زواج أم كلثوم
(زواج اللّغز)
قراءة في نصوص زواج عمر من
أم كلثوم بنت عليعليهالسلام
تأليف
السيد علي الشهرستاني
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
زواجُ أُمِّ كلثوم
مركز الأبحاث العقائدية :
- إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم ٣٤
ص ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥
الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)
الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)
- العراق - النجف الأشرف - شارع الرسولصلىاللهعليهوآله - جنب مكتب آية الله العظمى السيّد السيستاني (دام ظله)
ص ب : ٧٢٩
الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٠٠٩٦٤)
الموقع على الإنترنت : www.aqaed.com
البريد الإلكتروني : info@aqaed.com
الزواج اللُغز
السيّد علي الشهرستاني
منشورات الاجتهاد : ٩٨٩١٢٥٥١٤٤٢٦+
الطبعة الأولى / ١٥٠٠
١٤٢٨ ه- / ٢٠٠٧ م
(٥)(٨)٩١٢٥(٩)٩٦(٤)٩٧٨ : ISBN
دليل الكتاب
المقدّمة - ٩
مقدمة المركز - ١٣
الإهداء - ١٩
تمهيد
والأقوال فيها ثمانية - ٢٤
الأقوال الأربعة التي قالت بها الشيعة -٢٥
القول الأوّل: عدم وقوع التزويج بين عمر وأم كلثوم - ٢٥
القول الثاني: وقوع التزويج لكنه كان عن إكراه - ٢٥
القول الثالث: إنّ المتزوج منها هي ربيبة الإمام لا بنته - ٢٦
القول الرابع: إن علياً زوّج عمر بن الخطاب جنية تشبه أم كلثوم - ٢٨
الأقوال التي ذهب إليها بعض الشيعة وبعض العامة - ٢٩
القول الخامس: إنكار وجود بنت لعلي اسمها أم كلثوم - ٢٩
القول السادس: أنّ أم كلثوم لم تكن من بنات فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآله ، بل كانت من أم ولد - ٣١
القول السابع: هو الق-ول بتزويجها من عمر، لك-ن عمر مات ولم يدخل بها - ٣٢
القول الثامن: أنّ عمر تزوج بأم كلثوم ودخل بها وأولدها زيداً ورقية - ٣٣
(١) الجانب التاريخي - ٣٣
(٢) الجانب الفقهي - ٣٤
(٣) الجانب العقائدي - ٣٤
نصوص في التزويج
قول ابن سعد - ٣٧
قول ابن حجر - ٣٨
قول ابن الجوزي - ٣٩
رواية الطبري - ٤٠
قول الخطيب - ٤٠
قول الزرندي - ٤١
قول اليعقوبي - ٤٢
البحث التاريخي
مقدمتان - ٤٥
المقدمة الأولى: النص على الخليفة - ٤٥
المقدمة الثانية: عصمة الخليفة - ٤٥
عمر ودعوى القرابة - ٥١
عمر وتزوجه من النساء - ٥٩
قول عمر بيّن الحقيقة والادّعاء - ٦٩
فرضان في تحديد سن أم كلثوم - ٧٢
كلام المغيرة بن شعبة في مكة - ٧٦
مجمل ما تقوله الشيعة - ٨١
البحث الفقهي
أخبار في كتب السنة - ٨٧
(١) كيفية الصلاة على جنازة امرأة وطفل - ٨٧
(٢) التكبير على الجنازة - ٨٨
(٣) ميراث الغرقى - ٨٩
(٤) عدة المتوفّى عنها زوجها - ٨٩
(٥) الوكالة في التزويج - ٩٠
أخبار في كتب الشيعة - ٩١
(١) ٢ صلاة الجنائز، وكيفية التكبير على الميت - ٩١
وقفة مع خبر عمار - ٩٧
(٣) ميراث الغرقى والمهدوم عليهم - ١٠٦
(٤) عدة المتوفّى عنها زوجها - ١٢٢
