کتاب شرح نهج البلاغة
الجزء التاسع عشر
ابن ابي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل
186
وَ قَالَ ع إِنَّمَا اَلْمَرْءُ فِي اَلدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ اَلْمَنَايَا وَ نَهْبٌ تُبَادِرُهُ اَلْمَصَائِبُ وَ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ وَ لاَ يَنَالُ اَلْعَبْدُ نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى وَ لاَ يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ فَنَحْنُ أَعْوَانُ اَلْمَنُونِ وَ أَنْفُسُنَا نَصْبُ اَلْحُتُوفِ فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو اَلْبَقَاءَ وَ هَذَا اَللَّيْلُ وَ اَلنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا منْ شَيْءٍ شَرَفاً إِلاَّ أَسْرَعَا اَلْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا وَ تَفْرِيقِ مَا جَمَعَا قد سبق ذرء من هذا الكلام في أثناء خطبته ع و قد ذكرنا نحن أشياء كثيرة في الدنيا و تقلبها بأهلها.و من كلام بعض الحكماء طوبى للهارب من زخارف الدنيا و الصاد عن زهرة دمنتها و الخائف عند أمانها و المتهم لضمانها و الباكي عند ضحكها إليه و المتواضع عند إعزازها له و الناظر بعين عقله إلى فضائحها و المتأمل لقبح مصارعها و التارك
لكلابها على جيفها و المكذب لمواعيدها و المتيقظ لخدعها و المعرض عن لمعها و العامل في إمهالها و المتزود قبل إعجالها.قوله تنتضل النضل شيء يرمى و يروى تبادره أي تتبادره و الغرض الهدف.و النهب المال المنهوب غنيمة و جمعه نهاب.و قد سبق تفسير قوله لا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى و قلنا إن الذي حصلت له لذة الجماع حال ما هي حاصلة له لا بد أن يكون مفارقا لذة الأكل و الشرب و كذلك من يأكل و يشرب يكون مفارقا حال أكله و شربه لذة الركض على الخيل في طلب الصيد و نحو ذلك.قوله فنحن أعوان المنون لأنا نأكل و نشرب و نجامع و نركب الخيل و الإبل و نتصرف في الحاجات و المآرب و الموت إنما يكون بأحد هذه الأسباب إما من أخلاط تحدثها المآكل و المشارب أو من سقطة يسقط الإنسان من دابة هو راكبها أو من ضعف يلحقه من الجماع المفرط أو لمصادمات و اصطكاكات تصيبه عند تصرفه في مآربه و حركته و سعيه و نحو ذلك فكأنا نحن أعنا الموت على أنفسنا.قوله نصب الحتوف يروى بالرفع و النصب فمن رفع فهو خبر المبتدإ و من نصبه جعله ظرفا
187
وَ قَالَ ع لاَ خَيْرَ فِي اَلصَّمْتِ عَنِ اَلْحُكْمِ كَمَا أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي اَلْقَوْلِ بِالْجَهْلِ قد تكرر ذكر هذا القول و تكرر منا شرحه و شرح نظائره و كان يقال ما الإنسان لو لا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة.و كان يقال اللسان عضو إن مرنته مرن و إن تركته خزن
188
وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ أخذ هذا المعنى بعضهم فقال :
ما لي أراك الدهر تجمع دائبا |
أ لبعل عرسك لا أبا لك تجمع |
و عاد الحسن البصري عبد الله بن الأهتم في مرضه الذي مات فيه فأقبل عبد الله يصرف بصره إلى صندوق في جانب البيت ثم قال للحسن يا أبا سعيد فيه مائة ألف لم يؤد منها زكاة و لم توصل بها رحم قال الحسن ثكلتك أمك فلم أعددتها قال لروعة الزمان و مكاثرة الإخوان و جفوة السلطان ثم مات فحضر الحسن جنازته فلما دفن صفق بإحدى راحتيه الأخرى و قال إن هذا تاه شيطانه فحذره روعة زمانه و جفوة سلطانه و مكاثرة إخوانه فيما استودعه الله إياه فادخره ثم خرج منه كئيبا حزينا لم يؤد زكاة و لم يصل رحما ثم التفت فقال أيها الوارث كل هنيئا فقد أتاك هذا المال حلالا فلا يكن عليك وبالا أتاك ممن كان له جموعا منوعا يركب فيه لجج البحار و مفاوز القفار من باطل جمعه و من حق منعه لم ينتفع به في حياته و ضره بعد وفاته جمعه فأوعاه و شده فأوكاه إلى يوم القيامة يوم ذي حسرات و إن أعظم الحسرات أن ترى مالك في ميزان غيرك بخلت بمال أوتيته من رزق الله أن تنفقه في طاعة الله فخزنته لغيرك فأنفقه في مرضاة ربه يا لها حسرة لا تقال و رحمة لا تنال إنا لله و إنا إليه راجعون
189
وَ قَالَ ع إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَ إِقْبَالاً وَ إِدْبَاراً فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَ إِقْبَالِهَا فَإِنَّ اَلْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ قد تقدم القول في هذا المعنى.و العلة في كون القلب يعمى إذا أكره على ما لا يحبه أن القلب عضو من الأعضاء يتعب و يستريح كما تتعب الجثة عند استعمالها و أحمالها و تستريح عند ترك العمل كما يتعب اللسان عند الكلام الطويل و يستريح عند الإمساك و إذا تواصل إكراه القلب على أمر لا يحبه و لا يؤثره تعب لأن فعل غير المحبوب متعب أ لا ترى أن جماع غير المحبوب يحدث من الضعف أضعاف ما يحدثه جماع المحبوب و الركوب إلى مكان غير محبوب متعب و لا يشتهى يتعب البدن أضعاف ما يتعبه الركوب إلى تلك المسافة إذا كان المكان محبوبا و إذا أتعب القلب و أعيا عجز عن إدراك ما نكلفه إدراكه لأن فعله هو الإدراك و كل عضو يتعب فإنه يعجز عن فعله الخاص به فإذا عجز القلب عن فعله الخاص به و هو العلم و الإدراك فذاك هو عماه
190
وَ كَانَ ع يَقُولُ : مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ أَ حِينَ أَعْجِزُ عَنِ اَلاِنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي لَوْ صَبَرْتَ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِي لَوْ عَفَوْتَ قد تقدم القول في الغضب مرارا.و هذا الفصل فصيح لطيف المعنى قال لا سبيل لي إلى شفاء غيظي عند غضبي لأني إما أن أكون قادرا على الانتقام فيصدني عن تعجيله قول القائل لو غفرت لكان أولى و إما ألا أكون قادرا على الانتقام فيصدني عنه كوني غير قادر عليه فإذن لا سبيل لي إلى الانتقام عند الغضب.و كان يقال العقل كالمرآة المجلوة يصدئه الغضب كما تصدأ المرآة بالخل فلا يثبت فيها صورة القبح و الحسن.و اجتمع سفيان الثوري و فضيل بن عياض فتذاكرا الزهد فأجمعا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب و الصبر عند الطمع
191
وَ قَالَ ع وَ قَدْ مَرَّ بِقَذَرٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ هَذَا مَا بَخِلَ بِهِ اَلْبَاخِلُونَ وَ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مَا كُنْتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالْأَمْسِ قد سبق القول في مثل هذا و أن الحسن البصري مر على مزبلة فقال انظروا إلى بطهم و دجاجهم و حلوائهم و عسلهم و سمنهم و الحسن إنما أخذه من كلام أمير المؤمنين ع و قال ابن وكيع في قول المتنبي :
لو أفكر العاشق في منتهى |
حسن الذي يسبيه لم يسبه |
إنه أراد لو أفكر في حاله و هو في القبر و قد تغيرت محاسنه و سالت عيناه قال و هذا مثل قولهم لو أفكر الإنسان فيما يئول إليه الطعام لعافته نفسه.و قد ضرب العلماء مثلا للدنيا و مخالفة آخرها أولها و مضادة مباديها عواقبها فقالوا إن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة و سيجد الإنسان عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة و النتن و القبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا طبختها المعدة و بلغت غاية نضجها و كما أن الطعام كلما كان ألذ طعما و أظهر حلاوة كان رجيعه أقذر و أشد نتنا فكذلك كل شهوة في القلب أشهى و ألذ و أقوى
فإن نتنها و كراهتها و التأذي بها عند الموت أشد بل هذه الحال في الدنيا مشاهدة فإن من نهبت داره و أخذ أهله و ولده و ماله تكون مصيبته و ألمه و تفجعه في الذي فقد بمقدار لذته به و حبه له و حرصه عليه فكل ما كان في الوجود أشهى و ألذ فهو عند الفقد أدهى و أمر و لا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا.و قد روي أن النبي ص قال للضحاك بن سفيان الكلابي أ لست تؤتى بطعامك و قد قزح و ملح ثم تشرب عليه اللبن و الماء قال بلى قال فإلى ما ذا يصير قال إلى ما قد علمت يا رسول الله قال فإن الله عزوجل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم و روى أبي بن كعب أن رسول الله ص قال إن أنت ضربت مثلا لابن آدم فانظر ما يخرج من ابن آدم و إن كان قزحه و ملحه إلى ما ذا صار و قال الحسنرحمهالله قد رأيتهم يطيبونه بالطيب و الأفاويه ثم يرمونه حيث رأيتم قال الله عزوجل( فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ) قال ابن عباس إلى رجيعه.و قال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك و أستحيي فقال لا تستحي و سل قال إذا قضى أحدنا حاجته فقام هل ينظر إلى ذلك منه فقال نعم إن الملك يقول له انظر هذا ما بخلت به انظر إلى ما ذا صار
192
وَ قَالَ ع لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ مثل هذا قولهم إن المصائب أثمان التجارب.و قيل لعالم فقير بعد أن كان غنيا أين مالك قال تجرت فيه فابتعت به تجربة الناس و الوقت فاستفدت أشرف العوضين
193
وَ قَالَ ع إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ اَلْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ اَلْحِكْمَةِ هذا قد تكرر و تكرر منا ذكر ما قيل في إجمام النفس و التنفيس عنها من كرب الجد و الإحماض و فسرنا معنى قوله ع فابتغوا لها طرائف الحكمة و قلنا المراد ألا يجعل الإنسان وقته كله مصروفا إلى الأنظار العقلية في البراهين الكلامية و الحكمية بل ينقلها من ذلك أحيانا إلى النظر في الحكمة الخلقية فإنها حكمة لا تحتاج إلى إتعاب النفس و الخاطر.فأما القول في الدعابة فقد ذكرناه أيضا فيما تقدم و أوضحنا أن كثيرا من أعيان الحكماء و العلماء كانوا ذوي دعابة مقتصدة لا مسرفة فإن الإسراف فيها يخرج صاحبه إلى الخلاعة و لقد أحسن من قال :
أفد طبعك المكدود بالجد راحة |
تجم و علله بشيء من المزح |
|
و لكن إذا أعطيته ذاك فليكن |
بمقدار ما يعطى الطعام من الملح |
194
وَ قَالَ ع لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ اَلْخَوَارِجِ لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ معنى قوله سبحانه( إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) أي إذا أراد شيئا من أفعال نفسه فلا بد من وقوعه بخلاف غيره من القادرين بالقدرة فإنه لا يجب حصول مرادهم إذا أرادوه أ لا ترى ما قبل هذه الكلمة( يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ اُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) خاف عليهم من الإصابة بالعين إذا دخلوا من باب واحد فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة ثم قال لهم وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اَللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي إذا أراد الله بكم سوءا لم يدفع عنكم ذلك السوء ما أشرت به عليكم من التفرق ثم قال( إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) أي ليس حي من الأحياء ينفذ حكمه لا محالة و مراده لما هو من أفعاله إلا الحي القديم وحده فهذا هو معنى هذه الكلمة و ضلت الخوارج عندها فأنكروا على أمير المؤمنين ع موافقته على التحكيم و قالوا كيف يحكم و قد قال الله سبحانه( إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) فغلطوا لموضع اللفظ المشترك و ليس هذا الحكم هو ذلك الحكم فإذن هي كلمة حق يراد بها باطل لأنها حق على المفهوم الأول و يريد بها الخوارج نفي كل ما يسمى حكما إذا صدر عن غير الله تعالى و ذلك باطل لأن الله تعالى قد أمضى حكم المخلوقين في كثير من الشرائع
195
وَ قَالَ ع فِي صِفَةِ اَلْغَوْغَاءِ هُمُ اَلَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا غَلَبُوا وَ إِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ قِيلَ بَلْ قَالَ ع هُمُ اَلَّذِينَ إِذَا اِجْتَمَعُوا ضَرُّوا وَ إِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا فَقِيلَ قَدْ عَرَفْنَا عَلِمْنَا مَضَرَّةَ اِجْتِمَاعِهِمْ فَمَا مَنْفَعَةُ اِفْتِرَاقِهِمْ فَقَالَ ع يَرْجِعُ أَصْحَابُ أَهْلُ اَلْمِهَنِ إِلَى مِهْنَتِهِمْ مِهَنِهِمْ فَيَنْتَفِعُ اَلنَّاسُ بِهِمْ كَرُجُوعِ اَلْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ وَ اَلنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ وَ اَلْخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ كان الحسن إذا ذكر الغوغاء و أهل السوق قال قتلة الأنبياء و كان يقال العامة كالبحر إذا هاج أهلك راكبه و قال بعضهم لا تسبوا الغوغاء فإنهم يطفئون الحريق و ينقذون الغريق و يسدون البثوق.و قال شيخنا أبو عثمان الغاغة و الباغة و الحاكة كأنهم أعذار عام واحد أ لا ترى أنك لا تجد أبدا في كل بلدة و في كل عصر هؤلاء بمقدار واحد و جهة واحدة من السخف و النقص و الخمول و الغباوة و كان المأمون يقول كل شر و ظلم في العالم
فهو صادر عن العامة و الغوغاء لأنهم قتلة الأنبياء و المغرون بين العلماء و النمامون بين الأوداء و منهم اللصوص و قطاع الطريق و الطرارون و المحتالون و الساعون إلى السلطان فإذا كان يوم القيامة حشروا على عادتهم في السعاية فقالوا( رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً )
196
وَ قَالَ ع وَ قَدْ أُتِيَ بِجَانٍ وَ مَعَهُ غَوْغَاءُ فَقَالَ لاَ مَرْحَباً بِوُجُوهٍ لاَ تُرَى إِلاَّ عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ أخذ هذا اللفظ المستعين بالله و قد أدخل عليه ابن أبي الشوارب القاضي و معه الشهود ليشهدوا عليه أنه قد خلع نفسه من الخلافة و بايع للمعتز بالله فقال لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا يوم سوء.و قال من مدح الغوغاء و العامة إن
في الحديث المرفوع أن الله ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم.و كان الأحنف يقول أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار و العار.و قال الشاعر :
و إني لأستبقي امرأ السوء عدة |
لعدوة عريض من الناس جائب |
|
أخاف كلاب الأبعدين و هرشها |
إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب |
197
وَ قَالَ ع إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ فَإِذَا جَاءَ اَلْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ وَ إِنَّ اَلْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ قد تقدم هذا و قلنا إنه ذهب كثير من الحكماء هذا المذهب و إن لله تعالى ملائكة موكلة تحفظ البشر من التردي في بئر و من إصابة سهم معترض في طريق و من رفس دابة و من نهش حية أو لسع عقرب و نحو ذلك و الشرائع أيضا قد وردت بمثله و إن الأجل جنة أي درع و لهذا في علم الكلام مخرج صحيح و ذلك لأن أصحابنا يقولون إن الله تعالى إذا علم أن في بقاء زيد إلى وقت كذا لطفا له أو لغيره من المكلفين صد من يهم بقتله عن قتله بألطاف يفعلها تصده عنه أو تصرفه عنه بصارف أو يمنعه عنه بمانع كي لا يقطع ذلك الإنسان بقتل زيد الألطاف التي يعلم الله أنها مقربة من الطاعة و مبعدة من المعصية لزيد أو لغيره فقد بان أن الأجل على هذا التقدير جنة حصينة لزيد من حيث كان الله تعالى باعتبار ذلك الأجل مانعا من قتله و إبطال حياته و لا جنة أحصن من ذلك
198
وَ قَالَ ع وَ قَدْ قَالَ لَهُ طَلْحَةُ وَ اَلزُّبَيْرُ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ فَقَالَ لاَ وَ لَكِنَّكُمَا شَرِيكَانِ فِي اَلْقُوَّةِ وَ اَلاِسْتِعَانَةِ وَ عَوْنَانِ عَلَى اَلْعَجْرِ اَلْعَجْزِ وَ اَلْأَوَدِ قد ذكرنا هذا فيما تقدم حيث شرحنا بيعة المسلمين لعلي ع كيف وقعت بعد مقتل عثمان و لقد أحسن فيما قال لهما لما سألاه أن يشركاه في الأمر فقال أما المشاركة في الخلافة فكيف يكون ذلك و هل يصح أن يدبر أمر الرعية إمامان
و هل يجمع السيفان ويحك في غمد
و إنما تشركاني في القوة و الاستعانة أي إذا قوي أمري و أمر الإسلام بي قويتما أنتما أيضا و إذا عجزت عن أمر أو تأود علي أمر أي اعوج كنتما عونين لي و مساعدين على إصلاحه.فإن قلت فما معنى قوله و الاستعانة قلت الاستعانة هاهنا الفوز و الظفر كانوا يقولون للقامر يفوز قدحه قد جرى ابنا عنان و هما خطان يخطان في الأرض يزجر بهما الطير و استعان الإنسان إذا قال وقت الظفر و الغلبة هذه الكلمة
199
وَ قَالَ ع أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ وَ إِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ وَ بَادِرُوا اَلْمَوْتَ اَلَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَ إِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ وَ إِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ قد تقدم منا كلام كثير في ذكر الموت و رأى الحسن البصري رجلا يجود بنفسه فقال إن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله و إن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف من آخره.و من كلامه فضح الموت الدنيا.و قال خالد بن صفوان لو قال قائل الحسن أفصح الناس لهذه الكلمة لما كان مخطئا و قال لرجل في جنازة أ ترى هذا الميت لو عاد إلى الدنيا لكان يعمل عملا صالحا قال نعم قال فإن لم يكن ذلك فكن أنت ذاك
200
وَ قَالَ ع لاَ يُزَهِّدَنَّكَ فِي اَلْمَعْرُوفِ مَنْ لاَ يَشْكُرُهُ لَكَ فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَ قَدْ تُدْرِكُ يُدْرَكُ مِنْ شُكْرِ اَلشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ اَلْكَافِرُ وَ اَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ قد أخذت أنا هذا المعنى فقلت من جملة قصيدة لي حكمية :
لا تسدين إلى ذي اللؤم مكرمة |
فإنه سبخ لا ينبت الشجرا |
|
فإن زرعت فمحفوظ بمضيعة |
و أكل زرعك شكر الغير إن كفرا |
و قد سبق منا كلام طويل في الشكر.و رأى العباس بن المأمون يوما بحضرة المعتصم خاتما في يد إبراهيم بن المهدي فاستحسنه فقال له ما فص هذا الخاتم و من أين حصلته فقال إبراهيم هذا خاتم رهنته في دولة أبيك و افتككته في دولة أمير المؤمنين فقال العباس فإن لم تشكر أبي على حقنه دمك فأنت لا تشكر أمير المؤمنين على فكه خاتمك.و قال الشاعر :
لعمرك ما المعروف في غير أهله |
و في أهله إلا كبعض الودائع |
|
فمستودع ضاع الذي كان عنده |
و مستودع ما عنده غير ضائع |
|
و ما الناس في شكر الصنيعة عندهم |
و في كفرها إلا كبعض المزارع |
|
فمزرعة طابت و أضعف نبتها |
و مزرعة أكدت على كل زارع |
201
وَ قَالَ ع كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلاَّ وِعَاءَ اَلْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ هذا الكلام تحته سر عظيم و رمز إلى معنى شريف غامض و منه أخذ مثبتو النفس الناطقة الحجة على قولهم و محصول ذلك أن القوى الجسمانية يكلها و يتعبها تكرار أفاعيلها عليها كقوة البصر يتعبها تكرار إدراك المرئيات حتى ربما أذهبها و أبطلها أصلا و كذلك قوة السمع يتعبها تكرار الأصوات عليها و كذلك غيرها من القوى الجسمانية و لكنا وجدنا القوة العاقلة بالعكس من ذلك فإن الإنسان كلما تكررت عليه المعقولات ازدادت قوته العقلية سعة و انبساطا و استعدادا لإدراك أمور أخرى غير ما أدركته من قبل حتى كان تكرار المعقولات عليها يشحذها و يصقلها فهي إذن مخالفة في هذا الحكم للقوى الجسمانية فليست منها لأنها لو كانت منها لكان حكمها حكم واحد من أخواتها و إذا لم تكن جسمانية فهي مجردة و هي التي نسميها بالنفس الناطقة
202
وَ قَالَ ع أَوَّلُ عِوَضِ اَلْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ اَلنَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى اَلْجَاهِلِ قد تقدم من أقوالنا في الحلم ما في بعضه كفاية.و في الحكم القديمة لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام.و كان يقال اعف عمن أبطأ عن الذنب و أسرع إلى الندم.و كان يقال شاور الأناة و التثبت و ذاكر الحفيظة عند هيجانها ما في عواقب العقوبة من الندم و خاصمها بما يؤدى إليه الحلم من الاغتباط.و كان يقال ينبغي للحازم أن يقدم على عذابه و صفحه تعريف المذنب بما جناه و إلا نسب حلمه إلى الغفلة و كلال حد الفطنة و قالت الأنصار للنبي ص يوم فتح مكة إنهم فعلوا بك ثم فعلوا يغرونه بقريش فقال إنما سميت محمدا لأحمد
203
وَ قَالَ ع إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلاَّ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ التحلم تكلف الحلم و الذي قاله ع صحيح في مناهج الحكمة و ذلك لأن من تشبه بقوم و تكلف التخلق بأخلاقهم و التأدب بآدابهم و استمر على ذلك و مرن عليه الزمان الطويل اكتسب رياضة قوية و ملكة تامة و صار ذلك التكلف كالطبع له و انتقل عن الخلق الأول أ لا ترى أن الأعرابي الجلف الجافي إذا دخل المدن و القرى و خالط أهلها و طال مكثه فيهم انتقل عن خلق الأعراب الذي نشأ عليه و تلطف طبعه و صار شبيها بساكني المدن و كالأجنبي عن ساكني الوبر و هذا قد وجدناه في حيوانات أخرى غير البشر كالبازي و الصقر و الفهد التي تراض حتى تذل و تأنس و تترك طبعها القديم بل قد شاهدناه في الأسد و هو أبعد الحيوان من الإنس.و ذكر ابن الصابي أن عضد الدولة بن بويه كانت له أسود يصطاد بها كالفهود فتمسكه عليه حتى يدركه فيذكيه و هذا من العجائب الطريفة
204
وَ قَالَ ع مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ وَ مَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ وَ مَنْ خَافَ أَمِنَ وَ مَنِ اِعْتَبَرَ أَبْصَرَ وَ مَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ وَ مَنْ فَهِمَ عَلِمَ
قد جاء في الحديث المرفوع حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.قوله و من خاف أمن أي من اتقى الله أمن من عذابه يوم القيامة.ثم قال و من اعتبر أبصر أي من قاس الأمور بعضها ببعض و اتعظ بآيات الله و أيامه أضاءت بصيرته و من أضاءت بصيرته فهم و من فهم علم.فإن قلت الفهم هو العلم فأي حاجة له إلى أن يقول و من فهم علم قلت الفهم هاهنا هو معرفة المقدمات و لا بد أن يستعقب معرفة المقدمات معرفة النتيجة فمعرفة النتيجة هو العلم فكأنه قال من اعتبر تنور قلبه بنور الله تعالى و من تنور قلبه عقل المقدمات البرهانية و من عقل المقدمات البرهانية علم النتيجة الواجبة عنها و تلك هي الثمرة الشريفة التي في مثلها يتنافس المتنافسون
205
وَ قَالَ ع : لَتَعْطِفَنَّ اَلدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ اَلضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا وَ تَلاَ عَقِيبَ ذَلِكَ( وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ ) الشماس مصدر شمس الفرس إذا منع من ظهره.و الضروس الناقة السيئة الخلق تعض حالبها و الإمامية تزعم أن ذلك وعد منه بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان و أصحابنا يقولون إنه وعد بإمام يملك الأرض و يستولي على الممالك و لا يلزم من ذلك أنه لا بد أن يكون موجودا و إن كان غائبا إلى أن يظهر بل يكفي في صحة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت.و بعض أصحابنا يقول إنه إشارة إلى ملك السفاح و المنصور و ابني المنصور بعده فإنهم الذين أزالوا ملك بني أمية و هم بنو هاشم و بطريقهم عطفت الدنيا على بني عبد المطلب عطف الضروس.و تقول الزيدية إنه لا بد من أن يملك الأرض فاطمي يتلوه جماعة من الفاطميين على مذهب زيد و إن لم يكن أحد منهم الآن موجودا
206
وَ قَالَ ع اِتَّقُوا اَللَّهَ تَقِيَّةَ تُقَاةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً وَ جَدَّ تَشْمِيراً وَ كَمَّشَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ نَظَرَ فِي كَرَّةِ اَلْمَوْئِلِ وَ عَاقِبَةِ اَلْمَصْدَرِ وَ مَغَبَّةِ اَلْمَرْجِعِ لو قال و جرد تشميرا لكان قد أتى بنوع مشهور من أنواع البديع لكنه لم يحفل بذلك و جرى على مقتضي طبعه من البلاغة الخالية من التكلف و التصنع على أن ذلك قد روي و المشهور الرواية الأولى.و أكمش جد و أسرع و رجل كميش أي جاد و في مهل أي في مهلة العمل قبل أن يضيق عليه وقته بدنو الأجل
207
وَ قَالَ ع اَلْجُودُ حَارِسُ اَلْأَعْرَاضِ وَ اَلْحِلْمُ فِدَامُ اَلسَّفِيهِ وَ اَلْعَفْوُ زَكَاةُ اَلظَّفَرِ وَ اَلسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ وَ اَلاِسْتِشَارَةُ عَيْنُ اَلْهِدَايَةِ وَ قَدْ خَاطَرَ مَنِ اِسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ وَ اَلصَّبْرُ يُنَاضِلُ اَلْحِدْثَانَ وَ اَلْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ اَلزَّمَانِ وَ أَشْرَفُ اَلْغِنَى تَرْكُ اَلْمُنَى وَ كَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ عِنْدَ هَوَى أَمِيرٍ وَ مِنَ اَلتَّوْفِيقِ حِفْظُ اَلتَّجْرِبَةِ وَ اَلْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ وَ لاَ تَأْمَنَنَّ مَلُولاً مثل قوله الجود حارس الأعراض قولهم كل عيب فالكرم يغطيه و الفدام خرقة تجعل على فم الإبريق فشبه الحلم بها فإنه يرد السفيه عن السفه كما يرد الفدام الخمر عن خروج القذى منها إلى الكأس.فأما و العفو زكاة الظفر فقد تقدم أن لكل شيء زكاة و زكاة الجاه رفد المستعين و زكاة الظفر العفو.و أما السلو عوضك ممن غدر فمعناه أن من غدر بك من أحبائك و أصدقائك فاسل عنه و تناسه و اذكر ما عاملك به من الغدر فإنك تسلو عنه و يكون ما استفدته من السلو عوضا عن وصاله الأول قال الشاعر
أعتقني سوء ما صنعت من الرق |
فيا بردها على كبدي |
|
فصرت عبدا للسوء فيك و ما |
أحسن سوء قبلي إلى أحد |
و قد سبق القول في الاستشارة و إن المستغني برأيه مخاطر و كذلك القول في الصبر و المناضلة المراماة.و كذلك القول في الجزع و أن الإنسان إذا جزع عند المصيبة فقد أعان الزمان على نفسه و أضاف إلى نفسه مصيبة أخرى.و سبق أيضا القول في المنى و أنها من بضائع النوكى.و كذلك القول في الهوى و أنه يغلب الرأي و يأسره.و كذلك القول في التجربة و قولهم من حارب المجرب حلت به الندامة و إن من أضاع التجربة فقد أضاع عقله و رأيه.و قد سبق القول في المودة و ذكرنا قولهم الصديق نسيب الروح و الأخ نسيب الجسم و سبق القول في الملال.و قال العباس بن الأحنف :
لو كنت عاتبة لسكن عبرتي |
أملي رضاك وزرت غير مراقب |
|
لكن مللت فلم يكن لي حيلة |
صد الملول خلاف صد العاتب |
208
وَ قَالَ ع عُجْبُ اَلْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ قد تقدم القول في العجب و معنى هذه الكلمة أن الحاسد لا يزال مجتهدا في إظهار معايب المحسود و إخفاء محاسنه فلما كان عجب الإنسان بنفسه كاشفا عن نقص عقله كان كالحاسد الذي دأبه إظهار عيب المحسود و نقصه.و كان يقال من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه.و قال مطرف بن الشخير لأن أبيت نائما و أصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما و أصبح نادما
209
وَ قَالَ ع أَغْضِ عَلَى اَلْقَذَى وَ اَلْأَلَمِ تَرْضَ أَبَداً نظير هذا قول الشاعر :
و من لم يغمض عينه عن صديقه |
و عن بعض ما فيه يمت و هو عاتب |
|
و من يتتبع جاهدا كل عثرة |
يجدها و لا يسلم له الدهر صاحب |
و قال الشاعر :
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى |
ظمئت و أي الناس تصفو مشاربه |
و كان يقال أغض عن الدهر و إلا صرعك و كان يقال لا تحارب الأيام و إن جنحت دون مطلوبك منها و اصحبها بسلاسة القياد فإنك إن تصحبها بذلك تعطك بعد المنع و تلن لك بعد القساوة و إن أبيت عليها قادتك إلى مكروه صروفها
210
وَ قَالَ ع مَنْ لاَنَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ تكاد هذه الكلمة أن تكون إيماء إلى قوله تعالى( وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) و معنى هذه الكلمة أن من حسن خلقه و لانت كلمته كثر محبوه و أعوانه و أتباعه.و نحوه قوله من لانت كلمته وجبت محبته.و قال تعالى( وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) و أصل هذه الكلمة مطابق للقواعد الحكمية أعني الشجرة ذات الأغصان حقيقة و ذلك لأن النبات كالحيوان في القوى النفسانية أعني الغاذية و المنمية و ما يخدم الغاذية من القوى الأربع و هي الجاذبة و الماسكة و الدافعة و الهاضمة فإذا كان اليبس غالبا على شجرة كانت أغصانها أخف و كان عودها أدق و إذا كانت الرطوبة غالبة كانت أغصانها أكثر و عودها أغلظ و ذلك لاقتضاء اليبس الذبول و اقتضاء الرطوبة الغلظ و العبالة و الضخامة أ لا ترى أن الإنسان الذي غلب اليبس على مزاجه لا يزال مهلوسا نحيفا و الذي غلبت الرطوبة عليه لا يزال ضخما عبلا
211
وَ قَالَ ع اَلْخِلاَفُ يَهْدِمُ اَلرَّأْيَ هذا مثل
قوله ع في موضع آخر لا رأي لمن لا يطاع و يروى لا إمرة لمن لا يطاع.و في أخبار قصير و جذيمة لو كان يطاع لقصير أمر.و كان يقال اللجاج يشحذ الزجاج و يثير العجاج.و قال دريد بن الصمة:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى |
فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد |
|
فلما عصوني كنت منهم و قد أرى |
غوايتهم و أنني غير مهتدي |
و كان يقال أهدى رأي الرجل ما نفذ حكمه فإذا خولف فسد.و من كلام أفلاطون اللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس و ذلك إما لفرط حدة تكون في الإنسان و إما لغلظ طبع فلا ينقاد للرأي
212
وَ قَالَ ع مَنْ نَالَ اِسْتَطَالَ يجوز أن يريد به من أثرى و نال من الدنيا حظا استطال على الناس.و يجوز أن يريد به من جاد استطال بجوده.يقال نالني فلان بكذا أي جاد به علي و رجل نال أي جواد ذو نائل و مثله رجل طان أي ذو طين و رجل مال أي ذو مال
213
وَ قَالَ ع فِي تَقَلُّبِ اَلْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ اَلرِّجَالِ معناه لا تعلم أخلاق الإنسان إلا بالتجربة و اختلاف الأحوال عليه و قديما قيل ترى الفتيان كالنخل و ما يدريك ما الدخل.و قال الشاعر:
لا تحمدن امرأ حتى تجربه |
و لا تذمنه إلا بتجريب |
و قالوا التجربة محك و قالوا مثل الإنسان مثل البطيخة ظاهرها مونق و قد يكون في باطنها العيب و الدود و قد يكون طعمها حامضا و تفها.و قالوا للرجل المجرب يمدحونه قد آل وائل عليه.و قال الشاعر يمدح:
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره |
يكون متبعا طورا و متبعا |
|
حتى استمرت على شزر مريرته |
مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا |
214
وَ قَالَ ع حَسَدُ اَلصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ اَلْمَوَدَّةِ إذا حسدك صديقك على نعمة أعطيتها لم تكن صداقته صحيحة فإن الصديق حقا من يجري مجرى نفسك و الإنسان لم يحسد نفسه.و قيل لحكيم ما الصديق فقال إنسان هو أنت إلا أنه غيرك.و أخذ هذا المعنى أبو الطيب فقال:
ما الخل إلا من أود بقلبه |
و أرى بطرف لا يرى بسوائه |
و من أدعية الحكماء اللهم اكفني بوائق الثقات و احفظني من كيد الأصدقاء و قال الشاعر:
احذر عدوك مرة |
و احذر صديقك ألف مره |
|
فلربما انقلب الصديق |
فكان أعرف بالمضره |
و قال آخر:
احذر مودة ماذق |
شاب المرارة بالحلاوة |
يحصي الذنوب عليك |
أيام الصداقة للعداوة |
و ذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال ذاك رجل ليس له صديق في السر و لا عدو في العلانية.و قال الشاعر:
إذا كان دواما أخوك مصارما |
موجهة في كل أوب ركائبه |
|
فخل له ظهر الطريق و لا تكن |
مطية رحال كثير مذاهبه |
215
وَ قَالَ ع أَكْثَرُ مَصَارِعِ اَلْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ اَلْمَطَامِعِ قد تقدم منا قول في هذا المعنى و منه قول الشاعر:
طمعت بليلى أن تريع و إنما |
تقطع أعناق الرجال المطامع |
و قال آخر:
إذا حدثتك النفس أنك قادر |
على ما حوت أيدي الرجال فكذب |
|
و إياك و الأطماع إن وعودها |
رقارق آل أو بوارق خلب |
216
وَ قَالَ ع لَيْسَ مِنَ اَلْعَدْلِ اَلْقَضَاءُ عَلَى اَلثِّقَةِ بِالظَّنِّ هذا مثل قول أصحاب أصول الفقه لا يجوز نسخ القرآن و السنة المتواترة بخبر الواحد لأن المظنون لا يرفع المعلوم.و لفظ الثقة هاهنا مرادف للفظ العلم فكأنه قال لا يجوز أن يزال ما علم بطريق قطعية لأمر ظني.فإن قلت أ ليس البراءة الأصلية معلومة بالعقل و مع ذلك ترفع بالأمارات الظنية كأخبار الآحاد.قلت ليست البراءة الأصلية معلومة بالعقل مطلقا بل مشروطة بعدم ما يرفعها من طريق علمي أو ظني أ لا ترى أن أكل الفاكهة و شرب الماء معلوم بالعقل حسنه و لكن لا مطلقا بل بشرط انتفاء ما يقتضي قبحه فإنا لو أخبرنا إنسان أن هذه الفاكهة أو هذا الماء مسموم لقبح منا الإقدام على تناولهما و إن كان قول ذلك المخبر الواحد لا يفيد العلم القطعي
217
وَ قَالَ ع بِئْسَ اَلزَّادُ إِلَى اَلْمَعَادِ اَلْعُدْوَانُ عَلَى اَلْعِبَادِ قد تقدم من قولنا في الظلم و العدوان ما فيه كفاية.و كان يقال عجبا لمن عومل فأنصف إذا عامل كيف يظلم و أعجب منه من عومل فظلم إذا عامل كيف يظلم.و كان يقال العدو عدوان عدو ظلمته و عدو ظلمك فإن اضطرك الدهر إلى أحدهما فاستعن بالذي ظلمك فإن الآخر موتور
218
وَ قَالَ ع مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ أَعْمَالِ اَلْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ كان يقال التغافل من السؤدد و قال أبو تمام:
ليس الغبي بسيد في قومه |
لكن سيد قومه المتغابي |
و قال طاهر بن الحسين بن مصعب:
و يكفيك من قوم شواهد أمرهم |
فخذ صفوهم قبل امتحان الضمائر |
|
فإن امتحان القوم يوحش منهم |
و ما لك إلا ما ترى في الظواهر |
|
و إنك إن كشفت لم تر مخلصا |
و أبدى لك التجريب خبث السرائر |
و كان يقال بعض التغافل فضيلة و تمام الجود الإمساك عن ذكر المواهب و من الكرم أن تصفح عن التوبيخ و أن تلتمس ستر هتك الكريم
219
وَ قَالَ ع مَنْ كَسَاهُ اَلْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ اَلنَّاسُ عَيْبَهُ قد سبق منا قول كثير في الحياء
و كان يقال الحياء تمام الكرم و الحلم تمام العقل.و قال بعض الحكماء الحياء انقباض النفس عن القبائح و هو من خصائص الإنسان لأنه لا يوجد في الفرس و لا في الغنم و البقر و نحو ذلك من أنواع الحيوانات فهو كالضحك الذي يختص به نوع الإنسان و أول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان الحياء و قد جعله الله تعالى في الإنسان ليرتدع به عما تنزع إليه نفسه من القبيح فلا يكون كالبهيمة و هو خلق مركب من جبن و عفة و لذلك لا يكون المستحي فاسقا و لا الفاسق مستحيا لتنافي اجتماع العفة و الفسق و قلما يكون الشجاع مستحيا و المستحي شجاعا لتنافي اجتماع الجبن و الشجاعة و لعزة وجود ذلك ما يجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة و المدح بالحياء نحو قول القائل:
يجري الحياء الغض من قسماتهم |
في حين يجري من أكفهم الدم |
و قال آخر:
كريم يغض الطرف فضل حيائه |
و يدنو و أطراف الرماح دوان |
و متى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ و متى قصد به ترك القبيح فهو مدح لكل أحد و بالاعتبار الأول قيل الحياء بالأفاضل قبيح و بالاعتبار الثاني ورد إن الله ليستحيي من ذي شيبة في الإسلام أن يعذبه أي يترك تعذيبه و يستقبح لكرمه ذلك.فأما الخجل فحيرة تلحق النفس لفرط الحياء و يحمد في النساء و الصبيان و يذم بالاتفاق في الرجال.فأما القحة فمذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية و حقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح و اشتقاقها من حافر و قاح أي صلب و لهذه المناسبة قال الشاعر:
يا ليت لي من جلد وجهك رقعة |
فأعد منها حافرا للأشهب |
و ما أصدق قول الشاعر:
صلابة الوجه لم تغلب على أحد |
إلا تكامل فيه الشر و اجتمعا |
فأما كيف يكتسب الحياء فمن حق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من نفسه أنه يراه فإن الإنسان يستحيي ممن يكبر في نفسه أن يطلع على عيبه و لذلك لا يستحيي من الحيوان غير الناطق و لا من الأطفال الذين لا يميزون و يستحيي من العالم أكثر مما يستحيي من الجاهل و من الجماعة أكثر مما يستحيي من الواحد و الذين يستحيي الإنسان منهم ثلاثة البشر و نفسه و الله تعالى أما البشر فهم أكثر
من يستحيي منه الإنسان في غالب الناس ثم نفسه ثم خالقه و ذلك لقلة توفيقه و سوء اختياره.و اعلم أن من استحيا من الناس و لم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره و من استحيا منهما و لم يستحي من الله تعالى فليس عارفا لأنه لو كان عارفا بالله لما استحيا من المخلوق دون الخالق أ لا ترى أن الإنسان لا بد أن يستحيي من الذي يعظمه و يعلم أنه يراه أو يستمع بخبره فيبكته و من لا يعرف الله تعالى كيف يستعظمه و كيف يعلم أنه يطلع عليه وفي قول رسول الله ص استحيوا من الله حق الحياء أمر في ضمن كلامه هذا بمعرفته سبحانه و حث عليها و قال سبحانه( أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللَّهَ يَرى ) تنبيها على أن العبد إذا علم أن ربه يراه استحيا من ارتكاب الذنب.و سئل الجنيدرحمهالله عما يتولد منه الحياء من الله تعالى فقال أن يرى العبد آلاء الله سبحانه و نعمه عليه و يرى تقصيره في شكره.فإن قال قائل فما معنى قول النبي ص من لا حياء له فلا إيمان له.قيل له لأن الحياء أول ما يظهر من أمارة العقل في الإنسان و أما الإيمان فهو آخر المراتب و محال حصول المرتبة الآخرة لمن لم تحصل له المرتبة الأولى فالواجب إذن أن من لا حياء له فلا إيمان له.
و قال ع الحياء شعبة من الإيمان.
و قال الإيمان عريان و لباسه التقوى و زينته الحياء
220
وَ قَالَ ع بِكَثْرَةِ اَلصَّمْتِ تَكُونُ اَلْهَيْبَةُ وَ بِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ اَلْمُوَاصِلُونَ وَ بِالْإِفْضَالِ تَعْظُمُ اَلْأَقْدَارُ وَ بِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ اَلنِّعْمَةُ وَ بِاحْتِمَالِ اَلْمُؤَنِ يَجِبُ اَلسُّودَدُ اَلسُّؤْدُدُ وَ بِالسِّيرَةِ اَلْعَادِلَةِ يُقْهَرُ اَلْمُنَاوِئُ وَ بِالْحِلْمِ عَنِ اَلسَّفِيهِ تَكْثُرُ اَلْأَنْصَارُ عَلَيْهِ قال يحيى بن خالد ما رأيت أحدا قط صامتا إلا هبته حتى يتكلم فإما أن تزداد تلك الهيبة أو تنقص و لا ريب أن الإنصاف سبب انعطاف القلوب إلى المنصف و أن الإفضال و الجود يقتضي عظم القدر لأنه إنعام و المنعم مشكور و التواضع طريق إلى تمام النعمة و لا سؤدد إلا باحتمال المؤن كما قال أبو تمام:
و الحمد شهد لا ترى مشتاره |
يجنيه إلا من نقيع الحنظل |
|
غل لحامله و يحسبه الذي |
لم يوه عاتقه خفيف المحمل |
و السيرة العادلة سبب لقهر الملك الذي يسير بها أعداءه و من حلم عن سفيه و هو قادر على الانتقام منه نصره الناس كلهم عليه و اتفقوا كلهم على ذم ذلك السفيه و تقبيح فعله و الاستقراء و اختبار العادات تشهد بجميع ذلك
221
وَ قَالَ ع اَلْعَجَبُ لِغَفْلَةِ اَلْحُسَّادِ عَنْ سَلاَمَةِ اَلْأَجْسَادِ إنما لم يحسد الحاسد على صحة الجسد لأنه صحيح الجسد فقد شارك في الصحة و ما يشارك الإنسان غيره فيه لا يحسده عليه و لهذا أرباب الحسد إذا مرضوا حسدوا الأصحاء على الصحة.فإن قلت فلما ذا تعجب أمير المؤمنين ع قلت لكلامه ع وجه و هو أن الحسد لما تمكن في أربابه و صار غريزة فيهم تعجب كيف لا يتعدى هذا الخلق الذميم إلى أن يحسد الإنسان غيره على ما يشاركه فيه فإن زيدا إذا أبغض عمرا بغضا شديدا ود أن تزول عنه نعمته إليه و إن كان ذا نعمة كنعمته بل ربما كان أقوى و أحسن حالا.و يجوز أن يريد معنى آخر و هو تعجبه من غفلة الحساد على أن الحسد مؤثر في سلامة أجسادهم و مقتض سقمهم و هذا أيضا واضح
222
وَ قَالَ ع اَلطَّامِعُ فِي وِثَاقِ اَلذُّلِّ من أمثال البحتري قوله
و اليأس إحدى الراحتين و لن ترى
تعبا كظن الخائب المكدود
و كان يقال ما طمعت إلا و ذلت يعنون النفس.و في البيت المشهور
تقطع أعناق الرجال المطامع
و قالوا عز من قنع و ذل من طمع.و قد تقدم القول في الطمع مرارا
223
وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ اَلْإِيمَانِ فَقَالَ اَلْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ قد تقدم قولنا في هذه المسألة و هذا هو مذهب أصحابنا المعتزلة بعينه لأن العمل بالأركان عندنا داخل في مسمى الإيمان أعني فعل الواجبات فمن لم يعمل لم يسم مؤمنا و إن عرف بقلبه و أقر بلسانه و هذا خلاف قول المرجئة من الأشعرية و الإمامية و الحشوية.فإن قلت فما قولك في النوافل هل هي داخلة في مسمى الإيمان أم لا قلت في هذا خلاف بين أصحابنا و هو مستقصى في كتبي الكلامية
224
وَ قَالَ ع مَنْ أَصْبَحَ عَلَى اَلدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اَللَّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ وَ مَنْ قَرَأَ اَلْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ اَلنَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آيَاتِ اَللَّهِ هُزُواً وَ مَنْ لَهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ اَلدُّنْيَا اِلْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلاَثٍ هَمٍّ لاَ يُغِبُّهُ وَ حِرْصٍ لاَ يَتْرُكُهُ وَ أَمَلٍ لاَ يُدْرِكُهُ إذا كان الرزق بقضاء الله و قدره فمن حزن لفوات شيء منه فقد سخط قضاء الله و ذلك معصية لأن الرضا بقضاء الله واجب و كذلك من شكا مصيبة حلت به فإنما يشكو فاعلها لا هي لأنها لم تنزل به من تلقاء نفسها و فاعلها هو الله و من اشتكى الله فقد عصاه و التواضع للأغنياء تعظيما لغناهم أو رجاء شيء مما في أيديهم فسق.و كان يقال لا يحمد التيه إلا من فقير على غني فأما قوله ع و من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا.فلقائل أن يقول قد يكون مؤمنا بالقرآن ليس بمتخذ له هزوا و يقرؤه ثم
يدخل النار لأنه أتى بكبيرة أخرى نحو القتل و الزنا و الفرار من الزحف و أمثال ذلك.و الجواب أن معنى كلامه ع هو أن من قرأ القرآن فمات فدخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا أي يقرؤه هازئا به ساخرا منه مستهينا بمواعظه و زواجره غير معتقد أنه من عند الله.فإن قلت إنما دخل من ذكرت النار لا لأجل قراءته القرآن بل لهزئه به و جحوده إياه و أنت قلت معنى كلامه أنه من دخل النار لأجل قراءته القرآن فهو ممن كان يستهزئ بالقرآن.قلت بل إنما دخل النار لأنه قرأه على صفة الاستهزاء و السخرية أ لا ترى أن الساجد للصنم يعاقب لسجوده له على جهة العبادة و التعظيم و إن كان لو لا ما يحدثه مضافا للسجود من أفعال القلوب لما عوقب.و يمكن أن يحمل كلامه ع على تفسير آخر فيقال إنه عنى بقوله إنه كما كان ممن يتخذ آيات الله هزوا أنه يعتقد أنها من عند الله و لكنه لا يعمل بموجبها كما يفعله الآن كثير من الناس.قوله ع التاط بقلبه أي لصق و لا يغبه أي لا يأخذه غبا بل يلازمه دائما و صدق ع فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة و حب الدنيا هو الموجب للهم و الغم و الحرص و الأمل و الخوف على ما اكتسبه أن ينفد و للشح بما حوت يده و غير ذلك من الأخلاق الذميمة
225
وَ قَالَ ع كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً وَ بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ نَعِيماً قد تقدم القول في هذين و هما القناعة و حسن الخلق.و كان يقال يستحق الإنسانية من حسن خلقه و يكاد السيئ الخلق يعد من السباع.و قال بعض الحكماء حد القناعة هو الرضا بما دون الكفاية و الزهد الاقتصار على الزهيد أي القليل و هما متقاربان و في الأغلب إنما الزهد هو رفض الأمور الدنيوية مع القدرة عليها و أما القناعة فهي إلزام النفس الصبر عن المشتهيات التي لا يقدر عليها و كل زهد حصل عن قناعة فهو تزهد و ليس بزهد و كذلك قال بعض الصوفية القناعة أول الزهد تنبيها على أن الإنسان يحتاج أولا إلى قدع نفسه و تخصصه بالقناعة ليسهل عليه تعاطي الزهد و القناعة التي هي الغنى بالحقيقة لأن الناس كلهم فقراء من وجهين أحدهما لافتقارهم إلى الله تعالى كما قال( يا أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَراءُ إِلَى اَللَّهِ وَ اَللَّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ ) .
و الثاني لكثرة حاجاتهم فأغناهم لا محالة أقلهم حاجة و من سد مفاقره بالمقتنيات فما في انسدادها مطمع و هو كمن يرقع الخرق بالخرق و من يسدها بالاستغناء عنها بقدر وسعه و الاقتصار على تناول ضرورياته فهو الغني المقرب من الله سبحانه كما أشار إليه في قصة طالوت( إِنَّ اَللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) قال أصحاب المعاني و الباطن هذا إشارة إلى الدنيا
226
وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى قَوْلِ اَللَّهِ عزوجل( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) فَقَالَ هِيَ اَلْقَنَاعَةُ لا ريب أن الحياة الطيبة هي حياة الغنى و قد بينا أن الغني هو القنوع لأنه إذا كان الغنى عدم الحاجة فأغنى الناس أقلهم حاجة إلى الناس و لذلك كان الله تعالى أغنى الأغنياء لأنه لا حاجة به إلى شيء و على هذا
دل النبي بقوله ص ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس.و قال الشاعر:
فمن أشرب اليأس كان الغني |
و من أشرب الحرص كان الفقيرا |
و قال الشاعر:
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة |
فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا |
و قال بعض الحكماء المخير بين أن يستغني عن الدنيا و بين أن يستغني بالدنيا كالمخير بين أن يكون مالكا أو مملوكا.و لهذا
قال ع تعس عبد الدينار و الدرهم تعس فلا انتعش و شيك فلا انتقش.
و قيل لحكيم لم لا تغتم قال لأني لم أتخذ ما يغمني فقده.و قال الشاعر:
فمن سره ألا يرى ما يسوءه |
فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا |
و قال أصحاب هذا الشأن القناعة من وجه صبر و من وجه جود لأن الجود ضربان جود بما في يدك منتزعا و جود عما في يد غيرك متورعا و ذلك أشرفهما و لا يحصل الزهد في الحقيقة إلا لمن يعرف الدنيا ما هي و يعرف عيوبها و آفاتها و يعرف الآخرة و افتقاره إليها و لا بد في ذلك من العلم أ لا ترى إلى قوله تعالى( قالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَ قالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلاَّ اَلصَّابِرُونَ ) .و لأن الزاهد في الدنيا راغب في الآخرة و هو يبيعها بها كما قال الله تعالى( إِنَّ اَللَّهَ اِشْتَرى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ) الآية.و الكيس لا يبيع عينا بأثر إلا إذا عرفهما و عرف فضل ما يبتاع على ما يبيع
227
وَ قَالَ ع شَارِكُوا اَلَّذِي اَلَّذِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمُ عَلَيْهِ اَلرِّزْقُ فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى وَ أَجْدَرُ بِإِقْبَالِ اَلْحَظِّ عَلَيْهِ قد تقدم القول في الحظ و البخت.و كان يقال الحظ يعدي كما يعدي الجرب و هذا يطابق كلمة أمير المؤمنين ع لأن مخالطة المجدود ليست كمخالطة غير المجدود فإن الأولى تقتضي الاشتراك في الحظ و السعادة و الثانية تقتضي الاشتراك في الشقاء و الحرمان.و القول في الحظ وسيع جدا.و قال بعضهم البخت على صورة رجل أعمى أصم أخرس و بين يديه جواهر و حجارة و هو يرمي بكلتا يديه.و كان مالك بن أنس فقيه المدينة و أخذ الفقه عن الليث بن سعد و كانوا يزدحمون عليه و الليث جالس لا يلتفتون إليه فقيل لليث إن مالكا إنما أخذ عنك فما لك خاملا و هو أنبه الناس ذكرا فقال دانق بخت خير من جمل بختي حمل علما.و قال الرضي:
أسيغ الغيظ من نوب الليالي |
و ما يحفلن بالحنق المغيظ |
|
و أرجو الرزق من خرق دقيق |
يسد بسلك حرمان غليظ |
|
و أرجع ليس في كفي منه |
سوى عض اليدين على الحظوظ |
228
وَ قَالَ ع : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّوَجَلَّ( إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسانِ ) اَلْعَدْلُ اَلْإِنْصَافُ وَ اَلْإِحْسَانُ اَلتَّفَضُّلُ هذا تفسير صحيح اتفق عليه المفسرون كافة و إنما دخل الندب تحت الأمر لأن له صفة زائدة على حسنه و ليس كالمباح الذي لا صفة له زائدة على حسنه.و قال الزمخشري العدل هو الواجب لأن الله عزوجل عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم منه واقعا تحت طاقتهم و الإحسان الندب و إنما علق أمره بهما جميعا لأن الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب و لذلك
قال رسول الله ص لإنسان علمه الفرائض فقال و الله لا زدت فيها و لا نقصت منها أفلح إن صدق فعقد الفلاح بشرط الصدق و السلامة من التفريط وقال ص استقيموا و لن تحصوا فليس ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل.و لقائل أن يقول إن كان إنما سمي الواجب عدلا لأنه داخل تحت طاقة المكلف فليسم الندب عدلا لأنه داخل تحت طاقة المكلف و أما قوله إنما أمر بالندب لأنه يجبر ما وقع فيه التفريط من الواجب فلا يصح على مذهبه و هو من أعيان المعتزلة لأنه لو جبرت النافلة بالتفريط في الواجب لكانت واجبة مثله و كيف يقول الزمخشري هذا و من قول مشايخنا إن تارك صلاة واحدة من الفرائض لو صلى مائة ألف ركعة من النوافل لم يكفر ثوابها عقاب ترك تلك الصلاة
229
وَ قَالَ ع : مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ اَلْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ اَلطَّوِيلَةِ قال الرضيرحمهالله تعالى و معنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير و البر و إن كان يسيرا فإن الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا و اليدان هاهنا عبارة عن النعمتين ففرق ع بين نعمة العبد و نعمة الرب تعالى ذكره بالقصيرة و الطويلة فجعل تلك قصيرة و هذه طويلة لأن نعم الله أبدا تضعف على نعم المخلوقين أضعافا كثيرة إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها فكل نعمة إليها ترجع و منها تنزع هذا الفصل قد شرحه الرضيرحمهالله فأغنى عن التعرض بشرحه
230
وَ قَالَ ع لاِبْنِهِ اَلْحَسَنِ ع لاَ تَدْعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ وَ إِنْ فَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ فَإِنَّ اَلدَّاعِيَ إِلَيْهَا بَاغٍ وَ اَلْبَاغِيَ مَصْرُوعٌ
قد ذكر ع الحكمة ثم ذكر العلة و ما سمعنا أنه ع دعا إلى مبارزة قط و إنما كان يدعى هو بعينه أو يدعو من يبارز فيخرج إليه فيقتله دعا بنو ربيعة بن عبد بن شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر فخرج ع فقتل الوليد و اشترك هو و حمزة ع في قتل عتبة و دعا طلحة بن أبي طلحة إلى البراز يوم أحد فخرج إليه فقتله و دعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله.فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود فإنها أجل من أن يقال جليلة و أعظم من أن يقال عظيمة و ما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل و قد سأله سائل أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو بكر فقال يا ابن أخي و الله لمبارزة علي عمرا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين و الأنصار و طاعاتهم كلها و تربي عليها فضلا عن أبي بكر وحده و قد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا بل ما هو أبلغ منه
روى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك السعدي قال أتيت حذيفة بن اليمان فقلت يا أبا عبد الله إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب و مناقبه فيقول لهم أهل
البصيرة إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس فقال يا ربيعة و ما الذي تسألني عن علي و ما الذي أحدثك عنه و الذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد ص في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا و وضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها فقال ربيعة هذا المدح الذي لا يقام له و لا يقعد و لا يحمل إني لأظنه إسرافا يا أبا عبد الله فقال حذيفة يا لكع و كيف لا يحمل و أين كان المسلمون يوم الخندق و قد عبر إليهم عمرو و أصحابه فملكهم الهلع و الجزع و دعا إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله و الذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من أعمال أمة محمد ص إلى هذا اليوم و إلى أن تقوم القيامة.و جاء في الحديث المرفوع أن رسول الله ص قال ذلك اليوم حين برز إليه برز الإيمان كله إلى الشرك كله.و قال أبو بكر بن عياش لقد ضرب علي بن أبي طالب ع ضربة ما كان في الإسلام أيمن منها ضربته عمرا يوم الخندق و لقد ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام أشأم منها يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله.و في الحديث المرفوع أن رسول الله ص لما بارز علي عمرا ما زال رافعا يديه مقمحا رأسه نحو السماء داعيا ربه قائلا اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر و حمزة يوم أحد فاحفظ علي اليوم عليا( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوارِثِينَ ) .
و قال جابر بن عبد الله الأنصاري و الله ما شبهت يوم الأحزاب قتل علي عمرا
و تخاذل المشركين بعده إلا بما قصه الله تعالى من قصة طالوت و جالوت في قوله( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ) .
