کتاب شرح نهج البلاغة
الجزء العشرون
ابن ابي الحديد
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل
409
وَ قَالَ ع : مُقَارَبَةُ اَلنَّاسِ فِي أَخْلاَقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ إلى هذا نظر المتنبي في قوله :
و خلة في جليس أتقيه بها |
كيما يرى أننا مثلان في الوهن |
|
و كلمة في طريق خفت أعربها |
فيهتدى لي فلم أقدر على اللحن |
و قال الشاعر :
و ما أنا إلا كالزمان إذا صحا |
صحوت و إن ماق الزمان أموق |
و كان يقال إذا نزلت على قوم فتشبه بأخلاقهم فإن الإنسان من حيث يوجد لا من حيث يولد و في الأمثال القديمة من دخل ظفار حمر.شاعر :
أحامقه حتى يقال سجية |
و لو كان ذا عقل لكنت أعاقله |
410
وَ قَالَ ع لِبَعْضِ مُخَاطِبِيهِ وَ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يُسْتَصْغَرُ مِثْلُهُ عَنْ قَوْلِ مِثْلِهَا لَقَدْ طِرْتَ شَكِيراً وَ هَدَرْتَ سَقْباً قال الشكير هاهنا أول ما ينبت من ريش الطائر قبل أن يقوى و يستحصف و السقب الصغير من الإبل و لا يهدر إلا بعد أن يستفحل هذا مثل قولهم قد زبب قبل أن يحصرم.و من أمثال العامة يقرأ بالشواذ و ما حفظ بعد جزء المفصل
411
وَ قَالَ ع : مَنْ أَوْمَأَ إِلَى مُتَفَاوِتٍ خَذَلَتْهُ اَلْحِيَلُ قيل في تفسيره من استدل بالمتشابه من القرآن في التوحيد و العدل انكشفت حيلته فإن علماء التوحيد قد أوضحوا تأويل ذلك.و قيل من بنى عقيدة له مخصوصة على أمرين مختلفين حق و باطل كان مبطلا.و قيل من أومأ بطمعه و أمله إلى فائت قد مضى و انقضى لن تنفعه حيلة أي لا يتبعن أحدكم أمله ما قد فاته و هذا ضعيف لأن المتفاوت في اللغة غير الفائت
412
وَ قَالَ ع وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنَّا لاَ نَمْلِكُ مَعَ اَللَّهِ شَيْئاً وَ لاَ نَمْلِكُ إِلاَّ مَا مَلَّكَنَا فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا وَ مَتَى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا معنى هذا الكلام أنه ع جعل الحول عبارة عن الملكية و التصرف و جعل القوة عبارة عن التكليف كأنه يقول لا تملك و لا تصرف إلا بالله و لا تكليف لأمر من الأمور إلا بالله فنحن لا نملك مع الله شيئا أي لا نستقل بأن نملك شيئا لأنه لو لا إقداره إيانا و خلقته لنا أحياء لم نكن مالكين و لا متصرفين فإذا ملكنا شيئا هو أملك به أي أقدر عليه منا صرنا مالكين له كالمال مثلا حقيقة و كالعقل و الجوارح و الأعضاء مجازا و حينئذ يكون مكلفا لنا أمرا يتعلق بما ملكنا إياه نحو أن يكلفنا الزكاة عند تمليكنا المال و يكلفنا النظر عند تمليكنا العقل و يكلفنا الجهاد و الصلاة و الحج و غير ذلك عند تمليكنا الأعضاء و الجوارح و متى أخذ منا المال وضع عنا تكليف الزكاة و متى أخذ العقل سقط تكليف النظر و متى أخذ الأعضاء و الجوارح سقط تكليف الجهاد و ما يجري مجراه.هذا هو تفسير قوله ع فأما غيره فقد فسره بشيء آخر قال
أبو عبد الله جعفر بن محمد ع فلا حول على الطاعة و لا قوة على ترك المعاصي إلا بالله و قال قوم و هم المجبرة لا فعل من الأفعال إلا و هو صادر من الله و ليس في اللفظ ما يدل ما ادعوا و إنما فيه أنه لا اقتدار إلا بالله و ليس يلزم من نفي الاقتدار إلا بالله صدق قولنا لا فعل من الأفعال إلا و هو صادر عن الله و الأولى في تفسير هذه اللفظة أن تحمل على ظاهرها و ذلك أن الحول هو القوة و القوة هي الحول كلاهما مترادفان و لا ريب أن القدرة من الله تعالى فهو الذي أقدر المؤمن على الإيمان و الكافر على الكفر و لا يلزم من ذلك مخالفة القول بالعدل لأن القدرة ليست موجبة.فإن قلت فأي فائدة في ذكر ذلك و قد علم كل أحد أن الله تعالى خلق القدرة في جميع الحيوانات قلت المراد بذلك الرد على من أثبت صانعا غير الله كالمجوس و الثنوية فإنهم قالوا بإلهين أحدهما يخلق قدرة الخير و الآخر يخلق قدرة الشر
413
وَ قَالَ ع لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍرحمهالله تَعَالَى وَ قَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ اَلْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلاَماً دَعْهُ يَا عَمَّارُ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْخُذَ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ اَلدِّينِ إِلاَّ مَا قَارَبَهُ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ عَلَى عَمْدٍ لَبَّسَ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ اَلشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ
أصحابنا غير متفقين على السكوت على المغيرة بل أكثر البغداديين يفسقونه و يقولون فيه ما يقال في الفاسق و لما جاء عروة بن مسعود الثقفي إلى رسول الله ص عام الحديبية نظر إليه قائما على رأس رسول الله ص مقلدا سيفا فقيل من هذا قيل ابن أخيك المغيرة قال و أنت هاهنا يا غدر و الله إني إلى الآن ما غسلت سوءتك.و كان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح و لا إنابة و نية جميلة كان قد صحب قوما في بعض الطرق فاستغفلهم و هم نيام فقتلهم و أخذ أموالهم و هرب خوفا أن يلحق فيقتل أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم فقدم المدينة فأظهر الإسلام و كان رسول الله
ص لا يرد على أحد إسلامه أسلم عن علة أو عن إخلاص فامتنع بالإسلام و اعتصم و حمي جانبه.ذكر حديثه أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب الأغاني قال كان المغيرة يحدث حديث إسلامه قال خرجت مع قوم من بني مالك و نحن على دين الجاهلية إلى المقوقس ملك مصر فدخلنا إلى الإسكندرية و أهدينا للملك هدايا كانت معنا فكنت أهون أصحابي عليه و قبض هدايا القوم و أمر لهم بجوائز و فضل بعضهم على بعض و قصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له و خرجنا فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم و هم مسرورون و لم يعرض أحد منهم علي مواساة فلما خرجوا حملوا معهم خمرا فكانوا يشربون منها فأشرب معهم و نفسي تأبى أن تدعني معهم و قلت ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا و ما حباهم به الملك و يخبرون قومي بتقصيره بي و ازدرائه إياي فأجمعت على قتلهم فقلت إني أجد صداعا فوضعوا شرابهم و دعوني فقلت رأسي يصدع و لكن اجلسوا فأسقيكم فلم ينكروا من أمري شيئا فجلست أسقيهم و أشرب القدح بعد القدح فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب فجعلت أصرف لهم و أترع الكأس فيشربون و لا يدرون فأهمدتهم الخمر حتى ناموا ما يعقلون فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا و أخذت جميع ما كان معهم.و قدمت المدينة فوجدت النبي ص بالمسجد و عنده أبو بكر و كان بي عارفا فلما رآني قال ابن أخي عروة قلت نعم قد جئت أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فقال رسول الله ص الحمد لله فقال أبو بكر من مصر أقبلت قلت نعم قال فما فعل المالكيون الذين كانوا معك قلت كان
بيني و بينهم بعض ما يكون بين العرب و نحن على دين الشرك فقتلتهم و أخذت أسلابهم و جئت بها إلى رسول الله ص ليخمسها و يرى فيها رأيه فإنها غنيمة من المشركين فقال رسول الله أما إسلامك فقد قبلته و لا نأخذ من أموالهم شيئا و لا نخمسها لأن هذا غدر و الغدر لا خير فيه فأخذني ما قرب و ما بعد فقلت يا رسول الله إنما قتلتهم و أنا على دين قومي ثم أسلمت حين دخلت إليك الساعة فقال ع الإسلام يجب ما قبله قال و كان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا و احتوى ما معهم فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف فتداعوا للقتال ثم اصطلحوا على أن حمل عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.قال فذلك معنى قول عروة يوم الحديبية يا غدر أنا إلى الأمس أغسل سوءتك فلا أستطيع أن أغسلها فلهذا قال أصحابنا البغداديون من كان إسلامه على هذا الوجه و كانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به من لعن علي ع على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل و كان المتوسط من عمره الفسق و الفجور و إعطاء البطن و الفرج سؤالهما و ممالأة الفاسقين و صرف الوقت إلى غير طاعة الله كيف نتولاه و أي عذر لنا في الإمساك عنه و ألا نكشف للناس فسقه
و حضرت عند النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري في سنة إحدى عشرة و ستمائة ببغداد و عنده جماعة و أحدهم يقرأ في الأغاني لأبي الفرج فمر ذكر المغيرة بن شعبة و خاض القوم فذمه بعضهم و أثنى عليه بعضهم و أمسك عنه آخرون فقال
بعض فقهاء الشيعة ممن كان يشتغل بطرف من علم الكلام على رأي الأشعري الواجب الكف و الإمساك عن الصحابة و عما شجر بينهم فقد قال أبو المعالي الجويني إن رسول الله ص نهى عن ذلك و قال إياكم و ما شجر بين صحابتي و قال دعوا لي أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه و قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم و قال خيركم القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم الذي يليه و قد ورد في القرآن الثناء على الصحابة و على التابعين و قال رسول الله ص و ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم و قد روي عن الحسن البصري أنه ذكر عنده الجمل و صفين فقال تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلطخ بها ألسنتنا.ثم إن تلك الأحوال قد غابت عنا و بعدت أخبارها على حقائقها فلا يليق بنا أن نخوض فيها و لو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب أن يحفظ رسول الله ص فيه و من المروءة أن يحفظ رسول الله ص في عائشة زوجته و في الزبير ابن عمته و في طلحة الذي وقاه بيده ثم ما الذي ألزمنا و أوجب علينا أن نلعن أحدا من المسلمين أو نبرأ منه و أي ثواب في اللعنة و البراءة إن الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلف لم لم تلعن بل قد يقول له لم لعنت و لو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يكن عاصيا و لا آثما و إذا جعل الإنسان عوض اللعنة أستغفر الله كان خيرا له ثم كيف يجوز للعامة أن تدخل أنفسها في أمور الخاصة و أولئك قوم كانوا أمراء هذه الأمة و قادتها و نحن اليوم في طبقة سافلة جدا عنهم فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم أ ليس يقبح من الرعية أن تخوض في دقائق أمور الملك و أحواله و شئونه التي تجري بينه و بين أهله و بني عمه و نسائه و سراريه و قد كان
رسول الله ص صهرا لمعاوية و أخته أم حبيبة تحته فالأدب أن تحفظ أم حبيبة و هي أم المؤمنين في أخيها.و كيف يجوز أن يلعن من جعل الله تعالى بينه و بين رسوله مودة أ ليس المفسرون كلهم قالوا هذه الآية أنزلت في أبي سفيان و آله و هي قوله تعالى( عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ) فكان ذلك مصاهرة رسول الله ص أبا سفيان و تزويجه ابنته على أن جميع ما تنقله الشيعة من الاختلاف بينهم و المشاجرة لم يثبت و ما كان القوم إلا كبني أم واحدة و لم يتكدر باطن أحد منهم على صاحبه قط و لا وقع بينهم اختلاف و لا نزاع.فقال أبو جعفررحمهالله قد كنت منذ أيام علقت بخطي كلاما وجدته لبعض الزيدية في هذا المعنى نقضا و ردا على أبي المعالي الجويني فيما اختاره لنفسه من هذا الرأي و أنا أخرجه إليكم لأستغني بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه فإني أجد ألما يمنعني من الإطالة في الحديث لا سيما إذا خرج مخرج الجدل و مقاومة الخصوم ثم أخرج من بين كتبه كراسا قرأناه في ذلك المجلس و استحسنه الحاضرون و أنا أذكر هاهنا خلاصته.قال لو لا أن الله تعالى أوجب معاداة أعدائه كما أوجب موالاة أوليائه و ضيق على المسلمين تركها إذا دل العقل عليها أو صح الخبر عنها بقوله سبحانه( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) و بقوله تعالى( وَ لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلنَّبِيِّ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ ) و بقوله سبحانه( لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً
غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ ) و لإجماع المسلمين على أن الله تعالى فرض عداوة أعدائه و ولاية أوليائه و على أن البغض في الله واجب و الحب في الله واجب لما تعرضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين و لا البراءة منه و لكانت عداوتنا للقوم تكلفا و لو ظننا أن الله عزوجل يعذرنا إذا قلنا يا رب غاب أمرهم عنا فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى لاعتمدنا على هذا العذر و واليناهم و لكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم فلم يغب عن قلوبكم و أسماعكم قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الإقرار بالنبي ص و موالاة من صدقه و معاداة من عصاه و جحده و أمرتم بتدبر القرآن و ما جاء به الرسول فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الآية غدا( رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ ) .فأما لفظة اللعن فقد أمر الله تعالى بها و أوجبها أ لا ترى إلى قوله( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاَّعِنُونَ ) فهو إخبار معناه الأمر كقوله( وَ اَلْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) و قد لعن الله تعالى العاصين بقوله( لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ ) و قوله( إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ فِي اَلدُّنْيا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) و قوله( مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) و قال الله تعالى لإبليس( وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ اَلدِّينِ ) و قال( إِنَّ اَللَّهَ لَعَنَ اَلْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ) .
فأما قول من يقول أي ثواب في اللعن و إن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن بل قد يقول له لم لعنت و أنه لو جعل مكان لعن الله فلانا اللهم اغفر لي لكان خيرا له و لو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يؤاخذ بذلك فكلام جاهل لا يدري ما يقول اللعن طاعة و يستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها و هو أن يلعن مستحق اللعن لله و في الله لا في العصبية و الهوى أ لا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفي الولد و نطق بها القرآن و هو أن يقول الزوج في الخامسة( أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ اَلْكاذِبِينَ ) فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة و أنه قد تعبدهم بها لما جعلها من معالم الشرع و لما كررها في كثير من كتابه العزيز و لما قال في حق القاتل( وَ غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ ) و ليس المراد من قوله وَ لَعَنَهُ إلا الأمر لنا بأن نلعنه و لو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه لأن الله تعالى قد لعنه أ فيلعن الله تعالى إنسانا و لا يكون لنا أن نلعنه هذا ما لا يسوغ في العقل كما لا يجوز أن يمدح الله إنسانا إلا و لنا أن نمدحه و لا يذمه إلا و لنا أن نذمه و قال تعالى( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللَّهُ ) و قال( رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) و قال عزوجل( وَ قالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا ) و كيف يقول القائل إن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن أ لا يعلم هذا القائل أن الله تعالى أمر بولاية أوليائه و أمر بعداوة أعدائه فكما يسأل عن التولي يسأل عن التبري أ لا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بأن يقال له تلفظ بكلمة الشهادتين ثم قل برئت
من كل دين يخالف دين الإسلام فلا بد من البراءة لأن بها يتم العمل أ لم يسمع هذا القائل قول الشاعر:
تود عدوي ثم تزعم أنني |
صديقك إن الرأي عنك لعازب |
فمودة العدو خروج عن ولاية الولي و إذا بطلت المودة لم يبق إلا البراءة لأنه لا يجوز أن يكون الإنسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى و عصاته بألا يودهم و لا يبرأ منهم بإجماع المسلمين على نفي هذه الواسطة.و أما قوله لو جعل عوض اللعنة أستغفر الله لكان خيرا له فإنه لو استغفر من غير أن يلعن أو يعتقد وجوب اللعن لما نفعه استغفاره و لا قبل منه لأنه يكون عاصيا لله تعالى مخالفا أمره في إمساكه عمن أوجب الله تعالى عليه البراءة منه و إظهار البراءة و المصر على بعض المعاصي لا تقبل توبته و استغفاره عن البعض الآخر و أما من يعيش عمره و لا يلعن إبليس فإن كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر و إن كان يعتقد وجوب لعنه و لا يلعنه فهو مخطئ على أن الفرق بينه و بين ترك لعنة رءوس الضلال في هذه الأمة كمعاوية و المغيرة و أمثالهما أن أحدا من المسلمين لا يورث عنده الإمساك عن لعن إبليس شبهه في أمر إبليس و الإمساك عن لعن هؤلاء و أضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم و تجنب ما يورث الشبهة في الدين واجب فلهذا لم يكن الإمساك عن لعن إبليس نظيرا للإمساك عن أمر هؤلاء.قال ثم يقال للمخالفين أ رأيتم لو قال قائل قد غاب عنا أمر يزيد بن معاوية و الحجاج بن يوسف فليس ينبغي أن نخوض في قصتهما و لا أن نلعنهما و نعاديهما و نبرأ منهما هل كان هذا إلا كقولكم قد غاب عنا أمر معاوية و المغيرة بن
شعبة و أضرابهما فليس لخوضنا في قصتهم معنى.و بعد فكيف أدخلتم أيها العامة و الحشوية و أهل الحديث أنفسكم في أمر عثمان و خضتم فيه و قد غاب عنكم و برئتم من قتلته و لعنتموهم و كيف لم تحفظوا أبا بكر الصديق في محمد ابنه فإنكم لعنتموه و فسقتموه و لا حفظتم عائشة أم المؤمنين في أخيها محمد المذكور و منعتمونا أن نخوض و ندخل أنفسنا في أمر علي و الحسن و الحسين و معاوية الظالم له و لهما المتغلب على حقه و حقوقهما و كيف صار لعن ظالم عثمان من السنة عندكم و لعن ظالم علي و الحسن و الحسين تكلفا و كيف أدخلت العامة أنفسها في أمر عائشة و برئت ممن نظر إليها و من القائل لها يا حميراء أو إنما هي حميراء و لعنته بكشفه سترها و منعتنا نحن عن الحديث في أمر فاطمة و ما جرى لها بعد وفاة أبيها.فإن قلتم إن بيت فاطمة إنما دخل و سترها إنما كشف حفظا لنظام الإسلام و كيلا ينتشر الأمر و يخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقة الطاعة و لزوم الجماعة.قيل لكم و كذلك ستر عائشة إنما كشف و هودجها إنما هتك لأنها نشرت حبل الطاعة و شقت عصا المسلمين و أراقت دماء المسلمين من قبل وصول علي بن أبي طالب ع إلى البصرة و جرى لها مع عثمان بن حنيف و حكيم بن جبلة و من كان معهما من المسلمين الصالحين من القتل و سفك الدماء ما تنطق به كتب التواريخ و السير فإذا جاز دخول بيت فاطمة لأمر لم يقع بعد جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع و تحقق فكيف صار هتك ستر عائشة من الكبائر التي يجب معها التخليد في النار
و البراءة من فاعله و من أوكد عرى الإيمان و صار كشف بيت فاطمة و الدخول عليها منزلها و جمع حطب ببابها و تهددها بالتحريق من أوكد عرى الدين و أثبت دعائم الإسلام و مما أعز الله به المسلمين و أطفأ به نار الفتنة و الحرمتان واحدة و الستران واحد و ما نحب أن نقول لكم أن حرمة فاطمة أعظم و مكانها أرفع و صيانتها لأجل رسول الله ص أولى فإنها بضعة منه و جزء من لحمه و دمه و ليست كالزوجة الأجنبية التي لا نسب بينها و بين الزوج و إنما هي وصلة مستعارة و عقد يجري مجرى إجارة المنفعة و كما يملك رق الأمة بالبيع و الشراء و لهذا قال الفرضيون أسباب التوارث ثلاثة سبب و نسب و ولاء فالنسب القرابة و السبب النكاح و الولاء ولاء العتق فجعلوا النكاح خارجا عن النسب و لو كانت الزوجة ذات نسب لجعلوا الأقسام الثلاثة قسمين.و كيف تكون عائشة أو غيرها في منزلة فاطمة و قد أجمع المسلمون كلهم من يحبها و من لا يحبها منهم أنها سيدة نساء العالمين.قال و كيف يلزمنا اليوم حفظ رسول الله ص في زوجته و حفظ أم حبيبة في أخيها و لم تلزم الصحابة أنفسها حفظ رسول الله ص في أهل بيته و لا ألزمت الصحابة أنفسها حفظ رسول الله ص في صهره و ابن عمه ابن عفان و قد قتلوهم و لعنوهم و لقد كان كثير من الصحابة يلعن عثمان و هو خليفة منهم عائشة كانت تقول اقتلوا نعثلا لعن الله نعثلا و منهم عبد الله بن مسعود و قد لعن معاوية علي بن أبي طالب و ابنيه حسنا و حسينا و هم أحياء يرزقون بالعراق و هو يلعنهم بالشام على المنابر و يقنت عليهم في الصلوات و قد لعن أبو بكر و عمر سعد بن عبادة و هو حي و برءا منه و أخرجاه من المدينة إلى الشام و لعن عمر
خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة و ما زال اللعن فاشيا في المسلمين إذا عرفوا من الإنسان معصية تقتضي اللعن و البراءة.قال و لو كان هذا أمرا معتبرا و هو أن يحفظ زيد لأجل عمرو فلا يلعن لوجب أن تحفظ الصحابة في أولادهم فلا يلعنوا لأجل آبائهم فكان يجب أن يحفظ سعد بن أبي وقاص فلا يلعن ابنه عمر بن سعد قاتل الحسين و أن يحفظ معاوية فلا يلعن يزيد صاحب وقعة الحرة و قاتل الحسين و مخيف المسجد الحرام بمكة و أن يحفظ عمر بن الخطاب في عبيد الله ابنه قاتل الهرمزان و المحارب عليا ع في صفين.قال على أنه لو كان الإمساك عن عداوة من عادى الله من أصحاب رسول الله ص من حفظ رسول الله ص في أصحابه و رعاية عهده و عقده لم نعادهم و لو ضربت رقابنا بالسيوف و لكن محبة رسول الله ص لأصحابه ليست كمحبة الجهال الذين يصنع أحدهم محبته لصاحبه موضع العصبية و إنما أوجب الله رسول الله ص محبة أصحابه لطاعتهم لله فإذا عصوا الله و تركوا ما أوجب محبتهم فليس عند رسول الله ص محاباة في ترك لزوم ما كان عليه من محبتهم و لا تغطرس في العدول عن التمسك بموالاتهم فلقد كان ص يحب أن يعادي أعداء الله و لو كانوا عترته كما يحب أن يوالي أولياء الله و لو كانوا أبعد الخلق نسبا منه و الشاهد على ذلك إجماع الأمة على أن الله تعالى قد أوجب عداوة من ارتد بعد الإسلام و عداوة من نافق و إن كان من أصحاب رسول الله ص و أن رسول الله ص هو الذي أمر بذلك و دعا إليه
و ذلك أنه ص قد أوجب قطع السارق و ضرب القاذف و جلد البكر إذا زنى و إن كان من المهاجرين أو الأنصار أ لا ترى
أنه قال لو سرقت فاطمة لقطعتها فهذه ابنته الجارية مجرى نفسه لم يحابها في دين الله و لا راقبها في حدود الله و قد جلد أصحاب الإفك و منهم مسطح بن أثاثة و كان من أهل بدر.قال و بعد فلو كان محل أصحاب رسول الله ص محل من لا يعادي إذا عصى الله سبحانه و لا يذكر بالقبيح بل يجب أن يراقب لأجل اسم الصحبة و يغضى عن عيوبه و ذنوبه لكان كذلك صاحب موسى المسطور ثناؤه في القرآن لما اتبع هواه فانسلخ مما أوتي من الآيات و غوى قال سبحانه( وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ اَلْغاوِينَ ) و لكان ينبغي أن يكون محل عبدة العجل من أصحاب موسى هذا المحل لأن هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولا جليلا من رسل الله سبحانه.قال و لو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة لعلمت ذلك من حال أنفسها لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا و إذا قدرت أفعال بعضهم ببعض دلتك على أن القصة كانت على خلاف ما قد سبق إلى قلوب الناس اليوم هذا علي و عمار و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت و جميع من كان مع علي ع من المهاجرين و الأنصار لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة و الزبير حتى فعلوا بهما و بمن معهما ما يفعل بالشراة في عصرنا و هذا طلحة و الزبير و عائشة و من كان معهم و في جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن علي حتى قصدوا له كما يقصد للمتغلبين في زماننا و هذا معاوية و عمرو لم يريا
عليا بالعين التي يرى بها العامي صديقه أو جاره و لم يقصرا دون ضرب وجهه بالسيف و لعنه و لعن أولاده و كل من كان حيا من أهله و قتل أصحابه و قد لعنهما هو أيضا في الصلوات المفروضات و لعن معهما أبا الأعور السلمي و أبا موسى الأشعري و كلاهما من الصحابة و هذا سعد بن أبي وقاص و محمد بن مسلمة و أسامة بن زيد و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و عبد الله بن عمر و حسان بن ثابت و أنس بن مالك لم يروا أن يقلدوا عليا في حرب طلحة و لا طلحة في حرب علي و طلحة و الزبير بإجماع المسلمين أفضل من هؤلاء المعدودين لأنهم زعموا أنهم قد خافوا أن يكون علي قد غلط و زل في حربهما و خافوا أن يكونا قد غلطا و زلا في حرب علي و هذا عثمان قد نفى أبا ذر إلى الربذة كما يفعل بأهل الخنا و الريب و هذا عمار و ابن مسعود تلقيا عثمان بما تلقياه به لما ظهر لهما بزعمهما منه ما وعظاه لأجله ثم فعل بهما عثمان ما تناهى إليكم ثم فعل القوم بعثمان ما قد علمتم و علم الناس كلهم و هذا عمر يقول في قصة الزبير بن العوام لما استأذنه في الغزو ها إني ممسك بباب هذا الشعب أن يتفرق أصحاب محمد في الناس فيضلوهم و زعم أنه و أبو بكر كانا يقولان إن عليا و العباس في قصة الميراث زعماهما كاذبين ظالمين فاجرين و ما رأينا عليا و العباس اعتذرا و لا تنصلا و لا نقل أحد من أصحاب الحديث ذلك و لا رأينا أصحاب رسول الله ص أنكروا عليهما ما حكاه عمر عنهما و نسبه إليهما و لا أنكروا أيضا على عمر قوله في أصحاب رسول الله ص إنهم يريدون إضلال الناس و يهمون به و لا أنكروا على عثمان دوس بطن عمار و لا كسر ضلع ابن مسعود و لا على عمار و ابن مسعود ما تلقيا به عثمان كإنكار العامة اليوم الخوض في حديث الصحابة و لا اعتقدت الصحابة في أنفسها ما يعتقده العامة فيها اللهم إلا أن يزعموا أنهم أعرف بحق القوم منهم و هذا علي
و فاطمة و العباس ما زالوا على كلمة واحدة يكذبون الرواية نحن معاشر الأنبياء لا نورث و يقولون إنها مختلفة.قالوا و كيف كان النبي ص يعرف هذا الحكم غيرنا و يكتمه عنا و نحن الورثة و نحن أولى الناس بأن يؤدى هذا الحكم إليه و هذا عمر بن الخطاب يشهد لأهل الشورى أنهم النفر الذين توفي رسول الله ص و هو عنهم راض ثم يأمر بضرب أعناقهم إن أخروا فصل حال الإمامة هذا بعد أن ثلبهم و قال في حقهم ما لو سمعته العامة اليوم من قائل لوضعت ثوبه في عنقه سحبا إلى السلطان ثم شهدت عليه بالرفض و استحلت دمه فإن كان الطعن على بعض الصحابة رفضا فعمر بن الخطاب أرفض الناس و إمام الروافض كلهم ثم ما شاع و اشتهر من قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه و هذا طعن في العقد و قدح في البيعة الأصلية.ثم ما نقل عنه من ذكر أبي بكر في صلاته و قوله عن عبد الرحمن ابنه دويبة سوء و لهو خير من أبيه ثم عمر القائل في سعد بن عبادة و هو رئيس الأنصار و سيدها اقتلوا سعدا قتل الله سعدا اقتلوه فإنه منافق و قد شتم أبا هريرة و طعن في روايته و شتم خالد بن الوليد و طعن في دينه و حكم بفسقه و بوجوب قتله و خون عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان و نسبهما إلى سرقة مال الفيء و اقتطاعه و كان سريعا إلى المساءة كثير الجبه و الشتم و السب لكل أحد و قل أن يكون في الصحابة من سلم من معرة لسانه أو يده و لذلك أبغضوه و ملوا أيامه مع كثرة الفتوح فيها فهلا احترم عمر الصحابة كما تحترمهم العامة إما أن يكون عمر مخطئا و إما أن تكون العامة على الخطإ.
فإن قالوا عمر ما شتم و لا ضرب و لا أساء إلا إلى عاص مستحق لذلك قيل لهم فكأنا نحن نقول إنا نريد أن نبرأ و نعادي من لا يستحق البراءة و المعاداة كلا ما قلنا هذا و لا يقول هذا مسلم و لا عاقل و إنما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس و عليهم ما عليهم من أساء منهم ذممناه و من أحسن منهم حمدناه و ليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول و معاصرته لا غير بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم لأنهم شاهدوا الأعلام و المعجزات فقربت اعتقاداتهم من الضرورة و نحن لم نشاهد ذلك فكانت عقائدنا محض النظر و الفكر و بعرضية الشبه و الشكوك فمعاصينا أخف لأنا أعذر.ثم نعود إلى ما كنا فيه فنقول و هذه عائشة أم المؤمنين خرجت بقميص رسول الله ص فقالت للناس هذا قميص رسول الله لم يبل و عثمان قد أبلى سنته ثم تقول اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا ثم لم ترض بذلك حتى قالت أشهد أن عثمان جيفة على الصراط غدا فمن الناس من يقول روت في ذلك خبرا و من الناس من يقول هو موقوف عليها و بدون هذا لو قاله إنسان اليوم يكون عند العامة زنديقا ثم قد حصر عثمان حصرته أعيان الصحابة فما كان أحد ينكر ذلك و لا يعظمه و لا يسعى في إزالته و إنما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له و هو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب رسول الله ص ثم من أشرافهم ثم هو أقرب إليه من أبي بكر و عمر و هو مع ذلك إمام المسلمين و المختار منهم للخلافة و للإمام حق على رعيته عظيم فإن كان القوم قد أصابوا فإذن ليست الصحابة في الموضع الذي وضعتها به العامة و إن كانوا ما أصابوا فهذا هو الذي نقول من أن الخطأ جائز على
آحاد الصحابة كما يجوز على آحادنا اليوم و لسنا نقدح في الإجماع و لا ندعي إجماعا حقيقيا على قتل عثمان و إنما نقول إن كثيرا من المسلمين فعلوا ذلك و الخصم يسلم أن ذلك كان خطأ و معصية فقد سلم أن الصحابي يجوز أن يخطئ و يعصي و هو المطلوب.و هذا المغيرة بن شعبة و هو من الصحابة ادعى عليه الزنا و شهد عليه قوم بذلك فلم ينكر ذلك عمر و لا قال هذا محال و باطل لأن هذا صحابي من صحابة رسول الله ص لا يجوز عليه الزنا و هلا أنكر عمر على الشهود و قال لهم ويحكم هلا تغافلتم عنه لما رأيتموه يفعل ذلك فإن الله تعالى قد أوجب الإمساك عن مساوئ أصحاب رسول الله ص و أوجب الستر عليهم و هلا تركتموه لرسول الله ص في قوله دعوا لي أصحابي ما رأينا عمر إلا قد انتصب لسماع الدعوى و إقامة الشهادة و أقبل يقول للمغيرة يا مغيرة ذهب ربعك يا مغيرة ذهب نصفك يا مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك حتى اضطرب الرابع فجلد الثلاثة و هلا قال المغيرة لعمر كيف تسمع في قول هؤلاء و ليسوا من الصحابة و أنا من الصحابة و رسول الله ص قد قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ما رأيناه قال ذلك بل استسلم لحكم الله تعالى و هاهنا من هو أمثل من المغيرة و أفضل قدامة بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر فأقام عليه الحد و هو رجل من علية الصحابة و من أهل بدر و المشهود لهم بالجنة فلم يرد عمر الشهادة و لا درأ عنه الحد لعلة أنه بدري و لا قال قد نهى رسول الله ص عن ذكر مساوئ الصحابة و قد ضرب عمر أيضا ابنه حدا فمات و كان ممن عاصر رسول الله ص و لم تمنع معاصرته له من إقامة الحد عليه.و هذا علي ع يقول ما حدثني أحد بحديث عن رسول الله ص
إلا استحلفته عليه أ ليس هذا اتهاما لهم بالكذب و ما استثنى أحدا من المسلمين إلا أبا بكر على ما ورد في الخبر و قد صرح غير مرة بتكذيب أبي هريرة و قال لا أحد أكذب من هذا الدوسي على رسول الله ص و قال أبو بكر في مرضه الذي مات فيه وددت أني لم أكشف بيت فاطمة و لو كان أغلق على حرب فندم و الندم لا يكون إلا عن ذنب.ثم ينبغي للعاقل أن يفكر في تأخر علي ع عن بيعة أبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت فاطمة فإن كان مصيبا فأبو بكر على الخطإ في انتصابه في الخلافة و إن كان أبو بكر مصيبا فعلي على الخطإ في تأخره عن البيعة و حضور المسجد ثم قال أبو بكر في مرض موته أيضا للصحابة فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي يعني عمر فكلكم ورم لذلك أنفه يريد أن يكون الأمر له لما رأيتم الدنيا قد جاءت أما و الله لتتخذن ستائر الديباج و نضائد الحرير أ ليس هذا طعنا في الصحابة و تصريحا بأنه قد نسبهم إلى الحسد لعمر لما نص عليه بالعهد و لقد قال له طلحة لما ذكر عمر للأمر ما ذا تقول لربك إذا سألك عن عباده و قد وليت عليهم فظا غليظا فقال أبو بكر أجلسوني أجلسوني بالله تخوفني إذا سألني قلت وليت عليهم خير أهلك ثم شتمه بكلام كثير منقول فهل قول طلحة إلا طعن في عمر و هل قول أبي بكر إلا طعن في طلحة.ثم الذي كان بين أبي بن كعب و عبد الله بن مسعود من السباب حتى نفى كل واحد منهما الآخر عن أبيه و كلمة أبي بن كعب مشهورة منقولة ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم و قوله ألا هلك أهل العقيدة و الله ما آسى عليهم إنما آسى على من يضلون من الناس.
ثم قول عبد الرحمن بن عوف ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان يا منافق و قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما وليت عثمان شسع نعلي و قوله اللهم إن عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به و افعل.و قال عثمان لعلي ع في كلام دار بينهما أبو بكر و عمر خير منك فقال علي كذبت أنا خير منك و منهما عبدت الله قبلهما و عبدته بعدهما.و روى سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار قال كنت عند عروة بن الزبير فتذاكرناكم أقام النبي بمكة بعد الوحي فقال عروة أقام عشرا فقلت كان ابن عباس يقول ثلاث عشرة فقال كذب ابن عباس و قال ابن عباس المتعة حلال فقال له جبير بن مطعم كان عمر ينهى عنها فقال يا عدي نفسه من هاهنا ضللتم أحدثكم عن رسول الله ص و تحدثني عن عمر.و جاء في الخبر عن علي ع لو لا ما فعل عمر بن الخطاب في المتعة ما زنى إلا شقي و قيل ما زنى إلا شفا أي قليلا فأما سبب بعضهم بعضا و قدح بعضهم في بعض في المسائل الفقهية فأكثر من أن يحصى مثل قول ابن عباس و هو يرد على زيد مذهبه القول في الفرائض إن شاء أو قال من شاء باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا و نصفا و ثلثا هذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث.
و مثل قول أبي بن كعب في القرآن لقد قرأت القرآن و زيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب.و قال علي ع في أمهات الأولاد و هو على المنبر كان رأيي و رأي عمر ألا يبعن و أنا أرى الآن بيعهن فقام إليه عبيدة السلماني فقال رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة.و كان أبو بكر يرى التسوية في قسم الغنائم و خالفه عمر و أنكر فعله.و أنكرت عائشة على أبي سلمة بن عبد الرحمن خلافه على ابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها و هي حامل و قالت فروج يصقع مع الديكة.و أنكرت الصحابة على ابن عباس قوله في الصرف و سفهوا رأيه حتى قيل إنه تاب من ذلك عند موته.و اختلفوا في حد شارب الخمر حتى خطأ بعضهم بعضا.و روى بعض الصحابة عن النبي ص أنه قال الشؤم في ثلاثة المرأة و الدار و الفرس فأنكرت عائشة ذلك و كذبت الراوي و قالت إنه إنما قال ع ذلك حكاية عن غيره.و روى بعض الصحابة عنه ع أنه قال التاجر فاجر فأنكرت عائشة ذلك و كذبت الراوي و قالت إنما قاله ع في تاجر دلس.و أنكر قوم من الأنصار
رواية أبي بكر الأئمة من قريش و نسبوه إلى افتعال هذه الكلمة.
و كان أبو بكر يقضي بالقضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة كبلال و صهيب و نحوهما قد روي ذلك في عدة قضايا.و قيل لابن عباس إن عبد الله بن الزبير يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل فقال كذب عدو الله أخبرني أبي بن كعب قال خطبنا رسول الله ص و ذكر كذا بكلام يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني إسرائيل.و باع معاوية أواني ذهب و فضة بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله ص ينهى عن ذلك فقال معاوية أما أنا فلا أرى به بأسا فقال أبو الدرداء من عذيري من معاوية أخبره عن الرسول ص و هو يخبرني عن رأيه و الله لا أساكنك بأرض أبدا.و طعن ابن عباس في أبي هريرة
عن رسول الله ص إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخلن يده في الإناء حتى يتوضأ و قال فما نصنع بالمهراس.و قال علي ع لعمر و قد أفتاه الصحابة في مسألة و أجمعوا عليها إن كانوا راقبوك فقد غشوك و إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا.و قال ابن عباس أ لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا و لا يجعل أب الأب أبا.و قالت عائشة أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أحبط جهاده مع رسول الله ص.
و أنكرت الصحابة على أبي موسى قوله إن النوم لا ينقض الوضوء و نسبته إلى الغفلة و قلة التحصيل و كذلك أنكرت على أبي طلحة الأنصاري قوله إن أكل البرد لا يفطر الصائم و هزئت به و نسبته إلى الجهل.و سمع عمر عبد الله بن مسعود و أبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد فصعد المنبر و قال إذا اختلف اثنان من أصحاب رسول الله ص فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أسمع رجلين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت و صنعت.و قال جرير بن كليب رأيت عمر ينهى عن المتعة و علي ع يأمر بها فقلت إن بينكما لشرا فقال علي ع ليس بيننا إلا الخير و لكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين.قال هذا المتكلم و كيف يصح أن يقول رسول الله ص أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا شبهة أن هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى و أن يكون أهل العراق أيضا على هدى و أن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتديا و قد صح الخبر الصحيح أنه قال له تقتلك الفئة الباغية و قال في القرآن( فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اَللَّهِ ) فدل على أنها ما دامت موصوفة بالمقام على البغي مفارقة لأمر الله و من يفارق أمر الله لا يكون مهتديا.و كان يجب أن يكون بسر بن أبي أرطاة الذي ذبح ولدي عبيد الله بن عباس الصغيرين مهتديا لأن بسرا من الصحابة أيضا و كان يجب أن يكون عمرو بن العاص و معاوية اللذان كانا يلعنان عليا أدبار الصلاة و ولديه مهتديين و قد كان في الصحابة من يزني و من يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي و من يرتد عن الإسلام كطليحة بن خويلد فيجب أن يكون كل من اقتدى بهؤلاء في أفعالهم مهديا.
قال و إنما هذا من موضوعات متعصبة الأموية فإن لهم من ينصرهم بلسانه و بوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.و كذا القول في الحديث الآخر و هو قوله القرن الذي أنا فيه و مما يدل على بطلانه أن القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا و هو أحد القرون التي ذكرها في النص و كان ذلك القرن هو القرن الذي قتل فيه الحسين و أوقع بالمدينة و حوصرت مكة و نقضت الكعبة و شربت خلفاؤه و القائمون مقامه و المنتصبون في منصب النبوة الخمور و ارتكبوا الفجور كما جرى ليزيد بن معاوية و ليزيد بن عاتكة و للوليد بن يزيد و أريقت الدماء الحرام و قتل المسلمون و سبي الحريم و استعبد أبناء المهاجرين و الأنصار و نقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم و ذلك في خلافة عبد الملك و إمرة الحجاج و إذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرا كلها لا خير فيها و لا في رؤسائها و أمرائها و الناس برؤسائهم و أمرائهم و القرن خمسون سنة فكيف يصح هذا الخبر.قال فأما ما ورد في القرآن من قوله تعالى( لَقَدْ رَضِيَ اَللَّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ ) و قوله( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللَّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ ) .و قول النبي ص إن الله اطلع على أهل بدر إن كان الخبر صحيحا فكله مشروط بسلامة العاقبة و لا يجوز أن يخبر الحكيم مكلفا غير معصوم بأنه لا عقاب عليه فليفعل ما شاء.قال هذا المتكلم و من أنصف و تأمل أحوال الصحابة وجدهم مثلنا يجوز عليهم ما يجوز علينا و لا فرق بيننا و بينهم إلا بالصحبة لا غير فإن لها منزلة و شرفا
و لكن لا إلى حد يمتنع على كل من رأى الرسول أو صحبه يوما أو شهرا أو أكثر من ذلك أن يخطئ و يزل و لو كان هذا صحيحا ما احتاجت عائشة إلى نزول براءتها من السماء بل كان رسول الله ص من أول يوم يعلم كذب أهل الإفك لأنها زوجته و صحبتها له آكد من صحبة غيرها و صفوان بن المعطل أيضا كان من الصحابة فكان ينبغي ألا يضيق صدر رسول الله ص و لا يحمل ذلك الهم و الغم الشديدين اللذين حملهما و يقول صفوان من الصحابة و عائشة من الصحابة و المعصية عليهما ممتنعة.و أمثال هذا كثير و أكثر من الكثير لمن أراد أن يستقرئ أحوال القوم و قد كان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك و يقولون في العصاة منهم مثل هذا القول و إنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك.قال و من الذي يجترئ على القول بأن أصحاب محمد لا تجوز البراءة من أحد منهم و إن أساء و عصى بعد قول الله تعالى للذي شرفوا برؤيته( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخاسِرِينَ ) بعد قوله( قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) و بعد قوله( فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ اَلْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ إِنَّ اَلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) إلا من لا فهم له و لا نظر معه و لا تمييز عنده.قال و من أحب أن ينظر إلى اختلاف الصحابة و طعن بعضهم في بعض و رد بعضهم على بعض و ما رد به التابعون عليهم و اعترضوا به أقوالهم و اختلاف التابعين أيضا فيما بينهم و قدح بعضهم في بعض فلينظر في كتاب النظام قال الجاحظ كان النظام
أشد الناس إنكارا على الرافضة لطعنهم على الصحابة حتى إذا ذكر الفتيا و تنقل الصحابة فيها و قضاياهم بالأمور المختلفة و قول من استعمل الرأي في دين الله انتظم مطاعن الرافضة و غيرها و زاد عليها و قال في الصحابة أضعاف قولها.قال و قال بعض رؤساء المعتزلة غلط أبي حنيفة في الأحكام عظيم لأنه أضل خلقا و غلط حماد أعظم من غلط أبي حنيفة لأن حمادا أصل أبي حنيفة الذي منه تفرع و غلط إبراهيم أغلظ و أعظم من غلط حماد لأنه أصل حماد و غلط علقمة و الأسود أعظم من غلط إبراهيم لأنهما أصله الذي عليه اعتمد و غلط ابن مسعود أعظم من غلط هؤلاء جميعا لأنه أول من بدر إلى وضع الأديان برأيه و هو الذي قال أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله و إن يكن خطأ فمني.قال و استأذن أصحاب الحديث على ثمامة بخراسان حيث كان مع الرشيد بن المهدي فسألوه كتابه الذي صنفه على أبي حنيفة في اجتهاد الرأي فقال لست على أبي حنيفة كتبت ذلك الكتاب و إنما كتبته على علقمة و الأسود و عبد الله بن مسعود لأنهم الذين قالوا بالرأي قبل أبي حنيفة.قال و كان بعض المعتزلة أيضا إذا ذكر ابن عباس استصغره و قال صاحب الذؤابة يقول في دين الله برأيه.و ذكر الجاحظ في كتابه المعروف بكتاب التوحيد أن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول الله ص قال و لم يكن علي ع يوثقه في الرواية بل يتهمه و يقدح فيه و كذلك عمر و عائشة.
و كان الجاحظ يفسق عمر بن عبد العزيز و يستهزئ به و يكفره و عمر بن العزيز و إن لم يكن من الصحابة فأكثر العامة يرى له من الفضل ما يراه لواحد من الصحابة.و كيف يجوز أن نحكم حكما جزما أن كل واحد من الصحابة عدل و من جملة الصحابة الحكم بن أبي العاص و كفاك به عدوا مبغضا لرسول الله ص و من الصحابة الوليد بن عقبة الفاسق بنص الكتاب و منهم حبيب بن مسلمة الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية و بشر بن أبي أرطاة عدو الله و عدو رسوله و في الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس و قال كثير من المسلمين مات رسول الله ص و لم يعرفه الله سبحانه كل المنافقين بأعيانهم و إنما كان يعرف قوما منهم و لم يعلم بهم أحدا إلا حذيفة فيما زعموا فكيف يجوز أن نحكم حكما جزما أن كل واحد ممن صحب رسول الله أو رآه أو عاصره عدل مأمون لا يقع منه خطأ و لا معصية و من الذي يمكنه أن يتحجر واسعا كهذا التحجر أو يحكم هذا الحكم قال و العجب من الحشوية و أصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء و يثبتون أنهم عصوا الله تعالى و ينكرون على من ينكر ذلك و يطعنون فيه و يقولون قدري معتزلي و ربما قالوا ملحد مخالف لنص الكتاب و قد رأينا منهم الواحد و المائة و الألف يجادل في هذا الباب فتارة يقولون إن يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة و تارة يقولون إن داود قتل أوريا لينكح امرأته و تارة يقولون إن رسول الله كان كافرا ضالا قبل النبوة و ربما ذكروا زينب بنت جحش و قصة الفداء يوم بدر.فأما قدحهم في آدم ع و إثباتهم معصيته و مناظرتهم من يذكر ذلك
فهو دأبهم و ديدنهم فإذا تكلم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية و أمثالهما و نسبهم إلى المعصية و فعل القبيح احمرت وجوههم و طالت أعناقهم و تخازرت أعينهم و قالوا مبتدع رافضي يسب الصحابة و يشتم السلف فإن قالوا إنما اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب قيل لهم فاتبعوا في البراءة من جميع العصاة نصوص الكتاب فإنه تعالى قال( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ ) و قال( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى اَلْأُخْرى فَقاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اَللَّهِ ) و قال( أَطِيعُوا اَللَّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ ) .ثم يسألون عن بيعة علي ع هل هي صحيحة لازمة لكل الناس فلا بد من بلى فيقال لهم فإذا خرج على الإمام الحق خارج أ ليس يجب على المسلمين قتاله حتى يعود إلى الطاعة فهل يكون هذا القتال إلا البراءة التي نذكرها لأنه لا فرق بين الأمرين و إنما برئنا منهم لأنا لسنا في زمانهم فيمكننا أن نقاتل بأيدينا فقصارى أمرنا الآن أن نبرأ منهم و نلعنهم و ليكون ذلك عوضا عن القتال الذي لا سبيل لنا إليه.قال هذا المتكلم على أن النظام و أصحابه ذهبوا إلى أنه لا حجة في الإجماع و أنه يجوز أن تجتمع الأمة على الخطإ و المعصية و على الفسق بل على الردة و له كتاب موضوع في الإجماع يطعن فيه في أدلة الفقهاء و يقول إنها ألفاظ غير صريحة في كون الإجماع حجة نحو قوله( جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) و قوله( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) و قوله ( وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ ) .
و أما الخبر الذي صورته لا تجتمع أمتي على الخطإ فخبر واحد و أمثل دليل للفقهاء قولهم إن الهمم المختلفة و الآراء المتباينة إذا كان أربابها كثيرة عظيمة فإنه يستحيل اجتماعهم على الخطإ و هذا باطل باليهود و النصارى و غيرهم من فرق الضلال.هذه خلاصة ما كان النقيب أبو جعفر علقه بخطه من الجزء الذي أقرأناه.و نحن نقول أما إجماع المسلمين فحجة و لسنا نرتضي ما ذكره عنا من أنه أمثل دليل لنا أن الهمم المختلفة و الآراء المتباينة يستحيل أن تتفق على غير الصواب و من نظر في كتبنا الأصولية علم وثاقة أدلتنا على صحة الإجماع و كونه صوابا و حجة تحريم مخالفته و قد تكلمت في اعتبار الذريعة للمرتضى على ما طعن به المرتضى في أدلة الإجماع.و أما ذكره من الهجوم على دار فاطمة و جمع الحطب لتحريقها فهو خبر واحد غير موثوق به و لا معول عليه في حق الصحابة بل و لا في حق أحد من المسلمين ممن ظهرت عدالته.و أما عائشة و الزبير و طلحة فمذهبنا أنهم أخطئوا ثم تابوا و أنهم من أهل الجنة و أن عليا ع شهد لهم بالجنة بعد حرب الجمل.و أما طعن الصحابة بعضهم في بعض فإن الخلاف الذي كان بينهم في مسائل الاجتهاد لا يوجب إثما لأن كل مجتهد مصيب و هذا أمر مذكور في كتب أصول الفقه و ما كان من الخلاف خارجا عن ذلك فالكثير من الأخبار الواردة فيه غير موثوق بها و ما جاء من جهة صحيحة نظر فيه و رجح جانب أحد الصحابيين على قدر منزلته في الإسلام كما يروى عن عمر و أبي هريرة.
فأما علي ع فإنه عندنا بمنزلة الرسول ص في تصويب قوله و الاحتجاج بفعله و وجوب طاعته و متى صح عنه أنه قد برئ من أحد من الناس برئنا منه كائنا من كان و لكن الشأن في تصحيح ما يروى عنه ع فقد أكثر الكذب عليه و ولدت العصبية أحاديث لا أصل لها.فأما براءته ع من المغيرة و عمرو بن العاص و معاوية فهو عندنا معلوم جار مجرى الأخبار المتواترة فلذلك لا يتولاهم أصحابنا و لا يثنون عليهم و هم عند المعتزلة في مقام غير محمود و حاش لله أن يكون ع ذكر من سلف من شيوخ المهاجرين إلا بالجميل و الذكر الحسن بموجب ما تقتضيه رئاسته في الدين و إخلاصه في طاعة رب العالمين و من أحب تتبع ما روي عنه مما يوهم في الظاهر خلاف ذلك فليراجع هذا الكتاب أعني شرح نهج البلاغة فأنا لم نترك موضعا يوهم خلاف مذهبنا إلا و أوضحناه و فسرناه على وجه يوافق الحق و بالله التوفيق
فأما عمار بن ياسررحمهالله فنحن نذكر نسبه و طرفا من حاله مما ذكره ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب قال أبو عمر بن عبد البررحمهالله هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن لوذ بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن نام بن عنس بالنون بن مالك بن أدد العنسي المذحجي يكنى أبا اليقظان حليف لبني مخزوم كذا قال ابن شهاب و غيره.
و قال موسى بن عقبة و ممن شهد بدرا عمار بن ياسر حليف لبني مخزوم بن يقظة.و قال الواقدي و طائفة من أهل العلم إن ياسرا والد عمار بن ياسر عربي قحطاني من عنس من مذحج إلا أن ابنه عمارا مولى لبني مخزوم لأن أباه ياسرا تزوج أمه لبعض بني مخزوم فأولدها عمارا و ذلك أن ياسر قدم مكة مع أخوين له يقال لهما الحارث و مالك في طلب أخ لهم رابع فرجع الحارث و مالك إلى اليمن و أقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية بنت خياط فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فصار ولاؤه لبني مخزوم و للحلف و الولاء الذي بين بني مخزوم و عمار بن ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه و كسروا ضلعا من أضلاعه فاجتمعت بنو مخزوم و قالوا و الله لئن مات لا قتلنا به أحدا غير عثمان.قال أبو عمر و أسلم عمار و عبد الله أخوه و ياسر أبوهما و سمية أمهما و كان إسلامهم قديما في أول الإسلام فعذبوا في الله عذابا عظيما و كان رسول الله ص يمر بهم و هم يعذبون فيقول صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة و يقول لهم أيضا صبرا يا آل ياسر اللهم اغفر لآل ياسر و قد فعلت.قال أبو عمر و لم يزل عمار مع أبي حذيفة بن المغيرة حتى مات و جاء الله بالإسلام.فأما سمية فقتلها أبو جهل طعنها بحربة في قبلها فماتت و كانت من الخيرات
الفاضلات و هي أول شهيدة في الإسلام و قد كانت قريش أخذت ياسرا و سمية و ابنيهما و بلالا و خبابا و صهيبا فألبسوهم أدراع الحديد و صهروهم في الشمس حتى بلغ الجهد منهم كل مبلغ فأعطوهم ما سألوا من الكفر و سب النبي ص ثم جاء إلى كل واحد منهم قومه بأنطاع الأدم فيها الماء فألقوهم فيها ثم حملوا بجوانبها فلما كان العشي جاء أبو جهل فجعل يشتم سمية و يرفث ثم وجأها بحربة في قبلها فقتلها فهي أول من استشهد في الإسلام فقال عمار للنبي ص يا رسول الله بلغ العذاب من أمي كل مبلغ فقال صبرا يا أبا اليقظان اللهم لا تعذب أحدا من آل ياسر بالنار قال أبو عمر و فيهم( أنزل إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .قال و هاجر عمار إلى أرض الحبشة و صلى القبلتين و شهد بدرا و المشاهد كلها و أبلى بلاء حسنا ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا و يومئذ قطعت أذنه.قال و ذكر الواقدي عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة و قد أشرف يصيح يا معشر المسلمين أ من الجنة تفرون أنا عمار بن ياسر هلموا إلي و أنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب و هو يقاتل أشد القتال.قال أبو عمر و كان عمار طويلا أشهل بعيد ما بين المنكبين قال و قد قيل في صفته كان آدم طوالا مضطربا أشهل العينين بعيد ما بين المنكبين رجلا لا يغير شيبه.
قال و كان عمار يقول أنا ترب رسول الله ص لم يكن أحد أقرب إليه سنا مني.قال و قتل عمار و هو ابن ثلاث و تسعين سنة و الخبر المرفوع مشهور في حقه تقتلك الفئة الباغية و هو من دلائل نبوة رسول الله ص لأنه إخبار عن غيب.و قال رسول الله ص في عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه و يروى إلى أخمص قدميه.و فضائل عمار كثيرة و قد تقدم القول في ذكر عمار و أخباره و ما ورد في حقه
414
وَ قَالَ ع : مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ اَلْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِمَا عِنْدَ اَللَّهِ وَ أَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ اَلْفُقَرَاءِ عَلَى اَلْأَغْنِيَاءِ اِتِّكَالاً عَلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ قد تقدم شرح مثل هذه الكلمة مرارا.و قال الشاعر:
قنعت فأعتقت نفسي و لن |
أملك ذا ثروة رقها |
|
و نزهتها عن سؤال الرجال |
و منة من لا يرى حقها |
|
و إن القناعة كنز اللبيب |
إذا ارتتقت فتقت رتقها |
|
سيبعث رزق الشفاه الغراث |
و خمص البطون الذي شقها |
|
فما فارقت مهجة جسمها |
لعمرك أو وفيت رزقها |
|
مواعيد ربك مصدوقة |
إذا غيرها ففقدت صدقها |
415
قَالَ ع : مَا اِسْتَوْدَعَ اَللَّهُ اِمْرَأً عَقْلاً إِلاَّ لِيَسْتَنْقِذَهُ اِسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً مَا لا بد أن يكون للبارئ تعالى في إيداع العقل قلب زيد مثلا غرض و لا غرض إلا أن يستدل به على ما فيه نجاته و خلاصه و ذلك هو التكليف فإن قصر في النظر و جهل و أخطأ الصواب فلا بد أن ينقذه عقله من ورطة من ورطات الدنيا و ليس يخلو أحد عن ذلك أصلا لأن كل عاقل لا بد أن يتخلص من مضرة سبيلها أن تنال بإعمال فكرته و عقله في الخلاص منها فالحاصل أن العقل إما أن ينقذ الإنقاذ الديني و هو الفلاح و النجاح على الحقيقة أو ينقذ من بعض مهالك الدنيا و آفاتها و على كل حال فقد صح قول أمير المؤمنين ع و قد رويت هذه الكلمة مرفوعة و رويت إلا استنقذه به يوما ما.و عنه ص العقل نور في القلب يفرق به بين الحق و الباطل.و عن أنس قال سئل رسول الله ص عن الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب فقال ما من بشر إلا و له ذنوب و خطايا يقترفها فمن كانت سجيته العقل و غريزته اليقين لم تضره ذنوبه قيل كيف ذلك يا رسول الله قال
كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة و ندامة على ما فرط منه فيمحو ذنوبه و يبقى له فضل يدخل به الجنة
و قد تقدم من قولنا في العقل و ما ذكر فيه ما فيه كفاية و نحن نذكر هاهنا شيئا آخر كان يقال العاقل يروي ثم يروي و يخبر ثم يخبر.و قال عبد الله بن المعتز ما أبين وجوه الخير و الشر في مرآة العقل.
