المرأة العظيمة  قراءة في حياة السيِّدة زينب  بنت علي عليهما السلام
التجميع النفوس الفاخرة
الکاتب الشيخ حسن الصفار
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

المرأة العظيمة

قراءة في حياة السيِّدة زينب

بنت علي عليهما السلام

حسن الصفّار


هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ) (١) .

____________________________

(١) سورة الأحزاب: الآية ٣٩.



إهداء:

أُقدِّم هذا الكتاب بحبّ وخشوع إلى:

أمّي الحنون

كما ربّتني صغيراً

وتحمّلتْ الآلام من أجلي كبيراً

جزاها الله عنِّي خير الجزاء

وأدام عليَّ ظلّها الوارف

ونفعني بدعواتها الصّادقة.



كلمات في البدء



يُعترف للمرأة بدورها الخلفي المساعِد في صناعة العظماء وإبرازهم، حيث لاحظ العقلاء حضوراً مميّزاً للمرأة في حياة الكثيرين من العظماء والزعماء الناجحين، فقالوا:

(خلف كلّ عظيم امرأة).

ولكنْ هل يعني ذلك أنّ حظّ المرأة من العظمة هو في حدود دورها الخلفي(اللّوجستيكي) ؟ وأنّها غير مؤهّلة للعظمة ذاتاً؟ أَمْ ماذا ؟

إنّ العظمة تعني : وجود مواصفات نفسيّة عالية، وامتلاك كفاءات ذهنيّة وعمليّة متقدّمة، وإحداث تأثير فعلي هام على ساحة الحياة.

وبهذا المعنى للعظمة لا شيء يقصر بالمرأة عن بلوغ درجتها. والتاريخ يخلّد لنا ذكرى العديد من النساء اللاتي ارْتَقَيْنَ سنام العظمة، وبَلَغْنَ ذَرْوَتَهَا، كما لا يخلو حاضر البشريّة من نماذج نسائيّة عظيمة، وتأتي السيِّدة زينب في طليعة ومقدّمة النساء العظيمات في تاريخ الإنسانيّة.

وأمّا واقع المرأة في مجتمعاتنا فهو يحكي عمق التخلّف والانحطاط الذي انحدرنا إليه،


فمع أنّنا نعيش أدنى درجات التطوّر والنمو، ومع حاجتنا إلى أقل وأبسط الطاقات والقدرات من أجل دفع عجلة التنمية والتطوّر في بلادنا، إلاّ أنّ نصف مجتمعنا المتمثّل في المرأة قد فرضنا عليه حالة الشلل والعُزْلة والجمود.

وإذا ما عاشت المرأة جاهلة منغلقة على هامش الأحداث، فإنّ تأثيرات وضعها الخاطئ سينعكس على كلّ المجتمع.وهل أبناء المجتمع إلاّ ثمرات أحشائها والمتربّون في أحضانها؟

وأسوأ ما في الأمر أنْ يتمّ تجهيل المرأة واحتقارها وتهميشها باسم الإسلام!! حيث يرى بعض المتديّنين كراهة تعليم المرأة، واستحباب الأُمِّيَّة والجهل لها! ويرون أفضليّة انزوائها في بيتها، فلا تخرج حتّى للمشاركة في البرامج الدينيّة كصلاة الجماعة!

وأنّ صوتها عورة فلا يبلغ مسامع الرجال!

وأنّ لا دخل لها في الشؤون السياسيّة، فجهاد المرأة حسن التبعّل لزوجها فقط!

ويُبالغ بعضهم : أنّ على المرأة أنْ لا تخرج من بيتها إلاّ مرّتَين في حياتها الأولى: من بيت أبيها إلى بيت زوجها عندما تتزوّج.والثانية : من منزلها إلى القبر حينما تموت!!

ويستندون في نسبة هذه الآراء الرَجْعِيّة للدين على نصوص وروايات وفتاوى، إمّا أنْ تكون مختلَقة مصطنَعة لا أساس لها، وإمّا أنّهم أساءوا فَهْمها وحرّفوا تفسيرها بما يتناسب مع أفكارهم المتحجِّرة.

وأفضل ردّ يكشف زَيف هذه الآراء، ويفضح الواقع المتخلّف للمرأة في مجتمعاتنا، ويثبّت مخالفته للدين وبراءة الإسلام منه، هو القراءة الواعية لحياة السيِّدة زينب.

وهل أحد يستطيع المزايدة على السيّدة زينب في الدين، وهي وليدة النبوّة، وخرِّيجة بيت الوحي والرسالة، وعقلية بني هاشم ؟


وحينما نقرأ شخصيّتها العظيمة، ونراها العالِمة العارِفة، والمعلّمة المحدّثة، التي كانت تعلّم النساء، ويروي عنها الرجال.

ونراها الثائرة المجاهدة، حيث غادرتْ بيتها العائلي الهادئ والتحقتْ بقافلة الثورة، لِتَنْتَقل من المدينة إلى مكّة، ومنها إلى كربلاء، ثمّ إلى الكوفة والشام.

ونراها الحاضرة الشاهدة في جميع أحداث النهضة الحسينيّة، تحاور أخاها الإمام، وتحرّض أصحابه الأبطال، وتهرول إلى ساحة المعركة، وتصرخ في وجوه العسكر، وتقود قافلة العائلة.

ونراها الخطيبة المُفَوَّهة، ترتجل الخطاب أمام جماهير الكوفة وفي مجلس ابن زياد ومجلس يزيد، حيث رجالات الحكم والجمع الحاشد من الجند والأعيان.

هذه الصور الحيّة التي نراها في حياة السيّدة زينب تناقض ما نراه من واقع المرأة في مجتمعاتنا، فأين يقف الدين إذاً ؟

وأيّ من الواقعين يمثّل رؤية الإسلام ويجسِّد تعاليمه؟

وبعد :

قادني التوفيق الإلهي منذ بضع سنوات لمجاورة السيّدة زينبعليها‌السلام والعيش قرب مقامها الشريف في المنطقة التي تعرف باسمها، جنوب دمشق الشام.

وقد أفاض الله عليّ الكثير من ألطافه ونعمه ببركتها، وكنتُ أهرع إلى مقامها وأتوسّل إلى الله سبحانه بحقِّها وفضْلها كلّما واجهني مشكل من مشاكل الحياة، فأعود مطمئنِّاً برحمة الله، واثقاً من عنايته وتسديده.

وأداءً لبعض حقّها الكبير فكّرتُ في تقديم خدمة متواضعة لساحة قدسها الشامخ بالكتابة عن شيء من حياتها المجيدة وسيرتها المشرقة.

ورأيت آلاف الزائرين يتقاطرون على حرمها الشريف من مختلف بقاع الأرض يقصدون التقرّب إلى الله تعالى بزيارتها، ويعبّرون عن عظيم حبّهم وولائهم


لها ولأسرتها النبويّة الكريمة.

لكنّ أكثر هؤلاء الزائرين كانوا يعانون من قلّة المعرفة وضعْف الاطّلاع على حياة السيّدة زينبعليه‌السلام ، وأبعاد شخصيّتها العظيمة.

بالطبع فإنّ مستوى الفائدة والثواب من الزيارة يترتّب على مستوى المعرفة بشخصيّة المزور، كما ورد ذلك في العديد من النصوص والروايات التي تتحدّث عن ثواب وفضل زيارات قبور الأولياء ومشاهد أئمّة الهدىعليهم‌السلام ، حيث تَجعل المعرفةَ شرطاً في حصول كامل الفائدة والثواب، ك-:

-الحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه‌السلام حول زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام : (مَن زار الحسين عارفاً بحقِّه كَتَبَ اللهُ له ثواب ألف حجّة.

-وما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام : (ما زارني أحدٌ من أوليائي عارفاً بحقّي إلاّ تشفَّعْتُ فيه يوم القيامة).

ومن الواضح أنّ المعرفة بالإمام أو الولي تدفع الإنسان للاقتداء به واستلهام القِيَم الخيّرة من حياته.

وقد يرغب الكثيرون في التعرّف على شخصيّة السيِّدة زينب، وخاصّة زوّار مرقدها الشريف، لكنّ وسائل هذه المعرفة وأدواتها ليستْ في متناول أيدي الجميع.

فمن المتداول في البلدان المتقدّمة أنّك حينما تزور متحفاً أو معلِّماً تاريخيّاً أو مقاماً لتخليد شخصيّة معيّنة، فإنّ وسائل التعريف بذلك المكان أو تلك الجهة متوفّرة عند البوابة أو المدخل، من: كتب، ونشرات، مصوّرة، وأفلام، ومرشدين، سياحيّين، يشرحون لك ما تشاهده وتتساءل عنه.

فلماذا لا يتوفّر عندنا شيء من هذا القبيل لإفادة الزائرين لمقامات الأئمّة والأولياء ومعالم تاريخنا المجيد؟


من هذا المنطلق، وبدافع الأداء لبعض حقّ السيِّدة زينب، شرعتُ في إعداد هذا الكتاب، لأُقدِّم من خلاله صورةً واضحة مبسّطة عن حياة السيِّدة زينبعليه‌السلام وأبعاد شخصيّتها العظيمة.

بالتأكيد فإنّ التاريخ لم يحتفظ لنا بكل تفاصيل حياة السيِّدة زينبعليه‌السلام ، كما أنّ بعض جوانب سيرتها أصبحت مسرحاً لاختلاف الرواة والمؤرِّخين، كتحديد زمان ومكان وفاتها، وتعيين مدفنها وقبرها.

وقد اطّلعتُ حين إعداد هذا الكتاب على مجموعة من المؤلّفات والكتابات عن شخصيّة السيِّدة زينب وحياتها، وكان في بعضها جودة وفائدة، لكن اعتماد بعض المؤلِّفين على الروايات غير الموثوقة، والمصادر الضعيفة، واتّباع طريقة السرد التاريخي والقصصي دون أيّ تحليل أو استنتاج، ودون تركيز على المواقف والجوانب الأساسيّة في شخصيتها وسيرتها.. كل ذلك يجعل استفادة القارئ محدودة، والمعرفة التي يكسبها عن السيِّدة زينب غير وافية.

وإذا كان الإلمام بسيرتها، أو إبراز كامل حقيقة شخصيّتها أمراً صعب المنال، فإنّ المطلوب هو بذْل الجهد لرسم أجلى صورة عن ملامح شخصيّتها العظيمة وسيرتها العطرة. وهذا ما حاولْتُهُ في هذه السطور، مع اعترافي المسبق بالقصور والتقصير، أسأل الله تعالى القبول، وأنْ يجعلنا من السائرين على خُطَى السيِّدة زينب، وعلى نهج أُسرتها النبويّة الطاهرة.. وأنْ يكفينا الأسواء بحقّهم، وأنْ يحشرنا يوم القيامة في زمرتهم، إنّه وليّ التوفيق والحمد.

حسن الصفّار

١٠ |١١ |١٤١٣ ه-

٢ | ٥ |١٩٩٣ م



أشرف عائلة



حَسَبَ الإنسان ونَسَبُهُ وانتماؤه العائلي، له أهمِّيَّة كبيرة في شخصيّة الإنسان وفي نظرة الآخرين إليه، فهو عامل مؤثِّر في صياغة نفس الإنسان وفي توجيه سلوكه ومسار حياته.

وقد أثبتتْ العلوم الحديثة - عبر دراسة الجينات و(الكروموسومات ) الموجودة في الخليّة الحَيّة - ما يخلقه العامل الوراثي من قابليّة واستعداد في نفس الإنسان. فإنّه إذا ما انحدر من أُسرة شريفة وعائلة كريمة، فإنّ ذلك يخلق في نفسه أرضيّة واستعداداً لتقمّص صفات أسرته وعائلته، وعكس ذلك لو كان ينتمي لعائلة فاسدة وأسرة منحرفة، فإنّ انشداده ومَيْله للانحراف والفساد يكون أقوى.

بالطبع تلك قاعدة للأعم الأغلب، ولا تمثّل حتميّة كلِّيَّة ثابتة. كما أنّ للبيئة والتربية والظروف المحيطة بالإنسان دورها في تنمية تأثيرات العامل الوراثي أو كبحها عبر إرادة الإنسان وحرّيّة اختياره.

هذا عن التأثير الذاتي لعامل الحسب والنسب، أمّا التأثير الاجتماعي فإنّ من الطبيعي أنْ يأخذ الناس في الاعتبار عند نظرتهم للشخص تاريخ أهله وعائلته.


* وذلك من زاويتين:

الأولى:

توقّعهم مشابهة الفرد لأهله وأسرته - فهم يرجون منه الخير والصلاح إنْ كان مَنْبَتُهُ طيّباً، ويحذرون منه السوء والانحراف إنْ كان أصله فاسداً - لِمَا يلحظه الناس من تأثير العامل الوراثي غالباً.

-يقول الإمام علي عليه‌السلام : (عليكم في طلب الحوائج بشراف النفوس، ذوي الأصول الطيّبة، فإنّها عندهم أقضى وهي لديهم أزكى)(١) .

-ويقول - أيضاً - موصياً مالك الأشتر : (ثمّ الصق بذوي المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة.. فإنّهم جماع الكرم، وشعب من العرف)(٢) .

والثانية:

إنّ الفرد يعتبر امتداداً لأهله وأُسرته، فإذا كانت عائلته ذات فضل وإحسان للمجتمع فإنّ الوجدان يدفع الناس لمقابلة ذلك الفضل والإحسان باحترام أبناء العائلة المحسنة، وعكس ذلك لو انتمى الفرد لعائلة سيّئة أصاب الناس منها الأذى والضرر، فإنّ حسّ الانتقام سيدفعهم لإهمال أبناء تلك العائلة وتجاهلهم على الأقل.

تقول السيدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام : (أَمَا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبي يقول:(المرء يحفظ في ولده)(٣) .

من هذا المنطلق سنبدأ حديثنا عن السيّدة زينبعليه‌السلام بتسليط الأضواء على حسبها ونسبها.

فإنّها قد انحدرتْ من أشرف حسب، وانتمت إلى أفضل عائلة في تاريخ

____________________

(١) الطفل بين الوراثة والتربية: محمّد تقي فلسفي: ج ١، ص ٨٣.

(٢) نهج البلاغة: الإمام عليعليه‌السلام : كتاب رقم: ٥٣.

(٣) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: محمّد كاظم القزويني: ص ٤٤٩.


البشر. ممّا يعني امتلاكها لأعلى درجة من القابليّة والاستعداد لتقمّص رداء الفضيلة، وتسنّم ذروة المجد، وقد تجسّد ذلك الاستعداد فعلاً وسلوكاً في حياتها وسيرتها.

من ناحية أخرى، فإنّ البشريّة المجبولة بطبعها على احترام الصالحين المحسنين، واحترام ذرِّيَّاتهم تبعاً لذلك لا بدّ وأنْ تعرف البشريّة للسيّدة زينب مكانتها، وتُبدي اتجاهها أعلى مستوى من الاحترام والإكبار، وعرفاناً بحقّ عائلتها وتقديراً لخدمات أسرتها على الناس عامّة وعلى المسلمين خاصّة، هذا فضلاً عن الجدارة الذاتيّة للسيِّدة زينبعليها‌السلام .

بالطبع فإنّ كلّ حلقة من حلقات نسبها الشريف تستدعي التوقّف إجلالاً وإكباراً، لكنّنا سنقتصر على ذكْر أقرب الحلقات لها:

١ - جدّها الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله (٥٧٠ م - ٦٣٢ م):

إنّه أعظم رسل الله وأفضل أنبيائه نبيّنا محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو القائل عن نفسه بحق: (أنا سيِّد وُلْد آدم، ولا فخر)(٤) .

وفي حديث آخر يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فأنا أتقى وُلْد آدم، وأكرمهم على الله جلّ ثناؤه، ولا فخر)(٥) .

وإذا كنّا نحن المسلمين نعتقد بأفضليّة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله على جميع الخلق والبشر من منطلق ديني، فإنّ علماء ومفكّرين لا يدينون بالإسلام وجدوا أنفسهم مضطرّين للاعتراف بالتميّز والتفوّق للنبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله على جميع عظماء البشر.

فهذا الدكتور(مايكل هارت) الأميركي الجنسيّة والمولد:

- والحاصل على شهادة ليسانس في الرياضيّات من جامعة كورنيل عام (١٩٥٢ م).

- وشهادة ليسانس في القانون من جامعة نيويورك عام (١٩٥٨ م).

- وشهادة ماجستير في العلوم من

____________________

(٤) بحار الأنوار: المجلسي: ج ١٦، ص ٣٢٥.

(٥) المصدر السابق: ج ١٦، ص ٣١٥.


جامعة اديلفي عام (١٩٦٩ م).

- وشهادة دكتوراه في الفلك من جامعة برينستون عام (١٩٧٢ م).

- والذي عمل في مركز أبحاث الفضاء في غرين بلت في ميريلاند.

- وفي المركز القومي لأبحاث طبقات الجو في كولورادو وفي أكبر مرصد للأفلاك في كاليفورنيا في باسادينا (مرصد هيل).

- وهو أحد العلماء المعتمدين في الفيزياء التطبيقيّة.

- وعضو الجمعيّة الفلكيّة وفروعها في علوم الكواكب.

هذا الرجل المسيحي ألّف كتاباً يقع في(٥٧٢ صفحة) من الحجم الكبير، تناول فيه دراسة حياة المائة الأوائل من تاريخ البشريّة، ونشره عام(١٩٧٨ م) في الولايات المتّحدة، وأحدث ضجّة هناك ما لبثتْ أنْ انتقلتْ إلى

أنحاء كثيرة في العالم، وقد وضع المؤلّف شخصيّة النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله على رأس القائمة، واعتبره أهمّ شخصيّة في تاريخ البشر.

إنّ اختيار المؤلّف لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليكون على رأسه القائمة التي تضمّ الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات، إنّ هذا الاختيار ربّما أدهش كثيراً من القرّاء، إلى حدّ أنّه قد يُثير بعض التساؤلات، ولكن في اعتقاد المؤلِّف أنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي.

لقد أسس محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميِّين السياسيِّين العظام، ففي هذه الأيّام وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً تقريباً على وفاته فإنّ تأثيره لا يزال قويّاً وعارم(٦) .

هذا هو جدّ زينبعليه‌السلام ، والذي فتحتْ عينيها في أحضانه، وسنرى علاقته بها وعلاقتها به.

٢ - أبوها أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام (٢٣ قبل الهجرة - ٤٠ ه-):

____________________

(٦) دراسة في المائة الأوائل: الدكتور مايكل هارت.


وإذا كان النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الشخصيّة الأولى في تاريخ البشر والنموذج الأفضل والأرقى للإنسان، فإنّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام يحتلّ المكانة الثانية في العظمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا ما يؤكّد عليه القرآن الحكيم، حيث نصّ على أنّ عليّاً نفس الرسول، كما هو صريح آية المباهلة:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٧) .

فقد ذكر المؤرّخون والمحدّثون والمفسّرون أنّ الآية نزلتْ لدعوة نصارى نجران للمباهلة، وأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اختار للمباهلة عليّاً وفاطمة وولديها الحسن والحسين عليهم السلام، وخرج بهم وقال: (إنْ أنا دعوتُ فأمِّنوا أنتم)(٨) .

وبذلك فعليّعليه‌السلام هو المقصود ب- (أَنْفُسَنَا ) في الآية الكريمة، كما أنّ فاطمة هي مصداق (نِسَاءَنَا )، والحسنان (أَبْنَاءَنَا ).

وقد تحدّث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في موارد عديدة وكثيرة؛ لكي يُبَيِّن أفضليّة الإمام عليعليه‌السلام وموقعيّته الخاصّة لديه، والتي لا يدانيه فيها أحد، وهذه بعض النماذج من أقواله وأحاديثه تلك:

- (علي عيبة علمي، أنا مدينة العلم وعلي بابها، فَمَن أراد العلم فليأت الباب)(٩) .

- (أنا وعلي من شجرة واحدة، وسائر الناس من أشجار شتّى، إنّ عليّاً منّي

____________________

(٧) سورة آل عمران: الآية: ٦١.

(٨) التفسير المنير: وهبة الزحيلي: ج ٣، ص ٢٤٨.

(٩) أخلاقيّات أمير المؤمنين: هادي المدرسي: ص ٥١٣، نقلاً عن: تاريخ ابن عساكر: ج ٢، ص ٩٨٣.


وأنا منه، لحمه مِن لحمي وَدَمُهُ مِن دَمِي)(١٠) .

- (علي منّي بمنزلة هارون من موسى)(١١) .

- (مَن كنتُ مولا فهذا علي مولاه)(١٢) .

- (يا علي لولا أنْ أخاف أنْ تقول فيك طائفةٌ من أُمّتي ما قالتْه النصارى في عيسى بن مريم، لقلتُ فيك كلمةً لا تمرّ بها على ملأ إلاّ وأخذوا من تراب نعلَيك، ومن طهورك ما يستشفون به، ولكن حسبك أنّك منّي وأنا منك وأنت أخي وصاحبي)(١٣) .

هذا إضافةً إلى أنّه:

- أوّل مَن آمن بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- وأوّل من ضرب بالسيف في سبيل الله.

- وأوّل من لبّى وأجاب وأعلنَ نصرته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- وأوّل مَن قاتل وجاهد وهاجر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .ومَن يقرأ تاريخ الدعوة الإسلاميّة يرى دور عليعليه‌السلام هو الأساس في ظهور الإسلام بعد دور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتتجلّى شخصيّته كالعنصر والعامل الثاني بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في دوره ومواصفاته وعلاقته بالرسول.

٣ - أمّها فاطمة الزهراءعليها‌السلام (٨ قبل الهجرة -١١ ه-):

المرأة في بُعدها الإنساني العام الذي تشترك فيه مع الرجل على قَدَمِ المساواة، يكون مَثَلُها الأعلى وقدوتها الأُولى هو خير البشر النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله . أمّا في جانبها الأُنثوي الخاص فيبدو من النصوص الثابتة عند جميع المسلمين أنّ المقام الأرفع للمرأة في تاريخ البشريّة قد تبوّأته سيّدتنا فاطمة الزهراءعليها‌السلام ،

____________________

(١٠) المصدر السابق: نقلاً عن: سنن ابن ماجة: ج ١، ص ٦٤٤.

(١١) المصدر السابق: ص ٥١٤، نقلاً عن: صحيح البخاري: ج ٢، ص ٣٠٠.

(١٢) المصدر السابق: نقلاً عن: تاريخ ابن عساكر: ج ٢ ص ٢٨٠.

(١٣) المصدر السابق: نقلاً عن: أعيان الشيعة: ج ٢، ص ٢٠٦.


فهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين.

-ففي رواية عن عائشة زوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قالتْ : قال رسول الله: (فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة)(١٤) .

-وعن حذيفة رضي‌الله‌عنه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (نزل ملك من السماء فاستأذن الله أنْ يسلّم عليّ، لم ينزل قبلها، فبشّرني أنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة)(١٥) .

-وعن عائشة أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال وهو في مرضه الذي توفي فيه : (يا فاطمة ألا تَرْضَيْن أنْ تكوني سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء هذه الأمّة)(١٦) .وعن ابن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (خير رجالكم عليّ، وخير شبابكم الحسن والحسين، وخير نسائكم فاطمة). رواه الخطيب وابن عساكر(١٧) .

-وكذلك ما أخرجه جماعة من الحفظة وأهل الضبط : ممّن حملوا العلم بأسانيده وطرقه، كابن عبد البر في ترجمتهاعليها‌السلام من(الاستيعاب)، أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عادها وهي مريضة فقال: (كيف تَجِدِيْنَكِ يا بنيّة؟قالت : إنّي لَوَجِعَة وأنّه ليزيدني أنّي مالي طعام آكله!قال : يا بنيّة أَمَا ترضَين أنّك سيّدة نساء العالمين؟قالت : يا أَبَه ، فأين مريم بنت عمران؟قال : تلك سيّدة نساء عالمها وأنتِ

____________________

(١٤) رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم: ابن تيمية: ص ٧٢.

(١٥) المصدر السابق: ص ١١٠.

(١٦) المصدر السابق: ص ١١١.

(١٧) المصدر السابق: ص ١٣٠.


سيّدة نساء عالمك)(١٨) .

ويقرّر الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدينرحمه‌الله أفضليّة الزهراء، وتفوّفها على كلّ بنات حوّاء قاطبةً بما فيهنّ السيِّدة مريم بنت عمرانعليها‌السلام ، فيقول:

(وحسبك في تفضيل الزهراء أنّها بضعة من سيّد الأنبياء ولا نعدل به ولا ببضعته أحداً من العالمين، وقد وَافَقَنَا في تفضيلها جمهورُ المسلمين، وصرّح به كثيرٌ من المحقّقين، نقل ذلك عنهم غير واحد من العلماء الباحثين المتتبّعين، كالمعاصر النبهاني، حيث قال في أحوال الزهراء من كتابه (الشرف المؤبّد) ما هذا لفظه: وصرّح بافضليَّتها - على سائر النساء، حتّى على السيِّدة مريم - كثيرٌ من العلماء المحقّقين ومنهم التقي السبكي، والجلال السيوطي، والبدر الزركشي، والتقي المقريزي. قال: وعبارة السبكي حين سُئل عن ذلك: - الذي نختاره وندين به أنّ فاطمة بنت محمّد أفضل، قال: وسُئل عن مثل ذلك ابن أبي داوود فقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (فاطمة بضعة منّي) ولا أعدل ببضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحداً. ونقل المناوي: هذا عن جمع من الخلف والسلف)(١٩) .

٤ - أخواها - الحسنعليه‌السلام (٣ ه- - ٥٠ ه-)، الحسينعليه‌السلام (٤ ه- - ٦١ ه-):

ويكفي في فضلهما وشأنهما ما رواه المسلمون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تبيين مكانتهما:

-كالحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان قال : أتيتُ النبي فصلَّيتً معه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثمّ تبعتُه وهو يريد أنْ يدخل بعض حجره، فقام وأنا خلفه كأنّه يكلم أحداً، قال: ثمّقال : من هذا؟قلتُ : حذيفة.

____________________

(١٨) الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء: عبد الحسين شرف الدين: ص ٨٠.

(١٩) المصدر السابق: ص ٧٧.


قال : أتدري مَن كان معي؟قلتُ: - لا. قال : فإنّ جبرئيل جاء يبشّرني أنّ الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنّة)(٢٠) .

-وعن يعلى بن أُمَيَّة قال : جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذ أحدهما فضمّه إلى إبْطِهِ، وأخذ الآخر فضمّه إلى إبطه الآخر، وقال: (هذان ريحانتاي من الدنيا مَن أحبّني فليحبّهما)(٢١) .

-وروى سلمان الفارسي قال : سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (الحسن والحسين ابناي، مَن أحبّهما أحبّني، ومَن أحبّني أحبّه الله، ومَن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومَن أبغضهما أبغضني، ومَن أبغضني أبغضه الله، ومَن أبغضه الله أدخله النار)(٢٢) .

-وممّا أشتهر بين المسلمين قولُه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين إمامان إنْ قاما وإنْ قَعَدَا)(٢٣) .

وحياة الحسنَينعليه‌السلام وسيرتهما سجل عظيم رائع للمكارم والفضائل، والتاريخ يكبر للإمام الحسنعليه‌السلام موقفه السياسي الحكيم في الصلح مع معاوية، وللإمام الحسينعليه‌السلام ثورته الخالدة التي أصبحتْ منبعاً يستلهم منه الأحرار والثائرون روح التضحية والبطولة والفداء.

وبعد هذا الاستعراض السريع لأهمّ أقرب الشخصيّات للعائلة التي انحدرتْ

____________________

(٢٠) ترجمة الإمام الحسن من: تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ص ٧٢.

(٢١) المصدر السابق: ص ٨٥.

(٢٢) حياة الإمام الحسن: باقر شريف القرشي: ج ١، ص ٩٨.

(٢٣) المصدر السابق: ص ١٠٢.


منها السيّدة زينبعليه‌السلام ، والذي اتّضح لنا من خلاله عظمة وأفضليّة كلّ قطب من أقطاب بيتها الطاهر، يمكننا القول بثقة واطمئنان أنْ لا أحد يداني السيّدة زينب في عراقة النسب وشرافة الحسب، فهي أفضل الناس جَدَّاً وأباً وأمّاً وأخاً، عدا عن بقيّة أطراف نسبها الطاهر. وينطبق عليها ما قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ أخويها الحسن والحسينعليه‌السلام حسب رواية ابن عبّاس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتى المسجد فقام والحسنانعليه‌السلام على عاتقَيه، ثمّقال : (معاشر المسلمين: أَلاَ أَدُلُّكم على خير الناس جَدَّاً وَجَدّة؟

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : الحسن والحسين جدّهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم المرسلين، وجدّتهما خديجة بنت خويلد سيّدة نساء أهل الجنّة.

ثمّ قال : أَلاَ أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة؟

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : الحسن والحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب، وعمّتهما أُمّ هاني بنت أبي طالب.

ثمّ قال : أيّها الناس أَلاَ أدلّكم على خير الناس خالاً وخالة؟

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول الله.

ثمّ قال : اللهمّ إنّك تعلم أنّ الحسن والحسين في الجنّة، وعمّهما في الجنّة، وعمّتهما في الجنّة، ومَن أحبّهما في الجنّة، ومَن أبغضهما في النار)(٢٤) .

____________________

(٢٤) المصدر السابق: ص ١٠٠.


إشراقة النور



في السنتَين الخامسة والسادسة للهجرة النبويّة، دخل المسلمون مرحلة جديدة تميّزتْ بتثبيت الوجود والكيان الإسلامي بعد سنوات من النضال والمقاومة والمعاناة.

فقد بادر المسلمون في هاتَين السنتَين إلى القيام بحملات عسكريّة هجوميّة ضدّ أعدائهم الذين كانوا يتآمرون ويتهيّئون للقضاء على القوّة الإسلاميّة الناشئة، وبذلك يكون المسلمون قد تجاوزوا مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة والهجوم.

* ومِن غزوات السرايا التي حصلتْ خلال هاتين السنتَين:

* غزوة ذات الرقاع:

والتي يُروى أنّها حصلتْ في شهر المحرّم من السنة الخامسة للهجرة، حيث قاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعمائة رجلٍ من أصحابه للهجوم على جماعة من غطفان من بني محارب وبني ثعلبة بِنَجْد، حيث بلغه أنّهم يعدّون العدّة لمحاربته(١) .

____________________

(١) سيرة الرسول وخلفاؤه: السيّد علي الحسني: ج ٣، ص ٢٥٧.


* غزوة دومة الجندل:

وكانت في شهر ربيع الأوّل في السنة الخامسة للهجرة، حيث هاجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على رأس ألف من أصحابه جَمْعاً من المشركين في منطقة قريبة من دمشق الشام، حيث يفصل بينها وبين الشام مسير خمس ليال، بينما تبعد عن المدينة مسير خمسة عشر يوماً، ويبدو أنّ هذه الغزوة كانت بمثابة رسالة وإشارة ل- (قيصر) مَلِكِ الروم كما يُشير بعض المؤرّخين(٢) .

* غزوة بني المصطلق:

وقعتْ في شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة، وبنو المصطلق بطن من خزاعة، كانوا يقيمون في ناحية بين مكّة والمدينة، وقد علم المسلمون أنّ بني المصطلق يشترون الأسلحة والخيول استعداداً للهجوم على المسلمين، فبادرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سبعمائة رجل من أصحابه فهزمهم(٣) .

* غزوة الخندق أو (واقعة الأحزاب):

وهي من المعارك الحاسمة والفاصلة في تاريخ المسلمين، حيث تآمر اليهود وقريش وغطفان والعديد من قبائل الكفّار المعادية، وحشدوا لهم جيشاً كبيراً يُقَدَّر بعشرة ألآف رجل، مع استعداد عسكري ضخم، وقرّروا الهجوم على المدينة وإنهاء الوجود الإسلامي.

وأمام هذا الحشد الرهيب الزاحف نحو المدينة شاور الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه في الموقف وقرّروا حَفْر خندق حول المدينة يمنع هجوم الأعداء عليها، وكانت تلك فكرة سلمان الفارسيرضي‌الله‌عنه .

وبالفعل فوجئت الأحزاب بهذه الخطّة ولم يستطيعوا اقتحام المدينة، ولمّا اقتحم أبرز فرسان التحالف المعادي وهو عمرو بن عبد ودّ العامري والمعروف بقوّته

____________________

(٢) تاريخ الإسلام: الحافظ الذهبي: كتاب المغازي، ص ٢٥٨.

(٣) المصدر السابق: ص ٢٥٩.


وشجاعته، استقبله الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام بشجاعةٍ نادرةٍ وتصاول معه ثمّ أرداه قتيلاً، ممّا أوقع الهزيمة في نفوس الجيوش المتحالفة وعادتْ خائبة.

وأكّدت غزوة الخندق التي وقعتْ في شهر شوّال في السنة الخامسة للهجرة مناعة الدولة الإسلاميّة، وعَجْز الأعداء أمامها مهما تآمروا وحشدوا من قوّة.

* غزوة بني قريظة:

وهم من اليهود، وقد تآمروا مع الأحزاب ضدّ المسلمين في واقعة الخندق؛ لذلك بادرهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجوم بعد الخندق مباشرةً أواخر شهر ذي القعدة للسنة الخامسة للهجرة، وحاصرهم وكانوا متحصّنين في منطقتهم حوالي عشرين ليلة، حتّى استسلموا، محكّمين أحد الصحابة في أمرهم وهو سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم المحاربين وسبي نسائهم وصارتْ أموالهم الكثيرة وأسلحتهم غنائم عظيمة للمسلمين(٤) .

* إضافةً إلى هذه المعارك الهامّة، كانت هناك سرايا كثيرة خلال هاتَين السنتَين، حيث بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعض فِرَق جيشه لمواجهة القِوَى المناوئة للمسلمين، ومنها:

١ - سريّة نجد بقيادة محمّد بن مسلمة في شهر المحرّم، السنة السادسة للهجرة(٥) .

٢ - سريّة عكاشة بن محصن إلى الغمر، قرب المدينة في ربيع الأوّل، السنة السادسة(٦) .

٣ - سريّة أبي عبيدة إلى ذي القصة، قرب المدينة(٧) .

____________________

(٤) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٢، ص ١٨٥.

(٥) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(٦) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(٧) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.


٤ - سريّة زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم، قرب المدينة(٨) .

٥ - سريّة زيد بن حارثة إلى الطراف(٩) .

٦ - سريّة زيد بن حارثة إلى العيص، في شهر جمادي الأولى، للسنة السادسة(١٠) .

٧ - سريّة زيد بن حارثة إلى جسمس، خلف وادي القرى، في شهر جمادي الثاني، للسنة السادسة(١١) .

٨ - سريّة زيد بن حارثة إلى وادي القرى، بين الشام والمدينة، في شهر رجب، السنة السادسة(١٢) .

٩ - سريّة علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك، في شهر شعبان، للسنة السادسة(١٣) .

١٠ - سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، في شهر شعبان أيضاً(١٤) .

١١ - سريّة كرز بن جابر الفهري إلى العرتين، في شهر شوّال، للسنة السادسة(١٥) .

١٢ - سريّة عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي، في شهر شوّال أيضاً(١٦) .

____________________

(٨) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(٩) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١٠) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١١) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١٢) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١٣) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١٤) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١٥) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.

(١٦) المغازي: الحافظ الذهبي: ص ٣٥٠ - ٣٦١.


إلى العديد من السرايا الأخرى. أمّا الحدث الأهم في السنة السادسة للهجرة على الصعيد العسكري والسياسي، فكان (صلح الحديبيّة )، حيث خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شهر ذي القعدة للسنة السادسة على رأس حوالي (١٥٠٠ ) من أصحابه قاصداً دخول مكّة للعمرة وزيارة البيت الحرام، فكان في ذلك إحراج كبير لقريش، ممّا دفعها للمفاوضات مع المسلمين، والتي انتهتْ بعقد اتفاقيّة الصلح بين قريش والمسلمين، والتي عرفت بصلح الحديبيّة، وكان محتواها اعتراف قريش بكيان الإسلام ووجود المسلمين(١٧) وقد سمّاها القرآن الكريم فتحاً مبيناً:( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) (١٨) .

وهكذا تجذّرتْ قوّة المسلمين خلال هذه الفترة، واستثماراً لذلك وتتوجياً له بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رسائل إلى ملوك العالم ك-:

- كسرى، ملك الفرس.

- وقيصر، ملك الروم.

- والنجاشي، ملك الحبشة.

- كما بعث للمنذر بن ساوى، زعيم عبد القيس حاكم البحرين.

- وجيفربن جلندي وعبّاد بن جلندي، صاحبي عمان.

- والى المقوقس صاحب الإسكندريّة وغيرهم.

وقد تضمّنتْ تلك الرسائل دعوة الملوك إلى الإسلام وتعريفهم بدعوته، وقد استجاب العديد منهم للدعوة واعتنق الإسلام مع قومه. هذا على المستوى السياسي العام.

* أمّا على المستوى الداخلي للمجتمع الإسلامي:

فقد كانت مبادئ الإسلام وقِيَمُهُ تتعمّق في النفوس أكثر على حساب رواسب الجاهليّة والكفر، وكانت محاولات المغرِضين غير الصادقين في إسلامهم تفشل في إثارة النَعَرَات الجاهليّة، كما حصل في غزوة بني المصطلق من تحريض رأس النفاق ابن أُبي على الفتنة بين المهاجرين والأنصار، لكن محاولته وُئِدَتْ بوعي

____________________

(١٧) سيرة الرسول وخلفائه: السيّد علي الحسني: ج ٣، ص ٤٠٧.

(١٨) سورة الفتح: الآية: ١.


المسلمين، وتصدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكان للوحي الإلهي دور أساسي في إنجاح عمليّة تجذير القِيَم الإيمانيّة الجهاديّة في نفوس المسلمين، حيث كان يكشف ويفضح الحالات النفاقيّة التي كانت تحصل في تلك الفترة من قِبل بعض المنضوين تحت راية الإسلام، ففي غزوة الخندق تخلّفتْ طائفة من المنافقين عن العمل في حفر الخندق بمبرّر الضعف والعجز. كما أنّ البعض كان يتسلّل ويهرب خفية عن القيام بواجبه، فنزل الوحي متحدّثاً عن هذه الظاهرة، موبّخاً المنافقين، كاشفاً لسلوكهم، وذلك في أواخر سورة النور من قوله تعالى:

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ...إلى قوله تعالى:...قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (١٩) .

* على الصعيد العائلي بالنسبة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله :

فقد أضاف إلى حياته العائليّة بعض الزوجات خلال هاتَين السنتَين حيث تزوّج جويرية بنت الحارث من سبايا غزوة المصطلق - التي سبق ذكرها - في شهر شعبان، السنة الخامسة للهجرة. كما تزوّج في السنة السادسة تقريباً ابنة عمّته زينب بنت جحش، بعد أنْ طلّقها زيد بن حارثة في قصّة مشهورة تحدّث عنها القرآن الكريم في سورة الأحزاب (آية ٣٧ وما بعدها).

* وقد أُضيفتْ هاتان الزوجتان إلى زوجات خمس كنّ لدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهن:

١ - سودة بنت زمعة.

____________________

(١٩) سورة النور: الآية: ٦٢ - ٦٣.


٢ - عائشة بنت أبي بكر.

٣ - حفصة بنت عمر بن الخطّاب

٤ - أُمّ سَلَمَة بنت أبي أُميّة.

٥ - زينب بنت خزيمة(٢٠) . ولم تنجب أيُّ واحدة من هذه الزوجات لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شيئاً.

* ومن الأحداث العائليّة البارزة في بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خلال هذه الفترة:

ما حصل لزوجته عائشة بنت أبي بكر عند رجوعها من غزوة بني المصطلق السابقة الذكر، حيث تخلّفتْ في الصحراء تبحث عن عقد لها أضاعتْه، ولم يلتفتْ المسلمون وسار ركبهم ظانِّين أنّها في هودجها فلمّا وصلوا المدينة لم يجدوها!

لكنّها فيما بعد لقيها أحدُ الصحابة في الطريق، وهو صفوان بن المعطل السلمي، فجاء بها إلى المدينة، فوجد المنافقون فيما حصل فرصة سانحة لإثارة الشكوك حول زوج رسول الله، ممّا سبّب الأذى والحرج لرسول الله، والذي أذن لعائشة أنْ تبقى آنذاك في منزل أبيها حتّى نزل الوحي من الله يبرئ ساحتها في بضع آيات من سورة النور وعُرفتْ هذه القضيّة بقصّة الإفك(٢١) .

* وشهدتْ هذه الفترة صعوبة اقتصاديّة بالغة للمسلمين:

كما تُشير بعض قصص غزوة الخندق(٢٢) ، وحتّى الطبيعة بخلتْ عليها بمائها حيث أجدب الناس جدباً شديداً، فاستسقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالناس في رمضان، في السنة السادسة(٢٣) .

____________________

(٢٠) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٢، ٣٠٧.

(٢١) سيرة الرسول وخلفائه: السيّد علي الحسني: ج ٣، ص ٢٨١.

(٢٢) المصدر السابق: ص ٣١٩.

(٢٣) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٢، ص ٢١٠.


وفي هذه الفترة تألّق نجم علي بن أبي طالبعليه‌السلام أكثر في سماء المجتمع الإسلامي، حيث حَسَمَتْ شجاعته الرائعة الموقف لصالح المسلمين في واقعة الخندق بقتله عمرو عبد ودّ العامري.

وكانت إشراقة النور بولادة السيّدة زينبعليه‌السلام خلال هذه الفترة التي تحدّثنا عن أجوائها وظروفها وأوضاعها، فإنّ أقوال المؤرّخين قد اختلف في تحديد تاريخ ولادتها، والأرجح من أقوال المؤرّخين قولان:

١ - السنة الخامسة في الخامس من شهر جمادى الأوّل.

٢ - أو السنة السادسة مطلع شهر شعبان(٢٤) .

أي بين سَنَتَي:(٦٢٦ م - ٦٢٧ م).

____________________

(٢٤) زينب الكبرى: النقدي: ص ١٨.


نشأة فريدة



لا بدّ وأنّ العائلة قد استبشرتْ وابتهجتْ بولادة السيّدة زينبعليها‌السلام ؛ لأنّها أوّل طفلة يحتفي بها بيت علي وفاطمةعليه‌السلام ، فقد سبق وإنْ ازدان البيت الطاهر بوليدَين صبيَّين هما:

- الحسنعليه‌السلام ، الذي وُلِدَ منتصف شهر رمضان في السنة الثالثة للهجرة.

- والحسينعليه‌السلام ، الذي وُلِدَ في الثالث من شعبان للسنة الرابعة من الهجرة.

وتأتي الآن زينبعليه‌السلام في السنة الخامسة كما يرجّح ذلك المحقّقون(١) ، وبعد عام أو أكثر أنجبتْ السيِّدة الزهراءعليه‌السلام بنتاً أُخرى، هي: أُمّ كلثوم لتكون شقيقة لأختها زينبعليه‌السلام .

وخلافاً لِمَا كان منتشراً عند بعض العرب في الجاهليّة من التشاؤم والاستياء عند ولادة البنت، واعتبارها مولوداً ناقص القيمة والشأن، بل قد تُسَبِّب لهم العار والفضيحة، كما أنّها لا تنفعهم في المعارك والحروب؛ ولذلك كان بعضهم يَئِدُهَا عند ولادتها بقتلها أو بدفنها حيّة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا

____________________

(١) زينب الكبرى: النقدي: ص ١٨.


بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(٢) .

خلافاً لذلك فقد أرسى الإسلام ثقافة سلوكيّة جديدة في المجتمع الإسلامي تدين تلك النظرة الاحتقاريّة للبنت، وتجعلها مساوية في الشأن والقيمة للولد، وأكثر من ذلك فإنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتحدّث عن البنات بايجابيّة أكبر، ويربّي المسلمين على أنْ يكونوا أكثر احتفاءً وسروراً بقدوم البنت.

* وننقل هنا بعض الأحاديث والنصوص الواردة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام :

- بُشّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بابنةٍ فنظر إلى وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم، فقال: ما لكم؟! ريحانة أشمّها ورزقها على الله عزّ وجل. وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بنات(٣) .

-عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (خير أولادكم البنات)(٤) .

-عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : (نِعم الَولِد البنات المخدّرات، مَن كانت عنده واحدة جعلها الله ستراً من النار، ومَن كانت عنده اثنتان أدخله الله بهما الجنّة، ومَن يكن له ثلاث أو مثلهنّ من الأخوات وُضع عنه الجهاد والصدقة)(٥) .

-عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : (مَن عال ابنتَين أو ثلاثاً كان معي في الجنّة)(٦) .

____________________

(٢) سورة النحل: الآيات: ٥٨ - ٥٩.

(٣) وسائل الشيعة: الحر العاملي: ج ١٥، ص ١٠٢.

(٤) بحار الأنوار: المجلسي: ج ١٠١، ص ٩١.

(٥) المصدر السابق: ص ٩١.

(٦) الطفل نشوءه وتربيته: مؤسّسة البعثة: ص ٢٧٢.


-وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن كانت له ابنة واحدة كانت خيراً له من: ألف جنّة، وألف غزوة، وألف بَدَنَة، وألف ضيافة)(٧) .

-عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عليهم‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (ومِن يُمْن المرأة أنْ يكون بِكْرُها جاريةً) يعني أوّل ولدها(٨) .

-عن ابن عبّاس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن دخل السوق فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، ولْيَبْدَأ بالأُناث قبل الذكور، فإنّه مَن فَرَّحَ أُنثى فكأنّما أَعْتَقَ رقبة من وُلد إسماعيل)(٩) .

وسبب آخر يؤكّد على حتميّة السرور والابتهاج الذي غمر البيت النبوي عند ولادة زينب، هو المعرفة المسبقة التي أوحاها الله تعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمكانة العظيمة والدور الريادي الذي ستقوم به هذه الوليدة في الأُمّة الإسلاميّة؛ لذلك تشير إحدى الروايات إلى أنّ تسمية السيّدة زينبعليها‌السلام قد تمّت من قبل الله تعالى، يقول العلاّمة الشيخ جعفر النقدي ما نصّه:

(لمّا وُلدتْ زينبعليه‌السلام جاءتْ بها أمُّها الزهراءعليها‌السلام إلى أبيها أمير المؤمنينعليه‌السلام ،وقالتْ : (سمّ هذه المولودة).

فقال : (ما كنتُ لأسبق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وكان في سفر له، ولمّا جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسأله عليٌّ عن اسمها، فقال: (ما كنتُ لأسبق ربّي تعالى).

____________________

(٧) المصدر السابق: ص ٢٧٢.

(٨) المصدر السابق: ص ٢٧٣.

(٩) بحار الأنوار: المجلسي: ج ١٠١، ص ١٠٤.


فهبط جبرئيل يقرأ على النبي السلام من الله الجليل، وقال له: (سمّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم). ثمّ أخبره بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (١٠) .

ولم يذكر الشيخ النقدي مصدر هذه الرواية، لكنّ العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنية نقل الرواية في كتابه: (الحسين وبطلة كربلاء ) عن جريدة (الجمهوريّة ) المصريّة (٣١ - ١٠ - ١٩٧٢ م)، للكاتب المصري يوسف محمود.

ويقول العلاّمة السيد محمّد كاظم القزويني: سمّاها جدُّها الرسول زينباً، والكلمة مركبة من زين الأب)(١١) .

وتتحدّث الكاتبة الأديبةعائشة بنت الشاطئ عن الأجواء التي سادتْ البيت النبوي عند ولادة السيدة زينب، فتقول:

وبدا كأنّ كلّ شيء يعد الوليد بحياة سعيدة، وأقبل المهنّئون من بني هاشم والصحابة، يباركون هذه الزهرة المتفتّحة في بيت الرسول، تنشر في المهد عبير المنبت الطيّب، وتلوح في طلعتها المشرقة ووجهها الصبيح ملامحُ آباء وأجداد لها كرام.

لكنّهم فوجئوا - لو صدقت الأخبار - بظلال حزينة تلفّ المهد الجميل! ظلال ربّما لا يكون لأكثرها مكان في كتاب تاريخ يكتب للتحقيق العلمي، لكن لها مكانها في النفس البشريّة، ووقْعها على الوجدان.

حدّثوا أنّ نبوءةً ذاعتْ عند مولد الطفلة، تُشير إلى دورها الفاجع في مأساة (كربلاء )، وتحدّث بظهر الغيب عمّا ينتظرها في غَدِهَا من مِحَن وآلام.

كانت المأساة معروفة فيما يقولون، قبل موعدها بأكثر من نصف قرن من

____________________

(١٠) زينب الكبرى: النقدي: ص ١٦.

(١١) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٢٢٩.


الزمان، ففي (سنن ابن حنبل: ج ١ ص ٨٥ ) أنّ جبرئيل أخبر محمّداً بمصرع الحسين وآل بيته في كربلاء.

وينقل ابن الأثير في (الكامل ) أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى زوجه أُمّ سَلَمَة تراباً حمله له أمين الوحي من التربة التي سيراق فوقها دم الحسين، وقال لها: (إذا صار هذا التراب دماً فقد قُتل الحسين). وإنّ أُمّ سَلَمَة حفظتْ ذلك التراب في قارورة عندها، فلمّا قُتل الحسين صار التراب دماً، فعلمتْ أنّ الحسين قُتل، وأذاعتْ في الناس النبأ.

وسوف نسمع المؤرّخين بعد ذلك في حوادث عامَي: (٦٠ - ٦١) يذكرون أنّ (زهير بن القين البجلي ) وهو عثماني الهوى خرج من مكّة بعد أنْ حجّ عام (٦٠)، فصادف خروجه مسير الحسين إلى العراق، فكان زهير يُساير الحسين إلاّ أنّه لا ينزل معه، فاستدعاه الحسين يوماً فشقّ عليه ذلك، ثمّ أجابه، فلمّا خرج من عنده أقبل على أصحابه، فقال:

(من أحب منكم أنْ يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد).

ثمّ راح يروي لهم قصّة قديمة من عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قال إنّه خرج مع جماعة من المسلمين في غزوة لهم فظفروا وأصابوا غنائم فرحوا بها، وكان معهم (سلمان الفارسي ) فأشار إلى أنّ الحسين سيُقتل: ثمّ قال سلمان لأصحابه: (إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه، منكم بما أصبتم اليوم من الغنائم).

قال ابن الأثير : وتوجّه زهير - بعد أنْ حدّث أصحابه بحديث سلمان الفارسي - فودّع أهله وطلّق زوجته مخافة أنْ يلحقها أذى، ولزم الحسينعليه‌السلام حتّى قُتل معه.

وكان الحسينعليه‌السلام - فيما يروي المؤرّخون - يعلم منذ طفولته بما قُدّر له، كما كان دور أخته زينب حديث القوم منذ وُلدتْ. فهم يذكرون أنّ سلمان الفارسي أقبل على


علي بن أبي طالبعليه‌السلام يهنِّئه بوليدته، فألفاه واجماً حزيناً، يتحدّث عمّا سوف تلقى ابنته في كربلاء.

وبكى عليٌّ الفارسُ الشجاعُ ذو اللواء المنصور، والملقّب بأسد الإسلام.

أكانتْ هذه الروايات جميعاً من مخترعات الرواة ومبتدعات السمّار؟

أكانت من إضافات المنقّبين وتصوّرات المتحدِّثين عن الكرامات؟

أكانت من شطحات الواهمين ورؤى المغرَقين في الخيال؟

ذلك ما اطمأنّ إليه المستشرقون وقرّره:

- (رونالدسون) في كتابه (عقيدة الشيعة).

- و (لامنس) في(فاطمة وبنات محمّد).

أمّا المؤرّخون المسلمون، فما يشكّ أكثرهم في أنّ هذه الروايات كلّها صادقة لا ريب فيها، وقلّ منهم مَن وقف عند خبر منها مرتاباً أو متسائلاً. وليس الأقدمون وحدهم هم الذين نزّهوا مثل هذه الروايات عن الشك، بل إنّ مِن كُتّاب العصر مَن لا يقل عنهم إيماناً بتلك الظلال التي أحاطتْ بمولد زينب.

فهذا الكاتب الهندي المسلم (محمّد الحاج سالمين ) يصف في الفصل الأوّل من كتابه:

(سيّدة زينب)( sayyidah zeinab ).

كيف استقبلتْ الوليدة بالدموع والهموم، ثمّ يمضي - بعد أنْ ينقل بعض المرويّات عن النّبوءة المشئومة - فيمثّل النبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد انحنى على حفيدته يقبّلها بقلب حزين وعينَين دامعتَين، عالِماً بتلك الأيّام السود التي تنتظرها وراء الحجب.

ويمضي (سالمين) فيتساءل : (ترى إلى أي مدى كان حزنه حين رأى بظهر الغيب تلك المذبحة الشنعاء التي تنتظر الغالي! وكم اهتزّ قلبه الرقيق الحاني وهو يطالع في وجه الوليدة الحلوة صورة المصير الفاجع المنتظر؟!(١٢) .

____________________

(١٢) السيّدة زينب: عائشة بنت الشاطئ: ص ٢٨.


الأجواء العائليّة

لا شكّ أنّ البيئة والأجواء العائليّة التي ينشأ فيها الإنسان تلعب دوراً أساسيّاً في بناء شخصيّته، فهي التي تَغرس في نفسه قِيَمَها وأفكارها، وتربيه على سلوكيّاتها وعاداتها.

ولنلقِ الآن نظرة عابرة على الأجواء العائلية التي نشأت من خلالها السيّدة زينبعليها‌السلام .

* الوضع الحياتي المعيشي:

قد تختلف تأثيرات حياة الترف والرفاه على نفس الطفل عن تأثيرات حياة التقشّف والبساطة:

١ - ففي الحالة الأولى ينشأ الطفل على الدّلع والدلال، وينعدم لديه الشعور بقيمة الأشياء لتوفّرها أمامه، ولا تنمو في نفسه حسّاسيّة ولا شفافيّة تجاه حالات الفقر والحرمان؛ لأنّه لم يتذوّق مرارتها، كما أنّ مشاكل الحياة قد تصدمه بقوّة؛ لعدم استعداده النفسي لمواجهة الصعوبات والمشاكل.

٢ - أمّا في الحالة الثانية، فإنّ شخصيّة الطفل قد تكون أكثر اتّزاناً وأقوى جلداً، وأقل استهانة بالأشياء والأمور، وأقرب إلى التفاعل النفسي مع الطبقات المحرومة والضعيفة في المجتمع.

كما أنّنا يجب أنْ نُفرّق بين البساطة والتقشّف اللذين يفرضهما الفقر والحاجة وبينها في حالة الاختيار والطواعية، ففي أُولى الحالتَين قد تُسبّب حالة البساطة والتقشّف عند الإنسان وجود التطلّعات والتمنِّيات لرغد العيش ورفاهية الحياة، كما قد يتسرّب إلى نفس الطفل شيء من عدم الارتياح تجاه الموسِرين المترَفين، كأرضيّة للحقد والحسد والانتقام.

بينما توجد حالة البساطة المختارة كنمط للحياة عند العائلة توجد المشاعر والانعكاسات الايجابيّة، دون تلك السلبيّات، حيث يرى الطفل أنّ عائلته تمتلك القدرة على الرفاه لكنّها لا ترغبه لمنطلقات أخلاقيّة، كما لو كانت العائلة تُؤْثر


الفقراء والمحتاجين، وتجود على الضعفاء والمعوزين.

والسيّدة زينب نشأتْ في أفضل جوّ عائلي من هذا الجانب، فأسرتها لم تكن فقيرة مَعُوَزة، فلربّما سمعتْ زينب في فترة طفولتها عن ثروات جدّتها خديجة، كما ترى الموقع القيادي لجدِّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث ولدتْ ونشأتْ في فترة الانتصارات العسكريّة والسياسيّة، والتي كانت تعود على المسلمين بالغنائم الكثيرة، ولجدّها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها التصرّف المطلق، إلى جانب استعداد المسلمين لبذل كلّ إمكانيّاتهم ووضْعها تحت تصرّف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وتلاحظ السيّدة زينب امتلاك عائلتها لبعض الإمكانيّات ثمّ تنازلها عنها لصالح الآخرين، ويخلّد القرآن الحكيم نموذجاً لهذه الحالة عند عائلة زينب مشيداً بها في سورة الإنسان، حيث يقول تعالى:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً ) (١٣) .