(٥) الوكالة في التزويج - ١٢٥
البحث العقائدي
س-ؤالان - ١٣٥
الأوّل: هل أن الزواج وقع عن طيب خاطر؟ - ١٣٥
الثاني: كيف يزوج الإمام علي بنته لكافر؟ - ١٣٥
جواب السؤال الأول - ١٣٥
جواب السؤال الثاني - ١٣٨
بقي هنا شيء: وهو أن إثبات هذا الزواج لا ينفع أهل السنة - ١٥٤
الخلاصة - ١٦٣
فهرس المصادر - ١٦٩
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمدُ لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمّد ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
والحمدُ لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومينعليهمالسلام ، ووفّقنا للدفاع عن حريم أهل البيتعليهمالسلام بما أُتينا من قوّة بيان وبنان
وبعد ، في أسفارنا الكثيرة للبلدان الإسلاميّة والأوربيّة ، كنّا كثيراً ما نلتقي بإخواننا في الدين أتباع مدرسة الخلفاء ، ويدور البحث بيننا في المسائل العقائدية الخلافية بين المسلمين ، وفي مقدّمتها مسألة الإمامة والخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، التي تعدّ أهم مسألة عقائدية خلافية بين المسلمين ، ومنها تفرّعت المسائل الخلافية الأُخرى
وأوّل ما يثيره الإخوة السنّة ويتهموننا به ، هو عدم وجود أيّ خلاف وتباغض بين الإمام عليعليهالسلام وعمر بن الخطّاب ، ويجعلون الدليل على مدّعاهم هذا هو تزويج عليعليهالسلام ابنته أُمّ كلثوم لعمر بن الخطّاب
وأتذكّر في سفرتي الأخيرة إلى تونس واجهني أحد علمائهم - وقد
ثار في وجهي مغضباً بعد أن دار بيننا نقاش حادّ حول موضوع الإمامة - قائلاً لي : لو خطب سيّدنا عمر ابنتك هل تزوّجه ؟
قلت : طبعاً لا
قال : أنت أفضل ، أم سيّدنا علي (كرّم الله وجه) ؟
قلت : سبحان الله !!! الجواب معلوم وواضح لكلّ أحد
فقال : سيّدنا علي (كرم الله وجهه) زوّج أُم كلثوم لسيّدنا عمررضياللهعنه ، أليس هذا دليل على عدم وجود التنافر بينهما ؟ أنتم الشّيعة اختلقتم هذه الأحاديث وزوّرتم التاريخ
وبدأت أوضّح له هذه المسألة وملابستها ، واختلاف أقوال العلماء سنّة وشيعة إلاّ أنّه لم يكن له استعداد لسماع كلامي ؛ لأنّه من الذين ختم الله على قلوبهم
وكان قد اجتمع عدد من الشباب حولنا يستمعون لحوارنا فكان همّى الوحيد هو إيصال كلامي لهم ، لا لهذا الرجل العنيد ، وبحمد الله اقتنع بعضهم بأدلّتنا ، ووعدني البعض الآخر بدراسة هذه المسألة والنظر في مصادرها
وعلى كلّ حال ، فإنّ كثيراً من علماء المخالفين يستدلّون بهذه القضية على عدم وجود أيّ تنافر بين الإمام عليعليهالسلام وعمر بن الخطاب
وكأنّهم نسوا ، أو تناسوا ، الأحاديث والوقائع التاريخية الكثيرة التي تثبت التنافر والتباعد بينهما ، والتي منها قول الزهراءعليهاالسلام لأبي بكر ومر حينما دخلا منزلها) : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة أبنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني) ؟!
