بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
باب التيمم
قال الله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) فتضمنت الآية بيان حكم المريض الذي يخاف ضرر استعمال الماء وحكم المسافر الذي لا يجد الماء إذا كان جنبا أو محدثا لأن قوله تعالى( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) فيه بيان حكم الحدث لأن الغائط هو اسم للمنخفض من الأرض وكانوا يقضون الحاجة هناك فجعل ذلك كناية عن الحدث وقوله( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء ولما يستدل عليه إن شاء الله تعالى وقد دل ظاهر قوله( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) على إباحة التيمم لسائر المرضى بحق العموم لو لا قيام الدلالة على أن المراد بعض المرضى فروى عن ابن عباس وجماعة من التابعين أنه المجدور ومن يضره الماء ولا خلاف مع ذلك أن المريض الذي لا يضره استعمال الماء لا يباح له التيمم مع وجود الماء وإباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء على ما بينا وذلك لأنه تعالى قال( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فأباح التيمم للمريض من غير شرط عدم الماء وعدم الماء إنما هو مشروط للمسافر دون المريض من قبل أنه لو جعل عدم الماء شرطا في إباحة التيمم للمريض لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المريض لأن العلة المبيحة للتيمم وجواز الصلاة به في المريض والمسافر لو كانت عدم الماء لما كان لذكر المريض مع ذكر عدم الماء فائدة إذ لا تأثير للمريض في إباحة التيمم ولا منعه إذ كان الحكم متعلقا بعدم الماء فإن قيل إذا جاز أن يذكر حال السفر مع عدم الماء وإن كان جواز التيمم متعلقا بعدم الماء دون السفر إذ لو كان واجدا للماء أجزأه التيمم لم يمتنع أن تكون إباحة التيمم للمريض موقوفة على حال عدم الماء قيل له إنما ذكر المسافر لأن الماء إنما يعدم في السفر في الأعم الأكثر فإنما ذكر السفر إبانة عن الحال التي يعدم الماء
فيها في الأعم الأكثر كما قال صلّى الله عليه وسلّم لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين وليس المقصد فيه أن يأويه الجرين فحسب لأنه لو آواه بيت أو دار كان ذلك كذلك وإنما مراده بلوغ حال الاستحكام وامتناع إسراع الفساد إليه وإيواء الحرز لأن الجرين الذي يأويه حرز وكما قال في خمس وعشرين بنت مخاض ولم يرد به وجود المخاض بأمها وإنما أريد به أنه قد أتى عليها حول وصارت في الثاني لأنها إذا كانت كذلك كان بأمها مخاض في الأعم الأكثر فكان فائدة ذكر المسافر مع شرط عدم الماء ما وصفنا وليس كذلك المريض لأن المريض لا تعلق له بعدم الماء فعلمنا أن مراده ما يلحق من الضرر باستعمال الماء وعموم اللفظ يقتضي جواز التيمم للمريض في كل حال لو لا ما روى عن السلف واتفق الفقهاء عليه من أن المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء لا يبيح له التيمم ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة ومحمد ومن خاف برد الماء إن اغتسل جاز له التيمم لما يخاف من الضرر وقد روى في حديث عمرو بن العاص أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم ينكره وقد اتفقوا على جوازه في السفر مع وجود الماء لخوف البرد فوجب أن يكون الحضر مثله لوجود العلة المبيحة له وكما لم يختلف حكم المرض في السفر والحضر كذلك حكم خوف ضرر الماء لأجل البرد وقوله تعالى( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) فإن أو هاهنا بمعنى الواو تقديره وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط وذلك راجع إلى المريض والمسافر إذا كانا محدثين ولزمهما فرض الصلاة وإنما قلنا إن قوله( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) بمعنى الواو لأنه لو لم يكن كذلك لكان الجائى من الغائط ثالثا لهما غير المريض والمسافر فلا يكون حينئذ وجوب الطهارة على المريض والمسافر متعلقا بالحدث ومعلوم أن المريض والمسافر لا يلزمهما التيمم إلا أن يكونا محدثين فوجب أن يكون قوله تعالى( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) بمعنى وجاء أحدكم كقوله( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) معناه ويزيدون وكقوله( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما ) ومعناه غنيا وفقيرا* وأما قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ) فإن السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة المذكورة في هذه الآية فقال على وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي هي كناية عن الجماع وكانوا لا يوجبون الوضوء لمن مس امرأته وقال عمر وعبد الله بن مسعود المراد اللمس
باليد وكانا يوجبان الوضوء بمس المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمم فمن تأوله من الصحابة على الجماع لم يوجب الوضوء من مس المرأة ومن حمله على اللمس باليد أوجب الوضوء من مس المرأة ولم يجز التيمم للجنب واختلف الفقهاء في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي لا وضوء على من مس امرأة لشهوة أو لغير شهوة وقال مالك إن مسها لشهوة تلذذا فعليه الوضوء وكذلك إن مسته تلذذا فعليها الوضوء وقال إن مس شعرها تلذذا فعليه الوضوء وإذا قال لها شعرك طالق طلقت وقال الحسن بن صالح إن قبل لشهوة فعليه الوضوء وإن كان لغير شهوة فلا وضوء عليه وقال الليث إن مسها فوق الثياب تلذذا فعليه الوضوء وقال الشافعى إذا مس جسدها فعليه الوضوء لشهوة أو لغير شهوة* والدليل على أن لمسها ليس بحدث على أى وجه كان ما روى عن عائشة من طرق مختلفة بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلّى ولا يتوضأ كما روى أنه كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وقد روى الأمر ان جميعا في حديث واحد ولا يجوز حمله على أنه قبل خمارها وثوبها لوجهين أحدهما أنه لا يجوز أن يحمل اللفظ على المجاز بغير دلالة إذ حقيقته أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها والثاني أنه لا فائدة في نقله وأيضا فإنه لم يكن بين النبي صلّى الله عليه وسلّم من الوحشة وبين أزواجه أن يكون مستورات عنه لا يصيب منها إلا الخمار ومنه حديث عائشة أنها طلبت النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة قالت فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد يقول أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك فلو كان مس المرأة حدثا لما مضى في سجوده لأن المحدث لا يجوز أن يبقى على حال السجود وحديث أبي قتادة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصلّى وهو حامل أمامة بنت أبى العاص فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها ومعلوم أن من فعل ذلك لا يخلو من وقوع يده على شيء من بدنها فثبت بذلك أن مس المرأة ليس بحدث وهذه الأخبار حجة على من يجعل اللمس حدثا لشهوة أو لغير شهوة ولا يحتج بها على من اعتبر اللمس لشهوة لأنه حكاية فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخبر فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان لشهوة ومسه أمامة قد علم يقينا أنه لم يكن لشهوة* والذي يحتج به على الفريقين أنه معلوم عموم البلوى بمس النساء لشهوة والبلوى بذلك أعم منها بالبول والغائط ونحوهما فلو كان حدثا لما أخل النبي صلّى الله عليه وسلّم الأمة من التوقيف عليه لعموم البلوى به
وحاجتهم إلى معرفة حكمه ولا جائز في مثله الاقتصار بالتبليغ إلى بعضهم دون بعض فلو كان منه توقيف لعرفه عامة الصحابة فلما روى عن الجماعة الذين ذكرناهم من الصحابة أنه لا وضوء فيه دل على أنه لم يكن منه صلّى الله عليه وسلّم توقيف لهم عليه وعلم أنه لا وضوء فيه فإن قيل يلزمك مثله لخصمك لأن لو لم يكن فيه وضوء لكان من النبي صلّى الله عليه وسلّم توقيف للكافة عليه لأنه لا وضوء فيه لعموم البلوى به قيل له لا يجب ذلك في نفى الوضوء منه كما يجب في إثباته وذلك لأنه معلوم أن الوضوء منه لم يكن واجبا في الأصل فجائز أن يتركهم النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما كان معلوما عندهم من نفى وجوب الطهارة ومتى شرع الله تعالى فيه إيجاب الوضوء فغير جائز أن يتركهم بغير توقيف عليه مع علمه بما كانوا عليه من نفى إيجابه لأن ذلك يوجب إقرارهم على خلاف ما تعبدوا به فلما وجدنا قوما من جلة الصحابة لم يعرفوا الوضوء من مس المرأة علمنا أنه لم يكن منه توقيف على ذلك فإن قيل جائز أن لا يكون منه صلّى الله عليه وسلّم توقيف في حال ذلك اكتفاء بما في ظاهر الكتاب من قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) وحقيقته هو اللمس باليد وبغيرها من الجسد قيل له في الآية نص على أحد المعنيين بل فيها احتمال لكل واحد منهما ولأجل ذلك اختلفوا في معناها وسوغوا الاجتهاد في طلب المراد بها فليس إذا فيها توقيف في إيجاب الوضوء مع عموم الحاجة إليه وأيضا اللمس يحتمل الجماع على ما تأوله على وابن عباس وأبو موسى ويحتمل اللمس باليد على ما روى عن عمر وابن مسعود فلما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قبل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ أبان ذلك عن مراد الله تعالى ووجه آخر يدل على أن المراد منه الجماع وهو أن اللمس وإن كان حقيقة للمس باليد فإنه لما كان مضافا إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء كما أن الوطء حقيقته المشي بالأقدام فإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع كذلك هذا ونظيره قوله تعالى( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ) يعنى من قبل أن تجامعوهن وأيضا فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة ومتى ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنما صدر عن الكتاب كما أنه لما قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه معقولا بالآية وكسائر الشرائع التي فعلها النبي صلّى الله عليه وسلّم مما ينطوى عليه ظاهر الكتاب وإذا ثبت أن المراد باللمس الجماع انتفى منه مس اليد من وجوه أحدها اتفاق السلف من الصدر الأول أن
أن المراد أحدهما لأن عليا وابن عباس وأبو موسى لما تأولوه على الجماع لم يوجبوا نقض الطهارة بلمس اليد وعمر وابن مسعود لما تأولاه على اللمس لم يجيزا للجنب التيمم فاتفق الجميع منهم على أن المراد أحدهما ومن قال إن المراد هما جميعا فقد خرج عن اتفاقهم وخالف إجماعهم في أن المراد أحدهما وما روى عن ابن عمر أن قبلة الرجل لامرأته من الملامسة فلا دلالة فيه على أنه كان يرى المعنيين جميعا مرادين بالآية بل كان مذهبه في ذلك مذهب عمر وابن مسعود فبين في هذا الخبر بأن اللمس ليس بمقصور على اليد وإنما يكون أيضا بالقبلة وبغيره من المعانقة والمضاجعة ونحوها ووجه آخر يدل على أنه لا يجوز أن يرادا جميعا بالآية وهو أن اللمس باليد إنما يوجب الوضوء عند مخالفينا والجماع يوجب الغسل وغير جائز أن يتعلق بعموم واحد حكمان مختلفان فيما انتظمه ألا ترى إلى قوله تعالى( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ) لما كان لفظ عموم لم يجز أن ينتظم السارقين لا يقطع أحدهما إلا في عشرة ويقطع الآخر في خمسة وإذا ثبت أن الجماع مراد بما وصفنا وهو يوجب الغسل انتفى دخول اللمس باليد فيه* فإن قيل لم يختلف حكم موجب اللفظ في إرادته الجماع واللمس باليد لأن الواجب فيها التيمم المذكور في الآية قيل له التيمم بدل والأصل هو الطهارة بالماء ومحال إيجاب التيمم إلا وقد وجب قبل ذلك الطهارة بالماء وهو بدل فيها فغير جائز أن يكون اللمس المذكور موجبا للوضوء في إحدى الحالتين وموجبا للغسل في الأخرى وأيضا فإن التيمم وإن كان بصورة واحدة فإن حكمه مختلف لأن أحدهما ينوب عن غسل جميع الأعضاء والآخر عن غسل بعضها فغير جائز أن ينتظمهما لفظ واحد فمتى وجب لأحد المعنيين فكأنه قد نص عليه وذكره بأن قال هو الجماع فلا يدخل فيه اللمس باليد ويدل على انتفاء إرادتهما أن اللمس متى أريد به الجماع كان اللفظ كناية وإذا أريد منه اللمس باليد كان صريحا وكذلك روى عن على وابن عباس أنهما قالا اللمس هو الجماع ولكنه كنى وغير جائز أن يكون لفظ واحد كناية صريحا في حال واحدة ومن جهة أخرى يمتنع ذلك وهو أن الجماع مجاز والحقيقة هو اللمس باليد ولا يجوز أن يكون لفظ واحد حقيقة مجازا في حال واحدة فإن قيل لم لا يكون عموما في اللمس من حيث كان الجماع أيضا مسا ويكون حقيقة فيهما جميعا* قيل له يمتنع ذلك من وجوه أحدها أنه قد روى عن على وابن عباس أنه كناية عن الجماع وهما أعلم بالغة من
هذا القائل فبطل قول القائل أن اللمس صريح فيهما جميعا والآخر ما بينا من امتناع عموم واحد مقتضيا لحكمين مختلفين فيما دخلا فيه ولأن اللمس إذا أريد به مماسة في الجسد فقد حصل نقض الطهارة ووجب التيمم المذكور في الآية بمسه إياها قبل حصول الجماع لاستحالة أن يحصل جماع إلا ويحصل قبله لمس لجسدها فلا يكون الجماع حينئذ موجبا للتيمم المذكور في الآية لوجوبه قبل ذلك بمس جسدها ويدل على أن المراد الجماع دون لمس اليد أن الله تعالى قال( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ـ إلى قوله تعالى ـوَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) أبان به عن حكم الحدث في حال وجود الماء ثم عطف عليه قوله( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ـ إلى قوله ـفَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) فأعاد ذكر حكم الحدث في حال عدم الماء فوجب أن يكون قوله( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) على الجنابة لتكون الآية منتظمة لهما مبينة لحكمهما في حال وجود الماء وعدمه ولو كان المراد اللمس باليد لكان ذكر التيمم مقصورا على حال الحدث دون الجنابة غير مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء وحمل الآية على فائدتين أولى من الاقتصار بها على فائدة واحدة وإذا ثبت أن المراد الجماع انتفى اللمس باليد لما بينا من امتناع إرادتهما بلفظ واحد فإن قيل إذا حمل على اللمس باليد كان مفيدا لكون اللمس حدثا وإذا جعل مقصورا على الجماع لم يفد ذلك فالواجب على قضيتك في اعتبار الفائدتين حمله عليهما جميعا فيفيد كون اللمس حدثا ويفيد أيضا جواز التيمم للجنب فإن لم يجز حمله على الأمرين لما ذكرت من اتفاق السلف على أنهما لم يرادا ولامتناع كون اللفظ مجازا حقيقة أو كناية وصريحا فقد ساويناك في إثبات فائدة مجدد بحمله على اللمس باليد مع استعمالنا حقيقة اللفظ فيه فما جعلك إثبات فائدة من جهة إباحة التيمم للجنب أولى ممن أثبت فائدته من جهة كون اللمس باليد حدثا قيل له لأن قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) مفيد لحكم الأحداث في حال وجود الماء ونص مع ذلك على حكم الجنابة فالأولى أن يكون ما في نسق الآية من قوله( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ـ إلى قوله ـأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) بيانا لحكم الحدث والجنابة في حال عدم الماء كما كان في أول الآية بيانا لحكمهما في حال وجوده وليس موضع الآية في بيان تفصيل الأحداث وإنما هي في بيان حكمها وأنت متى حملت اللمس على بيان الحدث فقد أزلتها عن مقتضاها وظاهرها فلذلك كان ما ذكرناه أولى ووجه آخر وهو أن حمله على
الجماع يفيد معنيين أحدهما إباحة التيمم للجنب في حال عوز الماء والآخر أن التقاء الختانين دون الإنزال يوجب الغسل فكان حمله على الجماع أولى من الاقتصار به على فائدة واحدة وهو كون اللمس حدثا ودليل آخر على ما ذكرنا من معنى الآية وهو أنها قد قرئت على وجهين أو لامستم النساء ولمستم فمن قرأ أو لامستم فظاهره الجماع لا غير لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في أشياء نادرة كقولهم قاتله الله وجازاه وعافاه الله ونحو ذلك وهي أحرف معدودة لا يقاس عليها أغيارها والأصل في المفاعلة أنها بين اثنين كقولهم قاتله وضاربه وسالمه وصالحه ونحو ذلك وإذا كان ذلك حقيقة اللفظ فالواجب حمله على الجماع الذي يكون منهما جميعا ويدل على ذلك أنك لا تقول لامست الرجل ولامست الثوب إذا مسسته بيدك لانفرادك بالفعل فدل على أن قوله( أَوْ لامَسْتُمُ ) بمعنى أو جامعتم النساء فيكون حقيقته الجماع وإذا صح ذلك وكانت قراءة من قرأ [أو لمستم] يحتمل اللمس ويحتمل الجماع وجب أن يكون ذلك محمولا على ما لا يحتمل إلا معنى واحدا لأن ما لا يحتمل إلا معنى واحدا فهو المحكم وما يحتمل معنيين فهو المتشابه وقد أمرنا الله تعالى بحكم المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) الآية فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله عليه وذم متبع المتشابه باقتصاره على حكمه بنفسه دون رده إلى غيره بقوله( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) فثبت بذلك أن قوله [أو لمستم] لما كان محتملا للمعنيين كان متشابها وقوله( أَوْ لامَسْتُمُ ) لما كان مقصورا في مفهوم اللسان على معنى واحد كان محكما فوجب أن يكون معنى المتشابه مبينا عليه* فإن قيل لما قرئت الآية على الوجهين اللذين ذكرت وكان أحد الوجهين لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو قراءة من قرأ أو لامستم النساء والوجه الآخر يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع وجب أن نجعل القراءتين كالآيتين لو وردتا أحدهما كناية عن الجماع فنستعملها فيه والأخرى صريحة في اللمس باليد خاصة فتستعملها فيه دون الجماع ويكون كل واحد من اللفظين مستعملا على مقتضاه من كناية أو صريح إذ لا يكون لفظ واحد حقيقة مجاز ولا كناية صريحا في حال واحدة ونكون مع ذلك قد استعملنا حكم القراءتين على فائدتين دون الاقتصار بهما على فائدة واحدة* قيل له لا يجوز ذلك لأن السلف من الصدر الأول
المختلفين في مراد الآية قد عرفوا القراءتين جميعا لأن القراءتين لا تكونان إلا توقيفا من الرسول للصحابة عليهما وإذا كانوا قد عرفوا القراءتين ثم لم يعتبروا هذا الاعتبار ولم يحتج بهما موجبو الوضوء من اللمس علمنا بذلك بطلان هذا القول وعلى أنهم مع ذلك لم يحملوهما على المعنيين بل اتفقوا على أن المراد أحدهما وحمله كل واحد من المختلفين على معنى غير ما تأوله عليه صاحبه من جماع أو لمس بيد دون الجماع فثبت بذلك أن القراءتين على أى وجه حصلتا لم تقتضيا بمجموعهما ولا بانفراد كل واحدة منهما الأمرين جميعا ولم يجعلوهما بمنزلة الآيتين إذا وردتا فيجب استعمال كل واحدة منهما على حيالها وحملها على مقتضاها وموجبها وكان أبو الحسن الكرخي يجيب عن ذلك بجواب آخر وهو أن سبيل القراءتين غير سبيل الآيتين وذلك لأن حكم القراءتين لا يلزم معا في حال واحدة بل بقيام أحدهما مقام الأخرى ولو جعلناهما كالآيتين لوجب الجمع بينهما في القراءة وفي المصحف والتعليم لأن القراءة الأخرى بعض القرآن ولا يجوز إسقاط شيء منه ولكان من اقتصر على إحدى القراءتين مقتصرا على بعض القرآن لا على كله وللزم من ذلك أن المصاحف لم يثبت فيها جميع القرآن وهذا خلاف ما عليه جميع المسلمين فثبت بذلك أن القراءتين ليستا كالآيتين في الحكم بل تقرآن على أن تقام أحدهما مقام الأخرى لا على أن يجمع بين أحكامهما كما لا يجمع بين قراءتهما وإثباتهما في المصحف معا* ويدل على أن اللمس ليس بحدث أن ما كان حدثا لا يختلف فيه الرجال والنساء ولو مست امرأة امرأة لم يكن حدثا كذلك مس الرجل إياها وكذلك مس الرجل الرجل ليس بحدث فكذلك مس المرأة ودلالة ذلك على ما وصفنا من وجهين أحدهما أنا وجدنا الأحداث لا تختلف فيها الرجال والنساء فكل ما كان حدثا من الرجل والمرأة فقوله خارج عن الأصول ومن جهة أخرى أن العلة في مس المرأة المرأة والرجل الرجل أنه مباشرة من غير جماع فلم يكن حدثا كذلك الرجل والمرأة* فإن قيل قد أوجب أبو حنيفة الوضوء على من باشر امرأته وانتشرت آلته وليس بينهما ثوب ولا فرق بين مسها بيده وبين مسها ببدنه* قيل له لم يوجب أبو حنيفة هاهنا الوضوء بالمباشرة وإنما أوجبه إذ التقى الفرجان من غير إيلاج كذلك رواه محمد عنه وذلك لأن الإنسان لا يكاد يبلغ هذه الحال إلا ويخرج منه شيء وإن لم يشعر به فلما كان الغالب في هذه الحال خروج شيء منه وإن
لم يشعر به أوجب الوضوء له احتياطا فحكم له بحكم الحدث كما أنه لما كان الغالب من حال النوم وجود الحدث فيه حكم له بحكم الحدث فليس إذا في ذلك إيجاب الوضوء من اللمس والله أعلم بالصواب.
باب وجوب التيمم عند عدم الماء
قال الله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) قال أبو بكر شرط الوجود مختلف فيه والجملة التي اتفق أصحابنا عليها أن الوجود إمكان استعمال الماء الذي يكفيه لطهارته من غير ضرر فلو كان معه ماء وهو يخاف العطش أو لم يجده إلا بثمن كثير تيمم وليس عليه أن يغالى فيه إلا أن يجده بثمن كما يباع بغير ضرورة فيشتريه وإن كان أكثر من ذلك فلا يشتريه وجعل أصحابنا جميعا شرط الوجود أن يكفيه لجميع طهارته وأما العلم بكونه في رحله فمختلف فيه أنه من شرط الوجود وسنذكره إن شاء الله* واختلف أيضا في وجوب الطلب وهل يكون غير واجد قبل الطلب وإنما قلنا أنه إذا خاف العطش باستعماله للطهارة فهو غير واجد للماء المفروض به الطهارة لأنه متى خاف الضرر في استعماله كان معذورا في تركه إلى التيمم كالمريض قال الله تعالى( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) فنفى الحرج عنا وهو الضيق وفي الأمر باستعمال الماء الذي يخاف فيه العطش أعظم الضيق وقد نفاه الله تعالى نفيا مطلقا وقال تعالى( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ومن العسر استعمال الماء الذي يؤديه إلى الضرر وتلف النفس ألا ترى أنه لو اضطر إلى شرب الماء وحضرته الصلاة ولا ماء معه غيره أنه مأمور بشربه وترك استعماله للطهارة فكذلك إذا خاف العطش في المستأنف باستعماله* وروى نحو هذا القول فيمن خاف العطش عن على وابن عباس والحسن وعطاء وإنما شرطنا أن يجده بثمن مثل قيمته في غير الضرورة من قبل أن المقدار الفاضل عن قيمته غير مستحق عليه إتلافه لأجل الطهارة إذ لا يحصل بإزائه بدل فكان إضاعة للمال لأن من اشترى ما يساوى درهما بعشرة دراهم فهو مضيع للتسعة وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال وأيضا لو كان على ثوبه نجاسة ولم يجد الماء لم يكن عليه قطع موضع النجاسة لأجل الصلاة بل عليه أن يصلّى فيه لأجل ما يلحقه من الضرر بقطعه فكذلك شرى الماء بثمن غال وأما إذا وجده بثمن مثله فعليه أن يشتريه ويتوضأ
ولا يجزيه التيمم من قبل أنه ليس فيه تضييع المال إذ كان يملك بإزاء ما أخرج من ماله مثله وهو الماء الذي أخذه فكان عليه شراؤه والوضوء به وقد اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته فقال أصحابنا جميعا يتيمم وليس عليه استعماله وكذلك لو كان جنبا فوجد ما يكفيه لوضوئه ولا يكفيه لغسله يتيمم وقال مالك والأوزاعى لا يستعمل الجنب هذا الماء في الابتداء ويتيمم فإن أحدث بعد ذلك وعند ما يكفيه لوضوئه يتيمم أيضا وقال أصحابنا في هذه المسألة الأخيرة يتوضأ بهذا الماء ما لم يجد ما يكفيه لغسله وقال الشافعى عليه غسل ما قدر على غسله ويتيمم لا يجزيه غير ذلك قال أبو بكر قال الله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) * إلى قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ) فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين إما الماء عند وجوده أو التراب عند عدمه لأنه أوجبه بهذه الشريطة ولا خلاف أن من فرض هذا الرجل التيمم وإن صلاته غير مجزية إلا به فعلمنا أن هذا الماء ليس هو الماء المفروض به الطهارة إذ لو كان الماء المفروض به الطهارة موجودا لم تكن صحة صلاته موقوفة على فعل التيمم منه فإن قيل قال الله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) فأباح التيمم عند عدم ماء منكور وذلك يتناول كل جزء منه سواء كان كافيا لطهارته أو غير كاف فلا يجوز التيمم مع وجوده قيل له الدليل على فساد هذا التأويل اتفاق الجميع على أن من فرضه التيمم وإن استعمل الماء فلو كان هذا القدر من الماء مأمورا باستعماله بالآية لما لزمه التيمم معه لأن الله تعالى إنما أوجب عليه التيمم عند عدم الماء الذي تصح به صلاته فإن قيل فنحن لا نجيز تيممه إلا بعد عدم هذا الماء باستعماله إياه فحينئذ يتيمم قيل له لو كان هذا على ما ذكر لاستغنى عن التيمم باستعمال الماء الذي معه فلما اتفقوا على أن عليه التيمم بعد استعماله ثبت أن هذا الماء ليس هو المفروض به الطهارة ولا ما أبيح التيمم بعدمه وأيضا لما كان وجود هذا الماء بمنزلة عدمه في باب استباحة الصلاة به صار بمنزلة ما ليس بموجود فجاز له التيمم وأيضا لما لم يجز الجمع بين غسل إحدى الرجلين والمسح على الخف في الرجل الأخرى لكون المسح بدلا من الغسل فلم يجز الجمع بينهما وجب أن لا يلزمه الجمع بين غسل الأعضاء والتيمم لهذه العلة وأيضا فإن التيمم لا يرفع الحدث كالمسح لا يرفع الحدث عن الرجل فلم يجز الجمع بين ما يرفع الحدث وبين ما لا يرفعه في المسح كذلك لا يجوز الجمع بين التيمم والغسل في بعض الأعضاء على أن يكونا
من فرضه وأيضا فإن التيمم بدل من غسل جميع الأعضاء وغير جائز وقوعه عن بعض الأعضاء دون بعض ألا ترى أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى على أنه قام مقام جميع الأعضاء التي أوجب الحدث غسلها فلو أوجبنا عليه غسل ما يمكنه غسله مع التيمم لم يخل التيمم من أن يقوم مقام غسل بعض أعضائه أو جميعه فإن قام مقام ما لم يغسل منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض الأعضاء وذلك مستحيل لأنه لا يتبعض فلما بطل ذلك لم يبق إلا أن يقوم مقام جميعها فيصير حينئذ متوضئا متيمما في الأعضاء المغسولة وذلك محال لأن الحدث زائل عن العضو المغسول فلا ينوب عنه التيمم فثبت أنه لا يجوز اجتماعهما في الوجوب وعلى أن الشافعى يوجب عليه غسل الوجه والذراعين بذلك الماء ويتيمم مع ذلك لهذين العضوين فيكون تيممه في هذين العضوين قائما مقامهما ومقام العضوين الآخرين فيكون قد ألزمه طهارتين في هذين العضوين فكيف يجوز أن يكون طهارة في العضوين المغسولين وهو إذا حصل طهارة لم يرفع الحدث ويكون حكم الحدث باقيا مع وجوده فكيف يجوز وقوعه مع عدم رفع الحدث عما وقع فيه فإن قيل يلزمك مثله إذا قلت فيما غسل بعض أعضائه لأنه ملزم التيمم ويكون ذلك طهارة لجميعه قيل له لا يلزمنا ذلك لأنا لا نوجب عليه استعماله فسقط حكمه إن استعمله وأنت توجب استعماله كما نوجبه لو وجد ما يكفيه لجميع أعضائه فكان بمنزلة من توضأ وأكمل وضوءه فلا يجوز أن يقوم التيمم مقام شيء منه فإن قال فقد يجوز عندكم الجمع بين التيمم والوضوء ولا ينافي أحدهما الآخر وهو الذي يجد سؤر الحمار ولا يجد غيره قيل له إن طهارته أحد هذين لإجماعهما ولذلك أجزنا له أن يبدأ بأيهما شاء لأنه مشكوك فيه عندنا فلم يسقط عنه فرض الطهارة بالشك فإذا جمع بينهما فالمفروض أحدهما كما قالوا جميعا فيمن نسى أحدى الصلوات الخمس ولا يدرى أيها هي يصلّى خمس صلوات حتى يصلّى على اليقين وإنما الذي عليه واحدة لا جميعها كذلك هاهنا وأنت تزعم أن المفروض هما جميعا في مسألتنا وأيضا لما كان التيمم بدلا من الماء كالصوم بدلا من الرقبة لم يجز اجتماع بعض الرقبة والصوم وجب مثله في التيمم والماء فإن قيل الصغيرة قد تجب عدتها بالشهور فإن حاضت قيل انقضائها وجب الحيض* وكذلك ذات الحيض لو اعتدت بحيضة ثم يئست وجبت الشهور مع الحيضة المتقدمة
قيل له إذا طرأ عليها ما ذكرت قبل انقضاء العدة خرج ما تقدم من أن يكون عدة معتدا به وأنت لا تخرج ما غسل من أن يكون طهارة وكذلك التيمم ودليل آخر في المسألة وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء والدلالة من هذا قوله ما لم يجد الماء فأدخل عليها الألف واللام وذلك لأحد وجهين إما أن تكون لاستغراق الجنس أو المعهود فإن كان أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال التراب طهور ما لم يجد مياه الدنيا وإن كان أراد به المعهود فهو قولنا أيضا لأنه ليس هاهنا ماء معهود يجوز أن ينصرف الكلام إليه غير الماء الذي يقع به كمال الطهارة وذلك لم يوجد في مسألتنا فجاز تيممه بظاهر الخبر واختلفوا في العلم بكون الماء في رحله هل هو شرط في الوجود أم لا فقال أبو حنيفة ومحمد إذا نسى الماء في رحله وهو مسافر فتيمم وصلّى أجزأه ولا يعيد في الوقت ولا بعده وقال مالك ولا يعيد في الوقت ولا يعيد بعده وقال أبو يوسف والشافعى يعيد في الأحوال كلها والأصل فيه قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) والناسي غير واجد لما هو ناس له إذ لا سبيل له إلى الوصول إلى استعماله فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته وقال الله( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ) فاقتضى ذلك سقوط حكم المنسى وأيضا قال الله تعالى( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) ومعلوم أن هذا الخطاب لم يتوجه إلى الناسي لأن تكليف الناسي لا يصح وإذا لم يكن مأمورا مكلفا بالغسل فهو مأمور بالتيمم لا محالة لأنه لا يجوز سقوطهما جميعا عنه مع الإمكان فثبت جواز تيممه وأيضا لا يختلفون أنه لو كان في مفازة وطلب في الماء فلم يجده فتيمم وصلى ثم علم أنه كان هناك بئر مغطى الرأس لم تجب عليه الإعادة ووجود الماء لا يختلف حكمه بأن يكون مالكه أو في نهر أو في بئر فلما كان جهله بماء البئر مخرجه من حكم الوجود كذلك جهله بالماء الذي في رحله فإن قيل لو نسى الطهارة أو الصلاة لم يسقطها النسيان فكذلك نسيان الماء قيل له ظاهر قوله صلّى الله عليه وسلّم رفع عن أمتى الخطأ والنسيان يقتضى سقوطه وكذلك نقول والذي ألزمناه عند الذكر هو فرض آخر غير الأول وأما الأول فقد سقط وإنما ألزمنا الناسي فعل الصلاة وألزمناه الطهارة المنسية بدلالة أخرى وإلا فالنسيان يسقط عنه القضاء لو لا الدلالة وأيضا فلا تأثير للنسيان بانفراده في سقوط الفرض إلا بانضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرا في سقوطه نحو السفر الذي هو حال عدم الماء
فإذا انضم إليه النسيان صار جميعا عذرا في سقوطه وأما نسيان الطهارة والقراءة والصلاة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرا في سقوط هذه الفرائض ومن جهة أخرى إنا جعلنا النسيان عذرا في الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض وفي المسائل التي ذكرتها فيها إسقاط الفروض لا نقلها إلى أبدال فلذلك اختلفا* فإن قيل الناسي للماء في رحله هو واجد له* قيل له ليس الوجود هو كون الماء في رحله دون إمكان الوصول إلى استعماله من غير ضرر يلحقه ألا ترى أن من معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش يجوز له التيمم وهو واجد للماء فالناسى أبعد من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله ألا ترى أن من ليس في رحله ماء وهو قائم على شفير نهر إنه واجد للماء وإن لم يكن له مالكا لإمكان الوصول إلى استعماله فعلمنا أن الوجود هو إمكان التوصل إلى استعماله من غير ضرر ألا ترى أن الماء لو كان في رحله ومنعه منه مانع جاز له التيمم فعلمنا أن الوجود شرطه ما ذكرنا دون الملك* فإن قيل ما تقول لو كان* على ثوبه نجاسة فنسي الماء في رحله ولم يغسله وصلى فيه هل يجزيه* قيل له لا نعرفها محفوظة عن أصحابنا وقياس قول أبى حنيفة أنه يجزى وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي فيمن نسى في رحله ثوبا وصلى عريانا أنه يجزيه واختلفوا في تارك الطلب إذا لم يكن بحضرته ماء هل هو غير واجد فقال أصحابنا إذا لم يطمع في الماء ولم يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه التيمم وقال الشافعى عليه الطلب وإن تيمم قبل الطلب لم يجزه وقال أصحابنا إن طمع فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن كان بينه وبينه ميل أو أكثر فليس عليه إتيانه لما يلحقه من المشقة والضرر بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن أهل رفقته وإن كان أقل من ميل أتاه وهذا إذا لم يخف على نفسه وما معه من لصوص أو سبع ونحوه ولم ينقطع عن أصحابه وإنما قالوا فيمن كانت حاله ما قدمنا أنه يجزيه التيمم وليس عليه الطلب من قبل أنه غير واجد للماء وقال الله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) وهذا غير واجد فإن قالوا لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب قيل له هذا خطأ لأن الوجود لا يقتضى طلبا قال الله تعالى( فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ ) فأطلق اسم الوجود على ما لم يطلبوه وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل ويكون واجدا لها وإن لم يطلبها وقال في الرقبة( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) ومعناه
ليس في ملكه ولا له قيمتها لا أنه أوجب عليه أن يطلبها فإذا كان الوجود قد يكون من غير طلب فمن ليس بحضرته ماء ولا هو عالم به فهو غير واجد إذا تناوله إطلاق اللفظ لم يجز لنا أن نزيد فيه فرض الطلب لأن فيه إلحاق الزيادة بحكم الآية وذلك غير جائز ويدل عليه أيضا قوله صلّى الله عليه وسلّم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء وقال لأبى ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت فامسسه جلدك ويدل أيضا على أن الوجود لا يقتضى الطلب أنه قد يكون واجدا لما يحصل عنده من شيء من غير طلب منه من ماء أو غيره فيقال هذا واجد للرقبة إذا كانت عنده وإن لم يطلبها فإن قال قائل ما أنكرت أنه جائز أن يقال إنه واجد لما لم يطالبه ولا يقال إنه غير واجد إلا أن يكون قد طلبه قيل له إذا كان الوجود لا يقتضى الطلب وليس ذلك شرطه فنفى الوجود مثله لأنه ضده فما جاز إطلاقه عليه جاز على عدمه ألا ترى أنه يصح أن يقال هو غير واجد لألف دينار وإن لم يتقدم منه طلب ولو ضاع منه مال جاز أن يقال إنه لم يجده وإن لم يكن منه طلب كما يقال هو واجده وإن لم يطلبه فالوجود ونفيه سواء في أن كل واحد منهما لا يتعلق إطلاق الاسم فيه بالطلب وقد قال الله تعالى( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) فأطلق الوجود في النفي كما أطلقه في الإثبات مع عدم الطلب فيهما* فإن قيل لو كان مع رفيق له ماء فلم يطلبه لم يصح تيممه حتى يطلبه فيمنعه وهذا يدل على وجوب الطلب ويؤكده ما روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعبد الله بن مسعود ليلة الجن هل معك ماء فطلبه قيل له أما طلبه من رفيقه فقد روى عن أبى حنيفة أن صلاته جائزة وإن لم يطلبه وأما على قول أبى يوسف ومحمد فإنه لا يجزيه حتى يطلبه فيمنعه وهذا عندنا إذا كان طامعا منه في بذله له وأنه إن لم يطمع في ذلك فليس عليه الطلب ونظيره إن يطمع في ماء موجود بالقرب أو يخبره به مخبر فلا يجوز تيممه لأن غالب الظن في مثله يقوم مقام اليقين كما لو غلب في ظنه أنه إن صار إلى النهر وهو بالقرب منه افترسه سبع أو اعترض له قاطع طريق جاز له أن يتيمم وإن غلب على ظنه السلامة لم يجز له التيمم فليس هذا من قول من يوجب الطلب في شيء وأما حديث عبد الله بن مسعود وسؤال النبي صلّى الله عليه وسلّم إياه الماء وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وجه عليا في طلب الماء فإن فعله صلّى الله عليه وسلّم ليس على الوجوب وهو عندنا مستحب كما فعله النبي صلّى الله عليه وسلّم وأيضا لا يخلو الذي
في المفازة وليس بحضرته ماء ولم يطمع فيه من أن يكون واجدا أو غير واجد فإن كان غير واجد جاز تيممه بقوله( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) وبقول النبي صلّى الله عليه وسلّم التراب طهور المسلم ما لم يجد ماء ، فإن قيل إذا كان شرط جواز التيمم عدم الماء فواجب أن لا يجزى حتى يتيقن وجود شرطه كما أنه لما كان شرط جواز الصلاة حضور الوقت لم يجزه فعلها إلا بعد حصول اليقين بدخول الوقت قيل له الفصل بينهما أن الأصل هو عدم الماء في مثل ذلك الموضع وذلك يقين عنده وإنما لا يعلم هل هو موجود في غيره وهل يكون موجودا إن طلب أم لا فليس عليه أن يزول عن اليقين الأول بما لا يعلمه ويشك فيه ووقت الصلاة أيضا كان غير موجود فغير جائز له فعلها بالشك حتى يتيقن وجوده فيهما سواء في هذا الوجه في باب البناء على اليقين الذي كان الأصل فإن قيل قال الله تعالى( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ـ إلى قوله ـفَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فالغسل أبدا واجب وعليه التوصل إليه كيف أمكن فإذا كان قد يمكنه التوصل إليه بالطلب فذلك فرضه قيل له الذي قال( فَاغْسِلُوا ) هو الذي قال( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فوجوب الغسل مضمن بوجود الماء وجواز التيمم مضمن بعدمه وهو عادم له في الحال لا محالة وإنما يزعم المخالف أنه جائز أن يكون واجدا عند الطلب فغير جائز ترك ما حصل من شرط إباحة التيمم لما عسى يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون والذي قاله المخالف كان يلزم لو طمع في الماء وغلب على ظنه وجوده وأخبره به مخبر فأما مع فقد ذلك فقد حصل شرط الآية على الوجه الذي يبيح التيمم فغير جائز لأحد إسقاطه وإيجاب اعتبار معنى غيره وإنما قدر أصحابنا أقل من ميل من قبل لزوم استعماله إذا علم بموضعه وغلب في ظنه ولم يوجبوه ذلك في ميل فصاعدا اجتهادا ولأن الميل هو الحد الذي تقدر به المسافات ولا تقدر بأقل منه في العادة فاعتبروه في ذلك دون ما هو أقل منه كما قلنا في اعتبار أبى يوسف الكثير الفحش أنه شبر في شبر لأنه أقل المقادير التي تقدر بها المساحات ولا تقدر في العادة بأقل منه وروى نافع عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر من الماء على غلوتين أو ثلاث فيتيمم ويصلّى ولا يميل إليه وعن سعيد بن المسيب في الراعي يكون بينه وبين الماء ميلان أو ثلاثة وتحضره الصلاة أنه يتيمم ويصلّى وقال الحسن وابن سيرين لا يتيمم من رجا أن يقدر على الماء في الوقت واختلف فيمن وجد الماء وخاف ذهاب الوقت إن لم يتيمم فقال أصحابنا والثوري
والأوزاعى والشافعى من وجد الماء من مسافر أو مقيم وهو في مصر وهو في آخر الوقت فخاف إن توضأ أن يفوته الوقت لم يجزه إلا الوضوء وقال مالك يجزيه التيمم إذا خاف فوات الوقت وقال الليث بن سعد إذا خاف فوات الوقت إن توضأ يصلّى بتيمم ثم أعاد بالوضوء بعد الوقت والأصل فيه قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فأوجب استعمال الماء في حال وجوده ونقله عنه إلى التراب عند عدمه فغير جائز نقله إليه مع وجوده لأنه خلاف الآية وحين أمره الله تعالى بغسل هذه الأعضاء لم يقيده بشرط بقاء الوقت وإدراك فعل الصلاة فيه فهو مطلق في الوقت وبعده وقال الله تعالى( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) فمنعه من فعل الصلاة إذا كان جنبا إلا بعد تقديم الغسل ولم يذكر فيه بقاء الوقت ولا غيره ويدل عليه من جهة السنة قوله صلّى الله عليه وسلّم لأبى ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك فمتى كان واجدا فعليه استعمال الماء سواء خاف فوت الوقت أو لم يخف لعموم قوله( فَاغْسِلُوا ) ولقوله صلّى الله عليه وسلّم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء فمتى كان وجدا للماء فليس التراب طهورا له فلا تجزيه صلاته ومن جهة النظر أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت بدلالة أنه لا تجز صلاة بغير طهارة وهي جائزة مع فوات الوقت فإن قيل إذا خاف فوت الوقت صلّى بتيمم ليدرك فضيلة الوقت قيل له كيف يكون مدركا لفضيلة الوقت وهو غير مصل لأنه صلّى بغير طهارة فإن قيل التيمم طهور قيل له إنما هو طهور مع عدم الماء كما قال الله تعالى وكما شرطه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأما مع وجوده فليس بطهور فالواجب عليك أن تدل أو لا على أنه طهور مع وجود الماء وإمكان استعماله من غير ضرر حتى تبنى عليه بعد ذلك مذهبك في أنه مدرك لفضيلة الوقت فإن قال قائل المسافر إنما أبيح له التيمم ليدرك الوقت لا لأجل عدم الماء قيل له لو كان كذلك لما جاز له التيمم في أول الوقت في حال عدم الماء لأنه غير خائف فوت الوقت وفي اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول الوقت دلالة على أن شرط جواز التيمم ليس هو لأجل فوت الوقت* فإن قال لو كان شرط التيمم عدم الماء لما جاز للمريض ولمن يخاف العطش أن يتيمم مع وجود الماء قيل له إنما قلنا بجوازه لأن الوجود هو إمكان استعماله بلا ضرر ولا مشقة لأن الله قد ذكر المريض والمسافر فعدم الماء على الإطلاق شرط وخوف الضرر
باستعماله أيضا شرط وأنت فلم تلجأ في اعتبارك الوقت لا إلى آية ولا إلى أثر بل الكتاب والأثر يقضيان بطلان قولك فإن قيل لما جازت الصلاة في حال الخوف مع الاختلاف والمشي إلى غير القبلة وراكبا لأجل إدراك الوقت دل على وجوب اعتبار الوقت في جوازها بالتيمم إذا خاف فوته قيل له إنما أبيحت صلاة الخائف على هذه الوجوه لأجل الخوف لا للوقت ولا لغيره والخوف موجود والدليل على ذلك جواز صلاة الخوف في أول الوقت مع غلبة الظن بانصراف العدو قبل خروج الوقت فدل على أنها إنما أبيحت للخوف لا ليدرك الوقت والتيمم إنما أبيح له لعدم الماء فنظير صلاة الخوف من التيمم أن يكون الماء معدوما فيجوز له التيمم فأما حال وجود الماء فهو بمنزلة زوال الخوف فلا يجوز له فعل الصلاة إلا على هيئتها في حال الأمن وإنما جعل صلاة الخوف بمنزلة الإفطار للمسافر وبمنزلة المسح على الخفين في أنها رخصة مخصوصة بحال لا لخوف فوات الوقت وأيضا فإنه إن فات وقته باشتغاله بالوضوء فإنه يصير إلى وقت آخر لها لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فأخبر أن وقت الذكر مع فواتها وقت لها كما كان الوقت الذي كان قبله وقتا لها فإذا كان وقت الصلاة باقيا مع فواتها عن الوقت الأول لم يجز لنا ترك الطهارة بالماء لخوف فواتها من وقت إلى وقت وقد وافقنا مالك على وجوب الترتيب بين الفائتة وبين صلاة الوقت وأن الفائتة أخص بالوقت من التي هي في وقتها حتى أنه لو بدأ بصلاة الوقت قبلها لم يجزه فلو كان خوف فوت الوقت مبيحا له التيمم لوجب أن يباح له التيمم بعد الفوات أيضا لأن كل وقت يأتى بعد الفوات هو وقت لها لا يسعه تأخيرها عنه فيلزم مالكا أن يجيز لمن فاتته صلاة أن يصليها بتيمم في أى وقت كان لأن اشتغاله بالوضوء يوجب تأخيرها عن الوقت المأمور بفعلها فيه والمنهي عن تأخيرها عنه ولما اتفق الجميع على أنه غير جائز له فعلها بالتيمم مع خوف فوات وقتها الذي هو مأمور بفعلها فيه إذا اشتغل باستعمال الماء صح أن الوقت لا تأثير له في ترك الطهارة بالماء إلى التيمم* وأما قول الليث بن سعد أنه يتيمم ويصلّى في الوقت ثم يتوضأ ويعيد بعد الوقت فلا معنى له لأنه معلوم أنه لا يعتد بتلك الصلاة فلا معنى لأمره بها وتأخير الفرض الذي عليه تقديمه* واختلف فيمن حبس في موضع قذر لا يقدر على ماء ولا تراب نظيف فقال أبو حنيفة ومحمد وزفر
لا يصلّى حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر وهو قول الثوري والأوزاعي وقال أبو يوسف والشافعى يصلّى ويعيد والحجة لأبى حنيفة ومن قال بقوله قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ـ إلى قوله ـفَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ومن صلّى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلّى بغير طهور فلا يكون ذلك صلاة فلا معنى لأمرنا إياه بأن نفعل ما ليس بصلاة لأجل أن عليه فرض الصلاة وقد قال أبو يوسف إنه يصلّى بالإيماء ثم يعيد فلم يعتد به وأمره بالإعادة فلو كانت هذه صلاة لما كان مأمورا بالإعادة ألا ترى أنه من لم يقدر على الركوع والسجود صلّى بالإيماء ولا يؤمر بالإعادة* فإن قيل قد يأمره إذا كان محبوسا في بيت نظيف أن يتيمم ويعيد* ووجوب الإعادة لم يسقط عنه فعلها بالتيمم* قيل له قد روى الحسن بن أبى مالك عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أنه لا يتيمم ولا يصلّى حتى يخرج فهذا مستمر على هذا الأصل وذكر في الأصل أنه يتيمم ويصلّى ويعيد ولم يذكر خلافا وجائز أن يكون هذا قول أبى يوسف وحده فإن كان قولهم جميعا فوجه هذه الرواية على قول أبى حنيفة إن الصلاة بالتيمم قد تكون صلاة صحيحة بحال وهو حال عدم الماء أو خوف الضرورة فلما كان عادما للماء في هذه الحال جاز له التيمم وكان القياس أن يكون كالمسافر إذا كان الماء منه قريبا وخاف السبع أو اللصوص فيجوز له التيمم ولا يعيد فهذا هو القياس إلا أنه ترك القياس وأمره بالإعادة وفرق بين حال السفر والحضر لأن الماء موجود في الحضر وإنما وقع المنع بفعل آدمي وفعل الآدمي في مثله لا يسقط الفرض ألا ترى أنه لو منعه رجل مكرها من فعل الصلاة أصلا أو من فعلها بركوع وسجود وصلّى بالإيماء أنه يعيد ولو كان المنع من فعل الله تعالى بإغماء ونحوه سقط عنه الفرض ولو كان مريضا سقط عنه فعل الركوع إلى الإيماء فاختلف حكم المنع إذا كان بفعل الله أو بفعل الآدمي فكذلك حال الحضر لما كانت حال وجود الماء لم يسقط فرض استعماله بمنع الآدمي منه فأمره بالتيمم وإعادتها بالماء وعلى الرواية الأولى لم يأمره بفعلها لأنه لا يعتد بها فلا معنى للأمر بها فإن قيل فأنت تأمر المحرم الذي لا شعر على رأسه وأراد الإحلال أن يمر الموسى على رأسه متشبها بالحالقين وإن لم يحلق فهلا أمرت المحبوس الذي لا يقدر على الماء والتراب أن يصلّى متشبها بالمصلين وإن لم يكن مصليا وكما تأمر الأخرس بتحريك
لسانه بالتلبية استحبابا وإن لم يكن ملبيا قيل له الفصل بينهما أن أفعال المناسك قد ينوب عنه الغير فيها في حال فيصير حكم فعله كفعله فجاز أن ينوب عن الحلق إمرار الموسى على رأسه كما يفعله الغير عنه فيجزى وكذلك تلبية الغير قد تنوب عند أبى حنيفة في حال الإغماء فلذلك استحب له تحريك لسانه بها وإن لم يكن ملبيا إذا كان أخرس وأما الصلاة فلا ينوب عنه فيها غيره ولا يجوز أن يفعل ما ليس بصلاة متشابها بالمصلين فيصير هذا الفعل وتركه سواء لا معنى له فلذلك لم يستحبه فإن احتجوا بما روى في قصة قلادة عائشة حين صلت وأن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم الذين بعثهم لطلب القلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بغير وضوء ولا تيمم قيل له إن آية التيمم لم تكن نزلت وقت ما صلوا ولم يكن التيمم واجبا وأيضا فإنهم لم يؤمروا بالإعادة فينبغي أن يدل على أن لا إعادة على من صلّى بغير وضوء ولا تيمم إذا لم يجدهما فلما قال مخالفونا إنه يعيد علمنا أن حكم من ذكر مخالف لأولئك وأيضا فإن أولئك كانوا واجدين للتراب غير واجدين للماء وأنت لا تقول ذلك فيمن كان في مثل حالهم* واختلف في جواز التيمم قبل دخول الوقت فقال أصحابنا جائز قبل دخول وقت الصلاة لمن لا يجد الماء ويصلّى به الفرض إذا دخل الوقت وقال مالك بن أنس والشافعى لا يجوز إلا بعد دخوله ودليلنا قوله( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء ولم يفرق فيه بين حاله قبل دخول الوقت أو بعده وأيضا قال( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) وقد دللنا في أول الكتاب أن معناه إذا أردتم القيام وأنتم محدثون ثم عطف عليه التيمم وأباحه في الحال التي أمر فيها بالوضوء لو كان واجدا للماء وأيضا لما قال تعالى( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) وأمر بتقديم الطهارة لها في غير هذه الآية وكانت الطهارة شيئين الماء عند وجوده والتراب عند عدمه اقتضى ذلك جواز تقديم التيمم على الوقت ليصلّى في أوله على شرط الآية ويدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء وقوله لأبى ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ولم يفرق بينه قبل الوقت أو بعده وإنما علق جوازه بعدم الماء لا بالوقت فإن قيل على استدلالنا بقوله تعالى( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) أن ذلك معطوف على قوله( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) وهو مضمر فيه فكان تقديره إذا قمتم إلى الصلاة
وجاء أحد منكم من الغائط وذلك يكون بعد دخول الوقت قيل له هذا غلط من قبل أن قوله( إِذا قُمْتُمْ ) معناه إذا أردتم القيام وأنتم محدثون فهذه جملة مكتفية بنفسها في إيجاب الوضوء للحدث ثم استأنف حكم عادم الماء فقال( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ـ إلى قوله ـفَتَيَمَّمُوا ) وهذه أيضا جملة مفيدة مستقلة بنفسها غير مفتقرة إلى تضمينها بغيرها وما كان هذا وصفه من الكلام ففي تضمينه بغيره تخصيص له وذلك غير جائز إلا بدلالة فوجب أن يكون شرط المجيء من الغائط في إباحة التيمم مقرا على بابه وأن لا يضمن بغيره وأيضا فإن حكم كل جواب علق بشرط أن يرجع إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة والذي يلي ذلك هو شرط المجيء من الغائط وأيضا كما جاز الوضوء قبل الوقت وجب أن يجوز التيمم كذلك لأنه طهارة لم يوجد بعدها حدث فإن قيل المستحاضة لا تصلّى بوضوء فعلته قبل الوقت قيل له يجوز ذلك عندنا لأنها لو توضأت قبل الزوال كان لها أن تصلّى به إلى خروج وقت الظهر وأما إذا توضأت في وقت الظهر فإنها لا تصلى به في وقت العصر للسيلان الموجود بعد الطهارة والوقت كان رخصة لها في فعل الصلاة مع الحدث فلما ارتفعت الرخصة بخروجه وجب الوضوء للحدث المتقدم واختلف في فعل صلاتي فرض بتيمم واحد فقال يصلّى بتيممه ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو يجد الماء وهو مذهب الثوري والحسن بن صالح والليث بن سعد وهو مذهب إبراهيم وحماد والحسن وقال مالك لا يصلّى صلاتي فرض بتيمم واحد ولا يصلّى الفرض بتيمم النافلة ويصلّى النافلة بعد الفرض بتيمم الفرض وقال شريك بن عبد الله يتيمم لكل صلاة فرض ويصلّى الفرض والنفل وصلاة الجنازة بتيمم واحد والدليل على صحة قولنا قوله صلّى الله عليه وسلّم التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك وقال التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء فجعل التراب طهورا ما لم يجد الماء ولم يوقته بفعل الصلاة وقوله ولو إلى عشر حجج على وجه التأكيد وليس المراد حقيقة الوقت وهو كقوله تعالى( إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) ليس المراد به توقيت العدد المذكور وإنما المراد تأكيد نفى الغفران* فإن قيل لم يذكر الحدث وهو ينقض التيمم كذلك فعل* الصلاة* قيل له لأن بطلانه بالحدث كان معلوما عند المخاطبين فلم يحتج إلى ذكره وإنما ذكر ما لم يكن معلوما عندهم وأكده ببقائه إلى وجود الماء وأيضا فإن المعنى المبيح للصلاة
بالتيمم بديا كان عدم الماء وهو قائم بعد فعل الصلاة فينبغي أن يبقى تيممه ولا فرق فيه بين الابتداء والبقاء إذ كان المعنى فيهما واحدا وهو عدم الماء وأيضا لما كان المسح على الخفين بدلا من الغسل كما أن التيمم بدل منه ثم جاز عند الجميع فعل صلاتين بمسح واحد جاز فعلهما أيضا بتيمم واحد وأيضا فلا يخلو المتيمم بعد فعل صلاته من أن تكون طهارته باقية أو زائلة فإن كانت زائلة فالواجب أن لا يصلّى بها نفلا لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب الطهارة وإن كانت باقية فجائز أن يصلّى بها فرضا آخر* فإن قيل قد خفف أمر النفل عن الفرض جاز على الراحلة وإلى غير القبلة من غير ضرورة ولا يجوز فعل الفرض على هذا الوجه إلا لضرورة قيل له أنهما وإن اختلفا من هذا الوجه فلم يختلفا في أن شرط كل واحد منهما الطهارة فمن حيث جاز النفل بالتيمم الذي أدى به الفرض فواجب أن يجوز فعل فرض آخر به وإنما خفف أمر النفل في جواز فعله على الراحلة وإلى غير القبلة لأن فعل الفرض جائز على هذه الصفة في حال الضرورة وأما الطهارة فلا يختلف فيها حكم النفل والفرض في الأصول واستدل من خالف في ذلك بقوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ـ إلى قوله ـفَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) وذلك يقتضى وجوب تجديد الطهارة على كل قائم إليها فوجب بحق العموم إيجاب تجديد التيمم لكل صلاة قيل له هذا غلط لأن قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ ) لا يقتضى التكرار في اللغة وقد بيناه فيما سلف ألا ترى أنه لم يقتضه في استعمال الماء فكذلك في التيمم وعلى أنه أوجب التيمم في الحال التي لو كان الماء موجودا لكان مأمورا باستعماله فجعل التيمم بدلا منه فإنما يجب التيمم على الوجه الذي يجب فيه الأصل فأما حال أخرى غير هذه فليس في الآية ذكر إيجابه فيها فإذا كان الماء لو كان موجودا لم يلزمه تجديد الطهارة به للصلاة الثانية بعد ما صلّى بها الصلاة الأولى كان كذلك حكم التيمم فإن قيل التيمم لا يرفع الحدث فليس هو بمنزلة الماء الذي يرفعه فلما كان الحدث باقيا مع التيمم وجب عليه تجديده قيل له ليس بقاء الحدث علة لإيجاب تكرار التيمم لأنه لو كان كذلك لوجب عليه تكراره أبدا قبل الدخول في الصلاة لهذه العلة فلما جاز أن يفعل الصلاة الأولى بالتيمم مع بقاء الحدث كانت الثانية مثلها إذا كان التيمم مفعولا لأجل ذلك الحدث بعينه الذي يريد إيجاب التيمم من أجله وقد وقع له مرة فلا يجب ثانية وأيضا فإن هذه العلة منتقضة بالمسح على الخفين لبقاء الحدث في
الرجل مع المسح ويجوز فعل صلوات كثيرة به وينتقض أيضا بتجويز مخالفينا صلاة نافلة بعد الفرض لوجود الحدث فإن قيل هلا جعلته كالمستحاضة عند خروج وقتها قيل له قد ثبت عندنا أن رخصة المستحاضة مقدرة بوقت الصلاة ولا نعلم أحدا يجعل رخصة التيمم مقدرة بالوقت فهو قياس فاسد منتقض وعلى أن المستحاضة مخالفة للمتيمم من قبل أنه قد وجد منها حدث بعد وضوءها والوقت رخصة في فعل الصلاة مع الحدث فإذا خرج الوقت توضأت لحدث وجد بعد طهارتها ولم يوجد في المتيمم حدث بعد تيممه فطهارته باقية واختلف في المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا وجد الماء في الصلاة بطلت صلاته وتوضأ واستقبل وقال مالك والشافعى يمضى فيها وتجزيه وروى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة لم يلزمه الوضوء وصلّى بتيممه وهو قول شاذ مخالف للسنة والإجماع والدليل على صحة قولنا قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ـ إلى قوله ـفَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ) فأوجب غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء ثم نقله إلى التراب عند عدمه فمتى وجد الماء فهو مخاطب باستعماله بظاهر الآية وعلى أن حقيقة اللفظ تقتضي وجوب الغسل بعد القيام إلى الصلاة فغير جائز أن يكون دخوله فيها مانعا من لزوم استعماله وأيضا لا يختلفون أن حكم الآية في فرض الغسل عند وجود الماء قائم عليه بعد دخوله في الصلاة لأنه لو أفسد صلاته قبل إتمامها لزمه استعمال الماء بالآية فثبت بذلك أن دخوله في الصلاة لم يسقط عنه فرض الغسل والخطاب بحكم الآية فوجب عليه بحكم الآية استعماله لبقاء فرض استعماله عليه وأيضا لا يخلو قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) من أن يكون المراد به حال وجود الصلاة بعد فعل جزء منها وإرادة القيام إليها محدثا وجعل ذلك شرطا للزوم استعماله فقد وجد فعليه استعماله ولا يسقط عنه ذلك بالتيمم والدخول فيها مع وجود سبب تكليفه إذ كان المسقط لفرضه هو عدم الماء فمتى وجد فقد عاد شرط لزومه فلزمته الطهارة به ويدل عليه أيضا قوله تعالى( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) فإذا كان جنبا ودخل في الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لزمه بقوله( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ ـ إلى قوله ـحَتَّى تَغْتَسِلُوا ) فإن قيل في نسق الخطاب( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ـ إلى قوله ـفَلَمْ
تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) قيل له هما مستعملان جميعا كل واحد على شريطته فالتيمم عند عدم الماء والغسل عند وجوده وغير جائز إسقاط الغسل عند وجوده إذ كان الظاهر يوجبه ولم تفرق الآية بين حاله بعد الدخول في الصلاة أو قبله ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء فجعله طهورا بشريطة عدم الماء فإذا وجد الماء خرج من أن يكون طهارة ولم يفرق بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها فإذا بطلت طهارته برؤيته الماء لم يجز أن يمضى فيها وأيضا فقال صلّى الله عليه وسلّم الماء طهور المسلم وقال صلّى الله عليه وسلّم إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك وفي بعض الألفاظ وأمسسه بشرتك ودلالته على وصفنا من وجهين أحدهما ما ذكرنا من قوله التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء فأخبر بالحال التي يكون التراب فيها طهورا وهو أن لا يجد الماء ولم يفرق بين حاله قبل الدخول في الصلاة وبعده فإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم خص كونه طهورا بهذه الحال دون غيرها فمتى صلّى به والماء موجود فهو مصل بغير طهور والثاني قوله صلّى الله عليه وسلّم فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك ولم يفرق بينه قبل الدخول وبعده فهو على الحالين يلزمه استعماله متى وجده بظاهر قوله ويدل عليه اتفاق الجميع على أن وجود الماء بعد التيمم قبل الدخول يمنع الابتداء فوجب أن يمنع البناء كما أن الحدث لما منع ابتداء الصلاة منع البناء عليها إذ كان من شرط صحتها جميعا الطهارة وأيضا فإن كونه في الصلاة لا يمنع لزوم الطهارة لأنه لو أحدث فيها لزمته الطهارة وكذلك لا يمنع لزوم سائر الفروض التي هي من شروط الصلاة مثل وجود الثوب للعريان وعتق الأمة في لزومها تغطية الرأس وخروج وقت المسح فوجب أن لا يمنع كونه في الصلاة من لزوم الطهارة بالماء عند وجوده وأيضا لما لم يجز التحريمة بالتيمم مع وجود الماء لأنه يكون فاعلا لجزء من الصلاة بالتيمم مع وجود الماء وكان هذا المعنى موجودا بعد الدخول وجب أن يمنع المضي فيها فإن قيل لو أحدث جاز البناء عندك إذا توضأ ولا تجوز التحريمة بعد الحدث قيل له لا فرق بينهما لأنه لو فعل جزأ من الصلاة بعد الحدث قبل الطهارة بطلت صلاته وإنما نجيز له البناء إذا توضأ وأنت تجيزه قبل الطهارة بالماء فإن قيل إنما اختلف حال الصلاة وقبلها في التيمم لسقوط فرض الطلب عنه بدخوله في الصلاة لأن كونه فيها ينافي فرض الطلب وأما قبل الدخول فيها ففرض الطلب قائم عليه فلذلك لزمته الطهارة إذا وجده قبل الدخول قيل له أما قولك في لزوم فرض الطلب
قبل الدخول فيها ففاسد على ما قدمناه فيما سلف ومع ذلك فلو سلمناه لك لا لانتقض على أصلك وذلك أن بقاء فرض الطلب ينافي صحة الدخول في الصلاة عندك فلا يخلو إذا طلب ولم يجد فتيمم أن يكون فرض الطلب قائما عليه أو ساقطا عنه فإذا كان فرض الطلب قائما عليه فواجب أن لا يصح دخوله إذ كان بقاء فرض الطلب ينافي صحة الصلاة ويمنع صحة التيمم أيضا على أصلك وإن كان فرض الطلب ساقطا عنه فالواجب على قضيتك أن لا يلزمه استعمال الماء إذا وجده بعد التيمم قبل الدخول في الصلاة كما حكى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن فلما ألزمته استعمال الماء عند وجوده بعد التيمم قبل الدخول في الصلاة مع سقوط فرض الطلب ثبت أن سقوط فرض الطلب ليس بعلة لجواز ترك استعمال الماء عند وجوده وأيضا قد اتفقوا جميعا أن الصغيرة لو اعتدت شهرا ثم حاضت انتقلت عدتها إلى الحيض لأن الشهور بدل من الحيض وإنما تكون عدة عند عدمه كما أن التيمم طهور عند عدم الماء فلما اتفقوا على استواء حالهما قبل وجوب العدة وبعده في كون الحيض عدة عند وجوده وجب أن يستوي حكم وجود الماء بعد الدخول في الصلاة وقبله وأيضا لما كان التيمم بدلا من الماء لم يجز أن يبقى حكمه مع وجود المبدل عنه كسائر الأبدال لا يثبت حكمها مع وجود الأصل فإن قيل فلو أن متمتعا وجد الهدى بعد صوم الثلاثة أيام وبعد الإحلال جاز له أن يصوم السبعة مع وجود الأصل قيل له الثلاثة بدل من الهدى لأن بها يقع الإحلال وليست للسبعة بدلا من الهدى لأن الإحلال يكون قبل السبعة* فإن قيل ليست حال الصلاة حال للطهارة فلا يلزمه استعمال الماء* قيل له فينبغي أن لا يلزمه غسل الرجلين بخروج وقت المسح وهو في الصلاة وأن لا يلزم المستحاضة الوضوء بانقطاع الدم في الصلاة وأن لا تلزمها الطهارة لو أحدث فيها لهذه العلة فإن احتجوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم فلا ينصرف حتى يسمع صوت أو يجد ريحا قيل له لم يقل ذلك ابتداء بل بكلام متصل به وهو أنه قال إذا وجد أحدكم حركة في دبره فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وقال إن الشيطان يخيل إلى أحدكم أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وقال في بعض الألفاظ لا وضوء إلا من صوت أو ريح فأما ابتداء قول منه فلا ينصرف حتى يسمع صوت أو يجد ريحا فإن ذلك لم ينقل ولم يروه أحد وإذا كان كذلك فإنما هو في الشاك في الحدث فلم يصح نجعله في غيره ممن
لم يشك ووجد الماء وعلى أن قوله لا وضوء إلا من صوت أو ريح يقتضى ظاهره إيجاب الوضوء بوجود الماء لأن الحدث الذي عنه وجبت الطهارة باق لم يرتفع بالتيمم فإن قيل ما تقول لو تيمم ودخل في صلاة العيد أو صلاة الجنازة ثم وجد الماء قيل له ينتقض تيممه ولا يجوز له المضي عليها وتبطل صلاته إذا أمكنه استعمال الماء والدخول في الصلاة لا فرق بينهما وبين الصلاة المكتوبة وجواب آخر عما أورده من الخبر أنه مجمل لا يصح الإيجاب به لأنه مفهوم أنه لم يرد به كل صوت أو ريح يوجد في دار الدنيا وإنما أراد صوتا أو ريحا على صفة لا يدرى ما هو بنفس اللفظ فسبيله أن يكون موقوفا على دلالة فإن ادعوا فيه العموم كان دلالة لنا لأنه إذا سمع صوت الماء وجب عليه بظاهره إذ لم يفرق بين الأصوات.
(فصل) ويستدل بقوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) الآية على جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين أحدهما قوله تعالى( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) وذلك عموم في جميع المائعات لأنه يسمى غاسلا بها إلا ما قام الدليل فيه ونبيذ التمر مما قد شمله العموم والثاني قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر ويدل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم توضأ به بمكة قبل نزول آية التيمم وقبل أن نقل من الماء إلى بدل فدل ذلك على أنه بقي فيه حكم الماء الذي فيه لا على وجه البدل عن الماء إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة فيه مقصورة على الماء دون غيره وقد تكلمنا في هذه المسألة في مواضع من كتبنا وروى يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال الوضوء بالنبيذ الذي لا يسكر وضوء لمن لم يجد الماء وقال عكرمة النبيذ وضوء إذا لم نجد غيره وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال ركبت مع أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم البجر ففنى ماؤهم فتوضؤوا بالنبيذ وكرهوا ماء البحر وروى المبارك بن فضالة عن أنس أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ فهؤلاء الصحابة والتابعون قد روى عنهم جواز الوضوء بالنبيذ من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم وروى عن أبى حنيفة في الوضوء بنبيذ التمر ثلاث روايات إحداها وهي المشهورة أنه يتوضأ به ولا
يتيمم وهو قول زفر وروى عنه أنه يتوضأ به ويتيمم وهو قول محمد وروى نوح أن أبى حنيفة رجع عن الوضوء بالنبيذ وقال يتيمم ولا يتوضأ به وقال مالك والثوري وأبو يوسف والشافعى يتيمم ولا يتوضأ به وروى الحسن بن زياد عن أبى يوسف أنه يتوضأ به ويتيمم وكذلك روى عنه المعلى وقال حميد بن عبد الرحمن الرؤاسى صاحب الحسن ابن صالح يتوضأ بنبيذ التمر مع وجود الماء إن شاء وروى الوضوء بنبيذ التمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن مسعود وأبو أمامة روى عن عبد الله من طرق عدة قد بيناها في مواضع.
باب صفة التيمم
قال الله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) منه فاختلف الفقهاء في صفته فقال أصحابنا التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين فقالوا يضرب بيديه على الصعيد يحركهما فيقبل بهما ويدبر على الصعيد ثم ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه ثم يعيد إلى الصعيد كفه جميعا فيقبل بهما ويدبر ويرفعهما فينفضهما ثم يمسح بكل كف ظهر ذراعه الأخرى وباطنها إلى المرفقين واتفق مالك والثوري والليث والشافعى أنه ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وروى مثله عن جابر وابن عمر وحكى بعض أصحاب مالك أنه تيمم بضربة واحدة أجزأه وحكى عن مالك أيضا أنه يتيمم إلى المرفقين فإن تيمم إلى الكوعين لم يعد وقال الأوزاعى تجزى ضربة واحدة للوجه والكوعين* وروى نحوه عن عطاء وقال الزهري يمسح يديه إلى الإبط وقال ابن أبى ليلى والحسن بن صالح يتيمم بضربتين يمسح بكل واحدة منها وجهه وذراعيه ومرفقيه وقال أبو جعفر الطحاوي لم نجد عن غيرهما أنه يمسح بكل واحدة من الضربتين وجهه وذراعيه ومرفقيه والحجة لقول أصحابنا ما روى ابن عمر وابن عباس والأسلع عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في صفة التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين واختلفت الرواية عن عمار فروى عنه عبد الرحمن بن أبزى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ضربة واحدة للوجه ولليدين وروى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ضربتين وهذا أولى لأنه زائد وخبر الزائد أولى وأيضا فكما أنه لا يجوز في الوضوء الاكتفاء بماء واحد لعضوين بل عليه تجديد الماء لكل عضو كذلك الحكم في التيمم لأنهما طهارتان
وإن كانت إحداهما مسحا والأخرى غسلا ألا ترى أنه يحتاج إلى تجديد الماء لكل رجل في المسح على الخفين وإن لم يكن غسلا وإنما قلنا إن التيمم إلى المرفقين بحديث ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وحديث الأسلع ذكرا فيه جميعا أن التيمم إلى المرفقين واختلف عن عمار فيما رواه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في صفة التيمم فروى الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أوفوا التيمم إلى المرفقين وروى غيره عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار قال سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن التيمم فأمرنى بضربة واحدة للوجه والكفين ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن زر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار وقال فيهما ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه إلى المرفقين وروى سلمة عن أبى مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار أنه تمعك في التراب في الجنابة فذكره للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له إنما كان يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار أنهم مسحوا وهم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالصعيد ضربة واحدة للوجه وضربة لليدين إلى المناكب والآباط فلما اختلفت أحاديث عمار هذا الاختلاف واتفقوا أن التيمم إلى المناكب غير ثابت الحكم ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وإنما حكى فعل نفسه لم يثبت التيمم إلى المناكب وإن كان له وجه في الاحتمال وهو أنه جائر أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبى هريرة في غسله ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه على وجه المبالغة فيه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم إنكم الغر المحجلون من آثار الوضوء فمن أراد أن يطول غرته فليفعل فقال أبو هريرة إنى أحب أن أطيل غرتي ثم بقي من أخبار عمار مما عزاه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم الوجه والكفان ونصف الذراع إلى المرفقين فكانت رواية من روى إلى المرفقين أولى لوجوه أحدها أنه زائد على روايات الآخرين وخبر الزائد أولى والثاني أن الآية تقتضي اليدين إلى المنكبين لدخلولهما تحت الاسم فلا يخرج شيء منه إلا بدليل وقد قامت الدلالة على خروج ما فوق المرفقين فبقى حكمه إلى المرفقين والثالث أن في حديث ابن عمرو الأسلع التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهما في روايتهما وقول الزهري يمسح يديه إلى الإبط قول شاذ ومع ذلك لم يروه أحد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأما قول ابن أبى ليلى والحسن ابن صالح أنه يمسح بكل واحدة من الضربتين وجهه ويديه فخلاف
ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في سائر الأخبار التي ذكر فيها صفة التيمم لأن الذي روى في بعضها ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين فلم يجعل ما للوجه لليدين وما لليدين للوجه وفي بعضها ضربة واحدة لهما فقولهما خارج عن حكم الخبرين جميعا وهو مع ذلك خلاف الأصول لأن التيمم مسح فليس تكراره بمسنون كالمسح على الخفين ومسح الرأس ولو كان التكرار مسنونا فيه لكان ثلاثا كالأعضاء المغسولة وإنما قال أصحابنا في صفة التيمم أنه يضع يديه على الصعيد يقبل بهما ويدبر ليتخلل أصابعه ويصيب جميعها وإنما قالوا ينفضهما لما روى الأعمش عن سفيان عن أبى موسى أن عمارا قال وذكر قصة التيمم فقال إنه صلّى الله عليه وسلّم قال إنما يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بيده على الأرض وفي حديث عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ضرب بيده إلى الأرض ثم نفخهما وفي حديث الأسلع أنه نفضهما في كل مرة والنفخ والنفض جميعا إنما هو لإزالة التراب عن يده وهذا يدل على أنه ليس المقصد فيه وصول التراب إلى وجهه ولا حصوله فيه لأنه لو كان المقصد حصول التراب في العضو لما نفضه.
باب ما يتيمم به
قال الله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) اختلف الفقهاء فيما يجوز به التيمم فقال أبو حنيفة يجزى التيمم بكل ما كان من الأرض التراب والرمل والحجارة والزرنيخ والنورة والطين الأحمر والمرداسنج(1) وما أشبهه وهو قول محمد وزفر وكذلك يجزى بالكحل والآجر المدقوق في قولهما رواه محمد ورواه أيضا الحسن بن زياد عن أبى حنيفة وإن تيمم ببورق(2) أو رماد أو ملح أو نحوه لم يجز عندهم وكذلك الذهب والفضة في قولهم وقال أبو يوسف لا يجزى إلا أن يكون ترابا أو رملا وإن ضرب يده على صخرة أو حائط لا صعيد عليها أجزأه في قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف لا يجزيه وروى المعلى عن أبى يوسف أنه إن تيمم بأرض لا صعيد عليها لم يجزه وهو بمنزلة الحائط وهو قوله
__________________
(1) قول المرداسنج معرب مرداسنك بضم أوله وتسكين الراء وهو جوهر مركب من القصدير والرصاص كذا ذكره عاصم افندى في ترجمة البرهان القاطع وفي الفتاوى الهندية أنه يجوز التيمم بالمرداسنج المعدنى دون المتخذ من شيء آخر هكذا في محيط السرخسي.
(2) قوله ببورق هو نوع من الأملاح ويقال له النطرون.
الآخر وقال الثوري يجوز بالزرنيخ والنورة ونحوهما وكل ما كان من تراب الأرض ولا يتيمم بالآجر وقال مالك يتيمم بالحصا والجبل وكذلك حكى عنه أصحابه في الزرنيخ والنورة ونحوهما قال وإن تيمم بالثلج ولم يصل إلى الأرض أجزأه وكذلك الحشيش إذا كان ممتدا وروى أشهب عن مالك أنه لا يتيمم بالثلج وقال الشافعى يتيمم بالتراب مما تعلق باليد قال أبو بكر لما قال الله( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) وكان الصعيد اسما للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض وأخبرنا أبو عمر غلام ثعلب عنه عن ابن الأعرابى قال الصعيد الأرض والصعيد التراب والصعيد القبر والصعيد الطريق فكل ما كان من الأرض فهو صعيد فيجوز التيمم به بظاهر الآية* فإن قيل إنما أباح التيمم بالصعيد الطيب والأرض الطيبة هي التي تنبت والجص والزرنيخ لا ينبت شيئا فليس إذا بطيب قال الله تعالى( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) قيل له إنما أراد بالطيب الطاهر المباح كقوله تعالى( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) فأفاد بذلك إيجاب التيمم بالصعيد الطاهر دون النجس وأما قوله( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ ) فإنما يريد به ما ليس بسبخة لأنه قال( وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) ولا خلاف في جواز التيمم بالسبخة التي لا تخرج مثل ما يخرج غيرها فعلمنا أنه لم يرد بالطيب ما ذكرت وقد روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال الطيب الصعيد الجرز أو قال الأرض الجرز وقال ابن جريج قال قلت لعطاء( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) قال أطيب ما حولك ويدل عليه أيضا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وهو يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما إخباره أن الأرض طهور فكل ما كان من الأرض فهو طهور بمقتضى الخبر والآخر أن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي جعله طهورا وسائر ما ذكر هو من الأرض وهي مسجد فيجوز التيمم به بحق العموم وروى عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن أعرابا أتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا يا رسول الله إنا نكون في هذه الرمال لا نقدر على الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وفينا النفساء والحائض والجنب فقال صلّى الله عليه وسلّم عليكم بأرضكم فأفاد بذلك جوازه بكل ما كان من الأرض ولما ذكرنا من عموم الآية والخبر أجزنا التيمم بالحجر والحائط لأنه من الأرض لأنها تشتمل على أنواع مختلفة ولا يخرجها اختلاف أنواعها من كون جميعها صعيدا وقال تعالى( فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً )
يعنى الأرض الملساء التي لا شيء عليها وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم يحشر الناس عراة حفاة في صعيد واحد يعنى الأرض المستوية التي ليس عليها شيء كقوله تعالى( فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ) فلا فرق بين ما عليه منها تراب أو لا تراب عليه لوقوع الاسم عليه على الإطلاق فإن قيل إن الآجر وإن كان أصله من الأرض فقد انتقل عن طبع الأرض بالطبخ وحال عن حد التراب فهو كالماء المنتقل عن حاله بما يدخل عليه من الرياحين والأصباغ حتى يحول إلى جنس آخر ويزول عنه الاسم الأول وكالزجاج فلا يجوز الوضوء به قيل له إنما لم يجز الوضوء بالماء الذي ذكرت لغلبة غيره عليه حتى أزال عنه اسم الماء وأما الآجر فلا يخالطه ما يخرجه عن حد الأرض وإنما حدثت فيه صلابة بالإحراق فهو كالحجر فلا يمتنع ذلك التيمم به وقد روى ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ضرب يده على الحائط فتيمم به وروى أنه نفض يديه حين وضعهما على التراب وأنه نفخهما فعلمنا أن المقصد فيه وضع اليد على ما كان من الأرض على أنه يحصل في يده أو وجهه شيء منه ولو كان المقصد أن يحصل في يده منه شيء لأمر بحمل التراب على يده ومسح الوجه به كما أمر بأخذ الماء للغسل أو للمسح حتى يحصل في وجهه فلما لم يأمر بأخذ التراب ونفض النبي صلّى الله عليه وسلّم يديه ونفخهما علمنا أنه ليس المقصد حصول التراب في وجهه* فإن قيل قوله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) يقتضى حصول شيء منه في الأعضاء الممسوحة به قيل له إنما أفاد بذلك تأكيد وجوب النية فيه لأن من قد تكون لبدء الغاية كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب من فلان إلى فلان فيكون معناه على هذا ليكن ابتداء الأخذ من الأرض حتى يتصل بالوجه واليد بلا فاصل يفصل بين الأخذ وبين المسح فينقطع حكم النية ويحتاج إلى تجديدها وهو كقولك توضأ من النهر يعنى أن ابتداء أخذه من النهر إلى أن اتصل بأعضاء الوضوء من غير قطع ألا ترى أنه لو أخذه من النهر في إناء وتوضأ منه لم يقل إنه توضأ من النهر ويحتمل أن يكون قوله( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) يعنى من بعضه وأفاد به أن أى بعض منه مسحتم به على جهة الإطلاق والتوسعة وأما الذهب والفضة واللؤلؤ ونحوها فلا يجوز التيمم لأنها ليست من طبع الأرض وإنما هي جواهر مودوعة فيها قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سئل عن الركاز هو الذهب والفضة اللذان خلقهما الله تعالى في الأرض يوم
خلقت واللؤلؤ من الصدف والصدف من حيوان الماء وأما الرماد فهو من الخشب ونحوه ومع ذلك فليس هو من طبع الأرض ولا من جوهرها وأما الثلج والحشيش فهما كالدقيق والحبوب ونحوها فلا يجوز التيمم بها لأنها ليست من الصعيد ولا يجوز نقل الأبدال إلى غيرها إلا بتوقيف فلما جعل الله الصعيد بدلا من الماء لم يجز لنا إثبات بدل منه إلا بتوقيف ولو جاز ذلك لجاز أن يضرب يده على ثوب لا غبار عليه فيتيمم به ولا جاز التيمم بالقطن والحبوب وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال وترابها لنا طهور وقد اتفقوا على امتناع جوازه بالثلج والحشيش إذا وصل إلى الأرض فلو كان مما يجوز التيمم به لجاز مع وجود التراب لأن التيمم بالصعيد بدل فلا ينتقل إلى بدل غيره* فإن قيل إذا لم يصل إلى الأرض فهو كالزرنيخ والنورة والمغرة إذا كان بينه وبين الأرض قيل له الزرنيخ ونحوه من الأرض ويجوز التيمم به مع وجود التراب وعدمه وليس هو مع ذلك حائلا بيننا وبين الأرض وإنما الأرض في الأغلب حائلة بيننا وبينه فكيف يشبهه بالثلج والحشيش وإن تيمم بغبار ثوب أو لبد وقد نفضه جاز عند أبى حنيفة ولا يجوز عند أبى يوسف وإنما جاز عند أبى حنيفة لأن الغبار الذي فيه من الأرض ولا يختلف حكمه في كونه في الثياب أو على الأرض كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر من ثوب مبلول وذهب أبو يوسف في ذلك كله إلى أن هذا لا يسمى ترابا على الإطلاق فلا يجوز التيمم به ومن أجل ذلك لم يجز التيمم بأرض لا تراب عليها وجعلها بمنزلة الحجر على أصله وروى قتادة عن نافع عن ابن عمر أن عمر صلّى على مسح من ثلج أصابه وأرادوا أن يتيمموا فلم يجدوا ترابا فقال لينفض أحدكم ثوبه أو صفة سرجه فتيمم به وروى هشام بن حسان عن الحسن قال إذا لم يجد الماء ولم يصل إلى الأرض ضرب بيده على لبده وسرجه ثم يتيمم به قوله تعالى( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) قال أبو بكر الذي يقتضيه الظاهر مسح البعض على ما بيناه في قوله تعالى( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) وإن الباء تقتضي التبعيض إلا أن الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز له الاقتصار على القليل منه وأن عليه مسح الكثير وذكر أبو الحسن الكرخي عن أصحابنا أنه إن ترك المتيمم من مواضع التيمم شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزه وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة أنه يجزيه إذا ترك اليسير منه وهذا
أولى بمذهبه لأن من أصله جواز التيمم بالحجارة التي لا غبار عليها وليس عليه تخليل أصابعه بالحجارة وهذا يدل على أن ترك اليسير منه لا يضره وقال الله تعالى( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) ولا خلاف في وجوب استيعاب البيت كله وغير جائز له ترك شيء منه قوله تعالى( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) قال أبو بكر لما كان الحرج الضيق ونفى الله عن نفسه إرادة الحرج بنا ساغ الاستدلال بظاهره في نفى الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام السمعيات فيكون القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجا بظاهر هذه الآية وهو نظير قوله تعالى( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) وقوله تعالى( وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) يحتمل معنيين الطهارة من الذنوب كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا توضأ العبد فغسل وجهه خرجت ذنوبه من وجهه وإذا غسل يديه خرجت ذنوبه من يده إلى آخره كما قال تعالى( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) يحتمل التطهير من الذنوب ويحتمل التطهير من الأحداث والجنابة والنجاسة كقوله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) وقوله تعالى( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) فانتظم لطهارة الجنابة والطهارة من النجاسة وقوله تعالى( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) فلما احتمل المعنيين فالواجب حمله عليهما فيكون المراد حصول الطهارة على سقوط اعتبار الترتيب وإيجاب النية في الوضوء فإن قيل لما ذكر ذلك عقيب التيمم فينبغي أن يدل على سقوط اعتبار النية في التيمم كما دل على سقوطها في الوضوء قيل له لما كان التيمم يقتضى إحضار النية في فحواه ومقتضاه علمنا أنه لم يرد به إسقاط ما انتظمه وأما الوضوء والغسل فلا يقتضيان النية فوجب اعتبار عمومه فيهما وعلى أن قوله( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره فصح اعتبار عمومه في جميع ما انتظمه لفظه إلا ما قام دليل خصوصه.
(فصل) قال أبو بكر قد ذكرنا ما حضرنا من علم أحكام هذه الآية وما في ضمنها من الدلائل على المعاني وما يشتمل عليه من وجوه الاحتمال على ما ذهب إليه المختلفون فيها وذكرناه عن قائليها من السلف وفقهاء الأمصار وأنزل الله إياها بهذه الألفاظ المحتملة للمعاني ووجوه الدلالات على الأحكام مع أمره إيانا باعتبارها والاستدلال بها في
قوله تعالى( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) وقوله تعالى( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) فحثنا على التفكر فيه وحرضنا على الاستنباط والتدبر وأمرنا بالاعتبار لنتسابق إلى إدراك أحكامه وننال درجة المستنبطين والعلماء الناظرين ودل بما نزل من الآي المحتملة للوجوه من الأحكام التي طريق استدراك معانيها السمع على تسويغ الاجتهاد في طلبها وإن كلا منهم مكلف بالقول بما أداه إليه اجتهاده واستقر عليه رأيه ونظره وأن مراد الله من كل واحد من المجتهدين اعتقاد ما أداه إليه نظره إذ لم يكن لنا سبيل إلى استدراكه إلا من طريق السمع وكان جائزا تعبد كل واحد منهم من طريق النظر بمثل ما حصل عليه اجتهاده فوجب من أجل ذلك أن يكون من حيث جعل لفظ الكتاب محتملا للمعاني أن يكون مشرعا لكل واحد من المجتهدين ما دل عليه عنده فحوى الآية وما في مضمون الخطاب ومقتضاه من وجوه الاحتمال فانظر على كم اشتملت هذه الآية بفحواها ومقتضاها من لطيف المعاني وكثيرة الفوائد وضروب ما أدت إليه من وجوه الاستنباط وهذه إحدى دلائل إعجاز القرآن إذ غير جائز وجود مثله في كلام البشر وأنا ذاكرنا مجملا ما تقدم ذكره مفصلا ليكون أقرب إلى فهم قارئه إذا كان مجموعا محصورا والله تعالى نسأل التوفيق* فأول ما ذكرنا من حكم قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) ما احتمله اللفظ من إرادة القيام والثاني ما اقتضته حقيقة اللفظ من إيجاب الغسل بعد القيام والثالث ما احتمله من القيام من النوم لأن الآية على هذه الحال نزلت والرابع اقتضاؤها إيجاب الوضوء من النوم المعتاد الذي يصح إطلاق القول فيه بأنه قائم من النوم والخامس احتمالها لإيجاب الوضوء لكل صلاة واحتمالها لطهارة واحدة لصلوات كثيرة ما لم يحدث والسادس احتمالها إذا أردتم القيام وأنتم محدثون وإيجاب الطهارة من الأحداث والسابع دلالتها على جواز الوضوء بإمرار الماء على الموضع من غير ذلك واحتمالها لقول من أوجب الدلك والثامن إيجابها بظاهرها إجراء الماء على الأعضاء وإن مسحها غير جائز على ما بينا وبطلان قول من أجاز المسح في جميع الأعضاء والتاسع دلالتها على جواز الوضوء بغير نية والعاشر دلالتها على وجوب الاقتصار بالفرض على ما واجهنا من المتوضئ بقوله تعالى( وُجُوهَكُمْ ) إذ كان الوجه ما واجهك وإن المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الوضوء والحادي عشر دلالتها على أن تخليل
اللحية غير واجب إذ لم يكن باطنها من الوجه والثاني عشر دلالتها على نفى إيجاب التسمية في الوضوء والثالث عشر دلالتها على دخول المرافق في الغسل والرابع عشر احتمالها أن تكون المرافق غير داخلة والخامس عشر دلالتها على جواز مسح بعض الرأس والسادس عشر احتمالها لوجوب مسح الجميع والسابع عشر احتمالها لجواز مسح البعض أى بعض كان منه والثامن عشر دلالتها على أنه غير جائز أن يكون المفروض ثلاث شعرات إذ غير جائز تكليفه ما لا يمكن الاقتصار عليه والتاسع عشر احتمالها لوجوب غسل الرجلين والعشرون احتمالها لجواز المسح على قول موجبى استيعابها بالمسح والحادي والعشرون دلالتها على بطلان قول مجيزى مسح البعض بقوله( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) والثاني والعشرون دلالتها على عدم إيجاب الجمع بين الغسل والمسح وأن الواجب إنما كان أحدهما باتفاق الفقهاء والثالث والعشرون دلالتها على جواز المسح في حال لبس الخفين ووجوب الغسل في حال ظهور الرجلين والرابع والعشرون دلالتها على جواز المسح على الخفين إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان ثم أكمل الطهارة قبل الحدث لأنها من حيث دلت على المسح دلت على جوازه في جميع الأحوال إلا ما قام دليله والخامس والعشرون دلالتها على قول من أجاز المسح على الجرموقين من حيث دلت على المسح على الخفين لأن الماسح على الخفين والجرموقين جائز أن يقال قد مسح على رجليه وإن كان عليهما خفان والسادس والعشرون دلالتها على المسح على الجوربين وأنه يحتاج إلى دليل في أن المسح على الجوربين وأنه غير مراد والسابع والعشرون دلالتها على لزوم مباشرة الرأس بالمسح وامتناع جوازه على العمامة والخمار فإن قيل كان ذلك دليلا على بطلان المسح على العمامة فقوله( وَأَرْجُلَكُمْ ) يدل على بطلان المسح على الخفين* قيل له لما كان قوله( وَأَرْجُلَكُمْ ) محتملا للمسح والغسل وأمكننا استعمالها استعملناهما في حالين وإن كان في أحدهما مجازا لئلا نسقط واحدا منهما ولم تكن بنا حاجة إلى استعمال قوله( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) على المجاز فاستعملناه على حقيقته والثامن والعشرون دلالتها على جواز الوضوء مرة مرة وأن ما زاد فهو تطوع والتاسع والعشرون دلالتها على نفى فرض الاستنجاء وعلى جواز الصلاة مع تركه وعلى بطلان قول من أوجب الاستنجاء من الريح والثلاثون دلالتها على بطلان قول من أوجب غسل اليد قبل إدخالهما الإناء وأنه إن أدخلهما قبل أن يغسلهما لم يجزه
الوضوء والحادي والثلاثون دلالتها على أن مسح الأذنين ليس بفرض وبطلان قول من أجاز المسح عليهما دون الرأس والثاني والثلاثون دلالتها على جواز تفريق الوضوء بإباحة الصلاة بالغسل على أى وجه حصل والثالث والثلاثون دلالتها على بطلان قول موجبى الترتيب في الوضوء والرابع والثلاثون اقتضاؤها لإيجاب الغسل من الجنابة والخامس والثلاثون دلالتها على اقتضاء هذا اللفظ لمن سمى به اجتناب أشياء إذ كانت الجنابة من مجانبة ما يقتضى ذلك اجتنابه وهو ما قد بين حكمه في غيرها والسادس والثلاثون دلالتها على استيعاب البدن كله بالغسل ووجوب المضمضة والاستنشاق فيه بقوله( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) والسابع والثلاثون دلالتها على أنه متى طهر بدنه استباح الصلاة وأن الوضوء ليس بفرض فيه والثامن والثلاثون إيجاب التيمم للحدث عند عدم الماء والتاسع والثلاثون جوازه للمريض إذا خاف ضرر الماء والأربعون جواز التيمم لغير المريض إذا خاف ضرر البرد إذ كان المعنى في المرض مفهوما وهو أنه خوف الضرر والحادي والأربعون دلالتها على جواز التيمم للجنب إذ كان قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) يحتمل الجماع والثاني والأربعون احتمالها إيجاب الوضوء من مس المرأة إذ كان قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ ) يحتمل الأمرين والثالث والأربعون دلالتها على أن من خاف العطش جاز له التيمم إذ كان في معنى الخائف لضرر الماء باستعماله وهو المريض والمجروح والرابع والأربعون دلالتها على أن الناسي للماء في رحله يجوز له التيمم إذ هو غير واجد للماء والله تعالى شرط استعمال الماء عند وجوده والخامس والأربعون دلالتها على أن من معه ماء لا يكفيه لوضوئه فليس عليه استعماله لأنه أمر بغسل أعضاء الوضوء ثم قال تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) يعنى ما يكفى لغسلها ولأنه لا خلاف أن من فرضه التيمم فدل على أن هذا القدر من الماء غير مراد والسادس والأربعون احتمالها لاستدلال من استدل بقوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فذكر عدم كل جزء منه إذ كان نكرة في جواز التيمم فإذا وجد قليلا لم يجز الاقتصار على التيمم والسابع والأربعون دلالتها على سقوط فرض الطلب وبطلان قول موجبه إذ كان الوجود أو العدم لا يقتضيان طلبا فموجب الطلب زائد فيها ما ليس منها والثامن والأربعون دلالتها على أن من خاف ذهاب الوقت إن توضأ لم يجز له التيمم إذ كان واجدا للماء لأمره تعالى إيانا بالغسل عند وجود الماء
بقوله تعالى( فَاغْسِلُوا ) من غير ذكر الوقت والتاسع والأربعون دلالتها على أن المحبوس الذي لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا أنه لا يصلّى لأن الله أمر بفعل الصلاة بأحد ما ذكره في الآية من ماء أو تراب والخمسون احتمالها لجواز التيمم للمحبوس إذا وجد ترابا نظيفا والحادي والخمسون جواز التيمم قبل دخول الوقت إذ لم يحصره بوقت وإنما علقه بعدم الماء بقوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) والثاني والخمسون دلالتها على جواز الصلوات المكتوبات بتيمم واحد ما لم يحدث أو يجد الماء بقوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) ثم قوله في سياقه( فَتَيَمَّمُوا ) فأمر بالصلاة بالتيمم على الوجه الذي أمر بها بالوضوء فلما لم تقتض الآية تكرار الوضوء لكل صلاة لم تقتض تكرار التيمم والثالث والخمسون دلالتها على أن على المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة الوضوء لقوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) على ما بينا من دلالتها على ذلك فيما سلف والرابع والخمسون مسح الوجه واليدين في التيمم واستيعابهما به* والخامس والخمسون مسح اليدين إلى المرفقين لاقتضاء قوله تعالى( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) إياها وأن ما فوق المرفقين إنما خرج بدليل والسادس والخمسون جوازه بكل ما كان من الأرض لقوله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) والصعيد الأرض والسابع والخمسون بطلان التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى( طَيِّباً ) والنجس ليس بطيب والثامن والخمسون وجوب النية في التيمم من وجهين أحدهما أن التيمم القصد والثاني قوله تعالى( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) على ما بينا من دلالته على أن ابتداءه يكون من الأرض حتى يتصل بالوجه من غير قطع وأن استعماله لشيء آخر يقطع حكم النية وتوجب الاستيناف والتاسع والخمسون احتمالها لإصابة بعض التراب وجهه ويديه لقوله( مِنْهُ ) وهو للتبعيض والستون دلالتها على بطلان قول من أجاز التيمم بالثلج والحشيش إذ ليسا من الصعيد والواحد والستون دلالة قوله تعالى( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) على إيجاب الطهارة من الخارج من السبيلين وأن دم الاستحاضة وسلس البول والمذي ونحوهما توجب الوضوء إذ كان الغائط هو المطمئن من الأرض يؤتى لكل ذلك والثاني والستون دلالة قوله تعالى( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) على جواز الغسل بسائر المائعات إلا ما خصه الدليل فيستدل به على جواز الوضوء بنبيذ التمر ويستدل به أيضا الحسن بن صالح على جوازه بالخل وما جرى مجراه ويستدل به أيضا على جواز
الطهارة بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات ولم يغلب على الماء مثل ماء الورد واللبن والخل ونحو ذلك والثالث والستون دلالة قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) على جوازه بالنبيذ إذ كان في النبيذ ماء وإنما أطلق لنا التيمم عند عدم كل جزء من الماء لذكره إياه بلفظ منكور ويستدل به أيضا من يجيز الوضوء بالماء المضاف كالمرق وخل التمر ونحوه إذا كان فيه ماء والرابع والستون دلالتها لمن يمنع المستحاضة صلاتي فرض بوضوء واحد على لزوم إعادة الوضوء لفرض ثان لقوله( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) فقد روى إذا قمتم وأنتم محدثون وهي محدثة لوجود الحدث بعد الطهارة والخامس والستون دلالتها على امتناع جواز فرضين بتيمم واحد كدلالتها في الاستحاضة إذا كان التيمم غير رافع للحدث فهو متى أراد القيام إلى الصلاة قام إليها وهو محدث والسادس والستون دلالتها على جواز التيمم في أول الوقت عند عدم الماء لقوله تعالى( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) وقوله( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ـ إلى قوله ـفَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) فأمر بالصلاة عند دلوكها وأمر بتقديم الطهارة لها بالماء إن كان موجودا أو التراب إذا كان معدوما فاقتضى ذلك جواز التيمم في أول الوقت وقبل الوقت كما اقتضى جواز الطهارة بالماء قبل الوقت وفي أوله والسابع والستون دلالتها على امتناع جواز التيمم في الحضر للمحبوس وجواز الصلاة به لقوله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ـ إلى قوله ـفَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ) فشرط في إباحة التيمم شيئين أحدهما المرض والآخر السفر مع عدم الماء فإذا لم يكن مسافرا وكان مقيما إلا أنه ممنوع منه بحبس فغير جائز صلاته بالتيمم فإن قيل فهو غير واجد للماء وإن كان مقيما قيل له هو كذلك إلا أنه قد شرط في جوازه شيئين أحدهما السفر الذي الأغلب فيه عدم الماء والثاني عدمه وإنما أبيح له التيمم وجواز الصلاة بتعذر وجود الماء للحال الموجبة لذلك وهو السفر لا في الحضر الذي الماء فيه موجود في الأغلب وإنما حصل المنع بفعل آدمي من غير حال العادة فيها والغالب منها عدمه والثامن والستون دلالة قوله( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) على نفى كل ما أوجب الحرج والاحتجاج به عند وقوع الخلاف عن منتحلي مذهب التضييق فيدل ذلك على جواز التيمم وإن كان معه ما إذا خاف على نفسه من العطش فيحبسه لشربه إذ كان فيه نفى الضيق والحرج وعلى نفى إيجاب الترتيب والموالاة في الطهارة وعلى نفى إيجاب
النية فيها وما جرى مجرى ذلك والتاسع والستون دلالة قوله( وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) على أن المقصد حصول الطهارة على أى وجه حصلت من ترتيب أو غيره ومن موالاة أو تفريق ومن وجوب نية أو عدمها وما جرى مجرى ذلك والسبعون دلالة قوله( فَاطَّهَّرُوا ) على سقوط اعتبار تقدير الماء إذ كان المراد التطهير وعلى أن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلّم بالصاع غير موجب اعتباره والواحد والسبعون أن قوله تعالى( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فيه دلالة على أن المراد مسحه بالماء فهذه وجوه دلالات هذه الآية الواحدة على المعاني وضروب الأحكام منها نصوص ومنها احتمال في الطهارة التي يجب تقديمها أمام الصلاة وشروطها التي تصح بها وعسى أن يكون كثير من دلائلها وضروب احتمالها مما لم يبلغه علمنا متى يحث عنها واستقصى النظر فيها أدركها من وفق لفهمها والله الموفق.
باب القيام بالشهادة والعدل
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) ومعناه كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به والنهى عن المنكر واجتنابه فهذا هو القيام لله بالحق وقوله [شهداء لله بالقسط] يعنى بالعدل قد قيل في الشهادة أنها الشهادات في حقوق الناس روى ذلك عن الحسن وهو مثل قوله( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) وقيل إنه أراد الشهادة على الناس بمعاصيهم كقوله تعالى( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) فكان معناه أن كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأن مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة وقيل أراد به الشهادة لأمر لله بأنه الحق وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة لاحتمال اللفظ لها وقوله تعالى( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ) روى أنها نزلت في شأن اليهود حين ذهب إليهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ليستعينهم في دية فهموا أن يقتلوه وقال الحسن نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام* قال أبو بكر قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في هذه السورة في قوله( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا ) فحمله الحسن على معنى الآية الأولى والأولى أن تكون نزلت في غيرهم وأن لا تكون تكرارا وقد تضمن ذلك الأمر بالعدل على المحق والمبطل وحكم بأن كفر الكافرين وظلمهم لا يمنع من العدل عليهم وأن لا يتجاوز في قتالهم وقتلهم ما يستحقون وأن يقتصر بهم على
المستحق من القتال والأمر والاسترقاق دون المثلة بهم وتعذيبهم وقتل أولادهم ونساءهم قصدا لإيصال الغم والألم إليهم وكذلك قال عبد الله بن رواحة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلّم إلى خيبر خارصا فجمعوا له شيئا من حليهم وأرادوا دفعه إليه ليخفف في الخرص إن هذا سحت وإنكم لأبغض إلى من عدتكم قردة وخنازير وما يمنعني ذلك من أن أعدل عليكم فقالوا بهذا قامت السموات والأرض* فإن قيل لما قال( هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) ومعلوم أن العدل نفسه هو التقوى فكيف يكون الشيء هو أقرب إلى نفسه قيل معناه هو أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات فيكون العدل فيما ذكر داعيا إلى العدل في جميع الأشياء واجتناب جميع المعاصي ويحتمل هو أقرب لاتقاء النار وقوله( هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) فقوله هو راجع إلى المصدر الذي دل عليه الفعل كأنه قال العدل أقرب للتقوى كقول القائل من كذب كان شرا له يعنى كان الكذب شرا له وقوله تعالى( وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) قد اختلف في المراد بالنقيب هاهنا فقال الحسن الضمين وقال الربيع بن أنس الأمين وقال قتادة الشهيد على قومه وقبل إن أصل النقيب مأخوذ من النقب وهو الثقب الواسع فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم وأسرارهم فسمى رئيس العرفاء نقيبا لهذا المعنى وأما قول الحسن أنه الضمين فإنما أراد به أنه الضمين لتعرف أحوالهم وأمورهم وصلاحهم وفسادهم واستقامتهم وعدولهم ليرفع ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وكذلك جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم على الأنصار اثنى عشر نقيبا على هذا المعنى وقول الربيع بن أنس أنه الأمين وقول قتادة أنه الشهيد يقارب ما قال الحسن أيضا لأنه أمين عليهم وشهيد بما يعملون به ويجرى عليهم أمورهم وإنما نقب النبي صلّى الله عليه وسلّم النقباء لشيئين أحدهما لمراعاة أحوالهم وأمورهم وأعلامها النبي صلّى الله عليه وسلّم ليدبر فيهم بما روى والثاني أنهم إذا علموا أن عليهم نقيبا كانوا أقرب إلى الاستقامة إذ علموا أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ولأن كل واحد منهم يحتشم مخاطبة النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما ينوبه ويعرض له من الحوائج قبله فيقوم عنه النقيب فيه وليس يجوز أن يكون النقيب ضامنا عنهم الوفاء بالعهد والميثاق لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا يمكن الضمين فعله ولا القيام به فعلمنا أنه على المعنى الأول وفي هذه الآية دلالة على قبول خبر الواحد لأن نقيب كل قوم إنما نصب ليعرف
أحوالهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أو الإمام فلو لا أن خبره مقبول لما كان لنصبه وجه* فإن قيل إنما يدل ذلك على قبول الإثنى عشر دون الواحد قيل له إن الإثنى عشر لم يكونوا نقباء على جميع بنى إسرائيل بجملتهم وإنما كان كل واحد منهم نقيبا على قومه خاصة دون الآخرين قوله تعالى( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) قال ابن عباس هذا قول جماعة من اليهود حين حذرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم نقمات الله فقالوا لا تخوفنا فإنا أبناء الله وأحباؤه قال السدى تزعم اليهود أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكرى من الولد وقال الحسن إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد وأما النصارى فقيل إنهم تأولوا ما في الإنجيل في قول المسيح عليه السلام إنى ذاهب إلى أبى وأبيكم وقيل إنهم لما قالوا المسيح ابن الله وكان منهم جرى ذلك على قول العرب هذيل شعراء أى منهم شعراء وعلى قولهم في رهط مسيلمة قالوا نحن أبناء الله أى قال قائل منهم وتابعوه عليه فكان معنى قولهم على هذا الوجه نحن أبناء الله أى منا ابن الله وقال تعالى( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) فيه إبطال دعواهم ذلك وتكذيبهم بها على لسانهم لأنهم كانوا مقرين بأنهم يعذبون بالذنوب ومعلوم أن الأب المشفق لا يعذب ولده قوله تعالى( وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) قال عبد الله بن عمر وزيد بن أسلم والحسن الملك من له دار وامرأة وخادم وقال غيرهم هو الذي له ما يستغنى به عن تكلف الأعمال وتحمل المشاق للمعاش وقال ابن عباس ومجاهد جعلوا ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام وقال غيرهم بالأموال أيضا وقال الحسن إنما سماهم ملوكا لأنهم ملكوا أنفسهم بالتخلص من القبط الذين كانوا يستعبدونهم وقال السدى ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله وقال قتادة كانوا أول من ملك الخادم* قوله( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ) تحريفهم إياه يكون بوجهين أحدهما بسوء التأويل والآخر بالتغيير والتبديل وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدى الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع الطواطؤ على مثلهم وما لم يستفض في الكافة وإنما كان علمه عند قوم من الخاصة يجوز على مثلهم التواطؤ فإنه جائز وقوع تغيير ألفاظه ومعانيه إلى غيرها وإثبات ألفاظ أخر سواها وأما المستفيض الشائع في أيدى الكافة فإنما تحريفهم على تأويلات فاسدة كما تأولت المشبهة والمجبرة كثيرا من الآي المتشابهة على ما تعتقده من مذهبها وتدعى من معانيها ما يوافق اعتقادها دون حملها على معاني المحكمة وإنما قلنا إنه
غير جائز وقوع التحريف من جهة تغيير الألفاظ فيما استفاض وانتشر عند الكافة من قبل أن ذلك لا يقع إلا بالتواطؤ عليه ومثلهم مع اختلاف هممهم وتباعد أوطانهم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم على مثله كما لا يجوز وقوع التواطؤ من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى غيره ولو جاز ذلك لجاز تواطؤهم على اختراع أخبار لا أصل لها ولو جاز ذلك لما صح أن يعلم بالأخبار شيء وقد علم بطلان هذا القول اضطرار قوله تعالى( وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ) عن الحسن قال إنما قال( قالُوا إِنَّا نَصارى ) ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه من الحواريين وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة نسبوا إلى قرية الشام تسمى ناصرة فانتسب هؤلاء إليهم وإن لم يكونوا منهم لأن أولئك كانوا موحدة مؤمنين وهؤلاء مثلثة مشركون وقد أطلق الله تعالى في مواضع غيره اسم النصارى لا على وجه الحكاية عنهم في قوله تعالى( وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ) وفي مواضع أخر لأنهم قد عرفوا بذلك وصار ذلك سمة لهم وعلامة قوله تعالى( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) إنما لحقتهم سمة الكفر لأنهم قالوا ذلك على جهة التدين به واعتقادهم إياه والإقرار بصحته لأنهم لو قالوا على جهة الحكاية عن غيرهم منكرين له لما كفروا والكفر هو التغطية ويرجع معنى ما ذكر عنهم إلى التغطية من وجهين أحدهما كفران النعمة يجحدها أن يكون المنعم بها هو الله تعالى وإضافتها إلى غيره ممن ادعوا له الإلهية والآخر كفر من جهة الجهل بالله تعالى وكل جاهل بالله كافر لتضييعه حق نعم الله تعالى فكان بمنزلة مضيفها إلى غيره وقوله تعالى( فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) معناه من يقدر على دفع أمر الله تعالى إن أراد هلاك المسيح وأمه وهذا من أظهر الاحتجاج وأوضحه لأنه لو كان المسيح إلها لقدر على دفع أمر الله تعالى إذا أراد الله تعالى إهلاكه وإهلاك غيره فلما كان المسيح وسائر المخلوقين سواء في جواز ورود الموت والهلاك عليهم صح أنه ليس بإله إذا لم يكن سائر الناس آلهة وهو مثلهم في جواز الفناء والموت والهلاك عليهم قوله تعالى( يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) قال ابن عباس والسدى أرض بيت المقدس وقال مجاهد أرض الطور وقال قتادة أرض الشام
وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن والمقدسة هي المطهرة لأن التقديس التطهير وإنما سماها الله المقدسة لأنها طهرت من كثير من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء والمؤمنين* فإن قيل لم قال( كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) وقد قال( فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) قيل له روى عن ابن إسحاق أنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرمهم إياها قال أبو بكر ينبغي أن يكون الله قد جعلها على شريطة القيام بطاعته واتباع أمره فلما عصوا حرمهم إياها وقد قيل إنها على الخصوص وإن كان مخرجه مخرج العموم قوله تعالى( إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ) فإنه قد قيل أن الجبار هو من الإجبار على الأمر وهو الإكراه عليه وجبر العظم لأنه كالإكراه على الصلاح والجبار هدر الأرش لأن فيه معنى الكره والجبار من النخل ما فات اليد طولا لأنه كالجبار من الناس والجبار من الناس الذي يجبرهم على ما يريد والجبار صفة مدح لله تعالى وهو ذم في صفة غيره يتعظم بما ليس له والعظمة لله عز وجل وحده الجبار المتعظم بالاقتدار ولم يزل الله جبارا والمعنى أن ذاته يدعو العارف به إلى تعظيمه والفرق بين الجبار والقهار أن في القهار معنى الغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوى بعصيانه إياه قوله تعالى( قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ ) روى عن قتادة في قوله( يَخافُونَ ) أنهم يخافون الله تعالى وقال غيره من أهل العلم يخافون الجبارين ولم يمنعهم الخوف من أن يقولوا الحق فأثنى الله عليهما بذلك فدل على فضيلة قول الحق عند الخوف وشرف منزلته وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا رآه وعلمه فإنه لا يبعد من رزق ولا يدنى من أجل وقال لأبى ذر رضوان الله عليه وأن لا يأخذك في الله لومة لائم وقال حين سئل عن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر قوله تعالى( قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) قوله( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ) يحتمل معنيين أحدهما أنهم قالوه على وجه المجاز بمعنى وربك معين لك والثاني الذهاب الذي هو النقلة وهذا تشبيه وكفر من قائله وهو أولى بمعنى الكلام لأن الكلام خرج مخرج الإنكار عليهم والتعجب من جهلهم وقد يقال على المجاز قاتله الله بمعنى أن عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلى عليهم بالاقتدار وعظم السلطان قوله تعالى( قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ) هذا مجاز لأن الإنسان لا يملك نفسه ولا أخاه الحر على الحقيقة وذلك لأن أصل الملك القدرة
ومحال أن يقدر الإنسان على نفسه أو على أخيه ثم أطلق اسم الملك على التصرف فجعل المملوك في حكم المقدور عليه إذ كان له أن يصرفه تصرف المقدور عليه وإنما معناه هاهنا أنه يملك تصريف نفسه في طاعة الله وأطلقه على أخيه أيضا إذ كان يتصرف بأمره وينتهى إلى قوله وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم ما أحدا من على بنفسه وذات يده من أبى بكر فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله يعنى أنى متصرف حيث صرفتني وأمرك جائز في مالي وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجل أنت ومالك لأبيك ولم يرد به حقيقة الملك قوله تعالى( فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ) قال أكثر أهل العلم هو تحريم منع لأنهم كانوا يصبحون بحيث أمسوا ومقدار الموضع ستة فراسخ وقال بعض أهل العلم يجوز أن يكون تحريم التعبد لأن التحريم أصله المنع قال الله تعالى( وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ ) يعنى به المنع قال الشاعر يصف فرسا :
حالت لتصرعنى فقلت لها اقصرى |
إنى امرؤ صرعى عليك حرام |
يعنى إنى فارس لا يمكنك صرعى فهذا هو أصل التحريم ثم أجرى تحريم التعبد عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع إذ كان من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه وقوله تعالى( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ) ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة ويستحيل اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد لأن الممنوع لا يجوز حظره ولا إباحته إذ هو غير مقدور عليه والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ولا يكون فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا قوله تعالى( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ) قال ابن عباس وعبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة كان ابني آدم لصلبه هابيل وقابيل وكان هابيل مؤمنا وقابيل كافرا وقيل بل كان رجل سوء وقال الحسن هما من بنى إسرائيل لأن علامة تقبل القربان لم يكن قبل ذلك والقربان ما يقصد به القرب من رحمة الله تعالى من أعمال البر وهو فعلان من القرب كالفرقان من الفرق والعدوان من العدو والكفران من الكفر وقيل إذا لم يتقبل من أحدهما لأنه قرب شر ماله قرب الآخر خير ماله فتقبل منه وقيل بل رد قربانه لأنه كان فاجرا وإنما يتقبل الله من المتقين وقيل كانت علامة القبول أن تجيء نار فتأكل المتقبل ولا تأكل المردود ومنه قوله تعالى( حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ـ إلى قوله تعالى
وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ) قوله تعالى( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ) قال ابن عباس معناه لئن بدأتنى بقتل لم أبدأك به ولم يرد أنى لا أدفعك على نفسي إذا قصدت قتلى فروى أنه قتل غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها وروى عن الحسن ومجاهد أنه كتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه عن نفسه قال أبو بكر وجائز في العقل ورود العبادة بمثله فإن كان التأويل هو الأول فلا دلالة فيه على جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل من أراد قتله وإنما فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره وإن كان التأويل هو الثاني فهو منسوخ لا محالة وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدمة وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبينا صلّى الله عليه وسلّم والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأن الواجب على من قصده إنسان بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ترك قتله مع الإمكان قوله تعالى( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) فأمر الله بقتال الفئة الباغية ولا بغى أشد من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق فاقتضت الآية قتل من قصد قتل غيره بغير حق وقال تعالى( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) فأخبر أن في إيجابه القصاص حياة لنا لأن القاصد لغيره بالقتل متى علم أنه يقتص منه كف عن قتله وهذا المعنى موجود في حال قصده لقتل غيره لأن في قتله إحياء لمن لا يستحق القتل وقال الله تعالى( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) فأمر بالقتال لنفى الفتنة ومن الفتنة قصده قتل الناس بغير حق وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا حسين بن حريث قال حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من شهر سيفه ثم وضعه فدمه هدر وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أخبار مستفيضة من قتل دون نفسه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد وروى عبد الله بن الحسين عن عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من أريد ماله فقاتل فقتل فهو شهيد فأخبر صلّى الله عليه وسلّم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد ولا يكون مقتولا دون ماله إلا وقد قاتل دونه ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبى سعيد الخدري من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يسطع فبقلبه وذاك ضعف الإيمان فأمر بتغير المنكر
باليد وإذا لم يمكن تغييره إلا بقتله فعليه أن يقتله بمقتضى ظاهر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفه على رجل ليقتله بغير حق أن على المسلمين قتله فكذلك جائز للمقصود بالقتل قتله وقد قتل على بن أبى طالب الخوارج حين قصدوا قتل الناس وأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم معه موافقون عليه وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم آثار في وجوب قتلهم منها حديث أبى سعيد الخدري وأنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال سيكون في أمتى اختلاف وفرقة فيهم قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية طوبى لمن قتلهم أو قتلوه في آثار كثيرة مشهورة وقد تلقتها السلف بالقبول واستعملتها في وجوب قتلهم وقتالهم وروى أبو بكر بن عياش قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس بن أبى المخارق عن أبيه قال قال رجل يا رسول الله الرجل يأتينى يريد مالي قال ذكره الله قال فإن لم يذكر قال استعن عليه من حولك من المسلمين قال فإن لم يكن حولي منهم قال فاستعن عليه السلطان قال فإن نأى عنى السلطان قال قاتل دون مالك حتى تمنع مالك أو تكون شهيدا في الآخرة وذهب قوم من الحشوية إلى أن على من قصده إنسان بالقتل أن لا يقاتله ولا يدفعه عن نفسه حتى يقتله وتأولوا فيه هذه الآية وقد بينا أنه ليس في الآية دلالة على أنه كف يده عن قتله حين قصده بالقتل وإنما الآية تدل على أنه لا يبدأ بالقتل على ما روى عن ابن عباس ولو ثبت حكم الآية على ما ادعوه لكان منسوخا بما ذكرنا من القرآن والسنة واتفاق المسلمين على أن على سائر الناس دفعهم عنه وإن أتى على نفسه وتأولت هذه الطائفة التي ذكرنا قولها أحاديث رويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم منها حديث أبى موسى الأشعرى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد قتل صاحبه وروى على بن زيد بن جدعان عن الحسن عن سعد بن مالك قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من أهل القبلة وروى الحسن عن الأحنف بن قيس قال سمعت أبا بكر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه وروى معمر عن الحسن قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن ابني آدم ضربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما وروى معمر
عن أبى عمران الجونى عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل قال قلت ألبس سلاحي قال شاركت القوم إذ قال قلت فكيف أصنع يا رسول الله قال إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك يبؤ بإثمك وإثمه فاحتجوا بهذه الآثار ولا دلالة لهم فيها فأما قول النبي صلى الله عليه وسلّم إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فإنما أراد بذلك إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من أهل القبلة فإنما عنى به ترك القتال في الفتنة وكف اليد عن الشبهة فأما قتل من استحق القتل فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم ينفه بذلك وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم كن كخير ابني آدم فإنما عنى به أن لا يبدأ بالقتل وأما دفع القاتل عن نفسه فلم يمنعه فإن احتجوا بما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس فلا يجوز قتله قبل أن يقتل بقضية نفى النبي صلّى الله عليه وسلّم قتل المسلم إلا بإحدى ما ذكر وهذا لم يقتل بعد فلا يستحق القتل قيل له هذا القاصد لقتل غيره ظلما داخل في هذا الخبر لأنه أراد قتل غيره فإنما قتلناه بنفس من قصد لقتله لئلا يقتله فأحيينا نفس المقصود بقتلنا إياه ولو كان الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من حظر قتل من قصد قتل غيره ظلما والإمساك عنه حتى يقتل من يريد قتله لوجب مثله في سائر المحظورات إذا أراد الفاجر ارتكابها من الزنا وأخذ المال أن نمسك عنه حتى يفعلها فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واستيلاء الفجار وغلبة الفساق والظلمة ومحو آثار الشريعة وما علم مقالة أعظم ضررا على الإسلام والمسلمين من هذه المقالة ولعمري إنها أدت إلى غلبة الفساق على أمور المسلمين واستيلائهم على بلدانهم حتى تحكموا فحكموا فيها بغير حكم الله وقد جر ذلك ذهاب الثغور وغلبة العدو حين ركن الناس إلى هذه المقالة في ترك قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإنكار على الولاة والجوار والله المستعان ويدل على صحة قول الجمهور في ذلك وأن القاصد لقتل غيره ظلما يستحق القتل وأن على الناس كلهم أن يقتلوه قوله تعالى( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) فكان في
مضمون الآية إباحة قتل المفسد في الأرض ومن أعظم الفساد قصد قتل النفس المحرمة فثبت بذلك أن القاصد لقتل غيره ظلما مستحق للقتل مبيح لدمه قال أبو بكر ذكر ابن رستم عن محمد عن أبى حنيفة أنه قال في اللص ينقب البيوت يسعك قتله لقوله صلّى الله عليه وسلّم من قتل دون ماله فهو شهيد ولا يكون شهيدا إلا هو مأمور بالقتال إن أمكنه فقد تضمن ذلك إيجاب قتله إذا قدر عليه وقال أيضا في رجل يريد قلع سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعنيك الناس عليه قال أبو بكر وذلك لأن قلع السن أعظم من أخذ المال فإذا جاز قتله لحفظ ماله فهو أولى بجواز القتل من أجلها قوله تعالى( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ) فإنه روى عن ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك إثم قتلى وإثمك الذي كان منك قبل قتلى وقال غيرهم إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك والمراد إنى أريد أن تبوء بعقاب إثمى وإثمك لأنه لا يجوز أن يكون مراده حقيقة الإثم إذ غير جائز لأحد إرادة معصية الله من نفسه ولا من غيره كما لا يجوز أن يأمره بها ومعنى تبوء ترجع يقال باء إذا رجع إلى المباءة وهي المنزلة وباءوا بغضب الله رجعوا والبواء الرجوع بالقود وهم في هذه الأمر بواء أى سواء لأنهم يرجعون فيه إلى معنى واحد قوله تعالى( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) قال مجاهد شجعته نفسه على قتل أخيه وقال قتادة زينت له نفسه قتل أخيه وقيل ساعدته نفسه على قتل أخيه والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له ويقال إن العرب تقول طاع لهذه الظبية أصول الشجر وطاع فلان كذا أى أتاه طوعا ويقال انطاع بمعنى انقاد ويقال طوعت له نفسه ولا يقال أطاعته نفسه على هذا المعنى لأن قولهم أطاع يقتضى قصد أمنه لموافقة معنى الأمر وذلك غير موجود في نفسه وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضى أمرا ولا يجوز أن يكون آمر لنفسه ولا ناهيا لها إذ كان موضوع الأمر والنهى ممن هو أعلى لمن دونه وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره كقولك حرك غيره وقتل نفسه كما يقال حرك غيره وقتل غيره قوله تعالى( فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) يعنى خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى( إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ولا دلالة في قوله( فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر :
أصبحت عاذلتى معتلة
وليس المراد النهار دون الليل وكقول الآخر :
بكرت على عواذلى |
يلحيننى والومهته |
ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد به الوقت المبهم.