ففي كثير من التفاسير أنّ هذه الآيات نزلتْ في حق أهل البيتعليهم‌السلام ، ونثبت منها عبارة الرازي بنصّها:

- ذكر الواحدي من أصحابنا - أي السُنّة - وصاحب (الكشاف) من المعتزلة:

أنّ الحسن والحسين مَرِضَا فعادهما الرسول في أناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرتَ على ولدك.

فنذر علي وفاطمة وجارية لهما، إنْ شفاهما الله تعالى أنْ يصوموا ثلاثة أيّام، فَشُفِيَا، فاستقرض علي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنتْ فاطمة صاعاً، واختبزتْ خمسة أقراص على عددهم، ووضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، مسكين أطعموني، أطمعكم الله من

____________________

(١٣) سورة الإنسان: الآيات: ٧ - ٩.


الجنّة.

فآثروه ولم يذوقوا إلاّ الماء، وأصبحوا صائمين، فلمّا أَمْسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف يتيم فآثروه، وجاءهم أسير في الليلة الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أبصرهم رسول الله يرتعشون كالفراخ، فقال: (ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم).

فنزل جبرئيل وقال: (خذها يا محمّد، هنّاك الله في أهل بيتك)، فقرأ هذه السورة(١٤) .

وقد سجّل الشيخ الأميني في موسوعته (الغدير) قائمة تحتوي على المصادر التي روتْ هذه الحادثة من كتب التفسير والحديث لأهل السُنّة والجماعة، بلغتْ (٣٤ مصدراً )(١٥) .

ونموذج آخر تسجّله الروايات يعطينا صورة عن بساطة الحياة والزهد المتعمد الذي اختارته عائلة زينب، انطلاقاً من منهجيّة خاصّة في فهْم الحياة والتعامل معها.

- عن زرارة عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال:

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد سفراً سلّم على مَن أراد التسليم عليه من أهله، ثمّ يكون آخر مَن يُسَلِّم عليه فاطمة، فيكون وجهه إلى سفره مِن بيتها، وإذا رجع بدأ بها - أي يزورها قبل كلّ أحد - فسافر مرّة وقد أصاب علي شيئاً من الغنيمة ورفعه إلى فاطمة، فأخذتْ سوارين من فضّة، وعلّقتْ على بابها سِتراً - أي ألبستْ الباب ثوباً للزينة - فلمّا قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل المسجد، فتوجّه نحو بيت فاطمة كما كان يصنع، فقامتْ إلى أبيها صبابة وشوقاً إليه، فنظر فإذا في يدها سواران من فضّة وإذا على بابها سِتْرٌ، فقعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١٤) التفسير الكاشف: محمّد جواد مغنية: ج ٧، ص ٤٨٣.

(١٥) الغدير: عبد الحسين الأميني: ج ٣، ص ١٠٧ - ١١١.


حيث ينظر إليها، فبكتْ فاطمة وحزنتْ، وقالتْ: (ما صُنِعَ هذا بي قَبْلها).

فدعت ابنَيها، فنزعتْ الستر عن بابها، وخلعتْ السوارين مِن يَدَيْها، ثمّ دفعتْ السوارين إلى احدهما والسِتْر إلى الآخر، ثمّ قالتْ لهما:

(انطلقا إلى أبي فاقْرِئاه السلام، وقولا له: ما أحدثنا بعدك غير هذا، فشأنك به).

فجاءاه فأبلغاه ذلك عن أمّهما، فقبلهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والتزمهما وأقعد كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ أمر بذينك السوارين فكُسِرَا فجعلهما قطعاً، ثمّ دعا أهل الصفة وهم قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال فقسّمه بينهم.

-وروى ابن شاهين في (مناقب فاطمة) عن أبي هريرة وثوبان هذا الحديث، مع تغيير يسير إلى أنْ قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (فعلتْ فداها أبوها - ثلاث مرات - مالآل محمّد والدنيا؟ فإنّهم خلقوا للآخرة وخلقتْ الدنيا لهم).

-وفي رواية أحمد بن حنبل : (فإنّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبّ أنْ يأكلوا طيّباتهم في حياتهم الدنيا).

وقد روى هذا الحديث:

- الخطيب العمري في (مشكاة المصابيح).

- والطبري في (ذخائر العقبى).

- والثوري في (نهاية الإرب).

- والقندوزي في (ينابيع المودّة).

- والطبراني في (المعجم الكبير).

- والزبيدي في (أتحاف السادة) وغيرهم(١٦) .

لم تكن عائلة زينب تمتلك بيتاً تقطنه، لكنّ أحد الصحابة المتمكّنين من أهل المدينة وهو (حارثة بن النعمان ) وضع أحد منازله تحت تصرّف عليّ حينما أراد الزواج من بنت الرسول فاطمة، وبعد فترة بنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيتاً ملاصقاً لمسجده له باب شارع إلى المسجد، كبقيّة الحجرات التي بناها لزوجاته، وانتقلتْ عائلة زينب إلى ذلك البيت الجديد الملاصق لبيت الله المجاور

____________________

(١٦) الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٢٧٩.


لبيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١٧) .

ويُروى أنّ سلمان الفارسي رأى فاطمة الزهراء مرّة فبكى، وقال: (إنّ قيصر وكسرى في السندس والحرير وابنة محمّد في ثياب بالية )(١٨) .

* الانسجام والمحبّة:

لماذا نرى بعض الناس وديعين أليفين قادرين على التعاون والانسجام مع الآخرين، ونرى بعض الآخر عدائيِّين مزعجين يتعاملون مع الآخرين بخشونة وقسوة؟

إنّ مِن أبرز العوامل والأسباب التي تؤثّر في صنع نفسيّة الإنسان وتوجيهها نحو الألفة والوداعة، أو العداء والإساءة، هي الأجواء العائليّة التي يعيشها الإنسان في طفولته، فإذا عاش الطفل جوّاً عائليّاً تسوده المحبّة والانسجام، فإنّه يتربّى ضمن ذلك النموذج، أمّا إذا ما نشأ في أجواء المشاحنة والبغضاء بين أبيه وأُمّه، أو بينه وبين والدَيه، أو فيما بين إخوته، فإنّ ذلك يزرع في نفسه بذور الحقد والقسوة، ويدفعه لممارسة العنف والإيذاء، دفاعاً عن ذاته وحقوقه.

يقول الأستاذ الفلسفي:

(إنّ سلوك جميع أفراد البشر وأساليب معاشرتهم مع الناس إنّما هو خلاصة للأساليب التربويّة التي اتُّخِذتْ معهم في دور الطفولة، من قِبل الآباء أو الأمّهات في الأسرة، أو من قِبل المعلّمين في المدرسة. فكل خير أو شر لقّنوه إيّاهم في أيّام الطفولة يظهر على سلوكهم عند الكبر، وعندما يصبحون أعضاء في هذا المجتمع الإنساني الكبير. وبعبارة أُخرى: فإنّ الوضع الروحي والخلقي والسلوكي للناس في كلّ عصر إنّما هو حصيلة البذور التربويّة التي نثرت في أدمغتهم أيّام الطفولة)(١٩) .

____________________

(١٧) الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ١٨٨ - ٢١٣.

(١٨) مع بطلة كربلاء: محمّد جواد مغنية: ص ٢٥.

(١٩) الطفل بين الوراثة والتربية: محمّد تقي فلسفي: ج ٢، ص ٧٠.


لذلك يؤكّد الإسلام على أنْ يغمر الأطفال بالعطف والحنان، وأنْ يُتعامل معهم الوالدان بالمحبّة والشفقة، وأنْ يجنّبوا أبناءهم حصول المشاكل أمامهم.

وقد عاشتْ السيِّدة زينب وترعرعتْ في جوٍّ يغمره العطف والحنان، وتسوده المحبّة والانسجام، فعمدا البيت وقطباه - علي وفاطمة والدا زينب - كانت علاقتهما قمّة في الصفاء والحب، لا تدانيها أيّة علاقة زوجيّة في تاريخ البشر.

يقول الإمام عليعليه‌السلام عن حياته مع الزهراءعليها‌السلام :

(فوالله ما أغضبْتُها ولا أكرهْتُها على أمر حتّى قبضها الله عز وجل، ولا أغضبتْني ولا عصتْ لي أمراً، لقد كنتُ أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان)(٢٠) .

وفي آخر ساعة من حياتها تخاطب الزهراء عليّاًعليهما‌السلام قائلة:

(يابن عم! ما عهدتَني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتُك منذ عاشرتني).

فيجبيها الإمام علي : (معاذ الله أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشدّ خوفاً من الله مِن أنْ أُوبّخك بمخالفتي)(٢١) .

* الأجواء الرساليّة:

نشأتْ العقيلة زينب ضمن عائلة قد نذرت نفسها للجهاد في سبيل الله، وتربّتْ في أجواء رساليّة، ما كان يدور فيها غير الاهتمامات القيميّة المبدئيّة، فجدّها الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله قاد بنفسه حوالي (٢٨ غزوة ومعركة )(٢٢) ، وأبوها الإمام عليعليه‌السلام رافق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في جميع تلك المعارك عدا

____________________

(٢٠) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٢١٢.

(٢١) المصدر السابق: ص ٦٠٩.

(٢٢) الرسول القائد: محمود شيت خطاب: ص ٤٣١.


واحدة، وهي غزوة تبوك، حيث تخلّف بأمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

كما قاد الإمام بنفسه العديد من السرّايا والمعارك المحدودة. إنّ ذلك يعني أنّ زينب وعائلتها كانوا يعيشون ظروف الجهاد في أغلب فترات حياتهم، فحينما يغادرهم الجدّ أو الأب إلى ساحة المعركة فستكون نفوسهم منشدّة ومرتبطة بما يدور على ساحات القتال. ولا يقتصر الأمر على تفاعل الأسرة مع قضايا الحرب والجهاد، بل إنّها كانت معنيّة بكل أوضاع المجتمع، فعائلة زينب هي في موقع القيادة والقلب.

وهكذا عاشت السيّدة زينبعليها‌السلام فترة طفولتها في بيت تتموّج فيه هموم مجتمعها، وفي أجواء مفعمة بالمسؤوليّة والتضحية.



الفاجعة الكبرى



بعد خمس سنوات عاشتْها زينب في كنف عائلتها الحنون، وفي ظلّ أجواء المحبّة والعطف، حيث كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يظلّل بيت زينب برعايته، ويغمر أفراد ذلك البيت بعنايته وإجلاله. فلا يكاد يمرّ يوم لا يلتقي فيه محمّد بأهل بيته، وإذا ما سافر كان بيتهم آخر محطّة ينطلق منها لسفره، وإذا ما عاد كان بيتهم أوّل منزل يدخله.

-روى الحاكم في(المستدرك) بسنده عن أبي ثعلبة الخشني : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا رجع من غزوة أو سفر أتى المسجد فصلّى فيه ركعتَين، ثمّ ثنّى بفاطمة، ثمّ يأتي أزواجه.

-وبسنده عن ابن عمران : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا سافر كان آخر الناس عهداً به فاطمة، وإذا قدم مِن سفر كان أوّل الناس به عهداً فاطمة)(٢٣) .

____________________

(٢٣) أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين: ج ١، ص ٣٠٧.


ويقول الشيخ مغنية:

وكان النبي لا يصبر عن بيته هذا، ولا يشغله عنه شاغل، خاصّةً بعد أنْ نبتتْ فيه رياحينه، فإذا دخله قبل هذا، وشمّ ذاك وابتسم لتلك... ودخله ذات يوم فأخذ الحسنَ وحمله، فأخذ عليٌّ الحسين وحمله، فأخذتْ فاطمةُ زينبَ وحملتها(٢٤) ، فاهتزّتْ أركان البيت طرباً لجوّ الصفوة المختارة، وابتهاج الرسول بآله وابتهاجهم به، وتدلّنا هذه الظاهرة وكثير غيرها أنّ محمّداً كان أكثر الأنبياء غبطة وسعادة بأهل بيته)(٢٥) .

وشاء الله سبحانه وتعالى أنْ يكون حظ السيِّدة زينب من تلك الحياة الهانئة السعيدة محدوداً بالسنوات الخمس الأُولى من حياتها، فما أنْ دخلتْ السنة (الحادية عشر للهجرة )، وتصرّمتْ أيّام شهرها الثاني (شهر صفر )، إلاّ وشمس السعادة في بيت زينب قد آذنت بالغروب، فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يلبّي نداء ربّه ويفارق الحياة ويلتحق بالرفيق الأعلى في (الثامن والعشرين من شهر صفر ) سنة(١١ ه-).

وإذا كان فَقْد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُشكِّل صدمة كبرى وفاجعة مهولة عظمى على المسلمين جميعاً، فإنّه - ولا شك - أشد وقْعاً وأعظم أثراً على أهل بيته الملتصقين به والمتنعّمين برعايته وعطفه.

وزينب الصغيرة في السن، المرهفة الإحساس، الرقيقة المشاعر، وجدتْ نفسها في مواجهة هذه الرزيّة الكبرى، ورأتْ كيف انقلبتْ الأجواء في بيتها رأساً على عقب، من بهجةٍ وغبطةٍ وسرورٍ إلى كآبة وحزن واضطراب.

لقد صحبتْ زينب أمّها الزهراء وهي تنكبّ على أبيها رسول الله عند مصارعته لسكرات الموت نادبة : (واويلتاه لموت خاتم الأنبياء، وامصيبتاه لممات خير الأتقياء، ولانقطاع سيّد

____________________

(٢٤) بحار الأنوار: المجلسي: ج ١٠، ص ٥٨.

(٢٥) مع بطلة كربلاء: محمّد جواد مغنية: ص ٢٢.


الأصفياء، واحسرتاه لانقطاع الوحي من السماء، فقد حرمتُ اليوم كلامك)(٢٦) .

ورأتْ زينبُ أخوَيها الحسنَين حينما أَلْقَيَا بنفسَيهما على جدِّهما الرسول يودِّعانه وهما يَذرفان الدموع، فجعل يقبّلهما وهما يقبّلانه، وأراد عليّ أنْ يُنَحِّيهما عنه، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (دعهما يتمتّعان منّي وأتمتّع منهما فستصيبهما بعدي أُثْرَة)(٢٧) .

وتوالتْ مشاهد الألم والحسرة أمام ناظري زينب، فهذه أُمّها الزهراء تنكبّ على جثمان أبيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد وفاته تبكي أَمَرّ البكاء، قائلة : (وا أبتاه، إلى جبرئيل أنعاه، وا أبتاه جَنّة الفردوس مأواه، وا أبتاه أجاب ربّاً دعاه)(٢٨) .

وتقول أيضاً : (وا أبتاه وا رسول الله، وانبيّ الرحمتاه، الآن لا يأتي الوحي، الآن ينقطع عنّا جبرئيل، اللهمّ أَلْحِق روحي بروحه، واشفعني بالنظر إلى وجهه، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة)(٢٩) .

وهذا أبوها علي بن أبي طالب عليه‌السلام وهو الجبل الأشم في صموده وبطولته، لكنّه تذوب نفسه أمام هذه المصيبة، فيقول : (إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك، وإنّ المصاب بك لجليل، وإنّه قبلك وبعدك لجلل)(٣٠) .

وقال أيضاً وهو يلي غسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتجهيزه : (بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والإنباء وأخبار السماء، خصّصتَ حتّى صرتُ مسلّياً عمّن سواك، وعممتَ حتى صار الناس

____________________

(٢٦) حياة الإمام الحسن: باقر شريف القرشي: ج ١، ص ١٣٣.

(٢٧) المصدر السابق: ص ١٣٤.

(٢٨) المصدر السابق: ص ١٣٦.

(٢٩) حياة الإمام الحسين: باقر شريف القرشي: ج ١، ص ٢٢١.

(٣٠) نهج البلاغة: الإمام علي: قصار الحِكَم، رقم: ٢٩٢.


فيك سواء، ولولا أنّك أمرتَ بالصبر، ونهيتَ عن الجزع، لأنفذنا عليك ماء الشؤون، ولكان الداء مماطلاً، والكمد محالفاً، وقلاّ لك، ولكنّه ما لا يملك ردّه، ولا يُستطاع دفعه، بأبي أنت وأمي، اُذكرنا عند ربّك، واجعلني مِن بالك)(٣١) .

ويتحدّث الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام عن مدى وقْع المأساة على بيت زينب، فيقول لمّا مات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (عاشتْ فاطمة عليها السلام بعد أبيها خمسة وسبعين يوماً، لم تُرَ كاشرة ولا ضاحكة ، تأتي قبور الشهداء في كلّ جمعةٍ مرّتين: الاثنين والخميس، فتقول : (ها هنا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ها هنا كان المشركون).

وقال ابن شهر اشوب في(المناقب):

رُوِيَ أنّها مازالتْ بعد أبيها معصّبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدّة الركن، باكية العين، محترّة القلب، يُغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لولديها: (أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحمكما مرّة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشدّ الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض، ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما).

ورُوي أنّه لمّا قُبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله امتنع بلال من الأذان، وقال: لا أُؤذّن لأحد بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ فاطمة قالتْ ذات يوم: (أشتهي أنْ أسمع صوت مؤذّن أبي بأذان).

فبلغ ذلك بلالاً فأخذ في الأذان، فلمّا قال: الله أكبر الله أكبر. ذكرتْ أباها وأيّامه، فلم تتمالك من البكاء، فلمّا بلغ إلى قوله: أشهد أنّ محمّداً رسول

____________________

(٣١) المصدر السابق: الخطبة رقم: ٢٣٥.

(٣٢) حياة الإمام الحسين: باقر شريف القرشي: ج ١، ص ٢٢٥.


الله،صلى‌الله‌عليه‌وآله شهقتْ فاطمة وسقطتْ لوجهها وغُشي عليها، فقال الناس لبلال: أَمْسِك فقد فارقتْ ابنة رسول الله الدنيا. وظنّوا أنّها قد ماتتْ، فلم يتم الأذان. فأفاقتْ فسألتْه إتمامه، فلم يفعل، وقال لها: يا سيّدة النسوان إنّي أخشى عليك ممّا تنزلينه بنفسك إذا سمعتِ صوتي بالأذان. فأعفتْه من ذلك.

وعن علي عليه‌السلام قال : (غسّلتُ النبي في قميصه، فكانت فاطمة تقول: أرني القميص. فإذا شمّته غُشِيَ عليها، فلمّا رأيتُ ذلك غَيَّبْتُه)(٣٣) .

ورأتْ الزهراء عليه‌السلام يوماً أنس بن مالك، فقالت : (يا أنس كيف طابت أنفسكم أنْ تَحْثُوا على النبي التراب؟)(٣٤) .

ولك أنْ تتصوّر حالة السيِّدة زينب وهي طفلة ذات خمس سنوات من العمر، لا بدّ أنّها كانت ملتصقة بأمّها الزهراءعليه‌السلام ، وتعايش معها هذه الصدمة العاطفيّة الكبيرة.

____________________

(٣٣) أعيان الشيعة: السيِّد محسن الأمين: ج ١، ص ٣١٩.

(٣٤) تاريخ الإسلام: الحافظ الذهبي: (السيرة النبويّة): ص ٥٦٢.



المحنة السياسيّة



حينما تَحلّ بالإنسان مصيبة أو كارثة، فإنّ مِن أهمّ العوامل التي تساعده على التحمّل والصمود في مواجهتها، هو توفّر التعاطف والمؤاساة له من قِبل ذويه وأصحابه وجيرانه وأبناء مجتمعه.

إنّ ما يلقاه المصاب من تعاطف إنساني ومواساة اجتماعيّة يكون بمثابة البلسم لجراحه، والسلوة لنكبته؛ لذلك ورد التشجيع من قبل الإسلام على مواساة المصابين، كما يندفع الناس بفطرتهم للتعاطف مع المصابين على اختلاف أديانهم ومِلَلِهِم.

وعائلة زينب التي نُكبت بفقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بدل أنْ يغمرها المسلمون بتعاطفهم ومواساتهم، خاصةً مع كثرة توصيات الرسول بذرِّيَّته وأهل بيته، بدل ذلك ألمَّتْ بهم محنة سياسيّة رهيبة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرة، ضاعفتْ عليهم المصاب وزادتْ آلامهم ومأساتهم.

وتسجل كتب التاريخ والحديث الكثير من تفاصيل تلك المحنة مع اختلاف المؤرِّخين والمحدِّثين والكُتّاب في تفسير وقائعها، ولَسْنا الآن بصدد مناقشة الآراء


والتفسيرات، لكنّنا نعرض بإيجاز ما اتّفق عليه المؤرِّخون والمحدِّثون عن تلك المحنة؛ لتكتمل لنا صورة الأجواء والحياة التي مرّت بها السيِّدة زينب في تلك الفترة.

* فهناك قضيّتان مهمّتان تُعتبران جوهر المحنة في أعقاب وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لدى أهل بيته:

* الأولى: قضيّة خلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

فقد كان الإمام علي يرى نفسه الأجدر بمقام الخلافة والإمامة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان بنو هاشم وبعض الصحابة يرَون ذلك؛ إمّا لنصوص سمعوها من الرسول في حقّ علي وأولويَّته في الخلافة، أو لأنّه الأَكْفَأُ والأجدر مِن بين الصحابة.

لكنّ اجتماعاً حصل في سقيفة بني ساعدة لم يحضره علي وبنو هاشم؛ لانشغالهم بتجهيز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ فوجئوا بأنّ ذلك الاجتماع في سقيفة بني ساعدة انتهى بمبايعة أبي بكر بخلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ورأى الإمام عليٌّ وأهلُ بيته فيما حصل اغتاصباً لحقِّهم الشرعي في الخلافة، وانتزاعاً لدور علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ ولذلك لم يقبل علي بنتائج اجتماع السقيفة، وتأخّر لفترة يختلف المؤرّخون في تحديدها حتّى خضع وبايع أبا بكر.

يقول ابن الأثير:

لمّا توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجرّاح،فقال : ما هذا؟

فقالوا : منّا أمير ومنكم أمير..

فقال أبو بكر : منّا الأمراء ومنكم الوزراء..

ثمّ قال أبو بكر : قد رضيتُ لكم أحد هذَين الرجلين عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمّة..

فقال عمر : أيّكم يطيب نفساً أنْ يخلُف قدمَين قدّمهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟


فبايعه عمر، وبايعه الناس..

فقالت الأنصار أو بعض الأنصار : لا نبايع إلاّ عليّاً..

قال : وتخلّف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة..

وقال الزبير : لا أُغمد سيفاً حتّى يُبايع علي..

فقال عمر : خذوا سيفه واضربوا به الحجر..

ثمّ أتاهم عمر فأخذهم للبيعة..

وقيل : لمّا سمع علي بيعة أبي بكر خرج في قميص، ما عليه إزار ولا رداء عَجِلاً حتّى بايعه، ثمّ استدعى إزاره ورداءه فتجلّله(١) .

والصحيح : إنّ أمير المؤمنين ما بايع إلاّ بعد ستّة أشهر، والله أعلم..

ويقول المؤرِّخ المسعودي : ولمّا بويع أبو بكر في يوم السقيفة، وجُدِّدَتْ البيعة له يوم الثلاثاء على العامّة، خرج علي فقال: (أفسدتَ علينا أمورنا ولم تستشر، ولم ترعَ لنا حقاً)..

فقال أبو بكر : بلى، ولكنّي خشيتُ الفتنة..

وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطبٌ طويل، ومجاذبة في الإمامة، وخرجسعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام، فقُتل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله..

ولم يبايعه - أبا بكر - أحدٌ من بني هاشم حتّى ماتت فاطمة (رضي الله عنها)(٢) .

وقال أحمد أمين : تمّت البيعة في هذا المجلس لأبي بكر التيمي القرشي، لم

____________________

(١) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٢، ص ٣٢٥.

(٢) مروج الذهب: المسعودي: ج ٢، ص ٣٠١.


يكن علي حاضراً هذا الاجتماع؛ لاشتغاله هو وأهل بيته في جهاز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخذ العدّة لدفنه، فلمّا بلغه خبر البيع لأبي بكر لم يرضَ عنها، وتكوّن أمر ثالث وهو أنْ تكون الخلافة في بيت النبي، وأقرب الناس إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمّه العبّاس بن عبد المطّلب وابن عمّه عليّ بن أبي طالب، ولكنّ العبّاس لم يكن من السابقين إلى الإسلام، فقد حضر غزوة بدر مع المشركين، ولم يُسْلِم إلا آخراً، فأولى الناس من قرابة النبي علي بن أبي طالب، وهو من أوّل الناس إسلاماً، وزوج فاطمة بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجهاده وفضله وعلمه لا يُنكر.

وحجّة أصحاب هذا الرأي : إنّ أقرب الناس إلى النبي أولى أنْ يخلفوه، وإنّ بيت بني هاشم خير من بيت أبي بكر، فالقرب للأوّلين أطوع.

وإنّ المهاجرين احتجّوا على الأنصار : بأنّهم قوم النبي وعشيرته، فآل النبي وأقربهم إليه أولى، كما جاء في (نهج البلاغة) أنّ عليّاً سأل عمّا حدث في سقيفة بني ساعدة، فقال: (فماذا قالت قريش؟)

قالوا : احتجّت بأنّها شجرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال علي : (احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة).

يريد أنّ المهاجرين احتجّوا بأنّهم من شجرة النبي، فأولى بالاحتجاج مَن يجمعهم والنبي أنّهم من ثمرة قريش، وهم قرابته، وسواء صحّ هذا القول عن علي أَمْ لَم يصح فهو تعبير صادق عمّا في نفسه. ودعا إلى هذا الرأي عليٌّ، وأيّده بعض بني هاشم، وأيّده الزبير بن العوّام، وعطف عليه بعض الأنصار لمّا كان موقفهم وموقف علي سواء في ضياع الأمر من أيديهم، ولم يبايع عليٌّ أبا بكر إلاّ بعد لأْيٍ(٣) .

هذه بعض المقتطفات ممّا نقله المؤرّخون حول موضوع الخلافة وموقف أهل البيت منها، ولا يخلو كتاب يؤرّخ تلك الفترة أو ينقل الأحاديث عن الخلافة من

____________________

(٣) فجر الإسلام: أحمد أمين: ص ٢٥٣.


الإشارة إلى هذا الموضوع.

وما يهمّنا الآن الإشارة إليه التأكيدُ على أنّ أهل البيت كانوا يعتقدون بأحقِّيَّة علي بالخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ ما حصل من بيعة أبي بكر كان أشبه بالانقلاب على عليٍّ.

١ - قال الإمام عليعليه‌السلام في خطبةٍ له بعد انصرافه من صفّين:

(لا يُقاس بآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله من هذه الأمّة أحد، ولا يسوى بهم مَن جرتْ نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين. إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونُقل إلى منتقله)(٤) .

وقد أثبت هذه الخطبة:

- الشريفُ الرضي في(نهج البلاغة).

- كما ذكرها محمّد بن طلحة الشافعي في الجزء الأوّل من (مطالب السؤل).

- ونقل بعضَ المقاطع من هذه الفقرات الآمدي في (غرر الحكم).

- كما روى الطبري في (المسترشد) قولهعليه‌السلام : (لهم خصائص حق الولاية والوراثة)(٥) .

وواضح من خلال هذه الكلمات تمسّك عليعليه‌السلام في الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمن حيث الأفضليّة لا يعدل أهل البيت أحد، كما أنّ كفاءات الإمْرَة والولاية تتوفّر فيهم فقط، ووصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم وهم ورثتُه، وأخيراً فإنّ عليّاً بعد أنْ بُويع بالخلافة يرى أنّ الحق رجع إلى أهله.

٢ - وفي خطبته المعروفة ب- (الشقشقيّة) يقولعليه‌السلام :

(أَمَا والله لقد تقمّصها ابنُ أبي قحافة، وإنّه لَيَعْلَم أنّ محلِّي منها محلّ القطب مِن الرَحَى، ينحدر عَنّي السَيْل، ولا يَرْقَى إليّ الطير، فَسَدَلْتُ دونها ثوباً،

____________________

(٤) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ٢.

(٥) مصادر نهج البلاغة وأسانيده: عبد الزهرة الخطيب: ج ١، ص ٣٠٢.


وطويتُ عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بين أنْ أصول بِيَدٍ جَذَّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يَهْرَم فيها الكبير، ويَشِيْبُ فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أَحْجَى، فصبرتُ وفي العَين قَذَى، وفي الحَلْقِ شَجَاً، أرى تراثي نهباً)(٦) .

وهذه الخطبة من خطبه المشهورات، حتّى قال المفيدرحمه‌الله :

هي أشهر من أنْ ندلّ عليها؛ لشهرتها، وقد روتها العامّة والخاصّة، وشرحوها، وضبطوا ألفاظها من دون غمز في متنها ولا طعن في أسانيدها. فهناك أكثر من(١٧) مصدراً معتمداً نَقَل هذه الخطبة غير الشريف الرضي في (نهج البلاغة)، وبعضهم قَبل الشريف الرضي، والآخرون بطرق وأسانيد غير طرقه وأسانيده(٧) .

وهذه الخطبة تحكي بصراحة عن رأي الإمام عليعليه‌السلام وموقفه من الخلافة، فهو الأجدر بها، والذين تولّوا الخلافة يعلمون ذلك، وقد جعلتْه الظروف يعدل عن المواجهة لهم، فصبر مضطرّاً غير راضٍ عمّن نهبوا تراثه.

٣ - وقالعليه‌السلام في خطبة له:

(فوالله، مازلتُ مدفوعاً عن حقِّي، مستأثراً عليّ منذ قبض الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى يؤم الناس هذا)(٨) .

وقد استفاضت هذه الخطبة عنهعليه‌السلام :

- ورواها المؤرّخون.

- واستشهد بها اللغويّون قبل الرضي.

- وبعده كالطبري في (تاريخه).

- وابن سلام في (غريب الحديث).

- والجوهري في (الصحاح)، وغيرهم(٩) .

____________________

(٦) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ٣.

(٧) مصادر نهج البلاغة وأسانيده: عبد الزهراء الخطيب: ج ١، ص ٣٠٩.

(٨) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ٦.

(٩) مصادر نهج البلاغة وأسانيده: عبد الزهرة الخطيب: ج ١، ص ٣٣١.


٤ - وفي خطبة أخرى يقولعليه‌السلام :

(حتّى إذا قبض اللهُ رسولَه رجع قومٌ على الأعقاب، وغالتْهم السبل، واتّكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أُمروا بمودّته، ونقلوا البناء عن رصّ أساسه، فبنَوه في غير موضعه)(١٠) .

وقد روى الطبري فقرات من أواخر هذه الخطبة في (المسترشد)(ص ٧٤)(١١) .

٥ -ومن كلام له عليه‌السلام لبعض أصحابه وقد سأله : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟ فَمِمَّا أجابه:

(أما الاستبداد علينا بهذا المقام، ونحن الأعلون نسباً، والأشدون بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله نوطاً، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوسُ قوم، وسختْ عنها نفوسُ آخرين، والحكم لله والمعوّل إليه يوم القيامة)(١٢) .

هذه بعض النماذج من كلمات الإمام عليعليه‌السلام وغيرها كثير ممّا يؤكّد اعتقاد عليعليه‌السلام بأحقِّيَّته بالخلافة، وأنّها اغْتُصبتْ منه، وقد جمع الدكتور سعيد السامرائي من (نهج البلاغة) ما يؤيّد هذا الموقف ضمن كتابه الجميل (حجج النهج ) وطبع سنة: (١٩٨٧ م) في بيروت في(٤٥٠ صفحة).

- وكذلك كان رأي فاطمة الزهراءعليها‌السلام وقد أعلنتْ موقفها واضحاً أمام الخليفة أبي بكر وأمام نساء المهاجرين والأنصار، ففي خطبتها المشهورة في المسجد، قالتْعليها‌السلام : (وإطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً للفرقة)(١٣) .

____________________

(١٠) نهج البلاغة: الإمام علي، الخطبة رقم: ١٥٠.

(١١) مصادر نهج البلاغة وأسانيده: عبد الزهراء الخطيب: ج ٢، ص ٣٣٧.

(١٢) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ١٦٣.

(١٣) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٣٨٧.


- كما تحدّثتْ في خطبتها بإسهاب عن تفسيرها للتطوّرات التي حصلتْ بعد وفاة أبيها، وأنّها انحراف ومؤامرة على حقّ أهل البيت كقولهاعليها‌السلام : (فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق.... فوسمتم غير إبلكم، وأوردتُم غير شِرْبِكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر، ابتداراً زعمتُم خوف الفتنة أَلاَ في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين)(١٤) .

- ودافعتْ عن حقّ علي في الخلافة أمام نساء المهاجرين والأنصار، اللاتي جئن لعيادتها وزيارتها، وممّا قالتْه لهنّ:

(أَنَّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة والدلالة، ومهبط الروح الأمين والطيِّبين بأمور الدنيا والدين؟ أَلاَ ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه - والله - نكير سيفه، وقلّة مبالاته بِحَتْفِه، وشدّة وطأته، ونكال وقْعته، وتنمّره في ذات الله عز وجل)(١٥) .

وتشير بعض الروايات إلى أنّ فاطمة برفقة بعلها علي وابنيها الحسنَين كانتْ تدور على بيوت ومجالس المهاجرين والأنصار؛ تدعوهم إلى الالتفات حول قيادة الإمام عليعليه‌السلام ، وقد جاءتْ تلك الروايات في العديد من المصادر.

يقول ابن قتيبة الدينوري المتوفّي سنة (٢٧٦ ه-):

وخرج علي (كرّم الله وجهه) يحمل فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على دابّة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضتْ بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر، ما عدلنا به.

فيقول علي (كرّم الله وجهه) : (أَفَكُنْتُ أَدَع رسولَ الله (صلّى الله عليه و آله

____________________

(١٤) المصدر السابق: ص ٤٣١.

(١٥) المصدر السابق: ص ٥٢٥.


وسلّم) في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟

فقالت فاطمة : (ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم)(١٦) .

ولثبوت هذا الأمر وشهرته فقد عيّر به معاويةُ الإمامَ عليعليه‌السلام في إحدى رسائله إليه بقوله: وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار، ويداك في يدي ابنَيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلاّ دعوتَهم إلى نفسك، ومشيتَ إليهم بامرأتك، وأدليتَ إليهم بابنَيك...(١٧) .

هذه اللوعة والألم الذي يعتلج في نفس علي وفاطمة حول قضيّة الخلافة لا بدّ وأنّه ينعكس على نفوس أبنائهما، ويحدِّثنا التاريخ أنّ الحسن بن علي على صِغَرِ سِنِّه حيث كان في السابعة من العمر، انطلق إلى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأى أبا بكر على منبر رسول الله يخطب الناس فالتاع ووجه إليه لاذع النقد قائلاً له: (انزِل.. انزِل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك).

فأجابه أبو بكر: (صدقت والله، إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي)(١٨) .

بالطبع ليس بحث مسألة الخلافة من مهمّات هذا الكتاب، ولكنّنا أردنا تسليط الأضواء على الأجواء التي عاشتها السيِّدة زينبعليها‌السلام ضمن عائلتها، بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

* القضية الثانية: مصادرة فدك:

وهي: (قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة) كما يقول الحموي في (معجم البلدان).

____________________

(١٦) تاريخ الخلفاء: (الإمامة والسياسة): ابن قتيبة: ص ١٢.

(١٧) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٥٨١.

(١٨) حياة الإمام الحسن: القرشي: ج ١، ص ١٦٤، ونقلها عن عدّة مصادر.


وكان يسكنها اليهود، فاستسلموا بعد واقعة خيبر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دون قتال.

ومقتضى الرواية التي يذكرها الجوهري في (السقيفة وفدك ) أنّها كانت تقدر ب- (١٠٠٠٠٠ مائة ألف درهم )، ويقول الحموي عنها: وفيها عين فوّارة ونخيل كثيرة.

ولأنّها لم يسبقها حرب ولا قتال، فهي فيء وملك خاص لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حسب مفاد الآية الكريمة: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ)(١٩) .

فباتفاق المسلمين هي ملك خاص للنبي، وقد وهبها وأنحلها لابنته فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، ويبدو أنّها كانت تحت سلطتها كما يقول الإمام علي: (بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء فشحّت ْعليها نفوسُ قومٌ وسختْ عنها نفوسُ قوم آخرين)(٢٠) .

لكنّ الخليفة أبا بكر رأى أنْ يُصادر فدك من فاطمة الزهراءعليها‌السلام ؛ باعتبار أنّ النبي لا يورّث، كما ينقل هو أنّه سمع ذلك من النبي، ولم يقبل قول الزهراء أنّ أباها وَهَبَهَا إيّاها، كما رفض شهادة علي بذلك لفاطمة وشهادة أُمّ أَيْمَن الصحابيّة الجليلية!(٢١) .

وقد جاء انتزاع فدك من فاطمة الزهراءعليها‌السلام في الأيّام الأُولى لمصيبتها بأبيها، ومواكباً لِتَنْحِيَةِ علي عن حقِّه الشرعي في خلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأحدث ذلك أثراً كبيراً في نفس فاطمة، دفعها لإعلان معارضتها للخليفة والاحتجاج عليه أمام المسلمين في خطبتها المشهورة، كقولها:

____________________

(١٩) سورة الحشر: الآية: ٦.

(٢٠) نهج البلاغة: الإمام علي: الكتاب رقم: ٤٥.

(٢١) فاطمة الزهراء أُمّ أبيها: فاضل الميلاني: ص ١٤٤.


(وأنتم الآن تزعمون أنّ لا إرثَ لنا! أفحكم الجاهليّة يبغون؟ ومَن أحسن مِن الله حكماً لقوم يوقنون؟ أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أَنِّي ابنته، أيّها المسلمون! أأغلب على إرثي... يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أنْ ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئتَ شيئاً فريّاً! أَفَعَلَى عمد تركتُم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذْ يقول: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)(٢٢) .

وقال فيما اقتص من خبر زكريّا إذ قال: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ)(٢٣) .

وقال: (وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)(٢٤) .

وقال: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(٢٥) .

وقال: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ)(٢٦) .

وزعمتم أنْ لا حظوة لي ولا إرث من أبي! أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أَمْ تقولون: إنّ أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أو لستُ أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أَمْ أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟ إيها بني قيلة! أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى منّي ومسمع؟)(٢٧) .

وهكذا ظلَّلَتْ بيتَ زينب غيومٌ وهمومٌ ثقيلة سلبتْ من عائلتها حالة السرور

____________________

(٢٢) سورة النمل: الآية: ١٦.

(٢٣) سورة مريم: الآيات: ٥ - ٦.

(٢٤) سورة الأنفال: الآية: ٧٥.

(٢٥) سورة النساء: الآية: ١١.

(٢٦) سورة البقرة: الآية: ١٨٠.

(٢٧) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٤٤٧.


والسعادة والهناء، وجعلتْهم يعيشون أفظع المآسي وأشدّ الآلام، فقد فقدوا زعيمهم وأباهم الحنون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما زُوي عنهم حقّهم السياسي في القيادة والخلافة، وإضافةً إلى ذلك صُودِرتْ أهمّ ممتلكاتهم الماليّة فدك!


وافتقدتْ أمّها الزهراء



بعد حوالي(٧٥ يوماً) عاشتْها فاطمة الزهراء في وضع مأساوي يصعب تصويره، وكانت زينب هي الأقرب لأُمّها، والمشارِكة لها في آلامها وأحزانها، خاصّةً وأنّها تلحظ تدهور صحّة أُمّها الزهراء وازدياد توجّعها.

وفي اليوم الأخير من حياتها تحاملتْ الزهراء على مرضها وقاومتْ أوجاعها لتقوم بخدمة وداعية حانية لأطفالها الذين سيصبحون يتامى بعدها.. فقد قامتْ الزهراء تَتَّكئ على جدار المنزل ودعتْ أطفالها الأربعة الحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم لتغسل أجسامهم ورؤوسهم بالماء والطين، وهي تملأ عينيها نظراً إلى أجسامهم النحيفة، وتذرف من أعماق قلبها دموع الحزن على فراقهم، وفوجئ عليعليه‌السلام حينما أقبل ورأى فاطمة وقد غادرتْ فراش مرضها، وكاد أنْ يمتلكه الفرح والسرور؛ لأنّ فاطمة استعادت صحّتها وعافيتها، لكنّه رآها كزهرة يكتنفها الذبول ولاحظها تستعين بالجدار لتواصل خطواتها البطيئة، فسألها عن سبب إجهاد نفسها بغسل الأولاد، فأجابته بصوتها الخافت: (لأنّ هذا اليوم آخر يوم من أيّام حياتي، قمتُ لأغسل رؤوس أطفالي وثيابهم


لأنّهم سيصبحون يتامى بلا أُمّ)(١) .

وعادتْ الزهراءعليها‌السلام إلى فراشها لتبثّ لبعلها وزوجها الغالي العزيز همومها ووصاياها.

وكان مستقبل أولادها إحدى القضايا التي ركّزتْ عليها في وصيّتها له، حيث قالتْ:

(يا ابن عم: أوصيك أنْ تتزوّج بعدي بابنة أختي أُمامة، فإنّها تكون لِوُلْدي مثلي، فإنّ الرجال لا بدّ لهم من النساء، وإنْ أنت تزوّجتَ امرأة اجْعلْ لها يوماً وليلة واجعل لأولادي يوماً وليلة)(٢) .

وعند اقتراب الأجل أرادتْ الزهراء أنْ تبعد ابنتَيها زينب وأُمّ كلثوم عن مشاهدة تلك اللحظات الأليمة حيث الموت ومفارقة الحياة، فأرسلتْهما إلى بيوت بعض الهاشميّات - كما تشير إحدى الروايات -(٣) بينما كان الحسنان مع أبيهما خارج المنزل.

وما عادتْ زينب وأختها أُمّ كلثوم إلى المنزل إلاّ وقد انطفأ منه ذلك النور، وذبلتْ فيه تلك الزهرة النديّة، وخمدتْ تلك الشعلة المُتَّقِدة بالعاطفة والحنان، لم تَعُد زينب تسمع صوت أُمّها الرقيق، ولا تنعم بابتسامتها المشرقة، إنّها قد التحقتْ روحها بالرفيق الأعلى لترتاح من عناء هذه الدنيا وظلم أهلها، أمّا جسدها النحيف الضعيف فباتّجاه القبلة على الفراش، وقد أَسْبَلَتْ يديها ورجليها وأَغْمَضَتْ عينها.

يا لها من لحظات أليمة مرّتْ على العقيلة زينب وإخوتها.. ولكنّه أمر الله،

____________________

(١) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٦٠٧.

(٢) المصدر السابق: ص ٦١٠.

(٣) المصدر السابق: ص ٦١٦.


وهم على صغر سِنّهم - أي أطفال فاطمة - يَعُونَ هذه الحقيقية فيؤلمهم الفراق، لكنّهم يسلّمون أمرهم إلى الله، ويردّدون في ثقة ويقين:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (٤) .

وفي ظلام الليل قام عليعليه‌السلام بتغسيل فاطمة، ثمّ أدرجها في أكفانها بمنظر من زينب وإخوتها، تقول الرواية: (فغسّلها أمير المؤمنينعليه‌السلام ولم يحضرها غيره والحسن، والحسين، وزينب، وأمّ كلثوم، وفضّة جاريتها، وأسماء بنت عميس)(٥) .

وحانت ساعة الوداع الأخيرة، فلا بدّ وأنْ يعطي عليعليه‌السلام الفرصة لأبنائه ليلقوا آخر نظرة على محيّا أُمِّهم الزهراء.

يقول السيّد القزويني:

رأى الإمام أنّ يتامى فاطمة ينظرون إلى أُمِّهم البارّة الحانية، وهي تُلفُّ في أثواب الكفن، إنّها لحظة فريدة في الحياة، لا يستطيع القلم وصْفها، إنّها لحظة يهيج فيها الشوق الممزوج بالحزن، إنّه الوداع الأخير الأخير!

هاجتْ عواطف الأب العطوف على أطفاله المنكسرة قلوبهم، فلم يعقد الخيوط على الكفن، بل نادى بصوت مختنق بالبكاء:

(يا أُمّ كلثوم ويا زينب ويا رقيّة ويا فضّة ويا حسن ويا حسين هلمّوا وتزوّدوا من أُمّكم فاطمة ، فهذا الفراق والملتقى في الجنّة).

كان الأطفال ينتظرون هذه الفرصة وهذا السماح لهم كي يودّعوا تلك الحوراء، ويعبّرون عن آلامهم وأصواتهم ودموعهم المكبوتة المحبوسة، وأقبلوا مسرعين وجعلوا يتساقطون على ذلك الجثمان الطاهر كما يتساقط الفَرَاش على السراج.

كانوا يبكون بأصوات خافتة، ويغسّلون كفن أُمِّهم الحانية بالدموع فتجفّفها

____________________

(٤) سورة البقرة: الآية: ١٥٦.

(٥) بحار الأنوار: المجلسي: ج ٤٣، ص ١٧١.


الآهات والزفرات، كان المنظر مشجياً مثيراً للحزن، فالقلوب ملتهِبة، والأحاسيس مشتعِلة، والعواطف هائجة والأحزان ثائرة(٦) .

وقد روى صاحب (ناسخ التواريخ) في كتابه:

إنّ زينب أقبلتْ عند وفاة أُمّها وهي تجرّ رداءها وتنادي: (يا أبتاه يا رسول الله الآن عرفنا الحرمان من النظر إليك).

وروى هذه الرواية صاحب (البحار) عن (الروضة) بهذا اللفظ:

وخرجت أُمّ كلثوم وعليها برقعة تجر ذيلها متجلببة برداء عليها تسحبها، وهي تقول: (يا أبتاه يا رسول الله الآن حقّاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً ).

وأُمّ كلثوم هذه هي زينبعليها‌السلام من غير شكّ، كما صرح باسمها في رواية صاحب (ناسخ التواريخ)، ولكونها أكبر بنات فاطمةعليها‌السلام (٧) .

____________________

(٦) فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد: القزويني ص ٦٢٤.

(٧) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ١٨.


سيّدة العائلة:

وبعد رحيل أُمّها الزهراء إلى عالم الخلود، أصبحتْ السيّدة زينب على صغر سِنّها سيّدة المنزل وربّة البيت، ترعى شؤون أبيها وإخوتها، تماماً كما كانت أُمّها الزهراء تملأ فراغ أُمّها خديجة بنت خويلد بالنسبة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى سُمِّيتْ: (أُمّ أبيها ).

وقد أشار العديد من الكُتّاب والباحثين إلى تحمّل السيّدة زينب لأعباء المنزل والعائلة بعد وفاة أُمّها الزهراءعليها‌السلام .

يقول الأستاذ محمود يوسف:

وقُدّر للسيّدة زينب أنْ تفقد جدّهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي في الخامسة من العمر، وفقدتْ أُمَّها الزهراء بعد ذلك بشهور قلائل، فحزنتْ - وهي الصبيّة الصغيرة - عليهما حزناً شديداً، وواجهتْ حياة البيت، ورعتْه وأدارتْ شؤونَه بعقليّة رتيبة واعية، وحسٍّ صادق وقلب مؤمن(٨) .

ويقول السيّد بحر العلوم:

وتحمّلت عقيلة بني هاشم مسؤوليّة بيت علي،

____________________

(٨) مجلّة (الموسم): نقلاً عن جريدة (الجمهوريّة) المصريّة: ٣١ / ١٠ / ١٩٧٢ م.


وعاشتْ في خضمّ المشاكل والأحداث، ويكاد هذا البيت ينفجر من الأحداث، فالأقدار تتواثب عليه، والنوائب تصليه... وقلب زينب أخذ يتّسع لكل هذه وأكثر منها، ولا غرابة فهي ابنة علي(٩) .

وتقول السيّدة عائشة بنت الشاطئ:

وإذا استطعنا أنْ نتناسى إلى حين أحزان تلك الصبية التي رُوِّع عامها الخامس بشهود مأساة الموت مرّتين، في أعزّ الناس لديها وأحبّهم إليها، إذا استطعنا أنْ نكف لحظة عن التحديق في تلك الظلال التي حامتْ على مَهْدها، والأحزان التي أرهقتْ صباها، ألفينا جانباً آخر من الصورة مشرقاً، حيث تبدو (زينب) في بيت أبيها ذات مكانة أكبر من سنّها: أنضجتْها الأحداث، وهيّأتْها لأنْ تشغل مكان الراحلة الكريمة، فتكون للحسن والحسين وأُمّ كلثوم، أُمّاً لا تعوزها عاطفة الأمومة بكلّ ما فيها من حُنُوٍّ وإيثار، وإنْ أعوزتْها التجربة والاختبار(١٠) .

____________________

(٩) في رحاب السيدة زينب: محمّد بحر العلوم: ص ٢٤.

(١٠) السيِّدة زينب: عائشة بنت الشاطئ: ص ٤٢.


في بيت الزوجيّة



وتجاوزتْ زينب مرحلة الصبا، واكتمل نضجها الجسدي والنفسي، ومع شديد رغبتها في البقاء قرب أبيها، وفي توفير الرعاية والعناية لأخويها الحسنَين، إلاّ أنّه كان لا بدّ لها من الزواج؛ لِمَا يعنيه الزواج من تكامل في الشخصيّة، واستجابة للسُنّة الإلهيّة التي جعلها الله تعالى في بني البشر، بل في كافّة المخلوقات كما يقول تعالى:( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) (١) ، ولأنّ تعاليم الإسلام تحثّ على الزواج وتحبّذه، وتذمّ العزوبة وتنفر منها.

-فعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (النكاح سنّتي فَمَنْ رَغِبَ عن سنّتي فليس منّي)(٢) .

-وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لرجل يُقال له عكاف : (أَلَكَ زوجة؟

قال : لا.

____________________

(١) سورة الذاريات: الآية: ٤٩.

(٢) الفقه: كتاب النكاح: السيِّد محمّد الشيرازي: ج ٦٢، ص ١٢.


فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أَلَكَ جارية؟

قال : لا يا رسول الله.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أَفَأَنْتَ مُوسِر؟

قال : نعم.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : تزوّج وإلاّ فأنتَ من المذنبين).

وفي رواية : تزوّج وإلاّ فأنتَ من إخوان الشياطين)(٣) .

-وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (شراركم عزّابكم، وأراذل موتاكم عزّابكم)(٤) .

ومهما كانت كفاءة البنت وفضلها فإنّ ذلك لا يُغنيها عن نعمة الحياة الزوجيّة، ومخطئة جدّاً مَن تظنّ أنّ الشهادة الدراسيّة أو المنصب الوظيفي أو أي كفاءة علميّة أو اجتماعيّة يمكن أنْ تُصبح بديلاً عن الزواج، أو أنْ تملأ الفراغ في حياة المرأة بدلاً عن الزواج.. إنّه لو كان كذلك لاستغنتْ سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عن الزواج وهي لا تداني في فضلها ومؤهّلاتها، ولاستغنتْ ابنتُها العقيلة زينب عن تحمّل أعباء الحياة الزوجيّة لِمَا لها من الفضل والكفاءة.

لقد دخلتْ امرأة ذات يوم على الإمام الصادق عليه‌السلام وقالتْ : أصلحك الله إني مُتَبَتِّلَة.

فسألها الإمام : (وما التَبَتُّل عندك؟

قالتْ : لا أريد التزويج أبداً.

قال : وَلِمَ؟

____________________

(٣) المصدر السابق: ص ١٦.

(٤) ميزان الحكمة: الري شهري: ج ٤، ص ٢٧٥.


قالتْ : ألتمس في ذلك الفضل.

فقال : انْصَرِفِي، فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمةعليها‌السلام أحقّ به منك، إنّه ليس أحد يسبقها إلى الفضل(٥) .

وجاء الخاطبون يتوافدون على بيت علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، كلٌّ منهم يتمنّى أنْ يحظى بشرف الاقتران بالعقيلة زينب؛ رغبةً في الاتصال بالنسب النبوي الشريف، ولِمَا يعرفونه من كمال زينب وفضلها وأدبها، لكنّ أباها عليّاً كان يردّ كلّ خاطب؛ لأنّهعليه‌السلام قد اختار لابنته الزوج المناسب والكفوء.

يقول السيّد الهاشمي:

إنّ العقيلة زينب بنت علي خطبها الأشراف من قريش والرؤساء من القبائل.. ويُروى أنّه خطبها الأشعث بن قيس وكان من ملوك كِنْدَة(٦) .

والعناية الإلهيّة التي أحاطتْ بالسيّدة زينبعليها‌السلام ووجّهتْ مسارات حياتها كان لا بدّ وأنْ تتدخّل في شأن هذا الأمر الخطير من حياة السيّدة زينب، وهو اختيار القرين والزوج المناسب الكفوء لهذه المرأة العظيمة. وهذا ما حصل بالفعل فقد شاء الله تعالى أنْ تقترن العقيلة زينب بواحد من أعظم وأنبل شباب الهاشميّين، وهو ابن عمّها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

واختيار الإمام علي لعبد الله بن جعفر ليكون زوجاً لابنته زينب اختيارٌ أكثر من موفّق، فعلي يعرف مكانة أخيه جعفر، وعبد الله ربيب للإمام علي، حيث أصبح في رعايته بعد شهادة أبيه جعفر، وأمّه أسماء بنت عميس وثيقة الصلة والعلاقة بالسيّدة الزهراء أُمّ العقيلة زينب، ثمّ هي قد أصبحتْ زوجاً للإمام علي، إضافةً لكل ذلك المؤهّلات الشخصيّة التي كان يجدها الإمام في ابن أخيه عبد الله بن

____________________

(٥) ميزان الحكمة: الري شهري: ج ٤، ص ٢٧٤.

(٦) عقيلة بني هاشم: السيّد علي الهاشمي: ص ٣١.


جعفر، وقد أصدق الإمام ابنته زينب(٤٨٠) درهماً من خالص ماله كصداق أُمّها فاطمة الزهراءعليه‌السلام .

ولنسلّط الأضواء الآن على شخصيّة هذا الرجل العظيم:


* أَبوه: جعفر الطيّار:

وجعفر الطيّار هو ابن أبي طالب، وأخو الإمام علي، وهو أكبر من الإمام علي بعشر سنين، وهو ثالث مَن أَسْلَمَ وصلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد علي وخديجة، حيث كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتقدّمهم للصلاة وعلي عن يمينه، وجعفر عن يساره، وخديجة من خلفه.

وكان جعفر يشبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في خلقه وخُلُقه، وكان يكنّيه (أبا المساكين ).

وعن الزمخشري في (ربيع الأبرار ):

كان جعفر أشبه الناس برسول الله خلقاً وخُلُقاً، وكان الرجل يرى جعفر فيقول: السلام عليك يا رسول الله. يظنّه إيّاه، فيقول: لستُ برسول الله، أنا جعفر.

قال حسان بن ثابت:

وَكُنّا نَرى في جَعفَرٍ مِن مُحَمَّدٍ

وَقَارَاً وَأَمراً حازِماً حينَ يَأمُرُ

وَما زالَ في الإِسلامِ مِن آلِ هاشِمٍ

دَعائِمُ صِدْقٍ لا تُرَام وَمَفخَرُ

هُمُ جَبَلُ الإِسلامِ وَالناسُ حَولَهُم

رِضامٌ إِلى طَودٍ يَطُول وَيَقهَرُ


بَهاليلُ مِنهُم جَعفَرٌ وَاِبنُ أُمِّهِ

عَلِيٍّ وَمِنهُم أَحمَدُ المُتَخَيَّرُ(٧)

وهو الذي قاد أوّل مجموعة مسلمة مهاجرة إلى الحبشة، من مكّة المكرّمة ومعه زوجته أسماء بنت عميس. وبقي جعفر في الحبشة حتّى السنة السابعة من الهجرة، وعندما ترك الحبشة قاصداً المدينة، كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله راجعاً من حرب خيبر، والتقاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقبّله بين عَيْنَيه، وقال: (ما أدري بأيّهما أشدّ فرحاً بقدوم جعفر أو بفتح خيبر).

وقال له: (أنت أشبه الناس بخَلْقِي وخُلُقي، وقد خُلِقْتَ مِن الطينة التي خُلِقْتُ منها).

ولم يمضِ على بقاء جعفر في المدينة إلى جنب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ حوالي سنة واحدة، حتّى بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سنة ٨ ه- على رأس جيش من المسلمين يبلغ ثلاثة آلاف مقاتل لمواجهة الروم.

وفي مؤتة - قرية في الأردن - حصلتْ معركة حاسمة على حدود الشام، حيث كان عدد جيش الروم أكثر من مائة ألف، وأخذ الراية جعفر وتقدّم بِمَنْ معه من المسلمين، وحمل على تلك الحشود التي ملأتْ الصحراء بعددها وعتادها، وظلّ يقاتلهم حتّى قُطِعَتْ يمينه وشماله وخرّ صريعاً، ووجدوا في مقدّم جسده بعد شهادته أكثر من تسعين ضربة وطعنة.

