الاقتصاد الإسلامي
تأليف
الشهيد آية الله
محمّد حسين بهشتي
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهماالسلام ) للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.
يسر منظمتنا ان تقدم للقراء الكرام الترجمة العربية لهذا الكتاب القيّم (الاقتصاد الاسلامي) ولا غرو فهو يعبّر عن فكر اصيل، وبحث منطقي سليم، في ابعاد النظرية الاقتصادية الاسلامية، قام به شهيد الثورة الاسلامية المباركة، ومنظّرها المرحوم الدكتور آية اللّه البهشتي.واننا اذ نهيب بقرائنا الأعزة ان يقوموا بالمطالعة الدقيقة له، لنرجو أن يوفقنا اللّه جل وعلا لنشر أمثاله من الكتب المفيدة واللّه الموفق.
مقدمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
ان من أهم الواجبات الملقاة على عاتق المفكرين الملتزمين بالاسلام في الظروف الحالية، اكتشاف طريق الوصول الى معرفة أدق وأوضح لأسس النظام الاسلامي على مختلف الأصعدة التي يواجهها مجتمعنا الاسلامي اليوم، ومن أهم قضايانا الحالية الحاجة الى أكبر قدر ممكن من المعرفة بأسس الاقتصاد الاسلامي. والتحقيق بشأن هذه الأسس ومطالعتها واستخراجها من النصوص الموجودة في بطون الكتب مع انتباه كاف لابعادها المختلفة يحتاج الى اجتماع عدة شرائط في الشخص المحقق، ولا شك أن الشهيد المظلوم آية اللّه البهشتي - أعلى اللّه مقامه - واحد من الوجوه العلمية النادرة ذات المعرفة العميقة بالفقه الاسلامي الأصيل والخبرة الكافية، والتي قامت ومنذ زمن بعيد بالبحث والتحقيق العلميين حول أسس الاقتصاد الاسلامي، وقد شرح نتائج مطالعاته القيمة في كتاباته وأحاديثه ودروسه وخطبه، تلك الشخصية القيمة التي قال عنها امام الامة : «انه مجتهد جامع للشرائط، وقلما وجدتُ أمثاله حتى في الحوزات العلمية».
ان هذه المجموعة التي ننشرها تحت عنوان «الاقتصاد الاسلامي» حصيلة عملية جمع لبعض آثار ذلك الفقيه المفكر، وقد جمعت بجهود بذلها محبوه، ودونت من
قبل مجلس إحياء آثار الشهيد المظلوم آية اللّه البهشتي. وها هي توضع بين أيدي القراء الأعزاء.
والجدير بالذكر، ان اكثر الهوامش الواردة في ذيل الصفحات مستخرجة من نصوص أقوال شهيدنا المظلوم، والتي وردت ضمن هذه المجموعة. وهناك بعض الهوامش التي وردت فيها توضيحات من مجلس الإحياء قد ميزناها بالحرف (م).
مرة أخرى نتقدم بالشكر الى جميع محبي هذا الشهيد العظيم الذين قدموا لنا العون في ابراز آثاره ونشرها، ونسأل اللّه تعالى مزيداً من التوفيق لهم جميعاً.
الملكية في الاسلام
(إن بحث الملكية في الاسلام الذي نقدمه ضمن هذه المجموعة هو عبارة عن محاضرتين ألقاهما الشهيد المظلوم آيه اللّه البهشتي عام ١٩٨٠ م. احداهما في أعضاء الفرع الطلابي للحزب الجمهوري الاسلامي، والاخرى في طلاب مدرسة الامام الصادق (ع) في قم).
تعريف الملكية
«الملكية» علاقة اجتماعية اعتبارية تعاقدية بين شخص أو مجموعة أشخاص، وبين شيء ما، تدل على شرعية تصرف المالك بملكه، وتعطيه الحق في منع الآخرين من التصرف به. وهذه الشرعية نسبية ومتغيرة، وتتفاوت في الأنظمة الاجتماعية المختلفة، وليست الملكية مسألة عينية فيزيائية بل هي مسألة عينية اجتماعية، والعينية الفيزيائية تعني كون الشيء ذا حقيقة واقعة حتى لو لم يكن هناك أي ذهن وصاحب ذهن، ولا أي انسان أو حيوان أو ملَكٍ، ولا أي صاحب ادراك ووعي. فالشجرة موجودة مثلاً على جانب الطريق، وعلى هذا فان
وجود الشجرة على جانب الطريق حقيقة فيزيائية وطبيعية وخارجية(١) ، سواء كان هناك متصور في هذا العالم أو لم يكن، فان هذه المسألة حقيقة خارجية وعينية.
والحقائق الاعتبارية التي تشكل عامة الحقائق الاجتماعية عبارة عن أشياء ذات حقيقة واقعة ولكن شريطة وجود من يعطيها الاعتبار، ووجود أصحاب أذهان في العالم، والملكية أيضاً من هذا النوع من الحقائق، وكذلك الوجوب التكليفي (وليس الوجوب الوجودي) أي الأحكام الواجبة والمحرَّمة، والمستحبة والمكروهة والمباحة، التي هي احكام تكليفية من هذا النوع أيضاً، فلو لم يكن في العالم أي صاحب ذهن لما تحقق أي وجوب، والأحكام الوضعية التي تتنزع من الأحكام التكليفية ثم تكون موضوعاً لمجموعة اُخرى من الأحكام التكليفية هي من هذا النوع أيضاً.
فاذا قيل إن هذا الكتاب لفلان فان ذلك يكون حين يوجد اعتبار اجتماعي، وفي هذه الحال يصبح موضوع الحكم تكليفياً يقضي بعدم استعمال هذا الكتاب إلا برخصة من فلان.
والملكية مسألة اعتبارية تبرز في الحياة الاجتماعية، فلو كان في العالم انسان واحد فقط لما توفرت له أرضية الفكرة التي تجعله يقول : «إنني أملك شيئاً ما» ولكن حين يعيش الناس مع بعضهم تبرز بينهم مجموعة من الأمور المتفق عليها. ولا يجب هنا أن يجلس شخصان أو مجموعتان ليبرما بينهما اتفاقاً بهذا الشأن، بل إن الاتفاقات تحدث من ذاتها أحياناً.
والملكية علاقة اعتبارية واجتماعية وتعاقدية بين المالك وملكه، وقد يكون المالك شخصاً أو مجموعة أشخاص. ولنأخذ مثلاً كتاباً يتعلق الآن بشخص معين فهناك علاقة بين هذا الشخص وذلك الكتاب وهذه العلاقة ستتبدل بعد موت الشخص الى علاقة جماعية أي ان ما كان ملكاً لذلك يصير ملكاً لمجموعة تتألف من الزوجة والأبناء والأب والأم وغيرهم، وقد تتفق مجموعة من الناس على شراء شيء معين فيكون مشتركاً بينهم، وهناك أشياء يملكها المجتمع والأمة. وهذه العلاقة تبين أن للمالك حق التصرف بملكه بمختلف الأشكال، ويحق له أيضاً أن
____________________
(١) اننا اذا استعملنا هذه المترادفات الثلاث فذلك لمجاراة لغة العصر، ولا ينافي ذلك مسألتنا، فالخارجية والفيزيائية في نظرنا تعنيان العام والخاص المطلقين، ولا اشكال في استعمالهما معاً.
يمنع الآخرين من التصرف به، أي أنها تبين شرعية هذا الأمر، وهذه الشرعية نسبية وتتفاوت بين المجتمعات المختلفة والموارد المختلفة، ففي بعض الانظمة يتحدّد حق تصرف الانسان بملكه - مع كونه مالكاً له -، ويتحدد كذلك حقه في منع الآخرين من التصرف. ومن الطبيعي أن الصفة الأولية في الملكية تتمثل في أنها تعطي للمالك حقاً مطلقاً في التصرف، ولكن هناك تحديدات لهذا الحق في الأنظمة المختلفة.
تعريف المال والملك
«الملك» هو الشيء الذي يملكه الانسان، ويأتي بمعنى «المملوك». اما «المال» فهو ذلك الشيء الذي يكون لدى الانسان ذا قيمة استهلاكية مباشرة أو غير مباشرة.
تعريف القيمة الاستهلاكية
إن أي شيء أو عمل يستفيد منه الانسان (أي يمكنه أن يؤمن - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - إحدى رغباته وحاجاته) فهو يملك بالنسبة له قيمة استهلاكية أي (قابلية للاستهلاك)(١) . وتجب معرفة القيمة الاستهلاكية وفق ما تحمله من معنى واسع في علم الاقتصاد، والطريف أن علاقة المال بالقيمة الاستهلاكية قد وردت في كتبنا الفقهية، ومع أنها لم تذكر مصطلح «القيمة الاستهلاكية» ولكن معنى هذا المصطلح قد ورد فيها، إذ جاء في كتاب اللمعة حول شرائط المبيع ما يلي: «يشترط كون المبيع مما يُملَكُ، أي يقبل الملك شرعاً، فلا يصح بيع الحُرِّ، وما لا نفع فيه غالباً كالحشرات»(٢) .
وكذلك نشاهد فيما يلي أن البحث يدور حول ما لا ربح فيه على الأغلب،
____________________
(١) فمثلاً : للحنطة والتفاح واللحم والحليب والجلود والقطن والصوف وباقة الزهور قيمة استهلاكية لدى الانسان، وحين يكون الحديث عن الاستهلاك لا ينبغي التفكير فوراً بالأكل، فالمقصود بالاستهلاك هنا أوسع من ذلك، وعليه فان لكلٍّ من باقة الورد أو اللوحة الجميلة أو عمل المعلم وخدمات الطبيب أو الحلاق أو البائع المتجول وبشكل عام لجميع الخدمات قيمة استهلاكية بالنسبة لنا.
(٢) شرح اللمعة، الجزء الاول، ص ٣١٨، كتاب المتاجر.
إذ أن الشيخ الانصاري (رحمة اللّه عليه الذي يعتبر بحق من الوجوه اللامعة في القرون الماضية من حيث قدرته على التحليل وسلامة تفكيره الفقهي) قد طرح هذا الموضوع بشكل أدق في كتاب المكاسب بقوله :
«القول في شرائط العوضين : يشترط في كل منهما كونه متموّلاً لأن البيع لغةً، مبادلة مال بمال. وقد احترزوا بهذا الشرط عما لا ينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء ومحلّله في الشرع لأن الاول ليس بمال عرفاً كالخنافس والديدان والنحل، فإنه يصح عرفاً سلب المصرف لها، ونفى الفائدة عنها، والثاني ليس بمال شرعاً كالخمر والخنزير»(١) .
واذا وجدت في الكتابات الاقتصادية المعاصرة حول الأمور الاقتصادية الاسلامية موضوعاً باسم ربح القيمة الاستهلاكية ( Utility ) فعليك أن تعلم أن هذا المعنى لم يخلق حديثاً، بل هو تصور عرفي وعام يتبادر حتى الى أذهان الفقهاء في بحث الاقتصاد من كتبنا الفقهية، إذ يطرحونه هناك، ومع أن طريقة البحث مختلفة لديهم فان أصل الفكرة والتصور موجود(٢) .
واننا اذا طرحنا في بداية هذا البحث مسألة الملك والمال فذلك لأننا سوف نحتاج اليهما في البحوث القادمة، وكذلك لمعرفة العلاقة بين المال ومصطلح القيمة الاستهلاكية الذي يطرح في الاقتصاد الحديث.
____________________
(١) المكاسب، ص ١٦١.
(٢) وهناك مسألة طريقة أخرى يطرحها الشيخ هنا نقلاً عن الفقهاء السابقين وهي عبارة عن سؤال يقول : هل ان الملك والمال عام وخاص مطلقان أم هما عام وخاص من وجه معين، وهل هما متساويان أم متباينان ؟ وهو يستنبط أنهما عام وخاص من وجه معين، وفي بحثه هذا مسائل طريفة جديرة بالمطالعة.
ملكية اللّه ومصدرها
ان منطق الفطرة يتقبل أنَّ لخالق شيءٍ ما حق التصرف فيه، وعلى هذا الأساس يعتبر اللّه مالكاً للعالم لأنه هو الذي منحه الوجود. وبتعبير آخر : إن ملكية اللّه لجميع العالم مسألة مطابقة للمنطق الفطري :( قالوا اتخذ اللّه ولداً سبحانه هو الغني، له ما في السموات وما في الارض ان عندكم من سلطان بهذا، أتقولون على اللّه ما لا تعلمون ) (٣) .
____________________
(٣) يونس : ٦٨.
وقد وردت في القرآن العبارتان «له» و«لِلّه» كثيراً، وسبب اختيار هذه الآية يكمن في اعتبار ما قبلها، وقوله : «قالوا اتخذ اللّه ولداً» جاء بمعنى أنه لا يملك شيئاً الآن بل انه سوف يملكه، فتكون الاجابة : «هو الغني» أي أنه يملك كل شيء، ولأجل تبيان هذا الكل من الاشياء يقول : «له ما في السموات وما في الارض» فالآية تتحدث عن ملكية اللّه للعالم بمعناها الاجتماعي الذي يدور في أذهاننا، وهناك آيات كثيرة أخرى في القرآن في هذا المجال.
ان ملكية اللّه للعالم ذات مصدر حقيقي ولكن هذه الملكية نفسها مسألة اعتبارية، بمعنى أنه ما لم يكن هناك بشر، وما لم تكن علاقة الملكية هذه التي تكتسب معناها وتتحقق عادة من الحياة الاجتماعية للبشر، فلن يفكر الذهن بملكية اللّه، ولن يتحقق هذا الاعتبار لدينا(١) . ومن الطبيعي أنه حين يقال : إن اللّه مالك السموات والأرض فلن تكون هناك حاجة لسند أو بيِّنة، فمصدر الملكية بالنسبة له مسألة حقيقية وليست مسألة تعاقدية، ولهذا فهي من الأمور الفطرية. فلو آمن شخص باللّه معتبراً إيّاه خالق السماء والأرض، فلن يشك بعد ذلك في اعتباره مالكاً، بيده جميع الصلاحيات، وله جميع أنواع حق التصرف.(٢) وعليه فان مصدر ملكية اللّه يكمن في إبداعه ومنحه الوجود ولا حاجة به الى مصدر آخر.
____________________
(١) ان هذه المسألة تشبه قولنا : ان اللّه يتكلم، فمع أن اللّه يتكلم ولم يوجد أساساً أي مستمع فلن تكون لصفة اللّه هذه أرضية، وبتعبير آخر ان اقل ما يقال ان التكلم ليس من الصفات الموجودة في مرحلة ذات اللّه وما لم يكن هناك سامع (سواء كان ذلك السامع السماء والأرض أو الملائكة والناس) فلن يكون للتكلم معنى في مرحلة الذات الالهية.
(٢) بيده ملكوت كل شيء (المؤمنون : ٨٨، يس : ٨٣) بيده الملك (الملك : ١).
حدود ملكية اللّه
ان ملكية اللّه تعالى للعالم لا حدّ لها، وحيث أن اللّه تعالى مصدر وجود جميع الأشياء فان ملكيته للعالم كله ملكية مطلقة وبلا أي نوع من الحدود.
ملكية الانسان ومصدرها وحدودها
في الانظمة الاجتماعية المختلفة اعتبار للملكية بين الانسان وبعض الأشياء، وقد طرحت في كُلٍّ من هذه الأنظمة ملكية الفرد أو المجتمع بالنسبة
للأشياء بشكل من الأشكال.(١)
____________________
(١) حتى أننا نرى في الأنظمة المطبقة في الدول التي تسمى بالماركسية كالاتحاد السوفياتي أن الناس يملكون الملابس والسيارات والمساكن وحتى حدائق صغيرة لزراعة الخضروات والمحاصيل الزراعية البيتية وغير ذلك، وفي تطبيق الاشتراكية تطبيقاً كاملاً تطرح الملكية كملكية جماعية في الأقل وذلك يعني أن أصل معنى الملكية مطروح هناك.
مصادر ملكية الانسان
ألف - العمل المنتج والمبدع
إن منطق الفطرة يحكم لصانع شيء ما بحق التصرف فيه ويعتبره مالكاً له، وعليه فحين يصنع الانسان شيئاً بعمله المبدع والمنتج فإنه يكتسب حق التصرف فيه ذاتياً، ويعدّ مالكاً له(٢) ، ولا ريب أن الانسان قادر على الايجاد والإبداع، وإليكم بعض الأمثلة على ذلك :
المثال الأول : لو أردتَ ارتداء بعض الملابس فمن المؤكد أنك لن تستطيع إعدادها عن طريق الذهاب الى مزرعة القطن ومن أجل أن يتحول القطن الى ملابس لا بد من أن تجرى عليه أعمال الغزل والنسيج والخياطة، ولكل من هذه الأعمال إبداع خاص به، وهذا يعني أن يخلق من ذلك القطن شيء يمتلك قيمة استهلاكية جديدة لم تكن موجودة فيه قبل ذلك.
المثال الثاني : حين تذهب لشراء بعض الكتب من محل بيعها ثم تريد أن تنقلها الى منزلك أو الى غرفتك في المدرسة، ولأجل أن لا تنفرط من يدك فتسقط الى الأرض وتتلف، تطلب قطعة من الخيط لتحزمها به، ولو أعطوك في هذه الحالة شيئاً من القطن لهذا الغرض فانه لا ينفع في حزم الكتب أي ان القطن لا يملك هذه القيمة الاستهلاكية، فمن ذا الذي يخلق في القطن هذه القيمة الاستهلاكية ليصبح خيطاً قوياً ينفع في حزم الكتب ؟ انه الغازل الذي يغزل القطن فيخلق له قيمة استهلاكية جديدة.
المثال الثالث : لو أعطوك لفافة من هذه الخيوط التي تنفع للحزم فهل يمكنها أن تكون لباساً تلبسه ؟ كلا، إذاً يجب توفر نسّاج يخلق فيه قيمة
____________________
(٢) اننا لا نبحث الآن في حدود هذه المسألة، اذ ان اللّه الذي يخلق بصورة مطلقة له الملكية المطلقة، والانسان الذي يخلق بشكل نسبي ملكيته نسبية أيضاً.
استهلاكية جديدة ويحوله الى قماش، ولكي يصبح لباساً لا بد من خيّاط يخلق فيه قيمة استهلاكية ثالثة، وعلى هذا الأساس وحين كان الابداع يمثل المصدر الطبيعي لاعتبار الملكية، فان كل من يملك هذا الابداع له الملكية أيضاً (في حدود الابداع هذا)، اذن ليس كل عمل مصدراً للملكية، بل إن العمل الذي يكون مصدراً لها هو ذلك العمل المبدع والمنتج، أي الذي يحدث قيمة استهلاكية جديدة.
المثال الرابع : لو مزقت قطعة من الورق فهل أنجزت عملاً يكون مصدراً للملكية ؟ في هذه الحالة مع أن هناك عملاً قد أنجز على مادة طبيعية ولكن هذا العمل لا يمكنه أن يكون مصدراً للملكية بل يكون كذلك فيما لو كان أحدنا محتاجاً الى قطع صغيرة من الورق فحينذاك يعطي هذا العمل - أي تمزيق الورقة الكبيرة - للورق قيمة استهلاكية جديدة، ولذلك يمكن القول : انك تملك عملاً ويجب أن تتسلم أجره.
المثال الخامس : حين تعمل من التراب مجموعة من قطع الآجر الخام ثم ترصف بعضها فوق بعض بعد ان تضع الجص بينها لتبني منها غرفة أو كوخاً تكون قد انجزت بذلك عملاً مبدعاً ومنتجاً، لأنك أوجدت قيمة استهلاكية جديدة لم تكن موجودة من قبل، إنك بذلك بنيت كوخاً ينفع للسكن ويؤمن احدى حاجات الانسان.
المثال السادس : انك حين تهدم بيتاً قديماً لتبني مكانه بيتاً جديداً، فإن هدم ذلك البيت الذي لم يكن ينفع للسكن يتسبب في ايجاد قيمة جديدة للأرض، فاذا لم يكن الهدم لهذا الغرض فهل يعطيك أحد أجراً على مجرد هدم البيت ؟ كلا ، وليس ذلك فحسب بل سوف يمنعونك من ذلك أيضاً.
ان الانسان يقدم أحياناً على أعمال غير مبدعة ولا منتجة (أي لا تنتج قيمة استهلاكية جديدة)، فلو أخذت مِعولاً ودمرت به البيت الذي بنيته فانك تنجز عملاً يغير في الطبيعة شكلاً من الاشكال، ولكنه لا يعتبر منتجاً إلا اذا كنت تنوي تحويل البيت الى أرض لتبني عليها بناءً حديثاً.
حدود الملكية الناتجة عن العمل المبدع والمنتج
ان الملكية الناتجة عن عمل الانسان المبدع والمنتج ملكية محدودة وليست مطلقة لأن الانسان يستخدم في كل عمل انتاجي مواد موجودة في الطبيعة، وهي
مواد لم يكن له دور في خلقها وانتاجها، ولا يمكن انتاج أي شيء دون استخدام المواد الطبيعية. فحتى الذي يغني أو يقرأ شيئاً يجب عليه استخدام الهواء لكي ينتقل صوته الى الآخرين.
في المثال الذي ذكر حول البيت الطيني كان عملك استخدام التراب والماء الموجودين في الطبيعة من أجل صناعة الآجر وبناء البيت، ولكنك لم تنتج الماء والتراب بل أعطيتهما شكلاً جديداً لم يكن موجوداً من قبل، وعلى هذا فانك ستصبح مالكاً للآجر في حدود عملية صنعه وتشكيله، وبعد ان ألصقت قطع الآجر ببعضها بالجص ووضعت بعضها فوق بعض لتصنع حائطاً وتبني منها غرفة وبيتاً، أصبحت مالكاً لذلك البيت، ولكن أصل التراب الموجود في الآجر والبيت ليس نتيجة لانتاجك ولهذا السبب فهو لا يعتبر ملكاً لك أيضاً(١) ، وعلى هذا الاساس فان الملكية الناتجة عن الانتاج والعمل المبدع محدودة بدور ذلك الانتاج والابداع في ايجادها.
استناداً الى ما تقدم، هناك سؤال يقول : هل إن الشخص الذي يصنع الآجر ويبني البيت يعتبر مالكاً لآجره وبيته، أم لا ؟
وهناك مسائل عدة يطرحها هذا السؤال :
١ - هل انك في عملية صنع الآجر وبناء البيت تناولت شيئاً من الطبيعة وأكلته لتكتسب طاقة لصنع الآجر وبناء البيت ؟ وان لم تحصل على الغذاء ولم تكن قادراً على العمل بعد أن سقطت منهوك القوى فهل تستطيع بعد ذلك أن تصنع آجراً وتبني بيتاً ؟
٢ - لنفترض أن هناك مُزارعاً ينثر في الصحراء ثلاثين كيلوغراماً من بذور القمح لتكون بعد ستة أشهر ثلاث مئة كيلوغرام، فلمن هذه الثلاث مئة كيلو من القمح التي أنتجها ؟ قد يقال انها تتعلق بالزارع وحتى لو زرعها في أرض مغصوبة فهي له.(٢) والسؤال هو هل ان هذه الثلاث مئة كيلوغرام هي له حقيقة ؟ فلو لم ينزل المطر، ولم تشرق الشمس، ولم تكن هناك المواد المختلفة التي يجب أخذها
____________________
(١) يستند البحث حتى حذه المرحلة على أساس المنطق الفطري وسوف نطرح فيما بعد كيفية هذه الملكية من وجهة نظر الاسلام.
(٢) الزرع للزارع ولو كان غاصباً.
من الهواء لتصير حبة القمح عشر حبات، فهل كان هذا الشخص يملك الآن ثلاث مئة كيلوغرام من القمح ؟ وعلى هذا الأساس فإن الارض والمطر والشمس والكاربون المستخلص من الهواء من قبل هذا النبات والبذور وأدوات العمل والعوامل الأخرى كلها شريكة معه، فالغيوم والهواء والضباب والشمس والاملاح تعمل معاً لكي يحصل هذا الشخص ببذر ثلاثين كيلوغراماً من القمح على ثلاث مئة كيلوغرام منه.
٣ - هل ان الانسان الأول الذي خرج من بطن أمه تواً ولم يرث تجربة الزراعة والعمل كان يخطر بباله أن ينثر ثلاثين كيلوغراماً من القمح ليحصد ثلاثة مئة كيلوغرام ؟ ولو لم يتعلم هذا الشخص هذه التجربة من التاريخ والمجتمع فهل كان بعد ذلك يستطيع القيام بهذا العمل ؟ وعلى أساس ذلك لا بد من تعيين حصة للتجربة الاجتماعية أيضاً.
٤ - انكم تتذكرون الحوادث التي وقعت في مدينة كنبد(١) حيث أتلفوا محاصيل القمح في تلك المدينة، فلو لم تكن قوات المحافظة على الأمن موجودة في بداية الموسم الزراعي وأثناءه ونهايته وأثناء الحصاد لأجل المحافظة على الأمن فهل كان يستطيع مثل هذا الشخص انتاج قمحه ؟ اذن هناك عوامل اجتماعية أخرى تؤثر أيضاً في ايجاد هذه الثلاث مئة كيلوغرام من القمح، وعليه فقد توضح أن العمل المنتج والمبدع يكون مصدراً لاعتبار الملكية بحدود معينة، وهذه الحدود بدورها أضيق مما كان يخطر في أذهاننا في البداية.
ان التفكير الاشتراكي يذهب في هذه العملية الحسابية الى أبعد من هذا أيضاً فيدعي أن عمل الانسان المنتج والمبدع لا يعتبر مصدراً لملكيته بل هو مصدر لملكية المجتمع، إذ يقال استناداً الى هذا التفكير ان الماء والتراب والمطر والهواء ملك للمجتمع، وان العمل الذي ينجزه الفرد قد اكتسب تجربته فيه من المجتمع الذي يوفر له الأمن أيضاً، وعلى هذا يمكن القول ان ما ينتجه الفرد ملك للمجتمع لأن الفرد ليس هو الذي ينتج في الحقيقة بل ان المجتمع هو الذي ينتج. هذا هو
____________________
(١) المقصود هنا الحوادث التي وقعت عام ١٩٧٩ م في مدينة كنبد من قبل العناصر المضادة للثورة والتي قامت هذه العناصر خلالها بإشعال الحرائق في مزارع القمح وباقي المحاصيل والمخازن التي جمعت فيها حصيلة جهود الفلاحين والكادحين في تلك المنطقة وذلك من أجل الحاق الضرر بالثورة الاسلامية. (م)
أحد أسس الفكرة الاشتراكية، وهذا الأساس يتمثل في الملكية الاشتراكية والجماعية التي تقضي بإعطاء الملكية - الناتجة عن العمل المنتج والمبدع - للمجتمع. ولكن التفكير الاشتراكي في هذه المسألة متطرف وخيالي، إذ لا يمكن انكار الدور الخاص لفرد من الناس مهما كان ضعيفاً. ومرد ذلك الى :
أولاً - ان أول إنسان تعلم تجربة الزراعة وجني محصول أكبر من خلال تفسير مشاهداته وتحويلها الى تجربة، يعود إبداعه هذا الى نفسه، إذ لا يمكن للمجتمع أن يكون مبدعاً، بل يستطيع أن يضع تحت تصرف الفرد إمكانيات الإبداع وأدواته. فالقول بأن المجتمع بأجمعه يملك الإبداع، ضرب من ضروب المزاح لا أكثر، فأعمال الابداع عادة تتعلق بفرد أو عدة أفراد يشتركون في إنجاز عمل معين، وليس كل الناس مبدعين ومبتكرين وحتى لو كانوا كذلك فليست ابتكاراتهم من نوع واحد ولا بدرجة متساوية، وعلى هذا الأساس فان كل انسان يملك نصيبه الخاص من هذه الإبداعات.
ثانياً - هل إن الناس على درجة واحدة ومتساوون في استفادتهم من الامكانات والابداعات والتجارب الموروثة ؟ هناك أفراد ضعيفو المزاج، أو كسالى، أو ينتظرون ما هو جاهز، أو ممن يتهربون من العمل، ولو وضعت جميع الامكانيات تحت تصرفهم فإنهم ينتظرون الحصول على غذاء جاهز، وفي مقابل هؤلاء هنالك أفراد يجوبون آفاق السماء والارض من أجل العمل والانتاج، فنسبة الاستفادة من المخلوقات والامكانيات وجميع الأشياء المتوفرة للجميع غير متساوية لدى جميع الأفراد، بل ان لكل فرد خصوصياته وصفاته.
قد يقال إن هذه الخصوصيات لا تخص الفرد نفسه بل إنها تتبع العوامل الطبيعية (كعدم وصول المواد اللازمة الى جسمه في مرحلة الطفولة) والعوامل الاجتماعية (كالتربية الخاطئة وأمثالها). ونحن نسأل هنا : لو جعلت جميع الظروف الطبيعية والاجتماعية لمختلف الناس متساوية فهل سيخلقون جميعاً على نمط واحد وشكل واحد وقالب واحد ؟ أم ان هذه الاختلافات موجودة عادة في طبيعة الانسان(١) ؟ وكيف يا ترى وجدت الازدواجية في صفات الناس منذ اليوم الأول ؟ ولا شك - في نظرنا - في أن الانسان كفرد يملك هوية فردية، ومع أن
____________________
(١) لقد أخذت بنظر الأعتبار في هذه المسألة جميع العوامل الحينية والصحية والغذائية.
هذه الهوية غير مستقلة عن الطبيعة والمجتمع استقلالاً كاملاً، فان كل فرد يملك بمقدار معين هويته الخاصة.(١)
باء - الحيازة
توجد في الطبيعة كمية من القيم الاستهلاكية التي يحتاج اليها الانسان بصورة جاهزة ولا يحتاج في استهلاكها الى انجاز عمل معين. من أمثلة ذلك :
هناك مناطق تقع على أطراف مدينة قم يتوفر فيها الملح بصورة جاهزة يمكن أن نأخذ منه حاجتنا، أو هناك في الغابات كثير من الفواكه البرية كالبلوط أو بعض الفطريات غير السامة التي يمكن الاستفادة منها كغذاء للانسان، أو مياه الينابيع والأنهار التي تعتبر قيمة استهلاكية جاهزة موجودة في الطبيعة، فما هي علاقة الانسان بهذه القيم الاستهلاكية ؟ فمثلاً لو ذهب شخصان : (أ) و(ب) الى الغابة للحصول على غذاء، ووصلا الى شجرة تفاح كان قد سقط بعض ثمارها على الأرض، فأسرع (أ) والتقط الثمار من على الأرض واستولى عليها وجعلها لنفسه، فهل يستطيع (ب) أن يأخذ هذه الثمار من (أ) ؟ مع الافتراض أن هناك شجرة أخرى من النوع نفسه على مسافة أبعد قليلاً وتحمل ثماراً أيضاً، فهل يحق مع ذلك ل(ب) مطالبة (أ) بحصة من التفاح ؟
تمتاز طريقة بحثنا الآن في أننا نسير وفقاً لمنطق الفطرة. أي ما يسهل على الوجدان الانساني إدراكه وتقبُّله، وفي هذا الافتراض يقتنع الجميع بسهولة بأن ليس ل(ب) مثل هذا الحق، فما هي العلاقة - في هذه الحالة - بين (أ) وهذه المجموعة من التفاح ؟ ولماذا لا يستطيع (ب) مطالبته حتى بتفاحة واحدة ؟ السبب
____________________
(١) هناك ثلاثة أنواع من مناهج التفكير في معرفة الانسان وهي :
أ - اصالة الفرد ( Individualism ) : ويقوم هذا المنهج على أساس الاعتقاد بأن الفرد الانساني موجود مستقلّ استقلالاً تاماً.
ب - اصالة المجتمع (الاشتراكية الفلسفية) في هذا المنهج تعتبر الحقيقة العينية هي مجموع الناس، ولا أصالة هنا للفرد الانساني بل هو مسألة افتراضية. فكل انسان جزء من كل، ولا حقيقة إلا لهذا الكل.
ج - الاصالة المختلطة للفرد والمجتمع والتي لا تعتبر الانسان مستقلاً عن المجتمع مئة في المئة، ولا منصهراً فيه مئة في المئة، بل هو تابع للمجتمع بمقدار معين، والمجتمع أيضاً تابع له بمقدار معين آخر. فالانسان وليد بيئته الطبيعية والاجتماعية، وهو في الوقت نفسه يخلق بيئة طبيعية واجتماعية، وهناك الكثير من الأمور المتعلقة بهذا الصدد لا مجال لبحثها الآن.
هو أنّ «ملكية» قد حدثت، لكن هل المقصود بالملكية هنا أن الشخص (أ) قد انجز عملاً انتاجياً وخلق قيمة استهلاكية جديدة ؟ من المؤكد أنه لم ينجز عملاً انتاجياً بقطف التفاح وجمعه، بل أخذ من مخزون الطبيعة بمقدار حاجته (في حالة وجود كمية وفيرة من التفاح) ويسمى هذا النوع من التملك في الاصطلاح الفقهي ب«الحيازة».
الحيازة والملكية
هل يصبح الانسان مالكاً في مثل هذا «الأخذ» من القيم الاستهلاكية المتوفرة بشكل جاهز في الطبيعة؟ لنضرب مثالاً لفهم هذه المسألة :
اننا نعرف أن ثمن الفاكهة أرخص في محل البيع بالجملة منه في محل البيع بالمفرد، فلو جمع عدد من الأشخاص مبلغاً من المال واشتروا به صندوقاً من الفاكهة فأصبحوا جميعاً يملكون هذا الصندوق بشكل مشاع، ثم أخذ كل واحد منهم حصته منه وذهب لسبيله، فهل سيصبح الشخص (أ)(١) مثلاً مالكاً لحصته بأخذها فقط ؟ أم بالمال الذي دفعه مسبقاً مع الآخرين ؟ ان اخذ الشخص (أ) لحصته يحولها من حصة مشاعة الى حصة مفروزة ومعينة، والا فإن مبدأ الملكية كان موجوداً بشكل مشاع قبل ذلك، وعلى هذا الأساس نتساءل : هل «الحيازة» هي منشأ الملكية أم أن الانسان يملك قبل الحيازة أيضاً ؟ ألم يكن هناك وجود للعلاقة بين البشر الذين وجدوا في هذا العالم على طول التاريخ وبين هذه الطبيعة الجاهزة قبل أن يوجد «الأخذ» و«الحيازة» ؟ أليست هناك علاقة ملكية مشاعة بين البشر والمواد الموجودة في الطبيعة قبل الحيازة ؟
في بعض الأحيان يجاب على هذا السؤال بالقول : إن حاجة الانسان الى هذه المواد المتوفرة في الطبيعة من أجل استمراره في الحياة دفعت الإتسان ذا التفكير السليم الى أن يفكر بعلاقة ملكية بين الانسانية ككل والطبيعة ككل، أي أن جميع البشر يملكون الطبيعة كلها، ولكل انسان حصة مشاعة في هذه الطبيعة، وان الأخذ والحيازة تفرزان حصته المشاعة. فلو أخذ بمقدار حاجته في حالة الوفرة بحيث يمكن للآخرين أن يأخذوا (بمقدار حاجتهم) فان منطق الفطرة يتقبل هذا الأمر، ولو لم
____________________
(١) على فرض أن الشخص (أ) واحد من الذين اشتركوا في شراء صندوق الفاكهة.
تكن وفرة بل كانت هناك شحة (كما في مثال التفاح مثلاً) وأخذ الشخص (أ) بمقدار ما يشبعه فقط، فحين يأتي الشخص التالي ويرى أنه لا يوجد أي شيء (سوى تلك الكمية من التفاح)، فإنّ له الحق في أن يطالب (أ) بحصته، ووجداننا الانساني يعطيه هذا الحق أيضاً، ألا يدل هذا على أن الأساس الفطري لهذه الفكرة يتمثل في أن الاشخاص : (أ) و(ب) و(ج) و(د) و... الخ جميعاً شركاء في هذه الطبيعة ككل، وأنه يجب - لهذا السبب - أن نأخذ بنظر الاعتبار شركاء آخرين أيضاً ؟(١)
في مثال شراء الفاكهة بصورة مشتركة من قبل عدة اشخاص نرى أنه : مع أن حصة كل واحد منهم قد لا تزيد عن اثنتين - وهو عدد قليل جداً لاستهلاك أسرة كل منهم - ولكنهم لا يحق لهم - حين التقسيم - المطالبة بأكثر من ذلك، وعليه فان الحيازة تعتبر مصدراً للملكية حسب المنطق الفطري ولكن بشكل محدود ومشروط.
نستنتج من ذلك أن الفكرة التي تنص على أن حاجة البشر للمواد المتوفرة في الطبيعة تعتبر مصدراً لملكيتهم العامة تجاه الأنفال والثروات العامة الموجودة في الطبيعة، وأن لكل انسان حصة تتناسب مع حاجته، ومع وفرة تلك المادة أو شحّتها في الطبيعة، فكرة ليست خاطئة.
والآن يجب أن نعرف ماذا نجد من الاشارات(٢) بهذا الصدد في نصوصنا الاسلامية، فهذه رواية رويت عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من قبل العامة والخاصة، ورويت بعبارة أخرى عن الامام الكاظم (ع):
«الناس شركاء في ثلاثة : النار والماء والكلأ».(٣)
____________________
(١) يجب الالتفات في هذا الصدد الى ما يلي :
إننا نقول حيناً ان الشخص (أ) قد أخذ ذلك العدد من التفاح في حالة الشحة فأصبح مالكاً لها، ولكن حين يأتي كل من (ب) و(ت) و(ث) و... يجب عليه أن يعطيهم مما يملك، وفي هذه الحالة نقول : إن الحيازة تعتبر مصدراً للملكية حتى في حالة الشحة، ولكنه يجب حينئذ على المالك أن يعطي الآخرين مما يملك. ونقول حيناً آخر انه مبدئياً لا يملك في حالة الشحة أكثر من تفاحة واحدة، وعلى أقل تقدير - وحتى لو لم نقل شيئاً بهذا الصدد - فإن من الواضح في منطق الفطرة أن الشخص (أ) لا يصبح مالكاً لكل ذلك التفاح. فلم يعد هناك - في أقل تقدير - مبرر لملكيته له، إذ ان منطق الفطرة لا يؤيد هذا الأمر في حالة الشحة.
(٢) ان لم نقل هناك «نصوص» ففي الأقل يمكن القول إن هناك «إشارات» بهذا الصدد.
(٣) مستدرك الوسائل، ج ٣ ص ١٥٠، كتاب احياء الموات، الباب الرابع، الرواية رقم (٢).
والنار تعني : «المواد المستعملة في الوقود وما تضرم منه النار» والكلأ يعني : المراتع «أي النباتات التي يستفيد منها الانسان والحيوان».
أما ما روي عن الامام موسى الكاظم (ع) فهو كالآتي : «إنّ المسلمين شركاء في الماء والنار والكلأ».(١)
وعلى هذا الأساس لو وجدنا دستور الاتحاد السوفياتي ينص في فصل الاقتصاد على : «ان المعادن والمياه والغابات والمراعي وأمثالها أملاك عامة وملكيتها ملكية عامة» فإن هذه المسألة ليست من مبتكرات الماركسية،(٢) وقد جاء في ذلك الدستور أن ملكية هذه الأشياء ملكية «عامة» و«حكومية».
تقول الروايات بهذا الصدد : (عن ابي بصير عن ابي جعفر (ع) قال : «لنا الأنفال، قلت وما الأنفال ؟ قال : منها المعادن والآجام، وكل أرض لا ربّ لها، وكل أرض باد أهلها فهو لنا»).(٣)
وجاء في رواية أخرى : «أو بطون الأودية»(٤) او «وبطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام...»(٥) فهذه الأشياء (حسب هذه الروايات) ملك للإمام. أي انها ملك للدولة والأمة، وهذا يعني أن ملكيتها ملكية عامة، والناس شركاء في هذه الملكية، ويشمل ذلك حتى المواد الاستهلاكية الموجودة في الطبيعة بصورة جاهزة، والتي تسمى في اصطلاحنا الفقهي «المعادن الظاهرة» ولننقل هنا هذه الفتوى :
«في المعادن الظاهرة وهي التي لا تفتقر الى إظهار (كالملح والنفط
____________________
(١) التهذيب : للشيخ الطوسي ج ٧ كتاب التجارة ص ١٤٦، باب بيع الماء والمنع منه، الحديث رقم ٦٤٨.