و روى عمرو بن أزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن أن عليا ع لما قتل عمرا احتز رأسه و حمله فألقاه بين يدي رسول الله ص فقام أبو بكر و عمر فقبلا رأسه و وجه رسول الله ص يتهلل فقال هذا النصر أو قال هذا أول النصر.و في الحديث المرفوع أن رسول الله ص قال يوم قتل عمرو ذهبت ريحهم و لا يغزوننا بعد اليوم و نحن نغزوهم إن شاء الله
و ينبغي أن نذكر ملخص هذه القصة من مغازي الواقدي و ابن إسحاق قالا خرج عمرو بن عبد ود يوم الخندق و قد كان شهد بدرا فارتث جريحا و لم يشهد أحدا فحضر الخندق شاهرا سيفه معلما مدلا بشجاعته و بأسه و خرج معه ضرار بن الخطاب الفهري و عكرمة بن أبي جهل و هبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميون فطافوا بخيولهم على الخندق إصعادا و انحدارا يطلبون موضعا ضيقا يعبرونه حتى وقفوا على أضيق موضع فيه في المكان المعروف بالمزار فأكرهوا خيولهم على العبور فعبرت و صاروا مع المسلمين على أرض واحدة و رسول الله ص جالس و أصحابه قيام على رأسه فتقدم عمرو بن عبد ود فدعا
إلى البراز مرارا فلم يقم إليه أحد فلما أكثر قام علي ع فقال أنا أبارزه يا رسول الله فأمره بالجلوس و أعاد عمرو النداء و الناس سكوت كان على رءوسهم الطير فقال عمرو أيها الناس إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة و قتلانا في النار أ فما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار فلم يقم إليه أحد فقام علي ع دفعة ثانية و قال أنا له يا رسول الله فأمره بالجلوس فجال عمرو بفرسه مقبلا و مدبرا و جاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق و مدت أعناقها تنظر فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه قال:
و لقد بححت من الندا |
بجمعهم هل من مبارز |
|
و وقفت مذ جبن المشيع |
موقف القرن المناجز |
|
إني كذلك لم أزل |
متسرعا قبل الهزاهز |
|
أن الشجاعة في الفتى |
و الجود من خير الغرائز |
فقام علي ع فقال يا رسول الله ائذن لي في مبارزته فقال ادن فدنا فقلده سيفه و عممه بعمامته و قال امض لشأنك فلما انصرف قال اللهم أعنه عليه فلما قرب منه قال له مجيبا إياه عن شعره:
لا تعجلن فقد أتاك |
مجيب صوتك غير عاجز |
|
ذو نية و بصيرة |
يرجو بذاك نجاة فائز |
|
إني لآمل أن أقيم |
عليك نائحة الجنائز |
|
من ضربة فوهاء يبقى |
ذكرها عند الهزاهز |
فقال عمرو من أنت و كان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين و كان نديم أبي طالب بن عبد المطلب في الجاهلية فانتسب علي ع له و قال أنا علي بن أبي طالب فقال أجل لقد كان أبوك نديما لي و صديقا فارجع فإني لا أحب أن
أقتلك كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع و الله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه بل خوفا منه فقد عرف قتلاه ببدر و أحد و علم أنه إن ناهضه قتله فاستحيا أن يظهر الفشل فأظهر الإبقاء و الإرعاء و إنه لكاذب فيهما قالوا فقال له علي ع لكني أحب أن أقتلك فقال يا ابن أخي إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك فارجع وراءك خير لك فقال علي ع إن قريشا تتحدث عنك أنك قلت لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت و لو إلى واحدة منها قال أجل فقال علي ع فإني أدعوك إلى الإسلام قال دع عنك هذه قال فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة قال إذن تتحدث نساء قريش عني أن غلاما خدعني قال فإني أدعوك إلى البراز فحمى عمرو و قال ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومها مني ثم نزل فعقر فرسه و قيل ضرب وجهه ففر و تجاولا فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة فعلموا أن عليا قتله و انجلت الغبرة عنهما و على راكب صدره يحز رأسه و فر أصحابه ليعبروا الخندق فظفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق فرماه المسلمون بالحجارة فقال يا معاشر الناس قتلة أكرم من هذه فنزل إليه علي ع فقتله و أدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب فضربه فقطع ثفر فرسه و سقطت درع كان حملها من ورائه فأخذها الزبير و ألقى عكرمة رمحه و ناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه و قال إنها لنعمة مشكورة فاحفظها يا ابن الخطاب إني كنت آليت ألا تمكنني يداي من قتل قرشي فأقتله و انصرف ضرار راجعا إلى أصحابه و قد كان جرى له معه مثل هذه في يوم أحد و قد ذكر هاتين القصتين معا محمد بن عمر الواقدي في كتاب المغازي
231
وَ قَالَ ع خِيَارُ خِصَالِ اَلنِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ اَلرِّجَالِ اَلزَّهْوُ وَ اَلْجُبْنُ وَ اَلْبُخْلُ فَإِذَا كَانَتِ اَلْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا وَ إِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَ مَالَ بَعْلِهَا وَ إِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهَا أخذ هذا المعنى الطغرائي شاعر العجم فقال:
الجود و الإقدام في فتيانهم |
و البخل في الفتيات و الإشفاق |
|
و الطعن في الأحداق دأب رماتهم |
و الراميات سهاما الأحداق |
و له:
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها |
ما بالكرائم من جبن و من بخل |
و في حكمة أفلاطون من أقوى الأسباب في محبة الرجل لامرأته و اتفاق ما بينهما أن يكون صوتها دون صوته بالطبع و تميزها دون تميزه و قلبها أضعف من قلبه فإذا زاد من هذا عندها شيء على ما عند الرجل تنافرا على مقداره.و تقول زهي الرجل علينا فهو مزهو إذا افتخر و كذلك نخي فهو منخو من النخوة و لا يجوز زها إلا في لغة ضعيفة.و فرقت خافت و الفرق الخوف
232
وَ قِيلَ لَهُ ع صِفْ لَنَا اَلْعَاقِلَ فَقَالَ ع هُوَ اَلَّذِي يَضَعُ اَلشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ فَقِيلَ فَصِفْ لَنَا اَلْجَاهِلَ قَالَ قَدْ قُلْتُ فَعَلْتُ قال الرضيرحمهالله تعالى يعني أن الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه فكان ترك صفته صفة له إذ كان بخلاف وصف العاقل هذا مثل الكلام الذي تنسبه العرب إلى الضب قالوا اختصمت الضبع و الثعلب إلى الضب فقالت الضبع يا أبا الحسل إني التقطت تمرة قال طيبا جنيت قالت و إن هذا أخذها مني قال حظ نفسه أحرز قالت فإني لطمته قال كريم حمى حقيقته قالت فلطمني قال حر انتصر قالت اقض بيننا قال قد فعلت
233
وَ قَالَ ع وَ اَللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ عُرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ العراق جمع عرق و هو العظم عليه شيء من اللحم و هذا من الجموع النادرة نحو رخل و رخال و توأم و تؤام و لا يكون شيء أحقر و لا أبغض إلى الإنسان من عراق خنزير في يد مجذوم فإنه لم يرض بأن يجعله في يد مجذوم و هو غاية ما يكون من التنفير حتى جعله عراق خنزير.و لعمري لقد صدق و ما زال صادقا و من تأمل سيرته في حالتي خلوه من العمل و ولايته الخلافة عرف صحة هذا القول
234
وَ قَالَ ع إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلتُّجَّارِ وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلْعَبِيدِ وَ إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اَللَّهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ اَلْأَحْرَارِ هذا مقام جليل تتقاصر عنه قوى أكثر البشر و قد شرحناه فيما تقدم و قلنا إن العبادة لرجاء الثواب تجارة و معاوضة و إن العبادة لخوف العقاب لمنزلة من يستجدي لسلطان قاهر يخاف سطوته.و هذا معنى قوله عبادة العبيد أي خوف السوط و العصا و تلك ليس عبادة نافعة و هي كمن يعتذر إلى إنسان خوف أذاه و نقمته لا لأن ما يعتذر منه قبيح لا ينبغي له فعله فأما العبادة لله تعالى شكرا لأنعمه فهي عبادة نافعة لأن العبادة شكر مخصوص فإذا أوقعها على هذا الوجه فقد أوقعها الموقع الذي وضعت عليه.فأما أصحابنا المتكلمون فيقولون ينبغي أن يفعل الإنسان الواجب لوجه وجوبه و يترك القبيح لوجه قبحه و ربما قالوا يفعل الواجب لأنه واجب و يترك القبيح لأنه قبيح و الكلام في هذا الباب مشروح مبسوط في الكتب الكلامية
235
وَ قَالَ ع اَلْمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا وَ شَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهَا حلف إنسان عند بعض الحكماء أنه ما دخل بابي شر قط فقال الحكيم فمن أين دخلت امرأتك.و كان يقال أسباب فتنة النساء ثلاثة عين ناظرة و صورة مستحسنة و شهوة قادرة فالحكيم من لا يردد النظرة حتى يعرف حقائق الصورة و لو أن رجلا رأى امرأة فأعجبته ثم طالبها فامتنعت هل كان إلا تاركها فإن تأبى عقله عليه في مطالبتها كتأبيها عليه في مساعفتها قدع نفسه عن لذته قدع الغيور إياه عن حرمة مسلم.و كان يقال من أتعب نفسه في الحلال من النساء لم يتق إلى الحرام منهن كالطليح مناه أن يستريح
236
وَ قَالَ ع مَنْ أَطَاعَ اَلتَّوَانِيَ ضَيَّعَ اَلْحُقُوقَ وَ مَنْ أَطَاعَ اَلْوَاشِيَ ضَيَّعَ اَلصَّدِيقَ قد تقدم الكلام في التواني و العجز و تقدم أيضا الكلام في الوشاية و السعاية.و رفع إلى كسرى أبرويز أن النصارى الذين يحضرون باب الملك يعرفون بالتجسس إلى ملك الروم فقال من لم يظهر له ذنب لم يظهر منا عقوبة له.و رفع إليه أن بعض الناس ينكر إصغاء الملك إلى أصحاب الأخبار فوقع هؤلاء بمنزلة مداخل الضياء إلى البيت المظلم و ليس لقطع مواد النور مع الحاجة إليه وجه عند العقلاء.قال أبو حيان أما الأصل في التدبير فصحيح لأن الملك محتاج إلى الأخبار لكن الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أوجه خبر يتصل بالدين فالواجب عليه أن يبالغ و يحتاط في حفظه و حراسته و تحقيقه و نفى القذى عن طريقه و ساحته.و خبر يتصل بالدولة و رسومها فينبغي أن يتيقظ في ذلك خوفا من كيد ينفذ و بغي يسري.و خبر يدور بين الناس في منصرفهم و شأنهم و حالهم متى زاحمتهم فيه اضطغنوا
عليك و تمنوا زوالي ملكك و ارصدوا العداوة لك و جهروا إلى عدوك و فتحوا له باب الحيلة إليك.و إنما لحق الناس من هذا الخبر هذا العارض لأن في منع الملك إياهم عن تصرفاتهم و تتبعه لهم في حركاتهم كربا على قلوبهم و لهيبا في صدورهم و لا بد لهم في الدهر الصالح و الزمان المعتدل و الخصب المتتابع و السبيل الآمن و الخير المتصل من فكاهة و طيب و استرسال و أشر و بطر و كل ذلك من آثار النعمة الدارة و القلوب القارة فإن أغضى الملك بصره على هذا القسم عاش محبوبا و إن تنكر لهم فقد استأسدهم أعداء و السلام
237
وَ قَالَ ع اَلْحَجَرُ اَلْغَصْبُ اَلْغَصِيُب فِي اَلدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا قال الرضيرحمهالله تعالى و قد روي ما يناسب هذا الكلام عن النبي ص و لا عجب أن يشتبه الكلامان فإن مستقاهما من قليب و مفرغهما من ذنوب الذنوب الدلو الملأى و لا يقال لها و هي فارغة ذنوب و معنى الكلمة أن الدار المبنية بالحجارة المغصوبة و لو بحجر واحد لا بد أن يتعجل خرابها و كأنما ذلك الحجر رهن على حصول التخرب أي كما أن الرهن لا بد أن يفتك كذلك لا بد لما جعل ذلك الحجر رهنا عليه أن يحصل.و قال ابن بسام لأبي علي بن مقلة لما بنى داره بالزاهر ببغداد من الغصب و ظلم الرعية:
بجنبك داران مهدومتان |
و دارك ثالثة تهدم |
|
فليت السلامة للمنصفين |
دامت فكيف لمن يظلم |
و الداران دار أبي الحسن بن الفرات و دار محمد بن داود بن الجراح و قال فيه أيضا:
قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا |
فإنما أنت في أضغاث أحلام |
|
تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا |
دارا ستنقض أيضا بعد أيام |
و كان ما تفرسه ابن بسام فيه حقا فإن داره نقضت حتى سويت بالأرض في أيام الراضي بالله
238
وَ قَالَ ع يَوْمُ اَلْمَظْلُومِ عَلَى اَلظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ اَلظَّالِمِ عَلَى اَلْمَظْلُومِ قد تقدم الكلام في الظلم مرارا و كان يقال اذكر عند الظلم عدل الله تعالى فيك و عند القدرة قدرة الله تعالى عليك.و إنما كان يوم المظلوم على الظالم أشد من يومه على المظلوم لأن ذلك اليوم يوم الجزاء الكلي و الانتقام الأعظم و قصارى أمر الظالم في الدنيا أن يقتل غيره فيميته ميتة واحدة ثم لا سبيل له بعد إماتته إلى أن يدخل عليه ألما آخر و أما يوم الجزاء فإنه يوم لا يموت الظالم فيه فيستريح بل عذابه دائم متجدد نعوذ بالله من سخطه و عقابه
239
وَ قَالَ ع اِتَّقِ اَللَّهَ بَعْضَ اَلتُّقَى وَ إِنْ قَلَّ وَ اِجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَللَّهِ سِتْراً وَ إِنْ رَقَّ يقال في المثل ما لا يدرك كله لا يترك كله.فالواجب على من عسرت عليه التقوى بأجمعها أن يتقي الله في البعض و أن يجعل بينه و بينه سترا و إن كان رقيقا.و في أمثال العامة اجعل بينك و بين الله روزنة و الروزنة لفظة صحيحة معربة أي لا تجعل ما بينك و بينه مسدودا مظلما بالكلية
240
وَ قَالَ ع إِذَا اِزْدَحَمَ اَلْجَوَابُ خَفِيَ اَلصَّوَابُ هذا نحو أن يورد الإنسان إشكالا في بعض المسائل النظرية بحضرة جماعة من أهل النظر فيتغالب القوم و يتسابقون إلى الجواب عنه كل منهم يورد ما خطر له.فلا ريب أن الصواب يخفى حينئذ و هذه الكلمة في الحقيقة أمر للناظر البحاث أن يتحرى الإنصاف في بحثه و نظره مع رفيقه و ألا يقصد المراء و المغالبة و القهر
241
وَ قَالَ ع إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ قد تقدم الكلام في هذا المعنى و جاء في الخبر من أوتي نعمة فأدى حق الله منها برد اللهفة و إجابة الدعوة و كشف المظلمة كان جديرا بدوامها و من قصر قصر به
242
وَ قَالَ ع إِذَا كَثُرَتِ اَلْمَقْدِرَةُ اَلْمَقْدُرَةُ قَلَّتِ اَلشَّهْوَةُ هذا مثل قولهم كل مقدور عليه مملول و مثل قول الشاعر:
و كل كثير عدو الطبيعة
و مثل قول الآخر:
و أخ كثرت عليه حتى ملني |
و الشيء مملول إذا هو يرخص |
|
يا ليته إذ باع ودي باعه |
ممن يزيد عليه لا من ينقص |
و لهذا الحكم علة في العلم العقلي و ذلك أن النفس عندهم غنية بذاتها مكتفية بنفسها غير محتاجة إلى شيء خارج عنها و إنما عرضت لها الحاجة و الفقر إلى ما هو خارج عنها لمقارنتها الهيولى و ذلك أن أمر الهيولى بالضد من أمر النفس في الفقر و الحاجة و لما كان الإنسان مركبا من النفس و الهيولى عرض له الشوق إلى تحصيل العلوم و القنيات لانتفاعه بهما و التذاذه بحصولهما فأما العلوم فإنه يحصلها في شبيه بالخزانة له يرجع إليها متى شاء و يستخرج منها ما أراد أعني القوى النفسانية التي هي محل الصور و المعاني على ما هو مذكور في موضعه و أما القنيات و المحسوسات
فإنه يروم منها مثل ما يروم من تلك و أن يودعها خزانة محسوسة خارجة عن ذاته لكنه يغلط في ذلك من حيث يستكثر منها إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني منها و إنما حرص على ما منع لأن الإنسان إنما يطلب ما ليس عنده لأن تحصيل الحاصل محال و الطلب إنما يتوجه إلى المعدوم لا إلى الموجود فإذا حصله سكن و علم أنه قد ادخره و متى رجع إليه وحده إن كان مما يبقى بالذات خزنه و تشوق إلى شيء آخر منه و لا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها و ما لا نهاية له فلا مطمع في تحصيله و لا فائدة في النزوع إليه و لا وجه لطلبه سواء كان معلوما أو محسوسا فوجب أن يقصد من المعلومات إلى الأهم و من المقتنيات إلى ضرورات البدن و مقيماته و يعدل عن الاستكثار منها فإن حصولها كلها مع أنها لا نهاية لها غير ممكن و كلما فضل عن الحاجة و قدر الكفاية فهو مادة الأحزان و الهموم و ضروب المكاره و الغلط في هذا الباب كثير و سبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر لأن الفقر هو الحاجة و الغنى هو الاستقلال إلى أن يحتاج إليه و لذلك قيل إن الله تعالى غني مطلقا لأنه غير محتاج البتة فأما من كثرت قنياته فإنه يستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته و على قدرها رغبه إلى الاستكثار بكثرة وجوه فقره و قد بين ذلك في شرائع الأنبياء و أخلاق الحكماء فأما الشيء الرخيص الموجود كثيرا فإنما يرغب عنه لأنه معلوم أنه إذا التمس وجد و الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان و يصيبه الواحد بعد الواحد و كل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليصيبه و ليحصل له ما لا يحصل لغيره
243
وَ قَالَ ع اِحْذَرُوا نِفَارَ اَلنِّعَمِ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ هذا أمر بالشكر على النعمة و ترك المعاصي فإن المعاصي تزيل النعم كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها |
فإن المعاصي تزيل النعم |
و قال بعض السلف كفران النعمة بوار و قلما أقلعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر و استدم راهنها بكرم الجوار و لا تحسب أن سبوغ ستر الله عليك غير متقلص عما قليل عنك إذا أنت لم ترج لله وقارا.و قال أبو عصمة شهدت سفيان و فضيلا فما سمعتهما يتذاكران إلا النعم يقولان أنعم الله سبحانه علينا بكذا و فعل بنا كذا.و قال الحسن إذا استوى يوماك فأنت ناقص قيل له كيف ذاك قال إن زادك الله اليوم نعما فعليك أن تزداد غدا له شكرا.و كان يقال الشكر جنة من الزوال و أمنة من الانتقال.و كان يقال إذا كانت النعمة وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة
244
وَ قَالَ ع اَلْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ اَلرَّحِمِ مثل هذا المعنى قول أبي تمام لابن الجهم:
إلا يكن نسب يؤلف بيننا |
أدب أقمناه مقام الوالد |
|
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا |
عذب تحدر من غمام واحد |
و من قصيدة لي في بعض أغراضي:
و وشائج الآداب عاطفة |
الفضلاء فوق وشائج النسب |
245
وَ قَالَ ع مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ هذا قد تقدم في وصيته ع لولده الحسن.و من كلام بعضهم إني لأستحيي أن يأتيني الرجل يحمر وجهه تارة من الخجل أو يصفر أخرى من خوف الرد قد ظن بي الخير و بات عليه و غدا علي أن أرده خائبا
246
وَ قَالَ ع أَفْضَلُ اَلْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ لا ريب أن الثواب على قدر المشقة لأنه كالعوض عنها كما أن العوض الحقيقي عوض عن الألم و لهذا
قال ص أفضل العبادة أحمزها أي أشقها
247
وَ قَالَ ع عَرَفْتُ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ اَلْعَزَائِمِ وَ حَلِّ اَلْعُقُودِ وَ نَقْضِ اَلْهِمَمِ هذا أحد الطرق إلى معرفة البارئ سبحانه و هو أن يعزم الإنسان على أمر و يصمم رأيه عليه ثم لا يلبث أن يخطر الله تعالى بباله خاطرا صارفا له عن ذلك الفعل و لم يكن في حسابه أي لو لا أن في الوجود ذاتا مدبرة لهذا العالم لما خطرت الخواطر التي لم تكن محتسبة و هذا فصل يتضمن كلاما دقيقا يذكره المتكلمون في الخاطر الذي يخطر من غير موجب لخطوره فإنه لا يجوز أن يكون الإنسان أخطره بباله و إلا لكان ترجيحا من غير مرجح لجانب الوجود على جانب العدم فلا بد أن يكون المخطر له بالبال شيئا خارجا عن ذات الإنسان و ذاك هو الشيء المسمى بصانع العالم.و ليس هذا الموضع مما يحتمل استقصاء القول في هذا المبحث.و يقال إن عضد الدولة وقعت في يده قصة و هو يتصفح القصص فأمر بصلب صاحبها ثم أتبع الخادم خادما آخر يقول له قل للمطهر و كان وزيره لا يصلبه و لكن أخرجه من الحبس فاقطع يده اليمنى ثم أتبعه خادما ثالثا فقال بل تقول له يقطع أعصاب رجليه ثم أتبعه خادما آخر فقال له ينقله إلى القلعة بسيراف في قيوده فيجعله هناك فاختلفت دواعيه في ساعة واحدة أربع مرات
248
وَ قَالَ ع مَرَارَةُ اَلدُّنْيَا حَلاَوَةُ اَلآْخِرَةِ وَ حَلاَوَةُ اَلدُّنْيَا مَرَارَةُ اَلآْخِرَةِ لما كانت الدنيا ضد الآخرة وجب أن يكون أحكام هذه ضد أحكام هذه كالسواد يجمع البصر و البياض يفرق البصر و الحرارة توجب الخفة و البرودة توجب الثقل فإذا كان في الدنيا أعمال هي مرة المذاق على الإنسان قد ورد الشرع بإيجابها فتلك الأفعال تقتضي و توجب لفاعلها ثوابا حلو المذاق في الآخرة.و كذاك بالعكس ما كان من المشتهيات الدنياوية التي قد نهى الشرع عنها توجب و إن كانت حلوة المذاق مرارة العقوبة في الآخرة
249
وَ قَالَ ع فَرَضَ اَللَّهُ اَلْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ اَلشِّرْكِ وَ اَلصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ اَلْكِبْرِ وَ اَلزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ وَ اَلصِّيَامَ اِبْتِلاَءً لِإِخْلاَصِ اَلْخَلْقِ وَ اَلْحَجَّ تَقْوِيَةً تَقْرِبَةً لِلدِّينِ وَ اَلْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلاَمِ وَ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ وَ صِلَةَ اَلرَّحِمِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ وَ اَلْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ وَ إِقَامَةَ اَلْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ وَ تَرْكَ شُرْبِ اَلْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ وَ مُجَانَبَةَ اَلسَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ وَ تَرْكَ اَلزِّنَى اَلزِّنَا تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ وَ تَرْكَ اَللِّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ وَ اَلشَّهَادَاتِ اِسْتِظْهَاراً عَلَى اَلْمُجَاحَدَاتِ وَ تَرْكَ اَلْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ وَ اَلسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ اَلْمَخَاوِفِ وَ اَلْإِمَامَةِ نِظَاماً لِلْأُمَّةِ وَ اَلطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلْإِمَامَةِ هذا الفصل يتضمن بيان تعليل العبادات إيجابا و سلبا.قال ع فرض الله الإيمان تطهيرا من الشرك و ذلك لأن الشرك نجاسة حكمية لا عينية و أي شيء يكون أنجس من الجهل أو أقبح فالإيمان هو تطهير القلب من نجاسة ذلك الجهل.و فرضت الصلاة تنزيها من الكبر لأن الإنسان يقوم فيها قائما و القيام مناف للتكبر و طارد له ثم يرفع يديه بالتكبير وقت الإحرام بالصلاة فيصير على هيئة من يمد عنقه ليوسطه السياف ثم يستكتف كما يفعله العبيد الأذلاء بين يدي
السادة العظماء ثم يركع على هيئة من يمد عنقه ليضربها السياف ثم يسجد فيضع أشرف أعضائه و هو جبهته على أدون المواضع و هو التراب ثم تتضمن الصلاة من الخضوع و الخشوع و الامتناع من الكلام و الحركة الموهمة لمن رآها أن صاحبها خارج عن الصلاة و ما في غضون الصلاة من الأذكار المتضمنة الذل و التواضع لعظمة الله تعالى.و فرضت الزكاة تسبيبا للرزق كما قال الله تعالى( وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) و قال( مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ) .و فرض الصيام ابتلاء لإخلاص الخلق قال النبي ص حاكيا عن الله تعالى الصوم لي و أنا أجزي به و ذلك لأن الصوم أمر لا يطلع عليه أحد فلا يقوم به على وجهه إلا المخلصون.و فرض الحج تقوية للدين و ذلك لما يحصل للحاج في ضمنه من المتاجر و المكاسب قال الله تعالى( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اِسْمَ اَللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ اَلْأَنْعامِ ) .
و أيضا فإن المشركين كانوا يقولون لو لا أن أصحاب محمد كثير و أولو قوة لما حجوا فإن الجيش الضعيف يعجز عن الحج من المكان البعيد.و فرض الجهاد عزا للإسلام و ذلك ظاهر قال الله تعالى( وَ لَوْ لا دَفْعُ اَللَّهِ اَلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللَّهِ كَثِيراً ) و قال سبحانه( وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ ) .
و فرض الأمر بالمعروف مصلحة للعوام لأن الأمر بالعدل و الإنصاف و رد الودائع و أداء الأمانات إلى أهلها و قضاء الديون و الصدق في القول و إيجاز الوعد و غير ذلك من محاسن الأخلاق مصلحة للبشر عظيمة لا محالة.و فرض النهي عن المنكر ردعا للسفهاء كالنهي عن الظلم و الكذب و السفه و ما يجري مجرى ذلك.و فرضت صلة الرحم منماة للعدد
قال النبي ص صلة الرحم تزيد في العمر و تنمي العدد.و فرض القصاص حقنا للدماء قال سبحانه( وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي اَلْأَلْبابِ ) .و فرضت إقامة الحدود إعظاما للمحارم و ذلك لأنه إذا أقيمت الحدود امتنع كثير من الناس عن المعاصي التي تجب الحدود فيها و ظهر عظم تلك المعاصي عند العامة فكانوا إلى تركها أقرب.و حرم شرب الخمر تحصينا للعقل قال قوم لحكيم اشرب الليلة معنا فقال أنا لا أشرب ما يشرب عقلي و في الحديث المرفوع أن ملكا ظالما خير إنسانا بين أن يجامع أمه أو يقتل نفسا مؤمنة أو يشرب الخمر حتى يسكر فرأى أن الخمر أهونها فشرب حتى سكر فلما غلبه قام إلى أمه فوطئها و قام إلى تلك النفس المؤمنة فقتلها ثم قال ع الخمر جماع الإثم الخمر أم المعاصي.و حرمت السرقة إيجابا للعفة و ذلك لأن العفة خلق شريف و الطمع خلق دنيء فحرمت السرقة ليتمرن الناس على ذلك الخلق الشريف و يجانبوا ذلك الخلق الذميم و أيضا حرمت لما في تحريمها من تحصين أموال الناس.
و حرم الزنا تحصينا للنسب فإنه يفضي إلى اختلاط المياه و اشتباه الأنساب و ألا ينسب أحد بتقدير ألا يشرع النكاح إلى أب بل يكون نسب الناس إلى أمهاتهم و في ذلك قلب الحقيقة و عكس الواجب لأن الولد مخلوق من ماء الأب و إنما الأم وعاء و ظرف.و حرم اللواط تكثيرا للنسل و ذلك اللواط بتقدير استفاضته بين الناس و الاستغناء به عن النساء يفضي إلى انقطاع النسل و الذرية و ذلك خلاف ما يريد الله تعالى من بقاء هذا النوع الشريف الذي ليس في الأنواع مثله في الشرف لمكان النفس الناطقة التي هي نسخة و مثال للحضرة الإلهية و لذلك سمت الحكماء الإنسان العالم الصغير.و حرم الاستمناء باليد و إتيان البهائم للمعنى الذي لأجله حرم اللواط و هو تقليل النسل و من مستحسن الكلمات النبوية
قوله ع في الاستمناء باليد ذلك الوأد الخفي لأن الجاهلية كانت تئد البنات أي تقتلهن خنقا و قد قدمنا ذكر سبب ذلك فشبه ع إتلاف النطفة التي هي ولد بالقوة بإتلاف الولد بالفعل.و أوجبت الشهادات على الحقوق استظهارا على المجاحدات
قال النبي ص لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل قوم من قوم دماءهم و أموالهم و وجب ترك الكذب تشريفا للصدق و ذلك لأن مصلحة العامة إنما تتم و تنتظم بالصدق فإن الناس يبنون أكثر أمورهم في معاملاتهم على الأخبار فإنها أعم من العيان و المشاهدة فإذا لم تكن صادقة وقع الخطأ في التدبيرات و فسدت أحوال الخلق.و شرع رد السلام أمانا من المخاوف لأن تفسير قول القائل سلام عليكم أي لا حرب بيني و بينكم بل بيني و بينكم السلام و هو الصلح.
و فرضت الإمامة نظاما للأمة و ذلك لأن الخلق لا يرتفع الهرج و العسف و الظلم و الغضب و السرقة عنهم إلا بوازع قوي و ليس يكفي في امتناعهم قبح القبيح و لا وعيد الآخرة بل لا بد لهم من سلطان قاهر ينظم مصالحهم فيردع ظالمهم و يأخذ على أيدي سفهائهم.و فرضت الطاعة تعظيما للإمامة و ذلك لأن أمر الإمامة لا يتم إلا بطاعة الرعية و إلا فلو عصت الرعية إمامها لم ينتفعوا بإمامته و رئاسته عليهم
250
وَ كَانَ ع يَقُولُ : أَحْلِفُوا اَلظَّالِمَ إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اَللَّهِ وَ قُوَّتِهِ فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ اَلْعُقُوبَةَ وَ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ لِأَنَّهُ قَدْ وَحَّدَ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى
روى أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني في كتاب مقاتل الطالبيين أن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع لما أمنه الرشيد بعد خروجه بالديلم و صار إليه بالغ في إكرامه و بره فسعى به بعد مدة عبد الله بن مصعب الزبيري إلى الرشيد و كان يبغضه و قال له إنه قد عاد يدعو إلى نفسه سرا و حسن له نقض أمانه فأحضره و جمع بينه و بين عبد الله بن مصعب ليناظره فيما قذفه به و رفعه عليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد و ادعى عليه الحركة في الخروج و شق العصا فقال يحيى يا أمير المؤمنين أ تصدق هذا علي و تستنصحه و هو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك عبد الله و ولده الشعب و أضرم عليهم النار حتى خلصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب ع منه عنوة و هو الذي ترك الصلاة على
رسول الله ص و أربعين جمعة في خطبته فلما التاث عليه الناس قال إن له أهيل سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم و اشرأبوا لذكره فأكره أن أسرهم أو أقر أعينهم و هو الذي كان يشتم أباك و يلصق به العيوب حتى ورم كبده و لقد ذبحت بقرة يوما لأبيك فوجدت كبدها سوداء قد نقبت فقال علي ابنه أ ما ترى كبد هذه البقرة يا أبت فقال يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك ثم نفاه إلى الطائف فلما حضرته الوفاة قال لابنه علي يا بني إذا مت فالحق بقومك من بني عبد مناف بالشام و لا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير و و الله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعا بمنزلة سواء و لكنه قوي علي بك و ضعف عنك فتقرب بي إليك ليظفر منك بي بما يريد إذا لم يقدر على مثله منك و ما ينبغي لك أن تسوغه ذلك في فإن معاوية بن أبي سفيان و هو أبعد نسبا منك إلينا ذكر الحسن بن علي يوما فسبه فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك فزجره و انتهره فقال إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين فقال إن الحسن لحمي آكله و لا أوكله و مع هذا فهو الخارج مع أخي محمد على أبيك المنصور أبي جعفر و القائل لأخي في قصيدة طويلة أولها:
إن الحمامة يوم الشعب من وثن |
هاجت فؤاد محب دائم الحزن |
يحرض أخي فيها على الوثوب و النهوض إلى الخلافة و يمدحه و يقول له:
لا عز ركنا نزار عند سطوتها |
إن أسلمتك و لا ركنا ذوي يمن |
|
أ لست أكرمهم عودا إذا انتسبوا |
يوما و أطهرهم ثوبا من الدرن |
و أعظم الناس عند الناس منزلة |
و أبعد الناس من عيب و من وهن |
|
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها |
إن الخلافة فيكم يا بني حسن |
|
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا |
بعد التدابر و البغضاء و الإحن |
|
حتى يثاب على الإحسان محسننا |
و يأمن الخائف المأخوذ بالدمن |
|
و تنقضي دولة أحكام قادتها |
فينا كأحكام قوم عابدي وثن |
|
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا |
بري الصناع قداح النبع بالسفن |
فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر و تغيظ على ابن مصعب فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو و بأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له و أنه لسديف فقال يحيى و الله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره و ما حلفت كاذبا و لا صادقا بالله قبل هذا و إن الله عزوجل إذا مجده العبد في يمينه فقال و الله الطالب الغالب الرحمن الرحيم استحيا أن يعاقبه فدعني أن أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلا عوجل قال فحلفه قال قل برئت من حول الله و قوته و اعتصمت بحولي و قوتي و تقلدت الحول و القوة من دون الله استكبارا على الله و استعلاء عليه و استغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر فامتنع عبد الله من الحلف بذلك فغضب الرشيد و قال للفضل بن الربيع يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا هذا طيلساني علي و هذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين أنها لي لحلفت فوكز الفضل عبد الله برجله و كان له فيه هوى و قال له احلف ويحك فجعل يحلف بهذه اليمين و وجهه متغير و هو يرعد فضرب يحيى بين كتفيه و قال يا ابن مصعب قطعت عمرك لا تفلح بعدها أبدا.قالوا فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام استدارت عيناه
و تفقأ وجهه و قام إلى بيته فتقطع و تشقق لحمه و انتثر شعره و مات بعد ثلاثة أيام و حضر الفضل بن الربيع جنازته فلما جعل في القبر انخسف اللحد به حتى خرجت منه غبرة شديدة و جعل الفضل يقول التراب التراب فطرح التراب و هو يهوي فلم يستطيعوا سده حتى سقف بخشب و طم عليه فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل أ رأيت يا عباسي ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب
251
وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ وَ اِعْمَلْ فِي مَالِكَ فِيهِ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ يَعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ مَنْ بَعْدَكَ لا ريب أن الإنسان يؤثر أن يخرج ماله بعد موته في وجوه البر و الصدقات و القربات ليصل ثواب ذلك إليه لكنه يضن بإخراجه و هو حي في هذه الوجوه لحبه العاجلة و خوفه من الفقر و الحاجة إلى الناس في آخر العمر فيقيم وصيا يعمل ذلك في ماله بعد موته.و أوصى أميرالمؤمنين ع الإنسان أن يعمل في ماله و هو حي ما يؤثر أن يجعل فيه وصية بعد موته و هذه حالة لا يقدر عليها إلا من أخذ التوفيق بيده
252
وَ قَالَ ع اَلْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلْجُنُونِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ كان يقال الحدة كنية الجهل.و كان يقال لا يصح لحديد رأي لأن الحدة تصدئ العقل كما يصدئ الخل المرآة فلا يرى صاحبه فيه صورة حسن فيفعله و لا صورة قبيح فيجتنبه.و كان يقال أول الحدة جنون و آخرها ندم.و كان يقال لا تحملنك الحدة على اقتراف الإثم فتشفي غيظك و تسقم دينك
253
وَ قَالَ ع صِحَّةُ اَلْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ اَلْحَسَدِ معناه أن القليل الحسد لا يزال معافى في بدنه و الكثير الحسد يمرضه ما يجده في نفسه من مضاضة المنافسة و ما يتجرعه من الغيظ و مزاج البدن يتبع أحوال النفس.قال المأمون ما حسدت أحدا قط إلا أبا دلف على قول الشاعر فيه:
إنما الدنيا أبو دلف |
بين باديه و محتضره |
|
فإذا ولى أبو دلف |
ولت الدنيا على أثره |
و روى أبو الفرج الأصبهاني عن عبدوس بن أبي دلف قال حدثني أبي قال قال لي المأمون يا قاسم أنت الذي يقول فيك علي بن جبله
إنما الدنيا أبو دلف
البيتين فقلت مسرعا و ما ينفعني ذلك يا أمير المؤمنين مع قوله في:
أبا دلف يا أكذب الناس كلهم |
سواي فإني في مديحك أكذب |
و مع قول بكر بن النطاح في:
أبا دلف إن الفقير بعينه |
لمن يرتجي جدوى يديك و يأمله |
|
أرى لك بابا مغلقا متمنعا |
إذا فتحوه عنك فالبؤس داخله |
|
كأنك طبل هائل الصوت معجب |
خلي من الخيرات تعس مداخله |
|
و أعجب شيء فيك تسليم إمرة |
عليك على طنز و أنك قابله |
قال فلما انصرفت قال المأمون لمن حوله لله دره حفظ هجاء نفسه حتى انتفع به عندي و أطفأ لهيب المنافسة
254
وَ قَالَ ع لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ اَلنَّخَعِيِّ يَا كُمَيْلُ مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا فِي كَسْبِ اَلْمَكَارِمِ وَ يُدْلِجُوا فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ اَلْأَصْوَاتَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلاَّ وَ خَلَقَ اَللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ اَلسُّرُورِ لُطْفاً فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي اِنْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ اَلْإِبِلِ قال عمرو بن العاص لمعاوية ما بقي من لذتك فقال ما من شيء يصيبه الناس من اللذة إلا و قد أصبته حتى مللته فليس شيء عندي اليوم ألذ من شربة ماء بارد في يوم صائف و نظري إلى بني و بناتي يدرجون حولي فما بقي من لذتك أنت فقال أرض أغرسها و آكل ثمرتها لم يبق لي لذة غير ذلك فالتفت معاوية إلى وردان غلام عمرو فقال فما بقي من لذتك يا وريد فقال سرور أدخله قلوب الإخوان و صنائع أعتقدها في أعناق الكرام فقال معاوية لعمرو تبا لمجلسي و مجلسك لقد غلبني و غلبك هذا العبد ثم قال يا وردان أنا أحق بهذا منك قال قد أمكنتك فافعل.
فإن قلت السرور عرض فكيف يخلق الله تعالى منه لطفا قلت من هاهنا هي مثل من في قوله( وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي اَلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) أي عوضا منكم.
و مثله:
فليت لنا من ماء زمزم شربة |
مبردة باتت على طهيان |
أي ليت لنا شربة مبردة باتت على طهيان و هو اسم جبل بدلا و عوضا من ماء زمزم
255
وَ قَالَ ع إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اَللَّهَ بِالصَّدَقَةِ قد تقدم القول في الصدقة.و قالت الحكماء أفضل العبادات الصدقة لأن نفعها يتعدى و نفع الصلاة و الصوم لا يتعدى.
وجاء في الأثر أن عليا ع عمل ليهودي في سقي نخل له في حياة رسول الله ص بمد من شعير فخبزه قرصا فلما هم أن يفطر عليه أتاه سائل يستطعم فدفعه إليه و بات طاويا و تاجر الله تعالى بتلك الصدقة فعد الناس هذه الفعلة من أعظم السخاء و عدوها أيضا من أعظم العبادة.و قال بعض شعراء الشيعة يذكر إعادة الشمس عليه و أحسن فيما قال:
جاد بالقرص و الطوى ملء جنبيه |
و عاف الطعام و هو سغوب |
|
فأعاد القرص المنير عليه القرص |
و المقرض الكرام كسوب |
256
وَ قَالَ ع اَلْوَفَاءُ لِأَهْلِ اَلْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اَللَّهِ وَ اَلْغَدْرُ بِأَهْلِ اَلْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اَللَّهِ معناه أنه إذا اعتيد من العدو أن يغدر و لا يفي بأقواله و أيمانه و عهوده لم يجز الوفاء له و وجب أن ينقض عهوده و لا يوقف مع العهد المعقود بيننا و بينه فإن الوفاء لمن هذه حاله ليس بوفاء عند الله تعالى بل هو كالغدر في قبحه و الغدر بمن هذه حاله ليس بقبيح بل هو في الحسن كالوفاء لمن يستحق الوفاء عند الله تعالى
257
وَ قَالَ ع كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ بِالسِّتْرِ عَلَيْهِ وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ وَ مَا اِبْتَلَى اَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ اَلْإِمْلاَءِ لَهُ قال الرضيرحمهالله تعالى و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أن فيه هاهنا زيادة جيدة قد تقدم الكلام في الاستدراج و الإملاء و قال بعض الحكماء احذر النعم المتواصلة إليك أن تكون استدراجا كما يحذر المحارب من اتباع عدوه في الحرب إذا فر من بين يديه من الكمين و كم من عدو فر مستدرجا ثم إذ هو عاطف و كم من ضارع في يديك ثم إذ هو خاطف
258
و من كلامه ع المتضمن ألفاظا من الغريب تحتاج إلى تفسير قوله ع في حديثه : فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ اَلدِّينِ بِذَنَبِهِ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ اَلْخَرِيفِ قال الرضيرحمهالله تعالى يعسوب الدين السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ و القزع قطع الغيم التي لا ماء فيها أصاب في اليعسوب فأما القزع فلا يشترط فيها أن تكون خالية من الماء بل القزع قطع من السحاب رقيقة سواء كان فيها ماء أو لم يكن الواحدة قزعة بالفتح و إنما غره قول الشاعر يصف جيشا بالقلة و الخفة
كأن رعاله قزع الجهام
و ليس يدل ذلك على ما ذكره لأن الشاعر أراد المبالغة فإن الجهام الذي لا ماء فيه إذا كان أقطاعا متفرقة خفيفة كان ذكره أبلغ فيما يريده من التشبيه و هذا الخبر من أخبار الملاحم التي كان يخبر بها ع و هو يذكر فيه المهدي الذي يوجد عند أصحابنا في آخر الزمان و معنى قوله ضرب بذنبه أقام و ثبت بعد
اضطرابه و ذلك لأن اليعسوب فحل النحل و سيدها و هو أكثر زمانه طائر بجناحيه فإذا ضرب بذنبه الأرض فقد أقام و ترك الطيران و الحركة.فإن قلت فهذا يشبه مذهب الإمامية في أن المهدي خائف مستتر ينتقل في الأرض و أنه يظهر آخر الزمان و يثبت و يقيم في دار ملكه.قلت لا يبعد على مذهبنا أن يكون الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان مضطرب الأمر منتشر الملك في أول أمره لمصلحة يعلمها الله تعالى ثم بعد ذلك يثبت ملكه و تنتظم أموره.و قد وردت لفظة اليعسوب عن أمير المؤمنين ع في غير هذا الموضع قال يوم الجمل لعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و قد مر به قتيلا هذا يعسوب قريش أي سيدها
259
وَ فِي حَدِيثِهِ ع : هَذَا اَلْخَطِيبُ اَلشَّحْشَحُ قال يريد الماهر بالخطبة الماضي فيها و كل ماض في كلام أو سير فهو شحشح و الشحشع في غير هذا الموضع البخيل الممسك قد جاء الشحشح بمعنى الغيور و الشحشح بمعنى الشجاع و الشحشح بمعنى المواظب على الشيء الملازم له و الشحشح الحاوي و مثله الشحشحان.و هذه الكلمة قالها علي ع لصعصعة بن صوحان العبديرحمهالله و كفى صعصعة بها فخرا أن يكون مثل علي ع يثني عليه بالمهارة و فصاحة اللسان و كان صعصعة من أفصح الناس ذكر ذلك شيخنا أبو عثمان الجاحظ
260
و منه : إِنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً قال يريد بالقحم المهالك لأنها تقحم أصحابها في المهالك و المتالف في الأكثر فمن ذلك قحمة الأعراب و هو أن تصيبهم السنة فتتفرق أموالهم فذلك تقحمها فيهم و قيل فيه وجه آخر و هو أنها تقحمهم بلاد الريف أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدو أصل هذا البناء للدخول في الأمر على غير روية و لا تثبت قحم الرجل في الأمر بالفتح قحوما و أقحم فلان فرسه البحر فانقحم و اقتحمت أيضا البحر دخلته مكافحة و قحم الفرس فارسه تقحيما على وجهه إذا رماه و فحل مقحام أي يقتحم الشول من غير إرسال فيها.و هذه الكلمة قالها أمير المؤمنين حين وكل عبد الله بن جعفر في الخصومة عنه و هو شاهد.و أبو حنيفة لا يجيز الوكالة على هذه الصورة و يقول لا تجوز إلا من غائب أو مريض و أبو يوسف و محمد يجيزانها أخذا بفعل أمير المؤمنين ع
261
و منه : إِذَا بَلَغَ اَلنِّسَاءُ نَصَّ اَلْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى قال و يروى نص الحقائق و النص منتهى الأشياء و مبلغ أقصاها كالنص في السير لأنه أقصى ما تقدر عليه الدابة و يقال نصصت الرجل عن الأمر إذا استقصيت مسألته لتستخرج ما عنده فيه و نص الحقاق يريد به الإدراك لأنه منتهى الصغر و الوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبر و هو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر و أغربها يقول فإذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرما مثل الإخوة و الأعمام و بتزويجها إن أرادوا ذلك.و الحقاق محاقة الأم للعصبة في المرأة و هو الجدال و الخصومة و قول كل واحد منهما للآخر أنا أحق منك بهذا يقال منه حاققته حقاقا مثل جادلته جدالا قال و قد قيل إن نص الحقاق بلوغ العقل و هو الإدراك لأنه ع إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق و الأحكام.قال و من رواه نص الحقائق فإنما أراد جمع حقيقة هذا معنى ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام.قال و الذي عندي أن المراد بنص الحقاق هاهنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها و تصرفها في حقوقها تشبيها بالحقاق من الإبل و هي جمع حقة و حق و هو الذي استكمل ثلاث سنين و دخل في الرابعة و عند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يمكن فيه من ركوب ظهره و نصه في سيره و الحقائق أيضا جمع حقة
فالروايتان جميعا ترجعان إلى مسمى واحد و هذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور أولا أما ما ذكره أبو عبيد فإنه لا يشفي الغليل لأنه فسر معنى النص و لم يفسر معنى نص الحقائق بل قال هو عبارة عن الإدراك لأنه منتهى الصغر و الوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبر و لم يبين من أي وجه يدل لفظ نص الحقاق على ذلك و لا اشتقاق الحقاق و أصله ليظهر من ذلك مطابقة اللفظ للمعنى الذي أشير إليه.فأما قوله الحقاق هاهنا مصدر حاقه يحاقه فلقائل أن يقول إن كان هذا هو مقصوده ع فقبل الإدراك يكون الحقاق أيضا لأن كل واحدة من القرابات تقول للأخرى أنا أحق بها منك فلا معنى لتخصيص ذلك بحال البلوغ إلا أن يزعم زاعم أن الأم قبل البلوغ لها الحضانة فلا ينازعها قبل البلوغ في البنت أحد و لكن في ذلك خلاف كثير بين الفقهاء.و أما التفسير الثاني و هو أن المراد بنص الحقاق منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق فإن أهل اللغة لم ينقلوا عن العرب أنها استعملت الحقاق في الحقوق و لا يعرف هذا في كلامهم.فأما قوله و من رواه نص الحقائق فإنما أراد جمع حقيقة فلقائل أن يقول و ما معنى الحقائق إذا كانت جمع حقيقة هاهنا و ما معنى إضافة نص إلى الحقائق جمع حقيقة فإن أبا عبيدة لم يفسر ذلك مع شدة الحاجة إلى تفسيره.و أما تفسير الرضيرحمهالله فهو أشبه من تفسير أبي عبيدة إلا أنه قال في آخره
و الحقائق أيضا جمع حقة فالروايتان ترجعان إلى معنى واحد و ليس الأمر على ما ذكر من أن الحقائق جمع حقة و لكن الحقائق جمع حقاق و الحقاق جمع حق و هو ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين و قد دخل في الرابعة فاستحق أن يحمل عليه و ينتفع به فالحقائق إذن جمع الجمع لحق لا لحقة و مثل إفال و أفائل قال و يمكن أن يقال الحقاق هاهنا الخصومة يقال ما له فيه حق و لا حقاق أي و لا خصومة و يقال لمن ينازع في صغار الأشياء إنه لبرق الحقاق أي خصومته في الدنيء من الأمر فيكون المعنى إذا بلغت المرأة الحد الذي يستطيع الإنسان فيه الخصومة و الجدال فعصبتها أولى بها من أمها و الحد الذي تكمل فيه المرأة و الغلام للخصومة و الحكومة و الجدال و المناظرة هو سن البلوغ
262
و منه : إِنَّ اَلْإِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي اَلْقَلْبِ كُلَّمَا اِزْدَادَ اَلْإِيمَانُ اِزْدَادَتِ اَللُّمْظَةُ قال اللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض و منه قيل فرس ألمظ إذا كان بجحفلته شيء من البياض قال أبو عبيدة هي لمظة بضم اللام و المحدثون يقولون لمظة بالفتح و المعروف من كلام العرب الضم مثل الدهمة و الشهبة و الحمرة قال و قد رواه بعضهم لمطة بالطاء المهملة و هذا لا نعرفه.قال و في هذا الحديث حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد و ينقص أ لا تراه يقول كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة
263
و منه : إِنَّ اَلرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ اَلدَّيْنُ اَلظَّنُونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ قال الظنون الذي لا يعلم صاحبه أ يقضيه من الذي هو عليه أم لا فكأنه الذي يظن به ذلك فمرة يرجوه و مرة لا يرجوه و هو من أفصح الكلام و كذلك كل أمر تطلبه و لا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظنون و على ذلك قول الأعشى:
من يجعل الجد الظنون الذي |
جنب صوب اللجب الماطر |
|
مثل الفراتي إذا ما طما |
يقذف بالبوصي و الماهر |
و الجد البئر العادية في الصحراء و الظنون التي لا يعلم هل فيها ماء أم لا قال أبو عبيدة في هذا الحديث من الفقه أن من كان له دين على الناس فليس عليه أن يزكيه حتى يقبضه فإذا قبضه زكاه لما مضى و إن كان لا يرجوه قال و هذا يرده قول من قال إنما زكاته على الذي عليه المال لأنه المنتفع به قال
و كما يروى عن إبراهيم و العمل عندنا على قول علي ع فأما ما ذكره الرضي من أن الجد هي البئر العادية في الصحراء فالمعروف عند أهل اللغة أن الجد البئر التي تكون في موضع كثير الكلإ و لا تسمى البئر العادية في الصحراء الموات جدا و شعر الأعشى لا يدل على ما فسره الرضي لأنه إنما شبه علقمة بالبئر و الكلإ يظن أن فيها ماء لمكان الكلإ و لا يكون موضع الظن هذا هو مراده و مقصوده و لهذا قال الظنون و لو كانت عادية في بيداء مقفرة لم تكن ظنونا بل كان يعلم أنه لا ماء فيها فسقط عنها اسم الظنون
264
و منه : أَنَّهُ شَيَّعَ جَيْشاً يُغْزِيهِ فَقَالَ اِعْذِبُوا اُعْزُبُوا عَنِ اَلنِّسَاءِ مَا اِسْتَطَعْتُمْ و معناه اصدفوا عن ذكر النساء و شغل القلوب بهن و امتنعوا من المقاربة لهن لأن ذلك يفت في عضد الحمية و يقدح في معاقد العزيمة و يكسر عن العدو و يلفت عن الإبعاد في الغزو فكل من امتنع من شيء فقد أعزب عنه و العازب و العزوب الممتنع من الأكل و الشرب التفسير صحيح لكن قوله من امتنع من شيء فقد أعزب عنه ليس بجيد و الصحيح فقد عزب عنه ثلاثي و الصواب و كل من منعته من شيء فقد أعزبته عنه تعديه بالهمزة كما تقول أقمته و أقعدته و الفعل ثلاثي قام و قعد و الدليل على أن الماضي ثلاثي هاهنا قوله و العازب و العزوب الممتنع من الأكل و الشرب و لو كان رباعيا لكان المعزب و هو واضح و على هذا تكون الهمزة في أول الحرف همزة وصل مكسورة كما في اضربوا لأن المضارع يعزب بالكسر
265
و منه : كَالْيَاسِرِ اَلْفَالِجِ يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ قال الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور و الفالج القاهر الغالب يقال قد فلج عليهم و فلجهم قال الراجز
لما رأيت فالجا قد فلجا
أول الكلام أن المرء المسلم ما لم يغش دناءة يخشع لها إذا ذكرت و يغري به لئام الناس كالياسر الفالج ينتظر أول فوزة من قداحه أو داعي الله فما عند الله خير للأبرار يقول هو بين خيرتين إما أن يصير إلى ما يحب من الدنيا فهو بمنزلة صاحب القدح المعلى و هو أوفرها نصيبا أو يموت فما عند الله خير له و أبقى و ليس يعني بقوله الفالج القامر الغالب كما فسره الرضيرحمهالله لأن الياسر الغالب القامر لا ينتظر أول فوزة من قداحه و كيف ينتظر و قد غلب و أي حاجة له إلى الانتظار و لكنه يعني بالفالج الميمون النقيبة الذي له عادة مطردة أن يغلب و قل أن يكون مقهورا
266
و منه : كُنَّا إِذَا اِحْمَرَّ اَلْبَأْسُ اِتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اَللَّهِ ص فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى اَلْعَدُوِّ مِنْهُ قال معنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدو و اشتد عضاض الحرب فزع المسلمون إلى قتال رسول الله ص بنفسه فينزل الله تعالى النصر عليهم به و يأمنون ما كانوا يخافونه بمكانه.و قوله إذا احمر البأس كناية عن اشتداد الأمر و قد قيل في ذلك أقوال أحسنها أنه شبه حمي الحرب بالنار التي تجمع الحرارة و الحمرة بفعلها و لونها و مما يقوي ذلك قول الرسول ص و قد رأى مجتلد الناس يوم حنين و هي حرب هوازن الآن حمي الوطيس و الوطيس مستوقد النار فشبه رسول الله ص ما استحر من جلاد القوم باحتدام النار و شدة التهابها الجيد في تفسير هذا اللفظ أن يقال البأس الحرب نفسها قال الله تعالى( وَ اَلصَّابِرِينَ فِي اَلْبَأْساءِ وَ اَلضَّرَّاءِ وَ حِينَ اَلْبَأْسِ ) و في الكلام حذف مضاف تقديره
إذا احمر موضع البأس و هو الأرض التي عليها معركة القوم و احمرارها لما يسيل عليها من الدم
و لما كان تفسير الرضيرحمهالله قد تعرض للغريب من كلامه ع و رأينا أنه لم يذكر من ذلك إلا اليسير آثرنا أن نذكر جملة من غريب كلامه ع مما نقله أرباب الكتب المصنفة في غريب الحديث عنه ع.فمن ذلك
ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلامرحمهالله في كتابه لأن أطلي بجواء قدر أحب إلي من أن أطلي بزعفران.قال أبو عبيد هكذا الرواية عنه بجواء قدر قال و سمعت الأصمعي يقول إنما هي الجئاوة و هي الوعاء الذي يجعل القدر فيه و جمعها جياء.قال و قال أبو عمرو يقال لذلك الوعاء جواء و جياء قال و يقال للخرقة التي ينزل بها الوعاء عن الأثافي جعال.و منها قوله ع حين أقبل يريد العراق فأشار إليه الحسن بن علي ع أن يرجع و الله لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد.قال أبو عبيد قال الأصمعي اللدم صوت الحجر أو الشيء يقع على الأرض و ليس بالصوت الشديد يقال منه لدم ألدم بالكسر و إنما قيل ذلك للضبع لأنهم إذا أرادوا أن يصيدوها رموا في جحرها بحجر خفيف أو ضربوا بأيديهم فتحسبه
شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد و هي زعموا أنها من أحمق الدواب بلغ من حمقها أن يدخل عليها فيقال أم عامر نائمة أو ليست هذه و الضبع هذه أم عامر فتسكت حتى تؤخذ فأراد علي ع أني لا أخدع كما تخدع الضبع باللدم.و منها قوله ع من وجد في بطنه رزا فلينصرف و ليتوضأ.قال أبو عبيد قال أبو عمرو إنما هو أرزا مثل أرز الحية و هو دورانها و حركتها فشبه دوران الريح في بطنه بذلك.قال و قال الأصمعي هو الرز يعنى الصوت في البطن من القرقرة و نحوها قال الراجز:
كان في ربابه الكبار |
رز عشار جلن في عشار |
و قال أبو عبيد فقه هذا الحديث أن ينصرف فيتوضأ و يبني على صلاته ما لم يتكلم و هذا إنما هو قبل أن يحدث.قلت و الذي أعرفه من الأرز أنه الانقباض لا الدوران و الحركة يقال أرز فلان بالفتح و بالكسر إذ تضام و تقبض من بخله فهو أروز و المصدر أرزا و أروزا قال رؤبة
فذاك يخال أروز الأرز
فأضاف الاسم إلى المصدر كما يقال عمر العدل و عمرو الدهاء لما كان العدل و الدهاء أغلب أحوالهما و قال أبو الأسود الدؤلي يذم إنسانا إذا سئل أرز و إذا دعي اهتز يعني إلى الطعام و في الحديث أن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي يجتمع إليها و ينضم بعضه إلى بعض فيها.
و منها
قوله لئن وليت بني أمية لأنفضنهم نفض القصاب التراب الوذمة و قد تقدم منا شرح ذلك و الكلام فيه.و منها
قوله في ذي الثدية المقتول بالنهروان إنه مودن اليد أو مثدن اليد أو مخدع اليد قال أبو عبيدة قال الكسائي و غيره المودن اليد القصير اليد و يقال أودنت الشيء أي قصرته و فيه لغة أخرى ودنته فهو مودون قال حسان يذم رجلا:
و أملك سوداء مودونة |
كأن أناملها الحنظب |
و أما مثدن اليد بالثاء فإن بعض الناس قال نراه أخذه من الثندوة و هي أصل الثدي فشبه يده في قصرها و اجتماعها بذلك فإن كان من هذا فالقياس أن يقال مثند لأن النون قبل الدال في الثندوة إلا أن يكون من المقلوب فذاك كثير في كلامهم.و أما مخدع اليد فإنه القصير اليد أيضا أخذ من أخداج الناقة ولدها و هو أن تضعه لغير تمام في خلقه قال و قال الفراء إنما قيل ذو الثدية فأدخلت الهاء فيها و إنما هي تصغير ثدي و الثدي مذكر لأنها كأنها بقية ثدي قد ذهب أكثره فقللها كما تقول لحيمة و شحيمة فأنث على هذا التأويل قال و بعضهم يقول ذو اليدية قال أبو عبيد و لا أرى الأصل كان إلا هذا و لكن الأحاديث كلها تتابعت بالثاء ذو الثدية.و منها
قوله ع لقوم و هو يعاتبهم ما لكم لا تنظفون عذراتكم قال العذرة فناء الدار و إنما سميت تلك الحاجة عذرة لأنها بالأفنية كانت تلقى
فكنى عنها بالعذرة كما كنى عنها بالغائط و إنما الغائط الأرض المطمئنة و قال الحطيئة يهجو قوما:
لعمري لقد جربتكم فوجدتكم |
فباح الوجوه سيئ العذرات |
و منها قوله ع لا جمعة و لا تشريق إلا في مصر جامع
قال أبو عبيد التشريق هاهنا صلاة العيد و سميت تشريقا لإضاءة وقتها فإن وقتها إشراق الشمس و صفاؤها و إضاءتها و في الحديث المرفوع من ذبح قبل التشريق فليعد أي قبل صلاة العيد.قال و كان أبو حنيفة يقول التشريق هاهنا هو التكبير في دبر الصلاة يقول لا تكبير إلا على أهل الأمصار تلك الأيام لا على المسافرين أو من هو في غير مصر.قال أبو عبيد و هذا كلام لم نجدا أحدا يعرفه إن التكبير يقال له التشريق و ليس يأخذ به أحد من أصحابه لا أبو يوسف و لا محمد كلهم يرى التكبير على المسلمين جميعا حيث كانوا في السفر و الحضر و في الأمصار و غيرها.و منها
قوله ع استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم و بينه فكأني برجل من الحبشة أصعل أصمع حمش الساقين قاعدا عليها و هي تقدم قال أبو عبيدة هكذا يروى أصعل و كلام العرب المعروف صعل و هو الصغير الرأس و كذا رءوس الحبشة و لهذا قيل للظليم صعل و قال عنترة يصف ظليما:
صعل يلوذ بذي العشيرة بيضه |
كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم |
قال و قد أجاز بعضهم أصعل في الصعل و ذكر أنها لغة لا أدري عمن هي و الأصمع الصغير الأذن و امرأة صمعاء.و في حديث ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يضحي بالصمعاء و حمش الساقين بالتسكين دقيقها.و منها
أن قوما أتوه برجل فقالوا إن هذا يؤمنا و نحن له كارهون فقال له إنك لخروط أ تؤم قوما هم لك كارهون قال أبو عبيد الخروط المتهور في الأمور الراكب برأسه جهلا و منه قيل انخرط علينا فلان أي اندرأ بالقول السيئ و الفعل قال و فقه هذا الحديث أنه ما أفتى ع بفساد صلاته لأنه لم يأمره بالإعادة و لكنه كره له أن يؤم قوما هم له كارهون و منها
أن رجلا أتاه و عليه ثوب من قهز فقال إن بني فلان ضربوا بني فلانة بالكناسة فقال ع صدقني سن بكره قال أبو عبيد هذا مثل تضربه العرب للرجل يأتي بالخبر على وجهه و يصدق فيه و يقال إن أصله أن الرجل ربما باع بعيره فيسأل المشتري عن سنه فيكذبه فعرض رجل بكرا له فصدق في سنه فقال الآخر صدقني سن بكره فصار مثلا.و القهز بكسر القاف ثياب بيض يخالطها حرير و لا أراها عربية و قد استعملها العرب قال ذو الرمة يصف البزاة البيض
من الورق أو صق كأن رءوسها |
من القهز و القوهي بيض المقانع |
و منها
ذكر ع آخر الزمان و الفتن فقال خير أهل ذلك الزمان كل نومة أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمسابيح و لا المذاييع البذر و قد تقدم شرح ذلك.و منها
أن رجلا سافر مع أصحاب له فلم يرجع حين رجعوا فاتهم أهله أصحابه و رفعوهم إلى شريح فسألهم البينة على قتله فارتفعوا إلى علي ع فأخبروه بقول شريح فقال:
أوردها سعد و سعد مشتمل |
يا سعد لا تروى بهذاك الإبل |
ثم قال إن أهون السقي التشريع ثم فرق بينهم و سألهم فاختلفوا ثم أقروا بقتلهم فقتلهم به قال أبو عبيد هذا مثل أصله أن رجلا أورد إبله ماء لا تصل إليه الإبل إلا بالاستقاء ثم اشتمل و نام و تركها لم يستسق لها و الكلمة الثانية مثل أيضا يقول إن أيسر ما كان ينبغي أن يفعل بالإبل أن يمكنها من الشريعة و يعرض عليها الماء يقول أقل ما كان يجب على شريح أن يستقصي في المسألة و البحث عن خبر الرجل و لا يقتصر على طلب البينة.