باب دفن الموتى
قال الله تعالى( فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ ) قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والسدى وقتادة والضحاك لم يدر كيف يصنع به حتى رأى غرابا جاء يدفن غرابا ميتا وفي هذا دليل على فساد ما روى عن الحسن أنهما رجلان من بنى إسرائيل لأنه لو كان كذلك لكان قد عرف الدفن بجريان العادة فيه قبل ذلك وهو الأصل في سنة دفن الموتى وقال تعالى( ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) وقال تعالى( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً ) وقيل في معنى( سَوْأَةَ أَخِيهِ ) وجهان أحدهما جيفة أخيه لأنه لو تركه حتى ينتن لقيل لجيفة سوأة والثاني عورة أخيه وجائز أن يريد الأمرين جميعا لاحتمالهما وأصل السوأة التكره ومنه ساءه يسوءه سوء إذا أتاه بما يتكره وقص الله علينا قصته لنعتبر بها ونتجنب قبح ما فعله القاتل منهما وروى عن الحسن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما * وقال الله تعالى( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) قيل إنه ندم على القتل على غير جهة القربة إلى الله تعالى منه وخوف عقابه وإنما كان ندمه من حيث لم ينتفع بما فعل وناله ضرر بسببه من قبل أبيه وأمه ولو ندم على الوجه المأمور به لقبل الله توبته وغفر ذنوبه قوله تعالى( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) الآية فيه إبانة عن المعنى الذي من أجله كتب على بنى إسرائيل ما ذكر في الآية وهو لئلا يقتل بعضهم بعضا فدل ذلك على أن النصوص قد ترد مضمنة بمعان يجب اعتبارها في أغيارها في إثبات الأحكام وفيه دليل على إثبات القياس ووجوب اعتبار المعاني للتي علق بها الأحكام وجعلت عللا وأعلاما لها وقوله تعالى( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ) يدل على أن من قتل نفسا بنفس فلا لوم عليه وعلى أن من قتل
نفسا بغير نفس فهو مستحق للقتل ويدل أيضا على أن الفساد في الأرض معنى يستحق به القتل* وقوله تعالى( فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) قد قيل فيه وجوه أحدها تعظيم الوزر والثاني أن عليه مثل مأثم كل قاتل من الناس لأنه سن القتل وسهله لغيره فكان كالمشارك له فيه وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال ما من قاتل ظلما إلا وعلى ابن آدم كفل من الإثم لأنه سن القتل وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة والثالث أن على الناس كلهم معونة ولى المقتول حتى يقيدوه منه فيكون كلهم خصومة في ذلك حتى يقاد منه كأنه قتل أولياءهم جميعا وهذا يدل على وجوب القود على الجماعة إذا قتلت واحدا إذ كانوا بمنزلة من قتل الناس جميعا وقوله تعالى( وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) قال مجاهد من أحياها نجاها من الهلاك وقال الحسن إذا عفا عن دمها وقد وجب القود وقال غيرهم من أهل العلم زجر عن قتلها بما فيه حياتها قال أبو بكر يحتمل أن يريد بإحيائها معونة الولي على قتل القاتل واستيفاء القصاص منه حياة كما قال تعالى( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) ويحتمل أن يريد بإحيائها أن يقتل القاصد لقتل غيره ظلما فيكون محييا لهذا المقصود بالقتل ويكون كمن أحيا الناس جميعا لأن ذلك يردع القاصدين إلى قتل غيرهم عن مثله فيكون في ذلك حياة لسائر الناس من القاصدين للقتل والمقصودين به فتضمنت هذه الآية ضروبا من الدلائل على الأحكام منها دلالتها على ورود الأحكام مضمنة بمعان يجب اعتبارها بوجودها وهذا يدل على صحة القول بالقياس والثاني إباحة قتل النفس بالنفس والثالث أن من قتل نفسا فهو مستحق للقتل والرابع من قصد قتل مسلم ظلما فهو مستحق القتل لأن قوله تعالى( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ) كما دل على وجوب قتل النفس بالنفس فهو يدل على وجوب قتله إذا قصد قتل غيره إذ هو مقتول بنفس إرادة إتلافها والخامس الفساد في الأرض يستحق به القتل والسادس احتمال قوله تعالى( فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) أن عليه مأثم كل قاتل بعده لأنه سن القتل وسهله لغيره والسابع أن على الناس كلهم معونة ولى المقتول حتى يقيدوه منه والثامن دلالتها على وجوب قتل الجماعة إذا قتلوا واحدا والتاسع قوله تعالى( فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) على معونة الولي على قتل القاتل والعاشر دلالته أيضا على قتل من قصد قتل غيره ظلما والله أعلم بالصواب.
بياب حد المحاربين
قال الله تعالى( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) الآية قال أبو بكر قوله تعالى( يُحارِبُونَ اللهَ ) هو مجاز ليس بحقيقة لأن الله يستحيل أن يحارب وهو يحتمل وجهين أحدهما أنه سمى الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين لما كانوا بمنزلة من حارب غيره من الناس ومانعه فسموا محاربين تشبيها لهم بالمحاربين من الناس كما قال تعالى( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) وقوله( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما في شق يباين صاحبه ومعنى المحادة أن يصير كل واحد منهما في حد على وجه المفارقة وذلك يستحيل على الله تعالى إذ ليس بذي مكان فيشاق أو يحاد أو تجوز عليه المباينة والمفارقة ولكنه تشبيه بالمعادين إذ صار كل واحد منهما في شق وناحية على وجه المباينة وذلك منه على وجه المبالغة في إظهار المخالفة والمباينة فكذلك قوله تعالى( يُحارِبُونَ اللهَ ) يحتمل أن يكونوا سموا بذلك تشبيها بمظهرى الخلاف على غيرهم ومحاربتهم إياهم من الناس وخصت هذه الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السلاح ولم يسم بذلك كل عاص لله تعالى إذ ليس بهذه المنزلة في الامتناع وإظهار المبالغة في أخذ الأموال وقطع الطريق ويحتمل أن يريد الذين يحاربون أولياء الله ورسوله كما قال تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ) والمعنى يؤذون أولياء الله ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مرتدين بإظهار محاربة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد يصح إطلاق لفظ المحاربة لله ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة بالمعصية وإن كان من أهل الملة والدليل عليه ما روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رأى معاذا يبكى فقال ما يبكيك قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول اليسير من الربا شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحابة فأطلق عليهم اسم المحاربة ولم يذكر الردة ومن حارب مسلما على أخذ ماله فهو معاد لأولياء الله تعالى بذلك وروى أسباط عن السدى عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلى وفاطمة والحسن والحسين أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم فاستحق من حاربهم اسم المحارب لله ولرسوله وإن لم يكن مشركا فثبت بما ذكرنا أن قاطع الطريق يقع عليه اسم المحارب لله عز وجل ولرسوله
ويدل عليه أيضا ما روى أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه فكتب على رضى الله عنه إلى عامله بالبصرة أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه فلا تعرضن إلا بخير فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد وإنما قطع الطريق فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق قطاع الطريق وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين مع أنه لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قطع الطريق وإن كان من أهل الملة وحكى عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف ويدل على أن المراد به قطع الطريق من أهل الملة قوله تعالى( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها وأيضا فإن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه فعلمنا أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة وأن توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم وأيضا فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة والمذكور في الآية من استحق القتل بالمحاربة فعلمنا أنه لم يرد المرتد وأيضا ذكر فيه نفى من لم يتب قبل القدرة عليه والمرتد لا ينفى فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل الملة وأيضا فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر وأن الأسير من أهل الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ولا تقطع يده ولا رجله وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب منه شيئا آخر ومعلوم أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد والرجل دون غيره وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب فعلمنا أن الآية في غير أهل الردة ويدل عليه أيضا قوله تعالى( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) وقال في المحاربين( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود التوبة منهم قبل القدرة عليهم وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة وبعدها فلما علم أنه لم يرد
بالمحاربين أهل الردة فهذه الوجوه التي ذكرناها كلها دالة على بطلان قول من ادعى خصوص الآية في المرتدين فإن قال قائل قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال قدم على النبي صلّى الله عليه وسلّم أناس من عرينة فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم من ألبانها وأبوالها ففعلوا فلما صحو قاموا إلى راعى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقتلوه ورجعوا كفارا واستاقوا ذود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأرسل في طلبهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا * قيل له إن خبر العرنيين مختلف فيه فذكر بعضهم عن أنس نحو ما ذكرنا وزاد فيه أنه كان سبب نزول الآية وروى الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس أنها نزلت في أصحاب أبى برزة الأسلمى وكان موادعا للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الإسلام فنزلت فيهم وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين فلم يذكر مثل قصة العرنيين وروى عن ابن عمر أنها نزلت في العرنيين ولم يذكر ردة ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيين أو الموادعين فإن كان نزولها في العرنيين وأنهم ارتدوا فإن نزولها في شأنهم لا يوجب الاقتصار بها عليهم لأنه لا حكم للسبب عندنا وإنما الحكم عندنا لعموم اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب وأيضا فإن من ذكر نزولها في شأن العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد نزول الآية شيئا وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا ويستحيل نزول الآية في الأمر بقطع من قد قطع وقتل من قد قتل لأن ذلك غير ممكن فعلمنا أنهم غير مرادين بحكم الآية ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير مقصور الحكم على المرتدين وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال كان أمر العرنيين قبل أن ينزل الحدود فأخبر أنه كان قبل نزول الآية ويدل عليه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمل أعينهم وذلك منسوخ بنهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن المثلة وأيضا لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ولم يذكر سمل الأعين فصار سمل الأعين منسوخا بالآية لأنه لو كان حدا معه لذكره وهو مثل ما روى في خبر عبادة في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم ثم أنزل الله تعالى( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) فصار الحد هو ما في الآية دون غيره وصار النفي منسوخا بها ومما يدل على أن الآية لم تنزل في العرنيين وأنها نزلت بعدهم أن فيها ذكر القتل والصلب وليس فيها ذكر
سمل الأعين وغير جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وأن يكونوا مرادين بها لأنه لو كان كذلك لأجرى النبي صلّى الله عليه وسلّم حكمها عليهم فلما لم يصلبوا وسملهم دل على أن حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ فثبت بذلك أن حكم الآية غير مقصور على المرتدين وأنه عام في سائر المحاربين.
ذكر الاختلاف في ذلك
واختلف السلف وفقهاء الأمصار في حكم الآية من وجوه أنا ذاكرها بعد اتفاقهم على أن حكم الآية جار في أهل الملة إذا قطعوا الطريق فروى الحجاج بن أرطاة عن عطية العوفى عن ابن عباس في قوله تعالى( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) الآية قال إذا حارب الرجل فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب فإن قتل ولم يأخذ المال قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نفى وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ المال ويقتل إن الإمام فيه بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله وصلبه وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله وإن شاء قتله ولم يصلبه فإن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإن لم يأخذ مالا ولم يقتل عزر ونفى من الأرض ونفيه حبسه وفي رواية أخرى أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرا وهو قول الحسن رواية وسعيد بن جبير وحماد وقتادة وعطاء الخراساني فهذا قول السلف الذين جعلوا حكم الآية على الترتيب وقال الآخرون الإمام مخير فيهم إذا خرجوا يجرى عليهم أى هذه الأحكام شاء وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا وممن قال ذلك سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن رواية وعطاء بن أبى رباح وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد إذا قتل المحاربون ولم يعدوا ذلك قتلوا وإن أخذوا المال ولم يعدوا ذلك قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لا خلاف بين أصحابنا في ذلك فإن قتلوا وأخذوا المال فإن أبا حنيفة قال للإمام أربع خيارات إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم وإن شاء صلبهم وإن شاء قتلهم وترك القطع وقال أبو يوسف ومحمد إذا قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا يقطعون وروى عن أبى يوسف في الإملاء أنه قال إن شاء قطع يده ورجله وصلبه فأما
الصلب فلا أعفيه منه* وقال الشافعى في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا إذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا خافوا السبيل نفوا وإذا هربوا طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدود إلا من تاب قبل أن نقدر عليه سقط عنه الحد ولا يسقط حقوق الآدميين ويحتمل أن يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة ويقطع من أخذ ربع دينار فصاعدا* وقال مالك إذا أخذ المحارب المخيف للسبيل فإن الإمام مخير في إقامة أى الحدود التي أمر الله تعالى بها قتل المحارب أو لم يقتل أخذ مالا أو لم يأخذ الإمام مخير في ذلك إن شاء قتله وإن شاء قطعه خلافا وإن شاء نفاه ونفيه حبسه حتى يظهر توبة فإن لم يقدر على المحارب حتى يأتيه تائبا وضع عنه حد المحاربة القتل والقطع والنفي وأخذ بحقوق الناس* وقال الليث ابن سعد الذي يقتل ويأخذ المال يصلب فيطعن بالحربة حتى يموت والذي يقتل فإنه يقتل بالسيف وقال أبو الزناد في المحاربين ما يصنع الوالي فيهم فهو صواب من قتل أو صلب أو قطع أو نفى.
قال أبو بكر الدليل على أن حكم الآية على الترتيب الذي ذكرنا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس فنفى صلّى الله عليه وسلّم قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة ولم يخصص فيه قاطع الطريق فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق وإذا انتفى قتل من لم يقطع وجب قطع يده ورجله إذا أخذ المال وهذا لا خلاف فيه* فإن قيل روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان ورجل قتل رجلا فقتل به ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض* قيل له قد روى هذا الحديث من وجوه صحاح ولم يذكر فيه قتل المحارب ورواه عثمان وعبد الله بن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يذكر فيه قتل المحارب والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه لأن المرتد لا محالة مستحق للقتل بالاتفاق وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء فلم يبق من الثلاثة غيرهم ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجا منهم وإن صح ذكر المحارب فيه فالمعنى فيه إذا قتل حتى يكون موافقا للأخبار الآخر وتكون فائدته جواز قتله على وجه الصلب* فإن قيل فقد ذكر فيه أو
ينفى من الأرض قبل له لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضمر فيه إن لم يقتل فإن قيل فقد يقتل الباغي وإن لم يقتل وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في الخبر قيل له ظاهر الخبر ينفى قتله وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم الخبر في نفى قتل المحارب إلا أن يقتل على العموم وأيضا فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق منه واستقر حكمه عليه كالزانى المحصن والمرتد والقاتل والباغي لا يستحق القتل على هذا الوجه وإنما يقتل على وجه الدفع ألا ترى أنه لو قعد في بيته ولم يقتل وإن كان معتقدا لمقالة أهل البغي فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي بينا لا على التخيير ويدل على أن في الآية ضميرا ولا تخيير فيها اتفاق الجميع على أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا لم يجز للإمام أن ينفيه ويترك قطع يده ورجله وكذلك لو قتلوا وأخذوا المال لم يجز للإمام أن يعفيه من القتل أو الصلب ولو كان الأمر على ما قال القائلون بالتخيير لكان التخيير ثابتا فيما إذا أخذوا المال وقتلوا أو أخذوا المال ولم يقتلوا فلما كان ذلك على ما وصفنا ثبت أن في الآية ضميرا وهو أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال ولم يقتلوا أو ينفوا من الأرض إن خرجوا ولم يفعلوا شيئا من ذلك حتى ظفر بهم* واحتج القائلون بالتخيير بظاهر الآية وبقوله تعالى( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) فدل على أن الفساد في الأرض بخروجهم وامتناعهم وإخافتهم السبيل وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا وليس ما ذكروه بموجب للتخيير مع قيام الدلالة على ضمير الآية وتعلق الحكم به دون مقتضى ظاهرها وهو ما قدمنا من أنها لو كانت موجبة للتخيير ولم يكن فيها ضمير لكان الخيار باقيا إذا قتلوا وأخذوا المال في العدول عن قتلهم وقطعهم إلى نفيهم فلما ثبت أنه غير جائز العدول عن القتل والقطع في هذه الحال صح أن معناها أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال* فإن قال قائل إنما أوجب قتلهم إذا قتلوا وقطعهم إذا أخذوا المال ولم يجز العدول عنه إلى النفي لأن القتل على الانفراد يستحق به القتل وإن لم يكن محاربا وأخذ المال يستحق به القطع إذا كان سارقا فلذلك لم يجز في هذه الحال العدول إلى النفي وترك القتل أو القطع* قيل له قتل المحارب في هذه الحال وقطعه حد ليس على وجه
القود ألا ترى أن عفو الأولياء غير جائز فيه فثبت أنه إنما يستحق ذلك على وجه الحد لأنه قتل على وجه المحاربة ووجب قطعه لأخذه المال على وجه المحاربة فإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا لم يجز أن يقتل ولا يقطع لأنه لو كان القتل واجبا حدا لما جاز العدول عنه إلى النفي وكذلك القطع كما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال لم يجز العدول عن القتل أو القطع إلى النفي إذ كان وجوب ذلك على وجه الحد وفي ذلك دليل على أن المحارب لا يستحق القتل إلا إذا قتل ولا القطع إلا إذا أخذ المال ويصلح أن يكون ذلك دليلا مبتدأ لأن القتل إذا وجب حدا لم يجز العدول عنه إلى غيره وكذلك القطع كالزانى والسارق فلما جاز للإمام أن يعدل عن قتل المحارب الذي لم يقتل إلى النفي علمنا أنه غير مستحق للقتل بنفس الخروج وكما لو قتل لم يجز أن يعفى عن قتله فلو كان يستحق القتل بنفس المحاربة لما جاز أن يعدل عنه كما لم يجز أن يعدل عنه إذا قتل* وأما قوله تعالى( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ) وتسويته بين قتل النفس بغير النفس وبين الفساد في الأرض فإنما المراد الفساد في الأرض الذي يكون معه قتل أو قتله في حال إظهار الفساد فيقتل على وجه الدفع ونحن قد نقتل المحارب الذي لم يقتل على وجه الدفع وإنما الكلام فيمن صار في يد الإمام قبل أن يتوب هل يجوز أن يقتله إذا لم يقتل فأما على وجه الدفع فلا خلاف فيه فجائز أن يكون المراد من قوله تعالى( أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ) على هذا الوجه لأن الفساد في الأرض لو كان يستحق به القتل لما جاز العدول عنه إلى النفي فلما جاز عند الجميع نفيه دل على أنه غير مستحق للقتل فصح بما وصفنا قول من قال بإيجاب ترتيب حكم الآية على الوجه الذي ذكرنا وأيضا فإن الوصول إلى القتل لا يستحق بأخذ المال ولا القصد له ومعلوم أن المحاربين إنما خرجوا لأخذ المال فإن كان القتل غير مستحق لأخذ المال في الأصول فالقصد لأخذه أولى أن لا يستحق به القتل على وجه الحد فإذا خرج المحاربون وقتلوا قتلوا حدا لأجل القتل وليس قتلهم هذا لأن القتل يستحق به القتل في الأصول إلا أنه لما قتله على جهة إظهار الفساد في الأرض تأكد حكمه بأن أوجب قتله حدا على أنه حق لله تعالى لا يجوز فيه عفو الأولياء فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لما في الآية من ذكر ذلك وقطع اليد والرجل يستحق بأخذ المال في الأصول ألا ترى أن السارق تقطع يده فإن
عاد فسرق قطعت رجله إلا أنه غلظت عقوبته حين كان أخذه للمال على وجه الفساد في الأرض فإن قتل وأخذ فالإمام فيه بالخيار على ما ذكرنا من اختلاف أصحابنا فيه فكان عند أبى حنفية له أن يجمع عليه قطع اليد والرجل والصلب والقتل وأخذ المال على وجه المحاربة صار جميع ذلك حدا واحدا ألا ترى أن القتل في هذا الموضع مستحق على وجه الحد كالقطع وأن عفو الأولياء فيه لا يجوز فدل ذلك على أنهما جميعا حد واحد فلذلك كان للإمام أن يجمعهما جميعا وله أن يقتلهم فيدخل فيه قطع اليد والرجل وذلك لأنه لم يؤخذ على الإمام الترتيب في التبدئة ببعض ذلك دون بعض فله أن يبدأ بالقتل أو بالقطع فإن قال قائل هلا قتلته وأسقطت القطع كمن سرق وقتل أنه يقتل ولا يقطع قيل له ما بينا من أن جميع ذلك حد واحد مستحق بسبب واحد وهو القتل وأخذ المال على وجه المحاربة وأما السرقة والقتل فكل واحد منهما مستحق بسبب غير السبب الذي به استحق الآخر وقد أمرنا بدرء الحدود ما استطعنا فلذلك بدأنا بالقتل لندرأ أحد الحدين وليس في مسألتنا درء أحد الحدين وإنما هو حد واحد فلم يلزمنا إسقاط بعضه وإيجاب بعض وهو مخير أيضا بين أن يقتله صلبا وبين الاقتصار على القتل دون الصلب لقوله تعالى( أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ) وذكر أبو جعفر الطحاوي أن الصلب المذكور في آية المحارب هو الصلب بعد القتل في قول أبى حنيفة وكان أبو الحسن الكرخي يحكى عن أبى يوسف أنه يصلب ثم يقتل يبعج بطنه برمح أو غيره فيقتل وقال أبو الحسن هذا هو الصحيح وصلبه بعد القتل لا معنى له لأن الصلب عقوبة وذلك يستحيل في الميت فقيل له لم لا يجوز أن يصلب بعد القتل ردعا لغيره فقال لأن الصلب إذا كان موضوعه للتعذيب والعقوبة لم يجز إيقاعه إلا على الوجه الموضوع في الشريعة* فإن قال قائل إذا كان الله تعالى إنما* أوجب القتل أو الصلب على وجه التخيير فكيف يجوز جمعهما عليه* قيل له أراد قتلا على غير وجه الصلب إذا قتل ولم يأخذ المال وأراد قتلا على وجه الصلب إذا قتل وأخذ المال فغلظت العقوبة عليه في صفة القتل لجمعه بين القتل وأخذ المال وروى مغيرة عن إبراهيم قال يترك المصلوب من المحاربين على الخشبة يوما وقال يحيى بن آدم ثلاثة أيام* واختلف في النفي فقال أصحابنا هو حبسه حيث يرى الإمام وروى مثله عن إبراهيم وروى عن إبراهيم رواية أخرى وهو أن ينفيه طلبه وقال مالك ينفى إلى بلد آخر غير
البلد الذي يستحق فيه العقوبة فيحبس هناك وقال مجاهد وغيره هو أن يطلب الإمام الحد عليه حتى يخرج عن دار الإسلام* قال أبو بكر فأما من قال إنه ينفى عن كل بلد يدخل فهو إنما ينفيه عن البلد الذي هو فيه والإقامة فيه وهو حينئذ غير منفي من التصرف في غيره فلا معنى لذلك ولا معنى أيضا لحبسه في بلد غير بلده إذ الحبس يستوي في البلد الذي أصاب فيه وفي غيره فالصحيح إذا حبسه في بلده وأيضا فلا يخلو قوله تعالى( أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) من أن يكون المراد به نفيه من جميع الأرض وذلك محال لأنه لا يمكن نفيه من جميع الأرض إلا بأن يقتل ومعلوم أنه لم يرد بالنفي القتل لأنه قد ذكر في الآية القتل مع النفي أو يكون مراده نفيه من الأرض التي خرج منها محاربا من غير حبسه لأنه معلوم أن المراد بما ذكره زجره عن إخافة السبيل وكف أذاه عن المسلمين وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان هناك مخلا كانت معرته قائمة على المسلمين إذا كان تصرفه هناك كتصرفه في غيره أو أن يكون المراد نفيه عن دار الإسلام وذلك ممتنع أيضا لأنه لا يجوز نفى المسلم إلى دار الحرب لما فيه من تعريضه للردة ومصيره إلى أن يكون حربيا فثبت أن معنى النفي هو نفيه عن سائر الأرض إلا موضع حبسه الذي لا يمكنه فيه العبث والفساد وقوله تعالى( ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) يدل على أن إقامة الحد عليه لا تكون كفارة لذنوبه لإخبار الله تعالى بوعيده في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم قوله تعالى( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) استثناء لمن تاب منهم من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة من أوجب الله عليه الحد لأن الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته الجملة منها كقوله تعالى( إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ ) فأخرج آل لوط من جملة المهلكين وأخرج المرأة بالاستثناء من جملة المنجين وكقوله تعالى( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ) فكان إبليس خارجا من جملة الساجدين فكذلك لما استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم فقد نفى إيجاب الحد عليهم وقد أكد ذلك بقوله تعالى( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) كقوله تعالى( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) عقل بذلك سقوط عقوبات الدنيا والآخرة عنهم فإن قال قائل قد قال في السرقة( فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ
وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ومع ذلك فليست توبة السارق مسقطة للحد عنه قيل له لأنه لم يستثنهم من جملة من أوجب عليهم الحد وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب منهم وفي آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من مبتدأ مستغنيا بنفسه عن تضمينه بغيره وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله مضمنا بغيره إلا بدلالة وقوله تعالى( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) نجعله مضمنا بغيره إلا بدلالة وقوله تعالى( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) مفتقر في صحته إلى ما قبله فمن أجل ذلك كان مضمنا به* ومتى سقط الحد المذكور في الآية وجبت حقوق الآدميين من القتل والجراحات وضمان الأموال وإذا وجب الحد سقط ضمان حقوق الآدميين في المال والنفس والجراحات وذلك لأن وجوب الحد بهذا الفعل يسقط ما تعلق به من حق الآدمي كالسارق إذا سرق وقطع لم يضمن السرقة وكالزانى إذا وجب عليه الحد لم يلزمه المهر وكالقاتل إذا وجب عليه القود لم يلزمه ضمان المال كذلك المحاربون إذا وجب عليهم الحد سقطت حقوق الآدميين فإذا سقط الحد عن المحارب وجب ضمان ما تناوله من مال أو نفس كالسارق إذا درئ عنه الذي يكون به محاربا وجب ضمان ما تناوله من مال أو نفس كالسارق إذا درئ عنه الذي يكون به محاربا فقال أبو حنيفة من قطع الطريق في المصر ليلا أو نهارا أو بين الحيرة والكوفة ليلا أو نهارا فلا يكون قاطعا للطريق إلا في الصحارى وحكى أصحاب الإملاء عن أبى يوسف أن الأمصار وغيرها سواء وهم المحاربون يقام حدهم وروى عن أبى يوسف في اللصوص الذين يكسبون الناس ليلا في دورهم في المصر أنهم بمنزلة قطاع الطريق يجرى عليهم أحكامهم وحكى عن مالك أنه لا يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية وذكر عنه أيضا قال المحاربة أن يقاتلوا على طلب المال من غير نائرة ولم يفرق هاهنا بين المصر وغيره وقال الشافعى قطاع الطريق الذين يعرضون بالسلاح للقوم حتى يغصبوهم المال والصحارى والمصر واحد وقال الثوري لا يكون محاربا بالكوفة حتى يكون خارجا منها* قال أبو بكر روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا قطع على خائن ولا مختلس فنفى صلّى الله عليه وسلّم القطع عن المختلس والمختلس هو الذي يختلس الشيء وهو ممتنع فوجب بذلك اعتبار المنعة من المحاربين وأنهم متى كانوا في موضع لا يمكنهم أن يمتنعوا وقد يلحق من قصدوه الغوث من قبل المسلمين أن لا يكونوا محاربين وأن يكونوا بمنزلة المختلس والمنتهب كالرجل الواحد إذا فعل ذلك في المصر فيكون مختلسا غاصبا لا يجرى عليه أحكام قطاع الطريق وإذا كانت جماعة ممتنعة
في الصحراء فهؤلاء يمكنهم أخذ أموال السابلة قبل أن يلحقهم الغوث فباينوا بذلك المختلس ومن ليس له امتناع في أحكامهم ولو وجب أن يستوي حكم المصر وغيره لوجب استواء حكم الرجل الواحد والجماعة ومعلوم أن الرجل الواحد لا يكون محاربا في المصر لعدم الامتناع منه فكذلك ينبغي أن يكون حكم الجماعة في المصر لفقد الامتناع منهم على أهل المصر وأما إذا كانوا في الصحراء فهم ممتنعون غير مقدور عليهم إلا بالسلب والقتال فلذلك اختلف حكمهم وحكم من في المصر فإن قال قائل إن كان الاعتبار بما ذكرت فواجب أن يكون العشرة من اللصوص إذا اعترضوا قافلة فيها ألف رجل غير محاربين إذ قد يمكنهم الامتناع عليهم قيل له صاروا محاربين بالامتناع والخروج سواء قصدوا القافلة أو لم يقصدوها فلا يزول عنهم هذا الحكم بعد ذلك بكون القافلة ممتنعة منهم كما لا يزول بكون أهل الأمصار ممتنعين منهم وأجرى أبو يوسف على اللصوص في المصر حكم المحاربين لامتناعهم والخروج على وجه المحاربة لأخذ المال فلا يختلف حكمهم بالمصر وغيره كما أن سائر ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف والقتل لا يختلف أحكام فاعليها بالمصر وغيره.
(فصل) واعتبر أصحابنا في إيجاب قطع المحارب مقدار المال المأخوذ بأن يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم واعتبر الشافعى ربع دينار كما اعتبره في قطع السارق ولم يعتبره مالك لأنه يرى إجراء الحكم عليها بالخروج قبل أخذ المال.
(فصل) وقال أصحابنا إذا كان الذي ولى القتل وأخذ المال بعضهم كان حكم جميعهم حكم المحاربين يجرى الحكم عليهم وذلك لأن حكم المحاربة والمنعة لم يحصل إلا باجتماعهم جميعا فلما كان السبب الذي تعلق به حكم المحاربة وهو المنعة حصل باجتماعهم جميعا وجب أن لا يختلف حكم من ولى القتل منهم ومن كان عونا أو ظهيرا والدليل عليه أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه حكم من ولى القتال منهم ومن كان منهم ردأ وظهيرا ولذلك لم يختلف حكم من قتل بعصا أو بسيف إذ كان من لم يل القتال يجرى عليه الحكم.
باب قطع السارق
قال الله تعالى( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) روى سفيان عن جابر عن
عامر قال قراءة عبد الله فاقطعوا أيديهما* وروى ابن عوف عن إبراهيم في قراءتنا فاقطعوا أيمانهما قال أبو بكر لم تختلف الأمة في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين فعلمنا أن مراد الله تعالى بقوله( أَيْدِيَهُما ) أيمانهما فظاهر اللفظ في جمعه الأيدى من الإثنين يدل على أن المراد اليد الواحدة من كل واحد منهما كقوله تعالى( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) لما كان لكل واحد منهما قلب واحد أضافه إليها بلفظ الجمع كذلك لما أضاف الأيدى إليهما بلفظ الجمع دل على أن المراد إحدى اليدين من كل واحد منهما وهي اليمنى* وقد اختلف في قطع اليسرى في المرة الثالثة وفي قطع الرجل اليمنى في الرابعة وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى ولم تختلف الأمة في خصوص هذه الآية لأن اسم السارق يقع على سارق الصلاة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته قيل له يا رسول الله وكيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها وسجودها ويقع على سارق اللسان روى ليث بن سعد قال حدثنا يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير مرثد بن عبد الله عن أبى رهم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال أسرق السارق الذي يسرق لسان الأمير فثبت بذلك أنه لم يرد كل سارق والسرقة اسم لغوى مفهوم المعنى عند أهل اللسان بنفس وروده غير محتاج إلى بيان وكذلك حكمه في الشرع وإنما علق بهذا الاسم حكم القطع كالبيع والنكاح والإجارة وسائر الأمور المعقولة معانيها من اللغة قد علقت بها أحكام يجب اعتبار عمومها بوجود الاسم إلا ما قام دليل خصوصه فلو خلينا وظاهر قوله( السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ) لوجب إجراء الحكم على الاسم إلا ما خصه الدليل إلا أنه قد ثبت عندنا أن الحكم متعلق بمعنى غير الاسم يجب اعتباره في إيجابه وهو الحرز والمقدار فهو مجمل من جهة المقدار يحتاج إلى بيان من غيره في إثباته فلا يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب القطع في كل مقدار والدليل على إجماله وامتناع اعتبار عمومه ما حدثنا عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال حدثنا وهيب عن أبى واقد قال حدثني عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن وروى ابن لهيعة عن أبى النضر عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لا تقطع يد السارق إلا فيما بلغ ثمن المجن فما فوقه وروى سفيان عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أدنى ما يقطع فيه السارق
ثمن المجن فثبت بهذه الأخبار أن حكم الآية في إيجاب القطع موقوف على ثمن المجن فصار ذلك كوروده مع الآية مضموما إليها وكان تقديرها والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما إذا بلغت السرقة ثمن المجن وهذا لفظ مفتقر إلى البيان غير مكتف بنفسه في إثبات الحكم وما كان هذا سبيله لم يصح الاحتجاج بعمومه ووجه آخر يدل على إجمالها في هذا الوجه وهو ما روى عن السلف في تقويم المجن فروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأيمن الحبشي وأبى جعفر وعطاء وإبراهيم في آخرين أن قيمته كانت عشرة دراهم وقال ابن عمر قيمته ثلاثة دراهم وقال أنس وعروة والزهري وسليمان بن يسار قيمته خمسة دراهم وقالت عائشة ثمن المجن ربع دينار ومعلوم أنه لم يكن ذلك تقويما منهم لسائر المجان لأنها تختلف كاختلاف الثياب وسائر العروض فلا محالة أن ذلك كان تقويما للمجن الذي قطع فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعلوم أيضا أنهم لم يحتاجوا إلى تقويمه من حيث قطع فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم إذ ليس في قطع النبي صلّى الله عليه وسلّم في شيء بعينه دلالة على نفى القطع عما دونه كما أن قطعه السارق في المجن غير دال على أن حكم القطع مقصور عليه دون غيره إذ كان ما فعله بعض ما تناوله لفظ العموم على حسب حدوث الحادثة فإذا لا محالة قد كان من النبي صلّى الله عليه وسلّم توقيف لهم حين قطع السارق على نفى القطع فيما دونه فدل ذلك على إجمال حكم الآية في المقدار كدلالة الأخبار التي قدمناها لفظا من نفى القطع عما دونه قيمة المجن فلم يجز من أجل ذلك اعتبار عموم الآية في إثبات المقدار ووجب طلب معرفة قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس إجمالها في المقدار بموجب إجمالها في سائر الوجوه من الحرز وجنس المقطوع فيه وغير ذلك بل جائز أن يكون عموما في هذه الوجوه مجملا في حكم المقدار فحسب كما أن قوله تعالى( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) عموم في جهة الأموال الموجب فيها الصدقة مجمل في المقدار الواجب منها وكان شيخنا أبو الحسن يذهب إلى أن الآية مجملة من حيث علق فيها الحكم بمعان لا يقتضيها اللفظ من طريق اللغة وهو الحرز والمقدار والمعان المعتبرة في إيجاب القطع متى عدم منها شيء لم يجب القطع مع وجود الاسم لأن اسم السرقة موضوع في اللغة لأخذ الشيء على وجه الاستخفاء ومنه قيل سارق اللسان وسارق الصلاة تشبيها بأخذ الشيء على وجه الاستخفاء والأصل فيه ما ذكرنا وهذه المعاني التي ذكرنا اعتبارها في الإيجاب القطع
لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة وإنما ثبت ذلك من جهة الشرع فصارت السرقة في الشرع اسما شرعيا لا يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما قامت دلالته* واختلف في مقدار ما يقطع فيه السارق فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا أو قيمتها من غيرها وروى عن أبى يوسف ومحمد أنه لا قطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم مضروبة وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة أنه إذا سرق ما يساوى عشرة دراهم مما يجوز بين الناس قطع وقال مالك والأوزاعى والليث والشافعى لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقال الشافعى فلو غلت الدراهم حتى يكون الدرهمان بدينار قطع إلا في ربع دينار وإن كان ذلك نصف درهم وإن رخصت الدنانير حتى يكون الدينار بمائة درهم قطع في ربع دينار وذلك خمسة وعشرون درهما وروى عن الحسن البصري أنه قال لا يقطع في درهم واحد وهو قول شاذ قد اتفق الفقهاء على خلافه وقال أنس بن مالك وعروة والزهري وسليمان بن يسار لا يقطع إلا في خمسة دراهم وروى نحوه عن عمر وعلى أنهما قالا لا يقطع إلا في خمسة وقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأبو جعفر وعطاء وإبراهيم لا قطع إلا في عشرة دراهم قال ابن عمر يقطع في ثلاثة دارهم وروى عن عائشة القطع في ربع دينار وروى عن أبى سعيد الخدري وأبى هريرة قالا لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم* والأصل في ذلك أنه لما ثبت باتفاق الفقهاء من السلف ومن بعدهم أن القطع لا يجب إلا في مقدار متى قصر عنه لم يجب وكان طريق إثبات هذا الضرب من المقادير التوقيف أو الاتفاق ولم يثبت التوقيف فيما دون العشرة وثبت الاتفاق في العشرة أثبتناها ولم نثبت ما دونها لعدم التوقيف والاتفاق فيه ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول صلّى الله عليه وسلّم على اعتبار ثمن المجن ومن اتفاق السلف على ذلك أيضا فسقط الاحتجاج بعمومه ووجب الوقوف عند الاتفاق في القطع في العشرة ونفيه عما دونها لما وصفنا وقد رويت أخبار توجب اعتبار العشرة في إيجاب القطع منها ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبى قال حدثنا نصر بن ثابت عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا قطع فيما دون عشرة دراهم وقد سمعنا أيضا في سنن ابن قانع
حديثا رواه بإسناده له عن زحر بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم وقال عمرو بن شعيب قلت لسعيد بن المسيب إن عروة والزهري وسليمان بن يسار يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم فقال أما هذا فقد مضت السنة فيه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرة دراهم قاله ابن عباس وأيمن الحبشي وعبد الله بن عمر وقالوا كان ثمن المجن عشرة دراهم فإن احتجوا بما روى عن ابن عمر وأنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قطع في مجن قيمة ثلاثة دراهم وبما روى عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال تقطع يد السارق في ربع دينار قيل له أما حديث ابن عمر وأنس فلا دلالة فيه على موضع الخلاف لأنهما قوماه ثلاثة دراهم وقد قومه غيرهما عشرة فكان تقديم الزائد أولى وأما حديث عائشة فقد اختلف في رفعه وقد قيل إن الصحيح منه أنه موقوف عليها غير مرفوع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لأن الإثبات من الرواة رووه موقوفا وروى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن ثلث دينار أو نصف دينار فصاعدا وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أدنى من ثمن المجن وكان المجن يومئذ له ثمن ولم تكن تقطع في الشيء التافه فهذا يدل على أن الذي كان عند عائشة من ذلك القطع في ثمن المجن وأنه لم يكن عندها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم غير ذلك إذ لو كان عندها عن رسول الله في ذلك شيء معلوم المقدار من الذهب أو الفضة لم تكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجن إذ كان ذلك مدركا من جهة الاجتهاد ولاحظ للاجتهاد مع النص وهذا يدل أيضا على أن ما روى عنها مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم إن ثبت فإنما هو تقدير منها لثمن المجن اجتهادا وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة قالت تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا قال أيوب وحدث به يحيى عن عمرة عن عائشة ورفعه فقال له عبد الرحمن بن القاسم إنها كانت لا ترفعه فترك يحيى رفعه فهذا يدل على أن من رواه مرفوعا فإنما سمعه من يحيى قبل تركه الرفع ثم لو ثبت هذا الحديث لعارضه ما قدمناه من الرواية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من وجوه مختلفة في نفى القطع عن سارق ما دون العشرة وكان يكون حينئذ خبرنا أولى لما فيه من حظر القطع عما دونها وخبرهم مبيح له وخبر الحظر أولى من خبر الإباحة وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعن الله السارق يسرق الحبل
فيقطع فيه ويسرق البيضة فيقطع فيها فربما ظن بعض من لا روية له أنه يدل على أن ما دون العشرة يقطع فيه لذكر البيضة والحبل وهما في العادة أقل قيمة من عشرة دراهم وليس ذلك على ما يظنه لأن المراد بيضة الحديد وقد روى عن على بن أبى طالب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهما ولأنه لا خلاف بين الفقهاء أن سارق بيضة الدجاج لا قطع عليه وأما الحبل فقد يكون مما يساوى العشرة والعشرين وأكثر من ذلك.
(فصل) وأما اعتبار الحرز فالأصل فيه ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا قطع على خائن رواه ابن عباس وجابر وهو يشتمل على نفى القطع في جميع ما ائتمن الإنسان فيه فمنها أن الرجل إذا ائتمن غيره على دخول بيته ولم يحرز منه ماله لم يجب عليه القطع إذا خانه لعموم لفظ الخبر ويصير حينئذ بمنزلة المودع والمضارب وقد نفى النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله لا قطع على خائن وجوب القطع على جاحد الوديعة والمضاربة وسائر الأمانات ويدل أيضا على نفى القطع عن المستعير إذا جحد العارية وما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قطع المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده فلا دلالة فيه على وجوب القطع على المستعير إذا خان إذ ليس فيه أنه قطعها لأجل جحودها للعارية وإنما ذكر جحود العارية تعريفا لها إذ كان ذلك معتادا منها حتى عرفت به فذكر ذلك على وجه التعريف وهذا مثل ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال للرجلين أحدهما يحجم الآخر في رمضان أفطر الحاجم والمحجوم فذكر الحجامة تعريفا لهما والإفطار واقع بغيرها وقد روى في أخبار صحيحة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت وهي هذه المرأة التي ذكر في الخبر أنها كانت تستعير المتاع وتجحده فبين في هذه الأخبار أنه قطعها لسرقتها ويدل على اعتبار الحرز أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سئل عن حريسة الجبل فقال فيها غرامة مثلها وجلدات نكال فإذا أواها المراح وبلغ ثمن المجن ففيه القطع وقال ليس في الثمر المعلق قطع حتى يأويه الجرين فإذا أواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ودلالة هذا الخبر على وجوب اعتبار الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول وإن كان كل واحد منهما مكتفيا بنفسه في وجوب اعتباره ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في القطع وأصله من السنة ما وصفنا والحرز عند أصحابنا ما بنى للسكنى وحفظ الأموال من الأمتعة
وما في معناها وكذلك الفساطيط والمضارب والخيم التي يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها كل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أم لا باب له إلا أنه محجر بالبناء وما كان في غير بناء ولا خيمة ولا فسطاط ولا مضرب فإنه لا يكون حرزا إلا أن يكون عنده من يحفظه وهو قريب منه بحيث يكون حافظ له وسواء كان الحافظ نائما في ذلك الموضع أو مستيقظا والأصل في كون الحافظ حرزا له وإن كان في مسجد أو صحراء حديث صفوان بن أمية حين كان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فسرقه سارق فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقطعه ولا خلاف أن المسجد ليس بحرز فثبت أنه كان محرزا لكون صفوان عنده ولذلك قال أصحابنا لا فرق بين أن يكون الحافظ نائما أو مستيقظا لأن صفوان كان نائما وليس المسجد عندهم في ذلك كالحمام فمن سرق من الحمام لم يقطع وكذلك الخان والحوانيت المأذون في دخولها وإن كان هناك حافظ من قبل أن الإذن موجود في الدخول من جهة مالك الحمام والدار فخرج الشيء من أن يكون محرزا من المأذون له في الدخول ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره أن الدار لم تخرج من أن تكون حرزا في نفسها ولا يقطع مع ذلك المأذون له في الدخول لأنه حين أذن له في الدخول فقد ائتمنه ولم يحرز ماله عنه كذلك كل موضع يستباح دخوله بإذن المالك فهو غير حرز من المأذون له في الدخول وأما المسجد فلم يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي كالمفازة والصحراء فإذا سرق منه وهناك حافظ له قطع وحكى عن مالك أن السارق من الحمام يقطع إن كان هناك حافظ له* قال أبو بكر لو وجب قطع السارق من الحانوت والمأذون له في الدخول إليه لأن صاحب الحانوت حافظ له ومعلوم أن إذنه له في دخوله قد أخرجه من أن يكون ماله فيه محرزا فكان بمنزلة المؤتمن ولا فرق بين الحمام والحانوت والمأذون في دخوله فإن قال قائل يقطع السارق من الحانوت والخان المأذون له* قيل له هو كالخائن للودائع والعواري والمضاربات وغيرها إذ لا فرق بين ما ذكرنا وبينها وقد ائتمنه صاحبه بأن لم يحرزه كما ائتمنه في إيداعه وقال عثمان التي إذا سرق من الحمام قطع* واختلف في قطع النباش فقال أبو حنيفة والثوري ومحمد والأوزاعى لا قطع على النباش وهو قول ابن عباس ومكحول وقال الزهري اجتمع رأى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في زمن كان مروان أميرا
على المدينة أن النباش لا يقطع ويعزر وكان الصحابة متوافرين يومئذ وقال أبو يوسف ابن أبى ليلى وأبو الزناد وربيعه يقطع وروى مثله عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز والشعبي والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء وهو قول الشافعى والدليل على صحة القول الأول أن القبر ليس بحرز والدليل عليه اتفاق الجميع على أنه لو كان هناك دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع لعدم الحرز والكفن كذلك فإن قيل إن الأحراز مختلفة فمنها شريحة البقال حرز لما في الحانوت والإصطبل حرز للدواب وللأموال ويكون الرجل حرزا لما هو حافظ له وكل شيء من ذلك حرزا لما يحفظ به ذلك الشيء في العادة ولا يكون حرزا لغيره فلو سرق دراهم من إصطبل لم يقطع ولو سرق منه دابة قطع ذلك القبر هو حرز للكفن وإن لم يكن حرزا الدراهم* قيل له هذا كلام فاسد من وجهين أحدهما أن الأحراز على اختلافها في أنفسها ليست مختلفة في كونها حرزا لجميع ما يجعل فيها لأن الإصطبل لما كان حرزا للدواب فهو حرز للدراهم والثياب ويقطع فيما يسرقه منه وكذلك حانوت البقال هو حرز لجميع ما فيه من ثياب ودراهم وغيرها فقول القائل الإصطبل حرز للدواب ولا يقطع من سرق منه دراهم غلط والوجه الآخر أن قضيتك هذه لو كانت صحيحة لكانت مانعة من إيجاب قطع النباش لأن القبر لم يحفر ليكون حرزا للكفن فيحفظ به وإنما يحفر لدفن الميت وستره عن عيون الناس وأما الكفن فإنما هو للبلى والهلاك ودليل آخر وهو أن الكفن لا مالك له والدليل عليه أنه من جميع المال فدل على أنه ليس في ملك أحد ولا موقوف على أحد فلما صح أنه من جميع المال وجب أن لا يملكه الوارث كما لا يملكون ما صرف في الدين الذي هو من جميع المال ويدل عليه أيضا أن الكفن يبدأ به على الديون فإذا لم يملك الوارث ما يقضى به الديون فهو أن لا يملك الكفن أولى وإذا لم يملكه الوارث واستحال أن يكون الميت مالكا وجب أن لا يقطع سارقه كما لا يقطع سارق بيت المال وأخذ الأشياء المباحة التي لا ملك لها* فإن* قال قائل جواز خصومة الوارث المطالبة بالكفن دليل على أنه ملكه* قيل له الإمام يطالب بما يسرق من بيت المال ولا يملكه ووجه آخر وهو أن الكفن يجعل هناك للبلى والتلف لا للقنية والتبقية فصار بمنزلة الخبز واللحم والماء الذي هو للإتلاف لا للتبقية فإن قال قائل القبر حرز للكفن لما روى عبادة بن الصامت عن أبى ذر قال قال رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف يعنى القبر قلت الله ورسوله أعلم قال عليك بالصبر فسمى القبر بيتا وقال حماد بن أبى سليمان يقطع النباش لأنه دخل على الميت بيته وروى مالك عن أبى الرحال عن أمه عمرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لعن المختفى والمختفية وروت عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال من اختفى ميتا فكأنما قتله وقال أهل اللغة المختفى النباش* قيل له إنما سماه بيتا على وجه المجاز لأن البيت موضوع في لغة العرب لما كان مبنيا ظاهرا على وجه الأرض وإنما سمى القبر بيتا تشبيها بالبيت المبنى ومع ذلك فإن قطع السارق ليس معلقا بكونه سارقا من بيت إلا أن يكون ذلك البيت مبنيا ليحرز به ما يجعل فيه وقد بينا أن القبر ليس بحرز ألا ترى أن المسجد يسمى بيتا قال الله تعالى( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ولو سرق من المسجد لم يقطع إذا لم يكن له حافظ وأيضا فلا خلاف أنه لو كان في القبر دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع وإن كان بيتا فعلمنا أن قطع السرقة غير متعلق بكونه بيتا وأما ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لعن الله المختفى وما روى أنه قال من اختفى ميتا فكأنما قتله فإن هذا إنما هو لعن له واستحقاق اللعن ليس بدليل على وجوب القطع لأن الغاصب والكاذب والظالم كل هؤلاء يستحقون اللعن ولا يجب قطعهم وقوله من اختفى ميتا فكأنما قتله فإنه لم يوجب به قطعا وإنما جعله كالقاتل وإن كان معناه محمولا على حقيقة لفظه فواجب أن نقتله وهذا لا خلاف فيه ولا تعلق لذلك بالقطع.
باب من أين يقطع السارق
قال الله تعالى( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) واسم اليد يقع على هذا العضو إلى المنكب والدليل عليه أن عمارا تيمم إلى المنكب بقوله تعالى( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) ولم يخطئ من طريق اللغة وإنما لم يثبت ذلك لورود السنة بخلافه ويقع على اليد إلى مفصل الكف أيضا قال الله تعالى( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ) وقد عقل به ما دون المرفق وقال تعالى لموسى( أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) ويمتنع أن يدخل يده إلى المرفق ويدل عليه أيضا قوله تعالى( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) فلو لم يقع الاسم على ما دون المرافق لما ذكرها إلى المرافق وفي ذلك دليل على وقوع الاسم إلى الكوع فلما كان الاسم يتناول هذا العضو إلى المفصل وإلى المرفق وإلى المنكب
اقتضى عموم اللفظ القطع من المنكب إلى أن تقوم الدلالة على أن المراد ما دونه وجائز أن يقال إن الاسم لما تناولها إلى الكوع ولم يجز أن يقال إن ذلك بعض اليد بل يطلق عليه اسم اليد من غير تقييد وإن كان قد يطلق أيضا على ما فوقه إلى المرفق تارة وإلى المنكب أخرى ثم قال تعالى( فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) وكانت اليد محظورة في الأصل فمتى قطعناها من الفصل فقد قضينا عهدة الآية لم يجز لنا قطع ما فوقه إلا بدلالة كما لو قال أعط هذا رجالا فأعطاه ثلاثة منهم فقد فعل المأمور به إذ كان الاسم يتناولهم وإن كان اسم الرجال يتناول ما فوقهم* فإن قال قائل يلزمكم في التيمم مثله بقوله تعالى( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) وقد قلتم فيه إن الاسم لما تناول العضو إلى المرفق اقتضاه العموم ولم ينزل عنه إلا بدليل قيل له هما مختلفان من قبل أن اليد لما كانت محظورة في الأصل ثم كان الاسم يقع على العضو إلى المفصل وإلى المرفق لم يجز لنا قطع الزيادة بالشك ولما كان الأصل الحدث واحتاج إلى استباحة الصلاة لم يزل أيضا إلا بيقين وهو التيمم إلى المرفق ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن القطع من المفصل وإنما خالف فيه الخوارج وقطعوا من المنكب لوقوع الاسم عليه وهم شذوذ لا يعدون خلافا وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قطع يد سارق من الكوع وعن عمر وعلى أنهما قطعا اليد من المفصل ويدل على أن دون الرسغ لا يقع عليه اسم اليد على الإطلاق قوله تعالى( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) ولم يقل أحد أنه يقتصر بالتيمم على ما دون المفصل وإنما اختلفوا فيما فوقه واختلفوا في قطع الرجل من أى موضع هو فروى عن على أنه قطع سارقا من خصر القدم وروى صالح السمان قال رأيت الذي قطعه على رضى الله عنه مقطوعا من أطراف الأصابع فقيل له من قطعك فقال خير الناس قال أبو رزين سمعت ابن عباس يقول أيعجز من رأى هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا الأعرابى يعنى نحوه فلقد قطع فما أخطأ يقطع الرجل ويذر عقبها وروى مثله عن عطاء وأبى جعفر من قولهما وعن عمر رضى الله عنه في آخرين يقطع الرجل من المفصل وهو قول فقهاء الأمصار والنظر يدل على هذا القول لاتفاقهم على قطع اليد من المفصل الظاهر وهو الذي يلي الزند وكذلك الواجب قطع الرجل من المفصل الظاهر الذي يلي الكعب الناتي وأيضا لما اتفقوا على أنه لا يترك
له من اليد ما ينتفع به للبطش ولم يقطع من أصول الأصابع حتى يبقى له الكف كذلك ينبغي أن لا يترك له من الرجل العقب فيمشى عليه لأن الله تعالى إنما أوجب قطع اليد ليمنعه الأخذ والبطش بها وأمر بقطع الرجل ليمنعه المشي بها فغير جائز ترك العقب للمشي عليه ومن قطع من المفصل الذي هو على ظهر القدم فإنه ذهب في ذلك أن هذا المفصل من الرجل بمنزلة مفصل الزند من اليد لأنه ليس بين مفصل أصابع الرجل مفصل غيره كما أنه ليس بين مفصل الزند ومفصل أصابع اليد مفصل غيره فلما وجب في اليد قطع أقرب المفصل إلى مفصل الأصابع كذلك وجب أن يقطع في الرجل من أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع والقول الأول أظهر لأن مفصل ظهر القدم غير ظاهر كظهور مفصل الكعب من الرجل ومفصل الزند من اليد فلما وجب قطع مفصل اليد ظاهر منه كذلك يجب أن يكون في الرجل لما استوعبت اليد بالقطع وجب استيعاب الرجل أيضا والرجل كلها إلى مفصل الكعب بمنزلة الكف إلى مفصل الزند وأما القطع من أصول أصابع الرجل فإنه لم يثبت عن على من جهة صحيحة وهو قول شاذ خارج عن الاتفاق والنظر جميعا* واختلف في قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى فقال أبو بكر الصديق وعلى ابن أبى طالب وعمر بن الخطاب حين رجع إلى قول على لما استشاره وابن عباس إذا سرق قطعت يده اليمنى فإذا سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى فإذا سرق لم يقطع وحبس وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف وروى عن عمر أنه تقطع يده اليسرى بعد الرجل اليمنى فإن سرق قطعت رجله اليمنى فإن سرق حبس حتى يحدث التوبة وعن أبى بكر مثل ذلك إلا أن عمر قد روى عنه الرجوع إلى قول على كرم الله وجهه وقال مالك والشافعى تقطع اليد اليسرى بعد الرجل اليسرى والرجل اليمنى بعد ذلك ولا يقتل إن سرق بعد ذلك وروى عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهم قتلوا سارقا بعد ما قطعت أطرافه وروى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد والرجل فقال له عمر السنة اليد وروى عبد الرحمن ابن يزيد عن جابر عن مكحول أن عمر قال لا تقطعوا يده بعد اليد والرجل ولكن احبسوه عن المسلمين وقال الزهري انتهى أبو بكر إلى اليد والرجل وروى أبو خالد الأحمر عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه أن عمر استشارهم في السارق فأجمعوا على أنه تقطع يده
اليمنى فإن عاد فرجله اليسرى ثم لا يقطع أكثر من ذلك وهذا يقتضى أن يكون ذلك إجماعا لا يسع خلافه لأن الذي يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الإجماع وروى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر الصديق قطع اليد بعد قطع اليد والرجل في قصة الأسود الذي نزل بأبى بكر ثم سرق حلى أسماء وهو مرسل وأصله حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رجلا خدم أبا بكر فبعثه مع مصدق وأوصاه به فلبث قريبا من شهر ثم جاءه وقد قطعه المصدق فلما رآه أبو بكر قال له ما لك قال وجدنى خنت فريضة فقطع يدي فقال أبو بكر إنى لا أراه يخون أكثر من ثلاثين فريضة والذي نفسي بيده لئن كنت صادقا لأقيدنك منه ثم سرق حلى أسماء بنت عميس فقطعه أبو بكر فأخبرت عائشة أن أبا بكر قطعه بعد قطع المصدق يده وذلك لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى وهو حديث صحيح لا يعارض بحديث القاسم ولو تعارضا لسقطا جميعا ولم يثبت بهذا الحديث عن أبى بكر شيء ويبقى لنا الأخبار الأخر التي ذكرناها عن أبى بكر والاقتصار على الرجل اليسرى* فإن قيل روى خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يدا بعد* يد ورجل* قيل له لم يقل في السرقة ويجوز أن يكون في قصاص وقد روى عن عمر بن الخطاب مثل ذلك وتأويله ما ذكرناه فحصل من اتفاق السلف وجوب الاقتصار على اليد والرجل وما روى عنهم من مخالفة ذلك فإنما هو على وجهين إما أن يكون الحكاية في قطع اليد بعد الرجل أو قطع الأربع من غير ذكر السرقة فلا دلالة فيه على القطع في السرقة أو يكون مرجوعا عنه كما روى عن عمر ثم روى عنه الرجوع عنه وقد روى عن عثمان أنه ضرب عنق رجل بعد ما قطع أربعته وليس فيه دلالة على قول المخالف لأنه لم يذكر أنه قطعه في السرقة ويجوز أن يكون قطعه من قصاص* ويدل على صحة قول أصحابنا قوله تعالى( فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) وقد بينا أن المراد أيمانهما وكذلك هو في قراءة ابن مسعود وابن عباس والحسن وإبراهيم وإذا كان الذي تتناوله الآية يدا واحدة لم تجز الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق وقد ثبت الاتفاق في الرجل اليسرى واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى فلم يجز قطعها مع عدم الاتفاق والتوقيف إذ غير جائز إثبات الحدود إلا من أحد هذين الوجهين ودليل آخر وهو اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليد وفي ذلك دليل على أن اليد اليسرى غير مقطوعة أصلا لأن العلة في العدول عن
اليد اليسرى بعد اليمنى إلى الرجل في قطعها على هذا الوجه إبطال منفعة الجنس وهذه العلة موجودة بعد قطع الرجل اليسرى ومن جهة أخرى أنه لم تقطع رجله اليمنى بعد رجله اليسرى لما فيه من بطلان منفعة المشي رأسا كذلك لا تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى لما فيه من بطلان البطش وهو منافع اليد كالمشى من منافع الرجل ودليل آخر وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جرمه في أخذ المال لا يزاد على قطع اليد والرجل لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف كذلك السارق وإن كثر الفعل منه بأن عظم جرمه فلا يوجب الزيادة على قطع اليد والرجل فإن قال قائل قوله عز وجل( فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) يقتضى قطع اليدين جميعا ولو لا الاتفاق لما عدلنا عن اليد اليسرى في السرقة الثانية إلى الرجل اليسرى قيل له أما قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى فليس كذلك عندنا لأنها إنما اقتضت يدا واحدة لما ثبت من إضافتها إلى الإثنين بلفظ الجمع دون التثنية وإن ما كان هذا وصفه فإنه يقتضى يدا واحد منهما ثم قد اتفقوا أن اليد اليمنى مرادة فصار كقوله تعالى فاقطعوا أيمانهما فانتفى بذلك أن تكون اليسرى مرادة باللفظ فيسقط الاحتجاج بالآية في إيجاب قطع اليسرى وعلى أنه لو كان لفظ الآية محتملا لما وصفت لكان اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليمنى دلالة على أن اليسرى غير مرادة إذ غير جائز ترك المنصوص والعدول عنه إلى غيره* واحتج موجبو قطع الأطراف بما رواه عبد الله ابن رافع قال أخبرنى حماد بن أبى حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتى بسارق قد سرق فأمر به أن تقطع يده ثم أتى به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تقطع رجله حتى قطعت أطرافه كلها وحماد بن أبى حميد ممن يضعف وهو مختصر* وأصله ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي حدثنا جدي عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال جيء بسارق إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه قال فقطع ثم جيء به الثانية فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه قال فقطع ثم جيء الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم أتى به الرابعة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم أتى به الخامسة فقال اقتلوه قال جابر فانطلقنا به فقتلناه ورواه معشر عن مصعب بن ثابت بإسناد مثله وزاد
خرجنا به إلى مربد النعم فحملنا عليه النعم فأشار بيده ورجليه فنفرت الإبل عنه فلقيناه بالحجارة حتى قتلناه ورواه يزيد بن سنان حدثني هشام بن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسارق فقطع يده ثم أتى به قد سرق فقطع رجله ثم أتى به قد سرق فأمر بقتله ورواه حماد بن سلمة عن يوسف بن الحارث بن حاطب أن رجلا سرق على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اقتلوه فقال القوم إنما سرق فقال اقطعوه فقطعوه ثم سرق على عهد أبى بكر الصديق فقطعه حتى قطعت قوائمة كلها ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلم به حين أمر بقتله فأمر به فقتل والذي ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث الذي رواه حماد بن أبى حميد وفيه الأمر بقتله بديا ومعلوم أن السرقة لا يستحق بها القتل فثبت أن قطع هذه الأعضاء لم يكن على وجه الحد المستحق بالسرقة وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة كما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قصة العرنيين أنه قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم وليس السمل حدا في قطاع الطريق فلما نسخت المثلة نسخ بها هذا الضرب من العقوبة فوجب الاقتصار على اليد والرجل لا غير ويدل على أن قطع الأربع كان على وجه المثلة لا على الحد أن في حديث جابر أنهم حملوا عليه النعم ثم قتلوه بالحجارة وذلك لا يكون حدا في السرقة بوجه.
باب ما لا يقطع فيه
قال أبو بكر عموم قوله( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) يوجب قطع كل من تناول الاسم في سائر الأشياء لأنه عموم في هذا الوجه وإن كان مجملا في المقدار إلا أنه قد قامت الدلالة من سنة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقول السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه لم يرد به العموم وأن كثيرا مما يسمى آخذه سارقا لا قطع فيه واختلف الفقهاء في أشياء منه.
ذكر الاختلاف في ذلك
قال أبو حنيفة ومحمد لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد نحو الرطب والعنب والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلق والحنطة في سنبلها سواء كان لها حافظ أو لم يكن ولا قطع في شيء من الخشب إلا الساج والقنا ولا قطع في الطين والنورة
والجص والزرنيخ ونحوه ولا قطع في شيء من الطير ويقطع في الياقوت والزمرد ولا قطع في شيء من الخمر ولا في شيء من آلات الملاهي وقال أبو يوسف يقطع في كل شيء سرق من حرز إلا في السرقين والتراب والطين وقال مالك لا يقطع في الثمر المعلق ولا في حريسة الجبل وإذا أواه الجرين ففيه القطع وكذلك إذا سرق خشبة ملقاة فبلغ ثمنها ما يجب فيه القطع ففيه القطع وقال الشافعى لا قطع في الثمر المعلق ولا في الجمار لأنه غير محرز فإن أحرز ففيه القطع رطبا كان أو يابسا وقال عثمان البتى إذا سرق الثمر على شجره فهو سارق يقطع* قال أبو بكر روى مالك وسفيان الثوري وحماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن مروان أراد قطع يد عبد وقد سرق وديا فقال رافع ابن خديج سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لا قطع في ثمرة ولا كثر وروى سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمه واسع بن حبان بهذه القصة فأدخل ابن عيينة بين محمد بن حبان وبين رافع واسع بن حبان ورواه الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمة له بهذه القصة وأدخل الليث بينهما عمة له مجهولة ورواه الدراوردى عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبى ميمونة عن رافع بن خديج عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله فجعل الدراوردى بين محمد بن يحيى ورافع أبا ميمونة فإن كان واسع بن حبان كنيته أبو ميمونة فقد وافق ابن عيينة وإن كان غيره فهو مجهول لا يدرى من هو إلا أن الفقهاء قد تلقت هذا الحديث بالقبول وعملوا به فثبت حجته بقولهم له كقوله لا وصية لوارث واختلاف التابعين لما تلقاه العلماء بالقبول ثبتت حجته ولزم العمل به* وقد تنازع أهل العلم معنى قوله لا قطع في ثمر ولا كثر فقال أبو حنيفة ومحمد هو على كل ثمر يسرع إليه الفساد وعمومه يقتضى ما يبقى منه وما لا يبقى إلا أن الكل متفقون على القطع فيما قد استحكم ولا يسرع إليه الفساد فخص ما كان بهذا الوصف من العموم وصار ذلك أصلا في نفى القطع عن جميع ما يسرع إليه الفساد وروى الحسن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا قطع في طعام وذلك ينفى القطع عن جميع الطعام إلا أنه خص ما لا يسرع إليه الفساد بدليل وقال أبو يوسف ومن قدمنا قوله أن نفيه القطع عن الثمر والكثر لأجل عدم الحرز فإذا أحرز فهو وغيره سواء وهذا تخصيص بغير دلالة* وقوله ولا كثر أصل في ذلك أيضا لأن الكثر قد قيل فيه وجهان أحدهما الجمار والآخر النخل الصغار وهو عليهما جميعا
فإذا أراد به الجمار فقد نفى القطع عنه لأنه مما يفسد وهو أصل في كل ما كان في معناه وإن أراد به النخل فقد دل على نفى القطع في الخشب فنستعملهما على فائدتيهما جميعا وكذلك قال أبو حنيفة لا قطع في الخشب إلا الساج والقنا وكذلك يجيء على قوله في الأبنوس وذلك أن الساج والأبنوس لا يوجد في دار الإسلام إلا مالا فهو كسائر الأموال وإنما اعتبر ما يوجد في دار الإسلام مالا من قبل أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام وما كان في دار الحرب فليس بملك صحيح لأنها دار إباحة وأملاك أهلها مباحة فلا يختلف فيها حكم ما كان منه مالا مملوكا وما كان منه مباحا فلذلك سقط اعتبار كونها مباحة في دار الحرب فاعتبر حكم وجودها في دار الإسلام فلما لم توجد في دار الإسلام إلا مالا كانت كسائر أموال المسلمين التي ليست مباحة الأصل فإن قال قائل النخل غير مباح الأصل قيل له هو مباح الأصل في كثير من المواضع كسائر الجنس المباح الأصل وإن كان بعضها مملوكا بالأخذ والنقل من موضع إلى موضع وقد روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال جاء رجل من مزينة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل قال هي عليه ومثلها والنكال وليس في شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح فإذا أواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثله وجلدات النكال قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق قال هي ومثله معه والنكال وليس في شيء من السمر المعلق قطع إلا ما أواه الجرين فما أخذه من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ففيه غرامة مثله وجلدات النكال فنفى في حديث رافع بن خديج القطع عن الثمر رأسا ونفى في حديث عبد الله بن عمر القطع عن الثمر إلا ما أواه الجرين* وقوله حتى يأويه الجرين يحتمل معنيين أحدهما الحرز والآخر الإبانة عن حال استحكامه وامتناع إسراع الفساد إليه لأنه لا يأويه الجرين إلا وهو مستحكم في الأغلب وهو كقوله تعالى(
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
)
ولم يرد به وقوع الحصاد وإنما أراد به بلوغه وقت الحصاد وقوله صلى الله عليه وسلّم لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ولم يرد به وجود الحيض وإنما أخبر عن حكمها بعد البلوغ وقوله إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ولم يرد به السن وإنما أراد الإحصان وقوله في خمس وعشرين بنت مخاض أراد دخولها في السنة الثانية وإن لم يكن بأمها مخاض لأن الأغلب إذا صارت كذلك كان بأمها مخاض وكذلك قوله حتى يأويه
الجرين يحتمل أن يريد به بلوغ حال الاستحكام فلم يجز من أجل ذلك أن يخص حديث رافع بن خديج في قوله لا قطع في ثمر ولا كثر وإنما لم يقطع في النورة ونحوها لما روت عائشة قالت لم يكن قطع السارق على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الشيء التافه يعنى الحقير فكل ما كان تافها مباح الأصل فلا قطع فيه والزرنيخ والجص والنورة ونحوها تافه مباح الأصل لأن أكثر الناس يتركونه في موضعه مع إمكان القدرة عليه وأما الياقوت والجوهر فغير تافه وإن كان مباح الأصل بل هو ثمين رفيع ليس يكاد يترك في موضعه مع إمكان أخذه فيقطع فيه وإن كان الأصل كما يقطع في سائر الأموال لأن شرط زوال القطع المعينان جميعا من كونه تافها في نفسه ومباح الأصل وأيضا فإن الجص والنورة ونحوها أموال لا يراد بها القنية بل الإتلاف فهي كالخبز واللحم ونحو ذلك والياقوت ونحوه مال يراد به القنية والتبقية كالذهب والفضة* وأما الطير فإنما لم تقطع فيه لما روى عن على وعثمان أنهما قالا لا يقطع في الطير من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهما وأيضا فإنه مباح الأصل فأشبه الحشيش والحطب* واختلف في السارق من بيت المال فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعى لا يقطع من سرق من بيت المال وهو قول على وإبراهيم النخعي والحسن وروى ابن وهب عن مالك أنه يقطع وهو قول حماد بن أبى سليمان وروى سفيان عن سماك بن حرب عن ابن عبيد بن الأبرص أن عليا أتى برجل سرق مغفرا من الخمس فلم يرد عليه قطعا وقال له فيه نصيب وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم أن رجلا سرق من بيت المال فكتب فيه سعد إلى عمر فكتب إليه عمر ليس عليه قطع له في نصيب ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك وأيضا لما كان حقه وحق سائر المسلمين فيه سواء فصار كسارق مال بينه وبين غيره فلا يقطع واختلف فيمن سرق خمرا من ذمي أو مسلم فقال أصحابنا ومالك والشافعى لا قطع عليه وهو قول الثوري وقال الأوزاعى في ذمي سرق من مسلم خمرا أو خنزيرا غرم الذمي ويجد فيه المسلم* قال أبو بكر الخمر ليست بمال لنا وإنما أمر هؤلاء أن نترك مالا لهم بالعهد والذمة فلا يقطع سارقها لأن ما كان مالا من وجه وغير مال من وجه فإن أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه كمن وطئ جارية بينه وبين غيره وأيضا فإن المسلم معاقب على اقتناء الخمر وشربها مأمور بتخليلها أو صبها فمن أخذها فإنما
أزال يده عما كان عليه إزالته عنه فلا يقطع* واختلف فيمن أقر بالسرقة مرة واحدة فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والشافعى والثوري إذا أقر بالسرقة مرة واحدة قطع وقال أبو يوسف وابن شبرمة وابن أبى ليلى لا يقطع حتى يقر مرتين والدليل على صحة القول الأول ما روى عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن يزيد بن صفية عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان عن أبى هريرة قال أتى بسارق إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله هذا سرق فقال ما أخا له سرق فقال السارق بلى قال فاذهبوا به فاقطعوه فقطع ورواه غير الدراوردى عن محمد بن عبد الرحمن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يذكر فيه أبا هريرة منهم الثوري وابن جريج ومحمد ابن إسحاق قال أبو بكر وعلى أى وجه حصلت الرواية من وصل أو قطع فحكمها ثابت لأن إرسال من أرسله لا يمنع صحة وصل من وصله ومع ذلك لو حصل مرسلا لكان حكمه ثابتا لأن المرسل والموصول سواء عندنا فيما يوجبون من الحكم فقد قطع النبي صلّى الله عليه وسلّم بإقراره مرة واحدة * فإن قال قائل إنما قطعه بشهادة الشهود لأنهم قالوا سرق* قيل له لو كان كذلك لاقتصر عليها ولم يلقنه الجحود فلما قال بعد قولهم سرق وما أخا له سرق ولم يقطعه حتى أقر ثبت أنه قطع بإقراره دون الشهادة فإن احتجوا بما روى حماد بن سلمة عن إسحاق عن عبد الله بن أبى طلحة عن أبى المنذر مولى أبى ذر عن أبى أمية المخزومي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتى بلص اعترف اعترافا ولم يوجبوا معه المتاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما أخا لك سرقت قال بلى يا رسول الله فأعادها عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرتين أو ثلاثا قال بلى فأمر به فقطع ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة وهو أقوى إسنادا من الأول* قيل له ليس في هذا الحديث بيان موضع الخلاف وذلك أنه لم يذكر فيه* إقرار السارق مرتين أو ثلاثا قبل أن يقر ثم أقر* فإن قيل فقد ذكر فيه أنه اعترف اعترافا فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك مرتين أو ثلاثا ويحتمل أيضا أن يكون الاعتراف قد حصل منه عند غير النبي صلّى الله عليه وسلّم فلا يوجب ذلك القطع عليه وأيضا لو ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعاد عليه ذلك بعد الإقرار الأول لما دل على أن الإقرار الأول لم يوجب القطع إذ ليس يمتنع أن يكون القطع قد وجب وأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه* فإن قيل روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال ما ينبغي لوال أمر أن يؤتى الحد إلا أقامه فلو كان القطع واجبا بإقراره بديا لما اشتغل النبي صلّى الله عليه وسلّم بتلقينه الرجوع عن الإقرار
ولسارع إلى إقامته* قيل له ليس وجوب القطع مانعا من استثبات الإمام إياه فيه ولا موجبا عليه قطعه في الحال لأن ما عزا قد أقر عند النبي صلّى الله عليه وسلّم بالزنا أربع مرات فلم يرجمه حتى استثبته وقال لعلك قبلت لعلك لمست وسأل أهله عن صحة عقله وقال لهم أبه جنة ولم يدل ذلك على أن الرجم لم يكن قد وجب بإقراره أربع مرات فليس إذا في هذا الخبر ما يعترض به على خبر أبى هريرة الذي ذكر فيه أنه أمر بقطعه حين أقر ومعلوم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب بعد وليس يمتنع أن يؤخر إقامة حد قد وجب مستثبتا لذلك ومتحريا بالاحتياط والثقة فيه* ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصارى عن أبيه أن عمرو بن سمرة أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله إنى سرقت جملا لبنى فلان فأرسل إليهم النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا إنا فقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم فقطعت يده ففي هذا الخبر أيضا قطعه بإقراره مرة واحدة* ومن جهة النظر أيضا أن السرقة المقر بها لا تخلو من أن تكون عينا أو غير عين فإن كانت عينا ولم يجب القطع بإقرار الأول فقد وجب ضمانها لا محالة من قبل أن حق الآدمي فيه يثبت بإقراره مرة واحدة ولا يتوقف على الإقرار ثانيا وإذا ثبت الملك للمقر له ولم يثبت القطع صار مضمونا عليه وحصول الضمان ينفى القطع وإن كانت السرقة ليست بعين قائمة فقد صارت دينا بالإقرار الأول وحصولها دينا في ذمته ينفى القطع على ما وصفنا* فإن قال قائل إذا جاز أن يكون حكم أخذه بديا على وجه السرقة موقوفا في القطع على نفى الضمان وإثباته فهلا جعلت حكم إقراره موقوفا في تعلق الضمان به على وجوب القطع وسقوط* قيل له نفس الأخذ عندنا على وجه السرقة يوجب القطع فلا يكون موقوفا وإنما سقوط القطع بعد ذلك يوجب الضمان ألا ترى أنه إذا ثبتت السرقة بشهادة الشهود كان كذلك حكمها فإن لم يكن الإقرار بديا موجبا للقطع فينبغي أن يوجب الضمان ووجوب الضمان ينفى القطع إذ كان إقراره الثاني لا ينفى ما قد حصل عليه من الضمان النافى للقطع بإقراره الأول* فإن قيل ينتقض هذا الاعتلال بالإقرار بالزنا لأن إقراره الأول بالزنا إذا لم يوجب حدا فلا بد من إيجاب المهر به لأن الوطء في غير ملك لا يخلو من إيجاب حد ومهر ومتى انتفى الحد وجب المهر وإقراره الثاني والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بديا بالإقرار الأول وهذا يؤدى إلى سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنا فلما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار
في الزنا مع وجود العلة المانعة من اعتبار عدد الإقرار في السرقة بان به فساد اعتلالك* قيل له ليس هذا مما ذكرناه في شيء وذلك أن سقوط الحد في الزنا على وجه الشبهة لا يجب به مهر لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة عقد أو شبهة عقد ومتى عرى من ذلك لم يجب مهر ويدل عليه اتفاقهم جميعا على أنه لو أقر بالزنا مرة واحدة ثم مات أو قامت عليه بينة بالزنا فمات قبل أن يحد لم يجب عليه المهر في ماله ولو مات بعد إقراره بالسرقة مرة واحدة لكانت السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعا فقد حصل من قولهم جميعا إيجاب الضمان بالإقرار مرة واحدة وسقوط المهر مع الإقرار بالزنا من غير حد واحتج الآخرون بما روى الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن على أن رجلا أقر عنده بسرقة مرتين فقال شهدت على نفسك بشهادتين فأمر به فقطع وعلقها في عنقه ولا دلالة في هذا الحديث على أن مذهب على رضى الله عنه أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين إنما قال شهدت على نفسك بشهادتين ولم يقل لو شهدت بشهادة واحدة لما قطعت وليس فيه أيضا أنه لم يقطع حتى أقر مرتين* ومما يحتج به لأبى يوسف من طريق النظر أن هذا لما كان حدا يسقط بالشبهة وجب أن يعتبر عدد الإقرار فيه بالشهادة فلما كان أقل من يقبل فيه شهادة شاهدين وجب أن يكون أقل ما لا يصح به إقراره مرتين كالزنا اعتبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهود وهذا يلزم أبا يوسف أن يعتبر عدد الإقرار في شرب الخمر بعدد الشهود وقد سمعت أبا الحسن الكرخي يقول إنه وجد عن أبى يوسف في شرب الخمر أنه لا يحد حتى يقر مرتين كعدد الشهود ولا يلزم عليه حد القذف لأن المطالبة به حق لآدمى وليس كذلك سائر الحدود وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا فإن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا صفته وإنما طريقها التوقيف والاتفاق.
باب السرقة من ذوى الأرحام
قال أبو بكر قوله تعالى( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) عموم في إيجاب قطع كل سارق إلا ما خصه الدليل على النحو الذي قدمنا وعلى ما حكينا عن أبى الحسن ليس بعموم وهو مجمل محتاج فيه إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه ومن جهة أخرى على أصله أن ما ثبت خصوصه بالاتفاق لا يصح الاحتجاج بعمومه وقد بينا ذلك في أصول الفقه وهو مذهب محمد بن شجاع إلا أنه وإن كان عموما عندنا لو خلينا ومقتضاه فقد قامت
دلالة خصوصه في ذوى الرحم المحرم وقد اختلف الفقهاء فيه.
ذكر الاختلاف في ذلك
قال أصحابنا لا يقطع من سرق من ذي الرحم وهو الذي لو كان أحدهما رجلا والآخر امرأة لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما ولا تقطع أيضا عندهم المرأة إذا سرقت من زوجها ولا الزوج إذا سرق من امرأته وقال الثوري إذا سرق من ذوى رحم منه لم يقطع وقال مالك يقطع الزوج فيما سرق من امرأته والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه وكذلك في الأقارب وقال عبيد الله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه إن كان يدخل عليهم لا يقطع وإن كانوا نهوه عن الدخول عليهم فسرق قطع وقال الشافعى لا قطع على من سرق من أبويه أو أجداده ولا على زوج سرق من امرأته أو امرأة سرقت من زوجها والدليل على صحة قول أصحابنا قول الله عز وجل( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ـ إلى قوله ـأَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) فأباح تعالى الأكل من بيوت هؤلاء وقد اقتضى ذلك إباحة الدخول إليها بغير إذنهم فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها محرزا عنهم ولا قطع إلا فيما سرق من حرز وأيضا إباحة أكل أموالهم يمنع وجوب القطع فيها لما لهم فيها من الحق كالشريك ونحوه فإن قيل فقد قال( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) ويقطع فيه مع ذلك إذا سرق من صديقه* قيل له ظاهر الآية ينفى القطع من الصديق أيضا وإنما خصصناه بدلالة الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه وعلى أنه لا يكون صديقا إذا قصد السرقة ودليل آخر هو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء عند الحاجة إليه وجواز أخذها منه بغير بدل فأشبه السارق من بيت المال لثبوت حقه فيه بغير بدل يلزمه عند الحاجة إليه* فإن قيل قد ثبت هذا* الحق عند الضرورة في مال الأجنبى ولم يمنع من القطع بالسرقة منه* قيل له يعترضان من وجهين أحدهما أنه في مال الأجنبى يثبت عند الضرورة وخوف التلف وفي مال هؤلاء يثبت بالفقر وتعذر الكسب والوجه الآخر أن الأجنبى يأخذه ببدل وهؤلاء يستحقونه بغير بدل كمال بيت المال وأيضا فلما استحق عليه إحياء نفسه وأعضائه عند الحاجة إليه بالإنفاق عليه وكان هذا السارق محتاجا إلى هذا المال في إحياء يده لسقوط
القطع صار في هذه الحالة كالفقير الذي يستحق على ذي الرحم المحرم منه الإنفاق عليه لإحياء نفسه أو بعض أعضائه وأيضا فهو مقيس على الأب بالمعنى الذي قدمناه والله تعالى أعلم.
باب فيمن سرق ما قد قطع فيه
قال أصحابنا فيمن سرق ثوبا فقطع فيه ثم سرقه مرة أخرى وهو بعينه لم يقطع فيه والأصل فيه أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق فلما عدمناهما فيما وصفنا لم يبق في إثباته إلا القياس ولا يجوز ذلك عندنا* فإن قيل* هلا قطعته بعموم قوله( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) قبل السرقة* قيل له السرقة الثانية لم يتناولها العموم لأنها توجب قطع الرجل لو وجب القطع والذي في الآية قطع اليد وأيضا فإن وجوب قطع السرقة متعلق بالفعل والعين جميعا والدليل أنه متى سقط القطع وجب ضمان العين كما أن حد الزنا لما تعلق بالوطء كان سقوط الحد موجبا ضمان الوطء ولما تعلق وجوب القصاص بقتل النفس كان سقوط القود موجبا ضمان النفس فكذلك وجوب ضمان العين في السرقة عند سقوط القطع يوجب اعتبار العين في ذلك فلما كان فعل واحد في عينين لا يوجب إلا قطعا واحدا كان كذلك حكم الفعلين في عين واحدة ينبغي أن لا يوجب إلا قطعا واحدا إذا كان لكل واحد من العينين أعنى الفعل والعين تأثير في إيجاب القطع* فإن قيل فلو زنى بامرأة فحد ثم زنى* بها مرة أخرى حد ثانيا مع وقوع الفعلين في عين واحدة* قيل له لأنه لا تأثير لعين المرأة في تعلق وجوب الحد بها وإنما يتعلق وجوب حد الزنا بالوطء لا غير والدليل على ذلك أنه متى سقط الحد ضمن الوطء ولم يضمن عين المرأة وفي السرقة متى سقط القطع ضمن عين السرقة وأيضا فلما صارت السرقة في يده بعد القطع في حكم المباح التافه بدلالة أن استهلاكها لا يوجب عليه ضمانها وجب أن لا يقطع فيها بعد ذلك كما لا يقطع في سائر المباحات التافهة في الأصل وإن حصلت ملكا للناس كالطين والخشب والحشيش والماء ومن أجل ذلك قالوا إنه لو كان غزلا فنسجه ثوبا بعد ما قطع فيه ثم سرقه مرة أخرى قطع لأن حدوث هذا الفعل فيه يرفع حكم الإباحة المانعة كانت من وجوب القطع كما لو سرق خشبا لم يقطع فيه ولو كان بابا منجورا فسرقه قطع لخروجه بالصنعة
عن الحال الأولى وأيضا لما كان وقوع القطع فيه يوجب البراءة من استهلاكه قام القطع فيه مقام دفع قيمته فصار كأنه عوضه منه وأشبه من هذا الوجه وقوع الملك له في المسروق لأن استحقاق البدل عليه يوجب له الملك فلما أشبه ملكه من هذا الوجه سقط القطع لأنه يسقط بالشبهة أن يشبه المباح من وجه ويشبه الملك من وجه.
باب السارق يوجد قبل إخراج السرقة
قال أبو بكر رحمه الله اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن يفرق بين المتاع وبين حرزه والدار كلها حرز واحد فكما لم يخرجه من الدار لم يجب القطع وروى ذلك عن على بن أبى طالب وابن عمر وهو قول إبراهيم وروى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال بلغ عائشة أنهم كانوا يقولون إذا لم يخرج بالمتاع لم يقطع فقالت عائشة لو لم أجد إلا سكينا لقطعته وروى سعيد عن قتادة عن الحسن قال إذا وجد في بيت فعليه القطع قال أبو بكر دخوله البيت لا يستحق به اسم السارق فلا يجوز إيجاب القطع به وأخذه في الحرز أيضا لا يوجب القطع لأنه باق في الحرز ومتى لم يخرجه من الحرز فهو بمنزلة من لم يأخذه فلا يجب عليه القطع ولو جاز إيجاب القطع في مثله لما كان لاعتبار الحرز معنى والله أعلم.
باب غرم السارق بعد القطع
قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري وابن شبرمة إذا قطع السارق فإن كانت السرقة قائمة بعينها أخذها المسروق منه وإن كانت مستهلكة فلا ضمان عليه وهو قول مكحول وعطاء والشعبي وابن شبرمة وأحد قولي إبراهيم النخعي وقال مالك يضمنها إن كان موسرا ولا شيء عليه إن كان معسرا وقال عثمان البتى والليث والشافعى يغرم السرقة وإن كانت هالكة وهو قول الحسن والزهري وحماد وأحد قولي إبراهيم قال أبو بكر أما إذا كانت قائمة بعينها فلا خلاف أن صاحبها يأخذها وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلّم قطع سارق رداء صفوان ورد الرداء على صفوان والذي يدل على نفى الضمان بعد القطع قوله تعالى( فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ ) والجزاء اسم لما يستحق بالفعل فإذا كان الله تعالى جعل جميع ما يستحق بالفعل هو القطع لم يجز إيجاب الضمان
معه لما فيه من الزيادة في حكم المنصوص ولا يجوز ذلك إلا بمثل ما يجوز به النسخ وكذلك قوله تعالى( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) فأخبر أن جميع الجزاء هو المذكور في الآية لأن قوله تعالى( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) ينفى أن يكون هناك جزاء غيره ومن جهة السنة حديث عبد الله بن صالح قال حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن زيد قال سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال إذا أقمتم على السارق الحد فلا غرم عليه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن نصر بن صهيب قال حدثنا أبو بكر بن أبى شجاع الأدمى قال حدثني خالد بن خداش قال حدثنا اسحق بن الفرات قال حدثنا المفضل ابن فضالة عن يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتى بسارق فأمر بقطعه وقال لا غرم عليه وقال عبد الباقي هذا هو الصحيح واخطأ فيه خالد بن خداش فقال المسور بن مخرمة ويدل عليه من جهة النظر امتناع وجوب الحد والمال بفعل واحد كما لا يجتمع الحد والمهر والقود والمال فوجب أن يكون القطع نافيا لضمان المال إذ كان المال في الحدود لا يجب إلا مع الشبهة وحصول الشبهة ينفى وجوب القطع ووجه آخر وهو أن من أصلنا أن الضمان سبب لإيجاب الملك فلو ضمناه لملكه بالأخذ الموجب للضمان فيكون حينئذ مقطوعا في ملك نفسه وذلك ممتنع فلما لم يكن لنا سبيل إلى رفع القطع وكان في إيجاب الضمان إسقاط القطع امتنع وجوب الضمان.
باب الرشوة
قال الله تعالى( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) قيل إن أصل السحت الاستيصال يقال أسحته إسحاتا إذا استأصله وأذهبه* قال الله عز وجل( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ) أى يستأصلكم به ويقال أسحت ماله إذا أفسده وأذهبه فسمى الحرام سحتا لأنه لا بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستيصال وروى ابن عيينة عن عمار الدهني عن سالم ابن أبى الجعد عن مسروق قال سألت عبد الله بن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم فقال( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه فيهدى لك هدية فتقبلها* وروى شعبة عن منصور عن سالم بن
أبى الجعد عن مسروق قال سألت عبد الله عن الجور في الحكم فقال ذلك كفر وسألته عن السحت فقال الرشا وروى عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن إبان عن ابن أبى عياش عن مسلم أن مسروقا قال قلت لعمر يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في الحكم من السحت قال لا ولكن كفر إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضى حاجته حتى يهدى إليه وروى عن على بن أبى طالب قال السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في القضية فكأنه جعل السحت اسما لأخذ مالا يطيب أخذه وقال إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك السحت الرشا وروى منصور عن الحكم عن أبى وائل عن مسروق قال إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أكل الرشوة بلغت به الكفر وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال بابان من السحت يأكلهما الناس الرشا ومهر الزانية وروى إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل ابن مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هدايا الأمراء من السحت وروى أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشى بينهما وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الراشي والمرتشي وروى أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم قال أبو بكر اتفق جميع المتأولين لهذه الآية على أن قبول الرشا محرم واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى والرشوة تنقسم إلى وجوه منها الرشوة في الحكم وذلك محرم على الراشي والمرتشي جميعا وهو الذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم لعن الله الراشي والمرتشي والرائش وهو الذي يمشى بينهما فلذلك لا يخلو من أن يرشوه ليقضى له بحقه أو بما ليس بحق له فإن رشاه ليقضى له بحقه فقد فسق الحاكم بقبول الرشوة على أن يقضى له بما هو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم إليه وليس بحاكم ولا ينفذ حكمه لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة كمن أخذ الأجرة على أداء الفروض من الصلاة والزكاة والصوم ولا خلاف في تحريم الرشا على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه وفي هذا دليل أن كل ما كان مفعولا على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه كالحج
وتعليم القرآن والإسلام ولو كان أخذ الأبدال على هذه الأمور جائز لجاز أخذ الرشا على إمضاء الأحكام فلما حرم الله أخذ الرشا على الأحكام واتفقت الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ الأبدال على الفروض والقرب وإن أعطاه الرشوة على أن يقضى له بباطل فقد فسق الحاكم من وجهين أحدهما أخذ الرشوة والآخر الحكم بغير حق وكذلك الراشي وقد تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى السلطان وقال إن أخذ الرشا على الأحكام كفر وقال على رضى الله عنه وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله الرشا من السحت وأما الرشوة في غير الحكم فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند السلطان وذلك منهى عنه أيضا لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه قال الله تعالى( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يزال الله في عون المرء ما دام المرء في عون أخيه ووجه آخر من الرشوة وهو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محظورة على معطيها وروى عن جابر بن زيد والشعبي قالا لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم وعن عطاء وإبراهيم مثله وروى هشام عن الحسن قال لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الراشي والمرتشي قال الحسن ليحق باطلا أو يبطل حقا فأما أن تدفع عن مالك فلا بأس وقال يونس عن الحسن لا بأس أن يعطى الرجل من ماله ما يصون به عرضه وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال اجعل مالك جنة دون دينك ولا تجعل دينك جنة دون مالك وروى سفيان عن عمرو عن أبى الشعثاء قال لم نجد زمن زياد شيئا أنفع لنا من الرشا فهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه وقد روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة أعطى العباس بن مرداس السلمى شيئا فسخطه فقال شعرا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم اقطعوا عنا لسانه فزادوه حتى رضى وأما الهدايا للأمراء والقضاة فإن محمد بن الحسن كرهها وإن لم يكن للمهدي خصم ولا حكومة عند الحاكم ذهب في ذلك إلى حديث أبى حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية حين بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم على الصدقة فلما جاء قال هذا لكم وهذا أهدى لي فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم ما بال أقوام نستعملهم على ما ولأنا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدى لي فهلا جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا وما روى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال هدايا الأمراء غلول وهدايا الأمراء سحت وكره عمر بن عبد العزيز قبول الهدية فقيل
له إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقبل الهدية ويثيب عليها فقال كانت حينئذ هدية وهي اليوم سحت ولم يكره محمد للقاضي قبول الهدية ممن كان يهديه قبل القضاء فكأنه إنما كره منها ما أهدى له لأجل أنه قاض ولو لا ذلك لم يهد له وقد دل على هذا المعنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا فأخبر أنه إنما أهدى له لأنه عامل ولو لا أنه عامل لم يهد له وأنه لا يحل له وأما من كان يهاديه قبل القضاء وقد أعلم به لم يهده إليه لأجل القضاء فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك وقد روى أن بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت على امرأة عمر فردها عمر ومنع قبولها.
باب الحكم بين أهل الكتاب
قال الله تعالى( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) ظاهر ذلك يقتضى معنيين أحدهما تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم والثاني التخيير بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم فقال قائلون منهم إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم وقال آخرون التخيير منسوخ فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير فممن أخذ بالتخيير عند مجيئهم إلينا الحسن والشعبي وإبراهيم رواية وروى عن الحسن خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم وإذا ارتفعوا إليكم فأقيموا عليهم ما في كتابكم وروى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال آيتان نسختا من سورة المائدة آية القلائد وقوله تعالى( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مخيرا إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم حتى نزلت( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بينهم بما أنزل الله في كتابه وروى عثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) قال نسخها قوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) وروى سعيد بن جبير عن الحكم عن مجاهد( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) قال نسختها( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) وروى سفيان عن السدى عن عكرمة مثله* قال أبو بكر فذكر هؤلاء أن قوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) ناسخ للتخيير المذكور في قوله( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأى لأن العلم بتواريخ نزول الآي لا يدرك من طريق الرأى
والاجتهاد وإنما طريقه التوقيف ولم يقل من أثبت التخيير أن آية التخيير نزلت بعد قوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) وأن التخيير نسخه وإنما حكى عنهم مذاهبهم في التخيير من غير ذكر النسخ فثبت نسخ التخيير بقوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) كرواية من ذكر نسخ التخيير ويدل على نسخ التخيير قوله( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) الآيات ومن أعرض عنهم فلم يحكم في تلك الحادثة التي اختصموا فيها بما أنزل الله ولا نعلم أحدا قال إن في هذه الآيات( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) منسوخا إلا ما يروى عن مجاهد رواه منصور عن الحكم عن مجاهد أن قوله( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) نسخها ما قبلها( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) وقد روى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد أن قوله( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) منسوخ بقوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) ويحتمل أن يكون قوله تعالى( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) قبل أن تعقد لهم الذمة ويدخلوا تحت أحكام الإسلام بالجزية فلما أمر الله بأخذ الجزية منهم وجرت عليهم أحكام الإسلام أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله فيكون حكم الآيتين جميعا ثابتا التخيير في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم وإيجاب الحكم بما أنزل الله في أهل الذمة الذين يجرى عليهم أحكام المسلمين وقد روى عن ابن عباس ما يدل على ذلك روى محمد بن اسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قول الله تعالى( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) إنما نزلت في الدية بين بنى قريظة وبين بنى النضير وذلك أن بنى النضير كان لهم شرف يدون دية كاملة وأن بنى قريظة يدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء ومعلوم أن بنى قريظة وبنى النضير لم تكن لهم ذمة قط وقد أجلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بنى النضير وقتل بنى قريظة ولو كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا قتلهم وإنما كان بينه وبينهم عهد وهدنة فنقضوها فأخبر ابن عباس إن آية التخيير نزلت فيهم فجائز أن يكون حكمها باقيا في أهل الحرب من أهل العهد وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتا في أهل الذمة فلا يكون فيها نسخ وهذا تأويل سائغ لو لا ما روى عن السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى وروى عن ابن عباس رواية أخرى وعن الحسن ومجاهد والزهري أنها نزلت في شأن
الرجم حين تحاكموا إليه وهؤلاء أيضا لم يكونوا أهل ذمة وإنما تحاكموا إليه طلبا للرخصة وزوال الرجم فصار النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت مدارسهم ووقفهم على آية الرجم وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله ثم رجم اليهوديين وقال اللهم إنى أول من أحيا سنة أماتوها وقال أصحابنا أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإسلام كالمسلمين إلا في بيع الخمر والخنزير فإن ذلك جائز فيما بينهم لأنهم مقرون على أن تكون مالا لهم ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان ولا نعلم خلافا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرا أن عليه قيمتها وقد روى أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور فكتب إليهم عمر أن ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيهما وما عدا ذلك فهو محمول على أحكامنا لقوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كتب إلى أهل نجران إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله فجعلهم النبي صلّى الله عليه وسلّم في حظر الربا ومنعهم منه كالمسلمين قال الله تعالى( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) فأخبر أنهم منهيون عن الربا وأكل المال بالباطل كما قال تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) فسوى بينهم وبين المسلمين في المنع من الربا والعقود الفاسدة المحظورة وقال تعالى( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات وحدود أهل الذمة والمسلمون فيها سواء إلا أنهم لا يرجمون لأنهم غير محصنين وقال مالك الحاكم مخير إذا اختصموا إليه بين أن يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يعرض عنهم فلا يحكم بينهم وكذلك قوله في العقود والمواريث وغيرها واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم فقال أبو حنيفة هم مقرون على أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا لأحكامنا فإن رضى بها الزوجان حملا على أحكامنا وإن أبى أحدهما لم يعترض عليهم فإذا تراضيا جميعا حملهما على أحكام الإسلام إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة فإنه لا يفرق بينهم وكذلك إن أسلموا وقال محمد إذا رضى أحدهما حملا جميعا على أحكامنا وإن أبى الآخر إلا في النكاح بغير شهود خاصة وقال أبو يوسف يحملون على أحكامنا وإن أبوا إلا في
النكاح بعد شهود نجيزه إذا ترضوا بها فأما أبو حنيفة فإنه يذهب في إقرارهم على مناكحتهم إلى أنه قد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر مع علمه بأنهم يستحلون نكاح ذوات المحرم ومع علمه بذلك لم يأمر بالتفرقة بينهما وكذلك اليهود والنصارى يستحلون كثيرا من عقود المناكحات المحرمة ولم يأمر بالتفرقة بينهما حين عقد لهم الذمة من أهل نجران ووادي القرى وسائر اليهود والنصارى الذين دخلوا في الذمة ورضوا بإعطاء الجزية وفي ذلك دليل أنه أقرهم على مناكحتهم كما أقرهم على مذاهبهم الفاسدة واعتقاداتهم التي هي ضلال وباطل ألا ترى أنه لما علم استحلالهم للربا كتب إلى أهل نجران إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله فلم يقرهم عليه حين علم تبايعهم به وأيضا قد علمنا أن عمر بن الخطاب لما فتح السواد أقر أهلها عليها وكانوا مجوسا ولم يثبت أنه أمر بالتفريق بين ذوى المحارم منهم مع علمه بمناكحتهم وكذلك سائر الأمة بعده جروا على منهاجه في ترك الاعتراض عليهم وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا فإن قيل فقد روى عن عمر أنه كتب إلى سعد يأمره بالتفريق بين ذوى المحارم منهم وأن يمنعهم من المذهب فيه قيل له لو كان هذا ثابتا لورد النقل متواترا كوروده في سيرته فيهم في أخذ الجزية ووضع الخراج وسائر ما عاملهم به فلما لم يرد ذلك من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت ويحتمل أن يكون كتابه إلى سعد بذلك إنما كان فيمن رضى منهم بأحكامنا وكذلك نقول إذا تراضوا بأحكامنا وأيضا قد بينا أن قوله( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) ناسخ للتخيير المذكور في قوله( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير فأما شرط المجيء منهم فلم تقم الدلالة على نسخه فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيا والتخيير منسوخا فيكون تقديره مع الآية الأخرى فإن جاؤك فاحكم بينهم بما أنزل وإنما قال إنهم يحملون على أحكامنا إذا رضوا بها إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة من قبل أنه لما ثبت أنه ليس لنا اعتراض عليهم قبل التراضي منهم بأحكامنا فمتى تراضوا بها وارتفعوا إلينا فإنما الواجب إجراؤهم على أحكامنا في المستقبل ومعلوم أن العدة لا تمنع بقاء النكاح في المستقبل وإنما تمنع الابتداء لأن امرأة تحت زوج لو طرأت عليها عدة من وطء بشبهة لم يمنع ما وجب من العدة بقاء الحكم فثبت أن العدة إنما تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء فمن أجل ذلك لم يفرق بينهما.
ومن جهة أخرى أن العدة حق الله تعالى وهم غير مؤاخذين بحقوق الله تعالى في أحكام الشريعة فإذا لم تكن عندهم عدة واجبة لم تكن عليها عدة فجاز نكاحها الثاني وليس كذلك نكاح ذوات المحارم إذ لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في باب بطلانه وأما النكاح بغير شهود فإن الذي هو شرط في صحة العقد وجوب الشهود في حال العقد ولا يحتاج في بقائه إلى استصحاب الشهود لأن الشهود لو ارتدوا بعد ذلك أو ماتوا لم يؤثر ذلك في العقد فإذا كان إنما يحتاج إلى الشهود للابتداء لا للبقاء لم يجز أن يمنع البقاء في المستقبل لأجل عدم الشهود ومن جهة أخرى أن النكاح بغير شهود مختلف فيه بين الفقهاء فمنهم من يجيزه والاجتهاد سائغ في جوازه ولا يعترض على المسلمين إذا عقدوه ما لم يختصموا فيه فغير جائز فسخه إذا عقدوه في حال الكفر إذ كان ذلك سائغا جائزا في وقت وقوعه لو أمضاه حاكم ما بين المسلمين جاز ولم يجز بعد ذلك فسخه وإنما اعتبر أبو حنيفة تراضيهما جميعا بأحكامنا من قبل قول الله تعالى( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ) فشرط مجيئهم فلم يجز الحكم على أحدهما بمجيء الآخر* فإن قال قائل إذا رضى أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الإسلام فيصير بمنزلته لو اسلم فيحمل الآخر معه على حكم الإسلام قيل له هذا غلط لأن رضاه بأحكامنا لا يلزمه ذلك إيجابا ألا ترى أنه لو رجع عن الرضا قبل الحكم عليه لم يلزمه إياه بعد الإسلام يمكنه الرضا بأحكامنا وأيضا إذا لم يجز أن يعترض عليهم إلا بعد الرضا بحكمنا فمن لم يرض به مبقى على حكمه لا يجوز إلزامه حكما لأجل رضا غيره وذهب محمد إلى أن رضا أحدهما يلزم الآخر حكم الإسلام كما لو أسلم وذهب أبو يوسف إلى ظاهر قوله تعالى( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) قوله تعالى( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ) يعنى الله أعلم فيما تحاكموا إليك فيه فقيل إنهم تحاكموا إليه في حد الزانيين وقيل في الدية بين بنى قريظة وبنى النضير فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا إليه تصديقا منهم بنبوته وإنما طلبوا الرخصة ولذلك قال( وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) يعنى هم غير مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك وعدو لهم عما يعتقدونه حكما لله مما في التوراة ويحتمل أنهم حين طلبوا غير حكم الله ولم يرضوا به فهم كافرون غير مؤمنين* وقوله تعالى( وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ) يدل على أن حكم التوراة فيما اختصموا فيه لم يكن منسوخا وأنه
صار بمبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم شريعة لنا لم ينسخ لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت وهذا يدل على أن شرائع من قبلنا من الأنبياء لازمة لنا ما لم تنسخ وأنها حكم الله بعد مبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد روى عن الحسن في قوله تعالى( فِيها حُكْمُ اللهِ ) بالرجم لأنهم اختصموا إليه في حد الزنا وقال قتادة فيها حكم الله بالقود لأنهم اختصموا في ذلك وجائز أن يكونوا تحاكموا إليه فيهما جميعا من الرجم والقود قوله تعالى( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا ) روى عن الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مراد بقوله( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) ( لِلَّذِينَ هادُوا ) قال أبو بكر وذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم حكم على الزانيين منهم بالرجم وقال اللهم إنى أول من أحيا سنة أماتوها وكان ذلك في حكم التوراة وحكم فيه بتساوي الديات وكان ذلك أيضا حكم التوراة وهذا يدل على أنه حكم عليهم بحكم التوراة لا بحكم مبتدأ شريعة وقوله تعالى( وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ) قال ابن عباس شهداء على حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه في التوراة وقال غيره شهداء على ذلك الحكم أنه من عند الله وقال عز وجل( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) قال فيه السدى لا تخشوهم في كتمان ما أنزلت وقيل لا تخشوهم في الحكم بغير ما أنزلت وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحارث بن أبى أسامة حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال إن الله تعالى أخذ على الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قال( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ) الآية وقال( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا ـ إلى قوله ـفَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) فتضمنت هذه الآية معاني منها الأخبار بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد حكم على اليهود بحكم التوراة ومنها أن حكم التوراة كان باقيا في زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأن مبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يوجب نسخه ودل ذلك على أن ذلك الحكم كان ثابتا لم ينسخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلّم ومنها إيجاب الحكم بما أنزل الله تعالى وأن لا يعدل عنه ولا يجابى فيه مخالفة الناس ومنها تحريم أخذ الرشا في الأحكام وهو قوله تعالى( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً )
وقوله تعالى( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) قال ابن عباس هو في الجاحد لحكم الله وقيل هي في اليهود خاصة وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم هي عامة يعنى فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبرا أنه حكم الله تعالى ومن فعل هذا فقد كفر فمن جعلها في قوم خاصة وهم اليهود لم يجعل من بمعنى الشرط وجعلها بمعنى الذي لم يحكم بما أنزل الله والمراد قوم بأعيانهم وقال البراء بن عازب وذكر قصة رجم اليهود فأنزل الله تعالى( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ـ الآيات إلى قوله ـوَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) قال في اليهود خاصة وقوله( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ـ( فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) في الكفار كلهم وقال الحسن ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في اليهود وهي علينا واجبة وقال أبو مجلز نزلت في اليهود وقال أبو جعفر نزلت في اليهود ثم جرت فينا وروى سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال قيل لحذيفة ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في بنى إسرائيل قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قد الشراك قال إبراهيم النخعي نزلت في بنى إسرائيل ورضى لكم بها وروى الثوري عن زكريا عن الشعبي قال الأولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى وقال طاوس ليس بكفر ينقل عن الملة وروى طاوس عن ابن عباس قال ليس الكفر الذي يذهبون إليه في قوله( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) وقال ابن جريج عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وقال على بن حسين رضى الله عنهما ليس بكفر شرك ولا ظلم شرك ولا فسق شرك قال أبو بكر قوله تعالى( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الأخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بنى إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله
وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة فإذا هم ذلك إلى الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم قوله تعالى( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ) الآية فيه إخبار عما كتب الله على بنى إسرائيل في التوراة من القصاص في النفس وفي الأعضاء المذكورة وقد استدل أبو يوسف بظاهر هذه الآية على إيجاب القصاص بين الرجل والمرأة في النفس لقوله تعالى( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن شرائع من كان قبلنا حكمها ثابت إلى أن يرد نسخها على لسان النبي صلّى الله عليه وسلّم أو بنص القرآن وقوله في نسق الآية( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) دليل على ثبوت هذا الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين أحدهما أنه قد ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين شيء من الأزمان فهو ثابت في كل الأزمان إلى أن يرد نسخه والثاني معلوم أنهم استحقوا اسمة الظلم والفسق في وقت نزول الآية لتركهم الحكم بما أنزل الله تعالى من ذلك وقت نزول الآية إما جحودا له أو تركا لفعل ما أوجب الله من ذلك وهذا يقتضى وجوب القصاص في سائر النفوس ما لم تقم دلالة نسخه أو تخصيصه* وقوله تعالى( وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ) معناه عند أصحابنا في العين إذا ضربت فذهب ضوءها وليس هو على أن تقلع عينه هذا عندهم لا قصاص فيه لتعذر استيفاء لا قصاص في مثله ألا ترى أنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه منها فهو كمن قطع قطعة لحم من فخذ رجل أو ذراعه أو قطع بعض فخذه فلا يجب فيه القصاص وإنما القصاص عندهم فيما قد ذهب ضوءها وهي قائمة أن تشد عينه الأخرى وتحمى له مرآة فتقدم إلى العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوءها وأما قوله تعالى( وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ ) فإن أصحابنا قالوا إذا قطعه من أصله فلا قصاص فيه لأنه عظم لا يمكن استيفاء القصاص فيه كما لو قطع يده من نصف الساعد وكما لو قطع رجله من نصف الفخذ لا خلاف في سقوط القصاص فيه لتعذر استيفاء المثل والقصاص هو أخذ المثل فمتى لم يكن كذلك لم يكن قصاصا وقالوا إنما يجب القصاص في الأنف إذا قطع المارن وهو مالان منه ونزل عن قصبة الأنف وروى عن أبى يوسف أن في الأنف إذا استوعب القصاص وكذلك الذكر واللسان وقال محمد لا قصاص في الأنف واللسان والذكر إذا استوعب وقوله تعالى( وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ )
فإنه يقتضى وجوب القصاص فيها إذا استوعبت لإمكان استيفائه وإذا قطع بعضها فإن أصحابنا قالوا فيه القصاص إذا كان يستطاع ويعرف قدره وقوله عز وجل( وَالسِّنَّ بِالسِّنِ ) فإن أصحابنا قالوا لا قصاص في عظم إلا السن فإن قلعت أو كسر بعضها ففيها القصاص لإمكان استيفائه إن كان الجميع فبالقلع كما يقتص من اليد من المفصل وإن كان البعض فإنه يبرد بمقداره بالمبرد فيمكن استيفاء القصاص فيه وأما سائر العظام فغير ممكن استيفاء القصاص فيها لا يوقف على حده وقد اقتضى ما نص الله تعالى في هذه الأعضاء أن يؤخذ الكبير من هذه الأعضاء بصغيرها والصغير بالكبير بعد أن يكون المأخوذ منه مقابلا لما جنى عليه لغيره وقوله تعالى( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) يعنى إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها ودل به على نفى القصاص فيما لا يمكن استيفاء المثل فيه لأن قوله( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) يقتضى أخذ المثل سواء ومتى لم يكن مثله فليس بقصاص* وقد اختلف الفقهاء في أشياء من ذلك منها القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس وقد بيناه في سورة البقرة وكذلك بين العبيد والأحرار.
ذكر الخلاف في ذلك
قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والشافعى لا تؤخذ اليمنى باليسرى لا في العين ولا في اليد ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني وقال ابن شبرمة تفقأ العين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى وكذلك اليدان وتؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية وقال الحسن بن صالح إذا قطع إصبعا من كف فلم يكن للقاطع من تلك الكف إصبع مثلها قطع مما يلي تلك الأصبع ولا يقطع إصبع كف بإصبع كف أخرى وكذلك تقلع السن التي تليها إذا لم تكن للقاطع سن مثلها وإن بلغ ذلك الأضراس وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له يمنى ولا تقطع اليد اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى قال أبو بكر لا خلاف أنه إذا كان ذلك العضو من الجاني باقيا لم يكن للمجنى عليه استيفاء القصاص من غيره ولا يعدوا ما قبله من عضو الجاني إلى غيره مما بإزائه وإن تراضيا به فدل ذلك على أن المراد بقوله تعالى( وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ) إلى آخر الآية استيفاء مثله مما يقابله من الجاني فغير جائز إذا كان كذلك أن يعتدى إلى غيره سواء كان مثله موجودا من الجاني أو معدوما ألا ترى أنه إذا لم يكن له أن يعدو اليد إلى الرجل لم يختلف حكمه تكون
يد الجاني موجودة أو معدومة في امتناع تعديه إلى الرجل وأيضا فإن القصاص استيفاء المثل وليست هذه الأعضاء مماثلة فغير جائز أن يستوعبها ولم يختلفوا أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء وأن الشلاء تؤخذ بالصحيحة وذلك لقوله تعالى( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) وفي أخذ الصحيحة بالشلاء استيفاء أكثر مما قطع وأما أخذ الشلاء بالصحيحة فهو جائز لأنه رضى بدون حقه واختلف في القصاص في العظم فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد لا قصاص في عظم ما خلا السن وقال الليث والشافعى مثل ذلك ولم يستثنيا السن وقال ابن القاسم عن مالك عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان منها مجوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود فيه وليس في الهاشمة قود وكذلك المنقلة وفي الذراعين والعضد والساقين والقدمين والكعبين والأصابع إذا كسرت ففيها القصاص وقال الأوزاعى ليس في المأمومة قصاص قال أبو بكر لما اتفقوا على نفى في عظم الرأس كذلك سائر العظام وقال الله تعالى( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) وذلك غير ممكن في العظام وروى حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن الزبير أنه اقتص من مأمومة فأنكر ذلك عليه ومعلوم أن المنكرين كانوا الصحابة ولا خلاف أيضا أنه لو ضرب أذنه فيبست أنه لا يضرب أذنه حتى تيبس لأنه لا يوقف على مقدار جنايته فكذلك العظام وقد بينا وجوب القصاص في السن فيما تقدم* قوله تعالى( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) روى عن عبد الله بن عمر والحسن وقتادة وإبراهيم رواية والشعبي رواية أنها كفارة لولى القتيل وللمجروح إذا عفوا وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم رواية والشعبي رواية هو كفارة للجاني كأنهم جعلوه بمنزلة المستوفى لحقه ويكون الجاني كأنه لم يجن وهذا محمول على أن الجاني تاب من جنايته لأنه لو كان مصرا عليه فعقوبته عند الله فيما ارتكب من نهيه قائمة والقول الأول هو الصحيح لأن قوله تعالى راجع إلى المذكور وهو قوله( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ ) فالكفارة واقعة لمن تصدق ومعناه كفارة لذنوبه* قوله تعالى( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ) قال أبو بكر فيه دلالة على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت على معنى أنه صار شريعة للنبي صلّى الله عليه وسلّم لقوله( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ) ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم يتبعون النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه صار شريعة له لأنهم لو استعملوا ما في الإنجيل مخالفين للنبي صلّى الله عليه وسلّم غير متبعين له لكانوا
كفارا فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى أنها قد صارت شريعة للنبي صلّى الله عليه وسلّم* قوله تعالى( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة مهيمنا يعنى أمينا وقيل شاهدا وقيل حفيظا وقيل مؤتمنا والمعنى فيه أنه أمين عليه ينقل إلينا ما في الكتب المتقدمة على حقيقته من غير تحريف ولا زيادة ولا نقصان لأن الأمين على الشيء مصدق عليه وكذلك الشاهد وفي ذلك دليل على أن كل من كان مؤتمنا على شيء فهو مقبول القول فيه من نحو الودائع والعواري والمضاربات ونحوها لأنه حين أنبأ عن وجوب التصديق بما أخبر به القرآن عن الكتب المتقدمة سماه أمينا عليها وقد بين الله تعالى في سورة البقرة أن الأمين مقبول القول فيما ائتمن فيه وهو قوله تعالى( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) وقال( وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) فلما جعله أمينا فيه وعظه بترك البخس* وقد اختلف في المراد بقوله( وَمُهَيْمِناً ) فقال ابن عباس هو الكتاب وفيه أخبار بأن القرآن مهيمن على الكتب المتقدمة شاهد عليها وقال مجاهد أراد به النبي صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) يدل على نسخ التخيير على ما تقدم من بيانه* قوله تعالى( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) يدل على بطلان قول من يردهم إلى الكنيسة أو البيعة للاستحلاف لما فيه من تعظيم الموضع وهم يهون ذلك وقد نهى الله تعالى عن اتباع أهوائهم ويدل على بطلان قول من يردهم إلى دينهم لما فيه من اتباع أهوائهم والاعتداد بأحكامهم ولأن ردهم إلى أهل دينهم إنما هو رد لهم ليحكموا فيهم بما هو كفر بالله عز وجل إذ كان حكمهم بما يحكمون به كفرا بالله وإن كان موافقا لما أنزل في التوراة والإنجيل لأنهم مأمورون بتركه واتباع شريعة النبي صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) الشرعة والشريعة واحد ومعناها الطريق إلى الماء الذي فيه الحياة فسمى الأمور التي تعبد الله بها من جهة السمع شريعة وشرعة لإيصالها العاملين بها إلى الحياة الدائمة في النعيم الباقي قوله تعالى( وَمِنْهاجاً ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك سنة وسبيلا ويقال طريق نهج إذا كان واضحا قال مجاهد وأراد بقوله( شِرْعَةً ) القرآن لأنه لجميع الناس وقال قتادة وغيره شريعة التوراة وشريعة الإنجيل وشريعة القرآن وهذا يحتج به من نفى لزوم شرائع من قبلنا إيانا وإن لم يثبت نسخها لإخباره بأنه
جعل لكل نبي من الأنبياء شرعة ومنهاجا وليس فيه دليل على ما قالوا لأن ما كان شريعة لموسى عليه السّلام فلم ينسخ إلى أن بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم فقد صارت شريعة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وكان فيما سلف شريعة لغيره فلا دلالة في الآية على اختلاف أحكام الشرائع وأيضا فلا يختلف أحد في تجويز أن يتعبد الله رسوله بشريعة موافقة لشرائع من كان قبله من الأنبياء فلم ينف قوله( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ) أن تكون شريعة النبي صلّى الله عليه وسلّم موافقة لكثير من شرائع الأنبياء المتقدمين وإذا كان كذلك فالمراد فيما نسخ من شرائع المتقدمين من الأنبياء وتعبد النبي صلّى الله عليه وسلّم بغيرها فكان لكل منكم شرعة غير شرعة الآخر قوله عز وجل( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) قال الحسن لجعلكم على الحق وهذه مشيئة القدرة على إجبارهم على القول بالحق ولكنه لو فعل لم يستحقوا ثوابا وهو كقوله( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) وقال قائلون معناه ولو شاء الله لجمعهم على شريعة واحدة في دعوة جميع الأنبياء* قوله تعالى( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) معناه الأمر بالمبادرة بالخيرات التي تعبدنا بها قبل الفوات بالموت وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها نحو قضاء رمضان والحج والزكاة وسائر الواجبات لأنها من الخيرات* فإن قيل فهو يدل على أن فعل الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها لأنها من الواجبات في أول الوقت قيل له ليست من الواجبات في أول الوقت والآية مقتضية للوجوب فهي فيما قد وجب وألزم وفي ذلك دليل على أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار لأنه من الخيرات وقد أمر الله بالمبادرة بالخيرات وقوله تعالى في هذا الموضع( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) ليس بتكرار لما تقدم من مثله لأنهما نزلا في شيئين مختلفين أحدهما في شأن الرجم والآخر في التسوية بين الديات حين تحاكموا إليه في الأمرين* قوله تعالى( وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ) قال ابن عباس أراد أنهم يفتنونه بإضلالهم إياه عما أنزل الله إلى ما يهوون من الأحكام أطماعا منهم له في الدخول في الإسلام وقال غيره إضلالهم بالكذب على التوراة بما ليس فيها فقد بين الله تعالى حكمه قوله تعالى( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) ذكر البعض والمراد الجميع كما يذكر لفظ العموم والمراد الخصوص وكما قال( يا أَيُّهَا النَّبِيُ ) والمراد جميع المسلمين بقوله( إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ) وفيه أن المراد الإخبار
عن تغليظ العقاب في أن بعض ما يستحقون به يهلكهم وقيل أراد تعجيل البعض بتمردهم وعتوهم وقال الحسن ما عجله من إجلاء بنى النضير وقتل بنى قريظة قوله تعالى( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ) فيه وجهان أحدهما أنه خطاب لليهود لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه وإذا أوجب على أغنيائهم لم يأخذهم به فقيل لهم أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل الكتاب وقيل إنه أريد به كل من خرج عن حكم الله إلى حكم الجاهلية وهو ما تقدم عليه فاعله بجهالة من غير علم قوله تعالى( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً ) إخبار عن حكمه بالعدل والحق من غير محاباة وجائز أن يقال إن حكما أحسن من حكم كما لو خير بين حكمين نصا وعرف أن أحدهما أفضل من الآخر كان الأفضل أحسن وكذلك قد يحكم المجتهد بما غيره أولى منه لتقصير منه في النظر أو لتقليده من قصر فيه قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) روى عن عكرمة أنها نزلت في أبى لبابة بن عبد المنذر لما تنصح إلى بنى قريظة وأشار إليهم بأنه الذبح وقال السدى لما كان بعد أحد خاف قوم من المشركين حتى قال رجل أو إلى اليهود وقال آخر أو إلى النصارى فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال عطية بن سعد نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبى بن سلول لما تبرأ عبادة من موالاة اليهود وتمسك بها عبد الله بن أبى وقال أخاف الدوائر والولي هو الناصر لأنه يلي صاحبه بالنصرة وولى الصغير لأنه يتولى التصرف عليه بالحياطة وولى المرأة عصبتها لأنهم يتولون عليها عقد النكاح وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا في النصرة ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم لأن الولاية ضد العداوة فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار بمنزلتهم ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة لقوله تعالى( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) ويدل على أن اليهودي يستحق الولاية على النصراني في الحال التي كان يستحقها لو كان المولى عليه يهوديا وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا وكذلك الولاية بينهما في النكاح هو على هذا السبيل ومن حيث دلت على كون بعضهم أولياء بعض فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما وعلى ما ذكرنا من كون الكفر كله ملة واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه وقد دل على جواز مناكحة بعضهم لبعض اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية وهذا الذي
ذكرنا إنما هو في أحكامهم فيما بينهم وأما فيما بينهم لا بين المسلمين فيختلف حكم الكتابي وغير الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة قوله تعالى( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) يدل على أن حكم نصارى بنى تغلب حكم نصارى بنى إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وقوله( مِنْكُمْ ) يجوز أن يريد به المغرب لأنه لو أراد المسلمين لكانوا إذ تولوا الكفار صاروا مرتدين والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون منهم في شيء من أحكامهم ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحة وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها ولا يرثهم ولا يرثونه ولا يثبت بينهما شيء من حقوق الولاية وزعم بعضهم أن قوله( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) يدل على أن المسلم لا يرث المرتد لإخبار الله أنه ممن تولاه من اليهود والنصارى ومعلوم أن المسلم لا يرث اليهودي ولا النصراني فكذلك لا يرث المرتد قال أبو بكر وليس فيه دلالة على ما ذكرنا لأنه لا خلاف أن المرتد إلى اليهودية لا يكون يهوديا والمرتد إلى النصرانية لا يكون نصرانيا ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته ولا يجوز تزويجها إن كانت امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه فكما لم يدل ذلك على إيجاب التوارث بينه وبين اليهودي والنصراني كذلك لا يدل على أن المسلم لا يرثه وإنما المراد أحد وجهين إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على أن عبدة الأوثان من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز المناكحة وأكل الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية وإن كان الخطاب للمسلمين فهو إخبار بأنه كافر مثلهم بموالاته إياهم فلا دلالة فيه على حكم الميراث فإن قال قائل لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين لأنه قال( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ) لم يحتمل أن يريد بقوله( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ ) مشركي العرب قيل له لما كان المخاطبون بأول الآية في ذلك الوقت هم العرب جاز أن يريد بقوله( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ ) العرب فيفيد أن مشركي العرب إذا تولوا اليهود أو النصارى بالديانة والانتساب إلى الملة يكونون في حكمهم وإن لم يتمسكوا بجميع شرائع دينهم ومن الناس من يقول فيمن اعتقد من أهل ملتنا بعض المذاهب الموجبة لا كفار معتقديها أن الحكم بإكفاره لا يمنع أكل ذبيحته ومناكحة المرأة منهم إذا كانوا منتسبين إلى ملة الإسلام وإن كفروا باعتقادهم لما يعتقدونه من المقالة الفاسدة إذ كانوا في الجملة متولين لأهل الإسلام منتسبين إلى حكم القرآن كما أن
من انتحل النصرانية أو اليهودية كان حكمه حكمهم وإن لم يكن متمسكا بجميع شرائعهم ولقوله تعالى( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) وكان أبو الحسن الكرخي ممن يذهب إلى ذلك قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج نزلت في أبى بكر الصديق رضى الله عنه ومن قاتل معه أهل الردة وقال السدى هي في الأنصار وقال مجاهد في أهل اليمن وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عياض الأشعرى قال لما نزلت( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) أومأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشيء معه إلى أبى موسى فقال هم قوم هذا وفي الآية دلالة على صحة إمامة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولى الله ولم يقاتل المرتدين بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم غير هؤلاء المذكورين وأتباعهم ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير المرتدين بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم من العرب ولا في غير هؤلاء الأئمة لأن الله تعالى لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء الذين قاتلوا مع أبى بكر ونظير ذلك أيضا في دلالته على صحة إمامة أبى بكر قوله تعالى( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً ) لأنه كان الداعي لهم إلى قتال أهل الردة وأخبر تعالى بوجوب طاعته عليهم بقوله( فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) فإن قال قائل يجوز أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم هو الذي دعاهم قيل له قال الله تعالى( فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ) فأخبر أنهم لا يخرجون معه أبدا ولا يقاتلون معه عدوا فإن قال قائل جائز أن يكون عمر هو الذي دعاهم قيل له إن كان كذلك فإمامة عمر ثابتة بدليل الآية وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبى بكر لأنه هو المستخلف له* فإن قيل جائز أن يكون على هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب قيل له قال الله تعالى( تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) وعلى رضى الله عنه إنما قاتل أهل البغي وحارب أهل الكتاب على أن يسلموا أو يعطوا الجزية ولم يحارب أحد بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم على أن يسلموا غير أبى بكر فكانت الآية دالة على صحة إمامته.