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق وهي تقول : (والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصلّيها)
ثم خرج أبو بكر وهو يقول : (كلّ منكم يبيت مانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي)
وقد كتب الكثير من علمائنا رسائل مستقلّة في هذه المسألة كان آخرها هذه الرسالة ، الصغيرة في حجمها الكبيرة في محتواها ، التي خطّها يراع أخونا وصديقنا العزيز العلاّمة المحقّق الحاج السيّد علي الشهرستاني (حفظه الله ورعاه) ، وقد أجاد فيها ، وأضاف لما كتبه السابقون أبحاثاً بكراً ، وتوصّل إلى نتائج لم يتوصّل إليها الذين سبقوه في هذا المضمّار ، فعدّت هذه الرسالة - كما سمعتُ من بعض الفضلاء أصحاب هذا الفنّ - أفضل ما كتب في هذه المسألة الخلافية ، وتلقّى مركزنا رسائل كثيرة تشيد بهذا المجهود العلمي وتثني على مؤلّفها الجليل
وأحصى السيّد الشهرستاني في رسالته هذه ثمانية أقوال في هذه المسألة ، وبحثها بحثاً علمياً دقيقاً من ثلاثة وجوه : الجانب التاريخي ، والجانب الفقهي ، والجانب العقائدي
وأثبت بالأدلّة القطعية : أنّ هذا الزواج وإن وقع فهو لا يعدّ فضيلة ولا منقبة لعمر بن الخطاب ، بل بالعكس يدلّ على تنافر وتباغض بين الطرفين ، وخير دليل على ذلك قول الإمام الصادقعليهالسلام : (ذلك فرجٌ عَصَبْناه)
وبعد طباعة الكتاب وتوزيعه في مختلف دول العالم نفدت نسخه بسرعة ، لذلك ارتأى مركز الأبحاث العقائدية إعادة طبعه ثانية ، بعد أن
أجرى المؤلّف الكريم بعض التعديلات على طبعته الأولى ، فجاءت هذه الطبعة مصحَّحة ومنقّحة ومزيدة
ونحن إذ نقوم بطباعة الكتاب ونشره ثانية نتمنّى لأخينا الكريم السيد المؤلّف دوام الصحة والعافية والموفقيّة التامّة لخدمة المذهب الحقّ مذهب أهل البيتعليهمالسلام ، والحمد لله ربّ العالمين
محمّد الحسّون
٢٨ شعبان ١٤٢٧ ه-
site.aqaed.com/mohammad
muhammad@aqaed.com
مقدمة المركز :
إنّ الإسلام منهج حياتي كامل لهداية البشرية إلى الحق وإرشادها إلى ما يوصلها إلى الكمال المطلوب.
ولا يخفى أنّ الفهم الخاطئ لأي مفردة من مفردات هذا المنهج الرباني يؤدّي إلى انحراف البشرية عن جادة الحق وعرقلة حركتها نحو الكمال.
ومن هنا تكون القراءات الخاطئة لهذا الدين الحنيف هي السبب في الابتعاد عن الحق، نتيجة التمسك بالمفاهيم المنسوبة في الظاهر إلى الإسلام والبعيدة في الواقع عما يبتغيه الإسلام، فيكون مصير أتباع هذه القراءات الخاطئة التخبّط في المتاهات والالتحاق بمن يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
ولهذا بذل علماء المسلمين المهتمّين بمعرفة الحق غاية جهدهم - على مرّ العصور - لتنقيح الإسلام عن الشوائب العالقة به، وتطهيره من المفاهيم الدخيلة عليه، ودرء الشبهات المثارة حوله من:
أولاً: خارج الدائرة الإسلامية، وهي الشبهات المطروحة من قبل ذوي الانتماءات غير الإسلامية.
وثانياً: داخل الدائرة الإسلامية، وهي الشبهات المطروحة من قبل
أتباع المذاهب الإسلامية.