و منها
قوله و قد خرج على الناس و هم ينتظرونه للصلاة قياما ما لي أراكم سامدين قال أبو عبيد أي قائمين و كل رافع رأسه فهو سامد و كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قياما و لكن قعودا و السامد في غير هذا الموضع اللاهي اللاعب و منه قوله تعالى( وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ ) و قيل السمود الغناء بلغة حمير.و منها
أنه خرج فرأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم قال أبو عبيد فهرهم بضم الفاء موضع مدراسهم الذي يجتمعون فيه كالعيد يصلون فيه و يسدلون ثيابهم و هي كلمة نبطية أو عبرانية أصلها بهر بالباء فعربت بالفاء.و السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه فإن ضمه فليس بسدل و قد رويت فيه الكراهة عن النبي ص.و منها
أن رجلا أتاه في فريضة و عنده شريح فقال أ تقول أنت فيها أيها العبد الأبظر قال أبو عبيد هو الذي في شفته العليا طول و نتوء في وسطها محاذي الأنف قال و إنما نراه قال لشريح أيها العبد لأنه كان قد وقع عليه سبي في الجاهلية.
و منها : أن الأشعث قال له و هو على المنبر غلبتنا عليك هذه الحمراء فقال ع من يعذرني من هؤلاء الضياطرة يتخلف أحدهم يتقلب على فراشه و حشاياه كالعير و يهجر هؤلاء للذكر أ أطردهم إني إن طردتهم لمن الظالمين و الله لقد سمعته يقول و الله ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا قال أبو عبيد الحمراء العجم و الموالي سموا بذلك لأن الغالب على ألوان العرب السمرة و الغالب على ألوان العجم البياض و الحمرة و الضياطرة الضخام الذين لا نفع عندهم و لا غناء واحدهم ضيطار.و منها
قوله ع اقتلوا الجان ذا الطفيتين و الكلب الأسود ذا الغرتين قال أبو عبيد الجان حية بيضاء و الطفية في الأصل خوصة المقل و جمعها طفي ثم شبهت الخطتان على ظهر الحية بطفيتين و الغرة البياض في الوجه
و قد ذكر ابن قتيبة في غريب الحديث له ع كلمات أخرى فمنها
قوله من أراد البقاء و لا بقاء فليباكر الغداء و ليخفف الرداء و ليقل غشيان النساء فقيل له يا أمير المؤمنين و ما خفة الرداء في البقاء فقال الدين
قال ابن قتيبة قوله الرداء الدين مذهب في اللغة حسن جيد و وجه صحيح لأن الدين أمانة و أنت تقول هو لك علي و في عنقي حتى أؤديه إليك فكأن الدين لازم للعنق و الرداء موضعه صفحتا العنق فسمى الدين رداء و كنى عنه به و قال الشاعر :
إن لي حاجة إليك فقالت |
بين أذني و عاتقي ما تريد |
يريد بقوله بين أذني و عاتقي ما تريد في عنقي و المعنى أني قد ضمنته فهو علي و إنما قيل للسيف رداء لأن حمالته تقع موقع الرداء و هو في غير هذا الموضع العطاء يقال فلان غمر الرداء أي واسع العطاء قال و قد يجوز أن يكون كنى بالرداء عن الظهر لأنه يقع عليه يقول فليخفف ظهره و لا يثقله بالدين كما قال الآخر خماص الأزر يريد خماص البطون.و قال و بلغني نحو هذا الكلام عن أبي عبيد قال قال فقيه العرب من سره النساء و لا نساء فليبكر العشاء و ليباكر الغداء و ليخفف الرداء و ليقل غشيان النساء قال فالنسء التأخير و منه إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ.و قوله فليبكر العشاء أي فليؤخره قال الشاعر
فأكريت العشاء إلى سهيل
و يجوز أن يريد فلينقص العشاء قال الشاعر
و الطل لم يفضل و لم يكر
و منها
أنه أتي ع بالمال فكوم كومة من ذهب و كومة من فضة فقال يا حمراء و يا بيضاء احمري و ابيضي و غري غيري :
هذا جناي و خياره فيه |
و كل جان يده إلى فيه |
قال ابن قتيبة هذا مثل ضربه و كان الأصمعي يقوله و هجانه فيه أي خالصه و أصل المثل لعمرو بن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش كان يجني الكمأة مع أتراب له فكان أترابه يأكلون ما يجدون و كان عمرو يأتي به خاله و يقول هذا القول.و منها
حديث أبي جأب قال جاء عمي من البصرة يذهب بي و كنت عند أمي فقالت لا أتركك تذهب به ثم أتت عليا ع فذكرت ذلك له فجاء عمي من البصرة فقال نعم و الله لأذهبن به و إن رغم أنفك فقال علي ع كذبت و الله و ولقت ثم ضرب بين يديه بالدرة.قال ولقت مثل كذبت و كذلك ولعت بالعين و كانت عائشة تقرأ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ) و قال الشاعر
و هن من الأحلاف و الولعان
يعني النساء أي من أهل الأحلاف.و منها
قوله ع إن من ورائكم أمورا متماحلة ردحا و بلاء مكلحا مبلحا
قال ابن قتيبة المتماحلة الطوال يعني فتنا يطول أمرها و يعظم و يقال رجل متماحل و سبسب متماحل و الردح جمع رداح و هي العظيمة يقال للكتيبة إذا عظمت رداح و يقال للمرأة العظيمة العجيزة رداح.قال و منه حديث أبي موسى و قيل له زمن علي و معاوية أ هي أ هي فقال إنما هذه الفتنة حيضة من حيضات الفتن و بقيت الرداح المظلمة التي من أشرف أشرفت له.و مكلحا أي يكلح الناس بشدتها يقال كلح الرجل و أكلحه الكلحة الهم و المبلح من قولهم بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر على أن يتحرك و أبلحه السير و قال الأعشى
و اشتكى الأوصال منه و بلح
و منها قوله ع يوم خيبر:
أنا الذي سمتن أمي حيدرة |
كليث غابات كريه المنظرة |
أفيهم بالصاع كيل السندرة
قال ابن قتيبة كانت أم علي ع سمته و أبو طالب غائب حين ولدته أسدا باسم أبيها أسد بن هاشم بن عبد مناف فلما قدم أبو طالب غير اسمه و سماه عليا و حيدرة اسم من أسماء الأسد و السندرة شجرة يعمل منها القسي و النبل قال
حنوت لهم بالسندري المؤثر
فالسندرة في الرجز يحتمل أن تكون مكيالا يتخذ من هذه الشجرة سمي باسمها كما يسمى القوس بنبعة قال و أحسب إن كان الأمر كذلك أن الكيل بها قد كان
جزافا فيه إفراط قال و يحتمل أن تكون السندرة هاهنا امرأة كانت تكيل كيلا وافيا أو رجلا.و منها
قوله ع من يطل أير أبيه يتمنطق به قال ابن قتيبة هذا مثل ضربه يريد من كثرت إخوته عز و اشتد ظهره و ضرب المنطقة إذا كانت تشد الظهر مثلا لذلك قال الشاعر:
فلو شاء ربي كان أير أبيكم |
طويلا كأير الحارث بن سدوس |
قيل كان للحارث بن سدوس أحد و عشرون ذكرا و كان ضرار بن عمرو الضبي يقول ألا إن شر حائل أم فزوجوا الأمهات و ذلك أنه صرع فأخذته الرماح فاشتبك عليه إخوته لأمه حتى خلصوه.قال فأما المثل الآخر و هو قولهم من يطل ذيله يتمنطق به فليس من المثل الأول في شيء و إنما معناه من وجد سعة وضعها في غير موضعها و أنفق في غير ما يلزمه الإنفاق فيه.و منها
قوله خير بئر في الأرض زمزم و شر بئر في الأرض برهوت.قال ابن قتيبة هي بئر بحضرموت يروى أن فيها أرواح الكفار.قال و قد ذكر أبو حاتم عن الأصمعي عن رجل من أهل حضرموت قال نجد فيها الرائحة المنتنة الفظيعة جدا ثم نمكث حينا فيأتينا الخبر بأن عظيما من عظماء الكفار قد مات فنرى أن تلك الرائحة منه قال و ربما سمع منها مثل أصوت الحاج فلا يستطيع أحد أن يمشي بها
و منها
قوله ع أيما رجل تزوج امرأة مجنونة أو جذماء أو برصاء أو بها قرن فهي امرأته إن شاء أمسك و إن شاء طلق قال ابن قتيبة القرن بالتسكين العفلة الصغيرة و منه حديث شريح أنه اختصم إليه في قرن بجارية فقال أقعدوها فإن أصاب الأرض فهو عيب و إن لم يصب الأرض فليس بعيب.و منها
قوله ع لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في نيطه قال ابن قتيبة الضرمة النار و ما بالدار نافخ ضرمة أي ما بها أحد.قال و قال أبو حاتم عن أبي زيد طعن فلان في نيطه أي في جنازته و من ابتدأ في شيء أو دخل فيه فقد طعن فيه قال و يقال النيط الموت رماه الله بالنيط قال و قد روي إلا طعن بضم الطاء و هذا الراوي يذهب إلى أن النيط نياط القلب و هي علاقته التي يتعلق بها فإذا طعن إنسان في ذلك المكان مات.و منها
قوله ع إن الله أوحى إلى إبراهيم ع أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق بذلك ذرعا فأرسل الله إليه السكينة و هي ريح خجوج فتطوقت حول البيت كالحجفة و قال ابن قتيبة الخجوج من الرياح السريعة المرور و يقال أيضا خجوجاء قال ابن أحمر
هوجاء رعبلة الرواح خجوجاة |
الغدو رواحها شهر |
قال و هذا مثل حديث علي ع الآخر و هو أنه قال السكينة لها وجه كوجه الإنسان و هي بعد ريح هفافة أي خفيفة سريعة و الحجفة الترس.و منها
أن مكاتبا لبعض بني أسد قال جئت بنقد أجلبه إلى الكوفة فانتهيت به إلى الجسر فإني لأسربه عليه إذا أقبل مولى لبكر بن وائل يتخلل الغنم ليقطعها فنفرت نقدة فقطرت الرجل في الفرات فغرق فأخذت فارتفعنا إلى علي ع فقصصنا عليه القصة فقال انطلقوا فإن عرفتم النقدة بعينها فادفعوها إليهم و إن اختلطت عليكم فادفعوا شرواها من الغنم إليهم قال ابن قتيبة النقد غنم صغار الواحدة نقدة و منه قولهم في المثل أذل من النقد.و قوله أسربه أي أرسله قطعة قطعة و شرواها مثلها.و منها
قوله ع في ذكر المهدي من ولد الحسين ع قال إنه رجل أجلى الجبين أقنى الأنف ضخم البطن أربل الفخذين أفلج الثنايا بفخذه اليمنى شامة.قال ابن قتيبة الأجلى و الأجلح شيء واحد و القنا في الأنف طوله و دقة أرنبته
و حدب في وسطه و الأربل الفخذين المتباعد ما بينهما و هو كالأفحج تربل الشيء أي انفرج و الفلج صفرة في الأسنان.و منها
قوله ع إن بني أمية لا يزالون يطعنون في مسجل ضلالة و لهم في الأرض أجل حتى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام و الله لكأني أنظر إلى غرنوق من قريش يتخبط في دمه فإذا فعلوا ذلك لم يبق لهم في الأرض عاذر و لم يبق لهم ملك على وجه الأرض قال ابن قتيبة هو من قولك ركب فلان مسجله إذا جد في أمر هو فيه كلاما كان أو غيره و هو من السجل و هو الصب و الغرنوق الشاب.قلت و الغرنوق القرشي الذي قتلوه ثم انقضى أمرهم عقيب قتله إبراهيم الإمام و قد اختلفت الرواية في كيفية قتله فقيل قتل بالسيف و قيل خنق في جراب فيه نورة و حديث أمير المؤمنين ع يسند الرواية الأولى.و منها ما روي أنه اشترى قميصا بثلاثة دراهم ثم قال الحمد لله الذي هذا من رياشه قال ابن قتيبة الريش و الرياش واحد و هو الكسوة قال عزوجل( قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً ) و قرئ( و رياشا ) .
و منها قوله ع لا قود إلا بالأسل قال ابن قتيبة هو ما أرهف و أرق من الحديد كالسنان و السيف و السكين و منه قيل أسلة الذراع لما استدق منه قال و أكثر الناس على هذا المذهب
و قوم من الناس يقولون قد يجوز أن القود بغير الحديد كالحجر و العصا إن كان المقتول قتل بغير ذلك.و منها
أنه ع رأى رجلا في الشمس فقال قم عنها فإنها مبخرة مجفرة و تثقل الريح و تبلي الثوب و تظهر الداء الدفين قال ابن قتيبة مبخرة تورث البخر في الفم و مجفرة تقطع عن النكاح و تذهب شهوة الجماع يقال جفر الفحل عن الإبل إذا أكثر الضراب حتى يمل و ينقطع و مثله قذر و تقذر قذورا و مثله أقطع فهو مقطع.و جاء
في الحديث أن عثمان بن مظعون قال يا رسول الله إني رجل تشق علي العزبة في المغازي أ فتأذن لي في الخصاء قال لا و لكن عليك بالصوم فإنه مجفر قال و قد روى عبد الرحمن عن الأصمعي عمه قال تكلم أعرابي فقال لا تنكحن واحدة فتحيض إذا حاضت و تمرض إذا مرضت و لا تنكحن اثنتين فتكون بين ضرتين و لا تنكحن ثلاثا فتكون بين أثاف و لا تنكحن أربعا فيفلسنك و يهرمنك و ينحلنك و يجفرنك فقيل له لقد حرمت ما أحل الله فقال سبحان الله كوزان و قرصان و طمران و عبادة الرحمن و قوله تثفل الريح أي تنتنها و الاسم الثفل و منه الحديث و ليخرجن ثفلات و الداء الدفين المستتر الذي قد قهرته الطبيعة فالشمس تعينه على الطبيعة و تظهره.و منها
قوله ع و هو يذكر مسجد الكوفة في زاويته فار التنور و فيه هلك يغوث و يعوق و هو الفاروق و منه يستتر جبل الأهواز و وسطه على روضة من
رياض الجنة و فيه ثلاث أعين أنبتت بالضغث تذهب الرجس و تطهر المؤمنين عين من لبن و عين من دهن و عين من ماء جانبه الأيمن ذكر و في جانبه الأيسر مكر و لو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه و لو حبوا.قال ابن قتيبة قوله أنبتت بالضغث أحسبه الضغث الذي ضرب أيوب أهله و العين التي ظهرت لما ركض الماء برجله قال و الباء في بالضغث زائدة تقديره أنبتت الضغث كقوله تعالى( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) و كقوله( يَشْرَبُ بِها عِبادُ اَللَّهِ ) .و أما قوله في جانبه الأيمن ذكر فإنه يعني الصلاة و في جانبه الأيسر مكر أراد به المكر به حتى قتل ع في مسجد الكوفة.و منها
أن رسول الله ص بعث أبا رافع مولاه يتلقى جعفر بن أبي طالب لما قدم من الحبشة فأعطاه علي ع حتيا و عكة سمن و قال له أنا أعلم بجعفر أنه إن علم ثراه مرة واحدة ثم أطعمه فادفع هذا السمن إلى أسماء بنت عميس تدهن به بني أخي من صمر البحر و تطعمهم من الحتي.قال ابن قتيبة الحتي سويق يتخذ من المقل قال الهذلي يذكر أضيافه:
لا در دري أن أطعمت نازلكم |
قرف الحتي و عندي البر مكنوز |
و قوله ثراه مرة أي بلة دفعة واحدة و أطعمه الناس و الثرى الندا و صمر البحر نتنه و غمقه و منه قيل للدبر الصمارى.و منها
قوله ع يوم الشورى لما تكلم الحمد لله الذي اتخذ محمدا منا نبيا و ابتعثه إلينا رسولا فنحن أهل بيت النبوة و معدن الحكمة أمان لأهل الأرض و نجاة لمن طلب إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى لو عهد إلينا رسول الله ص عهدا لجالدنا عليه حتى نموت أو قال لنا قولا لأنفذنا قوله على رغمنا لن يسرع أحد قبلي إلى صلة رحم و دعوة حق و الأمر إليك يا ابن عوف على صدق النية و جهد النصح و أستغفر الله لي و لكم قال ابن قتيبة أي أن معناه ركبنا مركب الضيم و الذل لأن راكب عجز البعير يجد مشقة لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال و يجوز أن يكون أراد نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا لأن راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره.و منها
قوله ع لما قتل ابن آدم أخاه غمص الله الخلق و نقص الأشياء قال ابن قتيبة يقال غمصت فلانا أغمصه و اغتمصته إذا استصغرته و احتقرته قال و معنى الحديث أن الله تعالى نقص الخلق من عظم الأبدان و طولها من القوة و البطش و طول العمر و نحو ذلك و منها أن سلامة الكندي
قال كان علي ع يعلمنا الصلاة على
رسول الله ص فيقول اللهم داحي المدحوات و بارئ المسموكات و جبار القلوب على فطراتها شقيها و سعيدها اجعل شرائف صلواتك و نوامي بركاتك و رأفة تحياتك على محمد عبدك و رسولك الفاتح لما أغلق و الخاتم لما سبق و المعلن الحق بالحق و الدامغ جيشات الأباطيل كما حملته فاضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك لغير نكل في قدم و لا وهن في عزم داعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن و الإثم موضحات الأعلام و نائرات الأحكام و منيرات الإسلام فهو أمينك المأمون و خازن علمك المخزون و شهيدك يوم الدين و بعيثك نعمة و رسولك بالحق رحمة اللهم افسح له مفسحا في عدلك و اجزه مضاعفات الخير من فضلك مهنآت غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول و جزل عطائك المعلول اللهم أعل على بناء البانين بناءه و أكرم مثواه لديك و نزله و أتمم له نوره و اجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة مرضي المقالة ذا منطق عدل و خطة فصل و برهان عظيم.قال ابن قتيبة داحي المدحوات أي باسط الأرضين و كان الله تعالى خلقها ربوة ثم بسطها قال سبحانه( وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) و كل شيء بسطته فقد دحوته و منه قيل لموضع بيض النعامة أدحي لأنها تدحوه للبيض أي توسعه و وزنه أفعول و بارئ المسموكات خالق السموات و كل شيء رفعته و أعليته فقد سمكته و سمك البيت و الحائط ارتفاعه قال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا |
بيتا دعائمه أعز و أطول |
و قوله جبار القلوب على فطراتها من قولك جبرت العظم فجبر إذا كان مكسورا فلأمته و أقمته كأنه أقام القلوب و أثبتها على ما فطرها عليه من معرفته و الإقرار به شقيها و سعيدها قال و لم أجعل إجبارا هاهنا من أجبرت فلانا على الأمر إذا أدخلته فيه كرها و قسرته لأنه لا يقال من أفعل فعال لا أعلم ذلك إلا أن بعض القراء قرأ( أهديكم سبيل الرشاد ) بتشديد الشين و قال الرشاد الله فهذا فعال من أفعل و هي قراءة شاذة غير مستعملة فأما قول الله عزوجل( وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) فإنه أراد و ما أنت عليهم بمسلط تسليط الملوك و الجبابرة الملوك و اعتبار ذلك قوله( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) أي بمتسلط تسلط الملوك فإن كان يجوز أن يقال من أجبرت فلانا على الأمر أنا جبار له و كان هذا محفوظا فقد يجوز أن يجعل قول علي ع جبار القلوب من ذلك و هو أحسن في المعنى.و قوله الدامغ جيشات الأباطيل أي مهلك ما نجم و ارتفع من الأباطيل و أصل الدمغ من الدماغ كأنه الذي يضرب وسط الرأس فيدمغه أي يصيب الدماغ منه و منه قول الله عزوجل( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ) أي يبطله و الدماغ مقتل فإذا أصيب هلك صاحبه.و جيشات مأخوذ من جاش الشيء أي ارتفع و جاش الماء إذا طمى و جاشت النفس.و قوله كما حمل فاضطلع افتعل من الضلاعة و هي القوة.
و قوله لغير نكل في قدم النكل مصدر و هو النكول يقال نكل فلان عن الأمر ينكل نكولا فهذا المشهور و نكل بالكسر ينكل نكلا قليلة.و القدم التقدم قال أبو زيد رجل مقدام إذا كان شجاعا فالقدم يجوز أن يكون بمعنى التقدم و بمعنى المتقدم.قوله و لا وهن في عزم أي و لا ضعف في رأي.و قوله حتى أورى قبسا لقابس أي أظهر نورا من الحق يقال أوريت النار إذا قدحت ما ظهر بها قال سبحانه( أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنَّارَ اَلَّتِي تُورُونَ ) .و قوله آلاء الله تصل بأهله أسبابه يريد نعم الله تصل بأهل ذلك القبس و هو الإسلام و الحق سبحانه أسبابه و أهله المؤمنون به.قلت تقدير الكلام حتى أورى قبسا لقابس تصل أسباب ذلك القبس آلاء الله و نعمه بأهله المؤمنين به و اعلم أن اللام في لغير نكل متعلقة بقوله مستوفزا أي هو مستوفز لغير نكول بل للخوف منك و الخضوع لك.قال ابن قتيبة قوله ع به هديت القلوب بعد الكفر و الفتن موضحات الأعلام أي هديته لموضحات الأعلام يقال هديت الطريق و للطريق و إلى الطريق.و قوله نائرات الأحكام و منيرات الإسلام يريد الواضحات البينات يقال نار الشيء و أنار إذا وضح.و قوله شهيدك يوم الدين أي الشاهد على الناس يوم القيامة و بعيثك رحمة أي مبعوثك فعيل في معنى مفعول.
و قوله افسح له مفسحا أي أوسع له سعة و روي مفتسحا بالتاء قوله في عدلك أي في دار عدلك يعني يوم القيامة و من رواه عدنك بالنون أراد جنة عدن.و قوله من جزل عطائك المعلول من العلل و هو الشرب بعد الشرب فالشرب الأول نهل و الثاني علل يريد أن عطاءه عزوجل مضاعف كأنه يعل عباده أي يعطيهم عطاء بعد عطاء.و قوله أعل على بناء البانين بناءه أي ارفع فوق أعمال العاملين عمله و أكرم مثواه أي منزلته من قولك ثويت بالمكان أي نزلته و أقمت به و نزله رزقه.و نحن قد ذكرنا بعض هذه الكلمات فيما تقدم على رواية الرضيرحمهالله و هي مخالفة لهذه الرواية و شرحنا ما رواه الرضي و ذكرنا الآن ما رواه ابن قتيبة و شرحه لأنه لا يخلو من فائدة جديدة.و منها
قوله ع خذ الحكمة أنى أتتك فإن الكلمة من الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تسكن إلى صاحبها.قال ابن قتيبة يريد الكلمة قد يعلمها المنافق فلا تزال تتحرك في صدره و لا تسكن حتى يسمعها منه المؤمن أو العالم فيعيها و يثقفها و يفقهها منه فتسكن في صدره إلى أخواتها من كلم الحكمة.و منها
قوله ع البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها.قال ابن قتيبة نتاق الكعبة أي مظل عليها من فوقها من قول الله سبحانه
( وَ إِذْ نَتَقْنَا اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) أي زعزع فأظل عليهم.و منها
قوله ع أنا قسيم النار قال ابن قتيبة أراد أن الناس فريقان فريق معي فهم على هدى و فريق علي فهم على ضلالة كالخوارج و لم يجسر ابن قتيبة أن يقول و كأهل الشام يتورع يزعم ثم إن الله أنطقه بما تورع عن ذكره فقال متمما للكلام بقوله فأنا قسيم النار نصف في الجنة معي و نصف في النار قال و قسيم في معنى مقاسم مثل جليس و أكيل و شريب.قلت قد ذكر أبو عبيد الهروي هذه الكلمة في الجمع بين الغريبين قال و قال قوم إنه لم يرد ما ذكره و إنما أراد هو قسيم النار و الجنة يوم القيامة حقيقة يقسم الأمة فيقول هذا للجنة و هذا للنار
و أنا الآن أذكر من كلامه الغريب ما لم يورده أبو عبيد و ابن قتيبة في كلامهما و أشرحه أيضا و هي خطبة رواها كثير من الناس له ع خالية من حرف الألف
قالوا تذاكر قوم من أصحاب رسول الله ص أي حروف الهجاء أدخل في الكلام فأجمعوا على الألف فقال علي ع حمدت من عظمت منته و سبغت نعمته و سبقت غضبه رحمته و تمت كلمته و نفذت مشيئته و بلغت قضيته حمدته حمد مقر بربوبيته متخضع لعبوديته متنصل من خطيئته متفرد بتوحيده مؤمل منه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته و بنيه و نستعينه و نسترشده و نستهديه و نؤمن به و نتوكل عليه و شهدت له شهود مخلص موقن و فردته تفريد مؤمن متيقن و وحدته توحيد عبد مذعن ليس له شريك في ملكه و لم يكن له ولي في صنعه جل عن مشير و وزير و عن عون معين و نصير و نظير علم فستر و بطن فخبر و ملك فقهر و عصي فغفر و حكم فعدل لم يزل و لن يزول( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) و هو بعد كل شيء رب متعزز بعزته متمكن بقوته متقدس بعلوه متكبر بسموه ليس يدركه بصر و لم يحط به نظر قوي منيع بصير سميع رءوف رحيم عجز عن وصفه من يصفه و ضل عن نعته من يعرفه
قرب فبعد و بعد فقرب يجيب دعوة من يدعوه و يرزقه و يحبوه ذو لطف خفي و بطش قوي و رحمة موسعة و عقوبة موجعة رحمته جنة عريضة مونقة و عقوبته جحيم ممدودة موبقة و شهدت ببعث محمد رسوله و عبده و صفيه و نبيه و نجيه و حبيبه و خليله بعثه في خير عصر و حين فترة و كفر رحمة لعبيده و منة لمزيده ختم به نبوته و شيد به حجته فوعظ و نصح و بلغ و كدح رءوف بكل مؤمن رحيم سخي رضي ولي زكي عليه رحمة و تسليم و بركة و تكريم من رب غفور رحيم قريب مجيب وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربك و ذكرتكم بسنة نبيكم فعليكم برهبة تسكن قلوبكم و خشية تذري دموعكم و تقية تنجيكم قبل يوم تبليكم و تذهلكم يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته و خف وزن سيئته و لتكن مسألتكم و تملقكم مسألة ذل و خضوع و شكر و خشوع بتوبة و تورع و ندم و رجوع و ليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه و شبيبته قبل هرمه و سعته قبل فقره و فرغته قبل شغله و حضره قبل سفره قبل تكبر و تهرم و تسقم يمله طبيبه و يعرض عنه حبيبه و ينقطع غمده و يتغير عقله ثم قيل هو موعوك و جسمه منهوك ثم جد في نزع شديد و حضره كل قريب و بعيد فشخص بصره و طمح نظره و رشح جبينه و عطف عرينه و سكن حنينه و حزنته نفسه و بكته عرسه و حفر رمسه و يتم منه ولده و تفرق منه عدده و قسم جمعه و ذهب بصره و سمعه و مدد و جرد و عري و غسل و نشف و سجي و بسط له و هيئ و نشر عليه كفنه و شد منه ذقنه و قمص و عمم و ودع و سلم و حمل فوق سرير و صلي عليه بتكبير و نقل من دور مزخرفة و قصور مشيدة و حجر منجدة و جعل في ضريح ملحود
و ضيق مرصود بلبن منضود مسقف بجلمود و هيل عليه حفره و حثي عليه مدره و تحقق حذره و نسي خبره و رجع عنه وليه و صفيه و نديمه و نسيبه و تبدل به قرينه و حبيبه فهو حشو قبر و رهين قفر يسعى بجسمه دود قبره و يسيل صديده من منخره يسحق تربه لحمه و ينشف دمه و يرم عظمه حتى يوم حشره فنشر من قبره حين ينفخ في صور و يدعى بحشر و نشور فثم بعثرت قبور و حصلت سريرة صدور و جيء بكل نبي و صديق و شهيد و توحد للفصل قدير بعبده خبير بصير فكم من زفرة تضنيه و حسرة تنضيه في موقف مهول و مشهد جليل بين يدي ملك عظيم و بكل صغير و كبير عليم فحينئذ يلجمه عرقه و يحصره قلقه عبرته غير مرحومة و صرخته غير مسموعة و حجته غير مقولة زالت جريدته و نشرت صحيفته نظر في سوء عمله و شهدت عليه عينه بنظره و يده ببطشه و رجله بخطوه و فرجه بلمسه و جلده بمسه فسلسل جيده و غلت يده و سيق فسحب وحده فورد جهنم بكرب و شدة فظل يعذب في جحيم و يسقى شربة من حميم تشوي وجهه و تسلخ جلده و تضربه زبنية بمقمع من حديد و يعود جلده بعد نضجه كجلد جديد يستغيث فتعرض عنه خزنة جهنم و يستصرخ فيلبث حقبة يندم.نعوذ برب قدير من شر كل مصير و نسأله عفو من رضي عنه و مغفرة من قبله فهو ولي مسألتي و منجح طلبتي فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه و خلد في قصور مشيدة و ملك بحور عين و حفدة و طيف عليه بكئوس أسكن في حظيرة قدوس و تقلب في نعيم و سقي من تسنيم و شرب من عين سلسبيل و مزج له بزنجبيل مختم بمسك و عبير مستديم للملك مستشعر للسرر يشرب من خمور في روض مغدق ليس يصدع من شربه و ليس ينزف.
هذه منزلة من خشي ربه و حذر نفسه معصيته و تلك عقوبة من جحد مشيئته و سولت له نفسه معصيته فهو قول فصل و حكم عدل و خبر قصص قص و وعظ نص( تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) نزل به روح قدس مبين على قلب نبي مهتد رشيد صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة عذت برب عليم رحيم كريم من شر كل عدو لعين رجيم فليتضرع متضرعكم و ليبتهل مبتهلكم و ليستغفر كل مربوب منكم لي و لكم و حسبي ربي وحده فصيلة الرجل رهطه الأدنون و كدح سعى سعيا فيه تعب و فرغته الواحدة من الفراغ تقول فرغت فرغة كقولك ضربت ضربة و سجى الميت بسط عليه رداء و نشر الميت من قبره بفتح النون و الشين و أنشره الله تعالى.و بعثرت قبور انتثرت و نبشت.قوله و سيق بسحب وحده لأنه إذا كان معه غيره كان كالمتأسي بغيره فكان أخف لألمه و عذابه و إذا كان وحده كان أشد ألما و أهول و روي فسيق يسحب وحده و هذا أقرب إلى تناسب الفقرتين و ذاك أفخم معنى.و زبنية على وزن عفرية واحد الزبانية و هم عند العرب الشرط و سمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها كما يفعل الشرط في الدنيا و من أهل اللغة من يجعل واحد الزبانية زباني و قال بعضهم زابن و منهم من قال هو جمع لا واحد له نحو أبابيل و عباديد و أصل الزبن في اللغة الدفع و منه ناقة زبون تضرب حالبها و تدفعه.
و تقول ملك زيد بفلانة بغير ألف و الباء هاهنا زائدة كما زيدت في كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً و إنما حكمنا بزيادتها لأن العرب تقول ملكت أنا فلانة أي تزوجتها و أملكت فلانة بزيد أي زوجتها به فلما جاءت الباء هاهنا و لم يكن بد من إثبات الألف لأجل مجيئها جعلناها زائدة و صار تقديره و ملك حورا عينا.و قال المفسرون في تسنيم إنه اسم ماء في الجنة سمي بذلك لأنه يجري من فوق الغرف و القصور.و قالوا في سلسبيل إنه اسم عين في الجنة ليس ينزف و لا يخمر كما يخمر شارب الخمر في الدنيا.انقضى هذا الفصل ثم رجعنا إلى سنن الغرض الأول
267
وَ قَالَ ع لَمَّا بَلَغَهُ إِغَارَةُ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ عَلَى اَلْأَنْبَارِ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ مَاشِياً حَتَّى أَتَى اَلنُّخَيْلَةَ وَ أَدْرَكَهُ اَلنَّاسُ وَ قَالُوا يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ نَكْفِيكَهُمْ فَقَالَ ع وَ اَللَّهِ مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ إِنْ كَانَتِ اَلرَّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا وَ إِنَّنِي فَإِنِّي اَلْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي كَأَنَّنِي اَلْمَقُودُ وَ هُمُ اَلْقَادَةُ أَوِ اَلْمَوْزُوعُ وَ هُمُ اَلْوَزَعَةُ قال فلما قال هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب تقدم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما( إني لا أملك إلا نفسي و أخي ) فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين ننفذ فقال و أين تقعان مما أريد السنن الطريقة يقال تنح عن السنن أي عن وجه الطريق و النخيلة بظاهر الكوفة و روي ما تكفوني بحذف النون و الحيف الظلم و الوزعة جمع وازع و هو الدافع الكاف.و معنى قوله ما تكفونني أنفسكم أي أفعالكم رديئة قبيحة تحتاج إلى جند غيركم
أستعين بهم على تثقيفكم و تهذيبكم فمن هذه حاله كيف أثقف به غيره و أهذب به سواه.و إن كانت الرعايا إن هاهنا مخففة من الثقيلة و لذلك دخلت اللام في جوابها و قد تقدم ذكرنا هذين الرجلين و إن أحدهما قال يا أمير المؤمنين أقول لك ما قاله العبد الصالح( رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَ أَخِي ) فشكر لهما و قال و أين تقعان مما أريد
268
وَ قِيلَ إِنَّ اَلْحَارِثَ بْنَ حَوْطٍ أَتَاهُ ع فَقَالَ لَهُ أَ تَرَانِي أَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَ اَلْجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلاَلَةٍ فَقَالَ ع يَا حَارِثُ حَارِ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَ لَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ اَلْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ أَهْلَهُ وَ لَمْ تَعْرِفِ اَلْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ فَقَالَ اَلْحَارِثُ فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعْدِ سَعِيدِ بْنِ مَالِكٍ وَ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ ع إِنَّ سَعْداً سَعِيداً وَ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا اَلْحَقَّ وَ لَمْ يَخْذُلاَ اَلْبَاطِلَ اللفظة التي وردت قبل أحسن من هذه اللفظة و هي أولئك قوم خذلوا الحق و لم ينصروا الباطل و تلك كانت حالهم فإنهم خذلوا عليا و لم ينصروا معاوية و لا أصحاب الجمل.فأما هذه اللفظة ففيها إشكال لأن سعدا و عبد الله لعمري إنهما لم ينصرا الحق و هو جانب علي ع لكنهما خذلا الباطل و هو جانب معاوية و أصحاب الجمل فإنهم لم ينصروهم في حرب قط لا بأنفسهم و لا بأموالهم و لا بأولادهم فينبغي
أن نتأول كلامه فنقول إنه ليس يعني بالخذلان عدم المساعدة في الحرب بل يعني بالخذلان هاهنا كل ما أثر في محق الباطل و إزالته قال الشاعر يصف فرسا:
و هو كالدلو بكف المستقي |
خذلت عنه العراقي فانجذم |
أي باينته العراقي فلما كان كل مؤثر في إزالة شيء مباينا له نقل اللفظ بالاشتراك في الأمر العام إليه و لما كان سعد و عبد الله لم يقوما خطيبين في الناس يعلمانهم باطل معاوية و أصحاب الجمل و لم يكشفا اللبس و الشبهة الداخلة على الناس في حرب هذين الفريقين و لم يوضحا وجوب طاعة علي ع فيرد الناس عن اتباع صاحب الجمل و أهل الشام صدق عليهما أنهما لم يخذلا الباطل و يمكن أن يتأول على وجه آخر و ذلك أنه قد جاء خذلت الوحشية إذا قامت على ولدها فيكون معنى قوله و لم يخذلا الباطل أي لم يقيما عليه و ينصراه فترجع هذه اللفظة إلى اللفظة الأولى و هي قوله أولئك قوم خذلوا الحق و لم ينصروا الباطل.و الحارث بن حوط بالحاء المهملة و يقال إن الموجود في خط الرضي ابن خوط بالخاء المعجمة المضمومة
269
وَ قَالَ ع صَاحِبُ اَلسُّلْطَانِ كَرَاكِبِ اَلْأَسَدِ يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ
قد جاء في صحبة السلطان أمثال حكمية مستحسنة تناسب هذا المعنى أو تجري مجراه في شرح حال السلطان نحو قولهم صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس و هو لمركوبه أهيب.و كان يقال إذا صحبت السلطان فلتكن مداراتك له مداراة المرأة القبيحة لبعلها المبغض لها فإنها لا تدع التصنع له على حال.قيل للعتابي لم لا تقصد الأمير قال لأني أراه يعطي واحدا لغير حسنة و لا يد و يقتل آخر بلا سيئة و لا ذنب و لست أدري أي الرجلين أكون و لا أرجو منه مقدار ما أخاطر به.و كان يقال العاقل من طلب السلامة من عمل السلطان لأنه إن عف جنى عليه العفاف عداوة الخاصة و إن بسط يده جنى عليه البسط ألسنة الرعية.و كان سعيد بن حميد يقول عمل السلطان كالحمام الخارج يؤثر الدخول و الداخل يؤثر الخروج.ابن المقفع إقبال السلطان على أصحابه تعب و إعراضه عنهم مذلة.
و قال آخر السلطان إن أرضيته أتعبك و إن أغضبته أعطبك.و كان يقال إذا كنت مع السلطان فكن حذرا منه عند تقريبه كاتما لسره إذا استسرك و أمينا على ما ائتمنك تشكر له و لا تكلفه الشكر لك و تعلمه و كأنك تتعلم منه و تؤدبه و كأنه يؤدبك بصيرا بهواه مؤثرا لمنفعته ذليلا إن ضامك راضيا إن أعطاك قانعا إن حرمك و إلا فابعد منه كل البعد.و قيل لبعض من يخدم السلطان لا تصحبهم فإن مثلهم مثل قدر التنور كلما مسه الإنسان اسود منه فقال إن كان خارج تلك القدر أسود فداخلها أبيض.و كان يقال أفضل ما عوشر به الملوك قلة الخلاف و تخفيف المئونة.و كان يقال لا يقدر على صحبة السلطان إلا من يستقل بما حملوه و لا يلحف إذا سألهم و لا يغتر بهم إذا رضوا عنه و لا يتغير لهم إذا سخطوا عليه و لا يطغى إذا سلطوه و لا يبطر إذا أكرموه.و كان يقال إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربا و إن زادك فزده.و قال أبو حازم للسلطان كحل يكحل به من يوليه فلا يبصر حتى يعزل.و كان يقال لا ينبغي لصاحب السلطان أن يبتدئه بالمسألة عن حاله فإن ذلك من كلام النوكى و إذا أردت أن تقول كيف أصبح الأمير فقل صبح الله الأمير بالكرامة و إن أردت أن تقول كيف يجد الأمير نفسه فقل وهب الله الأمير العافية و نحو هذا فإن المسألة توجب الجواب فإن لم يجبك اشتد عليك و إن أجابك اشتد عليه.و كان يقال صحبة الملوك بغير أدب كركوب الفلاة بغير ماء.
و كان يقال ينبغي لمن صحب السلطان أن يستعد للعذر عن ذنب لم يجنه و أن يكون آنس ما يكون به أوحش ما يكون منه.و كان يقال شدة الانقباض من السلطان تورث التهمة و سهولة الانبساط إليه تورث الملالة.و كان يقال اصحب السلطان بإعمال الحذر و رفض الدالة و الاجتهاد في النصيحة و ليكن رأس مالك عنده ثلاث الرضا و الصبر و الصدق.و اعلم أن لكل شيء حدا فما جاوزه كان سرفا و ما قصر عنه كان عجزا فلا تبلغ بك نصيحة السلطان أن تعادي حاشيته و خاصته و أهله فإن ذلك ليس من حقه عليك و ليكن أقضى لحقه عنك و أدعى لاستمرار السلامة لك أن تستصلح أولئك جهدك فإنك إذا فعلت ذلك شكرت نعمته و أمنت سطوته و قللت عدوك عنده و إذا جاريت عند السلطان كفؤا من أكفائك فلتكن مجاراتك و مباراتك إياه بالحجة و إن عضهك و بالرفق و إن خرف بك و احذر أن يستحلك فتحمى فإن الغضب يعمي عن الفرصة و يقطع عن الحجة و يظهر عليك الخصم و لا تتوردن على السلطان بالدالة و إن كان أخاك و لا بالحجة و إن وثقت أنها لك و لا بالنصيحة و إن كانت له دونك فإن السلطان يعرض له ثلاث دون ثلاث القدرة دون الكرم و الحمية دون النصفة و اللجاج دون الحظ
270
وَ قَالَ ع أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ أكثر ما في هذه الدنيا يقع على سبيل القرض و المكافأة فقد رأينا عيانا من ظلم الناس فظلم عقبه و ولده و رأينا من قتل الناس فقتل عقبه و ولده و رأينا من أخرب دورا فأخربت داره و رأينا من أحسن إلى أعقاب أهل النعم فأحسن الله إلى عقبه و ولده.و قرأت في تاريخ أحمد بن طاهر أن الرشيد أرسل إلى يحيى بن خالد و هو في محبسه يقرعه بذنوبه و يقول له كيف رأيت أ لم أخرب دارك أ لم أقتل ولدك جعفرا أ لم أنهب مالك فقال يحيى للرسول قل له أما إخرابك داري فستخرب دارك و أما قتلك ولدي جعفر فسيقتل ولدك محمد و أما نهبك مالي فسينهب مالك و خزانتك فلما عاد الرسول إليه بالجواب وجم طويلا و حزن و قال و الله ليكونن ما قال فإنه لم يقل لي شيئا قط إلا و كان كما قال فأخربت داره و هي الخلد في حصار بغداد و قتل ولده محمد و نهب ماله و خزانته نهبها طاهر بن الحسين
271
وَ قَالَ ع إِنَّ كَلاَمَ اَلْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً وَ إِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً كل كلام يقلد المتكلم به لحسن عقيدة الناس فيه نحو كلام الحكماء و كلام الفضلاء و العلماء من الناس إذا كان صوابا كان دواء و إذا كان خطأ كان داء لأن الناس يحذون حذو المتكلم به و يقلدونه فيما يتضمنه ذلك الكلام من الآداب و الأوامر و النواهي فإذا كان حقا أفلحوا و حصل لهم الثواب و اتباع الحق و كانوا كالدواء المبرئ للسقم و إذا كان ذلك الكلام خطأ و اتبعوه خسروا و لم يفلحوا فكان بمنزلة الداء و المرض
272
وَ قَالَ ع حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُعَرِّفَهُ مَا اَلْإِيمَانُ فَقَالَ ع إِذَا كَانَ غَدٌ فَأْتِنِي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ اَلنَّاسِ فَإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ فَإِنَّ اَلْكَلاَمَ كَالشَّارِدَةِ يَنْقُفُهَا يَثْقَفُهَا هَذَا وَ يُخْطِئُهَا هَذَا قال و قد ذكرنا ما أجابه به ع فيما تقدم من هذا الباب و هو قوله الإيمان على أربع شعب يقول إذ كان غد فأتني فتكون كان هاهنا تامة أي إذا حدث و وجد و تقول إذا كان غدا فأتني فيكون النصب باعتبار آخر أي إذا كان الزمان غدا أي موصوفا بأنه من الغد و من النحويين من يقدره إذا كان الكون غدا لأن الفعل يدل على المصدر و الكون هو التجدد و الحدوث.و قائل هذا القول يرجحه على القول الآخر لأن الفاعل عندهم لا يحذف إلا إذا كان في الكلام دليل عليه.و يثقفها يجدها ثقفت كذا بالكسر أي وجدته و صادفته و الشاردة الضالة
273
يَا اِبْنَ آدَمَ لاَ تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ اَلَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ اَلَّذِي قَدْ أَتَاكَ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ يَكُنْ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اَللَّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ قد تقدم هذا الفصل بتمامه و اعلم أن كل ما ادخرته مما هو فاضل عن قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك.و خلاصة هذا الفصل النهي عن الحرص على الدنيا و الاهتمام لها و إعلام الناس أن الله تعالى قد قسم الرزق لكل حي من خلقه فلو لم يتكلف الإنسان فيه لأتاه رزقه من حيث لا يحتسب.و في المثل يا رزاق البغاث في عشه و إذا نظر الإنسان إلى الدودة المكنونة داخل الصخرة كيف ترزق علم أن صانع العالم قد تكفل لكل ذي حياة بمادة تقيم حياته إلى انقضاء عمره
274
وَ قَالَ ع أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا وَ أَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا الهون بالفتح التأني و البغيض المبغض و خلاصة هذه الكلمة النهي عن الإسراف في المودة و البغضة فربما انقلب من تود فصار عدوا و ربما انقلب من تعاديه فصار صديقا.و قد تقدم القول في ذلك على أتم ما يكون و قال بعض الحكماء توق الإفراط في المحبة فإن الإفراط فيها داع إلى التقصير منها و لأن تكون الحال بينك و بين حبيبك نامية أولى من أن تكون متناهية.و من كلام عمر لا يكن حبك كلفا و لا بغضك تلفا.و قال الشاعر
و أحبب إذا أحببت حبا مقاربا |
فإنك لا تدري متى أنت نازع |
|
و أبغض إذا أبغضت غير مباين |
فإنك لا تدري متى أنت راجع |
و قال عدي بن زيد:
و لا تأمنن من مبغض قرب داره |
و لا من محب أن يمل فيبعدا |
275
وَ قَالَ ع اَلنَّاسُ فِي اَلدُّنْيَا عَامِلاَنِ عَامِلٌ عَمِلَ فِي اَلدُّنْيَا لِلدُّنْيَا قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ يُخَلِّفُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَ عَامِلٌ عَمِلَ فِي اَلدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا فَجَاءَهُ اَلَّذِي لَهُ مِنَ اَلدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَأَحْرَزَ اَلْحَظَّيْنِ مَعاً وَ مَلَكَ اَلدَّارَيْنِ جَمِيعاً فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اَللَّهِ لاَ يَسْأَلُ اَللَّهَ حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ فَيَمْنَعَهُ معنى قوله و يأمنه على نفسه أي و لا يبالي أن يكون هو فقيرا لأنه يعيش عيش الفقراء و إن كان ذا مال لكنه يدخر المال لولده فيفني عمره في منفعة غيره.و يجوز أن يكون معناه أنه لكثرة ماله قد أمن الفقر على نفسه ما دام حيا و لكنه لا يأمن الفقر على ولده لأنه لا يثق من ولده بحسن الاكتساب كما وثق من نفسه فلا يزال في الاكتساب و الازدياد منه لمنفعة ولده الذي يخاف عليه الفقر بعد موته.فأما العامل في الدنيا لما بعدها فهم أصحاب العبادة يأتيهم رزقهم بغير اكتساب و لا كد و قد حصلت لهم الآخرة فقد حصل لهم الحظان جميعا
276
وَ رُوِيَ : أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ فِي أَيَّامِهِ حَلْيُ اَلْكَعْبَةِ وَ كَثْرَتُهُ فَقَالَ قَوْمٌ لَوْ أَخَذْتَهُ فَجَهَّزْتَ بِهِ جُيُوشَ اَلْمُسْلِمِينَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ وَ مَا تَصْنَعُ اَلْكَعْبَةُ بِالْحَلْيِ فَهَمَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وَ سَأَلَ عَنْهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ ع إِنَّ هَذَا اَلْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى اَلنَّبِيِّ ص مُحَمَّدٍ ص وَ اَلْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ أَمْوَالُ اَلْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ اَلْوَرَثَةِ فِي اَلْفَرَائِضِ وَ اَلْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ وَ اَلْخُمُسُ اَلْخُمْسُ فَوَضَعَهُ اَللَّهُ حَيْثُ وَضَعَهُ وَ اَلصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اَللَّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا وَ كَانَ حَلْيُ اَلْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ اَللَّهُ عَلَى حَالِهِ وَ لَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً وَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ عَنْهُ مَكَاناً فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَوْلاَكَ لاَفْتَضَحْنَا وَ تَرَكَ اَلْحَلْيَ بِحَالِهِ هذا استدلال صحيح و يمكن أن يورد على وجهين أحدهما أن يقال أصل الأشياء الحظر و التحريم كما هو مذهب كثير من أصحابنا البغداديين فلا يجوز التصرف في شيء من الأموال و المنافع إلا بإذن شرعي و لم يوجد إذن شرعي في حلي الكعبة فبقينا فيه على حكم الأصل.و الوجه الثاني أن يقال حلي الكعبة مال مختص بالكعبة هو جار مجرى ستور الكعبة و مجرى باب الكعبة فكما لا يجوز التصرف في ستور الكعبة و بابها
إلا بنص فكذلك حلي الكعبة و الجامع بينهما الاختصاص الجاعل كل واحد من ذلك كالجزء من الكعبة فعلى هذا الوجه ينبغي أن يكون الاستدلال.و يجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع عليه و إلا يحمل على ظاهره لأن لمعترض أن يعترض استدلاله إذا حمل على ظاهره بأن يقول الأموال الأربعة التي عددها إنما قسمها الله تعالى حيث قسمها لأنها أموال متكررة بتكرر الأوقات على مر الزمان يذهب الموجود منها و يخلفه غيره فكان الاعتناء بها أكثر و الاهتمام بوجوه متصرفها أشد لأن حاجات الفقراء و المساكين و أمثالهم من ذوي الاستحقاق كثيرة و متجددة بتجدد الأوقات و ليس كذلك حلي الكعبة لأنه مال واحد باق غير متكرر و أيضا فهو شيء قليل يسير ليس مثله مما يقال ينبغي أن يكون الشارع قد تعرض لوجوه مصرفه حيث تعرض لوجوه مصرف الأموال فافترق الموضعان
277
رُوِيَ : أَنَّهُ ع رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ سَرَقَا مِنْ مَالِ اَللَّهِ أَحَدُهُمَا عَبْدٌ مِنْ مَالِ اَللَّهِ وَ اَلآْخَرُ مِنْ عُرُوضِ عُرْضِ اَلنَّاسِ فَقَالَ ع أَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اَللَّهِ فَلاَ وَ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ مَالُ اَللَّهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَمَّا اَلآْخَرُ فَعَلَيْهِ اَلْحَدُّ اَلشَّدِيدُ فَقَطَعَ يَدَهُ هذا مذهب الشيعة أن عبد المغنم إذا سرق من المغنم لم يقطع فأما العبد الغريب إذا سرق من المغنم فإنه يقطع إذا كان ما سرقه زائدا عما يستحقه من الغنيمة بمقدار النصاب الذي يجب فيه القطع و هو ربع دينار و كذلك الحر إذا سرق من المغنم حكمه هذا الحكم بعينه فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين على أن العبد المقطوع قد كان سرق من المغنم ما هو أزيد من حقه من الغنيمة بمقدار النصاب المذكور أو أكثر.فأما الفقهاء فإنهم لا يوجبون القطع على من سرق من مال الغنيمة قبل قسمتها سواء كان ما سرقه أكثر من حقه أو لم يكن لأن مخالطة حقه و ممازجته للمسروق شبهة في الجملة تمنع من وجوب القطع هذا إن كان له حق في الغنيمة بأن يكون شهد القتال بإذن سيده فإن لم يكن ذلك و كان لسيده فيها حق لم يقطع أيضا لأن حصة سيده المشاعة شبهة تمنع من قطعه فإن لم يشهد القتال و لا شهده سيده و سرق من الغنيمة قبل القسمة ما يجب في مثله القطع وجب عليه القطع
278
وَ قَالَ ع لَوْ قَدِ اِسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ اَلْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ لسنا نشك أنه كان يذهب في الأحكام الشرعية و القضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة نحو قطعه يد السارق من رءوس الأصابع و بيعه أمهات الأولاد و غير ذلك و إنما كان يمنعه من تغير أحكام من تقدمه اشتغاله بحرب البغاة و الخوارج و إلى ذلك يشير بالمداحض التي كان يؤمل استواء قدميه منها و لهذا
قال لقضاته اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة فلفظة حتى هاهنا مؤذنة بأنه فسح لهم في اتباع عادتهم في القضايا و الأحكام التي يعهدونها إلى أن يصير للناس جماعة و ما بعد إلى و حتى ينبغي أن يكون مخالفا لما قبلهما.فأما أصحابنا فيقولون إنه كان فيما يحاول أن يحكم بين الناس مجتهدا و يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته.و الإمامية تقول ما كان يحكم إلا عن نص و توقيف و لا يجوز لأحد من الناس مخالفته.و القول في صحة ذلك و فساده فرع من فروع مسألة الإمامة
279
اِعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اَللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ وَ إِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ وَ اِشْتَدَّتْ طَلِبَتُهُ وَ قَوِيَتْ مَكِيدَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَ اَلْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَ قِلَّةِ حِيلَتِهِ وَ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ وَ اَلْعَارِفُ لِهَذَا اَلْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ اَلنَّاسِ رَاحَةً رَحْمَةً فِي مَنْفَعَةٍ وَ اَلتَّارِكُ لَهُ اَلشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ اَلنَّاسِ شُغُلاً شُغْلاً فِي مَضَرَّةٍ وَ رُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى وَ رُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى فَزِدْ أَيُّهَا اَلْمُسْتَنْفِعُ اَلْمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ وَ قَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ وَ قِفْ عِنْدَ مُنْتَهَى رِزْقِكَ قد تقدم القول في الحرص و الجشع و ذمهما و ذم الكادح في طلب الرزق و مدح القناعة و الاقتصار و نذكر هنا طرفا آخر من ذلك قال بعض الحكماء وجدت أطول الناس غما الحسود و أهنأهم عيشا القنوع و أصبرهم على الأذى الحريص و أخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا و أعظمهم ندامة العالم المفرط.و قال عمر الطمع فقر و اليأس غنى و من يئس مما عند الناس استغنى عنهم.
و قيل لبعض الحكماء ما الغنى قال قلة تمنيك و رضاك بما يكفيك و لذلك قيل العيش ساعات تمر و خطوب تكر.
و قال الشاعر:
اقنع
بعيشك ترضه |
و اترك هواك و أنت حر |
|
فلرب حتف فوقه |
ذهب و ياقوت و در |
و قال آخر :
إلى متى أنا في حل و ترحال |
من طول سعي و إدبار و إقبال |
|
و نازح الدار لا أنفك مغتربا |
عن الأحبة لا يدرون ما حالي |
|
بمشرق الأرض طورا ثم مغربها |
لا يخطر الموت من حرص على بالي |
|
و لو قنعت أتاني الرزق في دعة |
إن القنوع الغنى لا كثرة المال |
و جاء في الخبر المرفوع أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له و لن يخرج عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له في الدنيا و هي راغمة
280
وَ قَالَ ع لاَ تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا وَ إِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا هذا نهي للعلماء عن ترك العمل يقول لا تجعلوا علمكم كالجهل فإن الجاهل قد يقول جهلت فلم أعمل و أنتم فلا عذر لكم لأنكم قد علمتم و انكشف لكم سر الأمر فوجب عليكم أن تعملوا و لا تجعلوا علمكم جهلا فإن من علم المنفعة في أمر و لا حائل بينه و بينه ثم لم يأته كان سفيها
281
وَ قَالَ ع إِنَّ اَلطَّمَعَ مُورِدُ غَيْرُ مُصْدِرٍ وَ ضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ وَ رُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ اَلْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ وَ كُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ اَلشَّيْءِ اَلْمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ اَلرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ وَ اَلْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ اَلْبَصَائِرِ وَ اَلْحَظُّ يَأْتِي مَنْ لاَ يَأْتِيهِ قد تقدم القول في هذه المعاني كلها و قد ضرب الحكماء مثالا لفرط الطمع فقالوا إن رجلا صاد قبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحك و آكلك قالت و الله ما أشفي من قرم و لا أشبع من جوع و لكني أعلمك ثلاث خصال هن خير لك من أكلي أما واحدة فأعلمك إياها و أنا في يدك و أما الثانية فإذا صرت على الشجرة أما الثالثة فإذا صرت على الجبل فقال هاتي الأولى قالت لا تلهفن على ما فات فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هاتي الثانية قالت لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين وزن كل واحدة ثلاثون مثقالا فعض على يديه و تلهف تلهفا شديدا و قال هاتي الثالثة فقالت أنت قد أنسيت الاثنتين فما تصنع بالثالثة أ لم أقل لك لا تلهفن على
ما فات و قد تلهفت و أ لم أقل لك لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون و أنا و لحمي و دمي و ريشي لا يكون عشرين مثقالا فكيف صدقت أن في حوصلتي درتين كل واحدة منهما ثلاثون مثقالا ثم طارت و ذهبت.و قوله و ربما شرق شارب الماء قبل ريه كلام فصيح و هو مثل لمن يخترم بغتة أو تطرقه الحوادث و الخطوب و هو في تلهية من عيشه.و مثل الكلمة الأخرى قولهم على قدر العطية تكون الرزية.و القول في الأماني قد أوسعنا القول فيه من قبل و كذلك في الحظوظ
282
وَ قَالَ ع اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ تَحْسُنَ فِي لاَمِعَةِ اَلْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي وَ تُقَبِّحَ تَقْبُحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي مُحَافِظاً عَلَى رِثَاءِ رِيَاءِ اَلنَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي وَ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ وَ تَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ قد تقدم القول في الرياء و أن يظهر الإنسان من العبادة و الفعل الجميل ما يبطن غيره و يقصد بذلك السمعة و الصيت لا وجه الله تعالى.و قد جاء
في الخبر المرفوع أخوف ما أخاف على أمتي الرياء و الشهوة الخفية قال المفسرون و الرياء من الشهوة الخفية لأنه شهوة الصيت و الجاه بين الناس بأنه متين الدين مواظب على نوافل العبادات و هذه هي الشهوة الخفية أي ليست كشهوة الطعام و النكاح و غيرهما من الملاذ الحسية.
