبي وقاص فقال يا ابن أخي حركهم أبو سفيان و هاجهم على الشر لأنهم رجعوا يوم بدر من الطريق إلى مكة فلم يشهدوها فاعترض عيرهم و منعهم عنها و أغرى بها سفهاء أهل مكة فعيروهم برجوعهم و نسبوهم إلى الجبن و إلى الإدهان في أمر محمد ص و اتفق أنه كان فيهم مثل هذين الرجلين فوقع منهما يوم أحد ما وقع.قال البلاذري مات عتبة يوم أحد من وجع أليم أصابه فتعذب به و أصيب ابن قميئة في المعركة و قيل نطحته عنز فمات.قال و لم يذكر الواقدي ابن شهاب كيف مات و أحسب ذلك بالوهم منه.قال و حدثني بعض قريش أن أفعى نهشت عبد الله بن شهاب في طريقه إلى مكة فمات قال و سألت بعض بني زهرة عن خبره فأنكروا أن يكون رسول الله ص دعا عليه أو يكون شج رسول الله ص و قالوا إن الذي شجه في وجهه عبد الله بن حميد الأسدي.فأما عبد الله بن حميد الفهري فإن الواقدي و إن لم يذكره في الجماعة الذين
تعاقدوا على قتل رسول الله ص إلا أنه قد ذكر كيفية قتله.قال الواقدي و يقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى رسول الله ص على تلك الحال يعني سقوطه من ضربة ابن قميئة يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول أنا ابن زهير دلوني على محمد فو الله لأقتلنه أو لأموتن دونه فتعرض له أبو دجانة فقال هلم إلى من يقي نفس محمد ص بنفسه فضرب فرسه فعرقبها فاكتسعت ثم علاه بالسيف و هو يقول خذها و أنا ابن خرشة حتى قتله
و رسول الله ص ينظر إليه و يقول اللهم ارض عن ابن خرشة كما أنا عنه راض هذه رواية الواقدي و بها قال البلاذري إن عبد الله بن حميد قتله أبو دجانة.فأما محمد بن إسحاق فقال إن الذي قتل عبد الله بن حميد علي بن أبي طالب ع و به قالت الشيعة.و روى الواقدي و البلاذري أن قوما قالوا إن عبد الله بن حميد هذا قتل يوم بدر.فالأول الصحيح أنه قتل يوم أحد و قد روى كثير من المحدثين أن رسول الله ص قال لعلي ع حين سقط ثم أقيم اكفني هؤلاء لجماعة قصدت نحوه فحمل عليهم فهزمهم و قتل منهم عبد الله بن حميد من بني أسد بن عبد العزى ثم حملت عليه طائفة أخرى فقال له اكفني هؤلاء فحمل عليهم فانهزموا من بين يديه و قتل منهم أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.قال فأما أبي بن خلف فروى الواقدي أنه أقبل يركض فرسه حتى إذا دنا من رسول الله ص اعترض له ناس من أصحابه ليقتلوه فقال لهم استأخروا
عنه ثم قام إليه و حربته في يده فرماه بها بين سابغة البيضة و الدرع فطعنه هناك فوقع عن فرسه فانكسر ضلع من أضلاعه و احتمله قوم من المشركين ثقيلا حتى ولوا قافلين فمات في الطريق و قال و فيه أنزلت( وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اَللَّهَ رَمى ) قال يعني قذفه إياه بالحربة قال الواقدي و حدثني يونس بن محمد الظفري عن عاصم بن عمر عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال كان أبي بن خلف قدم في فداء ابنه و كان أسر يوم بدر فقال يا محمد إن عندي فرسا لي أعلفها فرقا من ذرة كل يوم لأقتلك عليها فقال رسول الله ص بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله تعالى.و يقال إن أبيا إنما قال ذلك بمكة فبلغ رسول الله ص بالمدينة كلمته فقال بل أنا أقتله عليها إن شاء الله قال و كان رسول الله ص في القتال لا يلتفت وراءه فكان يوم أحد يقول لأصحابه إني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي فإذا رأيتموه فآذنوني و إذا بأبي يركض على فرسه و قد رأى رسول الله ص فعرفه فجعل يصيح بأعلى صوته يا محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله ما كنت صانعا حين يغشاك أبي فاصنع فقد جاءك و إن شئت عطف عليه بعضنا فأبى رسول الله ص و دنا أبي فتناول رسول الله ص الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتفض كما ينتفض البعير قال فتطايرنا
عنه تطاير الشعارير و لم يكن أحد يشبه رسول الله ص إذا جد الجد ثم طعنه بالحربة في عنقه و هو على فرسه لم يسقط إلا أنه خار كما يخور الثور فقال له أصحابه أبا عامر و الله ما بك بأس و لو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره قال و اللات و العزى لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا كلهم أجمعون أ ليس قال لأقتلنه فاحتملوه و شغلهم ذلك عن طلب رسول الله ص حتى التحق بعظم أصحابه في الشعب.قال الواقدي و يقال إنه تناول الحربة من الزبير بن العوام قال و يقال إنه لما تناول الحربة من الزبير حمل أبي على رسول الله ص ليضربه بالسيف فاستقبله مصعب بن عمير حائلا بنفسه بينهما و إن مصعبا ضرب بالسيف أبيا في وجهه و أبصر رسول الله ص فرجة من بين سابغة البيضة و الدرع فطعنه هناك فوقع و هو يخور.قال الواقدي و كان عبد الله بن عمر يقول مات أبي بن خلف ببطن رابغ منصرفهم إلى مكة قال فإني لأسير ببطن رابغ بعد ذلك و قد مضى هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها و إذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش و إذا رجل يقول لا تسقه فإن هذا قتيل رسول الله ص هذا أبي بن خلف فقلت ألا سحقا و يقال إنه مات بسرف
قال الواقدي حدثني الزبير بن سعيد عن عبد الله بن الفضل قال أعطى رسول الله ص مصعب بن عمير اللواء فقتل فأخذه ملك في صورة مصعب فجعل رسول الله ص يقول له في آخر النهار تقدم يا مصعب فالتفت إليه الملك فقال لست بمصعب فعرف رسول الله ص أنه ملك أيد به.قال الواقدي سمعت أبا معشر يقول مثل ذلك.قال و حدثتني عبيدة بنت نائل عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عنه قال لقد رأيتني أرمى بالسهم يومئذ فيرده عني رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه حتى كان بعد فظننت أنه ملك.قال الواقدي و حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده سعد بن أبي وقاص قال رأيت ذلك اليوم رجلين عليهما ثياب بيض أحدهما عن يمين رسول الله ص و الآخر عن شماله يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل و لا بعد قال و حدثني عبد الملك بن سليمان عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير قال لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا يقولون لم نر الخيل البلق و لا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر.قال و قال عبيد بن عمير لم تقاتل الملائكة يوم أحد.قال الواقدي و حدثني ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عمر بن الحكم قال لم يمد رسول الله ص يوم أحد بملك واحد و إنما كانوا يوم بدر قال و مثله عن عكرمة.
قال و قال مجاهد حضرت الملائكة يوم أحد و لم تقاتل و إنما قاتلت يوم بدر.قال و روي عن أبي هريرة أنه قال وعدهم الله أن يمدهم لو صبروا فلما انكشفوا لم تقاتل الملائكة يومئذ
قال الواقدي كان وحشي عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف و يقال كان لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالت له ابنة الحارث إن أبي قتل يوم بدر فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنت حر محمد و علي بن أبي طالب و حمزة بن عبد المطلب فإني لا أرى في القوم كفؤا لأبي غيرهم فقال وحشي أما محمد فقد علمت أني لا أقدر عليه و أن أصحابه لن يسلموه و أما حمزة فو الله لو وجدته نائما ما أيقظته من هيبته و أما علي فألتمسه قال وحشي فكنت يوم أحد ألتمسه فبينا أنا في طلبه طلع علي فطلع رجل حذر مرس كثير الالتفات فقلت ما هذا بصاحبي الذي ألتمس إذ رأيت حمزة يفري الناس فريا فكمنت له إلى صخرة و هو مكبس له كتيت فاعترض له سباع ابن أم نيار و كانت أمه ختانة بمكة مولاة لشريف بن علاج بن عمرو بن وهب الثقفي و كان سباع يكنى أبا نيار فقال له حمزة و أنت أيضا يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علينا هلم إلي فاحتمله حتى إذا برقت قدماه رمى به فبرك عليه فشحطه شحط الشاة ثم أقبل علي مكبا حين رآني فلما
بلغ المسيل وطئ على جرف فزلت قدمه فهززت حربتي حتى رضيت منها فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته و كر عليه طائفة من أصحابه فأسمعهم يقولون أبا عمارة فلا يجيب فقلت قد و الله مات الرجل و ذكرت هندا و ما لقيت على أبيها و عمها و أخيها و انكشف عنه أصحابه حين أيقنوا بموته و لا يروني فأكر عليه فشققت بطنه فاستخرجت كبده فجئت بها إلى هند بنت عتبة فقلت ما ذا لي إن قتلت قاتل أبيك قالت سلني فقلت هذه كبد حمزة فمضغتها ثم لفظتها فلا أدري لم تسغها أو قذرتها فنزعت ثيابها و حليها فأعطتنيه ثم قالت إذا جئت مكة فلك عشرة دنانير ثم قالت أرني مصرعه فأريتها مصرعه فقطعت مذاكيره و جدعت أنفه و قطعت أذنيه ثم جعلت ذلك مسكتين و معضدين و خدمتين حتى قدمت بذلك مكة و قدمت بكبده أيضا معها.قال الواقدي و حدثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان فمررنا بحمص بعد العصر فقلنا وحشي فقيل لا تقدرون عليه هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح فبتنا من أجله و إننا لثمانون رجلا فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله فإذا شيخ كبير قد طرحت له زربية قدر مجلسه فقلنا له أخبرنا عن قتل حمزة و عن قتل مسيلمة فكره ذلك و أعرض عنه فقلنا ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك فقال إني كنت عبدا لجبير بن مطعم بن عدي فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر فلم تزل نساؤنا في حزن
شديد إلى يومي هذا فإن قتلت حمزة فأنت حر فخرجت مع الناس و لي مزاريق كنت أمر بهند بنت عتبة فتقول إيه أبا دسمة اشف و اشتف فلما وردنا أحدا نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدهم هدا فرآني و قد كمنت له تحت شجرة فأقبل نحوي و تعرض له سباع الخزاعي فأقبل إليه و قال و أنت أيضا يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علينا هلم إلي و أقبل نحوه حتى رأيت برقان رجليه ثم ضرب به الأرض و قتله و أقبل نحوي سريعا فيعترض له جرف فيقع فيه و أزرقه بمزراق فيقع في لبته حتى خرج من بين رجليه فقتله و مررت بهند بنت عتبة فآذنتها فأعطتني ثيابها و حليها و كان في ساقيها خدمتان من جزع ظفار و مسكتان من ورق و خواتيم من ورق كن في أصابع رجليها فأعطتني بكل ذلك و أما مسيلمة فإنا دخلنا حديقة الموت يوم اليمامة فلما رأيته زرقته بالمزراق و ضربه رجل من الأنصار بالسيف فربك أعلم أينا قتله إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق جدار قتله العبد الحبشي قال عبيد الله فقلت أ تعرفني فأكر بصره علي و قال ابن عدي لعاتكة بنت العيص قلت نعم قال أما و الله ما لي بك عهد بعد أن دفعتك إلى أمك في محفتك التي كانت ترضعك فيها و نظرت إلى برقان قدميك حتى كأنه الآن.و روى محمد بن إسحاق في كتاب المغازي قال علت هند يومئذ صخرة مشرفة و صرخت بأعلى صوتها :
نحن جزيناكم بيوم بدر |
و الحرب بعد الحرب ذات سعر |
|
ما كان عن عتبة لي من صبر |
و لا أخي و عمه و بكري |
|
شفيت نفسي و قضيت نذري |
شفيت وحشي غليل صدري |
فشكر وحشي على عمري |
حتى ترم أعظمي في قبري |
قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن المطلب بن عبد مناف :
خزيت في بدر و غير بدر |
يا بنت غدار عظيم الكفر |
|
أفحمك الله غداة الفجر |
بالهاشميين الطوال الزهر |
|
بكل قطاع حسام يفري |
حمزة ليثي و علي صقري |
|
إذ رام شيب و أبوك قهري |
فخضبا منه ضواحي النحر |
قال محمد بن إسحاق و من الشعر الذي ارتجزت به هند بنت عتبة يوم أحد :
شفيت من حمزة نفسي بأحد |
حين بقرت بطنه عن الكبد |
|
أذهب عني ذاك ما كنت أجد |
من لوعة الحزن الشديد المعتمد |
|
و الحرب تعلوكم بشؤبوب برد |
نقدم إقداما عليكم كالأسد |
قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان قال حدثت أن عمر بن الخطاب قال لحسان يا أبا الفريعة لو سمعت ما تقول هند و لو رأيت شرها قائمة على صخرة ترتجز بنا و تذكر ما صنعت بحمزة فقال حسان و الله إني لأنظر إلى الحربة تهوي و أنا على فارع يعني أطمة فقلت و الله إن هذه لسلاح ليس بسلاح العرب و إذا بها تهوي إلى حمزة و لا أدري و لكن أسمعني بعض قولها أكفيكموها فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجوها :
أشرت لكاع و كان عادتها |
لؤما إذا أشرت مع الكفر |
أخرجت مرقصة إلى أحد |
في القوم مقتبة على بكر |
|
بكر ثفال لا حراك به |
لا عن معاتبة و لا زجر |
|
أخرجت ثائرة محاربة |
بأبيك و ابنك بعد في بدر |
|
و بعمك المتروك منجدلا |
و أخيك منعفرين في الجفر |
|
فرجعت صاغرة بلا ترة |
منا ظفرت بها و لا وتر |
و قال أيضا يهجوها :
لمن سواقط ولدان مطرحة |
باتت تفحص في بطحاء أجياد |
|
باتت تمخض لم تشهد قوابلها |
إلا الوحوش و إلا جنة الوادي |
|
يظل يرجمه الصبيان منعفرا |
و خاله و أبوه سيدا النادي |
في أبيات كرهت ذكرها لفحشها.قال و روى الواقدي عن صفية بنت عبد المطلب قالت كنا قد رفعنا يوم أحد في الآطام و معنا حسان بن ثابت و كان من أجبن الناس و نحن في فارع فجاء نفر من يهود يرومون الأطم فقلت دونك يا ابن الفريعة فقال لا و الله لا أستطيع القتال و يصعد يهودي إلى الأطم فقلت شد على يدي السيف ثم برئت ففعل فضربت
عنق اليهودي و رميت برأسه إليهم فلما رأوه انكشفوا قالت و إني لفي فارع أول النهار مشرفة على الأطم فرأيت المزراق فقلت أ و من سلاحهم المزاريق أ فلا أراه هوى إلى أخي و لا أشعر ثم خرجت آخر النهار حتى جئت رسول الله ص و قد كنت أعرف انكشاف المسلمين و أنا على الأطم برجوع حسان إلى أقصى الأطم فلما رأى الدولة للمسلمين أقبل حتى وقف على جدار الأطم قال فلما انتهيت إلى رسول الله ص و معي نسوة من الأنصار لقيته و أصحابه أوزاع فأول من لقيت علي ابن أخي فقال ارجعي يا عمة فإن في الناس تكشفا فقلت رسول الله ص قال صالح قلت ادللني عليه حتى أراه فأشار إليه إشارة خفية فانتهيت إليه و به الجراحة.
قال الواقدي و كان رسول الله ص يقول يوم أحد ما فعل عمي ما فعل عمي فخرج الحارث بن الصمة يطلبه فأبطأ فخرج علي ع يطلبه فيقول:
يا رب إن الحارث بن الصمة |
كان رفيقا و بنا ذا ذمة |
|
قد ضل في مهامة مهمة |
يلتمس الجنة فيها ثمة |
حتى انتهى إلى الحارث و وجد حمزة مقتولا فجاء فأخبر النبي ص فأقبل يمشي حتى وقف عليه فقال ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا الموقف.فطلعت صفية فقال يا زبير أغن عني أمك و حمزة يحفر له فقال الزبير يا أمه إن في الناس تكشفا فارجعي فقالت ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول الله ص فلما رأته قالت يا رسول الله أين ابن أمي حمزة فقال هو في الناس قالت لا أرجع حتى أنظر إليه قال الزبير فجعلت أطدها إلى الأرض حتى دفن و قال رسول الله
ص لو لا أن تحزن نساؤنا لذلك لتركناه للعافية يعني السباع و الطير حتى يحشر يوم القيامة من بطونها و حواصلها.قال الواقدي و روي أن صفية لما جاءت حالت الأنصار بينها و بين رسول الله ص فقال دعوها فجلست عنده فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله ص و إذا نشجت ينشج رسول الله ص و جعلت فاطمة ع تبكي فلما بكت بكى رسول الله ص ثم قال لن أصاب بمثل حمزة أبدا
ثم قال ص لصفية و فاطمة أبشرا أتاني جبرائيل ع فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله
قال الواقدي و رأى رسول الله ص بحمزة مثلا شديدا فحزنه ذلك و قال إن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم فأنزل الله عليه( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) فقال ص بل نصبر فلم يمثل بأحد من قريش
قال الواقدي و قام أبو قتادة الأنصاري فجعل ينال من قريش لما رأى من غم رسول الله ص و في كل ذلك يشير إليه أن اجلس ثلاثا فقال رسول الله ص يا أبا قتادة إن قريشا أهل أمانة من بغاهم العواثر كبه الله لفيه و عسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم و فعالك مع فعالهم
لو لا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى فقال أبو قتادة و الله يا رسول الله ما غضبت إلا لله و رسوله حين نالوا منه ما نالوا فقال صدقت بئس القوم كانوا لنبيهم.قال الواقدي و كان عبد الله بن جحش قبل أن تقع الحرب قال يا رسول الله إن هؤلاء القوم قد نزلوا بحيث ترى فقد سألت الله فقلت اللهم أقسم عليك أن نلقى العدو غدا فيقتلوني و يبقروا بطني و يمثلوا بي فتقول لي فيم صنع بك هذا فأقول فيك قال و أنا أسألك يا رسول الله أخرى أن تلي تركتي من بعدي فقال له نعم فخرج عبد الله فقتل و مثل به كل المثل و دفن هو و حمزة في قبر واحد و ولي تركته رسول الله ص فاشترى لأمه مالا بخيبر.قال الواقدي و أقبلت أخته حمنة بنت جحش فقال لها رسول الله ص يا حمن احتسبي قالت من يا رسول الله قال خالك حمزة قالت( إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) غفر الله له و رحمه و هنيئا له الشهادة ثم قال لها احتسبي قالت من يا رسول الله قال أخوك عبد الله قالت( إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) غفر الله له و رحمه و هنيئا له الشهادة ثم قال احتسبي قالت من يا رسول قال بعلك مصعب بن عمير فقالت وا حزناه و يقال إنها قالت وا عقراه.قال محمد بن إسحاق في كتابه فصرخت و ولولت
قال الواقدي فقال رسول الله ص إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد و هكذا روى ابن إسحاق أيضا.قال الواقدي ثم قال لها رسول الله ص لم قلت هذا قالت ذكرت يتم بنيه فراعني فدعا رسول الله ص لولده أن يحسن الله عليهم الخلف
فتزوجت طلحة بن عبيد الله فولدت منه محمد بن طلحة فكان أوصل الناس لولد مصعب بن عمير
قال الواقدي حدثني موسى بن يعقوب عن عمته عن أمها عن المقداد قال لما تصاف القوم للقتال يوم أحد جلس رسول الله ص تحت راية مصعب بن عمير فلما قتل أصحاب اللواء و هزم المشركون الهزيمة الأولى و أغار المسلمون على معسكرهم ينهبونه ثم كر المشركون على المسلمين فأتوهم من خلفهم فتفرق الناس و نادى رسول الله ص في أصحاب الألوية فقتل مصعب بن عمير حامل لوائه ص و أخذ راية الخزرج سعد بن عبادة فقام رسول الله ص تحتها و أصحابه محدقون به و دفع لواء المهاجرين إلى أبي الردم أحد بني عبد الدار آخر نهار ذلك اليوم و نظرت إلى لواء الأوس مع أسيد بن حضير فناوشوا المشركين ساعة و اقتتلوا على اختلاط من الصفوف و نادى المشركون بشعارهم يا للعزى يا لهبل فأوجعوا و الله فينا قتلا ذريعا و نالوا من رسول الله ص ما نالوا لا و الذي بعثه بالحق ما زال شبرا واحدا إنه لفي وجه العدو و تثوب إليه طائفة من أصحابه مرة و تتفرق عنه مرة فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه أو يرمي بالحجر حتى تحاجزوا و كانت العصابة التي ثبتت مع رسول الله ص أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين و سبعة من الأنصار أما المهاجرون فعلي ع و أبو بكر و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيد الله و أبو عبيدة بن الجراح و الزبير بن العوام
و أما الأنصار فالحباب بن المنذر و أبو دجانة و عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح و الحارث بن الصمة و سهل بن حنيف و سعد بن معاذ و أسيد بن حضير.قال الواقدي و قد روي أن سعد بن عبادة و محمد بن مسلمة ثبتا يومئذ و لم يفرا و من روى ذلك جعلهما مكان سعد بن معاذ و أسيد بن حضير.قال الواقدي و بايعه يومئذ على الموت ثمانية ثلاثة من المهاجرين و خمسة من الأنصار فأما المهاجرون فعلي ع و طلحة و الزبير و أما الأنصار فأبو دجانة و الحارث بن الصمة و الحباب بن المنذر و عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف و لم يقتل منهم ذلك اليوم أحد و أما باقي المسلمين ففروا و رسول الله ص يدعوهم في أخراهم حتى انتهى منهم إلى قريب من المهراس.قال الواقدي و حدثني عتبة بن جبير عن يعقوب بن عمير بن قتادة قال ثبت يومئذ بين يديه ثلاثون رجلا كلهم يقول وجهي دون وجهك و نفسي دون نفسك و عليك السلام غير مودع.قلت قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت فالواقدي ذكر أنه لم يثبت و أما محمد بن إسحاق و البلاذري فجعلاه مع من ثبت و لم يفر و اتفقوا كلهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح و قال إنها نعمة مشكورة يا ابن الخطاب إني آليت ألا أقتل رجلا من قريش.و روى ذلك محمد بن إسحاق و غيره و لم يختلفوا في ذلك و إنما اختلفوا هل قرعه بالرمح و هو فار هارب أم مقدم ثابت و الذين رووا أنه قرعه بالرمح و هو هارب لم يقل
أحد منهم إنه هرب حين هرب عثمان و لا إلى الجهة التي فر إليها عثمان و إنما هرب معتصما بالجبل و هذا ليس بعيب و لا ذنب لأن الذين ثبتوا مع رسول الله ص اعتصموا بالجبل كلهم و أصعدوا فيه و لكن يبقى الفرق بين من أصعد في الجبل في آخر الأمر و من أصعد فيه و الحرب لم تضع أوزارها فإن كان عمر أصعد فيه آخر الأمر فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى رسول الله ص و إن كان ذلك و الحرب قائمة بعد تفرق.و لم يختلف الرواة من أهل الحديث في أن أبا بكر لم يفر يومئذ و أنه ثبت فيمن ثبت و إن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال و الثبوت جهاد و فيه وحده كفاية.و أما رواة الشيعة فإنهم يروون أنه لم يثبت إلا علي و طلحة و الزبير و أبو دجانة و سهل بن حنيف و عاصم بن ثابت و منهم من روى أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار و لا يعدون أبا بكر و عمر منهم روى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول الله ص فسأله إلى أين انتهيت فقال إلى الأعرض فقال لقد ذهبت فيها عريضة.روى الواقدي قال كان بين عثمان أيام خلافته و بين عبد الرحمن بن عوف كلام فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عقبة فدعاه فقال اذهب إلى أخيك فأبلغه عني ما أقول لك فإني لا أعلم أحدا يبلغه غيرك قال الوليد أفعل قال قل له يقول لك عبد الرحمن شهدت بدرا و لم تشهدها و ثبت يوم أحد و وليت و شهدت بيعة الرضوان و لم تشهدها فلما أخبره قال عثمان صدق أخي تخلفت عن بدر على ابنة رسول الله ص و هي مريضة فضرب لي رسول الله ص بسهمي و أجري فكنت بمنزلة من
حضر بدرا و وليت يوم أحد فعفا الله عني في محكم كتابه و أما بيعة الرضوان فإني خرجت إلي أهل مكة بعثني رسول الله ص و قال إن عثمان في طاعة الله و طاعة رسوله و بايع عني بإحدى يديه على الأخرى فكان شمال النبي خيرا من يميني فلما جاء الوليد إلى عبد الرحمن بما قال قال صدق أخي.قال الواقدي و نظر عمر إلى عثمان بن عفان فقال هذا ممن عفا الله عنه و هم الذين تولوا يوم التقى الجمعان و الله ما عفا الله عن شيء فرده قال و سأل رجل عبد الله بن عمر عن عثمان فقال أذنب يوم أحد ذنبا عظيما فعفا الله عنه و أذنب فيكم ذنبا صغيرا فقتلتموه و احتج من روى أن عمر فر يوم أحد بما روى أنه جاءته في أيام خلافته امرأة تطلب بردا من برود كانت بين يديه و جاءت معها بنت لعمر تطلب بردا أيضا فأعطى المرأة و رد ابنته فقيل له في ذلك فقال إن أبا هذه ثبت يوم أحد و أبا هذه فر يوم أحد و لم يثبت.و روى الواقدي أن عمر كان يحدث فيقول لما صاح الشيطان قتل محمد قلت أرقى في الجبل كأني أروية و جعل بعضهم هذا حجة في إثبات فرار عمر و عندي أنه ليس بحجة لأن تمام الخبر فانتهيت إلى رسول الله ص و هو يقول( وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ ) الآية و أبو سفيان في سفح الجبل في كتيبته يرومون أن يعلوا الجبل فقال رسول الله ص اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا فانكشفوا و هذا يدل على أن رقيه في الجبل قد كان بعد إصعاد رسول الله ص فيه و هذا بأن يكون منقبة له أشبه.و روى الواقدي قال حدثني ابن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم اسم أبي جهم عبيد قال كان خالد بن الوليد يحدث و هو بالشام فيقول الحمد لله
الذي هداني للإسلام لقد رأيتني و رأيت عمر بن الخطاب حين جال المسلمون و انهزموا يوم أحد و ما معه أحد و إني لفي كتيبة خشناء فما عرفه منهم أحد غيري و خشيت إن أغريت به من معي أن يصمدوا له فنظرت إليه و هو متوجه إلى الشعب قلت يجوز أن يكون هذا حقا و لا خلاف أنه توجه إلى الشعب تاركا للحرب لكن يجوز أن يكون ذلك في آخر الأمر لما يئس المسلمون من النصرة فكلهم توجه نحو الشعب حينئذ و أيضا فإن خالدا متهم في حق عمر بن الخطاب لما كان بينه و بينه من الشحناء و الشنئان فليس بمنكر من خالد أن ينعى عليه حركاته و يؤكد صحة هذا الخبر و كون خالد عف عن قتل عمر يومئذ ما هو معلوم من حال النسب بينهما من قبل الأم فإن أم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة و خالد هو ابن الوليد بن المغيرة فأم عمر ابنة عم خالد لحا و الرحم تعطف.حضرت عند محمد بن معد العلوي الموسوي الفقيه على رأى الشيعة الإماميةرحمهالله في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة ثمان و ستمائة و قارئ يقرأ عنده مغازي الواقدي فقرأ حدثنا الواقدي قال حدثني ابن أبي سبرة عن خالد بن رياح عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد قال سمعت محمد بن مسلمة يقول سمعت أذناي و أبصرت عيناي رسول الله ص يقول يوم أحد و قد انكشف الناس إلى الجبل و هو يدعوهم و هم لا يلوون عليه سمعته يقول إلي يا فلان إلي يا فلان أنا رسول الله فما عرج عليه واحد منهما و مضيا فأشار ابن معد إلي أن اسمع فقلت و ما في هذا قال هذه كناية عنهما فقلت و يجوز ألا يكون عنهما لعله عن غيرهما قال ليس في الصحابة من
يحتشم و يستحيا من ذكره بالفرار و ما شابهه من العيب فيضطر القائل إلى الكناية إلا هما قلت له هذا وهم فقال دعنا من جدلك و منعك ثم حلف أنه ما عنى الواقدي غيرهما و أنه لو كان غيرهما لذكره صريحا و بان في وجهه التنكر من مخالفتي له.روى الواقدي قال لما صاح إبليس أن محمدا قد قتل تفرق الناس فمنهم من ورد المدينة فكان أول من وردها يخبر أن محمدا قد قتل سعد بن عثمان أبو عبادة ثم ورد بعده رجال حتى دخلوا على نسائهم حتى جعل النساء يقلن أ عن رسول الله تفرون و يقول لهم ابن أم مكتوم أ عن رسول الله تفرون يؤنب بهم و قد كان رسول الله ص خلفه بالمدينة يصلي بالناس ثم قال دلوني على الطريق يعني طريق أحد فدلوه فجعل يستخبر كل من لقي في الطريق حتى لحق القوم فعلم بسلامة النبي ص ثم رجع و كان ممن ولى عمر و عثمان و الحارث بن حاطب و ثعلبة بن حاطب و سواد بن غزية و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان و خارجة بن عمر بلغ ملل و أوس بن قيظى في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة و لقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب و تقول لبعضهم هاك المغزل فاغزل به و هلم و احتج من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحديبية قال قال عمر يومئذ يا رسول الله أ لم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام و تأخذ مفتاح الكعبة و تعرف مع المعرفين و هدينا لم يصل إلى البيت و لا نحر فقال رسول الله ص أ قلت لكم في سفركم هذا قال عمر لا قال أما إنكم ستدخلونه و آخذ مفتاح الكعبة و أحلق رأسي و رءوسكم ببطن مكة و أعرف مع المعرفين ثم أقبل على عمر و قال أ نسيتم يوم
أحد( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ) و أنا أدعوكم في أخراكم أ نسيتم يوم الأحزاب( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ اَلْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَناجِرَ ) أ نسيتم يوم كذا و جعل يذكرهم أمورا أ نسيتم يوم كذا فقال المسلمون صدق الله و صدق رسوله أنت يا رسول الله أعلم بالله منا فلما دخل عام القضية و حلق رأسه قال هذا الذي كنت وعدتكم به فلما كان يوم الفتح و أخذ مفتاح الكعبة قال ادعوا إلي عمر بن الخطاب فجاء فقال هذا الذي كنت قلت لكم قالوا فلو لم يكن فر يوم أحد لما قال له أ نسيتم يوم أحد إذ تصعدون و لا تلوون
قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال لما صاح الشيطان لعنه الله أن محمدا قد قتل يحزنهم بذلك تفرقوا في كل وجه و جعل الناس يمرون على النبي ص لا يلوي عليه أحد منهم و رسول الله يدعوهم في أخراهم حتى انتهت هزيمة قوم منهم إلى المهراس فتوجه رسول الله ص يريد أصحابه في الشعب فانتهى إلى الشعب و أصحابه في الجبل أوزاع يذكرون مقتل من قتل منهم و يذكرون ما جاءهم عن رسول الله ص قال كعب بن مالك فكنت أول من عرفه و عليه المغفر فجعلت أصيح و أنا في الشعب هذا رسول الله ص حي فجعل يومئ إلي بيده على فيه أي اسكت ثم دعا بلأمتي فلبسها و نزع لأمته.قال الواقدي طلع رسول الله ص على أصحابه في الشعب بين السعدين
سعد بن عبادة و سعد بن معاذ يتكفأ في الدرع و كان إذا مشى تكفأ تكفؤا و يقال إنه كان يتوكأ على طلحة بن عبيد الله.قال الواقدي و ما صلى يومئذ الظهر إلا جالسا للجرح الذي كان أصابه.قال الواقدي و قد كان طلحة قال له إن بي قوة فقم لأحملك فحمله حتى انتهى إلى الصخرة التي على فم شعب الجبل فلم يزل يحمله حتى رفعه عليها ثم مضى إلى أصحابه و معه النفر الذين ثبتوا معه فلما نظر المسلمون إليهم ظنوهم قريشا فجعلوا يولون في الشعب هاربين منهم ثم جعل أبو دجانة يليح إليهم بعمامة حمراء على رأسه فعرفوه فرجعوا أو بعضهم.قال الواقدي روي أنه لما طلع عليهم في النفر الذين ثبتوا معه و هم أربعة عشر سبعة من المهاجرين و سبعة من الأنصار جعلوا يولون في الجبل خائفين منهم يظنونهم المشركين جعل رسول الله ص يتبسم إلى أبي بكر و هو على جنبه و يقول له ألح إليهم فجعل أبو بكر يليح إليهم و هم لا يعرجون حتى نزع أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه فأوفى على الجبل فجعل يصيح و يليح فوقفوا حتى عرفوهم و لقد وضع أبو بردة بن نيار سهما على كبد قوسه فأراد أن يرمي به رسول الله ص و أصحابه فلما تكلموا و ناداهم رسول الله ص أمسك و فرح المسلمون برؤيته حتى كأنهم لم تصبهم في أنفسهم مصيبة و سروا لسلامته و سلامتهم من المشركين.قال الواقدي ثم إن قوما من قريش صعدوا الجبل فعلوا على المسلمين و هم في الشعب قال فكان رافع بن خديج يحدث فيقول إني يومئذ إلى جنب أبي مسعود الأنصاري و هو يذكر من قتل من قومه و يسأل عنهم فيخبر برجال منهم سعد بن
الربيع و خارجة بن زهير و هو يسترجع و يترحم عليهم و بعض المسلمين يسأل بعضا عن حميمه و ذي رحمه فيهم يخبر بعضهم بعضا فبينا هم على ذلك رد الله المشركين ليذهب ذلك الحزن عنهم فإذا عدوهم فوقهم قد علوا و إذا كتائب المشركين بالجبل فنسوا ما كانوا يذكرون و ندبنا رسول الله ص و حضنا على القتال و الله لكأني أنظر إلى فلان و فلان في عرض الجبل يعدوان هاربين قال الواقدي فكان عمر يحدث يقول لما صاح الشيطان قتل محمد أقبلت أرقى إلى الجبل فكأني أروية فانتهيت إلى النبي ص و هو يقول( وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ ) الآية و أبو سفيان في سفح الجبل فقال رسول الله ص يدعو ربه اللهم ليس لهم أن يعلوا فانكشفوا.قال الواقدي فكان أبو أسيد الساعدي يحدث فيقول لقد رأيتنا قبل أن يلقى النعاس علينا في الشعب و إنا لسلم لمن أرادنا لما بنا من الحزن فألقي علينا النعاس فنمنا حتى تناطح الحجف ثم فزعنا و كانا لم يصبنا قبل ذلك نكبة قال و قال الزبير بن العوام غشينا النعاس فما منا رجل إلا و ذقنه في صدره من النوم فأسمع معتب بن قشير و كان من المنافقين يقول و إني لكالحالم( لَوْ كانَ لَنا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا ) فأنزل الله تعالى فيه ذلك.قال و قال أبو اليسر لقد رأيتني ذلك اليوم في رجال من قومي إلى جنب رسول الله ص و قد أنزل الله علينا النعاس أمنة منه ما منهم رجل إلا يغط غطيطا حتى إن الحجف لتناطح و لقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده
و ما يشعر به حتى أخذه بعد ما تثلم و إن المشركين لتحتنا و سقط سيف أبي طلحة أيضا و لم يصب أهل الشك و النفاق نعاس يومئذ و إنما أصاب النعاس أهل الإيمان و اليقين فكان المنافقون يتكلم كل منهم بما في نفسه و المؤمنون ناعسون.قلت سألت ابن النجار المحدث عن هذا الموضع فقلت له من قصة أحد تدل على أن المسلمين كانت الدولة لهم بادئ الحال ثم صارت عليهم و صاح الشيطان قتل محمد فانهزم أكثرهم ثم ثاب أكثر المنهزمين إلى النبي ص فحاربوا دونه حربا كثيرة طالت مدتها حتى صار آخر النهار ثم أصعدوا في الجبل معتصمين به و أصعد رسول الله ص معهم فتحاجز الفريقان حينئذ و هذا هو الذي يدل عليه تأمل قصة أحد إلا أن بعض الروايات التي ذكرها الواقدي يقتضي غير ذلك نحو روايته في هذا الباب أن رسول الله ص لما صاح الشيطان إن محمدا قد قتل كان ينادي المسلمين فلا يعرجون عليه و إنما يصعدون في الجبل و إنه وجه نحو الجبل فانتهى إليهم و هم أوزاع يتذاكرون بقتل من قتل منهم و هذه الرواية تدل على أنه أصعد ص في الجبل من أول الحرب حيث صاح الشيطان و صياح الشيطان كان حال كون خالد بن الوليد بالجبل من وراء المسلمين لما غشيهم و هم مشتغلون بالنهب و اختلط الناس فكيف هذا فقال إن الشيطان صاح قتل محمد دفعتين دفعة في أول الحرب و دفعة في آخر الحرب لما تصرم النهار و غشيت الكتائب رسول الله ص و قد قتل ناصروه و أكلتهم الحرب فلم يبق معه إلا نفر يسير لا يبلغون عشرة و هذه كانت أصعب و أشد من الأولى و فيها اعتصم و ما اعتصم في صرخة الشيطان الأولى بالجبل بل ثبت و حامى عنه أصحابه و لقد لقي في الأولى مشقة عظيمة من ابن قميئة و عتبة بن أبي وقاص و غيرهما
و لكنه لم يفارق عرصة الحرب و إنما فارقها و علم أنه لم يبق له وجه مقام في صرخته الثانية.قلت له فكان القوم مختلطين في الصرخة الثانية حتى يصرخ الشيطان قتل محمد قال نعم المشركون قد أحاطوا بالنبي ص و بمن بقي معه من أصحابه فاختلط المسلمون بهم و صاروا مغمورين بينهم لقلتهم بالنسبة إليهم و ظن قوم من المشركين أنهم قد قتلوا النبي ص لأنهم فقدوا وجهه و صورته فنادى الشيطان قتل محمد و لم يكن قتل ص و لكن اشتبهت صورته عليهم و ظنوه غيره و أكثر من حامى عنه في تلك الحال علي ع و أبو دجانة و سهل بن حنيف و حامى هو عن نفسه و جرح قوما بيده تارة بالسهام و تارة بالسيف و لكن لم يعلموا بأعيانهم لاختلاط القوم و ثوران النقع و كانت قريش تظنه واحدا من المسلمين و لو عرفوه بعينه في تلك الثورة لكان الأمر صعبا جدا و لكن الله تعالى عصمه منهم بأن أزاغ أبصارهم عنه فلم يزل هؤلاء الثلاثة يجالدون دونه و هو يقرب من الجبل حتى صار في أعلى الجبل أصعد من فم الشعب إلى تدريج هناك في الجبل و رقي في ذلك التدريج صاعدا حتى صار في أعلى الجبل و تبعه النفر الثلاثة فلحقوا به.قلت له فما بال القوم الذين صعدوا الجبل من المشركين و كيف كان إصعادهم و عودهم.قال أصعدوا لحرب المسلمين لا لطلب رسول الله ص لأنهم ظنوا أنه قد قتل و هذا هو كان السبب في عودهم من الجبل لأنهم قالوا قد بلغنا الغرض
الأصلي و قتلنا محمدا فما لنا و التصميم على الأوس و الخزرج و غيرهم من أصحابه مع ما في ذلك من عظم الخطر بالأنفس قلت له فإذا كان هذا قد خطر لهم فلما ذا صعدوا في الجبل.قال يخطر لك خاطر و يدعوك داع إلى بعض الحركات فإذا شرعت فيها خطر لك خاطر آخر يصرفك عنها فترجع و لا تتمها قلت نعم فما بالهم لم يقصدوا قصد المدينة و ينهبوها.قال كان فيها عبد الله بن أبي في ثلاثمائة مقاتل و فيها خلق كثير من الأوس و الخزرج لم يحضروا الحرب و هم مسلمون و طوائف أخر من المنافقين لم يخرجوا و طوائف أخرى من اليهود أولو بأس و قوة و لهم بالمدينة عيال و أهل و نساء و كل هؤلاء كانوا يحامون عن المدينة و لم تكن قريش تأمن مع ذلك أن يأتيها رسول الله ص من ورائها بمن يجامعه من أصحابه فيحصلوا بين الأعداء من خلفهم و من أمامهم فكان الرأي الأصوب لهم العدول عن المدينة و ترك قصدها.قال الواقدي حدثني الضحاك بن عثمان عن حمزة بن سعيد قال لما تحاجزوا و أراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير على فرس له حوراء فوقف على أصحاب النبي ص و هم في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته أعل هبل ثم صاح أين ابن أبي كبشة يوم بيوم بدر ألا إن الأيام دول.و في رواية أنه نادى أبا بكر و عمر أيضا فقال أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ثم قال الحرب سجال حنظلة بحنظلة يعنى حنظلة بن أبي عامر بحنظلة بن
أبي سفيان فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله أجيبه قال نعم فأجبه فلما قال أعل هبل قال عمر الله أعلى و أجل.و يروى أن رسول الله ص قال لعمر قل له الله أعلى و أجل فقال أبو سفيان إن لنا العزى و لا عزى لكم فقال عمر أو قال رسول الله ص قل له الله مولانا و لا مولى لكم فقال أبو سفيان إنها قد أنعمت فقال عنها يا ابن الخطاب فقال سعيد بن أبي سفيان ألا إن الأيام دول و إن الحرب سجال فقال عمر و لا سواء قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار فقال أبو سفيان إنكم لتقولون ذلك لقد جبنا إذا و خسرنا ثم قال يا ابن الخطاب قم إلي أكلمك فقام إليه فقال أنشدك بدينك هل قتلنا محمدا قال اللهم لا و إنه ليسمع كلامك الآن قال أنت عندي أصدق من ابن قميئة ثم صاح أبو سفيان و رفع صوته إنكم واجدون في قتلاكم عنتا و مثلا إلا أن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا ثم أدركته حمية الجاهلية فقال و أما إذ كان ذلك فلم نكرهه ثم نادى ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول فوقف عمر وقفة ينتظر ما يقول رسول الله ص فقال له قل نعم فانصرف أبو سفيان إلى أصحابه و أخذوا في الرحيل فأشفق رسول الله ص و المسلمون من أن يغيروا على المدينة فيهلك الذراري و النساء فقال رسول الله ص لسعد بن أبي وقاص اذهب فأتنا بخبر القوم فإنهم إن ركبوا الإبل و جنبوا الخيل فهو الظعن إلى مكة و إن ركبوا الخيل و جنبوا الإبل فهو الغارة على المدينة و الذي نفسي بيده إن ساروا إليها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم قال سعد فتوجهت أسعى و أرصدت نفسي إن أفرعني شيء رجعت إلى النبي ص و أنا أسعى فبدأت بالسعي حين ابتدأت فخرجت في آثارهم
حتى إذا كانوا بالعقيق و أنا بحيث أراهم و أتأملهم ركبوا الإبل و جنبوا الخيل فقلت إنه الظعن إلى بلادهم ثم وقفوا وقفة بالعقيق و تشاوروا في دخول المدينة فقال لهم صفوان بن أمية قد أصبتم القوم فانصرفوا و لا تدخلوا عليهم و أنتم كالون و لكم الظفر فإنكم لا تدرون ما يغشاكم فقد وليتم يوم بدر لا و الله ما تبعوكم و كان الظفر لهم فيقال إن رسول الله ص قال نهاهم صفوان فلما رآهم سعد على تلك الحال منطلقين و قد دخلوا في المكمن رجع إلى رسول الله ص و هو كالمنكسر فقال وجه القوم يا رسول الله إلى مكة امتطوا الإبل و جنبوا الخيل فقال ما تقول قلت ما قلت يا رسول الله فخلا بي فقال أ حقا ما تقول قلت نعم يا رسول الله قال فما بالي رأيتك منكسرا فقلت كرهت أن آتي المسلمين فرحا بقفولهم إلى بلادهم فقال ص إن سعدا لمجرب.قال الواقدي و قد روي خلاف هذا روي أن سعدا لما رجع رفع صوته بأن جنبوا الخيل و امتطوا الإبل فجعل رسول الله ص يشير إلى سعد خفض صوتك فإن الحرب خدعة فلا ترى الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم فإنما ردهم الله تعالى.
قال الواقدي و حدثني ابن أبي سبرة عن يحيى بن شبل عن أبي جعفر قال قال رسول الله ص لسعد بن أبي وقاص إن رأيت القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما بيني و بينك و لا تفت في أعضاد المسلمين فذهب فرآهم قد امتطوا الإبل فرجع فما ملك أن جعل يصيح سرورا بانصرافهم.قال الواقدي و قيل لعمرو بن العاص كيف كان افتراق المسلمين و المشركين يوم
أحد فقال ما تريدون إلى ذلك قد جاء الله بالإسلام و نفي الكفر و أهله ثم قال لما كررنا عليهم أصبنا من أصبنا منهم و تفرقوا في كل وجه و فاءت لهم فئة بعد فتشاورت قريش فقالوا لنا الغلبة فلو انصرفنا فإنه بلغنا أن ابن أبي انصرف بثلث الناس و قد تخلف الناس من الأوس و الخزرج و لا نأمن أن يكروا علينا و فينا جراح و خيلنا عامتها قد عقرت من النبل فمضينا فما بلغنا الروحاء حتى قام علينا عدة منها و انصرفنا إلى مكة.قال الواقدي حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عائشة قال سمعت أبا بكر يقول لما كان يوم أحد و رمي رسول الله ص في وجهه حتى دخلت في وجهه حلقتان من المغفر أقبلت أسعى إلى رسول الله ص و إنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا فقلت اللهم اجعله طلحة بن عبيد الله حتى توافينا إلى رسول الله ص فإذا أبو عبيدة بن الجراح فبدرني فقال أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فأنتزعه من وجه رسول الله ص قال أبو بكر فتركته و قال رسول الله ص عليكم صاحبكم يعني طلحة فأخذ أبو عبيدة بثنيته حلقة المغفر فنزعها و سقط على ظهره و سقطت ثنية أبي عبيدة ثم أخذ الحلقة بثنيته الأخرى فكان أبو عبيدة في الناس أثرم و يقال إن الذي نزع الحلقتين من وجه رسول الله ص عقبة بن وهب بن كلدة و يقال أبو اليسر.قال الواقدي و أثبت ذلك عندنا عقبة بن وهب بن كلدة.قال الواقدي و كان أبو سعيد الخدري يحدث أن رسول الله ص
أصيب وجهه يوم أحد فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه فلما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن فجعل مالك بن سنان يمج الدم بفيه ثم ازدرده
فقال رسول الله ص من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه بدمي فلينظر إلى مالك بن سنان فقيل لمالك تشرب الدم فقال نعم أشرب دم رسول الله ص
فقال رسول الله ص من مس دمه دمي لم تصبه النار قال الواقدي و قال أبو سعيد كنا ممن رد من الشيخين لم نجئ مع المقاتلة فلما كان من النهار بلغنا مصاب رسول الله ص و تفرق الناس عنه جئت مع غلمان بني خدرة نعرض لرسول الله ص ننظر إلى سلامته فنرجع بذلك إلى أهلنا فلقينا الناس متفرقين ببطن قناة فلم يكن لنا همة إلا النبي ص ننظر إليه فلما رآني قال سعد بن مالك قلت نعم بأبي أنت و أمي و دنوت منه فقبلت ركبته و هو على فرسه فقال آجرك الله في أبيك ثم نظرت إلى وجهه فإذا في وجنتيه مثل موضع الدرهم في كل وجنة و إذا شجة في جبهته عند أصول الشعر و إذا شفته السفلى تدمى و إذا في رباعيته اليمنى شظية و إذا على جرحه شيء أسود فسألت ما هذا على وجهه فقالوا حصير محرق و سألت من أدمى وجنتيه فقيل ابن قميئة فقلت فمن شجه في وجهه فقيل ابن شهاب فقلت من أصاب شفتيه قيل عتبة بن أبي وقاص فجعلت أعدو بين يديه حتى نزل ببابه ما نزل إلا محمولا و أرى ركبتيه مجحوشتين يتكئ على السعدين سعد بن معاذ و سعد بن عبادة حتى دخل بيته فلما غربت الشمس و أذن بلال بالصلاة خرج على تلك الحال
يتوكأ على السعدين سعد بن عبادة و سعد بن معاذ ثم انصرف إلى بيته و الناس في المسجد يوقدون النيران يتمكدون بها من الجراح ثم أذن بلال بالعشاء حين غاب الشفق فلم يخرج رسول الله ص فجلس بلال عند بابه ص حتى ذهب ثلث الليل ثم ناداه الصلاة يا رسول الله فخرج و قد كان نائما قال فرمقته فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل بيته فصليت معه العشاء ثم رجع إلى بيته قد صفف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه يمشي وحده حتى دخل و رجعت إلى أهلي فخبرتهم بسلامته فحمدوا الله و ناموا و كانت وجوه الأوس و الخزرج في المسجد على النبي ص يحرسونه فرقا من قريش أن تكر.قال الواقدي و خرجت فاطمة ع في نساء و قد رأت الذي بوجه أبيها ص فاعتنقته و جعلت تمسح الدم عن وجهه و رسول الله ص يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله و ذهب علي ع فأتى بماء من المهراس و قال لفاطمة أمسكي هذا السيف غير ذميم فنظر إليه رسول الله ص مختضبا بالدم فقال لئن كنت أحسنت القتال اليوم فلقد أحسن عاصم بن ثابت و الحارث بن الصمة و سهل بن حنيف و سيف أبي دجانة غير مذموم هكذا روى الواقدي.و روى محمد بن إسحاق أن عليا ع قال لفاطمة بيتي شعر و هما:
أ فاطم هاء السيف غير ذميم |
فلست برعد يد و لا بلئيم |
|
لعمري لقد جاهدت في نصر أحمد |
و طاعة رب بالعباد رحيم |
فقال رسول الله ص لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سماك بن خرشة و سهل بن حنيف.
قال الواقدي فلما أحضر علي ع الماء أراد رسول الله ص أن يشرب منه فلم يستطع و قد كان عطشا و وجد ريحا من الماء كرهها فقال هذا ماء آجن فتمضمض منه للدم الذي كان بفيه ثم مجه و غسلت فاطمة به الدم عن أبيها ص فخرج محمد بن مسلمة يطب مع النساء و كن أربع عشرة امرأة قد جئن من المدينة يتلقين الناس منهن فاطمة ع يحملن الطعام و الشراب على ظهورهن و يسقين الجرحى و يداوينهم.قال الواقدي قال كعب بن مالك رأيت عائشة و أم سليم على ظهورهما القرب تحملانها يوم أحد و كانت حمنة بنت جحش تسقي العطشى و تداوي الجرحى فلم يجد محمد بن مسلمة عندهن ماء و رسول الله ص قد اشتد عطشه فذهب محمد بن مسلمة إلى قناة و معه سقاؤه حتى استقى من حسى قناة عند قصور التميميين اليوم فجاء بماء عذب فشرب منه رسول الله ص و دعا له بخير و جعل الدم لا ينقطع من وجهه ع و هو يقول لن ينالوا منا مثلها حتى نستلم الركن فلما رأت فاطمة الدم لا يرقأ و هي تغسل جراحه و علي يصب الماء عليها بالمجن أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم و يقال إنها داوته بصوفة محرقة و كان رسول الله ص بعد يداوي الجراح الذي في وجهه بعظم بال حتى ذهب أثره و لقد مكث يجد وهن ضربة ابن قميئة على عاتقه شهرا أو أكثر من شهر و يداوي الأثر الذي في وجهه بعظم.قال الواقدي و قال رسول الله ص قبل أن ينصرف إلى المدينة من يأتينا بخبر سعد بن الربيع فإني رأيته و أشار بيده إلى ناحية من الوادي قد شرع فيه اثنا عشر سنانا فخرج محمد بن مسلمة و يقال أبي بن كعب نحو تلك الناحية قال فأنا وسط القتلى لتعرفهم إذ مررت به صريعا في الوادي فناديته فلم يجب ثم قلت إن رسول الله ص أرسلني إليك قال فتنفس كما يتنفس الطير ثم قال
و إن رسول الله ص لحي قلت نعم و قد أخبرنا أنه شرع لك اثنا عشر سنانا فقال طعنت اثنتي عشرة طعنة كلها أجافتني أبلغ قومك الأنصار السلام و قل لهم الله الله و ما عاهدتم عليه رسول الله ص ليلة العقبة و الله ما لكم عذر عند الله إن خلص إلى نبيكم و منكم عين تطرف فلم أرم من عنده حتى مات فرجعت إلى النبي ص فأخبرته فرأيته استقبل القبلة رافعا يديه يقول اللهم الق سعد بن الربيع و أنت عنه راض.قال الواقدي و خرجت السمداء بنت قيس إحدى نساء بني دينار و قد أصيب ابناها مع النبي ص بأحد النعمان بن عبد عمر و سليم بن الحارث فلما نعيا لها قالت فما فعل رسول الله ص قالوا بخير هو بحمد الله صالح على ما تحبين فقالت أرونيه أنظر إليه فأشاروا لها إليه فقالت كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل و خرجت تسوق بابنيها بعيرا تردهما إلى المدينة فلقيتها عائشة فقالت ما وراءك فأخبرتها قالت فمن هؤلاء معك قالت ابناي حل حل تحملهما إلى القبر.قال الواقدي و كان حمزة بن عبد المطلب أول من جيء به إلى النبي ص بعد انصراف قريش أو كان من أولهم فصلى عليه رسول الله ص ثم قال رأيت الملائكة تغسله قالوا لأن حمزة كان جنبا ذلك اليوم و لم يغسل رسول الله ص الشهداء يومئذ و قال لفوهم بدمائهم و جراحهم فإنه ليس أحد يجرح في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة لون جرحه لون الدم و ريحه ريح المسك ثم
قال ضعوهم فأنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة و كان حمزة أول من كبر عليه أربعا ثم جمع إليه الشهداء فكان كلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه و على الشهيد حتى صلى عليه سبعين مرة لأن الشهداء سبعون.قال الواقدي و يقال كان يؤتى بتسعة و حمزة عاشرهم فيصلي عليهم و ترفع التسعة و يترك حمزة مكانه و يؤتى بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي عليه و عليهم حتى فعل ذلك سبع مرات و يقال إنه كبر عليه خمسا و سبعا و تسعا.قال الواقدي و قد اختلفت الرواية في هذا و كان طلحة بن عبيد الله و ابن عباس و جابر بن عبد الله يقولون صلى رسول الله ص على قتلى أحد و قال أنا شهيد على هؤلاء فقال أبو بكر أ لسنا إخوانهم أسلمنا كما أسلموا و جاهدنا كما جاهدوا قال بلى و لكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئا و لا أدري ما تحدثون بعدي فبكى أبو بكر و قال إنا لكائنون بعدك.و قال أنس بن مالك و سعيد بن المسيب لم يصل رسول الله ص على قتلى أحد.قال الواقدي و قال لأهل القتلى احفروا و أوسعوا و أحسنوا و ادفنوا الاثنين و الثلاثة في القبر و قدموا أكثرهم قرآنا و أمر بحمزة أن تمد بردته عليه و هو في القبر و كانت قصيرة فكانوا إذا خمروا بها رأسه بدت رجلاه و إذا خمروا بها رجليه انكشف وجهه فبكى المسلمون يومئذ فقالوا يا رسول الله عم رسول الله يقتل فلا يوجد له ثوب فقال بلى إنكم بأرض جردية ذات أحجار و ستفتح يعني الأرياف و الأمصار فيخرج الناس إليها ثم يبعثون إلى أهليهم و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون
و الذي نفسي بيده لا تصبر نفس على لأوائها و شدتها إلا كنت لها شفيعا أو قال شهيدا يوم القيامة.قال الواقدي و أتى عبد الرحمن بن عوف في خلافة عثمان بثياب و طعام فقال و لكن حمزة لم يوجد له كفن و مصعب بن عمير لم يوجد له كفن و كانا خيرا مني.قال الواقدي و مر رسول الله ص بمصعب بن عمير و هو مقتول مسجى ببردة خلق فقال لقد رأيتك بمكة و ما بها أحد أرق حلة و لا أحسن لمة منك ثم أنت اليوم أشعث الرأس في هذه البردة ثم أمر به فقبر و نزل في قبره أخوه أبو الروم و عامر بن ربيعة و سويبطة بن عمرو بن حرملة و نزل في قبر حمزة علي ع و الزبير و أبو بكر و عمر و رسول الله ص جالس على حفرته.قال الواقدي ثم إن الناس أو عامتهم حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفن بالبقيع منهم عدة عند دار زيد بن ثابت و دفن بعضهم ببني سلمة فنادى منادي رسول الله ص ردوا القتلى إلى مضاجعهم و كان الناس قد دفنوا قتلاهم فلم يرد أحد أحدا منهم إلا رجلا واحدا أدركه المنادي و لم يدفن و هو شماس بن عثمان المخزومي كان قد حمل إلى المدينة و به رمق فأدخل على عائشة فقالت أم سلمة ابن عمي يدخل إلى غيري فقال رسول الله ص احملوه إلى أم سلمة فحملوه إليها فمات عندها فأمر رسول الله ص أن يرد إلى أحد فيدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها و كان قد مكث يوما و ليلة و لم يذق شيئا فلم يصل عليه رسول الله ص و لا غسله.قال الواقدي فأما القبور المجتمعة هناك فكثير من الناس يظنها قبور قتلى أحد و كان طلحة بن عبيد الله و عباد بن تميم المازني يقولان هي قبور قوم من الأعراب كانوا
عام الرمادة في عهد عمر هناك فماتوا فتلك قبورهم و كان ابن أبي ذئب و عبد العزيز بن محمد يقولان لا نعرف تلك القبور المجتمعة إنما هي قبور ناس من أهل البادية قالوا إنا نعرف قبر حمزة و قبر عبد الله بن حزام و قبر سهل بن قيس و لا نعرف غير ذلك.قال الواقدي و كان رسول الله ص يزور قتلى أحد في كل حول و إذا لقوه بالشعب رفع صوته يقول السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار و كان أبو بكر يفعل مثل ذلك و كذلك عمر بن الخطاب ثم عثمان ثم معاوية حين يمر حاجا و معتمرا.قال و كانت فاطمة بنت رسول الله ص تأتيهم بين اليومين و الثلاثة فتبكي عندهم و تدعو و كان سعد بن أبي وقاص يذهب إلى ما له بالغابة فيأتي من خلف قبور الشهداء فيقول السلام عليكم ثلاثا و يقول لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه السلام إلى يوم القيامة قال و مر رسول الله ص على قبر مصعب بن عمير فوقف عليه و دعا و قرأ( مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اَللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) ثم قال إن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم فزوروهم و سلموا عليهم و الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه و كان أبو سعيد الخدري يقف على قبر حمزة فيدعو و يقرأ و يقول مثل ذلك و كانت أم سلمة رحمها الله تذهب فتسلم عليهم في كل شهر فتظل يومها فجاءت يوما و معها غلامها أنبهان فلم يسلم فقالت أي لكع أ لا تسلم عليهم و الله لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة.قال و كان أبو هريرة و عبد الله بن عمر يذهبان فيسلمان عليهم قالت فاطمة
الخزاعية سلمت على قبر حمزة يوما و معي أخت لي فسمعنا من القبر قائلا يقول و عليكما السلام ورحمهالله قالت و لم يكن قربنا أحد من الناس
قال الواقدي فلما فرغ رسول الله ص من دفنهم دعا بفرسه فركبه و خرج المسلمون حوله عامتهم جرحى و لا مثل بني سلمة و بني عبد الأشهل فلما كانوا بأصل الحرة قال اصطفوا فاصطفت الرجال صفين و خلفهم النساء و عدتهن أربع عشرة امرأة فرفع يديه فدعا فقال اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت و لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا هادي لمن أضللت و لا مضل لمن هديت و لا مقرب لما باعدت و لا مباعد لما قربت اللهم إني أسألك من بركتك و رحمتك و فضلك و عافيتك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول و لا يزول اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف و الغناء يوم الفاقة عائذا بك اللهم من شر ما أعطيت و من شر ما منعت اللهم توفنا مسلمين اللهم حبب إلينا الإيمان و زينه في قلوبنا و كره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان و اجعلنا من الراشدين اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك و يصدون عن سبيلك اللهم أنزل عليهم رجسك و عذابك إله الحق آمين.قال الواقدي و أقبل حتى نزل ببني حارثة يمينا حتى طلع على بني عبد الأشهل و هم يبكون على قتلاهم فقال لكن حمزة لا بواكي له فخرج النساء ينظرن إلى سلامة رسول الله ص فخرجت إليه أم عامر الأشهلية و تركت النوح فنظرت إليه و عليه الدرع كما هي فقالت كل مصيبة بعدك جلل و خرجت كبشة بنت عتبة بن معاوية بن بلحارث بن الخزرج تعدو نحو رسول الله ص و هو واقف على فرسه و سعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه فقال سعد يا رسول الله أمي فقال مرحبا بها فدنت حتى تأملته و قالت إذ رأيتك سالما فقد شفت المصيبة فعزاها بعمرو
بن معاذ ثم قال يا أم سعد أبشري و بشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا و هم اثنا عشر رجلا و قد شفعوا في أهليهم فقالت رضينا يا رسول الله و من يبكي عليهم بعد هذا ثم قالت يا رسول الله ادع لمن خلفوا فقال اللهم أذهب حزن قلوبهم و آجر مصيبتهم و أحسن الخلف على من خلفوا ثم قال لسعد بن معاذ حل أبا عمرو الدابة فحل الفرس و تبعه الناس فقال يا أبا عمرو إن الجراح في أهل دارك فاشية و ليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان اللون لون دم و الريح ريح مسك فمن كان مجروحا فليقر في داره و ليداو جرحه و لا تبلغ معي بيتي عزمة مني فنادى فيهم سعد عزمة من رسول الله ص ألا يتبعه جريح من بني عبد الأشهل فتخلف كل مجروح و باتوا يوقدون النيران و يداوون الجراح و إن فيهم لثلاثين جريحا و مضى سعد بن معاذ مع رسول الله ص إلى بيته ثم رجع إلى نسائه فساقهن فلم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله ص فبكين بين المغرب و العشاء و قام رسول الله ص حين فرغ من النوم لثلث الليل فسمع البكاء فقال ما هذا قيل نساء الأنصار يبكين على حمزة فقال رضي الله تعالى عنكن و عن أولادكن و أمر النساء أن يرجعن إلى منازلهن قالت أم سعد بن معاذ فرجعنا إلى بيوتنا بعد ليل و معنا رجالنا فما بكت منا امرأة قط إلا بدأت بحمزة إلى يومنا هذا و يقال إن معاذ بن جبل جاء بنساء بني سلمة و جاء عبد الله بن رواحة بنساء بلحارث بن الخزرج فقال رسول الله ص ما أردت هذا و نهاهن الغد عن النوح أشد النهي.قال الواقدي و جعل ابن أبي و المنافقون معه يشمتون و يسرون بما أصاب المسلمين و يظهرون أقبح القول و رجع عبد الله بن أبي إلى ابنه و هو جريح فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب عامة الليل و أبوه يقول ما كان خروجك مع محمد إلى هذا
الوجه برأيي عصاني محمد و أطاع الولدان و الله لكأني كنت أنظر إلى هذا فقال ابنه الذي صنع الله لرسوله و للمسلمين خير إن شاء الله قال و أظهرت اليهود القول السيئ و قالوا ما محمد إلا طالب ملك ما أصيب هكذا نبي قط في بدنه و أصيب في أصحابه و جعل المنافقون يخذلون عن رسول الله ص و أصحابه و يأمرونهم بالتفرق عنه و قالوا لأصحاب النبي ص لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل حتى سمع عمر بن الخطاب ذلك في أماكن فمشى إلى رسول الله ص يستأذنه في قتل من سمع ذلك منهم من اليهود و المنافقين فقال له يا عمر إن الله مظهر دينه و معز نبيه و لليهود ذمة فلا أقتلهم قال فهؤلاء المنافقون يا رسول الله يقولون فقال أ ليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله و أني رسول الله قال بلى و إنما يفعلون تعوذا من السيف و قد بان لنا أمرهم و أبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة فقال إني نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله يا ابن الخطاب إن قريشا لن ينالوا ما نالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن.و روى ابن عباس أن النبي ص قال إخوانكم لما أصيبوا بأحد جعلت أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة فتأكل من ثمارها و تأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مطعمهم و مشربهم و رأوا حسن منقلبهم قالوا ليت إخواننا يعلمون بما أكرمنا الله و بما نحن فيه لئلا يزهدوا في الجهاد و يكلوا عند الحرب فقال لهم الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل( وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )
قال الواقدي حدثني موسى بن شيبة عن قطن بن وهيب الليثي قال لما تحاجز الفريقان و وجه قريش إلى مكة و امتطوا الإبل و جنبوا الخيل سار وحشي عبد جبير بن مطعم على راحلته أربعا فقدم مكة يبشر قريشا بمصاب المسلمين فانتهى إلى الثنية التي تطلع على الحجون فنادى بأعلى صوته يا معشر قريش مرارا حتى ثاب الناس إليه و هم خائفون أن يأتيهم بما يكرهون فلما رضي منهم قال أبشروا فقد قتلنا من أصحاب محمد مقتلة لم نقتل مثلها في زحف قط و جرحنا محمدا فأثبتناه بالجراح و قتلنا رأس الكتيبة حمزة بن عبد المطلب فتفرق الناس عنه في كل وجه بالشماتة بقتل أصحاب النبي ص و إظهار السرور و خلا جبير بن مطعم بوحشي فقال أنظر ما تقول قال وحشي قد و الله صدقت قال قتلت حمزة قال إي و الله و لقد زرقته بالمزراق في بطنه فخرج من بين فخذيه ثم نودي فلم يجب فأخذت كبده و حملتها إليك لتراها فقال أذهبت حزن نسائنا و بردت حر قلوبنا فأمر يومئذ نساءه بمراجعة الطيب و الدهن.قال الواقدي و قد كان عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي لما انكشف المشركون بأحد في أول الأمر خرج هاربا على وجهه و كره أن يقدم مكة فقدم الطائف فأخبر ثقيفا أن أصحاب محمد قد ظفروا و انهزمنا و كنت أول من قدم عليكم ثم جاءهم الخبر بعد أن قريشا ظفرت و عادت الدولة لها.قال الواقدي فسارت قريش قافلة إلى مكة فدخلتها ظافرة فكان ما دخل على قلوبهم من السرور يومئذ نظير ما دخل عليهم من الكئابة و الحزن يوم بدر و كان ما دخل
على قلوب المسلمين من الغيظ و الحزن يومئذ نظير ما دخل عليهم من السرور و الجذل يوم بدر كما قال الله تعالى( وَ تِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ اَلنَّاسِ ) و قال سبحانه( أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) قال يعني إنكم يوم بدر قتلتم من قريش سبعين و أسرتم سبعين و أما يوم أحد فقتل منكم سبعون و لم يؤسر منكم أحد فقد أصبتم قريشا بمثلي ما أصابوكم يوم أحد و قوله( أَنَّى هذا ) أي كيف هذا و نحن موعودون بالنصر و نزول الملائكة و فينا نبي ينزل عليه الوحي من السماء فقال لهم في الجواب( هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) يعني الرماة الذين خالفوا الأمر و عصوا الرسول و إنما كان النصر و نزول الملائكة مشروطا بالطاعة و إلا يعصى أمر الرسول أ لا ترى إلى قوله( بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) فعلقه على الشرط
قال الواقدي أما أبو عزة و اسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح فإن رسول الله ص أخذه أسيرا يوم أحد و لم يؤخذ يوم أحد أسير غيره فقال يا محمد من علي
فقال رسول الله ص إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك فتقول سخرت بمحمد مرتين ثم أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه.