وكان يُنشد أثناء القتال:

يا حبّذا الجنّة واقترابها

طيّبةٌ وباردٌ شرابُها

والرومُ روم قد دَنَا عَذَابُهَا

كافرةٌ بعيدة أَنْسَابُها

عليّ إذْ لاقيتها ضرابها

____________________

(٧) مجلّة (الموسم): ص ١٠٦٥ - ١٠٦٨.


وكانت شهادة جعفر في غزوة مؤتة، في جمادي الأولى سنة ٨ ه-.

وفي(عمدة الطالب):

لَمَّا رأى جعفر الحرب قد اشتدّتْ، والروم قد غلبتْ، اقتحم عن فرس له أشقر ثمّ عقره، وهو أوّل مَن عقر في الإسلام فقاتل حتّى قُطِعَتْ يده اليمنى، فأخذ الراية بيده اليسرى، وقاتل إلى أنْ قُطعتْ يده اليسرى أيضاً، فاعتنق الراية وضمّها إلى صدره حتّى قُتل، ووُجد فيه نيّف وسبعون، وقيل نيف وثمانون ما بين طعنة وضربة ورمية.

وحينما وصل خبر مقتله إلى المدينة جزع المسلمون كثيراً، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا تبكوا على أخي بعد اليوم، إنّ له جناحَين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة). فسُمّي ذا الجناحين والطيّار(٨) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (اللهمّ إنّ جعفراً قد قدّم إلى أحسن الثواب فاخْلفْه في ذرِّيَّته بأحسن ما خلفتَ أحداً من عبادك في ذرِّيَّته)(٩) .

وينقل التاريخ أنّ جعفر بن أبي طالب كان معروفاً بحسن السيرة والسلوك حتّى قبل الإسلام، ورُوي عنه أنّه كان يتحدّث عن حياته في الجاهليّة، فيقول:

(ما شربت خمراً قط؛ لأنّي علمتُ إنّ شَرِبْتُها زال عقلي، وما كذبتُ قط؛ لأنّ الكذب ينقص المروءة، وما زنيتُ قط؛ لأنّي خِفْتُ أنّي إذا عملتُ عُمِلَ بي، وما عبدتُ صنماً قط؛ لأنّي عَلِمْتُ أنّه لا يضر ولا ينفع ).

ورُوي أنّ جعفر بن أبي طالب كان يقول لأبيه: (يا أبه إنّي لأستحي أنْ أطعم طعاماً وجيراني لا يقدرون على مثله ).

فأجابه أبوه : إنّي لأرجو أنْ يكون فيك خلف

____________________

(٨) زينب وليدة النبوّة والإمامة: م. صادق: ص ٥٣ - ٥٥ بتصرّف.

(٩) في رحاب السيّدة زينب: محمّد بحر العلوم: ص ٣٣.


من عبد المطّلب(١٠) .

وفي الحديث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إنّ الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي، وأنا سيّد الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر ، اختارني، وعليّاً وجعفراً ابني أبي طالب، وحمزة بن عبد المطّلب)(١١) .

ذلك هو الأصل الذي تفرّع عنه عبد الله بن جعفر زوج السيّدة زينبعليها‌السلام .

____________________

(١٠) مجلّة (الموسم): العدد الرابع من المجلّد الأوّل: ص ١٠٦٥ - ١٠٦٨.

(١١) مع بطلة كربلاء: محمّد جواد مغنية: ص ٢٨.


* أُمّه: (أسماء بنت عميس):

كانت أسماء بنت عميس الخثعميّة امرأة كريمة شريفة، ذات رأي حازم، ومعرفة وتجربة، هاجرتْ في سبيل الله مع زوجها جعفر الطيّار هجرتَين، الأولى: إلى الحبشة، والثانية: إلى المدينة.

وبعد شهادة زوجها جعفر تزوّجتْ من أبي بكر، فأولدها (محمّد بن أبي بكر ).

وكانت وثيقة الصلة بالسيّدة الزهراءعليها‌السلام وهي التي ساعدتْها فترة مرضها بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانت قريبة منها عند وفاتها، وشاركتْ الإمام علي في تجهيز فاطمة الزهراء.

وبعد وفاة أبي بكر تزوّجها الإمام علي وضمّها إلى عياله مع ولدها محمّد بن أبي بكر، وهو في الرابعة من عمره، والذي أصبح ربيب الإمام علي، وولدتْ للإمام علي ولداً أسماه (يحيى )(١٢) ، ف- (عبد الله بن جعفر ومحمّد بن أبي بكر ويحيى بن علي ) إخوة من أُمٍّ واحدة.

____________________

(١٢) زينب وليدة النبوّة والإمامة: م. صادق: ص ٥٦.


يقول عنها العلاّمة المحقّق الشيخ جعفر النقدي:

كانت أسماء من القانتات العابدات، روتْ الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن علي والزهراءعليهما‌السلام . وروى عنها كثيرون، منهم ابنها عبد الله بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمّد بن أبي بكر وهو جدّ إمامنا الصادقعليه‌السلام لأُمِّه، وروى عنها عبد الله بن عبّاس وهو ابن أختها (لبابة بنت الحارث ).

قيل:

وكان الخليفة عمر يسألها عن تفسير المنام، ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره.

قال في (الإصابة):

ويُقال إنّها لمّا بلغها قتْل ولدها محمّد بمصر قامتْ إلى مسجد بيتها وكظمتْ غيظها حتّى شخب ثدياها دَمَاً(١٣) .

وقد عبّر عنها الإمام الصادقعليه‌السلام ب- (النجيبة )، وترحّم عليها بقوله: (رحم الله الأخوات من أهل الجنّة). وعَدّ أسماء في مقدِّمتهنّ(١٤) .

هذا هو الحضن الذي تربّى فيه عبد الله بن جعفر زوج السيِّدة زينبعليها‌السلام .

____________________

(١٣) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٧٧.

(١٤) في رحاب السيّدة زينب: بحر العلوم: ص ٣٤.


* شخصيّة عبد الله بن جعفر:

هو أكبر أولاد أبيه، وقد ولد في الحبشة عندما هاجر إليها والداه، وهو أوّل مولود وُلد في الإسلام بأرض الحبشة، وبعد شهادة أبيه في مؤتة أخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجره قائلاً: (أمّا عبد الله فشبيه خَلْقي وخُلُقي، اللهمّ اخْلُفْ جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه).

وخاطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أسماء زوجة جعفر، والتي كانت متأثّرة لِيُتْم أبنائها قائلاً:(لا تخافي عليهم أنا وليّهم في الدنيا والآخرة)(١٥) .

وطبيعي أنْ يرعاه عمّه علي بعد شهادة أبيه.

وصحب عبد الله بن جعفر النبي، وحفظ الحديث عنه، ولازم عمّه أمير المؤمنين، وابنَي عمّه الحسن والحسين، وأخذ العلم عنهم.

قال عبد العزيز سيّد الأهل:

رأى النبي وكانت له به صحبة وكرمه رسول الله،

____________________

(١٥) مع بطلة كربلاء: محمّد جواد مغنية: ص ٣٢.


فأردفه يوماً في ركوبه، ثمّ شرّفه فاسرّ إليه حديثاً حين أركبه فأردفه(١٦) .

وكان أغنى بني هاشم وأيسرهم، وكانت له ضياع كثيرة، ومتاجر واسعة، وكان أسخى رجل في الإسلام، وله حكايات في الجود كثيرة وعجيبة(١٧) .

وجاء في كتاب (الاستيعاب):

أنّ عبد الله بن جعفر كان كريماً جواداً ظريفاً خليقاً عفيفاً سخيّاً، يُسمّى بحر الجود.

وذكر ابن عساكر قال:

روى الحافظ : أنّ معاوية كان يقول: بنو هاشم رجلان: رسول الله لكلّ خير ذكر، وعبد الله بن جعفر لكلّ شرف، والله لكأنّ المجد نازل منزلاً لا يبلغه أحد وعبد الله بن جعفر نازل وسطه(١٨) .

ومن جود ابن جعفر وكرمه، ما ذكره ابن عساكر في(تاريخه) قال : جاء شاعر إلى عبد الله بن جعفر فأنشده:

رأيتُ أبا جعفر في المنام

كساني من الخزّ درّاعة

نقلتُ إلى صاحبي أمرَها

فقال ستؤتَى بها الساعة

سيكسوها الماجدُ الجعفري

ومِن كفّه الدهر نفّاعة

ومَن قال للجود لا تعدني

فقال لك السَمْعُ والطاعة

فقال عبد الله لغلامه : ادفع إليه جبّتي الخزّ.

ثمّ قال له : ويحك كيف لم ترَ جُبّتي الوشي التي اشتريتُها بثلاثمائة دينار منسوجة بالذهب.

____________________

(١٦) زينب عقيلة بني هاشم: عبد العزيز سيّد الأهل: ص ٢٠.

(١٧) مع بطلة كربلاء: محمّد جواد مغنية: ص ٣٣.

(١٨) عقيلة بني هاشم: الهاشمي: ص ٣٤.


فقال : اغفي غفية أخرى فلعلّي أراها في المنام.

فضحك منه عبد الله وقال لغلامه : ادفع إليه جُبّتي الوشي أيضاً(١٩) .

وقال ابن حيان:

كان يُقال لعبد الله بن جعفر قطب السخاء، وكان له عند موت النبي عشر سنين(٢٠) .

وقال ابن حجر في (الإصابة):

أخرج ابن أبي الدنيا والخرائطي بسند حسن إلى محمّد بن سيرين: إنّ دهقاناً من أهل السواد كلّم ابن جعفر في أنْ يكلّم عليّاً في حاجة، فكلّمه فيها، فقضاها فبعث إليه الدهقان أربعين ألفاً، فردّها وقال: إنّا لا نبيع معروفاً(٢١) .

ومضى إليه رجل يدّعي أنّه ابن سبيل، قد راهن الناس على أنّ عبد الله أجود الناس،فقالوا : أَرِنَا.فجاء إليه وعبد الله على راحلته يريد ضيعة له،فقال الرجل : يا ابن عمّ رسول الله.

قال: قل ما تشاء.

قال: أنا ابن سبيل قد انقطع بي.

فأخرج عبد الله رجله من ركابه ونزل عن راحلته، وقال له : ضع رجلك، واستوِ على الناقة، وخُذْ ما في الحقيبة، وإيّاك أنْ تخدع عن السيف فإنّه من سيوف علي بن أبي طالب.

ثمّ ترك الرجل ورجع.

أمّا الرجل فقد وضع رجله في الركاب واستوى على الناقة ومدّ يده إلى الحقيبة

____________________

(١٩) عقيلة بني هاشم: الهاشمي: ص ٣٤.

(٢٠) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٨١.

(٢١) المصدر السابق: ص ٨٦.


فوجدها ممتلئة بمطارف الخزّ، وبها أربعة آلاف دينار، وكان سيف علي أنفس من المطارف وأجل من الدنانير(٢٢) .

وخرج عبد الله بن جعفر يوماً إلى ضيعة له:

فنزل على حائط به نخيل لقوم وفيه غلام أسود يقوم عليه، فأتى بِقُوْتِهِ ثلاثة أقراص، فدخل كلب فدنا من الغلام، فرمى إليه بقرص فأكله، ثمّ رمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما، وعبد الله ينظر إليه.

فقال : يا غلام كمْ قوتك كلّ يوم؟

قال : ما رأيتَ.

قال : فَلِمَ آثرتَ هذا الكلب؟

قال : إنّ أرضنا ما هي بأرض كلاب، وإنّ هذا الكلب جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهتُ أنْ أردّه.

قال : فما أنت صانع اليوم؟

قال : أطوي يومي هذا.

فقال عبد الله بن جعفر : أَأُلاَمُ على السخاء وهذا العبد أسخى منّي؟

ثمّ اشترى الحائط وما فيه من النخيل والآلات، واشترى الغلام ثمّ أعتقه، ووهبه الحائط بما فيه من النخيل(٢٣) .

ويشير السيّد بحر العلوم إلى أنّ الخيرات والبركات قد انهالتْ على عبد الله بن جعفر عند زواجه بالسيّدة زينبعليها‌السلام فيقول: وزحفتْ البركة على ابن جعفر مع زينب فوفد عليه الرزق من المال والولد، وامتلاك الضياع، وفاضتْ أرضه بالثمار والغلاّت، ووفد أهل المدينة وأبناء السبيل في حاجاتهم على

____________________

(٢٢) زينب عقيلة بني هاشم: عبد العزيز سيّد الأهل: ص ٢٢.

(٢٣) زينب الكبرى: ص ٨٨.


بابه: باب زينب بنت الزهراء(٢٤) .

وكان عبد الله بن جعفر منقطعاً إلى عمّه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ثمّ إلى الحسنَينعليهما‌السلام ، وله في الجمل وصفّين والنهروان ذِكْر مشهور.

وأشار ابن عبد ربّه الأندلسي إلى أنّ عبد الله بن جعفر كان كاتباً لعمّه الإمام علي فترة خلافته(٢٥) .

ويقول السيد الخوئي (قده) عن شخصيّة عبد الله بن جعفر:

جلالة عبد الله بن جعفر الطياّر بن أبي طالب بمرتبة لا حاجة معها إلى الإطراء. وممّا يدلّ على جلالته أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يتحفّظ عليه من القتل، كما كان يتحفّظ على الحسن والحسينعليهما‌السلام ومحمّد بن الحنفيّة(٢٦) .

أمّا عدم خروجه مع الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء فقد قيل:

إنّه كان مكفوف البصر، ولمّا نُعي إليه الحسين، وبلغه قتْل ولدَيه (عون ومحمّد) كان جالساً في بيته، ودخل عليه الناس يعزّونه فقال غلامه أبو اللسلاس: هذا ما لقينا من الحسين. فحذفه عبد الله بنعله، وقال له: يابن اللخناء أللحسين تقول هذا، والله لو شهدتُه لَمَا فارقتُه حتّى أُقتل معه، والله إنّهما لمِمّا يسخى بالنفس عنهما: ويهوّن عليّ المصاب بهما أنّهما أُصِيْبَا مع أخي وابن عمّي مواسِيَيْنِ له صابِرَين معه.

ثمّ إنّه أقبل على الجلساء فقال: الحمد لله اعزز عليّ بمصرع الحسين إنْ لم أكنْ واسيتُ الحسين بيدي فقد واسيتُه بِوُلْدِي(٢٧) .

بقي أنْ نشير إلى عبد الله بن جعفر قد تزوّج في حياة السيّدة زينب بنساء

____________________

(٢٤) مقاتل الطالبيِّين: الأصفهاني: ص ٩١ - ٩٢.

(٢٥) العقد الفريد: الأندلسي: ج ٤، ص ١٦٤.

(٢٦) معجم رجال الحديث: السيّد الخوئي: ج ١٠، ص ١٣٨.

(٢٧) المصدر السابق: ص ٨٨.


أخريات منهنّ: الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة من بني بكر بن وائل، ومنها وَلَدُهُ محمّد الشهيد في كربلاء، وكذلك أخوه عبيد الله الذي ذكرتْ بعضُ المصادر أنّه الشهيد الثالث من أولاد عبد الله بن جعفر في كربلاء(٢٨) .

تلك هي بعض الملامح والمعالم من حياة عبد الله بن جعفر، قرين السيّدة زينب وشريك حياتها.

وقد تُوفّي سنة (٨٠ ه ) أو أربع أو خمس وثمانين، في خلافة عبد الملك بن مروان، وصلّى عليه السجّاد أو الباقرعليهما‌السلام وأمير المدينة يومئذٍ أبان بن عثمان بن عفّان، والذي أَبَّنَهُ بقوله: كنتَ والله خيراً لا شرّ فيك، وكنتَ والله شريفاً واصلاً براً(٢٩) .

____________________

(٢٨) في رحاب السيّدة زينب: بحر العلوم: ص ٣٦.

(٢٩) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٩٠.


أولاد السيِّدة زينب:

مَن يتأمّل نضال السيِّدة زينب وأدوارها الرساليّة العظيمة يكاد يغفل عن أنّ لها أبناءً، كانت تتحمّل مسؤوليّة رعايتهم وتربيتهم، لتكون العقيلة زينبعليها‌السلام قدوة كاملة متكاملة للمرأة المسلمة الطموحة، والتي تقوم بكل الأعباء والمهام العائليّة المنزليّة والدينيّة الاجتماعية، ولنتعرّف الآن على ثمرات فؤادها وفلذّات كبدها:

١ - عون بن عبد الله بن جعفر:

كان مع أمّه زينب في صحبة خاله الإمام الحسين، وقد نال شرف الشهادة في كربلاء، وفجعتْ به أُمّه زينب إلى جنب فجائعها الأخرى. وقد برز إلى ساحة الجهاد، فجعل يُقاتل قتال الأبطال وهو يرتجز:

إنْ تنكروني فأنا ابن جعفر

شهيد صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر

كفى بهذا شرفاً في المحشر

وتمكّن الشاب البطل مِن قتل ثلاثة فوارس، وثمانية عشر راجلاً. ثمّ ضربه


عبد الله بن قطنة الطائي النبهاني بسيفه فقتله.

وقد ورد ذكر عون في الزيارة الواردة في الناحية المقدّسة، أي عن الإمام الثاني عشر المهدي المنتظرعليه‌السلام حيث قال: (السلام على عون بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنان، حليف الإيمان، ومنازل الأقران، الناصح للرحمن، التالي للمثان، لعن الله قاتله عبد الله بن قطنة النبهاني)(٣٠) .

٢ - محمّد:

وقد ذكره العديد من الباحثين في حياة السيّدة زينب، ك-:

- السبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص، ص ١١٠)(٣١) .

- وذكره السيّد الهاشمي في كتابه (عقيلة بني هاشم، ص ٣٦).,

- والدكتورة بنت الشاطئ في (السيّدة زينب، ص ٥٠).

- والشيخ محمّد جواد مغنية (مع بطلة كربلاء، ص ٣٦).

- و م. صادق (زينب وليدة النبوّة والإمامة، ص ٦٢) وكُتّاب آخرون.

ولكن يبدو أنّ لعبد الله بن جعفر ولداً آخر اسمه محمّد من زوجة أخرى هي (الخوصاء من بني بكر بن وائل )، وقد استشهد مع الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، ممّا سبّب الاشتباه عند بعض الباحثين، فاعتبروا ولدَي عبد الله بن جعفر الشهيدَين بكربلاء اعتبروهما ولدي السيّدة زينبعليها‌السلام ، لكنّ التحقيق يثبت أنّ (عوناً ) فقط هو ابن السيّدة زينب، أمّا أخوه محمّد فهو ابن ضرّتها (الخوصاء)، كما نصّ على ذلك الباحثون حول شهداء كربلاء(٣٢) .

٣ - عبّاس:

ذكر المؤرّخون اسمه دون الإشارة إلى شيء من حياته وسيرته.

____________________

(٣٠) بحار الأنوار: ج٤٥، ص٦٨.

(٣١) المصدر السابق: ص ١٢٨.

(٣٢) يُراجَع: (إبصار العين في أنصار الحسين) للشيخ محمّد السماوي: ص ٤٠، و(حياة الإمام الحسين): للشيخ باقر شريف القرشي: ج ٣، ص ٢٥٩.


٤ - علي:

المعروف بالزينبي، وفي نسله الكثرة والعدد، وفي ذرِّيَّته الذيل الطويل والسلالة الباقية، وهو كما في (عمدة الطالب) أحد أرجاء آل أبي طالب الثلاثة.

وفي (تاج العروس) مادّة (زينب):

(والزينبيّون بطن من وُلد علي الزينبي بن عبد الله الجواد بن جعفر الطيّار، نسبةً إلى أُمِّه زينب بنت سيّدنا عليرضي‌الله‌عنه ، وأُمّها فاطمةرضي‌الله‌عنه ، وولد علي هذا أحد أَرْحَاءِ آل أبي طالب الثلاثة)(٣٣) .

ويقول عنه السيّد الهاشمي:

وأمّا علي بن عبد الله فهو المعروف بالزينبي، نسبةً إلى أُمّه زينب بنت عليعليهما‌السلام ذكروا(٣٤) أنّه كان ثلاثة في عصر واحد بني عم، يرجعون إلى أصل قريب، كلّهم يُسمّى عليّاً، وكلّهم يصلح للخلافة، وهم: (علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(السجّاد)، وعلي بن عبد الله بن العبّاس، وعلي بن عبد الله بن جعفر الطيّار )، ولكنّ إمام المسلمين وقتئذٍ كان السجّاد زين العابدين، يعظّمه القريب والبعيد، وتعنّوا له كبار المسلمين، وقد تزوّج علي بن عبد الله بن جعفر، لبابة بنت عبد الله بن عبّاس (حبر الأُمّة)، وكان نسل عبد الله بن جعفر منه، والسادة الزينبيّة كثيرون في: (العراق، وفارس، ومصر، والحجاز، والأفغان، والهند )، وقد جعل الله البركة في نسل هذه السيّدة الطاهرة، وطيّب سلالتها (٣٥) .

وقال ابن عنبة:

كان علي الزينبي يُكنّى أبا الحسن، وكان سيّداً كريماً(٣٦) .

وقد ألّف الحافظ جلال الدين السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ ه-) رسالة حول ذُرِّيَّة السيِّدة زينب، سمّاها: (العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبيّة )(٣٧) .

____________________

(٣٣) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ١٢٧.

(٣٤) نقل ذلك الأزورقاني من كتاب: (المصابيح): لأبي بكر الورّاق.

(٣٥) عقيلة بني هاشم: الهاشمي: ص ٤٠.

(٣٦) عقيلة الطهر والكرم: موسى محمّد علي: ص ١١٤.

(٣٧) مجلّة (الموسم): ص ٨٥٨.


٥ - أُمّ كلثوم:

أم كلثوم: وهي البنت الوحيدة كما يبدوا للسيّدة زينب، ولا بدّ وأنّها قد ورثتْ شمائل أُمِّها، وتحلّتْ بمكارم أخلاق أبيها؛ ولذلك تسابق الخاطبون لطلب يدها، وكان من جملتهم معاوية بن أبي سفيان، خطبها أيّام سلطته لولده يزيد، وكلّف واليه على المدينة مروان بن الحكم أنْ يخطبها من أبيها ليزيد بن معاوية، فقال أبوها عبد الله بن جعفر: إنّ أمرها ليس إليّ، إنّما هو إلى سيّدنا الحسين وهو خالها. فأخبر الحسين بذلك، فقال: (أستخير الله تعالى اللهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد.

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسينعليه‌السلام وقال:

إنّ أمير المؤمنين معاوية أمرني بذلك، وأنْ أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، مع صلح ما بين هذَين الحَيَّيْن، مع قضاء دَيْنِه، واعلم أنّ مَن يغبطكم بيزيد أكثر مِمَّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفؤ مَن لا كفؤ له، وبوجهه يستسقي الغمام، فردّ خيراً يا أبا عبد الله.

فقال الحسين : (الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه.

ثم قال : يا مروان قد قلتَ فسمعنا.

أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سُنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة أوقيّة يكون اربعمائة وثمانين درهماً.

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا؟


وأمّا صلح ما بين هذَين الحَيَّين، فإنّا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري لقد أعيا النسب فكيف السبب؟

وأمّا قولك: والعجب كيف يستمهر يزيد؟ فقد استمهر مَن هو خير من يزيد، ومِن أبي يزيد، ومِن جدّ يزيد!

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفؤ مَن لا كفؤ له، فَمَنْ كان كفوه قبل اليوم فهو كفؤه اليوم ما زادتْه إمارتُه في الكفاءة شيئاً.

وأمّا قولك: وجهه يستسقى به الغمام: فإنّما كان ذلك وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا قولك: مَن يغبطنا به أكثر مِمَّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.

ثمّ قال عليه‌السلام : فاشهدوا جميعاً إنّي قد زوّجت أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر مِن ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر، على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعَتَين بالمدينة - أو قال أرضي العقيق - وإنّ غلّتها بالسنة ثمانية آلاف دينار ففيهما لهما غنى إنْ شاء الله تعالى).

فتغيّر وجه مروان، وقال:

أَرَدْنَا صِهْرَكُم لِنَجِد وُدّاً

قَد أخلقه بِهِ حَدَثُ الزَمَانِ

فَلَمّا جِئْتُكُم فَجَبهْتُمُونِي

وَبُحْتُم بِالضَمِيْرِ مِن الشَنَانِ

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم:

أَمَاطَ اللهُ عَنْهُم كُلّ رِجْسٍ

وَطَهَّرَهُم بِذَلِكَ فِي المَثَانِي

فَمَالَهُم سِوَاهُم مِنْ نَظِيْرٍ

وَلاَ كُفْؤٍ هُنَاكَ وَلاَ مُدَانِي

أَتَجْعَلُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيْدٍ

إِلَى الأَخْيَارِ مِنْ أَهْلِ الجِنَانِ(٣٨)

____________________

(٣٨) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ١٢٩.



مع أبيها علي



طبيعي أنْ تنشدّ البنت لأبيها وتتعلّق به، وخاصّةً إذا ما فقدتْ البنتُ أُمَّها، فسيصبح أبوها حينئذٍ هو المنبع الوحيد للعاطفة والحنان والرعاية تجاهها.

وفي علاقة السيّدة زينب بأبيها علي بن أبي طالب هناك عامل إضافي، يتمثّل في الصفات والسمات النفسيّة والأخلاقيّة التي يتمتّع بها الإمام علي، والتي تفرض حبّه وعشقه وإكباره على كلّ مَنْ الْتَقَى به أو عاشره أو سمع عنه.

بل إنّ أيَّ واحدة من سوابقه ومناقبه لَحَرِيَّةٌ بإخضاع النفوس والقلوب لمكانته وجلالته، كما يقول أبو الطفيل: قال بعض أصحاب النبي:لقد كان لعلي من السوابق ما لو أنّ سابقه منها بين الخلائق لَوَسَعَتْهُم خيراً (١) .

ومَن عرف عليّاً أو تعرّف عليه فلم يهيمن حبّ علي على قلبه، فذلك دلالة على انحراف في طبعه وخلل في ذاته.

____________________

(١) أُسْد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير: ج ٣، ص ٥٩٨.


وهل يكره الخير عاقل؟!

أو هل يبغض النور سويّ؟

لذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام علي : (لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق)(٢) .

وقال أبو سعيد الخدري : كنا نعرف المنافقين - نحن معاشر الأنصار - ببغضهم علي بن أبي طالب(٣) .

وحتّى ألدّ خصومه وأعدائه معاوية بن أبي سفيان، لم يستطع كتمان إعجابه بشخصيّتهعليه‌السلام ، حيث قال لمّا بلغه قَتْله:

ذَهَبَ الفِقْه والعِلْم بموت ابن أبي طالب.

فقال له أخوه عتبة : لا يسمع هذا منك أهل الشام؟

فقال له : دعني عنك(٤) .

وحينما وصف ضرار بن ضمرة شخصيّةَ الإمام علي بمحضر معاوية بعد وفاة الإمام، بكى معاويةُ ووكفتْ دموعه على لحيته ما يملكها، وجعل ينشّفها بكمّه، وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال معاوية:

رحم الله أبا الحسن والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن مَن ذُبح ولدُها بحجرها فهي لا ترقأ عبرتُها ولا يسكن حزنها(٥) .

وإذا كانت شخصيّة علي تأسر حتّى قلوب أعدائه - فضلاً عن أصحابه وأتباعه - فما هو مدى تأثير شخصيّته على ابنته القريبة منه والمتعلّقة به؟

____________________

(٢) المصدر السابق: ص ٦٠٢.

(٣) المصدر السابق: ص ٦٠٧.

(٤) أئمّتنا: علي دخيّل: ج ١، ص ٩١.

(٥) المصدر السابق: ص ٩٢.


نحاول في السطور التالية أنْ نقتطف من ذاكرة التاريخ ما سجّلته من صور ولقطات عن تلك العلاقة الإيمانيّة الإنسانيّة الحميمة، بين السيّدة زينب وأبيها الإمامعليهما‌السلام ؛ لنرى كيف عاشتْ السيّدة زينب في ظلّ أبيها:

* الحفاظ على مهابة زينب وصونها:

حدّث يحيى المازني قال:

كنت في جوار أمير المؤمنينعليه‌السلام في المدينة مدّة مديدة وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيتُ لها شخصاً ولا سمعتُ لها صوتاً، وكانت إذا أرادتْ الخروج لزيارة جدّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تخرج ليلاً، والحسن عن يمينها، والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربتْ من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنينعليه‌السلام فأخمد ضوء القناديل.

فسأله الحسن مرّة عن ذلك؟

فقال : (أخشى أنْ ينظر أحدٌ إلى شخص أختك زينب)(٦) .

* سيّدةُ بيتِ أبيها:

تزوّج الإمام عليعليه‌السلام بعد فقد الزهراءعليها‌السلام أكثر من زوجه، لكنّ أيّاً من زوجاته لم تكن لتأخذ مكان السيّدة زينب وموقعها في بيت أبيها، فهي سيّدة البيت بما تمثّله من امتداد لأُمّها الزهراء وبما تمتلكه من صفات ومؤهّلات، وبما تتمتّع به من محبّة واحترام متبادل مع أبيها وأخوَيها الحسنَين.

____________________

(٦) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٢٢.


وحتّى بعد زواجها بابن عمّها عبد الله بن جعفر، فإنّها لم تنقطع عن بيت أبيها، ولم تشغلْها التزاماتها الزوجيّة والعائليّة عن أداء دورها المميّز في بيت علي.

يقول السيّد بحر العلوم:

ورغم أنّ زينب عاشتْ في بيت الزوجيّة، لكنّ الزواج لم يشغلْها عن تحمّل مسؤوليات بيت أبيها علي، فهي بنت الزهراء، وحفيدة خديجة، وتحمّل المسؤوليّة من خصال ربّات هذا البيت. وزينب عقيلة بني هاشم، وسيّدة البيت العلوي، وزعيمتْ القوم، رغم أنّها تزوّجتْ، وانتقلتْ إلى بيت ابن جعفر، إلاّ أنّها لم تتخلَّ عن المسؤوليّة، لتدير بيت أبيها، وتهتمّ بشؤون أخوَيها، وتصبح المسؤولة عنهم أوّلاً وآخراً(٧) .

وتقول بنت الشاطئ:

ولم يفرّق الزواج بين زينب وأبيها وإخوتها، فقد بلغ مِن تعلّق الإمام علي بابنته وابن أخيه أنْ أبقاها معه، حتّى إذا وَلِيَ أمر المسلمين وانتقل إلى الكوفة، انتقلا معه، فعاشا في مقرّ الخلافة، موضع رعاية أمير المؤمنين وإعزازه، ووقف عبد الله بجانب عمّه في نضاله الحربي، فكان أميراً بين أُمراء جيشه في صفّين.

وعرف الناس مكانة عبد الله من بيت النبوّة، فكانوا يلتمسون لديه الوسيلة إلى أمير المؤمنين، والى ولدَيه الحسن والحسين، فلا يردّ له طلب ولا يخيب رجاء.

جاء في (الإصابة: ج ٤ ص ٤٨) نقلاً عن محمّد بن سيرين:

أنّ دهقاناً من أهل السواد كلّم ابن جعفر في أنْ يكلّم عليّاً في حاجة، فكلّمه، فقضاها، فبعث إليه الدهقان أربعين ألفاً فردّها قائلاً: إنّا لا نبيع معروفاً(٨) .

____________________

(٧) في رحاب السيّدة زينب: بحر العلوم: ص ٣٧.

(٨) السيّدة زينب: عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ: ص ٥٠.


* في موكب أبيها إلى الكوفة:

بعد أنْ اختارتْه جماهير الأمّة حاكماً وخليفة، وبايعه الناس برغبتهم واختيارهم، وبشكل لا شبيه له في تاريخ المسلمين، وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٣٥ ه- ) في أعقاب مقتل الخليفة عثمان بن عفّان.

قرّر الإمام علي الانتقال إلى الكوفة لمواجهة التطوّرات السياسيّة، حيث نكث بعض مبايعيه بيعته ك- (طلحة، والزبير )، واستقطبوا معهم السيّدة (عائشة ) زوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واتّخذوا البصرة بؤرة لتمرّدهم عليه، كما كان معاوية يعبّئ أهل الشام ضدّ خلافة الإمام.

وكان الإمام مدركاً لِمَا ينتظره من أوضاع خطيرة في عاصمة خلافته الجديدة (الكوفة )، ولكنّه قرّر أنْ يصطحب معه ابنته زينب، فهو يريدها إلى جانبه في الظروف الحساسة والحرجة، وهي تصعب عليها مفارفة أبيها والابتعاد عنه.

وهكذا ودّعت السيّدة زينب مسقط رأسها ومرتع طفولتها ومثوى جدّها وأُمّها المدينة المنوّرة، ورافقتْ أباها في رحلته إلى الكوفة بمعيّة زوجها عبد الله بن جعفر.

ويصف الشيخ النقدي ظروف سفر السيِّدة زينب في موكب أبيها بقوله:

سافرتْ زينب هذه السفرة وهي في غاية العز، ونهاية الجلالة والاحتشام، يسير بها موكب فخم رهيب من مواكب المعالي والمجد، محفوف بأبّهة الخلافة، محاط بهيبة النبوّة، مشتمل على السكينة والوقار، فيه أبوها الكرّار أمير المؤمنين، وإخوتها، الحسنان سيِّدا شباب أهل الجنّة، وحامل الراية العظمى (محمّد بن الحنفيّة )، وقمر بني هاشم (العبّاس بن علي )، وزوجها الجواد (عبد الله بن جعفر )، وأبناء عمومتها (عبد الله بن عبّاس، وعبيد الله ) وأخوتهما، وبقيّة أبناء (جعفر الطيار، وعقيل بن أبي طالب )، وغيرهم من فتيان بني هاشم، وأتباعهم من رؤساء القبائل، وسادات العرب، مدجَّجين بالسلاح، غاصّين في الحديد، والرايات ترفرف على رؤوسهم،


وتخفق على هاماتهم، وهي في غبطة وفرح وسرور(٩) .

* مدرستها العلميّة:

لم تكن دار علي في الكوفة مجرّد مركز للسلطة والحكم، ولا كان وجوده الشريف منحصراً في شخصيّته ودوره كحاكم وقائد، بل كانت داره مركز إشعاع للمعرفة والفكر، وكان دوره في التوجيه الروحي الفكري لا يقلّ عن دوره في الزعامة السياسيّة الاجتماعيّة.

ولكي تنتشر المعرفة في جميع أوساط المجتمع، وحتّى لا يحرم أحد من حقّه في الثقافة والوعي، عَهَدَ الإمام علي إلى ابنته العقيلة زينب أنْ تتصدّى لتعليم النساء، وأنْ تبثّ المعرفة والوعي في صفوفهنّ.

فكانت العقيلة زينب تفسّر لهنّ القرآن الكريم، وتروي لهنّ أحاديث جدّها المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخبار أُمّها الزهراءعليها‌السلام ، وتوجيهات أبيها المرتضىعليه‌السلام .

فقد ورد أنّه كان لها مجلس في بيتها أيّام إقامة أبيهاعليه‌السلام في الكوفة، وكانت تفسّر القرآن للنساء، وقد دخل عليها أبوها ذات يوم وهي تفسّر بداية سورة الكهف وسورة مريم( كهيعص ) (١٠) (١١) .

____________________

(٩) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٩٢.

(١٠) سورة مريم: الآية: ١.

(١١) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٣٦.


* امتيازات الخلافة والحكم:

الوصول إلى سِدّه الخلافة والحكم يعني الحصول على الامتيازات والمكاسب المادِّيَّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فالحكم تتمركز بيده القوّة وتكون تحت تصرّفه الثروة والإمكانات، فيعيش في أعلى درجة من الراحة والرفاه، وتنعم عائلته وأقرباؤه وأعوانه بصنوف النِعَم والامتيازات، من مناصب وإقطاعات وعطاءات وهِبَات.

هذا ما ينقله التاريخ لنا من تلاعب الحكّام الأمويّين والعبّاسيين وغيرهم في الماضي بثروات الأُمّة، وبناء القصور بها، والاستيلاء على الأراضي، واكتناز الثروات، وبسْط الموائد الفاخرة.

فقد كان شباب بني مروان أيّام حكمهم يرفلون في الوشي كأنّهم الدنانير الهرقْليّة، وكان مروان بن أبان بن عثمان يلبس سبعة أقمص كأنّها درج، بعضها أقصر من بعض، وفوقها رداء عدني بألفَي درهم، أمّا نساؤهم فقد كنّ يلبسْنَ الديباج والحرير(١٢) .

____________________

(١٢) حياة الإمام الباقر: باقر شريف القرشي: ج ٢، ص ١٥١.


ولمّا تزوّج مصعب بن الزبير بعائشة بنت طلحة، أمهرها بألف ألف درهم، وأهدى لها ثماني حبّات من اللؤلؤ، قيمتها عشرون ألف دينار، وكانتْ تحجّ ومعها ستون بغلة، عليها الهوادج والرحائل(١٣) .

وكان معاوية بن أبي سفيان يقول : الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركتُه كان جائزاً لي(١٤) .

وكتب معاوية إلى زياد بن أبيه عامله على العراق : أنْ يصطفي له الصفراء والبيضاء، فأوعز زياد إلى عمّاله بذلك، وأمرهم أنْ لا يقسموا بين المسلمين ذهباً ولا فضّة(١٥) .

وكذلك كان الحال لدى حكام بني العباس : فقد ورد أنّ هارون الرشيد كان يُنفق كلّ يوم على موائد طعامه عشرة آلاف درهماً، وربّما اتّخذ له الطبّاخون ثلاثين لوناً من الطعام(١٦) .

وقد شُغف هارون الرشيد بالجواهر والأحجار الثمينة : فاشترى خاتماً بمائة ألف دينار، وكان عنده قضيب زمرّد أطول من ذراع، وعلى رأسه تمثال طائر مِن ياقوت أحمر لا تقدير لثمنه؛ نظراً لنفاسته، وقد قُيّم الطائر وحده بمائة ألف دينار(١٧) .

ويتحدّث التاريخ عن ترف وإسراف زوجته زبيدة : فقد اشترتْ غلاماً ضرّاباً على العود مجيداً، بثلاثمائة ألف درهم، واتّخذتْ الخفاف - الأحذية - المرصّعة بالجوهر تلبسها في قصرها، واتّخذتْ سبحة من يواقيت رمّانيّة كالبنادق، اشترتْها بخمسين ألف دينار. وصنعتْ لها بساطاً من الديباج جَمَع صورةَ كلّ حيوان مِن جميع الأجناس، وصورة كلّ طائر من الذهب وأَعْيُنُها من يواقيت وجواهر، يُقال إنّها أَنفقتْ عليها نحواً من ألف ألف دينار، واتّخذت آلِهَ من الذهب المرصّع

____________________

(١٣) المصدر السابق: ص ١٥٢.

(١٤) حياة الإمام موسى بن جعفر: باقر شريف القرشي: ج ١، ص ٣٠١.

(١٥) المصدر السابق: ص ٣٠١.

(١٦) المصدر السابق: ج ٢، ص ٣٩.

(١٧) المصدر السابق: ص ٤٦.


بالجوهر، والثوب من الوشي الرفيع يزيد ثمنه على خمسين ألف دينار(١٨) .

ولم تقتصر مظاهر البذخ وحياة الترف على الخلفاء والحاكمين وعوائلهم ، بل شملتْ وزراءهم وأعوانهم، فقد كانت لأمّ جعفر الوزير البرمكي للعبّاسيين مائة وصيفة، لباس كلّ واحدة وحليّها خلاف لباس الأُخرى وحُلِيِّها(١٩) .

هكذا يعيش الخلفاء ونساؤهم وعوائلهم، فكيف كان يعيش علي بن أبي طالب مع نسائه وعائلته أيّام خلافته؟ وماذا نالتْ ابنته زينب من امتيازات الخلافة والحكم، وهي كبرى بنات الخليفة، وحبيبة قلبه، وسيّدة بيته؟

* لنستعرض بعض ما ينقله لنا التاريخ عن حياة علي أثناء خلافته، لنرى الظروف والأوضاع التي عايشتْها السيّدة زينب في ظلّ خلافة أبيها، في الجانب الحياتي المادّي:

كان علي يوزّع ما في بيت المال أُسبوعيّاً كلّ جمعة، ثمّ يكنس بيت المال وينضحه بالماء، ثمّ يصلّي فيه ركعتَين ويقول: (اشهد لي يوم القيامة أنّي لم أحبس فيك المال على المسلمين)(٢٠) .

وعن الشعبي قال:

دخلتُ الرّحبة وأنا غلام في غلمان، فإذا أنا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على صرّتَين من ذهب وفضّة، فقسّمه بين الناس حتّى لم يبقَ منه شيء، ورجع ولم يحمل إلى بيته منه شيئاً، فرجعتُ إلى أبي،فقلتُ : لقد رأيتُ خيرَ الناس أو أحمق الناس.

قال : ومَن هو يا بُنَي؟

قلت : رأيتُ أميرَ المؤمنين عليّاً، فقصصتُ عليه الذي رأيتُه يصنع.

فبكى وقال :

____________________

(١٨) المصدر السابق: ص ٤٨.

(١٩) المصدر السابق: ص ٥٠.

(٢٠) الغارات: أبو إسحاق الثقفي (المتوفَّى: ٢٨٣ ه-): ج ١، ص ٤٩.


يا بُنَي، بل رأيتَ اليوم خيرَ الناس(٢١) .

وعن أبي رجاء يزيد بن محجن:

أنّ عليّاً أخرج سيفاً له إلى السوق فقال: (مَن يشتري منّي سيفي هذا؟ فوالذي نفسي بيده لو أنّ معي ثمن إزار لما بعته!)

قال أبو رجاء: فقلتُ: يا أمير المؤمنين أنا أبيعك إزاراً وأُنْسِئُك ثَمَنَه إلى عطائك.

فبعتُه إزاراً إلى عطائه، فلمّا قبض عطاءه أعطاني حقّي(٢٢) .

وعن سويد بن غفلة قال:

دخلتُ على أمير المؤمنينعليه‌السلام فإذا بين يديه قعب لبن، أجد ريحه من شدّة حموضته، وفي يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه، وهو يكسره ويستعين أحياناً بركبته، وإذا جاريته فضّة قائمة على رأسه، فقلتُ لها: يا فضّة أَمَا تتّقون الله في هذا الشيخ؟ لو نخلتم دقيقه.

فقالت : إنّا نكره أنْ يؤجر ونأثم، وقد أخذ علينا أنْ لا ننخل له دقيقاً ما صَحِبْنَاهُ.

فقال علي : (ما يقول؟

قالتْ : سَلْهُ.

فقلتُ له : ما قلتُ لها: لو ينخلون دقيقك.

فبكى، ثمّ قال : بأبي وأُمّي مَن لم يشبع ثلاثاً متوالية مِن خبز برّ حتّى فارق الدنيا، ولم يُنخَل دقيقه - يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢٣) .

____________________

(٢١) المصدر السابق: ص ٥٤.

(٢٢) المصدر السابق: ص ٦٣.

(٢٣) المصدر السابق: ص ٨٧.


وعن الإمام جعفر بن محمّد قال : (أُتي - عليٌّ - بخبيص فأبى أنْ يأكله.

قالوا : تحرّمه؟

قال : لا ولكنّي أخشى أنْ تتوق إليه نفسي.

ثمّ تلا :( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ) (٢٤) (٢٥) .

هكذا كانت السيّدة زينب ترى حياة أبيها الخليفة، وكانت سياسة أبيها تنعكس بالطبع على حياتها،

فقد رُوي أنّ زوجها عبد الله بن جعفر أصابتْه حاجة وهو ثَرِيٌّ لكنّه يُنفق أمواله كَرَمَاً وَجُوْدَاً:

فجاء إلى عمّه أمير المؤمنين علي ليطلب منه معونة من بيت المال، وعبد الله عزيز على قلب عمّه، وهو زوج ابنته العزيزة الأثيرة زينب، فبماذا أجابه علي؟

لنقرأ نصّ الرواية:

قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي : يا أمير المؤمنين لو أمرتَ لي بمعونة فوالله ما عندي إلاّ أنْ أبيع بعض علوفتي.

وفي رواية : إلاّ أنْ أبيع دابّتي.

قال له علي :( لا والله ما أجد لك شيئاً إلاّ أنْ تأمر عمّك أنْ يسرق فيعطيك! ) (٢٦) .

فعليٌّ لا يجد لابن أخيه العزيز وزوج ابنته العزيزة عطاءً أكثر من حصّته المقرّرة كسائر المسلمين، ويعتبر أي عطاء إضافي نوعاً من السرقة من بيت المال!

____________________

(٢٤) المصدر السابق: ص ٩٠.

(٢٥) سورة الأحقاف: الآية: ٢٠.

(٢٦) الغارات: أبو إسحاق الثقفي: ج ١، ص ٦٦.


وقال الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام : (إنّ عليّاً وَلِيَ الخلافة خمس سنين وما وضع آجرة ولا لبنة على لبن، ولا أقطع قطيعاً، ولا أورث بيضاء ولا حمراء)(٢٧) .

وقصّة أخرى ينقلها التاريخ تحكي عن وضع بنات الإمام علي وعائلته أثناء خلافته، وكيف أنّهم لم يستفيدوا أيّ شيء مادّي من امتيازات الخلافة والسلطة:

عن علي بن أبي رافع قال : كنتُ على بيت مال علي بن أبي طالب وكاتبَه، وكان في بيت المال عقد لؤلؤ.

قال : فأرسلتْ إليّ بنتُ علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقالتْ لي: بلغني أنّ في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ وهو في يدك، وأنا أحب أنْ تُعِيْرَنِيْهِ أتجمّل به في أيّام عيد الأضحى.

فأرسلتُ إليها، وقلتُ : عارية مضمونة يا ابنة أمير المؤمنين؟

فقالتْ : نعم، عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيّام.

فدفعتُه إليها.. وإنّ أمير المؤمنين رآه عليها فعرفه، فقال لها: (من أين صار إليك هذا العقد؟

فقالتْ : اسْتَعَرْتُهُ من ابن أبي رافع، خازن بيت مال أمير المؤمنين؛ لأتزيّن به في العيد ثمّ أَرُدُّهُ.

قال : فبعث إليّ أمير المؤمنين فجئتُه، فقال: أَتَخُون المسلمين يابن أبي رافع؟

فقلتُ : معاذ الله أنْ أخون المسلمين.

قال : كيف أعرتَ بنت أمير المؤمنين العقدَ الذي في بيت مال المسلمين بغير إذني ورضائي؟

فقلتُ : يا أمير المؤمنين إنّها ابنتك، وسألتْني أنْ أعيرها إيّاه تتزيّن به، فأعرتُها

____________________

(٢٧) علي من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ١٤٠.


إيّاه عاريةً مضمونة مردودة، وضمنتُه في مالي، وعليّ أن أردّه مسلّماً إلى موضعه.

فقال : ردّه مِن يومك، وإيّاك أنْ تعود لِمِثْلِ هذا فتنالك عقوبتي، ثمّ أولى لابنتي لو كانت أخذتْ العقد على غير عارية مضمونة مردودة لكانتْ أذن أوّل هاشميّة قطعتُ يَدَهَا في سرقةٍ.

قال : فبلغ مقالتُه ابنتَه، فقالتْ له: يا أمير المؤمنين أنا ابنتُك وبضعةٌ منك فَمَنْ أحقّ بلبسه منّي؟

فقال لها أمير المؤمنين : يا بنت علي بن أبي طالب لا تذهبي بنفسك عن الحق، أَكُلُّ نساء المهاجرين تتزيّن في هذا العيد بمثل هذا؟

قال ابن أبي رافع : فقبضتُه منها ورددتُه إلى موضعه(٢٨) .

من كانت تلك البنت؟ هل هي زينب؟ أَمْ إحدى أخواتها؟ لعلّها لم تكن زينب؛ لأنّ تقواها ومعرفتها بسياسة أبيها تمنعها من ذلك.

والمهم أنْ نعرف أنّ زينب لم تنلْ من امتيازات الخلافة والحكم شيئاً، حتّى بمقدار سدّ عوز وحاجة بيتها، أو في حدود استعارة شيء من بيت المال كعارية مضمونة مردودة.

____________________

(٢٨) بحار الأنوار: المجلسي: ج ٤٠ ص ٣٣٨.



* من بيتها انطلق إلى الشهادة:

لقد واكبتْ السيّدة زينب حوالي ثلثي عمر أبيها وحياته:

- فحينما وُلدتْ في السنة الخامسة للهجرة كان عمر أبيها (٢٨ سنة).

- وعاصرتْه وهو يتقلّب بين المعارك والحروب في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- ثمّ عايشتْ معه مصيبة فَقْد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأحداث التي تَلَتْهَا، من مصادرة حقّه في الخلافة.

- ومِن ثَمّ انعزاله وانكفاؤه لفترة في منزله، وخاصّةً عند فقْد شريكة حياته الزهراءعليها‌السلام .

- ورافقتْ أباها حينما تولّى الخلافة والحكم، وصحبتْه إلى الكوفة.

- وبالتالي عايشتْ الظروف الصعبة القاسية التي مرت بأبيها فترة السنوات الخمس، من تمرد الناكثين والمارقين والقاسطين، حيث اضطرّ الإمام علي لخوض ثلاث معارك مؤلمة:

١ - معركة الجَمَل:

حيث تحالفت السيّدة عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله مع طلحة بن عبد الله التيمي، والزبير بن العوّام ابن عمّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تحالفتْ معهما للتمرّد على سلطة الإمام علي، وكانا قد بايعاه، فسارتْ معهما إلى


البصرة تُحرّض الناس ضدّ الإمام وتدعوهم لقتاله تحت شعار المطالبة بدم الخليفة عثمان، واحتشد معها (ثلاثون ألف مقاتل )، وقد سعى الإمام وحاول التفاوض والحوار معهم لإعادتهم إلى جادّة الحقّ والشرعيّة، لكنّهم أصرّوا على القتال والمواجهة، فزحف إليهم الإمام علي في (عشرين ألف مقاتل )، ودارتْ بين الطرفين معركة حامية الوطيس تكشّفتْ عن سقوطحوالي ( ١٨ ألف قتيل( ١٣ ألف من أصحاب الجمل )، و(٥ آلاف من أصحاب علي )، وقُتل طلحة والزبير في المعركة، وعُقر الجمل الذي كانت تمتطيه عائشة، وسُمِّيَتْ المعركة باسمه. وكان ذلك في يوم الخميس العاشر من جمادي الثانية سنة(٣٦ ه-).

٢ - معركة صِفِّين:

من عهد الخليفة عمر بن الخطّاب كان معاوية والياً على الشام، وقد ازداد نفوذه وصلاحيّاته أيّام ابن عمّه الخليفة عثمان بن عفّان، وقد علم أنّ الإمام عليّاً لنْ يُقرّه على منصبه، ولنْ يفسح له المجال ليلعب كما يحلو له وكما كان في العهد السابق، إضافة إلى ما يعتمل في نفسه من حقد وعداء للإمام علي؛ لذلك رفض بيعة الإمام وأعلن التمرّد وشجّعه على ذلك ما أقدمتْ عليه عائشة وطلحة والزبير، فعبّأ أهل الشام وما حولها وقاد منهم جيشاً لَجِبَاً، يبلغ عدد مقاتليه (٨٥ ألف جندي ).

وزحف معاوية بجيشه إلى منطقة يُقال لها صفّين قرب الرقة، حيث استقبله الإمام بجيش قوامه تسعون ألفاً، ولم تُجْدِ محاولات الإمام في الموعظة والإرشاد والتفاوض والحوار شيئاً؛ لذلك نشبتْ المعركة في أوّل يوم من ذي الحجّة سنة (٣٦ ه-)، أي بعد حوالي خمسة أشهر من معركة الجمل، وانتهتْ في (١٣ شهر صفر - سنة ٣٧ ه-) عبر قضيّة التحكيم المشهورة، وبعد أنْ تساقط من المسلمين (٧٠ ألف قتيلاً )، و(٤٥ ألف من جيش معاوية )، و(٢٥ ألفاً من معسكر الإمام علي )، من بينهم خيار أصحاب الإمام وأحبّته كعمّار بن ياسر وهاشم المرقال.


٣ - معركة النَهْرَوَان:

لقد قَبل الإمام علي بالتحكيم بعد رفع المصاحف من قِبل أهل الشام، مضطرّاً لرغبة أكثريّة أتباعه في ذلك، لكنّ طائفة من جيشه غيّروا رأيهم بعد ذلك ورأوا أنّ القبول بالتحكيم كان خطأ كما هو رأي الإمام علي في البداية، وطالبوا الإمام:

- بالتراجع.

- ونقض نتيجة التحكيم.

- والاعتراف بأنّه كان مخطئاً في موقفه.

وشكّلوا لهم تجمّعاً مضادّاً منشقّاً على الإمام، وبدأوا يثيرون الفتنة، ويمارسون الإرهاب، فبعث لهم الإمام الرسل والوسطاء المفاوضين حتّى يرتدعوا عن غَيِّهم وردّ على إشكالاتهم وشُبَهِهِمْ مراراً في خطبه وأحاديثه، فلمّا أصرّوا على البَغْي وممارسة الإرهاب، زحف عليهم الإمام بجيشه في منطقة (النهروان ) بين بغداد وحلوان، وكانوا (أربعة آلاف رجل )، تراجع منهم ألف ومائتان بعد خطب الإمام ومحاولاته لهدايتهم، أمّا الباقي فقد بادروا إلى الحرب ورمَوا معسكر الإمام بالنبال، فحمل عليهم الإمام بجيشه وأبادهم ولم يفلتْ منهم إلاّ أقل من عشرة أشخاص.

وتُعرَف هذه الواقعة بواقعة الخوارج، وقد حصلتْ بعد شهور قلائل من انتهاء واقعة صفّين وفي نفس سنة (٣٧ ه-).

لقد كانت هذه المعارك مؤلمة جدّاً لنفس الإمام وموجِعة لقلْبه، إنّه كان يحمل للأمّة منهج إنقاذ وخلاص، ويخطّط لتطبيق العدل والمساواة والحرِّيَّة، وأنْ يُكمل مسيرة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله في بناء خير أُمّة أُخْرِجَتْ للناس، لكن الانتهازيّين والمصلحيّين والحاقِدين والجُهَلاَء عرقلوا برنامجه الطَموح، ووضعوا العقبات الكأداء في طريقه اللاحب، وأضاعوا على الأمّة والبشريّة جمعاء فرصة ذهبيّة تاريخيّة.

وأصبح علي يقلّب كفّيه حسرةً على واقع الأمّة المُؤسف، ويجترّ آهاته وآلامه؛ لفقده خيرة أصحابه في تلك المعارك المفروضة عليه، ولمّا أصاب معسكره وجمهوره مِن تعب وتردُّد وتقاعس، ولممارسات معاوية الاستفزازية التخريبيّة بغاراته على البلدان الخاضعة لحكم الإمام.


ولم تكن السيّدة زينب بعيدة عن الآم أبيها ومعاناته، فهي تسمعه أو يَبْلغها عنه ما كان يخطب به جمهوره على منبر الكوفة، وهو يصرخ فيهم موبّخاً معاتباً يستثير همهم ويستنهض حميّتهم قائلاً:

يا أشباه الرجال ولا رجال !

حلوم الأطفال، عقول ربّات الحجال!

لوددتُ أنّي لم أَرَكُم وَلَمْ أَعْرِفْكم مَعْرِفَةً والله جرّت ندماً، وأعقبت سدما!

قاتلكم الله!

لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً، وجرّعتموني نُغَبَ التهمام أنفاساً، وأفسدتُم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان..)(٢٩) .

ويأتيه خبر إحدى غارات معاوية وعبثه وفساده في منطقة الأنبار، فيمتلئ قلبُه حزناً وأَلَمَاً لِمَا أصاب الناس الآمنين من بَطْش جيش معاوية، ويتمنّى الموت ولا يراه كثيراً أمام تحمّل هذه الآلام والمآسي، وتسمع زينب أباها وهو يبثّ همومه ومعاناته قائلاً:

(ولقد بلغني أنّ الرجل منهم -من جيش معاوية - كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينتزع حِجْلها وقلبها، وقلائدها ورعثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام.

فلو أنّ امرءاً مسلماً مات مِن بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً!

