الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.
وقع في يدي كتاب (نصرة المظلوم) للعلامة الشيخ حسن المظفّر رحمه الله، وحيث طالعت الكتاب من أوله حتى آخره شعرت بأهمية الكتاب، وخطورة مواضيعه، ولا أخفي أن الكتاب كأنه حكى عن طموحات قديمة كانت تراودني لإثارة مثل هذه المواضيع، وكدت أشرع لولا تقديم بعض الأعمال التي وقتت بوقتٍ معلوم، وكأن رغبتي تحققت في هذا الجهد المبارك، الذي مرّ عليه ما يقارب التسعون عاما وهو يتجدد بتجدد الحاجة إليه، وأي حاجة من أمر أثاره البعض بهجوم الكتسحوا فيه الثوابت، وخالفوا من خلالة ضرورات المذهب، بل ضرورات الدين، ووقفوا بوجه شواهد تاريخية حكت عن جهد أئمة أهل البيت عليهم السلام، بعد أن أسسوا لمثل هذه الشعائر، التي كانت فيها أسرار بقاء المذهب المطارد، بل قوته المهدّدة من قبل العتاة.
ولعلي لا أبالغ لو قلت إن هذا الكتاب يُعدّ ورقة عمل لكل إنسان يريد أن يفهم ذاته من خلال مقارعة الظالمين بالفكر والثقافة والعمل المضادّ للمشروع السلطوي الذي احتكر الكلمة له، ألغى الآخر، وهمّش الفكر الأصيل أو حجر عليه، في حين وجدت هذه الشعائر طريقة التعبير الحقيقي عن الحق المضاع والهوية المطاردة.
ونشطت لطباعة الكتاب والتعليق عليه، ولا أدّعي التعليق على الكتاب بسبب النقص في عرضه ومواضيعه، بل حاولت توضيح بعض ما قد يُشْكَل على القارئ الكريم، فضلاً عن إرجاع الأحاديث إل مصادرها، لأن المؤلف - على الظاهر - اعتمد على ذاكرته في نقل الأحاديث، زاد الله في علو درجاتهم - لم يجدوا ضرورة إرجاع الحديث إلى مصدره، لثقة القارئ بهؤلاء الأعلام، فضلاً عن قلّة ما يتداوله الناس من مصادر، فلم تكن ضرورة للإرجاع.
وكان الذي دفعني للإسراع في إنجاز هذا المشروع - مع حرصي على إخراج مثل هذا الكتاب من قبل - هو رغبة أُستاذنا المعظّم آية الله السيد محمد سعيد الحكيم (حفظه الله تعالى)، فعند الانتهاء من مجلس درسه المبارك كنت في خدمته أتحدّث عن أهمية الكتاب ورغبتي في طباعته، فشجّعني أيّما تشجيع، ووجدت منه العناية، كما عهدته حريصاً على ثقافة الشعائر الحسينية، الذي كان - ولا يزال - يتحفنا في محاضر دروسه على التشديد في أهمية هذه الشعائر، فاستقيت هذا الشعر بالحرص من سماحته (أمدّ الله في عمره) راعياً لمثل هذه الثقافة، متصدّياً لكل ما يخالفها، بكل أساليبه العلمية، التي لا جد المخالف مندوحة الاعتراض أو مجازفة التحريف.
كما استفدت من سماحته (حفظه الله تعالى) أن الكتاب للحجة الشيخ عبد الحسين الحلي، المعروف بفضله وورعه وسعة باعه، وقد تصدى رحمه الله لهذه الهجمة الشرسة التي استغفلت بعض البسطاء من طلبة العلم، ليتحدث عما جالت به خواطره الساذجة، ليفتي - دون أن يكون من أهلها - بحرمة هذه الشعائر، فكان الشيخ عبد الحسين الحلي يشعر هذه الهجمة الخطيرة، والتي تنفّذ على أيدي أبناء المذهب.
ولعلّي استفدت - من خلال عملي في الكتاب - أن جهداً مشتركاً بُذل من قبل
الشيخين الحلّي والمظفر، وكان الشيخ المظفر أليق في التصدّي لنسبة الكتاب له، ولأمرين استفدتهما من سماحة أُستاذنا السيد الحكيم (حفظه الله تعالى .
الأول : أن الشيخ حسن المظفر من وكلاء المرجعية في البصرة، وأن البيان كتبه رجل بصري، وقد فعل في المجتمع البصري فعله، أدّى إلى فتنة لا تحمد عقباها، لولا تدخّل فتوى آية الله الشيخ النائيني ردّاً على أسئلة أهل البصرة، بعد إحداث هذه الضجة؛ بسبب التحريم الصادر من ذلك الرجل.
على أن شواهد دفعتني إلى الاعتقاد - بل إلى اليقين - بأن الكتاب للحجة الشيخ عبد الحسين الحلي.
فقد ذكر علي الخاقاني في شعراء الغري أن كتاب نصرة المظلوم هو للشيخ عبد الحسين الحلي رحمه الله، طبعه باسم غيره، (شعراء الغري ج 5 ص 271).
وفي الذريعة ذكر أنه للشيخ إبراهيم حسن آل المظفر النجفي (الذريعة ج 24 ص 178)، إلا أنه عند ذكره لكتاب (النقد التنزيه) ذكر أن له كتاب (نصرة المظلوم).
وذكر سماحة السيد أسعد القاضي في مقدمته لكتاب النقد النزيه ما رواه عن جده سماحة آية الله السيد محمد علي الحكيم (دام ظله) أن كتاب نصرة المظلوم هو للشيخ عبد الحسين الحلي، طبعه باسم الشيخ المظفر، (مقدمة كتاب النقد النزيه لرسالة التنزيه ص 7).
الذي تصدّي إلى آخرين من طبقته، فلم يجد ما يناسب مقامه من أن يتصدى بنفسه لهذا الرجل.
ولا يضرّ في الأمر كون الكتاب لأيّهما كان، طالما يحقق الهدف العظيم والغاية الكريمة، في الحفاظ على ضرورات المذهب، وتحصين الأمة من عجاف الأفكار الهزيلة.
السيد محمد علي الحلو
28 ربيع الثاني 1431 هـ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
بسم الله وله الحمد على جزيل نواله، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد وآله.
وبعد، فبينا أنا واقف موقف الاندهاش والحيرة - أُسوة كثير مِن أهل الدين – لما وقع في الحرمين الشريفين وما والاهما مِن المنكرات، بهدم المشاهد والمزارات، وذلك في أوَّل شهر المحرَّم مِن هذا العام(1) ، حيث يُقام التذكار الحسيني المحزِن، وكفى به جالباً للوجد
____________________
(1) لم يذكر المؤلف سنة تأليف الكتاب إلا أنه أرخ كتابه بسنة هدم القباب، والمعروف أنه سنة 1343 هـ، حيث أقدم هؤلاء الطغاة على تنفيذ تهديدهم في رفع (البدع) - كما أطلقوا عليها - وفي رفع المزارات المباركة لأئمة البقيع، حيث هدموا قبابها، وهتكوا حرماتها.
ويؤرخ العلامة الحقق السيد محسن الأمين العاملي قدس سره لهذه الفاجعة الكبرى بقوله: (لما دخل الوهابيون إلى الطائف هدموا قبة ابن عباس، كما فعلوا في المرة الأولى، ولما دخلوا مكة هدموا قباب عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي طالب عمه، وخديجة أم المؤمنين، وخربوا مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام.
ولما دخلوا جدة هدموا قبة حواء وخربوا قبرها، كما خربوا قبور من ذلك أيضاً، وهدموا جميع ما بمكة ونواحيها وجدة ونواحيها من القباب والمزارات والأمكنة التي يتبرك بها.
ولما حاصروا المدينة المنورة هدموا مسجد حمزة ومزاره، لأنها خارج المدينة، وشاع أنهم ضربوا بالرصاص على قبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنهم أنكروا ذلك.
ولما بلغ ذلك مسامع الدولة الإيرانية اهتمت له غاية الاهتمام، واجتمع العلماء وأكبروا ذلك، وجاءتنا إلى =
____________________
= دمشق برقية من خراسان من أحد أعاظم علماء المشهد المقدس بالاستعلام عن حقيقة الحال، ثم قررت الدولة الإيرانية - بموافقة العلماء - إرسال وفد رسمي إلى الحجاز لاستطلاع حقيقة الحال، فرفع الوفد إلى دولته تقريراً بما شاهده في الحجاز من أعمال الوهابيين.
و لما استولوا على المدينة المنورة خرج قاضي قضاتهم الشيخ عبد الله بن بليهد من مكة إلى المدينة في شهر رمضان سنة 1344 هـ، ووجه إلى أهل المدينة سؤالاً يسألهم فيه عن هدم القباب والمزارات، فسكت كثير منهم خوفاً وأجابه بعضهم بلزوم الهدم.
ولما شاع في الأقطار الإسلامية ما فعلوه في الحجاز بقبور أئمة المسلمين و مشاهدهم أكبر المسلمون ذلك وأعظموه، سيما ما فعلوه بقبة أئمة البقيع، وجاءت برقيات الاحتجاج على ذلك من العراق وإيران وغيرها، وعطلت الدروس والجامعات، وأقيمت شعائر الحزن في هذه البلدان احتجاجاً على هذا الأمر الفظيع).
فالسيد الأمين كان شاهداً على المأساة يسجّل وقائعها ودقائقها في كتابه.
ولا تغفل عمّا سجّله الشريف عبد الله بن حسن باشا أمير ظفار في كتابه (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر) حيث يقول: (ثم امر المفتي بأن يفهم الناس لكي يذهبوا صباحاً لهدم القباب وطرح الأصنام، حتى لا يكون لهم معبود غير الله، فلما أسفر الصباح ذهب الوهابيون وأجبروا كثيراً من الناس على مساعدتهم...).
هذه المأساة التي وقعت في الحرمين الشريفين تشير إلى تحالف وهابي غربي من أجل طمس المعالم الإسلامية، وقطع رابطة الأمة برموزها، فشخوص المراقد المقدسة تعيد إلى الأذهان التأريخ المتضرج بالدماء، وما الذي وقع على صاحب هذا المرقد أو ذاك من ظلم وتنكيل وقتل وتشريد، ومَن الذي أوقع هذه الانتهاكات، وما الذي دعاهم إلى ذلك، وما هو دور الأمة في دفع مثل هذه المظالم على مثل هذه الرموز وأتباعهم، وما الذي يستذكره الواقف على مثل هذه المراقد، وكيف تشحذ هذه المزارات همم الزائر وتهيج عواطف الناس، وبالتالي فإن نتيجة كل هذه التداعيات النفسية لدى الزائرين هو الهياج الثوري الذي يستتبع عنده التغير للأصلح ورفض الظلم، ونبذ كل أنواع السيطرة اللامشروعة التي ارتكبها الظالمون، والسعي إلى منع ما يستجد من مثل هذه الحالات والمظاهر.
وبالتأكيد، فإن الاستعمار الغربي يسعى إلى إطفاء هذا التوهج الثوري الذي تعتمله نفوس شيعة أهل البيت بفضل ارتباطهم بساداتهم عليهم السلام، لذا عمدوا إلى استخدام مطية التكفير الوهابي الأهوج، لتنفيذ غاياتهم ومراميهم.
القلبي، ومثيراً للبُكاء المقرح، إذ انتهى إليَّ عدد مِن جريدة (الأوقات العراقيَّة) التي تصدر في البصرة، وفي مُفتتحها مقالة ينقل صاحبها عن رجل مِن فضلاء أهل العلم(1) ، قَطَنَ البصرة مُنذ شهور، يُدْعى (السيِّد مهدي) أنَّه منع مِن تمثيل تلك الفادحة الكُبرى والمصيبة العُظمى، ومِن خروج مواكب الرجال يضربون صدورهم بأيديهم في الأزقَّة والجوادِّ العموميَّة، فقلت هذه المصيبة الثالثة، وما هي بأهون مِن الأولتين.
ثمَّ تواترت الكُتب والرُّسل مِن البصرة إلى مراكز العلم في النجف، وهي ما بين عاذل وعاذر، مُحبِّذٍ لهذا المنع ومُستاءٍ منه، فشممت مِن ذلك روح الأغراض الشخصيَّة بين فئتين، فأعرضتُ وقلت: فورةٌ لا مساس لها بالمذهب، سوف تسكن.
ثمَّ ما عَتَمتْ إلا وقد أُرسلت بعد أيّام مِن البصرة مقالة مطبوعة مِن مُزخرفات ذلك الرجل الفاضل، مزج فيها بين الحقِّ والباطل، ونسب الفرقة الجعفريَّة - في إقامة التذكارات الحسينيَّة ببعض مظاهرها - إلى الإبداع، والقيام بأفعال وحشيَّة همجيَّة.
وفي هذا تضليل للسلف الصالح مِن العلماء الأعلام، والقُوّام على الحلال والحرام(2) ، ورفع لأعظم شعار مذهبي، ما زالت تجتني الشيعة مِن فوائده، ما يحفظ
____________________
(1) يعجبني أدب المؤلف في التعامل مع مناوئيه، إذ لم يذكر السيد مهدي بكلمة سوء على طول الكتاب وعرضه، وأدب الحوار هذا مما امتاز به أئمة أهل البيت عليهم السلام مع أعدائهم ومخالفيهم، ليوصلوهم إلى جادّة الحق، وهي روح امتاز بها أهل البيت عليهم السلام ورثوها لشيعتهم ليؤسسوا لهم مباني الحوار المبني على إظهار الحقائق وهدي الآخر، دون اللجوء إلى أسلوب الشتم والتكفير، كما يفعله معهم بعضهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(2) لا أدري كيف سمح البعض لأنفسهم بوصف ما يقوم به الشيعة من إقامة الشعائر الحسينية بأنه بدعة يجب التخلص منها؟! وهو بين أمرين لا ثالث لهما..
إما أن تكون هذا الشعائر بمعزل عن أسماع العلماء واطلاعهم وعدم درايتهم بما يجري، وهذه القضية لا تتعدى عن غفلة هؤلاء الأعلام وعدم علمهم بما يجري في أوساط الأمة، وهذا بعيد أن يتعلقه أحد من هؤلاء ومن غيرهم. =
كيانهم، ويثبت عقائدهم(1) .
فعلمت مِن أين جاءت هذه البليَّة، التي تقضي - إنْ تمَّتْ - على حياة الشيعة، وتيقّنت أن كيد المموِّهين والمنافقين، وخاصَّة أفراد (الجمعيَّة الأُموية) - ذلك الكيد الذي لا ينطلي إلا على السذّج والبُسطاء - قد أوقع هذا الرجل بإشراكه، فأفتى ومنع وقذف وضَلَّل، ولفَّق أموراً ليس لها مقيل في ظِلِّ الحقيقة(2) ، بلْ هي( ... كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ... ) .
كنت أجد لي فيما كتبه وأفتى به علماؤنا الأعلام في هذه الأيَّام، وطُبِع مُلحقاً برسالة في هذا الشأن لمعاصرينا الفاضل الشيخ محمد جواد الحجامي النجفي (حفظه
____________________
= وإما اتهام هؤلاء العلماء - بعد فرض معرفتهم بقيام هذه الشعائر الحسينية في أوساط الشيعة - بالضلال والإضلال، إذ من شأن العالم قول كلمة الحق مهما كلفته من ثمن، وكم حدثنا التأريخ بتضحيات علمائنا من أجل تثبيت مبدأ حق، أو إظهار كلمة هدى.
وأعجب من ذلك ما سمعت من أحدهم أن العلماء يخشون من العامة فلا يقوون على التحدث عن النهي عن هذه الشعائر، وهذه التهمة أعظم من سابقاتها، إذ اتهام العالم بالخوف على مكانته بين العوام حتى مع الباطل من أوجع ما سمعناه من تهمٍ وتوهين لعلمائنا زاد الله في شرفهم وأعلى درجاتهم.
(1) أجل، فقد جنى الشيعة من هذه الشعائر أعظم ما كان يتصوره الآخرون، إذ هي حفظت كيانهم من التشرذم والضياع في خضمّ ما واجه الشيعة من ظلم وحيف أدى بالكثير منهم إلى الشهادة والتشريد، وبقيت هذه الشعائر سبباً لاجتماعهم مهما كانت أسباب التشريع والمطاردة، إلا أنها المظلة التي يستظل بها جموع الشيعة في كل محنة من محنهم، وهم اليوم - بحمد الله تعالى - باتت هذه الشعائر مصدر قوة لهم، لا ينفكّون عنها بأي حال.
(2) من المؤسف أن بعضهم - على بساطة منه وسذاجة في طريقته - تبهره شعارات هؤلاء المشككين، الذين يحاولون استغلال غفلة البعض، أو حسن نواياهم، لينفذوا من خلال ذلك إلى تنفيذ أهدافهم ومكائدهم، وكم رأينا ممن يغتر (بحداثة) هؤلاء واستنكارهم على الشعائر، بحجة أنهم قادرون على تشخيص الواقع، ومعرفة كل ما لا يناسب وما لا يناسب الوضع الـمُعاش، وأمثال هذه الحداثوية الزائفة التي تغرر بالبعض.
الله)(1) ، المطبوعة في النجف مندوحةً عن الخوض في هذه المسألة، التي عَزَّ وعظُم على كلِّ عارف مِن الشيعة أنْ تقع موقع سؤال وتشكيك.
ولكنِّي الآني - بعد انتشار تلك المقالة التي هي قُرَّة عين المناوئين - لا أجد مَساغاً شرعيَّاً للسكوت عمَّا خَفي على ذلك (السيِّد الصائل)، ومَن يُطرب على تصديته، عسى أنْ يُنيب إلى الحقِّ، ويتنبه إلى ما أغفله به الأغيار المفكرون، ومِن الله أرجو أنْ تكون رسالتي هذه التي سمَّيتها (نصرة المظلوم)، سبباً لهداية إخواننا المسلمين إلى اتِّباع الحقِّ بيقين، إنَّه وليُّ ذلك، والقادر عليه.
وها أنا - بعون الله وتوفيقه - ذاكر في مُقدِّمة هذه العُجالة بحثاً فلسفيَّاً تاريخيَّاً، ينتهي بالمتأمِّل فيه إلى العلم بأنَّ التذكُّارات الحسينيَّة - بجميع أنواعها - حافظة للمذهب الجعفري عن الاندراس والدثور، وبهذا الاعتبار لا يحتاج في شرعيَّة بعضها إلى ورود دليل خاصٍّ به(2) ، وأنَّه لا يُعتنى بسخريَّة الساخر، فإنَّه - في الحقيقة - ماكر لا ساخر -
____________________
(1) هو الشيخ محمد جواد الشيخ طاهر، ولد سنة 1312، فتربى على يد والده الشيخ طاهر الحجامي، وتلقى دروسه على يديه، وتخرج في الأصول والفقه على عدد من علماء العصر وأساتذتهم، منهم الميرزا حسين النائيني والسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد حسين الأصفهاني والسيد محسن الحكيم والميرزا علي الإيرواني، كما تخرج على يديه طائفة من الأفاضل، وله اليد الطولى في الأدب والنشر، وكانت رسائل متبادلة بينه وبين العلامة الشيخ محمد حسين المظفر والشيخ حسن البهبهاني، وله ديوان شعر وتعليقه على كفاية الأصول وشرح كتاب الطهارة من التبصرة، حررة عند حضوره على أستاذه السيد محسن الحكيم قدس سره، قام بعمادة منتدى النشر في أول تشكيله لمدة ثلاثة أعوام.
انظر: مشهد الإمام أو مدينة النجف لمحمد علي التميمي ج 3 ص 128.
والكاتب يشير إلى أن الشيخ محمد جواد الحجامي رحمه الله نشر فتاوى الأعلام في الحث على الشعائر مع رسالة في هذا الشأن، وكأن ذلك الإنجاز يعدّ رادعاً للتشهير بهذه الشعائر، والاكتفاء بها حسن، إلا أن ذلك لم ينفع مع تضخّم حالة الالتفاف والتهويل التي أثارها البعض ضد هذه الشعائر المباركة.
(2) بما ذكرناه سابقاً، وإذا كان الأمر كذلك - وهو أن الشعائر كانت السبب الأساس في حفظ المذهب، بل وقوّته - فلا نحتاج إلى دليل مشروعيّتها، إذ قيام المصلحة بها دليل على ضرورتها، بل لزومها، كما هو معروف.
يُريد إطفاء أنوار الأئمَّة الأطهار بكيده ومكره، (ولا يَحيق المكر السيئ إلا بأهله).
فأقول: يتردَّد على ألسنة عموم الشيعة نحو قول: (قُتِل الحسين عليه السلام فإحياء دين جَدِّه)، ومُرادهم بدين جَدِّه الطريقة التي هُمْ عليها، مِن الاعتقاد - مع الشهادتين والمعاد - بإمامة علي وولده إلى المهدي (عليهم السلام)، وأنَّهم معصومون مبرَّؤون عن كلِّ ذنب وعيب، جامعون لكلِّ فضيلة في البشر، وتفصيل إحيائه لهذه الطريقة بتسليم نفسه للقتل عالماً عامداً تعرفه مِمَّا نذكره ثَمَّة.
لا شكَّ أنَّه ما كان المسلمون في شطر مِن الصدر الأوَّل يُنزِّلون أهل البيت الطاهر بالمنزلة التي تُنزلهم بها الجعفرية اليوم، مِن كونهم أئمَّة حقٍّ ومعصومين، فضلاً عن اعتقاد كون الإمامة والعصمة في عَقِبِ الحسين عليه السلام إلى عِدَّة خاصَّة مِن أبنائه، فإنَّه مِمَّا لم يُذعن به إلا مُمتَحَنُ القلب، اللَّهمَّ إلا في أعوام نزرة، مشوبة بفتن وحروب، كثُر في خلالها عدد الشيعة، وثبتت عقائدهم، لكنْ لم تكن مُقتضيات الأحوال يومئذ بالغة إلى حَدٍّ يوجب سيادة هذا الاعتقاد في العالم الإسلامي.
ثمَّ ما برح ذلك العدد الجَمُّ أنْ عراه النقص، ولبس ثوب الإذلال، وكان ضئيلاً مِن قبل ذلك، وذلك لأجل الجَنَف(1) الذي أظهره آل أبي سفيان في المِصرَين(2) وما
____________________
(1) الجَنَف: الميل والجور، جنِفَ جَنَفاً، قال لأغلب العجلي: غير جنافي جميل الزي، لسان العرب لابن منظور باب جنف.
وجنِف فلان علينا - بالكسر - وأجنف في حكمه، وهو شبيه بالحيف، إلا أن الحيف من الحاكم، والجنف عام، ولم يرتض الأزهري هذا التفريق، واستدل بقول بعضهم: يُردُ من حيف الناحل ما يرد من جنف الموصي، والناحل إذا نحل بعض ولده دون بعضٍ فقد حاف، وليس بحاكم، ويرد عليه أن أقول بعضهم ليس بحجة، لجهالة القائل، والظاهر أن التفريق في محله.
(2) الكوفة والبصرة وما يتبعهما، كالأهواز وبعض الكور آنذاك، والكاتب ملتفت إلى ما فعله الأمويون بشيعة المصرين العراقيين، من تقتيل وتهجير، ولم يتعرض إلى الحجاز والشام لقلّة ما فيهما من الشيعة، ولم تكن المصيبة عظيمة آنذاك.
يتبعهما، وغيرهما مِن مراكز الشيعة، فقد غرسوا بُغْضَ عليّ عليه السلام وولده، وسبَّهم، والبراءة منهم، في أعماق قلوب العامَّة، بأساليب مُختلفة، وتتبَّعوا شيعتهم على الظنَّة والتُّهْمَة، حتَّى كادوا أنْ يستأصلوا شأفتهم(1) ، وبعضوا إلى المشرَّدين منهم والمسجونين ضروب الأذى والتنكيل، ووضعوا الأحاديث النبويَّة في فضل بَنْي أُميَّة(2) ،
____________________
(1) شأفة الرجل: أهله وماله، والشأفة: الأصل، واستأصل الله شأفته: أي أصله، وفي حديث علي عليه السلام قال له أصحابه: لقد استأصلنا شأفتهم، يعني الخوارج، لسان العرب لابن منظور باب شأف.
(2) أراد الكاتب أن يعيد للأذهان ما فعله الأمويون من قلب الحقائق ومحاولة التزوير التي ارتكبها معاوية وفريقه المتخصص في مجال الوضع والأخلاق.
ولعلّ الإمام السندي الذي شرح سنن ابن ماجة يشير إلى سبب انتشار مناقب الإمام علي عليه السلام، وما واجهته هذه المناقب من حرب ومؤامرات نحاول من خلالها قراءة الواقع الذي عاشته مناقب الإمام علي عليه السلام في خضمّ الصراعات السياسية المتهورة.
يقول الإمام السندي: (قيل وهذا سبب ما روي من مناقبه (رضي الله تعالى عنه)، كما في الإصابة للحافظ ابن حجر، قال: ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعي، وقال غيره: وسبب تعرّض بني أمية له فكان كل من كان عنده علم شيء من مناقبه من الصحابة بثّه، فكلّما أرادوا إخماد شرفه حدّث الصحابة بمناقبه، فلا يزداد إلا انتشاراً.
وتتّبع النسائي ما خص به من دون الصحابة، فجمع من ذلك أشياء كثيرة أسانيدها أكثرنا جياد). شرح سنن ابن ماجة للإمام السندي، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ج 1 ص 58، دار الجيل.
وقال أبو جعفر الإسكافي: وقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي هذه الآية أنها نزلت في علي بن أبي طالب:
( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴿204﴾ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) ، فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقيل وروى ذلك. انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وكلامه في الأحاديث الموضوعة في ذم علي عليه السلام ج 4 ص 63 - 73.
كما روى أبو جعفر الإسكافي أن معاوية وضع أقواماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار =
وأعلنت الخُطباء في كلِّ صقع بأسمائهم، مقرونة بالتبجيل والتكريم، وكونهم خُلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذوي رَحِمِه، وورَّاث حُكمه وحِكمته، وأنَّ مُخالفتهم ضلال، والخروج عليهم خروج عن رِبقة الإسلام، حتَّى أتى على ذلك نيِّف وثلاثون سنة، وبعض هذا في أقلُّ مِن تلك المدَّة كافٍ في اندراس ذكر علي وولده عليهم السلام، واندراس طريقتهم وأحكامهم.
حتَّى إذا وليَ الأمر يزيد بن معاوية بعد أبيه، وقد توطَّدت له الأسباب، تسنَّى له أنْ يُبيد كلَّ هاشميٍّ مِن على جديد الأرض، لتهوُّره، وشِدَّة إقدامه، وتجاهُره بهتك الحُرمات، كما يُنبئ عن ذلك - بعد يوم الطف - وقعة الحَرَّة ورَمْيُ الكعبة.
فلذلك قام الحسين عليه السلام ضِدَّ بني أُميَّة، قيام مُستاءٍ جِدَّاً مِن جرَّاء قسوتهم المخالفة لدين الإسلام، ولا هَمَّ له إلا إحياء ما أماتوه مِن الآثار والمآثر الإسلاميَّة(1) ، وبقتلهم إيَّاه تلك القتلة الشنيعة، بأيدي تلك الألوف المتجمهرة عليه، وقتل سبعة عشر رجلاً مِن بنيه وبني أخيه وعمِّه، حتَّى الشباب والأطفال الرُّضَّع منهم، وقتل أنصاره وسبي ذراريه وعياله إلى الكوفة، ومنها إلى الشام، حيث مركز الخلافة الأُمويَّة، وإشهار رأسه
____________________
= قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما ارتضاه، ومنهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير. شرح نهج البلاغة ج 4 ص 63.
كهذه هي ثور الاضطهاد الفكري والمصادرات الثقافية التي انتهجها السلطات الأموية طيلة ثلاثة عقود، وقد حددها المؤلف بنيف وثلاثين سنة.
(1) ومقولة سيّد الشهداء عليه السلام لا زالت ترنّ في أسماع الدهر، تؤكد على أنه عليه السلام ما خرج إلا لإصلاح ما أفسده الأمويون وأسلافهم، وتآمرهم على الإسلام، وكيدهم لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، مما دعا سيد الشهداء عليه السلام أن يعلن في مقولته المشهورة: (... وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب). بحار الأنوار ج 44 ص 329.
ورؤوس آله في البُلدان، سقطت منزلة بني أُميَّة مِن القلوب(1) ، وعلم الناس نواياهم السيِّئة، أيقنوا أنَّهم ليسوا بأئمَّة حقٍّ، لأنَّ أفعالهم تلك لا تتَّفق مع أيِّ دين، ولا يرافقها مِن العدل شيء بلْ هي خارجة عن حدود الإنسانيَّة.
وكان في نفوس العامَّة في العراق نفورٌ ما منهم، مِن جرَّاء القتل الذريع بكبرائهم، لتُهْمَة التشيُّع، وجَنَف العمَّال بهم، وكذلك في الحِجاز أيَّام استخلاف يزيد (عليه اللعنة)، لمعلوميَّة فسقه وجوره، وظهر يومئذ للعالم الإسلامي كلِّه أنَّ بَني أُميَّة لم تسعَ في هدم دين الإسلام فقط، بلْ تسعى - عن طريق التعصُّب الجاهلي - في أنْ لا تُبقي لهاشميٍّ أثراً، وعلى الأخصِّ بقايا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومِن هذا الوجه ظهر للعالم أجمع مظلوميَّة الحسين عليه السلام، وصار ذلك سبباً للالتفات إلى مظلوميَّة أبيه يوم صِفِّين، وأخيه عام الصلح(2) .
____________________
(1) نعم كانت ردّة فعل الأمة من هذه الفاجعة العظمى هي كراهية الناس لبني أمية بشكل لم يتوقع الأمويون ردّ الفعل هذا جرّاء الصدمة التي فاجأت الأمة بشهادة الإمام الحسين عليه السلام، وكان سقوط الدولة الأموية منذ سقوط أول قطرة دم في كربلاء، بالرغم من تقاعس الأمة عن نصرة الإمام الشهيد عليه السلام، إلا أن ذلك لم يمنع الاستياء العام، وانكشاف حقيقة الأمويين الذين تستّروا بلباس الدين، ولولا هذه الواقعة الحسينية لبقيت سياسات الأمويين وأتباعهم تحكم الأمة إلى يوم الدين، وتأخذ بخناق الناس، والطويل لمن اعترض عليهم بشطر كلمة، إذ لم يستطع أحد كشف دجل آل أبي سفيان وكذبهم، لولا ثورة الإمام الشهيد الذي أسقط كل الأقنعة، وإلى يومنا هذا.
(2) وبالفعل كانت ثورة الحسين عليه السلام إعادة لحسابات الأمة التي لم تنصف الإمام علي عليه السلام في صفين، ولم تنتصر للإمام الحسن عليه السلام يوم هادن معاوية، إلا بعد أن هتكت ثورة الشهيد حجب الزيف والدجل الأموي، الذي كانت تتستّر به هذه العصابة الظالمة، وريثة التآمر والنكوص عن الحق وأهله، فقد ظهر الإنكار الشديد على الأعمال الشائنة للأمويين، ولم يتردد أهل الكوفة في الإنكار على يزيد، (فقد استقبل الكوفيون العائلة الكريمة - التي عوملت معاملة الكفار في السلب والأسر والتشهير - بالبكاء والصراخ والنوح والتوجّع والتفجّع والتأسف، وقد شقّت النساء جيوبهن على الإمام الحسين عليه السلام والتدمنَ). انظر: فاجعة الطف للسيد الحكيم ص 98. =
لما قُتِل الحسين عليه السلام طالب لسان اللوم والإنكار على يزيد (عليه اللعنة)، حتَّى مِن بَنْي أُميَّة أنفسهم، ومِن بقايا الصحابة في الشام وفي المدينة المنوَّرة، على حين إنه لم يكن بالإمكان ذكر علي عليه السلام والحسين عليه السلام بخير في البُلدان القاصية عن مركز خلافة بَني أُميَّة، فضلاً عن إطرائهم بين يدي يزيد، ولدى حاشيته، وفي داره، حتَّى روى في (العِقد الفريد) عن المدائني أنَّه لم توجد في دار يزيد سفيانيَّة إلا وهي مُتلدِّمة، تبكي على الحسين عليه السلام(1) .