باب العمل اليسير في الصلاة
قال الله تعالى( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) روى عن مجاهد والسدى وأبى جعفر وعتبة بن أبى حكيم أنها نزلت في على بن أبى طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع وروى الحسن أنه قال هذه الآية صفة جميع المسلمين لأن قوله تعالى( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) صفة للجماعة وليست للواحد* وقد اختلف في معنى قوله( وَهُمْ راكِعُونَ ) فقيل فيه أنهم كانوا على هذه الصفة في وقت نزول الآية منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من هو راكع في الصلاة وقال آخرون معنى( وَهُمْ راكِعُونَ ) أن ذلك من شأنهم وأفرد الركوع بالذكر تشريفا له وقال آخرون معناه أنهم يصلون بالنوافل كما يقال فلان يركع أى يتنفل فإن كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع فإنه يدل على إباحة العمل اليسير في الصلاة وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبار في إباحة العمل اليسير فيها فمنها أنه خلع نعليه في الصلاة ومنها أنه مس لحيته وأنه أشار بيده ومنها حديث ابن عباس أنه قام على يسار النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه ومنها أنه كان يصلى وهو حامل أمامة بنت أبى العاص بن الربيع فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها فدلالة الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة لأنه إن كان المراد الركوع فكان تقديره الذين يتصدقون في حال الركوع فقد دلت على إباحة الصدقة في هذه الحال وإن كان المراد وهم يصلون فقد دلت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة فكيفما تصرفت الحال فالآية دالة على إباحة الصدقة في الصلاة فإن قال قائل فالمراد أنهم يتصدقون ويصلون ولم يرد به فعل الصدقة في الصلاة قيل له هذا تأويل ساقط من قبل أن قوله تعالى( وَهُمْ راكِعُونَ ) إخبار عن الحال التي تقع فيها الصدقة كقوله تكلم فلان وهو قائم وأعطى فلانا وهو قاعد إنما هو إخبار عن حال الفعل أيضا لو كان المراد ما ذكرت كان تكرارا لما تقدم ذكره في أول الخطاب قوله تعالى( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) ويكون تقديره الذين يقيمون الصلاة ويصلون وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى فثبت أن المعنى ما ذكرنا من مدح الصدقة في حال الركوع أو في حال الصلاة وقوله تعالى( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة لأن عليا تصدق بخاتمه تطوعا وهو نظير قوله تعالى( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ
وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) قد انتظم صدقة الفرض والنفل فصار اسم الزكاة يتناول الفرض والنفل كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين.
باب الأذان
قال الله تعالى( وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ) قد دلت هذه الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها ونحوه قوله تعالى( إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ ) وقد روى عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن معاذ قال كانوا يجتمعون للصلاة لوقت يعرفونه ويؤذن بعضهم بعضا حتى نقسوا(1) أو كادوا أن ينقسوا فجاء عبد الله بن زيد الأنصارى وذكر الأذان فقال عمر قد طاف بي الذي طاف به ولكنه سبقني وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال استشار النبي صلّى الله عليه وسلّم المسلمين على ما يجمعهم في الصلاة فقالوا البوق فكرهه من أجل اليهود وذكر قصة عبد الله بن زيد وأن عمر رأى مثل ذلك فلم يختلفوا أن الأذان لم يكن مسنونا قبل الهجرة وأنه إنما سن بعدها وقد روى أبو يوسف عن محمد بن بشر الهمدانى قال سألت محمد بن على عن الأذان كيف كان أوله وما كان فقال شأن الأذان أعظم من ذلك ولكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما أسرى به جمع النبيون ثم نزل ملك من السماء لم ينزل قبل ليلته فأذن كأذانكم وأقام كإقامتكم ثم صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالنبيين قال أبو بكر ليلة أسرى به كان بمكة وقد صلى بالمدينة بغير أذان واستشار أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة ولو كانت تبدئه الأذان قد تقدمت قبل الهجرة لما استشار فيه وقد ذكر معاذ وابن عمر في قصة الأذان ما ذكرنا والأذان مسنون لكل صلاة مفروضة منفردا كان المصلى أو في جماعة إلا أن أصحابنا قالوا جائز للمقيم المنفرد أن يصلى بغير أذان لأن أذان الناس دعاء له فيكتفى به والمسافر يؤذن ويقيم وإن اقتصر على الإقامة دون الأذان أجزأه ويكره له أن يصلى بغير أذان ولا إقامة لأنه لم يكن هناك أذان ويكون دعاء له وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال من صلى في أرض بأذان وإقامة صلّى خلفه صف من الملائكة لا يرى طرفاه وهذا يدل على أن من سنة صلاة المنفرد الأذان وقال في خبر آخر إذا سفرتما فأذنا وأقيما وقد ذكرنا صفة الأذان والإقامة والاختلاف فيهما في غير هذا الكتاب قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ
__________________
(1) قوله نفسوا ماض من النفس بفتح النون وسكون القاف ومعناه الضرب بالناقوس.
آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً ) فيه نهى عن الاستنصار بالمشركين لأن الأولياء هم الأنصار وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من اليهود وقالوا نحن نخرج معك فقال إنا لا نستعين بمشرك وقد كان كثير من المنافقين يقاتلون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم المشركين وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو مسلم حدثنا حجاج حدثنا حماد عن محمد بن اسحق عن الزهري أن أناسا من اليهود غزوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فقسم لهم كما قسم للمسلمين وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا حدثنا يحيى عن مالك عن الفضل عن عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة قال يحيى إن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلّم ليقاتل معه فقال ارجع ثم اتفقا فقال إنا لا نستعين بمشرك وقال أصحابنا لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر فأما إذا كانوا لو ظهروا كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم ومستفيض في أخبار أهل السير ونقله المغازي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد كان يغزو ومعه قوم من اليهود في بعض الأوقات وفي بعضها قوم من المشركين وأما وجه الحديث الذي قال فيه إنا لا نستعين بمشرك فيحتمل أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يثق بالرجل وظن أنه عين للمشركين فرده وقال إنا لا نستعين بمشرك يعنى به من كان في مثل حاله قوله تعالى( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ ) قيل فيه إن معناه هلا وهي تدخل للماضي والمستقبل فإذا كانت للمستقبل فهي في معنى الأمر كقوله لم لا تفعل وهي هاهنا للمستقبل يقول هلا ينهاهم ولم لا ينهاهم وإذا كانت للماضي فهو للتوبيخ كقوله تعالى( لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) و( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ) وقيل في الرباني إنه العالم بدين الرب فنسب إلى الرب كقولهم روحانى في النسبة إلى الروح وبحرانى في النسبة إلى البحر وقال الحسن الربانيون علماء أهل الإنجيل والأحبار علماء أهل التوراة وقال غيره هو كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم وذكر لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب قال الرباني العالم العامل وقد اقتضت الآية وجوب إنكار المنكر بالنهى عنه والاجتهاد في إزالته لذمه من ترك ذلك قوله تعالى( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) وروى عن ابن عباس وقتادة والضحاك أنهم
وصفوه بالبخل وقالوا هو مقبوض العطاء كقوله تعالى( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) وقال الحسن* قالوا هي مقبوضة عن عقابنا واليد في اللغة تنصرف على وجوه منها الجارحة وهي معروفة ومنها النعمة تقول لفلان عندي يد أشكره عليها أى نعمة ومنها القوة فقوله أولى الأيدى فسروه بأولى القوى ونحوه قول الشاعر :
تحملت من ذلفاء ما ليس لي به |
ولا للجبال الراسيات يدان |
ومنها الملك ومنه قوله( الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) يعنى يملكها ومنها الاختصاص بالفعل كقوله تعالى( خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) أى توليت خلقه ومنها التصرف كقوله هذه الدار في يد فلان يعنى التصرف فيها بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك وقيل أنه قال تعالى( بَلْ يَداهُ ) على وجه التثنية لأنه أراد نعمتين أحدهما نعمة الدنيا والأخرى نعمة الدين والثاني قوتان بالثواب والعقاب على خلاف قول اليهود لأنه لا يقدر على عقابنا* وقيل إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك لبيك وسعديك وقيل في قوله تعالى( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) يعنى في جهنم روى عن الحسن قوله تعالى( كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ) فيه أخبار بغلبة المسلمين لليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه أخبر به عن الغيب مع كثرة اليهود وشدة شوكتهم وقد كان من حول المدينة منهم فئات تقاوم العرب في الحروب التي كانت تكون بينهم في الجاهلية فأخبر الله تعالى في هذه الآية بظهور المسلمين عليهم فكان مخبره على ما أخبر به فأجلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بنى قينقاع وبنى النضير وقتل بنى قريظة وفتح خيبر عنوة وانقادت له سائر اليهود صاغرين حتى لم تبق منهم فئة تقاتل المسلمين وإنما ذكر النار هاهنا عبارة عن الاستعداد للحرب والتأهب لها على مذهب العرب في إطلاق اسم النار في هذا الموضع ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم أنا برىء من كل مسلم مع مشرك قيل لم يا رسول الله قال لا تراءى ناراهما وإنما عنى بها نار الحرب يعنى أن حرب المشركين للشيطان وحرب المسلمين لله تعالى فلا يتفقان وقيل إن الأصل في العبارة باسم النار عن الحرب أن القبيلة الكبيرة من العرب كانت إذا أرادت حرب أخرى منها أوقدت النيران على رؤس الجبال والمواضع المرتفعة التي تعم القبيلة رؤيتها فيعلمون أنهم قد ندبوا إلى
الاستعداد للحرب والتأهب لها فاستعدوا وتأهبوا فصار اسم النار في هذا الموضع مفيدا للتأهب للحرب وقد قيل فيه وجه آخر وهو أن القبائل كانت إذا رأت التحالف على التناصر على غيرهم والجد في حربهم وقتالهم أوقدوا نارا عظيمة ثم قربوا منها وتحالفوا بحرمان منافعها إن هم غدروا أو نكلوا عن الحرب وقال الأعشى :
وأوقدت للحرب نارا
قوله تعالى( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) فيه أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بتبليغ الناس جميعا وما أرسله به إليهم من كتابه وأحكامه وأن لا يكتم منه شيئا خوفا من أحد ولا مداراة له وأخبر أنه إن ترك تبليغ شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا بقوله تعالى( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) فلا يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ الأحكام واخبر تعالى أنه يعصمه من الناس حتى لا يصلوا إلى قتله ولا قهره ولا أسره بقوله تعالى( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) وفي ذلك إخبار أنه لم يكن تقية من إبلاغ جميع ما أرسل به إلى جميع من أرسل إليهم وفيه الدلالة على بطلان قول الرافضة في دعواهم إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتم بعض المبعوثين إليهم على سبيل الخوف والتقية لأنه تعالى أمره بالتبليغ وأخبر أنه ليس عليه تقية بقوله تعالى( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) وفيه دلالة على أن كل ما كان من الأحكام بالناس إليه حاجة عامة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد بلغه الكافة وأن وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر نحو الوضوء من مس الذكر ومن مس المرأة ومما مسته النار ونحوها لعموم البلوى بها فإذا لم نجد ما كان منها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا أن الخبر غير ثابت في الأصل أو تأويله ومعناه غير ما اقتضاه ظاهره من نحو الوضوء الذي هو غسل اليد دون وضوء الحدث وقد دل قوله تعالى( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسر مع كثرة أعدائه المحاربين له مصالتة والقصد لاغتياله مخادعة نحو ما فعله عامر بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه ونحو ما قصده به عمير بن وهب الجمحي بمواطأة من صفوان بن أمية فأعلمه الله إياه فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم عمير بن وهب بما تواطأ هو وصفوان بن أمية عليه وهما في الحجر من اغتساله فأسلم عمير وعلم أن مثله لا يكون إلا من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة ولو لم يكن ذلك من عند الله
لما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا ادعى أنه معصوم من القتل والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه مع غناه عن الأخبار بمثله وأيضا لو كانت هذه الأخبار من عند غير الله لما اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به إذ لا يتفق مثلها في أخبار الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدث والتخمين وتعاطى علم النجوم والزرق والفال ونحوها فلما اتفق جميع ما أخبر به عنه من الكائنات في المستأنف على ما أخبر به ولا تخلف شيء منها علمنا أنها من عند الله العالم بما كان وما يكون قبل أن يكون قوله تعالى( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) فيه أمر لأهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل لأن إقامتها هو العمل بهما وبما في القرآن أيضا لأن قوله تعالى( وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) حقيقته تقتضي أن يكون المراد ما أنزل الله على رسوله فكان خطابا لهم وإن كان محتملا لأن يكون المراد ما أنزل الله على آبائهم في زمان الأنبياء المتقدمين وقوله تعالى( لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ) مقتضاه لستم على شيء من الدين الحق حتى تعلموا بما في التوراة والإنجيل والقرآن وفي هذا دلالة على أن شرائع الأنبياء المتقدمين ما لم ينسخ منها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلّم فهو ثابت الحكم مأمور به وأنه قد صار شريعة لنبينا صلّى الله عليه وسلّم لو لا ذلك لما أمروا بالثبات عليه والعمل به* فإن قال قائل معلوم نسخ كثير من شرائع الأنبياء المتقدمين على لسان نبينا صلّى الله عليه وسلّم فجائز إذا كان هذا هكذا أن تكون هذه الآية نزلت بعد نسخ كثير منها ويكون معناها الأمر بالإيمان على ما في التوراة والإنجيل من صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم ومبعثه وبما في القرآن من الدلالة المعجزة الموجبة لصدقه وإذا احتملت الآية ذلك لم تدل على بقاء شرائع الأنبياء المتقدمين قيل له لا تخلو هذه الآية من أن تكون نزلت قبل نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين فيكون فيها أمر باستعمالها وأخبار ببقاء حكمها أو أن تكون نزلت بعد نسخ كثير منها فإن كان كذلك فإن حكمها ثابت فيما لم ينسخ منها كاستعمال حكم العموم فيما لم تقم دلالة خصوصه واستعمالها فيما لا يجوز فيه النسخ من وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم وموجبات أحكام العقول فلم تخل الآية من الدلالة على بقاء حكم ما لم ينسخ من شرائع من قبلنا وأنه قد صار شريعة لنبينا صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى
في أن المسيح إله لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في الحاجة إلى الصانع المدبر إذ كان من فيه سمة الحدث لا يكون قديما ومن يحتاج إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء وقد قيل في معنى قوله( كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) أنه كناية عن الحدث لأن كل من يأكل الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا محالة وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى الطعام والشراب وما يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث المحتاج إليهما وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه وإن ذلك ينفى كونه إلها وقديما قوله تعالى( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) قال الحسن ومجاهد والسدى وقتادة لعنوا على لسان داود فصاروا قردة وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير وقيل إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء إعلامهم الأياس من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي لأن دعاء الأنبياء عليهم السلام باللعن والعقوبة مستجاب وقيل إنما ظهر لعنهم على لسان الأنبياء لئلا يوهموا الناس أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من عقاب المعاصي قوله تعالى( كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) معناه لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى حدثنا يونس بن راشد عن على بن بذيمة عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده * فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم إلى قوله فاسقون ثم قال كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق إطرا ولتقصرنه على الحق قصرا وقال أبو داود وحدثنا خلف بن هشام حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء ابن المسيب عن عمرو بن مرة عن سالم عن أبى عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بنحوه زاد او ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم قال أبو بكر في هذه الآية مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة على النهى عن مجالسة المظهرين للمنكر وأنه لا يكتفى منهم بالنهى دون الهجران قوله تعالى( تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) روى عن الحسن وغيره أن الضمير في( مِنْهُمْ ) راجع إلى اليهود وقال آخرون هو راجع
إلى أهل الكتاب والذين كفروا هم عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب على معاداة النبي صلّى الله عليه وسلّم ومحاربته قوله تعالى( وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ ) روى عن الحسن ومجاهد أنه من المنافقين من اليهود أخبر أنهم غير مؤمنين بالله وبالنبي وإن كانوا يظهرون الإيمان وقيل إنه أراد بالنبي موسى عليه السّلام أنهم غير مؤمنين به إذ كانوا يتولون المشركين قوله تعالى( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) الآية قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدى نزلت في النجاشيّ وأصحابه لما أسلموا وقال قتادة قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى عليه السّلام فلما جاء محمد صلّى الله عليه وسلّم آمنوا به ومن الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحا للنصارى وأخبارا بأنهم خير من اليهود وليس كذلك وذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول يدل عليه ما ذكر في نسق التلاوة من أخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين الطائفتين أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فسادا من مقالة اليهود لأن اليهود تقر بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة تنقص ما أعطته في الجملة من التوحيد بالتشبيه.
باب تحريم ما أحل الله عز وجل
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) والطيبات اسم يقع على ما يستلذ ويشتهى وبميل إليه القلب ويقع على الحال وجائز أن يكون مراد الآية الأمرين جميعا لوقوع الاسم عليهما فيكون تحريم الحلال على أحد وجهين أحدهما أن يقول قد حرمت هذا الطعام على نفسي فلا يحرم عليه وعليه الكفارة إن أكل منه والثاني أن يغصب طعام غيره فيخلطه بطعامه فيحرمه على نفسه حتى يغرم لصاحبه مثله روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله إنى إذا أكلت اللحم انتشرت فحرمته على نفسي فأنزل الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) الآية وروى سعيد عن قتادة قال كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم هموا بترك اللحم والنساء والاختصاء فأنزل الله عز وجل( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) الآية فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال ليس في ديني ترك
النساء ولا اللحم ولا اتخاذ الصوامع وروى مسروق قال كنا عند عبد الله فأتى بضرع فتنحى رجل فقال عبد الله أدنه فكل فقال إنى كنت حرمت الضرع فتلا عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم كل وكفر وقال الله تعالى( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ـ إلى قوله ـقَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) وروى أن النبي صلى الله عليه وسلّم حرم مارية وروى أنه حرم العسل على نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمره بالكفارة وكذلك قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية على نفسه أنه إن أكل من الطعام حنث وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين وفرق أصحابنا بين من قال والله لا آكل هذا الطعام وبين قوله حرمته على نفسي فقالوا في التحريم إن أكل الجزء منه حنث وفي اليمين لا يحنث إلا بأكل الجميع وجعلوا تحريمه إياه على نفسه بمنزلة قوله والله لأكلت منه شيئا إذ كان ذلك مقتضى لفظ التحريم إياه على نفسه بمنزلة قوله والله لأكلت منه شيئا إذ كان ذلك مقتضى لفظ التحريم في سائر ما حرم الله تعالى مثل قوله( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) اقتضى اللفظ تحريم كل جزء منه فكذلك تحريم الإنسان طعاما يقتضى إيجاب اليمين في أكل الجزء منه وأما اليمين بالله في نفى أكل هذا الطعام فإنها محمولة على الأيمان المنتظمة للشروط والجواب كقول القائل إن أكلت هذا الطعام فعبدي حر فلا يحنث بأكل البعض منه حتى يستوفى أكل الجميع فإن قال قائل قال الله تعالى( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ) فروى أن إسرائيل أخذه عرق النسا فحرم أحب الأشياء إليه وهو لحوم الإبل إن عافاه الله فكان ذلك تحريما صحيحا حاظرا لما حرم على نفسه قيل له هو منسوخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلّم وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهدا لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله( وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً ) ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها وقد روى أبو موسى الأشعرى أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم يأكل لحم الدجاج وروى أنه كان يأكل الرطب والبطيخ وروى غالب ابن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يأكل الدجاج حبسها ثلاثة أيام فعلفها ثم أكلها وروى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال سمعت ابن عباس يقول كل ما شئت واكتس ما أخطأت اثنتين سرفا أو مخيلة وقد روى أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف والحسن بن على وعبد الله بن أبى أوفى وعمران بن حصين وأنس
ابن مالك وأبا هريرة وشريحا كانوا يلبسون الخز* ويدل على نحو دلالة الآية التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات قوله تعالى( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) وقوله عقيب ذكره لما خلق من الفواكه( مَتاعٌ لَكُمْ ) ويحتج بقوله( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث لما فيه من تحريم المباح من المرأة.
باب الأيمان
قال الله تعالى( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) عقيب نهيه عن تحريم ما أحل الله قال ابن عباس لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية وأما اللغو فقد قيل فيه أنه ما لا يعتد به ومنه قول الشاعر :
أو مائة تجعل أولادها |
لغوا وعرض المائة الجلد |
يعنى نوقا لا تعتد بأولادها فعلى هذا لغو اليمين ما لا يعتد به ولا حكم له وروى إبراهيم الصائغ عن عطاء عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله عز وجل( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي وابن عبدوس قالا حدثنا محمد بن بكار حدثنا حسان بن إبراهيم عن إبراهيم الصائغ عن عطاء وسئل عن اللغو في اليمين فقالت عائشة إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله وروى إبراهيم عن الأسود وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لغو اليمين لا والله وبلى والله موقوفا عليها وروى عكرمة عن ابن عباس في لغو اليمين أن يحلف على الأمر يراه كذلك وليس كذلك وروى عن ابن عباس أيضا أن لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان وروى عن الحسن والسدى وإبراهيم مثل قول عائشة وقال بعض أهل العلم اللغو في اليمين هو الغلط من غير قصد على نحو قول القائل لا والله وبلى والله على سبق اللسان وقال بعضهم اللغو في اليمين أن تحلف على معصية أن تفعلها فينبغي أن لا تفعلها ولا كفارة فيه وروى فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أصحابنا اللغو هو قوله لا والله وبلى والله فيما يظن أنه صادق فيه على الماضي وقال مالك والليث نحو ذلك وهو قول
الأوزاعى وقال الشافعى اللغو هو المعقود عليه وقال الربيع عنه من حلف على شيء يرى أنه كذلك ثم وجده على غير ذلك فعليه كفارة قال أبو بكر لما قال الله تعالى( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) أبان بذلك أن لغو اليمين غير المعقود منها لأنه لو كان المعقود هو اللغو لما عطفه عليه ولما فرق بينهما في الحكم في نفيه المؤاخذة بلغو اليمين وإثبات الكفارة في المعقودة ويدل على ذلك أيضا أن اللغو لما كان هو الذي لا حكم له فغير جائز أن يكون هو اليمين المعقودة لأن المؤاخذة قائمة في المعقودة وحكمها ثابت فبطل بذلك قول من قال إن اللغو هو اليمين المعقودة وأن فيها الكفارة فثبت بذلك أن معناه ما قال ابن عباس وعائشة وأنها اليمين على الماضي فيما يظن الحالف أنه كما قال والأيمان على ضربين ماض ومستقبل والماضي ينقسم قسمين لغو وغموس ولا كفارة في واحد منهما والمستقبل ضرب واحد وهو اليمين المعقودة وفيها الكفارة إذا حنث وقال مالك والليث مثل قولنا في الغموس إنه لا كفارة فيها وقال الحسن بن صالح والأوزاعى والشافعى في الغموس الكفارة وقد ذكر الله تعالى هذه الأيمان الثلاث في الكتاب فذكر في هذه الآية اليمين اللغو والمعقودة جميعا بقوله( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) وقال في سورة البقرة( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) والمراد به والله أعلم الغموس لأنها هي التي تتعلق المؤاخذة فيها بكسب القلب وهو المأثم وعقاب الآخرة دون الكفارة إذ لم تكن الكفارة متعلقة بكسب القلب ألا ترى أن من حلف على معصية كان عليه أن يحنث فيها وتلزمه الكفارة مع ذلك فدل على أن قوله( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) المراد به اليمين الغموس التي يقصد بها إلى الكذب وأن المؤاخذة بها هي عقاب الآخرة وذكره للمؤاخذة بكسب القلب في هذه الآية عقيب ذكره اللغو في اليمين يدل على أن اللغو هو الذي لم يقصد فيه إلى الكذب وأنه ينفصل من الغموس بهذا المعنى* ومما يدل على أن الغموس لا كفارة فيها قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة فلو أوجبنا فيها الكفارة كان زيادة في النص وذلك غير جائز إلا بنص مثله وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال من حلف على يمين وهو فيها آثم فاجر ليقطع بها
ما لا لقى الله تعالى وهو عليه غضبان وروى جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار فذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم المأثم ولم يذكر الكفارة فدل على أن الكفارة غير واجبة من وجهين أحدهما أنه لا تجوز الزيادة في النص إلا بمثله والثاني أنها لو كانت واجبة لذكرها في اليمين المعقودة في قوله صلّى الله عليه وسلّم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خيرا منها وليكفر عن يمينه رواه عبد الرحمن بن سمرة وأبو هريرة وغيرهما ومما يدل على نفى الكفارة في اليمين على الماضي قوله تعالى في نسق التلاوة( وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) وحفظها مراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث فيها ومعلوم امتناع حفظ اليمين على الماضي لوقوعها على وجه واحد لا يصح فيها المراعاة والحفظ فإن قال قائل قوله تعالى( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) يقتضى عمومه إيجاب الكفارة في سائر الأيمان إلا ما خصه الدليل قيل له ليس كذلك لأنه معلوم أنه قد أراد به اليمين المعقودة على المستقبل فلا محالة أن فيه ضمير يتعلق به وجوب الكفارة وهو الحنث وإذا ثبت أن في الآية ضميرا سقط الاحتجاج بظاهرها لأنه لا خلاف أن اليمين المعقودة لا تجب بها كفارة قبل الحنث فثبت أن في الآية ضميرا فلم يجز اعتبار عمومها إذ كان حكمها متعلقا بضمير غير مذكور فيها وأيضا قوله تعالى( وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) يقتضى أن يكون جميع ما تجب فيه الكفارة من الأيمان هي التي ألزمنا حفظها وذلك إنما هو في اليمين المعقودة التي تمكن مراعاتها وحفظها لأداء كفارتها واليمين على الماضي لا يقع فيها حنث فينتظمها اللفظ ألا ترى أنه لا يصح دخول الاستثناء عليها فتقول كان أمس الجمعة إن شاء الله والله لقد كان أمس الجمعة إذ كان الحنث وجود معنى بعد اليمين بخلاف ما عقد عليه ويدل على أن الكفارة إنما تتعلق بالحنث في اليمين بعد العقد أنه لو قال والله كان ذلك قسما ولم تلزمه كفارة بوجود هذا القول لأنه لم يتعلق به حنث وقد قرئ قوله تعالى( بِما عَقَّدْتُمُ ) على ثلاثة أوجه عقدتم بالتشديد قد قرأه جماعة وعقدتم خفيفة وعاقدتم فقوله تعالى( عَقَّدْتُمُ ) بالتشديد كان أبو الحسن يقول لا يحتمل إلا عقد قول وعقدتم بالتخفيف يحتمل عقد القلب وهو العزيمة والقصد إلى القول ويحتمل عقد اليمين قولا ومتى احتمل إحدى القراءتين القول واعتقاد القلب ولم يحتمل الأخرى إلا عقد اليمين قولا وجب حمل ما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها واحدا فيحصل المعنى من
القراءتين عقد اليمين قولا ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب من الأيمان وهو أن تكون معقودة ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير معقودة وإنما هو خبر عن ماض والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو كذبا فإن قال قائل إذ كان قوله تعالى( عَقَّدْتُمُ ) بالتخفيف يحتمل اعتقاد القلب ويحتمل عقد اليمين فهلا حملته على المعنيين إذ ليسا متنافيين وكذلك قوله تعالى( بِما عَقَّدْتُمُ ) بالتشديد محمول على عقد اليمين فلا ينفى ذلك واستعمال اللفظ في القصد إلى اليمين فيكون عموما في سائر الأيمان قيل له لو سلم لك ما ادعيت من الاحتمال لما جاز استعماله فيما ذكرت ولكانت دلالة الإجماع مانعة من حمله على ما وصفت وذلك أنه لا خلاف أن القصد إلى اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي يتعلق به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي يتعلق به وجوب الكفارة فبطل بذلك تأويل من تأوله اللفظ على قصد القلب في حكم الكفارة وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب الكفارة هو اليمين المعقودة على المستقبل فإن قال قائل قوله( عَقَّدْتُمُ ) بالتشديد يقتضى التكرار والمؤاخذة تلزم من غير تكرار فما وجه اللفظ المقتضى للتكرار مع وجوب الكفارة في وجودها على غير وجه التكرار قيل له قد يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل والتضعيف وتارة بعظم المنزلة وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة وكذلك قال أصحابنا فيمن حلف على شيء ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره وأراد به التكرار لا يلزمه واحدة فإن قيل قوله( بِما عَقَّدْتُمُ ) بالتخفيف يفيد إيجاب الكفارة باليمين إلا كفارة أحد قيل له القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على ما وصفنا ولكل واحدة منهما فائدة مجددة.
(فصل) ومن يجيز الكفارة قبل الحنث يحتج بهذه الآية من وجهين أحدهما قوله( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ ) ( الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ ) فجعل ذلك كفارة عقيب عقد اليمين من غير ذكر الحنث لأن الفاء للتعقيب والثاني قوله تعالى( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) فأما قوله( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ ) فإنه لا خلاف أن فيه ضميرا متى أراد إيجابها وقد علمنا لا محالة أن الآية قد تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وأنها غير واجبة قبل
الحنث فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها فكفارته وهو كقوله تعالى( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) والمعنى فأفطر فعدة من أيام أخر وقوله( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ ) فمعناه فحلق ففدية عن صيام كذلك قوله( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ ) معناه فحنثتم فكفارته لاتفاق الجميع أنها غير واجبة قبل الحنث وقد اقتضت الآية لا محالة إيجاب الكفارة وذلك لا يكون إلا بعد الحنث فثبت أن المراد ضمير الحنث فيه وأيضا لما سماه كفارة علمنا أنه أراد التكفير بها في حال وجوبها لأن ما ليس بواجب فليس بكفارة على الحقيقة ولا يسمى بهذا الاسم فعلمنا أن المراد إذا حنثتم فكفارته إطعام عشرة مساكين وكذلك قوله في نسق التلاوة( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) معناه إذا حلفتم وحنثتم لما بيناه آنفا* فإن قيل يجوز أن تسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل الحول زكاة لوجوب السبب الذي هو النصاب وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة كفارة قبل وجود القتل وإن لم تكن واجبة في هذه الحال فكذلك يجوز أن يكون ما يعجله الحالف كفارة قبل الحنث ولا يحتاج إلى إثبات إضمار الحنث في جوازها قيل له قد بينا أن الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية وإذا أريد بها الكفارة الواجبة امتنع أن ينتظم ما ليس منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ولما ليس بواجب فمن حيث أريد بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب وأيضا فقد ثبت أن المتبرع بالطعام ونحوه لا يكون مكفرا بما يتبرع به إذا لم يحلف فلما كان المكفر قبل الحنث متبرعا بما أعطى ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة ومتى فعله لم يكن فاعلا للمأمور به* وأما إعطاء كفارة القتل قبل الموت بعد الجراحة وتعجيل الزكاة قبل الحول فإن جميع ما أخرج هؤلاء تطوع وليس بكفارة ولا زكاة وإنما أجزناه لما قامت الدلالة أن إخراج هذا التطوع يمنع لزوم الفرض بوجود الموت وحؤول الحول.
(فصل) ويحتج من يوجب على من عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور مثل قوله إن دخلت الدار فلله على حجة أو عتق رقبة أو نحو ذلك فحنث بظاهر قوله تعالى( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ ) وبقوله تعالى( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) قال فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب عليه بالحنث كفارة اليمين دون
المنذور بعينه وليس هذا كما ظن هذا القائل وذلك لأن النذر يوجب الوفاء بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين لقوله تعالى( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ ) وقال تعالى( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) وقال تعالى( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) وقال تعالى( وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) فذمهم تعالى على ترك الوفاء بنفس المنذور وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من نذر نذرا لم يسمه فعليه كفارة يمين ومن نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به وكان قوله تعالى( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ ) في اليمين المعقودة بالله عز وجل وكانت النذور محمولة على الأصول الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها قوله تعالى( وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) فقال قائلون معناه احفظوا أنفسكم من الحنث فيها واحذروا الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية وقال آخرون أقلوا من الأيمان على نحو قوله تعالى( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) واستشهد من قال ذلك بقول الشاعر :
قليل الألايا حافظ ليمينه |
إذا بدرت منه الألية برت |
وقال آخرون معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها لأن حفظ الشيء هو مراعاته وهذا هو الصحيح فأما الأول فلا معنى له لأنه غير منتهى عن الحنث إذا لم يكن ذلك الفعل معصية وقد قال صلّى الله عليه وسلّم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فأمره بالحنث فيها وقد قال الله تعالى( وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ) الآية روى أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف أبو بكر الصديق رضى الله عنه أن لا ينفق عليه لما كان منه من الخوض في أمر عائشة وقد كان ينفق عليه وكان ذا قرابة منه فأمره الله تعالى بالحنث في يمينه والرجوع إلى الإنفاق عليه ففعل ذلك أبو بكر وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ) إلى قوله( قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) بالكفارة والرجوع عما حرم على نفسه فثبت بذلك أنه غير منهى عن الحنث في اليمين إذا لم يكن الفعل معصية فغير جائز أن يكون معنى قوله( وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) نهيا عن الحنث وأما من قال إن معناه النهى عن الحلف واستشهد بالبيت فقوله مرذول ساقط لأنه غير جائز أن يكون الأمر بحفظ اليمين نهيا عن اليمين كما لا يجوز أن يقال احفظ مالك بمعنى أن لا تكسبه ومعنى البيت هو على ما نقوله مراعاة
الحنث لأداء الكفارة لأنه قال قليل الألايا حافظ ليمينه فأخبر بديا بقلة أيمانه ثم قال حافظ ليمينه ومعناه أنه مراع لها ليؤدى كفارتها عند الحنث ولو كان على ما قال المخالف لكان تكرارا لما قد ذكره فصح أن معناه الأمر بمراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث* قوله تعالى( إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ) روى عن على وعمر وعائشة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن في كفارة اليمين كل مسكين نصف صاع من بر وقال عمر وعائشة أو صاعا من تمر وهو قول أصحابنا إذا أعطاهم الطعام تمليكا وقال ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء في آخرين مد من بر لكل مسكين وهو قول مالك والشافعى* واختلف في الإطعام من غير تمليك فروى عن على ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة يغديهم ويعشيهم وهو قول أصحابنا ومالك بن أنس والثوري والأوزاعى وقال الحسن البصري وجبة واحدة تجزى وقال الحكم لا يجزى الإطعام حتى يعطيهم وقال سعيد بن جبير مدين من طعام ومد لإدامه ولا يجمعهم فيطعمهم ولكن يعطيهم وروى عن ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وطاوس والشعبي يطعمهم أكلة واحدة وروى عن أنس مثل ذلك وقال الشافعى لا يعطيهم جملة ولكن يعطى كل مسكين مدا* قال أبو بكر قال الله تعالى( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) فاقتضى ظاهره جواز الإطعام بالأكل من غير إعطاء ألا ترى إلى قوله تعالى( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً ) قد عقل منه إطعامهم بالإباحة لهم من غير تمليك ويقال فلان يطعم الطعام وإنما مرادهم دعاؤه إياهم إلى أكل طعامه فلما كان الاسم يتناول الإباحة وجب جوازه وإذا جاز إطعامهم على وجه الإباحة من غير تمليك فالتمليك أحرى بالجواز لأنه أكثر من الإباحة ولا خلاف في جواز التمليك وإنما قالوا يغديهم ويعشيهم لقوله تعالى( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) وهو مرتان غداء وعشاء لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات والأقل واحدة والأوسط مرتان وقد روى ليث عن ابن بريدة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا كان خبزا يابسا فهو غداؤه وعشاؤه وإنما قال أصحابنا إذا أعطاهم كان من البر نصف صاع ومن الشعير والتمر صاعا لما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث كعب بن عجرة في فدية الأذى أو أطعم ثلاثة آصع من طعام ستة مساكين وفي حديث آخر أطعم ستة آصع من تمر ستة
مساكين فجعل لكل مسكين صاعا من تمر أو نصف صاعا من بر ولم يفرق بين تقدير الطعام في فدية الأذى وكفارة اليمين فثبت أن كفارة اليمين مثلها وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في كفارة الظهار وسقا من تمر لستين مسكينا والوسق ستون صاعا ولما ثبت في كفارة الظهار لكل مسكين صاع من تمر كانت كفارة اليمين مثلها لاتفاق الجميع على تساويهما في مقدار ما يجب فيهما من الطعام وإذا ثبت من التمر صاع وجب أن يكون من البر نصف صاع لأن كل من أوجب فيها صاعا من التمر أوجب من البر نصف صاع* قوله تعالى( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) روى عن ابن عباس قال كان لأهل المدينة قوت وكان للكبير أكثر مما الصغير وللحر أكثر مما للمملوك فنزلت( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) ليس بأفضله ولا بأخسه وروى عن سعيد بن جبير مثله* قال أبو بكر بين ابن عباس أن المراد الأوسط في المقدار لا بأن يكون مأدوما وروى عن ابن عمر قال أوسطه الخبز والتمر والخبز والزيت وخير ما نطعم أهلنا الخبز واللحم وعن عبيدة الخبز والسمن وقال أبو رزين الخبز والتمر والخل وقال ابن سيرين أفضله اللحم وأوسطه السمن وأحسنه التمر مع الخبر روى عن عبد الله بن مسعود مثله* قال أبو بكر أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم سلمة ابن صخر أن يكفر عن الظهار بإعطاء كل مسكين صاعا من تمر ولم يأمره معه بشيء آخر غيره من الإدام وأمر كعب بن عجرة أن يتصدق بثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين ولم يأمره بالإدام ولا فرق عند أحد بين كفارة الظهار وكفارة اليمين في مقدار الطعام فثبت بذلك أن الإدام غير واجب مع الطعام وأن الأواسط المراد بالآية الأوسط في مقدار الطعام لا في ضم الإدام إليه وقوله تعالى( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ) عموم في جميع من يقع عليه الاسم منهم فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم نصف صاع لأنا لو منعناه في اليوم الثاني كنا قد خصصنا الحكم في بعض ما انتظمه الاسم دون بعض لا سيما فيمن قد دخل في حكم الآية بالاتفاق وهو قول أصحابنا وقال مالك والشافعى لا يجزى* فإن قال قائل لما ذكر عشرة مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم كقوله تعالى( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) وقوله تعالى( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) وسائر الأعداد المذكورة لا يجوز الاقتصار على ما دونها كذلك غير جائز الاقتصار على الأقل من العدد المذكور قيل له لما كان القصد في
ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد أن يتكرر عليهم الإطعام أو على واحد منهم في عشرة أيام على حسب ما يحصل به سد الجوعة فكان المعنى المقصود بإعطاء العشرة موجودا في الواحد عند تكرار الدفع والإطعام في عدد الأيام وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة على واحد بتكرار الدفع إذ كان المقصد فيه تكرار الدفع لا تكرار المساكين كما قال تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ) وهو هلال واحد فأطلق عليه اسم الجمع لتكرار الرؤية في الشهور وأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستنجاء بثلاثة أحجار ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه وكذلك أمر برمي الجمار بسبع حصيات ولو رمى بحصاة واحدة سبع مرات أجزأه لأن المقصد فيه حصول الرمي سبع مرات والمقصد في الاستنجاء حصول المساحات دون عدد الأحجار فكذلك لما كان المقصد في إخراج الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك عليه في الأيام وبين الجماعة ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى( أَوْ كِسْوَتُهُمْ ) ومعلوم أن كسوتهم عشرة أثواب فصار تقديره أو عشرة أثواب ثم لم يخصصها بمسكين واحد ولا بجماعة فوجب أن يجزى إعطاؤها الواحد منهم ألا ترى أنه يجوز أن تقول أعطيت كسوة عشرة مساكين مسكينا واحدا فقوله تعالى( أَوْ كِسْوَتُهُمْ ) يدل من هذا الوجه على أنه غير مقصور على أعداد المساكين عشرة ويدل أيضا من الوجه الذي دل عليه ذكر الطعام على الوجه الذي ذكرنا ولا تجزى الكسوة عندهم إذا أعطاها مسكينا واحدا إلا أن يعطيه كل يوم ثوبا لأنه لما ثبت ما وصفنا في الطعام من تفريقه في الأيام وجب مثله في الكسوة إذ لم يفرق واحد بينهما وأجاز أصحابنا إعطاء قيمة الطعام والكسوة لما ثبت أن المقصد فيه حصول النفع للمساكين بهذا القدر من المال ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله بالطعام والكسوة ولما صح إعطاء القيمة في الزكوات من جهة الآثار والنظر وجب مثله في الكفارة لأن أحدا لم يفرق بينهما ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق الاسم على من أعطى غيره دراهم يشترى بها ما يأكله ويلبسه بأن يقال قد أطعمه وكساه وإذا كان إطلاق ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية ألا ترى أن حقيقة الإطعام أن يطعمه إياه بأن يبيحه له فيأكله ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم يأكله المسكين وباعه أجزأه وإن لم يتناوله حقيقة اللفظ بحصول المقصد في وصول هذا القدر من المال إليه وإن لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل
وكذلك لو أعطاه كسوة فلم يكتس بها وباعها وإن لم يكن له كاسيا بإعطائه إذ كان موصلا إليه هذا القدر من المال بإعطائه إياه فثبت بذلك أنه ليس المقصد حصول المطعم والاكتساء وأن المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال فلا يختلف حينئذ حكم الدراهم والثياب والطعام ألا ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدر في صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ثم قال أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم فأخبر أن المقصود حصول الغنى لهم عن المسألة لا مقدار الطعام بعينه إذ كان الغنى عن المسألة يحصل بالقيمة كحصوله بالطعام* فإن قال قائل لو جازت القيمة وكان المقصد فيه حصول هذا القدر من المال للمساكين لما كان لذكر الإطعام والكسوة فائدة مع تفاوت قيمتها في أكثر الأحوال وفي ذكره الطعام أو الكسوة دلالة على أنه غير جائز أن يتعداهما إلى القيمة وأنه ليس المقصد حصول النفع بهذا القدر من المال دون عين الطعام والكسوة قيل له ليس الأمر على ما ظننت وفي ذكره الطعام والكسوة أعظم الفوائد وذلك أنه ذكرها ودلنا بما ذكر على جواز إعطاء قيمتها ليكون مخيرا بين أن يعطى حنطة أو يطعم أو يكسوا أو يعطى دراهم قيمة عن الحنطة أو عن الثياب فيكون موسعا في العدول عن الأرفع إلى الأوكس إن تفاوت القيمتان أو عن الأوكس إلى الأرفع أو يعطى أى المذكورين بأعيانهما كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن وجبت في إبله بنت لبون فلم توجد أخذ منه بنت مخاض وشاتان أو عشرون درهما فخيره في ذلك وهو يقدر على أن يشترى بنت لبون وهي الفرض المذكور وكما جعل الدية مائة من الإبل واتفقت الأمة على أنها من الدراهم والدنانير أيضا قيمة للإبل على اختلافهم فيها وكمن تزوج امرأة على عبد وسط فإن جاء به بعينه قبل منه وإن جاء بقيمته قبلت منه أيضا ولم يبطل جواز أخذ القيمة في هذه المواضع حكم التسمية لغيرها فكذلك ما وصفنا ألا ترى أنه خيره بين الكسوة والطعام والعتق فالقيمة مثل أحد هذه الأشياء وهو مخير بينها وبين المذكور وإن كانت قد تختلف في الطعام والكسوة لأن في عدوله إلى الأرفع زيادة فضيلة وفي اقتصاره على الأوكس رخصة وأيهما فعل فهو المفروض وهذا مثل ما نقول في القراءة في الصلاة أن المفروض منها مقدار آية فإن أطال القراءة كان الجميع هو المفروض والمفروض من الركوع هو الجزء الذي يسمى به راكعا فإن أطال كان الفرض جميع المفعول منه ألا ترى أنه لو أطال الركوع كان
مدركه في آخر الركوع مدركا لركعته وكذلك لا يمتنع أن يكون المفروض من الكفارة قيمة الأوكس من الطعام أو الكسوة فإن عدل إلى قيمة الأرفع كان هو المفروض أيضا وقد اختلف في مقدار الكسوة فقال أصحابنا الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب إزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء وروى ابن سماعة عن محمد أن السراويل تجزى وأنه لو حلف لا يشترى ثوبا فاشترى سراويل حنث إذا كان سراويل الرجال وروى هشام عن محمد أنه لا يجزى السراويل ولا العمامة وكذلك روى بشر عن أبى يوسف وقال مالك والليث إن كسا الرجل كسا ثوبا وللمرأة ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما تجزى فيه الصلاة ولا يجزى ثوب واحد للمرأة ولا تجزى العمامة وقال الثوري تجزى العمامة وقال الشافعى تجزى العمامة والسراويل والمقنعة قال أبو بكر روى عن عمران بن حصين وإبراهيم والحسن ومجاهد وطاوس والزهري ثوب لكل مسكين قال أبو بكر ظاهره يقتضى ما يسمى به الإنسان مكتسيا إذا لبسه ولابس السراويل ليس عليه غيره أو العمامة ليس عليه غيرها لا يسمى مكتسيا كلابس القلنسوة فالواجب أن لا يجزى السراويل والعمامة ولا الخمار لأنه مع لبسه لأحد هذه الأشياء يكون عريانا غير مكتس وأما الإزار والقميص ونحوه فإن كل واحد من ذلك يعم بدنه حتى يطلق عليه اسم المكتسى فلذلك أجزأه قوله تعالى( أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) يعنى عتق رقبة وتحريرها إيقاع الحرية عليها وذكر الرقبة وأراد به جملة الشخص تشبيها له بالأسير الذي تفك رقبته ويطلق فصارت الرقبة عبارة عن الشخص وكذلك قال أصحابنا إذا قال رقبتك حرة أنه يعتق كقوله أنت حر واقتضى اللفظ رقبة سليمة من العاهات لأنه اسم للشخص بكماله إلا أن الفقهاء اتفقوا على أن النقص اليسير لا يمنع جوازها فاعتبر أصحابنا بقاء منفعة الجنس في جوازها وجعلوا فوات منفعة الجنس من تلك الأعضاء مانعا لجوازها قوله تعالى( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) روى مجاهد عن عبد الله بن مسعود وأبو العالية عن أبى [فصيام ثلاثة أيام متتابعات] وقال إبراهيم النخعي في قراءتنا فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وطاوس هن متتابعات لا يجزى فيها التفريق فثبت التتابع بقول هؤلاء ولم تثبت التلاوة لجواز كون التلاوة منسوخة والحكم ثابتا وهو قول أصحابنا وقال مالك والشافعى يجزى فيه التفريق وقد بينا ذلك في أصول الفقه قوله
تعالى( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ) يقتضى إيجاب التكفير مع القدرة مع بقاء الخطاب بالكفارة وإنما يجوز الصوم مع عدم المذكور بديا لأنه قال( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) فنقله عن أحد الأشياء الثلاثة إلى الصوم عند عدمها فما دام الخطاب بالكفارة قائما عليه لم يجزه الصوم مع وجود الأصل ودخوله في الصوم لم يسقط عنه الخطاب بأحد الأشياء الثلاثة والدليل عليه أنه لو دخل في صوم اليوم الأول ثم أفسده وهو واجد للرقبة لم يجز الصوم مع وجودها فثبت بذلك أن دخوله في الصوم لم يسقط عنه فرض الأصل فلا فرق بين وجود الرقبة قبل الدخول في الصوم وبعده إذ كان الخطاب بالتكفير قائما عليه في الحالين.
باب تحريم الخمر
قال الله تعالى( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين أحدهما قوله( رِجْسٌ ) لأن الرجس اسم في الشرع لما يلزمه اجتنابه ويقع اسم الرجس على الشيء المستقذر النجس وهذا أيضا يلزم اجتنابه فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها والوجه الآخر قوله تعالى( فَاجْتَنِبُوهُ ) وذلك أمر والأمر يقتضى الإيجاب فانتظمت الآية تحريم الخمر من هذين الوجهين والخمر هي عصير العنب التي المشتد وذلك متفق عليه أنه خمر وقد سمى بعض الأشربة المحرمة باسم الخمر تشبيها بها مثل الفضيخ وهو نقيع البسر ونقيع التمر وإن لم يتناولهما اسم الإطلاق وقد روى في معنى الخمر آثار مختلفة منها ما روى مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر قال لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء وقد علمنا أنه كان بالمدينة نقيع التمر والبسر وسائر ما يتخذ منهما من الأشربة ولم يكن ابن عمر ممن يخفى عليه الأسماء اللغوية فهذا يدل على أن أشربة النخل لم تكن عنده تسمى خمرا وروى عكرمة عن ابن عباس قال نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ فأخبر ابن عباس أن الفضيخ خمر وجائز أن يكون سماه خمرا من حيث كان شرابا محرما* وروى حميد الطويل عن أنس قال كنت أسقى أبى عبيدة وأبى بن كعب وسهيل بن بيضاء في نفر في بيت أبى طلحة فمر بنا رجل فقال إن الخمر قد حرمت فو الله ما قالوا حتى نتبين حتى قالوا أهرق ما في إنائك يا أنس ثم ما عادوا فيها حتى لقوا الله عز وجل وأنه البسر والتمر وهو خمرنا يومئذ فأخبر أنس
إن الخمر يوما حرمت البسر والتمر وهذا جائز أن يكون لما كان محرما سماه خمرا وأن يكون المراد أنهم كانوا يجرونه مجرى الخمر ويقيمونه مقامها لا أن ذلك اسم له على الحقيقة ويدل عليه أن قتادة روى عن أنس هذا الحديث وقال إنما نعدها يومئذ خمرا فأخبر أنهم كانوا يعدونها خمرا على معنى أنهم يجرونها مجرى الخمر* وروى ثابت عن أنس قال حرمت علينا الخمر يوم حرمت وما نجد خمور الأعناب إلا القليل وعامة خمورنا البسر والتمر* ومع هذا أيضا معناه أنهم كانوا يجرونه مجرى الخمر في الشرب وطلب* الإسكار وطيبة النفس وإنما كان شراب البسر والتمر* وروى المختار بن فلفل قال سألت أنس بن مالك عن الأشربة فقال حرمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة وما خمرت من ذلك فهو خمر فذكر في الحديث الأول أنه من البسر والتمر وذكر في هذا الحديث أنها من ستة أشياء فكان عنده أن ما أسكر من هذه الأشربة فهو خمر ثم قال وما خمرت من ذلك فهو خمر وهذا يدل على أنه إنما سمى ذلك خمرا في حال الإسكار وأن ما لا يسكر منه فليس بخمر* وقد روى عن عمر أنه قال إن الخمر حرمت وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والشعير والخمر ما خامر العقل وهذا أيضا يدل على أنه إنما سماه خمرا في حال ما أسكر إذا أكثر منه لقوله والخمر ما خامر العقل* وقد روى عن السرى بن إسماعيل عن الشعبي أنه حدثه أنه سمع النعمان بن بشير يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن من الحنطة خمرا وإن من الشعير خمرا وإن من الزبيب خمرا وإن من التمر خمرا وإن من العسل خمرا ولم يقل إن جميع ما يكون من هذه الأصناف خمر وإنما أخبر أن منهم خمرا ويحتمل أن يريد به ما يسكر منه فيكون محرما في تلك الحال ولم يرد بذلك أن ذلك اسم لهذه الأشربة المتخذة من هذه الأصناف لأنه قد روى عنه بأسانيد أصح من إسناد هذا الحديث ما ينفى أن يكون الخمر من هذه الأصناف وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا إبان قال حدثني يحيى بن أبى كثير عن أبى كثير العنبري وهو يزيد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبيد بن حاتم قال حدثنا ابن عمار الموصلي قال حدثنا عبدة ابن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن عكرمة بن عمار عن أبى كثير عن أبى هريرة قال
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخمر من هاتين الشجرتين النخل والعنب وهذا الخبر يقضى على جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب بصحة سنده وقد تضمن نفى اسم الخمر عن الخارج من غير هاتين الشجرتين لأن قوله الخمر اسم للجنس فاستوعب بذلك جميع ما يسمى خمرا فانتفى بذلك أن يكون الخارج من غيرهما مسمى باسم الخمر واقتضى هذا الخبر أيضا أن يكون المسمى بهذا الاسم من الخارج من هاتين الشجرتين وهو على أول الخارج منهما مما يسكر منه وذلك هو العصير التي المشتد ونقيع التمر والبسر قبل أن تغيره النار لأن قوله منهما يقتضى أول خارج منهما مما يسكر والذي حصل عليه الاتفاق من الخمر هو ما قدمنا ذكره من عصير العنب التي المشتد إذا غلا وقذف بالزبد فيحتمل على هذا إذا كان الخمر ما وصفنا أن يكون معنى حديث أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم الخمر من هاتين الشجرتين أن مراده أنها من إحداهما كما قال تعالى( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) وإنما الرسل من الإنس وقال تعالى( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) وإنما يخرج من أحدهما ويدل على أن الخمر هو ما ذكرنا وأن ما عداها ليس بخمر في الحقيقة اتفاق المسلمين على تكفير مستحل الخمر في غير حال الضرورة واتفاقهم على أن مستحل ما سواها من هذه الأشربة غير مستحق لسمة الكفر فلو كانت خمرا لكان مستحلها كافرا خارجا عن الملة كمستحل التي المشتد من عصير العنب وفي ذلك دليل على أن اسم الخمر في الحقيقة إنما يتناول ما وصفنا وزعم بعض من ليس معه من الورع إلا تشدده في تحريم النبيذ دون التورع عن أموال الأيتام وأكل السحت أن كتاب الله عز وجل والأحاديث الصحاح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما جاء في الحديث من تفسير الخمر ما هي واللغة القائمة المشهورة والنظر وما يعرفه ذووا الألباب بعقولهم يدل على أن كل شيء أسكر فهو خمر فأما كتاب الله فقوله( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ) فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من النخل فادعى هذا القائل أن كتاب الله يدل على أن ما أسكر فهو خمرا ثم تلا الآية وليس في الآية أن السكر ما هو ولا أن السكر خمر فإن كان السكر خمرا على الحقيقة فإنما هو الخمر المستحيلة عن عصير العنب لأنه قال( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ ) ومع ذلك فإن الآية مقتضية لإباحة السكر المذكور فيها لأنه تعالى اعتد علينا فيها بمنافع النخيل والأعناب كما اعتد بمنافع الأنعام وما خلق فيها من اللبن فلا دلالة في الآية إذا على تحريم
السكر ولا على أن السكر خمر ولو دلت على أن السكر خمر لما دلت على أن الخمر تكون من كل ما يسكر إذ فيها ذكر الأعناب التي منها تكون الخمر المستحيلة من عصيرها فكان دعواها على الكتاب غير صحيحة وذكر من الأحاديث في ذلك ما قدمنا ذكره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وعن السلف وقد بينا وجهه وذكرنا ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وكل شراب أسكر فهو حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام ونحوها من الأخبار والمعنى في هذه الأخبار حال وجود الإسكار دون غيرها الموافق لما ذكرنا من الأخبار النافية لكونها خمرا وما ذكرنا من دلالة الإجماع وقد تواترت الآثار عن جماعة من عليه السلف شرب النبيذ الشديد منهم عمر وعبد الله وأبو الدرداء وبريدة في آخرين قد ذكرناهم في كتابنا في الأشربة وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه شرب من النبيذ الشديد في أخبار أخر فينبغي على قول هذا القائل أن يكونوا قد شربوا خمرا وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا مطين قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كل مسكر حرام فقلنا يا ابن عباس إن هذا النبيذ الذي نشرب يسكرنا قال ليس هكذا إن شرب أحدكم تسعة أقداح لم يسكر فهو حلال فإن شرب العاشر فأسكره فهو حرام حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا هودة قال حدثنا عوف بن سنان عن أبى الحكم عن بعض الأشعريين عن الأشعرى قال بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعاذا إلى اليمن فقلت يا رسول الله إنك تبعثنا إلى أرض بها أشربة منها البتع من العسل والمزر من الشعير والذرة يشتد حتى يسكر قال وأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جوامع الكلم فقال إنما حرم المسكر الذي يسكر عن الصلاة فأخبر صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث أن المحرم منه ما يوجب السكر دون غيره وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن زكريا العلائى قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبى إسحاق عن الحارث عن على قال سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأشربة عام حجة الوداع فقال حرم الخمر بعينها والسكر من كل شراب وفي هذا الحديث أيضا بيان ما حرم من الأشربة سوى الخمر وهو ما يوجب السكر وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا سماك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى بردة بن نيار قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
يقول اشربوا في الظروف ولا تسكروا فقوله اشربوا في الظروف منصرف إلى ما كان حظره من الشرب في الأوعية فأباح الشرب منها بهذا الخبر ومعلوم أن مراده ما يسكر كثيره ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال اشربوا الماء ولا تسكروا إذا كان الماء لا يسكر بوجه ما فثبت أن مراده إباحة شرب قليل ما يسكره كثيره وأما ما روى عن الصحابة من شرب النبيذ الشديد فقد ذكرنا منه طرفا في كتاب الأشربة ونذكر هاهنا بعض ما روى فيه حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسين بن جعفر القتات قال حدثنا يزيد بن مهران الخباز قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبى حصين والأعمش عن إبراهيم عن علقمة والأسود قال كنا ندخل على عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فيسقينا النبيذ الشديد وحدثنا عبد الله بن الحسين الكرخي قال حدثنا أبو عون الفرضي قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا نعيم بن حماد قال كنا عند يحيى بن سعيد القطان بالكوفة وهو يحدثنا في تحريم النبيذ فجاء أبو بكر بن عياش حتى وقف عليه فقال أبو بكر أسكت يا صبي حدثنا الأعمش بن إبراهيم عن علقمة قال شربنا عند عبد الله بن مسعود نبيذا صلبا آخره يسكر وحدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال شهدت عمر بن الخطاب حين طعن وقد أتى بالنبيذ فشربه قال عجبنا من قول أبى بكر ليحيى أسكت يا صبي وروى إسرائيل عن أبى إسحاق عن الشعبي عن سعيد وعلقمة أن أعرابيا شرب من شراب عمر فجلده عمر الحد فقال الأعرابى إنما شربت من شرابك فدعا عمر شرابه فكسره بالماء ثم شرب منه وقال من رابه من شرابه شيء فليكسره بالماء ورواه إبراهيم النخعي عن عمر نحوه وقال فيه إنه شرب منه بعد ما ضرب الأعرابى وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا المعمري قال حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال حدثنا عمر قال حدثني عطاء بن أبى ميمونة عن أنس بن مالك عن أم سليم وأبى طلحة أنهما كانا يشربان نبيذ الزبيب والتمر يخلطانه فقيل له يا أبا طلحة إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن هذا فقال إنما نهى عنه للعوز في ذلك الزمان كما نهى عن الإقران وما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب كثير وقد ذكرنا منه طرفا في كتابنا الأشربة وكرهت التطويل بإعادته هنا وما روى عن أحد من الصحابة والتابعين تحريمه الأشربة التي يبيحها أصحابنا فيما نعلمه وإنما روى عنهم تحريم نقيع الزبيب والتمر وما لم يرد من العصير إلى الثلث إلى أن نشأ
قوم من الحشو تصنعوا عند العامة بالتشديد في تحريمه ولو كان النبيذ محرما لورد النقل به مستفيضا لعموم البلوى كانت به إذ كانت عامة أشربتهم نبيذ التمر والبسر كما ورد تحريم الخمر وقد كانت بلواهم بشرب النبيذ أعم منها بشرب الخمر لقلتها كانت عندهم وفي ذلك دليل على بطلان قول موجبى تحريمه وقد استقصينا الكلام في ذلك من سائر وجوهه في الأشربة* وأما الميسر فقد روى عن على أنه قال الشطرنج من الميسر وقال عثمان وجماعة من الصحابة والتابعين النرد وقال قوم من أهل العلم القمار كله من الميسر وأصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه وهو السهام التي يجيلونها فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم فربما أخفق بعضهم حتى لا يخطئ بشيء وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر وحقيقته تمليك المال على المخاطرة* وهو أصل في بطلان عقود التمليكات الواقعة على الأخطار كالهبات والصدقات وعقود البياعات ونحوها إذا علقت على الأخطار بأن يقول قد بعتك إذا قدم زيد ووهبته لك إذا خرج عمر ولأن معنى إيسار الجزور أن يقول من خرج سهمه استحق من الجزور كذا فكان استحقاقه لذلك السهم منه معلقا على الحظر* والقرعة في الحقوق تنقسم إلى معنيين أحدهما تطييب النفوس من غير إحقاق واحد من المقترعين ولا بخس حظه مما اقترعوا عليه مثل القرعة في القسمة وفي قسم النساء وفي تقديم الخصوم إلى القاضي والثاني مما ادعاه مخالفونا في القرعة بين عبيد أعتقهم المريض ولا مال له غيرهم فقول مخالفينا هنا من جنس الميسر المحظورة بنص الكتاب لما فيه من نقل الحرية عمن وقعت عليه إلى غيره بالقرعة ولما فيه أيضا من إحقاق بعضهم وبخس حقه حتى لا يخطئ منه بشيء واستيفاء بعضهم حقه وحق غيره ولا فرق بينه وبين الميسر في المعنى* وأما الأنصاب فهي ما نصب للعبادة من صنم أو* حجر غير مصور أو غير ذلك من سائر ما ينصب للعبادة* وأما الأزلام فهي القداح وهي سهام كانوا يجعلون عليها علامات أفعل ولا تفعل ونحو ذلك فيعملون في سائر ما يهتمون به من أعمالهم على ما تخرجه تلك السهام من أمر أو نهى أو إثبات أو نفى ويستعملونها في الأنساب أيضا إذا شكوا فيها فإن خرج لا نفوه وإن خرج نعم أثبتوه وهي سهام الميسر أيضا* وأما قوله( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) فإن الرجس هو الذي يلزم اجتنابه إما لنجاسته وإما لقبح ما يفعل به عباده أو تعظيم لأنه يقال رجس نجس فيراد
بالرجس النجس ويتبع أحدهما الآخر كقولهم حسن بسن وعطشان نطشان وما جرى مجرى ذلك* والرجز قد قيل فيه إنه العذاب في قوله تعالى( لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ ) أى العذاب وقد يكون في معنى الرجس كما في قوله( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) وقوله( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) وإنما قال تعالى( مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) لأنه يدعو إليه ويأمر به فأكد بذلك أيضا حكم تحريمها إذ كان الشيطان لا يأمر إلا بالمعاصي والقبائح والمحرمات وجازت نسبته إلى الشيطان على وجه المجاز إذ كان هو الداعي إليه والمزين له ألا ترى لو أغرى غيره أو بسبه وزينه له جاز أن يقال له هذا من عملك* قوله تعالى( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) الآية فإنما يريد به ما يدعو الشيطان إليه ويزينه من شرب الخمر حتى يسكر منها شاربها فيقدم على القبائح ويعربد على جلسائه فيؤدى ذلك إلى العداوة والبغضاء وكذلك القمار يؤدى إلى ذلك قال قتادة كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء ومن الناس من يستدل به على تحريم النبيذ إذ كان السكر منه يوجب من العداوة والبغضاء مثل ما يوجبه السكر في الخمر وهذا المعنى لعمري موجود فيما يوجب السكر منه غير موجود فيما لا يوجبه ولا خلاف في تحريم ما يوجب السكر منه وأما قليل الخمر فليست هذه العلة موجودة فيه فهو محرم لعينه وليس فيه علة تقتضي تحريم قليل النبيذ قوله تعالى( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) قال ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك لما حرم الخمر كان قد مات رجال من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم فقالت الصحابة كيف بمن مات منا وهم يشربونها فأنزل الله تعالى هذه الآية وروى عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على إن قوما شربوا بالشام وقالوا هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية فأجمع عمر وعلى على أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا وروى الزهري قال أخبرنى عبد الله بن عامر بن ربيعة أن الجارود سيد بنى عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر وأراد عمر أن يجلده فقال قدامة ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ ) الآية فقال عمر إنك قد أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله تعالى عليك فلم يحكموا على قدامة بحكمهم
على الذين شربوها بالشام ولم يكن حكمه حكمهم لأن أولئك شربوها مستحلين لها ومستحل ما حرم الله كافر فلذلك استتابوهم وأما قدامة بن مظعون فلم يشربها مستحلا لشربها وإنما تأول الآية على أن الحال التي هو عليها ووجود الصفة التي ذكر الله تعالى في الآية فيه مكفرة لذنوبه وهو قوله تعالى( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فكان عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها مع اعتقاده لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته وأعاد ذكر الاتقاء في الآية ثلاث مرات والمراد بكل واحد منهما غير المراد بالأخرى فأما الأول فمن اتقى فيما سلف والثاني الاتقاء منهم في مستقبل الأوقات والثالث اتقاء ظلم العباد والإحسان إليهم.
باب الصيد للمحرم
قال الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ) قيل في موضع من هاهنا أنها للتبعيض بأن يكون المراد صيد البرذون صيد البحر وصيد الإحرام دون صيد الإحلال وقيل إنها للتمييز كقوله تعالى( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) وقولك باب من حديد وثوب من قطن وجائز أن يريد ما يكون من أجزاء الصيد وإن لم يكن صيدا كالبيض والفرخ لأن البيض من الصيد وكذلك الفرخ والريش وسائر أجزائه فتكون الآية شاملة لجميع هذه المعاني ويكون المحرم بعض الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال الإحرام ويفيد أيضا تحريم ما كان من أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ والوبر وغيره وقد روى عن ابن عباس في قوله تعالى( تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ ) قال فراخ الطير وصغار الوحش وقال مجاهد الفرخ والبيض وقد روى عن على رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه أعرابى بخمس بيضات فقال إنا محرمون وإنا لا نأكل فلم يقبلها وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى في بيض نعام أصابه المحرم بقيمته وروى عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبى موسى في بيض النعامة يصيبه المحرم أن عليه قيمته ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ذلك* وقوله تعالى( وَرِماحُكُمْ ) قال ابن عباس كبار الصيد* قوله تعالى( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
حُرُمٌ ) قيل فيه ثلاثة أوجه كلها محتمل أحدها محرمون بحج أو عمرة والثاني دخول الحرم يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم كما يقال أنجد إذ أتى نجدا وأعرق إذا أتى العراق وأتهم إذا أتى تهامة والثالث الدخول في الشهر الحرام كما قال الشاعر :
قتل الخليفة محرما
يعنى في الشهر الحرام وهو يريد عثمان بن عفان رضى الله عنه ولا خلاف أن الوجه الثالث غير مراد بهذه الآية وأن الشهر الحرام لا يحظر الصيد والوجهان الأولان مرادان وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم النهى عن صيد الحرم للحلال والمحرم فدل أنه مراد بالآية لأنه متى ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حكم ينتظمه لفظ القرآن فالواجب أن يحكم بأنه صدر عن الكتاب غير مبتدأ* وقوله عز وجل( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) يقتضى عمومه صيد البر والبحر لو لا ما خصه بقوله( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ ) فثبت أن المراد بقوله( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) صيد البر خاصة دون صيد البحر وقد دل قوله( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) أن كل ما يقتله المحرم من الصيد فهو غير ذكى لأن الله تعالى سماه قتلا والمقتول لا يجوز أكله وإنما يجوز أكل المذبوح على شرائط الذكاة وما ذكى من الحيوان لا يسمى مقتولا لأن كونه مقتولا يفيد أنه غير مذكى وكذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم قد دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل لأنه مقتول غير مذكى ولو كان مذكى كانت إفاتة روحه لا تكون قتلا ولم يكن يسمى بذلك وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لله على ذبح شاة أن عليه أن يذبح ولو قال لله على قتل شاة لم يلزمه شيء وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لله على ذبح ولدي أو نحره فعليه شاة ولو قال لله على قتل ولدي لم يلزمه شيء لأن اسم الذبح متعلق بحكم الشرع في الإباحة والقربة وليس كذلك القتل وروى عن سعيد بن المسيب في قوله( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) قال قتله حرام في هذه الآية وأكله حرام في هذه الآية يعنى أكل ما قتله المحرم منه وروى أشعث عن الحسن قال كل صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ميتة لا يحل أكله وروى عنه يونس أيضا أنه لا يؤكل وروى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن في الصيد يذبحه المحرم قال يأكله الحلال وعن عطاء إذا أصاب المحرم الصيد لا يأكله الحلال وقال الحكم وعمرو بن دينار يأكله الحلال وهو قول سفيان وقد ذكرنا
دلالة الآية على تحريم ما أصابه المحرم من الصيد وأنه لا يكون مذكى ويدل على أن تحريمه عليه من طريق الدين على أنه حق الله تعالى فأشبه صيد المجوسي والوثني وما ترك فيه التسمية أو شيء من شرائط الذكاة ليس بمنزلة الذبح بسكين مغصوبة لأن تحريمه تعلق بحق آدمي ألا ترى أنه لو أباحه جاز فلم يمنع صحة الذكاة إذ كانت الذكاة حقا لله تعالى فشروطها ما كان حقا لله تعالى.
باب ما يقتله المحرم
قوله تعالى( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) لما كان خاصا في صيد البر دون صيد البحر لما ذكرنا في سياق الآية من التخصيص اقتضى عمومه تحريم سائر صيد البر إلا ما خصه الدليل وقد روى ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم الحية والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور على اختلاف منهم في بعضها وفي بعضها هن فواسق وروى عن أبى هريرة قال الكلب العقور الأسد وروى حجاج بن أرطاة عن وبرة قال سمعت ابن عمر يقول أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقتل الذئب والفأرة والغراب والحدأة فذكر في هذا الحديث الذئب وذكر القعنبي عن مالك قال الكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله ما قتل الناس وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والذئب وهو الكلب العقور وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهرة وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم فإن قتل منهن شيئا فداه* قال أبو بكر قد تلقى الفقهاء هذا الخبر بالقبول واستعملوه في إباحة قتل الأشياء الخمسة للمحرم وقد اختلف في الكلب العقور فقال أبو هريرة على ما قدمنا الرواية فيه أنه الأسد ويشهد لهذا التأويل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا على عتبة بن أبى لهب فقال أكلك كلب الله فأكله الأسد قيل له إن الكلب العقور هو الذئب وروى في بعض أخبار ابن عمر في موضع الكلب الذئب ولما ذكر الكلب العقور أفاد بذلك كلبا من شأنه العدو على الناس وعقرهم وهذه صفة الذئب فأولى الأشياء بالكلب هاهنا الذئب وقد دل على أن كل ما عدا على المحرم وابتدأه بالأذى فجائز له قتله من غير فدية لأن فحوى ذكره الكلب العقور يدل عليه وكذلك قال أصحابنا فيمن ابتدأه السبع فقتله فلا شيء عليه وإن كان هو الذي ابتدأ السبع فعليه الجزاء لعموم قوله تعالى( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) واسم الصيد واقع على كل ممتنع الأصل متوحش
ولا يختص بالمأكول منه دون غيره ويدل عليه قوله تعالى( لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ ) فتعلق الحكم منه بما تناله أيدينا ورماحنا ولم يخصص المباح منه دون المحظور الأكل ثم خص النبي صلّى الله عليه وسلّم الأشياء المذكورة في الخبر وذكر معها الكلب العقور فكان تخصيصه لهذه الأشياء وذكره للكلب العقور دليلا على أن كل ما ابتدأ الإنسان بالأذى من الصيد فمباح للمحرم قتله لأن الأشياء المذكورة من شأنها أن تبتدئ بالأذى فجعل حكمها حكم حالها في الأغلب وإن كانت قد لا تبتدئ في حال لأن الأحكام إنما تتعلق في الأشياء بالأعم الأكثر ولا حكم للشاذ النادر ثم لما ذكر الكلب العقور وقيل هو الأسد فإنما أباح قتله إذا قصد بالعقر والأذى وإن كان الذئب فذلك من شأنه في الأغلب فما خصه النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك بالخبر وقامت دلالته فهو مخصوص من عموم الآية وما لم يخصه ولم تقم دلالة تخصيصه فهو محمول على عمومها ويدل عليه حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أكل كل ذي ناب من السباع والضبع من ذي الناب من السباع وجعل النبي صلى الله عليه وسلّم فيها كبشا * فإن قيل هلا قست على الخمس ما كان في معناها وهو ما لا يؤكل لحمه* قيل له إنما خص هذه الأشياء الخمسة من عموم الآية وغير جائز عندنا القياس على المخصوص إلا أن تكون علته مذكورة فيه أو دلالة قائمة فيما خص فلما لم تكن للخمس علة مذكورة فيها لم يجز القياس عليها في تخصيص عموم الأصل وقد بينا وجه دلالته على ما يبتدئ الإنسان بالأذى من السباع وكونه غير مأكول اللحم لم تقم عليه دلالة من فحوى الخبر ولا علته مذكورة فيه فلم يجز اعتباره وأيضا فإنه لا خلاف فيما ابتدأ المحرم في سقوط الجزاء فجاز تخصيصه بالإجماع وبقي حكم عموم الآية فيما لم يخصه الخبر ولا الإجماع وعن أصحابنا من يأبى القياس في مثله لأنه حصره بعدد فقال خمس يقتلهن المحرم وفي ذلك دليل على أن ما عداه محظور فغير جائز استعمال القياس في إسقاط دلالة اللفظ ومنهم من يأبى صحة الاعتلال بكونه غير مأكول لأن ذلك نفى والنفي لا يكون علة وإنما العلل أوصاف ثابتة في الأصل المعلول وأما نفى الصفة فليس يجوز أن يكون علة فإن غير الحكم بإثبات وصف وجعل العلة أنه محرم الأكل لم يصح ذلك أيضا لأن التحريم هو الحكم بنفي الأكل فلم يخل من أن يكون نافيا للصفة فلم يصح الاعتلال بها
وزعم الشافعى أن ما لا يؤكل من الصيد فلا جزاء على المحرم فيه قوله تعالى( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ) قال أبو بكر اختلف الناس في ذلك على ثلاثة أوجه فقال قائلون وهم الجمهور سواء قتله عمدا أو خطأ فعليه الجزاء وجعلوا فائدة تخصيصه العمد بالذكر في نسق التلاوة من قوله تعالى( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) وذلك يختص بالعمد دون الخطأ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد فحص العمد بالذكر وإن كان الخطأ والنسيان مثله ليصح رجوع الوعيد إليه وهو قول عمر وعثمان والحسن رواية وإبراهيم وفقهاء الأمصار والقول الثانى ما روى منصور عن قتادة عن رجل قد سماه عن ابن عباس أنه كان لا يرى في الخطأ شيئا وهو قول طاوس وعطاء وسالم والقاسم وأحد قولي مجاهد في رواية جابر الجعفي عنه والقول الثالث ما روى سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد ومن قتله منكم متعمدا قال إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء وإن كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتله فلا جزاء عليه وفي بعض الروايات قد فسدت حجه وعليه الهدى وقد روى عن الحسن نحو قول مجاهد في أن الجزاء إنما يجب إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه والقول الأول هو الصحيح لأنه قد ثبت أن جنايات الإحرام لا يختلف فيها المعذور وغير المعذور في باب وجوب الفدية ألا ترى أن الله تعالى قد عذر المريض ومن به أذى من رأسه ولم يخلهما من إيجاب الكفارة وكذلك لا خلاف في فوات الحج لعذر أو غيره أنه غير مختلف الحكم ولما ثبت ذلك في جنايات الإحرام وكان الخطأ عذرا لم يكن مسقطا للجزاء فإن قال قائل لا يجوز عندكم إثبات الكفارات قياسا وليس في المخطئ نص في إيجاب الجزاء قيل له ليس هذا عندنا قياسا لأن النص قد ورد بالنهى عن قتل الصيد في قوله( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) وذلك عندنا يقتضى إيجاب البدل على متلفه كالنهى عن قتل صيد الآدمي أو إتلاف ماله يقتضى إيجاب البدل على متلفه فلما جرى الجزاء في هذا الوجه مجرى البدل وجعله الله مثلا للصيد اقتضى النهى عن قتله إيجاب بدل على متلفه ثم ذلك البدل يكون الجزاء بالاتفاق وأيضا فإنه لما ثبت استواء حال المعذور وغير المعذور في سائر جنايات الإحرام كان مفهوما من ظاهر النهى تساوى حال العامد والمخطئ وليس ذلك عندنا قياسا كما أن حكمنا في غير بريرة بما حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم في بريرة ليس بقياس وكذلك حكمنا في العصفور بحكم الفأرة وحكمنا في الزيت بحكم السمن إذا مات فيه ليس
هو قياسا على الفأرة وعلى السمن لأنه قد ثبت تساوى ذلك قبل ورود الحكم بما وصفنا فإذا ورد في شيء منه كان حكما في جميعه ولذلك قال أصحابنا إن حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم ببقاء صوم الآكل ناسيا هو حكم فيه ببقاء صوم المجامع ناسيا لأنهما غير مختلفين فيما يتعلق بهما من الأحكام في حال الصوم وكذلك قالوا فيمن سبقه الحدث في الصلاة من بول أو غائط أنه بمنزلة الرعاف والقيء اللذين جاء فيهما الأثر في جواز البناء عليها لأن ذلك غير مختلف فيما يتعلق بهما من أحكام الطهارة والصلاة فلما ورد الأثر في بعض ذلك كان ذلك حكما في جميعه وليس ذلك بقياس كذلك حكم قاتل الصيد خطأ وأما المجاهد فإنه تارك لظاهر الآية لأن الله تعالى قال( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) فمن كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتل الصيد فقد شمله الاسم فواجب عليه الجزاء ولا معنى لاعتبار كونه ناسيا لإحرامه عامدا لقتله فإن قال قائل نص الله تعالى على كفارة قاتل الخطأ فلم تردوا عليه قاتل العمد كذلك لما نص الله تعالى على قاتل العمد بإيجاب الجزاء لم يجز إيجابها على قاتل الخطأ قيل له الجواب عن هذا من وجوه أحدها أن الله تعالى لما نص الله على حكم كل واحد من القتلين وجب استعمالهما ولم يجز قياس أحدهما على الآخر لأنه غير جائز عندنا قياس المنصوصات بعضها على بعض ومن جهة أخرى أن قتل العمد لم يخل من إيجاب القود الذي هو أعظم من الكفارة والدية ومتى أخلينا قاتل الصيد خطأ من إيجاب الجزاء لم يجب عليه شيء آخر فيكون لغوا عاريا من حكم وذلك غير جائز وأيضا فإن أحكام القتل في الأصول مختلفة في العمد والخطأ والمباح والمحظور ولم يختلف ذلك في الصيد فلذلك استوى حكم العمد والخطأ فيه واختلف في قتل الآدمي قوله تعالى( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) اختلف في المراد بالمثل فروى عن ابن عباس أن المثل نظيره في الأروى بقرة وفي الظبية شاة وفي النعامة بعير وهو قول سعيد بن جبير وقتادة في آخرين من التابعين وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والشافعى وذلك فيما له نظير من النعم فأما ما لا نظير له منه كالعصفور ونحوه ففيه القيمة وروى الحجاج عن عطاء ومجاهد وإبراهيم في المثل أنه القيمة دراهم وروى عن مجاهد رواية أخرى أنه الهدى وقال أبو حنيفة وأبو يوسف المثل هو القيمة ويشترى بالقيمة هديا إن شاء وإن شاء اشترى طعاما وأعطى كل مسكين نصف صاع وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما قال أبو بكر
المثل اسم يقع على القيمة وعلى النظير من جنسه وعلى نظيره من النعم ووجدنا المثل الذي يجب في الأصول على أحد وجهين إما من جنسه كمن استهلك لرجل حنطة فيلزمه أن مثلها وإما من قيمة كمن استهلك ثوبا أو عبدا والمثل من غير جنسه ولا قيمة خارج عن الأصول واتفقوا أن المثل من جنسه غير واجب فوجب أن يكون المثل المراد بالآية هو القيمة وأيضا لما كان ذلك متشابها محتملا للمعاني وجب حمله على ما اتفقوا على معناه من المثل المذكور في القرآن وهو قوله تعالى( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) فلما كان المثل في هذا الموضع فيما لا مثل له من جنسه هو القيمة وجب أن يكون المثل المذكور للصيد محمولا عليه من وجهين أحدهما أن المثل في آية الاعتداء محكم متفق على معناه بين الفقهاء وهذا متشابه يجب رده إلى غيره فوجب أن يكون مردودا على ما اتفق على معناه منه والوجه الثاني أنه قد ثبت أن المثل اسم للقيمة في الشرع ولم يثبت أنه اسم للنظير من النعم فوجب حمله على ما قد ثبت اسما له ولم يجز حمله على ما لم يثبت أنه اسم له وأيضا قد اتفقوا أن القيمة مرادة بهذا المثل فيما لا نظير له من النعم فوجب أن تكون هي المرادة من وجهين أحدهما أنه قد ثبت أن القيمة مرادة فهو بمنزلة لو نص عليها فلا ينتظم النظير من النعم والثاني أنه لما ثبت أن القيمة مرادة انتفى النظير من النعم لاستحالة إرادتهما جميعا في لفظ واحد لأنهم متفقون على أن المراد أحدهما من قيمة أو نظير من النعم ومتى ثبت أن القيمة مرادة انتفى غيرها ومن جهة أخرى أن قوله تعالى( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) لما كان عاما فيما له نظير وفيما لا نظير له ثم عطف عليه قوله( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وجب أن يكون ذلك المثل عاما في جميع المذكور والقيمة بذلك أولى لأنه إذا حمل على القيمة كان المثل عاما في جميع المذكور وإذا حمل على النظير كان خاصا في بعضه دون بعض وحكم اللفظ استعماله على عمومه ما أمكن ذلك فلذلك وجب أن يكون اعتبار القيمة أولى ومن اعتبر النظير جعل اللفظ خاصا في بعض المذكور دون البعض فإن قيل إذا كان اسم المثل يقع على القيمة تارة وعلى النظير أخرى فمن استعملهما فيما له نظير على النظير وفيما لا نظير له من النعم على القيمة فلم يخل من استعمال لفظ المثل على عمومه إما في القيمة أو المثل* قيل له ليس كذلك بل هو مستعمل في القيمة على الخصوص وفي النظير على
الخصوص أيضا واستعماله على العموم في جميع ما انتظمه الاسم باعتبار القيمة أولى من استعماله على الخصوص في كل واحد من المعنيين فإن قال قائل المثل اسم للنظير وليس باسم للقيمة وإنما أوجبت القيمة فيما لا نظير له من الصيد بالإجماع لا بالآية قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن الله تعالى قد سمى القيمة مثلا في قوله تعالى( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) واتفق فقهاء الأمصار فيمن استهلك عبدا أن عليه قيمته وحكم النبي صلّى الله عليه وسلّم على معتق عبد بينه وبين غيره بنصف قيمته إذا كان موسرا فبان بذلك غلط هذا القائل في نفيه اسم المثل عن القيمة ووجه آخر وهو أن قولك إن الآية لم تقتض إيجاب الجزاء فيما لا نظير له تخصيص لها بغير دليل مع دخول ذلك في عموم قوله( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) وقوله( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ) والهاء في قتله كناية عن جميع المذكور من الصيد فإذا خرجت منه بعضه فقد خصصته بغير دليل وذلك غير سائغ ويدل على أن المثل القيمة دون النظير أن جماعة من الصحابة قد روى عنهم في الحمامة شاة ولا تشابه بين الحمامة والشاة في المنظر فعلمنا أنهم أوجبوها على وجه القيمة* فإن قيل روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه جعل في الضبع كبشا قيل له لأن تلك كانت قيمته ولا دلالة فيه على أنه أوجبه من حيث كان نظيرا له فإن قال قائل إنما كان يسوغ هذا التأويل وحمل الآية على القيمة ولم يكن في الآية بيان المراد بالمثل وقد فسر في نسق الآية معنى المثل في قوله( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) فأخبر أن المثل من النعم ولا مساغ للتأويل مع النص قيل له إنما كان يكون على ما ادعيت لو اقتصر على ذلك ولم يصله بما أسقط دعواك وهو قوله( مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) فلما وصله بما ذكر وأدخل عليه حرف التخيير ثبت بذلك أن ذكر النعم ليس على وجه التفسير للمثل ألا ترى أنه قد ذكر الطعام والصيام جميعا وليسا مثلا وأدخل أو بينهما وبين النعم ولا فرق إذ كان ذلك ترتيب الآية بين أن يقول فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا لأن تقديم ذكر النعم في التلاوة لا يوجب تقديمه في المعنى بل الجميع كأنه مذكور معا ألا ترى أن قوله تعالى( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) لم يقتض كون الطعام مقدما على الكسوة ولا الكسوة مقدمة على العتق في المعنى بل الكل كأنه
مذكور بلفظ واحد معا فكذلك قوله( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) موصولا بقوله( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ) لم يكن ذكر النعم تفسيرا للمثل وأيضا فإن قوله تعالى( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره وقوله( مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ) يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل فلم يجز أن يجعل المثل مضمنا بالنعم مع استغناء الكلام عنه لأن كل كلام فله حكم غير جائز تضمينه بغيره إلا بدلالة تقوم عليه سواه وأيضا قوله( مِنَ النَّعَمِ ) معلوم أن فيه ضمير إرادة المحرم فمعناه من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا إن أراد الهدى والطعام إن أراد الطعام فليس هو إذا تفسيرا للمثل كما أن الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور فإن قيل روى عن جماعة من الصحابة أنهم حكموا في النعامة ببدنة ومعلوم أن القيم تختلف وقد أطلقوا القول في ذلك من غير اعتبار الصيد في زيادة القيمة ونقصانها قيل له فما تقول أنت هل توجب في كل نعامة بدنة من غير اعتبار الصيد في ارتفاع قيمته وانخفاضها فتوجب في أدنى النعامة بدنة رفيعة وتوجب في أرفع النعام بدنة وضيعة فإن قيل لا وإنما أوجب بدنة على قدر النعامة فإن كانت رفيعة فبدنة رفيعة وإن كانت وضيعة فبدنة على قدرها قيل له فقد خالفت الصحابة لأنهم لم يسئلوا عن حال الصيد ولم يفرقوا بين الرفيعة منها والدنية فاعتبرت خلاف ما اعتبروا فإن قيل هذا محمول على أنهم حكموا بالبدنة على حسب حال النعامة وإن لم يذكروا ذلك ولم ينقله الراوي قيل له فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة إنهم حكموا بالبدنة لأن ذلك كان قيمتها في ذلك الوقت وإن لم ينقل إلينا أنهم حكموا بالبدنة على أن قيمتها كانت قيمة النعامة ويقال لهم هل يدل حكمهم في النعامة ببدنة على أنه لا يجوز غيرها من الطعام والصيام فإن قالوا لا قيل لهم فكذلك حكمهم فيها بالبدنة غير دال على نفى جواز القيمة.
(فصل) وقرئ قوله تعالى( فَجَزاءٌ مِثْلُ ) برفع المثل وقرئ بخفضه وإضافة الجزاء إليه والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا للمجازى فمن قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة أو النظير من النعم على اختلافهم فيه ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى المثل فكان ما يخرجه من
الواجب مضافا إلى المثل المذكور ويحتمل أن يكون الجزاء الذي هو الواجب مضافا إلى المثل والمثل يكون مثلا للصيد فيفيد أن الصيد ميتة محرم لا قيمة له وأن الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في إيجاب القيمة فالإضافة صحيحة المعنى في الحالين سواء كان الجزاء اسما أو مصدرا والنعم من الإبل والبقر والغنم وقوله تعالى( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) يحتمل القولين جميعا من القيمة أو النظير من النعم لأن القيم تختلف على حسب اختلاف أحوال الصيد فيحتاج في كل حين وفي كل صيد إلى استيناف حكم الحكمين في تقويمه ومن قال بالنظر فرجع إلى قول الحكمين لاختلاف الصيد في نفسه من ارتفاع أو انخفاض حتى يوجبا في الرفيع منه من النير وفي الوسط الوسط وفي الدنى الدنى وذلك يحتاج فيه إلى اجتهاد الحكمين* وروى عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس وابن عمر قالا في محرم قتل* قطاة فيه ثلثا مد وثلثا مد خير من قطاة في بطن مسكين* وروى معمر عن صدقة بن يسار قال سألت القاسم وسالما عن حجلة ذبحها وهو محرم ناسيا فقال أحدهما لصاحبه أحجلة في بطن رجل خير أو ثلثا مد فقال بل ثلثا مد فقال هي خير أو نصف مد قال بل نصف مد قال هي خير أو ثلث مد قال قلت أتجزئ عنى شاة قالا أو تفعل ذلك قلت نعم قالا فاذهب* وروى أن عمر وضع رداءه على عود في دار الندوة فأطار حماما فقتله حار* فقال لعثمان ونافع بن عبد الحارث احكما على فحكما بعناق بنية عفراء فأمر بها عمر* وروى عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر أن محرما قتل ظبيا فسأل عمر رجلا إلى جنبه ثم أمره بذبح شاة وأن يتصدق بلحمها قال قبيصة فلما قمنا من عنده قلت له أيها المستفتى ابن الخطاب إن فتيا ابن الخطاب لم تغن عنك من الله شيئا فانحر ناقتك وعظم شعائر الله فو الله ما علم ابن الخطاب ما يقول حتى سأل الرجل الذي إلى جنبه فقمت إلى عمر وإذا عمر قد أقبل ومعه الدرة على صاحبي صفعا وهو يقول قاتلك الله أتقتل الحرام وتعدى الفتيا وتقول ما علم عمر حتى سأل من إلى جنبه أما تقرأ( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) فهذا يدل على أن حكم الحكمين في ذلك من طريق الاجتهاد ألا ترى أن عمرو ابن عباس وابن عمر والقاسم وسالما كل واحد منهم سأل صاحبه عن اجتهاده في المقدار الواجب فلما اتفق رأيهما على شيء حكما به وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى الاجتهاد في تقويم الصيد وما يجب فيه ويدل أيضا على أن تقويم المستهلكات
موكول إلى الاجتهاد عدلين يحكمان به على المستهلك كما أوجب الرجوع إلى قول الحكمين في تقديم الصيد* والحكمان عند أبى حنيفة يحكمان عليه بالقيمة ثم يختار المحرم ما شاء من هدى أو طعام أو صيام وقال محمد الحكمان يحكمان بما يريان من هدى أو طعام أو صيام فإن حكما بالهدى كان عليه أن يهدى وأما قوله تعالى( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) فإن الهدى من الإبل والبقر والغنم وقال الله تعالى( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) ولا خلاف أن له أن يهدى من أحد هذه الأصناف أيها شاء منها هذا في الإحصار فأما في جزاء الصيد فإن من يجعل الواجب عليه قيمة الصيد فإنه يخيره بعد ذلك فإن اختار الهدى وبلغت قيمته بدنة نحرها وإن لم تبلغ بدنة وبلغ بقرة ذبحها فإن لم تبلغ وبلغ شاة ذبحها وإن اشترى بالقيمة جماعة شاة أجزأه ومن يوجب النظير من النعم فإنه أحكم عليه بالهدى أهدى بما حكم به من بدنة أو بقرة أو شاة* وقد اختلف في السن الذي يجوز في جزاء الصيد فقال أبو حنيفة لا يجوز أن يهدى إلا ما يجزى في الأضحية وفي الإحصار والقران وقال أبو يوسف ومحمد يجزى الجفرة والعناق على قدر الصيد والدليل على صحة الأول أن ذلك هدى تعلق وجوبه بالإحرام وقد اتفقوا في سائر الهدايا التي تعلق وجوبها بالإحرام أنها لا يجزى منها إلا ما يجزى في الأضاحى وهو الجذع من الضأن أو الثنى من المعز والإبل والبقر فصاعدا فكذلك هدى جزاء الصيد وأيضا لما سماه الله تعالى هديا على الإطلاق كان بمنزلة سائر الهدايا المطلقة في القرآن فلا يجزى دون السن الذي ذكرنا وذهب أبو يوسف ومحمد إلى ما روى عن جماعة من الصحابة أن في اليربوع جفرة وفي الأرنب عناق وعلى أنه لو أهدى شاء فولدت ذبح ولدها فأما ما روى عن الصحابة فجائز أن يكون على وجه القيمة وأما ولد الهدى فإنه تبع لها فيسرى الحق الذي في الأم من جهة التبع وليس يجوز اعتبار ما كان أصلا في نفسه بالاتباع ألا ترى أنه يصح أن يكون ابن أم الولد بمنزلة أمه في كونه غير مال وعتقه بموت المولى من غير سعاية ولا يصح ابتداء إيجاب هذا الحكم له على غير وجه التبع والدخول في حكم الأم وكذلك ولد المكاتبة هو مكاتب وهو علوق ولو ابتدأ كتابة العلوق لم يصح ونظائر ذلك كثيرة* وقوله تعالى( بالِغَ الْكَعْبَةِ ) صفة للهدى وبلوغه الكعبة ذبحه في الحرم لا خلاف في ذلك وهذا يدل على أن الحرم كله بمنزلة الكعبة في الحرمة وأنه لا يجوز بيع رباعها لأنه
عبر بالكعبة عن الحرم وهو كما روى عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الحرم كله مسجد وكذلك قوله تعالى( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) المراد به الحرم كله ومعالم الحج لأنهم منعوا بهذه الآية من الحج وقد اختلف في مواضع تقويم الصيد فقال إبراهيم يقوم في المكان الذي أصابه فإن كان في فلاة ففي أقرب الأماكن من العمران إليها وهو قول أصحابنا وقال الشعبي يقوم بمكة أو بمنى الأول هو الصحيح لأنه كتقويم المستهلكات فيعتبر الموضع الذي وقع فيه الاستهلاك ولا في الموضع الذي يؤدى فيه القيمة ولأن تخصيص مكة ومنى من بين سائر البقاع تخصيص الآية بغير دليل فلا يجوز فإن قال قائل روى عن عمر وعبد الرحمن بن عوف أنهما حكما في الظبى بشاة ولم يسئلا السائل عن الموضع الذي قتله فيه قيل له يجوز أن يكون السائل سأل عن قتله في موضع علم أن قيمته فيه شاة وأما قوله تعالى( أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ) فإنه قرئ كفارة بالإضافة وقرئ بالتنوين بلا إضافة وقد اختلف في تقدير الطعام فقال ابن عباس رواية إبراهيم وعطاء ومجاهد ومقسم يقوم الصيد دراهم ثم يشترى بالدراهم طعام فيطعم كل مسكين نصف صاع وروى عن ابن عباس رواية يقوم الهدى ثم يشترى بقيمة الهدى طعاما وروى مثله عن مجاهد أيضا والأول قول أصحابنا والثاني قول الشافعى والأول أصح وذلك لأن جميع ذلك جزاء الصيد فلما كان الهدى من حيث كان جزاء معتبرا بالصيد إما في قيمته أو في نظيره وجب أن يكون الطعام مثله لأنه قال( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ـ إلى قوله ـأَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ) فجعل الطعام جزاء وكفارة كالقيمة فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدى إذ هو بدل من الصيد وجزاء عنه لا من الهدى وأيضا قد اتفقوا فيما لا نظير له من النعم أن اعتبار الطعام إنما هو بقيمة الصيد فكذلك فيما له نظير لأن الآية منتظمة للأمرين فلما اتفقوا في أحدهما أن المراد اعتبار الطعام بقيمة الصيد كان الآخر مثله وقال أصحابنا إذا أراد الإطعام اشترى بقيمة الصيد طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر ولا يجزيه أقل من ذلك ككفارة اليمين وفدية الأذى وقد بيناه فيما سلف وقوله تعالى( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) فإنه روى عن ابن عباس وإبراهيم وعطاء ومجاهد ومقسم وقتادة أنهم قالوا لكل نصف صاع يوما وهو قول أصحابنا وروى عن عطاء أيضا أنه قال لكل مد يوما وما ذكره الله تعالى في هذه الآية من الهدى والإطعام والصيام فهو
على التخيير لأن أو يقتضى ذلك كقوله تعالى في كفارة اليمين( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) وكقوله تعالى( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) وروى نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء والحسن وإبراهيم رواية وهو قول أصحابنا وروى عن ابن عباس رواية أخرى أنها على الترتيب وروى عن مجاهد والشعبي والسدى مثله وعن إبراهيم رواية أخرى أنها على الترتيب والصحيح هو الأول لأنه حقيقة اللفظ ومن حمله على الترتيب زاد فيه ما ليس منه ولا يجوز إلا بدلالة قوله تعالى( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) روى عن ابن عباس والحسن وشريح إن عاد عمدا لم يحكم عليه والله تعالى ينتقم منه وقال إبراهيم كانوا يسئلون هل أصبت شيئا قبله فإن قال نعم لم يحكمون عليه وإن قال لا حكم عليه وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد يحكم عليه أبدا وسأل عمر قبيصة بن جابر عن صيد أصابه وهو محرم فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف ثم حكم عليه ولم يسئله هل أصبت قبله شيئا وهو قول فقهاء الأمصار وهو الصحيح لأن قوله تعالى( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ ) يوجب الجزاء في كل مرة كقوله تعالى( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ ) وذكره الوعيد للعائد لا ينافي وجوب الجزاء ألا ترى أن الله تعالى قد جعل حد المحارب جزاء له بقوله( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) ثم عقبه بذكر الوعيد بقوله( ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) فليس إذا في ذكر الانتقام من العائد نفى لإيجاب الجزاء وعلى أن قوله تعالى( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) لا دلالة فيه على أن المراد العائد إلى قتل الصيد بعد قتله لصيد آخر قبله لأن قوله( عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ ) يحتمل أن يريد به عفا الله عما سلف قبل التحريم ومن عاد يعنى بعد التحريم وإن كان أول صيد بعد نزول الآية وإذا كان فيه احتمال ذلك لم يدل على أن العائد في قتل الصيد بعد قتله مرة أخرى ليس عليه إلا الانتقام.
(فصل) قوله تعالى( لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ) يحتج به لأبى حنيفة في المحرم إذا أكل من الصيد الذي لزمه جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به لأن الله تعالى أخبر أنه أوجب عليه الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله فإذا أكل منه فقد رجع من الغرم في مقدار ما أكل منه فهو غير ذائق بذلك وبال أمره لأن من غرم شيئا وأخذ
مثله لا يكون ذائقا وبال أمره فدل ذلك على صحة قوله وقال أصحابنا إن شاء المحرم صام عن كل نصف صاع من الطعام يوما وإن شاء صام عن بعض وأطعم بعضا فأجازوا الجمع بين الصيام والطعام وفرقوا بينه وبين الصيام في كفارة اليمين مع الإطعام فلم يجيزوا الجمع بينهما وفرقوا أيضا بينه وبين العتق والطعام في كفارة اليمين بأن يعتق نصف عبد ويطعم خمسة مساكين فأما الصوم في جزاء الصيد فإنما أجازوا الجمع بينه وبين الطعام من قبل إن الله تعالى جعل الصيام عدلا للطعام ومثلا له بقوله( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) ومعلوم أنه لم يرد بقوله( عَدْلُ ذلِكَ ) أن يكون مثلا له في حقيقة معناه إذ لا تشابه بين الصيام وبين الطعام فعلمنا أن المراد المماثلة بينهما في قيامه مقام الطعام ونيابته عنه لمن صام بعضا فكأنه قد أطعم بقدر ذلك فجاز ضمه إلى الطعام فكان الجميع طعاما وأما الصيام في كفارة اليمين فإنما يجوز عند عدم الطعام وهو بدل منه فغير جائز الجمع بينهما إذ لا يخلو من أن يكون واجدا أو غير واجد فإن كان واجدا للطعام لم يجزه الصيام وإن كان غير واجد فالصوم فرضه بدلا منه وغير جائز الجمع بين البدل والمبدل منه كالمسح على أحد الخفين وغسل الرجل الأخرى وكالتيمم والوضوء وما جرى مجرى ذلك ولا نعلم خلافا في امتناع جواز الجمع بين الصيام والطعام في كفارة اليمين وأما العتق والطعام فإنما لم يجز الجمع لأن الله تعالى جعل كفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة فإذا أعتق النصف وأطعم النصف فهو غير فاعل لأحدهما فلم يجزه والعتق لا يتقوم فيجزى عن الجميع بالقيمة وليس هو مثل أن يكسو خمسة ويطعم خمسة فيجزى بالقيمة لأن كل واحد من هذين متقوم فيجزى عن أحدهما بالقيمة.
(فصل) قوله تعالى( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) ينتظم الواحد والجماعة إذا قتلوا في إيجاب جزاء تام على كل واحد لأن من يتناول كل واحد على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه والدليل عليه قوله تعالى( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) قد اقتضى إيجاب الرقبة على كل واحد من القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة وقال تعالى( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ) وعيدا لكل واحد على حياله وقوله عز وجل( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ) وعيد لكل واحد من القاتلين وهذا معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه وإنما يجهله من لا حظ له فيها فإن قال قائل فلو قتل جماعة رجلا كانت على جميعهم دية
واحدة والدية إنما دخلت في اللفظ حسب دخول الرقبة قيل له الذي يقتضيه حقيقة اللفظ وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع وإلا فالظاهر يقتضيه ألا ترى أنهما لو قتلاه عمدا كان كل واحد منهما كأنه قاتل له على حياله ويقتلان جميعا به ألا ترى أن كل واحد من القاتلين لا يرث وأنه لو كان بمنزلة من قتل بعضه لوجب أن لا يحرم الميراث مما قتله منه غيره فلما اتفق الجميع على أنهما جميعا لا يرثان وأن كل واحد منهما كأنه قاتل له وحده كذلك في إيجاب الكفارة إذ كانت النفس لا تتبعض وكذلك قاتلوا الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على حياله فتجب على كل واحد كفارة تامة ويدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة بقوله( أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ) وجعل فيها صوما فأشبهت كفارة القتل فإن قال قائل لما قال الله تعالى( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) دل على أن الجزاء إنما هو جزاء واحد ولم يفرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدا وأنت تقول يجب عليهم جزاءان وثلاثة وأكثر من ذلك قيل له هذا الجزاء ينصرف إلى كل واحد منهم ونحن لا نقول إنه يجب على كل واحد منهم جزاءان وثلاثة وإنما يجب عليه جزاء واحد والذي يدل على أنه منصرف إلى كل واحد قوله تعالى( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ ) ولم يقل قتلوا فدل على أنه أراد واحد وقد بينا ذلك في كتاب شرح المناسك والخصم يحتج علينا بهذه الآية في القارن فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد بظاهر الكتاب والجواب عن هذا أنه محرم عندنا بإحرامين على ما سنذكره في موضعه وإذا صح لنا ذلك ثم أدخل النقص عليهما وجب أن يخبرهما بدمين قال أبو بكر ولا خلاف بين الفقهاء أن الهدى لا يجزى إلا بمكة وأن بلوغه الكعبة أن يذبحه هناك في الحرم وأنه لو هلك بعد دخوله الحرم قبل أن يذبحه أن عليه هديا آخر غيره وقال أصحابنا إذا ذبحه في الحرم بعد بلوغ الكعبة فإن سرق بعد ذلك لم يكن عليه شيء لأن الصدقة تعينت فيه بالذبح فصار كمن قال لله على أن أتصدق بهذا اللحم فسرق فلا يلزمه شيء واتفق الفقهاء أيضا على جواز الصوم في غير مكة واختلفوا في الطعام فقال أصحابنا يجوز أن يتصدق به حيث شاء وقال الشافعى لا يجزى إلا أن يعطى مساكين مكة والدليل على جوازه حيث شاء قوله تعالى( أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ) وذلك عموم في سائرهم وغير جائز تخصيصه بمكان إلا بدلالة ومن قصره على مساكين مكة فقد خص
الآية بغير دليل وأيضا ليس في الأصول صدقة مخصوصة بمكان لا يجوز أداؤها في غيره فلما كان ذلك صدقة وجب جوازها في سائر المواضع قياسا على نظائرها من الصدقات ولأن تخصيصه بمكان خارج عن الأصول وما خرج عن الأصول وظاهر الكتاب من الأقاويل فهو ساقط مرذول فإن قال قائل فالهدى سبيله الصدقة وهو مخصوص بالحرم فأما الصدقة فحيث شاء وكذلك قال أصحابنا أنه لو ذبحه في الحرم ثم أخرجه فتصدق به في غيره أجزأه وأيضا لما اتفقوا على جواز الصيام في غير مكة وهو جزاء للصيد وليس بذبح وجب مثله في الطعام لهذه العلة.
باب صيد البحر
قال الله تعالى( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ ) وروى عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة والسدى ومجاهد قالوا صيده ما صيد طريا بالشباك ونحوها فأما قوله( وَطَعامُهُ ) فقد روى عن أبى بكر وعمر وابن عباس وقتادة قالوا ما قذفه ميتا وروى عن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة ومجاهد قالوا المملوح منه والقول الأول أظهر لأنه ينتظم إباحة الصنفين مما صيد منه وما لم يصد وأما المملوح فقد تناوله قوله( صَيْدُ الْبَحْرِ ) ويكون قوله( وَطَعامُهُ ) على هذا التأويل تكرارا لما انتظمه اللفظ الأول فإن قال قائل هذا يدل على إباحة الطافي لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم يصد والطافي لم يصد قيل له إنما تأول السلف قوله( وَطَعامُهُ ) على ما قذفه البحر وعندنا أن ما قذفه البحر ميتا فليس بطاف وإنما الطافي ما يموت في البحر حتف أنفه فإن قيل قالوا ما قذفه البحر ميتا وهذا يوجب أن يكون قد مات فيه ثم قذفه وهذا يدل على أنهم قد أرادوا به الطافي قيل له وليس كل ما قذفه البحر ميتا يكون طافيا إذ جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد أو حر أو غيره فلا يكون طافيا وقد بينا الكلام في الطافي فيما تقدم من هذا الكتاب وقد روى عن الحسن في قوله( وَطَعامُهُ ) قال ما وراء بحركم هذا كله البحر وطعامه البر والشعير والحبوب رواه أشعث بن عبد الملك عن الحسن فلم يجعل البحر في هذا الموضع بحور المياه وجعله على ما اتسع من الأرض لأن العرب تسمى ما اتسع بحرا ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للفرس الذي ركبه لأبى طلحة وجدناه بحرا أى واسع الخطو وقد روى حبيب بن الزبير عن
عكرمة في قوله تعالى( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) أنه أراد بالبحر الأمصار لأن العرب تسمى الأمصار البحر وروى سفيان عن بعضهم عن عكرمة ظهر الفساد في البر والبحر قال البر الفيافي التي ليس فيها شيء والبحر القرى والتأويل الذي روى عن الحسن غير صحيح لأنه قد علم بقوله تعالى( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) أن المراد به بحر الماء وأنه لم يرد به البر ولا الأمصار لأنه عطف عليه قوله تعالى( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) وقوله تعالى( مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) روى عن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا منفعة للمقيم والمسافر فإن قال قائل هل اقتضى قوله تعالى( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) إباحة صيد الأنهار قيل له نعم لأن العرب تسمى النهر بحرا ومنه قوله تعالى( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) وقد قيل إن الأغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا إلا أنه إذا جرى ذكره على طريق الجملة انتظم الأنهار أيضا وأيضا فالمقصد فيه صيد الماء فسائر حيوان الماء يجوز للمحرم اصطياده ولا نعلم خلافا في ذلك بين الفقهاء وقوله تعالى( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) يحتج به من يبيح أكل جميع حيوان البحر وقد اختلف أهل العلم فيه والله أعلم.
ذكر الخلاف في ذلك
قال أصحابنا لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك وهو قول الثوري رواه عنه أبو إسحاق الفزاري وقال ابن أبى ليلى لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر من الضفدع وحية الماء وغير ذلك وهو قول مالك بن أنس وروى مثله عن الثوري قال الثوري ويذبح وقال الأوزاعى صيد البحر كله حلال ورواه عن مجاهد وقال الليث بن سعد ليس بميتة البحر بأس وكلب الماء والذي يقال له فرس الماء ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء وقال الشافعى ما يعيش في الماء حل أكله وأخذه ذكاته ولا بأس بخنزير الماء واحتج من أباح حيوان الماء كله بقوله تعالى( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) وهو على جميعه إذ لم يخصص شيئا منه ولا دلالة فيه على ما ذكروا لأن قوله تعالى( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) إنما هو على إباحة اصطياد ما فيه للمحرم ولا دلالة فيه على أكله والدليل عليه أنه عطف عليه قوله( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) فخرج الكلام مخرج بيان إختلاف حكم صيد البر
والبحر على المحرم وأيضا فإن الصيد اسم مصدر وهو اسم للاصطياد وإن كان قد يقع على المصيد ألا ترى أنك تقول صدت صيدا وإذا كان ذلك مصدرا كان اسما للاصطياد الذي هو فعل الصائد ولا دلالة فيه إذا أريد به ذلك على إباحة الأكل وإن كان قد يعبر به عن المصيد إلا أن ذلك مجاز لأنه تسمية للمفعول باسم الفعل وتسمية الشيء باسم غيره إنما هو استعارة ويدل على بطلان قول من أباح جميع حيوان الماء قول النبي صلّى الله عليه وسلّم أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد فخص من الميتات هذين وفي ذلك دليل على أن المخصوص من جملة الميتات المحرمة بقوله( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) هو هذان دون غيرهما لأن ما عداهما قد شمله عموم التحريم بقوله( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) وقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ) وذلك عموم في ميتة البر والبحر ومن أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد المذكور دلالة على حظره ما عداه وأيضا لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من الميتات دل تفرقه على اختلاف حالهما ويدل عليه أيضا وقوله تعالى( وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ) وذلك عموم في خنزير الماء كهو في خنزير البر فإن قيل إن خنزير الماء إنما يسمى حمار الماء قيل له إن سماه إنسان حمارا لم يسلبه ذلك اسم الخنزير المعهود له في اللغة فينتظمه عموم التحريم ويدل عليه حديث ابن أبى ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان قال ذكر طبيب الدواء عند النبي صلّى الله عليه وسلّم وذكر الضفدع يكون في الدواء فنهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قتله والضفدع من حيوان الماء ولو كان أكله جائزا والانتفاع به سائغا لما نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قتله ولما ثبت تحريم الضفدع بالأثر كان سائر حيوان الماء سوى السمك بمثابته لأنا لا نعلم أحد فرق بينهما واحتج الذين أباحوه بما روى مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن سعيد ابن سلمة الزرقي عن المغيرة بن أبى بردة عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وسعيد بن سلمة مجهول لا يقطع بروايته وقد خولف في هذا الإسناد فروى يحيى بن سعيد الأنصارى عن المغيرة بن عبد الله وهو ابن أبى بردة عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث عن بكر بن سودة عن أبى معاوية العلوي عن مسلم بن مخشى المدلجي عن الفراسى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته * وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبدوس قالا حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو
القاسم بن أبى الزناد قال حدثنا إسحاق يعنى ابن حازم عن ابن مقسم يعنى عبد الله عن جابر ابن عبد الله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهذه الأخبار لا يحتج بها من له معرفة بالحديث ولو ثبت كان محمولا على ما بينه في قوله أحلت لنا ميتتان ويدل على ذلك أنه لم يخصص بذلك حيوان الماء دون غيره وإنما ذكر ما يموت فيه وذلك يعم ظاهره حيوان الماء والبر جميعا إذا ماتا فيه وقد علم أنه لم يرد ذلك فثبت أنه أراد السمك خاصة دون ما سواه إذ قد علم أنه لم يرد به العموم ولا يصح اعتقاده فيه واحتج المبيحون له بحديث جابر في جيش الخبط وأن البحر ألقى لهم دابة يقال لها العنبر فأكلوا منها ثم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال هل معكم منه شيء تطعمونيه وهذا لا دليل فيه على ما قالوا لأن جماعة قد رووا هذا الحديث وذكروا فيه أن البحر ألقى لهم حوتا يقال له العنبر فأخبروا أنها كانت حوتا وهو السمك وهذا لا خلاف فيه ولا دلالة على إباحة ما سواه.