لقمان يا بني شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء و تأخذه أنت بالمجان.أردشير بن بابك أربعة تحتاج إلى أربعة الحسب إلى الأدب و السرور إلى الأمن و القرابة إلى المودة و العقل إلى التجربة.الإسكندر لا تحتقر الرأي الجزيل من الحقير فإن الدرة لا يستهان بها لهوان غائصها.مسلمة بن عبد الملك ما ابتدأت أمرا قط بحزم فرجعت على نفسي بلائمة و إن كانت العاقبة علي و لا أضعت الحزم فسررت و إن كانت العاقبة لي.وصف رجل عضد الدولة بن بويه فقال لو رأيته لرأيت رجلا له وجه فيه ألف عين و فم فيه ألف لسان و صدر فيه ألف قلب.أثنى قوم من الصحابة على رجل عند رسول الله ص بالصلاة و العبادة و خصال الخير حتى بالغوا
فقال ص كيف عقله قالوا يا رسول الله
نخبرك باجتهاده في العبادة و ضروب الخير و تسأل عن عقله فقال إن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم مما يصيبه الفاجر بفجوره و إنما ترتفع العباد غدا في درجاتهم و ينالون من الزلفى من ربهم على قدر عقولهم.الريحاني العقل ملك و الخصال رعيته فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها و سمع هذا الكلام أعرابي فقال هذا كلام يقطر عسله.قال معن بن زائدة ما رأيت قفا رجل إلا عرفت عقله قيل فإن رأيت وجهه قال ذا كتاب يقرأ.بعض الفلاسفة عقل الغريزة مسلم إلى عقل التجربة.بعضهم كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا.قالوا في قوله تعالى( لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ) أي من كان عاقلا.و من كلامهم العاقل بخشونة العيش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السفهاء.أعرابي لو صور العقل أظلمت معه الشمس و لو صور الحمق لأضاء معه الليل.قيل لحكيم متى عقلت قال حين ولدت فأنكروا ذلك فقال أما أنا فقد بكيت حين جعت و طلبت الثدي حين احتجت و سكت حين أعطيت يريد أن من عرف مقادير حاجته فهو عاقل.المأمون إذا أنكرت من عقلك شيئا فاقدحه بعاقل.بزرجمهر العاقل الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها و كذلك العاقل يجمع وجوه
الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها في بعض حتى يستخلص الرأي الأصوب.كان يقال هجين عاقل خير من هجان جاهل.كان بعضهم إذا استشير قال لمشاوره أنظرني حتى أصقل عقلي بنومة.إذا نزلت المقادير نزلت التدابير من نظر في المغاب ظفر بالمحاب من استدت عزائمه اشتدت دعائمه الرأي السديد أجدى من الأيد الشديد.بعضهم:
و ما ألف مطرور السنان مشدد |
يعارض يوم الروع رأيا مسددا |
أبو الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان |
هو أول وهى المحل الثاني |
|
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة |
بلغت من العلياء كل مكان |
|
و لربما طعن الفتى أقرانه |
بالرأي قبل تطاعن الأقران |
|
لو لا العقول لكان أدنى ضيغم |
أدنى إلى شرف من الإنسان |
|
و لما تفاضلت النفوس و دبرت |
أيدي الكماة عوالي المران |
ذكر المأمون ولد علي ع فقال خصوا بتدبير الآخرة و حرموا تدبير الدنيا.كان يقال إذا كان الهوى مقهورا تحت يد العقل و العقل مسلط عليه صرفت مساوئ صاحبه إلى المحاسن فعدت بلادته حلما و حدته ذكاء و حذره بلاغة و عية صمتا و جبنه حذرا و إسرافه جودا.
و ذكر هذا الكلام عند بعضهم فقال هذه خصيصة الحظ نقلها مرتب هذا الكلام إلى العقل.سمع محمد بن يزداد كاتب المأمون قول الشاعر:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة |
فإن فساد الرأي أن تترددا |
فأضاف إليه:
و إن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا |
فإن فساد العزم أن يتفندا |
416
وَ قَالَ ع : مَنْ صَارَعَ اَلْحَقَّ صَرَعَهُ هذا مثل قوله في موضع آخر من أبدى صفحته للحق هلك و نحو هذا قول الطائي:
و من قامر الأيام عن ثمراتها |
فأحج بها أن تنجلي و لها القمر |
417
وَ قَالَ ع : اَلْقَلْبُ مُصْحَفُ اَلْبَصَرِ هذا مثل قول الشاعر:
تخبرني العينان ما القلب كاتم |
و ما جن بالبغضاء و النظر الشزر |
يقول ع كما أن الإنسان إذا نظر في المصحف قرأ ما فيه كذلك إذا أبصر الإنسان صاحبه فإنه يرى قلبه بوساطة رؤية وجهه ثم يعلم ما في قلبه من حب و بغض و غيرهما كما يعلم برؤية الخط الذي في المصحف ما يدل الخط عليه.و قال الشاعر:
إن العيون لتبدي في تقلبها |
ما في الضمائر من ود و من حنق |
418
وَ قَالَ ع : اَلتُّقَى رَئِيسُ اَلْأَخْلاَقِ يعني رئيس الأخلاق الدينية لأن الأخلاق الحميدة كالجود و الشجاعة و الحلم و العفة و غير ذلك لو قدرنا انتفاء التكاليف العقلية و الشرعية لم يكن التقى رئيسا لها و إنما رئاسة التقى لها مع ثبوت التكليف لا سيما الشرعي و التقى في الشرع هو الورع و الخوف من الله و إذا حصل حصلت الطاعات كلها و انتفت القبائح كلها فصار الإنسان معصوما و تلك طبقة عالية و هي أشرف من جميع الطبقات التي يمدح بها الإنسان نحو قولنا جواد أو شجاع أو نحوهما لأنها طبقة ينتقل الإنسان منها إلى الجنة و دار الثواب الدائم و هذه مزية عظيمة يفضل بها على سائر طبقات الأخلاق
419
وَ قَالَ ع : لاَ تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ وَ بَلاَغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ يقول لا شبهة أن الله تعالى هو الذي أنطقك و سدد لفظك و علمك البيان كما قال سبحانه( خَلَقَ اَلْإِنْسانَ عَلَّمَهُ اَلْبَيانَ ) فقبيح أن يجعل الإنسان ذرب لسانه و فصاحة منطقه على من أنطقه و أقدره على العبادة و قبيح أن يجعل الإنسان بلاغة قوله على من سدد قوله و جعله بليغا حسن التعبير على المعاني التي في نفسه و هذا كمن ينعم على إنسان بسيف فإنه يقبح منه أن يقتله بذلك السيف ظلما قبحا زائدا على ما لو قتله بغير ذلك السيف و ما أحسن قول المتنبي في سيف الدولة:
و لما كسا كعبا ثيابا طغوا بها |
رمى كل ثوب من سنان بخارق |
|
و ما يوجع الحرمان من كف حازم |
كما يوجع الحرمان من كف رازق |
420
وَ قَالَ ع : كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اِجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ قد قال ع هذا اللفظ أو نحوه مرارا و قد تكلمنا نحن عليه و ذكرنا نظائر له كثيرة نثرا و نظما.و كتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك في حال اقتضت ذلك:
ما على ذا افترقنا بشبذان إذ كنا |
و لا هكذا عهدنا الإخاء |
|
تضرب الناس بالمهندة البيض |
على غدرهم و تنسى الوفاء |
421
وَ قَالَ ع يُعَزِّي قَوْماً مَنْ صَبَرَ صَبْرَ اَلْأَحْرَارِ وَ إِلاَّ سَلاَ سُلُوَّ اَلْأَغْمَارِ وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ ع قَالَ لِلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مُعَزِّياً عَنِ اِبْنٍ لَهُ إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ اَلْأَكَارِمِ وَ إِلاَّ سَلَوْتَ سُلُوَّ اَلْبَهَائِمِ أخذ هذا المعنى أبو تمام بل حكاه فقال:
و قال علي في التعازي لأشعث |
و خاف عليه بعض تلك المآثم |
|
أتصبر للبلوى عزاء و حسبة |
فتؤجر أم تسلو سلو البهائم |
422
وَ قَالَ ع فِي صِفَةِ اَلدُّنْيَا اَلدُّنْيَا تَغُرُّ وَ تَضُرُّ وَ تَمُرُّ إِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ وَ لاَ عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ قد تقدم لنا كلام طويل في ذم الدنيا و من الكلام المستحسن قوله تغر و تضر و تمر و الكلمة الثانية أحسن و أجمل.و قرأت في بعض الآثار أن عيسى ع مر بقرية و إذا أهلها موتى في الطرق و الأفنية فقال للتلامذة إن هؤلاء ماتوا عن سخطة و لو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا فقالوا يا سيدنا وددنا أنا علمنا خبرهم فسأل الله تعالى فقال له إذا كان الليل فنادهم يجيبوك فلما كان الليل أشرف على نشز ثم ناداهم فأجابه مجيب فقال ما حالكم و ما قصتكم فقال بتنا في عافية و أصبحنا في الهاوية قال و كيف ذلك قال لحبنا الدنيا قال كيف كان حبكم لها قال حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرح بها و إذا أدبرت حزن عليها و بكى قال فما بال أصحابك لم يجيبوني قال لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال فكيف أجبتني أنت من بينهم قال لأني كنت فيهم و لم أكن منهم فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أنجو منها أكبكب فيها فقال المسيح لتلامذته لأكل خبز الشعير بالملح الجريش و لبس المسوح و النوم على المزابل و سباخ الأرض في حر الصيف كثير مع العافية من عذاب الآخرة
423
وَ إِنَّ أَهْلَ اَلدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا روي بيناهم حلول و بينا هي بين نفسها و وزنها فعلى أشبعت فتحة النون فصارت ألفا ثم قالوا بينما فزادوا ما و المعنى واحد تقول بينا نحن نفعل كذا جاء زيد أي بين أوقات فعلنا كذا جاء زيد و الجمل قد يضاف إليها أسماء الزمان نحو قولهم أتيتك زمن الحجاج أمير ثم حذفوا المضاف الذي هو أوقات و ولي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المحذوف.و كان الأصمعي يخفض بعد بينا إذا صلح في موضعه بين و ينشد قول أبي ذؤيب بالكسر:
بينا تعنقه الكماة و روغه |
يوما أتيح له جري سلفع |
و غيره يرفع ما بعد بينا و بينما على الابتداء و الخبر فأما إذ و إذا فإن أكثر أهل العربية يمنعون من مجيئهما بعد بينا و بينما و منهم من يجيزه و عليه جاء كلام أمير المؤمنين و أنشدوا:
بينما الناس على عليائها |
إذ هووا في هوة منها فغاروا |
و قالت الحرقة بنت النعمان بن المنذر:
و بينا نسوس الناس و الأمر أمرنا |
إذا نحن فيهم سوقة نتنصف |
و قال الشاعر:
أستقدر الله خيرا و أرضين به |
فبينما العسر إذ دارت مياسير |
|
و بينما المرء في الأحياء مغتبط |
إذ صار في اللحد تعفوه الأعاصير |
و مما جاء في وصف الدنيا مما يناسب كلام أمير المؤمنين قول أبي العتاهية:
إن دارا نحن فيها لدار |
ليس فيها لمقيم قرار |
|
كم و كم قد حلها من أناس |
ذهب الليل بهم و النهار |
|
فهم الركب قد أصابوا مناخا |
فاسترحوا ساعة ثم ساروا |
|
و كذا الدنيا على ما رأينا |
يذهب الناس و تخلو الديار |
424
وَ قَالَ ع لاِبْنِهِ اَلْحَسَنِ ع يَا بُنَيَّ لاَ تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ اَلدُّنْيَا فَإِنَّكَ تَخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اَللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ وَ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اَللَّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ قَالَ اَلرَّضِيُّ وَ يُرْوَى هَذَا اَلْكَلاَمُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَ هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلَّذِي فِي يَدَيْكَ يَدِكَ مِنَ اَلدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ وَ هُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلٍ بَعْدَكَ وَ إِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اَللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اَللَّهِ فَشَقِيَ فَشَقِيتَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ أَوْ وَ لاَ أَنْ تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ فَارْجُ لِمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اَللَّهِ وَ لِمَنْ بَقِيَ رِزْقَ اَللَّهِ تَعَالَى روي فإنك لا تخلفه إلا لأحد رجلين و هذا الفصل نهي عن الادخار و قد سبق لنا فيه كلام مقنع.و خلاصة هذا الفصل أنك إن خلفت مالا فإما أن تخلفه لمن يعمل فيه بطاعة الله أو لمن يعمل فيه بمعصيته فالأول يسعد بما شقيت به أنت و الثاني يكون معانا
منك على المعصية بما تركته له من المال و كلا الأمرين مذموم و إنما قال له فارج لمن مضى رحمة الله و لمن بقي رزق الله لأنه قال في أول الكلام قد كان لهذا المال أهل قبلك و هو صائر إلى أهل بعدك.و الكلام في ذم الادخار و الجمع كثير و للشعراء فيه مذاهب واسعة و معان حسنة و قال بعضهم:
يا جامعا مانعا و الدهر يرمقه |
مدبرا أي باب عنه يغلقه |
|
و ناسيا كيف تأتيه منيته |
أ غاديا أم بها يسري فتطرقه |
|
جمعت مالا فقل لي هل جمعت له |
يا جامع المال أياما تفرقه |
|
المال عندك مخزون لوارثه |
ما المال مالك إلا يوم تنفقه |
|
أرفه ببال فتى يغدو على ثقة |
أن الذي قسم الأرزاق يرزقه |
|
فالعرض منه مصون لا يدنسه |
و الوجه منه جديد ليس يخلقه |
|
إن القناعة من يحلل بساحتها |
لم يلق في ظلها هما يؤرقه |
425
وَ قَالَ ع لِقَائِلٍ قَالَ بِحَضْرَتِهِ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَ تَدْرِي مَا اَلاِسْتِغْفَارُ إِنَّ لِلاِسْتِغْفَارِ دَرَجَةَ اَلْعِلِّيِّينَ اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ وَ هُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ أَوَّلُهَا اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَ اَلثَّانِي اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً وَ اَلثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اَللَّهَ عزوجل أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ وَ اَلرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا وَ اَلْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَ يَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ وَ اَلسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ
قد روي أن الاستغفار درجة العليين.فيكون على تقدير حذف مضاف أي أن درجة الاستغفار درجة العليين و على الرواية الأولى يكون على تقدير حذف مضاف أي أن لصاحب الاستغفار درجة العليين و هو هاهنا جمع على فعيل كضليل و خمير تقول هذا رجل علي أي كثير العلو و منه العلية للغرفة على إحدى اللغتين و لا يجوز أن يفسر بما فسر به الراوندي من قوله إنه اسم السماء السابعة و نحو قوله هو سدرة المنتهى و نحو قوله هو موضع تحت قائمة العرش اليمنى لأنه لو كان كذلك لكان
علما فلم تدخله اللام كما لا يقال الجهنم و كذلك أيضا لا يجوز تفسيره بما فسره الراوندي أيضا قال العليين جمع علي الأمكنة في السماء لأنه لو كان كذلك لم يجمع بالنون لأنها تختص بمن يعقل و تصلح أن تكون الوجوه الأولى تفسيرا لقوله تعالى( كَلاَّ إِنَّ كِتابَ اَلْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) .قوله نبت على السحت أي على الحرام يقال سحت بالتسكين و سحت بالضم و أسحت الرجل في تجارته أي اكتسب السحت
و ينبغي أن نذكر في هذا الموضوع كلاما مختصرا مما يقوله أصحابنا في التوبة فإن كلام أمير المؤمنين هو الأصل الذي أخذ منه أصحابنا مقالتهم و الذي يقولونه في التوبة فقد أتى على جوامعه ع في هذا الفصل على اختصاره.قال أصحابنا الكلام في التوبة يقع من وجوه منها الكلام في ماهية التوبة و الكلام في إسقاطها الذم و العقاب و الكلام في أنه يجب علينا فعلها و الكلام في شرطها أما ماهية التوبة فهي الندم و العزم لأن التوبة هي الإنابة و الرجوع و ليس يمكن أن يرجع الإنسان عما فعله إلا بالندم عليه و العزم على ترك معاودته و ما يتوب الإنسان منه إما أن يكون فعلا قبيحا و إما أن يكون إخلالا بواجب فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يندم عليه و يعزم ألا يعود إلى مثله و عزمه على ذلك هو كراهيته لفعله و التوبة من الإخلال بالواجب هي أن يندم على إخلاله بالواجب
و يعزم على أداء الواجب فيما بعد فأما القول في أن التوبة تسقط العذاب فعندنا أن العقل يقتضي قبح العقاب بعد التوبة و خالف أكثر المرجئة في ذلك من الإمامية و غيرهم و احتج أصحابنا بقبح عقوبة المسيء إلينا بعد ندمه و اعتذاره و تنصله و العلم بصدقه و العلم بأنه عازم على ألا يعود.فأما القول في وجوب التوبة على العصاة فلا ريب أن الشرع يوجب ذلك فأما العقل فالقول فيه أنه لا يخلو المكلف إما أن يعلم أن معصيته كبيرة أو يعلم أنها صغيرة أو يجوز فيها كلا الأمرين فإن علم كونها كبيرة وجب عليه في العقول التوبة منها لأن التوبة مزيلة لضرر الكبيرة و إزالة المضار واجبة في العقول و إن جوز كونها كبيرة و جوز كونها صغيرة لزمه أيضا في العقل التوبة منها لأنه يأمن بالتوبة من مضرة مخوفة و فعل ما يؤمن من المضار المخوفة واجب و إن علم أن معصيته صغيرة و ذلك كمعاصي الأنبياء و كمن عصى ثم علم بإخبار نبي أن معصيته صغيرة محبطة فقد قال الشيخ أبو علي إن التوبة منها واجبة في العقول لأنه إن لم يتب كان مصرا و الإصرار قبيح.و قال الشيخ أبو هاشم لا تجب التوبة منها في العقل بالشرع لأن فيها مصلحة يعلمها الله تعالى قال إنه يجوز أن يخلو الإنسان من التوبة عن الذنب و من الإصرار عليه لأن الإصرار عليه هو العزم على معاودة مثله و التوبة منه أن يكره معاودة مثله مع الندم على ما مضى و يجوز أن يخلو الإنسان من العزم على الشيء و من كراهته.و مال شيخنا أبو الحسينرحمهالله إلى وجوب التوبة هاهنا عقلا لدليل غير دليل أبي عليرحمهالله .
فأما القول في صفات التوبة و شروطها فإنها على ضربين أحدهما يعم كل توبة و الآخر يختلف بحسب اختلاف ما يتاب منه فالأول هو الندم و العزم على ترك المعاودة.و أما الضرب الثاني فهو أن ما يتوب منه المكلف إما أن يكون فعلا أو إخلالا بواجب فإن كان فعلا قبيحا وجب عند الشيخ أبي هاشمرحمهالله أن يندم عليه لأنه فعل قبيح و أن يكره معاودة مثله لأنه قبيح و إن كان إخلالا بواجب وجب عليه عنده أن يندم عليه لأنه إخلال بواجب و أن يعزم على فعل مثل ما أخل به لأنه واجب فإن ندم خوف النار فقط أو شوقا إلى الجنة فقط أو لأن القبيح الذي فعله يضر ببدنه كانت توبته صحيحة و إن ندم على القبيح لقبحه و لخوف النار و كان لو انفرد قبحه ندم عليه فإن توبته تكون صحيحة و إن كان لو انفرد القبح لم يندم عليه فإنه لا تكون توبته صحيحة عنده و الخلاف فيه مع الشيخ أبي علي و غيره من الشيوخ رحمهم الله و إنما اختار أبو هاشم هذا القول لأن التوبة تجري مجرى الاعتذار بيننا و معلوم أن الواحد منا لو أساء إلى غيره ثم ندم على إساءته إليه و اعتذر منها خوفا من معاقبته له عليها أو من معاقبة السلطان حتى لو أمن العقوبة لما اعتذر و لا ندم بل كان يواصل الإساءة فإنه لا يسقط ذمه فكذلك التوبة خوف النار لا لقبح الفعل.و قد نقل قاضي القضاة هذا المذهب عن أمير المؤمنين ع و الحسن البصري و علي بن موسى الرضا و القاسم بن إبراهيم الزينبي.قال أصحابنا و للتوبة شروط أخر تختلف بحسب اختلاف المعاصي و ذلك أن
ما يتوب منه المكلف إما أن يكون فيه لآدمي حق أو لا حق فيه لآدمي فما ليس للآدمي فيه حق فنحو ترك الصلاة فإنه لا يجب فيه إلا الندم و العزم على ما قدمنا و ما لآدمي فيه حق على ضربين أحدهما أن يكون جناية عليه في نفسه أو أعضائه أو ماله أو دينه و الآخر ألا يكون جناية عليه في شيء من ذلك فما كان جناية عليه في نفسه أو أعضائه أو ماله فالواجب فيه الندم و العزم و أن يشرع في تسليم بدل ما أتلف فإن لم يتمكن من ذلك لفقر أو غيره عزم على ذلك إذا تمكن منه فإن مات قبل التمكن لم يكن من أهل العقاب و إن جنى عليه في دينه بأن يكون قد أضله بشبهة استزله بها فالواجب عليه مع الندم العزم و الاجتهاد في حل شبهته من نفسه فإن لم يتمكن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكن فإن مات قبل التمكن أو تمكن منه و اجتهد في حل الشبهة فلم تنحل من نفس ذلك الضال فلا عقاب عليه لأنه قد استفرغ جهده فإن كانت المعصية غير جناية نحو أن يغتابه أو يسمع غيبته فإنه يلزمه الندم و العزم و لا يلزمه أن يستحله أو يعتذر إليه لأنه ليس يلزمه أرش لمن اغتابه فيستحله ليسقط عنه الأرش و لا غمه فيزيل غمه بالاعتذار و في ذكر الغيبة له ليستحله فيزيل غمه منها إدخال غم عليه فلم يجز ذلك فإن كان قد أسمع المغتاب غيبته فذلك جناية عليه لأنه قد أوصل إليه مضرة الغم فيلزمه إزالة ذلك بالاعتذار
426
وَ قَالَ ع اَلْحِلْمُ عَشِيرَةٌ كان يقال الحلم جنود مجندة لا أرزاق لها.و قال ع وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال.و قال الشاعر:
و للكف عن شتم اللئيم تكرما |
أضر له من شتمه حين يشتم |
و كان يقال من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة السلم.و قد تقدم من القول في الحلم ما فيه كفاية
427
وَ قَالَ ع : مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ وَ تَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ وَ تُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَةُ قد تقدم هاهنا خبر المبتدإ عليه و التقدير ابن آدم مسكين ثم بين مسكنته من أين هي فقال إنها من ستة أوجه أجله مكتوم لا يدري متى يخترم و علله باطنة لا يدري بها حتى تهيج عليه و عمله محفوظ( ما لِهذَا اَلْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها ) و قرص البقة يؤلمه و الشرقة بالماء تقتله و إذا عرق أنتنته العرقة الواحدة و غيرت ريحه فمن هو على هذه الصفات فهو مسكين لا محالة لا ينبغي أن يأمن و لا أن يفخر
428
وَ يُرْوَى رُوِيَ أَنَّهُ ع كَانَ جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ إِذْ مَرَّتْ فَمَرَّتْ بِهِمُ اِمْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا اَلْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ ع إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ اَلْفُحُولِ طَوَامِحُ وَ إِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابِهَا فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى اِمْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ فَإِنَّمَا هِيَ اِمْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْخَوَارِجِ قَاتَلَهُ اَللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ قَالَ فَوَثَبَ اَلْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ ع رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ تقول هب الفحل و التيس يهب بالكسر هبيبا أو هبابا إذا هاج للضراب أو للفساد و الهباب أيضا صوت و التيس إذا هب فهو مهباب و قد هبهبته أي دعوته لينزو فتهبهب أي تزعزع.و سألني صديقنا علي بن البطريق عن هذه القصة فقال ما باله عفا عن الخارجي و قد طعن فيه بالكفر و أنكر على الأشعث قوله هذه عليك لا لك فقال
ما يدريك عليك لعنة الله ما علي مما لي حائك ابن حائك منافق ابن كافر و ما واجهه به الخارجي أفظع مما واجهه الأشعث فقلت لا أدري.قال لأن كل صاحب فضيلة يعظم عليه أن يطعن في فضيلته تلك و يدعى عليه أنه فيها ناقص و كان علي ع بيت العلم فلما طعن فيه الأشعث طعن بأنك لا تدري ما عليك مما لك فشق ذلك عليه و امتعض منه و جبهه و لعنه و أما الخارجي فلم يطعن في علمه بل أثبته له و اعترف به و تعجب منه فقال قاتله الله كافرا ما أفقهه فاغتفر له لفظة كافر بما اعترف له به من علو طبقته في الفقه و لم يخشن عليه خشونته على الأشعث و كان قد مرن على سماع قول الخوارج أنت كافر و قد كفرت يعنون التحكيم فلم يحفل بتلك اللفظة و نهى أصحابه عن قتله محافظة و رعاية له على ما مدحه به
429
وَ قَالَ ع : كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ يقول ع كفى الإنسان من عقله ما يفرق به بين الغي و الرشاد و بين الحق من العقائد و الباطل فإنه بذلك يتم تكليفه و لا حاجة في التكليف و الفرق بين الغي و الرشد إلى زيادة على ذلك نحو التجارب التي تفيده الحزم التام و معرفة أحوال الدنيا و أهلها و أيضا لا حاجة له إلى أن يكون عنده من الفطنة الثاقبة و الذكاء التام ما يستنبط به دقائق الكلام في الحكمة و الهندسة و العلوم الغامضة فإن ذلك كله فضل مستغنى عنه فإن حصل للإنسان فقد كمل و إن لم يحصل للإنسان فقد كفاه في تكليفه و نجاته من معاطب العصيان ما يفرق به بين الغي و الرشاد و هو حصول العلوم البديهية في القلب و ما جرى مجراها من علوم العادات و ما يذكره أصحابنا في باب التكليف
430
وَ قَالَ ع : اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ وَ لاَ تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَ قَلِيلَهُ كَثِيرٌ وَ لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ اَلْخَيْرِ مِنِّي فَيَكُونَ وَ اَللَّهِ كَذَلِكَ القليل من الخير خير من عدم الخير أصلا.قال ع لا يقولن أحدكم إن فلانا أولى بفعل الخير مني فيكون و الله كذلك مثاله قوم موسرون في محلة واحدة قصد واحدا منهم سائل فرده و قال له اذهب إلى فلان فهو أولى بأن يتصدق عليك مني فإن هذه الكلمة تقال دائما نهى ع عن قولها و قال فيكون و الله كذلك أي إن الله تعالى يوفق ذلك الشخص الذي أحيل ذلك السائل عليه و ييسر الصدقة عليه و يقوي دواعيه إليها فيفعلها فتكون كلمة ذلك الإنسان الأول قد صادفت قدرا و قضاء و وقع الأمر بموجبها
431
إِنَّ لِلْخَيْرِ وَ لِلشَّرِّ أَهْلاً فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ يقول ع إن عن لك باب من أبواب الخير و تركته فسوف يكفيكه بعض الناس ممن جعله الله تعالى أهلا للخير و إسداء المعروف إلى الناس و إن عن لك باب من أبواب الشر فتركته فسوف يكفيكه بعض الناس ممن جعلتهم أنفسهم و سوء اختيارهم أهلا للشر و أذى الناس فاختر لنفسك أيما أحب إليك أن تحظى بالمحمدة و الثواب و تفعل ما إن تركته فعله غيرك و حظي بحمده و ثوابه أو أن تتركه و أيما أحب إليك أن تشقى بالذم عاجلا و العقاب آجلا و تفعل ما إن تركته كفاكه غيرك و بلغت غرضك منه على يد غيرك أو أن تفعله و لا ريب أن العاقل يختار فعل الخير و ترك الشر إذا أفكر حق الفكر فيما قد أوضحناه
432
وَ قَالَ ع : مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اَللَّهُ عَلاَنِيَتَهُ وَ مَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اَللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَللَّهِ أَحْسَنَ اَللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلنَّاسِ لا ريب أن الأعمال الظاهرة تبع للأعمال الباطنة فمن صلح باطنه صلح ظاهره و بالعكس و ذلك لأن القلب أمير مسلط على الجوارح و الرعية تتبع أميرها و لا ريب أن من عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه و قد شهد بذلك الكتاب العزيز في قوله سبحانه( وَ مَنْ يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) .
و لهذا أيضا علة ظاهرة و ذاك أن من عمل لله سبحانه و للدين فإنه لا يخفى حاله في أكثر الأمر عن الناس و لا شبهة أن الناس إذا حسنت عقيدتهم في إنسان و علموا متانة دينه بوبوا له إلى الدنيا أبوابا لا يحتاج أن يتكلفها و لا يتعب فيها فيأتيه رزقه من غير كلفة و لا كد و لا ريب أن من أحسن فيما بينه و بين الله أحسن الله ما بينه و بين الناس و ذلك لأن القلوب بالضرورة تميل إليه و تحبه و ذلك لأنه إذا كان محسنا بينه و بين الناس عف عن أموال الناس و دمائهم و أعراضهم و ترك الدخول فيما لا يعنيه و لا شبهة أن من كان بهذه الصفة فإنه يحسن ما بينه و بين الناس
433
وَ قَالَ ع : اَلْحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ وَ اَلْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ فَاسْتُرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ وَ قَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ لما جعل الله الحلم غطاء و العقل حساما أمره أن يستر خلل خلقه بذلك الغطاء و أن يقاتل هواه بذلك الحسام و قد سبق القول في الحلم و العقل
434
وَ قَالَ ع : إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمْ يَخْتَصُّهُمُ اَللَّهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ اَلْعِبَادِ فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ قد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم و قد قالت الشعراء فيه فأكثروا و قريب من ذلك قول الشاعر:
و بالناس عاش الناس قدما و لم يزل |
من الناس مرغوب إليه و راغب |
و أشد تصريحا بالمعنى قول الشاعر:
لم يعطك الله ما أعطاك من نعم |
إلا لتوسع من يرجوك إحسانا |
|
فإن منعت فأخلق أن تصادفها |
تطير عنك زرافات و وحدانا |
435
وَ قَالَ ع : لاَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَيْنِ اَلْعَافِيَةِ وَ اَلْغِنَى بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافًى إِذْ سَقِمَ وَ بَيْنَا تَرَاهُ غَنِيّاً إِذِ اِفْتَقَرَ قد تقدم القول في هذا المعنى.و قال الشاعر:
و بينما المرء في الأحياء مغتبط |
إذ صار في اللحد تسفيه الأعاصير |
و قال آخر:
لا يغرنك عشاء ساكن |
قد يوافي بالمنيات السحر |
و قال عبيد الله بن طاهر:
و إذا ما أعارك الدهر شيئا |
فهو لا بد آخذ ما أعارا |
آخر:
يغر الفتى مر الليالي سليمة |
و هن به عما قليل عواثر |
و قال آخر:
و رب غني عظيم الثراء |
أمسى مقلا عديما فقيرا |
|
و كم بات من مترف في القصور |
فعوض في الصبح عنها القبورا |
436
وَ قَالَ ع : مَنْ شَكَا اَلْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اَللَّهِ وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اَللَّهَ قد تقدم القول في شكوى الحال و كراهيتها و كلام أمير المؤمنين ع يدل على أنه لا يكره شكوى الحال إلى المؤمن و يكرهها إلى غير المؤمن و هذا مذهب ديني غير المذهب العرفي.و أكثر مذاهبه و مقاصده ع في كلامه ينحو فيها نحو الدين و الورع و الإسلام و كأنه يجعل الشكوى إلى المؤمن كالشكوى إلى الخالق سبحانه لأنه لا يشكو إلى المؤمن إلا و قد خلت شكواه من التسخط و التأفف و لا يشكو إلى الكافر إلا و قد شاب شكواه بالاستزادة و التضجر فافترقت الحال في الموضعين.فأما المذهب المشهور في العرف و العادة فاستهجان الشكوى على الإطلاق لأنها دليل على ضعف النفس و خذلانها و قلة الصبر على حوادث الدهر و ذلك عندهم غير محمود
437
وَ قَالَ ع فِي بَعْضِ اَلْأَعْيَادِ إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اَللَّهُ صِيَامَهُ وَ شَكَرَ قِيَامَهُ وَ كُلُّ يَوْمٍ لاَ نَعْصِي اَللَّهَ يُعْصَى اَللَّهُ فِيهِ فَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ عِيدٌ المعنى ظاهر و قد نقله بعض المحدثين إلى الغزل فقال:
قالوا أتى العيد قلت أهلا |
إن جاء بالوصل فهو عيد |
|
من ظفرت بالمنى يداه |
فكل أيامه سعود |
و رأيت بعض الصوفية و قد سمع هذين البيتين من مغن حاذق فطرب و صفق و أخذهما لمعنى عنده.و قد قال بعض المحدثين في هذا المعنى أيضا:
قالوا أتى العيد و الأيام مشرقة |
و أنت تبكي و كل الناس مسرور |
|
فقلت إن واصل الأحباب كان لنا |
عيدا و إلا فهذا اليوم عاشور |
438
وَ قَالَ ع : إِنَّ أَعْظَمَ اَلْحَسَرَاتِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اَللَّهِ فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَدَخَلَ بِهِ اَلْجَنَّةَ وَ دَخَلَ اَلْأَوَّلُ بِهِ اَلنَّارَ كان يقال لعمر بن عبد العزيز بن مروان السعيد ابن الشقي و ذلك أن عبد العزيز بن مروان ملك ضياعا كثيرة بمصر و الشام و العراق و المدينة من غير طاعة الله بل بسلطان أخيه عبد الملك و بولاية عبد العزيز نفسه مصر و غيرها ثم تركها لابنه عمر فكان ينفقها في طاعة الله سبحانه و في وجوه البر و القربات إلى أن أفضت الخلافة إليه فلما أفضت إليه أخرج سجلات عبد الملك بها لعبد العزيز فمزقها بمحضر من الناس و قال هذه كتبت من غير أصل شرعي و قد أعدتها إلى بيت المال
439
وَ قَالَ ع : إِنَّ أَخْسَرَ اَلنَّاسِ صَفْقَةً وَ أَخْيَبَهُمْ سَعْياً رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ آمَالِهِ مَالِهِ وَ لَمْ تُسَاعِدْهُ اَلْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ فَخَرَجَ مِنَ اَلدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ وَ قَدِمَ عَلَى اَلآْخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ هذه صورة أكثر الناس و ذلك لأن أكثرهم يكد بدنه و نفسه في بلوغ الآمال الدنيوية و القليل منهم من تساعد المقادير على إرادته و إن ساعدته على شيء منها بقي في نفسه ما لا يبلغه كما قيل:
نروح و نغدو لحاجاتنا |
و حاجة من عاش لا تنقضي |
|
تموت مع المرء حاجاته |
و تبقى له حاجة ما بقي |
فأكثرهم إذن يخرج من الدنيا بحسرته و يقدم على الآخرة بتبعته لأن تلك الآمال التي كانت الحركة و السعي فيها ليست متعلقة بأمور الدين و الآخرة لا جرم أنها تبعات و عقوبات و نسأل الله عفوه
440
وَ قَالَ ع : اَلرِّزْقُ رِزْقَانِ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ فَمَنْ طَلَبَ اَلدُّنْيَا طَلَبَهُ اَلْمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا وَ مَنْ طَلَبَ اَلآْخِرَةَ طَلَبَتْهُ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ رِزْقَهُ مِنْهَا هذا تحريض على طلب الآخرة و وعد لمن طلبها بأنه سيكفي طلب الدنيا و إن الدنيا ستطلبه حتى يستوفي رزقه منها.و قد قيل مثل الدنيا مثل ظلك كلما طلبته بعد عنك فإن أدبرت عنه تبعك
441
وَ قَالَ ع : إِنَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ هُمُ اَلَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ اَلدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا وَ اِشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اِشْتَغَلَ اَلنَّاسُ بِعَاجِلِهَا فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ وَ تَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ وَ رَأَوُا اِسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اِسْتِقْلاَلاً وَ دَرْكَهُمْ دَرَكَهُمْ لَهَا فَوَاتاً فَوْتاً أَعْدَاءٌ لِمَا أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ اَلنَّاسُ وَ سَلْمٌ لِمَنْ سَلْمُ مَا عَادَى اَلنَّاسُ بِهِمْ عُلِمَ اَلْكِتَابُ وَ بِهِ عُلِمُوا عَلِمُوا وَ بِهِمْ قَامَ كِتَابُ اَللَّهِ تَعَالَى اَلْكِتَابُ وَ بِهِ قَامُوا لاَ يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ وَ لاَ مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ هذا يصلح أن تجعله الإمامية شرح حال الأئمة المعصومين على مذاهبهم لقوله فوق ما يرجون بهم علم الكتاب و به علموا و أما نحن فنجعله شرح حال العلماء العارفين و هم أولياء الله الذين ذكرهم ع لما نظر الناس إلى ظاهر الدنيا و زخرفها من المناكح و الملابس و الشهوات الحسية نظروا هم إلى باطن الدنيا فاشتغلوا بالعلوم و المعارف و العبادة و الزهد في الملاذ الجسمانية فأماتوا من شهواتهم و قواهم المذمومة كقوة الغضب و قوة الحسد ما خافوا أن يميتهم و تركوا من الدنيا اقتناء الأموال لعلمهم أنها ستتركهم و أنه لا يمكن دوام الصحبة معها فكان استكثار الناس من تلك الصفات استقلالا عندهم و بلوغ الناس لها فوتا أيضا عندهم فهم خصم لما سالمه الناس
من الشهوات و سلم لما عاداه الناس من العلوم و العبادات و بهم علم الكتاب لأنه لولاهم لما عرف تأويل الآيات المتشابهات و لأخذها الناس على ظواهرها فضلوا و بالكتاب علموا لأن الكتاب دل عليهم و نبه الناس على مواضعهم نحو قوله( إِنَّما يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبادِهِ اَلْعُلَماءُ ) .و قوله( هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) .و قوله( وَ مَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) .و نحو ذلك من الآيات التي تنادي عليهم و تخطب بفضلهم و بهم قام الكتاب لأنهم قرروا البراهين على صدقه و صحة وروده من الله تعالى على لسان جبريل ع و لولاهم لم يقم على ذلك دلالة للعوام و بالكتاب قاموا أي باتباع أوامر الكتاب و آدابه قاموا لأنه لو لا تأدبهم بآداب القرآن و امتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا بل كان وباله عليهم ثم قال إنهم لا يرون مرجوا فوق ما يرجون و لا مخوفا فوق ما يخافون و كيف لا يكونون كذلك و مرجوهم مجاورة الله تعالى في حظائر قدسه و هل فوق هذا مرجو لراج و مخوفهم سخط الله عليهم و إبعادهم عن جنابه و هل فوق هذا مخوف لخائف
442
وَ قَالَ ع : اُذْكُرُوا اِنْقِطَاعَ اَللَّذَّاتِ وَ بَقَاءَ اَلتَّبِعَاتِ قد تقدم القول في نحو هذا مرارا و قال الشاعر:
تفنى اللذاذة ممن نال بغيته |
من الحرام و يبقى الإثم و العار |
|
تبقى عواقب سوء في مغبتها |
لا خير في لذة من بعدها النار |
و راود رجل امرأة عن نفسها فقالت له إن امرأ يبيع جنة عرضها السموات و الأرض بمقدار إصبعين لجاهل بالمساحة فاستحيا و رجع
443
وَ قَالَ ع : اُخْبُرْ تَقْلِهِ قال الرضيرحمهالله تعالى و من الناس من يروي هذا لرسول الله ص و مما يقوي أنه من كلام أمير المؤمنين ما حكاه ثعلب قال حدثنا ابن الأعرابي قال قال المأمون لو لا أن عليا ع قال اخبر تقله لقلت أنا اقله تخبر المعنى اختبر الناس و جربهم تبغضهم فإن التجربة تكشف لك مساويهم و سوء أخلاقهم فضرب مثلا لمن يظن به الخير و ليس هناك فأما قول المأمون لو لا أن عليا قاله لقلت اقله تخبر فليس المراد حقيقة القلى و هو البغض بل المراد الهجر و القطيعة يقول قاطع أخاك مجربا له هل يبقى على عهدك أم ينقضه و يحوله عنك.و من كلام عتبة بن أبي سفيان طيروا الدم في وجوه الشباب فإن حلموا و أحسنوا الجواب فهم هم و إلا فلا تطمعوا فيهم يقول أغضبوهم لأن الغضبان يحمر وجهه فإن ثبتوا لذلك الكلام المغضب و حلموا و أجابوا جواب الحليم العاقل فهم ممن يعقد عليه الخنصر و يرجى فلاحه و إن سفهوا و شتموا و لم يثبتوا لذلك الكلام فلا رجاء لفلاحهم و من المعنى الأول قول أبي العلاء
جربت دهري و أهليه فما تركت |
لي التجارب في ود امرئ غرضا |
و قال آخر:
و كنت أرى أن التجارب عدة |
فخانت ثقات الناس حتى التجارب |
و قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
رأيت فضيلا كان شيئا ملففا |
فأبرزه التمحيص حتى بدا ليا |
آخر:
عتبت على سلم فلما فقدته |
و جربت أقواما رجعت إلى سلم |
مثله:
ذممتك أولا حتى إذا ما |
بلوت سواك عاد الذم حمدا |
|
و لم أحمدك من خير و لكن |
وجدت سواك شرا منك جدا |
|
فعدت إليك مضطرا ذليلا |
لأني لم أجد من ذاك بدا |
|
كمجهود تحامى أكل ميت |
فلما اضطر عاد إليه شدا |
الذي يتعلق به غرضنا من الأبيات هو البيت الأول و ذكرنا سائرها لحسنها
444
وَ قَالَ ع : مَا كَانَ اَللَّهُ عزوجل لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ اَلشُّكْرِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلزِّيَادَةِ وَ لاَ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ اَلدُّعَاءِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلْإِجَابَةِ وَ لاَ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ لِعَبْدٍ بَابَ اَلتَّوْبَةِ وَ يُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ اَلْمَغْفِرَةِ قد تقدم القول في الشكر و اقتضائه الزيادة و اقتضاء الدعاء الإجابة و التوبة المغفرة على وجه الاستقصاء في الجميع
445
وَ قَالَ ع : أَوْلَى اَلنَّاسِ بِالْكَرَمِ مَنْ عَرَّقَتْ عُرِفَتْ فِيهِ اَلْكِرَامُ أعرقت و عرقت في هذا الموضع بمعنى أي ضربت عروقه في الكرم أي له سلف و آباء كرام و قال المبرد أنشدني أبو محلم السعدي:
إنا سألنا قومنا فخيارهم |
من كان أفضلهم أبوه الأفضل |
|
أعطى الذي أعطى أبوه قبله |
و تبخلت أبناء من يتبخل |
قال و أنشدني أيضا في المعنى:
لطلحة بن خثيم حين تسأله |
أندى و أكرم من فند بن هطال |
|
و بيت طلحة في عز و مكرمة |
و بيت فند إلى ربق و أحمال |
|
أ لا فتى من بني ذبيان يحملني |
و ليس يحملني إلا ابن حمال |
|
فقلت طلحة أولى من عمدت له |
و جئت أمشي إليه مشي مختال |
|
مستيقنا أن حبلي سوف يعلقه |
في رأس ذيالة أو رأس ذيال |
و قال آخر:
عند الملوك مضرة و منافع |
و أرى البرامك لا تضر و تنفع |
|
إن العروق إذا استسر بها الثرى |
أثرى النبات بها و طاب المزرع |
|
و إذا جهلت من امرئ أعراقه |
و قديمه فانظر إلى ما يصنع |
و قال آخر:
إن السري إذا سرى فبنفسه |
و ابن السري إذا سرى أسراهما |
و قال البحتري:
و أرى النجابة لا يكون تمامها |
لنجيب قوم ليس بابن نجيب |
446
وَ سُئِلَ ع أَيُّمَا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ اَلْعَدْلُ أَوِ اَلْجُودُ فَقَالَ اَلْعَدْلُ يَضَعُ اَلْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا وَ اَلْجُودُ يُخْرِجُهَا مِنْ جِهَتِهَا وَ اَلْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ وَ اَلْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَ أَفْضَلُهُمَا هذا كلام شريف جليل القدر فضل ع العدل بأمرين أحدهما أن العدل وضع الأمور مواضعها و هكذا العدالة في الاصطلاح الحكمي لأنها المرتبة المتوسطة بين طرفي الإفراط و التفريط و الجود يخرج الأمر من موضعه و المراد بالجود هاهنا هو الجود العرفي و هو بذل المقتنيات للغير لا الجود الحقيقي لأن الجود الحقيقي ليس يخرج الأمر من جهته نحو جود البارئ تعالى.و الوجه الثاني أن العدل سائس عام في جميع الأمور الدينية و الدنيوية و به نظام العالم و قوام الوجود و أما الجود فأمر عارض خاص ليس عموم نفعه كعموم نفع العدل
447
وَ قَالَ ع : اَلنَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا هذه من ألفاظه الشريفة التي لا نظير لها و قد تقدم ذكرها و ذكر ما يناسبها و كان يقال من جهل شيئا عاداه.و قال الشاعر:
جهلت أمرا فأبديت النكير له |
و الجاهلون لأهل العلم أعداء |
و قيل لأفلاطون لم يبغض الجاهل العالم و لا يبغض العالم الجاهل فقال لأن الجاهل يستشعر النقص في نفسه و يظن أن العالم يحتقره و يزدريه فيبغضه و العالم لا نقص عنده و لا يظن أن الجاهل يحتقره فليس عنده سبب لبغض الجاهل
448
وَ قَالَ ع : اَلزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ اَلْقُرْآنِ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) وَ مَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى اَلْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالآْتِي فَقَدْ أَخَذَ اَلزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ قد تقدم القول في هذين المعنيين بما فيه كفاية
449
وَ قَالَ ع : اَلْوِلاَيَاتُ مَضَامِيرُ اَلرِّجَالِ أي تعرف الرجال بها كما تعرف الخيل بالمضمار و هو الموضع أو المدة التي تضمر فيها الخيل فمن الولاة من يظهر منه أخلاق حميدة و منهم من يظهر منه أخلاق ذميمة و قال الشاعر:
سكرات خمس إذا مني المرء |
بها صار عرضة للزمان |
|
سكرة المال و الحداثة و العشق |
و سكر الشراب و السلطان |
و قال آخر:
يا ابن وهب و المرء في دولة السلطان |
أعمى ما دام يدعى أميرا |
|
فإذا زالت الولاية عنه |
و استوى بالرجال عاد بصيرا |
و قال البحتري:
و تاه سعيد أن أعير رئاسة |
و قلد أمرا كان دون رجاله |
|
و ضاق على حقي بعقب اتساعه |
فأوسعته عذرا لضيق احتماله |
|
فأدبر عني عند إقبال حظه |
و غير حالي عنده حسن حاله |
|
فليت أبا عثمان أمسك تيهه |
كإمساكه عند الحقوق بماله |
450
وَ قَالَ ع : مَا أَنْقَضَ اَلنَّوْمَ لِعَزَائِمِ اَلْيَوْمِ هذه الكلمة قد سبقت و تكلمنا عليها و ما أحسن قول المعري:
ما قضى الحاجات إلا شمل |
نومه فوق فراش من نمال |
و قال الرضيرحمهالله :
عليها أخامس مثل الصقور |
طوال الرجاء جسام الأرب |
|
و كل فتى حظ أجفانه |
من النوم مضمضة يستلب |
|
فبينا يقال كرى جفنه |
بقطع من الليل إذ قيل هب |
451
وَ قَالَ ع : لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ خَيْرُ اَلْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ هذا المعنى قد قيل كثيرا و من ذلك قول الشاعر:
لا يصدفنك عن أمر تحاوله |
فراق أهل و أحباب و جيران |
|
تلقى بكل ديار ما حللت بها |
أهلا بأهل و أوطانا بأوطان |
و قال شيخي أبو جعفر يحيى بن أبي زيد نقيب البصرة:
أنسيتني بلدي و أرض عشيرتي |
و نزلت من نعماك أكرم منزل |
|
و أخذت فيك مدائحي فكأنها |
في آل شماس مدائح جرول |
أبو عبادة البحتري:
في نعمة أوطأتها و أقمت في |
أكنافها فكأنني في منبج |
و منبج هي مدينة البحتري أبو تمام:
كل شعب كنتم به آل وهب |
فهو شعبي و شعب كل أديب |
إن قلبي لكم لكالكبد الحرى |
و قلبي لغيركم كالقلوب |
و قد ذهب كثير من الناس إلى غير هذا المذهب فجعلوا بعض البلاد أحق بالإنسان من بعض و هو الوطن الأول و مسقط الرأس قال الشاعر:
أحب بلاد الله ما بين منبج |
إلي و سلمى أن يصوب سحابها |
|
بلاد بها نيطت علي تمائمي |
و أول أرض مس جلدي ترابها |
و كان يقال ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.و قال ابن عباس لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى أحد الرزق.و كان يقال كما أن لحاضنتك حق لبنها فلأرضك حرمة وطنها.و كانت العرب تقول حماك أحمى لك و أهلك أحفى بك.و قال الشاعر:
و كنا ألفناها و لم تك مألفاؤ |
و قد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن |
|
كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها |
هواء و لا ماء و لكنها وطن |
أعرابي رملة حضنتني أحشاؤها و أرضعتني أحساؤها.كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه و تطرحه في الماء إذا شربته و كذلك كانت فلاسفة يونان تفعل.و قال الشاعر في هذا المعنى:
نسير على علم بكنه مسيرنا |
بعفة زاد في بطون المزاود |
و لا بد في أسفارنا من قبيصة |
من الترب نسقاها لحب الموالد |
و قالت الهند حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك كان غذاؤك منهما و أنت جنين و كان غذاؤهما منك.و من الكلام القديم لو لا الوطن و حبه لخرب بلد السوء.ابن الرومي:
و حبب أوطان الرجال إليهم |
مآرب قضاها الشباب هنالكا |
|
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم |
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا |
452
وَ قَالَ ع وَ قَدْ جَاءَهُ نَعْيُ اَلْأَشْتَرِرحمهالله مَالِكٌ وَ مَا مَالِكٌ وَ اَللَّهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً أَوْ وَ لَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً لاَ يَرْتَقِيهِ اَلْحَافِرُ وَ لاَ يُوفِي عَلَيْهِ اَلطَّائِرُ قال الرضيرحمهالله تعالى الفند المنفرد من الجبال يقال إن الرضي ختم كتاب نهج البلاغة بهذا الفصل و كتبت به نسخ متعددة ثم زاد عليه إلى أن وفى الزيادات التي نذكرها فيما بعد.و قد تقدم ذكر الأشتر و إنما قال لو كان جبلا لكان فندا لأن الفند قطعة الجبل طولا و ليس الفند القطعة من الجبل كيفما كانت و لذلك قال لا يرتقيه الحافر لأن القطعة المأخوذة من الجبل طولا في دقة لا سبيل للحافر إلى صعودها و لو أخذت عرضا لأمكن صعودها.ثم وصف تلك القطعة بالعلو العظيم فقال و لا يوفي عليه الطائر أي لا يصعد عليه يقال أوفى فلان على الجبل أشرف
453
وَ قَالَ ع : قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ هذا كلام يخاطب به أهل العبادات و الصلاة قال قليل من النوافل يدوم المرء عليه خير له من كثير منها يمله و يتركه.و الجيد النادر في هذا
قول رسول الله ص إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى.و كان يقال كل كثير مملول.و قالوا كل كثير عدو للطبيعة.و قال الشاعر:
إني كثرت عليه في زيارته |
فمل و الشيء مملول إذا كثرا |
|
و رابني أني لا أزال أرى |
في طرفه قصرا عني إذا نظرا |
454
وَ قَالَ ع : إِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِعَةٌ رَائِقَةٌ فَانْتَظِرُوا مِنْهُ أَخَوَاتِهَا مثال ذلك إنسان مستور الحال عنا رأيناه و قد صدرت عنه حركة تروعك و تعجبك إما لحسنها أو لقبحها مثل أن يتصدق بشيء له وقع و مقدار من ماله أو ينكر منكرا عجز غيره عن إنكاره أو يسرق أو يزني فينبغي أن ينتظر و يترقب منه أخوات ما وقع منه و ذلك لأن العقل و الطبيعة التي فيه المحركة له إلى فعل تلك الحركة لا بد أن تحركه إلى فعل ما يناسبها لأنها ما دعته إلى فعل تلك الحركة لخصوصية تلك الحركة بل لما فيها من المعنى المقتضي وقوعها و هذا يتعدى إلى غيرها مما يجانسها و لذلك لا ترى أحدا قد اطلعت من حاله يوما على أنه قد شرب الخمر إلا و سوف تطلع فيما بعد منه على أنه يشربها و بالعكس في الأمور الحسنة لا ترى أحدا قد صدر عنه فعل من أفعال الخير و المروءة إلا و ستراه فيما بعد فاعلا نظيره أو ما يقاربه.و شتم بعض سفهاء البصرة الأحنف شتما قبيحا فحلم عنه فقيل له في ذلك فقال دعوه فإني قد قتلته بالحلم عنه و سيقتل نفسه بجراءته فلما كان بعد أيام جاء ذلك السفيه فشتم زيادا و هو أمير البصرة حينئذ و ظن أنه كالأحنف فأمر به فقطع لسانه و يده
455
وَ قَالَ ع لِغَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَبِي اَلْفَرَزْدَقِ فِي كَلاَمٍ دَارَ بَيْنَهُمَا مَا فَعَلَتْ إِبِلُكَ اَلْكَثِيرَةُ قَالَ ذَعْذَعَتْهَا دَغْدَغَتْهَا اَلْحُقُوقُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ع ذَلِكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا ذعذعتها بالذال المعجمة مكررة فرقتها ذعذعته فتذعذع و ذعذعة السر أذاعته و الذعاذع الفرق المتفرقة الواحدة ذعذعة و ربما قالوا تفرقوا ذعاذع.
دخل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي على أمير المؤمنين ع أيام خلافته و غالب شيخ كبير و معه ابنه همام الفرزدق و هو غلام يومئذ فقال له أمير المؤمنين ع من الشيخ قال أنا غالب بن صعصعة قال ذو الإبل الكثيرة قال نعم قال ما فعلت إبلك قال ذعذعتها الحقوق و أذهبتها الحملات و النوائب قال ذاك أحمد سبلها من هذا الغلام معك قال هذا ابني قال ما اسمه قال همام و قد رويته الشعر يا أمير المؤمنين و كلام العرب و يوشك أن يكون شاعرا مجيدا فقال لو أقرأته القرآن فهو خير له فكان الفرزدق بعد يروي هذا الحديث و يقول ما زالت كلمته في نفسي حتى قيد نفسه بقيد و آلى ألا يفكه حتى يحفظ القرآن فما فكه حتى حفظه
456
وَ قَالَ ع : مَنِ اِتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَقَدِ اِرْتَطَمَ فِي اَلرِّبَا يقول تجر فلان و اتجر فهو تاجر و الجمع تجر مثل صاحب و صحب و التجارة و التجر بمعنى واحد إذا أخذتهما مصدرين لتجر و أرض متجرة يتجر فيها.و ارتطم فلان في الوحل و الأمر إذا ارتبك فيه و لم يقدر على الخروج منه و إنما قال ع ذلك لأن مسائل الربا مشتبهة بمسائل البيع و لا يفرق بينهما إلا الفقيه حتى أن العظماء من الفقهاء قد اشتبه عليهم الأمر فيها فاختلفوا فيها أشد اختلاف كبيع لحم البقر بالغنم متفاضلا هل يجوز أم لا و كذلك لبن البقر بلبن الغنم و جلود البقر بجلود الغنم فقال أبو حنيفة اللحوم و الألبان و الجلود أجناس مختلفة فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا نظرا إلى أن أصولها أجناس مختلفة و الشافعي لا يجيز ذلك و يقول هو ربا و كذلك القول في مدى عجوة و درهم بمد عجوة و كذلك بيع الرطب بالتمر متساويا كيلا كل ذلك يقول الشافعي إنه ربا و أبو حنيفة يخرجه عن كونه ربا و مسائل هذا الباب كثيرة
457
وَ قَالَ ع : مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ اَلْمَصَائِبِ اِبْتَلاَهُ اَللَّهُ بِكِبَارِهَا إنما كان كذلك لأنه يشكو الله و يتسخط قضاءه و يجحد النعمة في التخفيف عنه و يدعي فيما ليس بمجحف به من حوادث الدهر أنه مجحف و يتألم بين الناس لذلك أكثر مما تقتضيه نكبته و من فعل ذلك استوجب السخط من الله تعالى و ابتلي بالكثير من النكبة و إنما الواجب على من وقع في أمر يشق عليه و يتألم منه و ينال من نفسه أو من ماله نيلا ما إن يحمد الله تعالى على ذلك و يقول لعله قد دفع بهذا عني ما هو أعظم منه و لئن كان قد ذهب من مالي جزء فلقد بقي أجزاء كثيرة.و قال عروة بن الزبير لما وقعت الأكلة في رجله فقطعها و مات ابنه اللهم إنك أخذت عضوا و تركت أعضاء و أخذت ابنا و تركت أبناء فليهنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت و لئن كنت ابتليت لقد عافيت
458
وَ قَالَ ع : مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ شَهَوَاتُهُ قد تقدم مثل هذا المعنى مرارا و من الكلام المشهور بين العامة قبح الله أمرا تغلب شهوته على نخوته.و الجيد النادر في هذا قول الشاعر:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله |
و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا |
459
وَ قَالَ ع : مَا مَزَحَ اِمْرُؤٌ مَزْحَةً إِلاَّ مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً قد تقدم القول في المزاح.و كان يقال خير المزاح لا ينال و شره لا يستقال.و قيل إنما سمي المزاح مزاحا لأنه أزيح عن الحق
460
وَ قَالَ ع : زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٍّ وَ رَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ أي نقصان حظ لك و ذلك لأنه ليس من حق من رغب فيك أن تزهد فيه لأن الإحسان لا يكافأ بالإساءة و للقصد حرمة و للآمل ذمام و من طلب مودتك فقد قصدك و أملك فلا يجوز رفضه و اطراحه و الزهد فيه و إذا زهدت فيه فذلك لنقصان حظك لا لنقصان حظه فأما رغبتك في زاهد فيك فمذلة لأنك تطرح نفسك لمن لا يعبأ بك و هذا ذل و صغار.و قال العباس بن الأحنف في نسيبه و كان جيد النسيب:
ما زلت أزهد في مودة راغب |
حتى ابتليت برغبة في زاهد |
|
هذا هو الداء الذي ضاقت به |
حيل الطبيب و طال يأس العائد |
أي ما زلت عزيزا حتى أذلني الحب
461
وَ قَالَ ع : مَا زَالَ اَلزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ اِبْنُهُ اَلْمَشْئُومُ عَبْدُ اَللَّهِ ذكر هذا الكلام أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب عن أمير المؤمنين ع في عبد الله بن الزبير إلا أنه لم يذكر لفظة المشئوم
و نحن نذكر ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة عبد الله بن الزبير فإن هذا المصنف يذكر جمل أحوال الرجل دون تفاصيلها ثم نذكر تفصيل أحواله من مواضع أخرى.قال أبو عمررحمهالله يكنى عبد الله بن الزبير أبا بكر و قال بعضهم أبا بكير ذكر ذلك أبو أحمد الحاكم الحافظ في كتابه في الكنى و الجمهور من أهل السير و أهل الأثر على أن كنيته أبو بكر و له كنية أخرى أبو خبيب بابنه خبيب
و كان أسن ولده و خبيب هو صاحب عمر بن عبد العزيز الذي مات من ضربه إذ كان واليا على المدينة للوليد و كان الوليد أمره بضربه فمات من أذية ذلك فوداه عمر بعد.قال أبو عمر و سماه رسول الله ص باسم جده و كناه بكنية جده عبد الله أبي بكر و هاجرت أمه أسماء من مكة إلى المدينة و هي حامل به فولدته في سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهرا من التاريخ و قيل ولد في السنة الأولى و هو أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة.و روى هشام بن عروة عن أسماء قالت حملت بعبد الله بمكة فخرجت و أنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء ثم أتيت رسول الله ص فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ص ثم حنكه بالتمرة ثم دعا له و بارك عليه و هو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة قال ففرحوا به فرحا شديدا و ذلك أنهم قد كان قيل لهم إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم.قال أبو عمر و شهد عبد الله الجمل مع أبيه و خالته و كان شهما ذكرا ذا أنفة و كان له لسن و فصاحة و كان أطلس لا لحية له و لا شعر في وجهه و كان كثير الصلاة كثير الصيام شديد البأس كريم الجدات و الأمهات و الخالات إلا أنه كان فيه خلال لا يصلح معها للخلافة فإنه كان بخيلا ضيق العطن سيئ الخلق حسودا كثير الخلاف أخرج محمد بن الحنفية من مكة و المدينة و نفى عبد الله بن عباس إلى الطائف.