وما كان ينفع يزيد عند الناس إسناد قتله إلى ابن مرجانه بغير علم منه، وهم يرون فرحه وسروره، بإشهار رأسه ورؤوس آله، وسَوْق ذراريهم وعيالهم له كالسبي المجلوب، وتزيينه الشام أيَّاماً، استبشاراً بذلك.
لَعمري إنَّ هذا الإطراء والذكر الجميل، واعتقاد مظلوميَّة الحسين عليه السلام وآله عند العامَّة في الشام، أوَّل مراتب التشيُّع، ومعرفة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإذعان بفضلهم، الذي لا سبب له إلا قتل الحسين عليه السلام.
في عام قتل الحسين هاج كثير مِن أهل الكوفة للأخذ بثأره(2) ، وما زالوا يستعدون
____________________
= وما أظهره أهل المدينة من الإنكار الذي تُرجم إلى ثورة الحرّة، وأنكر على حادثة نكت رأس الإمام الشهيد عليه السلام كل من زيد بن أرقم وأبي برزة الأسلمي وأنس بن مالك وغيرهم، وإذا كان لهؤلاء وأمثالهم موقف الخذلان في واقعة الطف، لموالاتهم للنظام الأموي، وسقوطهم في أعين الأمة لسكوتهم، إلا أن هناك ما يشير إلى امتعاضهم من هذه الانتهاكات الأموية بعد مقتل الحسين عليه السلام، وتجرؤ السلطة بالإقدام عليه.
(1) العقد الفريد ج 5 ص 134 دار الفكر بيروت.
(2) كما في اجتماع أهل الكوفة عند رؤوس الشيعة، سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمسيّب بن نجبة الفزاري، وكان من شيعة علي وخيارهم، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي وعبد الله بن وال التيمي ورفاعة بن شداد البجلي، واتّفقوا على الأخذ بثأر الإمام سيد الشهداء عليه السلام، وبعد أن تلاوموا بينهم على الخذلان وعدم النصرة، فأثر ذلك عن =
للثورة عِدَّتها، مِن جمع سلاح وتوفير عدد، نحواً مِن ثلاث سنين، وأهل المدينة في خلال تلك المدَّة ثائرون عليه، مع عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة)(1) ، وابنُ الزبير ناصب بمَكَّة يدعو إلى نفسه(2) ، ويُعلِن الطلب بثار الحسين، بدء أمره حتَّى هلك يزيد (عليه اللعنة)، وحينئذ تجمهرت الألوف بالكوفة، لا حافز لها إلا الطلب بثأر الحسين عليه السلام، وهي تذكر أباه وأخاه وسائر آله بكلِّ جميل، وتُعلِن استحقاق عليٍّ عليه السلام وولده الإمامة والخلافة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم، يومئذ ظهر التشيُّع الصلب، وامتازت شيعة علي عليه السلام مِن شيعة بَني أُميَّة، ونتج مِن ذلك التجمهُر والامتياز وقعة عين الوردة، التي قُتِل بها أكثر التوَّابين(3) ، ووقعة نهر الخازر،
____________________
= ثورة المختار التي عاقب فيها قتلة الحسين عليه السلام وطاردهم في كل مكان. انظر: تأريخ الطبري ج 4 ص 428 أحداث سنة 65 للهجرة.
(1) حيث أخرج أهل المدينة عامل يزيد على المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وأظهروا خلع يزيد وحصارهم من كان بها من بني أمية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وكانت ثورة هدّت عروش الأمويين، وقابلها يزيد بوفعة عظيمة بقيادة مسلم بن عقبة (فأباح المدينة ثلاثاً يقتلون الناس، ويأخذون الأموال، فافزع ذلك من كان بها من الصحابة). تأريخ الطبري ج 4 ص 377.
فكان هذه الحادثة إحدى ثمرات نهضة الإمام الحسين عليه السلام، وهي ردة فعل فصمت عرى الحكم الأموي بشكل لم تبق معه هيبة السلطان، ولا عزة الملك.
(2) انظر أحداث سنة 66 و67 وما بعدها في دعوة عبد الله بن الزبير لنفسه وما جرى من أحداث في تأريخ الطبري والكامل لابن الأثير وتأريخ اليعقوبي ومروج الذهب وغيرها.
(3) حيث استشهد في عين الوردة سليمان بن صرد الخزاعي، بعد أن قتل من القوم مقتلة عظيمة، وأبلى وحثّ وحرّض، ورماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله، واستشهد من بعده المسي بن نجبة، ثم استشهد من أهل المدائن الذين التحقوا بالتوابين كثير بن عمرو المدني، وطعن سعد بن أبي سعد الحنفي وعبد الله بن الخطل الطائي، وقتل عبد الله بن سعد بن نفيل، وهؤلاء قادة التوابين وفرسانهم. ويروى بعضهم أن وقعة عين الوردة كانت سنة ست وستين، والأشر أنها سنة سبع وستين. راجع مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 108.
التي هلك فيها مِن جُند بَني أُميَّة سبعون ألفاً، فيهم ابن مرجانة(1) .
وبانَ ثَمَّة التشيُّع بأجلى مظاهره، وانقادت الناس مِن يومئذ إلى أهل البيت عليهم السلام باقتفاء آثارهم، والاقتباس مِن علومهم، وأخذ مراسم الدين منهم، وما برح الثوّار يَتتابعون، كزيد بن علي(2) ، وولده يحيى بن زيد(3) ، وغيرهما، ويقوى أمر
____________________
(1) وقعة نهر الخازر جاءت بعد عين الوردة وفي نفس السنة، قتل فيها عبيد الله بن مرجانة على يد إبراهيم بن مالك الأشتر، على اختلاف في السنة التي حدثت فيها، فمنهم من أرخها سنة ست وستين، وآخرون على سنة سبع وستين، وكانت من أعظم الوقعات التي مزقت جيش الأمويين، وقطعت أوصال قواهم الطائشة.
(2) ثورة زيد بن علي في أيام هشام بن عبد الملك سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل: في سنة اثنين وعشرين ومائة، وكانت وقعته في الكوفة، فلما استشهد صلب عرياناً، ثم أحرقه بعد الصلب يوسف بن عمرو والي هشام على الكوفة.
(3) الظاهر أنه يحيى بن زيد، وهو صاحب الثورة بعد ابيه، بعد معركة كبرى أوقع بالأمويين من القتلى العدد الكبير، وصلب على باب الجوزجان، ثم بعث برأسه إلى نصر بن سيار، ثم بعثه إلى الوليد بن يزيد.
ولم أجد لعيسى بن زيد من ذكر في الثورات التي تلت ثورة أبيه، فقد عاش عيسى بعد ثورة أبيه متخفياً عن عيون السلطة.
نعم شارك عيسى بن زيد في ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن، وكان بطلاً شجاعاً معروفاً بشدة البأس، وخرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في قيام أبي جعفر المنصور، وخرج مع أخيه الحسين بن زيد الملقب (ذو الدمعة).
وكان الظاهر على عيسى تقواه وتمسكه بمذهب آبائه، حيث يروي أبو الفرج الأصفهاني بسبب مفارقته عيسى بن زيد لإبراهيم بن الحسن، قال بسند مرفوع: صلى إبراهيم على جنازة بالبصرة وكبّر عليها أربعاً، فقال له عيسى بن زيد: لِمَ نقصت واحدة، وقد عرفت تكبير أهل بيتك؟ فقال: هذا أجمع لهم، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله، ففارق وعيسى واعتزل، وبلغ ذلك أبا جعفر فأرسل إلى عيسى يبذل له ما سأل على أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يتمّ الأمر بينهما إلى أن قتل إبراهيم. =
الشيعة، ويشتدُّ أزرهم، وتظهر كلمتهم، وتثبت عقائدهم، ببركة تلك الثورات الناجمة مِن قتل الحسين عليه السلام، ولم يمضِ ضرن واحدة مِن لدُن قتله حتَّى بِيْد بنو أُميَّة، وأصبحت السلطة الإسلاميَّة لفريق مِن بني هاشم، وهم بنو العباس، الذين - باسم ثارات الحسين عليه السلام وولده وبني عمومته - لم يُبقوا مِن الأُمويين في الأرض نافخ ضَرَمة(1) ، إلّا مَن لا يُعرف.
مِن هذه الرموز كلِّها تعرف معنى كون الحسين عليه السلام قتل لإحياء دين جدِّه، وتُذعن أنَّه لم يطلب حقَّاً هو لغيره، ولم يرد أنْ يكون جبَّاراً في الأرض، وإلّا فلا موقع فإطرائه والطلب بثأره.
ولما رسخت أقدام العباسيِّين في الإمرة الإسلاميَّة، ورأوا أنَّ المغروس في أعماق قلوب أكثر المسلمين هو أنَّ الرياسة الروحانيَّة المقدسة لعَقب الحسين عليه السلام مِن العلويِّين، خافوا على مُلكهم بادرة الثوّار منهم، وأدرك أولئك أن لا قدرة لهم على الطلب بحقِّهم، وقد باد بنو أُميَّة، وتشتَّت أفكار العامَّة، أعرست الدنيا بمُلك بني العباس(2) ، وكان الرئيس الروحاني مِن أولاد الحسين عليه السلام يومئذ، والمشار إليه
____________________
= ثم أضاف أبو الفرج الأصفهاني: وكان عيسى أفضل من بقي من أهله، ديناً وعلماً وورعاً وزهداً وتقشفاً، وأشدهم بصيرة في أمره ومذهبه، مع علم كثير من رواية للحديث وطلب له، وقد روى عن أبيه وجعفر بن محمد وأخيه عبد الله بن محمد وسفيان بن سعيد الثوري. مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 407.
(1) نافخ ضرمه: مثل يضرب للدلالة على خلوّ الديار من أهلها، بحيث لم يبق منهم أحد يشعل ناراً فينفخ فيها، وهي كناية عن اجتثاثهم عن جديب الأرض.
(2) أعرست الدنيا أي زهت وأظهرت زينتها، كما تظهر العروس لزوجها، وكما أن العروس تجاري زوجها فتخضع له، فكذلك خضعت الدنيا لبني العباس، وهي دلالة على زهو العباسيين بملكهم.
وربما يستعمل بمعنى دهش، كما عند ابن منظور، فيكون المعنى: أن الدنيا اندهشت بملك بني العباس لعظمته. والأول أوفق بالمقام.
مِن بينهم، والمطاع في الناس هو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، فآثر العُزلة وكذلك أبناؤه إماماً بعد إمام، وهم فل خلال ذلك يُلاقون ضروب الأذى والقتل والتنكيل، ولكنَّهم حفظوا ما قُتِل عليه جدّهم بأمرهم شيعتهم - بدل الثورة - بالتذكُّرات الحسينيَّة، بذكر مصائبه، فُرادى وجماعات، في جميع الأحوال، ونقل ما جرى عليه وعليهم مِن الفجايع، مِن لدُن قتله إلى أيَّامهم، والبُكاء والإبكاء والتباكي لما أصابهم، وبالغوا في الإطناب بذكر ثواب ذلك، إلى حد هو فوق النصور، لأنَّهم رأوا أن ذلك هو اليد القويَّة في إحكام الرابطة بين أفراد الشيعة، وتميُّزهم عمَّن سواهم مِن الشّيع، كما أنَّ الثورات الدمويَّة أوجبت تميزهم عن شيعة بني أُميَّة، وحفظت عقائدهم لذلك الوقت، وعلى ذلك مِن الشواهد التاريخيَّة ما تضيق عنه الرسالة.
ثمَّ إنَّهم عليهم السلام - بمزيد لُطفهم وواسع علمهم - حفظوا تلك المجتمعات، وحافظوا على الأفراد والجماعات مِن الشيعة، بتشديد الأمر عليهم بالاتِّقاء والتستر، حتى نفوا اسم الدين عن غير المتَّقي(1) ، وهذه المجتمعات - المأمور بها منهم ببيانات مُختلفة
____________________
(1) وقد شددوا (صلوات الله عليهم) على التقية بما لا مجال فيه للتردد والتأويل، حى جعلوا الدين مرهوناً بالتقية، فقد روى الكليني بسنده عن أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال: يا أبا عمر، إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين). الكافي ج 2 ص 246، باب التقية حديث 2.
وعن أبي بصير قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: التقية من دين الله. قلت: من دين الله؟ قال: إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: (أيتها العير إنكم لسارقون)، والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: (إني سقيم) والله ما كان سقيماً). الكافي ج 2 ص 246، باب التقية حديث 3.
وهذا التشدد في الحث على التقية جاء على خليفة ما عاناه الشيعة من مطاردة السلطات وتتّبع آثارهم، والعمل على القضاء عليهم بشتى الطرق وأنواع الوسائل، إلا أن حكمة أهل البيت عليهم السلام وألطافهم حفظت شيعتهم من هجمات أعدائهم، وتربصهم لهم في كل حين، حتى أنك لتجد شيعة أهل البيت عليه السلام يملؤون أقطار المعمورة بفضل حكمة التقية التي أبقتهم رغم تآمر أهل الدنيا عليهم. =
والمنعقدة عندهم في منازلهم - هي ما نسميها اليوم: (المآتم) و(مجالس العزاء).
لا شكَّ أنَّه لا غرض للأئمَّة عليهم السلام - وهم حُكماء الأُمَّة - مِن الأمر بذلك الاجتماع المحزن، وتذكُّر تلك المصيبة المقرحة، في أحوال مخصوصة كثيرة، وزيارته التي لم يَكفهم الترغيب إليها والمبالغة في ثوابها، حتَّى حذَّروا مِن تركها.
وبعبارة جامعة: ليس أمرهم بتلك الروابط الحسينيَّة إلا حفظ المذهب عن الاندراس، وهو الغاية التي قُتِل لها الحسين عليه السلام، وهذه الحِكَم - مع أنَّها وجدانيَّة - قد ألمعوا إليها بعبارات مُختلفة، وضوحاً وخَفاءً، وأمروا بها صريحاً، فيما تضمَّن الحثُّ على إحياء أمرهم.
نحو قول الصادق عليه السلام للفضيل بن يسار:
(تجلسون وتتحدَّثون ؟
قال: نعم، جعلت فداك، قال:
إنَّ تلك المجالس أُحبُّها، فأحيوا أمرنا. يا فضيل، فرحم الله مَن أحيى أمرنا) (1) .
وقوله (عليه السلام):
(مَن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) (2) .
____________________
= ولابد من التنويه إلى أن أعداءهم قد عرفوا سبب حفظهم وتحصنهم بالتقية، فلم يستطيعوا القضاء عليهم والوصول إليهم، فأخذوا بالتشهير بهم، والقول بأن تقيّتهم هذه نفاق، علّهم يجدون سبباً في القضاء عليهم بتركهم التقية؛ لتكون لأعدائهم الحجة في ملاحقتهم ومطاردتهم في كل الأنحاء.
(1) تتمة الحديث: (ثم قال: يا فضيل، من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثرمن بد البحر). قرب الإسناد ص 26.
(2) الحديث هكذا: (من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكبت منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى ولم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب). أمالي الصدوق ص 131.
وقوله (عليه السلام):
(رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا، فإن ثالثهما مَلَك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذِّكر، فإنَّ في اجتماعكم ومُذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس بعدنا مَن ذاكر بأمرنا، ودعا إلى ذكرنا) (1) . وغير ذلك.
فكأنَّهم عليهم السلام رأوا إن تلك التذكارات الحسينيَّة هي التي توجِب بقاء النساء على مرور الأزمان على الاعتقاد بإمامتهم ووافر فضلهم وعصمتهم، ومظلوميَّتهم مِن الخُلفاء في كلِّ عصر مِن أعصارهم، وذلك روح التشيُّع.(2)
أنا لا أشد أن تلك المجالس والمجتمعات ألبستها الأئمَّة الأطهار عليهم السلام - بواسع علمهم وبُعْد نظرهم للمستقبل - لباساً مذهبيَّاً، لأنَّها السبب الوحيد لاجتماع
____________________
(1) أمالي الطوسي ص 224؛ مستدرك الوسائل ج 10 س 632.
(2) وهذا ما يفسر لنا تكالب السلطات الظالمة على منع هذه الشعائر، لارتباط الأمة بأهل البيت عليهم السلام والكشف عن مظلوميتهم، لذا سمعت جميع دوائر السلطتين الأموية والعباسية والمرتبطة بهما إلى إحباط محاولات التحدي الناجمة عن ارتباط الأمة بأئمتها، وما يعمّها من الاستياء العام لتاريخ دموي جرى على أهل البيت وأتباعهم، على أن هذا الخط المظلوم حجّر عليه إعلامياً وكتمت جميع قنواته في التذكير بما جرى عليهم من هذه السلطات الظالمة، فكانت هذه الشعائر هي الإعلام الحي لواقعة دموية جرت هنا أو هناك، لتذكير الأمة بمظلومية أهل البيت، ومظلوميتها كذلك.
فالشعائر هي القنبلة الموقوتة بوجه السلطات الظالمة في كل زمان ومكان، وغدت هذه الشعائر كذلك المنبر الإعلامي الحر الذي يعبّر عن جميع الانتهاكات المرتكبة في حق أتباع أهل البيت عليهم السلام، بل المحرومين في العالم.
لذا فالشعائر عطاء من عطاءات أهل البيت عليهم السلام أغدق على شيعتهم لضمان بقائهم، بل للحفاظ على هيبتهم وسطوتهم ضد الظالمين.
كلمة الشيعة(1) ، ورسوخ عقائدهم، وبقاء ذكر الجميل بكلِّ معانيه للأئمَّة فيما بينهم، وتلك نُكتة مستورة عن جميع المسلمين، حتَّى عن الشيعة أنفسهم، فإنَّهم لا يتصوَّرون هذه الفائدة مِن عملهم، بلْ قصدهم الثواب الأُخروي فقط، لكنْ لما أنَّ كلَّ عمل لابدَّ أنْ يظهر له - بطبيعته - أثر، فهذه المجالس بما يَحدث فيها مِن إظهار مظلوميَّة آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم تؤثِّر تلك الثمرات للشيعة مِن حيث لا يشعرون.
إليك فانظر ماذا يضرُّ المتوكِّل العباسي، في كونه مَلِكاً وخليفة مِن ولد العباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مِن أنَّ طائفة مِن المسلمين تزور قبر الحسين عليه السلام، وهو ابن عمِّه، حتَّى يمنع عن زيارته، ويوجِّه إليه الفعلة بأمرهم بحرثه، وإجراء الماء عليه(2) ؟ وما دخل ذلك في الملك والسلطان؟ لولا أنَّه قد أدرك أنَّ الرابطة الحسينيَّة
____________________
(1) فعلاً، إن من ثمرات هذه الشعائر هو ارتباط الشيعة فيما بينهم واجتماعهم، رغم تشتتهم وقهرهم، لذا فإنك ترى في المصداق الخارجي انطباق هذا المفهموم وغيره، إذ من المعلوم أن تشتت الشيعة في البلدان وفي كل نحاء العالم بسبب النظام الصدامي الجائر أوجد في شعائر أهل البيت حلقة الاتصال بين الجميع، فكانت هذه المجالس تجمع شتات العراقيين المهاجرين، وتعمل على توحيد كلمتهم، لوحدة هدفهم، وهي خدمة الإمام الحسين عليه السلام، فكانت هذه الشعائر سبباً في إذكاء روح المعارضة ضد النظام، بل كانت سبباً في تنظيم هذه الجماعات المتناثرة تحت مظلة المنبر الحسيني، الذي يزيد من همة الروح الثورية والتذكير بأصلهم، والارتباط بأرض كربلاء، مهما بعدت المسافات وطال الزمن.
(2) حادثة هدم القبر الشريف متواترة لا يختلف عليها اثنان، يصف السيوطي الحادث المؤلم بقوله: وفي سنة ست وثلاثين بعد المائتين أمر - أي: المتوكل - بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخُرّب، وبقي صحراء، وكان المتوكل معروفاً بالتعصب، فتألم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك:
بالله إن كانت أمية قد أتت |
قتل ابن بنت نبيها مظلومها |
|
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله |
هذا ابن لعمري قبره مهدوما |
|
أسفوا على أن لا يكونوا |
في قتله فتتبّعوه رميما |
=
المسبِّبة عن اندفاع تلك الجماهير إلى زيارة قبره، مُجتمعين عنده، ذاكرين فضله وفضل آبائه وأبنائه، ومظلوميَّتهم، مُجاهدين بالبكاء عليه وعليهم، هي التي توجب ثبوت الاعتقاد بإمامتهم، وذلك هو روح التشيُّع.
أنظُر لم يُنكر الإمام عليه السلام - وقد ارتفع البكاء في داره على الحسين عليه السلام واجتمع الناس على الباب - لم يُنكر أنْ يكون ذلك على جدِّه المظلوم، ويقول: مات طفل لنا، فبكت عليه النساء. وقد صدق، فقد ماتت لهم أطفال في كربلاء.
بالله عليك ألم يدمج راوي انعقاد المأتم على الحسين عليه السلام يومئذ للبكاء عليه، فيقول: جاء قاصٌّ يقصُّ فبكينا، ولا يقول: نذكر مصرع الحسين عليه السلام، وهي همْ يبكون على مصيبة يقصُّها القاصُّ إلا مُصيبة الحسين عليه السلام التي يجتمعون لأجلها؟ ولم يُتخَفَّ بها، لولا أنَّها مظهر روح التشيُّع. وأنت إذا تيقَّنت قيام تلك الفائدة الجليَّة بالمآتم الحسينيَّة قياماً طبيعيَّاً أرشدت إليه الأئمَّة الأطهار عليهم السلام
____________________
= تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 321.
وفي أحداث سنة مائتين وست وثلاثين قال الطبري: (وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذُكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق، فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه، وحُرث ذلك الموضع وزُرع ما حواليه). تأريخ الطبري ج 7 ص 265.
وكان المتوكل من أشد العباسيين على أهل البيت وشيعتهم، وأكثرهم حرصاً على منع الناس من زيارته، وهو وريث آبائه الذين سبقوه في تتّبع آثار أهل البيت عليهم السلام، وهدم قبورهم، كأبي جعفر المنصور وهارون الرشيد وغيرهما، ممن أفزعتهم هذه الشعائر وأحسّوا بخطرها، ووثبوا عليها بالملاحقة والمطاردة، لا لشيء إلا لأنها تعيد الثقة لأولئك المحرومين من أتباع أهل البيت عليهم السلام، وتشد أواصر تلاحمهم، وتعيد الكيان الشيعي إلى ما هو عليه من الاجتماع بعد التفرق، والقوة بعد الضعف، والثقة بعد الإحباط.
بهاتيك الأخبار، لزمك الالتزام بوجوبها كفاية(1) ، ووجوب كلَّما يُفيد مفادها كذلك، مِن تمثيل الفاجعة لحاسَّة البصر، أو سير مواكب الرجال في الأزقَّة والشوارع مُذكِّرةً بها، ولم تحتج بعد تلك الفائدة الملموسة باليد إلى نضد الأدلَّة على مشروعيَّتها، إذ أنها - بهذا البيان الذي يشهد به الوجدان - أجلُّ مِن أنْ ريتاب مُريب في رجحانها، بلْ وجوبها كفاية.
وإنَّ أقربها علاقة وشبهاً بالمآتم (التمثيل)، فإنَّ مَن سبر غوره، وتعمَّق بالغوص على سرِّه، يعلم أنَّ فيه مِن النُّكت ما ليس في إقامة المآتم المجردة عنه.
إذا كان السرُّ في إقامة المآتم(2) والغرض منها - ظاهراً - إظهار مظلوميَّة سيِّد
____________________
(1) أي بعد ثبوت ضرورة القيامة بهذه الشعائر الحسينية فقد ثبت وجوبها كفايةً على أتباع أهل البيت عليهم السلام، علماً أن الواجب الكفائي مأخوذ فيه المتعلق وليس الموضوع، وهو المكلف، فعناية الشارع المقدس في صرف وجود المأمور به وهو الشعائر، وليس في موضوع الحكم وهو المكلف.
لكن المقام يقتضي - كما هو الظاهر - أن العناية متوجهة كذلك لموضوع الحكم وهو المكلف، وذلك للمصلحة التي تقدمت الإشارة إليها في كلام الماتن (رضوان الله عليه) بقوله: (فكأنهم عليهم السلام رأوا أن تلك التذكارات الحسينية هي التي توجب بقاء الناس على مرور الأزمان على الاعتقاد بإمامتهم ووافر فضلهم وعصمتهم، ومظلوميتهم من الخلفاء في كل عصر من أعصارهم، وذلك روح التشيّع).
فكأن التكليف هنا تكليف بالعموم الاستغراقي، أي على كل فردٍ كانت عناية الأئمة عليهم السلام ودأبهم على إبقاء الناس بالاعتقاد بإمامتهم، وليس المطلوب صرف الاعتقاد حتى يقال: إن المقام يقتضي وجوباً كفائياً، بل عمل الأئمة عليهم السلام وحرصهم على ارتباط أتباعهم بهم عن طريق هذه الشعائر يقتضي أن يكون الواجب عينياً بعمومه الاستغراقي على كل فرد من أفراد المكلفين.
نعم يبقى الاستثناء قائما على حاله، ووارداً مورد الضرورة للمكلف غير القادر على إقامتها من نحو المانع العرفي أو الشرعي أو أي محتمل من محتملات الضرورة أو عدم القدرة.
(2) من هنا يبدأ المؤلف في تعدد فوائد التمثيل وإثبات ضرورته من خلال ما يذكره لاحقاً.
وخلاصته أن التمثيل أبلغ في تقريب الواقعة إلى الأذهان، كون هذه المشاهد تهيمن على حواس الإنسان ووجدانيه، وتجيش عواطفه وانشداده نحو فاجعة الطف، في حين تبقى المآتم مرهونة على حِنكة =
الشهداء لدى العموم، وباطناً اتِّفاق كلمة الشيعة وحفظ عقائدهم عن الاندراس على مرور الأزمان، فلا ريب أنَّ تمثيل الواقعة لحاسَّة البصر، بما يصدر فيها مِن حركة وسكون، قول وفعل، أبلغ في إظهار مظلوميَّة ذلك الشهيد الأعظم مِن الأقوال المجرَّدة على المنابر وفي المجامع، وأدخل في تثبيت العقائد وإحكام الروابط بين أفراد الجعفريَّة.
إذا كانت الفرقة الجعفريَّة تذكر في المآتم وعلى المنابر المصائب التي وردت على الحسين عليه السلام، ونُصْب أعيُنها الأحاديث المرغِّبة على البكاء عليه والحُزن لأجله، فتمثيل تلك المصائب للأنظار له تأثير عظيم في القلوب، لأنَّه يجعل العامَّ والخاصَّ مِن الجعفريَّة راسخ العقيدة ثابت اليقين.
لاشكَّ أنَّ الجعفريَّة في تمثيلها للفادحة الحسينيَّة تُصيب مِن جهة إحياء أمر الأئمَّة عليهم السلام، وهذا هو السبب الوحيد لتسليم الحسين عليه السلام نفسه للقتل، ومِن جهة أُخرى يحصل لهم ولغيرهم تحزين الطبايع، وإبكاء النواظر، وإثارة العواطف الرقيقة نحو المصاب بتلك الفادحة الكبرى، ورفع الستار عن فضايح الظالمين وأتباعهم.
التمثيل وإنْ لم يكن قديماً عند الشيعة، بلْ هو حادث مُنذ عِدَّة قرون، ولكنْ ليس كلُّ حادث في المذهب لا يكون معمولاً به.
الحادث إذا كان مُفيداً فائدة القديم المشروع بوجه أتمّ وأبلغ، كان مشروعاً(1) ،
____________________
= الخطيب، فتقريب الفاجعة وتصوير مواطن الألم التي مر بها أهل البيت عليهم السلام موقوفة على ما تقدمه مواكب الشبيه التي سعى الشيعة لإقامتها.
(1) أي أن مصلحة الشارع لا تتعلق بموضوع بعينه، بل كل موضوع في الخارج يحقق إرادة الشارع فهو المطلوب الذي تقتضيه عمومات الأدلة في الحث على تحقيق إرادته، كما لو علم العبد أن المولى يريد من أمره بإطعام زيد إكرامه، من دون أن تكون خصوصية للإطعام، لكن كل فعل فيه إكرام لزيد - وإن لم يكن إطعاماً - محبوباً ومطلوباً للمولى، إذ علة الحكم هو الإكرام لا الإطعام.
وهكذا المقام، فإن معرفة علة الحكم يبيح تعدد أفراد المأمور به خارجاً تبعاً لمقتضيات الموضوع. وبعنى آخر =
لا سِيَّما إذا احتمل كون تركه في الزمن الأقدم لعدم إمكان إقامته اتِّقاءً.
لا شكَّ أنّ إظهار الحزن ومظلوميَّة سيِّد الشهداء عليه السلام، والإبكاء عليه وإحياء أمره بسنخه عبادة في المذهب، لا بشخص خاصٍّ منه، ضرورة أنَّه لم ترد في الشريعة كيفيَّة خاصَّة للحزن والإبكاء وإحياء الذكر المأمور بها، ليقتصر عليها الحزين في حزنه، والمحيى لأمرهم في إحيائه، والمبكي في إبكائه(1) .
وإذا كان سنخ الشيء عبادة ومندوباً إليه، سرت مشروعيَّته إلى جميع أفراده مِن جهة الفرديَّة، ولذلك لم نرَ أحداً مِن صلحاء الشيعة وعلمائهم، ولم يؤثَر ولم يُنقَل عن أحد منهم في الأجيال السالفة، مِن لا يعدُّ التمثيل مثل قراءة كتاب المقتل في عباديَّتهن وفي كونه مُبكياً ومُحزناً، فضلاً عن إنكار مشروعيَّته.
إنَّ الذين أدخلوا التمثل في التذكارات الحسينيَّة لا شكَّ أنَّهم مِن كبراء رجال أهل الدين المفكِّرين، وأرباب السلطة المتَّبعة مِن الشيعة، ولذلك يظنُّ البعض أنَّه انتشر في بلدان الشيعة مِن قِبَل سياسة السلاطين الصفويَّة(2) ، الذين هم أوَّل سلسلة استولت
____________________
= أن الحادث لا يمنع من تحقق إرادة الشارع عند تعدد أفراده لعدم اقتصار هذه الإرادة على فرد واحد، وهو إقامة المآتم، خصوصاً إذا علمنا أن الغرض هو شد الناس بمصيبة سيد الشهداء عليه السلام، فيكون التمثيل وغيره من هذه الأفراد مطلوباً لدى الشارع المقدس، كما هو معلوم.
(1) لم يحدد أهل البيت عليهم السلام صيغة خاصة لإحياء أمرهم أو الاقتصار على فرد خاص، بل تكروا ذلك بما يقتضيه العرف من تحقق هذا الإحياء، وتركوا حرية الاختيار موكولة إلى اجتهادات المكلف في إحياء الأمر بها يتناسب والواقع الخارجي، فعموم قولهم عليهم السلام: (أحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيى أمرنا) يبيح اختيار صيغة الإحياء وكيفيته للإطلاق، كما هو ظاهر.
(2) الدولة الصفوية نسبة إلى صفي الدين الأردبيلي، وهو أحد مشايخ الطريقة الصفوية التي تميل إلى الصوفية، وكانت لحركات الشيخ جنيد الصفوي والشيخ حيدر وغيرهما الأثر في ترويج الحركة الصفوية، حتى تم الإعلان عن الدولة الصفوية في حقيقتها منعطفاً خطيراً في الوضع السياسي الإيراني وكذلك الاجتماعي والعقائدي، فعلى المستوى السياسي تحررت إيران من الحكم المغولي التيموري، =
____________________
= واستقلت بالحكم الصفوي الذي يتزعمه سلسلة من العائلة الصفوية المنتسبة للإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وعلى المستوى الاجتماعي انتجت الدولة الصفوية حالة من التماسك الاجتماعي، بعد أن كانت إيران مقطعة الأوصال، نتيجة لحركات سياسية، أهمها حركة فضل الله لحروقي سنة 805 هـ، وحركة نعمة الله الولي سنة 731 هـ، التي قضت عليها الدولة التيمورية، وحاولت هذه الحركات أن تتزعم الدولة سياسياً، إلا أنها لم تنجح في الاستيلاء على الزعامة السياسية، وكان لهذا الصراع أثره في تشتت الوضع الاجتماعي، إلا أن قيام الدولة الصفوية أسهم في عودة اللحمة الاجتماعية الإيرانية، وبدّد مطامع التوسعيين العثمانيين الذين كان لهم طموحهم التوسعي على حساب البلدان الإسلامية.