باب أكل المحرم لحم صيد الحلال
قال الله تعالى( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) فروى عن على وابن عباس أنهما كرها للمحرم أكل صيد اصطاده حلال إلا أن إسناد حديث على ليس بقوى يرويه على بن زيد وبعضهم يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقفه بعضهم وروى عن عثمان وطلحة ابن عبيد الله وأبى قتادة وجابر وغيرهم إباحته وروى عبد الله بن أبى قتادة وعطاء بن يسار عن أبى قتادة قال أصبت حمار وحش فقلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنى أصبت حمار وحش وعندي منه فضلة فقال للقوم كلوا وهم محرمون وروى أبو الزبير عن جابر قال عقر أبو قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال فأكلنا منه ومعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وروى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصطاد لكم وقد روى في إباحته أخبار أخر غير ذلك كرهت الإطالة بذكرها لاتفاق فقهاء الأمصار عليه* واحتج من حظره بقوله( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) وعمومه يتناول الاصطياد والمصيد نفسه لوقوع الاسم عليهما ومن أباحه ذهب إلى قوله( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ) إذ كان يتناول الاصطياد وتحريم المصيد نفسه فإن هذا الحيوان إنما سمى صيدا مادام حيا وأما اللحم
فغير مسمى بهذا الاسم بعد الذبح فإن سمى بذلك فإنما يسمى به على أنه كان صيدا فأما اسم الصيد فليس يجوز أن يقع على اللحم حقيقة ويدل على أن لفظ الآية لم ينتظم اللحم أنه غير محظور عليه التصرف في اللحم بالإتلاف والشرى والبيع وسائر وجوه التصرف سوى الأكل عند القائلين بتحريم أكله ولو كان عموم الآية قد اشتمل عليه لما جاز له التصرف فيه بغير الأكل كهو إذا كان حيا ولكان على متلفه إذا كان محرما ضمانه كما يلزم ضمان إتلاف الصيد الحي لأن قوله تعالى( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) يتناول تحريم سائر أفعالنا في الصيد في حال الإحرام فإن قال قائل بيض الصيد محرم على المحرم وإن لم يكن ممتنعا ولا مسمى صيدا فكذلك لحمه قيل له ليس كذلك لأن المحرم غير منهى عن إتلاف لحم الصيد ولو أتلفه لم يضمنه وهو منهى عن إتلاف البيض والفرخ ويلزمه ضمانه وأيضا فإن البيض والفرخ قد يصيران صيدا ممتنعا فحكم لهما بحكم الصيد ولحم الصيد لا يصير صيدا بحال فكان بمنزلة لحوم سائر الحيوانات إذ ليس بصيد في الحال ولا يجيء منه صيد وأيضا فإنا لم نحرم الفرخ والبيض بعموم الآية وإنما حرمناهما بالاتفاق وقد اختلف في حديث مصعب بن جثامة أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وهو بالأبواء أو غيرها لحم حمار وحش وهو محرم فرأى في وجهه الكراهة فقال ليس بنا رد عليك ولكنا حرم وخالفه مالك فرواه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن مصعب بن جثامة أنه أهدى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو بالأبواء أو بودان حمار وحش فرده عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم قال ابن إدريس فقيل لمالك إن سفيان يقول رجل حمار وحش فقال ذاك غلام ذاك غلام ورواه ابن جريج عن الزهري بإسناد كرواية مالك وقال فيه إنه أهدى له حمار وحش وروى الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن مصعب بن جثامة أهدى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم حمار وحش وهو محرم فرده وقال لو لا أنا حرم لقبلناه منك فهذا يدل على وهاء حديث سفيان وأن الصحيح ما رواه مالك لاتفاق هؤلاء الرواة عليه* وقد روى فيه وجه آخر وهو ما روى أبو معاوية عن ابن جريج عن جابر بن زيد أبى الشعثاء عن أبيه قال سئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن محرم أتى بلحم صيد يأكل منه فقال أحسبوا له قال أبو معاوية يعنى إن كان صيد قبل أن يحرم فيأكل وإلا فلا وهذا يحتمل أن يريد به
إذا صيد من أجله أو أمر به أو أعان عليه أو دل عليه ونحو ذلك من الأسباب المحظورة قوله تعالى( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) الآية قيل إنه أراد أنه جعل ذلك قواما لمعايشهم وعمادا لهم من قولهم هو قوام الأمر وملاكه وهو ما يستقيم به أمره فهو قوام دينهم ودنياهم وروى عن سعيد بن جبير قوله قواما للناس صلاحا لهم وقيل قياما للناس أى تقوم به أبدانهم لا منهم به في التصرف لمعايشهم فهو قوام دينهم لما في المناسك من الزجر عن القبيح والدعاء إلى الحسن ولما في الحرم والأشهر الحرم من الأمن ولما في الحج والمواسم واجتماع الناس من الآفاق فيها من صلاح المعاش وفي الهدى والقلائد أن الرجل إذا كان معه الهدى مقلدا كانوا لا يعرضون له وقيل إن من أراد الإحرام منهم كان يتقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن وقال الحسن القلائد من تقليد الإبل والبقر بالنعال والخفاف فهذا على صلاح التعبد به في الدين وهذا يدل على أن تقليد البدن قربة وكذلك سوق الهدى والكعبة اسم للبيت الحرام قال مجاهد وعكرمة إنما سميت كعبة لتربيعها وقال أهل اللغة إنما قيل كعبة البيت فأضيفت لأن كعبته تربع أعلاه وأصل ذلك من الكعوبة وهو النتو فقيل للتربيع كعبة لنتو زوايا المربع ومنه كعب ثدي الجارية إذا نتأ ومنه كعب الإنسان لنتوه وهذا يدل على أن الكعبين اللذين ينتهى إليهما الغسل في الوضوء هما الناتئان عن جنبي أصل الساق وسمى الله تعالى البيت حراما لأنه أراد الحرم كله لتحريم صيده وخلاه وتحريم قتل من لجأ إليه وهو مثل قوله تعالى( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) والمراد الحرم وأما قوله تعالى( وَالشَّهْرَ الْحَرامَ ) فإنه روى عن الحسن أنه قال هو الأشهر الحرم فأخرجه مخرج الواحد لأنه أراد الجنس وهو أربعة أشهر ثلاثة سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب فأخبر تعالى أنه جعل الشهر الحرام قياما للناس لأنهم كانوا يأمنون فيها ويتصرفون فيها في معايشهم فكان فيه قوامهم وهذا الذي ذكره الله تعالى من قوام الناس بمناسك الحج والحرم والأشهر الحرم والهدى والقلائد ومعلوم مشاهد من ابتداء وقت الحج في زمن إبراهيم عليه السلام إلى زمان النبي صلّى الله عليه وسلّم وإلى آخر الدهر فلا ترى شيئا من أمر الدين والدنيا تعلق به من صلاح المعاش والمعاد بعد الإيمان ما تعلق بالحج ألا ترى إلى كثرة منافع الحاج في المواسم التي يردون عليها من سائر البلدان التي يجتازون بمنى وبمكة إلى أن يرجعوا إلى أهاليهم وانتفاع الناس بهم وكثرة معايشهم
وتجاراتهم معهم ثم ما فيه منافع الدين من التأهب للخروج إلى الحج وإحداث التوبة والتحري لأن تكون نفقته من أحل ماله ثم احتمال المشاق في السفر إليه وقطع المخاوف ومقاساة اللصوص والمحتالين في مسيرهم إلى أن يبلغوا مكة ثم الإحرام والتجرد لله تعالى والتشبه بالخارجين يوم النشور من قبورهم إلى عرصة القيامة ثم كثرة ذكر الله تعالى بالتلبية واللجأ إلى الله تعالى وإخلاص النية له عند ذلك البيت والتعلق بأستاره موقتا بأنه لا ملجأ له غيره كالغريق المتعلق بما يرجو به النجاة وأنه لا خلاص له بالتمسك به ثم إظهار التمسك بحبل الله الذي من تمسك به نجا وما حاد عنه هلك ثم حضور الموقف والقيام على الأقدام داعين راجين لله تعالى متخلفين عن كل شيء من أمور الدنيا تاركين لأموالهم وأولادهم وأهاليهم على نحو وقوفهم في عرصة القيامة وما في سائر مناسك الحج من الذكر والخشوع والانقياد لله تعالى ثم ما يشتمل عليه الحج من سائر القرب التي هي معروفة في غير الصلاة والصيام والصدقة والقربات والذكر بالقلب واللسان والطواف بالبيت وما لو استقصينا ذكره لطال به القول فهذه كلها من منافع الدين والدنيا* قوله تعالى( ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) إخبار عن علمه بما يؤدى إليه شريعة الحج من منافع الدين والدنيا فدبره هذا التدبير العجيب وانتظم به صلاح الخلق من أول الأمة وآخرها إلى يوم القيامة فلو لا أن الله تعالى كان عالما بالغيب وبالأشياء كلها قبل كونها لما كان تدبيره لهذه الأمور مؤديا إلى ما ذكر من صلاح عباده في دينهم ودنياهم لأن من لا يعلم الشيء قبل كونه لا يتأتى منه فعل المحكم المتقن على نظام وترتيب يعم جميع الأمة نفعه في الدين والدنيا قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) روى قيس بن الربيع عن أبى حصين عن أبى هريرة قال خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غضبان قد احمر وجهه فجلس على المنبر فقال لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فقام إليه رجل فقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من أبى فقال أبوك حذافة فقام عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمد نبيا يا رسول الله كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك والله تعالى يعلم من آباؤنا فسكن غضبه ونزلت هذه الآية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) وروى إبراهيم الهجري عن أبى عياض عن أبى هريرة أنها نزلت حين سئل الحج
أفي كل عام وعن أمامة نحو ذلك وروى عكرمة أنها نزلت في الرجل الذي قال من أبى وقال سعيد بن جبير في الذين سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن البحيرة والسائبة وقال مقسم فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات قال أبو بكر ليس يمتنع تصحيح هذه الروايات كلها في سبب نزول الآية فيكون النبي صلّى الله عليه وسلّم حين قال لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم سأله عبد الله بن حذافة عن أبيه من هو لأنه قد كان يتكلم في نسبه وسأله كل واحد من الذين ذكر عنهم هذه المسائل على اختلافها فأنزل الله تعالى( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) يعنى عن مثلها لأنه لم يكن بهم حاجة إليها فأما عبد الله بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ثابتا بالفراش فلم يحتج إلى معرفة حقيقة كونه من ماء من هو منه ولأنه كان يأمن أن يكون من ماء غيره فيكشف عن أمر قد ستره الله تعالى ويهتك أمه ويشين نفسه بلا طائل ولا فائدة له فيه لأن نسبه حينئذ مع كونه من ماء غير ثابت من حذافة لأنه صاحب الفراش فلذلك قالت له لقد عققتنى بسؤالك فقال لم تسكن نفسي إلا بأخبار النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك فهذا من الأسئلة التي كان ضررا لجواب عنها عليه كان كثيرا لو صادف غير الظاهر فكان منهيا عنه ألا ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه كتاب الله وقال لهزال وكان أشار على ماعز بالإقرار بالزنا لو سترته بثوبك كان خيرا لك وكذلك الرجل الذي قال يا رسول الله أين أنا قد كان غنيا عن هذه المسألة والستر على نفسه في الدنيا فهتك ستره وقد كان الستر أولى به وكذلك المسألة عن الآيات مع ظهور ما ظهر من المعجزات منهى عنها غير سائغ لأحد لأن معجزات الأنبياء لا يجوز أن تكون تبعا لأهواء الكفار وشهواتهم فهذا النحو من المسائل مستقبحة مكروهة وأما سؤال الحج في كل عام فقد كان على سامع آية الحج الاكتفاء بموجب حكمها من إيجابها حجة واحدة ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إنها حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت فأخبر أنه لو قال نعم لوجبت بقوله دون الآية فلم يكن به حاجة إلى المسألة مع إمكان الاجتزاء بحكم الآية وأبعد هذه التأويلات قول من ذكر أنه سئل عن البحيرة والسائبة والوصيلة لأنه لا يخلو من أن يكون سؤاله عن معنى البحيرة ما هو أو عن جوازها وقد كانت البحيرة وما ذكر معها أسماء لأشياء معلومة عندهم في الجاهلية ولم يكونوا يحتاجون إلى المسألة عنها ولا يجوز أيضا أن يكون السؤال وقع عن إباحتها
وجوازها لأن ذلك كان كفرا يتقربون به إلى أوثانهم فمن اعتقد الإسلام فقد علم بطلانه وقد احتج بهذه الآية قوم في حظر المسألة عن أحكام الحوادث واحتجوا أيضا بما رواه الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن حراما فحرم من أجل مسألته قال أبو بكر ليس في الآية دلالة على حظر المسألة عن أحكام الحوادث لأنه إنما قصد بها إلى النهى عن المسألة عن أشياء أخفاها الله تعالى عنهم واستأثر بعلمها وهم غير محتاجين إليها بل عليهم فيها ضرر إن أبديت لهم كحقائق الأنساب لأنه قال الولد للفراش فلما سأله عبد الله بن حذافة عن حقيقة خلقه من ماء من هو دون ما حكم الله تعالى به من نسبته إلى الفراش نهاه الله عن ذلك وكذلك الرجل الذي قال أين أنا لم يكن به حاجة إلى كشف عيبه في كونه من أهل النار وكسؤال آيات الأنبياء وفي فحوى الآية دلالة على أن الحظر تعلق بما وصفنا قوله تعالى( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ) يعنى الآية سألوها الأنبياء عليهم السلام فأعطاهم الله إياها وهذا تصديق تأويل مقسم فأما السؤال عن أحكام غير منصوصة فلم يدخل في حظر الآية والدليل عليه أن ناجية بن جندب لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم معه البدن لينحرها بمكة قال كيف أصنع بما عطب منها فقال أنحرها واصبغ نعلها بدمها واضرب بها صفحتها وخل بينها وبين الناس ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك شيئا ولم ينكر النبي صلّى الله عليه وسلّم سؤاله وفي حديث رافع بن خديج أنهم سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فلم ينكره عليه وحديث يعلى بن أمية في الرجل الذي سأله عما يصنع في عمرته فلم ينكره عليه وأحاديث كثيرة في سؤال قوم سألوه عن أحكام شرائع الدين فيما ليس بمنصوص عليه غير محظور على أحد وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله إنى أريد أن أسئلك عن أمر ويمنعني مكان هذه الآية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) فقال ما هو قلت العمل الذي دخلني الجنة قال قد سألت عظيما وإنه ليسير شهادة أن لا إله إلا الله وإنى رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان فلم يمنعه السؤال ولم ينكره وذكر محمد بن سيرين عن الأحنف عن عمر قال تفقهوا قبل أن تسووا وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجتمعون في المسجد يتذاكرون حوادث المسائل
في الأحكام على هذا المنهاج جرى أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا وإنما أنكر هذا قوم حشو جهال قد حملوا أشياء من الأخبار لا علم لهم بمعانيها وأحكامها فعجزوا عن الكلام فيها واستنباط فقهها وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهذه الطائفة المنكرة لذلك كمن قال تعالى( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) وقوله تعالى( إن تبد لكم تسؤكم ) معناه إن تظهر لكم وهذا يدل على أن مراده فيمن سأل مثل سؤال عبد الله بن حذافة والرجل الذي قال أين أنا لأن إظهار أحكام الحوادث لا يسوء السائلين لأنهم إنما يسئلون عنها ليعلموا أحكام الله تعالى فيها* ثم قال الله تعالى( وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) يعنى في حال نزول الملك وتلاوته القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الله يظهرها لكم وذلك مما يسؤكم ويضركم* وقوله تعالى( عفا الله عنها ) يعنى هذا الضرب من المسائل لم يؤاخذكم* الله بها بالبحث عنها والكشف عن حقائقها* والعفو في هذا الموضوع التسهيل والتوسعة في إباحة ترك السؤال عنها كما قال تعالى( فتاب عليكم وعفا عنكم ) ومعناه سهل عليكم وقال ابن عباس الحلال ما أحل الله وما سكت عنه فهو عفو يعنى تسهيل وتوسعة ومثله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق قوله تعالى( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال ابن عباس قوم عيسى عليه السّلام سألوا المائدة ثم كفروا بها وقال غيره قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها وقال السدى هذا حين سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحول لهم الصفا ذهبا وقيل إن قوما سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء التي سأل عبد الله بن حذافة ومن قال أين أنا فلما أخبرهم به نبيهم ساءهم فكذبوا به وكفروا* قوله تعالى( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال البحيرة من الإبل يمنع درها للطواغيت والسائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم والوصيلة كانت الناقة تبكر بالأنثى ثم تثنى بالأنثى فيسمونها الوصيلة يقولون وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر فكانوا يذبحونها لطواغيتهم والحامى الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود فإذا بلغ ذلك يقال حمى ظهره فيترك فيسمونه الحامى وقال أهل اللغة البحيرة الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت أذن الناقة أبحرها بحرا والناقة مبحورة وبحيرة إذا شققتها واسعا ومنه البحر لسعته قال وكان
أهل الجاهلية يحرمون البحيرة وهي أن تنتج خمسة أبطن يكون آخرها ذكرا بحروا أذنها وحرموها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ولم تطرد عن ماء ولم تمنع عن مرعى وإذا لقيها المعيى لم يركبها قال والسائبة المخلاة وهي المسيبة وكانوا في الجاهلية إذا نذر الرجل لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في التحريم والتخلية وكان الرجل إذا عتق عبدا فقال هو سائبة لم يكن بينهما عقل ولا ولاء ولا ميراث فأما الوصيلة فإن بعض أهل اللغة ذكر أنها الأنثى من الغنم إذا ولدت مع ذكر قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوها وقال بعضهم كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكرا ذبحوه لآلهتهم في زعمهم وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم وقالوا الحامى الفحل من الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن قالوا حمى ظهره فلا يحتمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى* وإخبار الله تعالى بأن ما اعتقده أهل الجاهلية في البحيرة والسائبة وما ذكر في الآية يدل على بطلان عتق السائبة على ما يذهب إليه القائلون بأن من أعتق عبده سائبة فلا ولاء له منه وولاؤه جماعة المسلمين أن لأهل الجاهلية قد كانوا يعتقدون ذلك فأبطله الله تعالى بقوله( ولا سائبة ) وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم الولاء لمن أعتق يؤكد ذلك أيضا ونبينه
. باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
قال أبو بكر أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في مواضع من كتابه وبينه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أخبار متواترة عنه فيه وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه وإن كان قد تعرض أحوال من التقية يسع معها السكوت فمما ذكره الله تعالى حاكيا عن لقمان( يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) يعنى والله أعلم واصبر على ما ساءك من المكروه عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما حكى الله تعالى لنا ذلك عن عبده لنقتدى به وننتهي إليه وقال تعالى فيما مدح به سالف الصالحين من الصحابة( التائبون العابدون ـ إلى قوله ـالآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله ) وقال تعالى( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء وهناد بن السرى قالا حدثنا أبو معاوية
عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبى سعيد وعن قيس بن مسلم عن طارق ابن شهاب عن أبى سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا أبو إسحاق عن ابن جرير عن جرير قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا فأحكم الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في كتابه وعلى لسان رسوله وربما ظن من لا فقه له أن ذلك منسوخ أو مقصور الحكم على حال دون حال وتأول فيه قول الله تعالى( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وليس التأويل على ما يظن هذا الظان لو تجردت هذه الآية عن قرينه وذلك لأنه قال( عليكم أنفسكم ) يعنى احفظوها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا فلا دلالة فيها إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر* وقد روى عن السلف في تأويل الآية أحاديث مختلفة الظاهر وهي متفقة في المعنى فمنها ما حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال سمعت أبا بكر على المنبر يقول يا أيها الناس إنى أراكم تأولون هذه الآية( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل أذا اهتديتم ) وإنى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا أو شك أن يعمهم الله بعقابه فأخبر أبو بكر أن هذه الآية لا رخصة فيها في ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنه لا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى هو بالقيام بفرض الله من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر ابن محمد ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم عن أبى بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) قال يعنى من أهل الكتاب وقال أبو عبيد وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال من اليهود والنصارى ومن ضل من غيرهم فكأنهما ذهبا إلى أن هؤلاء قد أقروا بالجزية على كفرهم فلا يضرنا
كفرهم لأنا أعطيناهم العهد على أن نخليهم وما يعتقدون ولا يجوز لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام فهذا لا يضرنا الإمساك عنه وأما ما لا يجوز الإقرار عليه من المعاصي والفسوق والظلم والجور فهذا على كل المسلمين تغييره والإنكار على فاعله على ما شرطه النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبى سعيد الذي قدمنا* وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي قال حدثنا بن المبارك عن عتبة بن أبى حكيم قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال حدثنا أبو أمية الشعبانى قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية عليكم أنفسكم فقال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيها مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قال وزادني غيره قال يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم وهذه دلالة فيه على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة وفرض النهى عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب كما قال عليه السّلام فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذكر كان فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالقلب للتقية ولتعذر تغييره وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقية بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان قال الله تعالى( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) فهذه منزلة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد روى فيه وجه آخر وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو مسهر عن عباد الخواص قال حدثني يحيى بن أبى عمر والشيباني أن أبا الدرداء وكعبا كانا جالسين بالجابية فأتاهما آت فقال لقد رأيت اليوم أمرا كان حقا على من يراه أن يغيره فقال رجل إن الله تعالى يقول( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال كعب إن هذا لا يقول شيئا ذب عن محارم الله تعالى كما تذب عن عائلتك حتى يأتى تأويلها فانتبه لها أبو الدرداء فقال متى يأتى تأويلها فقال إذا هدمت كنيسة دمشق وبنى
مكانها مسجد فلذلك من تأويلها وإذا رأيت الكاسيات العاريات فلذلك من تأويلها وذكر خصلة ثالثة لا أحفظها فلذلك من تأويلها قال أبو مسهر وكان هدم الكنيسة بعهد الوليد بن عبد الملك أدخلها في مسجد دمشق وزاد في سعته بها وهذا أيضا على معنى الحديث الأول في الاقتصار على إنكار المنكر بالقلب دون اليد واللسان للتقية والخوف على النفس ولعمري أن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس وقد حكى أن الحجاج لما مات قال الحسن اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله عز وجل برجل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقى ولا من الناس يستحى فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل ثم قال الحسن هيهات والله حال دون ذلك السيف والسوط وقال عبد الملك بن عمير خرج الحجاج يوم الجمعة بالهاجرة فما زال يعبر مرة عن أهل الشام يمدحهم ومرة عن أهل العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس إلا حمرة على شرف المسجد نم أمر المؤذن فأذن فصلى بنا الجمعة ثم أذن فصلى بنا العصر ثم أذن فصلى بنا المغرب فجمع بين الصلوات يومئذ فهؤلاء السلف كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير باليد واللسان وقد كان فقهاء التابعين وقراؤهم خرجوا عليه مع ابن الأشعث إنكارا منهم لكفره وظلمه وجوره فجرت بينهم تلك الحروب المشهورة وقتل منهم من قتل ووطئهم بأهل الشام حتى لم يبقى أحد ينكر عليه شيئا يأتيه إلا بقلبه وقد روى ابن مسعود في ذلك ما حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن أبى جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن عبد الله بن مسعود أنه ذكر عنده هذه الآية( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال لم يجيء تأويلها بعد إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم يسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار قال فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض
فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلف القلوب والأهواء ولبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فأمر أو نفسه عند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال أبو بكر يعنى عبد الله بقوله لم يجيء تأويلها بعد إن الناس في عصره كانوا ممكنين من تغيير المنكر لصلاح السلطان والعامة وغلبة الأبرار للفجار فلم يكن أحد منهم معذورا في ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باليد واللسان ثم إذا جاء حال التقية وترك القبول وغلبت الفجار سوغ السكوت في تلك الحال مع الإنكار بالقلب وقد يسع السكوت أيضا في الحال التي قد علم فاعل المنكر أنه يفعل محظورا ولا يمكن الإنكار باليد ويغلب في الظن بأنه لا يقبل إذا قتل فحينئذ يسع السكوت وقد روى نحوه عن ابن مسعود في تأويل الآية* وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن عن ابن مسعود في هذه الآية( عليكم أنفسكم ) قال قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم فأخبر ابن مسعود أنه في سعة من السكوت إذا ردت ولم تقبل وذلك إذا لم يمكنه تغييره بيده لأنه لا يجوز أن يتوهم عن ابن مسعود إباحته ترك النهى عن المنكر مع إمكان تغييره* حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو ابن أبى عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلى عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمكم الله بعقاب من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم * قال أبو عبيدة وحدثنا حجاج عن حمزة الزيات عن أبى سفيان عن أبى نضرة قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إنى أعمل بأعمال الخير كلها إلا خصلتين قال وما هما قال لا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر قال لقد طمست سهمين من سهام الإسلام إن شاء غفر لك وإن شاء عذبك قال أبو عبيد وحدثنا محمد بن يزيد عن جويبر عن الضحاك قال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضتان من فرائض الله تعالى كتبهما الله عز وجل قال أبو عبيد أخبرونى عن سفيان بن عيينة قال حدثت ابن شبرمة بحديث ابن عباس من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة لم يفر فقال أما أنا فأرى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مثل هذا لا يعجز الرجل عن اثنين أن يأمرهما أو ينهاهما وذهب ابن عباس في ذلك إلى قوله تعالى
( فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ) وجائز أن يكون ذلك أصلا فيما يلزم من تغيير المنكر وقال مكحول في قوله تعالى( عليكم أنفسكم ) إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت والله الموفق.
باب الشهادة على الوصية في السفر
قال الله تعالى( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) قد اختلف في معنى الشهادة هاهنا قال قائلون هي الشهادة على الوصية في السفر وأجازوا بها شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر وروى الشعبي عن أبى موسى أن رجلا مسلما توفى بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فأحلفهما أبى موسى بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غير او أنها لوصية الرجل وتركته فأمضى أبو موسى شهادتهما وقال هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال آخرون معنى شهادة بينكم حضور الوصيين من قولك شهدته إذا حضرته وقال آخرون إنما الشهادة هنا أيمان الوصية بالله إذا ارتاب الورثة بهما وهو قول مجاهد فذهب أبو موسى إلى أنها الشهادة على الوصية التي تثبت بها عند الحكام وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ وروى مثله عن شريح هو قول الثوري وابن أبى ليلى والأوزاعى وروى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين وعبيدة وشريح والشعبي أو آخران من غيركم من غير ملتكم وروى عن الحسن والزهري من غير قبيلتكم فأما تأويل من تأولها على اليمين دون الشهادة التي تقام عند الحكام فقول مرغوب عنه وإن كانت اليمين قد تسمى شهادة في نحو قوله تعالى( فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) لأن الشهادة إذا أطلقت فهي الشهادة المتعارفة كقوله تعالى( وأقيموا الشهادة لله واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وأشهدوا ذوى عدل منكم ) كل ذلك قد عقل به الشهادات على الحقوق لا الأيمان وكذلك قوله تعالى( شهادة بينكم ) المفهوم فيه الشهادة المتعارفة ويدل عليه قوله تعالى( إذا حضر أحدكم الموت ) ويبعد أن يكون المراد أيمان بينكم( إذا حضر أحدكم الموت ) لأن حال الموت ليس حالا للأيمان ثم زاد بذلك بيانا بقوله( اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ) يعنى والله أعلم إن
لم توجد ذوا عدل منكم ولا يختلف في حكم اليمين وجود ذوى العدل وعدمهم وقوله تعالى( ولا نكتم شهادة الله ) يدل على ذلك أيضا لأن اليمين موجودة ظاهرة غير مكتوبة ثم ذكر يمين الورثة بعد اختلاف الوصيين على مال الميت وإنما الشهادة التي هي اليمين هي المذكورة في قوله تعالى( لشهادتنا أحق من شهادتهما ) ثم قوله( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) يعنى به الشهادة على الوصية إذ غير جائز أن يقول أن يأتوا باليمين على وجهها وقوله تعالى( أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) يدل أيضا على أن الأول شهادة لأنه ذكر الشهادة واليمين كل واحدة بحقيقة لفظها فأما تأويل من تأول قوله( أو آخران من غيركم ) من غير قبيلتكم فلا معنى له والآية تدل على خلافه لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان من غير ذكر للقبيلة في قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) ثم قال( أو آخران من غيركم ) يعنى من غير المؤمنين ولم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع إليه الكناية ومعلوم أن الكناية إنما ترجع إما إلى الظهر مذكور في الخطاب أو معلوم بدلالة الحال فما لم تكن هنا دلالة على الحال ترجع الكناية إليها يثبت أنها راجعة إلى من تقدم ذكره في الخطاب من المؤمنين وصح أن المراد من غير المؤمنين فاقتضت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر وقد روى في تأويل الآية عن عبد الله بن مسعود وأبى موسى وشريح وعكرمة وقتادة وجوه مختلفة وأشبهها بمعنى الآية ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن على قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا ابن أبى زائدة عن محمد بن أبى القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال خرج رجل من بنى سهم مع تميم الداري وعدى بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم وجد الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدى فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم قال فنزلت فيهم( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) فأحلفهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بديا لأن الورثة اتهموهما بأخذه ثم لما ادعيا أنهما اشتريا الجام من الميت استحلف الورثة وجعل القول قولهم في أنه لم يبع وأخذوا الجام ويشبه أن يكون ما قال أبو موسى في قبول شهادة الذميين على وصية المسلم في السفر وأن ذلك لم يكن منذ عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الآن هو هذه القصة التي في حديث ابن عباس
وقد روى عكرمة في قصة تميم الداري نحو رواية ابن عباس واختلف في بقاء حكم جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر فقال أبو موسى وشريح هي ثابتة وقول ابن عباس ومن قال( أو آخران من غيركم ) أنه من غير المسلمين يدل على أنهم تأولوا الآية على جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر ولا يحفظ عنهم بقاء هذا الحكم أو نسخه وروى عن زيد بن أسلم في قوله تعالى( شهادة بينكم ) قال كان ذلك في رجل توفى وليس عنده أحد من أهل الإسلام وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار إلا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة فكان الناس يتوارثون بالمدينة بالوصية ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها* وروى عن إبراهيم النخعي قال هي منسوخة نسختها( وأشهدوا ذوى عدل منكم ) وروى ضمرة بن جندب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها قال جبير بن نفير عن عائشة قالت المائدة من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فاستحرموه وروى أبو إسحاق عن أبى ميسرة قال في المائدة ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ وقال الحسن لم ينسخ من المائدة شيء فهؤلاء ذهبوا إلى أنه ليس في الآية شيء منسوخ* والذي يقتضيه ظاهر الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر سواء كان في الوصية بيع أو إقرار بدين أو وصية بشيء أو هبة أو صدقة هذا كله يشتمل عليه اسم الوصية إذا عقده في مرضه وعلى أن الله تعالى أجاز شهادتهما عليه الوصية لم يخصص بها الوصية دون غيرها وحين الوصية قد يكون إقرار بدين أو بمال عين وغيره لم تفرق الآية بين شيء منه ثم قد روى أن آية الذين من آخر ما نزل من القرآن وإن كان قوم قد ذكروا أن المائدة من آخر ما نزل وليس يمتنع أن يريدوا بقولهم من آخر ما نزل من آخر سورة نزلت في الجملة لا على أن كل آية منها من آخر ما نزل وإن كان كذلك فآية الدين لا محالة ناسخة لجواز شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر لقوله( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ـ إلى قوله ـواستشهدوا شهيدين من رجالكم ) وهم المسلمون لا محالة لأن الخطاب توجه إليهم باسم الإيمان ولم يخصص بها حال الوصية دون غيرها فهي عامة في الجميع ثم قال( ممن ترضون من الشهداء ) وليس الكفار بمرضيين في الشهادة على المسلمين فتضمنت آية الدين
نسخ شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر وفي الحضر أو في الوصية وغيرها فانتظمت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم ومن حيث دلت على جوازها على وصية المسلم في السفر فهي دالة أيضا على وصية الذمي ثم نسخ فيها جوازها على وصية المسلم بآية الدين وبقي حكمها على الذمي في السفر وغيره إذ كانت حالة السفر والحضر سواء في حكم الشهادات وعلى جواز شهادة الوصيين على وصية الميت لأن في التفسير أن الميت أوصى إليهما وأنهما شهدا على وصيته ودلت على أن القول قول الوصي فيما في يده للميت مع يمينه لأنهما على ذلك استحلفا ودلت على أن دعواهما شرى شيء من الميت غير مقبولة إلا ببينة وأن القول قول الورثة إن الميت لم يبع ذلك منهما مع أيمانهم* قوله تعالى( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) يعنى والله أعلم أقرب أن لا يكتموا ولا يبدلوا أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم يعنى إذا حلفا ما غيرا ولا كتما ثم عثر على شيء من مال الميت عندهما أن تجعل أيمان الورثة أولى من أيمانهم بديا أنهما ما غيرا ولا كتما على ما روى عن ابن عباس في قصة تميم الداري وعدى بن بداء* وقوله تعالى( تحبسونهما من بعد الصلاة ) فإنه روى عن ابن سيرين وقتادة فاستحلفا بعد العصر وإنما استحلفا بعد العصر تغليظا لليمين في الوقت المعظم كما قال تعالى( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) قيل صلاة العصر وقد روى عن أبى موسى أنه استحلف بعد العصر في هذه القصة* وقد روى تغليظ اليمين بالاستحلاف في البقعة المعظمة وروى جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار ولو على سواك أخضر فأخبر أن اليمين الفاجرة عند المنبر أعظم مأثما وكذلك سائر المواضع الموسومة للعبادات ولتعظيم الله تعالى وذكره فيها تكون المعاصي فيها أعظم إثما ألا ترى أن شرب الخمر والزنا في المسجد الحرام وفي الكعبة أعظم مأثما منه في غيره وليست اليمين عند المنبر وفي المسجد في الدعاوى بواجبة وإنما ذلك على وجه الترهيب وتخويف العقاب* وحكى عن الشافعى أنه يستحلف بالمدينة عند المنبر واحتج له بعض أصحابه بحديث جابر الذي ذكرنا وبحديث وائل بن حجر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للحضرمى لك يمينه قال إنه رجل فاجر لا يبالى قال ليس لك منه إلا ذلك فانطلق ليحلف فلما أدبر ليحلف قال من حلف على مال ليأكله ظلما لقى الله وهو عنه معرض وبحديث أشعث بن قيس وفيه فانطلق ليحلف
فقالوا قوله من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة يدل على أن الأيمان قد كانت تكون عنده* قال أبو بكر وليس فيه دلالة على أن ذلك مسنون وإنما قال ذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد كان يجلس هناك فلذلك كان يقع الاستحلاف عند المنبر واليمين عند المنبر أعظم مأثما إذا كانت كاذبة لحرمة الموضع فلا دلالة فيه على أنه ينبغي أن تكون عند المنبر والشافعى لا يستحلف في الشيء التافه عند المنبر وقد ذكر في الحديث ولو على سواك أخضر فقد خالف الخبر على أصله وأما قوله أنطلق ليحلف وأنه لما أدبر قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ما قال فإنه لا دلالة فيه على أنه ذهب إلى الموضع وإنما المراد بذلك العزيمة والتصميم عليه قال تعالى( ثم أدبر واستكبر ) لم يرد به الذهاب إلى الموضع وإنما أراد التولي عن الحق والإصرار عليه وما روى عن الصحابة في الحلف عند المنبر وبين الركن والمقام فإنما كان ذلك لأنه كان ينفق الحكومة هناك ولا ينكر أن تكون اليمين هناك أغلظ ولكنه ليس بواجب لقوله صلّى الله عليه وسلّم اليمين على المدعى عليه ولم يخصصها بمكان ولكن الحاكم إن رأى تغليظ اليمين باستحلافه عند المنبر إن كان بالمدينة وفي المسجد الحرام إن كان بمكة جاز له ذلك كما أمر الله باستحلاف هذين الوصيين بعد صلاة العصر لأن كثيرا من الكفار يعظمونه ووقت غروب الشمس.
(فصل) قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وذلك لأنها قد اقتضت جواز شهاداتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة أجوز فقد دلت الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر ولما نسخ منها جوازها على المسلمين بقوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ـ إلى قوله ـواستشهدوا شهيدين من رجالكم ) بقي بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم ونسخ بذلك قوله( أو آخران من غيركم ) وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر وإذا كان حكمها باقيا في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر اقتضى جوازها عليهم في سائر الحقوق لأن كل من يجيزها على أهل الذمة في الوصية في السفر ومنع جوازها على المسلمين في ذلك أجازها على أهل الذمة في سائر الحقوق* فإن قال قائل فإن ابن أبى ليلى والثوري والأوزاعى يجيزون شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر على ما روى عن أبى موسى وشريح ولا يجيزونها على الذمي
في سائر الحقوق* قيل له قد بينا أنها منسوخة على المسلمين باقية على أهل الذمة في سائر الحقوق وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم قول أصحابنا وعثمان البتى والثوري وقال ابن أبى ليلى والأوزاعى والحسن وصالح والليث تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض ولا تجوز على ملة غيرها وقال مالك والشافعى لا تجوز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض وما ذكرنا من دلالة الآية يقتضى تساوى شهادات أهل الملل بقوله تعالى( أو آخران من غيركم ) يعنى غير المؤمنين المبدوء بذكرهم ولم تفرق بين الملل ومن حيث اقتضت جواز شهادة أهل الملل على وصية المسلم في السفر وهي دالة على جواز شهادتهم على الكفار في ذلك مع اختلاف مللهم* ومما يوجب جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض من جهة السنة ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكروا أن رجلا وامرأة منهم زنيا فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم برجمهما وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهودي محمم فقال ما شأن هذا فقالوا زنى فرجمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وروى جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلّم جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم ائتوني بأربعة منكم يشهدون فشهد أربعة منهم فرجمهما النبي صلّى الله عليه وسلّم وعن الشعبي قال تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض وعن شريح وعمر بن عبد العزيز والزهري مثله وقال ابن وهب خالف مالك معلميه في رد شهادة النصارى بعضهم على بعض وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها وقال ابن أبى عمران من أصحابنا سمعت يحيى بن أكثم يقول جمعت هذا الباب فما وجد عن أحد من المتقدمين رد شهادة النصارى بعضهم على بعض إلا من ربيعة فإنى وجدت عنه ردها ووجدت عنه إجازتها قال أبو بكر قد ذكرنا حكم الآية على الوجوه التي رويت فيها عن السلف وما نسخ منها وما هو منها ثابت الحكم فلنذكر الآية على سياقها مع بيان حكمها على ما اقتضاه ترتيبها على السبب الذي نزلت فيه فنقول وبالله التوفيق أن قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) يعتوره معنيان أحدهما شهادة بينكم شهادة اثنين ذوى عدل منكم فحذف ذكر الشهادة الثانية لعلم المخاطبين بالمراد ويحتمل عليكم شهادة بينكم فهو أمر بإشهاد اثنين ذوى عدل كقوله تعالى في الدين( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) فأفاد الأمر بإشهاد شاهدين عدلين من المسلمين أو آخرين من غير المسلمين على وصية
المسلم في السفر وكان نزولها على السبب الذي تقدم ذكره من رواية ابن عباس في قصة تميم الداري وعدى بن بداء فذكر بعض السبب في الآية ثم قال( إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) فجعل شرط قبول شهادة الذميين على الوصية أن تكون في حال السفر وقوله( حين الوصية ) قد تضمن أن يكون الشاهدان هما الوصيين لأن الموصى أوصى إلى ذميين ثم جاءا فشهدا بوصية فضمن ذلك جواز شهادة الوصيين على وصية الميت* ثم قال( فأصابتكم مصيبة الموت ) يعنى قصة الموت الموصى* قال( تحبسونهما من بعد الصلاة ) يعنى لما اتهمهما الورثة في حبس شيء من مال الميت وأخذه على ما رواه عكرمة في قصة تميم الداري وعلى ما قاله أبو موسى في استحلافه الذميين ما خانا ولا كذبا فصار مدعى عليهما فلذلك استحلفا لا من حيث كانا شاهدين ويدل عليه قوله تعالى( فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله ) يعنى فيما أوصى به الميت وأشهدهما عليه* ثم قال تعالى( فإن عثر على أنهما استحقا إثما ) يعنى ظهور شيء من مال الميت في أيديهما بعد ذلك وهو جام الفضة الذي ظهر في أيديهما من مال الميت فزعما أنهما كانا اشتريا من مال الميت ثم قال تعالى( فآخران يقومان مقامهما ) يعنى في اليمين لأنهما صارا في هذه الحال مدعيين للشرى فصارت اليمين على الورثة وعلى أنه لم يكن للميت إلا وارثان فكانا مدعى عليهما فلذلك استحلفا ألا ترى أنه قال( من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ) يعنى إن هذه اليمين أولى من اليمين التي حلف بها الوصيان أنهما ما خانا ولا بد لا لأن الوصيين صارا في هذه الحال مدعيين وصار الوارثان مدعى عليهما وقد كان برئا في الظاهر بديا بيمينهما فمضت شهادتهما على الوصية فلما ظهر في أيديهما شيء من مال الميت صارت أيمان الوارثين أولى* وقد اختلف في تأويل قوله تعالى( الأوليان ) فروى عن سعيد بن جبير قال معنى الأوليان بالميت يعنى الورثة وقيل الأوليان بالشهادة وهي الأيمان في هذا الموضع وليس في الآية دلالة على إيجاب اليمين على الشاهدين فيما شهدا به وإنما أوجبت اليمين عليهما لما ادعى الورثة عليهما الخيانة وأخذ شيء من تركة الميت فصار بعض ما ذكر في هذه الآيات من الشهادات أيمانا وقال بعضهم الشهادة على الوصية كالشهادة على الحقوق لقوله تعالى( شهادة بينكم ) لا محالة أريد بها شهادات الحقوق لقوله( إثنان ذوا عدل منكم
أو آخران من غيركم ) وقوله بعد ذلك( فيقسمان بالله ) لا يحتمل غير اليمين ثم قال( فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا ) يعنى بها اليمين لأن هذه أيمان الوارثين وقوله( أحق من شهادتهما ) يحتمل من يمينهما ويحتمل من شهادتهما لأن الوصيين قد كان منهما شهادة ويمين وصارت يمين الوارث أحق من شهادة الوصيين ويمينهما لأن شهادتهما لأنفسهما غير جائزة ويميناهما لم توجب تصحيح دعواهما في شراء ما ادعيا شراءه من الميت ثم قال تعالى( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ) يعنى والله أعلم بالشهادة على الوصية وأن لا يخونوا ولا يغيروا يعنى أن ما حكم الله تعالى به من ذلك من الأيمان وإيجابها تارة على الشهود فيما ادعى عليهما من الخيانة وتارة على الورثة فيما ادعى الشهود من شرى شيء من مال الميت وأنهم متى علموا ذلك أتوا بالشهادة على وصية الميت على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ولا يقتصروا على أيمانهم ولا يبرئهما ذلك من أن يستحق عليهم ما كتموه وادعوا شراه إذا حلف الورثة على ذلك والله أعلم.
(سورة الأنعام)
( بسم الله الرحمن الرحيم )
باب النهى عن مجالسة الظالمين
قال الله تعالى( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ) الآية فأمر الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله وهي القرآن بالتكذيب وإظهار الاستخفاف إعراضا يقتضى الإنكار عليهم وإظهار الكراهة لما يكون منهم إلى أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره وهذا يدل على أن علينا ترك مجالسة الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك وما لا يجوز على الله تعالى إذا لم يمكننا إنكاره وكنا في تقية من تغييره باليد أو اللسان لأن علينا اتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما أمره الله به إلا أن تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منه قوله تعالى( وإما ينسينك الشيطان ) المراد إن أنساك الشيطان ببعض الشغل فقعدت معهم وأنت ناس للنهى فلا شيء عليك في تلك الحال ثم قال تعالى( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) يعنى بعد ما تذكر نهى الله تعالى لا تقعد مع الظالمين وذلك عموم في النهى عن مجالسة سائر الظالمين من أهل الشرك
وأهل الملة لوقوع الاسم عليهم جميعا وذلك إذا كان في تقية من تغييره بيده أو بلسانه بعد قيام الحجة على الظالمين بقبح ما هم عليه فغير جائز لأحد مجالستهم مع ترك النكير سواء كانوا مظهرين في تلك الحال للظلم والقبائح أو غير مظهرين له لأن النهى عام عن مجالسة الظالمين لأن في مجالستهم مختارا مع ترك النكير دلالة على الرضا بفعلهم ونظيره قوله تعالى( لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل ) الآيات وقد تقدم ذكر ما روى فيه وقوله تعالى( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) قوله تعالى( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ) قال قتادة هي منسوخة بقوله تعالى( فاقتلوا المشركين ) وقال مجاهد ليست بمنسوخة لكنه على جهة التهدد كقوله تعالى( ذرنى ومن خلقت وحيدا ) وقوله( تبسل ) قال الفراء ترتهن وقال الحسن ومجاهد والسدى تسلم وقال قتادة تحبس وقال ابن عباس تفضح وقيل أصله الارتهان وقيل التحريم ويقال أسد باسل لأن فريسته مرتهنة به لا تفلت منه وهذا بسل عليك أى حرام عليك لأنه مما يرتهن به ويقال أعطى الراقي بسلته أى أجرته لأن العمل مرتهن بالأجرة والمستبسل المستسلم لأنه بمنزلة المرتهن بما أسلم فيه قوله تعالى( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى ) قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه قال ذلك في أول حال نظره واستدلاله على ما سبق إلى وهمه وغلب في ظنه لأن قومه قد كانوا يعبدون الأوثان على أسماء الكواكب فيقولون هذا صنم زحل وصنم الشمس وصنم المشترى ونحو ذلك والثاني أنه قال قبل بلوغه وقبل إكمال الله تعالى عقله الذي به يصح التكليف فقال ذلك وقد خطرت بقلبه الأمور وحركته الخواطر والدواعي على الكفر فيما شاهده من الحوادث الدالة على توحيد الله تعالى وروى في الخبر أن أمه كانت ولدته في مغار خوفا من نمرود لأنه كان يقتل الأطفال المولودين في ذلك الزمان فلما خرج من المغار قال هذا القول حين شاهد الكواكب والثالث أنه قال ذلك على وجه الإنكار على قومه وحذف الألف وأراد أهذا ربي قال الشاعر :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط |
غلس الظلام من الرباب خيالا |
ومعناه أكذبتك وقال آخر :
رفونى وقالوا يا خويلد لا ترع |
فقلت وأنكرت الوجوه هم هم |
معناه أهم هم ومعنى قوله( لا أحب الآفلين ) إخبار بأنه ليس برب ولو كان ربا لأحببته وعظمته تعظيم الرب وهذا الاستدلال الذي سلك إبراهيم طريقه من أصح ما يكون من الاستدلال وأوضحه وذلك أنه لما رأى الكوكب في علوه وضيائه قرر نفسه على ما ينقسم إليه حكمه من كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا فلما رآه طالعا آفلا ومتحركا زائلا قضى بأنه محدث لمقارنته لدلالات الحدث وأنه ليس برب لأنه علم أن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام وأن ذلك مستحيل فيه كما استحال ذلك منه إذ كان محدثا فحكم بمساواته له في جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا ربا ثم لما طلع القمر فوجده من العظم والإشراق وانبساط النور على خلاف الكواكب قرر أيضا نفسه على حكمه فقال هذا ربي فلما رعاه وتأمل حاله وجده في معناه في باب مقارنته للحوادث من الطلوع والأفول والانتقال والزوال حكم له بحكمه وإن كان أكبر وأضوأ منه ولم يمنعه ما شاهد من اختلافهما من العظم والضياء من أن يقضى له بالحدوث لوجود دلالات الحدث فيه ثم لما أصبح رأى الشمس طالعة في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها قال هذا ربي لأنها بخلاف الكواكب والقمر في هذه الأوصاف ثم لما رآها آفلة منتقلة حكم لها بالحدوث أيضا وأنها في حكم الكواكب والقمر لشمول دلالة الحدث للجميع وفيما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السّلام وقوله عقيب ذلك( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) أوضح دلالة على وجوب الاستدلال على التوحيد وعلى بطلان قول الحشو القائلين بالتقليد لأنه لو جاز لأحد أن يكتفى بالتقليد لكان أولاهم به إبراهيم عليه السّلام فلما استدل إبراهيم على توحيد الله واحتج به على قومه ثبت بذلك أن علينا مثله وقد قال في نسق التلاوة عند ذكره إياه مع سائر الأنبياء( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) فأمرنا الله تعالى بالاقتداء به في الاستدلال على التوحيد والاحتجاج به على الكفار ومن حيث دلت أحوال هذه الكواكب على أنها مخلوقة غير خالقة ومربوبة غير رب فهي دالة أيضا على أن من كان في مثل حالها في الانتقال والزوال والمجيء والذهاب لا يجوز أن يكون ربا خالقا وأنه يكون مربوبا فدل على أن الله تعالى لا يجوز عليه الانتقال ولا الزوال ولا المجيء ولا الذهاب لقضية استدلال إبراهيم عليه السّلام بأن من كان بهذه الصفة فهو محدث وثبت بذلك أن من عبد ما هذه صفته فهو غير عالم بالله
تعالى وأنه بمنزلة من عبد كوكبا أو بعض الأشياء المخلوقة وفيه الدلالة على أن معرفة الله تعالى تجب بكمال العقل قبل إرسال الرسل لأن إبراهيم عليه السّلام استدل عليها قبل أن يسمع بحجج الأنبياء عليهم السلام* قوله تعالى( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) يعنى والله أعلم ما ذكر من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس وأن من كان في مثل حالها من مقارنة الحوادث له لا يكون إلها ولما قرر ذلك عندهم قال أى الفريقين أحق بالأمن أمن يعبد إلها واحدا أحق أم من يعبد آلهة شتى قالوا من يعبد إلها واحدا فأقروا على أنفسهم فصاروا محجوجين وقيل أنهم لما قالوا له أما تخاف أن تخبلك آلهتنا قال لهم أما تخافون أن تخبلكم بجمعكم الصغير مع الكبير في العبادة فأبطل ذلك حجاجهم عليه من حيث رجع عليهم ما أرادوا إلزامه إياه فألزمهم مثله على أصلهم وأبطل قولهم بقوله قوله تعالى( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) أمر لنا بالاقتداء بمن ذكر من الأنبياء في الاستدلال على توحيد الله تعالى على نحو ما ذكرنا من استدلال إبراهيم عليه السّلام ويحتج بعمومه في لزوم شرائع من كان قبلنا من الأنبياء بأنه لم يخصص بذلك الاستدلال على التوحيد من الشرائع السمعية وهو على الجميع وقد بينا ذلك في أصول الفقه قوله تعالى( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) يقال إن الإدراك أصله اللحوق نحو قولك أدرك زمان المنصور وأدرك أبا حنيفة وأدرك الطعام أى لحق حال النضج وأدرك الزرع والثمرة وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل أدركت ببصرى شخصا معناه رأيته ببصرى ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا له فقوله تعالى( لا تدركه الأبصار ) معناه لا تراه الأبصار وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار كقوله تعالى( لا تأخذه سنة ولا نوم ) وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص فغير جائز إثبات نقيضه بحال كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سنة ولا نوم لم يبطل إلا إلى صفة نقص فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال إذ كان فيه إثبات صفة نقص ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله تعالى( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب كما روى عن جماعة من السلف فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض
عليه بلا مسوغ للتأويل فيه والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة قوله تعالى( ولو شاء الله ما أشركوا ) معناه لو شاء الله أن يكونوا على ضد الشرك من الإيمان قسرا ما أشركوا لأن المشيئة إنما تتعلق بالفعل أن يكون لا بأن لا يكون فمتعلق المشيئة محذوف وإنما المراد بهذه المشيئة الحال التي تنافى الشرك قسرا بالانقطاع عن الشرك عجزا ومنعا وإلجاء فهذه الحال لا يشأها الله تعالى لأن المنع من المعصية بهذه الوجوه منع من الطاعة وإبطال للثواب والعقاب في الآخرة قوله تعالى( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) قال السدى لا تسبوا الأصنام فيسبوا من أمركم بما أنتم عليه من عيبها وقيل لا تسبوا الأصنام فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون كما سببتم من يعبدون وفي ذلك دليل على أن المحق عليه أن يكف عن سب السفهاء الذين يتسرعون إلى سبه على وجه المقابلة له لأنه بمنزلة البعث على المعصية قوله تعالى( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ) ظاهره أمر ومعناه الإباحة كقوله تعالى( وإذا حللتم فاصطادوا ـفإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) هذا إذا أراد بأكله التلذذ فهو إباحة يحتمل الترغيب في اعتقاد صحة الإذن فيه في أكله للاستعانة به على طاعة الله تعالى فيكون أكله في هذه الحال مأجورا ومن الناس من يقول( إن كنتم بآياته مؤمنين ) يدل على حظر أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لاقتضائه مخالفة المشركين في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وقوله( مما ذكر اسم الله عليه ) عموم في سائر الأذكار ويحتج به على جواز أكل ذبح الغاصب للشاة المغصوبة وفي الذبح بسكين مغصوبة أن المالك للشاة أكلها لقوله تعالى( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) إذ كان ذلك مما قد ذكر اسم الله عليه قوله تعالى( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) قال الضحاك كان أهل الجاهلية يرون إعلان الزنا إثما والاستسرار به غير إثم فقال الله تعالى( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) وهو عموم في سائر ما يسمى بهذا الاسم أن عليه تركه سرا وعلانية فهو يوجب تحريم الخمر أيضا لقوله تعالى( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) ويجوز أن يكون ظاهر الإثم ما يفعله بالجوارح وباطنه ما يفعله بقلبه من الإعتقادات والفصول ونحوها مما حظر عليه فعله منها قوله تعالى( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله
عليه وإنه لفسق ) فيه نهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وقد اختلف في ذلك فقال أصحابنا ومالك والحسن بن صالح إن ترك المسلم التسمية عمدا لم يؤكل وإن تركها ناسيا أكل وقال الشافعى يؤكل في الوجهين وذكر مثله عن الأوزاعى وقد اختلف أيضا في تارك التسمية ناسيا فروى عن على وابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبى رباح وسعيد بن المسيب وابن شهاب وطاوس قالوا لا بأس بأكل ما ذبح ونسى التسمية عليه وقال على إنما هي على الملة وقال ابن عباس المسلم ذكر الله في قلبه وقال كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الملة وقال عطاء المسلم تسمية اسم الله تعالى المسلم هو اسم من اسماء الله تعالى والمؤمن هو اسم من أسمائه والمؤمن تسمية للذابح وروى أبو خالد الأصم عن ابن عجلان عن نافع أن غلاما لابن عمر قال له يا عبد الله قل بسم الله قال قد قلت قال قل بسم الله قال قد قلت قال قل بسم الله قال قد قلت قال فذبح فلم يأكل منه وقال ابن سيرين إذا ترك التسمية ناسيا لم يؤكل وروى يونس بن عبيد عن مولى لقريش عن أبيه أنه أتى على غلام لابن عمر قائما عند قصاب ذبح شاة ونسى أن يذكر اسم الله عليها فأمره ابن عمر أن يقوم عنده فإذا جاء إنسان يشترى قال ابن عمر يقول إن هذه لم يذكها فلا تشتر وروى شعبة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يذبح فينسى أن يسمى قال أحب إلى أن لا يأكل وظاهر الآية موجب لتحريم ما ترك اسم الله عليه ناسيا كان ذلك أو عامدا إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على أن النسيان غير مراد به فأما من أباح أكله مع ترك التسمية عمدا فقوله مخالف للآية غير مستعمل لحكمها بحال هذا مع مخالفته للآثار المروية في إيجاب التسمية على الصيد والذبيحة فإن قيل إن المراد بالنهى الذبائح التي ذبحها المشركون ويدل عليه ما روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون أما ما قتل ربكم فمات فلا تأكلونه وأما ما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلونه فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلّم( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) قال الميتة ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة( ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) فإذا كانت الآية في الميتة وفي ذبائح المشركين فهي مقصودة الحكم ولم يدخل فيها ذبائح المسلمين قيل له نزول الآية على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه بل الحكم للعموم إذا كان أعم من السبب فلو كان المراد ذبائح المشركين لذكرها ولم يقتصر على ذكر ترك التسمية وقد علمنا أن المشركين وإن سموا
على ذبائحهم لم تؤكل مثل ذلك على أنه لم يرد ذبائح المشركين إذ كانت ذبائحهم غير مأكولة سموا الله عليها أو لم يسموا وقد نص الله تعالى على تحريم ذبائح المشركين في غير هذه الآية وهو قوله تعالى( وما ذبح على النصب ) وأيضا فلو أراد ذبائح المشركين أو الميتة لكانت دلالة الآية قائمة على فساد التذكية بترك التسمية إذ جعل ترك التسمية علما لكونه ميتة فدل ذلك على أن كل ما تركت التسمية عليه فهو ميتة وعلى أنه قد روى عن ابن عباس ما يدل على أن المراد التسمية دون ذبيحة الكافر وهو ما رواه إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم قال كانوا يقولون ما ذكر اسم الله عليه فلا تأكلوه وما لم يذكر اسم الله فكلوه فقال الله تعالى( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن المجادلة منهم كانت في ترك التسمية وأن الآية نزلت في إيجابها لا من طريق ذبائح المشركين ولا الميتة ويدل على أن ترك التسمية عامدا يفسد الذكاة.
قوله تعالى( يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ـ إلى قوله ـواذكروا اسم الله عليه ) ومعلوم أن ذلك أمر يقتضى الإيجاب وأنه غير واجب على الأكل فدل على أنه أراد به حال الاصطياد والسائلون قد كانوا مسلمين فلم يبح لهم الأكل إلا بشريطة التسمية ويدل عليه قوله تعالى( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) يعنى في حال النحر لأن الله تعالى قال( فإذا وجبت جنوبها ) والفاء للتعقيب ويدل عليه من جهة السنة حديث عدى بن حاتم حين سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن صيد الكلب فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل إذا أمسك عليك وإن وجدت معه كلبا آخر وقد قتله فلا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره وقد كان عدى بن حاتم مسلما فأمره بالتسمية على إرسال الكلب ومنعه الأكل عند عدم التسمية بقوله فلا تأكله فإنما ذكرت الله على كلبك وقد اقتضت الآية النهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه والنهى عن ترك التسمية أيضا ويدل على تأكيد النهى عن ذلك قوله تعالى( وإنه لفسق ) وهو راجع إلى الأمرين من ترك التسمية ومن الأكل ويدل أيضا على أن المراد حال تركها عامدا إذا كان الناسي لا يجوز أن تلحقه سمة الفسق* ويدل عليه ما روى عبد العزيز الدراوردى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الناس قالوا يا رسول الله
إن الأعراب يأتون باللحم فبتنا عندهم وهم حديثو عهد بكفر لا ندري ذكروا اسم الله عليه أم لا فقال سموا الله عليه وكلوا فلو لم تكن التسمية من شرط الذكاة لقال وما عليكم من ترك التسمية ولكنه قال كلوا لأن الأصل أن أمور المسلمين محمولة على الجواز والصحة فلا تحمل على الفساد وما لا يجوز إلا بدلالة فإن قيل لو كان المراد ترك المسلم التسمية لوجب أن يكون من استباح أكله فاسقا لقوله تعالى( وإنه لفسق ) فلما اتفق الجميع على أن المسلم التارك للتسمية عامدا غير مستحق بسمة الفسق دل على أن المراد الميتة أو ذبائح المشركين قيل له ظاهر قوله( وإنه لفسق ) عائد على الجميع من المسلمين وغيرهم وقيام الدلالة على خصوص بعضهم غير مانع بقاء حكم الآية في إيجاب التسمية على المسلم في الذبيحة وأيضا فإنا نقول من ترك التسمية عامدا مع اعتقاده لوجوبها هو فاسق وكذلك من أكل ما هذا سبيله مع الاعتقاد لأن ذلك من شرطها فقد لحقته سمة الفسق وأما من اعتقد أن ذلك في الميتة أو ذبائح أهل الشرك دون المسلمين فإنه لا يكون فاسقا لزواله عند حكم الآية بالتأويل فإن قال قائل لما كانت التسمية ذكرا ليس بواجب في استدامته ولا في انتهائه وجب أن لا يكون واجبا في ابتدائه ولو كان واجبا لاستوى فيه العامد والناسي قيل له أما القياس الذي ذكره فهو دعوى محض لم يرده على أصل فلا يستحق الجواب على أنه منتقض بالإيمان والشهادتين وكذلك في التلبية والاستيذان وما شاكل هذا لأن هذه إذا كانت ليست بواجبة في استدامتها وانتهائها ومع ذلك فهي واجبة في الابتداء وإنما قلنا إن ترك التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة من قبل أن قوله تعالى( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) خطاب للعامد دون الناسي ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة( وإنه لفسق ) وليس ذلك صفة للناسي ولأن الناسي في حال نسيانه غير مكلف للتسمية وروى الأوزاعى عن عطاء بن أبى رباح عن عبيد بن عمير عن عبد الله ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تجاوز الله عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وإذا لم يكن مكلفا للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك التسمية وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة أو نسيان الطهارة ونحوها لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض آخر ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها فإن قيل لو كانت التسمية من شرائط الذكاة
لما أسقطها النسيان كترك قطع الأوداج وهذا السؤال للفريقين من أسقط التسمية رأسا ومن أوجبها في حال النسيان فأما من أسقطها فإنه يستدل علينا باتفاقنا على سقوطها في حال النسيان وشرائط الزكاة لا يسقطها النسيان كترك قطع الأوداج فدل على أن التسمية ليست بشرطها فيها ومن أوجبها في حال النسيان يشبهها بترك قطع الحلقوم والأوداج ناسيا أو عامدا أنه يمنع صحة الذكاة فأما من أسقط فرض التسمية رأسا فإن هذا السؤال لا يصح له لأنه يزعم أن ترك الكلام من فروض الصلاة وكذلك فعل الطهارة وهما جميعا من شروطها ثم فرق بين تارك الطهارة ناسيا وبين المتكلم في الصلاة ناسيا وكذلك النية شرط في صحة الصوم وترك الأكل أيضا شرط فيه صحته ولو ترك النية ناسيا لم يصح صومه ولو أكل ناسيا لم يفسد صومه فهذا سؤال ينتقض على أصل هذا السائل وأما من أوجبها في حال النسيان واستدل بقطع الأوداج فإنه لا يصح له ذلك أيضا لأن قطع الأوداج هو نفس الذبح الذي ينافي موته حتف أنفه وينفصل به من الميتة والتسمية مشروطة لذلك لا على أنها نفس الذبح بل هي مأمور بها عنده في حال الذكر دون حال النسيان فلم يخرجه عدم التسمية على وجه السهو من وجود الذبح فلذلك اختلفا قوله تعالى( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) الآية الحرث الزرع والحرث الأرض التي تثار للزرع قال ابن عباس وقتادة عمد أناس من أهل الضلالة فجزؤوا من حروثهم ومواشيهم جزأ لله تعالى وجزأ لشركائهم فكانوا إذا خالط شيء مما جزءوا لشركائهم ما جزءوا لله تعالى ردوه على شركائهم وكانوا إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله تعالى ووفروا ما جزءوا لشركائهم وقيل أنهم كانوا إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله تعالى ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى قال ذلك الحسن والسدى وقيل أنهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على أوثانهم ولا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه للأوثان وإنما جعل الأوثان شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونها عليها فشاركوها في نعمهم قوله تعالى( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) قال الضحاك الحرث الزرع الذي جعلوه لأوثانهم وأما الأنعام التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لأوثانهم كما جعلوا الحرث للنفقة عليها في سدنتها وما ينوب من أمرها وقيل ما جعل منها قربانا للأوثان وأما الأنعام التي ذكرت ثانيا فإن الحسن ومجاهدا قالا هي السائبة والوصيلة والحامى وأما التي ذكرت ثالثا فإن
السدى وغيره قالوا هي التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم الله عليها وقال أبو وائل هي التي لا يحجون عليها* وقوله تعالى( حجر ) قال قتادة يعنى حراما وأصله المنع قال الله تعالى( ويقولون حجرا محجورا ) أى حراما محرما قوله تعالى( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ) قال ابن عباس يعنون اللبن وقال سعيد عن قتادة ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا البحائر كانت للذكور دون النساء وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم* قوله تعالى( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ) قال قتادة يعنى البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى تحريما من الشيطان في أموالهم* وقال مجاهد والسدى ما في بطون هذه الأنعام يعنى بها الأجنة* وقال غيرهم أراد بها الألبان والأجنة جميعا* والخالص هو الذي يكون على معنى واحد لا يشوبه شيء من غيره كالذهب الخالص ومنه إخلاص التوحيد وإخلاص العمل لله تعالى وإنما أنث خالصة على المبالغة في الصفة كالعلامة والرواية وقيل على تأنيث المصدر نحو العاقبة والعافية ومنه بخالصة ذكرى الدار وقيل لتأنيث ما في بطونها من الأنعام ويقال فلان خالصة فلان وخلصانه* وقوله تعالى( وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ) يعنى أجنة الأنعام إذا كانت ميتة استوى ذكورهم وأنثاهم فيها فأكلوها جميعا قال أبو بكر وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إذا أردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) قوله تعالى( وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ـ إلى قوله تعالى ـوآتوا حقه يوم حصاده ) قال ابن عباس والسدى معروشات ما عرش الناس من الكروم ونحوها وهو رفع بعض أغصانها على بعض وقيل أن تعريشه أن يحظر عليه بحائط وأصله الرفع ومنه خاوية على عروشها أى على أعاليها وما ارتفع منها والعرش السرير لارتفاعه ذكر الله تعالى الزرع والنخل والزيتون والرمان ثم قال( كلوا من ثمرة إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) وهو عطف على جميع المذكور فاقتضى ذلك إيجاب الحق في سائر الزروع والثمار المذكورة على الآية وقد اختلف في المراد بقوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) فروى عن ابن عباس وجابر بن زيد ومحمد بن الحنفية والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وزيد بن
أسلم وقتادة والضحاك أنه العشر ونصف العشر وروى عن ابن عباس رواية أخرى ومحمد بن الحنفية والسدى وإبراهيم نسخها العشر ونصف العشر وعن الحسن قال نسختها الزكاة وقال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن وروى عن ابن عمر ومجاهد أنها محكمة وأنه حق واجب عند الصرام غير الزكاة وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه نهى عن جداد الليل وعن صرام الليل قال سفيان بن عيينة هذا لأجل المساكين كي يحضروا قال مجاهد إذا حصدت طرحت للمساكين منه وكذلك إذا ظننت وإذا أكدست ويتركون يتبعون أثار الحصادين وإذا أخذت في كيله حثوت لهم منه وإذا علمت كيله عزلت زكاته وإذا أخذت في جدد النخل طرحت لهم منه وكذلك إذا أخذت في كيله وإذا علمت كيله عزلت زكاته وما روى عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم أن قوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) منسوخ بالعشر ونصف العشر يبين أن مذهبهم تجويز نسخ القرآن بالسنة وقد اختلف الفقهاء فيما يجب فيه العشر من وجهين أحدهما في الصنف الموجب فيه والآخر في مقداره.
ذكر الخلاف في الموجب فيه
قال أبو حنيفة وزفر في جميع ما تخرجه الأرض العشر إلا الحطب والقصب والحشيش وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له ثمرة باقية وقال مالك الحبوب التي تجب فيها الزكاة الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان واللوبياء وما أشبه ذلك من الحبوب وفي الزيتون وقال ابن أبى ليلى والثوري ليس في شيء من الزرع زكاة إلا التمر والزبيب والحنطة والشعير وهو قول الحسن بن صالح وقال الشافعى إنما تجب فيما ييبس ويقتات ويدخر مأكولا ولا شيء في الزيتون لأنه إدام وقد روى عن على بن أبى طالب وعمر ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنه ليس في الخضر صدقة وروى عن ابن عباس أنه كان يأخذ من دساتج الكراث العشر بالبصرة* قال أبو بكر قد تقدم ذكر اختلاف السلف في معنى قوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) وفي بقاء حكمه أو نسخه والكلام بين السلف في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها هل المراد زكاة الزرع والثمار وهو العشر ونصف العشر أو حق آخر غيره وهل هو منسوخ أو غير منسوخ فالدليل على أنه غير منسوخ اتفاق الأمة
على وجوب الحق في كثير من الحبوب والثمار وهو العشر ونصف العشر ومتى وجدنا حكما قد استعملته الأمة ولفظ الكتاب ينتظمه ويصح أن يكون عبارة عنه فواجب أن يحكم أن الاتفاق إنما صدر عن الكتاب وأن ما اتفقوا عليه هو الحكم المراد بالآية وغير جائز إثباته حقا غيره ثم إثبات نسخه بقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما سقت السماء العشر إذ جائز أن يكون ذلك الحق هو العشر الذي بينه النبي صلّى الله عليه وسلّم فيكون قوله فيما سقت السماء العشر بيانا للمراد بقوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) كما أن قوله في مائتي درهم خمسة دراهم بيان لقوله تعالى( وآتوا الزكاة ) وقوله( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) وغير جائز أن يكون قوله( وآتوا حقه يوم حصاده ) منسوخا بالعشر ونصف العشر لأن النسخ إنما يقع بما لا يصح اجتماعهما فأما ما يصح اجتماعهما معا فغير جائز وقوع النسخ به ألا ترى أنه يصح أن يقول وآتوا حقه يوم حصاده وهو العشر فلما كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون منسوخا به وأما من جعل هذا الحق ثابت الحكم غير منسوخ وزعم أنه حق آخر غير العشر يجب عند الحصاد وعند الدياس وعند الكيل فإنه لا يخلو قوله هذا من أحد معنيين إما أن يكون مراده عنده الوجوب أو الندب فإن كان ندبا عنده لم يسغ له ذلك إلا بإقامة الدلالة عليه إذ غير جائز صرف الأمر عن الإيجاب إلى الندب إلا بدلالة وإن رآه واجبا فلو كان كما زعم لوجب أن يرد النقل به متواترا لعموم الحاجة إليه ولكان لا أقل من أن يكون نقله في نقل وجوب العشر ونصف العشر فلما لم يعرف ذلك عامة السلف والفقهاء علمنا أنه غير مراد فثبت أن هذا الحق هو العشر ونصف العشر الذي بينه صلّى الله عليه وسلّم* فإن قيل الزكاة لا تخرج يوم* الحصاد وإنما تخرج بعد التنقية فدل على أنه لم يرد به الزكاة* قيل له الحصاد اسم للقطع فمتى قطعه فعليه إخراج عشر ما صار في يده ومع ذلك فالخضر كلها إنما يخرج الحق منها يوم الحصاد غير منتظر به شيء غيره وقيل إن قوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) لم يجعل اليوم ظرفا للإيتاء المأمور به وإنما هو ظرف لحقه كأنه قال وآتوا الحق الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية* قال أبو بكر ولما ثبت بما ذكرنا أن المراد بقوله( وآتوا حقه يوم حصاده ) هو العشر دل على وجوب العشر في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما خصه الدليل لأن الله تعالى قد ذكر الزرع بلفظ عموم ينتظم لسائر أصنافه وذكر
النخل والزيتون والرمان ثم عقبه بقوله( وآتوا حقه يوم حصاده ) وهو عائد إلى جميع المذكور فمن ادعى خصوص شيء منه لم يسلم له ذلك إلا بدليل فوجب بذلك إيجاب الحق في الخضر وغيرها وفي الزيتون والرمان* فإن قيل إنما أوجب الله تعالى هذا الحق فيما ذكر يوم حصاده وذلك لا يكون إلا بعد استحكامه ومصيره إلى حال تبقى ثمرته فأما ما أخذ منه قبل بلوغ وقت الحصاد من الفواكه الرطبة فلم يتناوله اللفظ ومع ذلك فإن الزيتون والرمان لا يحصدان فلم يدخلا في عموم اللفظ قيل له الحصاد اسم للقطع والاستيصال قال الله تعالى( حتى جعلناهم حصيدا خامدين ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة ترون أوباش قريش احصدوهم حصدا فيوم حصاده هو يوم قطعه فذلك قد يكون في الخضر وفي كل ما يقطع من الثمار عن شجرة سواء كان بالغا أو اخضر رطبا وأيضا قد أوجب الآية العشر في ثمر النخل عند جميع الفقهاء بقوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) فدل على أن المراد يوم قطعه لشمول اسم الحصاد لقطع ثمر النخل وفائدة ذكر الحصاد هاهنا أن الحق غير واجب إخراجه بنفس خروجه وبلوغه حتى يحصل في يد صاحبه فحينئذ يلزمه إخراجه وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق قد يلزمه بخروجه قبل قطعه وأخذه فأفاد بذلك أن عليه زكاة ما حصل في يده دون ما تلف منه ولم يحصل منه في يده ويدل على وجوب العشر في جميع الخارج قوله تعالى( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) وذلك عموم في جميع الخارج* فإن قيل النفقة لا تعقل منها* الصدقة* قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن النفقة لا يعقل منها غير الصدقة وبهذا ورد الكتاب قال الله تعالى( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) وقال تعالى( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) وقال تعالى( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) الآية وغير ذلك من الآي الموجبة لما ذكرنا وأيضا فإن قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) أمر وهو يقتضى الوجوب وليس هاهنا نفقة واجبة غير الزكاة والعشر إذ النفقة على عياله واجبة وأيضا فإن النفقة على نفسه وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر فلا معنى لحمل الآية عليه فإن قيل المراد صدقة التطوع* قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن الأمر على الوجوب فلا يصرف إلى الندب إلا بدليل والثاني قوله تعالى( ولستم بآخذيه إلا أن
تغمضوا فيه ) قد دل على الوجوب لأن الإغماض إنما يكون في اقتضاء الدين الواجب فأما ما ليس بواجب فكل ما أخذه منه فهو فضل وربح فلا إغماض فيه ومن جهة السنة حديث معاذ وابن عمر وجابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال ما سقت السماء ففيه العشر وما سقى بالساقية فنصف العشر وهذا خبر قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه فهو في حيز التواتر وعمومه يوجب الحق في جميع أصناف الخارج* فإن احتجوا بحديث يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو كامل الجحدري قال حدثنا الحارث بن شهاب عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أبيه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ليس في الخضراوات صدقة * قيل له قد قال يعقوب بن شيبة إن هذا حديث منكر وكان يحيى بن معين يقول حديث الحارث بن شهاب ضعيف قال يحيى وقد روى عبد السلام بن حرب هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة مرسلا وعبد السلام ثقة وإنما أصل حديث موسى ابن طلحة ما رواه يعقوب بن شيبة قال حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا عمرو بن عثمان ابن موهب عن موسى بن طلحة أن بعض الأمراء بعث إليه في صدقة أرضه فقال ليس عليها صدقة وإنما هي أرض خضر ورطاب إن معاذا إنما أمر أن يأخذ من النخل والحنطة والشعير والعنب فهذا أصل حديث موسى بن طلحة وهو تأويل لحديث معاذ أنه أمر بالأخذ من الأصناف التي ذكر وليس في ذلك لو ثبت دلالة على نفى الحق عما سواها لأنه يجوز أن يكون معاذا إنما استعمل على هذه الأصناف دون غيرها وأيضا فلو استقام سند موسى ابن طلحة وصحت طريقته لم يجز الاعتراض به على خبر معاذ في العشر ونصف العشر لأنه خبر تلقاه الناس بالقبول واستعملوه وهم مختلفون في استعمال حديث موسى بن طلحة ومتى ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم خبران فاتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر كان المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه منهما خاصا كان ذلك أو عاما فوجب أن يكون قوله فيما سقت السماء العشر قاضيا على خبر موسى بن طلحة ليس في الخضراوات صدقة وأيضا يمكن استعمال هذا الخبر فيما يمر به على العشر على ما يقول أبو حنيفة لأنه لا يأخذ منه العشر ويكون خبر معاذ فيما سقت السماء العشر مستعملا في الجميع ومن جهة النظر أن الأرض يقصد طلب نمائها بزراعتها الخضراوات كما يطلب نماؤها بزراعتها الحب فوجب أن يكون فيها العشر كالحبوب ولا يلزم عليه الحطب
والقصب والحشيش لأن ذلك ينبت في العادة إذا صادفه الماء من غير زراعة وليس يكاد يقصد بها الأرض فلذلك لم يجب فيها شيء ولا خلاف في نفى وجوب الحق عن هذه الأشياء* وقد اختلف فيما يأكله رب النخل من التمر فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والثوري يحسب عليه ما أكله صاحب الأرض وقال أبو يوسف إذا أكل صاحب الأرض وأطعم جاره وصديقه أخذ منه عشر ما بقي من ثلاثمائة الصاع التي تجب فيها الزكاة ولا يؤخذ منه مما أكل أو أطعم ولو أكل الثلاثمائة صاع وأطعمها لم يكن عليه عشر فإن بقي منها قليل أو كثير فعليه عشر ما بقي أو نصف العشر وقال الليث في زكاة الحبوب يبدأ بها قبل النفقة وما أكل من فريك هو وأهله فإنه لا يحتسب عليه بمنزلة الرطب الذي يترك لأهل الحائط ما يأكله هو وأهله لا يخرص عليه وقال الشافعى يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو وأهله لا يخرصه عليه ومن أكل من نخله وهو رطب لم يحتسب عليه قال أبو بكر قوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) يقتضى وجوب الحق في جميع المأخوذ ولم يخصص الله تعالى ما أكله هو وأهله فهو على الجميع فإن قيل إنما أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد فلا يجب الحق فيما أخذ منه قبل الحصاد قيل له الحصاد اسم للقطع فكلما قطع منه شيئا لزمه إخراج عشره وأيضا فليس في قوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) دليل على نفى الوجوب عما أخذ قبل الحصاد لأنه جائز أن يريد وآتوا حق الجميع يوم حصاده المأكول منه والباقي واحتج من لم يحتسب بالمأكول بما روى شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال سمعت عبد الرحمن بن مسعود يقول جاء سهل بن أبى حثمة إلى مجلسنا فحدث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فالربع وهذا يحتمل أن يكون معناه ما روى سهل بن أبى حثمة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا حثمة خارصا فجاءه رجل فقال يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد على فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه فقال يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح فقال قد زادك ابن عمك وأنصفك والعرايا هي الصدقة فإنما أمر بذلك الثلث صدقة ويدل عليه حديث جرير بن حازم عن قيس بن مسعود عن مكحول الشامي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية فجمع بين العرية والوصية فدل على أنه أراد الصدقة وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال
ليس في العرايا صدقة فلم يوجب فيها صدقة لأن العارية نفسها صدقة وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ولا يضمنها.
ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق
فقال أبو حنيفة وزفر يجب العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره إلا ما قدمنا ذكره وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وابن أبى ليلى والليث والشافعى لا يجب حتى يبلغ ما يجب فيه الحق خمسة أوسق وذلك إذا كان ما يجب فيه الحق مكيلا فإن لم يكن مكيلا فإن أبا يوسف اعتبر أن يكون فيه خمسة أوسق من أدنى الأشياء التي تدخل في الوسق مما يجب فيه العشر إلا في العسل فإنه روى عنه أنه اعتبر عشرة أرطال وروى أنه اعتبر عشر قرب وروى أنه اعتبر قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل في الوسق وأما محمد فإنه ينظر إلى أعلى ما يقدر به ذلك الشيء فيعتبر منه أن يبلغ خمسة أمثاله وذلك نحو الزعفران فإن أعلى مقاديره منا فيعتبر بلوغه خمسة أمناء لأن ما زاد على المن فإنه يضاعف أو ينسب إليه فيقال منوان وثلاثة ونصف من وربع من ويعتبر في القطن خمسة أحمال لأن الحمل أعلى مقاديره وما زاد فتضعيف له وفي العسل خمسة أفراق لأن الفرق أعلى ما يقدر به ويحتج لأبى حنيفة في ذلك بقوله تعالى( وآتوا حقه يوم حصاده ) وذلك عائد إلى جميع المذكور فهو عموم فيه وإن كان مجملا في المقدار الواجب لأن قوله( حقه ) مجمل مفتقر إلى البيان وقد ورد البيان في مقدار الواجب وهو العشر أو نصف العشر ويحتج فيه بقوله تعالى( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) وذلك عام في جميع الخارج ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما سقت السماء العشر ولم يفصل بين القليل والكثير ومن جهة النظر اتفاق الجميع على سقوط اعتبار الحول فيه فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز والغنائم واحتج معتبرو المقدار بما روى محمد بن مسلم الطائفي قال أخبرنا عمرو ابن دينار عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا صدقة في شيء من الزرع أو الكرم أو النخل حتى يبلغ خمسة أوسق وروى ليث بن أبى سليم عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ورواه أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر موقوفا عليه وروى ابن المبارك عن معمر عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مثله* والجواب عن هذا لأبى حنيفة من وجوه أحدها
أنه إذا روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم خبران أحدهما عام والآخر خاص واتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلف في استعمال الآخر فالمتفق على استعماله قاض على المختلف فيه فلما كان خبر العشر متفقا على استعماله واختلفوا في خبر المقدار كان استعمال خبر العشر على عمومه أولى وكان قاضيا على المختلف فيه فإما أن يكون الآخر منسوخا أو يكون تأويله محمولا على معنى لا ينافي شيئا من خبر العشر وأيضا فإن قوله فيما سقت السماء العشر عام في إيجابه في الموسوق وغيره وخبر الخمسة أوسق خاص في الموسوق دون غيره فغير جائز أن يكون بيانا لمقدار ما يجب فيه العشر لأن حكم البيان أن يكون شاملا لجميع ما اقتضى البيان فلما كان خبر الأوساق مقصورا على ذكر مقدار الوسق دون غيره وكان خبر العشر عموما في الموسق وغيره علمنا أنه لم يرد مورد البيان لمقدار ما يجب فيه العشر وأيضا فإن ذلك يقتضى أن يكون ما يوسق يعتبر في إيجاب الحق بلوغ مقداره خمسة أوسق وما ليس بموسوق يجب في قليله وكثيره ولقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر وفقد ما يوجب تخصيص مقدار ما لا يدخل في الأوساق وهذا قول مطروح والقائل به ساقط مرزول لاتفاق السلف والخلف على خلافه وليس ذلك كقوله صلّى الله عليه وسلّم في الرقة ربع العشر وقوله ليس فيما دون خمس أواق زكاة وذلك لأنه لا شيء من الرقة إلا وهو داخل في الوزن والأواقى مذكورة للوزن فجاز أن يكون بيانا لمقدار جميع الرقة المذكورة في الخبر الآخر وأيضا فقد ذكرنا أن لله حقوقا واجبة في المال غير الزكاة ثم نسخت بالزكاة كما روى عن أبى جعفر محمد بن على والضحاك قالا نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن فجائز أن يكون هذا التقدير معتبرا في الحقوق التي كانت واجبة فنسخت نحو قوله تعالى( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) ونحو ما روى عن مجاهد إذا حصدت طرحت للمساكين وإذا كدست وإذا نقيت وإذا علمت كيله عزلت زكاته وهذه الحقوق غير واجبة اليوم فجائز أن يكون ما روى من تقدير الخمسة الأوسق كان معتبرا في تلك الحقوق وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص الآية والأثر المتفق على نقله به وأيضا فقد روى ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة فجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق طعام أو تمر للتجارة فأخبر أن لا زكاة فيه لقصور قيمته عن النصاب في ذلك الوقت فنقل الراوي كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم وترك ذكر السبب
كما يوجد ذلك في كثير من الأخبار.
ذكر الخلاف في اجتماع العشر والخراج
فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يجتمعان وقال مالك والثوري والحسن بن صالح وشريك والشافعى إذا كانت أرض خراج فعليه العشر في الخارج والخراج في الأرض والدليل على أنهما لا يجتمعان أن عمر بن الخطاب لما فتح السواد وضع على الأرض الخراج ولم يأخذ العشر من الخارج وذلك بمشاورة الصحابة وبموافقتهم إياه عليه فصار ذلك إجماعا من السلف وعليه مضى الخلف ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب رضى الله عنه ويدل عليه قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالناضح نصف العشر وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما فلو وجب الخراج معه لكان ذلك بعض الواجب لأن الخراج قد يكون الثلث أو الربع وقد يكون قفيزا ودرهما وأيضا فإن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قدر العشر إلى النصف لأجل المؤنة التي لزمت صاحبها فلو لزم الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي للزوم مؤنة الخراج ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة وما تخلف فيه كما خالف النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بين ما سقته السماء وبين ما سقى بالناضح لأجل المؤنة ويدل عليه حديث سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال منعت العراق قفيزها ودرهمها ومعناه ستمنع ولو كان العشر واجبا لاستحال أن يكون الخراج ممنوعا منه والعشر غير ممنوع لأن من منع الخراج كان للعشر أمنع وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض الخراج وروى أن دهقانة نهر الملك أسلمت فكتب عمر أن يؤخذ منها الخراج إن اختارت أرضها وروى أيضا أن رفيلا أسلم فقال له على إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج ولو كان العشر واجبا مع ذلك لا خبرا بوجوبه ولم يخالفهما في ذلك أحد من الصحابة وأيضا لما كان العشر والخراج حقين لله تعالى لم يجز اجتماعهما عليه في وقت واحد والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع وجوب زكاة السائمة وزكاة التجارة فإن قيل إن الخراج كذلك يجوز اجتماع الخراج والعشر وذلك لأن أرض الخراج مبقاة على حكم الفيء وإنما أبيح لزارعها الانتفاع بها بالخراج وهو أجرة الأرض فلا يمنع ذلك وجوب العشر مع الخراج قيل
له هذا غلط من وجوه أحدها أن عند أبى حنيفة لا يجتمع العشر والأجرة على المستأجر ومتى لزمته الأجرة سقط عنه العشر فكان العشر على رب الأرض الآخذ للأجرة فهذا الإلزام ساقط عنه وقول القائل إن أرض الخراج غير مملوكة لأهلها وأنها مبقاة على حكم الفيء خطأ لأنها عندنا مملوكة لأهلها والكلام فيها في غير هذا الموضع وقوله إن الخراج أجرة خطأ أيضا من وجوه أحدها أنه لا خلاف أنه لا يجوز استيحار النخل والشجر ومعلوم أن الخراج يؤدى عنهما فثبت أنه ليس بأجرة وأيضا فأن الإجارة لا تصح إلا على مدة معلومة ولم يعتقد أحد من الأئمة على أرباب أراضى الخراج مدة معلومة وأيضا فإن كانت أرض الخراج وأهلها مقرون على حكم الفيء فغير جائز أن يؤخذ منهم جزية رؤسهم لأن العبد لا جزية عليه ومما يدل على انتفاء اجتماع الخراج والعشر تنافى سببهما وذلك لأن الخراج سببه الكفر لأنه يوضع موضع الجزية وسائر أموال الفيء والعشر سببه الإسلام فلما تنافى سبباهما تنافى مسبباهما قوله تعالى( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) روى عن ابن عباس رواية والحسن وابن مسعود رواية أخرى ومجاهد قالوا الحمولة كبار الإبل والفرش الصغار وقال قتادة والربيع بن أنس والضحاك والسدى والحسن رواية الحمولة ما حمل من الإبل والفرش الغنم وروى عن ابن عباس رواية أخرى قال الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير والفرش الغنم فأدخل في الأنعام الحافر على الاتباع لأن اسم الأنعام لا يقع على الحافر وكان قول السلف في الفرش أحد معنيين إما صغار الإبل وإما الغنم وقال بعض أهل العلم أراد بالفرش ما خلق لهم من أصوافها وجلودها التي يفترشونها ويجلسون عليها ولو لا قول السلف على ما ذكرنا لكان هذا الظاهر يستدل به على جواز الانتفاع بأصواف الأنعام وأوبارها في سائر الأحوال سواء أخذت منها بعد الموت أو في حال الحياة ويستدل به أيضا على جواز الانتفاع بجلودها بعد الموت لاقتضاء العموم له إلا أنهم قد اتفقوا أنه لا ينتفع بالجلود قبل الدباغ فهو مخصوص وحكم الآية ثابت في الانتفاع بها بعد الدباغ وقوله تعالى( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) فيه إضمار وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشا* قوله تعالى( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ) إلى الظالمين قوله ثمانية أزواج بدل من قوله( حمولة وفرشا ) لدخوله في الإنشاء كأنه قال أنشأ ثمانية أزواج فكل واحد من
الأصناف الأربعة من ذكورها وإناثها يسمى زوجا ويقال للإثنين زوج أيضا كما يقال للواحد خصم وللإثنين خصم فأخبر الله تعالى أنه أحل لعباده هذه الأزواج الثمانية وأن المشركين حرموا منها ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وما جعلوه لشركائهم على ما بينه قبل ذلك بغير حجة ولا برهان ليضلوا الناس بغير علم فقال( نبئونى بعلم إن كنتم صادقين ) ثم قال( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ) لأن طريق العلم إما المشاهدة أو الدليل الذي يشترك العقلاء في إدراك الحق به فبان بعجزهم عن إقامة الدلالة من أحد هذين الوجهين بطلان قولهم في تحريم ما حرموا من ذلك قوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) الآية روى عن طاوس أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون أشياء ويحرمون أشياء فقال الله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما ) مما تستحلون إلا أن يكون ميتة الآية وسياقة المخاطبة تدل على ما قال طاوس وذلك لأن الله قد قدم ذكر ما كانوا يحرمون من الأنعام وذمهم على تحريم ما أحله وعنفهم وأبان به عن جهلهم لأنهم حرموا بغير حجة ثم عطف قوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما ) يعنى مما تحرمونه إلا ما ذكر وإذا كان ذلك تقدير الآية لم يجز الاستدلال بها على إباحة ما خرج عن الآية فإن قيل قد ذكر في أول المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة وما ذكر معها قد دخلت في الميتة وإنما ذكر الله تعالى تحريم الميتة في قوله( حرمت عليكم الميتة ) ثم فسر وجوهها والأسباب الموجبة لكونها ميتة فقد اشتمل اسم الميتة على الوقت إلا ما قد ذكر في هذه الآية والمائدة مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن وفي هذه الآية دليل على أن أو إذا دخلت على النفي ثبت كل واحد مما دخلت عليه على حيالها وأنها لا تقتضي تخييرا لأن قوله تعالى( إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ) قد أوجب تحريم كل واحد من ذلك على حياله* وقد احتج كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكورة في هذه الآية بها فمنها لحوم الحمر الأهلية وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية قال قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم
ولكن أبى ذلك البحر يعنى عبد الله بن عباس وقرأ( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) الآية وروى حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة أنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم الذي يكون في أعلى العروق بأسا وقرأت هذه الآية( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) الآية فأما لحوم الحمر الأهلية فإن أصحابنا ومالكا والثوري والشافعى ينهون عنه وروى عن ابن عباس ما ذكرنا من إباحته وتابعه على ذلك قوم* وقد وردت أخبار مستفيضة في النهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية منها حديث الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن الحنيفة عن أبيهما أنه سمع على بن أبى طالب يقول لابن عباس نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عن أكل لحوم الحمر الإنسية وعن متعة النساء يوم خيبر وقد روى ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن عبد الرحمن ابن الحارث المخزومي عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية وهذا يدل على أنه لما سمع عليا يروى النهى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم رجع عما كان يذهب إليه من الإباحة وروى أبو حنيفة وعبد الله عن نافع عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن على عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ورواه حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن محمد بن على عن جابر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الأهلية وروى شعبة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب سمعه منه قال أصبنا حمرا يوم خيبر فطبخناها فنادى منادى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن اكفئوا القدور وروى النهى عنها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ابن أبى أوفى وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة وأبو ثعلبة الخشني في آخرين في بعضها ابتداء نهى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبعضها ذكر قصة خيبر والسبب الذي من أجله نهى عنها فقال قائلون إنما نهى عنها لأنها كانت نهبة انتهبوها وقال آخرون لأنه قيل له إن الحمر قد قلت وقال آخرون لأنها كانت جلالة فتأول من أباحها نهى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على أحد هذه الوجوه ومن حظرها أبطل هذه التأويلات بأشياء أحدها ما رواه جماعة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال لا يحل الحمار الأهلى منهم المقدام بن معدى كرب وأبو ثعلبة الخشني وغيرهما والثاني ما رواه سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر أصابوا حمرا فطبخوها منها فنادى منادى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ألا إن الله ورسوله
ينهاكم عنها فإنها نجس فاكفئوا القدور وروى عبد الوهاب الثقفي عن أيوب بإسناد مثله قال فأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مناديا فنادى إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس قال فأكفئت القدور وإنها لتفور وهذا يبطل تأويل من تأول النهى على النهبة وتأويل من تأوله على خوف فناء الحمر الأهلية بالذبح لأنه أخبر أنها نجس وذلك يقتضى تحريم عينها لا لسبب غيرها ويدل عليه أنه أمر بالقدور فأكفئت ولو كان النهى لأجل ما ذكروا لأمر بأن يطعم المساكين كما أمر بذلك في الشاة المذبوحة بغير أمر أصحابها بأن يطعم الأسرى وفي حديث أبى ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عما يحرم عليه فقال لا تأكل الحمار الأهلى ولا كل ذي ناب من السباع فهذا أيضا يبطل سائر التأويلات التي ذكرناها عن مبيحيها وقد روى عن سعيد بن جبير أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحوم الحمر الأهلية يوم خيبر لأنها كانت تأكل العذرة فإن صح هذا التأويل للنهى الذي كان منه يوم خيبر فإن خبر أبى ثعلبة وغيره في سؤالهم عنها في غير يوم خيبر يوجب إيهام تحريمها لا لعلة غير أعيانها وقد روى في حديث يروى عن عبد الرحمن بن مغفل عن رجال من مزينة فقال بعضهم غالب بن الأبحر وقال بعضهم الحر بن غالب أنه قال يا رسول الله إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم فيه أهلى غير حمرات لي قال فأطعم أهلك من سمين مالك فإنما كرهت لكم جوال القرية فاحتج من أباح الحمر الأهلية بهذا الخبر وهذا الخبر يدل على النهى عنها لأنه قال كرهت لكم جوال القرية والحمر الأهلية كلها جوال القرى والإباحة عندنا في هذا الحديث إنما انصرفت إلى الحمر الوحشية وقد اختلف في الحمار الوحشي إذا دجن فقال أصحابنا والحسن بن صالح والشافعى في الحمار الوحشي إذا دجن وألف أنه جائز أكله وقال ابن القاسم عن مالك إذا دجن وصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلى فإنه لا يؤكل وقد اتفقوا على أن الوحش الأهلى لا يخرجه عن حكم جنسه في تحريم الأكل كذلك ما أنس من الوحش قال أبو بكر وقد اختلف في ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد لا يحل أكل ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وقال مالك لا يؤكل سباع الوحش ولا الهر الوحشي ولا الأهلى ولا الثعلب ولا الضبع ولا شيء من السباع ولا بأس بأكل سباع الطير الرخم والعقبان والنسور وغيرها ما أكل الجيف منها وما لا يأكل وقال
الأوزاعى الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم وقال الليث لا بأس بأكل الهر وأكره الضبع وقال الشافعى لا يؤكل ذو ناب من السباع التي تعدو على الناس الأسد والنمر والذئب ويؤكل الضبع والثعلب ولا يؤكل النسر والبازي ونحوه لأنها تعدو على طيور الناس وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد قال حدثنا عمران بن جبير أن عكرمة سئل عن الغراب قال دجاجة سمينة وسئل عن الضبع فقال نعجة سمينة.
قال أبو بكر حدثنا محمد بن قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبى إدريس الخولاني عن أبيس ثعلبة الخشني أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبوعوانة عن أبى بشر عن ميمون بن مهران عن ابن عياض قال نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير ورواه على بن أبى طالب والمقدام بن معد يكرب وأبو هريرة وغيرهما فهذه آثار مستفيضة في تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير والثعلب والهر والنسر والرخم داخلة في ذلك فلا معنى لاستثناء شيء منها إلا بدليل يوجب تخصيصه وليس في قبولها ما يوجب نسخ قوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) لأنه إنما فيه إخبار بأنه لم يكن المحرم غير المذكور وأن ما عداه كان باقيا على أصل الإباحة وكذلك الأخبار الواردة في لحوم الحمر الأهلية هذا حكمها ومع ذلك فإن هذه الآية خاصة باتفاق أهل العلم على تحريم أشياء كثيرة غير مذكورة في الآية فجاز قبول أخبار الآحاد في تخصيصها وكره أصحابنا الغراب الأبقع لأنه يأكل الجيف ولم يكرهوا الغراب الزرعى لما روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال خمس فواسق يقتلهن المحرم في في الحل والحرم وذكر أحدها الغراب الأبقع فضح الأبقع بذلك لأنه يأكل الجيف فصار أصلا في كراهة أشباهه مما يأكل الجيف قوله عليه السلام خمس يقتلهن المحرم يدل على تحريم أكل هذه الخمس وأنها لا تكون إلا مقتولة غير مذكاة ولو كانت مما يؤكل لأمر بذبحها وذكاتها لئلا تحرم بالقتل فإن قيل بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا يحيى بن مسلم قال حدثني إسماعيل
ابن أمية عن أبى الزبير قال سألت جابر أهل يؤكل الضبع قال نعم قلت أصيد هي قال نعم قلت أسمعت هذا من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال نعم قيل له ما روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير قاض على ذلك لاتفاق الفقهاء على استعماله اختلافهم في استعمال ذلك واختلف في أكل الضب فكرهه أصحابنا وقال مالك والشافعى لا بأس به والدليل على صحة قولنا ما روى الأعمش عن زيد بن وهب الجهني عن عبد الرحمن بن حسنة قال نزلنا أرضا كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها فإن القدور لتغلى بها فجاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقال ما هذا فقلنا ضباب أصبناها فقال إن أمة من بنى إسرائيل مسخت دواب الأرض وإنى أخشى أن تكون هذه فاكفئوها وهذا يقتضى حظره لأنه لو كان مباح الأكل لما أمر بإكفاء القدور لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن إضاعة المال وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عون الطائي أن الحكم بن نافع حدثهم قال حدثنا ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبى راشد الحبرانى عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل لحم الضب وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أهدى لها ضب فدخل عليها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فسألته عن أكله فنهاها عنه فجاء سائل فقامت تناوله إياها فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أتطعمينه ما لا تأكلين فهذه الأخبار توجب النهى عن أكل الضب وقد روى ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يأكل من الضب وأكل على مائدة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ولو كان حراما ما أكل على مائدته وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إنما ترك أكله تقذرا وفي بعض الأخبار أنه قال لم يكن بأرض قومي فأجدنى أعافه وأن خالد بن الوليد أكله بحضرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فلم ينهه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عمر بن سهل قال حدثنا إسحاق بن الربيع عن الحسن قال قال عمر إن هذه الضباب طعام عامة هذه الرعاء وإن الله ليمنع غير واحد ولو كان عندي منها شيء لأكلته أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لم يحرمه ولكنه قذره وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عمر بن سهل قال حدثنا بحر عن أبى هارون عن أبى سعيد الخدري قال إن كان أحدنا لتهدى إليه الضبة المكنونة أحب إليه من الدجاجة السمينة فاحتج مبيحوه بهذه الأخبار وفيها دلالة على حظره لأن فيها أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم تركه تقذرا وأنه قذره وما قذره النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فهو نجس ولا يكون نجسا إلا وهو
محرم الأكل ولو ثبت الإباحة بهذه الأخبار لعارضتها أخبار الحظر ومتى ورد الخبران في شيء وأحدهما مبيح والآخر حاظر فخبر الحظر أولى وذلك لأن الحظر وارد لا محالة بعد الإباحة لأن الأصل كانت الإباحة والحظر طارئ عليها ولم يثبت ورود الإباحة على الحظر فحكم الحظر ثابت لا محالة واختلف في هوام الأرض فكره أصحابنا أكل هوام الأرض اليربوع والقنفذ والفأر والعقارب وجميع هوام الأرض وقال ابن أبى ليلى لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت وهو قول مالك والأوزاعى إلا أنه لم يشترط منه الذكاة وقال الليث لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه وقال ابن القاسم عن مالك لا بأس بأكل الضفدع قال ابن القاسم وقياس قول مالك أنه لا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها لأنه قال موته في الماء لا يفسده وقال الشافعى كل ما كانت العرب تستقذره فهو من الخبائث فالذئب والأسد والغراب والحية والحدأة والعقرب والفأرة لأنها تقصد بالأذى فهي محرمة من الخبائث وكانت تأكل الضبع والثعلب لأنهما لا يعدوان على الناس بأنيابهما فهما حلال قال بكر قال الله تعالى
(
ويحرم عليهم الخبائث
)
قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ثور قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا(
قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه
)
الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقال خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر إن كان قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم هذا فهو كما قال فسماه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم خبيثة من الخبائث فشمله حكم التحريم بقوله تعالى(
ويحرم عليهم الخبائث
)
والقنفذ من حشرات الأرض فكل ما كان من حشراتها فهو محرم قياسا على القنفذ وروى عبد الله بن وهب قال أخبرنى ابن أبى ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن قال ذكر طبيب الدواء عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وذكر الضفدع يكون في الدواء فنهى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عن قتله وهذا يدل على تحريمه لأنه نهاه أن يقتله فيجعله في الدواء ولو جاز الانتفاع به لما كان منهيا عن قتله للانتفاع به وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أخبار مستفيضة رواها ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة وغيرهم أنه قال يقتل المحرم في الحل والحرم الحدأة والغراب والفأرة والعقرب وفي بعض الأخبار والحية ففي أمره بقتلهن
دلالة على تحريم أكلهن لأنها لو كانت مما تؤكل لأمر بالتوصل إلى ذكاتها فيما تتأتى فيه الذكاة منها فلما أمر بقتلها والقتل إنما يكون لا على وجه الذكاة ثبت أنها غير مأكولة ولما ثبت ذلك في الغراب والحدأة كان سائر ما يأكل الجيف مثلها ودل على أن ما كان من حشرات الأرض فهو محرم كالعقرب والحية وكذلك اليربوع لأنه جنس من الفأر* وأما قول الشافعى في اعتباره ما كانت العرب تستقذره وإن ما كان كذلك فهو من الخبائث فلا معنى له من وجوه أحدها أن نهى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير قاض بتحريم جميعه وغير جائز أن يزيد فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما قد تناوله العموم ولم يعتبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ما ذكره الشافعى وإنما جعل كونه ذا تاب من السباع وذا مخلب من الطير علما للتحريم فلا يجوز الاعتراض عليه بما لم تثبت به الدلالة ومن جهة أخرى أن خطاب الله تعالى للناس بتحريم الخبائث عليهم لم يختص بالعرب دون العجم بل الناس كلهم من كان منهم من أهل التكليف داخلون في الخطاب فاعتبار ما يستقذره العرب دون غيرهم قول لا دليل عليه خارج عن مقتضى الآية ومع ذلك فليس يخلو من أن يعتبر ما كانت العرب يستقذره جميعهم أو بعضهم فإن كان اعتبر الجميع فإن جميع العرب لم يكن يستقذر الحيات والعقارب ولا الأسد والذئاب والفأر وسائر ما ذكر بل عامة الأعراب تستطيب أكل هذه الأشياء فلا يجوز أن يكون المراد ما كان جميع العرب يستقذره وإن أراد ما كان بعض العرب يستقذره فهو فاسد من وجهين أحدهما أن الخطاب إذا كان لجميع العرب فكيف يجوز اعتبار بعضهم عن بعض والثاني أنه لما صار البعض المستقذر كذلك كان أولى بالاعتبار من البعض الذي يستطيبه فهذا قول منتقض من جميع وجوهه وزعم أنه أباح الضبع والثعلب لأن العرب كانت تأكله وقد كانت العرب تأكل الغراب والحدأة والأسد لم يكن منهم لم يمتنع من أكل ذلك وأما اعتباره ما يعدو على الناس فإن أراد به يعدو على الناس في سائر الأحوال فإن ذلك لا يوجد في الحدأة والحية والغراب وقد حرمها وإن أراد به العدو عليهم في حال إذا لم يكن جائعا والجمل الهائج قد يعدو على الإنسان وكذلك الثور في بعض الأحوال ولم يعتبر ذلك هو ولا غيره في هذه الأشياء في تحريم الأكل وإباحته والكلب السنور لا يعدوان على الناس وهما محرمان وقد اختلف في لحوم الإبل الجلالة
فكرها أصحابنا والشافعى إذا لم يكن يأكل غير العذرة وقال مالك والليث لا بأس بلحوم الجلالة كالدجاج حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عن أكل الجلالة وألبانها وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن لبن الجلالة قال أبو بكر فكل من خالف في هذه المسائل التي ذكرنا من ابتدائنا بأحكام قوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) وأباح أكل ما ذهب أصحابنا فيه إلى حظره فإنهم يحتجون فيه بقوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما ) الآية وقد بينا أن ذلك خرج على سبب فيما كان يحرمه أهل الجاهلية مما حكاه الله عنهم قبل هذه الآية مما كانوا يحرمونه من الأنعام ولو لم يكن نزوله على السبب الذي ذكرنا وكان خبرا مبتدأ لم يمتنع بذلك قبول أخبار الآحاد في تحريم أشياء لم تنتظمها الآية ولا استعمال القياس في حظر كثير منه لأن ما فيه الأخبار بأنه لم يكن المحرم من طريق الشرع إلا المذكور في الآية وقد علمنا أن هذه الأشياء قد كانت مباحة قبل ورود السمع وقد كان قبول أخبار الآحاد جائزا واستعمال القياس سائغا في تحريم ما هذا وصفه وكذلك إخبار الله بأنه لم يحرم بالشرع إلا المذكور في الآية غير مانع تحريم غيره من طريق خبر الواحد والقياس* وقوله تعالى( على طاعم يطعمه ) يدل على أن المحرم من الميتة ما يتأتى فيه الأكل منها فلم يتناول الجلد المدبوغ ولا القرن والعظم والظلف والريش ونحوها ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في شاة ميمونة إنها حرم أكلها وفي بعض الألفاظ إنما حرم لحمها وقوله تعالى( أو دما مسفوحا ) يدل على أن المحرم من الدم ما كان مسفوحا وأن ما يبقى في العروق من أجزاء الدم غير محرم وكذلك روى عن عائشة وغيرها في الدم الذي في المذبح أو في أعلى القدر أنه ليس بمحرم لأنه ليس بمسفوح وهذا يدل على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس إذ ليس بمسفوح فإن قيل قوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) وإن كان إخبارا بأنه ليس المحرم في شريعة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من المأكولات على المذكور في الآية فإنه قد نسخ به كثيرا من المحظورات على ألسنة الأنبياء المتقدمين فلا يكون سبيله سبيل بقاء الشيء على
حكم الإباحة الأصلية بل يكون في حكم ما قد نص على إباحته شرعا فلا يجوز الاعتراض عليه بخبر الواحد ولا بالقياس والدليل على أنه قد نسخ بذلك كثيرا من المحظورات على لسان غيره من الأنبياء قوله تعالى( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ) وشحومهما مباحة لنا وكذلك كثير من الحيوانات ذوات الأظفار قيل له ما ذكرت لا يخرج ما عدا المذكور في الآية من أن يكون في حكم المباح على الأصل وذلك لأن ما حرم على أولئك من ذلك وأبيح لنا لم يصر شريعة لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم وبين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن حكم ذلك التحريم إنما كان موقتا إلى هذا الوقت وإن مضى الوقت أعاده إلى ما كان عليه من حكم الإباحة فلا فرق بينه في هذا الوجه وبين ما لم يحظر قط وأيضا فلو سلمنا لك ما ادعيت كان ما ذكرنا من قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيما وصفنا سائغا لأن ذلك مخصوص بالاتفاق أعنى قوله تعالى( قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) لاتفاق الجميع من الفقهاء على تحريم أشياء غير مذكورة في الآية كالخمر ولحم القردة والنجاسات وغيرها فلما ثبت خصوصه بالاتفاق ساغ قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيه قوله تعالى( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ) الآية قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والسدى ومجاهد هو كل ما ليس بمفتوح الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط وقال بعض أهل العلم يدخل في جميع أنواع السباع والكلاب والسنانير وسائر ما يصطاد بظفره من الطير قال أبو بكر قد ثبت تحريم الله تعالى ذلك على لسان بعض الأنبياء فحكم ذلك التحريم عندنا ثابت بأن يكون شريعة لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم إلا أن يثبت نسخه ولم يثبت نسخ تحريم الكلاب والسباع ونحوها فوجب أن تكون محرمة بتحريم الله بديا وكونه شريعة لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى( حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ) يستدل به من أحنث الحالف أن لا يأكل شحما فأكل من شحم الطير لاستثناء الله ما على ظهورهما من جملة التحريم وهو قول أبى يوسف ومحمد وعند أبى حنيفة ما على الظهر إنما يسمى لحما سمينا في العادة ولا يتناوله اسم الشحم على الإطلاق وتسمية الله إياه شحما لا توجب دخوله في اليمين إذ لم يكن الاسم له متعارفا ألا ترى أن الله تعالى قد سمى السمك لحما والشمس سراجا ولا يدخل في اليمين والحوايا روى عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدى
أنها المباعر وقال غيرهم هي بنات اللبن ويقال إنها الأمعاء التي عليها الشحم وأما قوله تعالى( أو ما اختلط بعظم ) فإنه روى عن السدى وابن جريج أنه شحم الجنب والألية لأنهما على عظم وهذا يدل أيضا ما ذكرنا من أن دخول أو على النفي يقتضى نفى كل واحد مما دخل عليه على حياله لأن قوله تعالى( إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) تحريم للجميع ونظيره قوله تعالى( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) نهى عن طاعة كل واحد منهما وكذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لا أكلم فلانا أو فلانا أنه أيهما كلم حنث لأنه نفى كلام كل واحد منهما على حدة قوله تعالى( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ـ إلى قوله ـكذلك كذب الذين من قبلهم ) فيه أكذب للمشركين بقولهم لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا لأنه قال تعالى( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ومن كذب بالحق فهو كاذب في تكذيبه فأخبر تعالى عن كذب الكفار بقولهم لو شاء الله ما أشركنا ولو كان الله قد شاء الشرك لما كانوا كاذبين في قولهم لو شاء الله ما أشركنا وفيه بيان أن الله تعالى لا يشاء الشرك وقد أكد ذلك أيضا بقوله( إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) يعنى تكذبون فثبت أن الله تعالى غير شاء لشركهم وأنه قد شاء منهم الإيمان اختيارا ولو شاء الله الإيمان منهم قسرا لكان عليه قادرا ولكنهم كانوا لا يستحقون به الثواب والمدح وقد دلت العقول على مثل ما نص الله عليه في القرآن إن مريد الشرك والقبائح سفيه كما أن الآمر به سفيه وذلك لأن الإرادة للشرك استدعاء إليه كما أن الأمر به استدعاء إليه فكل ما شاء الله من العباد فقد دعاهم إليه ورغبهم فيه ولذلك كان طاعة كما أن كل ما أمر الله به فقد دعاهم إليه ويكون طاعة منهم إذا فعلوه وليس كذلك العلم بالشرك لأن العلم بالشيء لا يوجب أن يكون العالم به مستدعيا إليه ولا أن يكون المعلوم من فعل غيره طاعة إذا لم يرده فإن قيل إنما أنكر الله المشركين باحتجاجهم لشركهم بأن الله تعالى قد شاءه وليس ذلك بحجة ولو كان مراده تكذيبهم في قولهم لقال كذلك كذب الذين من قبلهم بالتخفيف قيل له لو كان الله قد شاء الكفر منهم لكان احتجاجهم صحيحا ولكان فعلهم طاعة لله فلما أبطل الله احتجاجهم بذلك علم أنه إنما كان كذلك لأن الله تعالى لم يشأ وأيضا فقد أكذبهم الله تعالى في هذا القول من وجهين أحدهما أنه أخبر بتكذيبهم بالحق والمكذب بالحق لا يكون إلا كاذبا والثاني قوله
( وإن أنتم إلا تخرصون ) يعنى تكذبون قوله تعالى( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) الآية يعنى أبطل لعجزهم عن إقامة الدلالة إلا أن الله حرم هذا إذ لم يمكنهم إثبات ما ادعوه من جهة عقل ولا سمع وما لم يثبت من أحد هذين الوجهين وليس بمحسوس مشاهد فطريق العلم به منسد والحكم ببطلانه واجب فإن قيل فلم دعوا للشهادة حتى إذا شهدوا لم تقبل منهم قيل لأنهم لم يشهدوا على هذا الوجه الذي يرجع من قولهم فيه إلى ثقة وقيل إنهم كلفوا شهداء من غيرهم ممن تثبت بشهادته صحة ونهى عن اتباع الأهواء المضلة واعتقاد المذاهب بالهوى يكون من وجوه أحدها هوى من سيق إليه وقد يكون لشبهة حلت في نفسه مع زواجر عقله عنها ومنها هوى ترك الاستقصاء للمشقة ومنها هوى ما جرت به عادته لألفة له وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله* قوله تعالى( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) كانت العرب تدفن أولادها أحياء البنات منهن خوف الإملاق وهو الإفلاس ومنه حديث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك خشية أن تأكل معك وأن تزنى بحليلة جارك وهي الموؤدة التي ذكرها الله تعالى في قوله( وإذا الموؤدة سئلت بأى ذنب قتلت ) فنهاهم الله عن ذلك مع ذكر السبب الذي كانوا من أجله يقتلونهم وأخبر أنه رازقهم ورازق أولادهم* قوله تعالى( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) قال ابن عباس ما ظهر منها نكاح حلائل الأبناء والجمع بين الأختين ونحو ذلك وما بطن الزنا وقوله تعالى( ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ) قال أبو بكر روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ولما أراد أبو بكر قتال مانعي الزكاة قالوا له إن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلا إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر هذا من حقها لو منعونى عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لقتالهم عليه وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لا يحل دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس وهذا عندنا ممن يستحق القتل ويتقرر عليه حكمه وقد يجب قتل غير هؤلاء على وجه الدفع مثل قتل الخوارج ومن قصد قتل رجل وأخذ ماله فيجوز قتله على جهة المنع من ذلك لأنه لو كف عن ذلك لم يستحق القتل قوله
تعالى( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ) إنما خص اليتيم بالذكر فيما أمرنا به من ذلك لعجزه عن الإنتصار لنفسه ومنع غيره عن ماله ولما كانت الأطماع تقوى في أخذ ماله أكد النهى عن أخذ ماله بتخصيصه بالذكر وقوله تعالى( إلا بالتى هى أحسن ) يدل على أن من له ولاية على اليتيم يجوز له دفع مال اليتيم مضاربة وأن يعمل به هو مضاربة فيستحق ربحه إذا رأى ذلك أحسن وأن يبضع ويستأجر من يتصرف ويتجر في ماله وأن يشترى ماله من نفسه إذا كان خيرا لليتيم وهو أن يكون ما يعطى اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه منه وأجاز أبو حنيفة شراه مال اليتيم لنفسه إذا كان خيرا لليتيم بهذه الآية وقال تعالى( حتى يبلغ أشده ) ولم يشرط البلوغ فدل على أنه بعد البلوغ يجوز أن يحفظ عليه ماله إذا لم يكن مأنوس الرشد ولا يدفعه إليه ويدل على أنه إذا بلغ أشده لا يجوز له أن يفوت ماله سواء آنس منه الرشد أو لم يؤنس رشده بعد أن يكون عاقلا لأنه جعل بلوغ الأشد نهاية لإباحة قرب ماله ويدل على أن الوصي لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم فقيرا كان أو غنيا ولا يستقرض منه لأن ذلك ليس بأحسن ولا خيرا لليتيم وجعل أبو حنيفة بلوغ الأشد خمسا وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله ما لم يكن معتوها وذلك لأن طريق ذلك اجتهاد الرأى وغالب الظن فكان عنده أن هذا السن متى بلغها كان بالغا أشده وقد اختلف في بلوغ الأشد فقال عامر بن ربيعة وزيد بن أسلم وهو بلوغ الحلم وقال السدى هو ثلاثون سنة وقيل ثماني عشرة سنة وجعله أبو حنيفة خمسا وعشرين سنة على النحو الذي ذكرنا وقيل إن الأشد واحدها شد وهو قوة الشباب عند ارتفاعه وأصله من شد النهار وهو قوة الضياء عند ارتفاعه قال الشاعر :
تطيف به شد النهار ظعينة |
طويلة انقاء اليدين سحوق |
قوله تعالى( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ) فيه أمر بإيفاء الحقوق على الكمال ولما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل القليل علمنا أنه لم يكلفنا ذلك وإنما كلفنا الاجتهاد في التحري دون حقيقة الكيل والوزن وهذا أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام وأن كل مجتهد مصيب وإن كانت الحقيقة المطلوبة بالاجتهاد واحدة لأنا قد علمنا أن للمقدار المطلوب من الكيل حقيقة معلومة عند الله تعالى قد أمرنا بتحريها والاجتهاد فيها ولم يكلفنا إصابتها إذا لم يجعل لنا دليلا عليها فكان كل
ما أدانا إليه اجتهادنا من ذلك فهو الحكم الذي تعبدنا به وقد يجوز أن يكون ذلك قاصرا عن تلك الحقيقة أو زائدا عليها ولكنه لما لم يجعل لنا سبيلا إليها أسقط حكمها عنا ويدلك على أن تلك الحقيقة المطلوبة غير مدركة يقينا أنه قد يكال أو يوزن ثم يعاد عليه الكيل أو الوزن فيزيد أو ينقص لا سيما فيما كثر مقداره ولذلك قال الله تعالى( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) في هذا الموضوع يعنى أنه ليس عليه أكثر مما يتحراه باجتهاده وقد استدل عيسى بن أبان بأمر الكيل والوزن على حكم المجتهدين في الأحكام وشبهه به قوله تعالى( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) قد انتظم ذلك تحرى الصدق وعدل القول في الشهادات والأخبار والحكم بين الناس والتسوية بين القريب والبعيد فيه وهو نظير قوله تعالى( كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا ) وقد بينا حكم ذلك فيما تقدم في موضعه وقد انتظم قوله( وإذا قلتم فاعدلوا ) مصالح الدنيا والآخرة لأن من تحرى صدق القول في العدل فهو بتحرى العدل في الفعل أحرى ومن كان بهذه الصفة فقد حاز خير الدنيا والآخرة نسئل الله التوفيق لذلك قوله تعالى( وبعهد الله أوفوا ) عهد يشتمل على أوامره وزواجره كقوله تعالى( ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ) وقد يتناول المنذور وما يوجبه العبد على نفسه من القرب ألا ترى إلى قوله( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) قوله تعالى( وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ) الآية فإن المراد بالصراط الشريعة التي تعبد الله بها عباده والصراط هو الطريق وإنما قيل للشرع الطريق لأنه يؤدى إلى الثواب في الجنة فهو طريق إليها وإلى النعيم وأما السبيل الشيطان فطريق إلى النار أعاذنا الله منها وإنما جاز الأمر باتباع الشرع بما يشتمل عليه من الوجوب والنفل والمباح كما جاز الأمر باتباعه مع ما فيه من التحليل والتحريم وذلك اتباعه إنما هو اعتقاد صحته على ترتيبه من قبح المحظور ووجوب الفرض والرغبة في النفل واستباحة المباح والعمل بكل شيء من ذلك على حسب مقتضى الشرع له من إيجاب أو نفل أو إباحة قوله تعالى( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ) قيل في قوله( ثم ) إن معناه ثم قل آتينا موسى الكتاب تماما لأنه عطف على قوله( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) وقيل معناه وآتينا موسى الكتاب كقوله( ثم الله شهيد )
ومعناه والله شهيد وكقوله( ثم كان من الذين آمنوا ) ومعناه وكان من الذين آمنوا ويحتمل أن يكون صلة الكلام ويكون معناه ثم بعد ما ذكرت لكم أخبرتكم أنا آتينا موسى الكتاب ونحوه من الكلام قوله تعالى( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ) هو أمر باتباع الكتاب على حسب ما تضمنه من فرض أو نفل أو إباحة واعتقاد كل منه على مقتضاه* والبركة ثبوت الخير ونموه وتبارك الله صفة ثبات لا أول له ولا آخر هذا تعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى وحده لا شريك له قوله تعالى( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدى وابن جريج أراد بهما اليهود والنصارى وفي ذلك دليل على أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى وأن المجوس ليسوا أهل الكتاب لأنهم لو كانوا أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف وقد أخبر الله تعالى أنهم طائفتان* فإن قيل إنما حكى الله ذلك عن المشركين قيل له هذا احتجاج عليهم بأنه أنزل الكتاب عليكم لئلا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن وأبطل أن يحتجوا بأن الكتاب إنما أنزل على طائفتين من قبلنا ولم ينزل علينا* قوله تعالى( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك ) قيل في قوله تعالى( أو يأتى ربك ) أو يأتى أمر ربك بالعذاب ذكر ذلك عن الحسن وحذف كما حذف في قوله( إن الذين يؤذون الله ) ومعناه أولياء الله وقيل أو يأتى ربك بحلائل آياته وقيل تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم أو يأتى ربك أمر ربك يوم القيامة أو يأتى بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها وروى ذلك عن مجاهد وقتادة والسدى* قوله تعالى( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ) قال مجاهد هم اليهود لأنهم كانوا يمالئون عبدة الأوثان على المسلمين وقال قتادة اليهود والنصارى لأن بعض النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود وقال أبو هريرة أهل الضلال من هذه الأمة فهو تحذير من تفرق الكلمة ودعاء إلى الاجتماع والألفة على الدين وقال الحسن هم جميع المشركين لأنهم كلهم بهذه الصفة وأما دينهم فقد قيل الذي أمرهم الله به وجعله دينا لهم وقيل الدين الذي هم عليه لإكفار بعضهم لبعض لجهالة فيه وشيع الفرق الذين يمالئ بعضهم بعضا على أمر واحد مع اختلافهم في غيره وقيل أصله الظهور من قولهم شاع الخير إذا ظهر وقيل أصله الاتباع من قولك شايعه على المراد إذا اتبعه وقوله( لست
منهم في شىء ) المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة وليس كذلك بعضهم على بعض لأنهم يجتمعون في معنى من الباطل وإن افترقوا في غيره فليس منهم في شيء لأنه برىء من جميعه قوله تعالى( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) الحسنة اسم للأعلى في الحسن لأن الهاء دخلت للمبالغة فتدخل الفروض والنوافل ولا يدخل المباح وإن كان حسنا لأن المباح لا يستحق عليه حمد ولا ثواب ولذلك رغب الله في الحسنة وكانت طاعة وكذلك الإحسان يستحق عليه الحمد فأما الحسن فإنه يدخل فيه المباح لأن كل مباح حسن ولكنه لا ثواب فيه فإذا دخلت عليه الهاء صارت اسما لا على الحسن وهي الطاعات قوله تعالى( فله عشر أمثالها ) معناه في النعيم واللذة ولم يرد به أمثالها في عظم المنزلة وذلك لأن منزلة التعظيم لا يجوز أن يبلغها إلا بالطاعة وهذه المضاعفة إنما هي بفضل الله غير مستحق عليها كما قال تعالى( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) وغير جائز أن تساوى منزلة التفضيل منزلة الثواب في التعظيم لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يبتدئهم بها في الجنة من غير عمل ولجاز أن يساوى بين المنعم بأعظم النعم وبين من لم ينعم قوله تعالى( قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ) قوله( دينا قيما ) يعنى مستقيما ووصفه بأنه ملة إبراهيم والحنيف المخلص لعبادة الله تعالى يروى ذلك عن الحسن وقيل أصله الميل من قولهم رجل أحنف إذا كان مائل القدم بإقبال كل واحدة منهما على الأخرى خلقة لا من عارض فسمى المائل إلى الإسلام حنيفا لأنه لا رجوع معه وقيل أصله الاستقامة وإنما جاء أحنف للمائل القدم على التفاؤل كما قيل للديغ سليم وفي ذلك دليل على أن ما لم ينسخ من ملة إبراهيم عليه السلام فقد صارت شريعة لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم لأخباره بأن دينه ملة إبراهيم قوله تعالى( قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ) قال سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدى نسكي ديني في الحج والعمرة وقال الحسن نسكي ديني وقال غيرهم عبادتي إلا أن الأغلب عليه هو الذبح الذي يتقرب به إلى الله تعالى وقولهم فلان ناسك معناه عابد لله وقد روى عبد الله بن أبى رافع عن على قال كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا افتتح الصلاة قال وجهت وجهى للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين إلى قوله من المسلمين وروى أبو سعيد
الخدري وعائشة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه وقال سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك أسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك والأول كان يقوله عند قبل أن ينزل( وسبح بحمد ربك حين تقوم ) فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة ترك الأول وهذا قول أبى حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يجمع بينهما لأنهما قد روى جميعا قوله تعالى( إن صلاتى ) يجوز أن يريد بها صلاة العيد ونسكي الأضحية لأنها تسمى نسكا وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى فهي نسك قال الله تعالى( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم النسك شاة وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في يوم النحر إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فسمى الصلاة والذبح جميعا نسكا ولما قرن النسك إلى الصلاة دل على أن المراد صلاة العيد والأضحية وهذا يدل على وجوب الأضحية لقوله تعالى( وبذلك أمرت ) والأمر يقتضى الوجوب قوله تعالى( وأنا أول المسلمين ) قال الحسن وقتادة أول المسلمين من هذه الأمة قوله عز وجل( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) يحتج به في امتناع جواز تصرف أحد على غيره إلا ما قامت دلالته لإخبار الله تعالى أن أحكام أفعال كل نفس متعلقة بها دون غيرها فيحتج بعمومه في امتناع جواز تزويج البكر الكبيرة بغير إذنها وفي بطلان الحجر على امتناع جواز بيع أملاكه عليه وفي جواز تصرف البالغ العاقل على نفسه وإن كان سفيها لإخبار الله تعالى باكتساب كل نفس على نفسه وفي نظائرها ذلك من المسائل* وقوله تعالى( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) إخبار بأن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره وأنه لا يعذب الأبناء بذنب الآباء وقد احتجت عائشة في رد قول من تأول ما روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقالت قال الله تعالى( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وإنما مر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بيهودي يبكى عليه فقال إنه ليعذب وهم يبكون عليه وقد بينا وجه ذلك في غير هذا الموضع وقيل أن أصله الوزر والملجأ من قوله( كلا لا وزر ) ولكنه جرى في الأغلب على الإثم وشبه بمن التجأ إلى غير ملجأ ويقال وزر يزر ووزر يوزر ووزر يوزر فهو موزور وكله بمعنى الإثم والوزير بمعنى الملجأ لأن الملك يلجأ إليه في الأمور والله أعلم بالصواب.