قال الواقدي و قد سمعنا في أسره غير هذا حدثني بكير بن مسمار قال لما انصرف المشركون عن أحد نزلوا بحمراء الأسد في أول الليل ساعة ثم رحلوا و تركوا أبا عزة مكانه حتى ارتفع النهار فلحقه المسلمون و هو مستنبه يتلدد و كان الذي أخذه عاصم بن ثابت فأمره النبي ص فضرب عنقه.قلت و هذه الرواية هي الصحيحة عندي لأن المسلمين لم تكن حالهم يوم أحد حال من يتهيأ له أسر أحد من المشركين في المعركة لما أصابهم من الوهن.فأما معاوية بن المغيرة فروى البلاذري أنه هو الذي جدع أنف حمزة و مثل به و أنه انهزم يوم أحد فمضى على وجهه فبات قريبا من المدينة فلما أصبح دخل المدينة فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبي العاص و هو ابن عمه لحا فضرب بابه فقالت أم كلثوم زوجته و هي ابنة رسول الله ص ليس هو هاهنا فقال ابعثي إليه فإن له عندي ثمن بعير ابتعته منه عام أول و قد جئته به فإن لم يجئ ذهبت فأرسلت إليه و هو عند رسول الله ص فلما جاء قال لمعاوية أهلكتني و أهلكت نفسك ما جاء بك قال يا ابن عم لم يكن أحد أقرب إلي و لا أمس رحما بي منك فجئتك لتجيرني فادخله عثمان داره و صيره في ناحية منها ثم خرج إلى النبي ص ليأخذ له منه أمانا فسمع رسول الله ص يقول إن معاوية في المدينة و قد أصبح بها فاطلبوه فقال بعضهم ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه به فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الذي صيره فيه فاستخرجوه من تحت خمارة لهم فانطلقوا به إلى النبي ص فقال عثمان حين رآه و الذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان فهبه لي فوهبه له و أجله ثلاثا
و أقسم لئن وجده بعدها يمشي في أرض المدينة و ما حولها ليقتلنه و خرج عثمان فجهزه و اشترى له بعيرا ثم قال ارتحل و سار رسول الله ص إلى حمراء الأسد و أقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي ص و يأتي بها قريشا فلما كان في اليوم الرابع قال رسول الله ص إن معاوية أصبح قريبا لم ينفذ فاطلبوه فأصابوه و قد أخطأ الطريق فأدركوه و كان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة و عمار بن ياسر فوجداه بالجماء فضربه زيد بالسيف و قال عمار إن لي فيه حقا فرمياه بسهم فقتلاه ثم انصرفا إلى المدينة بخبره و يقال إنه أدرك على ثمانية أميال من المدينة فلم يزل زيد و عمار يرميانه بالنبل حتى مات.قال و معاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان.قال و ذكر الواقدي في كتابه مثل هذه الرواية سواء.قال البلاذري و قال ابن الكلبي إن معاوية بن المغيرة جدع أنف حمزة يوم أحد و هو قتيل فأخذ بقرب أحد فقتل على أحد بعد انصراف قريش بثلاث و لا عقب له إلا عائشة أم عبد الملك بن مروان قال و يقال إن عليا ع هو الذي قتل معاوية بن المغيرة.قلت و رواية ابن الكلبي عندي أصح لأن هزيمة المشركين كانت في الصدمة الأولى عقيب قتل بني عبد الدار أصحاب الألوية و كان قتل حمزة بعد ذلك لما كر خالد بن الوليد الخيل من وراء المسلمين فاختلطوا و انتقض صفهم و قتل بعضهم بعضا فكيف يصح إن يجتمع لمعاوية كونه قد جدع أنف حمزة و كونه قد انهزم مع المشركين في الصدمة الأولى هذا متناقض لأنه إذا كان قد انهزم في أول الحرب استحال أن يكون
حاضرا عند حمزة حين قتل و الصحيح ما ذكره ابن الكلبي من أنه شهد الحرب كلها و جدع أنف حمزة ثم حصل في أيدي المسلمين بعد انصراف قريش لأنه تأخر عنهم لعارض عرض له فأدركه حينه فقتل
بن زياد البلوي و الحارث بن يزيد بن الصامت
قال الواقدي كان المجذر بن زياد البلوي حليف بني عوف بن الخزرج ممن شهد بدرا مع رسول الله ص و كانت له قصة في الجاهلية قبل قدوم النبي ص المدينة و ذلك أن حضير الكتائب والد أسيد بن حضير جاء إلى بني عمرو بن عوف فكلم سويد بن الصامت و خوات بن جبير و أبا لبابة بن عبد المنذر و يقال سهل بن حنيف فقال هل لكم إن تزوروني فأسقيكم شرابا و أنحر لكم و تقيمون عندي أياما قالوا نعم نحن نأتيك يوم كذا فلما كان ذلك اليوم جاءوه فنحر لهم جزورا و سقاهم خمرا و أقاموا عنده ثلاثة أيام حتى تغير اللحم و كان سويد بن الصامت يومئذ شيخا كبيرا فلما مضت الأيام الثلاثة قالوا ما نرانا إلا راجعين إلى أهلنا فقال حضير ما أحببتم إن أحببتم فأقيموا و إن أحببتم فانصرفوا فخرج الفتيان بسويد بن الصامت يحملانه على جمل من الثمل فمروا لاصقين بالحرة حتى كانوا قريبا من بني عيينة فجلس سويد يبول و هو ثمل سكرا فبصر به إنسان من الخزرج فخرج حتى أتى المجذر بن زياد فقال هل لك في الغنيمة الباردة قال ما هي قال سويد بن الصامت أعزل لا سلاح معه ثمل فخرج المجذر بن زياد بالسيف مصلتا فلما رآه الفتيان و هما أعزلان لا سلاح معهما وليا و العداوة بين الأوس
و الخزرج شديدة فانصرفا مسرعين و ثبت الشيخ و لا حراك به فوقف المجذر بن زياد فقال قد أمكن الله منك قال ما تريد بي قال قتلك قال فارفع عن الطعام و اخفض عن الدماغ فإذا رجعت إلى أمك فقل إني قتلت سويد بن الصامت فقتله فكان قتله هو الذي هيج وقعة بعاث فلما قدم رسول الله ص المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت و أسلم المجذر فشهدا بدرا فجعل الحارث بن سويد يطلب المجذر في المعركة ليقتله بأبيه فلا يقدر عليه يومئذ فلما كان يوم أحد و جال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه فرجع رسول الله ص إلى المدينة ثم خرج إلى حمراء الأسد فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبرائيل ع فأخبره أن الحارث بن سويد قتل المجذر غيلة و أمره بقتله فركب رسول الله ص إلى قباء في اليوم الذي أخبره جبرائيل في يوم حار و كان ذلك يوما لا يركب فيه رسول الله ص إلى قباء إنما كانت الأيام التي يأتي فيها رسول الله ص قباء يوم السبت و يوم الإثنين فلما دخل رسول الله ص مسجد قباء صلى فيه ما شاء الله أن يصلي و سمعت الأنصار فجاءوا يسلمون عليه و أنكروا إتيانه تلك الساعة في ذلك اليوم فجلس ع يتحدث و يتصفح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورسة فلما رآه رسول الله ص دعا عويم بن ساعدة فقال له قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن زياد فإنه قتله يوم أحد فأخذه عويم فقال الحارث دعني أكلم رسول الله و رسول الله ص يريد أن يركب و دعا بحماره إلى باب المسجد فجعل الحارث يقول قد و الله قتلته يا رسول الله و ما كان قتلي إياه رجوعا عن الإسلام
و لا ارتيابا فيه و لكنه حمية الشيطان و أمر وكلت فيه إلى نفسي و إني أتوب إلى الله و إلى رسوله مما عملت و أخرج ديته و أصوم شهرين متتابعين و أعتق رقبة و أطعم ستين مسكينا إني أتوب إلى الله يا رسول الله و جعل يمسك بركاب رسول الله ص و بنو المجذر حضور لا يقول لهم رسول الله ص شيئا حتى إذا استوعب كلامه قال قدمه يا عويم فاضرب عنقه و ركب رسول الله ص فقدمه عويم بن ساعدة على باب المسجد فضرب عنقه.قال الواقدي و يقال إن الذي أعلم رسول الله قتل الحارث المجذر يوم أحد حبيب بن يساف نظر إليه حين قتله فجاء إلى النبي ص فأخبره فركب رسول الله ص يتفحص عن هذا الأمر فبينا هو على حماره نزل جبرائيل ع فخبره بذلك فأمر رسول الله ص عويما فضرب عنقه ففي ذلك قال حسان:
يا حار في سنة من نوم أولكم |
أم كنت ويحك مغترا بجبريل |
فأما البلاذري فإنه ذكر هذا و قال و يقال إن الجلاس بن سويد بن الصامت هو الذي قتل المجذر يوم أحد غيلة إلا أن شعر حسان يدل على أنه الحارث.قال الواقدي و البلاذري و كان سويد بن الصامت حين ضربه المجذر بقي قليلا ثم مات فقال قبل أن يموت يخاطب أولاده:
أبلغ جلاسا و عبد الله مالكه |
و إن دعيت فلا تخذلهما حار |
اقتل جذارة إذ ما كنت لاقيهم |
و الحي عوفا على عرف و إنكار |
قال البلاذري جذرة و جذارة أخوان و هما ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج.قلت هذه الروايات كما ترى و قد ذكر ابن ماكولا في الإكمال أن الحارث بن سويد قتل المجذر غيلة يوم أحد ثم التحق بمكة كافرا ذكره في حرف الميم من هذا الكتاب و هذا هو الأشبه عندي
قال الواقدي ذكر سعيد بن المسيب و أبو سعيد الخدري أنه قتل من الأنصار خاصة أحد و سبعون و بمثله قال مجاهد.قال فأربعة من قريش و هم حمزة بن عبد المطلب قتله وحشي و عبد الله بن جحش بن رئاب قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق و شماس بن عثمان بن الشريد من بني مخزوم قتله أبي بن خلف و مصعب بن عمير قتله ابن قميئة.قال و قد زاد قوم خامسا و هو سعد مولى حاطب من بني أسد بن عبد العزى و قال قوم أيضا إن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي جرح يوم أحد و مات من تلك الجراحة بعد أيام.قال الواقدي و قال قوم قتل ابنا الهبيب من بني سعد بن ليث و هما عبد الله
و عبد الرحمن و رجلان من بني مزينة و هما وهب بن قابوس و ابن أخيه الحارث بن عتبة بن قابوس فيكون جميع من قتل من المسلمين ذلك اليوم نحو أحد و ثمانين رجلا فأما تفصيل أسماء الأنصار فمذكور في كتب المحدثين و ليس هذا الموضع مكان ذكره
قال الواقدي قتل من بني عبد الدار طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء قريش قتله علي بن أبي طالب ع مبارزة و عثمان بن أبي طلحة قتله حمزة بن عبد المطلب و أبو سعيد بن أبي طلحة قتله سعد بن أبي وقاص و مسافع بن طلحة بن أبي طلحة قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح و كلاب بن طلحة بن أبي طلحة قتله الزبير بن العوام و الحارث بن طلحة بن أبي طلحة قتله عاصم بن ثابت و الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة قتله طلحة بن عبيد الله و أرطاة بن عبد شرحبيل قتله علي بن أبي طالب ع و قارظ بن شريح بن عثمان بن عبد الدار و يروى قاسط بالسين و الطاء المهملتين قال الواقدي لا يدرى من قتله و قال البلاذري قتله علي بن أبي طالب ع و صواب مولاهم قتله علي بن أبي طالب ع و قيل قتله قزمان و أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير قتله قزمان فهؤلاء أحد عشر.و من بني أسد بن عبد العزى عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد قتله أبو دجانة في رواية الواقدي و في رواية محمد بن إسحاق قتله علي بن أبي طالب ع و قال البلاذري قال ابن الكلبي إن عبد الله بن حميد قتل يوم بدر
و من بني زهرة أبو الحكم بن الأخنس بن شريق قتله علي بن أبي طالب ع و سباع بن عبد العزى الخزاعي و اسم عبد العزى عمر بن نضله بن عباس بن سليم و هو ابن أم أنمار الحجامة بمكة قتله حمزة بن عبد المطلب فهذان رجلان.و من بني مخزوم أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة قتله علي ع و هشام بن أبي أمية بن المغيرة قتله قزمان و الوليد بن العاص بن هشام قتله قزمان و خالد بن أعلم العقيلي قتله قزمان و عثمان بن عبد الله بن المغيرة قتله الحارث بن الصمة فهؤلاء خمسة.و من بني عامر بن لؤي عبيد بن حاجز قتله أبو دجانة و شيبة بن مالك بن المضرب قتله طلحة بن عبيد الله و هذان اثنان.و من بني جمح أبي بن خلف قتله رسول الله ص بيده و أبو عزة قتله عاصم بن ثابت صبرا بأمر رسول الله ص فهذان اثنان.و من بني عبد مناة بن كنانة خالد بن سفيان بن عويف و أبو الشعثاء بن سفيان بن عويف و أبو الحمراء بن سفيان بن عويف و غراب بن سفيان بن عويف هؤلاء الإخوة الأربعة قتلهم علي بن أبي طالب ع في رواية محمد بن حبيب.فأما الواقدي فلم يذكر في باب من قتل من المشركين بأحد لهم قاتلا معينا و لكنه ذكر في كلام آخر قبل هذا الباب أن أبا سبرة بن الحارث بن علقمة قتل أحد بني سفيان بن عويف و أن رشيدا الفارسي مولى بني معاوية لقي آخر من بني سفيان بن عويف مقنعا في الحديد و هو يقول أنا ابن عويف فيعرض له سعد مولى حاطب فضربه ابن
عويف ضربة جزله باثنتين فأقبل رشيد على ابن عويف فضربه على عاتقه فقطع الدرع حتى جزله اثنتين و قال خذها و أنا الغلام الفارسي فقال رسول الله ص و هو يراه و يسمعه أ لا قلت أنا الغلام الأنصاري قال فيعرض لرشيد أخ للمقتول أحد بني سفيان بن عويف أيضا و أقبل يعدو نحوه كأنه كلب يقول أنا ابن عويف و يضربه رشيد أيضا على رأسه و عليه المغفر ففلق رأسه و قال خذها و أنا الغلام الأنصاري فتبسم رسول الله ص و قال أحسنت يا أبا عبد الله فكناه رسول الله ص يومئذ و لا ولد له.قلت فأما البلاذري فلم يذكر لهم قاتلا و لكنه عدهم في جملة من قتل من المشركين بأحد و كذلك ابن إسحاق لم يذكر من قتلهم فإن صحت رواية الواقدي فعلي ع لم يكن قد قتل منهم إلا واحدا و إن كانت رواية ابن حبيب صحيحة فالأربعة من قتلاه ع و قد رأيت في بعض كتب أبي الحسن المدائني أيضا أن عليا ع هو الذي قتل بني سفيان بن عويف يوم أحد و روى له شعرا في ذلك.و من بني عبد شمس معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قتله علي ع في إحدى الروايات و قيل قتله زيد بن حارثة و عمار بن ياسر.فجميع من قتل من المشركين يوم أحد ثمانية و عشرون قتل علي ع منهم ما اتفق عليه و ما اختلف فيه اثني عشر و هو إلى جملة القتلى كعدة من قتل يوم بدر إلى جملة القتلى يومئذ و هو قريب من النصف
إلى المشركين ليوقع بهم على ما هو به من الوهن
قال الواقدي بلغ رسول الله ص أن المشركين قد عزموا أن يردوا إلى المدينة فينهبوها فأحب أن يريهم قوة فصلى الصبح يوم الأحد لثمان خلون من شوال و معه وجوه الأوس و الخزرج و كانوا باتوا تلك الليلة في بابه يحرسونه من البيات فيهم سعد بن عبادة و سعد بن معاذ و الحباب بن المنذر و أوس بن خولي و قتادة بن النعمان في عدة منهم فلما انصرف من صلاة الصبح أمر بلالا أن ينادي في الناس أن رسول الله ص يأمركم بطلب عدوكم و لا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس فخرج سعد بن معاذ راجعا إلى قومه يأمرهم بالمسير و الجراح في الناس فاشية عامة بني عبد الأشهل جريح بل كلها فجاء سعد بن معاذ فقال إن رسول الله ص يأمركم أن تطلبوا عدوكم قال يقول أسيد بن حضير و به سبع جراحات و هو يريد أن يداويها سمعا و طاعة لله و لرسوله فأخذ سلاحه و لم يعرج على دواء جراحة و لحق برسول الله ص و جاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير فلبسوا و لحقوا و جاء أبو قتادة أهل خربا و هم يداوون الجراح فقال هذا منادي رسول الله ص يأمركم بطلب العدو فوثبوا إلى سلاحهم و لم يعرجوا على جراحاتهم فخرج من بني سلمة أربعون جريحا بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا و بخراش بن الصمة عشر جراحات و بكعب بن مالك بضعة عشر جرحا و بقطبة بن عامر بن خديج بيده تسع جراحات حتى وافوا النبي ص بقبر أبي عتبة و عليهم السلاح
و قد صفوا لرسول الله ص فلما نظر إليهم و الجراح فيهم فاشية قال اللهم ارحم بني سلمة.قال الواقدي و حدثني عتبة بن جبيرة عن رجال من قومه أن عبد الله بن سهل و رافع بن سهل من بني عبد الأشهل رجعا من أحد و بهما جراح كثيرة و عبد الله أثقلهما جرحا فلما أصبحا و جاء سعد بن معاذ قومه يخبرهم أن رسول الله ص يأمرهم بطلب العدو قال أحدهما لصاحبه و الله إن تركنا غزاة مع رسول الله ص لغبن و الله ما عندنا دابة نركبها و لا ندري كيف نصنع قال عبد الله انطلق بنا قال رافع لا و الله ما بي مشي قال أخوه انطلق بنا نقصد و نجوز و خرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبه و يمشي الآخر عقبه حتى أتوا رسول الله ص عند العشاء و هم يوقدون النيران فأتي بهما رسول الله ص و على حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال رسول الله ص لهما ما حبسكما فأخبراه بعلتهما فدعا لهما بخير و قال إن طالت لكما مدة كانت لكما مراكب من خيل و بغال و إبل و ليس ذلك بخير لكما.قال الواقدي و قال جابر بن عبد الله يا رسول الله إن مناديا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس و قد كنت حريصا بالأمس على الحضور و لكن أبي خلفني على أخوات لي و قال يا بني لا ينبغي لك أن تدعهن و لا رجل معهن و أخاف عليهن و هن نسيات ضعاف و أنا خارج مع رسول الله ص لعل الله يرزقني الشهادة فتخلفت عليهن فاستأثر علي بالشهادة و كنت رجوتها فأذن لي يا رسول الله أن أسير معك فأذن له رسول الله ص قال جابر فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري و استأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك
عليهم فدعا رسول الله ص بلواءه و هو معقود لم يحل من أمس فدفعه إلى علي ع و يقال دفعه إلى أبي بكر فخرج رسول الله ص و هو مجروح في وجهه أثر الحلقتين و مشجوج في جبهته في أصول الشعر و رباعيته قد شظيت و شفته قد كلمت من باطنها و منكبه الأيمن موهن بضربة ابن قميئة و ركبتاه مجحوشتان فدخل المسجد فصلى ركعتين و الناس قد حشدوا و نزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ و دعا بفرسه على باب المسجد و تلقاه طلحة بن عبيد الله و قد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير رسول الله ص فإذا هو و عليه الدرع و المغفر لا يرى منه إلا عيناه فقال يا طلحة سلاحك قال قريبا قال طلحة فأخرج و أعدو فألبس درعي و آخذ سيفي و أطرح درقتي في صدري و إن بي لتسع جراحات و لأنا أهتم بجراح رسول الله ص مني بجراحي فأقبل رسول الله ص على طلحة فقال أين ترى القوم الآن قال هم بالسيالة فقال رسول الله ص ذلك الذي ظننت أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا قال و بعث رسول الله ص ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم فانقطع أحدهم و انقطع قبال نعل الآخر و لحق الثالث بقريش و هم بحمراء الأسد و لهم زجل يأتمرون في الرجوع إلى المدينة و صفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك و لحق الذي انقطع قبال نعله بصاحبه فبصرت قريش بالرجلين فعطفت عليهما فأصابوهما و انتهى المسلمون إلى مصرعهما بحمراء الأسد فقبرهما رسول الله ص في قبر واحد فهما القرينان.
قال الواقدي اسماهما سليط و نعمان.قال الواقدي قال جابر بن عبد الله كانت عامة أزوادنا ذلك اليوم التمر و حمل سعد بن عبادة ثلاثين بعيرا تمرا حتى وافت حمراء الأسد و ساق جزرا فنحروا في يوم ثنتين و في يوم ثلاثا و أمرهم رسول الله ص بجمع الحطب فإذا أمسوا أمرهم أن يوقدوا النيران فيوقد كل رجل نارا فلقد كنا تلك الليلة نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد و ذهب ذكر معسكرنا و نيراننا في كل وجه و كان ذلك مما كبت الله به عدونا.قال الواقدي و جاء معبد بن أبي معبد الخزاعي و هو يومئذ مشرك إلى النبي ص و كانت خزاعة سلما للنبي ص فقال يا محمد عز علينا ما أصابك في نفسك و ما أصابك في أصحابك و لوددنا أن الله تعالى أعلى كعبك و أن المصيبة كانت بغيرك ثم مضى معبد حتى يجد أبا سفيان و قريشا بالروحاء و هم يقولون لا محمدا أصبتم و لا الكواعب أردفتم فبئسما صنعتم و هم مجمعون على الرجوع إلى المدينة و يقول قائلهم فيما بينهم ما صنعنا شيئا أصبنا أشرافهم ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم و قبل أن يكون لهم وفر و كان المتكلم بهذا عكرمة بن أبي جهل فلما جاء معبد إلى أبي سفيان قال هذا معبد و عنده الخبر ما وراءك يا معبد قال تركت محمدا و أصحابه خلفي يتحرقون عليكم بمثل النيران و قد اجتمع معه من تخلف عنه بالأمس من الأوس و الخزرج و تعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم و قد غضبوا لقومهم غضبا شديدا و لمن أصبتم من أشرافهم قالوا ويحك ما تقول قال و الله ما أرى
أن ترتحلوا حتى تروا نواصي الخيل و لقد حملني ما رأيت منهم أن قلت أبياتا قالوا و ما هي فأنشدهم هذا الشعر:
كادت تهد من الأصوات راحلتي |
إذ سألت الأرض بالجرد الأبابيل |
|
تعدو بأسد ضراء لا تنابلة |
عند اللقاء و لا ميل معازيل |
|
فقلت ويل ابن حرب من لقائهم |
إذا تغطمطت البطحاء بالجيل |
و قد كان صفوان بن أمية رد القوم بكلامه قبل أن يطلع معبد و قال لهم صفوان يا قوم لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا و أخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج فارجعوا و الدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم إليهم أن تكون الدولة عليكم قال فلذلك
قال رسول الله ص أرشدهم صفوان و ما كان برشيد ثم قال و الذي نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة و لو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب قال فانصرف القوم سراعا خائفين من الطلب لهم و مر بأبي سفيان قوم من عبد القيس يريدون المدينة فقال لهم هل أنتم مبلغو محمد و أصحابه ما أرسلكم به على أن أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ إن أنتم جئتموني قالوا نعم قال حيثما
لقيتم محمدا و أصحابه فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرجعة إليهم و أنا آثاركم و انطلق أبو سفيان إلى مكة و قدم الركب على النبي ص و أصحابه بالحمراء فأخبروهم بالذي أمرهم أبو سفيان فقالوا حسبنا الله و نعم الوكيل فأنزل ذلك في القرآن و أرسل معبد رجلا من خزاعة إلى رسول الله ص يعلمه أنه قد انصرف أبو سفيان و أصحابه خائفين وجلين فانصرف رسول الله ص بعد ثلاث إلى المدينة
نذكرها من كتاب الواقدي و نزيد على ذلك ما رواه محمد بن إسحاق في كتابه على عادتنا فيما تقدم قال الواقدي حدثني ربيعة بن عثمان عن عمر بن الحكم قال بعث رسول الله ص الحارث بن عمير الأزدي في سنة ثمان إلى ملك بصرى بكتاب فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال أين تريد قال الشام قال لعلك من رسل محمد قال نعم فأمر به فأوثق رباطا ثم قدمه فضرب عنقه و لم يقتل لرسول الله ص رسول غيره و بلغ ذلك رسول الله ص فاشتد عليه و ندب الناس و أخبرهم بمقتل الحارث فأسرعوا و خرجوا فعسكروا بالجرف فلما صلى رسول الله ص الظهر جلس و جلس أصحابه حوله و جاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف مع الناس
فقال رسول الله ص زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فإن أصيب ابن رواحة فليرتض المسلمون من بينهم رجلا فليجعلوه عليهم فقال النعمان بن مهض يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسيصاب من سميت قليلا كانوا أو كثيرا إن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا قال زيد أشهد أنه نبي صادق فلما أجمعوا
المسير و عقد رسول الله ص لهم اللواء بيده دفعه إلى زيد بن حارثة و هو لواء أبيض و مشى الناس إلى أمراء رسول الله ص يودعونهم و يدعون لهم و كانوا ثلاثة آلاف فلما ساروا في معسكرهم ناداهم المسلمون دفع الله عنكم و ردكم صالحين سالمين غانمين فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة |
و ضربة ذات فرغ تقذف الزبدا |
|
أو طعنة بيدي حران مجهزة |
بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا |
|
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي |
يا أرشد الله من غاز فقد رشدا |
قلت اتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة كان هو الأمير الأول و أنكرت الشيعة ذلك و قالوا كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأول فإن قتل فزيد بن حارثة فإن قتل فعبد الله بن رواحة و رووا في ذلك روايات و قد وجدت في الأشعار التي ذكرها محمد بن إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم فمن ذلك ما رواه عن حسان بن ثابت و هو
تأوبني ليل بيثرب أعسر |
و هم إذا ما نوم الناس مسهر |
|
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة |
سفوحا و أسباب البكاء التذكر |
|
بلى إن فقدان الحبيب بلية |
و كم من كريم يبتلى ثم يصبر |
|
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا |
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر |
|
و زيد و عبد الله حين تتابعوا |
جميعا و أسياف المنية تخطر |
رأيت خيار المؤمنين تواردوا |
شعوب و خلق بعدهم يتأخر |
|
غداة غدوا بالمؤمنين يقودهم |
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر |
|
أغر كضوء البدر من آل هاشم |
أبي إذا سيم الظلامة أصعر |
|
فطاعن حتى مال غير موسد |
بمعترك فيه القنا متكسر |
|
فصار مع المستشهدين ثوابه |
جنان و ملتف الحدائق أخضر |
|
و كنا نرى في جعفر من محمد |
وقارا و أمرا حازما حين يأمر |
|
و ما زال في الإسلام من آل هاشم |
دعائم صدق لا ترام و مفخر |
|
هم جبل الإسلام و الناس حولهم |
رضام إلى طور يطول و يقهر |
|
بهاليل منهم جعفر و ابن أمه |
علي و منهم أحمد المتخير |
|
و حمزة و العباس منهم و منهم |
عقيل و ماء العود من حيث يعصر |
|
بهم تفرج الغماء من كل مأزق |
عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر |
|
هم أولياء الله أنزل حكمه |
عليهم و فيهم و الكتاب المطهر |
و منها قول كعب بن مالك الأنصاري من قصيدة أولها:
نام العيون و دمع عينك يهمل |
سحا كما وكف الرباب المسبل |
|
وجدا على النفر الذين تتابعوا |
قتلى بمؤتة أسندوا لم ينقلوا |
|
ساروا أمام المسلمين كأنهم |
طود يقودهم الهزبر المشبل |
|
إذ يهتدون بجعفر و لوائه |
قدام أولهم و نعم الأول |
|
حتى تقوضت الصفوف و جعفر |
حيث التقى جمع الغواة مجدل |
فتغير القمر المنير لفقده |
و الشمس قد كسفت و كادت تأفل |
|
قوم علا بنيانهم من هاشم |
فرع أشم و سؤدد متأثل |
|
قوم بهم عصم الإله عباده |
و عليهم نزل الكتاب المنزل |
|
فضلوا المعاشر عفة و تكرما |
و تعمدت أخلاقهم من يجهل |
قال الواقدي فحدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق عن زيد بن أرقم أن رسول الله ص خطبهم فأوصاهم فقال أوصيكم بتقوى الله و بمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا باسم الله و في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغدروا و لا تغلوا و لا تقتلوا وليدا و إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم و اكفف عنهم ادعهم إلى الدخول في الإسلام فإن فعلوا فاقبل و اكفف ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين و عليهم ما على المهاجرين و إن دخلوا في الإسلام و اختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله و لا يكون لهم في الفيء و لا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم و اكفف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله و قاتلهم و إن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله و لكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أ تصيب حكم الله فيهم أم لا و إن حاصرت أهل حصن أو مدينة و أرادوا أن تجعل لهم ذمة الله و ذمة رسول الله فلا تجعل لهم ذمة الله و ذمة رسول الله و لكن اجعل لهم ذمتك و ذمة أبيك و أصحابك فإنكم إن تخفروا ذممكم و ذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله و ذمة رسوله
قال الواقدي و حدثني أبو صفوان عن خالد بن يزيد قال خرج النبي ص مشيعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع فوقف و وقفوا حوله فقال اغزوا بسم الله فقاتلوا عدو الله و عدوكم بالشام و ستجدون فيها رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم و ستجدون آخرين للشيطان في رءوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف و لا تقتلن امرأة و لا صغيرا ضرعا و لا كبيرا فانيا و لا تقطعن نخلا و لا شجرا و لا تهدمن بناء
قال الواقدي فلما دعا ودع عبد الله بن رواحة رسول الله ص قال له مرني بشيء أحفظه عنك قال إنك قادم غدا بلدا السجود فيه قليل فأكثروا السجود فقال عبد الله زدني يا رسول الله قال اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع فقال يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر فقال يا ابن رواحة ما عجزت فلا تعجز إن أسأت عشرا أن تحسن واحدة فقال ابن رواحة لا أسألك عن شيء بعدها.و روى محمد بن إسحاق أن عبد الله بن رواحة ودع رسول الله ص بشعر منه:
فثبت الله ما آتاك من حسن |
تثبيت موسى و نصرا كالذي نصروا |
|
إني تفرست فيك الخير نافلة |
فراسة خالفتهم في الذي نظروا |
|
أنت الرسول فمن يحرم نوافله |
و البشر منه فقد أودى به القدر |
قال محمد بن إسحاق فلما ودع المسلمين بكى فقالوا له ما يبكيك يا عبد الله قال و الله ما بي حب الدنيا و لا صبابة إليها و لكني سمعت رسول الله ص
يقرأ( وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها ) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود قال الواقدي و كان زيد بن أرقم يحدث قال كنت يتيما في حجر عبد الله بن رواحة فلم أر والي يتيم كان خيرا لي منه خرجت معه في وجهة إلى مؤتة و صب بي و صببت به فكان يردفني خلف رحله فقال ذات ليلة و هو على راحلته بين شعبتي رحله:
إذا بلغتني و حملت رحلي |
مسافة أربع بعد الحساء |
|
فشأنك فانعمي و خلاك ذم |
و لا أرجع إلى أهلي ورائي |
|
و آب المسلمون و خلفوني |
بأرض الشام مشتهر الثواء |
|
و زودني الأقارب من دعاء |
إلى الرحمن و انقطع الإخاء |
|
هنالك لا أبالي طلع نخل |
و لا نخل أسافلها رواء |
فلما سمعت منه هذا الشعر بكيت فخفقني بالدرة و قال و ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة فأستريح من الدنيا و نصبها و همومها و أحزانها و أحداثها و ترجع أنت بين شعبتي الرحل.قال الواقدي و مضى المسلمون فنزلوا وادي القرى فأقاموا به أياما و ساروا حتى نزلوا بمؤتة و بلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل ماء من مياه البلقاء في بكر و بهراء و لخم و جذام و غيرهم مائة ألف مقاتل و عليهم رجل من بلي فأقام المسلمون ليلتين ينظرون
في أمرهم و قالوا نكتب إلى رسول الله ص فنخبره الخبر فإما أن يردنا أو يزيدنا رجالا فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم عبد الله بن رواحة فشجعهم و قال و الله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدة و لا كثرة سلاح و لا كثرة خيل إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به انطلقوا فقاتلوا فقد و الله رأينا يوم بدر و ما معنا إلا فرسان إنما هي إحدى الحسنيين إما الظهور عليهم فذاك ما وعدنا الله و رسوله و ليس لوعده خلف و إما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان فشجع الناس على قول ابن رواحة.قال الواقدي و روى أبو هريرة قال شهدت مؤتة فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به من العدد و السلاح و الكراع و الديباج و الحرير و الذهب فبرق بصري فقال لي ثابت بن أرقم ما لك يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة قلت نعم قال لم تشهدنا ببدر إنا لم ننصر بالكثرة.قال الواقدي فالتقى القوم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل طعنوه بالرماح ثم أخذه جعفر فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها ثم قاتل حتى قتل.قال الواقدي قيل إنه ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم هناك فوجد فيه ثلاثون أو بضع و ثلاثون جرحا.قال الواقدي و قد روى نافع عن ابن عمر أنه وجد في بدن جعفر بن أبي طالب اثنتان و سبعون ضربة و طعنة بالسيوف و الرماح.قال البلاذري قطعت يداه و لذلك
قال رسول الله ص لقد أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة و لذلك سمي الطيار.قال الواقدي ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فنكل يسيرا ثم حمل فقاتل
حتى قتل فلما قتل انهزم المسلمون أسوأ هزيمة كانت في كل وجه ثم تراجعوا فأخذ اللواء ثابت بن أرقم و جعل يصيح بالأنصار فثاب إليه منهم قليل فقال لخالد بن الوليد خذ اللواء يا أبا سليمان قال خالد لا بل خذه أنت فلك سن و قد شهدت بدرا قال ثابت خذه أيها الرجل فو الله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد و حمل به ساعة و جعل المشركون يحملون عليه حتى دهمه منهم بشر كثير فانحاز بالمسلمين و انكشفوا راجعين.قال الواقدي و قد روى أن خالدا ثبت بالناس فلم ينهزموا و الصحيح أن خالدا انهزم بالناس.قال الواقدي حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة أن النبي ص لما التقى الناس بمؤتة جلس على المنبر و كشف له ما بينه و بين الشام فهو ينظر إلى معركتهم فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة و كره إليه الموت و حبب إليه الدنيا فقال الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا فمضى قدما حتى استشهد ثم صلى عليه و قال استغفروا له فقد دخل الجنة و هو يسعى ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فمناه الحياة و كره إليه الموت و مناه الدنيا فقال الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تتمنى الدنيا ثم مضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ص و دعا له
ثم قال استغفروا لأخيكم فإنه شهيد قد دخل الجنة فهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء ثم قال أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم دخل معترضا فشق ذلك على الأنصار فقال رسول الله ص أصابته الجراح قيل يا رسول الله فما اعتراضه قال لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فشجع فاستشهد فدخل الجنة فسري عن قومه.
و روى محمد بن إسحاق قال لما ذكر رسول الله ص زيدا و جعفرا سكت عن عبد الله بن رواحة حتى تغيرت وجوه الأنصار و ظنوا أنه قد كان من عبد الله بعض ما يكرهون ثم قال أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيدا ثم قال لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير ابن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت لم هذا فقيل لأنهما مضيا و تردد هذا بعض التردد ثم مضى.قال و روى محمد بن إسحاق أنه لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية قاتل قتالا شديدا حتى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفررضياللهعنه أول رجل عقر فرسه في الإسلام.قال محمد بن إسحاق و لما أخذ ابن رواحة الراية جعل يتردد بعض التردد و يستقدم نفسه يستنزلها و قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه |
طوعا و إلا سوف تكرهنه |
|
ما لي أراك تكرهين الجنة |
إذ أجلب الناس و شدوا الرنه |
|
قد طالما قد كنت مطمئنه |
هل أنت إلا نطفة في شنه |
ثم ارتجز أيضا فقال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي |
هذا حمام الموت قد صليت |
و ما تمنيت فقد أعطيت |
إن تفعلي فعلهما هديت |
و إن تأخرت فقد شقيت
ثم نزل عن فرسه فقاتل فأتاه ابن عم له ببضعة من لحم فقال اشدد بهذا صلبك فأخذها من يده فانتهش منها نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية من الناس فقال و أنت يا ابن رواحة في الدنيا ثم ألقاها من يده و أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.قال الواقدي حدثني داود بن سنان قال سمعت ثعلبة بن أبي مالك يقول انكشف خالد بن الوليد يومئذ بالناس حتى عيروا بالفرار و تشاءم الناس به.قال و روى أبو سعيد الخدري قال أقبل خالد بالناس منهزمين فلما سمع أهل المدينة بهم تلقوهم بالجرف فجعلوا يحثون في وجوههم التراب و يقولون يا فرار أفررتم في سبيل الله فقال رسول الله ص ليسوا بالفرار و لكنهم كرار إن شاء الله.قال الواقدي و قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة لقوهم بالشر حتى إن الرجل ينصرف إلى بيته و أهله فيدق عليهم فيأبون أن يفتحوا له يقولون ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت و جلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس حتى أرسل النبي ص رجلا يقول لهم أنتم الكرار في سبيل الله فخرجوا.
قال الواقدي فحدثني مالك بن أبي الرجال عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس قالت أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر و أصحابه فأتاني رسول الله ص و قد منأت أربعين منا من أدم و عجنت عجيني و أخذت بني فغسلت وجوههم و دهنتهم فدخلت على
رسول الله ص فقال يا أسماء أين بنو جعفر فجئت بهم إليه فضمهم و شمهم ثم ذرفت عيناه فبكى فقلت يا رسول الله لعله بلغك عن جعفر شيء قال نعم إنه قتل اليوم فقمت أصيح و اجتمع إلى النساء فجعل رسول الله ص يقول يا أسماء لا تقولي هجرا و لا تضربي صدرا ثم خرج حتى دخل على ابنته فاطمةرضياللهعنه ا و هي تقول وا عماه فقال على مثل جعفر فلتبك الباكية ثم قال اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم
قال الواقدي و حدثني محمد بن مسلم عن يحيى بن أبي يعلى قال سمعت عبد الله بن جعفر يقول أنا أحفظ حين دخل النبي ص على أمي فنعى إليها أبي فأنظر إليه و هو يمسح على رأسي و رأس أخي و عيناه تهراقان بالدمع حتى قطرت لحيته ثم قال اللهم إن جعفرا قدم إلي أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته ثم قال يا أسماء أ لا أبشرك قالت بلى بأبي و أمي قال فإن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة قالت بأبي و أمي فأعلم الناس ذلك فقام رسول الله ص و أخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقي على المنبر و أجلسني أمامه على الدرجة السفلى و إن الحزن ليعرف عليه فتكلم فقال إن المرء كثير بأخيه و ابن عمه ألا إن جعفرا قد استشهد و قد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة ثم نزل فدخل بيته و أدخلني و أمر بطعام فصنع لنا و أرسل إلى أخي فتغدينا عنده غداء طيبا عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته ثم نشفته ثم أنضجته و آدمته بزيت و جعلت عليه فلفلا فتغديت أنا و أخي معه و أقمنا عنده ثلاثة أيام ندور معه في بيوت نسائه ثم أرجعنا إلى بيتنا و أتاني رسول الله ص بعد ذلك و أنا أساوم في شاة فقال اللهم بارك له في صفقته فو الله ما بعت شيئا و لا اشتريت إلا بورك فيه
روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين أن كنية جعفر بن أبي طالب أبو المساكين و قال و كان ثالث الإخوة من ولد أبي طالب أكبرهم طالب و بعده عقيل و بعده جعفر و بعده علي و كل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين و علي أصغرهم سنا و أمهم جميعا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف و هي أول هاشمية ولدت لهاشمي و فضلها كثير و قربها من رسول الله ص و تعظيمه لها معلوم عند أهل الحديث.و روى أبو الفرج لجعفررضياللهعنه فضل كثير و قد ورد فيه حديث كثير
من ذلك أن رسول الله ص لما فتح خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فالتزمه رسول الله ص و جعل يقبل بين عينيه و يقول ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر.قال و قد روى خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي هريرة أنه قال ما ركب المطايا و لا ركب الكور و لا انتعل و لا احتذى النعال أحد بعد رسول الله ص أفضل من جعفر بن أبي طالب.
قال و قد روى عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ص خير الناس حمزة و جعفر و علي و
قد روى جعفر بن محمد عن أبيه ع قال قال رسول الله ص خلق الناس من أشجار شتى و خلقت أنا و جعفر من شجرة واحدة أو قال من طينة واحدة
قال و بالإسناد قال رسول الله ص لجعفر أنت أشبهت خلقي و خلقي.و قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب كانت سن جعفر ع يوم قتل إحدى و أربعين سنة.
قال أبو عمر و قد روى ابن المسيب أن رسول الله ص قال مثل لي جعفر و زيد و عبد الله في خيمة من در كل واحد منهم على سرير فرأيت زيدا و ابن رواحة في أعناقهما صدودا و رأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود فسألت فقيل لي إنهما حين غشيهما الموت أعرضا و صدا بوجهيهما و أما جعفر فلم يفعل قال أبو عمر أيضا و روي عن الشعبي قال سمعت عبد الله بن جعفر يقول كنت إذا سألت عمي عليا ع شيئا و يمنعني أقول له بحق جعفر فيعطيني.وروى أبو عمر أيضا في حرف الزاي في باب زيد بن حارثة أن رسول الله ص لما أتاه قتل جعفر و زيد بمؤتة بكى و قال أخواي و مؤنساي و محدثاي و اعلم أن هذه الكلمات التي ذكرها الرضي رحمة الله عليه ملتقطة من كتابه ع الذي كتبه جوابا عن كتاب معاوية النافذ إليه مع أبي مسلم الخولاني و قد ذكره أهل السيرة في كتبهم روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عمر بن سعد عن أبي ورقاء قال جاء أبو مسلم الخولاني في ناس من قراء أهل الشام إلى معاوية قبل مسير أمير المؤمنين ع إلى صفين فقالوا له يا معاوية علام تقاتل عليا و ليس لك
مثل صحبته و لا هجرته و لا قرابته و لا سابقته فقال إني لا أدعي أن لي في الإسلام مثل صحبته و لا مثل هجرته و لا قرابته و لكن خبروني عنكم أ لستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما قالوا بلى قال فليدفع إلينا قتلته لنقتلهم به و لا قتال بيننا و بينه قالا فاكتب إليه كتابا يأته به بعضنا فكتب مع أبي مسلم الخولاني من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه و جعله الأمين على وحيه و الرسول إلى خلقه و اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله تعالى بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام فكان أفضلهم في الإسلام و أنصحهم لله و رسوله الخليفة من بعده ثم خليفة خليفته من بعد خليفته ثم الثالث الخليفة المظلوم عثمان فكلهم حسدت و على كلهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر و قولك الهجر و تنفسك الصعداء و إبطائك عن الخلفاء تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع و أنت كاره ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان و كان أحقهم ألا تفعل ذلك في قرابته و صهره فقطعت رحمه و قبحت محاسنه و ألبت الناس عليه و بطنت و ظهرت حتى ضربت إليه آباط الإبل و قيدت إليه الإبل العراب و حمل عليه السلاح في حرم رسول الله ص فقتل معك في المحلة و أنت تسمع في داره الهائعة لا تردع الظن و التهمة عن نفسك بقول و لا عمل و أقسم قسما صادقا لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس
عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا و لمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان و البغي عليه و أخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين إيواؤك قتلة عثمان فهم عضدك و أنصارك و يدك و بطانتك و قد ذكر لي أنك تتنصل من دمه فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به و نحن أسرع الناس إليك و إلا فإنه ليس لك و لأصحابك إلا السيف و الذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال و الرمال و البر و البحر حتى يقتلهم الله أو لتلحقن أرواحنا بالله و السلام.قال نصر فلما قدم أبو مسلم على علي ع بهذا الكتاب قام فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإنك قد قمت بأمر وليته و و الله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما فادفع إلينا قتلته و أنت أميرنا فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة و ألسنتنا لك شاهدة و كنت ذا عذر و حجة فقال له علي ع اغد علي غدا فخذ جواب كتابك فانصرف ثم رجع من غد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه قبل فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملئوا المسجد فنادوا كلنا قتلة عثمان و أكثروا من النداء بذلك و أذن لأبي مسلم فدخل فدفع علي ع جواب كتاب معاوية فقال أبو مسلم لقد رأيت قوما ما لك معهم أمر قال و ما ذاك قال بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا و اجتمعوا و لبسوا السلاح و زعموا أنهم قتلة عثمان فقال علي ع و الله ما أردت أن أدفعهم إليكم طرفة عين قط لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينه فما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك و لا إلى غيرك فخرج أبو مسلم بالكتاب و هو يقول الآن طاب الضراب
و كان جواب علي ع من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا ص و ما أنعم الله به عليه من الهدى و الوحي فالحمد لله الذي صدقه الوعد و أيده بالنصر و مكن له في البلاد و أظهره على أهل العداوة و الشنئان من قومه الذين وثبوا عليه و شنفوا له و أظهروا تكذيبه و بارزوه بالعداوة و ظاهروا على إخراجه و على إخراج أصحابه و أهله و ألبوا عليه العرب و جادلوهم على حربه و جهدوا في أمره كل الجهد و قلبوا له الأمور حتى جاء الحق و ظهر أمر الله و هم كارهون و كان أشد الناس عليه تأليبا و تحريضا أسرته و الأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصم الله و ذكرت أن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام فكان أفضلهم زعمت في الإسلام و أنصحهم لله و لرسوله الخليفة و خليفة الخليفة و لعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم و إن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد فرحمهما الله و جزاهما أحسن ما عملا و ذكرت أن عثمان كان في الفضل تاليا فإن يك عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه و إن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره و لعمري إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام و نصيحتهم لله و لرسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر إن محمدا ص لما دعا إلى الإيمان بالله و التوحيد له كنا أهل البيت أول من آمن به و صدقه فيما جاء فبتنا أحوالا كاملة مجرمة تامة و ما يعبد الله في ربع ساكن من
العرب غيرنا فأراد قومنا قتل نبينا و اجتياح أصلنا و هموا بنا الهموم و فعلوا بنا الأفاعيل و منعونا الميرة و أمسكوا عنا العذب و أحلسونا الخوف و جعلوا علينا الأرصاد و العيون و اضطرونا إلى جبل وعر و أوقدوا لنا نار الحرب و كتبوا بينهم كتابا لا يؤاكلوننا و لا يشاربوننا و لا يناكحوننا و لا يبايعوننا و لا نأمن منهم حتى ندفع إليهم محمدا فيقتلوه و يمثلوا به فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم فعزم الله لنا على منعه و الذب عن حوزته و الرمي من وراء حرمته و القيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل و النهار فمؤمننا يرجو بذلك الثواب و كافرنا يحامي عن الأصل و أما من أسلم من قريش فإنهم مما نحن فيه خلاء منهم الحليف الممنوع و منهم ذو العشيرة التي تدافع عنه فلا يبغيه أحد مثل ما بغانا به قومنا من التلف فهم من القتل بمكان نجوة و أمن فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة و أذن له بعد ذلك في قتال المشركين فكان إذا احمر البأس و دعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا فوقى أصحابه بهم حد الأسنة و السيوف فقتل عبيدة يوم بدر و حمزة يوم أحد و جعفر و زيد يوم مؤتة و أراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي ص غير مرة إلا أن آجالهم عجلت و منيته أخرت و الله ولى الإحسان إليهم و المنة عليهم بما أسلفوا من أمر الصالحات فما سمعت بأحد و لا رأيته هو أنصح في طاعة رسوله و لا لنبيه و لا أصبر على اللأواء و السراء و الضراء و حين البأس و مواطن المكروه مع النبي ص من هؤلاء النفر الذين سميت لك و في المهاجرين خير كثير يعرف جزاهم الله خيرا بأحسن
أعمالهم و ذكرت حسدي الخلفاء و إبطائي عنهم و بغيي عليهم فأما البغي فمعاذ الله أن يكون و أما الإبطاء عنهم و الكراهية لأمرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه ص قالت قريش منا أمير و قالت الأنصار منا أمير فقالت قريش منا محمد نحن أحق بالأمر فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية و السلطان فإذا استحقوها بمحمد ص دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد أحق به منهم و إلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا أو الأنصار ظلموا بل عرفت إن حقي هو المأخوذ و قد تركته لهم تجاوزا لله عنهم و أما ما ذكرت من أمر عثمان و قطيعتي رحمه و تأليبي عليه فإن عثمان عمل ما قد بلغك فصنع الناس به ما رأيت و إنك لتعلم أني قد كنت في عزلة عنه إلا أن تتجني فتجن ما بدا لك و أما ما ذكرت من أمر قتله عثمان فإني نظرت في هذا الأمر و ضربت أنفه و عينه فلم أر دفعهم إليك و لا إلى غيرك و لعمري لئن لم تنزع عن غيك و شقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك لا يكلفونك أن تطلبهم في بر و لا بحر و لا سهل و لا جبل و قد أتاني أبوك حين ولى الناس أبا بكر فقال أنت أحق بمقام محمد و أولى الناس بهذا الأمر و أنا زعيم لك بذلك على من خالف ابسط يدك أبايعك فلم أفعل و أنت تعلم أن أباك قد قال ذلك و أراده حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الإسلام فأبوك كان أعرف بحقي منك فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرف تصب رشدك و إن لم تفعل فسيغني الله عنك و السلام
10 و من كتاب له ع إلى معاوية أيضا
وَ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا وَ خَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا وَ قَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا وَ أَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا وَ إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لاَ يُنْجِيكَ مِنْهُ مُنْجٍ مِجَنٌّ فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ خُذْ أُهْبَةَ اَلْحِسَابِ وَ شَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ وَ لاَ تُمَكِّنِ اَلْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ وَ إِلاَّ تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ اَلشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ وَ بَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ وَ جَرَى مِنْكَ مَجْرَى اَلرُّوحِ وَ اَلدَّمِ وَ مَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ اَلرَّعِيَّةِ وَ وُلاَةَ أَمْرِ اَلْأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ وَ لاَ شَرَفٍ بَاسِقٍ وَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ اَلشَّقَاءِ وَ أُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ اَلْأُمْنِيِّةِ مُخْتَلِفَ اَلْعَلاَنِيَةِ وَ اَلسَّرِيرَةِ وَ قَدْ دَعَوْتَ إِلَى اَلْحَرْبِ فَدَعِ اَلنَّاسَ جَانِباً وَ اُخْرُجْ إِلَيَّ وَ أَعْفِ اَلْفَرِيقَيْنِ مِنَ اَلْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا اَلْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَ اَلْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَ أَخِيكَ وَ خَالِكَ شَدْخاً يَوْمَ بَدْرٍ وَ ذَلِكَ اَلسَّيْفُ مَعِي وَ بِذَلِكَ اَلْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي مَا اِسْتَبْدَلْتُ دِيناً وَ لاَ اِسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً وَ إِنِّي لَعَلَى اَلْمِنْهَاجِ اَلَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ وَ دَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائِراً بِدَمِ عُثْمَانَ وَ لَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمَانَ فَاطْلُبْهُ
مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ اَلْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ اَلْجِمَالِ بِالْأَثْقَالِ وَ كَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ اَلضَّرْبِ اَلْمُتَتَابِعِ وَ اَلْقَضَاءِ اَلْوَاقِعِ وَ مَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ إِلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ هِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ الجلابيب جمع جلباب و هي الملحفة في الأصل و استعير لغيرها من الثياب و تجلبب الرجل جلببة و لم تدغم لأنها ملحقة بدحرجة.قوله و تبهجت بزينتها صارت ذات بهجة أي زينة و حسن و قد بهج الرجل بالضم و يوشك يسرع.و يقفك واقف يعني الموت و يروى و لا ينحيك مجن و هو الترس و الرواية الأولى أصح.قوله فاقعس عن هذا الأمر أي تأخر عنه و الماضي قعس بالفتح و مثله تقاعس و اقعنسس.و أهبة الحساب عدته و تأهب استعد و جمع الأهبة أهب.و شمر لما قد نزل بك أي جد و اجتهد و خف و منه رجل شمري بفتح الشين و تكسر.و الغواة جمع غاو و هو الضال.قوله و إلا تفعل يقول و إن كنت لا تفعل ما قد أمرتك و وعظتك به فإني أعرفك من نفسك ما أغفلت معرفته.إنك مترف و المترف الذي قد أترفته النعمة أي أطغته
قد أخذ الشيطان منك مأخذه و يروى مآخذه بالجمع أي تناول الشيطان منك لبك و عقلك و مأخذه مصدر أي تناولك الشيطان تناوله المعروف و حذف مفعول أخذ لدلالة الكلام عليه و لأن اللفظة تجري مجرى المثل.قوله و جرى منك مجرى الروح و الدم هذه
كلمة رسول الله ص إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم.ثم خرج ع إلى أمر آخر فقال لمعاوية و متى كنتم ساسة الرعية و ولاة أمر الأمة ينبغي أن يحمل هذا الكلام على نفي كونهم سادة و ولاة في الإسلام و إلا ففي الجاهلية لا ينكر رئاسة بني عبد شمس و لست أقول برياستهم على بني هاشم و لكنهم كانوا رؤساء على كثير من بطون قريش أ لا ترى أن بني نوفل بن عبد مناف ما زالوا أتباعا لهم و أن بني عبد شمس كانوا في يوم بدر قادة الجيش كان رئيس الجيش عتبة بن ربيعة و كانوا في يوم أحد و يوم الخندق قادة الجيش كان الرئيس في هذين اليومين أبا سفيان بن حرب و أيضا فإن في لفظة أمير المؤمنين ع ما يشعر بما قلناه و هو قوله و ولاة أمر الأمة فإن الأمة في العرب هم المسلمون أمة محمد ص.قوله ع بغير قدم سابق يقال لفلان قدم صدق أي سابقة و أثرة حسنة.قوله ع و لا شرف باسق أي عال.و تمادى تفاعل من المدى و هو الغاية أي لم يقف بل مضى قدما.و الغرة الغفلة و الأمنية طمع النفس و مختلف السريرة و العلانية منافق.قوله ع فدع الناس جانبا منصوب على الظرف.