(٢) جاء في المادة الحادية عشرة من الدستور السوفياتي الذي اقر في (٧) أكتوبر من عام ١٩٧٧ م ما يلي :
«إن ملكية الدولة تعتبر ملكاً عاماً لجميع أفراد الشعب السوفياتي، وهي الشكل الأساس للملكية الاشتراكية، فالأرض والثروات التي في باطنها، والمياه والغابات تنحصر ملكيتها بالدولة».
(٣) وسائل الشيعة، ج ٤، كتاب الخمس، الحديث (٢٨)، ص (٣٧٢).
(٤) وسائل الشيعة، ج ٤، كتاب الخمس، الحديث رقم (٣٢)، ص (٣٧٢).
(٥) وسائل الشيعة، ج ٤، كتاب الخمس، الحديث رقم (٣٢)، ص (٣٧٢).
والقار) لا تملك بالإحياء ولا يختص بها الحَجر(١) ، وفي جواز إقطاع السلطان المعادن والمياه تردد، وكذا في اختصاص المقطع بها، ومن سبق اليها فله أخذ حاجته».(٢)
فعلى أي أساس قيل في هذه الفتوى : «فله أخذ حاجته» ؟ هل على أساس ان لا داعي لأن يأخذ أكثر من حاجته ؟ أم أن المسألة أكبر وأن المقصود من ذلك أنه يحق له مبدئياً أخذ مقدار حاجته، ولا يحق له أخذ أكثر من ذلك (ولو كان هناك داع لذلك) ؟
والدليل على كون الحيازة مصدراً للملكية يتمثل في أن هذه المسألة تشاهد في النصوص الفقهية على شكل استرسال مسلّمٍ به من قبل الفقهاء. واضافة الى ذلك هناك حديث نبوي بهذا الصدد وهو :
«من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم، فهو له».
وعلى هذا الأساس فان منطق الفطرة يعتبر الحيازة سبباً ومصدراً ثانياً للملكية، وكذلك الحال في دين الفطرة إذ أورد تعليماً بهذا الشأن.
جيم - الخدمات
المصدر الثالث للملكية هو «الخدمات»، فهناك بعض الأعمال التي لا يسمونها أعمالاً انتاجية، إذ أن العمل الانتاجي اصطلاح يطلق على العمل الذي يحدث تغييراً في الشكل لأيِّ جرم أو شيء مادي وعيني وخارجي بحيث ينتج ربحاً. فمثلاً حين تحوُّلُ قطعة من الحديد الى فأس أو منشار أو مسمار أو حدوة حصان أو عتلة أو أي شيءٍ آخر، أو حين تقوم بإذابة خامات الحديد وتصفيتها وتبديلها الى حديد، حينذاك يقال إنك أنجزت عملاً إنتاجياً.
ان بعض الأعمال لا يتسبب في ايجاد عينية خارجية بل تعود نتيجته الى الآخرين، فمثلاً حين يعالجك الطبيب، أو يزرقك المضمد حقنة، أو يضمد الممرض جرحك، وأمثال هذه الأعمال، فأي عمل يتم انجازه هنا ؟ حين يعرض شخص معين عمله الحي ليرفع به احدى حاجاتنا ويلبي احدى رغباتنا فإن مثل هذه
____________________
(١) الحَجرُ في الاصطلاح الفقهي : عبارة عن إيجاد سياج من الحجر ووضع علامات على الأرض وغير ذلك مما يفعله الذي يريد إعمار الأرض التي لا مالك لها لكي يمنع غيره من حيازتها. (م)
(٢) شرائع الاسلام للمحقق الحلي، ج ٣، كتاب إحياء الموات، ص ٢٧٨.
الأعمال تسمى بالخدمات.
الخدمات والملكية
الانسان يملك عمله الحي والنافذ، فلو أوجد على أثر عمله الحي والنافذ جسماً عينياً له هيكل خارجي، أو حالة جديدة وقيمة استهلاكية جديدة فإنه سوف يصير مالكاً للجثة الميتة لعمله الحي أيضاً، وهكذا الأمر في العمل الانتاجي، والآن لو أنجز الانسان عملاً حياً ولكن نتيجته مجردة عن هذه الجثة، فهل هناك شيء يملكه (في الظاهر) ؟ هل يمكن القول : إن الطبيب الذي يمارس عمله في علاج أحد المرضى يملك صحة ذلك المريض وعافيته ؟ ولو أخذت قطعة من قماش الى الخياط وخاطها فهل يصبح شريكاً لك في تملكها ؟ وهل يمكن للطبيب حين تأخذ اليه ابناءك ليعالجهم أن يطالبك بحصة منهم ؟ وهل يمكن للمعلم حين يدرس تلاميذه أن يدعي أنه قد أصبح مالكاً لمعلوماتهم وأن كل ما تعلموه ملك له(١) ؟ وعلى هذا الاساس فإن الانسان - في الخدمات - لا يملك عينية خارجية تنتج من عمله كما هو الحال في العمل الانتاجي، ومع ذلك فان الخدمات تعتبر مصدراً للملكية. بمعنى أن الانسان إذ يملك هذا العمل فهو يستطيع أن يحصل على شيءٍ ما عن طريق مبادلته بعينية خارجية قابلة للتملك، وهذا صحيح من وجهة النظر الفطرية والاجتماعية، ومن الناحية الفقهية هناك اعتبار للملكية أيضاً.
وعلى ضوء ما تقدم فقد عرضنا ثلاثة أنواع من العمل باعتبارها مصادر
____________________
(١) هناك نقاش في بعض الأعمال مثل التعليم والتدريس حول، هل أنها أعمال انتاجية أم لا ؟ وهذه المسألة تابعة الى كيفية النظر الى هذه الاعمال، فحيناً ندرس من أجل المعرفة الصرف، فبعض الناس يرغبون في مزيد من المعرفة، وكثير من مطالعات الأفراد سببها ظمأهم الى المعرفة، ومن المؤكد أن هذا النوع من التدريس يعد من الخدمات، لكن حين يكون التدريس في مستوى الانتاج كالدورات التدريبية التي تقام في المصانع من أجل تحويل العامل البسيط أو العامل الفني الى عامل ماهر فما الهدف هنا ؟ الهدف هو رفع مستوى الانتاج، وعليه فان الدرس المهني الذي يعطى للعامل يدخل ضمن خط الانتاج، فماذا يضر لو سمي هذا النوع من التعليم عملاً انتاجياً غير مباشر ؟ لأن العمل الانتاجي - على ضوء ما تقدم - عبارة عن العمل الذي ينتج - بشكل مباشر أو غير مباشر - احدى البضائع أو الأشياء التي يحتاج اليها الانسان، ومن المؤكد أن هناك بعض الأعمال تتبلور نتيجتها في شكل عمل ميت، ومخزون على شكل تجسيد للعمل بعيداً عن النشاط في إطار جرم أو جسم معين، وهناك أيضاً بعض الأعمال المربحة بغير هذه الحالة بل هي أعمال حية لا يبقى منها شيء بعد استخدام الانسان لها ونطلق على هذا النوع من الاعمال اسم الخدمات.
للملكية :
١ - العمل الانتاجي.
٢ - العمل الحيازي.
٣ - العمل الخدمي.
ثلاثة مصادر أخرى للملكية
ان العوامل الثلاثة التي ذكرت لحد الآن هي في الحقيقة مصادر ل«الملكية الابتدائية» وهناك - اضافة الى هذه العوامل الثلاثة - ثلاثة عوامل أخرى أيضاً تعتبر مصادر ل«الملكية الانتقالية».
أوّلاً - المبادلة
في المبادلة توضع عادة قيمتان استهلاكيتان في مقابل بعضهما، أي ان الانسان يعطي قيمة استهلاكية، ليأخذ قيمة استهلاكية أخرى. وهكذا نجد مصدراً جديداً للملكية يسمى ب«المبادلة». انك حين تملك شيئاً ما، وهناك شخص يملك شيئاً آخر تحتاج اليه وترغب في اقتنائه، فإنّ المنطق الفطري يعطيكما حق «المبادلة» هنا، أي يسمح لك بأن تعطيه الشيء الذي تملكه أنت ويحتاجه هو، وتأخذ منه ما يملكه هو وتحتاجه أنت، ونتيجة لهذا العمل تصبح أنت مالكاً لما كان عنده ويصبح هو مالكاً لما كان لديك، مثلاً انت تملك أربعة أرغفة من الخبز ولا تملك أداماً، وصديقك عنده أدام ولا يملك خبزاً فتعطيه رغيفاً من الخبز وتأخذ منه ما يقابل ثمنه من الادام، وهو بدوره يعطي الأدام ليحصل على الخبز. انك كنت قبل المبادلة تملك الخبز وصديقك يملك الأدام، ولكن الملكية تتغير أماكنها بعد إجراء المبادلة فتكون مالكاً لبعض الأدام وبعض الخبز، ويصير هو مالكاً في المقابل مثلك، ولا يهم هنا معرفة مصدر الملكية في الخبز أو الادام، سواء كان ذلك المصدر عملاً إنتاجياً، أو حيازياً أو خدمياً، لأن الطرفين يملكان ما يتبادلانه، على كل حال، إن المبادلة تأتي في المرحلة الثانية. إذ ما لم تكن مالكاً لشيء معين بأحد الطرق الثلاثة التي مرّ ذكرها فلن تكون مالكاً للشيء الآخر، وأحياناً تجري المبادلة بالعمل الخدمي فيكون أحد طرفي المبادلة مالكاً لعمله الانتاجي والطرف الآخر مالكاً لعمله الخدمي. فمثلاً حين كان الأطباء في السابق
يذهبون الى القرى كانوا يذهبون اليها حاملين معهم محفظة أقلام وبعض القصاصات من الورق ليعودوا وقد حمل كل منهم خرجاً مملوءاً، فكان الطبيب يعرض علاجه ويبادل عمله الحي الذي كان يملكه بانتاج القروي أو حيازته، وأحياناً يتبادل الانسان الخدمة بخدمة أخرى. فمثلاً يعالج الطبيب صباغاً بشرط أن يصبغ عيادته ففي هذه الحالة تُبادل الخدمة بالخدمة.
ولا يمكن للانسان المتقدم في ميدان الاقتصاد أن يؤمِّن جميع حاجاته بشكل مباشر عن طريق الانتاج أو الحيازة أو الخدمات التي يقدمها، ولذلك فهو ينتج واحدة أو اثنتين من القيم الاستهلاكية الفائضة عن استهلاكه او استهلاك أسرته، أو يحصل عليها عن طريق الحيازة، أو يعرضها على شكل عمل خدمي، ثم يبادلها بأنواع أخرى من القيم الاستهلاكية التي يحتاجها هو ولا ينتجها هو، بل يعرضها أناس آخرون.(١) وهناك فيما يتعلق بالمبادلة نقطتان لا بد من ذكرهما :
١ - يمكن للمبادلة أن تتحول الى أرضية للظلم والاستغلال. فقد يتملك أحدهم مثلاً كمية كبيرة من القيمة الاستهلاكية عن طريق الحيازة السهلة ويخزنها ثم يطلب من الآخرين القيام بخدمات عسيرة له ليعطيهم في مقابلها جزءاً مما خزنه كأجر عمل.
٢ - قد تجري المبادلة حيناً بشكل طبيعي كما كان الحال في المراحل الأولى للحياة البشرية البسيطة. فمثلاً هناك قروي يملك بيضاً ولا يملك لحماً، فيعطي البيض لجاره ليأخذ منه اللحم، وغير ذلك من الأمثلة المشابهة، ففي هذه الحالة تمثل المبادلة جانباً من أعمال المعيشة العادية، ولكن هذه المبادلة تتحول في
____________________
(١) هنا تبرز مسألة «قيمة المبادلة» فما ذكر لحد الآن كان «قيمة الاستهلاك» ولكن ومع ظهور «المبادلة» في الحياة الاقتصادية للبشر برزت مسألة قيمة المبادلة أيضاً، وقيمة المبادلة عبارة عن : نسبة تبادل قيمتين استهلاكيتين مع بعضهما، ونسبة التبادل هذه قد تعقدت في المجتمعات المختلفة الى حد يستوجب بحثاً مفصلاً جداً، وهذه النسبة هي التي يمكنها أن تكون عادلة أو مجحفة، ونحتاج الى كثير من البحث لكي نعرف بأي مقياس يجب تعيين هذه النسبة لكي تكون عادلة، فهل يمكن اعتبار مقدار العمل اللازم لتعويض الطاقة المستهلكة في عملية المبادلة مقياساً لذلك ؟ وهل ان ساعات العمل هي المقياس في ذلك ؟ هل ان المقياس هو ساعات العمل مع أخذ وسائل الانتاج بنظر الاعتبار ؟ هل ان المقياس هو ساعات العمل مع مراعاة وسائل الانتاج والكيفية ومقدار رغبة الناس في البضاعة ؟
إن أساس الحسابات الاقتصادية وتعقيدات علم الاقتصاد وحتى الكثير من الفلسفات الاقتصادية يتمثل في مسألة قيمة المبادلة ونسبتها هذه.
المراحل الاقتصادية الأكثر تقدماً، وفي أساليب الحياة الأكثر اتساعاً، الى حرفة من الحرف، ففي مرحلة مبادلة البضاعة ببضاعة اخرى، كان عمل البائع المتجول أن يأتي بكمية من البضاعة من المدينة ليعطيها للقروي ثم يأخذ بضاعة القروي ويجلبها الى المدينة، فهذا العمل (حرفة البائع المتجول الذي كان في مقابل هذه الخدمات) يستوجب تحقيق مقدار من الربح والأجر أو حق التعب. فمثلاً كان يأخذ مترين من القماش الى القرية ليحصل في قبالها على عشرين بيضة، ثم يعطي هذه العشرين بيضة للبزاز ليأخذ منه مترين وربعاً من القماش، فهو قد حصل على «ربع المتر» من القماش أزاء عمله الخدمي الذي قدمه. فهو يعيش بهذه الطريقة، ثم حين يعود الى القرية يأخذ معه هذين المترين والربع من القماش ويعطيها للقروي ليحصل منه في قبالها على خمس وعشرين بيضة، وهنا يحصل على خمس بيضات لتكون غذاءً له ولأفراد أسرته، وعليه فإن المبادلة تتحول حيناً الى عمل وحرفة. فهي حينئذ نوع من الخدمات. وهنا أيضاً تتوفر أرضية الظلم والاجحاف، فمثلاً يعمل بقال معين(٨) ساعات في اليوم ليحصل في الأحوال الاعتيادية على دخل قدرة (٨٥٠) توماناً(١) ، وقد نجد هذا الشخص يملك بعد انقضاء النهار دخلاً مقداره (٣٠٠٠) تومان، فهنا ارتكب ظلماً واجحافاً. وهذه هي بداية طرح مسألة تحديد الأسعار التي تعتبر من المسائل الاقتصادية المهمة.
٣ – التجارة والمبادلة في هذه الحالة نوع من العمل الخدمي الذي يحصل منجزه على شيء ما مقابل الخدمة التي يقدمها. وعلى هذا الأساس يعتبر الشخص المبادل عاملاً(٢) . ويجب بالطبع احتساب القيمة الانتفاعية - لمنجز المبادلة الذي هو
____________________
(١) التومان عملة معدنية ايرانية تساوي ٨ / ١ الدولار الامريكي.
(٢) حينما ننطق بكلمة عامل فان لذلك معنى واسعاً في النظام الاجتماعي، فالبقالة تعتبر نوعاً من العمالة، والتجارة نوعاً من «العمل»، ولا ينحصر اطلاق تسمية العمل على العمل البدني فقط بل ان الجهد الفكري أيضاً نوع من العمل، فمثلاً يستخدم الفرد في الادارة والمحاسبة ذكاءه ومعلوماته الاقتصادية ويعمل، فمثل هؤلاء أيضاً نوع من العمال ولكن الشيء الذي يطرح نفسه هو قيمة عمل هؤلاء، لأن المدير هنا سوف يخسر بدلاً من أن يربح ان لم يتمتع بالذكاء والمعلومات الكافية عن البضائع والاسعار والمعادلات الاقتصادية، ولكنّ النقاش يدور حول أجور هذا المدير أو التاجر وأنه لا ينبغي الاجحاف في ذلك، وأنه يجب أن يحصل على أجور مشابهة لأجور العامل أو اذا قيل ان عمله فكري وهو يبذل جهداً أكبر فلتكن أجوره ضعف أو ثلاثة أمثال أجور العامل وليس عشرة أمثال أو مئة مثل.
التاجر - بدقة لكي تكون قيمة عادلة لا كما هو المعتاد في النظام الرأسمالي الذي تكون فيه الأسعار مجحفة جداً بحيث يحصل المرء بتوقيع واحد على عشرة ملايين تومان، وباتصال هاتفي أو تلكس واحد على مئة مليون تومان، وقد أصبح اليوم أمراً عادياً أن تستورد البلدان المختلفة بضائع من الخارج، ويجب هنا على الشخص الذي تقلد منصب ادارة تجارة بلدٍ معين أن يكون خبيراً بشؤون عمله، وذا معلومات كافية بهذا الصدد، ولكن لا يحق له بسبب ذلك أن يطالب بامتصاص دماء الناس بل ينبغي عليه أن يتسلم راتباً معقولاً، ونحن هنا نعطي الحق بتسلم الراتب لمن كان عمله ذا نتيجة معينة فإن كان هناك شخص لا يتأثر العمل بوجوده أو عدمه، فلا ينبغي إعطاؤه راتباً.
ثانياً - الهبة
المصدر الثاني لانتقال الملكية هو «الهبة»، ويكمن الفرق بينها وبين المبادلة في أن كلاً من طرفي المبادلة يعطي الطرف الآخر ولكن الهبة أحادية الجانب. أي انك تملك شيئاً ما فتهب ما تملك لشخص آخر ليصبح بهبتك هذه مالكاً لذلك الشيء، ولكنك هنا لا تحصل على شيءٍ ما في مقابل ذلك، وكما يحق للانسان أن يستهلك حاصل أتعابه فان منطق الفطرة يعطيه الحق في أن يهبه بمحض ارادته وبصورة مجانية لشخص آخر ليستفيد منه ويستهلكه، فهنا تغير مكان الملكية عن طريق الهبة.
ثالثاً - الانتقال القهري
الانتقال القهري يشمل الارث وأمثاله، فالانسان في العمل الانتاجي - وكما مرّ سابقاً - يملك أية كمية ينتجها من القيمة الاستهلاكية، ولا توجد حدود لهذا النوع من الملكية إلا اذا كانت المواد الأولية للعمل محدودة، وفي العمل الحيازي أيضاً - وكما قلنا سابقاً - يمكن للانسان أن يأخذ من الطبيعة بمقدار حصته وحصة عائلته، فالأب أو الأم أو الابن الذي يعمل عملاً انتاجياً أو حيازياً أو خدمياً ليس هدفه من هذا العمل تأمين حاجته الشخصية فقط، بل يشمل ذلك
تأمين الحاجات الاستهلاكية لكلٍّ من زوجته وبنيه وأبيه وأمه وجده وجدته وأخته وأخيه وأقربائه الأقربين أيضاً، وكأنه أمر طبيعي أن يكون الهدف المادي للانسان في عمله الانتاجي أو الحيازي أو الخدمي انتفاعه هو وأقرباؤه، وعليه فلو ملك شخص ما شيئاً عن طريق الانتاج أو الحيازة أو الخدمات أو المبادلة أو الهبة والهدية ثم مات قبل أن يستهلك هذا الشيء هو أو أقرباؤه، فإن المنطق الفطري يقول هنا : إن ما بقي منه يتعلق بأولئك الذين كان يعمل أثناء حياته من أجل انتفاعهم، وإن ملكيته تعتبر «ملكاً» لهم، وهذا هو الهدف الطبيعي للبشر(١) .
وليست هذه الملكية ملكية «إبتدائية» بل هي ملكية «انتقالية» حيث كان المورث قبل ذلك مالكاً لشيءٍ ما فانتقل بعد ذلك عن طريق الإرث إلى ورثته بشكل قهري.(٢)
وهناك حالات أخرى في الاقتصاد تعتبر انتقالاً قهرياً، فلو كنت مثلاً تملك (١٥٠) كغم من الحنطة وكان جارك يملك (٧٥) كغم منها فحين تمزج هاتان الكميتان يكون ثلث هذه ال(٢٢٥) كغم ملكاً لجارك، وثلثاها ملكاً لك، وما دامت حصة كل منكما غير معزولة فانكما شريكان في كل حبة من حبات الحنطة بالنسبة التي مرّ ذكرها، وحسب الفقه الاسلامي فقد حدث هنا أيضاً نوع من الانتقال القهري، ونظراً لما شرحناه حتى الآن، لو قيل إنّ منبع الملكية وجذرها يكمن في العمل، فان ذلك كلام يطابق الاسلام.
____________________
(١) وحتى في الاتحاد السوفياتي وبعد مداولات طويلة أوردوا مسألة الارث في دستورهم مع ملكية الشخص للدار ومستلزمات المعيشة، وكذلك الحال في الصين (راجع هامش الصفحة القادمة).
(٢) المقصود هنا أصل «الإرث» وليس الارث الذي يبلغ الملايين والمليارات، اذ ان له حساباً آخر، فهذه الاموال مشبوهة ما دام الفرد حياً، فلو مات بقيت تلك الشبهة حولها.
أنواع الملكية
١ - الملكية الفردية : في هذا النوع من الملكية يعمل الانسان بنفسه فيصبح مالكاً لعمله.
٢ - ملكية المجموع : وهي نوعان :
أ - الملكية العامة : تحدث حين تكون الملكية متعلقة بجميع البشر، أو «الأراضي الخراجية» التي يملكها كافة المسلمين حتى الذين يأتون فيما بعد، أو
يسلمون فيما بعد، وقد ولدوا من أبوين غير مسلمين.
ب - الملكية الجماعية : في هذا النوع من الملكية تشترك - مثلاً - مجموعة معينة لتنجز عملاً معيناً، أو تشتري شيئاً ما فتصبح مالكة له بشكل جماعي.
إن مبدأ الملكية الفردية معترف به بشكل عام في الانظمة العالمية المعاصرة،(١) وقد اعترف الاسلام بكلٍّ من الملكية الفردية وملكية المجموع (العامة والجماعية)، وحسب المصطلحات الاقتصادية في عالمنا المعاصر. فالملكية على أربعة أنواع :
١ - الملكية الشخصية.
٢ - الملكية الخاصة.
٣ - الملكية العامة.
٤ - ملكية الدولة.
في اصطلاح الاقتصاد المعاصر يطلق على ملكية الفرد لغير وسائل الانتاج اسم الملكية الشخصية، وملكية فرد معين (أو حتى مجموعة معينة) لوسائل الانتاج تسمى ملكية خاصة، وملكية الناس للأراضي والجبال والمعادن والمياه وأمثالها ملكية عامة، وتسمى ملكية أمثال الأراضي الخراجية (التي يملكها عامة الناس ولكن الحكومة هي التي ينبغي لها التصرف بها) ملكية الدولة.(٢)
____________________
(١) حتى أننا نرى البلدان الماركسية كالصين والاتحاد السوفياتي قد اعترفت بشكل مجمل بمبدأ الملكية الفردية، إذ ورد في المادة الثالثة عشرة من الدستور الرابع للاتحاد السوفياتي الذي أقِرَّ عام ١٩٧٧م بهذا الصدد ما يلي : «إن أساس الملكية الشخصية لمواطني الاتحاد السوفياتي يكمن في الدخل الناتج عن عملهم، ويمكن للملكية الشخصية أن تشمل الأشياء المستخدمة في تمشية أمور المعيشة اليومية، والأشياء اللازمة للاستهلاك والترفيه الشخصي، والأعمال الثانوية، وبيت السكن، ومبالغ التوفير الناتجة عن العمل، والحكومة تدعم ملكية المواطنين الشخصية وحقهم في وراثتها، ويجوز اعطاء المواطنين قطع الأراضي المخصصة قانوناً للاستثمار الثانوي في تربية الدواجن والمواشي والبستنة وزراعة الخضروات، وكذلك لإنشاء دار خاصة، وعلى المواطنين استخدام قطع الأراضي الممنوحة لهم بشكل معقول، والحكومة والكالخوزات تساعد المواطنين في الأمور المتعلقة بالاستثمار الثانوي.
لا يجوز استخدام الأملاك الشخصية التي تمنح للمواطنين أو توضع تحت تصرفهم للاستفادة منها، في الحصول على دخول لا تحصل نتيجة لعمل الفرد نفسه، أو تلحق الضرر بمصالح المجتمع».
(٢) لأجل التعرف أكثر على أنواع الملكية راجع كتاب (مواقفنا) باب السياسة الاقتصادية ص ٦٢.
ما يترتب على الملكية
حق الاستهلاك والاستثمار
حين يصبح الانسان مالكاً لشيءٍ ما فإنه بذلك يمتلك الحق في استهلاك ذلك الشيء، والمسألة التي تطرح نفسها في هذا البحث تدور حول، هل أن هناك حدوداً ومقاييس لهذا الاستهلاك أم لا(١) ؟ فلو غرس شخص ما شجرة - مثلاً - وحصل منها على بعض الثمار، فهل يحق لصاحب هذه الشجرة أن يستهلك من الثمار أيَّ مقدار يرغب فيه بسبب كونه مالكاً لها ؟ هل هناك حدود لهذا الأمر ؟ وان كانت فما هي تلك الحدود ؟ هل ان هذه الحدود ترسمها الحاجة الطبيعية(٢) أم الامكانية الاجتماعية(٣) أم الحد الأدنى لها ؟ ويقال في الاجابة عن هذه الاسئلة، انه لا توجد هناك حدود من حيث الملكية، بل هناك حدود أخلاقية، ومعنى ذلك أن الملكية تعطي الحق لصاحب هذه الشجرة في أن يستفيد من ثمارها إلى أقصى حدٍّ يرغب فيه. ولا حدود لهذا الأمر، ولكنه مسؤول من الناحية الأخلاقية أن لا يستفيد أكثر من معدل ما يحصل عليه جميع الناس، ولو قيل إنه مقيد من حيث الملكية فذلك يعني أنه لو أخذ أكثر من معدل ما يحصل عليه المجتمع بكافة أفراده فقد ارتكب عملاً اغتصابياً، ولكننا لو اعتبرنا ذلك حكماً أخلاقياً تحتمه المسؤولية الاجتماعية فإنه بذلك قد ارتكب عملاً يخالف مسؤوليته الانسانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لو أن هذا الفرد (في المثال نفسه) أكل من الشجرة التي زرعها بنفسه الى حد «الشبع» في الوقت الذي لم يكن متوسط ما يحصل عليه أفراد المجتمع قد بلغ درجة «الشبع» هذه فأية مخالفة ارتكب هذا الفرد ؟ هل ان مخالفته هذه مخالفة قانونية واقتصادية أم هي مخالفة لقوانين
____________________
(١) ان ما يخضع لبحثنا في هذه المرحلة ليس من وجهة نظر النصوص الاسلامية بل هو من وجهة نظر منطق الانسان الفطري والطبيعي.
(٢) الحاجة الطبيعية تعني أن صاحب هذه الشجرة يحق له أن يأكل من ثمارها أي مقدار يحتاج اليه وهذا بحد ذاته يعتبر حداً مرسوماً، لأن الانسان لا يستطيع استهلاك أكثر من حاجته الطبيعية.
(٣) معدل الامكانية الاجتماعية يعني ملاحظة ما يحصل عليه كلّ من افراد المجتمع من ثمار هذه الشجرة فيما لو قسمناها بينهم جميعاً، فيكون لكل فرد منهم حق استهلاك تلك الكمية.
الملكية ؟ أم هي مخالفة أخلاقية في مجال الاقتصاد ؟ ولنضرب مثالاً آخر : لو كنت مرتدياً بعض الملابس وصادفت شخصاً عرياناً فوجب عليك اعطاؤه ملابسك ولم تفعل ذلك، فهل ارتكبت هنا مخالفة قانونية ؟ أم مخالفة لأحد الواجبات الاجتماعية ؟ وهنا تبرز مسألة طريفة جديرة بالاهتمام وهي:
ان الفقه المتبع يفرق بين المخالفة القانونية والمخالفة الأخلاقية والدينية. وهناك نوعان من التعامل مع هذه المسألة : -
يقال حيناً : ان هذه (الملابس) لم تأت من دخلك الخاص، وان الشخص المحتاج الذي صادفته هو في الأصل شريك لك فيها، ولو استملكها فانه لم يرتكب عملاً اغتصابياً تجاه أموال الغير.
ويقال حيناً آخر : ان هذه الأموال (الملابس) ملك لك من الناحية الاقتصادية ولكن تقع عليك مسؤولية اجتماعية واقتصادية لم تعطها حقها، فارتكبت بذلك عملاً محرماً وخاطئاً. وعليه فقد أصبحت مستحقاً لجميع أنواع العقاب الدنيوي والأخروي.
ويمكن استناداً الى بحث الانفاق في الاسلام الوصول الى استنتاجين :
١ - الاستنتاج المتبع من قبل فقهاء العامة والخاصة يقول بأنه لو ملك الانسان أموالاً من الطرق الصحيحة فان هذه الاموال ملك له ولكن انفاقها واجب عليه :
( الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه ) (١)
فالمال في هذه الحالة ماله، ولا يتسبب وجوب الانفاق في سبيل اللّه في خروج هذا المال عن ملكيته، لأن الانفاق واجب من الواجبات وعلاقة الملكية محفوظة في مكانها، ولو خالف هذا الانفاق الواجب فلن يقضي ذلك على علاقة الملكية، بل يعتبر ذلك مخالفة لأحد الواجبات الدينية.
٢ - الاستنتاج الثاني يقضي بأنه لو وجب عليه الانفاق تزعزعت علاقة الملكية واضطربت، وعلى هذا الأساس فانني حين أنتج شيئاً ما فسوف أصبح مالكاً له كله في حالة عدم وجود أية حاجة وأرضية للانفاق الواجب لدى المجتمع، ولكنني وبمجرد بروز أرضية كهذه لن أعود مالكاً لجميع ذلك الشيء بل سأصبح مالكاً لذلك الجزء الفائض عن الكمية الواجب انفاقها.
____________________
(١) البقرة : ٢٦٢.
وينطبق هذان الرأيان على الخمس والزكاة أيضاً، فأحدهما يقضي بأن الكمية المساوية للخمس والزكاة ليست ملكاً للشخص أساساً، بل هي ملك خاص لمصارف هاتين الضريبتين، والرأي الآخر يقضي بأن الشخص هو المالك في جميع الأحوال، فلو ارتكب مخالفة من هذا النوع فانه قد خالف حكماً من الأحكام التكليفية.(١) ويختلف فقهاؤنا في وجهات نظرهم حول الخمس والزكاة وهما ضريبتان قد حدد الشرع مقدار كلٍّ منهما، فيرى عدد كبير منهم أن الانسان لا يعتبر أساساً مالكاً لذلك المقدار (الذي تحدده هاتان الضريبتان) بل هو ملك خاص لمصارف الخمس والزكاة،(٢) وفي هذه الحالة يكون الفرد - في الخمس - مالكاً في البداية لأربعة أخماس عمله الانتاجي الفائض عن حاجته السنوية، ولا يملك الخمس الباقي أساساً، ولذا فهم يقولون إنه لو مارس مرة ثانية عملاً اقتصادياً بجميع هذا الدخل فان الربح الناتج عن خمسه يذهب الى حساب الخمس لا الى حسابه الخاص، وعلى هذا الأساس فان وجهة نظر كثير من الفقهاء حول الضرائب التي حدد مقدارها وكميتها تقول بأن الشخص لا يملك ذلك المقدار وتلك الكمية أساساً، بل انه ومنذ بداية انتاجه يتعلق مقدار من هذا الانتاج بمصارف تلك الضرائب.(٣)
____________________
(١) ورد كل من «الحكم التكليفي» و«الحكم الوضعي» في المصطلحات الاسلامية، فالحكم الوضعي يعني العلاقة القانونية، والحكم التكليفي هو بالضبط ما عبرنا عنه بالحكم الأخلاقي.
(٢) البحث يدور هنا حول الضرائب التي حدد مقدارها، ولا يوجد مثل هذا الرأي حول الحقوق التي لم يحدد مقدارها، ولم يسبق وجود هذه النظرة لدى الفقهاء فيما يتعلق بحالات الانفاق غير المحدود الذي يعين وفقاً للظروف الزمانية والمكانية المختلفة.
(٣) تعود بنا هذه المسألة الى البحث حول قضية الاختيار، والاختيار الذي نطرحه نحن يعني أن الانسان مخير حتى في المعصية، فالانسان مخلوق قادر على ارتكاب المعصية ولو وجب عليه الاتيان بعمل معين فانه يستطيع أن لا يأتي به. وعلى هذا الأساس كان الوجوب التكليفي لا يقضي على الاختيار الطبيعي والتكويني لدى الانسان، وهكذا فالمال ملك له ويرتبط به بعلاقة الملكية وهو بالاضافة الى ذلك هناك واجب يتحمل مسؤولية أدائه وهو يقدر على عدم ادائه دون أن يؤدي ذلك الى انقطاع علاقة الملكية القانونية بينه وبين هذا المال، حتى أن العقاب لا يزحزح - أيضاً - العلاقة القانونية بين المالكين وأملاكهم، وعلى ضوء ذلك فانه قد لا يعطي المال، بل وقد يدخل السجن أيضاً ولكن المال يبقى ملكاً له.
وهناك سؤال مهم يقول : هل هناك فرق بين الحكم القانوني - أو بتعبير أدق الحكم الوضعي - والحكم التكليفي، أم لا ؟ أي هل انه كلما جاء الحكم التكليفي بوجوب الانفاق، جاء الحكم القانوني والوضعي بزوال الملكية معه ؟ أم ان الملكية محفوظة في مكانها ؟ وهل يعتبر الفرد الذي يطبق الحكم التكليفي قد أحسن عملاً، والذي لم يطبقه قد أساء عملاً ؟
وفي الحديث عن القضايا الاقتصادية بصورة عامة يمكن القول : إنه قد يفصل الحكم الوضعي والقانوني عن الحكم الأخلاقي والتكليفي، فحين نتحدث مع بعض الأفراد حول وجوب اجراء الكثير من التعديلات نراهم يردّون بأن ذلك وجوب تكليفي وليس حكماً قانونياً.(١)
الاسراف والاتلاف(٢)
هل ان حق الاستهلاك الناشئ عن الملكية يصل الى حد الاتلاف والافناء الذي لا داعي له أم لا ؟ فمثلاً لو غرس شخص ما شجرة كمثرى، فنمت وحملت الثمار، وصار مالكاً لثمار الكمثرى هذه، ثم ترك هذه الثمار وشأنها حتى تتلف فهل يحق له ذلك من الناحية القانونية بسبب كونه مالكاً لها ؟ وان لم تعطه ملكية ثمار الكمثرى مثل هذا الحق، فهل يحق لآخرين أن يملكوها ويستهلكوها بعد معرفتهم بأنه ينوي تركها وشأنها ؟ هنا يمكن طرح رأيين :
١ - ان ثمار الكمثرى ملك للشخص الذي غرس الشجرة، وهو بذلك يستطيع أن يتركها و شأنها حتى تتفسخ (وتتلف)، ولو قام بهذا العمل فقد ارتكب أبشع أشكال الإسراف (التبذير) وهو إتلاف الأموال، ومع انه ارتكب معصية لكن احداً لا يستطيع استهلاك شيء من هذه الثمار دون إذن منه، أو مبادلة، أو هبة. لأن علاقة الملكية ما زالت قائمة هنا.
____________________
(١) هناك بحث حول العلاقات القانونية في كُلٍّ من علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي، فالمذهب يحدد المبادئ الاقتصادية العامة وكل ما يجب أن يعمل به، والعلم يشرح الأفعال وردود الأفعال العلمية على أساس هذه المبادئ فهو تحليل لما هو قائم، أو يبين كيفية التطبيق العلمي لما يجب أن يحدث. فمثلاً يقول المذهب : يجب أن يتمتع جميع أفراد المجتمع بالحد الأدنى من مستوى المعيشة، وهذا مبدأ مذهبي لم يكتسب حقيقة خارجية لحد الآن، ولكن العلم يوضح لنا الطرق العينية التي يمكننا اتباعها من الناحية العملية لتلبية الحد الأدنى من احتياجات جميع أفراد مجتمعٍ ما، أي الشيء الذي لم يتحقق بعد، ولكنه يبين الطريقة العلمية لتحقيق ما يجب تحقيقه، مثلاً تريد أنت أن تجعل أبناءك أشخاصاً حركين (وهذا الأمر يتعلق بالمذهب، وكيفية انجاز هذا الأمر واضحة وهي تخص العلم الذي يقول بوجوب الاستفادة من تجارب الآخرين في تحريك أبنائهم) فهل يجب لجعل ولدك فرداً متحركاً أن تقول له دوماً : تحرك ؟ أم أن الطريق الى ذلك يتمثل في أن تضع أمامه الدوافع الى التحرك لتخلق فيه اندفاعاً ذاتياً ؟ هذه أمور يجب على العلم أن يجيبنا عنها.
(٢) الاسراف يعني استهلاك ما هو أكثر من الحد المعقول، والاتلاف يعني الإهلاك والإفناء.
٢ - إن ملكية الثمار لا تعطيه مثل هذا الحق أساساً، وعليه فلو علم الآخرون بأنه يقصد تركها وشأنها فإنّ لهم حق استهلاكها.
إن ما قيل حتى الآن بصدد مصدر الملكية في المنطق الفطري، وجواز تصرف المالك بملكه، لا يسري على الإتلاف، على كل حال ان عدم جواز الإتلاف في المنطق الفطري السليم واضح تماماً، وما يتبادر الى الذهن هو أن المنطق الفطري لا يمنح المالك حق الإتلاف، وإن حق التصرف لا يبلغ حد الاتلاف. ولو أراد المالك اتلاف ما يملك فان ذلك يعتبر شكلاً من أشكال «الاعراض»(١) بحيث يخرج (ذلك المال) عن ملكيته بشكل تام، وتزول علاقة الملكية بينه وبين هذا الشيء. إن مثل هذا الشخص قد ارتكب معصية لأن حق الملكية الذي منحه اللّه له لا يبلغ حدّ الاتلاف، وان تصرفه أساساً هو تصرف غير لائق في ملك اللّه، مثلاً لو أراد شخص أن يرمي قدحاً من أعلى السطح بقصد كسره والتقط أحد المارة ذلك القدح فأيّ منهما يكون هنا مالكاً لهذا القدح ؟ وهذا بحث قانوني مطروح في الفقه أيضاً، فالشخص الذي كان يقصد رمي القدح من أعلى السطح ليكسره قد انقطعت علاقة ملكيته للقدح برميه إيّاه. ويسمى هذا الأمر «اعراضاً»، فلو كان يحق له إتلاف أمواله لما كان ينبغي لهذه العلاقة أن تقطع، فانقطاع هذه العلاقة لمجرد قيامه بذلك العمل يعني عدم وجود حق الإتلاف هنا.
ومع قرار الشخص وأول خطوة تنفيذية له (نحو إتلاف ماله) تبرز مسألتان:
الاولى : انه ارتكب معصية تكليفية.
الثانية : تتمثل في نتيجة قانونية وهي انقطاع ملكيته بحيث لو جاء شخص آخر وأنقذ هذا المال من التلف فإنه يصبح مالكاً له.
وهذا بحث مهم، فقد برز مثل هذا الوضع قبل فترة من الزمن في إحدى البلدان ذات الحركة الانتاجية الواسعة جداً، حيث أتلفوا كمية من أحد المنتجات من أجل تقليل الكمية المعروضة منه في السوق، وتطرح هذه المسألة أحياناً كاحدى وسائل تنظيم الحركة الاقتصادية على صعيد الانتاج والاستهلاك، وعلى صعيد
____________________
(١) «الإعراض» من عوامل سلب الملكية بحيث يمكن للآخرين التصرف في ذلك المال.