(سوره اعراف)
قوله تعالى( فلا يكن في صدرك حرج منه ) مخرجه مخرج النهى ومعناه نهى المخاطب عن التعرض للحرج وروى عن الحسن في الحرج أنه الضيق وذلك أصله ومعناه فلا يضيق صدرك خوفا أن لا تقوم بحقة فإنما عليك الإنذار به وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدى الحرج هنا الشك يعنى لا تشك في لزوم الإنذار به وقيل معناه لا يضيق صدرك بتكذيبهم إياك كقوله تعالى( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) قوله تعالى( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) هو أن يكون تصرفه مقصورا على مراد أمره وهو نظير الائتمام وهو أن يأتم به في اتباع مراده وفي فعله غير خارج عن تدبيره فإن قيل هل يكون فاعل المباح متبعا لأمر الله عز وجل قيل له قد يكون متبعا إذا قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا منه وأما فاعل الواجب فإنه قد يكون الاتباع في وجهين أحدهما اعتقاد وجوبه والثاني إيقاع فعله على الوجه المأمور به ضارع المباح الواجب في الاعتقاد إذ كان على كل واحد منهما وجوب الاعتقاد بحكم الشيء على ترتيبه ونظامه في إباحة أو إيجاب جاز أن يشتمل قوله( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) على المباح الواجب وقوله( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) دليل على وجوب اتباع القرآن في كل حال وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار الآحاد لأن الأمر باتباعه قد ثبت بنص التنزيل وقبول خبر الواحد غير ثابت بنص التنزيل فغير جائز تركه لأن لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم وخبر الواحد يوجب العمل فلا يجوز تركه ولا الاعتراض به عليه وهذا يدل على صحة قول أصحابنا في أن قول من خالف القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال ما جاءكم منى فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عنى وما خالف كتاب الله فليس عنى فهذا عندنا فيما كان وروده من طريق الآحاد فأما ما ثبت من طريق التواتر فجائز تخصيص القرآن به وكذلك نسخه قوله( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فما تيقنا أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قاله فإنه في إيجاب الحكم بمنزلة القرآن فجاز تخصيص بعضه ببعض وكذلك نسخه قوله تعالى( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا
لآدم ) روى عن الحسن خلقناكم ثم صورناكم يعنى به آدم لأنه قال( ثم قلنا للملائكة ) وإنما قال ذلك بعد خلق آدم وتصويره وذلك كقوله تعالى( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) أى ميثاق آبائكم ورفعنا فوقهم الطور نحو قوله تعالى( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) والمخاطبون بذلك في زمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يقتلوا الأنبياء وقيل( ثم ) راجع إلى صلة المخاطبة كأنه قال ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة وحكى عن الأخفش( ثم ) هاهنا بمعنى الواو وذكر الزجاج أن ذلك خطأ عند النحويين قال أبو بكر ونظيره قوله تعالى( ثم الله شهيد على ما يفعلون ) ومعناه والله شهيد قوله تعالى( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) يدل على أن الأمر يقتضى الوجوب بنفس وروده غير محتاج إلى قرينة في إيجاب لأنه علق الذم بتركه الأمر المطلق وقيل في قوله تعالى( ألا تسجد ) أن لا هاهنا صلة مؤكدة وقيل إن معناه ما دعاك إلى أن لا تسجد وما أحوجك وقيل في السجود لآدم وجهان أحدهما التكرمة لأن الله قد امتن به على عباده وذكره بالنعمة فيه والثاني أنه كان قبلة لهم كالكعبة* قوله تعالى( فبما أغويتنى ) قيل فيه خيبتني كقول الشاعر :
ومن يغو لا يعدم من الغي لائما
يعنى من يحب وحكى لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابى قال يقال غوى الرجل يغوى غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه ومنه قوله تعالى( وعصى آدم ربه فغوى ) أى فسد عليه عيشه في الجنة قال ويقال غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه وقيل في أغويتنى أى حكمت بغوايتي كقولك أضللتنى أى حكمت بضلالتى وقيل أغويتنى أى أهلكتنى فهذه الوجوه الثلاث محتملة في إبليس وقوله تعالى( وعصى آدم ربه فغوى ) ويحتمل فساد أمره في الجنة وهو يرجع إلى معنى الخيبة ولا يحتمل هلاك ولا الحكم بالغواية التي هي ضلال لأن أنبياء الله لا يجوز ذلك عليهم قوله تعالى( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) روى عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة والحكم والسدى( من بين أيديهم ومن خلفهم ) من قبل دنياهم وآخرتهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم وقال مجاهد من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون وقيل من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم ولم يقل من فوقهم قال ابن عباس لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم ولم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه ممتنع إذا أريد به
الحقيقة قوله تعالى( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) قرن قربهما الشجرة إلا أنه معلوم شرط الذكر فيه وتعمد الأكل مع العلم به لأنه لا يؤاخذ بالنسيان والخطأ فيما لم يقم عليه دليل قاطع ولم يكن أكلهما للشجرة معصية كبيرة بل كانت صغيرة من وجهين أحدهما أنهما نسيا الوعيد وظنا أنه نهى استحباب لا إيجاب ولهذا قال( فنسى ولم نجد له عزما ) والثاني أنه أشير لهما إلى شجرة بعينها وظنا المراد العين وكان المراد الجنس كقوله صلّى الله عليه وآله وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال هذان مهلكا أمتى وإنما أراد الجنس لا العين دون غيرها قوله تعالى( يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ولباس التقوى ) هذا خطاب عام لسائر المكلفين من الآدميين كما كان قوله تعالى( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) خطابا لمن كان في عصر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ومن جاء بعده من المكلفين من أهل سائر الأعصار إلا أنا لمن كان غير موجود على شرط الوجود وبلوغ كمال العقل وقوله تعالى( قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم ) وقوله تعالى( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) يدل على فرض ستر العورة لإخباره أنه أنزل علينا لباسا لنوارى سوآتنا به وإنما قال( أنزلنا ) لأن اللباس يكون من نبات الأرض أو من جلود الحيوان وأصوافها وقوام جميعها بالمطر النازل من السماء وقيل إنه وصفه بالإنزال لأن البركات تنسب إلى أنها تأتى من السماء كما قال تعالى( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) وقوله( ريشا ) قيل إنه الأثاث من متاع البيت نحو الفرش والدثار وقيل الريش ما فيه الجمال ومنه ريش الطائر وقوله( ولباس التقوى ) قيل فيه إنه العمل الصالح عن ابن عباس وسماه لباسا لأنه بقي العقاب كما بقي اللباس من الثياب الحر والبرد وقال قتادة والسدى هو الإيمان وقال الحسن هو الحياء الذي يكسبهم التقوى وقال بعض أهل العلم هو لباس الصوف والخشن من التي تلبس للتواضع والنسك في العبادة وقد اتفقت الأمة على معنى ما دلت عليه الآية من لزوم فرض ستر العورة ووردت به الآثار عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم منها حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله عورتنا ما نأتى منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا رسول الله فإذا كان أحدنا خاليا قال فإن الله أحق أن يستحيا منه وروى أبو سعيد الخدري عنه عليه السلام أنه قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة وقد روى
عنه صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال ملعون من نظر إلى سوأة أخيه قال الله تعالى( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ـوقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) يعنى عن العورات إذ لا خلاف في جواز النظر إلى غير العورة قال الله تعالى( يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) قيل في الفتنة أنها المحنة بالدعاء إلى المعصية من جهة الشهوة أو الشبهة والخطاب توجه إلى الإنسان بالنهى عن فتنة الشيطان وإنما معناه التحذير من فتنة الشيطان وإلزام التحرز منه وقوله تعالى( كما أخرج أبويكم من الجنة ) فأضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان فإنه أغواهما حتى فعلا ما استحقا به الإخراج منها كقوله تعالى حاكيا عن فرعون( يذبح أبناءهم ) وإنما أمر به ولم يتوله بنفسه وعلى هذا المعنى أضاف نزع لباسهما عبده وهو ممن لا يتولى الضرب بنفسه أنه إن أمر به غيره ففعله حنث وكذلك إذا حلف لا يبنى داره فأمر غيره فبناها* وقيل في اللباس الذي كان عليهما أنه كان ثياب من ثياب الجنة وقال ابن عباس كان لباسهما الظفر وقال وهب بن منبه كان لباسهما نورا* قوله تعالى( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) روى عن مجاهد والسدى توجهوا إلى قبلة كل مسجد في صلاة على استقامة وقال الربيع بن أنس توجهوا بالإخلاص لله تعالى لا لوثن ولا غيره قال أبو بكر قد حوى ذلك معنيين أحدهما التوجه إلى القبلة المأمور بها على استقامة غير عادل عنها والثاني فعل الصلاة في المسجد وذلك يدل على وجوب فعل المكتوبات في جماعة لأن المساجد مبنية للجماعة وقد روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أخبار في وعيد تارك الصلاة في جماعة وأخبار أخر في الترغيب فيما فمها روى ما يقتضى النهى عن تركها قوله صلّى الله عليه وآله وسلم من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له وقوله لابن أم مكتوم حين قال له إن منزلي شاسع فقال هل تسمع النداء فقال نعم فقال لا أجد لك عذرا وقوله لقد هممت أن آمر رجلا يصلى بالناس ثم آمر بحطب فيحرق على المتخلفين عن الجماعة بيوتهم في أخبار نحوها ومما روى من الترغيب أن صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة وأن الملائكة ليصلون على الذين يصلون في الصف المقدم وقوله بشر المشائين في ظلام الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول هو عندي فرض على الكفاية كغسل الموتى ودفنهم والصلاة عليهم متى
قام بها بعضهم سقط عن الباقين قوله تعالى( يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) قال أبو بكر هذه الآية تدل على فرض ستر العورة في الصلاة وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد هي فرض في الصلاة إن تركه مع الإمكان فسدت صلاته وهو قول الشافعى وقال مالك والليث الصلاة مجزية مع كشف العورة ويوجبان الإعادة في الوقت والإعادة في الوقت عندهما استحباب ودلالة هذه الآية على فرض ستر العورة في الصلاة من وجوه أحدها أنه لما قال( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) فعلق الأمر بالمسجد علمنا أن المراد الستر للصلاة لو لا ذلك لم يكن لذكر المسجد فائدة فصار تقديرها خذوا زينتكم في الصلاة ولو كان المراد سترها عن الناس لما خص المسجد بالذكر إذ كان الناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد فأفاد بذكر المسجد وجوبه في الصلاة إذا كانت المساجد مخصوصة بالصلاة وأيضا لما أوجبه في المسجد وجب بظاهر الآية فرض الستر في الصلاة إذا فعلها في المسجد وإذا وجب في الصلاة المفعولة في المسجد وجب في غيرها من الصلوات حيث فعلت لأن أحدا لم يفرق بينهما وأيضا فإن المسجد يجوز أن يكون عبارة عن السجود نفسه كما قال الله تعالى( وأن المساجد لله ) والمراد السجود وإذا كان كذلك اقتضت الآية لزوم الستر عند السجود وإذا لزم ذلك في السجود لزم في سائر أفعال الصلاة إذا لم يفرق أحد بينهما روى عن ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وطاوس والزهري أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة فأنزل الله تعالى( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) قال أبو بكر وقيل إنهم إنما كانوا يطوفون بالبيت عراة لأن الثياب قد دنستها المعاصي في زعمهم فيتجردون منها وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك تفاؤلا بالتعري من الذنوب وقال بعض من يحتج لمالك بن أنس أن هؤلاء السلف لما ذكروا سبب نزول الآية وهو طواف العريان وجب أن يكون حكمها مقصورا عليه وليس هذا عندنا كذلك لأن نزول الآية عندنا على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه لأن الحكم عندنا لعموم اللفظ لا للسبب وعلى أنه لو كان كما ذكر لا يمنع ذلك وجوبه في الصلاة لأنه إذا وجب الستر في الطواف فهو في الصلاة وجب إذ لم يفرق أحد بينهما فإن قال قائل فينبغي أن لا يمنع ترك الستر صحة الصلاة كما لم يمنع صحة الطواف الذي فيه نزلت الآية وإن وقع ناقصا قيل له ظاهره يقتضى بطلان
الجميع عند عدم الستر ولكن الدلالة قد قامت على جواز الطواف مع النهى كما لا يجوز الإحرام مع الستر وإن كان منهيا عنه ولم تقم الدلالة على جواز الصلاة عريانا ولأن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها مثل الطهارة واستقبال القبلة وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده لأنه لو ترك الإحرام في الوقت ثم أحرم صح إحرامه وكذلك لو أحرم وهو مجامع لامرأته وقع إحرامه فصار الإحرام آكد في بقائه من الصلاة والطواف من موجبات الإحرام فوجب أن لا يفسده ترك الستر ولا يمنع وقوعه ويدل على أن حكم الآية غير مقصور على الطواف وأن المراد بها الصلاة قوله تعالى( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) والطواف مخصوص بمسجد واحد ولا يفعل في غيره فدل على أن مراده الصلاة التي تصح في كل مسجد ويدل عليه من جهة السنة حديث أبى الزناد عن الأعراج عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال لا يصل أحدكم في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء وروى محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار فنفى قبولها لمن بلغت الحيض فصلتها مكشوفة الرأس كما نفى قبولها مع عدم الطهارة بقوله صلّى الله عليه وآله وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور فثبت بذلك أن ستر العورة من فروضها وأيضا قد اتفق الجميع على أنه مأمور بستر العورة في الصلاة ولذلك يأمره مخالفنا بإعادتها في الوقت فإذا كان مأمورا بالستر ومنهيا عن تركه وجب أن يكون من فروض الصلاة من وجهين أحدهما أن هذا الحكم مأخوذ عن الآية وأن الآية قد أريد بها الستر في الصلاة والثاني أن النهى يقتضى فساد الفعل إلا أن تقوم الدلالة على الجواز فإن قال قائل لو كان الستر من فروض الصلاة لما جازت الصلاة مع عدمه عند الضرورة إلا ببدل يقوم مقامه مثل الطهارة فلما جازت صلاة العريان إذا لم يجد ثوبا من غير بدل عن الستر دل على أنه ليس من فرضه قيل له هذا سؤال ساقط لاتفاق الجميع على جواز صلاة الأمى والأخرس مع عدم القراءة من غير بدل عنها ولم يخرجها ذلك من أن يكون فرضا وزعم بعض من يحتج لمالك أنه لو كان الثوب من عمل الصلاة ومن فرضها لوجب على الإنسان أن ينوى بلبس الثوب أنه للصلاة كما ينوى بالافتتاح أنه لتلك الصلاة وهذا كلام واه جدا فاسد العبارة مع ضعف المعنى وذلك لأن الثوب لا يكون من عمل الصلاة ولا من فروضها ولكن ستر العورة من شروطها التي
لا تصح إلا به كالطهارة كما أن استقبال القبلة من شروطها ولا يحتاج الاستقبال إلى نية والطهارة من شروطها ولا تحتاج عندنا إلى نية والقيام في حال الافتتاح من فروضها لمن قدر عليه ولا يحتاج إلى نية والقيام والقراءة والركوع والسجود بعد الافتتاح من فروضها ولا يحتاج لشيء من ذلك إلى نية فإن قيل لأن نية الصلاة قد أغنت عن تجديد النية لهذه الأفعال قيل له وكذلك نية الصلاة قد أغنت عن تجديد نية للستر وقوله تعالى( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) يدل على أنه مندوب في حضور المسجد إلى أخذ ثوب نظيف مما يتزين به وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال ندب إلى ذلك في الجمع والأعياد كما أمر بالاغتسال للعيدين والجمعة وأن يمس من طيب أهله وقوله تعالى( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) الآية ظاهره يوجب الأكل والشرب من غير إسراف وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال والإيجاب في بعضها فالحال التي يجب فيها الأكل والشرب هي الحال التي يخاف أن يلحقه ضرر بكون ترك الأكل والشرب يتلف نفسه أو بعض أعضائه أو يضعفه عن أداء الواجبات فواجب عليه في هذه الحال أن يأكل ما يزول معه خوف الضرر والحال التي هما مباحان فيها هي الحال التي لا يخاف ضررا فيها بتركها* وظاهره يقتضى جواز أكل سائر المأكولات وشرب سائر الأشربة مما لا يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيهما والإسراف هو مجاوزة حد الاستواء فتارة يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام وتارة يكون بمجاوزة الحد في الإنفاق فيكون ممن قال الله تعالى( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) والإسراف وضده من الإقتار مذمومان والإستواء هو التوسط ولذلك قيل دين الله بين المقصور والغالي قال الله تعالى( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) وقد يكون الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى يؤديه إلى الضرر فذلك محرم أيضا قوله تعالى( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) روى عن الحسن وقتادة إن العرب كانت تحرم السوائب والبحائر فأنزل الله تعالى ذلك وقال السدى وكانوا يحرمون في الإحرام أكل السمن والأدهان فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا لقومهم وفيه تأكيد لما قدم إباحته في قوله( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) الآية
( والطيبات من الرزق ) قيل فيه وجهان أحدهما ما استطابه الإنسان واستلذه من المأكول والمشروب وهو يقتضى إباحة سائر المأكول والمشروب إلا ما قامت دلالة تحريمه والثاني الحلال من الرزق قوله تعالى( قل هى للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) يعنى أن الله تعالى أباحها وهي خالصة يوم القيامة لهم من شوائب التنغيص والتكدير وقيل هي خالصة لهم دون المشركين وقوله تعالى( قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق ) قال مجاهد الفواحش الزنا وهو الذي بطن والتعري في الطواف وهو الذي ظهر وقيل القبائح كلها فواحش أجمل ذكرها بديا ثم فصل وجوهها فذكر أن منها الإثم والبغي والإشراك بالله والبغي هو طلب الترأس على الناس بالقهر والاستطالة عليهم بغير حق وقوله( والإثم ) مع وصفه الخمر والميسر بأن فيهما إثم وقوله تعالى( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) يقتضى تحريم الخمر والميسر أيضا قوله تعالى( أدعوا ربكم تضرعا وخفية ) فيه الأمر بالإخفاء للدعاء قال الحسن في هذه الآية علمكم كيف تدعون ربكم وقال لعبد صالح رضى دعاءه( إذ نادى ربه نداء خفيا ) وروى مبارك عن الحسن قال كانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع إلا همسا وروى أبو موسى الأشعرى قال كنا عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فسمعهم يرفعون أصواتهم فقال يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وروى سعد بن مالك أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال خير الذكر الخفى وخير الرزق ما يكفى وروى بكر بن خنيس عن ضرار عن أنس قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عمل البر كله نصف العبادة والدعاء نصف العبادة وروى سالم عن أبيه عن عمر قال كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه قال أبو بكر في هذه الآية وما ذكرنا من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره لأن الخفية هي البر روى ذلك عن ابن عباس والحسن وفي ذلك دليل على أن إخفاء آمين بعد قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره لأنه دعاء والدليل عليه ما روى في تأويل قوله تعالى( قد أجيبت دعوتكما ) قال كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين وقال بعض أهل العلم إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه لا يشوبه رياء وأما التضرع فإنه قد قيل أنه الميل في الجهات يقال ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا مال بإصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلا قال ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل إليه
والمضارعة المشابهة لأنها تميل إلى شبه نحو المقاربة وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو ويشير بالسبابة وقال ابن عباس لقد رؤي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عشية عرفة رافعا يديه يدعو حتى أنه ليرى ما تحت إبطيه وقال أنس رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم استسقى فمد يديه حتى رأيت بياض إبطيه وفيما روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من رفع اليدين في الدعاء والإشارة بالسبابة دليل على صحة تأويل من تأول التضرع على تحويل الإصبع يمينا وشمالا قوله تعالى( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) قال أبو بكر إنما قال تعالى( فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) لأنه لما قال( ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) جاز أن يسبق إلى وهم بعض السامعين أنه كان عشرين ليلة ثم أتمها بعشر فصار ثلاثين ليلة فأزال هذا التوهم والتجوز وأخبر أنه أتم الثلاثين بعشر غيرها زيادة عليها قوله تعالى( قال رب أرنى أنظر إليك ) قيل إنه سأل الرؤية على جهة استخراج الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ويدل عليه قوله تعالى( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) وقيل أنه سأله الرؤية التي هي علم الضرورة فبين الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا* فإن قيل فلم جاز أن يسئل الرؤية وهي غير جائزة على الله تعالى وهل يجوز* على هذا أن يسئله مالا يجوز على الله تعالى من الظلم* قيل له لأنه لا شبهة في فعله الظلم أنه صفة نقص وذم فلا يجوز سؤال مثله وكذلك ما فيه شبهة ولا يظهر حكمه إلا بالدلالة وهذا إن كان سأل الرؤية من غير تشبيه على ما روى عن الحسن والربيع بن أنس والسدى وإن كان إنما سأل الرؤية التي هي علم الضرورة أو استخراج الجواب لقومه فهذا السؤال ساقط وقيل إن توبة موسى إنما كانت من التقدم بالمسألة قبل الإذن فيها ويحتمل يكون ذكر التوبة على وجه التسبيح على ما جرت عادة المسلمين بمثله عند ظهور دلائل الآيات الداعية إلى التعظيم* قوله تعالى( فلما تجلى ربه للجبل ) فإن التجلي على وجهين ظهور بالروية أو الدلالة والرؤية مستحيلة في الله تعالى فهو ظهور آياته التي أحدثها لحاضري الجبل وقيل إنه أبرز من ملكوته للجبل ما يدكدك به لأن في حكمه تعالى أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السماء كما روى أنه أبرز قدر الخنصر من العرش * وقوله تعالى( وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ) قيل بأحسن ما كتب فيه وهو الفرائض والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب وكذلك قوله( فبشر عباد
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) وقال بعض أهل العلم أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه وقد قيل إن هذا لا يجوز لأن فعل المنسوخ المنهي عنه قبيح فلا يقال الحسن أحسن من القبيح* قوله تعالى( سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الأرض ) قيل معناه عن آياتي من العز والكرامة بالدلالة التي تكسب الرفعة في الدنيا والآخرة ويحتمل صرفهم عن الاعتراض على آياتي بالإبطال أو بالمنع من الإظهار للناس ولا يجوز أن يكون معناه سأصرف عن الإيمان بآياتى لأنه لا يجوز أن يأمر بالإيمان ثم يمنع منه إذ كان ذلك سفها وعبثا* قوله تعالى( أعجلتم أمر ربكم ) قد قيل أن العجلة التقدم بالشيء قبل وقته وسرعة عمله في أول أوقاته ولذلك صارت العجلة مذمومة وقد يكون تعجيل الشيء في وقته كما روى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان يجعل الظهر في الشتاء ويبرد بها في الصيف * وقوله تعالى( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) كان على وجه المعاتبة لا على وجه الإهانة ولأن مثل هذه الأفعال تختلف أحكامها بالعادة فلم تكن للعادة حينئذ فعله على وجه الإهانة وقيل إنه بمنزلة قبض الرجل منا عند غضبه على لحيته وعضه على شفته وإبهامه قوله تعالى( فخلف من بعدهم خلف ) قيل إن الأغلب في خلف بتسكين اللام أنه للذم وقال لبيد :
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وقد جاء بالتسكين في المدح ايضا قال حسان :
لنا القدم العليا إليك وخلفنا |
لا ولنا في طاعة الله تابع |
قوله تعالى( يأخذون عرض هذا الأدنى ) قيل إن العرض ما يقل لبثه يقال عرض هذا الأمر فهو عارض خلاف اللازم قال تعالى( هذا عارض ممطرنا ) يعنى السحاب لقلة لبثه وروى في قوله( عرض هذا الأدنى ) أن معناه الرشوة على الحكم قوله تعالى( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) قال مجاهد وقتادة والسدى أهل إصرار على الذنوب وقال الحسن معناه أنه لا يشبعهم شيء قوله تعالى( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ) قيل إنه أخرج الذرية قرنا بعد قرن وأشهدهم على أنفسهم بما جعل في عقولهم وفطرهم من المنازعة لكي تقتضي الإقرار بالربوبية حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم ألست بربكم قالوا بلى وقيل إنه قال لهم ألست بربكم على لسان بعض
أنبيائه قوله تعالى( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) هذه لام العاقبة كقوله تعالى( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) ولم يكن غرضهم ذلك في التقاطه ولكنه لما كان ذلك عاقبة أمره أطلق ذلك فيهم ومنه قول الشاعر :
لدوا للموت وابنوا للخراب
وقال أيضا :
وأم سماك فلا تجزعي |
فللموت ما غذت الوالده |
قوله تعالى( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء ) فيه حث على النظر والاستدلال والتفكر في خلق الله وصنعه وتدبيره فإنه يدل عليه وعلى حكمته ووجوده وعدله وأخبر أن في جميع ما خلقه دليلا عليه وداع إليه وحذرهم التفريط بترك النظر إلى وقت حلول الموت وفوات ما كان يمكنه الاستدلال به على معرفة الله تعالى وتوحيده وذلك قوله تعالى( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون ) قوله تعالى( يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ) الآية قوله( أيان مرساها ) قال قتادة والسدى قيامها وأيان بمعنى متى وهو سؤال عن الزمان على وجهه الظرف للفعل فلم يخبرهم الله تعالى عن وقتها ليكون العباد على حذر منه فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية* والمرسى مستقر الشيء الثقيل ومنه الجبال الراسيات يعنى الثابتات ورسيت السفينة إذا ثبتت في مستقرها وأرساها غيرها أثبتها قال ابن عباس كان السائلون عن الساعة قوم من اليهود وقال الحسن وقتادة سألت عنها قريش قوله تعالى( لا تأتيكم إلا بغتة ) قال قتادة غفلة وذلك أشدها* وقوله تعالى( ثقلت في السماوات والأرض ) قال السدى وغيره ثقل علمها على أهل السموات والأرض فلم يطيقوه إدراكا له وقال الحسن عظم وصفها على أهل السموات والأرض من انتثار النجوم وتكوير السموات وتسيير الجبال وقال قتادة ثقلت على السموات فلا تطيقها لعظمها* وقوله تعالى( يسئلونك كأنك حفى عنها ) قال مجاهد والضحاك ومعمر كأنك عالم بها وعن ابن عباس والحسن وقتادة والسدى يسئلونك عنها كأنك حفى بهم على التقديم والتأخير أى كأنك لطيف ببرك إياهم من قوله( إنه كان بى حفيا ) ويقال إن أصل الحفا الإلحاح في الأمر يقال أحفى فلان فلانا إذا ألح في الطلب منه أحفى
السؤال إذا ألح فيه ومنه أحفى الشارب إذا استأصله واستقصى في أخذه ومنه الحفا وهو أن يستحج قدمه لإلحاح المشي بغير نعل والحفي اللطيف ببرك لإلحاحه بالبرلك وحفى عنها بمعنى عالم بها لإلحاحه بطلب علمها* وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من يدعى العلم ببقاء مدة الدنيا ويستدل بما روى أن الدنيا سبعة آلاف سنة وأن الباقي منها من وقت مبعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم خمس مائة لأنه لو كان كذلك لكان وقت قيام الساعة معلوما وقد أخبر الله تعالى أن علمها عنده وأنه لا يجليها لوقتها إلا هو وأنها تأتى بغتة لم يتقدم لهم علم بها قبل كونها لأن ذلك معنى البغتة وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أخبار في بقاء مدة الدنيا وليس فيها تحديد للوقت مثل قوله بعثت والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى ونحو قوله فيما رواه شعبة وغيره عن على بن زيد عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم خطبة بعد العصر إلى مغيب الشمس قال إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذه الشمس إلى أن تغيب وما روى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ونحوها من الأخبار ليس فيها تحديد وقت قيام الساعة وإنما فيه تقريب الوقت وقد روى في تأويل قوله تعالى( فقد جاء أشراطها ) أن مبعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من أشراطها وقال الله تعالى( قل إنما علمها عند ربى ) ثم قال( قل إنما علمها عند الله ) فإنه قيل أنه أراد فالأول علم وقتها وبالآخر علم كنهها* قوله تعالى( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) قيل فيه جعل من كل نفس زوجها كأنه قال جعل من النفس زوجها ويريد به الجنس وأضمر ذلك وقيل من آدم وحواء* قوله تعالى( لئن آتيتنا صالحا ) قال الحسن غلاما سويا* وقال ابن عباس بشرا سويا لأنهما يشفقان أن يكون بهيمة* وقوله تعالى( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال الحسن وقتادة الضمير في جعلا عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم لا إلى آدم وحواء وقال غيرهما راجع إلى الولد الصالح بمعنى أنه كان معا في بدنه وذلك صلاح في خلقه لا في دينه ورد الضمير إلى اثنين لأن حواء كانت تلد في بطن واحد ذكرا وأنثى* قوله تعالى( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ) عنى بالدعاء ال. ول تسميتهم الأصنام آلهة والدعاء الثاني طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم وذلك مأيوس منهم وقوله( عباد أمثالكم ) قيل إنما سماها عبادا لأنها
مملوكة لله تعالى وقيل لأنهم توهموا أنها تضر وتنفع فأخبر أنه ليس يخرج بذلك عن حكم العباد الخلوقين وقال الحسن إن الذين يدعون هذه الأوثان مخلوقة أمثالكم قوله تعالى( ألهم أرجل يمشون بها ) تقريع لهم على عبادتهم من هذه صفته إذ لا شبهة على أحد في الناس أن من اتبع من هذه صفته فهو ألوم ممن عبد من له جارحة يمكن أن ينفع بها أو يضر وقيل إنه قدرهم أنهم أفضل منها لأن لهم جوارح يتصرفون بها والأصنام لا تصرف لها فكيف يعبدون من هم أفضل منه والعجب من أنفتهم من اتباع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مع ما أيده الله به من الآيات المعجزة والدلائل الباهرة لأنه بشر مثلهم ولم يأنفوا من عبادة حجر لا قدرة له ولا تصرف وهم أفضل منه في القدرة على النفع والضر والحياة والعلم* قوله تعالى( خذ العفو وأمر بالعرف ) روى هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زبير في قوله عز وجل( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) قال والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة الخلق الحسن وروى عطاء عن ابن عمر أنه قال سئل رجل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أى المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا * وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد بن محمد الأعرابى قالا حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق وروى عن الحسن ومجاهد قال أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بأن يقبل العفو من أخلاق الناس والعفو هو التسهيل والتيسير فالمعنى استعمال العفو وقبول ما سهل من أخلاق الناس وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات وقبول العذر ونحوه* وروى ابن عباس في قوله تعالى( خذ العفو ) قال العفو من الأموال قبل أن ينزل فرض الزكاة وكذلك روى عن الضحاك والسدى وقيل إن أصل العفو الترك ومنه قوله تعالى( فمن عفى له من أخيه شىء ) يعنى ترك له والعفو عن الذنب ترك العقوبة عليه وقوله تعالى( وأمر بالعرف ) قال قتادة وعروة العرف المعروف وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا سهل ابن بكار قال حدثنا عبد السلام بن الخليل عن عبيد الهجيمي قال قال أبو جرى جابر ابن سليم ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة فطلبته فأنخت قعودي بباب المسجد فإذا هو
جالس عليه برد من صوف فيه طرائق فقلت السلام عليك يا رسول الله وقال وعليك السلام قلت إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال أدن ثلاثا فدنوت فقال أعد على فأعدت قال اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من فضل دلوك في إناء المستسقى وإن امرؤ سبك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى قال أبو جرى فو الذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا بعيرا* والمعروف هو ما حسن في العقل فعله ولم يكن منكرا عند ذوى العقول* الصحيحة* قوله تعالى( وأعرض عن الجاهلين ) أمر بترك مقابلة الجهالة والسفهاء على سفههم وصيانة النفس عنهم وهذا والله أعلم يشبه أن يكون قبل الأمر بالقتال لأن الفرض كان حينئذ على الرسول إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم وهو مثل قوله( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) وأما بعد الأمر بالقتال فقد تقرر أمر المبطلين والمفسدين على وجوه معلومة من إنكار فعلهم تارة بالسيف وتارة بالسوط وتارة بالإهانة والحبس* قوله تعالى( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) قيل في نزغ الشيطان أنه الإغواء بالوسوسة وأكثر ما يكون عند الغضب وقيل إن أصله الإزعاج بالحركة إلى الشر ويقال هذه نزغة من الشيطان للخصلة الداعية إليه فلما علم الله تعالى نزغ الشيطان إيانا إلى الشر علمنا كيف الخلاص من كيده وشره بالفزع إليه والاستعاذة به من نزغ الشيطان وكيده وبين بالآية التي بعدها أنه متى لجأ العبد إلى الله واستعاذ من نزغ الشيطان حرسه منه وقوى بصيرته بقوله( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) قال ابن عباس الطيف هو النزغ وقال غيره الوسوسة وهما متقاربان وذلك يقتضى أنه متى استعاذ بالله من شر الشيطان أعاذ منه وازداد بصيرة في رد وسواسه والتباعد مما دعاه إليه ورآه إليه ورآه في أخس منزلة وأقبح صورة لما يعلم من سوء عاقبته إن وافقه وهون عنده دواعي شهوته* قوله تعالى( وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون ) قال الحسن وقتادة والسدى إخوان الشياطين في الضلال يمدهم الشيطان وقال مجاهد إخوان المشركين من الشيطان وسماهم إخوانا لاجتماعهم على الضلالة كالأخوة من النسب في التعاطف به وحنين بعضهم إلى
بعض لأجله كما سمى المؤمنين إخوانا بقوله تعالى( إنما المؤمنون أخوة ) لتعاطفهم وتواصلهم بالدين فأخبر عن حال من استعاذ بالله من نزغ الشيطان ووساوسه في بصيرته ومعرفته بقبح ما يدعوه إليه وتباعد منه ومن دواعي شهواته برجوعه إلى الله وإلى ما ذكره وهذه الاستعاذة تجوز أن تكون بقوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وجائز أن تكون بالفكر في نعم الله تعالى عليه وفي أوامره ونواهيه وما يؤول به إليه الحال من دوام النعيم فيهون عنده دواعي هواه وحوادث شهواته ونزغات الشيطان بها ثم أخبر تعالى عن حال من أعرض عن ذكر الله والاستعاذة به فقال( وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون ) فكلما تباعدوا عن الذكر مضوا مع وساوس الشيطان وغيه غير مقصرين عنه وهو نظير قوله تعالى( ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ) وقوله تعالى( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) وبالله التوفيق.
باب القراءة خلف الإمام
قال الله تعالى( وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) قال أبو بكر روى عن ابن عباس أنه قال إن النبي الله صلّى الله عليه وآله وسلم قرأ في الصلاة وقرأ معه أصحابه فخلطوا عليه فنزل( وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) وروى ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) قال المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في صلاة مفروضة أو يوم جمعة أو فطر أو أضحى وروى المهاجر أبو مخلد عن أبى العالية قال كان النبي الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا صلّى قرأ أصحابه أجمعون خلفه حتى نزلت( وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) فسكت القوم وقرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وروى الشعبي وعطاء قالا في الصلاة وروى إبراهيم بن أبى حرة عن مجاهد مثله وروى ابن أبى نجيح عن مجاهد أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم سمع قراءة فتى من الأنصار وهو في الصلاة يقرأ فنزلت هذه الآية وروى عن سعيد بن المسيب أنه قرأ في الصلاة وروى عن مجاهد أنه في الصلاة والخطبة والخطبة لا معنى لها في هذا الموضع لأن موضع القرآن في الخطبة كغير* في وجوب الاستماع والإنصات وروى عن أبى هريرة أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية وهذا أيضا تأويل بعيد لا يلائم معنى الآية لأن الذي في الآية إنما هو أمر بالاستماع والإنصات لقراءة غيره لاستحالة أن يكون مأمورا بالاستماع
والإنصات لقراءة نفسه إلا أن يكون معنى الحديث إنهم كانوا يتكلمون خلف النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في الصلاة فنزلت الآية فإن كان كذلك فهو في معنى تأويل الآخرين له على ترك القراءة خلف الإمام فقد حصل من اتفاق الجميع أنه قد أريد ترك القراءة خلف الإمام والاستماع والإنصات لقراءته ولو لم يثبت عن السلف اتفاقهم على نزولها في وجوب ترك القراءة خلف الإمام لكانت الآية كافية في ظهور معناها وعموم لفظها ووضوح دلالتها على وجوب الاستماع والإنصات لقراءة الإمام وذلك لأن قوله تعالى( وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) يقتضى وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها فإن قامت دلالة على جواز ترك الاستماع والإنصات في غيرها لم يبطل حكم دلالته في إيجابه ذلك فيها وكما دلت الآية على النهى عن القراءة خلف الإمام فيما يجهز به فهي دلالة على النهى فيما يخفى لأنه أوجب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن ولم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء فإذا جهر فعلينا الاستماع والإنصات وإذا أخفى فعلينا الإنصات بحكم اللفظ لعلمنا به قارئ للقرآن وقد اختلف الفقهاء في القراءة خلف الإمام فقال أصحابنا وابن سيرين وابن أبى ليلى والثوري والحسن بن صالح لا يقرأ فيما جهر وقال الشافعى يقرأ فيما جهر وفيما أسر وقال مالك يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر وقال الشافعى يقرأ فيما جهر وفيما أسر في رواية المزني وفي البويطى أنه يقرأ فيما أسر بأم القرآن وسورة في الأوليين وأم القرآن في الآخرين وفيما جهر فيه الإمام لا يقرأ من خلفه إلا بأم القرآن قال البويطى وكذلك يقول الليث والأوزاعى* قال أبو بكر قد بينا دلالة الآية على وجوب الإنصات عند قراءة الإمام في حال الجهر والإخفاء وقال أهل اللغة الإنصات الإمساك عن الكلام والسكوت لاستماع القراءة ولا يكون القارئ منصتا ولا ساكتا بحال وذلك لأن السكوت ضد الكلام وهو تسكين الآلة عن التحريك بالكلام الذي هو حروف مقطعة منظومة ضربا من النظام فهما يتضادان على المتكلم بآلة اللسان وتحريك الشفة ألا ترى أنه لا يقال ساكت متكلم كما لا يقال ساكن متحرك فمن سكت فهو غير متكلم ومن تكلم فهو غير ساكت فإن قال قائل قد يسمى مخفي القراءة ساكتا إذا لم تكن قراءته مسموعة كما روى عمارة عن أبى زرعة عن أبى هرير قال كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة فقلت له بأبى أنت وأمى أرأيت
سكتاتك بين التكبير والقراءة أخبرنى ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب وذكر الحديث فسما* ساكتا وهو يدعوا خفيا فدل ذلك على أن السكوت إنما هو إخفاء القول وليس بتركه رأسا قيل له إنما سميناه ساكتا مجازا لأن من لا يسمعه يظنه ساكتا فلما أشبه الساكت في هذا الوجه سماه باسمه لقرب حاله من حال الساكت كما قال تعالى( صم بكم عمى ) تشبيها بمن هذه حاله وكما قال في الأصنام( وتراهم ينظرون إليك ) تشبيها لهم بمن ينظر وليس هو بناظر في الحقيقة فإن قيل لا يقرأه المأموم في حال قراءة الإمام وإنما يقرأ في حال سكوته وذلك لما روى الحسن عن سمرة بن جندب قال كان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم سكتات في صلاته إحداهما قبل القراءة والأخرى بعدها فينبغي للإمام أن تكون له سكتة قبل القراءة ليقرأ الذين أدركوا أول الصلاة فاتحة الكتاب ثم ينصب لقراءة الإمام فإذا فرغ سكت سكتة أخرى ليقرأ من لم يدرك أول الصلاة فاتحة الكتاب* قيل له أما حديث السكتتين فهو غير ثابت ولو ثبت لم يدل على ما ذكرت لأن سكتة الأولى إنما هي لذكر الاستفتاح والثانية إن ثبتت فلا دلالة فيها على أنها بمقدار ما يقرأ فاتحة الكتاب وإنما هي فصل بين القراءة وبين تكبير الركوع لئلا يظن من لا يعلم أن التكبير من القراءة إذا كان موصولا بها ولو كانت السكتتان كل واحدة منهما بمقدار قراءة فاتحة الكتاب لكان ذلك مستفيضا ونقله شائعا ظاهرا فلما لم ينقل ذلك من طريق الاستفاضة مع عموم الحاجة إليه إذ كانت مفعولة لأداء فرض القراءة من المأموم ثبت أنهما غير ثابتتين وأيضا فإن سبيل المأموم أن يتبع الإمام ولا يجوز أن يكون الإمام تابعا للمأموم فعلى قول هذا القائل يسكت الإمام بعد القراءة حتى يقرأ المأموم وهذا خلاف قوله صلّى الله عليه وآله وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به ثم مع ذلك يكون الأمر على عكس ما أمر به صلّى الله عليه وآله وسلم من قوله وإذا قرأ فانصتوا فأمر المأموم بالإنصات للإمام وهو بأمر الإمام بالإنصات للمأموم ويجعله تابعا له وذلك خلف من القول ألا ترى أن الإمام لو قام في الثنتين من الظهر ساهيا لكان على المأموم اتباعه ولو قام المأموم ساهيا لم يكن على الإمام اتباعه ولو سها المأموم لم يسجد هو ولا إمامه للسهو ولو سها الإمام ولم يسه المأموم لكان على المأموم اتباعه فكيف يجوز أن يكون الإمام مأمورا بالقيام ساكتا ليقرأ المأموم وقد روى في النهى عن القراءة خلف الإمام أثار مستفيضة عن
النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على أنحاء مختلفة فمنها حديث قتادة عن أبى غلاب يونس بن جبير عن حطان ابن عبد الله عن ابن أبى موسى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال إذا قرأ الإمام فانصتوا وحديث ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا فهذان الخبران يوجبان الإنصات عند قراءة الإمام وقوله إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فانصتوا إخبار منه أن من الائتمام بالإمام الإنصات لقراءته وهذا يدل على أنه غير جائز أن ينصت الإمام لقراءة المأموم لأنه لو كان مأمورا بالإنصات له لكان مأمورا بالائتمام به فيصير الإمام مأموما والمأموم إماما في حالة واحدة وهذا فاسد ومنها حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة رواه جماعة عن جابر وفي بعض الألفاظ إذا كان لك إمام فقراءته لك قراءة ومنها حديث عمران بن حصين أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام رواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين وقد ذكرنا أسانيد هذه الأخبار في شرح مختصر الطحاوي * ومنها حديث مالك عن أبى نعيم وهب ابن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وفي بعضها لم يصل إلا وراء الإمام فأخبر أن ترك قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام لا يوجب نقصانا في الصلاة ولو جاز أن يقرأ لكان تركها يوجب نقصا فيها كالمفرد وروى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معى أحد منكم آنفا قالوا نعم يا رسول الله قال إنى أقول مالي أنازع القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم هل قرأ معى أحد منكم دل ذلك على أن القارئ خلفه أخفى قراءته ولم يجهر بها لأنه لو كان جهر بها لما أقر أهل معى أحد منكم ثم قال إنى أقول مالي أنازع القرآن وفي ذلك دليل على استواء حكم الصلاة التي يجهر فيها والتي تخافت لإخباره أن قراءة المأموم هي الموجبة لمنازعة القرآن وأما قوله فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله فلا حجة فيه لمن أجاز القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه من قبل أن ذلك قول الراوي وتأويل منه وليس فيه أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فرق بين حال الجهر والإخفاء ومنها حديث يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله قال كنا نقرأ
خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقال خلطتم على القرآن وهذا أيضا يدل على التسوية بين حال الجهر والإخفات* إذ لم يذكر فرقا بينهما* وروى الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز عن ابن بحينة وكان من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال هل قرأ معى أحد آنفا في الصلاة قالوا نعم قال فإنى أقول مالي أنازع القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة معه منذ قال ذلك فأخبر في هذا الحديث عن تركهم القراءة خلفه ولم يفرق بين الجهر والإخفاء فهذه الأخبار كلها يوجب النهى عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه أو يسر ومما يدل على ذلك ما روى عن جلة الصحابة من النهى عن القراءة خلف الإمام وإظهار النكير على فاعله ولو كان ذلك شائعا لما خفى أمره على الصحابة لعموم الحاجة إليه ولكان من الشارع توقيف للجماعة عليه ولعرفوه كما عرفوا القراءة في الصلاة إذ كانت الحاجة إلى معرفة القراءة خلف الإمام كهي إلى القراءة في الصلاة للمنفرد أو الإمام فلما روى عن جلة الصحابة إنكار القراءة خلف الإمام ثبت أنها غير جائزة فممن نهى عن القراءة خلف الإمام على وابن مسعود وسعد وجابر وابن عباس وأبو الدرداء وأبو سعيد وابن عمر وزيد بن ثابت وأنس وروى عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على قال من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة وروى أبو إسحاق عن علقمة عن عبد الله عن زيد بن ثابت قال من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا وروى وكيع عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد ابن ثابت قال من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له وقال أبو حمزة قلت لابن عباس أقرأ خلف الإمام قال لا وقال أبو سعيد يكفيك قراءة الإمام قال أنس القراءة خلف الإمام التسبيح يعنى والله أعلم التسبيح في الركوع وذكر الاستفتاح وقال منصور عن إبراهيم ما سمعنا بالقراءة خلف الإمام حتى كان المختار الكذاب فاتهموه فقرءوا خلفه وقال سعد وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة واحتج موجبو القراءة خلف الإمام بحديث محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال صلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر فتعامى عليه القراءة فلما سلم قال أتقرءون خلفي قالوا نعم يا رسول الله قال لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وهذا حديث مضطرب السند مختلف في رفعه وذلك أنه رواه صدقة بن خالد عن زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة عن عبادة ونافع بن محمود هذا مجهول لا يعرف وقد
روى هذا الحديث ابن عون عن رجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع موقوفا على عبادة لم يذكر فيه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقد روى أيوب عن أبى قلابة عن أنس قال صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل بوجهه فقال أتقرءون والإمام يقرأ فسكتوا فسألهم ثلاثا فقالوا إنا لنفعل فقال لا تفعلوا فلم يذكر فيه استثناء فاتحة الكتاب وإنما أصل حديث عبادة ما رواه يونس عن ابن هشام قال أخبرنى محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ القرآن فلما اضطرب حديث عبادة هذا الاضطراب في السند والرفع والمعارضة لم يجز الاعتراض به على ظاهر القرآن والآثار الصحاح النافية للقراءة خلف الإمام وأما قوله صلّى الله عليه وآله وسلم لا صلاة إلا بأم القرآن فليس فيه إيجاب قراءتها خلف الإمام لأن هذه صلاة بأم القرآن إذ كانت قراءة الإمام له قراءة وكذلك حديث العلاء ابن عبد الرحمن عن أبى السائب مولى هشام بن زهرة عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام فقلت يا أبا هريرة إنى أكون أحيانا خلف الإمام فغمز ذراعي وقال أقرأ يا فارسي في نفسك فلا حجة لهم فيه لأن أكثر ما فيه أنها خداج والخداج إنما هو النقصان ويدل على الجواز لوقوع اسم الصلاة عليها وأيضا فإنه في المنفرد ليجمع بينه وبين الآية والأخبار التي قدمناها في نفى القراءة خلف الإمام وأما قول أبى هريرة أقرأ بها في نفسك فإنه لم يعز ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقوله لا تثبت به حجة ومما يدل على أن أخبارنا أولى اتفاق الجميع على استعمالها في النهى عن القراءة خلف الإمام في حال جهر الإمام وخبرهم مختلف فيه فكان ما اتفقوا على استعماله في حال أولى مما اختلف فيه فإن قيل نستعمل الأخبار كلها فيكون أخبار النهى فيما عدا فاتحة الكتاب وأخبار الأمر بالقراءة في فاتحة الكتاب قيل له هذا يبطل بما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله علمت أن بعضكم خالجنيها وقوله مالي أنازع القرآن والقرآن لا يختص بفاتحة الكتاب دون غيرها فعلمنا أنه أراد الجميع وقال في حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا وراء الإمام فنص على تركها خلف الإمام وذلك يبطل تأويلك وقولك باستعمال الأخبار بل أنت رادها غير مستعمل لها فإن قيل ما استدللت به من قول الصحابة لا دليل فيه لأنهم قد خالفهم نظراؤهم فمن ذلك ما رواه عبد الواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني عن جواب
عن يزيد بن شريك قال لعمر بن الخطاب أو سمعت رجلا قال له اقرأ خلف الإمام قال نعم قال قلت وإن قرأ قال وإن قرأ وروى شعبة عن أبى الفيض عن أبى شيبة قال معاذ إذا كنت تسمع قراءة الإمام فاقرأ بقل هو الله أحد ونحوها وإذا لم تسمع قراءته ففي نفسك وروى أشعث عن الحكم وحماد أن عليا كان يأمر بالقراءة خلف الإمام وروى ليث عن عطاء عن ابن عباس لا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب جهر الإمام أو لم يجهر فإذا كان هؤلاء الصحابة قد روى عنهم القراءة خلف الإمام وروى عنهم تركها فكيف تثبت به حجة قيل له أما حديث عمر ومعاذ فمجهول السند لا تثبت بمثله حجة وحديث على إنما هو عن الحكم وحماد ومخالفنا لا يقبل مثله لإرساله وحديث ابن عباس هذا رواه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد روى عنه أبو حمزة النهى ومع ذلك فلم يكن احتجاجنا من جهة قول الصحابة فحسب وإنما قلنا إن ما كان هذا سبيله من الفروض التي عمت الحاجة إليه فإن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لا يخليهم من توقيف لهم على إيجابه فلما وجدناهم قائلين بالنهى علمنا أنه لم يكن منه توقيف للكافة عليه فثبت أنها غير واجبة ولا يصير قول من قال منهم بإيجابه قادحا فيما ذكرنا من قبل أن أكثر ما فيه لم يكن من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم توقيف عليه للكافة فذهب منهم ذاهبون إلى إيجاب قراءتها بتأويل أو قياس ومثل ذلك طريقه للكافة ونقل الأمة ويدل على نفى وجوبها اتفاق الجميع على أن مدرك الإمام في الركوع يتابعه مع ترك القراءة فلو كانت فرضا لما جاز تركها بحال كالطهارة وسائر أفعال الصلاة فإن قيل إنما جاز ذلك الضرورة وهو خوف فوات الركعة قيل له خوف فوات الركعة ليس بضرورة من وجوه أحدها أن فعل الصلاة خلف الإمام ليس بفرض لأنه لو صلاها منفردا أجزأه وإنما هو فضيلة فإذا خوف فواتها ليس بضرورة في تركها وأيضا فإنه لو كان محدثا لم يكن خوف فوات الجماعة مبيحا لترك الطهارة وكذلك لو أدركه في السجود لم تكن له ضرورة في جواز سقوط الركوع فلما جاز ترك القراءة في هذه الحال دون سائر الفروض دل على أنها ليست بفرض ويدل على أنها ليست بفرض اتفاق الجميع على أن من كان خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها لا يقرأ السورة مع الفاتحة فلو كانت القراءة فرضا لكان من سننها قراءة السورة ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المأموم لا يجهز بها في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ولو كانت فرضا لجهر بها كالإمام
وفي ذلك دليل على أنها ليست بفرض إذ كانت صلاة جماعة من الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة وكان ينبغي أن لا يختلف حكم الإمام والمأموم في الجهر والإخفاء لو كانت فرضا عليه كهي على الإمام قوله تعالى( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ) قال أبو بكر الذكر على وجهين أحدهما الفكر في عظمة الله وجلالة ودلائل قدرته وآياته وهذا أفضل الأذكار إذ به يستحق الثواب على سائر الأذكار سواه وبه يتوصل إليه والذكر الآخر القول وقد يكون ذلك الذكر دعاء وقد يكون ثناء على الله تعالى ويكون قراءة للقرآن ويكون دعاء للناس إلى الله وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعا من الفكر والقول فيكون قوله تعالى( واذكر ربك في نفسك ) هو الفكر في دلائل الله وآياته وقوله تعالى( ودون الجهر من القول ) فيه نص على الذكر باللسان وهذا الذكر يجوز أن يريد به قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء فيكون الأفضل في الدعاء الإخفاء على نحو قوله تعالى( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وإن أراد به قراءة القرآن كان في معنى قوله( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) وقيل إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه أبعد من الرياء وأقرب من الإخلاص وأجدر بالاستجابة إذ كانت هذه صفته وقيل إن ذلك خطاب للمستمع للقرآن لأنه معطوف على قوله( وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) وقيل إنه خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم والمعنى عام لسائر المكلفين كقوله عز وجل( يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ) وقال قتادة الآصال العشيات.
سورة الأنفال
قال أبو بكر رحمة الله عليه قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة وعطاء الأنفال الغنائم وروى عن ابن عباس رواية أخرى عن عطاء أن الأنفال ما يصل إلى المسلمين عن المشركين بغير قتال من دابة أو عبد أو متاع فذلك للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم يضعه حيث يشاء وروى عن مجاهد إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس وقال الحسن كانت الأنفال من السرايا التي تتقدم أمام الجيش الأعظم والنفل في اللغة الزيادة على المستحق ومنه النافلة وهي التطوع وعندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة فأما بعده فلا يجوز إلا من الخمس وذلك بأن يقول للسرية لكم الربع بعد الخمس أو الربع حيز من الجميع قبل
الخمس أو يقول من أصاب شيئا فهو له على وجه التحريض على القتال والتضرية على العدو أو يقول من قتل قتيلا فله سلبه وأما بعد إحراز الغنيمة جائز أن ينفل من نصيب الجيش ويجوز له أن ينفل من الخمس وقد اختلف في سبب نزول الآية فروى عن سعد قال أصبت يوم بدر سيفا فأتيت به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقلت نفلنيه فقال ضعه من حيث أخذت فنزلت( يسئلونك عن الأنفال ) قال فدعاني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقال اذهب وخذ سيفك وروى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس( يسئلونك عن الأنفال ) قال الأنفال الغنائم التي كانت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء ثم أنزل الله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ) الآية قال ابن جريج أخبرنى بذلك سليمان عن مجاهد وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نفل يوم بدر أنفالا مختلفة وقال من أخذ شيئا فهو له فاختلف الصحابة فقال بعضهم نحو ما قلنا وقال آخرون نحن حمينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وكنا ردأ لكم قال فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه عن الخمس وكان في ذلك تقوى وطاعة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وصلاح ذات البين لقوله تعالى( يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) قال عبادة بن الصامت قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ليرد قوى المسلمين على ضعيفهم وروى الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لم تحل الغنيمة لقوم سود الرءوس قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى( لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) وقد ذكر في حديث عبادة وابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر قبل القتال من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله كذا ويقال إن هذا غلط وإنما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يوم حنين من قتل قتيلا فله سلبه وذلك لأنه قد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال لحم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم وأن قوله تعالى( يسئلونك عن الأنفال ) نزلت بعد حيازة غنائم بدر فعلمنا أن رواية من روى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نفلهم ما أصابوا قبل القتال غلط إذ كانت إباحتها إنما كانت بعد القتال ومما يدل على غلطه أنه قال من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله ذا ثم قسمها بينهم بالسواء وذلك لأنه غير جائز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله الإنسان وأخذه منه وإعطاؤه غيره والصحيح
أنه لم يتقدم من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قول في الغنائم قبل القتال فلما فرغوا من القتال تنازعوا في الغنائم فأنزل الله تعالى( يسئلونك عن الأنفال ) فجعل أمرها إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في أن يجعلها لما شاء فقسمها بينهم بالسواء ثم نسخ ذلك بقوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) على ما روى عن ابن عباس ومجاهد فجعل الخمس لأهله المسلمين في الكتاب والأربعة الأخماس للغانمين وبين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم سهم الفارس والراجل وبقي حكم النفل قبل إحراز الغنيمة بأن يقول من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له ومن الخمس وما شذ من المشركين من غير قتال فكل ذلك كان نفلا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم يجعله لمن يشاء وإنما وقع النسخ في النفل بعد إحراز الغنيمة من الخمس ويدل على أن قسمة غنائم بدر إنما كانت على الوجه الذي جعله النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قسمتها لا على قسمتها الآن أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قسمها بينهم بالسواء ولم يخرج منها الخمس ولو كانت مقسومة قسمة الغنائم التي استقر عليها الحكم لعزل الخمس لأهله ولفضل الفارس على الراجل وقد كان في الجيش فرسان أحدهما للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم والآخر للمقداد فلما قسم الجميع بينهم بالسوية علمنا أن قوله تعالى( قل الأنفال لله والرسول ) قد اقتضى تفويض أمرها إليه ليعطيها من يرى ثم نسخ النفل بعد إحراز الغنيمة وبقي ما حكمه قبل إحرازها على جهة تحريض الجيش والتضرية على العدو وما لم يوجف عليه المسلمون وما لا يحتمل القسم ومن الخمس على ما شاء ويدل على أن غلط الرواية في أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر من أصاب شيئا فهو له وأنه نفل القاتل وغيره ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السرى عن أبى بكر عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال جئت إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يوم بدر بسيف فقلت يا رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف فقال إن هذا السيف ليس لي ولا لك فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم يبل بلاي فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال أجب فظننت أنه نزل في شيء بكلامي فجئت فقال لي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنك سألتنى هذا السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله قد جعله الله لي فهو لك ثم قرأ( يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) فأخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن له ولا لسعد قبل نزول سورة الأنفال وأخبر أنه لما جعله الله له آثره به وفي ذلك دليل على فساد رواية من روى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نفلهم قبل القتال وقال من أخذ شيئا فهو له وقوله تعالى( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم )
في هذه القصة ضروب من دلائل النبوة أحدها إخباره إياهم بأن إحدى الطائفتين لهم وهي عير قريش التي كانت فيها أموالهم وجيشهم الذين خرجوا لحمايتها فكان وعده على ما وعده وقوله تعالى( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) يعنى أن المؤمنين كانوا يودون الظفر لما فيها الأموال وقلة المقاتلة وذلك لأنهم خرجوا مستخفين غير مستعدين للحرب لأنهم لم يظنوا أن قريشا تخرج لقتالهم وقوله تعالى( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) وهو إنجاز موعده لهم في قطع دابر الكافرين وقتلهم وقوله تعالى( فاستجاب لكم إنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ) فوجد مخبر هذه الأخبار على ما أخبر به فكان من طمأنينة قلوب المؤمنين ما أخبر به وقال تعالى( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) فألقى عليهم النعاس في الوقت الذي يطير فيه النعاس بإظلال العدو عليكم بالعدة والسلاح وهم أضعافهم ثم قال( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) يعنى من الجنابة لأن فيهم من كان احتمل وهو حزر الشيطان لأنه من وسوسته في المنام( وليربط على قلوبكم ) بما صار في قلوبهم من الأمنة والثقة بموعود الله( ويثبت به الأقدام ) يحتمل من وجهين أحدهما صحة البصيرة والأمن والثقة الموجبة لثبات الأقدام والثاني أن موضعهم كان رملا دهسا لا تثبت فيه الأقدام فأنزل الله تعالى من المطر ما لبد الرمل وثبت عليه الأقدام وقد روى ذلك في التفسير قوله تعالى( إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم ) أن أنصركم( فثبتوا الذين آمنوا ) وذلك يحتمل وجهين أحدهما القاؤهم إلى المؤمنين بالخاطر والتنبيه أن الله سينصرهم على الكافرين فيكون ذلك سببا لثباتهم وتحزبهم على الكفار ويحتمل أن يكون التثبيت بإخبار النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن الله سينصره والمؤمنين فيخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بذلك المؤمنين فيدعوهم ذلك إلى الثبات ثم قال( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) وذلك أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أخذ كفا من تراب ورمى به وجوههم فانهزموا ولم يبق منهم أحد إلا دخل من ذلك التراب في عينه وعنى بذلك أن الله بلغ ذلك التراب وجوههم وعيونهم إذ لم يكن في وسع أحد من المخلوقين أن يبلغ ذلك التراب عيونهم من الموضع الذي كان فيه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهذه كلها من دلالة النبوة ومنها وجود مخبرات هذه الأخبار على ما أخبر به فلا يجوز أن يتفق مثلها تخرصا وتخمينا ومنها ما أنزل من المطر الذي لبد الرمل حتى
ثبتت أقدامهم عليه وصاروا وبالأعلى عدوهم لأن في الخبر أن أرضهم صارت وحلا حتى منعهم من المسير ومنها الطمأنينة التي صارت في قلوبهم بعد كراهتهم للقاء الجيش ومنها النعاس الذي وقع عليهم في الحال التي يطير فيها النعاس ومنها رميه التراب وهزيمة الكفار به.
الكلام في الفرار من الزحف
قال الله تعالى( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) روى أبو نضرة عن أبى سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر قال أبو نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم وهذا الذي قاله أبو نضيرة ليس بسديد لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار ولم يأمرهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال وإنما ظنوا أنها العير فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فيمن خف معه فقول أبى نضرة أنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وأنهم لو انحازوا انحازوا إلى المشركين غلط لما وصفنا وقد قيل أنهم لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن الانحياز جائزا لهم عنه قال الله تعالى( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم صلّى الله عليه وآله وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس كما قال الله تعالى( والله يعصمك من الناس ) وكان ذلك فرضا عليهم قلت أعداؤهم أو كثروا وأيضا فإن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان فئة المسلمين يومئذ ومن كان بمنحاز عن القتل فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة وكان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فئتهم يومئذ ولم تكن فئة غيره قال ابن عمر كنت في جيش فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة فقلنا نحن الفرارون فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنا فئتكم فمن كان بالبعد من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه فلم يكن يجوز لهم الفرار وقال الحسن في قوله تعالى( ومن يولهم يومئذ دبره ) قال شددت على أهل بدر وقال الله تعالى( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) وذلك لأنهم فروا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وكذلك يوم حنين فروا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فعاقبهم الله على
ذلك في قوله تعالى( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قل عدد العدو أو كثر إذا لم يجد الله فيه شيئا وقال الله تعالى في آية أخرى( يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ) ( مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ) هذا والله أعلم في الحال التي لم يكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم حاضرا معهم فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين ولا يهربوا عنهم فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال ثم نسخ ذلك بقوله تعالى( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) فروى عن ابن عباس أنه قال كتب عليكم أن لا يفر واحد من عشرة ثم قلت( الآن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا ) الآية فكتب عليكم أن لا يفر مائة من مائتين وقال ابن عباس وإن فر رجل من رجلين فقد فر وإن فر من ثلاثة فلم يفر قال الشيخ يعنب بقوله فقد فر الفرار من الزحف المراد بالآية والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ) ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنا فئة كل مسلم وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الجيش حتى قتل ولم ينهزم رحم الله أبا عبيد لو انحاز إلى لكنت له فئة فلما رجع إليه أصحاب أبى عبيد قال أنا فئة لكم ولم يعنفهم وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثنى عشر ألفا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم من نحو خروج من مضيق إلى فسحة أو من سعة إلى مضيق أو يمكنوا لعدوهم ونحو ذلك مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم فإذا بلغوا اثنى عشر ألفا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه واحتج بحديث الزهري عن
عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ولن يغلب وفي بعضها ما غلب قوم يبلغون اثنى عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له أيسعنا التحلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها فقال له مالك إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف وإلا فأنت في سعة من التخلف وكان السائل له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن والذي روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في اثنى عشر ألفا فهو أصل في هذا الباب وإن كثر عدد المشركين فغير جائز لهم أن يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا اجتمعت كلمتهم وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم قوله تعالى( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) قيل في الفتنة وجوه فروى عن عبد الله أنه من قوله تعالى( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وقال الحسن الفتنة البلية وقيل هي العذاب وقيل هي الفرج الذي يركب الناس فيه بظلم وروى عن ابن عباس أنه قال أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب ونحوه ما روى أنه قبل يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث وروى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال مأمن قوم يعمل فيهم بالمعاصي وهم أكثر ممن يعمل فلم ينكروا إلا عمهم الله بعذاب فحذرنا الله من عذاب يعم الجميع من العاصين ومن لم يعص إذا لم ينكره وقيل إنها يعم من قبل أن الفرح والفتنة إذا وقعا دخل ضررهما على كل واحد منهم قوله تعالى( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) يعنى ما كان ليعذبهم عذاب الاستيصال وأنت فيهم لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم بعث رحمة للعالمين ولا يعذبون وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة فيعمهم بالعذاب بعد خروج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من بينهم ألا ترى أن الأمم السالفة لما استحقوا الاستيصال أمر الله أنبياءه بالخروج من بينهم نحو لوط وصالح وشعيب صلوات الله عليهم وقوله تعالى( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) قال ابن عباس لما خرج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من مكة بقيت فيها بقية من المؤمنين وقال مجاهد وقتادة والسدى أن لو استغفروا لم يعذبهم قوله تعالى( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ) وهذا العذاب غير العذاب المذكور في الآية الأولى لأن هذا عذاب الآخرة
والأول عذاب الاستيصال في الدنيا وقوله تعالى( وما كانوا أولياءه ) قيل فيه وجهان أحدهما ما قال الحسن إنهم قالوا نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله ذلك عليهم والوجه الآخر ما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون فإذا أريد به أولياء المسجد ففيه دلالة على أنهم ممنوعون من دخول المسجد الحرام والقيام بعمارته وهو مثل قوله تعالى( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) وقوله عز وجل( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) قيل المكاء الصفير والتصدية التصفيق روى ذلك عن ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وعطية وقتادة والسدى وروى عن سعيد بن جبير أن التصدية صدهم عن البيت الحرام وسمى المكاء والتصدية صلاة لأنهم كانوا يقيمون الصفير والتصفيق مقام الدعاء والتسبيح وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاتهم قوله تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) قال ابن عباس والحسن حتى لا يكون شرك وقال محمد بن إسحاق حتى لا يفتتن مؤمن عن دينه والفتنة هاهنا جائز أن يريد بها الكفر وجائز أن يريد بها البغي والفساد لأن الكفر إنما سمى فتنة لما فيه من الفساد فتنتظم الآية قتال الكفار وأهل البغي وأهل العيث والفساد وهي تدل على وجوب قتال الفئة الباغية* وقوله تعالى( ويكون الدين كله لله ) يدل على وجوب قتال سائر أصناف أهل الكفر إلا ما خصه الدليل من الكتاب والسنة وهم أهل الكتاب والمجوس فإنهم يقرون بالجزية ويحتج به من يقول لا يقر سائر الكفار دينهم بالذمة إلا هؤلاء الأصناف الثلاثة لقيام الدلالة على جواز إقرارها بالجزية.
الكلام في قسمة الغنائم
قال الله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) وقال في آية أخرى( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) فروى عن ابن عباس ومجاهد أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى( قل الأنفال لله والرسول ) وذلك لأنه قد كان جعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ينفل ما أحرزه بالقتال لمن شاء من الناس لا حق لأحد فيه إلا من جعله النبي صلّى الله عليه وآله وسلم له وإن ذلك كان يوم بدر وقد ذكرنا حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا السيف ليس لي ولا لك ثم لما نزل( قل الأنفال لله والرسول ) دعاه وقال إنك سألتنى هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك وحديث أبى
هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائهم فتنزل من السماء نار فتأكلها فأنزل الله تعالى( لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) وقال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو نوح قال أخبرنا عكرمة بن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الفداء فأنزل الله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى ـ إلى قوله ـلمسكم فيما أخذتم ) من الفداء ثم أحل لهم الغنائم فأخبر في هذين الخبرين أن الغنائم إنما أحلت بعد وقعة بدر وهذا مرتب على قوله تعالى( قل الأنفال لله والرسول ) وأنها كانت موكولة إلى رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فهذه الآية أول آية أبيحت بها الغنائم على جهة تخيير النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في إعطائها من رأى ثم نزل قوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) وقوله تعالى( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) وأنه فداء الأسارى كان بعد نزول قوله تعالى( قل الأنفال لله والرسول ) وإنما كان النكير عليهم في أخذ الفداء من الأسرى بديا ولا دلالة فيه على أن الغنائم لم تكن قد أحلت قبل ذلك على الوجه الذي جعلت للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأنه جائز أن تكون الغنائم مباحة وفداء الأسرى محظورا وكذلك يقول أبو حنيفة إنه لا تجوز مفادة أسرى المشركين ويدل على أن الجيش لم يكونوا استحقوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر إلا بجعل النبي ذلك لهم أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يخمس غنائم بدر ولم يبين سهام الفارس والراجل إلى أن نزل قوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) فجعل بهذه الآية أربعة أخماس الغنيمة للغانمين والخمس للوجوه المذكورة ونسخ به ما كان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الأنفال إلا ما كان شرطه قبل إحراز الغنيمة نحو أن يقول من أصاب شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك لم ينتظمه قوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء ) إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه أو قاتله وقد اختلف في النفل بعد إحراز الغنيمة.
ذكر الخلاف فيه
قال أصحابنا والثوري لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له وقال الأوزاعى في رسول الله أسوة حسنة كان ينفل في البدأ الربع وفي الرجعة الثلث وقال مالك والشافعى يجوز أن ينفل بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد قال الشيخ ولا خلاف في جواز النفل قبل إحراز الغنيمة نحو أن يقول من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه وقد روى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث بعد الخمس فأما التنفيل في البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه وأما قوله في الرجعة الثلث فإنه يحتمل وجهين أحدهما ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول لهم ما أصبتم من شيء فلكم الثلث بعد الخمس ومعلوم أن ذلك بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في شيء بعينه لم يبين كيفيته وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في الرجعة وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله في البدأة لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنائم وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال لانتشار الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم والوجه الآخر أنه جائز أن يكون ذلك بعد إحراز الغنيمة وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم فجعلها لمن شاء منهم وذلك منسوخ بما ذكرنا فإن قيل ذكر في حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) قيل له دلالة فيه على ما ذكرت لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله تعالى( فأن لله خمسه ) وجائز أن يكون على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث والنصف ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) المذكورين فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية فغير جائز أن يجعل شيء منها لغيره على غير مقتضى الآية إلا بما يجوز بمثله تخصيص الآية وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في سرية فبلغت سهامنا اثنى
عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعيرا بعيرا فبين في هذا الحديث سهمان الجيش وأخبر أن النفل لم يكن من جملة الغنيمة وإنما كان بعد السهمان وذلك من الخمس ويدل على أن النفل بعد إحراز الغنيمة لا يجوز إلا من الخمس ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الوليد بن عتبة قال حدثنا الوليد قال حدثنا عبد الله بن العلاء أنه سمع أبا سلام ابن الأسود يقول قال سمعت عمرو بن عبسة قال صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إلى بعير من المغنم فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم فأخبر صلّى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن جائز التصرف إلا في الخمس من الغنائم وإن الأربعة الأخماس للغانمين وفي ذلك دليل على أن ما حرز من الغنيمة فهو لأهلها لا يجوز التنفيل منه وفي هذا الحديث على أن مالا قيمة له ولا يتمانعه الناس من نحو النواة والتبنة والخرق التي يرمى بها يجوز للإنسان أن يأخذه وينفله لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أخذ وبرة من جنب بعير من المغنم وقال لا يحل لي من غنائكم مثل هذا يعنى في أن يأخذه لنفسه وينتفع به أو يجعله لغيره دون جماعتهم إذ لم تكن لتلك الوبرة قيمة فإن قيل فقد قال لا يحل لي مثل هذا قيل له إنما أراد مثل هذا فيما يتمانعه الناس لا ذاك بعينه لأنه قد أخذه ويدل على ما ذكرنا ما رواه ابن المبارك قال حدثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين ذكر قصة قال قلنا يا رسول الله ما تقول في هذا المال قال خمسه لله وأربعة أخماسه للجيش قال قلت هل أحق أحد به من أحد قال لو انتزعت سهمك من جنبك لم تكن بأحق به من أخيك المسلم وروى أبو عاصم النبيل عن وهب أبى خالد الحمصي قال حدثني أم حبيبة عن أبيها العرباض بن سارية أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أخذ وبرة فقال مالي فيكم هذه مالي فيه إلا الخمس فأدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار على صاحبه يوم القيامة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ذكر غنائم هوازن وقال ثم دنا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا ورفع إصبعيه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط فقام رجل في يده كبة من شعر فقال أخذت هذه لأصلح بها بردة فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لك فقال أماذا بلغت ما أرمى فلا أرب لي فيها ونبذها
فهذه الأخبار موافقة لظاهر الكتاب فهو أولى مما يخالفه من حديث حبيب بن مسلمة مع احتمال حديثه للتأويل الذي وصفنا وجمعنا يمنع أن يكون في الاربعة الأخماس حق لغير الغانمين ويخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فيها أنه لا حق له فيها وروى محمد بن سيرين أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبى بكرة في غزاة فأصابوا سبيا فأراد عبيد الله أن يعطى أنسا من السبي قبل أن يقسم فقال أنس لا ولكن أقسم ثم أعطى من الخمس فقال عبيد الله لا إلا من جميع الغنائم فأبى أنس أن يقبل وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم عن عبد الله حدثنا حجاج حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المسيب أنه قال لا نفل بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال الشيخ أيده الله يجوز أن يريد به من جملة الغنيمة لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قد كانت له الأنفال ثم نسخ بآية القسمة وهذا مما يحتج به لصحة مذهبنا لأن ظاهره يقتضى أن لا يكون لأحد نفل بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في عموم الأحوال إلا أنه قد قامت الدلالة في أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه أنه يصير ذلك له بالاتفاق فحصصناه وبقي الباقي على مقتضاه في أنه إذا لم يقل ذلك الإمام فلا شيء له وقد روى عن سعيد بن المسيب قال كان الناس يعطفون النفل من الخمس* فإن قيل قد أعطى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من غنائم حنين صناديد العرب عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وأبى سفيان بن حرب وصفوان بن أمية ومعلوم أنه لم يعطهم ذلك من سهمه من الغنيمة وسهمه من الخمس إذ لم يكن يتسع لهذه العطايا لأنه اعطى كل واحد من هؤلاء وغيرهم مائة من الإبل ولم يكن ليعطيهم من بقية سهام الخمس سوى سهمه لأنها للفقراء ولم يكونوا هؤلاء فقراء فثبت أنه أعطاهم من جملة الغنيمة ولما لم يستأذنهم فيه دل على أنه أعطاهم على وجه النفل وأنه قد كان له أن ينفل قيل له إن هؤلاء القوم كانوا من المؤلفة قلوبهم وقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهما من الصدقات وسبيل الخمس سبيل الصدقة لأنه مصروف إلى الفقراء كالصدقات المصروفة إليهم فجائز أن يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أعطاهم من جملة الخمس كما يعطيهم من الصدقات.
وقد اختلف في سلب القتيل فقال أصحابنا ومالك والثوري السلب من غنيمة الجيش إلا أن يكون الأمير قال من قتل قتيلا فله سلبه وقال الأوزاعى والليث والشافعى السلب للقاتل وإن لم يقل الأمير قال الشيخ أيده الله قوله عز وجل( واعلموا أنما غنمتم من
شىء ) يقتضى وجوب الغنيمة لجماعة الغانمين فغير جائز لأحد منهم الاختصاص بشيء منها دون غيره فإن قيل ينبغي أن يدل على أن السلب غنيمة قيل له( غنمتم ) هي التي جازوها باجتماعهم وتوازرهم على القتال وأخذ الغنيمة فلما كان قتله لهذا القتيل وأخذه سلبه بتظافر الجماعة وجب أن يكون غنيمة ويدل عليه أنه لو أخذ سلبه من غير قتل لكان غنيمة إذ لم يصل إلى أخذه إلا بقوتهم وكذلك من لم يقاتل وكان قائما في الصف ردا لهم مستحق الغنيمة ويصير غانما لأن بظهره ومعاضته حصلت وأخذت وإذا كان كذلك وجب أن يكون السلب غنيمة فيكون كسائر الغنائم ويدل عليه أيضا قوله تعالى( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) والسلب مما غنمه الجماعة فهو لهم ويدل على ذلك من جهة السنة ما حدثنا أحمد بن خالد الخجزورى حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن المبارك وهشام بن عمارة قالا حدثنا عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن قتادة بن أبى أمية قال نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فيلغ حبيب بن مسلم أن صاحب قبرس قد خرج يريد طريق آذربايجان معه زبرجد وياقوت ولؤلؤ وديباج فخرج في جبل حتى قتله في الدرب وجاء بما كان معه إلى أبى عبيدة فأراد أن يخمسه فقال حبيب يا أبا عبيدة لا تحرمني رزقا رزقنيه الله فإن الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم جعل السلب للقاتل فقال معاذ بن جبل مهلا يا حبيب إنى سمعت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يقول إنما للمرء ما طابت به نفس أمامه فقوله صلّى الله عليه وآله وسلم إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه يقتضى حظر ما لم تطب نفس إمامه ممن لم تطب نفس إمامه لم يحل له السلب لا سيما وقد أخبر معاذ أن ذلك في شأن السلب فإن قيل قد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم جماعة منهم أبو قتادة وطلحة وسمرة بن جندب وغيرهم أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال من قتل قتيلا فله سلبه وروى سلمة بن الأكوع وابن عباس وعوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم جعل السلب للقاتل وهذا يدل على معنيين أحدهما إنه يقتضى أن يستحق القاتل السلب والثاني إنه فسر أن معنى قوله في حديث معاذ إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه إن نفسه قد طابت للقاتل بذلك وهو إمام الأئمة قيل له قوله صلّى الله عليه وآله وسلم ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه المفهوم منه أميره الذي يلزمه طاعته وكذلك عقل معاذ وهو راوي ذلك عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولو أراد بذلك نفسه لقال إنما للمرء ما طابت به نفسي فهذا الذي ذكره هذا السائل تأويل ساقط لا معنى له وأما الأخبار المروية في أن السلب للقاتل فإنما
ذلك كلام خرج على الحال التي حض فيها للقتال وكان بقول ذلك تحريضا لهم وتضرية على العدو كما روى أنه قال من أصاب شيئا فهو له وكما حدثنا أحمد بن خالد الجزورى حدثنا محمد ابن يحيى الدهانى حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا غالب بن حجرة قال حدثتني أم عبد الله وهي ابنة الملقام بن التلب عن أبيها عن أبيه أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال من أتى بمول فله سلبه ومعلوم أن ذلك حكم مقصور على الحال في تلك الحرب خاصة إذ لا خلاف أنه لا يستحق السلب بأخذه موليا كقوله يوم فتح مكة من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ويدل على أن السلب غير مستحق للقاتل إلا أن يكون قد قال الأمير من قتل قتيلا فله سلبه ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا الوليد بن مسلم حدثني صفوان ابن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعى قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقنى مددى من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر زجل من المسلمين جزورا فسأله المددى طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فحمل الرومي يغرى بالمسلمين وقعد له المددى خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه وخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب قال عوف فأتيته فقلت يا خالد أما علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قضى بالسلب للقاتل فقال بلى ولكن استكثرته فقلت لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فأبى أن يرد عليه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقصصت عليه قصة المددى وما فعل خالد فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يا خالد ما حملك على ما صنعت قال يا رسول الله استكثرته فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يا خالد رد عليه ما أخذت منه قال عوف فقلت دونك يا خالد ألم أف لك فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وما ذاك فأخبرته قال فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقال يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائى لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا الوليد قال سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعى نحوه فلما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يا خالد لا ترد عليه دل ذلك على
أن السلب غير مستحق للقاتل لأنه لو استحقه لما جاز أن يمنعه ولدل ذلك على أن قوله بديا ادفعه لم يكن على جهة الإيجاب وإنما كان على وجه النفل وجائز أن يكون ذلك من الخمس ويدل عليه ما روى يوسف الماجشون قال حدثني صالح ابن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف أن معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح قتلا أبا جهل فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كلا كما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو فلما قضى به لأحدهما مع إخباره أنهما قتلاه دل على أنهما لم يستحقاه بالقتل ألا ترى أنه لو قال من قتل قتيلا فله سلبه ثم قتله رجلان استحقا السلب نصفين فلو كان القاتل مستحقا للسلب لوجب أن يكون لو وجد قتيل لا يعرف قاتله أن لا يكون سلبه من جملة الغنيمة بل يكون لقطة لأن له مستحقا بعينه فلما اتفق الجميع على أن سلب من لم يعرف قاتله في المعركة من جملة الغنيمة دل على أن القاتل لا يستحقه وقد قال الشافعى إن القاتل لا يستحق السلب في الإدبار وإنما يستحقه في الإقبال فالأثر الوارد في السلب لم يفرق بين حال الإقبال والإدبار فإن احتج بالخبر فقد خالفه وإن احتج بالنظر فالنظر يوجب أن يكون غنيمة للجميع لاتفاقهم على أنه إذا قتله في حال الإدبار لم يستحقه وكان غنيمة والمعنى الجامع بينهما أنه قتله بمعاونة الجميع ولم يتقدم من الأمير قول في استحقاقه ويدل على أن القاتل إنما يستحقه إذا تقدم من الأمير قول قبل إحراز الغنيمة أنه لو قال من قتل فله سلبه ثم قتله مقبلا أو مدبرا استحق سلبه ولم يختلف حال الإقبال والإدبار فلو كان السلب مستحقا بنفس القتل لما اختلف حكمه في حال الإدبار والإقبال وقد روى عن عمر في قتل البراء بن مالك أنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا ولا أرانا إلا خامسيه واختلف في الأمير إذا قال من أصاب شيئا فهو له فقال أصحابنا والثوري والأوزاعى هو كما قال ولا خمس فيه وكره مالك أن يقول من أصاب شيئا فهو له لأنه قتال بجعل وقال الشافعى يخمس ما أصابه إلا سلب المقتول قال أبو بكر لما اتفقوا على جواز أن يقول من أصاب شيئا فهو له وأنه يستحق وجب أن لا خمس فيه وأن لا يجوز قطع حقوق أهل الخمس عنه كما جاز قطع حقوق سائر الغانمين عنه وأيضا فإن قوله من أصاب شيئا فهو له بمنزلة من قتل قتيلا فله سلبه فلما لم يجب في السلب الخمس إذا قال الأمير ذلك كذلك سائر الغنيمة وأيضا فإن الله تعالى إنما أوجب الخمس فيما صار غنيمة لهم بقوله تعالى( واعلموا
أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) وهذا لم يصر غنيمة لهم لأن قول الأمير في ذلك جائز على الجيش فلما لم يصر غنيمة لهم وجب أن لا خمس فيه واختلف في الرجل يدخل دار الحرب وحده مغيرا بغير إذن الإمام فقال أصحابنا ما غنمه فهو له خاصة ولا خمس فيه حتى تكون لهم منعة ولم يحد محمد في المنعة شيئا وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس وقال الثوري والشافعى يخمس ما أخذه والباقي له وقال الأوزاعى إن شاء الإمام عاقبه وحرمه وإن شاء خمس ما أصاب والباقي له قال أبو بكر قوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) يقتضى أن يكون الغانمون جماعة لأن حصول الغنيمة منهم شرط في الاستحقاق وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى( فاقتلوا المشركين ـ وـقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) في لزوم قتل الواحد على حياله وإن لم يكن معه جماعة إذا كان مشتركا لأن ذلك أمر بقتل الجماعة والأمر بقتل الجماعة لا توجب اعتبار الجميع إذ ليس فيه شرط وقوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم ) فيه معنى الشرط وهو حصول الغنيمة لهم وبقتالهم فهو كقول القاتل إن كلمت هؤلاء الجماعة فعبدي حر إن شرط الحنث وجود الكلام للجماعة ولا يحنث بكلام بعضها وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجيش إذا غنموا لم يشاركهم سائر المسلمين في الأربعة الأخماس لأنهم لم يشهدوا القتال ولم تكن منهم حيازة الغنيمة وجب أن يكون هذا المغير وحده استحق ما غنمه وأما الخمس فإنما يستحق من الغنيمة التي حصلت بظهر المسلمين ونصرتهم وهو أن يكونوا فئة للغانمين ومن دخل دار الحرب وحده مغيرا فقد تبرأ من نصرة الإمام لأنه عاص له داخل بغير أمره فوجب أن لا يستحق منه الخمس ولذلك قال أصحابنا في الركاز الموجود في دار الإسلام لما كان الموضع مظهورا عليه بالإسلام وجب فيه الخمس ولو وجده في دار الحرب لم يجب فيه الخمس وإذا دخل الرجل وحده بإذن الإمام خمس ما غنم لأنه لما أذن له في الدخول فقد تضمن نصرته وحياطته والإمام قائم مقام جماعة المسلمين في ذلك فاستحق لهم الخمس وأما إذا كان المغيرون بغير إذن الإمام جماعة لهم منعة فإنه يجب فيه الخمس بقوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) فهم في هذه الحال بمنزلة السرية والجيش لحصول المنعة لهم ولتوجه الخطاب إليهم بإخراج الخمس من غنائمهم واختلف في المدد يلحق الجيش في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة
فقال أصحابنا إذا غنموا في دار الحرب ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار الإسلام فهم شركاء فيها وقال مالك والثوري والليث والأوزاعى والشافعى لا يشاركونهم قال أبو بكر الأصل في ذلك عند أصحابنا أن الغنيمة إنما يثبت فيها الحق بالإحراز في دار الإسلام ولا يملك إلا بالقسمة وحصولها في أيديهم في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا والدليل عليه أن الموضع الذي حصل فيه الجيش من دار الحرب لا يصير مغنوما إذا لم يفتتحوها ألا ترى أنهم لو خرجوا ثم دخل جيش آخر ففتحوها لم يصر الموضع الذي صار فيه الأولون ملكا لهم وكان حكمه حكم غيره من بقاع أرض الحرب والمعنى فيه أنهم لم يحرزوه في دار الإسلام فكذلك سائر ما يحصل في أيديهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام لم يثبت لهم فيه حق إلا بالحيازة في دارنا فإذا لحقهم جيش آخر قبل الإحراز في دار الإسلام كان حكم ما أخذوه حكم ما في أيدى أهل الحرب فيشترك الجميع فيه وأيضا قوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء ) يقتضى أن يكون غنيمة لجميعهم إذ بهم صار محرزا في دار الإسلام ألا ترى أنهم ماداموا في دار الحرب فإنهم يحتاجون إلى معونة هؤلاء في إحرازها كما لو لحقهم قبل أخذها شاركوهم ولو كان حصولها في أيديهم يثبت لهم فيها حقا قبل إحرازها في دار الإسلام لوجب أن يصير الموضع الذي وطئه الجيش من دار الإسلام كما لو افتتحوها لصارت دارا للإسلام وفي اتفاق الجميع على أن وطء الجيش لموضع في دار الحرب لا يجعله من دار الإسلام دليل على أن الحق لا يثبت فيه إلا بالحيازة واحتج من لم يقسم للمدد بما روى الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه بخيبر بعد ما فتحت وأن حزم خيلهم الليف قال أبان أقسم لنا يا رسول الله قال أبو هريرة فقلت لا تقسم لهم شيئا يا نبي الله قال أبان أنت بهذا يا وبر نجد قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم اجلس يا أبان فلم يقسم لهم وهذا لا حجة فيه لأن خيبر صارت دار الإسلام بظهور النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عليها وهذا لا خلاف فيه وقد قيل فيه وجه آخر وهو ما روى حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عمار ابن أبى عمار عن أبى هريرة قال ما شهدت لرسول الله مغنما إلا قسم لي إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها دون من سواهم لأن الله تعالى كان وعدهم إياها بقوله( وأخرى
لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ) بعد قوله( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ) وقد روى أبو بردة عن أبى موسى قال قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعد فتح خيبر بثلاث فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم لأبى موسى وأصحابه من غنائم خيبر ولم يشهدوا الوقعة ولم يقسم فيها لأحد لم يشهد الوقعة وهذا يحتمل أن يكون لأنهم كانوا من أهل الحديبية ويحتمل أن يكون بطيبة أنفس أهل الغنيمة كما روى جثيم بن عراك عن أبيه عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر من قومه قال فقدمنا وقد خرج رسول الله فخرجنا من المدينة حتى قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقد افتتح خيبر فكلم الناس فأشركونا في سهامهم فليس في شيء من هذه الأخبار دلالة على أن المدد إذا لحق بالجيش وهم في دار الحرب أنهم لا يشركونهم في الغنيمة وقد روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة وظهروا فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة وكان عمار على أهل الكوفة فقال رجل من بنى عطارد أيها الأجدع تريد أن تشاركنا في غنائمنا فقال جير إذ بي سبيت فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر في ذلك أن الغنيمة لمن شهد الوقعة وهذا أيضا لا دلالة فيه على خلاف قولنا لأن المسلمين ظهروا على نهاوند وصارت دار الإسلام إذ لم تبق للكفار هناك فئة فإنما قال إن الغنيمة لمن شهد الوقعة منهم لأنهم لحقوهم بعد ما صارت دار الإسلام ومع ذلك فقد رأس عمار ومن معه أن يشركوهم ورأى عمر أن لا يشركوهم لأنهم لحقوه بعد حيازة الغنيمة في دار الإسلام لأن الأرض صارت من دار الإسلام.
باب سهمان الخيل
قال الله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) قال أبو بكر ظاهره يقتضى المساواة بين الفارس والراجل وهو خطاب لجميع الغانمين وقد شملهم هذا الاسم ألا ترى أن قوله تعالى( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) قد عقل من ظاهر* استحقاقهن للثلثين على المساواة وكذلك من قال هذا العبد لهؤلاء إنه لهم بالمساواة ما لم يذكر التفضيل كذلك مقتضى قوله تعالى( غنمتم ) يقتضى أن يكونوا متساوين لأن قوله( غنمتم ) عبارة عن ملكهم له وقد اختلف في سهم الفارس.
ذكر الخلاف في ذلك
قال أبو حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم وقال أبو يوسف ومحمد وابن أبى ليلى ومالك والثوري والليث والأوزاعى والشافعى للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم وروى مثل قول أبى حنيفة عن المنذر بن أبى حمصة عامل عمر أنه جعل للفارس سهمين وللراجل سهما فرضية عمر* ومثله عن الحسن البصري وروى شريك عن أبى إسحاق قال قدم قثم ابن عباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا فقال اجعل جائزتك أن اضرب لك بألف سهم فقال اضرب لي بسهم ولفرسى بسهم* قال أبو بكر قد بينا أن ظاهر الآية يقتضى المساواة بين الفارس والراجل فلما اتفق الجميع على تفضيل الفارس بسهم فضلناه وخصصنا به للظاهر وبقي حكم اللفظ فيما عداه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن غليان العماني قال حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائى قال حدثنا عبد الله بن رجاء عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما قال عبد الباقي لي يجيء به عن الثوري غير محمد بن الصباح * قال أبو بكر وقد حدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وقد اختلف حديث عبيد الله بن عمر في ذلك وجائز أن يكونا صحيحين بأن يكون أعطاه بديا سهمين وهو المستحق ثم أعطاه في غنيمة أخرى ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد على وجه النفل ومعلوم أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لا يمنع المستحق وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل كما ذكر ابن عمر في حديث قد قدمنا ذكر سنده أنه كان في سرية قال فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعيرا بعيرا وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن الكميت الموصلي قال حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا عفيف بن سالم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أسهم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهما وهذا إن ثبت فلا حجة فيه لأبى حنيفة لأن قسمة يوم بدر لم تكن مستحقة للجيش لأن الله تعالى جعل الأنفال للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وخيره في إعطائه من رأى ولو لم يعطهم شيئا لكان جائزا فلم تكن قسمة الغنيمة مستحقة يومئذ وإنما وجبت بعد ذلك بقوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء
فأن لله خمسه ) ونسخ بهذا الأنفال التي جعلها للرسول في جملة الغنيمة وقد روى مجمع بن جارية أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قسم غنائم خيبر للفارس سهمين وللراجل سهما وروى ابن الفضيل عن الحجاج عن أبى صالح عن ابن عباس قال قسم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وهذا خلاف رواية مجمع بن جارية وقد يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين وهو المستحق وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد على وجه النفل كما روى سلمة بن الأكوع أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أعطاه في غزوة ذي قرد سهمين سهم الفارس والراجل وكان راجلا يومئذ وكما روى أنه أعطى الزبير يومئذ أربعة أسهم وروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان يضرب له في الغنم بأربعة أسهم وهذه الزيادة كانت على وجه النفل تحريضا لهم على إيجاب الخيل كما كان ينفل سلب القتيل ويقول من أصاب شيئا فهو له تحريضا على القتال فإن قيل لما اختلفت الأخبار كان خبر الزائد أولى قيل له هذا ثبتت الزيادة كانت على وجه الاستحقاق فأما إذا احتمل أن تكون على وجه النفل فلم تثبت هذه الزيادة مستحقة وأيضا فإن في خبرنا إثبات زيادة لسهم الراجل لأنه كلما نقص نصيب الفارس زاد نصيب الراجل ويدل على ما ذكرنا من طريق النظر أن الفرس لما كان آلة كان القياس أن لا يسهم له كسائر الآلات فتركنا القياس في السهم الواحد والباقي محمول على القياس وعلى هذا لو حضر الفرس دون الرجل لم يستحق شيئا ولو حضر الرجل دون الفرس استحق فلما لم يجاوز بالرجل سهما واحدا كان الفرس به أولى وأيضا الرجل آكد أمرا في استحقاق السهم من الفرس بدلالة أن الرجال وإن كثروا استحقوا سهامهم ولو حضرت جماعة أفراس لرجل واحد لم يستحق إلا لفرس واحد فلما كان الرجل آكد أمرا من الفرس ولم يستحق أكثر من سهم فالفرس أحرى بذلك واختلف في البراذين فقال أصحابنا ومالك والثوري والشافعى البرذون والفرس سواء وقال الأوزاعى كانت أئمة المسلمين فيما سلف لا يسهمون للبراذين حتى هاجت الفتنة من بعد قتل الوليد بن يزيد وقال الليث للهجين والبرذون سهم واحد ولا يلحقان بالعراب قال أبو بكر قال الله تعالى( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) وقال( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) وقال( والخيل والبغال والحمير ) لعقل باسم
الخيل في هذه الآيات البراذين كما عقل منها العراب فلما شملها اسم الخيل وجب أن يستويا في السهمان ويدل عليه أن راكب البرذون يسمى فارسا كما يسمى به راكب الفرس العربي فلما أجرى عليهما اسم الفارس وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم للفارس سهمان وللراجل سهم عم ذلك فارس البرذون كما عم فارس العراب وأيضا إن كان من الخيل فواجب أن لا يختلف سهمه وسهم العربي وإن لم يكن من الخيل فواجب أن لا يستحق شيئا فلما وافقنا الليث ومن قال بقوله إنه يسهم له دل على أنه من الخيل وأنه لا فرق بينه وبين العربي وأيضا لا يختلف الفقهاء في أنه بمنزلة الفرس العربي في جواز أكله وحظره على اختلافهم فيه فدل على أنهما جنس واحد فصار فرق ما بينهما كفرق ما بين الذكر والأنثى والهزيل والسمين والجواد وما دونه وأن اختلافهما في هذه الوجوه لم يوجب اختلاف سهامهما وأيضا فإن الفرس العربي وإن أجرى من كان البرذون فإن البرذون أقوى منه على حمل السلاح وأيضا فإن الرجل العربي والعجمي لا يختلفان في حكم السهام كذلك الخيل العربي والعجمي وقال عبد الله بن دينار سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين فقال سعيد وهل في الخيل من صدقة وعن الحسن أنه قال البراذين بمنزلة الخيل وقال مكحول أول من قسم للبراذين خالد بن الوليد يوم دمشق قسم للبراذين نصف سهام الخيل لما رأى من جريها وقوتها فكان يعطى البراذين سهما سهما وهذا حديث مقطوع وقد أخبر فيه أنه فعله من طريق الرأى والاجتهاد لما رأى من قوتها فإذا ليس بتوقيف وقد روى إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال أغارت الخيل بالشام وعلى الناس رجل من همدان يقال له المنذر بن أبى حمصة الوادعي فأدركت الخيل العراب من يومها وأدركت الكوادن من الغد فقال لا اجعل ما أدرك كما لم يدرك فكتب إلى عمر فيه فكتب عمر هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به أمضوها على ما قال فاحتج من لم يسهم للبراذين بذلك ولا دلالة في هذا الحديث على أن ذلك كان رأى عمر وإنما أجازه لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد وقد حكم به أمير الجيش فأنفذه واختلف فيمن يغزو بأفراس فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعى لا يسهم إلا لفرس واحد وقال أبو يوسف والثوري والأوزاعى والليث يسهم لفرسين والذي يدل على صحة القول الأول أنه معلوم أن الجيش قد كانوا يغزون مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعد ما ظهر الإسلام بفتح خيبر ومكة وحنين وغيرها من
المغازي ولم يكن يخلو الجماعة منهم من أن يكون معه فرسان أو أكثر ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب لأكثر من فرس واحد وأيضا فإن الفرس آلة وكان القياس أن لا يضرب له بسهم كسائر الآلات فلما ثبت بالسنة والاتفاق سهم الفرس الواحد أثبتناه ولم نثبت الزيادة إلا بتوقيف إذ كان القياس يمنعه.
باب قسمة الخمس
قال الله تعالى( فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) واختلف السلف في كيفية قسمة الخمس في الأصل فروى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة فربع لله والرسول ولذي القربى يعنى قرابة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الخمس شيئا والرابع الثاني لليتامى والربع الثالث للمساكين والربع الرابع لابن السبيل وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين وروى قتادة عن عكرمة مثله وقال قتادة في قوله تعالى( فأن لله خمسه ) قال يقسم الخمس على خمسة أسهم لله وللرسول خمس ولقرابة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم خمس ولليتامى خمس وللمساكين خمس ولابن سبيل خمس وقال عطاء والشعبي خمس الله وخمس الرسول واحد واحد قال الشعبي هو مفتاح الكلام وروى سفيان عن قيس بن مسلم قال سألت الحسن بن محمد بن الحنيفة عن قوله عز وجل( فأن لله خمسه ) قال هذا مفتاح كلام ليس لله نصيب لله الدنيا والآخرة وقال يحيى بن الجزار( فأن لله خمسه ) قال لله كل شيء وإنما للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم خمس الخمس وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية قال كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده فما وقع فيها من شيء جعله للكعبة وهو سهم بيت الله ثم يقسم ما بقي على خمسة فيكون للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ولابن السبيل سهم والذي جعله للكعبة هو السهم الذي لله تعالى وروى أبو يوسف عن أشعث بن سوار عن الزبير عن جابر قال كان يحمل الخمس في سبيل الله تعالى ويعطى منه نائبة القوم فلما كثر المال جعله في غير ذلك وروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس أن الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على خمسة أسهم لله وللرسول سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى وسهم وللمساكين سهم وابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى على ثلاثة أسهم
لليتامى والمساكين وابن السبيل قال أبو بكر فاختلف السلف في قسمة الخمس على هذه الوجوه قال ابن عباس في رواية على بن أبى طلحة أن القسمة كانت على أربعة سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى كان واحدا وأنه لم يكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يأخذ من الخمس شيئا وقال آخرون قوله( لله ) افتتاح كلام وهو مقسوم على خمسة وهو قول عطاء والشعبي وقتادة وقال أبو العالية كان مقسوما على ستة أسهم لله سهم يجعل للكعبة ولكل واحد من المسلمين في الآية سهم وأخبر ابن عباس في حديث الكلبي أن الخلفاء الأربعة قسموه على ثلاثة وقال جابر بن عبد الله كان يحمل من الخمس في سبيل الله ويعطى منه نائبة القوم ثم جعل في غير ذلك وقال محمد بن مسلمة وهو من المتأخرين من أهل المدينة جعل الله الرأى في الخمس إلى نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم كما كانت الأنفال له قبل نزول آية قسمة الغنيمة فنسخت الأنفال في الأربعة الأخماس وترك الخمس على ما كان عليه موكولا إلى رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وكما قال( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) ثم قال( وما آتاكم الرسول فخذوه ) فذكر هذه الوجوه ثم قال( وما آتاكم الرسول فخذوه ) فبين في آخره أنه موكول إلى رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وكذلك الخمس قال فيه أنه( لله خمسه وللرسول ) يعنى قسمته موكولة إليه ثم بين الوجوه التي يقسمهم عليها على ما يرى ويختار ويدل على ذلك حديث عبد الواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطاة قال حدثنا أبو الزبير عن جابر أنه سئل كيف كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يصنع بالخمس قال كان يحمل منه في سبيل الله الرجل ثم الرجل ثم الرجل والمعنى في ذلك أنه كان يعطى منه المستحقين ولم يكن يقسمه أخماسا وأما قول من قال إن القسمة كانت في الأصل على ستة وأن سهم الله كان مصروفا إلى الكعبة فلا معنى له لأنه لو كان ذلك ثابتا لورد النقل به متواترا ولكانت الخلفاء بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أولى الناس باستعمال ذلك فلما لم يثبت ذلك عنهم علم أنه غير ثابت وأيضا فإن سهم الكعبة ليس بأولى بأن يكون منسوبا إلى الله تعالى من سائر السهام المذكورة في الآية إذ كلها مصروف في وجوه القرب إلى الله عز وجل فدل ذلك على أن قوله( فأن لله خمسه ) غير مخصوص بسهم الكعبة فلما بطل ذلك لم يخل المراد بذلك من أحد وجهين إما أن يكون مفتاحا للكلام على ما حكيناه عن جماعة من السلف وعلى وجه تعليمنا التبرك بذكر الله وافتتاح الأمور باسمه وأن
يكون معناه أن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى ثم بين تلك الوجوه فقال( وللرسول ولذى القربى ) الآية فأجمل بديا حكم الخمس ثم فسر الوجوه التي أجملها فإن قيل لو أراد ما قلت لقال( فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى ) ولم يكن يدخل الواو بين اسم الله تعالى واسم رسول الله قيل له لا يجب ذلك من قبل أنه جائز في اللغة إدخال الواو والمراد إلغاؤها كما قال تعالى( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ) والواو ملغاة والفرقان ضياء وقال تعالى( فلما أسلما وتله للجبين ) معناه لما أسلما تله للجبين لأن قوله( فلما أسلما ) يقتضى جوابا وجوابه تله للجبين وكما قال الشاعر :
بل شيء يوافق بعض شيء |
وأحيانا وباطله كثير |
ومعناه يوافق بعض شيء أحيانا والواو ملغاة وكما قال الآخر :
فإن رشيدا وابن مروان لم يكن |
ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا |
ومعناه فإن رشيد بن مروان وقال الآخر :
إلى الملك القرم وابن الهام |
وليث الكتيبة في المزدحم |
والواو في هذه المواضع دخولها وخروجها سواء فثبت بما ذكرنا أن قوله( فأن لله خمسه ) على أحد المعنيين اللذين ذكرنا وجائز أن يكون جميعا مرادين لاحتمال الآية لهما فينتظم تعليمنا افتتاح الأمور بذكر الله تعالى وأن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى فكان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم سهم من الخمس وكان له الصفي وسهم من الغنيمة كسهم رجل من الجند إذا شهد القتال وروى أبو حمزة عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال وفد عبد القيس آمركم بأربع شهادة أن لا إله إلا الله وتقيموا الصلاة وتعطوا سهم الله من الغنائم والصفي واختلف السلف في سهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعد موته فروى سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن ابن محمد بن الحنيفة قال اختلف الناس بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في سهم الرسول وسهم ذي القربى فقالت طائفة سهم الرسول للخليفة من بعده وقالت طائفة سهم ذي القربى لقرابة الخليفة وأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والعدة في سبيل الله قال أبو بكر سهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنما كان له مادام حيا فلما توفى سقط سهمه كما سقط الصفي بموته فرجع سهمه إلى جملة الغنيمة كما رجع إليها ولم يعد للنوائب واختلف في سهم ذوى القربى فقال أبو حنيفة في الجامع الصغير يقسم الخمس على ثلاثة أسهم للفقراء والمساكين
وابن السبيل وروى بشر بن الوليد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة قال خمس الله والرسول واحد وخمس ذو القربى لكل صنف سماه الله تعالى في هذه الآية خمس الخمس وقال الثوري سهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الخمس هو خمس الخمس وما بقي فللطبقات التي سمى الله تعالى وقال مالك يعطى من الخمس أقرباء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على ما يرى ويجتهد قال الأوزاعى خمس الغنيمة لمن سمى في الآية وقال الشافعى يقسم سهم ذوى القربى بين غنيهم وفقيرهم قال أبو بكر قوله تعالى( ولذى القربى ) لفظ مجمل مفتقر إلى البيان وليس بعموم وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم دون غيره من الناس ومعلوم أنه لم يرد بها أقرباء سائر الناس فصار اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان وقد اتفق السلف على أنه قد أريد أقرباء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فمنهم من قال إن المستحقين لسهم الخمس من الأقرباء هم الذين كانت لهم نصرة وأن السهم كان مستحقا بالأمرين من القرابة والنصرة وأن من ليس نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء ويستدلون على ذلك بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب أتيته أنا وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنوا هاشم لا ننكر فضلهم بمكانك الذي وضعك الله فيهم أرأيت بنى المطلب أعطيتم ومنعتنا وإنماهم ونحن منك بمنزلة فقال صلى الله عليه وآله وسلم إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه فهذا يدل من وجهين على أنه غير مستحق بالقرابة فحسب أحدهما أن بنى المطلب وبنى عبد شمس ولو كان مستحقا بالقرابة لساوى بينهم والثاني أن فعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ذلك خرج مخرج البيان لما أجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى وفعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب فلما ذكر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم النصرة مع القرابة دل على أن ذلك مراد الله تعالى فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر وأيضا فإن الخلفاء الأربعة متفقون على أنه لا يستحق إلا بالفقر وقال محمد بن إسحاق سألت محمد على فقلت ما فعل على رضى الله عنه بسهم ذوى القربى حين ولى فقال سلك به سبيل أبى بكر وعمر وكره أن يدعى عليه خلافهما قال أبو بكر لو لم يكن هذا رأيه لما قضى به لأنه قد خالفهما في أشياء مثل الجد والتسوية في العطايا وأشياء أخر فثبت أن رأيه ورأيهما كان سواء في
أن سهم ذوى القربى إنما يستحقه الفقراء منهم ولما أجمع الخلفاء الأربعة عليه ثبتت حجته بإجماعهم لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وفي حديث يزيد بن هرمز عن ابن عباس فيما كتب به إلى نجدة الحروري حين سأله عن سهم ذي القربى فقال كنا نرى أنه لنا فدعانا عمر إلى أن نزوج منه أيمنا ونقضي منه عن مغرمنا فأبينا أن لا يسلمه لنا وأبى ذلك علينا قومنا وفي بعض الألفاظ فأبى ذلك علينا بنو عمنا فأخبر أن قومه وهم أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم رأوه لفقرائهم دون أغنيائهم وقول ابن عباس كنا نرى أنه لنا إخبار أنه قال من طريق الرأى ولاحظ للرأى مع السنة واتفاق جل الصحابة من الخلفاء الأربعة ويدل على صحة قول عمر فيما حكاه ابن عباس عنه حديث الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه والفضل بن العباس قالا يا رسول الله قد بلغنا النكاح فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدى إليك ما يؤدى العمال ونصيب ما يصيبون فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ثم أمر محمية أن يصدقهما من الخمس وهذا يدل على أن ذلك مستحق بالفقر إذ كان إنما اقتضى لهما على مقدار الصداق الذي احتاجا إليه للتزويج ولم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة ويدل على أن الخمس غير مستحق قسمته على السهمان وأنه موكول إلى رأى الإمام قوله صلّى الله عليه وآله وسلم مالي من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود فيكم ولم يخصص القرابة بشيء منه دون غيرهم دل ذلك على أنهم فيه كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة ويدل عليه قوله صلّى الله عليه وآله وسلم يذهب كسرى فلا كسرى بعده أبدا ويذهب قيصر فلا قيصر بعده أبدا والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يخصص به قوما من قوم ويدل على أنه كان موكولا إلى رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه أعطى المؤلفة قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخمس فدل على ما ذكرنا ويدل عليه أن كل من سمى في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر وهم اليتامى وابن السبيل فكذلك ذو القربى لأنه سهم من الخمس ويدل عليه أنه لما حرم عليهم الصدقة أقيم ذلك لهم مقام ما حرم عليهم منها فوجب أن لا يستحقه منهم إلا فقير كما أن الأصل الذي أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير فإن قيل موالي بنى هاشم لا تحل لهم الصدقة ولم يدخلوا في استحقاق السهم من الخمس قيل له هذا غلط لأن موالي بنى هاشم لهم سهم من الخمس إذ
كانوا فقراء على حسب ما هو لبنى هاشم فإن قيل إذا كانت قرابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يستحقون سهمهم بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصه إياهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين قيل له كما خص اليتامى وابن السبيل بالذكر ولا يستحقونه إلا بالفقر وأيضا لما سمى الله الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية ثم قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إن الصدقة لا تحل لآل محمد فلو لم يسمهم في الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا يجوز إعطاؤهم منه كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقات فسماهم إعلاما منه لنا أن سبيلهم فيه بخلاف سبيلهم في الصدقات فإن قيل قد أعطى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم العباس من الخمس وكان ذا يسار فدل على أنه للأغنياء والفقراء منهم قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام فاستوى فيه الفقير والغنى لتساويهم في النصرة والقرابة والثاني إنه جائز أن يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنما أعطى العباس لتفرقه في فقراء بنى هاشم ولم يعطه لنفسه وقد اختلف في ذوى القربى من هم فقال أصحابنا قرابة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة هم ذو قراباته وآله وهم آل جعفر وآل عقيل وولد حارث بن عبد المطلب وروى نحو ذلك عن زيد بن أرقم وقال آخرون بنو المطلب داخلون فيهم لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أعطاهم من الخمس وقال بعضهم قريش كلها من أقرباء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الذين سهم من الخمس إلا أن للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن يعطيه من رأى منهم قال أبو بكر أما من ذكرناهم فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ذووا قربائه وأما بنو المطلب فهم وبنو عبد شمس في القرب من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم سواء فإن وجب أن يدخلوا في القرابة الذين تحرم عليهم الصدقة فواجب أن يكون بنى عبد شمس مثلهم لمساواتهم إياهم في الدرجة فأما إعطائهم الخمس فإنما خص هؤلاء به دون بنى عبد شمس بالنصرة لأنه قال لم يفارقونى في جاهلية ولا إسلام وأما الصدقة فلم يتعلق تحريمها بالنصرة عند جميع الفقهاء فثبت أن بنى المطلب ليسوا من آل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الذين تحرم الصدقة عليهم كبني عبد شمس وموالي بنى هاشم تحرم عليهم الصدقة ولا قرابة لهم ولا يستحقون من الخمس شيئا بالقرابة وقد سألته فاطمة رضى الله عنها خادما من الخمس فوكلها إلى التكبير والتحميد ولم يعطها* فإن* قيل إنما لم يعطها لأنها ليست من ذوى قرباه لأنها أقرب إليه من ذوى قرباه* قيل له فقد خاطب عليا بمثل ذلك وهو من ذلك القربى وقال لبعض بنات عمه حين ذهبت مع فاطمة
إليه تستخدمه سبقكن يتامى بدر وفي يتامى بدر من لم يكن من بنى هاشم لأن أكثرهم من الأنصار ولو استحقتا بالقرابة شيئا لا يجوز منعهما إياه لما منعهما حقهما ولا عدل بهما إلى غيرهما وفي هذا دليل على معنيين أحدهما أن سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في أن يعطيه من شاء منهم والثاني أن إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلق له بتحريم الصدقة وأما من قال أن قرابة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قريش كلها فإنه يحتج لذلك بأنه لما نزلت( وأنذر عشيرتك الأقربين ) قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يا بنى فهر يا بنى عدى يا بنى فلان لبطون قريش إنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد وروى عنه أنه قال يا بنى كعب بن لؤي وأنه قال يا بنى هاشم يا بنى قصى يا بنى عبد مناف وروى عنه أنه قال لعلى اجمع لي بنى هاشم وهم أربعون رجلا قالوا فلما ثبت أن قريشا كلها من أقربائه وكان إعطاء السهم من الخمس موكولا إلى رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أعطاه من كان له منهم نصرة دون غيرهم * قال أبو بكر اسم القرابة واقع على هؤلاء كلهم لدعاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إياهم عند نزول قوله تعالى( وأنذر عشيرتك الأقربين ) فثبت بذلك أن الاسم يتناول الجميع فقد تعلق بذوي قربى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أحكام ثلاثة أحدها استحقاق سهم من الخمس بقوله تعالى( وللرسول ولذى القربى ) وهم الفقراء منهم على الشرائط التي قدمنا ذكرها عن المختلفين فيها والثاني تحريم الصدقة عليهم وهم آل على وآل العباس وآل عقيل وآل جعفر وولد الحارث بن عبد المطلب وهؤلاء هم أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولا حظ لبنى المطلب في هذا الحكم لأنهم ليسوا أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولو كانوا من أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لكانت بنو أمية من أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ومن آله ولا خلاف أنهم ليسوا كذلك فكذلك بنو المطلب لمساواتهم إياه في نسبهم من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم والثالث تخصيص الله تعالى لنبيه بإنذار عشيرته الأقربين فانتظم ذلك بطون قريش كلها على ما ورد به الأثر في إنذاره إياهم عند نزول الآية وإنما خص عشريته الأقربين بالإنذار لأنه أبلغ عند نزول الآية في الدعاء إلى الدين وأقرب إلى نفى المحاباة والمداهنة في الدعاء إلى الله عز وجل لأن سائر الناس إذا علموا أنه لم يحتمل عشيرته على عبادة غير الله وأنذرهم ونهاهم أنه أولى بذلك منهم إذ لو جازت المحاباة في ذلك لأحد لكانت أقرباؤه أولى الناس بها وقوله تعالى( واليتامى ) فإن حقيقة اليتم هو الانفراد ومنه الرابية المنفردة تسمى يتيمة والمرأة المنفردة عن الأزواج تسمى يتيمة إلا أنه قد اختص في الناس
بالصغير الذي قد مات أبوه وهو يفيد الفقر مع ذلك أيضا عند الإطلاق ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بنى فلان وهم لا يحصون أن الوصية جائزة لأنها للفقراء منهم ولا خلاف أنه قد أريد مع اليتم الفقر في هذه الآية وأن الأغنياء من الأيتام لا حظ لهم فيه ويدل على أن اليتم اسم يقع على الصغير الذي قد مات أبوه دون الكبير قوله صلّى الله عليه وآله وسلم لا يتم بعد حلم وقد قيل إن كل ولد يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإن يتمه من قبل أبيه وقوله تعالى( وابن السبيل ) فإن المسافر المنقطع به المحتاج إلى ما يتحمل به إلى بلده وإن كان له مال في بلده فهو بمنزلة الفقير الذي لا مال له لأن المعنى في وجوب إعطائه حاجته إليه فلا فرق بين من له مالا يصل إليه وبين ما لا مال له* وأما المسكين فقد اختلف فيه وسنذكره في موضعه من آية الصدقات وفي اتفاق الجميع على أن ابن السبيل واليتيم إنما يستحقان حقهما من الخمس بالحاجة دون الاسم دلالة على أن المقصد بالخمس صرفه إلى المساكين فإن قيل إذا كان المعنى هو الفقر فلا فائدة في ذكر ذوى القربى قيل له فيه أعظم الفوائد وهو أن آل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لما حرمت عليهم الصدقة كان جائزا أن يظن ظان أن الخمس محرم عليهم كتحريمها إذ كان سبيله صرفه إلى الفقراء فأبان الله تعالى بتسميتهم في الآية عن جواز إعطائهم من الخمس بالفقر ويلزم هذا السائل أن يعطى اليتامى وابن السبيل بالاسم دون الحاجة عن قضيته بأن لو كان مستحقا بالفقر ما كان لتسميته ابن السبيل واليتيم معنى وهما إنما يستحقانه بالفقر قوله تعالى( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) قيل أن الفئة هي الجماعة المنقطعة عن غيرها وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته والمراد بالفئة هاهنا جماعة من الكفار فأمرهم بالثبات لهم وقتالهم وهو في معنى قوله تعالى( إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) الآية ومعناه مرتب على ما ذكر في هذه من جواز التحرف للقتال أو الانحياز إلى فئة من المسلمين ليقاتل معهم ومرتب أيضا على ما ذكر بعد هذا من قوله تعالى( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) فإنماهم مأمورون بالثبات لهم إذا كان العدو مثلهم فإن كانوا ثلاثة أضعافهم فجائز لهم الانحياز إلى فئة من المسلمين يقاتلون معهم وقوله تعالى( واذكروا الله كثيرا ) يحتمل وجهين أحدهما ذكر الله تعالى باللسان والآخر الذكر بالقلب وذلك على وجهين أحدهما ذكر
ثواب الصبر على الثبات لجهاد أعداء الله مشركين وذكر عقاب الفرار والثاني ذكر دلائله نعمه على عباده وما يستحقه عليهم من القيام بفرضه في جهاد أعدائه وضروب هذه الأذكار كلها تعين على الصبر والثبات ويستدعى بها النصر من الله والجرأة على العدو والاستهانة بهم وجائز أن يكون المراد بالآية جميع الأذكار لشمول الاسم لجميعها وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ما يوافقني معنى الآية ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر ابن موسى قال حدثنا خلاد بن يحيى قال حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا تمنوا لقاء العدو واسئلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيرا وإن أجلبوا أو ضجوا فعليكم بالصمت قوله تعالى( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) أمر الله تعالى في هذه الآية بطاعته وطاعة رسوله ونهى بها عن الاختلاف والتنازع وأخبر أن الاختلاف والتنازع يؤدى إلى الفشل وهو ضعف القلب من فزع يلحقه وأمر في آية أخرى بطاعة أولاة الأمر لنفى الاختلاف والتنازع المؤديين إلى الفشل في قوله( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول ) وقال في آية أخرى( ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ) فأخبر تعالى أنه أراهم في منامهم قليلا لئلا يتنازعوا إذا رأوهم كثيرا فيفشلوا وروى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال ولن يغلب اثنى عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم فتضمنت هذه الآية كلها النهى عن الاختلاف والتنازع وأخبر أن ذلك يؤدى إلى الفشل وإلى ذهاب الدولة بقوله( وتذهب ريحكم ) وقيل إن المعنى ريح النصر التي يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله وروى ذلك عن قتادة وقال أبو عبيدة تذهب دولتكم من قولهم ذهبت ريحه أى ذهبت دولته قوله تعالى( فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ) تثقفنهم معناه تصادفهم وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فشرد بهم من خلفهم إذا أسرتهم فنكل بهم تنكيلا تشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفا منك وقال غيرهم افعل بهم من القتل ما تفرق به من خلفهم عن التعاون على قتالك ويشبه أن يكون ما أمر به أبو بكر الصديق رضى الله عنه من التنكيل بأهل الردة وإحراقهم بالنيران ورميهم من رؤس الجبال وطرحهم في الآبار ذهب فيه إلى أن تأويل الآية في تشريد سائر المرتدين
عن التعاون والاجتماع على قتال المسلمين قوله تعالى( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) الآية يعنى والله أعلم إذا خفت غدرهم وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين وفعلوا ذلك خفيا ولم يظهروا نقض العهد فانبذ إليهم على سواء يعنى ألق إليهم فسخ ما بينك وبينهم من العهد والهدنة حتى يستوي الجميع في معرفة ذلك وهو معنى قوله( على سواء ) لئلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب وقيل( على سواء ) على عدل من قول الزاجر :
فاضرب وجوه الغدر للأعداء |
حتى يجيبوك إلى السواء |
ومنه قيل للوسط سواء لاعتداله كما قال حسان :
يا ويح أنصار النبي ورهطه |
بعد المغيب في سواء الملحدى |
أى في وسطه وقد غز النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أهل مكة بعد الهدنة من غير أن ينبذ إليهم لأنهم قد كانوا نقضوا العهد بمعاونتهم بنى كناية على قتل خزاعة وكانت حلفاء للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولذلك جاء أبو سفيان ألى المدينة يسئل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم تجديد العهد بينه وبين قريش فلم بحبه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ألى ذلك فمن أجل ذلك لم يحتج ألى النبذ إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وروى نحو معنى الآية عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمرو النمري قال حدثنا شعبة عن أبى الفيض عن سليم وقال غيره سليم بن عامر رجل من حمير قال كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس برزون وهو يقول الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر فنظروا فإذا عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أن ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية وقوله تعالى( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح والكراع قبل وقت القتال إرهابا للعدو والتقدم في ارتباط الخيل استعدادا لقتال المشركين وقد روى في القوة إنها الرمي حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرنى عمرو بن الحارث عن أبى على ثمامة بن شفى الهمدانى أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وعلى المنبر
يقول( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا فضل بن سحتب قال حدثنا ابن أبى أويس عن سليمان بن بلال بن عمرو عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلى من أن تركبوا وكل لهو المؤمن باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني أبو سلام عن خالد بن زيد عن عقبة ابن عامر قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله وارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلى من أن تركبوا ليس من اللهو ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الجراح بن منهال عن ابن شهاب عن أبى سليمان مولى أبى رافع عن أبى رافع قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من حق الولد على الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة والرمي * ومعنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلم من حق الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة على قتال العدو ولم ينف به أن يكون غيره من القوة بل عموم اللفظ الشامل لجميع ما يستعان به على العدو ومن سائر أنواع السلاح وآلات الحرب وقد حدثنا عبد الباقي قال حدثنا جعفر بن أبى القتيل قال حدثنا يحيى بن جعفر قال حدثنا كثير بن هشام قال حدثنا عيسى ابن إبراهيم الثمالي عن الحكم بن عمير قال أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن لا نخفى الأظفار في الجهاد وقال إن القوة في الأظفار وهذا يدل على أن جميع ما يقوى على العدى فهو مأمور باستعداده وقال الله تعالى( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) فذمهم على ترك الاستعداد والتقدم قبل لقاء العدو وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في ارتباط الخيل ما يواطئ معنى الآية وهو ما حدثنا عبد الباقي بن نافع قال حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عبيد بن أبى حكيم الأزدى عن الحصين بن حرملة البرى عن أبى المصبح قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة وأصحابها معانون قلدوها ولا تقلدوها الأوتار قال أبو بكر بين في الخبر الأول أن الخير هو الأجر والغنيمة وفي ذلك ما يوجب أن ارتباطها قربة إلى الله تعالى فإذا أريد به الجهاد وهو يدل أيضا على بقاء الجهاد إلى يوم القيامة إذ كان الأجر مستحقا بارتباطها للجهاد في سبيل الله عز وجل وقوله صلّى الله عليه وآله وسلم ولا تقلدوها الأوتار قيل فيه معنيان أحدهما خشية اختناقها بالوتر والثاني أن أهل الجاهلية كانوا إذا طلبوا بالأوتار والدخول قلدوها خيلهم الأوتار يدلون بها على أنهم طالبون بالأوتار مجتهدون في قتل من يطلبونهم بها فأبطل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الطلب بدخول الجاهلية ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة ألا إن كل دم ومأثرة فهو موضوع تحت قدمي هاتين وأول دم ربيعة بن الحارث.
