کتاب شرح نهج البلاغة
الجزء الثامن عشر
ابن ابي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل
قال الواقدي و هرب هبيرة بن أبي وهب و عبد الله بن الزبعري جميعا حتى انتهيا إلى نجران فلم يأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران فقيل ما شأنكما قالا أما قريش فقد قتلت و دخل محمد مكة و نحن و الله نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا فجعلت بلحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم و جمعوا ماشيتهم فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى :
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه |
نجران في عيش أجد ذميم |
|
بليت قناتك في الحروب فألفيت |
جوفاء ذات معايب و وصوم |
|
غضب الإله على الزبعرى و ابنه |
بعذاب سوء في الحياة مقيم |
فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهيأ للخروج فقال هبيرة بن وهب أين تريد يا ابن عم قال له أريد و الله محمدا قال أ تريد أن تتبعه قال إي و الله قال هبيرة يا ليت أني كنت رافقت غيرك و الله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا قال ابن الزبعرى هو ذاك فعلى أي شيء أقيم مع بني الحارث بن كعب و أترك ابن عمى و خير الناس و أبرهم و بين قومي و داري فانحدر ابن الزبعرى حتى جاء رسول الله ص
و هو جالس في أصحابه فلما نظر إليه قال هذا ابن الزبعرى و معه وجه فيه نور الإسلام فلما وقف على رسول الله ص قال السلام عليك يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله و أنك عبده و رسوله و الحمد لله الذي هداني للإسلام لقد عاديتك و أجلبت عليك و ركبت الفرس و البعير و مشيت على قدمي في عداوتك ثم هربت منك إلى نجران و أنا أريد ألا أقرب الإسلام أبدا ثم أرادني الله منه بخير فألقاه في قلبي و حببه إلي و ذكرت ما كنت فيه من الضلال و اتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد و يذبح له لا يدرى من عبده و من لا يعبده فقال رسول الله ص الحمد لله الذي هداك للإسلام احمد الله إن الإسلام يجب ما كان قبله و أقام هبيرة بنجران و أسلمت أم هانئ فقال هبيرة حين بلغه إسلامها يوم الفتح يؤنبها شعرا من جملته :
و إن كنت قد تابعت دين محمد |
و قطعت الأرحام منك حبالها |
|
فكوني على أعلى سحوق بهضبة |
ململمة غبراء يبس بلالها |
فأقام بنجران حتى مات مشركا.قال الواقدي و هرب حويطب بن عبد العزى فدخل حائطا بمكة و جاء أبو ذر لحاجته فدخل الحائط فرآه فهرب حويطب فقال أبو ذر تعال فأنت آمن فرجع إليه فقال أنت آمن فاذهب حيث شئت و إن شئت أدخلتك على رسول الله ص و إن شئت فإلى منزلك قال و هل من سبيل إلى منزلي ألفى فأقتل قبل أن أصل إلى منزلي
أو يدخل علي منزلي فأقتل قال فأنا أبلغ معك منزلك فبلغ معه منزله ثم جعل ينادي على بابه أن حويطبا آمن فلا يهيج ثم انصرف إلى رسول الله ص فأخبره فقال أ و ليس قد أمنا الناس كلهم إلا من أمرت بقتله.قال الواقدي و هرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن حتى ركب البحر قال و جاءت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام إلى رسول الله ص في نسوة منهن هند بنت عتبة و قد كان رسول الله ص أمر بقتلها و البغوم بنت المعدل الكنانية امرأة صفوان بن أمية و فاطمة بنت الوليد بن المغيرة امرأة الحارث بن هشام و هند بنت عتبة بن الحجاج أم عبد الله بن عمرو بن العاص و رسول الله ص بالأبطح فأسلمن و لما دخلن عليه دخلن و عنده زوجتاه و ابنته فاطمة و نساء من نساء بني عبد المطلب و سألن أن يبايعهن فقال إني لا أصافح النساء و يقال إنه وضع على يده ثوبا فمسحن عليه و يقال كان يؤتى بقدح من ماء فيدخل يده فيه ثم يرفعه إليهن فيدخلن أيديهن فيه فقالت أم حكيم امرأة عكرمة يا رسول الله إن عكرمة هرب منك إلى اليمن خاف أن تقتله فأمنه فقال هو آمن فخرجت أم حكيم في طلبه و معها غلام لها رومي فراودها عن نفسها فجعلت تمنيه حتى قدمت به على حي فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه رباطا و أدركت عكرمة و قد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة فركب البحر فهاج بهم فجعل نوتي السفينة يقول له أن أخلص قال أي شيء أقول قال قل لا إله إلا الله قال عكرمة ما هربت إلا من هذا فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر فجعلت تلح عليه و تقول يا ابن عم جئتك من عند خير الناس و أوصل الناس و أبر الناس لا تهلك نفسك فوقف لها حتى أدركته فقالت إني قد استأمنت لك رسول الله ص فأمنك قال
أنت فعلت قالت نعم أنا كلمته فأمنك فرجع معها فقالت ما لقيت من غلامك الرومي و أخبرته خبره فقتله عكرمة فلما دنا من مكة
قال رسول الله ص لأصحابه يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي و لا يبلغ الميت فلما وصل عكرمة و دخل على رسول الله ص وثب إليه ص و ليس عليه رداء فرحا به ثم جلس فوق عكرمة بين يديه و معه زوجته منقبة فقال يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني فقال صدقت أنت آمن فقال عكرمة فإلام تدعو فقال إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله و أن تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة و عد خصال الإسلام فقال عكرمة ما دعوت إلا إلى حق و إلى حسن جميل و لقد كنت فينا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه و أنت أصدقنا حديثا و أعظمنا برا ثم قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فقال رسول الله ص لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتكه قال فإني أسألك أن تغفر لي كل عداوة عاديتكها أو مسير أوضعت فيه أو مقام لقيتك فيه أو كلام قلته في وجهك أو أنت غائب عنه فقال اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها و كل مسير سار فيه إلي يريد بذلك إطفاء نورك و اغفر له ما نال مني و من عرضي في وجهي أو أنا غائب عنه فقال عكرمة رضيت بذلك يا رسول الله ثم قال أما و الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الإسلام و في سبيل الله و لأجتهدن في القتال بين يديك حتى أقتل شهيدا قال فرد عليه رسول الله ص امرأته بذلك النكاح الأول.قال الواقدي و أما صفوان بن أمية فهرب حتى أتى الشعبة و جعل يقول لغلامه
يسار و ليس معه غيره ويحك انظر من ترى فقال هذا عمير بن وهب قال صفوان ما أصنع بعمير و الله ما جاء إلا يريد قتلي قد ظاهر محمدا علي فلحقه فقال صفوان يا عمير ما لك ما كفاك ما صنعت حملتني دينك و عيالك ثم جئت تريد قتلي فقال يا أبا وهب جعلت فداك جئتك من عند خير الناس و أبر الناس و أوصل الناس و قد كان عمير قال لرسول الله ص يا رسول الله سيد قومي صفوان بن أمية خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر خاف ألا تؤمنه فأمنه فداك أبي و أمي فقال قد أمنته فخرج في أثره فقال إن رسول الله ص قد أمنك صفوان لا و الله حتى تأتيني بعلامة أعرفها فرجع إلى رسول الله ص فأخبره و قال يا رسول الله جئته و هو يريد أن يقتل نفسه فقال لا أرجع إلا بعلامة أعرفها فقال خذ عمامتي فرجع عمير إليه بعمامة رسول الله ص و هي البرد الذي دخل فيه رسول الله ص مكة معتجرا به برد حبرة أحمر فخرج عمير في طلبه الثانية حتى جاءه بالبرد فقال يا أبا وهب جئتك من عند خير الناس و أوصل الناس و أبر الناس و أحلم الناس مجده مجدك و عزه عزك و ملكه ملكك ابن أبيك و أمك أذكرك الله في نفسك فقال أخاف أن أقتل قال فإنه دعاك إلى الإسلام فإن رضيت و إلا سيرك شهرين فهو أوفى الناس و أبرهم و قد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرا أ تعرفه قال نعم فأخرجه فقال نعم هو هو فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ص فوجده يصلي العصر بالناس فقال كم يصلون قالوا خمس صلوات في اليوم و الليلة قال أ محمد يصلي بهم قالوا نعم فلما سلم من صلاته صاح صفوان يا محمد إن عمير
بن وهب جاءني ببردك و زعم أنك دعوتني إلى القدوم إليك فإن رضيت أمرا و إلا سيرتني شهرين فقال رسول الله ص انزل أبا وهب فقال لا و الله أو تبين لي قال بل سر أربعة أشهر فنزل صفوان و خرج معه إلى حنين و هو كافر و أرسل إليه يستعير أدراعه و كانت مائة درع فقال أ طوعا أم كرها فقال ع بل طوعا عارية مؤداة فأعاره إياها ثم أعادها إليه بعد انقضاء حنين و الطائف فلما كان رسول الله ص بالجعرانة يسير في غنائم هوازن ينظر إليها فنظر صفوان إلى شعب هناك مملوء نعما وشاء ورعاء فأدام النظر إليه و رسول الله ص يرمقه فقال أبا وهب يعجبك هذا الشعب قال نعم قال هو لك و ما فيه فقال صفوان ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله ص.قال الواقدي فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فكان قد أسلم و كان يكتب لرسول الله ص الوحي فربما أملى عليه رسول الله ص سميع عليم فيكتب عزيز حكيم و نحو ذلك و يقرأ على رسول الله ص فيقول كذلك الله و يقرأ فافتتن و قال و الله ما يدري ما يقول إني لأكتب له ما شئت فلا ينكر و إنه ليوحى إلي كما يوحى إلى محمد و خرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا فأهدر رسول الله دمه و أمر بقتله يوم الفتح فلما كان يومئذ جاء إلى عثمان و كان أخاه من الرضاعة فقال يا أخي إني قد أجرتك فاحتبسني هاهنا و اذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا إن رآني ضرب عنقي أن جرمي أعظم الجرم و قد جئت تائبا فقال عثمان قم فاذهب معي إليه قال كلا و الله إنه إن رآني ضرب عنقي و لم يناظرني قد أهدر دمي و أصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان انطلق معي فإنه لا يقتلك إن شاء الله فلم يرع رسول الله ص إلا بعثمان
آخذا بيد عبد الله بن سعد واقفين بين يديه فقال عثمان يا رسول الله هذا أخي من الرضاعة إن أمه كانت تحملني و تمشيه و ترضعني و تفطمه و تلطفني و تتركه فهبه لي فأعرض رسول الله ص عنه و جعل عثمان كلما أعرض رسول الله عنه استقبله بوجهه و أعاد عليه هذا الكلام و إنما أعرض ع عنه إرادة لأن يقوم رجل فيضرب عنقه فلما رأى ألا يقوم أحد و عثمان قد انكب عليه يقبل رأسه و يقول يا رسول الله بايعه فداك أبي و أمي على الإسلام فقال رسول الله ص نعم فبايعه.قال الواقدي قال رسول الله ص بعد ذلك للمسلمين ما منعكم أن يقوم منكم واحد إلى هذا الكلب فيقتله أو قال الفاسق فقال عباد بن بشر و الذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه و يقال إن أبا البشير هو الذي قال هذا و يقال بل قاله عمر بن الخطاب فقال ع إني لا أقتل بالإشارة و قيل إنه قال إن النبي لا يكون له خائنة الأعين.قال الواقدي فجعل عبد الله بن سعد يفر من رسول الله ص كلما رآه فقال له عثمان بأبي أنت و أمي لو ترى ابن أم عبد يفر منك كلما رآك فتبسم رسول الله ص فقال أ و لم أبايعه و أؤمنه قال بلى و لكنه يتذكر عظم جرمه في الإسلام
فقال إن الإسلام يجب ما قبله قال الواقدي و أما الحويرث بن معبد و هو من ولد قصي بن كلاب فإنه كان يؤذي رسول الله ص بمكة فأهدر دمه فبينما هو في منزله يوم الفتح و قد أغلق عليه بابه جاء علي ع يسأل عنه فقيل له هو في البادية و أخبر الحويرث أنه جاء يطلبه و تنحى علي ع عن بابه فخرج الحويرث يريد أن
يهرب من بيت إلى بيت آخر فتلقاه علي ع فضرب عنقه.قال الواقدي و أما هبار بن الأسود فقد كان رسول الله ص أمر أن يحرقه بالنار ثم قال إنما يعذب بالنار رب النار اقطعوا يديه و رجليه إن قدرتم عليه ثم اقتلوه و كان جرمه أن نخس زينب بنت رسول الله ص لما هاجرت و ضرب ظهرها بالرمح و هي حبلى فأسقطت فلم يقدر المسلمون عليه يوم الفتح فلما رجع رسول الله ص إلى المدينة طلع هبار بن الأسود قائلا أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله فقبل النبي ص إسلامه فخرجت سلمى مولاة النبي ص فقالت لا أنعم الله بك عينا أنت الذي فعلت و فعلت فقال رسول الله ص و هبار يعتذر إليه أن الإسلام محا ذلك و نهى عن التعرض له.قال الواقدي قال ابن عباسرضياللهعنه رأيت رسول الله ص و هبار يعتذر إليه و هو يطأطئ رأسه استحياء مما يعتذر هبار و يقول له قد عفوت عنك.قال الواقدي و أما ابن خطل فإنه خرج حتى دخل بين أستار الكعبة فأخرجه أبو برزة الأسلمي منها فضرب عنقه بين الركن و المقام و يقال بل قتله عمار بن ياسر و قيل سعد بن حريث المخزومي و قيل شريك بن عبدة العجلاني و الأثبت أنه أبو برزة قال و كان جرمه أنه أسلم و هاجر إلى المدينة و بعثه رسول الله ص ساعيا و بعث معه رجلا من خزاعة فقتله و ساق ما أخذ من مال الصدقة و رجع إلى مكة فقالت له قريش ما جاء بك قال لم أجد دينا خيرا من دينكم و كانت له قينتان إحداهما قرينى و الأخرى قرينة أو أرنب و كان ابن خطل يقول
الشعر يهجو به رسول الله ص و يغنيان به و يدخل عليه المشركون بيته فيشربون عنده الخمر و يسمعون الغناء بهجاء رسول الله ص.قال الواقدي و أما مقيس بن صبابة فإن أمه سهمية و كان يوم الفتح عند أخواله بني سهم فاصطبح الخمر ذلك اليوم في ندامى له و خرج ثملا يتغنى و يتمثل بأبيات منها:
دعيني أصطبح يا بكر إني |
رأيت الموت نقب عن هشام |
|
و نقب عن أبيك أبي يزيد |
أخي القينات و الشرب الكرام |
|
يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا |
و كيف حياة أصداء و هام |
|
إذا ما الرأس زال بمنكبيه |
فقد شبع الأنيس من الطعام |
|
أ تقتلني إذا ما كنت حيا |
و تحييني إذا رمت عظامي |
فلقيه نميلة بن عبد الله الليثي و هو من رهطه فضربه بالسيف حتى قتله فقالت أخته ترثيه:
لعمري لقد أخزى نميلة رهطه |
و فجع أصناف النساء بمقيس |
|
فلله عينا من رأى مثل مقيس |
إذا النفساء أصبحت لم تخرس |
و كان جرم مقيس من قبل أن أخاه هاشم بن صبابة أسلم و شهد المريسيع مع رسول الله ص فقتله رجل من رهط عبادة بن الصامت و قيل من بني عمرو بن عوف و هو لا يعرفه فظنه من المشركين فقضى له رسول الله ص بالدية على العاقلة فقدم مقيس أخوه المدينة فأخذ ديته و أسلم ثم عدا على قاتل أخيه فقتله و هرب مرتدا كافرا يهجو رسول الله ص بالشعر فأهدر دمه.
قال الواقدي فأما سارة مولاة بني هاشم و كانت مغنية نواحة بمكة و كانت قد قدمت على رسول الله ص المدينة تطلب أن يصلها و شكت إليه الحاجة و ذلك بعد بدر و أحد فقال لها أ ما كان لك في غنائك و نياحك ما يغنيك قالت يا محمد إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء فوصلها رسول الله ص و أوقر لها بعيرا طعاما فرجعت إلى قريش و هي على دينها و كانت يلقى عليها هجاء رسول الله ص فتغنى به فأمر بها رسول الله ص يوم الفتح أن تقتل فقتلت و أما قينتا ابن خطل فقتل يوم الفتح إحداهما و هي أرنب أو قرينة و أما قريني فاستؤمن لها رسول الله ص فأمنها و عاشت حتى ماتت في أيام عثمان.قال الواقدي و قد روي أن رسول الله ص أمر بقتل وحشي يوم الفتح فهرب إلى الطائف فلم يزل بها مقيما حتى قدم مع وفد الطائف على رسول الله ص فدخل عليه فقال أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فقال أ وحشي قال نعم قال اجلس و حدثني كيف قتلت حمزة فلما أخبره قال قم و غيب عني وجهك فكان إذا رآه توارى عنه.
قال الواقدي و حدثني ابن أبي ذئب و معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي عمرو بن عدي بن أبي الحمراء قال سمعت رسول الله ص يقول بعد فراغه من أمر الفتح و هو يريد الخروج من مكة أما و الله إنك لخير أرض الله و أحب بلاد الله إلي و لو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت.و زاد محمد بن إسحاق في كتاب المغازي أن هند بنت عتبة جاءت إلى رسول الله
ص مع نساء قريش متنكرة متنقبة لحدثها الذي كان في الإسلام و ما صنعت بحمزة حين جدعته و بقرت بطنه عن كبده فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ص بحدثها ذلك فلما دنت منه و قال حين بايعنه على ألا يشركن بالله شيئا قلن نعم قال و لا يسرقن فقالت هند و الله أنا كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة و الهنيهة فما أعلم أ حلال ذلك أم لا فقال رسول الله ص و إنك لهند قالت نعم أنا هند و أنا أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال رسول الله ص و لا يزنين فقالت هند و هل تزني الحرة فقال لا و لا يقتلن أولادهن فقالت هند قد لعمري ربيناهم صغارا و قتلتهم كبارا ببدر فأنت و هم أعرف فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه قال و لا يأتين ببهتان يفترينه فقالت هند إن إتيان البهتان لقبيح فقال و لا يعصينك في معروف فقالت ما جلسنا هذه الجلسة و نحن نريد أن نعصيك.قال محمد بن إسحاق و من جيد شعر عبد الله بن الزبعرى الذي اعتذر به إلى رسول الله ص حين قدم عليه:
منع الرقاد بلابل و هموم |
فالليل ممتد الرواق بهيم |
|
مما أتاني أن أحمد لامني |
فيه فبت كأنني محموم |
|
يا خير من حملت على أوصالها |
عيرانة سرح اليدين سعوم |
إني لمعتذر إليك من الذي |
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم |
|
أيان تأمرني بأغوى خطة |
سهم و تأمرني به مخزوم |
|
و أمد أسباب الردى و يقودني |
أمر الغواة و أمرهم مشئوم |
|
فاليوم آمن بالنبي محمد |
قلبي و مخطئ هذه محروم |
|
مضت العداوة و انقضت أسبابها |
و دعت أواصر بيننا و حلوم |
|
فاغفر فدى لك والدي كلاهما |
زللي فإنك راحم مرحوم |
|
و عليك من علم المليك علامة |
نور أغر و خاتم مختوم |
|
أعطاك بعد محبة برهانه |
شرفا و برهان الإله عظيم |
|
و لقد شهدت بأن دينك صادق |
بر و شأنك في العباد جسيم |
|
و الله يشهد أن أحمد مصطفى |
متقبل في الصالحين كريم |
|
فرع علا بنيانه من هاشم |
دوح تمكن في العلا و أروم |
قال الواقدي و في يوم الفتح سمى رسول الله ص أهل مكة الذين دخلها عليهم الطلقاء لمنه عليهم بعد أن أظفره الله بهم فصاروا أرقاء له و قد قيل له يوم الفتح قد أمكنك الله تعالى فخذ ما شئت من أقمار على غصون يعنون النساء فقال ع يأبى ذلك إطعامهم الضيف و إكرامهم البيت و وجؤهم مناحر الهدي.ثم نعود إلى تفسير ما بقي من ألفاظ الفصل قوله فإن كان فيك عجل فاسترفه
أي كن ذا رفاهية و لا ترهقن نفسك بالعجل فلا بد من لقاء بعضنا بعضا فأي حاجة بك إلى أن تعجل ثم فسر ذلك فقال إن أزرك في بلادك أي إن غزوتك في بلادك فخليق أن يكون الله بعثني للانتقام منك و إن زرتني أي إن غزوتني في بلادي و أقبلت بجموعك إلي.كنتم كما قال أخو بني أسد كنت أسمع قديما أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الأسدي و الآن فقد تصفحت شعره فلم أجده و لا وقفت بعد على قائله و إن وقفت فيما يستقبل من الزمان عليه ألحقته.و ريح حاصب تحمل الحصباء و هي صغار الحصى و إذا كانت بين أغوار و هي ما سفل من الأرض و كانت مع ذلك ريح صيف كانت أعظم مشقة و أشد ضررا على من تلاقيه و جلمود يمكن أن يكون عطفا على حاصب و يمكن أن يكون عطفا على أغوار أي بين غور من الأرض و حرة و ذلك أشد لأذاها لما تكسبه الحرة من لفح السموم و وهجها و الوجه الأول أليق.و أعضضته أي جعلته معضوضا برءوس أهلك و أكثر ما يأتي أفعلته أن تجعله فاعلا و هي هاهنا من المقلوب أي أعضضت رءوس أهلك به كقوله قد قطع الحبل بالمرود.و جده عتبة بن ربيعة و خاله الوليد بن عتبة و أخوه حنظلة بن أبي سفيان قتلهم علي ع يوم بدر.و الأغلف القلب الذي لا بصيرة له كأن قلبه في غلاف قال تعالى( وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ) .
و المقارب العقل بالكسر الذي ليس عقله بجيد و العامة تقول فيما هذا شأنه مقارب بفتح الراء.ثم قال الأولى أن يقال هذه الكلمة لك.و نشدت الضالة طلبتها و أنشدتها عرفتها أي طلبت ما ليس لك.و السائمة المال الراعي و الكلام خارج مخرج الاستعارة.فإن قلت كل هذا الكلام يطابق بعضه بعضا إلا قوله فما أبعد قولك من فعلك و كيف استبعد ع ذلك و لا بعد بينهما لأنه يطلب الخلافة قولا و فعلا فأي بعد بين قوله و فعله.قلت لأن فعله البغي و الخروج على الإمام الذي ثبتت إمامته و صحت و تفريق جماعة المسلمين و شق العصا هذا مع الأمور التي كانت تظهر عليه و تقتضي الفسق من لبس الحرير و المنسوج بالذهب و ما كان يتعاطاه في حياة عثمان من المنكرات التي لم تثبت توبته منها فهذا فعله.و أما قوله فزعمه أنه أمير المؤمنين و خليفة المسلمين و هذا القول بعيد من ذلك الفعل جدا.و ما في قوله و قريب ما أشبهت مصدرية أي و قريب شبهك بأعمام و أخوال و قد ذكرنا من قتل من بني أمية في حروب رسول الله ص فيما تقدم و إليهم الإشارة بالأعمام و الأخوال لأن أخوال معاوية من بني عبد شمس كما أن أعمامه من بني عبد شمس.قوله و لم تماشها الهوينى أي لم تصحبها يصفها بالسرعة و المضي في الرءوس الأعناق
و أما قوله ادخل فيما دخل فيه الناس و حاكم القوم فهي الحجة التي يحتج بها أصحابنا له في أنه لم يسلم قتلة عثمان إلى معاوية و هي حجة صحيحة لأن الإمام يجب أن يطاع ثم يتحاكم إليه أولياء الدم و المتهمون فإن حكم بالحق استديمت حكومته و إلا فسق و بطلت إمامته.قوله فأما تلك التي تريدها قيل إنه يريد التعلق بهذه الشبهة و هي قتلة عثمان و قيل أراد به ما كان معاوية يكرر طلبه من أمير المؤمنين ع و هو أن يقره على الشام وحده و لا يكلفه البيعة قال إن ذلك كمخادعة الصبي في أول فطامه عن اللبن بما تصنعه النساء له مما يكره إليه الثدي و يسليه عنه و يرغبه في التعوض بغيره و كتاب معاوية الذي ذكرناه لم يتضمن حديث الشام
65 و من كتاب له ع إليه أيضا
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ اَلْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ اَلْأُمُورِ فَلَقَدْ فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلاَفِكَ بِادِّعَائِكَ اَلْأَبَاطِيلَ وَ اِقْتِحَامِكَ غُرُورَ اَلْمَيْنِ وَ اَلْأَكَاذِيبِ مِنِ اِنْتِحَالِكَ وَ بِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلاَ عَنْكَ وَ اِبْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اُخْتُزِنَ دُونَكَ فِرَاراً مِنَ اَلْحَقِّ وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَ دَمِكَ مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ فَمَا ذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ وَ بَعْدَ اَلْبَيَانِ إِلاَّ اَللَّبْسُ فَاحْذَرِ اَلشُّبْهَةَ وَ اِشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا فَإِنَّ اَلْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلاَبِيبَهَا وَ أَعْشَتِ اَلْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا وَ قَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ اَلْقَوْلِ ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ اَلسِّلْمِ وَ أَسَاطِيرَ لَمْ يَحُكْهَا عَنْكَ مِنْكَ عِلْمٌ وَ لاَ حِلْمٌ أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي اَلدَّهَاسِ وَ اَلْخَابِطِ فِي اَلدِّيمَاسِ وَ تَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ اَلْمَرَامِ نَازِحَةِ اَلْأَعْلاَمِ تَقْصُرُ دُونَهَا اَلْأَنُوقُ وَ يُحَاذَى بِهَا اَلْعَيُّوقُ وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً فَمِنَ اَلآْنَ فَتَدَارَكْ نَفْسَكَ وَ اُنْظُرْ لَهَا فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اَللَّهِ أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ اَلْأُمُورُ وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ اَلْيَوْمَ مَقْبُولٌ وَ اَلسَّلاَمُ
آن لك و أنى لك بمعنى أي قرب و حان تقول آن لك أن تفعل كذا يئين أينا و قال:
أ لم يأن أن لي تجل عني عمايتي |
و أقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا |
فجمع بين اللغتين و أنى مقلوبة عن آن و مما يجري مجرى المثل قولهم لمن يرونه شيئا شديدا يبصره و لا يشك فيه قد رأيته لمحا باصرا قالوا أي نظرا بتحديق شديد و مخرجه مخرج رجل لابن و تامر أي ذو لبن و تمر فمعنى باصر ذو بصر يقول ع لمعاوية قد حان لك أن تنتفع بما تعلمه من معاينة الأمور و الأحوال و تتحققه يقينا بقلبك كما يتحقق ذو اللمح الباصر ما يبصره بحاسة بصره و أراد ببيان الأمور هاهنا معاينتها و هو ما يعرفه ضرورة من استحقاق علي ع للخلافة دونه و براءته من كل شبهة ينسبها إليه.ثم قال له فقد سلكت أي اتبعت طرائق أبي سفيان أبيك و عتبة جدك و أمثالهما من أهلك ذوي الكفر و الشقاق.و الأباطيل جمع باطل على غير قياس كأنهم جمعوا إبطيلا.و الاقتحام إلقاء النفس في الأمر من غير روية.و المين الكذب و الغرور بالضم المصدر و بالفتح الاسم.و انتحلت القصيدة أي ادعيتها كذبا.قال ما قد علا عنك أي أنت دون الخلافة و لست من أهلها و الابتزاز الاستلاب.
قال لما قد اختزن دونك يعني التسمي بإمرة المؤمنين.ثم قال فرارا من الحق أي فعلت ذلك كله هربا من التمسك بالحق و الدين و حبا للكفر و الشقاق و التغلب.قال و جحودا لما هو ألزم يعني فرض طاعة علي ع لأنه قد وعاها سمعه لا ريب في ذلك إما بالنص في أيام رسول الله ص كما تذكره الشيعة فقد كان معاوية حاضرا يوم الغدير لأنه حج معهم حجة الوداع و قد كان أيضا حاضرا يوم تبوك حين قال له بمحضر من الناس كافة أنت مني بمنزلة هارون من موسى و قد سمع غير ذلك و أما بالبيعة كما نذكره نحن فإنه قد اتصل به خبرها و تواتر عنده وقوعها فصار وقوعها عنده معلوما بالضرورة كعلمه بأن في الدنيا بلدا اسمها مصر و إن كان ما رآها.و الظاهر من كلام أمير المؤمنين ع أنه يريد المعنى الأول و نحن نخرجه على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة فنقول لنفرض أن النبي ص ما نص عليه بالخلافة بعده أ ليس يعلم معاوية و غيره من الصحابة أنه لو قال له في ألف مقام أنا حرب لمن حاربت و سلم لمن سالمت و نحو ذلك من قوله اللهم عاد من عاداه و وال من والاه و قوله حربك حربي و سلمك سلمي و قوله أنت مع الحق و الحق معك و قوله هذا مني و أنا منه و قوله هذا أخي و قوله يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله و قوله اللهم ائتني بأحب خلقك إليك و قوله إنه ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي و قوله في كلام قاله خاصف النعل و قوله لا يحبه إلا مؤمن و لا يبغضه إلا منافق و قوله إن الجنة لتشتاق إلى أربعة و جعله أولهم و قوله لعمار تقتلك الفئة الباغية و قوله ستقاتل الناكثين و القاسطين
و المارقين بعدي إلى غير ذلك مما يطول تعداده جدا و يحتاج إلى كتاب مفرد يوضع له أ فما كان ينبغي لمعاوية أن يفكر في هذا و يتأمله و يخشى الله و يتقيه فلعله ع إلى هذا أشار بقوله و جحودا لما هو ألزم لك من لحمك و دمك مما قد وعاه سمعك و ملئ به صدرك.قوله( فما ذا بعد الحق إلا الضلال ) كلمة من الكلام الإلهي المقدس.قال و بعد البيان إلا اللبس يقال لبست عليه الأمر لبسا أي خلطته و المضارع يلبس بالكسر.قال فاحذر الشبهة و اشتمالها على اللبسة بالضم يقال في الأمر لبسة أي اشتباه و ليس بواضح و يجوز أن يكون اشتمال مصدرا مضافا إلى معاوية أي احذر الشبهة و احذر اشتمالك إياها على اللبسة أي ادراعك بها و تقمصك بها على ما فيها من الإبهام و الاشتباه و يجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشبهة فقط أي احذر الشبهة و احتواءها على اللبسة التي فيها.و تقول أغدفت المرأة قناعها أي أرسلته على وجهها و أغدف الليل أي أرخى سدوله و أصل الكلمة التغطية.و الجلابيب جمع جلباب و هو الثوب.قال و أعشت الأبصار ظلمتها أي أكسبتها العشي و هو ظلمة العين و روي و أغشت بالغين المعجمة ظلمتها بالنصب أي جعلت الفتنة ظلمتها غشاء للأبصار.و الأفانين الأساليب المختلفة.قوله ضعفت قواها عن السلم أي عن الإسلام أي لا تصدر تلك الأفانين
المختلطة عن مسلم و كان كتب إليه يطلب منه أن يفرده بالشام و أن يوليه العهد من بعده و ألا يكلفه الحضور عنده و قرأ أبو عمرو( اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً ) و قال ليس المعني بهذا الصلح بل الإسلام و الإيمان لا غير و معنى ضعفت قواها أي ليس لتلك الطلبات و الدعاوي و الشبهات التي تضمنها كتابك من القوة ما يقتضي أن يكون المتمسك به مسلما لأنه كلام لا يقوله إلا من هو إما كافر منافق أو فاسق و الكافر ليس بمسلم و الفاسق أيضا ليس بمسلم على قول أصحابنا و لا كافر.ثم قال و أساطير لم يحكها منك علم و لا حلم الأساطير الأباطيل واحدها أسطورة بالضم و إسطارة بالكسر و الألف و حوك الكلام صنعته و نظمه و الحلم العقل يقول له ما صدر هذا الكلام و الهجر الفاسد عن عالم و لا عاقل.و من رواها الدهاس بالكسر فهو جمع دهس و من قرأها بالفتح فهو مفرد يقول هذا دهس و دهاس بالفتح مثل لبث و لباث للمكان السهل الذي لا يبلغ أن يكون رملا و ليس هو بتراب و لا طين.و الديماس بالكسر السرب المظلم تحت الأرض و في حديث المسيح أنه سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس يعني في نضرته و كثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن لأنه قال في وصفه كان رأسه يقطر ماء و كان للحجاج سجن اسمه الديماس لظلمته و أصله من دمس الظلام يدمس أي اشتد و ليل دامس و داموس أي مظلم و جاءنا فلان بأمور دمس أي مظلمة عظيمة يقول له أنت في كتابك هذا كالخائض في تلك الأرض الرخوة و تقوم و تقع و لا تتخلص و كالخابط في الليل المظلم يعثر و ينهض و لا يهتدى الطريق.
و المرقبة الموضع العالي و الأعلام جمع علم و هو ما يهتدى به في الطرقات من المنار يقول له سمت همتك إلى دعوى الخلافة و هي منك كالمرقبة التي لا ترام بتعد على من يطلبها و ليس فيها أعلام تهدى إلى سلوك طريقها أي الطرق إليها غامضة كالجبل الأملس الذي ليس فيه درج و مراق يسلك منها إلى ذروته.و الأنوق على فعول بالفتح كأكول و شروب طائر و هو الرخمة و في المثل أعز من بيض الأنوق لأنها تحرزه و لا يكاد أحد يظفر به و ذلك لأن أوكارها في رءوس الجبال و الأماكن الصعبة البعيدة.و العيوق كوكب معروف فوق زحل في العلو و هذه أمثال ضربها في بعد معاوية عن الخلافة.ثم قال حاش لله إن أوليك شيئا من أمور المسلمين بعدي أي معاذ الله و الأصل إثبات الألف في حاشا و إنما اتبع فيها المصحف.و الورد و الصدر الدخول و الخروج و أصله في الإبل و الماء و ينهد إليك عباد الله أي ينهض و أرتجت عليك الأمور أغلقت.و هذا الكتاب هو جواب كتاب وصل من معاوية إليه ع بعد قتل علي ع الخوارج و فيه تلويح بما كان يقوله من قبل إن رسول الله وعدني بقتال طائفة أخرى غير أصحاب الجمل و صفين و إنه سماهم المارقين فلما واقعهم ع بالنهروان و قتلهم كلهم بيوم واحد و هم عشرة آلاف فارس أحب أن يذكر معاوية بما كان يقول من قبل و يعد به أصحابه و خواصه فقال له قد آن لك أن تنتفع بما عاينت و شاهدت معاينة و مشاهدة من صدق القول الذي كنت أقوله للناس و يبلغك فتستهزئ به
66 و من كتاب له ع كتبه إلى عبد الله بن العباس
و قد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْعَبْدَ اَلْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْءِ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَ يَحْزَنُ عَلَى اَلشَّيْءِ اَلَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَلاَ يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ وَ لَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ وَ إِحْيَاءُ حَقٍّ وَ لْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ وَ أَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ وَ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ هذا الفصل قد تقدم شرح نظيره و ليس في ألفاظه و لا معانيه ما يفتقر إلى تفسير و لكنا سنذكر من كلام الحكماء و الصالحين كلمات تناسبه
فمن كلام بعضهم ما قدر لك أتاك و ما لم يقدر لك تعداك فعلام تفرح بما لم يكن بد من وصوله إليك و علام تحزن بما لم يكن ليقدم عليك.و من كلامهم الدنيا تقبل إقبال الطالب و تدبر إدبار الهارب و تصل وصال المتهالك و تفارق فراق المبغض الفارك فخيرها يسير و عيشها قصير و إقبالها خدعة و إدبارها
فجعة و لذاتها فانية و تبعاتها باقية فاغتنم غفلة الزمان و انتهز فرصة الإمكان و خذ من نفسك لنفسك و تزود من يومك لغدك قبل نفاذ المدة و زوال القدرة فلكل امرئ من دنياه ما ينفعه على عمارة أخراه.و من كلامهم من نكد الدنيا أنها لا تبقى على حالة و لا تخلو من استحالة تصلح جانبا بإفساد جانب و تسر صاحبا بمساءة صاحب فالسكون فيها خطر و الثقة إليها غرر و الالتجاء إليها محال و الاعتماد عليها ضلال.و من كلامهم لا تبتهجن لنفسك بما أدركت من لذاتها الجسمانية و ابتهج لها بما تناله من لذاتها العقلية و من القول بالحق و العمل بالحق فإن اللذات الحسية خيال ينفد و المعارف العقلية باقية بقاء الأبد
67 و من كتاب له ع كتبه إلى قثم بن العباس و هو عامله على مكة
أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ اَلْحَجَّ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اَللَّهِ وَ اِجْلِسْ لَهُمُ اَلْعَصْرَيْنِ فَأَفْتِ اَلْمُسْتَفْتِيَ وَ عَلِّمِ اَلْجَاهِلَ وَ ذَاكِرِ اَلْعَالِمَ وَ لاَ يَكُنْ لَكَ إِلَى اَلنَّاسِ سَفِيرٌ إِلاَّ لِسَانُكَ وَ لاَ حَاجِبٌ إِلاَّ وَجْهُكَ وَ لاَ تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا وَ اُنْظُرْ إِلَى مَا اِجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اَللَّهِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي اَلْعِيَالِ وَ اَلْمَجَاعَةِ مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ اَلْمَفَاقِرِ اَلْفَاقَةِ وَ اَلْخَلاَّتِ وَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا وَ مُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ( سَواءً اَلْعاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبادِ ) فَالْعَاكِفُ اَلْمُقِيمُ بِهِ وَ اَلْبَادِي اَلَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ وَفَّقَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِمَحَابِّهِ وَ اَلسَّلاَمُ
قد تقدم ذكر قثم و نسبه أمره أن يقيم للناس حجهم و أن يذكرهم بأيام الله و هي أيام الإنعام و أيام الانتقام لتحصل الرغبة و الرهبة.و اجلس لهم العصرين الغداة و العشي.ثم قسم له ثمرة جلوسه لهم ثلاثة أقسام إما أن يفتي مستفتيا من العامة في بعض الأحكام و إما أن يعلم متعلما يطلب الفقه و إما أن يذاكر عالما و يباحثه و يفاوضه و لم يذكر السياسة و الأمور السلطانية لأن غرضه متعلق بالحجيج و هم أضيافه يقيمون ليالي يسيرة و يقفلون و إنما يذكر السياسة و ما يتعلق بها فيما يرجع إلى أهل مكة و من يدخل تحت ولايته دائما ثم نهاه عن توسط السفراء و الحجاب بينه و بينهم بل ينبغي أن يكون سفيره لسانه و حاجبه وجهه و روي و لا يكن إلا لسانك سفيرا لك إلى الناس بجعل لسانك اسم كان مثل قوله( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ) و الرواية الأولى هي المشهورة و هو أن يكون سفيرا اسم كان و لك خبرها و لا يصح ما قاله الراوندي إن خبرها إلى الناس لأن إلى هاهنا متعلقة بنفس سفير فلا يجوز أن تكون الخبر عن سفير تقول سفرت إلى بني فلان في الصلح و إذا تعلق حرف الجر بالكلمة صار كالشيء الواحد.ثم قال فإنها إن ذيدت أي طردت و دفعت.كان أبو عباد ثابت بن يحيى كاتب المأمون إذا سئل الحاجة يشتم السائل و يسطو عليه و يخجله و يبكته ساعة ثم يأمر له بها فيقوم و قد صارت إليه و هو يذمه و يلعنه قال علي بن جبلة العكوك
عن الله أبا عباد |
لعنا يتوالى |
|
يوسع السائل شتما |
ثم يعطيه السؤالا |
و كان الناس يقفون لأبي عباد وقت ركوبه فيتقدم الواحد منهم إليه بقصته ليناوله إياها فيركله برجله بالركاب و يضربه بسوطه و يطير غضبا ثم لا ينزل عن فرسه حتى يقضي حاجته و يأمر له بطلبته فينصرف الرجل بها و هو ذام له ساخط عليه فقال فيه دعبل:
أولى الأمور بضيعة و فساد |
ملك يدبره أبو عباد |
|
متعمد بدواته جلساءه |
فمضرج و مخضب بمداد |
|
و كأنه من دير هزقل مفلت |
حرب يجر سلاسل الأقياد |
|
فاشدد أمير المؤمنين صفاده |
بأشد منه في يد الحداد |
و قال فيه بعض الشعراء:
قل للخليفة يا ابن عم محمد |
قيد وزيرك إنه ركال |
|
فلسوطه بين الرءوس مسالك |
و لرجله بين الصدور مجال |
و المفاقر الحاجات يقال سد الله مفاقره أي أغنى الله فقره ثم أمره أن يأمر أهل مكة ألا يأخذوا من أحد من الحجيج أجرة مسكن و احتج على ذلك بالآية و أصحاب أبي حنيفة يتمسكون بها في امتناع بيع دور مكة و إجارتها و هذا بناء على أن
المسجد الحرام هو مكة كلها و الشافعي يرى خلاف ذلك و يقول إنه الكعبة و لا يمنع من بيع دور مكة و لا إجارتها و يحتج بقوله تعالى( اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) و أصحاب أبي حنيفة يقولون إنها إضافة اختصاص لا إضافة تمليك كما تقول جل الدابة و قرأ سواء بالنصب على أن يكون أحد مفعولي جعلنا أي جعلناه مستويا فيه العاكف و الباد و من قرأ بالرفع جعل الجملة هي المفعول الثاني
68 و من كتاب له ع كتبه إلى سلمان الفارسيرحمهالله قبل أيام خلافته
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ اَلدُّنْيَا مَثَلُ اَلْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا وَ ضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَ تَصَرُّفِ حَالاَتِهَا وَ كُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اِطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ أَوْ إِلَى إِينَاسٍ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحَاشٍ وَ اَلسَّلاَمُ
سلمان رجل من فارس من رامهرمز و قيل بل من أصبهان من قرية يقال لها جي و هو معدود من موالي رسول الله ص و كنيته أبو عبد الله و كان إذا قيل ابن من أنت يقول أنا سلمان ابن الإسلام أنا من بني آدم.و قد روي أنه قد تداوله أرباب كثيرة بضعة عشر ربا من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله ص.و روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب أن سلمان أتى رسول الله
ص بصدقة فقال هذه صدقة عليك و على أصحابك فلم يقبلها و قال إنه لا تحل لنا الصدقة فرفعها ثم جاء من الغد بمثلها و قال هدية هذه فقال لأصحابه كلوا.و اشتراه من أربابه و هم قوم يهود بدراهم و على أن يغرس لهم من النخيل كذا و كذا و يعمل فيها حتى تدرك فغرس رسول الله ص ذلك النخل كله بيده إلا نخلة واحدة غرسها عمر بن الخطاب فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة فقال رسول الله ص من غرسها قيل عمر فقلعها و غرسها رسول الله ص بيده فأطعمت.قال أبو عمر و كان سلمان يسف الخوص و هو أمير على المدائن و يبيعه و يأكل منه و يقول لا أحب أن آكل إلا من عمل يدي و كان قد تعلم سف الخوص من المدينة.و أول مشاهده الخندق و هو الذي أشار بحفره فقال أبو سفيان و أصحابه لما رأوه هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.قال أبو عمر و قد روي أن سلمان شهد بدرا و أحدا و هو عبد يومئذ و الأكثر أن أول مشاهده الخندق و لم يفته بعد ذلك مشهد.قال و كان سلمان خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا متقشفا.قال و ذكر هشام بن حسان عن الحسن البصري قال كان عطاء سلمان خمسة آلاف و كان إذا خرج عطاؤه تصدق به و يأكل من عمل يده و كانت له عباءة يفرش بعضها و يلبس بعضها.
قال و قد ذكر ابن وهب و ابن نافع أن سلمان لم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدر و الشجر و أن رجلا قال له أ لا أبني لك بيتا تسكن فيه قال لا حاجة لي في ذلك فما زال به الرجل حتى قال له أنا أعرف البيت الذي يوافقك قال فصفه لي قال أبني لك بيتا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه و إن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار قال نعم فبنى له.
قال أبو عمر و قد روي عن رسول الله ص من وجوه أنه قال لو كان الدين في الثريا لناله سلمان و في رواية أخرى لناله رجل من فارس قال و قد روينا عن عائشة قالت كان لسلمان مجلس من رسول الله ص ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ص قال و قد روي من حديث ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ص قال أمرني ربي بحب أربعة و أخبرني أنه يحبهم علي و أبو ذر و المقداد و سلمان قال و روى قتادة عن أبي هريرة قال سلمان صاحب الكتابين يعني الإنجيل و القرآن.و قد روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي ع أنه سئل عن سلمان فقال علم العلم الأول و العلم الآخر ذاك بحر لا ينزف و هو منا أهل البيت
قال و في رواية زاذان عن علي ع سلمان الفارسي كلقمان الحكيم
قال و قال فيه كعب الأحبار سلمان حشي علما و حكمة.
قال و في الحديث المروي أن أبا سفيان مر على سلمان و صهيب و بلال في نفر من المسلمين فقالوا ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها و أبو سفيان يسمع قولهم فقال لهم أبو بكر أ تقولون هذا لشيخ قريش و سيدها و أتى النبي ص و أخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله فأتاهم أبو بكر فقال أبو بكر يا إخوتاه لعلي أغضبتكم قالوا لا يا أبا بكر يغفر الله لك.قال و آخى رسول الله ص بينه و بين أبي الدرداء لما آخى بين المسلمين.قال و لسلمان فضائل جمة و أخبار حسان و توفي في آخر خلافة عثمان سنة خمس و ثلاثين و قيل توفي في أول سنة ست و ثلاثين و قال قوم توفي في خلافة عمر و الأول أكثر.و أما حديث إسلام سلمان فقد ذكره كثير من المحدثين و رووه عنه قال كنت ابن دهقان قرية جي من أصبهان و بلغ من حب أبي لي أن حبسني في البيت كما تحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطن بيت النار فأرسلني أبي يوما إلى ضيعة له فمررت بكنيسة النصارى فدخلت عليهم فأعجبتني صلاتهم فقلت دين هؤلاء خير من ديني فسألتهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فهربت من والدي حتى قدمت الشام فدخلت على الأسقف فجعلت أخدمه و أتعلم منه حتى حضرته الوفاة فقلت إلى من توصي بي فقال قد هلك الناس و تركوا دينهم إلا رجلا بالموصل فالحق به فلما قضى نحبه لحقت بذلك الرجل
فلم يلبث إلا قليلا حتى حضرته الوفاة فقلت إلى من توصي بي فقال ما أعلم رجلا بقي على الطريقة المستقيمة إلا رجلا بنصيبين فلحقت بصاحب نصيبين قالوا و تلك الصومعة اليوم باقية و هي التي تعبد فيها سلمان قبل الإسلام قال ثم احتضر صاحب نصيبين فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم فأتيته و أقمت عنده و اكتسبت بقيرات و غنيمات فلما نزل به الموت قلت له بمن توصي بي فقال قد ترك الناس دينهم و ما بقي أحد منهم على الحق و قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين لها نخل قلت فما علامته قال يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة قال و مر بي ركب من كلب فخرجت معهم فلما بلغوا بي وادي القرى ظلموني و باعوني من يهودي فكنت أعمل له في زرعه و نخله فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عم له فابتاعني منه و حملني إلى المدينة فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها و بعث الله محمدا بمكة و لا أعلم بشيء من أمره فبينا أنا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لسيدي فقال قاتل الله بني قيلة قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبي قال فأخذني القر و الانتفاض و نزلت عن النخلة و جعلت أستقصي في السؤال فما كلمني سيدي بكلمة بل قال أقبل على شأنك و دع ما لا يعنيك فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر و أتيت به النبي ص فقلت له بلغني أنك رجل صالح و أن لك أصحابا غرباء ذوي حاجة و هذا شيء عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقال ع لأصحابه كلوا و أمسك فلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة و انصرفت فلما كان من الغد أخذت ما كان بقي عندي و أتيته به فقلت له إني رأيتك لا تأكل الصدقة و هذه هدية
فقال كلوا و أكل معهم فقلت إنه لهو فأكببت عليه أقبله و أبكي فقال ما لك فقصصت عليه القصة فأعجبه ثم قال يا سلمان كاتب صاحبك فكاتبته على ثلاثمائة نخلة و أربعين أوقية فقال رسول الله ص للأنصار أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية فوضعها رسول الله ص بيده فصحت كلها و أتاه مال من بعض المغازي فأعطاني منه و قال أد كتابتك فأديت و عتقت.و كان سلمان من شيعة علي ع و خاصته و تزعم الإمامية أنه أحد الأربعة الذين حلقوا رءوسهم و أتوه متقلدي سيوفهم في خبر يطول و ليس هذا موضع ذكره و أصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة و إنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك و ما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة كرديد و نكرديد محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئا و ما صنعتم أي استخلفتم خليفة و نعم ما فعلتم إلا أنكم عدلتم عن أهل البيت فلو كان الخليفة منهم كان أولى و الإمامية تقول معناه أسلمتم و ما أسلمتم و اللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطي هذا المعنى و إنما تدل على الفعل و العمل لا غير و يدل على صحة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن فلو كان ما تنسبه الإمامية إليه حقا لم يعمل له.فأما ألفاظ الفصل و معانيه فظاهرة و مما يناسب مضمونه قول بعض الحكماء تعز عن الشيء إذا منعته بقلة صحبته لك إذا أعطيته.و كان يقال الهالك على الدنيا رجلان رجل نافس في عزها و رجل أنف من ذلها.
و مر بعض الزهاد بباب دار و أهلها يبكون ميتا لهم فقال وا عجبا لقوم مسافرين يبكون مسافرا قد بلغ منزله.و كان يقال يا ابن آدم لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت و لا تفرح بموجود لا يتركه عليك الموت.لقي عالم من العلماء راهبا فقال أيها الراهب كيف ترى الدنيا قال تخلق الأبدان و تجدد الآمال و تباعد الأمنية و تقرب المنية قال فما حال أهلها قال من ظفر بها نصب و من فاتته أسف قال فكيف الغنى عنها قال بقطع الرجاء منها قال فأي الأصحاب أبر و أوفى قال العمل الصالح قال فأيهم أضر و أنكى قال النفس و الهوى قال فكيف المخرج قال في سلوك المنهج قال و بما ذا أسلكه قال بأن تخلع لباس الشهوات الفانية و تعمل للدار الباقية
69 و من كتاب له ع كتبه إلى الحارث الهمداني
وَ تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اَلْقُرْآنِ وَ اِنْتَصِحْهُ اِسْتَنْصِحْهُ وَ أَحِلَّ حَلاَلَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ اَلْحَقِّ وَ اِعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ اَلدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً وَ آخِرَهَا لاَحِقٌ بِأَوَّلِهَا وَ كُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ وَ عَظِّمِ اِسْمَ اَللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلاَّ عَلَى حَقٍّ وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ اَلْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ وَ لاَ تَتَمَنَّ اَلْمَوْتَ إِلاَّ بِشَرْطٍ وَثِيقٍ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ وَ يَكْرَهُهُ يُكْرَهُ لِعَامَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي اَلسِّرِّ وَ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي اَلْعَلاَنِيَةِ وَ اِحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ وَ اِعْتَذَرَ مِنْهُ وَ لاَ تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ اَلْقَوْمِ اَلْقَوْلِ وَ لاَ تُحَدِّثِ اَلنَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً وَ لاَ تَرُدَّ عَلَى اَلنَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلاً وَ اِكْظِمِ اَلْغَيْظَ وَ اُحْلُمْ عِنْدَ اَلْغَضَبِ وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ اَلْمَقْدِرَةِ تَجَاوَزْ عِنْدَ اَلْمَقْدِرَةِ وَ اُحْلُمْ عِنْدَ اَلْغَضَبِ وَ اِصْفَحْ مَعَ اَلدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ اَلْعَاقِبَةُ وَ اِسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اَللَّهُ عَلَيْكَ وَ لاَ تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اَللَّهِ عِنْدَكَ وَ لْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ إِنَّكَ فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ وَ مَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ
وَ اِحْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأْيُهُ وَ يُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ اَلصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ وَ اُسْكُنِ اَلْأَمْصَارَ اَلْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اِحْذَرْ مَنَازِلَ اَلْغَفْلَةِ وَ اَلْجَفَاءِ وَ قِلَّةَ اَلْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ اُقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ وَ إِيَّاكَ وَ مَقَاعِدَ اَلْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ اَلشَّيْطَانِ وَ مَعَارِيضُ اَلْفِتَنِ وَ أَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ اَلشُّكْرِ وَ لاَ تُسَافِرْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ اَلصَّلاَةَ إِلاَّ فَاصِلاً فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَوْ فِي أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ وَ أَطِعِ اَللَّهَ فِي جُمَلِ جَمِيعِ أُمُورِكَ فَإِنَّ طَاعَةَ اَللَّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا وَ خَادِعْ نَفْسَكَ فِي اَلْعِبَادَةِ وَ اُرْفُقْ بِهَا وَ لاَ تَقْهَرْهَا وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا إِلاَّ مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ اَلْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا وَ إِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ اَلْمَوْتُ وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ اَلدُّنْيَا وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ اَلْفُسَّاقِ فَإِنَّ اَلشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ وَ وَقِّرِ اَللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ وَ اِحْذَرِ اَلْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ وَ اَلسَّلاَمُ
هو الحارث الأعور صاحب أمير المؤمنين ع و هو الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد بن نخلة بن حرث بن سبع بن صعب بن معاوية الهمداني كان أحد
الفقهاء له قول في الفتيا و كان صاحب علي ع و إليه تنسب الشيعة الخطاب الذي خاطبه به في قوله ع:
يا حار همدان من يمت يرني |
من مؤمن أو منافق قبلا |
و هي أبيات مشهورة قد ذكرناها فيما تقدم
و قد اشتمل هذا الفصل على وصايا جليلة الموقع منها قوله و تمسك بحبل القرآن
جاء في الخبر المرفوع لما ذكر الثقلين فقال أحدهما كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض طرف بيد الله و طرف بأيديكم.و منها قوله انتصحه أي عده ناصحا لك فيما أمرك به و نهاك عنه.و منها قوله و أحل حلاله و حرم حرامه أي احكم بين الناس في الحلال و الحرام بما نص عليه القرآن.و منها قوله و صدق بما سلف من الحق أي صدق بما تضمنه القرآن من أيام الله و مثلاته في الأمم السالفة لما عصوا و كذبوا.و منها قوله و اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها و في المثل إذا شئت أن تنظر الدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك و قال الشاعر:
و ما نحن إلا مثلهم غير أننا |
أقمنا قليلا بعدهم ثم نرحل |
و يناسب قوله و آخرها لاحق بأولها و كلها حائل مفارق قوله أيضا ع
في غير هذا الفصل الماضي للمقيم عبرة و الميت للحي عظة و ليس لأمس عودة و لا المرء من غد على ثقة الأول للأوسط رائد و الأوسط للأخير قائد و كل بكل لاحق و الكل للكل مفارق.و منها قوله و عظم اسم الله أن تذكره إلا على حق قال الله سبحانه( وَ لا تَجْعَلُوا اَللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) و قد نهى عن الحلف بالله في الكذب و الصدق أما في أحدهما فمحرم و أما في الآخر فمكروه و لذلك لا يجوز ذكر اسمه تعالى في لغو القول و الهزء و العبث.و منها قوله و أكثر ذكر الموت و ما بعد الموت جاء في الخبر المرفوع أكثروا ذكر هاذم اللذات و ما بعد الموت العقاب و الثواب في القبر و في الآخرة.و منها قوله و لا تتمن الموت إلا بشرط وثيق هذه كلمة شريفة عظيمة القدر أي لا تتمن الموت إلا و أنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة و تنقذك من النار و هذا هو معنى قوله تعالى لليهود( إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ اَلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) .و منها قوله و احذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه و يكرهه لعامة المسلمين و احذر كل عمل يعمل في السر و يستحيا منه في العلانية و احذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره و اعتذر منه و هذه الوصايا الثلاث متقاربة في المعنى و يشملها معنى قول الشاعر:
لا تنه عن خلق و تأتي مثله |
عار عليك إذا فعلت عظيم |
و قال الله تعالى حاكيا عن نبي من أنبيائه( وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ) .و من كلام الجنيد الصوفي ليكن عملك من وراء سترك كعملك من وراء الزجاج الصافي و في المثل و هو منسوب إلى علي ع إياك و ما يعتذر منه.و منها قوله و لا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم قال الشاعر:
لا تستتر أبدا ما لا تقوم له |
و لا تهيجن من عريسة الأسدا |
|
إن الزنابير إن حركتها سفها |
من كورها أوجعت من لسعها الجسدا |
و قال:
مقالة السوء إلى أهلها |
أسرع من منحدر سائل |
|
و من دعا الناس إلى ذمه |
ذموه بالحق و بالباطل |
و منها قوله و لا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا قد نهى أن يحدث الإنسان بكل ما رأى من العجائب فضلا عما سمع لأن الحديث الغريب المعجب تسارع النفس إلى تكذيبه و إلى أن تقوم الدلالة على صدقه قد فرط من سوء الظن فيه ما فرط.و يقال إن بعض العلوية قال في حضرة عضد الدولة ببغداد عندنا في الكوفة نبق وزن كل نبقة مثقالان فاستطرف الملك ذلك و كاد يكذبه الحاضرون فلما قام ذكر ذلك لأبيه فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة يأمر وكلاءه بإرسال مائة حمامة في رجلي كل واحدة نبقتان من ذلك النبق فجاء النبق في بكرة الغد و حمل إلى عضد الدولة فاستحسنه و صدقه حينئذ ثم قال له لعمري لقد صدقت
و لكن لا تحدث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب فليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام.و كان يقال الناس يكتبون أحسن ما يسمعون و يحفظون أحسن ما يكتبون و يتحدثون بأحسن ما يحفظون و الأصدق نوع تحت جنس الأحسن و منها قوله و لا ترد على الناس كل ما حدثوك فكفى بذلك جهلا من الجهل المبادرة بإنكار ما يسمعه و قال ابن سينا في آخر الإشارات إياك أن يكون تكيسك و تبرؤك من العامة هو أن تنبري منكرا لكل شيء فلذلك عجز و طيش و ليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينة بل عليك الاعتصام بحبل التوقف و إن أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك مما لم يبرهن على استحالته لك فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنها قائم البرهان.و منها قوله و اكظم الغيظ قد مدح الله تعالى ذلك فقال( وَ اَلْكاظِمِينَ اَلْغَيْظَ ) و روي أن عبدا لموسى بن جعفر ع قدم إليه صحفة فيها طعام حار فعجل فصبها على رأسه و وجهه فغضب فقال له( وَ اَلْكاظِمِينَ اَلْغَيْظَ ) قال قد كظمت قال( وَ اَلْعافِينَ عَنِ اَلنَّاسِ ) قال قد عفوت قال( وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ) قال أنت حر لوجه الله و قد نحلتك ضيعتي الفلانية.و منها قوله و احلم عند الغضب هذه مناسبة الأولى و قد تقدم منا قول كثير في الحلم و فضله و كذلك القول في قوله ع و تجاوز عند القدرة و كان يقال القدرة تذهب الحفيظة.