و في الخبر المرفوع أيضا أن اليسير من الرياء شرك و أن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين هم في بيوتهم إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمة
283
وَ قَالَ ع : لاَ وَ اَلَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ غُبَّرِ لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ تَكْشِرُ عَنْ يَوْمٍ أَغَرَّ مَا كَانَ كَذَا وَ كَذَا
قد روي تفتر عن يوم أغر و الغبر البقايا و كذلك الأغبار و كشر أي بسم و أصله الكشف.و هذا الكلام إما أن يكون قاله على جهة التفاؤل أو أن يكون إخبارا بغيب و الأول أوجه
284
وَ قَالَ ع قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ لا ريب أن من أراد حفظ كتاب من الكتب العلمية فحفظ منه قليلا قليلا و دام على ذلك فإن ذلك أنفع له و أرجى لفلاحه من أن يحفظ كثيرا و لا يدوم عليه لملاله إياه و ضجره منه و التجربة تشهد بذلك.و القول في غير الحفظ كالقول في الحفظ نحو الزيارة القليلة للصديق و نحو العطاء اليسير الدائم الذي هو خير من الكثير المنقطع و نحو ذلك
285
وَ قَالَ ع إِذَا أَضَرَّتِ اَلنَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا قد تقدم القول في النافلة هل تصح ممن عليه فريضة لم يؤدها و ذكرنا مذاهب الفقهاء في ذلك.و لا ريب أن من استغرق الوقت بالنوافل حتى آن أوقات الفرائض لم يفعل الفرائض فيها و شغلها بالعبادة النفلية فقد أخطأ و الواجب أن يرفض النافلة حيث يتضيق وقت الفريضة لا خلاف بين المسلمين في ذلك و يصلح أن يكون هذا مثلا ظاهره ما ذكرنا و باطنه أمر آخر
286
وَ قَالَ ع مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ اَلسَّفَرِ اِسْتَعَدَّ هذا مثل قولهم في المثل الليل طويل و أنت مقمر و قال أيضا عش و لا تغتر.و قال أصحاب المعاني مثل الدنيا كركب في فلاة وردوا ماء طيبا فمنهم من شرب من ذلك الماء شربا يسيرا ثم أفكر في بعد المسافة التي يقصدونها و أنه ليس بعد ذلك الماء ماء آخر فتزود منه ماء أوصله إلى مقصده و منهم من شرب من ذلك الماء شرب عظيما و لها عن التزود و الاستعداد و ظن أن ما شرب كاف له و مغن عن ادخار شيء آخر فقطع به و أخلفه ظنه فعطش في تلك الفلاة و مات.وقد روي عن النبي ص أنه قال لأصحابه إنما مثلي و مثلكم و مثل الدنيا كقوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي أنفدوا الزاد و حسروا الظهر و بقوا بين ظهراني المفازة لا زاد و لا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه ماء فقالوا هذا قريب عهد بريف و ما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم و شاهد حالهم قال أ رأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء و رياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا
قال عهودكم و مواثيقكم بالله فأعطوه ذلك فأوردهم ماء رواء و رياضا خضرا و مكث بينهم ما شاء الله ثم قال إني مفارقكم قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم و رياض ليست كرياضكم فقال الأكثرون منهم و الله ما وجدنا ما نحن فيه حتى ظننا أنا لا نجده و ما نصنع بمنزل خير من هذا و قال الأقلون منهم أ لم تعطوا هذا الرجل مواثيقكم و عهودكم بالله لا تعصونه شيئا و قد صدقكم في أول حديثه و الله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن تبعه منهم و تخلف الباقون فدهمهم عدو شديد البأس عظيم الجيش فأصبحوا ما بين أسير و قتيل
287
وَ قَالَ ع لَيْسَتِ اَلرُّؤْيَةُ كَالْمُعَايَنَةِ مَعَ اَلْإِبْصَارِ فَقَدْ تَكْذِبُ اَلْعُيُونُ أَهْلَهَا وَ لاَ يَغُشُّ اَلْعَقْلُ مَنِ اِسْتَنْصَحَهُ هذا مثل قوله تعالى( فَإِنَّها لا تَعْمَى اَلْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ ) أي ليس العمى عمى العين بل عمى القلب.كذلك قول أمير المؤمنين ع ليست الرؤية مع العيون و إنما الرؤية الحقيقية مع العقول و قد ذهب أكابر الحكماء إلى أن اليقينيات هي المعقولات لا المحسوسات قالوا لأن حكم الحس في مظنة الغلط و طال ما كذب الحس و اعتقدنا بطريقة اعتقادات باطلة كما نرى الكبير صغيرا و الصغير كبيرا و المتحرك ساكنا و الساكن متحركا فأما العقل فإذا كان المعقول به بديهيا أو مستندا إلى مقدمات بديهية فإنه لا يقع فيه غلط أصلا
288
وَ قَالَ ع بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلْمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ اَلْغِرَّةِ قد تقدم ذكر الدنيا و غرورها و أنها بشهواتها و لذاتها حجاب بين العبد و بين الموعظة لأن الإنسان يغتر بالعاجلة و يتوهم دوام ما هو فيه و إذا خطر بباله الموت و الفناء وعد نفسه رحمة الله تعالى و عفوه هذا إن كان ممن يعترف بالمعاد فإن كثيرا ممن يظهر القول بالمعاد هو في الحقيقة غير مستيقن له و الإخلاد إلى عفو الله تعالى و الاتكال على المغفرة مع الإقامة على المعصية غرور لا محالة و الحازم من عمل لما بعد الموت و لم يمن نفسه الأماني التي لا حقيقة لها
289
وَ قَالَ ع جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ وَ عَالِمُكُمْ مُسَوِّفٌ هذا قريب مما سلف يقول إن الجاهل من الناس مزداد من جهله مصر على خطيئته مسوف من توهماته و عقيدته الباطلة بالعفو عن ذنبه و ليس الأمر كما توهمه.( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ اَلْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَ لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً )
290
وَ قَالَ ع قَطَعَ اَلْعِلْمُ عُذْرَ اَلْمُتَعَلِّلِينَ هذا أيضا قريب مما تقدم يقول قطع العلم عذر الذين يعللون أنفسهم بالباطل و يقولون إن الرب كريم رحيم فلا حاجة لنا إلى إتعاب أنفسنا بالعبادة كما قال الشاعر:
قدمت على الكريم بغير زاد |
من الأعمال ذا ذنب عظيم |
|
و سوء الظن أن تعتد زادا |
إذا كان القدوم على الكريم |
و هذا هو التعليل بالباطل فإن الله تعالى و إن كان كريما رحيما عفوا غفورا إلا أنه صادق القول و قد توعد العصاة و قال( وَ إِنَّ اَلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ اَلدِّينِ وَ ما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ) و قال( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) و يكفي في رحمته و عفوه و كرمه أن يغفر للتائب أو لمن ثوابه أكثر مما يستحقه من العقاب فالقول بالوعيد معلوم بأدلة السمع المتظاهرة المتناصرة التي قد أطنب أصحابنا في تعدادها و إيضاحها و إذا كان الشيء معلوما فقد قطع العلم به عذر أصحاب التعلل و التمني و وجب العمل بالمعلوم و رفض ما يخالفه
291
وَ قَالَ ع كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ اَلْإِنْظَارَ وَ كُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بِالتَّسْوِيفِ قال الله سبحانه( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) فهذا هو سؤال الإنظار لمن عوجل فأما من أجل فإنه يعلل نفسه بالتسويف و يقول سوف أتوب سوف أقلع عما أنا عليه فأكثرهم يخترم من غير أن يبلغ هذا الأمل و تأتيه المنية و هو على أقبح حال و أسوئها و منهم من تشمله السعادة فيتوب قبل الموت و أولئك الذين ختمت أعمالهم بخاتمة الخير و هم في العالم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود
292
وَ قَالَ ع مَا قَالَ اَلنَّاسُ لِشَيْءٍ طُوبَى لَهُ إِلاَّ وَ قَدْ خَبَّأَ لَهُ اَلدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ قد تقدم هذا المعنى و ذكرنا فيه نكتا جيدة حميدة
كان محمد بن عبد الله بن طاهر أمير بغداد في قصره على دجلة يوما و إذا بحشيش على وجه الماء في وسطه قصبة عليها رقعة فأمر بأخذها فإذا فيها:
تاه الأعيرج و استولى به البطر |
فقل له خير ما استعملته الحذر |
|
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت |
و لم تخف سوء ما يأتي به القدر |
|
و سالمتك الليالي فاغتررت بها |
و عند صفو الليالي يحدث الكدر |
فما انتفع بنفسه مدة.و في المثل الدهر إذا أتى بسحواء سحسح يعقبها بنكباء زعزع و كذاك شرب العيش فيه تلون بيناه عذبا إذ تحول آجنا.
يحيى بن خالد أعطانا الدهر فأسرف ثم مال علينا فأجحف.و قال الشاعر :
فيا لنعيم ساعدتنا رقابه |
و خاست بنا أكفاله و الروادف |
إسحاق بن إبراهيم الموصلي :
هي المقادير تجري في أعنتها |
فاصبر فليس لها صبر على حال |
|
يوما تريش خسيس الحال ترفعه |
إلى السماء و يوما تخفض العالي |
إذا أدبر الأمر أتى الشر من حيث كان يأتي الخير.هانئ بن مسعود :
إن كسرى أبى على الملك النعمان |
حتى سقاه أم الرقوب |
|
كل ملك و إن تصعد يوما |
بأناس يعود للتصويب |
أحيحة بن الجلاح :
و ما يدري الفقير متى غناه |
و ما يدري الغني متى يعيل |
|
و ما تدري إذا أضربت شولا |
أ تلقح بعد ذلك أم تحيل |
|
و ما تدري إذا أزمعت سيرا |
بأي الأرض يدركك المقيل |
آخر :
فما درن الدنيا بباق لأهله |
و لا شرة الدنيا بضربة لازم |
آخر :
رب قوم غبروا من عيشهم |
في سرور و نعيم و غدق |
سكت الدهر زمانا عنهم |
ثم أبكاهم دما حين نطق |
و من الشعر المنسوب إلى محمد الأمين بن زبيدة :
يا نفس قد حق الحذر |
أين الفرار من القدر |
|
كل امرئ مما يخاف |
و يرتجيه على خطر |
|
من يرتشف صفو الزمان |
يغص يوما بالكدر |
293
وَ قَالَ ع وَ قَدْ وَ سُئِلَ عَنِ اَلْقَدَرِ فَقَالَ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلاَ تَسْلُكُوهُ ثُمَّ سُئِلَ ثَانِياً فَقَالَ وَ بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ ثُمَّ سُئِلَ ثَالِثاً فَقَالَ وَ سِرُّ اَللَّهِ فَلاَ تَتَكَلَّفُوهُ قد جاء
في الخبر المرفوع القدر سر الله في الأرض و روي سر الله في عباده و المراد نهي المستضعفين عن الخوض في إرادة الكائنات و في خلق أعمال العباد فإنه ربما أفضى بهم القول بالجبر لما في ذلك من الغموض و ذلك أن العامي إذا سمع قول القائل كيف يجوز أن يقع في عالمه ما يكرهه و كيف يجوز أن تغلب إرادة المخلوق إرادة الخالق.و يقول أيضا إذا علم في القدم أن زيدا يكفر فكيف لزيد أن لا يكفر و هل يمكن أن يقع خلاف ما علمه الله تعالى في القدم اشتبه عليه الأمر و صار شبهة في نفسه و قوي في ظنه مذهب المجبرة فنهى ع هؤلاء عن الخوض في هذا النحو من البحث و لم ينه غيرهم من ذوي العقول الكاملة و الرياضة القوية و الملكة التامة و من له قدرة على حل الشبه و التفصي عن المشكلات.فإن قلت فإنكم تقولون إن العامي و المستضعف يجب عليهما النظر قلت نعم إلا أنه لا بد لهما من موقف بعد أعمالها ما ينتهي إليه جهدهما من النظر بحيث يرشدهما إلى الصواب و النهي إنما هو لمن يستبد من ضعفاء العامة بنفسه في النظر و لا يبحث مع غيره ليرشده
294
إِذَا أَرْذَلَ اَللَّهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ اَلْعِلْمَ أرذله جعله رذلا و كان يقال من علامة بغض الله تعالى للعبد أن يبغض إليه العلم.و قال الشاعر:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي |
فأرشدني إلى ترك المعاصي |
|
و قال لأن حفظ العلم فضل |
و فضل الله لا يؤتيه عاصي |
و قال رجل لحكيم ما خير الأشياء لي قال أن تكون عالما قال فإن لم أكن قال أن تكون مثريا قال فإن لم أكن قال أن تكون شاريا قال فإن لم أكن قال فأن تكون ميتا.أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال:
إذا فاتك العلم جد بالقرى |
و إن فاتك المال سد بالقراع |
|
فإن فات هذا و هذا و ذاك |
فمت فحياتك شر المتاع |
و قال أيضا في المعنى بعينه:
و لو لا الحجا و القرى و القراع |
لما فضل الآخر الأولا |
|
ثلاث متى يخل منها الفتى |
يكن كالبهيمة أو أرذلا |
295
وَ قَالَ ع : كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اَللَّهِ وَ كَانَ يُعَظِّمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ اَلدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ وَ كَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلاَ يَشْتَهِي يَتَشَهَّى مَا لاَ يَجِدُ وَ لاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ وَ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ اَلْقَائِلِينَ وَ نَقَعَ غَلِيلَ اَلسَّائِلِينَ وَ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِنْ جَاءَ اَلْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابٍ لَيْثٌ عَادٍ وَ صِلُّ وَادٍ لاَ يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً وَ كَانَ لاَ يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا لاَ يَجِدُ اَلْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اِعْتِذَارَهُ وَ كَانَ لاَ يَشْكُو وَجَعاً إِلاَّ عِنْدَ بُرْئِهِ وَ كَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَ لاَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُ وَ كَانَ إِذَا إِنْ غُلِبَ عَلَى اَلْكَلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى اَلسُّكُوتِ وَ كَانَ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ وَ كَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى اَلْهَوَى فَخَالَفَهُ فَيُخَالِفُهُ فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ اَلْخَلاَئِقِ فَالْزَمُوهَا وَ تَنَافَسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ اَلْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ اَلْكَثِيرِ قد اختلف الناس في المعني بهذا الكلام و من هو هذا الأخ المشار إليه فقال قوم هو رسول الله ص و استبعده قوم لقوله و كان ضعيفا مستضعفا فإن النبي ص لا يقال في صفاته مثل هذه الكلمة
و إن أمكن تأويلها على لين كلامه و سماحة أخلاقه إلا أنها غير لائقة به ع.و قال قوم هو أبو ذر الغفاري و استبعده قوم لقوله فإن جاء الجد فهو ليث عاد و صل واد فإن أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة و المعروفين بالبسالة.و قال قوم هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود و كان من شيعة علي ع المخلصين و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة و قد ورد في فضله حديث صحيح مرفوع.و قال قوم أنه ليس بإشارة إلى أخ معين و لكنه كلام خارج مخرج المثل و عادة العرب جارية بمثل ذلك مثل قولهم في الشعر فقلت لصاحبي و يا صاحبي و هذا عندي أقوى الوجوه
و قد مضى القول في صغر الدنيا في عين أهل التحقيق فأما سلطان البطن و مدح الإنسان بأنه لا يكثر من الأكل إذا وجد أكلا و لا يشتهي من الأكل ما لا يجده فقد قال الناس فيه فأكثروا.قال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب:
طاوي المصير على العزاء منصلت |
بالقوم ليلة لا ماء و لا شجر |
|
تكفيه فلذة لحم إن ألم بها |
من الشواء و يروي شربه الغمر |
|
و لا يباري لما في القدر يرقبه |
و لا تراه أمام القوم يفتقر |
لا يغمز الساق من أين و لا وصب |
و لا يعض على شرسوفه الصفر |
و قال الشنفري:
و أطوي على الخمص الحوايا كما انطوت |
خيوطة ماري تغار و تفتل |
|
و إن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن |
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل |
|
و ما ذاك إلا بسطة عن تفضل |
عليهم و كان الأفضل المتفضل |
و قال بعضهم لابنه يا بني عود نفسك الأثرة و مجاهدة الهوى و الشهوة و لا تنهش نهش السباع و لا تقضم قضم البراذين و لا تدمن الأكل إدمان النعاج و لا تلقم لقم الجمال إن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة و لا سبعا و احذر سرعة الكظة و داء البطنة فقد قال الحكيم إذا كنت بطنا فعد نفسك من الزمنى.و قال الأعشى
و البطنة يوما تسفه الأحلاما
و اعلم أن الشبع داعية البشم و البشم داعية السقم و السقم داعية الموت و من مات هذه الميتة فقد مات موتة لئيمة و هو مع هذا قاتل نفسه و قاتل نفسه ألوم من قاتل غيره يا بني و الله ما أدى حق السجود و الركوع ذو كظة و لا خشع لله ذو بطنة و الصوم مصحة و لربما طالت أعمار الهند و صحت أبدان العرب و لله در الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم و أن الداء إدخال الطعام في أثر الطعام يا بني لم صفت أذهان الأعراب و صحت أذهان الرهبان مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف وجع المفاصل و لا الأورام إلا لقلة الرزء و وقاحة الأكل و كيف لا ترغب في تدبير يجمع لك بين صحة البدن و ذكاء الذهن و صلاح المعاد
و القرب و عيش الملائكة يا بني لم صار الضب أطول شيء ذماء إلا لأنه يتبلغ بالنسيم و لم زعم رسول الله ص أن الصوم وجاء إلا ليجعله حجابا دون الشهوات فافهم تأديب الله و رسوله فإنهما لا يقصدان إلا مثلك يا بني إني قد بلغت تسعين عاما ما نقص لي سن و لا انتشر لي عصب و لا عرفت دنين أنف و لا سيلان عين و لا تقطير بول ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة و إن كنت تريد الموت فلا يبعد الله إلا من ظلم.و كان يقال البطنة تذهب الفطنة.و قال عمرو بن العاص لأصحابه يوم حكم الحكمان أكثروا لأبي موسى من الطعام الطيب فو الله ما بطن قوم قط إلا فقدوا عقولهم أو بعضها و ما مضى عزم رجل بات بطينا.و كان يقال أقلل طعاما تحمد مناما و دعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء فقال ما في فضل فقال إني أحب الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل فقال يا أمير المؤمنين عندي مستزاد و لكني أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.و كان يقال مسكين ابن آدم أسير الجوع صريع الشبع.و سأل عبد الملك أبا الزعيرعة فقال هل أتخمت قط قال لا قال و كيف قال لأنا إذا طبخنا أنضجنا و إذا مضغنا دققنا و لا نكظ المعدة و لا نخليها.و كان يقال من المروءة أن يترك الإنسان الطعام و هو بعد يشتهيه.و قال الشاعر:
فإن قراب البطن يكفيك ملؤه |
و يكفيك سوآت الأمور اجتنابها |
و قال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي كان عمي يقول لي لا تخرج يا بني من منزلك
حتى تأخذ حلمك يعني تتغذى فإذا أخذت حلمك فلا تزدد إليه حلما فإن الكثرة تئول إلى قلة و في الحديث المرفوع ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه و أما إذا أبيت فثلث طعام و ثلث شراب و ثلث نفس و روى حذيفة عن النبي ص من قل طعمه صح بطنه و صفا قلبه و من كثر طعمه سقم بطنه و قسا قلبه و عنه ص لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام و الشراب فإن القلب يموت بهما كالزرع يموت إذا أكثر عليه الماء و روى عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال أكلت يوما ثريدا و لحما سمينا ثم أتيت رسول الله و أنا أتجشأ فقال احبس جشأك أبا جحيفة إن أكثركم شبعا في الدنيا أكثركم جوعا في الآخرة قال فما أكل أبو جحيفة بعدها ملء بطنه إلى أن قبضه الله و أكل علي ع قليلا من تمر دقل و شرب عليه ماء و أمر يده على بطنه و قال من أدخله بطنه النار فأبعده الله ثم تمثل:
فإنك مهما تعط بطنك سؤله |
و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا |
و كان ع يفطر في رمضان الذي قتل فيه عند الحسن ليلة و عند الحسين ليلة و عند عبد الله بن جعفر ليلة لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث فيقال له فيقول إنما هي ليال قلائل حتى يأتي أمر الله و أنا خميص البطن فضربه ابن ملجم لعنه الله تلك الليلة.و قال الحسن لقد أدركت أقواما ما يأكل أحدهم إلا في ناحية بطنه ما شبع رجل منهم من طعام حتى فارق الدنيا كان يأكل فإذا قارب الشبع أمسك.و أنشد المبرد
فإن امتلاء البطن في حسب الفتى |
قليل الغناء و هو في الجسم صالح |
وقال عيسى ع يا بني إسرائيل لا تكثروا الأكل فإنه من أكثر من الأكل أكثر من النوم و من أكثر النوم أقل الصلاة و من أقل الصلاة كتب من الغافلين وقيل ليوسف ع ما لك لا تشبع و في يديك خزائن مصر قال إني إذا شبعت نسيت الجائعين.و قال الشاعر:
و أكلة أوقعت في الهلك صاحبها |
كحبة القمح دقت عنق عصفور |
|
لكسرة بجريش الملح آكلها |
ألذ من تمرة تحشى بزنبور |
و وصف لسابور ذي الأكتاف رجل من إصطخر للقضاء فاستقدمه فدعاه إلى الطعام فأخذ الملك دجاجة من بين يديه فنصفها و جعل نصفها بين يدي ذلك الرجل فأتى عليه قبل أن يفرغ الملك من أكل النصف الآخر فصرفه إلى بلده و قال إن سلفنا كانوا يقولون من شره إلى طعام الملك كان إلى أموال الرعية أشره.قيل لسميرة بن حبيب إن ابنك أكل طعاما فأتخم و كاد يموت فقال و الله لو مات منه ما صليت عليه
أنس يرفعه إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت.دخل عمر على عاصم ابنه و هو يأكل لحما فقال ما هذا قال قرمنا إليه قال أ و كلما قرمت إلى اللحم أكلته كفى بالمرء شرها أن يأكل كل ما يشتهي.
أبو سعيد يرفعه استعينوا بالله من الرعب قالوا هو الشره و يقال الرعب شؤم
أنس يرفعه أصل كل داء البردة قالوا هي التخمة و قال أبو دريد العرب تعير بكثرة الأكل و أنشد:
لست بأكال كأكل العبد |
و لا بنوام كنوم الفهد |
و قال الشاعر:
إذا لم أزر إلا لآكل أكلة |
فلا رفعت كفي إلي طعامي |
|
فما أكلة إن نلتها بغنيمة |
و لا جوعة إن جعتها بغرام |
ابن عباس كان رسول الله ص يبيت طاويا ليالي ما له و لأهله عشاء و كان عامة طعامه الشعير و قالت عائشة و الذي بعث محمدا بالحق ما كان لنا منخل و لا أكل رسول الله ص خبزا منخولا منذ بعثه الله إلى أن قبض قالوا فكيف كنتم تأكلون دقيق الشعير قالت كنا نقول أف أف
أنس ما أكل رسول الله ص رغيفا محورا إلى أن لقي ربه عزوجل
أبو هريرة ما شبع رسول الله ص و أهله ثلاثة أيام متوالية من خبز حنطة حتى فارق الدنيا و روى مسروق قال دخلت على عائشة و هي تبكي فقلت ما يبكيك قالت ما أشاء أن أبكي إلا بكيت مات رسول الله ص و لم يشبع من خبز البر في يوم مرتين ثم انهارت علينا الدنيا.حاتم الطائي:
و إني لأستحيي صحابي أن يروا |
مكان يدي من جانب الزاد أقرعا |
|
أقصر كفي أن تنال أكفهم |
إذا نحن أهوينا و حاجاتنا معا |
|
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا |
حياء أخاف الضيم أن أتضلعا |
فإنك إن أعطيت نفسك سؤلها |
و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا |
فأما قوله ع كان لا يتشهى ما لا يجد فإنه قد نهى أن يتشهى الإنسان ما لا يجد و قالوا إنه دليل على سقوط المروءة.و قال الأحنف جنبوا مجالسنا ذكر تشهي الأطعمة و حديث النكاح.و قال الجاحظ جلسنا في دار فجعلنا نتشهى الأطعمة فقال واحد و أنا أشتهي سكباجا كثيرة الزعفران و قال آخر أنا أشتهي طباهجة ناشفة و قال آخر أنا أشتهي هريسة كثيرة الدارصيني و إلى جانبنا امرأة بيننا و بينها بئر الدار فضربت الحائط و قالت أنا حامل فأعطوني ملء هذه الغضارة من طبيخكم فقال ثمامة جارتنا تشم رائحة الأماني
296
وَ قَالَ ع لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَلاَّ يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِهِ قالت المعتزلة إنا لو قدرنا أن الوعيد السمعي لم يرد لما أخل ذلك بكون الواجب واجبا في العقل نحو العدل و الصدق و العلم و رد الوديعة هذا في جانب الإثبات و أما في جانب السلب فيجب في العقل ألا يظلم و ألا يكذب و ألا يجهل و ألا يخون الأمانة ثم اختلفوا فيما بينهم فقالت معتزلة بغداد ليس الثواب واجبا على الله تعالى بالعقل لأن الواجبات إنما تجب على المكلف لأن أداءها كالشكر لله تعالى و شكر المنعم واجب لأنه شكر منعم فلم يبق وجه يقتضي وجوب الثواب على الله سبحانه و هذا قريب من قول أمير المؤمنين ع.و قال البصريون بل الثواب واجب على الله تعالى عقلا كما يجب عليه العوض عن إيلام الحي لأن التكليف إلزام بما فيه مضرة كما أن الإيلام إنزال مضرة و الإلزام كالإنزال
297
وَ قَالَ ع لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَ قَدْ عَزَّاهُ عَنِ اِبْنٍ لَهُ وَ قَدْ عَزَّى اَلْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ عَنِ اِبْنٍ لَهُ يَا أَشْعَثُ إِنْ تَحْزَنْ عَلَى اِبْنِكَ فَقَدِ اِسْتَحَقَّتْ ذَلِكَ مِنْكَ مِنْكَ ذَلِكَ اَلرَّحِمُ وَ إِنْ تَصْبِرْ فَفِي اَللَّهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ يَا أَشْعَثُ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ اَلْقَدَرُ وَ أَنْتَ مَأْجُورٌ وَ إِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ اَلْقَدَرُ وَ أَنْتَ مَأْزُورٌ يَا أَشْعَثُ اِبْنُكَ سَرَّكَ وَ هُوَ بَلاَءٌ وَ فِتْنَةٌ وَ حَزَنَكَ وَ هُوَ ثَوَابٌ وَ رَحْمَةٌ قد روي هذا الكلام عنه ع على وجوه مختلفة و روايات متنوعة هذا الوجه أحدها و أخذ أبو العتاهية ألفاظه ع فقال لمن يعزيه عن ولد:
و لا بد من جريان القضاء |
إما مثابا و إما أثيما |
و من كلامهم في التعازي إذا استأثر الله بشيء فاله عنه و تنسب هذه الكلمة إلى عمر بن عبد العزيز.و ذكر أبو العباس في الكامل أن عقبة بن عياض بن تميم أحد بني عامر بن لؤي استشهد فعزى أباه معز فقال احتسبه و لا تجزع عليه فقد مات شهيدا فقال عياض أ تراني كنت أسر به و هو من زينة الحياة الدنيا و أساء به و هو من الباقيات الصالحات.
و هذا الكلام مأخوذ من كلام أمير المؤمنين ع.و من التعازي الجيدة قول القائل:
و من لم يزل غرضا للمنون |
يتركه كل يوم عميدا |
|
فإن هن أخطأنه مرة |
فيوشك مخطئها أن يعودا |
|
فبينا يحيد و أخطأنه |
قصدن فأعجلنه أن يحيدا |
و قال آخر:
هو الدهر قد جربته و عرفته |
فصبرا على مكروهه و تجلدا |
|
و ما الناس إلا سابق ثم لاحق |
و فائت موت سوف يلحقه غدا |
و قال آخر:
أينا قدمت صروف الليالي |
فالذي أخرت سريع اللحاق |
|
غدرات الأيام منتزعات |
عنقينا من أنس هذا العناق |
ابن نباتة السعدي:
نعلل بالدواء إذا مرضنا |
و هل يشفي من الموت الدواء |
|
و نختار الطبيب و هل طبيب |
يؤخر ما يقدمه القضاء |
|
و ما أنفاسنا إلا حساب |
و ما حركاتنا إلا فناء |
البحتري:
إن الرزية في الفقيد فإن هفا |
جزع بلبك فالرزية فيكا |
|
و متى وجدت الناس إلا تاركا |
لحميمه في الترب أو متروكا |
|
لو ينجلي لك ذخرها من نكبة |
جلل لأضحكك الذي يبكيكا |
و كتب بعضهم إلى صديق له مات ابنه كيف شكرك لله تعالى على ما أخذ من وديعته و عوض من مثوبته.و عزى عمر بن الخطاب أبا بكر عن طفل فقال عوضك الله منه ما عوضه منك فإن الطفل يعوض من أبويه الجنة.
و في الحديث المرفوع من عزى مصابا كان له مثل أجره.
و قال ع من كنوز السر كتمان المصائب و كتمان الأمراض و كتمان الصدقة و قال شاعر في رثاء ولده:
و سميته يحيى ليحيا و لم يكن |
إلى رد أمر الله فيه سبيل |
|
تخيرت فيه الفأل حين رزقته |
و لم أدر أن الفأل فيه يفيل |
و قال آخر:
و هون وجدي بعد فقدك أنني |
إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه |
آخر:
و قد كنت أرجو لو تمليت عيشة |
عليك الليالي مرها و انتقالها |
|
فأما و قد أصبحت في قبضة الردى |
فقل لليالي فلتصب من بدا لها |
أخذه المتنبئ فقال:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري |
فاليوم كل عزيز بعدكم هانا |
و مثله لغيره:
فراقك كنت أخشى فافترقنا |
فمن فارقت بعدك لا أبالي |
298
وَ قَالَ ع عِنْدَ وقُوُفِهِ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اَللَّهِ ص سَاعَةَ دَفْنِهِ دُفِنَ رَسُولُ اَللَّهِ ص إِنَّ اَلصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلاَّ عَنْكَ وَ إِنَّ اَلْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلاَّ عَلَيْكَ وَ إِنَّ اَلْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ وَ إِنَّهُ قَبْلَكَ وَ بَعْدَكَ لَجَلَلٌ لَقَلِيلٌ قد أخذت هذا المعنى الشعراء فقال بعضهم:
أمست بجفني للدموع كلوم |
حزنا عليك و في الخدود رسوم |
|
و الصبر يحمد في المواطن كلها |
إلا عليك فإنه مذموم |
و قال أبو تمام:
و قد كان يدعى لابس الصبر حازما |
فقد صار يدعى حازما حين يجزع |
و قال أبو الطيب:
أجد الجفاء على سواك مروءة |
و الصبر إلا في نواك جميلا |
و قال أبو تمام أيضا:
الصبر أجمل غير أن تلذذا |
في الحب أولى أن يكون جميلا |
و قالت خنساء أخت عمرو بن الشريد:
أ لا يا صخر إن أبكيت عيني |
لقد أضحكتني دهرا طويلا |
|
بكيتك في نساء معولات |
و كنت أحق من أبدى العويلا |
|
دفعت بك الجليل و أنت حي |
فمن ذا يدفع الخطب الجليلا |
|
إذا قبح البكاء على قتيل |
رأيت بكاءك الحسن الجميلا |
و مثل قوله ع و إنه بعدك لقليل يعني المصاب أي لا مبالاة بالمصائب بعد المصيبة بك قول بعضهم:
قد قلت للموت حين نازله |
و الموت مقدامة على البهم |
|
اذهب بمن شئت إذ ظفرت به |
ما بعد يحيى للموت من ألم |
و قال الشمردل اليروعي يرثي أخاه:
إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا |
فحياك عنا شرقه و أصائله |
|
أبى الصبر أن العين بعدك لم تزل |
يحالف جفنيها قذى ما تزايله |
|
و كنت أعير الدمع قبلك من بكى |
فأنت على من مات بعدك شاغله |
|
أ عيني إذ أبكاكما الدهر فابكيا |
لمن نصره قد بان عنا و نائله |
|
و كنت به أغشى القتال فعزني |
عليه من المقدار من لا أقاتله |
|
لعمرك إن الموت منا لمولع |
بمن كان يرجى نفعه و فواضله |
قوله فأنت على من مات بعدك شاغله هو المعنى الذي نحن فيه و ذكرنا سائر الأبيات لأنها فائقة بعيدة النظير.
و قال آخر يرثي رجلا اسمه جارية:
أ جاري ما أزداد إلا صبابة |
عليك و ما تزداد إلا تنائيا |
|
أ جاري لو نفس فدت نفس ميت |
فديتك مسرورا بنفسي و ماليا |
|
و قد كنت أرجو أن أراك حقيقة |
فحال قضاء الله دون قضائيا |
|
ألا فليمت من شاء بعدك إنما |
عليك من الأقدار كان حذاريا |
و من الشعر المنسوب إلى علي ع و يقال إنه قاله يوم مات رسول الله ص:
كنت السواد لناظري |
فبكى عليك الناظر |
|
من شاء بعدك فليمت |
فعليك كنت أحاذر |
و من شعر الحماسة:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض |
فحسبك مني ما تجن الجوانح |
|
كأن لم يمت حي سواك و لم تقم |
على أحد إلا عليك النوائح |
|
لئن حسنت فيك المراثي بوصفها |
لقد حسنت من قبل فيك المدائح |
|
فما أنا من رزء و إن جل جازع |
و لا بسرور بعد موتك فارح |
299
وَ قَالَ ع لاَ تَصْحَبِ اَلْمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَ يَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ المائق الشديد الحمق و الموق شدة الحمق و إنما يزين لك فعله لأنه يعتقد فعله صوابا بحمقه فيزينه لك كما يزين العاقل لصاحبه فعله لاعتقاد كونه صوابا و لكن هذا صواب في نفس الأمر و ذلك صواب في اعتقاد المائق لا في نفس الأمر و أما كونه يود أن تكون مثله فليس معناه أنه يود أن تكون أحمق مثله و كيف و هو لا يعلم من نفسه أنه أحمق و لو علم أنه أحمق لما كان أحمق و إنما معناه أنه لحبه لك و صحبته إياك يود أن تكون مثله لأن كل أحد يود أن يكون صديقه مثل نفسه في أخلاقه و أفعاله إذ كل أحد يعتقد صواب أفعاله و طهارة أخلاقه و لا يشعر بعيب نفسه لأنه يهوى نفسه فعيب نفسه مطوى مستور عن نفسه كما تخفى عن العاشق عيوب المعشوق
300
وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ فَقَالَ ع مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ هكذا تقول العرب بينهما مسيرة يوم بالهاء و لا يقولون مسير يوم لأن المسير المصدر و المسيرة الاسم.و هذا الجواب تسميه الحكماء جوابا إقناعيا لأن السائل أراد أن يذكر له كمية المسافة مفصلة نحو أن يقول بينهما ألف فرسخ أو أكثر أو أقل فعدل ع عن ذلك و أجابه بغيره و هو جواب صحيح لا ريب فيه لكنه غير شاف لغليل السائل و تحته غرض صحيح و ذلك لأنه سأله بحضور العامة تحت المنبر فلو قال له بينهما ألف فرسخ مثلا لكان للسائل أن يطالبه بالدلالة على ذلك و الدلالة على ذلك يشق حصولها على البديهة و لو حصلت لشق عليه أن يوصلها إلى فهم السائل و لو فهمها السائل لما فهمتها العامة الحاضرون و لصار فيها قول و خلاف و كانت تكون فتنة أو شبيها بالفتنة فعدل إلى جواب صحيح إجمالي أسكت السائل به و قنع به السامعون أيضا و استحسنوه و هذا من نتائج حكمته ع
301
وَ قَالَ ع أَصْدِقَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ وَ أَعْدَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ فَأَصْدِقَاؤُكَ صَدِيقُكَ وَ صَدِيقُ صَدِيقِكَ وَ عَدُوُّ عَدُوِّكَ وَ أَعْدَاؤُكَ عَدُوُّكَ وَ عَدُوُّ صَدِيقِكَ وَ صَدِيقُ عَدُوِّكَ قد تقدم القول في هذا المعنى و الأصل في هذا أن صديقك جار مجرى نفسك فاحكم عليه بما تحكم به على نفسك و عدوك ضدك فاحكم عليه بما تحكم به على الضد فكما أن من عاداك عدو لك و كذلك من عادى صديقك عدو لك و كذلك من صادق صديقك فكأنما صادق نفسك فكان صديقا لك أيضا و أما عدو عدوك فضد ضدك و ضد ضدك ملائم لك لأنك أنت ضد لذلك الضد فقد اشتركتما في ضديه ذلك الشخص فكنتما متناسبين و أما من صادق عدوك فقد ماثل ضدك فكان ضدا لك أيضا و مثل ذلك بياض مخصوص يعادي سوادا مخصوصا و يضاده.و هناك بياض ثان هو مثل البياض الأول و صديقه و هناك بياض ثالث مثل البياض الثاني فيكون أيضا مثل البياض الأول و صديقه و هناك بياض
رابع تأخذه باعتبار ضدا للسواد المخصوص المفروض فإنه يكون مماثلا و صديقا للبياض الأول لأنه عدو عدوه ثم نفرض سوادا ثانيا مضادا للبياض الثاني فهو عدو للبياض الأول لأنه عدو صديقه ثم نفرض سوادا ثالثا هو مماثل السواد المخصوص المفروض فإنه يكون ضدا للبياض المفروض المخصوص لأنه مثل ضده و إن مثلت ذلك بالحروف كان أظهر و أكشف
302
وَ قَالَ ع لِرَجُلٍ رَآهُ يَسْعَى عَلَى عَدُوٍّ لَهُ بِمَا فِيهِ إِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ هذا يختلف باختلاف حال الساعي فإنه إن كان يضر نفسه أولا ثم يضر عدوه تبعا لإضراره بنفسه كان كما قال أمير المؤمنين ع كالطاعن نفسه ليقتل ردفه و الردف الرجل الذي ترتدفه خلفك على فرس أو ناقة أو غيرهما و فاعل ذلك يكون أسفه الخلق و أقلهم عقلا لأنه يبدأ بقتل نفسه و إن كان يضر عدوه أولا يحصل في ضمن إضراره بعدوه إضراره بنفسه فليس يكون مثال أمير المؤمنين ع منطبقا على ذلك و لكن يكون كقولي في غزل من قصيدة لي:
إن ترم قلبي تصم نفسك إنه |
لك موطن تأوي إليه و منزل |
303
وَ قَالَ ع مَا أَكْثَرَ اَلْعِبَرَ وَ أَقَلَّ اَلاِعْتِبَارَ ما أوجز هذه الكلمة و ما أعظم فائدتها و لا ريب أن العبر كثيرة جدا بل كل شيء في الوجود ففيه عبرة و لا ريب أن المعتبرين بها قليلون و أن الناس قد غلب عليهم الجهل و الهوى و أرداهم حب الدنيا و أسكرهم خمرها و إن اليقين في الأصل ضعيف عندهم و لو لا ضعفه لكانت أحوالهم غير هذه الأحوال
304
وَ قَالَ ع مَنْ بَالَغَ فِي اَلْخُصُومَةِ أَثِمَ وَ مَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظَلَمَ وَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اَللَّهَ مَنْ خَاصَمَ هذا مثل
قوله ع في موضع آخر الغالب بالشر مغلوب و كان يقال ما تساب اثنان إلا غلب ألأمهما.و قد نهى العلماء عن الجدل و الخصومة في الكلام و الفقه و قالوا إنهما مظنة المباهاة و طلب الرئاسة و الغلبة و المجادل يكره أن يقهره خصمه فلا يستطيع أن يتقي الله و هذا هو كلام أمير المؤمنين ع بعينه.و أما الخصومة في غير العلم كمنازعة الناس بعضهم بعضا في أمورهم الدنياوية فقد جاء في ذمها و النهي عنها شيء كثير و قد ذكرنا منه فيما تقدم قولا كافيا على أن منهم من مدح الجهل و الشر في موضعهما.و قال الأحنف ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا.و قال بعض الحكماء لا يخرجن أحد من بيته إلا و قد أخذ في حجزته قيراطين من جهل فإن الجاهل لا يدفعه إلا الجهل و قالوا الجاهل من لا جاهل له.و قال الشاعر:
إذا كنت بين الجهل و الحلم قاعدا |
و خيرت أنى شئت فالعلم أفضل |
|
و لكن إذا أنصفت من ليس منصفا |
و لم يرض منك الحلم فالجهل أمثل |
|
إذا جاءني من يطلب الجهل عامدا |
فإني سأعطيه الذي هو سائل |
305
وَ قَالَ ع مَا أَهَمَّنِي أَمْرٌ ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَ أَسْأَلَ اَللَّهَ اَلْعَافِيَةَ هذا فتح لباب التوبة و تطريق إلى طريقها و تعليم للنهضة إليها و الاهتمام بها و معنى الكلام أن الذنب الذي لا يعاجل الإنسان عقيبه بالموت ينبغي للإنسان ألا يهتم به أي لا ينقطع رجاؤه عن العفو و تأميله الغفران و ذلك بأن يقوم إلى الصلاة عاجلا و يستغفر الله و يندم و يعزم على ترك المعاودة و يسأل الله العافية من الذنوب و العصمة من المعاصي و العون على الطاعة فإنه إذا فعل ذلك بنية صحيحة و استوفى شرائط التوبة سقط عنه عقاب ذلك الذنب.و في هذا الكلام تحذير عظيم من مواقعة الذنوب لأنه إذا كان هذا هو محصول الكلام فكأنه قد قال الحذر الحذر من الموت المفاجئ قبل التوبة و لا ريب أن الإنسان ليس على ثقة من الموت المفاجئ قبل التوبة إنه لا يفاجئه و لا يأخذه بغتة فالإنسان إذا كان عاقلا بصيرا يتوقى الذنوب و المعاصي التوقي
306
وَ سُئِلَ ع كَيْفَ يُحَاسِبُ اَللَّهُ اَلْخَلْقَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ فَقَالَ ع كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ فَقِيلَ كَيْفَ يُحَاسِبُهُمْ وَ لاَ يَرَوْنَهُ فَقَالَ ع كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَ لاَ يَرَوْنَهُ هذا جواب صحيح لأنه تعالى لا يرزقهم على الترتيب أعني واحدا بعد واحد و إنما يرزقهم جميعهم دفعة واحدة و كذلك تكون محاسبتهم يوم القيامة.و الجواب الثاني صحيح أيضا لأنه إذا صح أن يرزقنا و لا نرى الرازق صح أن يحاسبنا و لا نرى المحاسب.فإن قلت فقد ورد أنهم يمكثون في الحساب ألف سنة و قيل أكثر من ذلك فكيف يجمع بين ما ورد في الخبر و بين قولكم إن حسابهم يكون ضربة واحدة و لا ريب أن الأخبار تدل على أن الحساب يكون لواحد بعد واحد.قلت إن أخبار الآحاد لا يعمل عليها لا سيما الأخبار الواردة في حديث الحساب و النار و الجنة فإن المحدثين طعنوا في أكثرها و قالوا إنها موضوعة و جملة الأمر أنه ليس هناك تكليف فيقال إن ترتيب المحاسبة في زمان طويل جدا يتضمن لطفا في التكليف فيفعله الباري تعالى لذلك و إنما الغرض من المحاسبة صدق الوعد و ما سبق من القول و الكتاب العزيز لم ينطق إلا بالمحاسبة مجملة فوجب القول بالمتيقن المعلوم فيها و رفض ما لم يثبت
307
وَ قَالَ ع رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ وَ كِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ قالوا في المثل الرسول على قدر المرسل و قيل أيضا رسولك أنت إلا أنه إنسان آخر و قال الشاعر:
تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا |
فمبلغ آراء الرجال رسولها |
|
و رو و فكر في الكتاب فإنما |
بأطراف أقلام الرجال عقولها |
308
وَ قَالَ ع مَا اَلْمُبْتَلَى اَلَّذِي قَدِ اِشْتَدَّ بِهِ اَلْبَلاَءُ بِأَحْوَجَ إِلَى اَلدُّعَاءِ مِنَ اَلْمُعَافَى اَلَّذِي لاَ يَأْمَنُ اَلْبَلاَءَ هذا ترغيب في الدعاء و الذي قاله ع حق لأن المعافى في الصورة مبتلى في المعنى و ما دام الإنسان في قيد هذه الحياة الدنيا فهو من أهل البلاء على الحقيقة ثم لا يأمن البلاء الحسي فوجب أن يتضرع إلى الله تعالى أنه ينقذه من بلاء الدنيا المعنوي و من بلائها الحسي في كل حال و لا ريب أن الأدعية مؤثرة و أن لها أوقات إجابة و لم يختلف المليون و الحكماء في ذلك
309
وَ قَالَ ع اَلنَّاسُ أَبْنَاءُ اَلدُّنْيَا وَ لاَ يُلاَمُ اَلرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ قد
قال ع في موضع آخر الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم و قال الشاعر:
و نحن بني الدنيا غذينا بدرها |
و ما كنت منه فهو شيء محبب |
310
وَ قَالَ ع إِنَّ اَلْمِسْكِينَ رَسُولُ اَللَّهِ فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اَللَّهَ وَ مَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى اَللَّهَ هذا حض على الصدقة و قد تقدم لنا قول مقنع فيها.
و في الحديث المرفوع اتقوا النار و لو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة.
و قال ص لو صدق السائل لما أفلح من رده.
و قال أيضا من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام.و كان ص لا يكل خصلتين إلى غيره كان يصنع طهوره بالليل و يخمره و كان يناول المسكين بيده.و قال بعض الصالحين من لم تكن نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته و ضرب بها وجهه.و قال بعضهم الصلاة تبلغك نصف الطريق و الصوم يبلغك باب الملك و الصدقة تدخلك عليه.
311
وَ قَالَ ع مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ
قد جاء في الأثر من زنى زني به و لو في عقب عقبه.و هذا قد جرب فوجد حقا و قل من ترى مقداما على الزنا إلا و القول في حرمه و أهله و ذوي محارمه كثير فاش.و الكلمة التي قالها ع حق لأن من اعتاد الزنا حتى صار دربته و عادته و ألفته نفسه لا بد أن يهون عليه حتى يظنه مباحا أو كالمباح لأن من تدرب بشيء و مرن عليه زال قبحه من نفسه و إذا زال قبح الزنا من نفسه لم يعظم عليه ما يقال في أهله و إذا لم يعظم عليه ما يقال في أهله فقد سقطت غيرته
312
وَ قَالَ ع كَفَى بِالْأَجَلِ حَارِساً قد تقدم القول في هذا المعنى
و كان ع يقول إن علي من الله جنة حصينة فإذا جاء يومي أسلمتني فحينئذ لا يطيش السهم و لا يبرأ الكلم و القول في الأجل و كونه حارسا شعبة من شعب القول في القضاء و القدر و له موضع هو أملك به
313
وَ قَالَ ع يَنَامُ اَلرَّجُلُ عَلَى اَلثُّكْلِ وَ لاَ يَنَامُ عَلَى اَلْحَرَبِ قال السيد و معنى ذلك أنه يصبر على قتل الأولاد و لا يصبر على سلب الأموال كان يقال المال عدل النفس.
و في الأثر أن من قتل من دون ماله فهو شهيد و قال الشاعر:
لنا إبل غر يضيق فضاؤها |
و يغبر عنها أرضها و سماؤها |
|
فمن دونها أن تستباح دماؤنا |
و من دوننا أن تستباح دماؤها |
|
حمى و قرى فالموت دون مرامها |
و أيسر أمر يوم حق فناؤها |
314
وَ قَالَ ع مَوَدَّةُ اَلآْبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ اَلْأَبْنَاءِ وَ اَلْقَرَابَةُ إِلَى اَلْمَوَدَّةِ أَحْوَجُ إِلَى اَلْمَوَدَّةِ مِنَ اَلْمَوَدَّةِ إِلَى اَلْقَرَابَةِ كان يقال الحب يتوارث و البغض يتوارث و قال الشاعر:
أبقى الضغائن آباء لنا سلفوا |
فلن تبيد و للآباء أبناء |
و لا خير في القرابة من دون مودة و قد قال القائل لما قيل له أيما أحب إليك أخوك أم صديقك فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا فالقربى محتاجة إلى المودة و المودة مستغنية عن القربى
315
وَ قَالَ ع اِتَّقُوا ظُنُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ اَلْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ كان يقال ظن المؤمن كهانة و هو أثر جاء عن بعض السلف قال أوس بن حجر:
الألمعي الذي يظن بك الظن |
كأن قد رأى و قد سمعا |
و قال أبو الطيب:
ذكي تظنيه طليعة عينه |
يرى قلبه في يومه ما يرى غدا |
316
وَ قَالَ ع لاَ يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ هذا كلام في التوكل و قد سبق القول فيه و قال بعض العلماء لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل فتضيع أمر آخرتك و لا تنال من الدنيا إلا ما كتب الله لك.و قال يحيى بن معاذ في جود العبد الرزق عن غير طلب دلالة على أن الرزق مأمور بطلب العبد.و قال بعضهم متى رضيت بالله وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا
317
وَ قَالَ ع لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَ قَدْ كَانَ بَعَثَهُ إِلَى طَلْحَةَ وَ اَلزُّبَيْرِ لَمَّا جَاءَ إِلَى اَلْبَصْرَةِ يُذَكِّرُهُمَا شَيْئاً مِمَّا قَدْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص فِي مَعْنَاهُمَا فَلَوَى عَنْ ذَلِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أُنْسِيتُ ذَلِكَ اَلْأَمْرَ فَقَالَ ع إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اَللَّهُ بِهَا بَيْضَاءَ لاَمِعَةً لاَ تُوَارِيهَا اَلْعِمَامَةُ قال يعني البرص فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يرى إلا متبرقعا المشهور
أن عليا ع ناشد الناس الله في الرحبة بالكوفة فقال أنشدكم الله رجلا سمع رسول الله ص يقول لي و هو منصرف من حجة الوداع من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه فقام رجال فشهدوا بذلك فقال ع لأنس بن مالك لقد حضرتها فما بالك فقال يا أمير المؤمنين كبرت سني و صار ما أنساه أكثر مما أذكره فقال له إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة فما مات حتى أصابه البرص فأما ما ذكره الرضي من أنه بعث أنسا إلى طلحة و الزبير فغير معروف و لو كان قد بعثه ليذكرهما بكلام يختص بهما من رسول الله ص لما أمكنه أن
يرجع فيقول إني أنسيته لأنه ما فارقه متوجها نحوهما إلا و قد أقر بمعرفته و ذكره فكيف يرجع بعد ساعة أو يوم فيقول إني أنسيته فينكر بعد الإقرار هذا مما لا يقع.و قد ذكر ابن قتيبة حديث البرص و الدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين ع على أنس بن مالك في كتاب المعارف في باب البرص من أعيان الرجال و ابن قتيبة غير متهم في حق علي ع على المشهور من انحرافه عنه
318
وَ قَالَ ع إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَ إِدْبَاراً فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى اَلنَّوَافِلِ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى اَلْفَرَائِضِ لا ريب أن القلوب تمل كما تمل الأبدان و تقبل تارة على العلم و على العمل و تدبر تارة عنهما.قال علي ع فإذا رأيتموها مقبلة أي قد نشطت و ارتاحت للعمل فاحملوها على النوافل ليس يعني اقتصروا بها على النافلة بل أدوا الفريضة و تنفلوا بعد ذلك و إذا رأيتموها قد ملت العمل و سئمت فاقتصروا بها على الفرائض فإنه لا انتفاع بعمل لا يحضر القلب فيه
319
وَ قَالَ ع فِي اَلْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ حُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هذا حق لأن فيه أخبار القرون الماضية و فيه أخبار كثيرة عن أمور مستقبلة و فيه أخبار كثيرة شرعية فالأقسام الثلاثة كلها موجودة فيه
320
وَ قَالَ ع رُدُّوا اَلْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ فَإِنَّ اَلشَّرَّ لاَ يَدْفَعُهُ إِلاَّ اَلشَّرُّ هذا مثل قولهم في المثل إن الحديد بالحديد يفلح و قال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا |
فنجهل فوق جهل الجاهلينا |
و قال الفند الزماني:
فلما صرح الشر |
فأمسى و هو عريان |
|
و لم يبق سوى العدوان |
دناهم كما دانوا |
|
و بعض الحلم عند الجهل |
للذلة إذعان |
|
و في الشر نجاة حين |
لا ينجيك إحسان |
و قال الأحنف:
و ذي ضعن أمت القول عنه |
بحلمي فاستمر على المقال |
|
و من يحلم و ليس له سفيه |
يلاق المعضلات من الرجال |
و قال الراجز:
لا بد للسؤدد من أرماح |
و من عديد يتقي بالراح |
و من سفيه دائم النباح
و قال آخر:
و لا يلبث الجهال أن يتهضموا |
أخا الحلم ما لم يستعن بجهول |
و قال آخر:
و لا أتمنى الشر و الشر تاركي |
و لكن متى أحمل على الشر أركب |
321
وَ قَالَ ع لِكَاتِبِهِ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ أَلِقْ دَوَاتَكَ وَ أَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ وَ فَرِّجْ بَيْنَ اَلسُّطُورِ وَ قَرْمِطْ بَيْنَ اَلْحُرُوفِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ اَلْخَطِّ لاق الحبر بالكاغد يليق أي التصق و لقته أنا يتعدى و لا يتعدى و هذه دواة مليقة أي قد أصلح مدادها و جاء ألق الدواة إلاقة فهي مليقة و هي لغة قليلة و عليها وردت كلمة أمير المؤمنين ع.و يقال للمرأة إذا لم تحظ عند زوجها ما عاقت عند زوجها و لا لاقت أي ما التصقت بقلبه.و تقول هي جلفة القلم بالكسر و أصل الجلف القشر جلفت الطين من رأس الدن و الجلفة هيئة فتحة القلم التي يستمد بها المداد كما تقول هو حسن الركبة و الجلسة و نحو ذلك من الهيئات.و تقول قد قرمط فلان خطوه إذا مشى مشيا فيه ضيق و تقارب و كذلك القول في تضييق الحروف.فأما التفريج بين السطور فيكسب الخط بهاء و وضوحا
322
وَ قَالَ ع أَنَا يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَالُ يَعْسُوبُ اَلْفُجَّارِ قال معنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني و الفجار يتبعون المال كما تتبع النحل يعسوبها و هو رئيسها هذه كلمة قالها رسول الله ص بلفظين مختلفين تارة أنت يعسوب الدين و تارة أنت يعسوب المؤمنين و الكل راجع إلى معنى واحد كأنه جعله رئيس المؤمنين و سيدهم أو جعل الدين يتبعه و يقفو أثره حيث سلك كما يتبع النحل اليعسوب و هذا نحو قوله و أدر الحق معه كيف دار
323
وَ قَالَ لَهُ بَعْضُ اَلْيَهُودِ لِبَعْضِ اَلْيَهُودِ حِينَ قَالَ لَهُ مَا دَفَنْتُمْ نَبِيَّكُمْ حَتَّى اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقَالَ ع لَهُ إِنَّمَا اِخْتَلَفْنَا عَنْهُ لاَ فِيهِ وَ لَكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ اَلْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ما أحسن قوله اختلفنا عنه لا فيه و ذلك لأن الاختلاف لم يكن في التوحيد و النبوة بل في فروع خارجة عن ذلك نحو الإمامة و الميراث و الخلاف في الزكاة هل هي واجبة أم لا و اليهود لم يختلفوا كذلك بل في التوحيد الذي هو الأصل.قال المفسرون مروا على قوم يعبدون أصناما لهم على هيئة البقر فسألوا موسى أن يجعل لهم إلها كواحد منها بعد مشاهدتهم الآيات و الأعلام و خلاصهم من رق العبودية و عبورهم البحر و مشاهدة غرق فرعون و هذه غاية الجهل و قد روي حديث اليهودي على وجه آخر
قيل قال يهودي لعلي ع اختلفتم بعد نبيكم و لم يجف ماؤه يعني غسله ص فقال ع و أنتم قلتم اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ و لما يجف ماؤكم
324
وَ قِيلَ لَهُ ع بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ اَلْأَقْرَانَ فَقَالَ ع قَالَ مَا لَقِيتُ رَجُلاً أَحَداً إِلاَّ أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِهِ قال الرضيرحمهالله تعالى يومئ بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب قالت الحكماء الوهم مؤثر و هذا حق لأن المريض إذا تقرر في وهمه أن مرضه قاتل له ربما هلك بالوهم و كذلك من تلسبه الحية و يقع في خياله أنها قاتلته فإنه لا يكاد يسلم منها و قد ضربوا لذلك مثالا الماشي على جذع معترض على مهواة فإن وهمه و تخيله السقوط يقتضي سقوطه و إلا فمشيه عليه و هو منصوب على المهواة كمشيه عليه و هو ملقى على الأرض لا فرق بينهما إلا الوهم و الخوف و الإشفاق و الحذر فكذلك الذين بارزوا عليا ع من الأقران لما كان قد طار صيته و اجتمعت الكلمة أنه ما بارزه أحد إلا كان المقتول غلب الوهم عليهم فقصرت أنفسهم عن مقاومته و انخذلت أيديهم و جوارحهم عن مناهضته و كان هو في الغاية القصوى من الشجاعة و الإقدام فيقتحم عليهم و يقتلهم
325
وَ قَالَ ع لاِبنْهِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحَنَفِيَّةِ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ اَلْفَقْرَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَإِنَّ اَلْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ
هذا موضع قد اختلف الناس فيه كثيرا ففضل قوم الغنى و فضل قوم الفقر فقال أصحاب الغنى قد وصف الله تعالى المال فسماه خيرا فقال( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ) و قال ممتنا على عباده واعدا لهم بالإنعام و الإحسان( وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ ) و قال( وَ جَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً ) .وقال النبي ص المال الحسب إن أحساب أهل الدنيا هذا المال وقال ع نعم العون على تقوى الله المال.
قالوا و لا ريب أن الأعمال الجليلة العظيمة الثواب لا يتهيأ حصولها إلا بالمال كالحج و الوقوف و الصدقات و الزكوات و الجهاد.
و قد جاء في الخبر خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة.و قالت الحكماء المال يرفع صاحبه و إن كان وضيع النسب قليل الأدب و ينصره و إن كان جبانا و يبسط لسانه و إن كان عيا به توصل الأرحام و تصان الأعراض و تظهر المروءة و تتم الرئاسة و يعمر العالم و تبلغ الأغراض و تدرك المطالب و تنال المآرب يصلك إذا قطعك الناس و ينصرك إذا خذلوك و يستعبد لك الأحرار و لو لا المال لما بان كرم الكريم و لا ظهر لؤم اللئيم و لا شكر جواد و لا ذم بخيل و لا صين حريم و لا أدرك نعيم.و قال الشاعر:
المال أنفع للفتى من علمه |
و الفقر أقتل للفتى من جهله |
|
ما ضر من رفع الدراهم قدره |
جهل يناط إلى دناءة أصله |
و قال آخر:
دعوت أخي فولى مشمئزا |
و لبى درهمي لما دعوت |
و قال آخر:
و لم أر أوفى ذمة من دراهمي |
و أصدق عهدا في الأمور العظائم |
|
فكم خانني خل وثقت بعهده |
و كان صديقا لي زمان الدراهم |
و قال آخر:
أبو الأصفر المنقوش أنفع للفتى |
من الأصل و العلم الخطير المقدم |
أحــــــــــــــــب |
أحــــــــــــــــب |
و ما مدح العلم امرؤ ظفرت به
يداه و لكن كل مقو و معدم
و قال الشاعر:
أحــــــــــــــــب |
أحــــــــــــــــب |
و لم أر بعد الدين خيرا من الغنى
و لم أر بعد الكفر شرا من الفقر
و قال العتابي الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس و هو عندهم أرفع من السماء و أعذب من الماء و أحلى من الشهد و أزكى من الورد خطؤه صواب و سيئته حسنة و قوله مقبول يغشى مجلسه و لا يمل حديثه و المفلس عندهم أكذب من لمعان السراب و من رؤيا الكظة و من مرآة اللقوة و من سحاب تموز لا يسأل عنه إن غاب و لا يسلم عليه إذا قدم إن غاب شتموه و إن حضر طردوه مصافحته تنقض الوضوء و قراءته تقطع الصلاة أثقل من الأمانة و أبغض من السائل المبرم.و قال بعض الشعراء الظرفاء و أحسن كل الإحسان مع خلاعته:
أصون دراهمي و أذب عنها |
لعلمي أنها سيفي و ترسي |
|
و أذخرها و أجمعها بجهدي |
و يأخذ وارثي منها و عرسي |
|
فيأكلها و يشربها هنيئا |
على النغمات من نقر و جس |
|
و يقعد فوق قبري بعد موتي |
و لا يتصدقن عني بفلس |
|
أحب إلي من قصدي عظيما |
كبيرا أصله من عبد شمس |
|
أمد إليه كفي مستميحا |
و أصبح عبد خدمته و أمسي |
|
و يتركني أجر الرجل مني |
و قد صارت كنفس الكلب نفسي |
و قال أصحاب الفقر الغنى سبب الطغيان قال الله تعالى( كَلاَّ إِنَّ اَلْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى ) و قال تعالى( وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى اَلْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى بِجانِبِهِ ) و كان يقال الغنى يورث البطر و غنى النفس خير من غنى المال.و قال محمود البقال:
الفقر خير فاتسع و اقتصد |
إن من العصمة ألا تجد |
|
كم واجد أطلق وجدانه |
عنانه في بعض ما لم يرد |
|
و مدمن للخمر غاد على |
سماع عود و غناء غرد |
|
لو لم يجد خمرا و لا مسمعا |
يرد بالماء غليل الكبد |
|
كم من يد للفقر عند امرئ |
طأطأ منه الفقر حتى اقتصد |
و كان يقال الفقر شعار الصالحين و الفقر لباس الأنبياء و لذلك قال البحتري:
فقر كفقر الأنبياء و غربة |
و صبابة ليس البلاء بواحد |
و كان يقال الفقر مخف و الغني مثقل.
و في الخبر نجا المخفون و ما أحسن قول أبي العتاهية:
أ لم تر أن الفقر يرجى له الغنى |
و أن الغنى يخشى عليه من الفقر |
و قد ذم الله تعالى المال فقال( إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) .
و كان يقال المال ملول المال ميال المال غاد و رائح طبع المال كطبع الصبي لا يوقف على وقت رضاه و لا وقت سخطه المال لا ينفعك حتى يفارقك و إلى هذا المعنى نظر القائل:
و صاحب صدق ليس ينفع قربه |
و لا وده حتى تفارقه عمدا |
يعني الدينار.و ما أحسن ما قاله الأول:
و قد يهلك الإنسان حسن رياشه |
كما يذبح الطاوس من أجل ريشه |
و قال آخر:
رويدك إن المال يهلك ربه |
إذا جم و استعلى و سد طريقه |
|
و من جاوز الماء الغزير فمجه |
و سد طريق الماء فهو غريقه |
326
وَ قَالَ ع لِسَائِلٍ سَأَلَهُ عَنْ مُعْضِلَةٍ مَسْأَلَةٍ سَلْ تَفَقُّهاً وَ لاَ تَسْأَلْ تَعَنُّتاً فَإِنَّ اَلْجَاهِلَ اَلْمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ وَ إِنَّ اَلْعَالِمَ اَلْمُتَعَسِّفَ اَلْمُتَعَنِّتَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ اَلْمُتَعَنِّتِ قد ورد نهي كثير عن السؤال على طريق الإعنات.