و قال علي ع في أمره ما زال الزبير يعد منا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبد الله قال أبو عمر و بويع له بالخلافة سنة أربع و ستين في قول أبي معشر.و قال المدائني بويع له بالخلافة سنة خمس و ستين.و كان قبل ذلك لا يدعى باسم الخلافة و كانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية على طاعته أهل الحجاز و اليمن و العراق و خراسان و حج بالناس ثماني حجج و قتل في أيام عبد الملك بن مروان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقين من جمادى الأولى و قيل من جمادى الآخرة سنة ثلاث و سبعين و هو ابن اثنتين و سبعين سنة و صلب بمكة بعد قتله و كان الحجاج قد ابتدأ بحصاره من أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين و سبعين و حج الحجاج بالناس في ذلك العام و وقف بعرفة و عليه درع و مغفر و لم يطوفوا بالبيت في تلك السنة فحاصره ستة أشهر و سبعة عشر يوما إلى أن قتله.قال أبو عمر فروى هشام بن عروة عن أبيه قال لما كان قبل قتل عبد الله بعشرة أيام دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر و هي شاكية فقال كيف تجدينك يا أمه قالت ما أجدني إلا شاكية فقال لها إن في الموت لراحة فقالت لعلك تمنيته لي و ما أحب أن أموت حتى يأتي على إحدى حالتيك إما قتلت فأحتسبك و إما ظفرت بعدوك فقرت عيني.قال عروة فالتفت عبد الله إلي و ضحك فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها في المسجد فقالت يا بني لا تقبل منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذل مخافة القتل فو الله لضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في مذلة قال فخرج
عبد الله و قد نصب له مصراع عند الكعبة فكان يكون تحته فأتاه رجل من قريش فقال له أ لا نفتح لك باب الكعبة فتدخلها فقال و الله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم عن آخركم و هل حرمة البيت إلا كحرمة الحرم ثم أنشد:
و لست بمبتاع الحياة بسبة |
و لا مرتق من خشية الموت سلما |
ثم شد عليه أصحاب الحجاج فسأل عنهم فقيل هؤلاء أهل مصر فقال لأصحابه اكسروا أغماد سيوفكم و احملوا معي فإنني في الرعيل الأول ففعلوا ثم حمل عليهم و حملوا عليه فكان يضرب بسيفين فلحق رجلا فضربه فقطع يده و انهزموا و جعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد و جعل رجل منهم أسود يسبه فقال له اصبر يا ابن حام ثم حمل عليه فصرعه ثم دخل عليه أهل حمص من باب بني شيبة فسأل عنهم فقيل هؤلاء أهل حمص فشد عليهم و جعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد ثم انصرف و هو يقول:
لو كان قرني واحدا أرديته |
أوردته الموت و قد ذكيته |
ثم دخل عليه أهل الأردن من باب آخر فقال من هؤلاء قيل أهل الأردن فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد ثم انصرف و هو يقول:
لا عهد لي بغارة مثل السيل |
لا ينجلي قتامها حتى الليل |
فأقبل عليه حجر من ناحية الصفا فأصابه بين عينيه فنكس رأسه و هو يقول:
و لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا |
و لكن على أقدامنا تقطر الدما |
أنشده متمثلا و حماه موليان له فكان أحدهما يرتجز فيقول
العبد يحمي ربه و يحتمي
قال ثم اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه و يضربهم حتى قتلوه و مولييه جميعا فلما قتل كبر أهل الشام فقال عبد الله بن عمر المكبرون يوم ولد خير من المكبرين يوم قتل.قال أبو عمر و قال يعلى بن حرملة دخلت مكة بعد ما قتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام فإذا هو مصلوب فجاءت أمه أسماء و كانت امرأة عجوزا طويلة مكفوفة البصر تقاد فقالت للحجاج أ ما آن لهذا الراكب أن ينزل فقال لها المنافق قالت و الله ما كان منافقا و لكنه كان صواما قواما برا قال انصرفي فإنك عجوز قد خرفت قالت لا و الله ما خرفت و إني سمعت رسول الله ص يقول يخرج من ثقيف كذاب و مبير أما الكذاب فقد رأيناه تعني المختار و أما المبير فأنت.قال أبو عمر و روى سعيد بن عامر الخراز عن ابن أبي مليكة قال كنت الآذن لمن بشر أسماء بنزول ابنها عبد الله من الخشبة فدعت بمركن و شب يمان فأمرتني بغسله فكنا لا نتناول منه عضوا إلا جاء معنا فكنا نغسل العضو و ندعه في أكفانه و نتناول العضو الذي يليه فنغسله ثم نضعه في أكفانه حتى فرغنا منه ثم قامت فصلت عليه و قد كانت تقول اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته فلما دفنته لم يأت عليها جمعة حتى ماتت.قال أبو عمر و قد كان عروة بن الزبير رحل إلى عبد الملك فرغب إليه في إنزال عبد الله من الخشبة فأسعفه بذلك فأنزل.
قال أبو عمر و قال علي بن مجاهد قتل مع ابن الزبير مائتان و أربعون رجلا إن منهم لمن سال دمه في جوف الكعبة.قال أبو عمر و روى عيسى عن أبي القاسم عن مالك بن أنس قال كان ابن الزبير أفضل من مروان و أولى بالأمر منه و من أبيه قال و قد روى علي بن المدائني عن سفيان بن عيينة أن عامر بن عبد الله بن الزبير مكث بعد قتل أبيه حولا لا يسأل الله لنفسه شيئا إلا الدعاء لأبيه.قال أبو عمر و روى إسماعيل بن علية عن أبي سفيان بن العلاء عن ابن أبي عتيق قال قالت عائشة إذا مر ابن عمر فأرونيه فلما مر قالوا هذا ابن عمر فقالت يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري قال رأيت رجلا قد غلب عليك و رأيتك لا تخالفينه يعني عبد الله بن الزبير فقالت أما إنك لو نهيتني ما خرجت.فأما الزبير بن بكار فإنه ذكر في كتاب أنساب قريش من أخبار عبد الله و أحواله جملة طويلة نحن نختصرها و نذكر اللباب منها مع أنه قد أذنب في ذكر فضائله و الثناء عليه و هو معذور في ذلك فإنه لا يلام الرجل على حب قومه و الزبير بن بكار أحد أولاد عبد الله بن الزبير فهو أحق بتقريظه و تأبينه.قال الزبير بن بكار أمه أسماء ذات النطاقين ابنة أبي بكر الصديق و إنما سميت ذات النطاقين
لأن رسول الله ص لما تجهز مهاجرا إلى المدينة و معه أبو بكر لم يكن لسفرتهما شناق فشقت أسماء نطاقها فشنقتها به فقال لها رسول الله
ص قد أبدلك الله تعالى بنطاقك هذا نطاقين في الجنة فسميت ذات النطاقين قال و قد روى محمد بن الضحاك عن أبيه أن أهل الشام كانوا و هم يقاتلون عبد الله بمكة يصيحون يا ابن ذات النطاقين يظنونه عيبا فيقول ابنها و الإله ثم يقول إني و إياكم لكما قال أبو ذؤيب:
و عيرني الواشون أني أحبها |
و تلك شكاة ظاهر عنك عارها |
|
فإن أعتذر عنها فإني مكذب |
و إن تعتذر يردد عليك اعتذارها |
ثم يقبل على ابن أبي عتيق و هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر فيقول أ لا تسمع يا ابن أبي عتيق.
قال الزبير و زعموا أن عبد الله بن الزبير لما ولد أتي به رسول الله ص فنظر في وجهه و قال أ هو هو ليمنعن البيت أو ليموتن دونه.و قال العقيلي في ذلك:
بر تبين ما قال الرسول له |
و ذو صلاة بضاحي وجهه علم |
|
حمامة من حمام البيت قاطنة |
لا تتبع الناس إن جاروا و إن ظلموا |
قال و قد روى نافع بن ثابت عن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله ص دخل على أسماء حين ولد عبد الله فقال أ هو هو فتركت أسماء رضاعه فقيل لرسول الله ص إن أسماء تركت رضاع عبد الله لما سمعت كلمتك فقال لها أرضعيه و لو بماء عينيك كبش بين ذئاب عليها ثياب ليمنعن الحرم أو ليموتن دونه.قال و حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال كان عبد الله بن الزبير يقول هاجرت بي أمي في بطنها فما أصابها شيء من نصب أو مخمصة إلا و قد أصابني
قال و قالت عائشة يا رسول الله أ لا تكنيني فقال تكني باسم ابن أختك عبد الله فكانت تكنى أم عبد الله
قال و روى هند بن القاسم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال احتجم رسول الله ص ثم دفع إلي دمه فقال اذهب به فواره حيث لا يراه أحد فذهبت به فشربته فلما رجعت قال ما صنعت قلت جعلته في مكان أظن أنه أخفى مكان عن الناس فقال فلعلك شربته فقلت نعم.قال و قال وهب بن كيسان أول من صف رجليه في الصلاة عبد الله بن الزبير فاقتدى به كثير من العباد و كان مجتهدا.قال و خطب الحجاج بعد قتله زجلة بنت منظور بن زبان بن سيار الفزارية و هي أم هاشم بن عبد الله بن الزبير فقلعت ثنيتها و ردته و قالت ما ذا يريد إلى ذلفاء ثكلى حرى و قالت:
أ بعد عائذ بيت الله تخطبني |
جهلا جهلت و غب الجهل مذموم |
|
فاذهب إليك فإني غير ناكحة |
بعد ابن أسماء ما استن الدياميم |
|
من يجعل العير مصفرا جحافله |
مثل الجواد و فضل الله مقسوم |
قال و حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن خاله يوسف بن الماجشون قال قسم عبد الله بن الزبير الدهر على ثلاث ليال فليلة هو قائم حتى الصباح و ليلة هو راكع حتى الصباح و ليلة هو ساجد حتى الصباح.قال و حدثنا سليمان بن حرب بإسناد ذكره و رفعه إلى مسلم المكي قال ركع عبد الله بن الزبير يوما ركعة فقرأت البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و ما رفع رأسه.
قال و قد حدث من لا أحصيه كثرة من أصحابنا أن عبد الله كان يواصل الصوم سبعا يصوم يوم الجمعة فلا يفطر إلا يوم الجمعة الآخر و يصوم بالمدينة فلا يفطر إلا بمكة و يصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة.قال و قال عبد الملك بن عبد العزيز و كان أول ما يفطر عليه إذا أفطر لبن لقحة بسمن بقر قال الزبير و زاد غيره و صبر.قال و حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى بإسناد رفعه إلى عروة بن الزبير قال لم يكن أحد أحب إلى عائشة بعد رسول الله ص و بعد أبي بكر من عبد الله بن الزبير.قال و حدثني يعقوب بن محمد بإسناد يرفعه إلى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال ما كان أحد أعلم بالمناسك من ابن الزبير.قال و حدثني مصعب بن عثمان قال أوصت عائشة إلى عبد الله بن الزبير و أوصى إليه حكيم بن حزام و عبد الله بن عامر بن كريز و الأسود بن أبي البختري و شيبة بن عثمان و الأسود بن عوف.قال الزبير و حدث عمر بن قيس عن أمه قالت دخلت على عبد الله بن الزبير بيته فإذا هو قائم يصلي فسقطت حية من البيت على ابنه هاشم بن عبد الله فتطوقت على بطنه و هو نائم فصاح أهل البيت الحية الحية و لم يزالوا بها حتى قتلوها و عبد الله قائم يصلي ما التفت و لا عجل ثم فرغ من صلاته بعد ما قتلت الحية فقال ما بالكم فقالت أم هاشم إي رحمك الله أ رأيت إن كنا هنا عليك أ يهون عليك ابنك قال ويحك و ما كانت التفاتة لو التفتها مبقية من صلاتي.
قال الزبير و عبد الله أول من كسا الكعبة الديباج و إن كان ليطيبها حتى يجد ريحها من دخل الحرم قال و لم تكن كسوة الكعبة من قبله إلا المسوح و الأنطاع فلما جرد المهدي بن المنصور الكعبة كان فيما نزع عنها كسوة من ديباج مكتوب عليها لعبد الله أبي بكر أمير المؤمنين قال و حدثني يحيى بن معين بإسناد رفعه إلى هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير أخذ من بين القتلى يوم الجمل و به بضع و أربعون طعنة و ضربة قال الزبير و اعتلت عائشة مرة فدخل عليها بنو أختها أسماء عبد الله و عروة و المنذر قال عروة فسألناها عن حالها فشكت إلينا نهكة من علتها فعزاها عبد الله عن ذلك فأجابته بنحو قولها فعاد لها بالكلام فعادت له بالجواب فصمت و بكى قال عروة فما رأينا متحاورين من خلق الله أبلغ منهما قال ثم رفعت رأسها تنظر إلى وجهه فأبهتت لبكائه فبكت ثم قالت ما أحقني منك يا بني ما أرى فلم أعلم بعد رسول الله ص و بعد أبوي أحدا أنزل عندي منزلتك قال عروة و ما سمعت عائشة و أمي أسماء تدعون لأحد من الخلق دعاءهما لعبد الله قال و قال موسى بن عقبة أقرأني عامر بن عبد الله بن الزبير وصية عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام و إلى عبد الله بن الزبير من بعده و إنهما في وصيتي في حل و بل.قال و روى أبو الحسن المدائني عن أبي إسحاق التميمي أن معاوية سمع رجلا ينشد:
ابن رقاش ماجد سميدع |
يأبى فيعطي عن يد أو يمنع |
فقال ذلك عبد الله بن الزبير و كان عبد الله من جملة النفر الذين أمرهم عثمان بن عفان أن ينسخوا القرآن في المصاحف.قال و حدثنا محمد بن حسن عن نوفل بن عمارة قال سئل سعيد بن المسيب عن خطباء قريش في الجاهلية فقال الأسود بن المطلب بن أسد و سهيل بن عمرو و سئل عن خطبائهم في الإسلام فقال معاوية و ابنه و سعيد بن العاص و ابنه و عبد الله بن الزبير.قال و حدثنا إبراهيم بن المنذر عن عثمان بن طلحة قال كان عبد الله بن الزبير لا ينازع في ثلاث شجاعة و عبادة و بلاغة.قال الزبير و قال هشام بن عروة رأيت عبد الله أيام حصاره و الحجر من المنجنيق يهوي حتى أقول كاد يأخذ بلحيته فقال له أبي أيا ابن أم و الله إن كاد ليأخذ بلحيتك فقال عبد الله دعني يا ابن أم فو الله ما هي إلا هنة حتى كان الإنسان لم يكن فيقول أبي و هو يقبل علينا بوجهه و الله ما أخشى عليك إلا من تلك الهنة.قال الزبير فذكر هشام قال و الله لقد رأيته يرمى بالمنجنيق فلا يلتفت و لا يرعد صوته و ربما مرت الشظية منه قريبا من نحره.و قال الزبير و حدثنا ابن الماجشون عن ابن أبي مليكة عن أبيه قال كنت أطوف بالبيت مع عمر بن عبد العزيز فلما بلغت الملتزم تخلفت عنده أدعو ثم لحقت عمر فقال لي ما خلفك قال كنت أدعو في موضع رأيت عبد الله بن الزبير فيه يدعو فقال ما تترك تحنناتك على ابن الزبير أبدا فقلت و الله ما رأيت
أحدا أشد جلدا على لحم و لحما على عظم من ابن الزبير و لا رأيت أحدا أثبت قائما و لا أحسن مصليا من ابن الزبير و لقد رأيت حجرا من المنجنيق جاءه فأصاب شرفة من المسجد فمرت قذاذة منها بين لحيته و حلقه فلم يزل من مقامه و لا عرفنا ذلك في صوته فقال عمر لا إله إلا الله لجاد ما وصفت.قال الزبير و سمعت إسماعيل بن يعقوب التيمي يحدث قال قال عمر بن عبد العزيز لابن أبي مليكة صف لنا عبد الله بن الزبير فإنه ترمرم على أصحابنا فتغشمروا عليه فقال عن أي حاليه تسأل أ عن دينه أم عن دنياه فقال عن كل قال و الله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم و لا لحما على عصب و لا عصبا على عظم مثل جلده على لحمه و لا مثل لحمه على عصبه و لا مثل عصبه على عظمه و لا رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفس له ركبت بين جنبين و لقد قام يوما إلى الصلاة فمر به حجر من حجارة المنجنيق بلبنة مطبوخة من شرفات المسجد فمرت بين لحييه و صدره فو الله ما خشع لها بصره و لا قطع لها قراءته و لا ركع دون الركوع الذي كان يركع و لقد كان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها و لقد كان يركع في الصلاة فيقع الرخم على ظهره و يسجد فكأنه مطروح.قال الزبير و حدث هشام بن عروة قال سمعت عمي يقول ما أبالي إذا وجدت ثلاثمائة يصبرون صبري لو أجلب علي أهل الأرض.قال الزبير و قسم عبد الله بن الزبير ثلث ماله و هو حي و كان أبوه الزبير قد أوصى أيضا بثلث ماله قال و ابن الزبير أحد الرهط الخمسة الذين وقع اتفاق أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص على إحضارهم و الاستشارة بهم في يوم التحكيم
و هم عبد الله بن الزبير و عبد الله بن عمرو و أبو الجهم بن حذيفة و جبير بن مطعم و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.قال الزبير و عبد الله هو الذي صلى بالناس بالبصرة لما ظهر طلحة و الزبير على عثمان بن حنيف بأمر منهما له قال و أعطت عائشة من بشرها بأن عبد الله لم يقتل يوم الجمل عشرة آلاف درهم.قلت الذي يغلب على ظني أن ذلك كان يوم إفريقية لأنها يوم الجمل كانت في شغل بنفسها عن عبد الله و غيره.قال الزبير و حدثني علي بن صالح مرفوعا أن رسول الله ص كلم في صبية ترعرعوا منهم عبد الله بن جعفر و عبد الله بن الزبير و عمر بن أبي سلمة فقيل يا رسول الله لو بايعتهم فتصيبهم بركتك و يكون لهم ذكر فأتي بهم فكأنهم تكعكعوا حين جيء بهم إليه و اقتحم ابن الزبير فتبسم رسول الله ص و قال إنه ابن أبيه و بايعهم.قال و سئل رأس الجالوت ما عندكم من الفراسة في الصبيان فقال ما عندنا فيهم شيء لأنهم يخلقون خلقا من بعد خلق غير أنا نرمقهم فإن سمعناه منهم من يقول في لعبه من يكون معي رأيناها همة و خبء صدق فيه و إن سمعناه يقول مع من أكون كرهناها منه قال فكان أول شيء سمع من عبد الله بن الزبير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان فمر رجل فصاح عليهم ففروا منه و مشى ابن الزبير القهقرى ثم قال يا صبيان اجعلوني أميركم و شدوا بنا عليه قال و مر به عمر بن الخطاب و هو مع الصبيان ففروا و وقف فقال لم لم تفر مع أصحابك فقال لم أجرم فأخافك و لم تكن الطريق ضيقة فأوسع عليك.و روى الزبير بن بكار أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح غزا إفريقية في خلافة
عثمان فقتل عبد الله بن الزبير جرجير أمير جيش الروم فقال ابن أبي سرح إني موجه بشيرا إلى أمير المؤمنين بما فتح علينا و أنت أولى من هاهنا فانطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره الخبر قال عبد الله فلما قدمت على عثمان أخبرته بفتح الله و صنعه و نصره و وصفت له أمرنا كيف كان فلما فرغت من كلامي قال هل تستطيع أن تؤدي هذا إلى الناس قلت و ما يمنعني من ذلك قال فاخرج إلى الناس فأخبرهم قال عبد الله فخرجت حتى جئت المنبر فاستقبلت الناس فتلقاني وجه أبي فدخلتني له هيبة عرفها أبي في وجهي فقبض قبضة من حصباء و جمع وجهه في وجهي و هم أن يحصبني فأحزمت فتكلمت.فزعموا أن الزبير لما فرغ عبد الله من كلامه قال و الله لكأني أسمع كلام أبي بكر الصديق من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها و أخيها فإنها تأتيه بأحدهما.قال الزبير و يلقب عبد الله بعائذ البيت لاستعاذته به.قال و حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال إن الذي دعا عبد الله إلى التعوذ بالبيت شيء سمعه من أبيه حين سار من مكة إلى البصرة فإن الزبير التفت إلى الكعبة بعد أن ودع و وجه يريد الركوب فأقبل على ابنه عبد الله و قال تالله ما رأيت مثلها لطالب رغبة أو خائف رهبة.و روى الزبير بن بكار قال كان سبب تعوذ ابن الزبير بالكعبة أنه كان يمشي بعد عتمة في بعض شوارع المدينة إذ لقي عبد الله بن سعد بن أبي سرح متلثما لا يبدو منه إلا عيناه قال فأخذت بيده و قلت ابن أبي سرح كيف كنت بعدي و كيف تركت أمير المؤمنين يعني معاوية و قد كان ابن أبي سرح عنده بالشام فلم يكلمني فقلت ما لك أمات أمير المؤمنين فلم يكلمني فتركته و قد أثبت معرفته ثم خرجت حتى لقيت الحسين بن عليرضياللهعنه فأخبرته خبره و قلت ستأتيك رسل الوليد و كان الأمير على المدينة الوليد بن عتبة بن
أبي سفيان فانظر ما أنت صانع و اعلم أن رواحلي في الدار معدة و الموعد بيني و بينك أن تغفل عنا عيونهم ثم فارقته فلم ألبث أن أتاني رسول الوليد فجئته فوجدت الحسين عنده و وجدت عنده مروان بن الحكم فنعى إلي معاوية فاسترجعت فأقبل علي و قال هلم إلى بيعة يزيد فقد كتب إلينا يأمرنا أن نأخذها عليك فقلت إني قد علمت أن في نفسه علي شيئا لتركي بيعته في حياة أبيه و إن بايعت له على هذه الحال توهم أني مكره على البيعة فلم يقع منه ذلك بحيث أريد و لكن أصبح و يجتمع الناس و يكون ذلك علانية إن شاء الله فنظر الوليد إلى مروان فقال مروان هو الذي قلت لك إن يخرج لم تره فأحببت أن ألقي بيني و بين مروان شرا نتشاغل به فقلت له و ما أنت و ذاك يا ابن الزرقاء فقال لي و قلت له حتى تواثبنا فتناصيت أنا و هو و قام الوليد فحجز بيننا فقال مروان أ تحجز بيننا بنفسك و تدع أن تأمر أعوانك فقال قد أرى ما تريد و لكن لا أتولى ذلك منه و الله أبدا اذهب يا ابن الزبير حيث شئت قال فأخذت بيد الحسين و خرجنا من الباب حتى صرنا إلى المسجد و أنا أقول:
و لا تحسبني يا مسافر شحمة |
تعجلها من جانب القدر جائع |
فلما دخل المسجد افترق هو و الحسين و عمد كل واحد منهما إلى مصلاه يصلي فيه و جعلت الرسل تختلف إليهما يسمع وقع أقدامهم في الحصباء حتى هدأ عنهما الحس ثم انصرفا إلى منازلهما فأتى ابن الزبير رواحله فقعد عليها و خرج من أدبار داره و وافاه الحسين بن علي فخرجا جميعا من ليلتهم و سلكوا طريق الفرع حتى مروا بالجثجاثة و بها جعفر بن الزبير قد ازدرعها و غمز عليهم بعير من إبلهم فانتهوا إلى جعفر فلما رآهم قال مات معاوية فقال عبد الله نعم انطلق
معنا و أعطنا أحد جمليك و كان ينضح على جملين له فقال جعفر متمثلا:
إخوتي لا تبعدوا أبدا |
و بلى و الله قد بعدوا |
فقال عبد الله و تطير منها بفيك التراب فخرجوا جميعا حتى قدموا مكة قال الزبير
فأما الحسين ع فإنه خرج من مكة يوم التروية يطلب الكوفة و العراق و قد كان قال لعبد الله بن الزبير قد أتتني بيعة أربعين ألفا يحلفون لي بالطلاق و العتاق من أهل العراق فقال أ تخرج إلى قوم قتلوا أباك و خذلوا أخاك قال و بعض الناس يزعم أن عبد الله بن عباس هو الذي قال للحسين ذلك قال الزبير و قال هشام بن عروة كان أول ما أفصح به عمي عبد الله و هو صغير السيف فكان لا يضعه من فيه و كان أبوه الزبير إذا سمع منه ذلك يقول أما و الله ليكونن لك منه يوم و يوم و أيام.فأما خبر مقتل عبد الله بن الزبير فنحن نورده من تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبريرحمهالله قال أبو جعفر حصر الحجاج عبد الله بن الزبير ثمانية أشهر فروى إسحاق بن يحيى عن يوسف بن ماهك قال رأيت منجنيق أهل الشام يرمى به فرعدت السماء و برقت و علا صوت الرعد على صوت المنجنيق فأعظم أهل الشام ما سمعوه فأمسكوا أيديهم فرفع الحجاج بركة قبائه فغرزها في منطقته و رفع حجر المنجنيق فوضعه فيه ثم قال ارموا و رمى معهم قال ثم أصبحوا فجاءت
صاعقة يتبعها أخرى فقتلت من أصحاب الحجاج أثنى عشر رجلا فأنكر أهل الشام فقال الحجاج يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإني ابن تهامة هذه صواعق تهامة هذا الفتح قد حضر فأبشروا فإن القوم يصيبهم مثل ما أصابكم فصعقت من الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة ما أصاب الحجاج فقال الحجاج أ لا ترون أنهم يصابون و أنتم على الطاعة و هم على خلاف الطاعة فلم تزل الحرب بين ابن الزبير و الحجاج حتى تفرق عامة أصحاب ابن الزبير عنه و خرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان.قال و روى إسحاق بن عبيد الله عن المنذر بن الجهم الأسلمي قال رأيت ابن الزبير و قد خذله من معه خذلانا شديدا و جعلوا يخرجون إلى الحجاج خرج إليه منهم نحو عشرة آلاف و ذكر أنه كان ممن فارقه و خرج إلى الحجاج ابناه خبيب و حمزة فأخذا من الحجاج لأنفسهما أمانا.قال أبو جعفر فروى محمد بن عمر عن ابن أبي الزناد عن مخرمة بن سلمان الوالبي قال دخل عبد الله بن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانه فقال يا أمه خذلني الناس حتى ولدي و أهلي و لم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة و القوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت أنت يا بني أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق و إليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك و لا تمكن من رقبتك يتلعب بك غلمان بني أمية و إن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك و أهلكت من قتل معك و إن قلت قد كنت على حق فلما وهن أصحابي وهنت و ضعفت فليس هذا فعل الأحرار و لا أهل
الدين و كم خلودك في الدنيا القتل أحسن فدنا ابن الزبير فقبل رأسها و قال هذا و الله رأيي الذي قمت به داعيا إلى يومي هذا و ما ركنت إلى الدنيا و لا أحببت الحياة فيها و لم يدعني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل محارمه و لكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتني بصيرة مع بصيرتي فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا فلا يشتد حزنك و سلمي لأمر الله فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر و لا عملا بفاحشة و لم يجر في حكم و لم يغدر في أمان و لم يتعمد ظلم مسلم و لا معاهد و لم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته و لم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي أنت أعلم بي و لكنني أقوله تعزية لأمي لتسلو عني فقالت أمه إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني فلا أخرج من الدنيا حتى أنظر إلى ما يصير أمرك فقال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعي الدعاء لي قبل و بعد قالت لا أدعه أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل و ذلك النحيب و الظمأ في هواجر المدينة و مكة و بره بأبيه و بي اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه و رضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين.قال أبو جعفر و روى محمد بن عمر عن موسى بن يعقوب بن عبد الله عن عمه قال دخل ابن الزبير على أمه و عليه الدرع و المغفر فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت هذا وداع فلا تبعد فقال نعم إني جئت مودعا إني لأرى أن هذا اليوم آخر يوم من الدنيا يمر بي و اعلمي يا أمه إني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضره ما صنع به فقالت صدقت يا بني أتمم على بصيرتك و لا تمكن ابن
أبي عقيل منك و ادن مني أودعك فدنا منها فقبلها و عانقها فقالت حيث مست الدرع ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال ما لبستها إلا لأشد منك فقالت إنها لا تشد مني فنزعها ثم أخرج كميه و شد أسفل قميصه و عمد إلى جبة خز تحت القميص فأدخل أسفلها في المنطقة فقالت أمه شمر ثيابك فشمرها ثم انصرف و هو يقول:
إني إذا أعرف يومي أصبر |
إذ بعضهم يعرف ثم ينكر |
فسمعت العجوز قوله فقالت تصبر و الله و لم لا تصبر و أبوك أبو بكر و الزبير و أمك صفية بنت عبد المطلب.قال و روى محمد بن عمر عن ثور بن يزيد عن رجل من أهل حمص قال شهدته و الله ذلك اليوم و نحن خمسمائة من أهل حمص فدخل من باب المسجد لا يدخل منه غيرنا و هو يشد علينا و نحن منهزمون و هو يرتجز:
إني إذا أعرف يومي اصبر |
و إنما يعرف يوميه الحر |
و بعضهم يعرف ثم ينكر
فأقول أنت و الله الحر الشريف فلقد رأيته يقف بالأبطح لا يدنو منه أحد حتى ظننا أنه لا يقتل.قال و روى مصعب بن ثابت عن نافع مولى بني أسد قال رأيت الأبواب قد شحنت بأهل الشام و جعلوا على كل باب قائدا و رجالا و أهل بلد فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة و لأهل دمشق باب بني شيبة و لأهل الأردن باب الصفا و لأهل فلسطين باب بني جمح و لأهل قنسرين باب بني سهم و كان الحجاج و طارق بن عمرو في ناحية الأبطح إلى المروة فمرة يحمل ابن الزبير
في هذه الناحية و لكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال فيعدو في أثر الرجال و هم على الباب حتى يخرجهم ثم يصيح إلى عبد الله بن صفوان يا أبا صفوان ويل أمه فتحا لو كان له رجال ثم يقول
لو كان قرني واحدا كفيته
فيقول عبد الله بن صفوان إي و الله و ألفا.قال أبو جعفر فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين و قد أخذ الحجاج على ابن الزبير بالأبواب بات ابن الزبير تلك الليلة يصلي عامة الليل ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى ثم انتبه بالفجر فقال أذن يا سعد فأذن عند المقام و توضأ ابن الزبير و ركع ركعتي الفجر ثم تقدم و أقام المؤذن فصلى ابن الزبير بأصحابه فقرأ ن و القلم حرفا حرفا ثم سلم ثم قام فحمد الله و أثنى عليه ثم قال اكشفوا وجوهكم حتى أنظر و عليها المغافر و العمائم فكشفوا وجوههم فقال يا آل الزبير لو طبتم لي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا لم تصبنا مذلة و لم نقر على ضيم أما بعد يا آل الزبير فلا يرعكم وقع السيوف فإني لم أحضر موطنا قط ارتثثت فيه بين القتلى و ما أجد من دواء جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم لا أعلم امرأ كسر سيفه و استبقى نفسه فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة أعزل غضوا أبصاركم عن البارقة و ليشغل كل امرئ قرنه و لا يلهينكم السؤال عني و لا تقولن أين عبد الله بن الزبير ألا من كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول ثم قال
أبى لابن سلمى أنه غير خالد |
يلاقي المنايا أي وجه تيمما |
|
فلست بمبتاع الحياة بسبة |
و لا مرتق من خشية الموت سلما |
ثم قال احملوا على بركة الله ثم حمل حتى بلغ بهم إلى الحجون فرمي بحجر فأصاب وجهه فأرعش و دمي وجهه فلما وجد سخونة الدم تسيل على وجهه و لحيته قال:
و لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا |
و لكن على أقدامنا تقطر الدما |
قال و تقاووا عليه و صاحت مولاة له مجنونة وا أمير المؤمنيناه و قد كان هوى و رأته حين هوى فأشارت لهم إليه فقتل و إن عليه لثياب خز و جاء الخبر إلى الحجاج فسجد و سار هو و طارق بن عمرو فوقفا عليه فقال طارق ما ولدت النساء أذكر من هذا فقال الحجاج أ تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين فقال طارق هو أعذر لنا و لو لا هذا ما كان لنا عذر إنا محاصروه و هو في غير خندق و لا حصن و لا منعة منذ ثمانية أشهر ينتصف منا بل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن و هو قال فبلغ كلامهما عبد الملك فصوب طارقا.قال و بعث الحجاج برأس ابن الزبير و رأس عبد بن صفوان و رأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبت الثلاثة بها ثم حملت إلى عبد الملك.و نحن الآن نذكر بقية أخبار عبد الله بن الزبير ملتقطة من مواضع متفرقة رئي عبد الله بن الزبير في أيام معاوية واقفا بباب مية مولاة معاوية فقيل له
يا أبا بكر مثلك يقف بباب هذه فقال إذا أعيتكم الأمور من رءوسها فخذوها من أذنابها.ذكر معاوية لعبد الله بن الزبير يزيد ابنه و أراد منه البيعة له فقال ابن الزبير أنا أناديك و لا أناجيك إن أخاك من صدقك فانظر قبل أن تقدم و تفكر قبل أن تندم فإن النظر قبل التقدم و التفكر قبل التندم فضحك معاوية و قال تعلمت يا أبا بكر الشجاعة عند الكبر.كان عبد الله بن الزبير شديد البخل كان يطعم جنده تمرا و يأمرهم بالحرب فإذا فروا من وقع السيوف لامهم و قال لهم أكلتم تمري و عصيتم أمري فقال بعضهم:
أ لم تر عبد الله و الله غالب |
على أمره يبغي الخلافة بالتمر |
و كسر بعض جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج و كلما كسر رمحا أعطاه رمحا فشق عليه ذلك و قال خمسة أرماح لا يحتمل بيت مال المسلمين هذا.قال و جاءه أعرابي سائل فرده فقال له لقد أحرقت الرمضاء قدمي فقال بل عليهما يبردان.جمع عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية و عبد الله بن عباس في سبعة عشر رجلا من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع و حصرهم في شعب بمكة يعرف بشعب عارم و قال لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا إلي أو أضرب أعناقكم أو أحرقكم بالنار ثم نهض إليهم قبل الجمعة يريد إحراقهم بالنار فالتزمه
ابن مسور بن مخرمة الزهري و ناشده الله أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة فلما كان يوم الجمعة دعا محمد بن الحنفية بغسول و ثياب بيض فاغتسل و تلبس و تحنط لا يشك في القتل و قد بعث المختار بن أبي عبيد من الكوفة أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فلما نزلوا ذات عرق تعجل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة ينادون يا محمد يا محمد و قد شهروا السلاح حتى وافوا شعب عارم فاستخلصوا محمد بن الحنفية و من كان معه و بعث محمد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادي من كان يرى أن الله عليه حقا فليشم سيفه فلا حاجة لي بأمر الناس إن أعطيتها عفوا قبلتها و إن كرهوا لم نبتزهم أمرهم.و في شعب عارم و حصار ابن الحنفية فيه يقول كثير بن عبد الرحمن:
و من ير هذا الشيخ بالخيف من منى |
من الناس يعلم أنه غير ظالم |
|
سمي النبي المصطفى و ابن عمه |
و حمال أثقال و فكاك غارم |
|
تخبر من لاقيت أنك عائذ |
بل العائذ المحبوس في سجن عارم |
و روى المدائني قال لما أخرج ابن الزبير عبد الله بن عباس من مكة إلى الطائف مر بنعمان فنزل فصلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو فقال اللهم إنك تعلم أنه لم يكن بلد أحب إلي من أن أعبدك فيه من البلد الحرام و إنني لا أحب أن تقبض روحي إلا فيه و أن ابن الزبير أخرجني منه ليكون الأقوى في سلطانه اللهم فأوهن كيده و اجعل دائرة السوء عليه فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها فقالوا مرحبا بابن عم رسول الله ص أنت و الله أحب إلينا و أكرم علينا ممن أخرجك هذه منازلنا تخيرها فانزل منها حيث أحببت فنزل منزلا فكان
يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر و بعد العصر فيتكلم بينهم كان يحمد الله و يذكر النبي ص و الخلفاء بعده و يقول ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم و لا أشباههم و لا من يدانيهم و لكن بقي أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة و يلبسون جلود الضأن تحتها قلوب الذئاب و النمور ليظن الناس أنهم من الزاهدين في الدنيا يراءون الناس بأعمالهم و يسخطون الله بسرائرهم فادعوا الله أن يقضي لهذه الأمة بالخير و الإحسان فيولي أمرها خيارها و أبرارها و يهلك فجارها و أشرارها ارفعوا أيديكم إلى ربكم و سلوه ذلك فيفعلون فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إليه أما بعد فقد بلغني أنك تجلس بالطائف العصرين فتفتيهم بالجهل تعيب أهل العقل و العلم و إن حلمي عليك و استدامتي فيئك جرأك علي فاكفف لا أبا لغيرك من غربك و اربع على ظلعك و اعقل إن كان لك معقول و أكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا أ لم تسمع قول الشاعر:
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن |
عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما |
و إني أقسم بالله لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبي خشنا و لتجدنني إلى ما يردعك عني عجلا فر رأيك فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلم إلا نفسك فكتب إليه ابن عباس أما بعد فقد بلغني كتابك قلت إني أفتي الناس بالجهل و إنما يفتي بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا و قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك و ذكرت أن حلمك عني و استدامتك فيئي جرأني عليك ثم قلت اكفف من غربك و اربع على
ظلعك و ضربت لي الأمثال أحاديث الضبع متى رأيتني لعرامك هائبا و من حدك ناكلا و قلت لئن لم تكفف لتجدن جانبي خشنا فلا أبقى الله عليك إن أبقيت و لا أرعى عليك إن أرعيت فو الله أنتهي عن قول الحق و صفة أهل العدل و الفضل و ذم الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا و السلام.قدم معاوية المدينة راجعا من حجة حجها فكثر الناس عليه في حوائجهم فقال لصاحب إبله قدم إبلك ليلا حتى أرتحل ففعل ذلك و سار و لم يعلم بأمره إلا عبد الله بن الزبير فإنه ركب فرسه و قفا أثره و معاوية نائم في هودجه فجعل يسير إلى جانبه فانتبه معاوية و قد سمع وقع حافر الفرس فقال من صاحب الفرس قال أنا أبو خبيب لو قد قتلتك منذ الليلة يمازحه فقال معاوية كلا لست من قتلة الملوك إنما يصيد كل طائر قدره فقال ابن الزبير إلي تقول هذا و قد وقفت في الصف بإزاء علي بن أبي طالب و هو من تعلم فقال معاوية لا جرم أنه قتلك و أباك بيسرى يديه و بقيت يده اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها فقال ابن الزبير أما و الله ما كان ذاك إلا في نصر عثمان فلم نجز به فقال معاوية خل هذا عنك فو الله لو لا شدة بغضك ابن أبي طالب لجررت برجل عثمان مع الضبع فقال ابن الزبير أ فعلتها يا معاوية أما إنا قد أعطيناك عهدا و نحن وافون لك به ما دمت حيا و لكن ليعلمن من بعدك فقال معاوية أما و الله ما أخافك إلا على نفسك و لكأني بك و أنت مشدود مربوط في الأنشوطة و أنت تقول ليت أبا عبد الرحمن كان حيا و ليتني كنت حيا يومئذ فأحلك حلا رفيقا و لبئس المطلق و المعتق و المسنون عليه أنت يومئذ
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية و عنده عمرو بن العاص فتكلم عمرو و أشار إلى ابن الزبير فقال هذا و الله يا أمير المؤمنين الذي غرته أناتك و أبطره حلمك فهو ينزو في نشطته نزو العير في حبالته كلما قمصته الغلواء و الشرة سكنت الأنشوطة منه النفرة و أحر به أن يئول إلى القلة أو الذلة فقال ابن الزبير أما و الله يا ابن العاص لو لا أن الإيمان ألزمنا بالوفاء و الطاعة للخلفاء فنحن لا نريد بذلك بدلا و لا عنه حولا لكان لنا و له و لك شأن و لو وكله القضاء إلى رأيك و مشورة نظرائك لدافعناه بمنكب لا تئوده المزاحمة و لقاذفناه بحجر لا تنكؤه المراجمة فقال معاوية أما و الله يا ابن الزبير لو لا إيثاري الأناة على العجل و الصفح على العقوبة و أني كما قال الأول:
أجامل أقواما حياء و قد أرى |
قلوبهم تغلي علي مراضها |
إذا لقرنتك إلى سارية من سواري الحرم تسكن بها غلواءك و ينقطع عندها طمعك و تنقص من أملك ما لعلك قد لويته فشزرته و فتلته فأبرمته و ايم الله إنك من ذلك لعلى شرف جرف بعيد الهوة فكن على نفسك ولها فما توبق و لا تنفذ غيرها فشأنك و إياها.قطع عبد الله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول الله ص جمعا كثيرة فاستعظم الناس ذلك فقال إني لا أرغب عن ذكره و لكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم فأنا أحب أن أكبتهم.لما كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم و أظهر بغضهم و عابهم و هم بما هم به في
أمرهم و لم يذكر رسول الله ص في خطبة لا يوم الجمعة و لا غيرها عاتبه على ذلك قوم من خاصته و تشاءموا بذلك منه و خافوا عاقبته فقال و الله ما تركت ذلك علانية إلا و أنا أقوله سرا و أكثر منه لكني رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا و احمرت ألوانهم و طالت رقابهم و الله ما كنت لآتي لهم سرورا و أنا أقدر عليه و الله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم نارا فإني لا أقتل منهم إلا آثما كفارا سحارا لا أنماهم الله و لا بارك عليهم بيت سوء لا أول لهم و لا آخر و الله ما ترك نبي الله فيهم خيرا استفرع نبي الله صدقهم فهم أكذب الناس.فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال وفقك الله يا أمير المؤمنين أنا أول من أعانك في أمرهم فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال و الله ما قلت صوابا و لا هممت برشد أ رهط رسول الله ص تعيب و إياهم تقتل و العرب حولك و الله لو قتلت عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه الله لك و الله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره فقال اجلس أبا صفوان فلست بناموس.فبلغ الخبر عبد الله بن العباس فخرج مغضبا و معه ابنه حتى أتى المسجد فقصد قصد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسول الله ص ثم قال أيها الناس إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول الله ص و لا آخر فيا عجبا كل العجب لافترائه و لكذبه و الله إن أول من أخذ الإيلاف و حمى عيرات
قريش لهاشم و إن أول من سقى بمكة عذبا و جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب و الله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش و إن كنا لقالتهم إذا قالوا و خطباءهم إذا خطبوا و ما عد مجد كمجد أولنا و لا كان في قريش مجد لغيرنا لأنها في كفر ماحق و دين فاسق و ضلة و ضلالة في عشواء عمياء حتى اختار الله تعالى لها نورا و بعث لها سراجا فانتجبه طيبا من طيبين لا يسبه بمسبة و لا يبغي عليه غائلة فكان أحدنا و ولدنا و عمنا و ابن عمنا ثم إن أسبق السابقين إليه منا و ابن عمنا ثم تلاه في السبق أهلنا و لحمتنا واحدا بعد واحد.ثم إنا لخير الناس بعده و أكرمهم أدبا و أشرفهم حسبا و أقربهم منه رحما.وا عجبا كل العجب لابن الزبير يعيب بني هاشم و إنما شرف هو و أبوه و جده بمصاهرتهم أما و الله إنه لمسلوب قريش و متى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بنت عبد المطلب قيل للبغل من أبوك يا بغل فقال خالي الفرس ثم نزل.خطب ابن الزبير بمكة على المنبر و ابن عباس جالس مع الناس تحت المنبر فقال إن هاهنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يزعم أن متعة النساء حلال من الله و رسوله و يفتي في القملة و النملة و قد احتمل بيت مال البصرة بالأمس و ترك المسلمين بها يرتضخون النوى و كيف ألومه في ذلك و قد قاتل أم المؤمنين و حواري رسول الله ص و من وقاه بيده.
فقال ابن عباس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولى بني أسد بن خزيمة استقبل بي وجه ابن الزبير و ارفع من صدري و كان ابن عباس قد كف بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير و أقام قامته فحسر عن ذراعيه ثم قال يا ابن الزبير:
قد أنصف القارة من راماها |
إنا إذا ما فئة نلقاها |
|
نرد أولاها على أخراها |
حتى تصير حرضا دعواها |
يا ابن الزبير أما العمى فإن الله تعالى يقول( فَإِنَّها لا تَعْمَى اَلْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ ) و أما فتياي في القملة و النملة فإن فيها حكمين لا تعلمها أنت و لا أصحابك و أما حملي المال فإنه كان مالا جبيناه فأعطينا كل ذي حق حقه و بقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله فأخذناها بحقنا و أما المتعة فسل أمك أسماء إذا نزلت عن بردي عوسجة و أما قتالنا أم المؤمنين فبنا سميت أم المؤمنين لا بك و لا بأبيك فانطلق أبوك و خالك إلى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها و صانا حلائلهما في بيوتهما فما أنصفا الله و لا محمدا من أنفسهما أن أبرزا زوجة نبيه و صانا حلائلهما و أما قتالنا إياكم فإنا لقينا زحفا فإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم منا و إن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيانا و ايم الله لو لا مكان صفية فيكم و مكان خديجة فينا لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظما إلا كسرته.فلما عاد ابن الزبير إلى أمه سألها عن بردي عوسجة فقالت أ لم أنهك عن ابن عباس و عن بني هاشم فإنهم كعم الجواب إذا بدهوا فقال بلى و عصيتك.
فقالت يا بني احذر هذا الأعمى الذي ما أطاقته الإنس و الجن و اعلم أن عنده فضائح قريش و مخازيها بأسرها فإياك و إياه آخر الدهر فقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة |
من البوائق فالطف لطف محتال |
|
لاقيته هاشميا طاب منبته |
في مغرسيه كريم العم و الخال |
|
ما زال يقرع عنك العظم مقتدرا |
على الجواب بصوت مسمع عال |
|
حتى رأيتك مثل الكلب منجحرا |
خلف الغبيط و كنت الباذخ العالي |
|
إن ابن عباس المعروف حكمته |
خير الأنام له حال من الحال |
|
عيرته المتعة المتبوع سنتها |
و بالقتال و قد عيرت بالمال |
|
لما رماك على رسل بأسهمه |
جرت عليك بسيف الحال و البال |
|
فاحتز مقولك الأعلى بشفرته |
حزا وحيا بلا قيل و لا قال |
|
و اعلم بأنك إن عاودت غيبته |
عادت عليك مخاز ذات أذيال |
و روى عثمان بن طلحة العبدري قال شهدت من ابن عباسرحمهالله مشهدا ما سمعته من رجل من قريش كان يوضع إلى جانب سرير مروان بن الحكم و هو يومئذ أمير المدينة سرير آخر أصغر من سريره فيجلس عليه عبد الله بن عباس إذا دخل و توضع الوسائد فيما سوى ذلك فأذن مروان يوما للناس و إذا سرير آخر قد أحدث تجاه سرير مروان فأقبل ابن عباس فجلس على سريره و جاء عبد الله بن الزبير فجلس على السرير المحدث و سكت مروان و القوم فإذا يد ابن الزبير
تتحرك فعلم أنه يريد أن ينطق ثم نطق فقال إن ناسا يزعمون أن بيعة أبي بكر كانت غلطا و فلتة و مغالبة ألا إن شأن أبي بكر أعظم من أن يقال فيه هذا و يزعمون أنه لو لا ما وقع لكان الأمر لهم و فيهم و الله ما كان من أصحاب محمد ص أحد أثبت إيمانا و لا أعظم سابقة من أبي بكر فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله فأين هم حين عقد أبو بكر لعمر فلم يكن إلا ما قال ثم ألقى عمر حظهم في حظوظ و جدهم في جدود فقسمت تلك الحظوظ فأخر الله سهمهم و أدحض جدهم و ولي الأمر عليهم من كان أحق به منهم فخرجوا عليه خروج اللصوص على التاجر خارجا من القرية فأصابوا منه غرة فقتلوه ثم قتلهم الله به قتلة و صاروا مطرودين تحت بطون الكواكب.فقال ابن عباس على رسلك أيها القائل في أبي بكر و عمر و الخلافة أما و الله ما نالا و لا نال أحد منهما شيئا إلا و صاحبنا خير ممن نالا و ما أنكرنا تقدم من تقدم لعيب عبناه عليه و لو تقدم صاحبنا لكان أهلا و فوق الأهل و لو لا أنك إنما تذكر حظ غيرك و شرف امرئ سواك لكلمتك و لكن ما أنت و ما لا حظ لك فيه اقتصر على حظك و دع تيما لتيم و عديا لعدي و أمية لأمية و لو كلمني تيمي أو عدوي أو أموي لكلمته و أخبرته خبر حاضر عن حاضر لا خبر غائب عن غائب و لكن ما أنت و ما ليس عليك فإن يكن في أسد بن عبد العزى شيء فهو لك أما و الله لنحن أقرب بك عهدا و أبيض عندك يدا و أوفر عندك نعمة ممن أمسيت تظن أنك تصول به علينا و ما أخلق ثوب صفية بعد و الله المستعان على ما تصفون.
أوصى معاوية يزيد ابنه لما عقد له الخلافة بعده فقال إني لا أخاف عليك إلا ممن أوصيك بحفظ قرابته و رعاية حق رحمه من القلوب إليه مائلة و الأهواء نحوه جانحة و الأعين إليه طامحة و هو الحسين بن علي فاقسم له نصيبا من حلمك و اخصصه بقسط وافر من مالك و متعه بروح الحياة و أبلغ له كل ما أحب في أيامك فأما من عداه فثلاثة و هم عبد الله بن عمر رجل قد وقذته العبادة فليس يريد الدنيا إلا أن تجيئه طائعة لا تراق فيها محجمة دم و عبد الرحمن بن أبي بكر رجل هقل لا يحمل ثقلا و لا يستطيع نهوضا و ليس بذي همة و لا شرف و لا أعوان و عبد الله بن الزبير و هو الذئب الماكر و الثعلب الخاتر فوجه إليه جدك و عزمك و نكيرك و مكرك و اصرف إليه سطوتك و لا تثق إليه في حال فإنه كالثعلب راغ بالختل عند الإرهاق و الليث صال بالجراءة عند الإطلاق و أما ما بعد هؤلاء فإني قد وطئت لك الأمم و ذللت لك أعناق المنابر و كفيتك من قرب منك و من بعد عنك فكن للناس كما كان أبوك لهم يكونوا لك كما كانوا لأبيك.خطب عبد الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية فقال في خطبته يزيد القرود يزيد الفهود يزيد الخمور يزيد الفجور أما و الله لقد بلغني أنه لا يزال مخمورا يخطب الناس و هو طافح في سكره فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فما أمسى ليلته حتى جهز جيش الحرة و هو عشرون ألفا و جلس و الشموع بين يديه و عليه ثياب معصفرة و الجنود تعرض عليه ليلا فلما أصبح خرج فأبصر الجيش و رأى تعبيته فقال:
أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى |
و أخذ القوم على وادي القرى |
عشرين ألفا بين كهل و فتى |
أ جمع سكران من القوم ترى |
أم جمع ليث دونه ليث الشرى
لما خرج الحسين ع من مكة إلى العراق ضرب عبد الله بن عباس بيده على منكب ابن الزبير و قال:
يا لك من قبرة بمعمر |
خلا لك الجو فبيضي و اصفري |
|
و نقري ما شئت أن تنقري |
هذا الحسين سائر فأبشري |
خلا الجو و الله لك يا ابن الزبير و سار الحسين إلى العراق فقال ابن الزبير يا ابن عباس و الله ما ترون هذا الأمر إلا لكم و لا ترون إلا أنكم أحق به من جميع الناس فقال ابن عباس إنما يرى من كان في شك و نحن من ذلك على يقين و لكن أخبرني عن نفسك بما ذا تروم هذا الأمر قال بشرفي قال و بما ذا شرفت إن كان لك شرف فإنما هو بنا فنحن أشرف منك لأن شرفك منا و علت أصواتهما فقال غلام من آل الزبير دعنا منك يا ابن عباس فو الله لا تحبوننا يا بني هاشم و لا نحبكم أبدا فلطمه عبد الله بن الزبير بيده و قال أ تتكلم و أنا حاضر فقال ابن عباس لم ضربت الغلام و الله أحق بالضرب منه من مزق و مرق قال و من هو قال أنت.قال و اعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما.
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال اسمع أبياتا قلتها عاتبتك فيها قال هات فأنشده:
لعمري ما أدري و إني لأوجل |
على أينا تعدو المنية أول |
|
و إني أخوك الدائم العهد لم أزل |
إن أعياك خصم أو نبا بك منزل |
|
أحارب من حاربت من ذي عداوة |
و أحبس يوما إن حبست فأعقل |
|
و إن سؤتني يوما صفحت إلى غد |
ليعقب يوم منك آخر مقبل |
|
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني |
يمينك فانظر أي كف تبدل |
|
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته |
على طرف الهجران إن كان يعقل |
|
و يركب حد السيف من أن تضيمه |
إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل |
|
و كنت إذا ما صاحب مل صحبتي |
و بدل شرا بالذي كنت أفعل |
|
قلبت له ظهر المجن و لم أقم |
على الضيم إلا ريثما أتحول |
|
و في الناس إن رثت حبالك واصل |
و في الأرض عن دار القلى متحول |
|
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد |
إليه بوجه آخر الدهر تقبل |
فقال معاوية لقد شعرت بعدي يا أبا خبيب و بينما هما في ذلك دخل معن بن أوس المزني فقال له معاوية إيه هل أحدثت بعدنا شيئا قال نعم قال قل فأنشد هذه الأبيات فعجب معاوية و قال لابن الزبير أ لم تنشدها لنفسك آنفا فقال أنا سويت المعاني و هو ألف الألفاظ و نظمها و هو بعد ظئري فما قال من شيء فهو لي و كان ابن الزبير مسترضعا في مزينة فقال معاوية و كذبا يا أبا خبيب فقام عبد الله فخرج.
و قال الشعبي فقد رأيت عجبا بفناء الكعبة أنا و عبد الله بن الزبير و عبد الملك بن مروان و مصعب بن الزبير فقام القوم بعد ما فرغوا من حديثهم فقالوا ليقم كل واحد منكم فليأخذ بالركن اليماني ثم يسأل الله تعالى حاجته فقام عبد الله بن الزبير فالتزم الركن و قال اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم أسألك بحرمة وجهك و حرمة عرشك و حرمة بيتك هذا ألا تخرجني من الدنيا حتى ألي الحجاز و يسلم علي بالخلافة و جاء فجلس.فقام أخوه مصعب فالتزم الركن و قال اللهم رب كل شيء و إليك مصير كل شيء أسألك بقدرتك على كل شيء ألا تميتني حتى ألي العراق و أتزوج سكينة بنت الحسين بن علي ثم جاء فجلس.فقام عبد الملك فالتزم الركن و قال اللهم رب السموات السبع و الأرض ذات النبت و القفر أسألك بما سألك به المطيعون لأمرك و أسألك بحق وجهك و بحقك على جميع خلقك ألا تميتني حتى ألي شرق الأرض و غربها لا ينازعني أحد إلا ظهرت عليه ثم جاء فجلس.فقام عبد الله بن عمر فأخذ بالركن و قال يا رحمان يا رحيم أسألك برحمتك التي سبقت غضبك و بقدرتك على جميع خلقك ألا تميتني حتى توجب لي الرحمة.قال الشعبي فو الله ما خرجت من الدنيا حتى بلغ كل من الثلاثة ما سأل و أخلق بعبد الله بن عمر أن تجاب دعوته و أن يكون من أهل الرحمة.