وما "سلسلة ردّ الشبهات " التي يصدرها "مركز الأبحاث العقائدية " برعاية المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد السيستاني (دام ظله) إلاّ مساهمة جادة وخطوة هادفة للبحث بحياد وموضوعية تامة لمعرفة القراءات الإسلامية الصحيحة وتمييزها عن غيرها، ومن ثم المبادرة إلى ردّ القراءات الخاطئة التي عرّفت مختلف المفاهيم الإسلامية تعريفاً خاطئاً لا يتناسب مع حقيقة الإسلام الصحيح الذي جاء به الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد بذلنا قصارى جهدنا أن تكون بحوث هذه السلسلة بحوثاً موضوعية ومنزهة من التعصّب والتقليد الأعمى، لتكون ثمرتها الوصول إلى نتائج لم تتحكّم بها العاطفة المتحيّزة أو النزعة المتعصبة أو الرؤية الموروثة أو التصورات السابقة.
كما أننا وطّنا أنفسها على التمسّك بنتائج البحوث والدراسات ولو كانت هذه النتائج مخالفة للموروث والمفاهيم السائدة في بيئتنا الاجتماعية.
والجدير بالذكر أنّ هذه السلسلة لا تختص بمعالجة الشبهات المثارة داخل الدائرة الإسلامية فحسب، بل تقوم أيضاً بمعالجة الشبهات المثارة من خارج الدائرة الإسلامية، من قبيل شبهات سائر الأديان، والتي منها شبهات المستشرقين، أو الإشكاليات التي أثيرت خلال طرح بعض القضايا المعاصرة، كالعولمة والحداثة وغيرهما.
أضف إلى ذلك أنّ هذه السلسلة غير مختصة بالتأليف، بل هي تشمل تحقيق التراث المهتم بردّ الشبهات، بشرط أن يتم هذا التحقيق وفق المناهج الحديثة للتحقيق.
ومن أهم الشبهات التي أُثيرت داخل الدائرة الإسلامية، وطرحت بين المذاهب الإسلامية، هي مسألة "زواج عمر من أم كلثوم بنت الإمام علي عليهالسلام ".
وتقرير محل النزاع هو:
أنّ بعض المسلمين حاول من خلال إثبات هذا الزواج أن يستدل على حسن علاقة أئمة أهل البيتعليهمالسلام مع الخلفاء، ومن ثمّ الاستنتاج على صحة خلافتهم.
وفي المقابل شكّك البعض الآخر من المسلمين في وقوع هذا الزواج، وقال بأنّه ، على فرض وقوعه ، لا يدل على حسن العلاقة بين أئمة أهل البيتعليهمالسلام والخلفاء.
وناقش هذا الموضوع علماء المسلمين من القدماء والمعاصرين، كلّ واحد منهم حسب منهجه الخاص به في البحث:
فمن الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم وجلال الدين الدواني، إلى الدهلوي والخطيب ومحمد مال الله وإحسان إلهي ظهير، الذين حاولوا إثبات هذا الزواج، والاستدلال به على صحة خلافة الخلفاء.
ومن الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والسيد ابن طاووس، إلى المقدّس الأردبيلي والعلاّمة المجلسي والمحقق التستري والسيد ناصر حسين اللكهنوي والشيخ البلاغي، الذين شككوا في هذا الزواج، وأنه - على فرض وقوعه - لا يدلّ على حسن علاقة أئمة أهل البيتعليهمالسلام مع الخلفاء، حتى إنّ بعضهم ألّف في ذلك كتاباً مستقلاًّ.
كما عقد المركز ندوة مستقلة تناولت هذا الموضوع من جوانب مختلفة، تمّ عرضها على شبكته العالمية على الانترنيت، ثم طبعها ضمن
"سلسلة الندوات العقائدية - ٢٩ ".
وعالج المركز أيضاً هذا الموضوع في شبكته على الانترنيت - قسم الأسئلة العقائدية - عن طريق إجابته على مختلف الأسئلة التي وصلت إليه من أنحاء العالم حول هذا الموضوع.
وهذا الكتاب الذي قدّمه المؤلّف (حفظه اللّه) إلى المركز ليكون باكورة هذه السلسلة، هو خطوة أخرى قام بها المؤلّف العلاّمة المحقق السيد علي الشهرستاني، لتمييز وردّ الشبهات المثارة حول هذه المسألة.