أما على المستوى الفكري فلعلّ الدولة الصفوية أدخلت في مفاهيمها دور عقيدة أهل البيت عليهم السلام في النظامين السياسي والاجتماعي، وحاولت إلغاء حقبة طويلة من التراكمات الفكرية المناوئة لأهل البيت عليهم السلام، فاستبدلت المجتمعات الإيرانية ثقافاتها بثقافة أهل البيت عليهم السلام، فاستبدلت المجتمعات الإيرانية ثقافاتها أهل البيت عليهم السلام، وطمحت أن تكون لهذه الثقافة الأولية في جميع برامجها.
من هنا حاول البعض أن يلصق ثقافة الشعائر بالفكر الصفوي، وأن الدولة الصفوية لها الدور الكبير في توطيد هذه الصلة الشعبية بالشعائر الحسينية، إلا أن الواقع هو أن الشعائر الحسينية عربية الهوية، عراقية المنشأ، لكنها كانت مغيّبة بسبب فترات الحمن العباسي الذي أطاح بكل هذه المراسم، وأعلنت بشكلها الرسمي في منتصف القرن الرابع، بأمر من معز الدولة، فالتأريخ يحدثنا أن معز الدولة كانت فترته معروفة بالانفتاح على هذه الشعائر، وتحريض الناس على إقامتها في بغداد علناً.
ففي أحداث سنة 352 هـ، يحدثنا ابن الأثير في كامله بقوله: (في هذه السنة عاشر محرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق البيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن علي الحسين بن علي (رضي الله عنه)، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنية قدرة على المنع منه، لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم). الكامل في التأريخ لابن الأثير ج 7 ص 7.
وفي تأريخ الإسلام: (وهذا أول يوم نيح عليه - أي الحسين عليه السلام - ببغداد).
وأحسب أن هذا أول إعلان عن الشعائر الحسينية في بغداد، ولعلها كانت من قبل، إلا أنها بشكل خفي، فإذا كان إعلان الشعائر سنة 352 للهجرة والدولة الصفوية كان تأسيسها سنة 905 هـ، فكيف تكون =
على السلطنة بقوَّة المذهب، ثمَّ أيّده رؤساء الشيعة الروحانيُّون شيئاً فشيئاً وأجازوه.
وبما أنَّ حُكماء الهند أقدم مِن الصفويَّة في استعماله استنبط منه أنَّ هؤلاء أخذوه مِن أولئك، وألبسوه لباس المذهب لما رأوا مِن فوائده المذهبيَّة.
وحيث أنهيت المقصود مِن المقدِّمة، التي هي في الحقيقة نتيجة المقصد، فأني شارع - بعون الله تعالى - في ذكر جميع التذكارات الحسينيَّة على التفصيل، وباحث في كلِّ منها عن مشروعيَّته وعدمها، وعن حسنه وقُبحه، وهناك يكون التعرُّض لردِّ (الصولة) بكمال الأدب والاحترام.
____________________
= الشعائر أطلقت في أيام الفويين؟
الواقع أن الصفويين أخذوا هذه الشعائر من شيعة العراق، فكانت الشعائر عربية الهوية عراقية المنشأ.
ولعل المؤلف (رضوان الله عليه) أراد أن يجاري ما هو الشائع أو المرتكز في أذهان البعض، أو قصد أن سبب انتشار الشعائر بهذه القوة هو السياسة الصفوية، التي جعلت مذهب أهل البيت عليهم السلام أساساً لدولتهم وعنواناً لكيانهم.
فمِن التذكارات الحسينيَّة...
المآتم
وهي النوادي الخاصَّة المنعقدة للبكاء على ذلك القتيل، الذي بكته السموات والأرضون ومَن فيهنَّ(1) ، وعُدَّ في الأخبار البكاء عليه فيها وفي غيرها صلةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأداءً لحقِّه ولحقوق الأئمَّة عليهم السلام، وإسعاداً للزهراء عليها السلام(2) .
وليس التكلُّم فيها موضع عنايتي، ولا بيان العناوين التي تنطبق على الباكي والمبكي والمتباكي مِن مقاصدي، ولا موارد ومحالُّ البكاء وذكر الثواب عليه ممَّا تُحيط به ذاكرتي، وإنَّما أذكر هذا التذكار استقصاء للتذكارات التي هذا أهمُّها أعمُّها، وقد عرفت فيما تقدَّم أنَّه لم يُشرَّع لنيل الثواب الأُخروي فقط، بلْ لنُكات أُخَر غير عباديَّة يجمعها إحياء أمر الأئمَّة، فلولاها ما امتازت هذه الفرقة عن غيرها، ولا عرفت أئمّتها، ولا أذعنت بالأحكام المأثورة عنهم، ولا صدَّقت بفضلهم وتفوُّقهم على البشر في كلِّ مزيَّة فاضلة، ولا، ولا، ولا.
____________________
(1) عن الحسين بن ثوير، قال: (كنت أنا ويونس بن ظبيان والمفضل بن عمر وأبو سلمة السراج جلوساً عند أبي عبد الله عليه السلام، فكان المتكلم يونس، وكان أكبرنا سناً، وذكر حديثاً طويلاً، يقول: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أبا عبد الله عليه السلام لما مضی بکت علیه السماوات السبع والارضون السبع، وما فیهن وما بینهن، ومن یتقلب فی الجنة والنار من خلق ربنا، وما یری و ما لا یری بکى علی أبی عبدالله. كامل الزيارات ص 80.
(2) فعن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال - في حديث طويل -: (وما من عين أحب إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة عليها السلام وأسعدها عليه، ووصل رسول الله وأدى حقنا). كامل الزيارات ص 83.
ومِن التذكارات الحسينيَّة
التمثيل
المعبَّر عنه بلسان العامَّة (السبايا والشبيه) وهو عبارة عن تجسيم الواقعة لحاسَّة البصر بما صدر فيها مِن حركة وسكون، وقول وفعل، وهذا بما هو حكاية عن شيء غابر بشيء حاضر، غير محظور ولا محذور فيه، بلْ ربَّما يُرجَّح على المآتم، لكونه أبلغ في إظهار مظلوميَّة سيِّد الشهداء مِن الأقوال المجرَّدة على المنابر وفي المجامع، وأشدَّ منها تأثيراً في القلوب، وقد أسلفنا ثمَّة نُبذة شافية ممَّا يتعلَّق به، إذا تأمَّلها المنصف يُذعن بأنَّه لا يحتاج في شرعيَّته إلى برهان، لقيام العلَّة التي أوجبت أنْ يُسلِّم الحسين عليه السلام نفسه للقتل به، قيام الورد بماء الورد، لا تخلص عنه، ولا ينفكُّ عنها، إلا بقاسر شبه الإماتة للمذهب، هذا غير ما ينطبق عليه مِن العناوين المرغَّب فيها، مِن كونه إبكاءً وتحزيناً وإحياءً لأمر الحسين عليه السلام، لكنَّ السيِّد الصائل حرَّم كلَّ تمثيل ومنع منه.
قال في الصفحة (1و2) مِن مقالته: (التشبيهات التي يُمثلونها يوم عاشوراء قد صرت مُنوِّهاً برفضها، ومُصرِّحاً بما فيها مِن التحريم، لأنِّي أراها مُجلبة لسخريَّة المِلَل الخارجة، وداعياً مِن دواعي الاستهزاء). انتهى.
أقول: إنَّ لكلِّ أُمَّة مِن الأُمم مراسم دينيَّة، وعوائد قوميَّة، تُنكرها عليهم الأُمم الأُخرى، حتَّى لو كانت طفيفة، نحو الاختلاف بالأزياء، وذلك للمنافاة بين العوائد والمراسم والطبايع، الناشي بعضها مِن تأثير الإقليم والبيئة التي يعيش بها الإنسان، وربَّما
عدَّ البعض مراسم البعض الآخر ضرباً مِن الجنون والتوحُّش(1) ، وهذا لا يقتضي رفض الرسم الديني أو المذهبي أو غيرهما بين أهله، لا سِيَّما مثل التمثيل الذي تجتني الشيعة مِن فوائده ما لا تجتنيه في إقامة المآتم المجرَّدة عن التمثيل والتشبيه.
ولعمري ما استهزاء الأجانب به إلّا كاستهزاء قريش وسائر مُشركي العرب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، التي لم يعرفوا أسرارها، ولم يذوقوا ثمارها، أفهل كان يلزمه أنْ يتركها وهي مِن شعائر دينه(2) ؟!
____________________
(1) ماذا أدرك المؤلف (رضوان الله عليه) ما تبثّه بعض القنوات الفضائية من الأعمال الوحشية التي لا تمتّ إلى الإنسانية بصلة، قفد أظهرت بعض الفضائيات استعراضاً رياضياً يظهر قوة المتصارعين، حيث يتشابكون بالأيدي ويلكمون الوجوه حتى تسيل الدماء، ويتعرض - كما يذكر التقرير - بعض الأشخاص إلى الموت في كل عام من خلال هذا المهرجان السنوي الذي تقيمه بعض البلدان، وهذا غير الملاكمة والمصارعة وأمثالهما.
أضف إلى ذلك ما يمارسه الأسبانيون من مصارعة الثيران حتى يودي بحياة هذا الحيوان البريء، أو إصابة أحد المشاركين، بعنوان رياضة مصارعة الثران، ولم يعترض على ذلك أحد، بحجة أن ذلك أحد مراسم هذه البلدان.
أضف إلى ما يقام من مهرجانات رمي الطماطم أو البرتقال حتى تذهب آلاف الأطنان هدراً في دول تدعي التحضر وتنادي بحقوق الإنسان، وهم على مسمع ومرأى من موت العشرات نتيجة الجوع والفقر الذي يدبّ أنحاء المعمورة.
كل هذا ولم يعترض شيعة أهل البيت عليهم السلام على مثل هذا المراسم، تأدباً منهم، واحتراماً لمشاعر الآخر، ويرون أن هذه المراسم تنطلق من ثقافة الممارس لها، في حين تجد المراسم الحسينية الهادفة حملةً ظالمة تُشنّ من بعض المشدّقين لا همّ لهم إلا الصراخ والتهريج ضدها.
ومن المؤسف أن يكون ذلك من داخلنا الشيعي الذي لا يمتلك هؤلاء سوى همجية التقليد والتسويق لبضاعة الآخرين مجاناً.
(2) ومعنى ذلك أننا لو أردنا مراعاة ذوق الآخرين في مسألة الشعائر لراعيناهم في كل عباداتنا، ولابد أن نستذكر ما كان يعانيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من استهزاء المشركين بجميع عباداته، كصلاته وحجه وصومه، إلى غير ذلك من العبادات التي لا يستسيغها المشركون، فهل يسوغ للنبي =
إنَّ قريشاً لما سمعوا الإعلان بالأذان يوم فتح مكَّة أنكروه، وعدُّوه فعلاً همجيَّاً، وشبَّهوه بنهيق الحمار، لارتفاعه وعلوِّه، وزعموا أنْ لو كان أخفض مِن ذلك لكان أقرب إلى الوقار.
إنَّ الدين الصحيح يجب أنْ لا يكون خرافيَّاً بأساسه، أو بأغلب أحكامه، نحو أنْ يكون شعبذة صرفة، أو لهواً ولعباً، أو صرف رقى وتمائم، أو دقَّ طبول وضرب أوتار، وغير ذلك، لأن ما يكون من الأديان كذلك تنفر عنه النفوس، ولا تُذعن له العقول.
أمَّا إذا كان الدين - حتَّى بنظر الأجنبي عنه - قويم المبادئ، متين الأساس، كافلاً لحفظ النظام، بقوانينه الوضعيَّة، وعبادات الروحيَّة، غير أنَّ فيه شعيرة مذهبيَّة لا دينيَّة، يعدّها الأجنبي خرافة وفعلاً همجيَّاً، وهو لا يعلم أسرارها، فهل يجب رفضها بمُجرَّد كونه يستهزئ بها؟! كلّا، وإلّا لكان الحجُّ أوَّل مرفوض في الشريعة، لأنَّ غير العارف بحِكَمه وأسراره يسخر به، بلْ يعدُّه ضرباً مِن الجنون والتوحُّش، فهل يصلح للعارف أنْ يمنع عنه؟! كلّا، إنَّه كان اللازم على صاحب المقالة أنْ يتعرَّف أوَّلاً(1) أقسام السخرية والخرافة وأحكامها، ليُلحق بكلِّ موضوع حُكمه، ولا يتورَّط.
ويعلم المسلمون والأجانب جميعاً أنَّ جميع التذكارات الحسينيَّة ليست مِن المجعولات بالأصالة في دين الإسلام، كسائر قوانينه، مِن صلاة وصيام وصدقة، وإلّا
____________________
= تركها مراعاة لأذوق قومه؟ فما بالنا تشيع حالة الإحباط بيننا بحجة أن هؤلاء القوم لا يستسيغون كل هذه الشعائر؟
ولو أردنا مداراة الأذواق النزاعات لخرجنا عن كل ما كنا مأمورين به من عبادة وتقرب إلى الله تعالى، في حين نجد أن الآخر لم يكن مراعياً لمشاعرنا ومقدساتنا وفطرتنا، فما بالنا - إذن - نكون مشروعاً للتنازل على حساب مبادئنا وعقائدنا تحت عناوين (الوحدة الإسلامية)؟! وهل الوحدة في منظور هؤلاء هي التنازل عن مبتنياتنا العقائدية؟!
(1) يبدو أن كلمة (على) ساقطة، فتكون العبارة: (أن يتعرف أولاً على أقسام).
لاشترك فيها جميع المسلمين، ولم تختصَّ بالشيعة.
أمَّا عقائد الإسلام بما هي توحيد وتنزيه لمرتبة الربِّ، وقانينه الوضعيَّة بما هي شريعة زمنيَّة حافظة لحقوق المربوب، ليس في شيء منها ما يوجب السخرية، بلْ هي حافظة للنواميس الكلّية، التي لأجلها أُرسِلت الرُّسل وأُنزلت الكتب، ومِن ثمَّة كانت غنيَّة عن تبشير المبشِّرين بها، لأنَّها داعية بنفسها إلى نفسها، ومُبشِّرة بذاتها إلى ذاتها.
وهذا أمر بيانه خارج عن موضوع مقالتي، وإنْ كان مُهمِّاً جدَّاً في نفسه، وعلى هذا فلا علينا إذا سخر الأغيار بتمثيلنا، إنَّ علينا أنْ نُعرِّف الأجانب براءة دين الإسلام بذاته ممَّا هو أوقر منه، لا أنْ نتركه ونمنع عنه(1) .
إنَّ التذكارات الحسينيَّة جميعاً لم تُسنَّ كمُبشِّرة بالمذهب، ليحصل لنا الاستياء بالسخرية منها، بلْ شُرِّعت لحفظ عقائد الجعفريَّة فيما بينهم، لإحياء أمر أئمَّتهم، وتلك الفائدة حالة لهم برغم سخرية الأغيار.
إنَّ الأغيار لا يسخرون بالمواكب والتمثيل فقط، بلْ بالمآتم أيضاً، والزيارات، ولبس السواد.
وكيف لا يسخر العقلاء مِن اجتماع جماعة مِن الرجال مِن أهل الجَلَد والقوَّة،
____________________
(1) إن حالات الإحباط والخيبة التي تصيب البعض جرّاء هجمات الإعلام المضادّ يولّد (الحالة الانهزامية المبرّرة)، وأقصد من ذلك أن الانهزام الذي يعانيه البعض يبرره بعدة دعاوى بعيدة عن الواقع، ليعتذر عن هذا النكوص الذي تحدثه حالته التراجعية، فمثلاً يعاني البعض من حالات الإحباط حينما يستمع إلى أي انتقاد يوجهه بعضهم إلى الشعائر الحسينية، فيدّعي أن تلك - أي الشعائر - ممارسات تسيء إلى المذهب وكيانه، فيحاول أن يتنازل عن مبانيه من أجل هذا النقد، مما يدفعه إلى العمل ضد هذه المباني التي أسسها أهل البيت عليهم السلام، فبدلاً من أن يعمل على بيان محاسن هذه الشعائر ورد هذه الاعتراضات وإحباطها، نراه يذعن لكل هذه الأقاويل، ويصدّق بالإشاعات التي تُحدثها تيارات الإعلام المضاد.
يبكون بكاءً عالياً على رجل منهم أو مِن غيرهم مات مُنذ مائة سنة مثلاً؟.
أجلْ، إنَّ بكاء الرجل وحده مُستهجن، فكيف باجتماع مائة رجل مثلاً على ذلك؟!.
ألست - أسوة بجميع العقلاء - تُسفِّه أحلامهم إذا شهدت مجمعهم، وعلمت أنَّه قد أتى على فقيدهم الذي يندبونه وينتحبون عليه نحو سنتين، وهو رُمَّة بالية؟!
ألست تزيد سخرية واستهزاءً إذا رأيت أولئك الرجال بعد بكائهم وقوفاً - في دار أعدُّوها للنياحة، صرفوا على تنظيمها المبالغ الطائلة مِن المال - قد جرَّدوا عنهم الثياب إلى أوساطهم، وحسروا عن رؤوسهم، وهم يضربون صدورهم ضرباً تُدمى به صدور كثير منهم، حزناً على ذلك الفقيد الذي طحنه ابلى، وأكله الثرى؟!
ألست تعدُّها من الأفعال الوحشيَّة الهمجية(1) ؟!.
أفهل يصلح لعارف مِن الشيعة أنْ يمنعها جميعاً لذلك؟!.
ثمَّ إن كان بين ظهرانينا - قبل دخول الأُمم الأوروبيَّة - عدد جَمٌّ مِن غير المسلمين في كلِّ مكان - وإنْ اختلفوا قلَّة وكثرة، وزاد عددهم بأفراد الأُمَّة الإنكليزيَّة، الذين لا يُهمُّهم مِن أمر ديانة العناصر وعوائدهم شيئاً - ولا ينكرون على مراسم عاديَّة ولا عباديَّة، ونحن للآن ما بلغنا عن أحد منهم الاستخفاف والاستهزاء، ولا شكَّ أنَّ صاحب المقالة لم يسمع ولم يرَ مِن أجبنيٍّ قطُّ الاستهزاء، وإنَّما ينقل له ذلك المستاؤون
____________________
(1) هذا فيما إذا جردت هذه الشعائر من أهدافها، وجعلتها حالة وجدانية صرفة وحزن مجرد، وهذه مشكلة الآخر في فهمه للشعائر والتعاطي معها.
أما إذا قرأتما بأهدافها المنوّه عنها سابقاً وجدتها من ضروريات أية حركة مطاردة من قبل الظالمين، يترصدونها بكل ما لديهم من قوة، بحجة أنها خرافة يقنّعون بذلك بعض المغفلين، والمأخوذين بدعاياتهم الظالمة.
هذا ما أراده المؤلف من ذلك. نعم الرأي السليم والتحليل الصائب.
مِن أعمال الجعفريَّة، وهم على الأغلب مِن أفراد (الجمعيَّة الأُمويَّة)، التي تحقَّقتُ أنَّ لها فروعاً في بغداد والبصرة وغيرهما مِن عواصم العراق، وهم الذين يغرُّون أهل الدين، ليقتلوه باسمه مِن حيث لا يشعرون.
إنَّ التأثُّر بتمثيل المحزن طبيعي، إذ أنه لازم لذات ذلك التمثيل، وإنْ اختلف شدَّة وضعفاً، فكيف - وهم مُتأثِّرون حزناً أقلَّ تأثُّر - يسخرون ويستهزؤن؟! اللَّهمَّ إلا أنْ يكون التمثيل غير واقع طبق الأمر الممثَّل بكلِّ قول وفعل، بحيث لا يوجب التحزين وإثارة العواطف، وإلاَّ فتمثيل فاجعة الطفِّ مُحزنة لكلِّ مُدرِك عاقل.
إنَّ ذلك التمثيل المقرح للأكباد إذا سخر منه أغرار الأجانب، فإنَّ العقلاء المفكِّرين ربَّما يدعوهم إلى الفحص عمَّن تتمثَّل فاجعته لدى العموم، وتحقيق مصائبه، وأسباب حدوثها، ومَن ذا أحدثها؟ ومَن مهَّد ذلك؟ وتلك نُكتة أُخرى لرُجحان التمثيل، قد تدعو البعض إلى الفحس عن دين الإسلام، أو التمذهب المذهب الجعفري، ولهذه النكتبة بعيها سرى أمر الشيعة إلى غير المسلمين مِن الفرق في الهند والصين، وكثر ببركته - في تلك الأماكن الشاسعة عن مراكز الشيعة - مذهب التشيُّع والولاء لأهل البيت عليهم السلام(1) .
وقد ذكر فلاسفة التاريخ الحادث والمتعمِّقين في أسرار الحوادث مِن الأجانب أنَّ السبب الوحيد لذلك هو جعل الجعفريَّة طريق إقامة العزاء مُشابهاً لمراسم إقامة العزاء في الهند، وهو التمثيل والتشبيه.
ومِن المضحك المبكي أنَّ الأجانب يُدركون ويُذيعون أسرار إقامة المآتم
____________________
(1) وقد مر الكلام منا في ذلك، إذ لم يقتصر فائدة الشعائر على جمع الكلمة وحدها، بل إن ذلك صار سبباً في انتشار التشيع، لما عرفت من أن هذه الشعائر محفزات في البحث عن أسباب القضية ودواعيها والبحث عن أشخاصها ومسيرتهم وفكرهم، وبالتالي أسباب مظلوميتهم، ومتابعة تضحياتهم، إلى غير ذلك من المحفزات والدواعي التي تشارك في التبليغ عن خط أهل البيت عليهم السلام.
والتشبيهات المتداولة عند الشيعة وهي على عرفاء الشيعة حقائق مخفيَّة(1) !!
إنَّ الأجانب في جميع أنحاء المعمورة يُقيمون حفلات التذكار سنويَّاً لكبار الحوادث، وينصبون التماثيل والهياكل في المحلّات العموميَّة لكبراء الرجال، تخليداً لذكر الرجل، والتفاتاً للجاهل به إلى معرفته، وما أبداه مِن اختراع، أو بسالة في حرب أو فتح، أو قلب سُلطة، أو مظلوميَّة مُتناهية في العظم عندهم، نحو مظلوميَّة المسيح، أو غير ذلك فكيف يسخرون مِن شيء همْ فاعلوه(2) ؟!.
إنَّ الهياكل القائمة في جميع معابدهم على مرور الأيَّام - نحو تجسيم صورة البتول العذراء (مريم) بصورة مُختلفة، منها صور مُحزنة، وتمثيل هيكل السيِّد (المسيح) مصلوباً على خشبة وغير مصلوب، وطفلاً تحمله مريم، وكَهلاً غير محمول - هي في الحقيقة تمثيل دائمي لا سنوي، أليس غرضهم مِن ذلك تخليد ذكر المسيح، وظهور مظلوميَّته التي هي اليد القويَّة لاستحكام الروابط المسيحيَّة، وعدم اندراسها على مرور الأزمان؟!.
أليس غرضهم هذا يرمز إليه تعليق الإشارة المسيحيَّة (الصليب) وساماً
____________________
(1) لعل المؤلف رحمه الله يشير إلى الرسالة التي نشرها السير (ماربين) الألماني والدكتور (جوزف) الفرنسي فيما شاهداه من المآتم الحسينية، وإعجابهما في هذا الأمر الذي استغرق مشاعرهم، فراحوا ينقلون صورة التي أسهمت في التبليغ عن قضية الإمام الحسين عليه السلام.
وقد نشر هذه الرسائل السيد محسن الأمين العاملي في كتابه (إقناع اللائم على إقامة المآتم)، وقد نقل ذلك عن جريدة حبل المتين في عددها الثامن والعشرين من سنتها الثامنة، بتأريخ 7 محرم 1329 هـ / 1911 م باللغة الفارسية، ثم ترجمها المؤلف إلى العربية.
(2) وهو نقض على من ادّعى أن العالم يسخر من مثل هذه المآتم، من أنهم يأخذون بالاعتبار مهرجانات التكريم لرجالاتهم، وتخليد أبطالهم، إذن هم لم يبادروا إلى السخرية مما يمارسه الشيعة من شعائر، بل ذلك محض خيال يدور في أذهان بعض المغفّلين الذين يتبجّحون في معارضة هذه الشعائر بحجة البحث عن صيغ تناسب العصر، وما هو إلّا تنفيذ سياسات طائفة يُراد من خلالها القضاء على روح التشيع وهويته.
لصدورهم، وقلادة لأعناقهم؟ فكيف يسخرون؟!.
إنَّ (الروايات التمثيليَّة) التي تُقام في العواصم كلَّ ليلة في محالٍّ عديدة، لم يؤسِّسها إلا أرباب السياسة مِن الأجانب، إصابة لأغراضهم، وهي ليست إلا تجسيماً خيالياً للحوادث الغابرة، ولو أنَّهم ألبسوها لباس التفرُّج والانشراح لكانت موقع استهزاء وتهجين، لكنَّهم بتفريح الطبايع جذبوا إليها قلوب العامَّة.
أفهل يطلب الأجانب مِن الجعفريَّة أنْ تَطرح ذلك الثوب على التمثيل الذي لم تقصد به إلا تحزين الطبايع وإبكاء النواظر وإثارة العواطف الرقيقة نحو المصاب بتلك (الفادحة) الكبرى؟!.
اندفع صاحب المقالة بكلِّه وبجميع ما له مِن حماسة على تشبيه عقائل النبوَّة بثُلَّة مِن النساء المومسات والمتبرِّجات، وأبرق وأرعد على فاعل ذلك في مقالته مِن (صفحة 4 إلى 8)، يرى كلَّ قارئ أنَّ التشبيه الذي تفعله الجعفريَّة هو هذا القسم مِن التشبيه الشائن، غفرانك اللَّهمَّ غفرانك مِن هذا التهويل، ودفع الحقِّ بالأباطيل.
إنَّ هذا التشبيه لم يقع في البصرة على طوال السنين، إلا منذ أربعة أعوام، شهده غير واحد مِن الصلحاء، وأجلب على منعه، فمنعه مَن له قوَّة المنع مِن ساحته، وهذا الرجل يرى بكلامه كلَّ أحد أنَّ ذلك التشبيه المستهجن هو مِن الرسوم العاديَّة، حتَّى في عامه هذا. وإلّا فما هو معنى المنع عن شيء مضى، وما عاد له نظير أبداً، لا في البصرة ولا في غيرها؟!.
إنَّ تشبيه النساء لا يُستحسن، حتَّى لو كانت الشبيهات مِن ذوات العفَّة والنجابة، لأنَّ إشهار النساء بنفسه وسوقهن أمام ركاب القوم سبياً مجلوباً - كما فعله آل أُميَّة - مِن الأُمور المستقبحة، وهذا لا يكون تمثيله على الأغلب إلا مُستقبحاً.
لكن الميرزا أبو القاسم القُمِّي(1) والشيخ مُرتضى الأنصاري (رحمهما الله)(2) - وناهيك بهما علماً وورعاً - جوَّزا تشبيه الرجال بالنساء، مُدَّعيين أنَّ المحرَّم هو أنْ يتأنَّث الرجل، ويعدَّ نفسه امرأة، أمَّا التشبيه مِن دون ذلك - كما هو واقع في بعض الأحيان لغرض مخصوص - فليس بمُحرَّم، وهو خارج عن مُنصرف الأخبار(3) .
ولقد سأل بعض المتطرِّفين فيما يتعلَّق بالحسين عليه السلام مِن فضلاء أهل العلم عن تشبيه النساء، فقال: إنَّه ليس بإشهار للنساء حتَّى يكون قبيحاً، وظهور المرأة المتسترة للرجل مِن دون نظر مِن كل منهما للآخر ليس بمُحرَّم. نعم هو موجب
____________________
(1) قال الشيخ عباس القمي: (أبو القاسم القمي ابن المولى محمد حسن الجيلاني، المعروف بالميرزا القمي لتوطنه في دارا الايمان قم حرم الأئمة عليهم السلام، العالم الكامل الفاضل المحقق المدقق رئيس العلماء الأعلام ومولى فضلاء الإسلام شيخ الفقهاء المتبحرين وملاذ علماء المجتهدين أحد أركان الدين والعلماء الربانيين... يحكى أنه رحمه الله كان ورعاً جليلاً بارعاً نبيلاً كثير الخشوع غزير الدموع دائم الأنين باكي العينين، وكان مؤيداً مسدداً، كيّسا في دينه، فطناً في أمر آخرته، شديداً في ذات الله، مجانباً لهواه، مع ما كان عليه من الرئاسة وخضوع ملك عصره وأعوانه له... له مصنفات شريفة، كالقوانين والغنائم والمناهج ومرشد العوام وجامع الشتات، الذي يعبرون عنه بكتاب سؤال وجواب، وهو كتاب نفيس يحتاج إليه كل محقق وفقيه. وقبره الشريف في قم مزار مشهور). الكنى والألقاب ج 1 ص 139.
(2) ينتهي نسب الشيخ مرتضى الأنصاري إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، ولد في دزفول سنة 1214، وتوفي فس 18 جمادي الآخرة سنة 1218 ودفن في المشهد الغروي على يمين الخارج من الباب القبلي.
الأستاذ الإمام المؤسس شيخ مشايخ الإمامية... وضع علم الأصول الحديث عند الشيعة، وطريقته الشهيرة المعروفة إلى أن انتهت إليه رئاسة الإمامية العامة في شرق الأرض وغربها... وصار على كتبه ودراستها معوّل أهل العلم، لم يبق أحد لم يستفد منها، وإليها يعود الفضل في تكوين النهضة العلمية الأخيرة في النجف الأشرف. أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 14 ص 455.
(3) قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: (الظاهر من التشبيه تأنث الذكر وتذكر الأنثى، لا مجرد لبس أحدهما لباس الآخر مع عدم قصد التشبّه). المكاسب ج 2 ص 191 المسألة الثانية في التشبيه.
مع أن الأخبار منصرفة عن الحرمة، كما في مضمون النبوي: (لعن الله المتشبهين من الرجال والنساء). والظاهر انصرافه عن لبس أحدهما لباس الآخر من دون قصد التشبّه.
للالتفات إلى قُبح ما ارتكبه بنو أُميّة مِن سبي عقائل الرسالة، ولا قُبح فيه، وإنْ كان فهو على الأُمويِّين لا على الممثِّلين، ولو أنَّه ممَّا تأباه الغيرة والحميَّة لم أمنع منه.
وعلى كلِّ حال، فالتشبيه المتداول في بُلدان الشيعة هو تمثيل فاجعة الحسين عليه السلام بما صدر فيها من أقوال وأفعال، عدا تشبيه النساء وهتكهنَّ، وهو محلُّ العناية في الكلام، لا هذا التشبيه المستهجَن.
ثمَّ إنَّه في أثناء الإرعاد على تشبيه النساء ذكر أمرين، قد يشتبه على الناظر في كلامه مُراده، لإدماجه أحدهما في الصفحة (6)، إنه قال - مُخاطباً لعامل الشبيه - ما مُلخَّصه: لِمَ لَمْ تسأل مَن تركن في دينك إليه عن هذه الهيئات السخيفة، الموجبة للسخرية بالشريعة؟ فليت شعري هل ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - ولو خبر ضعيف - في شرعيَّتها، حتَّى تصول به على المتشرِّعين؟.