فياعجباً! عجباً والله يميت القلب ويجلب الهم)(٣٠) .

ويبلغها عن أبيها موقفه على مصارع خُلّص أصحابه في صفّين كعمّار بن ياسر

____________________

(٢٩) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ٢٧.

(٣٠) المصدر السابق.


وهاشم المرقال، وهو يتضجّر من الحياة ويتمنّى الموت، وينشد باكياً:

أَلاَ أيّها الموت الذي لستَ تَارِكِي

أَرِحْنِي فَقَد أَفْنَيْتَ كُلَّ خَلِيْلِ

أَرَاكَ بَصِيْرَاً بِالذِيْنَ أُحِبُّهُم

كَأَنَّكَ تَنْحُو نَحْوَهُمْ بِدَلِيْلِ

لقد اشتدّتْ محنة الإمام وأحاطتْ به الآلام، فصار يستعجل الرحيل عن هذه الدنيا وأهلها، ويتشوّق إلى لقاء الله، لكن عبر أفضل سبيل وأسرع طريق وهو الشهادة، فهو يكره مغادرة الحياة بموت بارد ساذج، ويرغب العروج إلى الله متوشّحاً برداء الشهادة مضمّخاً بدمها الطاهر.. أَوَ لَيْسَ هو القائل:

- (إنّ أكرمَ الموت القتلُ).

- (والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لأَلْف ضَرْبَةٍ بالسيفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِن مِيْتَةٍ عَلَى الفِرَاشِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ)(٣١) .

وهو الذي كان يدعو ربّه قائلاً: (اللهمّ... فارْزُقْنَا الشهادة)(٣٢) .

بالطبع كان عشق علي وشوقه للشهادة عميقاً في نفسه منذ أيّام شبابه، ولم يكن شيئاً مستجدّاً طارئاً على نفسه بعد أنْ كبرتْ سِنّه واشتدّتْ معاناته، وهذا ما يؤكّده الإمام حين ينقل إحدى ذكرياته مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول:

(فقلتُ: يا رسول الله، أَوَليس قد قلتَ لي يوم أُحُد حيث استشهد مَن أستشهد من المسلمين، وحِيْزَتْ عنّي الشهادة، فشقّ ذلك عليّ، فقلتَ لي: أبشر فإنّ الشهادة من ورائك؟

فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن؟

فقلتُ: يا رسول الله، ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطِن البُشرى

____________________

(٣١) المصدر السابق: الخطبة رقم: ١٢٣.

(٣٢) المصدر السابق: الخطبة رقم: ١٧١.


والشكر)(٣٣) .

وحانت ساعة اللقاء.. واقترب موعد الرحيل. ودنتْ لحظة الفوز بالشهادة التي طالما انتظرها الإمام.. كان ذلك في فجر ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك (سنة ٤٠ ه- ).

وشاء القدر أنْ يكون علي تلك الليلة ضيف ابنته زينب، وأنْ ينطلق للشهادة من بيتها.. وتسجّل لنا روايات التاريخ بعض اللقطات عن تلك الليلة الخطيرة والساعات الحسّاسة في بيت العقيلة زينب، فقد كان الإمام يفطر في شهر رمضان (ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر زوج زينب ابنته لأجلها )(٣٤) .

وكانت ليلة التاسع عشر من رمضان حيث يتناول الإمام إفطاره عند ابنته زينب كما تُشير إلى ذلك بعض روايات (بحار الأنوار )، وإنْ كانت بعض الروايات تقول إنّه كان عند ابنته أُمّ كلثوم، وحسب تحقيقات العلاّمة الشيخ جعفر النقدي فإنّه غالباً ما يطلق على زينب الكبرى أُمّ كلثوم في لسان الروايات(٣٥) .

ولاحظتْ السيّدة زينب أنّ أباها تلك الليلة كان في وضع استثنائي، وحال لم تعهده منه، تقول:

لم يزل أبي تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، ثمّ يخرج ساعة بعد ساعة يقلّب طَرْفه في السماء وينظر الكواكب وهو يقول: (والله ما كَذبتُ ولا كُذِبْتُ وإنّها الليلة التي وُعدتُ بها... هي والله الليلة التي وعدني بها حبيبي رسول الله).

____________________

(٣٣) المصدر السابق: الخطبة رقم: ١٥٦.

(٣٤) بحار الأنوار: المجلسي: ج ٤١، ص ٣٠٠.

(٣٥) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ١٧ / ١٨ / ٢٥ / ٣٨.


ثمّ يعود إلى مصلاّه ويقول: (اللّهمّ بارك لي في الموت، اللّهم بارك لي في لقائك)، ويكثر من قول: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون)، و (لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله العليّ العظيم)... ويستغفر الله كثيراً.

تقول السيّدة زينب : فلمّا رايتُه في تلك الليلة قلقاً متململاً كثير الذكر والأستغفار، أرقت معه ليلتي.. وقلتُ: يا أبتاه مالي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟ يا أبا مالك تنعى نفسك؟

قال : (بنيّة قد قرب الأجل وانقطع الأمل).

قالتْ : فبكيتُ.

فقال لي : (يا بنيّة لا تبكي، فإنّي لم أقل لك ذلك إلاّ بما عهد إليّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثمّ إنّه نعس وطوى ساعة، ثمّ استيقظ من نومه، وقال: (يا بُنَيّة إذا قرب الأذان فاعلميني...)، ثمّ رجع إلى ما كان عليه أوّل الليل من الصلاة والدعاء والتضرّع إلى الله سبحانه وتعالى.

قالت : فجعلتُ أرقب الأذان، فلمّا لاح الوقت أتيتُه ومعي إناء فيه ماء، ثمّ أيقظتُه، فأسبغ الوضوء، وقام ولبس ثيابه، وفتح بابه ثمّ نزل إلى الدار، وكان في الدار أوزٌ قد أُهْدِيْنَ إلى أخي الحسينعليه‌السلام ، فلمّا نزل خرجْنَ وراءه وَرَفْرَفْنَ، وصِحْنَ في وجهه، ولم يَحْدُث ذلك من قَبل، فقالعليه‌السلام : (لا اله إلاّ الله، صوارخ تتبعها نوائح وفي غداة غد يظهر القضاء).

فقلتُ : يا أبتاه هكذا تتطيّر؟

قال : (يا بنيّة ما منّا أهل البيت مَن يتطيّر ولا يُتَطَيّر به، ولكنْ قول جرى على لساني).

ثمّ قال : (يا بنيّة بحقّي عليك إلاّ ما أطلقتيه، وقد حبستِ ما ليس له لسان، ولا يقدر على الكلام، إذا جاع أو عطش، فأطعميه واسقيه، وإلاّ خلّي سبيله يأكل من


حشائش الأرض).

فلمّا وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه، فتعلّق الباب بمئزره فانْحَلّ مئزره حتّى سقط، فأخذه وشدّه وهو يقول:

أُشْدُد حَيَازِيْمَكَ لِلْمَوْتِ

فَإِنَّ المَوْتَ لاَقِيْكَا

وَلاَ تَجْزَعْ مِنَ المَوْتِ

إذا حَلَّ بِنَادِيْكَا

كَمَا أَضْحَكَكَ الدَهْرُ

كَذَاك الدَهْر يُبْكِيْكَا

ثمّ قال : (اللّهم بارك لنا في الموت، اللّهم بارِك لِي فِي لِقَائِكَ).

قالت : وكنتُ أمشي خلفه، فلمّا سمعتُه يقول ذلك، قلتُ: واغوثاه يا أبتاه أراك تنعى نفسك منذ الليلة!!

قال : (يا بنيّة ما هو بنعاء، ولكنّها دلالات وعلامات للموت يتبع بعضها بعضاً...) ثمّ فتح الباب وخرج(٣٦) .

وما هي إلا فترة بسيطة من الوقت وإذا بالسيّدة زينب تسمع نعي أبيها علي، حيث ضربه (عبد الرحمن بن ملجم ) من أتباع الخوارج بالسيف على هامته حين رفع رأسه من السجدة الأولى من الركعة الأولى لصلاة الصبح، ووقع الإمام علي في محرابه صريعاً قائلاً: (فزتُ وربِّ الكعبة).

ونُقل الإمام إلى داره حيث فارقتْ روحُه الحياة بعد يومين من إصابته، أي في (الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك ).

وقُبيل وفاته عَرَقَ جبينُه فجعل يمسح العرق بيده، فقالت السيّدة زينب: يا أَبَه أراك تمسح جبينك؟

قال : (يا بنيّة، سمعتُ جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (إنّ

____________________

(٣٦) علي من المهد إلى اللحد: القزويني: ص ٥٥٩.


المؤمن إذا نزل به الموت، ودنتْ وفاته، عرق جبينُه، كاللؤلؤ الرطب، وسكن أنينه).

فقامتْ زينب وألقتْ بنفسها على صدر أبيها وقالتْ: يا أَبَه حدّثتْني أُمّ أيمن بحديث كربلاء وقد أحببتُ أنْ أسمعه منك.

فقال : (يا بنيّة، الحديث كما حدّثتْكِ أُمّ أيمن، وكأنّي بِكِ وبنساء أهلك لَسَبَايَا بهذا البلد، خاشعين، تخافون أنْ يتخطّفكم الناس، فصبراً صبراً).

وهكذا ودّعت السيّدة زينب أباها عليّاً، ورُزِئَتْ بفقده، ولك أنْ تتصوّر مدى الحزن والألم الذي أحاط بها بعد أنْ فارقتْ أباها الذي كان مَلأَ حياتها ووجودها، وكانت متعلّقة به أشدّ التعلّق كما كان يحبّها أشدّ الحب.

ولكن كما قال أبوها علي عند فقده أمّها الزهراء:

لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ خَلِيْلَيْنِ فرْقَةٌ

وَكُلُّ الذِي دُوْنَ الفِرَاق قَلِيْلُ

وَإنّ افْتِقَادِي فَاطَمَاً بَعْدَ أَحْمَدٍ

دَلِيْلٌ عَلَى أَنْ لاَ يَدُوْم خَلِيْلُ



* امتداد لشخصيّة أبيها:

عاصرتْ السيِّدة زينب أباها لخمس وثلاثين عاماً، كانت خلالها القريبة إلى قلبه والعزيزة عليه، وكان هو الأقرب إلى نفسها، والأشدّ تأثيراً عليها؛ لذلك تقمّصتْ السيّدة زينب شخصيّة أبيها علي في شجاعته وإقدامه، وفي فصاحته وبيانه، وفي عبادته وانقطاعه إلى الله، وفي سائر الفضائل والخصال الكريمة التي ورثتْها زينب من أبيها علي، بعد أنْ تربّتْ في أحضانه وتتلمذتْ على يديه طوال خمس وثلاثين سنة.

ففي مجال البلاغة والفصاحة يقول العلاّمة الشيخ جعفر النقدي بعد أنْ يتحدّث عن بلاغة علي وبيانه : فاعلم أنّ هذه الفصاحة العلويّة، والبلاغة المرتضويّة، قد ورثتْها هذه المخدّرة الكريمة، بشهادة العرب أهل البلاغة والفصاحة أنفسهم، فقد تواترتْ الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم بن كثير، قال:

قدمتُ الكوفة في المحرّم سنة إحدى وستّين عندما انصرف علي بن الحسين من كربلاء ومعهم الأجناد، يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلمّا أقبل


بهم على الجمال بغير وطاء، وجعلنَ نساء الكوفة يبكين وينشدنَ، فسمعتُ علي بن الحسين يقول بصوت ضئيل وقد أنهكته العلّة، وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه: (إنّ هؤلاء النسوة يبكينَ فَمَنْ قَتَلَنَا؟).

قال : ورأيتُ زينب بنت علي، ولم أرَ خَفِرَة أَنْطَقَ منها، كأنّها تُفْرِغ عن لسان أمير المؤمنين.

وهذا حذلم بن كثير من فصحاء العرب أخذه العجب من فصاحة زينب وبلاغتها، وأخذتْه الدهشة من براعتها وشجاعتها الأدبيّة، حتّى أنّه لم يتمكّن أنْ يشبّهها إلاّ بأبيها سيّد البلغاء والفصحاء، فقال:كأنّها تُفْرِغ عن لسان أمير المؤمنين (٣٧) .

وفي جانب العبادة والمناجاة والتضرّع كانت تحفظ العديد من أدعية ومناجاة أبيها علي، وتواظب على قراءتها، فقد رُوي عنها أنّها كانت تدعو بعد صلاة العشاء بدعاء أبيها علي وهو: (اللّهم إنّي أسألك يا عالم الأمور الخفيّة، ويا مَن الأرض بعزّته مدحيّة، ويا مَن الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة مضيئة...)، إلى آخر الدعاء(٣٨) .

كما كانت تناجي ربّها بمناجاة أبيها علي، وهي قصيدة روحيّة تفيض خشوعاً وتضرّعاً لله سبحانه، مطلعُها:

لَكَ الحَمدُ يا ذا الجودِ والمَجدِ وَالعُلا

تَبارَكتَ تُعطي مَن تَشاءَ وَتَمنَعُ(٣٩)

وكانت تلهج أيضاً بأبيات حكميّة وعظيّة لأبيها علي، جاء فيها:

وَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيٍّ

يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ

____________________

(٣٧) زينب الكبرى: جعفر النقدي: ص ٤٨.

(٣٨) عقلية بني هاشم: الهاشمي: ص ١٦.

(٣٩) المصدر السابق: ص ١٦.


وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ

فَفَرَّجَ كُرْبةَ القَلبُ الشَجيِّ

وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً

وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ

إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً

فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ(٤٠)

هكذا تُتابع السيّدة زينب خُطَى أبيها علي، وتتقمّص شخصيّته وتلهج بأدعيته وكلماته.

____________________

(٤٠) المصدر السابق: ص ١٩.



في محنة أخيها الحسن



وبادر الناس إلى مبايعة الإمام الحسن بعد شهادة أبيه عليعليه‌السلام ؛ لِمَا تواتر في أوساطهم من أحاديث وروايات عن جَدِّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضله ومكانته ك-:

-قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُر إلى سَيِّد شباب أهلِ الجَنَّة فَلْينظر إلى الحسن)(١) .

-وما رواه البراء قال : رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحسن على عاتقه يقول: (اللّهم إنّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ)(٢) .

-وفي رواية عن أبي هريرة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال للحسن : (اللّهم إنّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ)(٣) .

-وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا)(٤) .

____________________

(١) حياة الإمام الحسن: القرشي: ج ١، ص ٩٦.

(٢) صحيح البخاري: ج ٥، ص ٣٣.

(٣) صحيح مسلم: ج ٢، ص ٣٦٧.

(٤) حياة الإمام الحسن: القرشي: ج ١، ص ٩٦.


وقد بادر بعض الصحابة للإدلاء بشهاداتهم، وما سمعوه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ الإمام الحسن عندما خطب الإمام الحسن مؤبّناً أباه عليّاً ومستقبلاً البيعة من الناس، كما روى زهير بن الأقمر قال:

بينما الحسن بن علي يخطب بعدما قُتل علي إذْ قام إليه رجل من الأزد آدم طُوَال، فقال: لقد رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واضعه في حَبْوَتِهِ يقول: (مَن أَحَبَّنِي فَلْيُحِبّه، فَلْيُبْلِغ الشاهدُ الغائبَ) ولولا عزمه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما حدّثتُكم(٥) .

* وممّا دفع الناس إلى مبايعة الإمام الحسن ما عرفوه من صفاته وكفاءاته التي لا يدانيه فيها أحد، فهو أفضل الأُمّة بعد أبيه علي:

-فهذا أنس بن مالك يقول : لم يكن أشبه برسول الله من الحسن(٦) .

-وتذاكر قوم من الصحابة يوماً حول مَن أشبه النبي مِن أهله : فقال عبد الله بن الزبير، أنا أحدّثكم بأشبه أهله به وأَحَبُّهم إليه: الحسن بن علي(٧) .

-وهذا عبد الله بن عمر : وهو جالس في مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة في حلقة، فمرّ الحسن بن علي، فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء(٨) .

-ويقول عمرو بن إسحاق : ما تكلّم أحد أحبّ إليّ أنْ لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعتُ منه كلمة فحش قط(٩) .

____________________

(٥) الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر: ج ١، ص ٣٢٩.

(٦) المصدر السابق: ص ٣٢٩.

(٧) المصدر السابق: ص ٣٢٩.

(٨) در السحابة في مناقب القرابة والصحابة: الشوكاني: ص ٢٨٩.

(٩) أئمّتنا: علي دخيّل: ج ١، ص ١٦٧.


-وعن واصل بن عطاء : كان الحسن بن علي عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك(١٠) .

-وقال محمّد بن إسحاق : ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ما بلغ الحسن، كان يبسط له على باب داره، فإذا خرج وجلس، انقطع الطريق، فما يمرّ أحد مِن خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمرّ الناس، ولقد رأيتُه في طريق مكّة ماشياً، فما مِن خَلْق الله رآه إلاّ نزل ومشى، وحتّى رأيتُ سعد بن أبي وقّاص يمشي(١١) .

ولأنّ الإمام الحسن بعد ذلك وصيّ أبيه أمير المؤمنين، فلهذه العوامل جميعاً بادر الناس إلى مبايعته، فقد انبرى عبيد الله بن العبّاس مخاطباً الجمْع الحاشد الذي اجتمع بعد مقتل الإمام علي قائلاً:

معاشر الناس هذا ابن نبيّكم - يعني الحسن - ووصيّ إمامكم فبايعوه، فهتف الناس مستجيبين قائلين: ما أحبه إلينا وأوجب حقّه علينا، وأحقّه بالخلافة(١٢) .

وهكذا بويع الإمام الحسن بالخلافة في (الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة: ٤٠ ه- )، بايعه الناس في:

- الكوفة.

- والبصرة.

- والمدائن، وجميع أهل العراق.

- وبايعته فارس.

- والحجازيّون.

- واليمانيّون، وجميع البلاد الإسلاميّة.

لكن معاوية بن أبي سفيان أصرّ على التمرّد كما كان موقفه من خلافة الإمام علي، بل وبدأ يَعُدّ العِدَّة ويحشّد الجيوش للزحف على عاصمة الخلافة الشرعيّة الكوفة، ولم تنجح الجهود التي بذلها الإمام الحسن من رسائل ومبعوثين إلى معاوية مِن ثَنْيِهِ عن موقفه المتمرّد الخارج على الشرعيّة.

____________________

(١٠) المصدر السابق: ص ١٦٨.

(١١) المصدر السابق: ص ١٦٨.

(١٢) حياة الإمام الحسن: القرشي: ج ٢، ص ٣٤.


فصمّم الإمام الحسن على مواجهة بَغْي معاوية، واستنهض جمهوره وعبّأهم للقتال، بعد ما بلغتْه أنباء تحرّك جيش معاوية باتّجاه العراق، وقوامه( ٦٠ ألفاً )، وقيل أكثر من ذلك (١٣) .

لكنّ الظروف لم تكن في صالح الإمام الحسن، فقد كان جيشه وجمهوره متعباً منهكاً من الحروب الثلاثة التي خاضها مع الإمام علي، كما كان الجيش والجمهور موزّع الولاء والاتّجاه للتيّارات المختلفة، ومنها: (الخوارج، وأصحاب المطامع )، وبلغ تعداد جيش الإمام الحسن (٤٠ ألفاً ) على أرجح الروايات التاريخيّة (١٤) .

واجتهد معاوية بن أبي سفيان كثيراً لتفتيت وتخريب الجبهة الداخليّة لمعسكر الإمام الحسن، فبثّ في أوساطه العملاء الذين ينشرون الإشاعات المثبّطة والتشكيكات، كما كثّف مساعيه لإغراء واستقطاب العديد من الزعماء والرؤساء والشخصيّات في معسكر الإمام، بتقديم المبالغ المالية الضخمة لهم، وتطميعهم بالمناصب والمواقع.

وبالفعل فقد تخلّى عن الإمام الكثير من قيادات جيشه، حتّى ابن عمّه عبيد الله بن العبّاس والذي كان يقود مقدّمة جيش الإمام لمواجهة معاوية، حيث أغراه معاوية بمبلغ مليون درهم، فتسلّل منحازاً إلى معاوية ومعه ثمانية الآلف جندي من أصل اثني عشر ألفاً كان يقودهم!

كلّ ذلك أدّى إلى اضطراب جيش الإمام، ممّا جرّأ البعض منهم على النيل من هيبة الإمام شخصيّاً، ومحاولة اغتياله، وقد هجم جماعة من معسكر الإمام على مَضَارِبِه وسُرْدَاقِهِ وانْتَهَبُوا أَمْتِعَتَهُ، وتُضيف بعضُ المصادر أنّهم نزعوا بساطاً كان يجلس عليه وسلبوا رداءه، كما خاطبه أحد الخوارج وهو: (الجراح بن سنان ) قائلاً: أشركتَ يا حسن، كما أَشْرَكَ أبوك مِن قَبل!

____________________

(١٣) المصدر السابق: ص ٧١.

(١٤) المصدر السابق: ص ٨٠.


وجرّتْ ثلاث محاولات لاغتيال الإمام في معسكره(١٥) .

هذه الظروف المؤلمة الحرجة دفعتْ الإمام الحسن لإعادة النظر في قرار المواجهة والقتال مع معاوية، لعدم تكافؤ المعسكرَين عدداً وعدّة وتماسكاً، ممّا يجعل مستقبل المواجهة والحرب لصالح معاوية حتماً، وذلك يعني الأخطار والمضاعفات الكبيرة على وضع الأُمّة الإسلاميّة ككل، وخط أهل البيتعليهم‌السلام بشكلٍ خاص.

لذلك قرّر الإمام الحسن الاستجابة إلى دعوة الصلح التي كان معاوية يلحّ في طرحها، وتنازل الإمام عن الخلافة والحكم بشروط قَبِلَهَا معاوية، ومِن أهمّها:

- العمل بكتاب الله وسُنّة نبيّه.

- وعدم الظلم والاعتداء على حقوق الناس وخاصّة أهل البيت وأتباعهم.

- وأنْ تكون الخلافة بعد معاوية للإمام الحسن أو حسب اختيار المسلمين.

وتمّ الصلح حوالي: (شهر ربيع الأوّل سنة: ٤١ ه- )، أي بعد ستّة أشهر من خلافة الإمام الحسنعليه‌السلام .

بالطبع كان مؤلماً للإمام الحسن ولأهل بيته وأتباعه أنْ يَرَوا معاوية متسلّطاً على المسلمين متحكّماً في أمورهم، وأنْ يلاحظوا الانحرافات الكبيرة الخطيرة التي يقوم بها دون رادع أو مانع، لكن ماذا يصنع الإمام الحسن وقد خانتْه الظروف ولم تَخْلُص له الأُمّة؟

وانفعل العديد من المخلصين من أتباع الإمام لِمَا حدث، ووجّهوا للإمام الحسن عتابهم الحاد الجارح على قرار الصلح، لكنّ الإمام بقلبه الواسع وحلمه الكبير كان يعذرهم على انفعالهم، ويوضّح لهم حقيقة الموقف وأبعاده.

وبعد الصلح بقي الإمام في الكوفة أيّاماً وهو مَكْلُوْم القلب قد طافت به الهموم والآلام، يتلقّى من شيعته مرارةَ الكلام، وقَسْوة النقد، ويتلقّى من معاوية

____________________

(١٥) المصدر السابق: ص ١٠٦.


وحزبه الاستهانةَ بمركزه الرفيع، وهو مع ذلك صابر محتسب، قد كظم غيظَه، وأوكل إلى الله أمرَه، وقد عزم على مغادرة العراق، والشخوص إلى مدينة جَدِّه(١٦) .

وطلب منه بعضُ أهل الكوفة البقاء عندهم، لكنّه لم يستجِب لهم، وكان يوم سفره مشهوداً في الكوفة، حيث خرج الناس بمختلف طبقاتهم إلى توديعه، وهم ما بين باكٍ وآسف.

ولم تكن العقيلة زينب بعيدة عن تلك الأحداث القاسية، بل كانت إلى جانب أخيها الحسن تشاطره معاناته، وتعيش معه آلام الأُمّة المنكوبة.. وقد غادرتْ الكوفة مع أخيها إلى مدينة جَدِّها ومسقط رأسها، بعد أنْ قَضَتْ في الكوفة حوالي (خمس سنوات ) مليئة بالحوادث والآلام، ومِن أشدّها وأفجعها فَقْدُ أبيها عليّ.

وفي المدينة واصلتْ السيّدة زينب تحمّل مسؤوليّتها في الهداية والإرشاد، وبثّ المعارف والوعي، كما كانت تشارك أخاها الإمام الحسن مواجهة إساءات الحكم الأموي وانحرافاته، حيث لم يلتزم معاوية بأيّ شرط من شروط الصلح، وصار يحكم المسلمين حسب رغباته وشهواته، بعيداً عن تعاليم كتاب الله وسُنّة رسوله، كما كان يوجّه سهام بَغْيِهِ وحِقْده صوب أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم، فسنّ شَتْمَ الإمام علي على المنابر، وقَتَل خيار أتباعه، وضَيَّق على شيعته، وصار يخطّط لتنصيب ولده (يزيد ) خليفة وحاكماً على الأُمّة من بعده.

بالطبع كان وجود الإمام الحسن يُقلق معاوية، ويُعَرقل بعض مخططاته الفاسدة؛ لذلك فكّر في تصفية الإمام الحسن والقضاء على حياته، فأغرى زوجته (جعدة بنت الأشعث ) بمائة ألف درهم، ووعدها بأنْ يزوّجها ولدَه يزيداً إنْ هي دَسَّت السمّ للإمام الحسن وقضتْ على حياته.

واستجابتْ جعدة لتلك الإغراءات وألقتْ السمّ الفتّاك الذي بعثه إليها معاوية في طعام الإمام الحسن، فتقطّعتْ بذلك كَبِدُهُ وأمعاؤه، واستعدّ لمفارقة الحياة.

____________________

(١٦) المصدر السابق: ص ٢٨٥.


ورأتْه أختُه زينب وهو في فراش الموت، فانفطر قلبها لمأساة أخيها، وتجدّدتْ عليها المصائب والأحزان.

وممّا زاد في آلام السيّدة زينب وأحزانها ما تعرّضتْ له جنازة أخيها مِن إساءة وهوان، حيث كان الإمام الحسن قد أوصى بأنْ يُدفن عند قبر جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوّلاً، أقل أنْ يُمرّ به على قبر جدّه ليجدّد به عهداً، لكنّ الحزب الأموي اعترض جنازة الإمام، وأثاروا السيّدة عائشة لتتبنّى مواجهة الهاشميّين ومَنْعهم من الاقتراب بجنازة الإمام الحسن عند قبر جدّه، بحجّة أنّه يقع في بيتها وأنّها لا تسمح لهم بذلك!

وهكذا رافقتْ الظلامة والمأساة الإمام الحسن حتّى بعد وفاته، ومنعوا اقتراب جنازته من قبر جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو سبطه الحبيب وولده العزيز!

كلّ ذلك ضاعف من أحزان السيّدة زينب والهاشميّين؛ لذلك ورد في التاريخ أنّ نساء بني هاشم وفي طليعتهنّ السيّدة زينب اسْتَمَرَّيْنَ في النياحة على الإمام الحسنعليه‌السلام شهراً كاملاً، وأظهرْنَ الحداد، ولَبِسْنَ السواد سنة كاملة(١٧) .

____________________

(١٧) المصدر السباق: ص ٥٠٢.



ب-طلة كربلاء



يبدو أنّ كلّ ما سبق في حياة السيّدة زينب، كان بمثابة إعداد وتهيئة للدور الأكبر الذي ينتظرها في هذه الحياة.

- فالسنوات الخمس الأولى من عمرها والتي عايشت فيها جدها المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقود معارك الجهاد لتثبيت أركان الإسلام ويتحمل هو وعائلته ظروف العناء والخطر.

- والأشهر الثلاثة التي رافقتْ خلالها أمّها الزهراء بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورأتْ أُمّها تدافع عن مقام الخلافة الشرعي، وتطالب بحقّها المُصادَر، وتعترض على ما حصل بعد الرسول من تطوّرات، وتُصارع الحسرات والآلام التي أصابتْها.

- والفترة الحسّاسّة الخطيرة التي عاصرتْ فيها حكم أبيها علي وخلافته وما حدث فيها من مشاكل وحروب.

- ثمّ مواكبتها لمحنة أخيها الحسن وما تجرّع فيها من غصص وآلام.

كل تلك المعايشة للأحداث والمعاصرة للتطوّرات.. كان لإعداد السيّدة زينب؛ لتؤدّي امتحانها الصعب ودورها الخطير في ثورة أخيها الحسين بكربلاء.


وما كان للسيّدة زينب أنْ تنجح في أداء ذلك الامتحان، وممارسة ذلك الدور لو لم تكن تمتلك ذلك الرصيد الضخم من تجارب المقاومة والمعاناة، ولو لم يتوفّر لها ذلك الإرث الكبير من البصيرة والوعي.

وواقعة كربلاء تعتبر من أهمّ الأحداث التي عصفتْ بالأمّة الإسلاميّة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ففي واقعة كربلاء تجلّى تيّار الردّة إلى الجاهليّة، والانقلاب على الأعقاب، ووصل إلى قمّته وذَرْوَتِهِ من خلال المعسكر الأموي، كما تجسّد وتبلور خطّ الرسالة والقِيَم الإلهيّة في الموقف الحسيني العظيم، وواقعة كربلاء شرّعتْ للأمّة مقاومة الظلم والطغيان، وشقّتْ طريق الثورة والنضال أمام الطامحين للعدالة والحرِّيَّة.

وكان للسيّدة زينب دور أساسي رئيسي في هذه الثورة العظيمة، فهي الشخصيّة الثانية على مسرح الثورة بعد شخصيّة أخيها الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومن يقرأ أحداث كربلاء ويقلّب صفحات كتابها، يرى السيّدة زينب إلى جانب الحسين في أغلب الفصول والمواقف، بل إنّها قادتْ مسيرة الثورة بعد استشهاد الإمام الحسين وأكملتْ حلقاتها.

ولولا كربلاء لَمَا بلغتْ شخصيّة السيّدة زينب هذه القمّة من السموّ والتألّق والخلود.. ولولا السيّدة زينب لَمَا حقّقت كربلاء أهدافها ومعطياتها وآثارها في واقع الأمّة والتاريخ. لقد أظهرت كربلاء جوهر شخصيّة السيّدة زينب، وكشفتْ عن عظيم كفاءاتها وملكاتها القياديّة، كما أوضحتْ السيّدة زينب للعالَم حقيقة ثورة كربلاء، وأبعاد حوادثها. وحقاً إنّها بطلة كربلاء وشريكة الحسين.


سطور من كتاب الثورة

قبل أنْ نتحدّث عن دور السيّدة زينب في ثورة كربلاء، لا بدّ من قراءة بعض سطور كتاب الثورة الحسينيّة، لتوضيح خلفيّات ذلك الدور الزينبي.

* طبيعة الحكم الأموي:

في شهر(جمادي الأوّل - سنة: ٤١ ه-) وبعد صُلْح الإمام الحسن تمّ لمعاوية ما كان يريده ويسعى إليه، فقد أصبح هو الخليفة والحاكم على الأمّة الإسلاميّة جمعاء.

ودخلتْ الأمّة في نَفَق الحكم الأموي، حيث لم تَعُد مبادئ الإسلام وأنظمته هي المرجع والمقياس، وإنّما هي إرادة الحاكم يعمل كيف يشاء وما يشاء، وحتّى لا تزاحمه أيُّ إرادة أخرى، ولا يجرأ أحدٌ على معارضته، فقد بدأ في تنفيذ مخطّط لتصفية كلّ رجالات المسلمين الأحرار الشرفاء.

* وكان من ضحايا ذلك المخطط:

- الإمام الحسن بن علي، حيث دسّ اليه السم.

- وحجر بن عَدِي، الصحابي الجليل.

- وعبد الرحمن بن حسّان العنزي.

- وصَيْفِي بن فسيل الشيباني.

- وقَبِيْصَة بن رَبِيْعَة.

- وشريك بن شدّاد الحضرمي.

- وكِدَام بن حيّان العنزي.

- ومُحْرِز بن شهاب التميمي.

- والصحابي العالِم رشيد الهجري.

- والصحابي العظيم


عَمْرُو بن الحَمِق الخزاعي.

- وأَوْفَى بن حصن.

- وجُوَيْرِيَة بن مُسْهِر العبدي.

- وعبد الله بن يحيى الحَضْرَمِي(١) ، وغيرهم من شخصيّات الأمّة وأفاضلها المخلِصين.

كما عمل الحكم الأموي على تعبئة أجواء الرأي العام ضدّ أهل البيتعليهم‌السلام ، وسنّ سبّ الإمام علي بن أبي طالب على المنابر وفي خطب الجمعة، وفرض ذلك على جميع عمّاله ووُلاته ومَن أبى منهم عَزَلَه، وبقي ذلك سُنّة إلى عهد عمر بن عبد العزيز، حيث أمر بإلغائه حين تولّى الخلافة سنة (٩٩ ه- ) أي أنّ سبّ الإمام علي استمرّ أكثر من نصف قرن من (سنة: ٤١ إلى سنة: ٩٩ ه- ).

* وازدادتْ الضغوط القمعيّة على أهل البيت وشيعتهم من قِبل الحكم الأموي:

فقد رفع معاوية مذكّرة إلى جميع عمّاله وولاته جاء فيها:انظروا إلى مَن قامتْ عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه .

ثمّ شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها: ومَن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا دارَه.

وتحدّث الإمام الباقر عمّا جرى على أهل البيت وشيعتهم من الاضطهاد والأذى في زمن معاوية، فقال: (وقُتلتْ شيعتُنا بكلّ بلدة، وقُطعتْ الأيدي والأرجل على الظِنَّة، وكان مَن يُذكر بِحُبِّنَا والانقطاع إلينا سُجِن، أو نُهب ماله، أو هُدمت داره)(٢) .

إضافةً إلى إظهار الفساد والمخالفة للدين، ك-:

- تعطيل الحدود.

- وممارسة الخلاعة والمجون.

- واستلحاق معاوية لزياد بن أبيه.

- والجرأة الصريحة على مخالفة الأحكام الشرعيّة من قِبل معاوية، حتّى في العبادات، كالأذان في صلاة العيد والخطبة قبل

____________________

(١) حياة الإمام الحسن: القرشي: ج ٢، ص ٣٥٨، إلى ٣٨٥. راجع تراجم المذكورين وكيفيّة قَتْلهم.

(٢) المصدر السابق: ص ٣٥٦.


صلاة العيد.

- وأخذ الزكاة من الأعطية.

- والتطيّب في الإحرام.

- واستعمال أواني الذهب والفضّة.

- ولبس الحرير.

وقد ساءتْ أوضاع الناس الاقتصاديّة؛ لأنّ معاوية كان يستأثر هو ومَن حوله بأموال المسلمين، ويضعون عليهم مختلف الضرائب، وكان معاوية يرى لنفسه الحق في التصرّف كما يشاء في ثروات الأمّة، بينما يتضور الفقراء والمستضعفون جوعاً وحرماناً، ويُنقل عنه قوله:الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذتُ من مال الله فهو لي، وما تركتُه كان جائزاً لي (٣) .

وذكر ابن حجر أنّه جاء بسند رجاله ثقات: إنّ معاوية خطب يوم جمعة فقال:إنّما المال مالنا، والفَيْء فيئنا، فَمَن شِئْنَا أعطيناه، ومَن شِئْنَا مَنَعْنَاه (٤) .

وفي(ربيع الأبرار) قال: خطب معاوية فقال:

إن الله تعالى يقول :( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (٥)

فَعَلاَمَ تلومنني إذا قصرتُ في إعطائكم (٦) .

* كما سلّط معاوية على الأمّة ولاة جفاة قساة، نشروا الرعب والبطش، وحكموا الناس بالإرهاب والقمع، مثل:

- سمرة بن جندب:

والذي استعمله زياد على البصرة نائباً عنه، فأسرف في قتل الأبرياء وإزهاق الأنفس بغير حق، فقد حدّث محمّد بن سليم، وقال: سألتُ أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحداً؟

فاندفع أنس بحرارة والتأثر بادياً عليه قائلاً: وهل يُحصى مَن قَتَل سمرة بن

____________________

(٣) النصائح الكافية لِمَنْ يتولّى معاوية: محمّد بن عقيل: ص ١٣١ - ١٣٤.

(٤) النصائح الكافية لِمَنْ يتولّى معاوية: محمّد بن عقيل: ص ١٣١ - ١٣٤.

(٥) سورة الحجر: الآية: ٢١.

(٦) النصائح الكافية لِمَنْ يتولّى معاوية: محمّد بن عقيل: ص ١٣١ - ١٣٤.


جندب؟ اسْتَخْلَفَهُ زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قَتَلَ ثمانية آلاف من الناس.

فقال له زياد : هل تخاف أنْ تكون قد قتلتَ أحداً بريئاً؟

فأجابه سمرة : لو قتلتُ إليهم مثلهم ما خشيت(٧) .

- ومن ولاة معاوية الظالمين: بُسْر بن أَرْطَأة:

والذي وجّهه إلى اليَمَن، ففعل فيها الأفاعيل المُنكَرة التي لم يشهد التاريخ نظيراً لها في فظاعتها وقسوتها، وذكر الرواة أنّ بسر بن أرطأة قتل ثلاثين ألفاً من المسلمين، عدا من أحرقهم بالنار(٨) .

- ومن أخطر ولاة معاوية وأكثرهم جوراً وظلماً زياد بن أبيه:

وقد ولاّه معاوية البصرةَ، والكوفةَ، وسجستان، وفارس، والسِنْد، والهند.

هكذا عاشتْ الأمّة الإسلاميّة في ظلّ الحكم الأموي، وبمراجعة بسيطة لكتب التاريخ يرى الإنسان صور الظلم الفظيعة البَشِعَة التي سجّلها الأمويّون في تاريخ حكمهم الأسود.

* يزيد بن معاوية حاكماً:

واستكمالاً لمشروع الردّة إلى الجاهلية ختم معاوية بن أبي سفيان حياتَه باستخلاف ولده يزيد على الأمّة، ليبدأ بذلك عهد المًلك العضوض والحكم الوراثي العائلي، خلافاً لِمَا أقرّه الإسلام وتعوّد عليه المسلمون.

ولم تكن لدى يزيد أدنى مؤهّلات الحكم والخلافة، فقد كان كلفاً بالصيد لاهياً به، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويَهَبُ لكلّ كلب عبداً يخدمه(٩) ، كما كان وَلِعَاً بالقرود، وله قرد يجعله بين يديه ويُكنّيه

____________________

(٧) حياة الإمام الحسن: القرشي: ج ٢، ص ١٩٤.

(٨) المصدر السابق: ص ١٩٩.

(٩) المصدر السابق: ص ١٨١.


بأبي قيس، ويسقيه فَضْلَ كَأْسِهِ(١٠) ، كما كان مدمناً على شرب الخمر(١١) .

يقول الحسن البصري ضمن تعداده لموبقات معاوية : واستخلاف ابنه بعده سكّيراً خميراً، يلبس الحرير ويضرب الطنابير(١٢) .

وقد اعترض كبار الصحابة على معاوية حينما أراد مبايعة ولده يزيد بولاية العهد، وعقد مجلساً في المدينة المنوّرة ضمّ نخبةً من أفاضل الصحابة؛ ليخبرهم برغبته في تعيين ولده يزيد وليّاً لعهده.

- فانبرى له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب زوج السيّدة زينب قائلاً بعد حمد الله والثناء عليه:

(أَمّا بعد: فإنّ هذه الخلافة إنْ أخذ فيها بالقرآن فأُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإنْ أُخذ فيها بِسُنَّة رسول الله فأُولُوا رسول الله، وإنْ أخذ فيها بسنّة الشيخين أبي بكر وعمر فأيّ الناس أفضل وأكمل وأحقّ بهذا الأمر من آل الرسول؟ وايم الله لو ولّوه بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه، ولأُطيع الرحمن، وعُصي الشيطان، وما اختلف في الأمّة سيفان، فاتّقِ الله يا معاوية فإنّك قد صرتَ راعياً ونحن رعيّة فانظر لرعيّتك فإنّك مسؤول عنها غداً)(١٣) .

- واندفع عبد الله بن عمر فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيّه:

(أَمّا بعد: فإنّ هذه الخلافة ليست بهرقليّة ولا قيصريّة، ولا كسرويّة، يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك كنتَ القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع السِتّة من أصحاب الشورى، إلاّ أنّ الخلافة ليستْ شرطاً مشروطاً، وإنّما هي في قريش خاصّة لِمَنْ كان لها أهلاً، مِمَّنْ ارتضاه المسلمون لأنفسهم، مِمَّنْ كان أَتْقَى وأَرْضَى)(١٤) .

____________________

(١٠) المصدر السابق: ص ١٨٢.

(١١) المصدر السابق: ص ١٨٣.

(١٢) المصدر السابق: ص ١٨٤.

(١٣) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٢، ص ٢٠٥.

(١٤) المصدر السابق: ص ٢٠٧.


وبنفس المضمون تكلم عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن الزبير، إلاّ أنّ معارضة هؤلاء الصحابة وغيرهم من أعيان الأمّة لم تؤثّر في عزم معاوية على فرض ولده حاكماً مِن بعده، بل شهر سلاح التهديد أمام المعارضين، وقال ناطق باسم معاوية في حضوره وهويزيد بن المقفّع :

أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - فإنْ هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا، وأشار إلى السيف(١٥) .

ومات معاوية في (شهر رجب سنة: ٦٠ ه- )، وأصبح ولده يزيد خليفة وحاكماً على المسلمين.

* الحسين يرفض البيعة:

وكتب يزيد إلى الوالي الأموي على المدينة (الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ) يطلب إليه أخذ البيعة قسراً من كبار الصحابة، وفي مقدّمتهم الإمام الحسينعليه‌السلام .

وفي منتصف الليل اسْتُدْعِي الإمام الحسين إلى مجلس الوليد، وطلب منه البيعة إلى يزيد، فأجاب الإمام: (إنّ مثلي لا يبايع سِرَّاً، ولا يجتزي بها منّي سِرّاً، فإذا خرجتَ إلى الناس ودعوتهم للبيعة، دعوتَنا معهم كان الأمر واحداً).

وقَبِلَ الوليد كلام الإمام الحسين، لكنّ (مروان بن الحَكَم ) والذي كان جالساً إلى جانب الوليد رفض ما قاله الإمام، وطالب الوليد بإجبار الحسين على البيعة فوراً!!

وردّاً على هذا التهديد أعلن الإمام الحسين موقفه الرافض لبيعة يزيد قائلاً: (أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحلّ الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرّمة، مُعْلِن بالفسق، ومِثْلِي لا يُبايِع مِثْلَه، ولكن نُصبح وتُصبحون، ونَنْظُر وتَنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة)(١٦) .

____________________

(١٥) المصدر السابق: ص ٢٠٣.

(١٦) المصدر السابق: ص ٢٥٥.


* الحسين يُغادر إلى مكّة:

وغادر الإمام الحسين المدينة المنوّرة في (٢٨ - رجب - ٦٠ ه-)، متّجهاً إلى مكّة المكرّمة، بعد أنْ عهد إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة بوصيّةٍ أَبَانَ فيها هدف خروجه وتحرّكه حيث جاء فيها: (إنّي لم أَخْرُج أَشِرَاً، وَلاَ بَطِرَاً، وَلاَ مُفْسِدَاً، وَلاَ ظَالِمَاً، وَإِنّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاَح فِي أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيْدُ أَنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنْ المُنْكَرِ، وَأَسِيْرَ بِسِيْرَةِ جَدِّي وَأَبِي عليّ بن أَبِي طَالِب، فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُوْلِ الحَقِّ، فَاللهُ أَوْلَى بِالحَقِّ، وَمَنْ رَدّ عَلَيَّ، أَصْبِرُ حَتّى يَقْضِيَ الله بَيْنِي وَبَيْنَ القَوْمِ، وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِيْنَ)(١٧) .

ووصل مكّة المكّرمة في (الثالث من شهر شعبان )، وبدأ يعلن موقفه هناك، ويوضّح رأيه في الحكم الأموي لجموع المسلمين الذين يؤمّون البيت الحرام حجّاجاً ومعتمرين.

كما بعث الإمام برسائله إلى زعماء العراق والكوفة والبصرة يخبرهم بموقفه الرافض لحكم يزيد ويستحثّهم على تأييده ونصرته.

* استجابة الكوفة:

أجواء الكوفة كانت مهيّأة للثورة على الحكم الأموي؛ لذلك تفاعل الكوفيّون مع موقف الإمام الحسين، وبعثوا له الوفود، وكتبوا له آلاف الرسائل يعلنون بيعتهم له واستعدادهم لنصرته.

ويقول المؤرخون : إنّه اجتمع عنده في نُوَب متفرّقة (اثنا عشر ألف كتاب )، ووردتْ إليه قائمة فيها مائة وأربعون ألف اسم يُعربون عن نصرتهم له حال ما يصل الكوفة، كما ورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب(١٨) .

فبعث إليهم الإمام الحسين ابن عمّه مسلم بن عقيل، ليرى حقيقة الأوضاع

____________________

(١٧) المصدر السابق: ص ٢٦٤.

(١٨) المصدر السابق: ص ٣٣٥.


في الكوفة، وليأخذ منهم البيعة للإمام، وليهيّئ الأمور لِمَقْدَم الإمامعليه‌السلام .

وغادر مسلم مكّة المكرّمة (ليلة النصف من شهر رمضان المبارك ) ليصل الكوفة في (الخامس من شهر شوّال )، حيث استقبلة أهلها بالبهجة والترحيب، وبادرتْ جماهيرها لمبايعته كممثّل وسفيرٍ للإمام الحسين، فكتب للإمام يبشّره باستجابة الناس لبيعته ويستحثّه على الإسراع في القدوم للكوفة.

إلاّ أنّ الحكم الأموي - والذي أرعبه تمرّد الكوفة على سلطته - بادر إلى عزل وَالي الكوفة (النعمان بن بشير ) لضعفه في مواجهة التمرّد، وعيّن يزيدُ بن معاوية بدلاً منه (عبيدَ الله بن زياد ) وهو معروف بقسوته وغلظة.

وبعد أنْ استلم ابن زياد ولاية الكوفة خطّط بمكر ودهاء، واستخدم أشدّ أساليب القمع والإرهاب للقضاء على التمرّد الموالي للإمام الحسين، وكانت النتيجة إلقاء القبض على سفير الحسين مسلم بن عقيل وإعدامه في (الثاني من ذي الحجّة الحرام )، مع زعماء آخرين، واعتقال مجموعة كبيرة من شخصيّات الكوفة وزعمائها، وإعلان حالة الطوارئ القصوى.

* إلى العراق:

كتب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين يخبره عن استجابة أهل الكوفة لطاعته وتشوّقهم لقدومه، طبعاً قبل التطوّرات اللاحقة، فعزم الإمام الحسين على مغادرة مكّة باتجاه العراق؛ لأنّه لا يريد أنْ تكون مكّة ساحة لتفجير الثورة والصدام مع الحكم الأموي، حفاظاً على قداسة الحرم وأَمْنِهِ، ولأنّ جمهور العراق أكثر تهيّأ للثورة حسب رسائلهم وتجاوبهم مع سفير الحسين إليهم.

وقد استفاد الإمام من فترة وجوده في مكّة المكرّمة للاتّصال بجموع المسلمين القادمين للحجّ والعمرة.

وغادر مكّة في (اليوم الثاني من شهر ذي الحجّة، سنة: ٦٠ ه- ) وكان توقيتُ المغادرة مثيراً لجموع الحجيج والمسلمين، حيث كانوا يتأهّبون لأداء مناسك الحج،


فلماذا يُحرَمون من الحج مع الإمام؟!

وقد رافق الإمام في سفره عدد كبير من أهل بيته رجالاً ونساءً، وجماعة من أنصاره وأتباعه، وفي إحدى مراحل الطريق وصلتْ إلى الإمام الحسين أنباء التطوّرات الخطيرة في الكوفة، وسيطرة الأمويّين عليها، ومقتل سفيره مسلم بن عقيل، ورغم تألّمه لِمَا حَدَثَ إلاّ أنّه صمّم على الاستمرار في حركته ومسيرته.

وحينما علمتْ السلطة الأمويّة باتجاه الحسين إلى العراق، بعثتْ بعض الفرق والمَفَارِز العسكريّة؛ لتمنع الإمام الحسين من دخول الكوفة.

وبعدما تجاوزتْ قافلة الإمام الحسين موقعاً يُقال له (شراف )، واجهتْهم فرقة عسكريّة من الجيش الأموي تضمّ زُهاء (ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي )، وكان جنود الفرقة يعانون من الظمأ الشديد في حرّ الصحراء اللاهب، فأنقذهم الإمام من الموت المحتّم، وبذل لهم ما يحتاجون من الماء، ثمّ بدأ يحاورهم موضّحاً لهم أسباب قدومه إلى العراق، لكنّهم أصرّوا على أنْ يستسلم لهم لِيَقْدِمُوا به على ابن زياد والِي الأمويّين على الكوفة، كما لم يسمحوا له بالرجوع من حيث أتى، وحصل الاتّفاق أنْ تسير قافلة الإمام الحسين في طريق لا يُدْخِلُهُ الكوفة كما يريدون هم، ولا يُرْجِعُهُ إلى الحجاز كما يريده الإمام.

* في كربلاء:

ووصلتْ إلى قائد الفرقة الأمويّة رسالة من عبيد الله بن زياد، تأمره بإبقاء الحسين في فيافي الصحراء، وعدم إجباره على الدخول إلى الكوفة، خلافاً لقراره السابق، ولعلّه فكّر في أنّ دخول الحسين إلى الكوفة قد يؤدّي إلى تطوّرات غير محسوبة، فمواجهته في الصحراء وبعيداً عن الجمهور أفضل.

وعلى إثر الأمر الجديد أرادتْ الفرقة العسكريّة أنْ تُعَرْقِل سيْر الإمام وتمنعه، بينما كان الإمام يريد مواصلة السير، ومع المشادّة وتوتّر الأجواء وصلوا إلى منطقة على شاطئ الفرات، وسأل الإمام عن اسم تلك المنطقة، فأُجيب إنّها كربلاء، فأمر بالنزول فيها، فهي الأرض التي اختارها الله لتكون مسرح ثورته، وميدان


شهادته، وموضع قبره.

- وإذا كانت كربلاء في الجغرافيا مجرّد بقعة محدودة من الأرض.

- وإذا كانت في التاريخ قد سُجّلت باعتبارها مسرحاً لأهمّ حدث ديني سياسي في الأمّة الإسلاميّة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- وإذا كانت قد أصبحتْ قبلة للمؤمنين يؤمّونها ويقصدونها بقلوبهم وعواطفهم وأبدانهم.

- وإذا كانت كربلاء قد أضحتْ وَتَرَاً حزيناً تَعزف عليه قرائحُ الشعراء والأدباء، وملحمة بطوليّة يستلهم منها الثوّار والمصلحون.

فإنّها عند أهل البيتعليهم‌السلام أعمق من كلّ ذلك وأكبر، فليستْ هناك قضيّة أو حادثة نالتْ من الاهتمام والتركيز لدى أهل البيت ما نالتْه قضيّةُ كربلاء.

فقَبْل وقوع الحادثة كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتحدّث عنها ويشرح بعض تفاصيلها ويبيّن أهمِّيَّتها وأبعادها.. وكذلك الإمام علي والسيّدة الزهراء والإمام الحسن.. وبعد الحادثة كان أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام يُجَدِّدون ذكراها ويحيون وقائعها ويأمرون الناس بتخليدها وتعظيمها.

- رُوي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى أُمّ سَلَمَة تُراباً من تربة الحسين، حَمَلَهُ إليه جبرئيلُ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأُمّ سَلَمَة: إذا صار هذا التراب دَمَاً فقد قُتِلَ الحسين). فحفظتْ أُمّ سَلَمَة ذلك التراب في قارورة عندها، فلمّا قُتل الحسين صار التراب دَمَاً، فأعلمتْ الناسَ بقتْله أيضاً(١٩) .

- وأخرج ابن سعد عن أُمّ سَلَمَة أيضاً قالتْ: قال رسول الله (صلى الله عليه

____________________

(١٩) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٩٣.


وآله): (أخبرني جبريلُ أنّ الحسين يُقْتَل بِأَرْضِ العراق، فقلتُ لجبريل: أَرِنِي تُرْبَةَ الأرض التي يُقْتَلُ فيها، فَجَاءَ، فهذه تربتها)(٢٠) .

- وأخرج ابن سعد أيضاً والطبراني في (الكبير ) عن عائشة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (أخبرني جبريل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرضِ الطفّ، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أنّ فيها مضجعَه)(٢١) .

- وأخرج البغوي، وابن السكن، والباوردي، وابن مندة، وابن عساكر، والطبراني في (الكبير )، بإسناد رجاله ثقات عن أُمّ سَلَمَة: (إنّ ابني هذا - يعني الحسين - يُقتل بأرضٍ من أرض العراق، يُقال لها كربلاء، فَمَ شَهِدَ ذلك منكم فَلْيَنْصُرْهُ)(٢٢) .

- وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والبزاز، والطبراني في (الكبير )، بإسناد رجاله ثقات، عن نجي الحضرمي أنّه سار مع علي، وكان صاحب مطهرته، فلمّا حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفِّين، فنادى عليٌّ: (اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشطّ الفرات.

قلتُ : وما ذاك؟

قال : دخلتُ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وإذا عيناه تذرفان، قلتُ: يا نبيّ الله أأغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟

قال: بل قام من عندي جبريل فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات، قال: فهل لك أنْ أشممك من تربته؟ قلتُ: نعم! فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أنْ فاضتا)(٢٣) .

____________________

(٢٠) درّ السحابة في مناقب القرابة والصحابة: محمّد بن علي الشوكاني: ص ٢٩٤.

(٢١) المصدر السابق.

(٢٢) المصدر السابق.

(٢٣) المصدر السابق: ص ٢٩٧.


- وفي (تذكرة الخواص: ص ٢٦٠ ) أنّه لمّا قيل للحسين هذه أرض كربلاء أخذ ترابها فشمّه: وقال: (والله هي الأرض التي أخبر بها جبرئيلُ رسولَ الله أنّني أُقْتَلُ فيها).

وجاء في (حياة الحيوان: للدميري ج ١ ص ٦٠ ) أنّ الحسين سأل عن اسم المكان: فقيل له: كربلاء.

فقال: (ذات كرب وبلاء، لقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفّين وأنا معه، فوقف وسأل عنه فأخبروه باسمه، فقال: هاهنا محطّ رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم!... فَسُئل عن ذلك؟ فقال: نفر مِن آل محمّد ينزلون هاهنا... ثمّ أمر بأثقاله فحطّت في ذلك المكان).

وكذلك جاء في (مختصر صفة الصفوة)(٢٤) . وكان وصول الإمام الحسين إلى كربلاء في (اليوم الثاني من شهر المحرم: سنة ٦١ ه- ).

* عاشوراء:

زحفتْ القوّات العسكريّة الأمويّة لتحاصر الحسين وأصحابه في كربلاء، واختلف المؤرّخون في عدد أفراد القوّات الزاحفة نحو كربلاء، ولعلّ القول الأقرب والأصح هو (ثلاثون ألف مقاتل )(٢٥) ، بينما كان عدد أفراد معسكر الحسين لا يزيد على ثمانين رجلاً. بينما فرضت السلطات الحصار على الكوفة وحالة الطوارئ في داخلها؛ حتّى لا يتسلّل منها أحد للالتحاق بالإمام الحسين. وكانت قيادة الجيش الأموي بعهدةعمر بن سعد.

وتحدّث الإمام الحسين للجيش الأموي الزاحف لقتاله مراراً، ليعرّفهم بنفسه

____________________

(٢٤) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٩١.

(٢٥) المصدر السابق: ص ١٢٢.


وليشرح لهم مبرّرات وأهداف موقفه المعارض للسلطة الأمويّة، وليوضّح لهم سوء الواقع المعاش في ظلّ الأمويّين، ومسؤوليّة الثورة والرفض لظلمهم وطغيانهم.

لكنّ خطابات الإمام لم تؤثّر إلاّ في عدد قليل محدود من أفراد الجيش كالحرّ بن يزيد الرياحي قائد الفرقة العسكريّة التي واجهتْ الإمام في الطريق، فقد تأثّر بموقف الإمام وخطاباته، وتمرّد على معسكره والتحق بمعسكر الإمام الحسين.