و المرين على قلبه المغلوب عليه من قوله تعالى( كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) و قيل الرين الذنب على القريب.و إنما قال أمير المؤمنين ع لمعاوية هذه الكلمة لأن معاوية قالها في رسالة كتبها و وقفت عليها من كتاب أبي العباس يعقوب بن أبي أحمد الصيمري الذي جمعه من كلام علي ع و خطبه و أولها أما بعد فإنك المطبوع على قلبك المغطى على بصرك الشر من شيمتك و العتو من خليقتك فشمر للحرب و اصبر للضرب فو الله ليرجعن الأمر إلى ما علمت و العاقبة للمتقين هيهات هيهات أخطأك ما تمنى و هوى قلبك فيما هوى فأربع على ظلعك و قس شبرك بفترك تعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه و يفصل بين أهل الشك علمه و السلام.
فكتب إليه أمير المؤمنين ع أما بعد يا ابن صخر يا ابن اللعين يزن الجبال فيما زعمت حلمك و يفصل بين أهل الشك علمك و أنت الجاهل القليل الفقه المتفاوت العقل الشارد عن الدين و قلت فشمر للحرب و اصبر فإن كنت صادقا فيما تزعم و يعينك عليه ابن النابغة فدع الناس جانبا و أعف الفريقين من القتال و ابرز إلي لتعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن حقا قاتل أخيك و خالك و جدك شدخا يوم بدر و ذلك السيف معي و بذلك القلب ألقى عدوي.
قوله ع شدخا الشدخ كسر الشيء الأجوف شدخت رأسه فانشدخ و هؤلاء الثلاثة حنظلة بن أبي سفيان و الوليد بن عتبة و أبوه عتبة بن ربيعة فحنظلة أخوه و الوليد خاله و عتبة جده و قد تقدم ذكر قتلة إياهم في غزاة بدر.و الثائر طالب الثأر و قوله قد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك يريد به إن كنت تطلب ثأرك من عند من أجلب و حاصر فالذي فعل ذلك طلحة و الزبير فاطلب ثأرك من بني تميم و من بني أسد بن عبد العزى و إن كنت تطلبه ممن خذل فاطلبه من نفسك فإنك خذلته و كنت قادرا على أن ترفده و تمده بالرجال فخذلته و قعدت عنه بعد أن استنجدك و استغاث بك.و تضج تصوت و الجاحدة المنكرة و الحائدة العادلة عن الحق.و اعلم أن قوله و كأني بجماعتك يدعونني جزعا من السيف إلى كتاب الله تعالى إما أن يكون فراسة نبوية صادقة و هذا عظيم و إما أن يكون إخبارا عن غيب مفصل و هو أعظم و أعجب و على كلا الأمرين فهو غاية العجب و قد رأيت له ذكر هذا المعنى في كتاب غير هذا و هو أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك و ما أعلمني بمنزلتك التي أنت إليها صائر و نحوها سائر و ليس إبطائي عنك إلا لوقت أنا به مصدق و أنت به مكذب و كأني أراك و أنت تضج من الحرب و إخوانك يدعونني خوفا من السيف إلى كتاب هم به كافرون و له جاحدون.و وقفت له ع على كتاب آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى أوله
أما بعد فطالما دعوت أنت و أولياؤك أولياء الشيطان الحق أساطير و نبذتموه وراء
ظهوركم و حاولتم إطفاءه بأفواهكم( وَ يَأْبَى اَللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكافِرُونَ ) و لعمري لينفذن العلم فيك و ليتمن النور بصغرك و قماءتك و لتخسأن طريدا مدحورا أو قتيلا مثبورا و لتجزين بعملك حيث لا ناصر لك و لا مصرخ عندك و قد أسهبت في ذكر عثمان و لعمري ما قتله غيرك و لا خذله سواك و لقد تربصت به الدوائر و تمنيت له الأماني طمعا فيما ظهر منك و دل عليه فعلك و إني لأرجو أن ألحقك به على أعظم من ذنبه و أكبر من خطيئته فأنا ابن عبد المطلب صاحب السيف و إن قائمه لفي يدي و قد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس و فراعنة بني سهم و جمح و بني مخزوم و أيتمت أبناءهم و أيمت نساءهم و أذكرك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة و جررت برجله إلى القليب و أسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا و طلبتك ففررت و لك حصاص فلو لا أني لا أتبع فارا لجعلتك ثالثهما و أنا أولي لك بالله ألية برة غير فاجرة لئن جمعتني و إياك جوامع الأقدار لأتركنك مثلا يتمثل به الناس أبدا و لأجعجعن بك في مناخك حتى يحكم الله بيني و بينك و هو خير الحاكمين و لئن أنسأ الله في أجلي قليلا لأغزينك سرايا المسلمين و لأنهدن إليك في جحفل من المهاجرين و الأنصار ثم لا أقبل لك معذرة و لا شفاعة و لا أجيبك إلى طلب و سؤال و لترجعن إلى تحيرك و ترددك و تلددك فقد شاهدت و أبصرت و رأيت
سحب الموت كيف هطلت عليك بصيبها حتى اعتصمت بكتاب أنت و أبوك أول من كفر و كذب بنزوله و لقد كنت تفرستها و آذنتك أنك فاعلها و قد مضى منها ما مضى و انقضى من كيدك فيها ما انقضى و أنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب فاختر لنفسك و انظر لها و تداركها فإنك إن فطرت و استمررت على غيك و غلوائك حتى ينهد إليك عباد الله أرتجت عليك الأمور و منعت أمرا هو اليوم منك مقبول يا ابن حرب إن لجاجك في منازعة الأمر أهله من سفاه الرأي فلا يطمعنك أهل الضلال و لا يوبقنك سفه رأي الجهال فو الذي نفس علي بيده لئن برقت في وجهك بارقة من ذي الفقار لتصعقن صعقة لا تفيق منها حتى ينفخ في الصور النفخة التي يئست منها( كَما يَئِسَ اَلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ اَلْقُبُورِ ) .قلت سألت النقيب أبا زيد عن معاوية هل شهد بدرا مع المشركين فقال نعم شهدها ثلاثة من أولاد أبي سفيان حنظلة و عمرو و معاوية قتل أحدهم و أسر الآخر و أفلت معاوية هاربا على رجليه فقدم مكة و قد انتفخ قدماه و ورمت ساقاه فعالج نفسه شهرين حتى برأ.قال النقيب أبو زيد و لا خلاف عند أحد أن عليا ع قتل حنظلة و أسر عمرا أخاه و لقد شهد بدرا و هرب على رجليه من هو أعظم منهما و من أخيهما عمرو بن عبد ود فارس يوم الأحزاب شهدها و نجا هاربا على قدميه و هو شيخ كبير
و ارتث جريحا فوصل إلى مكة و هو وقيذ فلم يشهد أحدا فلما برأ شهد الخندق فقتله قاتل الأبطال و الذي فاته يوم بدر استدركه يوم الخندق.ثم قال لي النقيبرحمهالله أ ما سمعت نادرة الأعمش و مناظره فقلت ما أعلم ما تريد فقال سأل رجل الأعمش و كان قد ناظر صاحبا له هل معاوية من أهل بدر أم لا فقال له أصلحك الله هل شهد معاوية بدرا فقال نعم من ذلك الجانب و اعلم أن هذه الخطبة قد ذكرها نصر بن مزاحم في كتاب صفين على وجه يقتضي أن ما ذكره الرضيرحمهالله منها قد ضم إليه بعض خطبة أخرى و هذه عادته لأن غرضه التقاط الفصيح و البليغ من كلامه و الذي ذكره نصر بن مزاحم هذه صورته من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام على من اتبع الهدى فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنك قد رأيت مرور الدنيا و انقضاءها و تصرمها و تصرفها بأهلها و خير ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى و من يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بعيدا و اعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القديم و لا في الحديث و لست تقول فيه بأمر بين يعرف له أثر و لا عليك منه شاهد من كتاب الله و لست متعلقا بآية من
كتاب الله و لا عهد من رسول الله ص فكيف أنت صانع إذا تقشعت عنك غيابة ما أتت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها و ركنت إلى لذاتها و خلي بينك و بين عدوك فيها و هو عدو و كلب مضل جاهد مليح ملح مع ما قد ثبت في نفسك من جهتها دعتك فأجبتها و قادتك فاتبعتها و أمرتك فأطعتها فاقعس عن هذا الأمر و خذ أهبة الحساب فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك مجن و متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية أو ولاة لأمر هذه الأمة بلا قدم حسن و لا شرف تليد على قومكم فاستيقظ من سنتك و ارجع إلى خالقك و شمر لما سينزل بك و لا تمكن عدوك الشيطان من بغيته فيك مع أني أعرف أن الله و رسوله صادقان نعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء و إلا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك إنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق و لست من أئمة هذه الأمة و لا من رعاتها و اعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدوناه و لامتنوا علينا به و لكنه قضاء ممن منحناه و اختصنا به على لسان نبيه الصادق المصدق لا أفلح من شك بعد العرفان و البينة رب احكم بيننا و بين عدونا بالحق و أنت خير الحاكمين.قال نصر فكتب معاوية إليه الجواب من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فدع الحسد فإنك طالما لم تنتفع به و لا تفسد سابقة
جهادك بشرة نخوتك فإن الأعمال بخواتيمها و لا تمحص سابقتك بقتال من لا حق لك في حقه فإنك إن تفعل لا تضر بذلك إلا نفسك و لا تمحق إلا عملك و لا تبطل إلا حجتك و لعمري إن ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقا لما اجترأت عليه من سفك الدماء و خلاف أهل الحق فاقرأ السورة التي يذكر فيها الفلق و تعوذ من نفسك فإنك الحاسد إذا حسد.
11 و من وصية له ع وصى بها جيشا بعثه إلى العدو
فَإِذَا نَزَلْتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ اَلْأَشْرَافِ أَوْ سِفَاحِ اَلْجِبَالِ أَوْ أَثْنَاءِ اَلْأَنْهَارِ كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً وَ دُونَكُمْ مَرَدّاً وَ لْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اِثْنَيْنِ وَ اِجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي اَلْجِبَالِ وَ مَنَاكِبِ اَلْهِضَابِ لِئَلاَّ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ اَلْقَوْمِ عُيُونُهُمْ وَ عُيُونَ اَلْمُقَدِّمَةِ طَلاَئِعُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلتَّفَرُّقَ فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا اِرْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا غَشِيكُمُ اَللَّيْلُ فَاجْعَلُوا اَلرِّمَاحَ كِفَّةً وَ لاَ تَذُوقُوا اَلنَّوْمَ إِلاَّ غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً المعسكر بفتح الكاف موضع العسكر و حيث ينزل.الأشراف الأماكن العالية و قبلها ما استقبلك منها و ضده الدبر.و سفاح الجبال أسافلها حيث يسفح منها الماء.و أثناء الأنهار ما انعطف منها واحدها ثني و المعنى أنه أمرهم أن ينزلوا مسندين ظهورهم إلى مكان عال كالهضاب العظيمة أو الجبال أو منعطف الأنهار التي تجري مجرى الخنادق على العسكر ليأمنوا بذلك من البيات و ليأمنوا أيضا من إتيان العدو لهم
من خلفهم و قد فسر ذلك بقوله كيما يكون لكم ردءا و الردء العون قال الله تعالى( فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ) .و دونكم مردا أي حاجزا بينكم و بين العدو.ثم أمرهم بأن يكون مقاتلتهم بفتح التاء و هي مصدر قاتل من وجه واحد أو اثنين أي لا تتفرقوا و لا يكن قتالكم العدو في جهات متشعبة فإن ذلك أدعى إلى الوهن و اجتماعكم أدعى إلى الظفر ثم أمرهم أن يجعلوا رقباء في صياصي الجبال و صياصي الجبال أعاليها و ما جرى مجرى الحصون منها و أصل الصياصي القرون ثم استعير ذلك للحصون لأنه يمتنع بها كما يمتنع ذو القرن بقرنه و مناكب الهضاب أعاليها لئلا يأتيكم العدو إما من حيث تأمنون أو من حيث تخافون.قوله ع مقدمة القوم عيونهم المقدمة بكسر الدال و هم الذين يتقدمون الجيش أصله مقدمة القوم أي الفرقة المتقدمة و الطلائع طائفة من الجيش تبعث ليعلم منها أحوال العدو و قال ع المقدمة عيون الجيش و الطلائع عيون المقدمة فالطلائع إذا عيون الجيش.ثم نهاهم عن التفرق و أمرهم أن ينزلوا جميعا و يرحلوا جميعا لئلا يفجأهم العدو بغتة على غير تعبئة و اجتماع فيستأصلهم ثم أمرهم أن يجعلوا الرماح كفة إذا غشيهم الليل و الكاف مكسورة أي اجعلوها مستديرة حولكم كالدائرة و كل ما استدار كفة بالكسر نحو كفة الميزان و كل ما استطال كفة بالضم نحو كفة الثوب و هي حاشيته و كفة الرمل و هو ما كان منه كالحبل.ثم نهاهم عن النوم إلا غرارا أو مضمضة و كلا اللفظتين ما قل من النوم.
و قال شبيب الخارجي الليل يكفيك الجبان و يصف الشجاع.و كان إذا أمسى قال لأصحابه أتاكم المدد يعني الليل.قيل لبعض الملوك بيت عدوك قال أكره أن أجعل غلبتي سرقة.و لما فصل قحطبة من خراسان و في جملته خالد بن برمك بينا هو على سطح بيت في قرية نزلاها و هم يتغدون نظر إلى الصحراء فرأى أقاطيع ظباء قد أقبلت من جهة الصحاري حتى كادت تخالط العسكر فقال خالد لقحطبة أيها الأمير ناد في الناس يا خيل الله اركبي فإن العدو قد قرب منك و عامة أصحابك لن يسرجوا و يلجموا حتى يروا سرعان الخيل فقام قحطبة مذعورا فلم ير شيئا يروعه و لم يعاين غبارا فقال لخالد ما هذا الرأي فقال أيها الأمير لا تتشاغل بي و ناد في الناس أ ما ترى أقاطيع الوحوش قد أقبلت و فارقت مواضعها حتى خالطت الناس و إن وراءها لجمعا كثيفا قال فو الله ما أسرجوا و لا ألجموا حتى رأوا النقع و ساطع الغبار فسلموا و لو لا ذلك لكان الجيش قد اصطلم
12 و من وصية له ع وصى بها معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له
اِتَّقِ اَللَّهَ اَلَّذِي لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ وَ لاَ مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ وَ لاَ تُقَاتِلَنَّ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَكَ وَ سِرِ اَلْبَرْدَيْنِ وَ غَوِّرْ بِالنَّاسِ وَ رَفِّهْ فِي اَلسَّيْرِ وَ لاَ تَسِرْ أَوَّلَ اَللَّيْلِ فَإِنَّ اَللَّهَ جَعَلَهُ سَكَناً وَ قَدَّرَهُ مُقَاماً لاَ ظَعْناً فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ وَ رَوِّحْ ظَهْرَكَ فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ اَلسَّحَرُ أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ اَلْفَجْرُ فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اَللَّهِ فَإِذَا لَقِيتَ اَلْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً وَ لاَ تَدْنُ مِنَ اَلْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ اَلْحَرْبَ وَ لاَ تَبَاعَدْ عَنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ اَلْبَأْسَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي وَ لاَ يَحْمِلَنَّكُمُ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَ اَلْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ معقل بن قيس كان من رجال الكوفة و أبطالها و له رئاسة و قدم أوفده عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب مع الهرمزان لفتح تستر و كان من شيعة علي ع وجهه إلى بني ساقة فقتل منهم و سبى و حارب المستورد بن علفة الخارجي
من تميم الرباب فقتل كل واحد منهما صاحبه بدجلة و قد ذكرنا خبرهما فيما سبق و معقل بن قيس رياحي من ولد رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.قوله ع و لا تقاتلن إلا من قاتلك نهى عن البغي.و سر البردين هما الغداة و العشي و هما الأبردان أيضا.و وصاه أن يرفق بالناس و لا يكلفهم السير في الحر.قوله ع و غور بالناس انزل بهم القائلة و المصدر التغوير و يقال للقائلة الغائرة.قوله ع و رفه في السير أي دع الإبل ترد رفها و هو أن ترد الماء كل يوم متى شاءت و لا ترهقها و تجشمها السير و يجوز أن يكون قوله و رفه في السير من قولك رفهت عن الغريم أي نفست عنه.قوله ع و لا تسر أول الليل قد ورد في ذلك خبر مرفوع و في الخبر أنه حين تنشر الشياطين و قد علل أمير المؤمنين ع النهي بقوله فإن الله تعالى جعله سكنا و قدره مقاما لا ظعنا يقول لما امتن الله تعالى على عباده بأن جعل لهم الليل ليسكنوا فيه كره أن يخالفوا ذلك و لكن لقائل أن يقول فكيف لم يكره السير و الحركة في آخره و هو من جملة الليل أيضا و يمكن أن يكون فهم من رسول الله ص أن الليل الذي جعل سكنا للبشر إنما هو من أوله إلى وقت السحر.
ثم أمره ع بأن يريح في الليل بدنه و ظهره و هي الإبل و بنو فلان مظهرون أي لهم ظهر ينقلون عليه كما تقول منجبون أي لهم نجائب.قال الراوندي الظهر الخيول و ليس بصحيح و الصحيح ما ذكرناه.قوله ع فإذا وقفت أي فإذا وقفت ثقلك و رحلك لتسير فليكن ذلك حين ينبطح السحر.قال الراوندي فإذا وقفت ثم قال و قد روي فإذا واقفت قال يعني إذا وقفت تجارب العدو و إذا واقفته و ما ذكره ليس بصحيح و لا روي و إنما هو تصحيف أ لا تراه كيف قال بعده بقليل فإذا لقيت العدو و إنما مراده هاهنا الوصاة بأن يكون السير وقت السحر و وقت الفجر.قوله ع حين ينبطح السحر أي حين يتسع و يمتد أي لا يكون السحر الأول أي ما بين السحر الأول و بين الفجر الأول و أصل الانبطاح السعة و منه الأبطح بمكة و منه البطيحة و تبطح السيل أي اتسع في البطحاء و الفجر انفجر انشق.ثم أمره ع إذا لقي العدو أن يقف بين أصحابه وسطا لأنه الرئيس و الواجب أن يكون الرئيس في قلب الجيش كما أن قلب الإنسان في وسط جسده و لأنه إذا كان وسطا كانت نسبته إلى كل الجوانب واحدة و إذا كان في أحد الطرفين بعد من الطرف الآخر فربما يختل نظامه و يضطرب.ثم نهاه ع أن يدنو من العدو دنو من يريد أن ينشب الحرب و نهاه أن يبعد منهم بعد من يهاب الحرب و هي البأس قال الله تعالى( وَ حِينَ اَلْبَأْسِ )
أي حين الحرب بل يكون على حال متوسطة بين هذين حتى يأتيه الأمر من أمير المؤمنين ع لأنه أعرف بما تقتضيه المصلحة.ثم قال له لا يحملنكم بغضكم لهم على أن تبدءوهم بالقتال قبل أن تدعوهم إلى الطاعة و تعذروا إليهم أي تصيروا ذوي عذر في حربهم.و الشنئان البغض بسكون النون و تحريكها
و في الحديث المرفوع لا تتمنوا العدو فعسى أن تبتلوا بهم و لكن قولوا اللهم اكفنا شرهم و كف عنا بأسهم و إذا جاءوك يعرفون أن يضجون فعليكم الأرض جلوسا و قولوا اللهم أنت ربنا و ربهم و بيدك نواصينا و نواصيهم فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم.و كان أبو الدرداء يقول أيها الناس اعملوا عملا صالحا قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم.و أوصى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان حين استعمله فقال سر على بركة الله فإذا دخلت بلاد العدو فكن بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة و استظهر بالزاد و سر بالأدلاء و لا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه و احترس من البيات فإن في العرب غرة و أقلل من الكلام فإن ما وعي عنك هو عليك و إذا أتاك كتابي فأمضه فإنما أعمل على حسب إنفاذه و إذا قدم عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك و أسبغ عليهم من النفقة و امنع الناس من محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين و لا
تلحن في عقوبة فإن أدناها وجيعة و لا تسرعن إليها و أنت تكتفي بغيرها و اقبل من الناس علانيتهم و كلهم إلى الله في سريرتهم و لا تعرض عسكرك فتفضحه و أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.و أوصى أبو بكر أيضا عكرمة بن أبي جهل حين وجهه إلى عمان فقال سر على اسم الله و لا تنزلن على مستأمن و قدم النذير بين يديك و مهما قلت إني فاعل فافعله و لا تجعلن قولك لغوا في عقوبة و لا عفو فلا ترجى إذا أمنت و لا تخاف إذا خوفت و انظر متى تقول و متى تفعل و ما تقول و ما تفعل و لا تتوعدن في معصية بأكثر من عقوبتها فإنك إن فعلت أثمت و إن تركت كذبت و اتق الله و إذا لقيت فاصبر.و لما ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان قال له إن أباك كفى أخاه عظيما و قد استكفيتك صغيرا فلا تتكلن على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك و إياك مني من قبل أن أقول إياك منك و اعلم أن الظن إذا أخلف منك أخلف فيك و أنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه و قد تبعك أبوك فلا تريحن نفسك و اذكر في يومك أحاديث غدك.و قال بعض الحكماء ينبغي للأمير أن يكون له ستة أشياء وزير يثق به و يفشي إليه سره و حصن إذا لجأ إليه عصمه يعني فرسا و سيف إذا نزل به الأقران لم يخف نبوته و ذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة وجدها يعني جوهرا و طباخ إذا أقرى من الطعام صنع له ما يهيج شهوته و امرأة جميلة إذا دخل أذهبت همه في الحديث المرفوع خير الصحابة أربعة و خير السرايا أربعمائة و خير الجيوش أربعة آلاف
و لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم.كان يقال ثلاثة من كن فيه لم يفلح في الحرب البغي قال الله تعالى( إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) و المكر السيئ قال سبحانه( وَ لا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) و النكث قال تعالى( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) .يقال خرجت خارجة بخراسان على قتيبة بن مسلم فأهمه ذلك فقيل ما يهمك منهم وجه إليهم وكيع بن أبي أسود يكفيك أمرهم فقال لا أوجهه و إن وكيعا رجل فيه كبر و عنده بغي يحقر أعداءه و من كان هكذا قلت مبالاته بخصمه فلم يحترس فوجد عدوه فيه غرة فأوقع به.و في بعض كتب الفرس إن بعض ملوكهم سأل أي مكايد الحرب أحزم فقال إذكاء العيون و استطلاع الأخبار و إظهار القوة و السرور و الغلبة و إماتة الفرق و الاحتراس من البطانة من غير إقصاء لمن ينصح و لا انتصاح لمن يغش و كتمان السر و إعطاء المبلغين على الصدق و معاقبة المتوصلين بالكذب و ألا تخرج هاربا فتحوجه إلى القتال و لا تضيق أمانا على مستأمن و لا تدهشنك الغنيمة عن المجاوزة.و في بعض كتب الهند ينبغي للعاقل أن يحذر عدوه المحارب له على كل حال يرهب منه المواثبة إن قرب و الغارة إن بعد و الكمين إن انكشف و الاستطراد إن ولي و المكر إن رآه وحيدا و ينبغي أن يؤخر القتال ما وجد بدا فإن النفقة عليه من الأنفس و على غيره من المال
13 و من كتاب له ع إلى أميرين من أمراء جيشه
وَ قَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَ عَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ اَلْحَارِثِ اَلْأَشْتَرَ فَاسْمَعَا لَهُ وَ أَطِيعَا وَ اِجْعَلاَهُ دِرْعاً وَ مِجَنّاً فَإِنَّهُ مِمَّنْ لاَ يُخَافُ وَهْنُهُ وَ لاَ سَقْطَتُهُ وَ لاَ بُطْؤُهُ عَمَّا اَلْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ وَ لاَ إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا اَلْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ
هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد و كان فارسا شجاعا رئيسا من أكابر الشيعة و عظمائها شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين ع و نصره و قال فيه بعد موته رحم الله مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله ص.و لما قنت علي ع على خمسة و لعنهم و هم معاوية و عمرو بن العاص و أبو الأعور السلمي و حبيب بن مسلمة و بسر بن أرطاة قنت معاوية على خمسة و هم علي و الحسن و الحسين ع و عبد الله بن العباس و الأشتر و لعنهم.و قد روي أنه قال لما ولى علي ع بني العباس على الحجاز و اليمن و العراق فلما ذا قتلنا الشيخ بالأمس و إن عليا ع لما بلغته هذه الكلمة أحضره و لاطفه و اعتذر إليه و قال له فهل وليت حسنا أو حسينا أو أحدا من ولد جعفر أخي أو عقيلا
أو واحدا من ولده و إنما وليت ولد عمي العباس لأني سمعت العباس يطلب من رسول الله ص الإمارة مرارا فقال له رسول الله ص يا عم إن الإمارة إن طلبتها وكلت إليها و إن طلبتك أعنت عليها و رأيت بنيه في أيام عمر و عثمان يجدون في أنفسهم إذ ولى غيرهم من أبناء الطلقاء و لم يول أحدا منهم فأحببت أن أصل رحمهم و أزيل ما كان في أنفسهم و بعد فإن علمت أحدا من أبناء الطلقاء هو خير منهم فأتني به فخرج الأشتر و قد زال ما في نفسه.و قد روى المحدثون حديثا يدل على فضيلة عظيمة للأشتررحمهالله و هي شهادة قاطعة من النبي ص بأنه مؤمن روى هذا الحديث أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب في حرف الجيم في باب جندب قال أبو عمر لما حضرت أبا ذر الوفاة و هو بالربذة بكت زوجته أم ذر فقال لها ما يبكيك فقالت ما لي لا أبكي و أنت تموت بفلاة من الأرض و ليس عندي ثوب يسعك كفنا و لا بد لي من القيام بجهازك فقال أبشري و لا تبكي فإني سمعت رسول الله ص يقول لا يموت بين امرءين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران و يحتسبان فيريان النار أبدا و قد مات لنا ثلاثة من الولد و سمعت أيضا رسول الله ص يقول لنفر أنا فيهم ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين و ليس من أولئك النفر أحد إلا و قد مات في قرية و جماعة فأنا لا أشك ذلك الرجل و الله ما كذبت و لا كذبت فانظري الطريق قالت أم ذر فقلت أنى و قد ذهب الحاج و تقطعت الطرق فقال اذهبي فتبصري قالت فكنت
أشتد إلى الكثيب فأصعد فأنظر ثم أرجع إليه فأمرضه فبينا أنا و هو على هذه الحال إذ أنا برجال على ركابهم كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي و قالوا يا أمة الله ما لك فقلت امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه قالوا و من هو قلت أبو ذر قالوا صاحب رسول الله ص قلت نعم ففدوه بآبائهم و أمهاتهم و أسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم أبشروا
فأني سمعت رسول الله ص يقول لنفر أنا فيهم ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين و ليس من أولئك النفر إلا و قد هلك في قرية و جماعة و الله ما كذبت و لا كذبت و لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها و إني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا قالت و ليس في أولئك النفر أحد إلا و قد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال له أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا و في ثوبين معي في عيبتي من غزل أمي فقال أبو ذر أنت تكفنني فمات فكفنه الأنصاري و غسله النفر الذين حضروه و قاموا عليه و دفنوه في نفر كلهم يمان.روى أبو عمر بن عبد البر قبل أن يروي هذا الحديث في أول باب جندب كان النفر الذين حضروا موت أبي ذر بالربذة مصادفة جماعة منهم حجر بن الأدبر و مالك بن الحارث الأشتر.قلت حجر بن الأدبر هو حجر بن عدي الذي قتله معاوية و هو من أعلام الشيعة و عظمائها و أما الأشتر فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة.
قرئ كتاب الإستيعاب على شيخنا عبد الوهاب بن سكينة المحدث و أنا حاضر فلما انتهى القارئ إلى هذا الخبر قال أستاذي عمر بن عبد الله الدباس و كنت أحضر معه سماع الحديث لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت فما قال المرتضى و المفيد إلا بعض ما كان حجر و الأشتر يعتقدانه في عثمان و من تقدمه فأشار الشيخ إليه بالسكوت فسكت.و ذكرنا آثار الأشتر و مقاماته بصفين فيما سبق.و الأشتر هو الذي عانق عبد الله بن الزبير يوم الجمل فاصطرعا على ظهر فرسيهما حتى وقعا في الأرض فجعل عبد الله يصرخ من تحته اقتلوني و مالكا فلم يعلم من الذي يعنيه لشدة الاختلاط و ثوران النقع فلو قال اقتلوني و الأشتر لقتلا جميعا فلما افترقا قال الأشتر:
أ عائش لو لا أنني كنت طاويا |
ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا |
|
غداة ينادي و الرماح تنوشه |
كوقع الصياصي اقتلوني و مالكا |
|
فنجاه مني شبعه و شبابه |
و أني شيخ لم أكن متماسكا |
و يقال إن عائشة فقدت عبد الله فسألت عنه فقيل لها عهدنا به و هو معانق للأشتر فقالت وا ثكل أسماء و مات الأشتر في سنة تسع و ثلاثين متوجها إلى مصر واليا عليها لعلي ع قيل سقي سما و قيل إنه لم يصح ذلك و إنما مات حتف أنفه.فأما ثناء أمير المؤمنين ع عليه في هذا الفصل فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل و لعمري لقد كان الأشتر أهلا لذلك كان شديد البأس جوادا
رئيسا حليما فصيحا شاعرا و كان يجمع بين اللين و العنف فيسطو في موضع السطوة و يرفق في موضع الرفق
و من كلام عمر إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف و لين في غير ضعف.و كان أنو شروان إذا ولى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع ثلاثة أسطر ليوقع فيها بخطه فإذا أتى بالعهد وقع فيه سس خيار الناس بالمودة و سفلتهم بالإخافة و امزج العامة رهبة برغبة.و قال عمر بن عبد العزيز إني لأهم أن أخرج للناس أمرا من العدل فأخاف ألا تحتمله قلوبهم فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا فإن نفرت القلوب من ذاك سكنت إلى هذا.و قال معاوية إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي و لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني و لو أن بيني و بين الناس شعرة ما انقطعت فقيل له كيف قال إذا مدوها خليتها و إذا خلوها مددتها.و قال الشعبي في معاوية كان كالجمل الطب إذا سكت عنه تقدم و إذا رد تأخر.و قال ليزيد ابنه قد تبلغ بالوعيد ما لا تبلغ بالإيقاع و إياك و القتل فإن الله قاتل القتالين.و أغلظ له رجل فحلم عنه فقيل له أ تحلم عن هذا قال إنا لا نحول بين الناس و ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا و بين سلطاننا.
و فخر سليم مولى زياد عند معاوية بن زياد فقال معاوية اسكت ويحك فما أدرك صاحبك بسيفه شيئا قط إلا و قد أدركت أكثر منه بلساني.و قال الوليد بن عبد الملك لأبيه ما السياسة يا أبت قال هيبة الخاصة لك مع صدق مودتها و اقتيادك قلوب العامة بالإنصاف لها و احتمال هفوات الصنائع.و قد جمع أمير المؤمنين ع من أصناف الثناء و المدح ما فرقه هؤلاء في كلماتهم بكلمة واحدة قالها في الأشتر و هي قوله لا يخاف بطؤه عما الإسراع إليه أحزم و لا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل.قوله ع و على من في حيزكما أي في ناحيتكما.و المجن الترس.و الوهن الضعف.و السقطة الغلطة و الخطأ.و هذا الرأي أحزم من هذا أي أدخل في باب الحزم و الاحتياط و هذا أمثل من هذا أي أفضل
14 و من وصية له ع لعسكره بصفين قبل لقاء العدو
لاَ تُقَاتِلُونَهُمْ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اَللَّهِ عَلَى حُجَّةٍ وَ تَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَءُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَتِ اَلْهَزِيمَةُ بِإِذْنِ اَللَّهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً وَ لاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً وَ لاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَ لاَ تَهِيجُوا اَلنِّسَاءَ بِأَذًى وَ إِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَ سَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ اَلْقُوَى وَ اَلْأَنْفُسِ وَ اَلْعُقُولِ إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَ إِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ وَ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ اَلْمَرْأَةَ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ بِالْفَهْرِ أَوِ اَلْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَ عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ نهى أصحابه عن البغي و الابتداء بالحرب و قد روي عنه أنه قال ما نصرت على الأقران الذين قتلتهم إلا لأني ما ابتدأت بالمبارزة و نهى إذا وقعت الهزيمة عن قتل المدبر و الإجهاز على الجريح و هو إتمام قتله.قوله ع و لا تصيبوا معورا هو من يعتصم منك في الحرب بإظهار عورته لتكف عنه و يجوز أن يكون المعور هاهنا المريب الذي يظن أنه من القوم و أنه حضر للحرب و ليس منهم لأنه حضر لأمر آخر.قوله ع و لا تهيجوا النساء بأذى أي لا تحركوهن.
و الفهر الحجر و الهراوة العصا.و عطف و عقبه على الضمير المستكن المرفوع في فيعير و لم يؤكد للفصل بقوله بها كقوله تعالى ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا لما فصل بلا عطف و لم يحتج إلى تأكيد
و مما ورد في الشعر في هذا المعنى قول الشاعر:
إن من أعظم الكبائر عندي |
قتل بيضاء حرة عطبول |
|
كتب القتل و القتال علينا |
و على المحصنات جر الذيول |
و قالت امرأة عبد الله بن خلف الخزاعي بالبصرة لعلي ع بعد ظفره و قد مر ببابها يا علي يا قاتل الأحبة لا مرحبا بك أيتم الله منك ولدك كما أيتمت بني عبد الله بن خلف فلم يرد عليها و لكنه وقف و أشار إلى ناحية من دارها ففهمت إشارته فسكتت و انصرفت و كانت قد سترت عندها عبد الله بن الزبير و مروان بن الحكم فأشار إلى الموضع الذي كانا فيه أي لو شئت أخرجتهما فلما فهمت انصرفت و كان ع حليما كريما.و كان عمر بن الخطاب إذا بعث أمراء الجيوش يقول بسم الله و على عون الله
و بركته فامضوا بتأييد الله و نصره أوصيكم بتقوى الله و لزوم الحق و الصبر فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين و لا تجبنوا عند اللقاء و لا تمثلوا عند الغارة و لا تسرفوا عند الظهور و لا تقتلوا هرما و لا امرأة و لا وليدا و توقوا أن تطئوا هؤلاء عند التقاء الزحفين و عند حمة النهضات و في شن الغارات و لا تغلوا عند الغنائم و نزهوا الجهاد عن غرض الدنيا و أبشروا بالأرباح في البيع الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم.و استشار قوم أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم و سألوه أن يوصيهم فقال أقلوا الخلاف على أمرائكم و اثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين و رب عجلة تهب ريثا.و كان قيس بن عاصم المنقري إذا غزا شهد معه الحرب ثلاثون من ولده يقول لهم إياكم و البغي فإنه ما بغى قوم قط إلا ذلوا قالوا فكان الرجل من ولده يظلم فلا ينتصف مخافة الذل.قال أبو بكر يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة و كانوا اثني عشر ألفا فهزموا يومئذ هزيمة قبيحة و أنزل الله تعالى قوله( وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ) .و كان يقال لا ظفر مع بغي و لا صحة مع نهم و لا ثناء مع كبر و لا سؤدد مع شح
و من الكلمات المستحسنة في سوء عاقبة البغي ما ذكره ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار إن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما ملك سار بجنوده نحو بلاد الهياطلة فلما انتهى إليهم اشتد رعب ملكهم أخشنوار منه و حذره فناظر أصحابه و وزراءه في أمره فقال رجل منهم أعطني موثقا من الله و عهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني الغم بأمر أهلي و ولدي و أن تحسن إليهم و تخلفني فيهم ثم اقطع يدي و رجلي و ألقني في طريق فيروز حتى يمر بي هو و أصحابه و أنا أكفيك أمرهم و أورطهم مورطا تكون فيه هلكتهم فقال له أخشنوار و ما الذي تنتفع به من سلامتنا و صلاح حالنا إذا أنت هلكت و لم تشركنا في ذلك فقال إني قد بلغت ما كنت أحب أن أبلغ من الدنيا و أنا موقن أن الموت لا بد منه و إن تأخر أياما قليلة فأحب أن أختم عملي بأفضل ما يختم به الأعمال من النصيحة بسلطاني و النكاية في عدوي فيشرف بذلك عقبي و أصيب سعادة و حظوة فيما أمامي.ففعل أخشنوار به ذلك و حمله فألقاه في الموضع الذي أشار إليه فمر به فيروز في جنوده فسأله عن حاله فأخبره أن أخشنوار فعل به ما يراه و أنه شديد الأسف كيف لا يستطيع أن يكون أمام الجيش في غزو بلاده و تخريب مدينته و لكنه سيدل الملك على طريق هو أقرب من هذا الطريق الذي يريدون سلوكه و أخفى فلا يشعر أخشنوار حتى يهجم عليه فينتقم الله منه بكم و ليس في هذا الطريق من المكروه إلا تغور يومين ثم تفضون إلى كل ما تحبون.
فقبل فيروز قوله بعد أن أشار إليه وزراؤه بالاتهام له و الحذر منه و بغير ذلك فخالفهم و سلك تلك الطريق فانتهوا بعد يومين إلى موضع من المفازة لا صدر لهم عنه و لا ماء معهم و لا بين أيديهم و تبين لهم أنهم قد خدعوا فتفرقوا في تلك المفازة يمينا و شمالا يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم و لم يسلم مع فيروز إلا عدة يسيرة فانتهى إليهم أخشنوار بجيشه فواقعهم في تلك الحال التي هم فيها من القلة و الضر و الجهد فاستمكنوا منهم بعد أن أعظموا الكناية فيهم.و أسر فيروز فرغب أخشنوار أن يمن عليه و على من بقي من أصحابه على أن يجعل له عهد الله و ميثاقه ألا يغزوهم أبدا ما بقي و على أن يحد فيما بينه و بين مملكتهم حدا لا يتجاوزه جنوده فرضي أخشنوار بذلك فخلى سبيله و جعلا بين المملكتين حجرا لا يتجاوزه كل واحد منهما.فمكث فيروز برهة من دهره ثم حمله الأنف على أن يعود لغزو الهياطلة و دعا أصحابه إلى ذلك فنهوه عنه و قالوا إنك قد عاهدته و نحن نتخوف عليك عاقبة البغي و الغدر مع ما في ذلك من العار و سوء القالة.فقال لهم إنما اشترطت له ألا أجوز الحجر الذي جعلناه بيننا و أنا آمر بالحجر فيحمل أمامنا على عجل.فقالوا أيها الملك إن العهود و المواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسره المعطي لها و لكن على ما يعلن به المعطى إياها و إنما جعلت عهد الله و ميثاقه على الأمر الذي عرفه لا على الأمر الذي لم يخطر له ببال فأبى فيروز و مضى في غزوته حتى انتهى إلى الهياطلة و تصاف الفريقان للقتال
فأرسل أخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيهم فخرج إليه فقال له أخشنوار إني قد ظننت أنه لم يدعك إلى مقامك هذا إلا الأنف مما أصابك و لعمري إن كنا قد احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه و ما ابتدأناك ببغي و لا ظلم و ما أردنا إلا دفعك عن أنفسنا و حريمنا و لقد كنت جديرا أن تكون من سوء مكافاتنا بمننا عليك و على من معك و من نقض العهد و الميثاق الذي أكدته على نفسك أعظم أنفا و أشد امتعاضا مما نالك منا فإنا أطلقناكم و أنتم أسارى و مننا عليكم و أنتم على الهلكة مشرفون و حقنا دماءكم و لنا على سفكها قدرة و إنا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الراغب إلينا فيه و المريد لنا عليه ففكر في ذلك و ميز بين هذين الأمرين فانظر أيهما أشد عارا و أقبح سماعا إن طلب رجل أمرا فلم يقدر له و لم ينجح في طلبته و سلك سبيلا فلم يظفر فيه ببغيته و استمكن منه عدوه على حال جهد و ضيعة منه و ممن هم معه.فمن عليهم و أطلقهم على شرط شرطوه و أمر اصطلحوا عليه فاصطبر بمكروه القضاء و استحيا من الغدر و النكث أن يقال نقض العهد و أخفر الميثاق مع أني قد ظننت أنه يزيدك لجاجة ما تثق به من كثرة جنودك و ما ترى من حسن عدتهم و ما أجدني أشك أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق و دعوتهم إلى ما يسخط الله و أنهم في حربنا غير مستبصرين و نياتهم على مناصحتك مدخولة.فانظر ما قدر غناء من يقاتل على هذه الحال و ما عسى أن يبلغ نكايته في عدوه إذا كان عارفا بأنه إن ظفر فمع عار و إن قتل فإلى النار و أنا أذكرك الله الذي جعلته
على نفسك كفيلا و أذكرك نعمتي عليك و على من معك بعد يأسكم من الحياة و إشفائكم على الممات و أدعوك إلى ما فيه حظك و رشدك من الوفاء بالعهد و الاقتداء بآبائك و أسلافك الذين مضوا على ذلك في كل ما أحبوه و كرهوه فأحمدوا عواقبه و حسن عليهم أثره.و مع ذلك فإنك لست على ثقة من الظفر بنا و بلوغ نهمتك فينا و إنما تلتمس أمرا يلتمس منك مثله و تنادي عدوا لعله يمنح النصر عليك فاقبل هذه النصيحة فقد بالغت في الاحتجاج عليك و تقدمت بالإعذار إليك و نحن نستظهر بالله الذي اعتذرنا إليه و وثقنا بما جعلت لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة جنودك و ازدهتك عدة أصحابك فدونك هذه النصيحة فبالله ما كان أحد من أصحابك يبالغ لك أكثر منها و لا يزيدك عليها و لا يحرمنك منفعتها مخرجها مني فإنه ليس يزرى بالمنافع و المصالح عند ذوي الآراء صدورها عن الأعداء كما لا تحسن المضار أن تكون على أيدي الأصدقاء.و اعلم أنه ليس يدعوني إلى ما تسمع من مخاطبتي إياك ضعف من نفسي و لا من قلة جنودي و لكني أحببت أن ازداد بذلك حجة و استظهارا فأزداد به للنصر و المعونة من الله استيجابا و لا أوثر على العافية و السلامة شيئا ما وجدت إليهما سبيلا.فقال فيروز لست ممن يردعه عن الأمر يهم به الوعيد و لا يصده التهدد و الترهيب و لو كنت أرى ما أطلب غدرا مني إذا ما كان أحد أنظر و لا أشد إبقاء مني على نفسي و قد يعلم الله أنى لم أجعل لك العهد و الميثاق إلا بما أضمرت في نفسي فلا يغرنك الحال التي كنت صادفتنا عليها من القلة و الجهد و الضعف.
فقال أخشنوار لا يغرنك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك فإن الناس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر و إعلان آخر إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغتر بأمان أو يثق بعهد و إذا ما قبل الناس شيئا مما كانوا يعطون من ذلك و لكنه وضع على العلانية و على نية من تعقد له العهود و الشروط ثم انصرف.فقال فيروز لأصحابه لقد كان أخشنوار حسن المحاورة و ما رأيت للفرس الذي كان تحته نظيرا في الدواب فإنه لم يزل قوائمه و لم يرفع حوافره عن مواضعها و لا صهل و لا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا.و قال أخشنوار لأصحابه لقد وافقت فيروز كما رأيتم و عليه السلاح كله فلم يتحرك و لم ينزع رجله من ركابه و لا حنى ظهره و لا التفت يمينا و لا شمالا و لقد توركت أنا مرارا و تمطيت على فرسي و التفت إلى من خلفي و مددت بصري فيما أمامي و هو منتصب ساكن على حاله و لو لا محاورته إياي لظننت أنه لا يبصرني و إنما أراد بما وصفا من ذلك أن ينشر هذان الحديثان في أهل عسكرهما فيشتغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكرا.فلما كان في اليوم الثاني أخرج أخشنوار الصحيفة التي كتبها لهم فيروز و نصبها على رمح ليراها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره و بغيه و يخرجوا من متابعته على هواه فما هو إلا أن راوها حتى انتقض عسكرهم و اختلفوا و ما تلبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا و قتل منهم خلق كثير و هلك فيروز فقال أخشنوار لقد صدق الذي قال لا مرد لما قدر و لا شيء أشد إحالة لمنافع الرأي من الهوى و اللجاج و لا أضيع من نصيحة يمنحها من لا يوطن نفسه على قبولها و الصبر على مكروهها و لا أسرع عقوبة و أسوأ عاقبة من البغي و الغدر و لا أجلب لعظيم العار و الفضوح من الأنف و إفراط العجب
15 و كان ع يقول إذا لقي العدو محاربا
اَللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ اَلْقُلُوبُ وَ مُدَّتِ اَلْأَعْنَاقُ وَ شَخَصَتِ اَلْأَبْصَارُ وَ نُقِلَتِ اَلْأَقْدَامُ وَ أُنْضِيَتِ اَلْأَبْدَانُ اَللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ اَلشَّنَآنِ وَ جَاشَتْ مَرَاجِلُ اَلْأَضْغَانِ اَللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَ تَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْفاتِحِينَ أفضت القلوب أي دنت و قربت و منه أفضى الرجل إلى امرأته أي غشيها و يجوز أن يكون أفضت أي بسرها فحذف المفعول.و أنضيت الأبدان هزلت و منه النضو و هو البعير المهزول.و صرح انكشف و الشنئان البغضة.و جاشت تحركت و اضطربت.و المراجل جمع مرجل و هي القدر.و الأضغان الأحقاد واحدها ضغن.و أخذ سديف مولى المنصور هذه اللفظة فكان يقول في دعائه اللهم إنا نشكو
إليك غيبة نبينا و تشتت أهوائنا و ما شملنا من زيغ الفتن و استولى علينا من غشوة الحيرة حتى عاد فينا دولة بعد القسمة و إمارتنا غلبة بعد المشورة وعدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة و اشتريت الملاهي و المعازف بمال اليتيم و الأرملة و رعى في مال الله من لا يرعى له حرمة و حكم في أبشار المؤمنين أهل الذمة و تولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة فلا ذائد يذودهم عن هلكة و لا راع ينظر إليهم بعين رحمة و لا ذو شفقة يشبع الكبد الحرى من مسغبة فهم أولو ضرع و فاقة و أسراء فقر و مسكنة و حلفاء كئابة و ذلة اللهم و قد استحصد زرع الباطل و بلغ نهايته و استحكم عموده و استجمع طريده و حذف وليده و ضرب بجرانه فأتح له من الحق يدا حاصدة تجذ سنامه و تهشم سوقه و تصرع قائمه ليستخفي الباطل بقبح حليته و يظهر الحق بحسن صورته.و وجدت هذه الألفاظ في دعاء منسوب إلى علي بن الحسين زين العابدين ع و لعله من كلامه و قد كان سديف يدعو به
16 و كان يقول ع لأصحابه عند الحرب
لاَ تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ وَ لاَ جَوْلَةٌ بَعْدَهَا حَمْلَةٌ وَ أَعْطُوا اَلسُّيُوفَ حُقُوقَهَا وَ وَطِّنُوا وَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا وَ اُذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى اَلطَّعْنِ اَلدَّعْسِيِّ وَ اَلضَّرْبِ اَلطِّلَحْفِيِّ وَ أَمِيتُوا اَلْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ وَ فَوَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ مَا أَسْلَمُوا وَ لَكِنِ اِسْتَسْلَمُوا وَ أَسَرُّوا اَلْكُفْرَ فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ قال لا تستصعبوا فرة تفرونها بعدها كرة تجبرون بها ما تكسر من حالكم و إنما الذي ينبغي لكم أن تستصعبوه فرة لا كرة بعدها و هذا حض لهم على أن يكروا و يعودوا إلى الحرب إن وقعت عليهم كسرة.و مثله قوله و لا جولة بعدها حملة و الجولة هزيمة قريبة ليست بالممعنة.و اذمروا أنفسكم من ذمره على كذا أي حضه عليه و الطعن الدعسي الذي يحشى به أجواف الأعداء و أصل الدعس الحشو دعست الوعاء حشوته.و ضرب طلحفي بكسر الطاء و فتح اللام أي شديد و اللام زائدة.
ثم أمرهم بإماتة الأصوات لأن شدة الضوضاء في الحرب أمارة الخوف و الوجل.ثم أقسم أن معاوية و عمرا و من والاهما من قريش ما أسلموا و لكن استسلموا خوفا من السيف و نافقوا فلما قدروا على إظهار ما في أنفسهم أظهروه و هذا يدل على أنه ع جعل محاربتهم له كفرا.و قد تقدم في شرح حال معاوية و ما يذكره كثير من أصحابنا من فساد عقيدته ما فيه كفاية
و أوصى أكثم بن صيفي قوما نهضوا إلى الحرب فقال ابرزوا للحرب و ادرعوا الليل فإنه أخفى للويل و لا جماعة لمن اختلف و اعلموا أن كثرة الصياح من الفشل و المرء يعجز لا محالة.و سمعت عائشة يوم الجمل أصحابها يكبرون فقالت لا تكبروا هاهنا فإن كثرة التكبير عند القتال من الفشل.و قال بعض السلف قد جمع الله أدب الحرب في قوله تعالى( يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا... ) الآيتين.و قال عتبة بن ربيعة لقريش يوم بدر أ لا ترونهم يعني أصحاب النبي ص جثيا على الركب يتلمظون تلمظ الحيات.و أوصى عبد الملك بن صالح أمير سرية بعثها فقال أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحا تجر و إلا احتفظ برأس المال و لا تطلب
الغنيمة حتى تحوز السلامة و كن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتيال عدوك عليك.و في الحديث المرفوع إنه ص قال لزيد بن حارثة لا تشق جيشك فإن الله تعالى ينصر القوم بأضعفهم و قال ابن عباس و ذكر عليا ع ما رأيت رئيسا يوزن به لقد رأيته يوم صفين و كأن عينيه سراجا سليط و هو يحمس أصحابه إلى أن انتهى إلي و أنا في كنف فقال يا معشر المسلمين استشعروا الخشية و تجلببوا السكينة و أكملوا اللأمة...الفصل المذكور فيما تقدم
17 و من كتاب له ع إلى معاوية جوابا عن كتاب منه إليه
وَ أَمَّا طَلَبُكَ إِلَى اَلشَّامِ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لَأُعْطِيَكَ اَلْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ اَلْحَرْبَ قَدْ أَكَلْتِ اَلْعَرَبَ إِلاَّ حُشَاشَاتِ أَنْفُسٍ بَقِيَتْ أَلاَ وَ مَنْ أَكَلَهُ اَلْحَقُّ فَإِلَى اَلْجَنَّةِ وَ مَنْ أَكَلَهُ اَلْبَاطِلُ فَإِلَى اَلنَّارِ وَ أَمَّا اِسْتِوَاؤُنَا فِي اَلْحَرْبِ وَ اَلرِّجَالِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى اَلشَّكِّ مِنِّي عَلَى اَلْيَقِينِ وَ لَيْسَ أَهْلُ اَلشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى اَلدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ اَلْعِرَاقِ عَلَى اَلآْخِرَةِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَكَذَلِكَ نَحْنُ وَ لَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ وَ لاَ حَرْبٌ كَعَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وَ لاَ أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ وَ لاَ اَلْمُهَاجِرُ كَالطَّلِيقِ وَ لاَ اَلصَّرِيحُ كَاللَّصِيقِ وَ لاَ اَلْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ وَ لَبِئْسَ اَلْخَلْفُ خَلْفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَ فِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ اَلنُّبُوَّةِ اَلَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا اَلْعَزِيزَ وَ نَعَشْنَا بِهَا اَلذَّلِيلَ وَ لَمَّا أَدْخَلَ اَللَّهُ اَلْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً وَ أَسْلَمَتْ لَهُ هَذِهِ اَلْأُمَّةُ طَوْعاً وَ كَرْهاً كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي اَلدِّينِ إِمَّا رَغْبَةً وَ إِمَّا رَهْبَةً عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ اَلسَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ وَ ذَهَبَ اَلْمُهَاجِرُونَ اَلْأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ فَلاَ تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً وَ لاَ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً وَ اَلسَّلاَمُ
يقال طلبت إلى فلان كذا و التقدير طلبت كذا راغبا إلى فلان كما قال تعالى( فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ أي مرسلا ) .و يروى إلا حشاشة نفس بالإفراد و هو بقية الروح في بدن المريض.و روي ألا و من أكله الحق فإلى النار و هذه الرواية أليق من الرواية المذكورة في أكثر الكتب لأن الحق يأكل أهل الباطل و من روى تلك الرواية أضمر مضافا تقديره أعداء الحق و مضافا آخر تقديره أعداء الباطل و يجوز أن يكون من أكله الحق فإلى الجنة أي من أفضى به الحق و نصرته و القيام دونه إلى القتل فإن مصيره إلى الجنة فيسمى الحق لما كانت نصرته كالسبب إلى القتل أكلا لذلك المقتول و كذلك القول في الجانب الآخر.و كان الترتيب يقتضي أن يجعل هاشما بإزاء عبد شمس لأنه أخوه في قعدد و كلاهما ولد عبد مناف لصلبه و أن يكون أمية بإزاء عبد المطلب و أن يكون حرب بإزاء أبي طالب و أن يكون أبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين ع لأن كل واحد من هؤلاء في قعدد صاحبه إلا أن أمير المؤمنين ع لما كان في صفين بإزاء معاوية اضطر إلى أن جعل هاشما بإزاء أمية بن عبد شمس.فإن قلت فهلا قال و لا أنا كانت قلت قبيح أن يقال ذلك كما لا يقال السيف أمضى من العصا بل قبيح به أن يقولها مع أحد من المسلمين كافة نعم قد يقولها لا تصريحا بل تعريضا لأنه يرفع نفسه على أن يقيسها بأحد.و هاهنا قد عرض بذلك في قوله و لا المهاجر كالطليق فإن قلت فهل معاوية
من الطلقاء قلت نعم كل من دخل عليه رسول الله ص مكة عنوة بالسيف فملكه ثم من عليه عن إسلام أو غير إسلام فهو من الطلقاء ممن لم يسلم كصفوان بن أمية و من أسلم كمعاوية بن أبي سفيان و كذلك كل من أسر في حرب رسول الله ص ثم امتن عليه بفداء أو بغير فداء فهو طليق فممن امتن عليه بفداء كسهيل بن عمرو و ممن امتن عليه بغير فداء أبو عزة الجمحي و ممن امتن عليه معاوضة أي أطلق لأنه بإزاء أسير من المسلمين عمرو بن أبي سفيان بن حرب كل هؤلاء معدودون من الطلقاء.فإن قلت فما معنى قوله و لا الصريح كاللصيق و هل كان في نسب معاوية شبهة ليقول له هذا.قلت كلا إنه لم يقصد ذلك و إنما أراد الصريح بالإسلام و اللصيق في الإسلام فالصريح فيه هو من أسلم اعتقادا و إخلاصا و اللصيق فيه من أسلم تحت السيف أو رغبة في الدنيا و قد صرح بذلك فقال كنتم ممن دخل في هذا الدين إما رغبة و إما رهبة.فإن قلت فما معنى قوله و لبئس الخلف خلفا يتبع سلفا هوى في نار جهنم و هل يعاب المسلم بأن سلفه كانوا كفارا.قلت نعم إذا تبع آثار سلفه و احتذى حذوهم و أمير المؤمنين ع ما عاب معاوية بأن سلفه كفار فقط بل بكونه متبعا لهم.قوله ع و في أيدينا بعد فضل النبوة أي إذا فرضنا تساوي الأقدام في مآثر أسلافكم كان في أيدينا بعد الفضل عليكم بالنبوة التي نعشنا بها الخامل و أخملنا بها النبيه.قوله ع على حين فاز أهل السبق قال قوم من النحاة
حين مبني هاهنا على الفتح و قال قوم بل منصوب لإضافته إلى الفعل.قوله ع فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا أي لا تستلزم من أفعالك ما يدوم به كون الشيطان ضاربا فيك بنصيب لأنه ما كتب إليه هذه الرسالة إلا بعد أن صار للشيطان فيه أوفر نصيب و إنما المراد نهيه عن دوام ذلك و استمراره
و ذكر نصر بن مزاحم بن بشار العقيلي في كتاب صفين أن هذا الكتاب كتبه علي ع إلى معاوية قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة قال نصر أظهر علي ع أنه مصبح معاوية و مناجز له و شاع ذلك من قوله ففزع أهل الشام لذلك و انكسروا لقوله و كان معاوية بن الضحاك بن سفيان صاحب راية بني سليم مع معاوية مبغضا لمعاوية و أهل الشام و له هوى مع أهل العراق و علي بن أبي طالب ع و كان يكتب بأخبار معاوية إلى عبد الله بن الطفيل العامري و هو مع أهل العراق فيخبر بها عليا ع فلما شاعت كلمة علي ع وجل لها أهل الشام و بعث ابن الضحاك إلى عبد الله بن الطفيل إني قائل شعرا أذعر به أهل الشام و أرغم به معاوية و كان معاوية لا يتهمه و كان له فضل و نجدة و لسان فقال ليلا ليستمع أصحابه:
ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا |
علينا و إنا لا نرى بعده غدا |
|
و يا ليته إن جاءنا بصباحه |
وجدنا إلى مجرى الكواكب مصعدا |
|
حذار علي إنه غير مخلف |
مدى الدهر ما لب الملبون موعدا |
|
و أما قراري في البلاد فليس لي |
مقام و إن جاوزت جابلق مصعدا |
كأني به في الناس كاشف رأسه |
على ظهر خوار الرحالة أجردا |
|
يخوض غمار الموت في مرجحنة |
ينادون في نقع العجاج محمدا |
|
فوارس بدر و النضير و خيبر |
و أحد يهزون الصفيح المهندا |
|
و يوم حنين جالدوا عن نبيهم |
فريقا من الأحزاب حتى تبددا |
|
هنالك لا تلوي عجوز على ابنها |
و إن أكثرت من قول نفسي لك الفدا |
|
فقل لا بن حرب ما الذي أنت صانع |
أ تثبت أم ندعوك في الحرب قعددا |
|
فلا رأي إلا تركنا الشام جهرة |
و إن أبرق الفجفاج فيها و أرعدا |
فلما سمع أهل الشام شعره أتوا به معاوية فهم بقتله ثم راقب فيه قومه فطرده من الشام فلحق بمصر و ندم معاوية على تسييره إياه و قال معاوية لشعر السلمي أشد على أهل الشام من لقاء علي ما له قاتله الله لو صار خلف جابلق مصعدا لم يأمن عليا أ لا تعلمون ما جابلق يقوله لأهل الشام قالوا لا قال مدينة في أقصى المشرق ليس بعدها شيء.قال نصر و تناقل الناس كلمة علي ع لأناجزنهم مصبحا فقال الأشتر:
قد دنا الفضل في الصباح و للسلم |
رجال و للحروب رجال |
فرجال الحروب كل خدب |
مقحم لا تهده الأهوال |
|
يضرب الفارس المدجج بالسيف |
إذا فر في الوغا الأكفال |
|
يا ابن هند شد الحيازيم للموت |
و لا تذهبن بك الآمال |
|
إن في الصبح إن بقيت لأمرا |
تتفادى من هوله الأبطال |
|
فيه عز العراق أو ظفر الشام |
بأهل العراق و الزلزال |
|
فاصبروا للطعان بالأسل السمر |
و ضرب تجري به الأمثال |
|
إن تكونوا قتلتم النفر البيض |
و غالت أولئك الآجال |
|
فلنا مثلهم غداة التلاقي |
و قليل من مثلهم أبدال |
|
يخضبون الوشيج طعنا إذا |
جرت من الموت بينهم أذيال |
|
طلب الفوز في المعاد و فيه |
تستهان النفوس و الأموال |
قال فلما انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال شعر منكر من شاعر منكر رأس أهل العراق و عظيمهم و مسعر حربهم و أول الفتنة و آخرها قد رأيت أن أعاود عليا و أسأله إقراري على الشام فقد كنت كتبت إليه ذلك فلم يجب إليه و لأكتبن ثانية فألقى في نفسه الشك و الرقة فقال له عمرو بن العاص و ضحك أين أنت يا معاوية من خدعة علي قال أ لسنا بني عبد مناف قال بلى و لكن لهم النبوة دونك و إن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إلى علي ع مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة و كان من نافلة أهل العراق أما بعد فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على
بعض و لئن كنا قد غلبنا على عقولنا لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى و نصلح به ما بقي و قد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك بيعة و طاعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو و لا أخاف من الموت إلا ما تخاف و قد و الله فارقت الأجناد و ذهبت الرجال و نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز و لا يسترق به حر و السلام.