انتاج البضائع وتبادلها وتوزيعها.(١)
____________________
(١) حدث في احدى السنين في قرية من قرى أمريكا أن امتلأت أشجار الخوخ الى حد كبير فتعاهد المزارعون مع بعضهم على قطف ٥٠ % من هذه الثمار مثلاً لغرض بيعها وترك ال ٥٠ % الأخرى وشأنها لتسقط وتتحول بعد تفسخها الى سماد للأرض، وقد اعتبروا مراعاة هذا العهد واجباً عليهم حتى من الناحية الأخلاقية، ولو تخلف أحد عنه كان - في الوجدان الأخلاقي لأولئك المزارعين - قد ارتكب مخالفة أخلاقية، وهي مخالفة لعهد ترك تأثيره في تنظيم مصاريفهم ودخولهم، وهكذا نجد أن مثل هذه الأمور تبلغ احياناً هذا الحد.
رأس المال
المسألة الثانية التي تطرح نفسها حول ما يترتب على الملكية هي استثمار الملك والمال بصورة رأس مال، أي أن يستثمر الانسان ما حصل عليه بإحدى الطرق التي مرّ ذكرها بصورة رأس مال، وهذه قضية من القضايا الأساس.
تعريف رأس المال
هو تعبير عن الكمية التي يحصل عليها الفرد من القيمة الاستهلاكية التي يمكنها أن تكون عاملاً مساعداً في الحصول على كمية أخرى منها، فمثلاً هناك مزارع يزرع القطن ليحصل من مزرعته على (٥٠٠) كغم منه، وفي فصل الشتاء يحول (٥٠) كغم من هذا القطن بعمله اليدوي الى خيوط ليبيعها بسعر أعلى. وعليه فهو يملك في نهاية السنة (٤٥٠) كغم من القطن و(٥٠) كغم من الخيوط، فيحدِّثُ نفسه قائلاً : إنه لو استطاع بطريقة ما أن يحول جميع ال(٥٠٠) كغم من القطن الى خيوط في فصل الشتاء فسوف يحصل على دخل أكبر، وبهذا الدافع يتحرك تفكيره المبدع فيخترع ماكنة الغزل، وفي السنة التالية يزرع هذا المزارع القطن مرة أخرى فيحصل على (٥٠٠) كغم منه ولكنه ينجح بمساعدة ماكنة الغزل في أن يحول جميع هذا القطن الى خيوط.
فأية معجزة حدثت هنا ؟ إن ماكنة الغزل البسيطة هذه قد أصبحت مصدراً لزيادة الانتاج، لقد أصبح الزارع مالكاً لوسيلة رفعت من مقدار الربح الناتج عن فترة العمل نفسها، فماكنة الغزل تعين القروي في أن يرفع من مستوى إنتاجه، وليتمكن من انتاج كمية اكبر من القيم الاستهلاكية، وفي هذه الحالة يملك
المزارع كل شيء حتى ماكنة الغزل البسيطة التي اخترعها بنفسه، فقد نجح باستعماله الخشب والامكانات الأخرى التي وضعتها الطبيعة تحت تصرفه، وكذلك فكره المبدع وساعديه وعمله، في رفع كمية القيمة الاستهلاكية، فهل هناك أدنى شك في ملكية هذا الشخص للقطن والخيوط وماكنة الغزل الخشبية ؟ إنّ هذا الشخص لم يرتكب لحدِّ الآن عملاً مخالفاً للحكمين : الوضعي والقانوني.
في هذا المثال الذي أوردناه هنا يعتبر كلّ من ال(٥٠٠) كغم من القطن وماكنة الغزل البسيطة وسيلة من وسائل عمل القروي، وسبباً لإنتاج ال(٥٠٠) كغم من الخيوط، فكلاهما إنضم الى قوة العمل الحيِّ للقروي الذي يغزل القطن، ولكن دور ماكنة الغزل يختلف، فهي حقاً تؤثر في انتاج القيمة الاستهلاكية المضافة، ولكن القطن لا يؤثر هنا.
ولتوضيح هذا الموضوع لاحظ الجدول الآتي حيث اعتبرنا في هذا المثال سعر القطن(١٠) ريالات لكل كغم وسعر الخيط (٢٠) ريالاً لكل كغم:
إن القيمة الاستهلاكية الجديدة التي أضيفت هنا تعادل (٤٥٠٠) ريال (١٠٠٠٠ - ٥٥٠٠ = ٤٥٠٠)، وبناءً على ما تقدم فإن الشيء الذي أصبح عاملاً في إيجاد هذه القيمة المضافة هو ماكنة الغزل التي استعملت كوسيلة في زيادة القيمة المنتجة، ذلك لأن كمية ال(٥٠٠) كغم من القطن موجودة بحوزة الزارع في كلتا الحالتين.
أنواع رأس المال
يمكن لرأس المال أن يتخذ أشكالاً ثلاثة :
١ - وسائل إنتاج.
٢ - استثمارات.
٣ - رأس مال تجاري.
١ - رأس المال في شكل وسائل إنتاج
يمكن افتراض حالتين في هذا النوع من رأس المال. ففي الحالة الأولى يصدر العمل الانتاجي عن مالك الوسيلة نفسه (كما مرّ في المثال السابق) ومن الواضح أنه لا نقاش في ملكية مثل هذا الشخص للدخل الحاصل من رأس مال كهذا في أية وجهة من وجهات النظر، وفي الحالة الثانية يفترض أن تكون وسائل الانتاج المستخدمة كرأس مال بشكل يجعل العمل الانتاجي لا يصدر من مالك هذه الوسائل بل من الآخرين. ويمكن لهذا الافتراض أن يتخذ صورتين :
أ - الايجار : أي أن يطلب مالك وسيلة الانتاج من شخص آخر أن يعمل بها ويعطيه كل يوم مبلغاً من المال كايجاز لهذه الوسيلة.
ب - الصورة الأخرى تتمثل في أن يستأجر المالك شخصاً فيعطيه كل يوم مبلغاً من المال مقابل ما ينتجه من الخيوط بواسطة الماكنة.
حصة العمل ورأس المال
وهنا يفترق منطق كلٍّ من الرأسماليين والاشتراكيين فيعتبر كل طرف منهم فائض الانتاج متعلقاً بالطرف الآخر، إذ يقول الرأسماليون :
(ان العامل الذي يعمل على الماكنة الانتاجية لو غزل الخيوط بيديه لانتج خلال ثماني ساعات عمل ما يعادل كيلوغراماً واحداً من الخيوط، ولكنه إذ يعمل اليوم بالماكنة فانه ينتج (٩) كغم من الخيوط. وعليه فإن هذه ال(٨) كغم الاضافية تعتبر نتاجاً لعمل وسيلة الانتاج).
وهذا كلام منطقي في ظاهره، ولكننا لو دققنا في الأمر لاكتشفنا أن هذه الحسابات غير صحيحة، ولأجل أن يتوضح أكثر عدم اعتماد هذا المنطق على أي أساس، يمكن تشكيل معادلة أخرى كالآتي:
(ان ماكنة الغزل حين كانت معطلة بلا عمل قبل اليوم ولم يكن العامل واقفاً الى جانبها، كان انتاجها صفراً، أما اليوم فقد أصبح انتاج هذه الماكنة اضافة الى عمل العامل (٩) كغم من الخيوط، وعليه فان هذه ال(٩) كغم المنتجة
____________________
(١) الريال =١٠ / ١ التومان وهو اصغر عملة متداولة في الجمهورية الاسلامية في ايران.
من الخيوط ملك للعامل).
وهذه هي نتيجة أحد اشكالات الاشتراكيين واستدلالاتهم حيث يقولون :
(ان مصدر الانتاج الحقيقي الذي يرتبط به الانتاج ككل هو العمل الحي، فالعمل الميت لا يلد شيئاً، كما أن الدجاجة الميتة لا تبيض).(١)
ولا بد أن نذكر هنا أننا لسنا أسرى هذه المعادلات، فحين نفكر بدقة نكتشف خطأ كلٍّ من المعادلتين السابقتين، وان كلاً منهما يدل على خطأ الأخرى، والحقيقة تتمثل في القول : بأن هناك حصة لكلٍّ من وسيلة الانتاج والعامل في ال(٩) كغم من الخيوط المنتجة، واننا لا يمكننا أن ننسب ولد الحلال لا لأمه وحدها ولا لأبيه وحده، وعلى هذا الأساس، فالقول الصحيح هو أن الخيط المنتج حصيلة لزواج العمل الحي للعامل مع العمل الميت لصاحب وسيلة الانتاج. ولكنا لنقاش يجب أن يدور حول معادلة تعيين الحصص التي يجب أن تقوم على اساس نظام عادل يستند الى الموازين الاسلامية، وتمثل الفقرة الثانية من المادة (٤٣) من دستور الجمهورية الاسلامية(٢) تلك المعادلة الدقيقة والعادلة، فحين تتوفر في المجتمع وسائل الانتاج بكثرة، وتوضع مجاناً تحت تصرف من يحتاج إليها لا تبقى بعدئذ اية أرضية للاستغلال، ولكن ماذا يجب عمله حتى نصل الى تلك المرحلة ؟ لقد دُوِّنَت المادة (٤٩) من دستور الجمهورية الاسلامية، في فصل الاقتصاد منه، لهذا الغرض، اذ تنص هذه المادة على ما يلي :
«الحكومة مسؤولة عن أخذ الثروات الناشئة عن الربا والغصب، والرشوة والاختلاس، والسرقة والقمار، وسوء الاستفادة من الموقوفات، وسوء الاستفادة من المقاولات والمعاملات الحكومية، وبيع الأراضي الموات، والمباحات الاصلية،
____________________
(١) المقصود من العمل الميت هو العمل الذي أنجز من قبل وأصبح اليوم في شكل وسائل انتاج، أو بضاعة، أو استثمارات. أما العمل الحي فيقصد منه العمل الذي انجز الآن وله ناتج معين.
(٢) توفير فرص العمل وامكانياته للجميع بهدف الوصول الى مرحلة انعدام البطالة، ووضع وسائل العمل تحت تصرف كل من هو قادر على العمل ولكنه فاقد لوسائله بصورة تعاونية عن طريق الإقراض بلا فائدة، أو أي طريق مشروع آخر، بحيث لا يؤدي ذلك التي تمركز الثروة وتداولها في أيدي أفراد ومجموعات خاصة، وبحيث لا تتحول الحكومة معه الى رب عمل كبير مطلق، ويجب أن تتم هذه العملية مع ملاحظة الضرورات القائمة في البرامج الاقتصادية العامة للدولة في كل مرحلة من مراحل النمو.
وإقامة مراكز الفساد، وسائر الموارد غير المشروعة، واعادتها الى أصحابها، وفي حالة مجهوليتهم تعطى لبيت المال، ويجب تنفيذ هذا الحكم بواسطة الحكومة بعد التحقيق والثبوت الشرعي».
فالحكومة تأخذ هذه الأموال وتضعها تحت تصرف الأفراد المستعدين للعمل والفاقدين لرأس المال في شكل تعاونيات، وعليه فاننا لا نواجه في الاسلام طريقاً مسدوداً. ولو رفعنا من قدرتنا على التخطيط والتنفيذ فسوف يرتفع مستوى الانتاج في المجتمع الايراني خلال خطة تستغرق عشر سنوات، وذلك بتطبيق المادتين (٤٣) و(٤٩) من دستور الجمهورية الاسلامية، وبهذا نقضي على الارتزاق الذي يتم عن طريق الاستغلال.
٢ - رأس المال في شكل استثمارات
وهذا النوع من رأس المال نجده في شكل عمل مخزون قابل للاستثمار، فمثلاً بيني شخص ما بيتاً أو كوخاً ويعيش فيه، ولكنه يضعه ليلة أو ليلتين تحت تصرف المسافرين، أو تحت تصرف من لا يملك سكناً لمدة معينة، ويأخذ منه ايجاراً، ففي هذه الحالة يكون رأس المال في شكل عين خارجية قابلة للاستخدام، وهو بحد ذاته بضاعة قابلة للاستثمار، وهنا نجد رأس المال يتألف من مخزون عمل البنَّاء والآخرين.
٣ - رأس المال التجاري
وهو رأس المال الذي لا يعطي أيّاً من نوعي الربح، أي انه لا يرفع من مستوى الانتاج، ولا يمكن استهلاكه، ولا يمكنه عمل أي شيء، وكمثال على ذلك : هنالك تاجر يأتي بمئة طن من الرز الى المستودع بثمن مليون تومان، ثم يريد باعتباره مالكاً لمليون تومان (مئة طن من الرز) أن يحصل على ربح مقداره عشرون ألف تومان.
الربح الناتج عن الأشكال الثلاثة لرأس المال
١ - في الحالة الأولى : أي رأس المال في شكل وسائل انتاج، حين يضاف رأس المال الى العمل تبرز قيمة استهلاكية جديدة. مثلاً :
(١٠٠) ساعة عمل لغزل القطن + ماكنة الغزل -- ١٠٠ كغم من الخيوط.
(١٠) ساعات عمل لغزل القطن - ماكنة الغزل -- كيلوغراماً واحداً من الخيوط.
فلو قيل في هذه الحالة ان ماكنة الغزل هذه تسببت في زيادة انتاج الخيوط وعليه يجب اعطاء رأس المال حصة من هذه القيمة الاستهلاكية الجديدة، فإن هذا الكلام جدير بالقبول طبقاً للقوانين التي اتفقنا عليها لحد الآن من وجهة نظر المنطق الفطري فيما يخص مصدر المالكية. إن مبدأ الربح الناتج عن رأس المال المتخِذ شكل وسائل إنتاج - ولو بمقدار ضئيل - مقبول من الناحية المنطقية، فالربح الناتج عن رأس المال (شريطة أن يكون معقولاً) لا يؤدي الى الاستغلال، ولا يثير نقاشاً حول القيمة الفائضة، بل يكون عاملاً مساعداً في أن يستفيد الذين يملكون طاقة عمل اكثر، وهو مما يساعد على الابداع.
٢ - في الحالة الثانية التي يكون فيها رأس المال في شكل استثمارات فإن العمل الميت المخزون لا يرافق أي عمل آخر سوى الاستهلاك، وبذلك لا يعتبر رأس المال الاستثماري مصدراً لانتاج قيمة استهلاكية جديدة، بل هو بحد ذاته وسيلة يمكن استخدامها كقيمة استهلاكية، وكما ذكرنا سابقاً، يأتي شخص ويبني بيتاً لنفسه وينشئ فيه غرفة اضافية تمكنه من اسكان المسافرين فيها لليلة واحدة ليأخذ منهم أجراً في مقابل ذلك وهكذا يصبح هذا البيت رأس مال استثمارياً.
ولنضرب مثالاً آخر : يصنع الشخص (أ) دراجة لنفسه ليستطيع بواسطتها التنقل من مكان الى آخر وحين لا يرغب في استخدامها يؤجرها الى الشخص (ب) الذي لو سار على قدميه لقطع المسافة في يومين ولكنه يقطعها في ساعات بواسطة هذه الدراجة.
٣ - الحالة الثالثة هي الربح الناتج عن رأس المال التجاري، وكما قيل سابقاً يكون رأس المال في هذه الحالة عقيماً لأنه غير قابل للاستهلاك بنفسه ولا ينتج قيمة استهلاكية جديدة لذا يمكنه أن يؤدي الى عمليات استغلال متسلسلة ومتواصلة وخفية، والى فوارق في امتلاك الثروة، وإلى فوارق طبقية، وهو لا يملك أي أساس يمكن تبريره منطقياً طبقاً لما قيل لحد الآن حول مصدر الملكية، وفي المثال الذي ذكرناه بهذا الصدد فان الفرد يشتري مئة طن من الرز بمليون تومان بقصد بيعها
بمليون وعشرين ألف تومان، والسؤال هنا : هل يحق له قبض هذه العشرين ألف تومان وفقاً لما قيل حول الملكية ؟
الجواب : إنه لو قبض هذا المبلغ في مقابل عملية البيع والشراء (الخدمات) فلن يعود ربحاً لرأس المال بل هو بعنوان حق التعب الحاصل من عملية البيع والشراء. وفي هذه الصورة يطرح سؤال يقول:
وأي مقدار من العمل استهلكته عملية بيع مئة طن من الرز وشرائها لكي يخصص لها هذا المبلغ ؟
الجواب : قد يقول قائل : إن عمل التاجر لا يختلف عن عمل البقال، ولكن الذي يمكن القبول به هو عمل التاجر الخدمي والذي يجب أن يكون متناسباً مع أجرة جهوده التي تعطى له، فلو ربح تاجر الجملة عشرة ملايين تومان خلال سنة واحدة فإننا نتساءل : في مقابل أي شيء حصل على هذا المبلغ؟ وبماذا يختلف تاجر الجملة هذا عن بائع المفرد ذاك ؟ إن تاجر الجملة يطالب المجتمع بهذا المبلغ الاضافي مدعياً بأن رأسماله يجب أن يربح شيئاً، وهذا ما لا يقبله المنطق الفطري، وفي هذا المثال يمكن تقدير الربح اللازم في ظروفنا الحالية ب(٢٠٠) تومان مثلاً، وعليه فما هو مسوغ الربح البالغ (٢٠٠٠٠) تومان ؟ ولو حلَّلنا هذا المبلغ لوجدنا أن (٢٠٠) تومان منه أجرة عمل في مقابل الخدمة التجارية أما الباقي الذي يبلغ (١٩٨٠٠) تومان فيمثل القيمة الفائضة التي تطرح في البحوث الاقتصادية والتي رفضت في الاقتصاد التحليلي حتى قبل ماركس أيضاً، وهي اغتصاب غير مباشر لجهود العمال.
إن ما يعتبر سرقة تؤدي بمجموعة من الناس الى ايجاد طرق خفية، وخزنها من أجل جذب القيم الانتاجية الناتجة عن الجهود الفكرية والجسدية للآخرين، ما هو إلا هذا الربح الناتج عن رأس المال التجاري، ففي الربح الناتج عن البيع والشراء لا مجال للاشكال حول مقدار الربح المستحصل في مقابل جهود البائع والمشتري والكاتب والمحاسب والعامل ومصاريف الهاتف وأمثال ذلك، ولكن الذي يطالب بمقدار من الربح لأنه باع أو اشترى ألف طن - من البضاعة - مثلاً ولو كانت الكمية مئة طن وبالجهد نفسه ويطالب ب ١٠ % من المقدار السابق فان مطالبته هذه غير صحيحة، لأن هذا هو الربح المجحف، وهو شيء مرفوض من قِبَلِنا، وسواء اشترى هذا الشخص نقداً أو نسيئة فإنه يريد ربحاً في مقابل رأسماله،
والنقد والنسيئة يتناسبان هنا مع الزمن وتكون معادلة احتسابهما بهذا الشكل على سبيل المثال :
المدة بالأيام مقدار الربح
١ ١٠ ريالات
٢٠ ٣٠ ريالاً
فهو قد أضاف عامل الزمن في هذه الحالة وهو على أية حال يريد أن يأخذ ربحاً بحجة أن رأسماله قد تجمد مدة معينة(١) ، وفي هذه الحالة اعتبر رأس المال التجاري شرطاً من شروط العمل الخدمي لا سبباً له، ولم تمنح له أية مصدرية، في الوقت الذي تملك وسائل الانتاج هذه المصدرية حقاً، والفرق هنا هو أننا لو أوجدنا نظاماً يقضي بأن يعطي منتج البضاعة بضاعته لأي بائع ويطلب منه أن يبيعها ويأخذ أجرته ثم يعيد المبلغ المتبقي اليه، فان ذلك لا يحدث أي تغيير (وفي هذه الصورة حذف رأس المال التجاري للبائع) ولا فرق بين وجود رأس المال أو عدم وجوده في الوقت الذي لو حذفت (في الحالة الأولى) وسائل الانتاج لكان ذلك مؤثراً.
يعتبر ما يصطلح عليه في علم الاقتصاد بالقيمة الفائضة من الامور التي تؤدي الى سرقة حصيلة أتعاب الآخرين وهي تتعلق من وجهة نظر التحليل الاقتصادي برأس المال الذي لا يظهر في شكل وسائل إنتاج وعوامله (وفي شكل استثمارات) بل في شكل رأسمال متداول في الوحدات الانتاجية والخدمية، بما في ذلك السوق.
____________________
(١) ينبغي الالتفات الى أننا في المثال الذي أوردناه سلفاً لم نحتسب أي ربح في مقابل ال(٥٠٠) كغم من القطن في كل الأحوال، في الوقت الذي احتسبنا ربحاً لماكنة الغزل وعمل العامل.
وجهة نظر الاسلام حول الارباح ورأس المال التجاري
ان ما بحثناه لحد الآن كان من الناحية الاقتصادية فقط، ويمكن - وفقاً لوجهة النظر الاسلامية - أن ننظر الى هذه المسألة عن طريقين :
١ - أن يقال : ان البائع يملك بضائعه، ولأنه يملكها فهو وفقاً للقاعدة الفقهية المعروفة : «لا يحل مال امرئ مسلمٍ إلا عن طيب نفسه» وكذلك طبقاً
للآية الكريمة :( ... لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض... ) (١) مسموح له بأخذ أي مقدار من الربح، فمثلاً لو اشترى السكر بثلاثة تومانات للكيلوغرام الواحد ثم باعه بثلاث مئة تومان بدلاً من خمسة تومانات فلا ضير في ذلك ! ولأن الحالتين تشملهما هذه الأدلة فان حكمهما واحد.
٢ - وفي وجهة النظر الثانية توضع هذه الأدلة الى جانب القول بأن الإجحاف حرام في الاسلام، وأنه ينبغي الانصاف هنا، ولو تتبعنا ما عندنا من الروايات عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة سلام اللّه عليهم أجمعين حول آداب التجارة، لأدركنا جيداً أن البائع الملتزم بالاخلاق والمبادئ الاسلامية يأخذ لنفسه ربحاً يساوي حق أتعابه وبصورة عادلة، أما البائع الذي يريد إضافة الى ذلك أن يحصل على معجزة من رأسماله (الذي يعتبر غير منتج من وجهة النظر الاقتصادية) ويريد منه أن ينتج ربحاً فاحشاً فإنه شخص غير منصف، ولا توجد أية شكوك حول هذا الأمر طبقاً للمقاييس الاسلامية.
____________________
(١) النساء : ٢٩
البيع والربا
حين نزلت الآيات القرآنية الكريمة تأمر بتحريم الربا في المجتمع الاسلامي، طرح المرابون سؤالاً يقول : ما الفرق بين الربح الناتج عن الربا والربح الناتج عن البيع والشراء ؟
( ذلك بأنهم قالوا انما البيع مثل الربا... ) .(٢)
مثال : في البيع والشراء يعطي الانسان عشرة أطنان من الرز ليحصل على ربح معين، فلو أعطى - بدلاً من هذه الأطنان العشرة من الرز - مبلغاً قدره عشرة آلاف أو مئة ألف تومان، وطلب منه أن يعيده اليه بعد شهرين مضيفاً اليه مبلغاً معيناً فهو في هذه الحالة قد أعطى نقوده ليأخذ ربحاً في مقابل ذلك، فما هو الفرق بين الربح الناتج عن البيع والشراء والربح الناتج عن الربا ؟ ويجيب القرآن هنا قائلاً :( أحل اللّه البيع وحرَّمَ الربا... ) .(٣)
____________________
(٢) و(٣) البقرة : ٢٧٥.
فهناك فرق بين البيع والربا هو انك في البيع تؤدي - حقاً - خدمة يحتاج اليها الآخرون، لأن البيع عبارة عن توزيع البضاعة (أي إيصالها من الانتاج الى الاستهلاك) وهو أمر لا بد منه في الحياة الاجتماعية لأفراد البشر، ولكن الربا بغير هذا الشكل، فإنك في الربا لا تؤدي أي عمل نافع، بل إن العمل النافع يؤديه من تعطيه النقود، وهو لا يستطيع الاستفادة من هذه النقود التي وضعتها تحت تصرفه بحد ذاتها، وعلى هذا الأساس فان وضع النقود تحت تصرف الآخرين لا يؤدي إلى أية نتيجة، فهي وسيلة لا يعتبر مجرد توزيعها وإيصالها الى الاشخاص خدمة من الخدمات، والآن يطرح سؤال يقول : أي نوع من الربح يحلِّله القرآن ؟ إننا نفهم من آية :( أحل اللّه البيع وحرّم الرب ) حدوداً للربح المعقول الذي يعادل أجرة أتعاب البائع، أما ما تجاوز ذلك فهو من الناحية الاقتصادية نوع من أنواع الظلم لا يختلف عن الربا بأي شكل من الاشكال.
الأرباح ونسبة التضخم
المسألة الأخرى التي تطرح نفسها بهذا الخصوص هي معالجة التضخم، أي سد النقص الحاصل في القدرة الشرائية للنقد (نسبة التضخم). ففي المثال نفسه الذي ذكرناه يشتري الشخص مئة طن من الرز بمليون تومان ويريد بيعه بمليون ومئتي تومان لتكون هذه المئتا تومان حلالاً له، ولتكون مصداقاً للحديث القائل : «الكاسب حبيب اللّه». وحين يبيع المئة طن من الرز يذهب ليشتري مرة أخرى مئة طن بمليون تومان ولكنهم لا يعطونه ذلك لأن الرزّ قد غلا ثمنه ويقولون له : إنهم يعطون (٩٩) طناً من الرز بدل المئة. فمن أين يجب توفير هذا الطن الواحد من الرز الذي خسره هذا الشخص ؟ وهناك ما يشبه هذه القضية فيما يخص النقد، فمثلاً تقترض أنت اليوم مئة ألف تومان من النقود من ابن عمك الذي يريد شراء دار بهذا المبلغ ولكنك تطلب منه أن يصبر مدة من الزمن لأنك تحتاج اليها لأمر أهم من ذلك، وحين يذهب بعد انقضاء تلك المدة ليشتري داراً يخبرونه بأن الدور قد غلا ثمنها، فما العمل تجاه هذه الخسارة ؟ وهنا أيضاً لا يوجد فرق بين البيع والربا، فحين تبرز نسبة للتضخم يجب التفكير بحل لها سواء في القروض أو في البيع الشراء.
ولو اتفقنا على أن الفسح في المجال لنسبة التضخم يؤدي في حد ذاته الى
دفع المجتمع نحو تنمية الثروة وتراكمها لتوجبت علينا مقارعة التضخم، وعوامل التضخم كثيرة جداً ولكن أهمها يتمثل في ذلك الربح الناتج عن رأس المال المتداول، ولو أننا قضينا - في نظام اقتصادي معين - على الربح الناتج عن رأس المال المتداول، لما وجدنا بعد ذلك نسبة تضخم جديرة بالاهتمام، ولو تفحصنا هذا الأمر من جميع جوانبه فمن المحتمل أن تكون جميع أسباب التضخم الأخرى نتيجة لهذا السبب، اذ ان مصدر التضخم في جميع الاسباب والعوامل التي تنسب اليه هو بالضبط هذا الربح الناتج عن رأس المال المتداول الذي ليس في شكل وسائل انتاج ولا في شكل بضاعة قابلة للاستثمار بل هو مجرد رأس مال متداول يطالب أصحابه بربح له، ولو كان الأمر كما يدعون من ان الربح الرأسمالي واحد من مجموعة أسباب للتضخم، وأن هناك عوامل أخرى ترافقه أيضاً وتجعله غير قابل لتجنبه، فانه ينبغي في هذه الحالة أن نسميه «تعويض التضخم» وهو شيء يشبه تعويض الخسارة الناشئة عن الاستهلاك، ولو أعطي ما يعادله للبائع فان ذلك من الأعمال الصحيحة.
ان جميع هذه الأمور تعود الى «السعر»، فمن العوامل التي قيل انها تؤثر في ظهور التضخم هو «السعر»، وان الخطأ في التسعير - أي تعيين وحدة قياس القيمة - يؤدي الى ظهور التضخم، وتعتبر وحدة القيمة من أعقد المسائل الاقتصادية، وينشأ التضخم حين يكون مقدار امكانيات الاستثمار الحاصلة أقل من القدرة الشرائية المعطاة للناس، فمثلاً ان الربح الناتج عن رأس المال التجاري الذي يحصل عليه رأسمالي معين يعطيه قدرة شرائية في الوقت الذي لم تحصل امكانية اضافية للاستثمار (في المجتمع) حتى بمقدار تومان واحد، وهذا ما يؤدي الى التضخم، وفي هذه الحالة يفكر العامل - مع نفسه - أنه تسلّم أجوره كاملة ولكن قدرته الشرائية أقل مما يحصل عليه، وهذا يمثل بالضبط سرقة من جيب العامل واستغلالاً له.(١)
____________________
(١) وحين يريد صاحب المصنع أن يدرج أرباحاً في ميزانيته فانه يحسب هكذا :
يقول : إنه يملك في مصنعه مئة ميليون تومان كرأسمال مكوّن من : البناء (ميليوني تومان) والمكائن والآلات (ثمانية ملايين تومان) والمواد الأولية والأجور التي يجب اعطاؤها للعمال خلال شهر (تسعون مليون تومان) وهكذا نراه يعتبر عشرة ملايين تومان من رأسماله مخصصة للبناء والمكائن والآلات، والتسعين مليوناً
ان ما يطرح قضية القيمة الفائضة في دور الاقتصاد الرأسمالي ويبين دورها المخرِّبَ، شيء يعود إلى الربح الناتج عن رأس المال التجاري، وإلا فان الربح الناتج عن رأس المال في شكل وسائل انتاج واستثمارات لا يؤدي على الاطلاق الى ظهور مسألة القيمة الفائضة المخرِّبة.(١)
ولنطرح الآن ما جاء في الاقتصاد الاسلامي بصدد التقسيم الثلاثي الذي ذكرناه لرأس المال :
____________________
الباقية تخص المواد الأولية والأجور التي يجب دفعها للعاملين لتطوي البضاعة مراحل تداولها. لأنه يجب أن ينتظر ستة أشهر حتى يمكنه شراء المواد الأولية ثم تحويلها الى بضاعة مصنَّعة يسلِّمها للبائع ليقبض منه ثمنها، وعلى هذا الأساس فانه لا يطالب في ميزانية الأرباح بعشرة ملايين تومان بل بمئة مليون، وهنا يشبه الربحُ البالغ (٩٠) مليوناً، الربح الناتج عن رأس المال التجاري، والربح الوحيد المعقول والممكن تبريره هو الربح المتعلق بحصة وسائل الانتاج المؤثرة في زيادة القيمة الاستهلاكية المنتجة بالعمل، وسائر الاستثمارات. ويمكن أن نضيف الى ذلك الكمية المتعلقة بعمله الخدمي وما يتعلق بنسبة التضخم التي لا مفر منها (على فرض وجود هذه النسبة) كما في تعويض الاستهلاك، وما زاد على ذلك فهو من الناحية الاقتصادية لا يختلف عن «الربا» ولا يمكن القبول به، والنظام الرأسمالي هو الذي يعطي لرأس المال مثل هذا الدور.
(١) وهنا تطرح مسائل عديدة على النحو التالي :
ترى من أين ينشأ التضخم في المجتمعات الاشتراكية ؟ هل ان هذا التضخم سببه العلاقات التجارية لتلك المجتمعات بالمجتمعات الرأسمالية ؟ أم الميكانيكية الخاطئة لدور العمل عندهم؟ أليس سبب التضخم في المجتمعات الاشتراكية يكمن في أن الاتحاد السوفياتي مثلاً يريد تأمين مصارف الأقمار الصناعية من المصاريف المخصصة للانتاج الزراعي وانتاج البضائع الاستهلاكية مما يؤدي الى ظهور التضخم؟ وحقيقة الأمر هنا أن الربح الذي يريد «الرأسمالي» في أمريكا الحصول عليه من رأس المال، هو نفسه الذي تريد «الدولة» في الاتحاد السوفياتي الحصول عليه، وان لم يكن الأمر هكذا فهو فليس تضخماً، وفي التضخم تظهر آثار ربح رأس المال المتداول مع الضرائب التي لا داعي لها، وقد تفرض الحكومة نوعين من الضرائب : أولها الضرائب التي توفر في مقابلها خدمات للعمال، والنوع الثاني الذي لا يقدم أية خدمة للعمال، ومن هذا النوع التسلح الاضافي الا اذا اعتبرنا «الامن» الذي يُوفَّر للعامل عادلاً حقاً لأن الأمن يتطلب بدوره بعض المصاريف، تلك هي الابحاث الدقيقة التي تطرح بهذا الصدد. أما الناحية الشرعية فلا ينبغي لأحد أن يعتقد بأية صورة كانت بأنه يستطيع أن يجني من أعماله أرباحاً فاحشة. فالأرباح الفاحشة - من أي عمل جاءت - تعتبر في أقل تقدير أمراً مخالفاً للانصاف وفقاً لما جاء في نصوصنا الاسلامية القاطعة، ولكنه لو انتفع بمقدار متوسط فلا يعد مخالفاً للانصاف، وهذه - على كل حال - ميكانيكية الأسعار التي هي ميكانيكية معقدة جداً، وجميع محاسن الأنظمة الاقتصادية ومساوئها تعود - في اعتقادي - الى النظام الذي يبين كيفية الوصول الى أكثر الأسعار عدالة، فالاسعار العادلة عدالة مطلقة لم تتحقق حتى اليوم لا في الانظمة الماركسية ولا في الانظمة الرأسمالية ولا في الاسلام، فهي بحاجة الى ميكانيكية، وهذا عمل من أعمال «علم الاقتصاد» ومع أهمية عامل الاخلاق لكننا لا يمكننا ابعاد العامل العلمي عن أنظارنا.
١ - الايجار
ان ايجار الأشياء (كإيجار البيت والمتجر والسيارة والدراجة و...) الذي ورد في فقهنا يتعلق بالحالة الثانية (أي الربح الناتج عن رأس المال المتخذ شكل الاستثمارات) وهو - بناء على ما ذكرناه سابقاً - يمتلك تبريراً اقتصادياً ومنطقياً يمكن القبول به ولا يعتبر بحد ذاته ظلماً اقتصادياً، وقد يقال : لو فتحنا الباب أمام الايجار فسوف تطرح قضايا المؤجر والمستأجر وتزايد ضغوط الذين يملكون على أولئك الذين لا يملكون، وعلاج هذه المسألة يتمثل في القضاء على الضائقات بنظامنا الاقتصادي الذي نضعه للمجتمع، أي أن نوسع من أعمال بناء البيوت ليكون كل فرد أقل حاجة الى استئجار البيت، ويصبح الأفراد أنفسهم أصحاب بيوت وفي هذه الصورة يكون الأفراد هم من أصحاب البيوت عامة، وكذلك لا يبقى أحد ممن قد يعيشون في مكان ما بشكل مؤقت (في حالة ايفادهم للدراسة أو العمل مثلاً) في ضائقة من حيث السكن إذ يحصلون على امكانيات سكن بشكل دور تؤجر لهم، وكمثال على ذلك : انني لا احتاج الى سيارة طوال العام ولكني أسافر أحياناً لعدة أيام خلال السنة، فلو كان هناك مكان استأجر منه سيارة لعدة أيام وأدفع أجرتها كي أسافر وأعود لكان ذلك اكثر اقتصاداً أو عدالة لي وللمجتمع من أن أشتري سيارة وأضعها في البيت لغرض استعمالها في هذه الأيام القليلة من السنة، ولكن هذه الأجرة يجب أن تكون منخفضة وهذا مما يحتاج الى ميكانيكية تحافظ على انخفاض مستوى الأسعار، وعلى الحكومة مراقبة عدالة الاسعار في كافة المجالات، وأن تحافظ إضافة الى ذلك على انخفاض مستوى الاسعار بميكانيكية خاصة، وعلى هذا الأساس فلمواجهة سوء استعمال تجويز الايجار والأجرة في نظام اقتصادي معين ولضمان أن لا يؤدي هذا التجويز الى فوارق كبيرة بين دخول الأفراد، لا بُدَّ من اتخاذ أمرين :
أ - العمل على توفير هذه الأشياء لمن يحتاج اليها.
ب - استخدام الأساليب المؤدية الى المحافظة على انخفاض مستوى الاسعار.
اذن لا يعني تجويز الايجار واعطاء الأشياء بالأجرة في نظام اقتصادي معين، انتهاكاً لمبادئ العدالة الاقتصادية، ولا يؤدي هذا الأمر الى مسألة القيمة
الفائضة التي طرحت في الاقتصاد الماركسي وما قبله.
٢ - المزارعة
المزارعة تعني أن يعمل الشخص (أ) ويعدَّ قطعة من الأرض لزراعتها. فهو يشق الأنهار والسواقي ويجري فيها الماء فيسقي الأرض ليعدها للاستثمار الزراعي، ولكنه لا يتمكن لسبب ما (المرض أو السفر مثلاً) أن يزرعها بنفسه. فبإمكانه هنا أن يسلك أحد طريقين : إما أن يعطي الأرض والماء إيجاراً للشخص (ب) وبذلك تحصل الحالة الأولى التي ذكرناها قبل قليل، وإمّا أن يطلب من (ب) أن يستخدم هذه الأرض ثم يقسما بينهما ما يحصل لديهما في نهاية الموسم بنسبة معينة، وهذه قضية مقبولة تماماً من الناحية الاقتصادية، وعدم وجوب ارتفاع السعر ليكون مجحفاً مسألة أخرى، ولكن هذه المسألة لاتواجه - من حيث المبدأ - أي دليل منطقي اقتصادي يرفضها، إذ لو عمل الشخص (ب) لمدة سنة كاملة على أرض غير معدة وبلا ماء فقد تعادل حصيلته منها ربع ما يحصل عليه من الأرض المعدة للزراعة، ولو كان الشخص (ب) يعمل (٣٠٠٠) ساعة في السنة فحينما يصرف هذه الساعات على الأرض التي أعدت سلفاً من قبل الشخص (أ) وسُحب اليها الماء فانه يحصل على (٣٠) طناً من القمح مثلاً، في الوقت الذي لو صرف المقدار نفسه من ساعات العمل على أرض غير مُعدة فقد لا يحصل على أكثر من(١٠) أطنان من القمح.
اننا لا نقول هنا بأنه يجب عليه أن يأخذ فقط عشرة أطنان ويعطي العشرين الباقية للشخص (أ) اذ ان ذلك مما يفعله الرأسماليون الطامعون، ولكننا نقول : إن الشخص (أ) يملك حصته من هذا القمح أيضاً. وقد تذهب المزارعة الى أبعد من ذلك، كأن يعد الشخص (أ) أرضه ويسحب اليها الماء ثم يبذر فيها البذور وتنبت هذه البذور، وفي هذه الاثناء يصاب بالمرض فيضعها بعد هذه المرحلة تحت تصرف الشخص (ب) ليقتسما معاً ما يحصلان عليه بنحو معين، فهل هناك اشكال في هذا ؟ ان المزارعة - بناءً على ما تقدم - تستند الى أساس منطقي.
وقد يقول قائل ان المزارعة تؤدي الى ظهور أناس ذوي دخول عالية، وآخرين ذوي دخول واطئة، وعلاج القضية سهل أيضاً يتمثل في ايجاد نظام يؤدي بالمزارع الى عدم اضطراره الى بيع طاقة عمله لمن يملك الأرض الزراعية والماء
والبذور والمكائن لعدم ملكيته لهذه الأشياء. وهذا بالضبط ما جاء في الفقرة(٢) من المادة (٤٣) من دستور الجمهورية الاسلامية.(١)
تمثل هذه الفقرة أطروحة اقتصادية جديدة وفق الموازين الاسلامية، وقد أسميتها أنا أطروحة «وفرة وسائل الانتاج وامكانياته». وهناك فقرة أخرى أيضاً للمادة نفسها تتعلق بأطروحة وفرة الامكانيات العلاجية، وعلى أساس الأطروحة الأولى يمكن في وقت واحد منح حرية للافراد في المجتمع تمكنهم بعد اعدادهم الأرض وبذر البذور وانباتها من أن يضعوها تحت تصرف الآخرين، وأن يحسب هؤلاء الآخرون هل أن هذه القضية تجديهم أم لا، كي لا يضطروا الى بيع طاقات عملهم لعدة أشهر بأجرة قليلة.