وتشديداً للحصار على الإمام الحسين وأصحابه، فقد احتلّ الجيش الأموي شاطئ الفرات، ومنعوا الحسين وأصحابه وعياله من الوصول إلى الماء، منذ اليوم السابع من المحرّم.

وفي صبيحة اليوم العاشر من المحرّم بدأ الجيش الأموي هجومَه على معسكر الإمام الحسين، فتبادر أصحاب الإمام ورجالات أسرته الهاشميّة للدفاع عن وجود الإمام وعياله وعن أنفسهم، وسطّروا من خلال معركة دفاعهم المقدّس ملحمةً خالدةً من البطولة والفداء لم يعرف التاريخ لها نظيراً، وبعد ظُهْر اليوم العاشر من المحرّم كان جميع الأصحاب والأنصار قد عانقوا الشهادة، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بينما بقي الإمام الحسين يواجه القوم بمفرده وخلفه نساؤه وعياله قد أقضّهم العطش والظمأ، وآلمهم الحزن والمصاب، وأصبحوا ينتظرون مستقبلاً مأساويّاً بعد فَقْد رجالاتهم وحُمَاتهم.

وتصدّى الإمام لمواجهة القوم وقتالهم، غير آبه بكثرة جموعهم، ولا نالتْ المصائب والآلام من عزيمته وشجاعته، حتّى أذن الله له بلقائه، فوقع صريعاً شهيداً على بَوْغَاء كربلاء، مضمّخاً بدمائه الشريفة، شاهداً على انحراف الأمّة عن رسالة جدّه، راسماً لأجيال البشريّة طريق الثورة والنضال دفاعاً عن المبدأ والكرامة.

ولم يكتفِ الجيش الأموي الظالم بقتل الإمام وأصاحبه جميعاً، بل قتلوا حتّى الأطفال الرُضّع كعبد الله الرضيع ابن الإمام الحسين وهو دون العام من عمره، حيث ذبحوه على صدر أبيه الحسين، ولم يسلم من رجالات معسكر الحسين إلاّ ولده علي بن الحسين زين العابدين؛ لأنّه كان عليلاً مريضاً.


وأجهزوا على الجثث الطاهرة للإمام الحسين وأصحابه يحتزّون رؤوسهم ثمّ وطأوا جسد الإمام بخيولهم، وأغاروا على خيم نساء الحسين وأطفاله، وأحرقوها بالنار، وسلبوا ما فيها من متاع، وما على النساء والأطفال من حُلِيٍّ وَحُلَلٍ!!

لقد ارتكب الجيش الأموي الباغي في كربلاء جرائم فظيعة، لا يصحّ ارتكابها حتّى مع الأعداء الكافرين، فضلاً عن عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لذلك أصبحتْ كربلاء تمثّل أفظع مأساة في تاريخ البشر، وفي ذات الوقت فهي أروع ملحمة في سجلّ البطولة والفداء والصمود.

* قافلة السبايا:

وفي اليوم (الحادي عشر من المحرّم ) قام الجيش الأموي بمواراة جثث قتلاهم، بينما تركوا الأجساد الطاهرة للإمام الحسين وأصحابه على صعيد كربلاء تسفي عليهم الرياح دون مواراة.

وساروا بنساء الحسين وأطفاله سبايا كأُسارى إلى الكوفة تتقدّمهم رؤوس الحسين وأصحابه، معلّقة على رؤوس الرماح، وكان عدد السبايا عشرين امرأة عدا الصبيّة، وقد سَيَّرُوْهُنَّ على الجمال بغير وطاء(٢٦) وساقوهنّ بكلّ عنف وشِدّة، وأدخلوا السبايا إلى الكوفة في اليوم (الثاني عشر ) وسط مظاهر الفرح والبهجة بانتصار الظالمين على أهل البيت.

وبعد أنْ بقيتْ السبايا أيّاماً في الكوفة يعانينَ الإذلال والآلام سيَّروهنّ إلى الشام مع رؤوس الشهداء، فكانت رحلة مُضْنِيَة مرهِقة لتلك النساء المفجوعات، والصبايا اليتيمات.. ولَقِيْنَ في الشام ضروب الشماتة والإهانة، وخاصّة في مجلس الطاغية يزيد بن معاوية.

ومع أنّ دمشق كانت عاصمة الأمويّين، وأجواؤها كانت معبّأة ضدّ أهل

____________________

(٢٦) المصدر السابق: ص ٣٢١.


البيتعليهم‌السلام ، إلاّ أنّ مأساة السبايا، وأخبار كربلاء، وخطابات الإمام زين العابدين والسيّدة زينب وأُمّ كثلوم، كلّ ذلك ترك أثراً في جمهور الشام، وخلّف تيّاراً من الإنكار والرفض لسياسات يزيد بن معاوية، وخوفاً من تنامي ذلك التيّار أمر يزيد بإعادة السبايا إلى المدينة المنوّرة حسب طلبهم.

وهكذا عادت قافلة السبايا إلى المدينة تشكو إلى رسول الله ما أصابهم من ظلم وضَيْم واضطهاد لا شبيه له في التاريخ.

وبعد قراءة هذه السطور المتقضية السريعة من كتاب الثورة الحسينيّة الذي لم تستوفِ الأجيال قراءته، يمكننا الآن التحدّث عن دور السيّدة زينبعليها‌السلام في تلك الثورة العظيمة.



الدَور المنتظَر

قضيّة كربلاء بأحداثها المروعة لم تكن مفاجئة للسيّدة زينب، ودورها في تلك الواقعة لم يكن عفويّاً ولا من وحي الصُدْفة. فقد كانت مهيّأة نفسيّاً وذهنيّاً لتلك الواقعة، وكانت تعلم منذ طفولتها الباكرة بأنّ تلك الحادثة ستقع وأنّها ستلعب فيها دوراً رئيسيّاً بارزاً.

صحيح أنّ أحداث كربلاء قبل وقوعها كانت في رَحِم الغيب ولا يعلم الغيب إلاّ الله، ولكن مِن الصحيح أيضاً أنّ الله تعالى قد كشف لنبيّه الأعظم أستار الغيب، وأظهره عليه، يقول تعالى:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) (٢٧) .

وثابت عند المسلمين أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أخبر أصحابه بالعديد من المغيّبات، وأنبأهم بأنّها ستقع، وأدركوا وقوعها بالفعل، وذلك ممّا لا نقاش في ثبوته بين المسلمين.

ومن المغيّبات التي تحدّث عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واقعة كربلاء، كما أشارتْ إلى ذلك العديد من المصادر الموثوقة عند المسلمين من كتب الحديث.

____________________

(٢٧) سورة الجن: الآيات: ٢٦ - ٢٧.


وأهل البيت المعنيّون بتلك الواقعة كانوا في طليعة مَن أحاطهم الرسولُ بها علماً، كما تؤكّد ذلك مختلف المصادر الحديثيّة والتاريخيّة.

فطبيعي إذاً أنْ تكون السيّدة زينب في أجواء تلك النبوءة، وعلى معرفة بالخطوط العامّة للحادثة، بل وببعض تفاصيلها وجزئيّاتها.

وقد صرّحتْ العقيلة زينب بمعرفتها المسبقة بواقعة كربلاء، في الحديث الذي نقله الشيخ الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولوية القمّي (المتوفى سنة: ٣٦٧ ه- أو ٣٦٨ ه- ) في كتابه (كامل الزيارة ) وهو كتاب اعتمد كبار العلماء على رواياته وأسانيده. والحديث مروي بسند متّصل إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه‌السلام قال:

(إنّه لَمّا أصابنا بالطف ما أصابنا، وقُتل أبيعليه‌السلام ، وقُتل مَن كان معه مِن وُلده وإخوته وسائر أهله، وحُملتْ حَرَمُهُ ونساؤه على الأقتاب يُراد بنا الكوفة، فجعلتُ أنظر إليهم صرعى، ولم يُوارَوا، فَيَعْظُمُ ذلك في صدري، ويشتدّ لِمَا أرى منهم قلقي، فكادتْ نفسي تخرج، وتبيّنتْ ذلك منّي عمّتي زينب بنت علي الكبرى، فقالتْ: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟

فقلتُ: وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي، ووُلد عمّي وأهلي مصرّعين بدمائهم مرمّلين بالعَرَاء، مسلّبين لا يكفّنون ولا يُوَارَون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، وكأنّهم أهل بيت من الديلم والخزر؟

فقالتْ: لا يجزعنّك ما ترى: فوالله إنّ ذلك لعهد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى جدّك وأبيك وعمّك.. ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معرفون في أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة، وينصبون لهذا الطف


علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدْرَسُ أثره، ولا يصفو رسمُه، على كرور الليالي والأيّام، وليجتهدنّ أئمّة الكفر، أشياع الضلالة، في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً، وأَمْره إلاّ علوّاً.

فقلتُ : وما هذا العهد وما هذا الخبر؟

فقالتْ : حدّثتْني أُمّ أيمن - مولاة رسول الله - أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله زار منزل فاطمة في يوم من الأيّام. وتستمر السيّدة زينب في حديثها الطويل لابن أخيها زين العابدين نقلاً عن أُمْ أيمن وهي تعدّد ما يجري على أهل البيت من حوادث بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حسب ما أخبر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بين تلك الحوادث واقعة كربلاء.

ثمّ تعقب السيّدة زينب على ما نقلتْه عن أُمّ أيمن بقولها: (فلمّا ضَرب ابنُ ملجم لعنه الله) أبيعليه‌السلام ورأيتُ أثر الموت منه.

قلتُ : يا أبه حدّثتْني أُمّ أيمن بكذا وكذا، وقد أحببتُ أنْ أسمعه منك.

فقال : يا بنيّة الحديث كما حدّثتْكِ أُمّ أيمن، وكأنّي بك وببنات أهلك سبايا بهذا البلد - أي الكوفة - أذلاّء خاشعين)(٢٨) .

____________________

(٢٨) بحار الأنوار: المجلسي: ج ٢٨، ص ٥٥ - ٦٠.



المبادرة والاختيار

قد يجد الإنسان نفسه في معمعة معركة لم يكن مختاراً للدخول فيها، وقد يُصبح متورّطاً في مشكلة فُرضتْ عليه دون قصد منه.

ويحصل هذا غالباً بالنسبة للمرأة، فبحكم تبعيّتها للرجل أباً كان أو زوجاً أو ولداً، قد تجد نفسها محشورة في معركته دون سابق وعي أو اختيار من قِبلها.

فهل كان حضور السيّدة زينب ودورها في ثورة كربلاء شيئاً من هذا القبيل؟

بقراءة واعية لدور السيّدة زينب ولمواقفها وكلماتها خلال أحداث الواقعة يتجلّى للباحث أنّ السيِّدة زينب قد اختارتْ دورها في هذه الثورة العظيمة بوعي سابق وإدراك عميق، وأنّها كانت المبادرة للمشاركة كما احتفظت بزمام المبادرة في مختلف المواقع والوقائع الثوريّة.

ويحدّثنا التاريخ أنّ السيّدة زينب هي التي قرّرت وأرادتْ الخروج مع أخيها الحسين في ثورته، مع أنّها من الناحية الدينيّة والاجتماعيّة في عهدة زوجها عبد الله بن جعفر والذي كان مكفوف البصر، كما كانت ربّة منزلها والقائمة بشؤون أبنائها، وكلّ ذلك كان يمنع التحاقها بركب أخيها الحسين.. لكنّها قرّرتْ تجاوز


كلّ تلك العوائق واستأذنتْ زوجها في الخروج مع أخيها، فأذنَ لها بذلك، بل وأمر ولدَيه عون ومحمّد بالالتحاق بقافلة الثورة.

ولأنّ سفر الإمام الحسين كان محفوفاً بالمخاطر، فقد اقترح عليه شيوخ بني هاشم أنْ لا يصطحب معه أحداً من النساء والعيال، ولكنّ السيّدة زينب كانت بالمرصاد لمثل هذه المقترحات التي تحول بينها وبين المشاركة في المسيرة المقدّسة.

فهذا عبد الله بن عبّاس - وبعد أنْ عجز عن إقناع الإمام الحسين بالعودة عن قرار الخروج إلى الثورة - يناقشه في حمل النساء والعيال معه قائلاً:إنْ كنتَ سائراً فلا تَسِر بنسائك وصِبْيَتِكَ، فإنّي لخائف أنْ تُقتل كما قُتل عثمان، ونساؤه ووُلده ينظرون إليه (٢٩) .

ومحمّد بن الحنفية أخو الإمام الحسين طرح على الإمام نفس التساؤل بعدما أخبره الإمام الحسين بعزمه على الخروج قائلاً: (أتاني رسول الله وقال لي: يا حسين أخرج فإنّ الله شاء أنْ يراك قتيلاً). فتساءل محمّد بن الحنفية: فما معنى حمل هؤلاء النسوة والأطفال وأنت خارج على مثل هذا الحال؟

وكان جواب الإمام على تساؤل هؤلاء المشفقين على مستقبل نسائه وعائلته أشدّ إثارةً وغرابة، حيث قالعليه‌السلام : (قد شاء الله أنْ يراهنّ سبايا)(٣٠) .

ويَروي الشيخ النقدي أنّ السيّدة زينب اعترضتْ على نصيحة ابن عبّاس للإمام بأنْ لا يحمل معه النساء: فسمع ابن عبّاس بكاءً من ورائه وقائلة تقول: يابن عبّاس تشير على شيخنا وسيّدنا أنْ يخلفنا هاهنا ويمضي وحده؟ لا والله بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره؟ فالتفتَ ابن عبّاس وإذا المتكلّمة هي زينب(٣١) .

____________________

(٢٩) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٢٧.

(٣٠) المصدر السابق: ص ٣٢.

(٣١) زينب الكبرى: النقدي: ص ٩٤.


وكما أنّ أصل اشتراكها في الثورة كان بقرارها الواعي، فإنّ أغلب مواقفها في ميادين الثورة كانت تنبثق من مبادراتها الوثّابة الشجاعة فيه، التي تهرع نحو أخيها الحسين حينما تَدْلَهمّ المصائب والخطوب؛ لتشاركه المواجهة.

وهي في يوم عاشوراء تتحدّى الآلام والظروف العصيبة لتمارس دورها البطولي العظيم، مع أنّ بعض ما أصابها يكفيها عذراً للانشغال بأحزانها والابتعاد عن ساحة المعركة.

ثمّ وما الذي دفعها للخطابة أمام جمهور الكوفة؟

ومَن كان يتوقّع - مِن مثلها - خطابها الناري في مجلس يزيد بن معاوية؟

لقد كانت ظروف السبي والأسر، وطبيعة الخفارة والخدر لدى السيّدة زينب، وأجواء الشماتة والعَدَاء المحيطة بها في الكوفة والشام.. لقد كان كلّ ذلك أو بعض ذلك يكفي دافعاً نحو الانكفاء على الذات ومعالجة الهموم والحزن.. لكنّ العقيلة زينب تسامتْ على كلّ ذلك، وامتلكتْ زمام المبادرة، مسيطرةً على كلّ ما حولها من ظروف وأوضاع.

ولأنّها كانت مختارة ومبادرة عن سابق وعي وتصميم، فإنّها كانت تنظر إلى ما واجهتْه من آلام ومآسٍ قاسية تتصدّع لهولها الجبال الرواسي، تنظر إليها بايجابيّة واطمئنان، وتعتبرها ابتلاءً وامتحاناً إليها لا بدّ لها من النجاج فيه.

بل إنّها وفي أشدّ المواقف وأفظعها تضرّع إلى الله شاكرة حامدة آلاء نِعَمِهِ، معلنةً تقبّلها لقضاء الله، واستعدادها لتحمّل الأكثر من ذلك في سبيله.

فحينما حدثتْ الفاجعة الكبرى بمقتل أخيها الحسين بعد قتل كلّ رجالات بيتها وأنصارهم، خرجت السيّدة زينب تعدو نحو ساحة المعركة تبحث عن جسد أخيها الحسين غير عابئة بصفوف الجيش الأموي المدجّج بالسلاح، فلمّا وقفتْ على جثمان أخيها العزيز الذي مزّقتْه السيوف، جعلتْ تُطيل النظر إليه، ثمّ رفعتْ بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة ولهفة: (اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان )(٣٢) .

____________________

(٣٢) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٠٤.


إنّ ذروة المأساة وقمّة المصبية هو مورد للتقرّب إلى الله تعالى عند السيّدة زينب.. وذلك هو قمّة الوعي وأعلى مستويات الإرادة والاختيار.

وحينما يسألها (عبيد الله بن زياد ) أمير الكوفة وواجهة السلطة الأمويّة في مجلسه سؤال الشامت المغرور بالنصر الزائف قائلاً: كيف رأيت فعل الله بأخيك؟

فإنّها تجيبه فوراً ومن أعماق قلبها بجرأة وصمود قائلة: (ما رأيتُ إلاّ جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتُخاصَم فانظر لِمَنْ الفَلَج يومئذ، ثكلتْك أمّك يا ابن مرجانة )(٣٣) .

وتختم خطابها في مجلس يزيد بن معاوية بتأكيد رؤيتها الايجابيّة لِمَا حصل لها ولأهل بيتها من مصائب وآلام حيث تقول: (والحمد لله ربّ العالمين، الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أنْ يُكمِل لهم الثواب، ويُوجِب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل )(٣٤) .

فزينب لم تكن مستدرَجة، ولم تجد نفسها متورِّطة في معركة فُرضتْ عليها، بل اقتحمتْ ساحة الثورة بملء إرادتها وكامل اختيارها، وهنا تتجلّى عظمة السيّدة زينب.

____________________

(٣٣) المصدر السابق: ص ٣٤٤.

(٣٤) المصدر السابق: ص ٣٨٠.


سلاح المظلوميّة

في المعركة بين الحقّ والباطل يستخدم كلٌّ من طَرَفَي الصراع جميع ما يُتاح له من أسلحة وما بحوزته من إمكانيّات؛ ليقضي على خصمه أو لِيُوقِع به أكبر قدر ممكن من الخسائر.

وإذا كانت الأسلحة المادِّيَّة المستخدمة في القتال على أرض المعركة متشابهة كالسيوف والرماح، فإنّ الأسلحة المعنويّة ووسائل الاستقطاب للمؤيّدين وأساليب التأثير والتعامل مع الناس تكون متفاوتة مختلفة بين الطرفين، نتيجةً لاختلافهما في الأهداف الدافعة والقِيَم الحاكمة.

حيث تسعى كلّ جبهة لتعبئة أفرادها ورفع معنويّاتهم، كما تجتهد في استقطاب الجمهور والتأثير في الرأي العام لصالح موقفها.

ولتحقيق ذلك تستخدم جبهة الباطل أساليب الإغراء والمَكْر والخِدَاع؛ لإثارة الأهواء والرغبات في نفوس أتباعها، فتمنّيهم بالأموال والمناصب والامتيازات، وتُغريهم بانتصاراتها الزائفة وقوّتها الزائلة، بينما تشهر جبهة الحقّ سلاح الصدق والخلاص، وتستثير في نفوس أتباعها قِيَم الحقّ والعدل وروح التضحية والفداء.


ومِن أمضى أسلحة جبهة الحقّ التي تجلّت في ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام هو سلاح المظلوميّة، بإبراز عدوانيّة الطرف الآخر وبشاعة جرائمه، وإظهار عمق المأساة وشدّة الآلام والمصائب التي تحمّلها معسكر الإمام الحسين.

والمظلوميّة:

- تستصرخ ضمائر الناس وتُوقِظ وجدانهم.

- وتدفعهم إلى الوقوف إلى جانب أهل الحقّ المظلومين.

- كما تستثير نقمتَهم وغضبَهم ضدّ المعتدين الظالمين.

- والمظلوميّة تُعَبِّئ الأتباع المناصرين وتدفعهم للالتفاف أكثر حول معسكرهم وقضيّتهم.

- كما تؤثّر في نفوس الجمهور ليتعاطف ويؤيّد المظلومين ضدّ الظالمين.

- بل وتمتدّ آثارها حتّى إلى معسكر العدو؛ لتحرّك فيه ضمائر بعض جنوده المخدوعين، فيتمرّدون على معسكرهم الظالم ويلتحقون بصفوف الثوّار المخلصين.

- وأكثر من ذلك، فإنّ تأثير المظلوميّة يتخطى الأزمنة والإعصار لِيَحشد أجيال البشريّة على مرّ التاريخ إلى جانب معسكر الحق.

وقد تحقّق كل ذلك وبأروع صورة في واقعة كربلاء، فبينما كانت السلطة الأمويّة تستعرض قوّتها العسكريّة أمام الناس؛ لترهبهم حتّى يقفوا إلى جانبها، وتمارس عليهم أشدّ ضغوط القَمْع.

وبينما كان الوالي الأموي على الكوفة عبيد الله بن زياد يغدق الأموال والرشوات على الزعماء والوجهاء، ويزيد في عطاء الجنود، ويَعِدُ القيادات ك-: (عمر بن سعد، وشِمْر بن ذي الجوشن، وشِبْث بن رِبْعِي ) بالمناصب والولايات.

في مقابل كلّ ذلك كان الإمام الحسين وأصحابه يبشّرون بالقِيَم السامية، ويخاطبون الضمائر الحرّة، ويبصّرون الناس بواقعهم ومسؤوليّاتهم، ويُلفتون الأنظار إلى جرائم السلطة الظالمة، وعدوانيّتها وجورها الذي تجاوز كلّ الحدود.

وكان سلاح المظلوميّة مؤثّراً جدّاً، فكلّما شاهد أصحاب الحسين ما يصيب إمامهم وعيالاته من الآلام والمصائب، استماتوا أكثر في الدفاع والتضحية والفداء، وازدادوا قناعة ويقيناً بعدالة قضيّتهم.

ويحدّثنا التاريخ كيف أنّ أفراداً بل قيادات من الجيش الأموي قد تأثّرتْ


لمظلوميّة الإمام الحسين، وغيّرت موقفها وتحوّلت إلى جانب المعسكر الحسيني.. ك-(الحر بن يزيد الرياحي ) وكان من قادة الجيش الأموي ومن أشجع أبطالهم، وهو الذي قاد أوّل فرقة عسكريّة حاصرتْ الإمام في الطريق - كما سبق -.

هذا الرجل حرّكت مظلوميّةُ الإمام وجدانَه ومشاعره وأيقظتْ ضميره، فألوى بعنان فرسه صوب الإمام وهو مُطْرِق برأسه إلى الأرض حياءً وندماً، فلمّا دَنَا من الإمام رفع صوتَه قائلاً:

(اللّهمّ إليك أُنيب فقد أرعبتُ قلوبَ أوليائك وأولادَ نبيّك، يا أبا عبد الله إنّي تائب فهل لي من توبة؟ ).

ونزل عن فرسه، فوقف قبال الإمام ودموعه تتبلور على وجهه، وجعل يخاطب الإمام ويتوسّل إليه بقوله:

(جعلني الله فداك يابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع، وجَعْجَعْتُ بك في هذا المكان، والله الذي لا اله إلاّ هو ما ظننتُ أنّ القوم يردّون عليك ما عرضْتَ عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ).

لقد هزّه وأثاره ما بلغه القوم من الإمام، يعني ما أصاب الإمام منهم من المآسي والآلام.

ولم يكن الحرّ وحده قد تأثّر بمظلوميّة الإمام، بل إنّ حوالي ثلاثين فارساً آخر من الجيش الأموي قد اتّخذوا ذات الموقف والتحقوا بمعسكر الإمام(٣٥) .

أمّا انعكاس مظلوميّة الإمام الحسين وأصحابه وعيالاته على جماهير الأمّة آنذاك، فهذا ما تُحَدِّثُنَا عنه الانتفاضات والثورات التي انطلقتْ في مختلف أرجاء الأمّة كَرَدّ فِعْل على مقتل الإمام الحسين بتلك الصورة الفظيعة، ك-:

- ثورة التوّابين والتي كان شعارها: (يا لثارات الحسين ).

- وثورة المختار الثقفي.

- وثورة أهل المدينة.

ولا تزال مظلوميّة الإمام الحسين حيّة مؤثّرة في القلوب والنفوس على مرّ

____________________

(٣٥) المصدر السابق: ص ١٩٦ - ١٩٨.


العصور والأجيال، إلى يومنا هذا والى أنْ يَرِثَ الله الأرض ومّن عليها..

وأبرع وأكثر مِن شَهْرِ سلاحِ المظلوميّة واستخدمه في واقعة كربلاء هي السيّدة زينب.. حيث كانت تسلّط الأضواء وتُلفِتْ الأنظار إلى مواقع الظُلامة، وقامتْ بدور تأجيج العواطف وإلهاب المشاعر أثناء الواقعة، وبعد الواقعة في الكوفة والشام وحينما عادتْ إلى المدينة، بل كرّستْ باقي أيّام حياتها للقيام بهذا الدور العظيم.

إنّ المواقف العاطفيّة الوجدانيّة التي قامتْ بها السيّدة زينب، حيث كانت تبكي وتتألّم وتنعي وتندب وتستغيث وتستصرخ، لم تكن مجرّد ردود أفعال عاطفيّة على ما واجهتْه من مآسي وآلام، بل كانت تلك المواقف فوق ذلك سلاحاً مشرعاً تُصَوِّبُهُ نحو الظلم والعدوان، وتُدافع به عن معسكر الحقّ والرسالة.

ولنقف الآن بعض العَيّنات والنماذج من تلك المواقف الزينبية:

* ترى الإمام ينعى نفسه:

الحسين في نظر السيّدة زينب ليس مجرّد أخ عزيز، ومكانته في نفسها لا تتحدّد في كونه الإمام القائد والمفترض الطاعة فقط، بل فوق ذلك كلّه أنّه يجسّد ويمثّل شخصيّة جدّها رسول الله، وأبيها الإمام علي، وأمّها فاطمة الزهراء، وأخيها الإمام الحسن، أنّه البقيّة والامتداد للبيت النبوي العظيم.

لذلك حينما رأتْه ينعى بنفسه وينتظر الشهادة، أدركتْ مدى الخسارة التي تحلّ بها وبالوجود عند فقده، فقد رأتْ الحسين (ليلة العاشر من المحرّم )، وهو يعالج سيفه ويصلحه في خيمته ويقول:

يا دَهرُ أُفٍّ لَكَ مِن خَليلِ

كَم لَكَ بالإِشراقِ وَالأَصيلِ

مِن صاحِبٍ وَطالبٍ قَتيلِ

وَالدَهرُ لا يَقنَعُ بِالبَديلِ

وَإنّما الأَمرُ إِلى الجَليلِ

وَكُلُّ حَيٍّ سالِكُ السَبيلِ


فلمّا سمعتْ السيّدة زينب هذه الأبيات أحسّتْ أنّ شقيقها عازم على الموت ومصمِّم على الشهادة، فأعولتْ قائلة:

(واثكلاه! واحزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه، يا سيّداه، يا بقيّة أهل بيتاه، استسلمتُ ويئستُ من الحياة، اليوم مات جدّي رسول الله، وأمّي فاطمة الزهراء، وأبي علي، وأخي الحسن، يا بقيّة الماضين، وثمال الباقين ).

فقال لها الإمام : (يا أخيّه لا يذهبنّ بِحِلْمِكِ الشيطان).

فأجابتْه بِأَسَى والْتِيَاع: (أتغتصب نفسك اغتصاباً، فذاك أطول لحزني، وأشجى لقلبي )(٣٦) .

وقد أرادت السيّدة زينب في هذا الموقف أنْ تبيّن خطورة الجريمة التي عزم الجيش الأموي على ارتكابها، إنّها تستهدف رسول الله وابنتَه الزهراء وأخاه عليّاً وسِبْطَه الحسن عبر قَتْل مَن يمثّلهم ويجسّدهم جميعاً آنذاك، وهو الإمام الحسينعليه‌السلام .

* عند مصرع العبّاس:

لم يكن العبّاس بن علي جنديّاً عاديّاً في معسكر الإمام الحسين، بل كان قائد القوات العسكريّة الحسينيّة، وصاحب اللواء، وكان ذا شخصيّة عظيمة، وللسيّدة زينب به علاقة حميمة، وقد احتفظ به الإمام الحسين إلى جانبه، فلم يأذن له بالنزول إلى ساحة المعركة إلاّ بعد قَتْل كلّ رجاله وأنصاره، فكان آخر بطل يُقاتل بين يَدَي الحسين؛ لذلك كان مقتله إيذاناً بانهيار المعسكر الحسيني، كما صرّح بذلك الإمام الحسين، حيث وقف على مصرع أخيه العبّاس قائلاً: (الآن انْكَسَرَ ظَهْرِي، وقلّتْ حِيْلَتِي).

وحينما علمتْ السيّدة زينب بمقتل أخيها العبّاس، أظلمّتْ الدنيا في عَيْنها، فاندفعتْ صارخة: (واأخاه، واعبّاساه، واضَيْعَتنا بعدك )(٣٧) .

____________________

(٣٦) المصدر السابق: ص ١٧٢.

(٣٧) المصدر السابق: ص ٢٦٩.


* أمام الفاجعة الكبرى:

لا يمكن أنْ تمرّ على إنسان لحظة أقسى وأصعب من تلك اللحظات الأليمة التي مرّتْ على السيّدة زينب، حينما وقع أخوها الحسين شهيداً، ووقفتْ على مصرعه.

إنّها تعرف قيمة الحسين ومكانته عند الله سبحانه، وعند جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي البيت العلوي.. وهي تُدرك عظمة الحسين من خلال صفاته الفريدة ومميّزاته الخاصّة.. وهي تَعِي موقعيّة الحسين كامتداد للنبوّة ومجسّد للإمامة وحجّة لله على الخلق، وتَعلم السيّدة زينب أنّ قتْل الحسين يمثّل انتهاك أعظم حرمة، وارتكاب أكبر جريمة، وإنّ ذلك يعني الوصول إلى قمّة الارتداد عن الدين والتنكّر للرسالة.

ثمّ إنّ قتْل الحسين يعني اغتيال أعزّ شيء على قلبها وأقرب شيء إلى نفسها في هذه الحياة.. والحسين هو الولي لها المحامي لخدرها، وبقتله تصبح تحت رحمة الأعداء الظَلَمَة الجُفَاة.. فَمَنْ سيحمي خِدْرها، ويصون عِزَّها، ويدافع عمّنْ معها من نساء وأطفال؟

والحسين لم يُقْتَل بالشكل المتداول في معارك القتال، بل:

- أمعن القوم في تمزيق جِسْمه بمختلف أدوات الحرب.

- فقد أصاب سهمٌ فَمَهُ الطاهر فتفجّر دَمُهُ الشريف.

- وأصاب سهم جبهته الشريفة المشرقة بنور الإمامة.

- ورماه رِجس بسهم محدّد له ثلاث شُعَب، فاستقرّ في قلبه الشريف، وأخرج الإمام السهم مِن قفاه فانبعث دَمُهُ كالميزاب، فأخذ الإمام من دَمِهِ الطاهر ولطّخ به وجهه ولحيته، وهو يقول: (هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله، وأنا مُخَضّب بِدَمِي).

- وهجمتْ على ريحانة رسول الله تلك العصابة المجرمة مِن كلّ جانب، وهم يُوْسِعُونَهُ ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، فضربه أحدُهم بالسيف على كفّه اليُسرى، وضربة آخر على عاتقه، وكان مِن أحقد أعدائه عليه الخبيث (سنان بن


أنس )، فقد أخذ يضربه تارةً بالسيف وأخرى طعنةً بالرمح!!

يقول بعض المؤرّخين : إنّه لم يُضرب أحدٌ في الإسلام كما ضُرب الحسين، فقد وُجد فيه مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح، ورمية سهم(٣٨) .

أمّا كيف ومتى علمتْ السيّدة زينب بمقتل أخيها الحسين؟ فإنّ المصادر التاريخيّة تُشير إلى أنّ فرس الحسين - بعد أنْ وقع الحسين من على ظهره إلى الأرض، ومزّقتْه سيوفُ القوم ورماحُهم - صبغ ناصيتَه بدم الإمام الشهيد وركض مسرعاً نحو خيمة الحسين، كأنّه يريد إعلام النساء بمقتل الإمام.. وبالفعل كان رجوع فرس الإمام من دون الإمام نذير سوء لِمَنْ في الخيام بأنّهم قد فقدوا عِزَّهم وزعيمهم.

وهنا خرجتْ العقيلة زينب مهرولة نحو مصرع أخيها الحسين. فَمَنْ يا تُرى يستطيع وصْف تلك اللحظات القاسية والموقف الصعب؟ لقد وجدتْ العقيلة نفسها أمام لحظة تاريخيّة حسّاسة خطيرة، وأمام موقف عظيم، لا بدّ وأنْ تُسَجِّل شهادتها عليه للتاريخ، فصاحت هاتفةً من أعماق قلبها:

(وامحمداه! واأبتاه! واعلياه! واجعفراه! واحمزتاه! هذا حسين بالعراء صريع بكربلاء! ليت السماء أطبقتْ على الأرض! وليتَ الجبال تَدَكْدَكَتْ على السهل!! ).

وانتهتْ نحو الحسين وقد دنا منه عمر بن سعد قائد الجيش الأموي في جماعة من أصحابه، والحسين يجود بنفسه! فصاحتْ السيّدة زينب: (أي عمر أَيُقْتَلُ أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ ).

فصرف وجهه عنها، ودموعه تسيل على لحيته!!

____________________

(٣٨) المصدر السابق: ص ٢٨٤ - ٢٨٩.


والتفتتْ السيّدة زينب إلى حشود الجيش الأموي صارخةً بهم: (ويحكم، أَمَا فيكم مسلم؟. ) فلم يجبْها أحد(٣٩) .

إنّ هول المصيبة وعظم الفاجعة وقسوة الحدث، لم يشغل كلّ ذلك العقيلةَ زينب عن أداء دورها الرسالي الخطير في إعلان الظلامة وتأجيج العواطف وإلهاب المشاعر، حتّى في نفوس الأعداء الظالمين.

* نظرة وداع:

بعد ظهر اليوم (الحادي عشر من المحرّم ) عزم الجيش الأموي على مغادرة أرض كربلاء، وقد حملوا معهم نساءَ الحسين وأهلَ بيته وصِبْيَتَهُم، ومرّوا بقافلة الأرامل المثكولات والأيتام المفجوعين على أرض المعركة، وحيث تُشرق على ساحتها جثث الشهداء وأجسام القتلى من أهل البيت، وكان منظراً مذهلاً للنساء والأطفال: فالأجساد بلا رؤوس.. والأشلاء موزّعة.. والدماء تصبغ البسيطة.

ويبدو أنّ قيادة الجيش الأموي أرادتْ أنْ تُدخِل الرعب والفزع إلى نفوس العائلة الحسينيّة، وأنْ تُحْدِث الهزيمة والانهيار التام في نفوس أفرادها؛ حتّى يدخلوا الكوفة وهم في منتهى الإذلال والهوان.

وتأمّلتْ العقيلة زينب ذلك الموقف الرهيب، حيث ترى أرض الشهادة ترتسم على ربوعها أفظع مأساة، وتنظر إلى النساء والأطفال وقد عَلَتْهنّ الكآبة والدهشة.. ومن جانب آخر ترى الجيش الأموي يبالغ في إظهار نشوة انتصاره الزائف، ويستعرض قوّته وقدرته الغاشمة.

فمزّقتْ العقيلة زينب أجواء الرهبة والألم، واندفعتْ تُشْهِر سلاح المظلوميّة لتصوّبه تِجَاه المتغطرسين المغرورين، ولتثبّت لهم أنّهم ضعفاء مهزومون وإنْ توهّموا النصر.. فأطلقتْ صوتَها الشجاع المدوي قائلة: (يا محمّداه هذا حسينٌ بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتُك سبايا، وذرِّيَّتُك مقتّلة ).

____________________

(٣٩) مقتل الحسين: السيّد عبد الرزّاق المقرّم: ص ٢٨٤.


يقول الرواة : فأبكتْ كلّ عدوٍّ وصديق، حتّى جَرَتْ دموع الخيل على حوافرها(٤٠) .

* في مجلس يزيد:

لقد فضح الأمويّون أنفسُهم - حينما دفعهم حقدهم على أهل البيت - حماقتَهم إلى تسيير نساء الحسين وعيالاته سبايا بتلك الحالة الفظيعة.. فموكب السبايا كان تظاهرة إعلاميّة تؤجّج المشاعر وتُلْهِب العواطف ضدّ السلطة الظالمة، والعقيلة زينب لم تترك فرصة ولا مُنَاسَبَة أثناء رحلتها الشاقّة المؤلِمة - إلى الكوفة ومنها إلى الشام مروراً بسائر البلدان والمناطق - إلاّ واستثمرتْها في إعلان مظلوميّتهم، وتبيين عمق المأساة التي حلّتْ بهم.

وحتّى في مجلس يزيد بن معاوية، والذي قد خطّط ليكون دخول السبايا إلى مجلسه مهرجاناً يحتفل فيه بانتصاره على الحسين، فأحضر كبار قادة جيشه وزعماء الشام، وأحاط نفسه بأجواء من الهيبة المصطنَعة.

لكنّ العقيلة زينب أفسدتْ عليه كلّ ما صنع، وأفشلتْ مهرجانه الضخم حين نظرتْ إلى رأس أخيها الحسين بين يدي يزيد، فانتصبتْ قائمة وأجهشتْ بالبكاء، وأهوتْ إلى جيبها فشقّتْهُ، ونادتْ بصوت حزين يُقرح القلوب: (يا حسيناه، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكّة ومنى، يا ابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، يا ابن بنت المصطفى ).

قال الراوي : فأبكتْ والله كلَّ مَن كان في المجلس، ويزيد ساكت(٤١) .

وجميل ما قالتْه الأديبة بنت الشاطئ حول هذا الدور الزينبي، حيث كتبتْ تقول : لم تمضِ زينب إلاّ بعد أنْ أفسدتْ على ابن زياد، ويزيد، وبني أميّة، لذّةَ النصر، وسكبتْ قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين!

فكانت فرحة لم تطل وكان نصراً مؤقّتاً، لم يلبث أنْ أفضى إلى هزيمة قضتْ

____________________

(٤٠) المصدر السابق: ص ٣٠٧.

(٤١) زينب الكبرى: النقدي: ص ١١٤.


آخر الأمر على دولة بني أميّة.

فلم تكد زينب تخرج من عند يزيد حتّى أحسّ أنّ سروره بمقتل الحسين قد شابه كَدَرٌ خَفِي، ظلّ يزداد حتّى استحال إلى ندم، كدر صفو الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته(٤٢) .

* أشعلت ثورة المدينة:

وانتهتْ بها رحلة الألم والعناء إلى المدينة المنوّرة مسقط رأسها وربوع صباها ودار أهلها.. بعد فراق وغياب جاوز (السبعة أشهر )، حيث خرجتْ من المدينة مع أخيها الحسين (أواخر شهر رجب، وعادات بعد انتهاء شهر صفر ).

وفرق كبير بين موكب خروجها المهيب من المدينة يحيط بها إخوتها وأبناؤها وأبناء إخوتها ورجالات عشيرتها.. وبين قافلة الأسر التي عادتْ ضمنها تلوذ بها الأرملات المثكولات والصبايا اليتيمات المفجوعات.

لقد هرعتْ عند دخولها المدينة إلى مسجد جدّها رسول الله - حيث مثواه الأقدس - وأخذتْ بعضادتَي باب المسجد منادية: (يا جدّاه إنّي ناعية إليك أخي الحسين )(٤٣) .

وأصبح برنامجها اليومي والدائم في المدينة المنوّرة تذكير جماهير الأمّة بمظلوميّة الحسين وأهل بيته، وتخليد المأساة العظيمة في كربلاء، لتؤجّج بذلك العواطف وتُلْهِب المشاعر، وتحرّض الناس على الحكم الفاسد الظالم.

ويذكر السيّد الشريف يحيى بن الحسن، من أحفاد الإمام زين العابدين علي بن الحسين، وهو المعروف بالعبيدلي النسّابة (٢١٤ ه- - ٢٧٧ ه- / ٨٢٩ م - ٨٩٠ م ) في رسالته المشهورة (أخبار الزينبيّات )، يذكر فيها أنّ السيّدة زينب وهي بالمدينة كانت تؤلّب الناس على القيام بأخذ ثار الحسين، فكتب والي المدينة (عمرو بن سعيد الأشدق ) إلى يزيد يعلمه بالخبر.. فكتب إليه يزيد: أنْ

____________________

(٤٢) السيّدة زينب: عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ: ص ١٥٨.

(٤٣) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٧٦.


فرّق بينها وبين الناس.. فأمرها الوالي بالخروج من المدينة(٤٤) .

لقد أشعلتْ السيّدة زينب الثورة وفجّرتها في المدينة ضدّ الحكم الأموي، فكان لها دور المحرّك للثورة التي عمّتْ المدينة المنوّرة سنة (٦٣ ه- )، حيث تمرّد أهل المدينة على الحكم الأموي وطردوا واليه وجميع بني أُمَيَّة، وبايعوا (عبد الله بن حنظلة ) غسيل الملائكة، فبعث يزيد إلى المدينة جيشاً ضخماً يبلغ (١٢ ألفاً ) بقيادة (مسلم بن عقبة )، فقضى على التمرّد وسيطر على المدينة، وأباح مسلم المدينة ثلاثاً لجيشه، يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال.. ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول - أي عبيد - له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم مَن شاء، فَمَنْ امتنع مِن ذلك قَتَلَهُ.

عرفت الواقعة باسم (واقعة الحرّة )، والتي حصلت (لليلتين بقيتا من ذي الحجّة )، وعرف مسلم بن عقبة بعد الواقعة باسم مسرف (٤٥) .

____________________

(٤٤) أخبار الزينبيّات: العبيدلي: مطبوع ضمن مجلّة (الموسم)، العدد: ٤.

(٤٥) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ١٢٠.



* واستشهد ولدها عون:

شاء الله سبحانه وتعالى أنْ تجتمع على قلب السيّدة زينب يوم كربلاء ألوان المصائب والفجائع، وأنْ تكون المَثَل والقدوة في تقديم الضحايا والقرابين على مذبح العدل والحرِّيَّة في سبيل الله.

فقد رُزئت بقتل ستّة من إخوتها، في طليعتهم عماد عزّها الحسين بن علي، وقمر بني هاشم العبّاس بن علي، وتشير بعض المصادر إلى أنّ من استشهد من إخوة زينب يوم كربلاء عشرة،

أمّا الستّة الذين تتّفق اغلب المصادر على شهادتهم في كربلاء فهم ما يلي :

١ - الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب.

٢ - العبّاس بن علي بن أبي طالب.

٣ - جعفر بن علي بن أبي طالب.

٤ - عبد الله بن علي بن أبي طالب.

٥ - عثمان بن علي بن أبي طالب.

٦ - محمّد الأصغر بن علي بن أبي طالب.


وهناك أسماء أخرى تضيفها بعض المصادر كإخوة للسيّدة زينب نالوا شرف الشهادة أيضاً في كربلاء، هي كما يلي:

٧ - أبو بكر بن علي بن أبي طالب.

٨ - عبد الله بن علي بن أبي طالب - غير المذكور سابقاً -.

٩ - عمر بن علي بن أبي طالب.

١٠ - إبراهيم بن علي أبي طالب(٤٦) .

كما فُجعت بمقتل مجموعة من أبناء إخوتها، تُجمِع المصادر على خمسة، منهم ثلاثة من أولاد أخيها الحسن، وهم:

١ - أبو بكر بن الحسن بن علي.

٢ - عبد الله بن الحسن بن علي.

٣ - القاسم بن الحسن بن علي.

واثنان من أولاد أخيها الحسين هم:

٤ - علي بن الحسين الأكبر.

٥ - عبد الله بن الحسين(٤٧) .

إضافة إلى سائر رجالات أسرتها من الهاشميّين، والذين يتراوح عددهم جميعاً بين السبعة عشر والسبعة والعشرين بطلاً حسب اختلاف المصادر والروايات التاريخيّة(٤٨) .

ومع ما لمصرع هؤلاء الأعزّة من تأثير فظيع على النفس، إلاّ أنّ لِفَقْدِ الولد لوعة خاصّة لم يسلم منها قلب السيّدة زينب، فقد فُجعت بمقتل ولدها وفلذة كبدها

____________________

(٤٦) أنصار الحسين: محمّد مهدي شمس الدين: ص ١٣١ - ١٣٧.

(٤٧) المصدر السابق.

(٤٨) المصدر السابق.


عون بن عبد الله بن جعفر، حيث قدّمته شهيداً بين يدي خاله الإمام الحسين.

وبرز عون إلى ساحة المعركة يقاتل الأعداء، وهو يرتجز:

إنْ تنكروني فأنا ابنُ جَعْفَر

شَهِيْد صِدْقٍ فِي الجِنَانِ أَزْهَر

يَطِيْرُ فِيْهَا بِجَنَاحٍ أَخْضَر

كفَى بِهَذَا شَرَفَاً مِنْ مَعْشَر

فحمل عليه عبد الله بن قطنة الطائي فقتله، وقد رثاه سليمان بن قتة بقوله:

واندبي إنْ بكيت عوناً أخاه

ليس فيما ينوبهم بخذول

فلعمري لقد أصبت ذوي القمر

بي فبكي على المصاب الطويل(٤٩)

ونقل أبو الفرج الأصفهاني أنّ قاتِل عون هو عبد الله بن قطنة التيهاني(٥٠) .

وفي بعض المصادر : جاءت الفقرة الأخيرة من رجز عون:

...................................

كفى بهذا شرفاً في المحشر

وإنّه قتل من الأعداء ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلاً، وعن الاسفرائيني أنّه قَتَلَ ستّة وعشرين فارساً(٥١) .

ولم تقل كتب السِيَر والمقاتل عن العقيلة زينب أنّها أعولتْ على مقتل ولدها أو أشارتْ إليه في ندبتها ومأتمها.

قال السيّد عبد العزيز سيّد الأهل : لم يسمع لها بُكاءً حين قُتل ولدها عون بمثل ما بكتْ به أخاها وأولاد أخيها(٥٢) .

____________________

(٤٩) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٢٥٨.

(٥٠) مقاتل الطالبيّين: الأصفهاني: ص ٩١.

(٥١) وسيلة الدارَين: الزنجاني: ص ٢٤١.

(٥٢) زينب عقيلة بني هاشم: سيّد الأهل: ص ٨.


ويبدو أنّ لعبد الله بن جعفر ولداً آخر اسمه عون الأصغر وأمّه (جمانة بنت المسيّب بن نجبة الفزاري )، من هنا حصل خلط في كلام الرواة والمؤرّخين بين عون الذي أُمّه زينب وهو الشهيد في كربلاء، وبين أخيه عون الذي أُمّه جمانة، ولم يتأكّد استشهاده في كربلاء(٥٣) ، كما استشهد لعبد الله بن جعفر ولد آخر في كربلاء هو محمّد بن عبد الله بن جعفر، لكنّ أُمّه (الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف من بكر بن وائل )، وليستْ السيّدة زينب كما توهّم بعض الكُتّاب، وأيضاً ذكرتْ بعض المصادر شهيداً آخر من وُلد عبد الله بن جعفر في كربلاء وهو عبيد الله بن عبد الله بن جعفر، إلاّ أنّ ذلك غير مؤكّد، وأُمّه ليستْ زينب أيضاً بل الخوصاء السابق ذكرها(٥٤) .

____________________

(٥٣) نَفَسُ المَهْمُوم: الشيخ عبّاس القمّي: ص ٣١٧.

(٥٤) أنصار الحسين: شمس الدين: ص ١٣٣ - ١٣٥.


رعاية القافلة

كان لا بدّ وأنْ يفكّر الإمام الحسين في مصير عائلته ومستقبلهم بعد شهادته، فهو كأبٍ غيور عطوف يهمّه أنْ تتوفّر لعائلته بعده أنسب الظروف الممكنة، كما أنّه يعرف طبيعة أعدائه القساة الظالمين والذين سوف يصبّون جام غضبهم وحقدهم على عائلته المنكوبة، والأهمّ من كلّ ذلك فهو يريد من هذه العائلة أنْ تؤدّي دوراً جهاديّاً في خدمة نهضته المقدّسة؛ ولذلك اصطحبهم معه، وقال لِمَنْ أشار عليه بتركهم في المدينة: (قد شاء الله أنْ يراهنّ سبايا)(٥٥) .

كلّ ذلك يستلزم وجود رعاية لهذه القافلة من الأرامل والأيتام، وقيادة تواصل إدارة المعركة مع الأعداء الظالمين.

وتشير بعض المصادر إلى أنّ عدد النساء اللاتي كنّ مع الإمام الحسين في كربلاء يتجاوز الأربعين امرأة كما ذكر أسماءهنّ وتفاصيل حالاتهن الشيخُ المازندراني(٥٦) عدا الصبايا الصغيرات في السن، والأطفال الذكور.

بالطبع فإنّ الإمام زين العابدين هو الوارث الشرعي والوصي لأبيه، لكن ما

____________________

(٥٥) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٢.

(٥٦) معالي السبطين: محمّد مهدي المازندراني: ج ٢، ص ١٤١.


يعانيه من المرض يحول بينه وبين التصدّي لرعاية القافلة، إضافة إلى تربّص العسكر بحياته، وطلبهم أدنى مبرّر للقضاء عليه.

فبقيتْ السيّدة زينب هي المرشّح الوحيد والكفوء للقيام بهذا الدور؛ لذلك أوصاها الإمام برعاية القافلة، ونهضتْ بهذه المسؤوليّة على أفضل وجه، فكانت مرجع النساء والأطفال، يلوذون بها في حوائجهم وشؤونهم وتتحمّل هي مسؤوليّة رعايتهم والدفاع عنهم.

وفيما يلي نلتقط بعض الصور لدور الرعاية الزينبية:

* تَمْنَع عبد الله بن الحسن:

وهو غلام في الحادية عشر من عمره، وابن للإمام الحسن بن علي، لَمّا رأى عمّه الحسين وحيداً وسط المعركة وقد أحاط به الأعداء، لم تسمح له نفسه بالتفرّج على ما يجري في ساحة المعركة، ودفعتْه أريحيّته وشهامته ليركض نحو المعركة ويفدي عمّه الحسين بنفسه.

ولمّا لمحه الحسين مهرولاً باتجاهه نادى بأخته زينب أنْ تمارس دورها في حماية ورعاية الأطفال، وأنْ تمنعه من الخروج إلى المعركة قائلاً: (احبسيه ).

فسارعتْ العقيلة زينب للحيلولة بينه وبين التوجّه إلى المعركة، لكنّ الغلام امتنع عليها وأفلتَ منها واشتدّ نحو عمّه الحسين حيث لَقِيَ مصرعَه في حِجْر عَمِّه الحسين(٥٧) .

* ليلة الحادي عشر:

لا شكّ أنّها كانت ليلة موحشة عصيبة على عيالات الحسين، حيث وَطْأَة الفاجعة شديدة على نفوسهم، وقد فقدوا كلّ الولاة الحُمَاة، وحُرِقَتْ خيامهم وأَخْبِيَتُهم، وأصبحنَ النساء والأطفال يلوذون ببعضهم البعض في تلك الفلاة

____________________

(٥٧) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٥٩.


الموحشة، التي خيّم عليها ظلام الليل، مع ما نالهم من اعتداءات العسكر ضرباً وسلباً وشتماً.

ومن تلك الليلة بدأت العقيلة زينب ممارسة دورها الشاق العظيم في رعاية الركب الحسيني.

يقول الشيخ القرشي:

أمّا حفيدة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وشقيقة الحسين العقيلة زينب فإنّها ما هنت ولا استكانتْ أمام تلك الأهوال القاصمة، فقد أسرعتْ تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء، وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة، وهي تسلّيهم وتصبّرهم على تلك الرزايا، وقد أنفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم(٥٨) .

* تُسَلِّي الإمامَ زين العابدين:

حينما غادرتْ قافلةُ السبايا أرضَ كربلاء مرّوا بالنساء والأطفال على ساحة المعركة فكان المنظر مهيباً مفزعاً، حيث شاهدتْ العائلة أجسام الأحبّة مضرّجة بالدماء، مقطّعة الأشلاء، فانفجر الركب عويلاً وبكاءً، وأخذ الجزع والألم مِن نفس الإمام زين العابدين مأخذاً شديداً؛ لِمَا يراه من حال جثث أبيه وأعمامه وأخواته ورجال وأشبال أسرته وأنصارهم الكرام، ولِمَا يلاحظه من افْتِجَاع النساء والعيال والأطفال.

وهنا كان دور زينب القائدة التي تتسامى على الآلام، وتسيطر على مشاعرها بصورة مذهلة، حيث احتفظتْ برباطة جأشها، وكظمتْ كلّ ما يعتمل في نفسها من الحزن والألم، واتّجهت نحو ابن أخيها الإمام زين العابدين تسلّيه وتصبّره وتطمّنه بالمستقبل المشرق لثورة أبيه الحسين، وحدّثتْه بحديث طويل جاء فيه:

(مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي، فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض

____________________

(٥٨) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٠٨.


وهم معروفون في أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف عَلَمَاً لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدرس أثره ولا يُمحى رسمه على كرور الليالي والأيّام، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في مَحْوه وطَمْسه فلا يُزداد أثره إلاّ علوّاً )(٥٩) .

* تَمْنَع الأطفال مِن تناول الصدقة:

حينما دخلتْ قافلةُ السبايا إلى الكوفة كان أثر الإجهاد والعناء والإرهاق واضحاً على الأطفال والصِبْيَة في القافلة، كما كانوا يعانون من الجوع... ولاحظتْ ذلك بعض نساء أهل الكوفة، فصرنَ يقدّمن التمر والخبز إلى الأطفال والصبايا، فتناول منه بعضهم، لكنّ السيّدة زينب رفضتْ ذلك ومنعتْ الأطفال عن تناول صدقات الناس قائلة: (إنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت ).

ولمّا سمعتْ الصِبْيَة مقالةَ العقيلة، رَمَى كلُّ واحد منهم ما في يده أو فمه من الطعام. وراح يقول لصاحبه: إنّ عمّتي تقول: (إنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت )(٦٠) .

* ترفض استقبال الشامتات:

في الكوفة أمر ابن زياد بحبس السبايا في دار إلى جنب المسجد الأعظم، وازدحمْنَ نساء أهل الكوفة للدخول على السيّدة زينب والسبايا في سجنهنّ، فرفضتْ السيّدة زينب أنْ تدخل عليهنّ غير المملوكات ومَن كُنّ مسبيّات في الماضي؛ لتمنع بذلك دخول النساء الشامتات والمتفرّجات على مأساة أهل البيت، حيث صاحتْ السيّدة زينب بالناس: (لا تَدخل علينا إلاّ مملوكة أو أُمّ وَلد، فإنّهنّ سُبِيْنَ كما سُبِيْنَا )(٦١) .

____________________

(٥٩) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٠٨.

(٦٠) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٣٤. و مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣١٠.

(٦١) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٢٦.


* ملاذ العيال:

حينما يواجه أحد من عيالات الحسين أيّ مشكلة، فإنّ الملجأ والملاذ هي العقيلة زينب، ففاطمة بنت الحسين لمّا سمعتْ الرجل الشامي يطلبها من يزيد قائلاً:هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي.

فإنّها لاذتْ بعمّتها زينب، محتميةً بها، لاجئة إليها، فتصدّت العقيلة زينب للموقف متحدِّية سلطان يزيد وبطشه.

* مكافأة الحرس:

بعدما لاحظ يزيد أنّ الحالة المأساويّة لسبايا أهل البيت أثارتْ عليه النقمة والغضب وردّات الفعل العنيفة من قِبل الناس، عَمَدَ أخيراً إلى تحسين أوضاع العائلة الحسينيّة واستجاب لرغبتهم في الرجوع إلى المدينة، وأمر (النعمان بن بشير ) أنْ يجهّزهم بما يُصلحهم، ويسيّر معهم رجلاً أميناً من الشام ومعه خيل يَسِيْر بهم إلى المدينة.

وخلافاً للمعاملة الخشنة التي عانتْ معها قافلة السبايا في مسيرهم إلى الشام، فقد كان هذا المكلَّف بِرَكْبِهِم في عودتهم إلى المدينة لَبِقَاً في التعامل، لَيِّنَاً في أخلاقه معهم، فكان يسايرهم ليلاً فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم.

فلمّا وصلوا إلى المدينة أرادتْ العقيلة زينب مكافأته على حسن تعامله وجميل صنعه، ولم يكن لديها مال تقدّمه إليه، لكنّها عَمَدَتْ إلى بعض ما تبقّى من حُلِيّ لدى أختها فاطمة وقدّمتْه إليه معتذرةً قائلة: (هذا جزاؤك بصحبتك إيّانا بالحسن من الفعل ).