و قال أمير المؤمنين ع في كلام له من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال و لا تعنته في الجواب و لا تضع له غامضات المسائل و لا تلح عليه إذا كسل و لا تأخذ بثوبه إذا نهض و لا تفش له سرا و لا تغتابن عنده أحدا و لا تنقلن إليه حديثا و لا تطلبن عثرته و إن زل قبلت معذرته و عليك أن توقره و تعظمه لله ما دام حافظا أمر الله و لا تجلس أمامه و إذا كانت له حاجة فاسبق أصحابك إلى خدمته.و قال ابن سيرين لسائل سأله سل أخاك إبليس إنك لن تسأل و أنت طالب رشد.و قالوا اللهم إنا نعوذ بك أن تعنت كما نعوذ بك أن نعنت و نستكفيك أن تفضح كما نستكفيك أن نفضح.و قالوا إذا آنس المعلم من التلميذ سؤال التعنت حرم عليه تعليمه
327
وَ قَالَ ع لِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِرضياللهعنه وَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يُوَافِقْ رَأْيَهُ لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وَ أَرَى فَإِنْ فَإِذَا عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي الإمام أفضل من الرعية رأيا و تدبيرا فالواجب على من يشير عليه بأمر فلا يقبل أن يطيع و يسلم و يعلم أن الإمام قد عرف من المصلحة ما لم يعرف.و لقد أحسن الصابي في قوله في بعض رسائله و لو لا فضل الرعاة على الرعايا في بعد مطرح النظرة و استشفاف عيب العاقبة لتساوت الأقدام و تقاربت الأفهام و استغنى المأموم عن الإمام
328
وَ رُوِيَ : أَنَّهُ ع لَمَّا وَرَدَ اَلْكُوفَةَ قَادِماً مِنْ صِفِّينَ مَرَّ بِالشِّبَامِيِّينَ فَسَمِعَ بُكَاءَ اَلنِّسَاءِ عَلَى قَتْلَى صِفِّينَ وَ خَرَجَ إِلَيْهِ حَرْبُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الشِّبَامِيِّ وَ كَانَ مِنْ وُجُوهِ قَوْمِهِ فَقَالَ ع لَهُ أَ تَغْلِبُكُمْ يَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أَسْمَعُ أَ لاَ تَنْهَوْنَهُنَّ عَنْ هَذَا اَلرَّنِينِ وَ أَقْبَلَ حَرْبٌ يَمْشِي مَعَهُ وَ هُوَ ع رَاكِبٌ فَقَالَ لَهُ اِرْجِعْ فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي وَ مَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ قد ذكرنا نسب الشباميين فيما اقتصصناه من أخبار صفين في أول الكتاب.و الرنين الصوت و إنما جعله فتنة للوالي لما يتداخله من العجب بنفسه و الزهو و لا ريب أيضا في أنه مذلة للمؤمن فإن الرجل الماشي إلى ركاب الفارس أذل الناس
329
وَ قَالَ ع وَ قَدْ مَرَّ بِقَتْلَى اَلْخَوَارِجِ يَوْمَ اَلنَّهْرَوَانِ بُؤْساً لَكُمْ لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ فَقِيلَ لَهُ مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ اَلشَّيْطَانُ اَلْمُضِلُّ وَ اَلْأَنْفُسُ اَلنَّفْسُ اَلْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ فَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي فِي اَلْمَعَاصِي وَ وَعَدَتْهُمُ اَلْإِظْهَارَ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ اَلنَّارَ يقال بؤسى لزيد و بؤسا بالتنوين لزيد فبؤسى نظيره نعمى و بؤسا نظيره نعمة ينتصب على المصدر.و هذا الكلام رد على المجبرة و تصريح بأن النفس الأمارة بالسوء هي الفاعلة.و الإظهار مصدر أظهرته على زيد أي جعلته ظاهرا عليه غالبا له أي وعدتهم الانتصار و الظفر
330
وَ قَالَ ع اِتَّقُوا مَعَاصِيَ اَللَّهِ فِي اَلْخَلَوَاتِ فَإِنَّ اَلشَّاهِدَ هُوَ اَلْحَاكِمُ إذا كان الشاهد هو الحاكم استغنى عمن يشهد عنده فالإنسان إذن جدير أن يتقى الله حق تقاته لأنه تعالى الحاكم فيه و هو الشاهد عليه
331
وَ قَالَ ع لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍرضياللهعنه إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ إِلاَّ أَنَّهُمْ نَقَصُوا نُقِصُوا بَغِيضاً وَ نَقَصْنَا نُقِصْنَا حَبِيباً قد تقدم ذكر مقتل محمد بن أبي بكررضياللهعنه و قال ع إن حزننا به في العظم على قدر فرحهم به و لكن وقع التفاوت بيننا و بينهم من وجه آخر و هو أنا نقصنا حبيبا إلينا و أما هم فنقصوا بغيضا إليهم.فإن قلت كيف نقصوا و معلوم أن أهل الشام ما نقصوا بقتل محمد شيئا لأنه ليس في عددهم.قلت لما كان أهل الشام يعدون في كل وقت أعداءهم و بغضاءهم من أهل العراق و صار ذلك العدد معلوما عندهم محصور الكمية نقصوا بقتل محمد من ذلك العدد واحدا فإن النقص ليس من عدد أصحابهم بل من عدد أعدائهم الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر و يتمنون لهم الخطوب و الأحداث كأنه يقول استراحوا من واحد من جملة جماعة كانوا ينتظرون موتهم
332
وَ قَالَ ع : اَلْعُمُرُ اَلَّذِي أَعْذَرَ اَللَّهُ فِيهِ إِلَى اِبْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً أعذر الله فيه أي سوغ لابن آدم أن يعتذر يعني أن ما قبل الستين هي أيام الصبا و الشبيبة و الكهولة و قد يمكن أن يعذر الإنسان فيه على اتباع هوى النفس لغلبة الشهوة و شرة الحداثة فإذا تجاوز الستين دخل في سن الشيخوخة و ذهبت عنه غلواء شرته فلا عذر له في الجهل.و قد قالت الشعراء نحو هذا المعنى في دون هذه السن التي عينها ع.و قال بعضهم:
إذا ما المرء قصر ثم مرت |
عليه الأربعون عن الرجال |
|
و لم يلحق بصالحهم فدعه |
فليس بلاحق أخرى الليالي |
333
وَ قَالَ ع مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ اَلْإِثْمُ بِهِ وَ اَلْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ قد قال ع نحو هذا و ذكرناه في هذا الكتاب
من قصر في الخصومة ظلم و من بالغ فيها أثم
334
وَ قَالَ ع إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ اَلْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ اَلْفُقَرَاءِ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ وَ اَللَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ قد تقدم القول في الصدقة و فضلها و ما جاء فيها و قد ورد
في الأخبار الصحيحة أن أبا ذر قال انتهيت إلى رسول الله ص و هو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال هم الأخسرون و رب الكعبة فقلت من هم قال هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا و هكذا من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و قليل ما هم ما من صاحب إبل و لا بقر و لا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت و أسمنه تنطحه بقرونها و تطأه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي الله بين الناس...
335
وَ قَالَ ع اَلاِسْتِغْنَاءُ عَنِ اَلْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ اَلصِّدْقِ بِهِ روي خير من الصدق و المعنى لا تفعل شيئا تعتذر عنه و إن كنت صادقا في العذر فألا تفعل خير لك و أعز لك من أن تفعل ثم تعتذر و إن كنت صادقا.و من حكم ابن المعتز لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار.و كان يقال إياك أن تقوم في مقام معذرة فرب عذر أسجل بذنب صاحبه.اعتذر رجل إلى يحيى بن خالد فقال له ذنبك يستغيث من عذرك.و من كلامهم ما رأيت عذرا أشبه بذنب من هذا.و من كلامهم أضربه على ذنبه مائة و أضربه على عذره مائتين.قال شاعرهم:
إذا كان وجه العذر ليس بواضح |
فإن اطراح العذر خير من العذر |
كان النخعي يكره أن يعتذر إليه و يقول اسكت معذورا فإن المعاذير يحضرها الكذب
336
وَ قَالَ ع أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَلاَّ تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ لا شبهة أن من القبيح الفاحش أن ينعم الملك على بعض رعيته بمال و عبيد و سلاح فيجعل ذلك المال مادة لعصيانه و الخروج عليه ثم يحاربه بأولئك العبيد و بذلك السلاح بعينه.و ما أحسن ما قال الصابي في رسالته إلى سبكتكين من عز الدولة بختيار و ليت شعري بأي قدم تواقفنا و راياتنا خافقة على رأسك و مماليكنا عن يمينك و شمالك و خيلنا موسومة بأسمائنا تحتك و ثيابنا محوكة في طرازنا على جسدك و سلاحنا المشحوذ لأعدائنا في يدك
337
وَ قَالَ ع إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ اَلطَّاعَةَ غَنِيمَةَ اَلْأَكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ اَلْعَجَزَةِ الأكياس العقلاء أولو الألباب قال ع جعل الله طاعته غنيمة هؤلاء إذا فرط فيها العجزة المخذلون من الناس كصيد استذف لرجلين أحدهما جلد و الآخر عاجز فقعد عنه العاجز لعجزه و حرمانه و اقتنصه الجلد لشهامته و قوة جده
338
وَ قَالَ ع اَلسُّلْطَانُ وَزَعَةُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ الوازع عن الشيء الكاف عنه و المانع منه و الجمع وزعة مثل قاتل و قتلة و قد قيل هذا المعنى كثيرا قالوا لا بد للناس من وزعة.و قيل ما يزع الله عن الدين بالسلطان أكثر مما يزع عنه بالقرآن و تنسب هذه اللفظة إلى عثمان بن عفان.قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم |
و لا سراة إذا جهالهم سادوا |
و كان يقال السلطان القاهر و إن كان ظالما خير للرعية و للملك من السلطان الضعيف و إن كان عادلا.و قال الله سبحانه( وَ لَوْ لا دَفْعُ اَللَّهِ اَلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ ) قالوا في تفسيره أراد السلطان
339
وَ قَالَ ع فِي صِفَةِ اَلْمُؤْمِنِ اَلْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وَ أَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً يَكْرَهُ اَلرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ اَلسُّمْعَةَ طَوِيلٌ غَمُّهُ بَعِيدٌ هَمُّهُ كَثِيرٌ صَمْتُهُ مَشْغُولٌ وَقْتُهُ شَكُورٌ صَبُورٌ مَغْمُورٌ بِفِكْرَتِهِ ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ سَهْلُ اَلْخَلِيقَةِ لَيِّنُ اَلْعَرِيكَةِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ اَلصَّلْدِ وَ هُوَ أَذَلُّ مِنَ اَلْعَبْدِ هذه صفات العارفين و قد تقدم كثير من القول في ذلك و كان يقال البشر عنوان النجاح و الأمر الذي يختص به العارف أن يكون بشره في وجهه و هو حزين و حزنه في قلبه و إلا فالبشر قد يوجد في كثير من الناس.ثم ذكر أنه أوسع الناس صدرا و أذلهم نفسا و أنه يكره الرفعة و الصيت و جاء في الخبر في وصفهم كل خامل نومة.و طول الغم و بعد الهم من صفاتهم و كذلك كثرة الصمت و شغل الوقت بالذكر و العبادة و كذلك الشكر و الصبر و الاستغراق في الفكر و تدبر آيات الله تعالى في خلقه و الضن بالخلة و قلة المخالطة و التوفر على العزلة و حسن الخلق و لين الجانب و أن يكون قوي النفس جدا مع ذل للناس و تواضع بينهم و هذه الأمور كلها قد أتي عليها الشرح فيما تقدم
340
وَ قَالَ ع اَلْغِنَى اَلْأَكْبَرُ اَلْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي اَلنَّاسِ هذه الكلمة قد رويت مرفوعة و قد تقدم القول في الطمع و ذمه و اليأس و مدحه.
و في الحديث المرفوع ازهد في الناس يحبك الله و ازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس.و من كلام بعضهم ما أكلت طعام واحد إلا هنت عليه.و كان يقال نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع.و قال الشاعر:
أرحت روحي من عذاب الملاح |
لليأس روح مثل روح النجاح |
و قال بعض الأدباء هذا المعنى الذي قد أطنب فيه الناس ليس كما يزعمونه لعمري إن لليأس راحة و لكن لا كراحة النجاح و ما هو إلا كقول من قال لا أدري نصف العلم فقيل له و لكنه النصف الذي لا ينفع.و قال ابن الفضل:
لا أمدح اليأس و لكنه |
أروح للقلب من المطمع |
أفلح من أبصر روض المنى |
يرعى فلم يرع و لم يرتع |
و مما يروى لعبد الله بن المبارك الزاهد:
قد أرحنا و استرحنا |
من غدو و رواح |
|
و اتصال بأمير |
و وزير ذي سماح |
|
بعفاف و كفاف |
و قنوع و صلاح |
|
و جعلنا اليأس مفتاحا |
لأبواب النجاح |
341
وَ قَالَ ع اَلْمَسْئُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ
قد سبق القول في الوعد و المطل و نحن نذكر هاهنا نكتا أخرى.
في الحديث المرفوع من وعد وعدا فكأنما عهد عهدا و كان يقال الوعد دين الكرام و المطل دين اللئام.و كان يقال الوعد شبكة من شباك الأحرار يتصيدون بها المحامد.و قال بعضهم الوعد مرض المعروف و الإنجاز برؤه.و قال يحيى بن خالد الوعد سحاب و الإنجاز مطره.
و في الحديث المرفوع عدة المؤمن عطية
و عنه ع لا تواعد أخاك موعدا لتخلفه و قال يحيى بن خالد لبنيه يا بني كونوا أسدا في الأقوال نجازا في الأفعال و لا تعدوا إلا و تنجزوا فإن الحر يثق بوعد الكريم و ربما ادان عليه.و كان جعفر بن يحيى يكره الوعد و يقول الوعد من العاجز فأما القادر فالنقد.
و في الحديث المرفوع مطل الغني ظلم و قال ابن الفضل:
أثروا و لم يقضوا ديون غريمهم |
و اللؤم كل اللؤم مطل الموسر |
و قال الآخر:
إذا أتت العطية بعد مطل |
فلا كانت و إن كانت سنيه |
و كان يقال المطل يسد على صاحبه باب العذر و يوجب عليه الأحسن و الأكثر و التعجيل يحسن سيئه و يبسط عذره في التقليل.و قال يحيى بن خالد لبنيه يا بني لا تمطلوا معروفكم فإن كثير العطاء بعد المطل قليل و عجلوا فإن عذركم مقبول مع التعجيل.و من كلام الحسن بن سهل المطل يذهب رونق البر و يكدر صفو المعروف و يحبط أجر الصدقة و يعقل اللسان عن الشكر و للتعجيل حلاوة و إن قلت العارفة و لذة و إن صغرت الصنيعة و ربما عرض ما يمنع الإنجاز من تعذر الإمكان و تغير الزمان فبادر المكنة و عاجل القدرة و انتهز الفرصة.و قال الشاعر:
تحيل على الفراغ قضاء شغلي |
و أنت إذا فرغت تكون مثلي |
|
فلا أدعى بخادمك المرجى |
و لا تدعى بسيدنا الأجل |
و قال آخر:
لو علم الماطل أن المطال |
فقد به يذهب طعم النوال |
|
و أن أعلى البر ما ناله |
طالبه نقدا عقيب السؤال |
|
عجل للسائل معروفه |
مهنا من طول قيل و قال |
342
وَ قَالَ ع لَوْ رَأَى اَلْعَبْدُ اَلْأَجَلَ وَ مَصِيرَهُ لَأَبْغَضَ اَلْأَمَلَ وَ غُرُورَهُ قد تقدم من الكلام في الأمل ما فيه كفاية و كان يقال وا عجبا لصاحب الأمل الطويل و ربما يكون كفنه في يد النساج و هو لا يعلم
343
وَ قَالَ ع لِكُلِّ اِمْرِئٍ فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ اَلْوَارِثُ وَ اَلْحَوَادِثُ أخذه الرضي فقال:
خذ من تراثك ما استطعت فإنما |
شركاؤك الأيام و الوراث |
|
لم يقض حق المال إلا معشر |
نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا |
و قد قال ع في موضع آخر بشر مال البخيل بحادث أو وارث و رأيت بخط ابن الخشابرحمهالله على ظهر كتاب لعبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد ثم لحادث أو وارث كأنه يعني ضنه به أي لا أخرجه عن يدي اختيارا
344
وَ قَالَ ع اَلدَّاعِي بِلاَ عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلاَ وَتَرٍ من خلا من العمل فقد أخل بالواجبات و من أخل بالواجبات فقد فسق و الله تعالى لا يقبل دعاء الفاسق و شبهه ع بالرامي بلا وتر فإن سهمه لا ينفذ
345
وَ قَالَ ع اَلْعِلْمُ عِلْمَانِ مَطْبُوعٌ وَ مَسْمُوعٌ وَ لاَ يَنْفَعُ اَلْمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ اَلْمَطْبُوعُ هذه قاعدة كلية مذكورة في الكتب الحكمية إن العلوم منها ما هو غريزي و منها ما هو تكليفي ثم كل واحد من القسمين يختلف بالأشد و الأضعف أما الأول فقد يكون في الناس من لا يحتاج في النظر إلى ترتيب المقدمات بل تنساق النتيجة النظرية إليه سوقا من غير احتياج منه إلى التأمل و التدبر و قد يكون فيهم من هو دون ذلك و قد يكون من هو دون الدون و أما الثاني فقد يكون في الناس من لا يجدي فيه التعليم بل يكون كالصخرة الجامدة بلادة و غباوة و منهم من يكون أقل تبلدا و جنوح ذهن من ذلك و منهم من يكون الوقفة عنده أقل فيكون ذا حال متوسطة و بالجملة فاستقراء أحوال الناس يشهد بصحة ذلك.و قال ع ليس ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع يقول إذا لم يكن هناك أحوال استعداد لم ينفع الدرس و التكرار و قد شاهدنا مثل هذا في حق أشخاص كثيرة اشتغلوا بالعلم الدهر الأطول فلم ينجع معهم العلاج و فارقوا الدنيا و هم على الغريزة الأولى في الساذجية و عدم الفهم
346
وَ قَالَ ع صَوَابُ اَلرَّأْيِ بِالدُّوَلِ يُقْبِلُ بِإِقْبَالِهَا وَ يَذْهَبُ بِذَهَابِهَا يُدْبِرُ بِإِدْبَارِهَا قال الصولي اجتمع بنو برمك عند يحيى بن خالد في آخر دولتهم و هم يومئذ عشرة فأداروا بينهم الرأي في أمر فلم يصلح لهم فقال يحيى أنا لله ذهبت و الله دولتنا كنا في إقبالنا يبرم الواحد منا عشرة آراء مشكلة في وقت واحد و اليوم نحن عشرة في أمر غير مشكل و لا يصح لنا فيه رأي الله نسأل حسن الخاتمة.أرسل المنصور لما هاضه أمر إبراهيم إلى عمه عبد الله بن علي و هو في السجن يستشيره ما يصنع و كان إبراهيم قد ظهر بالبصرة فقال عبد الله أنا محبوس و المحبوس محبوس الرأي قال له فعلى ذاك قال يفرق الأموال كلها على الرجال و يلقاه فإن ظفر فذاك و إلا يتوجه إلى أبيه محمد بجرجان و يتركه يقدم على بيوت أموال فارغة فهو خير له من أن تكون الدبرة عليه و يقدم عدوه على بيوت أموال مملوءة.قال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن أبي مسلم صاحب شرطة الحجاج يوما لعن الله رجلا أجرك رسنه و خرب لك آخرته قال يا أمير المؤمنين رأيتني و الأمر عني مدبر و لو رأيتني و الأمر علي مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت و لاستعظمت مني ما استحقرت
347
وَ قَالَ ع اَلْعَفَافُ زِينَةُ اَلْفَقْرِ وَ اَلشُّكْرُ زِينَةُ اَلْغِنَى قد سبق القول في أن الأجمل بالفقير أن يكون عفيفا و ألا يكون جشعا حريصا و لا جادا في الطلب متهالكا و أنه ينبغي أنه إذا افتقر أن يتيه على الوقت و أبناء الوقت فإن التيه في مثل ذلك المقام لا بأس به ليبعد جدا عن مظنة الحرص و الطمع.و قد سبق أيضا القول في الشكر عند النعمة و وجوبه و أنه سبب لاستدامتها و أن الإخلال به داعية إلى زوالها و انتقالها و ذكرنا في هذا الباب أمورا مستحسنة فلتراجع و قال عبد الصمد بن المعذل في العفاف:
سأقنى العفاف و أرضى الكفاف |
و ليس غنى النفس حوز الجزيل |
|
و لا أتصدى لشكر الجواد |
و لا أستعد لذم البخيل |
|
و أعلم أن بنات الرجاء |
تحل العزيز محل الذليل |
|
و أن ليس مستغنيا بالكثير |
من ليس مستغنيا بالقليل |
348
يَوْمُ العَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ،أشدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ علي الَمظلُومِ.
شيئان مُؤلمان: أحدُهما يَنقضى سريعاً،والآخر يَدُوم أبداً؛فلاَ جَرم،كان اليومُ المذكور علي الظّالم ؛أشدّ من يَوْم الجور علي الظلوم.
349
وَ قَالَ ع اَلْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ وَ اَلسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ وَ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) وَ اَلنَّاسُ مَنْقُوصُونَ مَدْخُولُونَ إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اَللَّهُ سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ وَ مُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ اَلرِّضَا اَلرِّضَى وَ اَلسُّخْطُ وَ يَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اَللَّحْظَةُ وَ تَسْتَحِيلُهُ اَلْكَلِمَةُ اَلْوَاحِدَةُ السرائر هاهنا ما أسر في القلوب من النيات و العقائد و غيرها و ما يخفى من أعمال الجوارح أيضا و بلاؤها تعرفها و تصفحها و التمييز بين ما طاب منها و ما خبث.و قال عمر بن عبد العزيز للأحوص لما قال:
ستبلى لها في مضمر القلب و الحشا |
سريرة حب يوم تبلى السرائر |
إنك يومئذ عنها لمشغول.ذكر ع الناس فقال قد عمهم النقص إلا المعصومين ثم قال سائلهم يسأل تعنتا و السؤال على هذا الوجه مذموم و مجيبهم متكلف للجواب و أفضلهم رأيا يكاد رضاه تارة و سخطه أخرى يرده عن فضل رأيه أي يتبعون الهوى
و يكاد أصلبهم عودا أي أشدهم احتمالا.و تنكؤه اللحظة نكأت القرحة إذا صدمتها بشيء فتقشرها.قال و تستحيله الكلمة الواحدة أي تحيله و تغيره عن مقتضى طبعه يصفهم بسرعة التقلب و التلون و أنهم مطيعون دواعي الشهوة و الغضب و استفعل بمعنى فعل قد جاء كثيرا استغلظ العسل أي غلظ
350
وَ قَالَ ع : مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ قَالَ ع فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لاَ يَبْلُغُهُ وَ بَانٍ مَا لاَ يَسْكُنُهُ وَ جَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْرُكُهُ وَ لَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ وَ مِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ أَصَابَهُ حَرَاماً وَ اِحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً فَبَاءَ بِوِزْرِهِ وَ قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ آسِفاً لاَهِفاً قَدْ( خَسِرَ اَلدُّنْيَا وَ اَلآْخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ اَلْخُسْرَانُ اَلْمُبِينُ )
قد تقدم شرح هذه المعاني و الكلام عليها أما الآمال التي لا تبلغ فأكثر من أن تحصى بل لا نهاية لها.و ما أحسن قول القائل:
وا حسرتى مات حظي من وصالكم |
و للحظوظ كما للناس آجال |
|
إن مت شوقا و لم أبلغ مدى أملي |
كم تحت هذي القبور الخرس آمال |
و أما بناء ما لا يسكن فنحو ذلك و قال الشاعر:
أ لم تر حوشبا بالأمس يبني |
بناء نفعه لبني نفيله |
|
يؤمل أن يعمر عمر نوح |
و أمر الله يطرق كل ليله |
و أما جامع ما سوف يتركه فأكثر الناس قال الشاعر:
و ذي إبل يسعى و يحسبها له |
أخو تعب في رعيها و دءوب |
|
غدت و غدا رب سواه يسوقها |
و بدل أحجارا و جال قليب |
351
وَ قَالَ ع مِنَ اَلْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ اَلْمَعَاصِي قد وردت هذه الكلمة على صيغ مختلفة من العصمة ألا تقدر و أيضا من العصمة ألا تجد و قد رويت مرفوعة أيضا.و ليس المراد بالعصمة هاهنا العصمة التي ذكرها المتكلمون لأن العصمة عند المتكلمين من شرطها القدرة و حقيقتها راجعة إلى لطف يمنع القادر على المعصية من المعصية و إنما المراد أن غير القادر في اندفاع العقوبة عنه كالقادر الذي لا يفعل
352
وَ قَالَ ع مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ اَلسُّؤَالُ فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ هذا حسن و قد أخذه شاعر فقال:
إذا أظمأتك أكف اللئام |
كفتك القناعة شبعا و ريا |
|
فكن رجلا رجله في الثرى |
و هامة همته في الثريا |
|
فإن إراقة ماء الحياة |
دون إراقة ماء المحيا |
و قال آخر:
رددت لي ماء وجهي في صفيحته |
رد الصقال بهاء الصارم الجذم |
|
و ما أبالي و خير القول أصدقه |
حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي |
و قال مصعب بن الزبير إني لأستحيي من رجل وجه إلي رغبته فبات ليلته يتململ و يتقلقل على فراشه ينتظر الصبح قد جعلني أهلا لأن يقطر ماء وجهه لدي إن أرده خائبا.و قال آخر:
ما ماء كفيك إن أرسلت مزنته |
من ماء وجهي إذا استقطرته عوض |
353
وَ قَالَ ع اَلثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ اَلاِسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ وَ اَلتَّقْصِيرُ عَنِ اَلاِسْتِحْقَاقِ عِيٌّ أَوْ حَسَدٌ كانوا يكرهون أن يثنى الشاعر في شعره على الممدوح الثناء المفرط و يقولون خير المدح ما قارب فيه الشاعر و اقتصد و هذا هو المذهب الصحيح و إن كان قوم يقولون إن خير الشعر المنظوم في المدح ما كان أشد مغالاة و أكثر تبجيلا و تعظيما و وصفا و نعتا.و ينبغي أن يكون قوله ع محمولا على الثناء في وجه الإنسان لأنه هو الموصوف بالملق إذا أفرط فأما من يثنى بظهر الغيب فلا يوصف ثناؤه بالملق سواء كان مقتصدا أو مسرفا.و قوله ع و التقصير عن الاستحقاق عي أو حسد لا مزيد عليه في الحسن لأنه إذا قصر به عن استحقاقه كان المانع إما من جانب المثني فقط من غير تعلق له بالمثنى عليه أو مع تعلق به فالأول هو العي و الحصر و الثاني هو الحسد و المنافسة
354
وَ قَالَ ع أَشَدُّ اَلذُّنُوبِ مَا اِسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهَا صَاحِبُهُ قد ذكرنا هذا فيما تقدم و ذكرنا العلة فيه و هي أن فاعل ذلك الذنب قد جمع بين فعل الذنب و فعل ذنب آخر و هو الاستهانة بما لا يستهان به لأن المعاصي لا هين فيها و الصغير منها كبير و الحقير منها عظيم و ذلك لجلالة شأن المعصي سبحانه.فأما من يذنب و يستعظم ما أتاه فحاله أخف من حال الأول لأنه يكاد يكون نادما
355
وَ قَالَ ع مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اِشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ وَ مَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اَللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ اَلْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ وَ مَنْ كَابَدَ اَلْأُمُورَ عَطِبَ وَ مَنِ اِقْتَحَمَ اَللُّجَجَ غَرِقَ وَ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ اَلسُّوءِ اُتُّهِمَ وَ مَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ اَلنَّارَ وَ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ اَلْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ وَ اَلْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ وَ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اَلْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ وَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ كل هذه الفصول قد تقدم الكلام فيها و هي عشرة أولها من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره كان يقال أصلح نفسك أولا ثم أصلح غيرك.و ثانيها من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته كان يقال الحزن على المنافع الدنيوية سم ترياقه الرضا بالقضاء
و ثالثها من سل سيف البغي قتل به كان يقال الباغي مصروع و إن كثر جنوده.و رابعها من كابد الأمور عطب و من اقتحم اللجج غرق مثل هذا قول القائل:
من حارب الأيام أصبح رمحه |
قصدا و أصبح سيفه مفلولا |
و خامسها من دخل مداخل السوء اتهم هذا مثل قولهم من عرض نفسه للشبهات فلا يلومن من أساء به الظن.و سادسها من كثر كلامه إلى قوله دخل النار قد تقدم القول في المنطق الزائد و ما فيه من المحذور و كان يقال قلما سلم مكثار أو أمن من عثار.و سابعها من نظر في عيوب غيره فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك هو الأحمق بعينه و كان يقال أجهل الناس من يرضى لنفسه بما يسخطه من غيره.و ثامنها القناعة مال لا ينفد قد سبق القول في هذا و سيأتي أيضا.و تاسعها من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير كان يقال إذا أحببت ألا تحسد أحدا فأكثر ذكر الموت و اعلم أنك و من تحسده عن قليل من عديد الهلكى.و عاشرها من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه لا ريب أن الكلام عمل من الأعمال و فعل من الأفعال فكما يستهجن من الإنسان ألا يزال يحرك يده و إن كان عابثا كذلك يستهجن ألا يزال يحرك لسانه فيما هو عبث أو يجري مجرى العبث.و قال الشاعر:
يخوض أناس في الكلام ليوجزوا |
و للصمت في بعض الأحايين أوجز |
|
إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزا |
فأنت عن الإبلاغ في القول أعجز |
356
وَ قَالَ ع لِلظَّالِمِ مِنَ اَلرِّجَالِ ثَلاَثُ عَلاَمَاتٍ يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ اَلْقَوْمَ اَلظَّلَمَةَ يمكن أن يفسر هذا الكلام على وجهين أحدهما أن كل من وجدت فيه إحدى هذه الثلاث فهو ظالم إما أن يكون قد وجبت عليه طاعة من فوقه فعصاه فهو بعصيانه ظالم له لأنه قد وضعه في غير موضعه و الظلم في أصل اللغة هو هذا المعنى و لذلك سموا اللبن يشرب قبل أن يبلغ الروب مظلوما لأن الشرب منه كان في غير موضعه إذا لم يرب و لم يخرج زبده فكذلك من عصى من فوقه فقد زحزحه عن مقامه إذ لم يطعه و إما أن يكون قد قهر من دونه و غلبه و إما أن يكون قد ظاهر الظلمة.و الوجه الثاني أن كل ظالم فلا بد من اجتماع هذه العلامات الثلاث فيه و هذا هو الأظهر
357
وَ قَالَ ع عِنْدَ تَنَاهِي اَلشِّدَّةِ تَكُونُ اَلْفَرْجَةُ وَ عِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقِ اَلْبَلاَءِ يَكُونُ اَلرَّخَاءُ كان يقال إذا اشتد المضيق اتسعت الطريق و كان يقال توقعوا الفرج عند ارتتاج المخرج و قال الشاعر:
إذا بلغ الحوادث منتهاها |
فرج بعيدها الفرج المطلا |
|
فكم كرب تولى إذ توالى |
و كم خطب تجلى حين جلى |
و في الأثر تضايقي تنفرجي سيجعل الله بعد العسر يسرا.و الفرجة بفتح الفاء التفصي من الهم قال الشاعر:
ربما تجزع النفوس من الأمر |
له فرجة كحل العقال |
فأما الفرجة بالضم ففرجة الحائط و ما أشبهه
358
وَ قَالَ ع لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لاَ تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَ وَلَدِكَ فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَ وَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ وَ إِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اَللَّهِ فَمَا هَمُّكَ وَ شُغُلُكَ بِأَعْدَاءِ اَللَّهِ قد تقدم القول نحو هذا المعنى و هو أمر بالتفويض و التوكل على الله تعالى فيمن يخلفه الإنسان من ولده و أهله فإن الله تعالى أعلم بالمصلحة و أرأف بالإنسان من أبيه و أمه ثم إن كان الولد في علم الله تعالى وليا من أولياء الله سبحانه فإن الله تعالى لا يضيعه قال سبحانه( وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) و كل ولي لله فهو متوكل عليه لا محالة و إن كان عدوا لله لم يجز الاهتمام له و الاعتناء بأمره لأن أعداء الله تجب مقاطعتهم و يحرم توليهم فعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يحفل بأهله و ولده بعد موته.و اعلم أن هذا كلام العارفين الصديقين لا كلام أهل هذه الطبقات التي نعرفها فإن هذه الطبقات تقصر أقدامهم عن الوصول إلى هذا المقام.و يعجبني قول الشاعر:
أيا جامع المال وفرته |
لغيرك إذ لم تكن خالدا |
|
فإن قلت أجمعه للبنين |
فقد يسبق الولد الوالدا |
|
و إن قلت أخشى صروف الزمان |
فكن من تصاريفه واحدا |
359
وَ قَالَ ع أَكْبَرُ اَلْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ قد تقدم هذا المعنى مرارا و قال الشاعر:
إذا أنت عبت الأمر ثم أتيته |
فأنت و من تزري عليه سواء |
360
وَ هَنَّأَ بِحَضْرَتِهِ رَجُلٌ رَجُلاً آخَرَ بِغُلاَمٍ وُلِدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ لِيَهْنِئْكَ اَلْفَارِسُ فَقَالَ ع لاَ تَقُلْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ قُلْ شَكَرْتَ اَلْوَاهِبَ وَ بُورِكَ لَكَ فِي اَلْمَوْهُوبِ وَ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ رُزِقْتَ بِرَّهُ هذه كلمة كانت من شعار الجاهلية فنهي عنها كما نهي عن تحية الجاهلية أبيت اللعن و جعل عوضها سلام عليكم.و قال رجل للحسن البصري و قد بشره بغلام ليهنئك الفارس فقال بل الراجل ثم قال لا مرحبا بمن إن عاش كدني و إن مات هدني و إن كنت مقلا أنصبني و إن كنت غنيا أذهلني ثم لا أرضى بسعيي له سعيا و لا بكدي عليه في الحياة كدا حتى أشفق عليه بعد موتي من الفاقة و أنا في حال لا يصل إلي من فرحه سرور و لا من همه حزن
361
وَ بَنَى رَجُلٌ مِنْ عُمَّالِهِ بِنَاءً فَخْماً فَقَالَ ع أَطْلَعَتِ اَلْوَرِقُ رُءُوسَهَا إِنَّ اَلْبِنَاءَ يَصِفُ لَكَ اَلْغِنَى قد رويت هذه الكلمة عن عمررضياللهعنه ذكر ذلك ابن قتيبة في عيون الأخبار.و روي عنه أيضا لي على كل خائن أمينان الماء و الطين.قال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ببغداد ليبنيها هي قميصك فإن شئت فوسعه و إن شئت فضيقه.و رآه و هو يجصص حيطان داره المبنية بالآجر فقال له إنك تغطي الذهب بالفضة فقال جعفر ليس في كل مكان يكون الذهب خيرا من الفضة و لكن هل ترى عيبا قال نعم مخالطتها دور السوقة.و قيل ليزيد بن المهلب أ لا يبني الأمير دارا فقال منزلي دار الإمارة أو الحبس.و كان يقال في الدار لتكن أول ما يبتاع و آخر ما تباع.و مر رجل من الخوارج بآخر من أصحابهم و هو يبني دارا فقال من ذا الذي يقيم كفيلا و قالوا كل ما يخرج بخروجك و يرجع برجوعك كالدار و النخل و نحوهما فهو كفيل
362
وَ قِيلَ لَهُ ع لَوْ سُدَّ عَلَى رَجُلٍ بَابُ بَيْتٍ وَ تُرِكَ فِيهِ مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ فَقَالَ ع مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ ليس يعني ع أن كل من يسد عليه باب بيت فإنه لا بد أن يرزقه الله تعالى لأن العيان و المشاهدة تقتضي خلاف ذلك و ما رأينا من سد عليه باب بيت مدة طويلة فعاش و لا ريب أن من شق أسطوانة و جعل فيها حيا ثم بنيت الأسطوانة عليه فإنه يموت مختنقا و لا يأتيه رزقه و لا حياته و لأن للحكماء أن يقولوا في الفرق بين الموضعين إن أجله إنما يأتيه لأن الأجل عدم الحياة و الحياة تعدم لعدم ما يوجبها و الذي يوجب استمرارها الغذاء فلما انقطع الغذاء حضر الأجل فهذا هو الوجه الذي يأتيه منه أجله و لا سبيل إلى ذكر مثله في حضور الرزق لمن يسد عليه الباب.فإذا معنى كلامه ع أن الله تعالى إذا علم فيمن يجعل في دار و يسد عليه بابها أن في بقاء حياته لطفا لبعض المكلفين فإنه يجب على الله تعالى أن يديم حياته كما يشاء سبحانه إما بغذاء يقيم به مادة حياته أ
يديم حياته بغير سبب و هذا هو الوجه الذي منه يأتيه أجله أيضا لأن إماتة الله المكلف أمر تابع للمصلحة لأنه لا بد من انقطاع التكليف على كل حال للوجه الذي يذكره أصحابنا في كتبهم فإذا كان الموت تابعا للمصلحة و كان الإحياء تابعا للمصلحة فقد أتى الإنسان رزقه يعني حياته من حيث يأتيه أجله و انتظم الكلام
363
وَ عَزَّى قَوْماً عَنْ مَيِّتٍ مَاتَ لَهُمْ فَقَالَ ع إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَيْسَ بِكُمْ لَكُمْ بَدَأَ وَ لاَ إِلَيْكُمُ اِنْتَهَى وَ قَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هَذَا يُسَافِرُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ سَفَرَاتِهِ أَسْفَارِهِ فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَ إِلاَّ قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ قد ألم إبراهيم بن المهدي ببعض هذا في شعره الذي رثى به ولده فقال:
يئوب إلى أوطانه كل غائب |
و أحمد في الغياب ليس يئوب |
|
تبدل دارا غير داري و جيرة |
سواي و أحداث الزمان تنوب |
|
أقام بها مستوطنا غير أنه |
على طول أيام المقام غريب |
|
و إني و إن قدمت قبلي لعالم |
بأني و إن أبطأت عنك قريب |
|
و إن صباحا نلتقي في مسائه |
صباح إلى قلبي الغداة حبيب |
364
وَ قَالَ ع أَيُّهَا اَلنَّاسُ لِيَرَاكُمُ لِيَرَكُمُ اَللَّهُ مِنَ اَلنِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ اَلنِّقْمَةِ فَرِقِينَ إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اِسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً وَ مَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اِخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً قد تقدم القول في استدراج المترف الغني و اختبار الفقير الشقي و أنه يجب على الإنسان و إن كان مشمولا بالنعمة أن يكون وجلا كما يجب عليه إذا كان فقيرا أن يكون شكورا صبورا
365
وَ قَالَ ع يَا أَسْرَى اَلرَّغْبَةِ اُقْصُرُوا أَقْصِرُوا فَإِنَّ اَلْمُعَرِّجَ عَلَى اَلدُّنْيَا لاَ يَرُوعُهُ مِنْهَا إِلاَّ صَرِيفُ أَنْيَابِ اَلْحِدْثَانِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ تَوَلَّوْا عَنْ أَنْفُسِكُمْ تَأْدِيبَهَا وَ اِعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضِرَايَةِ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا ضرى يضري ضراية مثل رمى يرمي رماية أي جرى و سال ذكره ابن الأعرابي و عليه ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع أي اعدلوا بها عن عاداتها الجارية من باب إضافة الصفة إلى الموصوف و هذا خير من تفسير الراوندي و قوله إنه من ضري الكلب بالصيد لأن المصدر من ذلك الضراوة بالواو و فتح الضاد و لم يأت فيه ضراية.و قوله يا أسرى الرغبة كلمة فصيحة و كذلك قوله لا يروعه منها إلا صريف أنياب الحدثان و ذلك لأن الفهد إذا وثب و الذئب إذا حمل يصرف نابه و يقولون لكل خطب و داهية جاءت تصرف نابها و الصريف صوت الأسنان إما عند رعدة أو عند شدة الغضب و الحنق و الحرص على الانتقام أو نحو ذلك.و قد تقدم الكلام في الدنيا و الرغبة فيها و غدرها و حوادثها و وجوب العدول عنها و كسر عادية عادات السوء المكتسبة فيها
366
وَ قَالَ ع لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً وَ أَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي اَلْخَيْرِ مُحْتَمَلاً هذه الكلمة يرويها كثير من الناس لعمر بن الخطاب و يرويها بعضهم لأمير المؤمنين ع و كان ثمامة يحدث بسؤدد يحيى بن خالد و ابنه جعفر و يقول إن الرشيد نكب علي بن عيسى بن ماهان و ألزمه مائة ألف دينار أدى منها خمسين ألفا و يلح بالباقي فأقسم الرشيد إن لم يؤد المال في بقية هذا اليوم و إلا قتله و كان علي بن عيسى عدوا للبرامكة مكاشفا فلما علم أنه مقتول سأل أن يمكن من السعي إلى الناس يستنجدهم ففسح له في ذلك فمضى و معه وكيل الرشيد و أعوانه إلى باب يحيى و جعفر فأشبلا عليه و صححا من صلب أموالهما خمسين ألف دينار في باقي نهار ذلك اليوم بديوان الرشيد باسم علي بن عيسى و استخلصاه فنقل بعض المتنصحين لهما إليهما أن علي بن عيسى قال في آخر نهار ذلك اليوم متمثلا:
فما بقيا علي تركتماني |
و لكن خفتما صرد النبال |
فقال يحيى للناقل إليه ذلك يا هذا إن المرعوب ليسبق لسانه إلى ما لم يخطر بقلبه.و قال جعفر و من أين لنا أنه تمثل بذلك و عنانا و لعله أراد أمرا آخر فكان ثمامة يقول ما في الأرض أسود من رجل يتأول كلام عدوه فيه و يحمله على أحسن محامله.و قال الشاعر:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة |
فكن أنت محتالا لزلته عذرا |
367
وَ قَالَ ع إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ اَلصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِهِ ص ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّ اَللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَ يَمْنَعَ اَلْأُخْرَى هذا الكلام على حسب الظاهر الذي يتعارفه الناس بينهم و هو ع يسلك هذا المسلك كثيرا و يخاطب الناس على قدر عقولهم و أما باطن الأمر فإن الله تعالى لا يصلي على النبي ص لأجل دعائنا إياه أن يصلي عليه لأن معنى قولنا اللهم صل على محمد أي أكرمه و ارفع درجته و الله سبحانه قد قضى له بالإكرام التام و رفعة الدرجة من دون دعائنا و إنما تعبدنا نحن بأن نصلي عليه لأن لنا ثوابا في ذلك لا لأن إكرام الله تعالى له أمر يستعقبه و يستتبعه دعاؤنا.و أيضا فأي غضاضة على الكريم إذا سئل حاجتين فقضى إحداهما دون الأخرى إن كان عليه في ذلك غضاضة فعليه في رد الحاجة الواحدة غضاضة أيضا
368
وَ قَالَ ع مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ اَلْمِرَاءَ قد تقدم من القول في المراء ما فيه كفاية و حد المراء الجدال المتصل لا يقصد به الحق.و قيل لميمون بن مهران ما لك لا تفارق أخا لك عن قلى قال لأني لا أشاريه و لا أماريه.و كان يقال ما ضل قوم بعد إذ هداهم الله تعالى إلا بالمراء و الإصرار في الجدال على نصرة الباطل.و قال سفيان الثوري إذا رأيتم الرجل لجوجا مماريا معجبا بنفسه فقد تمت خسارته
369
وَ قَالَ ع مِنَ اَلْخُرْقِ اَلْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ اَلْإِمْكَانِ وَ اَلْأَنَاةُ بَعْدَ اَلْفُرْصَةِ قد تقدم القول في هذين المعنيين.و من كلام ابن المعتز إهمال الفرصة حتى تفوت عجز و العجلة قبل التمكن خرق.و قد جعل أمير المؤمنين ع كلتا الحالتين خرقا و هو صحيح لأن الخرق الحمق و قلة العقل و كلتا الحالتين دليل على الحمق و النقص
370
وَ قَالَ ع لاَ تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ لاَ يَكُونُ فَفِي اَلَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ من هذا الباب قول أبي الطيب في سيف الدولة:
ليس المدائح تستوفي مناقبه |
فمن كليب و أهل الأعصر الأول |
|
خذ ما تراه و دع شيئا سمعت به |
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل |
371
وَ قَالَ ع اَلْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ اَلاِعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ وَ كَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ قد تقدم القول في نحو هذا و في المثل كفى بالاعتبار منذرا و كفى بالشيب زاجرا و كفى بالموت واعظا و قد سبق القول في وجوب تجنب الإنسان ما يكرهه من غيره.و قال بعض الحكماء إذا أحببت أخلاق امرئ فكنه و إن أبغضتها فلا تكنه أخذه شاعرهم فقال:
إذا أعجبتك خصال امرئ |
فكنه يكن منك ما يعجبك |
|
فليس على المجد و المكرمات |
إذا جئتها حاجب يحجبك |
372
وَ قَالَ ع اَلْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ وَ اَلْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَ أَجَابَهُ وَ إِلاَّ اِرْتَحَلَ عَنْهُ لا خير في علم بلا عمل و العلم بغير العمل حجة على صاحبه و كلام أمير المؤمنين ع يشعر بأنه لا عالم إلا و هو عامل و مراده بالعلم هاهنا العرفان و لا ريب أن العارف لا بد أن يكون عاملا.ثم استأنف فقال العلم يهتف بالعمل أي يناديه و هذه اللفظة استعارة.قال فإن أجابه و إلا ارتحل أي إن كان الإنسان عالما بالأمور الدينية ثم لم يعمل بها سلبه الله تعالى علمه و لم يمت إلا و هو معدود في زمرة الجاهلين و يمكن أن يفسر على أنه أراد بقوله ارتحل ارتحلت ثمرته و نتيجته و هي الثواب فإن الله تعالى لا يثيب المكلف على علمه بالشرائع إذا لم يعمل بها لأن إخلاله بالعمل يحبط ما يستحقه من ثواب العلم لو قدرنا أنه استحق على العلم ثوابا و أتى به على الشرائط التي معها يستحق الثواب
373
وَ قَالَ ع يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ مَتَاعُ اَلدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِئٌ فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاةً مَرْعَاهُ قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا وَ بُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا حُكِمَ عَلَى مُكْثِرِيهَا مُكْثِرٍ مِنْهَا بِالْفَاقَةِ وَ أُغْنِيَ أُعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَةِ مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً وَ مَنِ اِسْتَشْعَرَ اَلشَّغَفَ بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ هَمٌّ يَشْغَلُهُ وَ غَمٌّ يَحْزُنُهُ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ هَيِّناً عَلَى اَللَّهِ فَنَاؤُهُ وَ عَلَى اَلْإِخْوَانِ إِلْقَاؤُهُ وَ إِنَّمَا يَنْظُرُ اَلْمُؤْمِنُ إِلَى اَلدُّنْيَا بِعَيْنِ اَلاِعْتِبَارِ وَ يَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ اَلاِضْطِرَارِ وَ يَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ اَلْمَقْتِ وَ اَلْإِبْغَاضِ إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى وَ إِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ هَذَا وَ لَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ يُبْلِسُونَ متاع الدنيا أموالها و قنيانها.و الحطام ما تكسر من الحشيش و اليبس و شبه متاع الدنيا بذلك لحقارته.و موبئ محدث للوباء و هو المرض العام.و مرعاة بقعة ترعى كقولك مأسدة فيها الأسد و محياة فيها الحيات.و قلعتها بسكون اللام خير من طمأنينتها أي كون الإنسان فيها منزعجا متهيئا
للرحيل عنها خير له من أن يكون ساكنا إليها مطمئنا بالمقام فيها.و البلغة ما يتبلغ به و الثروة اليسار و الغنى و إنما حكم على مكثريها بالفاقة و الفقر لأنهم لا ينتهون إلى حد من الثروة و المال إلا و جدوا و اجتهدوا و حرصوا في طلب الزيادة عليه فهم في كل أحوالهم فقراء إلى تحصيل المال كما أن من لا مال له أصلا يجد و يجتهد في تحصيل المال بل ربما كان جدهم و حرصهم على ذلك أعظم من كدح الفقير و حرصه و روي و أعين من غني عنها و من رواه أغنى أي أغنى الله من غني عنها و زهد فيها بالراحة و خلو البال و عدم الهم و الغم.و الزبرج الزينة و راقه أعجبه.و الكمه العمى الشديد و قيل هو أن يولد أعمى.و الأشجان الأحزان.و الرقص بفتح القاف الاضطراب و الغليان و الحركة.و الكظم بفتح الظاء مجرى النفس.و الأبهران عرقان متصلان بالقلب و يقال للميت قد انقطع أبهراه.قوله و إنما ينظر المؤمن إخبار في الصورة و أمر في المعنى أي لينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار و ليأكل منها ببطن الاضطرار أي قدر الضرورة لا احتكار أو استكثار و ليسمع حديثها بأذن المقت و البغض أي ليتخذها عدوا قد صاحبه في طريق فليأخذ حذره منه جهده و طاقته و ليسمع كلامه و حديثه لا استماع مصغ و محب وامق بل استماع مبغض محترز من غائلته.
ثم عاد إلى وصف الدنيا و طالبها فقال إن قيل أثرى قيل أكدى و فاعل أثرى هو الضمير العائد إلى من استشعر الشغف بها يقول بينا يقال أثرى قيل افتقر لأن هذه صفة الدنيا في تقلبها بأهلها و إن فرح له بالحياة و دوامها قيل مات و عدم هذا و لم يأتهم يوم القيامة يوم هم فيه مبلسون أبلس الرجل يبلس إبلاسا أي قنط و يئس و اللفظ من لفظات الكتاب العزيز
و قد ذكرنا من حال الدنيا و صروفها و غدرها بأهلها فيما تقدم أبوابا كثيرة نافعة.و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.فمن كلام بعض الحكماء ويل لصاحب الدنيا كيف يموت و يتركها و تغره و يأمنها و تخذله و يثق بها ويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون و فاتهم ما يحبون و جاءهم ما يوعدون ويل لمن الدنيا همه و الخطايا عمله كيف يفتضح غدا بذنبه.و روى أنس قال كانت ناقة رسول الله ص العضباء لا تسبق فجاء أعرابي بناقة له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله ص حق على الله ألا يرفع في الدنيا شيئا إلا وضعه.و قال بعض الحكماء من ذا الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا.
و قيل لحكيم علمنا عملا واحدا إذا عملناه أحبنا الله عليه فقال أبغضوا الدنيا يحببكم الله.
و قال أبو الدرداء قال رسول الله ص لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا و لهانت عليكم الدنيا و لآثرتم الآخرة.ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم و لتركتم أموالكم لا حارس لها و لا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه و لكن غاب عن قلوبكم ذكر الآخرة و حضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم و صرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها ما لكم لا تحابون و لا تناصحون في أموركم و أنتم إخوان على دين واحد ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم و لو اجتمعتم على البر لتحاببتم ما لكم لا تناصحون في أموركم ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم و لو كنتم توقنون بأمر الآخرة كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة فإن قلت حب العاجلة غالب فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للأجل منها ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا و تحزنون على اليسير منها بفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم و يظهر على ألسنتكم و تسمونها المصائب و تقيمون فيها المآتم و عامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوههم و لا تتغير حال بهم يلقى بعضهم بعضا بالمسرة و يكره كل منكم أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله فاصطحبتم على الغل و بنيتم مراعيكم على الدمن و تصافيتم على رفض الأجل أراحني الله منكم و ألحقني بمن أحب رؤيته.و قال حكيم لأصحابه ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنئ الدين مع سلامة الدنيا.
و قيل في معناه:
أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا |
و لا أراهم رضوا في العيش بالدون |
|
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما |
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين |
و في الحديث المرفوع لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب.و قال الحسنرحمهالله أدركت أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم ركضوا خفافا.و قال أيضا من نافسك في دينك فنافسه و من نافسك في دنياك فألقها في نحره.و قال الفضيل طالت فكرتي في هذه الآية( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ) .و من كلام بعض الحكماء لن تصبح في شيء من الدنيا إلا و قد كان له أهل قبلك و يكون له أهل من بعدك و ليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة و غداء يوم فلا تهلك نفسك في أكلة و صم عن الدنيا و أفطر على الآخرة فإن رأس مال الدنيا الهوى و ربحها النار.و قيل لبعض الرهبان كيف ترى الدهر قال يخلق الأبدان و يجدد الآمال و يقرب المنية و يباعد الأمنية قيل فما حال أهله قال من ظفر به تعب و من فاته اكتأب.و من هذا المعنى قول الشاعر:
و من يحمد الدنيا لعيش يسره |
فسوف لعمري عن قليل يلومها |
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة |
و إن أقبلت كانت كثيرا همومها |
و قال بعض الحكماء كانت الدنيا و لم أكن فيها و تذهب الدنيا و لا أكون فيها و لست أسكن إليها فإن عيشها نكد و صفوها كدر و أهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو ببلية نازلة أو ميتة قاضية.و قال بعضهم من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق إما أن تزيد له و إما أن تنقص.و قال سفيان الثوري أ ما ترون النعم كأنها مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها.و قال يحيى بن معاذ الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا فإنه يجيء في طلبك حتى يأخذك.و قال الفضيل لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى فكيف و قد اخترنا خزفا يفنى على ذهب يبقى.و قال بعضهم ما أصبح أحد في الدنيا إلا و هو ضيف و لا شبهة في أن الضيف مرتحل و ما أصبح ذو مال فيها إلا و ماله عارية عنده و لا ريب أن العارية مردودة.و مثل هذا قول الشاعر:
و ما المال و الأهلون إلا وديعة |
و لا بد يوما أن ترد الودائع |
و قيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فأنشد:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا |
فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع |
و زار رابعة العدوية أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها فقالت اسكتوا عن ذكرها و كفوا فلو لا موقعها في قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها إن من أحب شيئا أكثر من ذكره.و قال مطرف بن الشخير لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك و لين رياشهم و لكن انظروا إلى سرعة ظعنهم و سوء منقلبهم.قال الشاعر:
أرى طالب الدنيا و إن طال عمره |
و نال من الدنيا سرورا و أنعما |
|
كبان بنى بنيانه فأقامه |
فلما استوى ما قد بناه تهدما |
و قال أبو العتاهية:
تعالى الله يا سلم بن عمر |
و أذل الحرص أعناق الرجال |
|
هب الدنيا تساق إليك عفوا |
أ ليس مصير ذلك إلى الزوال |
|
و ما دنياك إلا مثل فيء |
أظلك ثم آذن بانتقال |
و قال بعضهم الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب.و قال أبو أمامة الباهلي لما بعث الله محمدا ص أتت إبليس جنوده و قالوا قد بعث نبي و جدت ملة و أمة فقال كيف حالهم أ يحبون الدنيا قالوا نعم قال إن كانوا يحبونها فلا أبالي ألا يعبدوا الأصنام فإنما أغدو عليهم و أروح بثلاث أخذ المال من غير حقه و إنفاقه في غير حقه و إمساكه عن حقه و الشر كله لهذه الثلاث تبع.و كان مالك بن دينار يقول اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا.
و قال أبو سليمان الرازي إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا فزاحمتها و إذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة و الدنيا لئيمة.و قال مالك بن دينار بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك و بقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك و هذا مقتبس
من قول أمير المؤمنين ع الدنيا و الآخرة ضرتان فبقدر ما ترضي إحداهما تسخط الأخرى.و قال الشاعر:
يا خاطب الدنيا إلى نفسها |
تنح عن خطبتها تسلم |
|
إن التي تخطب غدارة |
قريبة العرس من المأتم |
و قالوا لو وصفت الدنيا نفسها لما قالت أحسن من قول أبي نواس فيها:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت |
له عن عدو في ثياب صديق |
و من كلام الشافعي يعظ أخا له يا أخي إن الدنيا دحض مزلة و دار مذلة عمرانها إلى الخراب سائر و ساكنها إلى القبور زائر شملها على الفرقة موقوف و غناها إلى الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار و الإعسار فيها يسار فافزع إلى الله و ارض برزق الله و لا تستسلف من دار بقائك في دار فنائك فإن عيشك فيء زائل و جدار مائل أكثر من عملك و أقصر من أملك.و قال إبراهيم بن أدهم لرجل أ درهم في المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة فقال دينار في اليقظة فقال كذبت إن الذي تحبه في الدنيا فكأنك تحبه في المنام و الذي تحبه في الآخرة فكأنك تحبه في اليقظة.و قال بعض الحكماء من فرح قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة و من
جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان من ظله و من غلب علمه هواه فهو الغالب.و قال بعضهم الدنيا تبغض إلينا نفسها و نحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا.و قال بعضهم الدنيا دار خراب و أخرب منها قلب من يعمرها و الجنة دار عمران و أعمر منها قلب من يطلبها.و قال يحيى بن معاذ العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه و بنى قبره قبل أن يدخله و أرضى خالقه قبل أن يلقاه.و قال بعضهم من أراد أن يستغني عن الدنيا بالدنيا كان كمطفئ النار بالتبن.و من كلام بعض فصحاء الزهاد أيها الناس اعملوا في مهل و كونوا من الله على وجل و لا تغتروا بالأمل و نسيان الأجل و لا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة غرارة خداعة قد تزخرفت لكم بغرورها و فتنتكم بأمانيها و تزينت لخطابها فأضحت كالعروس المتجلية العيون إليها ناظرة و القلوب عليها عاكفة و النفوس لها عاشقة فكم من عاشق لها قتلت و مطمئن إليها خذلت فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثرت بوائقها و ذمها خالقها جديدها يبلى و ملكها يفنى و عزيزها يذل و كثيرها يقل و حيها يموت و خيرها يفوت فاستيقظوا من غفلتكم و انتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل و مدنف ثقيل فهل على الدواء من دليل و هل إلى الطبيب من سبيل فتدعى لك الأطباء و لا يرجى لك الشفاء ثم يقال فلان أوصى و ماله أحصى ثم يقال قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه و لا يعرف جيرانه و عرق عند ذلك جبينك و تتابع أنينك و ثبت يقينك و طمحت جفونك و صدقت ظنونك و تلجلج لسانك و بكى إخوانك و قيل لك هذا ابنك فلان و هذا أخوك
فلان منعت من الكلام فلا تنطق و ختم على لسانك فلا ينطبق ثم حل بك القضاء و انتزعت روحك من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فاجتمع عند ذلك إخوانك و أحضرت أكفانك فغسلوك و كفنوك ثم حملوك فدفنوك فانقطع عوادك و استراح حسادك و انصرف أهلك إلى مالك و بقيت مرتهنا بأعمالك.و قال بعض الزهاد لبعض الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا و قلاها من بسط له فيها و أعطي حاجته منها لأنه يتوقع آفة تغدو على ماله فتجتاحه و على جمعه فتفرقه أو تأتي على سلطانه فتهدمه من القواعد أو تدب إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبابه فالدنيا الأحق بالذم و هي الآخذة ما تعطي الراجعة فيما تهب فبينا هي تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيره و بينا هي تبكي له إذ أبكت عليه و بينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطت كفها إليه بالاسترجاع و الاسترداد تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم و تعفره في التراب غدا سواء عليها ذهاب من ذهب و بقاء من بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفا و ترضى بكل من كل بدلا.و كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة و إنما أنزل إليها عقوبة فاحذرها فإن الزاد منها ربحها و الغنى منها فقرها لها في كل حين قتيل تذل من أعزها و تفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه و هو حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحمي قليلا مخافة ما يكرهه طويلا و يصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدنيا الغدارة المكارة الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها و فتنت بغرورها و تحلت بآمالها و تشرفت لخطابها فأصبحت بينهم كالعروس تجلى على بعلها العيون إليها ناظرة و القلوب عليها والهة و النفوس لها عاشقة و هي لأزواجها كلهم قاتلة فلا الباقي بالماضي معتبر و لا الآخر بالأول مزدجر و لا العارف بالله حين أخبره عنها مدكر فمن عاشق لها قد
ظفر منها بحاجته فاغتر و طغي و نسي المعاد و شغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت ندامته و كثرت حسرته و اجتمعت عليه سكرات الموت بألمه و حسرات الفوت بغصته و من راغب فيها لم يدرك منها ما طلب و لم يرح نفسه من التعب خرج منها بغير زاد و قدم على غير مهاد فاحذرها ثم احذرها و كن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه و السار منها لأهلها غار و النافع منها في غد ضار قد وصل الرخاء منها بالبلاء و جعل البقاء فيها للفناء فسرورها مشوب بالأحزان و نعيمها مكدر بالأشجان لا يرجع ما ولى منها و أدبر و لا يدرى ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة و آمالها باطلة و صفوها كدر و عيشها نكد و الإنسان فيها على خطر إن عقل و نظر و هو من النعماء على غرر و من البلاء على حذر فلو كان الخالق لها لم يخبر عنها خبرا و لم يضرب لها مثلا لكانت هي نفسها قد أيقظت النائم و نبهت الغافل فكيف و قد جاء من الله عنها زاجر و بتصاريفها واعظ فما لها عند الله قدر و لا نظر إليها منذ خلقها و لقد عرضت على نبيك محمد ص بمفاتيحها و خزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها كره أن يخالف على الله أمره أو يحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضعه مليكه زواها الرب سبحانه عن الصالحين اختبارا و بسطها لأعدائه اغترارا فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها و ينسى ما صنع الله تعالى بمحمد ص من شده الحجر على بطنه
و قد جاءت الرواية عنه عن ربه سبحانه أنه قال لموسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته و إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين و إن شئت اقتديت بصاحب الروح و الكلمة عيسى كان يقول إدامي الجوع و شعاري الخوف و لباسي الصوف و صلائي في الشتاء مشارق الشمس و سراجي القمر و وسادي الحجر و دابتي رجلاي
و فاكهتي و طعامي ما أنبتت الأرض أبيت و ليس لي شيء و ليس على الأرض أحد أغنى مني
و في بعض الكتب القديمة أن الله تعالى لما بعث موسى و هارون ع إلى فرعون قال لا يروعنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق و لا يطرف و لا يتنفس إلا بإذني و لا يعجبكما ما متع به منها فإن ذلك زهرة الحياة الدنيا و زينة المترفين و لو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما وهبتما لفعلت و لكني أرغب بكما عن ذلك و أزوي ذلك عنكما و كذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة و إني لأجنبهم حب المقام فيها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العر و ما ذاك لهوانهم علي و لكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفورا إنما يتزين لي أوليائي بالذل و الخضوع و الخوف و إن التقوى لتثبت في قلوبهم فتظهر على وجوههم فهي ثيابهم التي يلبسونها و دثارهم الذي يظهرون و ضميرهم الذي يستشعرون و نجاتهم التي بها يفوزون و رجاؤهم الذي إياه يأملون و مجدهم الذي به يفتخرون و سيماهم التي بها يعرفون فإذا لقيهم أحدكما فليخفض لهم جناحه و ليذلل لهم قلبه و لسانه و ليعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر به يوم القيامة.و من كلام بعض الحكماء الأيام سهام و الناس أغراض و الدهر يرميك كل يوم بسهامه و يتخرمك بلياليه و أيامه حتى يستغرق جميع أجزائك و يصمي جميع أبعاضك فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك و سرعة الليالي في بدنك و لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك و استثقلت ممر الساعات بك و لكن تدبير الله تعالى فوق النظر و الاعتبار.