فإنْ كان يُريد الإنكار على تشبيه النساء، لأنَّه ذكره في أثناء إنكار ذلك فهو، وإلّا فإنَّ طلب الخبر الضعيف - لولا الجهل بأصول الفنِّ - لا وجه له، لأنَّ التحريم هو المحتاج إلى الدليل لا الجواز(1) ، ومع غَضِّ النظر عن ذلك، فإنَّ في الأخبار العامَّة كفاية، كأخبار الإبكاء والتحزين وإحياء أمر الحسين عليه السلام وذكر مُصيبته، فإنَّ ذكرها لا يلزم أنْ يكون لسانيَّاً، كما أنَّ إحياء أمره كذلك، هذا مُضافاً إلى ما أسلفناه مِن قيام العلَّة التي أوجبت شرعيَّة المآتم فيه بوجه أتمِّ(2) .
وأمَّا الخبر الخاصُّ بالتمثيل، إنْ كان يزيد به نحو أنْ يقول القائل: (مثِّلوا مُصيبة الحسين عليه السلام) فمِن الجهل طلبه، وإنْ كان يكتفي بما كان مُتضمِّناً لوقوع التمثيل فهو كثير، وقد نطق القرآن المجيد بتمثيل غير المسيح به، وإلقاء شَبَهه عليه، فإنَّ هذا ليس
____________________
(1) للأصل، وهو الإباحة، كما هو واضح.
(2) وقد مرّ التعرض إلى بعض الروايات في البكاء والإبكاء.
إراءة وتخييلاً، نحو الإراءة الطيفيَّة، بلْ هو حقيقة واقعيَّة لابسة ثوب خيال، وقد ورد في الأخبار تمثيل الملائكة لعليٍّ عليه السلام شخصيَّاً مرئيَّاً مِن لدُن إدراكه إلى حين وفاته، وأنَّه يوم ضُرِب بالسيف على رأسه في الدنيا وقع سيف على رأس التمثال، فشجَّه، وسقط في محراب عبادته، فبكت عليه الملائكة، ولعنت قاتله(1) .
ولقد سُئِل العلاَّمة المؤتمر الشيخ محمد حسن صاحب كتاب (الجواهر) عن مثل
____________________
(1) فمشروعية التمثيل متأتية من الموارد التي ذكرها المؤلف ومن غيرها، حيث تعرض إلى قوله تعالى في قضية عيسى وظن اليهود بقتله، فرد عليهم سبحانه:( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّـهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ) . سورة النساء، الآية: 157.
فألقى الله على أحد ممّن سعى في قتل عيسى عليه السلام شبه عيسى، فلما قتلوا صاحبهم ظنوا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام، فاشتبه عليهم الأمر، فكانس بحانه قد ألقى على هذا المنافق مثال عيسى فاشتبه الأمر عليهم، وهنا استدل بمشروعية التمثيل لمصلحة تقتضيه، كذلك جعل سبحانه مثالاً لعلي عليه السلام تشتاق إليه الملائكة فتنظر إليه، فكان دليلاً على رجحان التمثيل والتشبيه.
فعن انس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مررت ليلة اسري بي إلى السماء وإذا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به، فقلت: يا جبرئيل من هذا الملك؟ فقال: أدن منه وسلم عليه، فدنوت منه وسلمت عليه فإذا بأخي وابن عمي علي بن أبي طالب، فقلت: يا جبرئيل سبقني علي بن أبي طالب إلى السماء الرابعة؟ فقال: لا يا محمد، ولكن الملائكة شكت حبها لعلي، فخلق الله هذا الملك من نور علي صورة علي بن أبي طالب، فالملائكة تزورة في كل ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرة، يسبحون الله تعالى ويقدسونه ويهدون ثوابه لمحب علي عليه السلام، إرشاد القلوب للديلمي ص 233.
وما رواه الكليني في الكافي أن الكميت دخل على الإمام الصادق عليه السلام وأنشده في مصيبة جده الحسين عليه السلام فبينما الإمام يبكي إذ خرجت جارية من عند النساء وعلى يديها طفل رضيع، فوضعته في حجر الإمام الصادق عليه السلام، فاشتد بكاء الإمام وعلا نحيبه، وجرت دموعه على لحيته الكريمة وصدره الشريف.
وبهذه الرواية نستدل على جواز التمثيل، لإمضاء الإمام عليه السلام ما فعلته الجارية، تذكيرا بمصيبة عبد الله الرضيع وقد مثلته بالرضيع الذي قدمته للإمام عليه السلام.
ذلك، فأجاب بإخبار تمثيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة أشباحاً نورانيَّة حول العرش قبل خلقهم، وأخبار تمثيل مثال لكلِّ مؤمن في السماء، بارزاً للملائكة حال إطاعته في الدنيا، مستوراً عنهم حال عصيانه، وليس غرضي الاستدلال بها لشرعيَّة التمثيل، لأنَّي في غُنية عنه بما أسلفته، وفيه كفاية للمتبصِّر.
ثانيهما: إنَّه ذكر في الصفحة (8) - مُخاطباً لمستعمل الشبيه أيضاً - ما مُلخَّصه: (حَسْبَ الدهر صدمة ما فعله يزيد بعقائل النبوَّة، فما لك في كلِّ سنة على ما فعلوه تزيد؟! دعهم مُنفردين بالخزي الذي سوَّد وجوههم في الدنيا والعُقبى، فما وجه تكريرك مثل ما فعلوه وما لم يفعلوه في كلِّ عام، حتَّى توجب سُخرية ذوي العقول والأوغاد الطَّغام بدين الإسلام؟). انتهى.
فإنْ أراد الإنكار على ظهور النساء مسبيَّة مهتوكة فالإنكار في محلِّة، وإنْ كان مُراده ما عنى به غير واحد مِن أفراد (الجمعيَّة الأُمويَّة)، وضرب على وتيرته بعض الكتَّاب العصريِّين، مِن قوله: (إنَّ يزيد قتل الحسين عليه السلام مرَّة، والشيعة تقتله في كلِّ عام مرَّة)، فوا سوأتاه.
إنَّ أولئك يُلقون تلك الأقاويل بذراً في قلوب العامَّة بأطوار وأساليب مُختلفة، لتُثمر لهم ترك التذكارات الحسينيَّة جميعاً، حتَّى ينتهي الأمر بالآخرة إلى إنكار قتل الحسين(1) . فما بال المصلح مِن الشيعة يتَّبع تمويهاتهم، غفلة عن حقيقة الحال؟!.
____________________
(1) علم الله لولا هذه الشعائر الحسينية وحماستها في تجييش عواطف الناس، وتجدد ذكرى عاشوراء؛ لأنكروا هؤلاء قتل الإمام الحسين عليه السلام على يد بني أمية، وجعلوا القضية في عداد الأخبار التي ترويها الشيعة من أجل الانتقام من مخالفيهم الأمويين، لكن رعاية الله وألطاف أئمة أهل البيت عليهم السلام في حفظ هذه الفاجعة وإدانة الظالمين هي ببركة الشعائر وإذكاء روح الثأر والانتقام من قتلة الإمام المظلوم.
ألا ترى ما حدث لواقعة الغدير التي شهدها أكثر من مائة وعشرين ألف من المسلمين، وهم اليوم يتساءلون =
إنَّ الشيعة لا تقتل الحسين عليه السلام في كلِّ عام، وإنَّما تُحيي ذِكْره، وتذكر فضله في كلِّ عام، بلْ في كلِّ يوم، وليس في ذلك حطٌّ مِن قَدره، كما يزعمون ويُموِّهون، لأنَّ الشيعة بتلك التذكارات لا تسند إليه (سلام الله عليه) أمراً قبيحاً، ليكون موجباً للحطِّ مِن مقداره، وقد تضمَّن التاريخ، وخلَّد فضايع مُتناهية الفضاعة، قد وقعت على عظماء الرجال، ولم تُعدَّ حطَّاً مِن مقامهم، فلِمَ لذلك العضو النبوي يُعدُّ مِن أسباب الحَطِّ مِن شرفه إقامة تذكاراته، التي تجتني الشيعة منها مِن لدُن قتله إلى الآن ما يحفظ كيانهم، ويربط فيما بينهم بأحكم الروابط، بعد الجامعة الإسلاميَّة؟!
____________________
= عن مدى صحة هذه الواقعة، والسبب في ذلك أن هذا الحادثة لم يشملها ما شمل استشهاد الإمام الحسين عليه السلام من عناية واهتمام، لذا نجدها تدور بين الإثبات والإنكار، تبعاً لمبتنيات الباحث.
ومِن التذكارات الحسينيَّة...
مجامع اللَّدم (1)
____________________
(1) اللدم: الضرب، وهنا يراد به ضرب الصدور.
وهي النوادي الخاصَّة المنعقدة لأجل اللطم على الصدور بالأيدي، وهذه - كالمآتم - لا ريب في كونها مظهر الحزن والجزع، وربَّما يُقال بكونها أبلغ في إظهار الحزن مِن البكاء وحده، هذه - أيضاً - لا كلام فيها، وفي كون اللطم بها وبغيرها صِلة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإسعاداً للزهراء البتول.
وإذا كانت زيارته (سلام الله عليه) بِرَّاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، باعتبار كونها توقيراً واحتراماً لفَلَذة كبده، كما في الأخبار، فلا ريب أنَّ ذلك النوح الدائم أوْلى منها، ولا شكَّ أنَّ أولئك الرجال اللاطمين هُمْ مِن أظهر مصاديق قول الصادق عليه السلام: (يا مُسمع... إنَّ الموجَع قلبه لنا)(1) ، وقوله: (الجازع لمصابنا والحزين لحزننا)(2) .
وأظهر مَن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الخبر: (لما
____________________
(1) كامل الزيارات ب 32 ح 7 ص 203.
(2) مراد المؤلف رحمه الله هو أن لدم الصدور أجلى مصاديق الجزع المشار إليها في الحديث، لأن هذ الحركات لا تأتي إلا على أساس حالة الجزع التي يستشعرها الإنسان فينشدّ للتعبير عن جزعه بضرب صدره، وكما هو معلوم أن الجزع كذلك يختلف من شخص لآخر تبعاً لاستيعابه للمصيبة واستعداده لتقبل التعبير عنها.
أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين، وما يجري عليه مِن المِحَن، بكت فاطمة بكاءً شديداً، وقالت: يا أبت متى يكون ذلك؟ قال: في زمان خالٍ منِّي ومنك ومِن عليٍّ، فاشتدَّ بكاؤها، وقالت: يا أبت، فمَن يبكي عليه؟ ومَن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبي: فاطمة، إنَّ نساء أُمَّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويُجدِّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلِّ سنة). الحديث(1) .
فإنَّ العزاء المتجدِّد كلَّ سنة هو ذلك اللطم والشبيه والمواكب التي تكون في عموم بُلدان الشيعة سنويَّاً لا يوميَّاً، مثل المآتم.
إنَّ لطم الخدود وشقَّ الجيوب ممَّا لا ريب في مرجوحيَّته على غير الحسين عليه السلام وأمَّا عليه عليه السلام ففضلاً عن جوازه قد رغَّب فيه كثير مِن الأخبار، كالمروي في التهذيب عن خالد بن سدير، عن الصادق عليه السلام، وفيه: (ولقد شققن الجيوب والطمن الخدود الفاطميَّات على الحسين بن علي عليه السلام، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب)(2) .
وإذا كان لطم الخدود مندوباً كان لدم الصدور أولى بالرُّجحان(3) ، وسيأتي في بعض التذكارات الآتية عدُّ لطم الصدر في بعض الأخبار مِن الجزع، وفيه تعرف أنَّ الجزع نفسه في مصاب الحسين عليه السلام مُرغَّب فيه مندوب إليه.
____________________
(1) بحار الأنوار ج 44 ص 292.
(2) تهذيب الأحكام ج 8 ص 325.
(3) والأولوية من باب وحدة الموضوع المشكّك، إذ ضرب أي عضو من أعضاء الإنسان بسبب المصيبة الجزع واحد، إلا أنه يختلف قوة وضعفاً، ولما كان ضرب الوجه - وهو الخدود - راجحاً مع كونه أشد في وقعة على الضارب، فإن ضرب الصدور لابد أن يكون راجحاً مع أنه أقل إيذاءً بل أقل شأناً في نظر العرف من ضرب الخدود.
ومِن التذكارات الحسينيَّة...
المواكب
وهي كثيرة فمنها
تنتظم مِن الرجال مواكب، وهم حفاة الأقدام، حُسَّر الرؤوس، عُراة الصدور والظهور، يضربون صدورهم، وربَّما ضربوا رؤوسهم بأيديهم، وقد يذْروا على رؤوسهم التراب أو التبن، وقد يُلطِّخ البعض رأسه بالطين، تَقدَمهم وتحفُّ بهم - وهم على تلك الحال المحزنة - أعلام سود، قد كُتب عليها بالبياض مثل: (الحسين المظلوم) أو (العباس الشهيد)، يُنشدون باللغة الدارجة الأناشيد المحزنة، بموادِّها وألحانها، يخترقون الأسواق والأزقَّة والجوادَّ العموميَّة، وهم على تلك الحال المشجية، وإذا فعلوا ذلك ليلاً تُصحبهم الأنوار الكهربائيَّة، أو المشاعل الموقدة بالبترول الأسود.
إنَّ هذه المواكب بتلك الهيئات وهاتيك الأحوال أبلغ - بلا شُبهةٍ - في إظهار مظلوميَّة سيِّد الشهداء، وأشدُّ تأثيراً في القلوب مِن البكاء المجرَّد، وأحكم في وصل عُرى الجامعة الجعفريَّة، وجعلها كحلقة واحدة أمام العامِّ والخاصِّ، وأولى في صدق كون اللطم فيها إسعاداً للزهراء، وصلةً لسيِّد الأنبياء، ومصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يُجدِّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلِّ سنة)(1) ، ولفحوى(2) قول الصادق عليه السلام:
____________________
(1) بحار الأنوار ج 44 ص 292.
(2) وهي الأولوية التي أشار إليها المؤلف في رجحان لطم الصدور.
(على مثله تُلطم الخدود)(1) ، ولقول الرضا عليه السلام للريَّان بن شبيب: (إنْ سَرَّك أنْ تكون معنا في الدرجات العُلى مِن الجِنان فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا)(2) ، وقول علي عليه السلام في حديث الأربعمائة: (إنَّ الله تبارك وتعالى اطَّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منَّا وإلينا) الحديث.(3)
قلت: وقد يُراد بالنصرة في هذا الخبر وغيره ما يشمل اللطم باليد والسلاسل ونحوه، وإذا كان صاحب (الخصائص الحسينيَّة) يعدُّ البكاء على الحسين عليه السلام نصرة له، مُدَّعياً أنَّ النصرة في كلِّ وقت يحسبها، فاللطم في الشوارع أولى أنْ يعدَّ نصرة وبذلاً للنفس في سبيل أئمَّة الهُدى. ولا ينبغي الريب أنَّ هذا التذكار بحدوده المرموزة ثمَّة مِن مظاهر المودَّة في القُربى، التي هي أجر الرسالة، قال الله تعالى:
( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) .
ولا شكَّ(4) أحد مِن عرفاء الجعفريَّة أنَّ لَدْم الصدور لمصاب سيِّد الشهداء عليه السلام مِن الشعائر المذهبيَّة، وهذا ما لا يُنكره صاحب المقالة قطعاً، ولا ريب أنَّ خروج مواكب الرجال لادمةً صدورها وهي بتلك الهيئات المحزنة أدخل في تعظيم تلك الشعائر مِن اللطم في المآتم والدور.
وعيسى أنْ يكون صاحب المقالة لا يُنكر هذا كلَّه، وإنَّما يُنكر على الجعفريَّة خروج المواكب، لما يترتَّب عليه مِن بعض المحرَّمات.
قال في الصفحة (8) ما مُلخَّصه، بإصلاح منِّي للتعبير: (وأمَّا لطم الصدور فلم
____________________
(1) تهذيب الأحكام ج 8 ص 325.
(2) أمالي الصدوق ص 193.
(3) الخصال ص 635.
(4) كذا ورد في المطبوعة، والظاهر أنه: لا يشك.
أمنع منه ما يكون في المآتم، وإنَّما منعتُ علناً مِن خروج مواكب اللطم في الأزقَّة، لما بلغني مِن ترتُّب بعض المحرَّمات على ذلك، مِن فتنة وفساد ومُضاربة ومقاتلة عندما يلتقي أهل محلَّتين، بحيث يحصل مِن جرَّاء ذلك جرح وقتل، إلى غير ذلك).
قلت: أضف إلى هذا اللازم الفاسد - بزعمه - أُموراً: نظر النساء إلى الرجال عُراة الصدور، بروز المتبرِّجات والمومِسات مِن النساء حسرات، نظر الرجال إليهن وهُنْ مُكشَّفات الوجوه، صياحهنَّ عند ذلك المنظر الهائ، واستماع الرجال لأصواتهنَّ الرقيقة و... و...، ومع هذه الإضافات نقول: لا يجهل أحد مِن أهل العلم أنَّ ترتُّب بعض المحرَّمات أحياناً على خروج المواكب لا يقدح برُجحانه ألبتَّة.
إنَّ المحرَّم المقارن ما لم يكن لازماً لذات الواجب، أو عنواناً ثانويَّاً يتعنون به ذلك الرجح، لا يوجب حرمته ولا مرجوحيَّته.
ولو كانت الأعراض المفارقة الاتِّفاقيَّة في مورد اقترانها بالراجح توجب مرجوحيَّته لحرمت الصلاة في بعض الصور، ومُنِع الحجُّ، ولكان المنع مِن زيارة ذلك الشهيد الأعظم الكريم على الله تعالى أولى بالمنع، لما فيها مِن مُزاحم النساء للرجال، وبروزهنَّ في وسط تلك المشاهد الشريفة المقدَّسة مُكشَّفات الوجوه، بلْ كثيراً ما يحدث فيها تخاصم فئتين مُتعاديتين جمعتهما البلدة للزيارة، بحيث يحدث مِن خصامهم الضرب المؤلم والجروح الدامية، بلْ إزهاق النفوس البريئة.
لا شكَّ أنَّ ما يحدث مِن مُضاربة ومُقاتلة في الزيارات أكثر مِمَّا يحدث في المواكب، التي تكون مرَّة واحدة في السنة.
عجباً! كيف يعدُّ هذا الرجل الشُّخوص مِن البلدان النائية للزيارة، وبذل الأموال الطائلة في سبيلها مِن الشعائر المذهبيَّة التي يجب تعظيمها، ويجعلها مِن مظاهر المودَّة في القُربى، التي ندب إليها الكتاب والسُّنَّة، ورفع شأنها، إذ جعلها جزاءً للنبي
الأعظم على تبليغه عن الله جلَّ شأنه(1) ، ولا يعدُّ مِن ذلك هذه المواكب السائرة، مع اشتراك الجميع في المسنونيَّة بالذات، وفي ترتب المحرَّمات، مِن غير فرق بينهما أصلاً(2) .
لعمري إنَّ اختراق تلك المواكب المشجية للشوارع واجتماع الجماهير مِن النساء والرجال - مسلمين وغيرهم - للنظر إليها هو أبلغ في إظهار مظلوميَّة سيِّد الشهداء، التي سُنَّ البكاء عليه لأجلها، لأنَّ به تتأثَّر قلوب جميع الفِرَق بنفس الأثر الذي تتأثَّر به قلوب الجعفريَّة فقط مِن اللَدْم واللطم في نادٍ خاصٍّ بهم.
ويعلم كلُّ أحد أنَّ المآتم المنعقدة لذكر رزيَّة الحسين عليه السلام والبكاء لها قد يقع في كلٍّ منها في كلِّ يوم غيبة أو نميمة، أو مؤامرة على باطل، أو تسابٌّ بين اثنين أو جماعة، أو إيذاء مؤمن، أو هتك حرمة، ونحو ذلك، فكان يلزم صاحب المقالة - قياماً بوظيفته الروحيَّة - أنْ يمنعها، ويسدَّ أبوابها، ويُكسِّر منابرها، لترتُّب هذه المفاسد والمحرَّمات عليها، وما هي بأهون عند الله تعالى مِمَّا يحدث في المواكب السائرة، مِن فتنة وفساد ومُضاربة ومُقاتلة، كما يقول(3) .
إنْ قال: إنَّ تلك المفاسد ليست بلازمة لذات المآتم، ولا موجبة لتعنونها بكونها اجتماعاً للغيبة والنساب - مثلاً -.
قلنا له: بمثل ذلك في الموكب اللاطم سائراً، حرفاً بحرف.
____________________
(1) لقوله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) . سورة الشورى: 23.
(2) لوحدة الملاك في الجميع، فلا معنى للتفريق، فالزيارة لمراقدهم المشرفة نوع مواساة لهم عليهم السلام، وإظهار الألم والتفجع بمواكب العاء يندرج تحت عنوان المواساة كذلك، فدليل الاستحباب يشمل كلا الجهتين كما يشملهما العنوان المحرم الطارئ عليهما.
(3) وهو فرض نقضيّ على صاحب المقالة تنزّليّ، يفرضه المؤلف دون أن نشاهد لها مصداقاً في الخارج، كما هو واضح، فالقضية ليست خارجية ومتحققة في الخارج، فإن المجالس ومثلها المواكب تعطي زخماً روحياً وتكاملاً لم يتوفر في كل محفل من المحافل الاجتماعية الإصلاحية.
بالله عليك، لو تخاصم رجلان في مجلس العزاء الموقَّر، المحفوظ مِن كلِّ مفسدة، و أدَّى تخاصمهما إلى الضرب المؤلم، كما يتَّفق ذلك فيها أكثر مِن اتَّفاقه في المواكب، أو أدّى إلى الجروح الدامية مِن باب الاتِّفاق، فهل يصلح لعارف مِن الشيعة أنْ يمنعها بتَّاً، أو يحكم بأنَّ ذلك النادي الذي لم ينعنون بعنوان كون (نادي المضاربة والمقاتلة) محرَّماً، لا أجر لصاحبه ولا لأهله عليه، بلْ عليهم العقاب؟!
مِن المحتمل أنْ يُريد صاحب المقالة المنع مِن فرد خارج لم يقع في الخارج أبداً، وهو الذي لا تكون له علَّة ولا مُحرِّك على الخروج إلا المقاتلة، وهو ما نعنيه بأنَّه المعنون بالخروج للفساد، نحو خروج جماعة مِن محلِّهم إلى الزنا واللهو، أو إلى قتل النفوس.
ويدلُّ على ذلك قوله في الصفحة (9): (نحن نأسف ونحزن إلى الغاية على مَن يُتعب نفسه باللطم لغير الله سبحانه، فإنَّه لو كان لله لما حصل ما ذُكِر).
وأنت لا يخفى عليك أنَّ اتَّفاق وقوع المحرَّم فيه لا يجعله لطماً لغير الله، كما أنَّ كونه لله لا يُنافي حصول ما ذكر بضرب مِن الاتِّفاق، وإنَّما الضارُّ بالإخلاص كون المحرَّم أمراً غير طاعة الله جلّ شأنه.
ثمَّ قال في الصحيفة المذكورة: (ناهيك بما يصدر مِن جدال وضرب وتقاتل بين أهل اللطم وغيرهم، مِن جهلة فرق المسلمين، فتكثر القتلى والجرحى مِن الفريقين، وجميعها ناشئة مِن سخافة العقل وشدَّة الجهل، ولقد صدر الكثير مِن هذه الفتن، وحتَّى في العام الماضي صدر شيء منها في بغداد، فقُتِل مَن قُتِل، وحُبِس مَن حُبِس).
أقول: أنظر إلى التهويل، والكلام الشعري الخيالي، الذي أظهر به هذا الرجل تلك المواكب بمظهر فئات مُتعادية، بينها ثارات أو ألف هنات، قد خرجت لأخذ الثار وإبادة بعضها بعضاً، لا شكَّ أنَّ عند التقائها تكون الملحمة العظمى، التي تكثر بها القتلى والجرحى مِن الفريقين، الذين همْ في الحقيقة (ثواب) سمُّوا أنفسهم بالمعزِّين،
وقائمين بأكبر (ثورة دمويَّة) يسمُّونها بالعزاء... غفرانك اللَّهمَّ مِن عاقبة هذه السفسطة، التي لا مقيل لها في ظلِّ الحقيقة أبداً. لا أقول إنَّ المضاربة والمنازعة والجرح لم تحدث في موكب أصلاً، بلْ ربَّما يتَّفق بالسنة أو بالأكثر حدوث ذلك مَرَّة واحدة في بلدة أو بلدتين لا أكثر، وذلك مِمَّا لا يُخلُّ بمسنونيَّة تلك المواكب المقدَّسة، إنْ هذا إلا كما يعرض للرجل القادم على إقامة صلاة جماعةٍ في معبد، أو زيارة في مشهد، أنْ يتخاصم مع غيره مِن المصلِّين والزائرين، جمعه وإيَّاه المكان، وربَّما كان تخاصمهما على المكان نفسه، فيحدث بينهما - لسخافة العقل وشدَّة الجهل - على ما يقول مِن السباب والقذف والضرب والإهانة، ما لا ريب في حُرمته، وعدم اقتضائه بوجه حرمة الصلاة والزيارة، إلّا أنْ يكون الخروج لذلك، أو يكون مُعنوناً بذلك العنوان، وهذا أمر قد مرَّت نظائره ثمَّة، لكنِّي أعدته ليعرفه الجاهل، ويتدبَّره الصائل والجائل.(1)
قوله: (وحتَّى في العام الماضي صدر شيء منها في بغداد).
فالحكم بين الشيعة وبينه ثقات البغداديِّين في النجف، فإنَّهم أخبروا أنَّه بعد طوال السنين لم يصدر في العام الماضي إلا ضرب رجل مِن غير الشيعة، ضحك مُستهزئاً على مُجتمعهم المحزن، ولم يكن ضربه في المواكب، بلْ بعد انقضائه، ولم يُحبَس بسبب ذلك الضارب نفسه، وإنَّما حُبِس غيره، لأغراض شخصيَّة، وليس ثمَّة مِن أمر مذهبيٍّ يكون سبباً للحبس.
____________________
(1) يشير المؤلف إلى حالة سابقة مضى عليها الدهر، فالجهل الذي يعيشه البعض والعصبية التي يفرزها هذا الجهل تدعو إلى حالة من التنافس الحادّ لإظهار موكب كل واحد منهم بالمظهر الأحسن من غيره، ولربما كانت هناك أطراف خارجية تفتعل مثل هذه الأزمات لتودي بهذه المواكب، كما أن غياب السلطة والقانون يُحدث فراغاً أمنياً يستغله بعض الحادقين على الشعائر ليثيروا حفيظة بعض المغفلين.
أما في عصرنا الحاضر فمن الانفتاح الثقافي للمجتمع باتت هذه الشعائر مألوفاً لوحدة المجتمع وتظافر كلمتهم، وتدبروا أكثر في مقتضيات هذه الشعائر التي دعا لها أهل البيت عليهم السلام، وبحمد الله لم نسمع اليوم آية حالة خرق صاحبت شعيرة من الشعائر.
والسيِّد الناقل في رسالته حاشاه مِن الافتراء، لكنَّه مُموَّه عليه مِن قِبَل المستائين مِن أعمال الجعفريَّة، الذين يجدُّون ليل نهار في إبطال هذه المراسم المذهبيَّة، لنزعة أُمويَّة أو وهابيَّة، فهم يَديفون الصابَّ العسل، ويُذيقونه غير أهل الأذواق مِن الجعفريَّة.
قوله: (الشريعة المقدَّسة والعقل السليم قاضيان بأنَّ اللطم محلُّه المآتم دون الطُّرق).
فهو مِن التلفيقات الفارغة، ونسبة ذلك إلى العقل والشريعة فرية بلا مرية.
ها نحن لو عزلنا أنفسنا عن سلامة العقل، فليأتنا هذا الرجل بما يدلُّ مِن الشريعة على أنَّ اللطم محلَّه المآتم لا الطُّرقات، كيف؟! وهؤلاء حَمَلة الشريعة المقدَّسة، وصلحاء أهل الدين، مُنذ مئات مِن السنين يرون ويسمعون اللطم في الطرقات ولا يُنكرون؟! هَبْ أنَّ هذا الرجل تأتىَّ له أنْ يُباهت الجهَّال بدعوى حُكم الشريعة، لكنَّ دعوى حُكم العقول السليمة بذلك فرية لا تُستر، ولقد كان يكفيه أنْ يُنكِر وجود دليل على جواز اللطم في الطرقات، ولا يدَّعي وجود الدليل على كونها ليس محلَّاً له، فيُطالب بإثباته، وأنَّى له بذلك.
حقَّاً أقول: اللطم لا محلُّ له أصلاً، لا الطرقات ولا المآتم، لكنَّ رزية الحسين يكون كلُّ محلٍّ محلَّاً لها، لأنَّها بنفسها إذا كانت غير محدودة بحدِّ فأيُّ برهان يحلُّ محلَّها ويعينه؟! فما ذلك إلا عن عدم تقديرها حقِّها.
إنَّ مِن الأدلَّة الجليَّة على أنَّ اللطم لمصاب الحسين لا يختصُّ محلَّه بالمآتم، بلْ يُقام في المجامع العموميَّة، وأنَّها أحسن وأوقع محالِّه، ما روي عن الصادق عليه السلام مِن عدَّة طرق، أصحُّها ما في (الكافي) عن يونس بن يعقوب عنه عليه السلام أنّه قال: (قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي مِن مالي كذا وكذا لنوادب يندبنني عشر سنين بمِنى أيَّام مِنى)(1) .
____________________
(1) الكافي ج 5 ص 117.
إنَّ مِنى في تلك الأيَّام هي أعظم المجامع لطوائف المسلمين القاصدين إلى مكَّة مِن كلِّ فجٍّ، فلماذا اختار ندبته فيها؟! وهلّا أوصى أنْ يُندَب في بيته، أو في ميدان واسع في المدينة، أو في البقيع، حيث محلُّ قبره؟! ألست تعتقد أنَّه يرمز بذلك إلى تنبيه الناس على فضائله وإظهارها، وليتذكَّر أولياؤه والعارفون به ما جرى عليه، ومِن مجموع ذلك تثبت عقائدهم، ويدوم ذكره الجميل فيما بينهم؟!
قال شيخنا الشهيد الأوَّل محمد بن مكِّي(1) في كتابه (ذكرى الشيعة) بعد إيراد الخبر المزبور: (والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها، ليُقتدى بها، ويعلم الناس ما كان عليه أهل البيت، فتُقتفى آثارهم). انتهى.
فانظر مُتأمِّلاً إلى آخر كلامه هذا، الذي يُريد به أنَّ ندبته بتلك المجامع سبب لظهور التشيُّع في الناس، لارتفاع الاتِّقاء عليه بعد موته (سلام الله عليه).
ومِن هذا تعرف أنَّ النوادي الخاصَّة محلُّ عزاء مَن لا شرف له كالحسين عليه السلام وأبنائه، ولا فضل له ولا قُرب كفضلهم وقُربهم، ولا مظلوميَّة له كمظلوميَّتهم،
____________________
(1) محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد قدس سره، شيخ الطائفة وعلامة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، من أجلاء هذه الطائفة وثقاتها، نقي الكلام، جيد التصانيف... كانت وفاته سنة سبعمائة وست وثمانين اليوم التاسع من جمادي الأولى، قتل بالسيف، ثم صلب، ثم رجم، ثم أحرق بدمشق في دولة بيدر وسلطنة برقوق، بفتوى القاضي برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي، بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام.
وفي الحبس ألف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام، وما كان يحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع.
وكان سبب حبسه وقتله أنه وشى به رجل من أعدائه، وكتب محضراً يشمل على مقالات شنيعة عند العامة، من مقالات الشيعة وغيرهم، وشهد بذلك جماعة كثيرة، وكتبوا عليه شهاداتهم، وثبت ذلك عند قاضي صيدا، ثم أتوا به إلى قاضي الشام فحبس سنة، ثم أفتى الشافعي بتوبته والمالكي بقتله، فتوقف من التوبة خوفاً من أن يثبت عليه الذنب، وأنكر ما نسبوه إليه. انظر تنقيح المقال في أحوال الرجال للشيخ عبد الله المامقاني ج 3 ص 192 الطبعة الحجرية.
أمَّا همْ فإنَّ أوقع المحالِّ لندبتهم المجامع العموميَّة، كمِنى وغير مِنى.