فلما انتهى كتاب معاوية إلى علي ع قرأه ثم قال العجب لمعاوية و كتابه و دعا عبيد بن أبي رافع كاتبه فقال اكتب جوابه أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت و علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض فإني لو قتلت في ذات الله و حييت ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله و الجهاد لأعداء الله و أما قولك إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى فإني ما نقصت عقلي و لا ندمت على فعلي و أما طلبك الشام فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس و أما استواؤنا في الخوف و الرجاء فلست أمضى على الشك مني على اليقين و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة و أما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض فلعمري إنا بنو أب واحد و لكن ليس أمية كهاشم و لا حرب كعبد المطلب و لا المهاجر كالطليق و لا المحق كالمبطل و في أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز و أعززنا بها الذليل و السلام.فلما أتى معاوية كتاب علي ع كتمه عن عمرو بن العاص أياما ثم دعاه
فاقرأه إياه فشمت به عمرو و لم يكن أحد من قريش أشد إعظاما لعلي من عمرو بن العاص منذ يوم لقيه و صفح عنه فقال عمرو فيما كان أشار به على معاوية:
ألا لله درك يا ابن هند |
و در الأمرين لك الشهود |
|
أ تطمع لا أبا لك في علي |
و قد قرع الحديد على الحديد |
|
و ترجو أن تحيره بشك |
و تأمل أن يهابك بالوعيد |
|
و قد كشف القناع و جر حربا |
يشيب لهولها رأس الوليد |
|
له جأواء مظلمة طحون |
فوارسها تلهب كالأسود |
|
يقول لها إذا رجعت إليه |
و قد ملت طعان القوم عودي |
|
فإن وردت فأولها ورودا |
و إن صدت فليس بذي صدود |
|
و ما هي من أبي حسن بنكر |
و لا هو من مسائك بالبعيد |
|
و قلت له مقالة مستكين |
ضعيف الركن منقطع الوريد |
|
دعن لي الشام حسبك يا ابن هند |
من السوآة و الرأي الزهيد |
|
و لو أعطاكها ما ازددت عزا |
و لا لك لو أجابك من مزيد |
|
فلم تكسر بذاك الرأي عودا |
لركته و لا ما دون عود |
فلما بلغ معاوية شعر عمرو دعاه فقال له العجب لك تفيل رأيي و تعظم عليا و قد فضحك فقال أما تفييلي رأيك فقد كان و أما إعظامي عليا فإنك بإعظامه أشد معرفة مني و لكنك تطويه و أنا أنشره و أما فضيحتي فلم يفتضح امرؤ لقي أبا حسن
18 و من كتاب له ع إلى عبد الله بن عباس و هو عامله على البصرة
وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ وَ مَغْرِسُ اَلْفِتَنِ فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَ اُحْلُلْ عُقْدَةَ اَلْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَ قَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ وَ غِلْظَتُك عَلَيْهِمْ وَ إِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلاَّ طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ وَ إِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَ لاَ إِسْلاَمٍ وَ إِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً وَ قَرَابَةً خَاصَّةً نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا وَ مَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا فَارْبَعْ أَبَا اَلْعَبَّاسِ رَحِمَكَ اَللَّهُ فِيمَا جَرَى عَلَى يَدِكَ وَ لِسَانِكَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ وَ كُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ وَ لاَ يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ وَ اَلسَّلاَمُ قوله ع مهبط إبليس موضع هبوطه.و مغرس الفتن موضع غرسها و يروى و مغرس الفتن و هو الموضع الذي ينزل فيه القوم آخر الليل للاستراحة يقال غرسوا و أغرسوا.و قوله ع فحادث أهلها أي تعهدهم بالإحسان من قولك حادثت السيف بالصقال.
و التنمر للقوم الغلظة عليهم و المعاملة لهم بأخلاق النمر من الجرأة و الوثوب و سنذكر تصديق قوله ع لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر.و الوغم الترة و الأوغام الترات أي لم يهدر لهم دم في جاهلية و لا إسلام يصفهم بالشجاعة و الحمية.و مأزورون كان أصله موزورون و لكنه جاء بالألف ليحاذي به ألف مأجورون و قد قال النبي ص مثل ذلك.قوله ع فاربع أبا العباس أي قف و تثبت في جميع ما تعتمده فعلا و قولا من خير و شر و لا تعجل به فإني شريكك فيه إذ أنت عاملي و النائب عني.و يعني بالشر هاهنا الضرر فقط لا الظلم و الفعل القبيح.قوله ع و كن عند صالح ظني فيك أي كن واقفا عنده كأنك تشاهده فتمنعك مشاهدته عن فعل ما لا يجوز.فال الرأي يفيل أي ضعف و أخطأ
و قد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب التاج أن لبني تميم مآثر لم يشركهم فيها غيرهم أما بنو سعد بن زيد مناة فلها ثلاث خصال يعرفها العرب إحداها كثرة العدد فإنه أضعف عددها على بني تميم حتى ملأت السهل و الجبل عدلت مضر كثرة و عامة العدد منها في كعب بن سعد بن زيد مناة و لذلك قال أوس بن مغراء
كعبي من خير الكعاب كعبا |
من خيرها فوارسا و عقبا |
تعدل جنبا و تميم جنبا
و قال الفرزدق أيضا فيهم هذه الأبيات:
لو كنت تعلم ما برمل مويسل |
فقري عمان إلى ذوات حجور |
|
لعلمت أن قبائلا و قبائلا |
من آل سعد لم تدن لأمير |
و قال أيضا:
تبكي على سعد و سعد مقيمة |
بيبرين قد كادت على الناس تضعف |
و لذلك كانت تسمى سعد الأكثرين و في المثل في كل واد بنو سعد.و الثانية الإفاضة في الجاهلية كان ذلك في بني عطارد و هم يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى قام الإسلام و كانوا إذا اجتمع الناس أيام الحج بمنى لم يبرح أحد من الناس دينا و سنة حتى يجوز القائم بذلك من آل كرب بن صفوان و قال أوس بن مغراء:
و لا يريمون في التعريف موقفهم |
حتى يقال أجيزوا آل صفوانا |
و قال الفرزدق:
إذا ما التقينا بالمحصب من منى |
صبيحة يوم النحر من حيث عرفوا |
|
ترى الناس ما سرنا يسيرون حولنا |
و إن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا |
و الثالثة أن منهم أشرف بيت في العرب الذي شرفته ملوك لخم قال المنذر بن المنذر بن ماء السماء ذات يوم و عنده وفود العرب و دعا ببردي أبيه محرق بن المنذر فقال ليلبس هذين أعز العرب و أكرمهم حسبا فأحجم الناس فقال أحيمر بن
خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم أنا لهما قال الملك بما ذا قال بأن مضر أكرم العرب و أعزها و أكثرها عديدا و أن تميما كاهلها و أكثرها و أن بيتها و عددها في بني بهدلة بن عوف و هو جدي فقال هذا أنت في أصلك و عشيرتك فكيف أنت في عترتك و أدانيك.قال أنا أبو عشرة و أخو عشرة و عم عشرة فدفعهما إليه و إلى هذا أشار الزبرقان بن بدر في قوله
و بردا ابن ماء المزن عمي اكتساهما |
بفضل معد حيث عدت محاصله |
قال أبو عبيدة و لهم في الإسلام خصلة قدم قيس بن عاصم المنقري على رسول الله ص في نفر من بني سعد فقال له رسول الله ص هذا سيد أهل الوبر فجعله سيد خندف و قيس ممن يسكن الوبر.قال و أما بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم فلهم خصال كثيرة قال في بني دارم بن مالك بن حنظلة و هو بيت مضر فمن ذلك زرارة بن عدس بن زيد بن دارم يقال إنه أشرف البيوت في بني تميم و من ذلك قوس حاجب بن زرارة المرهونة عند كسرى عن مضر كلها و في ذلك قيل
و أقسم كسرى لا يصالح واحدا |
من الناس حتى يرهن القوس حاجب |
و من ذلك في بني مجاشع بن دارم صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع و هو أول من أحيا الوئيد قام الإسلام و قد اشترى ثلاثمائة موءودة فأعتقهن و رباهن و كانت العرب تئد البنات خوف الإملاق.و من ذلك غالب بن صعصعة و هو أبو الفرزدق و غالب هو الذي قرى مائة ضيف و احتمل عشر ديات لقوم لا يعرفهم و كان من حديث ذلك أن بني كلب
بن وبرة افتخرت بينها في أنديتها فقالت نحن لباب العرب و قلبها و نحن الذين لا ننازع حسبا و كرما فقال شيخ منهم إن العرب غير مقرة لكم بذلك إن لها أحسابا و إن منها لبابا و إن لها فعالا و لكن ابعثوا مائة منكم في أحسن هيئة و بزة ينفرون من مروا به في العرب و يسألونه عشر ديات و لا ينتسبون له فمن قرأهم و بذل لهم الديات فهو الكريم الذي لا ينازع فضلا فخرجوا حتى قدموا على أرض بني تميم و أسد فنفروا الأحياء حيا فحيا و ماء فماء لا يجدون أحدا على ما يريدون حتى مروا على أكثم بن صيفي فسألوه ذلك فقال من هؤلاء القتلى و من أنتم و ما قصتكم فإن لكم لشأنا باختلافكم في كلامكم فعدلوا عنه ثم مروا بقتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي فسألوه عن ذلك فقال من أنتم قالوا من كلب بن وبرة فقال إني لأبغي كلبا بدم فإن انسلخ الأشهر الحرم و أنتم بهذه الأرض و أدرككم الخيل نكلت بكم و أثكلتكم أمهاتكم فخرجوا من عنده مرعوبين فمروا بعطارد بن حاجب بن زرارة فسألوه ذلك فقال قولوا بيانا و خذوها فقالوا أما هذا فقد سألكم قبل أن يعطيكم فتركوه و مروا ببني مجاشع بن دارم فأتوا على واد قد امتلأ إبلا فيها غالب بن صعصعة يهنأ منها إبلا فسألوه القرى و الديات فقال هاكم البزل قبل النزول فابتزوها من البرك و حوزوا دياتكم ثم انزلوا فتنزلوا و أخبروه بالحال و قالوا أرشدك الله من سيد قوم لقد أرحتنا من طول النصب و لو علمنا لقصدنا إليك فذلك قول الفرزدق
فلله عينا من رأى مثل غالب |
قرى مائة ضيفا و لم يتكلم |
|
و إذ نبحت كلب على الناس إنهم |
أحق بتاج الماجد المتكرم |
فلم يجل عن أحسابها غير غالب |
جرى بعناني كل أبلج خضرم |
قال فأما بنو يربوع بن حنظلة فمنهم ثم من بني رباح بن يربوع عتاب بن هرمي بن رياح كانت له ردافة الملوك ملوك آل المنذر و ردافة الملك أن يثنى به في الشرب و إذا غاب الملك خلفه في مجلسه و ورث ذلك بنوه كابرا عن كابر حتى قام الإسلام قال لبيد بن ربيعة:
و شهدت أنجبة الأكارم غالبا |
كعبي و أرداف الملوك شهود |
و يربوع أول من قتل قتيلا من المشركين و هو واقد بن عبد الله بن ثعلبة بن يربوع حليف عمر بن الخطاب قتل عمرو بن الحضرمي في سرية نخلة فقال عمر بن الخطاب يفتخر بذلك:
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا |
بنخلة لما أوقد الحرب واقد |
|
و ظل ابن عبد الله عثمان بيننا |
ينازعه غل من القد عاند |
و لها جواد العرب كلها في الإسلام بدأ العرب كلها جودا خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك و كان يشنؤه لكثرة بأوه و فخره فتهجمه و تنكر له و أغلظ في خطابه حتى قال من أنت لا أم لك قال أ و ما تعرفني يا أمير المؤمنين أنا من حي هم من أوفى العرب و أحلم العرب و أسود العرب و أجود العرب و أشجع العرب و أشعر العرب فقال سليمان و الله لتحتجن لما ذكرت أو لأوجعن ظهرك و لأبعدن دارك قال أما أوفى العرب فحاجب بن زرارة رهن قوسه عن العرب كلها و أوفى و أما أحلم العرب فالأحنف بن قيس يضرب به المثل حلما و أما أسود العرب فقيس بن عاصم قال له رسول الله ص هذا سيد أهل الوبر
و أما أشجع العرب فالحريش بن هلال السعدي و أما أجود العرب فخالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي و أما أشعر العرب فها أنا ذا عندك قال سليمان فما جاء بك لا شيء لك عندنا فارجع على عقبك و غمه ما سمع من عزة و لم يستطع له ردا فقال الفرزدق في أبيات:
أتيناك لا من حاجة عرضت لنا |
إليك و لا من قلة في مجاشع |
قلت و لو ذكر عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي و قال إنه أشجع العرب لكان غير مدافع قالوا كانت العرب تقول لو وقع القمر إلى الأرض لما التقفه إلا عتيبة بن الحارث لثقافته بالرمح و كان يقال له صياد الفوارس و سم الفوارس و هو الذي أسر بسطام بن قيس و هو فارس ربيعة و شجاعها و مكث عنده في القيد مدة حتى استوفى فداءه و جز ناصيته و خلى سبيله على ألا يغزو بني يربوع و عتيبة هذا هو المقدم على فرسان العرب كلها في كتاب طبقات الشجعان و مقاتل الفرسان و لكن الفرزدق لم يذكره و إن كان تميميا لأن جريرا يفتخر به لأنه من بني يربوع فحملته عداوة جرير على أن عدل عن ذكره.قال أبو عبيدة و لبني عمرو بن تميم خصال تعرفها لهم العرب و لا ينازعهم فيها أحد فمنها أكرم الناس عما و عمة و جدا و جدة و هو هند بن أبي هالة و اسم أبي هالة نباش بن زرارة أحد بني عمرو بن تميم كانت خديجة بنت خويلد قبل
النبي ص تحت أبي هالة فولدت له هندا ثم تزوجها رسول الله ص و هند بن أبي هالة غلام صغير فتبناه النبي ص ثم ولدت خديجة من رسول الله ص القاسم و الطاهر و زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة فكان هند بن أبي هالة أخاهم لأمهم ثم أولد هند بن أبي هالة هند بن هند فهند الثاني أكرم الناس جدا و جدة يعني رسول الله ص و خديجة و أكرم الناس عما و عمة يعني بني النبي ص و بناته.و منها أن لهم أحكم العرب في زمانه أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم كان أكثر أهل الجاهلية حكما و مثلا و موعظة سائرة.و منها ذو الأعواز كان له خراج على مضر كافة تؤديه إليه فشاخ حتى كان يحمل على سرير يطاف به على مياه العرب فيؤدى إليه الخراج و قال الأسود بن يعفر النهشلي و كان ضريرا:
و لقد علمت خلاف ما تناشي |
أن السبيل سبيل ذي الأعواز |
و منها هلال بن أحوز المازني الذي ساد تميما كلها في الإسلام و لم يسدها غيره.قال و دخل خالد بن عبد الرحمن بن الوليد بن المغيرة المخزومي مسجد الكوفة فانتهى إلى حلقة فيها أبو الصقعب التيمي من تيم الرباب و المخزومي لا يعرفه و كان أبو الصقعب من أعلم الناس فلما سمع علمه و حديثه حسده فقال له ممن الرجل قال من تيم الرباب فظن المخزومي أنه وجد فرصة فقال و الله ما أنت من سعد الأكثرين و لا من حنظلة الأكرمين و لا من عمرو الأشدين فقال أبو الصقعب فممن أنت قال من بني مخزوم قال و الله ما أنت من هاشم المنتخبين و لا من أمية المستخلفين
و لا من عبد الدار المستحجبين فبم تفخر قال نحن ريحانة قريش قال أبو الصقعب قبحا لما جئت به و هل تدري لم سميت مخزوم ريحانة قريش سميت لحظوة نسائها عند الرجال فأفحمه روى أبو العباس المبرد في كتاب الكامل أن معاوية قال للأحنف بن قيس و جارية بن قدامة و رجال من بني سعد معهما كلاما أحفظهم فردوا عليه جوابا مقذعا و امرأته فاختة بنت قرظة في بيت يقرب منهم و هي أم عبد الله بن معاوية فسمعت ذلك فلما خرجوا قالت يا أمير المؤمنين لقد سمعت من هؤلاء الأجلاف كلاما تلقوك به فلم تنكر فكدت أن أخرج إليهم فأسطو بهم فقال معاوية إن مضر كأهل العرب و تميما كأهل مضر و سعدا كأهل تميم و هؤلاء كأهل سعد.و روى أبو العباس أيضا أن عبد الملك ذكر يوما بني دارم فقال أحد جلسائه يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم محظوظون يعني في كثرة النسل و نماء الذرية فلذلك انتشر صيتهم فقال عبد الملك ما تقول هذا و قد مضى منهم لقيط بن زرارة و لم يخلف عقبا و مضى قعقاع بن معبد بن زرارة و لم يخلف عقبا و مضى محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة و لم يخلف عقبا و الله لا تنسى العرب هذه الثلاثة أبدا.قال أبو العباس إن الأصمعي قال إن حربا كانت بالبادية ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها ثم مشي بين الناس بالصلح فاجتمعوا في المسجد الجامع قال فبعثت و أنا غلام إلى ضرار بن القعقاع من بني دارم فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فإذا به في شملة يخلط بزرا لعنز له حلوب فخبرته بمجتمع القوم فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل الصحفة و صاح يا جارية غدينا فأتته بزيت و تمر فدعاني فقذرته
أن آكل معه حتى إذا قضى من أكله و حاجته وطرا وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يده ثم صاح يا جارية اسقيني ماء فأتته بماء فشربه و مسح فضله على وجهه ثم قال الحمد لله ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام متى نؤدي شكر هذه النعم ثم قال علي بردائي فأتته برداء عدني فارتدى به على تلك الشملة قال الأصمعي فتجافيت عنه استقباحا لزيه فلما دخل المسجد صلى ركعتين ثم مشى إلى القوم فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاما له ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء في ماله ثم انصرف.قال أبو العباس و حدثني أبو عثمان المازني عن أبي عبيدة قال لما أتى زياد بن عمرو المربد في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي و جاء زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي ليثأر به من بني تميم صف أصحابه فجعل في الميمنة بكر بن وائل و في الميسرة عبد القيس و هم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة و كان زياد بن عمرو العتكي في القلب فبلغ ذلك الأحنف بن قيس فقال هذا غلام حدث شأنه الشهرة و ليس يبالي أين قذف بنفسه فندب أصحابه فجاءه حارثة بن بدر الغداني و قد اجتمعت بنو تميم فلما أتى قال قوموا إلى سيدكم ثم أجلسه فناظره فجعلوا سعدا و الرباب في القلب و رئيسهم عبس بن طلق الطعان المعروف بأخي كهمس و هو أحد بني صريم بن يربوع فكانوا بحذاء زياد بن عمرو و من معه من الأزد و جعل حارثة بن بدر الغداني في بني حنظلة بحذاء بكر بن وائل و جعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس فذلك حيث يقول حارثة بن بدر للأحنف:
سيكفيك عبس أخو كهمس |
مقارعة الأزد في المربد |
|
و يكفيك عمرو على رسلها |
لكيز بن أفصى و ما عددوا |
و نكفيك بكرا إذا أقبلت |
بضرب يشيب له الأمرد |
و لكيز بن أفصى تعم عبد القيس قال فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف يا معشر الأزد من اليمن و ربيعة من أهل البصرة أنتم و الله أحب إلينا من تميم الكوفة و أنتم جيراننا في الدار و يدنا على العدو و أنتم بدأتمونا بالأمس و وطئتم حريمنا و حرقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا و لا حاجة لنا في الشر ما طلبنا في الخير مسلكا فتيمموا بنا طريقة مستقيمة فوجه إليه زياد بن عمرو تخير خلة من ثلاث إن شئت فانزل أنت و قومك على حكمنا و إن شئت فخل لنا عن البصرة و ارحل أنت و قومك إلى حيث شئتم و إلا فدوا قتلانا و أهدروا دماءكم و ليود مسعود دية المشعرة.قال أبو العباس و تأويل قوله دية المشعرة يريد أمر الملوك في الجاهلية و كان الرجل إذا قتل و هو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات فبعث إليه الأحنف سنختار فانصرفوا في يومكم فهز القوم راياتهم و انصرفوا فلما كان الغد بعث الأحنف إليهم إنكم خيرتمونا خلالا ليس لنا فيها خيار أما النزول على حكمكم فكيف يكون و الكلم يقطر و أما ترك ديارنا فهو أخو القتل قال الله عز و جل( وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) و لكن الثالثة إنما هي حمل على المال فنحن نبطل دماءنا و ندي قتلاكم و إنما مسعود رجل من المسلمين و قد أذهب الله عز و جل أمر الجاهلية فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود و يغمدوا السيف و تودى سائر القتلى من الأزد و ربيعة فضمن ذلك الأحنف و دفع إليهم إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدي هذا المال فرضي به القوم ففخر بذلك الفرزدق فقال لجرير
و منا الذي أعطى يديه رهينة |
لغاري معد يوم ضرب الجماجم |
|
عشية سال المربدان كلاهما |
عجاجة موت بالسيوف الصوارم |
|
هنالك لو تبغي كليبا وجدتها |
أذل من القردان تحت المناسم |
و يقال إن تميما في ذلك الوقت مع باديتها و حلفائها من الأساورة و الزط و السبابجة و غيرهم كانوا زهاء سبعين ألفا و في ذلك يقول جرير:
سائل ذوي يمن و رهط محرق |
و الأزد إذ ندبوا لنا مسعودا |
|
فأتاهم سبعون ألف مدجج |
متسربلين يلامقا و حديدا |
قال الأحنف بن قيس فكثرت على الديات فلم أجدها في حاضرة تميم فخرجت نحو يبرين إلى بادية تميم فسألت عن المقصود هناك فأرشدت إلى قبة فإذا شيخ جالس بفنائها مؤتزر بشملة محتب بحبل فسلمت عليه و انتسبت له فقال لي ما فعل رسول الله ص قلت توفي قال فما فعل عمر بن الخطاب الذي كان يحفظ العرب و يحوطها قلت توفي قال فأي خير في حاضرتكم بعدهما قال فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد و ربيعة قال فقال لي أقم فإذا راع قد أراح عليه ألف بعير فقال خذها ثم أراح علينا آخر مثلها فقال خذها فقلت لا أحتاج إليها قال فانصرفت بالألف عنه و و الله ما أدري من هو إلى الساعة
19 و من كتاب له ع إلى بعض عماله
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَ قَسْوَةً وَ اِحْتِقَاراً وَ جَفْوَةً وَ نَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لِأَنَّ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ وَ لاَ أَنْ يُقْصَوْا وَ يُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اَللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ اَلشِّدَّةِ وَ دَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ اَلْقَسْوَةِ وَ اَلرَّأْفَةِ وَ اُمْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ اَلتَّقْرِيبِ وَ اَلْإِدْنَاءِ وَ اَلْإِبْعَادِ وَ اَلْإِقْصَاءِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ الدهاقين الزعماء أرباب الأملاك بالسواد واحدهم دهقان بكسر الدال و لفظه معرب.و داول بينهم أي مرة هكذا و مرة هكذا أمره أن يسلك معهم منهجا متوسطا لا يدنيهم كل الدنو لأنهم مشركون و لا يقصيهم كل الإقصاء لأنهم معاهدون فوجب أن يعاملهم معاملة آخذة من كل واحد من القسمين بنصيب
20 و من كتاب له ع إلى زياد ابن أبيه و هو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة و عبد الله عامل أمير المؤمنين ع يومئذ عليها و على كور الأهواز و فارس و كرمان و غيرها
وَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ اَلْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ اَلْوَفْرِ ثَقِيلَ اَلظَّهْرِ ضَئِيلَ اَلْأَمْرِ وَ اَلسَّلاَمُ سيأتي ذكر نسب زياد و كيفية استلحاق معاوية له فيما بعد إن شاء الله تعالى.قوله ع لأشدن عليك شدة مثل قوله لأحملن عليك حملة و المراد تهديده بالأخذ و استصفاء المال.ثم وصف تلك الشدة فقال إنها تتركك قليل الوفر أي أفقرك بأخذ ما احتجت من بيت مال المسلمين.و ثقيل الظهر أي مسكين لا تقدر على مئونة عيالك.و ضئيل الأمر أي حقير لأنك إنما كنت نبيها بين الناس بالغنى و الثروة فإذا افتقرت صغرت عندهم و اقتحمتك أعينهم
21 و من كتاب له ع إلى زياد أيضا
فَدَعِ اَلْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً وَ اُذْكُرْ فِي اَلْيَوْمِ غَداً وَ أَمْسِكْ مِنَ اَلْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ وَ قَدِّمِ اَلْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ أَ تَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اَللَّهُ أَجْرَ اَلْمُتَوَاضِعِينَ وَ أَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ اَلْمُتَكَبِّرِينَ وَ تَطْمَعُ وَ أَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي اَلنَّعِيمِ أَنْ تَمْنَعَهُ تَمْنَعُهُ اَلضَّعِيفَ وَ اَلْأَرْمَلَةَ وَ أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ اَلْمُتَصَدِّقِينَ وَ إِنَّمَا اَلْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ وَ قَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ وَ اَلسَّلاَمُ المتمرغ في النعيم المتقلب فيه و نهاه عن الإسراف و هو التبذير في الإنفاق و أمره أن يمسك من المال ما تدعو إليه الضرورة و أن يقدم فضول أمواله و ما ليس له إليه حاجة ضرورية في الصدقة فيدخره ليوم حاجته و هو يوم البعث و النشور.قلت قبح الله زيادا فإنه كافأ إنعام علي ع و إحسانه إليه و اصطناعه له بما لا حاجة إلى شرحه من أعماله القبيحة بشيعته و محبيه و الإسراف في لعنه و تهجين أفعاله و المبالغة في ذلك بما قد كان معاوية يرضى باليسير منه و لم يكن يفعل ذلك لطلب رضا معاوية كلا بل يفعله بطبعه و يعاديه بباطنه و ظاهره و أبى الله إلا أن يرجع إلى أمه و يصحح نسبه و كل إناء ينضح بما فيه ثم جاء ابنه بعد فختم تلك الأعمال السيئة بما ختم و إلى الله ترجع الأمور
22 و من كتاب له ع إلى عبد الله بن العباسرحمهالله تعالى
و كان ابن عباس يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله ص كانتفاعي بهذا الكلام : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَ يَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ وَ لْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا وَ مَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلاَ تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً وَ مَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلاَ تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً وَ لْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ يقول إن كل شيء يصيب الإنسان في الدنيا من نفع و ضر فبقضاء من الله و قدره تعالى لكن الناس لا ينظرون حق النظر في ذلك فيسر الواحد منهم بما يصيبه من النفع و يساء بفوت ما يفوته منه غير عالم بأن ذلك النفع الذي أصابه كان لا بد أن يصيبه و أن ما فاته منه كان لا بد أن يفوته و لو عرف ذلك حق المعرفة لم يفرح و لم يحزن.و لقائل أن يقول هب أن الأمور كلها بقضاء و قدر فلم لا ينبغي للإنسان أن يفرح بالنفع و إن وقع بالقدر و يساء بفوته أو بالضرر و إن وقعا بقدر أ ليس العريان يساء
بقدوم الشتاء و إن كان لا بد من قدومه و المحموم غبا يساء بتجدد نوبة الحمى و إن كان لا بد من تجددها فليس سبب الاختيار في الأفعال مما يوجب أن لا يسر الإنسان و لا يساء بشيء منها.و الجواب ينبغي أن يحمل هذا الكلام على أن الإنسان ينبغي أن لا يعتقد في الرزق أنه أتاه بسعيه و حركته فيفرح معجبا بنفسه معتقدا أن ذلك الرزق ثمرة حركته و اجتهاده و كذلك ينبغي ألا يساء بفوات ما يفوته من المنافع لائما نفسه في ذلك ناسبا لها إلى التقصير و فساد الحيلة و الاجتهاد لأن الرزق هو من الله تعالى لا أثر للحركة فيه و إن وقع عندها و على هذا التأويل ينبغي أن يحمل قوله تعالى( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَ اَللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) .من النظم الجيد الروحاني في صفة الدنيا و التحذير منها و الوصاة بترك الاغترار بها و العمل لما بعدها ما أورده أبو حيان في كتاب الإشارات الإلهية و لم يسم قائله:
دار الفجائع و الهموم و دار |
البث و الأحزان و البلوى |
|
مر المذاقة غب ما احتلبت |
منها يداك وبية المرعى |
|
بينا الفتى منها بمنزلة |
إذ صار تحت ترابها ملقى |
|
تقفو مساويها محاسنها |
لا شيء بين النعي و البشرى |
|
و لقل يوم ذر شارقه |
إلا سمعت بهالك ينعى |
|
لا تعتبن على الزمان لما |
يأتي به فلقلما يرضى |
للمرء رزق لا يفوت و لو |
جهد الخلائق دون أن يفنى |
|
يا عامر الدنيا المعد لها |
ما ذا عملت لدارك الأخرى |
|
و ممهد الفرش الوطيئة لا |
تغفل فراش الرقدة الكبرى |
|
لو قد دعيت لقد أجبت لما |
تدعى له فانظر متى تدعى |
|
أ تراك تحصي كم رأيت من |
الأحياء ثم رأيتهم موتى |
|
من أصبحت دنياه همته |
فمتى ينال الغاية القصوى |
|
سبحان من لا شيء يعدله |
كم من بصير قلبه أعمى |
|
و الموت لا يخفى على أحد |
ممن أرى و كأنه يخفى |
|
و الليل يذهب و النهار |
بأحبابي و ليس عليهما عدوى |
23 و من كلام له ع قاله قبل موته على سبيل الوصية لما ضربه ابن ملجم لعنه الله
وَصِيَّتِي لَكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً وَ مُحَمَّدٌ ص فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ اَلْعَمُودَيْنِ وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ اَلْمِصْبَاحَيْنِ وَ خَلاَكُمْ ذَمٌّ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ اَلْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَ هُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ فَاعْفُوا( أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ ) وَ اَللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ اَلْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ وَ لاَ طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ وَ مَا كُنْتُ إِلاَّ كَقَارِبٍ وَرَدَ وَ طَالِبٍ وَجَدَ( وَ ما عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ) .
قال الرضيرحمهالله تعالى أقول و قد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب إلا أن فيه هاهنا زيادة أوجبت تكريره فإن قلت لقائل أن يقول إذا أوصاهم بالتوحيد و اتباع سنة النبي ص
فلم يبق شيء بعد ذلك يقول فيه أقيموا هذين العمودين و خلاكم ذم لأن سنة النبي ص فعل كل واجب و تجنب كل قبيح فخلاهم ذم فما ذا يقال.و الجواب أن كثيرا من الصحابة كلفوا أنفسهم أمورا من النوافل شاقة جدا فمنهم من كان يقوم الليل كله و منهم من كان يصوم الدهر كله و منهم المرابط في الثغور و منهم المجاهد مع سقوط الجهاد عنه لقيام غيره به و منهم تارك النكاح و منهم تارك المطاعم و الملابس و كانوا يتفاخرون بذلك و يتنافسون فيه فأراد ع أن يبين لأهله و شيعته وقت الوصية أن المهم الأعظم هو التوحيد و القيام بما يعلم من دين محمد ص أنه واجب و لا عليكم بالإخلال بما عدا ذلك فليت من المائة واحدا نهض بذلك و المراد ترغيبهم بتخفيف وظائف التكاليف عنهم فإن الله تعالى يقول( يُرِيدُ اَللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ ) و قال ص بعثت بالحنيفية السهلة السمحة.قوله و خلاكم ذم لفظة تقال على سبيل المثل أي قد أعذرتم و سقط عنكم الذم.ثم قسم أيامه الثلاثة أقساما فقال أنا بالأمس صاحبكم أي كنت أرجى و أخاف و أنا اليوم عبرة لكم أي عظة تعتبرون بها و أنا غدا مفارقكم أكون في دار أخرى غير داركم.ثم ذكر أنه إن بقي و لم يمت من هذه الضربة فهو ولي دمه إن شاء عفا و إن شاء اقتص و إن لم يبق فالفناء الموعد الذي لا بد منه.ثم عاد فقال و إن أعف و التقسيم ليس على قاعدة تقسيم المتكلمين و المعنى منه مفهوم و هو إما أن أسلم من هذه الضربة أو لا أسلم فإن سلمت منها فأنا ولي دمي إن شئت عفوت فلم أقتص و إن شئت اقتصصت و لا يعني بالقصاص هاهنا القتل بل ضربة بضربة فإن سرت إلى النفس كانت السراية مهدرة كقطع اليد.
ثم أومأ إلى أنه إن سلم عفا بقوله إن العفو لي إن عفوت قربة.ثم عدنا إلى القسم الثاني من القسمين الأولين و هو أنه ع لا يسلم من هذه فولاية الدم إلى الورثة إن شاءوا اقتصوا و إن شاءوا عفوا.ثم أومأ إلى أن العفو منهم أحسن بقوله و هو لكم حسنة بل أمرهم أمرا صريحا بالعفو فقال فاعفوا( أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ ) و هذا لفظ الكتاب العزيز و ينبغي أن يكون أمره بالعفو في هذا الكلام محمولا على الندب.ثم أقسم ع أنه ما فجأة من الموت أمر أنكره و لا كرهه فجأني الشيء أتاني بغتة.ثم قال ما كنت إلا كقارب ورد و القارب الذي يسير إلى الماء و قد بقي بينه و بينه ليلة واحدة و الاسم القرب فهم قاربون و لا يقال مقربون و هو حرف شاذ
24 و من وصية له ع بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين
هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اَللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ لِيُولِجَهُ بِهِ اَلْجَنَّةَ وَ يُعْطِيَهُ بِهِ اَلْأَمَنَةَ قد عاتبت العثمانية و قالت إن أبا بكر مات و لم يخلف دينارا و لا درهما و إن عليا ع مات و خلف عقارا كثيرا يعنون نخلا قيل لهم قد علم كل أحد أن عليا ع استخرج عيونا بكد يده بالمدينة و ينبع و سويعة و أحيا بها مواتا كثيرا ثم أخرجها عن ملكه و تصدق بها على المسلمين و لم يمت و شيء منها في ملكه أ لا ترى إلى ما تتضمنه كتب السير و الأخبار من منازعة زيد بن علي و عبد الله بن الحسن في صدقات علي ع و لم يورث علي ع بنيه قليلا من المال و لا كثيرا إلا عبيده و إماءه و سبعمائة درهم من عطائه تركها ليشتري بها خادما لأهله قيمتها ثمانية و عشرون دينارا على حسب المائة أربعة دنانير و هكذا كانت المعاملة بالدراهم إذ ذاك و إنما لم يترك أبو بكر قليلا و لا كثيرا لأنه ما عاش و لو عاش لترك أ لا ترى أن عمر أصدق أم كلثوم أربعين ألف درهم و دفعها إليها و ذلك لأن هؤلاء طالت أعمارهم فمنهم من درت عليه أخلاف التجارة و منهم من كان يستعمر الأرض و يزرعها و منهم من استفضل من رزقه من الفيء.
و فضلهم أمير المؤمنين ع بأنه كان يعمل بيده و يحرث الأرض و يستقي الماء و يغرس النخل كل ذلك يباشره بنفسه الشريفة و لم يستبق منه لوقته و لا لعقبه قليلا و لا كثيرا و إنما كان صدقة و قد مات رسول الله ص و له ضياع كثيرة جليلة جدا بخيبر و فدك و بني النضير و كان له وادي نخلة و ضياع أخرى كثيرة بالطائف فصارت بعد موته صدقة بالخبر الذي رواه أبو بكر فإن كان علي ع معيبا بضياعه و نخله فكذلك رسول الله ص و هذا كفر و إلحاد و إن كان رسول الله ص إنما ترك ذلك صدقة فرسول الله ص ما روى عنه الخبر في ذلك إلا واحد من المسلمين و علي ع كان في حياته قد أثبت عند جميع المسلمين بالمدينة أنها صدقة فالتهمة إليه في هذا الباب أبعد و روي و يعطيني به الأمنة و هي الأمن : مِنْهَا فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذَلِكَ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَ حُسَيْنٌ حَيٌّ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَ أَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ وَ إِنَّ لاِبْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٍّ مِثْلَ اَلَّذِي لِبَنِي عَلِيٍّ وَ إِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ اَلْقِيَامَ بِذَلِكَ إِلَى اِبْنَيْ فَاطِمَةَ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ وَ قُرْبَةً إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ تَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ وَ تَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ وَ يَشْتَرِطُ عَلَى اَلَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ اَلْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ وَ يُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَ هُدِيَ لَهُ وَ أَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلِ هَذِهِ اَلْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً
وَ مَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي اَللاَّتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ لَهَا وَلَدٌ أَوْ هِيَ حَامِلٌ فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَ هِيَ مِنْ حَظِّهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَ هِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا اَلرِّقُّ وَ حَرَّرَهَا اَلْعِتْقُ قال السيد الرضيرحمهالله تعالى قوله ع في هذه الوصية و ألا يبيع من نخلها ودية الودية الفسيلة و جمعها ودي.قوله ع حتى تشكل أرضها غراسا هو من أفصح الكلام و المراد به أن الأرض يكثر فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها فيشكل عليه أمرها و يحسبها غيرها جعل للحسن ابنه ع ولاية صدقات أمواله و أذن له أن يأكل منه بالمعروف أي لا يسرف و إنما يتناول منه مقدار الحاجة و ما جرت بمثله عادة من يتولى الصدقات كما قال الله تعالى( وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها ) .ثم قال فإن مات الحسن و الحسين بعده حي فالولاية للحسين و الهاء في مصدره ترجع إلى الأمر أي يصرفه في مصارفه التي كان الحسن يصرفه فيها ثم ذكر أن لهذين الولدين حصة من صدقاته أسوة بسائر البنين و إنما قال ذلك لأنه قد يتوهم متوهم
أنهما لكونهما قد فوض إليهما النظر في هذه الصدقات قد منعا أن يسهما فيها بشيء و إن الصدقات إنما يتناولها غيرهما من بني علي ع ممن لا ولاية له مع وجودهما ثم بين لما ذا خصهما بالولاية فقال إنما فعلت ذلك لشرفهما برسول الله ص فتقربت إلى رسول الله ص بأن جعلت لسبطيه هذه الرئاسة و في هذا رمز و إزراء بمن صرف الأمر عن أهل بيت رسول الله ص مع وجود من يصلح للأمر أي كان الأليق بالمسلمين و الأولى أن يجعلوا الرئاسة بعده لأهله قربة إلى رسول الله ص و تكريما لحرمته و طاعة له و أنفة لقدره ص أن تكون ورثته سوقة يليهم الأجانب و من ليس من شجرته و أصله أ لا ترى أن هيبة الرسالة و النبوة في صدور الناس أعظم إذا كان السلطان و الحاكم في الخلق من بيت النبوة و ليس يوجد مثل هذه الهيبة و الجلال في نفوس الناس للنبوة إذا كان السلطان الأعظم بعيد النسب من صاحب الدعوة ع.ثم اشترط على من يلي هذه الأموال أن يتركها على أصولها و ينفق من ثمرتها أي لا يقطع النخل و الثمر و يبيعه خشبا و عيدانا فيفضي الأمر إلى خراب الضياع و عطلة العقار.قوله و ألا يبيع من أولاد نخيل هذه القرى أي من الفسلان الصغار سماها أولادا و في بعض النسخ ليست أولاد مذكورة و الودية الفسيلة.تشكل أرضها تمتلي بالغراس حتى لا يبقى فيه طريقة واضحة.قوله أطوف عليهن كناية لطيفة عن غشيان النساء أي من السراري و كان ع يذهب إلى حل بيع أمهات الأولاد فقال من كان من إمائي لها ولد مني أو هي حامل مني و قسمتم تركتي فلتكن أم ذلك الولد مبيعة على ذلك الولد و يحاسب بالثمن من حصته من التركة فإذا بيعت عليه عتقت عليه لأن الولد إذا اشترى الوالد عتق الوالد
عنه و هذا معنى قوله فتمسك على ولدها أي تقوم عليه بقيمة الوقت الحاضر و هي من حظه أي من نصيبه و قسطه من التركة.قال فإن مات ولدها و هي حية بعد أن تقوم عليه فلا يجوز بيعها لأنها خرجت عن الرق بانتقالها إلى ولدها فلا يجوز بيعها.فإن قلت فلما ذا قال فإن مات ولدها و هي حية و هلا قال فإذا قومت عليه عتقت.قلت لأن موضع الاشتباه هو موت الولد و هي حية لأنه قد يظن ظان أنه إنما حرم بيعها لمكان وجود ولدها فأراد ع أن يبين أنها قد صارت حرة مطلقا سواء كان ولدها حيا أو ميتا
25 و من وصية له ع كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات
و إنما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنه ع كان يقيم عماد الحق و يشرع أمثلة العدل في صغير الأمور و كبيرها و دقيقها و جليلها : اِنْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اَللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ لاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَ لاَ تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً وَ لاَ تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اَللَّهِ فِي مَالِهِ فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى اَلْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ ثُمَّ اِمْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَ اَلْوَقَارِ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ وَ لاَ تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ ثُمَّ تَقُولَ عِبَادَ اَللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اَللَّهِ وَ خَلِيفَتُهُ لآِخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اَللَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ فَهَلْ لِلَّهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لاَ فَلاَ تُرَاجِعْهُ وَ إِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلاَ تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ وَ لاَ عَنِيفٍ بِهِ وَ لاَ تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَ لاَ تُفْزِعَنَّهَا وَ لاَ تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا وَ اِصْدَعِ اَلْمَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ فَإِذَا اِخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اِخْتَارَهُ ثُمَّ اِصْدَعِ اَلْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ فَإِذَا اِخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اِخْتَارَهُ فَلاَ تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اَللَّهِ فِي مَالِهِ فَاقْبِضْ حَقَّ اَللَّهِ مِنْهُ
فَإِنِ اِسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ ثُمَّ اِصْنَعْ مِثْلَ اَلَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اَللَّهِ فِي مَالِهِ وَ لاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَ لاَ هَرِمَةً وَ لاَ مَكْسُورَةً وَ لاَ مَهْلُوسَةً وَ لاَ ذَاتَ عَوَارٍ وَ لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلاَّ مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ رَافِقاً بِمَالِ اَلْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ وَ لاَ تُوَكِّلْ بِهَا إِلاَّ نَاصِحاً شَفِيقاً وَ أَمِيناً حَفِيظاً غَيْرَ مُعْنِفٍ وَ لاَ مُجْحِفٍ وَ لاَ مُلْغِبٍ وَ لاَ مُتْعِبٍ ثُمَّ اُحْدُرْ إِلَيْنَا مَا اِجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلاَّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَ بَيْنَ فَصِيلِهَا وَ لاَ يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ [ فَيُضِرَّ ] ذَلِكَ بِوَلَدِهَا وَ لاَ يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً وَ لْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذَلِكَ وَ بَيْنَهَا وَ لْيُرَفِّهْ عَلَى اَللاَّغِبِ وَ لْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَ اَلظَّالِعِ وَ لْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ اَلْغُدُرِ وَ لاَ يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ اَلْأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ اَلطُّرُقِ وَ لْيُرَوِّحْهَا فِي اَلسَّاعَاتِ وَ لْيُمْهِلْهَا عِنْدَ اَلنِّطَافِ وَ اَلْأَعْشَابِ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اَللَّهِ بُدَّناً مُنْقِيَاتٍ غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَ لاَ مَجْهُودَاتٍ لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ وَ أَقْرَبُ لِرُشْدِكَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ و قد كرر ع قوله لنقسمها على كتاب الله و سنة نبيه ص في ثلاثة مواضع من هذا الفصل الأول قوله حتى يوصله إلى وليهم ليقسمه بينهم.الثاني قوله ع نصيره حيث أمر الله به.
الثالث قوله لنقسمها على كتاب الله و البلاغة لا تقتضي ذلك و لكني أظنه أحب أن يحتاط و أن يدفع الظنة عن نفسه فإن الزمان كان في عهده قد فسد و ساءت ظنون الناس لا سيما مع ما رآه من عثمان و استئثاره بمال الفيء.و نعود إلى الشرح قوله ع على تقوى الله على ليست متعلقة بانطلق بل بمحذوف تقديره مواظبا.قوله و لا تروعن أي لا تفزعن و الروع الفزع رعته أروعه و لا تروعن بتشديد الواو و ضم حرف المضارعة من روعت للتكثير.قوله ع و لا تجتازن عليه كارها أي لا تمرن ببيوت أحد من المسلمين يكره مرورك و روي و لا تختارن عليه أي لا تقسم ماله و تختر أحد القسمين و الهاء في عليه ترجع إلى مسلما و تفسير هذا سيأتي في وصيته له أن يصدع المال ثم يصدعه فهذا هو النهي عن أن يختار على المسلم و الرواية الأولى هي المشهورة.قوله ع فانزل بمائهم و ذلك لأن الغريب يحمد منه الانقباض و يستهجن في القادم أن يخالط بيوت الحي الذي قدم عليه فقد يكون من النساء من لا تليق رؤيته و لا يحسن سماع صوته و من الأطفال من يستهجن أن يرى الغريب انبساطه على أبويه و أهله و قد يكره القوم أن يطلع الغريب على مأكلهم و مشربهم و ملبسهم و بواطن أحوالهم و قد يكونون فقراء فيكرهون أن يعرف فقرهم فيحتقرهم أو أغنياء أرباب ثروة كثيرة فيكرهون أن يعلم الغريب ثروتهم فيحسدهم ثم أمره أن يمضي إليهم غير متسرع و لا عجل و لا طائش نزق حتى يقوم بينهم فيسلم عليهم
و يحييهم تحية كاملة غير مخدجة أي غير ناقصة أخدجت الناقة إذا جاءت بولدها ناقص الخلق و إن كانت أيامه تامة و خدجت ألقت الولد قبل تمام أيامه و روي و لا تحدج بالتحية و الباء زائدة.ثم أمره أن يسألهم هل في أموالهم حق لله تعالى يعني الزكاة فإن قالوا لا فلينصرف عنهم لأن القول قول رب المال فلعله قد أخرج الزكاة قبل وصول المصدق إليه.قوله و أنعم لك أي قال نعم.و لا تعسفه أي لا تطلب منه الصدقة عسفا و أصله الأخذ على غير الطريق.و لا ترهقه لا تكلفه العسر و المشقة.ثم أمره أن يقبض ما يدفع إليه من الذهب و الفضة و هذا يدل على أن المصدق كان يأخذ العين و الورق كما يأخذ الماشية و أن النصاب في العين و الورق تدفع زكاته إلى الإمام و نوابه و في هذه المسألة اختلاف بين الفقهاء.قوله فإن أكثرها له كلام لا مزيد عليه في الفصاحة و الرئاسة و الدين و ذلك لأن الصدقة المستحقة جزء يسير من النصاب و الشريك إذا كان له الأكثر حرم عليه أن يدخل و يتصرف إلا بإذن شريكه فكيف إذا كان له الأقل.قوله فلا تدخلها دخول متسلط عليه قد علم ع أن الظلم من طبع الولاة و خصوصا من يتولى قبض الماشية من أربابها على وجه الصدقة فإنهم يدخلونها دخول متسلط حاكم قاهر و لا يبقى لرب المال فيها تصرف فنهى ع عن مثل ذلك.
قوله و لا تنفرن بهيمة و لا تفزعنها و ذلك أنهم على عادة السوء يهجهجون بالقطيع حتى تنفر الإبل و كذلك بالشاء إظهارا للقوة و القهر و ليتمكن أعوانهم من اختيار الجيد و رفض الرديء.قوله و لا تسوءن صاحبها فيها أي لا تغموه و لا تحزنوه يقال سؤته في كذا سوائية و مسائية.قوله و اصدع المال صدعين و خيره أي شقه نصفين ثم خيره فإذا اختار أحد النصفين فلا تعرضن لما اختار ثم اصدع النصف الذي ما ارتضاه لنفسه صدعين و خيره ثم لا تزال تفعل هكذا حتى تبقي من المال بمقدار الحق الذي عليه فأقبضه منه فإن استقالك فأقله ثم اخلط المال ثم عد لمثل ما صنعت حتى يرضى و ينبغي أن يكون المعيبات الخمس و هي المهلوسة و المكسورة و أخواتهما يخرجها المصدق من أصل المال قبل قسمته ثم يقسم و إلا فربما وقعت في سهم المصدق إذا كان يعتمد ما أمره به من صدع المال مرة بعد مرة.و العود المسن من الإبل و الهرمة المسنة أيضا و المكسورة التي أحد قوائمها مكسورة العظم أو ظهرها مكسور و المهلوسة المريضة قد هلسها المرض و أفنى لحمها و الهلاس السل و العوار بفتح العين العيب و قد جاء بالضم.و المعنف ذو العنف بالضم و هو ضد الرفق و المجحف الذي يسوق المال سوقا عنيفا فيجحف به أي يهلكه أو يذهب كثيرا من لحمه و نقية.و الملغب المتعب و اللغوب الإعياء.و حدرت السفينة و غيرها بغير ألف أحدرها بالضم.
قوله بين ناقة و بين فصيلها الأفصح حذف بين الثانية لأن الاسمين ظاهران و إنما تكرر إذا جاءت بعد المضمر كقولك المال بيني و بين زيد و بين عمرو و ذلك لأن المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة حرف الجر و الاسم المضاف و قد جاء المال بين زيد و عمرو و أنشدوا:
بين السحاب و بين الريح ملحمة |
قعاقع و ظبي في الجو تخترط |
و أيضا:
بين الندي و بين برقة ضاحك |
غيث الضريك و فارس مقدام |
و من شعر الحماسة:
و إن الذي بيني و بين بني أبي |
و بين بني عمي لمختلف جدا |
و ليس قول من يقول إنه عطف بين الثالثة على الضمير المجرور بأولى من قول من يقول بل عطف بين الثالثة على بين الثانية لأن المعنى يتم بكل واحد منها.قوله ع و لا تمصر لبنها المصر حلب ما في الضرع جميعه نهاه من أن يحلب اللبن كله فيبقى الفصيل جائعا ثم نهاه أن يجهدها ركوبا أي يتعبها و يحملها مشقة ثم أمره أن يعدل بين الركاب في ذلك لا يخص بالركوب واحدة بعينها ليكون ذلك أروح لهن ليرفه على اللاغب أي ليتركه و ليعفه عن الركوب ليستريح و الرفاهية الدعة و الراحة.و النقب ذو النقب و هو رقة خف البعير حتى تكاد الأرض تجرحه أمره أن يستأني بالبعير ذي النقب من الأناة و هي المهلة.