فتأثّر الرجل من مبادرة السيّدة زينب واعتذر عن قبولها قائلاً:لو كان الذي صنعتُ إنّما هو للدنيا كان في حُلِيْكُنَّ هذا ما يرضيني دونه ،


ولكن والله ما فعلتُه إلاّ لله ولقرابتكم من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (٦٢) .

تجدر الإشارة إلى أنّ النعمان بن بشير هو الذي رافق موكب العائلة إلى المدينة، وهو أنصاري مدني يَكُنّ مشاعر الاحترام لأهل البيت، وهو كان والياً على الكوفة حينما دخلها سفير الحسين مسلم بن عقيل، ولم يتّخذ ضدّ مسلم إجراءات قمعيّة كما كان يرغب الأمويّون، فعزله يزيد عن ولاية الكوفة وولي عبيد الله بن زياد مكانه، وحينما سمع النعمان مقالة الأمويّين عنه أنّه ضعيف أو متضعّف، قال: لأنْ أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحبُّ إليّ من أنْ أكون قويّاً في معصيته(٦٣) .

____________________

(٦٢) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٦.

(٦٣) زينب عقيلة بني هاشم: عبد العزيز سيّد الأهل: ص ١٠٠.


حماية الإمام

مع أنّ الإمام علي بن الحسين زين العابدين كان حاضراً في واقعة كربلاء، وكان في عزّ عمره وشبابه في (الثانية والعشرين ) من العمر. ومع أنّ الشباب الهاشميّين حتّى الأصغر منه سِنَّاً كانوا يتسابقون إلى المعركة، وكان الجيش الأموي لا يتوقّف عن إطلاق النار على أيّ هاشمي مهما كان عمره وسنّه ولو كان طفلاً رضيعاً.. مع كلّ ذلك فقد شاءتْ حكمة الله سبحانه حِفْظ حياة الإمام زين العابدين، عبر إصابته بالعلّة والمرض، فأصبح ملازماً للخيمة على فراش المرض، حيث أقعده المرض عن حَمْل السلاح والنزول إلى ساحة المعركة؛ ليكون هو الخَلَف والبقيّة، ولتستمرّ به الإمامة والزعامة الدينيّة في ذرِّيَّة الحسين.

وحينما استشهد الإمام الحسين وهجم الجيش الأموي على خيامه وعياله، وأصبحوا أُسارى في أيدي الظالمين كانت حياة الإمام زين العابدين معرّضة للخطر في كلّ لحظة من اللحظات، لكنّ السيّدة زينب قامتْ بدور الحماية والدفاع عن الإمام في تلك الظروف القاسية الصعبة، وأنقذ الله تعالى حياة الإمام بمبادرتها ومواقفها الشجاعة أكثر من مرّة.


* عند استغاثة الحسين:

تلك كانت ساعة حرجة حسّاسة، حيث بقي الحسين وحيداً فريداً في ساحة المعركة، بعد أنْ تهاوى كلّ أصحابه وأهل بيته شهداء مضرّجين بدمائهم، ويَرى خلفه النساء والأطفال تتعالى صيحاتهم وبكاؤهم، وأمامه الأعداء يشرعون سيوفهم للانقضاض عليه.

وهنا رفع الحسين صوتَه مستغيثاً يطلب مَن ينصره ويعينه في ذلك الموقف الصعب الأليم قائلاً: (هل من ذابٍّ يذبّ عن حَرَمِ رسول الله؟ هل مِن موحّدٍ يخاف الله فينا؟ هل مِن مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ ).

واخترق نداء الحسين أستار خيام عيالاته ونسائه، فاستشعروا المصيبة والفاجعة، وارتفع بكاؤهم ونحيبهم، وكان لنداء الاستغاثة وقْع كبير على قلب الإمام زين العابدين، فقد آلمه وأحزنه أنْ يكون مريضاً مقعداً لا يقدر على حمْل السيف وقتال الأعداء، لكنّه مع ذلك تحامل على مرضه، ووثب من فراشه، ومشى خطوات يتوكّأ على عصا ويجرّ سيفه، فرمقه الحسين وتأثر لمنظره وهيئته، ونادى بأخته أُمّ كلثوم: (خذيه واحبسيه؛ لِئَلاّ تخلو الأرض مِن نَسْل آل محمّد).

وأرجعتْه إلى الخيمة، وهو يقول: (ياعمّتاه ذريني أُقاتل بين يدي ابن رسول الله )(٦٤) . ويؤكّد السيّد المقرّم أنّ أُمّ كلثوم هذه هي السيّدة زينب(٦٥) .

* عند هجوم العسكر على الخيام:

هل كان متوقّعاً أنْ يحصل لأهل البيت ما حصل لهم في كربلاء من المآسي، وعلى أيدي أناس يدّعون الإسلام، ويمثّلون السلطة الرسميّة لحكم المسلمين؟ ولمّا يمضي على وفاة الرسول أكثر من نصف قرن من الزمن، وهو الذي طالما أوصى

____________________

(٦٤) بحار الأنوار: المجلسي: ج ٤٥، ص ٤٦. و مقتل الحسين: المقرّم: ص ٢٧١.

(٦٥) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣١٦.


الأمّة بذرِّيَّته وعترته، بل اعتبرها الذكر الحكيم أجراً للرسالة:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٦٦) .

لكنّ عسكر بني أُمَيَّة قد جاوز كلّ الحدود والأعراف وتقاليد الحروب في تعامله مع أهل البيت.. حيث لم يكتفوا بقتل الحسين وأصحابه، وإنّما هجموا بعد ذلك على خيام النساء والأطفال والتي كانت تضمّ حرائر الرسالة ومخدّرات النبوّة.

ويسجّل السيّد المقرّم وَصْفاً لهذا الهجوم اعتماداً على مصادر عديدة أشار إليها، ننقل منه ما يلي:

لمّا قُتل أبو عبد اللهعليه‌السلام ، مال الناس على ثقله ومتاعه، وانتهبوا ما في الخيام وأضرموا النار فيها، وتسابق القوم على سلب حرائر الرسول، فَفَرَرْنَ بناتُ الزهراء حواسر مسلّبات باكيات، وإنّ المرأة لَتُسْلَب مَقْنَعَتُهَا من رأسها، وخاتمها من إصبعها، وقُرْطِهَا من أذنها، والخلخال من رِجْلِها.

أخذ رجلٌ قرطَين لأمّ كلثوم وخَرَمَ أُذُنَها، وجاء آخر إلى فاطمة ابنة الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي.

قالتْ له : مالك تبكي؟!

فقال : كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟

قالتْ له : دعني إذاً.

قال : أخاف أنْ يأخذه غيري(٦٧) .

بهذه الروح العدوانيّة هجموا على الخيمة التي كان فيها الإمام زين العابدين، وجرّوه مِن على فراش مرضه، وجرّد شِمْر بن ذي الجوشن سيفه يريد قتله! فنهره حميد بن مسلم قائلاً:

____________________

(٦٦) سورة الشورى: الآية: ٢٣.

(٦٧) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٠٠.


(يا سبحان الله! أتقتل الصبيان؟ إنّما هو صبي مريض! ).

فأجابه شمر بدناءة : إنّ ابن زياد أمر بقتل أولاد الحسين. وكاد السيف أنْ يقع على رقبة الإمام وينهي حياته، لو لا تدخّل العقيلة زينب حيث تعلّقتْ به لتحميه وتدفع عنه القتل، صارخة بالظالمين القساة: (لا يُقتل حتّى أُقْتَل دونه )(٦٨) .

ولمّا رأوا السيف لا يصل إلى زين العابدين إلاّ عبر جسد السيّدة زينب، اضطرّوا للتراجع عن قَتْله وكفّوا عنه.

* إنقاذ الإمام من بطش ابن زياد:

أدار عبيد الله بن زياد بصرَه يتصفّح وجوه السبايا وبقيّة أهل البيت، حينما أُوقفوا أمامه في قصره بالكوفة، فرأى الإمام زين العابدين وقد أنهكتْه العلّة، فسأله: مَن أنت؟

قال : أنا علي بن الحسين.

فقال ابن زياد : أَوَلَم يَقتل الله علي بن الحسين؟

أجابه الإمام بهدوء وأناة : كان لي أخ أكبر منّي يسمّى عليّاً قتله الناس.

فردّ ابن زياد غاضباً : الله قتله.

أجابه الإمام بشجاعة وثبات :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (٦٩) ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (٧٠) .

ولم يتحمّل ابن زياد أنْ يردّ عليه الإمام ردّاً قرآنيّاً منطقيّاً، يفحمه ويكشف جهله،فصاح منفعلاً : وبك جرأة على ردّ جوابي؟! وفيك بقيّة للردّ عليّ؟!

ونادى بأحد جلاّديه : خُذْ هذا الغلام واضرب عنقه.

____________________

(٦٨) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٠٢، و مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٠١.

(٦٩) سورة الزمر: الآية: ٤٢.

(٧٠) سورة آل عمران: الآية: ١٤٥.


فتسابق الجلاوزة لأخذ الإمام للقتل، وأصبحتْ حياة الإمام في خطر حقيقي، وهنا تدخّلتْ السيّدة زينب؛ لتمارس دورها في حماية الإمام وإنقاذ حياته، حيث أخذتْ الإمام واعتنقتْه لتمنع الجلاوزة مِن أخذه، ثمّ التفتتْ إلى ابن زياد قائلة: (حسبك يابن زياد مِن دمائنا ما سفكتْ، وهل أبقيتَ أحداً غير هذا؟ فإنْ أردتَ قَتْلَه فاقْتُلْني معه ).

وأحبطتْ محاولة ابن زياد، حيث اضطرّ للتراجع عن قرار قَتْل الإمام،وقال متعجّباً : دعوه لها، يا للرحم ودّت أنّها تُقْتَل معه(٧١) .

____________________

(٧١) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٨٢. و مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٢٥.



الإعلام للثورة



لقد واكب الإمام الحسين معركة أبيه الإمام علي ضدّ التسلّط الأموي الذي كان يتمثّل في معاوية بن أبي سفيان... ورأى الإمام الحسين كيف بالغ معاوية واجتهد في استخدام أساليب التضليل الإعلامي والفكري ليربح المعركة على الإمام علي.. ومع أنّ الإمام علي يمثّل الخلافة الشرعيّة للمسلمين، ومع ما لشخصيّته من مميّزات وتاريخ عظيم لا يمكن إنكاره، ومع أنّ معاوية كان في موقع المتمرّد والمنشقّ على جماعة المسلمين.. مع كلّ ذلك إلاّ أنّه استطاع التأثير على قطّاع واسع من أبناء الأمّة؛ ليقفوا إلى جانبه ويدعموه في صراعه ضدّ الشرعيّة.. واستمراره في الولاية على الشام رغم عزله من قِبل الخليفة الشرعي، بل وتمكّنه مِن تحشيد الجيوش لمحاربة الإمام علي في صفّين، وبعد ذلك اتّساع رقعة سيطرته ونفوذه في العديد من الأقطار، وحَسْمه الموقف مع الإمام الحسن لصالح استئثاره بالسلطة وتخلّي الإمام الحسن عنها عبر مسألة الصلح المعروف.

كلّ ذلك دليل على نجاح وتأثير الأساليب والخطط والممارسات التي قام بها معاوية بن أبي سفيان، ومِن أبرزها محاولات الخداع والتضليل الديني والإعلامي، فقد شجّع طبقة من الوضّاعين وصنّاع الأحاديث الملفّقة الكاذبة في مدح معاوية وبني أُمَيَّة وسلطتهم، وذمّ الإمام علي وأهل البيت، وبذل لهم


الأموال على ذلك.

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي:

وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي (توفي: ٢٤٠ ه- ) رحمه الله تعالى: أنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليعليه‌السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً يُرغب في مِثْله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم:

- أبو هريرة.

- وعمرو بن العاص.

- والمغيرة بن شعبة.

- ومن التابعين عروة بن الزبير(١) .

قال: وقد صحّ أنّ بني أميّة منعوا من إظهار فضائل عليعليه‌السلام ، وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتّى إنّ الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر عن ذكر اسمه - أي اسم علي - فيقول: عن أبي زينب(٢) .

وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الأفاق:

أنْ انظروا مِن قِبلكم مِن شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأَدْنُوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه؛ لِمَا كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثّر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كُتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب إلى عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب - يعني

____________________

(١) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد: ج ٤، ص ٦٣.

(٢) المصدر السابق: ص ٧٣.


الإمام علي - إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.

فقرئتْ كتبه على الناس، فرويتْ أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله(٣) .

والى جانب الأحاديث الملفّقة الموضوعة فقد استخدم معاوية وسيلة إعلاميّة أخرى، هي توظيف القصّاصين الذين يحدّثون الناس بالقضايا والوقائع التي تريد السلطة الترويج لها.

قال الأستاذ أحمد أمين:

وأمّا قصص الخاصّة فهو الذي جعله معاوية، ولّى رجلاً على القصص فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عزّ وجل وحمده ومجّده وصلّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودعا للخليفة ولأهل ولايته وحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافّة(٤) .

ولا بدّ أنّ هذا الدعاء كان استهلالاً يبتدئ به القاص ثمّ يأخذ بعده في قصصه(٥) .

كما أحاط معاوية سلطته بمجموعة من الشعراء المرتزقة ك-: (الأخطل، ومسكين الدارمي )، يقول (بروكلمان): وكان.. - معاوية - أبداً قادراً على أنّ يفيد ممّا كان لشعراء عصره مِن تأثير عظيم في الرأي العام بسبيل مصالحه العائليّة(٦) .

ولمعرفة الإمام الحسين بهذه السياسة الأمويّة في تضليل الناس وخداعهم كان

____________________

(٣) المصدر السابق: ج ١١، ص ٤٤ - ٤٥.

(٤) فجر الإسلام: أحمد أمين: ص ١٥٩.

(٥) ثورة الحسين: محمّد مهدي شمس الدين: ص ١١٩.

(٦) تاريخ الشعوب الإسلاميّة: كارل بروكلمان: ص ١٢٤.


لا بدّ له من التفكير في مستقبل ثورته المقدّسة، وكيفيّة حمايتها وصيانتها من تأثير الإعلام الأموي الحاكم.

فالأمويّون لنْ يكتفوا بقتل الإمام الحسين، وهم يعلمون بمكانته لدى الأمّة، بل سيلجأون لتشويه ثورته وإسقاط شخصيّته بمختلف وسائلهم وأساليبهم الماكرة، كما صنعوا مع أبيه الإمام علي من قبل.

فكيف يُفشل الإمامُ الحسين مخطّطهم الإعلامي المضاد؟

وكيف يُجهِض محاولاته في تشويه صورة الثائرين؟

وكيف تصل أهداف ثورته ومنطلقاتها إلى أسماع الجمهور المسلم؟

وكانت إجابة الإمام الحسين على هذه التساؤلات إجابةً حكيمة قويّة، هي استعانته بأخته السيّدة زينب لتقوم بذلك الدور العظيم.

فالحسين بنفسه كان يوضّح للأمّة أسباب ثورته وأهداف حركته، وكان يكشف للناس انحرافات الحكم الأموي وفساده، ويؤكّد على المسؤوليّة الملقاة على كاهل المسلمين للتصدّي لهذا الجور والظلم.

لقد تصدّى الإمام بنفسه للقيام بالمهمّة الإعلاميّة:

- يوم كان في المدينة المنوّرة.

- وحين انتقل إلى مكّة المكرّمة والتقى بجموع الحجيج.

- وأثناء سيره إلى العراق.

- وفي أرض كربلاء.

- وحتّى قُبيل شهادته بلحظات كان يخاطب الجيش الأموي محرّضاً وموجّهاً.

لكنّ حاجة الثورة إلى الإعلام بعد شهادته ستكون أشدّ وأكبر؛ لأنّ الأمويّين ستأخذهم نشوة الانتصار الظاهري، وسيجعلون مِن سحق المعسكر الحسيني مثلاً وعِبرة لإرهاب مَن يفكّر في معارضتهم والوقوف أمام بَغْيهم وفسادهم.

فالإعلام بعد الشهادة أكثر أهمِّيَّة منه قبلها.

ومَن غير السيّدة زينب تُسنَد إليه هذه المهمّة الخطيرة؟

ومَن سواها يُجيد القيام بهذا الدور العظيم؟


خطابها في الكوفة

وغادرتْ السيّدة زينب كربلاء بعد ظهر اليوم (الحادي عشر من المحرّم )، مثقلةً بما لا تتحمّله الجبال الرواسي من الهموم والأحزان، فلأوّل مرّة في حياتها تسافر دون أنْ يحيط بها رجالات أسرتها وحماة خدرها، وهي قد رُزئتْ بأفجع مصيبة يمكن أنْ تحلّ بإنسان، حيث فقدتْ أكثر من (سبعة عشر بطلاً من أهلها ) ما على وجه الأرض لهم شبيه، إضافةً إلى حوالي (السبعين من أنصارهم ) والمدافعين عنهم، وشاهدتْ السيّدة زينب مصارعهم على بوغاء كربلاء بتلك الصورة الفظيعة.

وكانت الأربع والعشرون ساعة التي سبقتْ سفرها إلى الكوفة من أصعب وأشدّ الساعات التي مرّت عليها في حياتها، حيث أَحرق الظالمون خيامها، وهجموا عليها مع باقي نساء ويتامى عشيرتها، وسلبوا كل ما لديهنّ من الحُلِيّ والحُلَل.

ودخلتْ السيّدة زينب الكوفة صباح اليوم (الثاني عشر من المحرّم )، تُحيط بها كلّ تلك الهموم والآلام، وتُثْقِل كاهلها تلك المصائب والأحزان.

من جهة أخرى فقد خطط حاكم الكوفة عبيد الله بن زياد للاستفادة من وصول سبايا الحسين في إظهار قوّة السلطة وتصميمها على سحق أيّ محاولة تمرّد أو


معارضة، وأنْ يجعل من قدوم السبايا تظاهرة لإدانة تحرّك الإمام الحسين وثورته، وللاحتفاء بانتصاره الزائف على ثورة الحقّ والعدل، في غمرة هذه الأجواء دخلتْ السيّدة زينب الكوفة مع السبايا على جِمال غير مهيّأة لإراحة راكبيها، وفي حال مأساوي فظيع.

وللسيّدة زينب في الكوفة تاريخ وذكريات، فقد كانت سيّدة الكوفة أيّام خلافة أبيها أمير المؤمنين علي قبل (عشرين سنة ) من دخولها الآن.. فلا بدّ وأنْ تستعيد في نفسها صور تلك الأيّام، وأنْ تثور في قلبها ومخيّلتها الذكريات.. ففي تلك المحلّة كانت تقيم، وذاك محراب أبيها علي ومنبره في مسجد الكوفة.. وهذه الأزقّة التي كان يسلكها أبوها علي.. وهذا باب دارها الذي كان يقصده السائلون والمحتاجون.

وتتوالى الصور والذكريات في مخيّلة السيّدة زينب، ولعلّها تتمنّى وترغب في أنْ تسرح بفكرها وتسترسل بمشاعرها مع تلك الصور والذكريات العزيزة، لكنّ سياط الواقع الأليم تنتزعها من تلك الذكريات انتزاعاً.

عن حذلم بن كثير قال:

قدمت الكوفة (سنة: ٦١ ه- ) عند مجيء علي بن الحسين من كربلاء إلى الكوفة ومعه النسوة، وقد أحاط بهم الجنود، وقد خرج الناس للنظر إليهم، وكانوا على جمال بغير وطاء، فجعلنَ نساء أهل الكوفة يَبكينَ ويَندبْنَ.

ورأيتُ علي بن الحسين قد أنهكتْه العلّة، وفي عنقه الجامعة، ويده مغلولة إلى عنقه، وهو يقول بصوت ضعيف: (إنّ هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا؟).

قال حذلم بن كثير: ورأيتُ زينب بنت علي، ولم أرَ خفرة أنطق منها، كأنّها تُفْرِغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين، وقد أومأت إلى الناس أنْ اسكتوا، فارتدّتْ الأنفاس، وسكنتْ الأصوات، فقالت: (الحمد لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيبين الأخيار.


أَمّا بعد: يا أهل الكوفة يا أهل الخَتْل والغَدْر، أَتَبْكُوْنَ؟ فَلاَ رَقَأَتْ الدَمْعَة، وَلاَ هَدَأَتْ الرَنَّة، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ التِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثَا، تَتَّخِذُوْنَ أَيْمَانَكُم دَخَلاً بَيْنَكُم، أَلاَ وَهَل فِيْكُم إلاَّ الصَلِفُ والنَطِفْ، والكَذِب والشَنف، وَمَلَقِ الإِمَاء وَغَمْز الأَعْدَاء، أَوْ كَمَرْعَى عَلَى دِمْنَة، أَوْ كَقصَّة عَلَى مَلْحُوْدَة، أَلاَ سَاءَ مَا قَدَّمَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْكُم وَفِي العَذَابِ أَنْتُم خَالِدُوْنَ، أَتَبْكُوْنَ وَتَنْتَحِبُوْنَ؟! إِي وَالله فَابْكُوا كَثِيْراً وَاضْحَكُوا قَلِيْلاً، فَلَقَدْ ذَهَبْتُم بِعَارِهَا وَشَنارها، وَلَنْ تَرحضوها بغسل بعدها أَبَدَاً، وَأَنَّى تَرْحَضُونَ قَتْل سَلِيْل خَاتم النُبُوّة، وَمَعْدِن الرِسَالَةِ، وَسَيِّد شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَلاَذ خِيْرَتِكُم، وَمَفْزَع نَازِلَتِكُم، وَمَنَار حُجَّتِكُم، أَلاَ سَاءَ مَا تَزِرُوْنَ! وَبُعْدَاً لَكُمْ وَسحُقْاًَ، فَلَقَد خَابَ السَعْي، وَتَبّتْ الأَيْدِي، وَخَسِرَتْ الصَفْقَة، وَبُؤْتُمْ بِغَضَبٍ مِن اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمْ الذِلَّةُ وَالَمَسْكَنَةُ.

وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الكُوْفَة! أَتَدْرُوْنَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُوْلِ اللهِ فَرَيْتُمْ؟ وَأَيَّ كَرِيْمَةٍ لَهُ أَبْرَزْتُم؟ وَأَيَّ دَمٍ لَهُ سَفَكْتُمْ؟ وَأَيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انْتَهَكْتُمْ؟ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئَاً إِدَّا! تَكَادُ السَمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ، وَتَنْشَقّ الأَرْضُ، وَتَخِرُّ


الجِبَالُهَدَّا !! وَلَقَدْ جِئْتُم بِهَا خَرْقَاء، شَوْقَاء، كَطِلاَعِ الأَرْضِ، وَملءِ السَمَاءِ، أَفَعَجِبْتُمْ أَنْ مَطَرَتْ السَمَاءُ دَمَاً، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُوْنَ، فَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكُم المهل، فإنّه لاّ يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، وإنّ رَبَّكُمْ لَبِالْمِرْصَاد.

قال الراوي:

فوالله لقد رأيتُ الناس حيارى يبكون، قد ردّوا أيديهم في أفواههم، ورأيتُ شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّتْ لحيتُه بالدموع، ويده مرفوعة إلى السماء وهو يقول: بأبي أنتم وأمّي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير النسل، لا يبور ولا يخزي أبداً.

فقال لها الإمام علي بن الحسين : (اسْكُتِي يَا عَمَّة، فَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ عَالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَةٍ، وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَةٍ)(٧) .

مصادر الخطبة ورواتها:

لقد أوردتْ خطاب السيّدة زينب في الكوفة مصادر عديدة هي من أمّهات المراجع، ومن أبرز تلك المصادر:

١ - الشيخ الطوسي في: (أماليه).

٢ - أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه:

____________________

(٧) اعتمدنا في نقل النص على المصادر التالية:

أ - الاحتجاج: للطبرسي: ص ٣٠٣.

ب - حياة الإمام الحسين: للقرشي: ج ٣، ص ٣٣٤.

ج- - مقتل الحسين: للمقرّم: ص ٣١١.

د - زينب الكبرى: للنقدي: ص ٤٨.


(مقتل الحسين ).

٣ - أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في: (بلاغات النساء ).

٤ - أبو عثمان الجاحظ في: (البيان والتبيين ).

٥ - الشيخ أحمد بن علي الطبرسي - من علماء القرن السادس - في كتابه: (الاحتجاج ).

لكنّ اسم الراوي الذي نقل عنه الخطاب يختلف من مصدر إلى آخر:

- فالشيخ الطبرسي ينقله عن (حذيم بن شريك الأسدي )، ويكرّر اسمَه ثلاث مرّات بين فقرات الرواية، كما ينقل عنه أيضاً خطاب الإمام زين العابدين في الكوفة(٨) . وحذيم بن شريك الأسدي ذكره الشيخ الطوسي في (رجاله ) في أصحاب الحسينعليه‌السلام (٩) .

- أمّا الشيخ النقدي فقد قال: إنّ الخطبة قد تواترت الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن (حذلم بن كثير )، وذكر أنّ حذلم بن كثير من فصحاء العرب.. وقال: إنّ الجاحظ رواها في كتابه (البيان والتبيين ) عن خزيمة الأسدي (١٠) .

- أمّا الشيخ القرشي فقد أثبت الرواية عن (جذلم بن بشير )(١١) . ولم يثبت السيّد المقرّم اسماً للراوي، واكتفى بعبارة: (يقول الراوي )(١٢) .

- وذكر أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور في كتابه (بلاغات النساء) سند الخطبة كما يلي: (عن سعيد بن محمّد الحميري - أبو معاذ - عن عبد الله بن عبد

____________________

(٨) الاحتجاج: الطبرسي: ج ١ ص ٣٠٣ - ٣٠٥.

(٩) أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين: ج ٤، ص ٦٠٦.

(١٠) زينب الكبرى: النقدي: ص ٤٩ - ٥٠.

(١١) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٣٤.

(١٢) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٣٤.


الرحمن - رجل من أهل الشام - عن شعبة، عن حذام الأسدي، وقال مرّة أخرى حذيم، قال: قَدِمْتُ الكوفة)(١٣) .

* آفاق الخطاب:

يمثّل خطاب السيّدة زينب في الكوفة أوّل تصريح وتعليق على واقعة كربلاء بعد حدوثها يصدر من أهل البيتعليهم‌السلام ، وتكمن أهمِّيَّة الخطاب في أنّه موجّه للمجتمع المسؤول عن ما حدث بصورة مباشرة، وهو المجتمع الكوفي.. والخطاب أيضاً يعتبر الجولة الأولى في معارك السيّدة زينب ضدّ الإجرام والظلم الأموي.

من هنا لا بدّ من قراءه الخطاب قراءة متأنّية واعية، ونسلّط هنا الأضواء على بعض آفاق ذلك الخطاب الهام:

* أوّلاً: تحمّل المجتمع الكوفي المسؤوليّة المباشرة عمّا حدث للإمام الحسين وأهل البيت وعن مصير الثورة المقدّسة:

فالكوفيّون هم الذين كاتبوا الحسين وألحّوا عليه بالقدوم إليهم، وبايعوا سفيرَه مسلم بن عقيل، فكيف خذلوا الإمام وتخلّوا عنه، واستسلموا لترهيب ابن زياد وترغيبه؟

ثمّ إنّ الجيش الذي زحف لقتال الإمام وصنع تلك الجريمة الكبرى، كان في أغلب قياداته وجنوده من أبناء المجتمع الكوفي.

وبعد كلّ ما حدث، لماذا يتفرّج الكوفيّون على نتائج الأحداث، وهم يرون رأس الإمام الحسين ورؤوس أهل بيته مرفوعة على أطراف الرماح تخترق شوارع بلدتهم، ويشاهدون نساء الحسين وعيالاته أسارى سبايا بين ظهرانيهم، فلماذا السكوت والخنوع والصمت على كلّ ما يجري؟ وماذا ينتظرون لكي تتحرّك غيرتهم الدينيّة وشيمتهم العربيّة؟

لذلك تنقل الرواية التي ضمّنتْ الخطاب قول الإمام زين العابدينعليه‌السلام معلّقاً على بكاء نساء أهل الكوفة: (إنّ هؤلاء يبكون وينوحون مِن

____________________

(١٣) بلاغات النساء: ابن طيفور: ص ٢٣.


أجلنا، فَمَنْ قَتَلَنَا؟)

وهذا ما ركّزت عليه السيّدة زينب في خطابها، إذ اعتبرتْ أهل الكوفة مسؤولين بشكل مباشر عن الفاجعة، ووجّهتْ إليهم أشدّ التوبيخ والذم.

فقالتْ عنهم : (أَهْل الخَتْل والغَدْر).

والختل : هو الخداع.

والغدر : هو الخيانة ونقض العهد.

فأهل الكوفة بدعوتهم الإمام للقدوم إليهم، وبمبايعتهم له والتزامهم بنصرته ثمّ التخلي عنه، بل والمشاركة في قتاله، قد مارسوا أسوأ أنواع الخداع والخيانة ونقض العهد.

واعتبرتْهم السيّدة زينب نموذجاً وتطبيقاً للمثل المعروف عن المرأة الحمقاء التي كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمرهنّ أنْ ينقضْنَ ما غزلْنَ، وهذا دأبها كلّ يوم.. وهو مثل ذكره القرآن الحكيم:( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ) (١٤) .

وكأنّ السيّدة زينب بقولها: (إنّمَا مَثَلُكُم كَمَثَلِ التِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثَاً) تُشير إلى أنّ أهل الكوفة قد تكرّر في تاريخهم وواقعهم أنّهم يقفون إلى جانب الحقّ ويقدّمون التضحيات، لكنّهم وفي ذروة الصراع مع أهل الباطل يتراجعون وينسحبون، ويضيّعون بذلك جهودهم وتضحياتهم ومستقبلهم:

- حصل ذلك في موقفهم مع الإمام علي، حيث خاضوا معه معركة الجَمَل ومعركة صفّين، وحينما لاح فجر النصر لهم بعد تضحياتهم الكبيرة استجابوا لخدعة معاوية برفع المصاحف وطلب التحكيم، فاغتالوا بذلك انتصارهم وأعطوا الفرصة لعدوهم.

- وكرّروا ذات الموقف مع الإمام الحسن حيث بايعوه والتفّوا حوله وزحفوا معه لمواجهة تمرّد معاوية، لكنّهم لمّا حانتْ ساعة المواجهة، تخاذلوا وهدّموا بذلك صرح الشرعيّة والقيادة الذي بَنَوه ببيعتهم للإمام الحسن.

- ومع الإمام الحسين مارسوا نفس الطريقة والحالة، فهم قد بايعوا الإمام وأقدموه إليهم، وكادتْ الكوفة أنْ تستعيد دورها القيادي بخضوها لسفير الإمام: مسلم بن عقيل، لكنّهم في اللحظات الأخيرة والحساسة، بدّدوا كلّ تلك الآمال،

____________________

(١٤) سورة النحل: آية: ٩٢.


واغتالوا مستقبلهم ومستقبل الأمّة.

اذاً، فهم كالتي نقضتْ غزلها من بعد قوّة أنكاثا، وزينب بهذا التمثيل تحاكي ما قاله أبوها من قَبل لذات المجتمع حين قال:

(أَمّا بعد: يَا أَهْلَ العِرَاق، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالمَرْأَةِ الحَامِل، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ، وَمَاتَ قيمها، وطال تأيمها، وورثها أبعدها)(١٥) .

أوليستْ زينب تُفرِغ عن لسان أبيها؟ كما قال الراوي.. وتوجّه زينب لهم التهمة بصراحة ووضوح في فقرات عديدة من خطابها: (فلقد ذهبتُم بِعارِها وشَنَارِها ).

(ويْلَكم يَا أهلَ الكوفة أَتَدرونَ أَيَّ كَبِدٍ لرسول اللهِ فَرَيْتُم ).

(لَقَد جِئْتُم شيئاً إِدّاً ).

(وَلَقَد جِئْتُم بِها حَرْقَاء شَوْهَاء )..

* ثانياً: التركيز على نقاط ضعف المجتمع الكوفي ومساوئ أخلاقه:

فالجريمة لم تنطلق من فراغ، وإنّما هي نتيجة طبيعية لتلك الأخلاقيّات المنحرفة، وتنبّههم إلى أبرز مساوئ أخلاقهم بقولها: (وَهَل فِيْكُم إلاَّ الصَلِفُ والنَطِف، والكَذِب والشَنف، وَمَلَقِ الإِمَاء وَغَمْز الأَعْدَاء، أَوْ كَمَرْعَى عَلَى دِمْنَة، أَوْ كَقصَّة عَلَى مَلْحُوْدَة ).

و (الصلف ): هو التمدّح بما ليس في الذات أو فوق ما في الذات إعجاباً وتكبّراً(١٦) .

ومَن يقرأ رسائل الكوفيّين للإمام الحسين، وكلماتهم أثناء مبايعتهم والتفافهم حول سفيره مسلم بن عقيل، والتي ادّعوا فيها إخلاصهم وتفانيهم واستعدادهم للتضحية فداءً للإمام الحسين، وأكّدوا فيها تصميمهم على مقاتلة الأعداء وإلحاق الهزيمة بهم. ومَن يلاحظ حقيقة موقفهم وواقعهم فيما بعد تجاه الإمام الحسين، يرى بوضوح أنّهم يتّصفون بالصلف كما قالتْ عنهم السيّدة زينب، وقد سبقها أبوها الإمام علي في اكتشاف هذه الصفة السلبيّة للمجتمع الكوفي في قوله لهم:

____________________

(١٥) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ٧١.

(١٦) المنجد في اللغة.


(كلامكم يوهي الصمّ الصلاب، وفِعْلُكُم يُطْمِعُ فِيْكُم الأعداء! تقولون في المجالس كَيْت وكيت، فإذا جاء القتال قُلْتُم: حيدي حياد)(١٧) .

ولا غَرْوَ فإنّها تُفْرِغ عن لسان أبيها.

أمّا (النطف ): فهو التلطّخ بالعيب، أو القذف بالفجور.

و (الشنف ): بالتحريك البغض والتنكّر.

وتشير السيّدة زينب إلى ابتلائهم بمرض التملّق المفرط (ملق الإماء)، فالأمّة التي لا حول لها ولا قوّة تجد نفسها مضطرّة إلى إبداء أعلى درجة من الخضوع والطاعة والانقياد لسيّدها، وتُبالغ في جلب ودّه ورضاه، والمجتمع الكوفي كان كذلك في تعامله مع السلطة المهيمنة عليه آنذاك.

و (الغمز ): الطعن بالشر.

(كَمَرْعَى عَلَى دِمْنَة، أَوْ كَقصَّة عَلَى مَلْحُوْدَة ): تشير بذلك إلى حالة الازدواجيّة التي كان يعاني منها المجتمع الكوفي، فظاهره حسن يُغري، بينما ما تنطوي عليه النفوس سيّء خبيث، وتشبّههم بالزرع الأخضر في مكان أوساخ الحيوانات وفضلاتها (مرعى على دمنة )، وبالقبر المجصَّص ظاهره بالجص الجميل المنظر، ولكن ماذا في حفره القبر غير الرفاة المتفسّخة لجسد الميّت (كقصة على ملحودة ).

ويُعلّق السيّد المقرّم على هذه الفقرة بقوله:

والذي أراه أنّ النكتة في هذه الاستعارة: إنّ القصة بلغة الحجاز الجص، والملحودة القبر لكونه ذا لحد، فكأنّ القبر يتزيّن ظاهره بياض الجص ولكنّ داخله جيفة قذرة، وأهل الكوفة وإنْ تزيّن ظاهرهم بالإسلام، إلاّ أنّ قلوبهم كجِيَفِ الموتى؛ بسبب قيامهم بأعمال الجاهليّة الوخيمة العاقبة، من الغدر وعدم الثبات على المبادىء الصحيحة، وقد انفردتْ (متمّمة الدعوة الحسينيّة ) بهذه النكات البديعة

____________________

(١٧) نهج البلاغة: الإمام علي: الخطبة رقم: ٢٩.


التي لم يسبقها مَهَرَةُ البلغاء إليها؛ لأنّها ارتضعتْ در (الصديقة الكبرى)، التي أخرستْ الفصحاء بخطابها المرتجل(١٨) .

* ثالثاً: توضيح أبعاد الفاجعة:

فما حدث في كربلاء لم يكن أمراً سهلاً، وليس شيئاً عاديّاً بسيطاً، إنّه كارثة مروّعة، وفجيعة عظمى، وجريمة نكراء. والسلطة الحاكمة قد تحاول تبسيط ما حدث، فهو تمرّد على النظام اضطرّ الجيش إلى قمعه ليس إلاّ!

لكنّ السيّدة زينب في خطابها أوضحتْ للناس الأبعاد الحقيقية لِمَا حدث حين قالتْ: (فَلَقَدْ ذَهَبْتُم بِعَارِهَا وَشَنارها، وَلَنْ تَرحضوها بغسل بعدها أَبَدَاً ).

فالفظائع التي ارتُكِبَتْ في كربلاء بحقّ أهل البيت، تمثّل جريمة نكراء تسوّد وجوه وتاريخ أصحابها بالعار والشنار وهو أقبح العيب، ولا يمكن إزالة وتطهير آثار تلك الجريمة أبداً.

ثمّ تخاطبهم قائلة: (ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أيَّ كبد لرسول اللهِ فَرَيْتُم ).

فبالمقياس الديني أنّهم قد اعتدوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالحسين سبطه وحبيبه والعزيز على قلبه، وعيال الحسين وثقله، هم حرمة رسول الله.. فكيف يسمحون لأنفسهم كمسلمين أنْ يقترفوا ذلك؟

إنّها جريمة في مستوى الشرك بالله سبحانه؛ لذلك تصفها السيّدة زينب بما وصف به القرآن شرك الكافرين وادّعاهم أنّ لله ولداً:( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ) (١٩) .

كما تشير السيّدة زينب إلى أنّهم مارسوا الجريمة بأكبر قدر من الحقد والبشاعة: (ولقد جئتم بها خرقاء وشوهاء ).

____________________

(١٨) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣١٢.

(١٩) سورة مريم: آية: ٨٨ - ٨٩.


وتثبّتْ السيّدة زينب في خطابها قضيّة تداولتْ، نقلها بعضُ المصادر مِن أنّ السماء أمطرتْ دماً يوم متقل الحسين، وحينما تقول ذلك السيّدة زينب يصبح إخباراً حقيقيّاً صادقاً، وهي بذلك تذكّر مَن قد يكون غافلاً عن الربط بين القضيّتين أي قتل الحسين، وإمطار السماء دماً، كما تخلّد هذا الحادث للتاريخ والأجيال.

* رابعاً: منزلة الحسين ومقامه:

لا بدّ وأنّ الإعلام الأموي سيسعى جاهداً للتقليل من شأن الحسين والافتراء على شخصيّته، كما حصل لأبيه الإمام علي؛ لذلك ركّزتْ السيّدة زينب في خطابها على التأكيد على منزلة الحسين ومقامه فهو: (سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، وسيّد شاب أهل الجنّة ).

خامساً: الإنذار بالانتقام:

فعدالة الله تعالى تأبى أنْ تمر تلك الجريمة النكراء دون عقاب يتناسب مع خطورتها، لكنّ العقاب قد لا يأتي فوريّاً (فلا يستخفِّنَّكم المهل، فإنّه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثأر، وإنّ ربّكم لبالمرصاد ).

وكان الانتقام الإلهي من قَتَلَةِ الحسين ومن المجتمع المتواطئ معهم شديداً وقويّاً، حيث لم يعرف ذلك المجتمع بعدها أَمْناً ولا استقراراً.



في مواجهة ابن زياد

إمعاناً منه إذلال سبايا أهل البيت، استجابةً لأحقاده الكامنة ضدّ آل الرسول، ولاستعراض القوّة، وتمكين الرعب في قلوب الناس.. فقد عقد في قصره ومجلس حكمه مهرجاناً ضخماً أحضر فيه رجالات جيشه وقادة عسكره وزعماء الكوفة الملتفّين حوله، وأمر بإحضار رأس الحسين بين يديه، وإدخال السبايا عليه.

وجلس ابن زياد على أريكة حكمه الجائر، منتشياً بانتصاره الزائف، وبيده عصاة يعبث بها في رأس الحسين، وينكث بين شفتَيه.

فلمّا رآه (زيد بن أرقم) لا ينجم عن نكته بالقضيب،قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتَين الثنيّتين، فوالذي لا آله غيره، لقد رأيتُ شفتَي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على هاتَين الشفتَين يقبّلهما! ثمّ انفضخ الشيخ يبكي.

فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنّك شيخ قد خرفتْ وذهب عقلك لضربتُ عنقك!

قال : فنهض فخرج، فلمّا خرج سمعتُ الناس يقولون: والله لقد قال


زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابنُ زياد لقتله!

قال :فقلتُ : ما قال؟

قالوا : مرّ بنا وهو يقول: (ملك عبد عبدا، فاتّخذهم تلدا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتُم بالذل، فبُعداً لِمَنْ رضي بالذل)(٢٠) .

وأُدخِلَتْ السبايا عليه، وكنّ في حالة يُرثى لها من الإرهاق والعناء والألم، وكانت في الطليعة زينب وهي تلبس أرذل الثياب، وقد تنكّرتْ وانحازتْ إلى ناحية من المجلس، تحفّ بها النساء المسبيّات.

وابن زياد يعلم مكانة السيّدة زينب في البيت العلوي؛ لذلك أراد أنْ يصوّب إليها بسهام الشماتة، وأنْ يتلذّذ بإذلالها في مجلسه وأمام الملأ.

فالتفتَ نحوها قائلاً: من هذه الجالسة؟

فلم تكلّمه، استهانةً به، واحتقاراً لشأنه.

وأعاد السؤال مرّة ثانية وثالثة دون أنْ يظفر منها بجواب، إلاّ أنّ إحدى السيّدات المسبيّات انبرتْ إليه مجيبة: هذه زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله.

وانفعل ابن زياد - مع ترفّع السيّدة زينب عن إجابته - واندفع يخاطبها غاضباً متشمّتاً: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم!!

ومع أنّ السيّدة زينب كانت تحبّذ التسامي والتعالي على حقارة ابن زياد، وأنْ لا تَدخل معه في حديث استهانةً به.. إلاّ أنّ الموقف كان يتطلّب من السيّدة زينب ممارسة دورها الرسالي في الدفاع عن ثورة أخيها الحسين، وتأكيد موقعيّة أهل بيتها العظيمة في الأمّة، وتمزيق هالة السلطة والقوّة التي أحاط بها ابن زياد

____________________

(٢٠) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٢.


نفسه؛ لذلك بادرتْ إلى الرد عليه قائلة: (الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد، وطهّرنا من الرجس تطهيراً، إنّما يُفْتَضَحُ الفاسق ويُكذَّب الفاجر، وهو غيرنا يا ابن مرجانة ).

وما كان ابن زياد يتوقّع هذا الرد الشجاع القوي من امرأة تعيش أفظع مأساة وأسوأ حال، فأراد أنْ يلفتها إلى مأساتها ومصيبتها حتّى تفقد جرأتها وتنهار معنويّاتها، فقال لها متشفياً:فكيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتك؟

لكنّ العقيلة أفشلتْ محاولته، وانطلقتْ تجيبه بكلّ بسالة وصمود: (ما رأيتُ إلاّ جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القَتْل، فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّ وتُخاصَم، فانظر لِمَنْ الفَلَج يومئذ، ثكلتك أُمّك يا ابن مرجانه!! ).

إنّه لموقف إيماني بطولي عظيم، يندر أنْ يحتفظ تاريخ البشريّة بمثيل له، لقد تجاوزت السيّدة زينب بإرادتها وبصيرتها النافذة كلّ ما أحاط بها من الآم المأساة، ومظاهر قوّة العدو الظالم، ولم تبالِ بجبروته وعساكره، بل جابهتْه بالتحدّي وجهاً لوجه أمام أعوانه وجمهوره، معلنةً أنّها لا يساورها أي شعور بالهزيمة والهوان، فما حدث لأسرتها شيء جميل بمنطق الرسالة التي يحملونها، والمسألة لا تعدو أنْ تكون استجابة لأمر الله تعالى الذي فرض الجهاد ضدّ الظلم والعدوان، وهي واثقة أنّ المعركة بدأتْ ولم تَنْتَهِ، ونهايتها الحاسمة يوم القيامة بين يدي الله، وهناك سيكون النصر الحقيقي حليفاً لها ولأسرتها الكريمة.

ثمّ تختم كلامها بالدعاء بالهلاك للطاغية المتجبّر أمامها مخاطبة له: (ثكلتك أمّك يابن مرجانة ).

وكان ردّها عليه قاسياً شديداً أسقط هيبته الزائفة في أعين الحاضرين جميعاً، بل حطّم كبرياءه وغروره، واستبدّ به الغضب متوعّداً السيّدة زينب بالعقوبة والتنكيل.. فتدارك الموقف عمرو بن حريث ليخفّف من غلواء غضب ابن زياد


قائلاً: أصلح الله الأمير إنّما هي امرأة ! وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها؟ إنّها لا تؤاخَذ بقولٍ ولا تُلام على خطل!

فتراجع ابن زياد عن تهديده بالعقوبة والتنكيل الجسدي مستبدلاً به العقاب النفسي حيث توجّه إلى السيّدة زينب ليلذع قلبها بعبارات الشماتة والتشفّي قائلاً:

(لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فأثار بهذا الكلام شجون السيّدة زينب، وأشعل الحزن والألم في قلبها، ولعلّها أرادتْ حينئذٍ استخدام سلاح العاطفة وإعلان المظلوميّة، فأجابتْه بلوعة وأسى:

(لعمري لقد قتلتَ كهلي، وأبدتَ أهلي، وقطعتَ فرعي، واجتثثتَ أصلي، فإنْ يُشْفِكْ َهذا فقد أشتفيتَ).

وشعر ابن زياد بالضعف والصغار أمام منطق العقيلة زينب فغيّر دفّة الحديث قائلاً: هذه سجّاعة، لعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً.

فردّته السيّدة زينب بقولها: (إنّ لي عن السجاعة لشغلاً، ما للمرأة والسجاعة)(٢١) .

ونقل السيّد المقرّم عن (الكامل في التاريخ للمبرّد، ج ٣، ص ١٤٥، طبع سنة: ١٣٤٧ ه- ) قوله: لقد أفصحتْ زينب بنت علي وهي أسن من حمل إلى ابن زياد، وأبلغتْ، وأخذتْ من الحجّة حاجتها.

فقال ابن زياد لها: إنْ تكوني بلغتِ من الحجّة حاجتكِ فقد كان أبوك خطيباً شاعراً.

فقالت: ما للنساء والشعر!

____________________

(٢١) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٢ - ٢٦٣. و الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٨١ و حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٤٣.


وكان ابن زياد ألكناً يرتضخ الفارسيّة(٢٢) .

* تأثير زينب والسبايا في الكوفة:

كان هدف السلطة الأمويّة من التشهير بسبايا أهل البيت إرعاب الناس حتّى لا يفكّر أحدٌ في معارضة السلطة أوّلاً، وتعبئة الجمهور ضدّ الإمام الحسين وثورته ثانياً، بإظهاره خارجيّاً متمرّداً قد شقّ عصا المسلمين طمعاً في السلطة والحكم.

لكنّ وجود العارفين بفضل أهل البيت في الأمّة، والحالة المأساويّة للسبايا والتي كانت تثير مشاعر التعاطف معهم، والدور الرسالي الذي قامتْ به السيّدة زينب في الإعلام الصادق للثورة الحسينيّة، وكذلك الإمام زين العابدين وبعض نساء العائلة الحسينيّة كأُمّ كلثوم وفاطمة بنت الحسين.. كلّ ذلك أفشل مخطّط السلطة، بل وجعل آثاره ونتائجه معكوسة، حيث تأجّجتْ روح الثورة والرفض في أوساط الجماهير المسلمة ضدّ السلطة، وتعاطف الناس مع أهل البيتعليهم‌السلام .

* ففي الكوفة ينقل لنا التاريخ بعض الأحداث والمشاهد الرافضة لسياسات السلطة الأمويّة والمتعاطفة مع أهل البيت على إثر دخول السبايا:

- وقد تحدّث راوي خطاب السيّدة زينب عن تأثير خطابها على الناس كما سبق.

- وحينما خطبتْ السيّدة فاطمة بنت الحسين على صغر سنّها فقد أثار خطابها مشاعر الناس، فارتفعتْ الأصوات بالبكاء والنحيب وقالوا: (حسبك يا ابنة الطاهرين فقد حرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا )(٢٣) .

- وعلى أثر خطاب السيّدة أُمّ كلثوم أيضاً: (ضجّ الناس بالبكاء ونشرن الشعور،

____________________

(٢٢) مقتل الحسين: المقرّم : ص ٣٢٥.

(٢٣) المصدر السابق: ص ٣١٥.


وخمشن الوجوه، ولطمْنَ الخدود، ودعوْنَ بالويل والثبور، ولم يُرَ أكثر باكٍ ولا باكية من ذلك اليوم)(٢٤) .

- ولمّا سمع الناس خطاب الإمام علي بن الحسين قالوا بأجمعهم:

(نحن يا ابن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنّا حرب لحربك، وسلم لسلمك، نبرأ ممّن ظلمك وظلمنا )(٢٥) .

- وزيد بن أرقم وهو صحابي معروف أعلن احتجاجه واعتراضه على ابن زياد لمّا رأى عبثه برأس الحسينعليه‌السلام كما سبق.

- وكان في مجلس ابن زياد رجل من بكر بن وائل يُقال له (جابر )، آلمه ما حصل لأهل البيت وأذهلتْه التصرّفات الطائشة لابن زياد، فانتفض معلناًً معارضته، وهو يقول مخاطباً ابن زياد: (لله عليّ أنْ لا أصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك إلاّ خرجتُ معهم ) (٢٦) .

- من أهمّ مواقف الرفض والمعارضة التي برزتْ في الكوفة ذلك اليوم، انتفاضة (عبد الله بن عفيف الأزدي الغامدي )، وكان ضريراً ذهبتْ إحدى عينيه يوم الجمل، والأخرى بصفّين مع الإمام أمير المؤمنين، وكان لا يفارق المسجد يتعبّد فيه.

وعند دخول السبايا إلى الكوفة اعتلى عبيد الله بن زياد منبر مسجد الكوفة؛ ليعلن فرحته وانتصاره بمقتل الحسين قائلاً: (الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب ) الحسين بن علي وشيعته!

____________________

(٢٤) المصدر السابق: ص ٣١٦.

(٢٥) المصدر السابق: ص ٣١٧.

(٢٦) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٤٣، نقلاً عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: ص ٩٨.


وحينما طرقتْ هذه الكلمات الفاجرة مسامع عبد الله بن عفيف، انفتل من عبادته وصاح بابن زياد من وسط المسجد غاضباً:

(ياابن مرجانة الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولاّك وأبوه، ياابن مرجانة، أتقتلون أولاد النبيّين، وتتكلّمون بكلام الصدّيقين؟! )

وطاش لب الطاغية، فقد كانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأسه فصاح بأعلى صوته: مَن هذا المتكلّم؟

فأجابه ابن عفيف بكل شجاعة وبسالة:

أنا المتكلم يا عدوّ الله، أتقتلون الذرِّيَّة الطاهرة التي أذهب الله عنهم الرجس، وتزعم أنّك على دين الإسلام؟ واغوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار؟ لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمّد رسول ربّ العالمين.

فصاح ابن زياد وقد امتلأ غضباً:عليّ به .

فبادرت الجلاوزة لإلقاء القبض عليه، فنادى بشعار أسرته (يا مبرور)، وكان في المجلس سبعمائة رجل من الأزد، وثبوا إليه وأنقذوه من أيدي الجلاوزة، ثمّ حصلتْ مناوشات بين جنود ابن زياد وأسرة عبد الله بن عفيف انتهتْ بإلقاء القبض عليه، وأمر ابن زياد بقتله وصلبه(٢٧) .

- وأشار الطبري إلى مواقف مشابهة لموقف ابن عفيف، قال: وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، ثمّ الغامدي، ثمّ أحد بني والبة(٢٨) .

- وحتّى عائلة ابن زياد وأسرته ظهرتْ في أوساطهم أصوات ومواقف رافضة لقتل أهل البيت، حيث ينقل عن أُمّ عبيد الله بن زياد وهي مرجانة أنّها سخطتْ عليه ووبّختْه قائلة:

____________________

(٢٧) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٣. حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٤٨.

(٢٨) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٣.


يا خبيث قتلتَ ابن رسول الله لا رأيتَ وجه الله أبداً (٢٩) .

- وأخوه عثمان بن زياد أيضاً أعلن رفضه وإنكاره لِمَا حصل، وخاطب أخاه عبيد الله بن زياد معنّفاً:والله لوددت أنّه ليس من بني زياد إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأنّ الحسين لم يقتل (٣٠) .

____________________

(٢٩) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٥٨، نقلاً عن عدّة مصادر.

(٣٠) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٨.


في مجلس يزيد

وكان موقف السيّدة زينب في مجلس يزيد بن معاوية من أروع مواقف الدفاع عن الحقّ، وتحدّي جبروت الطغيان والظلم.

فيزيد بن معاوية كان أمامها متربّعاً على كرسيّ ملكه، وفي أوج قوّته، وزَهْو انتصاره، تحفُّ به قياداتُ جيشه، ورجالات حكمه، وزعماء الشام، وتشير الروايات التاريخيّة إلى حضور بعض الدبلوماسيّين الأجانب كرسول قيصر ملك الروم، وبالتالي فقد كان يزيد حريصاً على التمتّع بكامل هيبته، والظهور بأعلى درجات القوّة والسيطرة.

وتعرف السيّدة زينب فظاظة يزيد وغلظته، وتهوّره في القمع والإرهاب، وإنّ أي استفزاز له يمكن أنْ يدفعه إلى أسوأ الإجراءات فليس له رادع من دين أو عقل.

كما أنّ أجواء المجلس كانت مهيّأة ومعدّة ليكون الاجتماع مهرجاناً للاحتفال بانتصار الحاكم على ثورة أهل البيت.

من ناحية أخرى فقد كانت السيّدة زينب في ظروف بالغة القسوة والشدّة، جسديّاً ونفسيّاً، فهي لا تزال تعيش تحت وطأة الفاجعة وتأثيرها الهائل على


أحاسيسها ومشاعرها، ولأجواء الشماتة والإذلال - التي استقبلتْها في الشام - وقع كبير على نفسها، ومجرّد حضورها سبيّة أسيرة في مجلس عدو ظالم حاقد قد ارتضع وتوارث عداء أسرتها منذ عهود وعقود، وهي مَن هي في خدرها وصونها وعزّها، إنّ ذلك وحده كفيل بتحطيم المعنويّات وهزيمة الروح.

وجسديّاً فإنّ السفر كان مرهقاً وشاقّاً، حيث كان السير حثيثاً تنفيذاً لرغبة السلطة في الوصول بأسرع وقت إلى الشام، ومراكب السفر وهي الجِمَال لم تتوفّر لها أدنى وسائل الراحة التي اعتادها المسافرون في ذلك الزمن.

والمرافقون العسكريّون لقافلة السبايا كانوا جفاة صلفين في تعاملهم مع النساء والأطفال، ك-: (زجر بن قيس، وشمر بن ذي الجوشن )، حيث يقذفون السبايا بالشتم والسب ويضربونهم بالسياط لأدنى مناسبة.

وعامل الجوع والعطش كان له دور في إنهاك السيّدة زينب وإرهاقها، حيث كان الجنود يقتّرون على السبايا في الطعام والشراب، ممّا يدفع السيّدة زينب للتنازل عن حصّتها لسدّ جوع وعطش الأطفال، متحمّلةً مضاضة الجوع والعطش.

ويصف الأستاذ عبد الباسط الفاخوري حالة قافلة السبايا إلى الشام بقوله:

(ثمّ إنّ عبيد الله جهّز الرأس الشريف وعلي بن الحسين ومَن معه مِن حَرَمِهِ بحالة تقشعرّ منها ومِن ذكرها الأبدان، وترتعد منها مفاصل الإنسان بل فرائص الحيوان) (٣١) .

إضافةً إلى كلّ ذلك فقد أحيط دخول السبايا إلى الشام وحضورهم في مجلس يزيد بإجراءات بالغة الصعوبة قصد منها إيقاع أكبر قدر من الإذلال والهوان بنفوس السبايا.