وفي آخر هذا الفصل طلب الكاتب مِن الله أنْ يتفضَّل على أهل المواكب السائرة برفض ما تعوَّدوه في اللطم مِن المقاتلة، والسير على الهيئات المنكَرة، مِن الوثبات والزعقات الموحِشة.
فكأنَّه يتمنَّى لكلِّ فرد مِن أفراد الجعفريَّة، حتَّى الشبَّان منهم وأهل المهن الدنيَّة والبذيئين، أنْ يكون لهم مثل ما هو حاصل لأغلب الشيوخ والصلحاء، مِن الهدوء والسكون والمشي بخشوع ووقار، وهذا ما لا يكون، ولكنْ لا يلزم أنْ تكون المواكب على هذه الحال المتمنَّاة، فإنَّ تلك الوثبات والزعقات الموحشة - على ما يقول - لها مِن التأثير في بعض القلوب ما لا يؤثِّره الوقار والتوئدة.
* وفي الحميَّة معنى ليس في العنب *
أوهما حقيقة..
* مثل الفواكه كلٌّ فيه لذَّته *
والناس ليسوا على شاكلة واحدة.
وذكر الوثبات والزعقات على لسان هذا الرجل تهويل آخر، وإعابة لحال المواكب الحسينيَّة، والحقيقة لا تنزجر بالتهاويل، والأحكام لا تستند في نفي أو إثبات إليها، وما تضرُّ الوثبات مِن فئات لم تُبنَ سائر أعمالهم العباديَّة والعاديَّة على الخشوع والاستكانة، هؤلاء الزوَّار مِن الأعراب يجتمعون موكباً كبيراً، يتواثبون ويزعقون ويُنشدون مِن الشعر الدارج بلُغتهم، المسمَّى عند العامَّة (هوسه)، وهي بلحنها مُهيِّجة للشعور، مُتضمِّنة لنحو..
* يحسين اشرب ماي عيوني *
وشبهه، فتطير القلوب لهم فرحاً، ويلقون مِن كلِّ أحد الترحيب بهم، والارتياح
إلى هيئتهم المنكَرة بزعم هذا الرجل، لأنَّها وثبات وزعقات.
بالله عليك، أيُّ فرق بين مواكب زائري سيِّد الشهداء، الذين يختلط بهم مثل الوحيد البهبهاني، أُستاذ الكلُّ في الكلِّ، وهو لا يعرف ما يقولون بمادَّته ولحنه، وبين مواكب اللطم في نفس الوثبات والزعقات، التي أنكر الكاتب عليها؟!
اللَّهمَّ أنِّي لا أجد فرقاً بين وثبات الموكب وبين الهرولة في السعي، إنْ لم تكن تلك أهون، ولا بين التلبية برفيع الصوت وبين ألحان المواكب.
ومِن المواكب..
وهو يتألَّف مِن جماعة مِن الرجال، مكشوفي الظهور والرؤوس فقط، بأيديهم سلاسل الحديد، يضربون ظهورهم بها بدل الأيدي، عليهم الثياب السود، وأمامهم وخلفهم الأعلام المسوَّدة، يمشون بهدوء وسكون، لا يتواثبون ولا يزعقون، ينشدون - وهم بتلك الحال - أناشيد الحزن، ويخرجون صفوفاً مُتكاتفة، مُخترقين الأزقَّة والجوادَّ العموميَّة.(1)
وهذا لا ريب في كونه أجلى مِن موكب لَدْم الصدور باليد، في كونه مظهر الحزن
____________________
(1) إن المتابع لسيرة هذه المواكب - كالزنجيل مثلاً - يجد أن هؤلاء المشاركين قد انتظموا ضمن صفّين متوازيين، ويرفعان أيديهما ويقدمان أرجلهما على إيقاع واحد من النغمات الشجية المحزنة، أي ضمن هيكلية تنظيمية يعجز عنها أكبر جيش في العالم أن يقتفي أثر هذه المواكب، فهي تراعي نظاماً مرسوماً لها من قيادة أسست لها هذا النظام، وسارت عليه هذه المجاميع منذ عقود، فهل تجد في كل تنظيمات العالم مثل هذه الدقة والاحترام للنظام وتقنين المسيرة ضمن هدفية واحدة؟ فأين الغوغاء من هذا، وأين التخلف يا ترى؟!.
بل إن هذه المواكب تربي أتباعها على حب النظام والحفاظ عليه، وتؤسس في نفوسهم احترام القانون بكل جزئياته، وهذه إحدى فوائد الشعائر الحسينية.
والجزع، وكلَّما قلنا في ذلك نقوله في هذا، ويأتي في أدلَّة الموكب الأخير ما يدلُّ على رجحان هذا بالأولويَّة القطعيَّة.
ومِن المواكب...
وهو موكب يتألَّف مِن جماعة، لابسي الأكفان البيض، بأيديهم السيوف والقامات، قد ضربوا المقدَّم مِن رؤوسهم بها، وتناثرت قطرات كثيرة مِن الدم على تلك الأكفان، وهمْ يسيرون صفوفاً مُتكاتفين مُتلازمين، كأنَّهم حلقات سلسلة واحدة، كلٌّ قد أخذ بيده الأُخرى حُجزة الآخر، يخترقون الشوارع على هذه الهيئة، حُفاة الأقدام، حُسَّر الرؤوس، لا يتوارثون ولا يزعقون، غير أنَّهم يهزُّون السيوف، مُؤمِّين بها إلى رؤوسهم، ومِن ذلك تحدث لهم في المشي هيئة خاصَّة.
وهؤلاء.. مِن جِهة يُمثِّلون للأبصار طائفة قد استسلمت للموت، أقدمت على الحرب في نُصرة سليل خير الأنبياء، ودفع الأعداء عنه، وقد سالت دماؤها الطاهرة على وجوهها، وضمَّخت بها رؤوسها، ولطَّخت بها ثيابها المتَّخذة أكفاناً يوم الطفِّ.
ومِن جهة أُخرى يظهرون بمظهر موكب، قد ارتفع في مقادير الحزن عن أنْ يضرب صدره بيده أو بسلسلة حديديَّة، بلْ هو يُريد أنَّ يقتل نفسه جزعاً، مِن جرَّاء تلك الفادحة التي أُصيب بها الإسلام في قتل سبط النبي المرسَل.
فهذا الموكب عزاء مِن جهة، وتمثيل رزيَّة مِن جهة أُخرى، وكلُّ ما حرَّرناه في المآتم آتٍ فيه بالأولويَّة، بلْ هو في كونه نصرة للحسين عليه السلام، وبذلاً للنفس في سبيله، أظهر وأجلى. وقد مرَّ عليك ما يدلُّ على ذلك، مِن قوله عليه السلام: (ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا)(1) .
____________________
(1) الخصال ص 635.
لكنَّ صاحب المقالة لا يُذعن بذلك، إذ قال: (أمَّا الضرب بالسيوف والقامات على الرؤوس فمُحرَّم، لما شاهدناه وشاهده غيرنا مِن موت جماعة منهم في كلِّ سنة، لكثرة نزف الدم، ولو قطعنا النظر عن هذه الجهة فهو فعلٌ همجيٌّ وحشيٌّ، مثل الضرب بسلسلة مِن حديد، ولم يرد دليل شرعي بتجويزها، وما مِن سيرة يستند إليها فيهما، بلْ هي بنظر أرباب العقول والمعرفة أفعال وحشيَّة، ما فيها مِن ثمرة في التعزية). انتهى.
قلت: لا ريب في أنَّ دعوى موت جماعة في كلِّ سنة لكثرة نزف الدم فرية بلا مرية، فإنِّي مُنذ أدركت لليوم ما رأيت ولا سمعت أنَّ واحداً مات بذلك في أيِّ سنة، وأيِّ بلدة، فضلاً عن جماعة في كلِّ سنة، ولقد سألت كثيراً مِمَّن جاوز السبعين والثمانين مِن سِنيِّ عُمُره، مِن ثقات أهل النجف وكربلاء والكاظميَّة، وغيرهم مِن علماء البلدان وصلحائهم، وكلٌّ أنكر أنْ يكون رأى أو سمع أنَّ واحداً مِن أولئك تألَّم ألماً يوجب مراجعة الجرَّاح أو المضمِّد، فضلاً عن موته، فعسى أنْ يكون ذلك طيفاً سوَّلته له الأحلام، أو خيالاً جسَّمته له الأوهام، أو حقيقة واقعة في الجيل الواحد مرَّة واحدة اتِّفاقاً، كيف لا؟! وأغلب أفراد موكب السيوف يجرحهم كبراؤهم بسكين دقيقة جروحاً خفيفة يظهر منها الدم بواسطة الضرب على الرأس، لا بالجرح بمُجرَّده، مِن دون أنْ يحصل لهم إيلام مزعِج، لأنَّ غرضهم صوري، وهو البروز بصورة القتيل والجريح، وليس مِن أغراضهم الإيلام الحقيقي لأنفسهم.
ومع الغضِّ عن هذه الحقيقة الواقعيَّة، لو تنزَّلنا وقلنا: إنَّ الجرح يكون بالسيف للإيلام لا غيره، فلا شكَّ أنَّ ذلك إنَّما يوجب التحريم إذا كان مُقدِّمة لإيجاد الموت، نحو أنْ يضرب رأسه ليقتل نفسه، وأمَّا الضرب لا لذلك، بلْ لأمر آخر، قد يترتَّب عليه في بعض الأحيان لبعض الأفراد الموت، مِن دون أنْ يكون مقصوداً بالأصالة أو بالتبع،
ولا لازماً عاديَّاً للضرب نفسه، فإنَّ قواعد الفَنِّ لا تقتضي تحريمه ألبتَّة(1) ، ومُجرَّد الإيلام وإخراج مقدار مِن الدم - لا يضرُّ بالصحَّة - لا دليل على حُرمته(2) .
قوله: (ولو قطعنا النظر عن هذه الجهة (وهي نزف الدم) فهو فعلٌ همجيٌّ وحشيٌّ: مثل الضرب بسلاسل مِن الحديد).
أقول: إذا قطع النظر عن تلك الجهة التي هي علَّة التحريم، فكونه فعلاً همجيَّاً لا يفي بالحكم المقصود - لو يعلم، إلا أنْ يدلَّ البرهان على أنَّ كلَّ عبث وفعل لا ترتكبه العقلاء لهمجيَّته هو مُحرَّم(3) ، وأنَّى لأحد بإثباته، على أنَّ عَدَّه فعلاً همجيَّاً وحشيَّاً إنَّما هو بنظر مَن لم يعرف حكمته، ولم يطَّلع على المقصود منه، وإلّا فضرب الصدور بالأيدي في الدور والبيوت يعدُّه غير العارف برموزه وأسراره ضرباً مِن التوحُّش والهمجيَّة، مع أنَّه عند الجميع مِن الأُمور المستحسنة المرضيَّة.
أقول: وأنا استسلف العُذر عن حزازة القدح اللساني الظاهري - فقط - بأعظم شعائر الله وحرماته (الحجِّ)..
ليس الحجُّ إلا طواف حول بيته، وسعي وهرولة بين رابيتين، ووقوف على جبل، وهبوط في وادٍ، ورمي أحجار على أحجار، في هيئة مُقرحة، مِن كشف الرؤوس لحَرِّ الشمس، وتوفير الشعر، وعري البدن إلا عن نحو إزار ورداء.
____________________
(1) لأصالة الإباحة، من دون حاجة للدليل على حلّيته، بل مقتضى الفن هو أن القول بالحرمة يحتاج إلى دليل، فمطالبة المستشكل بالدليل على الجواز عجيبة، والأعجب نفي السيرة عنها.
(2) إذ لا دليل على حرمة كل إيلام، فمن الإيلام ما يكون ضرورياً بنظر العقلاء، كالمعالجات الجراحية التي يقوم بها الطبيب.
(3) فدعوى المستشكل في غير محلها، إذ لا أحد يلتزم بأن كل ما لا يفعله العقلاء هو محرّم، وعدّه في نظر العقلاء همجياً لا يسوّغ التحريم، إذ ملاكات الأحكام بيد الشارع لا بيد العرف والعقلاء، والحج خير مثال لما أوردناه، والمؤلف يأخذ الحج مثالاً في دعم دليله، كما سيأتي.
لا شكَّ أنَّ غير العارف برموزها وحِكمها وأسرارها، يستهزأ بها ويعدُّها ضرباً مِن الجنون والتوحُّش، وفعلاً مِن أظهر أفعال الهمجيَّة.
أفهل يصلح للعارف برموزه وحكمه أنْ يمنع منه لمجرَّد عَدِّه عند الجاهل همجيَّاً؟! ولقد وقع الاستهزاء جهاراً بتلك المناسك العالية الأسرار، الدقيقة الحكم، والسخرية بها مِن قِبَل المادِّيِّين الأقدمين، كعبد الكريم بن أبي العوجاء وعبد الله الديصاني وأضرابهما، وخلَّدت كتب الحديث إنكارهما على مولانا الصادق عليه السلام، وإنكار المتأخِّرين أظهر مِن ذلك، وناهيك الكتب المؤلَّفة منهم للاستهزاء بالحجِّ بخصوصه.
وأمَّا ثمرتها في التعزية، فإنَّما يُنكرها مَن يجهل السرَّ في إقامة المآتم العزائيَّة، وقد أسلفنا في صدر الرسالة نُبذة تتضمَّن الأسرار المشار إليها، ومَن تأمَّلها يجدها حاصلة في الشبيه وضرب القامات بوجه أتمٍّ وأنفع.
إنَّ أدنى فوائد التذكارات الحسينيَّة - التي تعملها الجعفريَّة اليوم - أنْ تجعل كلَّ فرد منهم راسخ الاعتقاد بمذهبه، شديد اليقين به، وذلك ما رمزنا إليه وصرَّحنا به في غير موضع مِن الرسالة، ولا يلزم أنْ تكون فائدتها أمراً فوق ذلك.
ومِن ثمَّة لو كان قرية - مثلاً - ليس فيها مِن غير الجعفريَّة أحد أبداً، لكان يلزم عليهم إقامة التذكارات بجميع مظاهرها لذلك، خشية أنْ يضعف اعتقادهم ويزول بمرور الأيَّام، كذا لو كانت القرية وما فيها مِن الجعفريَّة إلا أفراد معدودة، بلْ هذه أولى بإقامتها مِن هذه الجهة. وأُخرى أنَّ تلك الأعمال ربَّما تكون داعية للأغيار إلى الفحص عن أسباب تلك التذكارات واستحسانها، حتَّى تكون بنفسها مُبشِّراً مِن المبشِّرين بها.
قال بعض مؤرِّخي الأجانب في مقام استشهاده على نحو هذا: (رأيت في بندر (مارسل) في الفندق شخصاً واحداً عربيَّاً شيعيَّاً مِن أهل البحرين، يُقيم المآتم مُنفرداً، جالساً على الكرسي بيده الكتاب يقرأ ويبكي، وكان قد أعدَّ مائدة مِن الطعام ففرَّقها على الفقراء).
فبالله عليك، ماذا الذي صيَّر هذا الرجل الغريب في البلدة التي لا مُماثل له فيها
في العنصر والمذهب أنْ يكون شديد الاعتقاد بمذهبه إلى تلك الدرجة، لولا ما تعوَّده في بلده مُنذ نعومة أظفاره مِن إقامة المآتم والتذكارات.
أمَّا صاحب المقالة، فإنَّه يطلب للتذكارات فائدة خاصَّة، نحو أنْ تكون الشيعة إذا أقامتها ترتقي في نظر غير الجعفريَّة كلَّ مُرتقى عالٍ في الدنيا والعُقبى!!!
قوله: (لم يرد دليل شرعي على تجويزها وما مِن سيرة يستند إليها).
أقول: هذا ناشٍ عن القصور في الفقه والأصول؛ لأنَّ التحريم هو المحتاج إلى الدليل والأصل الإباحة؛ لما استفاض وتواتر معنى مِن الأخبار والآثار مِن أنَّ كلُّ شيء مُطلق حتَّى يرد فيه نهي، ومع الغضِّ عن هذا، فإنَّ إباحة الشيء أو استحبابه لا يتوقَّف على دليل يخصُّ مورده، بلْ تكفي فيه الأدلَّة العامَّة.
وبما أنَّ هذا الموكب مِن جهةٍ يُمثِّل موقف الحسين عليه السلام وأنصاره بالطفِّ، يكون إحياءً لأمرهم، ومِن جهةٍ يظهر بمظهر مُرتفع في مقدار الحزن عن أنْ يضرب صدره بيده، بلْ يهمُّ بقتل نفسه يكون حزناً لأجلهم، وباعتبار الجهتين يكون كلُّ فرد مِن أفراد الموكب مُتَّصفاً بكونه موجَع القلب لهم، وباذلاً نفسه فيهم، ومؤدِّياً حقَّهم، ومُعظِّماً شعائرهم، وناصراً لهم بعد وفاتهم، وغير ذلك مِن العناوين العامَّة التي تكثَّرت فيها الأخبار الخاصَّة عن أئمَّة الهُدى (سلام الله عليهم).
إنَّ أشدَّ الأخبار العامَّة مساساً بهذا الموكب، وأتمَّ اعتلاقاً به الأخبار الكثيرة المستفيضة الدالَّة على أنَّ الجزع مكروه ومحظور، ما عدا الجزع على الحسين عليه السلام فإنَّه مندوب إليه ومرغب فيه.
ففي رواية معاوية بن وهب التي رواها المفيد والشيخ وابن قولويه عن الصادق عليه السلام: (كلُّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين)(1) .
____________________
(1) أمالي الطوسي ص 162.
بلْ في خبر مُسمع بن عبد الملك البصري، عن الصادق عليه السلام أنَّه قال له - يعني الصادق -: (أفما تذكر ما صُنِع به؟ - يعني بالحسين عليه السلام. قلت: بلى، قال: فتجزع؟ قلت: أيْ والله، وأستعبر لذلك حتَّى يرى أهلي أثر ذلك عليَّ، فأمتنع مِن الطعام والشراب حتَّى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما إنَّك مِن الذين يُعدُّون مِن أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمنَّا). الحديث(1) .
وهذه وما بعدها - بنظري - عُمدة الأدلَّة على جواز إدماء الرؤوس بالسيوف، بلْ واستحبابه، وذلك أنَّ كلَّ ما يفعله الشيعة مِن الضرب بسلاسل الحديد، وبالقامات وغيرها هو دون الجزع المرغِّب فيه.(2)
إنَّ الضرب بالسيوف والقامات على الرؤوس هو مظهر مِن مظاهر الجزع وليس بجزع حقيقية، فإنَّ الجزع أم معروف في اللغة والعرف، وهو ضدُّ الصبر نحو أنْ ينتحر الرجل العاقل أو يُلقي نفسه مِن شاهق لحادثة تحدث تغلب صبره وتورده الهلاك، وأين هذا مِن جرح الرأس بسكِّين أو سيف جرحاً خفيفاً، يوجب خروج الدم ولا يؤلم إلا بمُقدار ما تؤلِم الحِجامة وغيرها، مِمَّا يُرتكب لأغراض عقلائيَّة سياسيَّة أو طبيَّة؟!
ولا يُراد مِن الجزع في الخبر السابق البكاء لعطفه عليه، فيه وفيما لا أُحصيه عدداً مِن الأخبار، وذلك آية المغايرة بينهما، ولا ما ذكرناه مِن بلوغ الحُزن إلى حيث يورد الهلاك، وإنْ كان هذا لو صدر مِن أحد في مصاب، فكثيراً ما يحدث بغير اختيار، وكلَّما هو دون
____________________
(1) كامل الزيارات ص 203.
(2) ونِعمَ ما يراه المؤلف، فإن الجزع الذي يظهره الشيعة لهو أقل بكثير مما جرى عليهم (صلوات الله عليهم) من مصاب، وهو لا يساوي شهقة واحدة من امرأة ثكل، أو زفرة من زفرات حجة الله في الأرض (صلوات الله عليهم).
هذه المرتبة، مِمَّا يُتحمَّل عادة ولا يجرُّ إلى الضرر بالنفس، فهو مِن الجزع المرغَّب فيه.
وله مراتب.. منها: الامتناع مِن الطعام والشراب مع الحاجة إليهما، كما صدر عن مُسمع، وذلك للتأثُّر القلبي الموجِب لعدم قبول النفس لهما مع شدَّة الجوع والعطش. وما ورد في بعض أخبارنا مِن تحديد أشدِّ الجزع بالصراخ والويل والعويل، ولطم الوجه والصدور، وجزِّ الشعر مِن النواصي، وإقامة النياحة، فهو في غير شأن الحسين عليه السلام، لأنّ أعظم هذه المعدودات: النياحة وهي عليه راجحة بلْ واجبة قطعاً.
ولطم الخدِّ، وقد دلَّ على جوازه وجواز شقِّ الجيب الخبر الصحيح، المروي في (التهذيب) عن خالد بن سدير، عن الصادق عليه السلام وفيه: (على مثله - يعني الحسين - تُلطَم الخُدود وتُشقُّ الجيوب)(1) .
ولقد كان شيخنا العلاَّمة شيخ الشريعة (قدِّس سرِّه)(2) بهذا الاعتبار، وبتلك
____________________
(1) تهذيب الأحكام ج 8 ص 325.
(2) شيخ الشريعة، الشيخ فتح الله النمازي، المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني، ولد سنة 1266، وتوفي سنة 1339، درس في أصفهان على كبار علمائها، ثم سافر إلى مشهد الرضا عليه السلام التي كانت يوم ذاك حافلة بالعلماء، فجرت بينه وبينهم المباحثات والمناظرات، ثم عاد إلى أصفهان، وانصرف إلى البحث والتدريس، ولم يلبث أن انتقل إلى النجف وتصدي فيها - كذلك - إلى البحث والتدريس.
كان رحمه الله ممن اشترك في الجهاد ضد الان گ ليز، بل كان أحد قادته... كما امتاز بمشاركته في فنون الفلسفة القديمة والحكمة الإلهية، فضلاً عن العلوم الإسلامية في الكلام والحديث والرجال وخلافيات الفرق والمقالات وما لها وما عليها من الحجج والأدلة.
وكان يحضر مجالس محاضراته وإفاداته أفاضل العلماء، وتتلمذ عليه مئات الفضلاء، وكان جمع كثير من الناس يرجعون إلى فتاواه ويقلدونه في أحكامهم الشرعية من عهد بعيد، ولكن بعد وفاة السيد كاظم اليزدي أقبل عليه جمهور، ثم بعد وفاة الشيخ محمد تقي الشيرازي أصبح المقلّد الوحيد للشيعة في غالب الأقطار. راجع موسوعة النجف الأشرف ج 11 ص 204 بتصرف يسير.
الأخبار يُصحِّح الخبر المرسَل الذي استبعده بعض العظماء، مِن أنَّ (عقيلة علي الكُبرى): لما لاح لها رأس الحسين عليه السلام وهو على رمح والريح تلعب بكريمته، نطحت جبينها بمُقدَّم المحمل حتَّى سال الدم مِن تحت قناعها(1) .
ويقول العلاَّمة شيخ الشريعة قدِّس سرِّه: (إنَّه لا استبعاد فيه إلا مِن جهة ظهور الجزع منها، وإيلام نفسها، والإيلام الغير المؤدِّي إلى الهلاك لا دليل على عدم جواره، والجزع مندوب إليه ومُرغَّب فيه في كثير مِن الأخبار)(2) .
قلت: الظاهر مِن الأخبار جواز الهلع أيضاً، وهو - على ما ذكروا - أفحش الجزع، ويظهر مِن الخبر الصحيح، الذي تدلُّ مضامينه على صحَّته، المروي في (الكامل) عن قدامة بن زائدة، عن السجَّاد عليه السلام، أنَّه قد صدر منه الهلع لو استطاعه.
وروى المجلسي (أعلى الله مقامه)(3) ، والسيِّد عبد الله شبَّر (رفع الله درجته)(4) في
____________________
(1) بحار الأنوار ج 45 ص 115.
(2) انظر: كامل الزيارات ص 117.
(3) العلامة شيخ الإسلام المولى محمد باقر بن المولى محمد تقي المجلسي... قال المقدس الأردبيلي عنه: محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الملقب بالمجلسي (مد ظله) أستاذنا وشيخنا وشيخ الإسلام والمسلمين خاتم المجتهدين. وقال عنه الحر العاملي: عالم فاضل ماهر محقق مدقق علامة فهامة فقيه متكلم محدّث ثقة ثقة جامع للمحاسن والفضائل جليل القدر عظيم الشأن. وقال البحراني: العلامة الفهامة غواص بحار الأنوار. وقال المولى محمد شفيع: السحاب الهابر والبحر الزاخر، فتاح العلوم والأسرار، كشّاف الأستار من الأخبار. وقال الأمير محمد صالح الخواتون آبادي... كان أعظم أعاظم الفقهاء والمحدّثين، وأفخم أفاخم علماء أهل الدين. وفي كتاب مناقب الفضلاء: ملاذ المحدّثين في كل الأعصار. راجع مقدمة بحار الأنوار في ترجمة المؤلف ص 37 وما بعدها.
(4) السيد عبد الله شبر بن العلامة السيد محمد رضا شبر، ولد في النجف سنة 1188، نشأ على التقوى والصلاح وحب العلم والفضيلة منذ صغره... كان من مشاهير العلماء الذين لهم الصيت الذائع في الفنون الإسلامية كلها، فهو إلى جنب فقاهته التي هي الأصل في ثقافته معروف بتبحره في التفسير والحديث والكلام وغيرها... كان في وقته مرجعاً كبيراً للطائفة الإمامية من ناحية التقليد والتدريس =
كتاب (جلاء العيون): إنَّ زين العابدين عليه السلام كان إذا أخذ إناءً ليشرب يبكي حتَّى يملأه دماً(1) .
وهذا بظاهره مِن غرائب الأخبار، فإنَّ العيون لا تسيل دموعها دماً، ولذلك كنت أحتمل وقوع التحريف فيه وأنّ الصحيح (دمعاً) بدل (دماً) لكنِّي وجدت المخطوط والمطبوع مِن الجلاء وغيره كما هو مروي فيه.
وعليه، فأقرب توجيهاته أنْ يُقال: إنَّ العيون وإنْ لم تبكِ دماً، لكنَّها لكثرة البكاء والاحتراق تتقرَّح أجفانها، فإذا اشتدَّ البكاء تنفجر القروح دماً يمتزج بالدموع، فهو إذا سال في الإناء يسيل كأنَّه دمٌ، ويصدق حينئذ أنْ يُقال: (يملؤ الإناء دماً)(2) .
وإذا ساغ للسجَّاد عليه السلام أنْ يسيل الدم باختياره مِن عضو مِن أعضائه ببكاء الدم، أو بتقريح الجِفن جزعاً وهلعاً على رزيَّة الحسين عليه السلام، فما هو إذاً شأن ما يصدر مِن الشيعة مِن ضرب السلاسل والقامات؟!
____________________
= والاستفادة العلمية وإجازة الحديث... نافت مؤلفاته على السبعين وهو لم يتجاوز من عمره 54 عاماً. راجع مقدمة كتاب مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار للسيد عبد الله شبر والمقدمة للسيد جواد شبر رحمه الله.
(1) يراجع البحار جلاء العيون.
(2) ما الغرابة في ذلك؟! فالطب يؤكد أن الدمع بسبب إفرازات الغدد الدمعية الموجودة في العين، فأي تحسس بالحزن وأحياناً بالفرح - أي في حالتي البكاء والضحك - يوعز الدماغ إلى هذه الغدد بالإفراز، والدم هو مصدر هذه المادة الدمعية يتحول بفعل فسلجي في هذه الغدد إلى دمع، فأي إجهاد يصيب هذه الغدد وكثرة لإفراز غير طبيعي يؤدي على نضوب هذه المادة الدمعية لتحال إلى دم فقط، وهذا في كل غدد الجسم، إذا المواد السائلة مصدرها الدم، فأي نضوب في أي سائل يتحول السائل عند ذلك إلى دم، كما في حالة نضوب الحليب من الثدي، فيخرج الدم بدل الحليب، وهكذا الحال في الدمع، وبما أنه لا يمكن وصف كثرة بكاء الإمام زين العابدين عليه السلام على أبيه والطاهرين من آل بيته وأصحابه، ولا بد أن تكون النتيجة بما وصفه المؤرخون أن يمتلئ الإناء دماً.
وهلْ سيلان دمِ السجَّاد في الإناء أهون مِن انتثار قطرات مِن دمِ رأس الجريح على ثيابه حزناً على تلك الفادحة العظيمة؟!
ثمَّ أقول: بهذا الاعتبار أيضاً - مضافاً إلى ما سلف مِن قوله عليه السلام: (على مثله تُلطَم الخدود وتُشقُّ الجيوب) - يرفع الاستبعاد عمَّا روي في الكتب مِن أنَّ (عقيلة آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)، في موارد عديدة لطمت وجهها، وشقَّت جيبها، وصاحت ودعت بالويل والثبور، فإنَّه لا حامل لها على شقِّ الجيب إلا الجزع في مصابٍ حقَّ أنْ تُشقَّ له القلوب لا الجيوب، كما صرَّح بذلك سيِّدنا العلاَّمة السيِّد إسماعيل الصدر قدِّس سرِّه(1) في بعض حواشيه: وكيف لا تفعل ذلك في مصابٍ جزع له وبكى إبراهيم خليل الرحمان، وموسى كليمه، كما في الخبر؟.
وفي آخر: إنَّ فاطمة عليها السلام لما أخبرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتل الحسين جزعت وشَقَّ عليها(2) .
وفي خبر آخر: إنَّها تنظر كلَّ يوم إلى مصرع الحسين عليه السلام فتشهق شهقةً تضطرب لها الموجودات(3) .
وفي غيره قال: سمعت أبا ذر وهو يومئذ قد أخرجه عثمان إلى الربذة، فقال الناس: يا أبا ذر، أبْشِر فهذا قليل في الله، فقال: ما أيسر هذا! ولكنْ كيف أنتم إذا قُتِل الحسين بن علي قتلاً؟! أو قال: ذُبِح ذبحاً، وإنَّ الله سَيسلُّ سيفه على هذه الأُمَّة، لا
____________________
(1) السيد إسماعيل بن السيد صدر الدين العاملي الأصفهاني من أعاظم العلماء وأكابر المراجع. ولد في أصفهان سنة 1258، ونشأ بها، وتشرف إلى النجف سنة 1271 ولازم درس الشيخ راضي النجفي والفقيه الأوحد الشيخ مهدي بن الشيخ علي كاشف الغطاء، واستقر في نهاية أمره في الكاظمية، وتوفي فيها في 12 جمادي الأولى سنة 1338. مع علماء النجف ج 2 ص 91.
(2) بحار الأنوار ج 44 ص 292.
(3) كامل الزيارات ص 137.
يغمده أبداً، ويبعث ناقماً مِن ذرِّيَّته، فينتقم مِن الناس، وإنَّكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار وسكَّان الجبال في الفيافي والآكام وأهل السماء مِن قتله لبكيتم - والله - حتَّى تزهق أنفسكم).
ومِن الأدلَّة على ذلك - مُضافاً إلى ما سلف وإنْ كان فيه غنىً وكفاية – ما دلَّ على إدماء الله. كثيراً مِن أنبيائه، لأجل أنْ يحصل لهم الفوز بدرجة المواساة للحسين عليه السلام.
فمِن ذلك المروي في (البحار) و(الأنوار): أنَّ آدم عليه السلام لما انتهى في طوافه في الأرض إلى كربلاء، عثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين عليه السلام حتى سال الدم من رجله(1) .
وكذلك إبراهيم عليه السلام لما مرَّ بها عثر فرسه، فسقط وشُجَّ رأسه وسال دمه(2) .
وكذلك موسى عليه السلام حين جاء كربلاء انخرق نعله، وانقطع شراكه ودخل الحسك في رجليه وسال دمه(3) .
وكلُّ هؤلاء لما ذُعروا مِن ذلك، وخشوا أنْ يكون ذلك لذنب حدث منهم، أوحى الله إلى كلِّ واحد منهم أنْ لا ذنب لك ولكنْ يُقتل في هذه الأرض الحسين بن علي عليه السلام وقد سال دمك موافقة لدمه.