وبهذه الطريقة نقضي على اضطرار الناس الى بيع طاقات عملهم بأثمان رخيصة، ونبقي على هذه الفوارق الاقتصادية التي تمنح الطرفين - تلقائياً - مقداراً من حرية المعيشة، فاقتصادنا الاسلامي اقتصاد ذو بعدين، فهو يهتم بالحرية ويرفض الاستغلال في آن واحد.
٣ - المساقاة
تنحصر المساقاة في الامور المتعلقة بالسقي، وفي اكثر الأحيان سقي الأشجار، وما الى ذلك، وكمثال على المساقاة : غرس الشخص (أ) بستاناً وهو ينوي السفر. فيتفق مع (ب) على أن يسقيه في غيابه ويراقب الأشجار (وهنا لا دخل للشخص (ب) في الزراعة) وفي مقابل ذلك يقتسمان ما يعطي هذا البستان في نهاية الموسم بنسبة معقولة. وهذا العمل يشبه ما ذكرناه بصدد المزارعة.
٤ - المضاربة
المضاربة عبارة عن تزاوج بين العمل الانتاجي والعمل الخدمي (في صورة مبادلة). ويعتبر عمل البائع المتجول مصداقاً من مصاديق المضاربة فالقروي ينتج مثلاً البيض والفاكهة والقمح والأغنام ولكنه لا تسنح له الفرصة
____________________
(١) لمزيد من الايضاح راجع شرح هذه المادة في فصل «الأبعاد الأساس لفصل الاقتصاد من دستور الجمهورية الاسلامية» من هذا الكتاب.
للحصول على القماش أو صناعة الأواني النحاسية، أو أنه بحاجة الى تلك الأواني ولكنه ليس نحّاساً ولا وجود لنحّاس في قريته، بل ان النحاس في مركز الناحية أو في المدينة، وهناك في المقابل نحّاس يعمل منذ الصباح وحتى المساء ولكن زبائنه ليسوا جميعاً من أهل المدينة، بل ان مجموعة من زبائنه الحقيقيين هم القرويون، فليس من المجدي أن يحمل النحّاس بنفسه الأواني النحاسية ليبيعها في القرية، ولا يجدي القروي أيضاً أن يتناول كل يوم عشر بيضات (ويترك عمله الذي يقتات منه) لكي يذهب بها الى المدينة، فعمل البائع المتجول هنا يتمثل في أنه يجلب الى القروي الأواني والجوارب والملابس والأحذية وأمثالها من جهة ويذهب بالدجاج والبيض والجبن واللبن والقمح الى المدينة من جهة أخرى، وهنا اما أن يبادل البضاعة بالبضاعة، أو تدخل النقود الى الميدان فتسهل عملية التبادل.
يعتبر عمل البائع المتجول - كما أسلفنا - مصداقاً من مصاديق المضاربة وذلك يعني أن البائع المتجول لا يعطي نقوداً للنحّاس في مقابل أوانيه النحاسية (حيث أنه لا يملك نقوداً ليعطيها له) بل يتفق معه على أن يأخذها ويبيعها لتكون لكل منهما حصة من المبلغ الذي يحصل نتيجة للبيع، وهو من جهة أخرى يتفق مع القروي على أن يأخذ دجاجه وبيضه الى المدينة لتكون له حصة مما يحصل عليه، وللقروي أيضاً حصة أخرى وهذه هي المضاربة بعينها.
فرأس المال هنا (الذي هو الأواني النحاسية أو الدجاج والبيض) ملك للنحاس أو القروي والعمل الخدمي يأتي من البائع المتجول. وهكذا يحصل تركيب يتألف من كلٍّ من العمل الانتاجي والخدمي، ويجب أن تقسم حصيلة هذا العمل بصورة عادلة بين العمل الانتاجي والخدمي، ونجد هنا أن رأس المال غير المنتج لم يربح شيئاً في هذه المضاربة السليمة. إذ حين يتم الحصول على شيءٍ ما فإنه يقسم بين كلٍّ من البضاعة المنتجة التي تعتبر تجسيداٍ للعمل الانتاجي، وبين العمل الخدمي للبائع المتجول.(١)
وليست المضاربة عملية حصول على ربح ناتج عن رأس المال التجاري، ولو كان رأس المال يدر أرباحاً فذلك لأن (في مثالنا) النحّاس يعطي عشرة
____________________
(١) ما هي شروط المضاربة التي وردت في فقهنا ؟ يقول بعض الفقهاء : إن المضاربة تتحقق فقط في رأس المال الذي يكون في صورة ذهب أو فضة. وهذا في حد ذاته من البحوث الفقهية الطريفة.
صحون نحاسية للبائع المتجول وبعد عودته يتقاضى منه «ثمن» أحد عشر صحناً، وهنا يأخذ البائع المتجول عشرة صحون من النحّاس ليبيعها في القرية فيحصل على «ما يعادل» أحد عشر صحناً ثم يأخذ من ذلك ما يعادل قيمة صحن واحد مقابل خدمته، ويعطي الباقي للنحّاس، وعليه فان صحون النحاس العشرة لم تصبح أحد عشر صحناً، وهذه هي حقيقة المضاربة.(١)
هناك قضية مطروحة في علم الاقتصاد تقضي بأن تستند المضاربة الى ميكانيكيّة عادلة، وهذا شيء صحيح وهو يختلف عن القول بأن أصل المضاربة كالربا، وقد سبق القول : ان المضاربة ليست كالربا، بل هي تركيب يتألف من كُلّ من العمل الانتاجي والعمل الخدمي المتمثل بتوزيع البضاعة. ومن الطبيعي أن لا تكون حصيلة المضاربة معادلة للعمل الانتاجي وحده، بل ينبغي لها أن تعادل العمل الانتاجي والعمل التوزيعي معاً، وما يحصل من هذا الاقتران بين العملين الانتاجي والخدمي ليس ربحاً في الحقيقة، بل هو عبارة عما يجب دفعه ازاء الخدمات، ومن هذا القبيل كلّ من عمل البائع المتجول والبقال والخباز وبائع الصحف، إذ لا تعتبر حصيلة أيٍّ من هؤلاء ربحاً ناتجاً عن رأسمال غير انتاجي وغير استثماري.
والمزارعة والمساقاة نوعان من أنواع الاستثمار الانتاجي، ويعتبر الايجار أحياناً رأس مال انتاجياً، وأحياناً أخرى يتخذ شكل رأس المال الاستثماري، وليست المضاربة أيّاً من هذين النوعين، بل هي تركيب بين كلٍّ من العملين الانتاجي والخدمي الأمر الذي لا يعتريه أي إشكال من الناحية الاقتصادية.
ثم ألا تعتبر هذه الأمور في نظام ينعدم فيه الضمان والتقاعد وأجور أيام البطالة، تراكيب صحيحة لمثل هذه الأنواع من الضمان ؟ اننا نستند في حديثنا الى مبدأ عدم وجود من يأكل مجاناً في المجتمع، فمن يعمل يأكل ومن عجز عن العمل ولا يمكنه القيام بأي عمل نحسب له حساباً استثنائياً. والسؤال هنا : هل ان كل من يعمل يستطيع الاستمرار في عمله حتى نهاية عمره ؟ أم أنه سيأتي يوم يعجز فيه عن العمل ؟ اننا نواجه في جميع الأنظمة - سواء في النظام الرأسمالي أو في النظام
____________________
(١) المضاربة مأخوذة من ضرب العمل برأس المال أو من (ضرب في الأرض) أي تشغيل رأس المال ونقله هنا وهناك.
الاشتراكي الحالي أو في النظام الاشتراكي المثالي (الذي هو نظام اشتراكي متقدم تنعدم فيه الدولة والذي يستطيع كل انسان فيه الاستفادة بمقدار رغبته في العمل وكما يحلو له) أناساً لا يقدرون على العمل بل هم فقط يستهلكون من القيم المنتجة بواسطة اشخاص يعملون بالفعل، فالناس في مرحلتي الطفولة والشيخوخة (أي عند طرفي حياتهم) مستهلكون لا منتجون، وهذه مسألة طبيعية، اذ لا يمكن أبداً الإدعاء أنه يجب على جميع أفراد مجتمع معين الاستفادة من انتاجهم وعملهم الخاص فقط لأنهم يستطيعون ذلك في فترة معينة من حياتهم. أما في المراحل الأخرى فلا يعملون ولكنهم يستفيدون فقط، فمن أين تأتي هذه الاستفادة ؟ انهم يجيبون على هذا السؤال قائلين بأنهم ينبغي عليهم توفير جزء من القيمة الزائدة عن القيمة المستهلكة التي ينتجونها في سنيِّ عملهم لهذه السنين التي يستهلكون خلالها ولا يُنتجون، ويتخذ هذا التوفير شكلين : اما توفير الدولة وإمّا توفير الفرد نفسه، فما الفرق اذن بين أن يعمد المزارع - الذي صرف في سنيِّ شبابه جميع طاقته في اعداد عشرة أو عشرين هكتاراً من الأرض للزراعة وشراء ماكنة زراعية وكميات من البذور وشق الأنهار لسقي تلك الأرض فبلغ الآن الستين من عمره ولم يعد قادراً على العمل - الى اعطاء هذه الامكانيات الى مزارع شاب ويطلب منه أن يشتغل بها ليحصل على كمية من المحصول الناتج، ويحصل المزارع على كمية أخرى، وبين أن تأخذ الدولة هذه الامكانيات منه وتعطيها لمزارع آخر ؟ وماذا تفعل الدولة هنا ؟ انها تأخذ كمية من القيمة الانتاجية للمزارع الثاني لتعطيها للمزارع الأول، مع فارق وجود جهاز اداري يحسب ويكتب ويأخذ من هذا ليعطي لذاك، ولا يعرف هل بامكان هذه الطريقة البيروقراطية وهذه الرأسمالية الحكومية أن تكون حقاً طريقة أفضل لتقسيم صحيح للقيم الاستهلاكية المنتجة بين الناس، أي أن تتمكن من انجاز عملية التقسيم هذه بعمل خدمي أقل فهذا مما يحتاج الى شيء من التحليل، واننا نؤمن بضرورة ايجاد تجربة اقتصادية جديدة في ايران تستند الى هذه المقاييس.
مشاكلنا الاقتصادية وطرق حلها
أجل، إن ما يُعمل به في المجتمعات الاسلامية اليوم (مما يؤدي الى الظلم الاقتصادي والى بروز القيمة الفائضة المسروقة أي الاستغلال) على شكلين :
١ - الأرباح الناتجة عن رأس المال التجاري غير المنتج الذي يربح بحد ذاته، أي انه (كما في المثال الذي مرّ بنا) يأخذ البائع المتجول عشرة صحون من النّحّاس ويذهب بها الى القروي ليستفيد منه ما يعادل (١٣) صحناً، ثم يأخذ ما يعادل صحنين ويعيد ما يعادل (١١) صحناً الى المنتج، ان هذا رباً يؤدي الى استغلال غير مرئي، والى استغلالات متسلسلة متوالية غير مرئية والى فوارق طبقية وفوارق في امتلاك الثروة ويجب منع هذا الأمر بميكانيكية صحيحة للأسعار. وهذا بحد ذاته يعتبر من أعقد المسائل الاقتصادية.
٢ - قلة توفر رؤوس الأموال ووسائل الانتاج لأصحاب طاقات العمل الانتاجي والخدمي بشكل يضطر فيه هؤلاء الى العمل لدى أصحاب رأس المال الانتاجي والخدمي، والقبول بأية تركيبة يفرضونها عليهم. انها حقاً لمأساة يتمثل علاجها في التنفيذ التام والعاجل للفقرة الثانية من المادة (٤٣) من دستور الجمهورية الاسلامية، فالقضية المهمة في الاقتصاد الايراني تتمثل في حل هذين الأمرين، إذ يجب أن نركز افكارنا هنا ولا نبدد طاقاتنا، إنها بالنسبة لي لمأساة أن أرى عقولاً تستطيع التفكير والابداع في مجال الاقتصاد تصرف أوقاتها في نقاشات جوفاء لا جدوى منها، انهم لو اعتمدوا على هذه الأسس الواضحة والمقبولة فطرياً لانطلقوا الى طرق تنفيذها. ان مشكلتنا الآن تكمن في طرق التنفيذ، وتنحصر هذه المشكلة التنفيذية في أمرين :
١ - في الانتاج : تتمثل قضيتنا مع الانتاج في ماذا نفعل لكي نستطيع اعطاء وسائل الانتاج ورأس المال الانتاجي والخدمي الى من يقدر على العمل سواء بشكل فردي أو على شكل شركات مساهمة أو تعاونيات، إن تنفيذ هذا الأمر يتطلب فكراً وتجربة وحركة وبناءً وحتى تسابقا.
٢ - في جهاز التبادل والتوزيع : وقضيتنا هنا تكمن في ماذا يجب عمله لمنع رأس المال غير المنتج من جني الأرباح، وأن يخرج الناس من أذهانهم فكرة جني الأرباح من رأس المال هذا، ويفهموا أن الربح العادل يجب أن ينتج فقط من خدمات توزيع البضاعة مضافاً إليها الاستهلاك، وأحياناً نسبة التضخم (الى الحد الذي يكون هناك تضخم لدينا) وهذه المسائل تحتاج الى حساب وعمل
دقيقين.(١)
____________________
(١) لقد دخلنا في نقاش استمر عدة جلسات مع أصدقاء وصِفوا بأنهم يعملون في الاعمال التنفيذية ويجب أن يدلوا بآرائهم في هذا المجال، فشاهدنا أننا ندور حول الكلمات فقط، وانها حقاً لمشكلة أن يكون أدعياء التخصص التنفيذي في مجتمعنا ممن ينسجون التراكيب، فحين يُعفِّي الزمن على تركيب معين، يقر دستورنا تركيباً جديداً ويجب الاتجاه الى تنفيذه.
خلاصة البحث
١ - للملكية أساس فطري.
٢ - الملكية نوعان : إبتدائية وانتقالية.
٣ - مصدر الملكية الابتدائية يتمثل في العمل الانتاجي والخدمي والحيازي.
٤ - الملكلية الانتقالية نوعان : اختيارية وقهرية.
٥ - مصدر الملكية الانتقالية يتمثل في المبادلة والهبة والارث. والمصادر الأخرى التي قد توجد للملكية إنما هي مشتقة من أحد هذه المصادر الستة.
٦ - انواع الملكية هي : الملكية الشخصية، والخاصة، والعامة، وملكية الدولة، ويمكن اعتبار الملكية الجماعية في هذا التقسيم مشتقة من أحد هذه الانواع الاربعة التي ذكرت للملكية.
والملكية الشخصية تطلق اصطلاحاً على ملكية فرد لشيء ما، أو جزءٍ من ذلك الشيء شريطة أن لا يكون من وسائل الانتاج.
والملكية الخاصة تطلق على ملكية شخص (أو مجموعة) لوسائل الانتاج، أو لجزءٍ منها.
وملكية الدولة هي في الحقيقة مظهر آخر من مظاهر الملكية العامة ولو أن لكلٍّ منهما جذره الخاص به.
٧ - ليس هناك أي مبرر اقتصادي يمنع الملكية الخاصة سواء في شكل فردي أو في شكل جماعي (شركة مساهمة أو تعاونيات).
٨ - ليس رأس المال الا عملاً مجمداً (مخزوناً).
٩ - لو اقترن العمل المجمد (المخزون) بالعمل الانتاجي فأصبح مصدراً
لزيادة مستوى الانتاج سمي حينئذ برأس المال المنتج، وتخصيص جزء من القيمة الزائدة الناتجة عن تركيب رأس المال الانتاجي مع العمل (كرأسمال انتاجي باعتباره ربحاً ناتجاً عن رأس المال) شيء له ما يبرره تماماً من الناحية الاقتصادية.
١٠ - يمكن للعمل المجمد (المخزون) أن يتحول الى استثمارات (الاشياء التي يمكن الاستفادة منها دون أن تفنى)، والانتفاع والربح الناتج من هذا النوع من رأس المال أمر له ما يبرره أيضاً من الناحية الاقتصادية.
١١ - العمل المجمد (المخزون) في شكل رأس مال تجاري غير منتج، ولهذا يعتبر الربح الناتج عن هذا النوع من رأس المال أمراً ليس له ما يبرِّره من الناحية الاقتصادية بأي شكل من الأشكال، وهو كالربا.
١٢ - الذين يعملون في توزيع البضائع يمكن لثمن بيعهم أن يكون أكثر قليلاً من ثمن شرائهم ولكن يجب أن يكون هذا المبلغ المضاف في مقابل عملهم اليومي في البيع والشراء وباقي مصاريفهم الأخرى، دون التطرف الى الربح الناتج عن رأس المال المتداول، وعمل هؤلاء في هذه الحالة هو من المضاربة أو ما يشبهها.
١٣ - ان طاقة العمل المستهلكة على شكل عمل خدمي يفصل بين الانتاج والاستهلاك يجب أن تبلغ الحد الأدنى من الاستهلاك والطاقة الانسانية (الوسطاء).
١٤ - المزارعة والمساقاة عبارة عن اقتران العمل الانتاجي لشخص معين بالعمل الانتاجي لشخص آخر، أي أن يشترك شخصان في انتاج واحد خلال فترتين من الزمن ويجب - بالطبع - تقسيم حصيلة الانتاج بينهما.
١٥ - المضاربة الحقيقية تعني في الواقع اقتران العمل الانتاجي بالعمل الخدمي (توزيع البضائع)، ولو تم تقسيم حصيلة الأمر بين طرفي المضاربة، فلن يكون ذلك بمعنى الربح الناتج عن رأس المال التجاري غير المنتج، بل يعني تقسيم الأموال الحاصلة بين العمل الانتاجي لصاحب البضاعة وبين العمل الخدمي لبائعها.
١٦ - الايجار والمزارعة والمساقاة والمضاربة التي وردت في الفقه الاسلامي أمور تتوافق مع الأسس التحليلية التي ذكرناها بصدد الملكية، وهي جديرة بالقبول، ولها ما يبررها من ناحية المنطق الفطري.
١٧ - لا يعتبر ايّ من هذه المعاملات استغلالاً في حد ذاته، وهناك
أسباب للظلم والاجحاف واستغلال أصحاب الدخول الواطئة، وظهور الدخول الفاحشة، يمكن تلخيصها في عاملين أساسيين :
أ - الاجحاف في الأسعار (أسعار أجور الأيدي العاملة، أسعار البضاعة، اسعار اجور النقل والايجار، أسعار توزيع الحاصل بين طرفي المساقاة والمضاربة والمزارعة وأمثال ذلك).
ب - اضطرار من يمتلكون طاقة العمل الى بيع تلك الطاقة لأصحاب رؤوس الأموال ووسائل العمل.
١٨ - يتمثل العلاج الجذري لهذا الأمر في التزام كلٍّ من المجتمع والدولة بإعطاء رأس المال ووسائل العمل لكل من هو قادر ومستعد لإنجاز العمل الانتاجي أو الخدمي ليتمكن من تشغيلها بصورة فردية أو جماعية (شركات مساهمة أو تعاونية) وأمثال ذلك، ويجب على الدولة - اضافة الى ذلك - التدخل في مسألة تحديد الاسعار في الحالات الضرورية.
١٩ - يجب في نظامنا الاقتصادي الاهتمام بالأمور المهمة التالية :
أ - تأمين حرية العاملين الى أقصى حد ممكن لكي لا يفرض عليهم نوع العمل ومكانه وساعاته وكيفيته وامثال ذلك، وأن تجري حقاً وفقاً لاختيارهم وحساباتهم الحرة.
ب - ازدياد دوافع الانسان نحو الانتاج الأكثر يوماً بعد يوم وأن يقوى الدافع الذاتي ويشتد لدى أفراد المجتمع يوماً بعد آخر.
ج - وضع امكانات العمل الاقتصادي تحت تصرف الأفراد. وهذا مما يعد واحداً من طرق ضمان المبدأين السابقين.
وبناءً على ما تقدم فان ما نطرحه كمبادئ عامة لاقتصادنا الذي نصبو الى تحقيقه عبارة عن توفير امكانيات الانتاج والقيم الاستهلاكية المنتجة مع رفع مستوى الدافع الذاتي للانتاج وحرية أصحاب طاقات العمل.
٢٠ - المجتمع والدولة والافراد ملزمون تجاه المستهلكين العاجزين عن الانتاج أو الذين فقدوا قدرتهم عليه أو العاجزين عن انتاج القدر الكافي من المصاريف التي يحتاجون اليها (بتوفير ذلك لهم) وهذا مما يكمل المبادئ التي ذكرت بهذا الشأن ليكون نظامنا الاقتصادي مقترناً الى أبعد حد ممكن بالحرية والوفرة، وبعيداً قدر الامكان عن أعمال التمايز والفوارق في الداخل.
٢١ - ينبغي لنظام الضرائب أن يكون على شكل ضرائب مباشرة على الدخل، ونموذج ذلك :الخمس كضريبة على الدخل الصافي في بعض الحالات، وكضريبة على الدخل الاجمالي في حالات أخرى، والزكاة التي هي بشكل عام ضريبة على الدخل الاجمالي. وهذان نموذجان من الضرائب المباشرة.
٢٢ - ان مسائل الأملاك العامة، والانفال، وحدود الحيازة، والاستفادة من المصادر الطبيعية، من العوامل المهمة التي ينبغي الاهتمام بشأنها.
٢٣ - ان المسائل المتعلقة بإحياء الأراضي، ومبدأ ملكية الأرض لمن يحييها، وآثار ذلك من المسائل الدقيقة، وهي الطريقة التي ينبغي الاهتمام بها بدقة، والتي تلعب دوراً مهمّاً في اقتصادنا في مجال المعاملات المتعلقة بالأرض وتحديد كيفيتها.
وبتركيب هذه العوامل تركيباً دقيقاً، وبعد خطط تنفيذية مدروسة ومجربة، يمكننا إيجاد نظام اقتصادي جديد ليس كالاقتصاد الرأسمالي (الذي يطلق العنان عملياً للمنتفعين ويوقع المستغَلين في شراك المستغِلين)، ولا هو كالنظام الاشتراكي الحكومي (الذي يخنق عملياً كثيراً من الحريات أو يبطل مفعولها، ويخلق من الدولة رأسمالياً كبيراً وقوياً).
العمليات المصرفية والقوانين المالية في الاسلام (الربا في الاسلام)
لقد شاركت في عدة محافل دينية طُرِحَت فيها مسألة الربا وحُرمَتِهِ الاسلام، وبُحِثَ فيها هذا الموضوع من مختلف جوانبه.والربا من اكثر المواضيع الاقتصادية والدينية أهمية، ويجب اجراء تحقيقات واسعة بشأنه فهناك مسائل كثيرة تتعلق بموضوع «الربا في الاسلام» يجب بحثها بتعمق وسوف نشير اليها هنا بشكل مجمل :
١ - ما هو الربا ؟ وهل ان العرف الشائع في العالم البوم - بغض النظر عما هو في الاسلام كعرف الشعوب غير الاسلامية مثلاً - يطلق اسم الربا على جميع الموارد التي اعتبرها الشرع ربا ؟ فلو كان مثلاً سعر الكيلوغرام الواحد من القمح يعادل (٦) ريالات، وسعر الكيلوغرام الواحد من الشعر يعادل (٣) ريالات، وقد باع شخص لآخر (٢٠) كغم من القمح في مقابل (٤٠) كغم من الشعير فهل يعتبر هذا آكلاً للربا ؟
٢ - الربا في الشرائع السماوية التي سبقت الاسلام.
٣ - الربا عند قريش والقبائل الأخرى في مكة والمدينة ومدن الحجاز الأخرى من غير اليهود والنصارى.
٤ - الربا في الشرع الاسلامي.
٥ - الربا في القروض والبيع والمعاملات الأخرى.
٦ - المكيل (ما يكيلونه عند التعامل به) والموزون (ما يزنونه عند التعامل به) والنقدان (الذهب والفضة المسكوكان).
٧ - ما كان غير هذه الأقسام الثلاثة من قبيل المعدود (ما يعدّونه عند التعامل به).
٨ - هل ان القرض المعدود يخلو من الربا أيضاً ؟ (يجب التنبه هنا الى اطلاق الروايات الواردة حول المعدود).
٩ - هل ان الأوراق النقدية بحكم النقدين أيضاً ؟ أم أنها بحكم البضائع الأخرى ؟
١٠ - وماذا عن الأوراق الرابحة الأخرى ؟
١١ - ألا يفترض تحقق الربا حين التعامل بالأوراق النقدية بشكل عام ؟
١٢ - ماذا يعني الاحتيال من أجل التهرب من الربا ؟
١٣ - الأمور الاعتبارية والفرضية والفرق بينها.
١٤ - العمليات المصرفية والقوانين المالية في الاسلام.
هذه هي المسائل الأساس لهذا البحث والتي جرى البحث في بعض منها في عدة محافل دينية أشرت اليها آنفاً ومن هذا القبيل المسألة الأخيرة إذ بحثت في جلسة أو جلستين وستنشر نتيجة ذلك البحث في هذا الكتاب لكي يبحثها ويطلع عليها أصحاب العلاقة فيكملوها بالبحث والتمحيص والانتقاد.
ان دراسة الربا من جميع نواحيه التي أوردناها من الواجبات الاسلامية في مجال العلم والبحث، ونأمل ان تستنفر الهمم من أجل تحقيق كامل وشامل بهذا الصدد مع الأخذ بنظر الاعتبار ما ورد في الآيات والروايات، وما قاله وكتبه في ذلك فقهاء الشيعة والسنة، وكذلك دراسة الابحاث العلمية التي أجراها علماء الاجتماع والحقوقيون، ثم مقارنة تلك الابحاث بالروايات التي وردت بشأن مسألة تحريم الربا، لكي تنجلي على ضوء ذلك جميع الابهامات الموجودة بشأن الربا أو أكثرها.
البنك
يمكن تقسيم العمليات المصرفية بصورة عامة الى قسمين :
القسم الأول هو الذي لا يقترن بالفائدة عادة.
والقسم الثاني هو هو ما يقترن عادة بالفائدة.
أما القسم الأول : فيشمل الحوالات والكمبيالات، والحساب الجاري، والصكوك، وحساب التوفير غير المصحوب بالفوائد، وباقي عمليات تبادل العملة والأوراق النقدية.
وأما القسم الثاني فيشمل منح الاعتمادات أو القروض التجارية والصناعية والزراعية والمهنية، وقروض بناء المساكن، وإنشاء المصانع، وأمثالها.
القسم الأول من العلميات المصرفية
يسهم القسم الأول من العمليات المصرفية اسهاماً كبيراً في تسهيل أمور الحياة وعمليات البيع والشراء دون أن يجلب بحد ذاته ضرراً على الفرد أو المجتمع.
لنفترض مثلاً أن هناك شخصاً في مدينة (خوي) أو (عبادان) ينوي أن يرسل شهرياً المصاريف الدراسية لولده الذي يدرس في احد المراكز العلمية كحوزة قم أو جامعة طهران، أو أن هناك تاجراً في (قوجان) أو (زاهدان) يريد إرسال ثمن بضاعة اشتراها بالآجل من صاحب له في أصفهان، فعلى مثل هؤلاء إما أن يتحركوا من أماكنهم ويتحملوا متاعب ومصاريف كثيرة ويبذلوا الكثير من وقتهم لايصال المبالغ الى اصحابها ثم العودة من هناك، وإمّا أن يرسلوها بوساطة شخص أمين وموضع ثقة، وإمّا أن يعثروا بعد جهد جهيد على تاجر في مدينتهم يتعامل مع تاجر آخر في اصفهان فيحوّلوا المبلغ بوساطته، فضلاً عن وجود حالات من القلق والاضطراب في كل من الحالتين الأخيرتين.
أفليس من الافضل - والحال هذه - ايجاد مؤسسة واسعة وجديرة بالثقة لإنجاز هذا العمل بأقل كلفة وأكبر ثقة.
ثم لنفترض أن هناك شخصاً منهمكاً في البيع والشراء منذ الصباح وحتى المساء ويجب أن يأوي الى بيته في المساء ليقضي أوقات استراحته مع زوجته واطفاله مطمئناً مرتاح البال ولكنه يملك في دكانه ألف تومان أو أكثر لو
أخذها معه فقد تسرق من جيبه ولو أبقاها في الدكان فقد تكون من نصيب اللصوص، وهكذا نراه منشغل البال في كيفية المحافظة على هذا المبلغ الأمر الذي يسلب النوم من عينيه، فأي شيء أفضل من أن تكون هناك مؤسسة يودع فيها نقوده كل يوم لتحفظها في مكان آمن، مع ما يلزم ذلك من استعدادات، ثم تضعها تحت تصرفه أو تصرف غيره بصك يكتبه.
أو لنفترض أن هناك رجلاً أو امرأة أو طفلاً يقتصد في مصاريفه ويفكر بعاقبة أمره فيوفر مبلغاً من دخله اليومي البسيط لكي يكون له عوناً في يوم قد يحتاج اليه فلا يمد يده لطلب المساعدة من هذا وذاك، وقد أصبحت المحافظة على هذا المبلغ مع تفاهته مشكلة من مشاكله فهو من جهة تخطر على باله كل حين فكرة تشجعه على صرف ما وفره وهو من جهة أخرى يخشى من أن تمتد يد آثمة فتختطف منه (في ثوان) ما ادخره في عدة سنين، ولو جعل هذا المبلغ تحت تصرف هذا الشخص أو ذاك فقد يتبدد أو لا يستطيع الحصول عليه وقت الحاجة، أما لو تحملت مؤسسة جديرة بالثقة مسؤولية الحفاظ على هذا المبلغ واعطائه لاصحابه متى ما طلبوا ذلك فلسوف يكون ذلك نعمة كبيرة بالنسبة لهم.
في عمليات البيع والشراء بالجملة يصعب حساب النقود خاصة اذا كانت تشكل مبلغاً كثيراً يتألف من فئات نقدية صغيرة اذ يستهلك الكثير من الوقت ويؤدي الى جانب ذلك الى الوقوع في الخطأ، فلو انجز هذا النوع من المعاملات بتبادل الصكوك على الحساب الجاري لما استغرق الا القليل من الوقت ولتجنب الوقوع من خطأ يصعب تداركه.
هذه وأمثالها من المزايا الثمينة التي لا يمكن انكارها للمؤسسات المصرفية التي يعتبر غض النظر عنها في أمور الحياة - خاصة حياة هذا العصر المليئة بالعلاقات والأواصر - أمراً غير معقول.
فالبنوك بما تملكه من تشكيلات واسعة ومنظمة، وموقع باعث على الثقة، تصلح كثيراً لتلبية هذا الجزء من حاجات الحياة اليومية، تلك الحاجات التي تكفي لإثبات ضرورة وجود المؤسسات المصرفية.
ولكن تحريم الربا مهما افترضنا له من دائرة واسعة، لا يوجه أقل ضربة الى هذا النوع من الأعمال المصرفية، اذ يمكن - في المجتمع الاسلامي للأفراد أو
الدولة على حد سواء - ايجاد المؤسسات اللازمة لانجاز مثل هذه الأعمال واستحصال أجرة كافية، وبنسبة مئوية معينة في مقابل ما ينجزونه من هذه الأعمال.
ولا مانع أبداً من أن تعمد البنوك - بدلاً من انجاز معاملات الحساب الجاري مجاناً واعطاء فوائد لحسابات التوفير اضافة الى ذلك ثم تعويض هذه الفوائد والمصاريف الادارية الأخرى والأرباح الفاحشة لاصحاب البنك عن طريق أكل الربا واستحصال الفوائد من المقترضين - الى استحصال أجور كافية للمعاملات المتعلقة بالحسابات الجارية وحسابات التوفير - كما هو الأمر في الحوالات والكمبيالات - وتأمين المصاريف الادارية وأرباح أصحاب البنك عن هذا الطريق.
وطبيعي أنه لا يمكن مع وجود البنوك الحالية التي تأخذ الربا، وتنجز معاملات الحساب الجاري مجاناً، وتعطي لحساب التوفير بعض الفوائد، إيجاد بنك على أساس هذه الأطروحة، ولكن لو طبقت القوانين الالهية فمنع أكل الربا في كل مكان حتى في البنوك الحكومية فستضطر جميع المؤسسات المصرفية الى استحصال أجور في مقابل الحساب الجاري وحساب التوفير وسيوافق الناس طوعاً أو كرهاً على دفع الأجور اللازمة لغرض تسهيل أعمالهم وارتياح بالهم، فيؤدي ذلك الى ازدهار الأعمال المصرفية دون التلوث بالربا.
وعلى هذا الأساس فإن تحريم الاسلام للربا تحريماً تاماً وشاملاً لا يمنع بأي شكل من الأشكال من انجاز القسم الأول من العمليات المصرفية، ولا يحرم المجتمع الاسلامي من هذا النوع من التسهيلات المربحة والمرفهة.
القسم الثاني من العمليات المصرفية
ان هذا النوع من العمليات بالشكل الذي تنجز به اليوم في أغلب مناطق العالم لا يهدف الى مجرد تحسين الوضع الاقتصادي، بل ان الهدف الأصلي لمثل هذه العمليات المصرفية يتمثل في الاعم الاغلب في أكل الربا ولكن مع شيء من السيطرة والنظام والتشكيلات الظاهرية ذات الجلال والأبهة، فإن كان لها أثر في تحسين الوضع الاقتصادي وتقدم العلم والصناعة فهو من الأمور الفرعية.
ان هذه البنوك سواء أكانت خاصة أم حكومية أم دولية، تسعى دائماً
الى ايجاد أفضل الطرق لتشغيل رؤوس أموالها في طريق أكل الربا، ولو وجدنا في بعض المواقع ان أصحاب البنوك هذه يسعون إلى منح فروض أو اعتمادات مصرفية من أجل تثبيت دعائم اقتصاد مؤسسة معينة، أو شعب معين، أو شعوب العالم كافة، فقد رقت قلوبهم لأنفسهم لا لتلك المؤسسة او الشعب أو سكان الارض. إنهم رأسماليون أذكياء يسعون للحفاظ على أرضية حصولهم على الربح على الدوام، فهم كالطفيليات التي فكرت بعاقبة أمرها فاستقرت على جسم معين وأخذت تمتص من دمائه الى درجة لا تجعله يموت بل تبقي على رمق منه ليبقى بين الموت والحياة فيؤمن قوتها.
وقد حرمت القوانين المالية والتجارية في الاسلام هذا الجانب الذي يدخل ضمن القسم الثاني من العمليات المصرفية بلا شك، وبهذا التحريم لا تبقى رغبة لدى أصحاب رؤوس الاموال الخاصة في تشغيل رؤوس أموالهم في مجال منع الاعتمادات والقروض المصرفية، ومنح القروض عديمة الفائدة، وهنا تطرح المشكلات التالية :
١ - ان الأعمال الصناعية والزراعية الضخمة، والأعمال المتعلقة بالنقل والتجارة، ورؤوس الأموال الكبيرة، تتطلب تأمين القسم الأعظم من رأسمالها عن طريق القروض المصرفية عادة، فلو حرمت القروض ذات الفائدة، لأدى ذلك الى إنزال ضربة بتوسيع هذه العمليات ثم بتقدم العلم والصناعة والاقتصاد نتيجة لذلك.
٢ - يحدث كثيراً ان يقع العامل أو الصانع أو المزارع في ضائقة مالية لا يحلها الا قرض بسيط يكون نعمة كبيرة له مع كونه ذا فائدة (ربا)، ولكن تحريم الفائدة يغلق الطريق أمام مثل هذه الحلول مما يؤدي الى حرمان عائلة كاملة في اكثر الأحيان.
٣ - ان قروض بناء المساكن والقروض المعطاة لفتح مجالات العمل تعتبر - مع كونها مصحوبة بالفائدة - وسيلة لرفاه الطبقات المحرومة، ولا ينبغي بتحريم الفائدة أن تحرم تلك الطبقات من هذه الوسيلة فتظل تحت وطأة الفقر والحرمان.
حل المشكلة
رأسمال كبير أم رأسمالي كبير ؟
لقد خلط بين هذين الاثنين في المسألة الأولى، فلا ريب في وجود حاجة الى رأسمال كبير من أجل انجاز الأعمال الكبيرة والواسعة في مجال الصناعة والزراعة، والتقدم العلمي والفني، ولكنه لا يشترط أن تكون رؤوس الاموال الكبيرة هنا مرتبطة دوماً بشخص معين، أو عدة أشخاص محددين، ولا تنحصر طريقة ايجاد رؤوس الأموال الكبيرة بهذه الطريقة المعتادة في الدول الرأسمالية وفي الحصول على القروض ذات الفائدة القليلة أو الكثيرة من البنوك.
فهناك طرق كثيرة أخرى لتكوين رؤوس الاموال الكبيرة تحظى باهتمام خبراء العالم الاقتصاديين منذ مدة طويلة، إذ يمكن بانشاء الشركات المساهمة الكبيرة وتعاونيات الانتاج، وتعاونيات الاستهلاك، وتعاونيات الانتاج والاستهلاك، وتكوين رؤوس أموال كبيرة تتعلق برأسماليين صغار وتشغيلها في طريق تقدم الأعمال الاقتصادية وتوسيعها دون أن يكون هناك موضع قدم للرأسماليين والمرابين.
والربح الحاصل من هذا النوع من الشركات يقسم بين اكبر عدد من الأفراد مما يؤدي الى عدم تمركز الثروة عند مجموعة محدودة ويساعد أيضاً على تحقيق العدالة الاجتماعية والتغيير الاقتصادي، وهو من الطرق المؤدية الى منع ظهور رأسماليين كبار مترفين ومنعمين ومسرفين وراكضين وراء الكماليات في المجتمع، ومنع حدوث فوارق اقتصادية كبيرة بين أفراد الأمة.
وعلى هذا الأساس لا يعتبر تحريم الربا مما يمنع ايجاد رؤوس الأموال الكبيرة وحسب، بل ويمنع من ظهور رأسماليين كبار أيضاً، وهو أفضل ما نطمح اليه جميعاً، ويمثل ما أراده الاسلام وأراده عامة خبراء الاجتماع التقدميين في القرون الأخيرة، ولو طبق هذا الأمر لما برزت هذه الأنظمة المتطرفة التي تطالب بالتجديد والتحديث.
وفضلاً عن ذلك يمكن للحكومات الصحيحة والصالحة رصد رؤوس الأموال للأمور المتعلقة بالصناعات الضخمة، ومشاريع الري والزراعة، بصورة أفضل كثيراً مما يفعله الرأسماليون في القطاع الخاص ولأن الحكومة الصالحة
تمثل الشعب الذي نصبها لهذه الأمور فان رؤوس الأموال هذه سوف تستثمر حتماً لتحقيق مصالح الشعوب ومنافعها.
ان تأميم الصناعات الضخمة في البلدان الرأسمالية، وقيام الحكومات بإنشاء السدود وشق الطرق ومد السكك الحديد وخطوط ملاحة السفن، والتقدم المدهش في المجالات العلمية والفنية والاقتصادية للبلدان الاشتراكية، من الأمور التي توضح أن طريق تخصيص رؤوس الأموال الكبيرة لا ينحصر في كبار الرأسماليين المرابين فقط.
ولو افترضنا أن الحكومات لا تمثل تجاراً وأرباب عمل جيدين، وانه من الأفضل لنا أن نعطي ادارة الامور الاقتصادية وحتى الثقافية والصحية والعمرانية للافراد، لتكون عرضة للتنافس الحر، وأنه ينبغي على الدولة الامتناع عن التدخل المباشر في هذا النوع من الأعمال لتفتح الطريق بشكل تام أمام استثمار الامكانات الثرَّة للأفراد، ومن ثم توجيه عمليات القطاع الخاص الوجهة الصحيحة وفقاً لمصالح جماهير الشعب الواسعة، ففي هذه الصورة يتوجب على الدولة أن تخصص جزءاً من الميزانية العامة لإنشاء بنوك خاصة بإعطاء هذا النوع من المساعدات الاقتصادية لتتمكن من منح القروض الكبيرة والصغيرة الخالية من الفوائد للافراد أو للمؤسسات الخاصة، فتمسك بهذه الطريقة بشريان اقتصاد البلاد بصورة أفضل، وهذا الوضع يساعد في حد ذاته في سيطرة الدولة على اقتصاد البلاد ويمنحها فرصة مناسبة وحساسة جداً لتقدم في منح القروض مصالح الأمة على المصالح الخاصة بالذين يحصلون على تلك القروض فيشتغل رأس مال الشعب بأيدي الافراد من أجل تحقيق مصالح الشعب نفسه، لا من أجل تراكم الثروات الشخصية واكتناز الأموال. ويمكن للدولة أن تستحصل من الارباح الناتجة عن هذه القروض، ضرائب عالية لصالح الشعب فتصرفها في سبيل رفاهه، وهذا أيضاً طريق لمنع ايجاد أشخاص مترفين وغارقين في اللذائذ والكماليات والأمور التافهة الأخرى، وظهور فوارق طبقية كبيرة داخل الأمة الواحدة، أما فيما يخص المسألتين الثانية والثالثة فهناك طريقان للحل :
١ - مؤسسات قرض الحسنة الفردية والجماعية :
نظراً للثواب العظيم الذي عينه اللّه تعالى لقرض الحسنة حيث فضله حتى
على الصدقة والمساعدات بلا عوض، ولو أجري تخطيط صحيح لهذا العمل مع شيء من الدعاية والاعلام فسوف يفتح الطريق أمام ظهور هذا النوع من المؤسسات.