و منها قوله و اصفح مع الدولة تكن لك العاقبة هذه كانت شيمة رسول الله ص و شيمة علي ع أما شيمة رسول الله ص فظفر بمشركي مكة و عفا عنهم كما سبق القول فيه في عام الفتح و أما علي ع فظفر بأصحاب الجمل و قد شقوا عصا الإسلام عليه و طعنوا فيه و في خلافته فعفا عنهم مع علمه بأنهم يفسدون عليه أمره فيما بعد و يصيرون إلى معاوية إما بأنفسهم أو بآرائهم و مكتوباتهم و هذا أعظم من الصفح عن أهل مكة لأن أهل مكة لم يبق لهم لما فتحت فئة يتحيزون إليها و يفسدون الدين عندها.و منها قوله و استصلح كل نعمة أنعمها الله عليك معنى استصلحها استدمها لأنه إذا استدامها فقد أصلحها فإن بقاءها صلاح لها و استدامتها بالشكر.و منها قوله و لا تضيعن نعمة من نعم الله عندك أي واس الناس منها و أحسن إليهم و اجعل بعضها لنفسك و بعضها للصدقة و الإيثار فإنك إن لم تفعل ذلك تكن قد أضعتها.و منها قوله و لير عليك أثر النعمة قد أمر بأن يظهر الإنسان على نفسه آثار نعمة الله عليه و قال سبحانه( وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) و قال الرشيد لجعفر قم بنا لنمضي إلى منزل الأصمعي فمضيا إليه خفية و معهما خادم معه ألف دينار ليدفع ذلك إليه فدخلا داره فوجدا كساء جرداء و بارية سملاء و حصيرا مقطوعا و خباء قديمة و أباريق من خزف و دواة من زجاج و دفاتر عليها التراب و حيطانا مملوءة من نسج العناكب فوجم الرشيد و سأله مسائل غشة لم تكن من غرضه و إنما قطع بها خجله و قال الرشيد لجعفر أ لا ترى إلى نفس هذا المهين قد بررناه بأكثر
من خمسين ألف دينار و هذه حاله لم تظهر عليه آثار نعمتنا و الله لا دفعت إليه شيئا و خرج و لم يعطه.و منها قوله و اعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه و أهله و ماله أي أفضلهم إنفاقا في البر و الخير من ماله و هي التقدمة قال الله تعالى( وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ ) فأما النفس و الأهل فإن تقدمتهما في الجهاد و قد تكون التقدمة في النفس بأن يشفع شفاعة حسنة أو يحضر عند السلطان بكلام طيب و ثناء حسن و أن يصلح بين المتخاصمين و نحو ذلك و التقدمة في الأهل أن يحج بولده و زوجته و يكلفهما المشاق في طاعة الله و أن يؤدب ولده إن أذنب و أن يقيم عليه الحد و نحو ذلك.و منها قوله و ما تقدم من خير يبق لك زخره و ما تؤخره يكن لغيرك خيره و قد سبق مثل هذا و أن ما يتركه الإنسان بعده فقد حرم نفعه و كأنما كان يكدح لغيره و ذلك من الشقاوة و قلة التوفيق.و منها قوله و احذر صحابة من يفيل رأيه الصحابة بفتح الصاد مصدر صحبت و الصحابة بالفتح أيضا جمع صاحب و المراد هاهنا الأول و فال رأيه فسد و هذا المعنى قد تكرر و قال طرفة:
عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه |
فإن القرين بالمقارن يقتدي |
و منها قوله و اسكن الأمصار العظام قد قيل لا تسكن إلا في مصر فيه سوق قائمة و نهر جار و طبيب حاذق و سلطان عادل فأما منازل الغفلة و الجفاء فمثل قرى السواد الصغار فإن أهلها لا نور فيهم و لا ضوء عليهم و إنما هم كالدواب
و الأنعام همهم الحرث و الفلاحة و لا يفقهون شيئا أصلا فمجاورتهم تعمي القلب و تظلم الحس و إذا لم يجد الإنسان من يعينه على طاعة الله و على تعلم العلم قصر فيهما.و منها قوله و اقصر رأيك على ما يعنيك كان يقال من دخل فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه.و منها نهيه إياه عن القعود في الأسواق قد جاء في المثل السوق محل الفسوق.و جاء في الخبر المرفوع الأسواق مواطن إبليس و جنده و ذلك لأنها قلما تخلو عن الأيمان الكاذبة و البيوع الفاسدة و هي أيضا مجمع النساء المومسات و فجار الرجال و فيها اجتماع أرباب الأهواء و البدع فلا يخلو أن يتجادل اثنان منهم في المذاهب و النحل فيفضي إلى الفتن.و منها قوله و انظر إلى من فضلت عليه كان يقال انظر إلى من دونك و لا تنظر إلى من فوقك و قد بين ع السر فيه فقال إن ذلك من أبواب الشكر و صدق ع لأنك إذا رأيت جاهلا و أنت عالم أو عالما و أنت أعلم منه أو فقيرا و أنت أغنى منه أو مبتلى بسقم و أنت معافى عنه كان ذلك باعثا و داعيا لك إلى الشكر.و منها نهيه عن السفر يوم الجمعة ينبغي أن يكون هذا النهي عن السفر يوم الجمعة قبل الصلاة و أما بعد الصلاة فلا بأس به و استثنى فقال إلا فاصلا في سبيل الله أي شاخصا إلى الجهاد.قال أو في أمر تعذر به أي لضرورة دعتك إلى ذلك.
و قد ورد نهي كثير عن السفر يوم الجمعة قبل أداء الفرض على أن من الناس من كره ذلك بعد الصلاة أيضا و هو قول شاذ.و منها قوله و أطع الله في جمل أمورك أي في جملتها و فيها كلها و ليس يعني في جملتها دون تفاصيلها قال فإن طاعة الله فاضلة على غيرها و صدق ع لأنها توجب السعادة الدائمة و الخلاص من الشقاء الدائم و لا أفضل مما يؤدي إلى ذلك.و منها قوله و خادع نفسك في العبادة أمره أن يتلطف بنفسه في النوافل و أن يخادعها و لا يقهرها فتمل و تضجر و تترك بل يأخذ عفوها و يتوخى أوقات النشاط و انشراح الصدر للعبادة.قال فأما الفرائض فحكمها غير هذا الحكم عليك أن تقوم بها كرهتها النفس أو لم تكرهها ثم أمره أن يقوم بالفريضة في وقتها و لا يؤخرها عنه فتصير قضاء.و منها قوله و إياك أن ينزل بك المنون و أنت آبق من ربك في طلب الدنيا هذه وصية شريفة جدا جعل طالب الدنيا المعرض عن الله عند موته كالعبد الآبق يقدم به على مولاه أسيرا مكتوفا ناكس الرأس فما ظنك به حينئذ.و منها قوله و إياك و مصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق يقول إن الطباع ينزع بعضها إلى بعض فلا تصحبن الفساق فإنه ينزع بك ما فيك من طبع الشر إلى مساعدتهم على الفسوق و المعصية و ما هو إلا كالنار تقوى بالنار فإذا لم تجاورها و تمازجها نار كانت إلى الانطفاء و الخمود أقرب.
و روي ملحق بكسر الحاء و قد جاء ذلك في الخبر النبوي فإن عذابك بالكفار ملحق بالكسر.و منها قوله و أحب أحباءه
قد جاء في الخبر لا يكمل إيمان امرئ حتى يحب من أحب الله و يبغض من أبغض الله و منها قوله و احذر الغضب قد تقدم لنا كلام طويل في الغضب و قال إنسان للنبي ص أوصني قال لا تغضب فقال زدني فقال لا تغضب قال زدني قال لا أجد لك مزيدا و إنما جعله ع جندا عظيما من جنود إبليس لأنه أصل الظلم و القتل و إفساد كل أمر صالح و هو إحدى القوتين المشئومتين اللتين لم يخلق أضر منهما على الإنسان و هما منبع الشر الغضب و الشهوة
70 و من كتاب له ع إلى سهل بن حنيف الأنصاري و هو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَلاَ تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ وَ يَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً وَ لَكَ مِنْهُمْ شَافِياً فِرَارُهُمْ مِنَ اَلْهُدَى وَ اَلْحَقِّ وَ إِيضَاعُهُمْ إِلَى اَلْعَمَى وَ اَلْجَهْلِ فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَيْهَا قَدْ عَرَفُوا اَلْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ وَ عَلِمُوا أَنَّ اَلنَّاسَ عِنْدَنَا فِي اَلْحَقِّ أُسْوَةٌ فَهَرَبُوا إِلَى اَلْأَثَرَةِ فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً إِنَّهُمْ وَ اَللَّهِ لَمْ يَفِرُّوا يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ وَ لَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اَللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ وَ يُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ قد تقدم نسب سهل بن حنيف و أخيه عثمان فيما مضى.و يتسللون يخرجون إلى معاوية هاربين في خفية و استتار.قال فلا تأسف أي لا تحزن و الغي الضلال.قال و لك منهم شافيا أي يكفيك في الانتقام منهم و شفاء النفس من عقوبتهم أنهم يتسللون إلى معاوية.
قال ارض لمن غاب عنك غيبته فذاك ذنب عقابه فيه.و الإيضاع الإسراع وضع البعير أي أسرع و أوضعه صاحبه قال:
رأى برقا فأوضع فوق بكر |
فلا يك ما أسال و لا أعاما |
و مهطعون مسرعون أيضا و الأثرة الاستئثار يقول قد عرفوا أني لا أقسم إلا بالسوية و أني لا أنفل قوما على قوم و لا أعطي على الأحساب و الأنساب كما فعل غيري فتركوني و هربوا إلى من يستأثر و يؤثر.قال فبعدا لهم و سحقا دعاء عليهم بالبعد و الهلاك.و روي أنهم لم ينفروا بالنون من نفر ثم ذكر أنه راج من الله أن يذلل له صعب هذا الأمر و يسهل له حزنه و الحزن ما غلظ من الأرض و ضده السهل
71 و من كتاب له ع إلى المنذر بن الجارود العبدي
و قد كان استعمله على بعض النواحي فخان الأمانة في بعض ما ولاه من أعماله : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ وَ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ وَ تَسْلُكُ سَبِيلَهُ فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَ تَدَعُ لِهَوَاكَ اِنْقِيَاداً وَ لاَ تُبْقِي لآِخِرَتِكَ عَتَاداً تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ وَ تَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ وَ لَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَ شِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ وَ مَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ : قال الرضيرضياللهعنه : المنذر بن الجارود هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين ع إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه تفال في شراكيه
هو المنذر بن الجارود و اسم الجارود بشر بن خنيس بن المعلى و هو الحارث بن زيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بيتهم بيت الشرف في عبد القيس و إنما سمي الجارود لبيت قاله بعض الشعراء فيه في آخره.
كما جرد الجارود بكر بن وائل
و وفد الجارود على النبي ص في سنة تسع و قيل في سنة عشر.و ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب أنه كان نصرانيا فأسلم و حسن إسلامه و كان قد وفد مع المنذر بن ساوى في جماعة من عبد القيس و قال:
شهدت بأن الله حق و سامحت |
بنات فؤادي بالشهادة و النهض |
|
فأبلغ رسول الله مني رسالة |
بأني حنيف حيث كنت من الأرض |
قال و قد اختلف في نسبه اختلافا كثيرا فقيل بشر بن المعلى بن خنيس و قيل بشر بن خنيس بن المعلى و قيل بشر بن عمرو بن العلاء و قيل بشر بن عمرو بن المعلى و كنيته أبو عتاب و يكنى أيضا أبا المنذر.و سكن الجارود البصرة و قتل بأرض فارس و قيل بل قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن و قيل إن عثمان بن العاص بعث الجارود في بعث نحو ساحل فارس فقتل
بموضع يعرف بعقبة الجارود و كان قبل ذلك يعرف بعقبة الطين فلما قتل الجارود فيه عرفه الناس بعقبة الجارود و ذلك في سنة إحدى و عشرين.و قد روي عن النبي ص أحاديث و روي عنه و أمه دريمكة بنت رويم الشيبانية.و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب التاج إن رسول الله ص أكرم الجارود و عبد القيس حين وفدا إليه و قال للأنصار قوموا إلى إخوانكم و أشبه الناس بكم قال لأنهم أصحاب نخل كما أن الأوس و الخزرج أصحاب نخل و مسكنهم البحرين و اليمامة قال أبو عبيدة و قال عمر بن الخطاب لو لا أني سمعت رسول الله ص يقول إن هذا الأمر لا يكون إلا في قريش لما عدلت بالخلافة عن الجارود بن بشر بن المعلى و لا تخالجني في ذلك الأمور.قال أبو عبيدة و لعبد القيس ست خصال فاقت بها على العرب منها أسود العرب بيتا و أشرفهم رهطا الجارود هو و ولده.و منها أشجع العرب حكيم بن جبلة قطعت رجله يوم الجمل فأخذها بيده و زحف على قاتله فضربه بها حتى قتله و هو يقول:
يا نفس لا تراعي |
إن قطعت كراعي |
إن معي ذراعي
فلا يعرف في العرب أحد صنع صنيعه.و منها أعبد العرب هرم بن حيان صاحب أويس القرني.و منها أجود العرب عبد الله بن سواد بن همام غزا السند في أربعة آلاف ففتحها و أطعم الجيش كله ذاهبا و قافلا فبلغه أن رجلا من الجيش مرض فاشتهى خبيصا
فأمر باتخاذ الخبيص لأربعة آلاف إنسان فأطعمهم حتى فضل و تقدم إليهم ألا يوقد أحد منهم نارا لطعام في عسكره مع ناره.و منها أخطب العرب مصقلة بن رقبة به يضرب المثل فيقال أخطب من مصقلة.و منها أهدى العرب في الجاهلية و أبعدهم مغارا و أثرا في الأرض في عدوه و هو دعيميص الرمل كان يعرف بالنجوم هداية و كان أهدى من القطا يدفن بيض النعام في الرمل مملوءا ماء ثم يعود إليه فيستخرجه.فأما المنذر بن الجارود فكان شريفا و ابنه الحكم بن المنذر يتلوه في الشرف و المنذر غير معدود في الصحابة و لا رأى رسول الله ص و لا ولد له في أيامه و كان تائها معجبا بنفسه و في الحكم ابنه يقول الراجز:
يا حكم بن المنذر بن الجارود |
أنت الجواد ابن الجواد المحمود |
سرادق المجد عليك ممدود
و كان يقال أطوع الناس في قومه الجارود بن بشر بن المعلى لما قبض رسول الله ص فارتدت العرب خطب قومه فقال أيها الناس إن كان محمد قد مات فإن الله حتى لا يموت فاستمسكوا بدينكم و من ذهب له في هذه الفتنة دينار أو درهم أو بقرة أو شاة فعلي مثلاه فما خالفه من عبد القيس أحد.قوله ع إن صلاح أبيك غرني منك قد ذكرنا حال الجارود و صحبته و صلاحه و كثيرا ما يغتر الإنسان بحال الآباء فيظن أن الأبناء على منهاجهم فلا يكون و الأمر كذلك( يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ ) .
قوله فيما رقي بالتشديد أي فيما رفع إلي و أصله أن يكون الإنسان في موضع عال
فيرقى إليه شيء و كان العلو هاهنا هو علو المرتبة بين الإمام و الأمير و نحوه قولهم تعال باعتبار علو رتبة الآمر على المأمور و اللام في لهواك متعلقة بمحذوف دل عليه انقيادا و لا يتعلق بنفس انقياد لأن المتعلق من حروف الجر بالمصدر لا يجوز أن يتقدم على المصدر.و العتاد العدة.قوله و تصل عشيرتك كان فيما رقي إليه عنه أنه يقتطع المال و يفيضه على رهطه و قومه و يخرج بعضه في لذاته و مآربه.قوله لجمل أهلك العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان قال:
لقد عظم البعير بغير لب |
و لم يستغن بالعظم البعير |
|
يصرفه الصبي بكل وجه |
و يحبسه على الخسف الجرير |
|
و تضربه الوليدة بالهراوى |
فلا غير لديه و لا نكير |
فأما شسع النعل فضرب المثل بها في الاستهانة مشهور لابتذالها و وطئها الأقدام في التراب.ثم ذكر أنه من كان بصفته فليس بأهل لكذا و لا كذا إلى أن قال أو يشرك في أمانة و قد جعل الله تعالى البلاد و الرعايا أمانة في ذمة الإمام فإذا استعمل العمال على البلاد و الرعايا فقد شركهم في تلك الأمانة.قال أو يؤمن على جباية أي على استجباء الخراج و جمعه و هذه الرواية التي سمعناها و من الناس من يرويها على خيانة و هكذا رواها الراوندي و لم يرو الرواية الصحيحة التي ذكرناها نحن و قال يكون على متعلقة بمحذوف أو بيؤمن نفسها و هو بعيد و متكلف.
ثم أمره أن يقبل إليه و هذه كناية عن العزل.فأما الكلمات التي ذكرها الرضي عنه ع في أمر المنذر فهي دالة على أنه نسبه إلى التيه و العجب فقال نظار في عطفيه أي جانبيه ينظر تارة هكذا و تارة هكذا ينظر لنفسه و يستحسن هيئته و لبسته و ينظر هل عنده نقص في ذلك أو عيب فيستدركه بإزالته كما يفعل أرباب الزهو و من يدعي لنفسه الحسن و الملاحة.قال مختال في برديه يمشي الخيلاء عجبا قال محمد بن واسع لابن له و قد رآه يختال في برد له ادن فدنا فقال من أين جاءتك هذه الخيلاء ويلك أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم و أما أبوك فلا أكثر الله في الناس أمثاله.قوله تفال في شراكيه الشراك السير الذي يكون في النعل على ظهر القدم.و التفل بالسكون مصدر تفل أي بصق و التفل محركا البصاق نفسه و إنما يفعله المعجب و التائه في شراكيه ليذهب عنهما الغبار و الوسخ يتفل فيهما و يمسحهما ليعودا كالجديدين
72 و من كتاب له ع إلى عبد الله بن العباسرضياللهعنه
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتُ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ وَ لاَ مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ وَ اِعْلَمْ بِأَنَّ اَلدَّهْرَ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ وَ أَنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ قد تقدم شرح مثل هذا الكلام و هذا معنى مطروق قد قال الناس فيه فأكثروا قال الشاعر:
قد يرزق العاجز الضعيف و ما |
شد بكور رحلا و لا قتبا |
|
و يحرم المرء ذو الجلادة و الرأي |
و من لا يزال مغتربا |
و من جيد ما قيل في هذا المعنى قول أبي يعقوب الخريمي:
هل الدهر إلا صرفه و نوائبه |
و سراء عيش زائل و مصائبه |
|
يقول الفتى ثمرت مالي و إنما |
لوارثه ما ثمر المال كاسبه |
يحاسب فيه نفسه في حياته |
و يتركه نهبا لمن لا يحاسبه |
|
فكله و أطعمه و خالسه وارثا |
شحيحا و دهرا تعتريك نوائبه |
|
أرى المال و الإنسان للدهر نهبة |
فلا البخل مبقية و لا الجود خاربه |
|
لكل امرئ رزق و للرزق جالب |
و ليس يفوت المرء ما خط كاتبه |
|
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره |
و يعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه |
|
يساق إلى ذا رزقه و هو وادع |
و يحرم هذا الرزق و هو يغالبه |
|
و إنك لا تدري أ رزقك في الذي |
تطالبه أم في الذي لا تطالبه |
|
تناس ذنوب الأقربين فإنه |
لكل حميم راكب هو راكبه |
|
له هفوات في الرخاء يشوبها |
بنصرة يوم لا توارى كواكبه |
|
تراه غدوا ما أمنت و تتقي |
بجبهته يوم الوغى من يحاربه |
|
لكل امرئ إخوان بؤس و نعمة |
و أعظمهم في النائبات أقاربه |
73 و من كتاب له ع إلى معاوية
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي عَلَى اَلتَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ وَ اَلاِسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ لَمُوَهِّنٌ رَأْيِي وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي وَ إِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي اَلْأُمُورَ وَ تُرَاجِعُنِي اَلسُّطُورَ كَالْمُسْتَثْقِلِ اَلنَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحْلاَمُهُ وَ اَلْمُتَحَيِّرِ اَلْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ لاَ يَدْرِي أَ لَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ وَ لَسْتَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لاَ بَعْضُ اَلاِسْتِبْقَاءِ لَوَصَلَتْ مِنِّي إِلَيْكَ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ تَقْرَعُ اَلْعَظْمَ وَ تَنْهَسُ تَهْلِسُ اَللَّحْمَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ وَ تَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحِكَ نَصِيحَتِكَ وَ اَلسَّلاَمُ لِأَهْلِهِ روي نوازع جمع نازعة أي جاذبة قالعة و روي تهلس اللحم و تلهس بتقديم اللام و تهلس بكسر اللام تذيبه حتى يصير كبدن به الهلاس و هو السل و أما تلهس فهو بمعنى تلحس أبدلت الحاء هاء و هو عن لحست كذا بلساني بالكسر ألحسه أي تأتي على اللحم حتى تلحسه لحسا لأن الشيء إنما يلحس إذا ذهب و بقي أثره و أما ينهس و هي الرواية المشهورة فمعناه يعترق.
و تأذن بفتح الذال أي تسمع.قوله ع إني لموهن رأيي بالتشديد أي إني لائم نفسي و مستضعف رأيي في أن جعلتك نظيرا أكتب و تجيبني و تكتب و أجيبك و إنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانك.فإن قلت فما معنى قوله على التردد.قلت ليس معناه التوقف بل معناه الترداد و التكرار أي أنا لائم نفسي على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عما تكتبه ثم قال و إنك في مناظرتي و مقاومتي بالأمور التي تحاولها و الكتب التي تكتبها كالنائم يرى أحلاما كاذبة أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر أو ليخطب بأمر في نفسه قد بهظه مقامه ذلك أي أثقله فهو لا يدري هل ينطق بكلام هو له أم عليه فيتحير و يتبلد و يدركه العمى و الحصر.قال و إن كنت لست بذلك الرجل فإنك شبيه به أما تشبيهه بالنائم ثم ذي الأحلام فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسول الله ص أنه خليفة يخاطب بإمرة المؤمنين و يحارب عليا على الخلافة و يقوم في المسلمين مقام رسول الله ص لما طلب لذلك المنام تأويلا و لا تعبيرا و لعده من وساوس الخيال و أضغاث الأحلام و كيف و أنى له أن يخطر هذا بباله و هو أبعد الخلق منه و هذا كما يخطر للنفاط أن يكون ملكا و لا تنظرن إلى نسبه في المناقب بل انظر إلى أن
الإمامة هي نبوة مختصره و أن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم المكذب بقلبه و أن أقر بلسانه الناقص المنزلة عند المسلمين القاعد في أخريات الصف إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه و يملكها و يسمه الناس وسمها و يكون للمؤمنين أميرا و يصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين و الفضل و هذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي ص قوما بسيفه و لسانه ثلاثا و عشرين سنة و يلعنهم و يبعدهم عنه و ينزل القرآن بذمهم و لعنهم و البراءة منهم فلما تمهدت له الدولة و غلب الدين على الدنيا و صارت شريعة دينية محكمة مات فشيد دينه الصالحون من أصحابه و أوسعوا رقعة ملته و عظم قدرها في النفوس فتسلمها منهم أولئك الأعداء الذين جاهدهم النبي ص فملكوها و حكموا فيها و قتلوا الصلحاء و الأبرار و أقارب نبيهم الذين يظهرون طاعته و آلت تلك الحركة الأولى و ذلك الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم فليته كان يبعث فيرى معاوية الطليق و ابنه و مروان و ابنه خلفاء في مقامه يحكمون على المسلمين فوضح أن معاوية فيما يراجعه و يكاتبه به كصاحب الأحلام.و أما تشبيهه إياه بالقائم مقاما قد بهظه فلأن الحجج و الشبه و المعاذير التي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء و يكتب ما يعلم هو و العقلاء من الناس أنه سفه و باطل.فإن قلت فما معنى قوله ع لو لا بعض الاستبقاء و هل كانت الحال تقتضي أن يستبقي و ما تلك القوارع التي أشار إليها.
قلت قد قيل إن النبي ص فوض إليه أمر نسائه بعد موته و جعل إليه أن يقطع عصمة أيتهن شاء إذا رأى ذلك و له من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة و يبيح نكاحها الرجال عقوبة لها و لمعاوية أخيها فإنها كانت تبغض عليا كما يبغضه أخوها و لو فعل ذلك لانتهس لحمه و هذا قول الإمامية و قد رووا عن رجالهم أنه ع تهدد عائشة بضرب من ذلك و أما نحن فلا نصدق هذا الخبر و نفسر كلامه على معنى آخر و هو أنه قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من رسول الله ص يلعن معاوية بعد إسلامه و يقول إنه منافق كافر و إنه من أهل النار و الأخبار في ذلك مشهورة فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم و شهاداتهم بذلك و يسمعهم قولهم ملافظة و مشافهة لفعل و لكنه رأى العدول عن ذلك مصلحة لأمر يعلمه هو ع و لو فعل ذلك لانتهس لحمه و إنما أبقى عليه.و قلت لأبي زيد البصري لم أبقى عليه فقال و الله ما أبقى عليه مراعاة له و لا رفقا به و لكنه خاف أن يفعل كفعله فيقول لعمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة و بسر بن أبي أرطاة و أبي الأعور و أمثالهم ارووا أنتم عن النبي ص أن عليا ع منافق من أهل النار ثم يحمل ذلك إلى أهل العراق فلهذا السبب أبقى عليه
74 و من حلف له ع كتبه بين ربيعة و اليمن
و نقل من خط هشام بن الكلبي : هَذَا مَا اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اَلْيَمَنِ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا وَ رَبِيعَةُ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ وَ يَأْمُرُونَ بِهِ وَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَ أَمَرَ بِهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً وَ لاَ يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلاً وَ أَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَ تَرَكَهُ وَ أَنَّهُمْ أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ لاَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ وَ لاَ لِغَضَبِ غَاضِبٍ وَ لاَ لاِسْتِذْلاَلِ قَوْمٍ قَوْماً وَ لاَ لِمَسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً عَلَى ذَلِكَ شَاهِدُهُمْ وَ غَائِبُهُمْ وَ سَفِيهُهُمْ وَ عَالِمُهُمْ وَ حَلِيمُهُمْ وَ جَاهِلُهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اَللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ إِنَّ عَهْدَ اَللَّهِ كَانَ مَسْئُولاً وَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الحلف العهد أي و من كتاب حلف فحذف المضاف و اليمن كل من ولده قحطان نحو حمير و عك و جذام و كندة و الأزد و غيرهم.و ربيعة هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان و هم بكر و تغلب و عبد القيس.و هشام هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي نسابة ابن نسابة عالم بأيام العرب و أخبارها و أبوه أعلم منه و هو يروى عن أبيه.
و الحاضر ساكنو الحضر و البادي ساكنو البادية و اللفظ لفظ المفرد و المعنى الجمع.قوله إنهم على كتاب الله حرف الجر يتعلق بمحذوف أي مجتمعون.قوله لا يشترون به ثمنا قليلا أي لا يتعوضون عنه بالثمن فسمى التعوض اشتراء و الأصل هو أن يشترى الشيء بالثمن لا الثمن بالشيء لكنه من باب اتساع العرب و هو من ألفاظ القرآن العزيز.و إنهم يد واحدة أي لا خلف بينهم.قوله لمعتبة عاتب أي لا يؤثر في هذا العهد و الحلف و لا ينقضه أن يعتب أحد منهم على بعضهم لأنه استجداه فلم يجده أو طلب منه أمرا فلم يقم به و لا لأن أحدا منهم غضب من أمر صدر من صاحبه و لا لأن عزيزا منهم استذل ذليلا منهم و لا لأن إنسانا منهم سب أو هجا بعضهم فإن أمثال هذه الأمور يتعذر ارتفاعها بين الناس و لو كانت تنقض الحلف لما كان حلف أصلا.و اعلم أنه قد ورد في الحديث عن النبي ص كل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة و لا حلف في الإسلام لكن فعل أمير المؤمنين ع أولى بالاتباع من خبر الواحد و قد تحالفت العرب في الإسلام مرارا و من أراد الوقوف على ذلك فليطلبه من كتب التواريخ
75 و من كتاب له ع إلى معاوية من المدينة في أول ما بويع له بالخلافة
ذكره الواقدي في كتاب الجمل : مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ وَ إِعْرَاضِي عَنْكُمْ حَتَّى كَانَ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ وَ لاَ دَفْعَ لَهُ وَ اَلْحَدِيثُ طَوِيلٌ وَ اَلْكَلاَمُ كَثِيرٌ وَ قَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ وَ أَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ وَ أَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَ اَلسَّلاَمُ كتابه إلى معاوية و مخاطبته لبني أمية جميعا قال و قد علمت إعذاري فيكم أي كوني ذا عذر لو لمتكم أو ذممتكم يعني في أيام عثمان.ثم قال و إعراضي عنكم أي مع كوني ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله بل أعرضت عن إساءتكم إلي و ضربت عنكم صفحا حتى كان ما لا بد منه يعني قتل عثمان و ما جرى من الرجبة بالمدينة.ثم قاطعه الكلام مقاطعة و قال له و الحديث طويل و الكلام كثير و قد أدبر ذلك الزمان و أقبل زمان آخر فبايع و أقدم فلم يبايع و لا قدم و كيف يبايع
و عينه طامحة إلى الملك و الرئاسة منذ أمره عمر على الشام و كان عالي الهمة تواقا إلى معالي الأمور و كيف يطيع عليا و المحرضون له على حربه عدد الحصى و لو لم يكن إلا الوليد بن عقبة لكفى و كيف يسمع قوله :
فو الله ما هند بأمك إن مضى النهار |
و لم يثأر بعثمان ثائر |
|
أ يقتل عبد القوم سيد أهله |
و لم تقتلوه ليت أمك عاقر |
|
و من عجب أن بت بالشام وادعا |
قريرا و قد دارت عليه الدوائر |
و يطيع عليا و يبايع له و يقدم عليه و يسلم نفسه إليه و هو نازل بالشام في وسط قحطان و دونه منهم حرة لا ترام و هم أطوع له من نعله و الأمر قد أمكنه الشروع فيه و تالله لو سمع هذا التحريض أجبن الناس و أضعفهم نفسا و أنقصهم همة لحركه و شحذ من عزمه فكيف معاوية و قد أيقظ الوليد بشعره من لا ينام
76 و من وصية له ع لعبد الله بن العباس عند استخلافه إياه على البصرة
سَعِ اَلنَّاسَ بِوَجْهِكَ وَ مَجْلِسِكَ وَ حُكْمِكَ وَ إِيَّاكَ وَ اَلْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ وَ اِعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اَللَّهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ اَلنَّارِ وَ مَا بَاعَدَكَ مِنَ اَللَّهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ اَلنَّارِ روي و حلمك و القرب من الله هو القرب من ثوابه و لا شبهة أن ما قرب من الثواب باعد من العقاب و بالعكس لتنافيهما.فأما وصيته له أن يسع الناس بوجهه و مجلسه و حكمه فقد تقدم شرح مثله و كذلك القول في الغضب.و طيرة من الشيطان بفتح الطاء و سكون الياء أي خفة و طيش قال الكميت :
و حلمك عز إذا ما حلمت |
و طيرتك الصاب و الحنظل |
77 و من وصية له ع لعبد الله بن العباس أيضا لما بعثه للاحتجاج على الخوارج
لاَ تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ اَلْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَ يَقُولُونَ...وَ لَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً هذا الكلام لا نظير له في شرفه و علو معناه و ذلك أن القرآن كثير الاشتباه فيه مواضع يظن في الظاهر أنها متناقضة متنافية نحو قوله( لا تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصارُ ) و قوله( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) و نحو قوله( وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) و قوله( وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى عَلَى اَلْهُدى ) و نحو ذلك و هو كثير جدا و أما السنة فليست كذلك و ذلك لأن الصحابة كانت تسأل رسول الله ص و تستوضح منه الأحكام في الوقائع و ما عساه يشتبه عليهم من كلامهم يراجعونه فيه و لم يكونوا يراجعونه في القرآن إلا فيما قل بل كانوا يأخذونه منه تلقفا و أكثرهم لا يفهم معناه
لا لأنه غير مفهوم بل لأنهم ما كانوا يتعاطون فهمه إما إجلالا له أو لرسول الله أن يسألوه عنه أو يجرونه مجرى الأسماء الشريفة التي إنما يراد منها بركتها لا الإحاطة بمعناها فلذلك كثر الاختلاف في القرآن و أيضا فإن ناسخه و منسوخه أكثر من ناسخ السنة و منسوخها و قد كان في الصحابة من يسأل الرسول عن كلمة في القرآن يفسرها له تفسيرا موجزا فلا يحصل له كل الفهم لما أنزلت آية الكلالة و قال في آخرها( يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) سأله عمر عن الكلالة ما هو فقال له يكفيك آية الصيف لم يزد على ذلك فلم يراجعه عمر و انصرف عنه فلم يفهم مراده و بقي عمر على ذلك إلى أن مات و كان يقول بعد ذلك اللهم مهما بينت فإن عمر لم يتبين يشير إلى قوله( يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) و كانوا في السنة و مخاطبة الرسول على خلاف هذه القاعدة فلذلك أوصاه علي ع أن يحاجهم بالسنة لا بالقرآن.فإن قلت فهل حاجهم بوصيته.قلت لا بل حاجهم بالقرآن مثل قوله( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها ) و مثل قوله في صيد المحرم( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) و لذلك لم يرجعوا و التحمت الحرب و إنما رجع باحتجاجه نفر منهم.فإن قلت فما هي السنة التي أمره أن يحاجهم بها.قلت كان لأمير المؤمنين ع في ذلك غرض صحيح و إليه أشار و حوله كان يطوف و يحوم و ذلك أنه أراد أن يقول لهم قال رسول الله ص علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيثما دار و قوله اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله و نحو ذلك من الأخبار التي
كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه ص و قد بقي ممن سمعها جماعة تقوم الحجة و تثبت بنقلهم و لو احتج بها على الخوارج أنه لا يحل مخالفته و العدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين في محاجتهم و أغراض أخرى أرفع و أعلى منهم فلم يقع الأمر بموجب ما أراد و قضي عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم و كان أمر الله مفعولا
78 و من كتاب له ع أجاب به أبا موسى الأشعري
عن كتاب كتبه إليه من المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة و ذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي : فَإِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمْ فَمَالُوا مَعَ اَلدُّنْيَا وَ نَطَقُوا بِالْهَوَى وَ إِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا اَلْأَمْرِ مَنْزِلاً مُعْجِباً اِجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وَ أَنَا أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَعُودَ عَلَقاً يَعُودُ يَكُونَ عَلَقاً وَ لَيْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ اَلنَّاسِ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَ أُلْفَتِهَا مِنِّي أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ اَلثَّوَابِ وَ كَرَمَ اَلْمَآبِ وَ سَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي وَ إِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ فَإِنَّ اَلشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ اَلْعَقْلِ وَ اَلتَّجْرِبَةِ وَ إِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ وَ أَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اَللَّهُ فَدَعْ عَنْكَ مَا لاَ تَعْرِفُ فَإِنَّ شِرَارَ اَلنَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ اَلسُّوءِ وَ اَلسَّلاَمُ روي و نطقوا مع الهوى أي مائلين مع الهوى.و روي و أنا أداري بالراء من المداراة و هي الملاينة و المساهلة.
و روي نفع ما أولى باللام يقول أوليته معروفا.و روي إن قال قائل بباطل و يفسد أمرا قد أصلحه الله.و اعلم أن هذا الكتاب كتاب من شك في أبي موسى و استوحش منه و من قد نقل عنه إلى أبي موسى كلاما إما صدقا و إما كذبا و قد نقل عن أبي موسى إليه كلاما إما صدقا أيضا و إما كذبا قال ع إن الناس قد تغير كثير منهم عن حظهم من الآخرة فمالوا مع الدنيا و إني نزلت من هذا الأمر منزلا معجبا بكسر الجيم أي يعجب من رآه أي يجعله متعجبا منه.و هذا الكلام شكوى من أصحابه و نصاره من أهل العراق فإنهم كان اختلافهم عليه و اضطرابهم شديدا جدا و المنزل و النزول هاهنا مجاز و استعارة و المعنى أني حصلت في هذا الأمر الذي حصلت فيه على حال معجبة لمن تأملها لأني حصلت بين قوم كل واحد منهم مستبد برأي يخالف فيه رأي صاحبه فلا تنتظم لهم كلمة و لا يستوثق لهم أمر و إن حكمت عليهم برأي أراه أنا خالفوه و عصوه و من لا يطاع فلا رأي له و أنا معهم كالطبيب الذي يداوي قرحا أي جراحة قد قاربت الاندمال و لم تندمل بعد فهو يخاف أن يعود علقا أي دما.ثم قال له ليس أحد فاعلم أحرص على ألفة الأمة و ضم نشر المسلمين.و أدخل قوله فاعلم بين اسم ليس و خبرها فصاحة و يجوز رفع أحرص بجعله صفة لاسم ليس و يكون الخبر محذوفا أي ليس في الوجود رجل.و تقول قد وأيت وأيا أي وعدت وعدا قال له أما أنا فسوف أفي بما وعدت و ما استقر بيني و بينك و إن كنت أنت قد تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه.
فإن قلت فهل يجوز أن يكون قوله و إن تغيرت من جملة قوله فيما بعد فإن الشقي كما تقول إن خالفتني فإن الشقي من يخالف الحق.قلت نعم و الأول أحسن لأنه أدخل في مدح أمير المؤمنين ع كأنه يقول أنا أفي و إن كنت لا تفي و الإيجاب يحسنه السلب الواقع في مقابلته
و الضد يظهر حسنه الضد
ثم قال و إني لأعبد أي آنف من عبد بالكسر أي أنف و فسروا قوله( فَأَنَا أَوَّلُ اَلْعابِدِينَ ) بذلك يقول إني لآنف من أن يقول غيري قولا باطلا فكيف لا آنف أنا من ذلك لنفسي ثم تختلف الروايات في اللفظة بعدها كما ذكرنا.ثم قال فدع عنك ما لا تعرف أي لا تبن أمرك إلا على اليقين و العلم القطعي و لا تصغ إلى أقوال الوشاة و نقلة الحديث فإن الكذب يخالط أقوالهم كثيرا فلا تصدق ما عساه يبلغك عني شرار الناس فإنهم سراع إلى أقاويل السوء و لقد أحسن القائل فيهم:
أن يسمعوا الخير يخفوه و إن سمعوا |
شرا أذاعوا و إن لم يسمعوا كذبوا |
و نحو قول الآخر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا |
و إن ذكرت بخير عندهم دفنوا |
79 و من كتاب كتبه ع لما استخلف إلى أمراء الأجناد
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا اَلنَّاسَ اَلْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ وَ أَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ أي منعوا الناس الحق فاشترى الناس الحق منهم بالرشى و الأموال أي لم يضعوا الأمور مواضعها و لا ولوا الولايات مستحقيها و كانت أمورهم الدينية و الدنياوية تجري على وفق الهوى و الغرض الفاسد فاشترى الناس منهم الميراث و الحقوق كما تشترى السلع بالمال.ثم قال و أخذوهم بالباطل فاقتدوه أي حملوهم على الباطل فجاء الخلف من بعد السلف فاقتدوا بآبائهم و أسلافهم في ارتكاب ذلك الباطل ظنا أنه حق لما قد ألفوه و نشئوا و ربوا عليه.و روي فاستروه بالسين المهملة أي اختاروه يقال استريت خيار المال أي اخترته و يكون الضمير عائدا إلى الظلمة لا إلى الناس أي منعوا الناس حقهم من المال و اختاروه لأنفسهم و استأثروا به
باب المختار من حكم أمير المؤمنين و مواعظه و يدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله و الكلام القصير الخارج من سائر أغراضه اعلم أن هذا الباب من كتابنا كالروح من البدن و السواد من العين و هو الدرة المكنونة التي سائر الكتاب صدفها و ربما وقع فيه تكرار لبعض ما تقدم يسير جدا و سبب ذلك طول الكتاب و بعد أطرافه عن الذهن و إذا كان الرضيرحمهالله قدسها فكرر في مواضع كثيرة في نهج البلاغة على اختصاره كنا نحن في تكرار يسير في كتابنا الطويل أعذر
1
قَالَ ع كُنْ فِي اَلْفِتْنَةِ كَابْنِ اَللَّبُونِ لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَ لاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ ابن اللبون ولد الناقة الذكر إذا استكمل السنة الثانية و دخل في الثالثة و يقال للأنثى ابنة اللبون و ذلك لأن أمهما في الأغلب ترضع غيرهما فتكون ذات لبن و اللبون من الإبل و الشاة ذات اللبن غزيرة كانت أو بكيئة فإذا أرادوا الغزيرة قالوا لبنة و يقال ابن لبون و ابن اللبون منكرا أو معرفا قال الشاعر:
و ابن اللبون إذا ما لز في قرن |
لم يستطع صولة البزل القناعيس |
و ابن اللبون لا يكون قد كمل و قوي ظهره على أن يركب و ليس بأنثى ذات ضرع فيحلب و هو مطرح لا ينتفع به.و أيام الفتنة هي أيام الخصومة و الحرب بين رئيسين ضالين يدعوان كلاهما إلى ضلالة كفتنة عبد الملك و ابن الزبير و فتنة مروان و الضحاك و فتنة الحجاج و ابن الأشعث و نحو ذلك فأما إذا كان أحدهما صاحب حق فليست أيام فتنة كالجمل و صفين و نحوهما بل يجب الجهاد مع صاحب الحق و سل السيف و النهي عن المنكر و بذل النفس في إعزاز الدين و إظهار الحق.
قال ع أخمل نفسك أيام الفتنة و كن ضعيفا مغمورا بين الناس لا تصلح لهم بنفسك و لا بمالك و لا تنصر هؤلاء و هؤلاء.و قوله فيركب فيحلب منصوبان لأنهما جواب النفي و في الكلام محذوف تقديره له و هو يستحق الرفع لأنه خبر المبتدإ مثل قولك لا إله إلا الله تقديره لنا أو في الوجود
2
وَ قَالَ ع أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اِسْتَشْعَرَ اَلطَّمَعَ وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ وَ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ هذه ثلاثة فصول الفصل الأول في الطمع قوله ع أزرى بنفسه أي قصر بها من استشعر الطمع أي جعله شعاره أي لازمه.و في الحديث المرفوع أن الصفا الزلزال الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع و في الحديث أنه قال للأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع أي عند طمع الرزق.و كان يقال أكثر مصارع الألباب تحت ظلال الطمع.و قال بعضهم العبيد ثلاثة عبد رق و عبد شهوة و عبد طمع.و سئل رسول الله ص عن الغنى فقال اليأس عما في أيدي الناس و من مشى منكم إلى طمع الدنيا فليمش رويدا
و قال أبو الأسود:
البس عدوك في رفق و في دعة |
طوبى لذي إربة للدهر لباس |
|
و لا تغرنك أحقاد مزملة |
قد يركب الدبر الدامي بأحلاس |
|
و استغن عن كل ذي قربى و ذي رحم |
إن الغني الذي استغنى عن الناس |
قال عمر ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
وفي الحديث المرفوع الطمع الفقر الحاضر قال الشاعر:
رأيت مخيلة فطمعت فيها |
و في الطمع المذلة للرقاب |
الفصل الثاني في الشكوى قال ع من كشف للناس ضره أي شكا إليهم بؤسه و فقره فقد رضي بالذل.كان يقال لا تشكون إلى أحد فإنه إن كان عدوا سره و إن كان صديقا ساءه و ليست مسرة العدو و لا مساءة الصديق بمحمودة.سمع الأحنف رجلا يقول لم أنم الليلة من وجع ضرسي فجعل يكثر فقال يا هذا لم تكثر فو الله لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة فما شكوت ذلك إلى أحد و لا أعلمت بها أحدا.الفصل الثالث في حفظ اللسان قد تقدم لنا قول شاف في ذلك و كان يقال حفظ اللسان راحة الإنسان و كان يقال رب كلمة سفكت دما و أورثت ندما.و في الأمثال العامية قال اللسان للرأس كيف أنت قال بخير لو تركتني.و في وصية المهلب لولده يا بني تباذلوا تحابوا فإن بني الأعيان يختلفون فكيف ببني العلات إن البر ينسأ في الأجل و يزيد في العدد و إن القطيعة تورث القلة و تعقب
النار بعد الذلة اتقوا زلة اللسان فإن الرجل تزل رجله فينتعش و يزل لسانه فيهلك و عليكم في الحرب بالمكيدة فإنها أبلغ من النجدة و إن القتال إذا وقع وقع القضاء فإن ظفر الرجل ذو الكيد و الحزم سعد و إن ظفر به لم يقولوا فرط.و قال الشاعر في هذا المعنى:
يموت الفتى من عثرة بلسانه |
و ليس يموت المرء من عثرة الرجل |
3
وَ قَالَ ع اَلْبُخْلُ عَارٌ وَ اَلْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ وَ اَلْفَقْرُ يُخْرِسُ اَلْفَطِنَ عَنْ حَاجَتِهِ حُجَّتِهِ وَ اَلْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ هذه ثلاثة فصول الفصل الأول في البخل و قد تقدم لنا كلام مقنع في ذلك.و من كلام بعض الحكماء في ذلك ما أقل من يحمده الطالب و تستقل به العشائر و يرضى عنه السائل و ما زالت أم الكرم نزورا و أم اللؤم ذلولا و أكثر الواجدين من لا يجود و أكثر الأجواد من لا يجد.و ما أحسن قول القائل كفى حزنا أن الجواد مقتر عليه و لا معروف عند بخيل.و كان يقال البخل مهانة و الجود مهابة.و من أحسن ما نقل من جود عبد الله المأمون أن عمر بن مسعدة كاتبه مات في سنة سبع عشرة و مائتين و خلف تركة جليلة فبعث أخاه أبا إسحاق المعتصم و جماعة معه من الكتاب ليحصروا مبلغها فجاء المعتصم إليه و هو في مجلس الخلافة و معه الكتاب فقال ما رأيتم فقال المعتصم معظما لما رآه وجدنا عينا و صامتا و ضياعا قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف ألف دينار و مد صوته فقال المأمون إنا لله و الله ما كنت أرضاها
لتابع من أتباعه ليوفر هذا على مخلفيه فخجل المعتصم حتى ظهر خجله للحاضرين الفصل الثاني في الجبن و قد تقدم قولنا في فضل الشجاعة.و قال هشام بن عبد الملك لمسلمة أخيه يا أبا سعيد هل دخلك ذعر في حرب قط شهدتها قال ما سلمت في ذلك عن ذعر ينبه على حيلة و لا غشيني ذعر سلبني رأيي فقال له هشام هذه و الله البسالة قال أبو دلامة و كان جبانا:
إني أعوذ بروح أن يقدمني |
إلى القتال فتشقى بي بنو أسد |
|
إن المهلب حب الموت أورثكم |
و لم أرث رغبة في الموت عن أحد |
قال المنصور لأبي دلامة في حرب إبراهيم تقدم ويلك قال يا أمير المؤمنين شهدت مع مروان بن محمد أربعة عساكر كلها انهزمت و كسرت و إني أعيذك بالله أن يكون عسكرك الخامس.الفصل الثالث في الفقر و قد تقدم القول فيه أيضا.و مثل قوله الفقر يخرس الفطن عن حاجته قول الشاعر:
سأعمل نص العيس حتى يكفني |
غنى المال يوما أو غنى الحدثان |
|
فللموت خير من حياة يرى لها |
على الحر بالإقلال وسم هوان |
|
متى يتكلم يلغ حكم كلامه |
و إن لم يقل قالوا عديم بيان |
|
كأن الغنى عن أهله بورك الغنى |
بغير لسان ناطق بلسان |
و مثل قوله ع و المقل غريب في بلدته قول خلف الأحمر:
لا تظني أن الغريب هو النائي |
و لكنما الغريب المقل |
و كان يقال مالك نورك فإن أردت أن تنكسف ففرقه و أتلفه.
قيل للإسكندر لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها و معرفتها بالدنيا قال لئلا تحوجهم الدنيا إلى أن يقوموا مقاما لا يستحقونه.و قال بعض الزهاد ابدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد.و قال الحسن ع من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب فإن علمت صدقه فهو عندي أحمق
4
وَ قَالَ ع اَلْعَجْزُ آفَةٌ وَ اَلصَّبْرُ شَجَاعَةٌ وَ اَلزُّهْدُ ثَرْوَةٌ وَ اَلْوَرَعُ جُنَّةٌ وَ نِعْمَ اَلْقَرِينُ اَلرِّضَا اَلرِّضَى فهذه فصول خمسة الفصل الأول قوله ع العجز آفة و هذا حق لأن الآفة هي النقص أو ما أوجب النقص و العجز كذلك.و كان يقال العجز المفرط ترك التأهب للمعاد.و قالوا العجز عجزان أحدهما عجز التقصير و قد أمكن الأمر و الثاني الجد في طلبه و قد فات.و قالوا العجز نائم و الحزم يقظان.الفصل الثاني في الصبر و الشجاعة قد تقدم قولنا في الصبر.و كان يقال الصبر مر لا يتجرعه إلا حر.و كان يقال إن للأزمان المحمودة و المذمومة أعمارا و آجالا كأعمار الناس و آجالهم فاصبروا لزمان السوء حتى يفنى عمره و يأتي أجله.و كان يقال إذا تضيفتك نازلة فاقرها الصبر عليها و أكرم مثواها لديك بالتوكل
و الاحتساب لترحل عنك و قد أبقت عليك أكثر مما سلبت منك و لا تنسها عند رخائك فإن تذكرك لها أوقات الرخاء يبعد السوء عن فعلك و ينفى القساوة عن قلبك و يوزعك حمد الله و تقواه.الفصل الثالث قوله و الزهد ثروة و هذا حق لأن الثروة ما استغنى به الإنسان عن الناس و لا غناء عنهم كالزهد في دنياهم فالزهد على الحقيقة هو الغنى الأكبر.و روي أن عليا ع قال لعمر بن الخطاب أول ما ولي الخلافة إن سرك أن تلحق بصاحبيك فقصر الأمل و كل دون الشبع و ارقع القميص و اخصف النعل و استغن عن الناس بفقرك تلحق بهما.وقف ملك على سقراط و هو في المشرفة قد أسند ظهره إلى جب كان يأوي إليه فقال له سل حاجتك فقال حاجتي أن تتنحى عني فقد منعني ظلك المرفق بالشمس فسأله عن الجب قال آوي إليه قال فإن انكسر الجب لم ينكسر المكان.و كان يقال الزهد في الدنيا هو الزهد في المحمدة و الرئاسة لا في المطعم و المشرب و عند العارفين الزهد ترك كل شيء يشغلك عن الله.و كان يقال العالم إذا لم يكن زاهدا لكان عقوبة لأهل زمانه لأنهم يقولون لو لا أن علمه لم يصوب عنده الزهد لزهد فهم يقتدون بزهده في الزهد.الفصل الرابع قوله و الورع جنة كان يقال لا عصمة كعصمة الورع و العبادة أما الورع فيعصمك من المعاصي و أما العبادة فتعصمك من خصمك فإن عدوك لو رآك قائما تصلي و قد دخل ليقتلك لصد عنك و هابك.
و قال رجل من بني هلال لبنيه يا بني أظهروا النسك فإن الناس إن رأوا من أحد منكم بخلا قالوا مقتصد لا يحب الإسراف و إن رأوا عيا قالوا متوق يكره الكلام و إن رأوا جبنا قالوا متحرج يكره الإقدام على الشبهات.الفصل الخامس قوله و نعم القرين الرضا قد سبق منا قول مقنع في الرضا.و قال أبو عمرو بن العلاء دفعت إلى أرض مجدبة بها نفر من الأعراب فقلت لبعضهم ما أرضكم هذه قال كما ترى لا زرع و لا ضرع قلت فكيف تعيشون قالوا نحترش الضباب و نصيد الدواب قلت فكيف صبركم على ذلك قالوا يا هذا سل خالق الخلق هل سويت فقال بل رضيت.و كان يقال من سخط القضاء طاح و من رضي به استراح.و كان يقال عليك بالرضا و لو قلبت على جمر الغضا.و في الخبر المرفوع أنه ص قال عن الله تعالى من لم يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي
5
وَ قَالَ ع اَلْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ اَلآْدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ وَ اَلْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ إنما قال العلم وراثة لأن كل عالم من البشر إنما يكتسب علمه من أستاذ يهذبه و موقف يعلمه فكأنه ورث العلم عنه كما يرث الابن المال عن أبيه و قد سبق منا كلام شاف في العلم و الأدب.و كان يقال عطية العالم شبيهة بمواهب الله عز و جل لأنها لا تنفد عند الجود بها و تبقى بكمالها عند مفيدها.و كان يقال الفضائل العلمية تشبه النخل بطيء الثمرة بعيد الفساد.و كان يقال ينبغي للعالم ألا يترفع على الجاهل و أن يتطامن له بمقدار ما رفعه الله عليه و ينقله من الشك إلى اليقين و من الحيرة إلى التبيين لأن مكافحته قسوة و الصبر عليه و إرشاده سياسة.و مثاله قول بعض الحكماء الخير من العلماء من يرى الجاهل بمنزلة الطفل الذي هو بالرحمة أحق منه بالغلظة و يعذره بنقصه فيما فرط منه و لا يعذر نفسه في التأخر عن هدايته.