باب الهدنة والموادعة
قال الله تعالى( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) والجنوح الميل ومنه يقال جنحت السفينة إذا مالت والسلم المسألة ومعنى الآية أنهم إن مالوا إلى المسالمة وهي طلب السلامة من الحرب فسالمهم وأقبل ذلك منهم وإنما قال( فاجنح لها ) لأنه كناية عن المسالمة وقد اختلف في بقاء هذا الحكم فروى سعيد ومعمر عن قتادة أنها منسوخة بقوله تعالى( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وروى عن الحسن مثله وروى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) قال نسختها( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ـ إلى قوله ـوهم صاغرون ) وقال آخرون لا نسخ فيها لأنها في موادعة أهل الكتاب وقوله تعالى( فاقتلوا المشركين ) في عبدة الأوثان قال أبو بكر قد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عاهد حين قدم المدينة أصنافا من المشركين منهم النضير وبنو قينقاع وقريظة وعاهد قبائل من المشركين ثم كانت بينه وبين قريش هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة خلفاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك وذلك قبل أن يكثر أهل الإسلام ويقوى أهله فلما كثر المسلمون وقوى الدين أمر بقتل مشركي العرب ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف بقوله عز وجل( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ـ إلى قوله ـ
وهم صاغرون ) ولم يختلفوا أن سورة براءة من أواخر من نزل من القرآن وكان نزولها حين بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج في السنة التاسعة من الهجرة وسورة الأنفال نزلت عقيب يوم بدر بين فيها حكم الأنفال والغنائم والعهود والموادعات سورة براءة مستعمل على ما ورد وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها فحكم حكم ثابت أيضا وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين فالحال التي أمر فيها بالمسألة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم وقد قال تعالى( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ) فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم وكذلك قال أصحابنا إذا قدر بعض أهل الثغور على قتال العدو ومقاومتهم لم تجز لهم مسالمتهم ولا يجوز لهم إقرارهم على الكفر إلا بالجزية وإن ضعفوا عن قتالهم جاز لهم مسالمتهم كما سالم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كثيرا من أصناف الكفار وهادنهم على وضع الحرب بينهم من غير جزية أخذها منهم قالوا فإن قووا بعد ذلك على قتالهم نبذوا إليهم على سواء ثم قاتلوهم قالوا وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم إلا بما يبذلونه لهم جاز لهم ذلك لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى لما شاور الأنصار قالوا يا رسول الله هو أمر أمرك الله به أم الرأى والمكيدة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بل هو رأى لأنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعهم عنكم إلى يوم ما فقال السعدان بن عبادة وسعد بن معاذ والله يا رسول الله إنهم لم يكونوا يطعمون فيها منا إلا قرى وشرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام لا نعطيهم إلا بالسيف وشقاء الصحيفة فهذا يدل على أنهم إذا خافوا المشركين جاز لهم أن يدفعوهم عن أنفسهم بالمال فهذه أحكام بعضها ثابت بالقرآن وبعضها بالسنة وهي مستعملة في الأحوال التي أمر الله تعالى بها واستعملها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فيها وهذا نظير ما ذكرنا في ميراث الحليف أنه حكم ثابت بقوله تعالى( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) في حال عدم ذوى الأنساب وولاء العتاق فإذا كان هناك ذو نسب أو ولاء عتاقة فهم أولى من الحليف كما أن الإبن أولى من الأخ ولم يخرج من أن يكون من أهل الميراث قوله تعالى( وألف بين قلوبهم لو انفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) الآية روى أنه أراد به
الأوس والخزرج وكانوا على غاية العداوة والبغضاء قبل الإسلام فألف الله بين قلوبهم بالإسلام روى ذلك عن بشير بن ثابت الأنصارى وابن إسحاق والسدى وقال مجاهد هو كل متحابين في الله قوله تعالى( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) إلى آخر القصة حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) قال أمر الله تعالى الرجل من المسلمين أن يقاتل عشرة من الكفار فشق ذلك عليهم فرحمهم فقال( فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ) وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر وإنما عنى ابن عباس ما ذكر في هذه الآية وكان الفرض في أول الإسلام على الواحد قتال العشرة من الكفار لصحة بصائر المؤمنين في ذلك الوقت وصدق يقينهم ثم لما أسلم قوم آخرون خالطهم من لم يكن لهم بصائرهم ونياتهم خفف عن الجميع وأجراهم مجرى واحدا ففرض على الواحد مقاومة الاثنين قوله تعالى( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ) لم يرد به ضعف القوى والأبدان وإنما المراد ضعف النية لمحاربة المشركين فجعل فرض الجميع فرض ضعفائهم وقال عبد الله بن مسعود ما ظننت أن أحدا من المسلمين يريد بقتاله غير الله حتى أنزل الله تعالى( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) فكان الأولون على مثل هذه النيات فلما خالطهم من يريد الدنيا بقتاله سوى بين الجميع في الفرض وفي هذه الآية دلالة على بطلان من أبى وجود النسخ في شريعة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وإن لم يكن قائله معتقدا بقوله لأنه قال تعالى( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) والتخفيف لا يكون إلا بزوال بعض الفرض أو النفل عنه إلى ما هو أخف منه فثبت بذلك أن الآية الثانية ناسخة للفرض الأول وزعم القائل بما ذكرنا من إنكار النسخ لأنه ليس في الآية أمر وإنما فيه الوعد بشريطة فمتى وفي بالشرط أنجز الوعد وإنما كلف كل قوم من الصبر على قدر استطاعتهم فكان على الأولين ما ذكر من مقاومة العشرين للمائتين والآخرون لم يكن لهم من نفاذ البصيرة مثل ما للأولين فكلفوا مقاومة الواحد للإثنين
والمائة للمائتين قال ومقاومة العشرين للمائتين غير مفروضة وكذلك المائة للمائتين وإنما الصبر مفروض على قدر الإمكان والناس مختلفون في ذلك على مقادير استطاعتهم فليس في الآية نسخ كما زعم قال أبو بكر هذا كلام شديد الاختلال والتناقض خارج عن قول الأمة سلفها وخلفها وذلك لأنه لا يختلف أهل النقل والمفسرون في أن الفرض كان في أول الإسلام مقاومة الواحد للعشرة ومعلوم أيضا أن قوله تعالى( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) وإن كان لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر كقوله تعالى هو إخبارا بوقوع ذلك وإنما هو أمر بأن لا يفر الواحد من العشرة ولو كان هذا خبرا لما كان لقوله( الآن خفف الله عنكم ) معنى لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به لا في المخبر عنه ومعلوم أيضا أن القوم الذين كانوا مأمورين بأن يقاوم الواحد منهم عشرة من المشركين داخلون في قوله( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ) فلا محالة قد وقع النسخ عنهم فيما كانوا تعبدوا به من ذلك ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم ولقل صبرهم وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم وهم المعنيون بقوله تعالى( وعلم أن فيكم ضعفا ) فبطل بذلك قول هذا القائل بما وصفنا وقد أقر هذا القائل أن بعض التكليف قد زال منهم بالآية الثانية وهذا هو معنى النسخ والله أعلم بالصواب.
باب الأسارى
قال الله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو نوح قال أخبرنا عكرمة ابن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الفداء فأنزل الله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى ـ إلى قوله ـلمسكم فيما أخذتم ) من الفداء ثم أحل الله الغنائم وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم كان النبي
إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل من السمائد نار فتأكلها فأنزل الله تعالى( لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) وروى فيه وجه آخر وهو ما رواه الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبى عبيدة عن عبد الله قال شاور النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أصحابه في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالاستبقاء وأشار عمر بالقتل وأشار عبد الله بن رواحة بالإحراق فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حين قال( فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم ) ومثل عيسى إذ قال( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) الآية ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) ومثل موسى إذ قال( ربنا اطمس على أموالهم ) الآية أنتم عالة فلا ينفلتن منهم أحدا إلا بفداء أو ضربة عنق فقال ابن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإنه ذكر الإسلام فسكت ثم قال إلا سهيل بن بيضاء فأنزل الله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) إلى آخر الآيتين وروى عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم استشار أبا بكر وعمرو عليا في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر بالقتل فهوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوى ما قال عمر فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرنى من أى شيء تبكى أنت وصاحبك فقال أبكى للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض على عذابكم أدنى من هذا الشجرة شجرة قريبة من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى ) إلى آخر القصة فذكر في حديث ابن عباس المتقدم في الباب وحديث أبى هريرة أن قوله( لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) إنما نزل في أخذهم الغنائم وذكر في حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس الآخر أن الوعيد إنما كان في عرضهم الفداء على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وإشارتهم عليه به والأول ألى بمعنى الآية لقوله تعالى( لمسكم فيما أخذتم ) ولم يقل فيما عرضتم وأشرتم ومع ذلك فإنه يستحيل أن يكون الوعيد في قول قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ومن الناس من يجيز ذلك على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من طريق اجتهاد الرأى ويجوز أيضا أن يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أباح لهم أخذ الفداء وكان ذلك معصية صغيرة فعاتبه الله والمسلمين عليها وقد ذكر في الحديث الذي في صدر الباب أن الغنائم لم تحل قبل نبينا لأحد وفي الآية ما يدل على ذلك
وهو قوله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) فكان في شرائع الأنبياء المتقدمين تحريم الغنائم وفي شريعة نبينا تحريمها حتى يثخن في الأرض واقتضى ظاهره إباحة الغنائم والأسرى بعد الإثخان وقد كانوا يوم بدر مأمورين بقتل المشركين بقوله تعالى( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) وقال تعالى في آية أخرى( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق ) وكان الفرض في ذلك الوقت القتل حتى إذا أثخن المشركون فحينئذ إباحة الفداء وكان أخذ الفداء قبل الإثخان محظورا وقد كان أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم حازوا الغنائم يوم بدر وأخذوا الأسرى وطلبوا منهم الفداء وكان ذلك من فعلهم غير موافق لحكم الله تعالى فيهم في ذلك ولذلك عاتبهم عليه ولم يختلف نقلة السير ورواة المغازي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أخذ منهم الفداء بعد ذلك وأنه قال لا ينفلت منهم إلا بفداء أو ضربة عنق وذلك يوجب أن يكون حظر أخذ الأسرى ومفاداتهم المذكورة في هذه الآية وهو قوله تعالى( ما كان لنبى أن يكون له أسرى ) منسوخا بقوله( لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) فأخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم منهم الفداء فإن قيل كيف يجوز أن يكون ذلك منسوخا وهو بعينه الذي كانت المعاتبة من الله للمسلمين وممتنع وقوع الإباحة والحظر في شيء واحد قيل له إن أخذ الغنائم والأسرى وقع بديا على وجه الحظر فلم يملكوا ما أخذوا ثم إن الله تعالى أباحها لهم وملكهم إياها فالأخذ المباح ثانيا هو غير محظور أولا وقد اختلف في معنى قوله تعالى( لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) فروى أبو زميل عن ابن عباس قال سبقت لهم الرحمة قبل أن يعلموا المعصية وروى مثله عن الحسن رواية وهذا يدل على أنهما رأيا ذلك معصية صغيرة وقد وعد الله غفرانها باجتنابهم الكبائر وكتب لهم ذلك قبل عملهم للمعصية الصغيرة وروى عن الحسن أيضا ومجاهد أن الله تعالى كان مطعما لهذه الأمة الغنيمة ففعلوا الذي فعلوا قبل أن تحل لهم الغنيمة قال أبو بكر حكم الله تعالى بأنه ستحل لهم الغنيمة في المستقبل لا يزيل عنهم حكم الحظر قبل إحلالها ولا يخفف من عقابه فلا يجوز أن يكون التأويل أن إزالة العقاب لأجل أنه كان في معلومه إباحة الغنائم لهم بعده وروى عن الحسن أيضا وعن مجاهد قالا سبق من الله أن لا يعذب قوما إلا بعد تقدمه ولم يكن تقدم إليهم فيها وهذا وجه صحيح وذلك لأنهم لم يعلموا
بتحريم الغنائم على أمم الأنبياء المتقدمين وبقاء هذا الحكم عليهم من شريعة نبينا صلّى الله عليه وآله وسلم فاستباحوها على ظن منهم أنها مباحة ولم يكن قد تقدم لهم من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قول في تحريمها عليهم ولا أخبار منه إياهم بتحريمها على الأمم السالفة فلم يكن خطؤهم في ذلك معصية يستحق عليها العقاب قوله تعالى( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) فيه إباحة الغنائم وقد كانت محظورة قبل ذلك وقد ذكرنا حديث الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وأرسلت إلى الأحمر والأبيض وأعطيت الشفاعة فأخبر صلّى الله عليه وآله وسلم في هذين الخبرين أن الغنائم لم تحل لأحد من الأنبياء وأممها قبله وقوله تعالى( فكلوا مما غنمتم ) قد اقتضى وقوع ملك الغنائم لهم إذا أخذوا وإن كان المذكور في لفظ الآية هو الأكل وإنما خص الأكل بذلك لأنه معظم منافع الأملاك إذ به قوام الأبدان وبقاء الحياة وأراد بذلك تمليك سائر وجوه منافعها وهو كما قال تعالى( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) فحص اللحم بذلك والمراد جميع أجزائه لأنه مبتغى منافعه ومعظمها في لحومه وكما قال تعالى( إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) فحص البيع بالحظر في تلك الحال والمراد سائر ما يشغل عن الصلاة وكان وجه تخصيصه أنه معظم منافع التصرف في ذلك الوقت فإذا كان معظمه محظورا فما دونه أولى بذلك وذلك في مفهوم اللفظ ومثله قوله تعالى( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) فحص الأكل بالذكر ودل به على حظر الأخذ والإتلاف من غير جهة الأكل فهذا حكم اللفظ إذا ورد في مثله ولو لا الأكل موجبة للتمليك ولذلك قال أصحابنا فيمن أباح لرجل أكل طعامه أنه ليس له أن يتملكه ولا يأخذه وإنما له الأكل فحسب ولكنه لما كان في مفهوم خطاب الآية التمليك على الوجه الذي ذكرنا أوجب التمليك وقد قال الله تعالى في آية أخرى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) فجعل الأربعة الأخماس غنيمة لهم وذلك يقتضى التمليك وكذلك ظاهر قوله تعالى( فكلوا مما غنمتم ) لما أضاف الغنيمة إليهم فقد أفاد تملكها إياهم
بإطلاقه لفظ الغنيمة فيه ثم عطفه الأكل عليها لم لم ينف ما تضمنه من التمليك كما لو قال كلوا مما ملكتم لم يكن إطلاق لفظ الأكل مانعا من صحة الملك ويدل على ذلك دخول الفاء عليه كأنه قال قد ملكتكم ذلك فكلوا* والغنيمة اسم لما أخذ من أموال المشركين بقتال فيكون خمسه لله تعالى وأربعة أخماسه للغانمين بقوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن لله خمسه ) وأما الفيء فهو كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بغير قتال روى هذا الفرق بينهما عن عطاء بن السائب وعن سفيان الثوري أيضا* قال أبو بكر الفيء كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بقتال أو بغير قتال إذ كان سبب أخذه الكفر قال أصحابنا الجزية فيء والخراج وما يأخذه الإمام من العدو على وجه الهدنة والموادعة فهو فيء أيضا وقال الله عز وجل( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ) الآية فقيل إن هذا فيما لم يوجف عليه المسلمون مثل فدك وما أخذ من أهل نجران فكان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم صرفه في هذه الوجوه وقيل إن هذه كانت في الغنائم فنسخت بقوله تعالى( واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ) وجائز عندنا أن لا تكون منسوخة وأن تكون آية الغنيمة فيما أوجف عليه المسلمون بخيل أو ركاب وظهر عليهم بالقتال وآية الفيء التي في الحشر فيما لم يوجف عليه المسلمون وأخذ منهم على وجه الموادعة والهدنة كما فعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بأهل نجران وفدك وسائر ما أخذه منهم بغير قتال والله أعلم بالصواب.
باب التوارث بالهجرة
قال الله تعالى( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا ) الآية حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيدة قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) الآية قال كان المهاجر لا يتولى الأعرابى ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث الأعرابى المهاجر فنسختها( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وروى عبد الرحمن بن عبد الله بن المسعودي عن القاسم قال آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة وآخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام أخوة يتوارثون بها
لأنهم هاجروا وتركوا أقرباءهم حتى أنزل الله آية المواريث* قال أبو بكر اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة التي آخى بها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بينهم دون الأرحام وأن ذلك مراد هذه الآية وأن قوله تعالى( أولئك بعضهم أولياء بعض ) قد أريد به إيجاب التوارث بينهم وأن قوله( ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا ) قد نفى إثبات التوارث بينهم بنفيه الموالاة بينهم وفي هذا دلالة على أن إطلاق الموالاة يوجب التوارث وإن كان قد يختص به بعضهم دون جميعهم على حسب وجود الأسباب المؤكدة له كما أن النسب سبب يستحق به الميراث وإن كان بعض ذوى الأنساب أولى به في بعض الأحوال لتأكد سببه وفي هذا دليل على أن قوله تعالى( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) موجب لإثبات القود لسائر ورثته وأن النساء والرجال في ذلك سواء لتساويهم في كونهم من مستحقي ميراثه ويدل أيضا على أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث وأن قوله صلّى الله عليه وآله وسلم لا نكاح إلا بولي مثبت للولاية لجميع من كان من أهل الميراث على حسب القرب وتأكيد السبب وأنه جائز للأم تزويج أولادها الصغار إذا لم يكن لهم أب على ما يذهب إليه أبو حنيفة إذ كانت من أهل الولاية في الميراث* وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى أن فتح النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مكة فقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة وأثبت التوارث بالأنساب بقوله تعالى( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) قال الحسن كان المسلمون بتوارثون بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله تعالى( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) فتوارثوا بالأرحام وروى الأوزاعى عن عبدة عن مجاهد عن ابن عمر قال انقطعت الهجرة بعد الفتح وروى الأوزاعى أيضا عن عطاء ابن أبى رباح عن عائشة مثله وزاد فيه ولكن جهاد ونية وإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفتنوا عنه وقد أذاع الله الإسلام وافشاء فتضمنت هذه الآية إيجاب التوارث بالهجرة والمؤاخاة دون الأنساب وقطع الميراث بين المهاجرين وبين من لم يهاجر واقتضى أيضا إيجاب نصرة المؤمن الذي لم يهاجر إذا استنصر المهاجر على من لم يكن بينهم وبينه عهد بقوله تعالى( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) وقد روى في قوله تعالى( ما لكم من ولايتهم
من شىء حتى يهاجروا ) ما قد بينا ذكره في نفى الميراث عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في آخرين وقيل إنه أراد نفى إيجاب النصرة فلم تكن حينئذ على المهاجر نصرة ومن لم يهاجر إلا أن يستنصر فتكون عليه نصرته إلا على من كان بينه وبينه عهد فلا ينقض عهده وليس يمتنع أن يكون نفى الولاية مقتضيا للأمرين جميعا من نفى التوارث والنصرة ثم نسخ نفى الميراث بإيجاب التوارث بالأرحام مهاجرا كان أو غير مهاجر وإسقاطه بالهجرة فحسب ونسخ نفى إيجاب النصرة بقوله تعالى( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقوله تعالى( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) قال ابن عباس والسدى يعنى في الميراث وقال قتادة في النصرة والمعاونة وهو قول ابن إسحاق* قال أبو بكر لما كان قوله تعالى( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ـ إلى قوله ـأولئك بعضهم أولياء بعض ) موجبا لإثبات التوارث بالهجرة وكان قوله تعالى( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا ) نافيا للميراث وجب أن يكون قوله تعالى( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) موجبا لإثبات التوارث بينهم لأن الولاية قد صارت عبارة عن إثبات التوارث بينهم فاقتضى عمومه إثبات التوارث بين سائر الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم لأن الاسم يشملهم ويقع عليهم ولم يفرق الآية بين أهل الملل بعد أن يكونوا كفارا ويدل أيضا على إثبات ولاية الكفار على أولادهم الصغار لاقتضاء اللفظ له في جواز النكاح والتصرف في المال في حال الصغر والجنون* وقوله تعالى( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) يعنى والله أعلم إن تفعلوا ما أمرتم به في هاتين الآيتين من إيجاب الموالاة والتناصر والتوارث بالأخوة والهجرة ومن قطعها بترك الهجرة تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا مخرجه مخرج الخبر ومعناه الأمر وذلك لأنه إذا لم يتول المؤمن الفاضل على ظاهر حاله من الإيمان والفضل بما يدعو إلى مثل حاله ولم يتبرأ من الفاجر والضال بما يصرف عن ضلاله وفجوره أدى ذلك إلى الفساد والفتنة قوله تعالى( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) نسخ به إيجاب التوارث وبالهجرة والحلف والموالاة ولم يفرق فيه بين العصبات وغيرهم فهو حجة في إثبات ميراث ذوى الأرحام الذين لا تسمية لهم ولا تعصيب وقد ذكرنا فيما سلف في سورة النساء وذهب عبد الله بن مسعود إلى أن ذوى الأرحام أولى من مولى
العتاقة واحتج فيه بظاهر الآية وليس هو كذلك عند سائر الصحابة وقد روى أن ابنة حمزة اعتقت عبدا ومات وترك بنتا فجعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نصف ميراثه لابنته ونصفه لابنه حمزة بالولاية فجعلها عصبة والعصبة أولى بالميراث من ذوى الأرحام وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب * وقوله تعالى( فى كتاب الله ) قيل فيه وجهان أحدهما في اللوح المحفوظ كما قال( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) والثاني في حكم الله تعالى.
سورة براءة
قال الله تعالى( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) قال أبو بكر البراءة هي قطع الموالاة وارتفاع العصمة وزوال الأمان وقيل إن معناه هذه براءة من الله ورسوله ولذلك ارتفع وقيل هو ابتداء وخبره الظرف في إلى فاقتضى قوله عز وجل( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) نقض العهد الذي كان بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبينهم ورفع الأمان وإعلام نصب الحرب والقتال بينه وبينهم وهو على نحو قوله تعالى( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) فكان ما ذكر في هذه الآية من البراءة نبذا إليهم ورفعا للعهد وقيل إن ذلك كان خاصا فيمن أضمروا الخيانة وهموا بالغدر وكان حكم هذا اللفظ أن يرفع العهد في حال ذكر ذلك لهم إلا أنه لما عقبه بقوله تعالى( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) بين به أن هذه البراءة وهذا النبذ إليهم إنما هي بعد أربعة أشهر وأن عهد ذوى العهد من هذا القبيل منهم باق إلى آخر هذه المدة قال الحسن فمن كان منهم عهده أكثر من أربعة أشهر حط إليها ومن كان منهم عهده أقل رفع إليها وقيل إن هذه الأربعة الأشهر التي هي أشهر العهد أولها من عشرين من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر وعشرة أيام من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة التي حج فيها أبو بكر وقرأ فيها على بن أبى طالب سورة براءة على الناس بمكة بأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان في ذي القعدة ثم صار الحج في السنة الثانية وهي السنة التي حج فيها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في في ذي الحجة وهو الوقت الذي وقته الله تعالى للحج لأن المشركين كانوا ينسئون الشهور فاتفق عود الحج في السنة التي حج فيها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى الوقت الذي فرضه الله تعالى فيه بديا على إبراهيم وأمره فيه بدعاء الناس إليه بقوله( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا )
ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهو واقف بعرفات ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض فثبت الحج في اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة والنحر وهو اليوم العاشر منه فهذا قول من يقول إن الأربعة الأشهر التي جعلها للسياحة وقطع بمضيها عصمة المشركين وعهدهم وقد قيل في جواز نقض العهد قبل مضى مدته على جهة النبذ إليهم وإعلامهم نصب الحرب وزوال الأمان وجوه أحدها أن يخاف غدرهم وخيانتهم والآخر أن يثبت غدرهم سرا فينبذ إليهم ظاهرا والآخر أن يكون في شرط العهد أن يقرهم على الأمان ما يشاء وينقضه متى شاء كما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأهل خيبر أقركم ما أقركم الله والآخر أن العهد المشروط إلى مدة معلومة فيه ثبوت الأمان من حربهم وقتالهم من غير علمهم وأن لا يقصدوا وهم غارون وأنه متى أعلمهم رفع الأمان من حربهم فذلك جائز لهم وذلك معلوم في مضمون العهد وسواء خاف غدرهم أو لم يخف وكان في شرط العهد أن لناقضه متى شئنا أو لم يكن فإن لنا متى رأينا ذلك خطا للإسلام أن ننبذ إليهم وليس ذلك بغدر منا ولا خيانة ولا خفر للعهد لأن خفر الأمان والعهد أن يأتيهم بعد الأمان وهم غارون بأماننا فأما متى نبذنا إليهم فقد زال الأمان وعادوا حربا ولا يحتاج إلى رضاهم في نبذ الأمان إليهم ولذلك قال أصحابنا أن للإمام أن يهادن العدو إذا لم تكن بالمسلمين قوة على قتالهم فإن قوى المسلمون وأطاقوا قتالهم كان له أن ينبذ إليهم ويقاتلهم وكذلك كل ما كان فيه صلاح للمسلمين فللإمام أن يفعله وليس جواز رفع الأمان موقوفا على خوف الغدر والخيانة من قبلهم وقد روى عن ابن عباس أن هذه الأربعة الأشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة إلى آخر المحرم وقد كانت سورة براءة نزلت حين بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج وكان الحج في تلك السنة في ذي القعدة فكأنهم على هذا القول إنما بقي عهدهم إلى آخر الأربعة الأشهر التي هي أشهر الحرم وقد روى جرير بن عن مغيرة عن الشعبي عن المحرر بن أبى هريرة عن أبيه قال كنت مع على حين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ببراءة إلى المشركين فكنت أنادى حتى صحل صوتي وكان أمرنا أن نقول لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة الأشهر فان الله برىء من المشركين ورسوله وجائز أن تكون هذه الأربعة الأشهر من وقت
ندائه وإعلامهم إياه وجائز أن يريد بها تمام أربعة أشهر من الأشهر الحرم وقد روى سفيان عن أبى إسحاق عن زيد بن يثيع عن على أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعثه يوم الحج الأكبر أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يحج مشرك بعد عامه هذا ومن كان بينه وبين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عهد فاجعله إلى مدته فجمل في حديث على من له عهد عهده إلى أجله ولم يخصص أربعة أشهر من غيره وقال في حديث أبى هريرة فعهده إلى أربعة أشهر وجائز أن يكون المعنيان صحيحين وأن يكون جعل أجل بعضهم أربعة أشهر أو تمام أربعة أشهر التي هي أشهر الحرم وجعل أجل بعضهم إلى مدته طالت المدة أو قصرت وذكر الأربعة الأشهر في حديث أبى هريرة موافق لقوله تعالى( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وذكر إثبات المدة التي أجلها في حديث على موافق لقوله تعالى( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) فكان أجل بعضهم وهم الذين خيف غدرهم وخيانتهم أربعة أشهر وأجل من لم يخش غدرهم إلى مدته وقد روى يونس عن أبى إسحاق قال بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أميرا على الحج من سنة تسع فخرج أبو بكر ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم والمشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم أن لا يصد عن البيت أحد ولا يخاف أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وبين قبائل العرب خصائص إلى أجال مسماة فنزلت( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) أهل العهد العام من أهل الشرك من العرب( فسيحوا في الارض اربعة أشهر ) أن الله برىء من المشركين بعده هذه الحجة وقوله( إلا الذين عاهدتم من المشركين ) يعنى العهد الخاص إلى الأجل المسمى( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) يعنى الأربعة التي ضربه لهم أجلا وقوله( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) من قبائل بنى بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وبين قريش فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو الدئل فأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بإتمام العهد لمن لم يكن نقضه من بنى بكر إلى مدته( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) وروى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال جعل الله للذين عاهدوا رسول
الله صلّى الله عليه وآله وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا وأجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم خمسين ليلة وأمره إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يضع السيف فيمن عاهدوا ولم يدخلوا في الإسلام ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق* قال أبو بكر جعل ابن عباس في هذا الحديث الأربعة الأشهر التي هي أشهر العهد لمن كان له منهم عهد ومن لم يكن منهم عهد جعل أجله انسلاخ المحرم وهو تمام خمسين ليلة من وقت الحج وهو العشر من ذي الحجة وذلك آخر وقت أشهر الحرم وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله( براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) إلى أهل العهد من خزاعة ومدلج ومن كان له عهد من غيرهم قال ثم بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعليا فآذنوا أصحاب العهود أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المتواليات من عشر من ذي الحجة إلى عشر يخلو من شهر ربيع الآخر ثم لا عهد لهم قال وهي الحرم من أجل أنهم آمنوا فيها قال أبو بكر فجعل مجاهد الأشهر الحرم في أشهر العهد وذهب إلى أنها إنما سميت بذلك لتحريم القتال فيها وليست هي الأشهر التي قال الله فيها( أربعة حرم ) وقال( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) لأنه لا خلاف أن هذه الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وكذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم والذي قاله مجاهد في ذلك محتمل وقال السدى( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال عشرون يبقى من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلا الإسلام أو السيف وحدثنا عبد الله بن إسحاق المروزى حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري في قوله( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) قال نزلت في شوال وهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وقال قتادة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر كان ذلك في العهد الذي بينهم قال أبو بكر قول قتادة موافق لقول مجاهد الذي حكيناه أما قول الزهري فأظنه وهما لأن الرواة لم يختلفوا أن سورة براءة نزلت في ذي الحجة في الوقت الذي بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج ثم نزلت بعد خروجه سورة براءة فثبت بها مع على ليقرأها على الناس فثبت بما ذكرنا من هذه الأخبار أنه قد كان بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين عهد عام وهو أن لا يصد أحدا منهم عن البيت ولا يخاف أحد في الشهر الحرام فجعل الله تعالى عهدهم أربعة أشهر بقوله تعالى( فسيحوا في الأرض
أربعة أشهر ) وكان بينه وبين خواص منهم عهود إلى آجال مسماة وأم بالوفاء لهم وإتمام عهودهم إلى مدتهم إذا لم يخش غدرهم وخيانتهم وهو قوله تعالى( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) وهذا يدل على أن مدتهم إما أن تكون إلى آخر الأشهر الحرم التي قد كان الله تعالى حرم القتال فيها وجائز أن تكون مدتهم إلى آخر الأربعة الأشهر من وقت النبذ إليهم وهو يوم النحر وأخره عشر مضين من شهر ربيع الآخر فسماها الأشهر الحرم على ما ذكره مجاهد لتحريم القتال فيها فلم يكن لأحد منهم بعد ذلك عهد وأوجب بمضى هذه المدة دفع العهود كلها سواء من كان له منهم عهد خاص أو سائر المشركين الذين عمهم عهده في ترك منعهم من البيت وحظره قتلهم في أشهر الحرم وجائز أن يكون مراده انسلاخ المحرم الذي هو آخر الأشهر الحرم التي كان الله تعالى حظره القتال فيها وقد رويناه عن ابن عباس قوله تعالى( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ) يعنى إعلام من الله ورسوله يقال أذننى بكذا أى أعلمنى فعلمت واختلف في يوم الحج الأكبر فروى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في بعض الأخبار أنه يوم عرفة وعن على وعمرو ابن عباس وعطاء ومجاهد نحو ذلك على اختلاف من الرواية فيه وروى أيضا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه يوم النحر وعن على وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبى أو في وإبراهيم وسعيد بن جبير على اختلاف فيه من الرواة وعن مجاهد وسفيان الثوري أيام الحج كلها وهذا شائع كما يقال يوم صفين وقد كان القتال في أيام كثيرة وروى حماد عن مجاهد أيضا قال الحج الأكبر القران والحج الأصغر الإفراد وقد ضعف هذا التأويل من قبل أنه يوجب أن يكون للإفراد يوم بعينه وللقران يوم بعينه وقد علم أن يوم القران هو يوم الإفراد للحج فتبطل فائدة تفضيل اليوم الحج الأكبر فكان يجب أن يكون النداء بذلك في يوم القران وقوله تعالى( يوم الحج الأكبر ) لما كان يوم عرفة أو يوم النحر وكان الحج الأصغر العمرة وجب أن يكون أيام الحج غير أيام العمرة فلا تفعل العمرة في أيام الحج وقد روى عن ابن سيرين أنه قال إنما قال( يوم الحج الأكبر ) لأن أعياد الملل اجتمعت فيه وهو العام الذي حج فيه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقيل هذا غلط لأن الإذن بذلك كانت في السنة التي حج فيها أبو بكر ولأنه في السنة التي حج فيها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يحج فيها المشركون لتقدم النهى عن ذلك في السنة
الأولى وقال عبد الله بن شداد الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة وعن ابن عباس العمر هي الحجة الصغرى وعن عبد الله بن مسعود مثله قال أبو بكر قوله( الحج الأكبر) قد اقتضى أن يكون هناك حج أصغر وهو العمرة على ما روى عن عبد الله بن شداد وابن عباس وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال العمرة الحجة الصغرى وإذا ثبت أن اسم الحج يقع على العمرة ثم قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم للأقرع بن حابس حين سأله فقال الحج في كل عام أو حجة واحدة فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لا بل حجة واحدة وهذا يدل على نفى وجوب العمرة لنفى النبي الوجوب إلا في حجة واحدة وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الحج عرفة وهذا يدل على أن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة ويحتمل أن يكون يوم النحر لأن فيه تمام قضاء المناسك والتفث ويحتمل أيام منى على ما روى عن مجاهد وخصه بالأكبر لأنه مخصوص بفعل الحج فيه دون العمرة وقد قيل إن يوم النحر أولى بأن يكون يوم الحج الأكبر من يوم عرفة لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الحج لقضاء المناسك وعرفة قد يأتيها بعضهم ليلا وبعضهم نهارا وأما النداء بسورة براءة فجائز أن يكون يوم عرفة وجائز يوم النحر قال الله تعالى( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) روى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله( لست عليهم بمصيطر ) وقوله( وما أنت عليهم بجبار ) وقوله تعالى( فاعف عنهم واصفح ) وقوله( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) قال نسخ هذا كله قوله تعالى( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية وقال موسى بن عقبة قد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك يكف عمن لم يقاتله بقوله تعالى( وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) ثم نسخ ذلك بقوله( براءة من الله ورسوله ) ثم قال( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) قال أبو بكر عمومه يقتضى قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف إلا أنه تعالى خص أهل الكتاب بإقرارهم على الجزية بقوله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية وأخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا بعث سرية قال إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فادعوهم إلى أداء الجزية فإن فعلوا فخذوه منهم وكفوا عنهم وذلك عموم في سائر المشركين
فحصصنا منه لم يكن من مشركي العرب بالآية وصار قوله تعالى( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) خاصا في مشركي العرب دون غيرهم وقوله تعالى( وخذوهم واحصروهم ) يدل على حبسهم بعد الأخذ والاستبقاء بقتلهم انتظارا لإسلامهم لأن الحصر هو الحبس ويدل أيضا على جواز حصر الكفار في حصونهم ومدنهم إن كان فيهم من لا يجوز قتله من النساء والصبيان وأن يلقوا بالحصار قوله تعالى( فاقتلوا المشركين ) يقتضى عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل إلا أن السنة قد وردت بالنهى عن المثلة وعن قتل الصبر بالنبل ونحوه وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أعف الناس قتلة أهل الإيمان وقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وجائز أن يكون أبو بكر الصديق رضى الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رءوس الجبال والتنكيس في الأبار إنما ذهب فيه إلى ظاهر الآية وكذلك على بن أبى طالب رضى الله عنه حين أحرق قوما مرتدين جائز أن يكون اعتبر عموم الآية.
قوله عز وجل( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) لا يخلوا قوله تعالى( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) من أن يكون وجود هذه الأفعال منهم شرطا في زوال القتل عنهم ويكون قبول ذلك والانقياد لأمر الله تعالى فيه هو الشرط دون وجود الفعل ومعلوم أن وجود التوبة من الشرك شرط لا محالة في زوال القتل ولا خلاف أنهم لو قبلوا أمر الله في فعل الصلاة والزكاة ولم يكن الوقت وقت صلاة أنهم مسلمون وأن دمائهم محظورة فعلمنا أن شرط زوال القتل عنهم هو قبول أوامر الله والاعتراف بلزومها دون فعل الصلاة والزكاة ولأن إخراج الزكاة لا يلزم بنفس الإسلام إلا بعد حول فغير جائز أن يكون إخراج الزكاة شرطا في زوال القتل وكذلك فعل الصلاة ليس بشرط فيه وإنما شرطه قبول هذه الفرائض والتزامها والاعتراف بوجوبها فإن قيل لما قال الله تعالى( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) فشرط مع التوبة قبل الصلاة والزكاة ومعلوم أن التوبة إنما هي الإقلاع عن الكفر والرجوع إلى الإيمان فقد عقل بذكره التوبة التزام هذه الفرائض والاعتراف بها إذ لا تصح التوبة إلا به ثم لما شرط مع التوبة الصلاة والزكاة دل على أن المعنى المزيل للقتل هو اعتقاد الإيمان بشرائطه وفعل الصلاة والزكاة فأوجب ذلك قتل تارك الصلاة والزكاة في وقت وجوبهما
وإن كان معتقدا للإيمان معترفا بلزوم شرائعه قيل له لو كان فعل الصلاة والزكاة من شرائط زوال القتل لما زال القتل عمن أسلم في غير وقت الصلاة وعم لم يؤد زكاته مع إسلامه فلما اتفق الجميع على زوال القتل عمن وصفنا أمره بعد اعتقاده للإيمان للزوم شرائعه ثبت بذلك أن فعل الصلاة والزكاة ليس من شرائط زوال القتل وأن شرطه إظهار الإيمان وقبول شرائعه ألا ترى أن قبول الإيمان والتزام شرائعه لما كان شرطا في ذلك لم يزل عنه القتل عند إخلاصه ببعض ذلك وقد كانت الصحابة سبت ذراري مانعي الزكاة وقتلت مقاتلتهم وسموهم أهل الردة لأنهم امتنعوا من التزام الزكاة وقبول وجوبها فكانوا مرتدين بذلك لأن من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله وعلى ذلك أجرى حكمهم أبو بكر الصديق مع سائر الصحابة حين قاتلوهم ويدل على أنهم مرتدون بامتناعهم من قبول فرض الزكاة ما روى معمر عن الزهري عن أنس قال لما توفى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ارتدت العرب كافة فقال عمر يا أبا بكر أتريد أن تقاتل العرب كافة فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة منعونى دماءهم وأموالهم والله لو منعونى عقالا مما كانوا يعطون إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال ما قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ارتدت العرب عن الإسلام إلا أهل المدينة فنصب أبو بكر لهم الحرب فقالوا فإذا تشهد أن لا إله إلا الله ونصلى ولا نزكى فمشى عمر والبدريون إلى أبى بكر وقالوا دعهم فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدوا فقال والله لو منعونى عقالا مما أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لقتالتهم عليه وقاتل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على ثلاث شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقال الله تعالى( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) والله لا أسئل فوقهن ولا أقصر دونهن فقالوا له يا أبا بكر نحن نزكى ولا ندفعها إليك فقال لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأضعها مواضعها وروى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين مثله وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبى هريرة قال لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم واستخلف أبو بكر وارتد من ارتد من العرب بعث أبو بكر لقتال من ارتد عن الإسلام فقال له عمر يا أبا بكر ألم تسمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك عصموا
منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال لو منعونى عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه فأخبر جميع هؤلاء الرواة إن الذين ارتدوا من العرب إنما كان ردتهم من جهة امتناعهم من أداء الزكاة وذلك عندنا على أنهم امتنعوا من أداء الزكاة على جهة الرد لها وترك قبولها فسموا مرتدين من أجل ذلك وقد أخبر أبو بكر الصديق أيضا في حديث الحسن أنه يقاتلهم على ترك التزامها والاعتراف بوجوبها مرتد وأن مانعها من الإمام بعد الاعتراف بها يستحق القتال فثبت أن من أدى صدقة مواشيه إلى الفقراء إن الإمام لا يحتسب له بها وأنه متى امتنع من دفعها إلى الإمام قاتله عليها وكذلك قال أصحابنا في صدقات المواشي وأما زكاة الأموال فإن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر قد كانوا يأخذونها كما يأخذون صدقات المواشي فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل الأداء إلى أرباب الأموال وصاروا بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها وهذا الذي فعله أبو بكر في مانعي الزكاة بموافقة الصحابة إياه كان من غير خلاف منهم بعد ما تبينوا صحة رأيه واجتهاده في ذلك ويحتج من أوجب قتل تارك الصلاة ومانع الزكاة عامدا بهذه الآية وزعم أنها توجب قتل المشرك إلا أن يؤمن ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة وقد بينا المعنى في قوله تعالى( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وأن المراد قبول لزومهما والتزام فرضهما دون فعلهما وأيضا فليس في الآية ما ادعوا من الدلالة على ما ذهبوا إليه من قبل أنها إنما أوجبت قتل المشركين ومن تاب من الشرك ودخل في الإسلام والتزم فروضه وأقربها فهو غير مشرك باتفاق فلم تقتض الآية قتله إذ كان حكمها مقصورا في إيجاب القتل على من كان مشركا وتارك الصلاة ومانع الزكاة ليس بمشرك فإن قالوا إنما أزال القتل عنه بشرطين أحدهما التوبة وهي الإيمان وقبول شرائعه والوجه الثاني فعل الصلاة وأداء الزكاة قيل له إنما أوجب بديا قتل المشركين بقوله تعالى( فاقتلوا المشركين ) فمتى زالت عنهم سمة الشرك فقد وجب زوال القتل ويحتاج في إيجابه إلى دلالة أخرى من غيره فإن قال هذا يؤدى إلى إبطال فائدة ذكر الشرطين في الآية قيل له ليس الأمر على ما ظننت وذلك
لأن الله تعالى إنما جعل هذين القربين من فعل الصلاة وإيتاء الزكاة شرطا في وجوب تخلية سبيلهم لأنه قال( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) وذلك بعد ذكره القتل للمشركين بالحصر فإذا زال القتل بزوال سمة الشرك فالحصر والحبس باق لترك الصلاة ومنع الزكاة لأن من ترك الصلاة عامدا وأصر عليه ومنع الزكاة جاز للإمام حبسه فحينئذ لا يجب تخليته إلا بعد فعل الصلاة وأداء الزكاة فانتظمت الآية حكم إيجاب قتل المشرك وحبس تارك الصلاة ومانع الزكاة بعد الإسلام حتى يفعلهما قوله تعالى( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) قد اقتضت هذه الآية جواز أمان الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة الإسلام لأن قوله تعالى( استجارك ) معناه استأمنك وقوله تعالى( فأجره ) معناه فأمنه حتى يسمع كلام الله الذي فيه الدلالة على صحة التوحيد وعلى صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهذا يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة عليه وبيان دلائل التوحيد والرسالة حتى يعتقدهما لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة وبيان توحيد الله وصحة نبوة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ذلك منا إلا بعد بيان الدلالة وإقامة الحجة لأن الله قد أمرنا بإعطائه الأمان حتى يسمع كلام الله وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من التمس منا تعريفه شيئا من أمور الدين لأن الكافر الذي استجارنا ليسمع كلام الله إنما قصد التماس معرفة صحة الدين وقوله تعالى( ثم أبلغه مأمنه ) يدل على أن على الإمام حفظ هذا الحربي المستجير وحياطته ومنع الناس من تناوله بشر لقوله( فأجره ) وقوله( ثم أبلغه مأمنه ) وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ أهل الذمة والمنع من أذيتهم والتخطي إلى ظلمهم وفيه الدلالة على أنه لا يجوز إقرار الحربي في دار الإسلام مدة طويلة وأنه لا يترك فيها إلا بمقدار قضاء حاجته لقوله تعالى( حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) فأمر برده إلى دار الحرب بعد سماعه كلام الله وكذلك قال أصحابنا لا ينبغي للإمام أن يترك الحربي في دار الإسلام مقيما بغير عذر ولا سبب يوجب إقامته وأن عليه أن يتقدم إليه بالخروج إلى داره فإن أقام بعد التقدم إليه سنة في دار الإسلام صار ذميا ووضع عليه الخراج قوله تعالى( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ) قال أبو بكر ابتداء السورة يذكر قطع العهد بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين بقوله( براءة من
الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ) وقد قيل إن هؤلاء قد كان بينهم وبين النبي عهد فغدروا وأسروا وهموا به فأمر الله نبيه بالنبذ إليهم ظاهرا وفسح لهم في مدة أربعة أشهر بقوله( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) وقيل إنه أراد العهد الذي كان بينه وبين المشركين عامة في أن لا يمنع أحد من المشركين من دخوله مكة للحج وأو لا يقاتلوا ولا يقتلوا في الشهر الحرام فكان قول( براءة من الله ورسوله ) في أحد هذين الفريقين ثم استثنى من هؤلاء قوما كان بينهم وبين رسول الله عهد خاص ولم يغدروا ولم يهموا به فقال( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ) ففرق بين حكم هؤلاء الذين ثبتوا على عهدهم ولم ينقصوكم ولم يعاونوا أعداءهم عليهم وأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم وأمر بالنبذ إلى الأولين وهم أحد فريقين من غادر قاصدا إليه أو لم يكن بينه وبين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عهد خاص في سائر أحواله بل في دخول مكة الحج والأمان في الأشهر الحرم الذي كان يأمن فيه جميع الناس* وقوله تعالى( ولم يظاهروا عليكم أحدا ) يدل على أن المعاهد متى عاون علينا عدوا لنا فقد نقض عهده ثم قال تعالى( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ) فرفع بعد انقضاء أشهر الحرم عهد كل ذي عهد من خاص ومن عام ثم قال تعالى( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) لأنهم غدروا ولم يستقيموا ثم استثنى منهم الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام قال أبو إسحاق هم قوم من بنى كنانة وقال ابن عباس هم من قريش وقال مجاهد هم من خزاعة فأمر المسلمين بالوفاء بعهدهم ما استقاموا لهم في الوفاء به وجائز أن تكون مدة هؤلاء في العهد دون مضى أشهر الحرم لأنه قال( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وعمومه يقتضى رفع سائر العهود التي كانت بين المسلمين والكفار وجائز أن تكون مدة عهدهم بعد انقضاء الأشهر الحرم وكانوا مخصوصين ممن أمروا بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وإن ذلك إنما كان خاصا في قوم منهم كانوا أهل غدر وخيانة لأنه قال( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) يدل على أن من أظهر لنا الإيمان وأقام الصلاة وآتى الزكاة فعلينا موالاته في الدين على ظاهر أمره مع وجود أن يكون اعتقاده في المغيب خلافه* قوله تعالى( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم
فقاتلوا أئمة الكفر ) فيه دلالة على أن أهل العهد متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه وطعنوا في ديننا فقد نقضوا العهد وذلك لأن نكث الأيمان يكون بمخالفة بعض المحلوف عليه إذا كانت اليمين فيه على وجه النفي كقوله والله لا كلمت زيدا ولا عمرو ولا دخلت هذه الدار ولا هذه أيهما فعل حنث ونكث يمينه ثم لما ضم إلى ذلك الطعن في الدين دل على أن أهل العهد من شروط بقاء عهدهم تركهم للطعن في ديننا وإن أهل الذمة ممنوعون من إظهار الطعن في دين المسلمين وهو يشهد لقول من يقول من الفقهاء إن من أظهر شتم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من أهل الذمة فقد نقض عهده ووجب قتله وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا يعزر ولا يقتل وهو قول الثوري وروى ابن القاسم عن مالك فيمن شتم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعى ومالك فيمن سب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قالا هي ردة يستتاب فإن تاب نكل وإن لم يتب قتل قال يضرب مائة ثم يترك حتى إذا هن برىء ضرب مائة ولم يذكر فرقا بين المسلم والذمي وقال الليث في المسلم يسب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إنه لا يناظر ولا يستتاب ويقتل مكانه وكذلك اليهود والنصارى وقال الشافعى ويشترط على المصالحين من الكفار أن من ذكر كتاب الله أو محمدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بما لا ينبغي أو زنى بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلما عن دينه أو قطع عليه طريقا أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله وظاهر الآية يدل على أن من أظهر سب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من أهل العهد فقد نقض عهده لأنه قال تعالى( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ) فجعل الطعن في ديننا بمنزلة نكث الأيمان إذ معلوم أنه لم يرد أن يجعل نكث الأيمان والطعن في الدين بمجموعهما شرطا في نقض العهد لأنهم لو نكثوا الأيمان بقتال المسلمين ولم يظهروا الطعن في الدين لكانوا ناقضين للعهد وقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم معاونة قريش بنى بكر على خزاعة وهم حلفاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نقضا للعهد وكانوا يفعلون ذلك سرا ولم يكن منهم إظهار طعن في الدين فثبت بذلك أن معنى الآية وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر فإذا ثبت ذلك كان من أظهر سب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من أهل العهد ناقضا للعهد إذ سب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من أكثر في الدين فهذا وجه يحتج به القائلون
بما وصفنا* ومما يحتج به لذلك ما روى أبو يوسف عن حصين بن عبد الرحمن عن رجل عن أبى عمران أن رجلا قال له إنى سمعت راهبا سب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقال لو سمعته لقتله إنا لم نعطهم العهد على هذا وهو إسناد ضعيف وجائز أن يكون قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقد روى سعيد عن قتادة عن أنس يهوديا مر على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقال السام عليك فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أتدرون ما قال فقالوا نعم ثم رجع فقال مثل ذلك فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت دخل رهط من اليهود على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقالوا السام عليكم قالت ففهمتها فقالت وعليكم السام واللعنة فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قلت عليكم ومعلوم أن مثله لو كان من مسلم لصار به مرتدا مستحقا للقتل ولم يقتلهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بذلك وروى شعبة عن هشام بن يزيد عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها فقالوا ألا تقتلها قال لا قال فما زلت أعرفها في سهوات رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ولا خلاف بين المسلمين أن من قصد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بذلك فهو ممن ينتحل الإسلام أنه مرتد يستحق القتل ولم يجعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مبيحة لدمها بما فعلت فكذلك إظهار سب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الذمي مخالف لإظهار المسلم له* وقوله( فقاتلوا أئمة الكفر ) روى ابن عباس ومجاهد أنهم رؤساء قريش وقال قتادة أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو وهم الذين هموا بإخراجه قال أبو بكر ولم يختلف في أن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة وأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث بها مع على بن أبى طالب ليقرأها على الناس في سنة تسع وهي السنة التي حج فيها أبو بكر وقد كان أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة قد كانوا قتلوا يوم بدر ولم يكن بقي من رؤساء قريش أحد يظهر الكفر في وقت نزول براءة وهذا يدل على أن رواية من روى ذلك في رؤساء قريش وهم اللهم إلا أن يكون المراد قوما من قريش قد كانوا أظهروا الإسلام وهم الطلقاء من نحو أبي سفيان وأحزابه ممن لم ينق قلبه من الكفر فيكون مراد الآية هؤلاء دون أهل العهد من المشركين الذين لم يظهروا الإسلام وهم الذين كانوا هموا بإخراج الرسول من مكة وبدرهم بالقتال والحرب بعد الهجرة وجائز أن يكون مراده هؤلاء الذين ذكرنا وسائر رؤساء العرب الذين كانوا
معاضدين لقريش على حرب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقتال المسلمين فأمر الله تعالى بقتالهم وقتلهم إن هم نكثوا أيمانهم وطعنوا في دين المسلمين وقوله تعالى( أنهم لا أيمان لهم ) معناه لا أيمان لهم وافية موثوقا بها ولم ينف به وجود الأيمان منهم لأنه قد قال بديا( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ) وعطف على ذلك أيضا قوله( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) فثبت أنه لم برد بقوله( لا أيمان لهم ) نفى الأيمان أصلا وإنما أراد به نفى الوفاء بها وهذا يدل على جواز إطلاق لا والمراد نفى الفضل دون نفى الأصل ولذلك نظائر موجودة في السنن وفي كلام الناس كقوله صلّى الله عليه وآله وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ونحو ذلك فأطلق الإمامة في الكفر لأن الإمام هو المقتدى به المتبع في الخير والشر قال الله تعالى( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) وقال في الخير( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) فالإمام في الخير هاد مهتد والإمام في الشر ضال مضل قد قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا غدروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان على أن لا يعينوا عليه أعداءه من المشركين وهموا بمعاونة المنافقين والكفار على إخراج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من المدينة وأخبر أنهم بدءوا بالغدر ونكث العهد وأمر بقتالهم بقوله( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) وجائز أن يكون جميع ذلك مرتبا على قوله( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ) وجائز أن يكون قد كانوا نقضوا العهد بقوله( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ) قوله تعالى( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) فإن معناه أم حسبتم أن تتركوا ولم تجاهدوا لأنهم إذا جاهدوا علم الله ذلك منهم فأطلق اسم العلم وأراد به قيامهم بفرض الجهاد حتى يعلم الله وجود ذلك منهم وقوله( ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ) يقتضى لزوم اتباع المؤمنين وترك العدول عنهم كما يلزم اتباع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وفيه دليل على لزوم حجة الإجماع وهو كقوله( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ) والوليجة المدخل يقال ولج إذا دخل كأنه قال لا يجوز أن يكون له مدخل غير مدخل المؤمنين ويقال إن الوليجة بمعنى الدخيلة والبطانة وهي من المداخلة والمخالطة والمؤانسة فإن كان المعنى هذا فقد دل على النهى عن مخالطة غير المؤمنين ومداخلتهم
وترك الاستعانة بهم في أمور الدين كما قال( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) .
قوله تعالى( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) عمارة المسجد تكون بمعنيين أحدهما زيارته والسكون فيه والآخر ببنائه وتجديد ما استرم منه وذلك لأنه يقال اعتمر إذا زار ومنه العمرة لأنها زيارة البيت وفلان من عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون فيها وفلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه له فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد ومن بنائها وتولى مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ) فيه نهى للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم وإكرامهم وسواء بين الآباء والإخوان في ذلك إلا أنه قد أمر مع ذلك بالإحسان إلى الأب الكافر وصحبته بالمعروف بقوله تعالى( ووصينا الإنسان بوالديه ـ إلى قوله ـوإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) وإنما أمر المؤمنين بذلك يتميزوا من المنافقين إذا كان المنافقون يتولون الكفار ويظهرون إكرامهم وتعظيمهم إذا لقوهم ويظهرون لهم الولاية والحياطة فجعل الله تعالى ما أمر به المؤمن في هذه الآية علما يتميز به المؤمن من المنافق وأخبر أن من لم يفعل ذلك فهو ظالم لنفسه مستحق للعقوبة من ربه* قوله تعالى( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار فلذلك سماهم نجسا والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين أحدهما نجاسة الأعيان والآخر نجاسة الذنوب وكذلك الرجس والرجز ينصرف على هذين الوجهين في الشرع قال الله تعالى( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ) وقال في وصف المنافقين( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ) فسماهم رجسا كما سمى المشركين نجسا وقد أفاد قوله( إنما المشركون نجس ) منعهم عن دخول المسجد إلا لعذر إذ كان علينا تطهير المساجد من الأنجاس* وقوله تعالى( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) قد تنازع معناه أهل العلم فقال مالك والشافعى لا يدخل المشرك المسجد الحرام قال مالك
ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد للخصومة وقال الشافعى يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة وقال أصحابنا يجوز للذمي دخول سائر المساجد وإنما معنى الآية على أحد وجهين إما أن يكون النهى خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد لأنهم لم تكن لهم ذمة وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهم مشركوا العرب أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج ولذلك أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو بكر فيما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن أبا بكر بعثه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك فنبذ أبو بكر إلى الناس فلم يحج في العام الذي حج فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم مشرك فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ) الآية وفي حديث على حين أمره النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن يبلغ عنه سورة براءة نادى ولا يحج بعد العام مشرك وفي ذلك دليل على المراد بقوله( فلا يقربوا المسجد الحرام ) ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج فدل ذلك على أن مراد الآية الحج ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في المسجد ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد لغير الحج لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما في سائر المشركين وإذا حمل على دخول المسجد كان خاصا في ذلك دون ما قرب المسجد والذي في الآية النهى عن قرب المسجد فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضرب لهم قبة في المسجد فقالوا يا رسول الله قوم أنجاس فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء إنما أنجاس الناس على أنفسهم وروى يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام قال أبو بكر فأما وفد ثقيف فإنهم جاءوا بعد فتح مكة
إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر وهي سنة تسع فأنزلهم النبي صلّى الله عليه وسلّم في المسجد وأخبر أن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا يمنع الكافر من دخول المسجد وأما أبو سفيان بأنه جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لتجديد الهدنة وذلك قبل الفتح وكان أبو سفيان مشركا حينئذ والآية وإن كان نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهى عن قرب المسجد الحرام ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر المساجد فإن قيل لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ذلك لقوله تعالى( فلا يقربوا المسجد الحرام ) ولما روى زيد بن يثيع عن على رضى الله عنه أنه نادى بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يدخل الحرم مشرك قيل له إن صح هذا اللفظ فالمراد أن لا يدخله للحج وقد روى في أخبار عن على أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك وكذلك في حديث أبى هريرة فثبت أن المراد دخول الحرم للحج وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدا أو أمة يدخله لحاجة فأباح دخول العبد والأمة للحاجة لا للحج وهذا يدل على أن الحر الذمي له دخوله لحاجة إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر وإنما خص العبد والأمة والله أعلم بالذكر لأنهما لا يدخلانه في الأغلب الأعم للحج وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزى قال حدثنا الحسن بن أبى الربيع الجرجانى قال أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) إلا أن يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة فوقفه أبو الزبير على جابر وجائز أن يكون صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى بها اخرى وروى ابن جريج عن عطاء قال لا يدخل المشرك وتلا قوله تعالى( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) قال عطاء المسجد الحرام الحرم كله قال ابن جريج وقال لي عمرو بن دينار مثل ذلك قال أبو بكر والحرم كله يعبر عنه بالمسجد إذ كانت حرمته متعلقة بالمسجد وقال الله تعالى( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) والحرم كله مراد به وكذلك قوله تعالى( ثم محلها إلى البيت العتيق ) قد أريد به الحرم كله لأنه في أى الحرم نحر البدن أجزأه فجائز على هذا أن يكون المراد بقوله تعالى( فلا يقربوا المسجد الحرام ) الحرم كله للحج إذ
كان أكثر أفعال المناسك متعلقا بالحرم كله هاهنا الحرم في حكم المسجد لما وصفنا فعبر عن الحرم بالمسجد وعبر عن الحج بالحرم ويدل على أن المراد بالمسجد قوله تعالى( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) ومعلوم أن ذلك كان بالحديبية وهي على شفير الحرم وذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن بعضها من الحل وبعضها من الحرم فأطلق الله تعالى عليها أنها عند المسجد الحرام وإنما هي عند الحرم وإطلاقه تعالى اسم النجس على المشركين يقتضى اجتنابهم وترك مخالطتهم إذ كانوا مأمورين باجتناب الأنجاس وقوله تعالى( بعد عامهم هذا ) فإن قتادة ذكر أن المراد العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق فتلا على سورة براءة وهو لتسع مضين من الهجرة وكان بعده حجة الوداع سنة عشر قوله تعالى( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) فإن العيلة الفقر يقال عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر :
وما يدرى الفقير متى غناه |
وما يدرى الغنى متى يعيل |
وقال مجاهد وقتادة كانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين فأخبر الله تعالى أنه يغنيهم من فضله فقيل إنه أراد الجزية المأخوذة من المشركين وقيل أراد الإخبار بإبقاء المتاجر من جهة المسلمين لأنه كان عالما أن العرب وأهل بلدان العجم سيسلمون ويحجون فيستغنون بما ينالون من منافع متاجرهم من حضور المشركين وهو نظير قوله تعالى( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ) الآية فأخبر تعالى عما في حج البيت والهدى والقلائد من منافع الناس ومصالحهم في دنياهم ودينهم وأخبر في قوله( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ) عما ينالون من الغنى بحج المسلمين وإن كانوا قليلين في وقت نزول الآية وإنما علق الغنى بالمشيئة المعنيين كل واحد منهما جائز أن يكون مرادا أحدهما إنه لما كان منهم من يموت ولا يبلغ هذا الغنى الموعود به علقه بشرط المشيئة والثاني لينقطع الآمال إلى الله في إصلاح أمور الدنيا والدين كما قال الله تعالى( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) .
باب أخذ الجزية من أهل الكتاب
قال الله عز وجل( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم
الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مع إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث وذلك يحتمل وجوها أحدها أن يكون مراده لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي يجرى حكم الله فيه من تخليد أهل الكتاب في النار وتخليد المؤمنين في الجنة فلما كانوا غير مؤمنين بذلك أطلق القول فيهم بأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر ومراده حكم يوم الآخر وقضاؤه فيه كما تقول أهل الكتاب غير مؤمنين بالنبي والمراد بنبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم وقيل فيه إنه أطلق ذلك فيهم على طريق الذم لأنهم بمنزلة من لا يقربه في عظم الحرم كما أنهم بمنزلة المشركين في عبادة الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه وقيل أيضا لما كان إقرارهم عن غير معرفة لم يكن ذلك إيمانا وأكثرهم بهذه الصفة وقوله تعالى( ولا يدينون دين الحق ) فإن دين الحق هو الإسلام قال الله تعالى( إن الدين عند الله الإسلام ) وهو التسليم لأمر الله وما جاءت به رسله والانقياد له والعمل به والدين ينصرف على وجوه منها الطاعة ومنها القهر ومنها الجزاء قال الأعشى :
هو دان الرباب أذكر هو الد |
دين دراكا بغزوة وصيال |
يعنى قهر الرباب أذكر هو إطاعته وأبوا الانقياد له وقوله تعالى( مالك يوم الدين ) قيل إنه يوم الجزاء ومنه كما تدين تدان ودين اليهود والنصارى غير دين الحق لأنهم غير منقادين لأمر الله ولا طائعين له لجحودهم نبوة نبينا صلّى الله عليه وسلّم فإن قيل فهم يدينون بدين التوراة والإنجيل معترفون به منقادين له قيل له في التوراة والإنجيل ذكر نبينا وأمرنا بالإيمان واتباع شرائعه وهم غير عاملين بذلك بل تاركون له فهم غير متبعين دين الحق وأيضا فإن شريعة التوراة والإنجيل قد نسخت والعمل بها بعد النسخ ضلال فليس هو إذا دين الحق وأيضا فهم قد غيروا المعاني وحرفوها عن مواضعها وأزالوها إلى ما تهواه أنفسهم دون ما أوجبه عليهم كتاب الله تعالى فهم غير دائنين دين الحق قوله تعالى( من الذين أوتوا الكتاب ) فإن أهل الكتاب من الكفار هم اليهود والنصارى لقوله تعالى( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) فلو كان المجوس أو غيرهم من أهل الشرك من أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف وقد اقتضت الآية أن أهل الكتاب طائفتان وقد بيناه فيما سلف وتقدم الكلام أيضا في حكم الصابئين وهل هم أهل الكتاب
أم لا وهم فريقان أحدهما بنوا حي كسكر والبطائح وهم فيما بلغنا صنف من النصارى. وإن كانوا مخالفين لهم في كثير من ديانتهم لأن النصارى فرق كثيرة منهم المرقونية والأريوسية والمارونية والفرق الثلاث من النسطورية والملكية واليعقوبية يبرءون منهم ويحرمون وهم ينتمون إلى يحيى بن زكريا وشيث وينتحلون كتبا يزعمون أنها كتب الله التي أنزلها على شيث بن آدم ويحيى بن زكريا والنصارى تسميهم يوحنا سية فهذه الفرقة يجعلها أبو حنيفة رحمه الله من أهل الكتاب ويبيح أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم وفرقة أخرى قد تسمت بالصابئين وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة الأوثان ولا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ولا ينحلون شيئا من كتب الله فهؤلاء ليسوا أهل الكتاب ولا خلاف أن هذه النحلة لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم فمذهب أبى حنيفة في جعله الصابئين من أهل الكتاب محمول على مراده الفرقة الأولى وأما أبو يوسف ومحمد فقالا إن الصابئين ليسوا أهل الكتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وقد روى في ذلك اختلاف بين التابعين وروى هشيم أخبرنا مطرف قال كنا عند الحكم بن عيينة فحدثه رجل عن الحسن البصري أنه كان يقول في الصابئين هم بمنزلة المجوس فقال الحسن أليس قد كنت أخبرتكم بذلك وروى عباد بن العوام عن الحجاج عن القاسم بن أبى بزة عن مجاهد قال الصابئون قوم من المشركين والنصارى ليس لهم كتاب وكذلك قول الأوزاعى ومالك ابن أنس وروى يزيد بن هارون عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر ابن زيد أنه سئل عن الصابئين أمن أهل الكتاب هم وطعامهم ونساؤهم حل للمسلمين فقال نعم وأما المجوس فليسوا أهل كتاب بدلالة الآية ولما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وفي ذلك دلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب وقد اختلف أهل العلم فيمن تؤخذ منهم الجزية من الكفار بعد اتفاقهم على جواز إقرار اليهود والنصارى بالجزية فقال أصحابنا لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف وتقبل من أهل الكتاب من العرب من سائر كفار العجم الجزية وذكر ابن القاسم عن مالك أنه تقبل من الجميع الجزية إلا من مشركي العرب وقال مالك في الزنج ونحوهم إذا سبوا يجبرون على الإسلام وروى عن مجاهد أنه قال يقاتل أهل الكتاب على الجزية وأهل الأوثان على الصلاة ويحتمل أن يريد به أهل الأوثان من العرب وقال الثوري العرب لا يسبون وهو إذا سبوا ثم
تركهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال الشافعى لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما قال أبو بكر قوله تعالى( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) يقتضى قتل سائر المشركين فمن الناس من يقول إن عمومه مقصور على عبدة الأوثان دون أهل الكتاب والمجوس لأن الله تعالى قد فرق في اللفظ بين المشركين وبين أهل الكتاب والمجوس بقوله تعالى( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ) فعطف بالمشركين على هذه الأصناف فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان وإن كان الجميع من النصارى والمجوس والصابئين المشركين وذلك لأن النصارى قد أشركت بعبادة الله وعبادة المسيح والمجوس مشركون من حيث جعلوا لله ندا مغالبا والصابئون فريقان أحدهما عبدة الأوثان والآخر لا يعبدون الأوثان ولكنهم مشركون في وجوه أخر إلا أن إطلاق لفظ المشرك يتناول عبدة الأوثان فلم يوجب قوله تعالى( فاقتلوا المشركين ) إلا قتل عبدة الأوثان دون غيرهم وقال آخرون لما كان معنى الشرك موجودا في مقالات هذه الفرق من النصارى والمجوس والصابئين فقد انتظمهم اللفظ ولو لا ورود آية التخصيص في أهل الكتاب خصوا من الجملة ومن عداهم محمولون على حكم الآية عربا كانوا أو عجما ولم يختلفوا في جواز إقرار المجوس بالجزية وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك أخبار وروى سفيان بن عيينة عن عمرو أنه سمع مجالدا يقول لم يكن عمر بن الخطاب يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر ذكر المجوس فقال ما أدرى كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب وروى يحيى بن آدم عن المسعودي عن قتادة عن أبى مجلز قال كتب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المنذر أنه من استقبل قبلتنا وصلّى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن ومن أبى فعليه الجزية وروى قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم منهم قبل منه ومن أبى ضربت عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة وروى الطحاوي عن بكار بن قتيبة قال حدثنا عبد الرحمن ابن عمران قال حدثنا عوف كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى بن أرطاة أما بعد فاسئل
الحسن ما يقع من قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء اللاتي لا يجمعهن أحد غيرهم فسأله فأخبره أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل من مجوس البحرين الجزية وأقرهم على مجوسيتهم وعامل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي وفعله بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر وعمر وعثمان وروى معمر عن الزهري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس السواد وأن عثمان أخذها من بربر وفي هذه الأخبار أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من المجوس وفي بعضها أنه أخذها من عبدة الأوثان من غير العرب ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في جواز أخذ الجزية من المجوس وقد نقلت الأمة أخذ عمر بن الخطاب الجزية من مجوس السواد فمن الناس من يقول إنما أخذها لأن المجوس أهل كتاب ويحتج في ذلك بما روى سفيان بن عيينة عن أبى سعيد عن نصر بن عاصم عن على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر وعثمان أخذوا الجزية من المجوس وقال على أنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرءونه وأهل علم يدرسونه فنزع ذلك من صدورهم وقد ذكرنا فيما تقدم من الدلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب من جهة الكتاب والسنة وأما ما روى عن على في ذلك أنهم كانوا أهل كتاب فإنه إن صحت الرواية فإن المراد أن أسلافهم كانوا أهل كتاب لإخباره بأن ذلك نزع من صدورهم فإذا ليسوا أهل كتاب في هذا الكتاب ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب ما روى في حديث الحسن بن محمد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في مجوس البحرين إن من أبى منهم الإسلام ضربت عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة ولو كانوا أهل كتاب لجاز أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم لأن الله تعالى قد أباح ذلك من أهل الكتاب ولما ثبت أخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم الجزية من المجوس وليسوا أهل كتاب ثبت جواز أخذها من سائر الكفار أهل كتاب كانوا أو غير أهل كتاب إلا عبدة الأوثان من العرب لأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وبقوله تعالى( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وهذا في عبدة الأوثان من العرب ويدل على جواز أخذ الجزية من سائر المشركين سوى مشركي العرب حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا بعث سرية قال إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله فإن أبوا فادعوهم إلى إعطاء الجزية وذلك عام في سائر المشركين وخصصنا منهم مشركي العرب بالآية وسيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فيهم.
باب حكم نصارى بنى تغلب
قال الله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ـ إلى قوله ـمن الذين أوتوا الكتاب ) ونصارى بنى تغلب منهم لأنهم ينتحلون نحلتهم وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم وقال الله تعالى( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) فجعل الله تعالى من يتولى قوما منهم فهو في حكمهم ولذلك قال ابن عباس في نصارى بنى تغلب أنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم لقوله تعالى( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) وذلك حين قال على رضى الله عنه إنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر قال ابن عباس ذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعدي بن حاتم حين جاءه فقال له أما تقول إلا أن يقال لا إله إلا الله فقال إن لي دينا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا أعلم به منك ألست ركوسيا قال نعم قال ألست تأخذ المرباع قال نعم قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك فنسبه إلى صنف من النصارى مع إخباره بأنه غير متمسك به فأخذه المرباع وهو ربع الغنيمة غير مباحة في دين النصارى فثبت بذلك أن انتحال بنى تغلب لدين النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكمهم وأن يكونوا أهل كتاب وإذا كانوا من أهل الكتاب وجب أخذ الجزية منهم والجزاء والجزية واحد وهو أخذ المال منهم عقوبة وجزاء على إقامتهم على الكفر ولم يذكر في الآية لها مقدارا معلوما ومهما أخذ منهم على هذا الوجه فإن اسم الجزية يتناوله وقد وردت أخبار متواترة عن أئمة السلف في تضعيف الصدقة في أموالهم على ما يأخذ من المسلمين وهو قول أهل العراق وأبى حنيفة وأصحابه والثوري وهو قول الشافعى وقال مالك في النصراني إذا أعتقه المسلم فلا جزية عليه ولو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضربه ولم ينفعه شيئا ولا تحفظ عن مالك في بنى تغلب شيئا وروى يحيى بن آدم قال حدثنا عبد السلام عن أبى إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس عن عمارة بن النعمان أنه قال لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين إن بنى تغلب قد علمت شوكتهم وأنهم بإزاء العدو فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم فإن رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل فصالحهم على أن لا يقسموا أولادهم في النصرانية وتضاعف عليهم الصدقة قال وكان عمارة يقول قد فعلوا فلا عهد لهم وهذا
خبر مستفيض عند أهل الكوفة وقد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا وهو مثل أخذ الجزية من أهل السواد على الطبقات الثلاث ووضع الخراج على الأرضين ونحوها من العقود التي عقدها على كافة الأمة فلم يختلفوا في نفاذها وجوازها وقد روى عن على أنه قال لئن بقيت لنصارى بنى تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية وذلك إنى كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا ينصروا أولادهم ولم يخالف عمر في ذلك أحد من الصحابة فانعقد به إجماعهم وثبت به اتفاقهم وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المسلمون تتكافا دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويعتقد عليهم أو لهم ومعناه والله يعلم جواز عقود ائمة العدل على الأمة* فإن قيل أمر الله بأخذ الجزية منهم* فلا يجوز لنا الاقتصار بهم على أخذ الصدقة منهم وإعفاؤهم من الجزية* قيل له الجزية ليس لها مقدار معلوم فيما يقتضيه ظاهر لفظها وإنما هي جزاء وعقوبة على إقامتهم على الكفر والجزاء لا يختص بمقدار دون غيره ولا بنوع من المال دون ما سواه والمأخوذ من بنى تغلب هو عندنا جزية ليست بصدقة وتوضع موضع الفيء لأنه لا صدقة لهم إذ كان سبيل الصدقة وقوعها على وجه القربة ولا قربة لهم وقد قال بنو تغلب نؤدى الصدقة ومضاعفة ولا نقبل أداء الجزية فقال عمر هو عندنا جزية وسموها أنتم ما شئتم فأخبر عمر أنها جزية وإن كانت حقا مأخوذا من مواشيهم وزرعهم* فإن قيل لو كانت* جزية لما أخذت من نسائهم لأن النساء لا جزية عليهن* قيل له يجوز أخذ الجزية من النساء على وجه الصلح كما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أمر بعض أمرائه على بعض بلدان اليمن أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا أو عدله من المعافر وقال أصحابنا تؤخذ من موالي بنى تغلب إذا كانوا كفارا الجزية ولا تضاعف عليهم الحقوق في أموالهم لأن عمر إنما صالح بنى تغلب على ذلك ولم يذكر فيه الموالي فمواليهم باقون على حكم سائر أهل الذمة في أخذ جزية الرءوس منهم على الطبقات المعلومة وليس بواجب أن يكونوا في حكم مواليهم كما أن المسلم إذا أعتق عبدا نصرنيا لا يكون في حكم مولاه في باب سقوط الجزية عنه فإن قيل قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم موالي القوم من أنفسهم * قيل له مراده أنه منهم في الانتساب إليهم نحو مولى بنى هاشم يسمى هاشميا ومولى بنى تميم يسمى تميميا وفي النصرة والعقل كما يعقل عنه ذوى الأنساب فهذا معنى قوله موالي القوم منهم ولا دلالة فيه على أن حكمه
حكمهم في إيجاب الجزية وسقوطها وأما شرط عمر عليهم أن لا يغمسوا أولادهم في النصرانية فإنه قد روى في بعض الأخبار أنه شرط أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية إذا أرادوا الإسلام فإنما شرط عليهم بذلك أنه ليس لهم أن يمنعوا أولادهم الإسلام إذا أرادوه وقد حدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال سمعت أبا عبيد يقول كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد فقام الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم وكان الحسن بن زياد معتل القلب على محمد بن الحسن فقام ودخل ودخل الناس من أصحاب الخليفة فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج الإذن فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابه له فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس مسرورا قال قال لي مالك لم تقم مع الناس قال كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها إنك أهلتنى للعلم فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه وإن ابن عمك صلّى الله عليه وسلّم قال من أحب أن يميل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار وأنه إنما أراد بذلك العلماء فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هبة للعدو ومن قعد اتباعا للسنة التي عنكم أخذت فهو زين لكم قال صدقت يا محمد ثم شاورنى فقال إن عمر بن الخطاب صالح بنى تغلب على أن لا ينصروا أولادهم وقد نصروا أبناءهم وحلت بذلك دماءهم فما ترى قال قلت إن عمر أمرهم بذلك وقد نصروا أولادهم بعد عمر واحتمل ذلك عثمان وابن عمك وكان من العلم بما لا خفا به عليك وجرت بذلك السنن فهم أصلح من الخلفاء بعده ولا شيء يلحقك في ذلك وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلى قال لا ولكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله إن الله جل اسمه أمر نبيه بالمشهور تمام المائة التي جعلها الله له فكان يشاور في أمره فيأتيه جبريل بتوفيق الله ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك قال فخرج له مال كثير ففرقه قال أبو بكر فهذا الذي ذكره محمد في إقرار الخلفاء بنى تغلب على ما هم عليه من صبغهم أولادهم في النصرانية حجة في تركهم على ما هم عليه وأنهم بمنزلة سائر النصارى فلا تخلوا مصالحة عمر إياهم أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية من أحد معنيين إما أن يكون مراده وأن لا يكرهوهم على الكفر إذا أرادوا الإسلام وأن ينشئوهم على الكفر من صغرهم فإن أراد الأول فإنه لم يثبت أنهم منعوا أحدا من أولادهم التابعين من الإسلام وأكرهوهم على الكفر فيصيروا به ناقضين للعهد وخالعين للذمة وإن كان المراد
الوجه الثاني فإن عليا وعثمان لم يعترضوا عليهم ولم يقتلوهم وأما قول مالك في العبد النصراني إذا أعتقه المسلم أنه لا جزية عليه فترك لظاهر الآية بغير دلالة إذ لا فرق بين من أعتقه مسلم وبين سائر الكفار الذين لم يعتقوا وأما قوله لو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضربه ولم ينفعه شيئا فليس كذلك لأنه في حال الرق إنما لم تلزمه الجزية لأن ماله لمولاه والمولى المسلم لا يجوز أخذ الجزية منه والجزية إنما تؤخذ من مال الكفار عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر والعبد لا مال له فتؤخذ منه فإذا عتق وملك المال وجبت الجزية وأخذنا الجزية منه لم يسلبه منافع العتق في جواز التصرف على نفسه وزوال ملك المولى وأمره عنه وتمليكه سائر أمواله وإنما الجزية جزء يسير من ماله قد حقن بها دمه فمنفعة العتق حاصلة له.
باب من تؤخذ منه الجزية
قال الله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ـ إلى قوله ـحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فكان معقولا من فحوى الآية ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان منهم من أهل القتال لاستحالة الخطاب بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال إذ القتال لا يكون إلا بين اثنين ويكون كل واحد منهما مقاتلا لصاحبه وإذا كان كذلك ثبت أن الجزية مأخوذة ممن كان من أهل القتال ومن يمكنه أداؤه من المحترفين ولذلك قال أصحابنا إن من لم يكن من أهل القتال فلا جزية عليه فقالوا من كان أعمى أو زمنا أو مفلوجا أو شيخا كبيرا فانيا وهو موسر فلا جزية عليه وهو قولهم جميعا في الرواية المشهورة وروى عن أبى يوسف في الأعمى والزمن والشيخ الكبير أن عليهم الجزية إذا كانوا موسرين وروى عنه مثل قول أبى حنيفة وروى ابن رستم عن محمد في نوادره قال قلت أرأيت أهل الذمة من بنى تغلب وغيرهم ليس لهم حرفة ولا مال ولا يقدرون على شيء قال لا شيء عليهم قال محمد وإنما يوضع الخراج على الغنى والمعتمل منهم وقال محمد في النصراني يكتسب ولا يفضل له شيء عن عياله إنه لا يؤخذ بخراج رأسه وقالوا في أصحاب الصوامع والسياحين إذا كانوا لا يخالطون الناس فعليهم الجزية وكذلك النساء والصبيان لا جزية عليهم إذ ليسوا من أهل
القتال وروى أيوب وغيره عن نافع عن أسلم قال كتب عمر إلى أمراء الجيوش أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ولا يقتلوا النساء والصبيان ولا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسى وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسى وروى عاصم عن أبى وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن وأمرنى أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر وأما مقدار الجزية قال الله تعالى( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فلم تكن في ظاهر الآية دلالة على مقدار منها بعينه وقد اختلف الفقهاء في مقدارها فقال أصحابنا على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما وهو قول الحسن بن صالح وقال مالك أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق الغنى والفقير سواء لا يزاد ولا ينقص وقال الشافعى دينار على الغنى والفقير وروى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال بعث عمر بن الخطاب عثمان بن حنيف فوضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين درهما واثنى عشر درهما وروى الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ميمون قال بعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان بن حنيف على ما دون دجلة فأتياه فسألهما كيف وضعتما على أهل الأرض قالا وضعنا على كل رجل أربعة دراهم في كل شهر قال ومن يطيق هذا قالا إن لهم فضولا فذكر عمرو بن ميمون ثمانية وأربعون درهما ولم يفصل الطبقات وذكر حارثة بن مضرب تفصيل الطبقات الثلاث فالواجب أن يحمل ما في حديث عمرو بن ميمون على أن مراده أكثر ما وضع من الجزية وهو ما على الطبقة العليا دون الوسطى والسفلى وروى مالك عن نافع عن أسلم أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام وهذا نحو رواية عمر بن ميمون لأن أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفي ثمانية وأربعون درهما فكان الخبر الذي فيه تفصيل الطبقات الثلاث أولى بالاستعمال لما فيه من الزيادة وبيان حكم كل طبقة ولأن من وضعها على الطبقات فهو قائل بخبر الثمانية والأربعين ومن اقتصر على الثمانية والأربعين فهو تارك للخبر الذي فيه ذكر تمييز الطبقات وتخصيص كل واحد بمقدار منها واحتج من قال
بدينار على الغنى والفقير بما روى معاذ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر وهذا عندنا فيما كان منه على وجه الصلح أو يكون ذلك جزية الفقراء منهم وذلك عندنا جائز والدليل عليه ما روى في بعض أخبار معاد أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمره أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا ولا خلاف أن المرأة لا تأخذ منها الجزية إلا أن يقع الصلح عليه وروى أبو عبيد عن جرير عن منصور عن الحكم قال كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى معاذ وهو باليمن أن في الحالم والحالمة دينارا أو عدله من المعافر قال أبو عبيد وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير قال كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل اليمن أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا ينقل عنها وعليه الجزية وعلى كل حالم ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار أو قيمته من المعافر ويدل على أن الجزية على الطبقات الثلاث أن خراج الأرضين جعل على مقدار الطاقة واختلف بحسب اختلافها في الأرض وغلتها فجعل على بعضها قفيزا ودرهما وعلى بعضها خمسة دراهم وعلى بعضها عشرة دراهم فوجب على ذلك أن يكون كذلك حكم خراج الرءوس على قدر الإمكان والطاقة ويدل على ذلك قول عمر لحذيفة وعثمان بن حنيف لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون فقالا بل تركنا لهم فضلا وهذا يدل على أن الاعتبار بمقدار الطاقة وذلك يوجب اعتبار حالي الإعسار واليسار وذكر يحيى ابن آدم أن الجزية على مقدار الاحتمال بغير توقيت وهو خلاف الإجماع وحكى عن الحسن بن صالح أنه لا تجوز الزيادة في الجزية على وظيفة عمر ويجوز النقصان على حسب الطاقة وقد روى الحكم عن عمرو بن ميمون أنه شهد عمر يقول لعثمان بن حنيف والله لئن وضعت على كل جريب من الأرض قفيزا ودرهما وعلى كل رأس درهمين لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم قال وكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين واحتج من قال بجواز الزيادة بهذا الحديث وهذا ليس بمشهور ولم تثبت به رواية واحتجوا أيضا بما روى أبو اليمان عن صفوان بن عمرو عن عمر بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات على كل راهب دينارين وهذا عندنا على أنه ذاهب من الطبقة الوسطى فأوجب ذلك عليهم على ما رأى من احتمالهم له كما روى سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح قال سألت مجاهدا لم وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن قال لليسار.
في تمييز الطبقات
قال أبو يوسف في كتاب الخراج تؤخذ منهم على الطبقات على ما وصفت ثمانية وأربعين على الموسر مثل الصيرفي والبزاز وصاحب الصنعة والتاجر والمعالج والطبيب وكل من كان في يده منهم صنعة وتجارة يحترف بها أخذ من أهل كل صناعة وتجارة على قدر صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون على الموسر وأربعة وعشرون من المتوسط من احتملت صناعته ثمانية وأربعون أخذ منه ذلك ومن احتملت أربعة وعشرين أخذ ذلك منه واثنا عشر على العامل بيده مثل الخياط والصباغ والجزار والإسكاف ومن أشبههم فلم يعتبر الملك واعتبر الصنعات والتجارات على ما جرت به عادة الناس في الموسر والمعسر منهم وذكر على بن موسى القمي من غير أن عزى ذلك إلى أحد من أصحابنا أن الطبقة الأولى من يحترف وليس له ما يجب في مثله الزكاة على المسلمين وهم الفقراء المحترفون فمن كان له أقل من مائتي درهم فهم من أهل هذه الطبقة قال والطبقة الثانية أن يبلغ مال الرجل مائتي درهم فما زاد إلى أربعة آلاف درهم لأن من له مائتا درهم غنى تجب عليه الزكاة لو كان مسلما فهو خارج عن طبقة الفقراء قال وإنما أخذنا اعتبار الأربعة الآلاف من قول على رضى الله عنه وابن عمر أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوق ذلك فهو كثير قال وقد يجوز أن تجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم وما زاد على ذلك فهو من الطبقة الثالثة لما روى حماد بن سلمة عن طلحة بن عبد الله بن كريز عن أبى الضيف عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال من ترك عشرة آلاف درهم جعلت صفائح يعذب بها يوم القيامة وهذا الذي ذكره على بن موسى القمي هو اجتهاد يسوغ القول به لمن غلب في ظنه صوابه وقوله تعالى( عن يد ) قال قتادة عن قهر كأنه ذهب في اليد إلى القوة والقدرة والاستعلاء فكأنه قال على استعلاء منكم عليهم وقهرهم وقيل عن يد يعنى عن يد الكافر وإنما ذكر اليد ليفارق حال الغضب لأنه يعطيها بيده راضيا بها حاقنا بها دمه فكأنه قال حتى يعطيها وهو راض بها ويحتمل عن يد عن نعمة فيكون تقديره حتى يعطوا الجزية عن اعتراف منهم بالنعمة فيها بقبولها منهم وقال بعضهم عن يد يعنى عن نقد من قولهم يدا بيد وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كل من أطاع لقاهر بشيء أعطاه عن طيب نفس وقهر له من يد في يده فقد أعطاه عن يد قال والصاغر الذليل الحقير وقوله( وهم صاغرون ) قال ابن عباس يمشون
بها ملببين وقال سلمان مذمومين غير محمودين وقيل إنما كان صغارا لأنها مستحقة عليهم يؤخذون بها ولا يثابون عليها وقال عكرمة الصغار إعطاء الجزية قائما والآخذ جالس وقيل الصغار الذل ويجوز أن يكون المراد به الذلة التي ضربها الله عليهم بقوله( ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) والحبل الذمة التي عهدها الله لهم وأمر المسلمين بها فيهم وروى عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب أنه كان يستحب أن يتعب الأنباط في الجزية إذا أخذت منهم قال أبو بكر ولم يرد بذلك تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذ لا لهم وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسحاق بن الحسن حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقه وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا مطير قال حدثنا يوسف الصفار قال حدثنا أبو بكر ابن عياش عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تصافحوا اليهود والنصارى فهذا كله من الصغار الذي ألبس الله الكفار بكفرهم ونحوه قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) الآية وقال( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) فنهى في هذه الآيات عن موالاة الكفار وإكرامهم وأمر بإهانتهم وإذ لا لهم ونهى عن الاستعانة بهم في أمور المسلمين لما فيه من العز وعلو اليد وكذلك كتب عمر إلى أبى موسى ينهاه أن يستعين بأحد من أهل الشرك في كتابته وتلا قوله تعالى( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ) وقال لا تردوهم إلى العز بعد إذلالهم الله وقوله تعالى( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قد اقتضى وجوب قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة فغير جائز على هذه القضية أن تكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولايات ونفاذ الأمر والنهى إذ كان الله إنما جعل لهم الذمة وحقن دماءهم بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغصوب وأخذ الضرائب والظلم سواء كان السلطان ولاه ذلك أو فعله بغير أمر السلطان وهذا يدل على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان وظهر منهم ظلم واستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة وإن كان آخذ الضرائب ممن ينتحل الإسلام والقعود على المراصيد لأخذ أموال
الناس يوجب إباحة دمائهم إذ كانوا بمنزلة قطاع الطريق ومن قصد إنسانا لأخذ ماله فلا خلاف بين الفقهاء أن له قتله وكذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من طلب ماله فقاتل فقتل فهو شهيد وفي خبر آخر من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد فإذا كان هذا حكم من طلب أخذ مال غيره غصبا وهو ممن ينتحل الإسلام فالذمى إذا فعل ذلك استحق القتل من وجهين أحدهما ما اقتضاه ظاهر الآية من وجوب قتله والآخر قصده المسلم بأخذ ماله ظلما.
باب وقت وجوب الجزية
قال الله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ـ إلى قوله ـحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فأوجب قتالهم وجعل إعطاء الجزية غاية لرفعه عنهم لأن حتى غاية هذا حقيقة اللفظ والمفهوم من ظاهره ألا ترى أن قوله( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) قد حظر إباحة قربهن إلا بعد وجود طهرهن وكذلك المفهوم من قول القائل لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار منع الإعطاء إلا بعد دخوله فثبت بذلك أن الآية موجبة لقتال أهل الكتاب مزيلة ذلك عنهم بإعطاء الجزية وهذا يدل على أن الجزية قد وجبت بعقد الذمة وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي وذكر ابن سماعة عن أبى يوسف قال لا تؤخذ من الذمي الجزية حتى تدخل السنة ويمضى شهران منها بعض ما عليه بشهرين ونحو ذلك يعامل في الجزية بمنزلة الضريبة كلما كان يمضى شهران أو نحو ذلك أخذت منه قال ابو بكر يعنى بالضريبة الأجرة في الإجارات قال أبو يوسف ولا يؤخذ ذلك منه حين تدخل السنة ولا يؤخذ ذلك منه حتى تتم السنة ولكن يعامل ذلك على سنته قال أبو بكر ذكره للشهرين إنما هو توفية وهي واجبة بإقرارنا إياها على الذمة لما تضمنه ظاهر الآية وذكر ابن سماعة عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أنه قال في الذمي يؤخذ منه خراج رأسه في سنته مادام فيها فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه وهذا يدل من قول أبى حنيفة على أنه رآها واجبة بعقد الذمة لهم وأن تأخيرها بعض السنة إنما هو توفية للواجب وتوسعة ألا ترى أنه قال فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه لأن دخول السنة الثانية يوجب جزية أخرى فإذا اجتمعتا سقطت إحداهما وعن أبى يوسف ومحمد اجتماعهما لا يسقط إحداهما وجه قول أبى حنيفة أن الجزية واجبة على وجه العقوبة لإقامتهم على الكفر مع
كونهم من أهل القتال وحق الأخذ فيها إلى الإمام فأشبهت الحدود إذ كانت مستحقة في الأصل على وجه العقوبة وحق الأخذ إلى الإمام فلما كان اجتماع الحدود من جنس واحد يوجب الاقتصار على واحد منهما مثل أن يزنى مرارا أو يسرق مرارا ثم يرفع إلى الإمام فلا يجب إلا حد واحد بجميع الأفعال كذلك حكم الجزية إذ كانت مستحقة على وجه العقوبة بل هي أخف أمرا وأضعف حالا من الحدود لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن إسلامه يسقطها ولا تسقط الحدود بالإسلام* فإن قيل لما كان ذلك دينا وحقا في مال المسلمين لم يسقطه اجتماعه كالديون وخراج الأرضين قيل له خراج الأرضين ليس بصغار ولا عقوبة والدليل عليه أنه يؤخذ من المسلمين والجزية لا تؤخذ من مسلم وقد روى نحو قول أبى حنيفة عن طاوس وروى ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاوس قال إذا تداركت صدقات فلا تؤخذ الأولى كالجزية وقد اختلف الفقهاء في الذمي إذا أسلم وقد وجبت عليه جزية هل يؤخذ بها فقال أصحابنا لا يؤخذ وهو قول مالك وعبيد الله بن الحسن وقال ابن شبرمة والشافعى إذا أسلم في بعض السنة أخذ منه بحساب ذلك والدليل على أن الإسلام يسقط ما وجب من الجزية قوله تعالى( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ـ إلى قوله ـحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فانتظمت هذه الآية الدلالة من وجهين على صحة ما قلنا أحدهما الأمر بأخذ الجزية ممن يجب قتاله لإقامته على الكفر إن لم يؤدها ومتى أسلم لم يجب قتاله فلا جزية عليه والوجه الثاني قوله تعالى( عن يد وهم صاغرون ) فأمر بأخذها منهم على وجه الصغار والذلة وهذا المعنى معدوم بعد الإسلام إذ غير ممكن أخذها على هذا الوجه ومتى أخذناها على غير هذا الوجه لم تكن جزية لأن الجزية هي ما أخذ على وجه الصغار وقد روى الثوري عن قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس على مسلم جزية فنفى صلّى الله عليه وسلّم أخذها من المسلم ولم يفرق بين ما وجب عليه في حال الكفر وبين ما لم يجب بعد الإسلام فوجب بظاهر ذلك إسقاط الجزية عنه بالإسلام ويدل على سقوطها أن الجزية والجزاء واحد ومعناه جزاء الإقامة على الكفر ممن كان من أهل القتال فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على الكفر إذ غير جائز عقاب التائب في حال المهلة وبقاء التكليف ولهذا الاعتبار أسقطها أصحابنا بالموت لفوات أخذها منه على وجه الصغار بعد موته فلا يكون ما يأخذه جزية وعلى هذا قالوا فيمن وجبت
عليه زكاة ماله ومواشيه فمات أنها تسقط ولا يأخذها الإمام منه لأن سبيل أخذها وموضوعها في الأصل سبيل العبادات يسقطها الموت وقالوا فيمن وجبت عليه نفقة امرأته بفرض القاضي فمات أو ماتت أنها تسقط لأن موضوعها عندهم موضوع الصلة إذ ليست بدلا عن شيء ومعنى الصلة لا يتأتى بعد الموت فأسقطوها لهذه العلة فإن قيل الحدود واجبة على وجه العقوبة والتوبة لا تسقطها وكذلك لو أن ذميا أسلم وقد زنى أو سرق في حال كفره لم يكن إسلامه وتوبته مسقطين لحده وإن كان وجوب الحد في الأصل على وجه العقوبة والتائب لا يستحق العقاب على فعل قد صحت منه توبته قيل له أما الحد الذي كان واجبا على وجه العقوبة فقد سقط بالتوبة وما توجبه بعدها ليس هو الحد المستحق على وجه العقوبة بل هو حج واجب على وجه المحنة بدلالة قامت لنا على وجوبه غير الدلالة الموجبة للحد الأول على وجه العقوبة فإن قامت دلالة على وجوب أخذ المال منه بعد إسلامه لا على وجه الجزية والعقوبة لما ناب إيجابه إلا أنه لا يكون جزية لأن اسم الجزية يتضمن كونها عقوبة وأنت فإنما تزعم أنه تؤخذ منه الجزية بعد إسلامه فإن اعترفت بأن المأخوذ منه غير جزية وأن الجزية التي كانت واجبة قد سقطت وإنما يجب مال آخر غير الجزية فإنما أنت رجل سمتنا إيجاب مال على مسلم من غير سبب يقتضى إيجابه وهذا لا نسلم لك به إلا بدلالة وقد روى المسعودي عن محمد بن عبد الله الثقفي أن دهقانا أسلم فقام إلى على رضى الله عنه فقال له على أما أنت فلا جزية عليك وأما أرضك فلنا وفي لفظ آخر إن تحولت عنها فنحن أحق بها وروى معمر عن أيوب عن محمد قال أسلم رجل فأخذ بالخراج وقيل له إنك متعود بالإسلام فقال إن في الإسلام لمعاذا إن فعلت فقال عمر أجل والله إن في الإسلام معاذا إن فعل فرفع عنه الجزية وروى حماد ابن سلمة عن حميد قال كتب عمر بن عبد العزيز من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه الجزية فلم يفرق هؤلاء السلف بين الجزية الواجبة قبل الإسلام وبين حاله بعد الإسلام في نفيها عن كل مسلم وقد كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة ويذهبون إلى أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته وهذا خلل في جنب ما ارتكبوه من المسلمين ونقض الإسلام عروة عروة إلى أن ولى عمر بن عبد العزيز فكتب إلى عامله بالعراق عبد الحميد بن عبد الرحمن أما بعد فإن الله
بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم داعيا ولم يبعثه جابيا فإذا أتاك كتابي هذا فارفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فلما ولى هشام بن عبد الملك أعادها على المسلمين وكان أحد الأسباب التي لها استجاز القراء والفقهاء قتال عبد الملك بن مروان والحجاج لعنهما الله أخذهم الجزية من المسلمين ثم صار ذلك أيضا أحد أسباب زوال دولتهم وسلب نعمتهم وروى عبد الله بن صالح قال حدثنا حرملة بن عمران عن يزيد بن أبى حبيب قال أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث خصال قتلهم عثمان وإحراقهم الكعبة وأخذهم الجزية من المسلمين وأما قولهم أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد فليس ببدع هذا من جهلهم إذ قد جهلوا من أمور الإسلام ما هو أعظم منه وذلك لأن أهل الذمة ليسوا عبيدا ولو كانوا عبيدا لما زال عنهم الرق بإسلامهم لأن إسلام العبد لا يزيل رقه وإنما الجزية عقوبة عوقبوا بها لإقامتهم على الكفر فمتى أسلموا لم يجز أن يعاقبوا بأخذها منهم ألا ترى أن العبد النصراني لا تؤخذ منه الجزية فلو كان أهل الذمة عبيدا لما أخذ منهم الجزية.
في خراج الأرض هل هو جزية
قال أبو بكر اختلف أهل العلم في خراج الأرضين هل هو صغار وهل يكره للمسلم أن يملك أرض الخراج فروى عن ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين كراهته ورواه داخلا في آية الجزية وهو قول الحسن بن حي وشريك وقال آخرون الجزية إنما هي خراج الرءوس ولا يكره للمسلم أن يشترى أرض خراج وليس ذلك بصغار وهو قول أصحابنا وابن أبى ليلى وروى عن عبد الله بن مسعود ما يدل على أنه لم يكرهه وهو ما روى شعبة عن الأعمش عن شمر بن عطية عن رجل من طيئ عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا قال عبد الله وبراذان ما براذان وبالمدينة ما بالمدينة يعنى أن له ضيعة براذان وضيعة بالمدينة ومعلوم أن راذان من الأرض الخراج فلم يكره عبد الله ملك أرض الخراج وروى عن عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك حين أسلمت إن أقامت على أرضها أخذنا منها الخراج وروى أن ابن الرفيل أسلم فقال مثل ذلك وعن على في رجل من أهل الأرض أسلم فقال إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج وإلا فنحن أولى بها وروى عن سعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد مثل ذلك وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال منعت
العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مداها ودينارها ومنعت مصر أردبها وعدتم كما بدأتم ثلاث مرات يشهد على ذلك لحم أبى هريرة رضى الله تعالى عنه ودمه وهذا يدل على أن خراج الأرض ليس بصغار من وجهين أحدهما أنه لم يكره لهم ملك أرض الخراج التي عليها قفيز ودرهم ولو كان ذلك مكروها لذكره والثاني أنه أخبر عن منعهم لحق الله المفترض عليهم بالإسلام وهو معنى قوله عدتم كما بدأتم يعنى في منع حق الله فدل على أنه كسائر الحقوق اللازمة لله تعالى مثل الزكوات والكفارات لا على وجه الصغار والذلة وأيضا لم يختلفوا أن الإسلام يسقط جزية الرءوس ولا يسقط عن الأرض فلو كان صغارا لأسقطه الإسلام فإن قيل لما كان خراج الأرضين فيا وكذلك جزية الرءوس دل على أنه صغار قيل له ليس كذلك لأن من الفيء ما يصرف إلى الغانمين ومنه ما يصرف إلى الفقراء والمساكين وهو الخمس وهذا كلام في الوجه الذي يصرف فيه وليس يوجب ذلك أن يكون صغارا لأن الصغار في الفيء هو ما يبتدأ به الذي يجب عليه فأما ما قد وجب في الأرض من الحق ثم ملكها مسلم فإن ملك المسلم له لا يزيله إذ كان وجوبه فيها متقدم لملكه وهو حق لكافة المسلمين ولم تكن الجزية صغارا من حيث كانت فيا وإنما كانت عقوبة وليس خراج الأرضين على وجه العقوبة ألا ترى أن أرض الصبى والمعتوه يجب فيهما الخراج ولا تؤخذ منهما الجزية لأن الجزية عقوبة وخراج الأرضين ليس كذلك.
(فصل) إن قال قائل من الملحدين كيف جاز إقرار الكفار على كفرهم بأداء الجزية بدلا من الإسلام قيل له ليس أخذ الجزية منهم رضا بكفرهم ولا إباحة لبقائهم على شركهم وإنما الجزية عقوبة لهم لإقامتهم على الكفر وتبقيتهم على كفرهم بالجزية كهي لو تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم إذ ليس في العقل إيجاب قتلهم لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يبقى الله كافرا طرفة عين فإذا بقاهم لعقوبة يعاقبهم بها مع التبقية استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم واستمالة لهم إلى الإيمان لم يكن ممتنعا إمهاله إياهم إذ كان في علم الله أن منهم من يؤمن ومنهم من يكون من نسله من يؤمن بالله فكان في ذلك أعظم المصلحة مع ما للمسلمين فيها من المرفق والمنفعة فليس إذا في إقرارهم على الكفر وترك قتلهم بغير جزية ما يوجب الرضا بكفرهم ولا الإباحة لاعتقادهم وشركهم فكذلك إمهالهم بالجزية جائز في العقل إذ ليس فيه أكثر من تعجيل بعض عقابهم المستحق بكفرهم وهو ما يلحقهم من
الذل والصغار بأدائها قوله تعالى( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) قيل إنه أراد فرقة من اليهود قالت ذلك والدليل على ذلك أن اليهود قد سمعت ذلك في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم تنكره وهو كقول القائل الخوارج ترى الاستعراض وقتل الأطفال والمراد فرقة منهم لا جميعهم وكقولك جاءني بنو تميم والمراد بعضهم قال ابن عباس قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا ذلك وهم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فأنزل الله تعالى هذه الآية وليس في اليهود من يقول ذلك الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت قوله تعالى( يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل ) يعنى يشابهونهم ومنه امرأة ضهياء للتي لا تحيض لأنها أشبهت الرجال من هذا الوجه فساوى المشركين الذين جعلوا الأصنام شركاء لله سبحانه وتعالى لأن هؤلاء جعلوا المسيح وعزيزا اللذين هما خلقان لله ولدين له وشريكين كما جعل أولئك الأصنام المخلوقة شركاء لله تعالى قال ابن عباس( الذين كفروا من قبل ) يعنى به عبدة الأوثان الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وقيل إنهم يضاهئونهم لأن أولئك قالوا الملائكة بنات الله وقال هؤلاء عزيز ومسيح ابنا الله وقيل يضاهئونهم في تقليد أسلافهم وقوله تعالى( ذلك قولهم بأفواههم ) يعنى أنه لا يرجع إلى معنى صحيح ولا حقيقة له ولا محصول أكثر من وجوده في أفواههم وقوله( قاتلهم الله ) قال ابن عباس لعنهم الله وقيل إن معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله أى أعفاه الله من السوء وقيل إنه جعل كالقاتل لغيره في عداوة الله عز وجل قوله تعالى( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ) قيل إن الحبر العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها يقال فيه حبر وحبير والراهب الخاشى الذي يظهر عليه لباس الخشية يقال راهب ورهبان وقد صار مستعملا في متنسكى النصارى وقوله( أربابا من دون الله ) قيل فيه وجهان أحدهما أنهم كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وروى في حديث عدى بن حاتم لما أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فتلا النبي صلّى الله عليه وسلّم( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) قال قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه قال قلت نعم قال فتلك عبادتهم إياهم ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم
بالمصالح ثم قلدوا أحبارهم هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم وقبلوه منهم وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل صاروا متخذين لهم أربابا إذ نزلوهم في قبول ذلك منهم منزلة الأرباب وقيل إن معناه إنهم عظموهم كتعظيم الرب لأنهم يسجدون لهم إذا رأوهم وهذا الضرب من التعظيم لا يستحقه غير الله تعالى فلما فعلوا ذلك فهم كانوا متخذين لهم أربابا قوله تعالى( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) فيه بشارة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين بنصرهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وهو إعلاؤه بالحجة والغلبة وقهر أمته لسائر الأمم وقد وجد مخبره على ما أخبر به بظهور أمته وعلوها على سائر الأمم المخالفة لدين الإسلام وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى أن القرآن كلام الله ومن عنده وذلك لأن مثله لا يتفق للمتخرصين والكذابين مع كثرة ما في القرآن من الإخبار عن الغيوب إذ لا يعلم الغيب إلا الله فهو إذا كلامه وخبره ولا ينزل الله كلامه إلا على رسوله قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ) أكل المال بالباطل هو تملكه من الجهة المحظورة وروى عن الحسن إنهم كانوا يأخذون الرشى في الحكم وذكر الأكل والمراد وجوه المنافع والتصرف إذ كان أعظم منافعه الأكل والشرب وهو كقوله تعالى( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) والمراد سائر وجوه المنافع وكقوله تعالى( ولا تأكلوا أموالهم ـ وـإن الذين يأكلون أموال اليتامى ) قوله تعالى( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) الآية يقتضى ظاهره إيجاب إنفاق جميع المال لأن الوعيد لا حق بتارك إنفاق الجميع لقوله( ولا ينفقونها ) ولم يقل ولا ينفقون منها فإن قيل لو كان المراد الجميع لقال ولا ينفقونهما قيل له لأن الكلام رجع إلى مدلول عليه كأنه قال ولا ينفقون الكنوز والآخر أن يكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز كقوله تعالى( وإذا رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا إليها ) قال الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما |
عندك راض والرأى مختلف |
والمعنى راضون والدليل على أنه راجع إليهما جميعا أنه لو رجع إلى أحدهما دون الآخر لبقي أحدهما عاريا من خبره فيكون كلاما منقطعا لا معنى له إذ كان قوله( والذين يكنزون الذهب والفضة ) مفتقرا إلى خبر ألا ترى أنه لا يجوز الاقتصار عليه وقد روى في معنى
ظاهر الآية أخبار روى موسى بن عبيدة قال حدثني عمران بن أبى أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبى ذر قال سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في الإبل صدقتها من جمع دينارا أو درهما أو تبرأ أو فضة لا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهي كي يكوى بها يوم القيامة قال قلت أنظر ما يجيء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن هذه الأموال قد فشت في الناس فقال أما تقرأ القرآن( والذين يكنزون الذهب والفضة ) الآية فاقتضى ظاهره أن في الإبل صدقتها لا جميعها وهي الصدقة المفروضة وفي الذهب والفضة إخراج جميعهما وكذلك كان مذهب أبى ذر رحمة الله عليه أنه لا يجوز ادخار الذهب والفضة وروى محمد ابن عمر عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا يمر على ثلاثة وعندي منه شيء أن لا أجد أحدا يقبله منى صدقة إلا أن أرصده لدين على فذكر في هذا الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحب ذلك لنفسه واختار إنفاقه ولم يذكر وعيد تارك إنفاقه وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبى أمامة قال توفى رجل من أهل الصفة فوجد معه دينار فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم كية وجائز أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم علم أنه أخذ الدينار من غير حله أو منعه من حقه أو سأله غيره بإظهار الفاقة مع غناه عنه كما روى عنه صلّى الله عليه وسلّم من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم فقلنا وما غناه يا رسول الله قال أن يكون عند أهله ما يغديهم ويعشيهم وكان ذلك في وقت شدة الحاجة وضيق العيش ووجوب المواساة من بعضها لبعض وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنها منسوخة بقوله تعالى( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) قال أبو بكر قد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنقل المستفيض إيجابه في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار كما أوجب فرائض المواشي ولم يوجب الكل فلو كان إخراج الكل واجبا من الذهب والفضة لما كان للتقدير وجه وأيضا فقد كان في الصحابة قوم ذوو يسار ظاهر وأموال جمة مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلم النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك منهم فلم يأمرهم بإخراج الجميع فثبت أن إخراج الجميع الذهب والفضة غير واجب وأن المفروض إخراجه هو الزكاة إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو الجائع المضطر والعاري المضطر أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه وقد روى شريك عن أبى حمزة عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال في المال حق سوى الزكاة وتلا قوله تعالى( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل
المشرق والمغرب ) الآية وقوله تعالى( ولا ينفقونها في سبيل الله ) يحتمل أن يريد به ولا ينفقون منها فحذف من وهو يريدها وقد بينه بقوله( خذ من أموالهم صدقة ) فأمر بأخذ بعض المال لا جميعه وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول إذ جائز أن يكون مراده ولا ينفقون منها وأما الكنز فهو في اللغة كبس الشيء بعضه على بعض قال الهذلي :
لا در درى إن أطعمت نازلكم |
قرف الحتى وعندي البر مكنوز |
ويقال كنزت التمر إذا كبسته في القوصرة وهو في الشرع لما لم يؤد زكاته وروى عن عمر وابن عباس وابن عمر والحسن وعامر والسدى قالوا ما لم يؤد زكاته فهو كنز فمنهم من قال وإن كان ظاهرا وما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا ومعلوم أن أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا فثبت أن الكنز اسم لما لم يؤد زكاته المفروضة وإذا كان كذلك كان تقدير قوله( والذين يكنزون الذهب والفضة ) الذين لا يؤدون زكاة الذهب والفضة ولا ينفقونها يعنى الزكاة في سبيل الله فلم تقتض الآية إلا وجوب الزكاة فحسب وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثنا أبى حدثنا غيلان عن جعفر بن إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية( والذين يكنزون الذهب والفضة ) كبر ذلك على المسلمين فقال عمر أنا أفرج عنكم فانطلق فقال يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم قال فكبر عمر ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته فأخبر في هذا الحديث أن المراد إنفاق بعض المال لا جميعه وأن قوله( والذين يكنزون ) المراد به منع الزكاة وروى ابن لهيعة قال حدثنا دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك فأخبر في هذا الحديث أيضا أن الحق الواجب في المال هو الزكاة وروى سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى به جنبه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده فأخبر في هذا الحديث أن الحق الواجب في الكنز هو الزكاة دون غيره وإنه لا يجب جميعه وقوله فيحمى بها جنبه وجبهته يدل على أنه أراد معنى قوله
( والذين يكنزون الذهب والفضة ـ إلى قوله ـفتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ) يعنى لم تؤدوا زكاته وحدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الذي لا يؤدى زكاته يمثل له شجاع أقرع له زبيبتان يلزمه أو يطوقه فيقول أنا كنزك أنا كنزك فأخبر أن المال الذي لا تؤدى زكاته هو الكنز ولما ثبت بما وصفنا أن قوله( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) مراده منع الزكاة أوجب عمومه إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة إذ كان الله إنما علق الحكم فيهما بالاسم فاقتضى إيجاب الزكاة فيهما بوجود الاسم دون الصنعة فمن كان عنده ذهب مصوغ أو مضروب أو تبر أو فضة كذلك فعليه زكاته بعموم اللفظ ويدل أيضا على وجوب ضم الذهب إلى الفضة لإيجابه الحق فيهما مجموعين في قوله( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) وقد اختلف الفقهاء في زكاة الحلي فأوجب أصحابنا فيه الزكاة وروى مثله عن عمرو ابن مسعود رواه سفيان الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود وروى عن جابر وابن عمر وعائشة لا زكاة في الحلي وهو قول مالك والشافعى وروى عن أنس بن مالك أن الحلي تزكى مرة واحدة ولا تزكى بعد ذلك وقد ذكرنا وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له* وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم آثار في إيجاب زكاة الحلي منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى امرأتين في أيديهما سواران من ذهب فقال أتعطين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فأوجب الزكاة في السوار وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا عتاب عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة قالت كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله أكنز هو فقال ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما وجوب زكاة الحلي والآخر أن الكنز ما لم تؤد زكاته وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن إدريس الرازي حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبى جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله ابن شداد بن الهاد أنه قال دخلنا على عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت دخل على رسول الله
صلى الله عليه وسلّم فرأى في يدي فتحات من ورق فقال ما هذا يا عائشة فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال أتؤدين زكاتهن قلت لا أو ما شاء الله قال هو حسبك من النار فانتظم هذا الخبر معنيين أحدهما وجوب زكاة الحلي والآخر أن المصوغ يسمى ورقا لأنها قالت فتحات من ورق فاقتضى ظاهر قوله في الرقة ربع العشر إيجاب الزكاة في الحلي لأن الرقة والورق واحد ويدل عليه من جهة النظر أن الذهب والفضة يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأعيانهما في ملك من كان من أهل الزكاة لا بمعنى ينضم إليهما والدليل عليه أن النقر والسبائك تجب فيهما الزكاة وإن لم تكن مرصدة للنماء وفارقا بهذا غيرهما من الأموال لأن غيرهما لا تجب الزكاة فيهما بوجود الملك إلا أن تكون مرصدة للنماء فوجب أن لا يختلف حكم المصوغ والمضروب وأيضا لم يختلفوا أن الحلي إذا كان في ملك الرجل تجب فيه الزكاة فكذلك إذا كان في ملك المرأة كالدراهم والدنانير وأيضا لا يختلف حكم الرجل والمرأة فيما يلزمهما من الزكاة فوجب أن لا يختلفا في الحلي* فإن قيل الحلي كالنقر* العوامل وثياب البذلة* قيل له قد بينا أن ما عداهما يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأن يكون مرصدا للنماء فما لم يوجد هذا المعنى لم تجب والذهب والفضة لأعيانهما بدلالة الدراهم والدنانير والنقر والسبائك إذا أراد بهما القنية والتبقية لا طلب النماء وأيضا لما لم يكن للصنعة تأثير فيهما ولم يغير حكمهما في حال وجب أن لا يختلف الحكم بوجود الصنعة وعدمها* فإن قيل زكاة الحلي عاريته قيل له هذا غلط لأن العارية غير واجبة والزكاة واجبة فبطل أن تكون العارية زكاة وأما قول أنس بن مالك أن الزكاة تجب في الحلي مرة واحدة فلا وجه له لأنه إذا كان من جنس ما تجب فيه الزكاة وجبت في كل حول.