وتستحصل مؤسسات قرض الحسنة أجراً مناسباً وبنسبة مثوية معينة من أجل تأمين مصاريفها الاعتيادية ولكن ليست هناك أية فائدة على أصل القرض، ولا توجد أية أرباح في الميزانية السنوية لهذه المؤسسات.
وهناك مسألة طريفة فيما يخص قرض الحسنة، وقد لم يلتفت اليها أحد حتى الآن، فطبقاً للقوانين الاسلامية تسري على النقد والذهب والفضة (التي تبلغ الحد المقرر وتبقى مجمدة أكثر من أحد عشر شهراً) ضريبة الزكاة، أي تلك الضريبة الاسلامية الخالدة التي تبلغ نسبتها ٥ / ٢ % ولو حصل في أثناء السنة أن أجريت على هذا النقد معاملة ولو لمرة واحدة كأن يعطى كقرض مثلاً فلن تسري عليه هذه الضريبة بعد ذلك.
ولو كان يسري على الأوراق النقدية حكم الذهب والفضة في مسألة الزكاة، وعمل بالاحتياط فيما يخص هذه الأوراق وفرضت الحكومة الاسلامية ضريبة تشبه الزكاة على تلك الأوراق النقدية التي بلغت الحد المقرر، فسوف يؤدي ذلك بحد ذاته الى توفر رؤوس أموال كثيرة لإيجاد مؤسسات فردية، أو جماعية، أو نصف حكومية، لمنح قرض الحسنة، وسوف تسيل رؤوس الأموال الوطنية، ولو تقرر أن يكون الادخار الوطني خالياً من الفائدة أيضاً فسوف يظهر طريق آخر لتأمين رؤوس أموال هذه المؤسسات.
٢ - البنوك الحكومية
لو لم تحصل نتيجة كافية من اتباع الطريقة الأولى، فسوف يصبح على عاتق الدولة تخصيص مبالغ من الميزانية العامة لغرض تأسيس بنوك لمنح القروض المهنية والصناعية والزراعية، وقروض بناء المساكن، وفتح مجالات العمل، على أن تستحصل هذه البنوك أجراً متناسباً مع مصاريفها الجارية دون فرض أية فائدة على القرض نفسه.
وقد كان تأسيس البنوك الزراعية والرهنية وبنوك فتح مجالات العمل في ايران يهدف في البداية الى تحقيق هذا الغرض واتباع هذا الاسلوب، ولم يكن
من المقرر أن تجني هذه البنوك أرباحاً للدولة، حتى أن بنوك فتح مجالات العمل لم تكن تؤمِّن مصاريفها الجارية.
ولكنهم وللأسف عمدوا خلال السنوات القليلة الى اضافة رؤوس الأموال الخاصة الى رأسمال الشعب في هذه البنوك بحجة زيادة رأسمالها فتحولت الى مؤسسات مرابية، وفقدت عندئذ خصوصياتها التعاونية والمسهِّلة للأمور.
نتيجة البحث
ان تحريم الربا لا يوجه ضربة الى أيٍّ من المصالح الاجتماعية والاقتصادية الوطنية التي تحققها البنوك.
ان انشاء البنوك بشكل صحيح خال من الفائدة مع استحصال شيء من الأجور من أجل رفاه الشعوب وسعادتها لا يعتبر أمراً غير محرم فحسب، بل هو من الواجبات الكفائية ومن مسؤولية الحكومات.
ان ما حرّم بتحريم الربا هو البنوك ذات الفوائد التي تعمل من أجل أكل الربا، وتحقيق مصالح الرأسماليين المرابين، وايجاد طبقة مترفة مسرفة، تركض وراء الكماليات والتفاهات، وهذا بحد ذاته من أعظم مزايا القوانين المالية والتجارية في الاسلام.
الضرائب في الاسلام
مقدمة
مع أفضل تحية وسلام الى أولئك الأطهار الذين بذلوا أنفسهم في سبيل اللّه، والذين سطروا المفاخر للاسلام وأمة الاسلام في تلك المحاريب النورانية المتلألئة والمخضبة بالدماء، والذين ارتهن وجود هذه الثورة الاسلامية وتقدمها بأعمالهم العبادية البطولية، وتحية اليكم أيها الاخوة والأخوات إذ تسعون في هذه البحوث والندوات الى توضيح طريقة تطبيق نظام الاسلام النقي والخالص، في المجالات الاجتماعية والادارية والسياسية والقضائية والاقتصادية والثقافية، وآمل أن نكون بكل اخلاص واندفاع سالكين في هذا الطريق، وأسأل اللّه تعالى أن يجعل برامجنا هذه مليئة بالحركة، ومستنيرة بالعشق الالهي، والرغبة في تحقيق الاهداف المقدسة، كي لا تتحول أبداً مساعينا هذه الى مساعٍ أكاديمية عديمة الرونق وقليلة الأهداف.
اننا لو بلغنا ذلك اليوم الذي نجد فيه مداد العلماء ودماء الشهداء تسير معاً في خط واحد ونحو هدف مشترك، ونرى فيه كل من يستقر في مواقع القتال، ومن يطير بنسور الحديد، ومن يعمل في قلب حيتان الحديد التي تمخر عباب البحار، ومن يعمل في وزارة الاقتصاد والمالية للجمهورية الاسلامية، ومن يلقي الدروس
على طلبته ومن يعمل في الحقول والمزارع قد اشتركوا جميعاً بروح واحدة، ويسعون لتحقيق هدف واحد، فحينئذ نستطيع التأكد من أن الجمهورية الاسلامية بدأت تتجه نحو النمو والتفتح، ومن المؤكد أنه لو حصل غير هذا في يوم من الأيام فان هناك خطراً كبيراً ومرعباً يهدد أصالتنا ووجود حركتنا الثورية المشعة.
شكراً لجميع الإخوة والأخوات أعضاء الجمعية الاسلامية لوزارة الاقتصاد والمالية الذين بذلوا الجهود لاقامة هذه الندوة وهذا الملتقى، وينبغي لهذه الجهود أن تستمر ويجب على العناصر المسلمة والملتزمة في المؤسسات الحكومية أن يشعروا كلما تقدم بنا الزمن أن جميع الأعمال قد تم ترتيبها لتسير نحو تحقيق النظام الاسلامي، وأن يعتبروا أنفسهم مسؤولين ومؤثرين في عمليات التخطيط والمساعي المبذولة بهذا الشأن، ونأمل من الوزراء ومعاونيهم والمسؤولين الذين يتحملون قدراً من المسؤولية أكبر من غيرهم في وزارة الاقتصاد والمالية والمؤسسات التابعة لها وجميع المؤسسات الحكومية في الجمهورية الاسلامية أن يلتفتوا الى ما يبديه المسلمون الملتزمون في هذه المؤسسات من رغبة وشوق لهذا النوع من الخطط والأعمال والبرامج، ويعتبروا ذلك واحداً من الواجبات الملقاة على عواتقهم، ويتحركوا بشكل يجعل هذه الرغبات تزداد يوماً بعد يوم.
أيها الإخوة والأخوات لا ينبغي لأحد أن يتصور أن مرحلة تحمل أحد منا المسؤولية في هذه الثورة الاسلامية العظيمة والنورانية قد انتهت، أو أن مسؤولياتنا قد خَفَّت، يشهد اللّه أن مسؤولياتنا تثقل وتصعب يوماً بعد يوم، ويجب علينا أن نبدي استعداداً أكبر لتحمل هذه المسؤوليات، يجب علينا أن نعتقد جميعاً بوجوب العمل المستمر ليلاً ونهاراً، وأن نحمل في الليل والنهار همَّ تطوير هذه الأمة والمحافظة على أهدافنا واستقلالنا والعودة الى ذواتنا، لأن اعداءً كثيرين قد كمنوا لنا في داخل الحدود وخارجها، أولئك الأعداء الذين لا ينبغي لنا أبداً احتقارهم واستصغار شأنهم، آملين بعون اللّه وهدايته أن تبقى روح السعي وبذل الجهود لدى الجميع يقظة ومثمرة بشكل يجعل أصدقاءنا أكثر رغبة وأملا واندفاعاً يوماً بعد آخر، وأعداءنا أكثر انغماساً في الحسرة واليأس يوماً بعد آخر.
الضرائب في الاسلام
في الاسلام - كما تعلمون - عبادات مالية، فكما أن المسلم يصلي للّه أو
يصوم له ويعبده، فانه أيضاً يدفع الزكاة من أجل اللّه، فيعبده عن طريق دفع الزكاة وانفاق الأموال في سبيله، فالذي ينفق ماله في سبيل اللّه يعتبر مجاهداً كالذي يبذل نفسه في سبيله.
( والمجاهدون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ) .(١)
وحين تؤمن نفقات الجهاد والحرب مع العدو فان دفع هذه النفقات مشاركة في الجهاد وهو من العبادات أيضاً، وهناك تصنيف فقهي بهذا الشأن يخصص فصلاً للعبادات المالية اضافة الى العبادات الجسدية، والخمس والزكاة شكلان من أشكال الانفاق المحدد يجب دفعهما من قِبل كل مسلم تتوفر فيه الشروط اللازمة بشأنهما، وقد نُصَّ على الزكاة في تسع حالات،(٢) وفُرض الخمس في حالات منصوص عليها وفي حالات أخرى أيضاً، وتتسع دائرة الخمس لتشمل حالات أخرى غير الحالات المحددة التي منها الغنائم الحربية، كالصيد، والمعادن، والكنوز، والأراضي التي اشتراها الكافر الذمّي، وأمثال ذلك، ويتسع مجال الخمس ليشمل الدخل السنوي، أي فيما يزيد على مصاريفه خلال السنة، وهي حالة تشمل الجميع، وكذلك الحال في المال المختلط بالحرام وهي حالة واسعة أيضاً، تلك هي الضرائب الاسلامية المقدّرة أي الضرائب التي حددت حالاتها ومقاديرها، فمقدار الزكاة يتراوح في جميع الحالات بين ٥ / ٢ % الى ١٠ % ويبلغ مقدار الخمس ٢٠ %
وهناك ضريبة أخرى هي «الخراج» التي تعني في أصلها الضريبة، فما هي الحالات التي يفرض فيها الخراج ؟ هل ان الخراج مجرد ضريبة تتعلق بالأراضي الخراجية ؟(٣) وهناك ضريبة اخرى هي «الجزية»(٤) وهنا يطرح سؤال يقول : هل ان ما يدعى بالضرائب الاسلامية ينحصر في هذه الأنواع التي ذكرت
____________________
(١) النساء : ٩٥.
(٢) وهناك نقاش حول وجوب دفع الزكاة فيما عدا هذه الحالات التسع.
(٣) الأراضي الخراجية : هي تلك الأراضي التي تتعلق بالدولة والأمة وهي تحت تصرف الناس، وتستحصل عنها الحكومة الاسلامية ضرائب بأشكال مختلفة.
(٤) الجزية : ضريبة يدفعها المواطنون غير المسلمين في المجتمع الاسلامي، وطبقاً للروايات فإن هذه الجزية هي بدل الزكاة، ولأن المواطنين غير المسلمين لا يؤمنون بالاسلام فليست لديهم عبادة مالية لذلك فهم يدفعون الجزية بدلاً منها.
هنا ؟ وهل تنحصر بها الانفاقات الواجبة على كل مسلم، أو غير المسلم ممن يعيش ضمن المجتمع الاسلامي ؟
يرى كثير من الفقهاء أن الضرائب الاسلامية هي تلك الضرائب المنصوص عليها في الكتاب والسنُّة، ولو دفعها - في نظام اجتماعي معين - كل الذين وجبت عليهم، فإن ذلك يكفي ولن تبقى بعدئذ أية منطقة فراغ، أي انه لو دفع كل الذين يحصلون على دخول تزيد على مصاريفهم، والذين يستخرجون المعادن، والذين يصطادون اللؤلؤ والمرجان وأمثال ذلك والذين اختلطت أموالهم بالحرام والذين يعثرون على الكنور، ولو دفع الذين وجبت عليهم الزكاة (حتى لو كان فقط في الحالات التسع المعينة(١) ، ووفقاً لشروطها وللحدود المعينة في الاسلام) ما وجب عليهم من هذه الضريبة، فان جميع النواقص سوف تسد، ويعتقد فريق آخر من الفقهاء أنه قد تبرز في المجتمع الاسلامي بعض الحاجات والمصاريف المالية التي لا يمكن تأمينها بهذه الضرائب وفي هذه الحالة يجب على الناس جميعاً الاشتراك في تأمين هذه المصاريف في حدود امكانياتهم، واني أتصور أنه لو بلغ الأمر هذا الحد فإنهم - حتى لو لم يعلنوا ذلك صراحة لحد الآن - يتفقون جميعاً في حالة توجيه هذا السؤال لهم على هذه الاجابة فنحصل تلقائياً على النتيجة نفسها، لنفترض أن زلزلة أو سيلاً قد جاء وهدم بيوت مجموعة من الناس وقضى على كل ما لديهم من أبقار وأغنام ودكاكين وبيوت وبضائع ووسائل عيش، فما هو الواجب في هذه الحالة ؟ لو كان في بيت المال والخزينة مبلغ كاف لعوضهم عن ذلك وإلا وجب على كل مسلم - وجوباً كفائياً - تعويض وسائل المعيشة التي فقدها اخوته المسلمون (وحتى غير المسلمين من مواطني الجمهورية الاسلامية) الى حد ما تقتضيه الضرورة، فهذا واجب كفائي والقيام به غير مشروط أو متعلق بالخمس والزكاة والجزية والخراج ولو لم تكن الواردات الحاصلة من هذه المصادر الأربعة كافية وجب علينا تأمين تلك المصاريف من أموالنا وأملاكنا الخاصة، وأعتقد أن هذه المسألة تحظى بقبول الجميع، أو لنتصور أن حرباً قد قامت وخاصة الحروب
____________________
(١) هنا أربع حالات من هذه الحالات التسع تشمل المحاصيل الزراعية وهي القمح والشعير والتمر والزبيب. وتشمل ثلاث حالات منها : الحيوانات (وليس المنتجات الحيوانية) وهي الأبقار والأغنام والابل، أما الحالتان الأخريان فتشملان الذهب والفضة والمسكوكات التي تبقى مجمدة وغير متداولة خلال العام.
المعاصرة التي يطلق فيها بعد الضغط على زر معين أربعون صاروخاً من صواريخ الكاتيوشا خلال ما يقارب دقيقة واحدة، وهذه الأربعون صاروخاً التي يطلقها أحد مقاتلينا مضطراً(١) على العدو الذي يهاجمنا بسلاح الخمسة خمسة - المتكون من عدة صفوف ويشبه الكاتيوشا - تكلفنا خمس مئة ألف تومان، أي أن ضغط الزر لمرة واحدة يساوي خمس مئة ألف تومان وهذا فقط ثمن الصواريخ دون حساب المصاريف الأخرى.
فمن أين يتم تأمين هذه المصاريف ؟ إنهم لو جمعوا المبالغ المستحقة على كل الايرانيين الذين وجبت عليهم الزكاة والخمس، والجزية (التي لا وجود لها الآن) والخراج (حيث لا وجود للاراضي الخزاجية بتلك الصورة) وأرادوا تأمين مصاريف هذه الحرب التي فرضها العدو علينا، فهل كان ذلك ممكناً ؟ ان ايران تملك النفط حالياً، وتؤمن ببيعه هذه المصاريف، ولكن لو أن بلداً إسلامياً، وشعباً مسلماً لا يملك النفط قد هوجم من قبل مجنون كصدام، فمن أين يجب تأمين هذه المصاريف ؟ ولو جمعت جميع الضرائب المقدرة في الاسلام فوق بعضها لما كانت تكفي لتأمين نفقات عدة شهور من الحرب، فتحية إكبار لأبناء شعبنا الملتزم الذين لم يتركوا حكومتهم وقواتهم المسلحة ومتضرري الحرب لوحدهم، وما زالوا يسعون متكاتفين في بذل كل ما لديهم من أجل أن يبلغوا بهذه الحرب نهايتها، ولو لم نكن نملك النفط، لتضاعفت هذه الجهود والتضحيات خمسة أمثال ما هي عليه الآن، ولدخلنا ميدان القتال بما يتوفر لدينا، فهذا نوع من الانفاق الواجب.
جاء في القرآن الكريم :( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) (٢) أي الزيادة، وهذا يعني أنه يجب على كل شخص أن يساهم في نفقات القتال بما زاد عن حاجاته المعاشية الضرورية، وقد كان الأمر على هذا النحو في جميع غزوات النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ومن جملتها غزوة تبوك، ففي معركة تبوك التي كان قد عُبِّئَ فيها اكبر عدد من قوات المسلمين(٣) وجب على جميع القادرين على حمل السلاح والقتال التحرك بجميع امكانياتهم، وكان يجب على المسلمين تأمين نفقات هذه التعبئة،
____________________
(١) الاضطرار هنا يعني أننا لم نهاجم العدو بل هو الذي هاجمنا ولا يزال كذلك.
(٢) البقرة ٢١٩.
(٣) يذكر التاريخ أن عدد القوات المعبأة قد بلغ ثلاثين ألفاً مما لم يسبق له مثيل في عصر النبي صلى الله عليه وآله
وهكذا لم تكن الضرائب المقدرة لتكفي ذلك بل كان يجب على كل من يملك مبلغاً - فائضاً عن ضروراته - ان يتبرَّعَ به لتأمين المصاريف اللازمة.
صحيح أن بعض المفسرين قد فسر كلمة العفو في هذه الآية بالمعنى نفسه الذي نفهمه منها لأول مرة، أي العفو عن المسيء كما هو الحال في آية :( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) (١) ، ولكنني لا أعتقد أن هذا المعنى يتناسب كثيراً مع نص الآية، وقد قال عدد من المفسرين بالمعنى الأول الذي يتوافق أكثر مع الموضوع ككل.
وبناءً على ما تقدم، فان هناك مسألة تبرز في المجتمع الاسلامي وهي أنه كلما وجدت هناك حاجات تقتضي صرف مبلغ اكبر من المال، وجب على كل مسلم أن يُسهم تطوعاً بما زاد عن حاجته الضرورية، ويجب عليه اعطاؤه. فلو كان يملك - مثلاً - معطفين، وزوجين من الأحذية، وأربع بطانيات، فإن واحداً من كل منها زائد عن حاجته، ويجب عليه إعطاؤه، ولو كان يملك مصاريف شهر واحد ولديه مصاريف شهر آخر إضافة الى ذلك، وجب عليه دفعها، وهكذا. وعلى هذا الأساس فإن جميع المسلمين مسؤولون عن تأمين جميع مصاريف المجتمع الاسلامي. الى هذا القسم من البحث يعتمد موضوعنا على أساس فقهي واضح بحيث لو سئل أي فقيه عن ذلك لقبل به، والنقاش هنا يدور حول هل يجب على كل فرد - في هذا النوع من الانفاق - أن يدخل الميدان بكل ما يستطيع، وبشكل كفائي من تلقاء نفسه، أم أنهم لو لم يفعلوا ذلك تلقائياً فسوف يحق للدولة أن تجبرهم على ذلك ؟ فلو حصلت الآن حرب، أو اجتاحتنا السيول، وطلب من الجميع مساعدة المتضررين بالحرب أو السيول بكل ما يستطيعون فهل يحق للدولة أن تجمع هذه المساعدات قسراً، أم أن ذلك واجب تقع على عاتق الأفراد مسؤولية أدائه اختيارياً ومن تلقاء أنفسهم ؟
وهذا بحد ذاته بحث مفصل، ففي هذه الحالات لو شاهدت الدولة الاسلامية (أو الإمام وولي أمر المسلمين) عدم كفاية عدد الذين يدفعون هذه المساعدات تلقائياً لزم فرض نسبة معينة يجب على الجميع دفعها، وإن لم يدفعوا جاز استحصالها منهم بالقوة، وهذه هي الضرائب بعينها، اذ تقتضي مبادئنا الفقهية العامة - فيما يخص ولاية الفقيه وولاية أمر المسلمين - بأن لو وجد ولي أمر
____________________
(١) البقرة : ٢٧٣.
المسلمين أن أمراً واجباً لم يتم أداؤه لحاجة ذلك الى المال، فعليه أن يطلب من الناس أن يدفع كل منهم ما يستطيع دفعه، ولو وجد عدد الذين يدفعون من تلقاء أنفسهم لا يكفي لذلك، أو شاهد عدم كفاية الكمية التي يدفعونها، جاز له أن يعين نسباً خاصة، أي أن يفرض ضرائب معينة ويستحصلها منهم، وهذا مما تقتضيه الأدلة العامة للولاية، لأن ولي الأمر مسؤول عن إدارة شؤون المجتمع الاسلامي، وتوفير مستلزمات هذه الادارة أيضاً، وطبيعي أن المال يشكل جزءاً من هذه المستلزمات، فلو لم تدفع رواتب العاملين في وزارة الاقتصاد والمالية أو موظفي الدوائر الأخرى فهل يستطيعون بعد ذلك الاستمرار في عملهم ؟ وان لم يحصل القاضي أو ساعي البريد على راتبه فهل يستطيع العمل ؟ من المؤكد أنه لا يمكن ادارة أي بلد دون وجود المال.
وإن لم تكن الضرائب الاسلامية الأربع المقررة كافية لتأمين النفقات العامة للحكومة الاسلامية وطلبت هذه الحكومة من الجميع أن يقدم كل منهم من المساعدات ما يستطيع تقديمه، فانبرى بعض الناس للتبرع لكن ذلك لم يكف أيضاً، فهل يمكن لولي الأمر أن يتخلى عن مسؤولياته ويقول : إنّ المسلمين قد فقدوا همتهم فلا يمكن اذاً ادارة البلاد ؟ وان لم يقم هو بادارة البلاد فمن ذا الذي يديرها ؟ اننا حين نعجز عن ادارة بلادنا فسوف نحتاج الى قيِّمٍ علينا، فإمّا أن يكون هذا القيّم روسيا أو انكلترا أو أمريكا أو فرنسا أو المانيا أو اليابان وبالنتيجة يجب على احدى القوى الكبرى في العالم أن تكون قيِّمَةً علينا نحن الصغار إلا إذا صرنا نحن كباراً - كما هو حالنا اليوم - اذ نعلن أن شعبنا شعب بالغ وكبير يدير نفسه بنفسه ويطلق صرخته الخالدة : «يانكي : عد الى بيتك» وهو خطاب يوجه للجميع.
وعليه يجب أن تحظى الدولة الاسلامية بدعم مالي يمكِّنها من تأمين النفقات اللازمة، ولو قال لنا بعضهم : وفقاً لما قيل : يمكن أن نسير بالدولة بعض الطريق فلتأخذ الحكومة أولاً هذه الضرائب المقررة، فان لم تكفها فلتحمل عدة مرات في السنة كشكول الاستجداء وتعلن للناس أنها لم تحصل على ما يكفي لكي يعينوها من تلقاء أنفسهم، وان لم تكفها هذه المساعدات التلقائية إضافة الى الضرائب المقررة الاربع، فلا ضير عندئذ في أن تفرض بعض الضرائب فبماذا ينبغي لنا أن نجيبهم؟
ان جوابنا لهم هو أنه لا بد للحكومة من خطة تسير وفقها، ولا بد لها من أن تضع خططاً لعدة سنوات من أجل ادارة المجتمع والأعمال المختلفة التي لا بد منها في كل مجتمع حي، فلو أننا استخدمنا قاضياً، وجب علينا أن نعرف أنه سوف يبقى على قيد الحياة لثلاثين عاماً، ولو تقاعد وجب علينا تأمين عيشه حتى آخر العمر، ولو أردنا أن ننتصر في قتالنا الذي نخوضه اليوم في جبهات الحرب، فعلينا أن نكون قد أعددنا السلاح والرجال منذ عشر سنين. هكذا يعلمنا القرآن. إنه لا يأمرنا أن ننتظر حتى تبلغ المشاكل اعناقنا وتخنقنا حتى تكاد تقتلنا وحينئذ نفكر في العلاج. انه يأمرنا باعداد القوة والسلاح للتصدي للمعتدين بقوله :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو اللّه وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، اللّه يعلمهم... ) .(١)
فالقرآن يقول لنا : أيها المسلمون ! إنكم بدل أن تفكروا في قتال العدو حين يهاجمكم، يجب عليكم أن تستعدوا لقتال الاعداء الحاليين والأعداء المحتملين - الذين لا تعلمونهم واللّه يعلمهم - بشكل يمكِّن مقاتليكم من الدفاع او الهجوم في أي وقت، فهل يتوافق هذا الأمر مع الحياة بالعيش الكفاف ؟ القرآن يطلب منا أن نُعِدَّ لهؤلاء الأعداء القوة والخيل المرابطة، فإذا كانوا في ذلك اليوم يحتاجون الى الخيل المرابطة فإننا اليوم بحاجة الى الدبابات المستعدة والطائرات الجاثمة في المطارات أو المخابئ، والبوارج الراسية عند السواحل، والمدافع المعدة للاطلاق، إننا لو كنا نملك في شهريور عام ١٣٥٩ ه. ش (ايلول ١٩٨٠ م) هذه المدافع المنصوبة الآن على قمم الجبال، لكان مقاتلونا قد وصلوا الآن الى بغداد، ولكن مدافعنا كانت حينئذ في اصفهان وشيراز، فحافظوا على هذه الاشياء مستعدة للعمل، وأعدوا من القوة ما ترهبون به عدو اللّه وعدوكم، فالدرس الذي يعطيه لنا القرآن يتطلب منا أن نكون أقوياء الى الحد الذي يعرف العدو بقوتنا، فلا تسوِّلُ له نفسه الهجوم علينا، وأن لا تكون قوتنا بمقدار ما يكفي لمقابلة الاعداء المعروفين - الذين يجب علينا ايجاد توازن أو تفوق عسكري عليهم - بل يجب أن نبلغ من القوة مبلغاً يحسب لنا الاعداء غير المعروفين وغير المحتملين حساباً أيضاً، هكذا جاء بيان القرآن، وهل يمكن لشعب حي أن ينظم برامجه ويؤمِّنَ نفقاته بحيث ينجز مقداراً
____________________
(١) الأنفال : ٦٠.
من العمل يتناسب مع البضائع المخزونة في المستودعات، وكلما وقعت كارثة (كالسيول مثلاً) يطلب من الناس تقديم المساعدات وان لم يحصل ذلك ولم يقدم الناس شيئاً حينئذ يحق للدولة وضع بعض الضرائب ؟ هل يا ترى يمكن أن يحصل مثل هذا ؟
فهكذا الحال في الحروب والسيول والزلازل وأمثالها، فحين يأتي سيل ويجرف قرية تتألف من خمسين عائلة، ففي هذه الحالة لو تحرك سكان ايران، البالغ عددهم (٣٦) مليوناً، فانهم بالتأكيد سوف يعوضون هذه العوائل الخمسين، ولكن حين اجتاح السيل مدن وقرى محافظة خوزستان في العام الماضي(١) وقضى على وسائل عيش عدد كبير من الناس، أُرسِلَ كل ما كان موجوداً من الخيام الى متضرري ذلك السيل ولكن ذلك لم يكف. يجب علينا إذاً أن نمتلك الكثير من الخيام محفوظة في المخازن، فلو وقعت زلازل في منطقة حارة في فصل البرد ولم يكن لدينا مقدار كاف من الخيام وسيارات الاسعاف فسوف يؤدي ذلك الى موت المصابين بهذه الزلازل، وعليه فان الأُسلوب الفقهي يذهب بنا بعيداً في هذا الاتجاه إذ يوجب علينا أن نوفر الاستعدادات الكافية مع ما يلزم من التخطيط، ولهذا لا ينبغي لنا أن ننتظر حتى تحدث المشاكل، والدولة الاسلامية تحسب كل حساب من أجل ادارة المجتمع بأفضل ما يكون، آخذة بنظر الاعتبار الحاجات والتوقعات المتعلقة بهذا الأمر، فلو لاحظت أن الضرائب الأربع تكفي فلا شيء إذن، وإلا فسوف تطلب من الناس أن يدفع كل منهم طوعاً ما يستطيع دفعه الى بيت المال، وإذا وجدت أن مقدار ذلك لا يكفي - وقد دلت التجارب السابقة على عدم كفايتها - فهل يسمح لها الآن بفرض بعض الضرائب ؟
ان مقاييسنا وأسسنا الفكرية والفقهية فيما يخص الادلة العامة للحكومة والولاية تسمح لنا بفرض ضرائب اضافية لتأمين حاجات المجتمع الضرورية وعليه تقتضي وجهة نظر فريق من الفقهاء أنه لو لاحظت الدولة الاسلامية نقصاً في المبالغ اللازمة لتأمين المصاريف التي تتطلبها الخطط العامة، جاز لها - بعد حساب الضرائب المستحصلة من الطرق الأربعة - أن تفرض ضرائب جديدة غير منصوص عليها في الروايات، وهذا في نظرنا أساس فقهي واضح تمام الوضوح
____________________
(١) وقع هذا السيل في ربيع عام ١٣٥٩ ه. ش (١٩٨٠ م).
لتجويز فرض ضرائب جديدة في النظام الاسلامي.
وقد ناقشنا مؤخراً أثناء اعداد الدستور، وبعد ذلك حين كنا نتطرق الى هذا الحديث مع بعض أصحاب الرأي مسألة فرض الضرائب، كانوا يسألوننا قائلين : ما هو المجوز الشرعي لذلك ؟
لقد جاء أحد الذين وجب عليهم دفع الضمان الاجتماعي واستقتى أحد الفقهاء قائلاً : هل صحيح أن يستحصلوا منا ١٨ الى ٢٠ % كضمان اجتماعي في الجمهورية الاسلامية كما كانوا يفعلون ابان النظام البهلوي ؟ فأجاب ذلك الفقيه أنهم كانوا يأخذونها بالقوة في ذلك العهد وكذلك الآن، فهي لا تجوز اذن.
ونحن نقول له : الآن الامر ليس كذلك. إنّ لهذه العملة وجهين، فهذا الضمان الذي يؤخذ من رب العمل نوع من الضرائب، إذ يجب على النظام الاسلامي أن يفكر لضمان مستقبل هؤلاء العمال فمن أين يجب توفير ذلك ؟ ان الضرائب الأربع لا تكفي ذلك بالتأكيد، وكذلك الحال بالنسبة للمساعدات التلقائية التي تدفع للحكومة، وعليه فلا بد لحكومة الجمهورية الاسلامية من أن تعمد الى هذا الأمر، ولو قررت فرض بعض الضرائب فلا بد وأن تستحصلها بالقوة، والقرآن أيضاً يخاطب النبي قائلاً :
( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم واللّه سميع عليم ) . (التوبة : ١٠٣).
وعليكم انتم أيضاً يا جباة وزارة المالية أن تعتادوا حين تأخذون الضرائب أن تقولوا بعد ذلك قولاً جميلاً من قبيل : (بارك اللّه فيك) ولتكن العلاقة بين مستحصل الضرائب ودافعها علاقة رحمة ومودة، لا علاقة بطش وقوة، وهذا الأسلوب الحسن يتطابق تماماً مع تعاليم القرآن، صحيح أن هذه الآية قد نزلت في موضع خاص، ولكن محتواها ذو مفهوم عام، وكما يقول الاصطلاح الفقهي ورد منطوقها حول موضوع خاص ولكن مفهومها أوسع. فهذه ضريبة تؤخذ بالقوة وهنا نوجه حديثنا الى أرباب العمل وأصحاب المؤسسات هؤلاء ونسألهم : لماذا تدفعونها بالقوة ؟ إنها إن كانت تدفع أمس بالقوة فلأنها كانت تنفق في بناء قصر، او تبنى بها البلاجات على ساحل البحر لموظفي هذه الوزارة أو تلك، البلاجات التي لم يكن يستخدمها إلا الخواص المقربون، أما الموظفون الصغار والعمال والمستخدمون فلم يكونوا يرون هذه الأماكن مطلقاً، ولم تكن هذه الاماكن مجرد أماكن للاستراحة،
بل كانت في كثير من الأحيان مراكز للفساد أيضاً، أما اليوم فليس الأمر كذلك، فحكومة الجمهورية الاسلامية تسعى اليوم لكي تصرف المبالغ لما يستحق أن تصرف له، ولا نقصد بذلك عدم وجود مبالغ تصرف جزافاً اليوم، بل نقصد أن الإطار العام يسير نحو وضع المبالغ في مواضعها الصحيحة، وإننا نسير يوماً بعد يوم وباذن اللّه وبمساعدتكم جميعاً بتخطيط أفضل نحو صرف كل ما نحصل عليه لما يستحق الصرف دونما اسراف أو تبذير، وبعيداً عن أي انحراف في الصرف، ونحو فرض ضرائب عادلة واستحصالها وصرفها بعدالة أيضاً، فلماذا إذن يا أخي المسلم ويا أختي المسلمة تقولان : إننا نأخذها بالقوة ؟ لماذا لا تدفعها أنت بكل رغبة وعن طيب خاطر ؟
وحديثنا الذي نوجهه الى الفقهاء العظام هو أننا بالتأكيد نحترم آراءهم باعتبارها آراء فقهاء، ولكننا ندخل معهم في نقاش فقهي - كما اعتدنا أن نفعل في الحوزة - فننقد رأيهم ونبدي وجهة نظرنا التي تقول : إننا يمكننا طبقاً للموازين الاسلامية أن نفرض بعض الضرائب من أجل تلبية الحاجات الضرورية للمجتمع، وما هذا الضمان الذي يؤخذ من رب العمل إلا نوع من الضرائب، فاذا قيل إنهم كانوا يأخذونه سابقاً بالقوة فكان حراماً وكذلك الأمر حالياً، فليس ذلك كلاماً صحيحاً، فالفرق كبير بين الحالتين اذ ان ثورة قد حدثت وغيرت نظام الحكم، ولكن تغيير النظام لا يعني أنه ينبغي على المستشفيات التي كانت تقوم بخدمات للناس أن تترك هذا الأمر، وأن المدارس والمستشفيات التي كانت تُنشأ في ذلك العهد في القرى والمدن يجب أن لا تُنشأ اليوم، ان تغييراً كهذا لا يعتبر بالتأكيد تغييراً جيداً، إذ يجب الآن الاستمرار في بناء تلك المرافق الحيوية وبشكل أبسط وأكثر عمومية، وبمراعاة قدر اكبر من الأولويات، ولا يتم ذلك الا عن طريق فرض هذه الضرائب، وعلى هذا فاننا مع جزيل احترامنا للفقيه ولرأيه، ننقد رأيه نقداً منطقياً، وبكل انصاف واحترام فنقول : إنه لا يمكن ادارة المجتمع في الجمهورية الاسلامية دون نظام ضريبي يشمل - بشكل مؤكد - فرض ضرائب جديدة لم تصرح بها الآيات والروايات، ولم يرد لها اسم في أي منها.(١)
____________________
(١) من الطبيعي ان المبادئ والأسس الكلية التي وردت في الآيات والروايات تعطي للفقيه مثل هذا الحق حيث قال الأئمة لرواة أحاديثهم : اننا نلقي عليكم الأصول، ونذكر لكم الاحاديث والقواعد العامة، وعليكم أن تستخرجوا منها الفروع، وهذا هو بالضبط عمل الفقيه.
ونحن نؤمن - بشأن الضرائب - أن فرض الضرائب العادلة والمنصفة لتنفيذ الخطط المهمة للجمهورية الاسلامية، أمر يتطابق مع المبادئ والأسس والقواعد العامة للنظام الاسلامي.
كيفية فرض الضرائب
بقي أن نتحدث عن كيفية فرض الضرائب حيث تقتضي الموازين الاسلامية أن يدفع هذه الضرائب الذين يملكون أكثر، حصةً أكثر منها، فهذا ما تقتضيه العدالة الاسلامية. ويشمل هذا الأمر كلاً من الضرائب على الدخل الصافي والتي هي أفضلها، والضرائب على الدخل الاجمالي، فهناك نوعان من الضرائب الاسلامية المحددة وهما :
الزكاة : التي هي ضريبة علي الدخل الاجمالي، أي انها ليست ضريبة على الربح، فكل مزارع يبلغ محصوله من القمح الحد المقرر تشمله هذا الضريبة.
الخمس (على فائض المؤونة) : وهي ضريبة على الدخل الصافي.
اذن هناك في الاسم كلا هذين النوعين من الضرائب ولكن كلاهما ضريبة مباشرة، ونستنبط من ذلك أن أساس نظام الضرائب في الاسلام يعتمد على الضرائب المباشرة، فالضرائب غير المباشرة لا تتناسب مع الخط العام للفكر الاسلامي إلا في حالات معدودة جداً وبشكل محدود، ففي الحالات التي تكلف بها بضاعة معينة بعض المصاريف للدولة، يمكن للدولة أن تضيف كمية هذه المصاريف الى ثمن تلك البضاعة ثم تبيعها للناس، فتكون الضريبة غير مباشرة في هذه الحالة، وكمثال على ذلك : يكلف انتاج السجائر الدولة بعض المصاريف، فتحسب الدولة هنا جميع المصاريف المتعلقة بزراعة التبغ وشرائه، ثم تحويله الى سجائر، ومصاريف جميع الدوائر التي تعمل في اعداد السجائر وانتاجها وتوزيعها، بما في ذلك وزارة الاقتصاد والمالية، ثم تقسم ذلك على السجائر المنتجة. وهذا أمر لا اشكال فيه، وربما لو دققنا في هذا الأمر جيداً لوجدنا أنه ليس ضريبة في أساسه بل هو في الحقيقة عملية بيع بضاعة بسعر الكلفة، ولكنها لو أرادت - اضافة الى هذه المصاريف التي تؤلف سعر الكلفة للسجائر - أن تضيف لكل سيجارة أو
لكل عليه سجائر خمسة ريالات مثلاً من أجل تأمين المصاريف الحكومية، العامة، فهذه ضريبة غير مباشرة، وهذا النوع من الضرائب لا يتطابق مع قواعد التفكير الاسلامي، لأن دفع الضريبة سوف يتحمله هنا من يملكون ومن لا يملكون، سوية، ونحن لا نفهم مثل هذا الأمر من النظام العام للضرائب في الاسلام، بل الذي نفهمه أنه ينبغي على من يملك أكثر أن يدفع قدراً أكبر، وعليه يجب الانتباه الى أن ما يطلق عليه ضرائب غير مباشرة فيما يخص أسعار السجائر والسكر والنفط والبنزين وأمثال ذلك على نوعين، فبعضها ليس ضريبة في حقيقته ولكنهم أسموه بذلك، فلو تم حسابها وفقاً للنظام المتبع في خطوط الانتاج بحيث تحسب مصاريف البضاعة وفقاً للمحاسبة الصناعية التي تطبقها الدولة على البنزين، والنفط الأبيض، وزيت الغاز، وزيت المحركات، وأمثالها، ثم يؤخذ ما يساوي هذه المصاريف، فلن تعتبر ضرائب على الاطلاق،(١) ولكن لو تقرر حساب ذلك ضمن سعر الكلفة ثم باعت الدولة البنزين الذي يكلفها اللتر الواحد منه ثلاثة تومانات بخمسة تومانات من أجل تأمين مصاريفها العامة، فهذه ضريبة غير مباشرة، والذي نقوله هنا : ان هذا النوع من الضرائب لا يتوافق كثيراً مع المقاييس الاسلامية، فأساس الضرائب في الاسلام يتمثل في الضرائب المباشرة، وعليه فان هذه الضرائب سوف تكون بالنتيجة تصاعدية بالنسبة الى الدخل، اذ انه لو أخذ ألف تومان ممن يحصل على دخل مقداره خمسة آلاف تومان وعشرين ألفاً ممن يحصل على مئة ألف فالقضية غير منسجمة حسب الظاهر، وعليه ينبغي للضرائب أن تكون مباشرة وتصاعدية، وهذا أمر يتوافق تماماً مع روح تعاليم الاسلام الاقتصادية، من هذا المنطلق جاء موقفنا الفقهي الحاسم يعتمد في ادارة المجتمع الاسلامي وتأمين مصاريفه الضرورية على الضرائب التصاعدية المباشرة التي تفرضها الدولة الاسلامية، وولي أمر المسلمين، ويأخذانها ويصرفانها وفقاً للظروف الزمانية والمكانية، والتي يتلخص أساسها الفقهي فيما مرّ بنا.