و كان يقال العلم في الأرض بمنزلة الشمس في الفلك لو لا الشمس لأظلم الجو و لو لا العلم لأظلم أهل الأرض.و كان يقال لا حلة أجمل من حلة الأدب لأن حلل الثياب تبلى و حلل الأدب تبقى و حلل الثياب قد يغتصبها الغاصب و يسرقها السارق و حلل الآداب باقية مع جوهر النفس.و كان يقال الفكرة الصحيحة أصطرلاب روحاني.و قال أوس بن حجر يرثي:
إن الذي جمع السماحة و النجدة |
و الحزم و النهي جمعا |
|
الألمعي الذي يظن بك الظن |
كان قد رأى و قد سمعا |
و من كلام الحكماء النار لا ينقصها ما أخذ منها و لكن يخمدها ألا تجد حطبا و كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس و لكن فقد الحاملين له سبب عدمه.قيل لبعضهم أي العلوم أفضل قال ما العامة فيه أزهد.و قال أفلاطون من جهل الشيء و لم يسأل عنه جمع على نفسه فضيحتين.و كان يقال ثلاثة لا تجربة معهن أدب يزين و مجانبة الريبة و كف الأذى.و كان يقال عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر و مؤنس في الوحدة و جمال في المحفل و سبب إلى طلب الحاجة.و كان عبد الملك أديبا فاضلا و لا يجالس إلا أديبا.و روى الهيثم بن عدي عن مسعر بن كدام قال حدثني سعيد بن خالد الجدلي
قال لما قدم عبد الملك الكوفة بعد قتل مصعب دعا الناس يعرضهم على فرائضهم فحضرنا بين يديه فقال من القوم قلنا جديلة فقال جديلة عدوان قلنا نعم فأنشده:
عذير الحي من عدوان |
كانوا حية الأرض |
|
بغى بعضهم بعضا |
فلم يرعوا على بعض |
|
و منهم كانت السادات |
و الموفون بالقرض |
|
و منهم حكم يقضي |
فلا ينقض ما يقضي |
|
و منهم من يجيز الناس |
بالسنة و الفرض |
ثم أقبل على رجل منا وسيم جسيم قدمناه أمامنا فقال أيكم يقول هذا الشعر قال لا أدري فقلت أنا من خلفه يقوله ذو الإصبع فتركني و أقبل على ذلك الرجل الجسيم فقال ما كان اسم ذي الإصبع قال لا أدري فقلت أنا من خلفه اسمه حرثان فتركني و أقبل عليه فقال له و لم سمي ذا الإصبع قال لا أدري فقلت أنا من خلفه نهشته حية في إصبعه فأقبل عليه و تركني فقال من أيكم كان فقال لا أدري فقلت أنا من خلفه من بني تاج الذين يقول الشاعر فيهم:
فأما بنو تاج فلا تذكرنهم |
و لا تتبعن عيناك من كان هالكا |
فأقبل على الجسيم فقال كم عطاؤك قال سبعمائة درهم فأقبل علي و قال و كم عطاؤك أنت قلت أربعمائة فقال يا أبا الزعيزعة حط من عطاء هذا ثلاثمائة و زدها في عطاء هذا فرحت و عطائي سبعمائة و عطاؤه أربعمائة.و أنشد منشد بحضرة الواثق هارون بن المعتصم
أ ظلوم إن مصابكم رجلا |
أهدى السلام تحية ظلم |
فقال شخص رجل هو خبر إن و وافقه على ذلك قوم و خالفه آخرون فقال الواثق من بقي من علماء النحويين قالوا أبو عثمان المازني بالبصرة فأمر بإشخاصه إلى سر من رأى بعد إزاحة علته قال أبو عثمان فأشخصت فلما أدخلت عليه قال ممن الرجل قلت من مازن قال من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس أم مازن اليمين قلت من مازن ربيعة قال باسمك بالباء يريد ما اسمك لأن لغة مازن ربيعة هكذا يبدلون الميم باء و الباء ميما فقلت مكر أي بكر فضحك و قال اجلس و اطمئن فجلست فسألني عن البيت فأنشدته منصوبا فقال فأين خبر إن فقلت ظلم قال كيف هذا قلت يا أمير المؤمنين ألا ترى أن البيت إن لم يجعل ظلم خبر إن يكون مقطوع المعنى معدوم الفائدة فلما كررت القول عليه فهم و قال قبح الله من لا أدب له ثم قال أ لك ولد قلت بنية قال فما قالت لك حين ودعتها قلت ما قالت بنت الأعشى:
تقول ابنتي حين جد الرحيل |
أرانا سواء و من قد يتم |
|
أبانا فلا رمت من عندنا |
فإنا بخير إذا لم ترم |
|
أبانا إذا أضمرتك البلاد |
نجفى و تقطع منا الرحم |
قال فما قلت لها قال قلت أنشدتها بيت جرير:
ثقي بالله ليس له شريك |
و من عند الخليفة بالنجاح |
فقال ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى ثم أمر لي بألف دينار و كسوة و ردني إلى البصرة
6
وَ قَالَ ع وَ صَدْرُ اَلْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ وَ اَلْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ اَلْمَوَدَّةِ وَ اَلاِحْتِمَالُ قَبْرُ اَلْعُيُوبِ وَ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي اَلْعِبَارَةِ عَنْ هَذَا اَلْمَعْنَى أَيْضاً اَلْمُسَالَمَةُ خَبْءُ اَلْعُيُوبِ اَلْمَسْأَلَةُ خِبَاءُ اَلْعُيُوبِ وَ مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ اَلسَّاخِطُ عَلَيْهِ هذه فصول ثلاثة الفصل الأول قوله صدر العاقل صندوق سره قد ذكرنا فيما تقدم طرفا صالحا في كتمان السر.و كان يقال لا تنكح خاطب سرك.قال معاوية للنجار العذري ابغ لي محدثا قال معي يا أمير المؤمنين قال نعم أستريح منك إليه و منه إليك و أجعله كتوما فإن الرجل إذا اتخذ جليسا ألقى إليه عجره و بجره.و قال بعض الأعراب لا تضع سرك عند من لا سر له عندك.و قالوا إذا كان سر الملك عند اثنين دخلت على الملك الشبهة و اتسعت على الرجلين المعاذير فإن عاقبهما عند شياعه عاقب اثنين بذنب واحد و إن اتهمهما اتهم بريئا
بجناية مجرم و إن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما و لا ذنب له و عن الآخر و لا حجة عليه.الفصل الثاني قوله البشاشة حبالة المودة قد قلنا في البشر و البشاشة فيما سبق قولا مقنعا.و كان يقال البشر دال على السخاء من ممدوحك و على الود من صديقك دلالة النور على الثمر.و كان يقال ثلاث تبين لك الود في صدر أخيك تلقاه ببشرك و تبدؤه بالسلام و توسع له في المجلس.و قال الشاعر:
لا تدخلنك ضجرة من سائل |
فلخير دهرك أن ترى مسئولا |
|
لا تجبهن بالرد وجه مؤمل |
قد رام غيرك أن يرى مأمولا |
|
تلقى الكريم فتستدل ببشره |
و ترى العبوس على اللئيم دليلا |
|
و اعلم بأنك عن قليل صائر |
خبرا فكن خبرا يروق جميلا |
و قال البحتري:
لو أن كفك لم تجد لمؤمل |
لكفاه عاجل بشرك المتهلل |
|
و لو أن مجدك لم يكن متقادما |
أغناك آخر سؤدد عن أول |
|
أدركت ما فات الكهول من الحجا |
من عنفوان شبابك المستقبل |
|
فإذا أمرت فما يقال لك اتئد |
و إذا حكمت فما يقال لك اعدل |
الفصل الثالث قوله الاحتمال قبر العيوب أي إذا احتملت صاحبك و حلمت
عنه ستر هذا الخلق الحسن منك عيوبك كما يستر القبر الميت و هذا مثل قولهم في الجود كل عيب فالكرم يغطيه.فأما الخبء فمصدر خبأته أخبؤه و المعنى في الروايتين واحد و قد ذكرنا في فضل الاحتمال و المسالمة فيما تقدم أشياء صالحة.و من كلامه ع وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال و من كلامه من سالم الناس سلم منهم و من حارب الناس حاربوه فإن العثرة للكاثر و كان يقال العاقل خادم الأحمق أبدا إن كان فوقه لم يجد من مداراته و التقرب إليه بدا و إن كان دونه لم يجد من احتماله و استكفاف شره بدا.و أسمع رجل يزيد بن عمر بن هبيرة فأعرض عنه فقال الرجل إياك أعني قال و عنك أعرض.و قال الشاعر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه |
فخير من إجابته السكوت |
|
سكت عن السفيه فظن أني |
عييت عن الجواب و ما عييت |
7
مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ اَلسَّاخِطُ عَلَيْهِ وَ اَلصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ وَ أَعْمَالُ اَلْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ آجَالِهِمْ هذه فصول ثلاثة الفصل الأول قوله من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه قال بعض الفضلاء لرجل كان يرضى عن نفسه و يدعي التميز على الناس بالعلم عليك بقوم تروقهم بزبرجك و تروعهم بزخرفك فإنك لا تعدم عزا و لا تفقد غمرا لا يبلغ مسبارهما غورك و لا تستغرق أقدارهما طورك.و قال الشاعر:
أرى كل إنسان يرى عيب غيره |
و يعمى عن العيب الذي هو فيه |
|
و ما خير من تخفى عليه عيوبه |
و يبدو له العيب الذي بأخيه |
و قال بعضهم دخلت على ابن منارة و بين يديه كتاب قد صنفه فقلت ما هذا قال كتاب عملته مدخلا إلى التوراة فقلت إن الناس ينكرون هذا فلو قطعت الوقت بغيره قال الناس جهال قلت و أنت ضدهم قال نعم قلت
فينبغي أن يكون ضدهم جاهلا عندهم قال كذاك هو قلت فقد بقيت أنت جاهلا بإجماع الناس و الناس جهال بقولك وحدك و مثل هذا المعنى قول الشاعر:
إذا كنت تقضي أن عقلك كامل |
و أن بني حواء غيرك جاهل |
|
و أن مفيض العلم صدرك كله |
فمن ذا الذي يدري بأنك عاقل |
الفصل الثاني الصدقة دواء منجح قد جاء في الصدقة فضل كثير و ذكرنا بعض ذلك فيما تقدم و في الحديث المرفوع تاجروا الله بالصدقة تربحوا و قيل الصدقة صداق الجنة.و قيل للشبلي ما يجب في مائتي درهم فقال أما من جهة الشرع فخمسة دراهم و أما من جهة الإخلاص فالكل.و روى أبو هريرة عن النبي ص أنه سئل فقيل أي الصدقة أفضل فقال أن تعطي و أنت صحيح شحيح تأمل البقاء و تخشى الفقر و لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا و لفلان كذا.و مثل قوله ع الصدقة دواء منجح
قول النبي ص داووا مرضاكم بالصدقة.الفصل الثالث قوله أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم هذا من قوله تعالى( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ
لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) و قال تعالى( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) .و من كلام بعضهم إنما تقدم على ما قدمت و لست تقدم على ما تركت فآثر ما تلقاه غدا على ما لا تراه أبدا.و من حكمة أفلاطون اكتم حسن صنيعك عن أعين البشر فإن له ممن بيده ملكوت السماء أعينا ترمقه فتجازي عليه
8
وَ قَالَ ع اِعْجَبُوا لِهَذَا اَلْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ وَ يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ وَ يَسْمَعُ بِعَظْمٍ وَ يَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ هذا كلام محمول بعضه على ظاهره لما تدعو إليه الضرورة من مخاطبة العامة بما يفهمونه و العدول عما لا تقبله عقولهم و لا تعيه قلوبهم.أما الإبصار فقد اختلف فيه فقيل إنه بخروج شعاع من العين يتصل بالمرئي و قيل إن القوة المبصرة التي في العين تلاقي بذاتها المرئيات فتبصرها و قال قوم بل بتكيف الهواء بالشعاع البصري من غير خروج فيصير الهواء باعتبار تكيفه بالشعاع به آلة العين في الإدراك.و قال المحققون من الحكماء إن الإدراك البصري هو بانطباع أشباح المرئيات في الرطوبة الجلدية من العين عند توسط الهواء الشفاف المضيء كما تنطبع الصورة في المرآة قالوا و لو كانت المرآة ذات قوة مبصرة لأدركت الصور المنطبعة فيها و على جميع الأقوال فلا بد من إثبات القوة المبصرة في الرطوبة الجلدية و إلى الرطوبة الجلدية وقعت إشارته ع بقوله ينظر بشحم.و أما الكلام فمحله اللسان عند قوم و قال قوم ليس اللسان آلة ضرورية في الكلام لأن من يقطع لسانه من أصله يتكلم و أما إذا قطع رأسه لم يتكلم قالوا و إنما الكلام
باللهوات و على كلا القولين فلا بد أن تكون آلة الكلام لحما و إليه وقعت إشارة أمير المؤمنين ع و ليس هذه البنية المخصوصة شرطا في الكلام على الإطلاق لجواز وجوده في الشجر و الجماد عند أصحابنا و إنما هي شرط في كلام الإنسان و لذا قال أمير المؤمنين اعجبوا لهذا الإنسان.فأما السمع للصوت فليس بعظم عند التحقيق و إنما هو بالقوة المودعة في العصب المفروش في الصماخ كالغشاء فإذا حمل الهواء الصوت و دخل في ثقب الأذن المنتهي إلى الصماخ بعد تعويجات فيه جعلت لتجري مجرى اليراعة المصوتة و أفضى ذلك الصوت إلى ذلك العصب الحامل للقوة السامعة حصل الإدراك و بالجملة فلا بد من عظم لأن الحامل اللحم و العصب إنما هو العظم.و أما التنفس فلا ريب أنه من خرم لأنه من الأنف و إن كان قد يمكن لو سد الأنف أن يتنفس الإنسان من الفم و هو خرم أيضا و الحاجة إلى التنفس إخراج الهواء الحار عن القلب و إدخال النسيم البارد إليه فجعلت الرئة كالمروحة تنبسط و تنقبض فيدخل الهواء بها و يخرج من قصبتها النافذة إلى المنخرين
9
وَ قَالَ ع إِذَا أَقْبَلَتِ اَلدُّنْيَا عَلَى قَوْمٍ أَعَارَتْهُمْ مَحَاسِنَ غَيْرِهِمْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُمْ سَلَبَتْهُمْ مَحَاسِنَ أَنْفُسِهِمْ أَحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ كان الرشيد أيام كان حسن الرأي في جعفر بن يحيى يحلف بالله أن جعفرا أفصح من قس بن ساعدة و أشجع من عامر بن الطفيل و أكتب من عبد الحميد بن يحيى و أسوس من عمر بن الخطاب و أحسن من مصعب بن الزبير و كان جعفر ليس بحسن الصورة و كان طويل الوجه جدا و أنصح له من الحجاج لعبد الملك و أسمح من عبد الله بن جعفر و أعف من يوسف بن يعقوب فلما تغير رأيه فيه أنكر محاسنه الحقيقية التي لا يختلف اثنان أنها فيه نحو كياسته و سماحته و لم يكن أحد يجسر أن يرد على جعفر قولا و لا رأيا فيقال إن أول ما ظهر من تغير الرشيد له أنه كلم الفضل بن الربيع بشيء فرده عليه الفضل و لم تجر عادته من قبل أن يفتح فاه في وجهه فأنكر سليمان بن أبي جعفر ذلك على الفضل فغضب الرشيد لإنكار سليمان و قال ما دخولك بين أخي و مولاي كالراضي بما كان من الفضل ثم تكلم جعفر بشيء قاله للفضل فقال الفضل اشهد عليه يا أمير المؤمنين فقال جعفر فض الله فاك يا جاهل إذا كان أمير المؤمنين الشاهد فمن الحاكم المشهود عنده فضحك الرشيد و قال يا فضل لا تمار جعفرا فإنك لا تقع منه موقعا.
و اعلم أنا قد وجدنا تصديق ما قاله ع في العلوم و الفضائل و الخصائص النفسانية دع حديث الدنيا و السلطان و الرئاسة فإن المحظوظ من علم أو من فضيلة تضاف إليه شوارد تلك الفضيلة و شوارد ذلك الفن مثاله حظ علي ع من الشجاعة و من الأمثال الحكمية قل أن ترى مثلا شاردا أو كلمة حكمية إلا و تضيفها الناس إليه و كذلك ما يدعي العامة له من الشجاعة و قتل الأبطال حتى يقال إنه حمل على سبعين ألفا فهزمهم و قتل الجن في البئر و فتل الطوق الحديد في عنق خالد بن الوليد و كذلك حظ عنترة بن شداد في الشجاعة يذكر له من الأخبار ما لم يكن و كذلك ما اشتهر به أبو نواس في وصف الخمر يضاف إليه من الشعر في هذا الفن ما لم يكن قاله و كذلك جود حاتم و عبد الله بن جعفر و نحو ذلك و بالعكس من لا حظ له ينفى عنه ما هو حقيقة له فقد رأينا كثيرا من الشعر الجيد ينفى عن قائله استحقارا له لأنه خامل الذكر و ينسب إلى غيره بل رأينا كتبا مصنفة في فنون من العلوم خمل ذكر مصنفيها و نسبت إلى غيرهم من ذوي النباهة و الصيت و كل ذلك منسوب إلى الجد و الإقبال
10
وَ قَالَ ع خَالِطُوا اَلنَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ وَ إِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ و قد روي خنوا بالخاء المعجمة من الخنين و هو صوت يخرج من الأنف عند البكاء و إلى تتعلق بمحذوف أي حنوا شوقا إليكم.و قد ورد في الأمر بإحسان العشرة مع الناس الكثير الواسع و قد ذكرنا طرفا من ذلك فيما تقدم.و في الخبر المرفوع إذا وسعتم الناس ببسط الوجوه و حسن الخلق و حسن الجوار فكأنما وسعتموهم بالمال.و قال أبو الدرداء إنا لنهش في وجوه أقوام و إن قلوبنا لتقليهم.و قال محمد بن الفضل الهاشمي لأبيه لم تجلس إلى فلان و قد عرفت عداوته قال أخبئ نارا و أقدح عن ود.و قال المهاجر بن عبد الله:
و إني لأقصى المرء من غير بغضة |
و أدنى أخا البغضاء مني على عمد |
|
ليحدث ودا بعد بغضاء أو أرى |
له مصرعا يردي به الله من يردي |
و قال عقال بن شبة التميمي كنت ردف أبي فلقيه جرير بن الخطفى على بغلة
فحياه أبي و ألطفه فلما مضى قلت له أ بعد أن قال لنا ما قال قال يا بني أ فأوسع جرحي.و قال محمد بن الحنفية ع قد يدفع باحتمال المكروه ما هو أعظم منه و قال الحسن ع حسن السؤال نصف العلم و مداراة الناس نصف العقل و القصد في المعيشة نصف المئونة.و مدح ابن شهاب شاعرا فأعطاه و قال إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر.و قال الشاعر:
و أنزلني طول النوى دار غربة |
متى شئت لاقيت أمرا لا أشاكله |
|
أخا ثقة حتى يقال سجية |
و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله |
و في الحديث المرفوع للمسلم على المسلم ست يسلم عليه إذا لقيه و يجيبه إذا دعاه و يشمته إذا عطس و يعوده إذا مرض و يحب له ما يحب لنفسه و يشيع جنازته إذا مات و وقف ص على عجوز فجعل يسألها و يتحفاها و قال إن حسن العهد من الإيمان إنها كانت تأتينا أيام خديجة
11
وَ قَالَ ع إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ اَلْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قد أخذت أنا هذا المعنى فقلت في قطعة لي:
إن الأماني أكساب الجهول فلا |
تقنع بها و اركب الأهوال و الخطرا |
|
و اجعل من العقل جهلا و اطرح نظرا |
في الموبقات و لا تستشعر الحذرا |
|
و إن قدرت على الأعداء منتصرا |
فاشكر بعفوك عن أعدائك الظفرا |
و قد تقدم لنا كلام طويل في الحلم و الصفح و العفو.و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك شجر بين أبي مسلم و بين صاحب مرو كلام أربى فيه صاحب مرو عليه و أغلظ له في القول فاحتمله أبو مسلم و ندم صاحب مرو و قام بين يدي أبي مسلم معتذرا و كان قال له في جملة ما قال يا لقيط فقال أبو مسلم مه لسان سبق و وهم أخطأ و الغضب شيطان و أنا جرأتك علي باحتمالك قديما فإن كنت للذنب معتذرا فقد شاركتك فيه و إن كنت مغلوبا فالعفو يسعك فقال صاحب مرو أيها الأمير إن عظم ذنبي يمنعني من الهدوء فقال أبو مسلم يا عجبا أقابلك بإحسان و أنت مسيء ثم أقابلك بإساءة و أنت محسن فقال الآن وثقت بعفوك.و أذنب بعض كتاب المأمون ذنبا و تقدم إليه ليحتج لنفسه فقال يا هذا قف
مكانك فإنما هو عذر أو يمين فقد وهبتهما لك و قد تكرر منك ذلك فلا تزال تسيء و نحسن و تذنب و نغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.و كان يقال أحسن أفعال القادر العفو و أقبحها الانتقام.و كان يقال ظفر الكريم عفو و عفو اللئيم عقوبة.و كان يقال رب ذنب مقدار العقوبة عليه إعلام المذنب به و لا يجاوز به حد الارتفاع إلى الإيقاع.و كان يقال ما عفا عن الذنب من قرع به.و من الحلم الذي يتضمن كبرا مستحسنا ما روي أن مصعب بن الزبير لما ولي العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم فنادى مناديه أين عمرو بن جرموز فقيل له أيها الأمير إنه أبعد في الأرض قال أ و ظن الأحمق أني أقتله بأبي عبد الله قولوا له فليظهر آمنا و ليأخذ عطاءه مسلما.و أكثر رجل من سب الأحنف و هو لا يجيبه فقال الرجل ويلي عليه و الله ما منعه من جوابي إلا هواني عنده.و قال لقيط بن زرارة:
فقل لبني سعد و ما لي و ما لكم |
ترقون مني ما استطعتم و أعتق |
|
أ غركم أني بأحسن شيمة |
بصير و أني بالفواحش أخرق |
|
و أنك قد ساببتني فقهرتني |
هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق |
و قال المأمون لإبراهيم بن المهدي لما ظفر به إني قد شاورت في أمرك فأشير علي بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك فكرهت قتلك للازم حرمتك فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة و توجيه العادة إلا أنك أبيت أن
تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو فإن قتلت فلك نظراء و إن عفوت فلا نظير لك قال قد عفوت فاذهب آمنا.ضل الأعشى في طريقه فأصبح بأبيات علقمة بن علاثة فقال قائده و قد نظر إلى قباب الأدم وا سوء صباحاه يا أبا بصير هذه و الله أبيات علقمة فخرج فتيان الحي فقبضوا على الأعشى فأتوا به علقمة فمثل بين يديه فقال الحمد لله الذي أظفرني بك من غير ذمة و لا عقد قال الأعشى أ و تدري لم ذلك جعلت فداك قال نعم لانتقم اليوم منك بتقوالك علي الباطل مع إحساني إليك قال لا و الله و لكن أظفرك الله بي ليبلو قدر حلمك في فأطرق علقمة فاندفع الأعشى فقال:
أ علقم قد صيرتني الأمور |
إليك و ما كان بي منكص |
|
كساكم علاثة أثوابه |
و ورثكم حلمه الأحوص |
|
فهب لي نفسي فدتك النفوس |
فلا زلت تنمي و لا تنقص |
فقال قد فعلت أما و الله لو قلت في بعض ما قلته في عامر بن عمر لأغنيتك طول حياتك و لو قلت في عامر بعض ما قلته في ما أذاقك برد الحياة.قال معاوية لخالد بن معمر السدوسي على ما ذا أحببت عليا قال على ثلاث حلمه إذا غضب و صدقه إذا قال و وفاؤه إذا وعد
12
وَ قَالَ ع أَعْجَزُ اَلنَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اِكْتِسَابِ اَلْإِخْوَانِ وَ أَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ قد ذكرنا قطعة صالحة من الإخوانيات فيما تقدم و في الحديث المرفوع أن النبي ص بكى لما قتل جعفر بمؤتة و قال المرء كثير بأخيه و قال جعفر بن محمد ع لكل شيء حلية و حلية الرجل أوداؤه.و أنشد ابن الأعرابي:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة |
و لكن إخوان الصفاء الذخائر |
و كان أبو أيوب السختياني يقول إذا بلغني موت أخ كان لي فكأنما سقط عضو مني.و كان يقال الإخوان ثلاث طبقات طبقة كالغذاء لا يستغني عنه و طبقة كالدواء يحتاج إليه عند المرض و طبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا.و كان يقال صاحبك كرقعة في قميصك فانظر بما ترقع قميصك.
و كان يونس بن عبيد يقول اثنان ما في الأرض أقل منهما و لا يزدادان إلا قلة درهم يوضع في حق و أخ يسكن إليه في الله.و قال الشاعر:
أخاك أخاك إن من لا أخا له |
كساع إلى الهيجا بغير سلاح |
|
و إن ابن عم المرء فاعلم جناحه |
و هل ينهض البازي بغير جناح |
و قال آخر:
و لن تنفك تحسد أو تعادى |
فأكثر ما استطعت من الصديق |
|
و بغضك للتقي أقل ضرا |
و أسلم من مودة ذي الفسوق |
و أوصى بعضهم ابنه فقال يا بني إذا نازعتك نفسك إلى مصاحبة الرجال فاصحب من إذا صحبته زانك و إذا خدمته صانك و إذا عرضت لك مؤنة أعانك و إن قلت صدق قولك و إن صلت شد صولك و إن مددت يدك لأمر مدها و إن بدت لك عورة سدها و إن رأى منك حسنة عدها و إن سألته أعطاك و إن سكت ابتدأك و إن نزلت بك ملمة واساك من لا تأتيك منه البوائق و لا تحتار عليك منه الطرائق و لا يخذلك عند الحقائق.و من الشعر المنسوب إلى علي ع:
إن أخاك الحق من كان معك |
و من يضر نفسه لينفعك |
|
و من إذا ريب الزمان صدعك |
شتت فيك شمله ليجمعك |
و من الشعر المنسوب إليه ع أيضا:
أخوك الذي إن أجرضتك ملمة |
من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما |
|
و ليس أخوك بالذي إن تشعبت |
عليك أمور ظل يلحاك لائما |
و قال بعض الحكماء ينبغي للإنسان أن يوكل بنفسه كالئين أحدهما يكلؤه من أمامه و الآخر يكلؤه من ورائه و هما عقله الصحيح و أخوه النصيح فإن عقله و إن صح فلن يبصره من عيبه إلا بمقدار ما يرى الرجل من وجهه في المرآة و يخفى عليه ما خلفه و أما أخوه النصيح فيبصره ما خلفه و ما أمامه أيضا.و كتب ظريف إلى صديق له أني غير محمود على الانقياد إليك لأني صادقتك من جوهر نفسي و النفس يتبع بعضها بعضا.و في الحديث المرفوع إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه.و قال الأحنف خير الإخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك ودا و إن احتجت إليه لم ينقصك.و قال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب:
إما سلكت سبيلا كنت سالكها |
فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر |
|
من ليس في خيره شر ينكده |
على الصديق و لا في صفوه كدر |
و قال آخر يرثي صديقا له:
أخ طالما سرني ذكره |
و أصبحت أشجى لدى ذكره |
|
و قد كنت أغدو إلى قصره |
فأصبحت أغدو إلى قبره |
|
و كنت أراني غنيا به |
عن الناس لو مد في عمره |
|
إذا جئته طالبا حاجة |
فأمري يجوز على أمره |
رأى بعض الحكماء مصطحبين لا يفترقان فسأل عنهما فقيل صديقان قال فما بال أحدهما غنيا و الآخر فقيرا
13
وَ قَالَ ع فِي اَلَّذِينَ اِعْتَزَلُوا اَلْقِتَالَ مَعَهُ خَذَلُوا اَلْحَقَّ وَ لَمْ يَنْصُرُوا اَلْبَاطِلَ قد سبق ذكر هؤلاء فيما تقدم و هم عبد الله بن عمر بن الخطاب و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و أسامة بن زيد و محمد بن مسلمة و أنس بن مالك و جماعة غيرهم.و قد ذكر شيخنا أبو الحسين في الغرر أن أمير المؤمنين ع لما دعاهم إلى القتال معه و اعتذروا بما اعتذروا به قال لهم أ تنكرون هذه البيعة قالوا لا لكنا لا نقاتل فقال إذا بايعتم فقد قاتلتم قال فسلموا بذلك من الذم لأن إمامهم رضي عنهم.و معنى قوله خذلوا الحق و لم ينصروا الباطل أي خذلوني و لم يحاربوا معي معاوية و بعض أصحابنا البغداديين يتوقف في هؤلاء و إلى هذا القول يميل شيخنا أبو جعفر الإسكافي
14
وَ قَالَ ع إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ اَلنِّعَمِ فَلاَ تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ اَلشُّكْرِ قد سبق القول في الشكر و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.قال بعضهم ما شيبتني السنون بل شكري من أحتاج أن أشكره.و قالوا العفاف زينة الفقر و الشكر زينة الغنى.و قالوا من سعادة المرء أن يضع معروفه عند من يشكره.و من جيد ما قيل في الشكر قول أبي نواس:
قد قلت للعباس معتذرا |
من ضعف شكريه و معترفا |
|
أنت امرؤ حملتني نعما |
أوهت قوى شكري فقد ضعفا |
|
فإليك مني اليوم معذرة |
جاءتك بالتصريح منكشفا |
|
لا تسدين إلى عارفة |
حتى أقوم بشكر ما سلفا |
و قال البحتري:
فإن أنا لم أشكر لنعماك جاهدا |
فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا |
و قال أيضا:
سأجهد في شكري لنعماك إنني |
أرى الكفر للنعماء ضربا من الكفر |
و قال ابن أبي طاهر:
شكرت عليا بره و بلاءه |
فقصر بي شكري و إني لجاهد |
|
و ما أنا من شكري عليا بواحد |
و لكنه في الفضل و الجود واحد |
و قال أبو الفتح البستي:
لا تظنن بي و برك حي |
أن شكري و شكر غيري موات |
|
أنا أرض و راحتاك سحاب |
و الأيادي وبل و شكري نبات |
و قال أيضا:
و خر لما أوليت شكري ساجدا |
و مثل الذي أوليت يعبده الشكر |
البحتري:
أراك بعين المكتسي ورق الغنى |
بآلائك اللاتي يعددها الشكر |
|
و يعجبني فقري إليك و لم يكن |
ليعجبني لو لا محبتك الفقر |
آخر:
بدأت بمعروف و ثنيت بالرضا |
و ثلثت بالحسنى و ربعت بالكرم |
|
و باشرت أمري و اعتنيت بحاجتي |
و أخرت لا عني و قدمت لي نعم |
|
و صدقت لي ظني و أنجزت موعدي |
و طبت به نفسا و لم تتبع الندم |
|
فإن نحن كافأنا بشكر فواجب |
و إن نحن قصرنا فما الود متهم |
15
وَ قَالَ ع مَنْ ضَيَّعَهُ اَلْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ اَلْأَبْعَدُ إن الإنسان قد ينصره من لا يرجو نصره و إن أهمله أقربوه و خذلوه فقد تقوم به الأجانب من الناس و قد وجدنا ذلك في حق رسول الله ص ضيعه أهله و رهطه من قريش و خذلوه و تمالئوا عليه فقام بنصره الأوس و الخزرج و هم أبعد الناس نسبا منه لأنه من عدنان و هم من قحطان و كل واحد من الفريقين لا يحب الآخر حتى تحب الأرض الدم و قامت ربيعة بنصر علي ع في صفين و هم أعداء مضر الذين هم أهله و رهطه و قامت اليمن بنصر معاوية في صفين و هم أعداء مضر و قامت الخراسانية و هم عجم بنصر الدولة العباسية و هي دولة العرب و إذا تأملت السير وجدت هذا كثيرا شائعا
16
وَ قَالَ ع مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ هذه الكلمة قالها علي ع لسعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر لما امتنعوا من الخروج معه لحرب أصحاب الجمل و نظيرها أو قريب منها قول أبي الطيب:
فما كل فعال يجازى بفعله |
و لا كل قوال لدي يجاب |
|
و رب كلام مر فوق مسامعي |
كما طن في لفح الهجير ذباب |
17
وَ قَالَ ع تَذِلُّ اَلْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ حَتَّى يَكُونَ اَلْحَتْفُ فِي اَلتَّدْبِيرِ إذا تأملت أحوال العالم وجدت صدق هذه الكلمة ظاهرا و لو شئنا أن نذكر الكثير من ذلك لذكرنا ما يحتاج في تقييده بالكتابة إلى مثل حجم كتابنا هذا و لكنا نذكر لمحا و نكتا و أطرافا و دررا من القول.فرش مروان بن محمد و قد لقي عبد الله بن علي أنطاعا و بسط عليها المال و قال من جاءني برأس فله مائة درهم فعجزت الحفظة و الحراس عن حمايته و اشتغلت طائفة من الجند بنهبه و تهافت الجيش عليه لينتهبوه فغشيهم عبد الله بن علي بعساكره فقتل منهم ما لا يحصى و هزم الباقون.و كسر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن جيش أبي جعفر المنصور بباخمرى و أمر أصحابه باتباعهم فحال بينهم و بين أصحاب أبي جعفر ماء ضحضاح فكره إبراهيم و جيشه خوض ذلك الماء و كان واسعا فأمر صاحب لوائه أن يتعرج باللواء على مسناة كانت على ذلك الماء يابسة فسلكها صاحب اللواء و هي تفضي بانعراج و انعكاس إلى الأرض اليبس فلما رأى عسكر أبي جعفر أن لواء القوم قد تراجع
القهقرى ظنوهم منهزمين فعطفوا عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة و جاء سهم غرب فأصاب إبراهيم فقتله.و قد دبرت من قبل قريش في حماية العير بأن نفرت على الصعب و الذلول لتدفع رسول الله ص عن اللطيمة فكان هلاكها في تدبيرها.و كسرت الأنصار يوم أحد بأن أخرجت النبي ص عن المدينة ظنا منها أن الظفر و النصرة كانت بذلك و كان سبب عطبها و ظفر قريش بها و لو أقامت بين جدران المدينة لم تظفر قريش منها بشيء.و دبر أبو مسلم الدولة الهاشمية و قام بها حتى كان حتفه في تدبيره.و كذلك جرى لأبي عبد الله المحتسب مع عبد الله المهدي بالمغرب.و دبر أبو القاسم بن المسلمة رئيس الرؤساء في إخراج البساسيري عن العراق حتى كان هلاكه على يده و كذلك أيضا انعكس عليه تدبيره في إزالة الدولة البويهية من الدولة السلجوقية ظنا منه أنه يدفع الشر بغير الشر فدفع الشر بما هو شر منه.و أمثال هذا و نظائره أكثر من أن تحصى
18
وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِ اَلرَّسُولِ ص غَيِّرُوا اَلشَّيْبَ وَ لاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ فَقَالَ ع إِنَّمَا قَالَ ص ذَلِكَ وَ اَلدِّينُ قُلٌّ فَأَمَّا اَلآْنَ وَ قَدِ اِتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَ ضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَ مَا اِخْتَارَ اليهود لا تخضب و كان النبي ص أمر أصحابه بالخضاب ليكونوا في مرأى العين شبابا فيجبن المشركون عنهم حال الحرب فإن الشيخ مظنة الضعف.قال علي ع كان ذلك و الإسلام قل أي قليل و أما الآن و قد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فقد سقط ذلك الأمر و صار الخضاب مباحا غير مندوب.و النطاق ثوب تلبسه المرأة لبسة مخصوصة ليس بصدرة و لا سراويل و سميت أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لأنها قطعت من ثوبها ذلك قطعة شدت بها سفرة لها حملها أبو بكر معه حين خرج من مكة مع النبي ص يوم الهجرة فقال النبي ص لقد أبدلها الله بها نطاقين في الجنة و كان نفر الشام ينادون عبد الله ابنها حين حصره الحجاج بمكة يشتمونه كما زعموا يا ابن ذات النطاقين فيضحك عبد الله منهم و قال لابن أبي عتيق أ لا تسمع يظنونه ذما ثم يقول
و تلك شكاة ظاهر عنك عارها
و استعار أمير المؤمنين ع هذه اللفظة لسعة رقعة الإسلام و كذلك استعار قوله و ضرب بجرانه أي أقام و ثبت و ذلك لأن البعير إذا ضرب بجرانه الأرض و جرانه مقدم عنقه فقد استناخ و برك.و امرؤ مبتدأ و إن كان نكرة كقولهم شر أهر ذا ناب لحصول الفائدة و الواو بمعنى مع و هي و ما بعدها الخبر و ما مصدرية أي امرؤ مع اختياره
فأما القول في الخضاب فقد روى قوم أن رسول الله ص بدا شيب يسير في لحيته فغيره بالخضاب خضب بالحناء و الكتم و قال قوم لم يشب أصلا.و روي أن عائشة قالت ما كان الله ليشينه بالشيب فقيل أ و شين هو يا أم المؤمنين قالت كلكم يكرهه و أما أبو بكر فصح الخبر عنه بذلك و كذلك أمير المؤمنين و قيل إنه لم يخضب و قتل الحسين ع يوم الطف و هو مخضوب و في الحديث المرفوع رواه عقبة بن عامر عليكم بالحناء فإنه خضاب الإسلام إنه يصفي البصر و يذهب بالصداع و يزيد في الباه و إياكم و السواد فإنه من سود سود الله وجهه يوم القيامة و عنه ص عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوكم و أعجب إلى نسائكم.
و يقال في أبواب الكناية للمختضب هو يسود وجه النذير لأن النذير الشيب قيل في قوله تعالى( وَ جاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ ) إنه الشيب.و كان عبد الرحمن بن الأسود أبيض الرأس و اللحية فأصبح ذات يوم و قد حمرهما و قال إن عائشة أرسلت إلى البارحة جاريتها فأقسمت علي لأغيرن و قالت إن أبا بكر كان يصبغ.و روى قيس بن أبي حازم قال كان أبو بكر يخرج إلينا و كان لحيته ضرام عرفج.و عن أبي عامر الأنصاري رأيت أبا بكر يغير بالحناء و الكتم و رأيت عمر لا يغير شيئا من شيبه و قال إني سمعت رسول الله ص يقول من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة و لا أحب أن أغير نوري.و كان أنس بن مالك يخضب و ينشد:
نسود أعلاها و تأبى أصولها |
و ليس إلى رد الشباب سبيل |
و روي أن عبد المطلب وفد على سيف بن ذي يزن فقال له لو خضبت فلما عاد إلى مكة خضب فقالت له امرأته نثيلة أم العباس و ضرار ما أحسن هذا الخضاب لو دام فقال:
فلو دام لي هذا الخضاب حمدته |
و كان بديلا من خليل قد انصرم |
|
تمتعت منه و الحياة قصيرة |
و لا بد من موت نثيلة أو هرم |
|
و موت جهيز عاجل لا شوى له |
أحب إلينا من مقالكم حكم |
قال يعني إنه صار شيخا فصار حكما بين الناس من قوله:
لا تغبط المرء أن يقال له |
أضحى فلان لسنه حكما |
و قال أسماء بن خارجة لجاريته اخضبيني فقالت حتى متى أرقعك فقال:
عيرتني خلقا أبليت جدته |
و هل رأيت جديدا لم يعد خلقا |
و أما من يروى أن عليا ع ما خضب فيحتج بقوله و قد قيل له لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين فقال الخضاب زينة و نحن في مصيبة يعني برسول الله ص.و سئل الحسن ع عن الخضاب فقال هو جزع قبيح و قال محمود الوراق:
يا خاضب الشيب الذي |
في كل ثالثة يعود |
|
إن الخضاب إذا مضى |
فكأنه شيب جديد |
|
فدع المشيب و ما يريد |
فلن تعود كما تريد |
و قد روى قوم عن النبي ص كراهية الخضاب و أنه قال لو استقبلتم الشيب بالتواضع لكان خيرا لكم.قال الشاعر:
و صبغت ما صبغ الزمان فلم يدم |
صبغي و دامت صبغة الأيام |
و قال آخر:
يا أيها الرجل المغير شيبه |
كيما تعد به من الشبان |
|
أقصر فلو سودت كل حمامة |
بيضاء ما عدت من الغربان |
و يقولون في ديوان عرض الجيش ببغداد لمن يخضب إذا ذكروا حليته مستعار و هي كناية لطيفة و أنا أستحسن قول البحتري خضبت بالمقراض كناية عن قص الشعر الأبيض فجعل ذلك خضابه عوضا عن الصبغ و الأبيات هذه:
لابس من شبيبة أم ناض |
و مليح من شيبة أم راض |
و إذا ما امتعضت من ولع الشيب |
برأسي لم يثن ذاك امتعاضي |
|
ليس يرضى عن الزمان امرؤ فيه |
إلا عن غفلة أو تغاضي |
|
و البواقي من الليالي و إن |
خالفن شيئا شبيهة بالمواضي |
|
و أبت تركي الغديات و الآصال |
حتى خضبت بالمقراض |
|
و دواء المشيب كالبخص في عيني |
فقل فيه في العيون المراض |
|
طال حزني على الشباب و ما |
بيض من لون صبغه الفضفاض |
|
فهل الحادثات يا ابن عويف |
تاركاتي و لبس هذا البياض |
19
وَ قَالَ ع مَنْ جَرَى فِي عِنَان أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجلِهِ قد تقدم لنا قول كثير في الأمل و نذكر هاهنا زيادة على ذلك.
قال الحسن ع لو رأيت الأجل و مسيره لنسيت الأمل و غروره و يقدر المقدرون و القضاء يضحك و روى أبو سعيد الخدري أن أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر فقال رسول الله ص أ لا تعجبون من أسامة يشتري إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل.أبو عثمان النهدي قد بلغت نحوا من ثلاثين و مائة سنة فما من شيء إلا قد عرفت فيه النقص إلا أملى فإنه كما كان.قال الشاعر:
أراك تزيدك الأيام حرصا |
على الدنيا كأنك لا تموت |
|
فهل لك غاية إن صرت يوما |
إليها قلت حسبي قد رضيت |
و قال آخر:
من تمنى المنى فأغرق فيها |
مات من قبل أن ينال مناه |
|
ليس في مال من تتابع في اللذات |
فضل عن نفسه لسواه |
20
وَ قَالَ ع أَقِيلُوا ذَوِي اَلْمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إِلاَّ وَ يَدُهُ بِيَدِ اَللَّهِ يَدُ اَللَّهِ بِيَدِهِ يَرْفَعُهُ
قد رويت هذه الكلمة مرفوعة ذكر ذلك ابن قتيبة في عيون الأخبار و أحسن ما قيل في المروءة قولهم اللذة ترك المروءة و المروءة ترك اللذة.و في الحديث أن رجلا قام إلى رسول الله ص فقال يا رسول الله أ لست أفضل قومي فقال إن كان لك عقل فلك فضل و إن كان لك خلق فلك مروءة و إن كان لك مال فلك حسب و إن كان لك تقى فلك دين.و سئل الحسن عن المروءة فقال جاء في الحديث المرفوع أن الله تعالى يحب معالي الأمور و يكره سفسافها.و كان يقال من مروءة الرجل جلوسه بباب داره.و قال الحسن لا دين إلا بمروءة
و قيل لابن هبيرة ما المروءة فقال إصلاح المال و الرزانة في المجلس و الغداء و العشاء بالفناء.و جاء أيضا في الحديث المرفوع حسب الرجل ماله و كرمه دينه و مروءته خلقه و كان يقال ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق.و يقال سرعة المشي تذهب بمروءة الرجل.و قال معاوية لعمرو ما ألذ الأشياء قال مر فتيان قريش أن يقوموا فلما قاموا قال إسقاط المروءة.و كان عروة بن الزبير يقول لبنيه يا بني العبوا فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب و قيل للأحنف ما المروءة قال العفة و الحرفة تعف عما حرم الله و تحترف فيما أحل الله.و قال محمد بن عمران التيمي لا أشد من المروءة و هي ألا تعمل في السر شيئا تستحيي منه في العلانية و سئل النظام عن المروءة فأنشد بيت زهير:
الستر دون الفاحشات و لا |
يلقاك دون الخير من ستر |
و قال عمر تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة و تعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت به.و قال ميمون بن مهران أول المروءة طلاقة الوجه و الثاني التودد إلى الناس و الثالث قضاء الحوائج.و قال مسلمة بن عبد الملك مروءتان ظاهرتان الرياش و الفصاحة.و كان يقال تعرف مروءة الرجل بكثرة ديونه.و كان يقال العقل يأمرك بالأنفع و المروءة تأمرك بالأجمل.
لام معاوية يزيد ابنه على سماع الغناء و حب القيان و قال له أسقطت مروءتك فقال يزيد أتكلم بلساني كلمة قال نعم و بلسان أبي سفيان بن حرب و هند بنت عتبة مع لسانك قال و الله لقد حدثني عمرو بن العاص و استشهد على ذلك ابنه عبد الله بصدقه أن أبا سفيان كان يخلع على المغني الفاضل و المضاعف من ثيابه و لقد حدثني أن جاريتي عبد الله بن جدعان غنتاه يوما فأطربتاه فجعل يخلع عليهما أثوابه ثوبا ثوبا حتى تجرد تجرد العير و لقد كان هو و عفان بن أبي العاص ربما حملا جارية العاص بن وائل على أعناقهما فمرا بها على الأبطح و جلة قريش ينظرون إليهما مرة على ظهر أبيك و مرة على ظهر عفان فما الذي تنكر مني فقال معاوية اسكت لحاك الله و الله ما أحد ألحق بأبيك هذا إلا ليغرك و يفضحك و إن كان أبو سفيان ما علمت لثقيل الحلم يقظان الرأي عازب الهوى طويل الأناة بعيد القعر و ما سودته قريش إلا لفضله
21
وَ قَالَ ع قُرِنَتِ اَلْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَ اَلْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ وَ اَلْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ اَلْخَيْرِ في المثل من أقدم لم يندم و قال الشاعر:
ليس للحاجات إلا |
من له وجه وقاح |
|
و لسان طرمذي |
و غدو و رواح |
|
فعليه السعي فيها |
و على الله النجاح |
و كان يقال الفرصة ما إذا حاولته فأخطأك نفعه لم يصل إليك ضره.و من كلام ابن المقفع انتهز الفرصة في إحراز المآثر و اغتنم الإمكان باصطناع الخير و لا تنتظر ما تعامل فتجازى عنه بمثله فإنك إن عوملت بمكروه و اشتغلت برصد المكافأة عنه قصر العمر بك عن اكتساب فائدة و اقتناء منقبة و تصرمت أيامك بين تعد عليك و انتظار للظفر بإدراك الثأر من خصمك و لا عيشة في الحياة أكثر من ذلك.كانت العرب إذا أوفدت وافدا قالت له إياك و الهيبة فإنها خيبة و لا تبت عند ذنب الأمر و بت عند رأسه
22
وَ قَالَ ع لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِيْنَاهُ وَ إِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ اَلْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ اَلسُّرَى قال الرضيرحمهالله تعالى و هذا القول من لطيف الكلام و فصيحه و معناه أنا إن لم نعط حقنا كنا أذلاء و ذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد و الأسير و من يجري مجراهما هذا الفصل قد ذكره أبو عبيد الهروي في الجمع بين الغريبين و صورته أن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى قال قد فسروه على وجهين أحدهما أن راكب عجز البعير يلحقه مشقة و ضرر فأراد أنا إذا منعنا حقنا صبرنا على المشقة و المضرة كما يصبر راكب عجز البعير و هذا التفسير قريب مما فسره الرضي و الوجه الثاني أن راكب عجز البعير إنما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير و راكب ظهر البعير متقدم على راكب عجز البعير فأراد أنا إذا منعنا حقنا تأخرنا و تقدم غيرنا علينا فكنا كالراكب رديفا لغيره و أكد المعنى على كلا التفسيرين بقوله و إن طال السرى لأنه إذا طال السرى كانت المشقة
على راكب عجز البعير أعظم و كان الصبر على تأخر راكب عجز البعير عن الراكب على ظهره أشد و أصعب.و هذا الكلام تزعم الإمامية أنه قاله يوم السقيفة أو في تلك الأيام و يذهب أصحابنا إلى أنه قاله يوم الشورى بعد وفاة عمر و اجتماع الجماعة لاختيار واحد من الستة و أكثر أرباب السير ينقلونه على هذا الوجه
23
وَ قَالَ ع مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُهُ نَسَبُهُ هذا الكلام حث و حض و تحريض على العبادة و قد تقدم أمثاله و سيأتي له نظائر كثيرة و هو مثل قول النبي ص يا فاطمة بنت محمد إني لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب إني لا أغني عنك من الله شيئا( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ )
24
وَ قَالَ ع مِنْ كَفَّارَاتِ اَلذُّنُوبِ اَلْعِظَامِ إِغَاثَةُ اَلْمَلْهُوفِ وَ اَلتَّنْفِيسُ عَنِ اَلْمَكْرُوبِ قد جاء في هذا المعنى آثار كثيرة و أخبار جميلة كان العتابي قد أملق فجاء فوقف بباب المأمون يسترزق الله على يديه فوافى يحيى بن أكثم فعرض له العتابي فقال له إن رأيت أيها القاضي أن تعلم أمير المؤمنين مكاني فافعل فقال لست بحاجب قال قد علمت و لكنك ذو فضل و ذو الفضل معوان فقال سلكت بي غير طريقي قال إن الله أتحفك منه بجاه و نعمة و هو مقبل عليك بالزيادة إن شكرت و بالتغيير إن كفرت و أنا لك اليوم خير منك لنفسك لأني أدعوك إلى ما فيه ازدياد نعمتك و أنت تأبى علي و لكل شيء زكاة و زكاة الجاه رفد المستعين فدخل يحيى فأخبر المأمون به فأحضره و حادثه و لاطفه و وصله
25
وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَ أَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ هذا الكلام تخويف و تحذير من الاستدراج قال سبحانه( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) و ذلك لأن العبد بغروره يعتقد أن موالاة النعم عليه و هو عاص من باب الرضا عنه و لا يعلم أنه استدراج له و نقمة عليه.فإن قلت كيف يصح القول بالاستدراج على أصولكم في العدل أ ليس معنى الاستدراج إيهام العبد أنه سبحانه غير ساخط فعله و معصيته فهل هذا الاستدراج إلا مفسدة و سبب إلى الإصرار على القبيح.قلت إذا كان المكلف عالما بقبح القبيح أو متمكنا من العلم بقبحه ثم رأى النعم تتوالى عليه و هو مصر على المعصية كان ترادف تلك النعم كالمنبه له على وجوب الحذر مثال ذلك من هو في خدمة ملك و هو عون ذلك الملك في دولته و يعلم أن الملك قد عرف حاله ثم يرى نعم الملك مترادفة إليه فإنه يجب بمقتضى الاحتياط أن يشتد حذره لأنه يقول ليست حالي مع الملك حال من يستحق هذه النعم و ما هذه إلا مكيدة و تحتها غائلة فيجب إذن عليه أن يحذر
26
وَ قَالَ ع مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَ صَفَحَاتِ وَجْهِهِ قال زهير بن أبي سلمى:
و مهما تكن عند امرئ من خليقة |
و إن خالها تخفى على الناس تعلم |
و قال آخر:
تخبرني العينان ما القلب كاتم |
و ما جن بالبغضاء و النظر الشزر |
و قال آخر:
و في عينيك ترجمة أراها |
تدل على الضغائن و الحقود |
|
و أخلاق عهدت اللين فيها |
غدت و كأنها زبر الحديد |
|
و قد عاهدتني بخلاف هذا |
و قال الله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ |
و كان يقال العين و الوجه و اللسان أصحاب أخبار على القلب و قالوا القلوب كالمرايا المتقابلة إذا ارتسمت في إحداهن صورة ظهرت في الأخرى
27
وَ قَالَ ع اِمْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ يقول مهما وجدت سبيلا إلى الصبر على أمر من الأمور التي قد دفعت إليها و فيها مشقة عليك و ضرر لاحق بك فاصبر و لا تلتمس طريقا إلى تغيير ما دفعت إليه أن تسلكها بالعنف و مراغمة الوقت و معاناة الأقضية و الأقدار و مثال ذلك من يعرض له مرض ما يمكنه أن يحتمله و يدافع الوقت فإنه يجب عليه ألا يطرح جانبه إلى الأرض و يخلد إلى النوم على الفراش ليعالج ذلك المرض قوة و قهرا فربما أفضى به مقاهرة ذلك المرض الصغير بالأدوية إلى أن يصير كبيرا معضلا
28
وَ قَالَ ع أَفْضَلُ اَلزُّهْدِ إِخْفَاءُ اَلزُّهْدِ إنما كان كذلك لأن الجهر بالعبادة و الزهادة و الإعلان بذلك قل أن يسلم من مخالطة الرياء و قد تقدم لنا في الرياء أقوال مقنعة.رأى المنصور رجلا واقفا ببابه فقال مثل هذا الدرهم بين عينيك و أنت واقف ببابنا فقال الربيع نعم لأنه ضرب على غير السكة.شاعر:
معشر أثبت الصلاة عليهم |
لجباه يشقها المحراب |
|
عمروا موضع التصنع منهم |
و مكان الإخلاص منهم خراب |
29
وَ قَالَ ع إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَ اَلْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ فَمَا أَسْرَعَ اَلْمُلْتَقَى هذا ظاهر لأنه إذا كان كلما جاء ففي إدبار و الموت كلما جاء ففي إقبال فيا سرعان ما يلتقيان و ذلك لأن إدباره هو توجهه إلى الموت و إقبال الموت هو توجه الموت إلى نحوه فقد حق إذن الالتقاء سريعا و مثال ذلك سفينتان بدجلة أو غيرها تصعد إحداهما و الأخرى تنحدر نحوها فلا ريب إن الالتقاء يكون وشيكا
30
وَ قَالَ ع اَلْحَذَرَ اَلْحَذَرَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَتَرَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ قد تقدم هذا المعنى و هو الاستدراج الذي ذكرناه آنفا
31
وَ سُئِلَ ع عَنِ اَلْإِيمَانِ فَقَالَ اَلْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى اَلصَّبْرِ وَ اَلْيَقِينِ وَ اَلْعَدْلِ وَ اَلْجِهَادِ وَ اَلصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلشَّوْقِ وَ اَلشَّفَقِ وَ اَلزُّهْدِ وَ اَلتَّرَقُّبِ فَمَنِ اِشْتَاقَ إِلَى اَلْجَنَّةِ سَلاَ عَنِ اَلشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ اَلنَّارِ اِجْتَنَبَ اَلْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ زَهِدَ فِي اَلدُّنْيَا اِسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ وَ مَنِ اِرْتَقَبَ اَلْمَوْتَ سَارَعَ فِي إِلَى اَلْخَيْرَاتِ وَ اَلْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى تَبْصِرَةِ اَلْفِطْنَةِ وَ تَأَوُّلِ اَلْحِكْمَةِ وَ مَوْعِظَةِ اَلْعِبْرَةِ وَ سُنَّةِ اَلْأَوَّلِينَ فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي اَلْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ اَلْحِكْمَةُ وَ مَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ اَلْحِكْمَةُ عَرَفَ اَلْعِبْرَةَ وَ مَنْ عَرَفَ اَلْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى غَائِصِ اَلْفَهْمِ وَ غَوْرِ اَلْعِلْمِ وَ زُهْرَةِ اَلْحُكْمِ وَ رَسَاخَةِ اَلْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ اَلْعِلْمِ وَ مَنْ عَلِمَ غَوْرَ اَلْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ اَلْحِلْمِ اَلْحُكْمِ وَ مَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَ عَاشَ فِي اَلنَّاسِ حَمِيداً وَ اَلْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيِ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلصِّدْقِ فِي اَلْمَوَاطِنِ وَ شَنَآنِ اَلْفَاسِقِينَ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ نَهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ اَلْمُنَافِقِينَ وَ مَنْ صَدَقَ فِي اَلْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَ مَنْ شَنِئَ اَلْفَاسِقِينَ وَ غَضِبَ لِلَّهِ غَضِبَ اَللَّهُ لَهُ وَ أَرْضَاهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ اَلْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى اَلتَّعَمُّقِ وَ اَلتَّنَازُعِ وَ اَلزَّيْغِ وَ اَلشِّقَاقِ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى اَلْحَقِّ وَ مَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ اَلْحَقِّ
وَ مَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ اَلْحَسَنَةُ وَ حَسُنَتْ عِنْدَهُ اَلسَّيِّئَةُ وَ سَكِرَ سُكْرَ اَلضَّلاَلَةِ وَ مَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ وَ أَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَ ضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ وَ اَلشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى اَلتَّمَارِي وَ اَلْهَوْلِ وَ اَلتَّرَدُّدِ وَ اَلاِسْتِسْلاَمِ فَمَنْ جَعَلَ اَلْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ وَ مَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَ مَنْ تَرَدَّدَ فِي اَلرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ اَلشَّيَاطِينِ وَ مَنِ اِسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا قال الرضيرحمهالله تعالى و بعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة و الخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب من هذا الفصل أخذت الصوفية و أصحاب الطريقة و الحقيقة كثيرا من فنونهم في علومهم و من تأمل كلام سهل بن عبد الله التستري و كلام الجنيد و السري و غيرهم رأى هذه الكلمات في فرش كلامهم تلوح كالكواكب الزاهرة و كل المقامات و الأحوال المذكورة في هذا الفصل قد تقدم قولنا فيها
و نذكر هاهنا الصدق في المواطن و بين يدي الملوك و من يغضب لله و ينهى عن المنكر و يقوم بالحق و لا يبالي بالسلطان و لا يراقبه.
دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك و عنده أيوب ابنه و هو يومئذ ولي عهده قد عقد له من بعده فجاء إنسان يطلب ميراثا من بعض نساء الخلفاء فقال سليمان ما إخال النساء يرثن في العقار شيئا فقال عمر بن عبد العزيز سبحان الله و أين كتاب الله فقال سليمان يا غلام اذهب فأتني بسجل عبد الملك الذي كتب في ذلك فقال له عمر لكأنك أرسلت إلى المصحف فقال أيوب بن سليمان و الله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين فلا يشعر حتى يفارقه رأسه فقال عمر إذا أفضى الأمر إليك و إلى أمثالك كان ما يدخل على الإسلام أشد مما يخشى عليكم من هذا القول ثم قام فخرج.و روى إبراهيم بن هشام بن يحيى قال حدثني أبي عن جدي قال كان عمر بن عبد العزيز ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية و يقول ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة فأتي سليمان بحروري مستقتل و عنده عمر بن عبد العزيز فقال سليمان للحروري ما ذا تقول قال ما أقول يا فاسق يا ابن الفاسق فقال سليمان لعمر ما ترى يا أبا حفص فسكت فقال أقسمت عليك لتخبرني ما ذا ترى عليه فقال أرى أن تشتمه كما شتمك و تشتم أباه كما شتم أباك فقال سليمان ليس إلا قال ليس إلا فلم يرجع سليمان إلى قوله و أمر بضرب عنق الحروري.و روى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار قال بينما المنصور يطوف ليلا بالبيت سمع قائلا يقول اللهم إليك أشكو ظهور البغي و الفساد و ما يحول بين الحق و أهله من الطمع فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد و أرسل إلى الرجل يدعوه فصلى ركعتين و استلم الركن و أقبل على المنصور فسلم عليه بالخلافة فقال المنصور ما الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي و الفساد في الأرض و ما يحول بين الحق
و أهله من الطمع فو الله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني فقال يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها و إلا احتجزت منك و اقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل قال أنت آمن على نفسك فقل فقال إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه و بين إصلاح ما ظهر من البغي و الفساد لأنت قال ويحك و كيف يدخلني الطمع و الصفراء و البيضاء في قبضتي و الحلو و الحامض عندي قال و هل دخل أحد من الطمع ما دخلك إن الله عز و جل استرعاك المسلمين و أموالهم فأغفلت أمورهم و اهتممت بجمع أموالهم و جعلت بينك و بينهم حجبا من الجص و الآجر و أبوابا من الحديد و حجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها منهم و بعثت عمالك في جباية الأموال و جمعها فقويتهم بالسلاح و الرجال و الكراع و أمرت بألا يدخل عليك إلا فلان و فلان نفر سميتهم و لم تأمر بإيصال المظلوم و الملهوف و لا الجائع و الفقير و لا الضعيف و العاري و لا أحد ممن له في هذا المال حق فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك و أمرت ألا يحجبوا عنك يجبون الأموال و يجمعونها و يحجبونها و قالوا هذا رجل قد خان الله فما لنا لا نخونه و قد سخرنا فائتمروا على ألا يصل إليك من أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا و لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا بغضوه عندك و بغوه الغوائل حتى تسقط منزلته و يصغر قدره فلما انتشر ذلك عنك و عنهم أعظمهم الناس و هابوهم و كان أول من صانعهم عمالك بالهدايا و الأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة و الثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا و فسادا و صار هؤلاء القوم شركاءك في سلطنتك و أنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه و بين دخول
دارك و إن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك و قد نهيت عن ذلك و وقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء المتظلم إليه أرسلوا إلى صاحب المظالم ألا يرفع إليك قصته و لا يكشف لك حاله فيجيبهم خوفا منك فلا يزال المظلوم يختلف نحوه و يلوذ به و يستغيث إليه و هو يدفعه و يعتل عليه و إذا أجهد و أحرج و ظهرت أنت لبعض شأنك صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره و أنت تنظر و لا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا.و لقد كنت أيام شبيبتي أسافر إلى الصين فقدمتها مرة و قد أصيب ملكها بسمعه فبكى بكاء شديدا فحداه جلساؤه على الصبر فقال أما إني لست أبكي للبلية النازلة و لكن أبكي للمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته ثم قال أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس ألا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره ينظر هل يرى مظلوما فهذا مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على شح نفسه و أنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال و ما من مال يومئذ إلا و دونه يد شحيحة تحويه فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه و لست بالذي تعطي و لكن الله يعطي من يشاء ما يشاء و إن قلت إنما أجمع المال لتشييد السلطان فقد أراك الله عبرا في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب و الفضة و أعدوا من الرجال و السلاح و الكراع حين أراد الله بهم ما أراد و إن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه انظر هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل قال لا قال فإن الملك الذي خولك ما خولك
لا يعاقب من عصاه بالقتل بالخلود في العذاب الأليم و قد رأى ما قد عقدت عليه قلبك و عملته جوارحك و نظر إليه بصرك و اجترحته يداك و مشت إليه رجلاك و انظر هل يغني عنك ما شححت عليه من أمر الدنيا إذا انتزعه من يدك و دعاك إلى الحساب على ما منحك.فبكى المنصور و قال ليتني لم أخلق ويحك فكيف أحتال لنفسي قال إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم و يرضون بقولهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك و شاورهم في أمرك يسددوك قال قد بعثت إليهم فهربوا مني قال نعم خافوا أن تحملهم على طريقك و لكن افتح بابك و سهل حجابك و انظر المظلوم و اقمع الظالم و خذ الفيء و الصدقات مما حل و طاب و اقسمه بالحق و العدل على أهله و أنا الضامن عنهم أن يأتوك و يسعدوك على صلاح الأمة.و جاء المؤذنون فسلموا عليه و نادوا بالصلاة فقام و صلى و عاد إلى مجلسه فطلب الرجل فلم يوجد.و روى ابن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور أن عمرو بن عبيد قال للمنصور إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها و اذكر ليلة تتمخض لك صبيحتها عن يوم القيامة قال يعني ليلة موته فوجم المنصور فقال الربيع حسبك فقد عممت أمير المؤمنين فقال عمرو بن عبيد إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير عليه أن ينصحك يوما واحدا و لم يعمل وراء بابك بشيء مما في كتاب الله و لا في سنة نبيه قال أبو جعفر فما أصنع قد قلت لك خاتمي في يدك فهلم أنت و أصحابك فاكفني فقال عمرو دعنا بعدلك نسخ بأنفسنا بعونك و ببابك مظالم كثيرة فارددها نعلم أنك صادق.