قال الحجاج في خطبته يوم دخل الكوفة هذا أدب ابن نهية أما و الله لأؤدبنكم غير هذا الأدب.قال ابن ماكولا في كتاب الإكمال يعني مصعب بن الزبير و عبد الله أخاه و هي نهية بنت سعيد بن سهم بن هصيص و هي أم ولد أسد بن عبد العزى بن قصي و هذا من المواضع الغامضة.و روى الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش قال قدم وفد من العراق على عبد الله بن الزبير فأتوه في المسجد الحرام فسلموا عليه فسألهم عن مصعب أخيه و عن سيرته فيهم فأثنوا عليه و قالوا خيرا و ذلك في يوم جمعة فصلى عبد الله بالناس الجمعة ثم صعد المنبر فحمد الله ثم تمثل:
قد جربوني ثم جربوني |
من غلوتين و من المئين |
|
حتى إذا شابوا و شيبوني |
خلوا عناني ثم سيبوني |
أيها الناس إني قد سألت هذا الوفد من أهل العراق عن عاملهم مصعب بن الزبير فأحسنوا الثناء عليه و ذكروا عنه ما أحب ألا إن مصعبا اطبى القلوب حتى لا تعدل به و الأهواء حتى لا تحول عنه و استمال الألسن بثنائها و القلوب بنصائحها و الأنفس بمحبتها و هو المحبوب في خاصته المأمون في عامته بما أطلق الله به لسانه من الخير و بسط به يديه من البذل ثم نزل.و روى الزبير قال لما جاء عبد الله بن الزبير نعي المصعب صعد المنبر فقال
الحمد لله الذي له الخلق و الأمر يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممن يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء إلا و إنه لم يذلل الله من كان الحق معه و لو كان فردا و لم يعزز الله ولي الشيطان و حزبه و إن كان الأنام كلهم معه إلا و إنه قد أتانا من العراق خبر أحزننا و أفرحنا أتانا قتل المصعبرحمهالله فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر و كرم العزاء و أما الذي أفرحنا فإن قتله كان عن شهادة و إن الله تعالى جعل ذلك لنا و له ذخيرة ألا إن أهل العراق أهل الغدر و النفاق أسلموه و باعوه بأقل الثمن فإن يقتل المصعب فإنا لله و إنا إليه راجعون ما نموت جبحا كما يموت بنو العاص ما نموت إلا قتلا قعصا بالرماح و موتا تحت ظلال السيوف ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه و لا يبيد فإن تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر و إن تدبر عني لا أبكي عليها بكاء الخرف المهتر و إن يهلك المصعب فإن في آل الزبير لخلفا ثم نزل.و روى الزبير بن بكار قال خطب عبد الله بن الزبير بعد أن جاءه مقتل المصعب فحمد الله و أثنى عليه ثم قال لئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بإمامي عثمان فعظمت مصيبته ثم أحسن الله و أجمل و لئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بأبي الزبير فعظمت مصيبته فظننت أني لا أجيزها ثم أحسن الله و سلم و استمرت مريرتي و هل كان مصعب إلا فتى من فتياني ثم غلبه البكاء فسالت دموعه و قال كان و الله سريا مريا ثم قال
هم دفعوا الدنيا على حين أعرضت |
كراما و سنوا للكرام التأسيا |
و روى أبو العباس في الكامل أن عروة لما صلب عبد الله جاء إلى عبد الملك فوقف ببابه و قال للحاجب أعلم أمير المؤمنين أن أبا عبد الله بالباب فدخل الحاجب فقال رجل يقول قولا عظيما قال و ما هو فتهيب فقال قل قال رجل يقول قل لأمير المؤمنين أبو عبد الله بالباب فقال عبد الملك قل لعروة يدخل فدخل فقال تأمر بإنزال جيفة أبي بكر فإن النساء يجزعن فأمر بإنزاله قال و قد كان كتب الحجاج إلى عبد الملك يقول إن خزائن عبد الله عند عروة فمره فليسلمها فدفع عبد الملك إلى عروة و ظن أنه يتغير فلم يحفل بذلك كأنه ما قرأه فكتب عبد الملك إلى الحجاج ألا يعرض لعروة.و من الكلام المشهور في بخل عبد الله بن الزبير الكلام الذي يحكى أن أعرابيا أتاه يستحمله فقال قد نقب خف راحلتي فاحملني إني قطعت الهواجر إليك عليها فقال له ارقعها بسبت و اخصفها بهلب و أنجد بها و سر بها البردين فقال إنما أتيتك مستحملا لم آتك مستوصفا لعن الله ناقة حملتني إليك قال إن و راكبها.
و هذا الأعرابي هو فضالة بن شريك فهجاه فقال:
أرى الحاجات عند أبي خبيب |
نكدن و لا أمية بالبلاد |
|
من الأعياص أو من آل حرب |
أغر كغرة الفرس الجواد |
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال يا أمير المؤمنين لا تدعن مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه و يضرب صفاتهم بمعوله أما و الله إنه لو لا مكانك لكان أخف على رقابنا من فراشه و أقل في أنفسنا من خشاشة و ايم الله لئن ملك أعنة خيل تنقاد له لتركبن منه طبقا تخافه.فقال معاوية إن يطلب مروان هذا الأمر فقد طمع فيه من هو دونه و إن يتركه يتركه لمن فوقه و ما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف عليكم بقرابة و لا يذكركم عند ملمة يسومكم خسفا و يسوقكم عسفا.فقال ابن الزبير إذن و الله يطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمه راعية ثلة.فقال معاوية أنا ابن هند أطلقت عقال الحرب فأكلت ذروة السنام و شربت عنفوان المكرع و ليس للآكل بعدي إلا الفلذة و لا للشارب إلا الرنق.
فسكت ابن الزبير.قدم عبد الله بن الزبير على معاوية وافدا فرحب به و أدناه حتى أجلسه على سريره ثم قال حاجتك أبا خبيب فسأله أشياء ثم قال له سل غير ما سألت قال نعم المهاجرون و الأنصار ترد عليهم فيئهم و تحفظ وصية نبي الله فيهم تقبل من محسنهم و تتجاوز عن مسيئهم.فقال معاوية هيهات هيهات لا و الله ما تأمن النعجة الذئب و قد أكل أليتها.فقال ابن الزبير مهلا يا معاوية فإن الشاة لتدر للحالب و إن المدية في يده و إن الرجل الأريب ليصانع ولده الذي خرج من صلبه و ما تدور الرحى إلا بقطبها و لا تصلح القوس إلا بمعجسها.فقال يا أبا خبيب لقد أجررت الطروقة قبل هباب الفحل هيهات و هي لا تصطك لحبائها اصطكاك القروم السوامي فقال ابن الزبير العطن بعد العل و العل بعد النهل و لا بد للرحاء من الثفال ثم نهض ابن الزبير.فلما كان العشاء أخذت قريش مجالسها و خرج معاوية على بني أمية فوجد عمرو
بن العاص فيهم فقال ويحكم يا بني أمية أ فيكم من يكفيني ابن الزبير فقال عمرو أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين قال ما أظنك تفعل قال بلى و الله لأربدن وجهه و لأخرسن لسانه و لأردنه ألين من خميلة.فقال دونك فاعرض له إذا دخل فدخل ابن الزبير و كان قد بلغه كلام معاوية و عمرو فجلس نصب عيني عمرو فتحدثوا ساعة ثم قال عمرو:
و إني لنار ما يطاق اصطلاؤها |
لدي كلام معضل متفاقم |
فأطرق ابن الزبير ساعة ينكت في الأرض ثم رفع رأسه و قال:
و إني لبحر ما يسامى عبابه |
متى يلق بحري حر نارك يخمد |
فقال عمرو و الله يا ابن الزبير إنك ما علمت لمتجلبب جلابيب الفتنة متأزر بوصائل التيه تتعاطى الذرى الشاهقة و المعالي الباسقة و ما أنت من قريش في لباب جوهرها و لا مؤنق حسبها.فقال ابن الزبير أما ما ذكرت من تعاطي الذرى فإنه طال بي إليها وسما ما لا يطول بك مثله أنف حمي و قلب ذكي و صارم مشرفي في تليد فارع و طريف مانع إذ قعد بك انتفاخ سحرك و وجيب قلبك و أما ما ذكرت من أني لست من قريش في لباب جوهرها و مؤنق حسبها فقد حضرتني و إياك الأكفاء العالمون بي و بك فاجعلهم بيني و بينك.
فقال القوم قد أنصفك يا عمرو قال قد فعلت.فقال ابن الزبير أما إذ أمكنني الله منك فلأربدن وجهك و لأخرسن لسانك و لترجعن في هذه الليلة و كان الذي بين منكبيك مشدود إلى عروق أخدعيك ثم قال أقسمت عليكم يا معاشر قريش أنا أفضل في دين الإسلام أم عمرو فقالوا اللهم أنت قال فأبي أفضل أم أبوه قالوا أبوك حواري رسول الله ص و ابن عمته قال فأمي أفضل أم أمه قالوا أمك أسماء بنت أبي بكر الصديق و ذات النطاقين قال فعمتي أفضل أم عمته قالوا عمتك سلمى ابنة العوام صاحبة رسول الله ص أفضل من عمته قال فخالتي أفضل أم خالته قالوا خالتك عائشة أم المؤمنين قال فجدتي أفضل أم جدته فقال جدتك صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ص قال فجدي أفضل أم جده قالوا جدك أبو بكر الخليفة بعد رسول الله ص فقال:
قضت الغطارف من قريش بيننا |
فاصبر لفصل خصامها و قضائها |
|
و إذا جريت فلا تجار مبرزا |
بذ الجياد على احتفال جرائها |
أما و الله يا ابن العاص لو أن الذي أمرك بهذا واجهني بمثله لقصرت إليه من سامي بصره و لتركته يتلجلج لسانه و تضطرم النار في جوفه و لقد استعان منك بغير واف و لجأ إلى غير كاف ثم قام فخرج.و ذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب أن الحجاج لما حاصر ابن الزبير لم يزل يزحف حتى ملك الجبل المعروف بأبي قبيس و قد كان بيد ابن الزبير فكتب
بذلك إلى عبد الملك فلما قرأ كتابه كبر و كبر من كان في داره حتى اتصل التكبير بأهل السوق فكبروا و سأل الناس ما الخبر فقيل لهم إن الحجاج حاصر ابن الزبير بمكة و ظفر بأبي قبيس فقال الناس لا نرضى حتى يحمل أبو خبيب إلينا مكبلا على رأسه برنس راكب جمل يطاف به في الأسواق تراه العيون.و ذكر المسعودي أن عمة عبد الملك كانت تحت عروة بن الزبير و أن عبد الملك كتب إلى الحجاج يأمره بالكف عن عروة و ذلك قبل أن يقتل عبد الله و ألا يسوءه إذا ظفر بأخيه في ماله و لا في نفسه قال فلما اشتد الحصار على عبد الله خرج عروة إلى الحجاج فأخذ لعبد الله أمانا و رجع إليه فقال هذا عمرو بن عثمان و خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد و هما فتيا بني أمية يعطيانك أمان عبد الملك ابن عمهما على ما أحدثت أنت و من معك و أن تنزل أي البلاد شئت و لك بذلك عهد الله و ميثاقه فأبى عبد الله قبول ذلك و نهته أمه و قالت لا تموتن إلا كريما فقال لها إني أخاف إن قتلت أن أصلب أو يمثل بي فقالت إن الشاة بعد الذبح لا تحس بالسلخ.و روى المسعودي أن عبد الله بن الزبير بعد موت يزيد بن معاوية طلب من يؤمره على الكوفة و قد كان أهلها أحبوا أن يليهم غير بني أمية فقال له المختار بن أبي عبيد اطلب رجلا له رفق و علم بما يأتي و تدبر قوله إياها يستخرج لك منها جندا تغلب به أهل الشام فقال أنت لها فبعثه إلى الكوفة فأتاها و أخرج ابن مطيع منها و ابتنى لنفسه دارا و أنفق عليها مالا جليلا و سأل عبد الله بن الزبير أن يحتسب له به من مال العراق فلم يفعل فخلعه و جحد بيعته و دعا إلى الطالبيين.
قال المسعودي و أظهر عبد الله بن الزبير الزهد في الدنيا و ملازمة العبادة مع الحرص على الخلافة و شبر بطنه فقال إنما بطني شبر فما عسى أن يسع ذلك الشبر و ظهر عنه شح عظيم على سائر الناس ففي ذلك يقول أبو حمزة مولى آل الزبير:
إن الموالي أمست و هي عاتبة |
على الخليفة تشكوا الجوع و الحربا |
|
ما ذا علينا و ما ذا كان يرزؤنا |
أي الملوك على ما حولنا غلبا |
و قال فيه أيضا:
لو كان بطنك شبرا قد شبعت و قد |
أفضلت فضلا كثيرا للمساكين |
|
ما زلت في سورة الأعراف تدرسها |
حتى فؤادي مثل الخز في اللين |
و قال فيه شاعر أيضا لما كانت الحرب بينه و بين الحصين بن نمير قبل أن يموت يزيد بن معاوية:
فيا راكبا إما عرضت فبلغن |
كبير بني العوام إن قيل من تعني |
|
تخبر من لاقيت أنك عائذ |
و تكثر قتلى بين زمزم و الركن |
و قال الضحاك بن فيروز الديلمي:
تخبرنا أن سوف تكفيك قبضة |
و بطنك شبر أو أقل من الشبر |
|
و أنت إذا ما نلت شيئا قضمته |
كما قضمت نار الغضا حطب السدر |
|
فلو كنت تجزي أو تثيب بنعمة |
قريبا لردتك العطوف على عمرو |
قال هو عمرو بن الزبير أخوه ضربه عبد الله حتى مات و كان مباينا له.
كان يزيد بن معاوية قد ولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة فسرح الوليد منها جيشا إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير عليه عمرو بن الزبير فلما تصاف القوم انهزم رجال عمرو و أسلموه فظفر به عبد الله فأقامه للناس بباب المسجد مجردا و لم يزل يضربه بالسياط حتى مات.و قد رأيت في غير كتاب المسعودي أن عبد الله وجد عمرا عند بعض زوجاته و له في ذلك خبر لا أحب أن أذكره.قال المسعودي ثم إن عبد الله بن الزبير حبس الحسن بن محمد بن الحنفية في حبس مظلم و أراد قتله فأعمل الحيلة حتى تخلص من السجن و تعسف الطريق على الجبال حتى أتى منى و بها أبوه محمد بن الحنفية.ثم إن عبد الله جمع بني هاشم كلهم في سجن عارم و أراد أن يحرقهم بالنار و جعل في فم الشعب حطبا كثيرا فأرسل المختار أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فقال أبو عبد الله لأصحابه ويحكم إن بلغ ابن الزبير الخبر عجل على بني هاشم فأتى عليهم فانتدب هو نفسه في ثمانمائة فارس جريدة فما شعر بهم ابن الزبير إلا و الرايات تخفق بمكة فقصد قصد الشعب فأخرج الهاشميين منه و نادى بشعار محمد بن الحنفية و سماه المهدي و هرب ابن الزبير فلاذ بأستار الكعبة فنهاهم محمد بن الحنفية عن طلبه
و عن الحرب و قال لا أريد الخلافة إلا إن طلبني الناس كلهم و اتفقوا علي كلهم و لا حاجة لي في الحرب.قال المسعودي و كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب و جمعه الحطب ليحرقهم و يقول إنما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة و لا يختلف المسلمون و أن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر فإنه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار.قال المسعودي و خطب ابن الزبير يوم قدم أبو عبد الله الجدلي قبل قدومه بساعتين فقال إن هذا الغلام محمد بن الحنفية قد أبى بيعتي و الموعد بيني و بينه أن تغرب الشمس ثم أضرم عليه مكانه نارا فجاء إنسان إلى محمد فأخبره بذلك فقال سيمنعه مني حجاب قوي فجعل ذلك الرجل ينظر إلى الشمس و يرقب غيبوبتها لينظر ما يصنع ابن الزبير فلما كادت تغرب حاست خيل أبي عبد الله الجدلي ديار مكة و جعلت تمعج بين الصفا و المروة و جاء أبو عبد الله الجدلي بنفسه فوقف على فم الشعب و استخرج محمدا و نادى بشعاره و استأذنه في قتل ابن الزبير فكره ذلك و لم يأذن فيه و خرج من مكة فأقام بشعب رضوى حتى مات.
و روى المسعودي عن سعيد بن جبير أن ابن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير إلام تؤنبني و تعنفني
قال ابن عباس إني سمعت رسول الله ص يقول بئس المرء المسلم يشبع و يجوع جاره و أنت ذلك الرجل فقال ابن الزبير و الله إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة و تشاجرا فخرج ابن عباس من مكة خوفا على نفسه فأقام بالطائف حتى مات.و روى أبو الفرج الأصفهاني قال أتى فضالة بن شريك الوالبي ثم الأسدي من بني أسد بن خزيمة عبد الله بن الزبير فقال نفدت نفقتي و نقبت ناقتي فقال أحضرنيها فأحضرها فقال أقبل بها أدبر بها ففعل فقال ارقعها بسبت و اخصفها بهلب و أنجد بها يبرد خفها و سر البردين تصح فقال فضالة إني أتيتك مستحملا و لم آتك مستوصفا فلعن الله ناقة حملتني إليك فقال إن و راكبها فقال فضالة:
أقول لغلمة شدوا ركابي |
أجاوز بطن مكة في سواد |
|
فما لي حين أقطع ذات عرق |
إلى ابن الكاهلية من معاد |
|
سيبعد بيننا نص المطايا |
و تعليق الأداوي و المزاد |
|
و كل معبد قد أعلمته |
مناسمهن طلاع النجاد |
أرى الحاجات عند أبي خبيب |
نكدن و لا أمية بالبلاد |
|
من الأعياص أو من آل حرب |
أغر كغرة الفرس الجواد |
قال ابن الكاهلية هو عبد الله بن الزبير و الكاهلية هذه هي أم خويلد بن أسد بن عبد العزى و اسمها زهرة بنت عمرو بن خنثر بن روينة بن هلال من بني كاهل بن أسد بن خزيمة قال فقال عبد الله بن الزبير لما بلغه الشعر علم أنها شر أمهاتي فعيرني بها و هي خير عماته.و روى أبو الفرج قال كانت صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فمشى ابن الزبير إليها فذكر لها أن خروجه كان غضبا لله عزوجل و لرسوله ص و للمهاجرين و الأنصار من أثرة معاوية و ابنه بالفيء و سألها مسألة زوجها عبد الله بن عمر أن يبايعه فلما قدمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير و عبادته و اجتهاده و أثنت عليه و قالت إنه ليدعو إلى طاعة الله عزوجل و أكثرت القول في ذلك فقال لها ويحك أ ما رأيت البغلات الشهب التي كان يحج معاوية عليها و تقدم إلينا من الشام قالت بلى قال و الله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهن
462
وَ قَالَ ع : مَا لاِبْنِ آدَمَ وَ اَلْفَخْرِ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ وَ آخِرُهُ جِيفَةٌ وَ لاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ وَ لاَ يَدْفَعُ حَتْفَهُ قد تقدم كلامنا في الفخر و ذكرنا الشعر الذي أخذ من هذا الكلام و هو قول القائل:
ما بال من أوله نطفة |
و جيفة آخره يفخر |
|
يصبح ما يملك تقديم ما |
يرجو و لا تأخير ما يحذر |
و قال بعض الحكماء الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان و ذلك نهاية الحمق لمن نظر بعين عقله و انحسر عنه قناع جهله فأعراض الدنيا عارية مستردة لا يؤمن في كل ساعة أن ترتجع و المباهي بها مباه بما في غير ذاته.و قد قال لبعض من فخر بثروته و وفره إن افتخرت بفرسك فالحسن و الفراهة له دونك و إن افتخرت بثيابك و آلاتك فالجمال لهما دونك و إن افتخرت بآبائك
و سلفك فالفضل فيهم لا فيك و لو تكلمت هذه الأشياء لقالت لك هذه محاسننا فما محاسنك.و أيضا فإن الأعراض الدنيوية كما قيل سحابة صيف عن قليل تقشع و ظل زائل عن قريب يضمحل كما قال الشاعر:
إنما الدنيا كرؤيا فرحت |
من رآها ساعة ثم انقضت |
بل كما قال تعالى( إِنَّما مَثَلُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ اَلنَّاسُ وَ اَلْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ اِزَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) .و إذا كان لا بد من الفخر فليخفر الإنسان بعلمه و بشريف خلقه و إذا أعجبك من الدنيا شيء فاذكر فناءك و بقاءه أو بقاءك و فناءه أو فناءكما جميعا و إذا راقك ما هو لك فانظر إلى قرب خروجه من يدك و بعد رجوعه إليك و طول حسابك عليه و قد ذم الله الفخور فقال( وَ اَللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ )
463
اَلْغِنَى وَ اَلْفَقْرُ بَعْدَ اَلْعَرْضِ عَلَى اَللَّهِ تَعَالَى أي لا يعد الغني غنيا في الحقيقة إلا من حصل له ثواب الآخرة الذي لا ينقطع أبدا و لا يعد الفقير فقيرا إلا من لم يحصل له ذلك فإنه لا يزال شقيا معذبا و ذاك هو الفقر بالحقيقة.فأما غنى الدنيا و فقرها فأمران عرضيان زوالهما سريع و انقضاؤهما وشيك.و إطلاق هاتين اللفظتين على مسماهما الدنيوي على سبيل المجاز عند أرباب الطريقة أعني العارفين
464
وَ سُئِلَ عَنْ أَشْعَرِ اَلشُّعَرَاءِ فَقَالَ ع إِنَّ اَلْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ تُعْرَفُ اَلْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا فَإِنْ كَانَ وَ لاَ بُدَّ فَالْمَلِكُ اَلضِّلِّيلُ قال يريد إمرأ القيس
قرأت في أمالي ابن دريد قال أخبرنا الجرموزي عن ابن المهلبي عن ابن الكلبي عن شداد بن إبراهيم عن عبيد الله بن الحسن العنبري عن ابن عرادة قال كان علي بن أبي طالب ع يعشي الناس في شهر رمضان باللحم و لا يتعشى معهم فإذا فرغوا خطبهم و وعظهم فأفاضوا ليلة في الشعراء و هم على عشائهم فلما فرغوا خطبهم ع و قال في خطبته اعلموا أن ملاك أمركم الدين و عصمتكم التقوى و زينتكم الأدب و حصون أعراضكم الحلم ثم قال قل يا أبا الأسود فيم كنتم تفيضون فيه أي الشعراء أشعر فقال يا أمير المؤمنين الذي يقول:
و لقد أغتدي يدافع ركني |
أعوجي ذو ميعة إضريج |
مخلط مزيل معن مفن |
منفح مطرح سبوح خروج |
يعني أبا دواد الإيادي فقال ع ليس به قالوا فمن يا أمير المؤمنين فقال لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معا علمنا من السابق منهم و لكن إن يكن فالذي لم يقل عن رغبة و لا رهبة قيل من هو يا أمير المؤمنين قال هو الملك الضليل ذو القروح قيل إمرؤ القيس يا أمير المؤمنين قال هو قيل فأخبرنا عن ليلة القدر قال ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستر علمها و لست أشك أن الله إنما يسترها عنكم نظرا لكم لأنه لو أعلمكموها عملتم فيها و تركتم غيرها و أرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله انهضوا رحمكم الله.و قال ابن دريد لما فرغ من الخبر إضريج ينبثق في عدوه و قيل واسع الصدر و منفح يخرج الصيد من مواضعه و مطرح يطرح ببصره و خروج سابق.و الغاية بالغين المعجمة الراية قال الشاعر:
و إذا غاية مجد رفعت |
نهض الصلت إليها فحواها |
و يروى قول الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد |
تلقاها غرابة باليمين |
بالغين و الراء أكثر فأما البيت الأول فبالغين لا غير أنشده الخليل في عروضه و في حديث طويل في الصحيح فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا و الميعة أول جري الفرس و قيل الجري بعد الجري
و أنا أذكر في هذا الموضع ما اختلف فيه العلماء من تفضيل بعض الشعراء على بعض و أبتدئ في ذلك بما ذكره أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب الأغاني قال أبو الفرج الثلاثة المقدمون على الشعراء إمرؤ القيس و زهير و النابغة لا اختلاف في أنهم مقدمون على الشعراء كلهم و إنما اختلف في تقديم بعض الثلاثة على بعض.قال فأخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن أبي قبيس عن عكرمة بن جرير عن أبيه قال شاعر أهل الجاهلية زهير.قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة عن هارون بن عمر عن أيوب بن سويد عن يحيى بن زياد عن عمر بن عبد الله الليثي قال قال عمر بن الخطاب ليلة في مسيره إلى الجابية أين عبد الله بن عباس فأتي به فشكا إليه تخلف علي بن أبي طالب ع عنه قال ابن عباس فقلت له أ و لم يعتذر إليك قال بلى قلت فهو ما اعتذر به قال ثم أنشأ يحدثني فقال إن أول من راثكم عن هذا الأمر أبو بكر إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوة قال أبو الفرج ثم ذكر قصة طويلة ليست من هذا الباب فكرهت ذكرها ثم قال يا ابن عباس هل تروي لشاعر الشعراء قلت و من هو قال ويحك شاعر الشعراء الذي يقول:
فلو أن حمدا يخلد الناس خلدوا |
و لكن حمد الناس ليس بمخلد |
فقلت ذاك زهير فقال ذاك شاعر الشعراء قلت و بم كان شاعر الشعراء قال إنه كان لا يعاظل الكلام و يتجنب وحشيه و لا يمدح أحدا إلا بما فيه.قال أبو الفرج و أخبرني أبو خليفة قال ابن سلام و أخبرني عمر بن موسى الجمحي عن أخيه قدامة بن موسى و كان من أهل العلم أنه كان يقدم زهيرا قال فقلت له أي شعره كان أعجب إليه فقال الذي يقول فيه:
قد جعل المبتغون الخير في هرم |
و السائلون إلى أبوابه طرقا |
قال ابن سلام و أخبرني أبو قيس العنبري و لم أر بدويا يفي به عن عكرمة بن جرير قال قلت لأبي يا أبت من أشعر الناس قال أ عن أهل الجاهلية تسألني أم عن أهل الإسلام قال قلت ما أردت إلا الإسلام فإذا كنت قد ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها فقال زهير أشعر أهلها قلت فالإسلام قال الفرزدق نبعة الشعر قلت فالأخطل قال يجيد مدح الملوك و يصيب وصف الخمر قلت فما تركت لنفسك قال إني نحرت الشعر نحرا.قال و أخبرني الحسن بن علي قال أخبرنا الحارث بن محمد عن المدائني عن عيسى بن يزيد قال سأل معاوية الأحنف عن أشعر الشعراء فقال زهير قال و كيف ذاك قال ألقى على المادحين فضول الكلام و أخذ خالصه و صفوته قال مثل ما ذا قال مثل قوله:
و ما يك من خير أتوه فإنما |
توارثه آباء آبائهم قبل |
|
و هل ينبت الخطي إلا وشيجه |
و تغرس إلا في منابتها النخل |
قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا
عبد الله بن عمرو القيسي قال حدثنا خارجة بن عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه عن ابن عباس قال خرجت مع عمر في أول غزاة غزاها فقال لي ليلة يا ابن عباس أنشدني لشاعر الشعراء قلت من هو قال ابن أبي سلمى قلت و لم صار كذلك قال لأنه لا يتبع حوشي الكلام و لا يعاظل في منطقه و لا يقول إلا ما يعرف و لا يمدح الرجل إلا بما فيه أ ليس هو الذي يقول:
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية |
إلى المجد من يسبق إليها يسود |
|
سبقت إليها كل طلق مبرز |
سبوق إلى الغايات غير مزند |
قال أي لا يحتاج إلى أن يجلد الفرس بالسوط.
كفعل جواد يسبق الخيل عفوه |
السراع و إن يجهد و يجهدن يبعد |
|
فلو كان حمدا يخلد الناس لم تمت |
و لكن حمد الناس ليس بمخلد |
أنشدني له فأنشدته حتى برق الفجر فقال حسبك الآن اقرأ القرآن قلت ما أقرأ قال الواقعة فقرأتها و نزل فأذن و صلى.و قال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء دخل الحطيئة على سعيد بن العاص متنكرا فلما قام الناس و بقي الخواص أراد الحاجب أن يقيمه فأبى أن يقوم فقال سعيد دعه و تذاكروا أيام العرب و أشعارها فلما أسهبوا قال الحطيئة ما صنعتم شيئا فقال سعيد فهل عندك علم من ذلك قال نعم قال فمن أشعر العرب قال الذي يقول
قد جعل المبتغون الخير في هرم |
و السائلون إلى أبوابه طرقا |
قال ثم من قال الذي يقول
فإنك شمس و الملوك كواكب |
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب |
يعني زهيرا ثم النابغة ثم قال و حسبك بي إذا وضعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوافي كما يعوي الفصيل في أثر أمه قال فمن أنت قال أنا الحطيئة فرحب به سعيد و أمر له بألف دينار.قال و قال من احتج لزهير كان أحسنهم شعرا و أبعدهم من سخف و أجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق و أشدهم مبالغة في المدح و أبعدهم تكلفا و عجرفية و أكثرهم حكمة و مثلا سائرا في شعره.و قد روى ابن عباس عن النبي ص أنه قال أفضل شعرائكم القائل و من من يعني زهيرا و ذلك في قصيدته التي أولها أ من أم أوفى يقول فيها:
و من يك ذا فضل فيبخل بفضله |
على قومه يستغن عنه و يذمم |
|
و من لم يذد عن حوضه بسلاحه |
يهدم و من لا يظلم الناس يظلم |
|
و من هاب أسباب المنايا ينلنه |
و لو نال أسباب السماء بسلم |
|
و من يجعل المعروف من دون عرضه |
يفره و من لا يتق الشتم يشتم |
فأما القول في النابغة الذبياني فإن أبا الفرج الأصفهاني قال في كتاب الأغاني كنية النابغة أبو أمامة و اسمه زياد بن معاوية و لقب بالنابغة لقوله
فقد نبغت لهم منا شئون
و هو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم و هو من الطبقة الأولى المقدمين على سائر الشعراء.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري و حبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو نعيم قال شريك عن مجالد عن الشعبي عن ربعي بن حراش قال قال لنا عمر يا معشر غطفان من الذي يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابي |
على خوف تظن بي الظنون |
قلنا النابغة قال ذاك أشعر شعرائكم.قلت قوله أشعر شعرائكم لا يدل على أنه أشعر العرب لأنه جعله أشعر شعراء غطفان فليس كقوله في زهير شاعر الشعراء و لكن أبا الفرج قد روى بعد هذا خبرا آخر صريحا في أن النابغة عند عمر أشعر العرب قال حدثني أحمد و حبيب عن عمر بن شبة قال حدثنا عبيد بن جناد قال حدثنا معن بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن جده عن الشعبي قال قال عمر يوما من أشعر الشعراء فقيل له أنت أعلم يا أمير المؤمنين قال من الذي يقول:
إلا سليمان إذ قال المليك له |
قم في البرية فاحددها عن الفند |
|
و خيس الجن إني قد أذنت لهم |
يبنون تدمر بالصفاح و العمد |
قالوا النابغة قال فمن الذي يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابي |
على خوف تظن بي الظنون |
قالوا النابغة قال فمن الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة |
و ليس وراء الله للمرء مذهب |
|
لئن كنت قد بلغت عني خيانة |
لمبلغك الواشي أغش و أكذب |
قالوا النابغة قال فهو أشعر العرب.قال و أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثني علي بن محمد المدائني قال قام رجل إلى ابن عباس فقال له أي الناس أشعر قال أخبره يا أبا الأسود فقال أبو الأسود الذي يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي |
و إن خلت أن المنتأى عنك واسع |
يعني النابغة.قال أبو الفرج و أخبرني أحمد و حبيب عن عمر عن أبي بكر العليمي عن الأصمعي قال كان يضرب للنابغة قبة أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها فأنشده مرة الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم قوم من الشعراء ثم جاءت الخنساء فأنشدته:
و إن صخرا لتأتم الهداة به |
كأنه علم في رأسه نار |
فقال لو لا أن أبا بصير يعني الأعشى أنشدني آنفا لقلت إنك أشعر الإنس و الجن فقام حسان بن ثابت فقال أنا و الله أشعر منها و من أبيك فقال له النابغة يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي |
و إن خلت أن المنتأى عنك واسع |
|
خطاطيف حجن في حبال متينة |
تمد بها أيد إليك نوازع |
قال فخنس حسان لقوله.قال و أخبرني أحمد و حبيب عن عمر عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء
قال حدثني رجل سماه أبو عمرو و أنسيته قال بينما نحن نسير بين أنقاء من الأرض فتذاكرنا الشعر فإذا راكب أطيلس يقول أشعر الناس زياد بن معاوية ثم تملس فلم نره.قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن الأصمعي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول ما ينبغي لزهير إلا أن يكون أجيرا للنابغة.قال أبو الفرج و أخبرنا أحمد عن عمر قال قال عمرو بن المنتشر المرادي وفدنا على عبد الملك بن مروان فدخلنا عليه فقام رجل فاعتذر من أمر و حلف عليه فقال له عبد الملك ما كنت حريا أن تفعل و لا تعتذر ثم أقبل على أهل الشام فقال أيكم يروي اعتذار النابغة إلى النعمان في قوله:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة |
و ليس وراء الله للمرء مذهب |
فلم يجد فيهم من يرويه فأقبل علي و قال أ ترويه قلت نعم فأنشدته القصيدة كلها فقال هذا أشعر العرب.قال و أخبرني أحمد و حبيب عن عمر عن معاوية بن بكر الباهلي قال قلت لحماد الراوية لم قدمت النابغة قال لاكتفائك بالبيت الواحد من شعره لا بل بنصف البيت لا بل بربع البيت مثل قوله:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة |
و ليس وراء الله للمرء مذهب |
|
و لست بمستبق أخا لا تلمه |
على شعث أي الرجال المهذب |
ربع البيت يغنيك عن غيره فلو تمثلت به لم تحتج إلى غيره.قال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن هارون بن عبد الله
الزبيري قال حدثني شيخ يكنى أبا داود عن الشعبي قال دخلت على عبد الملك و عنده الأخطل و أنا لا أعرفه و ذلك أول يوم وفدت فيه من العراق على عبد الملك فقلت حين دخلت عامر بن شراحيل الشعبي يا أمير المؤمنين فقال على علم ما أذنا لك فقلت هذه واحدة على وافد أهل العراق يعني أنه أخطأ قال ثم إن عبد الملك سأل الأخطل من أشعر الناس فقال أنا فعجلت و قلت لعبد الملك من هذا يا أمير المؤمنين فتبسم و قال الأخطل فقلت في نفسي اثنتان على وافد أهل العراق فقلت له أشعر منك الذي يقول:
هذا غلام حسن وجهه |
مستقبل الخير سريع التمام |
|
للحارث الأكبر و الحارث |
الأصغر فالأعرج خير الأنام |
|
ثم لعمرو و لعمرو و قد |
أسرع في الخيرات منه أمام |
قال هي أمامة أم عمرو الأصغر بن المنذر بن إمرئ القيس بن النعمان بن الشقيقة:
خمسة آباء هم ما هم |
أفضل من يشرب صوب الغمام |
و الشعر للنابغة فالتفت إلي الأخطل فقال إن أمير المؤمنين إنما سألني عن أشعر أهل زمانه و لو سألني عن أشعر أهل الجاهلية كنت حريا أن أقول كما قلت أو شبيها به فقلت في نفسي ثلاث على وافد أهل العراق.قال أبو الفرج و قد وجدت هذا الخبر أتم من هذه الرواية ذكره أحمد بن الحارث الخراز في كتابه عن المدائني عن عبد الملك بن مسلم قال كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا و قد أصبت منه و لم يبق
عندي شيء ألذ من مناقلة الإخوان الحديث و قبلك عامر الشعبي فابعث به إلي فدعا الحجاج الشعبي فجهزه و بعث به إليه و قرظه و أطراه في كتابه فخرج الشعبي حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب استأذن لي قال من أنت قال أنا عامر الشعبي قال يرحمك الله قال ثم نهض فأجلسني على كرسيه فلم يلبث أن خرج إلي فقال ادخل يرحمك الله فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسي و بين يديه رجل أبيض الرأس و اللحية جالس على كرسي فسلمت فرد علي السلام فأومأ إلي بقضيبه فجلست عن يساره ثم أقبل على ذلك الإنسان الذي بين يديه فقال له من أشعر الناس فقال أنا يا أمير المؤمنين قال الشعبي فأظلم ما بيني و بين عبد الملك فلم أصبر أن قلت و من هذا الذي يزعم أنه أشعر الناس يا أمير المؤمنين فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي فقال هذا الأخطل فقلت يا أخطل أشعر و الله منك الذي يقول:
هذا غلام حسن وجهه |
مستقبل الخير سريع التمام |
الأبيات...
قال فاستحسنها عبد الملك ثم رددتها عليه حتى حفظها فقال الأخطل من هذا يا أمير المؤمنين قال هذا الشعبي فقال و الجيلون ما استعذت بالله من شر إلا من هذا أي و الإنجيل صدق و الله يا أمير المؤمنين النابغة أشعر مني قال الشعبي فأقبل عبد الملك حينئذ علي فقال كيف أنت يا شعبي قلت بخير يا أمير المؤمنين فلا زلت به ثم ذهبت لأصنع معاذير لما كان من خلافي مع ابن الأشعث على الحجاج فقال مه إنا لا نحتاج إلى هذا المنطق و لا تراه منا في قول و لا فعل حتى تفارقنا ثم أقبل علي فقال ما تقول في النابغة قلت يا أمير المؤمنين قد فضله عمر بن الخطاب
في غير موطن على جميع الشعراء ثم أنشدته الشعر الذي كان عمر يعجب به من شعره و قد تقدم ذكره قال فأقبل عبد الملك على الأخطل فقال له أ تحب أن لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب أم تحب أنك قلته قال لا و الله يا أمير المؤمنين إلا أني وددت أني كنت قلت أبياتا قالها رجل منا ثم أنشده قول القطامي:
إنا محيوك فاسلم أيها الطلل |
و إن بليت و إن طالت بك الطيل |
|
ليس الجديد به تبقى بشاشته |
إلا قليلا و لا ذو خلة يصل |
|
و العيش لا عيش إلا ما تقر به |
عين و لا حال إلا سوف تنتقل |
|
إن ترجعي من أبي عثمان منجحة |
فقد يهون على المستنجح العمل |
|
و الناس من يلق خيرا قائلون له |
ما يشتهي و لأم المخطئ الهبل |
|
قد يدرك المتأني بعض حاجته |
و قد يكون مع المستعجل الزلل |
قال الشعبي فقلت قد قال القطامي أفضل من هذا قال و ما قال قلت قال:
طرقت جنوب رحالنا من مطرق |
ما كنت أحسبها قريب المعنق |
إلى آخرها فقال عبد الملك ثكلت القطامي أمه هذا و الله الشعر قال فالتفت إلى الأخطل فقال يا شعبي إن لك فنونا في الأحاديث و إنما لي فن واحد فإن رأيت ألا تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حرضا فقلت لا أعرض لك في شيء من الشعر أبدا فأقلني هذه المرة فقال من يتكفل بك قلت
أمير المؤمنين فقال عبد الملك هو علي أنه لا يعرض لك أبدا ثم قال عبد الملك يا شعبي أي نساء الجاهلية أشعر قلت الخنساء قال و لم فضلتها على غيرها قلت لقولها:
و قائلة و النعش قد فات خطوها |
لتدركه يا لهف نفسي على صخر |
|
ألا هبلت أم الذين غدوا به |
إلى القبر ما ذا يحملون إلى القبر |
فقال عبد الملك أشعر منها و الله التي تقول:
مهفهف أهضم الكشحين منخرق |
عنه القميص بسير الليل محتقر |
|
لا يأمن الدهر ممساه و مصبحه |
من كل أوب و إن يغز ينتظر |
قال ثم تبسم عبد الملك و قال لا يشقن عليك يا شعبي فإنما أعلمتك هذا لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام و يقولون إن كان غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم و الرواية و أهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق ثم ردد علي أبيات ليلى حتى حفظتها ثم لم أزل عنده أول داخل و آخر خارج فكنت كذلك سنين و جعلني في ألفين من العطاء و جعل عشرين رجلا من ولدي و أهل بيتي في ألف ألف ثم بعثني إلى أخيه عبد العزيز بمصر و كتب إليه يا أخي قد بعثت إليك بالشعبي فانظر هل رأيت قط مثله.قال أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة أوس بن حجر إن أبا عبيدة قال كان أوس شاعر مضر حتى أسقطه النابغة قال و قد ذكر الأصمعي أنه سمع أبا عمرو بن العلاء يقول كان أوس بن حجر فحل العرب فلما نشأ النابغة طأطأ منه.و قال محمد بن سلام في كتاب طبقات الشعراء و قال من احتج للنابغة كان أحسنهم
ديباجة شعر و أكثرهم رونق كلام و أجزلهم بيتا كأن شعره كلام ليس بتكلف و المنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر لأن الشاعر يحتاج إلى البناء و العروض و القوافي و المتكلم مطلق يتخير الكلام كيف شاء قالوا و النابغة نبغ بالشعر بعد أن احتنك و هلك قبل أن يهتر.قلت و كان أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي البصري يفضل النابغة و استقرأني يوما و بيدي ديوان النابغة قصيدته التي يمدح بها النعمان بن المنذر و يذكر مرضه و يعتذر إليه مما كان اتهم به و قذفه به أعداؤه و أولها:
كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا |
و همين هما مستكنا و ظاهرا |
|
أحاديث نفس تشتكي ما يريبها |
و ورد هموم لو يجدن مصادرا |
|
تكلفني أن يغفل الدهر همها |
و هل وجدت قبلي على الدهر ناصرا |
يقول هذه النفس تكلفني ألا يحدث لها الدهر هما و لا حزنا و ذلك مما لم يستطعه أحد قبلي.
أ لم تر خير الناس أصبح نعشه |
على فتية قد جاوز الحي سائرا |
كان الملك منهم إذا مرض حمل على نعش و طيف به على أكتاف الرجال بين الحيرة و الخورنق و النجف ينزهونه.
و نحن لديه نسأل الله خلده |
يرد لنا ملكا و للأرض عامرا |
|
و نحن نرجي الخير إن فاز قدحنا |
و نرهب قدح الدهر إن جاء قامرا |
|
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا |
و أصبح جد الناس بعدك عاثرا |
|
و ردت مطايا الراغبين و عريت |
جيادك لا يحفي لها الدهر حافرا |
رأيتك ترعاني بعين بصيرة |
و تبعث حراسا علي و ناظرا |
|
و ذلك من قول أتاك أقوله |
و من دس أعداء إليك المآبرا |
|
فآليت لا آتيك إن كنت مجرما |
و لا أبتغي جارا سواك مجاورا |
أي لا آتيك حتى يثبت عندك أني غير مجرم.
فأهلي فداء لامرئ إن أتيته |
تقبل معروفي و سد المفاقرا |
|
سأربط كلبي إن يريبك نبحه |
و إن كنت أرعى مسحلان و حامرا |
أي سأمسك لساني عن هجائك و إن كنت بالشام في هذين الواديين البعيدين عنك.
و حلت بيوتي في يفاع ممنع |
تخال به راعي الحمولة طائرا |
|
تزل الوعول العصم عن قذفاته |
و يضحي ذراه بالسحاب كوافرا |
|
حذارا على ألا تنال مقادتي |
و لا نسوتي حتى يمتن حرائرا |
يقول أنا لا أهجرك و إن كنت من المنعة و العصمة على هذه الصفة.
أقول و قد شطت بي الدار عنكم |
إذا ما لقيت من معد مسافرا |
|
ألا أبلغ النعمان حيث لقيته |
فأهدى له الله الغيوث البواكرا |
|
و أصبحه فلجا و لا زال كعبه |
على كل من عادى من الناس ظاهرا |
|
و رب عليه الله أحسن صنعه |
و كان على كل المعادين ناصرا |
فجعل أبو جعفررحمهالله يهتز و يطرب ثم قال و الله لو مزجت هذه القصيدة بشعر البحتري لكادت تمتزج لسهولتها و سلامة ألفاظها و ما عليها من الديباجة و الرونق من يقول إن إمرأ القيس و زهيرا أشعر من هذا هلموا فليحاكموني.
فأما إمرؤ القيس بن حجر فقال محمد بن سلام الجمحي في كتاب طبقات الشعراء أخبرني يونس بن حبيب أن علماء البصرة كانوا يقدمونه على الشعراء كلهم و أن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى و أن أهل الحجاز و البادية يقدمون زهيرا و النابغة.قال ابن سلام فالطبقة الأولى إذن أربعة قال و أخبرني شعيب بن صخر عن هارون بن إبراهيم قال سمعت قائلا يقول للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس فقال ذو القروح يعني إمرأ القيس قال حين يقول ما ذا قال حين يقول:
وقاهم جدهم ببني أبيهم |
و بالأشقين ما كان العقاب |
قال و أخبرني أبان بن عثمان البجلي قال مر لبيد بالكوفة في بني نهد فأتبعوه رسول يسأله من أشعر الناس فقال الملك الضليل فأعادوه إليه فقال ثم من فقال الغلام القتيل يعنى طرفة بن العبد و قال غير أبان قال ثم ابن العشرين قال ثم من قال الشيخ أبو عقيل يعني نفسه.قال ابن سلام و احتج لإمرئ القيس من يقدمه فقال إنه ليس قال ما لم يقولوه و لكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها استحسنتها العرب فاتبعه فيها الشعراء منها استيقاف صحبه و البكاء في الديار و رقة النسيب و قرب المأخذ و تشبيه النساء بالظباء و بالبيض و تشبيه الخيل بالعقبان و العصي و قيد الأوابد و أجاد في النسيب و فصل بين النسيب و بين المعنى و كان أحسن الطبقة تشبيها.قال و حدثني معلم لبني داود بن علي قال بينا أنا أسير في البادية إذا أنا برجل على ظليم قد زمه و خطمة و هو يقول
هل يبلغنيهم إلى الصباح |
هقل كأن رأسه جماح |
قال فما زال يذهب به ظليمه و يجيء حتى أنست به و علمت أنه ليس بإنسي فقلت يا هذا من أشعر العرب فقال الذي يقول:
أ غرك مني أن حبك قاتلي |
و أنك مهما تأمري القلب يفعل |
يعني إمرأ القيس قلت ثم من قال الذي يقول:
و يبرد برد رداء العروس |
بالصيف رقرقت فيه العبيرا |
|
و يسخن ليلة لا يستطيع |
نباحا بها الكلب إلا هريرا |
ثم ذهب به ظليمه فلم أره.قال و حدث عوانة عن الحسن أن رسول الله ص قال لحسان بن ثابت من أشعر العرب قال الزرق العيون من بني قيس قال لست أسألك عن القبيلة إنما أسألك عن رجل واحد فقال حسان يا رسول الله إن مثل الشعراء و الشعر كمثل ناقة نحرت فجاء إمرؤ القيس بن حجر فأخذ سنامها و أطائبها ثم جاء المتجاوران من الأوس و الخزرج فأخذا ما والى ذلك منها ثم جعلت العرب تمزعها حتى إذا بقي الفرث و الدم جاء عمرو بن تميم و النمر بن قاسط فأخذاه
فقال رسول الله ص ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها خامل يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار.فأما الأعشى فقد احتج أصحابه لتفضيله بأنه كان أكثرهم عروضا و أذهبهم في فنون الشعر و أكثرهم قصيدة طويلة جيدة و أكثرهم مدحا و هجاء و كان أول من سأل
بشعره و إن لم يكن له بيت نادر على أفواه الناس كأبيات أصحابه الثلاثة.و قد سئل خلف الأحمر من أشعر الناس فقال ما ينتهى إلى واحد يجمع عليه كما لا ينتهى إلى واحد هو أشجع الناس و لا أخطب الناس و لا أجمل الناس فقيل له يا أبا محرز فأيهم أعجب إليك فقال الأعشى كان أجمعهم.قال ابن سلام و كان أبو الخطاب الأخفش مستهترا به يقدمه و كان أبو عمرو بن العلاء يقول مثله مثل البازي يضرب كبير الطير و صغيره و يقول نظيره في الإسلام جرير و نظير النابغة الأخطل و نظير زهير الفرزدق.فأما قول أمير المؤمنين ع الملك الضليل فإنما سمي إمرؤ القيس ضليلا لما يعلن به في شعره من الفسق و الضليل الكثير الضلال كالشريب و الخمير و السكير و الفسيق للكثير الشرب و إدمان الخمر و السكر و الفسق فمن ذلك قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت و مرضعا |
فألهيتها عن ذي تمائم محول |
|
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له |
بشق و تحتي شقها لم يحول |
و قوله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها |
سمو حباب الماء حالا على حال |
|
فقالت لحاك الله إنك فاضحي |
أ لست ترى السمار و الناس أحوالي |
|
فقلت لها تالله أبرح قاعدا |
و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي |
فلما تنازعنا الحديث و أسمحت |
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال |
|
فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا |
و رضت فذلت صعبة أي إذلال |
|
حلفت لها بالله حلفة فاجر |
لناموا فما إن من حديث و لا صالي |
|
فأصبحت معشوقا و أصبح بعلها |
عليه القتام كاسف الوجه و البال |
و قوله في اللامية الأولى:
و بيضة خدر لا يرام خباؤها |
تمتعت من لهو بها غير معجل |
|
تخطيت أبوابا إليها و معشرا |
علي حراصا لو يسرون مقتلي |
|
فجئت و قد نضت لنوم ثيابها |
لدى الستر إلا لبسة المتفضل |
|
فقالت يمين الله ما لك حيلة |
و ما إن أرى عنك الغواية تنجلي |
|
فقمت بها أمشي نجر وراءنا |
على إثرنا أذيال مرط مرجل |
|
فلما أجزنا ساحة الحي و انتحى |
بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل |
|
هصرت بفودي رأسها فتمايلت |
علي هضيم الكشح ريا المخلخل |
و قوله:
فبت أكابد ليل التمام |
و القلب من خشية مقشعر |
|
فلما دنوت تسديتها |
فثوبا نسيت و ثوابا أجر |
|
و لم يرنا كالئ كاشح |
و لم يبد منا لدى البيت سر |
|
و قد رابني قولها يا هناه |
ويحك ألحقت شرا بشر |
و قوله:
تقول و قد جردتها من ثيابها |
كما رعت مكحول المدامع أتلعا |
|
لعمرك لو شيء أتانا رسوله |
سواك و لكن لم نجد لك مدفعا |
|
فبتنا نصد الوحش عنا كأننا |
قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا |
|
تجافى عن المأثور بيني و بينها |
و تدني علي السابري المضلعا |
و في شعر إمرئ القيس من هذا الفن كثير فمن أراده فليطلبه من مجموع شعره
465
وَ قَالَ ع : أَلاَ حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اَللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلاَّ اَلْجَنَّةَ فَلاَ تَبِيعُوهَا إِلاَّ بِهَا اللماظة بفتح اللام ما تبقى في الفم من الطعام قال يصف الدنيا
لماظة أيام كأحلام نائم
و لمظ الرجل يلمظ بالضم لمظا إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه و أخرج لسانه فمسح به شفتيه و كذلك التلمظ يقال تلمظت الحية إذا أخرجت لسانها كما يتلمظ الآكل.و قال ألا حر مبتدأ و خبره محذوف أي في الوجود و ألا حرف قال:
ألا رجل جزاه الله خيرا |
يدل على محصلة تبيت |
ثم قال إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها من الناس من يبيع نفسه بالدراهم و الدنانير و من الناس من يبيع نفسه بأحقر الأشياء و أهونها و يتبع هواه فيهلك و هؤلاء في الحقيقة أحمق الناس إلا أنه قد رين على القلوب فغطتها الذنوب و أظلمت الأنفس بالجهل و سوء العادة و طال الأمد أيضا على القلوب فقست و لو أفكر الإنسان حق الفكر لما باع نفسه إلا بالجنة لا غير
466
وَ قَالَ ع : مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَ طَالِبُ دُنْيَا تقول نهم فلان بكذا فهو منهوم أي مولع به و هذه الكلمة
مروية عن النبي ص منهومان لا يشبعان منهوم بالمال و منهوم بالعلم و النهم بالفتح إفراط الشهوة في الطعام تقول منه نهمت إلى الطعام بكسر الهاء أنهم فأنا نهم و كان في القرآن آية أنزلت ثم رفعت لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا و لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب و يتوب الله على من تاب.فأما طالب العلم العاشق له فإنه لا يشبع منه أبدا و كلما استكثر منه زاد عشقه له و تهالكه عليه مات أبو عثمان الجاحظ و الكتاب على صدره.و كان شيخنا أبو عليرحمهالله في النزع و هو يملي على ابنه أبي هاشم مسائل في علم الكلام و كان القاضي أحمد بن أبي دواد يأخذ الكتاب في خفه و هو راكب فإذا جلس في دار الخليفة اشتغل بالنظر فيه إلى أن يجلس الخليفة و يدخل إليه و قيل ما فارق ابن أبي دواد الكتاب قط إلا في الخلاء و أعرف أنا في زماننا من مكث نحو خمس سنين لا ينام إلا وقت السحر صيفا و شتاء مكبا على كتاب صنفه و كانت وسادته التي ينام عليها الكتاب
467
وَ قَالَ ع : عَلاَمَةُ اَلْإِيمَانِ اَلْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ اَلصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى اَلْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَ أَلاَّ يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ عَمَلِكَ وَ أَنْ تَتَّقِيَ اَللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ قد أخذ المعنى الأول القائل:
عليك بالصدق و لو أنه |
أحرقك الصدق بنار الوعيد |
و ينبغي أن يكون هذا الحكم مقيدا لا مطلقا لأنه إذا أضر الصدق ضررا عظيما يؤدي إلى تلف النفس أو إلى قطع بعض الأعضاء لم يجز فعله صريحا و وجبت المعاريض حينئذ.فإن قلت فالمعاريض صدق أيضا فالكلام على إطلاقه قلت هي صدق في ذاتها و لكن مستعملها لم يصدق فيما سئل عنه و لا كذب أيضا لأنه لم يخبر عنه و إنما أخبر عن شيء آخر و هي المعاريض و التارك للخبر لا يكون صادقا و لا كاذبا فوجب أن يقيد إطلاق الخبر بما إذا كان الضرر غير عظيم و كانت نتيجة الصدق أعظم نفعا من تلك المضرة.قال ع و ألا يكون في حديث فضل عن علمك متى زاد منطق الرجل على علمه فقد لغا و ظهر نقصه و الفاضل من كان علمه أكثر من منطقه قوله و إن تتقي الله في حديث غيرك أي في نقله و روايته فترويه كما سمعته من غير تحريف
468
وَ قَالَ ع : يَغْلِبُ اَلْمِقْدَارُ عَلَى اَلتَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ اَلآْفَةُ فِي اَلتَّدْبِيرِ قال و قد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف بعض هذه الألفاظ قد تقدم هذا المعنى و هو كثير جدا و من جيده قول الشاعر:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه |
و لكنه من يخذل الله يخذل |
|
لجاهد حتى تبلغ النفس عذرها |
و قلقل يبغي العز كل مقلقل |
و قال أبو تمام:
و ركب كأطراف الأسنة عرسوا |
على مثلها و الليل تسطو غياهبه |
|
لأمر عليهم أن تتم صدوره |
و ليس عليهم أن تتم عواقبه |
و قال آخر:
فإن بين حيطانا عليه فإنما |
أولئك عقالاته لا معاقله |
469
وَ قَالَ ع : اَلْحِلْمُ وَ اَلْأَنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ اَلْهِمَّةِ قد تقدم هذا المعنى و شرحه مرارا.و قال ابن هانئ:
و كل أناة في المواطن سؤدد |
و لا كأناة من تدبر محكم |
|
و من يتبين أن للسيف موضعا |
من الصفح يصفح عن كثير و يحلم |
و قال أرباب المعاني علمنا الله تعالى فضيلة الأناة بما حكاه عن سليمان( سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكاذِبِينَ ) .و كان يقال الأناة حصن السلامة و العجلة مفتاح الندامة.و كان يقال التأني مع الخيبة خير من التهور مع النجاح.و قال الشاعر:
الرفق يمن و الأناة سعادة |
فتأن في أمر تلاق نجاحا |
و قال من كره الأناة و ذمها لو كانت الأناة محمودة و العجلة مذمومة لما قال موسى لربه( وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) .