____________________
(١) الحقيقة أن الجميع يعلمون أن النفط والبنزين اللذين نستهلكهما الآن (وكنا نستهلكهما من قبل) يمثل المبلغ الذي ندفعه ثمناً لهما عشر ثمن كلفتهما، أما الأعشار التسعة الباقية فتدفعها الدولة، إذن وبعد ما أضيف مؤخراً من الزيادة الى سعر البنزين أصبح سعره عادياً، أي أننا لو أردنا شراء لتر من البنزين الذي تنتجه الكويت دون أن ندفع أية ضريبة لكلفنا السعر نفسه، فالحكومة اذن كانت ولحد الآن بدل أن تأخذ ضريبة تدفع شيئاً من السعر.
ملاحظة لأصحاب الرأي
هناك ملاحظة أقدمها لجميع أصحاب الرأي من فقهاء واجتماعيين، والسائلين من الإخوة والأخوات، وهي أنه يجب الانتباه الى أن حمل مسؤولية الدولة اليوم أثقل كثيراً مما كان عليه في الأزمنة السابقة، فلنر ماذا كان يطالب الناس الدولة به قبل مئتي عام ؟ لقد كانت طلبات الناس تنحصر فقط في الأمن والنظام ولا غير، هل كانت الدولة مسؤولة قبل مئتي عام عن توفير الخبز للناس ؟ هل رأيتم دولة قبل مئتي سنة تحملت مسؤولية توفير المدارس ؟ هل وجدتم الناس في تلك الأزمنة يقفون أمام دار الامارة ويقولون بأنه لا توجد مدرسة في قريتهم أو محلتهم، أو يطالبون بشق الطرق واقامة الجسور والسدود؟
ان الناس اليوم بحاجة الى هذه الأمور، ولو لم تنجزها الدولة فسوف لن ينجزها أحد أبداً، ولا يمكن قياس مصاريف الدولة اليوم بما كانت عليه سابقاً، فهي الآن كبيرة جداً، ولا ينبغي - من الناحية الفقهية - أن ننظر الى البلدان النفطية فقط، لأن الفقه لا يختص فقط بهذه البلدان، يقولون قد يحدث بعد ثلاثين أو أربعين عاماً (لا سمح اللّه) أن ينفد نفطنا وحينذاك لن نعود مسلمين، ولكن توجد الآن بلدان مسلمة لا تملك النفط، فمثلاً لو أقيمت جمهورية اسلامية في بنغلادش أو باكستان فماذا يجب عمله حينذاك ؟ فهذان بلدان اسلاميان لا يملكان نفطاً، ويسكنهما عدد كبير من السكان(١) ، فماذا ينبغي ان نعمل في مثل هذه الحالة ؟ هل يمكننا أن نتخلى عن بناء المدارس وشق الطرق وإقامة السدود لعامة الشعب، أو ان نحجم عن مكافحة الأمراض السارية بعدم إنشاء جهاز وقائي واسع ؟ وهل يمكننا أن لا نملك مستشفيات وأدوات علاج، وجيشاً، وجهاز قضاء منظم، وشرطة وقوى المحافظة على النظام في داخل المدن، وخارجها ؟ وأن لا نستعد لتفادي الاضرار الناجمة عن السيول والزلازل وأمثالها ؟ ولو أردنا أن نقوم بكل هذه الاشياء فهل يمكننا ذلك بالاعتماد فقط على الخمس والزكاة والجزية والخراج ؟
ان شيئاً كهذا ليس ممكناً بالتأكيد، فمن السهل جداً أن نحسب ما تحصل
____________________
(١) يبلغ سكان بنغلادش حوال (٩٠) مليوناً يشكل المسلمون ما يقرب ال(٨٠) مليوناً منهم.
عليه بنغلادش اليوم من دخل وطني وحكومي - والذي نجد جميع أرقامه في متناول أيدينا - لكي يتوضح أنه لا يكفي لانجاز كل ذلك فلو كنت أنا فقيهاً مسلماً ايرانياً أو بنغالياً وجاءني مسلم بنغالي ليسألني عما يجب عمله في هذه الحالة، وهل يحق للدولة أن تفرض ضرائب غير تلك الضرائب المقررة والمنصوص عليها، فبماذا ينبغي لي اجابته ؟ هل ينبغي أن أقول له ان محدودية الضرائب في الاسلام تقتضي أن لا يكون لحكومتكم جواب في مقابل طلبات الشعب واحتياجاته إلا : «لا نملك مالاً» ؟ أم يجب أن اقول له انه لا يوجد لدى الدولة مال حالياً، ولكن بعد مساعدة كافة أبناء الشعب البنغالي المسلم، واشتراك هؤلاء ال(٩٠) مليوناً في دفع الضرائب المباشرة التي تقررها الدولة حسب دخول الافراد - إضافة الى تلك الضرائب الاسلامية المنصوص عليها - سوف تخطط الدولة وتضع برامج تجعل من الشعب البنغالي الفقير شعباً قوياً وغنياً، ومن المؤكد أن مساحة الأرض التي يعيش عليها ال(٩٠) مليون بنغالي أكبر من مساحة اليابان، وأغنى منها من حيث المصادر الطبيعية، وسكانها أقل عدداً من سكان اليابان، وينبغي للنظام الاسلامي الواعي والمقتدر أن يعمل جادّاً في سبيل البلوغ ببنغلادش الى قمة العزة التي أرادها الاسلام والقرآن للمسلمين، ولن يتم ذلك دون فرض ضرائب جديدة لم يرد بشأنها نص خاص في الآيات والروايات (أي لم تذكر صراحة في الآيات والروايات)، ونحن نستنبط ذلك من المبادئ العامة لادارة المجتمع الاسلامي، ونأمل أن يكون استنباطنا هذا - مع ما أوردنا بشأنه من استدلال - مقبولاً لدى جميع من لهم رأي في هذا الامر، إن شاء اللّه.
أسئلة وأجوبة
س - هل ينبغي في عهد الحكم الحالي دفع الخمس الى الدولة الاسلامية، أم يجب صرفه في الطريق السابق نفسه ؟
ج - في الظروف الحالية، لو صرفت الزكاة والخمس بالكيفية نفسها التي كانت تصرف بها سابقاً بحيث يخفف عن الدولة ثقل الأعمال الخاصة بأخذها وصرفها، فإن ذلك أكثر توافقاً مع المصالح العامة لثورتنا ومجتمعنا، فلو سارت الأعمال في وقتٍ ما بالاتجاه الذي يجعل عكس ذلك أكثر توافقاً مع المصالح العامة فلا اشكال في ذلك، إذ يمكن حينئذ اتباع أسلوب آخر، ولكن في
الظروف الحالية هناك كثير من الأعمال التي ينجز بعضها بمساعدة الناس ومشاركتهم فيه، وبوجود الشخصيات التي يعتمدون عليها، وحول محور العلماء والقادة الدينيين، وينجز البعض الآخر من قبل الناس أنفسهم.
ومن المبادئ التي نؤكد عليها في نظامنا الاقتصادي والاجتماعي - والتي تعتمد على أساس المعايير والتعاليم الاسلامية - أنه يجب في المجتمع الاسلامي أن تسعى الدولة من جهة الى الاهتمام بمصالح الناس كافة وتحقيقها، وأن تكون الأعمال غير حكومية قدر الامكان من جهة أخرى.
ان مشاركة جماهير الشعب في انجاز الأعمال بشكل لا يؤدي قدر الامكان الى ادارة المجتمع ادارة حكومية مبدأ من مبادئ النظام الاجتماعي والاقتصادي في الاسلام، وعلى هذا الأساس نقول : إن هناك تياراً شعبياً تبنّى القيام بهذا الأمر فيما يخص هذا المجال حالياً بحيث أن الدولة لم تتدخل فيه، وقد أكد الامام الذي هو على رأس الحكومة في جوابه لسؤال ورده بهذا الشأن على استمرار صرف هذه الضرائب بالاتجاه نفسه الذي سارت عليه لحد الآن، ومن المؤكد أن مراقبة الناس تجعل هذه الضرائب تصرف فيما هو أفضل وأكثر مساهمة في البناء، وهذه مسألة تتوافق مع المبادئ العامة الموجودة بهذا الشأن.
س - يلاحظ أن البنوك لا تراعي المبادئ الاسلامية لأن مدراءها لا يعرفون شيئاً عن الاقتصاد الاسلامي، أفليس من الأفضل أن تعين الدولة في البداية مديراً عارفاً بالاقتصاد الاسلامي لكي تراعى هذه المبادئ ؟
ج - ان بحوثنا هذه تهدف الى تعريف العاملين في ادارة اقتصاد البلاد بالمفاهيم الاسلامية تدريجياً.
س - ألا يؤدي دفع غير المسلمين نوعاً واحداً من الضرائب الى نمو رؤوس أموالهم تدريجياً بشكل يؤدي الى بروز نوع من الرأسمالية ؟
ج - تؤخذ من غير المسلمين عدة انواع من الضرائب أيضاً ولكنهم بعد ذلك لا يدفعون الضرائب المختصة بالمسلمين، بل يدفعون الأموال بطريقة أخرى.
س - هل يشمل الخمس المال الحلال ؟
ج - نعم، لو زاد عن المصاريف السنوية فان الخمس يشمل حلاله مرة وحرامه مرتين.
س - ما هو رأيكم في الرأسماليين الكبار الموجودين في أسواقنا ومجتمعنا ؟ وكيف يمكن موازنة الثروة ؟
ج - بتنفيذ المادة (٤٩) من الدستور يمكن حل الكثير من المسائل شريطة أن يكون لدينا جهاز قضائي وثقافي جيد، مع جهاز تدقيق وتفتيش مناسب، وهنا أود أن أقول لجميع الذين انهمكوا في المطالعة وتحصيل العلم وبناء الذات ، إن الجمهورية الاسلامية تواجه نقصاً في المحاسبين والمدققين،(١) فنحن بحاجة شديدة - في تطبيق المادة (٤٩) من الدستور - الى محاسبين ومدققين يوضحون لنا - حسب ما نعطيهم من مقاييس - مقدار الجزء غير المحلل من أموال هؤلاء لكي نسترجعه منهم، ثم نشركهم في تحمل قسط من نفقات الدولة يدفعونه من المقدار الباقي والمحلل من اموالهم وذلك باخضاعهم لنظام ضرائبي تصاعدي. سيقولون لنا : انكم وأمثالكم تقولون ما لا تفعلون وهذا ما يؤدي الى شيوع القلق واضطراب الأوضاع، وهذه مشكلة بالطبع، ولكننا لو لم نجب عن هذا النوع من الاسئلة فقد يؤدي ذلك الى أن تفقد الجماهير - التي فجرت الثورة - ثقتها بالاسلام والثورة الاسلامية، وتتصور أننا لم نضع حلولاً لهذه المشاكل والامور. أيها الإخوة والأخوات ! إننا قد وضعنا حلولاً إسلامية لجميع هذه الأمور، ولكننا يجب علينا جميعاً أن نتحدث بأقل ما يمكن، ونعمل بأكبر قدر ممكن، ولو اعتمدنا جميعاً على العمل المنظم المترافق مع التخطيط اللازم، فسوف نحد من المشاكل.
س - هل يمكن في المجتمع الاسلامي، مع وجود مجلس اقتصادي للبلاد
____________________
(١) فمن الوحدات الأولى التي يجب على مجلس الثورة الثقافية إنشاؤها، وحدات يمكنها وبأسلوب ثوري جديد تربية المحاسبين والمدققين، ولن تتم هذه القضية بشكل عاجل بحيث تجتمع مجموعة من الأفراد في مكان واحد وتستدعي بعض الأساتذة من البنوك والوزارات ثم تقرأ عليهم كراساً معيناً، لأن هذا أمر لا يجدي شيئاً، بل يجب علينا أن نعمل بأسلوب ثوري من أجل تربية فريق من المدققين مع حضورهم في ميدان العمل، ونأمل من المتخصصين المؤمنين والثوريين المضحين أن يخصصوا مقداراً من أوقاتهم لهذا العمل، ويتعاونوا مع مجلس الثورة الثقافية لانجازه بأسلوب دروس المراسلة المتبع منذ القدم، أو بالاستفادة من شبكات التلفزيون الواسعة الانتشار، بأسلوب صحيح وبعد تشخيص افراد ملتزمين وجديرين بالثقة، ثم الاعتماد عليهم في انجاز ذلك، فالمسألة هذه تشبه أن نأتي بطبيب ليعالج أبناءنا حيث لا نأتي به ان لم نثق بأنه يعالجهم بإخلاص ولا يخوننا في ذلك (كالطبيب الذي لا يهمه الا جمع المال وكتابة وصفة دواء طويلة وعريضة تحتوي على أدوية غير نافعة)، وهكذا الحال بالنسبة للمعلم والقاضي وأمثالهما، وكذلك بالنسبة للمحاسب والمدقق، إذ ينبغي أن يحظى كل منهم بثقتنا، وسواء أدى القسم أم لم يؤده، فان هذا من المراسم الثانوية.
أن نستحصل بتشخيص هذا المجلس ضرائب حتى بنسبة ٩٩ % ؟ وهل هذا أمر يتطابق مع الشرع ؟
ج - لقد وضعنا ضريبة خاصة بالموارد المالية لكتّاب العدل تصل نسبتها الى ٩٥ % فحين جئنا الى السلطة القضائية كانت هناك مشكلة تمثلت في وجود خلاف بين هؤلاء الكتاب والعاملين في مكاتبهم بحيث قام هؤلاء باضرابات، وشكلوا طوابير طويلة، فقلنا : إن الاضراب وتشكيل الصفوف لن يثنيانا عن تنفيذ القانون، فقد أقررنا لائحة قانونية تصاعدية تقضي بأنه لو بلغ الدخل الاجمالي الشهري لكاتب العدل من رسوم التسجيل - الذي يشكل المبلغ الرئيس لدخله - أربعين ألف تومان، توجّب عليه أن يدفع ١٥ % منه من أجل سد احتياجات العاملين في مكاتبهم، وتصل هذه النسبة الى ٢٥ % فيما لو وصل الدخل إلى ما بين (٤٠) و(٥٠) ألف تومان، وهكذا تتصاعد هذه النسبة حتى اذا بلغ الدخل اكثر من مئة ألف تومان أصبحت ٩٥ % وتقرر تأسيس صندوق تودع فيه هذه المبالغ ثم يوزع قسم منها وفقاً لنظام داخلي خاص بين العاملين في هذه المكاتب من مستخدمين وموظفين وكتاب وأمثالهم، ويصرف البعض الآخر للاغراض الخاصة بسكن هؤلاء وتقاعدهم ومصاريفهم الأخرى، وعلى كل حال فقد طبقنا نموذجاً من هذا العمل، وفي نهاية عام ١٣٥٩ ه - ش (١٩٨٠ م) أبلغنا مسؤول كتاب العدل - الذي يشغل منصب معاون وزير العدل أيضاً وفي اجتماع حضره ممثلو كتاب العدل ومسؤولوهم في المحافظات - أنه اذا لم يقم أيّ من كتاب العدل بتصفية حساباته حتى تاريخ معين عندئذٍ يجب التحقيق في قضيته ومعاقبته والغاء امتيازه، اذن العمل هو الأساس ولكن يجب أن يكون هذا العمل منطلقاً في الحقيقة من تلك الدوافع التي أرادها الاسلام للحياة، فالاسلام يريد من أعضاء المجتمع الاسلامي ان يعيشوا معاً برحمة وشفقة، ونحن أيضاً نهدف الى تحقيق تلك الحلول التي تمكننا من أن نعيش برحمة وشفقة، فمن لم يقبل بهذه الحلول الرحيمة فسوف نخاصمه، وفيما عدا ذلك ليس صحيحاً أن نستعمل معه منذ الآن الفؤوس والحجارة اذ لا يتطابق ذلك مع المعايير الاسلامية، فالاسلام يدعو الدولة الاسلامية الى رعاية هذه المعايير والضوابط من أجل اعداد حلول معقولة ومنطقية وبناءة وتطبيقها، ولو وقف أحد في طريقها وجبت عندها معاقبته، أما بداية العمل في النظام السلامي فليست بالحرب والخصام بل بالارشاد والترغيب والتوجيه والتحفيز وحين يصطدم هذا
لتصفية حسابه تكون ملكيته عشرة ملايين تومان، وعندما يفارقنا يجد ملكيته قد هبطت الى (١٥) ألف تومان، ولكنه أخونا على كل حال. أمّا لو أراد الالتفاف على دعوة الاسلام الحقة، والوقوف في وجه هذه الحلول الأخوية والودية، واتجه الى عبادة المال بدل عبادة اللّه - مما يعتبر نوعاً من الشرك والميل الى مخالفة اللّه - فيجب علينا حينئذٍ ارشاده بالأساليب والدرجات المختلفة التي وردت حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم توجيه اللوم اليه، وتوبيخه، وبعدها نقده أمام الملأ، ثم معاقبته أمام الناس، فإن لم يؤثر كل ذلك وجب علينا تضييق الخناق عليه، فإن لم يُجدِ معه ذلك أجبرناه على العمل بما يجب عليه، أي أن نطبق الدرجات نفسها التي أوجبها الاسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليه يجب عليكم أن تبلغوا كل الذين يرغبون في أن يكونوا اخوة أعضاء في مجتمع الجمهورية الاسلامية النداء الذي يدعوهم الى المجيء لكشف حساباتهم وتصفيتها، وتسديد الديون المستحقة عليهم، ووضع ما لديهم من مبالغ إضافية تحت تصرف الامة، ونحن أيضاً نود أن يتآخى الجميع، وأن نتحدث إليهم بلغة الأخوة، ونطلب من الذين لا يفهمون من الثورة الا أنها تخاطبهم بلغة القوة والعنف، أن يعيدوا النظر في أقوالهم وأفكارهم، فالاسلام يتحدث بالقوة والعنف، ولكن ذلك ليس في المرحلة الابتدائية، واننا لن نتخلى عن هذه القيم الاسلامية بأية صورة كانت.
لو توهم البعض أن بامكانهم جرنا الى الأساليب المستوردة، وجعل لغة الثورة الاسلامية مقتصرة على لغة العنف، بحجة ان النظام الفلاني لا يتحدث إلا بالعنف، فإننا نقول لهم بأننا مسلمون، وُلِدنا مسلمين وسنموت مسلمين.
وعليه يجب بعد مراعاة أكمل الأساليب والحلول الاسلامية والالتزام بها، حل هذه المشكلة المستعصية، والمتمثلة في وجود الثروات التي جمعت من الحرام وذلك بتطبيق المادة (٤٩) من الدستور، وكذلك الثروات المحلّلة الضخمة بفرض ضرائب تصاعدية عليها من أجل تلبية الحاجات الضرورية للمجتمع الاسلامي وتنفيذ الخطط اللازمة لذلك.
نسأل اللّه أن يرزق جميع أبناء شعبنا، اليقظة والصبر، وقوة التدبير والتخطيط والتطبيق اللازمة لتنفيذ هذه المبادئ الاسلامية.
الابعاد الاساسية لفصل الاقتصاد في دستور الجمهورية الاسلامية
سبعة أبعاد أساسية
ان قضية توضيح الدستور وشرحه والأهداف التي يجب علينا بلوغها من ذلك، قضية مهمة لدى شعبنا البطل، وانني لسعيد إذ أولى التلفزيون التعليمي هذه القضية اهتماماً كبيراً منذ فترة من الزمن، فخصص برامج تهدف الى تعليم مبادئ الدستور وشرحها للجميع.
يعتبر فصل الاقتصاد من دستور الجمهورية الاسلامية واحداً من فصوله المهمة والحساسة، فقد سعى بشكل عام في هذا الفصل الى تحقيق أهداف سوف أذكرها أوّلاً، ثم أذكر شيئاً من التوضيح حول المادة (٤٣) من الدستور والتي أعدت ووضعت لتحقيق هذه الأهداف.
وقد قصدت بشكل مجمل سبعة أهداف أساسية من فصل الاقتصاد والشؤون المالية في الدستور وهي :
١ - مكافحة الفقر وتلبية الحاجات الأساس لكل فرد على ضوء عمله المبدع وقيمته الفائضة التي ينتجها في المجتمع.
٢ - منح الفرد فترة من الوقت حرة ليحصل على فرصة مناسبة لبناء ذاته، ونموه الانساني، ورفع معنوياته، وبتعبير آخر لا ينبغي في النظام الاقتصادي للجمهورية الاسلامية - للسعي نحو تلبية الحاجات الاقتصادية - أن يستهلك كل
وقت أبناء شعبنا البطل، بل يجب أن يبقى بعضه حراً من أجل بناء ذواتهم الانسانية، وسمو معنوياتهم الالهية.
٣ - الاعتدال في الاستهلاك، ومكافحة الاسراف، ورفض أي نوع من أنواع الاقتصاد المفني للامكانيات التي وفرها اللّه في الطبيعة وجعلها تحت تصرفنا من أجل تمشية أمورنا المعاشية.
٤ - الحفاظ على حرية الانسان فيما يخص العامل الاقتصادي، في مقابل الذين يعتبرون الانسان حيواناً اقتصادياً فيتخذون منه عبداً للاقتصاد الرأسمالي الخاص أو الاقتصاد الحكومي أو بتعبير أصح، عبداً للرأسمالية الخاصة أو لرأسمالية الدولة، اذ يجب الحفاظ على حرية الانسان فيما يرتبط بالعامل الاقتصادي.
٥ - التأكيد على استقلال البلاد اقتصادياً بحيث يقف مجتمعنا على قدميه - من الناحية الاقتصادية - بشكل حقيقي، فينتج بنفسه، ويستهلك ما يناسب حاجاته، ولا يكون تابعاً للآخرين اذ أن التبعية الاقتصادية أصبحت اليوم أساساً وجذراً لجميع أنواع التبعية الأخرى، وهي مما لا يتلاءم مع استقلال المجتمع.
٦ - التأكيد على التكامل الفني والصناعي، لأن التقدم الصناعي دليل نمو الانسان ولا ينبغي التغافل عنه في أي وقت من الأوقات، ويجب التأكيد عليه في التخطيط الاقتصادي للمجتمع.
٧ - اقامة العدالة الاقتصادية في الامور التي لم تراع فيها العدالة الاقتصادية سابقاً، فقد تعرض الكثير من الأموال العامة سابقاً للنهب والسلب - سواء من بيت المال أو من المصادر الطبيعية التي خلقها اللّه لنا جميعاً - إذاً يجب استعادة جميع هذه الأموال المغصوبة.
هذه هي الابعاد الأساسية السبعة لفصل الاقتصاد، وقد أولت المادة (٤٣) - في الحقيقة - اهتماماً عظيماً بكثير من هذه الأبعاد، وها نحن نستعرض معاً هذه المادة :
المادة الثالثة والأربعون
من أجل ضمان الاستقلال الاقتصادي للمجتمع، واجتثاث جذور الفقر
والحرمان، وتوفير كافة متطلبات الانسان في طريق التكامل والنمو - مع حفظ حريته - يقوم اقتصاد جمهورية ايران الاسلامية على أساس القواعد التالية :
١ - توفير الحاجات الأساسية للجميع : السكن، والغذاء، والملبس، والصحة، والعلاج، والتربية والتعليم، والامكانيات اللازمة لتشكيل الاسرة.
٢ - توفير فرص العمل وامكانياته للجميع، بهدف الوصول الى مرحلة انعدام البطالة ووضع وسائل العمل تحت تصرف كل من هو قادر عليه ولكنه فاقد لوسائله بصورة تعاونية عن طريق الإقراض بلا فائدة، أو عن أي طريق مشروع آخر، بحيث لا ينتهي الى تمركز الثروة وتداولها بأيدي أفراد ومجموعات خاصة، وبحيث لا تتحول الحكومة معه الى رب عمل كبير مطلق، وهذه العملية يجب أن تتم مع ملاحظة الضرورات القائمة في البرامج الاقتصادية العامة للدولة في كل مرحلة من مراحل النمو.
٣ - تنظيم البرنامج الاقتصادي للدولة بصورة يكون معها شكل العمل ومحتواه وساعاته بنحو يمنح كل فرد بالاضافة الى جهوده العملية، الفرصة والقدرة الكافيتين لبناء ذاته معنوياً وسياسياً واجتماعياً، والمساهمة الفعالة في قيادة الدولة، وتنمية مهاراته ومواهبه.
٤ - توفير الحرية في اختيار العمل، وعدم اجبار الافراد على مزاولة أعمال معينة، ومنع أي استغلال لعمل الآخرين.
٥ - منع الإضرار بالغير، والاحتكار والربا، وبقية المعاملات الباطلة والمحرمة.
٦ - منع الاسراف والتبذير في كافة الشؤون المتعلقة بالاقتصاد، والتي تشمل الاستهلاك والاستثمار والانتاج والتوزيع والخدمات.
٧ - الاستفادة من العلوم والفنون، وتربية متخصصين مهرة حسب الحاجة اليهم، من أجل توسع الاقتصاد الوطني وتقدمه.
٨ - منع تسلط الاقتصاد الأجنبي على الاقتصاد الوطني.
٩ - التأكيد على مضاعفة الانتاج الزراعي والحيواني والصناعي بما يسد الحاجات العامة، ويوصل الدولة الى حد الاكتفاء الذاتي، ويحررها من التبعية.
نلاحظ أن هذه الفقرات التسع للمادة (٤٣) التي تتصدر (١٣) مادة وردت حول الاقتصاد والشؤون المالية في الفصل الرابع من الدستور، تبين الأبعاد
الأساسية السبعة التي ذكرناها، وقد ورد البعد السابع والأخير منفرداً في المادة (٤٩) وسوف نوضحه في حينه.
كان هذا شرحاً مجملاً حول أهداف هذه المادة من الدستور وأبعادها، وسنقوم الآن بشرح كل من تلك الأهداف والأبعاد :
لقد طرحت في بداية المادة (٤٣) ثلاثة أبعاد اعتبرت أبعاداً أساسية وهي : الاستقلال الاقتصادي، ومكافحة الفقر والحرمان وتأمين الحاجات، وأخيراً الحفاظ على حرية الانسان فيما يخص الاقتصاد، ولكن ولأهمية الأبعاد الأربعة الأخرى التي وردت في بنود هذه المادة فقد وضعتها منذ البدء الى جانب هذه الابعاد الثلاثة لكي تحظى الابعاد السبعة باهتمام أكبر ويجب التخطيط لاقتصاد الجمهورية الاسلامية في ايران على أساس الضوابط التسع.
الفقرة الأولى
حينما يريد الانسان الاستمرار في الحياة، هناك بعض الحاجات الأساسية التي يمكنه العيش بدونها، فلو خلا البيت من الاشياء الكمالية لأمكن الاستمرار في الحياة ولكن هناك بعض الاشياء لو لم تكن موجودة لأصبحت الحياة صعبة حقاً. انه لشيء جيد جداً أن تكون هناك مزهرية في البيت ولكنها لا تعد من الحاجات الأساسية للانسان أو بتعبير أفضل ليست من حاجات الانسان الأولية، حيث نقصد هنا بالحاجات الاساسية الحاجات الأولية، أما السبب الذي جعلنا نقصد بالحاجات الأساسية الحاجات الأولية فهو أن الفن والذوق والحاجات الفنية والذوقية تعتبر من وجهة نظرنا من الحاجات الأساسية والأصلية للانسان، ولكنها ليست من حاجاته الأولية التي هي عبارة عن : المسكن والمأكل والملبس والوقاية والعلاج والتربية والتعليم والامكانات اللازمة لتشكيل الأسرة.
المأكل : الانسان بحاجة الى المأكل. أي ان الغذاء حاجة من حاجاته الأولية، وحينما نتحدث عن «الغذاء» نقصد بذلك الغذاء الذي يحتاج اليه الانسان، لا تلك الموائد الملونة المليئة بأنواع الطعام والشراب، والتي تتجاوز كثيراً حاجة الانسان، وتعرِّضُ صحته للخطر، وتصيبه بأمراض جهازي الهضم والدوران، فالغذاء يعني ذلك الغذاء العام الذي يحتاج اليه الجميع.
الملبس : الكل يحتاج الى الملبس. أي انه بحاجة الى كمية من الملابس تقل في فصل الحر وتزداد في فصل البرد، وتتخذ في البيت شكلاً وفي خارجه شكلاً
آخر وكمية أكبر، وهذه حاجة من حاجات الانسان الأولية.
المسكن : الكل يحتاج الى مكان يتمكن من الاستراحة فيه بمقدار كاف، فقد يملك الانسان مكاناً جيداً ولكنه لا استراحة له فيه، أو يغط في النوم نتيجة التعب وهذا لا يكفي، المسكن يعني المكان الذي يسكن فيه الانسان، أي انه يأتي بعد أن ينتهي من سعيه اليومي ليسكن فيه ويهدأ باله، يجب ان يكون له - على الأقل - مكان يستطيع فيه أن يخلد الى الهدوء والسكينة، وحقاً ينبغي لهذا السكون والهدوء الجسمي أن يرافقه الاطمئنان النفسي، وعليه فهو بحاجة الى المسكن الذي يوفر له الاستقرار والهدوء، بعد السعي وعدم الاستقرار الذي يلاقيه طوال اليوم.
الصحة والعلاج : ينبغي للانسان أن يكون سليم الجسم، فالمرض غير مرغوب فيه من أي إنسان، إذ أنه يتعذب به، وعليه يجب توفير امكانات السلامة والصحة له.
التربية والتعليم : التعليم حاجة من حاجات الانسان الطبيعية والاجتماعية، وهناك مثل دارج في اوساطنا الشعبية يقول : «الانسان الأمي انسان أعمى» وهذا هو عين الصواب، فلو جاء أحدهم مثلاً ودخل احدى المدن لوجب عليه من أجل الحصول على عنوان معين أن يسأل كل من يصادفه في طريقه، ولو كان يحسن القراءة والكتابة ويستطيع الاستفادة من الخارطة لأمكننا أن ندله على ما يريد بخارطة واحدة وقد يحدث حيناً أن يأتي أناس أميون فيتوقفون في الطريق ليسألوا الآخرين عن العنوان الذي يقصدونه.
الامكانات اللازمة لتشكيل الأسرة : الزواج حاجة من حاجات البنين والبنات، فلو وفرنا للولد أو البنت كل شيء بما في ذلك المسكن والمأكل والملبس والتعليم والصحة والعلاج ولكننا لم نهيِّئ لأيٍّ منهما زوجاً أو زوجة، فانه سيشعر بالنقص، فالحاجة الى الزوج أو الزوجة، والحاجة الى تكوين الأسرة ليست فقط حاجة تدعو إليها الغريزة الجنسية، اذ اننا نلاحظ أن أزواجاً وزوجات لا يرزقون أولاداً بعد زواجهم فيشعرون بنقص كبير، فمسألة الزواج ليست لمجرد اشباع الغريزة الجنسية، فالانسان يحتاج الى مركز اشعاع عاطفي تكون فيه علاقاته بالآخرين علاقة عاطفية ودافئة ومليئة بالاخلاص والاطمئنان، وما أفضل أولئك الآباء الذين يفرغون من عملهم اليومي فيقضون ساعة الى جانب ابنائهم وباقي افراد
أسرتهم ليشعروا في تلك الساعة بالهدوء والراحة والدفء التي توفرها الحياة العائلية ويلتذوا بها.
فمسألة الحاجة الى تشكيل الاسرة مسألة مطروحة، ولهذا لم نذكر هنا مجرد اعداد الامكانات اللازمة للزواج وتوفيرها، لأن ذلك ناقص لذا فقد ثُبِّت في الدستور وجوب توفير الامكانات اللازمة للجميع لتشكيل الأسرة حيث أخذ بنظر الاعتبار في الحقيقة هدف الزواج على اساس المعارف الاسلامية أيضاً.
فالفقرةالأولى تقول : ينبغي لاقتصادنا، ونظامنا الاقتصادي، وقوانيننا الاقتصادية التي يقرها المجلس، والخطط التي تضعها الدوائر المختلفة، أن تسير جميعاً باتجاه تأمين هذه الحاجات للجميع.
وحين كنا نطرح هذه المادة في بعض الأماكن كان يُتصوَّرُ أن تحقيق هذه الأمور ميسور جداً في الجمهورية الاسلامية والحمد للّه، اذ سوف تشرع أجهزة الدولة بالعمل فتبني لكل منا مسكناً، وتعد لنا الطعام في المطاعم وتهيِّئ لنا في كل سنة ما نحتاج اليه من الملابس لصغارنا وكبارنا وتوزعها علينا في بيوتنا، وتوفر المتطلبات الصحية والعلاجية للجميع، وكذلك الظروف التعليمية، وفيما يختص بتشكيل الأسرة تسعى لتوفير زوج لكل فتاة وزوجة لكل فتى وتوفير جميع المصاريف اللازمة لحفل زفاف بسيط، فهل المقصود (بهذه المادة) أن تنجز الدولة بنفسها وبشكل مباشر جميع هذه الأعمال ؟ لو أريد لاقتصادنا يوماً أن يسير باتجاه يجعل الدولة توفر لنا جميع هذه الامكانات وتسلمها لنا، لكان هذه أسوأ نوع من أنواع الاقتصاد، اذ لم يكن يخطر بالبال شيء من هذا القبيل عند تدوين الدستور. إنّ ما حظي باهتمام الدستور هو أن يتجه الهيكل الاقتصادي وتوزيع الدخل وتوفير فرص العمل وعمليات التخطيط الاقتصادي باتجاه يوفر هذه الحاجات بواسطة العمل المبدع والفعال للناس أنفسهم، وأن لا يكون هناك من يكدح منذ الصباح وحتى المساء ثم لا يملك غرفة واحدة بعد ثلاثين سنة من هذا الكدح فهذه من دلالات مرض النظام الاقتصادي، اننا نشاهد الآن الكثير ممن يملكون في بيوتهم غرفاً خالية يستفيدون منها عدة أشهر أحياناً بينما هناك الكثير ممن لا يملكون حتى غرفة عرضها ثلاثة أمتار وطولها أربعة وهم يشكلون أسرة تتألف من ثمانية أشخاص بل يسكنون غرفة صغيرة يجب عليهم أن يدفعوا لمالكها مبلغاً كبيراً من المال أجرة عنها، اننا نقول بوجوب القضاء على هذا الأمر المتمثل في امتلاك البعض عدة غرف
للضيوف بينما لا يملك البعض الآخر حتى غرفة واحدة، حيث توجد في بلادنا من هذه الحالات ما لا يعد ولا يحصى، فتوفير المسكن يعني اذن أن تتجه سياسة الجمهورية الاسلامية باتجاه بناء المساكن وتوزيعها بشكل يمكن الجميع من اعداد مساكن لأنفسهم تناسب قابلياتهم لا أن تبني الحكومة مساكن للجميع وتوزعها عليهم بالبطاقات والحصص.
وكذلك الأمر بشأن المأكل والملبس، إذ ينبغي لسياسة الدولة تبنّي توزيع الدخل والبضائع التي تستعمل كأغذية وملابس بشكل يمكّنُ الجميع من توفير ذلك لأنفسهم، لا أن تتمكن طبقة معينة ومجموعة محدودة من تناول عشرات أنواع الاطعمة، ويعجز الكثير عن اعداد نوع واحد منها، ويملك البعض أكثر من ثلاثين نوعاً من الملابس المختلفة الألوان يستغنون عنها بعد استعمالها مرتين فقط، ولا يتمكن الكثيرون من توفير الملابس اللازمة لوقايتهم ووقاية أطفالهم من الاصابة بالبرد، وهكذا ينبغي تخطيط وتنظيم أسلوب توزيع الثروة والبضائع الخاصة بالملابس.
أما الصحة والعلاج فيمكن أن يكونا حكوميين، اننا نعتقد بأن (التأمين الصحي) يجب أن يكون اجبارياً وعاماً، وأن تقوم الدولة بتوسيع هذا التأمين ليشمل الجميع، ومن ناحية أخرى يجب على جميع المؤسسات العلاجية أن ترتبط بالتأمين، فهذا في نظرنا حل معقول، ولكنه لا علاقة له بالدستور، فالدستور ينص على : «توفير الصحة والعلاج للجميع» أما كيفية هذا التوفير فيجب على المجلس والحكومة تعيينها، أي ان على الشعب ولجان البحث والتحقيق دراسة وتعيين هذا الامر بالطرق الحديثة المتطورة ولكننا نقترح نموذجاً جيداً وهو أن يكون التأمين اجبارياً ويتوسع بوساطة الحكومة بحيث تخضع له جميع المؤسسات العلاجية ليتم حل الكثير من المعضلات العلاجية، وتلعب الحكومة دوراً رئيساً فيما يخص الصحة والعلاج، وأهم منه كثيراً دورها في التربية والتعليم، أي انه يجب على الحكومة توفير فرص التعليم المجاني للجميع.
أما الامكانات اللازمة لتشكيل الأسرة فتعني أنه ينبغي على الدولة مكافحة كافة المراسيم والكماليات والمشاكل المختلفة التي تشكل عقبات في طريق الزواج، إذ ينبغي على الحكومة وعلماء الدين والكتاب والخطاب والشعراء وكتاب المسرح وجميع العاملين في أمور الفن والذوق، أن يسعوا جميعاً من أجل تسهيل
وتبسيط الزواج بين أفراد المجتمع، يجب على الحكومة أيضاً أن تسعى من أجل تحقيق ذلك بوضع القوانين والتعليمات والمحفزات اللازمة له، وتتحمل مؤسسة الاذاعة والتلفزيون الكبرى هذه مسؤولية أكبر من الجميع بهذا الشأن، يجب تسهيل الزواج، ولكنه مهما أصبح بسيطاً فهو بحاجة الى بعض المقدمات التي يجب على الدولة توفيرها، فمثلاً نرى أحياناً بعض الشبان مستعدين للزواج بعد حصولهم على قرض مقداره عشرة آلاف تومان وهنا يجب على الدولة توفير إمكانات منحهم قروض زواج بدون فوائد، على أن يسددوها خلال فترة طويلة الأمد، وتقدم لهم مساعدات اذا تطلّب الأمر ذلك.
لقد شخصت الفقرة الأولى من المادة الثالثة والاربعين أحد الخطوط الاصلية لاقتصاد الجمهورية الاسلامية، فماذا تمكنا من تقديمه بهذا الصدد منذ اقرار الدستور وحتى الآن ؟ بالتأكيد يمكن القول : إنه تم انجاز مقدار من العمل فيما يخص الفقرة الأولى، ولكن هذا المقدار قليل جداً، فعلى حكومة الجمهورية الاسلامية وعلى مجلس الشورى الاسلامي أن يسرعا من أجل تطبيق هذه الفقرة باعداد قوانين وأطروحات وخطط تنفيذية كثيرة وتوفير عوامل التنفيذ، ولكن يمكن القول : إنّ أوضاعنا بعد هذه الشهور العديدة من الحرب أفضل بكثير من أوضاع بلاد قضت مثل هذه الشهور متضرِّرَةً بالحرب، وهذا دليل على ما أنجز من أعمال، وانني أعتقد أن نظام توزيع المواد الضرورية بالحصص الذي بدئ العمل به هو من الأعمال التي انجزت من اجل تطبيق هذه الفقرة من المادة (٤٣) من الدستور.