والملاحظة الملفتة للنظر في أُسلوب طرح هذا الكتاب: أنّ المؤلّف بيّن فيه الأقوال التي ذكرها أتباع أهل البيتعليهمالسلام وأتباع الخلفاء في هذا المجال، ثم تناولها بالبحث الموضوعي وناقشها بحياد تام.
كما تناول المؤلّف بعض جوانب هذا البحث بصورة لم تطرح فيما سبق بهذا التفصيل، منها:
- بحث عمر ودعوى القرابة.
- بحث عمر وتزّوجه من النساء.
- قضية المغيرة بن شعبة وربطها بالموضوع.
- دور أعداء الإمام عليعليهالسلام في تطبيق وتطبيع هذا الزواج المفترض.
- كيفية دخول الروايات في المصادر الشيعية في البحث الفقهي فيما يتعلّق بأمّ كلثوم.
وغيرها من المسائل التي طرحها في كتابه هذا الذي أجرى فيه قراءة في نصوص زواج عمر من أم كلثوم بنت عليعليهالسلام ، وأجرى تحليلات دقيقة على النصوص التاريخية، وخرج بنتائج أهمّها:
- أنّ القول بوقوع الزواج - على فرض وقوعه - لا يضرّ المعتقد
الشيعي بقدر ما يضرّ المعتقد السنّي، لأنّ هذا الزواج له مبرّر ديني ووجه شرعي عند الشيعة، لكنه يفقد أي مبرر ديني ووجه شرعي عند أهل السنّة.
- أنّ طرح هذه المسألة بين الحين والآخر لا يخدم الطرف السنّي، بل يشدّد الأزمة بين الطرفين ولا يحلّها، ويوقف القارئ الشيعي على ظلامة أهل البيت أكثر مما مضى.
- أنّ أمّ كلثوم المدّعى الزواج بها فيها الكثير من الغموض: في أصل وجودها، ومقدار عمرها، وأزواجها، وكيفية خطبة عمر لها، ووليّها في التزويج، وأولادها، و... فالقضية من البدء إلى الختام محلّ نقض وإبرام.
وفي الختام يدعو المركز العلماء والمفكّرين إلى المساهمة في رفد هذه السلسلة، ويعلمهم بأنّه قام بعدّة خطوات كمقدّمة لهذا المشروع، يجعلها في متناول أيديهم، وهي:
أولاً : تجميع الشبهات المثارة من داخل الدائرة الإسلامية أو المطروحة من خارج الدائرة الإسلامية، وإجراء دراسة دقيقة حول هذه الشبهات، من أجل التوصّل إلى منشأ كلّ شبهة وسيرها التاريخي وتطوّرها، وقد تمّ هذا الأمر بعد أن أجرى المركز مسحاً ميدانياً للمئات من الكتب القديمة والحديثة وقد تم تنظيم هذه الشبهات حسب المواضيع وحسب الحروف الألف بائية.
ثانياً : تجميع الأدلّة وردّ الشبهات من مصادر المسلمين حول مختلف المواضيع العقائدية والمسائل الخلافية، وترتيبها حسب المواضيع وحسب الحروف الألف بائية، مع مراعاة الأقدم فالأقدم في هذه الأقوال، ليتعرّف
الباحث على منشأ الأدلة وسيرها التاريخي وتطوّرها بمرور الزمان.
ثالثاً : أعدّ المركز قبل ذلك كلّه فهرسة موضوعية للكتب المختصّة بالعقائد والمعارف العامة والمسائل الخلافية، في بطاقات موزعة حسب الحروف الألف بائية.