و أنشدوا:
عيب الأناة و إن سرت عواقبها |
أن لا خلود و أن ليس الفتى حجرا |
و قال آخر:
كم من مضيع فرصة قد أمكنت |
لغد و ليس له غد بمواتي |
|
حتى إذا فاتت و فات طلابها |
ذهبت عليها نفسه حسرات |
470
وَ قَالَ ع : اَلْغِيبَةُ جُهْدُ اَلْعَاجِزِ قد تقدم كلامنا في الغيبة مستقصى.و قيل للأحنف من أشرف الناس قال من إذا حضر هابوه و إذا غاب اغتابوه.و قال الشاعر:
و يغتابني من لو كفاني اغتيابه |
لكنت له العين البصيرة و الأذنا |
|
و عندي من الأشياء ما لو ذكرتها |
إذا قرع المغتاب من ندم سنا |
و قد نظمت أنا كلمة الأحنف فقلت:
أكل عرضي إن غبت ذما فإن أبت |
فمدح و رهبة و سجود |
|
هكذا يفعل الجبان شجاع |
حين يخلو و في الوغى رعديد |
|
لك مني حالان في عينك الجنة |
حسنا و في الفؤاد وقود |
471
وَ قَالَ ع : رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ اَلْقَوْلِ فِيهِ طالما فتن الناس بثناء الناس عليهم فيقصر العالم في اكتساب العلم اتكالا على ثناء الناس عليه و يقصر العابد في العبادة اتكالا على ثناء الناس عليه و يقول كل واحد منهما إنما أردت ما اشتهرت به للصيت و قد حصل فلما ذا أتكلف الزيادة و أعاني التعب و أيضا فإن ثناء الناس على الإنسان يقتضي اعتراء العجب له و إعجاب المرء بنفسه مهلك.و اعلم أن الرضيرحمهالله قطع كتاب نهج البلاغة على هذا الفصل و هكذا وجدت النسخة بخطه و قال هذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المنتزع من كلام أمير المؤمنين ع حامدين لله سبحانه على ما من به من توفيقنا لضم ما انتشر من أطرافه و تقريب ما بعد من أقطاره مقررين العزم كما شرطنا أولا على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب لتكون لاقتناص الشارد و استلحاق الوارد و ما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض و يقع إلينا بعد الشذوذ و ما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا و هو حسبنا و نعم الوكيل نعم المولى و نعم النصير.ثم وجدنا نسخا كثيرة فيها زيادات بعد هذا الكلام قيل إنها وجدت في نسخة كتبت في حياة الرضيرحمهالله و قرئت عليه فأمضاها و أذن في إلحاقها بالكتاب نحن نذكرها
472
وَ قَالَ ع : اَلدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا وَ لَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا قال أبو العلاء المعري مع ما كان يرمى به في هذا المعنى ما يطابق إرادة أمير المؤمنين ع بلفظه هذا:
خلق الناس للبقاء فضلت |
أمة يحسبونهم للنفاد |
|
إنما ينقلون من دار أعمال |
إلى دار شقوة أو رشاد |
473
وَ قَالَ ع : إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَداً يَجْرُونَ فِيهِ وَ لَوْ قَدِ اِخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَوْ كَادَتْهُمُ اَلضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ قال الرضيرحمهالله تعالى و هذا من أفصح الكلام و أغربه و المرود هاهنا مفعل من الإرواد و هو الإمهال و الإنظار فكأنه ع شبه المهلة التي هم فيها بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغاية فإذا بلغوا منقطعها انتقض نظامهم بعدها هذا إخبار عن غيب صريح لأن بني أمية لم يزل ملكهم منتظما لما لم يكن بينهم اختلاف و إنما كانت حروبهم مع غيرهم كحرب معاوية في صفين و حرب يزيد أهل المدينة و ابن الزبير بمكة و حرب مروان الضحاك و حرب عبد الملك ابن الأشعث و ابن الزبير و حرب يزيد ابنه بني المهلب و حرب هشام زيد بن علي فلما ولي الوليد بن يزيد و خرج عليه ابن عمه يزيد بن الوليد و قتله اختلف بنو أمية فيما بينهما و جاء الوعد و صدق من وعد به فإنه منذ قتل الوليد دعت دعاة بني العباس بخراسان و أقبل
مروان بن محمد من الجزيرة يطلب الخلافة فخلع إبراهيم بن الوليد و قتل قوما من بني أمية و اضطرب أمر الملك و انتشر و أقبلت الدولة الهاشمية و نمت و زال ملك بني أمية و كان زوال ملكهم على يد أبي مسلم و كان في بدايته أضعف خلق الله و أعظمهم فقرا و مسكنة و في ذلك تصديق قوله ع ثم لو كادتهم الضباع لغلبتهم
474
وَ قَالَ ع فِي مَدْحِ اَلْأَنْصَارِ هُمْ وَ اَللَّهِ رَبَّوُا اَلْإِسْلاَمَ كَمَا يُرَبَّى اَلْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِم بِأَيْدِيهِمُ اَلسِّبَاطِ وَ أَلْسِنَتِهِمُ اَلسِّلاَطِ الفلو المهر و يروى بأيديهم البساط أي الباسطة و الأولى جمع سبط يعني السماح و قد يقال للحاذق بالطعن إنه لسبط اليدين يريد الثقافة و ألسنتهم السلاط يعني الفصيحة.و قد تقدم القول في مدح الأنصار و لو لم يكن إلا
قول رسول الله ص فيهم إنكم لتكثرون عند الفزع و تقلون عند الطمع و لو لم يكن إلا ما قاله لعامر بن الطفيل فيهم لما قال له لأغزونك في كذا و كذا من الخيل يتوعده
فقال ع يكفي الله ذلك و أبناء قيلة لكان فخرا لهم و هذا عظيم جدا و فوق العظيم و لا ريب أنهم الذين أيد الله بهم الدين و أظهر بهم الإسلام بعد خفائه و لولاهم لعجز المهاجرون عن حرب قريش و العرب و عن حماية رسول الله ص و لو لا مدينتهم لم يكن للإسلام ظهر يلجئون عليه و يكفيهم فخرا يوم حمراء الأسد
يوم خرج بهم رسول الله ص إلى قريش بعد انكسار أصحابه و قتل من قتل منهم و خرجوا نحو القوم و الجراح فيهم فاشية و دماؤهم تسيل و إنهم مع ذلك كالأسد الغراث تتواثب على فرائسها و كم لهم من يوم أغر محجل و قالت الأنصار لو لا علي بن أبي طالب ع في المهاجرين لأبينا لأنفسنا أن يذكر المهاجرون معنا أو أن يقرنوا بنا و لكن رب واحد كألف بل كألوف.و قد تقدم ذكر الشعر المنسوب إلى الوزير المغربي و ما طعن به القادر بالله الخليفة العباسي في دينه بطريقه و كان الوزير المغربي يتبرأ منه و يجحده و قيل إنه وجدت مسودة بخطه فرفعت إلى القادر بالله.و مما وجد بخطه أيضا و كان شديد العصبية للأنصار و لقحطان قاطبة على عدنان و كان ينتمي إلى الأزد أزد شنوءة قوله:
إن الذي أرسى دعائم أحمد |
و علا بدعوته على كيوان |
|
أبناء قيلة وارثو شرف العلا |
و عراعر الأقيال من قحطان |
|
بسيوفهم يوم الوغى و أكفهم |
ضربت مصاعب ملكه بجران |
|
لو لا مصارعهم و صدق قراعهم |
خرت عروش الدين للأذقان |
|
فليشكرن محمد أسياف من |
لولاه كان كخالد بن سنان |
و هذا إفراط قبيح و لفظ شنيع و الواجب أن يصان قدر النبوة عنه و خصوصا البيت الأخير فإنه قد أساء فيه الأدب و قال ما لا يجوز قوله و خالد بن سنان كان من بني عبس بن بغيض من قيس عيلان ادعى النبوة و قيل إنه كانت تظهر عليه آيات و معجزات ثم مات و انقرض دينه و دثرت دعوته و لم يبق إلا اسمه و ليس يعرفه كل الناس بل البعض منهم
475
وَ قَالَ ع : اَلْعَيْنُ وِكَاءُ اَلسَّتَهِ اَلسَّهِ قال الرضيرحمهالله تعالى و هذه من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السته بالوعاء و العين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء و هذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبي ص و قد رواه قوم لأمير المؤمنين ع و ذكر ذلك المبرد في الكتاب المقتضب في باب اللفظ المعروف قال الرضي و قد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم بمجازات الآثار النبوية المعروف أن هذا من كلام رسول الله ص ذكره المحدثون في كتبهم و أصحاب غريب الحديث في تصانيفهم و أهل الأدب في تفسير هذه اللفظة في مجموعاتهم اللغوية و لعل المبرد اشتبه عليه فنسبه إلى أمير المؤمنين ع و الرواية بلفظ التثنية
العينان وكاء السته و السته الاست.
و قد جاء في تمام الخبر
في بعض الروايات فإذا نامت العينان استطلق الوكاء و الوكاء رباط القربة فجعل العينين وكاء و المراد اليقظة للسته كالوكاء للقربة و منه
الحديث في اللقطة احفظ عفاصها و وكاءها و عرفها سنة فإن جاء صاحبها و إلا فشأنك بها و العفاص السداد و الوكاء السداد و هذه من الكنايات اللطيفة
و قد كنا قدمنا قطعة صالحة من الكنايات المستحسنة و وعدنا أن نعاود ذكر طرف منها و هذا الموضع موضعه فمن الكناية عن الحدث الخارج و هو الذي كنى عنه أمير المؤمنين ع أو رسول الله ص الكناية التي ذكرها يحيى بن زياد في شعره قيل إن يحيى بن زياد و مطيع بن إياس و حمادا الراوية جلسوا على شرب لهم و معهم رجل منهم فانحل وكاؤه فاستحيا و خرج و لم يعد إليهم فكتب إليه يحيى بن زياد:
أ من قلوص غدت لم يؤذها أحد |
إلا تذكرها بالرمل أوطانا |
|
خان العقال لها فانبت إذ نفرت |
و إنما الذنب فيها للذي خانا |
|
منحتنا منك هجرانا و مقلية |
و لم تزرنا كما قد كنت تغشانا |
|
خفض عليك فما في الناس ذو إبل |
إلا و أينقه يشردن أحيانا |
و ليس هذا الكتاب أهلا أن يضمن حكاية سخيفة أو نادرة خليعة فنذكر فيه ما جاء في هذا المعنى و إنما جرأنا على ذكر هذه الحكاية خاصة كناية أمير المؤمنين ع أو رسول الله ص عنها و لكنا نذكر كنايات كثيرة في غير هذا المعنى مستحسنة ينتفع القارئ بالوقوف عليها.
يقال فلان من قوم موسى إذا كان ملولا إشارة إلى قوله تعالى( وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ) .قال الشاعر:
فيا من ليس يكفيه صديق |
و لا ألفا صديق كل عام |
|
أظنك من بقايا قوم موسى |
فهم لا يصبرون على طعام |
و قال العباس بن الأحنف:
كتبت تلوم و تستريث زيارتي |
و تقول لست لنا كعهد العاهد |
|
فأجبتها و دموع عيني سجم |
تجري على الخدين غير جوامد |
|
يا فوز لم أهجركم لملالة |
عرضت و لا لمقال واش حاسد |
|
لكنني جربتكم فوجدتكم |
لا تصبرون على طعام واحد |
و يقولون للجارية الحسناء قد أبقت من رضوان قال الشاعر:
جست العود بالبنان الحسان |
و تثنت كأنها غصن بان |
|
فسجدنا لها جميعا و قلنا |
إذ شجتنا بالحسن و الإحسان |
|
حاش لله أن تكوني من الإنس |
و لكن أبقت من رضوان |
و يقولون للمكشوف الأمر الواضح الحال ابن جلا و هو كناية عن الصبح و منه ما تمثل به الحجاج:
أنا ابن جلا و طلاع الثنايا |
متى أضع العمامة تعرفوني |
و منه قول القلاخ بن حزن
أنا القلاخ بن القلاخ ابن جلا.و منه قولهم فلان قائد الجمل لأنه لا يخفى لعظم الجمل و كبر جثته و في المثل ما استتر من قاد جملا و قالوا كفى برغائها نداء و مثل هذا قولهم ما يوم حليمة بسر يقال ذلك في الأمر المشهور الذي لا يستر و يوم حليمة يوم التقى المنذر الأكبر و الحارث الغساني الأكبر و هو أشهر أيام العرب يقال إنه ارتفع من العجاج ما ظهرت معه الكواكب نهارا و حليمة اسم امرأة أضيف اليوم إليها لأنها أخرجت إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب بها الداخلين إلى القتال فقاتلوا حتى تفانوا.و يقولون في الكناية عن الشيخ الضعيف قائد الحمار و إشارة إلى ما أنشده الأصمعي:
آتي الندي فلا يقرب مجلسي |
و أقود للشرف الرفيع حماري |
أي أقوده من الكبر إلى موضع مرتفع لأركبه لضعفي و مثل ذلك كنايتهم عن الشيخ الضعيف بالعاجن لأنه إذا قام عجن في الأرض بكفيه قال الشاعر:
فأصبحت كنتيا و أصبحت عاجنا |
و شر خصال المرء كنت و عاجن |
قالوا الكنتي الذي يقول كنت أفعل كذا و كنت أركب الخيل يتذكر ما مضى من زمانه و لا يكون ذلك إلا عند الهرم أو الفقر و العجز.و مثله قولهم للشيخ راكع قال لبيد:
أخبر أخبار القرون التي مضت |
أدب كأني كلما قمت راكع |
و الركوع هو التطأطؤ و الانحناء بعد الاعتدال و الاستواء و يقال للإنسان إذا انتقل من الثروة إلى الفقر قد ركع قال:
لا تهين الفقير علك أن تركع |
يوما و الدهر قد رفعه |
و في هذا المعنى قال الشاعر.
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه |
يوما فتدركه الحوادث قد نما |
|
يجزيك أو يثني عليك و إن من |
يثني عليك بما فعلت فقد جزى |
و مثله أيضا:
و أكرم كريما إن أتاك لحاجة |
لعاقبة إن العضاه تروح |
تروح الشجر إذا انفطر بالنبت يقول إن كان فقيرا فقد يستغنى كما إن الشجر الذي لا ورق عليه سيكتسى ورقا و يقال ركع الرجل أي سقط.و قال الشاعر:
خرق إذا ركع المطي من الوجى |
لم يطو دون رفيقه ذا المرود |
|
حتى يئوب به قليلا فضله |
حمد الرفيق نداك أو لم يحمد |
و كما يشبهون الشيخ بالراكع فيكنون به عنه كذلك يقولون يحجل في قيده لتقارب خطوه قال أبو الطمحان القيني:
حنتني حانيات الدهر حتى |
كأني خاتل أدنو لصيد |
|
قريب الخطو يحسب من رآني |
و لست مقيدا أني بقيد |
و نحو هذا قولهم للكبير بدت له الأرنب و ذلك أن من يختل الأرنب ليصيدها يتمايل في مشيته و أنشد ابن الأعرابي في النوادر:
و طالت بي الأيام حتى كأنني |
من الكبر العالي بدت لي أرنب |
و نحوه يقولون للكبير قيد بفلان البعير أي لا قوة ليده على أن يصرف البعير تحته على حسب إرادته فيقوده قائد يحمله حيث يريد.
و من أمثالهم لقد كنت و ما يقاد بي البعير يضرب لمن كان ذا قوة و عزم ثم عجز و فتر.و من الكنايا عن شيب العنفقة قولهم قد عض على صوفه.و يكنون عن المرأة التي كبر سنها فيقولون امرأة قد جمعت الثياب أي تلبس القناع و الخمار و الإزار و ليست كالفتاة التي تلبس ثوبا واحدا.و يقولون لمن يخضب يسود وجه النذير و قالوا في قوله تعالى( وَ جاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ ) إنه الشيب و قال الشاعر:
و قائلة لي اخضب فالغواني |
تطير من ملاحظة القتير |
|
فقلت لها المشيب نذير موتي |
و لست مسودا وجه النذير |
و زاحم شاب شيخا في طريق فقال الشاب كم ثمن القوس يعيره بانحناء الظهر فقال الشيخ يا ابن أخي إن طال بك عمر فسوف تشتريها بلا ثمن.و أنشد لابن خلف:
تعيرني وخط المشيب بعارضي |
و لو لا الحجول البلق لم تعرف الدهم |
|
حنى الشيب ظهري فاستمرت مريرتي |
و لو لا انحناء القوس لم ينفذ السهم |
و يقولون لمن رشا القاضي أو غيره صب في قنديله زيتا و أنشد:
و عند قضاتنا خبث و مكر |
و زرع حين تسقيه يسنبل |
|
إذا ما صب في القنديل زيت |
تحولت القضية للمقندل |
و كان أبو صالح كاتب الرشيد ينسب إلى أخذ الرشا و كان كاتب أم جعفر.
و هو سعدان بن يحيى كذلك فقال لها الرشيد يوما أ ما سمعت ما قيل في كاتبك قالت ما هو فأنشدها:
صب في قنديل سعدان |
مع التسليم زيتا |
|
و قناديل بنيه |
قبل أن تخفى الكميتا |
قالت فما قيل في كاتبك أشنع و أنشدته:
قنديل سعدان علا ضوءه |
فرخ لقنديل أبي صالح |
|
تراه في مجلسه أحوصا |
من لمحه للدرهم اللائح |
و يقولون لمن طلق ثلاثا قد نحرها بمثلثه.و يقولون أيضا أعطاها نصف السنة.و يقولون لمن يفخر بآبائه هو عظامي و لمن يفخر بنفسه هو عصامي إشارة إلى قول النابغة في عصام بن سهل حاجب النعمان:
نفس عصام سودت عصاما |
و علمته الكر و الإقداما |
و جعلته ملكا هماما
و أشار بالعظامي إلى فخره بالأموات من آبائه و رهطه و قال الشاعر:
إذا ما الحي عاش بعظم ميت |
فذاك العظم حي و هو ميت |
و نحو هذا أن عبد الله بن زياد بن ظبيان التميمي دخل على أبيه و هو يجود بنفسه فقال أ لا أوصي بك الأمير فقال إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحي هو الميت و يقال إن عطاء بن أبي سفيان قال ليزيد بن معاوية أغنني عن غيرك قال
حسبك ما أغناك به معاوية قال فهو إذن الحي و أنت الميت و مثل قولهم عظامي قولهم خارجي أي يفخر بغير أولية كانت له قال كثير لعبد العزيز:
أبا مروان لست بخارجي |
و ليس قديم مجدك بانتحال |
و يكنون عن العزيز و عن الذليل أيضا فيقولون بيضة البلد فمن يقولها للمدح يذهب إلى أن البيضة هي الحوزة و الحمى يقولون فلان يحمي بيضته أي يحمي حوزته و جماعته و من يقولها للذم يعني أن الواحدة من بيض النعام إذا فسدت تركها أبواها في البلد و ذهبا عنها قال الشاعر في المدح:
لكن قائله من لا كفاء له |
من كان يدعى أبوه بيضة البلد |
و قال الآخر في الذم:
تأبى قضاعة لم تعرف لكم نسبا |
و ابنا نزار فأنتم بيضة البلد |
و يقولون للشيء الذي يكون في الدهر مرة واحدة هو بيضة الديك قال بشار:
يا أطيب الناس ريقا غير مختبر |
إلا شهادة أطراف المساويك |
|
قد زرتنا زورة في الدهر واحدة |
ثني و لا تجعليها بيضة الديك |
و يكنون عن الثقيل بالقذى في الشراب قال الأخطل يذكر الخمر و الاجتماع عليها:
و ليس قذاها بالذي قد يضيرها |
و لا بذباب نزعه أيسر الأمر |
|
و لكن قذاها كل جلف مكلف |
أتتنا به الأيام من حيث لا ندري |
فذاك القذى و ابن القذى و أخو القذى |
فإن له من زائر آخر الدهر |
و يكنون أيضا عنه بقدح اللبلاب قال الشاعر:
يا ثقيلا زاد في الثقل |
على كل ثقيل |
|
أنت عندي قدح اللبلاب |
في كف العليل |
و يكنون عنه أيضا بالقدح الأول لأن القدح الأول من الخمر تكرهه الطبيعة و ما بعده فدونه لاعتياده قال الشاعر:
و أثقل من حضين باديا |
و أبغض من قدح أول |
و يكنون عنه بالكانون قال الحطيئة يهجو أمه:
تنحي فاقعدي عني بعيدا |
أراح الله منك العالمينا |
|
أ غربالا إذا استودعت سرا |
و كانونا على المتحدثينا |
قالوا و أصله من كننت أي سترت فكأنه إذا دخل على قوم و هم في حديث ستروه عنه و قيل بل المراد شدة برده.و يكنون عن الثقيل أيضا برحى البزر قال الشاعر:
و أثقل من رحى بزر علينا |
كأنك من بقايا قوم عاد |
و يقولون لمن يحمدون جواره جاره جار أبي دواد و هو كعب بن مامة الإيادي كان إذا جاوره رجل فمات وداه و إن هلك عليه شاة أو بعير أخلف عليه فجاوره أبو دواد الإيادي فأحسن إليه فضرب به المثل.و مثله قولهم هو جليس قعقاع بن شور و كان قد قدم إلى معاوية فدخل عليه و المجلس غاص بأهله ليس فيه مقعد فقام له رجل من القوم و أجلسه مكانه فلم
يبرح القعقاع من ذلك الموضع يكلم معاوية و معاوية يخاطبه حتى أمر له بمائة ألف درهم فأحضرت إليه فجعلت إلى جانبه فلما قام قال للرجل القائم له من مكانه ضمها إليك فهي لك بقيامك لنا عن مجلسك فقيل فيه:
و كنت جليس قعقاع بن شور |
و لا يشقى بقعقاع جليس |
|
ضحوك السن إن نطقوا بخير |
و عند الشر مطراق عبوس |
أخذ قوله و لا يشقى بقعقاع جليس من قول النبي ص هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.و يكنون عن السمين من الرجال بقولهم هو جار الأمير و ضيف الأمير و أصله أن الغضبان بن القبعثرى كان محبوسا في سجن الحجاج فدعا به يوما فكلمه فقال له في جملة خطابه إنك لسمين يا غضبان فقال القيد و الرتعة و الخفض و الدعة و من يكن ضيف الأمير يسمن.و يكني الفلاسفة عن السمين بأنه يعرض سور حبسه و ذلك أن أفلاطون رأى رجلا سمينا فقال يا هذا ما أكثر عنايتك بتعريض سور حبسك.و نظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال أرى عليك قطيفة محكمة قال نعم ذاك عنوان نعمة الله عندي.و يقولون للكذاب هو قموص الحنجرة و أيضا هو زلوق الكبد و أيضا لا يوثق بسيل بلقعه و أيضا أسير الهند لأنه يدعي أنه ابن الملك و إن كان من أولاد السفلة.و يكنى عنه أيضا بالشيخ الغريب لأنه يحب أن يتزوج في الغربة فيدعي أنه ابن خمسين سنة و هو ابن خمس و سبعين.
و يقولون هو فاختة البلد من قول الشاعر:
أكذب من فاختة |
تصيح فوق الكرب |
|
و الطلع لم يبد لها |
هذا أوان الرطب |
و قال آخر في المعنى:
حديث أبي حازم كله |
كقول الفواخت جاء الرطب |
|
و هن و إن كن يشبهنه |
فلسن يدانينه في الكذب |
و يكنون عن النمام بالزجاج لأنه يشف على ما تحته قال الشاعر:
أنم بما استودعته من زجاجة |
يرى الشيء فيها ظاهرا و هو باطن |
و يكنون عنه بالنسيم من قول الآخر:
و إنك كلما استودعت سرا |
أنم من النسيم على الرياض |
و يقولون إنه لصبح و إنه لطيب كله في النمام و يقولون ما زال يفتل له في الذروة و الغارب حتى أسمحت قرونته و هي النفس و الذروة أعلى السنام و الغارب مقدمه.و يقولون في الكناية عن الجاهل ما يدري أي طرفيه أطول قالوا ذكره و لسانه و قالوا هل نسب أبيه أفضل أم نسب أمه.و مثله لا يعرف قطانه من لطانه أي لا يعرف جبهته مما بين وركيه.و قالوا الحدة كنية الجهل و الاقتصاد كنية البخل و الاستقصاء كنية الظلم.
و قالوا للجائع عضه الصفر و عضه شجاع البطن.و قال الهذلي:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه |
و أوثر غرثى من عيالك بالطعم |
|
مخافة أن أحيا برغم و ذلة |
و للموت خير من حياة على رغم |
و يقولون زوده زاد الضب أي لم يزوده شيئا لأن الضب لا يشرب الماء و إنما يتغذى بالريح و النسيم و يأكل القليل من عشب الأرض.و قال ابن المعتز:
يقول أكلنا لحم جدي و بطة |
و عشر دجاجات شواء بألبان |
|
و قد كذب الملعون ما كان زاده |
سوى زاد ضب يبلع الريح عطشان |
و قال أبو الطيب:
لقد لعب البين المشت بها و بي |
و زودني في السير ما زود الضبا |
و يقولون للمختلفين من الناس هم كنعم الصدقة و هم كبعر الكبش قال عمرو بن لجأ:
و شعر كبعر الكبش ألف بينه |
لسان دعي في القريض دخيل |
و ذلك لأن بعر الكبش يقع متفرقا.و قال بعض الشعراء لشاعر آخر أنا أشعر منك لأني أقول البيت و أخاه و تقول البيت و ابن عمه فأما قول جرير في ذي الرمة إن شعره
بعر ظباء و نقط عروس ،فقد فسره الأصمعي فقال يريد أن شعره حلو أول ما تسمعه فإذا كرر إنشاده ضعف لأن أبعار الظباء أول ما تشم توجد لها رائحة ما أكلت من الجثجاث و الشيح
و القيصوم فإذا أدمت شمها عدمت تلك الرائحة و نقط العروس إذا غسلتها ذهبت.و يقولون أيضا للمختلفين أخياف و الخيف سواد إحدى العينين و زرق الأخرى و يقولون فيهم أيضا أولاد علات كالإخوة لأمهات شتى و العلة الضرة.و يقولون فيهم خبز كتاب لأنه يكون مختلفا قال شاعر يهجو الحجاج بن يوسف:
أ ينسى كليب زمان الهزال |
و تعليمه سورة الكوثر |
|
رغيف له فلكة ما ترى |
و آخر كالقمر الأزهر |
و مثله:
أ ما رأيت بني سلم وجوههم |
كأنها خبز كتاب و بقال |
و يقال للمتساوين في الرداءة كأسنان الحمار قال الشاعر:
سواء كأسنان الحمار فلا ترى |
لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا |
و قال آخر:
شبابهم و شيبهم سواء |
فهم في اللؤم أسنان الحمار |
و أنشد المبرد في الكامل لأعرابي يصف قوما من طيئ بالتساوي في الرداءة:
و لما أن رأيت بني جوين |
جلوسا ليس بينهم جليس |
|
يئست من الذي أقبلت أبغي |
لديهم إنني رجل يئوس |
|
إذا ما قلت أيهم لأي |
تشابهت المناكب و الرءوس |
قال فقوله ليس بينهم جليس هجاء قبيح يقول لا ينتجع الناس معروفهم
فليس بينهم غيرهم و يقولون في المتساويين في الرداءة أيضا هما كحماري العبادي قيل له أي حماريك شر قال هذا ثم هذا و يقال في التساوي في الشر و الخير هم كأسنان المشط و يقال وقعا كركبتي البعير و كرجلي النعامة.و قال ابن الأعرابي كل طائر إذا كسرت إحدى رجليه تحامل على الأخرى إلا النعام فإنه متى كسرت إحدى رجليه جثم فلذلك قال الشاعر يذكر أخاه:
و إني و إياه كرجلي نعامة |
على ما بنا من ذي غنى و فقير |
و قال أبو سفيان بن حرب لعامر بن الطفيل و علقمة بن علاثة و قد تنافرا إليه أنتما كركبتي البعير فلم ينفر واحدا منهما فقالا فأينا اليمنى فقال كل منكما يمنى.و سأل الحجاج رجلا عن أولاد المهلب أيهم أفضل فقال هم كالحلقة الواحدة.و سئل ابن دريد عن المبرد و ثعلب فأثنى عليهما فقيل فابن قتيبة قال ربوة بين جبلين أي خمل ذكره بنباهتهما.و يكنى عن الموت بالقطع عند المنجمين و عن السعاية بالنصيحة عند العمال و عن الجماع بالوطء عند الفقهاء و عن السكر بطيب النفس عند الندماء و عن السؤال بالزوار عند الأجواد و عن الصدقة بما أفاء الله عند الصوفية.و يقال للمتكلف بمصالح الناس إنه وصي آدم على ولده و قد قال شاعر في هذا الباب:
فكأن آدم عند قرب وفاته |
أوصاك و هو يجود بالحوباء |
|
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم |
و كفيت آدم عيلة الأبناء |
و يقولون فلان خليفة الخضر إذا كان كثير السفر قال أبو تمام
خليفة الخضر من يربع على وطن |
أو بلدة فظهور العيس أوطاني |
|
بغداد أهلي و بالشام الهوى و أنا |
بالرقتين و بالفسطاط إخواني |
|
و ما أظن النوى ترضى بما صنعت |
حتى تبلغ بي أقصى خراسان |
و يقولون للشيء المختار المنتخب هو ثمرة الغراب لأنه ينتفي خير الثمر.و يقولون سمن فلان في أديمه كناية عمن لا ينتفع به أي ما خرج منه يرجع إليه و أصله أن نحيا من السمن انشق في ظرف من الدقيق فقيل ذلك قال الشاعر:
ترحل فما بغداد دار إقامة |
و لا عند من أضحى ببغداد طائل |
|
محل ملوك سمنهم في أديمهم |
و كلهم من حلية المجد عاطل |
|
فلا غرو أن شلت يد المجد و العلى |
و قل سماح من رجال و نائل |
|
إذا غضغض البحر الغطامط ماءه |
فليس عجيبا أن تغيض الجداول |
و يقولون لمن لا يفي بالعهد فلان لا يحفظ أول المائدة لأن أولها( يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) .و يقولون لمن كان حسن اللباس و لا طائل عنده هو مشجب و المشجب خشبة القصار التي يطرح الثياب عليها قال ابن الحجاج:
لي سادة طائر السرور بهم |
يطرده اليأس بالمقاليع |
|
مشاجب للثياب كلهم |
و هذه عادة المشاقيع |
|
جائزتي عندهم إذا سمعوا |
شعري هذا كلام مطبوع |
و إنهم يضحكون إن ضحكوا |
مني و أبكي أنا من الجوع |
و قال آخر:
إذا لبسوا دكن الخزوز و خضرها |
و راحوا فقد راحت عليك المشاجب |
و روي أن كيسان غلام أبي عبيدة وفد على بعض البرامكة فلم يعطه شيئا فلما وافى البصرة قيل له كيف وجدته قال وجدته مشجبا من حيث ما أتيته وجدته.و يكنون عن الطفيلي فيقولون هو ذباب لأنه يقع في القدور قال الشاعر:
أتيتك زائرا لقضاء حق |
فحال الستر دونك و الحجاب |
|
و لست بواقع في قدر قوم |
و إن كرهوا كما يقع الذباب |
و قال آخر:
و أنت أخو السلام و كيف أنتم |
و لست أخا الملمات الشداد |
|
و أطفل حين يجفى من ذباب |
و ألزم حين يدعى من قراد |
و يكنون عن الجرب بحب الشباب قال الوزير المهلبي:
يا صروف الدهر حسبي |
أي ذنب كان ذنبي |
|
علة خصت و عمت |
في حبيب و محب |
|
دب في كفيه يا من |
حبه دب بقلبي |
|
فهو يشكو حر حب |
و شكاتي حر حب |
و يكنون عن القصير القامة بأبي زبيبة و عن الطويل بخيط باطل و كانت كنية مروان بن الحكم لأنه كان طويلا مضطربا قال فيه الشاعر:
لحا الله قوما أمروا خيط باطل |
على الناس يعطي من يشاء و يمنع |
و في خيط باطل قولان أحدهما أنه الهباء الذي يدخل من ضوء الشمس في الكوة
من البيت و تسميه العامة غزل الشمس و الثاني أنه الخيط الذي يخرج من في العنكبوت و تسميه العامة مخاط الشيطان.و تقول العرب للملقو لطيم الشيطان.و كان لقب عمرو بن سعيد الأشدق لأنه كان ملقوا.و قال بعضهم لآخر ما حدث قال قتل عبد الملك عمرا فقال قتل أبو الذبان لطيم الشيطان( وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ اَلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) .و يقولون للحزين المهموم يعد الحصى و يخط في الأرض و يفت اليرمع قال المجنون:
عشية ما لي حيلة غير أنني |
بلقط الحصى و الخط في الدار مولع |
|
أخط و أمحو كل ما قد خططته |
بدمعي و الغربان حولي وقع |
و هذا كالنادم يقرع السن و البخيل ينكت الأرض ببنانه أو بعود عند الرد قال الشاعر:
عبيد إخوانهم حتى إذا ركبوا |
يوم الكريهة فالآساد في الأجم |
|
يرضون في العسر و الإيسار سائلهم |
لا يقرعون على الأسنان من ندم |
و قال آخر في نكت الأرض بالعيدان:
قوم إذا نزل الغريب بدارهم |
تركوه رب صواهل و قيان |
|
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم |
لتطلب العلات بالعيدان |
و يقولون للفارغ فؤاد أم موسى.
و يقولون للمثري من المال منقرس و ذلك أن علة النقرس أكثر ما تعتري أهل الثروة و التنعم.حكى المبرد قال كان الحرمازي في ناحية عمرو بن مسعدة و كان يجري عليه فخرج عمرو بن مسعدة إلى الشام و تخلف الحرمازي ببغداد فأصابه النقرس فقال:
أقام بأرض الشام فاختل جانبي |
و مطلبه بالشام غير قريب |
|
و لا سيما من مفلس حلف نقرس |
أ ما نقرس في مفلس بعجيب |
و قال بعضهم يهجو ابن زيدان الكاتب:
تواضع النقرس حتى لقد |
صار إلى رجل ابن زيدان |
|
علة إنسان و لكنها |
قد وجدت في غير إنسان |
و يقولون للمترف رقيق النعل و أصله قول النابغة:
رقاق النعال طيب حجزاتهم |
يحيون بالريحان يوم السباسب |
يعني أنهم ملوك و الملك لا يخصف نعله و إنما يخصف نعله من يمشي و قوله طيب حجزاتهم أي هم أعفاء الفروج أي يشدون حجزاتهم على عفة و كذلك قولهم فلان مسمط النعال أي نعله طبقة واحدة غير مخصوف قال المرار بن سعيد الفقعسي:
وجدت بني خفاجة في عقيل |
كرام الناس مسمطة النعال |
و قريب من هذا قول النجاشي:
و لا يأكل الكلب السروق نعالنا |
و لا ينتقي المخ الذي في الجماجم |
يريد أن نعالهم سبت و السبت جلود البقر المدبوغة بالقرظ و لا تقربها الكلاب و إنما تأكل الكلاب غير المدبوغ لأنه إذا أصابه المطر دسمه فصار زهما.و يقولون للسيد لا يطأ على قدم أي هو يتقدم الناس و لا يتبع أحدا فيطأ على قدمه.و يقولون قد اخضرت نعالهم أي صاروا في خصب و سعة قال الشاعر:
يتايهون إذا اخضرت نعالهم |
و في الحفيظة أبرام مضاجير |
و إذا دعوا على إنسان بالزمانة قالوا خلع الله نعليه لأن المقعد لا يحتاج إلى نعل.و يقولون أطفأ الله نوره كناية عن العمى و عن الموت أيضا لأن من يموت فقد طفئت ناره.و يقولون سقاه الله دم جوفه دعاء عليه بأن يقتل ولده و يضطر إلى أخذ ديته إبلا فيشرب ألبانها.و يقولون رماه الله بليلة لا أخت لها أي ليلة موته لأن ليلة الموت لا أخت لها.و يقولون وقعوا في سلا جمل أي في داهية لا يرى مثلها لأن الجمل لا سلا له و إنما السلا للناقة و هي الجليدة التي تكون ملفوفة على ولدها.و يقولون صاروا في حولاء ناقة إذ صاروا في خصب.و كانوا إذا وصفوا الأرض بالخصب قالوا كأنها حولاء ناقة.
و يقولون لأبناء الملوك و الرؤساء و من يجري مجراهم جفاة المحز قال الشاعر:
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا |
و لا يأكلون اللحم إلا تخذما |
يقول هم ملوك و أشباه الملوك لا حذق لهم بنحر الإبل و الغنم و لا يعرفون التجليد و السلخ و لهم من يتولى ذلك عنهم و إذا لم يحضرهم من يجزر الجزور تكلفوا هم ذلك بأنفسهم فلم يحسنوا حز المفصل كما يفعله الجزار و قوله
و لا يأكلون اللحم إلا تخذما
أي ليس بهم شره فإذا أكلوا اللحم تخذموا قليلا قليلا و الخذم القطع و أنشد الجاحظ في مثله:
و صلع الرءوس عظام البطون |
جفاة المحز غلاظ القصر |
لأن ذلك كله أمارات الملوك و قريب من ذلك قوله:
ليس براعي إبل و لا غنم |
و لا بجزار على ظهر وضم |
و يقولون فلان أملس يكنون عمن لا خير فيه و لا شر أي لا يثبت فيه حمد و لا ذم.و يقولون ملحه على ركبته أي هو سيئ الخلق يغضبه أدنى شيء قال:
لا تلمها إنها من عصبة |
ملحها موضوعة فوق الركب |
و يقولون كناية عن مجوسي هو ممن يخط على النمل و النمل جمع نملة و هي قرحة بالإنسان كانت العرب تزعم أن المجوسي إذا كان من أخته و خط عليها برأت قال الشاعر:
و لا عيب فينا غير عرق لمعشر |
كرام و أنا لا نخط على النمل |
و يقولون للصبي قد قطفت ثمرته أي ختن و قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
ما زال عصياننا لله يرذلنا |
حتى دفعنا إلى يحيى و دينار |
|
إلا عليجين لم تقطف ثمارها |
قد طالما سجدا للشمس و النار |
و يقولون قدر حليمة أي لا غليان فيها.و يقولون لمن يصلي صلاة مختصرة هو راجز الصلاة.و قال أعرابي لرجل رآه يصلي صلاة خفيفة صلاتك هذه رجز.و يقولون فلان عفيف الشفة أي قليل السؤال و فلان خفيف الشفة كثير السؤال.و تكني العرب عن المتيقظ بالقطامي و هو الصقر.و يكنون عن الشدة و المشقة بعرق القربة يقولون لقيت من فلان عرق القربة أي العرق الذي يحدث بك من حملها و ثقلها و ذلك لأن أشد العمل كان عندهم السقي و ما ناسبه من معالجة الإبل.و تكني العرب عن الحشرات و هوام الأرض بجنود سعد يعنون سعد الأخبية و ذلك لأنه إذا طلع انتشرت في ظاهر الأرض و خرج منها ما كان مستترا في باطنها قال الشاعر:
قد جاء سعد منذرا بحره |
موعدة جنوده بشره |
و يكني قوم عن السائلين على الأبواب بحفاظ سورة يوسف ع لأنهم يعتنون بحفظها دون غيرها و قال عمارة يهجو محمد بن وهيب:
تشبهت بالأعراب أهل التعجرف |
فدل على ما قلت قبح التكلف |
لسان عراقي إذا ما صرفته |
إلى لغة الأعراب لم يتصرف |
|
و لم تنس ما قد كان بالأمس حاكه |
أبوك و عود الجف لم يتقصف |
|
لئن كنت للأشعار و النحو حافظا |
لقد كان من حفاظ سورة يوسف |
و يكنون عن اللقيط بتربية القاضي و عن الرقيب بثاني الحبيب لأنه يرى معه أبدا قال ابن الرومي:
موقف للرقيب لا أنساه |
لست أختاره و لا آباه |
|
مرحبا بالرقيب من غير وعد |
جاء يجلو علي من أهواه |
|
لا أحب الرقيب إلا لأني |
لا أرى من أحب حتى أراه |
و يكنون عن الوجه المليح بحجة المذنب إشارة إلى قول الشاعر:
قد وجدنا غفلة من رقيب |
فسرقنا نظرة من حبيب |
|
و رأينا ثم وجها مليحا |
فوجدنا حجة للذنوب |
و يكنون عن الجاهل ذي النعمة بحجة الزنادقة قال ابن الرومي:
مهلا أبا الصقر فكم طائر |
خر صريعا بعد تحليق |
|
لا قدست نعمى تسربلتها |
كم حجة فيها لزنديق |
و قال ابن بسام في أبي الصقر أيضا:
يا حجة الله في الأرزاق و القسم |
و عبرة لأولى الألباب و الفهم |
|
تراك أصبحت في نعماء سابغة |
إلا و ربك غضبان على النعم |
فهذا ضد ذلك المقصد لأن ذاك جعله حجة على الزندقة و هذا جعله حجة على قدرة البارئ سبحانه على عجائب الأمور و غرائبها و أن النعم لا قدر لها عنده سبحانه حيث جعلها عند أبي الصقر مع دناءة منزلته و قال ابن الرومي
و قينة أبرد من ثلجه |
تبيت منها النفس في ضجه |
|
كأنها من نتنها صخة |
لكنها في اللون أترجه |
|
تفاوتت خلقتها فاغتدت |
لكل من عطل محتجه |
و قد يشابه ذلك قول أبي علي البصير في ابن سعدان:
يا ابن سعدان أجلح الرزق في أمرك |
و استحسن القبيح بمره |
|
نلت ما لم تكن تمنى إذا ما |
أسرفت غاية الأماني عشره |
|
ليس فيما أظن إلا لكيلا |
ينكر المنكرون لله قدره |
و للمفجع في قريب منه:
إن كنت خنتكم المودة غادرا |
أو حلت عن سنن المحب الوامق |
|
فمسخت في قبح ابن طلحة إنه |
ما دل قط على كمال الخالق |
و يقولون عرض فلان على الحاجة عرضا سابريا أي خفيفا من غير استقصاء تشبيها له بالثوب السابري و الدرع السابرية و هي الخفيفة.و يحكى أن مرتدا مر على قوم يأكلون و هو راكب حمارا فقالوا انزل إلينا فقال هذا عرض سابري فقالوا انزل يا ابن الفاعلة و هذا ظرف و لباقه.و يقولون في ذلك وعد سابري أي لا يقرن به وفاء و أصل السابري اللطيف الرقق.و قال المبرد سألت الجاحظ من أشعر المولدين فقال القائل:
كأن ثيابه أطلعن |
من أزراره قمرا |
|
يزيدك وجهه حسنا |
إذا ما زدته نظرا |
|
بعين خالط التفتير |
في أجفانها الحورا |
و وجه سابري لو |
تصوب ماؤه قطرا |
يعني العباس بن الأحنف.و تقول العرب في معنى قول المحدثين عرض عليه كذا عرضا سابريا عرض عليه عرض عالة أي عرض الماء على النعم العالة التي قد شربت شربا بعد شرب و هو العلل لأنها تعرض على الماء عرضا خفيفا لا تبالغ فيه.و من الكنايات الحسنة قول أعرابية قالت لقيس بن سعد بن عبادة أشكو إليك قلة الجرذان في بيتي فاستحسن منها ذلك و قال لأكثرنها املئوا لها بيتها خبزا و تمرا و سمنا و أقطا و دقيقا.و شبيه بذلك ما روي أن بعض الرؤساء سايره صاحب له على برذون مهزول فقال له ما أشد هزال دابتك فقال يدها مع أيدينا ففطن لذلك و وصله.و قريب منه ما حكي أن المنصور قال لإنسان ما مالك قال ما أصون به وجهي و لا أعود به على صديقي فقال لقد تلطفت في المسألة و أمر له بصلة.و جاء أعرابي إلى أبي العباس ثعلب و عنده أصحابه فقال له ما أراد القائل بقوله:
الحمد لله الوهوب المنان |
صار الثريد في رءوس القضبان |
فأقبل ثعلب على أهل المجلس فقال أجيبوه فلم يكن عندهم جواب و قال له نفطويه الجواب منك يا سيدي أحسن فقال على أنكم لا تعلمونه قالوا لا نعلمه فقال الأعرابي قد سمعت ما قال القوم فقال و لا أنت أعزك الله تعلمه فقال ثعلب أراد أن السنبل قد أفرك قال صدقت فأين حق الفائدة فأشار إليهم ثعلب
فبروه فقام قائلا بوركت من ثعلب ما أعظم بركتك.و يكنون عن الشيب بغبار العسكر و برغوة الشباب قال الشاعر:
قالت أرى شيبا برأسك قلت لا |
هذا غبار من غبار العسكر |
و قالت آخر و سماه غبار وقائع الدهر:
غضبت ظلوم و أزمعت هجري |
وصبت ضمائرها إلى الغدر |
|
قالت أرى شيبا فقلت لها |
هذا غبار وقائع الدهر |
و يقولون للسحاب فحل الأرض.و قالوا القلم أحد اللسانين و رداءة الخط أحد الزمانتين.قال و قال الجاحظ رأيت رجلا أعمى يقول في الشوارع و هو يسأل ارحموا ذا الزمانتين قلت و ما هما قال أنا أعمى و صوتي قبيح و قد أشار شاعر إلى هذا فقال:
اثنان إذا عدا |
حقيق بهما الموت |
|
فقير ما له زهد |
و أعمى ما له صوت |
و قال رسول الله ص إياكم و خضراء الدمن فلما سئل عنها قال المرأة الحسناء في المنبت السوء و قال ع في صلح قوم من العرب إن بيننا و بينهم عيبة مكفوفة أي لا نكشف ما بيننا و بينهم من ضغن و حقد و دم و قال ع الأنصار كرشي و عيبتي أي موضع سري و كرشي جماعتي.
و يقال جاء فلان ربذ العنان أي منهزما.و جاء ينفض مذرويه أي يتوعد من غير حقيقة.و جاء ينظر عن شماله أي منهزما.و تقول فلان عندي بالشمال أي منزلته خسيسة و فلان عندي باليمين أي بالمنزلة العليا قال أبو نواس:
أقول لناقتي إذ بلغتني |
لقد أصبحت عندي باليمين |
|
فلم أجعلك للغربان نهبا |
و لم أقل اشرقي بدم الوتين |
|
حرمت على الأزمة و الولايا |
و أعلاق الرحالة و الوضين |
و قال ابن ميادة:
أبيني أ في يمنى يديك جعلتني |
فأفرح أم صيرتني في شمالك |
و تقول العرب التقى الثريان في الأمرين يأتلفان و يتفقان أو الرجلين قال أبو عبيدة و الثرى التراب الندي في بطن الوادي فإذا جاء المطر و سح في بطن الوادي حتى يلتقي نداه و الندى الذي في بطن الوادي يقال التقى الثريان.و يقولون هم في خير لا يطير غرابه يريدون أنهم في خير كثير و خصب عظيم فيقع الغراب فلا ينفر لكثرة الخصب.و كذلك أمر لا ينادى وليده أي أمر عظيم ينادى فيه الكبار دون الصغار.و قيل المراد أن المرأة تشتغل عن وليدها فلا تناديه لعظم الخطب و من هذا قول الشاعر يصف حربا عظيمة
إذا خرس الفحل وسط الحجور |
و صاح الكلاب و عق الولد |
يريد أن الفحل إذا عاين الجيش و البارقة لم يلتفت لفت الحجور و لم يصهل و تنبح الكلاب أربابها لأنها لا تعرفهم للبسهم الحديد و تذهل المرأة عن ولدها رعبا فجعل ذلك عقوقا.و يقولون أصبح فلان على قرن أعفر و هو الظبي إذا أرادوا أصبح على خطر و ذلك لأن قرن الظبي ليس يصلح مكانا فمن كان عليه فهو على خطر قال إمرؤ القيس:
و لا مثل يوم بالعظالى قطعته |
كأني و أصحابي على قرن أعفرا |
و قال أبو العلاء المعري:
كأنني فوق روق الظبي من حذر
و أنشد ابن دريد في هذا المعنى:
و ما خير عيش لا يزال كأنه |
محلة يعسوب برأس سنان |
يعني من القلق و أنه غير مطمئن.و يقولون به داء الظبي أي لا داء به لأن الظبي صحيح لا يزال و المرض قل أن يعتريه و يقولون للمتلون المختلف الأحوال ظل الذئب لأنه لا يزل مرة هكذا و مرة هكذا و يقولون به داء الذئب أي الجوع.
و عهد فلان عهد الغراب يعنون أنه غادر قالوا لأن كل طائر يألف أنثاه إلا الغراب فإنه إذا باضت الأنثى تركها و صار إلى غيرها.و يقولون ذهب سمع الأرض و بصرها أي حيث لا يدرى أين هو.و تقولون ألقى عصاه إذا أقام و استقر قال الشاعر:
فألقت عصاها و استقر بها النوى |
كما قر عينا بالإياب المسافر |
و وقع القضيب من يد الحجاج و هو يخطب فتطير بذلك حتى بان في وجهه فقام إليه رجل فقال إنه ليس ما سبق وهم الأمير إليه و لكنه قول القائل و أنشده البيت فسري عنه.و يقال للمختلفين طارت عصاهم شققا.و يقال فلان منقطع القبال أي لا رأي له.و فلان عريض البطان أي كثير الثروة.و فلان رخي اللب أي في سعة.و فلان واقع الطائر أي ساكن.و فلان شديد الكاهل أي منيع الجانب.و فلان ينظر في أعقاب نجم مغرب أي هو نادم آيس قال الشاعر:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر |
مع الصبح في أعقاب نجم مغرب |
و سقط في يده أي أيقن بالهلكة.و قد رددت يده إلى فيه أي منعته من الكلام.و بنو فلان يد على بني فلان أي مجتمعون.
و أعطاه كذا عن ظهر يد أي ابتداء لا عن مكافأة.و يقولون جاء فلان ناشرا أذنيه أي جاء طامعا.و يقال هذه فرس غير محلفة أي لا تحوج صاحبها إلى أن يحلف أنها كريمة قال:
كميت غير محلفة و لكن |
كلون الصرف عل به الأديم |
و تقول حلب فلان الدهر أشطره أي مرت عليه صروبه خيره و شره.و قرع فلان لأمر ظنبوبه أي جد فيه و اجتهد.و تقول أبدى الشر نواجذه أي ظهر.و قد كشفت الحرب عن ساقها و كشرت عن نابها.و تقول استنوق الجمل يقال ذلك للرجل يكون في حديث ينتقل إلى غيره يخلطه به.و تقول لمن يهون بعد عز استأتن العير.و تقول للضعيف يقوى استنسر البغاث.و يقولون شراب بأنقع أي معاود للأمور و قال الحجاج يا أهل العراق إنكم شرابون بأنقع أي معتادون الخير و الشر و الأنقع جمع نقع و هو ما استنقع من الغدران و أصله في الطائر الحذر يرد المناقع في الفلوات حيث لا يبلغه قانص و لا ينصب له شرك
و نختم هذا الفصل في الكنايات بحكاية رواها أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني قال أبو الفرج أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني ابن عمي قال حدثنا أحمد بن عبد الله عن الهيثم بن عدي قال و حدثني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة أميرا على العراق فأرسل إلى عشرة من وجوه أهل الكوفة أنا أحدهم فسرنا عنده فقال ليحدثني كل رجل منكم أحدوثة و ابدأ أنت يا أبا عمرو فقلت أصلح الله الأمير أ حديث حق أم حديث باطل قال بل حديث حق فقلت إن إمرأ القيس كان آلى ألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية و أربعة و اثنتين فجعل يخطب النساء فإذا سألهن عن هذا قلن أربعة عشر فبينا هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة صغيرة له كأنها البدر لتمه فأعجبته فقال لها يا جارية ما ثمانية و أربعة و اثنتان فقالت أما ثمانية فأطباء الكلبة و أما أربعة فأخلاف الناقة و أما اثنتان فثديا المرأة فخطبها إلى أبيها فزوجه إياها و شرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال فجعل لها ذلك و على أن يسوق إليها مائة من الإبل و عشرة أعبد و عشر وصائف و ثلاثة أفراس ففعل ذلك ثم بعث عبدا إلى المرأة و أهدى إليها معه نحيا من سمن و نحيا من عسل و حلة من عصب فنزل العبد على بعض المياه و نشر الحلة فلبسها فتعلقت بسمرة فانشقت و فتح النحيين فأطعم أهل الماء منهما فنقصا ثم قدم على المرأة و أهلها خلوف فسألها عن أبيها و أمها و أخيها و دفع إليها
هديتها فقالت أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا و يبعد قريبا و أن أمي ذهبت تشق النفس نفسين و أن أخي ذهب يراعي الشمس و أن سماءكم انشقت و أن وعاءيكم نضبا.فقدم الغلام على مولاه فأخبره فقال أما قولها أن أبي ذهب يقرب بعيدا و يبعد قريبا فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه و أما قولها إن أمي ذهبت تشق النفس نفسين فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء و أما قولها إن أخي ذهب يراعي الشمس فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به و أما قولها إن سماءكم انشقت فإن البرد الذي بعثت به انشق و أما قولها إن وعاءيكم نضبا فإن النحيين اللذين بعثت بهما نقصا فاصدقني فقال يا مولاي إني نزلت بماء من مياه العرب فسألوني عن نسبي فأخبرتهم أني ابن عمك و نشرت الحلة و لبستها و تجملت بها فتعلقت بسمرة فانشقت و فتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء فقال أولى لك ثم ساق مائة من الإبل و خرج نحوها و معه العبد يسقي الإبل فعجز فأعانه إمرؤ القيس فرمى به العبد في البئر و خرج حتى أتى إلى أهل الجارية بالإبل فأخبرهم أنه زوجها فقيل لها قد جاء زوجك فقالت و الله ما أدري أ زوجي هو أم لا و لكن انحروا له جزورا و أطعموه من كرشها و ذنبها ففعلوا فأكل ما أطعموه فقالت اسقوه لبنا حازرا و هو الحامض فسقوه فشرب فقالت افرشوا له عند الفرث و الدم ففرشوا له فنام فلما أصبحت أرسلت إليه أني أريد أن أسألك فقال لها سلي عما بدا لك فقالت مم تختلج شفتاك قال من تقبيلي إياك فقالت مم يختلج كشحاك قال لالتزامي إياك قالت فمم يختلج فخذاك
قال لتوركي إياك فقالت عليكم العبد فشدوا أيديكم به ففعلوا.قال و مر قوم فاستخرجوا إمرأ القيس من البئر فرجع إلى حيه و ساق مائة من الإبل و أقبل إلى امرأته فقيل لها قد جاء زوجك فقالت و الله ما أدري أ زوجي هو أم لا و لكن انحروا له جزورا و أطعموه من كرشها و ذنبها ففعلوا فلما أتوه بذلك قال و أين الكبد و السنام و الملحاء و أبى أن يأكل فقالت اسقوه لبنا حازرا فأتي به فأبى أن يشربه و قال فأين الضريب و الرثيئة فقالت افرشوا له عند الفرث و الدم ففرشوا له فأبى أن ينام و قال افرشوا لي عند التلعة الحمراء و اضربوا لي عليها خباء ثم أرسلت إليه هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث فأرسل إليها أن سلي عما شئت فقالت مم تختلج شفتاك فقال لشربي المشعشعات قالت فمم يختلج كشحاك قال للبسي الحبرات قالت فمم تختلج فخذاك قال لركضي المطهمات فقالت هذا زوجي لعمري فعليكم به فأهديت إليه الجارية.فقال ابن هبيرة حسبكم فلا خير في الحديث سائر الليلة بعد حديث أبي عمرو و لن يأتينا أحد منكم بأعجب منه فانصرفنا و أمر لي بجائزة
476
وَ قَالَ ع فِی کَلَامٍ لَهُ وَ وَلِیَهُم وَالٍ فَأَقَامَ وَ استَقَامَ حَتّی ضَرَبَ الدّینُ بِجِرَانِهِ.
الجران مقدم العنق و هذاالوالی هوعمر بن الخطاب و هذاالکلام من خطبة خطبها فی أیام خلافته طویلة یذکر فیهاقربه من النبی ‑ص واختصاصه له وإفضاءه بأسراره إلیه حتی
قال فیها فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلا منهم فقارب وسدد حسب استطاعته علی ضعف وحد کانا فیه ولیهم بعده وال فأقام واستقام حتی ضرب الدین بجرانه علی عسف وعجرفیة کانا فیه ثم اختلفوا ثالثا لم یکن یملک من أمر نفسه شیئا غلب علیه أهله فقادوه إلی أهوائهم کماتقود الولیدة البعیر المخطوم فلم یزل الأمر بینه و بین الناس یبعد تارة ویقرب أخری حتی نزوا علیه فقتلوه ثم جاءوا بی مدب الدبا یریدون بیعتی.
.وتمام الخطبة معروف فلیطلب من الکتب الموضوعة لهذا الفن.
477
وَ قَالَ ع : يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ اَلْمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ( وَ لا تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) يَنْهَدُ تَنْهَدُ فِيهِ اَلْأَشْرَارُ وَ يُسْتَذَلُّ تُسْتَذَلُّ اَلْأَخْيَارُ وَ يُبَايِعُ اَلْمُضْطَرُّونَ وَ قَدْ نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ ص عَنْ بَيْعِ اَلْمُضْطَرِّينَ زمان عضوض أي كلب على الناس كأنه يعضهم و فعول للمبالغة كالنفور العقوق و يجوز أن يكون من قولهم بئر عضوض أي بعيدة القعر ضيقة و ما كانت البئر عضوضا فأعضت كقولهم ما كانت جرورا فأجرت و هي كالعضوض.و عض فلان على ما في يده أي بخل و أمسك.و ينهد فيه الأشرار ينهضون إلى الولايات و الرئاسات و ترتفع أقدارهم في الدنيا و يستذل فيه أهل الخير و الدين و يكون فيه بيع على وجه الاضطرار و الإلجاء كمن بيعت ضيعته و هو ذليل ضعيف من رب ضيعة مجاورة لها ذي ثروة و عز و جاه فيلجئه بمنعه الماء و استذلاله الأكرة و الوكيل إلى أن يبيعها عليه و ذلك منهي عنه لأنه حرام محض
478
وَ قَالَ ع : يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وَ بَاهِتٌ مُفْتَرٍ قال الرضيرحمهالله تعالى : و هذا مثل قوله ع يَهْلِكُ فِيَّ اِثْنَانِ رَجُلاَنِ مُحِبٌّ غَالٍ وَ مُبْغِضٌ قَالٍ قد تقدم شرح مثل هذا الكلام و خلاصة هذا القول أن الهالك فيه المفرط و المفرط أما المفرط فالغلاة و من قال بتكفير أعيان الصحابة و نفاقهم أو فسقهم و أما المفرط فمن استنقص به ع أو أبغضه أو حاربه أو أضمر له غلا و لهذا كان أصحابنا أصحاب النجاة و الخلاص و الفوز في هذه المسألة لأنهم سلكوا طريقة مقتصدة قالوا هو أفضل الخلق في الآخرة و أعلاهم منزلة في الجنة و أفضل الخلق في الدنيا و أكثرهم خصائص و مزايا و مناقب و كل من عاداه أو حاربه أو أبغضه فإنه عدو لله سبحانه و خالد في النار مع الكفار و المنافقين إلا أن يكون ممن قد ثبتت توبته و مات على توليه و حبه.فأما الأفاضل من المهاجرين و الأنصار الذين ولوا الإمامة قبله فلو أنه أنكر إمامتهم
و غضب عليهم و سخط فعلهم فضلا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعو إلى نفسه لقلنا إنهم من الهالكين كما لو غضب عليهم رسول الله ص لأنه قد ثبت أن رسول الله ص قال له حربك حربي و سلمك سلمي و أنه قال اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و قال له لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق و لكنا رأينا رضي إمامتهم و بايعهم و صلى خلفهم و أنكحهم و أكل من فيئهم فلم يكن لنا أن نتعدى فعله و لا نتجاوز ما اشتهر عنه أ لا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه و لما لعنه لعناه و لما حكم بضلال أهل الشام و من كان فيهم من بقايا الصحابة كعمرو بن العاص و عبد الله ابنه و غيرهما حكمنا أيضا بضلالهم.و الحاصل أنا لم نجعل بينه و بين النبي ص إلا رتبة النبوة و أعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه و بينه و لم نطعن في أكابر الصحابة الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم و عاملناهم بما عاملهم ع به
و القول بالتفضيل قول قديم قد قال به كثير من الصحابة و التابعين فمن الصحابة عمار و المقداد و أبو ذر و سلمان و جابر بن عبد الله و أبي بن كعب و حذيفة و بريدة و أبو أيوب و سهل بن حنيف و عثمان بن حنيف و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت و أبو الطفيل عامر بن واثلة و العباس بن عبد المطلب و بنوه و بنو هاشم كافة و بنو المطلب كافة.