الفقرة الثانية
لو تقرر أن يوفر الانسان حاجاته في ظل عمله المبدع فسوف تكون مسألته الأصلية هي القدرة على العمل، فهناك الكثير من الأفراد - في نظام اجتماعي معين - يريدون العمل ولكنهم يفتقرون الى امكاناته، وينبغي لحصيلة عمل هؤلاء أن تعود عليهم، فهناك الكثير من الأفراد في بعض الانظمة الاجتماعية يعملون وينتجون قيمة فائضة كبيرة ولكنها لا تكون من نصيبهم اذ يعملون منذ الصباح وحتى المساء دون أن توفر لهم تلك الحاجات الأولية التي ذكرناها، لذا وجب أن يُدوّن دستورنا بشكل يجعل نظامنا الاقتصادي يُمكِّن أولئك القادرين على العمل من أن تتوفر لديهم امكاناته أوّلاً، ويجعل حصيلة اتعابهم تعود عليهم لا
على الآخرين ولا تصرف في الامور غير المفيدة أو قليلة الفائدة والتي لا تمثل إلا مظاهر الأبّهة والعظمة الكاذبة ثانياً. فمن اجل تحقيق الامرين السابقين اقتُرِح تدوين هذه الفقرة. وقد اقترحت أنا تدوين هذه الفقرة حينما كان البحث يدور حول المسألة الاقتصادية، وقد كان يتبادر الى الذهن أنها أحد المفاتيح الأساسية لحل المشكلات الاقتصادية والمحافظة على أسلوب اللاشرقية واللاغربية في نظامنا الاقتصادي، ومنذ بداية اقتراح هذه الفقرة فقد كانت تبدو في نظر بعض الاخوة الذين اشتركوا في تلك المجموعة مجرد اقتراح نظري، ولكن ظهر بعد التوضيحات التي أعطيت بهذا الصدد أن هذه الفقرة سوف تكون واحداً من المبادئ الاقتصادية المهمة لمجتمعنا ونظامنا، وعليه فإنني سعيد إذ سنحت لي الآن هذه الفرصة لكي أوضح هذه الفقرة المقترحة لشعبنا وجماهيرنا، وألفت بشكل خاص انتباه خبراء الاقتصاد الى أن هذا الموضوع ولو أنه ورد على شكل فقرة من فقرات المادة (٤٣) من الدستور الا أنه في حقيقته سوف يكون واحداً من مبادئنا الاقتصادية المستقبلية المهمة.
وها نحن نستعرض معاً هذه الفقرة :
(توفير فرص العمل وإمكانياته للجميع، بغية الوصول الى مرحلة انعدام البطالة، ووضع وسائل العمل تحت تصرف كل من هو قادر عليه - ولكنه فاقد لوسائله - بصورة تعاونية عن طريق الاقراض بدون فوائد أو أي طريق مشروع آخر، بحيث لا ينتهي ذلك الى تمركز الثروة وتداولها بأيدي أفراد ومجموعات خاصة، وبحيث لا تتحول الحكومة معه الى رب عمل كبير مطلق، وهذه العملية يجب أن تتم مع ملاحظة الضرورات القائمة في البرامج الاقتصادية العامة للدولة في كل مرحلة من مراحل النمو).
هناك عدة نقاط مهمة في هذه الفقرة سنبدأ بشرحها فيما يلي :
١ - مكافحة البطالة
يجب على البرنامج الاقتصادي أن يتجه نحو توفير العمل لجميع الأفراد لأن البطالة بحد ذاتها - وبغض النظر عن بعدها الاقتصادي - مرض اجتماعي، فكثير من الأمراض الأخلاقية، والأعمال الشائنة والفاسدة والاجرامية، وليدة البطالة، وهناك الآن مجموعة من الناس تملك كل شيء كالبيت ووسائل العيش
والمأكل والملبس وغيرها ولكن بما أنها قد تربّت في المجتمع بدلال، وتوفرت لها جميع هذه الأشياء دون أن تبذل أي جهد، فقد أصبحت الحياة متعبة بالنسبة لها. فالعمل يضفي على الحياة البهجة والنشاط وهو صانع الحياة والرجال، ولهذا جاءت أهمية العمل من الناحية الاجتماعية والاخلاقية بغض النظر عن أهميته الاقتصادية الفائقة، وقد نصت هذه الفقرة على أنه ينبغي أن يكون نظامنا الاقتصادي وبرامجنا بشكل يوفر للجميع امكانات العمل من أجل الوصول الى مرحلة انعدام البطالة، ويجب على الكل أن يحصلوا على عمل يشتغلون به فلا يبقى بعدئذ في بلادنا عاطل عن العمل او متعطل عنه، والمتعطِّلُ عن العمل عادة هو ذلك الذي ليس لديه استعداد للقيام بأي عمل ولم يكلف نفسه عناء تعلُّم أية مهنة وحتى لو أراد العمل فانه غير قادر عليه، أما العاطل فهو الذي يتقن عملاً معيناً ولكن هذا العمل غير مُيَسّرٍ له، اذن النقطة الأولى هي مكافحة البطالة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية.
٢ - القضاء على البطالة بشكل كامل :
تنتشر البطالة في مجتمعنا الآن انتشاراً واسعاً بشكليها : المقنع والنسبي، فكثير من العاملين في مؤسساتنا الادارية يعملون ظاهراً منذ الصباح وحتى العصر (في السابق كانوا يعملون ٣٥ - ٣٧ ساعة في الأسبوع والآن تقرر أن يعملوا ٤٤ ساعة في الأسبوع) ولكنهم حين يحضرون (٧) ساعات في محل عملهم يومياً فانهم لا يعلمونطوال هذه الساعات السبع، بل يعملون ساعة أو ساعتين ويظلون بقية الساعات بلا عمل، وهناك الكثير ممن يعملون طوال هذه الساعات السبع ولكنهم لا يؤدون عملاً مجدياً، ويطلق على هذه الحالات اسم البطالة المقنّعة وعليه يجب أن يكون الهدف من الخطط الاقتصادية هو الاشتغال الكامل المستوعب(١) . إذن فالنقطة الثانية هي الوصول الى مرحلة القضاء على البطالة بشكل تام وهي تعني وجوب العمل على الجميع طوال ساعات العمل وبشكل مفيد أيضاً.
٣ - هناك أشخاص يعملون ولكن حصيلة أتعابهم لا تعود عليهم، فحين
____________________
(١) لو ذكرت هنا كلمة «المفيد» الى جانب «الكامل المستوعب» لكان أمراً مناسباً جداً ولكن ولان الفائدة هنا تفهم بشكل طبيعي لذلك لم تستعمل هذه الكلمة مع أنها لو استعملت لوضحت المعنى أكثر.
كنت استطلع - برفقة الاخوة من جهاد البناء - الأعمال التي أنجزها جهاد البناء في قم، قال لي هؤلاء الاخوة - ونحن في الطريق - إن هناك مناطق في هذه الأرجاء كان بعض العاملين يعملون فيها بالزراعة وقد تركوا أعمالهم وانصرفوا عنها، لان صاحب هذه المزرعة كان يقول : بأن محصول هذه المزرعة يجب تقسيمه الى خمس حصص فتعطى واحدة منها للفلاح والبقية لي، ولم يكن هذا في الأزمنة القديمة وحسب بل وحتى قبيل الثورة وفي بدايتها، واضافة الى ذلك فان مالك هذه المنطقة شخص يملك في طهران بعض الاستثمارات أيضاً ولا يرى المنطقة سنوات وسنوات، بل يرسل اليها وكيلاً عنه ليأخذ في نهاية كل سنة حصصه الأربع ويذهب بها اليه، وقد قال الفلاحون إننا لا نستطيع البقاء هنا لاننا لا نستطيع ادارة شؤون حياتنا، فبدأ اخوتنا في جهاد البناء بمكافحة هذه القضية بأن خصصوا مقداراً من اعتمادات جهاد البناء وامكاناته لحفر آبار في مساحات شاسعة من الأراضي، ثم قالوا للفلاحين : إنكم اذا كنتم لا ترغبون في العمل هناك - لأن جزءاً كبيراً من حصيلة أعمالكم وأتعابكم يأخذه ذلك الشخص - فتعالوا واجتمعوا كل أربعة أو خمسة معاً لكي نعطيكم الارض والآبار والمياه والمضخات والامكانات الاخرى في شكل قروض طويلة الامد، ونوقِّعُ معكم عقوداً للعمل، فجاء هؤلاء وساهموا بأنفسهم في إعداد الأرض والآبار والمضخات، وانهمكوا في الزراعة، وقد طوينا في طريقنا عدة كيلومترات من تلك المزارع التي أوجدت حديثاً وبلغ تعدادها سبعين مزرعة، أنقذت كل منها خمسة أو ستة من الفلاحين مع أفراد أسرهم، وقد كانت لهذا العمل نتيجة أخرى وهي أنه حينما قيل لأولئك الفلاحين بأن سوف تُعطى لهم الامكانات للزراعة وأنه لا وجود لشخص يأخذ منهم أربع حصص ويعطيهم حصة واحدة بل ان الجهاد مستعد لأخذ حصة أقل من حصتهم واقتُرحت عليهم المناصفة في البداية والآن اقترحت عليهم حصة، واعتقد أن الأمر سيصل به يوماً الى ان يأخذ منهم فقط أجرة الجرارات ومضخة الماء ويقول لهم : بارك اللّه فيكم، وعلى هذا الاساس فان من المسائل المهمة أن تضع الدولة وسائل العمل تحت تصرف العاملين بنحو لا يضطرهم الى أن يكونوا مرتزقة لدى أولئك الاقطاعيين. والحقيقة أن الفقرة الثانية من المادة (٤٣) تمثل اسلوباً جديداً لمكافحة تسلط رأس المال وأصحابه على طاقات العمل وأصحابها، ويجب أن يُقضى على هذا التسلط حيث وضعت هذه الفقرة أساساً لهذا المشروع النافع، اننا
نبشر شعبنا العزيز بأن مقداراً من العمل قد انجز خلال السنة الماضية، وقد وفقت لاستطلاع نموذجين من هذا القبيل (احدهما في بروجن الواقعة في محافظة جهار محال وبختياري والآخر في قم الواقعة في المحافظة المركزية) وطبقاً لإحصائية أعطيت قبل فترة فقد أُنشئت أكثر من (٢٧٠٠) شركة تعاونية صغيرة على هذا الأساس ووفقاً لهذه الخطة، اذ تعين نوع انجاز العمل فيها ولا مجال للحديث عنها هنا، ولكن يمكننا أن نقول بصورة عامة ان ميزة الأسلوب التعاوني تتمثل في أنه يبقي - بشكل دائم - وسائل العمل وامكاناته تحت تصرف العاملين، فتبقى دائماً وسائل العمل والمكائن والارض والآبار وأمثالها تحت تصرف الذين يعملون بأنفسهم، ويتم هذا العمل في صورة منح قروض بدون فوائد، أو بصور مشروعة أخرى وقد يستوجب أحياناً أن نملِّك الافراد هذه الامكانات والوسائل.
ما الهدف ؟
تهدف الفقرة الثانية من المادة (٤٣) من الدستور الى مواجهة نوعي الاقتصاد السائدين في العالم اليوم، وهما النوع الرأسمالي الفردي والجماعي، والنوع الاشتراكي الذي تحول عملياً الى رأسمالية الدولة، فالذي يريد الاقتصاد الاسلامي مكافحته هو تسلّط رأس المال سواء كان هذا التسلط لرأسمال خاص بالأشخاص والجماعات، أو بالدولة، اننا لا بد لنا من القضاء على تسلط رأس المال على العاملين، سواء كان هذا التسلط يجري من قبل الرأسماليين أو من قبل الدولة، فهذه الفقرة تقضي بوضع إمكانات العمل تحت تصرف أصحاب طاقات العمل بنحو يمنع أي شكل من أشكال تسلط أصحاب رؤوس الأموال، فلا تتحول الدولة الى رأسمالي كبير، ولا الاشخاص، والجماعات، وعليه يجب التدقيق والانتباه أكثر لهذه العبارات : «... بحيث لا ينتهي ذلك الى تمركز الثروة وتداولها - أي الى تمركز الثروة وتداولها بين الأيدي - بأيدي أفراد ومجموعات خاصة، وبحيث لا تتحول الحكومة معه الى رب عمل كبير مطلق». ان كلا نوعي تسلط رأس المال خطأ يلحق ضربة بحرية الانسان الاقتصادية أي بذلك الهدف الأساس المتمثل في الحفاظ على حرية الافراد الاقتصادية، ويجب أن ترافق هذا العمل خطة مناسبة له في كل مرحلة من المراحل.
وهناك آصرة قوية جداً بين الفقرة الثانية والفقرة الرابعة التي تنص على
مراعاة حرية اختيار العمل، وعدم اجبار الافراد على عمل معين، ومنع استغلال جهود الآخرين، ولو أردنا القضاء على الاستغلال لأعمال الآخرين سواء كان حكومياً (استغلال حكومي) أو رأسمالياً (استغلال خاص)، فإنّ من أفضل الحلول في هذا المجال منح وسائل العمل لمن يملك طاقة العمل لكي نمنع تلقائياً استغلال الدولة واستغلال الافراد له، ولتتوفر له حرية اختيار العمل بشكل أكبر، حيث يؤدي ذلك بكل فرد الى الاتجاه حقيقة نحو ما يرغب فيه من عمل، فلا يقول بعدئذ : اني أرغب في العمل بالحدادة ولكن بما أني لا املك الوسائل اللازمة لها، وهناك حاجة لتعيين قراء للمقاييس فسوف أعمل قارئاً للمقاييس. وهذه حالة سائدة الآن، فلو وضعنا تحت تصرفه وسائل العمل وامكاناته فلن يتوجه الى عمل لا يرغب فيه، بل سيتوجه الى عمله المفضل، ولا بد هنا من التخطيط بالطبع. اذ قد نجد في مجتمع معين ألفاً من الذين يرغبون بالحدادة، في وقت لا توجد فيه حاجة لهذا العدد من الحدادين ولا زبائن لهم، وهنا يجب على الدولة أن تخطط لهذا الأمر بشكل لا يؤدي بها الى رفض الحرية بحيث يقال لهؤلاء إن هذه المدينة تحتاج الى (٢٠٠) حداد من مختلف الاختصاصات ولو عمل (٨٠٠) آخرون بالحدادة فلن يشتري أحد منتجاتهم وبهذا سوف يتوجهون من تلقاء أنفسهم وبكل حرية نحو عمل آخر فيختارون المرتبة الثانية من سلم رغباتهم. ومن هذا المنطلق فاننا نولي أهمية لتنفيذ الفقرة (٢) من المادة (٤٣) من الدستور والتي تعتبر في نظرنا حلاً مناسباً لتحقيق أهدافنا الاقتصادية ولكي لا نضطر الى الوقوع في شراك الأنظمة الغربية أو الشرقية، ونؤمن أن الفقرة الرابعة التي تقضي بمراعاة اختيار العمل ومنع الاستغلال فقرة مهمة جداً، ولو أردنا بلوغ مرحلة منع الاستغلال واقتلاع جذوره، وجب علينا الاعتماد على تنفيذ الفقرة (٢) من المادة (٤٣) من الدستور.
آمل ان توفق حكومتنا ومجلسنا ونظامنا الجمهوري الاسلامي وبتعاون أبناء الشعب الى بلوغ مراحل متقدمة من هذا العمل الذي بُدئ بتطبيق نماذج أولية منه وعلى مستويات أوسع، ولو حافظنا على هذا التماسك في اتخاذ القرارات والعمل بها - الذي كان سر انتصارنا - فلن يتأخر نجاحنا في تطبيق هذه الخطط كثيراً.
الفقرة الثالثة
(تنظيم البرامج الاقتصادية للدولة بصورة يكون معها شكل العمل ومحتواه وساعاته بنحو يمنح كل فرد - بالاضافة الى جهوده العملية - الفرصة والقدرة الكافيتين لبناء ذاته معنوياً وسياسياً واجتماعياً، والمساهمة الفعالة في قيادة الدولة، وتنمية مهاراته ومواهبه).
كان من الآثار السيئة للنظام الرأسمالي أنه لم يكن يبقي للعامل والموظف (أي العاملين فكرياً ويدوياً) ساعات فراغ كافية من أجل العيش كإنسان، وبناء الذات، وذلك بايجاد دوافع يضطر معها الافراد الى العمل ساعات اضافية خلال أيام الاسبوع، فكانوا يعودون الى بيوتهم أو ربما الى أوكارهم متعبين مرهقين منهوكي القوى. يجب القضاء على هذا الوضع في نظامنا الاقتصادي إذ أنه ما زال قائماً، وينبغي لعمليات التخطيط الاقتصادي مراعاة دخل الموظفين والعمال وذوي المهارات وكل الذين يشتغلون في أعمال معينة لكي تتناسب دخولهم مع نفقاتهم ويحصلوا بالنتيجة على أوقات فراغ خاصة بهم، لا أن يضطروا للركض منذ الفجر وحتى الليل من أجل الحصول على لقمة خبز تشبعهم وتشبع أهليهم، أو من أجل ايجاد مسكن صغير ورخيص يأوون اليه، صحيح أنهم يجب أن يعملوا، ولكن يجب أيضاً أن تكون نسبة دخولهم من العمل الى مصاريفهم العادية نسبة انسانية عادلة ومنصفة.
يتصرفون في بعض الدول - تحت شعار السباق في أعمال التقدم الاقتصادي الملفت للنظر ولكي يكونوا في هذا السباق في مصاف الدول الاقتصادية الاكثر تقدماً وفي المرتبة الاولى منها - بنحو يجعل الناس يتجهون نحو العمل الاقتصادي أكثر من أي عمل آخر، وكأن الأعمال الأخرى التي تهتم بنمو الانسان معنوياً، وبذوقه ونموه الذوقي والفني (طبعاً نقصد هنا الفن الأصيل والسامي لا الفن المبتذل) وحتى بصحة الانسان ليست في الحسبان قط، تلاحظون أنهم يرفعون درجة حرارة سوق الانتاج الى حد يجعل الناس يلهثون وراء الحصول على المال، كل ذلك من أجل أن تكون بلادهم في المرتبة الأولى عالمياً من حيث الانتاج، ترى ماذا يجدي ذلك ؟ يجب أن يكن الانتاج في خدمة الانسان، لا أن يكون الانسان في خدمة الانتاج، المسألة المهمة هنا هي هل يجب أن يكون
الاقتصاد في خدمة الانسان أم أن يكون الانسان في خدمة الاقتصاد ؟ النظام الاسلامي يؤكد على وجوب خدمة الاقتصاد للانسان وليس العكس، اننا لا نرغب في أن نكون عبيداً وحيوانات اقتصادية، اننا نرغب في أن نكون بشراً نوفر حاجاتنا الاقتصادية بأيدينا وبمساعينا لتوفير اكبر قدر ممكن من الانتاج، ويجب مراعاة هذا الأمر في البرامج الخاصة بالموظفين والعمال العاملين في القطاعين العام والخاص.
مساهمة الافراد في القضايا الاجتماعية
من الطرق المؤدية الى عزل جماهير الناس وابعادهم عن ميدان السياسة، واتخاذ القرار وتقرير المصير هي أن تقوم بعمل يجعلهم يفكرون طوال اليوم بالمسائل الاقتصادية وينسون القضايا السياسية، وقد تمثل هذا الامر في سياسة البيع والشراء بالأقساط التي ورط النظام السابق الموظفين والعمال فيها، واليوم أيضاً يتكرر هذا الأمر، إذ نجد بعض موظفي الدولة - وخاصة المنتمين منهم الى الطبقات المحرومة - حين يبرزون مستندات راتبهم الشهري نجد فيها الراتب (٤٧٠٠) تومان مثلاً ولكنهم يتسلمون في نهاية الشهر (٣٥٠) توماناً فقط أي (٤٣٥٠) منها قد استقطعت مقدماً، ومن الطبيعي أنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً بهذا المبلغ بل يجب عليه تأمين بقية نفقات الشهر بشكل من الاشكال، وهذا يعني الركض الدائم نحو الحصول على المال، فهل صرفت هذه ال(٤٣٥٠) توماناً من أجل توفير ضروريات حياته ؟ كلا بالطبع، فقد اشترى بها تلفزيوناً ملوناً، أو استبدل ثلاجته، باكبر او بأفضل منها أو اشترى مكنسة كهربائية أرقى نوعاً من التي عنده أو استبدل مفروشات بيته، أو أثاثه، أو - في أحسن الأحوال - اشترى بيتاً لينقذ نفسه من شر الايجار، أو اشترى سيارة. يجب علينا القضاء على هذه السياسات الاقتصادية المقيتة التي تجعل الانسان عبداً للاقتصاد، وننفذ بدلاً منها خططاً وسياسات تجعل الاقتصاد في خدمة الانسان، فلو ركب الانسان دراجة هوائية وهو مطمئن البال لكان ذلك أفضل له من أن يملك سيارة بيكان(١) وقد انتابه القلق بشأن دفع أقساطها الى درجة لا يرغب معها في ركوبها، انه لمن واجبنا حقاً أن نحمي الانسان
____________________
(١) اسم لسيارة تصنع في ايران (المترجم).
من قلق التفكير بتسديد القسط في آخر الشهر والذي يقضي على لذته في استعماله لهذه الوسائل، كي لا يضطر للرضوخ الى أي عمل من أجل تأمين نفقاته اليومية، فهناك الكثير من الأعمال الرديئة والقذرة التي لا يقبل بها الافراد بكامل رغبتهم، بل يلجؤون اليها وقت الأزمات الاقتصادية التي تعصف بهم فيضحون بانسانيتهم أو يبيعونها، وينبغي لاقتصاد الجمهورية الاسلامية الوقوف بوجه هذه الأمور واعطاء هؤلاء الافراد فرصة المساهمة في تقرير مصائرهم.
من أين يحصل الانسان - الذي يركض طوال النهار وراء مبلغ ضئيل يدبر به أمور معيشته - على فرصة التفكير في المسائل السياسية ؟ من أين له فرصة قراءة الصحف أو الاستماع الى الاخبار ؟ من أين له فرصة الاشتراك في جلسات التحليل السياسي ؟ ينبغي لافراد هذا البلد الاشتراك مرة كل اسبوع على الأقل في جلسة من جلسات البحث والتحليل السياسي، اذ لا يكفي الاستماع الى أخبار الاذاعة والتلفزيون، أو حتى الاستماع الى جلسات النقاش التلفزيوني أو مشاهدتها، يجب عليهم الاشتراك بأنفسهم في جلسات المناقشة لكي تتولد لديهم القدرة على التحليل، وقد حان الوقت لكي نخصص لهم أوقاتاً حرة تمكنهم من الاشتراك في ادارة البلاد، أي أن يؤدوا بشكل صحيح الدور الذي يحق لكل انسان اداؤه في توجيه أمور البلاد السياسية، ولو أرادوا انتخاب بعض الاشخاص لذلك، فسيكون انتخابهم مبنياً على أساس المعرفة والوعي، وتكون لديهم فرصة التحقيق حول المنتجين، وجميع هذه الأمور تحتاج الى تخصيص وقت للتفكير فيها، فينبغي اذن للخطة الاقتصادية منح هؤلاء الأفراد هذا الوقت وحتى فرصة لصفاء الذهن وفراغ البال.
زيادة المهارة والابداع
ها هنا مسألتان : احداهما زيادة المهارة والأخرى هي الابداع، وزيادة المهارة تعني أنه لو كان هناك شخص يعمل في مكان ما ولديه الاستعداد لتعلم أعمال أخرى، وجب منحه فرصة الاشتراك في دورة تدريب ضمن الخدمة ليستطيع بعد ذلك، العمل في اختصاصه بمستوى أعلى ومهارة أجود وخبرة أكثر. اننا لو رتبنا برنامجنا الاقتصادي بنحو يجعل أصحاب طاقات العمل يشتغلون فقط في عملهم اليومي المعتاد، ولو حصلوا على اجازة لمدة شهرين للاشتراك في دورة
تدريبية وقد منعتهم من ذلك، الضائقات الاقتصادية، فسوف يصاب هؤلاء الافراد المستعدون لتنمية مهاراتهم وخبراتهم بالركود الذي يؤدي بهم الى الكسل والخمول، ويحرم المجتمع من مهاراتهم الاضافية، وهذه جريمة لا تغتفر، إذ يجب علينا منح الافراد امكانية تنمية مهاراتهم في المجالات الزراعية والصناعية والفنية والتعليمية. أما المسألة الأخرى فهي الابداع، فالابداع والابتكار كلاهما بحاجة الى صرف مقدار من رأس المال، فالذين يصنعون وسائل جديدة ينهمكون أحياناً ستة أشهر أو أكثر في العمل بوسائل بسيطة في البيت أو الورشة ليحصلوا بعد عدة تجارب على نتيجة مرجوة، وهناك أفراد يراجعوننا باستمرار ويقولون : «اننا ننوي رفع مستوى الابداع والابتكار لدينا، ولكن ذلك يؤدي الى اتلاف ما قيمته (٣٠) ألف تومان من المواد، ويجب منحنا الوسائل اللازمة لنجرب عدة مرات حتى نحصل على نتيجة معينة». ان الدول الأخرى تعمل مثل هذا العمل ثم تبيع ابتكاراتها واختراعاتها لنا بثمن فاحش أي نشتري مخترعات الآخرين بأضعاف المبلغ الذي لا نضعه تحت تصرف المخترع والمبتكر الايراني، وهذه أخطاء لا تتفق ورغبتنا في الاستقلال الاقتصادي، ينبغي لتخطيطنا الاقتصادي أن يجري بشكل يضع الاماكن والامكانات المناسبة لانجاز هذه الأعمال والتجارب تحت تصرف المخترعين والمبتكرين، وعليه لا ينبغي أبداً للدولة أو المؤسسات الخاصة والشركات أن تتساءل : لماذا نهدر المبلغ الفلاني من أجل عمل لا تعرف نتيجته وحصيلته ؟ وهل سينتج منه شيء ينفع أم لا ؟ ما دام هذا التفكير يسيطر على اقتصادنا فلن يجد المبتكرون والمخترعون وأصحاب الأدمغة والأفكار ميداناً ومجالاً مناسبين للنمو في هذا البلد وهذا المجتمع.
وخلاصة القول : إن الفقرة الثالثة تعتمد على المسائل الآتية : شكل العمل، ومحتواه، وساعاته، وزيادة المهارة والابتكار.
١ - شكل العمل : ويرتبط بشكل العمل، كيفية انجازه، هل هي بالمعدات والاجهزة اللازمة، أم بدونها؟ وهل هي بشكل جماعي أو فردي ؟ وهل يجب أن يكون لدينا خط إنتاجي أم لا ؟.
٢ - محتوى العمل : أحياناً يكون محتوى العمل متعباً ومرهقاً الى درجة لو عمل معها الانسان أربع ساعات فسوف يظل منهوك القوى عشرين ساعة، إذن ينبغي مراعاة هذه المسائل أيضاً.
كنت قبل فترة ذاهباً في استطلاع لمطابع الجريدة الرسمية (جمهورى اسلامى)، فرأيت عن كثب العمل الشاق الذي ينجزه منضِّدو الحروف، فقد كان عملهم الدقيق مع تلك الحروف المعدنية، وذلك الصوت الهادر الذي كانت تولده مكائن الطباعة بشكل لو عمل معه هؤلاء سبع ساعات فسوف تتعرض أعصابهم لدرجة من الضغط الشديد وستؤثر تلك النفايات السامة على أعصابهم وسلامتهم تأثيراً يستبعد معه تمكنهم بعد انتهاء عملهم من التوجه بنشاط وبهجة نحو بناء ذواتهم، ونحو البرامج السياسية، وعليه ينبغي مراعاة كيفية ومحتوى العمل بدقة.
٣ - ساعات العمل : يجب أن تنظم ساعات العمل بنحو لا يضطر أحد معه للعمل (١٢) أو (١٦) ساعة (في اليوم).
ينبغي لشكل العمل ومحتواه وساعاته أن تكون بصورة تسنح لكل فرد - اضافة لجهوده العملية - الفرصة والقدرة الكافية - النشاط والقوة - من أجل بناء ذاته معنوياً ليفكر في نفسه وفي العالم قليلاً، وليطالع تفسير القرآن، والأحاديث، ونهج البلاغة، وبقية الكتب النافعة، ويمارس العبادة، ويأتي بالمستحبات من الدعاء، والزيارة، والانفاق، وخدمة الناس، ويشترك في الجلسات ويؤثر بمساهمته الفعالة في المجالس المحلية في قيادة الدولة بما يتناسب مع حجمه، أو تكون له - بشكل غير مباشر - فرصة انتخاب الآخرين لذلك.
٤ - زيادة المهارة : أي أن يقدر على رفع مستوى خبرته العملية.
٥ - الابتكار والابداع.
تلك هي الأمور التي تقرر مصير تخطيطنا الاقتصادي.
أسئلة وأجوبة
س - طبقاً للمادة السابعة والأربعين، تعتبر الملكية الخاصة الحاصلة عن طريق مشروع، محترمة، وتقضي جميع مواد الدستور بأن يكون كل مبدأ منطبقاً تماماً على الموازين الاسلامية، فمتى تشخص الضوابط التي ذكرت حولها عبارة «وفق ما يقرره القانون» لكي لا تسمي جماعة جماعة أخرى بالطواغيت والرأسماليين ؟
ج - يجب في هذا المجال اعداد الكثير من القوانين المتعلقة بالملكية
الخاصة والتي تعين للانسان - فيما لو تملّك شيئاً - الطرق التي يكون فيها تملكه هذا حلالاً ومشروعاً والطرق التي يكون فيها غير مشروع، اننا الآن وبعد مرور سنتين على انتصار الثورة نجد في اقتصادنا طرقاً محرّمة، ولازلنا نرى الفوائد تفرض على المال المقترض والربا سواء في البنوك أو في المؤسسات الخاصة، وتوجد أيضاً أشكال أخرى من الاستغلال، وينبغي بالتأكيد أن أذكر أن الاستغلال قد قل كثيراً ولكن لم يُقض عليه تماماً، فما زال غلاء الأسعار موجوداً، وقد ارتفعت أصوات شعبنا تشكو من هذا الغلاء، وتأثير الموعظة والنصيحة قليل جداً، والمحاكم المهنية الخاصة تعمل بحدود معينة - مع أنها لم تتوسع بعد بالقدر الكافي -. يجب قطع الماء عن جذور هذه الثروات المحرمة، وعليه ينبغي على المسؤولين عن اعداد هذه القوانين واقرارها - أعني الحكومة واللجان الفرعية المختلفة للمجلس التي يرتبط عملها بالاقتصاد - انجاز هذا العمل المهم طبقاً للموازين الاسلامية، آخذة بنظر الاعتبار جميع القضايا الاقتصادية الدقيقة، وتلك الحيل والألاعيب والمكائد التي تستعمل في الاقتصاد لإظهار كثير من المحرمات بمظهر الحلال كما يفعل المرابون الذين يسعون في اظهار الربا بمظهر الشيء المحلل بحيل لا يخدعون بها إلا أنفسهم.
وفيما يخص الجزء الثاني من السؤال ينبغي القول : إن كلمتي الطواغيت والمستكبرين الآن من
الكلمات التي تستعمل في محلها في كثير من الحالات، وفي بعضها تستعمل في غير محلها، أما حين
لا تستعمل في محلها فهناك عيبان : أولهما أن الذين يسمونهم بالمستكبرين والطواغيت ليسوا في الحقيقة مستكبرين ولا طواغيت، بل هم يتعذبون فهذا ظلم يجري بحقهم، والثاني أن الطواغيت والمستكبرين
الحقيقيين يتخفون وراء أفراد معروفين في بيئتهم بالطهارة والبراءة، ويتخذونهم واجهة لهم، فيقللون من
قيمة هذه الكلمات، ويحدُّون من النهي عن المنكر ليبرئوا أنفسهم، وهكذا ينبغي تشخيص المعايير الخاصة بهذا الأمر ليعرف المستكبر من غيره.
س - العلاقات التجارية الخارجية تعتمد حالياً على الربح فقط، أي أن التجار يستوردون ما يدر
عليهم ربحاً أكبر، ويكفي لاثبات ذلك ملاحظة البضائع التي استوردت - خلال الفترة الماضية - من الدول المجاورة حيث نجدها تقتصر على المدافئ النفطية والمطاحن الصغيرة لطحن التوابل وأمثالها، أفلا يجب على
الدولة تأميم التجارة الخارجية لتستورد بنفسها البضائع الضرورية ؟ هل يصح أن يفتقر القروي الى قرص من الاسبرين يعالج به نفسه بينما يملك أشخاص آخرون مكانس كهربائية، وغسالات ملابس وأواني، وغيرها من الوسائل الأجنبية في بيوتهم ؟ ألا ينبغي العمل على تطبيق الانصاف والعدالة على الجميع ؟
ج - لقد بدأ بعض الأشخاص المطلعين والخبراء دراسة مسألة تأميم التجارة الخارجية، وعلى مستوى التطبيق أيضاً ظهرت بعض الانجازات في هذا السبيل، ولكن العمل الفني دقيق ومعقد جداً، أي لا بد للمؤسسات الحكومية من أن تنمو يوماً بعد يوم، من حيث القوى البشرية الخبيرة بالتجارة الخارجية، وتجذب الأشخاص الخبراء والمجربين وتنظمهم لكي تستورد في كل مجال توفق فيه، البضائع التي تحتاج إليها البلاد من الخارج، فتتولى استيرادها بدلاً من القطاع الخاص، وقد سار هذا الأمر لحد الآن سيراً بطيئاً جداً، لأن الوضع كان وضعاً مؤقتاً، أما الآن وحيث أصبح وضعنا ثابتاً، إذ انعقد مجلس الشورى، وتشكلت حكومة اختارها هذا المجلس، فمن الطبيعي أن تتحمل وزارة التجارة مسؤولية القيام بهذا العمل، وقد طرح هذا الموضوع في المحافل الاقتصادية والاجتماعية مرات ومرات، ونحن نرى أن وزارة التجارة تعمل من أجل تحقيق ذلك بكل رغبة وشوق.
من الأمور التي يمكن فيها الاستغلال من ناحيتين هي التجارة الخارجية، ولا نقصد بذلك أن جميع العاملين في التجارة الخارجية يستغلون مواقعهم لمصلحتهم، ولا نقصد ذلك في أي مجال من المجالات الأخرى، ولكن طبيعة هذا العمل تهيئ للأفراد أرضية الاستفادة الشخصية الفاحشة، في الوقت الذي يجب أن تكون هذه الاستفادة ملكاً للشعب - هناك مشروع مناسب لذلك يقضي بأن يتبادل التجار - الراغبون في تطبيق مواد الدستور وخدمة الناس عن طريق التجارة - وجهات النظر مع وزارة التجارة، ويضعوا مهاراتهم ومعلوماتهم في هذا المجال تحت تصرف الشعب، واذا كانوا يعملون حتى الآن من أجل أنفسهم، فليعملوا من الآن من أجل الشعب وليحصلوا على دخل قليل يكفي لتمشية أمور معاشهم، ويغضوا النظر عن الدخول الفاحشة، نأمل بتنفيذ هذا المشرع حل مسألة تأميم التجارة الخارجية لكي لا يبقى الكثير من العوائل - كما ورد في السؤال - في كثير من القرى وحتى المدن في ضائقة من الحصول على قليل من الدواء، ولا نجد في مقابل هؤلاء أناساً
تستورد لهم حاجاتهم الكمالية وأدواتهم الاحتياطية من الخارج وتخزن، فهو أمر غير عادل وغير مقبول بالتأكيد، ينبغي السعي بإخلاص لحل هذه المسائل، وإنني كمواطن عادي مطلع على المسائل الاقتصادية الى حد معين آمل أن تحل هذه المسائل.
بحث في الضمان الاجتماعي
هذا عنوان محاضرة ألقيت في شهر تير من عام ١٣٥٩ ه ش. (حزيران / ١٩٨٠ م) في ندوة الضمان الاجتماعي وتنشر لأول مرة ضمن هذه المجموعة.
كلمة في الحاضرين
تعتبر اقامة مثل هذه البحوث من ضروريات نمو مجتمع معين، فلا شك في وجوب مواصلة هذه البرامج بأوسع ما يكون وفي مختلف المسائل، مع المساهمة الفعالة والمبدعة لجميع أصحاب الرأي. ولهذا ومع ضيق الوقت الذي أعاني منه فانني اشتركت بكل شوق ورغبة في اجتماعكم هذا وندوتكم هذه بسبب رغبتي القلبية، والضرورة الاجتماعية، والدور المؤثر الذي نجده لهذه البرامج في تقدم مجتمعنا، لكي ألقي حديثاً قصيراً.
في ثقافتنا المعاصرة، حينما يقال : أصحاب الرأي فلا يقصد بذلك أصحاب الشهادات، بل يقصد بالتأكيد أولئك الذين لهم خبرة في المسائل الحيوية المعاصرة لمجتمعنا، ولو لم يكونوا قد أكملوا دراسات منتظمة، ولم يحصلوا على وثائق وألقاب خاصة(١) .
____________________
(١) سيكون ذلك من أوائل ضرورات ثورتنا الثقافية، فالشهادة ذات قيمة بلا شك فهي توضح وجود مقدار من المعلومات وتأييداً لقدر من التجرية والمهارة ولكنها ليست كل شيء، فهي ليست لا شيء كما انها ليست كل شيء، فكلا هاتين التسميتين نوع من الافراط، وحين نقول : إنه لا ينبغي لمجتمعنا أن يفكر في الشهادة فليس الغرض من ذلك أن الشهادة لا تعني شيئاً، إذ سوف نرى أن أي مجتمع لا يستطيع العيش دون شهادات، ولكن لا ينبغي للشهادة كذلك أن تكون كل شيء، بل ينبغي لها أن تكون (حقاً) شهادة على القيم والمعلومات والمعارف والمهارات. ان ما نواجهه اليوم هو أن الشهادات قلماً تدل على المعارف والقيم والمهارات، فقد أصبحت الشهادات في نظامنا الاجتماعي والثقافي المتردي - وللأسف - في اكثر الأحوال، شهادة على مجموعة من المحفوظات الذهنية المعطاة للاستاذ والتي فرت من الأذهان بعد عدة سنوات، وهناك ما نملكه من شهادات حقيقية، ولكنها شهادات على ما لا يحتاج اليه المجتمع، ومع أن هذا الموضوع يتناسب مع الثورة الثقافية ولكني أوردته فقط لتوضيح عبارة «أصحاب الرأي».
لا أعرف هل دعي الذين لهم علاقة بالضمان (ويجب أن يبدوا وجهة نظرهم حول تأثير الضمان في حياتهم وكيف ينبغي أن يكون هذا التأثير) لحضور هذه الجلسة التي يجري فيها النقاش حول الضمان. أم لا ؟ هل دعي أحد من العمال ليبين ما هي العينية الخارجية لضمان العمال في ايران حالياً ؟ هل دعي أحد من الطلاب والتلاميذ ليوضح لنا ما هي العينية الخارجية لضمان الطلاب والتلاميذ في مجتمعنا وماذا يفهم هؤلاء من الضمان ؟ أو من المعلمين لكي يوضح لنا معنى ضمان السلك التعليمي، وكذلك من موظفي الدولة وأصحاب الحرف والمهن الحرة وأولئك المبتلين بالضمان في أعمال البيع والشراء ؟ هل جاء أحد من أصحاب وسائط النقل ليتحدث حول مسألة الضمان هيكل السيارة وضمان الشخص الثالث ؟ هل دعي أحد من الذين يطلق عليهم في الاصطلاح الشائع أصحاب الرأي - وليس أنا الذي لي علاقة مختصرة بالأمر - أم لا ؟ فاذا لم يُدعَ هؤلاء فاني أرى مكانهم خالياً في هذه الندوة.