مركز الأبحاث العقائدية
فارس الحسون
٧ شعبان المعظم ١٤٢٥ ه-
الإهداء:
إلى جدي رسول الله
وإلى أمي فاطمة الزهراء
وإلى آبائي الكرام أئمّة أهل البيت
وإلى كلّ مظلوم من ولد عليّ وفاطمة
وإلى من يريد الوقوف على حقائق التاريخ بروح علمية
أهدي هذا الجهد المتواضع
المؤلّف
تمهيد
إنّ قضية تزويج أُمّ كلثوم ابنة الإمام عليّ بن أبي طالب من عمر بن الخطّاب من الأمور التي تُثار بين الحين والآخر، على شبكات الإنترنيت والصحف والمجلاّت، وهي ليست بالقضيّة الجديدة، بل هي من القضايا القديمة، وقدّ أُثيرت لأوّل مرّة في عهد الإمامين الباقر والصادق واستمرت حتّى يومنا هذا.
وبما أنّ المسألة ترتبط بالتاريخ من جهة، والفقه والعقائد من جهة أُخرى، فقد التزمنا دراسة هذه القضية مع ملابساتها الاجتماعية والتاريخية بقدر ما يسعنا الوقت في هذه العجالة.
لكن قبل بيان حقيقة الأمر لا بُدّ من الإشارة إجمالاً إلى الأقوال المذكورة في هذه المسألة، كي يكون القارئ على بصيرة من ذلك، منبهين على أن هذه الدراسة هي محاولة علمية بسيطة رجونا طرحها في الوسط الجامعي والمثقف، ولا نبغي من ورائه إثارة الفتنة بين المسلمين، لأنا أحوج ما نكون إلى الوحدة الإسلامية ، فالمطروح هو إيقاف الآخرين على وجهة نظر علماء مدرسة أهل البيت في هذه المسألة خدمة للعلم وتبييناً للحقيقة، وإليك الآن
أربعة منها من مختصّات الشيعة.
والقول الخامس والسادس والسابع قال بها بعض الشيعة وبعض العامّة.
أمّا القول الثامن فهو المشهور عند أبناء العامّة.
أمّا الأقوال الأربعة التي قالت بها الشيعة، فهي:
وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد (ت ٤١٣) في المسائل السروية (المسألة العاشرة)، وكذا في المسائل العكبرية (المسألة الخامسة عشر)، وله رسالة بهذا الصدد طبعت على انفصال ضمن منشورات مؤتمر الشيخ المفيد.
هذا، وقد كذّب خبر التزويج علماء آخرون كالسيد مير ناصر حسين اللكهنوي الهندي في كتابه (إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أُمّ كلثوم)، والشيخ محمّد جواد البلاغي في كتابه (تزويج أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين وإنكار وقوعه) وغيرهم.
مستدلّين بنصوص متعددة، ذكروها في كتبهم.
وقد ذهب إلى هذا الرأي السيّد المرتضى (ت ٤٣٦) في كتابه الشافي،
وتنزيه الأنبياء، والمجموعة الثالثة من رسائله(١) .
وفي بعض روايات وأقوال الكليني (ت ٣٢٩) في الكافي(٢) ، والكوفي (ت ٣٥٢) في الاستغاثة(٣) ، والقاضي النعمان (ت ٣٦٣) في شرح الأخبار(٤) ، والطوسي (٤٦٠) في تمهيد الأصول والاقتصاد(٥) ، والطبرسي (ت ٥٤٨) في إعلام الورى(٦) ، والمجلسي (ت ١١١١) في مرآة العقول وبحار الأنوار(٧) وغيرهم(٨) ما يشير إلى ذلك.
وهي ابنة أسماء بنت عميس زوجة الإمام عليّ بن أبي طالب، أي أنّها
____________________
(١) الشافي ٣: ٢٧٢ ، وتلخيص الشافي ٢: ١٦٠. وتنزيه الأنبياء: ١٩١ ومجموعة رسائل السيّد المرتضى ٣: ١٤٩ و ١٥٠. وانظر بحار الأنوار ٤٢: ١٠٧، والصوارم المهرقة: ٢٠(١) ٢٠٢، والصراط المستقيم ٣: ١٣٠.