و كان الزبير من القائلين به في بدء الأمر ثم رجع و كان من بني أمية قوم يقولون بذلك منهم خالد بن سعيد بن العاص و منهم عمر بن عبد العزيز.و أنا أذكر هاهنا الخبر المروي المشهور عن عمر و هو من رواية ابن الكلبي قال بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه دخل حاجبه و معه امرأة أدماء طويلة حسنة الجسم و القامة و رجلان متعلقان بها و معهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر فدفعوا إليه الكتاب ففضه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من ميمون بن مهران سلام عليك و رحمة الله و بركاته أما بعد فإنه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور و عجزت عنه الأوساع و هربنا بأنفسنا عنه و وكلناه إلى عالمه لقول الله عزوجل( وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) و هذه المرأة و الرجلان أحدهما زوجها و الآخر أبوها و إن أباها يا أمير المؤمنين زعم أن زوجها حلف بطلاقها أن علي بن أبي طالب ع خير هذه الأمة و أولاها برسول الله ص و أنه يزعم أن ابنته طلقت منه و أنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهرا و هو يعلم أنها حرام عليه كأمه و إن الزوج يقول له كذبت و أثمت لقد بر قسمي و صدقت مقالتي و إنها امرأتي على رغم أنفك و غيظ قلبك فاجتمعوا إلي يختصمون في ذلك فسألت الرجل عن يمينه فقال نعم قد كان ذلك و قد حلفت بطلاقها أن عليا خير هذه الأمة و أولاها برسول الله ص عرفه من عرفه و أنكره من أنكره فليغضب من
غضب و ليرض من رضي و تسامع الناس بذلك فاجتمعوا له و إن كانت الألسن مجتمعة فالقلوب شتى و قد علمت يا أمير المؤمنين اختلاف الناس في أهوائهم و تسرعهم إلى ما فيه الفتنة فاحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله و إنهما تعلقا بها و أقسم أبوها ألا يدعها معه و أقسم زوجها ألا يفارقها و لو ضربت عنقها إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته و الامتناع منه فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين أحسن الله توفيقك و أرشدك.و كتب في أسفل الكتاب:
إذا ما المشكلات وردن يوما |
فحارت في تأملها العيون |
|
و ضاق القوم ذرعا عن نباها |
فأنت لها أبا حفص أمين |
|
لأنك قد حويت العلم طرا |
و أحكمك التجارب و الشئون |
|
و خلفك الإله على الرعايا |
فحظك فيهم الحظ الثمين |
قال فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم و بني أمية و أفخاذ قريش ثم قال لأبي المرأة ما تقول أيها الشيخ قال يا أمير المؤمنين هذا الرجل زوجته ابنتي و جهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها حتى إذا أملت خيره و رجوت صلاحه حلف بطلاقها كاذبا ثم أراد الإقامة معها فقال له عمر يا شيخ لعله لم يطلق امرأته فكيف حلف قال الشيخ سبحان الله الذي حلف عليه لأبين حنثا و أوضح كذبا من أن يختلج في صدري منه شك مع سني و علمي لأنه زعم أن عليا خير هذه الأمة و إلا فامرأته طالق ثلاثا فقال للزوج ما تقول أ هكذا حلفت قال نعم فقيل إنه لما قال نعم كاد المجلس يرتج بأهله و بنو أمية ينظرون إليه شزرا إلا أنهم لم ينطقوا بشيء كل ينظر إلى وجه عمر.
فأكب عمر مليا ينكت الأرض بيده و القوم صامتون ينظرون ما يقوله ثم رفع رأسه و قال:
إذا ولي الحكومة بين قوم |
أصاب الحق و التمس السدادا |
|
و ما خير الإمام إذا تعدى |
خلاف الحق و اجتنب الرشادا |
ثم قال للقوم ما تقولون في يمين هذا الرجل فسكتوا فقال سبحان الله قولوا فقال رجل من بني أمية هذا حكم في فرج و لسنا نجترئ على القول فيه و أنت عالم بالقول مؤتمن لهم و عليهم قل ما عندك فإن القول ما لم يكن يحق باطلا و يبطل حقا جائز علي في مجلسي.قال لا أقول شيئا فالتفت إلى رجل من بني هاشم من ولد عقيل بن أبي طالب فقال له ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي فاغتنمها فقال يا أمير المؤمنين إن جعلت قولي حكما أو حكمي جائزا قلت و إن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لي و أبقى للمودة قال قل و قولك حكم و حكمك ماض.فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا ما أنصفتنا أمير المؤمنين إذ جعلت الحكم إلى غيرنا و نحن من لحمتك و أولى رحمك فقال عمر اسكتوا أ عجزا و لؤما عرضت ذلك عليكم آنفا فما انتدبتم له قالوا لأنك لم تعطنا ما أعطيت العقيلي و لا حكمتنا كما حكمته فقال عمر إن كان أصاب و أخطأتم و حزم و عجزتم و أبصر و عميتم فما ذنب عمر لا أبا لكم أ تدرون ما مثلكم قالوا لا ندري قال لكن العقيلي يدري ثم قال ما تقول يا رجل قال نعم يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
دعيتم إلى أمر فلما عجزتم |
تناوله من لا يداخله عجز |
|
فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم |
نداما و هل يغني من القدر الحذر |
فقال عمر أحسنت و أصبت فقل ما سألتك عنه قال يا أمير المؤمنين
بر قسمه و لم تطلق امرأته قال و أنى علمت ذاك قال نشدتك الله يا أمير المؤمنين أ لم تعلم أن رسول الله ص قال لفاطمة ع و هو عندها في بيتها عائد لها يا بنية ما علتك قالت الوعك يا أبتاه و كان علي غائبا في بعض حوائج النبي ص فقال لها أ تشتهين شيئا قالت نعم أشتهي عنبا و أنا أعلم أنه عزيز و ليس وقت عنب فقال ص إن الله قادر على أن يجيئنا به ثم قال اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة فطرق علي الباب و دخل و معه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه فقال له النبي ص ما هذا يا علي قال عنب التمسته لفاطمة فقال الله أكبر الله أكبر اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيتي ثم قال كلي على اسم الله يا بنية فأكلت و ما خرج رسول الله ص حتى استقلت و برأت فقال عمر صدقت و بررت أشهد لقد سمعته و وعيته يا رجل خذ بيد امرأتك فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه ثم قال يا بني عبد مناف و الله ما نجهل ما يعلم غيرنا و لا بنا عمى في ديننا و لكنا كما قال الأول:
تصيدت الدنيا رجالا بفخها |
فلم يدركوا خيرا بل استقبحوا الشرا |
|
و أعماهم حب الغنى و أصمهم |
فلم يدركوا إلا الخسارة و الوزرا |
قيل فكأنما ألقم بني أمية حجرا و مضى الرجل بامرأته.و كتب عمر إلى ميمون بن مهران عليك سلام فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني قد فهمت كتابك و ورد الرجلان و المرأة و قد صدق الله يمين الزوج و أبر قسمه و أثبته على نكاحه فاستيقن ذلك و اعمل عليه و السلام عليك و رحمة الله و بركاته.
فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين فخلق كثير كأويس القرني و زيد بن صوحان و صعصعة أخيه و جندب الخير و عبيدة السلماني و غيرهم ممن لا يحصى كثرة و لم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلا لمن قال بتفضيله و لم تكن مقالة الإمامية و من نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذ على هذا النحو من الاشتهار فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة و جميع ما ورد من الآثار و الأخبار في فضل الشيعة و أنهم موعودون بالجنة فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم و لذلك قال أصحابنا المعتزلة في كتبهم و تصانيفهم نحن الشيعة حقا فهذا القول هو أقرب إلى السلامة و أشبه بالحق من القولين المقتسمين طرفي الإفراط و التفريط إن شاء الله
479
وَ سُئِلَ عَنِ اَلتَّوْحِيدِ وَ اَلْعَدْلِ فَقَالَ اَلتَّوْحِيدُ أَلاَّ تَتَوَهَّمَهُ وَ اَلْعَدْلُ أَلاَّ تَتَّهِمَهُ هذان الركنان هما ركنا علم الكلام و هما شعار أصحابنا المعتزلة لنفيهم المعاني القديمة التي يثبتها الأشعري و أصحابه و لتنزيههم البارئ سبحانه عن فعل القبيح.و معنى قوله ألا تتوهمه أي ألا تتوهمه جسما أو صورة أو في جهة مخصوصة أو مالئا لكل الجهات كما ذهب إليه قوم أو نورا من الأنوار أو قوة سارية في جميع العالم كما قاله قوم أو من جنس الأعراض التي تحل الحال أو تحل المحل و ليس بعرض كما قاله النصارى و غلاة الشيعة أو تحله المعاني و الأعراض فمتى توهم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد و ذلك لأن كل جسم أو عرض أو حال في محل أو محل الحال أو مختص بجهة لا بد أن يكون منقسما في ذاته لا سيما على قول من نفى الجزاء مطلقا و كل منقسم فليس بواحد و قد ثبت أنه واحد و أضاف أصحابنا إلى التوحيد نفي المعاني القديمة و نفي ثان في الإلهية و نفي الرؤية و نفي كونه مشتهيا أو نافرا أو ملتذا أو آلما أو عالما بعلم محدث أو قادرا بقدرة محدثة أو حيا بحياة محدثة أو نفي كونه عالما بالمستقبلات أبدا أو نفي كونه عالما بكل معلوم أو قادرا
على كل الأجناس و غير ذلك من مسائل علم الكلام التي يدخلها أصحابنا في الركن الأول و هو التوحيد.و أما الركن الثاني فهو ألا تتهمه أي لا تتهمه في أنه أجبرك على القبيح و يعاقبك عليه حاشاه من ذلك و لا تتهمه في أنه مكن الكذابين من المعجزات فأضل بهم الناس و لا تتهمه في أنه كلفك ما لا تطيقه و غير ذلك من مسائل العدل التي يذكرها أصحابنا مفصلة في كتبهم كالعوض عن الألم فإنه لا بد منه و الثواب على فعل الواجب فإنه لا بد منه و صدق وعده و وعيده فإنه لا بد منه.و جملة الأمر أن مذهب أصحابنا في العدل و التوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين و هذا المواضع من الموضع التي قد صرح فيها بمذهب أصحابنا بعينه و في فرش كلامه من هذا النمط ما لا يحصى
480
وَ قَالَ ع فِي دُعَاءٍ اِسْتَسْقَى بِهِ اَللَّهُمَّ اِسْقِنَا ذُلُلَ اَلسَّحَائِبِ اَلسَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا قال الرضيرحمهالله تعالى و هذا من الكلام العجيب الفصاحة و ذلك أنه ع شبه السحب ذوات الرعود و البوارق و الرياح و الصواعق بالإبل الصعاب التي تقمص برحالها و تتوقص بركبانها و شبه السحائب الخالية من تلك الزوابع بالإبل الذلل التي تحتلب طيعة و تقتعد مسمحة قد كفانا الرضيرحمهالله بشرحه هذه الكلمة مئونة الخوض في تفسيرها
481
وَ قِيلَ لَهُ ع لَوْ غَيَّرْتَ شَيْبَكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ع اَلْخِضَابُ زِينَةٌ وَ نَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ بِرَسُولِ اَللَّهِ ص يُرِيدُ وَفَاةَ رَسُولِ اَللَّهِ ص
قد تقدم لنا في الخضاب قول كاف و أنا أستملح قول الصابي فيه:
خضاب تقاسمناه بيني و بينها |
و لكن شأني فيه خالف شأنها |
|
فيا قبحه إذ حل مني بمفرقي |
و يا حسنه إذ حل منها بنانها |
|
و سحقا له عن لمتي حين شانها |
و أهلا به في كفها حيث زانها |
و قال أبو تمام:
لعب الشيب بالمفارق بل جد |
فأبكى تماضرا و لعوبا |
|
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد |
دما أن رأت شواتي خضيبا |
|
كل داء يرجى الدواء له |
إلا الفظيعين ميتة و مشيبا |
|
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى |
حسناتي عند الحسان ذنوبا |
و لئن عبن ما رأين لقد أنكرن |
مستنكرا و عبن معيبا |
|
لو رأى الله أن في الشيب فضلا |
جاورته الأبرار في الخلد شيبا |
و قال:
فإن يكن المشيب طغى علينا |
و أودى بالبشاشة و الشباب |
|
فإني لست أدفعه بشيء |
يكون عليه أثقل من خضاب |
|
أردت بأن ذاك و ذا عذاب |
فسلطت العذاب على العذاب |
ابن الرومي:
لم أخضب الشيب للغواني |
أبغي به عندهم ودادا |
|
لكن خضابي على شباب |
لبست من بعده حدادا |
و من مختار ما جاء من الشعر في الشيب و إن لم يكن فيه ذكر الخضاب قول أبي تمام:
نسج المشيب له لفاعا مغدفا |
يققا فقنع مذرويه و نصفا |
|
نظر الزمان إليه قطع دونه |
نظر الشقيق تحسرا و تلهفا |
|
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي |
لم يبد حتى جيء كيما يقطفا |
|
لما تفوفت الخطوب سوادها |
ببياضها عبثت به فتفوفا |
|
ما كان يخطر قبل ذا في فكره |
للبدر قبل تمامه أن يكسفا |
و قال أيضا:
غدا الهم مختطا بفودي خطة |
طريق الردى منها إلى الموت مهيع |
هو الزور يجفى و المعاشر يجتوى |
و ذو الإلف يقلى و الجديد يرقع |
|
له منظر في العين أبيض ناصع |
و لكنه في القلب أسود أسفع |
|
و نحن نرجيه على الكره و الرضا |
و أنف الفتى من وجهه و هو أجدع |
و قال أيضا:
شعلة في المفارق استودعتني |
في صميم الأحشاء ثكلا صميما |
|
تستثير الهموم ما اكتن منها |
صعدا و هي تستثير الهموما |
|
غرة مرة ألا إنما كنت |
أغر أيام كنت بهيما |
|
دقة في الحياة تدعى جلالا |
مثل ما سمي اللديغ سليما |
|
حلمتني زعمتم و أراني |
قبل هذا التحليم كنت حليما |
و قال الصابي و ذكر الخضاب:
خضبت مشيبي للتعلق بالصبا |
و أوهمت من أهواه أني لم أشب |
|
فلما ادعى مني العذار شبيبة |
إذا صلعي قد صاح من فوقه كذب |
|
فكم طرة طارت و دانت ذوائب |
و كم وجنة حالت و ماء بها نضب |
|
شواهد بالتزوير يحوين ربها |
فهجرانه عند الأحبة قد وجب |
البحتري:
بان الشباب فلا عين و لا أثر |
إلا بقية برد منه أسمال |
|
قد كدت أخرجه عن منتهى عددي |
يأسا و أسقطه إذ فات من بالي |
|
سوء العواقب يأس قبله أمل |
و أعضل الداء نكس بعد إبلال |
|
و المرء طاعة أيام تنقله |
تنقل الظل من حال إلى حال |
482
وَ قَالَ ع : مَا اَلْمُجَاهِدُ اَلشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ لَكَادَ اَلْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ
قد تقدم القول في العفة و هي ضروب عفة اليد و عفة اللسان و عفة الفرج و هي العظمى و قد جاء في الحديث المرفوع من عشق فكتم و عف و صبر فمات مات شهيدا و دخل الجنة و في حكمة سليمان بن داود أن الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده.نزل خارجي على بعض إخوانه منهم مستترا من الحجاج فشخص المنزول عليه لبعض حاجاته و قال لزوجته يا ظمياء أوصيك بضيفي هذا خيرا و كانت من أحسن الناس فلما عاد بعد شهر قال لها كيف كان ضيفك قالت ما أشغله بالعمى عن كل شيء و كان الضيف أطبق جفنيه فلم ينظر إلى المرأة و لا إلى منزلها إلى أن عاد زوجها.
و قال الشاعر:
إن أكن طامح اللحاظ فإني |
و الذي يملك القلوب عفيف |
خرجت امرأة من صالحات نساء قريش إلى بابها لتغلقه و رأسها مكشوف فرآها رجل أجنبي فرجعت و حلقت شعرها و كانت من أحسن النساء شعرا فقيل لها في ذلك قالت ما كنت لأدع على رأسي شعرا رآه من ليس لي بمحرم.كان ابن سيرين يقول ما غشيت امرأة قط في يقظة و لا نوم غير أم عبد الله و إني لأرى المرأة في المنام و أعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها.و قال بعضهم:
و إني لعف عن فكاهة جارتي |
و إني لمشنوء إلي اغتيابها |
|
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها |
صديقا و لم تأنس إلي كلابها |
|
و لم أك طلابا أحاديث سرها |
و لا عالما من أي حوك ثيابها |
دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال ما أرى فيك يا بثينة شيئا مما كان يلهج به جميل فقالت إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك يا أمير المؤمنين قال فكيف صادفته في عفته قالت كما وصف نفسه إذ قال:
لا و الذي تسجد الجباه له |
ما لي بما ضم ثوبها خبر |
|
و لا بفيها و لا هممت به |
ما كان إلا الحديث و النظر |
و قال أبو سهل الساعدي دخلت على جميل في مرض موته فقال يا أبا سهل رجل يلقى الله و لم يسفك دما حراما و لم يشرب خمرا و لم يأت فاحشة أ ترجو له الجنة قلت إي و الله فمن هو قال إني لأرجو أن أكون أنا ذلك فذكرت له بثينة
فقال إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا و أول يوم من أيام الآخرة لا نالتني شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة معها أو مع غيرها قط.قال الشاعر:
قالت و قلت ترفقي فصلي |
حبل امرئ بوصالكم صب |
|
صادق إذا بعلي فقلت لها |
الغدر شيء ليس من شعبي |
|
ثنتان لا أصبو لوصلهما |
عرس الصديق و جارة الجنب |
|
أما الصديق فلست خائنه |
و الجار أوصاني به ربي |
يقال إن امرأة ذات جمال دعت عبد الله بن عبد المطلب إلى نفسها لما كانت ترى على وجهه من النور فأبى و قال:
أما الحرام فالممات دونه |
و الحل لا حل فأستبينه |
|
فكيف بالأمر الذي تبغينه |
يحمي الكريم عرضه و دينه |
راود توبة بن الحمير ليلى الأخيلية مرة عن نفسها فاشمأزت منه و قالت:
و ذي حاجة قلنا له لا تبح بها |
فليس إليها ما حييت سبيل |
|
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه |
و أنت لأخرى صاحب و خليل |
ابن ميادة:
موانع لا يعطين حبة خردل |
و هن زوان في الحديث أوانس |
|
و يكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة |
كما كرهت صوت اللجام الشوامس |
آخر:
بيض أوانس ما هممن بريبة |
كظباء مكة صيدهن حرام |
يحسبن من لين الكلام زوانيا |
و يصدهن عن الخنا الإسلام |
في الحديث المرفوع لا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك فإنه لا يزني فرجك ما حفظت عينيك و إن استطعت ألا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل و لن تستطيع ذلك إلا بإذن الله.كان ابن المولى الشاعر المدني موصوفا بالعفة و طيب الإزار فأنشد عبد الملك شعرا له من جملته:
و أبكي فلا ليلى بكت من صبابة |
لباك و لا ليلى لذي البذل تبذل |
|
و أخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا |
و إن أذنبت كنت الذي أتنصل |
فقال عبد الملك من ليلى هذه إن كانت حرة لأزوجنكها و إن كانت أمة لأشترينها لك بالغة ما بلغت فقال كلا يا أمير المؤمنين ما كنت لأصعر وجه حر أبدا في حرته و لا في أمته و ما ليلى التي أنست بها إلا قوسي هذه سميتها ليلى لأن الشاعر لا بد له من النسيب.ابن الملوح المجنون:
كأن على أنيابها الخمر مجه |
بماء الندى من آخر الليل غابق |
|
و ما ذقته إلا بعيني تفرسا |
كما شيم من أعلى السحابة بارق |
هذا مثل بيت الحماسة:
بأعذب من فيها و ما ذقت طعمه |
و لكنني فيما ترى العين فارس |
شاعر:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة |
إلا نهاني الحياء و الكرم |
و لا إلى محرم مددت يدي |
و لا مشت بي لريبة قدم |
العباس بن الأحنف:
أ تأذنون لصب في زيارتكم |
فعندكم شهوات السمع و البصر |
|
لا يضمر السوء إن طال الجلوس به |
عف الضمير و لكن فاسق النظر |
قال بعضهم رأيت امرأة مستقبلة البيت في الموسم و هي في غاية الضر و النحافة رافعة يديها تدعو فقلت لها هل لك من حاجة قالت حاجتي إن تنادي في الموقف بقولي:
تزود كل الناس زادا يقيمهم |
و ما لي زاد و السلام على نفسي |
ففعلت و إذا أنا بفتى منهوك فقال أنا الزاد فمضيت به إليها فما زادوا على النظر و البكاء ثم قالت له انصرف مصاحبا فقلت ما علمت أن التقاء كما يقتصر فيه على هذا فقالت أمسك يا فتى أ ما علمت أن ركوب العار و دخول النار شديد.قال بعضهم:
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني |
منه الحياء و خوف الله و الحذر |
|
و كم خلوت بمن أهوى فيقنعني |
منه الفكاهة و التحديث و النظر |
|
أهوى الملاح و أهوى أن أجالسهم |
و ليس لي في حرام منهم وطر |
|
كذلك الحب لا إتيان معصية |
لا خير في لذة من بعدها سقر |
قال محمد بن عبد الله بن طاهر لبنيه اعشقوا تظرفوا و عفوا تشرفوا.وصف أعرابي امرأة طرقها فقال ما زال القمر يرينيها فلما غاب أرتنيه فقيل فما كان بينكما قال ما أقرب ما أحل الله مما حرم إشارة في غير بأس و دنو من غير مساس و لا وجع أشد من الذنوب.
كثير عزة:
و إني لأرضى منك يا عز بالذي |
لو أبصره الواشي لقرت بلابله |
|
بلا و بألا أستطيع و بالمنى |
و بالوعد حتى يسأم الوعد آمله |
|
و بالنظرة العجلي و بالحول ينقضي |
أواخره لا نلتقي و أوائله |
و قال بعض الظرفاء كان أرباب الهوى يسرون فيما مضى و يقنعون بأن يمضغ أحدهم لبانا قد مضغته محبوبته أو يستاك بسواكها و يرون ذاك عظيما و اليوم يطلب أحدهم الخلوة و إرخاء الستور كأنه قد أشهد على نكاحها أبا سعيد و أبا هريرة.و قال أحمد بن أبي عثمان الكاتب:
و إني ليرضيني المرور ببابها |
و أقنع منها بالوعيد و بالزجر |
قال يوسف بن الماجشون أنشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن:
إذا قلت هاتي نوليني تبسمت |
و قالت معاذ الله من فعل ما حرم |
|
فما نولت حتى تضرعت حولها |
و عرفتها ما رخص الله في اللمم |
فضحك و قال إن كان وضاح لفقيها في نفسه.قال آخر:
فقالت بحق الله إلا أتيتنا |
إذا كان لون الليل لون الطيالس |
|
فجئت و ما في القوم يقظان غيرها |
و قد نام عنها كل وال و حارس |
|
فبتنا مبيتا طيبا نستلذه |
جميعا و لم أمدد لها كف لامس |
مرت امرأة حسناء بقوم من بني نمير مجتمعين في ناد لهم فرمقوها بأبصارهم.و قال قائل منهم ما أكملها لو لا أنها رسحاء فالتفتت إليهم و قالت و الله
يا بني نمير ما أطعتم الله و لا الشاعر قال الله تعالى( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) .و قال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير |
فلا كعبا بلغت و لا كلابا |
فأخجلتهم.و قال أبو صخر الهذلي من شعر الحماسة:
لليلة منها تعود لنا |
من غير ما رفث و لا إثم |
|
أشهى إلى نفسي و لو برحت |
مما ملكت و من بني سهم |
آخر:
و ما نلت منها محرما غير أنني |
أقبل بساما من الثغر أفلجا |
|
و الثم فاها آخذا بقرونها |
و أترك حاجات النفوس تحرجا |
و أعف من هذا الشعر قول عبد بني الحسحاس على فسقه:
لعمر أبيها ما صبوت و لا صبت |
إلي و إني من صبا لحليم |
|
سوى قبلة أستغفر الله ذنبها |
سأطعم مسكينا لها و أصوم |
و قال آخر:
و مجدولة جدل العناق كأنما |
سنا البرق في داجي الظلام ابتسامها |
|
ضربت لها الميعاد ليست بكنة |
و لا جارة يخشى على ذمامها |
|
فلما التقينا قالت الحكم فاحتكم |
سوى خلة هيهات منك مرامها |
|
فقلت معاذ الله أن أركب التي |
تبيد و يبقى في المعاد أثامها |
قوله ليست بكنة و لا جارة يخشى علي ذمامها مأخوذ من قول قيس بن الخطيم:
و مثلك قد أحببت ليست بكنة |
و لا جارة و لا حليلة صاحب |
و هذا الشاعر قد زاد عليه بقوله و لا حليلة صاحب.و أنشد ابن مندويه لبعضهم:
أنا زاني اللسان و الطرف إلا |
أن قلبي يعاف ذاك و يأبى |
|
لا يراني الإله أشرب إلا |
كل ما حل شربه لي و طابا |
آخر:
نلهو بهن كذا من غير فاحشة |
لهو الصيام بتفاح البساتين |
بشار بن برد:
قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم |
ما في التزام و لا في قبلة حرج |
|
من راقب الناس لم يظفر بحاجته |
و فاز بالطيبات الفاتك اللهج |
البيت الآخر مثل قول القائل:
من راقب الناس مات هما |
و فاز باللذة الجسور |
أبو الطيب المتنبي:
و ترى الفتوة و المروءة و الأبوة |
في كل مليحة ضراتها |
|
هن الثلاث المانعاتي لذتي |
في خلوتي لا الخوف من تبعاتها |
|
إني على شغفي بما في خمرها |
لأعف عما في سراويلاتها |
كان الصاحبرحمهالله يستهجن قوله عما في سراويلاتها و يقول إن كثيرا من العهر أحسن من هذه العفة و معنى البيت الأول أن هذه الخلال الثلاث تراهن الملاح ضرائر لهن لأنهن يمنعنه عن الخلوة بالملاح و التمتع بهن ثم قال إن هذه الخلال هي التي تمنعه لا الخوف من تبعاتها و قال قوم هذا تهاون بالدين و نوع من الإلحاد و عندي أن هذا مذهب للشعراء معروف لا يريدون به التهاون بالدين بل المبالغة في وصف سجاياهم و أخلاقهم بالطهارة و أنهم يتركون القبيح لأنه قبيح لا لورود الشرع به و خوف العقاب منه و يمكن أيضا أن يريد بتبعاتها تبعات الدنيا أي لا أخاف من قوم هذه المحبوبة التي أنست بها و لا أشفق من حربهم و كيدهم فأما عفة اليد و عفة اللسان فهما باب آخر و قد ذكرنا طرفا صالحا من ذلك في الأجزاء المتقدمة عند ذكرنا الورع.و في الحديث المرفوع لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذار ما به البأس.و قال أبو بكر في مرض موته إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما و لا دينارا و أكلنا من جريش الطعام و لبسنا من خشن الثياب و ليس عندنا من فيء المسلمين إلا هذا الناضح و هذا العبد الحبشي و هذه القطيفة فإذا قبضت فادفعوا ذلك إلى عمر ليجعله في بيت مال المسلمين فلما مات حمل ذلك إلى عمر فبكى كثيرا ثم قال رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده.قال سليمان بن داود يا بني إسرائيل أوصيكم بأمرين أفلح من فعلهما لا تدخلوا أجوافكم إلا الطيب و لا تخرجوا من أفواهكم إلا الطيب.
و قال بعض الحكماء إذا شئت أن تعرف ربك معرفة يقينية فاجعل بينك و بين المحارم حائطا من حديد فسوف يفتح عليك أبواب معرفته.و مما يحكى من ورع حسان بن أبي سنان أن غلاما له كتب إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته السنة آفة فابتع ما قدرت عليه من السكر فإنك تجد له ربحا كثيرا فيما بعد فابتاع و طلب منه ما ابتاعه بعد قليل بربح ثلاثين ألف درهم فاستقال البيع من صاحبه و قال إنه لم يعلم ما كنت أعلم حين اشتريته منه فقال البائع قد علمت الآن مقدار الربح و قد طيبته لك و أحللتك فلم يطمئن قلبه و ما زال حتى رده عليه.يقال إن غنم الغارة اختلطت بغم أهل الكوفة فتورع أبو حنيفة أن يأكل اللحم و سأل كم تعيش الشاة قالوا سبع سنين فترك أكل لحم الغنم سبع سنين.و يقال إن المنصور حمل إليه بدرة فرمى بها إلى زاوية البيت فلما مات جاء بها ابنه حماد بن أبي حنيفة إلى أبي الحسن بن أبي قحطبة و قال إن أبي أوصاني أن أرد هذه عليك و قال إنها كانت عندي كالوديعة فاصرفها فيما أمرك الله به فقال أبو الحسن رحم الله أبا حنيفة لقد شح بدينه إذ سخت به نفوس أقوام.و قال سفيان الثوري انظر درهمك من أين هو و صل في الصف الأخير.
جابر سمعت النبي ص يقول لكعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت النار أولى به.الحسن لو وجدت رغيفا من حلال لأحرقته ثم سحقته ثم جعلته ذرورا ثم داويت به المرضى.
عائشة قالت يا رسول الله من المؤمن قال من إذا أصبح نظر إلى رغيفيه كيف يكتسبهما قالت يا رسول الله أما إنهم لو كلفوا ذلك لتكلفوه فقال لها إنهم قد كلفوه و لكنهم يعسفون الدنيا عسفا
حذيفة بن اليمان يرفعه أن قوما يجيئون يوم القيامة و لهم من الحسنات كأمثال الجبال فيجعلها الله هباء منثورا ثم يؤمر بهم إلى النار فقيل خلهم لنا يا رسول الله قال إنهم كانوا يصلون و يصومون و يأخذون أهبة من الليل و لكنهم كانوا إذا عرض عليهم الحرام وثبوا عليه
483
وَ قَالَ ع : اَلْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَ يَنْفَدُ قال و قد روى بعضهم هذا الكلام عن رسول الله ص قد تقدم القول في هذا المعنى و قد تكررت هذه اللفظة بذاتها في كلامه ع.و من جيد القول في القناعة قول الغزي:
أنا كالثعبان جلدي ملبسي |
لست محتاجا إلى ثوب الجمال |
|
فالخمول العز و اليأس الغنى |
و القنوع الملك هذا ما بدا لي |
و قال أيضا:
لا تعجبن لمن يهوى و يصعد في |
دنياه فالخلق في أرجوحة القدر |
|
و اقنع بما قل فالأوشال صافية |
و لجة البحر لا تخلو من الكدر |
484
وَ قَالَ ع لِزِيَادِ اِبْنِ أَبِيهِ وَ قَدِ اِسْتَخْلَفَهُ لِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ عَلَى فَارِسَ وَ أَعْمَالِهَا فِي كَلاَمٍ طَوِيلٍ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهَاهُ فِيهِ عَنْ تَقْدِيمِ تَقَدُّمِ اَلْخَرَاجِ.اِسْتَعْمِلِ اَلْعَدْلَ وَ اِحْذَرِ اَلْعَسْفَ وَ اَلْحَيْفَ فَإِنَّ اَلْعَسْفَ يَعُودُ بِالْجَلاَءِ وَ اَلْحَيْفَ يَدْعُو إِلَى اَلسَّيْفِ قد سبق الكلام في العدل و الجور و كانت عادة أهل فارس في أيام عثمان أن يطلب الوالي منهم خراج أملاكهم قبل بيع الثمار على وجه الاستسلاف أو لأنهم كانوا يظنون أن أول السنة القمرية هو مبتدأ وجوب الخراج حملا للخراج التابع لسنة الشمس على الحقوق الهلالية التابعة لسنة القمر كأجرة العقار و جوالي أهل الذمة فكان ذلك يجحف بالناس و يدعو إلى عسفهم و حيفهم.و قد غلط في هذا المعنى جماعة من الملوك في كثير من الأعصار و لم يعلموا فرق ما بين السنتين ثم تنبه له قوم من أذكياء الناس فكبسوا و جعلوا السنين واحدة ثم أهمل الناس الكبس و انفرج ما بين السنة القمرية و السنة الخراجية التي هي سنة الشمس انفراجا كثيرا.و استقصاء القول في ذلك لا يليق بهذا الموضع لأنه خارج عن فن الأدب الذي هو موضوع كتابنا هذا
485
وَ قَالَ ع : أَشَدُّ اَلذُّنُوبِ مَا اِسْتَخَفَّ بِهَا صَاحِبُهَا صَاحِبُهُ عظم المصيبة على حسب نعمة العاصي و لهذا كان لطم الولد وجه الوالد كبيرا ليس كلطمة وجه غير الوالد.و لما كان البارئ تعالى أعظم المنعمين بل لا نعمة إلا و هي في الحقيقة من نعمه و منسوبة إليه كانت مخالفته و معصيته عظمة جدا فلا ينبغي لأحد أن يعصيه في أمر و إن كان قليلا في ظنه ثم يستقله و يستهين به و يظهر الاستخفاف و قلة الاحتفال بمواقعته فإنه يكون قد جمع إلى المعصية معصية أخرى و هي الاستخفاف بقدر تلك المعصية التي لو أمعن النظر لعلم أنها عظيمة ينبغي له لو كان رشيدا أن يبكي عليها الدم فضلا عن الدمع فلهذا قال ع أشد الذنوب ما استخف بها صاحبها
486
وَ قَالَ ع : مَا أَخَذَ اَللَّهُ عَلَى أَهْلِ اَلْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ اَلْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا تعليم العلم فرض كفاية و
في الخبر المرفوع من علم علما و كتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار و روى معاذ بن جبل عن النبي ص قال تعلموا العلم فإن تعلمه خشية الله و دراسته تسبيح و البحث عنه جهاد و طلبه عبادة و تعليمه صدقة و بذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال و الحرام و بيان سبيل الجنة و المؤنس في الوحشة و المحدث في الخلوة و الجليس في الوحدة و الصاحب في الغربة و الدليل على السراء و المعين على الضراء و الزين عند الأخلاء و السلاح على الأعداء.و رئي واصل بن عطاء يكتب من صبي حديثا فقيل له مثلك يكتب من هذا فقال أما إني أحفظ له منه و لكني أردت أن أذيقه كأس الرئاسة ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.
و قال الخليل العلوم أقفال و السؤالات مفاتيحها.و قال بعضهم كان أهل العلم يضنون بعلمهم عن أهل الدنيا فيرغبون فيه و يبذلون لهم دنياهم و اليوم قد بذل أهل العلم علمهم لأهل الدنيا فزهدوا فيه و ضنوا عنهم بدنياهم.و قال بعضهم ابذل علمك لمن يطلبه و ادع إليه من لا يطلبه و إلا كان مثلك كمن أهديت له فاكهة فلم يطعمها و لم يطعمها حتى فسدت
487
وَ قَالَ ع : شَرُّ اَلْإِخْوَانِ مَنْ تَكَلَّفُ تُكُلِّفَ لَهُ إنما كان كذلك لأن الإخاء الصادق بينهما يوجب الانبساط و ترك التكلف فإذا احتيج إلى التكلف له فقد دل ذلك على أن ليس هناك إخاء صادق و من ليس بأخ صادق فهو من شر الإخوان.و روى ابن ناقيا في كتاب ملح الممالحة قال دخل الحسن بن سهل على المأمون فقال له كيف علمك بالمروءة قال ما أعلم ما يريد أمير المؤمنين فأجيبه قال عليك بعمرو بن مسعدة قال فوافيت عمرا و في داره صناع و هو جالس على آجرة ينظر إليهم فقلت إن أمير المؤمنين يأمرك أن تعلمني المروءة فدعا بآجرة فأجلسني عليها و تحدثنا مليا و قد امتلأت غيظا من تقصيره بي ثم قال يا غلام عندك شيء يؤكل فقال نعم فقدم طبقا لطيفا عليه رغيفان و ثلاث سكرجات في إحداهن خل و في الأخرى مريء و في الأخرى ملح فأكلنا و جاء الفراش فوضأنا ثم قال إذا شئت فنهضت متحفظا و لم أودعه فقال لي إن رأيت أن تعود إلي في يوم مثله فلم أذكر للمأمون شيئا مما جرى فلما كان في اليوم الذي وعدني فيه لقياه
سرت إليه فاستؤذن لي عليه فتلقاني على باب الدار فعانقني و قبل بين عيني و قدمني أمامه و مشى خلفي حتى أقعدني في الدست و جلس بين يدي و قد فرشت الدار و زينت بأنواع الزينة و أقبل يحدثني و يتنادر معي إلى أن حضرت وقت الطعام فأمر فقدمت أطباق الفاكهة فأصبنا منها و نصبت الموائد فقدم عليها أنواع الأطعمة من حارها و باردها و حلوها و حامضها ثم قال أي الشراب أعجب إليك فاقترحت عليه و حضر الوصائف للخدمة فلما أردت الانصراف حمل معي جميع ما أحضر من ذهب و فضة و فرش و كسوة و قدم إلى البساط فرس بمركب ثقيل فركبته و أمر من بحضرته من الغلمان الروم و الوصائف حتى سعوا بين يدي و قال عليك بهم فهم لك ثم قال إذا زارك أخوك فلا تتكلف له و اقتصر على ما يحضرك و إذا دعوته فاحتفل به و احتشد و لا تدعن ممكنا كفعلنا إياك عند زيارتك إيانا و فعلنا يوم دعوناك
488
وَ قَالَ ع فِي كَلاَمٍ لَهُ : إِذَا اِحْتَشَمَ اَلْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ قال الرضي يقال حشمه و أحشمه إذا أغضبه و قيل أخجله أو احتشمه طلب ذلك و هو مظنة مفارقته ليس يعني أن الاحتشام علة الفرقة بل هو دلالة و أمارة على الفرقة لأنه لو لم يحدث عنه ما يقتضي الاحتشام لانبسط على عادته الأولى فالانقباض أمارة المباينة.هذا آخر ما دونه الرضي أبو الحسنرحمهالله من كلام أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة قد أتينا على شرحه بمعونة الله تعالى.و نحن الآن ذاكرون ما لم يذكره الرضي مما نسبه قوم إليه فبعضه مشهور عنه و بعضه ليس بذلك المشهور لكنه قد روي عنه و عزي إليه و بعضه من كلام غيره من الحكماء و لكنه كالنظير لكلامه و المضارع لحكمته و لما كان ذلك متضمنا فنونا من الحكمة نافعة رأينا ألا نخلي هذا الكتاب عنه لأنه كالتكملة و التتمة لكتاب نهج البلاغة.
و ربما وقع في بعضه تكرار يسير شذ عن أذهاننا التنبه له لطول الكتاب و تباعد أطرافه و قد عددنا ذلك كلمة كلمة فوجدناه ألف كلمة.فإن اعترضنا معترض و قال فإذا كنتم قد أقررتم بأن بعضها ليس بكلام له فلما ذا ذكرتموه و هل ذلك إلا نوع من التطويل.أجبناه و قلنا لو كان هذا الاعتراض لازما لوجب ألا نذكر شيئا من الأشباه و النظائر لكلامه فالعذر هاهنا هو العذر هناك و هو أن الغرض بالكتاب الأدب و الحكمة فإذا وجدنا ما يناسب كلامه ع و ينصب في قالبه و يحتذي حذوه و يتقبل منهاجه ذكرناه على قاعدتنا في ذكر النظير عند الخوض في شرح نظيره.و هذا حين الشروع فيها خالية عن الشرح لجلائها و وضوحها و إن أكثرها قد سبقت نظائره و أمثاله و بالله التوفيق
1 كان كثيرا ما يقول إذا فرغ من صلاة الليل أشهد أن السماوات و الأرض و ما بينهما آيات تدل عليك و شواهد تشهد بما إليه دعوت كل ما يؤدي عنك الحجة و يشهد لك بالربوبية موسوم بآثار نعمتك و معالم تدبيرك علوت بها عن خلقك فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر و كفاها رجم الاحتجاج فهي مع معرفتها بك و ولهها إليك شاهدة بأنك لا تأخذك الأوهام و لا تدركك العقول و لا الأبصار أعوذ بك أن أشير بقلب أو لسان أو يد إلى غيرك لا إله إلا أنت واحدا أحدا فردا صمدا و نحن لك مسلمون
2 إلهي كفاني فخرا أن تكون لي ربا و كفاني عزا أن أكون لك عبدا أنت كما أريد فاجعلني كما تريد
3 ما خاف امرؤ عدل في حكمه و أطعم من قوته و ذخر من دنياه لآخرته
4 أفضل على من شئت تكن أميره و استغن عمن شئت تكن نظيره و احتج إلى من شئت تكن أسيره
5 لو لا ضعف اليقين ما كان لنا أن نشكو محنة يسيرة نرجو في العاجل سرعة زوالها و في الآجل عظيم ثوابها بين أضعاف نعم لو اجتمع أهل السماوات و الأرض على إحصائها ما وفوا بها فضلا عن القيام بشكرها
6 من علامات المأمون على دين الله بعد الإقرار و العمل الحزم في أمره و الصدق في قوله و العدل في حكمه و الشفقة على رعيته لا تخرجه القدرة إلى خرق و لا اللين إلى ضعف و لا تمنعه العزة من كرم عفو و لا يدعوه العفو إلى
إضاعة حق و لا يدخله الإعطاء في سرف و لا يتخطى به القصد إلى بخل و لا تأخذه نعم الله ببطر
7 الفسق نجاسة في الهمة و كلب في الطبيعة
8 قلوب الجهال تستفزها الأطماع و ترتهن بالأماني و تتعلق بالخدائع و كثرة الصمت زمام اللسان و حسم الفطنة و إماطة الخاطر و عذاب الحس
9 عداوة الضعفاء للأقوياء و السفهاء للحلماء و الأشرار للأخيار طبع لا يستطاع تغييره
10 العقل في القلب و الرحمة في الكبد و التنفس في الرئة
11 إذا أراد الله بعبد خيرا حال بينه و بين شهوته و حجز بينه و بين قلبه و إذا أراد به شرا وكله إلى نفسه
12 الصبر مطية لا تكبو و القناعة سيف لا ينبو
13 رحم الله عبدا اتقى ربه و ناصح نفسه و قدم توبته و غلب شهوته فإن أجله مستور عنه و أمله خادع له و الشيطان موكل به
14 مر بمقبرة فقال السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة و المحال المقفرة من المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات أنتم لنا فرط و نحن لكم تبع نزوركم عما قليل و نلحق بكم بعد زمان قصير اللهم اغفر لنا و لهم و تجاوز عنا و عنهم
الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا أحياء و أمواتا و الحمد لله الذي منها خلقنا و عليها ممشانا و فيها معاشنا و إليها يعيدنا طوبى لمن ذكر المعاد و قنع بالكفاف و أعد للحساب
15 إنكم مخلوقون اقتدارا و مربوبون اقتسارا و مضمنون أجداثا و كائنون رفاتا و مبعوثون أفرادا و مدينون حسابا فرحم الله امرأ اقترف فاعترف و وجل فعقل و حاذر فبادر و عمر فاعتبر و حذر فازدجر و أجاب فأناب و راجع فتاب و اقتدى فاحتذى و تأهب للمعاد و استظهر بالزاد ليوم رحيله و وجه سبيله و لحال حاجته و موطن فاقته فقدم أمامه لدار مقامه فمهدوا لأنفسكم على سلامة الأبدان و فسحة الأعمار فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلا حواني الهرم و أهل بضاضة الصحة إلا نوازل السقم و أهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء و اقتراب الفوت و مشارفة الانتقال و إشفاء الزوال و حفز الأنين و رشح الجبين و امتداد العرنين و علز القلق و قيظ الرمق و شدة المضض و غصص الجرض
16 ثلاث منجيات خشية الله في السر و العلانية و القصد في الفقر و الغنى و العدل في الغضب و الرضا
17 إياكم و الفحش فإن الله لا يحب الفحش و إياكم و الشح فإنه أهلك من كان قبلكم هو الذي سفك دماء الرجال و هو الذي قطع أرحامها فاجتنبوه
18 إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث صدقة جارية و علم كان علمه الناس فانتفعوا به و ولد صالح يدعو له
19 إذا فعلت كل شيء فكن كمن لم يفعل شيئا
20 سأله رجل فقال بما ذا أسوء عدوي فقال بأن تكون على غاية الفضائل لأنه إن كان يسوءه أن يكون لك فرس فاره أو كلب صيود فهو لأن تذكر بالجميل و ينسب إليك أشد مساءة
21 إذا قذفت بشيء فلا تتهاون به و إن كان كذبا بل تحرز من طرق القذف جهدك فإن القول و إن لم يثبت يوجب ريبة و شكا
22 عدم الأدب سبب كل شر
23 الجهل بالفضائل عدل الموت
24 ما أصعب على من استعبدته الشهوات أن يكون فاضلا
25 من لم يقهر حسده كان جسده قبرا لنفسه
26 احمد من يغلظ عليك و يعظك لا من يزكيك و يتملقك
27 اختر أن تكون مغلوبا و أنت منصف و لا تختر أن تكون غالبا و أنت ظالم
28 لا تهضمن محاسنك بالفخر و التكبر
29 لا تنفك المدنية من شر حتى يجتمع مع قوة السلطان قوة دينه و قوة حكمته
30 إذا أردت أن تحمد فلا يظهر منك حرص على الحمد
31 من كثر همه سقم بدنه و من ساء خلقه عذب نفسه و من لاحى الرجال سقطت مروءته و ذهبت كرامته و أفضل إيمان العبد أن يعلم أن الله معه حيث كان
32 كن ورعا تكن من أعبد الناس و ارض بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس و أحسن جوار من جاورك تكن مسلما و لا تكثرن الضحك فإن كثرته تميت القلب و أخرس لسانك و اجلس في بيتك و ابك على خطيئتك
33 إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه و لا يرد القدر إلا الدعاء و لا يزيد في العمر إلا البر و لا يزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه و عن شبابه فيم أبلاه و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه و عما عمل فيما علم
34 في التجارب علم مستأنف و الاعتبار يفيدك الرشاد و كفاك أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك و عليك لأخيك مثل الذي عليه لك
35 الغضب يثير كامن الحقد و من عرف الأيام لم يغفل الاستعداد و من أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول
36 اسكت و استر تسلم و ما أحسن العلم يزينه العمل و ما أحسن العمل يزينه الرفق
37 أكبر الفخر ألا تفخر
38 ما أصعب اكتساب الفضائل و أيسر إتلافها
39 لا تنازع جاهلا و لا تشايع مائقا و لا تعاد مسلطا
40 الموت راحة للشيخ الفاني من العمل و للشاب السقيم من السقم و للغلام
الناشئ من استقبال الكد و الجمع لغيره و لمن ركبه الدين لغرمائه و للمطلوب بالوتر و هو في جملة الأمر أمنية كل ملهوف مجهود
41 ما كنت كاتمه عدوك من سر فلا تطلعن عليه صديقك و اعرف قدرك يستعل أمرك و كفى ما مضى مخبرا عما بقي
42 لا تعدن عدة تحقرها قلة الثقة بنفسك و لا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا
43 اتق العواقب عالما بأن للأعمال جزاء و أجرا و احذر تبعات الأمور بتقديم الحزم فيها
44 من استرشد غير العقل أخطأ منهاج الرأي و من أخطأته وجوه المطالب خذلته الحيل و من أخل بالصبر أخل به حسن العاقبة فإن الصبر قوة من قوى العقل و بقدر مواد العقل و قوتها يقوى الصبر
45 الخطأ في إعطاء من لا يبتغي و منع من يبتغي واحد
46 العشق مرض ليس فيه أجر و لا عوض
47 أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب و قائل كلمة الزور و من يمد بحبلها في الإثم سواء
48 الخصومة تمحق الدين
49 الجهاد ثلاثة جهاد باليد و جهاد باللسان و جهاد بالقلب فأول ما يغلب عليه من الجهاد يدك ثم لسانك ثم يصير إلى القلب فإن كان لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا نكس فجعل أعلاه أسفله
50 ما أنعم الله على عبد نعمة فشكرها بقلبه إلا استوجب المزيد عليها قبل ظهورها على لسانه
51 الحاجة مسألة و الدعاء زيادة و الحمد شكر و الندم توبة
52 لن و احلم تنبل و لا تكن معجبا فتمقت و تمتهن
53 ما لي أرى الناس إذا قرب إليهم الطعام ليلا تكلفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم و لا يهتمون بغذاء النفس بأن ينيروا مصابيح ألبابهم بالعلم ليسلموا من لواحق الجهالة و الذنوب في اعتقاداتهم و أعمالهم
54 الفقر هو أصل حسن سياسة الناس و ذلك أنه إذا كان من حسن السياسة أن يكون بعض الناس يسوس و بعضهم يساس و كان من يساس لا يستقيم أن يساس من غير أن يكون فقيرا محتاجا فقد تبين أن الفقر هو السبب الذي به يقوم حسن السياسة
55 لا تتكلم بين يدي أحد من الناس دون أن تسمع كلامه و تقيس ما في نفسك من العلم إلى ما في نفسه فإن وجدت ما في نفسه أكثر فحينئذ ينبغي لك أن تروم زيادة الشيء الذي به يفضل على ما عندك
56 إذا كان اللسان آلة لترجمة ما يخطر في النفس فليس ينبغي أن تستعمله فيما لم يخطر فيها
57 إذا كان الآباء هم السبب في الحياة فمعلمو الحكمة و الدين هم السبب في جودتها
58 و شكا إليه رجل تعذر الرزق فقال مه لا تجاهد الرزق جهاد المغالب و لا تتكل على القدر اتكال المستسلم فإن ابتغاء الفضل من السنة و الإجمال
في الطلب من العفة و ليست العفة دافعة رزقا و لا الحرص جالبا فضلا لأن الرزق مقسوم و في شدة الحرص اكتساب المآثم
59 إذا استغنيت عن شيء فدعه و خذ ما أنت محتاج إليه
60 العمر أقصر من أن تعلم كل ما يحسن بك علمه فتعلم الأهم فالأهم
61 من رضي بما قسم له استراح قلبه و بدنه
62 أبعد ما يكون العبد من الله إذا كان همه بطنه و فرجه
63 ليس في الحواس الظاهرة شيء أشرف من العين فلا تعطوها سؤلها فيشغلكم عن ذكر الله
64 ارحموا ضعفاءكم فالرحمة لهم سبب رحمة الله لكم
65 إزالة الجبال أسهل من إزالة دولة قد أقبلت فاستعينوا بالله و اصبروا ف إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ
66 قال له عثمان في كلام تلاحيا فيه حتى جرى ذكر أبي بكر و عمر أبو بكر و عمر خير منك فقال أنا خير منك و منهما عبدت الله قبلهما و عبدته بعدهما
67 أوثق سلم يتسلق عليه إلى الله تعالى أن يكون خيرا
68 ليس الموسر من كان يساره باقيا عنده زمانا يسيرا و كان يمكن أن يغتصبه غيره منه و لا يبقى بعد موته له لكن اليسار على الحقيقة هو الباقي دائما عند مالكه و لا يمكن أن يؤخذ منه و يبقى له بعد موته و ذلك هو الحكمة
69 الشرف اعتقاد المنن في أعناق الرجال
70 يضر الناس أنفسهم في ثلاثة أشياء الإفراط في الأكل اتكالا على الصحة و تكلف حمل ما لا يطاق اتكالا على القوة و التفريط في العمل اتكالا على القدر
71 أحزم الناس من ملك جده هزله و قهر رأيه هواه و أعرب عن ضميره فعله و لم يخدعه رضاه عن حظه و لا غضبه عن كيده
72 من لم يصلح خلائقه لم ينفع الناس تأديبه
73 من اتبع هواه ضل و من حاد ساد و خمود الذكر أجمل من ذميم الذكر
74 لهب الشوق أخف محملا من مقاساة الملالة
75 بالرفق تنال الحاجة و بحسن التأني تسهل المطالب
76 عزيمة الصبر تطفئ نار الهوى و نفي العجب يؤمن به كيد الحساد
77 ما شيء أحق بطول سجن من لسان
78 لا نذر في معصية و لا يمين في قطيعة
79 لكل شيء ثمرة و ثمرة المعروف تعجيل السراح
80 إياكم و الكسل فإنه من كسل لم يؤد لله حقا
81 احسبوا كلامكم من أعمالكم و أقلوه إلا في الخير
82 أحسنوا صحبة النعم فإنها تزول و تشهد على صاحبها بما عمل فيها
83 أكثروا ذكر الموت و يوم خروجكم من قبوركم و يوم وقوفكم بين يدي الله عزوجل يهن عليكم المصاب
84 بحسب مجاهدة النفوس و ردها عن شهواتها و منعها عن مصافحة لذاتها و منع ما أدت إليه العيون الطامحة من لحظاتها تكون المثوبات و العقوبات و الحازم من ملك هواه فكان بملكه له قاهرا و لما قدحت الأفكار من سوء الظنون زاجرا فمتى لم ترد النفس عن ذلك هجم عليها الفكر بمطالبة ما شغفت به فعند ذلك تأنس بالآراء الفاسدة و الأطماع الكاذبة و الأماني المتلاشية و كما أن البصر إذا اعتل رأى أشباحا و خيالات لا حقيقة لها كذلك النفس إذا اعتلت بحب الشهوات و انطوت على قبيح الإرادات رأت الآراء الكاذبة فإلى الله سبحانه نرغب في إصلاح ما فسد من قلوبنا و به نستعين على إرشاد نفوسنا فإن القلوب بيده يصرفها كيف شاء
85 لا تؤاخين الفاجر فإنه يزين لك فعله و يود لو أنك مثله و يحسن لك أقبح خصاله و مدخله و مخرجه من عندك شين و عار و نقص و لا الأحمق فإنه يجهد لك نفسه و لا ينفعك و ربما أراد أن ينفعك فضرك سكوته خير لك من نطقه و بعده خير لك من قربه و موته خير لك من حياته و لا الكذاب فإنه لا ينفعك معه شيء ينقل حديثك و ينقل الحديث إليك حتى إنه ليحدث بالصدق فلا يصدق
86 ما استقصى كريم قط قال تعالى في وصف نبيه( عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ )
87 رب كلمة يخترعها حليم مخافة ما هو شر منها و كفى بالحلم ناصرا
88 من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا و لا عن النار مهربا من عرف الله فأطاعه و عرف الشيطان فعصاه و عرف الحق فاتبعه و عرف الباطل فاتقاه و عرف الدنيا فرفضها و عرف الآخرة فطلبها
89 من استحيا من الناس و لم يستحي من نفسه فليس لنفسه عند نفسه قدر
90 غاية الأدب أن يستحي الإنسان من نفسه
91 البلاغة النصر بالحجة و المعرفة بمواضع الفرصة و من البصر بالحجة أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإفصاح أوعر طريقة و كانت الكناية أبلغ في الدرك و أحق بالظفر
92 إياك و الشهوات و ليكن مما تستعين به على كفها علمك بأنها ملهية لعقلك مهجنة لرأيك شائنة لغرضك شاغلة لك عن معاظم أمورك مشتدة بها التبعة عليك في آخرتك إنما الشهوات لعب فإذا حضر اللعب غاب الجد و لن يقام الدين و تصلح الدنيا إلا بالجد فإذا نازعتك نفسك إلى اللهو و اللذات فاعلم أنها قد نزعت بك إلى شر منزع و أرادت بك أفضح الفضوح فغالبها مغالبة ذلك و امتنع منها امتناع ذلك و ليكن مرجعك منها إلى الحق فإنك مهما تترك من الحق لا تتركه إلا إلى الباطل و مهما تدع من الصواب لا تدعه إلا إلى الخطإ فلا تداهنن هواك في اليسير فيطمع منك في الكثير و ليس شيء مما أوتيت فاضلا عما يصلحك و ليس لعمرك و إن طال فضل عما ينوبك من الحق اللازم لك و لا بمالك و إن كثر فضل عما يجب عليك فيه و لا بقوتك و إن تمت فضل عن أداء حق الله عليك و لا برأيك و إن حزم فضل عما لا تعذر بالخطإ فيه فليمنعنك علمك بذلك من أن تطيل لك عمرا في غير نفع أو تضيع لك مالا في غير حق أو أن تصرف لك قوة في غير عبادة أو تعدل لك رأيا في غير رشد
فالحفظ الحفظ لما أوتيت فإن بك إلى صغير ما أوتيت الكثير منه أشد الحاجة و عليك بما أضعته منه أشد الرزية و لا سيما العمر الذي كل منفذ سواه مستخلف و كل ذاهب بعده مرتجع فإن كنت شاغلا نفسك بلذة فلتكن لذتك في محادثة العلماء و درس كتبهم فإنه ليس سرورك بالشهوات بالغا منك مبلغا إلا و إكبابك على ذلك و نظرك فيه بالغه منك غير أن ذلك يجمع إلى عاجل السرور تمام السعادة و خلاف ذلك يجمع إلى عاجل الغي و خامة العاقبة و قديما قيل أسعد الناس أدركهم لهواه إذا كان هواه في رشده فإذا كان هواه في غير رشده فقد شقي بما أدرك منه و قديما قيل عود نفسك الجميل فباعتيادك إياه يعود لذيذا
93 وكل ثلاث بثلاث الرزق بالحمق و الحرمان بالعقل و البلاء بالمنطق ليعلم ابن آدم أن ليس له من الأمر شيء
94 ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك عبدك و زوجتك و ابنك و قد روينا هذه الكلمة لعمر فيما تقدم
95 للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة و طعامهم تهمة و غنيمتهم غلول لا يعرفون المساجد إلا هجرا و لا يأتون الصلاة إلا دبرا مستكبرون لا يألفون و لا يؤلفون خشب بالليل صخب بالنهار
96 الحسد حزن لازم و عقل هائم و نفس دائم و النعمة على المحسود نعمة و هي على الحاسد نقمة
97 يا حملة العلم أ تحملونه فإنما العلم لمن علم ثم عمل و وافق عمله علمه و سيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم و يخالف عملهم علمهم يقعدون حلقا فيباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله سبحانه
98 تعلموا العلم صغارا تسودوا به كبارا تعلموا العلم و لو لغير الله فإنه سيصير لله العلم ذكر لا يحبه إلا ذكر من الرجال
99 ليس شيء أحسن من عقل زانه علم و من علم زانه حلم و من حلم زانه صدق و من صدق زانه رفق و من رفق زانه تقوى إن ملإك العقل و مكارم الأخلاق صون العرض و الجزاء بالفرض و الأخذ بالفضل و الوفاء بالعهد و الإنجاز للوعد و من حاول أمرا بالمعصية كان أقرب إلى ما يخاف و أبعد مما يرجو
100 إذا جرت المقادير بالمكاره سبقت الآفة إلى العقل فحيرته و أطلقت الألسن بما فيه تلف الأنفس
101 لا تصحبوا الأشرار فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم
102 لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم
103 لا تطلب سرعة العمل و اطلب تجويده فإن الناس لا يسألون في كم فرغ من العمل إنما يسألون عن جودة صنعته