و قال ابن قتيبة في الكتاب المذكور و قد قام أعرابي بين يدي سليمان بن عبد الملك بنحو هذا قال له إني مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فيه بعض الغلظة فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب قال قل قال إني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك تأدية لحق الله إنك قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياهم بدينهم فهم حرب الآخرة سلم الدنيا فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا و الأمة خسفا و أنت مسئول عما اجترحوا و ليسوا مسئولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره قال فقال سليمان أما أنت يا أعرابي فإنك قد سللت علينا عاجلا لسانك و هو أقطع سيفيك فقال أجل لقد سللته و لكن لك لا عليك
32
وَ قَالَ ع فَاعِلُ اَلْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ وَ فَاعِلُ اَلشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ قد نظمت أنا هذا اللفظ و المعنى فقلت في جملة أبيات لي:
خير البضائع للإنسان مكرمة |
تنمي و تزكو إذا بارت بضائعه |
|
فالخير خير و خير منه فاعله |
و الشر شر و شر منه صانعه |
فإن قلت كيف يكون فاعل الخير خيرا من الخير و فاعل الشر شرا من الشر مع أن فاعل الخير إنما كان ممدوحا لأجل الخير و فاعل الشر إنما كان مذموما لأجل الشر فإذا كان الخير و الشر هما سببا المدح و الذم و هما الأصل في ذلك فكيف يكون فاعلاهما خيرا و شرا منهما.قلت لأن الخير و الشر ليسا عبارة عن ذات حية قادرة و إنما هما فعلان أو فعل و عدم فعل أو عدمان فلو قطع النظر عن الذات الحية القادرة التي يصدران عنها لما انتفع أحد بهما و لا استضر فالنفع و الضرر إنما حصلا من الحي الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما فلذلك كان فاعل الخير خيرا من الخير و فاعل الشر شرا من الشر
33
وَ قَالَ ع كُنْ سَمَحاً وَ لاَ تَكُنْ مُبَذِّراً وَ كُنْ مُقَدِّراً وَ لاَ تَكُنْ مُقَتِّراً كل كلام جاء في هذا فهو مأخوذ من قوله سبحانه( وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) .و نحو قوله إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ اَلشَّياطِينِ وَ كانَ اَلشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
34
وَ قَالَ ع أَشْرَفُ اَلْغِنَى تَرْكُ اَلْمُنَى قد سبق منا قول كثير في المنى و نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك.سئل عبيد الله بن أبي بكر أي شيء أدوم متاعا فقال المنى.و قال بلال بن أبي بردة ما يسرني بنصيبي من المنى حمر النعم.و كان يقال الأماني للنفس كالرونق للبصر.و من كلام بعض الحكماء الأماني تعمي أعين البصائر و الحظ يأتي من لا يأتيه و ربما كان الطمع وعاء حشوه المتالف و سائقا يدعو إلى الندامة و أشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها إحراقا و لا يدرك الغني بالسلطان إلا نفس خائفة و جسم تعب و دين منكتم و إن كان البحر كدر الماء فهو بعيد الهواء
35
وَ قَالَ ع مَنْ أَسْرَعَ إِلَى اَلنَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ قَالُوا فِيهِ مَا بِمَا لاَ يَعْلَمُونَ هذا المعنى كثير واسع و لنقتصر هاهنا فيه على حكاية ذكرها المبرد في الكامل
قال لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله و إلى آلات لم ير مثلها فأراد أن يري الناس عظيم ما أنعم الله به عليه و يعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم فأمر بدار ففرشت و في صحنها قدور يرتقى إليها بالسلالم فإذا الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل و الناس جلوس على مراتبهم و الحضين شيخ كبير فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة ائذن لي في معاتبته قال لا ترده لأنه خبيث الجواب فأبى عبد الله إلا أن يأذن له و كان عبد الله يضعف و قد كان تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك فأقبل على الحضين فقال أ من الباب دخلت يا أبا ساسان
قال أجل أسن عمك عن تسور الحيطان قال أ رأيت هذه القدور قال هي أعظم من ألا ترى قال ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها قال أجل و لا غيلان و لو كان رآها سمي شبعان و لم يسم غيلان قال له عبد الله يا أبا ساسان أ تعرف الذي يقول:
عزلنا و أمرنا و بكر بن وائل |
تجر خصاها تبتغي من تحالفه |
قال أجل أعرفه و أعرف الذي يقول:
بأدنى العزم قاد بني قشير |
و من كانت له أسرى كلاب |
|
و خيبة من يخيب على غني |
و باهلة بن يعصر و الركاب |
يريد يا خيبة من يخيب قال أ فتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع |
إذا عرقت أفواه بكر بن وائل |
قال نعم أعرفه و أعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمهم و أبوهم |
لو لا قتيبة أصبحوا في مجهل |
قال أما الشعر فأراك ترويه فهل تقرأ من القرآن شيئا قال أقرأ منه الأكثر الأطيب( هَلْ أَتى عَلَى اَلْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) فأغضبه فقال و الله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه و هي حبلى من غيره
قال فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى ثم قال على رسله و ما يكون تلد غلاما على فراشي فيقال فلان بن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم فأقبل قتيبة على عبد الله و قال لا يبعد الله غيرك.قلت هو الحضين بالضاد المعجمة و ليس في العرب من اسمه الحضين بالضاد المعجمة غيره
36
وَ قَالَ ع مَنْ أَطَالَ اَلْأَمَلَ أَسَاءَ اَلْعَمَلَ قد تقدم منا كلام في الأمل.و قيل لبعض الصالحين أ لك حاجة إلى بغداد قال ما أحب أن أبسط أملي حتى تذهب إلى بغداد و تعود.و قال أبو عثمان النهدي قد أتت علي ثلاثون و مائة سنة ما من شيء إلا و أجد فيه النقص إلا أملي فإني وجدته كما هو أو يزيد
37
وَ قَالَ ع وَ قَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى اَلشَّامِ دَهَاقِينُ اَلْأَنْبَارِ فَتَرَجَّلُوا لَهُ وَ اِشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا اَلَّذِي صَنَعْتُمُوهُ فَقَالُوا خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا فَقَالَ وَ اَللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ وَ إِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَ تَشْقَوْنَ بِهِ فِي أُخْرَاكُمْ آخِرَتِكُمْ وَ مَا أَخْسَرَ اَلْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا اَلْعِقَابُ وَ أَرْبَحَ اَلدَّعَةَ مَعَهَا اَلْأَمَانُ مِنَ اَلنَّارِ اشتدوا بين يديه أسرعوا شيئا فنهاهم عن ذلك و قال إنكم تشقون به على أنفسكم لما فيه من تعب الأبدان و تشقون به في آخرتكم تخضعون للولاة كما زعمتم أنه خلق و عادة لكم خضوعا تطلبون به الدنيا و المنافع العاجلة فيها و كل خضوع و تذلل لغير الله فهو معصية.ثم ذكر أن الخسران المبين مشقة عاجلة يتبعها عقاب الآخرة و الربح البين دعة عاجلة يتبعها الأمان من النار
38
وَ قَالَ ع لاِبْنِهِ اَلْحَسَنِ ع يَا بُنَيَّ اِحْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَ أَرْبَعاً لاَ يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ إِنَّ أَغْنَى اَلْغِنَى اَلْعَقْلُ وَ أَكْبَرَ اَلْفَقْرِ اَلْحُمْقُ وَ أَوْحَشَ اَلْوَحْشَةِ اَلْعُجْبُ وَ أَكْرَمَ اَلْحَسَبِ حُسْنُ اَلْخُلُقِ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ اَلْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ اَلْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ اَلْفَاجِرِ فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ وَ إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ اَلْكَذَّابِ فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ اَلْبَعِيدَ وَ يُبَعِّدُ عَلَيْكَ اَلْقَرِيبَ هذا الفصل يتضمن ذكر العقل و الحمق و العجب و حسن الخلق و البخل و الفجور و الكذب و قد تقدم كلامنا في هذه الخصال أجمع و قد أخذت قوله ع إياك و مصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك فقلت في أبيات لي:
حياتك لا تصحبن الجهول |
فلا خير في صحبة الأخرق |
|
يظن أخو الجهل أن الضلال |
عين الرشاد فلا يتقي |
|
و يكسب صاحبه حمقه |
فيسرق منه و لا يسرق |
|
و أقسم أن العدو اللبيب |
خير من المشفق الأحمق |
39
وَ قَالَ ع لاَ قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ هذا الكلام يمكن أن يحمل على حقيقته و يمكن أن يحمل على مجازه فإن حمل على حقيقته فقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من الفقهاء و هو مذهب الإمامية و هو أنه لا يصح التنفل ممن عليه قضاء فريضة فاتته لا في الصلاة و لا في غيرها فأما الحج فمتفق عليه بين المسلمين أنه لا يصح الابتداء بنفله و إذا نوى نية النفل و لم يكن قد حج حجة الإسلام وقع حجه فرضا فأما نوافل الزكاة فما عرفت أحدا قال إنه لا يثاب المتصدق بها و إن كان لم يؤد الزكاة الواجبة و أما إذا حمل على مجازه فإن معناه يجب الابتداء بالأهم و تقديمه على ما ليس بأهم فتدخل هذه الكلمة في الآداب السلطانية و الإخوانية نحو أن تقول لمن توصيه لا تبدأ بخدمة حاجب الملك قبل أن تبدأ بخدمة ولد الملك فإنك إنما تروم القربة للملك بالخدمة و لا قربة إليه في تأخير خدمة ولده و تقديم خدمة غلامه و حمل الكلمة على حقيقتها أولى لأن اهتمام أمير المؤمنين ع بالأمور الدينية و الشرعية في وصاياه و منثور كلامه أعظم
40
وَ قَالَ ع لِسَانُ اَلْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ وَ قَلْبُ اَلْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ قال الرضيرحمهالله تعالى و هذا من المعاني العجيبة الشريفة و المراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة الروية و مؤامرة الفكرة و الأحمق تسبق حذفات لسانه و فلتات كلامه مراجعة فكره و مماخضة رأيه فكان لسان العاقل تابع لقلبه و كان قلب الأحمق تابع للسانه قال و قد روي عنه ع هذا المعنى بلفظ آخر و هو قوله قلب الأحمق في فيه و لسان العاقل في قلبه و معناهما واحد قد تقدم القول في العقل و الحمق و نذكر هاهنا زيادات أخرى
قالوا كل شيء يعز إذا قل و العقل كلما كان أكثر كان أعز و أغلى.و كان عبد الملك يقول أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل.قيل لبعضهم ما جماع العقل فقال ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه و ما لا يوجد كاملا فلا حد له.
و قال الزهري إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل.و قيل عظمت المئونة في عاقل متجاهل و جاهل متعاقل.و قيل الأحمق يتحفظ من كل شيء إلا من نفسه.و قيل لبعضهم العقل أفضل أم الجد فقال العقل من الجد.و خطب رجلان إلى ديماووس الحكيم ابنته و كان أحدهما فقيرا و الآخر غنيا فزوجها من الفقير فسأله الإسكندر عن ذلك فقال لأن الغني كان أحمق فكنت أخاف عليه الفقر و الفقير كان عاقلا فرجوت له الغنى.و قال أرسطو العاقل يوافق العاقل و الأحمق لا يوافق العاقل و لا أحمق كالعود المستقيم الذي ينطبق على المستقيم فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوج و لا على المستقيم.و قال بعضهم لأن أزاول أحمق أحب إلي من أن أزاول نصف أحمق أعني الجاهل المتعاقل.و اعلم أن أخبار الحمقى و نوادرهم كثيرة إلا أنا نذكر منها هاهنا ما يليق بكتابنا فإنه كتاب نزهناه عن الخلاعة و الفحش إجلالا لمنصب أمير المؤمنين.قال هشام بن عبد الملك يوما لأصحابه إن حمق الرجل يعرف بخصال أربع طول لحيته و بشاعة كنيته و نقش خاتمه و إفراط نهمته فدخل عليه شيخ طويل العثنون فقال هشام أما هذا فقد جاء بواحدة فانظروا أين هو من الباقي قالوا له ما كنية الشيخ قال أبو الياقوت فسألوه عن نقش خاتمه فإذا هو
( وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) فقيل له أي الطعام تشتهي قال الدباء بالزيت فقال هشام إن صاحبكم قد كمل.و سمع عمر بن عبد العزيز رجلا ينادي آخر يا أبا العمرين فقال لو كان له عقل لكفاه أحدهما و أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا له في حلبة فجاء سابقا فقيل له سمه باسم يعرف به فقام ففقأ عينه و قال قد سميته الأعور فقال شاعر يهجوه:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم |
و أي عباد الله أنوك من عجل |
|
أ ليس أبوهم عار عين جواده |
فأضحت به الأمثال تضرب بالجهل |
و قال أبو كعب القاص في قصصه إن النبي ص قال في كبد حمزة ما علمتم فادعوا الله أن يطعمنا من كبد حمزة.و قال مرة في قصصه اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا و كذا فقيل له إن يوسف لم يأكله الذئب فقال فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.و دخل كعب البقر الهاشمي على محمد بن عبد الله بن طاهر يعزيه في أخيه فقال له أعظم الله مصيبة الأمير فقال الأمير أما فيك فقد فعل و الله لقد هممت أن أحلق لحيتك فقال إنما هي لحية الله و لحية الأمير فليفعل ما أحب.و كان عامر بن كريز أبو عبد الله بن عامر من حمقى قريش نظر إلى عبد الله و هو يخطب و الناس يستحسنون كلامه فقال لإنسان إلى جانبه أنا أخرجته من هذا و أشار إلى متاعه.
و من حمقى قريش العاص بن هشام المخزومي و كان أبو لهب قامره فقمره ماله ثم داره ثم قليله و كثيره و أهله و نفسه فاتخذه عبدا و أسلمه قينا فلما كان يوم بدر بعث به بديلا عن نفسه فقتل ببدر قتله عمر بن الخطاب و كان ابن عم أمه.و من الحمقى الأحوص بن جعفر بن عمرو بن حريث قال له يوما مجالسوه ما بال وجهك أصفر أ تشتكي شيئا فرجع إلى أهله و قال يا بني الخيبة أنا شاك و لا تعلمونني اطرحوا علي الثياب و ابعثوا إلي الطبيب.و من حمقى بني عجل حسان بن الغضبان من أهل الكوفة ورث نصف دار أبيه فقال أريد أن أبيع حصتي من الدار و أشتري بالثمن النصف الباقي فتصير الدار كلها لي.و من حمقى قريش بكار بن عبد الملك بن مروان و كان أبوه ينهاه أن يجالس خالد بن يزيد بن معاوية لما يعرف من حمقه فجلس يوما إلى خالد فقال خالد يعبث به هذا و الله المردد في بني عبد مناف فقال بكار أجل أنا و الله كما قال الأول
مردد في بني اللخناء ترديدا
و طار لبكار هذا بازي فقال لصاحب الشرطة أغلق أبواب دمشق لئلا يخرج البازي.و من حمقى قريش معاوية بن مروان بن الحكم بينا هو واقف بباب دمشق ينتظر أخاه عبد الملك على باب طحان و حمار الطحان يدور بالرحى و في عنقه جلجل فقال للطحان لم جعلت في عنق هذا الحمار جلجلا فقال ربما أدركتني نعسة أو سآمة فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه قد نام فصحت به فقال أ رأيته إن قام و حرك رأسه ما علمك به أنه قائم فقال و من لحماري بمثل عقل الأمير.
و قال معاوية لحميه و قد دخل بابنته تلك الليلة فافتضها لقد ملأتنا ابنتك البارحة دما فقال إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهن.و من حمقى قريش سليمان بن يزيد بن عبد الملك قال يوما لعن الله الوليد أخي فلقد كان فاجرا أرادني على الفاحشة فقال له قائل من أهله اسكت ويحك فو الله إن كان هم لقد فعل.و خطب سعيد بن العاص عائشة ابنة عثمان فقالت هو أحمق لا أتزوجه أبدا له برذونان لونهما واحد عند الناس و يحمل مؤنة اثنين.و ممن كان يحمق من قريش عتبة بن أبي سفيان بن حرب و عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان و عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب و سهل بن عمرو أخو سهيل بن عمرو بن العاص و كان عبد الملك بن مروان يقول أحمق بيت في قريش آل قيس بن مخرمة.و من القبائل المشهورة بالحمق الأزد كتب مسلمة بن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب لما خرج عليهم أنك لست بصاحب هذا الأمر إن صاحبه مغمور موتور و أنت مشهور غير موتور فقام إليه رجل من الأزد فقال قدم ابنك مخلدا حتى يقتل فتصير موتورا.و قام رجل من الأزد إلى عبيد الله بن زياد فقال أصلح الله الأمير إن امرأتي هلكت و قد أردت أن أتزوج أمها و هذا عريفي فأعني في الصداق فقال في كم أنت من العطاء فقال في سبعمائة فقال حطوا من عطائه أربعمائة يكفيك ثلاثمائة.و مدح رجل منهم المهلب فقال:
نعم أمير الرفقة المهلب |
أبيض وضاح كتيس الحلب |
فقال المهلب حسبك يرحمك الله.و كان عبد الملك بن هلال عنده زنبيل مملوء حصا للتسبيح فكان يسبح بواحدة واحدة فإذا مل طرح اثنتين اثنتين ثم ثلاثا ثلاثا فإذا ازداد ملالة قبض قبضة و قال سبحان الله عددك فإذا ضجر أخذ بعرا الزنبيل و قلبه و قال سبحان الله بعدد هذا.و دخل قوم منزل الخريمي لبعض الأمر فجاء وقت صلاة الظهر فسألوه عن القبلة فقال إنما تركتها منذ شهر.و حكى بعضهم قال رأيت أعرابيا يبكي فسألته عن سبب بكائه فقال بلغني أن جالوت قتل مظلوما.وصف بعضهم أحمق فقال يسمع غير ما يقال و يحفظ غير ما يسمع و يكتب غير ما يحفظ و يحدث بغير ما يكتب.قال المأمون لثمامة ما جهد البلاء يا أبا معن قال عالم يجري عليه حكم جاهل قال من أين قلت هذا قال حبسني الرشيد عند مسرور الكبير فضيق علي أنفاسي فسمعته يوما يقرأ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) بفتح الذال فقلت له لا تقل أيها الأمير هكذا قل( لِلْمُكَذِّبِينَ ) و كسرت له الذال لأن المكذبين هم الأنبياء فقال قد كان يقال لي عنك أنك قدري فلا نجوت إن نجوت الليلة مني فعاينت منه تلك الليلة الموت من شدة ما عذبني.قال أعرابي لابنه يا بني كن سبعا خالصا أو ذئبا حائسا أو كلبا حارسا و لا تكن أحمق ناقصا.
و كان يقال لو لا ظلمة الخطإ ما أشرق نور الصواب.و قال أبو سعيد السيرافي رأيت متكلما ببغداد بلغ به نقصه في العربية أنه قال في مجلس مشهور إن العبد مضطر بفتح الطاء و الله مضطر بكسرها و زعم أن من قال الله مضطر عبد إلى كذا بالفتح كافر فانظر أين بلغ به جهله و إلى أي رذيلة أداه نقصه.وصف بعضهم إنسانا أحمق فقال و الله للحكمة أزل عن قلبه من المداد عن الأديم الدهين.مر عمر بن الخطاب على رماة غرض فسمع بعضهم يقول أخطيت و أسبت فقال له مه فإن سوء اللحن شر من سوء الرماية.تضجر عمر بن عبد العزيز من كلام رجل بين يديه فقال له صاحب شرطته قم فقد أوذيت أمير المؤمنين فقال عمر و الله إنك لأشد أذى لي بكلامك هذا منه.و من حمقى العرب و جهلائهم كلاب بن صعصعة خرج إخوته يشترون خيلا فخرج معهم فجاء بعجل يقوده فقيل له ما هذا فقال فرس اشتريته قالوا يا مائق هذه بقرة أ ما ترى قرنيها فرجع إلى منزله فقطع قرنيها ثم قادها فقال لهم قد أعدتها فرسا كما تريدون فأولاده يدعون بني فارس البقرة.و كان شذرة بن الزبرقان بن بدر من الحمقى جاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع فأخذ بعضادتي الباب ثم رفع صوته سلام عليكم أ يلج شذرة فقيل له هذا يوم لا يستأذن فيه فقال أ و يلج مثلي على قوم و لم يعرف له مكانه.
و استعمل معاوية عاملا من كلب فخطب يوما فذكر المجوس فقال لعنهم الله ينكحون أمهاتهم و الله لو أعطيت عشرة آلاف درهم ما نكحت أمي فبلغ ذلك معاوية فقال قبحه الله أ ترونه لو زادوه فعل و عزله.و شرد بعير لهبنقة و اسمه يزيد بن شروان فجعل ينادي لمن أتى به بعيران فقيل له كيف تبذل ويلك بعيرين في بعير فقال لحلاوة الوجدان.و سرق من أعرابي حمار فقيل له أ سرق حمارك قال نعم و أحمد الله فقيل له على ما ذا تحمده قال كيف لم أكن عليه.و خطب وكيع بن أبي سود بخراسان فقال إن الله خلق السماوات و الأرض في ستة أشهر فقيل له إنها ستة أيام فقال و الله لقد قلتها و أنا أستقلها.و أجريت خيل فطلع فيها فرس سابق فجعل رجل من النظارة يكبر و يثبت من الفرح فقال له رجل إلى جانبه يا فتى أ هذا الفرس السابق لك قال لا و لكن اللجام لي.و قيل لأبي السفاح الأعرابي عند موته أوص فقال إنا الكرام يوم طخفة قالوا قل خيرا يا أبا السفاح قال إن أحبت امرأتي فأعطوها بعيرا قالوا قل خيرا قال إذا مات غلامي فهو حر.و قيل لرجل عند موته قل لا إله إلا الله فأعرض فأعادوا عليه مرارا فقال لهم أخبروني عن أبي طالب قالها عند موته قالوا و ما أنت و أبو طالب فقال أرغب بنفسي عن ذلك الشريف.
و قيل لآخر عند موته أ لا توصي فقال أنا مغفور لي قالوا قل إن شاء الله قال قد شاء الله ذلك قالوا يا هذا لا تدع الوصية فقال لابني أخيه يا ابني حريث ارفعا وسادي و احتفظا بالحلة الجياد فإنما حولكما الأعادي.و قيل لمعلم بن معلم ما لك أحمق فقال لو لم أكن أحمق لكنت ولد زنا
41
وَ قَالَ ع لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي عِلَّةٍ اِعْتَلَّهَا جَعَلَ اَللَّهُ مَا كَانَ مِنْكَ مِنْ شَكْوَاكَ حَطّاً لِسَيِّئَاتِكَ فَإِنَّ اَلْمَرَضَ لاَ أَجْرَ فِيهِ وَ لَكِنَّهُ يَحُطُّ اَلسَّيِّئَاتِ وَ يَحُتُّهَا حَتَّ اَلْأَوْرَاقِ وَ إِنَّمَا اَلْأَجْرُ فِي اَلْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَ اَلْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَ اَلْأَقْدَامِ وَ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ اَلنِّيَّةِ وَ اَلسَّرِيرَةِ اَلصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ اَلْجَنَّةَ قال الرضيرحمهالله تعالى و أقول صدق ع إن المرض لا أجر فيه لأنه من قبيل ما يستحق عليه العوض لأن العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الآلام و الأمراض و ما يجري مجرى ذلك و الأجر و الثواب يستحقان على ما كان في مقابل فعل العبد فبينهما فرق قد بينه ع كما يقتضيه علمه الثاقب و رأيه الصائب ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع في هذا الفصل على تأويل يطابق ما تدل عليه العقول و ألا يحمل على ظاهره و ذلك لأن المرض إذا استحق عليه الإنسان
العوض لم يجز أن يقال إن العوض يحط السيئات بنفسه لا على قول أصحابنا و لا على قول الإمامية أما الإمامية فإنهم مرجئة لا يذهبون إلى التحابط و أما أصحابنا فإنهم لا تحابط عندهم إلا في الثواب و العقاب فأما العقاب و العوض فلا تحابط بينهما لأن التحابط بين الثواب و العقاب إنما كان باعتبار التنافي بينهما من حيث كان أحدهما يتضمن الإجلال و الإعظام و الآخر يتضمن الاستخفاف و الإهانة و محال أن يكون الإنسان الواحد مهانا معظما في حال واحدة و لما كان العوض لا يتضمن إجلالا و إعظاما و إنما هو نفع خالص فقط لم يكن منافيا للعقاب و جاز أن يجتمع للإنسان الواحد في الوقت الواحد كونه مستحقا للعقاب و العوض إما بأن يوفر العوض عليه في دار الدنيا و إما بأن يوصل إليه في الآخرة قبل عقابه إن لم يمنع الإجماع من ذلك في حق الكافر و إما أن يخفف عليه بعض عقابه و يجعل ذلك بدلا من العوض الذي كان سبيله أن يوصل إليه و إذا ثبت ذلك وجب أن يجعل كلام أمير المؤمنين ع على تأويل صحيح و هو الذي أراده ع لأنه كان أعرف الناس بهذه المعاني و منه تعلم المتكلمون علم الكلام و هو أن المرض و الألم يحط الله تعالى عن الإنسان المبتلى به ما يستحقه من العقاب على معاصيه السالفة تفضلا منه سبحانه فلما كان إسقاط العقاب متعقبا للمرض و واقعا بعده بلا فصل جاز أن يطلق اللفظ بأن المرض يحط السيئات و يحتها حت الورق كما جاز أن يطلق اللفظ بأن الجماع يحبل المرأة و بأن سقي البذر الماء ينبته إن كان الولد و الزرع عند المتكلمين وقعا من الله تعالى على سبيل الاختيار لا على الإيجاب و لكنه أجرى العادة و أن يفعل ذلك عقيب الجماع و عقيب سقي البذر الماء.فإن قلت أ يجوز أن يقال إن الله تعالى يمرض الإنسان المستحق للعقاب و يكون إنما أمرضه ليسقط عنه العقاب لا غير.
قلت لا لأنه قادر على أن يسقط عنه العقاب ابتداء و لا يجوز إنزال الألم إلا حيث لا يمكن اقتناص العوض المجزى به إليه إلا بطريق الألم و إلا كان فعل الألم عبثا أ لا ترى أنه لا يجوز أن يستحق زيد على عمرو ألف درهم فيضربه و يقول إنما أضربه لأجعل ما يناله من ألم الضرب مسقطا لما استحقه من الدراهم عليه و تذمه العقلاء و يسفهونه و يقولون له فهلا وهبتها له و أسقطتها عنه من غير حاجة إلى أن تضربه و تؤلمه و البحث المستقصى في هذه المسائل مذكور في كتبي الكلامية فليرجع إليها و أيضا فإن الآلام قد تنزل بالأنبياء و ليسوا ذوي ذنوب و معاص ليقال إنها تحطها عنهم.فأما قوله ع و إنما الأجر في القول إلى آخر الفصل فإنه ع قسم أسباب الثواب أقساما فقال لما كان المرض لا يقتضي الثواب لأنه ليس فعل المكلف و إنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فعله وجب أن يبين ما الذي يستحق به المكلف الثواب و الذي يستحق المكلف به ذلك أن يفعل فعلا إما من أفعال الجوارح و إما من أفعال القلوب فأفعال الجوارح إما قول باللسان أو عمل ببعض الجوارح و عبر عن سائر الجوارح عدا اللسان بالأيدي و الأقدام لأن أكثر ما يفعل بها و إن كان قد يفعل بغيرها نحو مجامعة الرجل زوجته إذا قصد به تحصينها و تحصينه عن الزناء و نحو أن ينحي حجرا ثقيلا برأسه عن صدر إنسان قد يقتله و غير ذلك و أما أفعال القلوب فهي العزوم و الإرادات و النظر و العلوم و الظنون و الندم فعبر ع عن جميع ذلك بقوله بصدق النية و السريرة الصالحة و اكتفى بذلك عن تعديد هذه الأجناس.فإن قلت فإن الإنسان قد يستحق الثواب على ألا يفعل القبيح و هذا يخرم الحصر الذي حصره أمير المؤمنين قلت يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي علي في أن القادر بقدرة لا يخلو عن الأخذ و الترك
42
وَ قَالَ ع فِي ذِكْرِ خَبَّابٍ خَبَّابِ بْنِ اَلْأَرَتِّ رَحِمَ اَللَّهُ خَبَّابَ بْنَ اَلْأَرَتِّ فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً وَ هَاجَرَ طَائِعاً وَ عَاشَ مُجَاهِداً طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ اَلْمَعَادَ وَ عَمِلَ لِلْحِسَابِ وَ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اَللَّهِ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اَللَّهِ وَ عَاشَ مُجَاهِداً 44 طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ اَلْمَعَادَ وَ عَمِلَ لِلْحِسَابِ وَ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اَللَّهِ
هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم يكنى أبا عبد الله و قيل أبا محمد و قيل أبا يحيى أصابه سبي فبيع بمكة.و كانت أمه ختانة و خباب من فقراء المسلمين و خيارهم و كان به مرض و كان في الجاهلية قينا حدادا يعمل السيوف و هو قديم الإسلام قيل إنه كان سادس ستة و شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد و هو معدود في المعذبين في الله سأله عمر بن الخطاب
أيام خلافته ما لقيت من أهل مكة فقال انظر إلى ظهري فنظر فقال ما رأيت كاليوم ظهر رجل فقال خباب أوقدوا لي نارا و سحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري.و جاء خباب إلى عمر فجعل يقول ادنه ادنه ثم قال له ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا أن يكون عمار بن ياسر نزل خباب إلى الكوفة و مات بها في سنة سبع و ثلاثين و قيل سنة تسع و ثلاثين بعد أن شهد مع أمير المؤمنين علي ع صفين و نهروان و صلى عليه علي ع و كانت سنه يوم مات ثلاثا و سبعين سنة و دفن بظهر الكوفة.و هو أول من دفن بظهر الكوفة و عبد الله بن خباب هو الذي قتلته الخوارج فاحتج علي ع به و طلبهم بدمه و قد تقدم ذكر ذلك
43
وَ قَالَ ع : لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ اَلْمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي وَ لَوْ صَبَبْتُ اَلدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى اَلْمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي وَ ذَلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى لِسَانِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ ص أَنَّهُ قَالَ يَا عَلِيُّ لاَ يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ وَ لاَ يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ جماتها بالفتح جمع جمة و هي المكان يجتمع فيه الماء و هذه استعارة و الخيشوم أقصى الأنف.و مراده ع من هذا الفصل إذكار الناس ما قاله فيه رسول الله ص و هو لا يبغضك مؤمن و لا يحبك منافق و هي كلمة حق و ذلك لأن الإيمان و بغضه ع لا يجتمعان لأن بغضه كبيرة و صاحب الكبيرة عندنا لا يسمى مؤمنا و أما المنافق فهو الذي يظهر الإسلام و يبطن الكفر و الكافر بعقيدته لا يحب عليا ع لأن المراد من الخبر المحبة الدينية و من لا يعتقد الإسلام لا يحب أحدا من أهل الإسلام لإسلامه و جهاده في الدين فقد بان أن الكلمة حق و هذا الخبر مروي في الصحاح بغير هذا اللفظ
لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق و قد فسرناه فيما سبق
44
وَ قَالَ ع سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِنْدَ اَللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ هذا حق لأن الإنسان إذا وقع منه القبيح ثم ساءه ذلك و ندم عليه و تاب حقيقة التوبة كفرت توبته معصيته فسقط ما كان يستحقه من العقاب و حصل له ثواب التوبة و أما من فعل واجبا و استحق به ثوابا ثم خامره الإعجاب بنفسه و الإدلال على الله تعالى بعلمه و التيه على الناس بعبادته و اجتهاده فإنه يكون قد أحبط ثواب عبادته بما شفعها من القبيح الذي أتاه و هو العجب و التيه و الإدلال على الله تعالى فيعود لا مثابا و لا معاقبا لأنه يتكافأ الاستحقاقان.و لا ريب أن من حصل له ثواب التوبة و سقط عنه عقاب المعصية خير ممن خرج من الأمرين كفافا لا عليه و لا له
45
وَ قَالَ ع قَدْرُ اَلرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ وَ صِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ وَ شَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ وَ عِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ قد تقدم الكلام في كل هذه الشيم و الخصال ثم نقول هاهنا إن كبر الهمة خلق مختص بالإنسان فقط و أما سائر الحيوانات فليس يوجد فيها ذلك و إنما يتجرأ كل نوع منها الفعل بقدر ما في طبعه و علو الهمة حال متوسطة محمودة بين حالتين طرفي رذيلتين و هما الندح و تسمية الحكماء التفتح و صغر الهمة و تسمية الناس الدناءة فالتفتح تأهل الإنسان لما لا يستحقه و صغر الهمة تركه لما يستحقه لضعف في نفسه فهذان مذمومان و العدالة و هي الوسط بينهما محمودة و هي علو الهمة و ينبغي أن يعلم أن المتفتح جاهل أحمق و صغير الهمة ليس بجاهل و لا أحمق و لكنه دنيء ضعيف قاصر و إذا أردت التحقيق فالكبير الهمة من لا يرضى بالهمم الحيوانية و لا يقنع لنفسه أن يكون عند رعاية بطنه و فرجه بل يجتهد في معرفة صانع العالم و مصنوعاته و في اكتساب المكارم الشرعية ليكون من خلفاء الله و أوليائه في الدنيا و مجاوريه في الآخرة و لذلك قيل من عظمت همته لم يرض بقنية مستردة و حياة مستعارة فإن أمكنك
أن تقتني قنية مؤبدة و حياة مخلدة فافعل غير مكترث بقلة من يصحبك و يعينك على ذلك فإنه كما قيل
إذا عظم المطلوب قل المساعد
و كما قيل
طرق العلاء قليلة الإيناس
و أما الكلام في الصدق و المروءة و الشجاعة و الأنفة و العفة و الغيرة فقد تقدم كثير منه و سيأتي ما هو أكثر فيما بعد إن شاء الله تعالى
46
وَ قَالَ ع اَلظَّفَرُ بِالْحَزْمِ وَ اَلْحَزْمُ بِإِجَالَةِ اَلرَّأْيِ وَ اَلرَّأْيُ بِتَحْصِينِ اَلْأَسْرَارِ قد تقدم القول في كتمان السر و إذاعته.و قال الحكماء السر ضربان أحدهما ما يلقى إلى الإنسان من حديث ليستكتم و ذلك إما لفظا كقول القائل اكتم ما أقوله لك و إما حالا و هو أن يجهر بالقول حال انفراد صاحبه أو يخفض صوته حيث يخاطبه أو يخفيه عن مجالسيه و لهذا قيل إذا حدثك إنسان و التفت إليه فهو أمانة.و الضرب الثاني نوعان أحدهما أن يكون حديثا في نفسك تستقبح إشاعته و الثاني أن يكون أمرا تريد أن تفعله.و إلى الأول أشار النبي ص بقوله من أتى منكم شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عز و جل و إلى الثاني أشار من قال من الوهن و الضعف إعلان الأمر قبل إحكامه و كتمان الضرب الأول من الوفاء و هو مخصوص بعوام الناس و كتمان الضرب الثاني من المروءة و الحزم و النوع الثاني من نوعيه أخص بالملوك و أصحاب السياسات.قالوا و إذاعة السر من قلة الصبر و ضيق الصدر و يوصف به ضعفة الرجال
و النساء و الصبيان و السبب في أنه يصعب كتمان السر أن للإنسان قوتين إحداهما آخذة و الأخرى معطية و كل واحدة منهما تتشوق إلى فعلها الخاص بها و لو لا أن الله تعالى وكل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزود فعلى الإنسان أن يمسك هذه القوة و لا يطلقها إلا حيث يجب إطلاقها فإنها إن لم تزم و تخطم تقحمت بصاحبها في كل مهلكة
47
وَ قَالَ ع اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ ليس يعني بالجوع و الشبع ما يتعارفه الناس و إنما المراد احذروا صولة الكريم إذا ضيم و امتهن و احذروا صولة اللئيم إذا أكرم و مثل المعنى الأول قول الشاعر:
لا يصبر الحر تحت ضيم |
و إنما يصبر الحمار |
و مثل المعنى الثاني قول أبي الطيب:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته |
و إن أنت أكرمت اللئيم تمردا |
48
وَ قَالَ ع قُلُوبُ اَلرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ هذا مثل قولهم من لان استمال و من قسا نفر و ما استعبد الحر بمثل الإحسان إليه و قال الشاعر:
و إني لوحشي إذا ما زجرتني |
و إني إذا ألفتني لألوف |
فأما قول عمارة بن عقيل:
تبحثتم سخطي فكدر بحثكم |
نخيلة نفس كان صفوا ضميرها |
|
و لم يلبث التخشين نفسا كريمة |
على قومها أن يستمر مريرها |
|
و ما النفس إلا نطفة بقرارة |
إذا لم تكدر كان صفوا غديرها |
فيكاد يخالف قول أمير المؤمنين ع في الأصل لأن أمير المؤمنين ع جعل أصل طبيعة القلوب التوحش و إنما تستمال لأمر خارج و هو التألف و الإحسان و عمارة جعل أصل طبيعة النفس الصفو و السلامة و إنما تتكدر و تجمح لأمر خارج و هو الإساءة و الإيحاش
49
وَ قَالَ ع عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ قد قال الناس في الجد فأكثروا و إلى الآن لم يتحقق معناه و من كلام بعضهم إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد و إذا أدبر البخت أسعر الهاون في الشمس.و من كلام الحكماء إن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربا.و قال أبو حيان نوادر ابن الجصاص الدالة على تغفله و بلهه كثيرة جدا قد صنف فيها الكتب من جملتها أنه سمع إنسانا ينشد نسيبا فيه ذكر هند فأنكر ذلك و قال لا تذكروا حماة النبي ص إلا بخير و أشياء عجيبة أظرف من هذا و كانت سعادته تضرب بها الأمثال و كثرة أمواله التي لم يجتمع لقارون مثلها قال أبو حيان فكان الناس يعجبون من ذلك حتى أن جماعة من شيوخ بغداد كانوا يقولون إن ابن الجصاص أعقل الناس و أحزم الناس و أنه هو الذي ألحم الحال بين المعتضد و بين خمارويه بن أحمد بن طولون و سفر بينهما سفارة عجيبة و بلغ من الجهتين أحسن مبلغ و خطب قطر الندى بنت خمارويه للمعتضد و جهزها من مصر
على أجمل وجه و أعلى ترتيب و لكنه كان يقصد أن يتغافل و يتجاهل و يظهر البله و النقص يستبقي بذلك ماله و يحرس به نعمته و يدفع عنه عين الكمال و حسد الأعداء.قال أبو حيان قلت لأبي غسان البصري أظن ما قاله هؤلاء صحيحا فإن المعتضد مع حزمه و عقله و كماله و إصابة رأيه ما اختاره للسفارة و الصلح إلا و المرجو منه فيما يأتيه و يستقبله من أيامه نظير ما قد شوهد منه فيما مضى من زمانه و هل كان يجوز أن يصلح أمر قد تفاقم فساده و تعاظم و اشتد برسالة أحمق و سفارة أخرق فقال أبو غسان إن الجد ينسخ حال الأخرق و يستر عيب الأحمق و يذب عن عرض المتلطخ و يقرب الصواب بمنطقه و الصحة برأيه و النجاح بسعيه و الجد يستخدم العقلاء لصاحبه و يستعمل آراءهم و أفكارهم في مطالبه و ابن الجصاص على ما قيل و روي و حدث و حكي و لكن جده كفاه غائلة الحمق و حماه عواقب الخرق و لو عرفت خبط العاقل و تعسفه و سوء تأتيه و انقطاعه إذا فارقه الجد لعلمت أن الجاهل قد يصيب بجهله ما لا يصيب العالم بعلمه مع حرمانه.قال أبو حيان فقلت له فما الجد و ما هذا المعنى الذي علقت عليه هذه الأحكام كلها فقال ليس لي عنه عبارة معينة و لكن لي به علم شاف استفدته بالاعتبار و التجربة و السماع العريض من الصغير و الكبير و لهذا سمع من امرأة من الأعراب ترقص ابنا لها فتقول له رزقك الله جدا يخدمك عليه ذوو العقول و لا رزقك عقلا تخدم به ذوي الجدود
50
وَ قَالَ ع أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى اَلْعُقُوبَةِ قد تقدم لنا قول مقنع في العفو و الحلم.و قال الأحنف ما شيء أشد اتصالا بشيء من الحلم بالعز.و قالت الحكماء ينبغي للإنسان إذا عاقب من يستحق العقوبة ألا يكون سبعا في انتقامه و ألا يعاقب حتى يزول سلطان غضبه لئلا يقدم على ما لا يجوز و لذلك جرت سنة السلطان بحبس المجرم حتى ينظر في جرمه و يعيد النظر فيه.و أتي الإسكندر بمذنب فصفح عنه فقال له بعض جلسائه لو كنت إياك أيها الملك لقتلته قال فإذا لم تكن إياي و لا كنت إياك لم يقتل.و انتهى إليه أن بعض أصحابه يعيبه فقيل له أيها الملك لو نهكته عقوبة فقال يكون حينئذ أبسط لسانا و عذرا في اجتنابي.و قالت الحكماء أيضا لذة العفو أطيب من لذة التشفي و الانتقام لأن لذة العفو يشفعها حميد العاقبة و لذة الانتقام يلحقها ألم الندم و قالوا العقوبة ألأم حالات ذي القدرة و أدناها و هي طرف من الجزع و من رضي ألا يكون بينه و بين الظالم إلا ستر رقيق فلينتصف
51
وَ قَالَ ع اَلسَّخَاءُ مَا كَانَ اِبْتِدَاءً فَإِذَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءٌ وَ تَذَمُّمٌ يعجبني في هذا المعنى قول ابن حيوس
إني دعوت ندى الكرام فلم يجب |
فلأشكرن ندى أجاب و ما دعي |
|
و من العجائب و العجائب جمة |
شكر بطيء عن ندى المتسرع |
و قال آخر
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله |
عوضا و لو نال الغنى بسؤال |
|
و إذا النوال إلى السؤال قرنته |
رجح السؤال و خف كل نوال |
52
وَ قَالَ ع لاَ غِنَى كَالْعَقْلِ وَ لاَ فَقْرَ كَالْجَهْلِ وَ لاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لاَ ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ
روى أبو العباس في الكامل عن أبي عبد الله ع أنه قال خمس من لم يكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع العقل و الدين و الأدب و الحياء و حسن الخلق و قال أيضا لم يقسم بين الناس شيء أقل من خمس اليقين و القناعة و الصبر و الشكر و الخامسة التي يكمل بها هذا كله العقل و عنه ع أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال ما خلقت خلقا أحب إلي منك لك الثواب و عليك العقاب و عنه ع قال قال رسول الله ص إن الله ليبغض الضعيف الذي لا زبر له قال الزبر العقل و عنه ع عن رسول الله ص ما قسم الله للعباد أفضل من العقل فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل و فطر العاقل أفضل من صوم الجاهل و إقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل و ما بعث الله رسولا حتى يستكمل العقل
و حتى يكون عقله أفضل من عقول جميع أمته و ما يضمره في نفسه أفضل من اجتهاد جميع المجتهدين و ما أدى العبد فرائض الله تعالى حتى عقل عنه و لا يبلغ جميع العابدين في عباداتهم ما يبلغه العاقل و العقلاء هم أولو الألباب الذين قال الله تعالى عنهم( وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا اَلْأَلْبابِ )
قال أبو العباس و قال رجل من أصحاب أبي عبد الله ع له و قد سمعه يقول بل يروى مرفوعا إذا بلغكم عن رجل حسن الحال فانظروا في حسن عقله فإنما يجازى بعقله يا ابن رسول الله إن لي جارا كثير الصدقة كثير الصلاة كثير الحج لا بأس به فقال كيف عقله فقال ليس له عقل فقال لا يرتفع بذاك منه و عنه ع ما بعث الله نبيا إلا عاقلا و بعض النبيين أرجح من بعض و ما استخلف داود سليمان ع حتى اختبر عقله و هو ابن ثلاث عشرة سنة فمكث في ملكه ثلاثين سنة و عنه مرفوعا صديق كل امرئ عقله و عدوه جهله و عنه مرفوعا أنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم
قال أبو العباس و سئل أبو عبد الله ع ما العقل فقال ما عبد به الرحمن و اكتسبت به الجنان
قال و قال أبو عبد الله سئل الحسن بن علي ع عن العقل فقال التجرع للغصة و مداهنة الأعداء.قلت هذا كلام الحسن ع و أنا أقطع بذلك.
قال أبو العباس و قال أبو عبد الله العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه و لا يسأل من يخاف منعه و لا يثق بمن يخاف عذره و لا يرجو من لا يوثق برجائه
قال أبو العباس و روي عن أبي جعفر ع قال كان موسى ع يدني رجلا من بني إسرائيل لطول سجوده و طول صمته فلا يكاد يذهب إلى موضع إلا و هو معه فبينا هو يوما من الأيام إذ مر على أرض معشبة تهتز فتأوه الرجل فقال له موسى على ما ذا تأوهت قال تمنيت أن يكون لربي حمار و أرعاه هاهنا فأكب موسى طويلا ببصره إلى الأرض اغتماما بما سمع منه فانحط عليه الوحي فقال ما الذي أنكرت من مقالة عبدي إنما آخذ عبادي على قدر ما آتيتهم
قال أبو العباس و روي عن علي ع هبط جبرائيل ع على آدم ع بثلاث ليختار منها واحدة و يدع اثنتين و هي العقل و الحياء و الدين فاختار العقل فقال جبرائيل للحياء و الدين انصرفا فقالا إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان فقال فشأنكما ففاز بالثلاث.فأما قوله ع و لا ميراث كالأدب فإني قرأت في حكم الفرس عن بزرجمهر ما ورثت الآباء أبناءها شيئا أفضل من الأدب لأنها إذا ورثتها الأدب اكتسبت بالأدب المال فإذا ورثتها المال بلا أدب أتلفته بالجهل و قعدت صفرا من المال و الأدب.قال بعض الحكماء من أدب ولده صغيرا سر به كبيرا.و كان يقال من أدب ولده أرغم حاسده.و كان يقال ثلاثة لا غربة معهن مجانبة الريب و حسن الأدب و كف الأذى.
و كان يقال عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر و مؤنس في الوحدة و جمال في المحفل و سبب إلى طلب الحاجة.و قال بزرجمهر من كثر أدبه كثر شرفه و إن كان قبل وضيعا و بعد صيته و إن كان خاملا و ساد و إن كان غريبا و كثرت الحاجة إليه و إن كان مقلا.و قال بعض الملوك لبعض وزرائه ما خير ما يرزقه العبد قال عقل يعيش به قال فإن عدمه قال أدب يتحلى به قال فإن عدمه قال مال يستتر به قال فإن عدمه قال صاعقة تحرقه فتريح منه العباد و البلاد.و قيل لبعض الحكماء متى يكون العلم شرا من عدمه قال إذا كثر الأدب و نقصت القريحة يعني بالقريحة العقل.فأما القول في المشورة فقد تقدم و ربما ذكرنا منه نبذا فيما بعد
53
اَلصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ وَ صَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ النوع الأول أشق من النوع الثاني لأن الأول صبر على مضرة نازلة و الثاني صبر على محبوب متوقع لم يحصل و قد تقدم لنا قول طويل في الصبر.سئل بزرجمهر في بليته عن حاله فقال هون علي ما أنا فيه فكري في أربعة أشياء أولها أني قلت القضاء و القدر لا بد من جريانهما و الثاني أني قلت إن لم أصبر فما أصنع و الثالث أني قلت قد كان يجوز أن تكون المحنة أشد من هذه و الرابع أني قلت لعل الفرج قريب.و قال أنو شروان جميع أمر الدنيا منقسم إلى ضربين لا ثالث لهما أما ما في دفعه حيلة فالاضطراب دواؤه و أما ما لا حيلة فيه فالصبر شفاؤه
54
وَ قَالَ ع اَلْغِنَى فِي اَلْغُرْبَةِ وَطَنٌ وَ اَلْفَقْرُ فِي اَلْوَطَنِ غُرْبَةٌ قد تقدم لنا قول مقنع في الفقر و الغنى و مدحهما و ذمهما على عادتنا في ذكر الشيء و نقيضه و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.قال رجل لبقراط ما أشد فقرك أيها الحكيم قال لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجع لي الفقر ملك ليس عليه محاسبة.و كان يقال أضعف الناس من لا يحتمل الغنى.و قيل للكندي فلان غني فقال أنا أعلم أن له مالا و لكني لا أعلم أ غني هو أم لا لأنني لا أدري كيف يعمل في ماله.قيل لابن عمر توفي زيد بن ثابت و ترك مائة ألف درهم قال هو تركها لكنها لم تتركه.و قالوا حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر أخذه الشاعر فقال:
يا عائب الفقر ألا تزدجر |
عيب الغنى أكبر لو تعتبر |
|
إنك تعصي الله تبغي الغنى |
و ليس تعصي الله كي تفتقر |
و كان يقال الحلال يقطر و الحرام يسيل
و قال بعض الحكماء أ لا ترون ذا الغنى ما أدوم نصبه و أقل راحته و أخس من ماله حظه و أشد من الأيام حذره و أغرى الدهر بنقصه و ثلمه ثم هو بين سلطان يرعاه و حقوق تسترعيه و أكفاء ينافسونه و ولد يودون موته قد بعث الغنى عليه من سلطانه العناء و من أكفائه الحسد و من أعدائه البغي و من ذوي الحقوق الذم و من الولد الملالة و تمني الفقد لا كذي البلغة قنع فدام له السرور و رفض الدنيا فسلم من الحسد و رضي بالكفاف فكفي الحقوق
55
وَ قَالَ ع اَلْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ قال الرضيرحمهالله تعالى و قد روي هذا الكلام عن النبي ص قد ذكرنا نكتا جليلة الموقع في القناعة فيما تقدم و نذكر هاهنا زيادة على ذلك.فمن كلام الحكماء قاوم الفقر بالقناعة و قاهر الغنى بالتعفف و طاول عناء الحاسد بحسن الصنع و غالب الموت بالذكر الجميل.و كان يقال الناس رجلان واجد لا يكتفي و طالب لا يجد أخذه الشاعر فقال:
و ما الناس إلا واجد غير قانع |
بأرزاقه أو طالب غير واجد |
قال رجل لبقراط و رآه يأكل العشب لو خدمت الملك لم تحتج إلى أن تأكل الحشيش فقال له و أنت إن أكلت الحشيش لم تحتج أن تخدم الملك
56
وَ قَالَ ع اَلْمَالُ مَادَّةُ اَلشَّهَوَاتِ قد تقدم لنا كلام في المال مدحا و ذما.و قال أعرابي لبنيه اجمعوا الدراهم فإنها تلبس اليلمق و تطعم الجردق.و قال أعرابي و قد نظر إلى دينار قاتلك الله ما أصغر قمتك و أكبر همتك.و من كلام الحكماء ما اخترت أن تحيا به فمت دونه.سئل أفلاطون عن المال فقال ما أقول في شيء يعطيه الحظ و يحفظه اللؤم و يبلعه الكرم.و كان يقال ثلاثة يؤثرون المال على أنفسهم تاجر البحر و المقاتل بالأجرة و المرتشي في الحكم و هو شرهم لأن الأولين ربما سلما و لا سلامة للثالث من الإثم.ثم قالوا و قد سمى الله تعالى المال خيرا في قوله( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) و في قوله( وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) .كان عبد الرحمن بن عوف يقول حبذا المال أصون به عرضي و أقرضه ربي
فيضاعفه لي و قالوا في ذم المال المال مثل الماء غاد و رائح طبعه كطبع الصبي لا يوقف على سبب رضاه و لا سخطه المال لا ينفعك ما لم تفارقه.و فيه قال الشاعر:
و صاحب صدق ليس ينفع قربه |
و لا وده حتى تفارقه عمدا |
و أخذ هذا المعنى الحريري فقال:
و ليس يغني عنك في المضايق |
إلا إذا فر فرار الآبق |
و قال الشاعر:
أ لم تر أن المال يهلك ربه |
إذا جم آتيه و سد طريقه |
|
و من جاوز البحر الغزير بقحمة |
و سد طريق الماء فهو غريقه |
57
وَ قَالَ ع مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ هذا مثل قولهم اتبع أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك و مثله صديقك من نهاك لا من أغراك و مثله رحم الله أمرا أهدى إلي عيوبي.و التحذير هو النصح و النصح واجب و هو تعريف الإنسان ما فيه صلاحه و دفع المضرة عنه و قد جاء في الخبر الصحيح الدين النصيحة فقيل يا رسول الله لمن فقال لعامة المسلمين و أول ما يجب على الإنسان أن يحذر نفسه و ينصحها فمن غش نفسه فقلما يحذر غيره و ينصحه و حق من استنصح أن يبذل غاية النصح و لو كان في أمر يضره و إلى ذلك وقعت الإشارة في الكتاب العزيز بقوله سبحانه:( يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) و قال سبحانه( وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى ) .و معنى قوله ع كمن بشرك أي ينبغي لك أن تسر بتحذيره لك كما تسر لو بشرك بأمر تحبه و أن تشكره على ذلك كما تشكره لو بشرك بأمر تحبه لأنه لو لم يكن يريد بك الخير لما حذرك من الوقوع في الشر
58
وَ قَالَ ع اَللِّسَانُ سَبُعٌ إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ قد تقدم لنا كلام طويل في هذا المعنى.و كان يقال إن كان في الكلام درك ففي الصمت عافية.و قالت الحكماء النطق أشرف ما خص به الإنسان لأنه صورته المعقولة التي باين بها سائر الحيوانات و لذلك قال سبحانه( خَلَقَ اَلْإِنْسانَ عَلَّمَهُ اَلْبَيانَ ) و لم يقل و علمه بالواو لأنه سبحانه جعل قوله( عَلَّمَهُ اَلْبَيانَ ) تفسيرا لقوله( خَلَقَ اَلْإِنْسانَ ) لا عطفا عليه تنبيها على أن خلقه له و تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعا لارتفعت إنسانيته و لذلك قيل ما الإنسان لو لا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة.و قال الشاعر:
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده |
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم |
قالوا و الصمت من حيث هو صمت مذموم و هو من صفات الجمادات فضلا
عن الحيوانات و كلام أمير المؤمنين ع و غيره من العلماء في مدح الصمت محمول على من يسيء الكلام فيقع منه جنايات عظيمة في أمور الدين و الدنيا كما روي
في الخبر أن الإنسان إذا أصبح قالت أعضاؤه للسانه اتق الله فينا فإنك إن استقمت نجونا و إن زغت هلكنا فأما إذا اعتبر النطق و الصمت بذاتيهما فقط فمحال أن يقال في الصمت فضل فضلا عن أن يخاير و يقايس بينه و بين الكلام
المَرأَةُ عَقرَبٌ حُلوَةُ اللّسبَةِاللسبة اللسعة لسبته العقرب بالفتح لسعته ولسبت العسل بالکسر أی لعقته.وقیل لسقراط أی السباع أجسر قال المرأة.ونظر حکیم إلی امرأة مصلوبة علی شجرة فقال لیت کل شجرة تحمل مثل هذه الثمرة.مرت بسقراط امرأة وهی تتشوف فقالت یاشیخ ماأقبحک فقال لو لاأنک من المرایا الصدئة لغمنی مابان من قبح صورتی فیک.ورأی بعضهم مؤدبا یعلم جاریة الکتابة فقال لاتزد الشر شرا إنما تسقی سهما سما لترمی به یوما ما.ورأی بعضهم جاریة تحمل نارا فقال نار علی نار والحامل شر من المحمول.وتزوج بعضهم امرأة نحیفة فقیل له فی ذلک فقال اخترت من الشر أقله.کتب فیلسوف علی بابه مادخل هذاالمنزل شر قط فقال له بعضهم اکتب إلاالمرأة.
ورأی بعضهم امرأة غریقة فی الماء فقال زادت الکدر کدرا والشر بالشر یهلک.و فی الحدیث المرفوع استعیذوا بالله من شرار النساء وکونوا من خیارهن علی حذر
و فی کلام الحکماء أعص هواک والنساء وافعل ماشئت.دعا بعضهم لصاحبه فقال أمات الله عدوک فقال لو قلت زوج الله عدوک لکان أبلغ فی الانتقام.و من الکنایات المشهورة عنهن سلاح إبلیس.
و فی الحدیث المرفوع أنهن ناقصات عقل ودین
و قدتقدم من کلام أمیر المؤمنین ع فی هذاالکتاب ما هوشرح وإیضاح لهذا المعنی.و
جاء فی الحدیث أیضا شاوروهن وخالفوهن
فی الحدیث أیضا النساء حبائل الشیطان
فی الحدیث أیضا ماترکت بعدی فتنة أضر من النساء علی الرجال
فی الحدیث أیضا المرأة ضلع عوجاء إن داریتها استمتعت بها و إن رمت تقویمها کسرتها
و قال الشاعر فی هذاالمعنی:
هی الضلع العوجاء لست تقیمها |
ألا إن تقویم الضلوع انکسارها |
|
أیجمعن ضعفا واقتدارا علی الفتی |
أ لیس عجیبا ضعفها واقتدارها |
و من کلام بعض الحکماء لیس ینبغی للعاقل أن یمدح امرأة إلا بعدموتها.و فی الأمثال لاتحمدن أمة عام شرائها و لاحرة عام بنائها.