و الظالع الذي ظلع أي غمز في مشيه.و الغدر جمع غدير الماء و جواد الطريق حيث لا ينبت المرعى.و النطاف جمع نطفة و هي الماء الصافي القليل.و البدن بالتشديد السمان واحدها بادن.و منقيات ذوات نقي و هو المخ في العظم و الشحم في العين من السمن و أنقت الإبل و غيرها سمنت و صار فيها نقي و ناقة منقية و هذه الناقة لا تنقي
26 و من عهد له ع إلى بعض عماله و قد بعثه على الصدقة
آمُرُهُ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اَللَّهِ فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَ خَفِيَّاتِ عَمَلِهِ حَيْثُ لاَ شَاهِدَ شَهِيدَ غَيْرُهُ وَ لاَ وَكِيلَ دُونَهُ وَ آمُرُهُ أَمَرَهُ أَلاَّ يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اَللَّهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيمَا أَسَرَّ وَ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَ عَلاَنِيَتُهُ وَ فِعْلُهُ وَ مَقَالَتُهُ فَقَدْ أَدَّى اَلْأَمَانَةَ وَ أَخْلَصَ اَلْعِبَادَةَ وَ آمُرُهُ أَمَرَهُ أَلاَّ يَجْبَهَهُمْ وَ لاَ يَعْضَهَهُمْ وَ لاَ يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلاً بِالْإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمُ اَلْإِخْوَانُ فِي اَلدِّينِ وَ اَلْأَعْوَانُ عَلَى اِسْتِخْرَاجِ اَلْحُقُوقِ وَ إِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ اَلصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَ حَقّاً مَعْلُوماً وَ شُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ وَ ضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ وَ إِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ وَ إِلاَّ تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ اَلنَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ بُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اَللَّهِ اَلْفُقَرَاءُ وَ اَلْمَسَاكِينُ وَ اَلسَّائِلُونَ وَ اَلْمَدْفُوعُونَ وَ اَلْغَارِمُونَ وَ اِبْنُ اَلسَّبِيلِ وَ مَنِ اِسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ وَ رَتَعَ فِي اَلْخِيَانَةِ وَ لَمْ يُنَزِّهْ نَفْسَهُ وَ دِينَهُ عَنْهَا فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ اَلذُّلَّ وَ اَلْخِزْيَ فِي اَلدُّنْيَا وَ هُوَ فِي اَلآْخِرَةِ أَذَلُّ وَ أَخْزَى وَ إِنَّ أَعْظَمَ اَلْخِيَانَةِ خِيَانَةُ اَلْأُمَّةِ وَ أَفْظَعَ اَلْغِشِّ غِشُّ اَلْأَئِمَّةِ وَ اَلسَّلاَمُ
حيث لا شهيد و لا وكيل دونه يعني يوم القيامة.قوله ألا يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر أي لا ينافق فيعمل الطاعة في الظاهر و المعصية في الباطن.ثم ذكر أن الذين يتجنبون النفاق و الرياء هم المخلصون.و ألا يجبههم لا يواجههم بما يكرهونه و أصل الجبه لقاء الجبهة أو ضربها فلما كان المواجه غيره بالكلام القبيح كالضارب جبهته به سمي بذلك جبها.قوله و لا يعضههم أي لا يرميهم بالبهتان و الكذب و هي العضيهة و عضهت فلانا عضها و قد عضهت يا فلان أي جئت بالبهتان قوله و لا يرغب عنهم تفضلا يقول لا يحقرهم ادعاء لفضله عليهم و تمييزه عنهم بالولاية و الإمرة يقال فلان يرغب عن القوم أي يأنف من الانتماء إليهم أو من المخالطة لهم.و كان عمر بن عبد العزيز يدخل إليه سالم مولى بني مخزوم و عمر في صدر بيته فيتنحى عن الصدر و كان سالم رجلا صالحا و كان عمر أراد شراءه و عتقه فأعتقه مواليه فكان يسميه أخي في الله فقيل له أ تتنحى لسالم فقال إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس و هم السراج ليلة بأن يخمد فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه فأقسم عليه عمر بن عبد العزيز فجلس ثم قام عمر فأصلحه فقال له رجاء أ تقوم أنت يا أمير المؤمنين قال نعم قمت و أنا عمر بن عبد العزيز و رجعت و أنا عمر بن عبد العزيز
قال رسول الله ص لا ترفعوني فوق قدري فتقولوا في ما قالت النصارى في ابن مريم فإن الله عز و جل اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا.ثم قال إن أرباب الأموال الذين تجب الصدقة عليهم في أموالهم إخوانك في الدين و أعوانك على استخراج الحقوق لأن الحق إنما يمكن العامل استيفاؤه بمعاونة رب المال و اعترافه به و دفعه إليه فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجز لك عضههم و جبههم و ادعاء الفضل عليهم.ثم ذكر أن لهذا العامل نصيبا مفروضا من الصدقة و ذلك بنص الكتاب العزيز فكما نوفيك نحن حقك يجب عليك أن توفي شركاءك حقوقهم و هم الفقراء و المساكين و الغارمون و سائر الأصناف المذكورة في القرآن و هذا يدل على أنه ع قد فوضه في صرف الصدقات إلى الأصناف المعلومة و لم يأمره بأن يحمل ما اجتمع إليه ليوزعه هو ع على مستحقيه كما في الوصية الأولى و يجوز للإمام أن يتولى ذلك بنفسه و أن يكله إلى من يثق به من عماله.و انتصب أهل مسكنة لأنه صفة شركاء و في التحقيق أن شركاء صفة أيضا موصوفها محذوف فيكون صفة بعد صفة.و قال الراوندي انتصب أهل مسكنه لأنه بدل من شركاء و هذا غلط لأنه لا يعطي معناه ليكون بدلا منه.و قال أيضا بؤسى أي عذابا و شدة فظنه منونا و ليس كذلك بل هو بؤسى على وزن فعلى كفضلى و نعمى و هي لفظة مؤنثة يقال بؤسى لفلان قال الشاعر:
أرى الحلم بؤسى للفتى في حياته |
و لا عيش إلا ما حباك به الجهل |
و السائلون هاهنا هم الرقاب المذكورون في الآية و هم المكاتبون يتعذر عليهم أداء مال الكتابة فيسألون الناس ليتخلصوا من ربقة الرق و قيل هم الأسارى يطلبون فكاك أنفسهم و قيل بل المراد بالرقاب في الآية الرقيق يسأل أن يبتاعه الأغنياء فيعتقوه و المدفوعون هاهنا هم الذين عناهم الله تعالى في الآية بقوله( وَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ ) و هم فقراء الغزاة سماهم مدفوعين لفقرهم و المدفوع و المدفع الفقير لأن كل أحد يكرهه و يدفعه عن نفسه و قيل هم الحجيج المنقطع بهم سماهم مدفوعين لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم أو دفعوا عن العود إلى أهلهم.فإن قلت لم حملت كلام أمير المؤمنين ع على ما فسرته به قلت لأنه ع إنما أراد أن يذكر الأصناف المذكورة في الآية فترك ذكر المؤلفة قلوبهم لأن سهمهم سقط بعد موت رسول الله ص فقد كان يدفع إليهم حين الإسلام ضعيف و قد أعزه الله سبحانه فاستغنى عن تأليف قلوب المشركين و بقيت سبعة أصناف و هم الفقراء و المساكين و العاملون عليها و الرقاب و الغارمون و في سبيل الله و ابن السبيل.فأما العاملون عليها فقد ذكرهم ع في قوله و إن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا فبقيت ستة أصناف أتى ع بألفاظ القرآن في أربعة أصناف منها و هي الفقراء و المساكين و الغارم و ابن السبيل و أبدل لفظتين و هما الرقاب و في سبيل الله بلفظتين و هما السائلون و المدفوعون.فإن قلت ما يقوله الفقهاء في الصدقات هل تصرف إلى الأصناف كلها أم يجوز صرفها إلى واحد منها.
قلت أما أبو حنيفة فإنه يقول الآية قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة فهي مختصة بها لا تتجاوزها إلى غيرها كأنه تعالى قال إنما هي لهم لا لغيرهم كقولك إنما الخلافة لقريش فيجوز أن تصرف الصدقة إلى الأصناف كلها و يجوز أن تصرف إلى بعضها و هو مذهب ابن عباس و حذيفة و جماعة من الصحابة و التابعين و أما الشافعي فلا يرى صرفها إلا إلى الأصناف المعدودة كلها و به قال الزهري و عكرمة.فإن قلت فمن الغارم و ابن السبيل.قلت الغارمون الذين ركبتهم الديون و لا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب و قيل هم الذين يحملون الحمالات فدينوا فيها و غرموا و ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله فهو و إن كان غنيا حيث ماله موجود فقير حيث هو بعيد.و قد سبق تفسير الفقير و المسكين فيما تقدم.قوله فقد أحل بنفسه الذل و الخزي أي جعل نفسه محلا لهما و يروى فقد أخل بنفسه بالخاء المعجمة و لم يذكر الذل و الخزي أي جعل نفسه مخلا و معناه جعل نفسه فقيرا يقال خل الرجل إذا افتقر و أخل به غيره و بغيره أي جعل غيره فقيرا و روي أحل بنفسه بالحاء المهملة و لم يذكر الذل و الخزي و معنى أحل بنفسه أباح دمه و الرواية الأولى أصح لأنه قال بعدها و هو في الآخرة أذل و أخزى.و خيانة الأمة مصدر مضاف إلى المفعول به لأن الساعي إذا خان فقد خان الأمة كلها و كذلك غش الأئمة مصدر مضاف إلى المفعول أيضا لأن الساعي إذا غش في الصدقة فقد غش الإمام
27 و من عهد له ع إلى محمد بن أبي بكررضياللهعنه حين قلده مصر
فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ وَ اُبْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَ آسِ بَيْنَهُمْ فِي اَللَّحْظَةِ وَ اَلنَّظْرَةِ حَتَّى لاَ يَطْمَعَ اَلْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ وَ لاَ يَيْأَسَ اَلضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ اَلصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَ اَلْكَبِيرَةِ وَ اَلظَّاهِرَةِ وَ اَلْمَسْتُورَةِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ وَ إِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ وَ اِعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ اَلدُّنْيَا وَ آجِلِ اَلآْخِرَةِ فَشَارَكُوا أَهْلَ اَلدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ اَلدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ سَكَنُوا اَلدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ فَحَظُوا مِنَ اَلدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ اَلْمُتْرَفُونَ وَ أَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ اَلْجَبَابِرَةُ اَلْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ اِنْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ اَلْمُبَلِّغِ وَ اَلْمَتْجَرِ اَلرَّابِحِ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ اَلدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَ تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اَللَّهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ وَ لاَ يَنْقُفُ يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمَوْتَ وَ قُرْبَهُ وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَ خَطْبٍ جَلِيلٍ بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً أَوْ شَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلنَّارِ مِنْ عَامِلِهَا وَ أَنْتُمْ طُرَدَاءُ اَلْمَوْتِ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ اَلْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ وَ اَلدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ
فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ وَ لاَ تَسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ وَ لاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ وَ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اَللَّهِ وَ أَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا فَإِنَّ اَلْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ وَ إِنَّ أَحْسَنَ اَلنَّاسِ ظَنّاً بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ وَ اِعْلَمْ يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ وَ أَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلاَّ سَاعَةٌ مِنَ اَلدَّهْرِ وَ لاَ تُسْخِطِ اَللَّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ فِي اَللَّهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ وَ لَيْسَ مِنَ اَللَّهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ صَلِّ اَلصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا اَلْمُؤَقَّتِ لَهَا وَ لاَ تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ وَ لاَ تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاِشْتِغَالٍ وَ اِعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاَتِكَ آس بينهم اجعلهم أسوة لا تفضل بعضهم على بعض في اللحظة و النظرة و نبه بذلك على وجوب أن يجعلهم أسوة في جميع ما عدا ذلك من العطاء و الإنعام و التقريب كقوله تعالى( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) .قوله حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم الضمير في لهم راجع إلى الرعية لا إلى العظماء و قد كان سبق ذكرهم في أول الخطبة أي إذا سلكت هذا المسلك لم يطمع العظماء في أن تحيف على الرعية و تظلمهم و تدفع أموالهم إليهم فإن ولاة الجور
هكذا يفعلون يأخذون مال هذا فيعطونه هذا و يجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء أي حتى لا يطمع العظماء في جورك في القسم الذي إنما تفعله لهم و لأجلهم فإن ولاة الجور يطمع العظماء فيهم أن يحيفوا في القسمة في الفيء و يخالفوا ما حده الله تعالى فيها حفظا لقلوبهم و استمالة لهم و هذا التفسير أليق بالخطابة لأن الضمير في عليهم في الفقرة الثالثة عائد إلى الضعفاء فيجب أن يكون الضمير في لهم في الفقرة الثانية عائدا إلى العظماء.قوله فإن يعذب فأنتم أظلم أفعل هاهنا بمعنى الصفة لا بمعنى التفضيل و إنما يراد فأنتم الظالمون كقوله تعالى( وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) و كقولهم الله أكبر.ثم ذكر حال الزهاد فقال أخذوا من الدنيا بنصيب قوي و جعلت لهم الآخرة و يروى أن الفضيل بن عياض كان هو و رفيق له في بعض الصحاري فأكلا كسرة يابسة و اغترفا بأيديهما ماء من بعض الغدران و قام الفضيل فحط رجليه في الماء فوجد برده فالتذ به و بالحال التي هو فيها فقال لرفيقه لو علم الملوك و أبناء الملوك ما نحن فيه من العيش و اللذة لحسدونا.و روي و المتجر المربح فالرابح فاعل من ربح ربحا يقال بيع رابح أي يربح فيه و المربح اسم فاعل قد عدي ماضيه بالهمزة كقولك قام و أقمته.قوله جيران الله غدا في آخرتهم ظاهر اللفظ غير مراد لأن البارئ تعالى ليس في مكان و جهة ليكونوا جيرانه و لكن لما كان الجار يكرم جاره سماهم جيران الله لإكرامه إياهم و أيضا فإن الجنة إذا كانت في السماء و العرش هو السماء العليا كان في الكلام محذوف مقدر أي جيران عرش الله غدا.
قوله فإنه يأتي بأمر عظيم و خطب جليل بخير لا يكون معه شر أبدا و شر لا يكون معه خير أبدا نص صريح في مذهب أصحابنا في الوعيد و أن من دخل النار من جميع المكلفين فليس بخارج لأنه لو خرج منها لكان الموت قد جاءه بشر معه خير و قد نفى نفيا عاما أن يكون مع الشر المعقب للموت خير البتة.قوله من عاملها أي من العامل لها.قوله طرداء الموت جمع طريد أي يطردكم عن أوطانكم و يخرجكم منها لا بد من ذلك إن أقمتم أخذكم و إن هربتم أدرككم.و قال الراوندي طرداء هاهنا جمع طريدة و هي ما طردت من الصيد أو الوسيقة و ليس بصحيح لأن فعيلة بالتأنيث لا تجمع على فعلاء و قال النحويون إن قوله تعالى( وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ اَلْأَرْضِ ) جاء على خليف لا على خليفة و أنشدوا لأوس بن حجر بيتا استعملها جميعا فيه و هو
إن من القوم موجودا خليفته |
و ما خليف أبي ليلى بموجود |
قوله ألزم لكم من ظلكم لأن الظل لا تصح مفارقته لذي الظل ما دام في الشمس و هذا من الأمثال المشهورة.قوله معقود بنواصيكم أي ملازم لكم كالشيء المعقود بناصية الإنسان أين ذهب ذهب منه.و قال الراوندي أي الموت غالب عليكم قال تعالى( فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ اَلْأَقْدامِ ) فإن الإنسان إذا أخذ بناصيته لا يمكنه الخلاص و ليس بصحيح لأنه لم يقل أخذ بنواصيكم.قوله و الدنيا تطوى من خلفكم من كلام بعض الحكماء الموت و الناس كسطور
في صحيفة يقرؤها قارئ و يطوي ما يقرأ فكلما ظهر سطر خفي سطر.ثم أمره ع بأن يجمع بين حسن الظن بالله و بين الخوف منه و هذا مقام جليل لا يصل إليه إلا كل ضامر مهزول و قد تقدم كلامنا فيه وقال علي بن الحسين ع لو أنزل الله عز و جل كتابا أنه معذب رجلا واحدا لرجوت أن أكونه و أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه أو أنه معذبي لا محالة ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أرجع إلى نفسي بلائمة.ثم قال وليتك أعظم أجنادي يقال للأقاليم و الأطراف أجناد تقول ولي جند الشام و ولي جند الأردن و ولي جند مصر.قوله فأنت محقوق كقولك حقيق و جدير و خليق قال الشاعر:
و إني لمحقوق بألا يطولني |
نداه إذا طاولته بالقصائد |
و تنافح تجالد نافحت بالسيف أي خاصمت به.قوله و لو لم يكن إلا ساعة من النهار المراد تأكيد الوصاة عليه أن يخالف على نفسه و ألا يتبع هواها و أن يخاصم عن دينه و أن ذلك لازم له و واجب عليه و يلزم أن يفعله دائما فإن لم يستطع فليفعله و لو ساعة من النهار و ينبغي أن يكون هذا التقييد مصروفا إلى المنافحة عن الدين لأن الخصام في الدين قد يمنعه عنه مانع فأما أمره إياه أن يخالف على نفسه فلا يجوز صرف التقييد إليه لأنه يشعر بأنه مفسوح له أن يتبع هوى نفسه في بعض الحالات و ذلك غير جائز بخلاف المخاصمة و النضال عن المعتقد.قال و لا تسخط الله برضا أحد من خلقه فإن في الله خلفا من غيره و ليس من الله خلف في غيره أخذه الحسن البصري فقال لعمر بن هبيرة
أمير العراق إن الله مانعك من يزيد و لم يمنعك يزيد من الله يعني يزيد بن عبد الملك.ثم أمره بأن يصلي الصلاة لوقتها أي في وقتها و نهاه أن يحمله الفراغ من الشغل على أن يعجلها قبل وقتها فإنها تكون غير مقبولة أو أن يحمله الشغل على تأخيرها عن وقتها فيأثم.و من كلام هشام بن عقبة أخي ذي الرمة و كان من عقلاء الرجال قال المبرد في الكامل حدثني العباس بن الفرج الرياشي بإسناده قال هشام لرجل أراد سفرا اعلم أن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضل الزاد و يهر دونهم فإن قدرت ألا تكون كلب الرفقة فافعل و إياك و تأخير الصلاة عن وقتها فإنك مصليها لا محالة فصلها و هي تقبل منك.قوله و اعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك فيه شبه من قول رسول الله ص الصلاة عماد الإيمان و من تركها فقد هدم الإيمان وقال ص أول ما يحاسب به العبد صلاته فإن سهل عليه كان ما بعده أسهل و إن اشتد عليه كان ما بعده أشد.و مثل قوله و لا تسخط الله برضا أحد من خلقه ما رواه المبرد في الكامل عن عائشة قالت من أرضى الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بينه و بين الناس و من أرضى الناس بإسخاط الله وكله الله إلى الناس.و مثل هذا ما رواه المبرد أيضا قال لما ولي الحسن بن زيد بن الحسن المدينة قال لابن هرمة إني لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك فقد رزقني
الله عز و جل بولادة نبيه ص الممادح و جنبني المقابح و إن من حقه علي ألا أغضي على تقصير في حق الله و أنا أقسم بالله لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدا للخمر و حدا للسكر و لأزيدن لموضع حرمتك بي فليكن تركك لها لله عز و جل تعن عليه و لا تدعها للناس فتوكل إليهم فقال ابن هرمة:
نهاني ابن الرسول عن المدام |
و أدبني بآداب الكرام |
|
و قال لي اصطبر عنها و دعها |
لخوف الله لا خوف الأنام |
|
و كيف تصبري عنها و حبي |
لها حب تمكن في عظامي |
|
أرى طيب الحلال علي خبثا |
و طيب النفس في خبث الحرام |
وَ مِنْ هَذَا اَلْعَهْدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ إِمَامُ اَلْهُدَى وَ إِمَامُ اَلرَّدَى وَ وَلِيُّ اَلنَّبِيِّ وَ عَدُوُّ اَلنَّبِيِّ وَ لَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اَللَّهِ ص إِنِّي لاَ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَ لاَ مُشْرِكاً أَمَّا اَلْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اَللَّهُ بِإِيمَانِهِ وَ أَمَّا اَلْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اَللَّهُ بِشِرْكِهِ وَ لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ اَلْجَنَانِ عَالِمِ اَللِّسَانِ يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ يَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ الإشارة بإمام الهدى إليه نفسه و بإمام الردى إلى معاوية و سماه إماما كما سمى الله تعالى أهل الضلال أئمة فقال( وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنَّارِ ) ثم وصفه بصفة أخرى و هو أنه عدو النبي ص ليس يعني بذلك أنه كان عدوا أيام حرب النبي ص لقريش بل يريد أنه الآن عدو النبي ص لقوله ص له ع و عدوك عدوي و عدوي عدو الله و أول الخبر وليك وليي و وليي ولي الله و تمامه مشهور و لأن دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من فلتات لسانه و من أفعاله و قد قال أصحابنا في هذا المعنى أشياء كثيرة فلتطلب من كتبهم خصوصا
من كتب شيخنا أبي عبد الله و من كتب الشيخين أبي جعفر الإسكافي و أبي القاسم البلخي و قد ذكرنا بعض ذلك فيما تقدم.ثم قال ع إن رسول الله ص قال إني لا أخاف على أمتي مؤمنا و لا مشركا أي و لا مشركا يظهر الشرك قال لأن المؤمن يمنعه الله بإيمانه أن يضل الناس و المشرك مظهر الشرك يقمعه الله بإظهار شركه و يخذله و يصرف قلوب الناس عن اتباعه لأنهم ينفرون منه لإظهاره كلمة الكفر فلا تطمئن قلوبهم إليه و لا تسكن نفوسهم إلى مقالته و لكني أخاف على أمتي المنافق الذي يسر الكفر و الضلال و يظهر الإيمان و الأفعال الصالحة و يكون مع ذلك ذا لسن و فصاحة يقول بلسانه ما تعرفون صوابه و يفعل سرا ما تنكرونه لو اطلعتم عليه و ذاك أن من هذه صفته تسكن نفوس الناس إليه لأن الإنسان إنما يحكم بالظاهر فيقلده الناس فيضلهم و يوقعهم في المفاسد
و من الكتب المستحسنة الكتاب الذي كتبه المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله في سنة أربع و ثمانين و مائتين و وزيره حينئذ عبيد الله بن سليمان و أنا أذكره مختصرا من تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.قال أبو جعفر و في هذه السنة عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر و أمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس فخوفه عبيد الله بن سليمان اضطراب العامة
و أنه لا يأمن أن تكون فتنة فلم يلتفت إليه فكان أول شيء بدأ به المعتضد من ذلك التقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم و ترك الاجتماع و العصبية و الشهادات عند السلطان إلا أن يسألوا و منع القصاص عن القعود على الطرقات و أنشأ هذا الكتاب و عملت به نسخ قرئت بالجانبين من مدينة السلام في الأرباع و المحال و الأسواق يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى من هذه السنة ثم منع يوم الجمعة لأربع بقين منه و منع القصاص من القعود في الجانبين و منع أهل الحلق من القعود في المسجدين و نودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع و غيره و بمنع القصاص و أهل الحلق من القعود و نودي إن الذمة قد برئت ممن اجتمع من الناس في مناظرة أو جدال و تقدم إلى الشراب الذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحموا على معاوية و لا يذكروه بخير و كانت عادتهم جارية بالترحم عليه و تحدث الناس أن الكتاب الذي قد أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر فلما صلى الناس بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرأ و قيل إن عبيد الله بن سليمان صرفه عن قراءته و أنه أحضر يوسف بن يعقوب القاضي و أمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم المعتضد عليه فمضى يوسف فكلم المعتضد في ذلك و قال له إني أخاف أن تضطرب العامة و يكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة فقال إن تحركت العامة أو نطقت وضعت السيف فيها فقال يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون في كل ناحية و يميل إليهم خلق كثير لقربتهم من رسول الله ص و ما في هذا الكتاب من إطرائهم أو كما قال و إذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل و كانوا هم أبسط
ألسنة و أثبت حجة منهم اليوم فأمسك المعتضد فلم يرد إليه جوابا و لم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشيء و كان من جملة الكتاب بعد أن قدم حمد الله و الثناء عليه و الصلاة على رسول الله ص أما بعد فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم و فساد قد لحقهم في معتقدهم و عصبية قد غلبت عليها أهواؤهم و نطقت بها ألسنتهم على غير معرفة و لا روية قد قلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة و لا بصيرة و خالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة قال الله تعالى( وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اَللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ لا يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ ) خروجا عن الجماعة و مسارعة إلى الفتنة و إيثارا للفرقة و تشتيتا للكلمة و إظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة و بتر منه العصمة و أخرجه من الملة و أوجب عليه اللعنة و تعظيما لمن صغر الله حقه و أوهن أمره و أضعف ركنه من بني أمية الشجرة الملعونة و مخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة و أسبغ عليهم به النعمة من أهل بيت البركة و الرحمة( وَ اَللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اَللَّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ) .فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك و رأى ترك إنكاره حرجا عليه في الدين و فسادا لمن قلده الله أمره من المسلمين و إهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين و تبصير الجاهلين و إقامة الحجة على الشاكين و بسط اليد على المعاندين و أمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين أن الله جل ثناؤه لما ابتعث محمدا ص بدينه و أمره أن يصدع بأمره بدأ بأهله و عشيرته فدعاهم إلى ربه و أنذرهم و بشرهم
و نصح لهم و أرشدهم فكان من استجاب له و صدق قوله و اتبع أمره نفير يسير من بني أبيه من بين مؤمن بما أتى به من ربه و ناصر لكلمته و إن لم يتبع دينه إعزازا له و إشفاقا عليه فمؤمنهم مجاهد ببصيرته و كافرهم مجاهد بنصرته و حميته يدفعون من نابذه و يقهرون من عازه و عانده و يتوثقون له ممن كانفه و عاضده و يبايعون من سمح بنصرته و يتجسسون أخبار أعدائه و يكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين حتى بلغ المدى و حان وقت الاهتداء فدخلوا في دين الله و طاعته و تصديق رسوله و الإيمان به بأثبت بصيرة و أحسن هدى و رغبة فجعلهم الله أهل بيت الرحمة و أهل بيت الذين أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا معدن الحكمة و ورثة النبوة و موضع الخلافة أوجب الله لهم الفضيلة و ألزم العباد لهم الطاعة.و كان ممن عانده و كذبه و حاربه من عشيرته العدد الكثير و السواد الأعظم يتلقونه بالضرر و التثريب و يقصدونه بالأذى و التخويف و ينابذونه بالعداوة و ينصبون له المحاربة و يصدون من قصده و ينالون بالتعذيب من اتبعه و كان أشدهم في ذلك عداوة و أعظمهم له مخالفة أولهم في كل حرب و مناصبة و رأسهم في كل إجلاب و فتنة لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها و قائدها و رئيسها أبا سفيان بن حرب صاحب أحد و الخندق و غيرهما و أشياعه من بني أمية الملعونين في كتاب الله ثم الملعونين على لسان رسول الله ص في مواطن عدة لسابق علم الله فيهم و ماضي حكمه في أمرهم و كفرهم و نفاقهم فلم يزل لعنه الله يحارب مجاهدا و يدافع مكايدا و يجلب منابذا حتى قهره السيف و علا أمر الله و هم كارهون فتعوذ بالإسلام غير منطو عليه و أسر الكفر غير مقلع عنه فقبله و قبل ولده على علم منه بحاله و حالهم ثم أنزل الله
تعالى كتابا فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم و هو قوله تعالى( وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ ) و لا خلاف بين أحد في أنه تعالى و تبارك أراد بها بني أمية.و مما ورد من ذلك في السنة و رواه ثقات الأمة
قول رسول الله ص فيه و قد رآه مقبلا على حمار و معاوية يقوده و يزيد يسوقه لعن الله الراكب و القائد و السائق.و منه ما روته الرواة عنه من قوله يوم بيعة عثمان تلقفوها يا بني عبد شمس تلقف الكرة فو الله ما من جنة و لا نار و هذا كفر صراح يلحقه اللعنة من الله كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى ابن مريم ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون.و منه ما يروى من وقوفه على ثنية أحد من بعد ذهاب بصره و قوله لقائده هاهنا رمينا محمدا و قتلنا أصحابه.و منها الكلمة التي قالها للعباس قبل الفتح و قد عرضت عليه الجنود لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقال له العباس ويحك إنه ليس بملك إنها النبوة.و منها قوله يوم الفتح و قد رأى بلالا على ظهر الكعبة يؤذن و يقول أشهد أن محمدا رسول الله لقد أسعد الله عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد.و منه الرؤيا التي رآها رسول الله ص فوجم لها قالوا فما رئي بعدها ضاحكا رأى نفرا من بني أمية ينزون على منبره نزوة القردة.و منها طرد رسول الله ص الحكم بن أبي العاص لمحاكاته إياه في
مشيته و ألحقه الله بدعوة رسول الله ص آفة باقية حين التفت إليه فرآه يتخلج يحكيه فقال كن كما أنت فبقي على ذلك سائر عمره.هذا إلى ما كان من مروان ابنه في افتتاحه أول فتنة كانت في الإسلام و احتقابه كل حرام سفك فيها أو أريق بعدها.و منها ما أنزل الله تعالى على نبيه ص لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قالوا ملك بني أمية.و منها أن رسول الله ص دعا معاوية ليكتب بين يديه فدافع بأمره و اعتل بطعامه فقال ص لا أشبع الله بطنه فبقي لا يشبع و هو يقول و الله ما أترك الطعام شبعا و لكن إعياء.و منها أن رسول الله ص قال يطلع من هذا الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي فطلع معاوية.و منها أن رسول الله ص قال إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.و منها الحديث المشهور المرفوع أنه ص قال إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك من جهنم ينادي يا حنان يا منان فيقال له( آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ ) .و منها افتراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكانا و أقدمهم إليه سبقا و أحسنهم فيه أثرا و ذكرا علي بن أبي طالب ينازعه حقه بباطله و يجاهد أنصاره بضلاله أعوانه و يحاول ما لم يزل هو و أبوه يحاولانه من إطفاء نور الله و جحود دينه
( وَ يَأْبَى اَللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكافِرُونَ ) و يستهوي أهل الجهالة و يموه لأهل الغباوة بمكره و بغيه اللذين قدم رسول الله ص الخبر عنهما، فقال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة و يدعونك إلى النار مؤثرا للعاجلة كافرا بالآجلة خارجا من ربقة الإسلام مستحلا للدم الحرام حتى سفك في فتنته و على سبيل غوايته و ضلالته ما لا يحصى عدده من أخيار المسلمين الذابين عن دين الله و الناصرين لحقه مجاهدا في عداوة الله مجتهدا في أن يعصى الله فلا يطاع و تبطل أحكامه فلا تقام و يخالف دينه فلا بد و أن تعلو كلمة الضلال و ترتفع دعوة الباطل و كلمة الله هي العليا و دينه المنصور و حكمه النافذ و أمره الغالب و كيد من عاداه و حاده المغلوب الداحض حتى احتمل أوزار تلك الحروب و ما تبعها و تطوق تلك الدماء و ما سفك بعدها و سن سنن الفساد التي عليه إثمها و إثم من عمل بها و أباح المحارم لمن ارتكبها و منع الحقوق أهلها و غرته الآمال و استدرجه الإمهال و كان مما أوجب الله عليه به اللعنة قتله من قتل صبرا من خيار الصحابة و التابعين و أهل الفضل و الدين مثل عمرو بن الحمق الخزاعي و حجر بن عدي الكندي فيمن قتل من أمثالهم على أن تكون له العزة و الملك و الغلبة ثم ادعاؤه زياد ابن سمية أخا و نسبته إياه إلى أبيه و الله تعالى يقول( اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللَّهِ ) و رسول الله ص يقول ملعون من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه و قال الولد للفراش و للعاهر الحجر فخالف حكم الله تعالى و رسوله جهارا و جعل الولد لغير الفراش و الحجر لغير العاهر فأحل بهذه الدعوة من محارم الله و رسوله في أم حبيبة أم المؤمنين و في غيرها من النساء من شعور و وجوه قد
حرمها الله و أثبت بها من قربى قد أبعدها الله ما لم يدخل الدين خلل مثله و لم ينل الإسلام تبديل يشبهه.و من ذلك إيثاره لخلافة الله على عباده ابنه يزيد السكير الخمير صاحب الديكة و الفهود و القردة و أخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر و السطوة و التوعد و الإخافة و التهديد و الرهبة و هو يعلم سفهه و يطلع على رهقه و خبثه و يعاين سكراته و فعلاته و فجوره و كفره فلما تمكن قاتله الله فيما تمكن منه طلب بثارات المشركين و طوائلهم عند المسلمين فأوقع بأهل المدينة في وقعة الحرة الوقعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها و لا أفحش فشفى عند نفسه غليله و ظن أنه قد انتقم من أولياء الله و بلغ الثأر لأعداء الله فقال مجاهرا بكفره و مظهرا لشركه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
قول من لا يرجع إلى الله و لا إلى دينه و لا إلى رسوله و لا إلى كتابه و لا يؤمن بالله و بما جاء من عنده.ثم أغلظ ما انتهك و أعظم ما اجترم سفكه دم الحسين بن علي ع مع موقعه من رسول الله ص و مكانه و منزلته من الدين و الفضل و الشهادة له و لأخيه بسيادة شباب أهل الجنة اجتراء على الله و كفرا بدينه و عداوة لرسوله و مجاهرة لعترته و استهانة لحرمته كأنما يقتل منه و من أهل بيته قوما من كفره الترك
و الديلم و لا يخاف من الله نقمة و لا يراقب منه سطوة فبتر الله عمره أخبث أصله و فرعه و سلبه ما تحت يده و أعد له من عذابه و عقوبته ما استحقه من الله بمعصيته.هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله و تعطيل أحكام الله و اتخاذ مال الله بينهم دولا و هدم بيت الله و استحلالهم حرمه و نصبهم المجانيق عليه و رميهم بالنيران إياه لا يألون له إحراقا و إخرابا و لما حرم الله منه استباحة و انتهاكا و لمن لجأ إليه قتلا و تنكيلا و لمن أمنه الله به إخفاقة و تشريدا حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب و استحقوا من الله الانتقام و ملئوا الأرض بالجور و العدوان و عموا عباد بلاد الله بالظلم و الاقتسار و حلت عليهم السخطة و نزلت بهم من الله السطوة أتاح الله لهم من عترة نبيه و أهل وراثته و من استخلصه منهم لخلافته مثل ما أتاح من أسلافهم المؤمنين و آبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين فسفك الله به دماءهم و دماء آبائهم مرتدين كما سفك بآبائهم مشركين و قطع الله دابر الذين ظلموا و الحمد لله رب العالمين.أيها الناس إن الله إنما أمر ليطاع و مثل ليتمثل و حكم ليفعل قال الله سبحانه و تعالى( إِنَّ اَللَّهَ لَعَنَ اَلْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ) و قال( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاَّعِنُونَ ) .
فالعنوا أيها الناس من لعنه الله و رسوله و فارقوا من لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته اللهم العن أبا سفيان بن حرب بن أمية و معاوية بن أبي سفيان و يزيد بن معاوية و مروان بن الحكم و ولده و ولد ولده اللهم العن أئمة الكفر و قادة الضلال و أعداء الدين و مجاهدي الرسول و معطلي الأحكام و مبدلي الكتاب و منتهكي الدم الحرام اللهم إنا نبرأ إليك من موالاة أعدائك و من الإغماض لأهل معصيتك
كما قلت( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ ) .
أيها الناس اعرفوا الحق تعرفوا أهله و تأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها فقفوا عند ما وقفكم الله عليه و انفذوا كما أمركم الله به و أمير المؤمنين يستعصم بالله لكم و يسأله توفيقكم و يرغب إليه في هدايتكم و الله حسبه و عليه توكله و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.قلت هكذا ذكر الطبري الكتاب و عندي أنه الخطبة لأن كل ما يخطب به فهو خطبة و ليس بكتاب و الكتاب ما يكتب إلى عامل أو أمير و نحوهما و قد يقرأ الكتاب على المنبر فيكون كالخطبة و لكن ليس بخطبة و لكنه كتاب قرئ على الناس.و لعل هذا الكلام كان قد أنشئ ليكون كتابا و يكتب به إلى الآفاق و يؤمروا بقراءته على الناس و ذلك بعد قراءته على أهل بغداد و الذي يؤكد كونه كتابا و ينصر ما قاله الطبري إن في آخره كتب عبيد الله بن سليمان في سنة أربع و ثمانين و مائتين و هذا لا يكون في الخطب بل في الكتب و لكن الطبري لم يذكر أنه أمر بأن يكتب إلى الآفاق و لا قال وقع العزم على ذلك و لم يذكر إلا وقوع العزم على أن يقرأ في الجوامع ببغداد
28 و من كتاب له ع إلى معاوية جوابا
و هو من محاسن الكتب : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اِصْطِفَاءَ اَللَّهِ مُحَمَّداً ص لِدِينِهِ وَ تَأْيِيدَهُ إِيَّاهُ لِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا اَلدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاَءِ اَللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَ نِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ اَلتَّمْرِ إِلَى هَجَرَ أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى اَلنِّضَالِ وَ زَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ اَلنَّاسِ فِي اَلْإِسْلاَمِ فُلاَنٌ وَ فُلاَنٌ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اِعْتَزَلَكَ كُلُّهُ وَ إِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ وَ مَا أَنْتَ وَ اَلْفَاضِلَ وَ اَلْمَفْضُولَ وَ اَلسَّائِسَ وَ اَلْمَسُوسَ وَ مَا لِلطُّلَقَاءِ وَ أَبْنَاءِ اَلطُّلَقَاءِ وَ اَلتَّمْيِيزَ بَيْنَ اَلْمُهَاجِرِينَ اَلْأَوَّلِينَ وَ تَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ وَ تَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا وَ طَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ اَلْحُكْمُ لَهَا أَ لاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا اَلْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ وَ تَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ وَ تَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ اَلْقَدَرُ فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ اَلْمَغْلُوبِ وَ لاَ ظَفَرُ اَلظَّافِرِ فَإِنَّكَ وَ إِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي اَلتِّيهِ رَوَّاغٌ عَنِ اَلْقَصْدِ أَ لاَ تَرَى غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ وَ لَكِنْ بِنِعْمَةِ اَللَّهِ أُحَدِّثُ أَنَّ قَوْماً اُسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ تَعَالَى مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا اُسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ سَيِّدُ اَلشُّهَدَاءِ وَ خَصَّهُ رَسُولُ اَللَّهِ ص بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ
أَ وَ لاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لِكُلٍّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ قِيلَ اَلطَّيَّارُ فِي اَلْجَنَّةِ وَ ذُو اَلْجَنَاحَيْنِ وَ لَوْ لاَ مَا نَهَى اَللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ اَلْمَرْءِ نَفْسَهُ لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً تَعْرِفُهَا قُلُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لاَ تَمُجُّهَا آذَانُ اَلسَّامِعِينَ فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ اَلرَّمِيَّةُ فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَ اَلنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَ لاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا فَنَكَحْنَا وَ أَنْكَحْنَا فِعْلَ اَلْأَكْفَاءِ وَ لَسْتُمْ هُنَاكَ وَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَ مِنَّا اَلنَّبِيُّ وَ مِنْكُمُ اَلْمُكَذِّبُ وَ مِنَّا أَسَدُ اَللَّهِ وَ مِنْكُمْ أَسَدُ اَلْأَحْلاَفِ وَ مِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ وَ مِنْكُمْ صِبْيَةُ اَلنَّارِ وَ مِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ وَ مِنْكُمْ حَمَّالَةُ اَلْحَطَبِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَ عَلَيْكُمْ فَإِسْلاَمُنَا مَا قَدْ سُمِعَ وَ جَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ وَ كِتَابُ اَللَّهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى( وَ أُولُوا اَلْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اَللَّهِ ) وَ قَوْلُهُ تَعَالَى( إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هذَا اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَللَّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ ) فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ وَ تَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ وَ لَمَّا اِحْتَجَّ اَلْمُهَاجِرُونَ عَلَى اَلْأَنْصَارِ يَوْمَ اَلسَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اَللَّهِ ص فَلَجُوا عَلَيْهِمْ فَإِنْ يَكُنِ اَلْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ وَ إِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ وَ زَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ اَلْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ وَ عَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَتِ اَلْجِنَايَةُ عَلَيْكَ فَيَكُونَ اَلْعُذْرُ إِلَيْكَ
وَ تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
وَ قُلْتَ إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ اَلْجَمَلُ اَلْمَخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ وَ لَعَمْرُ اَللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ وَ أَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ وَ مَا عَلَى اَلْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ وَ لاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ وَ هَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا وَ لَكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَ أَمْرِ عُثْمَانَ فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اِسْتَكَفَّهُ أَمَّنِ اِسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ اَلْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ كَلاَّ وَ اَللَّهِ لَقَدْ( يَعْلَمُ اَللَّهُ اَلْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ اَلْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَ لاَ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .
وَ مَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً فَإِنْ كَانَ اَلذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَ هِدَايَتِي لَهُ فَرُبَّ مَلُومٍ لاَ ذَنْبَ لَهُ
وَ قَدْ يَسْتَفِيدُ اَلظِّنَّةَ اَلْمُتَنَصِّحُ
وَ مَا أَرَدْتُ إِلاَّ اَلْإِصْلاَحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ مَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيْبُ وَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَ لِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلاَّ اَلسَّيْفُ فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اِسْتِعْبَارٍ مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ عَنِ اَلْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ وَ بِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ
فَلَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ اَلْهَيْجَا حَمَلْ
فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ وَ يَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ وَ أَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ اَلتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ اَلْمَوْتِ أَحَبُّ اَللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ وَ قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَ سُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَ خَالِكَ وَ جَدِّكَ وَ أَهْلِكَ( وَ مَا هِيَ مِنَ اَلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ )
سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد فقلت أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي ع فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة و أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذن غير صحيح و إن كان ذلك الجواب فهذا الجواب إذن غير صحيح و لا ثابت فقال لي بل كلاهما ثابت مروي و كلاهما كلام أمير المؤمنين ع و ألفاظه ثم أمرني أن أكتب ما عليه علي ع فكتبته قالرحمهالله كان معاوية يتسقط عليا و ينعى عليه ما عساه يذكره من حال أبي بكر و عمر و أنهما غصباه حقه و لا يزال يكيده بالكتاب يكتبه و الرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال أبي بكر و عمر إما مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجة
عليه عند أهل الشام و يضيفه إلى ما قرره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم فقد كان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان و مالأ على قتله و أنه قتل طلحة و الزبير و أسر عائشة و أراق دماء أهل البصرة و بقيت خصلة واحدة و هو أن يثبت عندهم أنه يتبرأ من أبي بكر و عمر و ينسبهما إلى الظلم و مخالفة الرسول في أمر الخلافة و أنهما وثبا عليها غلبة و غصباه إياها فكانت هذه الطامة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشام عليه بل و أهل العراق الذين هم جنده و بطانته و أنصاره لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل الشاذ من خواص الشيعة فلما كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليا و يحرجه و يحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر و أنه أفضل المسلمين إلى أن يخلط خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر فكان الجواب مجمجما غير بين ليس فيه تصريح بالتظليم لهما و لا التصريح ببراءتهما و تارة يترحم عليهما و تارة يقول أخذا حقي و قد تركته لهما فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأول ليستفزا فيه عليا ع و يستخفاه و يحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيح حاله و تهجين مذهبه و قال له عمرو إن عليا ع رجل نزق تياه و ما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر و عمر فاكتب فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي و هو من الصحابة بعد أن عزم على بعثته مع أبي الدرداء و نسخة الكتاب من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا ع لرسالته و اختصه بوحيه و تأدية شريعته فأنقذ به من العماية و هدى به من الغواية ثم قبضه إليه رشيدا حميدا قد بلغ الشرع و محق الشرك و أخمد نار الإفك فأحسن الله جزاءه و ضاعف عليه نعمه و آلاءه ثم إن الله سبحانه اختص محمدا ع بأصحاب أيدوه و آزروه و نصروه
و كانوا كما قال الله سبحانه لهم( أَشِدَّاءُ عَلَى اَلْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) فكان أفضلهم مرتبة و أعلاهم عند الله و المسلمين منزلة الخليفة الأول الذي جمع الكلمة و لم الدعوة و قاتل أهل الردة ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح و مصر الأمصار و أذل رقاب المشركين ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة و طبق الآفاق بالكلمة الحنيفية.فلما استوثق الإسلام و ضرب بجرانه عدوت عليه فبغيته الغوائل و نصبت له المكايد و ضربت له بطن الأمر و ظهره و دسست عليه و أغريت به و قعدت حيث استنصرك عن نصره و سألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته و ما يوم المسلمين منك بواحد.لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه و رمت إفساد أمره و قعدت في بيتك و استغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته ثم كرهت خلافة عمر و حسدته و استطلت مدته و سررت بقتله و أظهرت الشماتة بمصابه حتى إنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه ثم لم تكن أشد منك حسدا لابن عمك عثمان نشرت مقابحه و طويت محاسنه و طعنت في فقهه ثم في دينه ثم في سيرته ثم في عقله و أغريت به السفهاء من أصحابك و شيعتك حتى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان و لا يد و ما من هؤلاء إلا من بغيت عليه و تلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش ثم نهضت الآن تطلب الخلافة و قتلة عثمان خلصاؤك و سجراؤك و المحدقون بك و تلك من أماني النفوس و ضلالات الأهواء.فدع اللجاج و العبث جانبا و ادفع إلينا قتلة عثمان و أعد الأمر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا فلا بيعة لك في أعناقنا و لا طاعة لك علينا و لا عتبى لك
عندنا و ليس لك و لأصحابك عندي إلا السيف و الذي لا إله إلا هو لأطلبن قتلة عثمان أين كانوا و حيث كانوا حتى أقتلهم أو تلتحق روحي بالله.فأما ما لا تزال تمن به من سابقتك و جهادك فإني وجدت الله سبحانه يقول( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) و لو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها و إذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة فالامتنان على الله يبطل أجر الجهاد و يجعله( كَصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَ اَللَّهُ لا يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكافِرِينَ ) .قال النقيب أبو جعفر فلما وصل هذا الكتاب إلى علي ع مع أبي أمامة الباهلي كلم أبا أمامة بنحو مما كلم به أبا مسلم الخولاني و كتب معه هذا الجواب.قال النقيب و في كتاب معاوية هذا ذكر لفظ الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم و ليس في ذلك هذه اللفظة و إنما فيه حسدت الخلفاء و بغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر و قولك الهجر و تنفسك الصعداء و إبطائك عن الخلفاء.قال و إنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين و المشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظة فيه و الصحيح أنها في كتاب أبي أمامة أ لا تراها عادت
في جوابه و لو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه.انتهى كلام النقيب أبي جعفر و نحن الآن مبتدءون في شرح ألفاظ الجواب المذكور.قوله فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا موضع التعجب إن معاوية يخبر عليا ع باصطفاء الله تعالى محمدا و تشريفه له و تأييده له و هذا ظريف لأنه يجري كإخبار زيد عمرا عن حال عمرو إذ كان النبي ص و علي ع كالشيء الواحد و خبأ مهموز و المصدر الخبء و منه الخابية و هي الخبء إلا أنهم تركوا همزها و الخبء أيضا و الخبيء على فعيل ما خبئ.و بلاء الله تعالى إنعامه و إحسانه.و قوله ع كناقل التمر إلى هجر مثل قديم و هجر اسم مدينة لا ينصرف للتعريف و التأنيث و قيل هو اسم مذكر مصروف و أصل المثل كمستبضع تمر إلى هجر و النسبة إليه هاجري على غير قياس و هي بلدة كثيرة النخل يحمل منها التمر إلى غيرها قال الشاعر في هذا المعنى:
أهدي له طرف الكلام كما |
يهدى لوالي البصرة التمر |
قوله و داعي مسدده إلى النضال أي معلمه الرمي و هذا إشارة إلى قول القائل الأول
أعلمه الرماية كل يوم |
فلما استد ساعده رماني |
هكذا الرواية الصحيحة بالسين المهملة أي استقام ساعده على الرمي و سددت فلانا علمته النضال و سهم سديد مصيب و رمح سديد أي قل أن تخطئ طعنته و قد ظرف القاضي الأرجاني في قوله لسديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري كاتب الإنشاء:
إلى الذي نصب المكارم للورى |
غرضا يلوح من المدى المتباعد |
|
نثل الأماثل من كنانته فما |
وجدت يداه سوى سديد واحد |
و من الأمثال في هذا المعنى سمن كلبك يأكلك و منها أحشك و تروثني.قوله ع و زعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان و فلان أي أبو بكر و عمر.قوله ع فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله و إن نقص لم يلحقك ثلمه من هذا المعنى قول الفرزدق لجرير و قد كان جرير في مهاجاته إياه يفخر عليه بقيس عيلان فقد كانت لجرير في قيس خئولة يعيره بأيامهم على بني تميم فلما قتل بنو تميم قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان قال الفرزدق يفتخر:
أتاني و أهلي بالمدينة وقعة |
لآل تميم أقعدت كل قائم |
كان رءوس الناس إذ سمعوا بها |
مشدخة هاماتها بالأمائم |
|
و ما بين من لم يؤت سمعا و طاعة |
و بين تميم غير جز الحلاقم |
ثم خرج إلى خطاب جرير بعد أبيات تركنا ذكرها فقال:
أ تغضب إن أذنا قتيبة جزتا |
جهارا و لم تغضب لقتل ابن حازم |
|
و ما منهما إلا نقلنا دماغه |
إلى الشام فوق الشاحجات الرواسم |
|
تذبذب في المخلاة تحت بطونها |
محذفة الأذناب جلح المقادم |
|
و ما أنت من قيس فتنبح دونها |
و لا من تميم في الرءوس الأعاظم |
|
تخوفنا أيام قيس و لم تدع |
لعيلان أنفا مستقيم الخياشم |
|
لقد شهدت قيس فما كان نصرها |
قتيبة إلا عضها بالأباهم |
فقوله
و ما أنت من قيس فتنبح دونها
هو معنى قول علي ع لمعاوية فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله و ابن حازم المذكور في الشعر هو عبد الله بن حازم من بني سليم و سليم من قيس عيلان و قتلته تميم أيضا و كان والي خراسان.قوله ع و ما أنت و الفاضل و المفضول الرواية المشهورة بالرفع و قد رواها قوم بالنصب فمن رفع احتج بقوله و ما أنت و بيت أبيك و الفخر.و بقوله
فما القيسي بعدك و الفخار
و من نصب فعلى تأويل مالك و الفاضل و في ذلك معنى الفعل أي ما تصنع لأن
هذا الباب لا بد أن يتضمن الكلام فيه فعلا أو معنى فعل و أنشدوا
فما أنت و السير في متلف
و الرفع عند النحويين أولى.ثم قال و ما للطلقاء و أبناء الطلقاء و التمييز النصب هاهنا لا غير لأجل اللام في الطلقاء.ثم قال ع بين المهاجرين الأولين و ترتيب درجاتهم و تعريف طبقاتهم هذا الكلام ينقض ما يقول من يطعن في السلف فإن أمير المؤمنين ع أنكر على معاوية تعرضه بالمفاضلة بين أعلام المهاجرين و لم يذكر معاوية إلا للمفاضلة بينه ع و بين أبي بكر و عمر فشهادة أمير المؤمنين ع بأنهما من المهاجرين الأولين و من ذوي الدرجات و الطبقات التي اشتبه الحال بينهما و بينه ع في أي الرجال منهم أفضل و أن قدر معاوية يصغر أن يدخل نفسه في مثل ذلك شهادة قاطعة على علو شأنهما و عظم منزلتهما.قوله ع هيهات لقد حن قدح ليس منها هذا مثل يضرب لمن يدخل نفسه بين قوم ليس له أن يدخل بينهم و أصله القداح من عود واحد يجعل فيها قدح من غير ذلك الخشب فيصوت بينها إذا أرادها المفيض فذلك الصوت هو حنينه.قوله و طفق يحكم فيها من عليه الحكم لها أي و طفق يحكم في هذه القصة
أو في هذه القضية من يجب أن يكون الحكم لها عليه لا له فيها و يجوز أن يكون الضمير يرجع إلى الطبقات.ثم قال أ لا تربع أيها الإنسان على ظلعك أي أ لا ترفق بنفسك و تكف و لا تحمل عليها ما لا تطيقه و الظلع مصدر ظلع البعير يظلع أي غمز في مشيه.قوله و تعرف قصور ذرعك أصل الذرع بسط اليد يقال ضقت به ذرعا أي ضاق ذرعي به فنقلوا الاسم من الفاعلية فجعلوه منصوبا على التمييز كقولهم طبت به نفسا.قوله و تتأخر حيث أخرك القدر مثل قولك ضع نفسك حيث وضعها الله يقال ذلك لمن يرفع نفسه فوق استحقاقه.ثم قال فما عليك غلبة المغلوب و لا عليك ظفر الظافر يقول و ما الذي أدخلك بيني و بين أبي بكر و عمر و أنت من بني أمية لست هاشميا و لا تيميا و لا عدويا هذا فيما يرجع إلى أنسابنا و لست مهاجرا و لا ذا قدم في الإسلام فتزاحم المهاجرين و أرباب السوابق بأعمالك و اجتهادك فإذن لا يضرك غلبة الغالب منا و لا يسرك ظفر الظافر و يروى أن مروان بن الحكم كان ينشد يوم مرج راهط و الرءوس تندر عن كواهلها بينه و بين الضحاك بن قيس الفهري:
و ما ضرهم غير حين النفوس |
أي غلامي قريش غلب |
قوله ع و إنك لذهاب في التيه رواغ عن القصد يحتمل قوله ع في التيه معنيين أحدهما بمعنى الكبر و الآخر التيه من قولك تاه فلان في البيداء و منه قوله تعالى( فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ ) و هذا الثاني أحسن
يقول إنك شديد الإيغال في الضلال و ذهاب فعال للتكثير و يقال أرض متيهة مثل معيشة أي يتاه فيها.قال ع رواغ عن القصد أي تترك ما يلزمك فعله و تعدل عما يجب عليك أن تجيب عنه إلى حديث الصحابة و ما جرى بعد موت النبي ص و نحن إلى الكلام في غير هذا أحوج إلى الكلام في البيعة و حقن الدماء و الدخول تحت طاعة الإمام.ثم قال أ لا ترى غير مخبر لك و لكن بنعمة الله أحدث أي لست عندي أهلا لأن أخبرك بذلك أيضا فإنك تعلمه و من يعلم الشيء لا يجوز أن يخبر به و لكن أذكر ذلك لأنه تحدث بنعمة الله علينا و قد أمرنا بأن نحدث بنعمته سبحانه.قوله ع إن قوما استشهدوا في سبيل الله المراد هاهنا سيد الشهداء حمزةرضياللهعنه و ينبغي أن يحمل قول النبي ص فيه إنه سيد الشهداء على أنه سيد الشهداء في حياة النبي ص لأن عليا ع مات شهيدا و لا يجوز أن يقال حمزة سيده بل هو سيد المسلمين كلهم و لا خلاف بين أصحابنا رحمهم الله أنه أفضل من حمزة و جعفررضياللهعنه ما و قد تقدم ذكر التكبير الذي كبره رسول الله ص على حمزة في قصة أحد.قوله ع و لكل فضل أي و لكل واحد من هؤلاء فضل لا يجحد.قوله أ و لا ترى أن قوما قطعت أيديهم هذا إشارة إلى جعفر و قد تقدم ذلك في قصة مؤتة.قوله و لو لا ما نهى الله عنه هذا إشارة إلى نفسه ع.
قوله و لا تمجها آذان السامعين أي لا تقذفها يقال مج الرجل من فيه أي قذفه قوله ع فدع عنك من مالت به الرمية يقال للصيد يرمي هذه الرمية و هي فعيلة بمعنى مفعولة و الأصل في مثلها ألا تلحقها الهاء نحو كف خضيب و عين كحيل إلا أنهم أجروها مجرى الأسماء لا النعوت كالقصيدة و القطيعة.و المعنى دع ذكر من مال إلى الدنيا و مالت به أي أمالته إليها.فإن قلت فهل هذا إشارة إلى أبي بكر و عمر قلت ينبغي أن ينزه أمير المؤمنين ع عن ذلك و أن تصرف هذه الكلمة إلى عثمان لأن معاوية ذكره في كتابه و قد أوردناه و إذا أنصف الإنسان من نفسه علم أنه ع لم يكن يذكرهما بما يذكر به عثمان فإن الحال بينه و بين عثمان كانت مضطربة جدا.قال ع فإن صنائع ربنا و الناس بعد صنائع لنا هذا كلام عظيم عال على الكلام و معناه عال على المعاني و صنيعة الملك من يصطنعه الملك و يرفع قدره.يقول ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا فليس بيننا و بينه واسطة و الناس بأسرهم صنائعنا فنحن الواسطة بينهم و بين الله تعالى و هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت و باطنه أنهم عبيد الله و أن الناس عبيدهم.ثم قال لم يمنعنا قديم عزنا و عادي طولنا الطول الفضل و عادي أي قديم بئر عادية.قوله على قومك أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا و أنكحنا فعل الأكفاء و لستم هناك يقول تزوجنا فيكم و تزوجتم فينا كما يفعل الأكفاء و لستم أكفاءنا و ينبغي أن يحمل قوله قديم و عادي على مجازه لا على حقيقته لأن بني هاشم و بني أمية لم يفترقا في الشرف إلا مذ نشأ هاشم بن عبد مناف و عرف بأفعاله و مكارمه و نشأ حينئذ أخوه عبد شمس و عرف بمثل ذلك و صار لهذا بنون و لهذا بنون و ادعى كل من الفريقين
أنه أشرف بالفعال من الآخر ثم لم تكن المدة بين نشء هاشم و إظهار محمد ص الدعوة إلا نحو تسعين سنة و مثل هذه المدة القصيرة لا يقال فيها قديم عزنا و عادي طولنا فيجب أن يحمل اللفظ على مجازه لأن الأفعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدة تكون بكثرة المناقب و المآثر و المفاخر و إن كانت المدة قصيرة و لفظة قديم ترد و لا يراد بها قدم الزمان بل من قولهم لفلان قدم صدق و قديم أثر أي سابقة حسنة
و ينبغي أن نذكرها هاهنا مناكحات بني هاشم و بني عبد شمس زوج رسول الله ص ابنتيه رقية و أم كلثوم من عثمان بن عفان بن أبي العاص و زوج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس في الجاهلية و تزوج أبو لهب بن عبد المطلب أم جميل بنت حرب بن أمية في الجاهلية و تزوج رسول الله ص أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب و تزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ع.و روى شيخنا أبو عثمان عن إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس قال قلت للمنصور أبي جعفر من أكفاؤنا فقال أعداؤنا فقلت من هم فقال بنو أمية.و قال إسحاق بن سليمان بن علي قلت للعباس بن محمد إذا اتسعنا من البنات و ضقنا من البنين و خفنا بوار الأيامى فإلى من نخرجهن من قبائل قريش فأنشدني:
عبد شمس كان يتلو هاشما |
و هما بعد لأم و لأب |
فعرفت ما أراد و سكتت.و روى أيوب بن جعفر بن سليمان قال سألت الرشيد عن ذلك فقال زوج النبي ص بني عبد شمس فأحمد صهرهم و قال ما ذممنا من صهرنا فإنا لا نذم صهر أبي العاص بن الربيع.