وقبل إدخالهم على يزيد أوقفوهم فترة على درج باب المسجد، حيث مكان إيقاف سبي الكفّار، ثمّ أتوا إليهم بحبل أوثقوهم به كتافاً وقد كانت بداية الحبل في عنق

____________________

(٣١) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٦٧.


علي بن الحسين ونهايته في عنق السيّدة زينب، كما تربق الأغنام، وساقوهم بإذلال، وكلّما قصّروا عن المشي ضربوهم بالسياط، والسبايا يكبّرون ويهلّلون، حتّى أوقفوهم بين يدي يزيد في مجلسه وهو متربّع على سريره، فالتفتَ إليه علي بن الحسين قائلاً: (ما ظنّك بجدّنا رسول الله لو يرانا على مثل هذه الحالة؟).

فتأثّر يزيد ولم يبقَ أحد في مجلسه إلاّ وبكى، وأمر يزيد بالحبال فقُطّعتْ(٣٢) .

ودعا يزيد برأس الحسين ووضعه أمامه في طست من ذهب(٣٣) ومع يزيد قضيب فهوى ينكت به في ثغره، ثمّ قال: إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام المرى:

يفلقنَ هاماً من رجال أحبّة

إلينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

فقام رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقال له (أبو برزة الأسلمي ) فقال: أتنكتَ بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربّما رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرشفه! أَمَا أنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله شفيعه، ثمّ قام فولّى(٣٤) .

وتمادى يزيد في إظهار شماتته وفرحه، وصرّح بما في مكنون نفسه مِن أنّه ينتقم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومِن أهل بيته، حيث صار يتمثّل بأبيات شعر لعبد الله بن الزبعرى جاء فيها:

لَيتَ أَشياخي بِبَدرٍ شَهِدوا

جَزَعَ الحزرجِ مِن وَقعَ الأَسَل

____________________

(٣٢) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٥٠. حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٧٦.

(٣٣) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٥٤.

(٣٤) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦ ص ٢٦٧.


لأهلّوا واستهلّوا فَرَحَاً

ثُمّ قالوا يَا يَزيد لا تُشَل

قَد قَتَلْنَا القرن مِن ساداتِهم

وعَدَلْنَاه بِبَدْرٍ فَاعْتَدَل

لَعِبَتْ هَاشِمُ بالمُلْكِ فَلا

خَبَرٌ جَاءَ وَلا وَحْيٌ نَزَل

لَسْتُ مِن خَندف إنْ لَمْ أَنْتَقِم

مِن بَنِي أحمد مَا كَانَ فعل

وسمعتْ العقلية زينب ترنّم يزيد بهذه الأبيات، التي يعلن فيها كفره بالرسالة والوحي، وإنّ دافعه إلى قتل أهل البيت هو الانتقام وأخْذ ثأر قتلى المشركين في بدر، ورأتْه كذلك يعبث برأس أخيها الحسين.. هنا قرّرتْ السيّدة زينب أنْ تتحمّل مسؤليّتها في مواجهة هذا الكفر الصريح، وأنْ تمارس دورها الرسالي في إعلان الحق، فتفجّر بركان إرادتها الإيمانيّة، ووقفتْ خطيبةً قائلةً:

(الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (٣٥) .

أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة؟

وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمختَ بأنفك، ونظرتَ في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيتَ الدنيا لك مستوسقة، والأمور متّسقة، وحين صفالك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، لا تطش جهلاً، أنسيتَ قول الله تعالى: ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (٣٦) .

____________________

(٣٥) سورة الروم: آية: ١٠.

(٣٦) سورة آل عمران: آية: ١٧٨.


أَمِنَ العَدْلِ يَابْنَ الطُلَقَاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا! قد هتكتَ ستورهنّ، وأبديتَ وجوههنّ، تحدو بهنّ مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهنّ مِن حماتهنّ حَمِي، ولا مِن رجالهنّ وَلِي؟

وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟

وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأظغان؟

ثمّ تقول غير مستأثم ولا مستعظم:

لأهلّوا وأستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة، تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة، واستأصلتَ الشأفة، بإراقتك دماء ذرِّيَّة محمّد، ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب.

وتهتف بأشياخك، زعمتَ أنّك تناديهم، فلتردن وشيكاً موردهم، ولتودّنّ أنّك شللتَ وبكمتَ، ولم تكن قلتَ ما قلتَ وفعلتَ.

اللهمّ خُذ لنا بحقّنا، وانتقم مِمَّن ظلمنا، واحْلُل غضبك بِمَنْ سفك دماءنا وقَتَلَ حماتنا.

فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك، ولا حززتَ إلاّ لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحمّلتَ من سفك دماء ذرِّيَّته، وانتهكتَ من حرمته في ذرِّيَّته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٣٧) .

____________________

(٣٧) سورة آل عمران: آية: ١٦٩.


وحسبك بالله حاكماً، وبمحمّد خصيماً وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّل لك، ومكّنك من رقاب المسلمين ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) (٣٨) أيّكم ( شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ) (٣٩) ؟

ولئن جرتْ عليّ الدواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكنّ العيون عبرى، والصدور حَرّى! ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء!! فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي، تنتابها العواسل، وتعفّرها أمّهات الفراعل!! ولئنْ اتخذْتَنَا مغنماً، لتجدنّا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدّمتْ يداك، وما ربّك بظلاّم للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعوّل.

فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وَحْيَنا، ولا يرحض عنك عارها.

وهل رَأْيُكَ إلاّ فَنَد؟ وأيّامك إلا عدد؟ وجمعك إلا بدد؟ يوم ينادي المنادي: أَلاَ لعنة الله على الظالمين.

والحمد لله ربّ العالمين، الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة، والرحمة ونسأل الله أنْ يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل)(٤٠) .

____________________

(٣٨) سورة الكهف: آية: ٥٠.

(٣٩) سورة مريم: آية: ٧٥.

(٤٠) بحار الأنوار: المجلسي: ج٤٥، ص١٣٥.


تأمّلات في الخطاب

إنّ خطاب السيّدة زينبعليها‌السلام في مجلس يزيد يعتبر وثيقة فكريّة سياسيّة تسلّط الأضواء على خلفيّات المعركة بين أهل البيت والأمويّين، كما تناقش بعض التفاصيل والقضايا الهامّة في تلك المعركة، وتقدّم استشرافاً وتصوّراً مستقبليّاً لآثار المعركة ونتائجها.

* ونشير فيما يلي إلى أبرز وأهم آفاق هذا الخطاب الرائع العظيم:

* أوّلاً المعركة في منظار القِيَم والمبادئ:

فالأمويّون وإنْ كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويحكمون باسمه، إلاّ أنّهم يتعاملون مع الحياة، وينظرون للأمور حسب المعادلات المادِّيَّة، وضمن دائرة المصالح الدنيويّة العاجلة، بعيداً عن القِيَم والمبادئ.

ويريدون لجمهور الأمّة أنْ ينظر إلى واقعة كربلاء من منظارهم المادِّي الجاهلي، حيث يصرّح يزيد بأنّه قد قام بأخذ ثارات بدر ومعارك الإسلام الأولى ضدّ أسلافه المشركين، والمسألة في نظر الأمويّين لا تعدو أنْ تكون دفاعاً عن عرش السلطة وكرسي الحكم، وهو أمر مشروع بالعقليّة المصلحيّة.

ويرى الأمويّون أنّ القوّة التي بأيديهم، والانتصارات التي أحرزوها، تكفي


دليلاً على أحقِّيَّتهم وشرعيَّتهم كواقع يفرض نفسه.

وفي مواجهة هذا المنطق الأموي المادّي الانتهازي كانت السيّدة زينب في خطابها تؤكّد على الرجوع إلى القِيَم والمبادئ الدينيّة والاحتكام إليها في تقويم الواقع وتفسير أحداثه، فلا بدّ من محاكمة ما يجري على ضوء كتاب الله، والنظر إلى المعركة من خلال الرؤية الدينيّة التي يريد الأمويّون تغييبها وإلغاءها في واقع حياة المسلمين.

لذلك تُذَكِّر يزيد بن معاوية بأنْ لا ينظر إلى نفسه من خلال ما يملك من قوّة وسلطة:(أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء) . فليس في ذلك دلالة على الأحقِّيّة والمشروعيّة والرضا الإلهي، فقد يفسح الله المجال واسعاً أمام الكافرين لتتضاعف قوّتهم وإمكانيّاتهم دون أنْ يعني ذلك أحقِّيَّتهم أو رضا الله عنهم، بل يكون ذلك سبباً لزيادة انحطاطهم وعذابهم عند الله.

والحسين وأهل بيته ليسوا مهزومين مغلوبين قد خسروا الحياة وابتلعهم الموت، بل هم وِفق مقياس المبادئ الإلهيّة شهداء خالدون وأحياء عند ربهم؛ لأنّهم قُتلوا في سبيل الله.

وإذا كانت المآسي قد حلّتْ بأهل البيت فإنّهم يحتسبونها عند الله، حيث لم تحدث لهم في سياق صراع دنيوي مصلحي؛ وإنّما لأنّهم يحملون رسالة الله ويدافعون عن دينه، وحسب المبادئ والقِيَم فهناك عدالة إلهيّة، وهناك دار أخرى تكون فيها النتائج الحاسمة: (وحسبك بالله حاكماً وبمحمّد خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً ولتردن على رسول الله).

والصراع بين أهل البيت والأمويّين في نظر السيّدة زينب ليس صراعاً قبليّاً على الزعامة، بل هو مظهر وامتداد للصراع الأبدي الدائم بين الخير والشر، بين حزب الله وحزب الشيطان.


* ثانياً: إدانة الجرائم الأمويّة:

ففي مجلس يزيد وأمامه وبحضور أتباعه ومؤيِّديه، أعلنتْ السيّدة زينب الإدانة والاستنكار لِمَا ارتكبه من جرائم بحقّ أهل البيت، وأوضحتْ مظلوميّة أهل البيت وعمق مأساتهم ب-:

- قتل رجالات أهل البيت.

- وسَوْق نسائهم سبايا بتلك الحالة المفجعة.

- وترك جثث أهل البيت دون مواراة.

كما توبّخه بشدّة على أقواله التي تنضح كفراً وتشكيكاً في الدين، وتعنّفه على ما فعله برأس أخيها الحسين.

ومَن يعرف مدى غرور يزيد وتجبّره يدرك وقْع هذا التوبيخ والإدانة على نفسه.

يقول المرحوم الأستاذ توفيق الفكيكي : وكان الوثوب على أنياب الأفاعي، وركوب أطراف الرماح، أهون على يزيد من سماع هذا الأحتجاج الصارخ(٤١) .

* ثالثاً: الجذور العائليّة الفاسدة:

فسياسات يزيد المنحرفة، ومواقفه الفاسدة، لم تنطلق من فراغ، وإنّما هي امتداد واستمرار لسلوكيّات أسلافه المشركين والمنافقين؛ لذلك تذكّره السيّدة زينب بجدّته (هند ) أمّ معاوية وزوج أبي سفيان، والتي قادتْ حملة التأليب والتحريض على قتال رسول الله والمسلمين، وأغرتْ (وحشي ) بقتل (الحمزة بن عبد المطّلب ) عمّ رسول الله، ثمّ مثّلتْ بجسمه وانتزعتْ كبده وحاولتْ مضغها بأسنانها؛ إظهاراً لحقدها البشع، وبغضها المتوحّش لرسول الله وذويه، ويزيد في اعتداءاته الأليمة على أهل البيت لم يأت بشيء غريب، وإنّما هو شر خلف لشر سلف، تقول عليها‌السلام : (وكيف يُرتجى مراقبة مَن لَفَظَ فوه أكبادَ الأزكياء ).

وتتوعّده السيّدة زينب بأنّ مصيره هو مصير أسلافه (عتبة، وشيبة، والوليد ) وأنّه

____________________

(٤١) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٧٨ - ٣٨٠. مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٥٧ - ٣٥٩.


لاحق بهم في نار جهنّم: (وتهتف بأشياخك زعمتَ أنّك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ).

* رابعاً: الإشادة بأهل البيت:

في مجتمع تربّى على بغض أهل البيت، وفي أجواء معبّأة ضدّ الأسرة العلويّة، ووسط مجلس انعقد للشماتة بمقتل الحسين، تقف السيّدة زينب صادحة بالحقّ، مُشِيْدَة بفضائل أسرتها الكريمة.

فهي تخاطب يزيد معلنةً للأمّة أنّ هذه الدولة والكيان الإسلامي إنّما أشادته سيوف بني هاشم، وتضحيات آل الرسول بالدرجة الأولى: (وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ). فأهل البيت هم القادة الحقيقيّون لهذه الأمّة وهم الأَوْلَى بالسلطة والحكم.

ولأهل البيت فضل عظيم على يزيد بالذات، فأبوه وجده وأسرته هم طلقاء عفو رسول الله عند فتح مكّة؛ لذلك تخاطبه العقيلة: (أَمِنَ العدل يا ابن الطلقاء ).

أَمَّا شهداء كربلاء فتصفهم السيّدة زينب بأنّهم: (ذرِّيَّة محمّد ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب) وتذكر أخاها الحسين باعتباره: (سيّد شباب أهل الجنّة).

وتعتزّ السيّدة زينب بفضل أسرتها وأمجادها العظيمة قائلة: (والحمد لله ربّ العالمين الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ).

* خامساً: المستقبل لمن؟

يتبختر يزيد بانتصاره على أهل البيت، ويظن أنّه كسب المعركة لصالحه، ووسائل أعلامه تكرّر وتجترِ هذا الوهم على مسامع الناس، لكنّ العقيلة زينب تنسف أوهامه، وتسفّه أحلامه، وتقرّر أمام مجلسه الحاشد أنّه قد تلطّخ بأوحال الهزيمة، وسقط في حضيض الهوان، وإنْ تظاهر بالنصر وتراءى له الظفر.

إنّها تتحدّى يزيد في أنْ يتمكّن من تحقيق هدفه بطمس خطّ أهل البيت، مهما جَنَّدَ مِن قواه واستخدم من قدراته: (فَكدْ كَيْدَكَ واسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ


جُهْدَكَ، فوالله لا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلا تُمِيْتَ وَحْينا ). فخطّ أهل البيت يمثّل الحقّ والعدل، ويجسّد الوحي الإلهي، وسوف تبقى البشريّة متطلّعة للحقّ والعدل وسوف يظهر الله دينه على الدين كلّه.

كما تظهر العقيلة سخريتها واحتقارها لمظاهر القوّة التي أحاط بها يزيد نفسه: (وهل رأيك إلاّ فَنَد، وأَيّامَكَ إلاّ عَدَد، وَجَمْعك إلاّ بَدَد ).

ورهان السيّدة زينب على النصر وثقتها بالظفر ليس محجّماً بحدود الدنيا الفانية، بل تتطلّع للآخرة هناك حيث عدالة الله، وحيث تكون العاقبة للمتّقين، والنار والخزي للظالمين.

* سادساً: العزّة الأيمانية:

تلك المرأة السبيّة الأسيرة التي سِيْقَتْ إلى مجلس يزيد مكتفة بالحبال، تقف أمام الحاكم المتغطرس المتجبّر.

صارخةً به: (يا ابن الطلقاء ).

ومنذرة له: (ولتودّنّ أنّك شللتَ وبكمتَ ولم تكن قلتَ ما قلتَ وفعلتَ ما فعلتَ ).

وداعية عليه: (اللهمّ خُذ لنا بحقّنا، وانتقم مِمّن ظلمنا، واحلل غضبك بِمَن سَفَك دماءنا وقَتَل حُمَاتَنَا ).

وتتحداه قائلة: (فوالله ما فريتَ إلا جلدَك ولا حززتَ إلاّ لحمَك ).

وتكرر تحدّيها له هاتفة: (فَكِدْ كَيْدَكَ وَاسْعَ سَعْيَكَ ).

وبصراحة أوضح، تبدي احتقارها له وأنّها أكبر وأسمى من أنْ تكلّمه أو تخاطبه لولا ما فرضتْه عليها الظروف فتقول: (ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك إنّي لاستصغر قَدْرَكَ، وأسْتَعْظِمُ تَقْرِيْعَكَ، وأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيْخَكَ ).

فَمَنْ يداني ابنة علي في شجاعتها وعزّتها وبطولتها؟ إنّها ابنة أبيها وهي تفرغ عن لسانه وروحه، لذلك تحطّمت كبرياء يزيد أمامها وانهار غروره، وأصابتْه الحيرة والارتباك، فلم يزد أنْ تمثّل بعد خطابها بقول الشاعر:


يا صيحةً تُحْمَدُ مِنْ صَوَائِحِ

مَا أَهْوَنَ المَوْت عَلَى النَوَائِح

وكأنّه يفسّر خطاب السيّدة زينب بأنّه نوع من الانفعال الطبيعي لِمَا تعانيه من مصيبة!


مواجهة حادّة

بعكس ما كان يقصده ويهدفه يزيد من دخول السبايا إلى مجلسه بأنْ يستعرض قوّته، ويؤكّد انتصاره، ويوجّه لأهل البيت ضربات جديدة من الإذلال والهوان.

فقد انعكس الأمر، وتحوّل المجلس إلى ساحة محاكمة لجرائمه، وميدان معركة تكبّد فيها هزيمة نكراء.. وفوجئ يزيد بحصول ما لم يكن يتوقّع، وفقد السيطرة على نفسه، ولم يعد يدري كيف يواجه الموقف، بينما استمرّت العقيلة زينب توجّه له ضربات التحدّي، وسهام التَبْكِيْت والاحتقار.

ونظر رجلٌ من أهل الشام ومن القريبين مِن يزيد إلى السيّدة فاطمة بنت الإمام علي - وحسب روايات أخرى بنت الإمام الحسين - فقال مخاطباً يزيد: يا أمير المؤمنين هَب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي!!

فاسودّتْ الدنيا في عين السيّدة فاطمة، وانتابها الرعب والقلق، فلاذتْ بزعيمة الركب العقيلة زينب، فَطَمْأَنَتْهَا زينب وهدّأتْ روعتها حيث رفعتْ صوتها لِتُسْمِع يزيد قائلة للرجل: (كذبتَ ولَؤُمْتَ ما ذلك لك ولا لأميرك ).

واستشاط يزيد غضباً لهذه الضربة القاصمة لصرح هيبته الزائفة ومقامه الباطل


فردّ بانفعال: كذبتِ والله، إنّ ذلك لي، ولو شئتُ أنْ أفعله لفعلتُ.

فعاجلتْه السيّدة زينب بضربة أكثر وقعاً وصرامة حين قالت: (كلاّ والله ما جعل الله لك ذلك إلاّ أنْ تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا ).

وطفح الكيل في نفس يزيد وما عاد يتحمّل ما يسمع من كلمات التحدّي والتحقير وفي مقرّ حكمه وبين أنصاره وجمهوره فصاح غاضباً: إياي تستقبلين بهذا؟ إنّما خرج من الدين أخوك وأبوك!

وإذا كان يزيد منفعلاً قد فقد السيطرة على نفسه فإنّ السيّدة زينب كانت في قمّة الاطمئنان والثبات؛ لذلك أجابته واثقة: (بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدّي اهتديتَ أنت وأبوك وجدّك إنْ كنتَ مسلماً!! ).

وما عسى أنْ يكون جواب يزيد أو موقفه تجاه هذا التحدّي الصارخ، فهو يتربّع على عرش خلافة المسلمين لكنّ السيّدة زينب تجعل إسلامه موضع شكّ، وتُعلن على رؤوس الأشهاد فضْل أسرتها عليه وعلى أسرته بهديهم للإسلام.. لذلك لم يحر يزيد جواباً ولم يجد ردّاً فلجأ إلى الشتم، بحنق وغيظ، حيث خاطب زينب قائلاً: كذبتِ يا عدوّة الله!!

لكنّ غضب يزيد وانفعاله وشتمه لم يُسكِت العقيلة زينب ولم يضع حدّاً لهجومها عليه وتحدّيها له، بل أوضحتْ أمام الجمع أنّ دافع يزيد إلى الشتم هو سوء استخدامه لموقعه باعتباره حاكماً يمارس الظلم والقهر، قالتعليها‌السلام : (أنت أمير مسلّط، تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك ).

فسكت يزيد وأُفحم واعترف بخسارته المعركة، حيث إنّ الرجل الشامي كرّر عليه الطلب وكأنّه يريد أنْ يعرف النتيجة، وينتزع من يزيد الاعتراف بالهزيمة أمام تحدّي السيّدة زينب له، فقال الشامي:


يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية!

فصب يزيد عليه جام غضبه قائلاً له: اعزب، وَهَبَ الله لك حتْفاً قاضياً(٤٢) .

____________________

(٤٢) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٨١.



ردود الفعل

خلافاً لِمَا كان يقصده يزيد من مجيء السبايا ورؤوس الشهداء إلى الشام، بأنْ يصنع من خلال ذلك جواباً مضادّاً لثورة الحسين، ويدعم عرش حكمه وسلطته، فقد حصل العكس من ذلك تماماً، حيث سادتْ النقمة وانتشر الاستياء في مختلف أوساط العاصمة الأمويّة، استنكاراً لِمَا فَعَلَهُ يزيد.

* وممّا رصده لنا التاريخ من مظاهر الاستنكار ما يلي:

* ممثّل مَلِك الروم:

وكان في مجلس يزيد ممثّل ملك الروم، فلمّا رأى رأس الإمام بين يدي يزيد تأثّر من ذلك،وسأل يزيد : رأس مَن هذا؟

أجابه يزيد: رأس الحسين.

فسأل: مَن الحسين؟

قال يزيد: ابن فاطمة.

وسأله: مَن فاطمة؟

قال يزيد: ابنة رسول الله.


فانذهل، وقال: نبيّكم؟

أجابه يزيد: نعم.

ففزع ممثّل ملك الروم، وأبدى انزعاجه قائلاً: تبّاً لكم ولدينكم، وحقِّ المسيح إنّكم على باطل، إنّ عندنا في بعض الجزائر دَيْرَاً فيه حافر فرس ركبة المسيح فنحن نحجّ إليه في كلّ عام، من مسيرة شهور وسنين، ونحمل إليه النذور والأموال، ونعظّمه أكثر ممّا تعظّمون كعبتكم، أُفٍّ لكم. ثمّ قام وخرج غضباناً من مجلس يزيد(٤٣) .

* حبر يهودي:

وحضر حبر يهودي مجلس يزيد أثناء دخول السبايا، وسمع خطاب الإمام زين العابدين فتأثّر الحبر والتفتَ إلى يزيد سائلاً: مَن هذا الغلام؟

أجابه: علي بن الحسين.

فسأل: مَن الحسين؟

قال: ابن علي بن أبي طالب.

وسأل الحبر: مَن أُمّه؟

أجابه يزيد: بنت محمّد.

فاندهش الحبر وأعلن استنكاره أمام يزيد قائلاً: يا سبحان الله!! ابن بنت نبيّكم قتلتموه، بئسما خلفتموه في ذرِّيَّته، فوالله لو ترك نبيّنا موسى بن عمران فينا سبطاً لظننّا أنّا كنّا نعبده من دون ربّنا، وأنتم فارقكم نبيّكم بالأمس فوثبتم على ابنه وقتلتموه، سوأة لكم مِن أُمّة!!

وغضب يزيد من قوله، وأمر بتنكيله، فقام الحبر وقد رفع عقيرته قائلاً: إنْ

____________________

(٤٣) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٥٦. حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٨٩. الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٨٦.


شئتم فاقتلوني، إنّي وجدتُ في التوراة مَن قتل ذرِّيَّة نبي فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه الله نار جهنّم(٤٤) .

* قيصر ملك الروم:

فقد وصلتْه أخبار قتل الحسين وأخبار السبايا، فكتب إلى يزيد مستنكراً: (قتلتم نبيّاً أو ابن نبي)(٤٥) .

* رأس الجالوت:

وممّن أظهر استنكاره وإدانته لِمَا حدث الزعيمُ الديني لليهود رأس الجالوت، فقد قال لمحمّد بن عبد الرحمن: إنّ بيني وبين داود سبعين أباً، وإنّ اليهود تعظّمني وتحترمني، وأنتم قتلتم ابن بنت نبيّكم؟(٤٦) .

* شيخ من أهل الشام:

أخرج ابن جرير عن أبي الديلم قال: لمّا جيء بعلي بن الحسين (رضي الله تعالى عنهما) أسيراً، فأُقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأستأصلكم!

فقال له علي (رضي الله تعالى عنه): (أقرأتَ القرآن؟

قال: نعم.

قال: أقرأتَ ال-( حم ) (٤٧) ؟

قال: نعم.

قال: أَمَا قرأتَ:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٤٨) .

____________________

(٤٤) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٣٩٤.

(٤٥) المصدر السابق: ص ٣٩٥.

(٤٦) المصدر السابق: ص ٣٩٦.

(٤٧) سورة الشورى: آية: ١.

(٤٨) سورة الشورى: آية: ٢٣.


قال: فإنّكم لأنتم هم؟

قال: نعم)(٤٩) .

وفي نص آخر:

دنا شيخ من الإمام زين العابدين، وقال له: الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم !

فقال عليه‌السلام له : (يا شيخ أقرأت القرآن؟

قال: بلى.

قال: أقرأتَ:( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٥٠) .

وقرأت قوله تعالى:( وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (٥١) ، وقوله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (٥٢) ؟

قال الشيخ: نعم قرأتُ ذلك.

فقال الإمام: نحن والله القربى في هذه الآيات.

ثم قال له الإمام: أقرأتَ قوله تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٥٣) ؟

قال: بلى.

فقال الإمام: نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير.

قال الشيخ: بالله عليك أنتم هم؟

____________________

(٤٩) سورة الشورى: آية: ٢٣.

(٥٠) تفسير روح المعاني: الآلوسي: ج ٢٥، ص ٣١.

(٥١) سورة الإسراء: آية: ٢٦.

(٥٢) سورة الأنفال: آية: ٤١.

(٥٣) سورة الأحزاب: آية: ٣٣.


قال الإمام: وحقّ جدّنا رسول الله إنّا لنحن هم من غير شكّ.

فوقع الشيخ على قدمي الإمام يقبّلهما ويقول: أبرأ إلى الله ممّن قتلكم. وتاب على يد الإمام ممّا فَرَطَ في القول معه، وبلغ يزيد فعل الشيخ وقوله، فأمر بقتله(٥٤) .

* الصحابي أبو برزة الأسملي:

وكان هذا الصحابي حاضراً في مجلس يزيد، فلمّا رأى أحوال السبايا وعبث يزيد برأس الحسين أعلنَ استياءه واستنكاره.

قال الطبري: فقام رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يُقال له: أبو برزة الأسلمي، وقال:

أتنكتَ بقضيبك في ثغر الحسين؟ أَمَا لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربّما رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرشفه! أَمَا أنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شفيعه. ثمّ قال فولّى(٥٥) .

وفي رواية أخرى:

قال أبو برزة الأسلمي: أشهد لقد رأيتُ النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن، ويقول: أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، قتل الله قاتلكما، ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءتْ مصيراً.

فغضب يزيد منه وأمر به فأُخرج سحباً(٥٦) .

* من داخل الأسرة الأمويّة:

وهكذا كانت أمواج السخط والاستنكار تتلاطم بتأثير قافلة السبايا، حتّى

____________________

(٥٤) مقتل الحسين: المقرّم: ص ٣٤٩.

(٥٥) تاريخ الأمم والملوك: الطبري: ج ٦، ص ٢٦٧.

(٥٦) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٨٥.


ضربت أطناب البيت الأموي الحاكم، وتعالتْ أصوات المعارضة لِمَا حصل في أوساط عائلة يزيد، ف-:

- (يحيى بن الحكم ) أخو مروان بن الحكم اعترض على يزيد في مجلسه، وشتم ابن زياد أمامه متعاطفاً مع آل الرسول، حيث أنشد البيتَين التاليَين:

لهام بِجَنْبِ الطفّ أَدْنَى قَرَابَة

مِن ابْنِ زِيَاد العَبْد ذِي الحَسبِ الوغل

سُمَيَّة أَمْسَى نَسْلُهَا عَدَد الحَصَى

وَلَيْسَ لآلِ المُصْطَفَى اليَوْمَ مِنْ نَسْل

قال: فضرب يزيد بن معاوية في صدر يحيى بن الحكم، وقال: اسكت(٥٧) .

- وابنة يزيد (عاتكة ) بادرتْ إلى رأس الإمام الحسين فطيَّبَتْهُ، وقالتْ نادبةً: رأس عمّي(٥٨) .

- أمّا (معاوية بن يزيد ) فموقفه واضح، إذ رفض حتّى تولّي الخلافة بعد أبيه يزيد وأعلن تنديده لسياسة أبيه وجدّه.

- وزوجته (هند ) لم تستطع كتمان أَلَمها واعتراضها.

يقول ابن الأثير : ثمّ دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدّثوه، فسمعتْ الحديث هندٌ بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وكانت تحت يزيد، فتقنّعت بثوبها وخرجتْ،فقالت: يا أمير المؤمنين أَرَأْسُ الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

قال: نعم، فأعولي عليه، وحدي على ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصريخة قريش، عجَّلَ عليه ابن زياد فقتله، قتله الله(٥٩) .

هذا الاستياء الشامل والاستنكار من مختلف الأوساط أظهر ليزيد فشل سياسته

____________________

(٥٧) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٨٥.

(٥٨) حياة الإمام الحسين: القرشي: ج ٣، ص ٤٠٠.

(٥٩) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ج ٤، ص ٨٤.


وتخطيطه، وجعله يتمنّى لو لم يقدم على قتْل الحسين، أو على الأقل لو تستّر على جريمته ولم ينشرها على رؤوس الملأ عبر قافلة السبايا والرؤوس. وصدرت عن يزيد كلمات وتصريحات عديدة يلقي فيها المسؤوليّة عن قتْل الحسين ومآسي عائلته على عبيد الله بن زياد.. ككلامه لزوجته وقوله مخاطباً رأس الحسين: والله يا حسين لو كنت أنا صاحبك ما قتلتُك!!(٦٠) .

وينقل ابن الأثير:

أنّه لَمّا وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنتْ حال ابن زياد عنده وزاده ووصله وسرّه ما فعل، ثمّ لم يلبث إلاّ يسيراً، حتّى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبّهم، فندم على قتْل الحسين فكان يقول:

وما عليّ لو احتملتُ الأذى، وأنزلتُ الحسين في داري وحكّمته فيما يريد، وإنْ كان عليّ في ذلك وهن في سلطاني حفظاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورعاية لحقّه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة فإنّه اضطرّه، وقد سأله أنْ يضع يده في يدي أو يلحق بثغرٍ حتّى يتوفّاه الله، فلم يجبْه إلى ذلك فقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة، فأبغضني البرّ والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين، ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله، وغضب عليه(٦١) .

____________________

(٦٠) المصدر السباق: ص ٨٥.

(٦١) المصدر السابق: ص ٨٧.



خلق عظيم:



لقد تكاملتْ نواحي العظمة في شخصيّة السيّدة زينب، فتجسّدتْ فيها معالي الصفات ومكارم الأخلاق، وذلك هو سرّ تفرّدها وخلودها. وإنّما تتحدّد قيمة الإنسان ومكانته حسب ما يتمتّع به من مواهب وكفاءات، ويترشّح عنه من فضائل وأخلاق. وشخصيّة السيّدة زينب زاخرة بالمواهب العالية، وسيرتها طافحة بالمكارم الرفعية.

لقد رافقنا حياة السيّدة زينب عبر الفصول السابقة وهي وليدة ناشئة، وفتاة يافعة، وزوجة ناضجة، وأم مربّية، ورأيناها تقف إلى جانب أمّها في آلامها وأحزانها، وتواكب مسيرة أبيها في منعطفات الزمن وأحداثه، وتواسي أخاها الحسن في محنته وابتلائه، ثمّ تشارك أخاها الحسين في ثورته العظيمة الخالدة، وتقود بعده ركب النهضة المقدّسة.

ومن خلال تلك المواقف والأحداث تجلّتْ لنا كفاءات السيّدة زينب وعظمة شخصيّتها، وتبدي لنا من نورها المضيء وأفقها الرحيب، بقدر ما كانت أبصارنا تستوعب الرؤية والنظر.

ونشير في هذا الفصل إلى بعض مكارم أخلاقها وعظيم صفاتها.



رائدة المعرفة

بالعلم ميّز الله الإنسان على سائر المخلوقات حتّى الملائكة:( وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (١) .

وبالعلم يتمايز بنو آدم فيما بينهم:( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (٢) ،( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (٣) .

و (العلمُ رأسُ الخيرِ كلِّه) و (أكثرُ الناسِ قيمةً أكثرُهم عِلْمَاً)، و (أقَلُّ الناس قِيْمَةً أَقَلُّهم عِلْمَاً)، كما يقول الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

____________________

(١) سورة البقرة: آية: ٣١.

(٢) سورة الزمر: آية: ٩.

(٣) سورة المجادلة: آية: ١١.

(٤) ميزان الحكمة: الري شهري: ج ٦، ص ٤٥١ - ٤٥٥.


أو كما يقول الإمام علي عليه‌السلام : (قيمةُ كلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ)(٥) .

فالعلم ساحة سباق وتنافس بين أبناء البشر، يتقدّم فيها مَن حاز منه بنصيبٍ أوفر.

والمرأة كإنسانة معنيّة بهذا السباق في ميدان العلم، ولها حضورها في ساحة المعرفة، وقيمتها كالرجل تتحدّد بما تحسنه من العلم والمعرفة.

لذلك قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (طَلَبُ العِلْمٍ فَرِيْضَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ).

وإذا ما رأينا الجهل مُعَشْعِشَاً أكثر في أوساط نسائنا، فذلك دليل على تخلّفنا وانحرافنا عن هدي الرسالة.

لقد أثبتتْ المرأة في الماضي والحاضر أنّها لا تقلّ عن الرجل استعداداً للمعرفة وكفاءة في طلب العلم.. فحتّى العلوم التخصّصيّة الهامّة أحرزتْ فيها المرأة تفوّقاً وتقدّماً.. وكذلك المجالات العلميّة التي تحفّها المخاطر والصعوبات، فحادثة (تشالنجر ) لازالتْ ماثلة أمام الأذهان، حينما تحطّمت المركبة الفضائيّة المتطوّرة بعد (٧٣ ثانية ) من انطلاقها في الجوّ بسبب شرخ في خزّان الوقود بتاريخ (٢٨ - ١ - ١٩٨٦ م) وكان ضمن طاقمها المكوّن من ستّة أفراد فتاتان تعملان في أبحاث الفضاء هما (كريستا مكوليف ) و (جودث رثنك ).

وقبل سنتين نشرتْ وسائل الإعلام تحقيقاً عن امرأة عربيّة متخصّصة في فيزياء (البلازما ) وهي الحال الرابعة للمادّة التي يُقال إنّ كتلة الكون تتألّف منها.

تلك المرأة هي (مها عاشور عبد الله ) أستاذة الفيزياء في جامعة (لوس أنجلس ) في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وقد تجاوزتْ هذه المرأة كلّ المستحيلات، فاختارتْها وكالة الفضاء الأمريكيّة (ناسا ) مستشارة رئيسيّة في وضع خطّة الأبحاث الأساسيّة في فيزياء الفضاء، وقد منحتْ جائزة نساء العِلْم الأميركيّة.

____________________

(٥) نهج البلاغة: الإمام علي: قصار الحكم، رقم: ٨١.


وذكرت (مها ) - المعروفة بأبحاثها المشتركة مع أبرز علماء فيزياء الفضاء من فرنسا واليابان والصين والأتحاد السوفيتي(سابقاً) وألمانيا - أنّها غالباً ما تجد نفسها المرأة الوحيدة في المؤتمرات العلميّة الدوليّة، وتعتقد أنّ النساء العربيّات أكثر إقداماً على العلوم من الغربيّات، وإنّ نسبتهنّ في الكلّيّات العلميّة العربيّة لا تقل كثيراً عن الرجال، وإنّهنّ لو أُعطين الفرصة فسيحقّقنَ الكثير.

وتعدّ (مها) العالمة المصريّة التي أصدرتْ إلى الآن(٢١٠ بحثاً ) من أبرز المتخصّصين في ظاهرة (الشفق القطبي ) الجوِّيَّة المحاطة بالغموض والأساطير.

وإضافة إلى اللجنة الاستشاريّة في (ناسا) تشغل عضويّة (هيئة علوم الكمبيوتر المتقدّمة ) وهي مسؤولة التنسيق عن الإفادة من علوم فيزياء الفضاء في (المؤسّسة القوميّة للعلوم )، التي تعتبر من أهمّ مراكز إعداد القرار العلمي في الولايات المتّحدة.

و (مها) حفيدة فلاح مِن قرية (مطوبس ) غير البعيدة عن الإسكندرية في مصر(٦) .

فساحة العلم مفتوحة أمام المرأة، وميدان المعرفة متسع لمشاركتها، واهتمامها بطلب العلم وتلقّي المعرفة واجب شرعي عليها أكثر ممّا هو حقّ لها، كما ينصّ الحديث الشريف: (طَلَبُ العِلْمٍ فَرِيْضَةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ)، لكنّ ظروف التخلّف والانحطاط هي التي جعلتْ المرأة عندنا أسيرة الجهل، محرومة من نعمة المعرفة والعلم غالباً.

وقراءة شخصيّة السيّدة زينب تعطي لأمّتنا دفعة انطلاق لتجاوز هذا الواقع الخاطئ، فقد اهتمّتْ السيّدة زينب بتلقّي العلم والمعرفة منذ نعومة أظفارها وفي وقت مبكّر من حياتها، فإنّها روتْ عن أمّها فاطمة الزهراء(٧) .

____________________

(٦) جريدة (الحياة) اليوميّة، تصدر في لندن تاريخ: (٢٢ - ١٢ - ١٤١١ ه-).

(٧) معجم رجال الحديث: الخوئي: ج ٢٣، ص ١٩.


وقال الطبرسي: إنّها روتْ أخباراً كثيرة عن أمّها الزهراء(٨) .

بالطبع كان عمرها عند وفاة أمّها السادسة.

وفي طليعة ما روت عن أمّها الزهراء خطبتها العظيمة في الاحتجاج على الخليفة الأوّل أبي بكر حول منطقة فدك، التي كانت تحت يد الزهراء فصادرها الخليفة وضمّها إلى بيت المال.. وخطبة الزهراء هذه طويلة مفصّلة تتضمّن -أ زيادة على موضوعها الأساس حول فدك - الكثير من المفاهيم والتعاليم الإسلاميّة، وكلّ أسانيد هذه الخطبة تنتهي إلى السيّدة زينب، فهي التي حفظتْ خطبة أمّها وانتقلتْ عبرها إلى الأجيال.

وقد أشار ابن أبي الحديد المعتزلي إلى أسانيد الخطبة المنتهية كلّها إلى السيّدة زينب، نقلاً عن أبي بكر الجوهري، والذي وصفه بقوله: عالم محدّث، كثر الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدّثون، ورووا عنه مصنّفاته(٩) .

ويذكر أبو الفرج الأصفهاني لخطبة الزهراء سنداً آخر عن ابن عبّاس بروايته عن السيّدة زينب قال: والعقيلة هي التي روى ابن عبّاس عنها كلام فاطمة في فدك، فقال: (حَدّثَتْنِي عقيلتُنا زينب بنت علي )(١٠) .

وكما روتْ عن أمّها الزهراء، فقد روتْ أيضاً عن أبيها علي، وعن أخوَيها الحسنَين(١١) .

وروتْ عن مولى لجدّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر ابن عساكر أنّ اسمه (طهمان ) أو (ذكوان ) (١٢) .

لكنّ الشيخ النقدي نقل عن كتاب (الورع ) لأحمد بن حنبل أنّ اسم ذلك

____________________

(٨) أدب الطفّ: جواد شبر: ج ١، ص ٢٤٣.

(٩) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد: ج ١٦، ص ٢١٠ - ٢١١.

(١٠) مقاتل الطالبيين: الأصفاني: ص ٩١.

(١١) زينب الكبرى: النقدي: ص ٣٥.

(١٢) تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر: تراجم النساء، ص ١١٩.


المولى (ميمون ) أو (مهران )، فقال: ومَن ذلك ما في كتاب (الورع) لأحمد بن حنبل المطبوع بمصر حديثاً عن عطاء بن السائب قال: حدّثتْني أمّ كلثوم ابنة علي - هي زينب - قال: أتيتُها بصدقة كان أمر بها.قالت: احذر شبابنا فإنّ ميموناً أو مهران أخبرني أنّه مرّ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: (يا ميمون أو يا مهران إنّا أهل بيت نُهينا عن الصدقة، وإنّ موالينا مِن أنفسنا فلا تأكل الصدقة)(١٣) .

وروتْ أيضاً عن فُضْلَيَات نساء عصرها ك-:

- أمّ أيمن مولاة النبي وحاضنته.

- وأمّ سَلَمَة زوج رسول الله.

- وأُمّ هاني بنت أبي طالب(١٤) .

- وأسماء بنت عميس أُمّ عبد الله بن جعفر(١٥) .

ولم تختزن السيّدة زينب العلم لنفسها أو تحتكره لذاتها، بل أفاضتْ من معارفها ومرويّاتها على أبناء الأمّة، فكانت تتحدّث ليس فقط للنساء، بل حدّثتْ العديد من رجالات بيتها وسائر الأصحاب والتابعين.

فقد روى عنها:

- جابر.

- وعبّاد العامري(١٦) .

- وابن أخيها علي بن الحسين زين العابدين(١٧) .

- وروى عنها حبر الأمّة عبد الله بن عباس(١٨) .

- وزوجها عبد الله بن جعفر(١٩) .

- وروى عنها محمّد بن عمرو الهاشمي.

- وعطاء بن السائب(٢٠) .

- وروى عنها أحمد بن محمّد بن جابر.

- وزيد بن علي بن الحسين(٢١) .

____________________

(١٣) زينب الكبرى: النقدي: ص ٣٨.

(١٤) المصدر السابق: ص ٣٥ - ٤١.

(١٥) تراجم النساء: ابن عساكر: ص ١١٩.

(١٦) معجم رجال الحديث: الخوئي: ج ٢٣، ص ١٩٠.

(١٧) أدب الطف: جواد شبر: ج ١، ص ٢٣٨.

(١٨) مقاتل الطالبيّين: الأصفهاني: ص ٩١.

(١٩) زينب الكبرى: النقدي: ص ٣٥.

(٢٠) تراجم النساء: ابن عساكر: ص ١١٩.

(٢١) زينب الكبرى: النقدي: ص ٣٧.


وروت عنها بنت أخيها فاطمة بنت الحسين(٢٢) ، وقد مرّ علينا سابقاً أنّها كانت مهتمّة بتعليم النساء وتثقيفهنّ ضمن مجالسها العلميّة.

ويكفي لأدراك مقام زينب الريادي في ميدان المعرفة والعلم أنْ نتأمّل ما رواه الصدوق محمّد بن بابويه (طاب ثراه) من أنّه كانت لزينب نيابة خاصّة عن الإمام الحسينعليه‌السلام بعد شهادته، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتى برئ زين العابدين(٢٣) .

كما أنّ شهادة الإمام زين العابدين في حقّها لم تكن جزافاً ولا مبالغة وهو الإمام المعصوم حيث قال لها:( أنتِ بِحَمْدِ اللهِ عَالِمَةٌ غَيْر مُعَلَّمَةٍ وَفَهِمَةٌ غَيْر مُفَهَّمَةٍ ) (٢٤) .

____________________

(٢٢) تراجم النساء: ابن عساكر: ص ١١٩.

(٢٣) زينب الكبرى: النقدي: ص ٣٥.

(٢٤) المصدر السابق ص ٣٤.


في محراب العبادة

عبادة الخالق والقرب منه هي المرتكز والمحور في الشخصيّة الإيمانيّة، بل هي مقياس الإنسانيّة والتحرّر في شخصيّة الإنسان، فالبديل عن التعبّد لله والخضوع له هو العبوديّة للشهوات وللمصالح المادِّيَّة الزائلة.

إنّ التعبّد لله يعني انسجام الإنسان مع فطرته النقيّة، واستجابته لنداء عقله الصادق بأنّ للحياة خالقاً يمسك بأزمّتها وإليه مصيرها.

والتعبّد لله هو النبع الذي يروي منه الإنسان ظمأه الروحي، ويتزوّد من دفقاته بدوافع الخير ونوازع الصلاح، فكلّما أقبل الإنسان على ربّه، وأخلص في عبادته، تجلّتْ إنسانيّته أكثر، وتجسّدتْ القِيَم الخَيِّرة في شخصيّته، ففي الحديث القدسي الذي ينقله الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله سبحانه أنّه قال:

(لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أُحبّه فأكون أنا سمعه الذي يَسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا


دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته)(٢٥) .

والسيّدة زينب وهي العالمة بالله و( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (٢٦) ، وهي الناشئة في أجواء الأيمان والعبادة والتقوى، كانت قمّة سامقة في عبادتها وخضوعها للخالق عزّ وجلّ.

كانت ثانية أمّها الزهراء في العبادة. وكانت تؤدّي نوافل الليل كاملة في كلّ أوقاتها، حتّى أنّ الحسينعليه‌السلام عندما ودّع عياله الوداع الأخير يوم عاشوراء قال لها: (يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل). كما ذكر ذلك البيرجندي، وهو مدوّن في كتب السِيَر(٢٧) .

وعن عبادة السيّدة زينب ليلة الحادي عشر من المحرّم يقول الشيخ محمّد جواد مغنية:

وأي شيء أدل على هذه الحقيقة من قيامها بين يدي الله للصلاة ليلة الحادي عشر من المحرّم، ورجالها بلا رؤوس على وجه الأرض تسفي عليهم الرياح، ومن حولها النساء والأطفال في صياح وبكاء ودهشة وذهول، وجيش العدو يحيط بها من كلّ جانب... إنّ صلاتها في مثل هذه الساعة تماماً كصلاة جدّها رسول الله في المسجد الحرام، والمشركون من حوله يرشفونه بالحجارة، ويطرحون عليه رحم شاة، وهو ساجد لله عز وعلا، وكصلاة أبيها أمير المؤمنين في قلب المعركة بصفّين، وصلاة أخيها سيّد الشهداء يوم العاشر والسهام تنهال عليه كالسيل.

ولا تأخذك الدهشة - أيّها القارئ الكريم - إذا قلتُ: إنّ صلاة السيّدة زينب ليلة الحادي عشر من المحرّم كانت شكراً لله على ما أنعم، وإنّها كانت تنظر إلى تلك الأحداث على أنّها نعمة خصّ الله بها أهل بيت النبوّة من دون الناس أجمعين، وأنّه لولاها لَمَا كانت لهم هذه المنازل والمراتب عند الله والناس(٢٨) .

____________________

(٢٥) ميزان الحكمة: الري شهري: ج ٨، ص ١١١.

(٢٦) سورة فاطر: آية: ٢٨.

(٢٧) أدب الطف: جواد شبّر: ج ١، ص ٢٤٢.

(٢٨) مع بطلة كربلاء: مغنية: ص ٤٢.


وروي عن ابنة أخيها فاطمة بنت الحسين قولها: (وأمّا عمّتي زينب فإنّها لم تزل قائمة في تلك الليلة في محرابها تستغيث إلى ربّها، فما هدأتْ لنا عين ولا سكنتْ لنا رَنّة )(٢٩) .

* أمّا كيف كانت تتخاطب السيّدة زينب مع ربّها؟ وبماذا كانت تناجيه؟ فإنّ المصادر التاريخيّة قد احتفظتْ لنا ببعض القطع والفقرات من أدعيتها ومناجاتها، نذكر منها ما يلي:

(يا عمادَ مَن لا عماد له، ويا ذُخر مَن لا ذخر له، ويا سَنَد مَن لا سند له، ويا حِرْز الضعفاء، ويا كَنْز الفقراء، ويا سميع الدعاء، ويا مجيب دعوة المضطرّين، ويا كاشف السوء، ويا عظيم الرجاء، ويا منجي الغرقَى، ويا منقذ الهَلْكَى، يا مُحْسِن، يا مُجْمِل، يا مُنْعِم، يا متفضّل، أنت الذي سجد لك سوادُ الليل، وضوءُ النهار، وشعاعُ الشمس، وحَفِيْفُ الشجر، ودويّ الماء، يا الله يا الله الذي لم يكن قبله قبل، ولا بعده بعد، ولا نهاية له، ولا حدّ ولا كفؤ ولا نِدَّ، بحرمة اسمك الذي في الآدميين معناه المرتدي بالكبرياء والنور والعظمة، محقّق الحقائق، ومبطل الشرك والبوائق، وبالاسم الذي تدوم به الحياة الدائمة الأزليّة، التي لا موت معها ولا فناء، وبالروح المقدّسة الكريمة، وبالسمع الحاضر والنظر النافذ، وتاج الوقار، وخاتم النبوّة، وتوثيق العهد، ودار الحيوان، وقصور الجمال، ويا لله لا شريك له)(٣٠) .

ومن الأدعية والتسبيحات التي كانت تواظب على قراءتها هو:

(سبحان مَن لبس العزّ وتردى به، سبحان مَن تعطّف بالمجد والكرم، سبحان مَن لا ينبغي التسبيح إلاّ له (جلّ جلاله)، سبحان مَن أحصى كلّ شيء عدداً بعلمه وخلقه وقدرته، سبحان ذي العزّة والنعم، اللهم، إنّي أسألك بمعاقد العزّ مِن عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك

____________________

(٢٩) زينب الكبرى: النقدي: ص ٦٢.

(٣٠) عقيلة الطهر والكرم: موسى محمّد علي: ص ٧٠.


الأعلى، وكلماتك التامّات التي تمّت صدقاً وعدلاً، أنْ تصلّى على محمّد وآل محمّد الطيبين الطاهرين، وأنْ تجمع لي خيرَي الدنيا والآخرة، بعد عمر طويل، اللهمّ أنت الحيّ القيّوم، أنت هديتني، وأنت تطعمني وتسقيني، وأنت تُميتني برحمتك يا أرحم الراحمين)(٣١) .

ومن أدعية أبيها التي كانت تدعو بها بعد صلاة العشاء:

(اللّهمّ إنّي أسألك يا عالم الأمور الخفيّة، ويا مَن الأرض بعزّته مدحيّة، ويا مَن الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة مضيئة، ويا مقبلاً على كلّ نفس مؤمنة زكيّة، ويا مسكّن رعب الخائفين وأهل التقيّة، يا مَن حوائج الخلق عنده مقضيّة، يا مَن ليس له بوّاب ينادى، ولا صاحب يغشى، ولا وزير يؤتى، ولا غير ربّ يدعى، يا مَن لا يزداد على الإلحاح إلاّ كرماً وجوداً، صلّ على محمّد وآل محمّد وأعطني سؤلي إنّك على كلّ شيء قدير)(٣٢) .

____________________

(٣١) عقيلة بني هاشم: علي الهاشمي: ص ١٥.

(٣٢) المصدر السابق: ص ١٦.


صبر وشجاعة

معروف أنّ المرأة تمتاز برقّة المشاعر، وشفافيّة العواطف، ممّا يساعدها على القيام بدور الأمومة الحانية؛ لذلك يكون تأثيرها العاطفي أسرع وأعمق من الرجل غالباً.

وإذا كانت تلك الحالة تمثّل الاستعداد الأَوّلي في نفس المرأة، فلا يعني ذلك أنّها تأسُر المرأة وتَقعد بها عن درجات الصمود والصبر العالية، فبإمكان المرأة حينما تمتلك قوّة الإرادة ونفاذ الوعي وسموّ الهدف، أنْ تضرب أروع الأمثلة في الصبر والشجاعة أمام المواقف الصعبة القاسية.

وهذا ما أثبتتْه السيّدة زينب في مواجهتها للآلام والأحداث العنيفة التي صدمتها في باكر حياتها وكانت هي الختم لسنوات عمرها، لقد أبدتْ السيّدة زينب تجلّداً وصبراً قياسياً في واقعة كربلاء وما أعقبها من مصائب، وإلاّ فكيف استطاعتْ أنْ تنظر إلى أخيها الحسين ممزّق الأشلاء يسبح في بُرْكة من الدماء، وحوله بقيّة رجالات وشباب أسرتها من أخوتها وأبناء إخوتها وأبناء


عمومتها وأبنائها، ثمّ تحتفظ بكامل السيطرة على أعصابها وعواطفها، لتقول كلمة لا يقولها الإنسان إلاّ في حالة التأنّي والثبات والاطمئنان، وهي قولها: (اللّهمّ تَقَبَّل مِنَّا هَذَا القليل من القربان )(٣٣) .

وأكثر من ذلك فهي تصبّر ابن أخيها الإمام زين العابدين حينما رأتْه مضطرباً بالغ التأثّر عند مروره على جثث القتلى - كما مرّ علينا سابقاً -.

ويعبّر الشيخ النقدي عن فظيع مصائب السيّدة زينب وعظيم تحمّلها لها بقوله:

وبالجملة فإنّ مصائب هذه الحرّة الطاهرة زادتْ على مصائب أخيها الحسين الشهيد أضعافاً مضاعفة، فإنّها شاركتْه في جميع مصائبه، وانفردتْ عنهعليها‌السلام بالمصائب التي رأتْها بعد قَتْله من النَهْب والسَلب والضرب وحرق الخيام، والأَسْر، وشَمَاتة الأعداء.

أمّا القتل فإنّ الحسين قُتل ومضى شهيداً إلى روح وريحان، وجنّة ورضوان، وكانت زينب في كلّ لحظة من لحظاتها تُقْتَل قَتْلاً معنويّاً بين أولئك الظالمين، وتذري دماء القلب من جفونها القريحة(٣٤) .

وأيّ مستوى من الصبر عند السيّدة زينب حينما تصف ما رأته من مصائب بأنّه شيء جميل: (والله ما رأيتُ إلاّ جميلاً ) ردّاً على سؤال ابن زياد لها:كيف رأيتِ صُنْع الله بأخيك؟

____________________

(٣٣) زينب الكبرى: النقدي: ص ٧٥.

(٣٤) زينب الكبرى: النقدي: ص ٩٧.


عفّة ومهابة

عفّة المرأة لا تعني الانكفاء والانطواء، ولا تعني الجمود والأحجام عن تحمّل المسؤوليّة وممارسة الدور الاجتماعي، وقد رأينا السيّدة زينب وهي تمارس دورها الاجتماعي في أعلى المستويات.

لكنّ العفّة تعني: عدم الابتذال، وتعني حفاظ المرأة على رزانتها وجدِّيَّة شخصيّتها أمام الآخرين.

فإذا استلزم الأمر أنْ تخرج المرأة إلى ساحة المعركة فلا تتردّد في ذلك، وإذا كانت هناك مصلحة في التخاطب مع الرجال فلا مانع، وهكذا في سائر المجالات النافعة والمفيدة.

أمّا الابتذال واستعراض القوام والمفاتن أمام الرجال، فهو مناف للعفّة والحشمة.

وبعد أنْ استقْرأْنا دور السيّدة زينب ومواقفها العلميّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فلنتأمّل الآن ما يقوله أحد المعاصرين لها والمجاورين لمنزلِها برهةً من الزمن، ليتّضح لنا معنى العفّة والاحتشام عند السيّدة زينب.

حدّث يحيى المازني قال:

كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدّةً مديدة


وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيتُ لها شخصاً ولا سمعتُ لها صوتاً(٣٥) .

____________________

(٣٥) المصدر السابق: ص ٢٢.


زهد وعطاء

كانت زينب تعيش في كنف زوجها (عبد الله بن جعفر ) في المدينة، وهو رجل مُوسر غني، وباذل كريم - كما سبق الحديث عنه - لكنّ حياة الراحة والرفاه - حيث البيت الواسع والخدم والحشم، والمال والثروة - لم تتمكّن من قلب السيّدة زينب، فتخلّتْ عن كلّ تلك الأجواء المريحة، واختارتْ السفر مع أخيها الحسين، حيث المصاعب والمشاق والآلام المتوقّعة، لم يكن قلب زينب متعلّقاً بشيء من متاع الدنيا، بل كانت نفسها منشدّة إلى آفاق السموّ والرفعة.

ورُوي عن الإمام زين العابدين أنّه قال عنها: (إنّها ما ادّخرتْ شيئاً مِن يومها لغدها أبداً)(٣٦) .