و من کلام عبد الله المأمون أنهن شر کلهن وشر مافیهن ألا غنی عنهن.و قال بعض السلف إن کید النساء أعظم من کید الشیطان لأن الله تعالی ذکر الشیطان فقال( إِنّ کَیدَ الشّیطانِ کانَ ضَعِیفاً ) .وذکر النساء فقال( إِنّهُ مِن کَیدِکُنّ إِنّ کَیدَکُنّ عَظِیمٌ ) .و کان یقال من الفواقر امرأة سوء إن حضرتها لسبتک و إن غبت عنها لم تأمنها.و قال حکیم أضر الأشیاء بالمال والنفس والدین والعقل والعرض شدة الإغرام بالنساء و من أعظم مایبتلی به المغرم بهن أنه لایقتصر علی ماعنده منهن و لوکن ألفا ویطمح إلی ما لیس له منهن.و قال بعض الحکماء من یحصی مساوئ النساء اجتمع فیهن نجاسة الحیض والاستحاضة ودم النفاس ونقص العقل والدین وترک الصوم والصلاة فی کثیر من أیام العمر لیست علیهن جماعة و لاجمعة و لایسلم علیهن و لا یکون منهن إمام و لاقاض و لا أمیر و لایسافرن إلابولی.و کان یقال مانهیت امرأة عن أمر إلاأتته.و فی هذاالمعنی یقول طفیل الغنوی:
إن النساء کأشجار نبتن معا |
هن المرار وبعض المر مأکول |
|
إن النساء متی ینهین عن خلق |
فإنه واجب لابد مفعول |
60
وَ قَالَ ع إِذَا حُيِّيتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا وَ إِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فكَاَفِئْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا وَ اَلْفَضْلُ مَعَ ذَلِكَ لِلْبَادِئِ اللفظة الأولى من القرآن العزيز و الثانية تتضمن معنى مشهورا.و قوله و الفضل مع ذلك للبادئ يقال في الكرم و الحث على فعل الخير.و روى المدائني قال قدم على أسد بن عبد الله القشيري بخراسان رجل فدخل مع الناس فقال أصلح الله الأمير إن لي عندك يدا قال و ما يدك قال أخذت بركابك يوم كذا قال صدقت حاجتك قال توليني أبيورد قال لم قال لأكسب مائة ألف درهم قال فإنا قد أمرنا لك بها الساعة فنكون قد بلغناك ما تحب و أقررنا صاحبنا على عمله قال أصلح الله الأمير إنك لم تقض ذمامي قال و لم و قد أعطيتك ما أملت قال فأين الإمارة و أين حب الأمر و النهي قال قد وليتك أبيورد و سوغت لك ما أمرت لك به و أعفيتك من المحاسبة إن صرفتك عنها قال و لم تصرفني عنها و لا يكون الصرف إلا من عجز أو خيانة
و أنا بريء منهما قال اذهب فأنت أميرها ما دامت لنا خراسان فلم يزل أميرا على أبيورد حتى عزل أسد.قال المدائني و جاء رجل إلى نصر بن سيار يذكر قرابة قال و ما قرابتك قال ولدتني و إياك فلانة قال نصر قرابة عورة قال إن العورة كالشن البالي يرقعه أهله فينتفعون به قال حاجتك قال مائة ناقة لاقح و مائة نعجة ربى أي معها أولادها قال أما النعاج فخذها و أما النوق فنأمر لك بأثمانها.و روى الشعبي قال حضرت مجلس زياد و حضره رجل فقال أيها الأمير إن لي حرمة أ فأذكرها قال هاتها قال رأيتك بالطائف و أنت غليم ذو ذؤابة و قد أحاطت بك جماعة من الغلمان و أنت تركض هذا مرة برجلك و تنطح هذا مرة برأسك و تكدم مرة بأنيابك فكانوا مرة ينثالون عليك و هذه حالهم و مرة يندون عنك و أنت تتبعهم حتى كاثروك و استقووا عليك فجئت حتى أخرجتك من بينهم و أنت سليم و كلهم جريح قال صدقت أنت ذاك الرجل قال أنا ذاك قال حاجتك قال الغنى عن الطلب قال يا غلام أعطه كل صفراء و بيضاء عندك فنظر فإذا قيمة كل ما يملك ذلك اليوم من الذهب و الفضة أربعة و خمسون ألف درهم فأخذها و انصرف فقيل له بعد ذلك أنت رأيت زيادا و هو غلام بذلك الحال قال إي و الله لقد رأيته و قد اكتنفه صبيان صغيران كأنهما من سخال المعز فلو لا أني أدركته لظننت أنهما يأتيان على نفسه.و جاء رجل إلى معاوية و هو في مجلس العامة فقال يا أمير المؤمنين إن لي حرمة قال و ما هي قال دنوت من ركابك يوم صفين و قد قربت فرسك لتفر و أهل
العراق قد رأوا الفتح و الظفر فقلت لك و الله لو كانت هند بنت عتبة مكانك ما فرت و لا اختارت إلا أن تموت كريمة أو تعيش حميدة أين تفر و قد قلدتك العرب أزمة أمورها و أعطتك قياد أعنتها فقلت لي اخفض صوتك لا أم لك ثم تماسكت و ثبت و ثابت إليك حماتك و تمثلت حينئذ بشعر أحفظ منه:
و قولي كلما جشأت و جاشت |
مكانك تحمدي أو تستريحي |
فقال معاوية صدقت وددت أنك الآن أيضا خفضت من صوتك يا غلام أعطه خمسين ألف درهم فلو كنت أحسنت في الأدب لأحسنا لك في الزيادة
61
وَ قَالَ ع اَلشَّفِيعُ جَنَاحُ اَلطَّالِبِ
جاء في الحديث مرفوعا اشفعوا إلي تؤجروا و يقضي الله على لسان نبيه ما شاء.و قال المأمون لإبراهيم بن المهدي لما عفا عنه إن أعظم يدا عندك من عفوي عنك أني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين.و من كلام قابوس بن وشمكير بزند الشفيع تورى نار النجاح و من كف المفيض ينتظر فوز القداح.قال المبرد أتاني رجل يستشفع بي في حاجة فأنشدني لنفسه:
إني قصدتك لا أدلى بمعرفة |
و لا بقربى و لكن قد فشت نعمك |
|
فبت حيران مكروبا يؤرقني |
ذل الغريب و يغشيني الكرى كرمك |
|
و لو هممت بغير العرف ما علقت |
به يداك و لا انقادت له شيمك |
|
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي |
فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك |
قال فشفعت له و قمت بأمره حتى بلغت له ما أحب.بزرجمهر من لم يستغن بنفسه عن شفيعه و وسائله وهت قوى أسبابه و كان إلى
الحرمان أقرب منه إلى بلوغ المراد و مثله من لم يرغب أوداؤه في اجتنابه لم يحظ بمدح شفعائه و مثله إذا زرت الملوك فإن حسبي شفيعا عندهم أن يعرفوني.كلم الأحنف مصعب بن الزبير في قوم حبسهم فقال أصلح الله الأمير إن كان هؤلاء حبسوا في باطل فالحق يخرجهم و إن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم فأمر بإخراجهم.آخر:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة |
فلا خير في ود يكون بشافع |
خرج العطاء في أيام المنصور و أقام الشقراني من ولد شقران مولى رسول الله ص ببابه أياما لا يصل إليه عطاؤه فخرج جعفر بن محمد من عند المنصور فقام الشقراني إليه فذكر له حاجته فرحب به ثم دخل ثانيا إلى المنصور و خرج و عطاء الشقراني في كمه فصبه في كمه ثم قال يا شقران إن الحسن من كل أحد حسن و إنه منك أحسن لمكانك منا و إن القبيح من كل أحد قبيح و هو منك أقبح لمكانك منا فاستحسن الناس ما قاله و ذلك لأن الشقراني كان صاحب شراب قالوا فانظر كيف أحسن السعي في استنجاز طلبته و كيف رحب به و أكرمه مع معرفته بحاله و كيف وعظه و نهاه عن المنكر على وجه التعريض قال الزمخشري و ما هو إلا من أخلاق الأنبياء.كتب سعيد بن حميد شفاعة لرجل كتابي هذا كتاب معتن بمن كتب له واثق بمن كتب إليه و لن يضيع حامله بين الثقة و العناية إن شاء الله.أبو الطيب:
إذا عرضت حاج إليه فنفسه |
إلى نفسه فيها شفيع مشفع |
كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس و كان الناس لعظم قدره عند المنصور يفزعون إليه في الشفاعات و قضاء الحاجات فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدة ثم تتبعته نفسه فحادث الربيع فيه و قال إنه لا صبر لي عنه لكني قد ذكرت شفاعاته فقال الربيع أنا أشترط ألا يعود فكلمه الربيع فقال نعم فمكث أياما لا يشفع ثم وقف له قوم من قريش و غيرهم برقاع و هو يريد دار المنصور فسألوه أن يأخذ رقاعهم فقص عليهم القصة فضرعوا إليه و سألوه فقال أما إذ أبيتم قبول العذر فإني لا أقبضها منكم و لكن هلموا فاجعلوها في كمي فقذفوها في كمه و دخل على المنصور و هو في الخضراء يشرف على مدينة السلام و ما حولها بين البساتين و الضياع فقال له أ ما ترى إلى حسنها قال بلى يا أمير المؤمنين فبارك الله لك فيما آتاك و هنأك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك فما بنت العرب في دولة الإسلام و لا العجم في سالف الأيام أحصن و لا أحسن من مدينتك و لكن سمجتها في عيني خصلة قال ما هي قال ليس لي فيها ضيعة فضحك و قال نحسنها في عينك ثلاث ضياع قد أقطعتكها فقال أنت و الله يا أمير المؤمنين شريف الموارد كريم المصادر فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه و جعلت الرقاع تبدر من كميه في أثناء كلامه و خطابه للمنصور و هو يلتفت إليها و يقول ارجعن خاسئات ثم يعود إلى حديثه فقال المنصور ما هذه بحقي عليك أ لا أعلمتني خبرها فأعلمه فضحك فقال أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرما ثم تمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
لسنا و إن أحسابنا كملت |
يوما على الأحساب نتكل |
|
نبني كما كانت أوائلنا |
تبني و نفعل مثل ما فعلوا |
ثم أخذها و تصفحها و وقع فيها كلها بما طلب أصحابها.قال محمد بن جعفر فخرجت من عنده و قد ربحت و أربحت.قال المبرد لعبد الله بن يحيى بن خاقان أنا أشفع إليك أصلحك الله في أمر فلان فقال له قد سمعت و أطعت و سأفعل في أمره كذا فما كان من نقص فعلي و ما كان من زيادة فله قال المبرد أنت أطال الله بقاءك كما قال زهير:
و جار سار معتمدا إلينا |
أجاءته المخافة و الرجاء |
|
ضمنا ماله فغدا سليما |
علينا نقصه و له النماء |
و قال دعبل:
و إن امرأ أسدى إلي بشافع |
إليه و يرجو الشكر مني لأحمق |
|
شفيعك يا شكر الحوائج إنه |
يصونك عن مكروهها و هو يخلق |
آخر:
مضى زمنى و الناس يستشفعون بي |
فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع |
آخر:
و نبئت ليلى أرسلت بشفاعة |
إلي فهلا نفس ليلى شفيعها |
|
أ أكرم من ليلى علي فتبتغي |
به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها |
آخر:
و من يكن الفضل بن يحيى بن خالد |
شفيعا له عند الخليفة ينجح |
آخر:
و إذا امرؤ أسدى إليك صنيعة |
من جاهه فكأنها من ماله |
و هذا مثل قول الآخر:
و عطاء غيرك إن بذلت |
عناية فيه عطاؤك |
ابن الرومي:
ينام الذي استسعاك في الأمر إنه |
إذا أيقظ الملهوف مثلك ناما |
|
كفى العود منك البدء في كل موقف |
و جردت للجلى فكنت حساما |
|
فما لك تنبو في يدي عن ضريبتي |
و لم أرث من هز و كنت كهاما |
62
وَ قَالَ ع أَهْلُ اَلدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَ هُمْ نِيَامٌ هذا التشبيه واقع و هو صورة الحال لا محالة.و قد أتيت بهذا المعنى في رسالة لي كتبتها إلى بعض الأصدقاء تعزية فقلت و لو تأمل الناس أحوالهم و تبينوا مآلهم لعلموا أن المقيم منهم بوطنه و الساكن إلى سكنه أخو سفر يسرى به و هو لا يسري و راكب بحر يجرى به و هو لا يدري
63
وَ قَالَ ع فَقْدُ اَلْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ.
مثل هذا قول الشاعر:
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى |
و لكن من تنأين عنه غريب |
و مثله قوله ع الغريب من ليس له حبيب.
و قال الشاعر:
أسرة المرء والداه و فيما |
بين حضنيهما الحياة تطيب |
|
و إذا وليا عن المرء يوما |
فهو في الناس أجنبي غريب |
و قال آخر:
إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم |
و خلفت في قرن فأنت غريب |
64
وَ قَالَ ع فَوْتُ اَلْحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا قد سبق هذا المعنى و ذكرنا كثيرا مما قيل فيه.و كان يقال لا تطلبوا الحوائج إلى ثلاثة إلى عبد يقول الأمر إلى غيري و إلى رجل حديث الغنى و إلى تاجر همته أن يستربح في كل عشرين دينارا حبة واحدة
65
وَ قَالَ ع لاَ تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ اَلْقَلِيلِ فَإِنَّ اَلْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ هذا نوع من الحث على الإفضال و الجود لطيف و قد استعمل كثيرا في الهدية و الاعتذار لقلتها و قد تقدم منا قول شاف في مدح السخاء و الجود.و كان يقال أفضل على من شئت تكن أميره و احتج إلى من شئت تكن أسيره و استغن عمن شئت تكن نظيره.و سئل أرسطو هل من جود يستطاع أن يتناول به كل أحد قال نعم أن تنوي الخير لكل أحد
66
وَ قَالَ ع اَلْعَفَافُ زِينَةُ اَلْفَقْرِ وَ اَلشُّكْرُ زِينَةُ اَلْغِنَى.
من الأبيات المشهورة:
فإذا افتقرت فلا تكن |
متخشعا و تجمل |
و من أمثالهم المشهورة تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها.و أنشد الأصمعي لبعضهم:
أقسم بالله لمص النوى |
و شرب ماء القلب المالحه |
|
أحسن بالإنسان من ذله |
و من سؤال الأوجه الكالحه |
|
فاستغن بالله تكن ذا غنى |
مغتبطا بالصفقة الرابحه |
|
طوبى لمن تصبح ميزانه |
يوم يلاقي ربه راجحه |
و قال بعضهم وقفت على كنيف و في أسفله كناف و هو ينشد:
و أكرم نفسي عن أمور كثيرة |
ألا إن إكرام النفوس من العقل |
و أبخل بالفضل المبين على الألى |
رأيتهم لا يكرمون ذوي الفضل |
|
و ما شانني كنس الكنيف و إنما |
يشين الفتى أن يجتدي نائل النذل |
|
و أقبح مما بي وقوفي مؤملا |
نوال فتى مثلي و أي فتى مثلي |
و أما كون الشكر زينة الغنى فقد تقدم من القول ما هو كاف.و كان يقال العلم بغير عمل قول باطل و النعمة بغير شكر جيد عاطل
67
وَ قَالَ ع إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلاَ تُبَلْ كَيْفَ مَا كُنْتَ قد أعجم تفسير هذه الكلمة على جماعة من الناس و قالوا المشهور في كلام الحكماء إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون و لا معنى لقوله فلا تبل كيف كنت و جهلوا مراده ع.و مراده إذا لم يكن ما تريد فلا تبل بذلك أي لا تكترث بفوت مرادك و لا تبتئس بالحرمان و لو وقف على هذا لتم الكلام و كمل المعنى و صار هذا مثل قوله فلا تكثر على ما فاتك منها أسفا و مثل قول الله تعالى( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ) لكنه تمم و أكد فقال كيف كنت أي لا تبل بفوت ما كنت أملته و لا تحمل لذلك هما كيف كنت و على أي حال كنت من حبس أو مرض أو فقر أو فقد حبيب و على الجملة لا تبال الدهر و لا تكترث بما يعكس عليك من غرضك و يحرمك من أملك و ليكن هذا الإهوان به و الاحتقار له مما تعتمده دائما على أي حال أفضى بك الدهر إليها و هذا واضح
68
وَ قَالَ ع لاَ يُرَى اَلْجَاهِلُ تَرَى اَلْجَاهِلَ إِلاَّ مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً العدالة هي الخلق المتوسط و هو محمود بين مذمومين فالشجاعة محفوفة بالتهور و الجبن و الذكاء بالغباوة و الجربزة و الجود بالشح و التبذير و الحلم بالجمادية و الاستشاطة و على هذا كل ضدين من الأخلاق فبينهما خلق متوسط و هو المسمى بالعدالة فلذلك لا يرى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا كصاحب الغيرة فهو إما أن يفرط فيها فيخرج عن القانون الصحيح فيغار لا من موجب بل بالوهم و بالخيال و بالوسواس و إما أن يفرط فلا يبحث عن حال نسائه و لا يبالي ما صنعن و كلا الأمرين مذموم و المحمود الاعتدال.و من كلام بعض الحكماء إذا صح العقل التحم بالأدب كالتحام الطعام بالجسد الصحيح و إذا مرض العقل نبا عنه ما يستمع من الأدب كما يقيء الممعود ما أكل من الطعام فلو آثر الجاهل أن يتعلم شيئا من الأدب لتحول ذلك الأدب جهلا كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء
وَ قَالَ ع إِذَا تَمَّ اَلْعَقْلُ نَقَصَ اَلْكَلاَمُ قد سبق القول في هذا المعنى.و كان يقال إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت و يهرب من الناس فاقربوا منه فإنه يلقى الحكمة
70
وَ قَالَ ع اَلدَّهْرُ يُخْلِقُ اَلْأَبْدَانَ وَ يُجَدِّدُ اَلآْمَالَ وَ يُقَرِّبُ اَلْمَنِيَّةَ وَ يُبَاعِدُ اَلْأُمْنِيَّةَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصِبَ وَ مَنْ فَاتَهُ تَعِبَ قد سبق لنا قول طويل عريض في ذكر الدهر و الدنيا و نذكر الآن شيئا آخر قال بعض الحكماء الدنيا تسر لتغر و تفيد لتكيد كم راقد في ظلها قد أيقظته و واثق بها قد خذلته بهذا الخلق عرفت و على هذا الشرط صوحبت.و كتب الإسكندر إلى أرسطوطاليس عظني فكتب إليه إذا صفت لك السلامة فجدد ذكر العطب و إذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف و إذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت و إذا أحببت نفسك فلا تجعل لها نصيبا في الإساءة و قال شاعر فأحسن:
كأنك لم تسمع بأخبار من مضى |
و لم تر بالباقين ما صنع الدهر |
|
فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم |
عفاها محال الريح بعدك و القطر |
|
و هل أبصرت عيناك حيا بمنزل |
على الدهر إلا بالعراء له قبر |
|
فلا تحسبن الوفر مالا جمعته |
و لكن ما قدمت من صالح وفر |
مضى جامعوا الأموال لم يتزودوا |
سوى الفقر يا بؤسى لمن زاده الفقر |
|
فحتام لا تصحو و قد قرب المدى |
و حتام لا ينجاب عن قلبك السكر |
|
بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا |
و تذكر قولي حين لا ينفع الذكر |
|
و ما بين ميلاد الفتى و وفاته |
إذا انتصح الأقوام أنفسهم عمر |
|
لأن الذي يأتيه شبه الذي مضى |
و ما هو إلا وقتك الضيق النزر |
|
فصبرا على الأيام حتى تجوزها |
فعما قليل بعدها يحمد الصبر |
71
وَ قَالَ ع مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ وَ لْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ وَ مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَ مُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ اَلنَّاسِ وَ مُؤَدِّبِهِمْ الفروع تابعة للأصول فإذا كان الأصل معوجا استحال أن يكون الفرع مستقيما كما قال صاحب المثل و هل يستقيم الظل و العود أعوج فمن نصب نفسه للناس إماما و لم يكن قد علم نفسه ما انتصب ليعلمه الناس كان مثل من نصب نفسه ليعلم الناس الصياغة و النجارة و هو لا يحسن أن يصوغ خاتما و لا ينجر لوحا و هذا نوع من السفه بل هو السفه كله ثم قال ع و ينبغي أن يكون تأديبه لهم بفعله و سيرته قبل تأديبه لهم بلسانه و ذلك لأن الفعل أدل على حال الإنسان من القول.ثم قال و معلم نفسه و مؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مؤدبهم و هذا حق لأن من علم نفسه محاسن الأخلاق أعظم قدرا ممن تعاطى تعليم الناس ذلك و هو غير عامل بشيء منه فأما من علم نفسه و علم الناس فهو أفضل و أجل ممن اقتصر على تعليم نفسه فقط لا شبهة في ذلك
72
وَ قَالَ ع نَفَسُ اَلْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ وجدت هذه الكلمة منسوبة إلى عبد الله بن المعتز في فصل أوله الناس وفد البلاء و سكان الثرى و أنفاس الحي خطاه إلى أجله و أمله خادع له عن عمله و الدنيا أكذب واعديه و النفس أقرب أعاديه و الموت ناظر إليه و منتظر فيه أمرا يمضيه فلا أدري هل هي لابن المعتز أم أخذها من أمير المؤمنين ع.و الظاهر أنها لأمير المؤمنين ع فإنها بكلامه أشبه و لأن الرضي قد رواها عنه و خبر العدل معمول به
73
وَ قَالَ ع كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ الكلمة الأولى تؤكد مذهب جمهور المتكلمين في أن العالم كله لا بد أن ينقضي و يفنى و لكن المتكلمين الذاهبين إلى هذا القول لا يقولون يجب أن يكون فانيا و منقضيا لأنه معدود فإن ذلك لا يلزم و من الجائز أن يكون معدودا و لا يجب فناؤه و لهذا قال أصحابنا إنما علمنا أن العالم يفنى عن طريق السمع لا من طريق العقل فيجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع على ما يطابق ذلك و هو أنه ليس يعني أن العدد علة في وجوب الانقضاء كما يشعر به ظاهر لفظه و هو الذي يسميه أصحاب أصول الفقه إيماء و إنما مراده كل معدود فاعلموا أنه فان و منقض فقد حكم على كل معدود بالانقضاء حكما مجردا عن العلة كما لو قيل زيد قائم ليس يعنى أنه قائم لأنه يسمى زيدا.فأما قوله و كل متوقع آت فيماثله قول العامة في أمثالها لو انتظرت القيامة لقامت و القول في نفسه حق لأن العقلاء لا ينتظرون ما يستحيل وقوعه و إنما ينتظرون ما يمكن وقوعه و ما لا بد من وقوعه فقد صح أن كل منتظر سيأتي
74
وَ قَالَ ع إِنَّ اَلْأُمُورَ إِذَا اِشْتَبَهَتْ اُعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا روي إذا استبهمت و المعنى واحد و هو حق و ذلك أن المقدمات تدل على النتائج و الأسباب تدل على المسببات و طالما كان الشيئان ليسا علة و معلولا و إنما بينهما أدنى تناسب فيستدل بحال أحدهما على حال الآخر و إذا كان كذلك و اشتبهت أمور على العاقل الفطن و لم يعلم إلى ما ذا تئول فإنه يستدل على عواقبها بأوائلها و على خواتمها بفواتحها كالرعية ذات السلطان الركيك الضعيف السياسة إذا ابتدأت أمور مملكته تضطرب و استبهم على العاقل كيف يكون الحال في المستقبل فإنه يجب عليه أن يعتبر أواخرها بأوائلها و يعلم أنه سيفضي أمر ذلك الملك إلى انتشار و انحلال في مستقبل الوقت لأن الحركات الأولى منذرة بذلك و واعدة بوقوعه و هذا واضح
75
وَ مِنْ خَبَرِ ضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ اَلضَّابِيِّ حَمْزَةَ اَلضَّبَائِيِّ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَ مَسْأَلَتِهِ لَهُ عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ فَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَ قَدْ أَرْخَى اَللَّيْلُ سُدُولَهُ وَ هُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ اَلسَّلِيمِ وَ يَبْكِي بُكَاءَ اَلْحَزِينِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ تَشَوَّقْتِ لاَ حَانَ حِينُكِ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ وَ خَطَرُكِ يَسِيرٌ وَ أَمَلُكِ حَقِيرٌ آهِ مِنْ قِلَّةِ اَلزَّادِ وَ طُولِ اَلطَّرِيقِ وَ بُعْدِ اَلسَّفَرِ وَ عَظِيمِ اَلْمَوْرِدِ السدول جمع سديل و هو ما أسدل على الهودج و يجوز في جمعه أيضا أسدال و سدائل و هو هاهنا استعارة و التململ و التملل أيضا عدم الاستقرار من المرض كأنه على ملة و هي الرماد الحار.و السليم الملسوع.و يروى تشوقت بالقاف.و قوله لا حان حينك دعاء عليها أي لا حضر وقتك كما تقول لا كنت
فأما ضرار بن ضمرة فإن الرياشي روى خبره و نقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في التذييل على نهج البلاغة قال دخل ضرار على معاوية و كان ضرار من صحابة علي ع فقال له معاوية يا ضرار صف لي عليا قال أ و تعفيني قال لا أعفيك قال ما أصف منه كان و الله شديد القوى بعيد المدى يتفجر العلم من أنحائه و الحكمة من أرجائه حسن المعاشرة سهل المباشرة خشن المأكل قصير الملبس غزير العبرة طويل الفكرة يقلب كفه و يخاطب نفسه و كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألنا و يبتدئنا إذا سكتنا و نحن مع تقريبه لنا أشد ما يكون صاحب لصاحب هيبة لا نبتدئه الكلام لعظمته يحب المساكين و يقرب أهل الدين و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه...و تمام الكلام مذكور في الكتاب.و ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب هذا الخبر فقال حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا يحيى بن مالك بن عائد قال حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر و حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا العكلي عن الحرمازي عن رجل من همدان قال قال معاوية لضرار الضبابي يا ضرار صف لي عليا قال اعفني يا أمير المؤمنين قال لتصفنه قال أما إذ لا بد من وصفه فكان و الله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا و يحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا و زهرتها و يأنس بالليل و وحشته و كان غزير العبرة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر و من الطعام ما خشن كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و ينبئنا إذا استفتيناه و نحن و الله
مع تقريبه إيانا و قربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين و يقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله و لا ييئس الضعيف من عدله و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول يا دنيا غري غيري أ بي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة لي فيها فعمرك قصير و خطرك حقير آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق فبكى معاوية و قال رحم الله أبا حسن كان و الله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار قال حزن من ذبح ولدها في حجرها
76
وَ مِنْ كَلاَمِهِ كَلاَمٍ لَهُ ع لِلسَّائِلِ اَلشَّامِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ أَ كَانَ مَسِيرُنَا إِلَى اَلشَّامِ بِقَضَاءٍ مِنَ اَللَّهِ وَ قَدَرِهِ قَدَرٍ بَعْدَ كَلاَمٍ طَوِيلٍ هَذَا مُخْتَارُهُ وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً وَ قَدَراً حَاتِماً لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ وَ سَقَطَ اَلْوَعْدُ وَ اَلْوَعِيدُ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِيراً وَ كَلَّفَ يَسِيراً وَ لَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً وَ أَعْطَى عَلَى اَلْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ يُرْسِلِ اَلْأَنْبِيَاءَ لَعِباً وَ لَمْ يُنْزِلِ اَلْكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً وَ لاَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً( ذلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنَّارِ )
قد ذكر شيخنا أبو الحسينرحمهالله هذا الخبر في كتاب الغرر و رواه عن الأصبغ بن نباتة قال قام شيخ إلى علي ع فقال أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أ كان بقضاء الله و قدره فقال و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ما وطئنا موطئا و لا هبطنا واديا إلا بقضاء الله و قدره فقال الشيخ فعند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا فقال مه أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم في مسيركم و أنتم سائرون و في منصرفكم و أنتم منصرفون و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين
و لا إليها مضطرين فقال الشيخ و كيف القضاء و القدر ساقانا فقال ويحك لعلك ظننت قضاء لازما و قدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد و الأمر و النهي و لم تأت لائمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء و لا المسيء أولى بالذم من المحسن تلك مقالة عباد الأوثان و جنود الشيطان و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها إن الله سبحانه أمر تخييرا و نهى تحذيرا و كلف يسيرا و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكرها و لم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) فقال الشيخ فما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلا بهما فقال هو الأمر من الله و الحكم ثم تلا قوله سبحانه( وَ قَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) فنهض الشيخ مسرورا و هو يقول:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته |
يوم النشور من الرحمن رضوانا |
|
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا |
جزاك ربك عنا فيه إحسانا |
ذكر ذلك أبو الحسين في بيان أن القضاء و القدر قد يكون بمعنى الحكم و الأمر و أنه من الألفاظ المشتركة
77
وَ قَالَ ع خُذِ اَلْحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ فَإِنَّ اَلْحِكْمَةَ تَكُونُ فِي صَدْرِ اَلْمُنَافِقِ فَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ اَلْمُؤْمِنِ : قَالَ اَلرَّضِيُّرحمهالله تَعَالَى وَ قَدْ قَالَ عَلِيٌّ ع فِي مِثْلِ ذَلِكَ : اَلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ اَلْمُؤْمِنِ فَخُذِ اَلْحِكْمَةَ وَ لَوْ مِنْ أَهْلِ اَلنِّفَاقِ 80 وَ قَالَ ع اَلْحِكْمَةُ ضَالَّةُ اَلْمُؤْمِنِ فَخُذِ اَلْحِكْمَةَ وَ لَوْ مِنْ أَهْلِ اَلنِّفَاقِ خطب الحجاج فقال إن الله أمرنا بطلب الآخرة و كفانا مئونة الدنيا فليتنا كفينا مئونة الآخرة و أمرنا بطلب الدنيا.فسمعها الحسن فقال هذه ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق.و كان سفيان الثوري يعجبه كلام أبي حمزة الخارجي و يقول ضالة المؤمن على لسان المنافق تقوى الله أكرم سريرة و أفضل ذخيرة منها ثقة الواثق و عليها مقة الوامق ليعمل كل امرئ في مكان نفسه و هو رخي اللبب طويل السبب ليعرف ممد يده و موضع قدمه و ليحذر الزلل و العلل المانعة من العمل رحم الله عبدا آثر التقوى و استشعر شعارها و اجتنى ثمارها باع دار البقاء بدار الآباد الدنيا كروضة يونق مرعاها و تعجب من رآها تمج عروقها الثرى و تنطف فروعها بالندى حتى إذا بلغ العشب إناه و انتهى الزبرج منتهاه ضعف العمود و ذوي العود و تولى من الزمان ما لا يعود فحتت الرياح الورق و فرقت ما كان اتسق فأصبحت هشيما و أمست رميما
78
وَ قَالَ ع قِيمَةُ كُلِّ اِمْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ قال الرضيرحمهالله تعالى و هذه الكلمة التي لا تصاب لها قيمة و لا توزن بها حكمة و لا تقرن إليها كلمة قد سلف لنا في فضل العلم أقوال شافية و نحن نذكر هاهنا نكتا أخرى.يقال إن من كلام أردشير بن بابك في رسالته إلى أبناء الملوك بحسبكم دلالة على فضل العلم أنه ممدوح بكل لسان يتزين به غير أهله و يدعيه من لا يلصق به قال و بحسبكم دلالة على عيب الجهل أن كل أحد ينتفي منه و يغضب أن يسمى به.و قيل لأنوشروان ما بالكم لا تستفيدون من العلم شيئا إلا زادكم ذلك عليه حرصا قال لأنا لا نستفيد منه شيئا إلا ازددنا به رفعة و عزا و قيل له ما بالكم لا تأنفون من التعلم من كل أحد قال لعلمنا بأن العلم نافع من حيث أخذ.و قيل لبزرجمهر بم أدركت ما أدركت من العلم قال ببكور كبكور الغراب و حرص كحرص الخنزير و صبر كصبر الحمار.و قيل له العلم أفضل أم المال فقال العلم قيل فما بالنا نرى أهل العلم على
أبواب أهل المال أكثر مما نرى أصحاب الأموال على أبواب العلماء قال ذاك أيضا عائد إلى العلم و الجهل و إنما كان كما رأيتم لعلم العلماء بالحاجة إلى المال و جهل أصحاب المال بفضيلة العلم.و قال الشاعر:
تعلم فليس المرء يخلق عالما |
و ليس أخو علم كمن هو جاهل |
|
و إن كبير القوم لا علم عنده |
صغير إذا التفت عليه المحافل |
79
وَ قَالَ ع أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ اَلْإِبِلِ لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلاً لاَ يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ يَخَافَنَّ إِلاَّ ذَنْبَهُ وَ لاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لاَ يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لاَ أَعْلَمُ وَ لاَ يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ اَلشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ وَ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ اَلصَّبْرَ مِنَ اَلْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ اَلْجَسَدِ وَ لاَ خَيْرَ فِي جَسَدٍ لاَ رَأْسَ مَعَهُ وَ لاَ خَيْرَ فِي إِيمَانٍ لاَ صَبْرَ مَعَهُ قد تقدم الكلام في جميع الحكم المنطوي عليها هذا الفصل و قال أبو العتاهية:
و الله لا أرجو سواك |
و لا أخاف سوى ذنوبي |
|
فاغفر ذنوبي يا رحيم |
فأنت ستار العيوب |
و كان يقال من استحيا من قول لا أدري كان كمن يستحيي من كشف ركبته ثم يكشف سوءته و ذلك لأن من امتنع من قول لا أدري و أجاب بالجهل و الخطإ فقد واقع ما يجب في الحقيقة أن يستحيا منه و كف عما ليس بواجب أن يستحيا منه فكان شبيها بما ذكرناه في الركبة و العورة.و كان يقال يحسن بالإنسان التعلم ما دام يقبح منه الجهل و كما يقبح منه الجهل ما دام حيا كذلك يحسن به التعلم ما دام حيا.و أما الصبر فقد سبق فيه كلام مقنع و سيأتي فيما بعد جملة من ذلك
80
وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ أَفْرَطَ فِي اَلثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ كَانَ لَهُ مُتَّهِماً أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَ فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ قد سبق منا قول مقنع في كراهية مدح الإنسان في وجهه.و كان عمر جالسا و عنده الدرة إذ أقبل الجارود العبدي فقال رجل هذا الجارود سيد ربيعة فسمعها عمر و من حوله و سمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال ما لي و لك يا أمير المؤمنين قال ما لي و لك أما لقد سمعتها قال و ما سمعتها فمه قال ليخالطن قلبك منها شيء و أنا أحب أن أطأطئ منك.و قالت الحكماء إنه يحدث للممدوح في وجهه أمران مهلكان أحدهما الإعجاب بنفسه و الثاني إذا أثني عليه بالدين أو العلم فتر و قل اجتهاده و رضي عن نفسه و نقص تشميره و جده في طلب العلم و الدين فإنه إنما يتشمر من رأى نفسه مقصرا فأما من أطلقت الألسن بالثناء عليه فإنه يظن أنه قد وصل و أدرك فيقل اجتهاده و يتكل على ما قد حصل له عند الناس و لهذا
قال النبي ص لمن مدح
إنسانا كاد يسمعه ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها لما أفلح.فأما قوله ع له و فوق ما في نفسك فإنه إنما أراد أن ينبهه على أنه قد عرف أنه كان يقع فيه و ينحرف عنه و إنما أراد تعريفه ذلك لما رآه من المصلحة إما لظنه أنه يقلع عما كان يذمه به أو ليعلمه بتعريفه أنه قد عرف ذلك أو ليخوفه و يزجره أو لغير ذلك
81
وَ قَالَ ع بَقِيَّةُ اَلسَّيْفِ أَنْمَى أَبْقَى عَدَداً وَ أَكْثَرُ وَلَداً قال شيخنا أبو عثمان ليته لما ذكر الحكم ذكر العلة.ثم قال قد وجدنا مصداق قوله في أولاده و أولاد الزبير و بنى المهلب و أمثالهم ممن أسرع القتل فيهم.و أتي زياد بامرأة من الخوارج فقال لها أما و الله لأحصدنكم حصدا و لأفنينكم عدا فقالت كلا إن القتل ليزرعنا فلما هم بقتلها تسترت بثوبها فقال اهتكوا سترها لحاها الله فقالت إن الله لا يهتك ستر أوليائه و لكن التي هتك سترها على يد ابنها سمية فقال عجلوا قتلها أبعدها الله فقتلت
82
وَ قَالَ ع مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لاَ أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ جاءت امرأة إلى بزرجمهر فسألته عن مسألة فقال لا أدري فقالت أ يعطيك الملك كل سنة كذا كذا و تقول لا أدري فقال إنما يعطيني الملك على ما أدري و لو أعطاني على ما لا أدري لما كفاني بيت ماله.و كان يقول قول لا أعلم نصف العلم.و قال بعض الفضلاء إذا قال لنا إنسان لا أدري علمناه حتى يدري و إن قال أدري امتحناه حتى لا يدري
83
وَ قَالَ ع رَأْيُ اَلشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ اَلْغُلاَمِ وَ يُرْوَى رُوِيَ مِنْ مَشْهَدِ اَلْغُلاَمِ إنما قال كذلك لأن الشيخ كثير التجربة فيبلغ من العدو برأيه ما لا يبلغ بشجاعته الغلام الحدث غير المجرب لأنه قد يغرر بنفسه فيهلك و يهلك أصحابه و لا ريب أن الرأي مقدم على الشجاعة و لذلك قال أبو الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان |
هو أول و هي المحل الثاني |
|
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة |
بلغت من العلياء كل مكان |
|
و لربما طعن الفتى أقرانه |
بالرأي قبل تطاعن الأقران |
|
لو لا العقول لكان أدنى ضيغم |
أدنى إلى شرف من الإنسان |
|
و لما تفاضلت الرجال و دبرت |
أيدي الكماة عوالي المران |
و من وصايا أبرويز إلى ابنه شيرويه لا تستعمل على جيشك غلاما غمرا ترفا قد كثر إعجابه بنفسه و قلت تجاربه في غيره و لا هرما كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السن من جسمه و عليك بالكهول ذوي الرأي.
و قال لقيط بن يعمر الإيادي في هذا المعنى:
و قلدوا أمركم لله دركم |
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا |
|
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده |
و لا إذا عض مكروه به خشعا |
|
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره |
يكون متبعا طورا و متبعا |
|
حتى استمر على شزر مريرته |
مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا |
84
وَ قَالَ ع عَجِبْتُ لِمَنْ يَقْنَطُ وَ مَعَهُ اَلاِسْتِغْفَارُ قالوا الاستغفار حوارس الذنوب.و قال بعضهم العبد بين ذنب و نعمة لا يصلحهما إلا الشكر و الاستغفار.و قال الربيع بن خثعم لا يقولن أحدكم أستغفر الله و أتوب إليه فيكون ذنبا و كذبا إن لم يفعل و لكن ليقل اللهم اغفر لي و تب علي.و قال الفضيل الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.و قيل من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا بالله و هو لا يعلم
85
وَ حَكَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرُ ع أَنَّهُ كَانَ ع قَالَ كَانَ فِي اَلْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اَللَّهِ وَ قَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ اَلْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ أَمَّا اَلْأَمَانُ اَلَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اَللَّهِ ص وَ أَمَّا اَلْأَمَانُ اَلْبَاقِي فَالاِسْتِغْفَارُ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى( وَ ما كانَ اَللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) قال الرضيرحمهالله تعالى و هذا من محاسن الاستخراج و لطائف الاستنباط قال قوم من المفسرين( وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) في موضع الحال و المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يستغفرون لما عذبهم و هذا مثل قوله تعالى( وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ ) فكأنه قال لكنهم لا يستغفرون فلا انتفاء للعذاب عنهم.و قال قوم معناه و ما كان الله معذبهم و فيهم من يستغفروهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله ص من المستضعفين.
ثم قال( وَ ما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اَللَّهُ ) أي و لأي سبب لا يعذبهم الله مع وجود ما يقتضي العذاب و هو صدهم المسلمين و الرسول عن البيت في عام الحديبية و هذا يدل على أن ترتيب القرآن ليس على ترتيب الوقائع و الحوادث لأن سورة الأنفال نزلت عقيب وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة و صد الرسول ص عن البيت كان في السنة السادسة فكيف يجعل آية نزلت في السنة السادسة في سورة نزلت في السنة الثانية.و في القرآن كثير من ذلك و إنما رتبه قوم من الصحابة في أيام عثمان
86
وَ قَالَ ع مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَصْلَحَ اَللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلنَّاسِ وَ مَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اَللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّهِ حَافِظٌ مثل الكلمة الأولى قولهم رضا المخلوقين عنوان رضا الخالق و جاء في الحديث المرفوع ما من والرضياللهعنه إلا أرضى عنه رعيته.و مثل الكلمة الثانية دعاء بعضهم في قوله:
أنا شاكر أنا مادح أنا حامد |
أنا خائف أنا جائع أنا عار |
|
هي ستة و أنا الضمين بنصفها |
فكن الضمين بنصفها يا باري |
و مثل الكلمة الثالثة قوله تعالى( إِنَّ اَللَّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )
87
وَ قَالَ ع اَلْفَقِيهُ كُلُّ اَلْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ اَلنَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اَللَّهِ وَ لَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ وَ لَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اَللَّهِ قل موضع من الكتاب العزيز يذكر فيه الوعيد إلا و يمزجه بالوعد مثل أن يقول إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقابِ ثم يقول وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و الحكمة تقتضي هذا ليكون المكلف مترددا بين الرغبة و الرهبة.و يقولون في الأمثال المرموزة لقي موسى و هو ضاحك مستبشر عيسى و هو كالح قاطب فقال عيسى ما لك كأنك آمن من عذاب الله فقال موسى ع ما لك كأنك آيس من روح الله فأوحى الله إليهما موسى أحبكما إلي شعارا فإني عند حسن ظن عبدي بي.و اعلم أن أصحابنا و إن قالوا بالوعيد فإنهم لا يؤيسون أحدا و لا يقنطونه من رحمة الله و إنما يحثونه على التوبة و يخوفونه إن مات من غير توبة و بحق ما قال شيخنا أبو الهذيل لو لا مذهب الإرجاء لما عصي الله في الأرض و هذا لا ريب فيه فإن أكثر العصاة إنما يعولون على الرحمة و قد اشتهر
و استفاض بين الناس أن الله تعالى يرحم المذنبين فإنه و إن كان هناك عقاب فأوقاتا معدودة ثم يخرجون إلى الجنة و النفوس تحب الشهوات العاجلة فتهافت الناس على المعاصي و بلوغ الشهوات و المآرب معولين على ذلك فلو لا قول المرجئة و ظهوره بين الناس لكان العصيان إما معدوما أو قليلا جدا
88
وَ قَالَ ع أَوْضَعُ اَلْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى اَللِّسَانِ وَ أَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي اَلْجَوَارِحِ وَ اَلْأَرْكَانِ هذا حق لأن العالم إذا لم يظهر من علمه إلا لقلقة لسانه من غير أن تظهر منه العبادات كان عالما ناقصا فأما إذا كان يفيد الناس بألفاظه و منطقه ثم يشاهده الناس على قدم عظيمة من العبادة فإن النفع يكون به عاما تاما و ذلك لأن الناس يقولون لو لم يكن يعتقد حقيقة ما يقوله لما أدأب نفسه هذا الدأب.و أما الأول فيقولون فيه كل ما يقوله نفاق و باطل لأنه لو كان يعتقد حقيقة ما يقول لأخذ به و لظهر ذلك في حركاته فيقتدون بفعله لا بقوله فلا يشتغل أحد منهم بالعبادة و لا يهتم بها
89
وَ قَالَ ع إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ اَلْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ اَلْحِكْمَةِ اَلْحِكَمِ لو قال إنها تمل كما تمل الأبدان فأحمضوا كما نقل عن غيره لحمل ذلك على أنه أراد نقلها إلى الفكاهات و الأخبار و الأشعار و لكنه لم يقل ذلك و لكن قال فابتغوا لها طرائف الحكمة فوجب أن يحمل كلامه ع على أنه أراد أن القلوب تمل من الأنظار العقلية في البراهين الكلامية على التوحيد و العدل فابتغوا لها عند ملالها طرائف الحكمة أي الأمثال الحكمية الراجعة إلى الحكمة الخلقية كما نحن ذاكروه في كثير من فصول هذا الباب مثل مدح الصبر و الشجاعة و الزهد و العفة و ذم الغضب و الشهوة و الهوى و ما يرجع إلى سياسة الإنسان نفسه و ولده و منزله و صديقه و سلطانه و نحو ذلك فإن هذا علم آخر و فن آخر لا تحتاج القلوب فيه إلى فكر و استنباط فتتعب و تكل بترادف النظر و التأمل عليها و فيه أيضا لذة عظيمة للنفس.و قد جاء في إجمام النفس كثير.قال بعضهم روحوا القلوب برواتع الذكر.
و عن سلمان الفارسي أنا أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي و قال عمر بن عبد العزيز إن نفسي راحلتي إن كلفتها فوق طاقتها انقطعت بي.و قال بعضهم روحوا الأذهان كما تروحوا الأبدان.و قال أردشير بن بابك إن للآذان مجة و للقلوب ملة ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما
90
وَ قَالَ ع لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ اَلْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ وَ لَكِنْ مَنِ اِسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ [ مَضَلاَّتِ ] اَلْفِتَنِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ( وَ اِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) وَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ اَلسَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَ اَلرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ وَ إِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَكِنْ لِتَظْهَرَ اَلْأَفْعَالُ اَلَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ اَلذُّكُورَ وَ يَكْرَهُ اَلْإِنَاثَ وَ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيَر اَلْمَالِ وَ يَكْرَهُ اِنْثِلاَمَ اَلْحَالِ قال الرضيرحمهالله تعالى و هذا من غريب ما سمع منه ع في التفسير الفتنة لفظ مشترك فتارة تطلق على الجائحة و البلية تصيب الإنسان تقول قد افتتن زيد و فتن فهو مفتون إذا أصابته مصيبة فذهب ماله أو عقله أو نحو ذلك قال تعالى( إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِناتِ ) يعني الذين عذبوهم بمكة ليرتدوا عن الإسلام و تارة تطلق على الاختبار و الامتحان يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته و دينار مفتون و تارة تطلق على الإحراق قال تعالى
( يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنَّارِ يُفْتَنُونَ ) و ورق مفتون أي فضة محرقة و يقال للحرة فتين كأن حجارتها محرقة و تارة تطلق على الضلال يقال رجل فاتن و مفتن أي مضل عن الحق جاء ثلاثيا و رباعيا قال تعالى( ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ اَلْجَحِيمِ ) أي بمضلين و قرأ قوم مفتنين فمن قال إني أعوذ بك من الفتنة و أراد الجائحة أو الإحراق أو الضلال فلا بأس بذلك و إن أراد الاختبار و الامتحان فغير جائز لأن الله تعالى أعلم بالمصلحة و له أن يختبر عباده لا ليعلم حالهم بل ليعلم بعض عباده حال بعض و عندي أن أصل اللفظة هو الاختبار و الامتحان و أن الاعتبارات الأخرى راجعة إليها و إذا تأملت علمت صحة ما ذكرناه
91
وَ سُئِلَ عَنِ اَلْخَيْرِ مَا هُوَ فَقَالَ لَيْسَ اَلْخَيْرُ [ اَلْخَيْرَ ] أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَ وَلَدُكَ وَ لَكِنَّ اَلْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ وَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَ أَنْ تُبَاهِيَ اَلنَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اَللَّهَ وَ إِنْ أَسَأْتَ اِسْتَغْفَرْتَ اَللَّهَ وَ لاَ خَيْرَ فِي اَلدُّنْيَا إِلاَّ لِرَجُلَيْنِ رَجُلٍ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ وَ رَجُلٍ يُسَارِعُ فِي اَلْخَيْرَاتِ وَ لاَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ اَلتَّقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ قد قال الشاعر لهذا المعنى:
ليس السعيد الذي دنياه تسعده |
بل السعيد الذي ينجو من النار |
قوله ع و لا يقل عمل مع التقوى أي مع اجتناب الكبائر لأنه لو كان موقعا لكبيرة لما تقبل منه عمل أصلا على قول أصحابنا فوجب أن يكون المراد بالتقوى اجتناب الكبائر فأما مذهب المرجئة فإنهم يحملون التقوى هاهنا على الإسلام لأن المسلم عندهم تتقبل أعماله و إن كان مواقعا للكبائر.فإن قلت فهل يجوز حمل لفظة التقوى على حقيقتها و هي الخوف قلت لا أما على مذهبنا فلأن من يخاف الله و يواقع الكبائر لا تتقبل أعماله
و أما مذهب المرجئة فلأن من يخاف الله من مخالفي ملة الإسلام لا تتقبل أعماله فثبت أنه لا يجوز حمل التقوى هاهنا على الخوف.فإن قلت من هو مخالف لملة الإسلام لا يخاف الله لأنه لا يعرفه.قلت لا نسلم بل يجوز أن يعرف الله بذاته و صفاته كما نعرفه نحن و يجحد النبوة لشبهة وقعت له فيها فلا يلزم من جحد النبوة عدم معرفة الله تعالى
92
وَ قَالَ ع إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلاَ ع( إِنَّ أَوْلَى اَلنَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ هذَا اَلنَّبِيُّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا... ) اَلآْيَةَ.
ثُمَّ قَالَ ع إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اَللَّهَ وَ إِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَ إِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اَللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ هكذا الرواية أعلمهم و الصحيح أعملهم لأن استدلاله بالآية يقتضي ذلك و كذا قوله فيما بعد إن ولي محمد من أطاع الله...إلى آخر الفصل فلم يذكر العلم و إنما ذكر العمل و اللحمة بالضم النسب و القرابة و هذا مثل
الحديث المرفوع ايتوني بأعمالكم و لا تأتوني بأنسابكم إن أكرمكم عند الله أتقاكم و في الحديث الصحيح يا فاطمة بنت محمد إني لا أغني عنك من الله شيئا و قال رجل لجعفر بن محمد ع أ رأيت قوله ص إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار أ ليس هذا أمانا لكل فاطمي في الدنيا فقال إنك لأحمق إنما أراد حسنا و حسينا لأنهما من لحمة أهل البيت فأما من عداهما فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه
93
وَ سَمِعَ ع رَجُلاً مِنَ اَلْحَرُورِيَّةِ يَتَهَجَّدُ وَ يَقْرَأُ فَقَالَ نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ عَلَى شَكٍّ هذا نهي عن التعرض للعبادة مع الجهل بالمعبود كما يصنع اليوم كثير من الناس و يظنون أنهم خير الناس و العقلاء الألباء من الناس يضحكون منهم و يستهزءون بهم و الحرورية الخوارج و قد سبق القول فيهم و في نسبتهم إلى حروراء.يقول ع ترك التنفل بالعبادات مع سلامة العقيدة الأصلية خير من الاشتغال بالنوافل و أوراد الصلاة مع عدم العلم و هو المعني بقوله في شك فإذا كان عدم التنفل خيرا من التنفل مع الشك فهو مع الجهل المحض و هو الاعتقاد الفاسد أولى بأن يكون
94
وَ قَالَ ع اِعْقِلُوا اَلْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ اَلْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ نهاهم ع عن أن يقتصروا إذا سمعوا منه أو من غيره أطرافا من العلم و الحكمة على أن يرووا ذلك رواية كما يفعله اليوم المحدثون و كما يقرأ أكثر الناس القرآن دراسة و لا يدري من معانيه إلا اليسير.و أمرهم أن يعقلوا ما يسمعونه عقل رعاية أي معرفة و فهم.ثم قال لهم إن رواة العلم كثير و رعاته قليل أي من يراعيه و يتدبره و صدق ع
95
وَ قَالَ ع وَ قَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ( إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) فَقَالَ إِنَّ قَوْلَنَا إِنَّا لِلَّهِ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْمُلْكِ وَ قَوْلَنَا وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ قوله إنا لله اعتراف بأنا مملوكون لله و عبيد له لأن هذه اللام لام التمليك كما تقول الدار لزيد فأما قوله( وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) فهو إقرار و اعتراف بالنشور و القيامة لأن هذا هو معنى الرجوع إليه سبحانه و اقتنع أمير المؤمنين عن التصريح بذلك فذكر الهلك فقال إنه إقرار على أنفسنا بالهلك لأن هلكنا مفض إلى رجوعنا يوم القيامة إليه سبحانه فعبر بمقدمة الشيء عن الشيء نفسه كما يقال الفقر الموت و الحمى الموت و نحو ذلك.و يمكن أن يفسر ذلك على قول مثبتي النفس الناطقة بتفسير آخر فيقال إن النفس ما دامت في أسر تدابير البدن فهي بمعزل عن مبادئها لأنها مشتغلة مستغرقة بغير ذلك فإذا مات البدن رجعت النفس إلى مبادئها فقوله( وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) إقرار بما لا يصح الرجوع بهذا التفسير إلا معه و هو الموت المعبر عنه بالهلك
96
وَ قَالَ ع وَ مَدَحَهُ قَوْمٌ فِي وَجْهِهِ اَللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي اِجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اِغْفِرْ لِي لَنَا مَا لاَ يَعْلَمُونَ قد تقدم القول في كراهية مدح الإنسان في وجهه و في الحديث المرفوع إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضة و قال أيضا لرجل مدح رجلا في وجهه عقرت الرجل عقرك الله و قال أيضا لو مشى رجل إلى رجل بسيف مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه و من كلام عمر المدح هو الذبح قالوا لأن المذبوح ينقطع عن الحركة و الأعمال و كذلك الممدوح يفتر عن العمل.و يقول قد حصل في القلوب و النفوس ما استغنى به عن الحركة و الجد.و من أمثال الفلاحين إذا طار لك صيت بين الحصادة فاكسر منجلك.
و قال مطرف بن الشخير ما سمعت من ثناء أحد علي أو مدحة أحد لي إلا و تصاغرت إلي نفسي و قال زياد بن أبي مسلم ليس أحد سمع ثناء أحد عليه إلا و تراءى له شيطان و لكن المؤمن يراجع.فلما ذكر كلامهما لابن المبارك قال صدقا أما قول زياد فتلك قلوب العوام و أما قول مطرف فتلك قلوب الخواص
97
وَ قَالَ ع : لاَ يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ اَلْحَوَائِجِ إِلاَّ بِثَلاَثٍ بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ وَ بِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ وَ بِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُؤَ قد تقدم لنا قول مستقصى في هذا النحو و في الحوائج و قضائها و استنجاحها.و قد جاء في الحديث المرفوع استعينوا على حاجاتكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود.و قال خالد بن صفوان لا تطلبوا الحوائج في غير حينها و لا تطلبوها إلى غير أهلها و لا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء.و كان يقال لكل شيء أس و أس الحاجة تعجيل أروح من التأخير.و قال رجل لمحمد بن الحنفية جئتك في حويجة قال فاطلب لها رجيلا.و قال شبيب بن شبة بن عقال أمران لا يجتمعان إلا وجب النجح و هما العاقل لا يسأل إلا ما يجوز و العاقل لا يرد سائله عما يمكن.و كان يقال من استعظم حاجة أخيه إليه بعد قضائها امتنانا بها فقد استصغر نفسه.