فإنَّ في هذا الإعثار والإدماء مِن الله لا عن ذنب، والتعليل بكونه موافقة لدم الحسين دلالة جليَّة على جواز إدماء الإنسان نفسه مواساة له، لأنَّ سيلان دمائهم - مع
____________________
(1) بحار الأنوار ج 44 ص 242.
(2) بحار الأنوار ج 44 ص 243.
(3) بحار الأنوار ج 44 ص 244.
كونه غير مقصود لهم - إذا كان محبوباً لمجرَّد الموافقة في السيلان، فالمقصود إسالته مواساة لهم أولى بالمحبوبيَّة.
إنَّ التأسِّي بالحسين عليه السلام مندوب إليه، وقد رغَّب فيه الغلام الزكي يحيى بن زكريَّا والصادق الوعد إسماعيل، كما في الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إنَّ إسماعيل الذي قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ) لم يكن إسماعيل بن إبراهيم، بلْ كان نبيَّاً مِن الأنبياء بعثه الله عزَّ وجلَّ إلى قومه فاخذوا فروة رأسه ووجهه، فأتاه مَلَك فقال: إنَّ الله جلَّ جلاله بعثني إليك فمُرْني بما شئت فقال: لي بما يُصنع بالحسين عليه السلام أُسوة).(1)
بلْ روي: أنَّ غنمه التي كانت ترعى في شاطئ الفرات، لما امتنعت مِن ورود الماء وسألها عن سبب الامتناع. قالت: هذه المشرعة يُقتَل عليها الحسين عليه السلام فنحن لا نشرب منها مواساةً له.(2)
وقد روي امتناع بعض الأئمَّة مِن شرب الماء يوم عاشوراء مواساةً للحسين عليه السلام.
وورد في صومه: لا تجعله صوم يومٍ كاملٍ، ولكنْ افطر بعد الزوال بساعة على شربة ماء فعندها تجلت الهيجاء عن آل الرسول(3) .
وكان موسى بن جعفر عليه السلام إذا دخل شهر المحرَّم لا يُرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان يوم مصيبته وحزنه وبكائه(4) .
____________________
(1) كامل الزيارات ص 137.
(2) نفس المصدر.
(3) مصباح المتهجد ص 782.
(4) أمالي الصدوق: ص 191.
فهذه الرموز تُشير إلى استحباب مواساة الحسين بتحمُّل العطش وبإدماء الرأس، وبكلِّ ما يكون مصداقاً لها سوى القتل.
وإنَّما خُصَّ الرأس بالإدماء لأنَّ المواساة لا تصدق الآن عرفاً بإدماء غيره.
وربَّما يستأنس لهذا بما ورد مِن التوبيخ على ترك زيارته عند الخوف، بناءً على ما يذهب إليه صاحب (الخصائص الحسينيَّة)، مِن شمول الخوف فيه لما عدا تلف النفس مِن الجروح والأضرار البدنيَّة، حتَّى مع عدم ظنِّ سلامة النفس، مُدَّعياً أنَّ ذلك مِن خصائصه كالجهاد معه يوم عاشوراء، وبناءً على التعدِّي عن موردها(1) إلى غيره ممَّا يتعلَّق بالحسين عليه السلام لاتِّحاد الطريق في الجميع أو لانفهام التعميم مِن نحو قوله (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار: (ما كان مِن هذا أشدُّ فالثواب فيه على قدر الخوف)(2) وقوله: (أما تُحبُّ أنْ يراك الله فينا خائفاً)(3) .
قوله: (وما مِن سيرة يستند إليها فيها...) إلى آخر كلامه.
أقول: إنّ مرجع الضمائر مِن قوله (تجويزها) وفيه إلى لفظ (جهاتها) مجهول، ليس لديَّ فقط، بلْ لدى كلِّ عارف بالتعبير العربي، وهذه المجهوليَّة هي السبب للتردُّد في السيرة التي يُنكرها. هي السيرة على ضرب السيوف والقامات، أو على جميع ما أنكر مشروعيَّته حتَّى خروج المواكب والشبيه، الذي نسب الفرقة في علمه - صدر رسالته - إلى الإبداع في المذهب.
والظاهر أنَّه يُريد هذا بقرينة قوله: (أفعال وحشيَّة)، وقوله: (ولو صرف
____________________
(1) الضمير يعود الأخبار، أي بناء على تعدي مورد الأخبار الدالة على عدم لزوم ظنيّة سلامة النفس في زيارة الحسين عليه السلام، فإن ذلك يتعدى إلى الشعائر، لوحدة الملاك في الجميع، لأن الزيارة والمواكب شعيرتان تشتركان في ملاك واحد.
(2) كامل الزيارات ص 244.
(3) المصدر السابق ص 243.
المال...)، إلى آخر الكلام.
لأنَّ ضرب السيوف لا يُكلِّف مِن المصرف مقدار نصف العشر مِن مصرف مأتم واحد، فكيف بزيادة مأتمين، ولكنَّه لما كان يعلم وجود السيرة في الجملة، ويعرف أنَّ في ارتكاب خلافها تضليل السلف، وادِّعاء عدم نفوذ الكلمة منهم أدمج مُراده بلا إفصاح.
والذي أراه وأعتقده أنَّ السيِّد المذكور يُنكر قِدَم السيرة، بحيث تتَّصل بزمن المعصومين، لا أنَّه يُنكر وجودها وقِدَمها في الجملة، ولكنَّه لم يعلم أنَّ ذلك التقدُّم ممَّا لا حاجة إليه، لما أسلفناه مِن أنَّ ما ليس بقديم بشخصه إذا كان مُندرجاً تحت عنوان كليٍّ راجح، كفى في رُجحانه انطباق ذلك العنوان عليه، وإنْ كانت مصداقيَّته له حادثة، وهذا ما عبَّرنا عنه سابقاً بكونه مأموراً به بسنخه، فإنَّ المراد منه ما كان مشروعاً بعنوانه العام، في قبال ما كان مشروعاً بخصوصه.(1)
وأدنى ما ينطبق على الشبيه والمواكب بأنواعها: ذكر مصاب الحسين عليه السلام، الإبكاء عليه، إحياء أمره، الحزن لأجله، وغير ذلك مِن العناوين العامَّة، التي ثبت رجحانها بالأدلَّة الخاصَّة.(2)
إنَّ الحزن أمر قلبي نفسي، وله مظاهر هي المندوب إليها حقيقة، ولا ريب في أنَّه
____________________
(1) اندراج الحادث تحت عنوان قديم لا يضر حادثيته بمشروعيته، إذ مشروعيته محفوظة ما دام من سنخه، والمأمور به مأمور بملاكه لا بمصداقه، فتغير المعنون تحت عنوانه الكلي يضمن له اندراجه تحت ذلك العنوان المطلوب.
وهكذا هي الشعائر الحسينية، مصاديقها الحادثة لا تضر في عنوانها الكلي وهو المواساة، والسيرة قائمة على أن كل مواساة مرغوب فيها، فالشعائر الحادثة مرغوب فيها لنفس الملاك، والتطبير منها.
(2) المجتمعة تحت عنوان المواساة: كما قدمنا، إذ المواساة وردت فيها النصوص المتكثرة والتي تحفظ مشروعية كل معنوت يندرج تحت هذا العنوان الكلي.
لم ترد له مِن الشرع كيفيَّة خاصَّة، بحيث يُقتصر عليها في مقام إظهار الحزن، كما أنَّه لا ريب أيضاً في أنَّ مظاهره تختلف باختلاف أطوار الأُمَم وعاداتها، وباختلاف الأحوال والأزمان، وكذلك البكاء والإبكاء المندوب إليهما لهما أسباب ووسائل كثيرة، لا تقع تحت الحصر، وليس في شيء مِن أخبارنا شيء يُشير إلى قَصْرها على وسائل خاصَّة، بحيث لا يتعدَّى عنها في مقام إرادة البكاء والإبكاء.(1)
وإذا كانت المواكب بجميع أنواعها في زماننا مِن مظاهر الحزن، والتشبيهات بجميع أفرادها مِن وسائل الإبكاء، والجميع ذكرى لمصائبهم، وإحياء لأمرهم، وصلة وإسعاد لهم، وأداء لحقِّهم، فبأيِّ صنعة أو صيغة علميَّة يتجرَّأ أحد مِن الجعفريَّة أنْ يقول: إنَّها لا دليلَ شرعيَّاً على تجويزها، وما مِن سيرة يستند إليها فيها، بلْ هي بنظر أرباب العقول والمعرفة أفعال وحشيَّة؟!
إنْ كان صاحب الرسالة يطلب اتِّصال السيرة بالصدر الأوَّل، لزمه أنْ يبطل لطم الصدور في الدُّور؛ لأنَّه حادث، وكذا لبس الثياب السود وإلباس الجدران بالسواد. ويُبطل النار والروايات والأعلام، وكشف الرؤوس وصرف الأموال و.. و.. و...، لأنَّها أمور لكم تكن في زمن الأئمَّة، ولا حاجة له على هذا في تحريم خروج مواكب اللطم إلى وقوع الفتن فيها، بلْ يكفي في ذلك حدوثها.
____________________
(1) فقد ورد عنهم عليهم السلام: (أحيوا أمرنا)، والإحياء لم يقيده الدليل بهيئة خاصة، بل ترك اختيار كيفية الإحياء إلى المحيي، دون التقييد بهيئة خاصة.
نظرة في التاريخ
أنا الآن أذكر لك نُبذة تاريخيَّة، تعرف منها الزمن الذي ظهرت فيه المآتم بلا اتِّقاء، وحدثت فيه المواكب والتمثيل بنفوذ ملوك الجعفريَّة وعلمائهم.
فبالرغم مِن حثِّ الأئمَّة عليهم السلام على التذكارات الحسينيَّة، ما كان ينعقد فيها مِن المآتم، إلا نحو ما كانوا يعقدونه في دورهم، يحضره - لضرب مِن الاتِّفاق - مثل أبي هارون المكفوف، وأبي عمارة المنشد، وجعفر بن عفان وأضرابهم(1) ، لأنَّ بني أُميَّة
____________________
(1) أبو هارون المكفوف وأبو عمارة المنشد وجعفر بن عفان، هؤلاء الثلاثة شعراء منشدون، وكان للإنشاد أهميته في زمن الأئمة عليهم السلام، فهم ينشدون قصائد شعراء معروفين، فضلاً عما تجود به قريحتهم.
وهكذا ترعرع الإنشاد تحت ظل الأئمة عليهم السلام وبرعايتهم، والمنشدون اليوم - والذي نطلق عليهم الرادود - يشكلون معلماً مهماً من معالم الشعائر الحسينية لتحريك العواطف وتهييج الوجدانيات لقضية الحسين عليه السلام. نسأل من الله تعالى لهم التوفيق، ومن الأمة الاهتمام بهم وتكريمهم بما ينبغي.
أما أبو هارون المكفوف هو موسى بن عمير الكوفي مولى آل جعدة، ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام تارة بعنوان موسى بن عمير أبو هارون المكفوف، وتارة بعنوان موسى بن أبي عمير أبو هارون المكفوف... عن أبي هارون المكفوف قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا هارون أنشدني في الحسين عليه السلام، فأنشدته، فقال لي: أنشدني كما ينشدون - يعني بالرقة - فأنشدته..
مدارس آيات خلت مِن تِلاوة |
ومنزل وحيٍ مُقفر العرصات |
فبكى، ثم قال: زدني، فأنشدته القصيدة الأخرى فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر. راجع أعيان الشيعة ج 10 ص 193. =
تمنع الشعراء أنْ ترثي الحسين عليه السلام، بلْ تمنع أنْ يُرثى مَن قُتِل في سبيل الأخذ بثأره، كالتوَّابين، وأمَّا آل العباس فلم يكونوا أقلَّ تشدُّداً مِن بني أُميَّة في الضغط على العلويِّين، وإيذاء مَن يُنسب إليهم مدَّة خلافتهم، عدا أيَّام نزره في الفترة بين الدولتين، وفي أيَّام المأمون العباسي، حين يُجاهر الصولي بقصيدته المستورة، التي أولها:
أزال عزاء القلب بعد التجلُّد |
مصارع أبناء النبي محمد |
ويقوم الخزاعي منشداً بحضرة المأمون قصيدته المشهورة التي منها:
مدارس آيات خلت مِن تِلاوة |
ومنزل وحيٍ مُقفر العرصات |
ثمَّ اشتدَّ الأمر بعده وبلغ غايته في أيَّام المتوكِّل ومِن بعده، إلى أنْ تضاءل
____________________
= وأما جعفر بن عفان فهو أبو عبد الله جعفر بن عفان الطائي، توفي في حدود سنة 150.
عن زيد الشحام قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة من الكوفيين، فدخل جعفر بن عفان علي أبي عبد الله عليه السلام، فقربه وأدناه، ثم قال: يا جعفر، قال: لبيك جعلني الله فداك، قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين عليه السلام تجيد، فقال له: نعم، جعلني الله فداك، فقال: قل، فأنشده عليه السلام ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته.
وروى أبو الفرج في (الأغاني) باسناده عن محمد بن يحيى بن أبي مرة التغلبي، قال: مررت بجعفر بن عفان الطائي فرأيته على باب منزله، فسلمت عليه، فقال: مرحباً بك يا أخاه تغلب، اجلس، فجلست إليه، فقال: ألا تعجب من مروان بن أبي حفصة حيث يقول:
أنّي يكون وليس ذاك بكائن |
لبني البنات وراثة الأعمام |
فقلت: والله إني لأتعجب منه وأكثر لعنه لذلك، فهل قلت في ذلك شيئاً؟ فقال: نعم، قلت فيه:
ولا يكون وإن ذاك لكائن |
لبني البنات وراثة الأعمام |
|
للبنت نصف كامل من ماله |
والعم متروك بغير سهام |
|
ما للطليق وللتراث وإنما |
صلى الطليق مخافة |
انظر: أعيان الشيعة ج 6 ص 186.
مُلكهم وضعفت قواهم، وذلك مِن بعد الغيبة الصغرى بزمن غير قصير، حتى تولَّى عزل الخلفاء ونصبهم أمراء الجند، وهم على الأغلب غلمانهم، وابتدأ مِن ذلك الوقت حكم ملوك الطوائف، ومنهم البويهيِّون.
لما قامت الدولة البويهيَّة في جبال الديلم، وثبتت دعائمها، أسَّس مُعزُّ الدولة أحمد بن بويه(1) إقامة العزاء علناً يوم عاشوراء في زمن المستكفي بالله، سنة 352 هـ، وبنى الدور الخاصَّة بإقامة المآتم (الحسينيَّات) وبقي ذلك مُتداولاً في أيَّامه، وعضده بعده عضد الدولة الحسن بن بويه(2) ، وهو الذي بني القُبَّة المرتضويَّة، بعد البناء الهاروني، والقُبَّة
____________________
(1) احمد بن بويه معز الدولة، ولد سنة 303 هـ، وتوفي سنة 356. قال ابن الأثير في الكامل: كان حليماً كريماً عاقلاً، ولما أحس بالموت أظهر التوبة وتصدق بأكثر ماله وأعتق مماليكه... وكان متصلباً في التشيع.
وذكر في حوادث 356 أنه كتب عامة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد ما هذه صورته: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة (رضي الله عنها) فدكاً، ومن منع من أن يدفن الحسن عند قبر جده عليه السلام، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى، فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فبأمره كان ذلك، فلما كان اليل حكّه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يذكر أحداً في اللعن إلا معاوية، ففعل ذلك.
وهو أول من أمر بإقامة المآتم على الحسين الشهيد عليه السلام في العشرة الأولى من المحرم، على النحو المعروف اليوم، واستمرت عليه الشيعة من ذلك الحين.
وليس المراد أنه أول من أقام المآتم وأنها لم تكن تقام على الحسين عليه السلام قبل، فقد ذكرنا في إقناع اللائم أن المآتم أقيمت على الحسين عليه السلام قبل قتله، وأن أول مآتم أقيم عليه هو الذي أقامه جده صلى الله عليه وآله وسلم بمحضر الصحابة حين أخبره جبرائيل بأنه سيقتل، كما رواه المارودي الشافعي في أعلام النبوة وغيره، وروته الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
انظر: أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 4 ص 82.
(2) الحسن بن بويه وهو ركن الدولة، لا كما ذكره المؤلف رحمه الله، وعضد الدولة ولده الذي انتقلت إليه الإمارة. ولد سنة 284، وتوفي سنة 366 هـ بالري. =
الحسينية لأوَّل مرَّة، ودَفَنَ في النجف.
وما زال الأمر على ذلك في العراق وفي جبال الديلم مُدَّة تلك الدولة، بفضل اعتقاد ملوكها، وتدبير مِن وزرائها، مثل الصاحب بن عباد(1) ، وأعان على ذلك شدَّة وطأة الملوك العلويَّة الإسماعيليَّة بالمغرب ومصر(2) ، الذين جعلوا يوم عاشوراء في كلِّ
____________________
= كان ركن الدولة ملكاً جليلاً عظيماً شجاعاً موفقاً كريماً عاقلاً مدبراً ناظراً في العواقب حسن التدبير في الحروب حليماً محباً للعفو حسن النية كريم المقدرة حافظاً للذمام وفياً بالعهود رفيع الهمة شريف النفس. أعيان الشيعة ج 8 ص 39.
وما ذكره المؤلف رحمه الله هو عضد الدولة بن ركن الدولة، وهو فنا خسرو أبي علي بن بويه الديلمي. ولد بأصفهان في ذي القعدة سنة 324، وتوفي يوم الاثنين ثامن شوال سنة 371، ونقل إلى مقبرته في النجف فدفن فيها.
وعمّر الأمير عضد الدولة فنا خسرو من آل بويه مشهد أمير المؤمنين عليه السلام في النجف ومشهد الحسين عليه السلام في كربلاء ومشهد موسى والجواد عليهما السلام في بغداد ومشهد العسكريين عليهما السلام في سامراء عمارة كثيرة، وكتب اسمه على باب مشهد علي بن أبي طالب عليه السلام، وكتب هناك: (وكلبهم باسط دراعيه بالوصيد)، وفي موسم عاشوراء والغدير والمواقف الأخرى كان يخضر في المشاهد، ويقوم بالمراسم التي يقوم بها الشيعة. راجع أعيان الشيعة ج 13 ص 19.
(1) الصاحب بن عباد أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس القزويني الطالقاني الأصفهاني المعروف بالصاحب وكافي الكفاة.
كان من مفاخر علماء الشيعة الإمامية وأدبائهم شارك في مختلف العلوم، كالحكمة والطلب والنجوم والموسيقي والمنطق، وكان محدّثاً ثقة شاعراً مبدعاً... كان فصيحاً سريع البديهة كثير المحفوظات متكلماً محققاً نحوياً لغوياً، ولجلاجة قدره وعظيم شأنه مدحه خمسمائة شاعر، ولأجله ألف الثعالبي كتاب يتيمة الدهر، وألف الشيخ الصدوق رحمه الله كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام.
توفي بالري في الرابع والعشرين من صفر سنة 385 هـ، ونقل جثمانه إلى أصفهان، ودفن في باب دريه، مشاهير شعراء الشيعة ج 1 ص 185.
(2) راجع الخطط المقريزية للمقريزي، حيث يذكر تفاصيل شعائر عاشوراء الذي يقيمه أهل مصر، وعلى رأسهم الخليفة الفاطمي.
مكان لهم سلطان عليه يوم حزن، تتعطَّل فيه الأسواق، وتُترك فيه الزينة، وتُقام فيه مآتم العزاء لسيِّد الشهداء، في مُدَّة تزيد على مئتي عام.
وكأنَّ البذر الذي ألقته الأئمَّة عليهم السلام في قلوب الشيعة ما اخضرَّ نباته إلا يومئذ، وما زال ينمو غِراسه، ويتأصَّل في القلوب شيئاً فشيئاً، حتَّى في زمن ملوك المغول المتوحِّشين، الذين أكثروا مِن القتل في الأرض نحو هولاكو خان، والسلطان محمد خدا بنده(1) ، الذي تمَّ مآتم على يده لعلماء الشيعة الذين كانت الحلة السيفيَّة مغرسَهم، وذلك في حدود سنة 700، والخلافة العباسيَّة مُنقرضة يومئذ، وكانت مِن قبل ذلك في مُدَّة أربعمائة عام تقريباً اسميَّة فقط، وما كانت التذكارات الحسينيَّة حينئذ إلا مآتم يُقرأ فيها نحو كتاب (المقتل) تأليف أبي مخنف(2) ، وهو مِن أكابر المحدِّثين الذين
____________________
(1) محمد خدابنده السلطان محمد الخايتو خان خدابنده بن أرغون بن أبقاخان بن هولاكو بن تولي بن جنكيز خان المغولي.
كان تشيعه على يد العلامة الحلي سنة 708، بعد ما مضى من سلطنته خمس سنين، فأدخل أسماء الأئمة عليهم السلام في الخطبة والسكة. وعن الشيخ البهائي رحمه الله أنه كان متصلّباً في التشيّع، معظّماً لعلماء الشيعة، كالعلامة جمال الحق والدين (قدس الله روحه) وغيره من علماء الإمامية. أعيان الشيعة ج 13 ص 342.
(2) أبو مخنف يحيى بن لوط بن سعيد بن سليم الأزدي، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، توفي سنة 157. يروي عن الصادق عليه السلام وعن هشام الكلبي.
جده مخنف بن سليم صحابي شهد الجمل في أصحاب علي عليه السلام حاملاً راية الأزد، فاستشهد في تلك الوقعة.
وكان أبو مخنف من أعاظم مؤرخي الشيعة، وعلى اشتهار تشيعه اعتمد عليه علماء السنة في النل عنه، كالطبري وابن الأثر وغيرهما، وليعلم أن لأبي مخنف كتباً كثيرة في التأريخ والسير، منها كتاب مقتل الحسين عليه السلام، الذي نقل عنه أعاظم العلماء المتقدمين، واعتمدوا عليه.
ولكنه - للأسف - فُقد، ولا توجد منه نسخة. وأما المقتل المنسوب إليه والذي بأيدينا فليس له، بل ولا لأحد المؤرخين المعتمدين، ومن أراد تصديق ذلك فليقارن بين ما في المقتل وما نقله الطبري وغيره عنه، حتى يعرف ذلك. الكنى والألقاب ج 1 ص 151.
تلقَّى منه ابن جرير الطبري(1) وغيره مقتل الحسين، أو كتاب (الإرشاد) للشيخ المفيد(2) ، أو كتاب (اللهوف) لابن طاووس(3) ، وبضع قصائد انفرد الشعراء مِن أهل الحلَّة خاصَّة بإنشائها، ولم تُعرَف لغيرهم يومئذ قصيدة قطُّ.
____________________
(1) ابن جرير الطبري يطلق على رجلين. أحدهما: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير الكبير والتأريخ الشهير، وكتاب طرق حديث الغدير، المسمى بكتاب الولاية، الذي قال عنه الذهبي: إني وقفت عليه فاندهشت لكثرة طرقه، وقال إسماعيل بن عمر الشافعي في ترجمته: إني رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير.
ثانيهما: أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الشيعي من أعاظم علمائنا الإمامية في المائة الرابعة، ومن أجلائهم وثقاتهم. ويبدو أن المؤلف يقصد الثاني لا الأول، وإن كان الأول له مقتل الحسين عليه السلام، يرويه عن أبي مخنف يحيى بن لوط.
(2) الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي البغدادي المعروف بابن المعلم.
ولد سنة 336، وقيل 338 في عكبرا - بلدة بينها وبين بغداد عشرة فراسخ - وتوفي سنة 413، وشيعه ثمانون ألف من الباكين عليه، وصلى عليه تلميذه الشريف المرتضى... ثم نقل إلى الكاظمية فدفن بمقابر قريش بالقرب من رجلي الإمام الجواد عليه السلام... له أكثر من 195 مؤلف في الفقه والكلام والتأريخ وغيرها من أنواع العلوم.
وكان شيخ الطائفة في زمانه ثنيت له وسادة التدريس، ومنح له كرسي الكلام، وكان مهاباً من قبل ملوك عصره، ويزوره ركن الدولة البويهي إلى بيته، ويعوده عند مرضه. أعيان الشيعة ج 14 ص 251 بتصرف.
(3) ابن طاووس يطلق غالباً على رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاوس الحسني الحسيني السيد الأجل الأورع الأزهد قدوة العارفين الذي ما اتفقت كلمة الأصحاب - على اختلاف مشاربهم وطريقتهم - على صدور الكرامات عن أحد ممن تقدمه أو تأخر عنه غيره.
قال العلامة الحلي في إجازته الكبيرة: وكان رضي الدين علي صاحب كرامات حكي لي بعضها، وروى لي والدين (رحمة الله عليه) البعض الآخر.
وذكر الميرزا النوري في المستدرك بعض كراماته، ثم قال: ويظهر من مواضع من كتبه - خصوصاً كشف المحجة - أن باب لقائه بالإمام الحجة عليه السلام كان مفتوحاً.
وكان رحمه الله من عظماء المعظمين لشعائر الله تعالى، فلا يذكر في تصانيفه لفظ الجلالة إلا وأعقبه بقوله: (جل جلاله)، وكان أعبد أهل زمانه. الكنى والألقاب ج 1 ص 333.
حتَّى إذا تسنَّم عرش الملْك الملوك الصفويَّة، وهم علويُّون موسويُّون، تفنَّنوا بإظهار ضروب الحزن على جدِّهم الأعلى الحسين بن علي، فأحدثوا تمثيل فاجعته لعيون الملأ في يوم عاشوراء، بأمر وإشارة وبتقرير وإمضاء مِن العلاَّمة الفاضل المجلسي(1) ، صاحب كتاب (بحار الأنوار) (أعلى الله درجته)، وذلك بعد الألف مِن الهجرة، في أواسط المئة الحادية عشر زمن السلطان الحسين بن سليمان الصفوي(2) ، والتمثيل يومئذ في دَوْر نشأته، حتَّى بلغ إلى ما هو عليه الآن، وقد أتى عليه إلى هذه الأيَّام نحو ثلاث مئة سنة، وهو يُقام في بلدان الشيعة بمرأى علمائهم ومسمع مِن دون إنكار منهم فكأنَّهم لعدم نفوذهم - ولا أقول لجهلهم - تركوا الإنكار إلى الزمن الذي ينفرد به حضرة (السيِّد) في البصرة والكويت!! فيُنكر ما جرت عليه سيرة الشيعة وأيَّدته علماؤها وانطبقت عليه مِن العناوين الراجحة، التي تضمَّنتها أخبار الأئمَّة الأطهار ما لا يُحصى كثرة.
أنا لا أبخس هذا الرجل حقَّه مِن الفضل في بعض النقليَّات، لكنَّه لم يُخلَق للإفتاء ولا للخوض في الفنون الدقيقة والأسرار الغامضة و(المرء ميسَّر لما خُلِق له)(3) ، وهذا عذره عندي فيما ارتبك فيه، وهو عذري عنده فيما ارتكبته في هذه الرسالة.
____________________
(1) تقدمت ترجمته، فراجع.
(2) الحسين بن سليمان الصفوي ابن شاه عباس الثاني ابن الشاه صفي الدين بن صفي ميرزا بن الشاه عباس الأول ابن الشاه محمد بن الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل بن السلطان حيدر بن السيد أبو محمد القاسم بن القاسم حمزة بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام.
استشهد نتيجة التعصب الطائفي الذي عرف به حكام الأفغان آنذاك، وذلك في 23 من المحرم سنة 1140، ونقل بعد مدة إلى قم فدفن بجوار آبائه تحت جناح عتبة أخت الرضا عليه السلام. أعيان الشيعة ج 9 ص 205 بتصرف.
(3) مضمون حديث وارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اعملوا فكلٌ ميسّر لما خُلق له). بحار الأنوار ج 5 ص 157 عن التوحيد للشيخ الصدوق.
لقد مرَّ زمن، وهو أوائل المئة الثانية عشر، والمبرّز بالعلم والفضل والورع في إيران، وخاصَّة بالري وقمْ: الميرزا أبو القاسم القُمِّي(1) ، وفي أصفهان وفارس وبلاد الجبل: الإمام الشفتي السيِّد محمد باقر الرشتي(2) ، صاحب كتاب (مطالع الأنوار)، وفي العراق بلْ وإيران وأكثر البلدان الشيخ جعفر النجفي كاشف الغطاء(3) .
وهؤلاء في الاشتهار ونفوذ الكلمة بمنزلةٍ لا توصَف، ومع اجتماعهم في الزمن وشِدَّة النفوذ منهم كان التمثيل يقع بمرئى منهم ومسمع ولا مُنكِر منهم.
نعم صرَّح كاشف الغطاء بأنَّ الأوْلى ترك تشبيه الرؤوس، وتشبيه النساء في محافل الرجال، فحسب. أترى كاشف الغطاء والسيِّد الرشتي المذكور يُمضيان ذلك
____________________
(1) أبو القاسم القمي ابن المولى محمد حسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمي، العالم الكامل الفاضل المحقق المدقق، رئيس العلماء الأعلام، ومولى فضلاء الإسلام، شيخ الفقهاء المتبحرين، وملاذ علماء المجتهدين، أحد أركان الدين والعلماء الربانيين، مسهل سبيل التدقيق والتحقيق، مبين قوانين الأصول ومناهج الفروع، كما هو به حقيق... وكان مؤيّداً مسدداً، كيساً في دينه، فطناً في أمور آخرته، شديداً في ذات الله، مجانباً لهواه، مع ما كان عليه من الرئاسة وخضوع ملك عصره وأعوانه له... له مصنفات شريفة، كالقوانين والغنائم والمناهج ومرشد العوام. الكنى والألقاب ج 1 ص 139.
(2) السيد محمد باقر بن السيد محمد تقي الموسوي الشفتي الرشتي، توفي في أصفهان سنة 1260، ودفن في البقعة التي بناها. والشفتي نسبة إلى شفت قرية من قرى جيلان.
الفقيه الإمام الرئيس في أصفهان، هاجر إلى العراق في إبّان الطلب، وأخذ في النجف من بحر العلوم الطباطبائي، وفي كربلاء عن صاحب الرياض، وفي الكاظمية عن صاحب المحصول، وفي رجوعه إلى إيران مرّ بقم، فأخذ من صاحب القوانين... وكان رئيساً مسبوط اليد في أصفهان وسائر إيران، يقيم الحدود الشرعية، وله آثار شرعية لا يشيدها إلا الملوك. أعيان الشيعة ج 13 ص 442 بتصرف.
(3) الشيخ جعفر كاشف الغطاء هو الشيخ الأكبر جعفر بن الشيخ خضر الجناحي النجفي، علم الأعلام وسيف الإسلام وشيخ الفقهاء، صاحب كشف الغطاء. قال في المستدرك: وهو من آيات الله العجيبة التي تقصر عن دركها العقول وعن وصفها الألسن، فإن نظرت إلى علمه فكتابه كشف الغطاء الذي ألفه في سفره ينبيك عن أمر عظيم ومقام عليّ في مراتب العلوم الدينية أصولاً وفروعاً.
ويمنعه أُستاذهما بحر العلوم الطباطبائي(1) ، أو أُستاذه الوحيد البهبهاني(2) ، أُستاذ الكلِّ أو العلاَّمة المجلسي؟! كلاَّ ثمَّ كلاَّ.
إنَّ السيِّد محمد باقر المذكور كان - لنفوذ كلمته - يقتل القاتل، ويقطع يد السارق، ويرجم الزاني ويُقيم سائر الحدود، وهو أوَّل مَن أحرز لقب (حُجَّة الإسلام) في الشيعة، ومع ذلك لم يُنكِر ما يُصنَع في إيران مِن الأعمال الحسينيَّة، وهي في جميع ذلك القطر الواسع تقع بنحوٍ لا يكون ما يقع في العراق كلِّه إلا جزء مِن مائة جزء منه، أو أقلُّ.
____________________
(1) بحر العلوم الطباطبائي هو السيد مهدي - ويقال: محمد مهدي - ابن السيد مرتضى بن السدي محمد الحسني البروجردي، المعروف بحر العلوم الطباطبائي، من نسل إبراهيم الملقب (طباطبا) من ذرية الحسن المثنى.