104 ليس كل ذي عين يبصر و لا كل ذي أذن يسمع فتصدقوا على أولي العقول الزمنة و الألباب الحائرة بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم ثم تلا( إِنَّ اَلَّذِينَ
يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ اَلْبَيِّناتِ وَ اَلْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي اَلْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللاَّعِنُونَ )
105 من أتت عليه الأربعون من السنين قيل له خذ حذرك من حلول المقدور فإنك غير معذور و ليس أبناء الأربعين بأحق بالحذر من أبناء العشرين فإن طالبهما واحد و ليس عن الطلب براقد و هو الموت فاعمل لما أمامك من الهول و دع عنك زخرف القول
106 سئل عن القدر فقال أقصر أم أطيل قيل بل تقصر فقال جل الله أن يريد الفحشاء و عز عن أن يكون له في الملك إلا ما يشاء
107 من علم أنه يفارق الأحباب و يسكن التراب و يواجه الحساب و يستغني عما ترك و يفتقر إلى ما قدم كان حريا بقصر الأمل و طول العمل
108 المؤمن لا تختله كثرة المصائب و تواتر النوائب عن التسليم لربه و الرضا بقضائه كالحمامة التي تؤخذ فراخها من وكرها ثم تعود إليه
109 ما مات من أحيا علما و لا افتقر من ملك فهما
110 العلم صبغ النفس و ليس يفوق صبغ الشيء حتى ينظف من كل دنس
111 اعلم أن الذي مدحك بما ليس فيك إنما هو مخاطب غيرك و ثوابه و جزاؤه قد سقطا عنك
112 إحسانك إلى الحر يحركه على المكافأة و إحسانك إلى النذل يبعثه على معاودة المسألة
113 الأشرار يتتبعون مساوئ الناس و يتركون محاسنهم كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة
114 موت الرؤساء أسهل من رئاسة السفلة
115 ينبغي لمن ولي أمر قوم أن يبدأ بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعيته و إلا كان بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم ذلك العود
116 إذا قوي الوالي في عمله حركته ولايته على حسب ما هو مركوز في طبعه من الخير و الشر
117 ينبغي للوالي أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة منه في سلطان الغضب و الأناة فيما يرتئيه من رأي و تعجيل مكافأة المحسن بالإحسان فإن في تأخير العقوبة إمكان العفو و في تعجيل المكافأة بالإحسان طاعة الرعية و في الأناة انفساح الرأي و حمد العاقبة و وضوح الصواب 118 من حق العالم على المتعلم ألا يكثر عليه السؤال و لا يعنته في الجواب و لا يلح عليه إذا كسل و لا يفشي له سرا و لا يغتاب عنده أحدا و لا يطلب عثرته فإذا زل تأنيت أوبته و قبلت معذرته و أن تعظمه و توقره ما حفظ أمر الله و عظمه و ألا تجلس أمامه و إن كانت له حاجة سبقت غيرك إلى خدمته فيها و لا تضجرن من صحبته فإنما هو بمنزلة النخلة ينتظر متى يسقط عليك منها منفعة و خصه بالتحية و احفظ شاهده و غائبة و ليكن ذلك كله لله عزوجل فإن العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله و إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه و طالب العلم تشيعه الملائكة حتى يرجع
119 وصول معدم خير من جاف مكثر و من أراد أن ينظر ما له عند الله فلينظر ما لله عنده
120 لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا أكثر الناس صلاة و لا صياما و لا حجا و لا اعتمارا و لكن عقلوا عن الله أمره فحسنت طاعتهم و صح ورعهم و كمل يقينهم ففاقوا غيرهم بالحظوة و رفيع المنزلة
121 ما من عبد إلا و معه ملك يقيه ما لم يقدر له فإذا جاء القدر خلاه و إياه
122 إن الله سبحانه أدب نبيه ص بقوله( خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ ) فلما علم أنه قد تأدب قال له( وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) فلما استحكم له من رسوله ما أحب قال( وَ ما آتاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )
123 كنت أنا و العباس و عمر نتذاكر المعروف فقلت أنا خير المعروف ستره و قال العباس خيره تصغيره و قال عمر خيره تعجيله فخرج علينا رسول الله فقال فيم أنتم فذكرنا له فقال خيره أن يكون هذا كله فيه
124 العفو يفسد من اللئيم بقدر ما يصلح من الكريم
125 إذا خبث الزمان كسدت الفضائل و ضرت و نفقت الرذائل و نفعت و كان خوف الموسر أشد من خوف المعسر
126 انظر إلى المتنصح إليك فإن دخل من حيث يضار الناس فلا تقبل
نصيحته و تحرز منه و إن دخل من حيث العدل و الصلاح فاقبلها منه
127 أعداء الرجل قد يكونوا أنفع من إخوانه لأنهم يهدون إليه عيوبه فيتجنبها و يخاف شماتتهم به فيضبط نعمته و يتحرز من زوالها بغاية طوقه
128 المرآة التي ينظر الإنسان فيها إلى أخلاقه هي الناس لأنه يرى محاسنه من أوليائه منهم و مساويه من أعدائه فيهم
129 انظر وجهك كل وقت في المرآة فإن كان حسنا فاستقبح أن تضيف إليه فعلا قبيحا و تشينه به و إن كان قبيحا فاستقبح أن تجمع بين قبحين
130 موقع الصواب من الجهال مثل موقع الخطإ من العلماء
131 ذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب
132 كفر النعمة لؤم و صحبة الجاهل شؤم
133 عاديت من ماريت
134 لا تصرم أخاك على ارتياب و لا تقطعه دون استعتاب
135 خير المقال ما صدقه الفعال
136 إذا لم ترزق غنى فلا تحرمن تقوى
137 من عرف الدنيا لم يحزن للبلوى
138 دع الكذب تكرما إن لم تدعه تأثما
139 الدنيا طواحة طراحة فضاحة آسية جراحة
140 الدنيا جمة المصائب مرة المشارب لا تمتع صاحبا بصاحب
141 المعتذر من غير ذنب يوجب على نفسه الذنب
142 من كسل لم يؤد حقا
143 كثرة الجدال تورث الشك
144 خير القلوب أوعاها
145 الحياء لباس سابغ و حجاب مانع و ستر من المساوئ واق و حليف للدين و موجب للمحبة و عين كالئة تذود عن الفساد و تنهى عن الفحشاء و العجلة في الأمور مكسبة للمذلة و زمام للندامة و سلب للمروءة و شين للحجى و دليل على ضعف العقيدة
146 إذا بلغ المرء من الدنيا فوق قدره تنكرت للناس أخلاقه
147 لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق من طبعه شرا و أنت لا تعلم
148 موت الصالح راحة لنفسه و موت الطالح راحة للناس
149 ينبغي للعاقل أن يتذكر عند حلاوة الغذاء مرارة الدواء
150 إن حسدك أخ من إخوانك على فضيلة ظهرت منك فسعى في مكروهك فلا تقابله بمثل ما كافحك به فتعذر نفسه في الإساءة إليك و تشرع له طريقا إلى ما يحبه فيك لكن اجتهد في التزيد من تلك الفضيلة التي حسدك عليها فإنك تسوءه من غير أن توجده حجة عليك
151 إذا أردت أن تعرف طبع الرجل فاستشره فإنك تقف من مشورته على عدله و جوره و خيره و شره
152 يجب عليك أن تشفق على ولدك أكثر من إشفاقه عليك
153 زمان الجائر من السلاطين و الولاة أقصر من زمان العادل لأن الجائر مفسد و العادل مصلح و إفساد الشيء أشرع من إصلاحه
154 إذا خدمت رئيسا فلا تلبس مثل ثوبه و لا تركب مثل مركوبه و لا تستخدم كخدمه فعساك تسلم منه
155 لا تحدث بالعلم السفهاء فيكذبوك و لا الجهال فيستثقلوك و لكن حدث به من يتلقاه من أهله بقبول و فهم يفهم عنك ما تقول و يكتم عليك ما يسمع فإن لعلمك عليك حقا كما أن عليك في مالك حقا بذله لمستحقه و منعه عن غير مستحقه
156 اليقين فوق الإيمان و الصبر فوق اليقين و من أفرط رجاؤه غلبت الأماني على قلبه و استعبدته
157 إياك و صاحب السوء فإنه كالسيف كالمسلول يروق منظره و يقبح أثره
158 يا ابن آدم احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى الموت فيها فلا تجده
159 من أخطأه سهم المنية قيده الهرم
160 من سمع بفاحشة فأبداها كان كمن أتاها
161 العاقل من اتهم رأيه و لم يثق بما سولته له نفسه
162 من سامح نفسه فيما يحب أتعبها فيما لا يحب
163 كفى ما مضى مخبرا عما بقي و كفى عبرا لذوي الألباب ما جربوا
164 أمر لا تدري متى يغشاك ما يمنعك أن تستعد له قبل أن يفجأك
165 ليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة
166 إذا أعجبك ما يتواصفه الناس من محاسنك فانظر فيما بطن من مساوئك و لتكن معرفتك بنفسك أوثق عندك من مدح المادحين لك
167 من مدحك بما ليس فيك من الجميل و هو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح و هو ساخط عليك
168 إذا تشبه صاحب الرياء بالمخلصين في الهيئة كان مثل الوارم الذي يوهم الناس أنه سمين فيظن الناس ذلك فيه و هو يستر ما يلقى من الألم التابع للورم
169 إذا قويت نفس الإنسان انقطع إلى الرأي و إذ ضعفت انقطع إلى البخت
170 الرغبة إلى الكريم تحركه على البذل و إلى الخسيس تغريه بالمنع
171 خيار الناس يترفعون عن ذكر معايب الناس و يتهمون المخبر بها و يأثرون الفضائل و يتعصبون لأهلها و يستعرضون مآثر الرؤساء و إفضالهم عليهم و يطالبون أنفسهم بالمكافأة عليها و حسن الرعاية لها
172 لكل شيء قوت و أنتم قوت الهوام و من مشى على ظهر الأرض فإن مصيره إلى بطنها
173 من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه و حنينه إلى أوطانه و حفظه قديم إخوانه
174 و من دعائه اللهم إن كنا قد قصرنا عن بلوغ طاعتك فقد تمسكنا من طاعتك بأحبها إليك لا إله إلا أنت جاءت بالحق من عندك
175 أصابت الدنيا من أمنها و أصاب الدنيا من حذرها
176 و وقف على قوم أصيبوا بمصيبة فقال إن تجزعوا فحق الرحم بلغتم و إن تصبروا فحق الله أديتم
177 مكارم الأخلاق عشر خصال السخاء و الحياء و الصدق و أداء الأمانة و التواضع و الغيرة و الشجاعة و الحلم و الصبر و الشكر
178 من أداء الأمانة المكافأة على الصنيعة لأنها كالوديعة عندك
179 الخير النفس تكون الحركة في الخير عليه سهلة متيسرة و الحركة في الإضرار عسرة بطيئة و الشرير بالضد من ذلك
180 البخلاء من الناس يكون تغافلهم عن عظيم الجرم أسهل عليهم من المكافأة على يسير الإحسان
181 مثل الإنسان الحصيف مثل الجسم الصلب الكثيف يسخن بطيئا و تبرد تلك السخونة بأطول من ذلك الزمان
182 ثلاثة يرحمون عاقل يجري عليه حكم جاهل و ضعيف في يد ظالم قوي و كريم قوم احتاج إلى لئيم
183 من صحب السلطان وجب أن يكون معه كراكب البحر إن سلم بجسمه من الغرق لم يسلم بقلبه من الفرق
184 لا تقبلن في استعمال عمالك و أمرائك شفاعة إلا شفاعة الكفاية و الأمانة
185 إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة لأنه باستشارتك قد خرج من عدواتك و دخل في مودتك
186 العدل صورة واحدة و الجور صور كثيرة و لهذا سهل ارتكاب الجور و صعب تحري العدل و هما يشبهان الإصابة في الرماية و الخطأ فيها و إن الإصابة تحتاج إلى ارتياض و تعهد و الخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك
187 لا يخطئ المخلص في الدعاء إحدى ثلاث ذنب يغفر أو خير يعجل أو شر يؤجل
188 لا ينتصف ثلاثة من ثلاثة بر من فاجر و عاقل من جاهل و كريم من لئيم
189 أشرف الملوك من لم يخالطه البطر و لم يحل عن الحق و أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا و خير الأصدقاء من لم يكن على إخوانه مستصعبا و خير الأخلاق أعونها على التقى و الورع
190 أربع القليل منهن كثير النار و العداوة و المرض و الفقر
191 أربعة من الشقاء جار السوء و ولد السوء و امرأة السوء و المنزل الضيق
192 أربعة تدعو إلى الجنة كتمان المصيبة و كتمان الصدقة و بر الوالدين و الإكثار من قول لا إله إلا الله
193 لا تصحب الجاهل فإن فيه خصالا فاعرفوه بها يغضب من غير غضب و يتكلم في غير نفع و يعطي في غير موضع الإعطاء و لا يعرف صديقه من عدوه و يفشي سره إلى كل أحد
194 إياك و مواقف الاعتذار فرب عذر أثبت الحجة على صاحبه و إن كان بريئا
195 الصراط ميدان يكثر فيه العثار فالسالم ناج و العاثر هالك
196 لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل
197 إن لله عبادا في الأرض كأنما رأوا أهل الجنة في جنتهم و أهل النار في نارهم اليقين و أنواره لامعة على وجوههم قلوبهم محزونة و شرورهم مأمونة و أنفسهم عفيفة و حوائجهم خفيفة صبروا أياما قليلة لراحة طويلة أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله سبحانه بأدعيتهم قد حلا في أفواههم و حلا في قلوبهم طعم مناجاته و لذيذ الخلوة به قد أقسم الله على نفسه بجلال عزته ليورثنهم المقام الأعلى في مقعد صدق عنده و أما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء كالقداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى و ما بالقوم من مرض أو يقول قد خولطوا و لعمري لقد خالطهم أمر عظيم جليل
198 عاتبه عثمان فأكثر و هو ساكت فقال ما لك لا تقول قال إن قلت لم أقل إلا ما تكره و ليس لك عندي إلا ما تحب
199 بليت في حرب الجمل بأشد الخلق شجاعة و أكثر الخلق ثروة و بذلا و أعظم الخلق في الخلق طاعة و أوفى الخلق كيدا و تكثرا بليت بالزبير لم يرد وجهه قط
و بيعلى بن منية يحمل المال على الإبل الكثيرة و يعطي كل رجل ثلاثين دينارا و فرسا على أن يقاتلني و بعائشة ما قالت قط بيدها هكذا إلا و اتبعها الناس و بطلحة لا يدرك غوره و لا يطال مكره
200 بعث عثمان بن حنيف إلى طلحة و الزبير فعاد فقال يا أمير المؤمنين جئتك بالخيبة فقال كلا أصبت خيرا و أجرت ثم قال إن من العجب انقيادهما لأبي بكر و عمر و خلافهما علي أما و الله إنهما ليعلمان أني لست بدون واحد منهما اللهم عليك بهما
201 الرزق مقسوم و الأيام دول و الناس شرع سواء آدم أبوهم و حواء أمهم
202 قوت الأجسام الغذاء و قوت العقول الحكمة فمتى فقد واحد منهما قوته بار و اضمحل
203 الصبر على مشقة العباد يترقى بك إلى شرف الفوز الأكبر
204 الروح حياة البدن و العقل حياة الروح
205 حقيق بالإنسان أن يخشى الله بالغيب و يحرس نفسه من العيب و يزداد خيرا مع الشيب
206 أفضل الولاة من بقي بالعدل ذكره و استمده من يأتي بعده
207 قدم العدل على البطش تظفر بالمحبة و لا تستعمل الفعل حيث ينجع القول
208 البخيل يسخو من عرضه بمقدار ما يبخل به من ماله و السخي يبخل من عرضه بمقدار ما يسخو به من ماله
209 فضل العقل على الهوى لأن العقل يملكك الزمان و الهوى يستعبدك للزمان
210 كل ما حملت عليه الحر احتمله و رآه زيادة في شرفه إلا ما حطه جزءا من حريته فإنه يأباه و لا يجيب إليه
211 إذا منعك اللئيم البر مع إعظامه حقك كان أحسن من بذل السخي لك إياه مع الاستخفاف بك
212 الملك كالنهر العظيم تستمد منه الجداول فإن كان عذبا عذبت و إن كان ملحا ملحت
213 الفرق بين السخاء و التبذير أن السخي يسمح بما يعرف مقداره و مقدار الرغبة فيه إليه و يضعه بحيث يحسن وضعه و تزكو عارفته و المبذر يسمح بما لا يوازن به رغبة الراغب و لا حق القاصد و لا مقدار ما أولى و يستفزه لذلك خطرة من خطراته و التصدي لإطراء مطر له بينهما بون بعيد
214 لا تلاج الغضبان فإنك تقلقه باللجاج و لا ترده إلى الصواب
215 لا تفرح بسقطة غيرك فإنك لا تدري ما تتصرف الأيام بك
216 قليل العلم إذا وقر في القلب كالطل يصيب الأرض المطمئنة فتعشب
217 مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب و طعمها
طيب و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و طعمها مر و مثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر و لا ريح لها
218 المؤمن إذا نظر اعتبر و إذا سكت تفكر و إذا تكلم ذكر و إذا استغنى شكر و إذا أصابته شدة صبر فهو قريب الرضا بعيد السخط يرضيه عن الله اليسير و لا يسخطه البلاء الكثير قوته لا تبلغ به و نيته تبلغ مغموسة في الخير يده ينوي كثيرا من الخير و يعمل بطائفة منه و يتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به و المنافق إذا نظر لها و إذا سكت سها و إذا تكلم لغا و إذا أصابه شدة شكا فهو قريب السخط بعيد الرضا يسخطه على الله اليسير و لا يرضيه الكثير قوته تبلغ و نيته لا تبلغ مغموسة في الشر يده ينوي كثيرا من الشر و يعمل بطائفة منه فيتلهف على ما فاته من الشر كيف لم يأمر به و كيف لم يعمل به على لسان المؤمن نور يسطع و على لسان المنافق شيطان ينطق
219 سوء الظن يدوي القلوب و يتهم المأمون و يوحش المستأنس و يغير مودة الإخوان
220 إذا لم يكن في الدنيا إلا محتاج فأغنى الناس أقنعهم بما رزق
221 قيل له إن درعك صدر لا ظهر لها إنا نخاف أن تؤتى من قبل ظهرك فقال إذا وليت فلا واءلت
222 أشد الأشياء الإنسان لأن أشدها فيما يرى الجبل و الحديد
ينحت الجبل و النار تأكل الحديد و الماء يطفي النار و السحاب يحمل الماء و الريح يفرق السحاب و الإنسان يتقي من الريح
223 إنما الناس في نفس معدود و أمل ممدود و أجل محدود فلا بد للأجل أن يتناهى و للنفس أن يحصى و للأمل إن ينقضي ثم قرأ( وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ )
224 اللهم لا تجعل الدنيا لي سجنا و لا فراقها علي حزنا أعوذ بك من دنيا تحرمني الآخرة و من أمل يحرمني العمل و من حياة تحرمني خير الممات
225 تعطروا بالاستغفار لا تفضحكم رائحة الذنوب
226 للنكبات غايات تنتهي إليها و دواؤها الصبر عليها و ترك الحيلة في إزالتها فإن الحيلة في إزالتها قبل انقضاء مدتها سبب لزيادتها
227 لا يرضى عنك الحاسد حتى يموت أحدكما
228 لا يكون الرجل سيد قومه حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس
229 كتب إلى عامل له اعمل بالحق ليوم لا يقضى فيه إلا بالحق
230 نظر إلى رجل يغتاب آخر عند ابنه الحسن فقال يا بني نزه سمعك عنه فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك
231 احذروا الكلام في مجالس الخوف فإن الخوف يذهل العقل الذي منه نستمد و يشغله بحراسة النفس عن حراسة المذهب الذي نروم نصرته و احذر الغضب ممن يحملك عليه فإنه مميت للخواطر مانع من التثبت و احذر من تبغضه فإن بغضك له يدعوك إلى الضجر به و قليل الغضب كثير في أذى النفس و العقل و الضجر مضيق
للصدر مضعف لقوى العقل و احذر المحافل التي لا إنصاف لأهلها في التسوية بينك و بين خصمك في الإقبال و الاستماع و لا أدب لهم يمنعهم من جور الحكم لك و عليك و احذر حين تظهر العصبية لخصمك بالاعتراض عليك و تشييد قوله و حجته فإن ذلك يهيج العصبية و الاعتراض على هذا الوجه يخلق الكلام و يذهب بهجة المعاني و احذر كلام من لا يفهم عنك فإنه يضجرك و احذر استصغار الخصم فإنه يمنع من التحفظ و رب صغير غلب كبير
232 لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك فإنهم لا يستقيمون لك إلا بما تخرج به من شرط الرئيس الفاضل
233 لا تهزأ بخطإ غيرك فإن المنطق لا يملكه و أقلل من الخطإ الذي أنت فيه بقدر الصبر و اجعل العقل و الحق إماميك تنل البغية بهما
234 الرأي يريك غاية الأمر مبدأه
235 الخير من الناس من قدر على أن يصرف نفسه كما يشاء و يدفعها عن الشرور و الشرير من لم يكن كذلك
236 السلطان الفاضل هو الذي يحرس الفضائل و يجود بها لمن دونه و يرعاها من خاصته و عامته حتى تكثر في أيامه و يتحسن بها من لم تكن فيه
237 للكريم رباطان أحدهما الرعاية لصديقه و ذوي الحرمة به و الآخر الوفاء لمن ألزمه الفضل ما يجب له عليه
238 إذا تحركت صورة الشر و لم تظهر ولدت الفزع فإذا ظهرت ولدت الألم و إذا تحركت صورة الخير و لم تظهر ولدت الفرج فإذا ظهرت ولدت اللذة
239 الفرق بين الاقتصاد و البخل أن الاقتصاد تمسك الإنسان بما في يده خوفا على حريته و جاهه من المسألة فهو يضع الشيء موضعه و يصبر عما لا تدعو ضرورة إليه و يصل صغير بره بعظيم بشره و لا يستكثر من المودات خوفا من فرط الإجحاف به و البخيل لا يكافئ على ما يسدى إليه و يمنع أيضا اليسير من استحق الكثير و يصبر لصغير ما يجري عليه على كثير من الذلة
240 لا تحتقرن صغيرا يمكن أن يكبر و لا قليلا يمكن أن يكثر
241 ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا و لقد كنت أظلم قبل ظهور الإسلام و لقد كان أخي عقيل يذنب أخي جعفر فيضربني
242 لو كسرت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم حتى تزهر تلك القضايا إلى الله عزوجل و تقول يا رب إن عليا قضى بين خلقك بقضائك
243 مر بدار بالكوفة في مراد تبنى فوقعت منها شظية على صلعته فأدمتها فقال ما يومي من مراد بواحد اللهم لا ترفعها قالوا فو الله لقد رأينا تلك الدار بين الدور كالشاة الجماء بين الغنم ذوات القرون
244 أقتل الأشياء لعدوك ألا تعرفه أنك اتخذته عدوا
245 الخيرة في ترك الطيرة
246 قيل له في بعض الحروب إن جالت الخيل أين نطلبك قال حيث تركتموني
247 شفيع المذنب إقراره و توبته اعتذاره
248 قصم ظهري رجلان جاهل متنسك و عالم متهتك
249 أ لا أخبركم بذات نفسي أما الحسن ففتى من الفتيان و صاحب جفنة و خوان و لو التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب غناء عصفور و أما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو و ظل باطل و أما أنا و الحسين فنحن منكم و أنتم منا
250 قال في المنبرية صار ثمنها تسعا على البديهة و هذا من العجائب
251 جاء الأشعث إليه و هو على المنبر فجعل يتخطى رقاب الناس حتى قرب منه ثم قال يا أمير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك يعني العجم فركض المنبر برجله حتى قال صعصعة بن صوحان ما لنا و للأشعث ليقولن أمير المؤمنين ع اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر فقال ع من يعذرني من هؤلاء الضياطرة يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار و يهجر قوما للذكر أ فتأمرونني أن أطردهم ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا
252 كان إذا رأى ابن ملجم يقول أريد حياته البيت فيقال له فاقتله فيقول كيف أقتل قاتلي
253 إلهي ما قدر ذنوب أقابل بها كرمك و ما قدر عبادة أقابل بها نعمك و إني لأرجو أن تستغرق ذنوبي في كرمك كما استغرقت أعمالي في نعمك
254 إذا غضب الكريم فألن له الكلام و إذا غضب اللئيم فخذ له العصا
255 غضب العاقل في فعله و غضب الجاهل في قوله
256 رأى رجلا يحدث منكر الحديث فقال يا هذا أنصف أذنيك من فمك فإنما جعل الأذنان اثنتين و الفم واحدا لتسمع أكثر مما تقول
257 إياك و كثرة الاعتذار فإن الكذب كثيرا ما يخالط المعاذير
258 اشكر لمن أنعم عليك و أنعم على من شكرك
259 سل مسألة الحمقى و احفظ حفظ الأكياس
260 مروا الأحداث بالمراء و الجدال و الكهول بالفكر و الشيوخ بالصمت
261 عود نفسك الصبر على جليس السوء فليس يكاد يخطئك
262 يا بني إن الشر تاركك إن تركته
263 لا تطلبوا الحاجة إلى ثلاثة إلى الكذوب فإنه يقربها و إن كانت بعيدة و لا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك و لا إلى رجل له إلى صاحب الحاجة حاجة فإنه يجعل حاجتك وقاية لحاجته
264 إياك و صدر المجلس فإنه مجلس قلعة
265 احذروا صولة الكريم إذا جاع و صولة اللئيم إذا شبع
266 سرك دمك فلا تجرينه إلا في أوداجك
267 و سئل عن الفرق بين الغم و الخوف فقال الخوف مجاهدة الأمر المخوف قبل وقوعه و الغم ما يلحق الإنسان من وقوعه
268 المعروف كنز فانظر عند من تودعه
269 إذا أرسلت لبعر فلا تأت بتمر فيؤكل تمرك و تعنف على خلافك
270 إذا وقع في يدك يوم السرور فلا تخله فإنك إذا وقعت في يد يوم الغم لم يخلك
271 إذا أردت أن تصادق رجلا فانظر من عدوه
272 الانقباض من الناس مكسبة للعداوة و الانبساط مجلبة لقرين السوء فكن بين المنقبض و المسترسل فإن خير الأمور أوساطها
273 إنا عبد الله و أخو رسول الله لا يقولها بعدي إلا كذاب
274 أخذ رسول الله ص بيدي فهزها و قال ما أول نعمة أنعم الله بها عليك قلت أن خلقني حيا و أقدرني و أكمل حواسي و مشاعري و قواي قال ثم ما ذا قلت أن جعلني ذكرا و لم يجعلني أنثى قال و الثالثة قلت أن هداني للإسلام قال و الرابعة قلت( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ لا تُحْصُوها )
275 اللهم إني أسألك إخبات المخبتين و إخلاص الموقنين و مرافقة الأبرار و العزيمة في كل بر و السلامة من كل إثم و الفوز بالجنة و النجاة من النار
276 لما ضربه ابن ملجم و أوصى ابنيه بما أوصاهما قال لابن الحنفية هل فهمت ما أوصيت به أخويك قال نعم قال فإني أوصيك بمثله و بتوقير أخويك و اتباع أمرهما و ألا تبرم أمرا دونهما ثم قال لهما أوصيكما به فإنه شقيقكما و ابن أبيكما و قد علمتما أن أباكما كان يحبه فأحباه
277 أما هذا الأعور يعني الأشعث فإن الله لم يرفع شرفا إلا حسده و لا أظهر فضلا إلا عابه و هو يمني نفسه و يخدعها يخاف و يرجو فهو بينهما لا يثق
بواحد منهما و قد من الله عليه بأن جعله جبانا و لو كان شجاعا لقتله الحق و أما هذا الأكثف عند الجاهلية يعني جرير بن عبد الله البجلي فهو يرى كل أحد دونه و يستصغر كل أحد و يحتقره قد ملئ نارا و هو مع ذلك يطلب رئاسة و يروم إمارة و هذا الأعور يغويه و يطغيه إن حدثه كذبه و إن قام دونه نكص عنه فهما كالشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين
278 بلوغ أعلى المنازل بغير استحقاق من أكبر أسباب الهلكة
279 الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب و إذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان
280 الكرم حسن الفطنة و اللؤم سوء التغافل
281 أسوأ الناس حالا من اتسعت معرفته و بعدت همته و ضاقت قدرته
282 أمران لا ينفكان من الكذب كثرة المواعيد و شدة الاعتذار
283 عادة النوكى الجلوس فوق القدر و المجيء في غير الوقت
284 العافية الملك الخفي
285 سوء حمل الغنى يورث مقتا و سوء حمل الفاقة يضع شرفا
286 لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز و لا يسامح نفسه في التفريط لنكبة دخلت على حازم
287 ليس من حسن التوكل أن يقال العاشر عثرة ثم يركبها ثانية
288 سوء القالة في الإنسان إذا كان كذبا نظير الموت لفساد دنياه فإن كان صدقا فأشد من الموت لفساد آخرته
289 ترضى الكرام بالكلام و تصاد اللئام بالمال و تستصلح السفلة بالهوان
290 لا يزال المرء مستمرا ما لم يعثره فإذا عثر مرة لج به العثار و لو كان في جدد
291 المتواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها و قطر غيرها و المتكبر كالربوة لا يقر عليها قطرها و لا قطر غيرها
292 لا يصبر على الحرب و يصدق في اللقاء إلا ثلاثة مستبصر في دين أو غيران على حرمة أو ممتعض من ذل
293 مجاوزتك ما يكفيك فقر لا منتهى له
294 قيل له أي الأمور أعجل عقوبة و أسرع لصاحبها صرعة فقال ظلم من لا ناصر له إلا الله و مجازاة النعم بالتقصير و استطالة الغني على الفقير
295 الجماع للمحن جماع و للخيرات مناع حياء يرتفع و عورات تجتمع أشبه شيء بالجنون و لذلك حجب عن العيون نتيجته ولد فتون إن عاش كد و إن مات هد
296 ما شيء أهون من ورع و إذا رابك أمر فدعه
297 إذا أتى علي يوم لا ازداد فيه عملا يقربني إلى الله فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم
298 أشرف الأشياء العلم و الله تعالى عالم يحب كل عالم
299 ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم بل أي شيء فات من أدرك العلم
300 لا يسود الرجل حتى لا يبالي في أي ثوبيه ظهر
301 سمع رجلا يدعو لصاحبه فقال لا أراك الله مكروها فقال إنما دعوت له بالموت لأن من عاش في الدنيا لا بد أن يرى المكروه
302 من صفة العاقل ألا يتحدث بما يستطاع تكذيبه فيه
303 السعيد من وعظ بغيره و الشقي من اتعظ به غيره
304 ذو الهمة و إن حط نفسه يأبى إلا علوا كالشعلة من النار يخفيها صاحبها و تأبى إلا ارتفاعا
305 الدين غل الله في أرضه إذا أراد أن يذل عبدا جعله في عنقه
306 العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها حكمة و مثلا و الأحمق إذا تكلم بكلمة أتبعها حلفا
307 الحركة لقاح الجد العظيم
308 ثلاثة لا يستحي من الختم عليها المال لنفي التهمة و الجوهر لنفاسته و الدواء للاحتياط من العدو
309 إذا أيسرت فكل الرجال رجالك و إذا أعسرت أنكرك أهلك
310 من الحكمة جعل المال في أيدي الجهال فإنه لو خص به العقلاء لمات
الجهال جوعا و لكنه جعل في أيدي الجهال ثم استنزلهم عنه العقلاء بلطفهم و فطنتهم
311 ما رد أحد أحدا عن حاجة إلا و تبين العز في قفاه و الذل في وجهه
312 ابتداء الصنيعة نافلة و ربها فريضة
313 الحاسد المبطن للحسد كالنحل يمج الدواء و يبطن الداء
314 الحاسد يرى زوال نعمتك نعمة عليه
315 التواضع إحدى مصايد الشرف
316 تواضع الرجل في مرتبته ذب للشماتة عنه عند سقطته
317 رب صلف أدى إلى تلف
318 سوء الخلق يعدي و ذاك أنه يدعو صاحبك إلى أن يقابلك بمثله
319 المروءة التامة مباينة العامة
320 أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه و أحسن ما في اللئيم أن يكف عنك أذاه
321 السفلة إذا تعلموا تكبروا و إذا تمولوا استطالوا و العلية إذا تعلموا تواضعوا و إذا افتقروا صالوا
322 ثلاث لا يستصلح فسادهن بحيلة أصلا العداوة بين الأقارب و تحاسد الأكفاء و ركاكة الملوك
323 السخي شجاع القلب و البخيل شجاع الوجه
324 العزلة توفر العرض و تستر الفاقة و ترفع ثقل المكافأة
325 ما احتنك أحد قط إلا أحب الخلوة و العزلة
326 خير الناس من لم تجربه
327 الكريم لا يلين على قسر و لا يقسو على يسر
328 المرأة إذا أحبتك آذتك و إذا أبغضتك خانتك و ربما قتلتك فحبها أذى و بغضها داء بلا دواء
329 المرأة تكتم الحب أربعين سنة و لا تكتم البغض ساعة واحدة
330 الممتحن كالمختنق كلما ازداد اضطرابا ازداد اختناقا
331 كل ما لا ينتقل بانتقالك من مالك فهو كفيل بك
332 أجل ما ينزل من السماء التوفيق و أجل ما يصعد من الأرض الإخلاص
333 اثنان يهون عليهما كل شيء عالم عرف العواقب و جاهل يجهل ما هو فيه
334 شر من الموت ما إذا نزل تمنيت بنزوله الموت و خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة
335 ما وضع أحد يده في طعام أحد إلا ذل له
336 المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت
337 أبصر الناس لعوار الناس المعور
338 العجب ممن يخاف عقوبة السلطان و هي منقطعة و لا يخاف عقوبة الديان و هي دائمة
339 من عرف نفسه فقد عرف ربه
340 من عجز عن معرفة نفسه فهو عن معرفة خالقه أعجز
341 لو تكاشفتم لما تدافنتم
342 شيطان كل إنسان نفسه
343 إن لم تعلم من أين جئت لم تعلم إلى أين تذهب
344 غاية كل متعمق في معرفة الخالق سبحانه الاعتراف بالقصور عن إدراكها
345 الكمال في خمس ألا يعيب الرجل أحدا بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب من عيوبه حتى يهجم على آخر فتشغله عيوبه عن عيوب الناس و ألا يطلق لسانه و يده حتى يعلم أ في طاعة ذلك أم في معصية و ألا يلتمس من الناس إلا ما يعطيهم من نفسه مثله و أن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم و توفيتهم حقوقهم و أن ينفق الفضل من ماله و يمسك الفضل من قوله
346 صديق البخيل من لم يجربه
347 من الخيط الضعيف يفتل الحبل الحصيف و من مقدحة صغيرة تحترق مدينة كبيرة و من لبنة لبنة تبنى قرية حصينة
348 محب الدراهم معذور و إن أدنته من الدنيا لأنها صانته عن أبناء الدنيا
349 عجبا لمن قيل فيه الخير و ليس فيه كيف يفرح و عجبا لمن قيل فيه الشر و ليس فيه كيف يغضب
350 ثلاث موبقات الكبر فإنه حط إبليس عن مرتبته و الحرص فإنه أخرج آدم من الجنة و الحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه
351 الفطام عن الحطام شديد
352 إذا أقبلت الدنيا أقبلت على حمار قطوف و إذا أدبرت أدبرت على البراق
353 أصاب متأمل أو كاد و أخطأ مستعجل أو كاد
354 ستة لا تخطئهم الكآبة فقير حديث عهد بغنى و مكثر يخاف على ماله و طالب مرتبة فوق قدره و الحسود و الحقود و مخالط أهل الأدب و ليس بأديب
355 طلبت الراحة لنفسي فلم أجد شيئا أروح من ترك ما لا يعنيني و توحشت في القفر البلقع فلم أر وحشة أشد من قرين السوء و شهدت الزحوف و لقيت الأقران فلم أر قرنا أغلب من المرأة و نظرت إلى كل ما يذل العزيز و يكسره فلم أر شيئا أذل له و لا أكسر من الفاقة
356 أول رأي العاقل آخر رأي الجاهل
357 المسترشد موقى و المحترس ملقى
358 الحر عبد ما طمع و العبد حر ما قنع
359 ما أحسن حسن الظن إلا أن فيه العجز و ما أقبح سوء الظن إلا أن فيه الحزم
360 ما الحيلة فيما أعنى إلا الكف عنه و لا الرأي فيما ينال إلا اليأس منه
361 الأحمق إذا حدث ذهل و إذا حدث عجل و إذا حمل على القبيح فعل
362 إثبات الحجة على الجاهل سهل و لكن إقراره بها صعب
363 كما تعرف أواني الفخار بامتحانها بأصواتها فيعلم الصحيح منها من المكسور كذلك يمتحن الإنسان بمنطقه فيعرف ما عنده
364 احتمال الفقر أحسن من احتمال الذل لأن الصبر على الفقر قناعة و الصبر على الذل ضراعة
365 الدنيا حمقاء لا تميل إلا إلى أشباهها
366 السفر ميزان الأخلاق
367 العقل ملك و الخصال رعيته فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها
368 الكذاب يخيف نفسه و هو آمن
369 لو لا ثلاث لم يسلل سيف سلك أدق من سلك و وجه أصبح من وجه و لقمة أسوغ من لقمة
370 قد يحسن الامتنان بالنعمة و ذلك عند كفرانها و لو لا أن بني إسرائيل
كفروا النعمة لما قال الله لهم( اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ )
371 إذا تناهى الغم انقطع الدمع
372 إذا ولي صديقك ولاية فأصبته على العشر من صداقته فليس بصاحب سوء
373 أعجب الأشياء بديهة أمن وردت في مقام خوف
374 الحرص محرمة و الجبن مقتلة و إلا فانظر فيمن رأيت و سمعت أ من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا و انظر أ من يطلب بالإجمال و التكرم أحق أن تسخو نفسك له أم من يطلب بالشره و الحرص
375 إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من جهل ليقدم به صاحبه على الأمور فإن العاقل أبدا متوان مترقب متخوف
376 عمل الرجل بما يعلم أنه خطأ هوى و الهوى آفة العفاف و ترك العمل بما يعلم أنه صواب تهاون و التهاون آفة الدين و إقدامه على ما لا يدري أ صواب هو أم خطأ لجاج و اللجاج آفة العقل
377 ضعف العقل أمان من الغم
378 لا ينبغي للعاقل أن يمدح امرأة حتى تموت و لا طعاما حتى يستمرئه و لا صديقا حتى يستقرضه و ليس من حسن الجوار ترك الأذى و لكن حسن الجوار الصبر على الأذى
379 لا يتأدب العبد بالكلام إذا وثق بأنه لا يضرب
380 الفرق بين المؤمن و الكافر الصلاة فمن تركها و ادعى الإيمان كذبه فعله و كان عليه شاهد من نفسه
381 من خاف الله خافه كل شيء
382 من النقص أن يكون شفيعك شيئا خارجا عن ذاتك و صفاتك
383 و يلي على العبد اللئيم عبد بني ربيعة نزع به عرق الشرك العبشمي إلى مساءتي و تذكر دم الوليد و عتبة و شيبة أولى له و الله ليريني في موقف يسوءه ثم لا يجد هناك فلانا و فلانا يعني سالما مولى حذيفة
384 أنا قاتل الأقران و مجدل الشجعان أنا الذي فقأت عين الشرك و ثللت عرشه غير ممتن على الله بجهادي و لا مدل إليه بطاعتي و لكن أحدث بنعمة ربي
385 الصوم عبادة بين العبد و خالقه لا يطلع عليها غيره و كذلك لا يجازي عنها غيره
386 طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس طوبى لمن لا يعرف الناس و لا يعرفه الناس طوبى لمن كان حيا كميت و موجودا كمعدوم قد كفى جاره خيره و شره لا يسأل عن الناس و لا يسأل الناس عنه
387 ما السيف الصارم في كف الشجاع بأعز له من الصدق
388 لا يكن فقرك كفرا و غناك طغيانا
389 ثمرة القناعة الراحة و ثمرة التواضع المحبة
390 الكريم يلين إذا استعطف و اللئيم يقسو إذا لوطف
391 أنكى لعدوك ألا تريه أنك اتخذته عدوا
392 عذابان لا يأبه الناس لهما السفر البعيد و البناء الكثير
393 ثلاثة يؤثرون المال على أنفسهم تاجر البحر و صاحب السلطان و المرتشي في الحكم
394 أعجز الناس من قصر في طلب الصديق و أعجز منه من وجده فضيعه
395 أشد المشاق وعد كذاب لحريص
396 العادات قاهرات فمن اعتاد شيئا في سره و خلوته فضحه في جهره و علانيته
397 الأخ البار مغيض الأسرار
398 عدم المعرفة بالكتابة زمانة خفية
399 قديم الحرمة و حديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة
400 ركوب الخيل عز و ركوب البراذين لذة و ركوب البغال مهرمة و ركوب الحمير مذلة
401 العقل يظهر بالمعاملة و شيم الرجال تعرف بالولاية
402 قال له قائل علمني الحلم فقال هو الذل فاصطبر عليه إن استطعت
403 قلتم إن فلانا أفاد مالا عظيما فهل أفاد أياما ينفقه فيها
404 عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه
405 المريض يعاد و الصحيح يزار
406 الشيء الذي لا يحسن أن يقال و إن كان حقا مدح الإنسان نفسه
407 الشيء الذي لا يستغنى عنه بحال من الأحوال التوفيق
408 أوسع ما يكون الكريم مغفرة إذا ضاقت بالذنب المعذرة
409 ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت
410 التكبر على المتكبرين هو التواضع بعينه
411 إذا رفعت أحدا فوق قدره فتوقع منه أن يحط منك بقدر ما رفعت منه
412 إساءة المحسن أن يمنعك جدواه و إحسان المسيء أن يكف عنك أذاه
413 اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم أضمروا لرسولك ص ضروبا من الشر و الغدر فعجزوا عنها و حلت بينهم و بينها فكانت الوجبة بي و الدائرة علي اللهم احفظ حسنا و حسينا و لا تمكن فجرة قريش منهما ما دمت حيا فإذا توفيتني فأنت الرقيب عليهم و أنت على كل شيء شهيد
414 قال له قائل يا أمير المؤمنين أ رأيت لو كان رسول الله ص ترك ولدا ذكرا قد بلغ الحلم و آنس منه الرشد أ كانت العرب تسلم إليه أمرها قال لا بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت إن العرب كرهت أمر محمد ص و حسدته على ما آتاه الله من فضله و استطالت أيامه حتى قذفت زوجته و نفرت به ناقته مع عظيم إحسانه إليها و جسيم مننه عندها و أجمعت مذ كان حيا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته و لو لا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرئاسة و سلما إلى العز و الإمرة لما عبدت الله بعد موته يوما واحدا
و لارتدت في حافرتها و عاد قارحها جذعا و بازلها بكرا ثم فتح الله عليها الفتوح فأثرت بعد الفاقة و تمولت بعد الجهد و المخمصة فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجا و ثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطربا و قالت لو لا أنه حق لما كان كذا ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها و حسن تدبير الأمراء القائمين بها فتأكد عند الناس نباهة قوم و خمول آخرين فكنا نحن ممن خمل ذكره و خبت ناره و انقطع صوته وصيته حتى أكل الدهر علينا و شرب و مضت السنون و الأحقاب بما فيها و مات كثير ممن يعرف و نشأ كثير ممن لا يعرف و ما عسى أن يكون الولد لو كان إن رسول الله ص لم يقربني بما تعلمونه من القرب للنسب و اللحمة بل للجهاد و النصيحة أ فتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت و كذاك لم يكن يقرب ما قربت ثم لم يكن عند قريش و العرب سببا للحظوة و المنزلة بل للحرمان و الجفوة اللهم إنك تعلم أني لم أرد الإمرة و لا علو الملك و الرئاسة و إنما أردت القيام بحدودك و الأداء لشرعك و وضع الأمور في مواضعها و توفير الحقوق على أهلها و المضي على منهاج نبيك و إرشاد الضال إلى أنوار هدايتك
415 البر ما سكنت إليه نفسك و اطمأن إليه قلبك و الإثم ما جال في نفسك و تردد في صدرك
416 الزكاة نقص في الصورة و زيادة في المعنى
417 ليس الصوم الإمساك عن المأكل و المشرب الصوم الإمساك عن كل ما يكرهه الله سبحانه
418 إذا كان الراعي ذئبا فالشاة من يحفظها
419 كل شيء يعصيك إذا أغضبته إلا الدنيا فإنها تطيعك إذا أغضبتها
420 رب مغبوط بنعمة هي داؤه و مرحوم من سقم هو شفاؤه
421 إذا أراد الله أن يسلط على عبد عدوا لا يرحمه سلط عليه حاسدا
422 شرب الدواء للجسد كالصابون للثوب ينقيه و لكن يخلقه
423 الحسد خلق دنئ و من دناءته أنه موكل بالأقرب فالأقرب
424 لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى و قد سمعتم قوله( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)
425 أستغفر الله مما أملك و أستصلحه فيما لا أملك
426 إذا قعدت و أنت صغير حيث تحب قعدت و أنت كبير حيث تكره
427 الولد العاق كالإصبع الزائدة إن تركت شانت و إن قطعت آلمت
428 خرج العز و الغنى يجولان فلقيا القناعة فاستقرا
429 الصديق نسيب الروح و الأخ نسيب الجسم
430 جزية المؤمن كراء منزله و عذابه سوء خلق زوجته
431 الوعد وجه و الإنجاز محاسنه
432 أنعم الناس عيشا من عاش في عيشه غيره
433 لا تشاتمن أحدا و لا تردن سائلا إما هو كريم تسد خلته أو لئيم تشتري عرضك منه
434 النمام سهم قاتل
435 ثلاثة أشياء لا دوام لها المال في يد المبذر و سحابة الصيف و غضب العاشق
436 الزاهد في الدينار و الدرهم أعز من الدينار و الدرهم
437 رب حرب أحييت بلفظة و رب ود غرس بلحظة
438 إذا تزوج الرجل فقد ركب البحر فإن ولد له فقد كسر به
439 صلاح كل ذي نعمة في خلاف ما فسد عليه
440 أنعم الناس عيشة من تحلى بالعفاف و رضي بالكفاف و تجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف
441 التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد
442 ينبغي للعاقل أن يمنع معروفه الجاهل و اللئيم و السفيه أما الجاهل فلا يعرف المعروف و لا يشكر عليه و أما اللئيم فأرض سبخة لا تنبت و أما السفيه فيقول إنما أعطاني فرقا من لساني
443 خير العيش ما لا يطغيك و لا يلهيك
444 ما ضرب الله العباد بسوط أوجع من الفقر
445 إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة كان أول ما يغير منه عقله
446 خير الدنيا و الآخرة في خصلتين الغنى و التقى و شر الدنيا و الآخرة في خصلتين الفقر و الفجور
447 ثمانية إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم الآتي طعاما لم يدع إليه
و المتأمر على رب البيت في بيته و طالب المعروف من غير أهله و الداخل بين اثنين لم يدخلاه و المستخف بالسلطان و الجالس مجلسا ليس له بأهل و المقبل بحديثه على من لا يسمعه و من جرب المجرب
448 أنفس الأعلاق عقل قرن إليه حظ
449 اللطافة في الحاجة أجدى من الوسيلة
450 احتمال نخوة الشرف أشد من احتمال بطر الغنى و ذلة الفقر مانعة من الصبر كما أن عز الغنى مانع من كرم الإنصاف إلا لمن كان في غريزته فضل قوة و أعراق تنازعه إلى بعد الهمة
451 أبعد الناس سفرا من كان في طلب صديق يرضاه
452 استشارة الأعداء من باب الخذلان
453 الجاهل يعرف بست خصال الغضب من غير شيء و الكلام في غير نفع و العطية في غير موضعها و ألا يعرف صديقه من عدوه و إفشاء السر و الثقة بكل أحد
454 سوء العادة كمين لا يؤمن
455 العادة طبيعة ثانية غالبة
456 التجني وافد القطيعة
457 صديقك من نهاك و عدوك من أغراك
458 يا عجبا من غفلة الحساد عن سلامة الأجساد
459 من سعادة المرء أن يطول عمره و يرى في أعدائه ما يسره
460 الضغائن تورث كما تورث الأموال
461 رب عزيز أذله خرقه و ذليل أعزه خلقه
462 لا يصلح اللئيم لأحد و لا يستقيم إلا من فرق أو حاجة فإذا استغنى أو ذهب خوفه عاد إليه جوهره
463 ثلاثة في المجلس و ليسوا فيه الحاقن و الضيق الخف و السيئ الظن بأهله
464 و سئل ما أبقى الأشياء في نفوس الناس فقال أما في أنفس العلماء فالندامة على الذنوب و أما في نفوس السفهاء فالحقد
465 إذا انقضى ملك قوم خيبوا في آرائهم
466 الضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالعدو الضعيف
467 الحزن سوء استكانة و الغضب لؤم قدرة
468 كل ما يؤكل ينتن و كل ما يوهب يأرج
469 الطرش في الكرام و الهوج في الطوال و الكيس في القصار و النبل في الربعة و حسن الخلق في الحول و الكبر في العور و البهت في العميان و الذكاء في الخرس
470 ألأم الناس من سعى بإنسان ضعيف إلى سلطان جائر
471 أعسر الحيل تصوير الباطل في صورة الحق عند العاقل المميز
472 الغدر ذل حاضر و الغيبة لؤم باطن
473 القلب الفارغ يبحث عن السوء و اليد الفارغة تنازع إلى الإثم
474 لا كثير مع إسراف و لا قليل مع احتراف و لا ذنب مع اعتراف
475 المتعبد على غير فقه كحمار الرحى يدور و لا يبرح
476 المحروم من طال نصبه و كان لغيره مكسبه
477 في الاعتبار غنى عن الاختبار
478 غيظ البخيل على الجواد أعجب من بخله
479 أذل الناس معتذر إلى اللئيم
480 أشجع الناس أثبتهم عقلا في بداهة الخوف
481 المعتذر منتصر و المعاتب مغاضب
482 المروءة بلا مال كالأسد الذي يهاب و لم يفترس و كالسيف الذي يخاف و هو مغمد و المال بلا مروءة كالكلب الذي يجتنب عقرا و لم يعقر
483 عليكم بالأدب فإن كنتم ملوكا برزتم و إن كنتم وسطا فقتم و إن أعوزتكم المعيشة عشتم بأدبكم
484 الملوك حكام على الناس و العلماء حكام على الملوك
485 لا ينبغي للعاقل أن يكون إلا في إحدى منزلتين أما في الغاية القصوى من مطالب الدنيا و أما في الغاية القصوى من الترك لها
486 من أفضل أعمال البر الجود في العسر و الصدق في الغضب و العفو عند القدرة
487 إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته و كلفهم من الشكر بقدر قدرتهم
488 العيش في ثلاث صديق لا يعد عليك في أيام صداقتك ما يرضى به أيام عداوتك و زوجة تسرك إذا دخلت عليها و تحفظ غيبك إذا غبت عنها و غلام يأتي على ما في نفسك كأنه قد علم ما تريد
489 تحتاج القرابة إلى مودة و لا تحتاج المودة إلى قرابة
490 الصابر على مخالطة الأشرار و صحبتهم كراكب البحر إن سلم ببدنه من التلف لم يسلم بقلبه من الحذر
491 لأخيك عليك إذا حزبه أمر أن تشير عليه بالرأي ما أطاعك و تبذل له النصر إذا عصاك
492 الغيبة ربيع اللئام
493 أطول الناس نصبا الحريص إذا طمع و الحقود إذا منع
494 الشريف دون حقه يقتل و يعطي نافلة فوق الحق عليه
495 اجعل عمرك كنفقة دفعت إليك فكما لا تحب أن يذهب ما تنفق ضياعا فلا تذهب عمرك ضياعا
496 من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه فاحذر أن يكفرك فيما أسديت إليه
497 لا تستعن في حاجتك بمن هو للمطلوب إليه أنصح منه لك
498 لا يؤمننك من شر جاهل قرابة و لا جوار فإن أخوف ما تكون لحريق النار أقرب ما تكون إليها
499 كن في الحرص على تفقد عيوبك كعدوك
500 عليك بسوء الظن فإن أصاب فالحزم و إلا فالسلامة
501 رضا الناس غاية لا تدرك فتحر الخير بجهدك و لا تبال بسخط من يرضيه الباطل
502 لا تماكس في البيع و الشراء فما يضيع من عرضك أكثر مما تنال من عرضك
503 الدين رق فلا تبذل رقك لمن لا يعرف حقك
504 احذر كل الحذر أن يخدعك الشيطان فيمثل لك التواني في صورة التوكل و يورثك الهوينى بالإحالة على القدر فإن الله أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل و بالتسليم للقضاء بعد الإعذار فقال( خُذُوا حِذْرَكُمْ ) ،( وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ ) و قال النبي ص اعقلها و توكل
505 لا تصحب في السفر غنيا فإنك إن ساويته في الإنفاق أضر بك و إن تفضل عليك استذلك
506 إذا سألت كريما حاجة فدعه يفكر فإنه لا يفكر إلا في خير و إذا سألت لئيما حاجة فغافصه فإنه إذا فكر عاد إلى طبعه
507 ما أقبح بالصبيح الوجه أن يكون جاهلا كدار حسنة البناء و ساكنها شر و كجنة يعمرها بوم أو صرمة يحرسها ذئب
508 قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة و قد أمكنه أن يكون إنسانا و قد أمكنه أن يكون ملكا و أن يرضى لنفسه بقنية معارة و حياة مستردة و له أن يتخذ قنية مخلدة و حياة مؤبدة
509 الذي يستحق اسم السعادة على الحقيقة سعادة الآخرة و هي أربعة أنواع بقاء بلا فناء و علم بلا جهل و قدرة بلا عجز و غنى بلا فقر
510 ما خاب من استخار
511 الدين قد كشف عن غطاء قلبه يرى مطلوبه قد طبق الخافقين فلا يقع بصره على شيء إلا رآه فيه
512 من غرس النخل أكل الرطب و من غرس الصفصاف و العليق عدم ثمرته و ذهبت ضياعا خدمته
513 إذا أردت العلم و الخير فانفض عن يدك أداة الجهل و الشر فإن الصائغ لا يتهيأ له الصياغة إلا إذا ألقى أداة الفلاحة عن يده
514 الصبر مفتاح الفرج
515 غاية كل متعمق في علمنا أن يجهل
516 ستعرف الحال على حقيقتها و لكن حيث لا تستطيع أن تذاكر أحدا بها
517 السعادة التامة بالعلم و السعادة الناقصة بالزهد و العبادة من غير علم و لا زهادة تعب الجسد
518 الآمال مطايا و ربما حسرت و نقبت أخفافها
519 حب الرئاسة شاغل عن حب الله سبحانه
520 يا أبا عبيدة طال عليك العهد فنسيت أم نافست فأنسيت لقد سمعتها و وعيتها فهلا رعيتها
521 قال لما سمعت خطبة عمر بالمدينة التي شرح فيها قصة السقيفة معذرة و رب الكعبة و لكن بعد ما ذا هيهات علقت معالقها و صر الجندب
522 أول من جرأ الناس علينا سعد بن عبادة فتح بابا ولجه
غيره و أضرم نارا كان لهبها عليه و ضوءها لأعدائه
523 ما لنا و لقريش يخضمون الدنيا باسمنا و يطئون على رقابنا فيا لله و للعجب من اسم جليل لمسمى ذليل
524 الخير كله في السيف و ما قام هذا الدين إلا بالسيف أ تعلمون ما معنى قوله تعالى وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ هذا هو السيف
525 لم يفت من لم يمت
526 من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء فإنه لو غص بغيره لأساغ الماء غصته
527 من ضن بعرضه فليدع المراء
528 من أيقظ فتنة فهو آكلها
529 من أثرى كرم على أهله و من أملق هان على ولده
530 من أمل أحدا هابه و من جهل شيئا عابه
531 أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه و لا يثق به أحد لسوء أثره
532 أحب الناس إليك من كثرت أياديه عندك فإن لم يكن فمن كثرت أياديك عنده
533 من طال صمته اجتلب من الهيبة ما ينفعه و من الوحشة ما لا يضره
534 من زاد عقله نقص حظه و ما جعل الله لأحد عقلا وافرا إلا احتسب به عليه من رزقه
535 من عمل بالعدل فيمن دونه رزق العدل ممن فوقه
536 من طلب عزا بظلم و باطل أورثه الله ذلا بإنصاف و حق
537 من وطئته الأعين وطئته الأرجل
538 ينادي مناد يوم القيامة من كان له أجر على الله فليقم فيقوم العافون عن الناس ثم تلا( فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللَّهِ )
539 اصحب الناس بأي خلق شئت يصحبوك بمثله
540 كأنك بالدنيا لم تكن و كأنك بالآخرة لم تزل
541 قال لمريض أبل من مرضه إن الله ذكرك فاذكره و أقالك فاشكره
542 الدار دار من لا دار له و بها يفرح من لا عقل له فأنزلوها منزلتها
543 لا تستصغرن أمر عدوك إذا حاربته فإنك إن ظفرت به لم تحمد و إن ظفر بك لم تعذر و الضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالضعيف
544 لا تصحب من تحتاج إلى أن تكتمه ما يعرف الله منك
545 لا تسأل غير الله فإنه إن أعطاك أغناك
546 الصاحب كالرقعة في الثوب فاتخذه مشاكلا
547 إياك و كثرة الإخوان فإنه لا يؤذيك إلا من يعرفك
548 دع اليمين لله إجلالا و للناس إجمالا
549 العادات قاهرات فمن اعتاد شيئا في سره فضحه في علانيته
550 إذا كان لك صديق و لم تحمد إخاءه و مودته فلا تظهر ذلك للناس فإنما هو بمنزلة السيف الكليل في منزل الرجل يرهب به عدوه و لا يعلم العدو أ صارم هو أم كليل
551 دع الذنوب قبل أن تدعك