و قال أبو تمام في المطل:
و كان المطل في بدء و عود |
دخانا للصنيعة و هي نار |
|
نسيب البخل مذ كانا و إلا |
يكن نسب فبينهما جوار |
|
لذلك قيل بعض المنع أدنى |
إلى جود و بعض الجود عار |
98
وَ قَالَ ع يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُقَرَّبُ فِيهِ إِلاَّ اَلْمَاحِلُ وَ لاَ يُظَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ اَلْفَاجِرُ وَ لاَ يُضَعَّفُ فِيهِ إِلاَّ اَلْمُنْصِفُ يَعُدُّونَ اَلصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً وَ صِلَةَ اَلرَّحِمِ مَنّاً وَ اَلْعِبَادَةَ اِسْتِطَالَةً عَلَى اَلنَّاسِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اَلسُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ اَلْإِمَاءِ اَلنِّسَاءِ وَ إِمَارَةِ اَلصِّبْيَانِ وَ تَدْبِيرِ اَلْخِصْيَانِ المحل المكر و الكيد يقال محل به إذا سعى به إلى السلطان فهو ماحل و محول و المماحلة المماكرة و المكايدة.قوله و لا يظرف فيه إلا الفاجر لا يعد الناس الإنسان ظريفا إلا إذا كان خليعا ماجنا متظاهرا بالفسق.و قوله و لا يضعف فيه إلا المنصف أي إذا رأوا إنسانا عنده ورع و إنصاف في معاملته الناس عدوه ضعيفا و نسبوه إلى الركة و الرخاوة و ليس الشهم عندهم إلا الظالم.ثم قال يعدون الصدقة غرما أي خسارة و يمنون إذا وصلوا الرحم
و إذا كانوا ذوي عبادة استطالوا بها على الناس و تبجحوا بها و أعجبتهم أنفسهم و احتقروا غيرهم.قال فعند ذلك يكون السلطان و الحكم بين الرعايا بمشورة الإماء إلى آخر الفصل و هو من باب الإخبار عن الغيوب و هي إحدى آياته و المعجزات المختص بها دون الصحابة
99
وَ قَالَ ع : وَ قَدْ رُئِيَ عَلَيْهِ إِزَارٌ خَلَقٌ مَرْقُوعٌ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ يَخْشَعُ لَهُ اَلْقَلْبُ وَ تَذِلُّ بِهِ اَلنَّفْسُ وَ يَقْتَدِي بِهِ اَلْمُؤْمِنُونَ إِنَّ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَ سَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ اَلدُّنْيَا وَ تَوَلاَّهَا أَبْغَضَ اَلآْخِرَةَ وَ عَادَاهَا وَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ اَلآْخَرِ وَ هُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ قد تقدم القول في هذا الباب و ذكرنا أن الحكماء و العارفين فيه على قسمين منهم من آثر لبس الأدنى على الأعلى و منهم من عكس الحال و كان عمر بن الخطاب من أصحاب المذهب الأول و كذلك أمير المؤمنين و هو شعار عيسى ابن مريم ع كان يلبس الصوف و غليظ الثياب و كان رسول الله ص يلبس النوعين جميعا و أكثر لبسه كان الجيد من الثياب مثل أبراد اليمن و ما شاكل ذلك و كانت ملحفته مورسة حتى أنها لتردع على جلده كما جاء في الحديث.و رئي محمد بن الحنفية ع واقفا بعرفات على برذون أصفر و عليه مطرف خز أصفر و جاء فرقد السبخي إلى الحسن و على الحسن مطرف خز فجعل ينظر إليه و على فرقد ثياب صوف فقال الحسن ما بالك تنظر إلي و علي ثياب أهل الجنة
و عليك ثياب أهل النار إن أحدكم ليجعل الزهد في ثيابه و الكبر في صدره فلهو أشد عجبا بصوفه من صاحب المطرف.و قال ابن السماك لأصحاب الصوف إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم فلقد أحببتم أن يطلع الناس عليها و لئن كان مخالفا لها لقد هلكتم.و كان عمر بن عبد العزيز على قاعدة عمر بن الخطاب في ملبوسه و كان قبل الخلافة يلبس الثياب المثمنة جدا كان يقول لقد خفت أن يعجز ما قسم الله لي من الرزق عما أريده من الكسوة و ما لبست ثوبا جديدا قط إلا و خيل لي حين يراه الناس أنه سمل أو بال فلما ولي الخلافة ترك ذلك كله.و روى سعيد بن سويد قال صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ثم جلس و عليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه و من خلفه فقال له رجل إن الله أعطاك يا أمير المؤمنين فلو لبست فنكس مليا ثم رفع رأسه فقال إن أفضل القصد ما كان عند الجدة و أفضل العفو ما كان عند المقدرة.و روى عاصم بن معدلة كنت أرى عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة فأعجب من حسن لونه و جودة ثيابه و بزته ثم دخلت عليه بعد أن ولي و إذا هو قد احترق و اسود و لصق جلده بعظمه حتى ليس بين الجلد و العظم لحم و إذا عليه قلنسوة بيضاء قد اجتمع قطنها و يعلم أنها قد غسلت و عليه سحق أنبجانية قد خرج سداها و هو على شاذكونة قد لصقت بالأرض تحت الشاذكونة عباءة قطوانية من مشاقة الصوف و عنده رجل يتكلم فرفع صوته فقال له عمر اخفض قليلا من صوتك فإنما يكفي الرجل من الكلام قدر ما يسمع صاحبه.و روى عبيد بن يعقوب أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس الفرو الغليظ من الثياب و كان سراجه على ثلاث قصبات فوقهن طين
100
إِنَّ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَ سَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ اَلدُّنْيَا وَ تَوَلاَّهَا أَبْغَضَ اَلآْخِرَةَ وَ عَادَاهَا وَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ اَلآْخَرِ وَ هُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ هذا الفصل بين في نفسه لا يحتاج إلى شرح و ذلك لأن عمل كل واحد من الدارين مضاد لعمل الأخرى فعمل هذه الاكتساب و الاضطراب في الرزق و الاهتمام بأمر المعاش و الولد و الزوجة و ما ناسب ذلك و عمل هذه قطع العلائق و رفض الشهوات و الانتصاب للعبادة و صرف الوجه عن كل ما يصد عن ذكر الله تعالى و معلوم أن هذين العملين متضادان فلا جرم كانت الدنيا و الآخرة ضرتين لا يجتمعان
101
وَ عَنْ نَوْفٍ اَلْبَكَّائِيِّ وَ قِيلَ اَلْبَكَالِيِّ بِاللاَّمِ وَ هُوَ اَلْأَصَحُّ اَلْبَكَالِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ع ذَاتَ لَيْلَةٍ وَ قَدْ خَرَجَ مِنْ فِرَاشِهِ فَنَظَرَ إِلَى فِي اَلنُّجُومِ فَقَالَ يَا نَوْفُ أَ رَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ قُلْتُ فَقُلْتُ بَلْ رَامِقٌ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ قَالَ يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي اَلدُّنْيَا اَلرَّاغِبِينَ فِي اَلآْخِرَةِ أُولَئِكَ قَوْمٌ اِتَّخَذُوا اَلْأَرْضَ بِسَاطاً وَ تُرَابَهَا فِرَاشاً وَ مَاءَهَا طِيباً وَ اَلْقُرْآنَ شِعَاراً وَ اَلدُّعَاءَ دِثَاراً ثُمَّ قَرَضُوا اَلدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ اَلْمَسِيحِ يَا نَوْفُ إِنَّ دَاوُدَ ع قَامَ فِي مِثْلِ هَذِهِ اَلسَّاعَةِ مِنَ اَللَّيْلِ فَقَالَ إِنَّهَا لَسَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اُسْتُجِيبَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ وَ هِيَ اَلطُّنْبُورُ أَوْ صَاحِبَ كُوبَةٍ وَ هِيَ اَلطَّبْلُ وَ قَدْ قِيلَ أَيْضاً إِنَّ اَلْعَرْطَبَةَ اَلطَّبْلُ وَ اَلْكُوبَةَ اَلطُّنْبُورُ قال صاحب الصحاح نوف البكالي كان صاحب علي ع.و قال ثعلب هو منسوب إلى قبيلة تدعى بكالة و لم يذكر من أي العرب هي و الظاهر أنها من اليمن و أما بكيل فحي من همدان و إليهم أشار الكميت بقوله
فقد شركت فيه بكيل و أرحب
فأما البكالي في نسب نوف فلا أعرفه.قوله أم رامق أي أم مستيقظ ترمق السماء و النجوم ببصرك.قوله قرضوا الدنيا أي تركوها و خلفوها وراء ظهورهم قال تعالى( وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ اَلشِّمالِ ) أي تتركهم و تخلفهم شمالا و يقول الرجل لصاحبه هل مررت بمكان كذا يقول نعم قرضته ليلا ذات اليمين و أنشد لذي الرمة:
إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف |
شمالا و عن أيمانهن الفوارس |
قالوا مشرف و الفوارس موضعان يقول نظرت إلى ظعن يجزن بين هذين الموضعين
102
وَ قَالَ ع إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَ حَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَ نَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَ سَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَ لَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلاَ تَتَكَلَّفُوهَا قال الله تعالى( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) و جاء في الأثر أبهموا ما أبهم الله.و قال بعض الصالحين لبعض الفقهاء لم تفرض مسائل لم تقع و أتعبت فيها فكرك حسبك بالمتداول بين الناس.قالوا هذا مثل قولهم في باب المسح على الخفين فإن مسح على خف من زجاج و نحو ذلك من النوادر الغريبة.و قال شريك في أبي حنيفة أجهل الناس بما كان و أعلمهم بما لم يكن.و قال عمر لا تتنازعوا فيما لم يكن فتختلفوا فإن الأمر إذا كان أعان الله عليه.و انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل إما بارتكاب ما نهى عنه أو بالإخلال بما أمر به
103
وَ قَالَ ع لاَ يَتْرُكُ اَلنَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاِسْتِصْلاَحِ دُنْيَاهُمْ إِلاَّ فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ مثال ذلك إنسان يضيع وقت صلاة الفريضة عليه و هو مشتغل بمحاسبة وكيله و مخافته على ماله خوفا أن يكون خانه في شيء منه فهو يحرص على مناقشته عليه فتفوته الصلاة.قال ع من فعل مثل هذا فتح الله عليه في أمر دنياه و ماله ما هو أضر عليه مما رام أن يستدركه بإهماله الفريضة
104
وَ قَالَ ع رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَ عِلْمُهُ مَعَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ قد وقع مثل هذا كثيرا كما جرى لعبد الله بن المقفع و فضله مشهور و حكمته أشهر من أن تذكر و لو لم يكن له إلا كتاب اليتيمة لكفى
و اجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد و سمع كل منهما كلام الآخر فسئل الخليل عنه فقال وجدت علمه أكثر من عقله و هكذا كان فإنه كان مع حكمته متهورا لا جرم تهوره قتله كتب كتاب أمان لعبد الله بن علي عم المنصور و يوجد فيه خطه فكان من جملته و متى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله أو أبطن غير ما أظهر أو تأول في شيء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالق و دوابه حبس و عبيده و إماؤه أحرار و المسلمون في حل من بيعته فاشتد ذلك على المنصور لما وقف عليه و سأل من الذي كتب له الأمان فقيل له عبد الله بن المقفع كاتب عميك عيسى و سليمان ابني علي بالبصرة فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة سفيان بن معاوية يأمره بقتله و قيل بل قال أ ما أحد يكفيني ابن المقفع فكتب أبو الخصيب بها إلى
سفيان بن معاوية المهلبي أمير البصرة يومئذ و كان سفيان واجدا على ابن المقفع لأنه كان يعبث به و يضحك منه دائما فغضب سفيان يوما من كلامه و افترى عليه فرد ابن المقفع عليه ردا فاحشا و قال له يا ابن المغتلمة و كان يمتنع و يعتصم بعيسى و سليمان ابني علي بن عبد الله بن العباس فحقدها سفيان عليه فلما كوتب في أمره بما كوتب اعتزم قتله فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع فأدخل ابن المقفع قبلهم و عدل به إلى حجرة في دهليزه و جلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية و عنده غلمانه و تنور نار يسجر فقال له سفيان أ تذكر يوم قلت لي كذا أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتله لم يقتل بها أحد ثم قطع أعضاءه عضوا عضوا و ألقاها في النار و هو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ثم أطبق التنور عليه و خرج إلى الناس فكلمهم فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى و أخبر عيسى بن علي و أخاه سليمان بحاله فخاصما سفيان بن معاوية في أمره فجحد دخوله إليه فأشخصاه إلى المنصور و قامت البينة العادلة أن ابن المقفع دخل دار سفيان حيا سليما و لم يخرج منها فقال المنصور أنا أنظر في هذا الأمر إن شاء الله غدا فجاء سفيان ليلا إلى المنصور فقال يا أمير المؤمنين اتق الله في صنيعتك و متبع أمرك قال لا ترع و أحضرهم في غد و قامت الشهادة و طلب سليمان و عيسى القصاص فقال المنصور أ رأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفع ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب و أومأ إلى باب خلفه من ينصب لي نفسه حتى أقتله بسفيان فسكتوا و اندفع الأمر و أضرب عيسى و سليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها و ذهب دمه هدرا.قيل للأصمعي أيما كان أعظم ذكاء و فطنة الخليل أم ابن المقفع فقال كان ابن المقفع أفصح و أحكم و الخليل آدب و أعقل ثم قال شتان ما بين فطنة أفضت بصاحبها إلى القتل و فطنة أفضت بصاحبها إلى النسك و الزهد في الدنيا و كان الخليل قد نسك قبل أن يموت
105
وَ قَالَ ع لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ هَذَا اَلْإِنْسَانِ بَضْعَةٌ هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ وَ هُوَ ذَلِكَ اَلْقَلْبُ وَ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ مَوَادَّ مِنَ اَلْحِكْمَةِ وَ أَضْدَاداً مِنْ خِلاَفِهَا فَإِنْ سَنَحَ لَهُ اَلرَّجَاءُ أَذَلَّهُ اَلطَّمَعُ وَ إِنْ هَاجَ بِهِ اَلطَّمَعُ أَهْلَكَهُ اَلْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ اَلْيَأْسُ قَتَلَهُ اَلْأَسَفُ وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ اَلْغَضَبُ اِشْتَدَّ بِهِ اَلْغَيْظُ وَ إِنْ أَسْعَدَهُ اَلرِّضَا اَلرِّضَى نَسِيَ اَلتَّحَفُّظَ وَ إِنْ غَالَهُ اَلْخَوْفُ شَغَلَهُ اَلْحَذَرُ وَ إِنِ اِتَّسَعَ لَهُ اَلْأَمْرُ اِسْتَلَبَتْهُ اَلْغِرَّةُ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ اَلْجَزَعُ وَ إِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ اَلْغِنَى إِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ اَلْغِنَى وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ اَلْجَزَعُ وَ إِنْ عَضَّتْهُ اَلْفَاقَةُ شَغَلَهُ اَلْبَلاَءُ وَ إِنْ جَهَدَهُ اَلْجُوعُ قَعَدَتْ بِهِ اَلضَّعَةُ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ وَ إِنْ أَفْرَطَ بِهِ اَلشِّبَعُ كَظَّتْهُ اَلْبِطْنَةُ فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ روي قعد به الضعف و النياط عرق علق به القلب من الوتين فإذا قطع مات صاحبه و يقال له النيط أيضا و البضعة بفتح الباء القطعة من اللحم و المراد بها هاهنا القلب و قال يعتور القلب حالات مختلفات متضادات فبعضها من الحكمة و بعضها و هو المضاد لها مناف للحكمة و لم يذكرها ع و ليست الأمور التي عددها شرحا لما قدمه من هذا الكلام المجمل و إن ظن قوم أنه أراد ذلك أ لا ترى أن الأمور التي عددها ليس فيها شيء من باب الحكمة و خلافها.
فإن قلت فما مثال الحكمة و خلافها و إن لم يذكر ع مثاله.قلت كالشجاعة في القلب و ضدها الجبن و كالجود و ضده البخل و كالعفة و ضدها الفجور و نحو ذلك.فأما الأمور التي عددها ع فكلام مستأنف إنما هو بيان أن كل شيء مما يتعلق بالقلب يلزمه لازم آخر نحو الرجاء فإن الإنسان إذا اشتد رجاؤه أذله الطمع و الطمع يتبع الرجاء و الفرق بين الطمع و الرجاء أن الرجاء توقع منفعة ممن سبيله أن تصدر تلك المنفعة عنه و الطمع توقع منفعة ممن يستبعد وقوع تلك المنفعة منه ثم قال و إن هاج به الطمع قتله الحرص و ذلك لأن الحرص يتبع الطمع إذا لم يعلم الطامع أنه طامع و إنما يظن أنه راج.ثم قال و إن ملكه اليأس قتله الأسف أكثر الناس إذا يئسوا أسفوا.ثم عدد الأخلاق و غيرها من الأمور الواردة في الفصل إلى آخره ثم ختمه بأن قال فكل تقصير به مضر و كل إفراط له مفسد و قد سبق كلامنا في العدالة و أنها الدرجة الوسطى بين طرفين هما رذيلتان و العدالة هي الفضيلة كالجود الذي يكتنفه التبذير و الإمساك و الذكاء الذي يكتنفه الغباوة و الجربزة و الشجاعة التي يكتنفها الهوج و الجبن و شرحنا ما قاله الحكماء في ذلك شرحا كافيا فلا معنى لإعادته
106
وَ قَالَ ع نَحْنُ اَلنُّمْرُقَةُ اَلْوُسْطَى اَلَّتِي يَلْحَقُ بِهَا اَلتَّالِي بِهَا يَلْحَقُ اَلتَّالِي وَ إِلَيْهَا يَرْجِعُ اَلْغَالِي النمرق و النمرقة بالضم فيهما وسادة صغيرة و يجوز النمرقة بالكسر فيهما و يقال للطنفسة فوق الرحل نمرقة و المعنى أن كل فضيلة فإنها مجنحة بطرفين معدودين من الرذائل كما أوضحناه آنفا و المراد أن آل محمد ع هم الأمر المتوسط بين الطرفين المذمومين فكل من جاوزهم فالواجب أن يرجع إليهم و كل من قصر عنهم فالواجب أن يلحق بهم.فإن قلت فلم استعار لفظ النمرقة لهذا المعنى قلت لما كانوا يقولون قد ركب فلان من الأمر منكرا و قد ارتكب الرأي الفلاني و كانت الطنفسة فوق الرحل مما يركب استعار لفظ النمرقة لما يراه الإنسان مذهبا يرجع إليه و يكون كالراكب له و الجالس عليه و المتورك فوقه.و يجوز أيضا أن تكون لفظة الوسطى يراد بها الفضلى يقال هذه هي الطريقة الوسطى و الخليقة الوسطى أي الفضلى و منه قوله تعالى( قالَ أَوْسَطُهُمْ ) أي أفضلهم و منه( جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )
107
وَ قَالَ ع لاَ يُقِيمُ أَمْرَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلاَّ مَنْ لاَ يُصَانِعُ وَ لاَ يُضَارِعُ وَ لاَ يَتَّبِعُ اَلْمَطَامِعَ قد سبق من كلام عمر شيء يناسب هذا إن لم يكن هو بعينه و المصانعة بذل الرشوة و في المثل من صانع بالمال لم يحتشم من طلب الحاجة.فإن قلت كان ينبغي أن يقول من لا يصانع بالفتح قلت المفاعلة تدل على كون الفعل بين الاثنين كالمضاربة و المقاتلة.و يضارع يتعرض لطلب الحاجة و يجوز أن يكون من الضراعة و هي الخضوع أي يخضع لزيد ليخضع زيد له و يجوز أن يكون من المضارعة بمعنى المشابهة أي لا يتشبه بأئمة الحق أو ولاة الحق و ليس منهم.و أما اتباع المطامع فمعروف
108
وَ قَالَ ع : وَ قَدْ تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ اَلْأَنْصَارِيُّ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ صِفِّينَ مَعَهُ مَعَهُ مِنْ صِفِّينَ وَ كَانَ مِنْ أَحَبِّ أَحَبَّ اَلنَّاسِ إِلَيْهِ لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ قال الرضيرحمهالله تعالى و معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه و لا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار المصطفين الأخيار : و هذا مثل قوله ع : من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا و قد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره قد ثبت
أن النبي ص قال له لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق.و قد ثبت أن النبي ص قال إن البلوى أسرع إلى المؤمن من الماء إلى الحدور و في حديث آخر المؤمن ملقى و الكافي موقى و في حديث آخر خيركم عند الله أعظمكم مصائب في نفسه و ماله و ولده.و هاتان المقدمتان يلزمهما نتيجة صادقة و هي أنه ع لو أحبه جبل لتهافت و لعل هذا هو مراد الرضي بقوله و قد يئول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره
109
وَ قَالَ ع لاَ مَالَ أَعْوَدُ مِنَ اَلْعَقْلِ وَ لاَ وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ اَلْعُجْبِ وَ لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَ لاَ كَرَمَ كَالتَّقْوَى وَ لاَ قَرِينَ كَحُسْنِ اَلْخُلْقِ وَ لاَ مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ وَ لاَ قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ وَ لاَ تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ وَ لاَ زَرْعَ رِبْحَ كَالثَّوَابِ وَ لاَ وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ اَلشُّبْهَةِ وَ لاَ زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي اَلْحَرَامِ وَ لاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ وَ لاَ عِبَادَةَ كَأَدَاءِ اَلْفَرَائِضِ وَ لاَ إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَ اَلصَّبْرِ وَ لاَ حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ وَ لاَ شَرَفَ كَالْعِلْمِ وَ لاَ عِزَّ كَالْحِلْمِ وَ لاَ مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ اَلْمُشَاوَرَةِ قد تقدم الكلام في جميع هذه الحكم.أما المال فإن العقل أعود منه لأن الأحمق ذا المال طالما ذهب ماله بحمقه فعاد أحمق فقيرا و العاقل الذي لا مال له طالما اكتسب المال بعقله و بقي عقله عليه.و أما العجب فيوجب المقت و من مقت أفرد عن المخالطة و استوحش منه و لا ريب أن التدبير هو أفضل العقل لأن العيش كله في التدبير.و أما التقوى فقد قال الله( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقاكُمْ ) .
و أما الأدب فقالت الحكماء ما ورثت الآباء أبناءها كالأدب.و أما التوفيق فمن لم يكن قائده ضل.و أما العمل الصالح فإنه أشرف التجارات فقد قال الله تعالى( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) .ثم عد الأعمال الصالحة.و أما الثواب فهو الربح الحقيقي و أما ربح الدنيا فشبيه بحلم النائم.و أما الوقوف عند الشبهات فهو حقيقة الورع و لا ريب أن من يزهد في الحرام أفضل ممن يزهد في المباحات كالمآكل اللذيذة و الملابس الناعمة و قد وصف الله تعالى أرباب التفكر فقال( وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ ) و قال( أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا ) و لا ريب أن العبادة بأداء الفرائض فوق العبادة بالنوافل و الحياء مخ الإيمان و كذلك الصبر و التواضع مصيدة الشرف و ذلك هو الحسب و أشرف الأشياء العلم لأنه خاصة الإنسان و به يقع الفضل بينه و بين سائر الحيوان.و المشورة من الحزم فإن عقل غيرك تستضيفه إلى عقلك و من كلام بعض الحكماء إذا استشارك عدوك في الأمر فامحضه النصيحة في الرأي فإنه إن عمل برأيك و انتفع ندم على إفراطه في مناواتك و أفضت عداوته إلى المودة و إن خالفك و استضر عرف قدر أمانتك بنصحه و بلغت مناك في مكروهه
110
وَ قَالَ ع إِذَا اِسْتَوْلَى اَلصَّلاَحُ عَلَى اَلزَّمَانِ وَ أَهْلِهِ ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ اَلظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ حَوْبَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ وَ إِذَا اِسْتَوْلَى اَلْفَسَادُ عَلَى اَلزَّمَانِ وَ أَهْلِهِ فَأَحْسَنَ رَجُلٌ اَلظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ يريد أن يتعين على العاقل سوء الظن حيث الزمان فاسد و لا ينبغي له سوء الظن حيث الزمان صالح و قد جاء في الخبر المرفوع النهي عن أن يظن المسلم بالمسلم ظن السوء و ذلك محمول على المسلم الذي لم تظهر منه حوبة كما أشار إليه علي ع و الحوبة المعصية و الخبر هو ما رواه جابر قال نظر رسول الله ص إلى الكعبة فقال مرحبا بك من بيت ما أعظمك و أعظم حرمتك و الله إن المؤمن أعظم حرمة منك عند الله عز و جل لأن الله حرم منك واحدة و من المؤمن ثلاثة دمه و ماله و أن يظن به ظن السوء و من كلام عمر ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيء ما يغلبك منه و لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك المسلم سوءا و أنت تجد لها في الخير محملا و من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن.شاعر:
أسأت إذ أحسنت ظني بكم |
و الحزم سوء الظن بالناس |
قيل لعالم من أسوأ الناس حالا قال من لا يثق بأحد لسوء ظنه و لا يثق به أحد لسوء فعله.شاعر:
و قد كان حسن الظن بعض مذاهبي |
فأدبني هذا الزمان و أهله |
قيل لصوفي ما صناعتك قال حسن الظن بالله و سوء الظن بالناس.و كان يقال ما أحسن حسن الظن إلا أن فيه العجز و ما أقبح سوء الظن إلا أن فيه الحزم.ابن المعتز:
تفقد مساقط لحظ المريب |
فإن العيون وجوه القلوب |
|
و طالع بوادره في الكلام |
فإنك تجني ثمار العيوب |
111
وَ قِيلَ لَهُ ع كَيْفَ تَجِدُكَ نَجِدُكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ وَ يَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ وَ يُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ هذا مثل قول عبدة بن الطبيب:
أرى بصري قد رابني بعد صحة |
و حسبك داء أن تصح و تسلما |
|
و لن يلبث العصران يوم و ليلة |
إذا طلبا أن يدركا من تيمما |
و قال آخر:
كانت قناتي لا تلين لغامز |
فألانها الإصباح و الإمساء |
|
و دعوت ربي بالسلامة جاهدا |
ليصحني فإذا السلامة داء |
112
وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ وَ مَا اِبْتَلَى اَللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ اَلْإِمْلاَءِ لَهُ قد تقدم القول في الاستدراج و الإملاء.فأما القول في فتنة الإنسان بحسن القول فيه فقد ذكرنا أيضا طرفا صالحا يتعلق بها.
و قال رسول الله ص لرجل مدح رجلا و قد مر بمجلس رسول الله ص فلم يسمع و لكن قال ويحك لكدت تضرب عنقه لو سمعها لما أفلح
113
وَ قَالَ ع هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ غَالٍ وَ مُبْغِضٌ قَالٍ قد تقدم القول في مثل هذا و قد قال رسول الله ص و الله لو لا أني أشفق أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بأحد من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة.و مع كونه ص لم يقل فيه ذلك المقال فقد غلت فيه غلاة كثيرة العدد منتشرة في الدنيا يعتقدون فيه ما يعتقد النصارى في ابن مريم و أشنع من ذلك الاعتقاد.فأما المبغض القالي فقد رأينا من يبغضه و لكن ما رأينا من يلعنه و يصرح بالبراءة منه و يقال إن في عمان و ما والاها من صحار و ما يجري مجراها قوما يعتقدون فيه ما كانت الخوارج تعتقده فيه و أنا أبرأ إلى الله منهما
114
وَ قَالَ ع إِضَاعَةُ اَلْفُرْصَةِ غُصَّةٌ.
في المثل انتهزوا الفرص فإنها تمر مر السحاب.
و قال الشاعر:
و إن أمكنت فرصة في العدو |
فلا يك همك إلا بها |
|
فإن تك لم تأت من بابها |
أتاك عدوك من بابها |
|
و إياك من ندم بعدها |
و تأميل أخرى و أنى بها...؟ |
115
وَ قَالَ ع مَثَلُ اَلدُّنْيَا كَمَثَلِ اَلْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَ اَلسَّمُّ اَلنَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا يَهْوِي إِلَيْهَا اَلْغِرُّ اَلْجَاهِلُ وَ يَحْذَرُهَا ذُو اَللُّبِّ اَلْعَاقِلُ قد تقدم القول في الدنيا مرارا و قد أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال إنما الدهر أرقم لين المس و في نابه السقام العقام
116
وَ قَالَ ع : وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ أَمَّا بَنُو مَخْزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ تُحِبُّ نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ وَ اَلنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ وَ أَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فَأَبْعَدُهَا رَأْياً وَ أَمْنَعُهَا لِمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا وَ أَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِمَا فِي أَيْدِينَا وَ أَسْمَحُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ بِنُفُوسِنَا وَ هُمْ أَكْثَرُ وَ أَمْكَرُ وَ أَنْكَرُ وَ نَحْنُ أَفْصَحُ وَ أَنْصَحُ وَ أَصْبَحُ
قد تقدم القول في مفاخرة هاشم و عبد شمس فأما بنو مخزوم فإنهم بعد هذين البيتين أفخر قريش و أعظمها شرفا.قال شيخنا أبو عثمان حظيت مخزوم بالأشعار فانتشر لهم صيت عظيم بها و اتفق لهم فيها ما لم يتفق لأحد و ذلك أنه يضرب بهم المثل في العز و المنعة و الجود و الشرف و أوضعوا في كل غاية فمن ذلك قول سيحان الجسري حليف بني أمية في كلمة له و حين يناغي الركب موت هشام فدل ذلك على أن ما تقوله مخزوم في التاريخ حق و ذلك أنهم قالوا كانت قريش و كنانة و من والاهم من الناس يؤرخون بثلاثة أشياء كانوا يقولون كان ذلك زمن
مبنى الكعبة و كان ذلك من مجيء الفيل و كان ذلك عام مات هشام بن المغيرة كما كانت العرب تؤرخ فتقول كان ذلك زمن الفطحل و كان ذلك زمن الحيان و كان ذلك زمن الحجارة و كان ذلك عام الحجاف و الرواة تجعل ضرب المثل من أعظم المفاخر و أظهر الدلائل و الشعر كما علمت كما يرفع يضع كما رفع من بني أنف الناقة قول الحطيئة:
قوم هم الأنف و الأذناب غيرهم |
و من يسوي بأنف الناقة الذنبا |
و كما وضع من بني نمير قول جرير:
فعض الطرف إنك من نمير |
فلا كعبا بلغت و لا كلابا |
فلقيت نمير من هذا البيت ما لقيت.و جعلهم الشاعر مثلا فيمن وضعه الهجاء و هو يهجو قوما من العرب:
و سوف يزيدكم ضعة هجائي |
كما وضع الهجاء بني نمير |
و نمير قبيل شريف و قد ثلم في شرفهم هذا البيت.و قال ابن غزالة الكندي و هو يمدح بني شيبان و لم يكن في موضع رغبة إلى بني مخزوم و لا في موضع رهبة:
كأني إذ حططت الرحل فيهم |
بمكة حين حل بها هشام |
فضرب بهشام المثل.و قال رجل من بني حزم أحد بني سلمى و هو يمدح حرب بن معاوية الخفاجي و خفاجة من بني عقيل:
إلى حزن الحزون سمت ركابي |
بوابل خلفها عسلان جيش |
فلما أن أنخت إلى ذراه |
أمنت فراشني منه بريش |
|
توسط بيته في آل كعب |
كبيت بني مغيرة في قريش |
فضرب المثل ببيتهم في قريش.و قال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن الحكم:
ما رست أكيس من بني قحطان |
صعب الذرا متمنع الأركان |
|
إني طمعت بفخر من لو رامه |
آل المغيرة أو بنو ذكوان |
|
لملأتها خيلا تضب لثاتها |
مثل الدبا و كواسر العقبان |
|
منهم هشام و الوليد و عدلهم |
و أبو أمية مفزع الركبان |
فضرب المثل بآل المغيرة.و أما بنو ذكوان فبنو بدر بن عمرو بن حوية بن ذكوان أحد بني عدي بن فزارة منهم حذيفة و حمل و رهطهما و قال مالك بن نويرة:
أ لم ينه عنا فخر بكر بن وائل |
هزيمتهم في كل يوم لزام |
|
فمنهن يوم الشر أو يوم منعج |
و بالجزع إذ قسمن حي عصام |
|
أحاديث شاعت في معد و غيرها |
و خبرها الركبان حي هشام |
فجعل قريشا كلها حيا لهشام.و قال عبد الله بن ثور الخفاجي:
و أصبح بطن مكة مقشعرا |
كأن الأرض ليس بها هشام |
و هذا مثل و فوق المثل.قالوا و قال الخروف الكلبي و قد مر به ناس من تجار قريش يريدون الشام بادين
قشفين ما لكم معاشر قريش هكذا أجدبتم أم مات هشام فجعل موت هشام بإزاء الجدب و المحل و في هذا المعنى قال مسافر بن أبي عمرو:
تقول لنا الركبان في كل منزل |
أ مات هشام أم أصابكم جدب |
فجعل موت هشام و فقد الغيث سواء.
و قال عبد الله بن سلمة بن قشير:
دعيني أصطبح يا بكر إني |
رأيت الموت نقب عن هشام |
و قال أبو الطمحان القيني أو أخوه:
و كانت قريش لا تخون حريمها |
من الخوف حتى ناهضت بهشام |
و قال أبو بكر بن شعوب لقومه كنانة:
يا قومنا لا تهلكوا إخفاتا |
إن هشام القرشي ماتا |
و قال خداش بن زهير:
و قد كنت هجاء لهم ثم كفكفوا |
نوافذ قولي بالهمام هشام |
و قال علي بن هرمة عم إبراهيم بن هرمة:
و من يرتئي مدحي فإن مدائحي |
نوافق عند الأكرمين سوام |
|
نوافق عند المشتري الحمد بالندى |
نفاق بنات الحارث بن هشام |
و قال الشاعر و هو يهجو رجلا:
أ حسبت أن أباك يوم نسبتني |
في المجد كان الحارث بن هشام |
|
أولى قريش بالمكارم كلها |
في الجاهلية كان و الإسلام |
و قال الأسود بن يعفر النهشلي:
إن الأكارم من قريش كلها |
شهدوا فراموا الأمر كل مرام |
|
حتى إذا كثر التجادل بينهم |
حزم الأمور الحارث بن هشام |
و قال ثابت قطنة أو كعب الأشقري لمحمد بن الأشعث بن قيس:
أ توعدني بالأشعثي و مالك |
و تفخر جهلا بالوسيط الطماطم |
|
كأنك بالبطحاء تذمر حارثا |
و خالد سيف الدين بين الملاحم |
و قال الخزاعي في كلمته التي يذكر فيها أبا أحيحة:
له سرة البطحاء و العد و الثرى |
و لا كهاشم الخير و القلب مردف |
و سأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدي عن قبائل قريش فقال إن قلنا غضبتم و إن سكتنا غضبتم فقال أقسمت عليك قال فيمن يقول شاعركم:
و عشرة كلهم سيد |
آباء سادات و أبناؤها |
|
إن يسألوا يعطوا و إن يعدموا |
يبيض من مكة بطحاؤها |
و قال عبد الرحمن بن سيحان الجسري حليف بني أمية و هو يهجو عبد الله بن مطيع من بني عدي:
حرام كنتي مني بسوء |
و أذكر صاحبي أبدا بذام |
|
لقد أصرمت ود بني مطيع |
حرام الدهر للرجل الحرام |
|
و إن خيف الزمان مددت حبلا |
متينا من حبال بني هاشم |
|
وريق عودهم أبدا رطيب |
إذا ما اهتز عيدان الكرام |
و قال أبو طالب بن عبد المطلب و هو يفخر بخاليه هشام و الوليد على أبي سفيان بن حرب:
و خالي هشام بن المغيرة ثاقب |
إذا هم يوما كالحسام المهند |
|
و خالي الوليد العدل عال مكانه |
و خال أبي سفيان عمرو بن مرثد |
و قال ابن الزبعرى فيهم:
لهم مشية ليست تليق بغيرهم |
إذا احدودب المثرون في السنة الجدب |
و قال شاعر من بني هوازن أحد بني أنف الناقة حين سقى إبله عبد الله بن أبي أمية المخزومي بعد أن منعه الزبرقان بن بدر:
أ تدري من منعت سيال حوض |
سليل خضارم منعوا البطاحا |
|
أ زاد الركب تمنع أم هشاما |
و ذا الرمحين أمنعهم سلاحا |
|
هم منعوا الأباطح دون فهر |
و من بالخيف و البلد الكفاحا |
|
بضرب دون بيضهم طلخف |
إذا الملهوف لاذ بهم و صاحا |
|
و ما تدري بأيهم تلاقي |
صدور المشرفية و الرماحا |
فقال عبد الله بن أبي أمية مجيبا له:
لعمري لأنت المرء يحسن باديا |
و تحسن عودا شيمة و تصنعا |
|
عرفت لقوم مجدهم و قديمهم |
و كنت لما أسديت أهلا و موضعا |
قالوا و كان الوليد بن المغيرة يجلس بذي المجاز فيحكم بين العرب أيام عكاظ و قد كان رجل من بني عامر بن لؤي رافق رجلا من بني عبد مناف بن قصي فجرى بينهما كلام في حبل فعلاه بالعصا حتى قتله فكاد دمه يطل فقام دونه أبو طالب
بن عبد المطلب و قدمه إلى الوليد فاستحلفه خمسين يمينا أنه ما قتله ففي ذلك يقول أبو طالب:
أ من أجل حبل ذي رمام علوته |
بمنسأة قد جاء حبل و أحبل |
|
هلم إلى حكم ابن صخرة إنه |
سيحكم فيما بيننا ثم يعدل |
و قال أبو طالب أيضا في كلمة له:
و حكمك يبقي الخير إن عز أمره |
تخمط و استعلى على الأضعف الفرد |
و قال أبو طالب أيضا يرثي أبا أمية زاد الركب و هو خاله:
كأن على رضراض قص و جندل |
من اليبس أو تحت الفراش المجامر |
|
على خير حاف من معد و ناعل |
إذا الخير يرجي أو إذا الشر حاسر |
|
ألا إن زاد الركب غير مدافع |
بسرو سحيم غيبته المقابر |
|
تنادوا بأن لا سيد اليوم فيهم |
و قد فجع الحيان كعب و عامر |
|
و كان إذا يأتي من الشام قافلا |
تقدمه قبل الدنو البشائر |
|
فيصبح آل الله بيضا ثيابهم |
و قدما حباهم و العيون كواسر |
|
أخو جفنة لا تبرح الدهر عندنا |
مجعجعة تدمي وشاء و باقر |
|
ضروب بنصل السيف سوق سمانها |
إذا أرسلوا يوما فإنك عاقر |
|
فيا لك من راع رميت بآلة |
شراعية تخضر منه الأظافر |
و قال أبو طالب أيضا يرثي خاله هشام بن المغيرة
فقدنا عميد الحي و الركن خاشع |
كفقد أبي عثمان و البيت و الحجر |
|
و كان هشام بن المغيرة عصمة |
إذا عرك الناس المخاوف و الفقر |
|
بأبياته كانت أرامل قومه |
تلوذ و أيتام العشيرة و السفر |
|
فودت قريش لو فدته بشطرها |
و قل لعمري لو فدوه له الشطر |
|
نقول لعمرو أنت منه و إننا |
لنرجوك في جل الملمات يا عمرو |
عمرو هذا هو أبو جهل بن هشام و أبو عثمان هو هشام.
و قالت ضباعة بنت عامر بن سلمة بن قرط ترثيه:
إن أبا عثمان لم أنسه |
و إن صبرا عن بكاه لحوب |
|
تفاقدوا من معشر ما لهم |
أي ذنوب صوبوا في القليب |
و قال حسان بن ثابت و هو يهجو أبا جهل و كان يكنى أبا الحكم:
الناس كنوه أبا حكم |
و الله كناه أبا جهل |
|
أبقت رئاسته لأسرته |
لؤم الفروع و دقة الأصل |
فاعترف له بالرئاسة و التقدم.و قال أبو عبيد معمر بن المثنى لما تنافر عامر بن الطفيل و علقمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة و توارى عنهما أرسل إليهما عليكما بالفتى الحديث السن الحديد الذهن فصارا إلى أبي جهل فقال له ابن الزبعرى:
فلا تحكم فداك أبي و خالي |
و كن كالمرء حاكم آل عمرو |
فأبى أن يحكم فرجعا إلى هرم.
و قال عبد الله بن ثور:
هريقا من دموعكما سجاما |
ضباع و حاربي نوحا قياما |
|
فمن للركب إذ جاءوا طروقا |
و غلقت البيوت فلا هشاما |
و قال أيضا في كلمة له:
و ما ولدت نساء بني نزار |
و لا رشحن أكرم من هشام |
|
هشام بن المغيرة خير فهر |
و أفضل من سقى صوب الغمام |
و قال عمارة بن أبي طرفة الهذلي سمعت ابن جريح يقول في كلام له هلك سيد البطحاء بالرعاف قلت و من سيد البطحاء قال هشام بن المغيرة.و قال النبي ص لو دخل أحد من مشركي قريش الجنة لدخلها هشام بن المغيرة كان أبذلهم للمعروف و أحملهم للكل و قال عمر بن الخطاب لا قليل في الله و لا كثير في غير الله و لو بالخلق الجزل و الفعال الدثر تنال المثوبة لنالها هشام بن المغيرة و لكن بتوحيد الله و الجهاد في سبيله.و قال خداش بن زهير في يوم شمطة و هو أحد أيام الفجار و هو عدو قريش و خصمها:
و بلغ أن بلغت بنا هشاما |
و ذا الرمحين بلغ و الوليدا |
|
أولئك إن يكن في الناس جود |
فإن لديهم حسبا و جودا |
|
هم خير المعاشر من قريش |
و أوراها إذا قدحوا زنودا |
و قال أيضا و ذكرهما في تلك الحروب:
يا شدة ما شددنا غير كاذبة |
على سخينة لو لا الليل و الحرم |
|
إذا ثقفنا هشاما بالوليد و لو |
أنا ثقفنا هشاما شالت الجذم |
و ذكرهم ابن الزبعرى في تلك الحروب فقال:
ألا لله قوم |
ولدت أخت بني سهم |
|
هشام و أبو عبد |
مناف مدره الخصم |
|
و ذو الرمحين أشباك |
من القوة و الحزم |
|
فهذان يذودان |
و ذا عن كثب يرمي |
|
و هم يوم عكاظ |
منعوا الناس من الهزم |
|
بجأواء طحون فخمة |
القونس كالنجم |
|
أسود تزدهى الأقران |
مناعون للهضم |
|
فإن أحلف و بيت الله |
لا أحلف على إثم |
|
و ما من إخوة بين |
دروب الشام و الردم |
|
بأزكى من بني ريطة |
أو أرزن من حلم |
ريطة هي أم ولد المغيرة و هي ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب و أبو عبد مناف هو أبو أمية بن المغيرة و يعرف بزاد الركب و اسمه حذيفة و إنما قيل له زاد الركب لأنه كان إذا خرج مسافرا لم يتزود معه أحد و كانت
عنده عاتكة بنت عبد المطلب بن هشام و أما ذو الرمحين فهو أبو ربيعة بن المغيرة و اسمه عمرو و كان المغيرة يكنى باسم ابنه الأكبر و هو هاشم و لم يعقب إلا من حنتمة ابنته و هي أم عمر بن الخطاب.و قال ابن الزبعرى يمدح أبا جهل:
رب نديم ماجد الأصل |
مهذب الأعراق و النجل |
|
منهم أبو عبد مناف و كم |
سربت بالضخم على العدل |
|
عمرو الندى ذاك و أشياعه |
ما شئت من قول و من فعل |
و قال الورد بن خلاس السهمي سهم بأهله يمدح الوليد:
إذا كنت في حيي جذيمة ثاويا |
فعند عظيم القريتين وليد |
|
فذاك وحيد الرأي مشترك الندى |
و عصمة ملهوف الجنان عميد |
و قال أيضا:
إن الوليدين و الأبناء ضاحية |
ربا تهامة في الميسور و العسر |
|
هم الغياث و بعض القوم قرقمة |
عز الذليل و غيظ الحاسد الوغر |
و قال:
و رهطك يا ابن الغيث أكرم محتد |
و امنع للجار اللهيف المهضم |
قالوا الغيث لقب المغيرة و جعل الوليد و أخاه هشاما ربي تهامة كما قال لبيد بن ربيعة في حذيفة بن بدر:
و أهلكن يوما رب كندة و ابنه |
و رب معد بين خبت و عرعر |
فجعله رب معد.
قالوا يدل على قدر مخزوم ما رأينا من تعظيم القرآن لشأنهم دون غيرهم من سائر قريش قال الله تعالى مخبرا عن العرب إنهم قالوا( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا اَلْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) فأحد الرجلين العظيمين بلا شك الوليد بن المغيرة و الآخر مختلف فيه أ هو عروة بن مسعود أم جد المختار بن أبي عبيد.و قال سبحانه في الوليد( ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً وَ بَنِينَ شُهُوداً ) الآيات.قالوا و في الوليد نزلت( أَمَّا مَنِ اِسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) .و في أبي جهل نزلت( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ ) .و فيه نزلت( فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ) .و في مخزوم( وَ ذَرْنِي وَ اَلْمُكَذِّبِينَ أُولِي اَلنَّعْمَةِ ) .و فيهم نزلت( ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ) .و زعم اليقطري أبو اليقظان و أبو الحسن أن الحجاج سأل أعشى همدان عن بيوتات قريش في الجاهلية فقال إني قد آليت ألا أنفر أحدا على أحد و لكن أقول و تسمعون قالوا فقل قال من أيهم المحبب في أهله المؤرخ بذكره محلي الكعبة و ضارب القبة و الملقب بالخير و صاحب الخير و المير قالوا من بني مخزوم قال فمن أيهم ضجيع بسباسة و المنحور عنه ألف ناقة و زاد الركب و مبيض البطحاء قالوا من بني مخزوم قال فمن أيهم كان المقنع في حكمه و المنفذ وصيته على تهكمه و عدل الجميع في الرفادة و أول من وضع أساس الكعبة قالوا من بني مخزوم قال فمن
أيهم صاحب الأريكة و مطعم الخزيرة قالوا من بني مخزوم قال فمن أيهم الإخوة العشرة الكرام البررة قالوا من بني مخزوم قال فهو ذاك فقال رجل من بني أمية أيها الأمير لو كان لهم مع قديمهم حديث إسلام فقال الحجاج أ و ما علمت بأن منهم رداد الردة و قاتل مسيلمة و آسر طليحة و المدرك بالطائلة مع الفتوح العظام و الأيادي الجسام فهذا آخر ما ذكره أبو عثمان.و يمكن أن يزاد عليه فيقال قالت مخزوم ما أنصفنا من اقتصر في ذكرنا على أن قال مخزوم ريحانة قريش تحب حديث رجالهم و النكاح في نسائهم و لنا في الجاهلية و الإسلام أثر عظيم و رجال كثيرة و رؤساء شهيرة فمنا المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم كان سيد قريش في الجاهلية و هو الذي منع فزارة من الحج لما عير خشين بن لأي الفزاري ثم الشمخي قوما من قريش إنهم يأخذون ما ينحره العرب من الإبل في الموسم فقال خشين لما منع من الحج:
يا رب هل عندك من عقيره |
أصلح مالي و أدع تنحيره |
|
فإن منا مانع المغيره |
و مانعا بعد منى بثيره |
و مانعا بيتك أن أزوره
منا بنو المغيرة العشرة أمهم ريطة و قد تقدم ذكر نسبها و أمها عاتكة بنت عبد العزى بن قصي و أمها الحظيا بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة أول امرأة من قريش ضربت قباب الأدم بذي المجاز و لها يقول الشاعر:
مضى بالصالحات بنو الحظيا |
و كان بسيفهم يغنى الفقير |
فمن هؤلاء أعني الحظيا الوليد بن المغيرة أمه صخرة بنت الحارث بن عبد الله
بن عبد شمس القشيري كان أبو طالب بن عبد المطلب يفتخر بأنه خاله و كفاك من رجل يفتخر أبو طالب بخئولته أ لا ترى إلى قول أبي طالب:
و خالي الوليد قد عرفتم مكانه |
و خالي أبو العاصي إياس بن معبد |
و منهم حفص بن المغيرة و كان شريفا و عثمان بن المغيرة و كان شريفا و منهم السيد المطاع هشام بن المغيرة و كان سيد قريش غير مدافع له يقول أبو بكر بن الأسود بن شعوب يرثيه:
ذريني أصطبح يا بكر إني |
رأيت الموت نقب عن هشام |
|
تخيره و لم يعدل سواه |
و نعم المرء بالبلد الحرام |
|
و كنت إذا ألاقيه كأني |
إلى حرم و في شهر حرام |
|
فود بنو المغيرة لو فدوه |
بألف مقاتل و بألف رام |
|
و ود بنو المغيرة لو فدوه |
بألف من رجال أو سوام |
|
فبكيه ضباع و لا تملي |
هشاما إنه غيث الأنام |
و يقول له الحارث بن أمية الضمري:
ألا هلك القناص و الحامل الثقلا |
و من لا يضن عن عشيرته فضلا |
|
و حرب أبا عثمان أطفأت نارها |
و لو لا هشام أوقدت حطبا جزلا |
|
و عان تريك يستكين لعلة |
فككت أبا عثمان عن يده الغلا |
|
ألا لست كالهلكى فتبكى بكاءهم |
و لكن أرى الهلاك في جنبه و غلا |
|
غداة غدت تبكي ضباعة غيثنا |
هشاما و قد أعلت بمهلكه ضحلا |
|
أ لم تريا أن الأمانة أصعدت |
مع النعش إذ ولى و كان لها أهلا |
و قال أيضا يبكيه و يرثيه:
و أصبح بطن مكة مقشعرا |
شديد المحل ليس به هشام |
|
يروح كأنه أشلاء سوط |
و فوق جفانه شحم ركام |
|
فللكبراء أكل كيف شاءوا |
و للولدان لقم و اغتنام |
|
فبكيه ضباع و لا تملي |
ثمال الناس إن قحط الغمام |
|
و إن بني المغيرة من قريش |
هم الرأس المقدم و السنام |
و ضباعة التي تذكرها الشعراء زوجة هشام و هي من بني قشير.قال الزبير بن بكار فلما قال الحارث ألا لست كالهلكى البيت عظم ذلك على بني عبد مناف فأغروا به حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي حليف بني عبد شمس و كانت قريش رضيت به و استعملته على سقائها ففر منه الحارث و قال:
أفر من الأباطح كل يوم |
مخافة أن ينكل بي حكيم |
فهدم حكيم داره فأعطاه بنو هشام داره التي بأجياد عوضا منها.و قال عبد الله بن ثور البكائي يرثيه:
هريقي من دموعهما سجاما |
ضباع و جاوبى نوحا قياما |
|
على خير البرية لن تراه |
و لن تلقى مواهبه العظاما |
|
جواد مثل سيل الغيث يوما |
إذا علجانه يعلو الإكاما |
|
إذا ما كان عام ذو عرام |
حسبت قدوره جبلا صياما |
فمن للركب إذا مسوا طروقا |
و غلقت البيوت فلا هشاما |
|
و أوحش بطن مكة بعد أنس |
و مجد كان فيها قد أقاما |
|
فلم أر مثله في أهل نجد |
و لا فيمن بغورك يا تهاما |
قال الزبير و كان فارس قريش في الجاهلية هشام بن المغيرة و أبو لبيد بن عبدة بن حجرة بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي و كان يقال لهشام فارس البطحاء فلما هلكا كان فارسي قريش بعدهما عمرو بن عبد العامري المقتول يوم الخندق و ضرار بن الخطاب المحاربي الفهري ثم هبيرة بن أبي وهب و عكرمة بن أبي جهل المخزوميان قالوا و كان عام مات هشام تاريخا كعام الفيل و عام الفجار و عام بنيان الكعبة و كان هشام رئيس بني مخزوم يوم الفجار.قالوا و منا أبو جهل بن هشام و اسمه عمرو و كنيته أبو الحكم و إنما كناه أبا جهل رسول الله ص كان سيدا أدخلته قريش دار الندوة فسودته و أجلسته فوق الجلة من شيوخ قريش و هو غلام لم يطر شاربه و هو أحد من ساد على الصبا و الحارث بن هشام أخو أبي جهل كان شريفا مذكورا و له يقول كعب بن الأشرف اليهودي الطائي:
نبئت أن الحارث بن هشام |
في الناس يبني المكرمات و يجمع |
|
ليزور يثرب بالجموع و إنما |
يبني على الحسب القديم الأروع |
و هو الذي هاجر من مكة إلى الشام بأهله و ماله في خلافة عمر بن الخطاب فتبعه أهل مكة يبكون فرق و بكى و قال إنا لو كنا نستبدل دارا بدار و جارا
بجار ما أردنا بكم بدلا و لكنها النقلة إلى الله عز و جل فلم يزل حابسا نفسه و من معه بالشام مجاهدا حتى مات.قال الزبير جاء الحارث بن هشام و سهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده و هو بينهما فجعل المهاجرون الأولون و الأنصار يأتون عمر فينحيهما و يقول هاهنا يا سهيل هاهنا يا حارث حتى صارا في آخر الناس فقال الحارث لسهيل أ لم تر ما صنع بناء عمر اليوم فقال سهيل أيها الرجل إنه لا لوم عليه ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا دعي القوم و دعينا فأسرعوا و أبطأنا فلما قاما من عند عمر أتياه في غد فقالا له قد رأينا ما صنعت بالأمس و علمنا أنا أتينا من أنفسنا فهل من شيء نستدرك به فقال لا أعلم إلا هذا الوجه و أشار لهما إلى ثغر الروم فخرجا إلى الشام فجاهدا بها حتى ماتا.قالوا و منا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة و كان شريفا سيدا و هو الذي قال لمعاوية لما قتل حجر بن عدي و أصحابه أين عزب منك حلم أبي سفيان أ لا حبستهم في السجون و عرضتهم للطاعون فقال حين غاب عني مثلك من قومي و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام هو الذي رغب فيه عثمان بن عفان و هو خليفة فزوجه ابنته.قالوا و منا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان سيدا جوادا و فقيها عالما و هو الذي قدم عليه بنو أسد بن خزيمة يسألونه في دماء كانت بينهم فاحتمل عنهم أربعمائة بعير دية أربعة من القتلى و لم يكن بيده مال فقال لابنه عبد الله بن أبي بكر اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن فاسأله المعونة فذهب عبد الله إلى عمه فذكر له ذلك فقال المغيرة لقد أكبر علينا أبوك فانصرف عنه عبد الله و أقام أياما
لا يذكر لأبيه شيئا و كان يقود أباه إلى المسجد و قد ذهب بصره فقال له أبوه يوما أ ذهبت إلى عمك قال نعم و سكت فعرف حين سكت أنه لن يجد عند عمه ما يحب فقال له يا بني أ لا تخبرني ما قال لك قال أ يفعل أبو هاشم و كانت كنية المغيرة فربما فعل و لكن اغد غدا إلى السوق فخذ لي عينة فغدا عبد الله فتعين عينة من السوق لأبيه و باعها فأقام أيام لا يبيع أحد في السوق طعاما و لا زيتا غير عبد الله بن أبي بكر من تلك العينة فلما فرغ أمره أبوه أن يدفعها إلى الأسديين فدفعها إليهم.و كان أبو بكر خصيصا بعبد الملك بن مروان و قال عبد الملك لابنه الوليد لما حضرته الوفاة إن لي بالمدينة صديقين فاحفظني فيهما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.و كان يقال ثلاثة أبيات من قريش توالت بالشرف خمسة خمسة و عدوا منها أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة.قالوا و منا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان أجود الناس بالمال و أطعمهم للطعام و كانت عينه أصيبت مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة الروم و كان المغيرة ينحر الجزور و يطعم الطعام حيث نزل و لا يرد أحدا فجاء قوم من الأعراب فجلسوا على طعامه فجعل أحدهم يحد النظر إليه فقال له المغيرة ما لك تحد النظر إلي قال إني ليريبني عينك و سماحك بالطعام قال و مم ارتبت قال أظنك الدجال لأنا روينا أنه أعور و أنه أطعم الناس للطعام فقال المغيرة ويحك إن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله و للمغيرة يقول الأقيشر الأسدي لما قدم الكوفة فنحر الجزر و بسط الأنطاع و أطعم الناس و صار صيته في العرب
أتاك البحر طم على قريش |
معيرتي فقد راع ابن بشر |
|
و راع الجدي جدي التيم لما |
رأى المعروف منه غير نزر |
|
و من أوتار عقبة قد شفاني |
و رهط الحاطبي و رهط صخر |
|
فلا يغررك حسن الزي منهم |
و لا سرح ببزيون و نمر |
فابن بشر عبد الله بن بشر بن مروان بن الحكم و جدي التيم حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله و أوتار عقبة يعني أولاد عقبة بن أبي معيط و الحاطبي لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي و رهط صخر بنو أبي سفيان بن حرب بن أمية و كل هؤلاء كانوا مشهورين بالكوفة فلما قدمها المغيرة أخمل ذكرهم و المغيرة هذا هو الذي بلغه أن سليم بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري أراد أن يبيع المنزل الذي نزل فيه رسول الله ص مقدمه المدينة على أبي أيوب بخمسمائة دينار فأرسل إليه ألف دينار و سأله أن يبيعه إياه فباعه فلما ملكه جعله صدقة في يومه.قال الزبير و كان يزيد بن المغيرة بن عبد الرحمن يطاف به بالكوفة على العجل و كان ينحر في كل يوم جزورا و في كل جمعة جزورين و رأى يوما إحدى جفناته مكللة بالسنام تكليلا حسنا فأعجبه فسأل فقال من كللها قيل اليسع ابنك فسر و أعطاه ستين دينارا.و مر إبراهيم بن هشام على بردة المغيرة و قد أشرقت على الجفنة فقال لعبد من عبيد المغيرة يا غلام على أي شيء نصبتم هذا الثريد على العمد قال لا و لكن على أعضاد الإبل فبلغ ذلك المغيرة فأعتق ذلك الغلام.و المغيرة هو الذي مر بحرة الأعراب فقاموا إليه فقالوا يا أبا هاشم قد فاض
معروفك على الناس فما بالنا أشقى الخلق بك قال إنه لا مال معي و لكن خذوا هذا الغلام فهو لكم فأخذوه فبكى الغلام فقال يا مولاي خدمتي و حرمتي فقال أ تبيعوني إياه قالوا نعم فاشتراه منهم بمال ثم أعتقه و قال له و الله لا أعرضك لمثلها أبدا اذهب فأنت حر فلما عاد إلى الكوفة حمل ذلك المال إليهم.و كان المغيرة يأمر بالسكر و الجوز فيدقان و يطعمهما أصحاب الصفة المساكين و يقول إنهم يشتهون كما يشتهي غيرهم و لا يمكنهم فخرج المغيرة في سفر و معه جماعة فوردوا غديرا ليس لهم ماء غيره و كان ملحا فأمر بقرب العسل فشقت في الغدير و خيضت بمائه فما شرب أحد منهم حتى راحوا إلا من قرب المغيرة.و ذكر الزبير أن ابنا لهشام بن عبد الملك كان يسوم المغيرة ماله بالمكان المسمى بديعا فلا يبيعه فغزا ابن هشام أرض الروم و معه المغيرة فأصابت الناس مجاعة في غزاتهم فجاء المغيرة إلى ابن هشام فقال إنك كنت تسومني مالي ببديع فآبى أن أبيعكه فاشتر الآن مني نصفه بعشرين ألف دينار فأطعم المغيرة بها الناس فلما رجع ابن هشام بالناس من غزوته تلك و قد بلغ هشاما الخبر قال لابنه قبح الله رأيك أنت أمير الجيش و ابن أمير المؤمنين يصيب الناس معك مجاعة فلا تطعمهم حتى يبيعك رجل سوقة ماله و يطعم به الناس ويحك أ خشيت أن تفتقر إن أطعمت الناس.قالوا و لنا عكرمة بن أبي جهل الذي قام له رسول الله ص قائما و هو بعد مشرك لم يسلم و لم يقم رسول الله ص لرجل داخل عليه من الناس شريف و لا مشرف إلا عكرمة و عكرمة هو الذي اجتهد في نصرة الإسلام بعد أن كان شديد العداوة و هو الذي سأله أبو بكر أن يقبل منه معونة على الجهاد فأبى
و قال لا آخذ على الجهاد أجرا و لا معونة و هو الشهيد يوم أجنادين و هو الذي قال رسول الله ص لا تسألني اليوم شيئا إلا أعطيتك فقال فإني أسألك أن تستغفر لي و لم يسأل غير ذلك و كل قريش غيره سألوا المال كسهيل بن عمرو و صفوان بن أمية و غيرهما.قالوا و لنا الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة كان شاعرا مجيدا مكثرا و كان أمير مكة استعمله عليها يزيد بن معاوية و من شعره:
من كان يسأل عنا أين منزلنا |
فالأقحوانة منا منزل قمن |
|
إذ نلبس العيش غضا لا يكدره |
قرب الوشاة و لا ينبو بنا الزمن |
و أخوه عكرمة بن خالد كان من وجوه قريش و روى الحديث و روى عنه.و من ولد خالد بن العاص بن هاشم بن المغيرة خالد بن إسماعيل بن عبد الرحمن كان جوادا متلافا و فيه قال الشاعر:
لعمرك إن المجد ما عاش خالد |
على العمر من ذي كبدة لمقيم |
|
و تندى البطاح البيض من جود خالد |
و يخصبن حتى نبتهن عميم |
قالوا و لنا الأوقص و هو محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن المغيرة كان قاضي مكة و كان فقيها.قالوا و من قدماء المسلمين عبد الله بن أمية بن المغيرة أخو أم سلمة زوج رسول الله
ص كان شديد الخلاف على المسلمين ثم خرج مهاجرا و شهد فتح مكة و حنين و قتل يوم الطائف شهيدا.و الوليد بن أمية غير رسول الله ص اسمه فسماه المهاجر و كان من صلحاء المسلمين.قالوا و منا زهير بن أبي أمية بن المغيرة و بجير بن أبي ربيعة بن المغيرة غير رسول الله ص اسمه فسماه عبد الله كانا من أشراف قريش و عباس بن أبي ربيعة كان شريفا قالوا و منا الحارث القباع و هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كان أمير البصرة و عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر المشهور ذي الغزل و التشبيب.قالوا و من ولد الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الفقيه المشهور و هو المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث كان فقيه المدينة بعد مالك بن أنس و عرض عليه الرشيد جائزة أربعة آلاف دينار فامتنع و لم يتقلد له القضاء.قالوا و من يعد ما تعده مخزوم و لها خالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله كان مباركا ميمون النقيبة شجاعا و كان إليه أعنة الخيل على عهد رسول الله ص و شهد معه فتح مكة و جرح يوم حنين فنفث رسول الله ص على جرحه فبرأ و هو الذي قتل مسيلمة و أسر طليحة و مهد خلافة أبي بكر و قال يوم موته لقد شهدت كذا و كذا زحفا و ما في جسدي موضع إصبع إلا و فيه طعنة أو ضربه و ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء و مر عمر بن الخطاب على دور بني مخزوم و النساء يندبن خالدا و قد وصل خبره إليهم
و كان مات بحمص فوقف و قال ما على النساء أن يندبن أبا سليمان و هل تقوم حرة عن مثله ثم أنشد:
أ تبكي ما وصلت به الندامى |
و لا تبكي فوارس كالجبال |
|
أولئك إن بكيت أشد فقدا |
من الأنعام و العكر الحلال |
|
تمنى بعدهم قوم مداهم |
فما بلغوا لغايات الكمال |
و كان عمرو مبغضا لخالد و منحرفا عنه و لم يمنعه ذلك من أن صدق فيه.قالوا و منا الوليد بن الوليد بن المغيرة كان رجل صدق من صلحاء المسلمين.و منا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و كان عظيم القدر في أهل الشام و خاف معاوية منه أن يثب على الخلافة بعدهم فسمه أمر طبيبا له يدعى ابن أثال فسقاه فقتله.و خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد قاتل ابن أثال بعمه عبد الرحمن و المخالف على بني أمية و المنقطع إلى بني هاشم و إسماعيل بن هشام بن الوليد كان أمير المدينة و إبراهيم و محمد ابنا هشام بن عبد الملك و أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد و كان من رجال قريش و من ولده هشام بن إسماعيل بن أيوب و سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد ولي شرطة المدينة.قالوا و من ولد حفص بن المغيرة عبد الله بن أبي عمر بن حفص بن المغيرة هو أول خلق الله حاج يزيد بن معاوية.قالوا و لنا الأزرق و هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة والي اليمن لابن الزبير و كان من أجود العرب و هو ممدوح أبي دهبل الجمحي.