ولد بكربلاء ليلة الجمعة في شوال سنة 1155، وتوفي في النجف الغروي سنة 1212، ودفن قريباً من قبر الشيخ الطوسي وقبره مشهور.
رئيس الإمامية وشيخ مشايخهم في عصره، قارورة الدهر وإمام العصر، الفقيه الأصولي الكلامي المفسر المحدث الرجالي، الماهر في المعقول والمنقول، المتضلع بالأخبار والحديث والرجال، التقي الورع الأديب الشاعر، الجامع لجميع الفنون والكمالات، الملقب ببحر العلوم عن جدارة واستحقاق، ذو همة عالية وصفات سامية ونفس عصامية وأخلاق كريمة وسخاء هاشمي ورئاسة عامة. أعيان الشيعة ج 15 ص 31.
(2) الوحيد البهبهاني هو محمد باقر بن محمد أكمل، ولد سنة 1116 أو 1117، وتوفي سنة 1205 في كربلاء، ودفن في الرواق الشرقي مما يلي قبور الشهداء.
وصفوه بأنه مجدد المذهب على رأس المائة الثانية عشرة، ووصفه تلميذه السيد مهدي بحر العلوم في بعض إجازاته بقوله: شيخنا العالم العامل والعلامة وأستاذنا الحبر الفاضل الفهامة، المحقّق النحرير والفقيه العديم النظير، بقية العلماء ونادرة الفضلاء، مجدد ما اندرس من طريقة الفهاء، ومعيد ما انمحى من آثار القدماء، البحر الزاخر والإمام الباهر، الشيخ محمد باقر بن الشيخ الأجل الأكمل والمولى الأعظم الأبجل محمد أكمل أعزه الله تعالى برحمته الكاملة، وألطافه السابقة الشاملة. أعيان الشيعة ج 13 ص 433.
تمتاز النجف - وهي مغرس علماء الشيعة - بعمل الشبيه عن جميع البلدان العراقيَّة، وذلك أنَّه كان في النجف ميدان واسع طولاً وعرضاً، لو اجتمع فيه أهل البلدة جميعاً يومئذ لوَسِعهم، قد أكلته العمارة اليوم ولم يبقَ منه إلا خطٌّ طوليٌّ وهو شارع محدود، كان هذا الميدان مِن أزمنة قديمة محلَّاً لإقامة الشبيه في عشرة أيَّام مِن شهر المحرَّم، ويقوم بتمثيل واقعة الطفِّ جماعة كثيرة مِن أهل المعرفة، فيُمثِّلون كلَّ يوم نُبذة مُمْتِعة مِن تلك الواقعة، إلى اليوم العاشر.
ودام هذا إلى أيَّام المحقِّق الشيخ مُرتضى الأنصاري(1) ، والسيِّد علي آل بحر العلوم(2) ، وسائر السلف الصالح مِن آل كاشف الغطاء وصاحب الجواهر(3) ، حتَّى أوائل
____________________
(1) الشيخ الأنصاري هو مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري النجفي، ينتهي إلى جابر بن عبد الله الأنصاري.
الأستاذ الإمام المؤسس شيخ مشايخ الإمامية، وكان أستاذه النراقي يقول: لقيت خمسين مجتهداً لم يكن أحدهم مثل الشيخ مرتضى.
ورد النجف أيام رئاسة الشيخ علي بن الشيخ جعفر وصاحب الجواهر، فاختلف إلى مدرسته عدة أشهر، ثم انفرد واشتغل بالتدريس والتأنيف، واختلف إليه الطلاب، ووضع أساس علم الأصول الحديث عند الشيعة، وطريقته الشهيرة المعروفة، إلى أن انتهت إليه رئاسة الإمامية العامة في شرق الأرض وغربها... وصار على كتبه ودراستها معول أهل العلم لم يبق أحد لم يستفد منها وإليها يعود الفضل في تكوين النهضة العليمة الأخيرة في النجف الأشرف. أعيان الشيعة ج 14 ص 455 بتصرف.
(2) السيد علي بحر العلوم هو السيد علي بن السيد محمد رضا الطباطبائي صاحب البرهان القاطع، ولد سنة 1224، وتوفي سنة 1299 في النجف الأشرف... كان عالماً محققاً مدققاً فقهياً أصولياً مدرساً، له من المؤلفات البرهان القاطع في شرح المختصر النافع، ورسالة في القبلة، ورسالة في المسافة الملفقة، ورسالة في نية الإقامة في السفر، ورسالة في تصرفات المريض، إلى آخرها من المؤلفات الفقهية والأصولية.
(3) صاحب الجواهر هو الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر النجفي، توفي سنة 1266، فقيه الإمامية الشهير =
أيَّام الرياسة الكبرى للسيِّد الميرزا محمد حسن الشيرازي(1) ، نزيل سامراء، ثمَّ تُرِك هذا التمثيل لتعمير الحكومة قسماً كبيراً مِن ذلك الميدان ولغير ذلك، وصار التمثيل ما هو الجاري الآن في أيَّامنا هذه.
أمَّا مواكب السيوف ولطم الصدور في الطُّرقات فحدِّث عنها ولا حرج، كثرة واستدامة، مع أنَّ النجف مِن بين سائر البلدان ما زالت مُنقسمة بين فئتين مُتقابلتين، بلْ فئات كثيرة، وكثيراً ما يحدث العراك فيما بينهم، ولكنَّه لم يوجب منع العلماء إيَّاهم مِن إقامة الشعارات، نعم ربَّما منعتهم الحكومة مُحافظةً على الأمن العامِّ، حتَّى تتكفَّل الرؤساء بعدم حدوث شيء مِن ذلك. السيِّد الميرزا محمد حسن الشيرازي، نزيل سامراء، وهو الذي انتهت إليه رياسة الإماميَّة في عصره في جميع العالم، وعُدَّ مُجدِّداً للمذهب الجعفري على رأس القرن الثالث عشر - كما أنَّ الوحيد البهبهاني (محمد باقر بن محمد أكمل) مُجدِّده في القرن الثاني عشر - قد كان أنفذ كلمة على عموم الشيعة، ملوكها وسَوقتها مِن كلِّ سابق ولاحق، وقد يوجد اليوم في كلِّ بلدة كثير ممَّن يُعرف اشتهاره ونفوذه، وكان مع علمه بوقوع الشبيه وخروج المواكب وما يحدث فيها مِن حوادث، وبضرب القامات والسيوف في بلدان الشيعة في العراق وإيران وعدم وقوع الإنكار منه أصلاً، تُقام جميع الأعمال المشار إليها في (سامراء) محلِّ إقامته نُصْب عينيه بلا إنكار.
____________________
= وعالمهم الكبير، مربي العلماء وسيد الفقهاء، أخذ عن الشيخ جعفر وولده الشيخ موسى وعن صاحب مفتاح الكرامة... انتهت إليه رئاسة الطائفة في منتصف القرن الثالث عشر، وصار مرجعاً للتقليد في سائر الأقطار، وأذعن له معاصروه، وفيهم من الأئمة المؤلفين... رحل إليه الطلاب من كل فجّ، وتخرج به، ويمكن أن يقال: إن الأئمة المجتهدين منهم يبلغون الستين عداً من عرب وفرس، ورزق في التأليف حظاً عظيماً قلّما اتفق لسواه، واشتهرت كتبه اشتهاراً يقلّ نظيره، وهو يدل على غزارة مادته. أعيان الشيعة ج 13 ص 384.
(1) الميرزا محمد حسن الشيرازي المعروف بالمجدد هو محمد حسن بن الشيخ محمود الشيرازي النجفي، أعظم علماء عصره وأشهرهم، وأعلى مراجع الإمامية في سائر الأقطار الإسلامية بوقته.
ولد في شيراز عام 1230، ثم هاجر إلى العراق سنة 1259، ودرس على صاحب الجواهر والشيخ حسن آل كاشف الغطاء صاحب أنوار الفقاهة، وعلى الشيخ الأنصاري، ثم التزم الأخير في الفقه والأصول إلى آخر حياته، وكان مرموقاً معظماً لدى الشيخ الأنصاري... وبعد وفاة الشيخ الأنصاري أصبح المرجع الوحيد للإمامية، ووقف ضد ناصر الدين شاه عندما وقّع اتفاقية اقتصادية حول التبغ مع شركة بريطانية، وأفتى بحرمة التدخين فخسرت الشركة.
انتقل إلى سامراء وتوفي فيها سنة 1312، وحمل على الأكتاف إلى النجف...
له عدة مؤلفات في الفقه والأصول، انظر: مع علماء النجف الأشرف ص 293.
قد يظنُّ الظانُّ لأوَّل وهلة أنَّه (قدَّس الله سرَّه) لا يرى رجحان ذلك بالنظر إلى حال محيطه؛ لأنَّ جميع مَن في البلدة - عدا النزلاء - مِن غير الفرقة الجعفريَّة، وفيها أخلاط مِن غير المسلمين وفي ذلك مجال الاستهزاء والسخرية.
وقد سألت كثيراً ممَّن كان يقطن سامراء في أيَّامه، فكان أقلُّهم مُبالغة في تعظيمه لشأن المواكب والشبيه شيخنا المتقِن المتفنِّن (الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي) وعنه أنقل ما يلي:
كان الشبيه يترتَّب يوم العاشر في دار الميرزا (قدِّس سرُّه) ثمَّ يخرج للملأ مُرتَّباً، وكذلك موكب السيوف، كان أهله يضربون رؤوسهم في داره ثمَّ يخرجون، وكانت أثمان أكفانهم تؤخَذ منه، وما كان أفراد الشبيه سوى الفضلاء مِن أهل العلم لعدم معرفة غيرهم بنظمه في قول وفعل.
وأمَّا المواكب اللاطمة في الطُّرقات، فكانت تتألَّف مِن أهل العلم وغيرهم، وكان السيِّد مهدي صاحب (الصولة) يومئذ أحد الطلبة اللاطمين جزء المواكب مُتجرِّداً مِن ثيابه إلى وسطه، وهو
مِن دون اللآدمين مؤتزر فوق ثيابه بإزار أحمر.
ودام هذا كلُّه بجميع ما فيه إلى آخر أيَّام خَلَفه الصالح الورع، الميرزا محمد تقي الشيرازي قدِّس سرُّه(1) ، وكان الشبيه يترتَّب أيضاً في داره، ومنه تخرج المواكب وإليه تعود بيد أنَّ موكب السيوف لم يتألَّف غير مرَّة؛ لأنَّ القائمين به - وهم الأتراك لا غيرهم - كانوا يومئذ قليلين، ولقلَّتهم استحقروا موكبهم فتركوه مِن تلقاء أنفسهم. انتهى كلامه.
وإنَّ بَعُد عليك عهد الشيخ الأنصاري والسيِّد الشيرازي، فهذا بالأمس الأفقه الأورع الشيخ محمد طه نجف قدِّس سرُّه(2) ، يرى في النجف - بلْ العراق - جميع
____________________
(1) الميرزا محمد تقي الشيرازي المتوفى سنة 1338 في كربلاء، قصد سامراء فحضر على الميرزا الشيرازي وانقطع إليه، حتى صار من أكبر تلامذته، وبعد وفاة الشيرازي بقي في سامراء، ورجع إلى تقليده والعمل بفتاواه جماعة كثيرة، وفي أثناه الحرب العامة وانسحاب العثمانيين من العراق لم يتمكن من البقاء في سامراء فغادرها إلى الكاظمية، ثم إلى كربلاء، وأقام فيها، وبعد وفاة السيد محمد كاظم اليزدي انتقلت الرياسة إليه، وبفتواه الشهيرة أعلنت الثورة العراقية على الاحتلال الانكليزي، وكان له فيها مواقف مشهودة على ما هو معروف في تأريخ تلك الثورة، وما زال على ذلك حتى توفي والثورة قائمة على قدم وساق، فدفن في البقعة المخصوصة في الصحن الحسيني.
كتب كثيراً من مباحث الأصول، وطبع له حاشية على المكاسب، وهو شاعر باللغة الفارسية، وأكثر عشره في مدائح أهل البيت النبوي ورثائهم. أعيان الشيعة ج 13 ص 448.
(2) الشيخ محمد طه نجف هو الشيخ محمد طه بن الشيخ مهدي بن الشيخ محمد رضا التبريزي النجفي، مرجع كبير من مشاهير علماء عصره تفوق في الفقه والأصول والحديث والرجال، وبرع فيها منتهى براعة، وشهد باجتهاده فحول العلماء وكبار الفقهاء، وعدّ في مصافّ أعلام عصره النابهين... ثم إن الناس قد رجعوا إليه بعد وفاة الشيخ محمد حسين الكاظمي والسيد محمد حسن الشيرازي رغم مشاركة الشيخ الميرزا حسين الخليلي له في المرجعية.
وكان رحمه الله مقتصراً على المأكل الجشب الملبس الخشن، معرضاً عن زخارف الحياة ومباهجها... له عدة مؤلفات في الفقه والأصول. انظر: مع علماء النجف الأشرف ص 434 بتصرف يسير.
الأعمال المشار إليها، وهو أقدر على المنع فلا يمنع.
إنَّ المواكب جميعاً - حتَّى موكب القامات - تدخل إلى داره، وهي بتلك الهيئات المنكرة - على ما يقول - وهو لا يُحرِّك شفته بحرف مِن المنع، بيد أنَّه يلطم معهم ويبكي وهو واقف مكانه.
وكان الشيخ المذكور يُقيم مآتم الحسين عليه السلام في داره عصراً، فتغصُّ بالعلماء والصلحاء وأهل الدين، وفي يوم مُعيَّن مِن كلِّ سنة يقع في المأتم نفسه تمثيل بعض وقائع الطفِّ ولا مُنكِر منه ولا منهم.
وهَبْ أنَّه لا يستطيع تعميم المنع، لكنَّه يستطيع منع أنْ يُصنع ذلك في داره، أو أنْ تدخل المواكب داره، وهو يعلم أنَّه قد يتقاتل ويتضارب أهل المواكب في الطُّرقات.
وكذا العلاَّمة المتقِن المتبحِّر السيِّد محمد آل بحر العلوم الطباطبائي(1) ، تُقام في داره أعظم وأفخم مآتم النجف، ويحضره جميع أهل العلم، ويقع فيه التمثيل الذي يقع في دار الشيخ وزيادة.
هذا غير كون الدار المذكورة موئلاً لجميع المواكب، وبها تضرب أرباب السيوف رؤوسها مِن لدُن أيَّام السيِّد علي بحر العلوم، أو قبله حتَّى اليوم، ومنها تخرج إلى الشوارع والبيوت والجوادِّ العموميَّة، وإليها تعود بلا إنكار ولا استيحاش.
____________________
(1) السيد محمد ابن السيد محمد تقي بن السيد رضا ابن السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي، ولد سنة 1261 وتوفي سنة 1326.
الفقيه العلامة، كان محققاً مدققاً عريقاً في الفقه، كثير الممارسة لمسائله، له أنس بكلمات الفقهاء وذوق في الفقاهة، مع مهارته في أصول الفقه، وكان من أجلاء شرفاء العلويين ونبلائهم، ذا جلال وحشمة ووقار وهيبة ومكارم أخلاق جمّة. وكان مرجع العامة والخاصة في النجف الأشرف، رئيساً فيها مطاعاً، أكبر رؤسائها من أهل البيوت العلمية... وكان معروفاً بالفضل والفقاهة، حسن الأخلاق، لطيف العشرة. أعيان الشيعة ج 14 ص 233.
وإنْ بَعُد عليك هذا العهد القريب أيضاً، فهذا المرحوم خاتمة الفقهاء السيِّد محمد كاظم اليزدي(1) ، الذي كانت له السلطة الروحانيَّة الفَذَّة في عموم الشيعة، كانت التمثيلات تُقام نُصْب عينيه، والمواكب تُخترق الشوارع بين يديه ولم يؤثر عنه منع شيء مِن ذلك، وهو بمكان مِن ثبات الرأي ونفوذ الكلمة.
وإنْ رُمْتَ عهداً أقرب مِن هذا، فليس هو إلا يومك الذي أنت فيه. أنظر إلى علماء الجعفريَّة في كلِّ مكان تجدهم وهاتيك الأعمال الحسينيَّة كُلَّاً أو بعضاً بمنظر منهم، ومشهد لا ينبُّون ببَنْت شَفَة مِن الإنكار مع إمكانه.
وبما أنَّ العراقيين منهم ابتلوا بالسؤال عن تلك الأعمال في هذه الأيَّام، ظهرت فتاواهم مطبوعة وغير مطبوعة وهي مُفصَّلة، ولم يكن مِن قبلها للإفتاء عين ولا أثر لعدم الحاجة إليه، في موضوعٍ ما كان يدور في الخُلدان أنْ يقع موقع سؤال وتشكيك.
ولا شكَّ أنَّ الصُّحف السائرة والمنشورات الدائرة، أقرأتك فتوى سيِّدنا وملاذنا حُجَّة الإسلام، ومرجع الخاصِّ والعامِّ، العالم العامل الربَّاني السيِّد أبو الحسن الأصفهاني دام عُلاه المتضمِّنة لإمضاء جميع التذكارات الحسينيَّة على الإجمال.
واليوم قد تمثَّلت أمام عينيك رسالتي هذه تُطالع فيها الفتوى المفصَّلة، التي جاد وأجاد بها بقيَّة السلف مِن العلماء الأعلام، شيخنا العلاَّم آية الله في الآنام، الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (أدام الله فضله)، وبما أنَّ إفتاءه (سلَّمه الله) موجَّه إلى المؤمنين
____________________
(1) السيد محمد كاظم اليزدي ابن السيد عبد العظيم الكنوي النجفي الطباطبائي الحسني الشهير باليزدي.
كان فقيهاً أصولياً محققاً مدققاً، انتهت إليه الرئاسة العلمية، وكان معوّل التقليد في المسائل الشرعية عليه، وقبض على زعامة عامة الإمامية وسوادهم... صنف (العروة الوثقى)... وقد اضطرب لموت المترجم جمهور العراقيين وسوادهم في أنحاء العراق، وأقيمت مآتم لا تحصر لكثرتها في العراق وإيران.
في أيامه ظهر أمر المشروطة في إيران، وأعقبها خلع السلطان عبد الحميد في تركيا، وكان هو ضد المشروطة، وبعض العلماء يؤيدونها، كالشيخ ملا كاظم الخراساني وغيره. أعيان الشيعة ج 14 ص 347 بتصرف.
عامَّة، وأهل البصرة خاصَّة، لأنَّهم المستفتون فأنا أنشره بنصِّه فيما يلي..
قال دام ظلّه..
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى البصرة وما والاها
بعد السلام على إخواننا الأماجد العظام، أهالي القطر البصري ورحمة الله وبركاته.
قد تواردت علينا في الكرَّادة الشرقيَّة ببغداد برقيَّاتكم وكُتبكم، المتضمِّنة للسؤال عن حكم المواكب العزائيَّة وما يتعلَّق بها، وإذ رجعنا بحمد الله سبحانه إلى النجف الأشرف سالمين، فها نحن نُحرِّر الجواب عن تلك السؤالات ببيان مسائل:
(الأُولى): خروج المواكب في عشرة عاشوراء ونحوها إلى الطُّرق والشوارع، ممَّا لا شبهة في جوازه و رجحانه، وكونه مِن أظهر مصاديق ما يُقام به عزاء المظلوم، وأيسر الوسائل لتبليغ الدعوة الحسينيَّة إلى كلِّ قريب وبعيد، لكنَّ اللازم تنزيه هذا الشعار العظيم عمَّا لا يليق بعبادة مثله، مِن غناء أو استعمال آلات اللهو، أو التدافع في التقدُّم أو التأخُّر بين أهل محلَّتين ونحو ذلك، ولو اتَّفق شيء مِن ذلك فذلك الحرام الواقع في البين هو الحرام ولا تسري حرمته إلى الموكب العزائي، ويكون كالنظر إلى الأجنبيَّة حال الصلاة في عدم بطلانها به.
(الثانية): لا إشكال في جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور حدَّ الاحمرار والاسوداد، بلْ يقوى جواز الضرب بالسلاسل أيضاً على الأكتاف والظهور إلى الحدِّ المذكور، بلْ وإنْ أدَّى كلٌّ مِن اللطم والضرب إلى خروج دمٍ يسير على الأقوى.
وأمَّا إخراج الدم مِن الناصية بالسيوف والقامات فالأقوى جواز ما كان ضرره مأموناً وكان مِن مُجرَّد إخراج الدم مِن الناصية بلا صدمة على عظمها، ولا يُتعقَّب
عادة بخروج ما يضرُّ خروجه مِن الدم ونحو ذلك، كما يعرفه المتدرِّبون العارفون بكيفيَّة الضرب، ولو كان عند الضرب مأموناً ضرره بحسب العادة ولكنْ اتَّفق خروج الدم قدر ما يضرُّ خروجه لم يكن ذلك موجباً لحرمته، ويكون كمَن توضَّأ أو اغتسل أو صام آمناً مِن ضرره ثمَّ تبيَّن تضرُّره منه.
لكنَّ الأوْلى بلْ الأحوط أنْ لا يقتحمه غير العارفين المتدرِّبين، ولا سِيَّما الشبَّان الذين لا يًبالون بما يوردونه على أنفسهم لعُظم المصيبة، وامتلاء قلوبهم مِن المَحبَّة الحسينيَّة … ثبَّتهم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
(الثالثة): الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبهات والتمثيلات، التي جرت عادة الشيعة الإماميَّة باتِّخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء مُنذ قرون، وإنْ تضمَّنت لبس الرجال ملابس النساء على الأقوى، فإنَّا وإنْ كنَّا مُستشكلين سابقاً في جوازه، وقيَّدنا جواز التشبيه في الفتوى الصادرة عنَّا قبل أربع سنوات بخُلوِّه عن ذلك، لكنَّا راجعنا المسألة ثانياً، واتَّضح عندنا أنَّ المحرَّم مِن تشبيه الرجل بالمرأة هو ما كان خروجاً عن زيِّ الرجال رأساً وأخذاً بزيِّ النساء، دون ما إذا تلبَّس بملابسها مقداراً مِن الزمان بلا تبديل لزيِّه، كما هو الحال في هذه التشبيهات، وقد استدركنا ذلك أخيراً في حواشينا على (العروة الوثقى).
نعم يلزم تنزيهها عن المحرَّمات الشرعيَّة، وإنْ كانت على فرض وقوعها لا تسري حُرمتها إلى التشبيه كما تقدَّم.
(الرابعة): الدمَّام المستعمل في هذه المواكب ممَّا لم يتحقَّق لنا إلى الآن حقيقته، فإنْ كان مورد استعماله هو إقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الركب على الركوب، وفي الهوسات العربيَّة، ولا يُستعمل فيما يُطلب فيه اللهو والسرور - كما هو المعروف عندنا في النجف الأشرف - فالظاهر جوازه والله العالم. انتهى بنصِّه حرفيَّاً.
أمَّا ما يقع في كربلاء أيَّام شريف العلماء أُستاذ العلاَّمة الأنصاري، ثمَّ في أيَّام الفاضل الأردكاني والشيخ زين العابدين المازندراني، وفي الكاظميَّة أيَّام العلاَّمة الأورع أبي ذر زمانه الشيخ محمد حسن آل ياسين، بلْ حتَّى أيَّام السيِّد محسن الأعرجي الكاظمي، وفي الحِلَّة منذ عهد العلاَّمة الذي قلَّ أنْ يأتي له الدهر بنظير السيِّد مهدي القزويني إلى الآن، فإنِّي لا أُطيل بذكره لأنَّه يوجب الخروج عن وضع الرسالة.
والتمثيل وإنْ لم يقع في الحلَّة حتَّى الآن على ما أظنُّ، لكنَّ المواكب اللاطمة في الطُّرقات ليلاً ونهاراً، مع دوام المقاتلة والمضاربة بين أهل المحلاَّت المتنافرة فيها، ممَّا ليس لأحد إنكارها، ولم يكن السيِّد مهدي المذكور ولا أحد مِن أبنائه المحترمين مُنكِراً لعمل، ومُحرِّماً خروج موكب حتَّى اليوم، على أنَّ أهل البلدة ومَن حولها أطوع لهم مِن الظلِّ لذي الظلِّ.
أترى السيِّد مهدي القزويني المذكور أوكل الإنكار إلى سَميِّه البصري، فقام يُفتي ويَحكم وهو وكلُّ أحدٍ يعلم أنَّ تعرُّض غير أهل الفتوى للإفتاء فِسق ومعصية موبقة.
إنْ دام هذا ولم تحدث له غْيَر |
لم يُبكَ ميْت ولم يُفرَح بمولود |
الأئمَّة (سلام الله عليهم) نورهم واحد وطينتهم واحدة، وإنْ تفاوتوا في الفضل( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) (1) .
ولكنَّ للشيعة علاقة خاصَّة بالحسين عليه السلام لا تُشبه علاقتهم بمَن هو أفضل منه، وتلك مِن خصوصيَّات الحسين عليه السلام التي لا تُنافي أفضليَّة غيره منه، فإنّ
____________________
(1) سورة التوبة: 36.
للتفاوت في الفضيلة مقام وللخصوصيَّة مقام آخر، وقد عوَّضه الله جلَّ شأنه عن شهادته بخصال منها المحبَّة في القلوب، ومنها كونه وسيلة النجاة.
إنَّ محبَّة الحسين عليه السلام والرقَّة عليه فطريَّة، حتَّى مِن غير الجعفريَّة، ولكنْ لهؤلاء - حتَّى أبسط البسط منهم - علاقة خاصَّة به لم تأتِ لهم مِن قَبْل سماع واطِّلاع، بلْ غريزة وارتكاز، فلذلك تجدهم يتفنَّنون في التعلُّق به بإيجاد أسباب لم تُعرَف مِن قَبْلهم، ولم يُدركها أحد سواهم توصُّلاً إلى إحياء ذكره، وتعلُّقاً بسبب منه يوجب البركة عليهم في الدنيا والعُقبى، وتراهم مِن صميم قلوبهم يُعلِّقون آمال نجاتهم مِن وزر الخطايا به أكثر ممَّن هو أشرف منه وأفضل.
وكما أنَّ هذا فطري فيهم، فكذلك هم مفطورون على أنَّه بمقدار حزنهم على الحسين وسائر الأئمَّة عليهم السلام، وإظهار مظلوميَّتهم يكون تكفير سيِّئاتهم وارتفاع درجاتهم.
والمتعمِّق في الأسرار، المتتبِّع للأخبار يحصل له بتتبُّعه وتعمُّقه الجزم بأنَّ ما تفعله الشيعة مِن ضروب مظاهر الحزن، هو دون الحقِّ الثابت في مصاب الحسين عليه السلام، وأنَّه لو كان فوقه شيء لكان راجحاً في سبيل ذلك المصاب الهائل، وإنْ استهزأ به وسخر الجاهلون.
فلندع الشيعة وما يفعلون في شأن أئمَّتهم في حزنهم وفرحهم، ما لم يفعلوا في ذلك الشأن العظيم مُحرَّماً، فإنَّه علينا حينئذ المنع عن ذلك المحرَّم فحسب، ونردعهم عنه ولا نتعرَّض لجُلِّ ما يقومون به مِن مظاهر الحزن والفرح بشيء، فقد قال الصادق عليه السلام في حقِّهم: (شيعتنا منّا خُلقوا مِن فاضل طينتنا، وعُجِنوا بنور ولايتنا رضوا بنا أئمَّة ورضينا بهم شيعة، يُصيبهم ما أصابنا وتُبكيهم أوصابنا، يُحزنهم حزننا، ويسرهم سرورنا ونحن أيضاً نتألَّم لتألُّمهم، ونطَّلع على أحوالهم فهم معنا لا
يُفارقونا، ونحن معهم لا نُفارقهم)، ثمَّ قال: (اللَّهمَّ، إن شيعتنا منَّا، فمَن ذكر مُصابنا، وبكى لأجلنا استحيى الله أنْ يُعذِّبه بالنار).
وعلى هذا الخبر الشريف العالي المضامين أختم رسالتي هذه وبالختام تتميماً للمقال أذكر أُموراً مُهمَّة:
بكلِّ صراحة أقول: إنَّ عِلَّة تحريم الشبيه، وخروج المواكب اللاطمة، والضرب بالقامات عند صاحب المقالة، ليس هو ما ذكره مِن السفاسف. كيف والمقاتلة التي هي علَّة تحريم اللطم في الطُّرقات اتِّفاقية نادرة وليست بلازمة ولا مقصودة لأهل الموكب غالباً، وموت الجماعات في كلِّ سنة - الذي هو عِلَّة تحريم موكب السيوف - قد عرفت أنَّه فِرْيَة صريحة، والسخرية التي هي عِلَّة تحريم الشبيه كذلك، وعلى فرض تحقُّقها فهي لا توجب الاستهزاء بدين الإسلام المنزَّه عن كلِّ عائبة، والأُمور التي سطَّرها مِن إنكار الوثبات والزعقات ومِن كون اللطم محلَّه المآتم لا الطُّرقات بحُكم العقل والشرع هي مِن التلفيقات الفارغة، ونسبة ذلك إلى العقل والشريعة فِرْيَة أُخرى وهي عليه غير خفيَّة.
ومِن أكبر الشواهد على أنَّ تحريمه لا لذلك - مُضافاً إلى هذا - قوله في الصفحة (10) ما مُلخَّصه: بأنَّه مُنذ خمس عشرة سنة كان أهل الكويت يخرجون الشبيه على التفصيل الذي سبق، فمنعتهم وصاروا مِن يومئذ يلطمون في المآتم ولا يخرجون، وبذلك قُطِع دابر ما ربَّما ينجم مِن المحرَّمات والفتن. انتهى.
فإنَّه ليس في الكويت مِن يومئذ للآن فئات مُتقابلة، ولا لهم محلاَّت كثيرة مُتعادية تقع بين أهلها المنافرة والمنافسة، حتَّى يَحدث مِن خروجهم القتال فيما بينهم، إنْ هُمْ إلا فئة مِن الأعاجم يَشوبهم أخلاط مِن البحارنة وغيرهم، ممَّن ليس له قوَّة المخاصمة والمنازعة، لو كان له مُنافر ومُنافس، كيف؟!
والسلطات القاهرة وسلطته الروحيَّة هناك تَحول بينهم وبين أنْ تحدث بينهم المقاتلة في مثل ذلك المحلِّ، الذي هو بالقُرى أشبه منه بالبلدان الواسعة.
أمَّا سُخرية الأجانب فهي هناك معدومة لقلَّة الأجانب يومئذ وعدم سُخريتهم؛ لأنَّهم مِن الذين لا يُهمُّهم مِن أمر الديانات شيء.
الذي أظنُّه - وظنُّ الألمعي يقين - أنَّ هذا الرجل يُذعن بمسؤوليَّة جميع ما سلف، كما يومئ إلى ذلك ما ذكرته ثمَّة، وإنَّما يمنع مِن ظهور الشبيه والمواكب للملأ تأليفاً بين الفرق، وأنْ لا يظهر بعضهم بمظهر المخالف للبعض الآخر.
وقد فاته أنْ يلتفت إلى أنَّ مورد المخالفة ليس جوهريَّاً، بعد وحدة الدين والاشتراك بالضروريَّات مِن أحكامه وغيرها( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) .
إنَّ التأليف الذي يقصده بترك التظاهر بتلك المراسم أمر مغروس في ذهنه مُنذ كان في الكويت، وهو اليوم يُعالجه ولا يكاد يُحيِّره، ولأجله يتشبَّث بالتهاويل ويُذعن لتلك التمويهات والمفتريات، وكأنَّ هذا المنع عنده مِن باب الأمر بترك الراجح لما هو أرجح منه، لا مِن باب النهي عن المنكر وإنْ صدَّر مقالته بذلك، ولعلَّه إلى هذا يرمز صاحب جريدة (الأوقات العراقيَّة)، إذ يقول نقلاً عن السيِّد المذكور: (إنَّ تلك المواكب عامل مِن عوامل التفرقة ورمز يُشير إليها).