و قال بعض الحكماء و قد استوصف الدنيا و قدر بقائها الدنيا وقتك الذي يرجع إليه طرفك لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه و ما لم يأت فلا علم لك به و الدهر يوم مقبل تنعاه ليلته و تطويه ساعاته و أحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير و النقصان و الدهر موكل بتشتيت الجماعات و انخرام الشمل و تنقل الدول و الأمل طويل و العمر قصير و إلى الله تصير الأمور.و قال بعض الفضلاء الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء و تخلف في الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة و هي سائرة سيرا عنيفا و مرتحلة ارتحالا سريعا و لكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها و إنما يحس بذلك بعد انقضائها و مثالها الظل فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة و ساكن في الظاهر لا تدرك حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة
374
وَ قَالَ ع إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ اَلثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ وَ اَلْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ وَ حِيَاشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ ذيادة أي دفعا ذدته عن كذا أي دفعته و رددته و حياشة مصدر حشت الصيد بضم الحاء أحوشه إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة و كذلك أحشت الصيد و أحوشته و قد احتوش القوم الصيد إذا نفره بعضهم إلى بعض.و هذا هو مذهب أصحابنا إن الله تعالى لما كلف العباد التكاليف الشاقة و قد كان يمكنه أن يجعلها غير شاقة عليهم بأن يزيد في قدرهم وجب أن يكون في مقابلة تلك التكاليف ثواب لأن إلزام المشاق كإنزال المشاق فكما يتضمن ذلك عوضا وجب أن يتضمن هذا ثوابا و لا بد أن يكون في مقابلة فعل القبيح عقاب و إلا كان سبحانه ممكنا الإنسان من القبيح مغريا له بفعله إذ الطبع البشري يهوى العاجل و لا يحفل بالذم و لا يكون القبيح قبيحا حينئذ في العقل فلا بد من العقاب ليقع الانزجار
375
وَ قَالَ ع يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ اَلْقُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ وَ مِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ اِسْمُهُ مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ اَلْبِنَاءِ خَرَابٌ مِنَ اَلْهُدَى سُكَّانُهَا وَ عُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ اَلْأَرْضِ مِنْهُمْ تَخْرُجُ اَلْفِتْنَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَأْوِي اَلْخَطِيئَةُ يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا وَ يَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا يَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً أَتْرُكُ تَتْرُكُ اَلْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ وَ قَدْ فَعَلَ وَ نَحْنُ نَسْتَقِيلُ اَللَّهَ عَثْرَةَ اَلْغَفْلَةِ هذه صفة حال أهل الضلال و الفسق و الرياء من هذه الأمة أ لا تراه يقول سكانها و عمارها يعني سكان المساجد و عمار المساجد شر أهل الأرض لأنهم أهل ضلالة كمن يسكن المساجد الآن ممن يعتقد التجسم و التشبيه و الصورة و النزول و الصعود و الأعضاء و الجوارح و من يقول بالقدر يضيف فعل الكفر و الجهل و القبيح إلى الله تعالى فكل هؤلاء أهل فتنة يردون من خرج منها إليها و يسوقون من لم يدخل فيها إليها أيضا.ثم قال حاكيا عن الله تعالى إنه حلف بنفسه ليبعثن على أولئك فتنة يعني استئصالا و سيفا حاصدا يترك الحليم أي العاقل اللبيب فيها حيران لا يعلم كيف وجه خلاصه.ثم قال ع و قد فعل و ينبغي أن يكون قد قال هذا الكلام في أيام خلافته لأنها كانت أيام السيف المسلط على أهل الضلال من المسلمين و كذلك ما بعثه الله تعالى على بني أمية و أتباعهم من سيوف بني هاشم بعد انتقاله ع
376
وَ قَالَ ع وَ رُوِيَ أَنَّهُ ع قَلَّمَا اِعْتَدَلَ بِهِ اَلْمِنْبَرُ إِلاَّ قَالَ أَمَامَ خُطْبَتِهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِتَّقُوا اَللَّهَ فَمَا خُلِقَ اِمْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ وَ لاَ تُرِكَ سُدًى فَيَلْغُوَ وَ مَا دُنْيَاهُ اَلَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ اَلآْخِرَةِ اَلَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ اَلنَّظَرِ عِنْدَهُ وَ مَا اَلْمَغْرُورُ اَلَّذِي ظَفِرَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالآْخَرِ اَلَّذِي ظَفِرَ مِنَ اَلآْخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ قال تعالى( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) .و من الكلمات النبوية أن المرء لم يترك سدى و لم يخلق عبثا.و قال أمير المؤمنين ع إن من ظفر من الدنيا بأعلى و أعظم أمنية ليس كآخر ظفر من الآخرة بأدون درجات أهل الثواب لا مناسبة و لا قياس بين نعيم الدنيا و الآخرة.و في قوله ع التي قبحها سوء المنظر عنده تصريح بمذهب أصحابنا أهل العدل رحمهم الله و هو أن الإنسان هو الذي أضل نفسه لسوء نظره و لو كان الله تعالى هو الذي أضله لما قال قبحها سوء النظر عنده
377
وَ قَالَ ع لاَ شَرَفَ أَعْلَى مِنَ اَلْإِسْلاَمِ وَ لاَ عِزَّ أَعَزُّ مِنَ اَلتَّقْوَى وَ لاَ مَعْقِلَ أَحْسَنُ مِنَ اَلْوَرَعِ وَ لاَ شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ اَلتَّوْبَةِ وَ لاَ كَنْزَ أَغْنَى مِنَ اَلْقَنَاعَةِ وَ لاَ مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ اَلرِّضَا اَلرِّضَى بِالْقُوتِ وَ مَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ اَلْكَفَافِ فَقَدِ اِنْتَظَمَ اَلرَّاحَةَ وَ تَبَوَّأَ خَفْضَ اَلدَّعَةِ وَ اَلدَّعَةُ اَلرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ اَلنَّصَبِ وَ مَطِيَّةُ اَلتَّعَبِ وَ اَلْحِرْصُ وَ اَلْكِبْرُ وَ اَلْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى اَلتَّقَحُّمِ فِي اَلذُّنُوبِ وَ اَلشَّرُّ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ جَامِعُ مَسَاوِئِ اَلْعُيُوبِ كل هذه المعاني قد سبق القول فيها مرارا شتى نأتي كل مرة بما لم نأت به فيما تقدم و إنما يكررها أمير المؤمنين ع لإقامة الحجة على المكلفين كما يكرر الله سبحانه في القرآن المواعظ و الزواجر لذلك كان أبو ذررضياللهعنه جالسا بين الناس فأتته امرأته فقالت أنت جالس بين هؤلاء و لا و الله ما عندنا في البيت هفة و لا سفة فقال يا هذه إن بين أيدينا عقبة كئودا لا ينجو منها إلا كل مخف فرجعت و هي راضية.
و قيل لبعض الحكماء ما مالك قال التجمل في الظاهر و القصد في الباطن و الغنى عما في أيدي الناس.و قال أبو سليمان الداراني تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غني ألف عام.و قال رجل لبشر بن الحارث ادع لي فقد أضر الفقر بي و بعيالي فقال إذا قال لك عيالك ليس عندنا دقيق و لا خبز فادع لبشر بن الحارث في ذلك الوقت فإن دعاءك أفضل من دعائه.و من دعاء بعض الصالحين اللهم إني أسألك ذل نفسي و الزهد فيما جاوز الكفاف
378
وَ قَالَ ع لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأَنْصَارِيِّ يَا جَابِرُ قِوَامُ اَلدِّينِ وَ اَلدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِمٍ يَسْتَعْمِلُ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ وَ جَاهِلٍ لاَ يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ جَوَادٍ لاَ يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ وَ فَقِيرٍ لاَ يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيَّعَ اَلْعَالِمُ عِلْمَهُ اِسْتَنْكَفَ اَلْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ إِذَا بَخِلَ اَلْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ اَلْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ يَا جَابِرُ مَنْ كَثُرَتْ نِعْمَةُ نِعَمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ اَلنَّاسِ إِلَيْهِ فَمَنْ قَامَ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ فِيهَا عَرَّضَ نِعْمَةَ اَللَّهِ لِدَوَامِهَا وَ مَنْ ضَيَّعَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ فِيهَا عَرَّضَ نِعْمَتَهُ لِزَوَالِهَا لِلَّهِ فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَ اَلْبَقَاءِ وَ مَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ وَ اَلْفَنَاءِ قد تقدم القول في هذه المعاني و الحاصل أنه ربط اثنتين من أربعة إحداهما بالأخرى و كذلك جعل في الاثنتين الأخريين فقال إن قوام الدين و الدنيا بأربعة عالم يستعمل علمه يعني يعمل و لا يقتصر على أن يعلم فقط و لا يعمل و جاهل لا يستنكف أن يتعلم و أضر ما على الجهلاء الاستنكاف من التعلم فإنهم يستمرون على الجهالة إلى الموت و الثالث جواد لا يبخل بالمعروف و الرابع فقير لا يبيع آخرته بدنياه أي لا يسرق و لا يقطع الطريق أو يكتسب الرزق من حيث لا يحبه الله كالقمار و المواخير و المزاجر و المآصر و نحوها.
ثم قال فالثانية مرتبطة بالأولى إذا لم يستعمل العالم علمه استنكف الجاهل من التعلم و ذلك لأن الجاهل إذا رأى العالم يعصي و يجاهر الله بالفسق زهد في التعلم و قال لما ذا تعلم العلم إذا كانت ثمرته الفسق و المعصية.ثم قال و الرابعة مرتبطة بالثالثة إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه و ذلك لأنه إذا عدم الفقير المواساة مع حاجته إلى القوت دعته الضرورة إلى الدخول في الحرام و الاكتساب من حيث لا يحسن و ينبغي أن يكون عوض لفظة جواد لفظة غني ليطابق أول الكلام آخره إلا أن الرواية هكذا وردت و جواد لا يبخل بمعروفه و في ضمير اللفظ كون ذلك الجواد غنيا لأنه قد جعل له معروفا و المعروف لا يكون إلا عن ظهر غنى و باقي الفصل قد سبق شرح أمثاله
379
وَ رَوَى اِبْنُ جَرِيرٍ اَلطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ : عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى اَلْفَقِيهِ وَ كَانَ مِمَّنْ خَرَجَ لِقِتَالِ اَلْحَجَّاجِ مَعَ اِبْنِ اَلْأَشْعَثِ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا كَانَ يَحُضُّ بِهِ اَلنَّاسَ عَلَى اَلْجِهَادِ إِنِّي سَمِعْتُ عَلِيّاً رَفَعَ اَللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي اَلصَّالِحِينَ وَ أَثَابَهُ ثَوَابَ اَلشُّهَدَاءِ وَ اَلصِّدِّيقِينَ يَقُولُ يَوْمَ لَقِينَا أَهْلَ اَلشَّامِ أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَ مُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَ بَرِئَ وَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ وَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ وَ مَنْ أَنْكَرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اَللَّهِ اَلْعُلْيَا وَ كَلِمَةُ اَلظَّالِمِينَ هِيَ اَلسُّفْلَى فَذَلِكَ اَلَّذِي أَصَابَ سَبِيلَ اَلْهُدَى وَ قَامَ عَلَى اَلطَّرِيقِ وَ نُوِّرَ نَوَّرَ فِي قَلْبِهِ اَلْيَقِينُ قد تقدم الكلام في النهي عن المنكر و كيفية ترتيبه و كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل مطابق لما يقوله المتكلمون رحمهم الله.و قد ذكرنا فيما تقدم و سنذكر فيما بعد من هذا المعنى ما يجب و كان النهي عن المنكر معروفا في العرب في جاهليتها كان في قريش حلف الفضول تحالفت قبائل منها على أن يردعوا الظالم و ينصروا المظلوم و يردوا عليه حقه ما بل بحر صوفة و قد ذكرنا فيما تقدم
380
وَ قَالَ ع فِي كَلاَمٍ آخَرَ لَهُ غَيْرِ هَذَا يَجْرِي هَذَا اَلْمَجْرَى : فَمِنْهُمُ اَلْمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَ لِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ فَذَلِكَ اَلْمُسْتَكْمِلُ لِخِصَالِ اَلْخَيْرِ وَ مِنْهُمُ اَلْمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ وَ اَلتَّارِكُ بِيَدِهِ فَذَلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِخَصْلَتَيْنِ مِنْ خِصَالِ اَلْخَيْرِ وَ مُضَيِّعٌ خَصْلَةً وَ مِنْهُمُ اَلْمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ وَ اَلتَّارِكُ بِيَدِهِ وَ لِسَانِهِ فَذَاكَ فَذَالِكَ اَلَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ اَلْخَصْلَتَيْنِ مِنَ اَلثَّلاَثِ وَ تَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ وَ مِنْهُمْ تَارِكٌ لِإِنْكَارِ اَلْمُنْكَرِ بِلِسَانِهِ وَ قَلْبِهِ وَ يَدِهِ فَذَلِكَ مَيِّتُ اَلْأَحْيَاءِ وَ مَا أَعْمَالُ اَلْبِرِّ كُلُّهَا وَ اَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ عِنْدَ اَلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيِ عَنْ اَلْمُنْكَرِ إِلاَّ كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ وَ إِنَّ اَلْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَلنَّهْيَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ وَ لاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ وَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ قد سبق قولنا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و هو أحد الأصول الخمسة عند أصحابنا و لجة الماء أعظمه و بحر لجي ذو ماء عظيم و النفثة الفعلة الواحدة من نفثت الماء من فمي أي قدفته بقوة.قال ع لا يعتقدن أحد أنه إن أمر ظالما بالمعروف أو نهى ظالما عن منكر أن ذلك يكون سببا لقتل ذلك الظالم المأمور أو المنهي إياه أو يكون سببا لقطع رزقه من جهته فإن الله تعالى قدر الأجل و قضى الرزق و لا سبيل لأحد أن يقطع على أحد عمره أو رزقه.
و هذا الكلام ينبغي أن يحمل على أنه حث و حض و تحريض على النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف و لا يحمل على ظاهره لأن الإنسان لا يجوز أن يلقي بنفسه إلى التهلكة معتمدا على أن الأجل مقدر و أن الرزق مقسوم و أن الإنسان متى غلب على ظنه أن الظالم يقتله و يقيم على ذلك المنكر و يضيف إليه منكرا آخر لم يجز له الإنكار.فأما كلمة العدل عند الإمام الجائر فنحو ما روي أن زيد بن أرقم رأى عبيد الله بن زياد و يقال بل يزيد بن معاوية يضرب بقضيب في يده ثنايا الحسين ع حين حمل إليه رأسه فقال له إيها ارفع يدك فطالما رأيت رسول الله ص يقبلها
و نحن نذكر خلاصة ما يقوله أصحابنا في النهي عن المنكر و نترك الاستقصاء فيه للكتب الكلامية التي هي أولى ببسط القول فيها من هذا الكتاب.قال أصحابنا الكلام في ذلك يقع من وجوه منها وجوبه و منها طريق وجوبه و منها كيفية وجوبه و منها شروط حسنه و منها شروط وجوبه و منها كيفية إيقاعه و منها الكلام في الناهي عن المنكر و منها الكلام في النهي عن المنكر.أما وجوبه فلا ريب فيه لأن المنكر قبيح كله و القبيح يجب تركه فيجب النهي عنه.و أما طريق وجوبه فقد قال الشيخ أبو هاشمرحمهالله إنه لا طريق إلى وجوبه إلا السمع و قد أجمع المسلمون على ذلك و ورد به نص القرآن في غير موضع.
قال الشيخ أبو عليرحمهالله العقل يدل على وجوبه و إلى هذا القول مال شيخنا أبو الحسينرحمهالله .و أما كيفية وجوبه فإنه واجب على الكفاية دون الأعيان لأن الغرض ألا يقع المنكر فإذا وقع لأجل إنكار طائفة لم يبق وجه لوجوب الإنكار على من سواها.و أما شروط حسنه فوجوه منها أن يكون ما ينكره قبيحا لأن إنكار الحسن و تحريمه قبيح و القبيح على ضروب فمنه ما يقبح من كل مكلف و على كل حال كالظلم و منها ما يقبح من كل مكلف على وجه دون وجه كالرمي بالسهام و تصريف الحمام و العلاج بالسلاح لأن تعاطي ذلك لمعرفة الحرب و التقوى على العدو و لتعرف أحوال البلاد بالحمام حسن لا يجوز إنكاره و إن قصد بالاجتماع على ذلك الاجتماع على السخف و اللهو و معاشرة ذوي الريب و المعاصي فهو قبيح يجب إنكاره.و منه ما يقبح من مكلف و يحسن من آخر على بعض الوجوه كشرب النبيذ و التشاغل بالشطرنج فأما من يرى حظرهما أو يختار تقليد من يفتي بحظرهما فحرام عليه تعاطيهما على كل حال و متى فعلهما حسن الإنكار عليه و أما من يرى إباحتهما أو من يختار تقليد من يفتي بإباحتهما فإنه يجوز له تعاطيهما على وجه دون وجه و ذلك أنه يحسن شرب النبيذ من غير سكر و لا معاقرة و الاشتغال بالشطرنج للفرجة و تخريج الرأي و العقل و يقبح ذلك إذا قصد به السخف و قصد بالشرب المعاقرة و السكر فالثاني يحسن إنكاره و يجب و الأول لا يحسن إنكاره لأنه حسن من فاعله.و منها أن يعلم المنكر أن ما ينكره قبيح لأنه إذا جوز حسنه كان بإنكاره له و تحريمه إياه محرما لما لا يأمن أن يكون حسنا فلا يأمن أن يكون ما فعله من النهي
نهيا عن حسن و كل فعل لا يأمن فاعله أن يكون مختصا بوجه قبيح فهو قبيح أ لا ترى أنه يقبح من الإنسان أن يخبر على القطع بأن زيدا في الدار إذا لم يأمن ألا يكون فيها لأنه لا يأمن أن يكون خبره كذبا و منها أن يكون ما ينهى عنه واقعا لأن غير الواقع لا يحسن النهي عنه و إنما يحسن الذم عليه و النهي عن أمثاله.و منها ألا يغلب على ظن المنكر أنه إن أنكر المنكر فعله المنكر عليه و ضم إليه منكرا آخر و لو لم ينكر عليه لم يفعل المنكر الآخر فمتى غلب على ظنه ذلك قبح إنكاره لأنه يصير مفسدة نحو أن يغلب على ظننا أنا إن أنكرنا على شارب الخمر شربها شربها و قرن إلى شربها القتل و إن لم ننكر عليه شربها و لم يقتل أحدا.و منها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أن نهيه لا يؤثر فإن غلب على ظنه ذلك قبح نهيه عند من يقول من أصحابنا إن التكليف من المعلوم منه أنه يكفر لا يحسن إلا أن يكون فيه لطف لغير ذلك المكلف و أما من يقول من أصحابنا إن التكليف من المعلوم منه أنه يكفر حسن و إن لم يكن فيه لطف لغير المكلف فإنه لا يصح منه القول بقبح هذا الإنكار.فأما شرائط وجوب النهي عن المنكر فأمور منها أن يغلب على الظن وقوع المعصية نحو أن يضيق وقت صلاة الظهر و يرى الإنسان لا يتهيأ للصلاة أو يراه تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلته و متى لم يكن كذلك حسن منا أن ندعوه إلى الصلاة و إن لم يجب علينا دعاؤه.و منها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أنه إن أنكر المنكر لحقته في نفسه و أعضائه مضرة عظيمة فإن غلب ذلك على ظنه و أنه لا يمتنع من ينكر عليه من فعل
ما ينكره عليه أيضا فإنه لا يجب عليه الإنكار بل و لا يحسن منه لأنه مفسدة.و إن غلب على ظنه أنه لا يفعل ما أنكره عليه و لكنه يضر به نظر فإن كان إضراره به أعظم قبحا مما يتركه إذا أنكر عليه فإنه لا يحسن الإنكار عليه لأن الإنكار عليه قد صار و الحالة هذه مفسدة نحو أن ينكر الإنسان على غيره شرب الخمر فيترك شربها و يقتله و إن كان ما يتركه إذا أنكر عليه أعظم قبحا مما ينزل به من المضرة نحو أن يهم بالكفر فإذا أنكر عليه تركه و جرح المنكر عليه أو قتله فإنه لا يجب عليه الإنكار و يحسن منه الإنكار أما قولنا لا يجب عليه الإنكار فلأن الله تعالى قد أباحنا التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه فبأن يبيحنا ترك غيرنا أن يتلفظ بذلك عند الخوف على النفس أولى و أما قولنا إنه يحسن الإنكار فلأن في الإنكار مع الظن لما ينزل بالنفس من المضرة إعزازا للدين كما أن في الامتناع من إظهار كلمة الكفر مع الصبر على قتل النفس إعزازا للدين لا فضل بينهما.فأما كيفية إنكار المنكر فهو أن يبتدئ بالسهل فإن نفع و إلا ترقى إلى الصعب لأن الغرض ألا يقع المنكر فإذا أمكن ألا يقع بالسهل فلا معنى لتكلف الصعب و لأنه تعالى أمر بالإصلاح قبل القتال في قوله( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى اَلْأُخْرى فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي ) .فأما الناهي عن المنكر من هو فهو كل مسلم تمكن منه و اختص بشرائطه لأن الله تعالى قال( وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ ) و لإجماع المسلمين على أن كل من شاهد غيره تاركا للصلاة غير محافظ عليها فله أن يأمره بها بل يجب عليه إلا أن الإمام و خلفاءه أولى بالإنكار بالقتال لأنه أعرف بسياسة الحرب و أشد استعدادا لآلاتها.
فأما المنهي من هو فهو كل مكلف اختص بما ذكرناه من الشروط و غير المكلف إذا هم بالإضرار لغيره منه و يمنع الصبيان و ينهون عن شرب الخمر حتى لا يتعودوه كما يؤاخذون بالصلاة حتى يمرنوا عليها و هذا ما ذكره أصحابنا.فأما قوله ع و منهم المنكر بلسانه و قلبه و التارك بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير و مضيع خصلة فإنه يعني به من يعجز عن الإنكار باليد لمانع لأنه لم يخرج هذا الكلام مخرج الذم و لو كان لم يعن العاجز لوجب أن يخرج الكلام مخرج الذم لأنه ليس بمعذور في أن ينكر بقلبه و لسانه إذا أخل بالإنكار باليد مع القدرة على ذلك و ارتفاع الموانع.و أما قوله ضيع أشرف الخصلتين فاللام زائدة و أصله ضيع أشرف خصلتين من الثلاث لأنه لا وجه لتعريف المعهود هاهنا في الخصلتين بل تعريف الثلاث باللام أولى و يجوز حذفها من الثلاث و لكن إثباتها أحسن كما تقول قتلت أشرف رجلين من الرجال الثلاثة.و أما قوله فذلك ميت الأحياء فهو نهاية ما يكون من الذم.و اعلم أن النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف عند أصحابنا أصل عظيم من أصول الدين و إليه تذهب الخوارج الذين خرجوا على السلطان متمسكين بالدين و شعار الإسلام مجتهدين في العبادة لأنهم إنما خرجوا لما غلب على ظنونهم أو علموا جور الولاة و ظلمهم و أن أحكام الشريعة قد غيرت و حكم بما لم يحكم به الله و على هذا الأصل تبنى الإسماعيلية من الشيعة قتل ولاة الجور غيلة و عليه بناء أصحاب الزهد في الدنيا الإنكار على الأمراء و الخلفاء و مواجهتهم بالكلام الغليظ لما عجزوا عن الإنكار باليد و بالجملة فهو أصل شريف أشرف من جميع أبواب البر و العبادة كما قال أمير المؤمنين ع
381
وَ رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ أَوَّلُ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْجِهَادِ اَلْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً وَ لَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَ أَسْفَلُهُ أَعْلاَهُ إنما قال ذلك لأن الإنكار بالقلب آخر المراتب و هو الذي لا بد منه على كل حال فأما الإنكار باللسان و باليد فقد يكون منهما بد و عنهما عذر فمن ترك النهي عن المنكر بقلبه و الأمر بالمعروف بقلبه فقد سخط الله عليه لعصيانه فصار كالممسوخ الذي يجعل الله تعالى أعلاه أسفله و أسفله أعلاه تشويها لخلقته و من يقول بالأنفس الجسمانية و إنها بعد المفارقة يصعد بعضها إلى العالم العلوي و هي نفوس الأبرار و بعضها ينزل إلى المركز و هي نفوس الأشرار يتأول هذا الكلام على مذهبه فيقول إن من لا يعرف بقلبه معروفا أي لا يعرف من نفسه باعثا عليه و لا متقاضيا بفعله و لا ينكر بقلبه منكرا أي لا يأنف منه و لا يستقبحه و يمتعض من فعله يقلب نفسه التي قد كان سبيلها أن تصعد إلى عالمها فتجعل هاوية في حضيض الأرض و ذلك عندهم هو العذاب و العقاب
382
وَ قَالَ ع إِنَّ اَلْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ وَ إِنَّ اَلْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ تقول مرؤ الطعام بالضم يمرؤ مراءة فهو مريء على فعيل مثل خفيف و ثقيل و قد جاء مرئ الطعام بالكسر كما قالوا فقه الرجل و فقه و وبيء البلد بالكسر يوبأ وباءة فهو وبيء على فعيل أيضا و يجوز فهو وبئ على فعل مثل حذر و أشر.يقول ع الحق و إن كان ثقيلا إلا أن عاقبته محمودة و مغبته صالحة و الباطل و إن كان خفيفا إلا أن عاقبته مذمومة و مغبته غير صالحة فلا يحملن أحدكم حلاوة عاجل الباطل على فعله فلا خير في لذة قليلة عاجلة يتعقبها مضار عظيمة آجلة و لا يصرفن أحدكم عن الحق ثقله فإنه سيحمد عقبى ذلك كما يحمد شارب الدواء المر شربه فيما بعد إذا وجد لذة العافية
383
وَ قَالَ ع لاَ تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ عَذَابَ اَللَّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخاسِرُونَ ) وَ لاَ تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكافِرُونَ ) هذا كلام ينبغي أن يحمل على أنه أراد ع النهي عن القطع على مغيب أحد من الناس و أنه لا يجوز لأحد أن يقول فلان قد نجا و وجبت له الجنة و لا فلان قد هلك و وجبت له النار و هذا القول حق لأن الأعمال الصالحة لا يحكم لصاحبها بالجنة إلا بسلامة العاقبة و كذلك الأعمال السيئة لا يحكم لصاحبها بالنار إلا أن مات عليها فأما الاحتجاج بالآية الأولى فلقائل أن يقول إنها لا تدل على ما أفتى ع به و ذلك لأن معناها أنه لا يجوز للعاصي أن يأمن مكر الله على نفسه و هو مقيم على عصيانه أ لا ترى أن أولها( أَ فَأَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَ هُمْ نائِمُونَ أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ اَلْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اَللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخاسِرُونَ ) و ليست دالة على ما نحن
فيه لأن الذي نحن فيه هل يجوز لأحد أن يأمن على الصالحين من هذه الأمة عذاب الله.فأما الآية الثانية فالاحتجاج بها جيد لا شبهة فيه لأنه يجوز أن يتوب العاصي و التوبة من روح الله.فإن قلت و كذاك يجوز أن يكفر المسلم المطيع قلت صدقت و لكن كفره ليس من مكر الله فدل على أن المراد بالآية أنه لا ينبغي للعاصي أن يأمن من عقوبة الله ما دام عاصيا و هذا غير مسألتنا
384
وَ قَالَ ع اَلْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ اَلْعُيُوبِ وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ قد تقدم القول في البخل و الشح و نحن نذكر هاهنا زيادات أخرى
قال بعض الحكماء السخاء هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات حصل معه البذل لها أو لم يحصل و ذلك خلق و يقابله الشح و أما الجود فهو بذل المقتنى و يقابله البخل هذا هو الأصل و إن كان كل واحد منها قد يستعمل في موضع الآخر و الذي يدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا اسم الفاعل من السخاء و الشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا شحيح و سخي فبنوه على فعيل كما قالوا حليم و سفيه و عفيف و قالوا جائد و باخل فبنوهما على فاعل كضارب و قاتل فأما قولهم بخيل فمصروف عن لفظ فاعل للمبالغة كقولهم في راحم رحيم و يدل أيضا على أن السخاء غريزة و خلق أنهم لم يصفوا البارئ سبحانه به فيقولوا سخي فأما الشح فقد عظم أمره و خوف منه و لهذا
قال ع ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه فخص المطاع تنبيها على أن وجود الشح
في النفس فقط ليس مما يستحق به ذم لأنه ليس من فعله و إنما يذم بالانقياد له قال سبحانه( وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) و قال( وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَّ ) .و قال ع لا يجتمع شح و إيمان في قلب أبدا.فأما الجود فإنه محمود على جميع ألسنة العالم و لهذا قيل كفى بالجود مدحا أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في حمد و كفى بالبخل ذما أن اسمه مطلقا لا يقع إلا في ذم.و قيل لحكيم أي أفعال البشر أشبه بأفعال الباري سبحانه فقال الجود.و قال النبي ص الجود شجرة من أشجار الجنة من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة و البخل شجرة من أشجار النار من أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار.و من شرف الجود أن الله سبحانه قرن ذكره بالإيمان و وصف أهله بالفلاح و الفلاح اسم جامع لسعادة الدارين قال سبحانه( اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) إلى قوله( وَ أُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ) و قال( وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ) .و حق للجود بأن يقرن بالإيمان فلا شيء أخص به و أشد مجانسة له منه فإن من صفة المؤمن انشراح الصدر كما قال تعالى( فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّماءِ ) و هذا من صفات الجواد و البخيل لأن الجواد واسع الصدر منشرح مستبشر للإنفاق و البذل و البخيل قنوط ضيق الصدر حرج القلب ممسك.و قال النبي ص و أي داء أدوأ من البخل.و البخل على ثلاثة أضرب بخل الإنسان بماله على نفسه و بخله بماله على غيره و بخله
بمال غيره على نفسه أو على غيره و أفحشها بخله بمال غيره على نفسه و أهونها و إن كان لا هين فيها بخله بماله على غيره.
و قال ع اللهم اجعل لمنفق خلفا و لممسك تلفا.
و قال إن الله عزوجل ينزل المعونة على قدر المئونة.
و قال أيضا من وسع وسع عليه.و قالت الفلاسفة الجود على أقسام فمنها الجود الأعظم و هو الجود الإلهي و هو الفيض العام المطلق و إنما يختلف لاختلاف المواد و استعداداتها و إلا فالفيض في نفسه عام غير خاص و بعده جود الملوك و هو الجود بجزء من المال على من تدعوهم الدواعي و الأغراض إلى الجود عليه و يتلوه جود السوقة و هو بذل المال للعفاة أو الندامى و الشرب و المعاشرين و الإحسان إلى الأقارب.قالوا و اسم الجود مجاز إلا الجود الإلهي العام فإنه عار عن الغرض و الداعي و أما من يعطي لغرض و داع نحو أن يحب الثناء و المحمدة فإنه مستعيض و تاجر يعطي شيئا ليأخذ شيئا قالوا قول أبي نواس:
فتى يشتري حسن الثناء بماله |
و يعلم أن الدائرات تدور |
ليس بغاية في الوصف بالجود التام بل هو وصف بتجارة محمودة و أحسن منه قول ابن الرومي:
و تاجر البر لا يزال له |
ربحان في كل متجر تجره |
|
أجر و حمد و إنما طلب الأجر |
و لكن كلاهما اعتوره |
و أحسن منهما قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء و لا الخوف |
و لكن يلذ طعم العطاء |
و نحن قد ذكرنا ما في هذا الموضع من البحث العقلي في كتبنا العقلية
385
وَ قَالَ ع يَا اِبْنَ آدَمَ اَلرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ فَلاَ تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ كَفَاكَ كُلَّ يَوْمٍ كُلُّ يَوْمٍ عَلَى مَا فِيهِ فَإِنْ تَكُنِ اَلسَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ اَلسَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ فِيمَا لَيْسَ لَكَ وَ لَمْ يَسْبِقْكَ لَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ وَ لَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ وَ لَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ قال و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم من هذا الباب إلا أنه هاهنا أوضح و أشرح فلذلك كررناه على القاعدة المقررة في أول هذا الكتاب قد تقدم القول في معاني هذا الفصل و روي أن جماعة دخلوا على الجنيد فاستأذنوه في طلب الرزق فقال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه قالوا فنسأل الله تعالى ذلك قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه قالوا فندخل البيت و نتوكل و ننتظر ما يكون فقال التوكل على التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة.و روي أن رجلا لازم باب عمر فضجر منه فقال له يا هذا هاجرت إلى الله تعالى أم إلى باب عمر اذهب فتعلم القرآن فإنه سيغنيك عن باب عمر فذهب الرجل
و غاب مدة حتى افتقده عمر فإذا هو معتزل مشتغل بالعبادة فأتاه عمر فقال له إني اشتقت إليك فما الذي شغلك عنا قال إني قرأت القرآن فأغناني عن عمر و آل عمر فقال رحمك الله فما وجدت فيه قال وجدت فيه( وَ فِي اَلسَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ ) فقلت رزقي في السماء و أنا أطلبه في الأرض إني لبئس الرجل فبكى عمر و قال صدقت و كان بعد ذلك ينتابه و يجلس إليه
386
وَ قَالَ ع رُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ وَ مَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ مثل هذا قول الشاعر:
يا راقد الليل مسرورا بأوله |
إن الحوادث قد يطرقن أسحارا |
و مثله:
لا يغرنك عشاء ساكن |
قد يوافي بالمنيات السحر |
387
وَ قَالَ ع اَلْكَلاَمُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَ وَرِقَكَ فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً وَ جَلَبَتْ نِقْمَةً قد تقدم القول في مدح الصمت و ذم الكلام الكثير.و كان يقال لا خير في الحياة إلا لصموت واع أو ناطق محسن.و قيل لحذيفة قد أطلت سجن لسانك فقال لأنه غير مأمون إذا أطلق.و من أمثال العرب رب كلمة تقول دعني.و قالوا أصلها أن بعض ملوك الحيرة كان قد استراب ببعض خوله فنزل يوما و هو يتصيد على تلعة و نزل أصحابه حوله فأفاضوا في حديث كثير فقال ذلك الإنسان أ ترى لو أن رجلا ذبح على رأس هذه التلعة هل كان يسيل دمه إلى أول الغائط فقال الملك هلموا فاذبحوه لننظر فذبحوه فقال الملك رب كلمة تقول دعني.و قال أكثم بن صيفي من إكرام الرجل نفسه ألا يتكلم بكل ما يعلم.و تذاكر قوم من العرب و فيهم رجل باهلي ساكت فقيل له بحق ما سميتم خرس العرب فقال أ ما علمتم أن لسان المرء لغيره و سمعه لنفسه
388
وَ قَالَ ع لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ بَلْ لاَ تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ هذا نهي عن الكذب و أن تقول ما لا تأمن من كونه كذبا فإن الأمرين كليهما قبيحان عقلا عند أصحابنا.فإن قلت كيف يقول أصحابكم أن الخبر الذي لا يأمن كونه كذبا قبيح و الناس يستحسنون الأخبار عن المظنون قلت إذا قال الإنسان زيد في الدار و هو يظنه في الدار و لا يقطع عليه فإن الحسن منه أن يخبر عن ظنه كأن يقول أخبر عن أني أظن أن زيدا في الدار و إذا كان هذا هو تقديره فالخبر إذن خبر عن معلوم لا عن مظنون لأنه قاطع على أنه ظان أن زيدا في الدار.فأما إذا فرض الخبر لا على هذا الوجه بل على القطع بأن زيدا في الدار و هو لا يقطع على أن زيدا في الدار فقد أخبر بخبر ليس على ما أخبر به عنه لأنه أخبر عن أنه قاطع و ليس بقاطع فكان قبيحا
389
وَ قَالَ ع اِحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اَللَّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ وَ يَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ فَتَكُونَ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ وَ إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اَللَّهِ وَ إِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اَللَّهِ من علم يقينا أن الله تعالى يراه عند معصيته كان أجد الناس أن يجتنبها كما إذا علمنا يقينا أن الملك يرى الواحد منا و هو يراود جاريته عن نفسها أو يحادث ولده ليفجر به و لكن اليقين في البشر ضعيف جدا أو أنهم أحمق الحيوان و أجهله و بحق أقول إنهم إن اعتقدوا ذلك اعتقادا لا يخالطه الشك ثم واقعوا المعصية و عندهم عقيدة أخرى ثابتة أن العقاب لاحق بمن عصى فإن الإبل و البقر أقرب إلى الرشاد منهم.و أقول إن الذي جرأ الناس على المعصية الطمع في المغفرة و العفو العام و قولهم الحلم و الكرم و الصفح من أخلاق ذوي النباهة و الفضل من الناس فكيف لا يكون من الباري سبحانه عفو عن الذنوب.و ما أحسن قول شيخنا أبي عليرحمهالله لو لا القول بالإرجاء لما عصي الله في الأرض
390
وَ قَالَ ع اَلرُّكُونُ إِلَى اَلدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنَ مِنْهَا جَهْلٌ وَ اَلتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ اَلْعَمَلِ إِذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ وَ اَلطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ اَلاِخْتِبَارِ لَهُ عَجْزٌ قد تقدم الكلام في الدنيا و حمق من يركن إليها مع معاينة غدرها و قلة وفائها و نقضها عهودها و قتلها عشاقها.و لا ريب أن الغبن و أعظم الغبن هو التقصير في الطاعة مع يقين الثواب عليها و أما الطمأنينة إلى من لم يعرف و لم يختبر فإنها عجز كما قال ع يعني عجزا في العقل و الرأي فإن الوثوق مع التجربة فيه ما فيه فكيف قبل التجربة.و قال الشاعر:
و كنت أرى أن التجارب عدة |
فخانت ثقات الناس حين التجارب |
391
وَ قَالَ ع مِنْ هَوَانِ اَلدُّنْيَا عَلَى اَللَّهِ أَنَّهُ لاَ يُعْصَى إِلاَّ فِيهَا وَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِتَرْكِهَا هذا الكلام نسبه الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين إلى أبي الدرداء و الصحيح أنه من كلام علي ع ذكره شيخنا أبو عثمان الجاحظ في غير موضع من كتبه و هو أعرف بكلام الرجال
و قد تقدم من كلامنا في حال الدنيا و هوانها على الله و اغترار الناس بها و غدرها بهم و ذم العقلاء لها و تحذيرهم منها ما فيه كفاية.و نحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك.
يقال إن في بعض كتب الله القديمة الدنيا غنيمة الأكياس و غفلة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فلم يرجعوا.و قال بعض العارفين من سأل الله تعالى الدنيا فإنما سأله طول الوقوف بين يديه.
و قال الحسن لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث أنه لم يشبع مما جمع و لم يدرك ما أمل و لم يحسن الزاد لما يقدم عليه.و من كلامه أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها.و قال محمد بن المنكدر أ رأيت لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر و قام الليل لا يفتر و تصدق بماله و جاهد في سبيل الله و اجتنب محارم الله تعالى غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال إن هذا مع ما قد عمل كان يعظم في عينه ما صغر الله و يصغر في عينه ما عظم الله كيف ترى يكون حاله فمن منا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب و الخطايا.و قد ضربت الحكماء مثلا للدنيا نحن نذكره هاهنا قالوا مثل الدنيا و أهلها كقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة و حذرهم المقام و خوفهم مرور السفينة و استعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته و بادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع المواضع و ألينها و أوفقها لمراده و بعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها و أنوارها العجيبة و غياضها الملتفة و نغمات طيورها الطيبة و ألحانها الموزونة الغريبة و لحظ في تزيينها أحجارها و جواهرها و معادنها المختلفة الألوان ذوات الأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجها و عجائب صورها ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقر فيه و بعضهم أكب فيها على تلك الأصداف و الأحجار و قد أعجبه حسنها و لم تسمح نفسه بإهمالها و تركها فاستصحب منها جملة فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا و زاده ما حمله ضيقا و صار ثقلا عليه و وبالا فندم على أخذه و لم تطعه نفسه على رميه و لم يجد موضعا له فحمله على عنقه
و رأسه و جلس في المكان الضيق في السفينة و هو متأسف على أخذه و نادم و ليس ينفعه ذلك و بعضهم تولج بتلك الأنوار و الغياض و نسي السفينة و أبعد في متفرجه و متنزهه حتى أن نداء الملاح لم يبلغه لاشتغاله بأكل تلك الثمار و اشتمامه تلك الأنوار و التفرج بين تلك الأشجار و هو مع ذلك خائف على نفسه من السباع و السقطات و النكبات و نهش الحيات و ليس ينفك عن شوك يتشبث بثيابه و غصن يجرح جسمه و مروة تدمي رجله و صوت هائل يفزع منه و عوسج يملأ طريقه و يمنعه عن الانصراف لو أراده و كان في جماعة ممن كان معه في السفينة حالهم حاله فلما بلغهم نداء السفينة راح بعضهم مثقلا بما معه فلم يجد في السفينة موضعا واسعا و لا ضيقا فبقي على الشط حتى مات جوعا و بعضهم بلغه النداء فلم يعرج عليه و استغرقته اللذة و سارت السفينة فمنهم من افترسته السباع و منهم من تاه و هام على وجهه حتى هلك و منهم من ارتطم في الأوحال و منهم من نهشته الحيات فتفرقوا هلكى كالجيف المنتنة فأما من وصل إلى السفينة مثقلا بما أخذه من الأزهار و الفاكهة اللذيذة و الأحجار المعجبة فإنها استرقته و شغله الحزن بحفظها و الخوف من ذهابها عن جميع أموره و ضاق عليه بطريقها مكانه فلم تلبث أن ذبلت تلك الأزهار و فسدت تلك الفاكهة الغضة و كمدت ألوان الأحجار و حالت فظهر له نتن رائحتها فصارت مع كونها مضيقة عليه مؤذية له بنتنها و وحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها و قد أثر في مزاجه ما أكله منها فلم ينته إلى بلده إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بما أكل و ما شم من تلك الروائح فبلغ سقيما وقيذا مدبرا و أما من كان رجع عن قريب و ما فاته إلا سعة المحل فإنه تأذى بضيق المكان مدة و لكن لما وصل إلى الوطن استراح و أما من رجع أولا فإنه وجد المكان الأوسع و وصل إلى الوطن سالما طيب القلب مسرورا.
فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة و نسيانهم موردهم و مصدرهم و غفلتهم عن عاقبة أمرهم و ما أقبح حال من يزعم أنه بصير عاقل و تغره حجارة الأرض و هي الذهب و الفضة و هشيم النبت و هو زينة الدنيا و هو يعلم يقينا أن شيئا من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كله وبالا عليه و هو في الحال الحاضرة شاغل له بالخوف عليه و الحزن و الهم لحفظه و هذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله.و قد ضرب أيضا لها مثال آخر في عبور الإنسان عليها قالوا الأحوال ثلاثة حال لم يكن الإنسان فيها شيئا و هي ما قبل وجوده إلى الأزل و حال لا يكون فيها موجودا مشاهدا للدنيا و هي بعد موته إلى الأبد و حالة متوسطة بين الأزل و الأبد و هي أيام حياته في الدنيا فلينظر العاقل إلى الطرفين الطويلين و لينظر إلى الحالة المتوسطة هل يجد لها نسبة إليها و إذا رأى العاقل الدنيا بهذه العين لم يركن إليها و لم يبال كيف تقضت أيامه فيها في ضر و ضيق أو في سعة و رفاهة بل لا يبني لبنة على لبنة
توفي رسول الله ص و ما وضع لبنة على لبنة و لا قصبة على قصبة و رأى بعض الصحابة بنى بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا و أنكر ذلك و لهذا
قال النبي ص ما لي و للدنيا إنما مثلي و مثلها كراكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقام تحت ظلها ساعة ثم راح و تركها
و إلى هذا أشار عيسى ابن مريم حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها و هو مثل صحيح فإن الحياة الدنيا قنطرة إلى الآخرة و المهد هو أحد جانبي القنطرة و اللحد الجانب الآخر و بينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة و منهم من قطع ثلثيها و منهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة و هو غافل عنها و كيفما كان فلا بد من العبور و الانتهاء و لا ريب أن عمارة هذه القنطرة و تزيينها بأصناف الزينة لمن
هو محمول قسرا و قهرا على عبورها يسوقه سائق عنيف غاية الجهل و الخذلان.
و في الحديث المرفوع أن رسول الله ص مر على شاة ميتة فقال أ ترون أن هذه الشاة هينة على أهلها قالوا نعم و من هوانها ألقوها فقال و الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها و لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء.
و قال ص الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر.
و قال أيضا الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها.
و قال أيضا من أحب دنياه أضر بآخرته و من أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى.
و قال أيضا حب الدنيا رأس كل خطيئة.
و روى زيد بن أرقم قال كنا مع أبي بكر فدعا بشراب فأتي بماء و عسل فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه فسكتوا و ما سكت ثم عاد ليشرب فبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله ما أبكاك قال كنت مع رسول الله ص فرأيته يدفع بيده عن نفسه شيئا و لم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها إليك عني فرجعت و قالت إنك إن أفلت مني لم يفلت مني من بعدك و قال ص يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود و هو يسعى لدار الغرور.
و من الكلام المأثور عن عيسى ع لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم الدنيا عبيدا فاكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة و صاحب كنز الآخرة لا يخاف عليه
392
وَ قَالَ ع مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ : وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : مَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ حَسَبُ آبَائِهِ قد تقدم مثل هذا و قد ذكرنا ما عندنا فيه و قال الشاعر:
لئن فخرت بآباء ذوي حسب |
لقد صدقت و لكن بئس ما ولدوا |
و كان يقال أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية و تبجح بالقرون 0 الماضية و اتكل على الأيام الخالية.و كان يقال من طريف الأمور حي يتكل على ميت.و كان يقال ضعة الدنيء في نفسه و الرفيع في أصله أقبح من ضعة الوضيع في نفسه و أصله لأن هذا تشبه بآبائه و سلفه و ذاك قصر عن أصله و سلفه فهو إلى الملامة أقرب و عن العذر أبعد.افتخر شريف بأبيه فقال خصمه لو وفقت لما ذكرت أباك لأنه حجة عليك تنادي بنقصك و تقر بتخلفك.كان جعفر بن يحيى يقول ليس من الكرام من افتخر بالعظام.و قال الفضل بن الربيع كفى بالمرء عارا أن يفتخر بغيره.
و قال الرشيد من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز و أقر على همته بالدناءة.و قال ابن الرومي:
و ما الحسب الموروث لا در دره |
بمحتسب إلا بآخر مكتسب |
|
إذا العود لم يثمر و إن كان شعبة |
من الثمرات أعتده الناس في الحطب |
و قال عبد الله بن جعفر:
لسنا و إن أحسابنا كرمت |
يوما على الآباء نتكل |
|
نبني كما كانت أوائلنا |
تبني و نفعل مثل ما فعلوا |
و قال آخر:
و ما فخري بمجد قام غيري |
إليه إذا رقدت الليل عنه |
|
إلى حسب الفتى في نفسه انظر |
و لا تنظر هديت إلى ابن من هو |
و قال آخر:
إذا فخرت بآبائي و أجدادي |
فقد حكمت على نفسي لأضدادي |
|
هل نافعي إن سعى جدي لمكرمة |
و نمت عن أختها في جانب الوادي |
و قال آخر:
أ يقنعني كوني بمن كوني ابنه |
أبا لي أن أرضى لفخري بمجده |
|
إذا المرء لم يحو العلاء بنفسه |
فليس بحاو للعلاء بجده |
|
و هل يقطع السيف الحسام بأصله |
إذا هو لم يقطع بصارم حده |
و قيل لرجل يدل بشرف آبائه لعمري لك أول و لكن ليس لأولك آخر.
و مثله أن شريفا بآبائه فاخر شريفا بنفسه فقال الشريف بنفسه انتهى إليك شرف أهلك و مني ابتدأ شرف أهلي و شتان بين الابتداء و الانتهاء.و قيل لشريف ناقص الأدب إن شرفك بأبيك لغيرك و شرفك بنفسك لك فافرق بين ما لك و ما لغيرك و لا تفرح بشرف النسب فإنه دون شرف الأدب
393
وَ قَالَ ع مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ هذا مثل قولهم من طلب و جد وجد.و قال بعض الحكماء ما لازم أحد باب الملك فاحتمل الذل و كظم الغيظ و رفق بالبواب و خالط الحاشية إلا وصل إلى حاجته من الملك
394
وَ قَالَ ع مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ اَلنَّارُ وَ مَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ اَلْجَنَّةُ وَ كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ اَلْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ وَ كُلُّ بَلاَءٍ دُونَ اَلنَّارِ عَافِيَةٌ موضع بعده النار رفع لأنه صفة خير الذي بعد ما و خير يرفع لأنه اسم ما و موضع الجار و المجرور نصب لأنه خبر ما و الباء زائدة مثلها في قولك ما أنت بزيد كما تزاد في خبر ليس و التقدير ما خير تتعقبه النار بخير كما تقول ما لذة تتلوها نغصة بلذة و لا ينقدح في ما الوجهان اللذان ذكرهما أرباب الصناعة النحوية في لا في قولهم لا خير بخير بعده النار أحدهما ما ذكرناه في ما و الآخر أن يكون موضع بعده النار جرا لأنه صفة خير المجرور و يكون معنى الباء معنى في كقولك زيد بالدار و في الدار و يصير تقدير الكلام لا خير في خير تعقبه النار و ذلك أن ما تستدعي خبرا موجودا في الكلام بخلاف لا فإن خبرها محذوف في مثل قولك لا إله إلا الله و نحوه أي في الوجود أو لنا أو ما أشبه ذلك و إذا جعلت بعده صفة خير المجرور لم يبق معك ما تجعله خبر ما.و أيضا فإن معنى الكلام يفسد في ما بخلاف لا لأن لا لنفي الجنس فكأنه
نفى جنس الخير عن خير تتعقبه النار و هذا معنى صحيح و كلام منتظم و ما هاهنا إن كانت نافية احتاجت إلى خبر ينتظم به الكلام و إن كانت استفهاما فسد المعنى لأن ما لفظ يطلب به معنى الاسم كقوله ما العنقاء أو يطلب به حقيقة الذات كقولك ما الملك و لست تطيق أن تدعي أن ما للاستفهام هاهنا عن أحد القسمين مدخلا لأنك تكون كأنك قد قلت أي شيء هو خير في خير تتعقبه النار و هذا كلام لا معنى له.
395
وَ قَالَ ع أَلاَ وَ إِنَّ مِنَ اَلْبَلاَءِ اَلْفَاقَةَ وَ أَشَدُّ مِنَ اَلْفَاقَةِ مَرَضُ اَلْبَدَنِ وَ أَشَدُّ مِنْ مَرَضِ اَلْبَدَنِ مَرَضُ اَلْقَلْبِ أَلاَ وَ إِنَّ مِنَ اَلنِّعَمِ سَعَةَ اَلْمَالِ وَ أَفْضَلُ مِنْ سَعَةِ اَلْمَالِ صِحَّةُ اَلْبَدَنِ وَ أَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ اَلْبَدَنِ تَقْوَى اَلْقَلْبِ قد تقدم الكلام في الفاقة و الغنى فأما المرض و العافية
ففي الحديث المرفوع إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية فأما مرض القلب و صحته فالمراد به التقوى و ضدها و قد سبق القول في ذلك.و قال أحمد بن يوسف الكاتب:
المال للمرء في معيشته |
خير من الوالدين و الولد |
|
و إن تدم نعمة عليك تجد |
خيرا من المال صحة الجسد |
|
و ما بمن نال فضل عافية |
و قوت يوم فقر إلى أحد |
396
وَ قَالَ ع لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَ سَاعَةٌ يَرُمُّ فِيهَا مَعَايِشَهُ مَعَاشَهُ وَ سَاعَةٌ يُخَلِّي فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَ بَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَ يَجْمُلُ وَ لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ تقدير الكلام ينبغي أن يكون زمان العاقل مقسوما ثلاثة أقسام.و يرم معاشه يصلحه و شاخصا راحلا و خطوة في معاد يعني في عمل المعاد و هو العبادة و الطاعة.و كان شيخنا أبو عليرحمهالله يقسم زمانه على ما أصف لك كان يصلي الصبح و الكواكب طالعة و يجلس في محرابه للذكر و التسبيح إلى بعد طلوع الشمس بقليل ثم يتكلم مع التلامذة و طلبة العلم إلى ارتفاع النهار ثم يقوم فيصلي الضحى ثم يجلس فيتمم البحث مع التلامذة إلى أن يؤذن للظهر فيصليها بنوافلها ثم يدخل إلى أهله فيصلح شأنه و يقضي حوائجه ثم يخرج للعصر فيصليها بنوافلها و يجلس مع التلامذة إلى المغرب فيصليها و يصلي العشاء ثم يشتغل بالقرآن إلى ثلث الليل ثم ينام الثلث الأوسط ثم يقعد فيصلي الثلث الأخير كله إلى الصبح
397
وَ قَالَ ع اِزْهَدْ فِي اَلدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اَللَّهُ عَوْرَاتِهَا وَ لاَ تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ أمره بالزهد في الدنيا و جعل جزاء الشرط تبصير الله تعالى له عورات الدنيا و هذا حق لأن الراغب في الدنيا عاشق لها و العاشق لا يرى عيب معشوقه كما قال القائل:
و عين الرضا عن كل عيب كليلة |
و لكن عين السخط تبدي المساويا |
فإذا زهد فيها فقد سخطها و إذا سخطها أبصر عيوبها مشاهدة لا رواية.ثم نهاه عن الغفلة و قال له إنك غير مغفول عنك فلا تغفل أنت عن نفسك فإن أحق الناس و أولاهم ألا يغفل عن نفسه من ليس بمغفول عنه و من عليه رقيب شهيد يناقشه على الفتيل و النقير
398
وَ قَالَ ع تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ اَلْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ هذه إحدى كلماته ع التي لا قيمة لها و لا يقدر قدرها و المعنى قد تداوله الناس قال:
و كائن ترى من صامت لك معجب |
زيادته أو نقصه في التكلم |
|
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده |
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم |
و كان يحيى بن خالد يقول ما جلس إلى أحد قط إلا هبته حتى يتكلم فإذا تكلم إما أن تزداد الهيبة أو تنقص
399
وَ قَالَ ع نِعْمَ اَلطِّيبُ اَلْمِسْكُ خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ عَطِرٌ رِيحُهُ
كان النبي ص كثير التطيب بالمسك و بغيره من أصناف الطيب.
و جاء الخبر الصحيح عنه حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب و النساء و قرة عيني في الصلاة.و قد رويت لفظة أمير المؤمنين ع عنه مرفوعة و نحوها
لا تردوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل.سرق أعرابي نافجة مسك فقيل له( و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) قال إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.
و في الحديث المرفوع أنه ع بايع قوما كان بيد رجل منهم ردع خلوق فبايعه بأطراف أصابعه و قال خير طيب الرجال ما ظهر ريحه و خفي لونه و خير طيب النساء ما ظهر لونه و خفي ريحه
و عنه ع في صفة أهل الجنة و مجامرهم الألوة و هي العود الهندي.