قالوا و لنا شريك رسول الله ص و هو عبد الله بن السائب بن أبي السائب و اسم أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم كان شريك النبي ص في الجاهلية فجاءه يوم الفتح فقال له أ تعرفني قال أ لست شريكي قال بلى قال لقد كنت خير شريك لا تشاري و لا تماري.قالوا و منا الأرقم بن أبي الأرقم الذي استتر رسول الله في داره بمكة في أول الدعوة و اسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.و منا أبو سلمة بن عبد الأسد و اسمه عبد الله و هو زوج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة قبل رسول الله ص شهد أبو سلمة بدرا و كان من صلحاء المسلمين.قالوا لنا هبيرة بن أبي وهب كان من الفرسان المذكورين و ابنه جعدة بن هبيرة و هو ابن أخت علي بن أبي طالب ع أمه أم هانئ بنت أبي طالب و ابنه عبد الله بن جعدة بن هبيرة هو الذي فتح القهندر و كثيرا من خراسان فقال فيه الشاعر:
لو لا ابن جعدة لم تفتح قهندركم |
و لا خراسان حتى ينفخ الصور |
قالوا و لنا سعيد بن المسيب الفقيه المشهور و أما الجواد المشهور فهو الحكم بن المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم.و قد اختصرنا و اقتصرنا على من ذكرنا و تركنا كثيرا من رجال مخزوم خوف الإسهاب.و ينبغي أن يقال في الجواب إن أمير المؤمنين ع لم يقل هذا الكلام احتقارا لهم و لا استصغارا لشأنهم و لكن أمير المؤمنين ع كان أكثر همة يوم المفاخرة أن يفاخر بني عبد شمس لما بينه و بينهم فلما ذكر مخزوما بالعرض قال فيهم ما قال و لو كان يريد مفاخرتهم لما اقتصر لهم على ما ذكره عنهم على أن أكثر هؤلاء الرجال إسلاميون بعد عصر علي ع و علي ع إنما يذكر من قبله لا من يجيء بعده.
فإن قلت إذا كان قد قال في بني عبد شمس إنهم أمنع لما وراء ظهورهم ثم قال في بني هاشم إنهم أسمح عند الموت بنفوسهم فقد تناقض الوصفان.قلت لا مناقضة بينهما لأنه أراد كثرة بني عبد شمس فبالكثرة تمنع ما وراء ظهورها و كان بنو هاشم أقل عددا من بني عبد شمس إلا أن كل واحد منهم على انفراده أشجع و أسمح بنفسه عند الموت من كل واحد على انفراده من بني عبد شمس فقد بان أنه لا مناقضة بين القولين
117
وَ قَالَ ع شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَ تَبْقَى تَبِعَتُهُ وَ عَمَلٍ تَذْهَبُ مَئُونَتُهُ وَ يَبْقَى أَجْرُهُ أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
تفنى اللذاذة ممن نال بغيته |
من الحرام و يبقى الإثم و العار |
|
تبقي عواقب سوء في مغبتها |
لا خير في لذة من بعدها النار |
118
وَ قَالَ ع وَ قَدْ تَبِعَ جِنَازَةً فَسَمِعَ رَجُلاً يَضْحَكُ فَقَالَ كَأَنَّ اَلْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ وَ كَأَنَّ اَلْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي نَرَى مِنَ اَلْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ نَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَ وَاعِظَةٍ وَ رُمِينَا بِكُلِّ فَادِحٍ وَ جَائِحَةٍ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَ طَابَ كَسْبُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ أَنْفَقَ اَلْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ اَلْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ وَ عَزَلَ عَنِ اَلنَّاسِ شَرَّهُ وَ وَسِعَتْهُ اَلسُّنَّةُ وَ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى بِدْعَةٍ 123 طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وَ طَابَ كَسْبُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ أَنْفَقَ اَلْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ اَلْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ وَ عَزَلَ عَنِ اَلنَّاسِ شَرَّهُ وَ وَسِعَتْهُ اَلسُّنَّةُ وَ لَمْ يُنْسَبْ إلَى اَلْبِدْعَةِ قال الرضي أقول و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله ص و كذلك الذي قبله قال الرضيرحمهالله تعالى أقول و من الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله ص الأشهر الأكثر في الرواية أن هذا الكلام من كلام رسول الله ص و مثل قوله كأن الموت فيها على غيرنا كتب
قول الحسن ع ما رأيت حقا لا باطل فيه أشبه بباطل لا حق فيه من الموت و الألفاظ التي بعده واضحة ليس فيها ما يشرح و قد تقدم ذكر نظائرها
119
وَ قَالَ ع غَيْرَةُ اَلْمَرْأَةِ كُفْرٌ وَ غَيْرَةُ اَلرَّجُلِ إِيمَانٌ المرجع في هذا إلى العقل و التماسك فلما كان الرجل أعقل و أشد تماسكا كانت غيرته في موضعها و كانت واجبة عليه لأن النهي عن المنكر واجب و فعل الواجبات من الإيمان و أما المرأة فلما كانت انقص عقلا و أقل صبرا كانت غيرتها على الوهم الباطل و الخيال غير المحقق فكانت قبيحة لوقوعها غير موقعها و سماها ع كفرا لمشاركتها الكفر في القبح فأجرى عليها اسمه.و أيضا فإن المرأة قد تؤدي بها الغيرة إلى ما يكون كفرا على الحقيقة كالسحر فقد ورد في الحديث المرفوع أنه كفر و قد يفضي بها الضجر و القلق إلى أن تتسخط و تشتم و تتلفظ بألفاظ تكون كفرا لا محالة
120
وَ قَالَ ع لَأَنْسُبَنَّ اَلْإِسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي اَلْإِسْلاَمُ هُوَ اَلتَّسْلِيمُ وَ اَلتَّسْلِيمُ هُوَ اَلْيَقِينُ وَ اَلْيَقِينُ هُوَ اَلتَّصْدِيقُ وَ اَلتَّصْدِيقُ هُوَ اَلْإِقْرَارُ وَ اَلْإِقْرَارُ هُوَ اَلْأَدَاءُ وَ اَلْأَدَاءُ هُوَ اَلْعَمَلُ خلاصة هذا الفصل تقتضي صحة مذهب أصحابنا المعتزلة في أن الإسلام و الإيمان عبارتان عن معبر واحد و أن العمل داخل في مفهوم هذه اللفظة أ لا تراه جعل كل واحدة من اللفظات قائمة مقام الأخرى في إفادة المفهوم كما تقول الليث هو الأسد و الأسد هو السبع و السبع هو أبو الحارث فلا شبهة أن الليث يكون أبا الحارث أي أن الأسماء مترادفة فإذا كان أول اللفظات الإسلام و آخرها العمل دل على أن العمل هو الإسلام و هكذا يقول أصحابنا إن تارك العمل و تارك الواجب لا يسمى مسلما.فإن قلت هب أن كلامه ع يدل على ما قلت كيف يدل على أن الإسلام هو الإيمان قلت لأنه إذا دل على أن العمل هو الإسلام وجب أن يكون الإيمان هو الإسلام لأن كل من قال إن العمل داخل في مسمى الإسلام قال إن الإسلام هو الإيمان
فالقول بأن العمل داخل في مسمى الإسلام و ليس الإسلام هو الإيمان قول لم يقل به أحد فيكون الإجماع واقعا على بطلانه.فإن قلت إن أمير المؤمنين ع لم يقل كما تقوله المعتزلة لأن المعتزلة تقول الإسلام اسم واقع على العمل و غيره من الاعتقاد و النطق باللسان و أمير المؤمنين ع جعل الإسلام هو العمل فقط فكيف ادعيت أن قول أمير المؤمنين ع يطابق مذهبهم قلت لا يجوز أن يريد غيره لأن لفظ العمل يشمل الاعتقاد و النطق باللسان و حركات الأركان بالعبادات إذ كل ذلك عمل و فعل و إن كان بعضه من أفعال القلوب و بعضه من أفعال الجوارح و لو لم يرد أمير المؤمنين ع ما شرحناه لكان قد قال الإسلام هو العمل بالأركان خاصة و لم يعتبر فيه الاعتقاد القلبي و لا النطق اللفظي و ذلك مما لا يقوله أحد
121
وَ قَالَ ع عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ اَلْفَقْرَ اَلَّذِي مِنْهُ هَرَبَ وَ يَفُوتُهُ اَلْغِنَى اَلَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ فَيَعِيشُ فِي اَلدُّنْيَا عَيْشَ اَلْفُقَرَاءِ وَ يُحَاسَبُ فِي اَلآْخِرَةِ حِسَابَ اَلْأَغْنِيَاءِ وَ عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ اَلَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً وَ يَكُونُ غَداً جِيفَةً وَ عَجِبْتُ لِمَنْ شَكَّ فِي اَللَّهِ وَ هُوَ يَرَى خَلْقَ اَللَّهِ وَ عَجِبْتُ لِمَنْ نَسِيَ اَلْمَوْتَ وَ هُوَ يَرَى مَنْ يَمُوتُ اَلْمَوْتَى وَ عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرَى وَ هُوَ يَرَى اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولَى وَ عَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ اَلْفَنَاءِ وَ تَارِكٍ دَارَ اَلْبَقَاءِ قال أعرابي الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على قبر و رأى حكيم رجلا مثريا يأكل خبزا و ملحا فقال لم تفعل هذا قال أخاف الفقر قال فقد تعجلته فأما القول في الكبر و التيه فقد تقدم منه ما فيه كفاية و قال ابن الأعرابي ما تاه على أحد قط أكثر من مرة واحدة أخذ هذا المعنى شاعر فقال و أحسن:
هذه منك فإن عدت |
إلى الباب فمني |
و قد تقدم من كلامنا في نظائر هذه الألفاظ المذكورة ما يغني عن الإطالة هاهنا
122
وَ قَالَ ع مَنْ قَصَّرَ فِي اَلْعَمَلِ اُبْتُلِيَ بِالْهَمِّ لاَ حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي مَالِهِ وَ نَفْسِهِ نَصِيبٌ هذا مخصوص بأصحاب اليقين و الاعتقاد الصحيح فإنهم الذين إذا قصروا في العمل ابتلوا بالهم فأما غيرهم من المسرفين على أنفسهم و ذوي النقص في اليقين و الاعتقاد فإنه لا هم يعروهم و إن قصروا في العمل و هذه الكلمة قد جربناها من أنفسنا فوجدنا مصداقها واضحا و ذلك أن الواحد منا إذا أخل بفريضة الظهر مثلا حتى تغيب الشمس و إن كان أخل بها لعذر وجد ثقلا في نفسه و كسلا و قلة نشاط و كأنه مشكول بشكال أو مقيد بقيد حتى يقضي تلك الفريضة فكأنما أنشط من عقال
123
لاَ حَاجَةَ لِلَّهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِلَّهِ فِي مَالِهِ وَ نَفْسِهِ نَصِيبٌ
قد جاء في الخبر المرفوع إذا أحب الله عبدا ابتلاه في ماله أو في نفسه و جاء في الحديث المرفوع اللهم أني أعوذ بك من جسد لا يمرض و من مال لا يصاب و روى عبد الله بن أنس عنه ص أنه قال أيكم يحب أن يصح فلا يسقم قالوا كلنا يا رسول الله قال أ تحبون أن تكونوا كالحمر الصائلة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلايا و أصحاب كفارات و الذي بعثني بالحق إن الرجل لتكون له الدرجة في الجنة فلا يبلغها بشيء من عمله فيبتليه الله ليبلغه الله درجة لا يبلغها بعمله و في الحديث أيضا ما من مسلم يمرض مرضا إلا حت الله به خطاياه كما تحت الشجرة ورقها و روى أبو عثمان النهدي قال دخل رجل أعرابي على رسول الله ص ذو جسمان عظيم فقال له متى عهدك بالحمى قال ما أعرفها قال بالصداع
قال ما أدري ما هو قال فأصبت بمالك قال لا قال فرزئت بولدك قال لا فقال ع إن الله ليكره العفريت النفريت الذي لا يرزأ في ولده و لا يصاب في ماله و جاء في بعض الآثار أشد الناس حسابا الصحيح الفارغ و في حديث حذيفةرضياللهعنه إن أقر يوم لعيني ليوم لا أجد فيه طعاما سمعت رسول الله ص يقول إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالطعام و إن الله يحمي عبده المؤمن كما يحمي أحدكم المريض من الطعام و في الحديث المرفوع أيضا إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه قالوا و ما اقتناؤه قال ألا يترك له مالا و لا ولدا
مر موسى ع برجل كان يعرفه مطيعا لله قد مزقت السباع لحمه و أضلاعه و كبده ملقاة فوقف متعجبا فقال أي رب عبدك المطيع لك ابتليته بما أرى فأوحى الله إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله فجعلت له بما ترى سبيلا إلى تلك الدرجة و جاء في الحديث أن زكريا لم يزل يرى ولده يحيى مغموما باكيا مشغولا بنفسه فقال يا رب طلبت منك ولدا أنتفع به فرزقتنيه لا نفع لي فيه فقال له إنك طلبته وليا و الولي لا يكون إلا هكذا مسقاما فقيرا مهموما.و قال سفيان الثوري كانوا لا يعدون الفقيه فقيها من لا يعد البلاء نعمة و الرخاء مصيبة.
جابر بن عبد الله يرفعه يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء
124
وَ قَالَ ع تَوَقَّوُا اَلْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ وَ تَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي اَلْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي اَلْأَشْجَارِ أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَ آخِرُهُ يُوِرُق هذه مسألة طبيعية قد ذكرها الحكماء قالوا لما كان تأثير الخريف في الأبدان و توليده الأمراض كالزكام و السعال و غيرهما أكثر من تأثير الربيع مع أنهما جميعا فصلا اعتدال و أجابوا بأن برد الخريف يفجأ الإنسان و هو معتاد لحر الصيف فينكأ فيه و يسد مسام دماغه لأن البرد يكثف و يسد المسام فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش بارد.فأما المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الأذى لأنه قد اعتاد جسمه برد الشتاء فلا يصادف من برد الربيع إلا ما قد اعتاد ما هو أكثر منه فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه فأما لم أورقت الأشجار و أزهرت في الربيع دون الخريف فلما في الربيع من الكيفيتين اللتين هما منبع النمو و النفس النباتية و هما الحرارة و الرطوبة و أما الخريف فخال من هاتين الكيفيتين و مستبدل بهما ضدهما
و هما البرودة و اليبس المنافيان للنشوء و حياة الحيوان و النبات فأما لم كان الخريف باردا يابسا و الربيع حارا رطبا مع أن نسبة كل واحد منهما إلى الفصلين الخارجين عن الاعتدال و هما الشتاء و الصيف نسبة واحدة فإن تعليل ذلك مذكور في الأصول الطبية و الكتب الطبيعية و ليس هذا الموضع مما يحسن أن يشرح فيه مثل ذلك
125
وَ قَالَ ع عِظَمُ اَلْخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغِّرُ اَلْمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ لا نسبة للمخلوق إلى الخالق أصلا و خصوصا البشر لأنهم بالنسبة إلى فلك القمر كالذرة و نسبة فلك القمر كالذرة بالنسبة إلى قرص الشمس بل هم دون هذه النسبة مما يعجز الحاسب الحاذق عن حساب ذلك و فلك القمر بالنسبة إلى الفلك المحيط دون هذه النسبة و نسبة الفلك المحيط إلى الباري سبحانه كنسبة العدم المحض و النفي الصرف إلى الموجود البائن بل هذا القياس أيضا غير صحيح لأن المعدوم يمكن أن يصير موجودا بائنا و الفلك لا يتصور أن يكون صانع العالم الواجب الوجود لذاته.و على الجملة فالأمر أعظم من كل عظيم و أجل من كل جليل و لا طاقة للعقول و الأذهان أن تعبر عن جلالة ذلك الجناب و عظمته بل لو قيل إنها لا طاقة لها أن تعبر عن جلال مصنوعاته الأولى المتقدمة علينا بالرتبة العقلية و الزمانية لكان ذلك القول حقا و صدقا فمن هو المخلوق ليقال إن عظم الخالق يصغره في العين و لكن كلامه ع محمول على مخاطبة العامة الذين تضيق أفهامهم عما ذكرناه
126
وَ قَالَ ع : وَ قَدْ رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ فَأَشْرَفَ عَلَى اَلْقُبُورِ بِظَاهِرِ اَلْكُوفَةِ يَا أَهْلَ اَلدِّيَارِ اَلْمُوحِشَةِ وَ اَلْمَحَالِّ اَلْمُقْفِرَةِ وَ اَلْقُبُورِ اَلْمُظْلِمَةِ يَا أَهْلَ اَلتُّرْبَةِ يَا أَهْلَ اَلْغُرْبَةِ يَا أَهْلَ اَلْوَحْدَةِ يَا أَهْلَ اَلْوَحْشَةِ أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ أَمَّا اَلدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ وَ أَمَّا اَلْأَزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ وَ أَمَّا اَلْأَمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ هَذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوْ أُذِنَ لَهُمْ فِي اَلْكَلاَمِ لَأَخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ اَلزَّادِ اَلتَّقْوَى الفرط المتقدمون و قد ذكرنا من كلام عمر ما يناسب هذا الكلام لما ظعن في القبور و عاد إلى أصحابه أحمر الوجه ظاهر العروق قال قد وقفت على قبور الأحبة فناديتها الحديث إلى آخره فقيل له فهل أجابتك قال نعم قالت إن خير الزاد التقوى.و قد جاء في حديث القبور و مخاطبتها و حديث الأموات و ما يتعلق بذلك شيء كثير يتجاوز الإحصاء.
و في وصية النبي ص أبا ذررضياللهعنه زر القبور تذكر بها الآخرة و لا تزرها ليلا و غسل الموتى يتحرك قلبك فإن الجسد الخاوي عظة بليغة و صل على الموتى فإن ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله وجد على قبر مكتوبا:
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه |
لقاؤك لا يرجى و أنت رقيب |
|
تزيد بلى في كل يوم و ليلة |
و تنسى كما تبلى و أنت حبيب |
و قال الحسن ع مات صديق لنا صالح فدفناه و مددنا على القبر ثوبا فجاء صلة بن أشيم فرفع طرف الثوب و نادى يا فلان:
إن تنج منها تنج من ذي عظيمة |
و إلا فإني لا إخالك ناجيا |
و في الحديث المرفوع أنه ع كان إذا تبع الجنازة أكثر الصمات و رئي عليه كآبة ظاهرة و أكثر حديث النفس.سمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة من هذا فقال أنت فإن كرهت فأنا.
سمع الحسن ع امرأة تبكي خلف جنازة و تقول يا أبتاه مثل يومك لم أره فقال بل أبوك مثل يومه لم يره.و كان مكحول إذا رأى جنازة قال اغد فإنا رائحون.و قال ابن شوذب اطلعت امرأة صالحة في لحد فقالت لامرأة معها هذا كندوج العمل يعني خزانته و كانت تعطيها الشيء بعد الشيء تأمرها أن تتصدق به فتقول اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل.
شاعر:
أ جازعة ردينة أن أتاها |
نعيي أم يكون لها اصطبار |
|
إذا ما أهل قبري ودعوني |
و راحوا و الأكف بها غبار |
|
و غودر أعظمي في لحد قبر |
تراوحه الجنائب و القطار |
|
تهب الريح فوق محط قبري |
و يرعى حوله اللهق النوار |
|
مقيم لا يكلمني صديق |
بقفر لا أزور و لا أزار |
|
فذاك النأي لا الهجران حولا |
و حولا ثم تجتمع الديار |
و قال آخر:
كأني بإخواني على حافتي قبري |
يهيلونه فوقي و أدمعهم تجري |
|
فيا أيها المذري علي دموعه |
ستعرض في يومين عني و عن ذكري |
|
عفا الله عني يوم أترك ثاويا |
أزار فلا أدري و أجفي فلا أدري |
و جاء في الحديث المرفوع ما رأيت منظرا إلا و القبر أفظع منه و في الحديث أيضا القبر أول منزل من منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر و من لم ينج منه فما بعده شر منه
127
وَ قَالَ ع وَ قَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَذُمُّ اَلدُّنْيَا أَيُّهَا اَلذَّامُّ لِلدُّنْيَا اَلْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا اَلْمُنْخَدِعُ اَلْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا أَ تَفْتَتِنُ تَغْتَرُّ بِهَا ثُمَّ تَذُمُّهَا أَنْتَ اَلْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا أَمْ هِيَ اَلْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ مَتَى اِسْتَهْوَتْكَ أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ اَلْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ اَلثَّرَى كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ وَ كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ تَبْتَغِي لَهُمُ اَلشِّفَاءَ وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ اَلْأَطِبَّاءَ غَدَاةَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ وَ لاَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ وَ لَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ وَ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ وَ قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ اَلدُّنْيَا نَفْسَكَ وَ بِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَ دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اِتَّعَظَ بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اَللَّهِ وَ مُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اَللَّهِ وَ مَهْبِطُ وَحْيِ اَللَّهِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اَللَّهِ اِكْتَسَبُوا فِيهَا اَلرَّحْمَةَ وَ رَبِحُوا فِيهَا اَلْجَنَّةَ فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا وَ نَادَتْ بِفِرَاقِهَا وَ نَعَتْ نَفْسَهَا وَ أَهْلَهَا فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلاَئِهَا اَلْبَلاَءَ وَ شَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى اَلسُّرُورِ رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ وَ اِبْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ تَرْغِيباً وَ تَرْهِيباً وَ تَخْوِيفاً وَ تَحْذِيراً
فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ اَلنَّدَامَةِ وَ حَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ذَكَّرَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَذَكَّرُوا فَتَذَكَّرُوا وَ حَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا وَ وَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا تجرمت على فلان ادعيت عليه جرما و ذنبا و استهواه كذا استزله.و قوله ع فمثلت لهم ببلائها البلاء أي بلاء الآخرة و عذاب جهنم و شوقتهم بسرورها إلى السرور أي إلى سرور الآخرة و نعيم الجنة.و هذا الفصل كله لمدح الدنيا و هو ينبئ عن اقتداره ع على ما يريد من المعاني لأن كلامه كله في ذم الدنيا و هو الآن يمدحها و هو صادق في ذاك و في هذا و قد جاء عن النبي ص كلام يتضمن مدح الدنيا أو قريبا من المدح و هو قوله ع الدنيا حلوة خضرة فمن أخذها بحقها بورك له فيها.و احتذى عبد الله بن المعتز حذو أمير المؤمنين ع في مدح الدنيا فقال في كلام له الدنيا دار التأديب و التعريف التي بمكروهها توصل إلى محبوب الآخرة و مضمار الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان و درجة الفوز التي يرتقى عليها المتقون إلى دار الخلد و هي الواعظة لمن عقل و الناصحة لمن قبل و بساط المهل و ميدان العمل و قاصمة الجبارين و ملحقة الرغم معاطس المتكبرين و كاسية التراب أبدان المختالين و صارعة المغترين و مفرقة أموال الباخلين و قاتلة القاتلين و العادلة بالموت على جميع العالمين و ناصرة المؤمنين و مبيرة الكافرين الحسنات فيها مضاعفة و السيئات بآلامها ممحوة و مع عسرها يسران و الله تعالى قد ضمن أرزاق أهلها و أقسم في كتابه بما فيها و رب طيبة
من نعيمها قد حمد الله عليها فتلقتها أيدي الكتبة و وجبت بها الجنة و كم نائبة من نوائبها و حادثة من حوادثها قد راضت الفهم و نبهت الفطنة و أذكت القريحة و أفادت فضيلة الصبر و كثرت ذخائر الأجر.ومن الكلام المنسوب إلى علي ع الناس أبناء الدنيا و لا يلام المرء على حب أمه أخذه محمد بن وهب الحميري فقال:
و نحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها |
و ما كنت منه فهو شيء محبب |
128
وَ قَالَ ع إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَ اِجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ وَ اِبْنُوا لِلْخَرَابِ هذه اللام عند أهل العربية تسمى لام العاقبة و مثل هذا قوله تعالى( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً ) ليس أنهم التقطوه لهذه العلة بل التقطوه فكان عاقبة التقاطهم إياه العداوة و الحزن و مثله
فللموت ما تلد الوالدة
و مثله قوله تعالى( وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ) ليس أنه ذرأهم ليعذبهم في جهنم بل ذرأهم و كان عاقبة ذرئهم أن صاروا فيها و بهذا الحرف يحصل الجواب عن كثير من الآيات المتشابهة التي تتعلق بها المجبرة.و أما فحوى هذا القول و خلاصته فهو التنبيه على أن الدنيا دار فناء و عطب لا دار بقاء و سلامة و أن الولد يموت و الدور تخرب و ما يجمع من الأموال يفنى
129
وَ قَالَ ع اَلدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لاَ دَارُ مَقَرٍّ وَ اَلنَّاسُ فِيهَا رَجُلاَنِ رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا وَ رَجُلٌ اِبْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا قال عمر بن عبد العزيز يوما لجلسائه أخبروني من أحمق الناس قالوا رجل باع آخرته بدنياه فقال أ لا أنبئكم بأحمق منه قالوا بلى قال رجل باع آخرته بدنيا غيره.قلت لقائل أن يقول له ذاك باع آخرته بدنياه أيضا لأنه لو لم يكن له لذة في بيع آخرته بدنيا غيره لما باعها و إذا كان له في ذلك لذة فإذن إنما باع آخرته بدنياه لأن دنياه هي لذته
130
وَ قَالَ ع لاَ يَكُونُ اَلصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلاَثٍ فِي نَكْبَتِهِ وَ غَيْبَتِهِ وَ وَفَاتِهِ قد تقدم لنا كلام في الصديق و الصداقة و أما النكبة و حفظ الصديق فيها فإنه يقال في الحبوس مقابر الأحياء و شماتة الأعداء و تجربة الأصدقاء.و أما الغيبة فإنه قد قال الشاعر:
و إذا الفتى حسنت مودته |
في القرب ضاعفها على البعد |
و أما الموت فقد قال الشاعر:
و إني لأستحييه و الترب بيننا |
كما كنت أستحييه و هو يراني |
و من كلام علي ع الصديق من صدق في غيبته.قيل لحكيم من أبعد الناس سفرا قال من سافر في ابتغاء الأخ الصالح.أبو العلاء المعري:
أزرت بكم يا ذوي الألباب أربعة |
يتركن أحلامكم نهب الجهالات |
|
ود الصديق و علم الكيمياء و أحكام |
النجوم و تفسير المنامات |
قيل للثوري دلني على جليس أجلس إليه قال تلك ضالة لا توجد
131
وَ قَالَ ع مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً مَنْ أُعْطِيَ اَلدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ اَلْإِجَابَةَ وَ مَنْ أُعْطِيَ اَلتَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ اَلْقَبُولَ وَ مَنْ أُعْطِيَ اَلاِسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ اَلْمَغْفِرَةَ وَ مَنْ أُعْطِيَ اَلشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ اَلزِّيَادَةَ قال الرضيرحمهالله تعالى و تصديق ذلك في كتاب الله تعالى قال في الدعاء( اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) و قال في الاستغفار( وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللَّهَ يَجِدِ اَللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) و قال في الشكر( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) و قال في التوبة( إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اَللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) في بعض الروايات أن ما نسب إلى الرضيرحمهالله من استنباط هذه المعاني من الكتاب العزيز من متن كلام أمير المؤمنين ع و قد سبق القول في كل واحدة من هذه الأربع مستقصى
132
وَ قَالَ ع اَلصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ وَ اَلْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ اَلْبَدَنِ اَلصَّوْمُ وَ جِهَادُ اَلْمَرْأَةِ حُسْنُ اَلتَّبَعُّلِ قد تقدم القول في الصلاة و الحج و الصيام فأما أن جهاد المرأة حسن التبعل فمعناه حسن معاشرة بعلها و حفظ ماله و عرضه و إطاعته فيما يأمر به و ترك الغيرة فإنها باب الطلاق
و أوصت امرأة من نساء العرب بنتها ليلة إهدائها فقالت لها لو تركت الوصية لأحد لحسن أدب و كرم حسب لتركتها لك و لكنها تذكرة للغافل و مئونة للعاقل إنك قد خلفت العش الذي فيه درجت و الوكر الذي منه خرجت إلى منزل لم تعرفيه و قرين لم تألفيه فكوني له أمة يكن لك عبدا و احفظي عني خصالا عشرا.
أما الأولى و الثانية فحسن الصحابة بالقناعة و جميل المعاشرة بالسمع و الطاعة ففي حسن الصحابة راحة القلب و في جميل المعاشرة رضا الرب.و الثالثة و الرابعة التفقد لمواقع عينه و التعهد لمواضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح و لا يجد أنفه منك خبيث ريح و اعلمي أن الكحل أحسن الحسن المفقود و أن الماء أطيب الطيب الموجود و الخامسة و السادسة الحفظ لماله و الإرعاء على حشمه و عياله و اعلمي أن أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير و أصل الإرعاء على الحشم و العيال حسن التدبير و السابعة و الثامنة التعهد لوقت طعامه و الهدو و السكون عند منامه فحرارة الجوع ملهبة و تنغيص النوم مغضبة و التاسعة و العاشرة لا تفشين له سرا و لا تعصين له أمرا فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره و إن عصيت أمره أوغرت صدره.و أوصت امرأة ابنتها و قد أهدتها إلى بعلها فقالت كوني له فراشا يكن لك معاشا و كوني له وطاء يكن لك غطاء و إياك و الاكتئاب إذا كان فرحا و الفرح إذا كان كئيبا و لا يطلعن منك على قبيح و لا يشمن منك إلا طيب ريح.و زوج عامر بن الظرب ابنته من ابن أخيه فلما أراد تحويلها قال لأمها مري ابنتك ألا تنزل مفازة إلا و معها ماء فإنه للأعلى جلاء و للأسفل نقاء و لا تكثر مضاجعته فإذا مل البدن مل القلب و لا تمنعه شهوته فإن الحظوة في المواقعة فلم يلبث إلا شهرا حتى جاءته مشجوجة فقال لابن أخيه يا بني ارفع عصاك عن بكرتك
فإن كان من غير أن تنفر بك فهو الداء الذي ليس له دواء و إن لم يكن بينكما وفاق ففراق الخلع أحسن من الطلاق و أن تترك أهلك و مالك.فرد عليه صداقها و خلعها منه فهو أول خلع كان في العرب.و أوصى الفرافصة الكلبي ابنته نائلة حين أهداها إلى عثمان فقال يا بنية إنك تقدمين على نساء من نساء قريش هن أقدر على الطيب منك و لا تغلبين على خصلتين الكحل و الماء تطهري حتى يكون ريح جلدك ريح شن أصابه مطر و إياك و الغيرة على بعلك فإنها مفتاح الطلاق.و روى أبو عمرو بن العلاء قال أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته من معبد بن زرارة فلما أخرجها إليه قال يا بنية أمسكي عليك الفضلين فضل الغلمة و فضل الكلام.قال أبو عمرو و ضرار هذا هو الذي رفع عقيرته بعكاظ و قال ألا إن شر حائل أم فزوجوا الأمهات قال و ذلك أنه صرع بين الرماح فأشبل عليه إخوته لأمه حتى استنقذوه.و أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها فقالت لها اقلعي زج رمحه فإن أقر فاقلعي سنانه فإن أقر فاكسري العظام بسيفه فإن أقر فاقطعي اللحم على ترسه فإن أقر فضعي الإكاف على ظهره فإنما هو حمار.و هذا هو قبح التبعل و ذكرناه نحن في باب حسن التبعل لأن الضد يذكر بضده
133
وَ قَالَ ع اِسْتَنْزِلُوا اَلرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ
جاء في الحديث المرفوع و قيل إنه موقوف على عثمان تاجروا الله بالصدقة تربحوا.و كان يقال الصدقة صداق الجنة.و في الحديث المرفوع ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة على مخلفيه و عنه ص ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله ما دام منه رقعة.و قال عمر بن عبد العزيز الصلاة تبلغك نصف الطريق و الصوم يبلغك باب الملك و الصدقة تدخلك عليه
134
وَ قَالَ ع مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ هذا حق لأن من لم يوقن بالخلف و يتخوف الفقر يضن بالعطية و يعلم أنه إذا أعطى ثم أعطى استنفد ماله و احتاج إلى الناس لانقطاع مادته و أما من يوقن بالخلف فإنه يعلم أن الجود شرف لصاحبه و أن الجواد ممدوح عند الناس فقد وجد الداعي إلى السماح و لا صارف له عنه لأنه يعلم أن مادته دائمة غير منقطعة فالصارف الذي يخافه من قدمناه ذكره مفقود في حقه فلا جرم أنه يجود بالعطية
135
وَ قَالَ ع تَنْزِلُ اَلْمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ اَلْمَئُونَةِ
جاء في الحديث المرفوع من وسع وسع عليه و كلما كثر العيال كثر الرزق.و كان على بعض الموسرين رسوم لجماعة من الفقراء يدفعها إليهم كل سنة فاستكثرها فأمر كاتبه بقطعها فرأى في المنام كأن له أهواء كثيرة في داره و كأنها تصعدها أقوام من الأرض إلى السماء و هو يجزع من ذلك فيقول يا رب رزقي رزقي فقيل له إنما رزقناك هذه لتصرفها فيما كنت تصرفها فيه فإذ قطعت ذلك رفعناها منك و جعلناها لغيرك فلما أصبح أمر كاتبه بإعادة تلك الرسوم أجمع
136
مَا عَالَ مَنِ اِقْتَصَدَ ما عال أي ما افتقر و قد تقدم لنا قول مقنع في مدح الاقتصاد.و قال أبو العلاء:
و إن كنت تهوى العيش فابغ توسطا |
فعند التناهي يقصر المتطاول |
|
توقي البدور النقص و هي أهلة |
و يدركها النقصان و هي كوامل |
و هذا الشعر و إن كان في الاقتصاد في المراتب و الولايات إلا أنه مدح للاقتصاد في الجملة فهو من هذا الباب.و سمع بعض الفضلاء قول الحكماء التدبير نصف العيش فقال بل العيش كله
137
وَ قَالَ ع قِلَّةُ اَلْعِيَالِ أَحَدُ اَلْيَسَارَيْنِ اليسار الثاني كثرة المال يقول إن قلة العيال مع الفقر كاليسار الحقيقي مع كثرتهم.و من أمثال الحكماء العيال أرضة المال
138
وَ قَالَ ع اَلتَّوَدُّدُ نِصْفُ اَلْعَقْلِ دخل حبيب بن شوذب على جعفر بن سليمان بالبصرة فقال نعم المرء حبيب بن شوذب حسن التودد طيب الثناء يكره الزيارة المتصلة و القعدة المنسية.و كان يقال التودد ظاهر حسن و المعاملة بين الناس على الظاهر فأما البواطن فإلى عالم الخفيات.و كان يقال قل من تودد إلا صار محبوبا و المحبوب مستور العيوب
139
وَ قَالَ ع اَلْهَمُّ نِصْفُ اَلْهَرَمِ من كلام بعض الحكماء الهم يشيب القلب و يعقم العقل فلا يتولد معه رأى و لا تصدق معه روية.و قال الشاعر:
هموم قد أبت إلا التباسا |
تبت الشيب في رأس الوليد |
|
و تقعد قائما بشجا حشاه |
و تطلق للقيام حبا القعود |
|
و أضحت خشعا منها نزار |
مركبة الرواجب في الخدود |
و قال سفيان بن عيينة الدنيا كلها هموم و غموم فما كان منها سرور فهو ربح.و من أمثالهم الهم كافور الغلمة.و قال أبو تمام
شاب رأسي و ما رأيت مشيب الرأس |
إلا من فضل شيب الفؤاد |
|
و كذاك القلوب في كل بؤس |
و نعيم طلائع الأجساد |
|
طال إنكاري البياض و لو عمرت |
شيئا أنكرت لون السواد |
140
وَ قَالَ ع يَنْزِلُ اَلصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ اَلْمُصِيبَةِ وَ مَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ عَمَلُهُ قد مضى لنا كلام شاف في الصبر و كان الحسن يقول في قصصه الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته و آجرنا على ما لا بد لنا منه يقول كلفنا الصبر و لو كلفنا الجزع لم يمكنا أن نقيم عليه و آجرنا على الصبر و لا بد لنا من الرجوع إليه.و من كلام أمير المؤمنين ع كان يقول عند التعزية عليكم بالصبر فإن به يأخذ الحازم و يعود إليه الجازع.و قال أبو خراش الهذلي يذكر أخاه عروة:
تقول أراه بعد عروة لاهيا |
و ذلك رزء لو علمت جليل |
|
فلا تحسبي أني تناسيت عهده |
و لكن صبري يا أميم جميل |
و قال عمرو بن معديكرب:
كم من أخ لي صالح |
بوأته بيدي لحدا |
ألبسته أكفانه |
و خلقت يوم خلقت جلدا |
و كان يقال من حدث نفسه بالبقاء و لم يوطنها على المصائب فهو عاجز الرأي.و كان يقال كفى باليأس معزيا و بانقطاع الطمع زاجرا.و قال الشاعر:
أيا عمرو لم أصبر و لي فيك حيلة |
و لكن دعاني اليأس منك إلى الصبر |
|
تصبرت مغلوبا و إني لموجع |
كما صبر القطان في البلد القفر |
141
وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ اَلْجُوعُ وَ اَلظَّمَأُ وَ كَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ اَلسَّهَرُ وَ اَلْعَنَاءُ حَبَّذَا نَوْمُ اَلْأَكْيَاسِ وَ إِفْطَارُهُمْ الأكياس هاهنا العلماء العارفون و ذلك لأن عباداتهم تقع مطابقة لعقائدهم الصحيحة فتكون فروعا راجعة إلى أصل ثابت و ليس كذلك الجاهلون بالله تعالى لأنهم إذا لم يعرفوه و لم تكن عباداتهم متوجهة إليه فلم تكن مقبولة و لذلك فسدت عبادة النصارى و اليهود.و فيهم ورد قوله تعالى( عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً )
142
وَ قَالَ ع سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَ حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ وَ اِدْفَعُوا أَمْوَاجَ اَلْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ قد تقدم الكلام في الصدقة و الزكاة و الدعاء فلا معنى لإعادة القول في ذلك
143
وَ مِنْ كَلاَمٍ لَهُ ع لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ اَلنَّخَعِيِّ قَالَ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع فَأَخْرَجَنِي إِلَى اَلْجَبَّانِ فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ اَلصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ اَلنَّاسُ ثَلاَثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ اَلْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ يَا كُمَيْلُ اَلْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ اَلْمَالِ اَلْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ اَلْمَالَ وَ اَلْمَالُ تَنْقُصُهُ اَلنَّفَقَةُ وَ اَلْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى اَلْإِنْفَاقِ وَ صَنِيعُ اَلْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ مَعْرِفَةُ اَلْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ بِهِ يَكْسِبُ اَلْإِنْسَانُ اَلطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَ جَمِيلَ اَلْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَ اَلْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ اَلْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ هَلَكَ خُزَّانُ اَلْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ وَ اَلْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ اَلدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي اَلْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً بَلَى أُصِيبُ أَصَبْتُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ مُسْتَعْمِلاً آلَةَ اَلدِّينِ لِلدُّنْيَا وَ مُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اَللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ بِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ
أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ اَلْحَقِّ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ يَنْقَدِحُ اَلشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ أَلاَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّةِ سَلِسَ اَلْقِيَادِ لِلشَّهْوَةِ أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَ اَلاِدِّخَارِ لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ اَلدِّينِ فِي شَيْءٍ أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا اَلْأَنْعَامُ اَلسَّائِمَةُ كَذَلِكَ يَمُوتُ اَلْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ اَللَّهُمَّ بَلَى لاَ تَخْلُو اَلْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَ إِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اَللَّهِ وَ بَيِّنَاتُهُ وَ كَمْ ذَا وَ أَيْنَ أُولَئِكَ أُولَئِكَ وَ اَللَّهِ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً وَ اَلْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اَللَّهِ قَدْراً يَحْفَظُ اَللَّهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَ بَيِّنَاتِهِ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَ يَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ هَجَمَ بِهِمُ اَلْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ اَلْبَصِيرَةِ وَ بَاشَرُوا رُوحَ اَلْيَقِينِ وَ اِسْتَلاَنُوا مَا اِسْتَوْعَرَهُ اَلْمُتْرَفُونَ وَ أَنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ اَلْجَاهِلُونَ وَ صَحِبُوا اَلدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ اَلْأَعْلَى أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ اَلدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ اِنْصَرِفْ يَا كُمَيْلُ إِذَا شِئْتَ الجبان و الجبانة الصحراء.و تنفس الصعداء أي تنفس تنفسا ممدودا طويلا.قوله ع ثلاثة قسمة صحيحة و ذلك لأن البشر باعتبار الأمور الإلهية إما عالم على الحقيقة يعرف الله تعالى و إما شارع في ذلك فهو بعد في السفر إلى الله يطلبه بالتعلم و الاستفادة من العالم و إما لا ذا و لا ذاك و هو العامي الساقط الذي
لا يعبأ الله و صدق ع في أنهم همج رعاع أتباع كل ناعق أ لا تراهم ينتقلون من التقليد لشخص إلى تقليد الآخر لأدنى خيال و أضعف وهم.ثم شرع ع في ذكر العلم و تفضيله على المال فقال العلم يحرسك و أنت تحرس المال و هذا أحد وجوه التفضيل.ثم ابتدأ فذكر وجها ثانيا فقال المال ينقص بالإنفاق منه و العلم لا ينقص بالإنفاق بل يزكو و ذلك لأن إفاضة العلم على التلامذة تفيد المعلم زيادة استعداد و تقرر في نفسه تلك العلوم التي أفاضها على تلامذته و تثبتها و تزيدها رسوخا.فأما قوله و صنيع المال يزول بزواله فتحته سر دقيق حكمي و ذلك لأن المال إنما يظهر أثره و نفعه في الأمور الجسمانية و الملاذ الشهوانية كالنساء و الخيل و الأبنية و المأكل و المشرب و الملابس و نحو ذلك و هذه الآثار كلها تزول بزوال المال أو بزوال رب المال أ لا ترى أنه إذا زال المال اضطر صاحبه إلى بيع الأبنية و الخيل و الإماء و رفض تلك العادة من المآكل الشهية و الملابس البهية و كذلك إذا زال رب المال بالموت فإنه تزول آثار المال عنده فإنه لا يبقى بعد الموت آكلا شاربا لابسا و أما آثار العلم فلا يمكن أن تزول أبدا و الإنسان في الدنيا و لا بعد خروجه عن الدنيا أما في الدنيا فلأن العالم بالله تعالى لا يعود جاهلا به لأن انتفاء العلوم البديهية عن الذهن و ما يلزمها من اللوازم بعد حصولها محال فإذا قد صدق قوله ع في الفرق بين المال و العلم أن صنيع المال يزول بزواله أي و صنيع المال لا يزول و لا يحتاج إلى أن يقول بزواله لأن تقدير الكلام و صنيع المال يزول لأن المال يزول و أما بعد خروج الإنسان من الدنيا فإن صنيع العلم لا يزول و ذلك لأن صنيع العلم في النفس الناطقة اللذة العقلية الدائمة لدوام سببها و هو حصول العلم في جوهر النفس الذي هو ممشوق
النفس مع انتفاء ما يشغلها عن التمتع به و التلذذ بمصاحبته و الذي كان يشغلها عنه في الدنيا استغراقها في تدبير البدن و ما تورده عليها الحواس من الأمور الخارجية و لا ريب أن العاشق إذا خلا بمعشوقه و انتفت عنه أسباب الكدر كان في لذة عظيمة فهذا هو سر قوله و صنيع المال يزول بزواله.فإن قلت ما معنى قوله ع معرفة العلم دين يدان به و هل هذا إلا بمنزلة قولك معرفة المعرفة أو علم العلم و هذا كلام مضطرب قلت تقديره معرفة فضل العلم أو شرف العلم أو وجوب العلم دين يدان به أي المعرفة بذلك من أمر الدين أي ركن من أركان الدين واجب مفروض.ثم شرح ع حال العلم الذي ذكر أن معرفة وجوبه أو شرفه دين يدان به فقال العلم يكسب الإنسان الطاعة في حياته أي من كان عالما كان لله تعالى مطيعا كما قال سبحانه( إِنَّما يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ ) .
ثم قال و جميل الأحدوثة بعد وفاته أي الذكر الجميل بعد موته.ثم شرع في تفضيل العلم على المال من وجه آخر فقال العلم حاكم و المال محكوم عليه و ذلك لعلمك أن مصلحتك في إنفاق هذا المال تنفقه و لعلمك بأن المصلحة في إمساكه تمسكه فالعلم بالمصلحة داع و بالمضرة صارف و هما الأمران الحاكمان بالحركات و التصرفات إقداما و إحجاما و لا يكون القادر قادرا مختارا إلا باعتبارهما و ليسا إلا عبارة عن العلم أو ما يجرى مجرى العلم من الاعتقاد و الظن فإذن قد بان و ظهر أن العلم من حيث هو علم حاكم و أن المال ليس بحاكم بل محكوم عليه.
ثم قال ع هلك خزان المال و هم أحياء و ذلك لأن المال المخزون لا فرق بينه و بين الصخرة المدفونة تحت الأرض فخازنه هالك لا محالة لأنه لم يلتذ بإنفاقه و لم يصرفه في الوجوه التي ندب الله تعالى إليها و هذا هو الهلاك المعنوي و هو أعظم من الهلاك الحسي.ثم قال و العلماء باقون ما بقي الدهر هذا الكلام له ظاهر و باطن فظاهره قوله أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة أي آثارهم و ما دونوه من العلوم فكأنهم موجودون و باطنه أنهم موجودون حقيقة لا مجازا على قول من قال ببقاء الأنفس و أمثالهم في القلوب كناية و لغز و معناه ذواتهم في حظيرة القدوس و المشاركة بينها و بين القلوب ظاهرة لأن الأمر العام الذي يشملها هو الشرف فكما أن تلك أشرف عالمها كذا القلب أشرف عالمه فاستعير لفظ أحدهما و عبر به عن الآخر.قوله ع ها إن هاهنا لعلما جما و أشار بيده إلى صدره هذا عندي إشارة إلى العرفان و الوصول إلى المقام الأشرف الذي لا يصل إليه إلا الواحد الفذ من العالم ممن لله تعالى فيه سر و له به اتصال ثم قال لو أصبت له حملة و من الذي يطيق حملة بل من الذي يطيق فهمه فضلا عن حمله.ثم قال بلى أصيب.ثم قسم الذي يصيبهم خمسة أقسام أحدهم أهل الرياء و السمعة الذين يظهرون الدين و العلم و مقصودهم الدنيا فيجعلون الناموس الديني شبكة لاقتناص الدنيا.و ثانيها قوم من أهل الخير و الصلاح ليسوا بذوي بصيرة في الأمور الإلهية الغامضة
فيخاف من إفشاء السر إليهم أن تنقدح في قلوبهم شبهة بأدنى خاطر فإن مقام المعرفة مقام خطر صعب لا يثبت تحته إلا الأفراد من الرجال الذين أيدوا بالتوفيق و العصمة.و ثالثها رجل صاحب لذات و طرب مشتهر بقضاء الشهوة فليس من رجال هذا الباب.و رابعها رجل عرف بجمع المال و ادخاره لا ينفقه في شهواته و لا في غير شهواته فحكمه حكم القسم الثالث.ثم قال ع كذلك يموت العلم بموت حامليه أي إذا مت مات العلم الذي في صدري لأني لم أجد أحدا أدفعه إليه و أورثه إياه ثم استدرك فقال اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله تعالى كيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالى على عباده و مسيطر عليهم و هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية إلا أن أصحابنا يحملونه على أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبوية عنهم أنهم في الأرض سائحون فمنهم من يعرف و منهم من لا يعرف و أنهم لا يموتون حتى يودعوا السر و هو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم.ثم استنزر عددهم فقال و كم ذا أي كم ذا القبيل و كم ذا الفريق.ثم قال و أين أولئك استبهم مكانهم و محلهم.ثم قال هم الأقلون عددا الأعظمون قدرا.ثم ذكر أن العلم هجم بهم على حقيقة الأمر و انكشف لهم المستور المغطى و باشروا راحة اليقين و برد القلب و ثلج العلم و استلانوا ما شق على المترفين من الناس و وعر عليهم نحو التوحد و رفض الشهوات و خشونة العيشة.
قال و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون يعني العزلة و مجانبة الناس و طول الصمت و ملازمة الخلوة و نحو ذلك مما هو شعار القوم.قال و صحبوا الدنيا بأرواح أبدانها معلقة بالمحل الأعلى هذا مما يقوله أصحاب الحكمة من تعلق النفوس المجردة بمبادئها من العقول المفارقة فمن كان أزكى كان تعلقه بها أتم.ثم قال أولئك خلفاء الله في أرضه و الدعاة إلى دينه لا شبهة أن بالوصول يستحق الإنسان أن يسمى خليفة الله في أرضه و هو المعنى بقوله سبحانه للملائكة( إِنِّي جاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً ) و بقوله( هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي اَلْأَرْضِ ) .ثم قال آه آه شوقا إلى رؤيتهم هو ع أحق الناس بأن يشتاق إلى رؤيتهم لأن الجنسية علة الضم و الشيء يشتاق إلى ما هو من سنخه و سوسته و طبيعته و لما كان هو ع شيخ العارفين و سيدهم لا جرم اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه و إن كان كل واحد من الناس دون طبقته.ثم قال لكميل انصرف إذا شئت و هذه الكلمة من محاسن الآداب و من لطائف الكلم لأنه لم يقتصر على أن قال انصرف كيلا يكون أمرا و حكما بالانصراف لا محالة فيكون فيه نوع علو عليه فاتبع ذلك بقوله إذا شئت ليخرجه من ذل الحكم و قهر الأمر إلى عزة المشيئة و الاختيار
144
وَ قَالَ ع اَلْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ قد تكرر هذا المعنى مرارا فأما هذه اللفظة فلا نظير لها في الإيجاز و الدلالة على المعنى و هي من ألفاظه ع المعدودة.و قال الشاعر:
و كائن ترى من صامت لك معجب |
زيادته أو نقصه في التكلم |
|
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده |
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم |
و تكلم عبد الملك بن عمير و أعرابي حاضر فقيل له كيف ترى هذا فقال لو كان كلام يؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به.و تكلم جماعة من الخطباء عند مسلمة بن عبد الملك فأسهبوا في القول و لم يصنعوا شيئا ثم أفرغ النطق رجل من أخرياتهم فجعل لا يخرج من فن إلا إلى أحسن منه فقال مسلمة ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء إلا بسحابة لبدت عجاجة.و سمع رجل منشدا ينشد:
و كان أخلائي يقولون مرحبا |
فلما رأوني مقترا مات مرحب |
فقال أخطأ الشاعر إن مرحبا لم يمت و إنما قتله علي بن أبي طالب ع و قال رجل لأعرابي كيف أهلك قال صلبا إن شاء الله.و كان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند فقال لرجل ما اسمك فقال عبد الله و خفض فقال ابن من فقال ابن عبد الله و فتح فأمر بضربه فجعل يقول سبحان الله و يضم فقال مسلمة ويحكم دعوه فإنه مجبول على اللحن و الخطإ لو كان تاركا للحن في وقت لتركه و هو تحت السياط
145
وَ قَالَ ع هَلَكَ اِمْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ هذه الكلمة من كلماته المعدودة و كتب النعمان بن عبد الله إلى القاسم بن عبيد الله كتابا يدل فيه بخدمته و يستزيد في رزقه فوقع على ظهره رحم الله امرأ عرف قدره أنت رجل قد أعجبتك نفسك فلست تعرفها فإن أحببت أن أعرفكها عرفتك فكتب إليه النعمان كنت كتبت إلى الوزير أعزه الله كتابا أستزيده في رزقي فوقع على ظهره توقيع ضجر لم يخرج فيه مع ضجره عما ألفته من حياطته و حسن نظره فقال إنه قد حدث لعبده عجب بنفسه و قد صدق أعلى الله قدره لقد شرفني الوزير بخدمته و أعلى ذكري بجميل ذكره و نبه على كفايتي باستكفائه و رفعني و كثرني عند نفسي فإن أعجبت فبنعمته عندي و جميل تطوله علي و لا عجب و هل خلا الوزير من قوم يصطنعهم بعد ملة و يرفعهم بعد خمول و يحدث لهم همما رفيعة و أنفسا عليه و فيهم شاكر و كفور و أرجو أن أكون أشكرهم للنعمة و أقومهم بحقها و قد أطال الله بقاءه إن عرف نفسه و إلا عرفناه إياها فما أنكرها و هي نفس أنشأتها نعمة الوزير و أحدثت فيها ما لم تزل تحدثه في نظرائها من سائر عبيده و خدمه و الله يعلم ما يأخذ به نفسه من خدمة مولاه و ولي نعمته إما عادة و دربة و إما تأدبا و هيبة و إما شكرا و استدامة للنعمة.فلما قرأ القاسم بن عبيد الله كتابه استحسنه و زاد في رزقه
146
وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَنْ يَعِظَهُ لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو اَلآْخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَ يَرْجُو اَلتَّوْبَةَ بِطُولِ اَلْأَمَلِ يَقُولُ فِي اَلدُّنْيَا بِقَوْلِ اَلزَّاهِدِينَ وَ يَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ اَلرَّاغِبِينَ إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وَ إِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ وَ يَبْتَغِي اَلزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ يَنْهَى وَ لاَ يَنْتَهِي وَ يَأْمُرُ اَلنَّاسَ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِمَا لاَ يَأْتِي يُحِبُّ اَلصَّالِحِينَ وَ لاَ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ وَ يُبْغِضُ اَلْمُذْنِبِينَ وَ هُوَ أَحَدُهُمْ يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وَ يُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ مِنْ أَجَلِهِ إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً وَ إِنْ صَحَّ أَمِنَ لاَهِياً يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ وَ يَقْنَطُ إِذَا اُبْتُلِيَ وَ إِنْ أَصَابَهُ بَلاَءٌ دَعَا مُضْطَرّاً وَ إِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ وَ لاَ يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِهِ وَ يَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ إِنِ اِسْتَغْنَى بَطِرَ وَ فُتِنَ وَ إِنِ اِفْتَقَرَ قَنِطَ وَ وَهَنَ يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ وَ يُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ اَلْمَعْصِيَةَ وَ سَوَّفَ اَلتَّوْبَةَ وَ إِنْ عَرَتْهُ مِحْنَةٌ اِنْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ اَلْمِلَّةِ يَصِفُ اَلْعِبْرَةَ وَ لاَ يَعْتَبِرُ وَ يُبَالِغُ فِي اَلْمَوْعِظَةِ وَ لاَ يَتَّعِظُ فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ وَ مِنَ اَلْعَمَلِ مُقِلٌّ يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى وَ يُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى يَرَى اَلْغُنْمَ مَغْرَماً وَ اَلْغُرْمَ مَغْنَماً يَخْشَى اَلْمَوْتَ وَ لاَ يُبَادِرُ اَلْفَوْتَ يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ
مِنْ نَفْسِهِ وَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى اَلنَّاسِ طَاعِنٌ وَ لِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ اَللَّغْوُ اَللَّهْوُ مَعَ اَلْأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ اَلذِّكْرِ مَعَ اَلْفُقَرَاءِ يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ يُرْشِدُ نَفْسَهُ وَ يُغْوِي غَيْرَهُ يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَ يُغْوِي نَفْسَهُ فَهُوَ يُطَاعُ وَ يَعْصِي وَ يَسْتَوْفِي وَ لاَ يُوفِي وَ يَخْشَى اَلْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ وَ لاَ يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ قال الرضيرحمهالله تعالى و لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة و حكمة بالغة و بصيرة لمبصر و عبرة لناظر مفكر كثير من الناس يرجون الآخرة بغير عمل و يقولون رحمة الله واسعة و منهم من يظن أن التلفظ بكلمتي الشهادة كاف في دخول الجنة و منهم من يسوف نفسه بالتوبة و يرجئ الأوقات من اليوم إلى غد و قد يخترم على غرة فيفوته ما كان أمله و أكثر هذا الفصل للنهي عن أن يقول الإنسان واعظا لغيره ما لم يعلم هو من نفسه كقوله تعالى( أَ تَأْمُرُونَ اَلنَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) .فأول كلمة قالها ع في هذا المعنى من هذا الفصل قوله يقول في الدنيا بقول الزاهدين و يعمل فيها بعمل الراغبين.
ثم وصف صاحب هذا المذهب و هذه الطريقة فقال إنه إن أعطي من الدنيا لم يشبع لأن الطبيعة البشرية مجبولة على حب الازدياد و إنما يقهرها أهل التوفيق و أرباب العزم القوي.قال و إن منع منها لم يقنع بما كان وصل إليه قبل المنع.ثم قال يعجز عن شكر ما كان أنعم به عليه ليس يعني العجز الحقيقي بل المراد ترك الشكر فسمى ترك الشكر عجزا و يجوز أن يحمل على حقيقته أي أن الشكر على ما أولى من النعم لا تنتهي قدرته إليه أي نعم الله عليه أجل و أعظم من أن يقام بواجب شكرها.قال و يبتغي الزيادة فيما بقي هذا راجع إلى النحو الأول.قال ينهى و لا ينتهي و يأمر الناس بما لا يأتي هذا كما تقدم.قال يحب الصالحين و لا يعمل عملهم إلى قوله و هو أحدهم و هو المعنى الأول بعينه.قال يكره الموت لكثرة ذنوبه و يقيم على الذنوب و هذا من العجائب أن يكره إنسان شيئا ثم يقيم عليه و لكنه الغرور و تسويف النفس بالأماني.ثم قال إن سقم ظل نادما و إن صح أمن لاهيا( فَإِذا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ ) الآيات.قال يعجب بنفسه إذا عوفي و يقنط إذا ابتلي( فَأَمَّا اَلْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَ أَمَّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ) ومثل الكلمة الأخرى إن أصابه بلاء و إن ناله رخاء.
ثم قال تغلبه نفسه على ما يظن و لا يغلبها على ما يستيقن هذه كلمة جليلة عظيمة يقول هو يستيقن الحساب و الثواب و العقاب و لا يغلب نفسه على مجانبة و متاركة ما يفضي به إلى ذلك الخطر العظيم و تغلبه نفسه على السعي إلى ما يظن أن فيه لذة عاجلة فوا عجبا ممن يترجح عنده جانب الظن على جانب العلم و ما ذاك إلا لضعف يقين الناس و حب العاجل.ثم قال يخاف على غيره بأدنى من ذنبه و يرجو لنفسه أكثر من عمله ما يزال يرى الواحد منا كذلك يقول إني لخائف على فلان من الذنب الفلاني و هو مقيم على أفحش من ذلك الذنب و يرجو لنفسه النجاة بما لا تقوم أعماله الصالحة بالمصير إلى النجاة به نحو أن يكون يصلي ركعات في الليل أو يصوم أياما يسيرة في الشهر و نحو ذلك.قال إن استغنى بطر و فتن و إن افتقر قنط و وهن قنط بالفتح يقنط بالكسر قنوطا مثل جلس يجلس جلوسا و يجوز قنط يقنط بالضم مثل قعد يقعد و فيه لغة ثالثة قنط يقنط قنطا مثل تعب يتعب تعبا و قناطة فهو قنط و به قرئ( فَلا تَكُنْ مِنَ اَلْقانِطِينَ ) و القنوط اليأس و وهن الرجل يهن أي ضعف و هذا المعنى قد تكرر.قال يقصر إذا عمل و يبالغ إذا سئل هذا مثل ما
مدح به النبي ص الأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع.قال إن عرضت له شهوة أسلف المعصية و سوف التوبة و إن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة هذا كما قيل أمدحه نقدا و يثيبني نسيئة و انفرج عن شرائط الملة قال أو فعل ما يقتضي الخروج عن الدين و هذا موجود في كثير من الناس إذا عرته المحن كفروا أو قال ما يقارب الكفر من التسخط و التبرم و التأفف.