تعريف الضمان
الضمان هو بالضبط ما نطلق عليه ب«التأمين» وهي الترجمة الدقيقة لمرادفاتها الاوروبية المختلفة مثل ( Insurance ) و ( Versicherung )، ويمكن حقاً معرفة كثير من مجالات أهميته من اسمه فقط، فحياة الانسان الاجتماعية المليئة بالحركة والنشاط تحتاج في كل الأحوال الى شكل من أشكال التأمين والأمن في الابعاد المختلفة للحياة.
الأمن ذو أبعاد مختلفة
حينما يطلب من عامل البناء مثلاً أن يتسلق بنايه ليصل الى طابقها
السابع فيعمل باللحام، أو الدهان، أو تنظيف الزجاج، أو نصب المظلات، فانه يشعر منذ شروعه بالتسلق بأنه قد أقدم على عمل خطر، وهو بحاجة الى شيء من راحة البال لكي ينجز هذا العمل برغبة أكبر، فيطمئن على مستقبل زوجته وأطفاله فيما لو تسلق البناية ثم سقط الى الأرض، وكذلك يحتاج مسؤول شركة البناء الذي يطلب من هذا العامل تسلق البناية، الى الأمن، قد يحدث في مؤسسة لديها (١٠٠) عامل أن يعمل (٨٠) من عمالها أعمالاً محفوفة بالمخاطر، فلو تضرر هؤلاء العمال باستمرار، وأراد صاحب المؤسسة التأمين عليهم من جيبه الخاص فلنحسب كم يجب أن يتقاضى عن كل عمل ينجزه ليتحمل مسؤولية الأخطار المتوقعة ؟ والذي يريد قيادة واسطة النقل في الشوارع المختلفة - وخاصة شوارعنا التي تشبه القيادة فيها لعبة جر الحبل وهي أكثر منها شبهاً بقيادة السيارات - فانه يفكر في ما ينبغي له عمل لو اصطدم بسيارة في مكان، أو صدمت سيارته سيارة أخرى، أو شرد ذهنه فدهس أحد المارة، إذ لا يمكن له أن لا يبالي بهذه الأمور وحتى لو لم يبال هو فان ذلك هو فان ذلك الشخص أو ورثته لن يرضوا عنه، وسوف يقولون له : ما دمت قد ألحقت به فانه لو بقي حياً وجب عليك دفع مصاريف علاجه واذا توفي - لا سمح اللّه - فلا بدّ أن تدفع فديته وتساعد ورثته.
فالذي لا يملك هذه الامكانات ويريد قيادة السيارة في الشوارع، وذلك الشخص المار يحتاجان كلاهما الى راحة البال، فمن الأمور التي تنظم المرور تنظيماً ذاتياً - في الدول التي انتظمت حياتها أكثر - هو الضمان الاجتماعي الموجود هناك. بمعنى أن سائق السيارة حين يجلس خلف مقود السيارة ويسير وفقاً للتعليمات ثم يصطدم بسيارةٍ ما فلن يُزعجه التفكير في اتلاف الكثير من الوقت، فهو يقول في نفسه : لو اصطدمت بسيارة وكان سائقها هو المقصر فان كل شيء عندي مضمون، فمصاريف سيارتي ينبغي دفعها من قبل المؤمن على تلك السيارة، وكذلك أجور أو دخل كل يوم أبقى فيه عاطلاً وحتى الساعة التي أتعطل فيها - لكي يشخص الوضع - وحتى لو حدث ضرر ما وجب على شركة التأمين دفعه، ولكنه لو كان ضرراً بالغاً يكمن فيه خطر شديد على الحياة فقد خسرت أنا، وعليه فانه يتحرك بجرأة أكبر، ولا يجد ضرراً من الاصطدام بالآخرين، وبالنتيجة يسعى الطرف الآخر أيضاً الى أن لا يواجه وضعاً كهذاً، ولقد لاحظت بنفسي وبكل دقة ان هذه الجرأة المتولدة لدى كل سائق على التحرك وفقاً للتعليمات من
العوامل التي تجعل الآخرين كذلك يتحركون وفقاً لها ولا شك في أن هذا الأمن وراحة البال ومعرفة الانسان أنه في كثير من المسائل لن يتركوه وشأنه - قائلين له : في أمان اللّه - من ضرورات الحياة الاجتماعية.
وكما تعلمون فقد انبثقت فكرة التأمين في العالم - وعلى مر التاريخ - من نوعين من الشعور أحدهما الشعور بحب الخير، والآخر الشعور بالمصير المشترك والشعور المهني، فقد كان الذين يرسلون بضائعهم من «فينيسيا»(١) بواسطة البواخر الى أرجاء العالم المختلفة يعرفون أنهم قد وضعوا رؤوس أموالهم ومدّخراتهم على الماء عرضة للأمواج الزاخرة، فليس رجوعها من الأمور المؤكدة لذا فقد فكروا في أنه : لو وضع أحد زملائنا رأسماله في الباخرة وعلى الماء ولم يعد اليه وأصبح لا يملك شيئاً، فماذا ينبغي لنا صنعه من أجله ؟ يجب أن نجتمع الى بعضنا ويدفع كل منا مقداراً معيناً من المال فنجمعه ثم نقدمه له ليكون مالكاً لرأسمال معين. واعجباه !! اذن يمكن أن تجمع مجموعة من الناس كمية من المال لتخلص انساناً متضرراً من الافلاس والفناء وهي طريقة عملية، فإن كان الأمر كذلك فما أحرانا أن نعمد الى توسيع هذا الأمر أكثر لكي نعمل قبل وقوع الحادث، وهكذا دفع كل منهم مبلغاً من المال وأوجدوا صندوقاً للتأمين على هذه الخسائر المحتملة فأصبح هذا الأمر تدريجياً أرضية لنوع من التأمين.
وقد كانت هناك أرضيات متوفرة بأشكال مختلفة في المجتمعات المختلفة، وكذلك جرى الوضع حالياً في قراناً بحيث لو أراد فتى وفتاة الزواج، فلن يحملوا قدراً كبيراً من هموم إعداد المستلزمات اللازمة لذلك، فقد جرت العادة على أنه لو أراد الولد والبنت الاقدام على الزواج وفّر أهل القرية - وفق سنة متبعة لديهم - لوازم البيت ومصاريف العروس والعريس والذي يساهم في الأمر اليوم يعرف أن ولده وبنته سوف ينتفعان من هذه السنّةِ وسوف يتصرف الآخرون معه التصرف الرؤوف نفسه الذي يتصرفه اليوم تجاه زواج ابن جاره وقريبه وبنتهما، وهذه تمثل أرضية طبيعية للضمان.
الضمان في الحقيقة عبارة عن دفع مبالغ جزئية (ولكن على مستوى واسع وكثير الانتشار) لتوفير صندوق من أجل بعث الاطمئنان لدى أولئك الذين
____________________
(١) من المدن والموانئ التجارية القديمة الواقعة في شرق ايطاليا.
يحتمل أن يلحق بهم ضرر أو خسارة في العمل والتجارة وتشغيل رأس المال، والمرور والحركة والسفر، والحرائق والغرق وأمثال ذلك. ومن أطرف أنواع التأمين التي لم تبرز الى الوجود في ايران لحد الآن ويصعب بروزها قريباً، هو التأمين ضد السرقة والحريق والغريق وأمثالها. أتذكر أن في أحد أنواع التأمين كانت هناك سبعة أنواع من التأمين مجتمعة معاً، فمثلاً لو انكسرت أنبوب المياه وجرى الماء في البيت، أو حطموا الباب وسرقوا أثاث البيت ولو حدث حريق أو تحطم الزجاج المطل على الشارع فسقط منها أحدهم الى الأرض وأصابه ضرر الى غير ذلك من أمور لا اتذكرها الآن، لأصبح مجموع ما يدفع من المال مقابل كل هذه الأنواع من التأمين لعائلة واحدة (تملك ما يعادل ٥٠ ألف تومان من الأثاث) ما يعادل سنوياً (٩٠) ألف تومان، أي أن أحدهم كان يدفع (٩٠) ألف تومان للتأمين ضد جميع هذه الحوادث، وعليه لم تعد به هناك حاجة الى الحارس أثناء السفر، بل كان يغلق الباب ويذهب، فلا بد اذن لجهاز معين أن يعمل بكل جد في المجتمع بحيث لو كسر باب البيت وسرق أثاث البيت كله فلن يخسر مالكه أي شيءٍ من ثمنه (فشركة التأمين ملزمة بتعويضه الثمن كاملاً)، ومن أجل تأمين كهذا - مع جميع ما ذكر من أرقام - يعتبر مبلغ ال(٩٠) ألف تومان ضئيلاً حقاً، فكم يا ترى يصبح الضمان مفيداً ومؤثراً في مجال الاطمئنان وراحة البال بالنسبة لشخص يملك داراً أو شقة ذات ثلاث غرف وكمية من لوازم البيت، وتراوده شكوك الحريق والسرقة وتحطم الزجاج وأمثال ذلك أثناء غيابه أو سفره، وعلى هذا الاساس فالضمان، أي التأمين وايجاد نوع من الأمن تجاه الحوادث المضرة والقاصمة للظهور، ضرورة من ضرورات الحياة.
ولو طبق التأمين الصحي في مجتمع ما تطبيقاً جيداً فسوف يكون ذلك من النعم العظيمة حقاً، لا أحد يقول : إن الناس جميعاً يمكنهم توفير مبلغ من المال تحسباً للحوادث الطارئة المؤسفة والعلاجات الباهظة الثمن، فهناك بالتأكيد، الكثير من الأشخاص لا يسدُّ مجموع دخلهم الشهري وحتى السنوي نفقات علاج مرض خطر يحتاج الى الرقاد في المستشفى واجراء عملية جراحية وأمثال ذلك، فالنظام الذي يطمئن فيه الفرد بعد دفع (٥٠) الى (١٠٠) تومان شهرياً الى أنه لو مرض هو أو زوجته وأولاده فسوف يعالجون حتماً ويدخلونهم المستشفى ويضعون تحت تصرفهم الطبيب والامكانات العلاجية الجيدة، لهو حقاً نظام ينفع كثيراً في
توفير المعيشة والحياة الهانئتين وعليه فلا ريب في أن الضمان بمعنى التأمين كنظام يبعث على الاطمئنان وراحة البال ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية، أما كشيء آخر فاننا نشك فيه بشدة وبسبب هذا الشك فقد أقرَّهُ الشعب مادةً في دستور الجمهورية الاسلامية في ايران. السؤال هنا يقول : هل يبنغي للضمان أن يكون خاصاً ؟ أم عاماً ؟ أم وطنياً ؟ لقد أثبتت تجارب العالم الرأسمالي أن شركات التأمين - وخاصة على ضوء التأمين الاجباري - هي من أغنى الوحدات الاقتصادية دخلاً، ولا شك أن (وجود) هذا التأمين الاجباري أمر ضروري، ولكنه أصبح مصدراً لدخل فاحش لشركات التأمين، لقد اتبعت شركات التأمين نظاماً للتبادل فيما بينها مع ما لها من شبكات اضطرت الى انشائها في انحاء العالم، فهي تعمل في العالم بنظام ونسب خاصة في شكل شبكة تشبه الشبكة المصرفية. وكما أن الشبكة المصرفية تشبه مضخة ماصة تمتص - بفروعها المنتشرة في انحاء العالم كالأوعية الشعرية الدموية - كمية كبيرة من دماء الناس وترسلها الى مستودع الدم لكي يتم هناك سد مجاري الدم والتحكم بالموت الاقتصادي، كذلك الحال بالنسبة لشركات التأمين التي أصبحت اليوم في شكل مضخات ماصة قوية من أجل الحصول على مبالغ التأمين من الافراد، واعطاء مبالغ أقل بكثير مما تحصل عليه. ان شركات التأمين تتعاون مع شرطة الحراسة فتؤثر في ايجاد الأمن الاجتماعي في مجال السرقة، وتتعاون مع شرطة المرور فتؤثر في ايجاد الأمن في الطرق والشوارع، وتتعاون مع المؤسسات الصحية فتؤثر حقاً في توسيع الخدمات العلاجية، وتتعاون بجد مع اجهزة اطفاء الحرائق فتؤثر كثيراً في تقليل حدوث الحرائق والاسراع في اطفائها حين حدوثها، ولكنها في مقابل هذه الخدمات الجيدة جداً تتقاضى مبالغ باهظة جداً أيضاً، وينبغي أن نعالج هذا الأمر كما نعالج بقية الأمور الجيدة التي نرضى بجودتها ولا نرضى بالنهب منها. إننا حين وضعنا الدستور جعلنا الضمان ضمن قطاع الاقتصاد العام والحكومي، ولا ندري هل أحسنا صنعاً في ذلك أم لا. ولكنها على أية حال تجربة واختبار.
كان هناك حديث يدور قبل ما يقارب ال(٢٥) عاماً مفاده أن شركة التأمين الايرانية من شركاتنا الجيدة (لا أعرف شيئاً عن وضعها في الوقت الحاضر) وتعمل جيداً، ولا اتذكر بالضبط النظام الذي كانت تعمل وفقه هذه الشركة، وسوف يوضح ذلك أصدقاؤنا الذين لديهم اطلاع على هذا الأمر، وفي
الوقت نفسه كانت (شركة التأمين الايرانية) مؤسسة حكومية ووطنية عامة. فلو كانت هناك تجربة مؤقتة في مرحلة زمنية معينة تثبت أن التأمين يمكنه أن يكون حكومياً وجيداً في آن واحد، فماذا يضر لو عممنا هذه المسألة في الجمهورية الاسلامية وقطعنا الطريق على التأمين الخاص ؟ من المسائل التي يحسن البحث فيها بدقة في هذه الندوة لتكون لدينا بحوث توجيهية وارشادية وتوضيحية مسألة الدور الذي يلعبه التأمين الخاص والعام والحكومي في تحقيق أهداف التأمين، وأيّ من هذه الوحدات اكثر فعالية في العالم، ويمكنه تحقيق الهدف الأصلي من التأمين بشكل أفضل، سواء من حيث الخدمات أو الادارة أو سرعة العمل أو امكانية اقامة علاقات دولية، إذ لا تسهل عملية التأمين حالياً دون علاقات دولية، أي ان جزءاً كبيراً من التأمين لا يمكن تحقيقه دون الاشتراك في شبكة تأمين دولية، أو هذا ما أفهمه أنا من الأمر على أقل تقدير. لو كان ضمن جدول أعمالكم بحث موضوع حدود أمكانية بقاء التأمين العام والوطني والشعبي تحت تصرف الدولة في نظام الجمهورية الاسلامية في ايران، وعدم ذهاب النفع الحاصل عنه الى جيوب الأفراد، واستمرار اشتراكه الفعال والخلاق في هذه الشبكات بحيث لا يرسل أمثال هؤلاء الممثلين الذاهبين للترفيه باشتراكهم في هذه الوحدات الدولية، فيجب الاستمرار في هذا البحث بدقة أكبر، وتأكيد أكثر، لأن ذلك من المسائل الجادة التي سنواجهها في اقتصادنا المستقبلي.
الأسس الفقهية والاسلامية للضمان الحكومي
من السهل جداً مناقشة مسألة الأسس الفقهية والاسلامية للضمان الحكومي، ومن المحفزات التي يمكن وجودها في مجتمع اسلامي معين لتأميم الضمان، كون تحقق مشروعية هذا الضمأن أسهل من غيرها في حالة تأميمه، فالسؤال حول مشروعية الضمان الخاص أو عدم مشروعيته سؤال معقد نسبياً وفقاً لمعاييرنا الفقهية، واني أقول لكم بإجمال ان أسس مشروعية الضمان فقهياً تحظى في الأقل بتأييد عدد من الفقهاء والمراجع المعاصرين، وعليه فاني لا أملك الفرصة الكافية لأطرح عليكم الأمور الفقهية الدقيقة المتعلقة بهذا الموضوع، كما أنكم لم تجتمعوا هنا من أجل ذلك، ولذا فسوف اعتمد فقط على أن عدداً من المراجع أصحاب الفتوى في زماننا اعتبروا الضمان واحداً من المعاملات الصحيحة، ومن
المسائل المهمة التي آمل أن تدرج في جدول أعمالكم مسألة هل ينبغي لبعض أنواع التأمين أن تكون من الخدمات المجانية للحكومة، أم ينبغي أن تتخذ حتماً شكل الضمان ؟ فمثلاً هل العلاج بطريق التأمين أفضل أم العلاج الحكومي المجاني ؟ وما الفرق بين الاثنين في حالة التأمين الصحي الحكومي ؟ ماذا سيكون الفرق بين الخدمات العلاجية للتأمين أو مشروع التأمين الحكومي وبين الخدمات العلاجية المجانية للمؤسسات الصحية الحكومية ؟ هذه المسألة أيضاً من المسائل التي ينبغي البحث بشأنها بدقة، ولو عرضت نتيجة البحث فسوف تؤثر كثيراً في الخطط المستقبلية لنظام الجمهورية الاسلامية. هناك بعض انواع التأمين ضد الأخطار المحتملة يجب فيها على المؤمن أن يدفع نسبة تزداد بازدياد احتمال الخطر، وأحياناً توجه بعض الاشكالات حول المشروعية الفقهية للعلاقة بين نسبة التأمين ونسبة الخطر وحجمه، اننا حين نعتبر أصل التأمين أمراً مشروعاً فسوف لا يبقى اشكال حول هذه الأبعاد أيضاً، فهو بيع معقول من حيث العرف والعقل وكذلك من حيث الموازين الفقهية حيث تؤيد ذلك وتصححه الأسس الفقهية نفسها التي تؤيد أصل التأمين.
كانت هذه النقاط تمثل بعض المواضيع التي خطرت ببالي لكي أعرضها بمناسبة ابتداء هذه الندوة، آمل أن تكون هذه الآراء شأنها شأن سائر الآراء المطروحة في بحث الضمان الواسع، مفتاحاً لمشروع أفضل وأكمل واكبر تأثيراً وأمناً وباعثاً على مقدار أكبر من الثقة والاطمئنان لمجتمعنا الاسلامي.
أسئلة وأجوبة
س - نظراً لكون دعاوى التأمين تنتهي أحياناً الى التحكيم والمحاكم، ومع أن التأمين في ايران يحظى بأربعين سنة من العمر، فاننا نواجه في المحاكم دوماً اضطراب القضاة وتحيرهم بسبب عدم اطلاعهم على هذا الأمر، فماذا يمكن فعله بهذا الصدد ؟
ج - ليس في الدستور أي مانع من ايجاد محاكم يتخصص فيها القضاة في فرع معين، ولا مانع منه من حيث الأسلوب القضائي السائد في العالم، وينبغي تطبيق هذا الأمر في محاكمنا المستقبلية بصورة أوسع.
س - هل يجب ايجاد التأمين طبقاً للقوانين الاسلامية في شكل صندوق
أم في شكل شركة، أم يمكن اختيار النوعين معاً ؟
ج - انني لم أفهم الفرق بين الصندوق والشركة، فلا بد من توضيح ذلك لأن الشركة تملك صندوقاً بالنتيجة، قد يكون المقصود كون التأمين حكومياً أو خاصاً، فمن حيث الأسس الفقهية قد أفتى السادة المراجع بجواز التأمين الخاص والحكومي، ولكني شخصياً أفضل - وفقاً للأسس الكلية التي نملكها في الاقتصاد الاسلامي - أن يكون التأمين حكومياً شريطة أن لا يكون أقل فعالية من الوحدات الخاصة، وهذه مسألة من المسائل المهمة.
س - اننا مضطرون في الحسابات الخاصة بالتأمين على الحياة الى تعيين فائدة مقدارها ٦ % مثلاً لكي نستطيع الحصول على غطاء مادي كاف، فماذا يجب فعله تجاه هذه الفائدة ؟
ج - الفائدة في هذا الجانب حرام في الاسلام، والربح المضمون فائدة فهو حرام أيضاً، وهذه مشكلة موجودة الآن في المحاكم أيضاً، ولقد قلت هنا مرة بأننا نأمل في القضاء قريباً على نظام الفوائد المتبع في نظامنا المالي والمصرفي، ولكن هذا الأمر لم يتحقق بعد مع كل الأسف(١) . ان اليوم الذي طرح فيه هذا البحث في لجنة الاقتصاد التابعة لمجلس الثورة كان قد بعث فيّ الفرحة والأمل بامكانية حل هذه المسألة بعون اللّه، ولكنها وللأسف لم تحل لحد الآن.
س - ما هو مفهوم التأمين في الاقتصاد الاسلامي ؟.
ج - التأمين عبارة عن عقد بين المؤمِّن والمؤمَّن له، بحيث يتمكن المؤمّن ضمان تعويض الأخطار المحتملة التي يتعرض لها المؤمَّن له، وهو بهذا الشكل خال من أي إشكال إذ هو اتفاق وعقد بين طرفين، والاشكال الوحيد هو أن أحد طرفي الاتفاق غير مؤكد وهذه هي الشبهة الفقهية الوحيدة الموجودة بهذا الشأن، وقد حلت هذه الشبهة ببعض العقود التي وردت في الفقه الاسلامي مؤكداً (مثل الجعالة)، على كل حال اسمحوا لنا أن لا نبحث هنا بحثاً فقهياً.
س - هل تهتم برامج الدولة بالتأمين التعاوني أكثر حيث يتعامل به كل الناس أم بالتأمين التجاري ؟
ج - ينبغي للدولة أن تبادر الى أي تأمين يسهل إدارة عجلة أعمال
____________________
(١) في عام ١٣٦٢ ه. ش (١٩٨٣ م) أقر مجلس الشورى الاسلامي قانون إلغاء الفائدة المصرفية.
المجتمع بشكل أكثر.
س - هل سوف يُهتم أكثر بالتأمين الضروري أم بالتأمين الكمالي ؟
ج - الدولة تعتبر نفسها مسؤولة فيما يخص التأمين الضروري، أما فيما يخص التأمين الكمالي فيجب الاهتمام به بدفة أكبر.
س - الامام الخميني - كما تعلمون - قد أجاز التأمين الخاص في فتاواه التي وردت في المسألتين (٢٨٦٢) و(٢٨٦٦) من رسالة توضيح المسائل(١) ، مع ما يدره من ربح ودون أي قيد أو شرط، فلو كان هذا الأمر نوعاً من الرأسمالية ويوجد قيمة اضافية فما هي وجهة نظركم حوله ؟
ج - في فتاوى الامام هذه، وكذلك في فتاوى الفقهاء الآخرين، الكثير من الأمور الأخرى ولا تقتصر على هذه المسألة، فقد وردت في تلك الرسالة فتاوى حول البيع والشراء، والايجار والاستثمارات، وكثير من أمثال ذلك، وهذه الفتاوى تعتمد على أساس أرضية المعاملات وادارة عجلة الاقتصاد لمجتمع معين بغض النظر عن كثرة الربح الناتج عنها أو قلته، وينبغي طرح حل شامل لمسألة الربح الفاحش، ويدخل التأمين ضمن ذلك، وقد ورد في الدستور أن التأمين يمكنه أن يكون من تلقاء نفسه خاصاً أو حكومياً، ولكن مصلحة الجمهورية الاسلامية تقتضي أن يكون التأمين حكومياً، وعليه فانكم تجدون بأنه في حد ذاته وحسب ما نعبر عنه ب«الأحكام الأولية» لا إشكال فيه ولكن حسب «الأحكام الثانوية» التي تعني ضرورة التحول الاجتماعي في المجتمع نقول بوجود عموميته، وهذا عمل يشبه الأعمال الأخرى كأنواع الانحصار الحكومي الأخرى. وقد وردت عن الامام في رسالته المسماة تحرير الوسيلة مسألتان بهذا الصدد، فالذين لم
____________________
(١) تنص هاتان المسألتان على ما يلي :
المسألة ٢٨٦٢ : التأمين عقد واتفاق بين المؤمن وبين الشركة أو الشخص الذي يقبل التأمين وهذا العقد شأنه شأن سائر العقود يحتاج الى الايجاب والقبول وتسري عليه الشروط المعتبرة في ايجاب سائر العقود وقبولها وعقدها، ويمكن اجراء هذا العقد بأية لغة.
المسألة ٢٨٦٦ : الظاهر صحة جميع أنواع التأمين مع توفر الشروط المذكورة آنفاً سواء كانت تأميناً على الحياة، أو على البضائع التجارية، أو العمارات والسفن والطائرات، أو على موظفي الدولة والمؤسسات المختلفة، أو على أهل قرية معينة أو مدينة مّا، والتأمين عقد مستقل يمكن إجراؤه كبعض العقود من قبيل عقد الصلح.
يطلعوا على فنون الفقه وتحولاته ولا يعرفون شيئاً عن دور الأحكام الأولية والثانوية ومسألة تطبيق حكم الفقيه والحاكم وولي الأمر يقولون بأن هاتين المسألتين متناقضتان مع بعضهما في الوقت الذي لا مناقضة أبداً بين هذين الكلامين، فهو يقول في المسألة الأولى : في الأحوال الاعتيادية ما زالت لم تحدث مسائل جديدة، فهكذا الحال في مرحلة زمنية معينة وفي الظروف الطبيعية، ولكن بمجرد أن تكون هذه الأمور مسببة لمشاكل اقتصادية واجتماعية للمجتمع يحق حينئذ لامام المسلمين تحديد الأسعار، ويمنع البيع بأكثر من السعر المقرر، شريطة أن يكون تحديد الأسعار لصالح المسلمين. والمسألة المهمة المطروحة هنا هي : هل يمكن كبح جماح الأسعار عن طريق تحديدها واجبار الباعة على مراعاة الأسعار المقررة، أم لا ؟ هذه مسألة اقتصادية فنية لا يتدخل فيها الفقيه، لأن هذا السؤال ليس له جواب مطلقاً، إذ يجب أن نحدد في أي نظام ؟ وأين ؟ وتحت أية ظروف انتاج وعرض وطلب ؟ فالظروف تختلف من حالة الى أخرى، ولا يمكن عرض حل ومعادلة ذات وتيرة واحدة لجميع الأماكن والأزمنة والظروف، وعليه فان ما قيل في المسألة الأولى يشمل المسير والنسق الطبيعي. أما ما يقال في المسألة الثانية فهو أنّ ولي المسلمين لو رأى مصلحة في تحديد الأسعار، أو رأى ضرورة الانحصار (الحكومي) في هذه المسألة، أي انه ينبغي أن يكون للدولة فقط فعل ذلك، وما جاء في الدستور بهذا الصدد جاء باعتبار تطبيق الولاية، وقد شخص واضعو الدستور أنه لو قيل في هذه المرحلة الزمنية من تاريخ ايران بضرورة كون التأمين حكومياً بشكل عام فإن ذلك سيكون من صالح المجتمع، هكذا كان تشخيصهم، ولو تبين يوماً أنهم أخطأوا في هذا التشخيص فمن الطبيعي أن نعيد النظر في ذلك.
س - هل يجوز لوكيل التأمين عرض محفزات كاذبة ليرغب بها المؤمَّن عليه في التأمين ؟
ج - الوكلاء في كل الأحوال فريقان : فريق من الوكلاء الذين يصدقون الحديث وهم قليلون جداً. وفريق من الوكلاء الكاذبين وما اكثرهم، ان عرض المحفزات الكاذبة، يعني أنهم يكذبون وأني لا أوافقهم في ذلك بأي شكل من الأشكال. النقطة الأخرى التي أذكر بها هي أن الوكيل و(الفزتر : الزائر) من الاصطلاحات الجديدة، ولكن هذه مسألة قديمة في ثقافتنا وتعني الدلال، فالدلال عبارة عن الوكيل نفسه، ترى ما هو عمل الدلال في السوق والشارع ؟ انه يعمل
العمل نفسه الذي يعمله الوكيل، أي انه يأخذ نموذجاً من البضاعة ويدور به على التجار ويعرضه عليهم ويقول عندي مثلاً رز بهذه المواصفات (النوع الفلاني من الرز يباع الكليوغرام الواحد منه بمبلغ كذا) أو عندي النوع الفلاني من القماش (الذي يباع المتر الواحد منه بالسعر الفلاني) فالوكيل اذن ليس أمراً جديداً بل يعني الدلاَّل بالضبط، ولكن الدلاّل يعني الدليل وهي كلمة تبدو أروع من كلمة الوكيل (الباحث عن الأسواق) التي تشم منها في نظري رائحة المال فقط، أما كلمة الدلال فتشم منها رائحة الخدمة أيضاً، و(الفزتر) أيضاً تعني الزائر الذي يطلب منك استقباله أيضاً.
س - هل يمكن للوحدات والمؤسسات الحكومية ضمان الخدمات الشعبية؟
ج - لكي أكون منصفاً لا بد لي أن أقول: إننا لا نملك تجربة ايجابية في هذا المجال، واننا ذاهبون الى ميدان التجربة لنرى ماذا سيحدث. نسألُ اللّه أن تكون هذه التجربة تجربة ايجابية.
س - الى الحد الذي نعرفه، فقد عملت شركة التأمين الايرانية لصالحها فقط وليس لصالح الناس، فأي زمان قصدت بحديثك عنها؟.
ج - ان كلامي يعود الى ما قبل (٢٤) عاماً مضت، فقد تقرر أن أجري قبل ما يقارب (٢٤) سنة بعض المطالعة والتحقيق حول الخدمات التعاونية، وقد كان هذا الفرع يقسم الى تعاونيات الاغاثة والتعاونيات الاقتصادية، وقد كان موضوع تحقيقي هو الخدمات الاقتصادية للتعاونيات الاقتصادية التي يدخل ضمنها التأمين وأمثاله والشركات التعاونية وأمثالها، ولكني بحثت في تعاونيات الاغاثة أيضاً، ومن أفضل أيامي ذلكما الشهران أو الثلاثة التي كنت أتنقل فيها بين الوحدات المختلفة لغرض الحصول على مصادر مكتوبة ومصادر عينية لهذه التعاونيات، ومن الذكريات الرائعة التي ما زلت أحتفظ بها، أنني كنت معمماً وقصدت هذا النوع من البحث والتحقيق، فكنت في كل مكان تقريباً أواجه مساعدة خالصة وتعاوناً جاداً من الذين كنت أطلب منهم المصادر والاحصائيات وأمثالها، وكنت أيضاً أواجه مسألة تمثلت في أن الوحدات التي كانت تعمل في المؤسسات الحكومية تحت عنوان: «الاحصاء ومصادر المعلومات» لم تنجز الا القليل من الأعمال، فكلتا هاتين المسألتين ما زالتا في ذاكرتي، احداهما بسبب المودة التي
كان يبديها الناس، والثانية بسبب النقص الكبير الذي كان موجوداً في أعمالنا الاحصائية ولم يزل كذلك، فقد ذهبت الى وزارة العمل من أجل الحصول على بعض الاحصائيات فأحالوني الى وحدة الاحصاء، فواجهت هناك اخلاص العاملين الذين وضعوا تحت تصرفي كل ما كان لديهم ولكن صدقوا أن ما كان لديهم كان يقارب الصفر وهي مسألة أزعجتني كثيراً.
س - هل ينبغي في نظركم ادارة التأمين في الاقتصاد الاسلامي بصورة تعاونية أم بصورة اقتصادية؟
ج - لو صار التأمين حكومياً فسوف يتخذ شكلاً آخر، فالتأمين الحكومي نوع من الضرائب في الحقيقة، فالحكومة الشعبية تسعى دائماً لاستحصال الضرائب بحدود تعرض في مقابلها الخدمات بشكل يحقق الصالح لعامة الشعب.
س - الآن وبعد أن صوت الشعب الايراني باغلبية ساحقة لصالح دستور الجمهورية الاسلامية الذي تنص المادة (٤٤) منه على أن التأمين ينبغي أن يكون حكومياً، ألا تتصورون طرح مسألة فوائد التأمين الخاص أمراً غير مرغوب فيه، ويؤدي الى شكوك غير لائقة؟ وخاصة أن فعالية المؤسسات الحكومية يمكن معرفتها بسهولة؟
ج - حول مسألة كون هذا البحث مناسباً أو غير مناسب يجب أن نقول: إننا حين نتحدث عن وجود اللّه تعالى اعتدنا أن نقول: «وماذا لو قال أحدهم إن اللّه غير موجود»؟ وعليه فان مسألة تأميم التأمين التي ليست أكثر رسوخاً في مجتمعنا من مسألة وجود اللّه، لو بحثت فسوف تؤدي الى اضطرابات، فيجب علينا أن نعتاد البحث والنقاش، فالايمان لا يمنع من البحث والتنقيب في الاسلام، وفضل الاسلام يكمن في وجود الايمان وقطعيته، والصمود في العقيدة، والدافع القوي في الاعتقاد القلبي وتجسده في العمل الصالح، وكذلك القدرة على التحليل الذي يسمح لنا بسماع الأفكار والآراء المناقضة لايماننا وبحثها وتحليلها لنبلغ التكامل في المعرفة، وهذه من أمور الاسلام الرائعة جداً. وعليه فاني لا أجد أية سلبية في هذا البحث، أما القول: بأن فعالية المؤسسات الحكومية يمكن معرفتها بسهولة، فإني أقول كما يقول العامة: «ليسمع اللّه من لسانك» واني أؤمن وآمل كثيراً بأننا سوف نبلغ هذا الهدف باتباع أسلوب سليم، وسواء كان التأميم حكومياً أو خاصاً، فاننا نملك مجموعة من المؤسسات الحكومية التي لو فعلنا شيئاً بشأنها فسوف نفعل
الشيء نفسه بالتأمين.
س - نطلب منكم أن توصوا بالاستفادة من الشباب على مستوى اتخاذ القرار وتنفيذه ورفض أنواع الاحتكار في هذا الجانب الاقتصادي، لأن التأمين في طريقه الى الفناء بسبب عدم الاهتمام به، في الوقت الذي يوجد الكثير من الأفراد الذين يمكنهم التأثير في ذلك ولكنهم لا يجدون الى ذلك سبيلاً.
ج - انني لم أوصِ بهذا فحسب، بل هو شيء عملت به دوماً، فأينما ذهبت في تلك الوحدات رافقت مجموعة من هؤلاء الشباب غير الناضجين وغير المجربين لكي أكون قد عملت بما أوصيتُ به، وقد كانت النتيجة في ذلك ايجابية في جميع المجالات، وهؤلاء الشباب منتشرون الآن ويؤلفون شبكة واسعة، حيث يشكلون النواة الأصلية لدوران عجلة العمل في عدة وحدات. الوحدة الأولى كانت أمانة سر مجلس قيادة الثورة، حيث قلت فور ذهابي الى هناك: اننا نريد انشاء أمانة سر مجلس الثورة بمجموعة من الشباب غير الناضجين، أولئك الأصدقاء الذين لم تكن لديهم أية خبرة بهذه الأعمال المكتبية بل كان عملهم يعتريه شيء من النقص أيضاً، ولو أدى ذلك الى ضياع أربع لوائح قانونية فليكن، فهذا هو معنى الثورة، وما أكثر الذين جاؤونا قائلين: إن اللائحة الفلانية قد ضاعت وتلك وصلت متأخرة، ولكني لم أواجه أولئك الأصدقاء الا بمنطق واحد لا أكثر وهو أن الشباب غير الناضجين منشغلون بعملهم، ولكننا الآن نجني ثمار ذلك وهي أنهم استطاعوا النفوذ في ثلاث أو أربع وحدات أوجدوا فيها الحركة وبثوا فيها الثقة اذ لا بدّ لنا من شبان يبادرون للعمل لكي يتعلموه. أية ثورة هذه التي صنعت جميع قواها وكوادرها من قبل، ثم خزنتهم في مستودع كبير حسب الأرقام، لكي تعلن بمجرد انتصارها أن الشخص المرقم (١٤٥٠) مثلاً مطلوب لانجاز العمل الفلاني؟ فالثورات عامة بهذا الشكل، فكيف الحال بثورتنا مع ما تتميز به من خصوصيات؟ يجب علينا أن ندخل الجيل الشاب المؤمن الى ميدان العمل وننضجهم لنلتذ ببنائهم ذواتهم ونوكل اليهم أمر المستقبل، اذ لا وجود لأي حلٍّ آخر نصلح به مؤسساتنا الادارية.
س - استناداً الى ما أشرتم ايه حول انحصار التأمين، هل تؤيدون الانحصار بالشكل المتبع في الدول الاشتراكية والشرقية؟
ج - كلا. اننا قلنا بأن يكون اسلامياً، الاسلام لا شرقي ولا غربي، اننا
نملك مجموعة قليلة من التجارب وسوف تكون لدينا تجارب أكثر بعون اللّه، آمل أن تنجح تجاربنا الى درجة تجعل العالم يأتي الينا ويسألنا عما فعلناه فأسعدنا به مجتمعنا، وسوف يكون ذلك أفضل تبليغ للاسلام، اتذكر تلك السنين التي ذهبت فيها الى ألمانيا لممارسة النشاطات الاسلامية بدعوة من مراجع التقليد، فقد كنت مع أصدقائنا الشباب نعتمد على النقطة التي تقضي بأن أفضل تبليغ للاسلام هي ايجاد مجتمع اسلامي نموذجي في أي مكان كان من العالم، افعلوا ذلك ليأتي الجميع اليكم ولن تحتاجوا بعد ذلك الى مصاريف التبليغ هذه، رجائي من جميع الاخوة والأخوات أن يكون لدينا تعاون، وتفكير مشترك يؤديان بنا الى بناء مجتمع اسلامي نموذجي.
مصادر البحث
البينات : نشرة تصدرها الجمعية الاسلامية للعاملين في وزارة الاقتصاد والمالية - طهران شهر تير عام ١٣٦٠ ه ش (حزيران / ١٩٨٣ م).
تحرير الوسيلة : الامام الخميني، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.
التهذيب : الشيخ الطوسي ج ٧ ط ٣ دار الكتب الاسلامية طهران.
شرائع الاسلام : المحقق الحلي ج ٢ ط ١ مطبعة الآداب، النجف ١٣٨٩ هجري ق
دستور الاتحاد السوفياتي : الناشر (مجهول) طهران، ١٣٥٨ ه ش.
وسائل الشيعة : ج ٤ ، ط ٢ ، المكتبة الاسلامية، طهران، ١٣٨٧ ه ق.
مكتب تشيع : مجموعة من الكتاب، السنة السادسة ١٣٤٣ ه ق. قم.
مواقفنا : الحزب الجمهوري الاسلامي، ١٣٦٠ ه ش. طهران.
المكاسب : الشيخ مرتضى الانصاري، مطبعة اطلاعات تبريز.
دستور الجمهورية الاسلامية في ايران.
رسالة الأحكام : الامام الخميني.
شرح اللمعة : الشهيد الثاني، ج٢ ، منشورات الطباطبائي، قم.
الفهرس
الاقتصاد الإسلامي تأليف الشهيد آية الله محمّد حسين بهشتي١
مقدمة٥
الملكية في الاسلام تعريف الملكية٦
تعريف المال والملك تعريف القيمة الاستهلاكية٩
ملكية اللّه ومصدرها١١
حدود ملكية اللّه ملكية الانسان ومصدرها وحدودها١٣
مصادر ملكية الانسان ١٥
الخدمات والملكية٢٥
ثلاثة مصادر أخرى للملكية٢٦
أنواع الملكية٣١
ما يترتب على الملكية٣٣
رأس المال ٣٩
أنواع رأس المال ٤٠
الربح الناتج عن الأشكال الثلاثة لرأس المال ٤٣
وجهة نظر الاسلام حول الارباح ورأس المال التجاري ٤٦
البيع والربا ٤٨
الأرباح ونسبة التضخم٤٩
مشاكلنا الاقتصادية وطرق حلها٥٧
خلاصة البحث ٦٠
العمليات المصرفية والقوانين المالية في الاسلام (الربا في الاسلام)٦٣
البنك ٦٨
نتيجة البحث ٧٥
الضرائب في الاسلام٧٥
الضرائب في الاسلام٧٩
كيفية فرض الضرائب ٨٩
ملاحظة لأصحاب الرأي ٩١
أسئلة وأجوبة٩٢
الابعاد الاساسية لفصل الاقتصاد في دستور الجمهورية الاسلامية٩٦
مساهمة الافراد في القضايا الاجتماعية١١٤
بحث في الضمان الاجتماعي ١٢٠
الأمن ذو أبعاد مختلفة١٢٥
الأسس الفقهية والاسلامية للضمان الحكومي ١٣٠
مصادر البحث ١٣٨
الفهرس ١٣٩