552 إذا نزل بك مكروه فانظر فإن كان لك حيلة فلا تعجز و إن لم يكن فيه حيلة فلا تجزع
553 تعلموا العلم فإنه زين للغني و عون للفقير و لست أقول إنه يطلب به و لكن يدعوه إلى القناعة
554 لا ترضين قول أحد حتى ترضى فعله و لا ترض فعله حتى ترضى عقله و لا ترض عقله حتى ترضى حياءه فإن الإنسان مطبوع على كرم و لؤم فإن قوي الحياء عنده قوي الكرم و إن ضعف الحياء قوي اللؤم
555 تعلموا العلم و إن لم تنالوا به حظا فلأن يذم الزمان لكم أحسن من أن يذم بكم
556 اجعل سرك إلى واحد و مشورتك إلى ألف
557 إن الله خلق النساء من عي و عورة فداووا عيهن بالسكوت و استروا العورة بالبيوت
558 لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها و لا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا و اعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب و أن للأمور بغتات فكن على حذر
559 لا تجاهد الطلب جهاد المغالب و لا تتكل على القدر اتكال المستسلم فإن ابتغاء الفضل من السنة و الإجمال في الطلب من العفة و ليست العفة برافعة رزقا و لا الحرص بجالب فضلا
560 من لم تستقم له نفسه فلا يلومن من لم يستقم له
561 من رجي الرزق لديه صرفت أعناق الرجال إليه
562 من انتجعك مؤملا فقد أسلفك حسن الظن
563 إذا شئت أن تطاع فاسأل ما يستطاع
564 من أعذر كمن أنجح
565 من كانت الدنيا همه كثر في القيامة غمه
566 من أجمل في الطلب أتاه رزقه من حيث لا يحتسب
567 من ركب العجلة لم يأمن الكبوة
568 من لم يثق لم يوثق به
569 من أفاده الدهر أفاد منه
570 من أكثر ذكر الضغائن اكتسب العداوة
571 من لم يحمد صاحبه على حسن النية لم يحمده على حسن الصنيعة
572 تأمل ما تتحدث به فإنما تملي على كاتبيك صحيفة يوصلانها إلى ربك فانظر على من تملي و إلى من تكتب
573 أقم الرغبة إليك مقام الحرمة بك و عظم نفسك عن التعظم و تطول و لا تتطاول
574 عاملوا الأحرار بالكرامة المحضة و الأوساط بالرغبة و الرهبة و السفلة بالهوان
575 كن للعدو المكاتم أشد حذرا منك للعدو المبارز
576 احفظ شيئك ممن تستحيي أن تسأله عن مثل ذلك الشيء إذا ضاع لك
577 إذا كنت في مجلس و لم تكن المحدث و لا المحدث فقم
578 لا تستصغرن حدثا من قريش و لا صغيرا من الكتاب و لا صعلوكا من الفرسان و لا تصادقن ذميا و لا خصيا و لا مؤنثا فلا ثبات لموداتهم
579 لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصر بفعلك و لا جبانا فيخوفك ما لا تخاف و لا حريصا فيعدك ما لا يرجى فإن الجبن و البخل و الحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن بالله تعالى
580 لا تكن ممن تغلبه نفسه على ما يظن و لا يغلبها على ما يستيقن
581 أعص هواك و النساء و افعل ما بدا لك
582 ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك
583 كل من الطعام ما تشتهي و البس من الثياب ما يشتهي الناس
584 و لتكن دارك أول ما يبتاع و آخر ما يباع
585 من كان في يده شيء من رزق الله سبحانه فليصلحه فإنكم في زمان إذا احتاج المرء فيه إلى الناس كان أول ما يبذله لهم دينه
586 ابذل لصديقك مالك و لمعرفتك رفدك و محضرك و للعامة بشرك و تحننك و لعدوك عدلك و إنصافك و اضنن بدينك و عرضك عن كل أحد
587 جالس العقلاء أعداء كانوا أو أصدقاء فإن العقل يقع على العقل
588 كن في الحرب بحيلتك أوثق منك بشدتك و بحذرك أفرح منك بنجدتك فإن الحرب حرب المتهور و غنيمة المتحذر
589 النعم وحشية فقيدوها بالمعروف
590 إذا أخطأتك الصنيعة إلى من يتقي الله فاصنعها إلى من يتقي العار
591 لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض
592 إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبنك ذاك فإن زوال الكرامة بزوالهما و لكن ليعجبك إن أكرمك الناس لدين أو أدب
593 ينبغي لمن لم يكرم وجهه عن مسألتك أن تكرم وجهك عن رده
594 إياك و مشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن و عزمهن إلى وهن و اكفف من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب خير لك من الارتياب و ليس خروجهن بأشد عليك من دخول من لا تثق به عليهن و إن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل و لا تمكن امرأة من الأمر ما جاوز نفسها فإن ذلك أنعم لبالها و أرخى لحالها و إنما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة فلا تعد بكرامتها نفسها و لا تعطها أن تشفع لغيرها و لا تطل الخلوة معهن فيملنك و تملهن و استبق من نفسك بقية فإن إمساكك عنهن و هن يردنك ذلك باقتدار خير من أن يهجمن منك على انكسار و إياك و التغاير في غير موضع الغيرة فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم
595 إذا أردت أن تختم على كتاب فأعد النظر فيه فإنما تختم على عقلك
596 إن يوما أسكر الكبار و شيب الصغار لشديد
597 كم من مبرد له الماء و الحميم يغلى له
598 الصلاة صابون الخطايا
599 إن امرأ عرف حقيقة الأمر و زهد فيه لأحمق و إن امرأ جهل حقيقة الأمر مع وضوحه لجاهل
600 إذا قال أحدكم و الله فلينظر ما يضيف إليها
601 رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم من أمورك و مالك لا يغني الناس كلهم فاخصص به أهل الحق و كرامتك لا تطيق بذلها في العامة فتوخ بها أهل الفضل و ليلك و نهارك لا يستوعبان حوائجك فأحسن القسمة بين عملك و دعتك
602 أحي المعروف بإماتته
603 اصحبوا من يذكر إحسانكم إليه و ينسى أياديه عندكم
604 جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم
605 إذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم
606 لا تثقن كل الثقة بأخيك فإن سرعة الاسترسال لا تقال
607 انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتقم من العدو بالقصاص
608 إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر
609 من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤنة الاستماع منك
610 الزمان ذو ألوان و من يصحب الزمان ير الهوان
611 لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف كم من راغب أصبح مرغوبا إليه و متبوع أمسى تابعا
612 إن غلبت يوما على المال فلا تغلبن على الحيلة على كل حال
613 كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مالا
614 لا تكونن المحدث من لا يسمع منه و الداخل في سر اثنين لم يدخلاه
فيه و لا الآتي وليمة لم يدع إليها و لا الجالس في مجلس لا يستحقه و لا طالب الفضل من أيدي اللئام و لا المتحمق في الدالة و لا المتعرض للخير من عند العدو
615 اطبع الطين ما دام رطبا و اغرس العود ما دام لدنا
616 خف الله حتى كأنك لم تطعه و ارج الله حتى كأنك لم تعصه
617 لا تبلغ في سلامك على الإخوان حد النفاق و لا تقصرهم عن درجة الاستحقاق
618 انصح لكل مستشير و لا تستشير إلا الناصح اللبيب
619 ما أقبح بك أن ينادي غدا يا أهل خطيئة كذا فتقوم معهم ثم ينادي ثانيا يا أهل خطيئة كذا فتقوم معهم ما أراك يا مسكين إلا تقوم مع أهل كل خطيئة
620 ما أصاب أحد ذنبا ليلا إلا أصبح و عليه مذلته
621 الاستغفار يحت الذنوب حت الورق ثم تلا قوله تعالى( وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللَّهَ يَجِدِ اَللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً )
622 أيها المستكثر من الذنوب إن أباك أخرج من الجنة بذنب واحد
623 إذا عصى الرب من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه
624 لقاء أهل الخير عمارة القلوب
625 أنا من رسول الله ص كالعضد من المنكب و كالذراع
من العضد و كالكف من الذراع رباني صغيرا و آخاني كبيرا و لقد علمتم أني كان لي منه مجلس سر لا يطلع عليه غيري و أنه أوصى إلي دون أصحابه و أهل بيته و لأقولن ما لم أقله لأحد قبل هذا اليوم سألته مرة أن يدعو لي بالمغفرة فقال أفعل ثم قام فصلى فلما رفع يده للدعاء استمعت عليه فإذا هو قائل اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي فقلت يا رسول الله ما هذا فقال أ واحد أكرم منك عليه فأستشفع به إليه
626 و الله ما قلعت باب خيبر و دكدكت حصن يهود بقوة جسمانية بل بقوة إلهية
627 يا ابن عوف كيف رأيت صنيعك مع عثمان رب واثق خجل و من لم يتوخ بعمله وجه الله عاد مادحه من الناس له ذاما
628 لو رأيت ما في ميزانك لختمت على لسانك
629 ليس الحلم ما كان حال الرضا بل الحلم ما كان حال الغضب
630 ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول لا إله إلا الله كلمة التقوى
631 لا تحملوا ذنوبكم و خطاياكم على الله و تذروا أنفسكم و الشيطان
632 إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة من الدجال أئمة مضلون و هم رؤساء أهل البدع
633 إذا زللت فارجع و إذا ندمت فاقلع و إذا أسأت فاندم و إذا مننت فاكتم و إذا منعت فأجمل و من يسلف المعروف يكن ربحه الحمد
634 استشر عدوك تجربة لتعلم مقدار عداوته
635 لا تطلبن من نفسك العام ما وعدتك عاما أول
636 أطول الناس عمرا من كثر علمه فتأدب به من بعده أو كثر معروفه فشرف به عقبه
637 استهينوا بالموت فإن مرارته في خوفه
638 لا دين لمن لا نية له و لا مال لمن لا تدبير له و لا عيش لمن لا رفق له
639 من اشتغل بتفقد اللفظة و طلب السجعة نسي الحجة
640 الدنيا مطية المؤمن عليها يرتحل إلى ربه فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم
641 من رأى أنه مسيء فهو محسن و من رأى أنه محسن فهو مسيء
642 سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك
643 اطلبوا الحاجات بعزة الأنفس فإن بيد الله قضاءها
644 عذب حسادك بالإحسان إليهم
645 إظهار الفاقة من خمول الهمة
646 يا عالم قد قام عليك حجة العلم فاستيقظ من رقدتك
647 الرفق يفل حد المخالفة
648 أرجح الناس عقلا و أكملهم فضلا من صحب أيامه بالموادعة و إخوانه بالمسالمة و قبل من الزمان عفوه
649 الوجوه إذا كثر تقابلها اعتصر بعضها ماء بعض
650 أداء الأمانة مفتاح الرزق
651 حصن علمك من العجب و وقارك من الكبر و عطاءك من السرف و صرامتك من العجلة و عقوبتك من الإفراط و عفوك من تعطيل الحدود و صمتك من العي و استماعك من سوء الفهم و استئناسك من البذاء و خلواتك من الإضاعة و غراماتك من اللجاجة و روغانك من الاستسلام و حذراتك من الجبن
652 لا تجد للموتور المحقود أمانا من أذاه أوثق من البعد عنه و الاحتراس منه
653 احذر من أصحابك و مخالطيك الكثير المسألة الخشن البحث اللطيف الاستدراج الذي يحفظ أول كلامك على آخره و يعتبر ما أخرت بما قدمت و لا تظهرن له المخافة فيرى أنك قد تحرزت و تحفظت و اعلم أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر فخالط هذا مخالطة الآمن و تحفظ منه تحفظ الخائف فإن البحث يظهر الخفي و يبدي المستور الكامن
654 من سره الغنى بلا سلطان و الكثرة بلا عشيرة فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته فإنه واجد ذلك كله
655 الشيب إعذار الموت
656 من ساس نفسه بالصبر على جهل الناس صلح أن يكون سائسا
657 لله تعالى كل لحظة ثلاثة عساكر فعسكر ينزل من الأصلاب إلى الأرحام و عسكر ينزل من الأرحام إلى الأرض و عسكر يرتحل من الدنيا إلى الآخرة
658 اللهم ارحمني رحمة الغفران إن لم ترحمني رحمة الرضا
659 إلهي كيف لا يحسن مني الظن و قد حسن منك المن إلهي إن عاملتنا بعدلك لم يبق لنا حسنة و إن أنلتنا فضلك لم يبق لنا سيئة
660 العلم سلطان من وجده صال به و من لم يجده صيل عليه
661 يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة فإذا مضى يوم مضى بعضك
662 حيث تكون الحكمة تكون خشية الله و حيث تكون خشيته تكون رحمته
663 اللهم إني أرى لدي من فضلك ما لم أسألك فعلمت أن لديك من الرحمة ما لا أعلم فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينت و قصرت غاية أملي عند ما رجوت فإن ألحفت في سؤالي فلفاقتي إلى ما عندك و إن قصرت في دعائي فبما عودت من ابتدائك
664 من كان همته ما يدخل جوفه كانت قيمته ما يخرج منه
665 يقول الله تعالى : يا ابن آدم لم أخلقك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلا من كل شيء فإني ناصر لك من كل شيء
666 الرجاء للخالق سبحانه أقوى من الخوف لأنك تخافه لذنبك و ترجوه لجوده فالخوف لك و الرجاء له
667 أسألك بعزة الوحدانية و كرم الإلهية ألا تقطع عني برك بعد مماتي كما لم تزل تراني أيام حياتي أنت الذي تجيب من دعاك و لا تخيب من رجاك ضل من يدعو إلا إياك فإنك لا تحجب من أتاك و تفضل على من
عصاك و لا يفوتك من ناواك و لا يعجزك من عاداك كل في قدرتك و كل يأكل رزقك
668 لا تطلبن إلى أحد حاجة ليلا فإن الحياء في العينين
669 من ازداد علما فليحذر من توكيد الحجة عليه
670 العاقل ينافس الصالحين ليلحق بهم و يحبهم ليشاركهم بمحبته و إن قصر عن مثل عملهم و الجاهل يذم الدنيا و لا يسخو بإخراج أقلها يمدح الجود و يبخل بالبذل يتمنى التوبة بطول الأمل و لا يعجلها لخوف حلول الأجل يرجو ثواب عمل لم يعمل به و يفر من الناس ليطلب و يخفى شخصه ليشتهر و يذم نفسه ليمدح و ينهى عن مدحه و هو يحب ألا ينتهي من الثناء عليه
671 الأنس بالعلم من نبل الهمة
672 اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك
673 من الناس من ينقصك إذا زدته و يهون عليك إذا خاصصته ليس لرضاه موضع تعرفه و لا لسخطه مكان تحذره فإذا لقيت أولئك فابذل لهم موضع المودة العامة و احرمهم موضع الخاصة ليكون ما بذلت لهم من ذلك حائلا دون شرهم و ما حرمتهم من هذا قاطعا لحرمتهم
674 من شبع عوقب في الحال ثلاث عقوبات يلقى الغطاء على قلبه و النعاس على عينه و الكسل على بدنه
675 ذم العقلاء أشد من عقوبة السلطان
676 يقطع البليغ عن المسألة أمران ذل الطلب و خوف الرد
677 المؤمن محدث
678 قل أن ينطق لسان الدعوى إلا و يخرسه كعام الامتحان
679 انظر ما عندك فلا تضعه إلا في حقه و ما عند غيرك فلا تأخذه إلا بحقه
680 إذا صافاك عدوك رياء منه فتلق ذلك بأوكد مودة فإنه إن ألف ذلك و اعتاده خلصت لك مودته
681 لا تألف المسألة فيألفك المنع
682 لا تسأل الحوائج غير أهلها و لا تسألها في غير حينها و لا تسأل ما لست له مستحقا فتكون للحرمان مستوجبا
683 إذا غشك صديقك فاجعله مع عدوك
684 لا تعدن من إخوانك من آخاك في أيام مقدرتك للمقدرة و اعلم أنه ينتقل عنك في أحوال ثلاث يكون صديقا يوم حاجته إليك و معرضا يوم غناه عنك و عدوا يوم حاجتك إليه
685 لا تسرن بكثرة الإخوان ما لم يكونوا أخيارا فإن الإخوان بمنزلة النار التي قليلها متاع و كثيرها بوار
686 كفاك خيانة أن تكون أمينا للخونة
687 لا تحقرن شيئا من الخير و إن صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه و لا تحقرن شيئا من الشر و إن صغر فإنك إذا رأيته ساءك مكانه
688 يا ابن آدم ليس بك غناء عن نصيبك من الدنيا و أنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر
689 معصية العالم إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها و إذا ظهرت ضرت صاحبها و العامة
690 يجب على العاقل أن يكون بما أحيا عقله من الحكمة أكلف منه بما أحيا جسمه من الغذاء
691 أعسر العيوب صلاحا العجب و اللجاجة
692 لكل نعمة مفتاح و مغلاق فمفتاحها الصبر و مغلاقها الكسل
693 الحزن و الغضب أميران تابعان لوقوع الأمر بخلاف ما تحب إلا أن المكروه إذا أتاك ممن فوقك نتج عليك حزنا و إن أتاك ممن دونك نتج عليك غضبا
694 أول المعروف مستخف و آخره مستثقل تكاد أوائله تكون للهوى دون الرأي و أواخره للرأي دون الهوى و لذلك قيل رب الصنيعة أشد من الابتداء بها
695 لا تدع الله أن يغنيك عن الناس فإن حاجات الناس بعضهم إلى بعض متصلة كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن يده أو رجله و لكن ادع الله أن يغنيك عن شرارهم
696 احترس من ذكر العلم عند من لا يرغب فيه و من ذكر قديم الشرف عند من لا قديم له فإن ذلك مما يحقدهما عليك
697 ينبغي لذوي القرابات أن يتزاوروا و لا يتجاوروا
698 لا تواخ شاعرا فإنه يمدحك بثمن و يهجوك مجانا
699 لا تنزل حوائجك بجيد اللسان و لا بمتسرع إلى الضمان
700 كل شيء طلبته في وقته فقد فات وقته
701 إذا شككت في مودة إنسان فاسأل قلبك عنه
702 العقل لم يجن على صاحبه قط و العلم من غير عقل يجني على صاحبه
703 يا ابن آدم هل تنتظر إلا هرما حائلا أو مرضا شاغلا أو موتا نازلا
704 ابنك يأكلك صغيرا و يرثك كبيرا و ابنتك تأكل من وعائك و ترث من أعدائك و ابن عمك عدوك و عدو عدوك و زوجتك إذا قلت لها قومي قامت
705 إذا ظفرتم فأكرموا الغلبة و عليكم بالتغافل فإنه فعل الكرام و إياكم و المن فإنه مهدمة للصنيعة منبهة للضغينة
706 من لم يرج إلا ما يستوجبه أدرك حاجته
707 بلغ من خدع الناس أن جعلوا شكر الموتى تجارة عند الأحياء و الثناء على الغائب استمالة للشاهد
708 من احتاج إليك ثقل عليك و من لم يصلحه الخير أصلحه الشر و من لم يصلحه الطالي أصلحه الكاوي
709 من أكثر من شيء عرف به و من زنى زني به و من طلب عظيما خاطر بعظمته و من أحب أن يصرم أخاه فليقرضه ثم ليتقاضه و من أحبك لشيء ملك عند انقضائه و من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار
710 من بلغ السبعين اشتكى من غير علة
711 في المال ثلاث خصال مذمومة إما أن يكتسب من غير حله أو يمنع إنفاقه في حقه أو يشغل بإصلاحه عن عبادة الله تعالى
712 يباعدك من غضب الله ألا تغضب
713 لا تستبدلن بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك فإنك إن فعلت فقد غيرت و إن غيرت تغيرت نعم الله عليك
714 أشد من البلاء شماتة الأعداء
715 ليس يزني فرجك إن غضضت طرفك
716 كما ترك لكم الملوك الحكمة و العلم فاتركوا لهم الدنيا
717 الهدية تفقأ عين الحكيم
718 ليكن أصدقاؤك كثيرا و اجعل سرك منهم إلى واحد
719 يا عبيد الدنيا كيف تخالف فروعكم أصولكم و عقولكم أهواءكم قولكم شفاء يبرئ الداء و عملكم داء لا يقبل الدواء و لستم كالكرمة التي حسن ورقها و طاب ثمرها و سهل مرتقاها و لكنكم كالشجرة التي قل ورقها و كثر شوكها و خبث ثمرها و صعب مرتقاها جعلتم العلم تحت أقدامكم و الدنيا فوق رءوسكم فالعلم عندكم مذال ممتهن و الدنيا لا يستطاع تناولها فقد منعتم كل أحد من الوصول إليها فلا أحرار كرام أنتم و لا عبيد أتقياء ويحكم يا أجراء السوء أما الأجر فتأخذون و أما العمل فلا تعملون إن عملتم فللعمل تفسدون و سوف تلقون ما تفعلون يوشك رب العمل أن ينظر في عمله الذي أفسدتم و في أجره الذي أخذتم يا غرماء السوء تبدءون بالهدية قبل قضاء
الدين تتطوعون بالنوافل و لا تؤدون الفرائض إن رب الدين لا يرضى بالهدية حتى يقضى دينه
720 الدنيا مزرعة إبليس و أهلها أكرة حراثون له فيها
721 وا عجبا ممن يعمل للدنيا و هو يرزق فيها بغير عمل و لا يعمل للآخرة و هو لا يرزق فيها إلا بالعمل
722 لا تجالسوا إلا من يذكركم الله رؤيته و يزيد في عملكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله
723 كثرة الطعام تميت القلب كما تميت كثرة الماء الزرع
724 ضرب الوالد الولد كالسماد للزرع
725 إذا أردت أن تصادق رجلا فأغضبه فإن أنصفك في غضبه و إلا فدعه
726 إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم الإسلام ثم اجلس يعني السلام فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك مع سهامهم و إن أفاضوا في غيره فخلهم و انهض
727 الأوطار تكسب الأوزار فارفض وطرك و اغضض بصرك
728 إذا قعدت عند سلطان فليكن بينك و بينه مقعد رجل فلعله أن يأتيه من هو آثر عنده منك فيريد أن تتنحى عن مجلسك فيكون ذلك نقصا عليك و شينا
729 ارحم الفقراء لقلة صبرهم و الأغنياء لقلة شكرهم و ارحم الجميع لطول غفلتهم
730 العالم مصباح الله في الأرض فمن أراد الله به خيرا اقتبس منه
731 لا يهونن عليك من قبح منظره و رث لباسه فإن الله تعالى ينظر إلى القلوب و يجازي بالأعمال
732 من كذب ذهب بماء وجهه و من ساء خلقه كثر غمه و نقل الصخور من مواضعها أهون من تفهيم من لا يفهم
733 كنت في أيام رسول الله ص كجزء من رسول الله ص ينظر إلي الناس كما ينظر إلى الكواكب في أفق السماء ثم غض الدهر مني فقرن بي فلان و فلان ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان فقلت وا ذفراه ثم لم يرض الدهر لي بذلك حتى أرذلني فجعلني نظيرا لابن هند و ابن النابغة لقد استنت الفصال حتى القرعى
734 أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أن الأمة ستغدر بك من بعدي
735 لامته فاطمة على قعوده و أطالت تعنيفه و هو ساكت حتى أذن المؤذن فلما بلغ إلى قوله أشهد أن محمدا رسول الله قال لها أ تحبين أن تزول هذه الدعوة من الدنيا قالت لا قال فهو ما أقول لك
736 قال لي رسول الله ص إن اجتمعوا عليك فاصنع ما أمرتك و إلا فألصق كلكلك بالأرض فلما تفرقوا عني جررت على المكروه ذيلي و أغضيت على القذى جفني و ألصقت بالأرض كلكلي
737 الدنيا حلم و الآخرة يقظة و نحن بينهما أضغاث أحلام
738 لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا و يرفع حقيرا و ليس بفاعل
739 لو تميزت الأشياء كان الكذب مع الجبن و الصدق مع الشجاعة و الراحة مع اليأس و التعب مع الطمع و الحرمان مع الحرص و الذل مع الدين
740 المعروف غل لا يفكه إلا شكر أو مكافأة
741 كثرة مال الميت تسلي ورثته عنه
742 من كرمت عليه نفسه هان عليه ماله
743 من كثر مزاحه لم يسلم من استخفاف به أو حقد عليه
744 كثرة الدين تضطر الصادق إلى الكذب و الواعد إلى الإخلاف
745 عار النصيحة يكدر لذتها
746 أول الغضب جنون و آخره ندم
747 انفرد بسرك و لا تودعه حازما فيزل و لا جاهلا فيخون
748 لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه و لا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فيه فتسد طريقه عن الرجوع إليك و لعل التجارب أن ترده عليك و تصلحه لك
749 من أحس بضعف حيلته عن الاكتساب بخل
750 الجاهل صغير و إن كان شيخا و العالم كبير و إن كان حدثا
751 الميت يقل الحسد له و يكثر الكذب عليه
752 إذا نزلت بك النعمة فاجعل قراها الشكر
753 الحرص ينقص من قدر الإنسان و لا يزيد في حظه
754 الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود
755 أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه
756 لا تتبع الذنب العقوبة و اجعل بينهما وقتا للاعتذار
757 اذكر عند الظلم عدل الله فيك و عند القدرة قدرة الله عليك
758 لا يحملنك الحنق على اقتراف الإثم فتشفي غيظك و تسقم دينك
759 الملك بالدين يبقى و الدين بالملك يقوى
760 كأن الحاسد إنما خلق ليغتاظ
761 عقل الكاتب في قلمه
762 اقتصر من شهوة خالفت عقلك بالخلاف عليها
763 اللهم صن وجهي باليسار و لا تبذل جاهي بالإقتار فأسترزق طالبي رزقك و أستعطف شرار خلقك و أبتلى بحمد من أعطاني و أفتتن بذم من منعني و أنت من وراء ذلك ولي الإعطاء و المنع إنك على كل شيء قدير
764 كل حقد حقدته قريش على رسول الله ص أظهرته في و ستظهره في ولدي من بعدي ما لي و لقريش إنما وترتهم بأمر الله و أمر رسوله أ فهذا جزاء من أطاع الله و رسوله إن كانوا مسلمين
765 عجبا لسعد و ابن عمر يزعمان أني أحارب على الدنيا أ فكان رسول الله ص يحارب على الدنيا فإن زعما أن رسول الله ص حارب لتكسير الأصنام و عبادة الرحمن فإنما حاربت لدفع الضلال و النهي عن
الفحشاء و الفساد أ فمثلي يزن بحب الدنيا و الله لو تمثلت لي بشرا سويا لضربتها بالسيف
766 اللهم أنت خلقتني كما شئت فارحمني كيف شئت و وفقني لطاعتك حتى تكون ثقتي كلها بك و خوفي كله منك
767 لا تسبن إبليس في العلانية و أنت صديقه في السر
768 من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها فما وقرها
769 لا تطمع في كل ما تسمع
770 من عاتب و وبخ فقد استوفى حقه
771 الجود الذي يستطاع أن يتناول به كل أحد هو أن ينوي الخير لكل أحد
772 من صحب السلطان بالصحة و النصيحة كان أكثر عدوا ممن صحبه بالغش و الخيانة
773 من عاب سفلة فقد رفعه و من عاب كريما فقد وضع نفسه
774 الموالي ينصرون و بنو العم يحسدون
775 الصدق عز و الكذب مذلة و من عرف بالصدق جاز كذبه و من عرف بالكذب لم يجز صدقه
776 إذا سمعت الكلمة تؤذيك فطأطئ لها فإنها تتخطاك
777 نحن نريد ألا نموت حتى نتوب و نحن لا نتوب حتى نموت
778 أنزل الصديق منزلة العدو في رفع المئونة عنه و أنزل العدو منزلة الصديق في تحمل المئونة له
779 أول عقوبة الكاذب أن صدقه يرد عليه
780 الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة
781 إياكم و حمية الأوغاد فإنهم يرون العفو ضيما
782 الكريم لا يستقصي في محاقة المعتذر خوفا أن يجزي من لا يجد مخرجا من ذنبه
783 العفو عن المقر لا عن المصر
784 ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه
785 من جاد بماله فقد جاد بنفسه فإن لم يكن جاد بها بعينها فقد جاد بقوامها
786 الدين ميسم الكرام و طالما وقر الكرام بالدين
787 الماضي قبلك هو الباقي بعدك و التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية بعاجل المصاب
788 مما تكتسب به المحبة أن تكون عالما كجاهل و واعظا كموعوظ
789 لا تحمدن الصبي إذا كان سخيا فإنه لا يعرف فضيلة السخاء و إنما يعطي ما في يده ضعفا
790 خير الإخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك في المودة و إن احتجت إليه لم ينقصك منها
791 عجبا للسلطان كيف يحسن و هو إذا أساء وجد من يزكيه و يمدحه
792 إذا صادقت إنسانا وجب عليك أن تكون صديق صديقه و ليس يجب عليك أن تكون عدو عدوه لأن هذا إنما يجب على خادمه و ليس يجب على مماثل له
793 ليس تكمل فضيلة الرجل حتى يكون صديقا لمتعاديين
794 من سعادة الحدث ألا يتم له فضيلة في رذيلة
795 إذا منعت من شيء قد التمسته فليكن غيظك منه على نفسك في المسألة أكثر من غيظك على من منعك
796 الأسخياء يشمتون بالبخلاء عند الموت و البخلاء يشمتون بالأسخياء عند الفقر
797 ليس يضبط العدد الكثير من لا يضبط نفسه الواحدة
798 إذا أحسن أحد من أصحابك فلا تخرج إليه بغاية برك و لكن اترك منه شيئا تزيده إياه عند تبينك منه الزيادة في نصيحته
799 الوقوع في المكروه أسهل من توقع المكروه
800 الحسود ظالم ضعفت يده عن انتزاع ما حسدك عليه فلما قصر عليك بعث إليك تأسفه
801 أعم الأشياء نفعا موت الأشرار
802 الشيء المعزي للناس عن مصائبهم علم العلماء أنها نقعاء اضطرارية و تأسي العامة بعضها ببعض
803 العقل الإصابة بالظن و معرفة ما لم يكن بما كان
804 يا عجبا للناس قد مكنهم الله من الاقتداء به فيدعون ذلك إلى الاقتداء بالبهائم
805 سلوا القلوب عن المودات فإنها شهود لا تقبل الرشا
806 إنما يحزن الحسدة أبدا لأنهم لا يحزنون لما ينزل بهم من الشر فقط بل و لما ينال الناس من الخير
807 العشق جهد عارض صادف قلبا فارغا
808 تعرف خساسة المرء بكثرة كلامه فيما لا يعنيه و إخباره عما لا يسأل عنه
809 لا تؤخر إنالة المحتاج إلى غد فإنك لا تعرف ما يعرض في غد
810 إن تتعب في البر فإن التعب يزول و البر يبقى
811 أجهل الجهال من عثر بحجر مرتين
812 كفاك موبخا على الكذب علمك بأنك كاذب و كفاك ناهيا عنه خوفك من تكذيبك حال إخبارك
813 العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلا و الجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالما
814 لا تتكلوا على البخت فربما لم يكن و ربما كان و زال و لا على الحسب فطالما كان بلاء على أهله يقال للناقص هذا ابن فلان الفاضل فيتضاعف غمه و عاره و لكن عليكم بالعلم و الأدب فإن العالم يكرم و إن لم ينتسب و يكرم و إن كان فقيرا و يكرم و إن كان حدثا
815 خير ما عوشر به الملك قلة الخلاف و تخفيف المئونة و أصعب الأشياء على الإنسان أن يعرف نفسه و أن يكتم سره
816 العدل أفضل من الشجاعة لأن الناس لو استعملوا العدل عموما في جميعهم لاستغنوا عن الشجاعة
817 أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث الأشياء التي إذا صاروا رجالا احتاجوا إليها
818 لا ترغب في اقتناء الأموال و كيف ترغب فيما ينال بالبخت لا بالاستحقاق و يأمر البخل و الشره بحفظه و الجود و الزهد بإخراجه
819 إذا عاتبت الحدث فاترك له موضعا من ذنبه لئلا يحمله الإخراج على المكابرة
820 ما انتقم الإنسان من عدوه بأعظم من أن يزداد من الفضائل
821 إنما لم تجتمع الحكمة و المال لعزة وجود الكمال
822 يمنع الجاهل أن يجد ألم الحمق المستقر في قلبه ما يمنع السكران أن يجد مس الشوكة في يده
823 القنية مخدومة و من خدم غير نفسه فليس بحر
824 لا تطلب الحياة لتأكل بل اطلب الأكل لتحيا
825 إذا رأت العامة منازل الخاصة من السلطان حسدتها عليها و تمنت أمثالها فإذا رأت مصارعها بدا لها
826 الشيء الذي لا يستغني عنه أحد هو التوفيق
827 ليس ينبغي أن يقع التصديق إلا بما يصح و لا العمل إلا بما يحل و لا الابتداء إلا بما تحسن فيه العاقبة
828 الوحدة خير من رفيق السوء
829 لكل شيء صناعة و حسن الاختبار صناعة العقل
830 من حسدك لم يشكرك على إحسانك إليه
831 البغي آخر مدة الملوك
832 لأن يكون الحر عبدا لعبيده خير من أن يكون عبدا لشهواته
833 من أمضى يومه في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد بناه أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه
834 أرسل إليه عمرو بن العاص يعيبه بأشياء منها أنه يسمي حسنا و حسينا ولدي رسول الله ص فقال لرسوله قل للشانئ ابن الشانئ لو لم يكونا ولديه لكان أبتر كما زعمه أبوك
835 قال معاوية لما قتل عمار و اضطرب أهل الشام لرواية عمرو بن العاص كانت لهم تقتله الفئة الباغية إنما قتله من أخرجه إلى الحرب و عرضه للقتل فقال أمير المؤمنين ع فرسول الله ص إذن قاتل حمزة
836 هذا يدي يعني محمد بن الحنفية و هذان عيناي يعني حسنا و حسينا و ما زال الإنسان يذب بيده عن عينيه قالها لمن قال له إنك تعرض محمدا للقتل و تقذف به في نحور الأعداء دون أخويه
837 شكرت الواهب و بورك لك في الموهوب و رزقت خيره و بره خذ إليك أبا الأملاك قالها لعبد الله بن العباس لما ولد ابنه علي بن عبد الله
838 ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا كله لأني أكره عادة العجز
839 اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين و اجتماع المال عند البخلاء أحد الجدبين
840 من عمل عمل أبيه كفي نصف التعب
841 المصطنع إلى اللئيم كمن طوق الخنزير تبرا و قرط الكلب درا و ألبس الحمار وشيا و ألقم الأفعى شهدا
842 الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها و لذلك الحازم يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضه ببعض حتى يخلص إليه الصواب
843 الأشراف يعاقبون بالهجران لا بالحرمان
844 الشح أضر على الإنسان من الفقر لأن الفقير إذا وجد اتسع و الشحيح لا يتسع و إن وجد
845 أحب الناس إلى العاقل أن يكون عاقلا عدوه لأنه إذا كان عاقلا كان منه في عافية
846 عليك بمجالسة أصحاب التجارب فإنها تقوم عليهم بأغلى الغلاء و تأخذها منهم بأرخص الرخص
847 من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل العطية
848 لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن و لا لأموالهن
فعسى أموالهن أن تطغيهن و انكحوهن على الدين و لأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل
849 أفضل العبادة الإمساك عن المعصية و الوقوف عند الشبهة
850 ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السر
851 من عدم فضيلة الصدق في منطقه فقد فجع بأكرم أخلاقه
852 ليس يضرك أن ترى صديقك عند عدوك فإنه إن لم ينفعك لم يضرك
853 قل أن ترى أحدا تكبر على من دونه إلا و بذلك المقدار يجود بالذل لمن فوقه
854 من عظمت عليه مصيبة فليذكر الموت فإنها تهون عليه و من ضاق به أمر فليذكر القبر فإنه يتسع
855 خير الشعر ما كان مثلا و خير الأمثال ما لم يكن شعرا
856 الق الناس عند حاجتهم إليك بالبشر و التواضع فإن نابتك نائبة و حالت بك حال لقيتهم و قد أمنت ذلة التنصل إليهم و التواضع
857 إن الله يحب أن يعفى عن زلة السري
858 من طال لسانه و حسن بيانه فليترك التحدث بغرائب ما سمع فإن الحسد لحسن ما يظهر منه يحمل أكثر الناس على تكذيبه و من عرف أسرار الأمور الإلهية فليترك الخوض فيها و إلا حملتهم المنافسة على تكفيره
859 ليس كل مكتوم يسوغ إظهاره لك و لا كل معلوم يجوز أن تعلمه غيرك
860 ليس يفهم كلامك من كان كلامه لك أحب إليه من الاستماع منك و لا يعلم نصيحتك من غلب هواه على رأيك و لا يسلم لك من اعتقد أنه أتم معرفة بما أشرت عليه به منك
861 خف الضعيف إذا كان تحت راية الإنصاف أكثر من خوفك القوي تحت راية الجور فإن النصر يأتيه من حيث لا يشعر و جرحه لا يندمل
862 إخافة العبيد و التضييق عليهم يزيد في عبوديتهم و صيانتهم و إظهار الثقة بهم يكسبهم أنفة و جبرية
863 أضر الأشياء عليك أن تعلم رئيسك أنك أعرف بالرئاسة منه
864 عداوة العاقلين أشد العداوات و أنكاها فإنها لا تقع إلا بعد الإعذار و الإنذار و بعد أن يئس إصلاح ما بينهما
865 لا تخدمن رئيسا كنت تعرفه بالخمول وسمت به الحال و يعرف منك أنك تعرف قديمه فإنه و أن سر بمكانك من خدمته إلا إنه يعلم العين التي تراه بها فينقبض عنك بحسب ذلك
866 إذا احتجت إلى المشورة في أمر قد طرأ عليك فاستبده ببداية الشبان فإنهم أحد أذهانا و أسرع حدسا ثم رده بعد ذلك إلى رأي الكهول و الشيوخ ليستعقبوه و يحسنوا الاختيار له فإن تجربتهم أكثر
867 الإنسان في سعيه و تصرفاته كالعائم في اللجة فهو يكافح الجرية في إدباره و يجري معها في إقباله
868 ينبغي للعاقل أن يستعمل فيما يلتمسه الرفق و مجانبة الهذر
فإن العلقة تأخذ بهدوئها من الدم ما لا تأخذه البعوضة باضطرابها و فرط صياحها
869 أقوى ما يكون التصنع في أوائله و أقوى ما يكون التطبع في أواخره
870 غاية المروءة أن يستحيي الإنسان من نفسه و ذلك أنه ليس العلة في الحياء من الشيخ كبر سنه و لا بياض لحيته و إنما علة الحياء منه عقله فينبغي إن كان هذا الجوهر فينا أن نستحيي منه و لا نحضره قبيحا
871 من ساس رعية حرم عليه السكر عقلا لأنه قبيح أن يحتاج الحارس إلى من يحرسه
872 لا تبتاعن مملوكا قوي الشهوة فإن له مولى غيرك و لا غضوبا فإنه يؤذيك في استخدامك له و لا قوي الرأي فإنه يستعمل الحيلة عليك لكن اطلب من العبيد من كان قوي الجسم حسن الطاعة شديد الحياء
873 لا تعادوا الدول المقبلة و تشربوا قلوبكم بغضها فتدبروا بإقبالها
874 الغريب كالفرس الذي زايل شربه و فارق أرضه فهو ذاو لا يتقد و ذابل لا يثمر
875 السفر قطعة من العذاب و الرفيق السوء قطعة من النار
876 كل خلق من الأخلاق فإنه يكسد عند قوم من الناس إلا الأمانة فإنها نافقة عند أصناف الناس يفضل بها من كانت فيه حتى أن الآنية إذا لم تنشف
و بقي ما يودع فيها على حاله لم ينقص كانت أكثر ثناء من غيرها مما يرشح أو ينشف
877 اصبر على سلطانك في حاجاتك فلست أكبر شغله و لا بك قوام أمره
878 قوة الاستشعار من ضعف اليقين
879 إذا أحسست من رأيك بإكداد و من تصورك بفساد فاتهم نفسك بمجالستك لعامي الطبع أو لسيئ الفكر و تدارك إصلاح مزاج تخيلك بمكاثرة أهل الحكمة و مجالسة ذوي السداد فإن مفاوضتهم تريح الرأي المكدود و ترد ضالة الصواب المفقود
880 من جلس في ظل الملق لم يستقر به موضعه لكثرة تنقله و تصرفه مع الطباع و عرفه الناس بالخديعة
881 كثير من الحاجات تقضى برما لا كرما
882 أصحاب السلطان في المثل كقوم رقوا جبلا ثم سقطوا منه فأقربهم إلى الهلكة و التلف أبعدهم كان في المرتقى
883 لا تضع سرك عند من لا سر له عندك
884 سعة الأخلاق كيمياء الأرزاق
885 العلم أفضل الكنوز و أجملها خفيف المحمل عظيم الجدوى في الملإ جمال و في الوحدة أنس
886 السباب مزاح النوكى و لا بأس بالمفاكهة يروح بها الإنسان عن نفسه و يخرج عن حد العبوس
887 ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها الهدية و الرسول و الكتاب
888 التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة و التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة
889 أنت مخير في الإحسان إلى من تحسن إليه و مرتهن بدوام الإحسان إلى من أحسنت إليه لأنك إن قطعته فقد أهدرته و إن أهدرته فلم فعلته
890 الناس من خوف الذل في ذل
891 إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا و إذا كان الإيجاز مقصرا كان الإكثار واجبا
892 بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد
893 الخلق عيال الله و أحب الناس إلى الله أشفقهم على عياله
894 تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك
895 العاقل بخشونة العيش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السفهاء
896 الانقباض بين المنبسطين ثقل و الانبساط بين المنقبضين سخف
897 السخاء و الجود بالطعام لا بالمال و من وهب ألفا و شح بصحفة طعام فليس بجواد
898 إن بقيت لم يبق الهم
899 لا يقوم عز الغضب بذلة الاعتذار
900 الشفيع جناح الطالب
901 الأمل رفيق مؤنس إن لم يبلغك فقد استمتعت به
902 إعادة الاعتذار تذكير بالذنب
903 الصبر في العواقب شاف أو مريح
904 من طال عمره رأى في أعدائه ما يسره
905 لا نعمة في الدنيا أعظم من طول العمر و صحة الجسد
906 الناس رجلان أما مؤجل بفقد أحبابه أو معجل بفقد نفسه
907 العقل غريزة تربيها التجارب
908 النصح بين الملأ تقريع
909 لا تنكح خاطب سرك
910 من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف مع الغنم الكثير
911 الدار الضيقة العمى الأصغر
912 النمام جسر الشر
913 لا تشن وجه العفو بالتقريع
914 كثرة النصح تهجم بك على كثرة الظنة
915 لكل ساقطة لاقطة
916 ستساق إلى ما أنت لاق
917 عاداك من لاحاك
918 جدك لا كدك
919 تذكر قبل الورد الصدر و الحذر لا يغني من القدر و الصبر من أسباب الظفر
920 عار النساء باق يلحق الأبناء بعد الآباء
921 أعجل العقوبة عقوبة البغي و الغدر و اليمين الكاذبة و من إذا تضرع إليه و سئل العفو لم يغفر
922 لا ترد بأس العدو القوي و غضبه بمثل الخضوع و الذل كسلامة الحشيش من الريح العاصف بانثنائه معها كيفما مالت
923 قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك و لا تفرط في مقاربته فتذل نفسك و ناصرك و تأمل حال الخشبة المنصوبة في الشمس التي إن أملتها زاد ظلها و إن أفرطت في الإمالة نقص الظل
924 إذا زال المحسود عليه علمت أن الحاسد كان يحسد على غير شيء
925 العجز نائم و الحزم يقظان
926 من تجرأ لك تجرأ عليك
927 ما عفا عن الذنب من قرع به
928 عبد الشهوة أذل من عبد الرق
929 ليس ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره و طاعة نفسه عليه ممتنعة
930 الناس رجلان واجد لا يكتفي و طالب لا يجد
931 كلما كثر خزان الأسرار زادت ضياعا
932 كثرة الآراء مفسدة كالقدر لا تطيب إذ كثر طباخوها
933 من اشتاق خدم و من خدم اتصل و من اتصل وصل و من وصل عرف
934 عجبا لمن يخرج إلى البساتين للفرجة على القدرة و هلا شغلته رؤية القادر عن رؤية القدرة
935 كل الناس أمروا بأن يقولوا لا إله إلا الله إلا رسول الله فإنه رفع قدره عن ذلك و قيل له فاعلم أنه لا إله إلا الله فأمر بالعلم لا بالقول
936 كل مصطنع عارفة فإنما يصنع إلى نفسه فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيته إلى نفسك و تممت به لذتك و وقيت به عرضك
937 ولدك ريحانتك سبعا و خادمك سبعا ثم هو عدوك أو صديقك
938 من قبل معروفك فقد باعك مروءته
939 إلى الله أشكو بلادة الأمين و يقظة الخائن
940 من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا و عند الخطإ عاذرا
941 من كثر حقده قل عتابه
942 الحازم من لم يشغله البطر بالنعمة عن العمل للعاقبة و الهم بالحادثة عن الحيلة لدفعها
943 كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا فيها
944 من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم و لو لا من يقبل الجود لم يكن من يجود
945 إخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا
946 زلة العالم كانكسار السفينة تغرق و يغرق معها خلق
947 أهون الأعداء كيدا أظهرهم لعداوته
948 أبق لرضاك من غضبك و إذا طرت فقع قريبا
949 لا تلتبس بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه فإن البحر لا يكاد يسلم صاحبه في حال سكونه فكيف يسلم مع اختلاف رياحه و اضطراب أمواجه
950 إذا خلي عنان العقل و لم يحبس على هوى نفس أو عادة دين أو عصبية لسلف ورد بصاحبه على النجاة
951 إذا زادك الملك تأنيسا فزده إجلالا
952 من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه
953 قليل يترقى منه إلى كثير خير من كثير ينحط عنه إلى قليل
954 جنبوا موتاكم في مدافنهم جار السوء فإن الجار الصالح ينفع في الآخرة كما ينفع في الدنيا
955 زر القبور تذكر بها الآخرة و غسل الموتى يتحرك قلبك فإن الجسد الخاوي عظة بليغة و صل على الجنائز لعله يحزنك فإن الحزين قريب من الله
956 الموت خير للمؤمن و الكافر أما المؤمن فيتعجل له النعيم و أما الكافر فيقل عذابه و آية ذلك من كتاب الله تعالى( وَ ما عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ) ،( وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً )
957 جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك و صبرك في مصيبتك أحسن من جزعك
958 من خاف إساءتك اعتقد مساءتك و من رهب صولتك ناصب دولتك
959 من فعل ما شاء لقي ما شاء
960 يسرني من القرآن كلمة أرجوها لمن أسرف على نفسه( قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) فجعل الرحمة عموما و العذاب خصوصا
961 الاستئثار يوجب الحسد و الحسد يوجب البغضة و البغضة توجب الاختلاف و الاختلاف يوجب الفرقة و الفرقة توجب الضعف و الضعف يوجب الذل و الذل يوجب زوال الدولة و ذهاب النعمة
962 لا يكاد يصح رؤيا الكذاب لأنه يخبر في اليقظة بما لم يكن فأحر به أن يرى في المنام ما لا يكون
963 يفسدك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له
964 لا تكاد الظنون تزدحم على أمر مستور إلا كشفته
965 المشورة راحة لك و تعب على غيرك
966 حق كل سر أن يصان و أحق الأسرار بالصيانة سرك مع مولاك و سره معك و اعلم أن من فضح فضح و من باح فلدمه أباح
967 يا من ألم بجناب الجلال احفظ ما عرفت و اكتم ما استودعت و اعلم أنك قد رشحت لأمر فافطن له و لا ترض لنفسك أن تكون خائنا فمن يؤد الأمانة فيما استودع أخلق الناس بسمة الخيانة و أجدر الناس بالإبعاد و الإهانة
968 لا تعامل العامة فيما أنعم به عليك من العلم كما تعامل الخاصة و اعلم أن لله سبحانه رجالا أودعهم أسرارا خفية و منعهم عن إشاعتها و اذكر قول العبد الصالح لموسى و قد قال له هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
969 لكل دار باب و باب دار الآخرة الموت
970 إن لك فيمن مضى من آبائك و إخوانك لعبرة و إن ملك الموت دخل
على داود النبي فقال من أنت قال من لا يهاب الملوك و لا تمنع منه القصور و لا يقبل الرشا قال فإذن أنت ملك الموت جئت و لم أستعد بعد فقال فأين فلان جارك أين فلان نسيبك قال ماتوا قال أ لم يكن لك في هؤلاء عبرة لتستعد
971 ما أخسر صفقة الملوك إلا من عصم الله باعوا الآخرة بنومة
972 إن هذا الموت قد أفسد على الناس نعيم الدنيا فما لكم لا تلتمسون نعيما لا موت بعده
973 انظر العمل الذي يسرك أن يأتيك الموت و أنت عليه فافعله الآن فلست تأمن أن تموت الآن
974 لا تستبطئ القيامة فتسكن إلى طول المدة الآتية عليك بعد الموت فإنك لا تفرق بعد عودك بين ألف سنة و بين ساعة واحدة ثم قرأ( وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ اَلنَّهارِ... ) الآية
975 لا بد لك من رفيق في قبرك فاجعله حسن الوجه طيب الريح و هو العمل الصالح
976 رب مرتاح إلى بلد و هو لا يدري أن حمامه في ذلك البلد
977 الموت قانص يصمي و لا يشوي
978 ما من يوم إلا يتصفح ملك الموت فيه وجوه الخلائق فمن رآه على معصية أو لهو أو رآه ضاحكا فرحا قال له يا مسكين ما أغفلك عما يراد بك اعمل ما شئت فإن لي فيك غمرة أقطع بها وتينك
979 إذا وضع الميت في قبره اعتورته نيران أربع فتجيء الصلاة فتطفئ واحدة و يجيء الصوم فيطفئ واحدة و تجيء الصدقة فتطفئ واحدة و يجيء العلم فيطفئ الرابعة و يقول لو أدركتهن لأطفأتهن كلهن فقر عينا فأنا معك و لن ترى بؤسا
980 استجيروا بالله تعالى و استخيروه في أموركم فإنه لا يسلم مستجيرا و لا يحرم مستخيرا
981 أ لا أدلكم على ثمرة الجنة لا إله إلا الله بشرط الإخلاص
982 من شرف هذه الكلمة و هي الحمد لله أن الله تعالى جعلها فاتحة كتابه و جعلها خاتمة دعوى أهل جنته فقال و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
983 ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم و كالدار العامرة بين الربوع الخربة
984 أفضل الأعمال أن تموت و لسانك رطب بذكر الله سبحانه
985 الذكر ذكران أحدهما ذكر الله و تحميده فما أحسنه و أعظم أجره و الثاني ذكر الله عند ما حرم الله و هو أفضل من الأول
986 ما أضيق الطريق على من لم يكن الحق تعالى دليله و ما أوحشها على من لم يكن أنيسه و من اعتز بغير عز الله ذل و من تكثر بغير الله قل
987 اللهم إن فههت عن مسألتي أو عمهت عن طلبتي فدلني على مصالحي و خذ بناصيتي إلى مراشدي اللهم احملني على عفوك و لا تحملني على عدلك
988 مخ الإيمان التقوى و الورع و هما من أفعال القلوب و أحسن أفعال الجوارح ألا تزال مالئا فاك بذكر الله سبحانه
989 اللهم فرغني لما خلقتني له و لا تشغلني بما تكفلت لي به و لا تحرمني و أنا أسألك و لا تعذبني و أنا أستغفرك
990 سبحان من ندعوه لحظنا فيسرع و يدعونا لحظنا فنبطئ خيره إلينا نازل و شرنا إليه صاعد و هو مالك قادر
991 اللهم إنا نعوذ بك من بيات غفلة و صباح ندامة
992 اللهم إني أستغفرك لما تبت منه إليك ثم عدت فيه و أستغفرك لما وعدتك من نفسي ثم أخلفتك و أستغفرك للنعم التي أنعمت بها علي فتقويت بها على معصيتك
993 اللهم إني أعوذ بك أن أقول حقا ليس فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك و أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك و أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك و أعوذ بك أن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني مني
994 يا من ليس إلا هو يا من لا يعلم ما هو إلا هو اعف عني
995 اللهم إن الآمال منوطة بكرمك فلا تقطع علائقها بسخطك اللهم إني أبرأ من الحول و القوة إلا بك و أدرأ بنفسي عن التوكل على غيرك
996 اللهم صل على محمد و آل محمد كلما ذكره الذاكرون و صل على محمد و آل محمد كلما غفل عن ذكره الغافلون اللهم صل على محمد و آل محمد عدد كلماتك و عدد معلوماتك صلاة لا نهاية لها و لا غاية لأمدها
997 سبحان الواحد الذي ليس غيره سبحان الدائم الذي لا نفاد له سبحان القديم الذي لا ابتداء له سبحان الغني عن كل شيء و لا شيء من الأشياء يغني عنه
998 يا الله يا رحمان يا رحيم يا حي يا قيوم يا بديع السماوات و الأرض يا ذا الجلال و الإكرام اعف عني و هذا حين انتهاء قولنا في شرح نهج البلاغة و لم ندرك ما أدركناه منه بقوتنا و حولنا فإنا عاجزون عما هو دونه و لقد شرعنا فيه و إنه لفي أنفسنا كالطود الأملس تزل الوعول العصم عن قذفاته بل كالفلك الأطلس لا تبلغ الأوهام و العقول إلى حدود غاياته فما زالت معونة الله سبحانه و تعالى تسهل لنا حزنه و تذلل لنا صعبه حتى أصحب أبيه و أطاع عصيه و فتحت علينا بحسن النية و إخلاص الطوية في تصنيفه أبواب البركات و تيسرت علينا مطالب الخيرات حتى لقد كان الكلام ينثال علينا انثيالا و يؤاتينا بديهة و ارتجالا فتم تصنيفه في مدة قدرها أربع سنين و ثمانية أشهر و أولها غرة شهر رجب من سنة أربع و أربعين و ستمائة و آخرها سلخ صفر من سنة تسع و أربعين و ستمائة و هو مقدار مدة خلافة أمير المؤمنين ع و ما كان في الظن و التقدير أن الفراغ منه يقع في أقل من عشر سنين إلا أن الألطاف الإلهية و العناية السماوية شملتنا بارتفاع العوائق و انتفاء الصوارف و شحذت بصيرتنا فيه و أرهفت همتنا في تشييد مبانيه و تنضيد ألفاظه و معانيه.و كان لسعادة المجلس المولوي المؤيدي الوزيري أجرى الله بالخير أقلامه و أمضى
في طلى الأعداء حسامه في المعونة عليه أوفر قسط و أوفى نصيب و حظ إذ كان مصنوعا لخزانته و موسوما بسمته و لأن همته أعلاها الله ما زالت تتقاضى عنده بإتمامه و تحثه على إنجازه و إبرامه و ناهيك بها من همة راضت الصعب الجامح و خففت العبء الفادح و يسرت الأمر العسير و قطعت المدى الطويل في الزمن القصير.و قد استعملت في كثير من فصوله فيما يتعلق بكلام المتكلمين و الحكماء خاصة ألفاظ القوم مع علمي بأن العربية لا تجيزها نحو قولهم المحسوسات و قولهم الكل و البعض و قولهم الصفات الذاتية و قولهم الجسمانيات و قولهم أما أولا فالحال كذا و نحو ذلك مما لا يخفى عمن له أدنى أنس بالأدب و لكنا استهجنا تبديل ألفاظهم و تغيير عباراتهم فمن كلم قوما كلمهم باصطلاحهم و من دخل ظفار حمر.و النسخة التي بني هذا الشرح على نصها أتم نسخة وجدتها بنهج البلاغة فإنها مشتملة على زيادات تخلو عنها أكثر النسخ.و أنا أستغفر الله العظيم من كل ذنب يبعد من رحمته و من كل خاطر يدعو إلى الخروج عن طاعته و أستشفع إليه بمن أنصبت جسدي و أسهرت عيني و أعملت فكري و استغرقت طائفة من عمري في شرح كلامه و التقرب إلى الله بتعظيم منزلته و مقامه أن يعتق رقبتي من النار و ألا يبتليني في الدنيا ببلاء تعجز عنه قوتي و تضعف عنه طاقتي و أن يصون وجهي عن المخلوقين و يكف عني عادية الظالمين إنه سميع مجيب و حسبنا الله وحده و صلواته على سيدنا محمد النبي و آله و سلامه!
(آخر اُلجزءِ العشرين تمَّ الكتاب)
(و لله الحمد كما هو أهله حمداً دئما لا انقضاء له و لا نفاد له آمين)
الفهرس
کتاب شرح نهج البلاغة الجزء العشرون ابن ابي الحديد 1
المغيرة بن شعبة 8
إيراد كلام لأبي المعالي الجويني في أمر الصحابة و الرد عليه 10
عمار بن ياسر و طرف من أخباره 35
نكت في مدح العقل و ما قيل فيه 41
فصل في الاستغفار و التوبة 57
عبد الله بن الزبير و ذكر طرف من أخباره 102
فصل في الفخر و ما قيل في النهي عنه 150
في مجلس علي بن أبي طالب 153
اختلاف العلماء في تفضيل بعض الشعراء على بعض 155
فصل في ألفاظ الكنايات و ذكر الشواهد عليها 187
حديث عن إمرئ القيس 215
فصل فيما قيل في التفضيل بين الصحابة 221
مختارات مما قيل من الشعر في الشيب و الخضاب 230
نبذ و حكايات حول العفة 233
الحكم المنسوبة 253
الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 255
الفهرس 351