قال يصف العبرة و لا يعتبر و يبالغ في الموعظة و لا يتعظ هذا هو المعنى الأول.قال فهو بالقول مدل و من العمل مقل هذا هو المعنى أيضا.قال ينافس فيما يفنى أي في شهوات الدنيا و لذاتها و يسامح فيما يبقى أي في الثواب.قال يرى الغنم مغرما و الغرم مغنما هذا هو المعنى الذي ذكرناه آنفا.قال يخشى الموت و لا يبادر الفوت قد تكرر هذا المعنى في هذا الفصل.و كذلك قوله يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه...و إلى آخر الفصل كل مكرر المعنى و إن اختلفت الألفاظ و ذلك لاقتداره ع على العبارة و سعة مادة النطق عنده
147
وَ قَالَ ع لِكُلِّ اِمْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ هكذا قرأناه و وجدناه في كثير من النسخ و وجدناه في كثير منها لكل أمر عاقبة و هو الأليق و مثل هذا المعنى قولهم في المثل لكل سائل قرار و قد أخذه الطائي فقال:
فكانت لوعة ثم استقرت |
كذلك لكل سائلة قرار |
و قال الكميت في مثل هذا:
فالآن صرت إلى أمية |
و الأمور إلى مصاير |
فأما الرواية الأولى و هي لكل امرئ فنظائرها في القرآن كثيرة نحو قوله تعالى( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ ) و قوله( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسانُ ما سَعى وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى فَأَمَّا مَنْ طَغى وَ آثَرَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى ) و غير ذلك من الآيات
148
وَ قَالَ ع اَلرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ وَ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ إِثْمُ اَلْعَمَلِ بِهِ وَ إِثْمُ اَلرِّضَا اَلرِّضَى بِهِ لا فرق بين الرضا بالفعل و بين المشاركة فيه أ لا ترى أنه إذا كان ذلك الفعل قبيحا استحق الراضي به الذم كما يستحقه الفاعل له و الرضا يفسر على وجهين الإرادة و ترك الاعتراض فإن كان الإرادة فلا ريب أنه يستحق الذم لأن مريد القبيح فاعل للقبيح و إن كان ترك الاعتراض مع القدرة على الاعتراض فلا ريب أنه يستحق الذم أيضا لأن تارك النهي عن المنكر مع ارتفاع الموانع يستحق الذم.فأما قوله ع و على كل داخل في باطل إثمان فإن أراد الداخل فيه بأن يفعله حقيقة فلا شبهة في أنه يأثم من جهتين إحداهما من حيث إنه أراد القبيح.و الأخرى من حيث إنه فعله و إن كان قوم من أصحابنا قالوا إن عقاب المراد هو عقاب الإرادة.و إن أراد أن الراضي بالقبيح فقط يستحق إثمين أحدهما لأنه رضي به و الآخر لأنه كالفاعل فليس الأمر على ذلك لأنه ليس بفاعل للقبيح حقيقة ليستحق الإثم من جهة الإرادة و من جهة الفعلية جميعا فوجب إذن أن يحمل كلامه ع على الوجه الأول
149
وَ قَالَ ع لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ وَ مَا أَدْبَرَ فَكَأَنْ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ هذا معنى قد استعمل كثيرا جدا فمنه المثل:
ما طار طير و ارتفع |
إلا كما طار وقع |
و قول الشاعر:
بقدر العلو يكون الهبوط |
و إياك و الرتب العالية |
و قال بعض الحكماء حركة الإقبال بطيئة و حركة الإدبار سريعة لأن المقبل كالصاعد إلى مرقاة و مرقاة المدبر كالمقذوف به من علو إلى أسفل قال الشاعر:
في هذه الدار في هذا الرواق على |
هذي الوسادة كان العز فانقرضا |
آخر:
إن الأمور إذا دنت لزوالها |
فعلامة الإدبار فيها تظهر |
و في الخبر المرفوع كانت ناقة رسول الله ص العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد على الصحابة ذلك فقال رسول الله ص إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه.و قال شيخ من همدان بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهدايا فمكثت
تحت قصره حولا لا أصل إليه ثم أشرف إشرافة من كوة له فخر له من حول العرش سجدا ثم رأيته بعد ذلك بحمص فقيرا يشتري اللحم و يسمطه خلف دابته و هو القائل:
أف لدنيا إذا كانت كذا |
أنا منها في هموم و أذى |
|
إن صفا عيش امرئ في صبحها |
جرعته ممسيا كأس القذى |
|
و لقد كنت إذا ما قيل من |
أنعم العالم عيشا قيل ذا |
و قال بعض الأدباء في كلام له بينا هذه الدنيا ترضع بدرتها و تصرح بزبدتها و تلحف فضل جناحها و تغر بركود رياحها إذ عطفت عطف الضروس و صرخت صراخ الشموس و شنت غارة الهموم و أراقت ما حلبت من النعيم فالسعيد من لم يغتر بنكاحها و استعد لو شك طلاقها شاعر هو إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي و كان عثمانيا:
لعمر أبيك فلا تكذبن |
لقد ذهب الخير إلا قليلا |
|
و قد فتن الناس في دينهم |
و خلى ابن عفان شرا طويلا |
و قال أبو العتاهية:
يعمر بيت بخراب بيت |
يعيش حي بتراث ميت |
و قال أنس بن مالك ما من يوم و لا ليلة و لا شهر و لا سنة إلا و الذي قبله خير منه سمعت ذلك من نبيكم ع فقال شاعر:
رب يوم بكيت منه فلما |
صرت في غيره بكيت عليه |
قيل لبعض عظماء الكتاب بعد ما صودر ما تفكر في زوال نعمتك فقال لا بد من الزوال فلان تزول و أبقى خير من أن أزول و تبقى.و من كلام الجاهلية الأولى كل مقيم شاخص و كل زائد ناقص.شاعر:
إنما الدنيا دول |
فراحل قيل نزل |
إذ نازل قيل رحل
لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سأل عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فأتاها و سألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس و ما من شيء يدب تحت الخورنق إلا و هو تحت أيدينا ثم غربت و قد رحمنا كل من نلم به و ما بيت دخلته حبرة إلا ستدخله عبرة ثم قالت:
فبينا نسوس الناس و الأمر أمرنا |
إذا نحن فيهم سوقة نتنصف |
|
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها |
تقلب تارات بنا و تصرف |
و جاءها سعد بن أبي وقاص مرة فلما رآها قال قاتل الله عدي بن زيد كأنه كان ينظر إليها حيث قال لأبيها
إن للدهر صرعة فاحذرنها |
لا تبيتن قد أمنت الدهورا |
|
قد يبيت الفتى معافى فيردى |
و لقد كان آمنا مسرورا |
و قال مطرف بن الشخير لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك و لين رياشهم و لكن انظروا إلى سرعة ظعنهم و سوء منقلبهم و إن عمرا قصيرا يستوجب به صاحبه النار لعمر مشئوم على صاحبه.لما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد و قعد على فراشه قالت ابنة مروان له يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه و أقعدك عليها لمبلغ في عظتك إن عقلت
150
وَ قَالَ ع لاَ يَعْدَمُ اَلصَّبُورُ اَلظَّفَرَ وَ إِنْ طَالَ بِهِ اَلزَّمَانُ قد تقدم كلامنا في الصبر.و قالت الحكماء الصبر ضربان جسمي و نفسي فالجسمي تحمل المشاق بقدر القوة البدنية و ليس ذلك بفضيلة تامة و لذلك قال الشاعر
و الصبر بالأرواح يعرف فضله
صبر الملوك و ليس بالأجسام
و هذا النوع إما في الفعل كالمشي و رفع الحجر أو في رفع الانفعال كالصبر على المرض و احتمال الضرب المفظع و إما النفسي ففيه تتعلق الفضيلة و هو ضربان صبر عن مشتهى و يقال له عفة و صبر على تحمل مكروه أو محبوب و تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعة فإن كان في نزول مصيبة لم يتعد به اسم الصبر و يضاده الجزع و الهلع و الحزن و إن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس و يضاده البطر و الأشر و الرفغ و إن كان في محاربة سمي شجاعة و يضاده الجبن و إن كان في إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلما و يضاده التذمر و الاستشاطة و إن كان في نائبة مضجرة سمي سعة صدر و يضاده الضجر و ضيق العطن و التبرم و إن كان في إمساك كلام في الضمير سمي كتمان السر و يضاده الإفشاء و إن كان عن فضول العيش سمي قناعة و زهدا و يضاده الحرص و الشره فهذه كلها أنواع الصبر و لكن اللفظ العرفي واقع على الصبر الجسماني و على ما يكون في نزول المصائب و تنفرد باقي الأنواع بأسماء تخصها
151
وَ قَالَ ع مَا اِخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلاَّ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلاَلَةً هذا عند أصحابنا مختص باختلاف الدعوة في أصول الدين و يدخل في ذلك الإمامة لأنها من أصول الدين و لا يجوز أن يختلف قولان متضادان في أصول الدين فيكونا صوابا لأنه إن عني بالصواب مطابقة الاعتقاد للخارج فمستحيل أن يكون الشيء في نفسه ثابتا منفيا و إن أراد بالصواب سقوط الإثم كما يحكى عن عبيد بن الحسن العنبري فإنه جعل اجتهاد المجتهدين في الأصول عذرا فهو قول مسبوق بالإجماع.و لا يحمل أصحابنا كلام أمير المؤمنين ع على عمومه لأن المجتهدين في فروع الشريعة و إن اختلفوا و تضادت أقوالهم ليسوا و لا واحد منهم على ضلال و هذا مشروح في كتبنا الكلامية في أصول الفقه
152
وَ قَالَ ع مَا كَذَبْتُ وَ لاَ كُذِبْتُ وَ لاَ ضَلَلْتُ وَ لاَ ضُلَّ بِي هذه كلمة قد قالها مرارا إحداهن في وقعة النهروان.و كذبت بالضم أخبرت بخبر كاذب أي لم يخبرني رسول الله ص عن المخدج خبرا كاذبا لأن أخباره ص كلها صادقة.و ضل بي بالضم نحو ذلك أي لم يضللني مضلل عن الصدق و الحق لأنه كان يستند في أخباره عن الغيوب إلى رسول الله ص و هو منزه عن إضلاله و إضلال أحد من المكلفين.فكأنه قال لما أخبرهم عن المخدج و إبطاء ظهوره لهم أنا لم أكذب على رسول الله ص و رسول الله ص لا يكذب فيما أخبرني بوقوعه فإذا لا بد من ظفركم بالمخدج فاطلبوه
153
وَ قَالَ ع لِلظَّالِمِ اَلْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَّةٌ هذا من قوله تعالى( وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ) و إنما قال للبادي لأن من انتصر بعد ظلمه فلا سبيل عليه و من أمثالهم البادي أظلم.فإن قلت فإذا لم يكن باديا لم يكن ظالما فأي حاجة له إلى الاحتراز بقوله البادي قلت لأن العرب تطلق على ما يقع في مقابلة الظلم اسم الظلم أيضا كقوله تعالى( وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها )
154
وَ قَالَ ع اَلرَّحِيلُ وَشِيكٌ الوشيك السريع و أراد بالرحيل هاهنا الرحيل عن الدنيا و هو الموت.و قال بعض الحكماء قبل وجود الإنسان عدم لا أول له و بعده عدم لا آخر له و ما شبهت وجوده القليل المتناهي بين العدمين غير المتناهيين إلا ببرق يخطف خطفة خفيفة في ظلام معتكر ثم يخمد و يعود الظلام كما كان
155
وَ قَالَ ع مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ قد تقدم تفسيرنا لهذه الكلمة في أول الكتاب و معناها من نابذ الله و حاربه هلك يقال لمن خالف و كاشف قد أبدى صفحته
156
وَ قَالَ ع اِعْتَصِمُوا اِسْتَعْصِمُوا بِالذِّمَمِ فِي أَوْتَارِهَا أَوْتَادِهَا أي في مظانها و في مركزها أي لا تستندوا إلى ذمام الكافرين و المارقين فإنهم ليسوا أهلا للاستعصام بذممهم كما قال الله تعالى( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً ) و قال( إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ ) .و هذه كلمة قالها بعد انقضاء أمر الجمل و حضور قوم من الطلقاء بين يديه ليبايعوه منهم مروان بن الحكم فقال و ما ذا أصنع ببيعتك أ لم تبايعني بالأمس يعني بعد قتل عثمان ثم أمر بإخراجهم و رفع نفسه عن مبايعة أمثالهم و تكلم بكلام ذكر فيه ذمام العربية و ذمام الإسلام و ذكر أن لا دين له فلا ذمام له.ثم قال في أثناء الكلام فاستعصموا بالذمم في أوتارها أي إذا صدرت عن ذوي الدين فمن لا دين له لا عهد له
157
وَ قَالَ ع عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لاَ تُعْذَرُونَ فِي جَهَالَتِهِ بِجَهَالَتِهِ يعني نفسه ع و هو حق على المذهبين جميعا أما نحن فعندنا أنه إمام واجب الطاعة بالاختبار فلا يعذر أحد من المكلفين في الجهل بوجوب طاعته و أما على مذهب الشيعة فلأنه إمام واجب الطاعة بالنص فلا يعذر أحد من المكلفين في جهالة إمامته و عندهم أن معرفة إمامته تجري مجرى معرفة محمد ص و مجرى معرفة البارئ سبحانه و يقولون لا تصح لأحد صلاة و لا صوم و لا عبادة إلا بمعرفة الله و النبي و الإمام.و على التحقيق فلا فرق بيننا و بينهم في هذا المعنى لأن من جهل إمامة علي ع و أنكر صحتها و لزومها فهو عند أصحابنا مخلد في النار لا ينفعه صوم و لا صلاة لأن المعرفة بذلك من الأصول الكلية التي هي أركان الدين و لكنا لا نسمي منكر إمامته كافرا بل نسميه فاسقا و خارجيا و مارقا و نحو ذلك و الشيعة تسميه كافرا فهذا هو الفرق بيننا و بينهم و هو في اللفظ لا في المعنى
158
وَ قَالَ ع مَا شَكَكْتُ فِي اَلْحَقِّ مُنْذُ مُذْ أُرِيتُهُ أي منذ أعلمته و يجب أن يقدر هاهنا مفعول محذوف أي منذ أريته حقا لأن أرى يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل تقول أرى الله زيدا عمرا خير الناس فإذا بنيته للمفعول به قام واحد من الثلاثة مقام الفاعل و وجب أن يؤتى بمفعولين غيره تقول أريت زيدا خير الناس و إن كان أشار بالحق إلى أمر مشاهد بالبصر لم يحتج إلى ذلك و يجوز أن يعني بالحق الله سبحانه و تعالى لأن الحق من أسمائه عز و جل فيقول منذ عرفت الله لم أشك فيه و تكون الرؤية بمعنى المعرفة فلا يحتاج إلى تقدير مفعول آخر و ذلك مثل قوله تعالى( وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اَللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) أي لا تعرفونهم الله يعرفهم و المراد من هذا الكلام ذكر نعمة الله عليه في أنه منذ عرف الله سبحانه لم يشك فيه أو منذ عرف الحق في العقائد الكلامية و الأصولية و الفقهية لم يشك في شيء منها و هذه مزية له ظاهرة على غيره من الناس فإن أكثرهم أو كلهم يشك في الشيء بعد أن عرفه و تعتوره الشبه و الوساوس و يران على قلبه و تختلجه الشياطين عما أدى إليه نظره.
و قد روي أن النبي ص لما بعثه إلى اليمن قاضيا ضرب على صدره و قال اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه فكان يقول ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين و روي أن رسول الله ص لما قرأ( وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ) قال اللهم اجعلها أذن علي و قيل له قد أجيبت دعوتك
159
وَ قَالَ ع وَ قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ قَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اِهْتَدَيْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنِ اِسْتَمَعْتُمْ قال الله تعالى( وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى عَلَى اَلْهُدى ) .و قال سبحانه( وَ هَدَيْناهُ اَلنَّجْدَيْنِ ) .و قال بعض الصالحين ألا إنهما نجدا الخير و الشر فجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير.قلت النجد الطريق.و اعلم أن الله تعالى قد نصب الأدلة و مكن المكلف بما أكمل له من العقل من الهداية فإذا ضل فمن قبل نفسه أتى.و قال بعض الحكماء الذي لا يقبل الحكمة هو الذي ضل عنها ليست هي الضالة عنه.و قال متى أحسست بأنك قد أخطأت و أردت ألا تعود أيضا فتخطئ فانظر إلى أصل في نفسك حدث عنه ذلك الخطأ فاحتل في قلعه و ذلك أنك إن لم تفعل ذلك عاد فثبت خطأ آخر و كان يقال كما أن البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النتن كذلك النفس الخالية من الحكمة و كما أن البدن الخالي من النفس ليس يحس ذلك بالبدن
بل الذين لهم حس يحسونه به كذلك النفس العديمة للحكمة ليس تحس به تلك النفس بل يحس به الحكماء و قيل لبعض الحكماء ما بال الناس ضلوا عن الحق أ تقول إنهم لم تخلق فيهم قوة معرفة فقال لا بل خلق لهم ذلك و لكنهم استعملوا تلك القوة على غير وجهها و في غير ما خلقت له كالسم تدفعه إلى إنسان ليقتل به عدوه فيقتل به نفسه
160
وَ قَالَ ع عَاتِبْ أَخَاكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ اُرْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ الأصل في هذا قول الله تعالى( اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) و روى المبرد في الكامل عن ابن عائشة عن رجل من أهل الشام قال دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها و لا ثوبا و لا سمتا و لا دابة منه فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل هذا الحسن بن الحسن بن علي فامتلأ قلبي له بغضا و حسدت عليا أن يكون له ابن مثله فصرت إليه و قلت له أنت ابن أبي طالب فقال أنا ابن ابنه قلت فبك و بأبيك فلما انقضى كلامي قال أحسبك غريبا قلت أجل قال فمل بنا فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال واسيناك أو إلى حاجة عاوناك.فانصرفت عنه و ما على الأرض أحد أحب إلي منه.و قال محمود الوراق:
إني شكرت لظالمي ظلمي |
و غفرت ذاك له على علم |
|
و رأيته أهدى إلي يدا |
لما أبان بجهله حلمي |
|
رجعت إساءته عليه و |
إحساني فعاد مضاعف الجرم |
و غدوت ذا أجر و محمدة |
و غدا بكسب الظلم و الإثم |
|
فكأنما الإحسان كان له |
و أنا المسيء إليه في الحكم |
|
ما زال يظلمني و أرحمه |
حتى بكيت له من الظلم |
قال المبرد أخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش قال له رجل منهم إني مررت بآل فلان و هم يشتمونك شتما رحمتك منه قال أ فسمعتني أقول إلا خيرا قال لا قال إياهم فارحم.و قال رجل لأبي بكر لأشتمنك شتما يدخل معك قبرك فقال معك و الله يدخل لا معي
161
وَ قَالَ ع مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ اَلتُّهَمَةِ فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ اَلظَّنَّ
رأى بعض الصحابة رسول الله ص واقفا في درب من دروب المدينة و معه امرأة فسلم عليه فرد عليه فلما جاوزه ناداه فقال هذه زوجتي فلانة قال يا رسول الله أ و فيك يظن فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم و جاء في الحديث المرفوع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك و قال أيضا لا يكمل إيمان عبد حتى يترك ما لا بأس به.و قد أخذ هذا المعنى شاعر فقال:
و زعمت أنك لا تلوط فقل لنا |
هذا المقرطق واقفا ما يصنع |
|
شهدت ملاحته عليك بريبة |
و على المريب شواهد لا تدفع |
162
وَ قَالَ ع مَنْ مَلَكَ اِسْتَأْثَرَ المعنى أن الأغلب في كل ملك يستأثر على الرعية بالمال و العز و الجاه.و نحو هذا المعنى قولهم من غلب سلب و من عز بز.و نحوه قول أبي الطيب:
و الظلم من شيم النفوس فإن تجد |
ذا عفة فلعلة لا يظلم |
163
وَ قَالَ ع مَنِ اِسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ وَ مَنْ شَاوَرَ اَلرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا قد تقدم لنا قول كاف في المشورة مدحا و ذما و كان عبد الملك بن صالح الهاشمي يذمها و يقول ما استشرت واحدا قط إلا تكبر علي و تصاغرت له و دخلته العزة و دخلتني الذلة فإياك و المشورة و إن ضاقت عليك المذاهب و اشتبهت عليك المسائل و أداك الاستبداد إلى الخطإ الفادح.و كان عبد الله بن طاهر يذهب إلى هذا المذهب و يقول ما حك جلدك مثل ظفرك و لأن أخطئ مع الاستبداد ألف خطإ أحب إلي من أن أستشير و أرى بعين النقص و الحاجة.و كان يقال الاستشارة إذاعة السر و مخاطرة بالأمر الذي ترومه بالمشاورة فرب مستشار أذاع عنك ما كان فيه فساد تدبيرك.و أما المادحون للمشورة فكثير جدا و قالوا خاطر من استبد برأيه.و قالوا المشورة راحة لك و تعب على غيرك.و قالوا من أكثر من المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا و عند الخطإ عاذرا.
و قالوا المستشير على طرف النجاح و الاستشارة من عزم الأمور.و قالوا المشورة لقاح العقول و رائد الصواب.و من ألفاظهم البديعة ثمرة رأي المشير أحلى من الأري المشور.و قال بشار:
إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن |
بعزم نصيح أو مشورة حازم |
|
و لا تجعل الشورى عليك غضاضة |
فإن الخوافي عدة للقوادم |
164
وَ قَالَ ع مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ اَلْخِيَرَةُ فِي يَدِهِ بِيَدِهِ قد تقدم القول في السر و الأمر بكتمانه و نذكر هاهنا أشياء أخر.من أمثالهم مقتل الرجل بين لحييه.دنا رجل من آخر فساره فقال إن من حق السر التداني.كان مالك بن مسمع إذا ساره إنسان قال له أظهره فلو كان فيه خير لما كان مكتوما.حكيم يوصي ابنه يا بني كن جوادا بالمال في موضع الحق ضنينا بالإسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر.و من كلامهم سرك من دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته.و قال الشاعر:
فلا تفش سرك إلا إليك |
فإن لكل نصيح نصيحا |
|
أ لم تر أن غواة الرجال |
لا يتركون أديما صحيحا |
و قال عمر بن عبد العزيز القلوب أوعية الأسرار و الشفاه أقفالها و الألسن مفاتيحها فليحفظ كل امرئ مفتاح سره.
و قال بعض الحكماء من أفشى سره كثر عليه المتآمرون.أسر رجل إلى صديق سرا ثم قال له أ فهمت قال له بل جهلت قال أ حفظت قال بل نسيت.و قيل لرجل كيف كتمانك السر قال أجحد المخبر و أحلف للمستخبر.أنشد الأصمعي قول الشاعر:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه |
بنث و تكثير الوشاة قمين |
فقال و الله ما أراد بالاثنين إلا الشفتين
165
وَ قَالَ ع اَلْفَقْرُ اَلْمَوْتُ اَلْأَكْبَرُ
في الحديث المرفوع أشقى الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا و عذاب الآخرة.و أتى بزرجمهر فقير جاهل فقال بئسما اجتمع على هذا البائس فقر ينقص دنياه و جهل يفسد آخرته.شاعر :
خلق المال و اليسار لقوم |
و أراني خلقت للإملاق |
|
أنا فيما أرى بقية قوم |
خلقوا بعد قسمة الأرزاق |
أخذ السيواسي هذا المعنى فقال في قصيدته الطويلة المعروفة بالساسانية :
ليت شعري لما بدا يقسم |
الأرزاق في أي مطبق كنت |
قرئ على أحد جانبي دينار :
قرنت بالنجح و بي كل ما |
يراد من ممتنع يوجد |
و على الجانب الآخر :
و كل من كنت له آلفا |
فالإنس و الجن له أعبد |
و قال أبو الدرداء من حفظ ماله فقد حفظ الأكثر من دينه و عرضه.بعضهم :
و إذا رأيت صعوبة في مطلب |
فاحمل صعوبته على الدينار |
|
تردده كالظهر الذلول فإنه |
حجر يلين قوة الأحجار |
و من دعاء السلف اللهم إني أعوذ بك من ذل الفقر و بطر الغنى
166
وَ قَالَ ع مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لاَ يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَّدَهُ عَبَدَهُ عبده بالتشديد أي اتخذه عبدا يقال عبده و استعبده بمعنى واحد و المعني بهذا الكلام مدح من لا يقضي حقه أي من فعل ذلك بإنسان فقد استعبد ذلك الإنسان لأنه لم يفعل معه ذلك مكافاة له عن حق قضاه إياه بل فعل ذلك إنعاما مبتدأ فقد استعبده بذلك.و قال الشاعر في نقيض هذه الحال يخاطب صاحبا له :
كن كأن لم تلاقني قط في الناس |
و لا تجعلن ذكراي شوقا |
|
و تيقن بأنني غير راء |
لك حقا حتى ترى لي حقا |
|
و بأني مفوق ألف سهم |
لك إن فوقت يمينك فوقا |
167
وَ قَالَ ع لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اَلْخَالِقِ هذه الكلمة قد رويت مرفوعة و قد جاء في كلام أبي بكر أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم و قال معاوية لشداد بن أوس قم فاذكر عليا فانتقصه فقام شداد فقال الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده و جعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره على ذلك مضى أولهم و عليه مضى آخرهم أيها الناس إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر و إن الدنيا أكل حاضر يأكل منها البر و الفاجر و إن السامع المطيع لله لا حجة عليه و إن السامع العاصي لله لا حجة له و إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و إذا أراد الله بالناس خيرا استعمل عليهم صلحاءهم و قضى بينهم فقهاؤهم و جعل المال في سمحائهم و إذا أراد بالعباد شرا عمل عليهم سفهاؤهم و قضى بينهم جهلاؤهم و جعل المال عند بخلائهم و إن من إصلاح الولاة أن تصلح قرناءها ثم التفت إلى معاوية فقال نصحك يا معاوية من أسخطك بالحق و غشك من أرضاك بالباطل فقطع معاوية عليه كلامه و أمر بإنزاله ثم لاطفه و أمر له بمال فلما قبضه قال أ لست من السمحاء الذين ذكرت فقال إن كان لك مال غير مال المسلمين أصبته حلالا و أنفقته إفضالا فنعم و إن كان مال المسلمين احتجبته دونهم أصبته اقترافا و أنفقته إسرافا فإن الله يقول( إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ اَلشَّياطِينِ )
168
وَ قَالَ ع لاَ يُعَابُ اَلْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ لعل هذه الكلمة قالها في جواب سائل سأله لم أخرت المطالبة بحقك من الإمامة و لا بد من إضمار شيء في الكلام على قولنا و قول الإمامية لأنا نحن نقول الأمر حقه بالأفضلية و هم يقولون إنه حقه بالنص و على كلا التقديرين فلا بد من إضمار شيء في الكلام لأن لقائل أن يقول له ع لو كان حقك من غير أن يكون للمكلفين فيه نصيب لجاز ذلك أن يؤخر كالدين الذي يستحق على زيد يجوز لك أن تؤخره لأنه خالص لك وحدك فأما إذا كان للمكلفين فيه حاجة ماسة لم يكن حقك وحدك لأن مصالح المكلفين منوطة بإمامتك دون إمامة غيرك فكيف يجوز لك تأخير ما فيه مصلحة المكلفين فإذن لا بد من إضمار شيء في الكلام و تقديره لا يعاب المرء بتأخير حقه إذا كان هناك مانع عن طلبه و يستقيم المعنى حينئذ على المذهبين جميعا لأنه إذا كان هناك مانع جاز تقديم غيره عليه و جاز له أن يؤخر طلب حقه خوف الفتنة و الكلام في هذا الموضع مستقصى في تصانيفنا في علم الكلام
169
وَ قَالَ ع اَلْإِعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ اَلاِزْدِيَادِ اَلاِزْدِيَادَ قد تقدم لنا قول مقنع في العجب و إنما قال ع يمنع من الازدياد لأن المعجب بنفسه ظان أنه قد بلغ الغرض و إنما يطلب الزيادة من يستشعر التقصير لا من يتخيل الكمال و حقيقة العجب ظن الإنسان بنفسه استحقاق منزلة هو غير مستحق لها و لهذا قال بعضهم لرجل رآه معجبا بنفسه يسرني أن أكون عند الناس مثلك في نفسك و أن أكون عند نفسي مثلك عند الناس فتمنى حقيقة ما يقدره ذلك الرجل ثم تمنى أن يكون عارفا بعيوب نفسه كما يعرف الناس عيوب ذلك الرجل المعجب بنفسه.و قيل للحسن من شر الناس قال من يرى أنه خيرهم.و قال بعض الحكماء الكاذب في نهاية البعد من الفضل و المرائي أسوأ حالا من الكاذب لأنه يكذب فعلا و ذاك يكذب قولا و الفعل آكد من القول فأما المعجب بنفسه فأسوأ حالا منهما لأنهما يريان نقص أنفسهما و يريدان إخفاءه و المعجب بنفسه قد عمي عن عيوب نفسه فيراها محاسن و يبديها.و قال هذا الحكيم أيضا ثم إن المرائي و الكاذب قد ينتفع بهما كملاح خاف
ركابه الغرق من مكان مخوف من البحر فبشرهم بتجاوزه قبل أن يتجاوزه لئلا يضطربوا فيتعجل غرقهم.و قد يحمد رياء الرئيس إذا قصد أن يقتدى به في فعل الخير و المعجب لا حظ له في سبب من أسباب المحمدة بحال.و أيضا فلأنك إذا وعظت الكاذب و المرائي فنفسهما تصدقك و تثلبهما لمعرفتهما بنفسهما و المعجب فلجهله بنفسه يظنك في وعظه لاغيا فلا ينتع بمقالك و إلى هذا المعنى أشار سبحانه بقوله( أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) ثم قال سبحانه( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) تنبيها على أنهم لا يعقلون لإعجابهم.و قال ع ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه.و في المثل إن إبليس قال إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها إذا أعجب بنفسه و استكثر عمله و نسي ذنوبه.و قالت الحكماء كما أن المعجب بفرسه لا يروم أن يستبدل به غيره كذلك المعجب بنفسه لا يريد بحاله بدلا و إن كانت رديئة.و أصل الإعجاب من حب الإنسان لنفسه و قد قال ع حبك الشيء يعمي و يصم و من عمي و صم تعذر عليه رؤية عيوبه و سماعها فلذلك وجب على الإنسان أن يجعل على نفسه عيونا تعرفه عيوبه نحو ما قال عمر أحب الناس إلي امرؤ أهدى إلي عيوبي.و يجب على الإنسان إذا رأى من غيره سيئة أن يرجع إلى نفسه فإن رأى ذلك
موجودا فيها نزعها و لم يغفل عنها فما أحسن ما قال المتنبي:
و من جهلت نفسه قدره |
رأى غيره منه ما لا يرى |
و أما التيه و ماهيته فهو قريب من العجب لكن المعجب يصدق نفسه و هما فيما يظن بها و التياه يصدقها قطعا كأنه متحير في تيه و يمكن أن يفرق بينهما بأمر آخر و يقول إن المعجب قد يعجب بنفسه و لا يؤذي أحدا بذلك الإعجاب و التياه يضم إلى الإعجاب الغض من الناس و الترفع عليهم فيستلزم ذلك الأذى لهم فكل تائه معجب و ليس كل معجب تائها
170
وَ قَالَ ع اَلْأَمْرُ قَرِيبٌ وَ اَلاِصْطِحَابُ قَلِيلٌ هذه الكلمة تذكر بالموت و سرعة زوال الدنيا و قال أبو العلاء:
نفسي و جسمي لما استجمعا صنعا |
شرا إلى فجل الواحد الصمد |
|
فالجسم يعذل فيه النفس مجتهدا |
و تلك تزعم أن الظالم الجسد |
|
إذا هما بعد طول الصحبة افترقا |
فإن ذاك لأحداث الزمان يد |
|
و أصبح الجوهر الحساس في محن |
موصولة و استراح الآخر الجمد |
171
وَ قَالَ ع قَدْ أَضَاءَ اَلصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ هذا الكلام جار مجرى المثل و مثله
و الشمس لا تخفى عن الأبصار
و مثله
إن الغزالة لا تخفى عن البصر
و قال ابن هانئ يمدح المعتز:
فاستيقظوا من رقدة و تنبهوا |
ما بالصباح عن العيون خفاء |
|
ليست سماء الله ما ترونها |
لكن أرضا تحتويه سماء |
172
وَ قَالَ ع تَرْكُ اَلذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ اَلتَّوْبَةِ اَلْمَعُونَةِ هذا حق لأن ترك الذنب هو الإحجام عنه و هذا سهل على من يعرف أثر الذنب على ما ذا يكون و هو أسهل من أن يواقع الإنسان الذنب ثم يطلب التوبة فقد لا يخلص داعيه إليها ثم لو خلص فكيف له بحصوله على شروطها و هي أن يندم على القبيح لأنه قبيح لا لخوف العقاب و لا لرجاء الثواب ثم لا يكفيه أن يتوب من الزنا وحده و لا من شرب الخمر وحده بل لا تصح توبته حتى تكون عامة شاملة لكل القبائح فيندم على ما قال و يود أنه لم يفعل و يعزم على ألا يعاود معصية أصلا و إن نقض التوبة عادت عليه الآثام القديمة و العقاب المستحق و لا الذي كان سقط بالتوبة على رأي كثير من أرباب علم الكلام و لا ريب أن ترك الذنب من الابتداء أسهل من طلب توبة هذه صفتها.و هذا الكلام جار مجرى المثل يضرب لمن يشرع في أمر يخاطر فيه و يرجو أن يتخلص منه فيما بعد بوجه من الوجوه
173
وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ تَمْنَعُ مَنَعَتْ أَكَلاَتٍ أخذ هذا المعنى بلفظه الحريري فقال في المقامات رب أكلة هاضت الآكل و منعته مآكل و أخذه أبو العلاف الشاعر فقال في سنوره الذي يرثيه:
أردت أن تأكل الفراخ و لا |
يأكلك الدهر أكل مضطهد |
|
يا من لذيذ الفراخ أوقعه |
ويحك هلا قنعت بالقدد |
|
كم أكلة خامرت حشا شره |
فأخرجت روحه من الجسد |
و كان ابن عياش المنتوف يمازح المنصور أبا جعفر فيحتمله على أنه كان جدا كله فقدم المنصور لجلسائه يوما بطة كثيرة الدهن فأكلوا و جعل يأمرهم بالازدياد من الأكل لطيبها فقال ابن عياش قد علمت غرضك يا أمير المؤمنين إنما تريد أن ترميهم منها بالحجاب يعني الهيضة فلا يأكلوا إلى عشرة أيام شيئا.و في المثل أكلة أبي خارجة و قال أعرابي و هو يدعو الله بباب الكعبة اللهم
ميتة كميتة أبي خارجة فسألوه فقال أكل بذجا و هو الحمل و شرب وطبا من اللبن و يروى من النبيذ و هو كالحوض من جلود ينبذ فيه و نام في الشمس فمات فلقي الله تعالى شبعان ريان دفيئا.و العرب تعير بكثرة الأكل و تعيب بالجشع و الشره و النهم و قد كان فيهم قوم موصوفون بكثرة الأكل منهم معاوية قال أبو الحسن المدائني في كتاب الأكلة كان يأكل في اليوم أربع أكلات أخراهن عظماهن ثم يتعشى بعدها بثريدة عليها بصل كثير و دهن كثير قد شغلها و كان أكله فاحشا يأكل فيلطخ منديلين أو ثلاثة قبل أن يفرغ و كان يأكل حتى يستلقي و يقول يا غلام ارفع فلأني و الله ما شبعت و لكن مللت.و كان عبيد الله بن زياد يأكل في اليوم خمس أكلات أخراهن خبية بعسل و يوضع بين يديه بعد أن يفرغ الطعام عناق أو جدي فيأتي عليه وحده.و كان سليمان بن عبد الملك المصيبة العظمى في الأكل دخل إلى الرافقة فقال لصاحب طعامه أطعمنا اليوم من خرفان الرافقة و دخل الحمام فأطال ثم خرج فأكل ثلاثين خروفا بثمانين رغيفا ثم قعد على المائدة فأكل مع الناس كأنه لم يأكل شيئا.و قال الشمردل وكيل آل عمرو بن العاص قدم سليمان الطائف و قد عرفت استجاعته فدخل هو و عمر بن عبد العزيز و أيوب ابنه إلى بستان لي هناك يعرف بالرهط فقال ناهيك بمالك هذا لو لا جرار فيه قلت يا أمير المؤمنين إنها ليست بجرار و لكنها جرار الزبيب فضحك ثم جاء حتى ألقى صدره على غصن شجرة هناك و قال يا شمردل أ ما عندك شيء تطعمني و قد كنت استعددت له فقلت بلى و الله عندي جدي كانت تغدو عليه حافلة و تروح عليه أخرى فقال عجل به فجئته
به مشويا كأنه عكة سمن فأكله لا يدعو عليه عمر و لا ابنه حتى إذا بقي فخذ قال يا عمر هلم قال إني صائم ثم قال يا شمردل أ ما عندك شيء قلت بلى دجاجات خمس كأنهن رئلان النعام فقال هات فأتيته بهن فكان يأخذ برجل الدجاجة حتى يعري عظامها ثم يلقيها حتى أتى عليهن ثم قال ويحك يا شمردل أ ما عندك شيء قلت بلى سويق كأنه قراضة الذهب ملتوت بعسل و سمن قال هلم فجئته بعس تغيب فيه الرأس فأخذه فلطم به جبهته حتى أتى عليه فلما فرغ تجشأ كأنه صارخ في جب ثم التفت إلى طباخه فقال ويحك أ فرغت من طبيخك قال نعم قال و ما هو قال نيف و ثمانون قدرا قال فأتني بها قدرا قدرا فعرضها عليه و كان يأكل من كل قدر لقمتين أو ثلاثا ثم مسح يده و استلقى على قفاه و أذن للناس و وضعت الموائد فقعد فأكل مع الناس كأنه لم يطعم شيئا.قالوا و كان الطعام الذي مات منه سليمان أنه قال لديراني كان صديقه قبل الخلافة ويحك لا تقطعني ألطافك التي كنت تلطفني بها على عهد الوليد أخي قال فأتيته يوما بزنبيلين كبيرين أحدهما بيض مسلوق و الآخر تين فقال لقمنيه فكنت أقشر البيضة و أقرنها بالتينة و ألقمه حتى أتى على الزنبيلين فأصابته تخمة عظيمة و مات و يحكى أن عمرو بن معديكرب أكل عنزا رباعية و فرقا من ذرة و الفرق ثلاثة آصع و قال لامرأته عالجي لنا هذا الكبش حتى أرجع فجعلت توقد تحته و تأخذ عضوا عضوا فتأكله فاطلعت فإذا ليس في القدر إلا المرق فقامت إلى كبش آخر فذبحته و طبخته ثم أقبل عمرو فثردت له في جفنة العجين و كفأت القدر عليها فمد يده و قال يا أم ثور دونك الغداء قالت قد أكلت فأكل الكبش كله ثم اضطجع و دعاها إلى الفراش فلم يستطع الفعل فقالت له كيف تستطيع و بيني و بينك كبشان.
و قد روي هذا الخبر عن بعض العرب و قيل إنه أكل حوارا و أكلت امرأته حائلا فلما أراد أن يدنو منها و عجز قالت له كيف تصل إلي و بيني و بينك بعيران.و كان الحجاج عظيم الأكل قال مسلم بن قتيبة كنت في دار الحجاج مع ولده و أنا غلام فقيل قد جاء الأمير فدخل الحجاج فأمر بتنور فنصب و أمر رجلا أن يخبز له خبز الماء و دعا بسمك فأتوه به فجعل يأكل حتى أكل ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الملة.و كان هلال بن أشعر المازني موصوفا بكثرة الأكل أكل ثلاث جفان ثريد و استسقى فجاءوه بقربة مملوءة نبيذا فوضعوا فمها في فمه حتى شربها بأسرها.و كان هلال بن أبي بردة أكولا قال قصابه جاءني رسوله سحرة فأتيته و بين يديه كانون فيه جمر و تيس ضخم فقال دونك هذا التيس فاذبحه فذبحته و سلخته فقال أخرج هذا الكانون إلى الرواق و شرح اللحم و كبه على النار فجعلت كلما استوى شيء قدمته إليه حتى لم يبق من التيس إلا العظام و قطعة لحم على الجمر فقال لي كلها فأكلتها ثم شرب خمسة أقداح و ناولني قدحا فشربته فهزني و جاءته جارية ببرمة فيها ناهضان و دجاجتان و أرغفة فأكل ذلك كله ثم جاءته جارية أخرى بقصعة مغطاة لا أدري ما فيها فضحك إلى الجارية فقال ويحك لم يبق في بطني موضع لهذا فضحكت الجارية و انصرفت فقال لي الحق بأهلك.
و كان عنبسة بن زياد أكولا نهما فحدث رجل من ثقيف قال دعاني عبيد الله الأحمر فقلت لعنبسة هل لك يا ذبحة و كان هذا لقبة في إتيان الأحمر فمضينا إليه فلما رآه عبيد الله رحب به و قال للخباز ضع بين يدي هذا مثل ما تضع بين يدي أهل المائدة كلهم فجعل يأتيه بقصعة و أهل المائدة بقصعة و هو يأتي عليها ثم أتاه بجدي فأكله كله و نهض القوم فأكل كل ما تخلف على المائدة و خرجنا فلقينا خلف بن عبد الله القطامي فقال له يا خلف أ ما تغديني يوما فقلت لخلف ويحك لا تجده مثل اليوم فقال له ما تشتهي قال تمرا و سمنا فانطلق به إلى منزله فجاء بخمس جلال تمرا و جرة سمنا فأكل الجميع و خرج فمر برجل يبني داره و معه مائة رجل و قد قدم لهم سمنا و تمرا فدعاه إلى الأكل معهم فأكل حتى شكوه إلى صاحب الدار ثم خرج فمر برجل بين يديه زنبيل فيه خبز أرز يابس بسمسم و هو يبيعه فجعل يساومه و يأكل حتى أتى على الزنبيل فأعطيت صاحب الزنبيل ثمن خبزة.و كان ميسرة الرأس أكولا حكي عنه عند المهدي محمد بن المنصور أنه يأكل كثيرا فاستدعاه و أحضر فيلا و جعل يرمي لكل واحد منهما رغيفا حتى أكل كل واحد منهما تسعة و تسعين رغيفا و امتنع الفيل من تمام المائة و أكل ميسرة تمام المائة و زاد عليها.و كان أبو الحسن العلاف والد أبي بكر بن العلاف الشاعر المحدث أكولا دخل يوما على الوزير أبي بكر محمد المهلبي فأمر الوزير أن يؤخذ حماره فيذبح و يطبخ بماء و ملح ثم قدم له على مائدة الوزير فأكل و هو يظنه لحم
البقر و يستطيبه حتى أتى عليه فلما خرج ليركب طلب الحمار فقيل له في جوفك.و كان أبو العالية أكولا نذرت امرأة حامل إن أتت بذكر تشبع أبا العالية خبيصا فولدت غلاما فأحضرته فأكل سبع جفان خبيصا ثم أمسك و خرج فقيل له إنها كانت نذرت أن تشبعك فقال و الله لو علمت ما شبعت إلى الليل
174
وَ قَالَ ع اَلنَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا هذه الكلمة قد تقدمت و تقدم منا ذكر نظائرها و العلة في أن الإنسان عدو ما يجهله أنه يخاف من تقريعه بالنقص و بعدم العلم بذلك الشيء خصوصا إذا ضمه ناد أو جمع من الناس فإنه تتصاغر نفسه عنده إذا خاضوا فيما لا يعرفه و ينقص في أعين الحاضرين و كل شيء آذاك و نال منك فهو عدوك
175
وَ قَالَ ع مَنِ اِسْتَقْبَلَ وُجُوهَ اَلآْرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ اَلْخَطَإِ قد قالوا في المثل شر الرأي الدبري.و قال الشاعر:
و خير الرأي ما استقبلت منه |
و ليس بأن تتبعه اتباعا |
و ليس المراد بهذا الأمر سرعة فضل الحال لأول خاطر و لأول رأي إن ذلك خطأ و قديما قيل دع الرأي يغب.و قيل كل رأي لم يخمر و يبيت فلا خير فيه.و إنما المنهي عنه تضييع الفرصة في الرأي ثم محاولة الاستدراك بعد أن فات وجه الرأي فذاك هو الرأي الدبري
176
وَ قَالَ ع مَنْ أَحَدَّ سِنَانَ اَلْغَضَبِ لِلَّهِ قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ اَلْبَاطِلِ هذا من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الكلمة تتضمن استعارة تدل على الفصاحة و المعنى أن من أرهف عزمه على إنكار المنكر و قوي غضبه في ذات الله و لم يخف و لم يراقب مخلوقا أعانه الله على إزالة المنكر و إن كان قويا صادرا من جهة عزيزة الجانب و عنها وقعت الكناية بأشداء الباطل
177
وَ قَالَ ع إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ ما أحسن ما قال المتنبي في هذا المعنى:
و إذا لم يكن من الموت بد |
فمن العجز أن تكون جبانا |
|
كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس |
سهل فيها إذا هو كانا |
و قال آخر:
لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه |
و أعظم مما حل ما يتوقع |
و قال آخر:
صعوبة الرزء تلقى في توقعه |
مستقبلا و انقضاء الرزء أن يقعا |
و كان يقال توسط الخوف تأمن.و من الأمثال العامية أم المقتول تنام و أم المهدد لا تنام.و كان يقال كل أمر من خير أو شر فسماعه أعظم من عيانه.و قال قوم من أهل الملة و ليسوا عند أصحابنا مصيبين إن عذاب الآخرة المتوعد به إذا حل بمستحقيه وجدوه أهون مما كانوا يسمعونه في الدنيا و الله أعلم بحقيقة ذلك
178
وَ قَالَ ع آلَةُ اَلرِّئَاسَةِ سَعَةُ اَلصَّدْرِ الرئيس محتاج إلى أمور منها الجود و منها الشجاعة و منها و هو الأهم سعة الصدر فإنه لا تتم الرئاسة إلا بذلك.و كان معاوية واسع الصدر كثير الاحتمال و بذلك بلغ ما بلغ
و نحن نذكر من سعة الصدر حكايتين دالتين على عظم محله في الرئاسة و إن كان مذموما في باب الدين و ما أحسن قول الحسن فيه و قد ذكر عنده عقيب ذكر أبي بكر و عمر فقال كانا و الله خيرا منه و كان أسود منهما.الحكاية الأولى وفد أهل الكوفة على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعهد بعده و في أهل الكوفة هانئ بن عروة المرادي و كان سيدا في قومه فقال يوما في مسجد دمشق و الناس حوله العجب لمعاوية يريد أن يقسرنا على بيعة يزيد و حاله حاله و ما ذاك و الله بكائن و كان
في القوم غلام من قريش جالسا فتحمل الكلمة إلى معاوية فقال معاوية أنت سمعت هانئا يقولها قال نعم قال فاخرج فأت حلقته فإذا خف الناس عنه فقل له أيها الشيخ قد وصلت كلمتك إلى معاوية و لست في زمن أبي بكر و عمر و لا أحب أن تتكلم بهذا الكلام فإنهم بنو أمية و قد عرفت جرأتهم و إقدامهم و لم يدعني إلى هذا القول لك إلا النصيحة و الإشفاق عليك فانظر ما يقول فأتني به.فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ فلما خف من عنده دنا منه فقص عليه الكلام و أخرجه مخرج النصيحة له فقال هانئ و الله يا ابن أخي ما بلغت نصيحتك كل ما أسمع و إن هذا الكلام لكلام معاوية أعرفه فقال الفتى و ما أنا و معاوية و الله ما يعرفني قال فلا عليك إذا لقيته فقل له يقول لك هانئ و الله ما إلى ذلك من سبيل انهض يا ابن أخي راشدا.فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه فقال نستعين بالله عليه.ثم قال معاوية بعد أيام للوفد ارفعوا حوائجكم و هانئ فيهم فعرض عليه كتابه فيه ذكر حوائجه فقال يا هانئ ما أراك صنعت شيئا زد فقام هانئ فلم يدع حاجة عرضت له إلا و ذكرها ثم عرض عليه الكتاب فقال أراك قصرت فيما طلبت زد فقام هانئ فلم يدع حاجة لقومه و لا لأهل مصره إلا ذكرها ثم عرض عليه الكتاب فقال ما صنعت شيئا زد فقال يا أمير المؤمنين حاجة بقيت قال ما هي قال أن أتولى أخذ البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بالعراق قال افعل فما زلت لمثل ذلك أهلا فلما قدم هانئ العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة و هو الوالي بالعراق يومئذ.
و أما الحكاية الثانية:
كان مال حمل من اليمن إلى معاوية فلما مر بالمدينة وثب عليه الحسين بن علي ع فأخذه و قسمه في أهل بيته و مواليه و كتب إلى معاوية من الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن عيرا مرت بنا من اليمن تحمل مالا و حللا و عنبرا و طيبا إليك لتودعها خزائن دمشق و تعل بها بعد النهل بني أبيك و إني احتجت إليها فأخذتها و السلام.فكتب إليه معاوية من عند عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسين بن علي سلام عليك أما بعد فإن كتابك ورد علي تذكر أن عيرا مرت بك من اليمن تحمل مالا و حللا و عنبرا و طيبا إلي لأودعها خزائن دمشق و أعل بها بعد النهل بني أبي و أنك احتجت إليها فأخذتها و لم تكن جديرا بأخذها إذ نسبتها إلي لأن الوالي أحق بالمال ثم عليه المخرج منه و ايم الله لو ترك ذلك حتى صار إلي لم أبخسك حظك منه و لكني قد ظننت يا ابن أخي أن في رأسك نزوة و بودي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك و أتجاوز عن ذلك و لكني و الله أتخوف أن تبتلي بمن لا ينظرك فواق ناقة و كتب في أسفل كتابه:
يا حسين بن علي ليس ما |
جئت بالسائغ يوما في العلل |
|
أخذك المال و لم تؤمر به |
إن هذا من حسين لعجل |
|
قد أجزناها و لم نغضب لها |
و احتملنا من حسين ما فعل |
|
يا حسين بن علي ذا الأمل |
لك بعدي وثبة لا تحتمل |
|
و بودي أنني شاهدها |
فإليها منك بالخلق الأجل |
|
إنني أرهب أن تصلى بمن |
عنده قد سبق السيف العذل |
و هذه سعة صدر و فراسة صادقة
179
وَ قَالَ ع اُزْجُرِ اَلْمُسِيءَ بِثَوَابِ اَلْمُحْسِنِ قد قال ابن هانئ المغربي في هذا المعنى:
لو لا انبعاث السيف و هو مسلط |
في قتلهم قتلتهم النعماء |
فأفصح به أبو العتاهية في قوله:
إذا جازيت بالإحسان قوما |
زجرت المذنبين عن الذنوب |
|
فما لك و التناول من بعيد |
و يمكنك التناول من قريب |
180
وَ قَالَ ع اُحْصُدِ اَلشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ هذا يفسر على وجهين أحدهما أنه يريد لا تضمر لأخيك سوءا فإنك لا تضمر ذاك إلا يضمر هو لك سوءا لأن القلوب يشعر بعضها ببعض فإذا صفوت لواحد صفا لك.و الوجه الثاني أن يريد لا تعظ الناس و لا تنههم عن منكر إلا و أنت مقلع عنه فإن الواعظ الذي ليس بزكي لا ينجع وعظه و لا يؤثر نهيه.و قد سبق الكلام في كلا المعنيين
181
وَ قَالَ ع اَللَّجَاجَةُ تَسُلُّ اَلرَّأْيَ هذا مشتق من قوله ع لا رأي لمن لا يطاع و ذلك لأن عدم الطاعة هو اللجاجة و هو خلق يتركب من خلقين أحدهما الكبر و الآخر الجهل بعواقب الأمور و أكثر ما يعتري الولاة لما يأخذهم من العزة بالإثم.و من كلام بعض الحكماء إذا اضطررت إلى مصاحبة السلطان فابدأ بالفحص عن معتاد طبعه و مألوف خلقه ثم استحدث لنفسك طبعا ففرغه في قالب إرادته و خلقا تركبه مع موضع وفاقه حتى تسلم معه و إن رأيته يهوى فنا من فنون المحبوبات فأظهر هواك لضد ذلك الفن ليبعد عنك إرهابه بل و يكثر سكونه إليك و إذا بدا لك منه فعل ذميم فإياك أن تبدأه فيه بقول ما لم يستبذل فيه نصحك و يستدعي رأيك و إن استدعى ذاك فليكن ما تفاوضه فيه بالرفق و الاستعطاف لا بالخشونة و الاستنكاف فيحمله اللجاج المركب في طبع الولاة على ارتكابه فكل وال لجوج و إن علم ما يتعقبه لجاجه من الضرر و أن اجتنابه هو الحسن
182
وَ قَالَ ع اَلطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَبَّدٌ هذا المعنى مطروق جدا و قد سبق لنا فيه قول شاف.و قال الشاعر:
تعفف و عش حرا و لا تك طامعا |
فما قطع الأعناق إلا المطامع |
و في المثل أطمع من أشعب رأي سلالا يصنع سلة فقال له أوسعها قال ما لك و ذاك قال لعل صاحبها يهدي لي فيها شيئا.و مر بمكتب و غلام يقرأ على الأستاذ( إن أبي يدعوك ) فقال قم بين يدي حفظك الله و حفظ أباك فقال إنما كنت أقرأ وردي فقال أنكرت أن تفلح أو يفلح أبوك.و قيل لم يكن أطمع من أشعب إلا كلبه رأى صورة القمر في البئر فظنه رغيفا فألقى نفسه في البئر يطلبه فمات
183
وَ قَالَ ع ثَمَرَةُ اَلتَّفْرِيطِ اَلنَّدَامَةُ وَ ثَمَرَةُ اَلْحَزْمِ اَلسَّلاَمَةُ قد سبق من الكلام في الحزم و التفريط ما فيه كفاية و كان يقال الحزم ملكة يوجبها كثرة التجارب و أصله قوة العقل فإن العاقل خائف أبدا و الأحمق لا يخاف و إن خاف كان قليل الخوف و من خاف أمرا توقاه فهذا هو الحزم.و كان أبو الأسود الدؤلي من عقلاء الرجال و ذوي الحزم و الرأي و حكى أبو العباس المبرد قال قال زياد لأبي الأسود و قد أسن لو لا ضعفك لاستعملناك على بعض أعمالنا فقال أ للصراع يريدني الأمير قال زياد إن للعمل مئونة و لا أراك إلا تضعف عنه فقال أبو الأسود:
زعم الأمير أبو المغيرة إنني |
شيخ كبير قد دنوت من البلى |
|
صدق الأمير لقد كبرت و إنما |
نال المكارم من يدب على العصا |
|
يا با المغيرة رب أمر مبهم |
فرجته بالحزم مني و الدها |
و كان يقال من الحزم و التوقي ترك الإفراط في التوقي.لما نزل بمعاوية الموت و قدم عليه يزيد ابنه فرآه مسكتا لا يتكلم بكى و أنشد:
لو فات شيء يرى لفات أبو |
حيان لا عاجز و لا وكل |
|
الحول القلب الأريب و لا |
تدفع يوم المنية الحيل |
184
مَنْ لَمْ يُنْجِهِ اَلصَّبْرُ أَهْلَكَهُ اَلْجَزَعُ قد تقدم لنا قول شاف في الصبر و الجزع.و كان يقال ما أحسن الصبر لو لا أن النفقة عليه من العمر أخذه شاعر فقال:
و إني لأدري أن في الصبر راحة |
و لكن إنفاقي على الصبر من عمري |
و قال ابن أبي العلاء يستبطئ بعض الرؤساء:
فإن قيل لي صبرا فلا صبر للذي |
غدا بيد الأيام تقتله صبرا |
|
و إن قيل لي عذرا فو الله ما أرى |
لمن ملك الدنيا إذا لم يجد عذرا |
فإن قلت أي فائدة في قوله ع من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع و هل هذا إلا كقول من قال من لم يجد ما يأكل ضرة الجوع.قلت لو كانت الجهة واحدة لكان الكلام عبثا إلا أن الجهة مختلفة لأن معنى كلامه ع من لم يخلصه الصبر من هموم الدنيا و غمومها هلك من الله تعالى في الآخرة بما يستبدله من الصبر بالجزع و ذلك لأنه إذا لم يصبر فلا شك أنه يجزع و كل جازع آثم و الإثم مهلكة فلما اختلفت الجهة و كانت تارة للدنيا و تارة للآخرة لم يكن الكلام عبثا بل كان مفيدا
185
وَ قَالَ ع وَا عَجَبَا أَنْ تَكُونَ اَلْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَ لاَ تَكُونَ وَا عَجَبَاهُ أَ تَكُونُ اَلْخِلاَفَةُ بِالصَّحَابَةِ وَ اَلْقَرَابَةِ قال الرضيرحمهالله تعالى و قد روي له شعر قريب من هذا المعنى و هو:
فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم |
فكيف بهذا و المشيرون غيب |
|
و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم |
فغيرك أولى بالنبي و أقرب |
حديثه ع في النثر و النظم المذكورين مع أبي بكر و عمر أما النثر فإلى عمر توجيهه لأن أبا بكر لما قال لعمر امدد يدك قال له عمر أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها شدتها و رخائها فامدد أنت يدك فقال علي ع إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إياه في المواطن كلها فهلا سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك و زاد عليه بالقرابة و أما النظم فموجه إلى أبي بكر لأن أبا بكر حاج الأنصار في السقيفة فقال نحن عترة رسول الله ص و بيضته التي تفقأت عنه فلما بويع احتج على الناس بالبيعة و أنها صدرت عن أهل الحل و العقد فقال علي ع أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله ص و من قومه فغيرك أقرب نسبا منك إليه و أما احتجاجك بالاختيار و رضا الجماعة بك فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت.و اعلم أن الكلام في هذا تتضمنه كتب أصحابنا في الإمامة و لهم عن هذا القول أجوبة ليس هذا موضع ذكرها.
الفهرس
کتاب شرح نهج البلاغة الجزء الثامن عشر ابن ابي الحديد 1
ذكر بقية الخبر عن فتح مكّه 7
نبذ من كلام الحكماء 28
سلمان الفارسي و خبر إسلامه 34
الحارث الأعور و نسبه 42
نبذ من الأقوال الحكيمة 43
ذكر المنذر و أبيه الجارود 55
باب الحكم و المواعظ 79
نبذ مما قيل في الشيب و الخضاب 123
نبذ مما قيل في المروءة 128
نبذ و حكايات مما وقع بين يدي الملوك 143
فى مجلس قتيبة بن مسلم الباهلىّ 152
أقوال و حكايات حول الحمقى 159
خباب بن الأرت 171
محمد بن جعفر و المنصور 206
محنة المقفع 269
فصل في نسب بني مخزوم و طرف من أخبارهم 285
نبذ من الوصايا الحكيمة 332
نوادر المكثرين من الأكل 397
سعة الصدر و ما ورد في ذلك من حكايات 407
الفهرس 417