و روى سهل بن سعد عنه ع أن في الجنة لمراغا من مسك مثل مراغ دوابكم هذه
و روي عنه ع أيضا في صفة الكوثر جاله المسك أي جانبه و رضراضة التوم و حصباؤه اللؤلؤ
و قالت عائشة كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ص و هو محرم
و كان ابن عمر يستجمر بعود غير مطرى و يجعل معه الكافور و يقول هكذا رأيت رسول الله ص يصنع
و روى أنس بن مالك قال دخل علينا رسول الله ص فقال عندنا و الوقت صيف فعرق فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت عرقه فاستيقظ و قال يا أم سليم ما تصنعين قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا فإنه من أطيب الطيب و نرجو به بركة صبياننا فقال أصبت.و من كلام عمر لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه.ناول المتوكل أحمد بن أبي فنن فأرة مسك فأنشده:
لئن كان هذا طيبنا و هو طيب |
لقد طيبته من يديك الأنامل |
قالوا سميت الغالية غالية لأن عبد الله بن جعفر أهدى لمعاوية قارورة منها فسأله كم أنفق عليها فذكر مالا فقال هذه غالية فسميت غالية.شم مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري من أخته هند بنت أسماء ريح غالية و كانت تحت الحجاج فقال علميني طيبك قالت لا أفعل أ تريد أن تعلمه
جواريك هو لك عندي ما أردته ثم ضحكت و قالت و الله ما تعلمته إلا من شعرك حيث قلت:
أطيب الطيب طيب أم أبان |
فأر مسك بعنبر مسحوق |
|
خلطته بعودها و ببان |
فهو أحوى على اليدين شريق |
و روى أبو قلابة قال كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف من في الطريق أنه قد مر من طيب ريحه.و روى الحسن بن زيد عن أبيه قال رأيت ابن عباس حين أحرم و الغالية على صلعته كأنها الرب.أولم المتوكل في طهر بنيه فلما كثر اللعب قال ليحيي بن أكثم انصرف أيها القاضي قال و لم قال لأنهم يريدون أن يخلطوا قال أحوج ما يكونون إلى قاض إذا خلطوا فاستظرفه و أمر أن تغلف لحيته ففعل فقال يحيى إنا لله ضاعت الغالية كانت هذه تكفيني دهرا لو دفعت إلي فأمر له بزورق لطيف من ذهب مملوء من غالية و درج بخور فأخذهما و انصرف.و روى عكرمة أن ابن عباس كان يطلي جسده بالمسك فإذا مر بالطريق قال الناس أ مر ابن عباس أم المسك و قال أبو الضحى رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي.لما بنى عمر بن عبد العزيز على فاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية إلى أن طلعت الشمس.كانت لابن عمر بندقة من مسك يبوكها بين راحتيه فتفوح رائحتها.كان عمر بن عبد العزيز في إمارته المدينة يجعل المسك بين قدميه و نعله فقال فيه الشاعر يمدحه:
له نعل لا تطبي الكلب ريحها |
و إن وضعت في مجلس القوم شمت |
سمع عمر قول سحيم عبد بني الحسحاس:
و هبت شمال آخر الليل قرة |
و لا ثوب إلا درعها و ردائيا |
|
فما زال بردي طيبا من ثيابها |
مدى الحول حتى أنهج البرد باليا |
فقال له ويحك إنك مقتول فلم تمض عليه أيام حتى قتل.قال الشعبي الرائحة الطيبة تزيد في العقل.كان عبد الله بن زيد يتخلق بالخلوق ثم يجلس في المجلس.و كانوا يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسحوا مقاديم لحاهم بالطيب.و اشترى تميم الداري حلة بثمانمائة درهم و هيأ طيبا فكان إذا قام من الليل تطيب و لبس حلته و قام في المحراب.و قال أنس يا جميلة هيئي لنا طيبا أمسح به يدي فإن ابن أم ثابت إذا جاء قبل يدي يعني ثابتا البناني.و قال سلم بن قتيبة لقد شممت من فلان رائحة أطيب من مشطة العروس الحسناء في أنف العاشق الشبق.و من كلام بعض الصالحين الفاسق رجس و لو تضمخ بالغالية.عرضت مدنية لكثير فقالت له أنت القائل:
فما روضة بالحزن طيبة الثرى |
يمج الندى جثجاثها و عرارها |
|
بأطيب من أردان عزة موهنا |
و قد أوقدت بالمندل الرطب نارها |
لو كانت هذه الصفة لزنجية تجتلي الحلة لطابت هلا قلت كما قال سيدك إمرؤ القيس
أ لم ترياني كلما جئت طارقا |
وجدت بها طيبا و إن لم تطيب |
و قال الزمخشري إن النوى المنقع بالمدينة ينتاب أشرافها المواضع التي يكون فيها التماسا لطيب ريحه و إذا وجدوا ريحه بالعراق هربوا منها لخبثها قال و من اختلف في طرقات المدينة وجد رائحة طيبة و بنة عجيبة و لذلك سميت طيبة و الزنجية بها تجعل في رأسها شيئا من بلح و ما لا قيمة له فتجد له خمرة لا يعدلها بيت عروس من ذوات الأقدار.قال و لو دخلت كل غالية و عطر قصبة الأهواز و قصبة أنطاكية لوجدتها قد تغيرت و فسدت في مدة يسيرة.أراد الرشيد المقام في أنطاكية فقال له شيخ منها إنها ليست من بلادك فإن الطيب الفاخر يتغير فيها حتى لا ينتفع منه بشيء و السلاح يصدأ فيها.سيراف من بلاد فارس لها فغمة طيبة.فأرة المسك دويبة شبيهة بالخشف تكون في ناحية تبت تصاد لأجل سرتها فإذا صادها الصائد عصب سرتها بعصاب شديد و هي مدلاة فيجتمع فيها دمها ثم يذبحها و ما أكثر من يأكلها ثم يأخذ السرة فيدفنها في الشعر حتى يستحيل الدم المحتقن فيها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام نتنا و قد يوجد في البيوت جرذان سود يقال لها فأر المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها.و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ قال سألت بعض أصحابنا المعتزلة عن شأن المسك فقال لو لا أن رسول الله ص تطيب بالمسك لما تطيبت به لأنه دم فأما
الزباد فليس مما يقرب ثيابي فقلت له قد يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه لأن ذلك اللبن استحال لحما و خرج من تلك الطبيعة و عن تلك الصورة و عن ذلك الاسم و كذا لحم الجلالة فالمسك غير الدم و الخل غير الخمر و الجوهر لا يحرم لذاته و عينه و إنما يحرم للأعراض و العلل فلا تقزز منه عند ذكرك الدم فليس به بأس.قال الزمخشري و الزبادة هرة و يقال للزيلع و هم الذين يجتلبون الزباد يا زيلع الزبادة ماتت فيغضب.و قال ابن جزلة الطبيب في المنهاج الزباد طيب يؤخذ من حيوان كالسنور يقال إنه وسخ في رحمها.و قال الزمخشري العنبر يأتي طفاوة على الماء لا يدري أحد معدنه يقذفه البحر إلى البر فلا يأكل منه شيء إلا مات و لا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه و لا يقع عليه إلا نصلت أظفاره و البحريون و العطارون ربما وجدوا فيه المنقار و الظفر.قال و البال و هو سمكة طولها خمسون ذراعا يؤكل منه اليسير فيموت.قال و سمعت ناسا من أهل مكة يقولون هو ضفع ثور في بحر الهند و قيل هو من زبد بحر سرنديب و أجوده الأشهب ثم الأزرق و أدونه الأسود.
و في حديث ابن عباس ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء يدسره البحر أي يدفعه.
فأما صاحب المنهاج في الطب فقال العنبر من عين في البحر و يكون جماجم أكبرها وزنه ألف مثقال و الأسود أردأ أصنافه و كثيرا ما يوجد في أجواف السمك التي تأكله و تموت و توجد فيه سهوكة.و قال في المسك أنه سرة دابة كالظبي له نابان أبيضان معقفان إلى الجانب الإنسي كقرنين.
جاء في الحديث المرفوع لا تمنعوا إماء الله مساجد الله و ليخرجن إذا خرجن ثفلات أي غير متطيبات.
و في الحديث أيضا إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمس طيبا و المراد من ذلك ألا تهيج عليهن شهوة الرجال.قال الشاعر:
و المسك بينا تراه ممتهنا |
بفهر عطاره و ساحقه |
|
حتى تراه في عارضي ملك |
أو موضع التاج من مفارقه |
الصنوبري في استهداء المسك:
المسك أشبه شيء بالشباب فهب |
بعض الشباب لبعض العصبة الشيب |
يقال إن رجلا وجد قرطاسا فيه اسم الله تعالى فرفعه و كان عنده دينار فاشترى به مسكا فطيبه فرأى في المنام قائلا يقول له كما طيبت اسمي لأطيبن ذكرك.قال خالد بن صفوان ليزيد بن المهلب ما رأيت صدا المغفر و لا عبق العنبر بأحد أليق منه بك فقال حاجتك قال ابن أخ لي في حبسك فقال يسبقك إلى المنزل.
شاعر:
كأن دخان الند ما بين جمره |
بقايا ضباب في رياض شقيق |
قالوا خير العود المندلي و هو منسوب إلى مندل قرية من قرى الهند و أجوده أصلبه و امتحان رطبة أن ينطبع فيه نقش الخاتم و اليابس تفصح عنه النار و من خاصية المندلي أن رائحته تثبت في الثواب أسبوعا و أنه لا يقمل ما دامت فيه.قال صاحب المنهاج العود عروق أشجار تقلع و تدفن في الأرض حتى تتعفن منها الخشبية و القشرية و يبقى العود الخالص و أجوده المندلي و يجلب من وسط بلاد الهند ثم العود الهندي و هو يفضل على المندلي بأنه لا يولد القمل و هو أعبق بالثياب.قال و أفضل العود أرسبه في الماء و الطافي رديء.قال أبو العباس الأعمى:
ليت شعري من أين رائحة المسك |
و ما إن أخال بالخيف أنسي |
|
حين غابت بنو أمية عنه |
و البهاليل من بني عبد شمس |
|
خطباء على المنابر فرسان |
على الخيل قالة غير خرس |
|
بحلوم مثل الجبال رزان |
و وجوه مثل الدنانير ملس |
المسيب بن علس:
تبيت الملوك على عتبها |
و شيبان إن غضبت تعتب |
|
و كالشهد بالراح ألفاظهم |
و أخلاقهم منهما أعذب |
و كالمسك ترب مقاماتهم |
و ترب قبورهم أطيب |
أخذه العباس بن الأحنف فقال:
و أنت إذا ما وطئت التراب |
كان ترابك للناس طيبا |
و هجا بعض الشعراء العمال في أيام عمر و وقع عليهم فقال في بعض شعره:
نئوب إذا آبوا و نغزو إذا غزوا |
فأنى لهم وفر و لسنا ذوي وفر |
|
إذا التاجر الداري جاء بفأرة |
من المسك راحت في مفارقهم تجري |
فقبض عمر على العمال و صادرهم.قالوا في الكافور إنه ماء في شجر مكفور فيه يغرزونه بالحديد فإذا خرج إلى ظاهر ذلك الشجر ضربه الهواء فانعقد كالصموغ الجامدة على الأشجار.و قال صاحب المنهاج هو أصناف منها الفنصوري و الرباحي و الأزاد و الإسفرك الأزرق و هو المختط بخشبه و قيل إن شجرته عظيمة تظلل أكثر من مائة فارس و هي بحرية و خشب الكافور أبيض إلى الحمرة خفيف و الرباحي يوجد في بدن شجرته قطع كالثلج فإذا شققت الشجرة تناثر منها الكافور الند هو الغالية و هو العود المطري بالمسك و العنبر و دهن البان و من الناس من لا يضيف إليه دهن البان و يجعل عوضه الكافور و منهم من لا يضيف إليه الكافور أيضا و من الناس من يركب الغالية من المسك و العنبر و الكافور و دهن النيلوفر.قال الأصمعي قلت لأبي المهدية الأعرابي كيف تقول ليس الطيب إلا المسك فلم يحفل الأعرابي و ذهب إلى مذهب آخر فقال فأين أنت عن العنبر فقلت كيف تقول ليس الطيب إلا المسك و العنبر قال فأين أنت عن البان قلت فكيف
تقول ليس الطيب إلا المسك و العنبر و البان قال فأين أنت عن ادهان بحجر يعني اليمامة قلت فكيف تقول ليس الطيب إلا المسك و العنبر و البان و ادهان بحجر قال فأين أنت عن فأرة الإبل صادرة فرأيت أني قد أكثرت عليه فتركته قال و فأرة الإبل ريحها حين تصدر عن الماء و قد أكلت العشب الطيب.و في فأرة الإبل يقول الشاعر:
كأن فأرة مسك في مباءتها |
إذا بدا من ضياء الصبح تنتشر |
كان لأبي أيوب المرزباني وزير المنصور دهن طيب يدهن به إذا ركب إلى المنصور فلما رأى الناس غلبته على المنصور و طاعته له فيما يريده حتى إنه ربما كان يستحضره ليوقع به فإذا رآه تبسم إليه و طابت نفسه قالوا دهن أبي أيوب من عمل السحرة و ضربوا به المثل فقالوا لمن يغلب على الإنسان معه دهن أبي أيوب.أعرابي فيها مدر كف و مشم أنف.و قال عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري:
لو كنت أحمل خمرا حين زرتكم |
لم ينكر الكلب أني صاحب الدار |
|
لكن أتيت و ريح المسك يقدمني |
و العنبر الورد مشبوبا على النار |
|
فأنكر الكلب ريحي حين خالطني |
و كان يألف ريح الزق و القار |
قال الأصمعي ذكر لأبي أيوب هؤلاء الذين يتقشفون فقال ما علمت أن القذر و الذفر من الدين.ريح الكلب مثل في النتن قال الشاعر:
ريحها ريح كلاب |
هارشت في يوم طل |
و قال آخر:
يزداد لؤما على المديح كما |
يزداد نتن الكلاب في المطر |
و قالت امرأة إمرئ القيس له و كان مفركا عند النساء إذا عرقت عرقت بريح كلب قال صدقت إن أهلي أرضعوني مرة بلبن كلبة.قال سلمة بن عياش يقول لجعفر بن سليمان:
فما شم أنفي ريح كف رأيتها |
من الناس إلا ريح كفك أطيب |
فأمر له بألف دينار و مائة مثقال من المسك و مائة مثقال من العنبر.
وجه عمر إلى ملك الروم بريدا فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيبا بدنانير و جعلته في قارورتين و أهدتهما إلى امرأة ملك الروم فرجع البريد إليها و معه ملء القارورتين جواهر فدخل عليها عمر و قد صبت الجواهر في حجرها فقال من أين لك هذا فأخبرته فقبض عليه و قال هذا للمسلمين قالت كيف و هو عوض هديتي قال بيني و بينك أبوك فقال علي ع لك منه بقيمة دينارك و الباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله.قيل لخديجة بنت الرشيد رسل العباس بن محمد على الباب معهم زنبيل يحمله رجلان فقالت تراه بعث إلي باقلاء فكشف الزنبيل عن جرة مملوءة غالية فيها مسحاة من ذهب و إذا برقعة هذه جرة أصيبت هي و أختها في خزائن بني أمية فأما أختها فغلب عليها الخلفاء و أما هذه فلم أر أحدا أحق بها منك
400
وَ قَالَ ع ضَعْ فَخْرَكَ وَ اُحْطُطْ كِبَرَكَ وَ اُذْكُرْ قَبْرَكَ قد تقدم القول في العجب و الكبر و الفخر
في الحديث المرفوع أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية و فخرها بالآباء الناس لآدم و آدم من تراب مؤمن تقي و فاجر شقي لينتهين أقوام يتفاخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من جعلات تدفع النتن بأنفها
و من وصيته ص إلى علي ع لا فقر أشد من الجهل و لا وحشة أفحش من العجب.أتى وائل بن حجر النبي ص فأقطعه أرضا و أمر معاوية أن يمضي معه فيريه الأرض و يعرضها عليه و يكتبها له فخرج مع وائل في هاجرة
شاوية و مشى خلف ناقته فأحرقته الرمضاء فقال أردفني قال لست من أرداف الملوك قال فادفع إلي نعليك قال ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان و لكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي و لكن امش في ظل ناقتي فحسبك بذاك شرفا و يقال إنه عاش حتى أدرك زمن معاوية فأجلسه معه على سريره.قيل لحكيم ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال و إن كان حقا فقال الفخر.حبس هشام بن عبد الملك الفرزدق في سجن خالد بن عبد الله القسري فوفد جرير إلى خالد ليشفع فيه فقال له خالد أ لا يسرك أن الله قد أخزى الفرزدق فقال أيها الأمير و الله ما أحب أن يخزيه الله إلا بشعري و إنما قدمت لأشفع فيه قال فاشفع فيه في ملإ ليكون أخزى له فشفع فيه فدعا به فقال إني مطلقك بشفاعة جرير فقال أسير قسري و طليق كلبي فبأي وجه أفاخر العرب بعدها ردني إلى السجن.ذكر أعرابي قوما فقال ما نالوا بأناملهم شيئا إلا و قد وطئناه بأخامص أقدامنا و إن أقصى مناهم لأدنى فعالنا.نظر رجل إلى بعض ولد أبي موسى يختال في مشيته فقال أ لا ترون مشيته كأن أباه خدع عمرو بن العاص.و سمع الفرزدق أبا بردة يقول كيف لا أتبختر و أنا ابن أحد الحكمين فقال أحدهما مائق و الآخر فاسق فكن ابن أيهما شئت.
نظر رسول الله ص إلى أبي دجانة و هو يتبختر بين الصفين فقال إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن.
لما بلغ الحسن بن علي ع قول معاوية إذا لم يكن الهاشمي جوادا و الأموي حليما و العوامي شجاعا و المخزومي تياها لم يشبهوا آباءهم فقال إنه و الله ما أراد بها النصيحة و لكن أراد أن يفنى بنو هاشم ما في أيديهم فيحتاجوا إليه و أن يشجع بنو العوام فيقتلوا و أن يتيه بنو مخزوم فيمقتوا و أن يحلم بنو أمية فيحبهم الناس.كان قاضي القضاة محمد بن أبي الشوارب الأموي تائها فهجاه عبد الأعلى البصري فقال:
إني رأيت محمدا متشاوسا |
مستصغرا لجميع هذي الناس |
|
و يقول لما أن تنفس خاليا |
نفسا له يعلو على الأنفاس |
|
ويح الخلافة في جوانب لحيتي |
تستن دون لحى بني العباس |
بعض الأموية:
إذا تائه من عبد شمس رأيته |
يتيه فرشحه لكل عظيم |
|
و إن تاه تياه سواه فإنه |
يتيه لحمق أو يتيه للوم |
لبعض الأموية أيضا:
أ لسنا بني مروان كيف تبدلت |
بنا الحال أو دارت علينا الدوائر |
|
إذا ولد المولود منا تهللت |
له الأرض و اهتزت إليه المنابر |
بعض التياهين:
أتيه على إنس البلاد و جنها |
و لو لم أجد خلقا أتيه على نفسي |
|
أتيه فلا أدري من التيه من أنا |
سوى ما يقول الناس في و في جنسي |
|
فإن زعموا أني من الإنس مثلهم |
فما لي عيب غير أني من الإنس |
بعض العلوية:
لقد نازعتنا من قريش عصابة |
بمط خدود و امتداد أصابع |
|
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا |
عليهم بما نهوى نداء الصوامع |
|
ترانا سكوتا و الشهيد بفضلنا |
عليهم أذان الناس في كل جامع |
|
بأن رسول الله لا شك جدنا |
و أن بنيه كالنجوم الطوالع |
كان عمارة بن حمزة بن ميمون مولى بني العباس مثلا في التيه حتى قيل أتيه من عمارة و كان يتولى دواوين السفاح و المنصور و كان إذا أخطأ مضى على خطئه تكبرا عن الرجوع و يقول نقض و إبرام في حالة واحدة الإصرار على الخطإ أهون من ذلك و افتخرت أم سلمة المخزومية امرأة السفاح ذات ليلة بقومها على السفاح و بنو مخزوم يضرب بهم المثل في الكبر و التيه فقال أنا أحضرك الساعة على غير أهبة مولى من موالي ليس في أهلك مثله فأرسل إلى عمارة و أمر الرسول أن يعجله عن تغيير زيه فجاء على الحال التي وجده عليها الرسول في ثياب ممسكة مزررة بالذهب و قد غلف لحيته بالغالية حتى قامت فرمى إليه السفاح بمدهن ذهب مملوء غالية فلم يلتفت إليه و قال هل ترى لها في لحيته موضعا فأخرجت أم سلمة عقدا لها ثمينا و أمرت خادما أن يضعه بين يديه فقام و تركه فأمرت الخادم أن يتبعه به و يقول إنها تسألك قبوله فقال للخادم هو لك فانصرف بالعقد إليها فأعطت الخادم فكاكه عشرة آلاف دينار و استرجعته و عجبت من نفس عمارة و كان عمارة لا يذل للخلفاء و هم مواليه و يتيه عليهم.نظر رجل إلى المهدي و يده في يد عمارة و هما يمشيان فقال يا أمير المؤمنين
من هذا قال هذا أخي و ابن عمي عمارة بن حمزة فلما ولى الرجل ذكر المهدي الكلمة كالممازح لعمارة فقال عمارة و الله لقد انتظرت أن تقول مولاي فأنفض يدي من يدك فتبسم المهدي.و كان أبو الربيع الغنوي أعرابيا جافيا تياها شديد الكبر قال أبو العباس المبرد في الكامل فذكر الجاحظ أنه أتاه و معه رجل هاشمي قال فناديت أبو الربيع هنا فخرج إلي و هو يقول خرج إليك رجل أكرم الناس فلما رأى الهاشمي استحيا و قال أكرم الناس رديفا و أشرفهم حليفا أراد بذلك أبا مرثد الغنوي لأنه كان رديف رسول الله ص و حليف أبي بكر قال حدثنا ساعة ثم نهض الهاشمي فقلت له من خير الخلق قال الناس و الله قلت من خير الناس قال العرب و الله قلت فمن خير العرب قال مضر و الله قلت فمن خير مضر قال قيس و الله قلت فمن خير قيس قال يعصر و الله قلت فمن خير يعصر قال غني و الله قلت فمن خير غني قال المخاطب لك و الله قلت أ فأنت خير الناس قال إي و الله قلت أ يسرك أن تكون تحتك ابنة يزيد بن المهلب قال لا و الله قلت و لك ألف دينار قال لا و الله قلت فألفا دينار قال لا و الله قلت و لك الجنة قال فأطرق ثم قال على ألا تلد مني ثم أنشد:
تأبى ليعصر أعراق مهذبة |
من أن تناسب قوما غير أكفاء |
|
فإن يكن ذاك حتما لا مرد له |
فاذكر حذيف فإني غير أباء |
أراد حذيفة بن بدر الفزاري و كان سيد قيس في زمانه.رأى عمر رجلا يمشي مرخيا يديه طارحا رجليه يتبختر فقال له دع هذه المشية فقال ما أطيق فجلده ثم خلاه فترك التبختر فقال عمر إذا لم أجلد في هذا ففيم أجلد فجاءه الرجل بعد ذلك فقال جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا إن كان إلا شيطانا سلط علي فأذهبه الله بك
401
وَ قَالَ ع خُذْ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا أَتَاكَ وَ تَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي اَلطَّلَبِ كان يقال اجعل الدنيا كغريم السوء حصل منه ما يرضخ لك به و لا تأس على ما دفعك عنه ثم قال ع فإن لم تفعل فأجمل في الطلب و هي
من الألفاظ النبوية لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأجملوا في الطلب.قيل لبعض الحكماء ما الغنى فقال قلة تمنيك و رضاك بما يكفيك
402
وَ قَالَ ع رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ قد قيل هذا المعنى كثيرا فمنه قولهم
و القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
و من ذلك القول لا تملكه إذا نما كالسهم لا تملكه إذا رمى و قال الشاعر:
و قافية مثل حد السنان |
تبقى و يذهب من قالها |
|
تخيرتها ثم أرسلتها |
و لم يطق الناس إرسالها |
و قال محمود الوراق:
أتاني منك ما ليس |
على مكروهه صبر |
|
فأغضيت على عمد |
و كم يغضي الفتى الحر |
|
و أدبتك بالهجر |
فما أدبك الهجر |
|
و لا ردك عما كان |
منك الصفح و البر |
|
فلما اضطرني المكروه |
و اشتد بي الأمر |
|
تناولتك من شعري |
بما ليس له قدر |
|
فحركت جناح الضر |
لما مسك الضر |
|
إذا لم يصلح الخير |
امرأ أصلحه الشر |
و قال الرضيرحمهالله :
سأمضغ بالأقوال أعراض قومكم |
و للقول أنياب لدي حداد |
|
يرى للقوافي و السماء جلية |
عليكم بروق جمة و رعاد |
و قال أيضا:
كعمت لساني أن يقول و إن يقل |
فقل في الجراز العضب إن فارق الغمدا |
|
و إن برودا للمخازي معدة |
فمن شاء من ذا الحي أسحبته بردا |
|
قلائد في الأعناق بالعار لا تهي |
على مر أيام الزمان و لا تصدا |
|
إذا صلصلت بين القنا قضت القنا |
و إن زفرت في السر قطعت السردا |
403
وَ قَالَ ع كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ هذا من باب القناعة و إن من اقتصر على شيء و قنعت به نفسه فقد كفاه و قام مقام الفضول التي يرغب فيها المترفون و قد تقدم القول في ذلك
404
وَ قَالَ ع اَلْمَنِيَّةُ وَ لاَ اَلدَّنِيَّةُ وَ اَلتَّقَلُّلُ وَ لاَ اَلتَّوَسُّلُ قد تقدم من كلامنا في هذا الباب شيء كثير و قال الشاعر:
أقسم بالله لمص النوى |
و شرب ماء القلب المالحه |
|
أحسن بالإنسان من ذله |
و من سؤال الأوجه الكالحه |
|
فاستغن بالله تكن ذا غنى |
مغتبطا بالصفقة الرابحه |
|
فالزهد عز و التقى سؤدد |
و ذلة النفس لها فاضحه |
|
كم سالم صحيح به بغتة |
و قائل عهدي به البارحه |
|
أمسى و أمست عنده قينة |
و أصبحت تندبه نائحه |
|
طوبى لمن كانت موازينه |
يوم يلاقي ربه راجحه |
و قال أيضا:
لمص الثماد و خرط القتاد |
و شرب الأجاج أوان الظمإ |
|
على المرء أهون من أن يرى |
ذليلا لخلق إذا أعدما |
|
و خير لعينيك من منظر |
إلى ما بأيدي اللئام العمى |
قلت لحاه الله هلا قال بأيدي الرجال
405
وَ قَالَ ع مَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً مراده أن الرزق قد قسمه الله تعالى فمن لم يرزقه قاعدا لم يجب عليه القيام و الحركة.و قد جاء
في الحديث أنه ص ناول أعرابيا تمرة و قال له خذها فلو لم تأتها لأتتك.و قال الشاعر:
جرى قلم القضاء بما يكون |
فسيان التحرك و السكون |
|
جنون منك أن تسعى لرزق |
و يرزق في غشاوته الجنين |
406
وَ قَالَ ع اَلدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلاَ تَبْطَرْ وَ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ قديما قيل هذا المعنى الدهر يومان يوم بلاء و يوم رخاء و الدهر ضربان حبرة و عبرة و الدهر وقتان وقت سرور و وقت ثبور.و قال أبو سفيان يوم أحد يوم بيوم بدر و الدنيا دول.قال ع فإذا كان لك فلا تبطر و إذا كان عليك فاصبر.قد تقدم القول في ذم البطر و مدح الصبر و يحمل ذم البطر هاهنا على محملين أحدهما البطر بمعنى الأشر و شدة المرح بطر الرجل بالكسر يبطر و قد أبطره المال و قالوا بطر فلان معيشته كما قالوا رشد فلان أمره و الثاني البطر بمعنى الحيرة و الدهش أي إذا كان الوقت لك فلا تقطعن زمانك بالحيرة و الدهش عن شكر الله و مكافأة النعمة بالطاعة و العبادة و المحمل الأول أوضح
407
وَ قَالَ ع إِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى اَلْوَلَدِ حَقّاً وَ إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى اَلْوَالِدِ حَقّاً فَحَقُّ اَلْوَالِدِ عَلَى اَلْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ حَقُّ اَلْوَلَدِ عَلَى اَلْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اِسْمَهُ وَ يُحَسِّنَ أَدَبَهُ وَ يُعَلِّمَهُ اَلْقُرْآنَ أما صدر الكلام فمن قول الله سبحانه( أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ اَلْمَصِيرُ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما )
و أما تعليم الوالد الولد القرآن و الأدب فمأمور به و كذلك القول في تسميته باسم حسن و قد جاء
في الحديث تسموا بأسماء الأنبياء و أحب الأسماء إلى الله عبد الله و عبد الرحمن و أصدقها حارث و همام و أقبحها حرب و مرة
و روى أبو الدرداء عن النبي ص أنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم و أسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم
و قال ع إذا سميتم فعبدوا أي سموا بنيكم عبد الله و نحوه من أسماء الإضافة إليه عز اسمه و كان رسول الله ص يغير بعض الأسماء سمى أبا بكر عبد الله و كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة و سمى ابن عوف عبد الرحمن و كان اسمه عبد الحارث و سمى شعب الضلالة شعب الهدى و سمى يثرب طيبة و سمى بني الريبة بني الرشدة و بني معاوية بني مرشدة.كان سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أحد الفقهاء المشهورين
أتى جده رسول الله ص فقال له ما اسمك قال حزن قال لا بل أنت سهل فقال لا بل أنا حزن عاوده فيها ثلاثا ثم قال لا أحب هذا الاسم السهل يوطأ و يمتهن فقال فأنت حزن فكان سعيد يقول فما زلت أعرف تلك الحزونة فينا
و روى جابر عنه ع ما من بيت فيه أحد اسمه محمد إلا وسع الله عليه الرزق فإذا سميتموهم به فلا تضربوهم و لا تشتموهم و من ولد له ثلاثة ذكور و لم يسم أحدهم أحمد أو محمدا فقد جفاني
أبو هريرة عنه ع أنه نهى أن يجمع بين اسمه و كنيته لأحد
و روي أنه أذن لعلي بن أبي طالب ع في ذلك فسمى ابنه محمد بن الحنفية محمدا و كناه أبا القاسم و قد روي أن جماعة من أبناء الصحابة جمع لهم بين الاسم و الكنية.و قال الزمخشري قد قدم الخلفاء و غيرهم من الملوك رجالا بحسن أسمائهم و أقصوا قوما لشناعة أسمائهم و تعلق المدح و الذم بذلك في كثير من الأمور.
و في رسالة الجاحظ إلى أبي الفرج نجاح بن سلمة قد أظهر الله في أسمائكم و أسماء آبائكم و كناكم و كنى أجدادكم من برهان الفأل الحسن و نفي طيرة السوء ما جمع لكم صنوف الأمل و صرف إليكم وجوه الطلب فأسماؤكم و كناكم بين فرج و نجاح و سلامة و فضل و وجوهكم و أخلاقكم و وفق أعراقكم و أفعالكم فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.أراد عمر الاستعانة برجل فسأله عن اسمه و اسم أبيه فقال سراق بن ظالم فقال تسرق أنت و يظلم أبوك فلم يستعن به.سأل رجل رجلا ما اسمك فقال بحر قال أبو من قال أبو الفيض قال ابن من قال ابن الفرات قال ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق.و كان بعض الأعراب اسمه وثاب و له كلب اسمه عمرو فهجاه أعرابي آخر فقال:
و لو هيأ له الله |
من التوفيق أسبابا |
|
لسمى نفسه عمرا |
و سمى الكلب وثابا |
قالوا و كلما كان الاسم غريبا كان أشهر لصاحبه و أمنع من تعلق النبز به قال رؤبة:
قد رفع العجاج ذكري فادعني |
باسمي إذا الأسماء طالت تكفني |
و من هاهنا أخذ المعري قوله يمدح الرضي و المرتضى رحمهما الله:
أنتم ذوو النسب القصير فطولكم |
باد على الكبراء و الأشراف |
|
و الراح إن قيل ابنة العنب اكتفت |
بأب عن الأسماء و الأوصاف |
و سأل النسابة البكري رؤبة عن نسبه و لم يكن يعرفه قال أنا ابن العجاج قال قصرت و عرفت.صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر يا أبا الفضل قيل ليست كنيته قال و إن لم تكن كنيته فإنها صفته نظر عمر إلى جارية له سوداء تبكي فقال ما شأنك قالت ضربني ابنك أبو عيسى قال أ و قد تكنى بأبي عيسى علي به فأحضروه فقال ويحك أ كان لعيسى أب فتكنى به أ تدري ما كنى العرب أبو سلمة أبو عرفطة أبو طلحة أبو حنظلة ثم أدبه.لما أقبل قحطبة بن شبيب نحو ابن هبيرة أراد ابن هبيرة أن يكتب إلى مروان بخبره و كره أن يسميه فقال اقلبوا اسمه فوجدوه هبط حق فقال دعوه على هيئته.قال برصوما الزامر لأمه ويحك أ ما وجدت لي اسما تسميني به غير هذا قالت لو علمت أنك تجالس الخلفاء و الملوك سميتك يزيد بن مزيد.قيل لبعض صبيان الأعراب ما اسمك قال قراد قيل لقد ضيق أبوك عليك الاسم قال إن ضيق الاسم لقد أوسع الكنية قال ما كنيتك قال أبو الصحاري.نظر المأمون إلى غلام حسن الوجه في الموكب فقال له يا غلام ما اسمك قال لا أدري قال أ و يكون أحد لا يعرف اسمه فقال يا أمير المؤمنين اسمي الذي أعرف به لا أدري فقال المأمون:
و سميت لا أدري لأنك لا تدري |
بما فعل الحب المبرح في صدري |
ولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبشر به و هو عند معاوية
بن أبي سفيان فقال له معاوية سمه باسمي و لك خمسمائة ألف درهم فسماه معاوية فدفعها إليه و قال اشتر بها لسميي ضيعة.
و من حديث علي ع عن النبي ص إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه و أوسعوا له في المجلس و لا تقبحوا له وجها
و عنه ص ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم عليها من اسمه محمدا أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم و ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمدا أو أحمد إلا قدس ذلك المنزل في كل يوم مرتين.من أبيات المعاني:
و حللت من مضر بأمنع ذروة |
منعت بحد الشوك و الأحجار |
قالوا يريد بالشوك أخواله و هم قتادة و طلحة و عوسجة و بالأحجار أعمامه و هم صفوان و فهر و جندل و صخر و جرول.سمى عبد الملك ابنا له الحجاج لحبه الحجاج بن يوسف و قال فيه:
سميته الحجاج بالحجاج |
الناصح المكاشف المداجي |
استأذن الجاحظ و الشكاك و هو من المتكلمين على رئيس فقال الخادم لمولاه الجاحد و الشكاك فقال هذان من الزنادقة لا محالة فصاح الجاحظ ويحك ارجع قل الحدقي بالباب و به كان يعرف فقال الخادم الحلقي بالباب فصاح الجاحظ ويلك ارجع إلى الجاحد.جمع ابن دريد ثمانية أسماء في بيت واحد فقال:
فنعم أخو الجلى و مستنبط الندى |
و ملجأ مكروب و مفزع لاهث |
عياذ بن عمرو بن الجليس بن جابر بن زيد بن منظور بن زيد بن وارث
قال محمد بن صدقة المقرئ ليموت بن المزرع صدق الله فيك اسمك فقال له أحوجك الله إلى اسم أبيك.سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل من العرب فلم يعرفه فقال كيسان غلامه أنا أعرف الناس به هو خراش أو خداش أو رياش أو شيء آخر فقال أبو عبيدة ما أحسن ما عرفته يا كيسان قال إي و الله و هو قرشي أيضا قال و ما يدريك به قال أ ما ترى كيف احتوشته الشينات من كل جانب قال الفرزدق:
و قد تلتقي الأسماء في الناس و الكنى |
كثيرا و لكن ميزوا في الخلائق |
رأى الإسكندر في عسكره رجلا لا يزال ينهزم في الحرب فسأله عن اسمه فقال اسمي الإسكندر فقال يا هذا إما أن تغير اسمك و إما أن تغير فعلك.قال شيخنا أبو عثمان لو لا أن القدماء من الشعراء سمت الملوك و كنتها في أشعارها و أجازت و اصطلحت عليه ما كان جزاء من فعل ذلك إلا العقوبة على أن ملوك بني سامان لم يكنها أحد من رعاياها قط و لا سماها في شعر و لا خطبة و إنما حدث هذا في ملوك الحيرة و كانت الجفاة من العرب لسوء أدبها و غلظ تركيبها إذا أتوا النبي ص خاطبوه باسمه و كنيته فأما أصحابه فكانت مخاطبتهم له يا رسول الله و هكذا يجب أن يقال للملك في المخاطبة يا خليفة الله و يا أمير المؤمنين.و ينبغي للداخل على الملك أن يتلطف في مراعاة الأدب كما حكى سعيد بن مرة الكندي دخل على معاوية فقال أنت سعيد فقال أمير المؤمنين السعيد و أنا ابن مرة.و قال المأمون للسيد بن أنس الأزدي أنت السيد فقال أنت السيد يا أمير المؤمنين و أنا ابن أنس.
شاعر:
لعمرك ما الأسماء إلا علامة |
منار و من خير المنار ارتفاعها |
كان قوم من الصحابة يخاطبون رسول الله ص يا نبيء الله بالهمزة فأنكر ذلك و قال لست بنبيء الله و لكني نبي الله.و كان البحتري إذا ذكر الخثعمي الشاعر يقول ذاك الغث العمي.و كان صاحب ربيع يتشيع فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما علي و الآخر معاوية فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتجهت عليه حجة ففطن من أين أتي فقال أصلحك الله سل خصمي عن كنيته فإذا هو أبو عبد الرحمن و كانت كنية معاوية بن أبي سفيان فبطحه و ضربه مائة سوط فقال لصاحبه ما أخذته مني بالاسم استرجعته منك بالكنية
408
وَ قَالَ ع اَلْعَيْنُ حَقٌّ وَ اَلرُّقَى حَقٌّ وَ اَلسِّحْرُ حَقٌّ وَ اَلْفَأْلُ حَقٌّ وَ اَلطِّيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقٍّ وَ اَلْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقٍّ وَ اَلطِّيبُ نُشْرَةٌ وَ اَلْعَسَلُ نُشْرَةٌ وَ اَلرُّكُوبُ نُشْرَةٌ وَ اَلنَّظَرُ إِلَى اَلْخُضْرَةِ نُشْرَةٌ و يروى و الغسل نشرة بالغين المعجمة أي التطهير بالماء
و قد جاء في الحديث المرفوع العين حق و لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين و إذا استغسلتم فاغسلوا قالوا في تفسيره إنهم كانوا يطلبون من العائن أن يتوضأ بماء ثم يسقي منه المعين و يغتسل بسائره.و في حديث عائشة العين حق كما أن محمدا حق.و للحكماء في تعليل ذلك قول لا بأس به قالوا هذا عائد إلى نفس العائن و ذلك لأن الهيولى مطيعة للأنفس متأثرة بها أ لا ترى أن نفوس الأفلاك تؤثر فيها بتعاقب الصور عليها و النفوس البشرية من جوهر نفوس الأفلاك و شديدة الشبه بها إلا أن نسبتها إليها نسبة السراج إلى الشمس فليست عامة التأثير بل تأثيرها في أغلب الأمر في بدنها خاصة و لهذا يحمى مزاج الإنسان عند الغضب
يستعد للجماع عند تصور النفس صورة المعشوق فإذن قد صار تصور النفس مؤثرا فيما هو خارج عنها لأنها ليست حالة في البدن فلا يستبعد وجود نفس لها جوهر مخصوص مخالف لغيره من جواهر النفوس تؤثر في غير بدنها و لهذا يقال إن قوما من الهند يقتلون بالوهم و الإصابة بالعين من هذا الباب و هو أن تستحسن النفس صورة مخصوصة و تتعجب منها و تكون تلك النفس خبيثة جدا فينفعل جسم تلك الصورة مطيعا لتلك النفس كما ينفعل البدن للسم.
و في حديث أم سلمة أن رسول الله ص رأى في وجه جارية لها سعفة فقال إن بها نظرة فاسترقوا لها.
و قال عوف بن مالك الأشجعي كنا نرقي في الجاهلية فقلت يا رسول الله ما ترى في ذلك فقال أعرضوا على رقاكم فلا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك
كان ناس من أصحاب رسول الله ص في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم و قالوا لهم هل فيكم من راق فإن سيد الحي لديغ فقال رجل منهم نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها حتى يأتي رسول الله ص فذكر ذلك لرسول الله ص و قال و عيشك ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب فقال ما أدراكم إنها رقية خذوا منهم و اضربوا لي معكم بسهم
و روى بريدة قال قال رسول الله ص و قد ذكرت عنده الطيرة من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل اللهم لا طير إلا طيرك و لا خير إلا خيرك و لا إله غيرك و لا حول و لا قوة إلا بالله
و عنه ع ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له
أنس بن مالك يرفعه لا عدوى و لا طيرة و يعجبني الفأل الصالح قالوا فما الفأل الصالح قال الكلمة الطيبة
و عنه ع تفاءلوا و لا تطيروا
و روى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ص كان لا يتطير من شيء و كان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه فإذا أعجبه سر به و رئي بشر ذلك في وجهه و إن كره اسمه رئيت الكراهة على وجهه و إذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه ظهر على وجهه.بنى عبيد الله بن زياد بالبصرة دارا عظيمة فمر بها بعض الأعراب فرأى في دهليزها صورة أسد و كلب و كبش فقال أسد كالح و كبش ناطح و كلب نابح و الله لا يمتع بها فلم يلبث عبيد الله فيها إلا أياما يسيرة.
أبو هريرة يرفعه إذا ظننتم فلا تحققوا و إذا تطيرتم فامضوا و على الله فتوكلوا
و قال ع أحسنها الفأل و لا يرد قدرا و لكن إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت و لا يدفع السيئات إلا أنت و لا حول و لا قوة إلا بك.و قال بعض الشعراء:
لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه |
إلا كواذب ما يجري به الفأل |
|
و الفأل و الزجر و الكهان كلهم |
مضللون و دون الغيب أقفال |
و عن النبي ص القيافة و الطرق و الطيرة من الخبث
ابن عباس يرفعه من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر
أبو هريرة يرفعه من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول فقد برئ مما أنزل الله على أبي القاسم.
شاعر:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى |
و لا زاجرت الطير ما الله صانع |
و قال آخر:
لا يقعدنك عن بغاء |
الخير تعقاد العزائم |
|
فلقد غدوت و كنت لا |
أغدو على راق و حائم |
|
فإذا الأشائم كالأيامن |
و الأيامن كالأشائم |
|
و كذاك لا خير و لا |
شر على أحد بدائم |
تفاءل هشام بن عبد الملك بنصر بن سيار فقلده خراسان فبقي فيها عشر سنين.و تفاءل عامر بن إسماعيل قاتل مروان بن محمد باسم رجل لقيه فسأله عن اسمه فقال منصور بن سعد قال من أي العرب قال من سعد العشيرة فاستصحبه و طلب مروان فظفر به و قتله.و تفاءل المأمون بمنصور بن بسام فكان سبب مكانته عنده.قالوا إنما أصل اليد اليسرى العسرى إلا أنهم أبدلوا اليسرى من اليسر تفاؤلا.مزرد بن ضرار:
و إني امرؤ لا تقشعر ذؤابتي |
من الذئب يعوي و الغراب المحجل |
الكميت:
و لا أنا ممن يزجر الطير همه |
أ صاح غراب أم تعرض ثعلب |
و قال بعض العرب خرجت في طلب ناقة ضلت لي فسمعت قائلا يقول:
و لئن بعثت لها بغاة |
فما البغاة بواجدينا |
فلم أتطير و مضيت لوجهي فلقيني رجل قبيح الوجه به ما شئت من عاهة فلم أتطير و تقدمت فلاحت لي أكمة فسمعت منها صائحا
و الشر يلقى مطالع الأكم
فلم أكترث و لا انثنيت و علوتها فوجدت ناقتي قد تفاجت للولادة فنتجتها و عدت إلى منزلي بها و معها ولدها.
و قيل لعلي ع لا تحاربهم اليوم فإن القمر في العقرب فقال قمرنا أم قمرهم
و روي عنه ع أنه كان يكره أن يسافر أو يتزوج في محاق الشهر و إذا كان القمر في العقرب و روي أن ابن عباس قال على منبر البصرة إن الكلاب من الحن و إن الحن من ضعفاء الجن فإذ غشيكم منهم شيء فألقوا إليه شيئا أو اطردوه فإن لها أنفس سوء.و قال أبو عثمان الجاحظ كان علماء الفرس و الهند و أطباء اليونانيين و دهاة العرب و أهل التجربة من نازلة الأمصار و حذاق المتكلمين يكرهون الأكل بين يدي السباع يخافون عيونها للذي فيها من النهم و الشره و لما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء و ينفصل من عيونها مما إذا خالط الإنسان نقض بنية قلبه و أفسده و كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب و الأشربة على رءوسهم خوفا من أعينهم و شدة ملاحظتهم إياهم و كانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا و كانوا يقولون في الكلب و السنور إما أن يطرد أو يشغل بما يطرح له.
و قالت الحكماء نفوس السباع أردأ النفوس و أخبثها لفرط شرهها و شرها قالوا و قد وجدنا الرجل يضرب الحية بعصا فيموت الضارب و الحية لأن سم الحية فصل منها حتى خالط أحشاء الضارب و قلبه و نفذ في مسام جسده.و قد يديم الإنسان النظر إلى العين المحمرة فتعتري عينه حمرة و التثاؤب يعدي أعداء ظاهرا و يكره دنو الطامث من اللبن لتسوطه لأن لها رائحة و بخارا يفسد اللبن المسوط.و قال الأصمعي رأيت رجلا عيونا كان يذكر عن نفسه أنه إذا أعجبه الشيء وجد حرارة تخرج من عينه.و قال أيضا كان عندنا عيونان فمر أحدهما بحوض من حجارة فقال تالله ما رأيت كاليوم حوضا فانصدع فلقتين فمر عليه الثاني فقال و أبيك لقلما ضررت أهلك فيك فتطاير أربع فلق.و سمع آخر صوت بول من وراء جدار حائط فقال إنك كثير الشخب فقالوا هو ابنك فقال أوه انقطع ظهره فقيل لا بأس عليه إن شاء الله فقال و الله لا يبول بعدها أبدا فما بال حتى مات.و سمع آخر صوت شخب ناقة بقوة فأعجبه فقال أيتهن هذه فوروا بأخرى عنها فهلكتا جميعا المورى بها و المورى عنها قال رجل من خاصة المنصور له قبل أن يقتل أبا مسلم بيوم واحد إني رأيت اليوم لأبي مسلم ثلاثا تطيرت له منها قال ما هي قال ركب فوقعت قلنسوته
عن رأسه فقال المنصور الله أكبر تبعها و الله رأسه فقال و كبا به فرسه فقال الله أكبر كبا و الله جده و أصلد زنده فما الثالثة قال إنه قال لأصحابه أنا مقتول و إنما أخادع نفسي و إذا رجل ينادي آخر من الصحراء اليوم آخر الأجل يا فلان فقال الله أكبر انقضى أجله إن شاء الله و انقطع من الدنيا أثره فقتل في غد ذلك اليوم.تجهز النابغة الذبياني للغزو و اسمه زياد بن عمرو مع زبان بن سيار الفزاري فلما أراد الرحيل سقطت عليه جرادة فتطير و قال ذات لونين تجرد غري من خرج فأقام و لم يلتفت زبان إلى طيرته فذهب و رجع غانما فقال:
تطير طيرة يوما زياد |
لتخبره و ما فيها خبير |
|
أقام كان لقمان بن عاد |
أشار له بحكمته مشير |
|
تعلم إنه لا طير إلا |
على متطير و هو الثبور |
|
بلى شيء يوافق بعض شيء |
أحايينا و باطله كثير |
حضر عمر بن الخطاب الموسم فصاح به صائح يا خليفة رسول الله فقال رجل من بني لهب و هم أهل عيافة و زجر دعاه باسم ميت مات و الله أمير المؤمنين فلما وقف الناس للجمار إذا حصاة صكت صلعة عمر فأدمي منها فقال ذلك القائل أشعر و الله أمير المؤمنين لا و الله ما يقف هذا الموقف أبدا فقتل عمر قبل أن يحول الحول و قال كثير بن عبد الرحمن:
تيممت لهبا أبتغي العلم عندها |
و قد صار علم العائفين إلى لهب |
كان للعرب كاهنان اسم أحدهما شق و كان نصف إنسان و اسم الآخر سطيح و كان يطوى طي الحصير و يتكلمان بكل أعجوبة في الكهانة فقال ابن الرومي:
لك رأي كأنه رأي شق |
و سطيح قريعي الكهان |
|
يستشف الغيوب عما تواري |
بعيون جلية الإنسان |
و قال أبو عثمان الجاحظ كان مسيلمة قبل أن يتنبأ يدور في الأسواق التي كانت بين دور العرب و العجم كسوق الأبلة و سوق بقة و سوق الأنبار و سوق الحيرة يلتمس تعلم الحيل و النيرنجيات و احتيالات أصحاب الرقى و العزائم و النجوم و قد كان أحكم علم الحزاة و أصحاب الزجر و الخط فعمد إلى بيضة فصب إليها خلا حاذقا قاطعا فلانت حتى إذا مدها الإنسان استطالت و دقت كالعلك ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس و تركها حتى انضمت و استدارت و جمدت فعادت كهيئتها الأولى فأخرجها إلى قوم و هم أعراب و استغواهم بها و فيه قيل:
ببيضة قارور و راية شادن |
و توصيل مقطوع من الطير حاذق |
قالوا أراد براية الشادن التي يعملها الصبي من القرطاس الرقيق و يجعل لها ذنبا و جناحين و يرسلها يوم الريح بخيط طويل.كان مسيلمة يعمل رايات من هذا الجنس و يعلق فيها الجلاجل و يرسلها ليلا في شدة الريح و يقول هذه الملائكة تنزل علي و هذه خشخشة الملائكة و زجلها و كان يصل جناح الطير المقصوص بريش معه فيطير و يستغوي به الأعراب.شاعر في الطيرة
و أمنع الياسمين الغض من حذري |
عليك إذ قيل لي نصف اسمه ياس |
و قال آخر:
أهدت إليه سفرجلا فتطيرا |
منه و ظل مفكرا مستعبرا |
|
خوف الفراق لأن شطر هجائه |
سفر و حق له بأن يتطيرا |
و قال آخر:
يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا |
ما كنت في إهدائه محسنا |
|
نصف اسمه سو فقد ساءني |
يا ليت إني لم أر السوسنا |
و مثله:
لا تراني طوال دهري |
أهوى الشقائقا |
|
إن يكن يشبه الخدود |
فنصف اسمه شقا |
و كانوا يتفاءلون بالآس لدوامه و يتطيرون من النرجس لسرعة انقضائه و يسمونه الغدار.و قال العباس بن الأحنف:
إن الذي سماك يا منيتي |
بالنرجس الغدار ما أنصفا |
|
لو أنه سماك بالآسة |
وفيت إن الآس أهل الوفا |
خرج كثير يريد عزة و معه صاحب له من نهد فرأى غرابا ساقطا فوق بانة ينتف ريشه فقال له النهدي إن صدق الطير فقد ماتت عزة فوافى أهلها و قد أخرجوا جنازتها فقال:
و ما أعيف النهدي لا در دره |
و أزجره للطير لا عز ناصره |
|
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة |
ينتف أعلى ريشه و يطايره |
فقال غراب لاغتراب و بانة |
لبين و فقد من حبيب تعاشره |
و قال الشاعر:
و سميته يحيى ليحيا و لم يكن |
إلى رد حكم الله فيه سبيل |
|
تيممت فيه الفأل حين رزقته |
و لم أدر أن الفأل فيه يفيل |
فأما القول في السحر فإن الفقهاء يثبتونه و يقولون فيه القود و قد جاء في الخبر أن رسول الله ص سحره لبيد بن أعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه عمل الشيء و لم يعمله.