قال شيخنا أبو عثمان و لما ماتت الابنتان تحت عثمان قال النبي ص لأصحابه ما تنتظرون بعثمان أ لا أبو أيم أ لا أخو أيم زوجته ابنتين و لو أن عندي ثالثة لفعلت قال و لذلك سمي ذا النورين ثم قال ع و أنى يكون ذلك أي كيف يكون شرفكم كشرفنا و منا النبي و منكم المكذب يعني أبا سفيان بن حرب كان عدو رسول الله و المكذب له و المجلب عليه و هؤلاء ثلاثة بإزاء أبي سفيان رسول الله ص و معاوية بإزاء علي ع و يزيد بإزاء الحسين ع بينهم من العداوة ما لا تبرك عليه الإبل.قال و منا أسد الله يعني حمزة و منكم أسد الأحلاف يعني عتبة بن ربيعة و قد تقدم شرح ذلك في قصة بدر.و قال الراوندي المكذب من كان يكذب رسول الله ص عنادا من قريش و أسد الأحلاف أسد بن عبد العزى قال لأن بني أسد بن عبد العزى كانوا أحد البطون الذين اجتمعوا في حلف المطيبين و هم بنو أسد بن عبد العزى و بنو عبد مناف و بنو تميم بن مرة و بنو زهرة و بنو الحارث بن فهر و هذا كلام طريف جدا لأنه لم يلحظ أنه يجب أن يجعل بإزاء النبي ص مكذب
من بني عبد شمس فقال المكذب من كذب النبي ص من قريش عنادا و ليس كل من كذبه ع من قريش يعير معاوية به ثم قال أسد الأحلاف أسد بن عبد العزى و أي عار يلزم معاوية من ذلك ثم إن بني عبد مناف كانوا في هذا الحلف و علي و معاوية من بني عبد مناف و لكن الراوندي يظلم نفسه بتعرضه لما لا يعلمه.قوله و منا سيدا شباب أهل الجنة يعني حسنا و حسينا ع و منكم صبية النار هي الكلمة التي قالها النبي ص لعقبة بن أبي معيط حين قتله صبرا يوم بدر و قد قال كالمستعطف له ع من للصبية يا محمد قال النار.و عقبة بن أبي معيط من بني عبد شمس و لم يعلم الراوندي ما المراد بهذه الكلمة فقال صبية النار أولاد مروان بن الحكم الذين صاروا من أهل النار عند البلوغ و لما أخبر النبي ص عنهم بهذه الكلمة كانوا صبية ثم ترعرعوا و اختاروا الكفر و لا شبهة أن الراوندي قد كان يفسر من خاطره ما خطر له.قال قوله ع و منا خير نساء العالمين يعني فاطمة ع نص رسول الله ص على ذلك لا خلاف فيه.و منكم حمالة الحطب هي أم جميل بنت حرب بن أمية امرأة أبي لهب الذي ورد نص القرآن فيها بما ورد.قوله في كثير مما لنا و عليكم أي أنا قادر على أن أذكر من هذا شيئا كثيرا و لكني أكتفي بما ذكرت.فإن قلت فبما ذا يتعلق في في قوله في كثير قلت بمحذوف تقديره هذا الكلام داخل في جملة كلام كثير تتضمن ما لنا و عليكم.قوله ع فإسلامنا ما قد سمع و جاهليتنا لا تدفع كلام قد تعلق به
بعض من يتعصب للأموية و قال لو كانت جاهلية بني هاشم في الشرف كإسلامهم لعد من جاهليتهم حسب ما عد من فضيلتهم في الإسلام
و ينبغي أن نذكر في هذا الموضع فضل هاشم على عبد شمس في الجاهلية و قد يمتزج بذلك بعض ما يمتازون به في الإسلام أيضا فإن استقصاءه في الإسلام كثير لأنه لا يمكن جحد ذلك و كيف و الإسلام كله عبارة عن محمد ص و هو هاشمي و يدخل في ضمن ذلك ما يحتج به الأموية أيضا فنقول إن شيخنا أبا عثمان قال إن أشرف خصال قريش في الجاهلية اللواء و الندوة و السقاية و الرفادة و زمزم و الحجابة و هذه الخصال مقسومة في الجاهلية لبني هاشم و عبد الدار و عبد العزى دون بني عبد شمس.قال على أن معظم ذلك صار شرفه في الإسلام إلى بني هاشم لأن النبي ص لما ملك مكة صار مفتاح الكعبة بيده فدفعه إلى عثمان بن طلحة فالشرف راجع إلى من ملك المفتاح لا إلى من دفع إليه و كذلك دفع ص اللواء إلى مصعب بن عمير فالذي دفع اللواء إليه و أخذه مصعب من يديه أحق بشرفه و أولى بمجده و شرفه راجع إلى رهطه من بني هاشم.قال و كان محمد بن عيسى المخزومي أميرا على اليمن فهجاه أبي بن مدلج فقال:
قل لابن عيسى المستغيث |
من السهولة بالوعورة |
|
الناطق العوراء في |
جل الأمور بلا بصيرة |
|
ولد المغيرة تسعة |
كانوا صناديد العشيرة |
و أبوك عاشرهم كما |
نبتت مع النخل الشعيرة |
|
إن النبوة و الخلافة |
و السقاية و المشورة |
|
في غيركم فاكفف إليك |
يدا مجذمة قصيرة |
قال فانبرى له شاعر من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس كان مع محمد بن عيسى باليمن يهجو عنه ابن مدلج في كلمة له طويلة قال فيها:
لا لواء يعد يا ابن كريز |
لا و لا رفد بيته ذي السناء |
|
لا حجاب و ليس فيكم سوى الكبر |
و بغض النبي و الشهداء |
|
بين حاك و مخلج و طريد |
و قتيل يلعنه أهل السماء |
|
و لهم زمزم كذاك و جبريل |
و مجد السقاية الغراء |
قال شيخنا أبو عثمان فالشهداء علي و حمزة و جعفر و الحاكي و المخلج هو الحكم بن أبي العاص كان يحكي مشية رسول الله ص فالتفت يوما فرآه فدعا عليه فلم يزل مخلج المشية عقوبة من الله تعالى و الطريد اثنان الحكم بن أبي العاص و معاوية بن المغيرة بن أبي العاص و هما جدا عبد الملك بن مروان من قبل أمه و أبيه.و كان النبي ص طرد معاوية بن المغيرة هذا من المدينة و أجله ثلاثا فحيره الله و لم يزل يتردد في ضلاله حتى بعث في أثره عليا ع و عمارا فقتلاه فأما القتلى فكثير نحو شيبة و عتبة ابني ربيعة و الوليد بن عتبة و حنظلة بن أبي سفيان و عقبة بن أبي معيط و العاص بن سعيد بن أمية و معاوية بن المغيرة و غيرهم قال أبو عثمان و كان اسم هاشم عمرا و هاشم لقب و كان أيضا يقال له القمر و في ذلك يقول مطرود الخزاعي
إلى القمر الساري المنير دعوته |
و مطعمهم في الأزل من قمع الجزر |
قال ذلك في شيء كان بينه و بين بعض قريش فدعاه مطرود إلى المحاكمة إلى هاشم و قال ابن الزبعرى:
كانت قريش بيضة فتفلقت |
فالمخ خالصة لعبد مناف |
|
الرائشون و ليس يوجد رائش |
و القائلون هلم للأضياف |
|
عمرو العلي هشم الثريد لقومه |
و رجال مكة مسنتون عجاف |
فعم كما ترى أهل مكة بالأزل و العجف و جعله الذي هشم لهم الخبز ثريدا فغلب هذا اللقب على اسمه حتى صار لا يعرف إلا به و ليس لعبد شمس لقب كريم و لا اشتق له من صالح أعماله اسم شريف و لم يكن لعبد شمس ابن يأخذ بضبعه و يرفع من قدره و يزيد في ذكره و لهاشم عبد المطلب سيد الوادي غير مدافع أجمل الناس جمالا و أظهرهم جودا و أكملهم كمالا و هو صاحب الفيل و الطير الأبابيل و صاحب زمزم و ساقي الحجيج و ولد عبد شمس أمية بن عبد شمس و أمية في نفسه ليس هناك و إنما ذكر بأولاده و لا لقب له و لعبد المطلب لقب شهير و اسم شريف شيبة الحمد قال مطرود الخزاعي في مدحه:
يا شيبة الحمد الذي تثني له |
أيامه من خير ذخر الذاخر |
|
المجد ما حجت قريش بيته |
و دعا هذيل فوق غصن ناضر |
|
و الله لا أنساكم و فعالكم |
حتى أغيب في سفاه القابر |
و قال حذافة بن غانم العدوي و هو يمدح أبا لهب و يوصي ابنه خارجة بن حذافة بالانتماء إلى بني هاشم:
أ خارج إما أهلكن فلا تزل |
لهم شاكرا حتى تغيب في القبر |
بني شيبة الحمد الكريم فعاله |
يضيء ظلام الليل كالقمر البدر |
|
لساقي الحجيج ثم للشيخ هاشم |
و عبد مناف ذلك السيد الغمر |
|
أبو عتبة الملقى إلي جواره |
أغر هجان اللون من نفر غر |
|
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا |
به جمع الله القبائل من فهر |
فأبو عتبة هو أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم و ابناه عتبة و عتيبة و قال العبدي حين احتفل في الجاهلية فلم يترك:
لا ترى في الناس حيا مثلنا |
ما خلا أولاد عبد المطلب |
و إنما شرف عبد شمس بأبيه عبد مناف بن قصي و بني ابنه أمية بن عبد شمس و هاشم شرف بنفسه و بأبيه عبد مناف و بابنه عبد المطلب و الأمر في هذا بين و هو كما أوضحه الشاعر في قوله:
إنما عبد مناف جوهر |
زين الجوهر عبد المطلب |
قال أبو عثمان و لسنا نقول إن عبد شمس لم يكن شريفا في نفسه و لكن الشرف يتفاضل و قد أعطى الله عبد المطلب في زمانه و أجرى على يديه و أظهر من كرامته ما لا يعرف مثله إلا لنبي مرسل و إن في كلامه لأبرهة صاحب الفيل و توعده إياه برب الكعبة و تحقيق قوله من الله تعالى و نصره وعيده بحبس الفيل و قتل أصحابه بالطير الأبابيل و حجارة السجيل حتى تركوا كالعصف المأكول لأعجب البرهانات و أسنى الكرامات و إنما كان ذلك إرهاصا لنبوة النبي ص و تأسيسا لما يريده الله به من الكرامة و ليجعل ذلك البهاء متقدما له و مردودا عليه و ليكون أشهر في الآفاق و أجل في صدور الفراعنة و الجبابرة و الأكاسرة و أجدر أن يقهر المعاند و يكشف غباوة الجاهل و بعد فمن يناهض و يناضل رجالا ولدوا محمدا ص و لو عزلنا
ما أكرمه الله به من النبوة حتى نقتصر على أخلاقه و مذاهبه و شيمه لما وفى به بشر و لا عدله شيء و لو شئنا أن نذكر ما أعطى الله به عبد المطلب من تفجر العيون و ينابيع الماء من تحت كلكل بعيره و أخفافه بالأرض القسي و بما أعطي من المساهمة و عند المقارعة من الأمور العجيبة و الخصال البائنة لقلنا و لكنا أحببنا ألا نحتج عليكم إلا بالموجود في القرآن الحكيم و المشهور في الشعر القديم الظاهر على ألسنة الخاصة و العامة و رواة الأخبار و حمال الآثار.قال و مما هو مذكور في القرآن عدا حديث الفيل قوله تعالى( لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ) و قد اجتمعت الرواة على أن أول من أخذ الإيلاف لقريش هاشم بن عبد مناف فلما مات قام أخوه المطلب مقامه فلما مات قام عبد شمس مقامه فلما مات قام نوفل مقامه و كان أصغرهم و الإيلاف هو أن هاشما كان رجلا كثير السفر و التجارة فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن و في الصيف إلى الشام و شرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب و من ملوك اليمن و الشام نحو العباهلة باليمن و اليكسوم من بلاد الحبشة و نحو ملوك الروم بالشام فجعل لهم معه ربحا فيما يربح و ساق لهم إبلا مع إبله فكفاهم مئونة الأسفار على أن يكفوه مئونة الأعداء في طريقه و منصرفه فكان في ذلك صلاح عام للفريقين و كان المقيم رابحا و المسافر محفوظا فأخصبت قريش بذلك و حملت معه أموالها و أتاها الخير من البلاد السافلة و العالية و حسنت حالها و طاب عيشها قال و قد ذكر حديث الإيلاف الحارث بن الحنش السلمي و هو خال هاشم و المطلب و عبد شمس فقال:
إن أخي هاشما |
ليس أخا واحد |
|
الآخذ الإيلاف و |
القائم للقاعد |
قال أبو عثمان و قيل إن تفسير قوله تعالى( وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) هو خوف من كان هؤلاء الإخوة يمرون به من القبائل و الأعداء و هم مغتربون و معهم
الأموال و هذا ما فسرنا به الإيلاف آنفا و قد فسره قوم بغير ذلك قالوا إن هاشما جعل على رؤساء القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة فإن ذؤبان العرب و صعاليك الأحياء و أصحاب الغارات و طلاب الطوائل كانوا لا يؤمنون على الحرم لا سيما و ناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة و لا للشهر الحرام قدرا مثل طيئ و خثعم و قضاعة و بعض بلحارث بن كعب و كيفما كان الإيلاف فإن هاشما كان القائم به دون غيره من إخوته.قال أبو عثمان ثم حلف الفضول و جلالته و عظمته و هو أشرف حلف كان في العرب كلها و أكرم عقد عقدته قريش في قديمها و حديثها قبل الإسلام لم يكن لبني عبد شمس فيه نصيب
قال النبي ص و هو يذكر حلف الفضول لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت و يكفي في جلالته و شرفه أن رسول الله ص شهده و هو غلام و كان عتبة بن ربيعة يقول لو أن رجلا خرج مما عليه قومه لداخلت في حلف الفضول لما أرى من كماله و شرفه و لما أعلم من قدره و فضيلته.قال و لفضل ذلك الحلف و فضيلة أهله سمي حلف الفضول و سميت تلك القبائل الفضول فكان هذا الحلف في بني هاشم و بني المطلب و بني أسد بن عبد العزى و بني زهرة و بني تميم بن مرة تعاقدوا في دار ابن جدعان في شهر حرام قياما يتماسحون بأكفهم صعدا ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه ما بل بحر صوفة و في التأسي في المعاش و التساهم بالمال و كانت النباهة في هذا الحلف للزبير بن عبد المطلب و لعبد الله بن جدعان أما ابن جدعان فلأن الحلف عقد في داره و أما الزبير فلأنه الذي نهض فيه و دعا إليه و حث عليه و هو الذي سماه حلف الفضول و ذلك لأنه لما سمع الزبيدي المظلوم
ثمن سلعته قد أوفى على أبي قبيس قبل طلوع الشمس رافعا عقيرته و قريش في أنديتها قائلا:
يا للرجال لمظلوم بضاعته |
ببطن مكة نائي الحي و النفر |
|
إن الحرام لمن تمت حرامته |
و لا حرام لثوبي لابس الغدر |
حمي و حلف ليعقدن حلفا بينه و بين بطون من قريش يمنعون القوي من ظلم الضعيف و القاطن من عنف الغريب ثم قال:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم |
و إن كنا جميعا أهل دار |
|
نسميه الفضول إذا عقدنا |
يعز به الغريب لدى الجوار |
|
و يعلم من حوالي البيت أنا |
أباة الضيم نهجر كل عار |
فبنو هاشم هم الذين سموا ذلك الحلف حلف الفضول و هم كانوا سببه و القائمين به دون جميع القبائل العاقدة له و الشاهدة لأمره فما ظنك بمن شهده و لم يقم بأمره.قال أبو عثمان و كان الزبير بن عبد المطلب شجاعا أبيا و جميلا بهيا و كان خطيبا شاعرا و سيدا جوادا و هو الذي يقول
و لو لا الحمس لم يلبس رجال |
ثياب أعزة حتى يموتوا |
|
ثيابهم شمال أو عباء |
بها دنس كما دنس الحميت |
|
و لكنا خلقنا إذا خلقنا |
لنا الحبرات و المسك الفتيت |
|
و كأس لو تبين لهم كلاما |
لقالت إنما لهم سبيت |
|
تبين لنا القذى إن كان فيها |
رضين الحلم يشربها هبيت |
و يقطع نخوة المختال عنا |
رقيق الحد ضربته صموت |
|
بكف مجرب لا عيب فيه |
إذا لقي الكريهة يستميت |
قال و الزبير هو الذي يقول:
و أسحم من راح العراق مملا |
محيط عليه الجيش جلد مرائره |
|
صبحت به طلقا يراح إلى الندى |
إذا ما انتشى لم يختصره معاقره |
|
ضعيف بجنب الكأس قبض بنانه |
كليل على جلد النديم أظافره |
قال و بنو هاشم هم الذين ردوا على الزبيدي ثمن بضاعته و كانت عند العاص بن وائل و أخذوا للبارقي ثمن سلعته من أبي بن خلف الجمحي و في ذلك يقول البارقي:
و يأبى لكم حلف الفضول ظلامتي |
بني جمح و الحق يؤخذ بالغصب |
و هم الذين انتزعوا من نبيه بن الحجاج قتول الحسناء بنت التاجر الخثعمي و كان كابره عليها حين رأى جمالها و في ذلك يقول نبيه بن الحجاج:
و خشيت الفضول حين أتوني |
قد أراني و لا أخاف الفضولا |
|
إني و الذي يحج له شمط |
إياد و هللوا تهليلا |
|
لبراء مني قتيلة يا للناس |
هل يتبعون إلا القتولا |
و فيها أيضا يقول:
لو لا الفضول و أنه |
لا أمن من عروائها |
|
لدنوت من أبياتها |
و لطفت حول خبائها |
في كلمته التي يقول فيها:
حي النخيلة إذ نأت |
منا على عدوائها |
|
لا بالفراق تنيلنا |
شيئا و لا بلقائها |
|
حلت بمكة حلة |
في مشيها و وطائها |
في رجال كثير انتزعوا منهم الظلامات و لم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء و لهم العدد و العارضة منهم من ذكرنا قصته.قال أبو عثمان و لهاشم أخرى لا يعد أحد مثلها و لا يأتي بما يتعلق بها و ذلك أن رؤساء قبائل قريش خرجوا إلى حرب بني عامر متساندين فكان حرب بن أمية على بني عبد شمس و كان الزبير بن عبد المطلب على بني هاشم و كان عبد الله بن جدعان على بني تيم و كان هشام بن المغيرة على بني مخزوم و كان على كل قبيلة رئيس منها فهم متكافئون في التساند و لم يحقق واحد منهم الرئاسة على الجميع ثم آب هاشم بما لا تبلغه يد متناول و لا يطمع فيه طامع و ذلك
أن النبي ص قال شهدت الفجار و أنا غلام فكنت أنبل فيه على عمومتي فنفى مقامه ع أن تكون قريش هي التي فجرت فسميت تلك الحرب حرب الفجار و ثبت أن الفجور إنما كان ممن حاربهم و صاروا بيمنه و بركته و لما يريد الله تعالى من إعزاز أمره و إعظامه الغالبين العالين و لم يكن الله ليشهده فجرة و لا غدرة فصار مشهده نصرا و موضعه فيهم حجة و دليلا.قال أبو عثمان و شرف هاشم متصل من حيث عددت كان الشرف معك كابرا عن كابر و ليس بنو عبد شمس كذلك فإن الحكم بن أبي العاص كان عاديا في الأعلام و لم يكن له سناء في الجاهلية.
و أما أمية فلم يكن في نفسه هناك و إنما رفعه أبوه و كان مضعوفا و كان صاحب عهار يدل على ذلك قول نفيل بن عدي جد عمر بن الخطاب حين تنافر إليه حرب بن أمية و عبد المطلب بن هاشم فنفر عبد المطلب و تعجب من إقدام حرب عليه و قال له:
أبوك معاهر و أبوه عف |
و ذاد الفيل عن بلد حرام |
و ذلك أن أمية كان تعرض لامرأة من بني زهرة فضربه رجل منهم بالسيف فأراد بنو أمية و من تبعهم إخراج زهرة من مكة فقام دونهم قيس بن عدي السهمي و كانوا أخواله و كان منيع الجانب شديد العارضة حمي الأنفس أبي النفس فقام دونهم و صاح أصبح ليل فذهبت مثلا و نادى الآن الظاعن مقيم و في هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة جد رسول الله ص:
مهلا أمي فإن البغي مهلكة |
لا يكسبنك يوم شره ذكر |
|
تبدو كواكبه و الشمس طالعة |
يصب في الكأس منه الصبر و المقر |
قال أبو عثمان و صنع أمية في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب زوج ابنه أبا عمرو امرأته في حياته منه فأولدها أبا معيط بن أبي عمرو بن أمية و المقيتون في الإسلام هم الذين نكحوا نساء آبائهم بعد موتهم فإما أن يتزوجها في حياة الأب و يبني عليها و هو يراه فإنه شيء لم يكن قط.قال أبو عثمان و قد أقر معاوية على نفسه و رهطه لبني هاشم حين قيل له أيهما كان أسود في الجاهلية أنتم أم بنو هاشم فقال كانوا أسود منا واحدا و كنا
أكثر منهم سيدا فأقر و ادعى فهو في إقراره بالنقص مخصوم و في ادعائه الفضل خصيم.و قال جحش بن رئاب الأسدي حين نزل مكة بعد موت عبد المطلب و الله لأتزوجن ابنة أكرم أهل هذا الوادي و لأحالفن أعزهم فتزوج أميمة بنت عبد المطلب و حالف أبا سفيان بن حرب و قد يمكن أن يكون أعزهم ليس بأكرمهم و لا يمكن أن يكون أكرمهم ليس بأكرمهم و قد أقر أبو جهل على نفسه و رهطه من بني مخزوم حين قال تحاربنا نحن و هم حتى إذا صرنا كهاتين قالوا منا نبي فأقر بالتقصير ثم ادعى المساواة أ لا تراه كيف أقر أنه لم يزل يطلب شأوهم ثم ادعى أنه لحقهم فهو مخصوم في إقراره خصيم في دعواه و قد حكم لهاشم دغفل بن حنظلة النسابة حين سأله معاوية عن بني هاشم فقال هم أطعم للطعام و أضرب للهام و هاتان خصلتان يجمعان أكثر الشرف.قال أبو عثمان و العجب من منافرة حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم و قد لطم حرب جارا لخلف بن أسعد جد طلحة الطلحات فجاء جاره فشكا ذلك إليه فمشى خلف إلى حرب و هو جالس عند الحجر فلطم وجهه عنوة من غير تحاكم و لا تراض فما انتطح فيه عنزان ثم قام أبو سفيان بن حرب مقام أبيه بعد موته فحالفه أبو الأزيهر الدوسي و كان عظيم الشأن في الأزد و كانت بينه و بين بني الوليد بن المغيرة محاكمة في مصاهرة كانت بين الوليد و بينه فجاءه هشام بن الوليد و أبو الأزيهر قاعد في مقعد أبي سفيان بذي المجاز فضرب عنقه فلم يدرك به أبو سفيان عقلا و لا قودا في بني المغيرة و قال حسان بن ثابت يذكر ذلك
غدا أهل حصني ذي المجاز بسحرة |
و جار ابن حرب لا يروح و لا يغدو |
|
كساك هشام بن الوليد ثيابه |
فأبل و أخلق مثلها جددا بعد |
فهذه جملة صالحة مما ذكره شيخنا أبو عثمان.و نحن نورد من كتاب أنساب قريش للزبير بن بكار ما يتضمن شرحا لما أجمله شيخنا أبو عثمان أو لبعضه فإن كلام أبي عثمان لمحة و إشارة و ليس بالمشروح.قال الزبير حدثني عمر بن أبي بكر العدوي من بني عدي بن كعب قال حدثني يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل عن أبيه قال اصطلحت قريش على أن ولي هاشم بعد موت أبيه عبد مناف السقاية و الرفادة و ذلك أن عبد شمس كان يسافر قل أن يقيم بمكة و كان رجلا معيلا و كان له ولد كثير و كان هاشم رجلا موسرا فكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال يا معشر قريش إنكم جيران الله و أهل بيته و إنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته فهم لذلك ضيف الله و أحق ضيف بالكرامة ضيف الله و قد خصكم الله بذلك و أكرمكم به ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره فأكرموا ضيفه و زواره فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد ضوامر كالقداح و قد أرجفوا و تفلوا و قملوا و أرملوا فأقروهم و أعينوهم قال فكانت قريش تترافد على ذلك حتى إن كل أهل بيت ليرسلون بالشيء اليسير على قدر حالهم و كان هاشم يخرج في كل سنة مالا كثيرا و كان قوم من قريش يترافدون و كانوا أهل يسار فكان كل إنسان ربما أرسل بمائة مثقال ذهب هرقلية
و كان هاشم يأمر بحياض من أدم تجعل في مواضع زمزم من قبل أن تحفر يستقي فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج و كان يطعمهم أول ما يطعم قبل يوم التروية بيوم بمكة و بمنى و بجمع و عرفة و كان يثرد لهم الخبز و اللحم و السمن و السويق و التمر و يحمل لهم الماء فيسقون بمنى و الماء يومئذ قليل إلى أن يصدر الحاج من منى ثم تنقطع الضيافة و تتفرق الناس إلى بلادهم.قال الزبير و إنما سمي هاشما لهشمه الثريد و كان اسمه عمرا ثم قالوا عمرو العلا لمعاليه و كان أول من سن الرحلتين رحلة إلى الحبشة و رحلة إلى الشام ثم خرج في أربعين من قريش فبلغ غزة فمرض بها فمات فدفنوه بها و رجعوا بتركته إلى ولده و يقال إن الذي رجع بتركته إلى ولده أبو رهم عبد العزى بن أبي قيس العامري من بني عامر بن لؤي.قال الزبير و كان يقال لهاشم و المطلب البدران و لعبد شمس و نوفل الأبهران.قال الزبير و قد اختلف في أي ولد عبد مناف أسن و الثبت عندنا أن أسنهم هاشم و قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عمر بن عبد العزيز بن مروان:
يا أمين الله إني قائل |
قول ذي دين و بر و حسب |
|
عبد شمس لا تهنها إنما |
عبد شمس عم عبد المطلب |
|
عبد شمس كان يتلو هاشما |
و هما بعد لأم و لأب |
قال الزبير و حدثني محمد بن حسن عن محمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن قال قال عبد الله بن عباس و الله لقد علمت قريش أن أول من أخذ الإيلاف و أجاز لها العيرات لهاشم و الله ما شدت قريش رحالا و لا حبلا بسفر و لا أناخت بعيرا لحضر
إلا بهاشم و الله إنه أول من سقى بمكة ماء عذبا و جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب.قال الزبير و كانت قريش تجارا لا تعدو تجارتهم مكة إنما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم يتبايعون بها بينهم و يبيعون من حولهم من العرب حتى رحل هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر فكان يذبح كل يوم شاة و يصنع جفنة من ثريد و يدعو الناس فيأكلون و كان هاشم من أحسن الناس خلقا و تماما فذكر لقيصر و قيل له هاهنا شاب من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق و يفرغ عليه اللحم و يدعو الناس قال و إنما كانت الأعاجم و الروم تصنع المرق في الصحاف ثم تأتدم عليه بالخبز فدعا به قيصر فلما رآه و كلمه أعجب به و جعل يرسل إليه فيدخل عليه فلما رأى مكانه سأله أن يأذن لقريش في القدوم عليه بالمتاجر و أن يكتب لهم كتب الأمان فيما بينهم و بينه ففعل فبذلك ارتفع هاشم من قريش قال الزبير و كان هاشم يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشا فيقول يا معشر قريش أنتم سادة العرب أحسنها وجوها و أعظمها أحلاما و أوسطها أنسابا و أقربها أرحاما يا معشر قريش أنتم جيران بيت الله أكرمكم بولايته و خصكم بجواره دون بني إسماعيل و حفظ منكم أحسن ما حفظ منكم جار من جاره فأكرموا ضيفه و زوار بيته فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد فو رب هذه البنية لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتموه ألا و إني مخرج من طيب مالي و حلاله ما لم تقطع فيه رحم و لم يؤخذ بظلم و لم يدخل فيه حرام فواضعه فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل و أسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج منكم رجل من ماله لكرامة زوار بيت الله و معونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما و لم تقطع فيه رحم و لم يغتصب قال فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها و تأتي بها إلى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاج.
قال الزبير و مما رثى به مطرود الخزاعي هاشما قوله:
مات الندى بالشام لما أن ثوى |
أودى بغزة هاشم لا يبعد |
|
فجفانه رذم لمن ينتابه |
و النصر أدنى باللسان و باليد |
و من مراثيه له:
يا عين جودي و أذري الدمع و احتفلي |
و ابكي خبيئة نفسي في الملمات |
|
و ابكي على كل فياض أخي حسب |
ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات |
|
ماضي الصريمة عالي الهم ذي شرف |
جلد النحيزة حمال العظيمات |
|
صعب المقادة لا نكس و لا وكل |
ماض على الهول متلاف الكريمات |
|
محض توسط من كعب إذا نسبوا |
بحبوحة المجد في الشم الرفيعات |
|
فابكي على هاشم في وسط بلقعة |
تسقي الرياح عليه وسط غزات |
|
يا عين بكي أبا الشعث الشجيات |
يبكينه حسرا مثل البنيات |
|
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه |
سمح السجية بسام العشيات |
|
يبكينه معولات في معاوزها |
يا طول ذلك من حزن و عولات |
|
محزمات على أوساطهن لما |
جر الزمان من أحداث المصيبات |
|
أبيت أرعى نجوم الليل من ألم |
أبكي و تبكي معي شجوا بنياتي |
قال الزبير و حدثني إبراهيم بن المنذر عن الواقدي عن عبد الرحمن بن الحارث عن عكرمة عن ابن عباس قال أول من سن دية النفس مائة من الإبل عبد المطلب فجرت في قريش و العرب سنته و أقرها رسول الله ص قال و أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد من بني النجار من الأنصار و كان سبب
تزوج هاشم بها أنه قدم في تجارة له المدينة فنزل على عمرو بن زيد فجاءته سلمى بطعام فأعجبت هاشما فخطبها إلى أبيها فأنكحه إياها و شرط عليه أن تلد عند أهلها فبنى عليها بالمدينة و أقام معها سنتين ثم ارتحل بها إلى مكة فحملت و أثقلت فخرج بها إلى المدينة فوضعها عند أهلها و مضى إلى الشام فمات بغزة من وجهه ذلك و ولدت عبد المطلب فسمته شيبة الحمد لشعرة بيضاء كانت في ذوائبه حين ولد فمكث بالمدينة ست سنين أو ثمانيا ثم إن رجلا من تهامة مر بالمدينة فإذا غلمان ينتضلون و غلام منهم يقول كلما أصاب أنا ابن هاشم بن عبد مناف سيد البطحاء فقال له الرجل من أنت يا غلام قال أنا ابن هاشم بن عبد مناف قال ما اسمك قال شيبة الحمد فانصرف الرجل حتى قدم مكة فيجد المطلب بن عبد مناف جالسا في الحجر فقال قم إلي يا أبا الحارث فقام إليه فقال تعلم أني جئت الآن من يثرب فوجدت بها غلمانا ينتضلون...و قص عليه ما رأى من عبد المطلب و قال إنه أضرب غلام رأيته قط فقال له المطلب أغفلته و الله أما إني لا أرجع إلى أهلي و مالي حتى آتيه فخرج المطلب حتى أتى المدينة فأتاها عشاء ثم خرج براحلته حتى أتى بني عدي بن النجار فإذا الغلمان بين ظهراني المجلس فلما نظر إلى ابن أخيه قال للقوم هذا ابن هاشم قالوا نعم و عرفه القوم فقالوا هذا ابن أخيك فإن كنت تريد أخذه فالساعة لا نعلم أمه فإنها إن علمت حلنا بينك و بينه فأناخ راحلته ثم دعاه فقال يا ابن أخي أنا عمك و قد أردت الذهاب بك إلى قومك فاركب قال فو الله ما كذب أن جلس على عجز الراحلة و جلس المطلب على الراحلة ثم بعثها فانطلقت فلما علمت أمه قامت تدعو حزنها على ابنها فأخبرت أنه عمه و أنه ذهب به إلى قومه قال فانطلق به المطلب فدخل به مكة ضحوة مردفه خلفه و الناس في أسواقهم و مجالسهم فقاموا يرحبون به و يقولون من هذا الغلام معك فيقول عبد لي ابتعته بيثرب ثم خرج به
حتى جاء إلى الحزورة فابتاع له حلة ثم أدخله على امرأته خديجة بنت سعد بن سهم فرجلت شعره ثم ألبسه الحلة عشية فجاء به فأجلسه في مجلس بني عبد مناف و أخبرهم خبره فكان الناس بعد ذلك إذا رأوه يطوف في سكك مكة و هو أحسن الناس يقولون هذا عبد المطلب لقول المطلب هذا عبدي فلج به الاسم و ترك به شيبة.و روى الزبير رواية أخرى أن سلمى أم عبد المطلب حالت بين المطلب و بين ابنها شيبة و كان بينها و بينه في أمره محاورة ثم غلبها عليه و قال:
عرفت شيبة و النجار قد حلفت |
أبناؤها حوله بالنبل تنتضل |
فأما الشعر الذي لحذافة العذري و الذي ذكره شيخنا أبو عثمان فقد ذكره الزبير بن بكار في كتاب النسب و زاد فيه:
كهولهم خير الكهول و نسلهم |
كنسل الملوك لا يبور و لا يجري |
|
ملوك و أبناء الملوك و سادة |
تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر |
|
متى تلق منهم طامحا في عنانه |
تجده على أجراء والده يجري |
|
هم ملكوا البطحاء مجدا و سؤددا |
و هم نكلوا عنها غواة بني بكر |
|
و هم يغفرون الذنب ينقم مثله |
و هم تركوا رأي السفاهة و الهجر |
|
أ خارج إما أهلكن فلا تزل |
لهم شاكرا حتى تغيب في القبر |
قال الزبير و حدثني عن سبب هذا الشعر محمد بن حسن عن محمد بن طلحة عن أبيه قال إن ركبا من جذام خرجوا صادرين عن الحج من مكة ففقدوا رجلا منهم عالية بيوت مكة فيلقون حذافة العذري فربطوه و انطلقوا به فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف و معه ابنه أبو لهب يقود به و عبد المطلب حينئذ قد ذهب بصره فلما نظر إليه حذافة بن غانم هتف به فقال عبد المطلب لابنه
ويلك من هذا قال هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب قال فالحقهم فسلهم ما شأنهم و شأنه فلحقهم أبو لهب فأخبروه الخبر فرجع إلى أبيه فأخبره فقال ويحك ما معك قال لا و الله ما معي شيء قال فالحقهم لا أم لك فأعطهم بيدك و أطلق الرجل فلحقهم أبو لهب فقال قد عرفتم تجارتي و مالي و أنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا و عشرا من الإبل و فرسا و هذا ردائي رهن فقبلوا ذلك منه و أطلقوا حذافة فلما أقبل به و قربا من عبد المطلب سمع عبد المطلب صوت أبي لهب و لم يسمع صوت حذافة فصاح به و أبي إنك لعاص ارجع لا أم لك قال يا أبتا هذا الرجل معي فناداه عبد المطلب يا حذافة أسمعني صوتك قال ها أنا ذا بأبي أنت و أمي يا ساقى الحجيج أردفني فأردفه حتى دخل مكة فقال حذافة هذا الشعر.قال الزبير و حدثني عبد الله بن معاذ عن معمر عن ابن شهاب قال أول ما ذكر من عبد المطلب أن قريشا خرجت فارة من الحرم خوفا من أصحاب الفيل و عبد المطلب يومئذ غلام شاب فقال و الله لا أخرج من حرم الله أبغي العز في غيره فجلس في البيت و أجلت قريش عنه فقال عبد المطلب:
لا هم إن المرء يمنع |
رحله فامنع حلالك |
|
لا يغلبن صليبهم |
و محالهم أبدا محالك |
فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك الله الفيل و أصحابه فرجعت قريش و قد عظم فيهم بصبره و تعظيمه محارم الله عز و جل فبينا هو على ذلك و كان أكبر ولده و هو الحارث بن عبد المطلب قد بلغ الحلم أري عبد المطلب في المنام فقيل له احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم فاستيقظ فقال اللهم بين لي الشيخ فأري في المنام مرة أخرى
احفر تكتم بين الفرث و الدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبلة الأنصاب الحمر فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات فنحر بقرة في الحزورة فأفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم فاحتمل لحمها من مكانها و أقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب يحفرها فجاءته قريش فقالت له ما هذا الصنع إنا لم نكن نراك بالجهل لم تحفر في مسجدنا فقال عبد المطلب إني لحافر هذا البئر و مجاهد من صدني عنها فطفق يحفر هو و ابنه الحارث و ليس له يومئذ ولد غيره فيسفه عليهما الناس من قريش فينازعونهما و يقاتلونهما و تناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من زعيق نسبه و صدقه و اجتهاده في دينهم يومئذ حتى إذا أتعبه الحفر و اشتد عليه الأذى نذر إن وفى له عشرة من الولدان ينحر أحدهم ثم حفر فأدرك سيوفا دفنت في زمزم حين دفنت فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالت يا عبد المطلب أحذنا مما وجدت فقال عبد المطلب بل هذه السيوف لبيت الله ثم حفر حتى أنبط الماء فحفرها في القرار ثم بحرها حتى لا تنزف ثم بنى عليها حوضا و طفق هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب منه الحاج و يكسره قوم حسدة له من قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب حين يصبح فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه فأري فقيل له قل اللهم إني لا أحلها لمغتسل و هي لشارب حل و بل ثم كفيتهم فقام عبد المطلب حين اختلف قريش في المسجد فنادى بالذي أري ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه عليه أحد من قريش إلا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه ذلك و سقايته ثم تزوج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط فقال اللهم إني
كنت نذرت لك نحر أحدهم و إني أقرع بينهم فأصيب بذلك من شئت فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله ص و كان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب اللهم هو أحب إليك أم مائة من الإبل فنحرها عبد المطلب مكان عبد الله و كان عبد الله أحسن رجل رئي في قريش قط.و روى الزبير أيضا قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الله بن عثمان بن سليمان قال سمعت أبي يقول لما حفرت زمزم و أدرك منها عبد المطلب ما أدرك وجدت قريش في أنفسها مما أعطي عبد المطلب فلقيه خويلد بن أسد بن عبد العزى فقال يا ابن سلمى لقد سقيت ماء رغدا و نثلت عادية حسدا فقال يا ابن أسد أما إنك تشرك في فضلها و الله لا يساعدني أحد عليها ببر و لا يقوم معي بارزا إلا بذلت له خير الصهر فقال خويلد بن أسد:
أقول و ما قولي عليهم بسبة |
إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم |
|
حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر |
و ركضة جبريل على عهد آدم |
فقال عبد المطلب ما وجدت أحدا ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد.قال الزبير فأما ركضة جبريل فإن سعيد بن المسيب قال إن إبراهيم قدم بإسماعيل و أمه مكة فقال لهما كلا من الشجر و اشربا من الشعاب و فارقهما فلما ضاقت الأرض تقطعت المياه فعطشا فقالت له أمه اصعد و انصب في هذا الوادي فلا أرى موتك و لا ترى موتي ففعل فأنزل الله تعالى ملكا من السماء على أم إسماعيل فأمرها فصرحت به فاستجاب لها و طار الملك فضرب بجناحيه مكان زمزم فقال اشربا فكان سيحا يسيح و لو تركاه ما زال كذلك أبدا لكنها فرقت عليه من العطش فقرت له في السقاء و حفرت في البطحاء فلما نضب الماء طوياه ثم
هلك الناس و دفنته السيول ثم أري عبد المطلب في المنام أن احفر زمزم لا تثرب و لا تذم تروي الحجيج الأعظم ثم أري مرة أخرى أن احفر الرواء أعطيتها على رغم الأعداء ثم أري مرة أخرى أن احفر تكتم بين الأنصاب الحمر في قرية النمل فأصبح يحفر حيث أري فطفقت قريش يستهزءون به حتى إذا بدا عن الطي وجد فيها غزالا من ذهب و حلية سيف فضرب عليها بالسهام فخرج سهم البيت فكان أول حلي حلى به الكعبة.قال الزبير و كان حرب بن أمية بن عبد شمس نديم عبد المطلب و كان عبيد بن الأبرص تربه و بلغ عبيد مائة و عشرين سنة و بقي عبد المطلب بعده عشرين سنة.قال و قال بعض أهل العلم توفي عبد المطلب عن خمس و تسعين سنة و يقال كان يعرف في عبد المطلب نور النبوة و هيبة الملك و فيه يقول الشاعر:
إنني و اللات و البيت الذي |
لز بالهبرز عبد المطلب |
قال الزبير حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال بينا عبد المطلب يطوف بالبيت بعد ما أسن و ذهب بصره إذ زحمه رجل فقال من هذا فقيل رجل من بني بكر.قال فما منعه أن ينكب عني و قد رآني لا أستطيع لأن أنكب عنه فلما رأى بنيه قد توالوا عشرة قال لا بد لي من العصا فإن اتخذتها طويلة شقت علي و إن اتخذتها قصيرة قويت عليها و لكن ينحدب لها ظهري و الحدبة ذل فقال بنوه أو غير ذلك يوافيك كل يوم منا رجل تتوكأ عليه فتطوف في حوائجك قال و لذلك قال الزبير و مكارم عبد المطلب أكثر من أن يحاط بها كان سيد قريش غير مدافع نفسا و أبا و بيتا و جمالا و بهاء و كمالا و فعالا قال أحد بني كنانة يمدحه
إني و ما سترت قريش و الذي |
تعزو لآل كلهن ظباء |
|
و و حق من رفع الجبال منيفة |
و الأرض مدا فوقهن سماء |
|
مثن و مهد لابن سلمى مدحة |
فيها أداء ذمامه و وفاء |
قال الزبير فأما أبو طالب بن عبد المطلب و اسمه عبد مناف و هو كافل رسول الله ص و حاميه من قريش و ناصره و الرفيق به الشفيق عليه و وصي عبد المطلب فيه فكان سيد بني هاشم في زمانه و لم يكن أحد من قريش يسود في الجاهلية بمال إلا أبو طالب و عتبة بن ربيعة.قال الزبير أبو طالب أول من سن القسامة في الجاهلية في دم عمرو بن علقمة ثم أثبتتها السنة في الإسلام و كانت السقاية في الجاهلية بيد أبي طالب ثم سلمها إلى أخيه العباس بن عبد المطلب.قال الزبير و كان أبو طالب شاعرا مجيدا و كان نديمه في الجاهلية مسافر بن عمرو بن أمية بن عبد شمس و كان قد حبن فخرج ليتداوى بالحيرة فمات بهبالة فقال أبو طالب يرثيه
ليت شعري مسافر ابن أبي عمرو |
و ليث يقولها المحزون |
|
كيف كانت مذاقة الموت إذ مت |
و ما ذا بعد الممات يكون |
|
رحل الركب قافلين إلينا |
و خليلي في مرمس مدفون |
|
بورك الميت الغريب كما بورك |
نضر الريحان و الزيتون |
رزء ميت على هبالة قد حالت |
فياف من دونه و حزون |
|
مدرة يدفع الخصوم بأيد |
و بوجه يزينه العرنين |
|
كم خليل و صاحب و ابن عم |
و حميم قفت عليه المنون |
|
فتعزيت بالجلادة و الصبر |
و إني بصاحبي لضنين |
قال الزبير فلما هلك مسافر نادم أبو طالب بعده عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي و لذلك قال عمرو لعلي ع يوم الخندق حين بارزه إن أباك كان لي صديقا.قال الزبير و حدثني محمد بن حسن عن نصر بن مزاحم عن معروف بن خربوذ قال كان أبو طالب يحضر أيام الفجار و يحضر معه النبي ص و هو غلام فإذا جاء أبو طالب هزمت قيس و إذا لم يجيء هزمت كنانة فقالوا لأبي طالب لا أبا لك لا تغب عنا ففعل.قال الزبير فأما الزبير بن عبد المطلب فكان من أشراف قريش و وجوهها و هو الذي استثنته بنو قصي على بني سهم حين هجا عبد الله بن الزبعرى بن قصي فأرسلت بنو قصي عتبة بن ربيعة بن عبد شمس إلى بني سهم فقال لهم إن قومكم قد كرهوا أن يعجلوا عليكم فأرسلوني إليكم في هذا السفيه الذي هجاهم في غير ذنب اجترموا إليه فإن كان ما صنع عن رأيكم فبئس الرأي رأيكم و إن كان عن غير رأيكم فادفعوه إليهم فقال القوم نبرأ إلى الله أن يكون عن رأينا قال فأسلموه إليهم فقال بعض بني سهم إن شئتم فعلنا على أن من هجانا منكم دفعتموه إلينا فقال عتبة ما يمنعني أن أقول ما تقول إلا أن الزبير بن عبد المطلب غائب بالطائف
و قد عرفت أنه سيفرغ لهذا الأمر فيقول و لم أكن أجعل الزبير خطرا لابن الزبعرى فقال قائل منهم أيها القوم ادفعوه إليهم فلعمري أن لكم مثل الذي عليكم فكثر في ذلك الكلام و اللغط فلما رأى العاص بن وائل ذلك دعا برمة فأوثق بها عبد الله بن الزبعرى و دفعه إلى عتبة بن ربيعة فأقبل به مربوطا حتى أتى به قومه فأطلقه حمزة بن عبد المطلب و كساه فأغرى ابن الزبعرى أناس من قريش بقومه بني سهم و قالوا له اهجهم كما أسلموك فقال:
لعمري ما جاءت بنكر عشيرتي |
و إن صالحت إخوانها لا ألومها |
|
فود جناة الشر أن سيوفنا |
بأيماننا مسلولة لا نشيمها |
|
فيقطع ذو الصهر القريب و يتركوا |
غماغم منها إذ أجد يريمها |
|
فإن قصيا أهل مجد و ثروة |
و أهل فعال لا يرام قديمها |
|
هم منعوا يومي عكاظ نساءنا |
كما منع الشول الهجان قرومها |
|
و إن كان هيج قدموا فتقدموا |
و هل يمنع المخزاة إلا حميمها |
|
محاشيد للمقرى سراع إلى الندى |
مرازبة غلب رزان حلومها |
قال فقدم الزبير بن عبد المطلب من الطائف فقال قصيدته التي يقول فيها:
فلو لا الحمس لم يلبس رجال |
ثياب أعزة حتى يموتوا |
و قد ذكرنا قطعة منها فيما تقدم.قال الزبير و قال الزبير بن عبد المطلب أيضا في هذا المعنى
قومي بنو عبد مناف إذا |
أظلم من حولي بالجندل |
|
لا أسد لن يسلموني و لا |
تيم و لا زهرة للنيطل |
|
و لا بنو الحارث إن مر بي |
يوم من الأيام لا ينجلي |
|
يا أيها الشاتم قومي و لا |
حق له عندهم أقبل |
|
إني لهم جار لئن أنت لم |
تقصر عن الباطل أو تعدل |
قال الزبير و من شعر الزبير بن عبد المطلب:
يا ليت شعري إذا ما حمتي وقعت |
ما ذا تقول ابنتي في النوح تنعاني |
|
تنعى أبا كان معروف الدفاع عن المولى |
المضاف و فكاكا عن العاني |
|
و نعم صاحب عان كان رافده |
إذا تضجع عنه العاجز الواني |
قال الزبير و كان الزبير بن عبد المطلب ذا نظر و فكر أتى فقيل له مات فلان لرجل من قريش كان ظلوما فقال بأي عقوبة مات قالوا مات حتف أنفه فقال لئن كان ما قلتموه حقا إن للناس معادا يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم.قال و كان الزبير يكنى بأبي الطاهر و كانت صفية بنت عبد المطلب كنت ابنها الزبير بن العوام أبا الطاهر دهرا بكنية أخيها و كان للزبير بن عبد المطلب ابن يقال له الطاهر كان من أظرف فتيان مكة مات غلاما و به سمى رسول الله ص ابنه الطاهر و باسم الزبير سمت أخته صفية ابنها الزبير و قالت صفية ترثي أخاها الزبير بن عبد المطلب:
بكي زبير الخير إذ مات إن |
كنت على ذي كرم باكيه |
لو لفظته الأرض ما لمتها |
أو أصبحت خاشعة عاريه |
|
قد كان في نفسي أن أترك الموتى |
و لا أتبعهم قافيه |
|
فلم أطق صبرا على رزئه |
وجدته أقرب إخوانيه |
|
لو لم أقل من في قولا له |
لقضت العبرة أضلاعيه |
|
فهو الشآمي و اليماني إذا |
ما خضروا ذو الشفرة الداميه |
و قال ضرار بن الخطاب يبكيه:
بكي ضباع على أبيك |
بكاء محزون أليم |
|
قد كنت أنشده فلا |
رث السلاح و لا سليم |
|
كالكوكب الدري يعلو |
ضوءه ضوء النجوم |
|
زخرت به أعراقه |
و نماه والده الكريم |
|
بين الأغر و هاشم |
فرعين قد فرعا القروم |
فأما القتول الخثعمية التي اغتصبها نبيه بن الحجاج السهمي من أبيها فقد ذكر الزبير بن بكار قصتها في كتاب أنساب قريش.قال الزبير إن رجلا من خثعم قدم مكة تاجرا و معه ابنة يقال لها القتول أوضأ نساء العالمين فعلقها نبيه بن الحجاج السهمي فلم يبرح حتى غلب أباها عليها و نقلها إليه فقيل لأبيها عليك بحلف الفضول فأتاهم فشكا إليهم ذلك فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا له أخرج ابنة هذا الرجل و هو يومئذ منتبذ بناحية مكة و هي معه و إلا فإنا من قد عرفت فقال يا قوم متعوني بها الليلة فقالوا قبحك الله
ما أجهلك لا و الله و لا شخب لقحة فأخرجها إليهم فأعطوها أباها فقال نبيه بن الحجاج في ذلك قصيدة أولها:
راح صحي و لم أحي القتولا |
لم أودعهم وداعا جميلا |
|
إذ أجد الفضول أن يمنعوها |
قد أراني و لا أخاف الفضولا |
في أبيات طويلة و أما قصة البارقي فقد ذكرها الزبير أيضا.قال قدم رجل من ثمالة من الأزد مكة فباع سلعة من أبي بن خلف الجمحي فمطله بالثمن و كان سيئ المخالطة فأتى الثمالي أهل حلف الفضول فأخبرهم فقالوا اذهب فأخبره أنك قد أتيتنا فإن أعطاك حقك و إلا فارجع إلينا فأتاه فأخبره بما قال أهل حلف الفضول فأخرج إليه حقه فأعطاه فقال الثمالي:
أ يفجر بي ببطن مكة ظالما |
أبي و لا قومي لدي و لا صحبي |
|
و ناديت قومي بارقا لتجيبني |
و كم دون قومي من فياف و من سهب |
|
و يأبى لكم حلف الفضول ظلامتي |
بني جمح و الحق يؤخذ بالغصب |
و أما قصة حلف الفضول و شرفه فقد ذكرها الزبير في كتابه أيضا قال كان بنو سهم و بنو جمح أهل بغي و عدوان فأكثروا من ذلك فأجمع بنو هاشم و بنو المطلب و بنو أسد و بنو زهرة و بنو تيم على أن تحالفوا و تعاقدوا على رد الظلم بمكة و ألا يظلم أحد
إلا منعوه و أخذوا له بحقه و كان حلفهم في دار عبد الله بن جدعان،قال رسول الله ص لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم و لو دعيت به اليوم لأجبت لا يزيده الإسلام إلا شدة.قال الزبير كان رجل من بني أسد قد قدم مكة معتمرا ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي فآواها إلى بيته ثم تغيب فابتغى الأسدي متاعه فلم يقدر عليه فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له فعرف أن لا سبيل له إلى ماله و طوف في قبائل قريش يستنفر بهم فتخاذلت القبائل عنه فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها و نادى بأعلى صوته:
يا للرجال لمظلوم بضاعته |
ببطن مكة نائي الأهل و النفر |
|
و محرم أشعث لم يقض عمرته |
يا آل فهر و بين الحجر و الحجر |
|
هل منصف من بني سهم فمرتجع |
ما غيبوا أم حلال مال معتمر |
فأعظمت ذلك قريش و تكلموا فيه فقال المطيبون و الله إن قمنا في هذا ليغضبن الأحلاف و قالت الأحلاف و الله إن قمنا في هذا ليغضبن المطيبون فقالت قبائل من قريش هلموا فلنحتلف حلفا جديدا لننصرن المظلوم على الظالم ما بل بحر صوفة فاجتمعت هاشم و المطلب و أسد و تيم و زهرة في دار عبد الله بن جدعان و رسول الله ص يومئذ معهم و هو شاب ابن خمس و عشرين سنة لم يوح إليه بعد فتحالفوا ألا يظلم بمكة غريب و لا قريب و لا حر و لا عبد إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه و يردوا إليه مظلمته من أنفسهم و من غيرهم ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلوا به أركانه ثم جمعوه و أتوهم به فشربوه ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل
فقالوا له أد إلى هذا حقه فأدى إليه حقه فمكثوا كذلك دهرا لا يظلم أحد بمكة إلا أخذوا له حقه فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول.قال الزبير و حدثني محمد بن حسن عن محمد بن طلحة عن موسى بن محمد عن أبيه أن الحلف كان على ألا يدعوا بمكة كلها و لا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلا أنجدوه حتى يردوا عليه ماله و مظلمته أو يبلوا في ذلك عذرا و على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و على التأسي في المعاش.قال الزبير و يقال إنه إنما سمي حلف الفضول لأن رجالا كانوا في وجوههم تحالفوا على رد المظالم يقال لهم فضيل و فضال و فضل و مفضل فسمي هذا الحلف حلف الفضول لأنه أحيا تلك السنة التي كانت ماتت.قال الزبير و قدم محمد بن جبير بن مطعم على عبد الملك بن مروان و كان من علماء قريش فقال له يا أبا سعيد أ لم نكن يعني بني عبد شمس و أنتم في حلف الفضول فقال أمير المؤمنين أعلم قال لتخبرني بالحق قال لا و الله يا أمير المؤمنين لقد خرجنا نحن و أنتم منه و ما كانت يدنا و يدكم إلا جميعا في الجاهلية و الإسلام.قال الزبير و حدثني محمد بن حسن عن إبراهيم بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهادي الليثي أن محمد بن الحارث أخبره قال كان بين الحسين بن علي ع و بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كلام في مال كان بينهما بذي المروءة و الوليد يومئذ أمير المدينة في أيام معاوية فقال الحسين ع أ يستطيل الوليد علي بسلطانه
أقسم بالله لينصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم أقوم في مسجد الله فأدعو بحلف الفضول فبلغت كلمته عبد الله بن الزبير فقال أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف أو نموت جميعا فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك فبلغ ذلك الوليد بن عتبة فأنصف الحسين ع من نفسه حتى رضي.قال الزبير و قد كان للحسين ع مع معاوية قصة مثل هذه كان بينهما كلام في أرض للحسين ع فقال له الحسين ع اختر مني ثلاث خصال إما أن تشتري مني حقي و إما أن ترده علي أو تجعل بيني و بينك ابن عمر أو ابن الزبير حكما و إلا فالرابعة و هي الصيلم قال معاوية و ما هي قال أهتف بحلف الفضول ثم قام فخرج و هو مغضب فمر بعبد الله بن الزبير فأخبره فقال و الله لئن هتفت به و أنا مضطجع لأقعدن أو قاعد لأقومن أو قائم لأمشين أو ماش لأسعين ثم لتنفدن روحي مع روحك أو لينصفنك فبلغت معاوية فقال لا حاجة لنا بالصيلم ثم أرسل إليه أن ابعث فانتقد مالك فقد ابتعناه منك.قال الزبير و حدثني بهذه القصة علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن أبيه قال خرج الحسين ع من عند معاوية و هو مغضب فلقي عبد الله بن الزبير فحدثه بما دار بينهما و قال لأخيرنه في خصال فقال له ابن الزبير ما قال ثم ذهب إلى معاوية فقال لقد لقيني الحسين فخيرك في ثلاث خصال و الرابعة الصيلم قال معاوية فلا حاجة لنا بالصيلم أظنك لقيته مغضبا فهات الثلاث قال أن تجعلني
أو ابن عمر بينك و بينه قال قد جعلتك بيني و بينه أو جعلت ابن عمر أو جعلتكما جميعا قال أو تقر له بحقه ثم تسأله إياه قال قد أقررت له بحقه و أنا أسأله إياه قال أو تشريه منه قال قد اشتريته منه فما الصيلم قال يهتف بحلف الفضول و أنا أول من يجيبه قال فلا حاجة لنا في ذلك.و بلغ الكلام عبد الله بن أبي بكر و المسور بن مخرمة فقالا للحسين مثل ما قاله ابن الزبير.فأما تفجر الماء من تحت أخفاف بعير عبد المطلب في الأرض الجرز فقد ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة قال لما أنبط عبد المطلب الماء في زمزم حسدته قريش فقالت له يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل و إن لنا فيها حقا فأشركنا معك قال ما أنا بفاعل إن هذا الأمر أمر خصصت به دونكم و أعطيته من بينكم قالوا له فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني و بينكم حكما أحاكمكم إليه قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم قال نعم و كانت بأشراف الشام فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف و خرج من كل قبيلة من قبائل قريش قوم و الأرض إذ ذاك مفاوز حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام نفد ما كان مع عبد المطلب و بني أبيه من الماء فعطشوا عطشا شديدا فاستسقوا قومهم فأبوا أن يسقوهم و قالوا نحن بمفازة و نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم و خاف على نفسه و أصحابه الهلاك قال لأصحابه ما ترون قالوا ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما أحببت قال فإني أرى أن يحفر كل رجل منا حفرة لنفسه بما معه الآن من القوة فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته حتى يكون رجل واحد فضيعة
رجل واحد أيسر من ضيعة ركب قالوا نعم ما أشرت فقام كل رجل منهم فحفر حفيرة لنفسه و قعدوا ينتظرون الموت ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه و الله إن إلقاءنا بأيدينا كذا للموت لا نضرب في الأرض فنطلب الماء لعجز قوموا فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض الأرض ارتحلوا فارتحلوا و من معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم صانعون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجر من تحت خفها عين من ماء عذب فكبر عبد المطلب و كبر أصحابه ثم نزل فشرب و شرب أصحابه و استقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش فقال لهم هلموا إلى الماء فقد أسقانا الله فاشربوا و استقوا فجاءوا فشربوا و استقوا ثم قالوا قد و الله قضى الله لك علينا و الله لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع و رجعوا معه لم يصلوا إلى الكاهنة و خلوا بينه و بين زمزم.و روى صاحب كتاب الواقدي أن عبد الله بن جعفر فاخر يزيد بن معاوية بين يدي معاوية فقال له بأي آبائك تفاخرني أ بحرب الذي أجرناه أم بأمية الذي ملكناه أم بعبد شمس الذي كفلناه فقال معاوية لحرب بن أمية يقال هذا ما كنت أحسب أن أحدا في عصر حرب يزعم أنه أشرف من حرب فقال عبد الله بلى أشرف منه من كفأ عليه إناءه و جلله بردائه فقال معاوية ليزيد رويدا يا بني إن عبد الله يفخر عليك بك لأنك منه و هو منك فاستحيا عبد الله و قال يا أمير المؤمنين يدان انتشطتا و أخوان اصطرعا فلما قام عبد الله قال معاوية ليزيد يا بني إياك و منازعة
بني هاشم فإنهم لا يجهلون ما علموا و لا يجد مبغضهم لهم سبا قال أما قوله أ بحرب الذي أجرناه فإن قريشا كانت إذا سافرت فصارت على العقبة لم يتجاوزها أحد حتى تجوز قريش فخرج حرب ليلة فلما صار على العقبة لقيه رجل من بني حاجب بن زرارة تميمي فتنحنح حرب بن أمية و قال أنا حرب بن أمية فتنحنح التميمي و قال أنا ابن حاجب بن زرارة ثم بدر فجاز العقبة فقال حرب لاها الله لا تدخل بعدها مكة و أنا حي فمكث التميمي حينا لا يدخل و كان متجره بمكة فاستشار بها بمن يستجير من حرب فأشير عليه بعبد المطلب أو بابنه الزبير بن عبد المطلب فركب ناقته و صار إلى مكة ليلا فدخلها و أناخ ناقته بباب الزبير بن عبد المطلب فرغت الناقة فخرج إليه الزبير فقال أ مستجير فتجار أم طالب قرى فتقرى فقال:
لاقيت حربا بالثنية مقبلا |
و الليل أبلج نوره للساري |
|
فعلا بصوت و اكتنى ليروعني |
و دعا بدعوة معلن و شعار |
|
فتركته خلفي و جزت أمامه |
و كذاك كنت أكون في الأسفار |
|
فمضى يهددني و يمنع مكة |
إلا أحل بها بدار قرار |
|
فتركته كالكلب ينبح وحده |
و أتيت قرم مكارم و فخار |
|
ليثا هزبرا يستجار بقربه |
رحب المباءة مكرما للجار |
|
و حلفت بالبيت العتيق و حجه |
و بزمزم و الحجر و الأستار |
|
إن الزبير لمانعي بمهند |
صافي الحديدة صارم بتار |
فقال الزبير اذهب إلى المنزل فقد أجرتك فلما أصبح نادى الزبير أخاه الغيداق
فخرجا متقلدين سيفيهما و خرج التميمي معهما فقالا له إنا إذا أجرنا رجلا لم نمش أمامه فامش أمامنا ترمقك أبصارنا كي لا تختلس من خلفنا فجعل التميمي يشق مكة حتى دخل المسجد فلما بصر به حرب قال و إنك لهاهنا و سبق إليه فلطمه و صاح الزبير ثكلتك أمك أ تلطمه و قد أجرته فثنى عليه حرب فلطمه ثانية فانتضى الزبير سيفه فحمل على حرب بين يديه و سعى الزبير خلفه فلم يرجع عنه حتى هجم حرب على عبد المطلب داره فقال ما شأنك قال الزبير قال اجلس و كفأ عليه إناء كان هاشم يهشم فيه الثريد و اجتمع الناس و انضم بنو عبد المطلب إلى الزبير و وقفوا على باب أبيهم بأيديهم سيوفهم فأزر عبد المطلب حربا بإزار كان له و رداه برداء له طرفان و أخرجه إليهم فعلموا أن أباهم قد أجاره.و أما معنى قوله أم بأمية الذي ملكناه فإن عبد المطلب راهن أمية بن عبد شمس على فرسين و جعل الخطر ممن سبقت فرسه مائة من الإبل و عشرة أعبد و عشر إماء و استعباد سنة و جز الناصية فسبق فرس عبد المطلب فأخذ الخطر فقسمه في قريش و أراد جز ناصيته فقال أو أفتدي منك باستعباد عشر سنين ففعل فكان أمية بعد في حشم عبد المطلب و عضاريطه عشر سنين.و أما قوله أم بعبد شمس الذي كفلناه فإن عبد شمس كان مملقا لا مال له فكان أخوه هاشم يكفله و يمونه إلى أن مات هاشم.و في كتاب الأغاني لأبي الفرج إن معاوية قال لدغفل النسابة أ رأيت عبد المطلب قال نعم قال كيف رأيته قال رأيته رجلا نبيلا جميلا وضيئا كان على
وجهه نور النبوة قال أ فرأيت أمية بن عبد شمس قال نعم قال كيف رأيته قال رأيته رجلا ضئيلا منحنيا أعمى يقوده عبده ذكوان فقال معاوية ذلك ابنه أبو عمرو قال أنتم تقولون ذلك فأما قريش فلم تكن تعرف إلا أنه عبده.و نقلت من كتاب هاشم و عبد شمس لابن أبي رؤبة الدباس.قال روى هشام بن الكلبي عن أبيه أن نوفل بن عبد مناف ظلم عبد المطلب ابن هاشم أركاحا له بمكة و هي الساحات و كان بنو نوفل يدا مع عبد شمس و عبد المطلب يدا مع هاشم فاستنصر عبد المطلب قوما من قومه فقصروا عن ذلك فاستنجد أخواله من بني النجار بيثرب فأقبل معه سبعون راكبا فقالوا لنوفل لا و الله يا أبا عدي ما رأينا بهذا الغائط ناشئا أحسن وجها و لا أمد جسما و لا أعف نفسا و لا أبعد من كل سوء من هذا الفتى يعنون عبد المطلب و قد عرفت قرابته منا و قد منعته ساحات له و نحن نحب أن ترد عليه حقه فرده عليه فقال عبد المطلب:
تأبى مازن و بنو عدي |
و ذبيان بن تيم اللات ضيمي |
|
و زادت مالك حتى تناهت |
و نكب بعد نوفل عن حريمي |
قال و يقال إن ذلك كان سبب مخالفة خزاعة عبد المطلب.قال و روى أبو اليقظان سحيم بن حفص أن عبد المطلب جمع بنيه عند وفاته و هم عشرة يومئذ فأمرهم و نهاهم و أوصاهم و قال إياكم و البغي فو الله ما خلق الله شيئا
أعجل عقوبة من البغي و ما رأيت أحدا بقي على البغي إلا إخوتكم من بني عبد شمس.و روى الوليد بن هشام بن قحذم قال قال عثمان يوما وددت أني رأيت رجلا قد أدرك الملوك يحدثني عما مضى فذكر له رجل بحضرموت فبعث إليه فحدثه حديثا طويلا تركنا ذكره إلى أن قال أ رأيت عبد المطلب بن هاشم قال نعم رأيت رجلا قعدا أبيض طويلا مقرون الحاجبين بين عينيه غرة يقال إن فيها بركة و إن فيه بركة قال أ فرأيت أمية بن عبد شمس قال نعم رأيت رجلا آدم دميما قصيرا أعمى يقال إنه نكد و إن فيه نكدا فقال عثمان يكفيك من شر سماعه و أمر بإخراج الرجل.و روى هشام بن الكلبي أن أمية بن عبد شمس لما كان غلاما كان يسرق الحاج فسمي حارسا.و روى ابن أبي رؤبة في هذا الكتاب أن أول قتيل قتله بنو هاشم من بني عبد شمس عفيف بن أبي العاص بن أمية قتله حمزة بن عبد المطلب و لم أقف على هذا الخبر إلا من كتاب ابن أبي رؤبة.قال و مما يصدق قول من روى أن أمية بن عبد شمس استعبده عبد المطلب شعر أبي طالب بن عبد المطلب حين تظاهرت عبد شمس و نوفل عليه و على رسول الله ص و حصروهما في الشعب فقال أبو طالب:
توالى علينا موليانا كلاهما |
إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر |
|
بلى لهما أمر و لكن تراجما |
كما ارتجمت من رأس ذي القلع الصخر |
|
أخص خصوصا عبد شمس و نوفلا |
هما نبذانا مثل ما تنبذ الخمر |
|
هما أغمضا للقوم في أخويهما |
فقد أصبحت أيديهما و هما صفر |
قديما أبوهم كان عبدا لجدنا |
بني أمة شهلاء جاش بها البحر |
|
لقد سفهوا أحلامهم في محمد |
فكانوا كجعر بئس ما ضفطت جعر |
ثم نرجع إلى حكاية شيخنا أبي عثمان و قد نمزجه بكلام آخر لنا أو لغيرنا ممن تعاطى الموازنة بين هذين البيتين.قال أبو عثمان فإن قالت أمية لنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أربعة خلفاء في نسق قلنا لهم و لبني هاشم هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد الكامل بن علي السجاد كان يصلي كل يوم و ليلة ألف ركعة فكان يقال له السجاد لعبادته و فضله و كان أجمل قريش على وجه الأرض و أوسمها ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب ع فسمي باسمه و كني بكنيته فقال عبد الملك لا و الله لا أحتمل لك الاسم و لا الكنية فغير أحدهما فغير الكنية فصيرها أبا محمد بن عبد الله و هو البحر و هو حبر قريش و هو المفقه في الدين المعلم التأويل ابن العباس ذي الرأي و حليم قريش بن شيبة الحمد و هو عبد المطلب سيد الوادي بن عمرو و هو هاشم هشم الثريد و هو القمر سمي بذلك لجماله و لأنهم كانوا يقتدون و يهتدون برأيه ابن المغيرة و هو عبد مناف بن زيد و هو قصي و هو مجمع فهؤلاء ثلاثة عشر سيدا لم يحرم منهم واحد و لا قصر عن الغاية و ليس منهم واحد إلا و هو ملقب بلقب اشتق له من فعله الكريم و من خلقه الجميل و ليس منهم إلا خليفة أو موضع للخلافة أو سيد في قديم الدهر منيع أو ناسك مقدم أو فقيه بارع أو حليم ظاهر الركانة و ليس هذا لأحد سواهم و منهم خمسة خلفاء في نسق و هم أكثر مما عدته الأموية و لم يكن
مروان كالمنصور لأن المنصور ملك البلاد و دوخ الأقطار و ضبط الأطراف اثنتين و عشرين سنة و كانت خلافة مروان على خلاف ذلك كله و إنما بقي في الخلافة تسعة أشهر حتى قتلته امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية حين قال لابنها خالد من بعلها الأول يا ابن الرطبة و لئن كان مروان مستوجبا لاسم الخلافة مع قلة الأيام و كثرة الاختلاف و اضطراب البلدان فضلا عن الأطراف فابن الزبير أولى بذلك منه فقد كان ملك الأرض إلا بعض الأردن و لكن سلطان عبد الملك و أولاده لما اتصل بسلطان مروان اتصل عند القوم ما انقطع منه و أخفى موضع الوهن عند من لا علم له و سنو المهدي كانت سني سلامة و ما زال عبد الملك في انتقاض و انتكاث و لم يكن ملك يزيد كملك هارون و لا ملك الوليد كملك المعتصم.قلت رحم الله أبا عثمان لو كان اليوم لعد من خلفاء بني هاشم تسعة في نسق المستعصم بن المستنصر بن الطاهر بن المستضيء بن المستنجد بن المقتفي بن المستظهر بن المقتدر و الطالبيون بمصر يعدون عشرة في نسق الآمر بن المستعلي بن المستنصر بن الطاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعتز بن المنصور بن القائم بن المهدي.قال أبو عثمان و تفخر عليهم بنو هاشم بأن سني ملكهم أكثر و مدته أطول فإنه قد بلغت مدة ملكهم إلى اليوم أربعا و تسعين سنة و يفخرون أيضا عليهم بأنهم ملكوا بالميراث و بحق العصبة و العمومة و إن ملكهم في مغرس نبوة و إن أسبابهم غير أسباب بني مروان بل ليس لبني مروان فيها سبب و لا بينهم و بينها نسب إلا أن يقولوا إنا من قريش فيساووا في هذا الاسم قريش الظواهر لأن رواية الراوي الأئمة من قريش واقعة على كل قرشي و أسباب الخلافة معروفة و ما يدعيه كل جيل معلوم و إلى كل ذلك قد ذهب الناس فمنهم من ادعاه لعلي ع لاجتماع القرابة و السابقة و الوصية فإن كان الأمر كذلك فليس لآل أبي سفيان و آل مروان فيها دعوى و إن كانت
إنما تنال بالوراثة و تستحق بالعمومة و تستوجب بحق العصبة فليس لهم أيضا فيها دعوى و إن كانت لا تنال إلا بالسوابق و الأعمال و الجهاد فليس لهم في ذلك قدم مذكور و لا يوم مشهور بل كانوا إذ لم تكن لهم سابقة و لم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة و لم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع لكان أهون و لكان الأمر عليهم أيسر قد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوة النبي ص و في محاربته له و إجلابه عليه و غزوة إياه و عرفنا إسلامه حيث أسلم و إخلاصه كيف أخلص و معنى كلمته يوم الفتح حين رأى الجنود و كلامه يوم حنين و قوله يوم صعد بلال على الكعبة فأذن على أنه إنما أسلم على يدي العباسرحمهالله و العباس هو الذي منع الناس من قتله و جاء به رديفا إلى رسول الله ص و سأله فيه أن يشرفه و أن يكرمه و ينوه به و تلك يد بيضاء و نعمة غراء و مقام مشهود و يوم حنين غير مجحود فكان جزاء بني هاشم من بنيه أن حاربوا عليا و سموا الحسن و قتلوا الحسين و حملوا النساء على الأقتاب حواسر و كشفوا عن عورة علي بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه كما يصنع بذراري المشركين إذا دخلت دورهم عنوة و بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فقتل ابني عبيد الله بن العباس و هما غلامان لم يبلغا الحلم و قتل عبيد الله بن زياد يوم الطف تسعة من صلب علي ع و سبعة من صلب عقيل و لذلك قال ناعيهم:
عين جودي بعبرة و عويل |
و اندبي إن ندبت آل الرسول |
|
تسعة كلهم لصلب علي |
قد أصيبوا و سبعة لعقيل |
ثم إن أمية تزعم أن عقيلا أعان معاوية على علي ع فإن كانوا كاذبين فما أولاهم بالكذب و إن كانوا صادقين فما جازوا عقيلا بما صنع و ضرب عنق مسلم
بن عقيل صبرا و غدرا بعد الأمان و قتلوا معه هانئ بن عروة لأنه آواه و نصره و لذلك قال الشاعر:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري |
إلى هانئ في السوق و ابن عقيل |
|
تري بطلا قد هشم السيف وجهه |
و آخر يهوي من طمار قتيل |
و أكلت هند كبد حمزة فمنهم آكلة الأكباد و منهم كهف النفاق و منهم من نقر بين ثنيتي الحسين ع بالقضيب و منهم القاتل يوم الحرة عون بن عبد الله بن جعفر و يوم الطف أبا بكر بن عبد الله بن جعفر و قتل يوم الحرة أيضا من بني هاشم الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب و العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب و عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.قلت إن أبا عثمان قايس بين مدتي ملكهما و هو حينئذ في أيام الواثق ففضل هؤلاء عليهم لأن ملكهم أطول من ملكهم بعشر سنين فكيف به لو كان اليوم حيا و قد امتد ملكهم خمسمائة و ست عشرة سنة و هذا أكثر من ملك البيت الثالث من ملوك الفرس بنحو ثلاثين سنة و أيضا فإن كان الفخر بطول مدة الملك فبنو هاشم قد كان لهم أيضا ملك بمصر نحو مائتين و سبعين سنة مع ما ملكوه بالمغرب قبل أن ينتقلوا إلى مصر.