وهذا إنْ كان مِن الناقل فهو اختلاس للحقِّ، وإنْ كان مِن القائل فهو اشتباه، وذلك أنَّ تلك المواكب وهاتيك الأعمال ليست مُفرِّقة بين المسلمين، نعم هي مظهر للفَرق بين فرقهم، والفارق جليٌّ بين المفرِّق بينهم وبين وجود الفارق.
أجلْ، التمثيل فارق، المواكب فارق، المآتم فارق، لبس السواد فارق، فوارق وأيُّ فوارق شابت عليها اللَّمم والمفارق، واعترف بفوائدها المصاحب والمفارق، فإنْ تكن هذه رموزاً، فهي رموز لامتياز الشيعة عمَّن سواهم، فلتكن تصريحات بدل كونها رموزاً،
فإنَّ الرمز بهذا المعنى سواء أكان هو أحد الأُمور المذكورة أم غيرها ممَّا لابدَّ منه.
إنَّ المطلوب مِن المسلمين إزالة التعصُّب المذهبي فيما بينهم، لا ترك الرسوم المذهبيَّة عندهم، وشتَّان بين الأمرين، ومِن اختلاطهما وقع الاشتباه، التعصُّب المذهبي مظهر وقوع الشِّقاق بين المسلمين شِقاقاً مذهبيَّاً، ويُقابله التساهُل المذهبي المقتضي، لإطلاق الحريَّة لكلِّ ذي مذهب مِن المسلمين أنْ يأتي بمراسم مذهبه بلا استياء ولا مُنازعة مِن أرباب المذهب الآخر، لا ترك الرسوم المذهبيَّة، وثمرة هذا التساهُل علوُّ الإسلام باتِّجاه كلمة المسلمين، وأين هذا مِن كون الفوارق المذهبيَّة مُفرِّقة؟!
نعم لو كانت تلك الفوارق توجب إخلال الجعفريَّة بالواجب عليهم مِن رفع منار الإسلام، أو أنَّها توجب تهجين المراسم المذهبيَّة للفِرَق الأُخرى لكان حقَّاً لها أنْ تتعصَّب وتعتصب أمامها، ولكنَّها - مع كونها همجيَّة، كما يقولون – لا تمسُّ كرامة المذاهب بشيء ولا توجب الإخلال بأيِّ واجب.
لقد مرَّت أزمنة عديدة، والجعفريَّة فيها يدعون في مآتمهم ومواكبهم إلى توحيد كلمة المسلمين، فما وجه دعواهم هذه يا تُرى في تلك الحال إذا كانت المواكب هي المفرِّقة فيما بينهم.
أجلْ، إنَّها فوارق مذهبيَّة لا مُفرِّقة لجماعتهم الملتئمة، فهذه الكلمة إمَّا بذر للتفرقة أو وهَمٌ واشتباه.
وإذا شئت أنْ أُريك التعصُّب المذهبي ملموساً باليد، فتأمَّل فيما أنقله لك عن المقريزي في خُططه، في الصفحة (385) مِن الجزء الثاني منه، فإنَّه بعد أنْ ذكر أنَّ الملوك العلويِّين بمصر كانوا يتَّخذون يوم عاشوراء يوم حزن تتعطَّل فيه الأسواق، قال: (فلمَّا زالت الدولة اتَّخذ الملوك مِن بني أيُّوب(1) يوم عاشوراء يوم سرور،
____________________
(1) نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، الذي قتل الفاطميين شر قتلة، ولاحق شيعة أهل البيت عليهم السلام، =
يوسِّعون فيه على عيالهم، ويتبسَّطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات ويتَّخذون الأواني الجديدة ويكتحلون ويدخلون الحمَّام، جرياً على عادة أهل الشام التي سنَّها لهم الحجَّاج في أيَّام عبد الملك بن مروان؛ ليُرغموا بذلك آناف شيعة علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه)، الذين يتَّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي عليه السلام، لأنَّه قُتِل فيه). انتهى.
فيا أيُّها الرامز إلى التفرقة في كلامه، والمريد للتأليف حسب الظنِّ بمرامه، إنْ كنت تجد أعمال الجعفريَّة مُهجِّنة للرسوم المذهبيَّة لغيرهم مِن فرق المسلمين، فلك الحقُّ في الاستياء منها، وإنْ لم تكن كذلك - كما هو الواقع - فماذا يضرُّك منها؟ وما هو سبب الاستياء مِن إقامتها؟!
لو أنَّ في طوائف المسلمين مَن لا يوالي الحسين عليه السلام، ولا يُقدِّر شرفه ولا مظلوميَّته ولا قُربه مِن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكان حقُّه أنْ يستاء مِن أقامة تذكاراته، لكنَّه (سلام الله عليه) ممَّن يشترك في ولائه جميع المسلمين(1) ، وعلى جميعهم الحقِّ في إظهار مظلوميَّته والنوح عليه، تقرُّباً إلى جَدِّه صاحب الشفاعة الكُبرى صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف تكون تذكاراته - وهو بتلك المنزلة عند جميعهم - رمزاً إلى التفرقة بين جماعتهم، وعاملاً مِن عواملها؟!
وقد كثر تحامل الصُّحُف على الجعفريَّة في أعمالهم الحسينيَّة، وعسى أنْ يكون
____________________
= وكان من أسوأ من حكم، للتعصب المذهبي الذي كان يحمله، وينفذ مخططات تروم القضاء على مذهب أهل البيت عليهم السلام وأتباعه.
والأعجب من ذلك أننا نجد اليوم من يفتخر بهذا العنف الطائفي الذي أسسه صلاح الدين الأيوبي، ويعدّونه من مفاخره التي خلدها تأريخ العصبيات المذهبية والطائفية.
(1) بل وحتى غير المسلمين، الذين يجدون فيه الإنسان الكامل، وفي ثورته طموح المستضعفين وثأر الأحرار ودواعي العزة والكرامة.
أصحابها هُمْ المعنيُّون في كلام صاحب المقالة بأنَّهم يسخرون ويستهزئون، بيد أنَّه يُسمِّيهم الأجانب، وهُمْ في الحقيقة أقارب لا أجانب، قد وشجت بينهم وبين الجعفريَّة مِن عروق الدين الإسلامي نوابضه ورواهشه وشواكل قلبه، واشتبكت أواصر القرابة بينهم في الأعضاء الرئيسة مٍن جسم دينهم الأقدس، وهؤلاء في الحقيقة لا يسخرون، بلْ يستاءون وتتأثَّر قلوبهم، ولو لم يكونوا قد أدركوا النُّكات الدقيقة العائدة بالنفع المذهبي على الجعفريَّة مِن جميع هذه الأعمال التي تعملها الشيعة في شهر المحرَّم في مآتم ومواكب وتمثيل لما استاءوا ولما جدُّوا ليلاً ونهاراً في رفعها ودرس أثرها(1) .
إنَّ بعض أهل التقشُّف يمنع مِن ضرب الطبول، ونفخ الأبواق، ودقِّ الصنوج في المواكب وغيرها على الكيفيَّة المرسومة في العزاء في النجف اليوم، وذلك - أيْ: المنع - مِن الزَّلاَّت الناشئة عن خفاء هذه الموضوعات لديهم، ولا غَرو فهذه موضوعات لا يعرفها النُّسَّاك.
الآلات الثلاث.. تارةً يكون استعمالها على الكيفيَّة التي يُضرَب بها للَّهو والطرب كما يستعمله أهله، وهذا لا ريب في حرمته.
وتارةً: لا يكون على تلك الكيفيَّة، كالذي يكون في الحرب، وفي العزاء المرسوم، وهذا لو كان مُحرَّماً لكان الضرب العَبَثي الغير المنتظم محرَّماً، وذلك ممَّا لا ينبغي لأحد أنْ يحتمله. ولم يذهب ذاهب ممَّن يُعتدُّ به مِن فقهائنا إلى حُرمة جميع أنحاء استعمال آلات اللهو، فضلاً عن المشتركة بينه وبين غيره على أيِّ كيفيَّة كان
____________________
(1) ولعل الحق هو أن معرفتهم بمنافع هذه المواكب أجّج غيظهم وأهاج شعورهم بعلو كلمة هذه الفرقة وسرّ قوّتها في هذه المواكب، لذا فهم عملوا على كل أساليب القدح لمنع الشيعة من حصول دواعي العزة والغلبة والسؤدد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الاستعمال، وفي أيِّ حال وقع.
وما ورد في أخبارنا - كالمروي عن النوفلي عن السكوني عن الصادق عليه السلام مِن نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الزَّفن، والمزمار، وعن الكُوبَات، والكبرات(1) - لم يُحرز له إطلاق يشمل غير مورد الاستعمال اللهوي، بلْ الخبر الآتي وغيره قرينة على أنَّ المراد استعمال الآلات المذكورة لأجل اللهو والطرب على الكيفيَّة التي يستعملها أهل الملاهي. وليس المراد باللهو مُطلق اللعب، كما لعلَّه يتوهَّمه مَن لا خُبرة له، بلْ ما كان على سبيل البَّطر وشِدَّة الفرح، فإنَّ اللعب والعَبث - ولو لغرض عقلائي - ممَّا لم يقلْ بحُرمته أحد ألاَّ أنْ يكون شاذَّاً وهو مع شذوذه محجوم بالأخبار الكثيرة.(2)
قال شيخنا الإمام المرتضى الأنصاري قدِّس سرُّه: (الظاهر أنَّ حرمة اللعب بآلات اللهو ليس مِن حيث خصوص الآلة، بلْ مِن حيث إنَّه لهو).
والمراد باللهو هو ما ذكرناه، كما صرَّح به قبل ذلك وبعده.
ثمَّ استشهد على ذلك بشواهد منها رواية سُماعة عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: (لما مات آدم شمت إبليس وقابيل به، فاجتمعا في الأرض فجعل إبليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم، فكلَّما كان في الأرض مِن هذا الضرب الذي يتلذَّذ به الناس مِن الزَّفن والمِزمار والكُوبَات والكَبَرات فإنَّما هو مِن ذلك)(3) . ثمّ قال: (فإنَّ
____________________
(1) وسائل الشيعة ب 100 ح 16، ج 17 ص 313.
(2) فالأخبار لا يستفاد منها مطلق اللهو واللعب، بل كل لهو لذاته هو المنهي عنه، والأغراض العقلانية غير مانعة من استعمالها اللهوي، لكن بعناوينها العقلانية، كما هو الحال في المهرجانات الرياضية ومسابقاتها لأغراض التشجيع، أو في الموسيقي العسكرية لأغراض عقلانية لاستنفار المقاتلين، كما في طبول الحرب وغيرها.
(3) وسائل الشيعة ب 100 ح 5 ج 17 ص 313.
هذا يُشير إلى أنَّ المناط هو التلهِّي والتلذُّذ)(1) .
أقول: وأنت إذا تأمَّلت وجدت دقَّ الصَّنج مثل التصفيق، بلْ هو تصفيق بآلة لا باليد، ورأيت ضرب الطبل المتعارف في العزاء كضرب الطشت، ولا ريب في أنَّ التصفيق والضرب بالطشت بدل الدفِّ إذا استُعملا لللهو والطرب كان استعمالهما مُحرَّماً، كما صرَّح به الإمام الشيخ المرتضى أيضاً، مع أنَّ الطشت ليس مِن آلات اللهو، فضلاً عن التصفيق، ولا بمنصوص عليه في الأدلّة، وما ذلك إلا لكونه مُفيداً فائدة آلات اللهو.
وكذا الحال في الصنج والطبل، إذا استُعملا على تلك الكيفيَّة كان استعمالهما حراماً، وإلاَّ فلا وجه لحرمته ألبتَّة.(2)
ومِن هذا القسم ما يُستعمل في العزاء والمواكب والشبيه اليوم في النجف. ودعوى أنَّ هذا مِن الملهي المطرب سخيفة جدَّاً.
اللهو والطرب أمران يعرفهما الفُسَّاق لا النسَّاك، ولا يُقلَّد فيهما المجتهد إذا كان المقلِّد عالماً بهما، والمجتهد مُحتاطاً لعدم استفراغ وسعه في البحث عن الموضوع.
وهكذا الأمر في معنى (الغناء)، فإنِّي لا أستبعد أنَّ أولئك إذا سمعوا صوتاً رخيماً - وإنْ كان غير مُتقاطع ولا مُتناسق النغم - حسبوه غناءً، وهذا خطأ وأولى لهم أنْ يسألوا أهل الفسوق عن ألحانهم، فإنَّها الغناء لا غيرها.
إنَّ مِن البديهي الوجداني أنَّ ضرب الطبل ودقَّ الصنج ونفخ البوق، على الكيفيَّة المرسومة في العزاء اليوم في النجف - مع أنَّها لم يُقصَد بها اللهو والطرب - هي بنفسها لا
____________________
(1) المكاسب المحرمة لشيخنا الأنصاري باب حرمة اللهو.
(2) فالعنوان اللهوي هو المقصود لا من حيث آليته، فلعل آلية اللهو مستخدمة بلحاظ عقلائي صرف، ولعل من غيرها مستخدمة بلحاظها اللهوي البعثي، فالحرمة تدور مدار العلة لا مدار الموضوع.
لهو بها ولا طرب، وإنَّما يُقصد بها انتظام الموكب، والإعلان بمسيره، ووقوفه، ومُشايعة صوته لنُدبة أهل الموكب، فإنَّ انتظامه يختلُّ بخَفاء أصوات النادبين؛ ولذلك تجدهم إذا اجتمعوا للطم في دار أو مأتم لا يضربون ولا يدقُّون بشيء لاستغنائهم حينئذ عن كلِّ شيء.
وقد سمعت مِن غير واحد، أنَّ الصنج المتعارف الآن قد أحدثه في العزاء العلاَّمة المجلسي (أعلى الله مقامه) في قُرى إيران، ليسمع أهل القرى القريبة منهم ويعلموا بإقامتهم العزاء، وكذا في البلدان الكبار؛ لأجل تنبيه أهل المحلاَّت جميعاً؛ لأنَّ الطبل الحربي الذي هو المتعارف في العزاء لا شيوع له في البلدان الإيرانيَّة.
وهذا القدر وإنْ كان كافياً في إثبات الجواز، لكنْ نظراً إلى أهميَّة تحقيق الحال في استعمال الآلات الثلاث المذكورة، فإنِّي أرجع إلى البحث عنها بطور آخر:
المعبَّر عنه بلسان العامَّة (الدَّمام) وهو موضوع العناية مِن الكلام، أمَّا غيره ممَّا قد يُستعمل في بعض البُلدان كالمسمَّى عندهم (نقاره) فلا ريب في حُرمته.
ذكر العلاَّمة في (التذكرة) والمحقِّق الثاني في (جامع المقاصد) أقسام الطبول وعدَّا منها: طبل الحرب الذي يُضرب به للتهويل، وطبل القافلة الذي يُضرب به للأعلام بالنزول والارتحال، وطبل العطَّارين وهو سفط لهم، وطبل اللهو وفسِّر بالكُوبَة، ولكنْ نظراً إلى اشتراك (الكُوبَة) بين معانٍ، بعضها ليس مِن أقسام الطبول وبعضها الآخر طبل لهو - كما ستعرفه - مَثَّل له (العلاَّمة) بما يضرب به المخنَّثون مِن طبل وسطه ضيِّق وطرفاه واسعان، وقد صرَّحوا بجواز استعمال ما عدا الأخير منها، وبيعها وشرائها والوصيَّة بها، وادَّعى في التذكرة الإجماع على ذلك.
ولا ريب أنَّ هذه الطبول جميعاً يُمكن أنْ يُضرَب بها ضرباً لهويَّاً، كما يستعمله
أهل الطرب، فلِمَ جوَّزوا استعمالها؟ أليس لأنَّها ما أُعدَّت ولا هُيِّئت لذلك؟ أليس لكون الضرب العادي بها ليس مُلهياً ولا مُطرِباً؟ بلْ هو ضرب إعلام وتنبيه، كما هو الشأن في الطبل المستعمَل في العزاء؟.
الطبل العزائي، لو كان مِن الآلات المشترَكة بين اللهو وغيره فلا ريب أنَّ استعماله ليس لأجل الطرب، ولا على الكيفيَّة المطربة ولهذا عَدَّه كاشف الغطاء في عِداد ما كان راجحاً لعنوان راجح، ينطبق عليه أكثر ما يُقام في العزاء مِن دقِّ طبول وضرب نُحاس وتشابيه صور.
قد رأينا طبل الحرب أيَّام الحرب العامَّة عند أعراب نجد في النجف، وطبل القافلة عندهم مُنذ كان الحاجُّ العراقي يسير بَرَّاً على طريق جبلَي طيْ، وهما عين الدمَّام المتعارف استعماله اليوم في المواكب العزائيَّة في النجف.
إنَّ طبل الحرب والقافلة، وطبل العزاء في الشكل والحجم سواء، وفي كون الضرب عليها بآلة لا باليد سواء، وفي كون الضرب مُنتظماً انتظاماً خاصَّاً سواء، وفي كون الغرض مِن ضربها التنبيه والإعلام سواء، فما هو الفارق بينها إذاً؟!
إنَّ طبل اللهو يُفارق هذه الطبول في جميع هذه الخواصِّ، عدا الانتظام بيد أنّه في طبل اللهو على كيفيَّة خاصَّة يعرفها أهل الملاهي ولا يجهلها كلُّ أحد، وتلك الكيفيَّة غير حاصلة في ضرب الدمَّام.
ومع قطع النظر عن جميع ما أسلفتُه، أوقفك على أمر يكفيك في الحُكم بجواز الدمَّام، وهو أنَّه لم يقع لفظ الطبل في شيء مِن الأدلَّة موضعاً للحُكم ليؤخَذ بإطلاقه، وليدفع الإطلاق بكون المراد طبل اللهو أو يراد بضربه الضرب الملهي، وإنَّما الموجود في الأدلة الكَبَرات والكُوبات والكَبَر - بفتحتين - الطبل ذو الوجود الواحد، وهذا ليس إلا
طبل اللهو، فإنَّ ما عداه بوجهين، والكُوبَة - بالضم - البربط، وهو العود أو النَّرد أو الشطرنج أو طبل صغير.
وفي (الصحاح) طبل صغير مُختصَر، وهذا أيضاً ليس سوى طبل اللهو، لأنَّه الصغير، ولو كان غيره كُوبَة طبلاً صغيراً لم يبقَ للطبل الصغير مصداق أبداً.
وإذا كان لفظ الطبل لم يقع موضوعاً للحُكم، فلا مساغ للمنع عنه إلا بدعوى أنَّ كلَّ طبل آلة لهو، وأنَّ كلَّ آلة لهو يحرم جميع أنحاء الاستعمال بها على جميع الكيفيَّات، وهذا ما لا أظنُّ بأحد أنْ يقول به(1) .
ومع هذا كلِّه، فالاحتياط بترك الطبل كلِّه لأنَّ تذكارات سيِّد الشهداء مِن أهمِّ الأعمال، التي يُعتبر فيها الإخلاص لله في إقامتها، وتعريتها عن كلِّ ما يُحتمَل تحريمه، فضلاً عن معلوم الحُرمة.
المعبَّر عنه في لسان العامَّة (البوري)، لم يُعهَد استعماله قديماً وحديثاً لأهل الطرب والملاهي كالعود والأوتار والمزامير، وإنَّما يُستعمَل في الحرب؛ للتنبيه ولحشر الجنود، وتسيير المواكب لحرب أو لغيرها، فهو في الحقيقة آلة تنبيه وإعلام لا آلة طرب نحو الآلة الصغيرة الصافرة، التي يستعملها الشُّرَط والحَرَس اليوم للتنبيه ليلاً ونهاراً.
ومَن عرف الخاصيَّة الطبيعة لهيئته الوضعيَّة يعرف بأنَّه يستحيل أنْ يخرج بالنفخ فيه صوت مُطرب؛ ولذلك يحصل الجزم لكلِّ عارف به أنَّه ليس مِن المزامير المعدودة مِن آلات اللهو.
ابتُدع الشكل الطبيعي للبوق لأجل خروج صوت عالٍ مُرتفع مُستهجَن، يبلغ
____________________
(1) اعتبار كل طبل آية لهو لا يمكن القول به، لمخالفة ذلك للعرف بل الوجدان، ولا يمكن الالتزام بأن كل طبق محرم ولاستلزامه اللهوية.
بارتفاعه وهُجنته ما لا يبلغه أرفع صوت مُجرَّد، وهو كلَّما دقَّ موضع النفخ منه واتَّسعت فوهته العُليا زاد صوته ارتفاعاً وهُجنة؛ فلارتفاعه استُعمل لتنبيه الجُند؛ ولهُجنته جُعل جزء مِن (الجوق الموسيقي) للتأليف بين نحو عشرين صوتاً مِن الأصوات المختلفة في نفخة واحدة لحصول الطرب بالمجموع، ولكنَّه لو انفرد لا يكون ولا يصلح لذلك، ولذلك لا ينبغي عَدَّه مِن الآلات المشتركة بين اللهو وغيره، وإذا لم يكن مِن المزامير ولا مِن آلات اللهو، فما هو البرهان على تحريمه؟!
لم يوجد في الأدلَّة ما يتضمَّن النهي عنه، ولم يوجد في الأدلَّة ما يتضمَّن النهي عن استعماله بخصوصه فيما حضرني مِن كُتب الاستدلال، مِن غير فحص كامل.
وهو مُفرد صنوج المعبَّر عنها بلسان العامَّة اليوم (طوس) المنهيُّ عنه في المروي في المجمع فهو بظاهر الأمر مُردَّد بين معانٍ ثلاثة، لا يُعلَم أيُّها المقصود بالنهي، ولا أنَّ النهي نهي تنزيه أو تحريم.
فقد ذكروا أنَّه آلة بأوتار ونحاس صغار مُدوَّر يجعل في إطار الدَّفِّ، وآله تتَّخذ مِن صُفْر يُضرب إحداها بالأُخرى، وهذا المعنى الأخير ينطبق على ما هو المستعمل اليوم في العزاء الحسيني، لكنْ مِن المعلوم أنَّ استعمال هذا بالنحو المتعارف الآن في النجف لا يُمكن قصد التلهِّي به والطرب؛ لأنَّه بذاته لا لهو فيه ولا طرب، فكيف يُعدُّ مِن آلات اللهو أو المشتركة بينه وبين غيره؟!
إنَّ دقَّ الصنج المتعارف في المواكب يوجب الضجر لا الطرب، وما هو إلا كدقِّ الصفَّارين بمَطارقهم الحديديَّة على قطعات الصُفْر دقَّاً مُنتظماً، ولا يبعد أنْ يكون هذا كان مُستعملاً في الحرب مع الطبل إنْ كان قديماً، وأنَّ الصنج المعدود مِن آلات الملاهي ليس هو هذا الصَّنج ولا صَنج الموسيقى، بلْ ما يُتَّخذ مِن صُفْر قطعاً، نحو ما يجعل في
إطار الدَّفِّ يضع الزافن الراقص كلَّ اثنتين منها في إصبعين مِن أصابع يديه إحديهما في الإبهام والأُخرى في السبَّابة أو الوسطى، يضرب بإحديهما الأُخرى فترنُّ رنيناً خفيفاً هو أرقُّ مِن التصفيق صدى، وأقرب منه إلى الإطراب.
وهذا هو ما يُسمِّيه الفُرْس بلغتهم (زَنْك) وقد اتَّفق اللغويُّون على أنَّ لفظ صَنج فارسي معرب، وإذا كان فارسيَّاً هو تلك الآلة كان النهي مُختصَّاً باستعمالها لا محالة، وعسى أنْ تكون تسمية غيره باسمه للمشابهة.
ثمَّ إذا كان الصَّنج لُغة مردَّداً بين المعاني الثلاثة، وكانت الآلة ذات الأوتار وما يُجعَل في إطار الدفِّ قدراً مُتيقَّناً ممَّا جُعل موضوع الحُكم(1) ، وما عدا ذلك مشكوك الفرديَّة له، كان مُقتضى أصول الفنِّ - لمن لا يوجب الاحتياط في الشُّبهة المفهوميَّة - أنْ يقول: بجوازه لا حُرمته.
وكم مِن فرق بين هذا وبين كاشف الغطاء - واللغة بمرئى منه - يعدُّ مِن الأُمور الراجحة: دقَّ طبل إعلام. وضرب نحاس؟. وظنِّي أنَّه حَمل الصَّنج المنهي عنه على خصوص المطرب منه، مُلاحظةً للمناسبة بين الحُكم وموضوعه... على أنَّ حمل ذلك النهي على التحريم لا قرينة عليه ولا إجماع بالفرض، لا سِيَّما والنهي الوارد بلفظ التحذير لا بهيئة النهي ولا بمادَّته.
رأيت كلاماً لصاحب الرسالة يُلوِّح به إلى المنع عن التذكارات، التي تقع فيها المحرَّمات بحُجَّة أنَّه (لا يُطاع الله مِن حيث يُعصى)، فدعاني ذلك إلى شرح هذه الكلمة مُهذَّباً.
____________________
(1) وهو حرمة الصنج، وما عداه لا يمكن دخوله في أفراد المحرم، فلا يبقى مقتض لدخول كل الأفراد في موضوع الحكم.
لا يُراد بهذه الكلمة أنَّ الطاعة إذا وقع في أثنائها فعل مُحرَّم مُباين لها - وجوداً مُنفكٌّ عنها خارجاً - تكون مُحرَّمة، كما هو الحال في التذكارات المقترنة بالمحرَّمات؛ لأنَّ هذا ممَّا قام البرهان على فساده، وإلاَّ لبطلت أكثر العبادات(1) ، ومع ذلك فالأدلَّة النقليَّة - مُضافاً إلى حُكم العقل - به كثيرة، ويكفي منها الخبر المتضمِّن لخروج الصادق عليه السلام في تشييع جنازة رجع بعض المشيِّعين عنه لمكان صراخٍ صارخة ولم يرجع هو عليه السلام، بلْ قال لزرارة:
(امضِ بنا، فلو أنّا إذا رأينا شيئاً مِن الباطل مع الحقِّ تركنا له الحقَّ، لم نقضِ حقَّ مسلم)(2) .
بلْ يُراد بهذه الكلمة(3) الإعلام بأنَّ المعصية الحقيقيَّة لا تكون طاعة، كصدقة الزانية مِن كسب فجورها، وإدخالها بذلك السرور على مسلم.
وبهذه الكلمة على مثل هذا المعنى استشهد السجاد أو الصادق عليه السلام في الخبر المروي عنه، المتضمِّن لبطلان عمل الناسك السارق للرُّمَّان المتصدِّق بواحدة منه، مُحتجَّاً بقوله تعالى:( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) (4) .
ويُمكن أنْ يُراد بها - مع ذلك - أنَّ ما هو طاعة حقيقيَّة، يلزم أنْ لا يكون مُتَّحداً مع المعصية خارجاً بفعل يكون مجمع العنوانين، كالصلاة في الأرض المغصوبة، وهذا المعنى وسابقه أجنبيٌّ عن التذكارات التي تقع فيها المحرَّمات بزعمه.
____________________
(1) كما هو الحال في الصلاة التي يتخللها فعل حرام، كالنظر إلى الأجنبية، أو الحج الذي تُرتكب فيه الغيبة أو الكذب مثلاً، فإن العنوان العارض المرجوح أو المحرم لا يضرّ براجحية العنوان المباح أو الواجب لمجرد كونه عارضاً عليه أو مقارناً له، إذ لا يدخل في أصل ذلك العنوان العبادي.
(2) بحار الأنوار ج 46 ص 300.
(3) وهو القول بـ (لا يطاع الله من حيث يعصى).
(4) بحار الأنوار ج 47 ص 238.
تمَّت في شهر ربيع الأوَّل سنة 1345
في المطبعة العلويَّة: في النجف الأشرف
هذه الرسالة المسمَّاة (نُصرة المظلوم) مِن آثار العالم الفاضل المؤتمن، الشيخ حسن آل العلاَّمة الشيخ إبراهيم مُظفَّر (قدِّس سرُّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله وله الحمد على جزيل نواله، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمد وآله.
وبعد، فبينا أنا واقف موقف الاندهاش والحيرة أسوة كثير مِن أهل الدين؛ لما وقع في الحرمين الشريفين وما والاهما مِن المنكرات بهدم المشاهد والمزارات، وذلك في أوَّل شهر المحرَّم مِن هذا العام، حيث يُقام التذكار الحسيني المحزن، وكفى به جالباً للوجد القلبي ومُثيراً للبكاء المقرح إذا انتهى إليَّ عدد مِن جريدة (الأوقاف العراقيَّة) التي تصدر في البصرة، وفي مُفتتحها مقالة ينقل صاحبها عن رجل مِن فُضلاء أهل العلم، قَطَن البصرة مُنذ شهور يُدْعى (السيِّد مهدي) أنَّه منع مِن تمثيل تلك الفادحة الكُبرى والمصيبة العظمى، ومن خروج مواكب الرجال يضربون صدورهم بأيديهم في الأزقَّة والجوادِّ العموميَّة، فقلت: هذه المصيبة الثالثة، وما هي بأهون مِن الأُويين، ثمَّ توارت الكُتب والرُّسل مِن البصرة إلى...
نموذج الصفحة الأخيرة مِن الطبعة الأُولى للكتاب
إنَّ حمل ذلك النهي على التحريم لا قرينة عليه ولا إجماع بالفرض، سِيَّما والنهي الوارد بلفظ التحذير لا بهيئة النهي ولا بمادَّته... الثالث.
رأيت كلام لصاحب الرسالة يُلوِّح به إلى المنع عن التذكارات التي تقع فيها المحرَّمات بحُجَّة أنَّه (لا يُطاع الله مِن حيث يُعصى)، فدعاني ذلك إلى شرح هذه الكلمة مُهذَّباً … لا يُراد بهذه الكلمة أنَّ الطاعة إذا وقع في أثنائها فعل مُحرَّم، مُباين لها وجوداً مُنفكٌّ عنها خارجاً تكون مُحرَّمة، كما هو الحال في التذكارات المقترنة بالمحرَّمات؛ لأنَّ هذا ممَّا قام البرهان على فساده، وإلا لبطلت أكثر العبادات، ومع ذلك فالأدلَّة النقليَّة مُضافاً إلى حُكم العقل به كثيرةً، ويكفي منها الخبر المتضمِّن لخروج الصادق (عليه السلام) في تشييع جنازة، رجع بعض المشيِّعين عنه لمكان صراخ صارخة، ولم يرجع هو (عليه السلام)، بلْ قال لزرارة: (امضِ بنا؛ فلو أنَّا إذا رأينا شيئاً مِن الباطل مع الحقِّ تركنا له الحقَّ لم نقضِ حقَّ مسلم)، بلْ يُراد بهذه الكلمة الأعلام بأنَّ المعصية الحقيقيَّة لا تكون طاعة، كصدقة الزانية مِن كسب فجورها وإدخالها بذلك السرور على مسلم.
وبهذه الكلمة على مثل هذا المعنى استشهد السجَّاد أو الصادق (عليهم السلام) في الخبر المروي عنه، المتضمِّن لبطلان عمل الناسك السارق للرُّمَّان، المتصدِّق بواحدة منه مُحتجَّاً بقوله تعالى:( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) .
ويُمكن أنْ يُراد بها مع ذلك أنَّ ما هو طاعة حقيقيَّة، يلزم أنْ لا يكون مُتَّحداً مع المعصية خارجاً بفعل يكون مجمع العنوانين كالصلاة في الأرض المغصوبة، وهذا المعنى وسابقه أجنبيٌّ عن التذكارات التي تقع فيها المحرَّمات بزعمه.
تمَّت في شهر ربيع الأوَّل سنه 1345
في المطبعة العلويَّة: في النجف الأشرف
فهرست
المقدمة 5
بسم الله الرّحمن الرّحيم 9
المآتم 33
التمثيل 37
تمثيل النساء 46
مجامع اللَّدم 53
المواكب 57
موكب لدم الصدور 59
موكب السلاسل 68
موكب القامات 69
نظرة في التاريخ 85
النجف وعمل الشبيه 96
خاتمة مِسكيَّة 104
الأمر الأوَّل: 106
الأمر الثاني: 110
الطَّبل 113
طبل اللهو: 114
البوق 115
الصَّنج 116
الأمر الثالث: 117