و روي أن امرأة من يهود سحرته بشعر و قصاص ظفر و جعلت السحر في بئر و أن الله تعالى دله على ذلك فبعث عليا ع فاستخرجه و قتل المرأة و قوم من المتكلمين ينفون هذا عنه ع و يقولون إنه معصوم من مثله.و الفلاسفة تزعم أن السحر من آثار النفس الناطقة و أنه لا يبعد أن يكون في النفوس نفس تؤثر في غير بدنها المرض و الحب و البغض و نحو ذلك و أصحاب الكواكب يجعلون للكواكب في ذلك تأثيرا و أصحاب خواص الأحجار و النبات و غيرها يسندون ذلك إلى الخواص و كلام أمير المؤمنين ع دال على تصحيح ما يدعى من السحر.و أما العدوى
فقد قال رسول الله ص لا عدوى في الإسلام و قال لمن قال أعدى بعضها بعضا يعني الإبل فمن أعدى الأول و قال لا عدوى و لا هامة و لا صفر فالعدوى معروفة و الهامة ما كانت العرب تزعمه في المقتول
لا يؤخذ بثأره و الصفر ما كانت العرب تزعمه من الحية في البطن تعض عند الجوع
و سنذكر هاهنا نكتا ممتعة من مذاهب العرب و تخيلاتها لأن الموضع قد ساقنا إليه أنشد هشام بن الكلبي لأمية بن أبي الصلت:
سنة أزمة تبرح بالناس |
ترى للعضاة فيها صريرا |
|
لا على كوكب تنوء و لا ريح |
جنوب و لا ترى طحرورا |
|
و يسقون باقر السهل للطود |
مهازيل خشية أن تبورا |
|
عاقدين النيران في ثكن الأذناب |
منها لكي تهيج البحورا |
|
سلع ما و مثله عشر ما |
عامل ما و عالت البيقورا |
يروى أن عيسى بن عمر قال ما أدري معنى هذا البيت و يقال إن الأصمعي صحف فيه فقال و غالت البيقورا بالغين المعجمة و فسره غيره فقال عالت بمعنى أثقلت البقر بما حملتها من السلع و العشر و البيقور البقر و عائل غالب أو مثقل و كانت العرب إذا أجدبت و أمسكت السماء عنهم و أرادوا أن يستمطروا عمدوا إلى السلع و العشر فحزموهما و عقدوهما في أذناب البقر و أضرموا فيها النيران و أصعدوها في جبل وعر و اتبعوها يدعون الله و يستسقونه و إنما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار و كانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات و قال أعرابي:
شفعنا ببيقور إلى هاطل الحيا |
فلم يغن عنا ذاك بل زادنا جدبا |
|
فعدنا إلى رب الحيا فأجارنا |
و صير جدب الأرض من عنده خصبا |
و قال آخر:
قل لبني نهشل أصحاب الحور |
أ تطلبون الغيث جهلا بالبقر |
|
و سلع من بعد ذاك و عشر |
ليس بذا يجلل الأرض المطر |
و يمكن أن يحمل تفسير الأصمعي على محمل صحيح فيقال غالت بمعنى أهلكت يقال غاله كذا و اغتاله أي أهلكه و غالتهم غول يعني المنية و منه الغضب غول الحلم.و قال آخر:
لما كسونا الأرض أذناب البقر |
بالسلع المعقود فيها و العشر |
و قال آخر:
يا كحل قد أثقلت أذناب البقر |
بسلع يعقد فيها و عشر |
فهل تجودين ببرق و مطر
و قال آخر يعيب العرب بفعلهم هذا:
لا در در رجال خاب سعيهم |
يستمطرون لدى الإعسار بالعشر |
|
أ جاعل أنت بيقورا مسلعة |
ذريعة لك بين الله و المطر |
و قال بعض الأذكياء كل أمة قد تحذو في مذاهبها مذاهب ملة أخرى و قد كانت الهند تزعم أن البقر ملائكة سخط الله عليها فجعلها في الأرض و أن لها عنده حرمة و كانوا يلطخون الأبدان بأخثائها و يغسلون الوجوه ببولها و يجعلونها مهور نسائهم و يتبركون بها في جميع أحوالهم فلعل أوائل العرب حذوا هذا الحذو و انتهجوا هذا المسلك
و للعرب في البقر خيال آخر و ذلك أنهم إذا أوردوها فلم ترد ضربوا الثور ليقتحم الماء فتقتحم البقر بعده و يقولون إن الجن تصد البقر عن الماء و إن الشيطان يركب قرني الثور و قال قائلهم:
إني و قتلي سليكا حين أعقله |
كالثور يضرب لما عافت البقر |
و قال نهشل بن حري:
كذاك الثور يضرب بالهراوى |
إذا ما عافت البقر الظماء |
و قال آخر:
كالثور يضرب للورود |
إذا تمنعت البقر |
فإن كان ليس إلا هذا فليس ذاك بعجيب من البقر و لا بمذهب من مذاهب العرب لأنه قد يجوز أن تمتنع البقر من الورود حتى يرد الثور كما تمتنع الغنم من سلوك الطرق أو دخول الدور و الأخبية حتى يتقدمها الكبش أو التيس و كالنحل تتبع اليعسوب و الكراكي تتبع أميرها و لكن الذي تدل عليه أشعارها أن الثور يرد و يشرب و لا يمتنع و لكن البقر تمتنع و تعاف الماء و قد رأت الثور يشرب فحينئذ يضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شربه و هذا هو العجب قال الشاعر:
فإني إذن كالثور يضرب جنبه |
إذا لم يعف شربا و عافت صواحبه |
و قال آخر:
فلا تجعلوني كالبقير و فحلها |
يكسر ضربا و هو للورد طائع |
|
و ما ذنبه إن لم يرد بقراته |
و قد فاجأتها عند ذاك الشرائع |
و قال الأعشى:
لكالثور و الجني يضرب وجهه |
و ما ذنبه إن عافت الماء مشربا |
|
و ما ذنبه إن عافت الماء باقر |
و ما إن يعاف الماء إلا ليضربا |
قالوا في تفسيره لما كان امتناعها يتعقبه الضرب حسن أن يقال عافت الماء لتضرب و هذه اللام هي لام العاقبة كقوله لدوا للموت و على هذا فسر أصحابنا قوله سبحانه( وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ ) .و من مذاهب العرب أيضا تعليق الحلي و الجلاجل على اللديغ يرون أنه يفيق بذلك و يقال إنه إنما يعلق عليه لأنهم يرون أنه إن نام يسري السم فيه فيهلك فشغلوه بالحلي و الجلاجل و أصواتها عن النوم و هذا قول النضر بن شميل و بعضهم يقول إنه إذا علق عليه حلي الذهب برأ و إن علق الرصاص أو حلي الرصاص مات.و قيل لبعض الأعراب أ تريدون شهرة فقال إن الحلي لا تشهر و لكنها سنة ورثناها.و قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة |
من الرقش في أنيابها السم ناقع |
|
يسهد من ليل التمام سليمها |
لحلي النساء في يديه قعاقع |
و قال بعض بني عذرة:
كأني سليم ناله كلم حية |
ترى حوله حلي النساء مرصعا |
و قال آخر:
و قد عللوا بالبطل في كل موضع |
و غروا كما غر السليم الجلاجل |
و قال جميل و ظرف في قوله و لو قاله العباس بن الأحنف لكان ظريفا:
إذا ما لديغ أبرأ الحلي داءه |
فحليك أمسى يا بثينة دائيا |
و قال عويمر النبهاني و هو يؤكد قول النضر بن شميل:
فبت معنى بالهموم كأنني |
سليم نفى عنه الرقاد الجلاجل |
و مثله قول الآخر:
كأني سليم سهد الحلي عينه |
فراقب من ليل التمام الكواكبا |
و يشبه مذهبهم في ضرب الثور مذهبهم في العر يصيب الإبل فيكوى الصحيح ليبرأ السقيم و قال النابغة:
و كلفتني ذنب امرئ و تركته |
كذي العر يكوى غيره و هو راتع |
و قال بعض الأعراب:
كمن يكوى الصحاح يروم برءا |
به من كل جرباء الإهاب |
و هذا البيت يبطل رواية من روى بيت النابغة كذي العر بضم العين لأن العر بالضم قرح في مشافر الإبل غير الجرب و العر بالفتح الجرب نفسه فإذا دل الشعر على أنه يكوى الصحيح ليبرأ الأجرب فالواجب أن يكون بيت النابغة كذي العر بالفتح.و مثل هذا البيت قول الآخر:
فألزمتني ذنبا و غيري جره |
حنانيك لا يكوى الصحيح بأجربا |
إلا أن يكون إطلاق لفظ الجرب على هذا المرض المخصوص من باب المجاز لمشابهته له
و من تخيلات العرب و مذاهبها أنهم كانوا يفقئون عين الفحل من الإبل إذا بلغت ألفا كأنهم يدفعون العين عنها قال الشاعر:
فقأنا عيونا من فحول بهازر |
و أنتم برعي البهم أولى و أجدر |
و قال آخر:
وهبتها و كنت ذا امتنان |
تفقأ فيها أعين البعران |
و قال الآخر:
أعطيتها ألفا و لم تبخل بها |
ففقأت عين فحيلها معتافا |
و قد ظن قوم أن بيت الفرزدق و هو:
غلبتك بالمفقئ و المعنى |
و بيت المحتبي و الخافقات |
من هذا الباب و ليس الأمر على ذلك و إنما أراد بالفقء قوله لجرير:
و لست و لو فقأت عينيك واجدا |
أخا كلقيط أو أبا مثل دارم |
و أراد بالمعنى قوله لجرير أيضا:
و إنك إذ تسعى لتدرك دارما |
لأنت المعنى يا جرير المكلف |
و أراد بقوله بيت المحتبي قوله:
بيت زرارة محتب بفنائه |
و مجاشع و أبو الفوارس نهشل |
و بيت الخافقات قوله:
و معصب بالتاج يخفق فوقه |
خرق الملوك له خميس جحفل |
فأما مذهبهم في البلية و هي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت فمذهب مشهور و البلية أنهم إذا مات منهم كريم بلوا ناقته أو بعيره فعكسوا عنقها و أداروا رأسها إلى مؤخرها و تركوها في حفيرة لا تطعم و لا تسقى حتى تموت و ربما أحرقت بعد موتها و ربما سلخت و ملئ جلدها ثماما و كانوا يزعمون أن من مات و لم يبل عليه حشر ماشيا و من كانت له بلية حشر راكبا على بليته قال جريبة بن الأشيم الفقعسي لابنه:
يا سعد إما أهلكن فإنني |
أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب |
|
لا أعرفن أباك يحشر خلفكم |
تعبا يجر على اليدين و ينكب |
|
و احمل أباك على بعير صالح |
و تق الخطيئة إنه هو أصوب |
|
و لعل لي مما جمعت مطية |
في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا |
و قال جريبة أيضا:
إذا مت فادفني بجداء ما بها |
سوى الأصرخين أو يفوز راكب |
|
فإن أنت لم تعقر علي مطيتي |
فلا قام في مال لك الدهر جالب |
|
و لا تدفنني في صوى و ادفننني |
بديمومة تنزو عليها الجنادب |
و قد ذكرت في مجموعي المسمى بالعبقري الحسان أن أبا عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالعرحمهالله ذكر في كتابه في آراء العرب و أديانها هذه الأبيات و استشهد بها على ما كانوا يعتقدون في البلية و قلت إنه وهم في ذلك و إنه ليس في هذه الأبيات دلالة على هذا المعنى و لا لها به تعلق و إنما هي وصية لولده أن يعقر مطيته بعد موته إما لكيلا يركبها غيره بعده أو على هيئة القربان كالهدي المعقور
بمكة أو كما كانوا يعقرون عند القبور و مذهبهم في العقر على القبور كقول زياد الأعجم في المغيرة بن المهلب:
إن السماحة و المروءة ضمنا |
قبرا بمرو على الطريق الواضح |
|
فإذا مررت بقبره فاعقر به |
كوم الهجان و كل طرف سابح |
و قال الآخر:
نفرت قلوصي عن حجارة حرة |
بنيت على طلق اليدين وهوب |
|
لا تنفري يا ناق منه فإنه |
شريب خمر مسعر لحروب |
|
لو لا السفار و بعد خرق مهمه |
لتركتها تحبو على العرقوب |
و مذهبهم في العقر على القبور مشهور و ليس في هذا الشعر ما يدل على مذهبهم في البلية فإن ظن ظان أن قوله أو يفوز راكب فيه إيماء إلى ذلك فليس الأمر كما ظنه و معنى البيت ادفني بفلاة جداء مقطوعة عن الإنس ليس بها إلا الذئب و الغراب أو أن يعتسف راكبها المفازة و هي المهلكة سموها مفازة على طريق الفأل و قيل إنها تسمى مفازة من فوز أي هلك فليس في هذا البيت ذكر البلية و لكن الخالع أخطأ في إيراده في هذا الباب كما أخطأ في هذا الباب أيضا في إيراده قول مالك بن الريب:
و عطل قلوصي في الركاب فإنها |
ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا |
فظن أن ذلك من هذا الباب الذي نحن فيه و لم يرد الشاعر ذلك و إنما أراد
لا تركبوا راحلتي بعدي و عطلوها بحيث لا يشاهدها أعادي و أصادقي ذاهبة جائية تحت راكبها فيشمت العدو و يساء الصديق و قد أخطأ الخالع في مواضع عده من هذا الكتاب و أورد أشعارا في غير موضعها و ظنها مناسبة لما هو فيه فمنها ما ذكرناه و منها أنه ذكر مذهب العرب في الحلي و وضعه على اللديغ و استشهد عليه بقول الشاعر:
يلاقي من تذكر آل ليلى |
كما يلقى السليم من العداد |
و لا وجه لإيراد هذا البيت في هذا الموضع فالعداد معاودة السم الملسوع في كل سنة في الوقت الذي لدغ فيه و ليس هذا من باب الحلي بسبيل.و من ذلك إيراده قول الفرزدق غلبتك بالمفقئ في باب فقء عيون الفحول إذا بلغت الإبل ألفا و قد تقدم شرحنا لموضع الوهم في ذلك و سنذكر هاهنا كثيرا من المواضع التي وهم فيها إن شاء الله.و مما ورد عن العرب في البلية قول بعضهم:
أ بني زودني إذا فارقتني |
في القبر راحلة برحل فاتر |
|
للبعث أركبها إذا قيل اركبوا |
مستوثقين معا لحشر الحاشر |
و قال عويم النبهاني:
أ بني لا تنسى البلية إنها |
لأبيك يوم نشوره مركوب |
و من تخيلات العرب و مذاهبها ما حكاه ابن الأعرابي قال كانت العرب إذا نفرت الناقة فسميت لها أمها سكنت من النفار قال الراجز:
أقول و الوجناء بي تقحم |
ويلك قل ما اسم أمها يا علكم |
علكم اسم عبد له و إنما سأل عبده ترفعا أن يعرف اسم أمها لأن العبيد بالإبل أعرف و هم رعاتها.و أنشد السكري:
فقلت له ما اسم أمها هات فادعها |
تجبك و يسكن روعها و نفارها |
و مما كانت العرب كالمجتمعة عليه الهامة و ذلك أنهم كانوا يقولون ليس من ميت يموت و لا يقتل إلا و يخرج من رأسه هامة فإن كان قتل و لم يؤخذ بثأره نادت الهامة على قبره اسقوني فإني صدية و عن هذا قال النبي ص لا هامة.و حكي أن أبا زيد كان يقول الهامة مشددة الميم إحدى هوام الأرض و أنها هي المتلونة المذكورة.و قيل إن أبا عبيد قال ما أرى أبا زيد حفظ هذا و قد يسمونها الصدى و الجمع أصداء قال
و كيف حياة أصداء و هام
و قال أبو دواد الإيادي:
سلط الموت و المنون عليهم |
فلهم في صدى المقابر هام |
و قال بعضهم لابنه:
و لا تزقون لي هامة فوق مرقب |
فإن زقاء الهام للمرء عائب |
|
تنادي ألا اسقوني و كل صدى به |
و تلك التي تبيض منها الذوائب |
يقول له لا تترك ثأري إن قتلت فإنك إن تركته صاحت هامتي اسقوني فإن كل صدى و هو هاهنا العطش بأبيك و تلك التي تبيض منها الذوائب لصعوبتها و شدتها كما يقال أمر يشيب رأس الوليد و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر عليه و هو مقبور إذا لم يثأر به و يحتمل أن يريد به صعوبة الأمر على ابنه يعني أن ذلك عار عليك و قال ذو الإصبع:
يا عمرو إلا تدع شتمي و منقصتي |
أضربك حيث تقول الهامة اسقوني |
و قال آخر:
فيا رب إن أهلك و لم ترو هامتي |
بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري |
و يحتمل هذا البيت أن يكون خارجا عن هذا المعنى الذي نحن فيه و أن يكون ري هامته الذي طلبه من ربه هو وصال ليلى و هما في الدنيا و هم يكنون عما يشفيهم بأنه يروي هامتهم.و قال مغلس الفقسي:
و إن أخاكم قد علمت مكانه |
بسفح قبا تسفي عليه الأعاصر |
|
له هامة تدعو إذا الليل جنها |
بني عامر هل للهلالي ثائر |
و قال توبة بن الحمير:
و لو أن ليلى الأخيلية سلمت |
علي و دوني جندل و صفائح |
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا |
إليها صدى من جانب القبر صائح |
و قال قيس بن الملوح و هو المجنون:
و لو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا |
و من دوننا رمس من الأرض أنكب |
|
لظل صدى رمسي و إن كنت رمة |
لصوت صدى ليلى يهش و يطرب |
و قال حميد بن ثور:
ألا هل صدى أم الوليد مكلم |
صداي إذا ما كنت رمسا و أعظما |
و مما أبطله الإسلام قول العرب بالصفر زعموا أن في البطن حية إذا جاع الإنسان عضت على شرسوفه و كبده و قيل هو الجوع بعينه ليس أنها تعض بعد حصول الجوع فأما لفظ الحديث
لا عدوى و لا هامة و لا صفر و لا غول فإن أبا عبيدة معمر بن المثنى قال هو صفر الشهر الذي بعد المحرم قال نهى ع عن تأخيرهم المحرم إلى صفر يعني ما كانوا يفعلونه من النسيء و لم يوافق أحد من العلماء أبا عبيدة على هذا التفسير و قال الشاعر:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه |
و لا يعض على شرسوفه الصفر |
و قال بعض شعراء بني عبس يذكر قيس بن زهير لما هجر الناس و سكن الفيافي
و أنس بالوحش ثم رأى ليلة نارا فعشا إليها فشم عندها قتار اللحم فنازعته شهوته فغلبها و قهرها و مال إلى شجرة سلم فلم يزل يكدمها و يأكل من خبطها إلى أن مات:
إن قيسا كان ميتته |
كرم و الحي منطلق |
|
شام نارا بالهوى فهوى |
و شجاع البطن يختفق |
|
في دريس ليس يستره |
رب حر ثوبه خلق |
و قوله بالهوى اسم موضع بعينه و قال أبو النجم العجلي:
إنك يا خير فتى نستعدي |
على زمان مسنت بجهد |
عضا كعض صفر بكبد
و قال آخر:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه |
و أوثر غيري من عيالك بالطعم |
و من خرافات العرب أن الرجل منهم كان إذا أراد دخول قرية فخاف وباءها أو جنها وقف على بابها قبل أن يدخلها فنهق نهيق الحمار ثم علق عليه كعب أرنب كان ذلك عوذة له و رقية من الوباء و الجن و يسمون هذا النهيق التعشير قال شاعرهم:
و لا ينفع التعشير أن حم واقع |
و لا زعزع و لا كعب أرنب |
و قال الهيثم بن عدي خرج عروة بن الورد إلى خيبر في رفقه ليمتاروا فلما قربوا منها عشروا و عاف عروة أن يفعل فعلهم و قال
لعمري لئن عشرت من خيفة الردى |
نهاق حمير إنني لجزوع |
|
فلا وألت تلك النفوس و لا أتت |
قفولا إلى الأوطان و هي جميع |
|
و قالوا إلا انهق لا تضرك خيبر |
و ذلك من فعل اليهود ولوع |
الولوع بالضم الكذب ولع الرجل إذا كذب فيقال إن رفقته مرضوا و مات بعضهم و نجا عروة من الموت و المرض.و قال آخر:
لا ينجينك من حمام واقع |
كعب تعلقه و لا تعشير |
و يشابه هذا أن الرجل منهم كان إذا ضل في فلاة قلب قميصه و صفق بيديه كأنه يومئ بهما إلى إنسان فيهتدي قال أعرابي:
قلبت ثيابي و الظنون تجول بي |
و ترمي برحلي نحو كل سبيل |
|
فلأيا بلأي ما عرفت جليتي |
و أبصرت قصدا لم يصب بدليل |
و قال أبو العملس الطائي:
فلو أبصرتني بلوى بطان |
أصفق بالبنان على البنان |
|
فأقلب تارة خوفا ردائي |
و أصرخ تارة بأبي فلان |
|
لقلت أبو العملس قد دهاه |
من الجنان خالعة العنان |
و الأصل في قلب الثياب التفاؤل بقلب الحال و قد جاء في الشريعة الإسلامية نحو ذلك في الاستسقاء
و من مذاهب العرب أن الرجل منهم كان إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في ساقها فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط فإن وجده بحاله علم أن زوجته لم تخنه و إن لم يجده أو وجده محلولا قال قد خانتني و ذلك العقد يسمى الرتم و يقال بل كانوا يعقدون طرفا من غصن الشجرة بطرف غصن آخر و قال الراجز:
هل ينفعنك اليوم إن همت بهم |
كثرة ما توصي و تعقاد الرتم |
و قال آخر:
خانته لما رأت شيبا بمفرقه |
و غره حلفها و العقد للرتم |
و قال آخر:
لا تحسبن رتائما عقدتها |
تنبيك عنها باليقين الصادق |
و قال آخر:
يعلل عمرو بالرتائم قلبه |
و في الحي ظبي قد أحلت محارمه |
|
فما نفعت تلك الوصايا و لا جنت |
عليه سوى ما لا يحب رتائمه |
و قال آخر:
ما ذا الذي تنفعك الرتائم |
إذ أصبحت و عشقها ملازم |
|
و هي على لذاتها تداوم |
يزورها طب الفؤاد عارم |
بكل أدواء النساء عالم
و قد كانوا يعقدون الرتم للحمى و يرون أن من حلها انتقلت الحمى إليه و قال الشاعر:
حللت رتيمة فمكثت شهرا |
أكابد كل مكروه الدواء |
و قال ابن السكيت إن العرب كانت تقول إن المرأة المقلات و هي التي لا يعيش لها ولد إذا وطئت القتيل الشريف عاش ولدها قال بشر بن أبي خازم:
تظل مقاليت النساء تطأنه |
يقلن أ لا يلقى على المرء مئزر |
و قال أبو عبيدة تتخطاه المقلات سبع مرات فذلك وطؤها له.و قال ابن الأعرابي يمرون به و يطئون حوله و قيل إنما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدرا أو قودا.و قال الكميت:
و تطيل المرزآت المقاليت |
إليه القعود بعد القيام |
و قال الآخر:
تركنا الشعثمين برمل خبت |
تزورهما مقاليت النساء |
و قال الآخر:
بنفسي التي تمشي المقاليت حوله |
يطاف له كشحا هضيما مهشما |
و قال آخر:
تباشرت المقالت حين قالوا |
ثوى عمرو بن مرة بالحفير |
و من تخيلات العرب و خرافاتها أن الغلام منهم كان إذا سقطت له سن أخذها بين السبابة و الإبهام و استقبل الشمس إذا طلعت و قذف بها و قال يا شمس أبدليني بسن أحسن منها و ليجر في ظلمها إياتك أو تقول إياؤك و هما جميعا شعاع الشمس قال طرفة
سقته إياة الشمس
و إلى هذا الخيال أشار شاعرهم بقوله:
شادن يجلو إذا ما ابتسمت |
عن أقاح كأقاح الرمل غر |
|
بدلته الشمس من منبته |
بردا أبيض مصقول الأشر |
و قال آخر:
و أشنب واضح عذب الثنايا |
كأن رضابه صافي المدام |
|
كسته الشمس لونا من سناها |
فلاح كأنه برق الغمام |
و قال آخر:
بذي أشر عذب المذاق تفردت |
به الشمس حتى عاد أبيض ناصعا |
و الناس اليوم في صبيانهم على هذا المذهب.و كانت العرب تعتقد أن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب.و قال الشاعر:
بناة مكارم و أساة جرح |
دماؤهم من الكلب الشفاء |
و قال عبد الله بن الزبير الأسدي:
من خير بيت علمناه و أكرمه |
كانت دماؤهم تشفي من الكلب |
و قال الكميت:
أحلامكم لسقام الجهل شافية |
كما دماؤكم تشفي من الكلب |
و من تخيلات العرب أنهم كانوا إذا خافوا على الرجل الجنون و تعرض الأرواح
الخبيثة له نجسوه بتعليق الأقذار عليه كخرقة الحيض و عظام الموتى قالوا و أنفع من ذلك أن تعلق عليه طامث عظام موتى ثم لا يراها يومه ذلك و أنشدوا للمزق العبدي:
فلو أن عندي جارتين و راقيا |
و علق أنجاسا على المعلق |
قالوا و التنجيس يشفي إلا من العشق قال أعرابي:
يقولون علق يا لك الخير رمة |
و هل ينفع التنجيس من كان عاشقا |
و قالت امرأة و قد نجست ولدها فلم ينفعه و مات:
نجسته لو ينفع التنجيس |
و الموت لا تفوته النفوس |
و كان أبو مهدية يعلق في عنقه العظام و الصوف حذر الموت و أنشدوا:
أتوني بأنجاس لهم و منجس |
فقلت لهم ما قدر الله كائن |
و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا خدرت رجله ذكر من يحب أو دعاه فيذهب خدرها.و روي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له ادع أحب الناس إليك فقال يا رسول الله.و قال الشاعر:
على أن رجلي لا يزال امذلالها |
مقيما بها حتى أجيلك في فكري |
و قال كثير:
إذا مذلت رجلي ذكرتك أشتفي |
بدعواك من مذل بها فيهون |
و قال جميل:
و أنت لعيني قرة حين نلتقي |
و ذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي |
و قالت امرأة:
إذا خدرت رجلي دعوت ابن مصعب |
فإن قلت عبد الله أجلى فتورها |
و قال آخر:
صب محب إذا ما رجله خدرت |
نادى كبيشة حتى يذهب الخدر |
و قال المؤمل:
و الله ما خدرت رجلي و لا عثرت |
إلا ذكرتك حتى يذهب الخدر |
و قال الوليد بن يزيد:
أثيبي هائما كلفا معنى |
إذا خدرت له رجل دعاك |
و نظير هذا الوهم أن الرجل منهم كان إذا اختلجت عينه قال أرى من أحبه فإن كان غائبا توقع قدومه و إن كان بعيدا توقع قربه.و قال بشر:
إذا اختلجت عيني أقول لعلها |
فتاة بني عمرو بها العين تلمع |
و قال آخر:
إذا اختلجت عيني تيقنت أنني |
أراك و إن كان المزار بعيدا |
و قال آخر:
إذا اختلجت عيني أقول لعلها |
لرؤيتها تهتاج عيني و تطرف |
و هذا الوهم باق في الناس اليوم.و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا عشق و لم يسل و أفرط عليه العشق حمله
رجل على ظهره كما يحمل الصبي و قام آخر فأحمى حديدة أو ميلا و كوى به بين أليتيه فيذهب عشقه فيما يزعمون.و قال أعرابي:
كويتم بين رانفتي جهلا |
و نار القلب يضرمها الغرام |
و قال آخر:
شكوت إلى رفيقي اشتياقي |
فجاءاني و قد جمعا دواء |
|
و جاءا بالطبيب ليكوياني |
و لا أبغي عدمتهما اكتواء |
|
و و لو أتيا بسلمى حين جاءا |
لعاضاني من السقم الشفاء |
و استشهد الخالع على هذا المعنى بقول كثير:
أ غاضر لو شهدت غداة بنتم |
حنو العائدات على وسادي |
|
أويت لعاشق لم ترحميه |
بواقدة تلذع بالزناد |
هذا البيت ليس بصريح في هذا الباب و يحتمل أن يكون مراده فيه المعنى المشهور المطروق بين الشعراء من ذكر حرارة الوجد و لذعه و تشبيهه بالنار إلا أنه قد روى في كتابه خبرا يؤكد المقصد الذي عزاه و ادعاه و هو عن محمد بن سليمان بن فليح عن أبيه عن جده قال كنت عند عبد الله بن جعفر فدخل عليه كثير و عليه أثر علة فقال عبد الله ما هذا بك قال هذا ما فعلت بي أم الحويرث ثم كشف عن ثوبه و هو مكوي و أنشد:
عفا الله عن أم الحويرث ذنبها |
علام تعنيني و تكمي دوائيا |
|
و لو آذنوني قبل أن يرقموا بها |
لقلت لهم أم الحويرث دائيا |
و من أوهامهم و تخيلاتهم أنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا أحب امرأة و أحبته فشق برقعها و شقت رداءه صلح حبهما و دام فإن لم يفعلا ذلك فسد حبهما قال سحيم عبد بني الحسحاس:
و كم قد شفقنا من رداء محبر |
و من برقع عن طفلة غير عابس |
|
إذا شق برد شق بالبرد برقع |
دواليك حتى كلنا غير لابس |
|
نروم بهذا الفعل بقيا على الهوى |
و إلف الهوى يغري بهذي الوساوس |
و قال آخر:
شققت ردائي يوم برقة عالج |
و أمكنني من شق برقعك السحقا |
|
فما بال هذا الود يفسد بيننا |
و يمحق حبل الوصل ما بيننا محقا |
و من مذاهبهم أنهم كانوا يرون أن أكل لحوم السباع تزيد في الشجاعة و القوة و هذا مذهب طبي و الأطباء يعتقدونه قال بعضهم:
أبا المعارك لا تتعب بأكلك ما |
تظن أنك تلفى منه كرارا |
|
فلو أكلت سباع الأرض قاطبة |
ما كنت إلا جبان القلب خوارا |
و قال بعض الأعراب و أكل فؤاد الأسد ليكون شجاعا فعدا عليه نمر فجرحه:
أكلت من الليث الهصور فؤاده |
لأصبح أجرى منه قلبا و أقدما |
|
فأدرك مني ثأره بابن أخته |
فيا لك ثأرا ما أشد و أعظما |
و قال آخر:
إذا لم يكن قلب الفتى غدوة الوغى |
أصم فقلب الليث ليس بنافع |
و ما نفع قلب الليث في حومة الوغى |
إذا كان سيف المرء ليس بقاطع |
و من مذاهبهم أن صاحب الفرس المهقوع إذا ركبه فعرق تحته اغتلمت امرأته و طمحت إلى غيره و الهقعة دائرة تكون بالفرس و ربما كانت على الكتف في الأكثر و هي مستقبحة عندهم قال بعضهم لصاحبه:
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت |
حليلته و ازداد حر عجانها |
فأجابه صاحبه:
قد يركب المهقوع من ليس مثله |
و قد يركب المهقوع زوج حصان |
و من مذاهبهم أنهم كانوا يوقدون النار خلف المسافر الذي لا يحبون رجوعه يقولون في دعائهم أبعده الله و أسحقه و أوقد نارا أثره قال بعضهم:
صحوت و أوقدت للجهل نارا |
و رد عليك الصبا ما استعارا |
و كانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا نارا بينهم و بين المنزل الذي يريدونه و لم يوقدوها بينهم و بين المنزل الذي خرجوا منه تفاؤلا بالرجوع إليه.و من مذاهبهم المشهورة تعليق كعب الأرنب قال ابن الأعرابي قلت لزيد بن كثوة أ تقولون إن من علق عليه كعب أرنب لم تقربه جنان الدار و لا عمار الحي قال إي و الله و لا شيطان الخماطة و لا جار العشيرة و لا غول القفر و قال إمرؤ القيس
أ يا هند لا تنكحي بوهة |
عليه عقيقته أحسبا |
|
مرسعة بين أدباقه |
به عسم يبتغي أرنبا |
|
ليجعل في رجله كعبها |
حذار المنية أن يعطبا |
و الخماطة شجرة و العشيرة تصغير العشرة و هي شجرة أيضا.و قال أبو محلم كانت العرب تعلق على الصبي سن ثعلب و سن هرة خوفا من الخطفة و النظرة و يقولون إن جنية أرادت صبي قوم فلم تقدر عليه فلامها قومها من الجن في ذلك فقالت تعتذر إليهم:
كأن عليه نفره |
ثعالب و هرره |
و الحيض حيض السمرة
و السمرة شيء يسيل من السمر كدم الغزال و كانت العرب إذا ولدت المرأة أخذوا من دم السمر و هو صمغه الذي يسيل منه ينقطونه بين عيني النفساء و خطوا على وجه الصبي خطا و يسمى هذا الصمغ السائل من السمر الدودم و يقال بالذال المعجمة أيضا و تسمى هذه الأشياء التي تعلق على الصبي النفرات.قال عبد الرحمن بن أخي الأصمعي إن بعض العرب قال لأبي إذا ولد لك ولد فنفر عنه فقال له أبي و ما التنفير قال غرب اسمه فولد له ولد فسماه قنفذا و كناه أبا العداء قال و أنشد أبي:
كالخمر مزج دوائها منها بها |
تشفي الصداع و تبرئ المنجودا |
قال يريد أن القنفذ من مراكب الجن فداوى منهم ولده بمراكبهم.
و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا ركب مفازة و خاف على نفسه من طوارق الليل عمد إلى وادي شجر فأناخ راحلته في قرارته و عقلها و خط عليها خطا ثم قال أعوذ بصاحب هذا الوادي و ربما قال بعظيم هذا الوادي و عن هذا قال الله سبحانه في القرآن( وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ اَلْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ اَلْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ) .و استعاذ رجل منهم و معه ولد فأكله الأسد فقال:
قد استعذنا بعظيم الوادي |
من شر ما فيه من الأعادي |
فلم يجرنا من هزبر عاد
و قال آخر:
أعوذ من شر البلاد البيد |
بسيد معظم مجيد |
|
أصبح يأوي بلوى زرد |
ذي عزة و كاهل شديد |
و قال آخر:
يا جن أجراع اللوى من عالج |
عاذ بكم ساري الظلام الدالج |
لا ترهقوه بغوي هائج
و قال آخر:
قد بت ضيفا لعظيم الوادي |
المانعي من سطوة الأعادي |
راحلتي في جاره و زادي
و قال آخر:
هيا صاحب الشجراء هل أنت مانعي |
فإني ضيف نازل بفنائكا |
و إنك للجنان في الأرض سيد |
و مثلك آوى في الظلام الصعالكا |
و من مذاهبهم أن المسافر إذا خرج من بلده إلى آخر فلا ينبغي له أن يلتفت فإنه إذا التفت عاد فلذلك لا يلتفت إلا العاشق الذي يريد العود قال بعضهم:
دع التلفت يا مسعود و ارم بها |
وجه الهواجر تأمن رجعة البلد |
و قال آخر أنشده الخالع:
عيل صيري بالثعلبية لما |
طال ليلي و ملني قرنائي |
|
كلما سارت المطايا بنا ميلا |
تنفست و التفت ورائي |
هذان البيتان ذكرهما الخالع في هذا الباب و عندي أنه لا دلالة فيهما على ما أراد لأن التلفت في أشعارهم كثير و مرادهم به الإبانة و الإعراب عن كثرة الشوق و التأسف على المفارقة و كون الراحل عن المنزل حيث لم يمكنه المقام فيه بجثمانه يتبعه بصره و يتزود من رؤيته كقول الرضيرحمهالله :
و لقد مررت على طلولهم |
و رسومهم بيد البلى نهب |
|
فوقفت حتى ضج من لغب |
نضوي و لج بعذلي الركب |
|
و تلفتت عيني فمذ خفيت |
عني الطلول تلفت القلب |
و ليس يقصد بالتلفت هاهنا التفاؤل بالرجوع إليها لأن رسومها قد صارت نهبا ليد البلى فأي فائدة في الرجوع إليها و إنما يريد ما قدمنا ذكره من الحنين و التذكر لما مضى من أيامه فيها و كذلك قول الأول
تلفت نحو الحي حتى وجدتني |
وجعت من الإصغاء ليتا و أخدعا |
و مثل ذلك كثير و قال بعضهم في المذهب الأول:
تلفت أرجو رجعة بعد نية |
فكان التفاتي زائدا في بلائيا |
|
أ أرجو رجوعا بعد ما حال بيننا |
و بينكم حزن الفلا و الفيافيا |
و قال آخر و قد طلق امرأته فتلفتت إليه:
تلفت ترجو رجعة بعد فرقة |
و هيهات مما ترتجي أم مازن |
|
أ لم تعلمي أنى جموح عنانه |
إذا كان من أهواه غير ملاين |
و من مذاهبهم إذا بثرت شفة الصبي حمل منخلا على رأسه و نادى بين بيوت الحي الحلا الحلا الطعام الطعام فتلقي له النساء كسر الخبز و إقطاع التمر و اللحم في المنخل ثم يلقي ذلك للكلاب فتأكله فيبرأ من المرض فإن أكل صبي من الصبيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة أو لحمة أصبح و قد بثرت شفته و أنشد لامرأة:
أ لا حلا في شفة مشقوقه |
فقد قضى منخلنا حقوقه |
و من مذاهبهم أن الرجل منهم كان إذا طرفت عينه بثوب آخر مسح الطارف عين المطروف سبع مرات يقول في الأولى بإحدى جاءت من المدينة و في الثانية باثنتين جاءتا من المدينة و في الثالثة بثلاث جئن من المدينة إلى أن يقول في السابعة بسبع جئن من المدينة فتبرأ عين المطروف.
و فيهم من يقول بإحدى من سبع جئن من المدينة باثنتين من سبع إلى أن يقول بسبع من سبع.و من مذاهبهم أن المرأة منهم كان إذا عسر عليها خاطب النكاح نشرت جانبا من شعرها و كحلت إحدى عينيها مخالفة للشعر المنشور و حجلت على إحدى رجليها و يكون ذلك ليلا و تقول يا لكاح أبغي النكاح قبل الصباح فيسهل أمرها و تتزوج عن قرب قال رجل لصديقه و قد رأى امرأة تفعل ذلك:
أ ما ترى أمك تبغي بعلا |
قد نشرت من شعرها الأقلا |
|
و لم توف مقلتيها كحلا |
ترفع رجلا و تحط رجلا |
|
هذا و قد شاب بنوها أصلا |
و أصبح الأصغر منهم كهلا |
|
خذ القطيع ثم سمها الذلا |
ضربا به تترك هذا الفعلا |
و قال آخر:
قد كحلت عينا و أعفت عينا |
و حجلت و نشرت قرينا |
تظن زينا ما تراه شينا
و قال آخر:
تصنعي ما شئت أن تصنعي |
و كحلي عينيك أو لا فدعي |
|
ثم احجلي في البيت أو في المجمع |
ما لك في بعل أرى من مطمع |
و من مذاهبهم كانوا إذا رحل الضيف أو غيره عنهم و أحبوا ألا يعود كسروا
شيئا من الأواني وراءه و هذا مما تعمله الناس اليوم أيضا قال بعضهم:
كسرنا القدر بعد أبي سواح |
فعاد و قدرنا ذهبت ضياعا |
و قال آخر:
و لا نكسر الكيزان في أثر ضيفنا |
و لكننا نقفيه زادا ليرجعا |
و قال آخر:
أما و الله إن بني نفيل |
لحلالون بالشرف اليفاع |
|
أناس ليس تكسر خلف ضيف |
أوانيهم و لا شعب القصاع |
و من مذاهبهم قولهم إن من ولد في القمراء تقلصت غرلته فكان كالمختون و يجوز عندنا أن يكون ذلك من خواص القمر كما أن من خواصه إبلاء الكتان و إنتان اللحم و قد روي عن أمير المؤمنين ع إذا رأيت الغلام طويل الغرلة فاقرب به من السؤدد و إذا رأيته قصير الغرلة كأنما ختنه القمر فابعد به.و قال إمرؤ القيس لقيصر و قد دخل معه الحمام فرآه أغلف:
إني حلفت يمينا غير كاذبة |
لأنت أغلف إلا ما جنى القمر |
و من مذاهبهم التشاؤم بالعطاس قال إمرؤ القيس
و قد اغتدى قبل العطاس بهيكل
و قال آخر:
و خرق إذا وجهت فيه لغزوة |
مضيت و لم يحبسك عنه العواطس |
و من مذاهبهم قولهم في الدعاء لا عشت إلا عيش القراد يضربونه مثلا في الشدة و الصبر على المشقة و يزعمون أن القراد يعيش ببطنه عاما و بظهره عاما و يقولون إنه يترك في طينة و يرمى بها الحائط فيبقى سنة على بطنه و سنة على ظهره و لا يموت قال بعضهم:
فلا عشت إلا كعيش القراد |
عاما ببطن و عاما بظهر |
و من مذاهبهم كانت النساء إذا غاب عنهن من يحببنه أخذن ترابا من موضع رجله كانت العرب تزعم أن ذلك أسرع لرجوعه.و قالت امرأة من العرب و اقتبضت من أثره:
يا رب أنت جاره في سفره |
و جار خصييه و جار ذكره |
و قالت امرأة:
أخذت ترابا من مواطئ رجله |
غداة غدا كيما يئوب مسلما |
و من مذاهبهم أنهم كانوا يسمون العشا في العين الهدبد و أصل الهدبد اللبن الخاثر فإذا أصاب أحدهم ذلك عمد إلى سنام فقطع منه قطعة و من الكبد قطعة و قلاهما و قال عند كل لقمة يأكلها بعد أن يمسح جفنه الأعلى بسبابته:
فيا سناما و كبد |
ألا اذهبا بالهدبد |
|
ليس شفاء الهدبد |
إلا السنام و الكبد |
قال فيذهب العشا بذلك.و من مذاهبهم اعتقادهم أن الورل و القنفذ و الأرنب و الظبي و اليربوع و النعام مراكب الجن يمتطونها و لهم في ذلك أشعار مشهورة و يزعمون أنهم يرون الجن و يظاهرونهم و يخاطبونهم و يشاهدون الغول و ربما جامعوها و تزوجوها و قالوا إن عمرو بن يربوع تزوج الغول و أولدها بنين و مكثت عنده دهرا فكانت تقول له إذا لاح البرق من جهة بلادي و هي جهة كذا فاستره عني فإني إن لم تستره عني تركت ولدك عليك و طرت إلى بلاد قومي فكان عمرو بن يربوع كلما برق البرق غطى وجهها بردائه فلا تبصره و إلى هذا المعنى أشار أبو العلاء المعري في قوله يذكر الإبل و حنينها إلى البرق:
طربن لضوء البارق المتعالي |
ببغداد وهنا ما لهن و ما لي |
|
سمت نحوه الأبصار حتى كأنها |
بناريه من هنا و ثم صوالي |
|
إذا طال عنها سرها لو رءوسها |
تمد إليه في صدور عوالي |
|
تمنت قويقا و الصراة أمامها |
تراب لها من أينق و جمال |
|
إذا لاح إيماض سترت وجوهها |
كأني عمرو و المطي سعالي |
|
و كم هم نضو أن يطير مع الصبا |
إلى الشام لو لا حبسه بعقالي |
قالوا فغفل عمرو بن يربوع عنها ليلة و قد لمع البرق فلم يستر وجهها فطارت و قالت له و هي تطير:
أمسك بنيك عمرو إني آبق |
برق على أرض السعالي آلق |
و منهم من يقول ركبت بعيرا و طارت عليه أي أسرعت فلم يدركها و عن هذا قال الشاعر:
رأى برقا فأوضع فوق بكر |
فلا بك ما أسأل و لا أغاما |
قال فبنو عمرو بن يربوع إلى اليوم يدعون بني السعلاة و لذلك قال الشاعر يهجوهم:
يا قبح الله بني السعلاة |
عمرو بن يربوع شرار النات |
ليسوا بأبطال و لا أكيات
فأبدل السين تاء و هي لغة قوم من العرب.و من مذاهبهم في الغول قولهم إنها إذا ضربت ضربة واحدة بالسيف هلكت فإن ضربت ثانية عاشت و إلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله:
فقالت ثن قلت لها رويدا |
مكانك إنني ثبت الجنان |
و كانت العرب تسمي أصوات الجن العزيف و تقول إن الرجل إذا قتل قنفذا أو ورلا لم يأمن الجن على فحل إبله و إذا أصاب إبله خطب أو بلاء حمله على ذلك و يزعمون أنهم يسمعون الهاتف بذلك و يقولون مثله في الجان من الحيات و قتله عندهم عظيم و رأى رجل منهم جانا في قعر بئر لا يستطيع الخروج فنزل و أخرجه منها على خطر عظيم و غمض عينيه لئلا يرى أين يدخل كأنه يريد بذلك التقرب إلى الجن.
و قال أبو عثمان الجاحظ و كانوا يسمون من يجاور منهم الناس عامرا و الجمع عمار فإن تعرض للصبيان فهو روح فإن خبث و تعرم فهو شيطان فإن زاد على ذلك فهو مارد فإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت فإن طهر و لطف و صار خيرا كله فهو ملك و يفاضلون بينهم و يعتقدون مع كل شاعر شيطانا و يسمونهم بأسماء مختلفة قال أبو عثمان و في النهار ساعات يرى فيها الصغير كبيرا و يوجد لأوساط الفيافي و الرمال و الحرار مثل الدوي و هو طبع ذلك الوقت قال ذو الرمة:
إذا قال حادينا لترنيم نبأة |
صه لم يكن إلا دوي المسامع |
و قال أبو عثمان أيضا في الذين يذكرون عزيف الجن و تغول الغيلان إن أثر هذا الأمر و ابتداء هذا الخيال أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة و من انفرد و طال مقامه في البلاد الخلاء استوحش و لا سيما مع قلة الأشغال و فقد المذاكرين و الوحدة لا تقطع أيامها إلا بالتمني و الأفكار و ذلك أحد أسباب الوسواس.و من عجائب اعتقادات العرب و مذاهبها اعتقادهم في الديك و الغراب و الحمامة و ساق حر و هو الهديل و الحية فمنهم من يعتقد أن للجن بهذه الحيوانات تعلقات و منهم من يزعم أنها نوع من الجن و يعتقدون أن سهيلا و الزهرة الضب و الذئب و الضبع مسوخ و من أشعارهم في مراكب الجن قول بعضهم في قنفذ رآه ليلا:
فما يعجب الجنان منك عدمتهم |
و في الأسد أفراس لهم و نجائب |
|
أ يسرج يربوع و يلجم قنفذ |
لقد أعوزتكم ما علمت النجائب |
فإن كانت الجنان جنت فبالحرى |
لا ذنب للأقوام و الله غالب |
و من الشعر المنسوب إلى الجن:
و كل المطايا قد ركبنا فلم نجد |
ألذ و أشهى من ركوب الأرانب |
|
و من عضر فوط عن لي فركبته |
أبادر سربا من عطاء قوارب |
و قال أعرابي يكذب بذلك:
أ يستمع الأسرار راكب قنفذ |
لقد ضاع سر الله يا أم معبد |
و من أشعارهم و أحاديثهم في رواية الجن و خطابهم و هتافهم ما رواه أبو عثمان الجاحظ لسمير بن الحارث الضبي:
و نار قد حضأت بعيد وهن |
بدار لا أريد بها مقاما |
|
سوى تحليل راحلة و عين |
أكالئها مخافة أن تناما |
|
أتوا ناري فقلت منون أنتم |
فقالوا الجن قلت عموا ظلاما |
و يزعمون أن عمير بن ضبيعة رأى غلمانا ثلاثة يلعبون نهارا فوثب غلام منهم فقام على عاتقي صاحبه و وثب الآخر فقام على عاتقي الأعلى منهما فلما رآهم كذلك حمل عليهم فصدمهم فوقعوا على ظهورهم و هم يضحكون فقال عمير بن ضبيعة فما مررت يومئذ بشجرة إلا و سمعت من تحتها ضحكا فلما رجع إلى منزله مرض أربعة أشهر.
و حكى الأصمعي عن بعضهم أنه خرج هو و صاحب له يسيران فإذا غلام على الطريق فقالا له من أنت قال أنا مسكين قد قطع بي فقال أحدهما لصاحبه أردفه خلفك فأردفه فالتفت الآخر إليه فرأى فمه يتأجج نارا فشد عليه بالسيف فذهبت النار فرجع عنه ثم التفت فرأى فمه يتأجج نارا فشد عليه فذهبت النار ففعل ذلك مرار فقال ذلك الغلام قاتلكما الله ما أجلدكما و الله ما فعلتها بآدمي إلا و انخلع فؤاده ثم غاب عنهما فلم يعلما خبره.و قال أبو البلاد الطهوي و يروى لتأبط شرا:
لهان على جهينة ما ألاقي |
من الروعات يوم رحى بطان |
|
لقيت الغول تسري في ظلام |
بسهب كالعباءة صحصحان |
|
فقلت لها كلانا نقض أرض |
أخو سفر فخلي لي مكاني |
|
فشدت شدة نحوي فأهوى |
لها كفى بمصقول يماني |
|
فقالت زد فقلت رويد إني |
على أمثالها ثبت الجنان |
و الذين يروون هذا الشعر لتأبط شرا يروون أوله:
ألا من مبلغ فتيات جهم |
بما لاقيت عند رحى بطان |
|
بأني قد لقيت الغول تلوي |
بمرت كالصحيفة صحصحان |
|
فصدت فانتحيت لها بعضب |
حسام غير مؤتشب يماني |
|
فقد سراتها و البرك منها |
فخرت لليدين و للجران |
|
فقالت ثن قلت لها رويدا |
مكانك إنني ثبت الجنان |
و لم أنفك مضطجعا لديها |
لأنظر مصبحا ما ذا دهاني |
|
إذا عينان في رأس دقيق |
كرأس الهر مشقوق اللسان |
|
و ساقا مخدج و لسان كلب |
و ثوب من عباء أو شنان |
و قال البهراني:
و تزوجت في الشبيبة غولا |
بغزال و صدقتي زق خمر |
و قال الجاحظ أصدقها الخمر لطيب ريحها و الغزال لأنه من مراكب الجن و قال أبو عبيد بن أيوب العنبري أحد لصوص العرب:
تقول و قد ألممت بالإنس لمة |
مخضبة الأطراف خرس الخلاخل |
|
أ هذا خدين الغول و الذئب و الذي |
يهيم بربات الحجال الهراكل |
|
رأت خلق الدرسين أسود شاحبا |
من القوم بساما كريم الشمائل |
|
تعود من آبائه فتكاتهم |
و إطعامهم في كل غبراء شامل |
|
إذا صاد صيدا لفه بضرامه |
وشيكا و لم ينظر لغلي المراجل |
|
و نهسا كنهس الصقر ثم مراسه |
بكفيه رأس الشيخة المتمايل |
و من هذه الأبيات:
إذا ما أراد الله ذل قبيلة |
رماها بتشتيت الهوى و التخاذل |
|
و أول عجز القوم عما ينوبهم |
تقاعدهم عنه و طول التواكل |
|
و أول خبث الماء خبث ترابه |
و أول لؤم القوم لؤم الحلائل |
و هذا الشعر من جيد شعر العرب و إنما كان غرضنا منه متعلقا بأوله و ذكرنا سائره لما فيه من الأدب.و قال عبيد بن أيوب أيضا في المعنى الذي نحن بصدده:
و صار خليل الغول بعد عداوة |
صفيا و ربته القفار البسابس |
و قال أيضا:
فلله در الغول أي رفيقة |
لصاحب قفر في المهامة يذعر |
|
أرنت بلحن بعد لحن و أوقدت |
حوالي نيرانا تلوح و تزهر |
و قال أيضا:
و غولا قفرة ذكر و أنثى |
كأن عليهما قطع البجاد |
و قال أيضا:
فقد لاقت الغزلان مني بلية |
و قد لاقت الغيلان مني الدواهيا |
و قال البهراني في قتل الغول:
ضربت ضربة فصارت هباء |
في محاق القمراء آخر شهر |
و قال أيضا يزعم أنه لما ثنى عليها الضرب عاشت:
فثنيت و المقدار يحرس أهله |
فليت يميني يوم ذلك شلت |
و قال تأبط شرا يصف الغول و يذكر أنه راودها عن نفسها فامتنعت عليه فقتلها:
فأصبحت و الغول لي جارة |
فيا جارة أنت ما أغولا |
و طالبتها بضعها فالتوت |
فكان من الرأي أن تقتلا |
|
فجللتها مرهفا صارما |
أبان المرافق و المفصلا |
|
فطار بقحف ابنة الجن ذا |
شقاشق قد أخلق المحملا |
|
فمن يك يسأل عن جارتي |
فإن لها باللوى منزلا |
|
عظاءة أرض لها حلتان |
من ورق الطلح لم تغزلا |
|
و كنت إذا ما هممت ابتهلت |
و أحرى إذا قلت أن أفعلا |
و من أعاجيبهم أنهم كانوا إذا طالت علة الواحد منهم و ظنوا أن به مسا من الجن لأنه قتل حية أو يربوعا أو قنفذا عملوا جمالا من طين و جعلوا عليها جوالق و ملئوها حنطة و شعيرا و تمرا و جعلوا تلك الجمال في باب جحر إلى جهة المغرب وقت غروب الشمس و باتوا ليلتهم تلك فإذا أصبحوا نظروا إلى تلك الجمال الطين فإن رأوا أنها بحالها قالوا لم تقبل الدية فزادوا فيها و إن رأوها قد تساقطت و تبدد ما عليها من الميرة قالوا قد قبلت الدية و استدلوا على شفاء المريض و ضربوا بالدف قال بعضهم:
قالوا و قد طال عنائي و السقم |
احمل إلى الجن جمالات و ضم |
|
فقد فعلت و السقام لم يرم |
فبالذي يملك برئي أعتصم |
و قال آخر:
فيا ليت إن الجن جازوا جمالتي |
و زحزح عني ما عناني من السقم |
|
و يا ليتهم قالوا انطنا كل ما حوت |
يمينك في حرب عماس و في سلم |
|
أعلل قلبي بالذي يزعمونه |
فيا ليتني عوفيت في ذلك الزعم |
و قال آخر:
أرى أن جنان النويرة أصبحوا |
و هم بين غضبان علي و آسف |
|
حملت و لم أقبل إليهم حمالة |
تسكن عن قلب من السقم تالف |
|
و لو أنصفوا لم يطلبوا غير حقهم |
و من لي من أمثالهم بالتناصف |
|
تغطوا بثوب الأرض عني و لو بدوا |
لأصبحت منهم آمنا غير خائف |
و كانوا إذا غم عليهم أمر الغائب و لم يعرفوا له خبرا جاءوا إلى بئر عادية أو جفر قديم و نادوا فيه يا فلان أو يا أبا فلان ثلاث مرات و يزعمون أنه إن كان ميتا لم يسمعوا صوتا و إن كان حيا سمعوا صوتا ربما توهموه وهما أو سمعوه من الصدى فبنوا عليه عقيدتهم قال بعضهم:
دعوت أبا المغوار في الجفر دعوة |
فما آض صوتي بالذي كنت داعيا |
|
أظن أبا المغوار في قعر مظلم |
تجر عليه الذاريات السوافيا |
و قال:
و كم ناديته و الليل ساج |
بعادي البئار فما أجابا |
و قال آخر:
غاب فلم أرج له إيابا |
و الجفر لا يرجع لي جوابا |
|
و ما قرأت مذ نأى كتابا |
حتى متى أستنشد الركابا |
عنه و كل يمنع الخطابا
و قال آخر:
أ لم تعلمي أني دعوت مجاشعا |
من الجفر و الظلماء باد كسورها |
|
فجاوبني حتى ظننت بأنه |
سيطلع من جوفاء صعب خدورها |
|
لقد سكنت نفسي و أيقنت أنه |
سيقدم و الدنيا عجاب أمورها |
و قال آخر:
دعوناه من عادية نضب ماؤها |
و هدم جاليها اختلاف عصور |
|
فرد جوابا ما شككت بأنه |
قريب إلينا بالإياب يصير |
أقوى في البيت الثاني و سكن نضب ضرورة كما قال:
لو عصر منه البان و المسك انعصر
و من أعاجيبهم أنهم كانوا في الحرب ربما أخرجوا النساء فيبلن بين الصفين يرون أن ذلك يطفئ نار الحرب و يقودهم إلى السلم.قال بعضهم:
لقونا بأبوال النساء جهالة |
و نحن نلاقيهم ببيض قواضب |
و قال آخر:
بالت نساء بني خراشة خيفة |
منا و أدبرت الرجال شلالا |
و قال آخر:
بالت نساؤهم و البيض قد أخذت |
منهم مآخذ يستشفى بها الكلب |
و هذان البيتان يمكن أن يراد بهما أن النساء يبلن خيفة و ذعرا لا على المعنى الذي نحن في ذكره فإذن لا يكون فيهما دلالة على المراد.
و قال الآخر:
هيهات رد الخيل بالأبوال |
إذا غدت في صور السعالي |
و قال آخر:
جعلوا السيوف المشرفية منهم |
بول النساء و قل ذاك غناء |
فأما ذكرهم عزيف الجن في المفاوز و السباسب فكثير مشهور كقول بعضهم:
و خرق تحدث غيطانه |
حديث العذارى بأسرارها |
و قال آخر:
و دوية سبسب سملق |
من البيد تعزف جنانها |
و قال الأعشى:
و بهماء تعزف جناتها |
مناهلها آجنات سدم |
و قال:
و بلدة مثل ظهر الترس موحشة |
للجن بالليل في حافاتها زجل |
و قال آخر:
ببيداء في أرجائها الجن تعزف
و قال الشرقي بن القطامي كان رجل من كلب يقال له عبيد بن الحمارس شجاعا و كان نازلا بالسماوة أيام الربيع فلما حسر الربيع و قل ماؤه و أقلعت أنواؤه تحمل إلى وادي تبل فرأى روضة و غديرا فقال روضة و غدير و خطب يسير و أنا لما
حويت مجير فنزل هناك و له امرأتان اسم إحداهما الرباب و الأخرى خولة فقالت له خولة:
أرى بلدة قفرا قليلا أنيسها |
و إنا لنخشى إن دجا الليل أهلها |
و قالت له الرباب:
أرتك برأيي فاستمع عنك قولها |
و لا تأمنن جن العزيف و جهلها |
فقال مجيبا لهما:
أ لست كميا في الحروب مجربا |
شجاعا إذا شبت له الحرب محربا |
|
سريعا إلى الهيجا إذا حمس الوغى |
فأقسم لا أعدو الغدير منكبا |
ثم صعد إلى جبل تبل فرأى شيهمة و هي الأنثى من القنافذ فرماها فأقعصها و معها ولدها فارتبطه فلما كان الليل هتف به هاتف من الجن:
يا ابن الحمارس قد أسأت جوارنا |
و ركبت صاحبنا بأمر مفظع |
|
و عقرت لقحته و قدت فصيلها |
قودا عنيفا في المنيع الأرفع |
|
و نزلت مرعى شائنا و ظلمتنا |
و الظلم فاعله وخيم المرتع |
|
فلنطرقنك بالذي أوليتنا |
شر يجيئك ما له من مدفع |
فأجابه ابن الحمارس:
يا مدعي ظلمي و لست بظالم |
اسمع لديك مقالتي و تسمع |
|
إن كنتم جنا ظلمتم قنفذا |
عقرت فشر عقيرة في مصرع |
|
لا تطمعوا فيما لدي فما لكم |
فيما حويت و حزته من مطمع |
فأجابه الجني:
يا ضارب اللقحة بالعضب الأفل |
قد جاءك الموت و أوفاك الأجل |
و ساقك الحين إلى جن تبل |
فاليوم أقويت و أعيتك الحيل |
فأجابه ابن الحمارس:
يا صاحب اللقحة هل أنت بجل |
مستمع مني فقد قلت الخطل |
|
و كثرة المنطق في الحرب فشل |
هيجت قمقاما من القوم بطل |
|
ليث ليوث و إذا هم فعل |
لا يرهب الجن و لا الإنس أجل |
من كان بالعقوة من جن تبل
قال فسمعهما شيخ من الجن فقال لا و الله لا نرى قتل إنسان مثل هذا ثابت القلب ماضي العزيمة فقام ذلك الشيخ و حمد الله تعالى ثم أنشد:
يا ابن الحمارس قد نزلت بلادنا |
فأصبت منها مشربا و مناما |
|
فبدأتنا ظلما بعقر لقوحنا |
و أسأت لما أن نطقت كلاما |
|
فاعمد لأمر الرشد و اجتنب الردى |
إنا نرى لك حرمة و ذماما |
|
و اغرم لصاحبنا لقوحا متبعا |
فلقد أصبت بما فعلت أثاما |
فأجابه ابن الحمارس:
الله يعلم حيث يرفع عرشه |
أني لأكره أن أصيب أثاما |
|
أما ادعاؤك ما ادعيت فإنني |
جئت البلاد و لا أريد مقاما |
|
فأسمت فيها مالنا و نزلتها |
لأريح فيها ظهرنا أياما |
|
فليغد صاحبكم علينا نعطه |
ما قد سألت و لا نراه غراما |
ثم غرم للجن لقوحا متبعا للقنفذ و ولدها.
و هذه الحكاية و إن كانت كذبا إلا أنها تتضمن أدبا و هي من طرائف
أحاديث العرب فذكرناها لأدبها و إمتاعها و يقال إن الشرقي بن القطامي كان يصنع أشعارا و ينحلها غيره.فأما مذهب العرب في أن لكل شاعر شيطانا يلقي إليه الشعر فمذهب مشهور و الشعراء كافة عليه قال بعضهم:
إني و إن كنت صغير السن |
و كان في العين نبو عني |
|
فإن شيطاني أمير الجن |
يذهب بي في الشعر كل فن |
و قال حسان بن ثابت:
إذا ما ترعرع فينا الغلام |
فما إن يقال له من هوه |
|
إذا لم يسد قبل شد الإزار |
فذلك فينا الذي لا هوه |
|
و لي صاحب من بني الشيصبان |
فطورا أقول و طوار هوه |
و كانوا يزعمون أن اسم شيطان الأعشى مسحل و اسم شيطان المخبل عمرو و قال الأعشى:
دعوت خليلي مسحلا و دعوا له |
جهنام جدعا للهجين المذمم |
و قال آخر:
لقد كان جني الفرزدق قدوة |
و ما كان فينا مثل فحل المخبل |
|
و لا في القوافي مثل عمرو و شيخه |
و لا بعد عمرو شاعر مثل مسحل |
و قال الفرزدق يصف قصيدته:
كأنها الذهب العقيان حبرها |
لسان أشعر خلق الله شيطانا |
و قال أبو النجم:
إني و كل شاعر من البشر |
شيطانه أنثى و شيطاني ذكر |
و أنشد الخالع فيما نحن فيه لبعض الرجاز:
إن الشياطين أتوني أربعه |
في غلس الليل و فيهم زوبعه |
و هذا لا يدل على ما نحن بصدده من أمر الشعر و إلقائه إلى الإنسان فلا وجه لإدخاله في هذا الموضع.و من مذاهبهم أنهم كانوا إذا قتلوا الثعبان خافوا من الجن أن يأخذوا بثأره فيأخذون روثة و يفتونها على رأسه و يقولون روثة راث ثائرك.و قال بعضهم:
طرحنا عليه الروث و الزجر صادق |
فراث علينا ثأره و الطوائل |
و قد يذر على الحية المقتولة يسير رماد و يقال لها قتلك العين فلا ثأر لك و في أمثالهم لمن ذهب دمه هدرا و هو قتيل العين قال الشاعر:
و لا أكن كقتيل العين وسطكم |
و لا ذبيحة تشريق و تنحار |
فأما مذهبهم في الخرزات و الأحجار و الرقى و العزائم فمشهور فمنها السلوانة و يقال السلوة و هي خرزة يسقى العاشق منها فيسلو في زعمهم و هي بيضاء شفافة قال الراجز:
لو أشرب السلوان ما سليت |
ما بي غنى عنكم و إن غنيت |
السلوان جمع سلوانة.
و قال اللحياني السلوانة تراب من قبر يسقى منه العاشق فيسلو و قال عروة بن حزام:
جعلت لعراف اليمامة حكمه |
و عراف نجد إن هما شفياني |
|
فقالا نعم نشفي من الداء كله |
و قاما مع العواد يبتدران |
|
فما تركا من رقية يعرفانها |
و لا سلوة إلا و قد سقياني |
و قال آخر:
سقوني سلوة فسلوت عنها |
سقى الله المنية من سقاني |
أي سلوت عن السلوة و اشتد بي العشق و دام و قال الشمردل:
و لقد سقيت بسلوة فكأنما |
قال المداوي للخيال بها ازدد |
و من خرزاتهم الهنمة تجتلب بها الرجال و تعطف بها قلوبهم و رقيتها أخذته بالهنمة بالليل زوج و بالنهار أمه.و منها الفطسة و القبلة و الدردبيس كلها لاجتلاب قلوب الرجال قال الشاعر:
جمعن من قبل لهن و فطسة |
و الدردبيس تمائما في منظم |
|
فانقاد كل مشذب مرس القوى |
لحبالهن و كل جلد شيظم |
و قيل الدردبيس خرزة سوداء يتحبب بها النساء إلى بعولتهن توجد في القبور العادية و رقيتها أخذته بالدردبيس تدر العرق اليبيس و تذر الجديد كالدريس و أنشد:
قطعت القيد و الخرزات عني |
فمن لي من علاج الدردبيس |
و أصل الدردبيس الداهية و نقل إلى هذه لقوة تأثيرها.و من خرزاتهم القرزحلة أنشد ابن الأعرابي:
لا تنفع القرزحلة العجائزا |
إذا قطعن دونها المفاوزا |
و هي من خرز الضرائر إذا لبستها المرأة مال إليها بعلها دون ضرتها.و منها خرزة العقرة تشدها المرأة على حقويها فتمنع الحبل ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق.و منها الينجلب و رقيتها أخذته بالينجلب فلا يرم و لا يغب و لا يزل عند الطنب.و منها كرار مبنية على الكسر و رقيتها يا كرار كريه إن أقبل فسريه و إن أدبر فضريه من فرجه إلى فيه.و منها الهمرة و رقيتها يا همرة اهمريه من استه إلى فيه و ماله و بنيه.و منها الخصمة خرزة للدخول على السلطان و الخصومة تجعل تحت فص الخاتم أو في زر القميص أو في حمائل السيف قال بعضهم:
يعلق غيري خصمة في لقائهم |
و ما لي عليكم خصمة غير منطقي |
و منها الوجيهة و هي كالخصمة حمراء كالعقيق.و منها العطفة خرزة العطف و الكحلة خرزة سوداء تجعل على الصبيان لدفع العين عنهم و القبلة خرزة بيضاء تجعل في عنق الفرس من العين و الفطسة خرزة يمرض بها العدو و يقتل و رقيتها أخذته بالفطسة بالثوباء و العطسة فلا يزال في تعسة من أمره و نكسة حتى يزور رمسه.
و من رقاهم للحب هوابه هوابه البرق و السحابه أخذته بمركن فحبه تمكن أخذته بإبره فلا يزل في عبره خليته بإشفى فقلبه لا يهدا خليته بمبرد فقلبه لا يبرد و ترقي الفارك زوجها إذا سافر عنها فتقول بأفول القمر و ظل الشجر شمال تشمله و دبوره تدبره و نكباء تنكبه شيك فلا انتعش ثم ترمي في أثره بحصاة و نواة و روثة و بعرة و تقول حصاة حصت أثره نواة أنأت داره روثة راث خبره لقعته ببعرة و قالت فارك في زوجها:
أتبعته إذ رحل العيس ضحى |
بعد النواة روثة حيث انتوى |
الروث للرثى و للنأي النوى
و قال آخر:
رمت خلفه لما رأت وشك بينه |
نواة تلتها روثة و حصاة |
|
و قالت نأت منك الديار فلا دنت |
و راثت بك الأخبار و الرجعات |
|
و حصت لك الآثار بعد ظهورها |
و لا فارق الترحال منك شتات |
و قال آخر يخاطب امرأته:
لا تقذفي خلفي إذا الركب اغتدى |
روثة عير و حصاة و نوى |
|
لن يدفع المقدار أسباب الرقى |
و لا التهاويل على جن الفلا |
هذا الرجز أورده الخالع في هذا المعرض و هو بأن يدل على عكس هذا المعنى أولى لأن قوله لن يدفع المقدار بالرقى و لا بالتهاويل على الجن كلام يشعر بأن قذف الحصاة و النواة خلفه كالعوذة له لا كما تفعله الفارك التي تتمنى الفراق.
فأما مذهبهم في القيافة و الزجر و الكهانة و اختلافهم في السانح و البارح و تشاتمهم باللفظة و الكلمة و تأويلهم لها و تيمنهم بكلمة أخرى و ما كانوا يفعلونه من البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي فكله مشهور معروف لا حاجة لنا إلى ذكره هاهنا.فأما لفظ أمير المؤمنين ع في قوله نشرة فإن النشرة في اللغة كالعوذة و الرقية قالوا نشرت فلانا تنشيرا أي رقيته و عوذته و قال الكلابي إذا نشر المسفوع فكأنما أنشط من عقال أي يذهب عنه ما به سريعا و في الحديث أنه قال فلعل طبا أصابه يعني سحرا ثم عوذه بقل أعوذ برب الناس أي رقاه و كذلك إذا كتب له النشرة.و قد عد أمير المؤمنين ع أمورا أربعة ذكر منها النشرة و لم يكن ع ليقول ذلك إلا عن توقيف من رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم ).
الفهرس
کتاب شرح نهج البلاغة الجزء التاسع عشر ابن ابي الحديد 1
فصل في الحياء و ما قيل فيه 45
مثل من شجاعة علي 60
قصة غزوة الخندق 62
ما جرى بين يحيى بن عبد الله و بين ابن المصعب عند الرشيد 91
نبذ من غريب كلام الإمام علي و شرحه لأبي عبيد 117
نبذ من غريب كلام الإمام علي و شرحه لابن قتيبة 124
خطبة منسوبة للإمام علي خالية من حرف الألف 140
نبذ مما قيل في السلطان 149
نبذ من الأقوال الحكمية في تقلبات الدهر و تصرفاته 178
نبذ من الأقوال الحكمية في حمد القناعة و قلة الأكل 184
نبذ من الأقوال الحكيمة في الفقر و الغنى 227
نبذ من الأقوال الحكيمة في الوعد و المطل 248
نبذ من الأقوال الحكيمة في وصف حال الدنيا و صروفها 287
فصل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر 307
أقوال مأثورة في الجود و البخل 316
نبذ مما قيل في حال الدنيا و هوانها و اغترار الناس بها 326
فصل فيما ورد في الطيب من الآثار 341
نبذ مما قيل في التيه و الفخر 352
طرائف حول الأسماء و الكنى 365
أقوال في العين و السحر و الفأل و العدوى و الطيرة 372
نكت في مذاهب العرب و تخيلاتها 382
الفهرس 430