ونُقل عنها أنّها كانت أثناء سفر الأسر إلى الشام، كانت تتنازل في غالب الأيّام عن حصّتها من الطعام لصالح الأطفال الجائعين والجائعات من الأُسارى وتطوي يومها جائعة، حتّى أنّ الجوع كان يقعد بها عن التمكّن من أداء صلاة الليل قياماً فتؤدّيها وهي جالسة(٣٧) .

وقد مرّ علينا سابقاً أنّها حينما رجعتْ إلى المدينة مع قافلة السبايا نزعتْ حُلِيّها وحليّ أختها لتقدّمه هديّة ل-(النعمان بن بشير )، مكافأةً له على حسن صحبته ورفقته.

____________________

(٣٦) المصدر السابق: ص ٦١.

(٣٧) المصدر السابق: ص ٦٣.



إلى الرفيق الأعلى



إذا كان الموت شبحاً مرعباً لكلّ إنسان، وإذا كانت مفارقة الحياة أقسى وأشد ما يزعج الإنسان، فإنّ الأمر كان مختلفاً لدى السيّدة زينب.. فالموت بالنسبة لها كان يعني لقاء الله والاقتراب أكثر من رحمته، والموت عند السيّدة زينب قنطرة ومعبر إلى جنّة الله العريضة الواسعة ونعيمه السرمدي الخالد.

وكانت ترى في الموت وسيلة نقل سريعة توصلها إلى رحاب أحبّتها السابقين، حيث تلقى جدّها النبي وأمّها الزهراء وأباها المرتضى وأخوَيها العزيزَين.

لقد طال فراقها لجدّها المصطفى وأمّها البتول، فامتلأت نفسها شوقاً إلى لقائهما، لكنّ ستار الحياة يفصل بينها وبينهما، فمتى يُماط هذا الستار ليكتحل ناظرها برويتهما؟

والموت بعد ذلك أصبح الوسيلة الوحيدة المتاحة للسيّدة زينب للإعلان عن احتجاجها ورفضها وسخطها على واقع الألم والضَيم والعناء.

لكنّ الأمر بيد الله، فهو وحده يقرّر الآجال وبيده الموت والحياة.. وحينما قدّر الله تعالى لها الرحيل عن دار الدنيا، استقبلتْ قضاءَه بصدر رحب، فذلك


ينسجم مع ما يجري في أعماق نفسها من مشاعر وخلجات.

وأسلمتْ الروح لله.. ورجعتْ نفسها المطمئنّة إلى الحقّ راضيةً مرضيّةً لتدخل جنّة الله بسعادة وهناء، ولتلاقي صفوة عباده الأعزّاء محمّد وفاطمة وعلي والحسن والحسين.

إنّه لا يمكننا تصوير مدى سعادة السيّدة زينب بعروج روحها إلى الملكوت الأعلى.

هل نشبّه تلك اللحظات بوصول المسابق إلى نهاية شوط السباق ناجحاً منتصراً؟ فهو وإنْ كان حين الوصول في غاية التعب والمشقّة لِمَا بذله مِن جهد، لكنّه فور وصوله سينقلب إلى حالة أخرى هي ذروة السعادة ومنتهى الراحة.

نعم.. لقد أكملتْ السيّدة زينب امتحانها بنجاح، وقطعتْ شوط الحياة الصعب بإخلاص ويقين، وطوتْ ستّة عقود من سِنِيّ الدنيا في جهاد رسالي متواصل.

واختلف المؤرّخون في تحديد سنة وفاتها، والأرجح عند كثير من الباحثين أنّها تُوفّيت (سنة: ٦٢ ه- / الموافق: ٦٨٣ م )(١) ، بينما ذهب آخرون إلى أنّ وفاتها (سنة: ٦٥ ه- ).

ويتّفق المؤرّخون على أنّ وفاتها كانت في (الخامس عشر من شهر رجب )(٢) .

وهكذا انتقلتْ العقيلة زينب إلى الرفيق الأعلى.. وبقي ذكرها خالداً ينير للبشريّة طريق الكرامة والمجد.

____________________

(١) زينب الكبرى: النقدي: ص ١٢٢. السيّدة زينب: بنت الشاطئ: ص ١٥٥.

(٢) المصدران السابقان. مع بطلة كربلاء: مغنية: ص ٩٠.


مقامات شامخة

من إشراقات عظمة السيّدة زينب أنْ تتنافس البقاع والبلدان على ادّعاء شرف احتضان مرقدها ومثواها. ففي أكثر من بلد تُقام الأضرحة وتشمخ القباب والمنائر باسم السيّدة زينب.

لقد اختلف المؤرّخون في مكان وفاة السيّدة زينب ومحلّ قبرها، وشاء الله تعالى أنْ يكون ذلك سبباً لإظهار عظمتها وإبراز شأنها ومجدها.

* ونتحدّث في السطور التالية عن أبرز المقامات المشادة باسم السيّدة زينبعليها‌السلام :

* في دمشق الشام:

تشير بعض الروايات إلى أنّ عبد الله بن جعفر رحل عن المدينة وأنتقل مع السيّدة زينب زوجته إلى ضيعة كان يمتلكها قرب دمشق في قرية يُقال لها (راوية )، وقد تُوفّيت السيّدة زينب في هذه القرية ودُفنتْ في المرقد المعروف باسمها.

وتختلف الروايات في سبب هجرة عبد الله بن جعفر إلى هذه القرية وفي تاريخ تلك الهجرة ووفاة السيّدة زينب، لكنّ العديد من المؤلّفين ذكروا أنّ ذلك بسبب


مجاعة حصلتْ في المدينة، وإنّ ذلك كان في (سنة:٦٥ ه- ) وبعضهم قال إنّ ذلك في (سنة:٦٢ ه- ).

- يقول العلاّمة الشيخ فرج العمران - خلال بحث له عن الموضوع -:

فالأرجح عندي أنّهاعليها‌السلام تُوفّيت في الشام في النصف من شهر رجب من العام الخامس والستين من الهجرة وهو عام المجاعة، وذلك بمحضر زوجها الجواد عبد الله بن جعفر، ودُفنت في إحدى قُراه المعروفة براوية من غوطة دمشق، المشتهرة الآن بقرية الست(٣) .

ويقع مقام السيّدة زينب في الجهة الشرقيّة الجنوبية على بعد سبعة كيلو مترات من دمشق، وقد أصبحتْ المنطقة تُعرف كلّها باسم (السيّدة زينب).

وتبلغ مساحة المقام وملحقاته حوالي ال- (١٥٠٠٠ متر مربع )، ويتّسع لخمسة آلاف شخص.

- وقد زار هذا المشهد الرحّالة الشهير ابن جبير المتوفّى (سنة:٦١ ٤ ه-)، وقال عنه في رحلته المعروفة عند ذكر المزارات الشاميّة:

(ومن مشاهد أهل البيت مشهد أُمّ كلثوم بنت علي، ويُقال لها زينب الصغرى، وأُمّ كلثوم كنية أوقعها عليها النبي لشبهها بابنته أُمّ كلثوم ومشهدها الكريم قبلي البلد يُعرف براوية على مقدار فرسخ، وعليه مسجد كبير، وخارجه أوقاف، وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست، ومشينا إليه وبِتْنَا به وتبرّكنا برؤيته)(٤) .

- كما زار هذا المشهد الرحّالة ابن بطوطة المتوفّى (٧٧ ٠ ه-)، وقال عند ذكر مزارات دمشق:

(بقرية القبلي وعلى فرسخ منها مشهد أُمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، ويُقال إنّ اسمها زينب، وكنّاها رسول الله لشبهها بخالتها أُمّ كلثوم بنت رسول الله، وعليه مسجد كبير وله مساكن وله أوقاف، ويسمّيه أهل دمشق

____________________

(٣) وفاة زينب الكبرى: الشيخ فرج العمران: ص ٦٥.

(٤) مرقد العقيلة زينب: محمّد حسنين السابقي: ص ١٠٩، نقلاً عن رحلة ابن جبير: ص ٢٦٩.


قبر الست أمّ كلثوم)(٥) .

- وذكر هذا المشهد الباحث الدمشقي عثمان بن أحمد السويدي الحوراني المتوفّى (سنة:٩٧ ٠ ه- - أو١٠٠٣ ه-) في كتابه (الإشارات إلى أماكن الزيارات) قال:

(ومنها قرية يُقال لها (راوية)، بها السيّدة زينب أُمّ كلثوم ابنة علي بن أبي طالب، تُوفّيت بغوطة دمشق عقيب محنة أخيها الحسين، ودُفنتْ في هذه القرية، ثمّ سُمِّيَتْ القرية باسمها، وهي الآن معروفة ب- (قبر الست) )(٦) .

- وقال العلاّمة السيّد محسن الأمين العاملي:

يوجد في قرية تسمى (راوية) على نحو فرسخ من دمشق إلى جهة الشرق قبر ومشهد يُسمّى: (قبر الست)، ووُجد على هذا القبر صخرة رأيتُها وقرأتُها كُتب عليها: هذا قبر السيّدة زينب المكنّاة بأُمّ كلثوم بنت سيّدنا عليرضي‌الله‌عنه ، وليس فيها تاريخ وصورة خطّها تدل على أنّها كُتبتْ بعد الستمائة من الهجرة)(٧) .

وإنْ كان السيّد الأمين يرجّح أنّ القبر لزينب الصغرى أخت السيّدة زينب الكبرى.

وورد أنّ السيّدة نفيسة صاحبة المقام المعروف في القاهرة بنت حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن بن علي بن أبي طالب قد زارتْ هذا المشهد في قرية (راوية) (سنة: ١٩٣ ه- )(٨) .

وقرب (سنة: ٥٠٠ ه- ) شيّد رجل قرقوبي من أهل حلب بمشهدها جامعاً كبيراً، من أشهر جوامع دمشق(٩) .

____________________

(٥) المصدر السابق: ص ١١٠، عن رحلة ابن بطّوطة: ج ١، ص ٦١.

(٦) المصدر السابق: نقلاً عن الإشارات: ص ١٨، طبع دمشق، ١٣٠٢ ه-.

(٧) أعيان الشيعة: محسن الأمين: ج ٧، ص ١٣٦.

(٨) مرقد العقيلة زينب: السابقي: ص ١٤١ / ث.

(٩) المصدر السابق.


وزار هذا المشهد الرحّالة أبو بكر الهروي المتوفّى (٦١١ ه- )، وذكره في كتابه المعروف ب- (الإشارات إلى معرفة الزيارات ) (١٠) .

وفي (سنة: ٧٦٨ ه- ) أوقف على هذا المشهد - باعتباره مرقداً للسيّدة زينب الكبرى - نقيبُ الأشراف السيّد حسين الموسوي، من كبار أعلام دمشق في زمانه، جميعَ ما كان يملكه من البساتين والأراضي، وكتب صَكّاً طويلاً عليه شهادات سبعة من قضاة دمشق الكبار في زمانهم، ونسخة هذا الصك محفوظة عند سَدَنَة المقام، ومذكور نصّه في بعض المؤلّفات(١١) .

- وقد جدّد السيّد حسين الموسوي عمارة هذا المشهد (سنة: ٧٦٨ ه- ).

- وفي (سنة: ١٣٠٢ ه- ) جدّد القبّة الكريمة السلطان عبد العزيز خان العثماني، بإعانة التجّار والأثرياء.

- وفي (سنة: ١٣٥٤ ه- ) أنشأ سادة آل نظام غُرَفَاً كثيرة حول المقام؛ لإراحة الزائرين، وجدّدوا المدخل الشريف بنفقتهم.

- وفي (سنة: ١٣٧٠ ه- ) شكّل الإمام السيّد محسن الأمين العاملي لجنة من خيار التجّار وأهل الثروة؛ لتعمير الحرم والصحن والأروقة برئاستهرحمه‌الله (١٢) . وكان للحاج محمّد مهدي البهبهانيرحمه‌الله دور أساسي في هذه العمارة والتجديد.

- وفي (سنة: ١٣٧٠ ه- ) أهدى التاجر الباكستاني محمّد علي حبيب مؤسّس المصرف المعروف باسمه (حبيب بنك )، أهدى قفصاً ثميناً وزنه اثنا عشر طنّاً لينصب على قبرها؛ لأنّ الله قد شفا ولده الوحيد من الشلل بعد أنْ عجز عنه الأطباء ببركة السيّدة زينب، وقد نصب هذا القفص الفضّي المذهّب المُحَلّى بالجواهر الكريمة النادرة في احتفال رسمي وشعبي.

____________________

(١٠) المصدر السابق.

(١١) المصدر السابق: ص ١٤٥.

(١٢) المصدر السابق: ص ٢٢٧.


وأرّخه الخطيب الشيخ علي البازي النجفي بقوله:

هذا ضريح زينب قف عنده

واستغفر الله لكلّ مذنب

ترى الملا طُرّاً وأملاك السما

أرّخ (وقوفاً في ضريح زينب)

(١٣٧٠ ه-)(١٣) .

- وفي (سنة: ١٣٧٣ ه- ) أهدى جماعة من التجّار الإيرانيّين صندوقاً ثميناً من أورع أمثلة الصناعة الإيرانيّة المعروفة، ومِن صنع الفنّان الإيراني الحاج محمّد سميع، والذي بقي في صنع هذا الصندوق ثلاثين شهراً، وقدّر ثمنه بمائتي ألف ليرة سوريّة آنذاك، وعليه غطاء من البلّور، أحضرتْه بعثة إيرانيّة برئاسة ضابط إيراني كبير، وأُقيم يوم وصوله ونصبه على قبر السيدة زينب احتفال مهيب، ترأّسه السيّد صبري العسلي رئيس وزارة سوريا.

وأرّخه الشاعر النجفي السيّد محمّد الحلّي بقوله:

صندوق زينب قد بدتْ

للفن فيه علائمُ

صنعتْه أيدي المخلصين

فحار فيه العالَمُ

حيث احتوى جثمانَها

أرّخت راق الخاتم

(١٣٧٣ ه-)(١٤) .

- وأهدى بعض تجّار إيران (سنة: ١٣٨٠ ه- ) لمشهدها باباً ذهبيّاً رائعاً(١٥) .

وللمقام مئذنتان شامختان بارتفاع (٥٤ متراً).

- وفي (عام: ١٣٨٠ ه- ) أهدي للحرم باب ذهبي للمدخل الغربي، وبابان مذهّبان بالميناء للمدخل الشمالي والقبلي.

- كما تمّ في هذا العام (١٤١٣ ه- ) إكساء قبّة المقام من الخارج بالذهب.

____________________

(١٣) أدب الطف: جواد شبّر: ج ١، ص ٢٥١.

(١٤) مرقد العقيلة زينب: السابقي: ص ٢٣١.

(١٥) المصدر السابق.



* المشهد الزينبي في القاهرة:

بناءً على الرواية التي تقول بأنّ السيّدة زينب حينما غادرتْ المدينة المنوّرة بضغطٍ من والي المدينة الأموي (عمرو بن سعيد الأشدق )، فإنّها توجّهتْ إلى مصر واستقبلها الوالي (مسلمة بن مخلّد )، وأنزلها داره بالحمراء في القاهرة، وبعد إحدى عشر شهراً وخمسة عشر يوماً توفّيتْ في (١٥ / رجب / سنة: ٦٢ ه- )، وصلّى عليها الوالي مسلمة بن مخلّد، ودفنها بمخدعها من الدار حسب وصيّتها (١٦) .

وعلى هذا يقع ضريح السيّدة زينب في الجهة البحريّة من دار مسلمة بن مخلّد الأنصاري، وبمرور السنين والعهود على هذه الدار اندثر جزء كبير منها، إلاّ ما كان من الضريح الطاهر فإنّه كان معظّماً مقصوداً بالزيارة، وموضع تبجيل واحترام الخاصّة والعامّة من الناس، الذين كانوا يتعاهدونه بالتعمير والإصلاح، ويتناوب على خدمة هذا المشهد أناس انقطعوا لهذا العمل، ويُصرف عليهم من وجوه الخير ومِن ريع الأعيان والممتلكات التي أُوقفتْ على هذا الضريح الطاهر.

- وفي زمن دولة أحمد بن طولون (٢٥٤ - ٢٩٣ ه- / ٨٦٨ - ٩٠٥ م ) أُجري على هذا المشهد الطاهر ما أُجري على المشاهد الأخرى من عمارة وترميم.

____________________

(١٦) أخبار الزينبيّات: العبيدلي: مجلّة (الموسم)، عدد: ٤.


فلمّا جاءتْ الدولة الفاطميّة (٣٥٨ - ٥٦٧ ه- / ٩٦٩ - ١١٧١ م ) كان أوّل مَن بنى عمارة جليلة عظيمة على هذا المشهد من خلفاء الفاطميّين (أبو تميم معد نزار بن المعز )، وذلك في (سنة: ٣٦٩ ه- ).

- وقد ذكر الرحّالة الأديب، أبو عبد الله الكوهيني الفاسي الأندلسي، أنّه دخل القاهرة في (١٤ / محرم / ٣٦٩ ه- )، وأنه دخل مشهد السيدة زينب بنت علي، فوجده داخل دار كبيرة وهو في طرفها البحري، يشرف على الخليج، قال: وعاينّا الضريح، وشممنا منه رائحة طيبة، ورأينا بأعلاه قبة من الجص، وفي صدر الحجرة ثلاثة محاريب، وعلى كلّ ذلك نقوش في غاية الإتقان، وعلى باب الحجرة مكتوب:

(هذا ما أمر به عبد الله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين... أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيّدة الطاهرة بنت البتول، زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (صلوات الله تعالى عليها وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين) ).

- وفي أيّام الحاكم بأمر الله، أوقف على المشهد الزينبي عدّة ضياع وأسواق ومحال تجارية؛ ليصرف ريعها على خدمات المشهد.

- وفي القرن السادس الهجري أيّام الملك سيف الدين أبي بكر بن أيوب أجرى الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري أمير القاهرة ونقيب الأشراف الزينبيّين بها عمارة وإصلاحاً على هذا المشهد.

- واهتمّ الأمير علي باشا الوزير والي مصر مِن قِبل السلطان سليمان خان بن السلطان سليم الفاتح بتعمير المشهد وتشييده، وجعل له مسجداً يتّصل به وذلك في (سنة: ٩٥٦ ه- ).

وفي (سنة: ١١٧٤ ه- ) أعاد الأمير عبد الرحمن كتخدا القازدوغلي بناءَ المسجد وتشييد أركانه، وأنشأ به ساقية وحوضاً للطهارة والوضوء، وبنى مقام السيّد محمّد العتريس المتوفّى أواخر القرن السابع، والذي كان ملازماً لخدمة المشهد الزينبي.

- وفي (سنة: ١٢١٠ ه- ) جُدِّدتْ المقصورة الشريفة التي تحيط بالتابوت الطاهر


المقام فوق القبر، وصُنعتْ من النحاس الأصفر، ووُضع فوق بابها لوحة نحاسيّة كتب عليها: (يا سيّدة زينب، يا بنت فاطمة الزهراء مددكِ ١٢١٠ ه- ). وما زالت اللوحة على الضريح الشريف حتّى اليوم.

- وحدث في (سنة: ١٢١٢ ه- ) أنْ تصدّعت جدران المسجد، فانتدبتْ حكومة المماليك، عثمان بك المرادي لتجديده وإعادة بنائه، إلاّ أنّ العمل توقّف بسبب الحملة الفرنسيّة على مصر، وبعدها استؤنف العمل، إلاّ أنّه لم يتم، فأكمله بعد ذلك يوسف باشا الوزير (سنة: ١٢١٦ ه- )، وأرّخ ذلك بأبيات من الشعر خُطّت على لوح من الرخام نصّها:

نور بنت النبي زينب يعلو

مسجداً فيه قبرها والمزارُ

قد بناه الوزير صدر المعالي

يوسف وهو للعلى مختار

زاد إجلاله كما قلت وأُرّخ

مسجد مشرق به أنوار

وبعد ذلك أصبح هذا المشهد محلّ رعاية الحكام في مصر من أسرة محمّد علي:

- ففي (سنة: ١٢٧٠ ه- ) شرع الخديوي عبّاس باشا الأوّل في إصلاحه، ووضع حجر الأساس ولكنّ الموت عاجله.

- فقام الخديوي محمّد سعيد باشا في (سنة: ١٢٧٦ ه- ) بإتمام ما بدأه سلفه، وكتب على باب المقام الزينبي هذا البيت من الشعر:

يا زائريها قفوا بالباب وابتهلوا

بنت الرسول لهذا القطر مصباح

- وفي (سنة: ١٢٩١ ه- ) أمر الخديوي إسماعيل بتحديد الباب المقابل لباب القبّة وجعله من الرخام.. وفي هذه المناسبة قال السيّد علي أبو النصر مؤرّخاً تجديد هذا الباب:


مقام به بنت الإمام كأنّما

هو الروضة الفيحاء باليمن مونقه

على بابها لاح القبول لزائر

ونور الهدى أهدى سناه ورونقه

بأمر الخديوي جدّدتْه يدُ العلا

فكانت بأسباب الرضا متوثّقه

وفي حلية التجديد قلتُ مؤرّخاً

شموس الحلى في باب زينب مشرقه

(١٢٩٤ ه-)

- وفي نفس (العام: ١٢٩٤ ه- ) جُدّد الباب المقابل لباب الضريح على الهيئة الموجودة الآن.

* أمّا المسجد القائم حالياً فقد تمّ إنشاؤه على مراحل ثلاث:

- فبني الجزء الأوّل منه وهو المطل على الميدان المعروف باسم ميدان السيّدة زينب في عهد الخديوي توفيق (سنة: ١٣٠٢ه- )، وكتب على أبواب القبّة الشريفة التي تضمّ الضريح أبياتاً من الشعر:

مقام به بنت الإمام كأنّما

هو الروضة الفيحاء باليمن مونقه

على بابها لاح القبول لزائر

ونور الهدى أهدى سناه ورونقه

بأمر الخديوي جدّدتْه يدُ لعلا

فكانت بأسباب الرضا متوثّقه

وفي حلية التجديد قلتُ مؤرّخاً

شموس الحلى في باب زينب مشرقه

- وظلّ المسجد على تلك الحال، حتّى تمّت توسعته من الجهة القبليّة بمساحة


( ١٥٠٠ متر مربّع ) تقريباً في عهد الملك فاروق الأوّل، وافتتح للصلاة في (يوم الجمعة: ١٩ / ذي الحجة / ١٣٦٠ ه- = ١٩٤٢ م ).

- ولمّا رأتْ حكومة الرئيس جمال عبد الناصر زيادة إقبال الناس على هذا المسجد حتّى ضاق عن أنْ يتّسع للآلاف منهم، خاصّة في أيّام الجمع والأعياد، أمرتْ بإجراء توسعة عظيمة بلغت حوالي (٢٥٠٠ متر مربع ) من الجهة القبليّة.. وبذلك اتّصل المسجد الزينبي بمسجد الزعفراني المجاور له، كما أُقيمتْ به دورة مياه كبيرة للطهارة والوضوء، ومكتبة ضخمة تضمّ عشرات الآلاف من المجلّدات، وأُلحق بها قاعة فسيحة للمطالعة، واكتملتْ هذه التوسعة (سنة: ١٣٨٩ ه- - ١٩٦٩ م )، فأصبحتْ مساحة المشهد الزينبي وملحقاته تزيد على (٧٠٠٠ آلاف متراً مربّعاً ).

- أما المئذنة التي تعتبر فريدة في نوعها لِمَا تتحلّى به من نقوش وزخارف عربيّة جميلة، فإنّ ارتفاعها يقرب من (٤٥ متراً )(١٧) .

____________________

(١٧) علي أحمد الشلبي رئيس مجلس إدارة المسجد الزينبي بالقاهرة، في مقاله له في مجلّة (الموسم) العدد: ٤ (من صفحة ٨٦٥ إلى صفحة ٨٨٠). نقلنا عنه بتصرّف واختصار.



* في سنجار شمال العراق:

سنجار مدينة معروفة في شمال العراق، تقع جنوب نصيبين عن يمين الطريق إلى الموصل، اشتهرتْ بكونها مدينة الطرق والقوافل منذ القديم؛ لأنّها سيطرتْ على الطريق بين العراق وسورية، وتقع فيها جبال سنجار التي يبلغ ارتفاعها نحو (٤٨٠٠ قدم ).

واشتهر في سنجار الكثير من المراقد والأضرحة المنسوبة لآل البيت، والتي عمّرها الفاطميّون والبويهيّون والحمدانيّون والعقيليّون.

وتخضع هذه المقامات الآن لنفوذ اليزيديين، وهؤلاء لهم ديانة معروفة خاصّة بهم، لكنّهم يعظّمون ويحترمون هذه المقامات وأصحابها، ومن تلك المشاهد المرقد المنسوب للسيّدة زينب الكبرى بنت علي، على أساس أنّها توفّيت في هذه المنطقة عند مرور السبايا بعد واقعة الطفّ.

ويقع الضريح المنسوب للسيّدة زينب على ربوة عالية في مدخل المدينة، وهو فناء واسع، وفيه غرفة مستطيلة الشكل في وسطها القبر المشيّد من الحجر والجص، وفي الغرفة محراب صغير، وتغطّيها قبّة مظهرها الخارجي مضلّع مخروطي الشكل.

وتدلّ الكلمات المنقوشة على مدخل الرواق إلى يسار غرفة القبر على أنّ هذا


البناء من قبل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ أيّام ملكه لبلاد سنجر( ٦٣٧ - ٦٥٧ ه- / ١٢٣٩ - ١٢٥٩ م )، وتاريخ البناء الأصلي هو (سنة: ٦٤٤ ه- ).

- وعند زحف التتار واستيلائهم على سنجار (سنة: ٦٦٠ ه- ) أصابه الخراب، لكنّه جُدِّد فيما بعد ومِن قِبل نائب التتر وهو من العجم، يُقال قوام الدين محمّد اليزدي.

- وجُدِّد مرّة أخرى كما يتّضح من نصٍّ مكتوب على لوحة رخاميّة موجودة على جدار غرفة الضريح من خارج البناء تقول: (جَدَّد مزار الست زينب بنت علي العبد الفقير سيدي باشا بن خداد.. ثمان عشر شهر ربيع الأخر سنة: ١١٠٥ ه- ).

وتعلو المشهد قبّتان:

إحداهما: نصف كرويّة تغطّي غرفة من غرف الضريح المتعدّدة، والقبّة محاريّة الشكل.

أمّا القبّة الثانية : فهي قبّة غرفة الضريح، وتبدو من الخارج مضلّعة مخروطيّة الشكل.

وفي المشهد عدّة محاريب تعلوها كتابات لآيات قرآنية(١٨) .

____________________

(١٨) بحث الدكتور حسن كامل شميساني في مجلّة (الموسم) العدد: ٤، ص ٩٢٤، نقلنا عنه باختصار وتصرّف.


شيء من التحقيق

لقد بذل العديد من العلماء والباحثين جهودهم، وخاضوا غمار البحث والتحقيق لمحاكمة الروايات والنقول التاريخيّة حول قبر السيّدة زينب الكبرى.

وإذا كان المقام المنسوب لها في سنجار شمال العراق لا تسنده رواية تاريخيّة فيما يتوفّر من مصادر إلاّ ما يتداول ويتوارث على أَلْسِنَة أهالي تلك المنطقة، فإنّ الآراء التي ناقشها العلماء والباحثون تنحصر في ثلاثة احتمالات:

١ - المدينة المنوّرة.

٢ - مصر.

٣ - دمشق.

* أوّلاً: المدينة المنوّرة:

-دافع العلاّمة السيّد محسن الأمين العاملي عن هذا الرأي ؛ باعتبار أنّ المدينة هي موطن السيّدة زينب، وأنّ من الثابت عودتها إلى المدينة بعد واقعة كربلاء، فاستصحاباً نحكم بأنّ وفاتها وقبرها في المدينة المنوّرة ما لم يثبت العكس، وقال نصّه: (يجب أنْ يكون قبرها في المدينة المنوّرة فإنّه لم يثبت أنّها بعد رجوعها للمدينة


خرجتْ منها، وإنْ كان تاريخ وفاتها ومحلّ قبرها بالمدينة مجهولَين، ويجب أنْ يكون قبرها بالبقيع، وكم من أهل البيت أمثالها مَن جُهِلَ محلّ قبره وتاريخ وفاته، خصوصاً النساء)(١٩) .

-وناقش هذا القول البحّاثة الشيخ محمّد حسنين السابقي بما يلي : (نحن لا ننكر أنْ يكون مدفنها الطاهر في البقيع في المدينة المنوّرة، إذ هي وطنها الكريم، وبها قبور إخوتها وشيوخ قومها وجدّها وأمّها، ولكنْ بشرط أنْ يقوم عليه دليل قاطع أو نصٍ تاريخي.

لأنّ قبور البقيع ذكرها المؤرّخون قديماً وحديثاً يذكرها ابن النجّار في (تاريخه)، والسمهودي في تاريخه الحافل (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى )، في باب مخصوص لذكر مزارات أهل البيت والصحابة، ولا نجد فيها قبر العقيلة زينب لا في القبور المعمورة ولا المطموسة.

ولكان لمرقدها ذكر ولو في القرون الأولى، كما بقي لِمَنْ دونها في الرتبة من بني هاشم، بل ولِمَنْ يَمُتّ إليهم بالولاء أيضاً، على أنّ الذين ذهبوا إلى هذا القول إنّما مستندهم الاستصحاب الأصولي، وهو أنّه ثبت أنّ العقيلة زينب دخلتْ المدينة بعد محنة أخيها ورجوعها من الشام وكانت بالمدينة في قيد الحياة، ثمّ شككنا هل ماتت في الشام أم لا؟ فالاستصحاب يقول: الأصل عدم موتها بالشام بل بالمدينة حتّى يحصل لنا شيء يزيل هذا الشك ويثبت لنا باليقين أنّها ماتت بالشام.

وهذا الدليل لا غبارَ عليه في نفسه، ولكنْ لا يُستدَل بمثله في القضايا التاريخيّة، ولو قلنا به فثبت ما أزال هذا الشكّ بما رواه (ابن طولون الدمشقي ) من ذهابها إلى الشام وموتها بها، وعليه أكثر الفقهاء المجتهدين الأصوليّين(٢٠) .

____________________

(١٩) أعيان الشيعة: محسن الأمين: ج ٧، ص ١٤٠.

(٢٠) مرقد العقيلة زينب: السابقي: ص ١٠٢.


* ثانياً: بين القاهرة ودمشق:

وإذا لم يكن هناك أثر نقلي يتحدّث عن قبر للسيّدة زينب كبرى في المدينة المنوّرة، ولا يوجد مقام ظاهر يُنسب لها هناك، فإنّ الأمر ليس كذلك فيما يرتبط بمصر والشام، حيث توجد روايات ونصوص تاريخيّة يَستدلّ بها أنصار كلّ من الرأيَين، كما يتعالى في سماء القاهرة ودمشق مقامان شامخان ينسبان للسيّدة زينب، وتؤمّهما جماهير المؤمنين ويقصدهما الزائرون.

لكنّ المطالعة الدقيقة والبحث الموضوعي في أدلّة الطرفين يرجّح كفّة الاطمئنان إلى أنّ مشهد الراوية في دمشق هو الأقرب إلى الصحّة والواقع؛ وذلك لتظافر الأدلّة في كتب المؤرّخين والرحّالة والسّائحين منذ القرون السابقة وإلى الآن، ولضعف مستند القائلين بسفر السيّدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها فيها، وللاحتمال الكبير في أنْ يكون المقام في مصر لزينب أخرى من أهل البيت.

وقد أفرد بعض العلماء كتباً ورسائل لتحقيق هذا الموضوع:

- ومن أبرزهم العلاّمة المرحوم الشيخ فرج العمران القطيفي (١٣٢١ ه- ) والذي ألّف رسالة تحت عنوان (المرقد الزينبي ) (سنة: ١٣٧٧ ه- / وطبعها في النجف الأشراف / العراف )، وكانت نتيجة البحث التي انتهى إليها في رسالته هو ترجيح المقام الزينبي في دمشق، وأنّه للسيّدة زينب الكبرى.

- والبحث الآخر والأعمق هو للبحّاثة الباكستاني الشيخ محمّد حسنين السابقي، ويقع في أكثر من (٢٤٠ صفحة )، وقد طُبع في بيروت (سنة: ١٣٩٩ ه- ١٩٧٩ م )، ونقتبس منه الفقرات التالية بشيء من التصرّف والاختصار:

إنّ رحلة السيّدة العقلية إلى مصر وإقامتها هناك وتلبيتها لداعي حماها وحديث مدفنها بها قضيّة من أهمّ القضايا التي لا يفوّت ذكرها كلّ مؤرخ يقظان، ولا أقلّ من أنْ يذكره، والمؤرّخين الذين نشأوا في مصر خان ولكنّهم بأجمعهم لم


يشيروا إليه أدنى إشارة.

وتتجلّى هذه الحقيقة بعدما نرى اهتمام المصريّين بإحاطة الأخبار وضبط الحوادث المتعلّقة ببلادهم.

- فأوّل مدوّن لتاريخ مصر في الإسلام هو: (عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري المتوفى: ٢٥٧ ه- )، له في تاريخ مصر كتاب حافل سمّاه: (منهج السالك في أخبار مصر والقرى والممالك )، ذكر فيه تراجم كثير من الصحابة ممّن دخل مصر.

- وتبعه (أبو عمرو محمّد بن يوسف الكندي المتوفّى: ٣٥٤ ه- ) وله عدّة تأليفات في تاريخ مصر.

- ثمّ برع في تدوين أخبار مصر والإحاطة بحوادثها (أبو محمّد حسن بن إبراهيم بن ذولاق الليثي المصري المتوفّى: ٣٨٧ ه- ).

- ثمّ تلاه في هذا الموضوع (عزّ الملك محمّد بن عبد الله بن أحمد الحرّاني المسبحي المتوفّى سنة: ٤٢٠ ه- ).

- ثمّ المؤرّخ المتتبّع القاضي (أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي الشافعي المتوفى: ٤٥٣ ه- )، ولم يقصر همّه على ضبط الحوادث التاريخيّة فقط، بل ألّف في المزارات المقصودة للزيارة والتبرّك التي تُشدّ إليها الرحال، وله في هذا الموضوع كتاب (أُنس الزائرين ) ترجم فيه للسيّدة نفيسة وعيّن مدفنها، وليس فيه لقبر زينب الكبرى عين ولا أثر.

- ثمّ اعطف إلى (المقريزي، والسيوطي، والقلقشندي ) وغيرهم، لم نجد أحداً من هؤلاء أنّه ذكر دخول السيّدة زينب الكبرى في مصر ومدفنها بها.

على أنّ هناك جماعة من مؤرّخي مصر ممّن أفرد تأليفه في تحقيق المزارات والقبور والمساجد ك-:

ابن يونس / والهتناني / والقرشي صاحب (المزارات المصريّة ) / وابن سعد النسّابة صاحب (مزارات الأشراف ) / وابن عطايا / والحموي الذي ذكر جملة من مزارات مصر / وموفّق الدين صاحب (مرشد الزوّار ).

ترى هؤلاء الإعلام يترجمون أصحاب القبور ويميّزون بين المزارات الصحيحة والمزوّرة من العلويّين وغيرهم في مصر.


ولم يذكر أحدُ من هؤلاء أنّ العقيلة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين مدفونة في مصر(٢١) .

* إنّ كبار المؤرّخين المطّلعين على تاريخ مصر بدقّة وتحقيق لم يصح لديهم دخول أيّ ولد لأمير المؤمنين لصلبه في مصر:

-قال الحافظ (أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي المتوفّى: ٥٧٦ ه-) : - لم يمت له - أي لعلي - ولد لصلبه في مصر.

-قال الحافظ المؤرّخ (أبو محمّد حسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري المتوفّى: ٣٨٧ ه-) : أوّل مَن دخل مصر مِن وُلد علي سكينة بنت علي بن الحسين. وبه قال السخاوي.

-وفي لفظ آخر للسخاوي : إنّ المنقول عن السلف أنّه لم يمت أحد من أولاد علي لصلبه في مصر.

فكيف من المعقول أنْ تدخل العقيلة زينب مصر وتقيم هناك زهاء السنة، ثمّ تُقْبَر على مرأى من المحاشد الجمّة ومسمع، ولا يَعرف أمرها أحدٌ من المؤرّخين الذين عهْدهم قريب بتلك الحادثة المهمّة.

-والإمام الشافعي : كان يتجاهر بالولاء لأهل البيت، وقد ورد في سيرته أنّه كان يزور السيّدة نفيسة، لكنْ لم يرد أنّه زار السيّدة زينب هناك(٢٢) .

-كما دخل مصر جملة من الرحّالين كابن جبير وابن بطّوطة وابن شاهين : وذكروا ما شاهدوا من القبور المعروفة المقصودة للزيارة في عهدهم، ولكنْ لا تجد أحداً منهم يذكر قبر السيّدة زينب الكبرى في مصر.. اللّهمّ إلاّ الرحّالة الكوهيني الفاسي

____________________

(٢١) المصدر السابق: ص ٢٩ - ٣١.

(٢٢) المصدر السابق: ص ٣٢ - ٣٣.


الأندلسي، الذي دخل القاهرة في(١٤ / محرم / ٣٦٩ ه- )(٢٣) .

إنّ الاشتباه بوجود قبر العقيلة زينب نشأ لتعدّد المسمّيات بزينب من العلويّات وغيرهم المدفونات بمصر، والذهن أسرع تبادراً عند سماع الاسم إلى أشهر الأفراد وأكملها.

ومن المعلوم أنّ عادة العامّة والخاصّة جرتْ أنّهم ينسبون العلويّين إلى رسول الله وأمير المؤمنين بلا واسطة(٢٤) .

والظاهر أنّ المشهد الزينبي المعروف في القاهرة هو للسيّدة زينب بنت يحيى المتوّج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب(٢٥) .

والمصدر الأساس لدعوى هجرة السيّدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها ودفنها فيها رسالة (أخبار الزينبيّات ) للنسّابة العبيدلي، وحول هذه الرسالة ومؤلّفها ورواتها - وبالخصوص الرواية المتعلّقة بهذا الموضوع - حولها كلام عند أهل التحقيق سَنَدَاً وَمَتْنَاً(٢٦) .

____________________

(٢٣) المصدر السابق: ص ٣٣.

(٢٤) المصدر السابق: ص ٥٤.

(٢٥) المصدر السابق: ص ٥٩.

(٢٦) المصدر السابق: ص ٧٥ - ١٠١.


مصادر الكتاب



١ -الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر العسقلاني، (دار إحياء التراث العربي / بيروت).

٢ -الاحتجاج ، أحمد بن علي الطبرسي، (مطبعة سعيد / مشهد إيران / سنة: ١٤٠٣ ه-).

٣ -أبصار العين في أنصار الحسين ، محمّد السماوي، (منشورات مكتبة بصيرتي / قم - إيران).

٤ -أئمّتنا ، علي محمّد علي دخيل، (دار المرتضى / بيروت / الطبعة السادسة / ١٤٠٢ ه- - ١٩٨٢ م).

٥ -أخلاقيّات أمير المؤمنين ، السيّد هادي المدرّسي، (مؤسّسة الأعلمي / بيروت / الطبعة الأولى / ١٤١١ ه- - ١٩٩١ م).

٦ -أدب الطف ، السيّد جواد شبّر، (دار المرتضى / بيروت / ١٩٨٨ م).

٧ -أُسْد الغابة في معرفة الصحابة ، ابن الأثير عزّ الدين أو الحسن علي، (دار الفكر / بيروت / ١٩٨٩ م).


٨ -أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين ، (دار التعارف للمطبوعات / بيروت / ١٩٨٣ م).

٩ -أنصار الحسين ، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، (الدار الإسلاميّة بيروت / الطبعة الثانية / ١٩٨١ م).

١٠ -بحار الأنوار ، محمّد باقر المجلسي، (مؤسّسة الوفاء / بيروت / ١٤٠٣ ه- - ١٩٨٣ م).

١١ -بلاغات النساء ، أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور، تقديم وطبع أحمد الألفي، (منشورات مكتبة بصيرتي / قم (طبعة مصر)).

١٢ -تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر علي بن الحسن، (الطبعة الأولى / ١٩٨٠ م):

(١) ترجمة الإمام الحسن ، تحقيق محمّد باقر المحمودي.

(٢) تراجم النساء ، تحقيق سكينة الشهابي.

١٣ -تاريخ الإسلام ، الذهبي محمّد بن أحمد شمس الدين، (دار الكتاب العربي / بيروت / الطبعة الثانية / ١٩٨٩ م):

(١) السيرة النبويّة.

(٢) كتاب المغازي.

١٤ -تاريخ الخلفاء، الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري، (مطبعة مصطفى الحلبي / مصر).

١٥ -تاريخ الأمم والملوك ، الطبري محمّد بن جرير، (المطبعة الحسينيّة المصريّة / الطبعة الأولى).

١٦ -تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، كارل بروكلمان، (دار العلم للملايين / بيروت / الطبعة التاسعة / ١٩٨١ م).

١٧ -التفسير المنير ، الدكتور وهبة الزحيلي، (دار الفكر المعاصر / بيروت /


الطبعة الأولى / ١٤١١ ه- - ١٩٩١ م).

١٨ -التفسير الكاشف ، الشيخ محمّد جواد مغنية، (دار العلم للملايين / بيروت / الطبعة الثالثة / آذار مارس / ١٩٨١ م).

١٩ -تفسير روح المعاني ، الآلوسي، (دار إحياء التراث العربي / بيروت).

٢٠ -ثورة الحسين ، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، (الطبعة السادسة / ١٩٨١ م).

٢١ -الحياة ، جريدة يوميّة تصدر عن لندن.

٢٢ -حياة الإمام الحسين ، الشيخ باقر شريف القرشي، (دار الكتب العلميّة / قم - إيران / الطبعة الثالثة / ١٣٩٣ ه- - ١٩٧٣ م).

٢٣ -حياة الإمام الحسين بن علي ، الشيخ باقر شريف القرشي، (مكتبة الداوري / قم - إيران / الطبعة الثانية / ١٣٩٧ ه- - ١٩٧٧ م).

٢٤ -حياة الإمام محمّد الباقر ، الشيخ باقر شريف القرشي، (مؤسّسة الوفاء بيروت / الطبعة الثانية / ١٤٠٤ ه- - ١٩٨٤ م).

٢٥ -حياة الإمام موسى بن جعفر ، الشيخ باقر شريف القرشي، (دار الكتب العلميّة / قم - إيران / الطبعة الثانية / ١٣٨٩ ه- - ١٩٧٠ م).

٢٦ -دراسة في المائة الأوائل ، الدكتور مايكل هارت، (دار قتيبة / دمشق / الطبعة الثالثة / ١٤٠٤ ه- - ١٩٨٤ م)، ترجمة الأستاذ أسعد عيسى، والمحامي أحمد غسان سبانو.

٢٧ -در السحابة في مناقب القرابة والصحابة ، الشوكاني محمّد بن علي، (دار الفكر دمشق / ١٩٨٤ م).

٢٨ -رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ، ابن تيمية تقي الدين احمد، (دار القبلة / جدّة / الطبعة الأولى / ١٩٨٤ م)، تعليق أبي تراب الظاهري.

٢٩ -الرسول القائد ، اللواء الركن محمود شيت خطاب، (دار الفكر / بيروت /


الطبعة الخامسة/ ١٣٩٤ ه- - ١٩٧٤ م).

٣٠ -زينب الكبرى ، الشيخ جعفر النقدي، (منشورات الرضي / قم - إيران / الطبعة الثانية / ١٣٦٢ ه-).

٣١ -زينب وليدة النبوّة والإمامة ، م. صادق، (مؤسّسة الوفاء / لندن/ ١٩٨٧ م).

٣٢ -زينب عقيلة بني هاشم ، عبد العزيز سيّد الأهل، (دار العلم للملايين / بيروت / الطبعة الأولى / ١٩٥٣ م).

٣٣ -سيرة الرسول وخلفائه ، السيّد علي فضل الله الحسني، (مؤسّسة الوفاء بيروت / الطبعة الأولى / ١٤٠٤ ه- - ١٩٨٤ م).

٣٤ -السيّدة زينب ، عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، (دار الكتاب العربي / بيروت / ١٩٧٩ م).

٣٥ -شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي، (دار إحياء التراث العربي / بيروت / الطبعة الثانية / ١٩٦٥ م).

٣٦ -صحيح مسلم ، (دار الكتب العلميّة / بيروت / ١٩٧٧ م).

٣٧ -صحيح البخاري ، (دار الجيل/ بيروت)، تقديم الشيخ أحمد محمّد شاكر (١٩٧٧ م).

٣٨ -الطفل نشوءه وتربيته ، (قسم الأطفال والناشئين لمؤسّسة البعثة في إيران / الطبعة الأولى / ١٤١٠ ه-).

٣٩ -الطفل بين الوراثة والتربية ، الشيخ محمّد تقي فلسفي، (مطبعة الآداب في النجف الأشرف / ١٣٨٩ ه- - ١٩٦٩ م).

٤٠ -العقد الفريد ، عبد ربّه الأندلسي، (دار الكتاب العربي / بيروت / الطبعة الثالثة / مطبعة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة / ١٣٨٤ ه- - ١٩٦٥ م).


٤١ -عقيلة بني هاشم ، السيّد علي الهاشمي، (مؤسّسة المفيد / بيروت / الطبعة الثانية / ١٤١٠ ه- - ١٩٩٠ م).

٤٢ -عقيلة الطهر والكرم ، موسى محمّد علي، (عالم الكتب / بيروت / الطبعة الثالثة / ١٩٨٥ م).

٤٣ -علي من المهد إلى اللحد ، السيّد محمّد كاظم القزويني، (مؤسّسة الوفاء / بيروت الطبعة / الحادية عشرة / ١٤٠٢ ه- - ١٩٨٢ م).

٤٤ -الغارات ، أبو إسحاق الثقفي، (طبع طهران).

٤٥ -الغدير ، عبد الحسين الأميني، (دار الكتاب العربي / بيروت / الطبعة الرابعة / ١٣٩٧ ه- - ١٩٧٧م).

٤٦ -فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد، السيّد محمّد كاظم القزويني، (المعرض الدائمي للكتاب / إيران / الطبعة الأولى / ١٣٩٧ ه- - ١٩٧٧ م).

٤٧ -فاطمة الزهراء أُمّ أبيها ، السيّد فاضل الميلاني، (مؤسّسة أهل البيت / بيروت / ١٣٥٨ ه- - ١٩٧٩ م).

٤٨ -فجر الإسلام ، أحمد أمين، (دار الكتاب العربي / بيروت / الطبعة الحادية عشر / ١٩٧٩ م).

٤٩ -الفقه ،كتاب النكاح ، السيّد محمّد الشيرازي، (دار العلوم / بيروت / الطبعة الثانية / ١٩٨٨ م).

٥٠ -في رحاب السيّدة زينب ، محمّد بحر العلوم، (دار الزهراء / بيروت / الطبعة الثانية / ١٩٨٠).

٥١ -الكامل في التاريخ ، ابن الأثير عزّ الدين أبو الحسن علي، (دار صادر / بيروت / ١٩٧٩ م).

٥٢ -الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء ، السيّد عبد الحسين شرف الدين، (دار الزهراء / بيروت).


٥٣ -مرقد العقيلة زينب ، الشيخ محمّد حسنين السابقي، (مؤسّسة الأعلمي / بيروت / الطبعة الأولى / ١٩٧٩ م).

٥٤ -مروج الذهب ، المسعودي علي بن الحسين، (دار الأندلس / بيروت / ١٩٦٥ م).

٥٥ -مصادر نهج البلاغة وأسانيده ، السيّد عبد الزهراء الخطيب، (دار الأضواء / بيروت / الطبعة الثالثة / ١٩٨٥ م).

٥٦ -مع بطلة كربلاء ، الشيخ محمّد جواد مغنية، (الطبعة الرابعة / ١٩٨٤ م).

٥٧ -معالي السبطين ، محمّد مهدي المازندراني، (مكتبة القرشي، تبريز - إيران).

٥٨ -المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في (قم - إيران / ١٤٠٦ ه-).

٥٩ -معجم رجال الحديث ، السيّد أبو القاسم الخوئي، (منشورات مدينة العلم في قم - إيران / الطبعة الثالثة / ١٤٠٣ ه- - ١٩٨٣ م).

٦٠ -مقاتل الطالبيّين ، أبو الفرج الأصفهاني علي بن الحسين، (دار المعرفة / بيروت)، تحقيق أحمد صقر.

٦١ -مقتل الحسين ، السيّد عبد الرزّاق المقرّم، (دار الكتاب الإسلامي / بيروت / الطبعة الخامسة / ١٩٧٩ م).

٦٢ -المنجد في اللغة ، لويس معلوف، (انتشارات إسماعيليّان / قم - إيران / الطبعة السادسة والعشرون).

٦٣ -الموسم ، مجلّة فصليّة صاحبها ورئيس تحريرها محمّد سعيد الطريحي، (العدد الرابع من المجلّد الأوّل / ١٩٨٩ م - ١٤١٠ ه-).

(١) -ضريح ومسجد السيّدة زينب في مصر ، مقالة علي أحمد الشلبي.


(٢) -أخبار الزينبيّات ، العبيدلي النسّابة.

(٣) -مرقد السيّدة زينب في سنجار (شمال العراق)، بحث حسن الشميساني.

٦٤ -النصائح الكافية لِمَنْ يتولّى معاوية ، محمّد بن عقيل، (دار الزهراء / بيروت / الطبعة الثانية / ١٩٨١ م).

٦٥ -نفس المهموم ، الشيخ عبّاس القمّي، (مكتبة بصيرتي / قم - إيران).

٦٦ -وسائل الشيعة ، الحرّ العاملي محمّد بن الحسن، (دار إحياء التراث العربي / بيروت / الطبعة الخامسة / ١٤٠٣ ه- - ١٩٨٣ م).

٦٧ -وسيلة الدارين ، السيّد إبراهيم الزنجاني، (الطبعة الثانية / ١٩٩٠ م).

٦٨ -وفاة زينب الكبرى ، الشيخ فرج آل عمران، (مكتبة الألفين / الكويت / ١٩٨٦ م).


الفهرس

المرأة العظيمة قراءة في حياة السيِّدة زينب بنت علي عليهما السلام حسن الصفّار ١

إهداء: ٧

أُقدِّم هذا الكتاب بحبّ وخشوع إلى: ٧

كلمات في البدء ٩

أشرف عائلة ١٧

* وذلك من زاويتين: ٢٠

١ - جدّها الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله (٥٧٠ م - ٦٣٢ م): ٢١

٢ - أبوها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام (٢٣ قبل الهجرة - ٤٠ ه-): ٢٢

٣ - أمّها فاطمة الزهراء عليها‌السلام (٨ قبل الهجرة - ١١ ه-): ٢٤

٤ - أخواها - الحسن عليه‌السلام (٣ ه- - ٥٠ ه-)، الحسين عليه‌السلام (٤ ه- - ٦١ ه-): ٢٦

إشراقة النور ٢٩

* ومِن غزوات السرايا التي حصلتْ خلال هاتين السنتَين: ٣١

* إضافةً إلى هذه المعارك الهامّة، كانت هناك سرايا كثيرة خلال هاتَين السنتَين، حيث بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعض فِرَق جيشه لمواجهة القِوَى المناوئة للمسلمين، ومنها: ٣٣

* أمّا على المستوى الداخلي للمجتمع الإسلامي: ٣٥

* على الصعيد العائلي بالنسبة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : ٣٦

نشأة فريدة ٣٩

* وننقل هنا بعض الأحاديث والنصوص الواردة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام : ٤٢

الأجواء العائليّة ٤٧

* الوضع الحياتي المعيشي: ٤٧

* الانسجام والمحبّة: ٥١

* الأجواء الرساليّة: ٥٢


الفاجعة الكبرى ٥٥

المحنة السياسيّة ٦٣

* فهناك قضيّتان مهمّتان تُعتبران جوهر المحنة في أعقاب وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى أهل بيته: ٦٦

وافتقدتْ أمّها الزهراء ٧٧

سيّدة العائلة: ٨٣

في بيت الزوجيّة ٨٥

* أَبوه: جعفر الطيّار: ٩١

* أُمّه: (أسماء بنت عميس): ٩٥

* شخصيّة عبد الله بن جعفر: ٩٧

أولاد السيِّدة زينب: ١٠٣

١ - عون بن عبد الله بن جعفر: ١٠٣

٢ - محمّد: ١٠٤

٣ - عبّاس: ١٠٤

٤ - علي: ١٠٥

٥ - أُمّ كلثوم: ١٠٦

مع أبيها علي ١٠٩

* الحفاظ على مهابة زينب وصونها: ١١٣

* سيّدةُ بيتِ أبيها: ١١٣

* في موكب أبيها إلى الكوفة: ١١٥

* مدرستها العلميّة: ١١٦

* امتيازات الخلافة والحكم: ١١٧

* من بيتها انطلق إلى الشهادة: ١٢٥

١ - معركة الجَمَل: ١٢٥

٢ - معركة صِفِّين: ١٢٦

٣ - معركة النَهْرَوَان: ١٢٧


* امتداد لشخصيّة أبيها: ١٣٥

في محنة أخيها الحسن ١٣٩

* وممّا دفع الناس إلى مبايعة الإمام الحسن ما عرفوه من صفاته وكفاءاته التي لا يدانيه فيها أحد، فهو أفضل الأُمّة بعد أبيه علي: ١٤٢

ب-طلة كربلاء ١٤٩

سطور من كتاب الثورة ١٥٣

* طبيعة الحكم الأموي: ١٥٣

* يزيد بن معاوية حاكماً: ١٥٦

* الحسين يرفض البيعة: ١٥٨

* الحسين يُغادر إلى مكّة: ١٥٩

* استجابة الكوفة: ١٥٩

* إلى العراق: ١٦٠

* في كربلاء: ١٦١

* عاشوراء: ١٦٤

* قافلة السبايا: ١٦٦

الدَور المنتظَر ١٦٩

المبادرة والاختيار ١٧٣

سلاح المظلوميّة ١٧٧

* ترى الإمام ينعى نفسه: ١٨٠

* عند مصرع العبّاس: ١٨١

* أمام الفاجعة الكبرى: ١٨٢

* نظرة وداع: ١٨٤

* في مجلس يزيد: ١٨٥

* أشعلت ثورة المدينة: ١٨٦

* واستشهد ولدها عون: ١٨٩

رعاية القافلة ١٩٣

* تَمْنَع عبد الله بن الحسن: ١٩٤


* ليلة الحادي عشر: ١٩٤

* تُسَلِّي الإمامَ زين العابدين: ١٩٥

* تَمْنَع الأطفال مِن تناول الصدقة: ١٩٦

* ترفض استقبال الشامتات: ١٩٦

* ملاذ العيال: ١٩٧

* مكافأة الحرس: ١٩٧

حماية الإمام ١٩٩

* عند استغاثة الحسين: ٢٠٠

* عند هجوم العسكر على الخيام: ٢٠٠

* إنقاذ الإمام من بطش ابن زياد: ٢٠٢

الإعلام للثورة ٢٠٥

خطابها في الكوفة ٢١١

* آفاق الخطاب: ٢١٦

في مواجهة ابن زياد ٢٢٣

* تأثير زينب والسبايا في الكوفة: ٢٢٧

في مجلس يزيد ٢٣١

تأمّلات في الخطاب ٢٣٧

* ونشير فيما يلي إلى أبرز وأهم آفاق هذا الخطاب الرائع العظيم: ٢٣٧

مواجهة حادّة ٢٤٣

ردود الفعل ٢٤٧

* وممّا رصده لنا التاريخ من مظاهر الاستنكار ما يلي: ٢٤٧

خلق عظيم: ٢٥٥

رائدة المعرفة ٢٥٩

في محراب العبادة ٢٦٥

* أمّا كيف كانت تتخاطب السيّدة زينب مع ربّها؟ وبماذا كانت تناجيه؟ فإنّ المصادر التاريخيّة قد احتفظتْ لنا ببعض القطع والفقرات من أدعيتها ومناجاتها، نذكر منها ما يلي: ٢٦٧

صبر وشجاعة ٢٦٩


عفّة ومهابة ٢٧١

زهد وعطاء ٢٧٣

إلى الرفيق الأعلى ٢٧٥

مقامات شامخة ٢٧٩

* في دمشق الشام: ٢٧٩

* المشهد الزينبي في القاهرة: ٢٨٥

* في سنجار شمال العراق: ٢٩١

شيء من التحقيق ٢٩٣

* أوّلاً: المدينة المنوّرة: ٢٩٣

* ثانياً: بين القاهرة ودمشق: ٢٩٥

مصادر الكتاب ٢٩٩

الفهرس ٣٠٨