قال أبو عثمان و قالت هاشم لأمية قد علم الناس ما صنعتم بنا من القتل و التشريد لا لذنب أتيناه إليكم ضربتم علي بن عبد الله بن عباس بالسياط مرتين على أن تزوج بنت عمه الجعفرية التي كانت عند عبد الملك و على أن نحلتموه قتل سليط و سممتم أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ع و نبشتم زيدا و صلبتموه و ألقيتم رأسه في عرصة الدار توطأ بالأقدام و ينقر دماغه الدجاج حتى قال القائل:
اطرد الديك عن ذؤابة زيد |
طالما كان لا تطأه الدجاج |
و قال شاعركم أيضا:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة |
و لم نر مهديا على الجذع يصلب |
|
و قستم بعثمان عليا سفاهة |
و عثمان خير من علي و أطيب |
فروي أن بعض الصالحين من أهل البيت ع قال اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك فخرج يوما بسفر له فعرض له الأسد فافترسه و قتلتم الإمام جعفرا الصادق ع و قتلتم يحيى بن زيد و سميتم قاتله ثائر مروان و ناصر الدين هذا إلى ما صنع سليمان بن حبيب بن المهلب عن أمركم و قولكم بعبد الله أبي جعفر المنصور قبل الخلافة و ما صنع مروان بإبراهيم الإمام أدخل رأسه في جراب نورة حتى مات فإن أنشدتم:
أفاض المدامع قتلى كدى |
و قتلى بكثوة لم ترمس |
|
و بالزابيين نفوس ثوت |
و أخرى بنهر أبي فطرس |
أنشدنا نحن:
و اذكروا مصرع الحسين و زيدا |
و قتيلا بجانب المهراس |
و القتيل الذي بنجران أمسى |
ثاويا بين غربة و تناس |
و قد علمتم حال مروان أبيكم و ضعفه و أنه كان رجلا لا فقه له و لا يعرف بالزهد و لا الصلاح و لا برواية الآثار و لا بصحبة و لا ببعد همة و إنما ولي رستاقا من رساتيق درابجرد لابن عامر ثم ولي البحرين لمعاوية و قد كان جمع أصحابه و من تابعه ليبايع ابن الزبير حتى رده عبيد الله بن زياد و قال يوم مرج راهط و الرءوس تندر عن كواهلها في طاعته:
و ما ضرهم غير حين النفوس |
و أي غلامي قريش غلب |
هذا قول من لا يستحق أن يلي ربعا من الأرباع و لا خمسا من الأخماس و هو أحد من قتلته النساء لكلمة كان حتفه فيها.و أما أبوه الحكم بن العاص فهو طريد رسول الله ص و لعينه و المتخلج في مشيته الحاكي لرسول الله ص و المستمع عليه ساعة خلوته ثم صار طريدا لأبي بكر و عمر امتنعا عن إعادته إلى المدينة و لم يقبلا شفاعة عثمان فلما ولي أدخله فكان أعظم الناس شؤما عليه و من أكبر الحجج في قتله و خلعه من الخلافة فعبد الملك أبو هؤلاء الملوك الذين تفتخر الأموية بهم أعرق الناس في الكفر لأن أحد أبويه الحكم هذا و الآخر من قبل أمه معاوية بن المغيرة بن أبي العاص كان النبي ص طرده من المدينة و أجله ثلاثا فحيره الله تعالى حين خرج و بقي مترددا متلددا حولها لا يهتدي لسبيله حتى أرسل في أثره عليا ع و عمارا فقتلاه فأنتم أعرق الناس في الكفر و نحن أعرق الناس في الإيمان و لا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان و أقدمهم فيه.قال أبو عثمان و تفخر هاشم بأن أحدا لم يجد تسعين عاما لا طواعين فيها إلا منذ ملكوا قالوا لو لم يكن من بركة دعوتنا إلا أن تعذيب الأمراء بعمال الخراج
بالتعليق و الزهق و التجريد و التسهير و المسالد و النورة و الجورتين و العذراء و الجامعة و التشطيب قد ارتفع لكان ذلك خيرا كثيرا و في الطاعون يقول العماني الراجز يذكر دولتنا:
قد رفع الله رماح الجن |
و أذهب التعذيب و التجني |
و العرب تسمي الطواعين رماح الجن و في ذلك يقول الشاعر:
لعمرك ما خشيت على أبي |
رماح بني مقيدة الحمار |
|
و لكني خشيت على أبي |
رماح الجن أو إياك حار |
يقول بعض بني أسد للحارث الغساني الملك.قال أبو عثمان و تفخر هاشم عليهم بأنهم لم يهدموا الكعبة و لم يحولوا القبلة و لم يجعلوا الرسول دون الخليفة و لم يختموا في أعناق الصحابة و لم يغيروا أوقات الصلاة و لم ينقشوا أكف المسلمين و لم يأكلوا الطعام و يشربوا على منبر رسول الله ص و لم ينهبوا الحرم و لم يطئوا المسلمات دار في الإسلام بالسباء.قلت نقلت من كتاب افتراق هاشم و عبد شمس لأبي الحسين محمد بن علي بن نصر المعروف بابن أبي رؤبة الدباس قال كان بنو أمية في ملكهم يؤذنون و يقيمون في العيد و يخطبون بعد الصلاة و كانوا في سائر صلاتهم لا يجهرون بالتكبير في الركوع و السجود و كان لهشام بن عبد الملك خصي إذا سجد هشام و هو يصلي في المقصورة قال لا إله إلا الله فيسمع الناس فيسجدون و كانوا يقعدون في إحدى خطبتي العيد و الجمعة و يقومون في الأخرى قال و رأى كعب مروان بن الحكم يخطب قاعدا فقال انظروا
إلى هذا يخطب قاعدا و الله تعالى يقول لرسوله( وَ تَرَكُوكَ قائِماً ) .
قال و أول من قعد في الخطب معاوية و أول من أذن و أقام في صلاة العيد بشر بن مروان و كان عمال بني أمية يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة و يقولون هؤلاء فروا من الجزية و يأخذون الصدقة من الخيل و ربما دخلوا دار الرجل قد نفق فرسه أو باعه فإذا أبصروا الآخية قالوا قد كان هاهنا فرس فهات صدقتها و كانوا يؤخرون صلاة الجمعة تشاغلا عنها بالخطبة و يطيلون فيها إلى أن تتجاوز وقت العصر و تكاد الشمس تصفر فعل ذلك الوليد بن عبد الملك و يزيد أخوه و الحجاج عاملهم و وكل بهم الحجاج المسالخ معه و السيوف على رءوسهم فلا يستطيعون أن يصلوا الجمعة في وقتها.و قال الحسن البصري وا عجبا من أخيفش أعيمش جاءنا ففتننا عن ديننا و صعد على منبرنا فيخطب و الناس يلتفتون إلى الشمس فيقول ما بالكم تلتفتون إلى الشمس إنا و الله ما نصلي للشمس إنما نصلي لرب الشمس أ فلا تقولون يا عدو الله إن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار و حقا بالنهار لا يقبله بالليل ثم يقول الحسن و كيف يقولون ذلك و على رأس كل واحد منهم علج قائم بالسيف قال و كانوا يسبون ذراري الخوارج من العرب و غيرهم لما قتل قريب و زحاف الخارجيان سبى زياد ذراريهما فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما و أعطى عباد بن حصين الأخرى و سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري و بنت لقطري بن الفجاءة المازني فصارت هذه إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك و اسمها أم سلمة
فوطئها بملك اليمين على رأيهم فولدت له المؤمل و محمدا و إبراهيم و أحمد و حصينا بني عباس بن الوليد بن عبد الملك و سبي واصل بن عمرو القنا و استرق و سبي سعيد الصغير الحروري و استرق و أم يزيد بن عمر بن هبيرة و كانت من سبي عمان الذين سباهم مجاعة و كانت بنو أمية تبيع الرجل في الدين يلزمه و ترى أنه يصير بذلك رقيقا.كان معن أبو عمير بن معن الكاتب حرا مولى لبني العنبر فبيع في دين عليه فاشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العتكي و باع الحجاج علي بن بشير بن الماحوز لكونه قتل رسول المهلب على رجل من الأزد.فأما الكعبة فإن الحجاج في أيام عبد الملك هدمها و كان الوليد بن يزيد يصلي إذا صلى أوقات إفاقته من السكر إلى غير القبلة فقيل له فقرأ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ ) .و خطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول الله ص بالمدينة فقال تبا لهم إنما يطوفون بأعواد و رمة بالية هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك أ لا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله.قال و كانت بنو أمية تختم في أعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم.و بايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة و فيها بقايا الصحابة و أولادها و صلحاء التابعين على أن كلا منهم عبد قن لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية إلا علي بن الحسين ع فإنه بايعه على أنه أخوه و ابن عمه.قال و نقشوا أكف المسلمين علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم و الحبشة و كانت خطباء بني أمية تأكل و تشرب على المنبر يوم الجمعة لإطالتهم
في الخطبة و كان المسلمون تحت منبر الخطبة يأكلون و يشربون قال أبو عثمان و يفخر بنو العباس على بني مروان و هاشم على عبد شمس بأن الملك كان في أيديهم فانتزعوه منهم و غلبوهم بالبطش الشديد و بالحيلة اللطيفة ثم لم ينزعوه إلا من يد أشجعهم شجاعة و أشدهم تدبيرا و أبعدهم غورا و من نشأ في الحروب و ربي في الثغور و من لا يعرف إلا الفتوح و سياسة الجنود ثم أعطى الوفاء من أصحابه و الصبر من قواده فلم يغدر منهم غادر و لا قصر منهم مقصر كما قد بلغك عن حنظلة بن نباتة و عامر بن ضبارة و يزيد بن عمر بن هبيرة و لا أحد من سائر قواده حتى من أحبابه و كتابه كعبد الحميد الكاتب ثم لم يلقه و لا لقي تلك الحروب في عامة تلك الأيام إلا رجال ولد العباس بأنفسهم و لا قام بأكثر الدولة إلا مشايخهم كعبد الله بن علي و صالح بن علي و داود بن علي و عبد الصمد بن علي و قد لقيهم المنصور نفسه.قال و تفخر هاشم أيضا عليهم
بقول النبي ص و هو الصادق المصدق نقلت من الأصلاب الزاكية إلى الأرحام الطاهرة و ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما و قال أيضا بعثت من خيرة قريش.و معلوم أن بني عبد مناف افترقوا فكانت هاشم و المطلب يدا و عبد شمس و نوفل يدا قال و إن كان الفخر بكثرة العدد فإنه من أعظم مفاخر العرب فولد علي بن عبد الله بن العباس اليوم مثل جميع بني عبد شمس و كذلك ولد الحسين بن علي ع هذا مع قرب ميلادهما و قد قال النبي ص شوهاء ولود خير من حسناء عقيم و قال أنا مكاثر بكم الأمم و قد روى الشعبي عن جابر بن عبد الله أن النبي ص قدم من سفر
فأراد الرجال أن يطرقوا النساء ليلا فقال أمهلوا حتى تمتشط الشعثة و تستحد المغيبة فإذا قدمتم فالكيس الكيس قالوا ذهب إلى طلب الولد و كانت العرب تفخر بكثرة الولد و تمدح الفحل القبيس و تذم العاقر و العقيم.و قال عامر بن الطفيل يعني نفسه:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا |
جبانا فما عذري لدى كل محضر |
و قال علقمة بن علاثة يفخر على عامر آمنت و كفر و وفيت و غدر و ولدت و عقر.و قال الزبرقان:
فاسأل بني سعد و غيرهم |
يوم الفخار فعندهم خبري |
|
أي امرئ أنا حين يحضرني |
رفد العطاء و طالب النصر |
|
و إذا هلكت تركت وسطهم |
ولدي الكرام و نابه الذكر |
و قال طرفة بن العبد:
فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد |
و لو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد |
|
فأصبحت ذا مال كثير و عادني |
بنون كرام سادة لمسود |
و مدح النابغة الذبياني ناسا فقال:
لم يحرموا طيب النساء و أمهم |
طفحت عليك بناتق مذكار |
و قال نهشل بن حري:
على بني يشد الله عظمهم |
و النبع ينبت قضبانا فيكتهل |
و مكث الفرزدق زمانا لا يولد له فعيرته امرأته فقال:
قالت أراه واحدا لا أخا له |
يؤمله في الوارثين الأباعد |
|
لعلك يوما أن تريني كأنما |
بني حوالي الليوث الحوارد |
|
فإن تميما قبل أن يلد الحصى |
أقام زمانا و هو في الناس واحد |
و قال الآخر و قد مات إخوته و ملأ حوضه ليسقي فجاء رجل صاحب عشيرة و عترة فأخذ بضبعه فنحاه ثم قال لراعيه اسق إبلك:
لو كان حوض حمار ما شربت به |
إلا بإذن حمار آخر الأبد |
|
لكنه حوض من أودى بإخوته |
ريب المنون فأمسى بيضة البلد |
|
لو كان يشكي إلى الأموات ما لقي |
الحياء بعدهم من قلة العدد |
|
ثم اشتكيت لأشكاني و أنجدني |
قبر بسنجار أو قبر على فحد |
و قال الأعشى و هو يذكر الكثرة:
و لست بالأكثر منهم حصى |
و إنما العزة للكاثر |
قال و قد ولد رجال من العرب كل منهم يلد لصلبه أكثر من مائة فصاروا بذلك مفخرا منهم عبد الله بن عمير الليثي و أنس بن مالك الأنصاري و خليفة بن بر السعدي أتى على عامتهم الموت الجارف و مات جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس عن ثلاثة و أربعين ذكرا و خمس و ثلاثين امرأة كلهم لصلبه فما ظنك بمن مات من ولده في حياته و ليس طبقة من طبقات الأسنان الموت إليها أسرع و فيها أعم
و أفشى من سن الطفولية و أمر جعفر بن سليمان قد عاينه عالم من الناس و عامتهم أحياء و ليس خبر جعفر كخبر غيره من الناس.قال الهيثم بن عدي أفضى الملك إلى ولد العباس و جميع ولد العباس يومئذ من الذكور ثلاثة و أربعون رجلا و مات جعفر بن سليمان وحده عن مثل ذلك العدد من الرجال و ممن قرب ميلاده و كثر نسله حتى صار كبعض القبائل و العمائر أبو بكر صاحب رسول الله ص و المهلب بن أبي صفرة و مسلم بن عمرو الباهلي و زياد بن عبيد أمير العراق و مالك بن مسمع و ولد جعفر بن سليمان اليوم أكثر عددا من أهل هذه القبائل و أربعة من قريش ترك كل واحد منهم عشرة بنين مذكورين معروفين و هم عبد المطلب بن هاشم و المطلب بن عبد مناف و أمية بن عبد شمس و المغيرة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و ليس على ظهر الأرض هاشمي إلا من ولد عبد المطلب و لا يشك أحد أن عدد الهاشميين شبيه بعدد الجميع فهذا ما في الكثرة و القلة.قلت رحم الله أبا عثمان لو كان حيا اليوم لرأى ولد الحسن و الحسين ع أكثر من جميع العرب الذين كانوا في الجاهلية على عصر النبي ص المسلمين منهم و الكافرين لأنهم لو أحصوا لما نقص ديوانهم عن مائتي ألف إنسان.قال أبو عثمان و إن كان الفخر بنبل الرأي و صواب القول فمن مثل عباس بن عبد المطلب و عبد الله بن العباس و إن كان في الحكم و السؤدد و أصالة الرأي و الغناء العظيم فمن مثل عبد المطلب و إن كان إلى الفقه و العلم بالتأويل و معرفة التأويل و إلى القياس السديد و إلى الألسنة الحداد و الخطب الطوال فمن مثل علي بن أبي طالب ع و عبد الله بن عباس.
قالوا خطبنا عبد الله بن عباس خطبة بمكة أيام حصار عثمان لو شهدها الترك و الديلم لأسلموا.و في عبد الله بن العباس يقول حسان بن ثابت:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل |
بملتقطات لا ترى بينها فضلا |
|
شفى و كفى ما في النفوس فلم يدع |
لذي إربة في القول جدا و لا هزلا |
و هو البحر و هو الحبر و كان عمر يقول له في حداثته عند إجالة الرأي غص يا غواص و كان يقدمه على جلة السلف.قلت أبى أبو عثمان إلا إعراضا عن علي ع هلا قال فيه كما قال في عبد الله فلعمري لو أراد لوجد مجالا و لألفى قولا وسيعا و هل تعلم الناس الخطب و العهود و الفصاحة إلا من كلام علي ع و هل أخذ عبد اللهرحمهالله الفقه و تفسير القرآن إلا عنه فرحم الله أبا عثمان لقد غلبت البصرة و طينتها على إصابة رأيه.قال أبو عثمان و إن كان الفخر في البسالة و النجدة و قتل الأقران و جزر الفرسان فمن كحمزة بن عبد المطلب و علي بن أبي طالب و كان الأحنف إذا ذكر حمزة قال أكيس و كان لا يرضى أن يقول شجاع لأن العرب كانت تجعل ذلك أربع طبقات فتقول شجاع فإذا كان فوق ذلك قالت بطل فإذا كان فوق ذلك قالت بهمة فإذا كان فوق ذلك قالت أكيس و قال العجاج
أكيس عن حوبائه سخي
و هل أكثر ما يعد الناس من جرحاهما و صرعاهما إلا سادتكم و أعلامكم قتل حمزة و علي ع عتبة و الوليد و قتلا شيبة أيضا شركا عبيدة بن الحارث فيه و قتل علي ع حنظلة بن أبي سفيان فأما آباء ملوككم من بني مروان فإنهم كما قال
عبد الله بن الزبير لما أتاه خبر المصعب إنا و الله ما نموت حبجا كما يموت آل أبي العاص و الله ما قتل منهم قتيل في جاهلية و لا إسلام و ما نموت إلا قتلا قعصا بالرماح و موتا تحت ظلال السيوف.قال أبو عثمان كأنه لم يعد قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قتلا إذ كان إنما قتل في غير معركة و كذلك قتل عثمان بن عفان إذ كان إنما قتل محاصرا و لا قتل مروان بن الحكم لأنه قتل خنقا خنقته النساء قال و إنما فخر عبد الله بن الزبير بما في بني أسد بن عبد العزى من القتلى لأن من شأن العرب أن يفخروا بذلك كيف كانوا قاتلين أو مقتولين أ لا ترى أنك لا تصيب كثرة القتلى إلا في القوم المعروفين بالبأس و النجدة و بكثرة اللقاء و المحاربة كآل أبي طالب و آل الزبير و آل المهلب.قال و في آل الزبير خاصة سبعة مقتولون في نسق و لم يوجد ذلك في غيرهم قتل عمارة و حمزة ابنا عبد الله بن الزبير يوم قديد في المعركة قتلهما الإباضية و قتل عبد الله بن الزبير في محاربة الحجاج و قتل مصعب بن الزبير بدير الجاثليق في المعركة أكرم قتل و بإزائه عبد الملك بن مروان و قتل الزبير بوادي السباع منصرفه عن وقعة الجمل و قتل العوام بن خويلد في حرب الفجار و قتل خويلد بن أسد بن عبد العزى في حرب خزاعة فهؤلاء سبعة في نسق.قال و في بني أسد بن عبد العزى قتلى كثيرون غير هؤلاء قتل المنذر بن الزبير بمكة قتله أهل الشام في حرب الحجاج و هو على بغل ورد كان نفر به فأصعد به في الجبل
و إياه يعني يزيد بن مفرغ الحميري و هو يهجو صاحبكم عبيد الله بن زياد و يعيره بفراره يوم البصرة:
لابن الزبير غداة تدمر منذرا |
أولى بكل حفيظة و دفاع |
و قتل عمرو بن الزبير قتله أخوه عبد الله بن الزبير و كان في جوار أخيه عبيدة بن الزبير فلم يغن عنه فقال الشاعر يحرض عبيدة على قتل أخيه عبد الله بن الزبير و يعيره بإخفاره جوار عمرو أخيهما:
أ عبيد لو كان المجير لولولت |
بعد الهدو برنة أسماء |
|
أ عبيد إنك قد أجرت و جاركم |
تحت الصفيح تنوبه الأصداء |
|
اضرب بسيفك ضربة مذكورة |
فيها أداء أمانه و وفاء |
و قتل بجير بن العوام أخو الزبير بن العوام قتله سعد بن صفح الدوسي جد أبي هريرة من قبل أمه قتله بناحية اليمامة و قتل معه أصرم و بعلك أخويه ابني العوام بن خويلد و قد قتل منهم في محاربة النبي ص قوم مشهورون منهم زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى كان شريفا قتل يوم بدر و أبوه الأسود كان المثل يضرب بعزته بمكة و فيه قال رسول الله ص و هو يذكر عاقر الناقة كان عزيزا منيعا كأبي زمعة و يكنى زمعة بن الأسود أبا حكيمة و قتل الحارث بن الأسود بن المطلب يوم بدر أيضا و قتل عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن الأسود بن المطلب بن أسد يوم بدر أيضا و قتل نوفل بن خويلد يوم بدر أيضا قتله علي بن أبي طالب ع و قتل يوم الحرة يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود ضرب عنقه مسرف بن عقبة صبرا قال له بايع لأمير المؤمنين يزيد
بن معاوية على أنك عبد قن له قال بل أبايعه على أني أخوه و ابن عمه فضرب عنقه و قتل إسماعيل بن هبار بن الأسود ليلا و كان ادعى حيلة فخرج مصرخا لمن استصرخه فقتل فاتهم به مصعب بن عبد الله بن عبد الرحمن فأحلفه معاوية خمسين يمينا و خلى سبيله فقال الشاعر:
و لا أجيب بليل داعيا أبدا |
أخشى الغرور كما غر ابن هبار |
|
باتوا يجرونه في الحش منعقرا |
بئس الهدية لابن العم و الجار |
و قتل عبد الرحمن بن العوام بن خويلد في خلافة عمر بن الخطاب في بعض المغازي و قتل ابنه عبد الرحمن يوم الدار مع عثمان فعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام بن خويلد قتيل ابن قتيل ابن قتيل ابن قتيل أربعة و من قتلاهم عيسى بن مصعب بن الزبير قتل بين يدي أبيه بمسكن في حرب عبد الملك و كان مصعب يكنى أبا عيسى و أبا عبد الله و فيه يقول الشاعر:
لتبك أبا عيسى و عيسى كلاهما |
موالي قريش كهلها و صميمها |
و منهم مصعب بن عكاشة بن مصعب بن الزبير قتل يوم قديد في حرب الخوارج و قد ذكره الشاعر فقال
قمن فاندبن رجالا قتلوا |
بقديد و لنقصان العدد |
|
ثم لا تعدلن فيها مصعبا |
حين يبكى من قتيل بأحد |
|
إنه قد كان فيها باسلا |
صارما يقدم إقدام الأسد |
و منهم خالد بن عثمان بن خالد بن الزبير خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فقتله أبو جعفر و صلبه و منهم عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير قتل بقديد أيضا و سمي عتيقا باسم جده أبي بكر الصديق.
قلت هذا أيضا من تحامل أبي عثمان هلا ذكر قتلى الطف و هم عشرون سيدا من بيت واحد قتلوا في ساعة واحدة و هذا ما لم يقع مثله في الدنيا لا في العرب و لا في العجم.و لما قتل حذيفة بن بدر يوم الهباءة و قتل معه ثلاثة أو أربعة من أهل بيته ضربت العرب بذلك الأمثال و استعظموه فجاء يوم الطف جرى الوادي فطم على القري.و هلا عدد القتلى من آل أبي طالب فإنهم إذا عدوا إلى أيام أبي عثمان كانوا عددا كثيرا أضعاف ما ذكره من قتلى الأسديين قال أبو عثمان و إن كان الفخر و الفضل في الجود و السماح فمن مثل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و من مثل عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب.و قد اعترضت الأموية هذا الموضع فقالت إنما كان عبد الله بن جعفر يهب ما كان معاوية و يزيد يهبان له فمن فضل جودنا جاد.قالوا و معاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف درهم و ابنه أول من ضاعف ذلك فإنه كان يجيز الحسن و الحسين ابني علي ع في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم و كذلك كان يجيز عبد الله بن العباس و عبد الله بن جعفر فلما مات و قام يزيد وفد عليه عبد الله بن جعفر فقال له إن أمير المؤمنين معاوية كان يصل رحمي في كل سنة بألف ألف درهم قال فلك ألفا ألف درهم فقال بأبي أنت و أمي أما إني ما قلتها لابن أنثى قبلك قال فلك أربعة آلاف ألف درهم.و هذا الاعتراض ساقط لأن ذلك إن صح لم يعد جودا و لا جائزة و لا صلة رحم هؤلاء
قوم كان يخافهم على ملكه و يعرف حقهم فيه و موقعهم من قلوب الأمة فكان يدبر في ذلك تدبيرا و يريع أمورا و يصانع عن دولته و ملكه و نحن لم نعد قط ما أعطى خلفاء بني هاشم قوادهم و كتابهم و بني عمهم جودا فقد وهب المأمون للحسن بن سهل غلة عشرة آلاف ألف فما عد ذلك منه مكرمة و كذلك كل ما يكون داخلا في باب التجارة و استمالة القلوب و تدبير الدولة و إنما يكون الجود ما يدفعه الملوك في الوفود و الخطباء و الشعراء و الأشراف و الأدباء و السمار و نحوهم و لو لا ذلك لكان الخليفة إذا وفى الجند أعطياتهم احتسب ذلك في جوده فالعمالات شيء و الإعطاء على دفع المكروه شيء و التفضل و الجود شيء ثم إن الذين أعطاهم معاوية و يزيد هو بعض حقهم و الذي فضل عليهما أكثر مما خرج منهما.و إن أريد الموازنة بين ملوك بني العباس و ملوك بني أمية في العطاء افتضح بنو أمية و ناصروهم فضيحة ظاهرة فإن نساء خلفاء بني عباس أكثر معروفا من رجال بني أمية و لو ذكرت معروف أم جعفر وحدها لأتى ذلك على جميع صنائع بني مروان و ذلك معروف و لو ذكر معروف الخيزران و سلسبيل لملئت الطوامير الكثيرة به و ما نظن خالصة مولاتهم إلا فوق أجواد أجوادهم و إن شئت أن تذكر مواليهم و كتابهم فاذكر عيسى بن ماهان و ابنه عليا و خالد بن برمك و ابنه يحيى و ابنه جعفرا و الفضل و كاتبهم منصور بن زياد و محمد بن منصور و فتى العسكر فإنك تجد لكل واحد من هؤلاء ما يحيط بجميع صنائع بني عبد شمس.فأما ملوك الأموية فليس منهم إلا من كان يبخل على الطعام و كان جعفر بن سليمان كثيرا ما يذكر ذلك و كان معاوية يبغض الرجل النهم على مائدته و كان
المنصور إذا ذكرهم يقول كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع و كان الوليد مجنونا و كان سليمان همه بطنه و فرجه و كان عمر أعور بين عميان و كان هشام رجل القوم و كان لا يذكر ابن عاتكة و لقد كان هشام مع ما استثناه به يقول هو الأحول السراق ما زال يدخل إعطاء الجند شهرا في شهر و شهرا في شهر حتى أخذ لنفسه مقدار رزق سنة و أنشده أبو النجم العجلي أرجوزته التي أولها
ألحد لله الوهوب المجزل
فما زال يصفق بيديه استحسانا لها حتى صار إلى ذكر الشمس فقال
و الشمس في الأفق كعين الأحول
فأمر بوجء عنقه و إخراجه و هذا ضعف شديد و جهل عظيم.و قال خاله إبراهيم بن هشام المخزومي ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين حدا به الحادي مرة فقال:
إن عليك أيها البختي |
أكرم من تمشي به المطي |
فقال صدقت و قال مرة و الله لأشكون سليمان يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك و هذا ضعف شديد و جهل مفرط.و قال أبو عثمان و كان هشام يقول و الله إني لأستحيي أن أعطي رجلا أكثر من أربعة آلاف درهم ثم أعطى عبد الله بن الحسن أربعة آلاف دينار فاعتدها في جوده و توسعه و إنما اشترى بها ملكه و حصن بها عن نفسه و ما في يديه قال له أخوه مسلمة أ تطمع أن تلي الخلافة و أنت بخيل جبان فقال و لكني حليم عفيف فاعترف بالجبن و البخل و هل تقوم الخلافة مع واحد منهما و إن قامت فلا تقوم إلا مع الخطر العظيم و التغرير الشديد و لو سلمت من الفساد لم تسلم من العيب.
و لقد قدم المنصور عليهم عمر بن عبد العزيز بقوله أعور بين عميان و زعمتم أنه كان ناسكا ورعا تقيا فكيف و قد جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير مائة جلدة و صب على رأسه جرة من ماء بارد في يوم شات حتى كز فمات فما أقر بدمه و لا خرج إلى وليه من حقه و لا أعطى عقلا و لا قودا و لا كان خبيب ممن أتت عليه حدود الله و أحكامه و قصاصه فيقال كان مطيعا بإقامتها و أنه أزهق الحد نفسه و احتسبوا الضرب كان أدبا و تعزيرا فما عذره في الماء البارد في الشتاء على أثر جلد شديد و لقد بلغه أن سليمان بن عبد الملك يوصي فجاء حتى جلس على طريق من يجلس عنده أو يدخل إليه فقال رجاء بن حيوة في بعض من يدخل و من يخرج نشدتك الله أن تذكرني لهذا الأمر أو تشير بي في هذا الشأن فو الله ما لي عليه من طاقة فقال له رجاء قاتلك الله ما أحرصك عليها.و لما جاء الوليد بن عبد الملك بنعي الحجاج قال له الوليد مات الحجاج يا أبا حفص فقال و هل كان الحجاج إلا رجلا منا أهل البيت و قال في خلافته لو لا بيعة في أعناق الناس ليزيد بن عاتكة لجعلت هذا الأمر شورى بين صاحب الأعوص إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد الأشدق و بين أحمس قريش القاسم بن محمد بن أبي بكر و بين سالم بن عبد الله بن عمر فما كان عليه من الضرر و الحرج و ما كان عليه من الوكف و النقص أن لو قال بين علي بن العباس و علي بن الحسين بن علي و على أنه لم يرد التيمي و لا العدوي و إنما دبر الأمر للأموي و لم يكن عنده أحد من هاشم يصلح للشورى ثم دبر الأمر ليبايع لأخيه أبي بكر بن عبد العزيز من بعده حتى عوجل بالسم.و قدم عليه عبد الله بن حسن بن حسن فلما رأى كماله و بيانه و عرف نسبه و مركبه
و موضعه و كيف ذلك من قلوب المسلمين و في صدور المؤمنين لم يدعه يبيت بالشام ليلة واحدة و قال له الحق بأهلك فإنك لم تغنهم شيئا هو أنفس منك و لا أرد عليهم من حياتك أخاف عليك طواعين الشام و ستلحقك الحوائج على ما تشتهي و تحب.و إنما كره أن يروه و يسمعوا كلامه فلعله يبذر في قلوبهم بذرا و يغرس في صدورهم غرسا و كان أعظم خلق قولا بالجبر حتى يتجاوز الجهمية و يربي على كل ذي غاية صاحب شنعة و كان يصنع ذلك الكتب مع جهله بالكلام و قلة اختلافه إلى أهل النظر و قال له شوذب الخارجي لم لا تلعن رهطك و تذكر أباك إن كانوا عندك ظلمة فجرة فقال عمر متى عهدك بلعن فرعون قال ما لي به عهد قال أ فيسعك أن تمسك عن لعن فرعون و لا يسعني أن أمسك عن لعن آبائي فرأى أنه قد خصمه و قطع حجته و كذلك يظنه كل من قصر عن مقدار العالم و جاوز مقدار الجاهل و أي شبه لفرعون بآل مروان و آل أبي سفيان هؤلاء قوم لهم حزب و شيعة و ناس كثير يدينون بتفضيلهم و قد اعتورتهم الشبه في أمرهم و فرعون على خلاف ذلك و ضده لا شيعة له و لا حزب و لا نسل و لا موالي و لا صنائع و لا في أمره شبهة ثم إن عمر ظنين في أمر أهله فيحتاج إلى غسل ذلك عنه بالبراءة منهم و شوذب ليس بظنين في أمر فرعون و ليس الإمساك عن لعن فرعون و البراءة منه مما يعرفه الخوارج فكيف استويا عنده.و شكا إليه رجل من رهطه دينا فادحا و عيالا كثيرا فاعتل عليه فقال له فهلا اعتللت على عبد الله بن الحسن قال و متى شاورتك في أمري قال أو مشيرا
تراني قال أو هل أعطيته إلا بعض حقه قال و لم قصرت عن كله فأمر بإخراجه و ما زال إلى أن مات محروما منه.و كان عمال أهله على البلاد عماله و أصحابه و الذي حسن أمره و شبه على الأغنياء حاله أنه قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين و سنن النبي ص و كان الناس قبله من الظلم و الجور و التهاون بالإسلام في أمر صغر في جنبه عاينوا منه و ألفوه عليه فجعلوه بما نقص من تلك الأمور الفظيعة في عداد الأئمة الراشدين و حسبك من ذلك أنهم كانوا يلعنون عليا ع على منابرهم فلما نهى عمر عن ذلك عد محسنا و يشهد لذلك قول كثير فيه:
و ليت فلم تشتم عليا و لم تخف |
بريا و لم تتبع مقالة مجرم |
و هذا الشعر يدل على أن شتم علي ع قد كان لهم عادة حتى مدح من كف عنه و لما ولي خالد بن عبد الله القسري مكة و كان إذا خطب بها لعن عليا و الحسن و الحسين ع قال عبيد الله بن كثير السهمي:
لعن الله من يسب عليا |
و حسينا من سوقة و إمام |
|
أ يسب المطهرون جدودا |
و الكرام الآباء و الأعمام |
|
يأمن الطير و الحمام و لا يأمن |
آل الرسول عند المقام |
|
طبت بيتا و طاب أهلك أهلا |
أهل بيت النبي و الإسلام |
|
رحمة الله و السلام عليهم |
كلما قام قائم بسلام |
و قام عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان و كان ممن يناله بزعمهم إلى هشام بن عبد الملك و هو يخطب على المنبر بعرفة فقال يا أمير المؤمنين هذا يوم كانت
الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب فقال هشام ليس لهذا جئنا أ لا ترى أن ذلك يدل على أنه قد كان لعنه فيهم فاشيا ظاهرا و كان عبد الله بن الوليد هذا يلعن عليا ع و يقول قتل جدي جميعا الزبير و عثمان.و قال المغيرة و هو عامل معاوية يومئذ لصعصعة بن صوحان قم فالعن عليا فقام فقال إن أميركم هذا أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله و هو يضمر المغيرة.و أما عبد الملك فحسبك من جهله تبديله شرائع الدين و الإسلام و هو يريد أن يلي أمور أصحابها بذلك الدين بعينه و حسبك من جهله أنه رأى من أبلغ التدبير في منع بنى هاشم الخلافة أن يلعن علي بن أبي طالب ع على منابره و يرمي بالفجور في مجالسه و هذا قرة عين عدوه و عير وليه و حسبك من جهله قيامه على منبر الخلافة قائلا إني و الله ما أنا بالخليفة المستضعف و لا بالخليفة المداهن و لا بالخليفة المأفون و هؤلاء سلفه و أئمته و بشفعتهم قام ذلك المقام و بتقدمهم و تأسيسهم نال تلك الرئاسة و لو لا العادة المتقدمة و الأجناد المجندة و الصنائع القائمة لكان أبعد خلق الله من ذلك المقام و أقربهم إلى المهلكة إن رام ذلك الشرف و عنى بالمستضعف عثمان و بالمداهن معاوية و بالمأفون يزيد بن معاوية و هذا الكلام نقض لسلطانه و عداوة لأهله و إفساد لقلوب شيعته و لو لم يكن من عجز رأيه إلا أنه لم يقدر على إظهار قوته إلا بأن يظهر عجز أئمته لكفاك ذلك منه فهذا ما ذكرته هاشم لأنفسها
قالت أمية لنا من نوادر الرجال في العقل و الدهاء و الأدب و المكر ما ليس لأحد
و لنا من الأجواد و أصحاب الصنائع ما ليس لأحد زعم الناس أن الدهاة أربعة معاوية بن أبي سفيان و زياد و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة فمنا رجلان و من سائر الناس رجلان و لنا في الأجواد سعيد بن العاص و عبد الله بن عامر لم يوجد لهما نظير إلى الساعة و أما نوادر الرجال في الرأي و التدبير فأبو سفيان بن حرب و عبد الملك بن مروان و مسلمة بن عبد الملك و على أنهم يعدون في الحلماء و الرؤساء فأهل الحجاز يضربون المثل في الحلم بمعاوية كما يضرب أهل العراق المثل فيه بالأحنف.فأما الفتوح و التدبير في الحرب فلمعاوية غير مدافع و كان خطيبا مصقعا و مجربا مظفرا و كان يجيد قول الشعر إذا آثر أن يقوله و كان عبد الملك خطيبا حازما مجربا مظفرا و كان مسلمة شجاعا مدبرا و سائسا مقدما و كثير الفتوح كثير الأدب و كان يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا و كان الوليد بن يزيد خطيبا شاعرا و كان مروان بن الحكم و عبد الرحمن بن الحكم شاعرين و كان بشر بن مروان شاعرا ناسبا و أديبا عالما و كان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا جيد الرأي أديبا كثير الأدب حكيما و كان أول من أعطى التراجمة و الفلاسفة و قرب أهل الحكمة و رؤساء أهل كل صناعة و ترجم كتب النجوم و الطب و الكيمياء و الحروب و الآداب و الآلات و الصناعات.قالوا و إن ذكرت البأس و الشجاعة فالعباس بن الوليد بن عبد الملك و مروان بن محمد و أبوه محمد بن مروان بن الحكم و هو صاحب مصعب و هؤلاء قوم لهم آثار بالروم لا تجهل و آثار بإرمينية لا تنكر و لهم يوم العقر شهده مسلمة و العباس بن الوليد.قالوا و لنا الفتوح العظام و لنا فارس و خراسان و إرمينية و سجستان و إفريقية و جميع فتوح عثمان فأما فتوح بني مروان فأكثر و أعم و أشهر من أن
تحتاج إلى عدد أو إلى شاهد و الذين بلغوا في ذلك الزمان أقصى ما يمكن صاحب خف و حافر أن يبلغه حتى لم يحتجز منهم إلا ببحر أو خليج بحر أو غياض أو عقاب أو حصون و صياصي ثلاثة رجال قتيبة بن مسلم بخراسان و موسى بن نصير بإفريقية و القاسم بن محمد بن القاسم الثقفي بالسند و الهند و هؤلاء كلهم عمالنا و صنائعنا و يقال إن البصرة كانت صنائع ثلاثة رجال عبد الله بن عامر و زياد و الحجاج فرجلان من أنفسنا و الثالث صنيعنا.قالوا و لنا في الأجواد و أهل الأقدار بنو عبد الله بن خالد بن أسيد بن أمية و أخوه خالد و في خالد يقول الشاعر:
إلى خالد حتى أنخنا بخالد |
فنعم الفتى يرجى و نعم المؤمل |
و لنا سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد و هو عقيد الندى كان يسبت ستة أشهر و يفيق ستة أشهر و يرى كحيلا من غير اكتحال و دهينا من غير تدهين و له يقول موسى شهوات:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد |
أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد |
|
و لكنني أعني ابن عائشة الذي |
أبو أبويه خالد بن أسيد |
|
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى |
فإن مات لم يرض الندى بعقيد |
قالوا و إنما تمكن فينا الشعر و جاد ليس من قبل أن الذين مدحونا ما كانوا غير من مدح الناس و لكن لما وجدوا فينا مما يتسع لأجله القول و يصدق فيه القائل قد مدح عبد الله بن قيس الرقيات من الناس آل الزبير عبد الله و مصعبا و غيرهما فكان يقول كما يقول غيره فلما صار إلينا قال:
ما نقموا من بني أمية إلا |
أنهم يحلمون أن غضبوا |
و أنهم معدن الملوك فما |
تصلح إلا عليهم العرب |
و قال نصيب:
من النفر الشم الذين إذا انتجوا |
أقرت لنجواهم لؤي بن غالب |
|
يحيون بسامين طورا و تارة |
يحيون عباسين شوس الحواجب |
و قال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم |
و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا |
قالوا و فينا يقول شاعركم و المتشيع لكم الكميت بن زيد:
فالآن صرت إلى أمية |
و الأمور لها مصائر |
و في معاوية يقول أبو الجهم العدوي:
نقلبه لنخبر حالتيه |
فنخبر منهما كرما و لينا |
|
نميل على جوانبه كأنا |
إذا ملنا نميل على أبينا |
و فيه يقول:
تريع إليه هوادي الكلام |
إذا ضل خطبته المهذر |
قالوا و إذا نظرتم في امتداح الشعراء عبد العزيز بن مروان عرفتم صدق ما نقوله.قالوا و في إرسال النبي ص إلى أهل مكة عثمان و استعماله عليها عتاب بن أسيد و هو ابن اثنتين و عشرين سنة دليل على موضع المنعة أن تهاب العرب و تعز قريش و قال النبي ص قبل الفتح فتيان أضن بهما على النار عتاب بن أسيد و جبير بن مطعم فولى عتابا و ترك جبير بن مطعم.
و قال الشعبي لو ولد لي مائة ابن لسميتهم كلهم عبد الرحمن للذي رأيت في قريش من أصحاب هذا الاسم ثم عد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص فأما عبد الرحمن بن عتاب فإنه صاحب الخيل يوم الجمل و هو صاحب الكف و الخاتم و هو الذي مر به علي و هو قتيل فقال لهفي عليك يعسوب قريش هذا اللباب المحض من بني عبد مناف فقال له قائل لشد ما أتيته اليوم يا أمير المؤمنين قال إنه قام عني و عنه نسوة لم يقمن عنك.قالوا و لنا من الخطباء معاوية بن أبي سفيان أخطب الناس قائما و قاعدا و على منبر و في خطبة نكاح و قال عمر بن الخطاب ما يتصعدني شيء من الكلام كما يتصعدني خطبة النكاح و قد يكون خطيبا من ليس عنده في حديثه و وصفه للشيء احتجاجه في الأمر لسان بارع و كان معاوية يجري مع ذلك كله.قالوا و من خطبائنا يزيد بن معاوية كان أعرابي اللسان بدوي اللهجة قال معاوية و خطب عنده خطيب فأجاد لأرمينه بالخطيب الأشدق يريد يزيد بن معاوية.و من خطبائنا سعيد بن العاص لم يوجد كتحبيره تحبير و لا كارتجاله ارتجال.و منا عمرو بن سعيد الأشدق لقب بذلك لأنه حيث دخل على معاوية و هو غلام بعد وفاة أبيه فسمع كلامه فقال إن ابن سعيد هذا الأشدق.و قال له معاوية إلى من أوصى بك أبوك قال إن أبي أوصى إلي و لم يوص بي قال فبم أوصى إليك قال ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.قالوا و منا سعيد بن عمرو بن سعيد خطيب ابن خطيب ابن خطيب تكلم الناس عند عبد الملك قياما و تكلم قاعدا قال عبد الملك فتكلم و أنا و الله أحب عثرته و إسكاته فأحسن حتى استنطقته و استزدته و كان عبد الملك خطيبا خطب
الناس مرة فقال ما أنصفتمونا معشر رعيتنا طلبتم منا أن نسير فيكم و في أنفسنا سيرة أبي بكر و عمر في أنفسهما و رعيتهما و لم تسيروا فينا و لا في أنفسكم سيرة رعية أبي بكر و عمر فيهما و في أنفسهما و لكل من النصفة نصيب قالوا فكانت خطبته نافعة.قالوا و لنا زياد و عبيد الله بن زياد و كانا غنيين في صحة المعاني و جودة اللفظ و لهما كلام كثير محفوظ قالوا و من خطبائنا سليمان بن عبد الملك و الوليد بن يزيد بن عبد الملك.و من خطبائنا و نساكنا يزيد بن الوليد الناقص قال عيسى بن حاضر قلت لعمرو بن عبيد ما قولك في عمر بن عبد العزيز فكلح ثم صرف وجهه عني قلت فما قولك في يزيد الناقص فقال أو الكامل قال بالعدل و عمل بالعدل و بذل نفسه و قتل ابن عمه في طاعة ربه و كان نكالا لأهله و نقص من أعطياتهم ما زادته الجبابرة و أظهر البراءة من آبائه و جعل في عهده شرطا و لم يجعله جزما لا و الله لكأنه ينطق عن لسان أبي سعيد يريد الحسن البصري قال و كان الحسن من أنطق الناس.قالوا و قد قرئ في الكتب القديمة يا مبذر الكنوز يا ساجدا بالأسحار كانت ولايتك رحمة بهم و حجة عليهم قالوا هو يزيد بن الوليد.و من خطبائنا ثم من ولد سعيد بن العاص عمرو بن خولة كان ناسبا فصيحا خطيبا.و قال ابن عائشة الأكبر ما شهد خطيبا قط إلا و لجلج هيبة له و معرفة بانتقاده.و من خطبائنا عبد الله بن عامر و عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر و كانا من أكرم الناس و أبين الناس كان مسلمة بن عبد الملك يقول إني لأنحي كور عمامتي على أذني لأسمع كلام عبد الأعلى.