(فصل) وقد دلت الآية على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بمجموعهما فاقتضى ذلك وجوب ضم بعضها إلى بعض وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا يضم أحدهما إلى الآخر فإذا كمل النصاب بها زكى واختلف أصحابنا في كيفيته فقال أبو حنيفة يضم بالقيمة كالعروض وقال أبو يوسف ومحمد يضم بالأجزاء وقال ابن أبى ليلى والشافعى لا يضمان وروى الضم عن الحسن وبكير بن عبد الله بن الأشج وقتادة والدليل على وجوب الزكاة فيهما مجموعين قوله تعالى( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) فأوجب الله تعالى فيهما الزكاة مجموعين لأن قوله( ولا ينفقونها ) قد
أراد به إنفاقهما جميعا ويدل على وجوب الضم أنهما متفقان في وجوب الحق فيهما وهو ربع العشر فكانا بمنزلة العروض المختلفة إذا كانت للتجارة لما كان الواجب فيها ربع العشر ضم بعضها إلى بعض مع اختلاف أجناسها وقد قال الشافعى فيمن له مائة درهم وعرض للتجارة يساوى مائة درهم أن الزكاة واجبة عليه فضم العرض إلى المائة مع اختلاف الجنسين لاتفاقهما في وجوب ربع العشر وليس الذهب والفضة كالجنسين من الإبل والغنم لأن زكاتهما مختلفة فإن قيل زكاة خمس من الإبل مثل زكاة أربعين شاة ولم يكن اتفاقهما في الحق الواجب موجبا لضم أحدهما إلى الآخر قيل له لم نقل أن اتفاقهما في المقدار الواجب يوجب ضم أحدهما إلى الآخر وإنما قلنا أن اتفاقهما في وجوب ربع العشر فيهما هو المعنى الموجب للضم كعروض التجارة عند اتفاقهما في وجوب ربع العشر وقت الضم والإبل والغنم ليس الواجب فيهما ربع العشر لأن الشاة ليست ربع العشر من خمس من الإبل ولا ربع العشر من أربعين شاتا أيضا لأنه جائز أن يكون الغنم خيارا ويكون الواجب فيها شاة وسطا فيكون أقل من ربع عشرها فهذا إلزام ساقط فإن احتجوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم ليس فيما دون خمس أواق صدقة وذلك يوجب الزكاة فيها سواء كان معها ذهب أو لم يكن قيل له كما لم يمنع قوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة وجوب ضم المائة إلى العروض وكان معناه عندك إذا لم يكن معه غيره من العروض كذلك نقول نحن في ضمه إلى الذهب* قوله تعالى( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ـ إلى قوله ـحرم ) لما قال تعالى في مواضع أخر( الحج أشهر معلومات ) وقال( يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج ) فعلق بالشهور كثيرا من مصالح الدنيا والدين وبين في هذه الآية هذه الشهور وإنما تجرى على منهاج واحد لا يقدم المؤخر منها ولا يؤخر المقدم وقال( إن عدة الشهور عند الله ) وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن الله وضم هذه الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة وهو معنى قوله( إن عدة الشهور عند الله ) وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها وتقديم المؤخر وتأخير المقدم في الأسماء منها وذكر ذلك لنا لنتبع أمر الله فيها ونرفض ما كان عليه أمر الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم
في حجة الوداع ما رواه ابن عمر وأبو بكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في خطبته بالعقبة أيها الناس إن الزمان قد استدار قال ابن عمر فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وقال أبو بكرة قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وأن النسيء زيادة في الكفر الآية قال ابن عمر وذلك إنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا ويجعلون المحرم عاما حلالا وعاما حراما وكان النسيء من الشيطان فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الزمان يعنى زمان الشهور قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وأن كل شهر قد عاد إلى الموضع الذي وضعه الله به على ترتيبه ونظامه وقد ذكر لي بعض أولاد بنى المنجم أن جده وهو أحسب محمد بن موسى المنجم الذي ينتمون إليه حسب شهور الأهلة منذ ابتداء خلق الله السموات والأرض فوجدها قد عادت في موقع الشمس والقمر إلى الوقت الذي ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قد عاد إليه يوم النحر من حجة الوداع لأن خطبته هذه كانت بمنى يوم النحر عند العقبة وإنه حسب ذلك في ثماني سنين فكان ذلك اليوم العاشر من ذي الحجة على ما كان عليه يوم ابتداء الشهور والشمس والقمر في ذلك اليوم في الموضع الذي ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قد عاد الزمان إليه مع النسيء بالذي قد كان أهل الجاهلية ينسئون وتغيير أسماء الشهور ولذلك لم تكن السنة التي حج فيها أبو بكر الصديق هي الوقت الذي وضع الحج فيه وإنما قال رجب مضر بين جمادى وشعبان دون رمضان الذي يسميه ربيعة رجب وأما الوجه الآخر في معنى قوله( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ) فهو أن الله قسم الزمان اثنى عشر قسما فجعل نزول الشمس في كل برج من البروج الإثنى عشر قسما منها فيكون قطعها للفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما وكسر قسم الأزمنة أيضا على مسير القمر فصار القمر يقطع الفلك في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم وجعل السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وربع يوم فكان قطع الشمس للبرج مقاربا لقطع القمر للفلك كله وهذا معنى قوله تعالى( الشمس والقمر بحسبان ) وقال تعالى( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ) فلما
كانت السنة مقسومة على نزول الشمس في البروج الإثنى عشر وكان شهورها اثنى عشر واختلفت السنة الشمسية والقمرية في البروج الإثنى عشر وكانت شهورها اثنى عشر واختلفت السنة الشمسية والقمرية في الكسر الذي بينهما وهو أحد عشر يوما بالتقريب وكانت شهور القمر ثلاثين وتسعة وعشرين فيما يتعلق بها من أحكام الشرع ولم يكن لنصف اليوم الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم فكان ذلك هو القسمة التي قسم الله تعالى السنة في ابتداء وضع الخلق ثم غيرت الأمم العادلة عن كثير من شرائع الأنبياء هذا الترتيب فكانت شهور الروم بعضها ثمانية وعشرين وبعضها ثمانية وعشرين ونصفا وبعضها واحدا وثلاثين وذلك على خلاف ما أمر الله تعالى من اعتبار الشهور في الأحكام التي تتعلق بها ثم كانت الفرس شهورها ثلاثين إلا شهرا واحدا وهو بادماه فإنه خمسة وثلاثون ثم كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا كاملا فتصير السنة ثلاثة عشر أخبر الله تعالى أن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة فيها ولا نقصان وهي الشهور القمرية التي إما أن تكون تسعة وعشرين وإما أن تكون ثلاثين ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم الشهر تسع وعشرون والشهر ثلاثون وقال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فجعل الشهر برؤية الهلال فإن اشتبه لغمام أو قترة فثلاثون فأعلمنا الله بقوله( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ) يعنى إن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة عليها وأبطل به الكبيسة التي كانت تكبسها الفرس فتجعلها ثلاثة عشر شهرا في بعض السنة وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن انقضاء الشهور برؤية الهلال فتارة تسعة وعشرون وتارة ثلاثون فأعلمنا الله في هذه الآية أنه كذلك وضع الشهور والسنين في ابتداء الخلق أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم عود الزمان إلى ما كان عليه وأبطل به ما غيره المشركون من ترتيب الشهور ونظامها وما زاد به في السنين والشهور وإن الأمر قد استقر على ما وضعه الله تعالى في الأصل لما علم تبارك وتعالى من تعلق مصالح الناس في عبادتهم وشرائعهم بكون الشهور والسنين على هذا الوجه فيكون الصوم تارة في الربيع وتارة في الصيف وأخرى في الخريف وأخرى في الشتاء وكذلك الحج لعلمه بالمصلحة في ذلك* وقد روى في الخبر أن صوم النصارى كان كذلك فلما رأوه يدور في بعض السنين إلى الصيف اجتمعوا إلى أن نقلوه إلى زمان الربيع وزادوا في
العدد وتركوا ما تعبدوا به من اعتبار شهور القمر مطلقة على ما يتفق من وقوعها في الأزمان وهذا ونحوه مما ذمهم الله تعالى به وأخبر أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله في اتباعهم أوامرهم واعتقادهم وجوبها دون أوامر الله تعالى فضلوا وأضلوا وقوله تعالى( منها أربعة حرم ) وهي التي بينها النبي صلّى الله عليه وسلّم بأنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب والعرب تقول ثلاثة سرد وواحد فرد وإنما سماها حرما لمعنيين أحدهما تحريم القتال فيها وقد كان أهل الجاهلية أيضا يعتقدون تحريم القتال فيها وقال الله تعالى( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) والثاني تعظيم انتهاك المحارم فيها بأشد من تعظيمه في غيرها وتعظيم الطاعات فيها أيضا وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من المصلحة في ترك الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم الله والمبادرة إلى الطاعات من الاعتمار والصلاة والصوم وغيرها كما فرض صلاة الجمعة في يوم بعينه وصوم رمضان في وقت معين وجعل بعض الأماكن في حكم الطاعات ومواقعة المحظورات أعظم من حرمة غيره نحو بيت الله الحرام ومسجد المدينة فيكون ترك الظلم والقبائح في هذه الشهور والمواضع داعيا إلى تركها في غيره ويصير فعل الطاعات والمواظبة عليها في هذه الشهور وهذه المواضع الشريفة داعيا إلى فعل أمثالها في غيرها للمرور والاعتياد وما يصحب الله العبد من توفيقه عند إقباله إلى طاعته وما يلحق العبد من الخذلان عند إكبابه على المعاصي واشتهاره وأنسه بها فكان في تعظيم بعض الشهور وبعض الأماكن أعظم المصالح في الاستدعاء إلى الطاعات وترك القبائح ولأن الأشياء تجر إلى أشكالها وتباعد من أضدادها فالاستكثار من الطاعة يدعو إلى أمثالها والاستكثار من المعصية يدعو إلى أمثالها قوله تعالى( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) الضمير في قوله( فيهن ) عند ابن عباس راجع إلى الشهور وقال قتادة هو عائد إلى الأربعة الحرم وقوله( وقاتلوا المشركين كافة ) يحتمل وجهين أحدهما الأمر بقتال سائر أصناف أهل الشرك إلا من اعتصم منهم بالذمة وأداء الجزية على ما بينه في غير هذه الآية والآخر الأمر بأن تقاتلهم مجتمعين متعاضدين غير متفرقين ولما احتمل الوجهين كان عليهما إذ ليسا متنافيين فتضمن ذلك الأمر بالقتال لجميع المشركين وأن يكونوا مجتمعين متعاضدين على القتال وقوله( كما يقاتلونكم كافة ) يعنى أن جماعتهم يرون ذلك فيكم ويعتقدونه ويحتمل كما يقاتلونكم مجتمعين وهذه الآية في
معنى قوله( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) متضمنة لرفع العهود والذمم التي كانت بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين وفيها زيادة معنى وهو الأمر بأن نكون مجتمعين في حال قتالنا إياهم قوله تعالى( إنما النسىء زيادة في الكفر ) فالنسىء التأخير ومنه البيع بنسيئة وأنسات البيع أخرته و( ما ننسخ من آية أو ننسها ) أى نؤخرها ونسئت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ونسأت الناقة إذ دفعتها في السير لأنك زجرتها عن التأخر والمنسأة العصا في هذا الموضع ما كانت العرب تفعله من تأخير الشهور فكان يقع الحج في غير وقته واعتقاد حرمة الشهور في غير زمانه فقال ابن عباس كانوا يجعلون المحرم صفرا وقال ابن أبى نجيح وغيره كانت قريش تدخل في كل ستة أشهر أياما يوافقون ذا الحجة في كل ثلاث عشر سنة فوفق الله تعالى لرسوله في حجته استدارة زمانهم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فاستقام الإسلام على عدد الشهور ووقف الحج على ذي الحجة* وقال ابن إسحاق كان ملك من العرب يقال له القلمس واسمه حذيفة أول من أنسأ النسيء أنسأ المحرم فكان يحله عاما ويحرمه عاما فكان إذا حرمه كانت ثلاث حرمات متواليات وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم لتواطئ العدة يقول قد أكملت الأربعة كما كانت لأنى لم أحل شهرا إلا قد حرمت مكانه شهرا فحج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقد عاد المحرم إلى ما كان عليه في الأصل فأنزل الله تعالى( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ) فأخبر الله أن النسيء الذي كانوا يفعلونه كفر لأن الزيادة في الكفر لا تكون إلا كفرا لاستحلالهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فكان القوم كفارا باعتقادهم الشرك ثم ازدادوا كفرا بالنسيء.
باب فرض النفير والجهاد
قال الله تعالى( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ـ إلى قوله ـإلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من يستنفر وقال في آية بعدها( انفروا خفافا وثقالا ) فأوجب النفير مطلقا غير مقيد بشرط الاستنفار فاقتضى ظاهره وجوب الجهاد على كل مستطيع له وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد
قال حدثنا أبو اليمان وحجاج كلاهما عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة وابن أبى بلال عن راشد الحبرانى أنه وافى المقداد بن الأسود وهو يجهز قال فقلت يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك أو قال قد عذرك الله يعنى في القعود عن الغزو فقال أتت علينا سورة براءة انفروا خفافا وثقالا قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا أيوب شهد بدرا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ثم لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عاما واحدا فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك وما على من استعمل على فكان يقول قال الله( انفروا خفافا وثقالا ) فلا أجدنى إلا خفيفا أو ثقيلا وبإسناده قال أبو عبيد حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أنس بن مالك أن أبا طلحة قرأ هذه الآية( انفروا خفافا وثقالا ) قال ما أرى الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخا جهزوني فجهزناه فركب البحر ومات في غزاته تلك فما وجدنا له جزيرة تدفنه فيها أو قال يدفنونى فيها إلا بعد سابعه قال أبو عبيد حدثنا حجاج عن أبى جريج عن مجاهد في هذه الآية قال قالوا فينا الثقيل وذو الحاجة والصنعة والمنتشر عليه أمره قال الله تعالى( انفروا خفافا وثقالا ) فتأول هؤلاء هذه الآية على فرض النفير ابتداء وإن لم يستنفروا والآية الأولى يقتضى ظاهرها وجوب فرض النفير إذا استنفروا وقد ذكر في تأويله وجوه أحدها أن ذلك كان في غزوة تبوك لما ندب إليه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الناس إليها فكان النفير مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فرضا على من استنفر وهو مثل قوله( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) قالوا وليس كذلك حكم النفير مع غيره وقيل إن هذه الآية منسوخة حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزى قال حدثنا على بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) و( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) نسختها الآية التي تليها( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) وقال آخرون ليس في واحدة منهما نسخ وحكمهما ثابت في حالين فمتى لم يقاوم أهل الثغور العدو واستنفروا ففرض على الناس النفير إليهم حتى يسيحوا الثغور وإن استغنى عنهم باكتفائهم بمن هناك سواء استنفروا أو لم يستنفروا ومتى قام الذين في وجه العدو بفرض الجهاد واستغنوا بأنفسهم عمن
وراءهم فليس على من وراءهم فرض الجهاد إلا أن يشاء من شاء منهم الخروج للقتال فيكون فاعلا للفرض وإن كان معذورا في القعود بديا لأن الجهاد فرض على الكفاية ومتى قام به بعضهم سقط عن الباقين وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال حدثنا جرير بن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإن استنفرتم فانفروا فأمر بالنفير عند الاستنفار وهو موافق لظاهر قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) وهو محمول على ما ذكرنا من الاستنفار للحاجة إليهم لأن أهل الثغور متى اكتفوا بأنفسهم ولم تكن لهم حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون ولكن لو استنفرهم الإمام مع كفاية من في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش المسلمين لأنه يريد أن يغزو أهل الحرب ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من المسلمين أن ينفروا وهذ هو موضع الخلاف بين الفقهاء في فرض الجهاد فحكى عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض وقالوا( كتب عليكم القتال ) ليس على الوجوب بل على الندب كقوله تعالى( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) وقد روى فيه عن ابن عمر نحو ذلك وإن كان مختلفا في صحة الرواية عنه وهو ما حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا على بن معبد عن أبى المليح الرقى عن ميمون بن مهران قال كنت عند ابن عمر فجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الفرائض وابن عمر جالس حيث يسمع كلامه فقال الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان والجهاد في سبيل الله قال فكان ابن عمر غضب من ذلك ثم قال الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان قال ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابى جريج قال قلت لعطاء أواجب الغزو على الناس فقال هو وعمرو بن دينار ما علمناه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك وسائر فقهاء الأمصار إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة إلا أنه فرض على الكفاية إذا
قام به بعضهم كان الباقون في سعة من تركه وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان الثوري كان يقول ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزى فيه بعضهم على بعض فإن كان هذا قول سفيان فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية وهو موافق لمذهب أصحابنا الذي ذكرناه ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذا ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حين يستبيحوا دماء المسلمين وسبى ذراريهم ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم وأن يقعدوا عنهم وقال آخرون على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية وهو مذهب أصحابنا ومن ذكرنا من السلف المقداد بن الأسود وأبو طلحة في آخرين من الصحابة والتابعين وقال حذيفة بن اليمان الإسلام ثمانية أسهم وذكر سهما منها الجهاد وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال معمر كان مكحول يستقبل القبلة ثم يحلف عشر أيمان أن الغزو واجب ثم يقول إن شئتم زدتكم وحدثنا جعفر قال حدثنا جعفر حدثنا أبو عبيد حدثنا عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث أو غيره عن ابن شهاب قال كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا فمن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغنى عنه قعد وهذا مثل قول من يراه فرضا على الكفاية وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض يعنون به أنه ليس فرضه متعينا على كل أحد كالصلاة والصوم وأنه فرض على الكفاية والآيات الموجبة لفرض الجهاد كثيرة فمنها قوله تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) فاقتضى ذلك وجوب قتالهم حتى يجيبوا إلى الإسلام وقال( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ) الآية وقال( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية وقال( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ) وقال( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم )
و( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) وقال( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) وقال( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) وقال( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) وقال( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وأنفسكم ) فأخبر أن النجاة من عذابه إنما هي بالإيمان بالله ورسوله وبالجهاد في سبيله بالنفس والمال فتضمنت الآية الدلالة على فرض الجهاد من وجهين أحدهما أنه قرنه إلى فرض الإيمان والآخر الإخبار بأن النجاة من عذاب الله به وبالإيمان والعذاب لا يستحق إلا بترك الواجبات وقال( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) ومعناه فرض كقوله( كتب عليكم الصيام ) فإن قيل هو كقوله( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) وإنما هي ندب ليست بفرض قيل له قد كانت الوصية واجبة بهذه الآية وذلك قبل فرض الله المواريث ثم نسخت بعد الميراث ومع ذلك فإن حكم اللفظ الإيجاب إلا أن تقوم دلالة للندب ولم تقم الدلالة في الجهاد أنه ندب قال أبو بكر فأكد الله تعالى فرض الجهاد على سائر المكلفين بهذه الآية وبغيرها على حسب الإمكان فقال لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلم( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ) فأوجب عليه فرض الجهاد من وجهين أحدهما بنفسه ومباشرة القتال وحضوره والآخر بالتحريض والحث والبيان لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم لم يكن له مال فلم يذكر فيما فرضه عليه إنفاق المال وقال لغيره( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ) فألزم من كان من أهل القتال وله مال فرض الجهاد بنفسه وماله ثم قال في آية أخرى( وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) فلم يخل من أسقط عنه فرض الجهاد بنفسه وماله للعجز والعدم من إيجاب فرضه بالنصح لله ورسوله فليس أحد من المكلفين إلا وعليه فرض الجهاد عن مراتبه التي وصفنا وقد روى في تأكيد فرضه أخبار كثيرة فمنها ما حدثنا عن عمرو بن حفص السدوسي قال حدثنا عاصم بن على قال حدثنا قيس بن الربيع عن جبلة بن سحيم عن مؤثر بن عفازة عن بشير بن الخصاصية قال أتيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أبايعه فقلت له علام
تبايعني يا رسول الله فمد رسول الله يده فقال على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتصلى الصلوات الخمس المكتوبات لوقتهن وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم رمضان وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله فقلت يا رسول الله كلا لا أطيق إلا اثنتين إيتاء الزكاء فما لي إلا حمولة أهلى وما يقومون به وأما الجهاد فإنى رجل جبان فأخاف أن تخشع نفسي فأفر فأبوء بغضب من الله فقبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يده وقال يا بشير لا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة فقلت يا رسول الله أبسط يدك فبسط يده فبايعته عليهن وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم فأوجب الجهاد بكل ما أمكن الجهاد به وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام وأداء الفرائض وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الإسلام إلا أن فرضة على الكفاية على ما بينا فإن احتج محتج بما روى عاصم بن زيد بن عبد الله بن عمر عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بنى الإسلام على خمس فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان فذكر هذه الخمس ولم يذكر فيه الجهاد وهذا يدل على أنه ليس بفرض قال أبو بكر وهذا حديث في الأصل موقوف على ابن عمر رواه وهب عن عمر بن محمد عن زيد عن أبيه عن ابن عمر أنه قال وجدت الإسلام بنى على خمس وقوله وجدت دليل على أنه قاله من رأيه وجائز أن يجد غيره ما هو أكثر منه وقول حذيفة بنى الإسلام على ثمانية أسهم أحدها الجهاد يعارض قول ابن عمر* فإن قيل فقد روى عبيد الله بن موسى قال أخبرنا حنظلة بن أبى سفيان قال سمعت عكرمة ابن خافد يحدث طاوسا قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن لا تغزوا فقال إنى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول بنى الإسلام على خمسة فهذا حديث مستقيم السند مرفوع إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قيل له جائز أن يكون إنما اقتصر على خمسة لأنه قصد إلى ذكر ما يلزم الإنسان في نفسه دون ما يكون منه فرضا على الكفاية ألا ترى أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة الحدود وتعلم علوم الدين وغسل الموتى وتكفينهم ودفنهم كلها فروض ولم يذكرها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فيما بنى عليه الإسلام ولم يخرجه ترك ذكره من أن يكون
فرضا لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم إنما قصد إلى بيان ذكر الفروض اللازمة للإنسان في خاصة نفسه في أوقات مرتبة ولا ينوب غيره عنها فيه والجهاد فرض على الكفاية على الحد الذي بينا فلذلك لم يذكره وقد روى ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ما يدل على وجوبه وهو مما لاحدثنا عن عبد الله بن شيروبه قال حدثني إسحاق بن راهويه قال أخبرنا جرير عن ليث بن أبى سليم عن عطاء عن ابن عمر قال لقد أتى علينا زمان وما نرى أن أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم حتى أن الدينار والدرهم اليوم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يراجعوا دينهم وحدثنا عن خلف بن عمرو العكبري قال حدثنا المعلى بن مهدى حدثنا عبد الوارث حدثنا ليث عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نحوه فقد اقتضى هذا اللفظ وجوب الجهاد لإخباره بإدخال الله الذل عليهم بذكر عقوبة على الجهاد والعقوبات لا تستحق إلا على ترك الواجبات وهذا يدل على أن مذهب ابن عمر في الجهاد فرض على الكفاية وإن الرواية التي رويت عنه في نفى فرض الجهاد إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من أنه غير متعين على كل حال في كل زمان ويدل على أنه فرض على الكفاية قوله تعالى( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) وقوله( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) وقوله( لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا ) ( وعد الله الحسنى ) فلو كان الجهاد فرضا على كل أحد في نفسه لما كان القاعدون موعودين بالحسنى بل كانوا يكونوا مذمومين مستحقين للعقاب بتركه وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله عز وجل( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) وفي قوله( انفروا خفافا وثقالا ) قال نسختها( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) قال تنفر طائفة وتمكث طائفة مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال فالماكثون هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو بما نزل من قضاء الله وكتابه وحدوده وحدثنا جعفر بن محمد قال أخبرنا جعفر
ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاية بن صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال يعنى من السرايا كانت ترجع وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعدهم ويبعث سرايا أخر قال فذلك قوله( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) فثبت بما قدمنا لزوم فرض الجهاد وأنه فرض على الكفاية وليس بلازم لكل أحد في خاصة نفسه وماله إذا كفاه ذلك غيره قوله تعالى( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم ) الآية روى عن الحسن ومجاهد والضحاك شبانا وشيوخا وعن أبى صالح أغنياء وفقراء وعن الحسن مشاغيل وغير مشاغيل وعن ابن عباس وقتادة نشاطا وغير نشاط وعن ابن عمر ركبانا ومشاة وقيل ذا صنعة وغير ذي صنعة قال أبو بكر كل هذه الوجوه يحتمله اللفظ فالواجب يعمها إذ لم تقم دلالة التخصيص وقوله( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) فأوجب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به كما أن من له قوة وجلد وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما يبلغه ومن قوى على القتال وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال ومن كان عاجزا بنفسه معدما فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله بقوله( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) وقوله تعالى( ذلكم خير لكم ) مع أنه لا خير في ترك الجهاد قيل فيه وجهان أحدهما خير من تركه إلى المباح في الحال التي لا يتعين عليه فرض الجهاد والآخر أن الخير فيه لا في تركه وقوله تعالى( إن كنتم تعلمون ) قيل فيه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير وقيل إن كنتم تعلمون صدق الله فيما وعد به من ثوابه وجنته قوله تعالى( سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) الآية لما أكذبهم الله في قوله( لو استطعنا لخرجنا معكم ) دل على أنهم كانوا مستطيعين ولم يخرجوا وهذا يدل على بطلان مذهب الجبر في أن المكلفين غير مستطيعين لما كلفوا في حال التكليف قبل وقوع الفعل منهم لأن الله تعالى قد أكذبهم في نفيهم الاستطاعة عن أنفسهم قبل الخروج وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه أخبر أنهم سيحلفون فجاؤا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم قوله تعالى( عفا
الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) العفو ينصرف عن وجوه أحدها التسهيل والتوسعة كقوله صلّى الله عليه وآله وسلم أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله والعفو الترك كقوله صلّى الله عليه وآله وسلم احفوا الشوارب واعفوا اللحى والعفو الكثرة كقوله تعالى( حتى عفوا ) يعنى كثروا وأعفيت فلانا من كذا وكذا إذا سهلت له تركه والعفو الصفح عن الذنب وهو إعفاؤه من تبعته وترك العقاب عليه وهو مثل الغفران في هذا الموضع وجائز أن يكون أصله التسهيل فإذا عفا عن ذنبه فلم يستقص عليه وسهل عليه الأمر وكذلك سائر الوجوه التي تنصرف عليها هذه الكلمة يجوز أن يكون أصلها الترك والتوسعة ومن الناس من يقول إنه كان من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ذنب صغير في إذنه لهم ولهذا قال الله تعالى( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) إذ لا يجوز أن تقول لم فعلت ما جعلت لك فعله كما لا يجوز أن تقول لم فعلت ما أمرتك بفعله قالوا فغير جائز إطلاق العفو عما قد جعل له فعله كما لا يجوز أن يعفو عنه ما أمره به وقيل إنه جائز أن لا تكون منه معصية في الإذن لهم لا صغيرة ولا كبيرة وإنما عاتبه بأن قال لم فعلت ما جعلت لك فعله مما غيره أولى منه إذ جائز أن يكون مخيرا بين فعلين وأحدهما أولى من الآخر قال الله تعالى( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن ) فأباح الأمرين وجعل أحدهما أولى وقد روى شعبة عن قتادة في قوله( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) كانت كما تسمعون ثم أنزل الله في سورة النور( وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ـ إلى قوله ـفأذن لمن شئت منهم ) فجعله الله تعالى رخصة في ذلك وروى على بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله( إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ـ إلى قوله ـيترددون ) هذا بعينه للمنافقين حين استأذنوه للقعود عن الجهاد من غير عذر وعذر الله المؤمنين فقال( وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قوله( إنما يستاذنك الذين لا يؤمنون بالله ) قال نسخها قوله( واذا كانوا معه على امر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ـ إلى قوله ـفأذن لمن شئت منهم ) فجعل الله تعالى رسوله بأعلى النظرين قال أبو بكر جائز أن يكون قوله تعالى( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) في قوم من المنافقين لحقتهم تهمة فكان يمكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم استبراء أمرهم بترك الإذن لهم فينظر نفاقهم إذا لم يخرجوا بعد الأمر بالخروج ويكون ذلك حكما ثابتا في أولئك ويدل عليه
قوله( حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) ويكون قوله( وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) وقوله( فأذن لمن شئت منهم ) في المؤمنين الذين لو لم يأذن لهم لم يذهبوا فلا تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى قوله تعالى( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ـ إلى قوله ـبأموالهم ) الآية يعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف عن الجهاد لأن لا يجاهدوا وأضمر لا في قوله( أن يجاهدوا ) لدلالة الكلام عليه وهذا يدل على أن الاستيذان في التخلف كان محظورا عليهم ويدل على صحة تأويل قوله( أن يجاهدوا ) أنه على تقدير كراهة أن يجاهدوا وهو يئول إلى المعنى الأول لأن إضمار لا فيه وإضمار الكراهة سواء وهذه الآية أيضا تدل على وجوب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا لأنه قال تعالى( أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) فذمنهم على الاستئذان في ترك الجهاد بهما والجهاد بالمال يكون على وجهين أحدهما إنفاق المال في إعداد الكراع والسلاح والآلة والراحلة والزاد وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه والثاني إنفاق المال على غيره مما يجاهد ومعونته بالزاد والعدة ونحوها* والجهاد بالنفس على ضروب منها الخروج بنفسه ومباشرة القتال ومنها بيان ما افترض الله من الجهاد وذكر الثواب الجزيل لمن قال به والعقاب لمن قعد عنه ومنها التحريض والأمر ومنها الأخبار بعورات العدو وما يعلمه من مكايد الحرب وسداد الرأى وإرشاد المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر الحروب كما قال الحباب بن المنذر حين نزل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ببدر فقال يا رسول الله أهذا رأى رأيته أم وحى فقال بل رأى رأيته قال فإنى أرى أن تنزل على الماء وتجعله خلف ظهرك وتعور الآبار التي في ناحية العدو ففعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ذلك ونحو ذلك من كل قول يقوى أمر المسلمين ويوهن أمر العدو فإن قيل فأى الجهادين أفضل أجهاد النفس والمال أم جهاد العلم قيل له الجهاد بالسيف مبنى على جهاد العلم وفرع عليه لأنه غير جائز أن يعدوا في جهاد السيف ما يوجبه العلم فجهاد العلم أصل وجهاد النفس فرع والأصل أولى بالتفضيل عن الفرع فإن قيل تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين قيل له إذا خيف معرة العدو وإقدامهم على المسلمين ولم يكن بإزائه من يدفعه فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم لأن ضرر العدو إذا وقع
بالمسلمين لم يمكن تلافيه وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال ولأن تعلم العلم فرض على الكفاية لا على كل أحد في خاصة نفسه ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه عن المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد وما كان فرضا معينا على الإنسان غير موضع عليه في التأخير فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره وسقط عنه بعينه وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال إذ كان الفرض قد تعين عليه في هذا الوقت فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية كتعلم العلم إلا أن الاشتغال بالعلم في هذه الحال أولى وأفضل من الجهاد لما قدمنا من علو مرتبة العلم على مرتبة الجهاد فإن ثبات الجهاد بثبات العلم وأنه فرع له ومبنى عليه فإن قيل هل يجوز الجهاد مع الفساق قيل له إن كل أحد من المجاهدين فإنما يقوم بفرض نفسه فجائز له أن يجاهد الكفار وإن كان أمير الجيش وجنوده فساقا وقد كان أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يغزون بعد الخلفاء الأربعة مع الأمراء الفساق وغزا أبو أيوب الأنصارى مع يزيد اللعين وقد ذكرنا حديث أبى أيوب أنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك وما على من استعمل على فكان يقول قال الله تعالى( انفروا خفافا وثقالا ) فلا أجدنى إلا خفيفا أو ثقيلا فدل على أن الجهاد واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول وسائر الآي الموجبة لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين وأيضا فإن الفساق إذا جاهدوا فهم مطيعون في ذلك كما هم مطيعون لله في الصلاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام وأيضا فإن الجهاد ضرب من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته على ذلك فكذلك الجهاد فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق فإذا كان الفرض عليهم واحدا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول ومع الفساق قوله تعالى( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ) والعدة ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه وهو كقوله( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) وقوله تعالى( ولكن كره الله انبعاثهم ) يعنى خروجهم كان يقع على وجه الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم والخروج
على هذا الوجه معصية وكفر فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه إذ كان معصية والله لا يجب الفساد وقوله تعالى( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) أى مع النساء والصبيان وجائز أن يكون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال لهم اقعدوا مع القاعدين وجائز أن يكون قال بعضهم لبعض قوله تعالى( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) الآية فيه بيان وجه خروجهم لو خرجوا وإخبار أن المصلحة للمسلمين كانت في تخلفهم وهذا يدل على أن معاتبة الله لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلم في قوله( لم أذنت لهم ) أن الله علم أنه لو لم يأذن لهم لم يخرجوا أيضا فيظهر للمسلمين كذبهم ونفاقهم وقد أخبر الله تعالى أو خروجهم لو خرجوا على هذا الوجه كان يكون معصية وفسادا على المؤمنين* وقوله( ما زادوكم إلا خبالا ) والخبال الاضطراب في الرأى فأخبر الله تعالى أنهم لو خرجوا لسعوا بين المؤمنين في التضريب وإفساد القلوب والتخذيل عن العدو فكان ذلك يوجب اضطراب آرائهم فإن قال قائل لم قال( ما زادوكم إلا خبالا ) ولم يكونوا على خبال يزاد فيه قيل له يحتمل وجهين أحدهما أنه استثناء منقطع تقديره ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال والآخر أنه يحتمل أن يكون قوم منهم قد كانوا على خبال في الرأى لما يعرض في النفوس من التلون إلى أن استقر على الصواب فيقويه هؤلاء حتى يصير خبالا معدولا به عن صواب الرأى قوله تعالى( ولأوضعوا خلالكم ) قال الحسن ولأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم وقوله تعالى( يبغونكم الفتنة ) فإن الفتنة هاهنا المحنة باختلاف الكلمة والفرقة ويجوز أن يريد به الكفر لأنه يسمى بهذا الاسم لقوله تعالى( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) وقوله( والفتنة أشد من القتل ) وقوله( وفيكم سماعون لهم ) قال الحسن ومجاهد عيون منهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم وقال قتادة وابن إسحاق قابلون منهم عند سماع قولهم قوله تعالى( لقد ابتغوا الفتنة من قبل ) يعنى طلبوا الفتنة وهي هاهنا الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة وقوله تعالى( وقلبوا لك الأمور ) يعنى به تصريف الأمور وتقليبها ظهرا لبطن طلبا لوجه الحيلة والمكيدة في إطفاء نوره وإبطال أمره فأبى الله تعالى إلا إظهار دينه وإعزاز نبيه وعصمه من كيدهم وحيلهم قوله تعالى( ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى ) قال ابن عباس ومجاهد نزلت في الجد بن قيس قال ائذن لي ولا تفتني ببنات بنى الأصفر فإنى مستهتر بالنساء وكان ذلك حين دعاهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة تبوك وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة لا تؤثمنى بالعصيان
في المخالفة التي توجب الفرقة قوله تعالى( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ) روى عن الحسن كل ما يصيبنا من خير وشر فهو مما كتبه في اللوح المحفوظ فليس على ما يتوهمه الكفار من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير ربنا وقيل لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا قوله تعالى( قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ) صيغته الأمر والمراد البيان عن التمكن من الطاعة والمعصية كقوله( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وقيل معناه الخبر الذي يدخل فيه إن الجزاء كما قال كثير:
أسيء بنا أو أحسني لا ملومة |
لدينا ولا مقلية إن تقلت |
ومعناه إن أحسنت أو أسأت لم تلام قوله تعالى( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ) قيل فيه ثلاثة أوجه قال ابن عباس وقتادة فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة فكان ذلك عندهما على تقديم الكلام وتأخيره وقال الحسن ليعذبهم في الزكاة بالإنفاق في سبيل الله وقال آخرون يعذبهم بها بالمصائب وقيل قد يكون صفة الكفار بالسبي وغنيمة الأموال وهذه اللام التي في قوله( ليعذبهم ) هي لام العاقبة كقوله تعالى( ليكون لهم عدوا وحزنا ) قوله تعالى( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) الحلف تأكيد الخبر بذكر المعظم على منهاج والله وبالله والحروف الموضوعة للقسم واليمين إلا أن الحلف من إضافة الخبر إلى المعظم وقوله( ويحلفون بالله ) إخبار عنهم باليمين بالله هو يمين بمنزلة لو حذف عن المستقبل في أنهم سيحلفون بالله وقول القائل أحلف بالله هو يمين بمنزلته لو حذف ذكر الحلف وقال بالله لأنه بمنزلة قوله أنا حالف بالله إلا أن يريد به العدة فلا يكون يمينا فهو ينصرف على المعنى والظاهر منه إيقاع الحلف بهذا القول كقولك أنا أعتقد الإسلام ويحتمل العدة وأما قوله بالله فهو إيقاع لليمين وإن كان فيه إضمار أحلف بالله أو قد حلفت بالله وقيل إنما حذف ذكر الحلف ليدل على وقع الحلف ويزول احتمال العدة كما حذف في والله لأفعلن ليدل على أن القائل حلف لا وأعد وقوله تعالى( إنهم لمنكم ) معناه في الإيمان والطاعة والدين والملة فأكذبهم الله تعالى والإضافة منهم جائزة إذا كان على دينهم كما قال( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ـ وـالمنافقون والمنافقات
بعضهم من بعض ) فنسب بعضهم إلى بعض لاتفاقهم في الدين والملة قوله تعالى( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) قال الحسن يعيبك وقيل اللمز العيب سرا والهمز العيب بكثرة العيب وقال قتادة يطعن عليك ويقال إن هؤلاء كانوا قوما منافقين أرادوا أن يعطيهم رسول الله من الصدقات ولم يكن جائزا أن يعطيهم منها لأنهم ليسوا من أهلها فطعنوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في قسمة الصدقات وقالوا يؤثر بها أقرباءه وأهل مودته ويدل عليه قوله تعالى( فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) وأخبر أنه لا حظ لهؤلاء في الصدقات وإنما هي للفقراء والمساكين ومن ذكر* قوله تعالى( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) فيه ضمير جواب لو تقديره ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله لكان خيرا لهم أو أعود عليهم وحذف الجواب في مثله أبلغ لأنه لتأكيد الخبر به استغنى عن ذكره مع أن النفس تذهب إلى كل نوع منه والذكر يقصره على المذكور منه دون غيره وفيه إخبار على أن الرضا بفعل الله يوجب المزيد من الخير جزاء للراضى على فعله* قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية قال الزهري الفقير الذي لا يسئل والمسكين الذي يسئل وروى ابن سماعة عن أبى يوسف عن أبى حنيفة في حد الفقير والمسكين مثل هذا وهذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا وأبلغ في جهد الفقر والعدم من الفقير وروى عن ابن عباس والحسن وجابر ابن زيد والزهري ومجاهد قالوا الفقير المتعفف الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل فكان قول أبى حنيفة موافقا لقول هؤلاء السلف ويدل على هذا قوله تعالى( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا ) فسماهم فقراء ووصفهم بالتعفف وترك المسألة وروى عن قتادة قال الفقير ذو الزمانة من أهل الحاجة والمسكين الصحيح منهم وقيل إن الفقير هو المسكين إلا أنه ذكر بالصفتين لتأكيد أمره في استحقاق الصدقة وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول المسكين هو الذي لا شيء له والفقير هو الذي له أدنى بلغة وبكى ذلك عن أبى العباس ثعلب قال وقال أبو العباس حكى عن بعضهم أنه قال قلت لأعرابى أفقير أنت قال لا بل مسكين وأنشد عن ابن الأعرابى :
أما الفقير الذي كانت حلوبته |
وفق العيال فلم يترك له سبد |
فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة قال وحكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس النحوي أنه قال الفقير يكون له بعض ما يغنيه والمسكين الذي لا شيء له* قال أبو بكر قوله تعالى( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) يدل على أن الفقير قد يملك بعض ما يغنيه لأنه لا يحسبه الجاهل بحاله غنيا إلا وله ظاهر جميل وبزة حسنة فدل على أن ملكه لبعض ما يغنيه لا يسلبه صفة الفقر وكان أبو الحسن يستدل على ما قال في صفة المسكين بحديث أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه قال فلما نفى المبالغة في المسكنة عمن ترده التمرة والتمرتان وأثبتها لمن لا يجد ذلك وسماه مسكينا دل ذلك على أن المسكين أضعف حالا من الفقير قال ويدل عليه قوله تعالى( أو مسكينا ذا متربة ) روى في التفسير أنه الذي قد لزق بالتراب وهو جائع عار لا يواريه عن التراب شيء فدل ذلك على أن المسكين في غاية الحاجة والعدم فإن قيل قال الله تعالى( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) فأثبت لهم ملك السفينة وسماهم مساكين قيل له قد روى أنهم كانوا أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها وإنما وتارة إلى أزواجه ومعلوم أنها لم تخل من أن تكون ملكا له أو لهن لأنه لا يجوز أن تكون لهن وله في حال واحدة لاستحالة كونها ملكا لكل واحد منهم على حدة فثبت أن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف والسكنى كما يقال هذا منزل فلان وإن كان ساكنا فيه غير مالك له وهذا مسجد فلان ولا يراد به الملك وكذلك قوله( أما السفينة فكانت لمساكين ) هو على هذا المعنى ويقال إن الفقير إنما سمى بذلك لأنه من ذوى الحاجة بمنزلة من قد كسرت فقاره يقال منه فقر الرجل فقرا وأفقره الله إفقارا وتفاقر تفاقرا والمسكين الذي قد أسكنته الحاجة وروى عن إبراهيم النخعي والضحاك في الفرق بين الفقير والمسكين أن الفقراء المهاجرون والمساكين من غير المهاجرين كأنهما ذهبا إلى قوله تعالى( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ) وروى سعيد عن قتادة قال الفقير الذي به زمانة وهو فقير إلى بعض جسده وبه حاجة والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال ليس المسكين بالذي لا مال له ولكن
المسكين الذي لا يصيب المكسب وهذا الذي قدمنا يدل على أن الفقير أحسن حالا من المسكين وأن المسكين أضعف حالا منه وقد روى أبو يوسف عن أبى حنيفة فيمن قال ثلث مالي للفقراء والمساكين ولفلان أن لفلان الثلث والثلثان للفقراء والمساكين فهذا موافق لما روى عنه في الفرق بين الفقير والمسكين وأنهما صنفان وروى عن أبى يوسف في هذه المسألة أن نصف الثلث لفلان ونصفه للفقراء والمساكين وهذا يدل على أنه جعل الفقراء والمساكين صنفا واحدا وقوله تعالى( والعاملين عليها ) فإنهم السعاة لجباية الصدقة روى عن عبد الله بن عمر أنهم يعطون بقدر عمالتهم وعن عمر بن عبد العزيز مثله ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أنهم لا يعطون الثمن وأنهم يستحقون منها بقدر عملهم وهذا يدل على بطلان قول من أوجب قسمة الصدقات على ثمانية ويدل أيضا على أن أخذ الصدقات إلى الإمام وأنه لا يجزى أن يعطى رب الماشية صدقتها الفقراء فإن فعل أخذها الإمام ثانيا ولم يحتسب له بما أدى وذلك لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى الفقراء لما احتيج إلى عامل لجبايتها فيضر بالفقراء والمساكين فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام وأنه لا يجوز له إعطاؤها الفقراء قوله تعالى( والمؤلفة قلوبهم ) فإنهم كانوا قوما يتألفون على الإسلام بما يعطون من الصدقات وكانوا يتألفون بجهات ثلاث إحداها للكبار لدفع معرتهم وكف أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين والثانية لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في الإسلام ولئلا يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام ونحو ذلك من الأمور والثالثة إعطاء قوم من المسلمين حديثي العهد بالكفر لئلا يرجعوا إلى الكفر وقد روى الثوري عن أبيه عن أبى نعيم عن أبى سعيد الخدري قال بعث على بن أبى طالب بذهبة في أديم مقروظ فقسمها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بين زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة فغضبت قريش والأنصار وقالوا يعطى صناديد أهل نجد قال إنما أتألفهم وروى بن أبى ذئب عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إنى لأعطى الرجل العطاء وغيره أحب إلى منه وما أفعل ذلك إلا مخافة أن يكبه الله في نار جهنم على وجهه وروى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرنى أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن وطفق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يعطى رجالا
من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فذكر حديثا فيه فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إنى لأعطى رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أصانعهم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحالكم وهذا يدل على أنه قد كان يتألف بما يعطى قوما من المسلمين حديثي عهد بالإسلام لئلا يرجعوا كفارا وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال أعطانى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وإنه لأبغض الناس إلى فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلى وروى محمود بن لبيد عن أبى سعيد الخدري قال لما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الغنائم بحنين وقسم للمتألفين من قريش وفي سائر العرب ما قسم وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم وذكر الحديث وقال فيه قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لهم أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام ففي هذا الحديث أنه تألفهم ليسلموا وفي الأول إنى لأعطى رجالا حديثي عهد بكفر فدل على أنه قد كان يتألف بذلك المسلمين والكفار جميعا وقد اختلف في المؤلفة قلوبهم فقال أصحابنا إنما كانوا في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم وقد أعز الله الإسلام وأهله واستغنى بهم عن تألف الكفار فإن احتاجوا إلى ذلك فإنما ذلك لتركهم الجهاد ومتى اجتمعوا وتعاضدوا لم يحتاجوا إلى تألف غيرهم بمال يعطونه من أموال المسلمين وقد روى نحو قول أصحابنا عن جماعة من السلف روى عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن حجاج بن دينار عن ابن سيرين عن عبيدة قال جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبى بكر فقالا يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلا ولا منفعة فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياها وكتب لهما عليها كتابا وأشهد وليس في القوم عمر فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فمحاه فتذمر او قالا مقالة سيئة فقال إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل وإن الله قد أغنى الإسلام اذهبا فاجهدا جهد كما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما قال أبو بكر رحمه الله فترك أبى بكر الصديق رضى الله عنه النكير على عمر فيما فعله بعد إمضائه الحكم يدل على أنه عرف مذهب عمر فيه حين نبهه عليه وأن سهم المؤلفة قلوبهم كان مقصورا على الحال التي كان عليها أهل الإسلام من قلة العدد وكثرة عدد الكفار وأنه لم ير الاجتهاد سائغا في
ذلك لأنه لوسوغ الاجتهاد فيه لما أجاز فسخ الحكم الذي أمضاه فلما أجاز له ذلك دل على أنه عرف بتنبيه عمر إياه على ذلك امتناع جواز الاجتهاد في مثله وروى إسرائيل عن جابر عن أبى جعفر قال ليس اليوم مؤلفة قلوبهم وروى إسرائيل أيضا عن جابر بن عامر في المؤلفة قلوبهم قال كانوا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطع الرشا وروى ابن أبى زائدة عن مبارك عن الحسن قال ليس المؤلفة قلوبهم كانوا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وروى معقل بن عبيد الله قال سألت الزهري عن المؤلفة قال من أسلم من يهودي أو نصراني قلت وإن كان غنيا قال وإن كان غنيا قوله تعالى( وفي الرقاب ) فإن أهل العلم مختلفون فيه فقال إبراهيم النخعي والشعبي وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين لا يجزى أن تعتق من الزكاة رقبة وهو قول أصحابنا والشافعى وقال ابن عباس أعتق من زكاتك وكان سعيد بن جبير لا يعتق من الزكاة مخافة جر الولاء وقال في الرقاب إنها رقاب يبتاعون من الزكاة ويعتقون فيكون ولاؤهم لجماعة المسلمين دون المعتقين قال مالك والأوزاعى لا يعطى المكاتب من الزكاة شيئا ولا عبدا موسرا كان مولاه أو معسرا ولا يعطون من الكفارات أيضا قال مالك لا يعتق من الزكاة إلا رقبة مؤمنة* قال أبو بكر لا نعلم خلافا بين السلف في جواز إعطاء المكاتب من الزكاة فثبت أن إعطاءه مراد بالآية والدفع إليه صدقة صحيحة وقال الله تعالى( إنما الصدقات للفقراء ـ إلى قوله ـوفي الرقاب ) وعتق الرقبة لا يسمى صدقة وما أعطى في ثمن الرقبة فليس بصدقة لأن بائعها أخذه ثمنا لعبده فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة والله تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب فما ليس بصدقة فهو غير مجزئ وأيضا فإن الصدقة تقتضي تمليكا والعبد لم يملك شيئا بالعتق وإنما سقط عن رقبته وهو ملك للمولى ولم يحصل ذلك الرق للعبد لأنه لو حصل له لوجب أن يقوم فيها مقام المولى فيتصرف في رقبته كما يتصرف المولى فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى وأنه لم يملك بذلك شيئا فلا يجوز أن يكون ذلك مجزيا من الصدقة إذ شرط الصدقة وقوع الملك للمتصدق عليه وأيضا فإن العتق واقع في ملك المولى غير منتقل إلى الغير ولذلك ثبت ولاؤه منه فغير جائز وقوعه عن الصدقة ولما قامت الحجة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن الولاء لمن أعتق وجب أن لا يكون الولاء لغيره فإذا انتفى أن يكون الولاء إلا لمن أعتق ثبت أن المراد به المكاتبون وأيضا روى عبد الرحمن
ابن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال من أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا في سبيل الله أضله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فثبت بذلك أن الصدقة على المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا وذلك موافق لقوله تعالى( وفي الرقاب ) وروى طلحة اليماني عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال قال أعرابى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم علمني عملا يدخلني الجنة قال لئن كنت أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة قال أو ليسا سواء قال لا عتق النسمة أن تفوز بعتقها وفك الرقبة أن واسق الظمآن وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير فجعل عتق النسمة غير فك الرقبة فلما قال( وفي الرقاب ) كان الأولى أن يكون في معونتها بأن يعطى المكاتب حتى يفك العبد رقبته من الرق وليس هو ابتياعها وعتقها لأن الثمن حينئذ يأخذه البائع وليس في ذلك قربة وإنما القربة في أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة لأنه قبلها يحصل للمولى وإذا كان مكاتبا فما يأخذه لا يملكه المولى وإنما يحصل للمكاتب فيجزى من الزكاة وأيضا فإن عتق الرقبة يسقط حق المولى عن رقبته من غير تمليك ولا يحتاج فيه إلى إذن المولى فيكون بمنزلة من قضى دين رجل بغير أمره فلا يجزى من زكاته وإن دفعه إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز كذلك إذا دفعه إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز كذلك إذا دفعه إلى المكاتب فملكه أجزأه عن الزكاة وإذا أعتقه لم يجزه لأنه لم يملكه وحصل العتق بغير قبوله ولا إذنه قوله تعالى( والغارمين ) قال أبو بكر لم يختلفوا أنهم المدينون وفي هذا دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير إذ كانت الصدقة لا تعطى إلا الفقراء بقضية قوله صلّى الله عليه وآله وسلم وأردها في فقرائكم وهذا يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله وله مال كثير أنه لا زكاة عليه إذ كان فقيرا يجوز له أخذ الصدقة والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض وذلك لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة ولم يجز معطيه إياها وإن كان غارما فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه
مقدار مائتي درهم أو ما يساويها فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا فإن الصدقة تحل له إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه وزعم الشافعى أن من تحمل حمالة عشرة آلاف درهم وله مائة ألف درهم أن الصدقة تحل له وإن كان عليه دين من غير الحمالة لم تحل له واحتج فيه بحديث قبيصة ابن المخارق أنه تحمل حمالة فسأل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فيها فقال إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيش ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى يشهد ثلاثة من ذوى الحجى من قومه إن فلانا أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك فهو سحت ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء لأن الحمالة هي الكفالة والحميل هو الكفيل فإذا كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أجاز له المسألة لأجل ما عليه من دين الكفالة وقد علم مساواة دين الكفالة وقد علم لسائر الديون فلا فرق بين شيء منها فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل الحمالة محمولة على أنه لم يقدر على أدائها وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما في يده من ماله كما نقول في سائر الديون وروى إسرائيل عن جابر بن أبى جعفر في قوله تعالى( والغارمين ) قال المستدين في غير سرف حق على الإمام يقضى عنه وقال سعيد في قوله( والغارمين ) قال ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف ولا تبذير فجعل الله لهم فيها سهما وإنما ذكر هؤلاء في الدين أنه من غير سرف ولا إفساد لأنه إذا كان مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله فيصرفه في الفساد فكرهوا قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد ولا خلاف في جواز قضاء دين مثله ودفع الزكاة إليه وإنما ذكر هؤلاء عدم الفساد والتبذير فيما استدان على وجه الكراهة لا على وجه الإيجاب وروى عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد في قوله( والغارمين ) قال الغارم من ذهب السيل بماله أو أصابه حريق فأذهب ماله أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق عليهم فيستدين قال أبو بكر أما من ذهب ماله وليس عليه دين فلا يسمى غريما لأن الغرم هو اللزوم والمطالبة فمن لزمه الدين يسمى غريما ومن له الدين أيضا يسمى غريما لأن له اللزوم والمطالبة فأما من ذهب ماله فليس بغريم وإنما يسمى
فقيرا أو مسكينا وقد روى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان يستعذ بالله من المأثم والمغرم فقيل له في ذلك فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف وإنما أراد إذا لزمه الدين ويجوز أن يكون مجاهد أراد من ذهب ماله وعليه دين لأنه إذا كان له مال وعليه دين أقل من ماله بمقدار مائتي درهم فليس هو من الغارمين المرادين بالآية وروى أبو يوسف عن عبد الله بن سميط عن أبى بكر الحنفي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال إن المسألة لا تحل ولا تصلح إلا لأحد ثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع ومعلوم أن مراده بالغرم الدين قوله تعالى( وفي سبيل الله ) روى ابن أبى ليلى عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال لا تحل الصدقة لغنى إلا في سبيل الله أو ابن السبيل أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له واختلف الفقهاء في ذلك فقال قائلون هي للمجاهدين الأغنياء منهم والفقراء وهو قول الشافعى وقال الشافعى لا يعطى منها إلا الفقراء منهم ولا يعطى الأغنياء من المجاهدين فإن أعطوا ملكوها وأجرأ المعطى وإن لم يصرفه في سبيل الله لأن شرطها تمليكه وقد حصل لمن هذه صفته فأجزأ وقد روى أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك فأراد أن يشتريه فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا تعد في صدقتك فلم يمنع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم المحمول على الفرس في سبيل الله من بيعها وإن أعطى حاجا منقطعا به أجزأ أيضا وقد روى عن ابن عمر أن رجلا أوصى بماله في سبيل الله فقال ابن عمر إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه وقال محمد بن الحسن في السير الكبير في رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به وهذا يدل على أن قوله تعالى( وفي سبيل الله ) قد أريد به عند محمد الحاج المنقطع به وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال الحج والعمرة من سبيل الله وروى عن أبى يوسف فيمن أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه الفقراء الغزاة فإن قيل فقد أجاز النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأغنياء الغزاة أخذ الصدقة بقوله لا تحل لغنى إلا في سبيل اللهقيل له قد يكون الرجل غنيا في أهله وبلده بدار يسكنها وأثاث يتأنث به في بيته وخادم يخدمه وفرس يركبه وله فضل مائتي درهم أو قيمتها فلا تحل له الصدقة فإذا عزم على الخروج في سفر غزو واحتاج من آلات السفر والسلاح والعدة إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته فينفق الفضل عن أثاثه وما يحتاج إليه في مبصره على السلاح والآلة والعدة فتجوز له الصدقة وجائز أن يكون الفضل عما يحتاج إليه من دابة الأرض
أو سلاحا أو شيئا من آلات السفر لا يحتاج إليه في المصر فيمنع ذلك جواز إعطائه الصدقة إذا كان ذلك يساوى مائتي درهم وإن هو خرج للغزو فاحتاج إلى ذلك جاز أن يعطى من الصدقة وهو غنى في هذا الوجه فهذا معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلم الصدقة تحل للغازى الغنى قوله تعالى( وابن السبيل ) هو المسافر المنقطع به يأخذ من الصدقة وإن كان له مال في بلده وكذلك روى عن مجاهد وقتادة وأبى جعفر وقال بعض المتأخرين هو من يعزم على السفر وليس له ما يحتمل به وهذا خطأ لأن السبيل هو الطريق فمن لم يحصل في الطريق لا يكون ابن السبيل ولا يصير كذلك بالعزيمة كما لا يكون مسافر بالعزيمة وقال تعالى( ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا ) قال ابن عباس هو المسافر لا يجد الماء فيتيمم فكذلك ابن السبيل هو المسافر وجميع من يأخذ الصدقة من هذه الأصناف فإنما يأخذ صدقة بالفقر والمؤلفة قلوبهم والعاملون عليها لا يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام للفقراء ثم يعطى الإمام المؤلفة منها لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين ويعطيها العاملين عوضا من أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم وإنما قلنا ذلك لقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فبين أن الصدقة مصروفة إلى الفقراء فدل ذلك على أن أحدا لا يأخذها صدقة إلا بالفقر وإن الأصناف المذكورين إنما ذكروا بيانا لأسباب الفقر.
باب الفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة
قال أبو بكر رحمه الله اختلف أهل العلم في المقدار الذي إذا ملكه الرجل دخل به في حد الغنى وخرج به من حد الفقير وحرمت عليه الصدقة فقال قوم إذا كان عند أهله ما يغديهم ويعشيهم حرمت عليه الصدقة بذلك ومن كان عنده دون ذلك حلت له الصدقة واحتجوا بما رواه عبد الرحمن عن يزيد بن جابر قال حدثني ربيعة بن يزيد عن أبى كبشة السلولي قال حدثني سهيل بن الحنظلة قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قلت يا رسول ما ظهر غنى قال أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم وقال آخرون حتى يملك أربعين درهما أو عدلهما من الذهب واحتجوا لما روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بنى أسد قال أتيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول لرجل من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل
إلحافا والأوقية يومئذ أربعون درهما وقالت طائفة حتى يملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب واحتجوا في ذلك بما روى الثوري عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا يسئل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا رسول الله وما غناه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب وروى الحجاج عن الحسن بن سعد عن أبيه عن على وعبد الله قالا لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو عوضها من الذهب وعن الشعبي قال لا يأخذ الصدقة من له خمسون درهما ولا نعطى منها خمسين درهما وقال آخرون حتى يملك مائتي درهم أو عدلها من عرض أو غيره فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأناث وفرس وهو قول أصحابنا والدليل على ذلك وما روى أبو بكر الحنفي قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثني أبى عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يقول من سأل وله عدل خمس أواق سأل إلحافها ويدل عليه ما روى الليث بن سعد قال حدثني سعيد بن أبى سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول إن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا فقال اللهم نعم وروى يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبى معبد عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن قال له أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم وروى الأشعث عن ابن أبى جحيفة عن أبيه أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث ساعيا على الصدقة فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيقسمها في فقرائنا فلما جعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الناس صنفين فقراء وأغنياء وأوجب أخذ الصدقة من صنف الأغنياء وردها في الفقراء لم تبق هاهنا واسطة بينهما ولما كان الغنى هو الذي ملك مائتي درهم وما دونها لم يكن مالكها غنيا وجب أن يكون داخلا في الفقراء فيجوز له أخذها ولما اتفق الجميع على أن من كان له دون الغداء والعشاء تحل له الصدقة علمنا أنها ليست إباحتها موقوفة على الضرورة التي تحل معها الميتة فوجب اعتبار ما يدخل به في حد الغنى وهو أن يملك فضلا عما يحتاج إليه مما وصفنا مائتي درهم أو مثلها من غرض أو غيره وأما ملك الأربعين درهما والخمسين الدرهم على ما روى في الأخبار التي قدمنا فإن هذه الأخبار واردة في كراهة المسألة لا في تحريمها وقد تكره المسألة لمن عنده ما يعنيه في الوقت لا سيما في أول ما هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة
مع كثرة فقراء المسلمين وقلة ذات أيديهم فاستحب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لمن عنده ما يكفيه ترك المسألة ليأخذها من هو أولى منه ممن لا يجد شيئا وهو نحو قوله صلّى الله عليه وآله وسلم من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن لا يسئلنا أحب إلينا ممن يسئلنا وقوله صلّى الله عليه وآله وسلم لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسئل الناس أعطوه أو منعوه وقد روى عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين بن على قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم للسائل حق وإن جاء على فرس فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعطاء السائل مع ملكه للفرس والفرس في أكثر الحال تساوى أكثر من أربعين درهما أو خمسين درهما وقد روى يحيى بن آدم قال حدثنا على بن هاشم عن إبراهيم بن يزيد المكي عن الوليد بن عبيد الله عن ابن عباس قال سأل رجل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إن لي أربعين درهما أفمسكين أنا قال نعم وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعى قال حدثنا أبو موسى الهروي قال حدثنا المعافى قال حدثنا إبراهيم بن يزيد الجزري قال حدثنا الوليد بن عبد الله بن أبى مغيث عن ابن عباس قال قال رجل يا رسول الله عندي أربعون درهما أمسكين أنا قال نعم فأباح له الصدقة مع ملكه لأربعين درهما حين سماه مسكينا إذ كان الله قد جعل الصدقة للمساكين وروى أبو يوسف عن غالب ابن عبيد الله عن الحسن قال كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقبل أحدهم الصدقة وله من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم وروى الأعمش عن إبراهيم قال كانوا لا يمنعون الزكاة من له من البيت والخادم وروى شعبة عن قتادة عن الحسن قال من له مسكن وخادم أعطى من الزكاة وروى جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير قال يعطى من له دار وخادم وفرس وسلاح يعطى من إذا لم يكن له ذلك الشيء واحتاج إليه وقد اختلف في ذلك من وجه آخر فقال قائلون من كان قويا مكتسبا لم تحل له الصدقة وإن لم يملك شيئا واحتجوا بما روى أبو بكر بن عياش عن أبى حصين عن سالم بن أبى الجعد عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوى ورواه أبو بكر بن عياش أيضا عن أبى جعفر عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مثله وروى سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى مكتسب وهذا عندنا على وجه الكراهة لا على جهة التحريم على النحو الذي ذكرنا في كراهة المسألة فإن قيل قوله لا تحل الصدقة لغنى على
وجه التحريم وامتناع جواز إعطائه الزكاة كذلك القوى المكتسب قيل له يجوز أن يريد الغنى الذي يستغنى به عن المسألة وهو أن يكون له أقل من مائتي درهم لا الغنى الذي يجعله في حيز من يملك ما تجب في مثله الزكاة إذ قد يجوز أن يسمى غنيا لاستغنائه بما يملكه عن المسألة ولم يرد به الغنى الذي يتعلق بملك مثله وجوب الغنى فكان قوله لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوى على وجه الكراهة للمسألة لمن كان في مثل حاله وعلى أن حديث أبى هريرة هذا في قوله لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوى مختلف في رفعه فرواه أبو بكر بن عياش مرفوعا على ما قدمنا ورواه أبو يوسف عن حصين عن أبى حازم عن أبى هريرة من قوله غير مرفوع وحديث عبد الله بن عمرو ورواه شعبة والحسن بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا عليه من قوله وقال لا تحل الصدقة لغنى ولا لذي مرة سوى ورواه سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى مكتسب فاختلفوا في رفعه وظاهر قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) عام في سائرهم من قدر منهم على الكسب ومن لم يقدر وكذلك قوله تعالى( فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) يقتضى وجوب الحق للسائل القوى المكتسب إذ لم تفرق الآية بينه وبين غيره ويدل أيضا قوله تعالى( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) ولم يفرق بين القوى المكتسب وبين من لا يكتسب من الضعفاء فهذه الآيات كلها قاضية ببطلان قوله القائل بأن الزكاة لا تعطى للفقير إذا كان قويا مكتسبا ولا يجوز تخصيصها بخبر أبى هريرة وعبد الله بن عمرو الذين ذكرنا لاختلافهم في رفعه واضطرب متنه لأن بعضهم يقول قوى مكتسب وبعضهم لذي مرة سوى وقد رويت أخبار هي أشد استفاضة وأصح طرقا من هذين الحديثين معارضة لهما منها حديث أنس وقبيصة بن المخارق أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث فذكر إحداهن فقر مدقع وقال أو رجل أصابته فاقة أو رجل أصابته جائحة ولم يشرط في شيء منها عدم القوة والعجز عن الاكتساب ومنها حديث سليمان أنه حمل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم صدقة فقال لأصحابه كلوا ولم يأكل ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أقوياء مكتسين ولم يخص النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بها من كان منهم زمنا أو عاجزا عن
الاكتساب ومنها حديث عروة بن الزبير عن عبيد الله بن عدى بن الخيار أن رجلين من العرب حدثاه أنهما أتيا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فسألاه من الصدقة فصعد فيهما البصر وصوبه فرآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب فلما قال لهما إن شئتما أعطيتكما ولو كان محرما ما أعطاهما مع ما ظهر له من جلدهما وقوتهما وأخبر مع ذلك أنه لاحظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب فدل على أنه أراد بذلك كراهة المسألة ومحبة النزاهة لمن كان معه ما يغنيه أو قدر على الكسب فيستغنى به عنها* وقد يطلق مثل هذا على وجه التغليظ لا على وجه تحقيق المعنى كما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ليس بمؤمن من يبيت شبعانا وجاره جائع وقال لا دين لمن لا أمانة له وقال ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ولم يرد به نفى المسكنة عنه رأسا حتى تحرم عليه الصدقة وإنما أراد ليس حكمه كحكم الذي لا يسئل وكذلك قوله ولا حق فيها لغنى ولا لقوى مكتسب على معنى أنه ليس حقه فيها كحق الزمن العاجز عن الكسب ويدل عليه قوله صلّى الله عليه وآله وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فعم سائر الفقراء الزمنى منهم والأصحاء وأيضا قد كانت الصدقات والزكاة تحل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فيعطيها فقراء الصحابة من المهاجرين والأنصار وأهل الصفة وكانوا أقوياء مكتسبين ولم يكن يخص بها الزمنى دون الأصحاء وعلى هذا أمر الناس من لدن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا يخرجون صدقاتهم إلى الفقراء والأقوياء والضعفاء منهم لا يعتبرون منها ذوى العاهات والزمانة دون الأقوياء الأصحاء ولو كانت الصدقة محرمة وغير جائزة على الأقوياء المكتسبين الفروض منها أو النوافل لكان من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم توقيف للكافة عليه لعموم الحاجة إليه فلما لم يكن من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم توقيف للكافة على حظر دفع الزكاة إلى الأقوياء من الفقراء والمكتسبين من أهل الحاجة لأنه لو كان منه توقيف للكافة لورد النقل به مستفيضا دل ذلك على جواز إعطائها الأقوياء المتكسبين من الفقراء كجواز إعطائها الزمنى والعاجزين عن الاكتساب.
باب ذوى القربى الذين تحرم عليهم الصدقة
قال أصحابنا من تحرم عليهم الصدقة منهم آل عباس وآل على وآل جعفر وآل عقيل وولد حارث بن عبد المطلب جميعا وحكى الطحاوي عنهم وولد عبد المطلب ولم أجد ذلك عنهم رواية والذي تحرم عليهم من ذلك الصدقات المفروضة وأما التطوع فلا بأس
به وذكر الطحاوي أنه روى عن أبي حنيفة وليس بالمشهور أن فقراء بنى هاشم يدخلون في آية الصدقات ذكره في أحكام القرآن قال وقال أبو يوسف ومحمد لا يدخلون قال أبو بكر المشهور عن أصحابنا جميعا من قدمنا ذكره من آل عباس وآل على وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب وأن تحريم الصدقة عليهم خاص في المفروض منه دون التطوع وروى ابن سماعة عن أبى يوسف أن الزكاة من بنى هاشم تحل لبنى هاشم ولا يحل ذلك من غيرهم لهم وقال مالك لا تحل الزكاة لآل محمد والتطوع يحل وقال الثوري ولا تحل الصدقة لبنى هاشم ولم يذكر فرقا بين النفل والفرض وقال الشافعى تحرم صدقة الفرض على بنى هاشم وبنى عبد المطلب ويجوز صدقة التطوع على كل أحد إلا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فإنه كان لا يأخذها والدليل على أن الصدقة المفروضة محرمة على بنى هاشم حديث ابن عباس قال ما خصنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاث إسباغ الوضوء وأن لا نأكل الصدقة وأن لا ننزي الحمير على الخيل وروى أن الحسن بن على أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه فأخرجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن على قال حدثنا أبى عن خالد بن قيس عن قتادة عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وجد تمرة فقال لو لا إنى أخاف أن تكون صدقة لأكلتها روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في الإبل السائمة من كل أربعين ابنة لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله لا يحل لآل محمد منها شيء وروى من وجوه كثيرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس فثبت بهذه الأخبار تحريم الصدقات المفروضات عليهم فإن قيل روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قدم عير المدينة فاشترى منها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم متاعا فباعه بربح أواق فضة فتصدق بها على أرامل بنى عبد المطلب ثم قال لا أعود أن أشترى بعدها شيئا وليس ثمنه عندي فقد تصدق على هؤلاء ومن هاشميات قيل له ليس في الخبر أنهن كمن هاشميات وجائز أن لا يكن هاشميات بل زوجات بنى عبد المطلب من غير بنى عبد المطلب بل عربيات من غيرهم وكن أزواجا لبنى عبد المطلب فماتوا عنهن وأيضا فإن ذلك كان صدقة تطوع وجائز أن يتصدق عليهم بصدقة التطوع وأيضا فإن حديث عكرمة الذي ذكرناه أولى لأن حديث ابن عباس أخبر
فيه بحكمه فيهم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فالحظر متأخر للإباحة فهذا أولى وأما بنوا المطلب فليسوا من أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأن قرابتهم منه كقرابة بنى أمية ولا خلاف أن بنى أمية ليسوا من أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وكذلك بنوا المطلب فإن قيل لما أعطاهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من الخمس سهم ذوى القربى كما أعطى بنى هاشم ولم يعط بنى أمية دل ذلك على أنهم بمنزلة بنى هاشم في تحريم الصدقة قيل له إن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لم يعطهم للقربة فحسب لأنه لما قال عثمان بن عفان وجبير بن مطعم يا رسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لقربهم منك وأما بنوا المطلب فحن وهم في النسب شيء واحد فأعطيتهم ولم تعطنا فقال صلّى الله عليه وآله وسلم إن بنى المطلب لم تفارقني في جاهلية ولا إسلام فأخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه لم يعطهم بالقرابة فحسب بل بالنصرة والقرابة ولو كانت إجابتهم إياه ونصرتهم له في الجاهلية والإسلام أصلا لتحريم الصدقة لوجب أن يخرج منها آل أبى لهب وبعض آل الحارث بن عبد المطلب من أهل بيته لأنهم لم يجيبوه وينبغي أن لا تحرم على من ولد في الإسلام من بنى أمية لأنهم لم يخالفوه وهذا ساقط وأيضا فإن سهم الخمس إنما يستحقه خاص منهم وهو موكول إلى اجتهاد الإمام ورأيه ولم يثبت خصوص تحريم الصدقة في بعض آل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وأيضا فليس استحقاق سهم من الخمس أصلا لتحريم الصدقة لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون سهما من الخمس ولم تحرم عليهم الصدقة على موالي بنى هاشم وهل أريدوا بآية الصدقة فقال أصحابنا والثوري مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقات والمفروضات عليهم وقال مالك بن أنس لا بأس بأن يعطى مواليهم والذي يدل على القول الأول حديث ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم استعمل أرقم بن أرقم الزهري على الصدقة فاستتبع أبا رافع فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم وروى عن عطاء بن السائب عن أم كلثوم بنت على عن مولى لهم يقال له هرمز أو كيسان أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال له يا أبا فلان إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم فلا تأكل الصدقة وأيضا لما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب وكانت الصدقة محرمة على من قرب نسبه من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهم بنوا هاشم وجب أن يكون مواليهم بمثابتهم إذ كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قد جعله لحمة كالنسب واختلف في جواز أخذ بنى هاشم
للعمالة من الصدقة إذا عملوا عليها فقال أبو يوسف ومحمد من غير خلاف ذكراه عن أبى حنيفة لا يجوز أن يعمل على الصدقة أحد من بنى هاشم ولا يأخذ عمالته منها قال محمد وإنما يصنع ما كان يأخذه على بن أبى طالب رضى الله عنه في خروجه إلى اليمن على أنه كان يأخذ من غير الصدقة قال أبو بكر يعنى بقوله لا يعمل على الصدقة على معنى أنه يعملها ليأخذ عمالتها فأما إذا عمل عليها متبرعا على أن لا يأخذ شيئا فهذا لا خلاف بين أهل العلم في جوازه وقال آخرون لا بأس بالعمالة لهم من الصدقة والدليل على صحة القول الأول ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا مسدد قال حدثنا معمر قال سمعت أبى يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقال انطلقا إلى عمكما لعله يستعملكما على الصدقة فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم بحاجتهما فقال لهما نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء لأنها غسالة الأيدى إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو يكفيكما وروى عن على أنه قال للعباس سل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن يستعملك على الصدقة فسأله فقال ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس وروى الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها فقال إن الصدقة لا تحل لآل محمد فمنعهما أخذ العمالة ومنع أبا رافع ذلك أيضا وقال مولى القوم منهم واحتج المبيحون لذلك بأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث عليا إلى اليمن على الصدقة رواه جابر وأبو سعيد جميعا ومعلوم أنه قد كانت ولايته على الصدقات وغيرها ولا حجة في هذا لهم لأنه لم يذكر أن عليا أخذ عمالته منها وقد قال الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلم( خذ من أموالهم صدقة ) ومعلوم أنه صلّى الله عليه وآله وسلم لم يكن يأخذ من الصدقة عمالة وقد كان على بن أبى طالب حين خرج إلى اليمن فولى القضاء والحرب بها فجائز أن يكون أخذ رزقه من مال الفيء لا من جهة الصدقة فإن قيل فقد يجوز أن يأخذ الغنى عمالته منها وإن لم تحل له الصدقة فكذلك بنوا هاشم قيل له لأن الغنى من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ منها والهاشمي لا يأخذ منها بحال فإن قيل إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة وإنما يأخذ أجرة لعمله كما روى أن بريرة كانت تهدى للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم مما يتصدق به عليها ويقول صلّى الله عليه وآله وسلم هي لها صدقة ولنا هدية قيل له الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي
صلى الله عليه وآله وسلم واسطة ملك آخر وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ملك العامل واسطة لأنها لا تحصل في ملك الفقراء حتى يأخذها العامل.
باب من لا يجوز أن يعطى من الزكاة من الفقراء
قال الله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) فاقتضى ظاهره جواز إعطائها لمن شمله الاسم منهم قريبا كان أو بعيدا لو لا قيام الدلالة على منع إعطاء بعض الأقرباء وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا جميعا لا يعطى منها والد وإن علا ولا ولدا وإن سفل ولا امرأة وقال مالك والثوري والحسن بن صالح لا يعطى من تلزمه نفقته وقال ابن شبرمة لا يعطى من الزكاة قرابته الذين يرثونه وإنما يعطى من لا يرثه وليس في عياله وقال الأوزاعى لا يتخطى بزكاة ماله فقراء أقاربه إذا لم يكونوا من عياله ويتصدق على مواليه من غير زكاة ماله وقال الليث لا يعطى الصدقة الواجبة من يعول وقال المزني عن الشافعى في مختصره ويعطى الرجل من الزكاة من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم من عدا الولد والوالد والزوجة إذا كانوا أهل حاجة فهم أحق بها من غيرهم وإن كان ينفق عليهم تطوعا قال أبو بكر فحصل من اتفاقهم أن الولد والوالد والزوجة لا يعطون من الزكاة ويدل عليه أيضا قوله صلّى الله عليه وآله وسلم أنت ومالك لأبيك وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فإذا كان مال الرجل مضافا إلى أبيه وموصوفا بأنه من كسبه فهو متى أعطى ابنه فكأنه باق في ملكه لأن ملك ابنه منسوب إليه فلم تحصل صدقة صحيحة وإذا صح ذلك في الإبن فالأب مثله إذ كل واحد منهما منسوب إلى الآخر من طريق الولادة وأيضا قد ثبت عندنا بطلان شهادة كل واحد منهما لصاحبه فلما جعل كل واحد منهما فيما يحصله بشهادته لصاحبه كأنه يحصله لنفسه وجب أن يكون إعطاؤه إياه الزكاة كتبقيته في ملكه وقد أخذ عليه في الزكاة إخراجها إلى ملك الفقير إخراجا صحيحا ومتى أخرجها إلى من لا تجوز له شهادته فلم ينقطع حقه عنه وهو بمنزلة ما هو باق في ملكه فلذلك لم يجزه ولهذه العلة لم يجز أن يعطى زوجته منها وأما اعتبار النفقة فلا معنى له لأن النفقة حق يلزمه وليست بآكد من الديون التي ثبتت لبعضهم على بعض فلا يمنع ثبوتها من جواز دفع الزكاة إليه وعموم الآية يقتضى جواز دفعها إليه باسم الفقر ولم تقم الدلالة على تخصيصه فلم يجز إخراجها لأجل النفقة من عمومها وأيضا قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم خير الصدقة
ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول وذلك عموم في جواز دفع سائر الصدقات إلى من يعول وخرج الولد والوالد والزوجان بدلالة فإن قيل إنما لم يجز إعطاء الوالد والولد لأنه تلزمه نفقته قيل له هذا غلط لأنه لو كان الولد والوالد مستغنيين بقدر الكفاف ولم تكن على صاحب المال نفقتهما لما جاز أن يعطيهما من الزكاة لأنهما ممنوعان منها مع لزوم النفقة وسقوطها فدل على أن المانع من دفعها إليهما أن كل واحد منهما منسوب إلى الآخر بالولادة وأن واحدا منهما لا يجوز شهادته للآخر وكل واحد من المعنيين علة في منع دفع الزكاة واختلفوا في إعطاء المرأة زوجها من زكاة المال قال أبو حنيفة ومالك لا تعطيه وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والشافعى تعطيه والحجة للقول الأول إنه قد ثبت أن شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه غير جائزة فوجب أن لا يعطى واحد منهما صاحبه من زكاته لوجود العلة المانعة من دفعها في كل واحد منهما واحتج المجيزون لدفع زكاتها إليه بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود حين سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصدقة على زوجها عبد الله وعلى أيتام لأخيها في حجرها فقال لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة قيل له كانت صدقة تطوع وألفاظ الحديث تدل عليه وذلك لأنه ذكر فيه أنها قالت لما حث النبي صلّى الله عليه وسلّم النساء على الصدقة وقال تصدقن ولو بحليكن جمعت حليا لي وأردت أن أتصدق فسألت النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا يدل على أنها كانت صدقة تطوع فإن احتجوا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ابن ناجية قال حدثنا أحمد بن حاتم قال حدثنا على بن ثابت قال حدثني يحيى بن أبى أنيسة الجزري عن حماد بن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن زينب الثقفية امرأة عبد الله سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت إن لي طوقا فيه عشرون مثقالا أفأؤدي زكاته قال نعم نصف مثقال قالت فإن في حجري بنى أخ لي أيتاما أفأجعله أو أضعه فيهم قال نعم فبين في هذا الحديث أنها كانت من زكاتها قيل له ليس في هذا الحديث ذكر إعطاء الزوج وإنما ذكر فيه إعطاء بنى أخيها ونحن نجيز ذلك وجائز أن تكون سألته عن صدقة التطوع على زوجها وبنى أخيها فأجازها وسألته في وقت آخر عن زكاة الحلي ودفعها إلى بنى أخيها فأجازها ونحن نجيز دفع الزكاة إلى بنى الأخ واختلف في إعطاء الذمي من الزكاة فقال أصحابنا ومالك والثوري وابن شبرمة والشافعى لا يعطى الذمي من الزكاة وقال أصحابنا ومالك والثوري وابن شبرمة والشافعى لا يعطى
من الزكاة وقال عبيد الله بن الحسن إذا لم يجد مسلما أعطى الذمي فقيل له فإنه ليس بالمكان الذي هو به مسلم وفي موضع آخر مسلم فكأنه ذهب إلى إعطائها للذمي الذي هو بين ظهرانيهم والحجة للقول الأول قول النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فاقتضى ذلك أن يكون كل صدقة أخذها إلى الإمام مقصورة على فقراء المسلمين ولا يجوز إعطاؤها للكفار ولما اتفقوا على أنه إذا كان هناك مسلمون لم يعط الكفار ثبت أن الكفار لاحظ لهم في الزكاة إذ لو جاز إعطاؤها إياهم بحال لجاز في كل حال لوجود الفقر كسائر الفقراء المسلمين* واختلفوا في دفع الزكاة إلى رجل واحد فقال أصحابنا يجوز أن يعطى جميع زكاته مسكينا واحدا وقال مالك لا بأس أن يعطى الرجل زكاة الفطر عن نفسه وعياله مسكينا واحدا وقال المزني عن الشافعى وأقل ما يعطى أهل السهم من سهام الزكاة ثلاثة فإن أعطى اثنين وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم* قال أبو بكر قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء ) اسم للجنس في المدفوع والمدفوع إليهم وأسماء الأجناس إذا أطلقت فإنها تتناول المسميات بإيجاب الحكم فيها على أحد معنيين إما الكل وإما أدناه ولا تختص بعدد دون عدد إلا بدلالة إذ ليس فيها ذكر العدد ألا ترى إلى قوله تعالى( والسارق والسارقة ) وقوله( الزانية والزانى ) وقوله( وخلق الإنسان ضعيفا ) ونحوها من أسماء الأجناس أنها تتناول كل واحد من آحادها على حياله لا على طريق الجمع ولذلك قال أصحابنا فيمن قال إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد أنه على الواحد منهم ولو قال إن شربت الماء أو أكلت الطعام كان على الجزء منها لا على استيعاب جميع ما تحته وقالوا لو أراد بيمينه استيعاب الجنس كان مصدقا ولم يحنث أبدا إذ كان مقتضى اللفظ أحد معنيين إما استيعاب الجميع أو أدنى ما يقع عليه الاسم منه وليس للجميع حظ في ذلك فلا معنى لاعتبار العدد فيه وإذا ثبت ما وصفنا واتفق الجميع على أنه لم يرد بآية الصدقات استيعاب الجنس كله حتى لا يحرم واحد منهم سقط اعتبار العدد فيه فبطل قول من اعتبر ثلاثة منهم وأيضا لما يكن ذلك حقا لإنسان بعينه وإنما هو حق الله تعالى يصرف في هذا الوجه وجب أن لا يختلف حكم الواحد والجماعة في جواز الإعطاء ولأنه لو وجب اعتبار العدد لم يكن بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض إذ لا يختص الاسم بعدد دون عدد وأيضا لما وجب اعتبار العدد وقد علمنا تعذر استيفائه لأنهم لا يحصون دل على
سقوط اعتباره إذ كان في اعتباره ما يؤديه إلى إسقاطه وقد اختلف أبو يوسف ومحمد فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء فقال أبو يوسف يجزيهم وضعه في فقير واحد وقال محمد لا يجزى إلا في اثنين فصاعدا شبهه أبو يوسف بالصدقات وهو أقيس واختلف في موضع أداء الزكاة فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تقسم صدقة كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره وإن أخرجها إلى غيره فأعطاها الفقراء جاز ويكره وروى على الرازي عن أبى سليمان عن ابن المبارك عن أبى حنيفة قال لا بأس بأن يبعث الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلى ذي قرابته قال أبو سليمان فحدثت به محمد بن الحسن فقال هذا حسن وليس لنا في هذا سماع عن أبى حنيفة قال أبو سليمان فكتبه محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبى حنيفة وذكر الطحاوي عن ابن أبى عمران قال أخبرنا أصحابنا عن محمد بن الحسن عن أبى سليمان عن عبد الله بن المبارك عن أبى حنيفة قال لا يخرج الرجل زكاته من مدينة إلى مدينة إلا لذي قرابته وقال أبو حنيفة في زكاة الفطر يؤديها حيث هو وعن أولاده الصغار حيث هم وزكاة المال حيث المال وقال مالك لا تنقل صدقة المال من بلد إلى بلد إلا أن تفضل فتنقل إلى أقرب البلدان إليهم قال ولو أن رجلا من أهل مصر حلت زكاته عليه وماله بمصر وهو بالمدينة فإنه يقسم زكاته بالمدينة ويؤدى صدقة الفطر حيث هو وقال الثوري لا تنقل من بلد إلى بلد إلا أن لا يجد من يعطيه وكره الحسن بن صالح نقلها من بلد إلى بلد وقال الليث فيمن وجبت عليه زكاة ماله وهو ببلد غير بلده أنه إن كانت رجعته إلى بلده قريبة فإنه يؤخر ذلك حتى يقدم بلده فيخرجها ولو أداها حيث هو رجوت أن تجزى وإن كانت غيبته طويلة وأراد المقام بها فإنه يؤد زكاته حيث هو وقال الشافعى إن أخرجها إلى غير بلده لم يبن لي أن عليه الإعادة قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) يقتضى جواز إعطائها في غير البلد الذي فيه المال وفي أى موضع شاء ولذلك قال أصحابنا أى موضع أدى فيه أجزأه ويدل عليه أنا لم نر في الأصول صدقة مخصوصة بموضع حتى لا يجوز أداؤها في غيره ألا ترى أن كفارات الأيمان والنذور وسائر الصدقات لا يختص جوازها بأدائها في مكان دون غيره وروى عن طاوس أن معاذا قال لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير فإنه أيسر عليكم وخير لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار فهذا يدل على أنه كان ينقلها من اليمن
إلى المدينة وذلك لأن أهل المدينة كانوا أحوج إليها من أهل اليمن وروى عدى بن حاتم أنه نقل صدقة طيئ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبلادهم بالبعد من المدينة ونقل أيضا عدى ابن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه من بلاد طيئ وبلاد بنى تميم فاستعان بها على قتال أهل الردة وإنما كرهوا نقلها إلى بلد غيره إذا تساوى أهل البلدين في الحاجة لما روى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن الله قد فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم وذلك يقتضى ردها في فقراء المأخوذين منهم وإنما قال أبو حنيفة إنه يجوز له نقلها إلى ذي قرابته في بلد آخر لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا على بن محمد قال حدثنا أبو سلمة قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن سيرين عن سلمان بن عامر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال صدقة الرجل على قرابته صدقة وصلة وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن زكريا قال حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن عطاء عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصدقة فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الصدقة على ذي القرابة تضاعف مرتين وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث زينب امرأة عبد الله حين سألته عن صدقتها على عبد الله وأيتام بنى أخ لها في حجرها فقال لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا على بن الحسين ابن يزيد الصدائى قال حدثنا أبى قال حدثنا ابن نمير عن حجاج عن الزهري عن أيوب ابن بشير عن حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله أى الصدقة أفضل قال على ذي الرحم الكاشح فثبت بهذه الأخبار أن الصدقة على ذي الرحم المحرم وإن بعدت داره أفضل منها على الأجنبى فلذلك قال يجوز نقلها إلى بلد آخر إذا أعطاها ذا قرابته وإنما قال أصحابنا في صدقة الفطر إنه يؤديها عن نفسه حيث هو وعن رفيقه وولده حيث هم لأنها مؤداة عنهم فكما تؤدى زكاة المال حيث المال كذلك تؤدى صدقة الفطر حيث المؤدى عنه.
فيما يعطى مسكين واحد من الزكاة
كان أبو حنيفة يكره أن يعطى إنسان من الزكاة مائتي درهم وإن أعطيته أجزأك ولا بأس بأن تعطيه أقل من مائتي درهم قال وإن يغنى بها إنسانا أحب إلى وروى هشام عن أبى يوسف في رجل له مائة وتسعة وتسعون درهما فتصدق عليه بدرهمين أنه يقبل واحدا
ويرد واحدا فقد أجاز له أن يقبل تمام المائتين وكره أن يقبل ما فوقها وأما مالك بن أنس فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد من غير توقيف وقول ابن شبرمة فيه كقول أبى حنيفة وقال الثوري لا يعطى من الزكاة أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما وهو قول الحسن بن صالح وقال الليث يعطى مقدار ما يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال والزكاة كثيرة ولم يحد الشافعى شيئا واعتبر ما يرفع الحاجة* قال أبو بكر قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) ليس فيه تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم وقد علمنا أنه لم يرد به تفريقها على الفقراء على عدد الرءوس لامتناع ذلك وتعذره فثبت أن المراد دفعها إلى بعض أى بعض كان وأقلهم واحد ومعلوم أن كل واحد من أرباب الأموال مخاطب بذلك فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع صدقته إلى فقير واحد قل المدفوع أو كثر فوجب بظاهر الآية جواز دفع المال الكثير من الزكاة إلى واحد من الفقراء من غير تحديد لمقداره وأيضا فإن الدفع والتمليك يصادفانه وهو فقير فلا فرق بين دفع القليل والكثير لحصول التمليك في الحالتين للفقير وإنما كره أبو حنيفة أن يعطى إنسانا مائتي درهم لأن المائتين هي النصاب الكامل فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة ومعلوم أن الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها فلا يحصل له التمكين من الانتفاع إلا وهو غنى فكره من أجل ذلك دفع نصاب كامل ومتى دفع إليه أقل من النصاب فإنه يملكه ويحصل له الانتفاع بها وهو فقير فلم يكرهه إذ القليل والكثير سواء في هذا الوجه إذا لم يصر غنيا فالنصاب عند وقوع التمليك والتمكين من الانتفاع وأما قول أبى حنيفة وأن يغنى بها إنسان أحب إلى فإنه لم يرد به الغنى الذي تجب عليه به الزكاة وإنما أراد أن يعطيه ما يستغنى به عن المسألة ويكف به وجهه ويتصرف به في ضرب من المعاش واختلف فيمن أعطى زكاته رجلا ظاهره الفقر فأعطاه على ذلك ثم تبين أنه غنى فقال أبو حنيفة ومحمد يجزيه وكذلك إن دفعها إلى ابنه أو إلى ذمي وهو لا يعلم ثم علم أنه يجزيه وقال أبو يوسف لا يجزيه وذهب أبو حنيفة في ذلك إلى ما روى في حديث معن بن يزيد أن أباه أخرج صدقة فدفعها إليه ليلا وهو لا يعرفه فلما أصبح وقف عليه فقال ما إياك أردت واختصما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له لك ما نويت يا يزيد وقال لمعن لك ما أخذت ولم يسئله أنويتها من الزكاة أو غيرها بل قال لك ما نويت فدل على جوازها إن نواها زكاة
وأيضا فإن الصدقة على هؤلاء قد تكون صدقة صحيحة من وجه في غير حال الضرورة وهو أن يتصدق عليهم صدقة التطوع فأشبهت من هذا الوجه الصلاة إلى الكعبة إذا أداها باجتهاد صحيح ثم تبين أنه أخطأها كانت صلاته ماضية إذ كانت الصلاة إلى غير جهة الكعبة قد تكون صلاة صحيحة من غير ضرورة وهو المصلى تطوعا على الراحلة فكان إعطاء الزكاة باجتهاد مشبها لأداء الصلاة باجتهاد على النحو الذي ذكرنا فإن قيل إنما يشبه مسألة الزكاة من توضأ بماء يظنه طاهرا ثم علم أنه كان نجسا فلا تجزيه صلاته لأنه صار من اجتهاد إلى يقين كذلك مؤدى الزكاة إلى غنى أو ابنه أو ذمي إذا علم فقد صار من اجتهاد إلى يقين فبطل حكم اجتهاده ووجبت عليه الإعادة قيل له ليس كذلك لأن الوضوء بالماء النجس لا يكون طهارة بحال فلم يكن للاجتهاد تأثير في جوازه وترك القبلة جائز في أحوال فمسئلتنا بما ذكرناه أشبه فإن قيل الصلاة قد تجوز في الثوب النجس في حال ومع ذلك فلو أداها باجتهاد منه في طهارة الثوب ثم تبين النجاسة بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة ولم يكن جواز الصلاة في الثوب النجس بحال موجبا لجواز أداءها بالاجتهاد متى صار إلى يقين النجاسة قيل له أغفلت معنى اعتلالنا لأنا قلنا إن ترك القبلة جائز من غير ضرورة كجواز إعطاء هؤلاء من صدقة التطوع من غير ضرورة فكانا متساويين من هذا الوجه ألا ترى أنه لا ضرورة بالمصلى على الراحلة في فعل التطوع كما لا ضرورة بالمتصدق صدقة التطوع على ما ذكرنا فلما استويا من هذا الوجه اشتبها في الحكم وأما الصلاة في الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة ويستوي فيه حكم مصلى الفرض أو متنفل فلذلك اختلفا.
باب دفع الصدقات إلى صنف واحد
قال الله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية فروى أبو داود الطيالسي قال حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن على وابن عباس قالا إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبى العالية ولا يروى عن الصحابة خلافه فصار إجماعا من السلف لا يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم وروى الثوري عن إبراهيم بن
ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل إنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وزفر ومالك ابن أنس وقال الشافعى تقسم على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزى غيره وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر الكتاب قال الله تعالى( إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر الأصناف إنما هو بيان أسباب الفقر لا قسمتها على ثمانية ويدل عليه أيضا قوله تعالى( فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) وذلك يقتضى جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما وذلك ينفى وجوب قسمتها على ثمانية وأيضا فإن قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء ) عموم في سائر الصدقات وما يحصل منها في كل زمان وقوله تعالى( للفقراء ) إلى آخره عموم أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن يحدث منهم ومعلوم أنه لم يرد منهم قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك إلى أن تقوم الساعة فوجب أن يجزى إعطاء صدقة عام واحد لصنف واحد وإعطاء صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك صدقة كل عام لصنف من الأصناف على ما يرى الإمام قسمته فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو رجل واحد غير مقسومة على ثمانية وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها بالشركة وأنه جائز أن يحرم البعض منهم ويعطى البعض فثبت أن المقصد صرفها في بعض المذكورين فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها بعض الفقراء لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء البعض قال أبو بكر ويدل عليه ما روى في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ولم يجد ما يطعم فأمره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن ينطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق ليدفع إليه صدقاتهم فأجاز النبي صلّى الله عليه وسلّم دفع صدقاتهم إلى سلمة وإنما هو من صنف واحد وفي حديث عبيد الله بن عدى بن الخيار في الرجلين اللذين سألا النبي صلّى الله عليه وسلّم من الصدقة فرآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولم يسئلهما من أى الأصناف هما ليحسبهما من الصنف ويدل على أنها مستحقة بالفقر قوله صلّى الله عليه وسلّم
أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم فأخبر أن المعنى الذي به يستحق جميع الأصناف هو الفقر لأنه عم جميع الصدقة وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة يدل على أن المعنى المستحق به الصدقة هو الفقر وأن عمومه يقتضى جواز دفع جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم بل ظاهر اللفظ يقتضى إيجاب ذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم أمرت فإن قيل العامل يستحقه لا بالفقر قيل له لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من عمله لا صدقة كفقير تصدق عليه فأعطاها عوضا عن عمل عمل له وكما كان يتصدق على بريرة فتهديه للنبي صلّى الله عليه وسلّم هدية للنبي وصدقة لبريرة فإن قيل فإن المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر قيل له لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى المؤلفة قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم فلم يكونوا يأخذونها صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين إذ كان مال الفقراء جائزا صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم ويتصرف في مصالحهم فأما ذكر الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ما بينا والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالحاجة والفقر دون غيرهما فدل على أن المعنى الذي به يستحقونها هو الفقر* فإن قيل روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث الصدائى يقول أمرنى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على قوم فقلت أعطنى من صدقاتهم ففعل وكتب لي بذلك كتابا فأتاه رجل فقال أعطنى من الصدقة فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الله عز وجل لم يرض بحكم نبي ولا غيره حتى حكم فيها من السماء فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك منها قيل له هذا يدل على صحة ما قلنا لأنه قال إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك فبان أنها مستحقة لمن كان من أهل هذه الأجزاء وذكر فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب للصدائى بشيء من صدقة قومه ولم يسئله من أى الأصناف هو فدل ذلك على أن قوله إن الله تعالى جزأها ثمانية أجزاء معناه ليوضع في كل جزء منها جميعها إن رأى ذلك الإمام ولا يخرجها عن جميعهم وأيضا فليس تخلو الصدقة من أن تكون مستحقة بالاسم أو بالحاجة أو بهما
جميعا وفاسد أن يقال هي مستحقة بمجرد الاسم لوجهين أحدهما أنه يوجب أن يستحقها كل غارم وكل ابن سبيل وإن كان غنيا وهذا باطل والوجه الثاني إنه كان يجب أن يكون لو اجتمع له الفقر وابن السبيل أن يستحق سهمين فلما بطل هذان الوجهان صح أنها مستحقة بالحاجة فإن قيل قوله تعالى( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية يقتضى إيجاب الشركة فلا يجوز إخراج صنف منها كما لو أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وخالد لم يحرم واحد منهم قيل له هذا مقتضى اللفظ في جميع الصدقات وكذلك نقول فيعطى صدقة العام صنفا واحدا ويعطى صدقة عام آخر صنفا آخر على قدر اجتهاد الإمام ومجرى المصلحة فيه وإنما الخلاف بيننا وبينكم في صدقة واحدة هل يستحقها الأصناف كلها وليس في الآية بيان حكم صدقة واحدة وإنما فيها حكم الصدقات كلها فنقسم الصدقات كلها على ما ذكرنا فنكون قد وفينا الآية حقها من مقتضاها واستعملنا سائر الآي التي قدمنا ذكرها والآثار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقول السلف فذلك أولى من إيجاب قسمة صدقة واحدة على ثمانية ورد أحكام سائر الآي والسنن التي قدمنا وبهذا المعنى الذي ذكرنا انفصلت الصدقات من الوصية بالثلث لأعيان لأن المسلمين لهم محصورون وكذلك والثلث في مال معين فلا بد من أن يستحقوه بالشركة وأيضا فلا خلاف أن الصدقات غير مستحقة على وجه الشركة للمسلمين لاتفاقهم على جواز إعطاء بعض الفقراء دون بعض ولا جائز إخراج بعض الموصى لهم وأيضا لما جاز التفضيل في الصدقات لبعض على بعض ولم يجز ذلك في الوصايا المطلقة كذلك جاز بعض الأصناف كما جاز حرمان بعض الفقراء ففارق الوصايا من هذا الوجه وأيضا لما كانت الصدقة حقا لله تعالى لا لآدمى بدلالة أنه لا مطالبة لآدمى يستحقها لنفسه فأى صنف أعطى فقد وضعها موضعها والوصية لأعيان حق لآدمى لا مطالبة لغيرهم بها فاستحقوها كلهم كسائر الحقوق التي للآدميين ويدل على ذلك أن الله أوجب في الكفارة إطعام مساكين ولو أعطى الفقراء جاز فكذلك جائز أن يعطى ما سمى للمساكين في آية الصدقات للفقراء والوصية مخالفة لذلك لأنه لو أوصى لزيد لم يعط عمرو.
قوله تعالى( ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك يقولون هو صاحب أذن يصغى إلى كل أحد وقيل إن أصله من أذن يأذن إذا سمع قول الشاعر :
في سماع يأذن الشيخ له |
وحديث مثل ما ذي مشار |
ومعناه أذن صلاح لكم لا أذن شر وقوله( يؤمن للمؤمنين ) قال ابن عباس يصدق المؤمنين ودخول اللام هاهنا كدخوله في قوله( قل عسى أن يكون ردف لكم ) ومعناه ردفكم وقيل إنما أدخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق وإيمان الأمان فإذا قيل ويؤمن للمؤمنين لم يعقل به غير التصديق وهو كقوله تعالى( قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم ) أى لن نصدقكم وكقوله( وما أنت بمؤمن لنا ) ومن الناس من يحتج بذلك في قبول خبر الواحد لأخبار الله تعالى عن نبيه أنه يصدق المؤمنين فيما يخبرونه به وهذا لعمري يدل على قبوله في أخبار المعاملات فأما أخبار الديانات وأحكام الشرع فلم يكن النبي صلّى الله عليه وسلّم محتاجا إلى أن يسمعها من أحد إذ كان الجميع عنه يأخذون وبه يقتدون فيها قوله تعالى( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) قيل إنه إنما رد ضمير الواحد في قوله( يرضوه ) لأن رضا الله ينتظم رضا الرسول إذ كل ما رضى الله فقد رضيه الرسول فترك ذكر ضمير الرسول لدلالة الحال عليه وقيل إن اسم الله تعالى لا يجمع مع اسم غيره في الكناية تعظيما بإفراد الذكر وقد روى أن رجلا خطب بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم قم فبئس الخطيب أنت فأنكر الجمع بين اسم الله وبين اسمه في الكناية وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم النهى عن جمع اسم غير الله إلى اسمه بحرف الجمع فقال لا تقولوا إن شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا إن شاء الله ثم شاء فلان قوله تعالى( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم ) قال الحسن ومجاهد كانوا يحذرون فحملاه على معنى الإخبار عنهم بأنهم يحذرون وقال غيرهما صورته صورة الخبر ومعناه الأمر تقديره ليحذر المنافقون وقوله تعالى( إن الله مخرج ما تحذرون ) إخبار من الله بإخراج إضمار السوء وإظهاره وهتك صاحبه بما يخذله الله به ويفضحه وذلك إخبار عن المنافقين وتحذير لغيرهم من سائر مضمرى السوء وكاتميه وهو في معنى قوله( والله مخرج ما كنتم تكتمون ) قوله تعالى( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ـ إلى قوله ـإن نعف ) فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا لعبا فأخبر الله عن كفرهم باللعب بذلك وروى عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن
يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أى وجه قالوه من جد أو هزل فدل على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر فاعله قوله تعالى( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) أضاف بعضهم إلى بعض باجتماعهم على النفاق فهم متشاكلون متشابهون في تعاضدهم على النفاق والأمر بالمنكر والنهى عن المعروف كما يضاف بعض الشيء إليه لمشاكلته للجملة قوله تعالى( ويقبضون أيديهم ) فإنه روى عن الحسن ومجاهد عن الإنفاق في سبيل الله وقال قتادة عن كل خير وقال غيره عن الجهاد في سبيل الله وجائز أن يكونوا قبضوا أيديهم عن جميع ذلك فيكون المراد جميع ما احتمله اللفظ منه وقوله( نسوا الله فنسيهم ) فإن معناه أنهم تركوا أمره والقيام بطاعته حتى صار ذلك عندهم بمنزلة المنسى إذ لم يستعملوا منه شيئا كما لا يعمل بالمنسى وقوله( فنسيهم ) معناه أنه تركهم من رحمته وسماه باسم الذنب لمقابلته لأنه عقوبة وجزاء على الفعل وهو مجاز كقولهم الجزاء بالجزاء وقوله( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ونحو ذلك قوله تعالى( يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) روى عبد الله بن مسعود قال جاهدهم بيدك فإن لم تستطع فبلسانك وقلبك فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم وقال ابن عباس جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وقال الحسن وقتادة جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود وكانوا أكثر من يصيب الحدود قوله تعالى( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) فيه إخبار عن كفار المنافقين وكلمة الكفر كل كلمة فيها جحد لنعمة الله أو بلغت منزلتها في العظم وكانوا يطعنون في النبوة والإسلام ويقال إن القائل لكلمة الكفر الجلاس بن سويد بن الصامت قال إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن شر من الحمير ثم حلف بالله ما قال روى ذلك عن مجاهد وعروة وابن إسحاق وقال قتادة نزلت في عبد الله بن أبى بن سلول حين قال( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) وقال الحسن كان جماعة من المنافقين قالوا ذلك وفيما قص الله علينا من شأن المنافقين وإخباره عنهم باعتقاد الكفر وقوله ثم تبقيته إياهم واستحياؤهم لما كانوا يظهرون للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين من الإسلام دلالة على قبول توبة الزنديق المسر للكفر والمظهر للإيمان قوله تعالى( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من
فضله لنصدقن ) إلى آخر الآيتين فيه الدلالة على أن من نذر نذرا فيه قربة لزمه الوفاء به لأن العهد هو النذر والإيجاب نحو قوله إن رزقني الله ألف درهم فعلى أن أتصدق منها بخمس مائة ونحو ذلك فانتظمت هذه الآية أحكاما منها أن من نذر نذرا لزمه الوفاء بنفس المنذر لقوله تعالى( فلما آتاهم من فضله بخلوا به ) فعنفهم على ترك الوفاء بالمنذور بعينه وهذا يدل على بطلان قول من أوجب في شيء بعينه كفارة يمين وأبطل إيجاب إخراج المنذور بعينه ويدل أيضا على جواز تعليق النذر بشرط مثل أن يقول إن قدم فلان فلله على صدقة أو صيام ويدل أيضا على أن النذر المضاف إلى الملك إيجاب في الملك وإن لم يكن الملك موجودا في الحال وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا نذر فيما لا يملك ابن آدم وجعله الله تعالى نذرا في الملك وألزمه الوفاء به فثبت بذلك أن النذر في غير ملك أن يقول لله على أن أتصدق بثوب زيد أو نحوه وهو يدل على أن من قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق أنه مطلق في نكاح لا قبل النكاح كما كان المضيف للنذر إلى الملك ناذرا في الملك ونظير ذلك في إيجاب نفس المنذور على موجبه قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) فاقتضى ذلك فعل المقول بعينه وإخراج كفارة يمين ليس هو المقول بعينه ونحوه قوله تعالى( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) والوفاء بالعهد إنما هو فعل المعهود بعينه لا غير وقوله( وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم ) وقوله( يوفون بالنذر ) فمدحهم على فعل المنذور بعينه ومن نظائره قوله تعالى( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) والابتداع قد يكون بالقول وبالفعل فاقتضى ذلك إيجاب كل ما ابتدعه الإنسان من قربة قولا أو فعلا لذم الله تارك ما ابتدع من القربة وقد روى نحو ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في النذر وهو قوله من نذر نذرا وسماه فعليه الوفاء به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين قوله تعالى( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) قال الحسن بخلهم بما نذروه أعقبهم النفاق وقال مجاهد أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس ومعناه نصب الدلالة على أنه لا يتوب أبدا ذما له على ما كسبته يده وقوله( إلى يوم يلقونه ) قيل فيه يلقون جزاء بخلهم ومن ذهب إلى أن الله أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله تعالى قوله تعالى( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم )
فيه إخبار بأن استغفار النبي صلّى الله عليه وسلّم لهم لا يوجب لهم المغفرة ثم قال( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) ذكر السبعين على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة وقد روى في بعض الأخبار أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما نزلت هذه الآية قال لأزيدن على السبعين وهذا خطأ من راويه لأن الله تعالى قد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله فلم يكن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليسئل الله مغفرة الكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم وإنما الرواية الصحيحة فيه ما روى أنه قال لو علمت أنى لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت عليها وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم فكانوا إذا مات الميت منهم يسئلون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الدعاء والاستغفار له فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون فأعلمه الله تعالى أنهم ماتوا منافقين وأخبر مع ذلك أن استغفار النبي صلّى الله عليه وسلّم لهم لا ينفعهم قوله تعالى( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) فيه الدلالة على معان أحدها فعل الصلاة على موتى المسلمين وحظرها على موتى الكفار ويدل أيضا على القيام على القبر إلى أن يدفن وعلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد كان يفعله وقد روى وكيع عن قيس بن مسلم عن عمير بن سعد أن عليا قام على قبر حتى دفن وروى سفيان الثوري عن أبى قيس قال شهدت علقمة قام على قبر حتى دفن وروى جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن ابن الزبير كان إذا مات له ميت لم يزل قائما حتى ندفنه فهذا يدل على أن السنة لمن حضر عند القبر أن يقوم عليه حتى يدفن ومن الناس من يستدل بذلك على جواز الصلاة على القبر وجعل قوله( ولا تقم على قبره ) قيام الصلاة على القبر وهذا خطأ من التأويل لأنه تعالى قال( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على الميت عطفا عليه فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه وأيضا فإن القيام ليس هو عبارة عن الصلاة وإنما يريد هذا القائل أن يجعله كناية عنها وغير جائز أن تذكر الصلاة بصريح اسمها ثم يعطف عليها القيام فيجعله كناية عنها فثبت بذلك أن القيام على القبر غير الصلاة وأيضا روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال هذا أبى يا رسول الله قد وضعناه على شفير قبره فقم فصل عليه فوثب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووثبت معه فلما قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقام الناس خلفه تحولت وقمت في صدره وقلت يا رسول الله
على عبد الله بن أبى عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا أعد أيامه الخبيثة فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لتدعنى يا عمر إن الله خيرنى فاخترت فقال( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) الآية فو الله لو أعلم يا عمر أنى لو زدت على سبعين مرة أن يغفر له لزدت ثم مشى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه وقام على قبره حتى دفن ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أنزل الله ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فو الله ما صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أحد من المنافقين ولا قام على قبره بعده فذكر عمر في هذا الحديث الصلاة والقيام على القبر جميعا فدل على ما وصفنا وروى عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يصلى على عبد الله بن أبى فأخذ جبريل بثوبه فقال( لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) قوله تعالى( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) هذا عطف على ما تقدم من ذكر الجهاد في قوله( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) ثم عطف عليه قوله( وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ) فذمهم على الاستئذان في التخلف عن الجهاد من غير عذر ثم ذكر المعذورون من المؤمنين فذكر الضعفاء وهم الذين يضعفون عن الجهاد بأنفسهم لزمانة أو عمى أو سن أو ضعف في الجسم وذكر المرضى وهم الذين بهم أعلال مانعة من النهوض والخروج للقتال وعذر الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون وكان عذر هؤلاء ومدحهم بشريطة النصح لله ورسوله لأن من تخلف منهم وهو غير ناصح لله ورسوله بل يريد التضريب والسعى في إفساد قلوب من بالمدينة لكان مذموما مستحقا للعقاب ومن النصح لله تعالى حث المسلمين على الجهاد وترغيبهم فيه والسعى في إصلاح ذات بينهم ونحوه مما يعود بالنفع على الدين ويكون مع ذلك مخلصا لعمله من الغش لأن ذلك هو النصح ومنه التوبة النصوح قوله( ما على المحسنين من سبيل ) عموم في أن كل من كان محسنا في شيء فلا سبيل عليه فيه ويحتج به في مسائل مما قد اختلف فيه نحو من استعار ثوبا ليصلى فيه أو دابة ليحج عليها فتهلك فلا سبيل عليه في تضمينه لأنه محسن وقد نفى الله تعالى السبيل عليه نفيا عاما ونظائر ذلك مما يختلف في وجوب الضمان عليه بعد حصول صفة الإحسان له فيحتج به نافو الضمان ويحتج مخالفنا في إسقاط ضمان الجمل الصئول إذا قتله من خشي أن يقتله بأنه محسن في قتله للجمل وقال الله تعالى( ما على المحسنين من سبيل )
ونظائره كثيرة قوله تعالى( فأعرضوا عنهم إنهم رجس ) هو كقوله( إنما المشركون نجس ) لأن الرجس يعبر به عن النجس ويقال رجس نجس على الاتباع وهذا يدل على وجوب مجانبة الكفار وترك موالاتهم ومخالطتهم وإيناسهم وتقويتهم وقوله تعالى( يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) يدل على أن الحلف على الاعتذار ممن كان متهما لا يوجب الرضا عنه وقبول عذره لأن الآية قد اقتضت النهى عن الرضا عن هؤلاء مع أيمانهم وقال في هذه الآية( يحلفون ) ولم يقل بالله وقال في الآية الأولى( سيحلفون بالله ) فذكر اسم الله في الحلف في الأولى واقتصر في الآية الثانية على ذكر الحلف فدل على أنهما سواء وقال في موضع آخر( يحلفون على الكذب وهم يعلمون ) وكذلك قال الله تعالى في القسم فقال في موضع( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) وقال في موضع آخر( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) فاكتفى بذكر الحلف عن ذكر اسم الله تعالى وفي هذا دليل على أنه لا فرق بين قول القائل أحلف وبين قوله أحلف بالله وكذلك قوله أقسم وأقسم بالله قوله تعالى( الأعراب أشد كفرا ونفاقا واجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) أطلق هذا الخبر عن الأعراب ومراده الأعم الأكثر منهم وهم الذين كانوا يواطئون المنافقين على الكفر والنفاق وأخبر أنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله وذلك لقلة سماعهم للقرآن ومجالستهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم فهم أجهل من المنافقين الذين كانوا بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنهم قد كانوا يسمعون القرآن والأحكام فكان الأعراب أجهل بحدود الشرائع من أولئك وكذلك هم الآن في الجهل بالأحكام والسنن وفي سائر الأعصار وإن كانوا مسلمين لأن من بعد من الأمصار وناء عن حضرة العلماء كان أجهل بالأحكام والسنن ممن جالسهم وسمع منهم ولذلك كره أصحابنا إمامة الأعرابى في الصلاة ويدل على أن إطلاق اسم الكفر والنفاق على الأعراب خاص في بعضهم دون بعض قوله تعالى في نسق التلاوة( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ) الآية قال ابن عباس والحسن صلوات الرسول استغفاره لهم وقال قتادة دعاؤه لهم بالخير والبركة وقوله تعالى( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) فيه الدلالة على تفضيل السابق إلى الخير على التالي لأنه داع إليه بسبقه والتالي تابع له فهو إمام له وله
مثل أجره كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وكذلك السابق إلى الشر أسوأ حالا من التابع له لأنه في معنى من سنه وقال الله تعالى( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) يعنى أثقال من اقتدى بهم في الشر وقال الله تعالى( من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم ما من قتيل ظلما إلا وعلى ابن آدم القاتل كفل من دمه لأنه أول من سن القتل وقد اختلف فيمن نزلت الآية فروى عن أبى موسى وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة أنها نزلت في الذين صلوا إلى القبلتين وقال الشعبي فيمن بايع بيعة الرضوان وقال غيرهم فيمن أسلم قبل الهجرة وقوله تعالى( وممن حولكم من الأعراب منافقون ـ الآية إلى قوله ـسنعذبهم مرتين ) قال الحسن وقتادة في الدنيا وفي القبر( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) وهو عذاب جهنم وقال ابن عباس في الدنيا بالفضيحة لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ذكر رجالا منهم بأعيانهم والأخرى في القبر وقال مجاهد بالقتل والسبي والجوع وقوله تعالى( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) والاعتراف الإقرار بالشيء عن معرفة لأن الإقرار من قر الشيء إذا ثبت والاعتراف من المعرفة وإنما ذكر الاعتراف بالخطيئة عند التوبة لأن تذكر قبح الذنب أدعى إلى إخلاص التوبة منه وأبعد من حال ما يدعى إلى التوبة ممن لا يدرى ما هو ولا يعرف موقعه من الضرر فأصح ما يكون من التوبة أن تقع مع الاعتراف بالذنب ولذلك حكى الله تعالى عن آدم وحواء عند توبتهما( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) وإنما قال( عسى الله أن يتوب عليهم ) ليكونوا بين الطمع والإشفاق فيكونوا أبعد من الاتكال والإهمال وقال الحسن عسى من الله واجب وفي هذه الآية دلالة على أن المذنب لا يجوز له اليأس من التوبة وإنما يعرض ما دام يعمل مع الشر خير لقوله تعالى( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) وإنه متى كان للمذنب رجوع إلى الله في فعل الخير وإن كان مقيما على الذنب إنه مرجو الصلاح مأمون خير العاقبة وقال الله تعالى( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) فالعبد وإن عظمت ذنوبه فغير جائز له الانصراف عن الخير يائسا من قبول توبته لأن التوبة
مقبولة ما بقي في حال التكليف فأما من عظمت ذنوبه وكثرت مظالمه وموبقاته فأعرض عن فعل الخير والرجوع إلى الله تعالى يائسا من قبول توبته فإنه يوشك أن يكون ممن قال الله عز وجل( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) .