و كانوا يقولون أشبه قريش نعمة و جهارة و اقتدارا و بيانا بعمرو بن سعيد عبد الأعلى بن عبد الله.قالوا و من خطبائنا و رجالنا الوليد بن عبد الملك و هو الذي كان يقال له فحل بني مروان كان يركب معه ستون رجلا لصلبه.و من ذوي آدابنا و علمائنا و أصحاب الأخبار و رواية الأشعار و الأنساب بشر بن مروان أمير العراق.قالوا و نحن أكثر نساكا منكم منا معاوية بن يزيد بن معاوية و هو الذي قيل له في مرضه الذي مات فيه لو أقمت للناس ولي عهد قال و من جعل لي هذا العهد في أعناق الناس و الله لو لا خوفي الفتنة لما أقمت عليها طرفة عين و الله لا أذهب بمرارتها و تذهبون بحلاوتها فقالت له أمه لوددت أنك حيضة قال أنا و الله وددت ذلك.قالوا و منا سليمان بن عبد الملك الذي هدم الديماس و رد المسيرين و أخرج المسجونين و ترك القريب و اختار عمر بن عبد العزيز و كان سليمان جوادا خطيبا جميلا صاحب سلامة و دعة و حب للعافية و قرب من الناس حتى سمي المهدي و قيلت الأشعار في ذلك.قالوا و لنا عمر بن عبد العزيز شبه عمر بن الخطاب قد ولده عمر و باسمه سمي و هو أشج قريش المذكور في الآثار المنقولة في الكتب العدل في أشد الزمان و ظلف نفسه بعد اعتياد النعم حتى صار مثلا و مفخرا و قيل للحسن أ ما رويت
أن رسول الله ص قال لا يزداد الزمان إلا شدة و الناس إلا شحا و لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق قال بلى قيل فما بال عمر بن عبد العزيز و عدله
و سيرته فقال لا بد للناس من متنفس و كان مذكورا مع الخطباء و مع النساك و مع الفقهاء قالوا و لنا ابنه عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز كان ناسكا زكيا طاهرا و كان من أتقى الناس و أحسنهم معونة لأبيه و كان كثيرا ما يعظ أباه و ينهاه.قالوا و لنا من لا نظير له في جميع أموره و هو صاحب الأعوص إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص و هو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز لو كان إلي من الأمر شيء لجعلتها شورى بين القاسم بن محمد و سالم بن عبد الله و صاحب الأعوص.قالوا و من نساكنا أبو حراب من بني أمية الصغرى أ داود بن علي و من نساكنا يزيد بن محمد بن مروان كان لا يهدب ثوبا و لا يصبغه و لا يتخلق بخلوق و لا اختار طعاما على طعام ما أطعم أكله و كان يكره التكلف و ينهى عنه.قالوا و من نساكنا أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان أراد عمر أخوه أن يجعله ولي عهده لما رأى من فضله و زهده فسما فيهما جميعا.و من نساكنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان كان يصلي كل يوم ألف ركعة و كان كثير الصدقة و كان إذا تصدق بصدقة قال اللهم إن هذا لوجهك فخفف عني الموت فانطلق حاجا ثم تصبح بالنوم فذهبوا ينبهونه للرحيل فوجدوه ميتا فأقاموا عليه المأتم بالمدينة و جاء أشعب فدخل إلى المأتم و على رأسه كبة من طين فالتدم مع النساء و كان إليه محسنا.و من نساكنا عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
قالوا فنحن نعد من الصلاح و الفضل ما سمعتموه و ما لم نذكره أكثر و أنتم تقولون أمية هي الشجرة الملعونة في القرآن و زعمتم أن الشجرة الخبيثة لا تثمر الطيب كما أن الطيب لا يثمر الخبيث فإن كان الأمر كما تقولون فعثمان بن عفان ثمرة خبيثة.و ينبغي أن يكون النبي ص دفع ابنتيه إلى خبيث و كذلك يزيد بن أبي سفيان صاحب مقدمة أبي بكر الصديق على جيوش الشام و ينبغي لأبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ص أن يكون كذلك و ينبغي لمحمد بن عبد الله المدبج أن يكون كذلك و إن ولدته فاطمة ع لأنه من بني أمية و كذلك عبد الله بن عثمان بن عفان سبط رسول الله ص الذي مات بعد أن شدن و نقر الديك عينه فمات لأنه من بني أمية و كذلك ينبغي أن يكون عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية و إن كان النبي ص ولاه مكة أم القرى و قبلة الإسلام مع
قوله ع فتيان أضن بهما عن النار عتاب ابن أسيد و جبير بن مطعم و كذلك ينبغي أن يكون عمر بن عبد العزيز شبيه عمر بن الخطاب كذلك و كذلك معاوية بن يزيد بن معاوية و كذلك يزيد الناقص و ينبغي ألا يكون النبي ص عد عثمان في العشرة الذين بشرهم بالجنة و ينبغي أن يكون خالد بن سعيد بن العاص شهيد يوم مرج الصفر و الحبيس في سبيل الله و والي النبي ص على اليمن و والي أبي بكر على جميع أجناد الشام و رابع أربعة في الإسلام و المهاجر إلى أرض الحبشة كذلك و كذلك أبان بن سعيد بن العاص المهاجر إلى المدينة و القديم في الإسلام و الحبيس على الجهاد و يجب أن يكون ملعونا خبيثا و كذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة و هو بدري من المهاجرين الأولين و كذلك أمامة بنت أبي العاص بن الربيع و أمها زينب بنت
رسول الله ص و كذلك أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و كان النبي ص يخرجها من المغازي و يضرب لها بسهم و يصافحها و كذلك فاطمة بنت أبي معيط و هي من مهاجرة الحبشة.قالوا و مما نفخر به و ليس لبني هاشم مثله إن منا رجلا ولي أربعين سنة منها عشرون سنة خليفة و هو معاوية بن أبي سفيان و لنا أربعة إخوة خلفاء الوليد و سليمان و هشام بنو عبد الملك و ليس لكم و يزيد إلا ثلاثة إخوة محمد و عبد الله و أبي إسحاق أولاد هارون.قالوا و منا رجل ولد سبعة من الخلفاء و هو عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان أبوه يزيد بن عاتكة خليفة و جده عبد الملك خليفة و أبو جده مروان الحكم خليفة و جده من قبل عاتكة ابنة يزيد بن معاوية أبوها يزيد بن معاوية و هو خليفة و معاوية بن أبي سفيان و هو خليفة فهؤلاء خمسة و أم عبد الله هذا عاتكة بنت عبد الله بن عثمان بن عفان و حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب فهذان خليفتان فهذه سبعة من الخلفاء ولدوا هذا الرجل.قالوا و منا امرأة أبوها خليفة و جدها خليفة و ابنها خليفة و أخوها خليفة و بعلها خليفة فهؤلاء خمسة و هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أبوها يزيد بن معاوية خليفة و جدها معاوية بن أبي سفيان خليفة و ابنها يزيد بن عبد الملك بن مروان خليفة و أخوها معاوية بن يزيد خليفة و بعلها عبد الملك بن مروان خليفة.قالوا و من ولد المدبج محمد بن عبد الله الأصغر امرأة ولدها النبي ص و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و هي عائشة بنت محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان و أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير و أم عروة أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق و أم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان و هو
المدبج فاطمة بنت الحسين بن علي ع و أم الحسين بن علي ع فاطمة بنت رسول الله ص و أم فاطمة بنت الحسين بن علي ع أم إسحاق بنت طلحة بن عبد الله و أم عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ابنة عبد الله بن عمر بن الخطاب.قالوا و لنا في الجمال و الحسن ما ليس لكم منا المدبج و الديباج قيل ذلك لجماله.و منا المطرف و منا الأرجوان فالمطرف و هو عبد الله بن عمرو بن عثمان سمي المطرف لجماله و فيه يقول الفرزدق:
نما الفاروق أنك و ابن أروى |
أبوك فأنت منصدع النهار |
و المدبج هو الديباج كان أطول الناس قياما في الصلاة و هلك في سجن المنصور.قالوا و منا ابن الخلائف الأربعة دعي بذلك و شهر به و هو المؤمل بن العباس بن الوليد بن عبد الملك كان هو و أخوه الحارث ابني العباس بن الوليد من الفجاءة بنت قطري بن الفجاءة إمام الخوارج و كانت سبيت فوقعت إليه فلما قام عمر بن عبد العزيز أتت وجوه بني مازن و فيهم حاجب بن ذبيان المازني الشاعر فقال حاجب:
أتيناك زوارا و وفدا إلى التي |
أضاءت فلا يخفى على الناس نورها |
|
أبوها عميد الحي جمعا و أمها |
من الحنظليات الكرام حجورها |
|
فإن تك صارت حين صارت فإنها |
إلى نسب زاك كرام نفيرها |
فبعث عمر بن عبد العزيز إلى العباس بن الوليد إما أن تردها إلى أهلها و إما أن تزوجها فقال قائل ذات يوم للمؤمل يا ابن الخلائف الأربعة قال ويلك من الرابع
قال قطري فأما الثلاثة فالوليد و عبد الملك و مروان و أما قطري فبويع بالخلافة و فيه يقول الشاعر
و أبو نعامة سيد الكفار
قالوا و من أين صار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أحق بالدعوة و الخلافة من سائر إخوته و من أين كان له أن يضعها في بيته دون إخوته و كيف صار بنو الأخ أحق بها من الأعمام.و قالوا إن يكن هذا الأمر إنما يستحق بالميراث فالأقرب إلى العباس أحق و إن كان بالسن و التجربة فالعمومة بذلك أولى.قالوا فقد ذكرنا جملا من حال رجالنا في الإسلام و أما الجاهلية فلنا الأعياص و العنابس.و لنا ذو العصابة أبو أحيحة سعيد بن العاص كان إذا اعتم لم يعتم بمكة أحد و لنا حرب بن أمية رئيس يوم الفجار و لنا أبو سفيان بن حرب رئيس أحد و الخندق و سيد قريش كلها في زمانه.و قال أبو الجهم بن حذيفة العدوي لعمر حين رأى العباس و أبا سفيان على فراشه دون الناس ما نرانا نستريح من بني عبد مناف على حال قال عمر بئس أخو العشيرة أنت هذا عم رسول الله ص و هذا سيد قريش.
قالوا و لنا عتبة بن ربيعة ساد مملقا و لا يكون السيد إلا مترفا لو لا ما رأوا عنده من البراعة و النبل و الكمال و هو الذي لما تحاكمت بجيلة و كلب في منافرة جرير و الفرافصة و تراهنوا بسوق عكاظ و صنعوا الرهن على يده دون جميع من شهد على ذلك المشهد و قال رسول الله ص و نظر إلى قريش مقبلة يوم بدر إن يكن منهم عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر و ما ظنك بشيخ طلبوا له من جميع العسكر عند المبارزة بيضة فلم يقدروا على بيضة يدخل رأسه فيها و قد قال الشاعر
و إنا أناس يملأ البيض هامنا
قالوا و أمية الأكبر صنفان الأعياص و العنابس قال الشاعر:
من الأعياص أو من آل حرب |
أغر كغرة الفرس الجواد |
سموا بذلك في حرب الفجار حين حفروا لأرجلهم الحفائر و ثبتوا فيها و قالوا نموت جميعا أو نظفر و إنما سموا بالعنابس لأنها أسماء الأسود و إنما سموا الأعياص لأنها أسماء الأصول فالعنابس حرب و سفيان و أبو سفيان و عمرو و الأعياص العيص و أبو العيص و العاص و أبو العاص و أبو عمرو و لم يعقب من العنابس إلا حرب و ما عقب الأعياص إلا العيص و لذلك كان معاوية يشكو القلة.قالوا و ليس لبني هاشم و المطلب مثل هذه القسمة و لا مثل هذا اللقب المشهور و هذا ما قالته أمية عن نفسها
و نحن نذكر ما أجاب به أبو عثمان عن كلامهم و نضيف إليه من قبلنا أمورا لم يذكرها فنقول قالت هاشم أما ذكرتم من الدهاء و المكر فإن ذلك من أسماء فجار العقلاء و ليس من أسماء أهل الصواب في الرأي من العقلاء و الأبرار و قد بلغ أبو بكر و عمر من التدبير و صواب الرأي و الخبرة بالأمور العامة و ليس من أوصافهما و لا من أسمائهما أن يقال كانا داهيين و لا كانا مكيرين و ما عامل معاوية و عمرو بن العاص عليا ع قط بمعاملة إلا و كان علي ع أعلم بها منهما و لكن الرجل الذي يحارب و لا يستعمل إلا ما يجل له أقل مذاهب في وجوه الحيل و التدبير من الرجل الذي يستعمل ما يحل و ما لا يحل و كذلك من حدث و أخبر أ لا ترى أن الكذاب ليس لكذبه غاية و لا لما يولد و يصنع نهاية و الصدوق إنما يحدث عن شيء معروف و معنى محدود و يدل على ما قلنا أنكم عددتم أربعة في الدهاء و ليس واحد منهم عند المسلمين في طريق المتقين و لو كان الدهاء مرتبة و المكر منزلة لكان تقدم هؤلاء الجميع السابقين الأولين عيبا شديدا في السابقين الأولين و لو أن إنسانا أراد أن يمدح أبا بكر و عمر و عثمان و عليا ثم قال الدهاة أربعة و عدهم لكان قد قال قولا مرغوبا عنه لأن الدهاء و المكر ليس من صفات الصالحين و إن علموا من غامض الأمور ما يجهله جميع العقلاء أ لا ترى أنه قد يحسن أن يقال كان رسول الله ص أكرم الناس و أحلم الناس و أجود الناس و أشجع الناس و لا يجوز أن يقال كان أمكر الناس و أدهى الناس و إن علمنا أن علمه قد أحاط بكل مكر و خديعة و بكل أدب و مكيدة.و أما ما ذكرتم من جود سعيد بن العاص و عبد الله بن عامر فأين أنتم من عبد الله بن جعفر و عبيد الله بن العباس و الحسن بن علي و أين أنتم من جود خلفاء بني
العباس كمحمد المهدي و هارون و محمد بن زبيدة و عبد الله المأمون و جعفر المقتدر بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبني برمك و بني الفرات أعظم من جود الرجلين اللذين ذكرتموهما بل من جميع ما جاء به خلفاء بني أمية.و أما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك و لكن الوجه في هذا ألا يشتق للرجل اسم إلا من أشرف أعماله و أكرم أخلاقه و إلا أن يتبين بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك اسما يسمى و يصير معروفا به كما عرف الأحنف بالحلم و كما عرف حاتم بالجود و كذلك هرم قالوا هرم الجواد و لو قلتم كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس لقلنا و لعله يكون قد كان حليما و لكن ليس كل حلم يكون صاحبه به مذكورا و من إشكاله بائنا و إنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم فكيف من دونه لأن العرب تقول أحلم الحلمين ألا يتعرض ثم يحلم و لم يكن في الأرض رجل أكثر تعرضا من معاوية و التعرض هو السفه فإن ادعيتم أن الأخبار التي جاءت في تعرضه كلها باطلة فإن لقائل أن يقول و كل خبر رويتموه في حلمه باطل و لقد شهر الأحنف بالحلم و لكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحلم و يثلم في العرض و لا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب و لا عن الحسن بن علي بن أبي طالب لفظا فاحشا و لا كلمة ساقطة و لا حرفا واحدا مما يحكى عن الأحنف و معاوية.و كان المأمون أحلم الناس و كان عبد الله السفاح أحلم الناس و بعد فمن يستطيع أن يصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الأخلاق و الأفعال حتى يسميه بذلك و يخص به دون كل شيء فيه من الفضل و كيف و أخلاقهم متساوية و كلها في الغاية و لو أن رجلا كان أظهر الناس زهدا و أصدقهم للعدو لقاء و أصدق الناس لسانا
و أجود الناس كفا و أفصحهم منطقا و كان بكل ذلك مشهورا لمنع بعض ذلك من بعض و لما كان له اسم السيد المقدم و الكامل المعظم و لم يكن الجواد أغلب على اسمه و لا البيان و لا النجدة.و أما ما ذكرتم من الخطابة و الفصاحة و السؤدد و العلم بالأدب و النسب فقد علم الناس أن بني هاشم في الجملة أرق ألسنة من بني أمية كان أبو طالب و الزبير شاعرين و كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعرا و لم يكن من أولاد أمية بن عبد شمس لصلبه شاعر و لم يكن في أولاد أمية إلا أن تعدوا في الإسلام العرجي من ولد عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن الحكم فنعد نحن الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب و عبد الله بن معاوية بن جعفر و لنا من المتأخرين محمد بن الحسين بن موسى المعروف بالرضي و أخوه أبو القاسم و لنا الحماني و علي بن محمد صاحب الزنج و كان إبراهيم بن الحسن صاحب باخمرى أديبا شاعرا فاضلا و لنا محمد بن علي بن صالح الذي خرج في أيام المتوكل.قال أبو الفرج الأصفهاني كان من فتيان آل أبي طالب و فتاكهم و شجعانهم و ظرافهم و شعرائهم و إن عددتم الخطابة و البيان و الفصاحة لم تعدوا كعلي بن أبي طالب ع و لا كعبد الله بن العباس و لنا من الخطباء زيد بن علي بن الحسين و عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر و جعفر بن الحسين بن الحسن و داود بن علي بن عبد الله بن العباس و داود و سليمان ابنا جعفر بن سليمان.قالوا كان جعفر بن الحسين بن الحسن ينازع زيد بن علي بن الحسين في الوصية
و كان الناس يجتمعون ليستمعوا محاورتهما و كان سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي والي مكة فكان أهل مكة يقولون لم يرد علينا أمير إلا و سليمان أبين منه قاعدا و أخطب منه قائما و كان داود إذا خطب اسحنفر فلم يرده شيء.قالوا و لنا عبد الملك بن صالح بن علي كان خطيبا بليغا و سأله الرشيد و سليمان بن أبي جعفر و عيسى بن جعفر حاضران فقال له كيف رأيت أرض كذا قال مسافي ريح و منابت شيح قال فأرض كذا قال هضبات حمر و ربوات عفر حتى أتى على جميع ما سأله عنه فقال عيسى لسليمان و الله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام.قالوا و أما ما ذكرتم من نساك الملوك فلنا علي بن أبي طالب ع و بزهده و بدينه يضرب المثل و لنا محمد بن الواثق من خلفاء بني العباس و هو الملقب بالمهتدي كان يقول إني لآنف لبني العباس ألا يكون منهم مثل عمر بن عبد العزيز فكان مثله و فوقه و لنا القادر أبو العباس بن إسحاق بن المقتدر و لنا القائم عبد الله بن القادر كانا على قدم عظيمة من الزهد و الدين و النسك و إن عددتم النساك من غير الملوك فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين و أين أنتم عن علي بن عبد الله بن العباس و أين أنتم عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع الذي كان يقال له علي الخير و علي الأغر و علي العابد و ما أقسم على الله بشيء إلا و أبر قسمه و أين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد و أين أنتم عن علي بن محمد الرضا لابس الصوف طول عمره مع سعة أمواله و كثرة ضياعه و غلاته.
و أما ما ذكرتم من الفتوح فلنا الفتوح المعتصمية التي سارت بها الركبان و ضربت بها الأمثال و لنا فتوح الرشيد و لنا الآثار الشريفة في قتل بابك الخرمي بعد أن دامت فتنته في دار الإسلام نحو ثلاثين سنة و إن شئت أن تعد فتوح الطالبيين بإفريقية و مصر و ما ملكوه من مدن الروم و الفرنج و الجلالقة في سني ملكهم عددت الكثير الجم الذي يخرج عن الحصر و يحتاج إلى تاريخ مفرد يشتمل على جلود كثيرة.فأما الفقه و العلم و التفسير و التأويل فإن ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد و كان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب ع و عبد الله بن العباس و زيد بن علي و محمد بن علي ابني علي بن الحسين بن علي و جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه و فقهه و يقال إن أبا حنيفة من تلامذته و كذلك سفيان الثوري و حسبك بهما في هذا الباب و لذلك نسب سفيان إلى أنه زيدي المذهب و كذلك أبو حنيفة.و من مثل علي بن الحسين زين العابدين و قال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد وجدت علي بن الحسين و هو أفقه أهل المدينة يعول على أخبار الآحاد.و من مثل محمد بن الحنفية و ابنه أبي هاشم الذي قرر علوم التوحيد و العدل و قالت المعتزلة غلبنا الناس كلهم بأبي هاشم الأول و أبي هاشم الثاني.و إن ذكرتم النجدة و البسالة و الشجاعة فمن مثل علي بن أبي طالب ع و قد وقع اتفاق أوليائه و أعدائه على أنه أشجع البشر.و من مثل حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله و من مثل الحسين بن علي ع قالوا يوم الطف ما رأينا مكثورا قد أفرد من إخوته و أهله و أنصاره أشجع منه كان كالليث المحرب يحطم الفرسان حطما و ما ظنك برجل أبت نفسه الدنية و أن يعطي
بيده فقاتل حتى قتل هو و بنوه و إخوته و بنو عمه بعد بذل الأمان لهم و التوثقة بالأيمان المغلظة و هو الذي سن للعرب الإباء و اقتدى بعده أبناء الزبير و بنو المهلب و غيرهم.و من لكم مثل محمد و إبراهيم بن عبد الله و من لكم كزيد بن علي و قد علمتم كلمته التي قالها حيث خرج من عند هشام ما أحب الحياة إلا من ذل فلما بلغت هشاما قال خارج و رب الكعبة فخرج بالسيف و نهى عن المنكر و دعا إلى إقامة شعائر الله حتى قتل صابرا محتسبا.و قد بلغتكم شجاعة أبي إسحاق المعتصم و وقوفه في مشاهد الحرب بنفسه حتى فتح الفتوح الجليلة و بلغتكم شجاعة عبد الله بن علي و هو الذي أزال ملك بني مروان و شهد الحروب بنفسه و كذلك صالح بن علي و هو الذي اتبع مروان بن محمد إلى مصر حتى قتله.قالوا و إن كان الفضل و الفخر في تواضع الشريف و إنصاف السيد و سجاحة الخلق و لين الجانب للعشيرة و الموالي فليس لأحد من ذلك ما لبني العباس و لقد سألنا طارق بن المبارك و هو مولى لبني أمية و صنيعة من صنائعهم فقلنا أي القبيلتين أشد نخوة و أعظم كبرياء و جبرية أ بنو مروان أم بنو العباس فقال و الله لبنو مروان في غير دولتهم أعظم كبرياء من بني العباس في دولتهم و قد كان أدرك الدولتين و لذلك قال شاعرهم:
إذا نابه من عبد شمس رأيته |
يتيه فرشحه لكل عظيم |
و إن تاه تياه سواهم فإنما |
يتيه لنوك أو يتيه للوم |
و من كلامهم من لم يكن من بني أمية تياها فهو دعي قالوا و إن كان الكبر مفخرا يمدح به الرجال و يعد من خصال الشرف و الفضل فمولانا عمارة بن حمزة أعظم كبرا من كل أموي كان و يكون في الدنيا و أخباره في كبره و تيهه مشهورة متعالمة.قالوا و إن كان الشرف و الفخر في الجمال و في الكمال و في البسطة في الجسم و تمام القوام فمن كان كالعباس بن عبد المطلب.قالوا رأينا العباس يطوف بالبيت و كأنه فسطاط أبيض.و من مثل علي بن عبد الله بن العباس و ولده و كان كل واحد منهم إذا قام إلى جنب أبيه كان رأسه عند شحمة أذنه و كانوا من أطول الناس و إنك لتجد ميراث ذلك اليوم في أولادهم.ثم الذي رواه أصحاب الأخبار و حمال الآثار في عبد المطلب من التمام و القوام و الجمال و البهاء و ما كان من لقب هاشم بالقمر لجماله و لأنهم يستضيئون برأيه و كما رواه الناس أن عبد المطلب ولد عشرة كان الرجل منهم يأكل في المجلس الجذعة و يشرب الفرق و ترد آنفهم قبل شفاههم و إن عامر بن مالك لما رآهم يطوفون بالبيت كأنهم جمال جون قال بهؤلاء تمنع مكة و تشرف مكة.و قد سمعتم ما ذكره الناس من جمال السفاح و حسنه و كذلك المهدي و ابنه هارون الرشيد و ابنه محمد بن زبيدة و كذلك هارون الواثق و محمد المنتصر و الزبير المعتز.
قالوا ما رئي في العرب و لا في العجم أحسن صورة منه و كان المكتفي علي بن المعتضد بارع الجمال و لذلك قال الشاعر يضرب المثل به:
و الله لا كلمته و لو أنه |
كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي |
فجعله ثالث القمرين و كان الحسن بن علي ع أصبح الناس وجها كان يشبه برسول الله ص و كذلك عبد الله بن الحسن المحض.قالوا و لنا ثلاثة في عصر بنو عم كلهم يسمى عليا و كلهم كان يصلح للخلافة بالفقه و النسك و المركب و الرأي و التجربة و الحال الرفيعة بين الناس علي بن الحسين بن علي و علي بن عبد الله بن العباس و علي بن عبد الله بن جعفر كل هؤلاء كان تاما كاملا بارعا جامعا و كانت لبابة بنت عبد الله بن العباس عند علي بن عبد الله بن جعفر قالت ما رأيته ضاحكا قط و لا قاطبا و لا قال شيئا احتاج إلى أن يعتذر منه و لا ضرب عبدا قط و لا ملكه أكثر من سنة.قالوا و بعد هؤلاء ثلاثة بنو عم و هم بنو هؤلاء الثلاثة و كلهم يسمى محمدا كما أن كل واحد من أولئك يسمى عليا و كلهم يصلح للخلافة بكرم النسب و شرف الخصال محمد بن علي بن الحسين بن علي و محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر.قالوا كان محمد بن علي بن الحسين لا يسمع المبتلى الاستعاذة و كان ينهى الجارية و الغلام أن يقولا للمسكين يا سائل و هو سيد فقهاء الحجاز و منه و من ابنه جعفر تعلم الناس الفقه و هو الملقب بالباقر باقر العلم لقبه به رسول الله ص و لم يخلق بعد و بشر به و وعد جابر بن عبد الله برؤيته و قال ستراه طفلا فإذا رأيته فأبلغه عني السلام فعاش جابر حتى رآه و قال له ما وصى به.
و توعد خالد بن عبد الله القسري هشام بن عبد الملك في رسالة له إليه و قال و الله إني لأعرف رجلا حجازي الأصل شامي الدار عراقي الهوى يريد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.قالوا و أما ما ذكرتم من أمر عاتكة بنت يزيد بن معاوية فإنا نذكر فاطمة بنت رسول الله ص و هي سيدة نساء العالمين و أمها خديجة سيدة نساء العالمين و بعلها علي بن أبي طالب سيد المسلمين كافة و ابن عمها جعفر ذو الجناحين و ذو الهجرتين و ابناها الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و جدهما أبو طالب بن عبد المطلب أشد الناس عارضة و شكيمة و أجودهم رأيا و أشهمهم نفسا و أمنعهم لما وراء ظهره منع النبي ص من جميع قريش ثم بني هاشم و بني المطلب ثم منع بني إخوانه من بني أخواته من بني مخزوم الذين أسلموا و هو أحد الذين سادوا مع الإقلال و هو مع هذا شاعر خطيب و من يطيق أن يفاخر بني أبي طالب و أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم و هي أول هاشمية ولدت لهاشمي و هي التي ربي رسول الله في حجرها و كان يدعوها أمي و نزل في قبرها و كان يوجب حقها كما يوجب حق الأم من يستطيع أن يسامي رجالا ولدهم هاشم مرتين من قبل أبيهم و من قبل أمهم قالوا و من العجائب أنها ولدت أربعة كل منهم أسن من الآخر بعشر سنين طالب و عقيل و جعفر و علي.و من الذي يعد من قريش أو من غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاك فمنهم خلفاء و منهم مرشحون ابن ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة و هم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ع و هذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب و لا من بيوت العجم.
قالوا فإن فخرتم بأن منكم اثنتين من أمهات المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان و زينب بنت جحش و فزينب امرأة من بني أسد بن خزيمة ادعيتموه بالحلف لا بالولادة و فينا رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين محمد بن عبد الله بن الحسن المحض ولدته خديجة أم المؤمنين و أم سلمة أم المؤمنين و ولدته مع ذلك فاطمة بنت الحسين بن علي و فاطمة سيدة نساء العالمين ابنة رسول الله ص و فاطمة بنت أسد بن هاشم و كان يقال خير النساء الفواطم و العواتك و هن أمهاته.قالوا و نحن إذا ذكرنا إنسانا فقبل أن نعد من ولده نأتي به شريفا في نفسه مذكورا بما فيه دون ما في غيره قلتم لنا عاتكة بنت يزيد و عاتكة في نفسها كامرأة من عرض قريش ليس فيها في نفسها خاصة أمر تستوجب به المفاخرة و نحن نقول منا فاطمة و فاطمة سيدة نساء العالمين و كذلك أمها خديجة الكبرى و إنما تذكران مع مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم اللتين ذكرهما النبي ص و ذكر إحداهما القرآن و هن المذكورات من جميع نساء العالم من العرب و العجم.و قلتم لنا عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ولده سبعة من الخلفاء و عبد الله هذا في نفسه ليس هناك و نحن نقول منا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم كلهم سيد و أمه العالية بنت عبيد الله بن العباس و إخوته داود و صالح و سليمان و عبد الله رجال كلهم أغر محجل ثم ولدت الرؤساء إبراهيم الإمام و أخويه أبا العباس و أبا جعفر و من جاء بعدهما من خلفاء بني العباس.و قلتم منا عبد الله بن يزيد و قلنا منا الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة
و أولى الناس بكل مكرمة و أطهرهم طهارة مع النجدة و البصيرة و الفقه و الصبر و الحلم و الأنف و أخوه الحسن سيد شباب أهل الجنة و أرفع الناس درجة و أشبههم برسول الله خلقا و خلقا و أبوهما علي بن أبي طالب قال شيخنا أبو عثمان و هو الذي ترك وصفه أبلغ في وصفه إذ كان هذا الكتاب يعجز عنه و يحتاج إلى كتاب يفرد له و عمهما ذو الجناحين و أمهما فاطمة و جدتهما خديجة و أخوالهما القاسم و عبد الله و إبراهيم و خالاتهما زينب و رقية و أم كلثوم و جدتاهما آمنة بنت وهب والدة رسول الله ص و فاطمة بنت أسد بن هاشم و جدهما رسول الله ص المخرس لكل فاخر و الغالب لكل منافر قل ما شئت و اذكر أي باب شئت من الفضل فإنك تجدهم قد حووه.و قالت أمية نحن لا ننكر فخر بني هاشم و فضلهم في الإسلام و لكن لا فرق بيننا في الجاهلية إذ كان الناس في ذلك الدهر لا يقولون هاشم و عبد شمس و لا هاشم و أمية بل يقولون كانوا لا يزيدون في الجميع على عبد مناف حتى كان أيام تميزهم في أمر علي و عثمان في الشورى ثم ما كان في أيام تحزبهم و حربهم مع علي و معاوية.و من تأمل الأخبار و الآثار علم أنه ما كان يذكر فرق بين البيتين و إنما يقال بنو عبد مناف أ لا ترى أن أبا قحافة سمع رجة شديدة و أصواتا مرتفعة و هو يومئذ شيخ كبير مكفوف فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله ص قال فما صنعت قريش قالوا ولوا الأمر ابنك قال و رضيت بذلك بنو عبد مناف قالوا نعم قال و رضي بذلك بنو المغيرة قالوا نعم قال فلا مانع لما أعطى الله و لا معطي
لما منع و لم يقل أ رضي بذلك بنو عبد شمس و إنما جمعهم على عبد مناف لأنه كذلك كان يقال.و هكذا قال أبو سفيان بن حرب لعلي ع و قد سخط إمارة أبي بكر أ رضيتم يا بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم و لم يقل أ رضيتم يا بني هاشم و كذلك قال خالد بن سعيد بن العاص حين قدم من اليمن و قد استخلف أبو بكر أ رضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم قالوا و كيف يفرقون بين هاشم و عبد شمس و هما أخوان لأب و أم و يدل على أن أمرهما كان واحدا و أن اسمهم كان جامعا
قول النبي ص و صنيعه حين قال منا خير فارس في العرب عكاشة بن محصن و كان أسديا و كان حليفا لبني عبد شمس و كل من شهد بدرا من بني كبير بن داود كانوا حلفاء بني عبد شمس فقال ضرار بن الأزور الأسدي ذاك منا يا رسول الله فقال ع بل هو منا بالحلف فجعل حليف بني عبد شمس حليف بني هاشم و هذا بين لا يحتاج صاحب هذه الصفة إلى أكثر منه.قالوا و لهذا نكح هذا البيت في هذا البيت فكيف صرنا نتزوج بنات النبي و بنات بني هاشم على وجه الدهر إلا و نحن أكفاء و أمرنا واحد و قد سمعتم إسحاق بن عيسى يقول لمحمد بن الحارث أحد بني عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد لو لا حي أكرمهم الله بالرسالة لزعمت أنك أشرف الناس أ فلا ترى أنه لم يقدم علينا رهطه إلا بالرسالة.قالت هاشم قلتم لو لا أنا كنا أكفاءكم لما أنكحتمونا نساءكم فقد نجد القوم يستوون في حسب الأب و يفترقون في حسب الأنفس و ربما استووا في حسب أبي
القبيلة كاستواء قريش في النضر بن كنانة و يختلفون كاختلاف كعب بن لؤي و عامر بن لؤي و كاختلاف ابن قصي و عبد مناف و عبد الدار و عبد العزى و القوم قد يساوي بعضهم بعضا في وجوه و يفارقونهم في وجوه و يستجيزون بذلك القدر مناكحتهم و إن كانت معاني الشرف لم تتكامل فيهم كما تكاملت فيمن زوجهم و قد يزوج السيد ابن أخيه و هو حارض ابن حارض على وجه صلة الرحم فيكون ذلك جائزا عندهم و لوجوه في هذا الباب كثيرة فليس لكم أن تزعموا أنكم أكفاؤنا من كل وجه و إن كنا قد زوجناكم و ساويناكم في بعض الآباء و الأجداد و بعد فأنتم في الجاهلية و الإسلام قد أخرجتم بناتكم إلى سائر قريش و إلى سائر العرب أ فتزعمون أنهم أكفاؤكم عينا بعين و أما قولكم إن الحيين كان يقال لهما عبد مناف فقد كان يقال لهما أيضا مع غيرهما من قريش و بنيها بنو النضر و قال الله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ فلم يدع النبي ص أحدا من بني عبد شمس و كانت عشيرته الأقربون بني هاشم و بني المطلب و عشيرته فوق ذاك عبد مناف و فوق ذلك قصي و من ذلك أن النبي ص لما أتي بعبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس و أم عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم قال ع هذا أشبه بنا منه بكم ثم تفل في فيه فازدرده فقال أرجو أن تكون مشفيا فكان كما قال ففي قوله هو أشبه بنا منه بكم خصلتان إحداهما أن عبد شمس و هاشما لو كانا شيئا واحدا كما أن عبد المطلب شيء واحد لما قال هو بنا أشبه به منكم و الأخرى أن في هذا القول تفضيلا لبني هاشم على بني عبد شمس أ لا ترون أنه خرج خطيبا جوادا نبيلا و سيدا مشفيا له مصانع و آثار كريمة لأنه قال و هو بنا أشبه به منكم و أتي عبد المطلب
بعامر بن كريز و هو ابن ابنته أم حكيم البيضاء فتأمله و قال و عظام هاشم ما ولدنا ولدا أحرض منه فكان كما قال عبد الله يحمق و لم يقل و عظام عبد مناف لأن شرف جده عبد مناف له فيه شركاء و شرف هاشم أبيه خالص له.فأما ما ذكرتم من قول أبي سفيان و خالد بن سعيد أ رضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم فإن هذه الكلمة كلمة تحريض و تهييج فكان الأبلغ فيما يريد من اجتماع قلوب الفريقين أن يدعوهم لأب و أن يجمعهم على واحد و إن كانا مفترقين و هذا المذهب سديد و هذا التدبير صحيح.قال معاوية بن صعصعة للأشهب بن رميلة و هو نهشلي و للفرزدق بن غالب و هو مجاشعي و لمسكن بن أنيف و هو عبدلي أ رضيتم معشر بني دارم أن يسب آباءكم و يشتم أعراضكم كلب بني كليب و إنما نسبهم إلى دارم الأب الأكبر المشتمل على آباء قبائلهم ليستووا في الحمية و يتفقوا على الأنف و هذا في مثل هذا الموضع تدبير صحيح.قالوا و يدل على ما قلنا ما قاله الشعراء في هذا الباب قبل مقتل عثمان و قبل صفين قال حسان بن ثابت لأبي سفيان الحارث بن عبد المطلب:
و أنت منوط نيط في آل هاشم |
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد |
لم يقل نيط في آل عبد مناف.
و قال آخر:
ما أنت من هاشم في بيت مكرمة |
و لا بني جمح الخضر الجلاعيد |
و لم يقل ما أنت من آل عبد مناف و كيف يقول هذا و قد علم الناس أن عبد مناف ولد أربعة هاشما و المطلب و عبد شمس و نوفلا و أن هاشما و المطلب كانا يدا واحدة و أن عبد شمس و نوفلا كانا يدا واحدة و كان مما بطأ ببني نوفل عن الإسلام إبطاء إخوتهم من بني عبد شمس و كان مما حث بني المطلب على الإسلام فضل محبتهم لبني هاشم لأن أمر النبي ص كان بينا و إنما كانوا يمتنعون منه من طريق الحسد و البغضة فمن لم يكن فيه هذه العلة لم يكن له دون الإسلام مانع و لذلك لم يصحب النبي ص من بني نوفل أحد فضلا أن يشهدوا معه المشاهد الكريمة و إنما صحبه حلفاؤهم كيعلى بن منبه و عتبة بن غزوان و غيرهما و بنو الحارث بن المطلب كلهم بدري عبيد و طفيل و حصين و من بني المطلب مسطح بن أثاثة بدري.و كيف يكون الأمر كما قلتم و أبو طالب يقول لمطعم بن عدي بن نوفل في أمر النبي ص لما تمالأت قريش عليه:
جزى الله عنا عبد شمس و نوفلا |
جزاء مسيء عاجلا غير آجل |
|
أ مطعم إما سامني القوم خطة |
فأنى متى أوكل فلست بأكل |
|
أ مطعم لم أخذلك في يوم شدة |
و لا مشهد عند الأمور الجلائل |
و لقد قسم النبي ص قسمة فجعلها في بني هاشم و بني المطلب فأتاه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف و جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالا له يا رسول الله إن قرابتنا منك و قرابة بني المطلب واحدة فكيف أعطيتهم دوننا فقال النبي ص إنا لم نزل و بني المطلب كهاتين و شبك بين أصابعه فكيف تقولون كنا شيئا واحدا و كان الاسم الذي يجمعنا واحدا
ثم نرجع إلى افتخار بني هاشم قالوا و إن كان الفخر بالأيد و القوة و اهتصار الأقران و مباطشة الرجال فمن أين لكم كمحمد بن الحنفية و قد سمعتم أخباره و أنه قبض على درع فاضلة فجذبها فقطع ذيلها ما استدار منه كله و سمعتم أيضا حديث الأيد القوي الذي أرسله ملك الروم إلى معاوية يفخر به على العرب و أن محمدا قعد له ليقيمه فلم يستطع فكأنما يحرك جبلا و أن الرومي قعد ليقيمه محمد فرفعه إلى فوق رأسه ثم جلد به الأرض هذا مع الشجاعة المشهورة و الفقه في الدين و الحلم و الصبر و الفصاحة و العلم بالملاحم و الأخبار عن الغيوب حتى ادعي له أنه المهدي و قد سمعتم أحاديث أبي إسحاق المعتصم و أن أحمد بن أبي دواد عض ساعده بأسنانه أشد العض فلم يؤثر فيه و أنه قال ما أظن الأسنة و لا السهام تؤثر في جسده و سمعتم ما قيل في عبد الكريم المطيع و أنه جذب ذنب ثور فاستله من بين وركيه.و إن كان الفخر بالبشر و طلاقة الأوجه و سجاحة الأخلاق فمن مثل علي بن أبي طالب ع و قد بلغ من سجاحة خلقه و طلاقة وجهه أن عيب بالدعابة و من الذي يسوي بين عبد شمس و بين هاشم في ذلك كان الوليد جبارا و كان هشام شرس الأخلاق و كان مروان بن محمد لا يزال قاطبا عابسا و كذلك كان يزيد بن الوليد الناقص و كان المهدي المنصور أسرى خلق الله و ألطفهم خلقا و كذلك محمد الأمين و أخوه المأمون و كان السفاح يضرب به المثل في السرو و سجاحة الخلق.قالوا و نحن نعد من رهطنا رجالا لا تعدون أمثالهم أبدا فمنا الأمراء بالديلم الناصر الكبير و هو الحسن الأطروش بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن عمر الأشرف
بن زين العابدين و هو الذي أسلمت الديلم على يده و الناصر الأصغر و هو أحمد بن يحيى بن الحسن بن القاسم بن إبراهيم بن طباطبا و أخوه محمد بن يحيى و هو الملقب بالمرتضى و أبوه يحيى بن الحسن و هو الملقب بالهادي و من ولد الناصر الكبير الثائر و هو جعفر بن محمد بن الحسن الناصر الكبير و هم الأمراء بطبرستان و جيلان و جرجان و مازندران و سائر ممالك الديلم ملكوا تلك الأصقاع مائة و ثلاثين سنة و ضربوا الدنانير و الدراهم بأسمائهم و خطب لهم على المنابر و حاربوا الملوك السامانية و كسروا جيوشهم و قتلوا أمراءهم فهؤلاء واحدهم أعظم كثيرا من ملوك بني أمية و أطول مدة و أعدل و أنصف و أكثر نسكا و أشد حضا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ممن يجري مجراهم الداعي الأكبر و الداعي الأصغر ملكا الديلم قادا الجيوش و اصطنعا الصنائع.قالوا و لنا ملوك مصر و إفريقية ملكوا مائتين و سبعين سنة فتحوا الفتوح و استردوا ما تغلب عليه الروم من مملكة الإسلام و اصطنعوا الصنائع الجليلة.و لهم الكتاب و الشعراء و الأمراء و القواد فأولهم المهدي عبيد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و آخرهم العاضد و هو عبد الله بن الأمير أبي القاسم بن الحافظ أبي الميمون بن المستعلي بن المستنصر بن الطاهر بن الحاكم بن عبد العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي فإن افتخرت الأموية بملوكها في الأندلس من ولد هشام بن عبد الملك و اتصال ملكهم و جعلوهم بإزاء ملوكنا بمصر و إفريقية قلنا لهم إلا أنا نحن أزلنا ملككم بالأندلس كما أزلنا ملككم بالشام و المشرق كله لأنه لما ملك قرطبة
الظافر من بني أمية و هو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الملقب بالناصر خرج عليه علي بن حميد بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع فقتله و أزال ملكه.و ملك قرطبة دار ملك بني أمية و يلقب بالناصر ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود و يلقب بالمعتلي فنحن قتلناكم و أزلنا ملككم في المشرق و المغرب و نحن لكم على الرصد حيث كنتم اتبعناكم فقتلناكم و شردناكم كل مشرد و الفخر للغالب على المغلوب بهذا قضت الأمم قاطبة قالوا و لنا من أفراد الرجال من ليس لكم مثله منا يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان شجاعا جريئا و هو الذي ولي الموصل لأخيه السفاح فاستعرض أهلها حتى ساخت الأقدام في الدم.و منا يعقوب بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور كان شاعرا فصيحا و هو المعروف بأبي الأسباط و منا محمد و جعفر ابنا سليمان بن علي كانا أعظم من ملوك بني أمية و أجل قدرا و أكثر أموالا و مكانا عند الناس و أهدى محمد بن سليمان من البصرة إلى الخيزران مائة وصيفة في يد كل واحدة منهن جام من ذهب وزنه ألف مثقال مملوء مسكا و كان لجعفر بن سليمان ألفا عبد من السودان خاصة فكم يكون ليت شعري غيرهم من البيض و من الإماء و ما رئي جعفر بن سليمان راكبا قط إلا ظن أنه الخليفة.و من رجالنا محمد بن السفاح كان جوادا أيدا شديد البطش قالوا ما رئي أخوان
أشد قوة من محمد و ريطة أخته ولدي أبي العباس السفاح كان محمد يأخذ الحديد فيلويه فتأخذه هي فترده.و من رجالنا محمد بن إبراهيم طباطبا صاحب أبي السرايا كان ناسكا عابدا فقيها عظيم القدر عند أهل بيته و عند الزيدية.و من رجالنا عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و هو الذي شيد ملك المنصور و حارب ابني عبد الله بن حسن و أقام عمود الخلافة بعد اضطرابه و كان فصيحا أديبا شاعرا.و من رجالنا عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام حج بالناس و ولي الشام و كان فصيحا خطيبا.و من رجالنا عبد الله بن موسى الهادي كان أكرم الناس و جوادا ممدوحا أديبا شاعرا و أخوه عيسى بن موسى الهادي كان أكرم الناس و أجود الناس كان يلبس الثياب و قد حدد ظفره فيخرقها بظفره لئلا تعاد إليه و عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن موسى الهادي و كان أديبا ظريفا.و من رجالنا عبد الله بن المعتز بالله كان أوحد الدنيا في الشعر و الأدب و الأمثال الحكمية و السؤدد و الرئاسة كان كما قيل فيه لما قتل:
لله درك من ميت بمضيعة |
ناهيك في العلم و الأشعار و الخطب |
|
ما فيه لو و لا لو لا فتنقصه |
و إنما أدركته حرفة الأدب |
و من رجالنا النقيب أبو أحمد الحسين بن موسى شيخ بني هاشم الطالبيين و العباسيين في عصره و من أطاعه الخلفاء و الملوك في أقطار الأرض و رجعوا إلى قوله و ابناه علي و محمد و هما المرتضى و الرضي و هما فريدا العصر في الأدب و الشعر و الفقه و الكلام و كان الرضي شجاعا أديبا شديد الأنف
و من رجالنا القاسم بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى الهادي كان شاعرا ظريفا.و من رجالنا القاسم بن إبراهيم طباطبا صاحب المصنفات و الورع و الدعاء إلى الله و إلى التوحيد و العدل و منابذة الظالمين و من أولاده أمراء اليمن.و من رجالنا محمد الفأفاء بن إبراهيم الإمام كان سيدا مقدما ولي الموسم و حج بالناس و كان الرشيد يسايره و هو مقنع بطيلسانه.و من رجالنا محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين صاحب أبي السرايا ساد حدثا و كان شاعرا أديبا فقيها يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و لما أسر و حمل إلى المأمون أكرمه و أفضل عليه و رعى له فضله و نسبه.و من رجالنا موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كنيته أبو عيسى و هو أجل ولد عيسى و أنبلهم ولي الكوفة و سوادها زمانا طويلا للمهدي ثم الهادي و ولي المدينة و إفريقية و مصر للرشيد قال له ابن السماك لما رأى تواضعه إن تواضعك في شرفك لأحب إلي من شرفك فقال موسى إن قومنا يعني بني هاشم يقولون إن التواضع أحد مصائد الشرف.و من رجالنا موسى بن محمد أخو السفاح و المنصور كان نبيلا عندهم هو و إبراهيم الإمام لأم واحدة رأى في منامه قبل أن يصير من أمرهم ما صار أنه دخل بستانا فلم يأخذ إلا عنقودا واحدا عليه من الحب المتراص ما ربك به عليم فلم يولد له إلا عيسى ثم ولد لعيسى من ظهره أحد و ثلاثون ذكرا و عشرون أنثى.و من رجالنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع و هو عبد الله المحض و أبوه الحسن بن الحسن و أمه فاطمة بنت الحسين و كان إذا قيل من
أجمل الناس قالوا عبد الله بن الحسن فإذا قيل من أكرم الناس قالوا عبد الله بن الحسن فإذا قالوا من أشرف الناس قالوا عبد الله بن الحسن.و من رجالنا أخوه الحسن بن الحسن و عمه زيد بن الحسن و بنوه محمد و إبراهيم و موسى و يحيى أما محمد و إبراهيم فأمرهما مشهور و فضلهما غير مجحود في الفقه و الأدب و النسك و الشجاعة و السؤدد و أما يحيى صاحب الديلم فكان حسن المذهب و الهدي مقدما في أهل بيته بعيدا مما يعاب على مثله و قد روى الحديث و أكثر الرواية عن جعفر بن محمد و روى عن أكابر المحدثين و أوصى جعفر بن محمد إليه لما حضرته الوفاة و إلى ولده موسى بن جعفر و أما موسى بن عبد الله بن الحسن فكان شابا نجيبا صبورا شجاعا سخيا شاعرا.و من رجالنا الحسن المثلث و هو الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع كان متألها فاضلا ورعا يذهب في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مذهب أهله و إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع كان مقدما في أهله يقال إنه أشبه أهل زمانه برسول الله ص.و من رجالنا عيسى بن زيد و يحيى بن زيد أخوه و كانا أفضل أهل زمانهما شجاعة و زهدا و فقها و نسكا.و من رجالنا يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد صاحب الدعوة كان فقيها فاضلا شجاعا فصيحا شاعرا و يقال إن الناس ما أحبوا طالبيا قط دعا إلى نفسه حبهم يحيى و لا رثي أحد منهم بمثل ما رثي به.
قال أبو الفرج الأصفهاني كان يحيى فارسا شجاعا شديد البدن مجتمع القلب بعيدا عن زهو الشباب و ما يعاب به مثله كان له عمود حديد ثقيل يصحبه في منزله فإذا سخط على عبد أو أمة من حشمه لواه في عنقه فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى يحله هو.و من رجالنا محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع صاحب الطالقان لقب بالصوفي لأنه لم يكن يلبس إلا الصوف الأبيض و كان عالما فقيها دينا زاهدا حسن المذهب يقول بالعدل و التوحيد.و من رجالنا محمد بن علي بن صالح بن عبد الله بن موسى بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ع كان من فتيان آل أبي طالب و فتاكهم و شجعانهم و ظرفائهم و شعرائهم و له شعر لطيف محفوظ.و منهم أحمد بن عيسى بن زيد كان فاضلا عالما مقدما في عشيرته معروفا بالفضل و قد روى الحديث و روي عنه.و من رجالنا موسى بن جعفر بن محمد و هو العبد الصالح جمع من الفقه و الدين و النسك و الحلم و الصبر و ابنه علي بن موسى المرشح للخلافة و المخطوب له بالعهد كان أعلم الناس و أسخى الناس و أكرم الناس أخلاقا.قالوا و أما ما ذكرتم من أمر الشجرة الملعونة فإن المفسرين كلهم قالوا ذلك و رووا فيه أخبارا كثيرة عن النبي ص و لستم قادرين على جحد ذلك و قد عرفتم تأخركم عن الإسلام و شدة عداوتكم للرسول الداعي إليه و محاربتكم في بدر و أحد و الخندق و صدكم الهدي عن البيت و ليس ذلك مما يوجب أن يعمكم اللعن حتى
لا يغادر واحدا فإن زعم ذلك زاعم فقد تعدى و أما اختصاص محمد بن علي بالوصية و الخلافة دون إخوته فقد علمتم أن وراثة السيادة و المرتبة ليس من جنس وراثة الأموال أ لا ترى أن المرأة و الصبي و المجنون يرثون الأموال و لا يرثون المراتب و سواء في الأموال كان الابن حارضا بائرا أو بارعا جامعا.و قيل وراثة المقام سبيل وراثة اللواء دفع رسول الله ص لواء بني عبد الدار إلى مصعب بن عمير و دفع عمر بن الخطاب لواء بني تميم إلى وكيع بن بشر ثم دفعه إلى الأحنف حين لم يوجد في بني زرارة من يستحق وراثة اللواء فإن كان الأمر بالسن فإنما كان بين محمد بن علي و أبيه علي بن عبد الله أربع عشرة سنة كان علي يخضب بالسواد و محمد يخضب بالحمرة فكان القادم يقدم عليهما و الزائر يأتيهما فيظن أكثرهم أن محمدا هو علي و أن عليا هو محمد حتى ربما قيل لعلي كيف أصبح الشيخ من علته و متى رجع الشيخ إلى منزله و أخرى أن أمه كانت العالية بنت عبد الله بن العباس فقد ولده العباس مرتين و ولده جواد بني العباس كما والده خيرهم و حبرهم و لم يكن لأحد من إخوته مثل ذلك و كان بعض ولد محمد أسن من عامة ولد علي و ولد محمد المهدي بن عبد الله المنصور و العباس بن محمد بن علي في عام واحد و كذلك محمد بن سليمان بن علي و لم يكن لأحد من ولد علي بن عبد الله بن العباس و إن كانوا فضلاء نجباء كرماء نبلاء مثل عقله و لا كجماله كان إذا دخل المدينة و مكة جلس الناس على أبواب دورهم و النساء على سطوحهن للنظر إليه و التعجب من كماله و بهائه و قد قاتل إخوته أعداءه في دفع الملك إلى ولده غير مكرهين و لا مجبرين على أن محمدا إنما أخذ الأمر عن أساس مؤسس و قاعدة مقررة و وصية انتقلت إليه من أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية و أخذها أبو هاشم عن أبيه محمد و أخذها محمد عن علي بن أبي طالب أبيه.
قالوا لما سمت بنو أمية أبا هاشم مرض فخرج من الشام وقيذا يؤم المدينة فمر بالحميمة و قد أشفى فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فدفع الوصية إليه و عرفه ما يصنع و أخبره بما سيكون من الأمر و قال له إني لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي و لكن أبي أخبرني عن أبيه علي بن أبي طالب ع بذلك و أمرني به و أعلمني بلقائي إياك في هذا المكان ثم مات فتولى محمد بن علي تجهيزه و دفنه و بث الدعاة حينئذ في طلب الأمر و هو الذي قال لرجال الدعوة و القائمين بأمر الدولة حين اختارهم للتوجه و انتخبهم للدعاء و حين قال بعضهم ندعو بالكوفة و قال بعضهم بالبصرة و قال بعضهم بالجزيرة و قال بعضهم بالشام و قال بعضهم بمكة و قال بعضهم بالمدينة و احتج كل إنسان لرأيه و اعتل لقوله فقال محمد أما الكوفة و سوادها فشيعة علي و ولده و أما البصرة فعثمانية تدين بالكف و قبيل عبد الله المقتول يدينون بجميع الفرق و لا يعينون أحدا و أما الجزيرة فحرورية مارقة و الخارجية فيهم فاشية و أعراب كأعلاج و مسلمون في أخلاق النصارى و أما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان و طاعة بني مروان عداوة راسخة و جهلا متراكما و أما مكة و المدينة فقد غلب عليهما أبو بكر و عمر و ليس يتحرك معنا في أمرنا هذا منهم أحد و لا يقوم بنصرنا إلا شيعتنا أهل البيت و لكن عليكم بخراسان فإن هناك العدد الكثير و الجلد الظاهر و صدورا سليمة و قلوبا مجتمعة لم تتقسمها الأهواء و لم تتوزعها النحل و لم تشغلها ديانة و لا هدم فيها فساد و ليس لهم اليوم همم العرب و لا فيهم تجارب كتجارب الأتباع مع السادات و لا تحالف كتحالف القبائل و لا عصبية كعصبية العشائر و ما زالوا ينالون و يمتهون و يظلمون فيكظمون و ينتظرون الفرج و يؤملون
دولة و هم جند لهم أبدان و أجسام و مناكب و كواهل و هامات و لحي و شوارب و أصوات هائلة و لغات فخمة تخرج من أجواف منكرة.و بعد فكأني أتفاءل جانب المشرق فإن مطلع الشمس سراج الدنيا و مصباح هذا الخلق فجاء الأمر كما دبر و كما قدر فإن كان الرأي الذي رأى صوابا فقد وافق الرشاد و طبق المفصل و إن كان ذلك عن رواية متقدمة فلم يتلق تلك الرواية إلا عن نبوة.قالوا و أما قولكم إن منا رجلا مكث أربعين سنة أميرا و خليفة فإن الإمارة لا تعد فخرا مع الخلافة و لا تضم إليها و نحن نقول إن منا رجلا مكث سبعا و أربعين سنة خليفة و هو أحمد الناصر بن الحسن المستضيء و منا رجل مكث خمسا و أربعين سنة خليفة و هو عبد الله القائم و مكث أبوه أحمد القادر ثلاثا و أربعين سنة خليفة فملكهما أكثر من ملك بني أمية كلهم و هم أربعة عشر خليفة.و يقول الطالبيون منا رجل مكث ستين سنة خليفة و هو معد بن الطاهر صاحب مصر و هذه مدة لم يبلغها خليفة و لا ملك من ملوك العرب في قديم الدهر و لا في حديثه.و قلتم لنا عاتكة بنت يزيد يكتنفها خمسة من الخلفاء و نحن نقول لنا زبيدة بنت جعفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء جدها المنصور خليفة و عم أبيها السفاح خليفة و عمها المهدي خليفة و ابن عمها الهادي خليفة و بعلها الرشيد خليفة و ابنها الأمين خليفة و ابنا بعلها المأمون و المعتصم خليفتان.قالوا و أما ما ذكرتموه من الأعياص و العنابس فلسنا نصدقكم فيما زعمتموه أصلا بهذه التسمية و إنما سموا الأعياص لمكان العيص و أبي العيص و العاص و أبي العاص و هذه أسماؤهم الأعلام ليست مشتقة من أفعال لهم كريمة و لا خسيسة و أما العنابس
فإنما سموا بذلك لأن حرب بن أمية كان اسمه عنبسة و أما حرب فلقبه ذكر ذلك النسابون و لما كان حرب أمثلهم سموا جماعتهم باسمه فقيل العنابس كما يقال المهالبة و المناذرة و لهذا المعنى سمي أبو سفيان بن حرب بن عنبسة و سمي سعيد بن العاص بن عنبسة
الفهرس
کتاب شرح نهج البلاغة الجزء الخامس عشر ابن ابي الحديد 1
القول في الملائكة نزلت بأحد و قاتلت أم لا 10
القول في مقتل حمزة بن عبد المطلب رضياللهعنه 11
القول فيمن ثبت مع رسول الله ص يوم أحد 19
القول فيما جرى للمسلمين بعد إصعادهم في الجبل 25
القول فيما جرى للمشركين بعد انصرافهم إلى مكة 44
القول في مقتل أبي عزة الجمحي و معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس 45
القول في مقتل المجذر 48
القول فيمن مات من المسلمين بأحد جملة 51
القول فيمن قتل من المشركين بأحد 52
القول في خروج النبي ص و بعد انصرافه من أحد 55
الفصل الخامس في شرح غزاة مؤتة 61
فصل في ذكر بعض مناقب جعفر بن أبي طالب 72
نبذ من الأقوال الحكيمة في الحروب 95
فصل في نسب الأشتر و ذكر بعض فضائله 98
نبذ من الأقوال الحكيمة 102
نبذ من الأقوال الحكيمة 105
قصة فيروز بن يزدجرد حين غزا ملك الهياطلة 107
نبذ من الأقوال المتشابهة في الحرب 115
ذكر بعض ما كان بين علي و معاوية يوم صفين 120
فصل في بني تميم و ذكر بعض فضائلهم 126
كتاب المعتضد بالله 171
كتاب لمعاوية إلى علي 184
مناكحات بني هاشم و بني عبد شمس 195
فضل بني هاشم على بني عبد شمس 198
مفاخر بني أمية 257
ذكر الجواب عما فخرت به بنو أمية 270
الفهرس 296