وروى أن الحسن بن على قال لحبيب بن مسلمة الفهري وكان من أصحاب معاوية رب مسير لك في غير طاعة الله فقال أما مسيري إلى أبيك فلا فقال الحسن بلى ولكنك اتبعت معاوية على عرض من الدنيا يسير والله لئن قام بك معاوية في دنياك لقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت ممن قال الله( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) ولكنك أنت ممن قال الله( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) وهذه الآية نزلت في نفر تخلفوا عن تبوك قال ابن عباس كانوا عشرة فيهم أبو لبابة بن عبد المنذر فربط سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد إلى أن نزلت توبتهم وقيل سبعة فيهم أبو لبابة قوله تعالى( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ظاهره رجوع الكناية إلى المذكورين قبله وهم الذين اعترفوا بذنوبهم لأن الكناية لا تستغني عن مظهر مذكور قد تقدم ذكره في الخطاب فهذا هو ظاهر الكلام ومقتضى اللفظ وجائز أن يريد به جميع المؤمنين وتكون الكناية جميعا لدلالة الحال عليه كقوله تعالى( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) يعنى القرآن وقوله( ما ترك على ظهرها من دابة ) وهو يعنى الأرض وقوله( حتى توارت بالحجاب ) يعنى الشمس فكنى عن هذه الأمور من غير ذكرها مظهرة في الخطاب لدلالة الحال عليها كذلك قوله( خذ من أموالهم صدقة ) يحتمل أن يريد به أموال المؤمنين وقوله( تطهرهم وتزكيهم بها ) يدل على ذلك فإن كانت الكناية عن المذكورين في الخطاب من المعترفين بذنوبهم فإن دلالته ظاهرة على وجوب الأخذ من سائر المسلمين لاستواء الجميع في أحكام الدين إلا ما خصه الدليل وذلك لأن كل حكم حكم الله ورسوله به في شخص أو على شخص من عباده أو غيرها فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص إلا قام دليل التخصيص فيه وقوله تعالى( تطهرهم ) يعنى إزالة نجس الذنوب بما يعطى من الصدقة وذلك لأنه لما أطلق اسم النجس على الكفر تشبيها له بنجاسة الأعيان أطلق في مقابلته وإزالته اسم التطهير كتطهير نجاسة الأعيان بإزالتها وكذلك حكم الذنوب في إطلاق اسم النجس عليها وأطلق اسم التطهير على إزالتها بفعل ما يوجب تكفيرها
فأطلق اسم التطهير عليهم بما يأخذه النبي صلّى الله عليه وسلّم من صدقاتهم ومعناه أنهم يستحقون ذلك بأدائها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه لو لم يكن إلا فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم في الأخذ لما استحقوا التطهير لأن ذلك ثواب لهم على طاعتهم وإعطائهم الصدقة وهم لا يستحقون التطهير ولا يصيرون أزكياء بفعل غيرهم فعلمنا أن في مضمونه إعطاء هؤلاء الصدقة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فلذلك صاروا بها أزكياء متطهرين وقد اختلف في مراد الآية هل هي الزكاة المفروضة أو هي كفارة الذنوب التي أصابوها فروى عن الحسن أنها ليست بالزكاة المفروضة وإنما هي كفارة الذنوب التي أصابوها وقال غيره هي الزكاة المفروضة والصحيح أنها الزكوات المفروضات إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس سوى زكوات الأموال وإذا لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات وإنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس لتساوى الناس في الأحكام إلا من خصه دليل فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة على جميع الناس غير مخصوص بها قوم دون قوم وإذا ثبت ذلك كانت هي الزكاة المفروضة إذ ليس في أموال سائر الناس حق سوى الصدقات المفروضة وقوله(
تطهرهم وتزكيهم بها
)
لا دلالة فيه على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة لأن الزكاة أيضا تطهر وتزكى مؤديها وسائر الناس من المكلفين محتاجون إلى ما يطهرهم ويزكيهم وقوله(
خذ من أموالهم
)
عموم في سائر الأصناف ومقتض لأجل البعض منها إذ كانت من مقتضى التبعيض وقد دخلت على عموم الأموال فاقتضت إيجاب الأخذ من سائر أصناف الأموال بعضها ومن الناس من يقول إنه متى أخذ من صنف واحد فقد قضى عهدة الآية والصحيح عندنا هو الأول وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي قال أبو بكر وقد ذكر الله تعالى إيجاب فرض الزكاة في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه ومقادير الواجب والموجب فيه ووقته وما يستحقه وما ينصرف فيه فكان لفظ الزكاة مجمل في هذه الوجوه كلها وقال تعالى(
خذ من أموالهم صدقة
)
فكان الإجمال في لفظ الصدقة دون لفظ الأموال لأن الأموال اسم عموم في مسمياته إلا أنه قد ثبت أن المراد خاص في بعض الأموال دون جميعها والوجوب في وقت من الزمان دون سائره ونظيره قوله تعالى(
فى أموالهم حق معلوم للسائل
والمحروم
)
وكان مراد الله تعالى في جميع ذلك موكولا إلى بيان الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال تعالى(
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
)
حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثني محمد بن عبد الله الأنصارى قال حدثنا صرد بن أبى المنازل قال سمعت حبيبا المالكي قال قال رجل لعمران بن حصين يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن فغضب عمران وقال للرجل أوجدتم في كل أربعين درهما درهما ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كذا وكذا بعيرا كذا وكذا أوجدتم هذا في القرآن قال لا قال فعمن أخذتم هذا أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلّم وذكر أشياء نحو هذا فمما نص الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله(
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
)
فنص على وجوب الحق فيهما بأخص أسمائها تأكيدا وتبيينا ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله(
وهو الذي أنشأ جنات معروشات
ـ إلى قوله ـكلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده
)
فالأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة وعروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة والزرع والثمر على اختلاف من الفقهاء في بعض ذلك وقد ذكر بعض صدقة الزرع والثمر في سورة الأنعام وأما المقدار فإن نصاب الورق مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون دينارا وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم وأما الإبل فإن نصابها خمس منها ونصاب الغنم أربعون شاة ونصاب البقر ثلاثون وأما المقدار الواجب ففي الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر إذا بلغ النصاب وفي خمس من الإبل شاة وفي أربعين شاة شاة وفي ثلاثين بقرة تبيع وقد اختلف في صدقة الخيل وسنذكره بعد هذا إن شاء الله وأما الوقت فهو حول الحول على المال مع كمال النصاب في ابتداء الحول وآخره وأما من تجب عليه فهو أن يكون المالك حرا بالغا عاقلا مسلما صحيح الملك لا دين عليه يحيط بماله أو بما لا يفضل عنه مائتا درهم حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال قرأت على مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود المهري قال أخبرنا ابن
وهب قال أخبرنى جرير بن حازم عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن على بن أبى طالب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول وهذا الخبر في الحول وإن كان من أخبار الآحاد فإن الفقهاء قد تلقته بالقبول واستعملوه فصار في حيز المتواتر المواجب للعلم وقد روى عن ابن عباس في رجل ملك نصابا أنه يزكيه حين يستفيده وقال أبو بكر وعلى وعمر وابن عمر وعائشة لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول ولما اتفقوا على أنه لا زكاة عليه بعد الأداء حتى يحول عليه الحول علمنا أن وجوب الزكاة لم يتعلق بالملك دون الحول وأنه بهما جميعا يجب وقد استعمل ابن عباس خبر الحول بعد الأداء ولم يفرق النبي صلّى الله عليه وسلّم بينه قبل الأداء وبعده بل نفى إيجاب الزكاة في سائر الأموال نفيا عاما إلا بعد حول الحول فوجب استعماله في كل نصاب قبل الأداء وبعده ومع ذلك يحتمل أن لا يكون ابن عباس أراد إيجاب الأداء بوجود ملك النصاب وأنه أراد جواز تعجيل الزكاة لأنه ليس في الخبر ذكر الوجوب واختلف فيما زاد على المائتين من الورق فروى عن على وابن عمر فيما زاد على المائتين بحسابه وهو قول أبى يوسف ومحمد ومالك والشافعى وروى عن عمر أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما وهو قول أبى حنفية ويحتج من اعتبر الزيادة أربعين بما روى عبد الرحمن ابن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس فيما زاد على المائتي درهم شيء حتى يبلغ أربعين درهما وحديث على عن النبي صلّى الله عليه وسلّم هاتوا زكاة الرقة من كل أربعين درهما درهما وليس فيما دون خمس أواق صدقةفوجب استعمال قوله في كل أربعين درهم درهما على أنه جعله مقدار الواجب فيه كقوله صلّى الله عليه وسلّم وإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة ويدل عليه من جهة النظر أن هذا مال له نصاب في الأصل فوجب أن يكون له عفو بعد النصاب كالسوائم ولا يلزم أبا حنيفة ذلك في زكاة الثمار لأنه لا نصاب له في الأصل عنده وأبو يوسف ومحمد لما كان عندهما أن لزكاة الثمار نصابا في الأصل ثم لم يجب اعتبار مقدار بعده بل الواجب في القليل والكثير كذلك الدراهم والدنانير ولو سلم لهما ذلك كان قياسه على السوائم أولى منه على الثمار لأن السوائم يتكرر وجوب الحق فيها بتكرر السنين
وما تخرج الأرض لا يجب فيه الحق إلا مرة واحدة ومرور الأحوال لا يوجب تكرار وجوب الحق فيه فإن قيل فواجب أن يكون ما يتكرر وجوب الحق فيه أولى بوجوبه في قليل ما زاد على النصاب وكثيره مما لا يتكرر وجوب الحق فيه قيل له هذا منتقض بالسوائم لأن الحق يتكرر وجوبه فيها ولم يمنع ذلك اعتبار العفو بعد النصاب ومما يدل على أن قياسه على السوائم أولى من قياسه على ما تخرجه الأرض أن الدين لا يسقط العشر وكذلك موت رب الأرض ويسقط زكاة الدراهم والسوائم فكان قياسها عليها أولى منه على ما تخرجه الأرض واختلف فيما زاد من البقر على أربعين فقال أبو حنيفة فيما زاد بحسابه وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء فيه حتى يبلغ ستين وروى أسد بن عمر عن أبى حنيفة مثل قولهما وقال ابن أبى ليلى ومالك والثوري والأوزاعى والليث والشافعى كقول أبى يوسف ومحمد ويحتج لأبى حنيفة بقوله تعالى( خذ من أموالهم صدقة ) وذلك عموم في سائر الأموال لا سيما وقد اتفق الجميع على أن هذا المال داخل في حكم الآية مراد بها فوجب في القليل والكثير بحق العموم وقد روى عنه الحسن بن زياد أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين فتكون فيها مسنة وربع مسنة ويحتج لقوله المشهور أنه لا يخلو من إثبات الوقص تسعا فينتقل إليه بالكسر وليس ذلك في فروض الصدقات أو يجعل الوقص تسعة عشر فيكون خلاف أوقاص البقر فلما بطل هذا وهذا ثبت القول الثالث وهو إيجابه في القليل والكثير من الزيادة وروى عن سعيد بن المسيب وأبى قلابة والزهري وقتادة إنهم كانوا يقولون في خمس من البقر شاة وهو قول شاذ لاتفاق أهل العلم على خلافه وورود الآثار الصحيحة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ببطلانه وروى عاصم بن ضمرة عن على في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه وقد أنكره سفيان الثوري وقال على أعلم من أن يقول هذا هذا من غلط الرجال وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالآثار المتواترة أن فيها ابنة مخاض ويجوز أن يكون على بن أبى طالب أخذ خمس شياه عن قيمة بنت مخاض فظن الراوي أن ذلك فرضها عنه واختلف في الزيادة على العشرين ومائة من الإبل فقال أصحابنا جميعا تستقبل الفريضة وهو قول الثوري وقال ابن القاسم عن مالك إذا زادت على عشرين ومائة واحدة فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون وإن شاء حقتين وقال ابن شهاب إذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن
تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون يتفق قول ابن شهاب ومالك في هذا ويختلفان فيما بين واحد وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة وقال الأوزاعى والشافعى ما زاد على العشرين والمائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة قال أبو بكر قد ثبت عن على رضى الله عنه من مذهبه استئناف الفريضة بعد المائة والعشرين بحيث لا يختلف فيه وقد ثبت عنه أيضا أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سئل فقيل له هل عندكم شيء من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال ما عندنا إلا ما عند الناس وهذه الصحيفة فقيل له وما فيها فقال فيها أسنان الإبل أخذتها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولما ثبت قول على باستئناف الفريضة وثبت أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم صار ذلك توقيفا لأنه لا يخالف النبي صلّى الله عليه وسلّم وأيضا قد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم استئناف الفريضة بعد المائة والعشرين وأيضا غير جائز إثبات هذا الضرب من المقادير إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق فلما اتفقوا على وجوب الحقتين في المائة والعشرين عند الزيادة لم يجز لنا إسقاط الحقتين لأنهما فرض قد ثبت بالنقل المتواتر واتفاق الأمة إلا بتوقيف أو اتفاق فإن قيل روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في آثار كثيرة وإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون قيل له قد اختلفت ألفاظه فقال في بعضها وإذا كثرت الإبل ومعلوم أن الإبل لا تكثر بزيادة الواحدة فعلم أنه لم يرد بقوله وإذا زادت الإبل إلا زيادة كثيرة يطلق على مثلها أن الإبل قد كثرت بها ونحن قد نوجب ذلك عند ضرب من الزيادة الكثيرة وهو أن تكون الإبل مائة وتسعين فتكون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون وأيضا فموجب تغيير الفرض بزيادة الواحد لا يخلو من يغيره بالواحدة الزائدة فيوجب فيها وفي الأصل أو يغيره فيوجب في المائة والعشرين ولا يوجب في الواحدة الزائدة شيئا فإن أوجب في الزيادة مع الأصل ثلاث بنات لبون فهو لم يوجب في الأربعين ابنة لبون وإنما أوجبها في أربعين وفي الواحدة وذلك خلاف قوله صلّى الله عليه وسلّم وإن كان إنما يوجب تغيير الفرض بالواحدة فيجعل ثلاث بنات لبون في المائة والعشرين والواحدة عفو فقد خالف الأصول إذ كان العفو لا يغير الفرض واختلف في فرائض الغنم فقال أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعى والليث والشافعى في مائتين وشاة ثلاث شياه إلى أربعمائة فتكون فيها أربع شياه وقال
الحسن بن صالح إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة ففيها أربع شياه وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه وروى إبراهيم نحو ذلك وقد ثبتت آثار مستفيضة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقول الأول دون قول الحسن بن صالح واختلف في صدقة العوامل من الإبل والبقر فقال أصحابنا والثوري والأوزاعى والحسن بن صالح والشافعى ليس فيها شيء وقال مالك والليث فيها صدقة والحجة للقول الأول ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال حدثنا حمويه قال حدثنا سوار بن مصعب عن ليث عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ليس في البقر العوامل صدقة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن على رضى الله عنه قال زهير أحسبه قيل النبي صلّى الله عليه وسلّم قال وفي البقر في كل ثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة وليس على العوامل شيء وأيضا روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال ليس في النخة ولا في الكسعة ولا في الجبهة صدقة وقال أهل اللغة النخة البقر العوامل والكسعة الحمير والجبهة الخيل وأيضا فإن وجوب الصدقة فيما عدا الذهب والفضة متعلق بكونه مرصدا للنماء من نسلها أو من أنفسها والسائمة يطلب نماؤها إما من نسلها أو من أنفسها والعاملة غير مرصدة للنماء وهي بمنزلة دور الغلة وثياب البذلة ونحوها وأيضا الحاجة إلى علم وجوب الصدقة في العوامل كهي إلى السائمة فلو كان من النبي صلّى الله عليه وسلّم توقيف في إيجابها في العاملة لورد النقل به متواترا في وزن وروده في السائمة فلما لم يرد بذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا عن الصحابة نقل مستفيض علمنا أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلّم توقيف في إيجابها بل قد وردت آثار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في نفى الصدقة عنها منها ما قدمناه ومنها ما روى يحيى بن أيوب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن دينار أنه بلغه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ليس في ثور المثيرة صدقة وروى عن على وجابر بن عبد الله وإبراهيم ومجاهد وعمر بن عبد العزيز والزهري نفى صدقة البقر العوامل ويدل عليه حديث أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب لأبى بكر الصديق كتابا في الصدقات هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المسلمين فمن سألها من المؤمنين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطه صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة فنفى بذلك الصدقة عن غير السائمة لأنه ذكر السائمة ونفى الصدقة عما عداها فإن قيل روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في خمس
من الإبل شاة وذلك عموم يوجب في السائمة وغيرها قيل له يخصه ما ذكرنا ولم يقل بقول مالك في إيجابه الصدقة في البقر العوامل أحد قبله.
(فصل) قال أصحابنا وعامة أهل العلم في أربعين شاة مسان وصغار مسنة وقال الشافعى لا شيء فيها حتى تكون المسان أربعين ثم يعتد بعد ذلك بالصغار ولم يسبقه إلى هذا القول أحد وقد روى عاصم بن ضمرة عن على عن النبي صلّى الله عليه وسلّم صدقات المواشي فقال فيه ويعد صغيرها وكبيرها ولم يفرق بين النصاب وما زاد وأيضا الآثار المتواترة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أربعين شاة شاة ومتى اجتمع الصغار والكبار أطلق على الجميع الاسم فيقال عنده أربعون شاة فاقتضى ذلك وجوبها في الصغار والكبار إذا اجتمعت وأيضا لم يختلفوا في الاعتداد بالصغار بعد النصاب لوجود الكبار معها فكذلك حكم النصاب واختلف في الخيل السائمة فأوجب أبو حنيفة فيها إذا كانت إناثا أو ذكورا وإناثا في كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والثوري والشافعى لا صدقة فيها وروى عروة السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الخيل السائمة في كل فرس دينار وحديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبى صالح السمان عن أبى هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر الخيل وقال هي ثلاثة لرجل أجر ولآخر ستر وعلى رجل وزر فأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ولا ينسى حق الله في رقابها ولا في ظهورها فأثبت في الخيل حقا وقد اتفقوا على سقوط سائر الحقوق سوى صدقة السوائم فوجب أن تكون هي المرادة فإن قيل يجوز أن يريد زكاة التجارة قيل له قد سئل عن الحمير بعد ذكره الخيل فقال ما أنزل الله على فيها إلا الآية الجامعة( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) فلم يوجب فيها شيئا ولو أراد زكاة التجارة لأوجبها في الحمير فإن قيل في المال حقوق سوى الزكاة فيجوز أن يكون أراد حقا غيرها والدليل عليه حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في المال حق سوى الزكاة وتلا قوله تعالى( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) وروى سفيان عن أبى الزبير عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ذكر الإبل فقال إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحة سمينها فجائز أن يكون الحل المذكور في الخيل مثل ذلك قيل له لو كان كذلك لما اختلف حكم الحمير والخيل
لأن هذا الحق لا يختلفان فيه فلما فرق النبي صلّى الله عليه وسلّم بينهما دل على أنه لم يرد به ذلك وأنه إنما أراد الزكاة وعلى أنه قد روى أن الزكاة نسخت كل حق كان واجبا حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال حدثنا على بن سعيد قال حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن على قال نسخت الزكاة كل صدقة وأيضا قد روى أن أهل الشام سألوا عمر أن يأخذ الصدقة من خيلهم فشاور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم فقال له على لا بأس ما لم تكن جزية عليهم فأخذها منهم وهذا يدل على اتفاقهم على الصدقة فيها لأنه شاور الصحابة ومعلوم أنه لم يشاورهم في صدقة التطوع فدل على أنه أخذها واجبة بمشاورة الصحابة وإنما قال على لا بأس ما لم تكن جزية عليهم لأنه لا يؤخذ على وجه الصغار بل على وجه الصدقة واحتج من لم يوجبها بحديث على رضى الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وحديث أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة وهذا عند أبى حنيفة على خيل الركوب ألا ترى أنه لم ينف صدقتها إذا كانت للتجارة بهذا الخبر واختلف في زكاة العسل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعى إذا كان في أرض العشر ففيه العشر وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعى لا شيء فيه وروى عن عمر بن عبد العزيز مثله وروى عنه الرجوع عن ذلك وأنه أخذ منه العشر حين كشف عن ذلك وثبت عنده ما روى فيه وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال بلغني أن في العسل العشر قال ابن وهب وأخبرنى عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك وقال يحيى إنه سمع من يقول فيه العشر في كل عام بذلك مضت السنة قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى( خذ من أموالهم صدقة ) يوجب الصدقة في العسل إذ هو من ماله والصدقة إن كانت مجملة فإن الآية قد اقتضت إيجاب صدقة ما وإذا وجبت الصدقة كانت العشر إذ لا يوجب أحد غيره ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبى شعيب الحراني قال حدثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث المصرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء هلال أحد بنى متعان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعشور نحل له وسأله أن يحمى واديا له يقال له سلبة فحمى له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك الوادي فلما ولى عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسئله عن ذلك فكتب
عمر إن أدى إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من عشور نحله فأحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبى قال حدثنا وكيع عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن أبى سيارة المتعى قال قلت يا رسول الله إن لي نحلا قال أد العشر قال فقلت يا رسول الله أحمها لي فحماها لي وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال أخبرنى عبد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عمر بن شعيب قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز يأمرنا أن نعطى زكاة العسل ونحن بالطواف العشر يسند ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم * وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن يعقوب إمام مسجد الأهواز قال حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني قال حدثنا أبو حفص العبدى قال حدثنا صدقة عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كل عشرة أزقاق من العسل زق ولما أوجب النبي صلّى الله عليه وسلّم في العسل العشر دل ذلك على أنه أجراه مجرى الثمر وما تخرجه الأرض مما يجب فيه العشر فقال أصحابنا إذا كان في أرض العشر ففيه العشر وإذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه لأن الثمرة في أرض الخراج لا يجب فيها شيء وإذا كان في أرض العشر يجب فيها العشر فكذلك العسل وقد استقصينا القول في هذه المسائل ونظائرها من مسائل الزكاة في شرح مختصر أبى جعفر الطحاوي وإنما ذكرنا هنا جملا منها بما يتعلق الحكم فيه بظاهر الآية وقوله تعالى( خذ من أموالهم صدقة ) يدل على أن أخذ الصدقات إلى الإمام وأنه متى أداها من وجبت عليه إلى المساكين لم يجزه لأن حق الإمام قائم في أخذها فلا سبيل له إلى إسقاطه وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يوجه العمال على صدقات المواشي ويأمرهم بأن يأخذوها على المياه في مواضعها وهذا معنى ما شرطه النبي صلّى الله عليه وسلّم لوفد ثقيف بأن لا يحشروا ولا يعشروا يعنى لا يكلفون إحضار المواشي إلى المصدق ولكن المصدق يدور عليهم في مياههم ومظان مواشيهم فيأخذها منهم وكذلك صدقة الثمار وأما زكوات الأموال فقد كانت تحمل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبى بكر وعمر وعثمان فقال هذا شهر زكواتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل لهم أداؤها إلى المساكين وسقط من أجل ذلك حق الإمام في أخذها لأنه عقد عقده إمام من أئمة العدل فهو نافذ على الأمة لقوله صلّى الله عليه وسلّم ويعقد عليهم أو لهم ولم يبلغنا أنه بعث سعاة على زكوات الأموال كما بعثهم
على صدقات المواشي والثمار في ذلك لأن سائر الأموال غير ظاهرة للإمام وإنما تكون مخبوأة في الدور والحوانيت والمواضع الحريزة ولم يكن جائز للسعاة دخول أحرازهم ولم يجز أن يكلفوهم إحضارها كما لم يكلفوا إحضار المواشي إلى العامل بل كان على العامل حضور موضع المال في مواضعه وأخذ صدقته هناك فلذلك لم يبعث على زكاة الأموال السعاة فكانوا يحملونها إلى الإمام وكان قولهم مقبولا فيها ولما ظهرت هذه الأموال عند التصرف بها في البلدان أشبهت المواشي فنصب عليها عمال يأخذون منها ما وجب من الزكاة ولذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن يأخذوا مما يمر به المسلم من التجارات من كل عشرين دينارا نصف دينار ومما يمر به الذمي يؤخذ منه من كل عشرين دينارا دينار ثم لا يؤخذ منه إلا بعد حول أخبرنى بذلك من سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم وكتب عمر ابن الخطاب إلى عماله أن يأخذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وما يؤخذ من المسلم من ذلك فهو الزكاة الواجبة تعتبر فيها شرائط وجوبها من حول ونصاب وصحة ملك فإن لم تكن الزكاة قد وجبت عليه لم تؤخذ منه فاحتذى عمر بن الخطاب في ذلك فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم في صدقات المواشي وعشور الثمار والزروع إذ قد صارت أموالا ظاهرة يختلف بها في دار الإسلام كظهور المواشي السائمة والزروع والثمار ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه فصار إجماعا مع ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث عمر بن عبد العزيز الذي ذكرناه فإن قيل روى عطاء بن السائمة عن جرير بن عبد الله عن جده أبى أمه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس على المسلمين عشور إنما العشور على أهل الذمة وروى حميد عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لوفد ثقيف لا تحشروا ولا تعشروا وروى إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا معشر العرب احمدوا الله إذ دفع عنكم العشور وروى أن مسلم بن يسار قال لابن عمر أكان عمر يعشر المسلمين قال لا قيل له ليس المراد بذكر هذه العشور الزكاة وإنما هو ما كان يأخذه أهل الجاهلية من المكس وهو الذي أريد في حديث محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة ابن عامر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يدخل الجنة صاحب مكس يعنى عاشرا وإياه عنى الشا عر بقوله :
وفي كل أموال العراق أتاوة |
وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم |
فالذي نفاه النبي صلّى الله عليه وسلّم من العشر هو المكس الذي كان يأخذه أهل الجاهلية فأما الزكاة فليست بمكس وإنما هو حق وجب في ماله يأخذه الإمام فيضعه في أهله كما يأخذ صدقات المواشي وعشور الأرضين والخراج وأيضا يجوز أن يكون الذي نفى أخذه من المسلمين ما يكون مأخوذا على وجه الصغار والجزية ولذلك قال إنما العشور على أهل الذمة يعنى ما يؤخذ على وجه الجزية ومن الناس من يحتج للفرق بين صدقات المواشي والزروع وبين زكاة الأموال أنه قال في الزكاة( وآتوا الزكاة ) ولم يشرط فيها أخذ الإمام لها وقال في الصدقات( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) وقال( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ـ إلى قوله ـوالعاملين عليها ) ونصب العامل يدل على أنه غير جائز له إسقاط حق الإمام في أخذها وقال صلّى الله عليه وسلّم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فإنما شرط أخذه في الصدقات ولم يذكر مثله في الزكوات ومن يقول هذا يذهب إلى أن الزكاة وإن كانت صدقة فإن اسم الزكاة أخص بها والصدقة اسم يختص بالمواشي ونحوها فلما خص الزكاة بالأمر بالإيتاء دون أخذ الإمام وأمر في الصدقة بأن يأخذها الإمام وجب أن يكون أداء الزكوات موكولا إلى أرباب الأموال إلا ما يمر به على العاشر فإنه يأخذها باتفاق السلف ويكون أخذ الصدقات إلى الأئمة قوله تعالى( وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) روى شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبى أوفى قال كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا أتاه رجل بصدقة ماله صلّى عليه قال فأتيته بصدقة مال أبى فقال اللهم صل على آل أبى أوفى وروى ثابت ابن قيس عن خارجة بن إسحاق عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأتيكم ركب مبغضون فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم وارضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم وروى سلمة ابن بشير قال حدثنا البختري قال أخبرنى أبى أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها قالوا وما ثوابها قال يقول اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما وهذه الأخبار تدل على أن المراد بقوله تعالى( وصل عليهم ) هو الدعاء وقوله( سكن لهم ) يعنى والله أعلم مما تسكن قلوبهم إليه وتطيب به نفوسهم فيسارعون إلى أداء الصدقات الواجبة رغبة في ثواب الله وفيما ينالونه من بركة دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم لهم
وكذلك ينبغي لعامل الصدقة إذا قبضها أن يدعو لصاحبها اقتداء بكتاب الله وسنة نبيه صلّى الله عليه وسلّم.
قوله تعالى( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ) الآية روى عن جماعة من السلف إنهم كانوا اثنى عشر رجلا من الأوس والخزرج قد سموا استأذنوا النبي صلّى الله عليه وسلّم في بناء مسجد لليلة الشاتية والمطر والحر ولم يكن ذلك قصدهم وإنما كان مرادهم التفريق بين المؤمنين وأن يتحزبوا فيصلى حزب في مسجد وحزب في مسجد آخر لتختلف الكلمة وتبطل الألفة والحال الجامعة وأرادوا به أيضا ليكفروا فيه بالطعن على النبي صلّى الله عليه وسلّم والإسلام فيتفاوضون فيما بينهم من غير خوف من المسلمين لأنهم كانوا يخلون فيه فلا يخالطهم فيه غيرهم قوله تعالى( وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ) قال ابن عباس ومجاهدا أراد به أبا عامر الفاسق وكان يقال له أبو عامر الراهب قبل وكان شديد العداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم عنادا وحسدا لذهاب رئاسته التي كانت في الأوس قبل هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة فقال للمنافقين سيأتى قيصر وآتيكم بجند فأخرج به محمدا وأصحابه فبنوا المسجد إرصادا له يعنى مترقبين له وقد دلت هذه الآية على ترتيب الفعل في الحسن أو القبح بالإرادة وأن الإرادة هي التي تعلق الفعل بالمعاني التي تدعو الحكمة إلى تعليقه به أو تزجر عنها لأنهم لو أرادوا ببنائه إقامة الصلوات فيه لكان طاعة لله عز وجل ولما أراد به ما أخبر الله تعالى به عنهم من قصدهم وإرادتهم كانوا مذمومين كفارا قوله تعالى( لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) فيه الدلالة على أن المسجد المبنى لضرار المؤمنين والمعاصي لا يجوز القيام فيه وأنه يجب هدمه لأن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلّم عن القيام في هذا المسجد المبنى على الضرار والفساد وحرم على أهله قيام النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه إهانة لهم واستخفافا بهم على خلاف المسجد الذي أسس على التقوى وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون أولى بفعل الصلاة فيه من بعض وأن الصلاة قد تكون منهية عنها في بعضها ويدل على فضيلة الصلاة في المسجد بحسب ما بنى عليه في الأصل ويدل على فضيلتها في المسجد السابق لغيره لقوله( أسس على التقوى من أول يوم ) وهو معنى قوله تعالى( أحق أن تقوم فيه ) لأن معناه أن القيام في هذا المسجد لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا المسجد الذي أسس على التقوى أحق بالقيام فيه من غيره وذلك
أن مسجد الضرار لم يكن مما يجوز القيام فيه لنهى الله تعالى نبيه عن ذلك فلو لم يكن المعنى ما ذكرنا لكان تقديره لمسجد أسس على التقوى أحق أن تقوم فيه من مسجد لا يجوز القيام فيه ويكون بمنزلة قوله فعل الفرض أصلح من تركه وهذا قد يسوغ إلا أن المعنى الأول هو وجه الكلام وقد اختلف في المسجد الذي أسس على التقوى ما هو فروى عن ابن عمر وسعيد بن المسيب أنه مسجد المدينة وروى عن أبى بن كعب وأبى سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال هو مسجدى هذا وروى عن ابن عباس والحسن وعطية أنه مسجد قباء قوله تعالى( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فيه دلالة على أن فضيلة أهل المسجد فضيلة للمسجد وللصلاة فيه وقوله( يحبون أن يتطهروا ) روى عن الحسن قال يتطهرون من الذنوب وقيل فيه التطهر بالماء حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبى ميمونة عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء والثاني أن الاستنجاء بالماء أفضل منه بالأحجار وقد تواترت الأخبار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستنجاء بالأحجار قولا وفعلا وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه استنجى بالماء قوله تعالى( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) أطلق الشرى فيه على طريق المجاز لأن المشترى في الحقيقة هو الذي يشترى مالا يملك والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ولكنه كقوله تعالى( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضا لضمان الثواب فيهما به فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيبا فيه قوله تعالى( السائحون ) قيل إنهم الصائمون روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال سياحة أمتى الصوم وروى عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنه الصوم وقوله تعالى( والحافظون لحدود الله ) هو أتم ما يكون من المبالغة في الوصف بطاعة الله والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره وذلك لأن لله تعالى حدودا في أوامره وزواجره وما ندب إليه ورغب فيه أو أباحه وما خير فيه وما هو الأولى في تحرى موافقة أمر الله وكل هذه حدود الله فوصف تعالى هؤلاء القوم بهذا الوصف
ومن كان كذلك فقد أدى جميع فرائضه وقام بسائر ما أراده منه وقد بين في الآية التي قبلها المرادين بها وهم الصحابة الذين بايعوه تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان بقوله تعالى( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) ثم عطف عليه التائبون فقد بينت هذه الآية منزلة هؤلاء رضى الله عنهم من الدين والإسلام ومحلهم عند الله تعالى ولا يجوز أن يكون في وصف العبيد بالقيام بطاعة الله كلام أبلغ ولا أفخم من قوله تعالى( والحافظون لحدود الله ) قوله تعالى( لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) والعسرة هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته وكان ذلك في غزوة تبوك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج في شدة الحر وقلة من الماء والزاد والظهر فخص الذين اتبعوه في ساعة العسرة بذكر التوبة لعظم منزلة الاتباع في مثله وجزيل الثواب الذي يستحق بها لما لحقهم من المشقة مع الصبر عليها وحسن البصيرة واليقين منهم في تلك الحال إذ لم تغيرهم عنها صعوبة الأمر وشدة الزمان وأخبر تعالى عن فريق منهم بمقاربة ميل القلب عن الحق بقوله( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) والزيغ هو ميل القلب عن الحق فقارب ذلك فريق منهم ولما فعلوا ولم يؤاخذهم الله به وقبل توبتهم وبمثل الحال التي فضل بها متبعيه في حال العسرة على غيرهم فضل بها المهاجرين على الأنصار وبمثلها فضل السابقين على الناس لما لحقهم من المشقة ولما ظهر منهم من شدة البصيرة وصحة اليقين بالاتباع في حال قلة عدد من المؤمنين واستعلاء أمر الكفار وما كان يلحقهم من قبلهم من الأذى والتعذيب قوله تعالى( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال ابن عباس وجابر ومجاهد وقتادة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع قال مجاهد خلفوا عن التوبة وقال قتادة خلفوا عن غزوة تبوك وقد كانوا هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك فيمن تخلف وكانوا صحيحي الإسلام فلما رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم من تبوك جاء المنافقون فاعتذروا وحلفوا بالباطل وهم الذين أخبر الله عنهم( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ) وقال( يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) فأمر تعالى بالإعراض عنهم ونهى عن الرضا عنهم إذ كانوا كاذبين في اعتذارهم مظهرين لغير ما يبطنون وأما الثلاثة فإنهم كانوا مسلمين صدقوا عن أنفسهم وقالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنا تخلفنا من غير عذر وأظهروا التوبة والندم فقال لهم رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم إنكم قد صدقتم عن أنفسكم فامضوا حتى أنظر ما ينزل الله تعالى فيكم فأنزل الله في أمرهم التشديد عليهم وأمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن لا يكلمهم وأن يأمر المسلمين أن لا يكلموهم فأقاموا على ذلك نحو خمسين ليلة ولم يكن ذلك على معنى رد توبتهم لأنهم قد كانوا مأمورين بالتوبة وغير جائز في الحكمة أن لا تقبل توبة من يتوب في وقت التوبة إذا فعلها على الوجه المأمور به ولكنه تعالى أراد تشديد المحنة عليهم في تأخير إنزال توبتهم ونهى الناس عن كلامهم وأراد به استصلاحهم واستصلاح غيرهم من المسلمين لئلا يعودوا ولا غيرهم من المسلمين إلى مثله لعلم الله فيهم بموضع الاستصلاح وأما المنافقون الذين اعتذروا فلم يكن فيهم موضع استصلاح بذلك فلذلك أمر بالإعراض عنهم فثبت بذلك أن أمر الناس بترك كلامهم وتأخير إنزال توبتهم لم يكن عقوبة وإنما كان محنة وتشديدا في أمر التكليف والتعبد وهو مثل ما نقوله في إيجاب الحد الواجب على التائب مما قارب أنه ليس بعقوبة وإنما هو محنة وتعبد وإن كان الحد الواجب بالفعل بديا كان يكون عقوبة لو أقيم عليه قبل التوبة قوله تعالى( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) يعنى مع سعتها( وضاقت عليهم أنفسهم ) يعنى ضاقت صدورهم بالهم الذي حصل فيها من تأخير نزول توبتهم ومن ترك النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين كلامهم ومعاملتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم قوله تعالى( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) يعنى أنهم أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا معتصم في طلب الفرج مما هم فيه إلا إلى الله وأنه لا يملك ذلك غيره ولا يجوز لهم أن يطلبوا ذلك إلا من قبله العبادة له والرغبة إليه فحينئذ أنزل الله تعالى على نبيه قبول توبتهم وكذلك عادة الله تعالى فيمن انقطع إليه وعلم أنه لا كاشف لهمه غيره أنه سينجيه ويكشف عنه غمه وكذلك حكى جل وعلا عن لوط عليه السلام في قوله( ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ـ إلى أن قال ـلو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ) فتبرأ من الحول والقوة من قبل نفسه ومن قبل المخلوقين وعلم أنه لا يقدر على كشف ما هو فيه إلا الله تعالى حينئذ جاءه الفرج فقالوا( إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) وقال تعالى( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) ومن ينو الانقطاع إليه وقطع العلائق دونه فمتى صار العبد بهذه المنزلة فقد جعل الله له مخرجا لعلمه بأنه لا ينفك من إحدى منزلتين إما أن يخلصه مما هو فيه وينجيه كما حكى عن الأنبياء عند بلواهم مثل قول أيوب
( أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب ) فالتجأ إلى الله في الخلاص مما كان يوسوس إليه الشيطان بأنه لو كان له عند الله منزلة لما ابتلاه بما ابتلاه به ولم يكن صلوات الله عليه قابلا لوساوسه إلا أنه كان يشغل خاطره وفكره عن التفكر فيما هو أولى به فقال الله له عند ذلك( اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ) فكذلك كل من اتقى الله بأن التجأ إليه وعلم أنه القادر على كشف ضره دون المخلوقين كان على إحدى الحسنيين من فرج عاجل أو سكون قلب إلى وعد الله وثوابه الذي هو خير له من الدنيا وما فيها قوله تعالى( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) يعنى والله أعلم تاب على هؤلاء الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه صلّى الله عليه وسلّم ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله تعالى قابل توبتهم قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) روى ابن مسعود قال يعنى لازم الصدق ولا تعدل عنه إذ ليس في الكذب رخصة وقال نافع والضحاك مع النبيين والصديقين بالعمل الصالح في الدنيا وقال تعالى في سورة البقرة( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ـ إلى قوله ـأولئك الذين صدقوا ) وهذه صفة أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم المهاجرين والأنصار ثم قال في هذه الآية( وكونوا مع الصادقين ) فدل على لزوم اتباعهم والاقتداء بهم لإخباره بأن من فعل ما ذكر في الآية فهم الذين صدقوا وقال في هذه الآية( وكونوا مع الصادقين ) فدل على قيام الحجة علينا بإجماعهم وأنه غير جائز لنا مخالفتهم لأمر الله إيانا باتباعهم وقوله تعالى( لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) فيه مدح لأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضى عنهم ورضى أفعالهم وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر رضى الله عنهم* قوله تعالى( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ) قد بينت هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في غزواته إلا المعذورين ومن أذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القعود ولذلك ذم المنافقين الذين كانوا يستأذنون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القعود في الآيات المتقدمة وقوله( ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) أى يطلبون المنفعة بتوقية أنفسهم دون نفسه بل كان الفرض عليهم
أن يقوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأنفسهم وقد كان من المهاجرين والأنصار من فعل ذلك وبذل نفسه للقتل ليقي بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم* قوله تعالى( ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ) فيه الدلالة على أن وطء ديارهم بمنزلة النيل منهم وهو قتلهم أو أخذ أموالهم أو إخراجهم عن ديارهم هذا كله نيل منهم وقد سوى بين وطء موضع يغيظ الكفار وبين النيل منهم فدل ذلك على أن وطء ديارهم وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم هو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر وفي ذلك دليل على أن الاعتبار فيما يستحقه الفارس والراجل من سهامهما بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة والقتال إذ كان الدخول بمنزلة حيازة الغنائم وقتلهم وأسرهم ونظيره في الدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) فاقتضى ذلك اعتبار إيجاف الخيل والركاب في دار الحرب ولذلك قال على رضى الله عنه ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا قوله تعالى( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) روى عن ابن عباس أنه نسخ قوله( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) وقوله( انفروا خفافا وثقالا ) فقال تعالى ما كان لهم أن ينفروا في السرايا ويتركوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة وحده ولكن تبقى بقية لتتفقه ثم تنذر النافرة إذا رجعوا إليهم وقال الحسن لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية لأنه قال تعالى( فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) فظاهر الكلام يقتضى أن تكون الطائفة النافرة هي التي تتفقه وتنذر قومها إذا رجعت إليهم وعلى التأويل الأول الفرقة التي نفرت منها الطائفة هي التي تتفقه وتنذر الطائفة إذا رجعت إليها وهو بعيد من وجهين أحدهما أن حكم العطف أن يتعلق بما يليه دون ما يتقدمه فوجب على هذا أن يكون قوله( منهم طائفة ليتفقهوا ) أن تكون الطائفة هي التي تتفقه وتنذر ولا يكون معناه من كل فرقة تتفقه في الدين تنفر منهم طائفة لأنه يقتضى إزالة ترتيب الكلام عن ظاهره وإثبات التقديم والتأخير فيه والوجه الثاني أن قوله( ليتفقهوا في الدين ) الطائفة أولى منه بالفرقة النافرة منها الطائفة وذلك لأن نفر الطائفة للتفقه معنى مفهوم يقع النفر من أجله والفرقة التي منها الطائفة ليس تفقهها لأجل خروج الطائفة منها لأنها إنما تتفقه بمشاهدة النبي صلّى الله عليه وسلّم ولزوم حضرته لا لأن الطائفة نفرت
منها فحمل الكلام على ذلك يبطل فائدة قوله تعالى( ليتفقهوا في الدين ) فثبت أن التي تتفقه هي الطائفة النافرة من الفرقة المقيمة في بلدها وتنذر قومها إذا رجعت إليها وفي هذه الآية دلالة على وجوب طلب العلم وأنه مع ذلك فرض على الكفاية لما تضمنت من الأمر بنفر الطائفة من الفرقة للتفقه وأمر الباقين بالقعود لقوله( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) وقد روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طلب العلم فريضة على كل مسلم وهذا عندنا ينصرف على معنيين أحدهما طلب العلم فيما يبتلى به الإنسان من أمور دينه فعليه أن يتعلمه مثل من لا يعرف حدود الصلاة وفروضها وحضور وقتها فعليه أن يتعلمها ومثل من ملك مائتي درهم فعليه أن يتعلم ما يجب عليه فيها وكذلك الصوم والحج وسائر الفروض والمعنى الآخر أنه فرض على كل مسلم إلا أنه على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين وفيه دلالة على لزوم خبر الواحد في أمور الديانات التي لا تلزم الكافة ولا تعم الحاجة إليها وذلك لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحواه الدلالة عليه من وجهين أحدهما أن الإنذار يقتضى فعل المأمور به وإلا لم يكن انذارا والثاني أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة لأن قوله تعالى( لعلهم يحذرون ) معناه ليحذروا وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد لأن الطائفة اسم يقع على الواحد وقد روى في تأويل قوله تعالى( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) أنه أراد واحدا وقال تعالى( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) ولا خلاف أن الإثنين إذا اقتتلا كانا مرادين بحكم الآية ولأن الطائفة في اللغة كقولك البعض والقطعة من الشيء وذلك موجود في الواحد فكان قوله( من كل فرقة منهم طائفة ) بمنزلته لو قال بعضها أو شيء منها فدلالة الآية ظاهرة في وجوب قبول الخبر المقصر عن إيجاب العلم وإن كان التأويل ما روى عن ابن عباس أن الطائفة النافرة إنما تنفر من المدينة والتي تتفقه إنما هي القاعدة بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فدلالتها أيضا قائمة في لزوم قبول خبر الواحد لأن النافرة إذا رجعت أنذرتها التي لم تنفر وأخبرتها بما نزل من الأحكام وهي تدل أيضا على لزوم قبول خبر الواحد بالمدينة مع كون النبي صلّى الله عليه وسلّم بها لإيجابها الحذر على السامعين بنذارة القاعدين قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) خص الأمر بالقتال للذين يلونهم من الكفار وقال في أول السورة( فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم ) وقال في موضع آخر( وقاتلوا المشركين كافة ) فأوجب قتال جميع الكفار ولكنه خص بالذكر الذين يلوننا من الكفار إذ كان معلوما أنه لا يمكننا قتال جميع الكفار في وقت واحد وإن الممكن منه هو قتال طائفة فكان من قرب منهم أولى بالقتال ممن بعد لأن الاشتغال بقتال من بعد منهم مع ترك قتال من قرب لا يؤمن معه هجم من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال من بعد وأيضا لا يصح تكليف قتال الأبعد إذ لاحد للأبعد يبتدأ منه القتال كما للأقرب وأيضا فغير ممكن الوصول إلى قتال الأبعد إلا بعد قتال من قرب وقهرهم وإذ لا لهم فهذه الوجوه كلها تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب وقوله تعالى( وليجدوا فيكم غلظة ) فيه أمر بالغلظة على الكفار الذين أمرنا بقتالهم في القول والمناظرة والرسالة إذ كان ذلك يوقع المهابة لنا في صدورهم والرعب في قلوبهم ويستشعرون منابه شدة الاستبصار في الدين والجد في قتال المشركين ومتى أظهروا لهم اللين في القول والمحاورة استجرءوا عليهم وطمعوا فيهم فهذا حد ما أمر الله به المؤمنين من السيرة في عدوهم آخر سورة التوبة.
سورة يونس
( بسم الله الرحمن الرحيم )
قوله عز وجل( قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى ) قيل في قوله تعالى( لا يرجون لقاءنا ) وجهان أحدهما لا يخافون عقابنا لأن الرجاء يقام مقام الخوف ومثله قوله( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) قيل معناه لا تخافون لله عظمة والوجه الآخر لا تطمعون في ثوابنا كقولهم تاب رجاء لثواب الله وخوفا من عقابه والفرق بين الإتيان بغيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره لا يقتضى رفعه بل يجوز بقاؤه معه وتبديله لا يكون إلا برفعه ووضع آخر مكانه أو شيء منه وكان سؤالهم لذلك على وجه التعنت والتحكم إذ لم يجدوا سببا آخر يتعلقون به ولم يجز أن يكون الأمر موقوفا على اختيارهم وتحكمهم لأنهم غير عالمين بالمصالح ولو جاز أن يأتى بغيره أو يبدله بقولهم لقالوا في الثاني مثله في الأول وفي الثالث مثله في الثاني فكان يصير دلائل الله تعالى تابعة لمقاصد السفهاء وقد قامت الحجة عليهم
بهذا القرآن فإن لم يكن يقنعهم ذلك مع عجزهم فالثاني والثالث مثله وربما احتج بهذه الآية بعض من يأبى جواز نسخ القرآن بالسنة لأنه قال( قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى ) ومجيز نسخ القرآن بالسنة مجيز لتبديله من تلقاء نفسه وليس هذا كما ظنوا وذلك لأنه ليس في وسع النبي صلّى الله عليه وسلّم تبديل القرآن بقرآن مثله ولا الإتيان بقرآن غيره وهذا الذي سأله المشركون ولم يسئلوه تبديل الحكم دون اللفظ والمستدل بمثله في هذا الباب مغفل وأيضا فإن نسخ القرآن لا يجوز عندنا إلا بسنة هي وحى من قبل الله تعالى قال الله عز وجل( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ) فنسخ حكم القرآن بالسنة إنما هو نسخ بوحي الله لا من قبل النبي صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم ) الآية ربما احتج بعض الأغبياء من نفاة القياس بهذه الآية في إبطاله لأنه زعم أن القائس يحرم بقياسه ويحل وهذا جهل من قائله لأن القياس دليل الله تعالى كما أن حجة العقل دليل الله تعالى وكالنصوص والسنن كل هذه دلائل فالقائس إنما يتبع موضع الدلالة على الحكم فيكون الله هو المحلل والمحرم بنصبه الدليل عليه فإن خالف في أن القياس دليل الله عز وجل فليكن كلامه معنا في إثباته فإذا ثبت ذلك سقط سؤاله وإن لم يقم الدليل على إثباته فقد اكتفى في إيجاب بطلانه بعدم دلالة صحته فلا يعتقد أحد صحة القياس إلا وهو يرى أنه دليل الله تعالى وقد قامت بصحته ضروب من الشواهد ولا نعلق للآية في نفى القياس ولا إثباته وربما احتجوا أيضا في نفيه بقوله تعالى( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وهذا شبيه بما قبله لأن القائسين يقولون القول بالقياس مما أتانا الرسول به وأقام الله الحجة عليه من دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة فليس لهذه الآية تعلق بنفي القياس قوله تعالى( ربنا ليضلوا عن سبيلك ) قيل فيه وجهان أحدهما أنها لام العاقبة كقوله تعالى( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) والآخر لئلا يضلوا عن سبيلك فحذفت لا كقوله تعالى( ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما ) أى لئلا تضل وقوله( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) أى لئلا تقولوا وقوله( يبين الله لكم أن تضلوا ) معناه أن لا تضلوا قوله تعالى( قد أجيبت دعوتكما ) أضاف الدعاء إليهما وقال أبو العالية وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن موسى كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين وهذا يدل
على أن آمين دعاء وإذا ثبت أنه دعاء فإخفاؤه أفضل من الجهر به لقوله تعالى( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) آخر سورة يونس عليه السلام.
سورة هود
( بسم الله الرحمن الرحيم )
قوله عز وجل( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ) فيه إخبار أن من عمل عملا للدنيا لم يكن له به في الآخرة نصيب وهو مثل قوله( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ومثله ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال بشر أمتى بالسناء والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عملا للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب وهذا يدل على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمتى أخذ عليه الأجرة فقد خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة وقيل في قوله( نوف إليهم أعمالهم ) فيها وجهان أحدهما أن يصل الكافر رحما أو يعطى سائلا أو يرحم مضطرا أو نحو ذلك من أعمال البر فيجعل الله له جزاء عمله في الدنيا بتوسعة الرزق وقرة العين فيما خول ودفع مكاره الدنيا روى عن مجاهد والضحاك والوجه الثاني من كان يريد الحياة الدنيا بالغزو مع النبي صلّى الله عليه وسلّم للغنيمة دون ثواب الآخرة فإنه يستحق نصيبه وسهمه من المغنم وهذا من صفة المنافقين فإن كان التأويل هو الثاني فإنه يدل على أن الكافر إذا شهد القتال مع المسلمين استحق من الغنيمة نصيبا وهذا يدل أيضا على أنه جائز الاستعانة بالكفار في قتال غيرهم من الكفار وكذلك قال أصحابنا إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الإسلام هو الجاري عليهم دون حكم الكفر ومتى حضروا رضخ لهم وليس في الآية دلالة على أن الذي يستحقه الكافر بحضور القتال هو السهم أو الرضخ قوله تعالى( ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) يحتج به في أن الشرط المعترض حكمه أن يكون مقدما على ما قبله في المعنى وهو قول القائل إن دخلت الدار إن كلمت زيدا فعبدي حر أنه لا يحنث حتى يكلم ثم يدخل لأن قوله إن كلمت شرط معترض على الشرط الأول قبل استتمام جوابه كقوله( إن كان الله يريد أن يغويكم ) شرط اعترض على قوله
( إن أردت أن أنصح لكم ) قبل استتمام الجواب فصار تقديره ولا ينفعكم نصحى إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم وهذا المعنى فيه خلاف بين أبى يوسف ومحمد والفراء في مسائل قد ذكرناها في شرح الجامع الكبير وقوله( يريد أن يغويكم ) أى يخيبكم من رحمته يقال غوى يغوى غيا ومنه( فسوف يلقون غيا ) وقال الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره |
ومن يغو لا يعدم من الغي لائما |
وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابى قال يقال غوى الرجل يغوى غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه قال ومنه قوله تعالى في قصة آدم( وعصى آدم ربه فغوى ) أى فسد عليه عيشه في الجنة قال أبو بكر وهذا يؤول إلى المعنى الأول وذلك أن الخيبة فيها فساد العيش فقوله( يغويكم ) يفسد عليكم عيشكم وأمركم بأن يخيبكم من رحمته قوله تعالى( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ) يعنى بحيث نراها فكأنها ترى بأعين على طريق البلاغة والمعنى بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك وقيل بأعين أو أوليائنا من الملائكة الموكلين بك وقوله( ووحينا ) يعنى على ما أوحينا إليك من صفتها وحالها ويجوز بوحينا إليك أن اصنعها وقوله تعالى( فإنا نسخر منكم كما تسخرون ) مجاز وإنما أطلق ذلك لأن جزاء الذم على السخرية بالمقدار المستحق كقوله تعالى( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقوله تعالى( قالوا انا معكم إنما نحن مستهزؤن الله يستهزى بهم ) وقال بعضهم معناه فإنا نستجهلكم كما تستجهلون قوله تعالى( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى ) سمى ابنه من أهله وهذا يدل على أن من أوصى لأهله بثلث ماله أنه على من هو في عياله ابنا كان أو زوجة أو أخا أو أجنبيا وكذلك قال أصحابنا والقياس أن يكون للزوجة خاصة ولكن استحسن فجعله لجميع من تضمنه منزله وهو في عيال وقول نوح عليه السلام يدل على ذلك وقال الله تعالى في آية أخرى( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ) فسمى جميع من ضمه منزله وسفينته من أهله وقول نوح عليه السلام إن ابني من أهلى يعنى من أهلى الذي وعدتني أن تنجيهم فأخبر الله تعالى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم قوله تعالى( إنه عمل غير صالح ) قيل فيه معناه ذو عمل غير صالح فجاء على المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء :
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت |
فإنما هي إقبال وإدبار |
تعنى ذات إقبال وإدبار أو مقبلة ومدبرة وروى عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم قال سؤالك هذا عمل غير صالح وقرأ الكسائي( إنه عمل غير صالح ) على الفعل ونصب غير وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك إنه كان ابنه لصلبه لأنه قال تعالى( ونادى نوح ابنه ) وقال( إنه ليس من أهلك ) يعنى ليس من أهل دينك وروى عن الحسن ومجاهد أنه لم يكن ابنه لصلبه وكان لغير رشدة وقال الحسن وكان منافقا يظهر الإيمان ويسر الكفر وقيل إنه كان ابن امرأته وإنما كان نوح يدعوه إلى الركوب مع نهى الله عز وجل إياه أن يركب فيها كافر لأنه كان ينافق بإظهار الإيمان وقيل إنه دعاه على شريطة الإيمان كأنه قال آمن واركب معنا قوله تعالى( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) نسبهم إلى الأرض لأن أصلهم وهو آدم خلق من تراب الأرض والناس كلهم من آدم عليه السلام وقيل إن معناه إنه خلقكم في الأرض وقوله( واستعمركم فيها ) يعنى أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية وروى عن مجاهد معناه أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم وهذا كقول القائل أعمرتك دارى هذه يعنى ملكتك طول عمرك وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده والعمرى هي العطية إلا أن معناها راجع إلى تمليكه طول عمره فأجاز النبي صلّى الله عليه وسلّم العمرى والهبة وأبطل الشرط في تمليكه عمره لأنهم كانوا يعقدون ذلك على أنه بعد موته يرجع إلى الواهب قوله تعالى( قالوا سلاما قال سلام ) معنى الأول سلمت سلاما ولذلك نصبه والثاني جوابه عليكم سلام وكذلك رفعه ومعناهما واحد إلا أنه خولف بينهما لئلا يتوهم متوهم الحكاية وفيه الدلالة على أن السلام قد كان تحية أهل الإسلام وإنه تحية الملائكة وقوله تعالى( قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا إن هذا لشىء عجيب ) فإنها مع علمها بأن ذلك في مقدور الله تعجبت بطبع البشرية قبل الفكر والروية كما ولى موسى عليه السلام مدبرا حين صارت العصاحية حتى قيل له( أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ) وإنما تعجبت لأن إبراهيم عليه السلام يقال إنه كان له في ذلك الوقت مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة قوله تعالى( أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت ) يدل على أن أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم من أهل بيته لأن الملائكة قد سمت امرأة إبراهيم من أهل بيته وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله
( ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ـ إلى قوله ـوأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) قد دخل فيه أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم لأن ابتداء الخطاب لهن* قوله تعالى( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ) يعنى لما ذهب عنه الفزع جادل الملائكة حتى قالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم فقال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله يروى ذلك عن الحسن وقيل إنه سألهم فقال أتهلكونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين قالوا لا ثم نزلهم إلى عشرة فقالوا لا يروى ذلك عن قتادة ويقال جادلهم ليعلم بأى شيء استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليقبلوا إلى الطاعة* ومن الناس من يحتج بذلك في جواز تأخير البيان لأن الملائكة أخبرت أنها تهلك قوم لوط ولم تبين المنجين منهم ومع ذلك فإن إبراهيم عليه السلام جادلهم وقال لهم أتهلكونهم وفيهم كذا رجلا فيستدلون بذلك على جواز تأخير البيان وهذا ليس بشيء لأن إبراهيم سألهم عن الوجه الذي به استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أو على سبيل التخويف ليرجعوا إلى الطاعة قوله تعالى( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا ) وإنما قيل أصلوتك تأمرك لأنها بمنزلة الآمر بالخير والناهي عن الشر كما قال تعالى( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) وجائز أن يكون أخبرهم بذلك في حال الصلاة فقال أصلوتك تأمرك بما ذكرت وعن الحسن أدينك يأمرك أى فيه الأمر بهذا قوله تعالى( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) والركون إلى الشيء هو السكون إليه بالأنس والمحبة فاقتضى ذلك النهى عن مجانسة الظالمين ومؤانستهم والإنصات إليهم وهو مثل قوله تعالى( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) وقوله تعالى( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) قيل فيه لا يهلكهم بظلم صغير يكون منهم وقيل بظلم كبير يكون من قليل منهم كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الله لا يهلك العامة بذنوب الخاصة وقيل لا يهلكهم وهو ظالم لهم كقوله( إن الله لا يظلم الناس شيئا ) وفيه إخبار بأنه لا يهلك القرى وأهلها مصلحون وقال تعالى في آية أخرى( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ) فدل ذلك على أن الناس يصيرون إلى غاية الفساد عند اقتراب الساعة ولذلك يهلكهم الله وهو مصداق قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق قوله تعالى
( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ) قال قتادة يجعلهم مسلمين وذلك بالإلجاء إلى الإيمان وإنما يكون الإلجاء بالمنع لأنهم لو راموا خلافه منعوا منه مع الاضطرار إلى حسنه وعظم المنفعة به قوله تعالى( ولا يزالون مختلفين ) قال مجاهد وعطاء وقتادة والأعمش أى مختلفين في الأديان يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك من اختلاف المذاهب الفاسدة وروى عن الحسن في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض قوله تعالى( إلا من رحم ربك ) إنما هو استثناء من المختلفين بالباطل بالإطلاق في الإيمان المؤدى إلى الثواب فإنه ناج من الاختلاف بالباطل قوله تعالى( ولذلك خلقهم ) روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك خلقهم للرحمة وروى عن ابن عباس أيضا والحسن وعطاء خلقهم على علم منه باختلافهم وهي لام العاقبة قالوا وقد تكون اللام بمعنى على كقولك أكرمتك على برك ولبرك بي آخر سورة هود عليه السلام.
سورة يوسف
( بسم الله الرحمن الرحيم )
قوله عز وجل( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين ) فيه بيان صحة الرؤيا من غير الأنبياء لأن يوسف عليه السلام لم يكن نبيا في ذلك الوقت بل كان صغيرا وكان تأويل الكواكب أخوته والشمس والقمر أبويه وروى ذلك عن الحسن قوله تعالى( لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) علم إنه إن قصها عليهم حسدوه وطلبوا كيده وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانه عند من يخشى حسده وكيده وإن كان الله قد أمر بإظهاره بقوله تعالى( وأما بنعمة ربك فحدث ) قوله تعالى( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) فإن التأويل ما يؤول إليه بمعنى ويرجع إليه وتأويل الشيء هو مرجعه وقال مجاهد وقتادة تأويل الأحاديث عبارة الرؤيا وقيل تأويل الأحاديث في آيات الله ودلائله على توحيده وغير ذلك من أمور دينه قوله تعالى( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ) الآية تفاوضوا فيما بينهم وأظهروا الحسد الذي كانوا يضمرونه لقرب منزلته عند أبيهم دونهم وقالوا( إن أبانا لفى ضلال مبين ) يعنون عن صواب الرأى لأنه كان أصغر منهم وكان عندهم أن الأكبر أولى بتقديم المنزلة من الأصغر ومع ذلك فإن الجماعة من البنين أولى بالمحبة
من الواحد وهو معنى قوله( ونحن عصبة ) ومع إنهم كانوا أنفع له بتدبير أمر الدنيا لأنهم كانوا يقومون بأمواله ومواشيه فذهبوا إلى أن اصطفاءه إياه بالمحبة دونهم وتقديمه عليهم ذهاب عن الطريق الصواب قوله تعالى( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ) الآية فإنهم تآمروا فيما بينهم على أحد هذين من قتل أو تبعيد له عن أبيه وكان الذي استجازوا ذلك واستجرءوا من أجله عليه قولهم( وتكونوا من بعده قوما صالحين ) فرجوا التوبة بعد هذا الفعل وهو نحو قوله تعالى( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ) قيل في التفسير أنه يعزم على المعصية رجاء التوبة بعدها فيقول أفعل ثم أتوب وفي ذلك دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأنهم قالوا وتكونوا من بعده قوما صالحين وحكاه الله عنهم ولم ينكره عليهم قوله تعالى( قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب ) لما تآمروا على أحد شيئين من قتل أو إبعاد عن أبيه أشار عليهم هذا القائل حين قالوا لا بد من أحد هذين بأنقص الشرين وهو الطرح في جب قليل الماء ليأخذه بعض السيارة وهم المسافرون فلما أبرموا التدبير وعزموا عليه نابوا للتلطف في الوصول إلى ما أرادوا فقالوا( يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف ) إلى آخر الآيتين وقوله تعالى( أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ) قيل في يرتع يرعى وقيل إن الرتع الاتساع في البلاد ويقال يرتع في المال أى هو يتسع به في البلاد واللعب هو الفعل المقصود به التفرج والراحة من غير عاقبة له محمودة ولا قصد فيه لفاعله إلا حصول اللهو والفرح فمنه ما يكون مباحا وهو ما لا إثم فيه كنحو ملاعبة الرجل أهله وركوبه فرسه للتطرب والتفرج ونحو ذلك ومنه ما يكون محظورا وفي الآية دلالة على أن اللعب الذي ذكروه كان مباحا لو لا ذلك لأنكره يعقوب عليه السلام عليهم فلما سألوه إرساله معهم قال( إنى ليحزننى أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ) فذكر لهم حزنه لذهابهم به لبعده عن مشاهدته وإنه خائف مع ذلك أن يأكله الذئب فاجتمع عليه في هذه الحال شيئان الحزن والخوف فأجابوه بأنه يمتنع أن يأكله الذئب وهم جماعة وإن ذلك لو وقع لكانوا خاسرين قوله تعالى( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) قال ابن عباس لا يشعرون بأنه يوسف في وقت ينبئهم وكذلك قال الحسن أوحى الله إليه وهو في الجب فأعطاه النبوة وأخبره أنه ينبئهم بأمرهم هذا قوله تعالى( وجاؤ أباهم عشاء يبكون ) روى أن الشعبي كان جالسا
للقضاء فجاءه رجل يبكى ويدعى أن رجلا ظلمه فقال رجل بحضرته يوشك أن يكون هذا مظلوما فقال الشعبي إخوة يوسف خانوا وظلموا كذبوا وجاءوا أباهم عشاء يبكون فأظهروا البكاء لفقد يوسف ليبرئوا أنفسهم من الخيانة وأوهموه أنهم مشاركون له في المصيبة ويلقنوا ما كان أظهره يعقوب عليه السلام لهم من خوفه على يوسف أن يأكله الذئب فقالوا( إنا ذهبنا نستبق ) يقال ننتضل من السباق في الرمي وقيل نستبق بالعدو على الرجل( وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ) يعنى بمصدق وجاءوا بقميص عليه دم فزعموا أنه دم يوسف قوله تعالى( بدم كذب ) يعنى مكذوب فيه قال ابن عباس ومجاهد قال لو كان أكله الذئب لخرقه فكانت علامة الكذب ظاهرة فيه وهو صحة القميص من غير تخريق وقال الشعبي كان في قميص يوسف ثلاث آيات الدم والشق وإلقاؤه على وجه أبيه فارتد بصيرا وقال الحسن لما رأى القميص صحيحا قال يا بنى والله ما عهدت الذئب حليما قوله تعالى( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) يدل على أن يعقوب عليه السلام قطع بخيانتهم وظلمهم وأن يوسف لم يأكله الذئب لما استدل عليه من صحة القميص من غير تخريق وهذا يدل على أن الحكم بما يظهر من العلامة في مثله في التكذيب أو التصديق جائز لأنه عليه السلام قطع بأن الذئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم قوله تعالى( فصبر جميل ) يقال إنه صبر لا شكوى فيه وفيه البيان عما تقتضيه المصيبة من الصبر الجميل والاستعانة بالله عند ما يعرض من الأمور القطعية المجزية فحكى لنا حال نبيه يعقوب عليه السلام عند ما ابتلى بفقد ولده العزيز عنده وحسن عزائه ورجوعه إلى الله تعالى والاستعانة به وهو مثل قوله تعالى( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) الآية ليقتدى به عند نزول المصائب قوله تعالى( قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة ) قال قتادة والسدى لما أرسل دلوه تعلق بها يوسف فقال المدلى يا بشر اى هذا غلام قال قتادة بشر أصحابه بأنه وجد عبدا وقال السدى كان اسم الرجل الذي ناداه بشرى وقوله( وأسروه بضاعة ) قال مجاهد والسدى أسره المدلى ومن معه في باقى التجار لئلا يسئلوهم الشركة فيه برخص ثمنه وقال ابن عباس أسره أخوته وكتموا أنه أخوهم وتابعهم على ذلك لئلا يقتلوه والبضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة وقيل في معنى أسروه بضاعة أنهم اعتقدوا فيه التجارة
وروى شعبة عن يونس عن عبيد عن الحسن عن على أنه قضى باللقيط أنه حر وقرأ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ) وروى الزهري عن سنين أبى جميلة قال وجدت منبوذا على عهد عمر فقال عمر عسى الغويرا بؤسا فقيل إنه لا يتهم فقال هو حر ولك ولاؤه وعلينا رضاعه فمعنى قوله عسى الغويرا بؤسا الغوير تصغير غار وهو مثل معناه عسى أن يكون جاء البأس من قبل الغار فاتهم عمر الرجل وقال عسى أن يكون الأمر جاء من قبلك في هذا الصبى اللقيط بأن يكون من مائك فلما شهدوا له بالستر أمره بإمساكه وقال ولاؤه لك وجائز أن يريد بالولاء هاهنا إمساكه والولاية عليه وإثبات هذا الحق له كما لو كان عبدا له فأعتقه لأنه تبرع بأخذه وإحيائه والإحسان إليه وقد أخبر عمر أنه حر فلا يخلو من أن يكون ذلك على وجه الإخبار بأنه حر الأصل ولا رق عليه أو إيقاع حرية عليه من قبله ومعلوم أن عمر لم يملكه ولم يكن عبدا له فيعتقه فعلمنا أنه أراد الإخبار بأنه حر لا يجرى عليه رق وإذا كان حر الأصل لم يجز أن يثبت ولاؤه لإنسان فعلمنا أنه أراد بقوله لك ولاؤه أى لك ولايته في الإمساك والحفظ وما روى عن عمر وعائشة أنهما قالا في أولاد الزنا اعتقوهم وأحسنوا إليهم فإنما معناه احكموا بأنهم أحرار وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه وذلك إخبار منه بوقوع العتاق بالملك لا يحتاج إلى استئنافه وقد روى المغيرة عن إبراهيم في اللقيط يجده الرجل قال إن نوى أن يسترقه كان رقيقا وإن نوى الحسبة عليه كان عتيقا وهذا لا معنى له لأنه إن كان حرا لم يصر رقيقا بنية الملتقط وإن كان عبدا لم يصر عتيقا بنيته أيضا وأيضا إن الأصل في الناس الحرية وهو الظاهر ألا ترى أن من وجدناه يتصرف في دار الإسلام أنا نحكم بحريته ولا نجعله عبدا إلا ببينة تشهد بذلك أو بإقراره وأيضا فإن اللقيط لا يخلو من أن يكون ولد حرة أو أمة فإن كان ولد حرة فهو حر وغير جائز استرقاقه وإن كان ولد أمة فهو عبد لغير الملتقط فلا يجوز لنا أن نتملكه ففي الوجوه كلها لا يجوز أن يكون اللقيط عبدا للملتقط وأيضا فإن الرق طارئ والأصل الحرية كشيء علمناه ملكا لإنسان وادعى غيره زواله إليه فلا تصدقه لأنه يدعى معنى طارئا كذلك حكم الملتقط فيما يثبت له من رق اللقيط وأيضا لما كان لقطة المال لا توجب للملتقط ملكا فيها مع العلم بأنه ملك في الأصل كان التقاط اللقيط الذي لا يعلم رقه أحرى أن
لا يوجب للملتقط ملكا وقد روى حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج امرأة فولدت لأربعة أشهر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها صداقها بما استحل من فرجها وولدها مملوك له وهو حديث شاذ غير معمول عليه لأن أكثر ما فيه أنه ولد زنا إذا كان من حرة فهو حر ولا خلاف بين الفقهاء في أن ولد الزنا واللقيط حران قوله تعالى( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) قال الفراء الثمن ما يثبت في الذمة بدلا من البياعات من الدراهم والدنانير قال أبو بكر ظاهر الكلام يدل عليه لأنه سمى الدراهم ثمنا بقوله( وشروه بثمن ) وقول الفراء مقبول من طريق اللغة فإذا أخبر أن الثمن اسم لما يثبت في الذمة من الوجه الذي ذكرنا ثم سمى الله تعالى الدراهم ثمنا اقتضى ذلك ثبوتها في الذمة متى جعلت بدلا في عقود البياعات سواء عينها أو أطلقها ولم يعينها لأنها لو تعينت بالتعيين لخرجت من أن تكون ثمنا إذ كانت الأعيان لا تكون أثمانا في الحقيقة إلا أن يجريها الإنسان مجرى الإبدال فيسميها ثمنا على معنى البدل تشبيها بالثمن وإذا ثبت ذلك وجب أن لا تتعين الدراهم والدنانير لأن في تعيينها سلب الصفة التي وصفها الله بها من كونها ثمنا إذ الأعيان لا تكون أثمانا والبخس النقص يقال بخسه حقه إذا نقصه وقوله( دراهم معدودة ) روى عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة قالوا كانت عشرين درهما وعن مجاهد اثنان وعشرون درهما وقيل إنما سماها معدودة لقلتها وقيل عدوها ولم يزنوها وقيل كانوا لا يزنون الدراهم حتى تبلغ أوقية وأوقيتهم أربعون درهما وقال ابن عباس ومجاهد إخوته كانوا حضورا فقالوا هذا عبد لنا أبق فاشتروه منهم وقال قتادة باعه السيارة قوله تعالى( وكانوا فيه من الزاهدين ) قيل إن إخوته كانوا في الثمن من الزاهدين وإنما كان غرضهم أن يغيبوه عن وجه أبيهم وقوله تعالى( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمى مثواه عسى أن ينفعنا ) روى عن عبد الله قال أحسن الناس فراسة ثلاثة العزيز حين قال لامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا وابنة شعيب حين قالت في موسى يا أبت استأجره وأبو بكر الصديق حين ولى عمر قوله تعالى( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ) قيل في معنى الأشد أنها القوة من ثماني عشرة إلى ستين سنة وقال ابن عباس الأشد ابن عشرين سنة وقال مجاهد ابن ثلاث وثلاثين سنة* قوله تعالى( ولقد همت به وهم بها ) روى عن الحسن به بالعزيمة وهم بها من جهة الشهوة ولم يعزم وقيل هما جميعا بالشهوة
لأن الهم بالشيء مقاربته من غير مواقعة والدليل على أن هم يوسف بها لم يكن من جهة العزيمة وإنما كان من جهة دواعي الشهوة قوله( معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى ) وقوله( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) فكان ذلك إخبارا ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية وقيل إن ذلك على التقديم والتأخير ومعناه لو لا أن رأى برهان ربه هم بها وذلك لأن جواب لو لا لا يجوز أن يتقدمه لأنهم لا يجيزون أن نقول قد أتيتك لو لا زيد وجائز أن يكون على تقديره تقديم لو لا قوله تعالى( لو لا أن راى برهان ربه ) قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله وقال قتادة نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء وروى عن ابن عباس أنه رأى الملك وقال محمد بن كعب هو ما علمه من الدلالة على عقاب الزنا قوله تعالى( وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل ) الآية روى عن ابن عباس وأبى هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يسار أنه صبي في المهد وروى عن ابن عباس أيضا والحسن وابن أبى مليكة وعكرمة قالوا هو رجل وقال عكرمة إن الملك لما رأى يوسف مشقوق القميص على الباب قال ذلك لابن عم له فقال إن كان قميصه قد من قبل فإنه طلبها فامتنعت منه وإن كان من دبر فإنه فر منها وطلبته ومن الناس من يحتج بهذه الآية في الحكم بالعلامة في اللقطة إذا ادعاها مدع ووصفها وقد اختلف الفقهاء في مدعى اللقطة إذا وصف علامات فيها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعى لا يستحقها بالعلامة حتى يقيم البينة ولا يجبر الملتقط على دفعها إليه بالعلامة ويسعه أن يدفعها وإن لم يجبر عليه في القضاء وقال ابن القاسم في قياس قول مالك يستحقها بالعلامة ويجبر على دفعها إليه فإن جاء مستحق فاستحقها ببينة لم يضمن الملتقط شيئا وقال مالك وكذلك اللصوص إذا وجد معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة أن السلطان يتلوم في ذلك فإن لم يأت غيرهم دفعه إليهم وكذلك الآبق وقال الحسن بن حي يدفعها إليه بالعلامة وقال أصحابنا في اللقيط إذا ادعاه رجلان ووصف أحدهما علامة في جسده إنه أولى من الآخر وقال أبو حنيفة ومحمد في متاع البيت إذا اختلف فيه الرجل والمرأة إن ما يكون للرجال فهو للرجل وما كان للنساء فهو للمرأة وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل فحكموا فيه بظاهر هيئة المتاع وقالوا في المستأجر والمؤاجر إذا اختلفا في مصراع
باب موضوع في الدار أنه إن كان وفقا لمصراع معلق في البناء فالقول قول رب الدار وإن لم يكن وفقا له فالقول قول المستأجر وكذلك إن كان جذع مطروح في دار وعليه نقوش وتصاوير موافقة لنقوش جذوع السقف ووفقا لها فالقول قول رب الدار وإن كانت مخالفة لها فالقول قول المستأجر وهذه مسائل قد حكموا في بعضها بالعلامة ولم يحكموا بها في بعض ولا خلاف بين أصحابنا أن رجلين لو تنازعا على قربة وهما متعلقان بها وأحدهما سقاء والآخر عطار أنه بينهما نصفين ولا يقضى للسقاء بذلك على العطار فأما قولهم في اللقطة فإن الملتقط له يد صحيحة والمدعى لها يريد إزالة يده وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه وكون الذي في يده ملتقطا لا يخرج المدعى من أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ببينة إذ ليست له يد والعلامة ليست ببينة لأن رجلا لو ادعى ما لا في يد رجل وأعطى علامته والذي في يده غير ملتقط لم يكن ذكر العلامة بينة يستحق بها شيئا* وأما قول أصحابنا في الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعى أنه ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده فإنما جعلوه أولى استحسانا من قبل أن مدعى اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت النسب منه بقوله وتزول يد من هو في يده فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما لأنهما قد استحقا أن يقضى بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده فلما زالت يد من هو في يده صار بمنزلته لو كان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد هذا فيجوز حينئذ اعتبار العلامة ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا وكذلك المستأجر له يد في الدار والمؤاجر أيضا له يد في جميع الدار فلما استويا في اليد في الجميع كان الذي تشهد له العلامة الموافقة لصحة دعواه أولى وكان ذلك ترجيحا لحكم يده لا أنه يستحق به الحكم له بالملك كما يستحق بالبينات فهذه المواضع التي اعتبروا فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع فصارت العلامة من حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة وأما المدعيان إذا كان في أيديهما شيء من المتاع وأحدهما ممن يعالج مثله وهو من آلته التي يستعملها في صناعته فإنه معلوم أن في يد كل واحد منهما النصف وأن ما في يد هذا ليس في يد الآخر منه شيء فلو حكمنا لأحدهما بظاهر صناعته أو بعلامة معه لكنا قد استحققنا عليه يدا هي له دونه فهما فيه بمنزلة
رجل إسكاف ادعى قالب خف في يد صيرفي فلا يستحق يد الصيرفي لأجل أن ذلك من صناعته ومسألة اللقطة هي هذه بعينها لأن المدعى لا يد له وإنما يريد استحقاق يد الملتقط بالعلامة ومعلوم أنه لا يستحقها بالدعوى إذا لم تكن معه علامة فكذلك العلامة لا يجوز أن يستحق بها يد الغير وأما ما روى في حديث زيد بن خالد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلّم عن اللقطة فقال اعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها فإنه لا دلالة فيه على أن مدعيها يستحقها بالعلامة لأنه يحتمل أن يكون إنما أمره بمعرفة العفاص والوعاء والوكاء لئلا يختلط بماله وليعلم أنها لقطة وقد يكون يستدل به على صدق المدعى فيسعه دفعها إليه وإن لم يلزم في الحكم وقد يكون لذكر العلامة ولما يظهر من الحال تأثير في القلب يغلب في الظن صدقه ولكنه لا يعمل عليه في الحكم وقد استدل يعقوب عليه السلام على كذب أخوة يوسف بأنه لو أكله الذئب لخرق قميصه وقد روى عن شريح وأياس بن معاوية أشياء نحو هذا روى ابن أبى نجيح عن مجاهد قال اختصم إلى شريح امرأتان في ولد هرة فقالت إحداهما هذه ولد هرتى وقالت الأخرى هذه ولد هرتى فقال ألقوها مع هذه فإن درت وقرت واسبطرت فهي لها وإن هرت وفرت وازبأرت فليس لها وروى حماد بن سلمة قال أخبرنى مخبر عن إياس بن معاوية أن امرأتين ادعتا كبة غزل فخلا بإحداهما وقال علام كببت غزلك فقالت على جوزة وخلا بالأخرى فقالت على كسرة خبز فنقضوا الغزل فدفعوه إلى التي أصابت وهذا الذي كان يفعله شريح وإياس من نحو هذا لم يكن على وجه إمضاء الحكم به وإلزام الخصم إياه وإنما كان على جهة الاستدلال بما يغلب في الظن منه فيقرر بعد ذلك المبطل منهما وقد يستحى الإنسان إذا ظهر مثل هذا من الإقامة على الدعوى فيقر فيحكم عليه بالإقرار قوله تعالى( قال أحدهما إنى أرانى أعصر خمرا ) قيل فيه إضمار عصير العنب للخمر وذلك لأن الخمر المائعة لا يتأتى فيها العصر وقيل معناه أعصر ما يؤول إلى الخمر فسماه باسم الخمر وإن لم يكن خمرا على وجه المجاز وجائز أن يعصر من العنب خمرا بأن يطرح العنب في الخابية ويترك حتى ينش ويغلى فيكون ما في العنب خمرا فيكون العصر للخمر على وجه الحقيقة وقال الضحاك في لغة تسمى العنب خمرا قوله تعالى( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) قال قتادة كان يداوى مريضهم ويعزى حزينهم ويجتهد في عبادة
ربه وقيل كان يعين المظلوم وينصر الضعيف ويعود المريض وقيل من المحسنين في عبارة الرؤيا لأنه كان يعبر لغيرهما قوله تعالى( قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) الآية قال ابن جريج عدل عن تأويل الرؤيا إلى الإخبار بهذا لما رأى على أحدهما فيه من المكروه فلم يدعاه حتى أخبرهما به وقيل إنما قدم هذا ليعلما ما خصه الله تعالى من النبوة وليقبلا إلى طاعة الله وقد كان يوسف عليه السلام فيما بينهم قبل ذلك زمانا فلم يحك الله عنه أنه ذكر لهم شيئا من الدعاء إلى الله وكانوا قوما يعبدون الأوثان وذلك لأنه لم يطمع منهم في الاستماع والقبول فلما رآهم مقبلين إليه عارفين بإحسانه أمل منهم القبول والاستماع فقال( يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) الآية وهو من قوله تعالى( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) وترقب وقت الاستماع والقبول من الدعاء إلى سبيل الله بالحكمة وإنما حكى الله ذلك لنا لنقتدى به فيه قوله تعالى( وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ) الظن هاهنا بمعنى اليقين لأنه علم يقينا وقوع ما عبر عليه الرؤيا وهو كقوله تعالى( إنى ظننت أنى ملاق حسابيه ) ومعناه أيقنت وقوله( فأنساه الشيطان ) هذه الهاء تعود على يوسف على ما روى عن ابن عباس وقال الحسن وابن إسحاق على الساقي وفيه بيان أن لبثه في السجن بضع سنين إنما كان لأنه سأل الذي نجا منهما أن يذكره عند الملك وكان ذلك منه على جهة الغفلة فإن كان التأويل على ما قال ابن عباس إن الشيطان أنسى يوسف عليه السلام ذكر ربه يعنى ذكر الله تعالى وأن الأولى كان في تلك الحال أن يذكر الله ولا يشتغل بمسئلة الناجي منهما أن يذكره عند صاحبه فصار اشتغاله عن الله تعالى في ذلك الوقت سببا لبقائه في السجن بضع سنين وإن كان التأويل إن الشيطان أنسى الساقي فلان يوسف لما سأل الساقي ذلك لم يكن من الله توفيق للساقى وخلاه ووساوس الشيطان وخواطره حتى أنساه ذكر ربه أمر يوسف وأما البضع فقال ابن عباس هو من الثلاث إلى العشر وقال مجاهد وقتادة إلى التسع وقال وهب لبث سبع سنين قوله تعالى( قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) فإنا قد علمنا أن الرؤيا كانت صحيحة ولم تكن أضغاث أحلام لأن يوسف عليه السلام عبرها على سنى الخصب والجدب وهو يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر لأن القوم قالوا هي أضغاث أحلام ولم
تقع كذلك ويدل على فساد الرواية بأن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت قوله تعالى( وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ) الآية يقال إن يوسف عليه السلام إنما لم يجبهم إلى الذهاب إلى الملك حتى رد الرسول إليه بأن يسئل عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن لتظهر براءة ساحته فيكون أجل في صدره عند حضوره وأقرب إلى قبول ما يدعوه إليه من التوحيد وقبول ما يشير به عليه قوله تعالى( ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب ) قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك هذا من قول يوسف يقول إنى إنما رددت الرسول إليه في سؤال النسوة ليعلم العزيز أنى لم أخنه بالغيب وإن كان ابتداء الحكاية عن المرأة فإنه رد الكلام إلى الحكاية عن قول يوسف لظهور الدلالة على المعنى وذلك نحو قوله( وكذلك يفعلون ) وقبله حكاية عن المرأة( وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) وقوله( فما ذا تأمرون ) وقبله حكاية قول الملأ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ) قوله تعالى( إن النفس لأمارة بالسوء ) يعنى إن النفس كثيرة النزاع إلى السوء فلا يبرئ نفسه وإن كان لا يطاوعها وقد اختلف الناس في قائل هذا القول فقال قائلون هو من قول يوسف وقال آخرون هو من قول المرأة الأمارة الكثيرة الأمر بالشيء والنفس بهذه الصفة لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه مما يقع الفعل من أجله وقد كانت إضافة الأمر بالسوء إلى النفس مجازا في أول استعماله ثم كثر حتى سقط عنه اسم المجاز وصار حقيقة فيقال نفسي تأمرنى بكذا وتدعوني إلى كذا من جهة شهوتي له وإنما لم يصح أن يأمر الإنسان نفسه في الحقيقة لأن في الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك ما لا يملك ومحال أن يملك الإنسان نفسه في الحقيقة لأن في الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك ما لا يملك ومحال أن يملك الإنسان نفسه ما لا يملكه لأن من ملك شيئا فإنما يملك ما هو مالكه قوله تعالى( وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ) هذا الملك لما كان من أهل العقل والدراية لم يرعه من يوسف منظره الرائع البهج كما راع النساء لقلة عقولهن وضعف أحلامهن وأنهن إنما نظرن إلى ظاهر حسنه وجماله دون علمه وعقله وإن الملك لم يعبأ بذلك ولكنه لما كلمه ووقف على كماله ببيانه وعلمه قال( إنك اليوم لدينا مكين أمين ) فقال يوسف( اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم ) فوصف نفسه بالعلم والحفظ وفي هذا دلالة على أنه جائز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وإنه ليس من المحظور من تزكية النفس في قوله تعالى( فلا تزكوا أنفسكم ) قوله تعالى( ائتونى بأخ
لكم من أبيكم ـ إلى قوله ـفإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ) يقال إن الذي اقتضى طلبه للأخ من أبيهم مفاوضته لهم بالسؤال عن أخبارهم فلما ذكروا إيثار أبيهم له عليهم بمحبته إياه مع حكمته أظهر أنه يحب أن يراه وأن نفسه متطلعة إلى علم السبب في ذلك وكان غرضه في ذلك التوصل إلى حصوله عنده وكان قد خاف أن يكتموا أباه أمره إن ظهر لهم أنه يوسف وأن يتوصلوا إلى أن يحولوا بينه وبين الاجتماع معه ومع أخيه فأجرى تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليهم ما يشتد اضطرابهم معه قوله تعالى( يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ) قال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدى كانوا ذوى صورة وجمال فخاف عليهم العين وقال غيرهم خاف عليهم حسد الناس لهم وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم فيقتلهم خوفا على ملكه وما قالته الجماعة يدل على أن العين حق وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال العين حق قوله تعالى( جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ) قيل أمر يوسف بعض أصحابه بأن يجعل الصاع في رحل أخيه ثم قال قائل من الموكلين بالصيعان وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه أيتها العير إنكم لسارقون على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف بذلك فلم يكن قول هذا القائل كذبا إذ كان مرجعه إلى غالب ظنه وما هو عنده وفيما توصل يوسف عليه السلام به إلى أخذ أخيه دلالة على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من غيره بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق قوله تعالى( ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ) روى عن يحيى بن يمان عن يزيد بن زريع عن عطاء الخراساني وأنا به زعيم قال كفيل قال أبو بكر ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس كذلك لأن قائل ذلك جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله( أنا به زعيم ) يعنى ضامن قال الشاعر :
وإنى زعيم إن رجعت مسلما |
بسير يرى منه الفرانق أزورا |
أى ضامن لذلك فهذا القائل لم يضمن عن إنسان شيئا وإنما ألزم نفسه ضمان الأجرة لرد الصاع وهذا أصل في جواز قول القائل من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله درهم وأن هذه إجارة جائزة وإن لم يكن يشارط على ذلك رجلا بعينه وكذلك قال محمد بن الحسن في السير الكبير إذا قال أمير الجيش من ساق هذه الدواب إلى موضع كذا أو قال من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله كذا إن هذا جائز ومن حمله استحق الأجر
وهذا معنى ما ذكر في هذه الآية وقد ذكر هشام عن محمد أيضا فيمن كانت في يده دار لرجل يسكنها فقال إن أقمت فيها بعد يومك هذا فأجره كل يوم عشرة دراهم عليك أن هذا جائز وإن أقام فيها بعد هذا القول لزمه كل يوم ما سمى فجعل سكناه بعد ذلك رضا وكان ذلك إجارة وإن لم يقاوله باللسان وفي الآية دلالة على ذلك لأنه قد أخبر أن من رد الصاع استحق الأجر وإن لم يكن بينهما عقد إجارة بل فعله لذلك بمنزلة قبول الإجارة وعلى هذا قالوا فيمن قال لآخر قد استأجرتك على حمل هذا المتاع إلى موضع كذا بدرهم أنه إن حمله استحق الدرهم وإن لم يتكلم بقبولها فإن قيل إن هذا لم يكن إجارة لأن الإجارة لا تصح على حمل بعير وإن كانت إجارة فهي منسوخة لأن الإجارة لا تجوز في شريعة نبينا صلّى الله عليه وسلّم إلا بأجر معلوم قيل له هو أجر معلوم لأن حمل بعير اسم لمقدار ما من الكيل والوزن كقولهم كارة ووقر ووسق ونحو ذلك ولما لم ينكر يوسف عليه السلام ذلك دل على صحنه وشرائع من قبلنا من الأنبياء حكمها ثابت عندنا ما لم تنسخ قوله تعالى( قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ) قال الحسن وأبو إسحاق ومعمر والسدى كان من عادتهم أن يسترقوا السارق فكان تقديره جزاؤه أخذ من وجد في رحله رقيقا فهو جزاء عندنا كجزائه عندكم فلما وجد في رحل أخيه أخذه على ما شرط أنه جزاء سرقته فقالوا خذ أحدنا مكانه عبدا روى ذلك عن الحسن وهذا يدل على أنه قد كان يجوز في ذلك الوقت استرقاق الحر بالسرقة وكان يجوز للإنسان أن يرق نفسه لغيره لأن إخوة يوسف عليه السلام بذلوا واحدا منهم ليكون عبدا بدل أخى يوسف وقد روى عن عبد سرق أن النبي صلّى الله عليه وسلّم باعه في دين عليه وكان حرا فجائز أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا إلى أن نسخ على لسان نبينا صلّى الله عليه وسلّم وفيما قص الله علينا من قصة يوسف وحفظه للأطعمة في سنى الجدب وقسمته على الناس بقدر الحاجة دلالة على أن للأئمة في كل عصر أن يفعلوا مثل ذلك إذا علموا هلاك الناس من القحط قوله تعالى( ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ) إنما أخبروا عن ظاهر الحال لا عن باطنها إذ لم يكونوا عالمين بباطنها ولذلك قالوا( وما كنا للغيب حافظين ) فكان في الظاهر لما وجد الصاع في رحله أنه هو الآخذ له فقالوا( وما شهدنا إلا بما علمنا ) يعنى من الأمر الظاهر لا من الحقيقة وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق الظاهر
وإن لم يعلم حقيقة وهو كقوله( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علما وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن وقد قيل في قوله( وما كنا للغيب حافظين ) معنيان أحدهما ما روى عن الحسن ومجاهد وقتادة ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق والآخر ما قدمنا وهو أنا لا ندري باطن الأمر في السرقة* فان قيل لم جاز له استخراج الصاع من رحل أخيه على حال يوجب تهمته عند الناس مع براءة ساحته وغم أبيه وإخوته به قيل له لأنه كان في ذلك ضروب من الصلاح وقد كان ذلك عن مواطأة من أخيه له على ذلك وتلطف في إعلام أبيه بسلامتهما ولم يكن لأحد أن يتهمه بالسرقة مع إمكان أن يكون غيره جعله في رحله ولأن الله تعالى أمره بذلك تعريضا ليعقوب عليه السلام للبلوى بفقده أيضا ليصبر فيتضاعف ليعقوب عليه السلام الثواب الجزيل بصبره على فقدهما وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله( فلما جهزهم بجهازهم ـ إلى قوله ـكذلك كدنا ليوسف ) دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق وذلك لأن الله تعالى رضى ذلك من فعله ولم ينكره وقال في آخر القصة( كذلك كدنا ليوسف ) ومن نحو ذلك قوله تعالى( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) وكان حلف أن يضربها عددا فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها ومن نحوه النهى عن التصريح بالخطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض ومن جهة السنة حديث أبى سعيد الخدري وأبى هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه استعمل رجلا على خيبر فأتاه بتمر فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكل تمر خيبر هكذا فقال لا والله إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال فلا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا كذا روى ذلك مالك بن أنس عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبى سعيد وأبى هريرة فحظر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم التفاضل في التمر وعلمه كيف يحتال في التوصل إلى أخذ هذا التمر ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلّم لهند خذي من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ولدها وروى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره وروى يونس ومعمر عن الزهري قال أرسلت بنوا قريظة إلى أبى سفيان بن حرب أن ائتونا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم فسمع ذلك نعيم بن مسعود وكان موادعا للنبي صلّى الله عليه وسلّم
وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك بنوا قريظة إلى الأحزاب أبى سفيان وأصحابه فأقبل نعيم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره خبرها وما أرسلت بنوا قريظة إلى الأحزاب فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلنا أمرنا بذلك فقام نعيم يكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال وكان نعيم رجلا لا يكتم الحديث فلما ولى من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذاهبا إلى غطفان قال عمر يا رسول الله ما هذا الذي قلت إن كان أمرا من أمر الله فامضه وإن كان هذا رأيا رأيته من قبل نفسك فإن شأن بنى قريظة أهون من أن تقول شيئا يؤثر عنك فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بل هذا رأى إن الحرب خدعة وروى أبو عثمان النهدي عن عمر قال إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم وقال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه للملك حين سأله عن سارة فقال من هي منك قال هي أختى لئلا بأخذها وإنما أراد أختى في الدين وقال للكفار إنى سقيم حين تخلف ليكسر آلهتهم وكان معناه إنى سأسقم يعنى أموت كما قال الله تعالى( إنك ميت ) فعارض بكلامه عما سألوه عنه إلى غيره على وجه لا يلحق فيه الكذب فهذه وجوه أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها بالاحتيال في التوصل إلى المباح وقد كان لو لا وجه الحيلة فيه محظورا وقد حرم الله الوطء بالزنا وأمرنا بالتوصل إليه بعقد النكاح وحظر علينا أكل المال بالباطل وأباحه بالشرى والهبة ونحوها فمن أنكر التوصل إلى استباحة ما كان محظورا من الجهة التي أباحته الشريعة فإنما يرد أصول الدين وما قد ثبتت به الشريعة فإن قيل حظر الله تعالى على اليهود صيد السمك يوم السبت فحبسوا السمك يوم السبت وأخذوه يوم الأحد فعاقبهم الله عليه قيل له قد أخبر الله تعالى أنهم اعتدوا في السبت وهذا يوجب أن يكون حبسها في السبت قد كان محظورا عليهم ولو لم يكن حبسهم لها في السبت محرما لما قال( اعتدوا منكم في السبت ) قوله تعالى( يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ـ إلى قوله ـوتصدق علينا ) لما ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله( مسنا وأهلنا الضر ) دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجرى مجرى الشكوى من الله تعالى وقوله( فأوف لنا الكيل ) فدل على أن أجرة الكيال على البائع لأن عليه تعيين المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل وقد قالوا له فأوف لنا الكيل فدل على أن الكيل قد كان عليه فإن قيل نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الطعام
حتى يجزى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشترى وهذا يدل على أن الكيل على المشترى لأن مراده الصاع الذي اكتال به البائع من بائعه وصاع المشترى هو ما اكتاله المشترى الثاني من البائع قيل له قوله صاع البائع لا دلالة فيه على أن البائع هو الذي اكتال وجائز أن يريد به الصاع الذي كال البائع به بائعه وصاع المشترى الذي كاله له بائعه فلا دلالة فيه على الاكتيال على المشترى وإذا صح ذلك فيما وصفنا من الكيل فواجب أن يكون أجرة الوزان على المشترى لأن عليه تعيين الثمن للبائع ولا يتعين إلا بوزنه فعليه أجرة الوزان وأما أجرة الناقد فإن محمد بن سماعة روى عن محمد أنه قبل أن يستوفيه البائع فهو على المشترى لأن عليه تسليم الثمن إليه صحيحا وإن كان قد قبضه البائع فأجرة الناقد على البائع لأنه قد قبضه وملكه فعليه أن يبين أن شيئا منه معيب يجب رده قوله تعالى( وتصدق علينا ) قال سعيد بن جبير إنما سألوا التفضل بالنقصان في السعر ولم يسئلوا الصدقة وقال سفيان بن عيينة سألوا الصدقة وهم أنبياء وكانت حلالا وإنما حرمت على النبي صلّى الله عليه وسلّم وكره مجاهد أن يقول في دعائه اللهم تصدق على لأن الصدقة إنما هي ممن يبتغى الثواب قوله تعالى( قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ) فيه إخبار إنهم كانوا جاهلين عند وقوع الفعل منهم وإنهم لم يكونوا جاهلين في هذا الوقت فمن الناس من يستدل بذلك على أنهم فعلوا ذلك قبل البلوغ لأنهم لو فعلوه بعد البلوغ مع أنهم لم تظهر منهم توبة لكانوا جاهلين في الحال وإنما أراد جهالة الصبا لا جهالة المعاصي وقول يوسف( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) يدل على أنهم فعلوه بعد البلوغ وأن ذلك كان ذنبا منهم يجب عليهم الاستغفار منه وظاهر الكلام يدل على أنهم تابوا بقولهم( لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ) ويدل عليه قولهم( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) ولا يقول مثله من فعل شيئا في حال الصغر قبل أن يجرى عليه القلم وقوله( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ) إنما جاز لهم مسألة الاستغفار مع حصول التوبة لأجل المظلمة المعلقة بعفو المظلوم وسؤال ربه أن لا يؤاخذه بما عامله ويجوز أن يكون إنما سأله أن يبلغه بدعائه منزلة من لم يكن في جناية قوله تعالى( سوف أستغفر لكم ربى ) روى عن ابن مسعود وإبراهيم التيمي وابن جريج وعمرو بن قيس أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء وروى عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم
أنه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة وقيل إنما سألوه أن يستغفر لهم دائما في دعائه قوله تعالى( وخروا له سجدا ) يقال إن التحية للملوك كانت السجود وقيل إنهم سجدوا لله شكرا له على ما أنعم به عليهم من الاجتماع مع يوسف على الحال السارة وأرادوا بذلك التعظيم ليوسف فأضاف السجود إلى يوسف مجازا كما يقال صلّى للقبلة وصلّى إلى غير القبلة يعنى إلى تلك الجهة وقول يوسف( هذا تأويل رءياى من قبل ) يعنى سجود الشمس والقمر والكواكب فكان السجود في الرؤيا هو السجود في اليقظة وكان الشمس والقمر والكواكب أبويه وإخوته ويقال في قوله( ورفع أبويه على العرش ) أن أمه كانت ماتت وتزوج خالته روى ذلك عن السدى وقال الحسن وابن إسحاق كانت أمه باقية وروى عن سليمان وعبيد الله بن شداد كانت المدة بين الرؤيا وبين تأويلها أربعين سنة وعن الحسن كانت ثمانين سنة وقال ابن إسحاق ثماني عشرة سنة فإن قيل إذا كانت رؤيا الأنبياء صادقة فهلا تسلى يعقوب بعلمه بوقوع تأويل رؤيا يوسف قيل له لأنه رآها وهو صبي وقيل لأن طول الغيبة عن الحبيب يوجب الحزن كما يوجبه مع الثقة بالالتقاء في الآخرة قوله تعالى( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) يعنى وكم من آية فيهما لا يفكرون فيها ولا يستدلون بها على توحيد الله وفيه حث على الاستدلال على الله تعالى بآياته ودلائله والفكر فيما يقتضيه من تدبير مدبرها العالم بها القادر عليها وأنه لا يشبهها وذلك في تدبير الشمس والقمر والنجوم والرياح والأشجار والنبات والنتاج والحيوان وغير ذلك مما هو ظاهر للحواس ومدرك بالعيان قوله تعالى( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بأن الله خلقه وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن وقال الحسن هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان وقيل ما يصدقون بعبادة الله إلا وهم يشركون الأوثان في العبادة وقد دلت الآية على أن مع اليهودي إيمانا بموسى وكفرا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم لأنها قد دلت على أن الكفر والإيمان لا يتنافيان من وجهين مختلفين فيكون فيه كفر من وجه وإيمان من وجه إلا أنه لا يحصل اجتماعهما على جهة إطلاق اسم المؤمن واستحقاق ثواب الإيمان لأن ذلك ينافيه الكفر وكذلك قوله( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) قد أثبت لهم الإيمان ببعض
الكتاب والكفر ببعض آخر فثبت بذلك جواز أن يكون معه كفر من وجه وإيمان من وجه آخر وغير جائز أن يجتمع له صفة مؤمن وكافر لأن صفة مؤمن على الإطلاق صفة مدح وصفة كافر صفة ذم ويتنافى استحقاق الصفتين معا على الإطلاق في حال واحدة قوله تعالى( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى ) فيه بيان أنه مبعوث بدعاء الناس إلى الله عز وجل على بصيرة من أمره كأنه يبصره بعينه وأن من اتبعه فذلك سبيله في الدعاء إلى الله عز وجل وفيه الدلالة على أن على المسلمين دعاء الناس إلى الله تعالى كما كان على النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك قوله تعالى( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى ) قيل من أهل الأمصار دون البوادي لأن أهل الأمصار أعلم واحكم وأحرى بقبول الناس منهم وقال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من الجن ولا من النساء قوله تعالى( حتى إذا استياس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) اليأس انقطاع الطمع وقوله( كذبوا ) قرئ بالتخفيف وبالتثقيل فإذا قرئ بالتخفيف كان معناه ما روى عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك قالوا ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله تعالى لهم وإهلاك أعدائهم وروى عن حماد بن زيد عن سعيد بن الحبحاب قال حدثني إبراهيم بن أبى حرة الجزري قال صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا فيهم سعيد بن جبير وأرسلت إلى الضحاك بن مزاحم فأبى أن يجيء فأتيته فلم أدعه حتى جاء قال فسأل فتى من قريش سعيد ابن جبير فقال له يا أبا عبد الله كيف تقرأ هذا الحرف فإنى إذا أتيت عليه تمنيت أنى لا أقرأ هذه السورة( حتى إذا استياس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال نعم حتى إذا استيئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا مخففة فقال الضحاك ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ لو رحلت في هذا إلى اليمن كان قليلا وفي رواية أخرى أن مسلم بن يسار سأل سعيدا عنه فأجابه بذلك فقام إليه مسلم فاعتنقه وقال فرج الله عنك كما فرجت عنى ومن قرأ( كذبوا ) بالتشديد كان معناه أيقنوا أن الأمم قد كذبوهم فكذبنا عمهم حتى لا يفلح أحد منهم روى ذلك عن عائشة والحسن وقتادة آخر سورة يوسف.
سورة الرعد
( بسم الله الرحمن الرحيم )
قوله تعالى( وفي الأرض قطع متجاورات ) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك الأرض السبخة والأرض العذبة( ونخيل صنوان ) قال ابن عباس والبراء بن عازب ومجاهد وقتادة النخلات أصلها واحد قوله تعالى( يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) فيه أوضح دلالة على بطلان مذهب أصحاب الطبائع لأنه لو كان حدوث ما يحدث من الثمار بطبع الأرض والهواء والماء لوجب أن يتفق ما يحدث من ذلك لاتفاق ما يوجب حدوثه إذ كانت الطبيعة الواحدة توجب عندهم اتفاق ما يحدث منها ولا يجوز أن توجب فعلين مختلفين متضادين فلو كان حدوث هذه الأشياء المختلفة الألوان والطعوم والأراييح والأشكال من إيجاب الطبيعة لاستحال اختلافها وتضادها مع اتفاق الموجب لها فثبت أن المحدث لها قادر مختار حكيم قد أحدثها على اختلافها على علم منه بها وهو الله تعالى قوله تعالى( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) روى عن ابن عباس وسعيد ومجاهد والضحاك الهادي هو الله تعالى وروى عن مجاهد أيضا وقتادة الهادي نبي كل أمة وعن ابن عباس أيضا الهادي الداعي إلى الحق وعن الحسن وقتادة وأبى الضحى وعكرمة الهادي محمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا هو الصحيح لأن تقديره إنما أنت منذر وهاد لكل قوم والمنذر هو الهادي والهادي أيضا هو المنذر قوله تعالى( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) قال ابن عباس والضحاك وما تنقص من الأشهر التسعة وما تزداد فإن الولد يولد لستة أشهر فيعيش ويولد لسنتين فيعيش وقال الحسن وما تنقص بالسقط وما تزداد بالتمام وقال الفراء الغيض النقصان ألا تراهم يقولون غاضت المياه إذا نقصت وقال عكرمة إذا غاضت وقال ما غاضت الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل وقال مجاهد الغيض وما رأت الحامل من الدم في حملها وهو نقصان من الولد والزيادة ما زاد على تسعة أشهر وهو تمام النقصان وهو الزيادة وزعم إسماعيل بن إسحاق أن التفسير إن كان على ما روى عن مجاهد وعكرمة فهو حجة منه في أن الحامل تحيض قال لأن كل دم يخرج من الرحم فليس يخلو من أن يكون حيضا أو نفاسا وأما دم الاستحاضة فهو من عرق وهذا الذي ذكره ليس بشيء لأن الدم الخارج من الرحم قد يكون حيضا ونفاسا وقد يكون غيرهما وقوله صلّى الله عليه وسلّم في
دم الاستحاضة أنه دم عرق غير مانع أن يكون بعض ما يخرج من الرحم من الدم قد يكون دم الاستحاضة لأنه صلّى الله عليه وسلّم قال إنما هو دم عرق انقطع أوداء عرض فأخبر أن دم الاستحاضة قد يكون من داء عرض وإن لم يكن من عرق وأيضا فما الذي يحيل أن يكون دم العرق خارجا من الرحم بأن ينقطع العرق فيسيل الدم إليها ثم يخرج فلا يكون حيضا ولا نفاسا* ثم قال فلا يقال إن الحامل لا تحيض إلا بخبر عن الله أو عن رسوله لأنه حكاية عن غيب ونسى أن قضيته توجب أن لا يقال أنها تحيض إلا بخبر عن الله وعن الرسول لأنه حكاية عن غيب على حسب موضوعه وقاعدته بل قد يسوغ لمن نفى الحيض عن الحامل ما لا يسوغ لمن أثبته لأنا قد علمنا أنها كانت غير حائض فإذا رأت الدم واختلفوا أنه حيض أو غير حيض وفي إثبات الحيض إثبات أحكام فغير جائز إثباته حيضا إلا بتوقيف وواجب أن تكون باقية على ما كانت عليه من عدم الحيض حتى يثبت الحيض بتوقيف أو اتفاق إذ كان في إثبات الدم حيضا إثبات حكم لا سبيل إلى علمه إلا من طريق التوقيف وأيضا فإن قولنا حيض هو حكم الدم خارج من الرحم وقد يوجد الدم خارجا من الرحم على هيئة واحدة فيحكم لما رأته في أيامها بحكم الحيض ولما رأته في غير أيامها بحكم الاستحاضة وكذلك النفاس فإذا كان الحيض ليس بأكثر من إثبات أحكام الدم يوجد في أوقات ولم يكن الحيض عبارة عن الدم فحسب دون ما يتعلق به من الحكم وإثبات الحكم بخروج دم لا يعلم إلا من طريق التوقيف فلم يجز أن يجعل هذا الحكم ثابتا لدم الحامل إذ لم يرد به توقيف ولا حصل عليه اتفاق ثم قال إسماعيل عطفا على قوله لا يقال إن الحامل لا تحيض إلا بخبر عن الله أو عن رسوله لأنه حكاية عن غيب ولا يلزم ذلك من قال أنها تحيض لأن الله تعالى قد قال( ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) فلما قيل النساء لزم في ذلك العموم لأن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به حتى يعلم غيره قال أبو بكر قوله( ويسئلونك عن المحيض ) ليس فيه بيان صفة الحيض بمعنى يتميز به عن غيره وقوله تعالى( قل هو أذى ) إنما هو إخبار عما يتعلق بالمحيض من ترك الصلاة والصوم واجتناب الرجل جماعها وإخبار عن نجاسة دم الحيض ولزوم اجتنابه ولا دلالة فيه على وجوده في حال الحمل وعدمه وقوله لما قيل النساء لزم في ذلك العموم لا معنى له لأنه قال( فاعتزلوا النساء في المحيض )
وقوله في المحيض ليس فيه بيان أن الحيض ما هو ومتى ثبت المحيض وجب الاعتزال وإنما اختلفا في أن الدم الخارج في وقت الحمل هل هو حيض أم لا وقول الخصم لا يكون حجة لنفسه وقوله إن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به دعوى مجردة من البرهان ولخصمه أن يقول إن الدم إذا خرج من فرجها فغير الحيض أولى به حتى يقوم الدليل على أنه حيض لوجودنا دما خارجا من الرحم غير حيض فلم يحصل من جميع هذا الكلام إلا دعاوى مبنية بعضها على بعض وجميعها مفتقر إلى دليل يعضدها وقد روى مطر الوراق عن عطاء عن عائشة أنها قالت في الحامل ترى الدم إنها لا تدع الصلاة وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال لا يختلف فيه عندنا عن عائشة أنها كانت تقول في الحامل ترى الدم أنها تمسك عن الصلاة حتى تطهر وهذا يحتمل أن تريد به الحامل التي في بطنها ولدان فولدت أحدهما أن النفاس من الأول وأنها تدع الصلاة حتى تطهر على ما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف في ذلك حتى يصحح الخبرين جميعا عنها وعند أصحابنا أن الحامل لا تحيض وإن ما رأته من دم فهو استحاضة وعند مالك والشافعى تحيض فالحجة لقولنا ما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في سبايا أرطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة والاستبراء هو معرفة براءة الرحم فلما جعل الشارع وجود الحيض علما لبراءة الرحم لم يجز وجوده مع الحبل لأنه لو جاز وجوده معه لم يكن وجود الحيض علما لبراءة الرحم ويدل عليه أيضا قوله صلّى الله عليه وسلّم في طلاق السنة فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها فلو كانت الحامل تحيض لفصل بين جماعها وطلاقها بحيضة كغير الحامل وفي إباحته صلّى الله عليه وسلّم إيقاف الطلاق على الحامل بعد الجماع من غير فصل بينه وبين الطلاق بحيضة دلالة على أنها لا تحيض آخر سورة الرعد.
سورة إبراهيم
( بسم الله الرحمن الرحيم )
قوله عز وجل( تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ) روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال غدوة وعشية وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال هي النخلة تطعم في كل ستة أشهر وكذلك روى عن مجاهد وعامر وعكرمة وروى الليث بن سعد وسليمان بن أبى كثير عن على قال أرى الحين سنة وكذلك روى عن الحكم وحماد من قولهما وكذلك روى
عن عكرمة في رواية من قوله وقال سعيد بن المسيب الحين شهران من حين تصرم النخل إلى أن تطلع وروى عنه أن النخلة لا تكون فيها أكلها إلا شهرين وروى عنه أن الحين ستة أشهر وروى القاسم بن عبد الله عن أبى حازم عن ابن عباس أنه سئل عن الحين فقال( تؤتى أكلها كل حين ) ستة أشهر( ليسجننه حتى حين ) ثلاث عشرة سنة لتعلمن نبأه بعد حين يوم القيامة وروى هشام بن حسان عن عكرمة أن رجلا قال إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله فسألنى عنها فقلت إن من الحين حين لا يدرك قوله( وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ) فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها فكأنه أعجبه وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن( تؤتى أكلها كل حين ) قال ما بين ستة الأشهر أو السبعة قال أبو بكر الحين اسم يقع على وقت مبهم وجائز أن يراد به وقت مقدر قال الله تعالى( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) ثم قال( وحين تظهرون ) فهذا على وقت صلاة الفجر ووقت الظهر ووقت المغرب على اختلاف فيه لأنه قد أريد به فعل الصلاة المفروضة في هذه الأوقات فصار حين في هذا الموضع اسما لأوقات هذه الصلوات ويشبه أن يكون ابن عباس في الرواية التي رويت عنه في الحين أنه غدوة وعشية ذهب إلى معنى قوله تعالى( حين تمسون وحين تصبحون ) ويطلق ويراد به أقصر الأوقات كقوله تعالى( وسوف يعلمون حين يرون العذاب ) وهذا على وقت الرؤية وهو وقت قصير غير ممتد ويطلق ويراد به أربعون سنة لأنه روى في تأويل قوله تعالى( هل أتى على الإنسان حين من الدهر ) أنه أراد أربعين سنة والسنة والستة الأشهر والثلاث عشرة سنة والشهران على ما ذكرنا من تأويل السلف للآية كله محتمل فلما كان ذلك كذلك ثبت أن الحين اسم يقع على وقت مبهم وعلى أقصر الأوقات وعلى مدد معلومة بحسب قصد المتكلم ثم قال أصحابنا فيمن حلف أن لا يكلم فلانا حينا أنه على ستة أشهر وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به أقصر الأوقات إذ كان هذا القدر من الأوقات لا يحلف عليه في العادة ومعلوم أنه لم يرد به أربعين سنة لأن من أراد الحلف على أربعين سنة حلف على التأبيد من غير توقيت ثم كان قوله تعالى( توتى أكلها كل حين بإذن ربها ) لما اختلف السلف فيه على ما وصفنا كان أقصر الأوقات فيه ستة أشهر لأن من حين الصرام إلى وقت أوان الطلع ستة أشهر وهو أولى من اعتبار
السنة لأن وقت الثمرة لا يمتد سنة بل ينقطع حتى لا يكون فيه شيء وإذا اعتبرنا ستة أشهر كان موافقا لظاهر اللفظ في أنها تطعم ستة أشهر وتنقطع ستة أشهر وأما الشهران فلا معنى لاعتبار من اعتبرهما لأنه معلوم أن من وقت الصرام إلى وقت خروج الطلع أكثر من شهرين فإن اعتبر بقاء الثمرة شهرين فإنا قد علمنا أن من وقت خروج الطلع إلى وقت الصرام أكثر من شهرين أيضا فلما بطل اعتبار السنة واعتبار الشهرين بما وصفنا ثبت أن اعتبار الستة الأشهر أولى آخر سورة إبراهيم عليه السلام.
(تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله سورة النحل)
فهرست الجزء الرابع من أحكام القرآن للجصاص
صفحة |
صفحة |
||
2 |
باب التيم. |
115 |
فصل وبحتج من يوجب على من عقد نذراً بشرط كفارة يمين. |
10 |
وجوب التيم عند عدم المأ. |
122 |
باب التحريم الخمر. |
26 |
فصل الاستدلال بقوله تعالى : إذا قمتم ألى الصلاة. |
129 |
بابالصيد للمحرم. |
27 |
صفة التميم. |
131 |
باب ما يقتله المحرم. |
29 |
ما يتيم به. |
137 |
فصل وقرىء قوله تعالى : فجزء مثل. |
33 |
فصل قال أبوبكر الخ. |
141 |
فصل قوله تعالى : ليذوق وبال أمره. |
39 |
باب القيام بالشهادة والعدل. |
142 |
فصل قوله تعالى : ومن قتله منكم متعماً الخ. |
49 |
باب الدفن الموتى |
144 |
باب صيد البحر. |
51 |
باب الحد المحاربين. |
145 |
ذكر الاخلاف فى ذلك. |
54 |
ذكر الاختلاف فى ذلك. |
147 |
باب أكل المحرم لحم صيد الحلال. |
61 |
باب قطع السارق. |
149 |
قوله تعالى : جعل الله الكعبة البييت الحرام الآيه. |
66 |
فصل وو أما اعتبار الحرض. |
150 |
قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا لا تسألو عن أشياء الآية. |
69 |
باب من أين يقطع السارق. |
154 |
باب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر. |
74 |
مالا يقطع فيه والاختلاف فى ذلك. |
159 |
باب الشهادة على الوصية فى السفر. |
80 |
السرقة من ذوي الارحام. |
163 |
فصل قد تضمنت هذه الآبة الخ. |
81 |
الاخلاف فى ذلك. |
163 |
فصل قد تضمنت هذه الآبة الخ. |
82 |
فيمن سرق ما قد قطع فيه. |
(سورة الأنعام) |
|
83 |
السارق يوجد قبل إخراج السرقة. |
166 |
باب النهى عن مجالسة الضالمين. |
83 |
غرم السارق بعد القطع. |
170 |
قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه الآيه. |
84 |
باب الرشوة. |
172 |
قوله تعالى : يسالونك ماذا أحل لهم الآية. |
87 |
باب الحكم بين اهل الكتاب. |
174 |
قوله تعالى وقالوا هذه أنعام الآية. |
95 |
ذكر الاختلاف فى ذلك. |
||
102 |
باب العمل اليسر فى الصلاة. |
||
103 |
باب الأذان. |
||
109 |
باب التحريم |
||
111 |
باب الايمان. |
صفحة |
صفحة |
||
176 |
الخلاف الموجب فيه |
254 |
باب الهدنة والموادعة. |
181 |
الخلاف فى اعتبار ما يجب فيهم الحق. |
257 |
باب الأسارى. |
183 |
الخلاف فى اجتماع العشر والخراج. |
261 |
باب التوراث بالجهرة. |
185 |
قوله تعالى قل لا أجد فيها أوحى إلى الآية |
264 |
(سورة براءة) |
195 |
قوله تعالى :ولا تقتلوا نفس الآية. |
269 |
قوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية. |
197 |
قوله تعالى : ثم آتينا موسى الكتاب تماً الآية. |
270 |
قوله تعالى : فأن تابواوأقامو الصلاة |
199 |
قوله تعالى : قل إن الصلاتى ونسكى. |
274 |
قوله تعالى : وإن نكثوا أيمانهم. |
201 |
(سورة الاعراف) |
278 |
قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله لآية. |
205 |
قوله تعالى : يابنى آدم خذوا زينكم. |
279 |
قوله تعالى : انمأ المشركون نجس. |
209 |
قوله تعالى : إذ واعدنا موسى ثلاثين ليلة الآية. |
281 |
باب أخذ الجزية من أهل لكتاب. |
211 |
قوله تعالى : يسألونك عن الساعة. |
286 |
باب حكم نصارى بنى تغلب. |
213 |
قوله تعالى : خذالمعفو وأمربالعرف. |
289 |
باب من تؤ منه الجزية. |
215 |
باب القراءة خلف الإمام. |
292 |
فى تمييز الطبقات. |
222 |
(سورة الانفال) |
294 |
وقت وجوب الجزية. |
226 |
الكلام فى الفرار من الزحف. |
297 |
فى خراج الأرض هل هو الجزية. |
229 |
الكلام فى قسمة الغنائم. |
301 |
قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة. |
231 |
ذكر الخلاف فيه. |
303 |
زكاة الحلى. |
233 |
القول فى السلب القتيل. |
304 |
وجوب زكاة الذهب والفضة. |
237 |
القول فى السلب والغنيمة. |
307 |
معنى قوله صلى الله عليه واله إن الزمان قد استدار. |
239 |
سهمان الخيل. |
309 |
فرض النفير والجهاد. |
240 |
الخلاف فيه. |
322 |
معنى فقير والمسكين. |
243 |
باب القسمة الخمس. |
324 |
قوله تعالى : انمأ الصدقات للفقرإ. |
252 |
قوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الآية. |
330 |
الفقير الذى يجوز أن يعطى من الصدقة |
334 |
ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة |
||
338 |
من لا يجوز أن يعطى من الزكاة الخ |
صفحة |
صفحة |
||
342 |
فيما يعطى مسكين واحد من الزكاة. |
362 |
فصل قال أصحابنا الخ. |
344 |
دفع الصدقات إلى صنف واحد. |
367 |
قوله تعالى : والذين اتخذوا مسجداً ضراراً الآية. |
347 |
قوله تعالى : ومنهم الذين يؤذون النبى. |
369 |
قوله تعالى : وعلى الثلاثة والذين خلفوا |
349 |
قوله تعالى : ومنهم من عاهد الله الآية |
371 |
قوله تعالى : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب الآية. |
351 |
قوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً الآية. |
373 |
قوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا قاتلوا |
353 |
قوله تعالى : والسابقون الأولون |
374 |
سورة يونس |
355 |
محاورة الحسن بن على مع الحبيب ابنن المسلم |
376 |
سورة هود |
357 |
قوله تعالى : خذ من اموالهم صدقة مقدار الزكاة |
380 |
سورة يوسف |
397 |
سورة الرعد |
||
399 |
سورة إبراهيم |
الفهرس
باب التيمم 2
باب وجوب التيمم عند عدم الماء10
باب صفة التيمم 27
باب ما يتيمم به29
باب القيام بالشهادة والعدل 39
باب دفن الموتى 49
بياب حد المحاربين 51
ذكر الاختلاف في ذلك 54
باب قطع السارق 61
باب من أين يقطع السارق 69
باب ما لا يقطع فيه74
ذكر الاختلاف في ذلك 74
باب السرقة من ذوى الأرحام80
ذكر الاختلاف في ذلك 81
باب فيمن سرق ما قد قطع فيه82
باب السارق يوجد قبل إخراج السرقة83
باب غرم السارق بعد القطع 83
باب الرشوة84
باب الحكم بين أهل الكتاب 87
ذكر الخلاف في ذلك 95
باب العمل اليسير في الصلاة102
باب الأذان 103
وأوقدت للحرب نارا106
باب تحريم ما أحل الله عز وجل 109
باب الأيمان 111
باب تحريم الخمر122
باب الصيد للمحرم129
قتل الخليفة محرما130
باب ما يقتله المحرم131
باب صيد البحر144
ذكر الخلاف في ذلك 145
باب أكل المحرم لحم صيد الحلال 147
. باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر154
باب الشهادة على الوصية في السفر159
باب النهى عن مجالسة الظالمين 166
ذكر الخلاف في الموجب فيه176
ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق 181
ذكر الخلاف في اجتماع العشر والخراج 183
باب القراءة خلف الإمام215
سورة الأنفال 222
الكلام في الفرار من الزحف 226
الكلام في قسمة الغنائم 229
ذكر الخلاف فيه231
باب سهمان الخيل 239
ذكر الخلاف في ذلك 240
باب قسمة الخمس 243
باب الهدنة والموادعة254
باب الأسارى 257
باب التوارث بالهجرة261
سورة براءة264
باب أخذ الجزية من أهل الكتاب 281
باب حكم نصارى بنى تغلب 286
باب من تؤخذ منه الجزية289
في تمييز الطبقات 292
باب وقت وجوب الجزية294
في خراج الأرض هل هو جزية297
باب فرض النفير والجهاد309
باب الفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة330
باب ذوى القربى الذين تحرم عليهم الصدقة334
باب من لا يجوز أن يعطى من الزكاة من الفقراء338
فيما يعطى مسكين واحد من الزكاة342
باب دفع الصدقات إلى صنف واحد 344
سورة يونس 374
سورة هود376
سورة يوسف 380
سورة الرعد 397
سورة إبراهيم 399
فهرست الجزء الرابع من أحكام القرآن للجصاص405