(٢) الكافي ٥: ٣٤٦ / ح ١ و ٢.
(٣) الاستغاثة ٨٠ - ٨٢، وعنه في مستدرك الوسائل ١٤: ٤٤(٣) ٤٤٤.
(٤) شرح الأخبار ٢: ٥٠٧.
(٥) تمهيد الأصول: ٣٨(٦) ٣٨٧، والاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: ٣٤٠ - ٣٤١.
(٦) إعلام الورى ١: ٣٩٧، وعنه في بحار الأنوار ٤٢: ٩٣.
(٧) مرآة العقول ٢٠: ٤٢، بحار الأنوار ٤٢: ١٠٩.
(٨) أنظر: كلام ابن شهرآشوب في المناقب ٣: ١٦٢، والإربلي في كشف الغمة: ١٠، والمقدّس الأردبيلي في حديقة الشيعة: ٢٧٧، والقاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين: ٧٦ و ٨٢ ٨٥ ومصائب النواصب ٢: ٣(٦)٥٢، و ١: ٣٥٧، والشيخ عباس القمّي في منتهى الآمال ١: ١٨٦.
ابنة أبي بكر، وأخت محمّد بن أبي بكر، وبذلك تكون أُمّ كلثوم ربيبة الإمام عليّ وليست ببنته.
(انظر هذا الكلام عند الشيخ النقدي في الأنوار العلوية: ٤٢٦)
قال السيّد شهاب الدين المرعشي في تعليقاته علىإحقاق الحق : ثم ليُعلم أنّ أُمّ كلث-وم التي تزوّجها الثاني كانت بنت أسماء وأخت محمّد هذا، فهي ربيبة مولانا أمير المؤمنين ولم تكن بنته، كما هو المشهور بين المؤرخين والمحدثين، وقد حقّقنا ذلك، وقامت الشواهد التاريخية في ذلك، واشتبه الأمر على الكثير من الفريقين، وإني بعد ما ثبت وتحقّق لديّ أنّ الأمر كان كذلك، استوحشت التصريح به في كتاباتي ; لزعم التفرد في هذا الشأن، إلى أن وقفت على تأليف في هذه المسألة للعلاّمة المجاهد السيّد ناصر حسين الموسوى الكنوي أبان عن الحقّ وأسفر وسمّى كتابه (إفحام الخصوم في نفي ت-زويج أُمّ كلثوم ) (١) .
وقالرحمهالله في مكان آخر: أسماء بنت عميس تزوّجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له عوناً وجعفراً، ثمّ تزوّجها أبو بكر، فوُلد له منها عدة أولاد، منهم: أُمّ كلثوم، وهي التي ربّاها أمير المؤمنين وتزوّجها الثاني، فكانت ربيبتهعليهالسلام وبمنزلة إحدى بناته، وكانعليهالسلام يخاطب محمّداً بابني وأمّ كلثوم هذه ببنتي، فمن ثمّ سرى الوهم إلى عدة من المحدثين والمؤرخين، فكم لهذه الشبهة من نظير؟! ومنشأ توهُّم أكثرهم هو الاشتراك في الاسم والوصف، وأن مولانا عليّاًعليهالسلام تزوّجها بعد موت أبي بكر(١) .
____________________
(١) إحقاق الحق ٢: ٣٧٦.
(٢) إحقاق الحق ٣: ٣١٥ بتصرف.
إذ الثابت عند الشيعة أنّ للنبي والإمام سلطةً على الجن بإذن الله، كما كان لسليمانعليهالسلام سلطة عليهم(٢) ، وأن وقوع الشبه ليس ببعيد، فقد شُبِّه على الظلمة عيسى بن مريم بيهوذا فقتل وصلب.
هذا ما رواه القطب الراوندي (ت ٥٧٣) في كتابهالخرائج والجرائح (٣) .
هذه هي الأقوال المختصة بالشيعة.
____________________
(١) انظر سورة ص الآيات: ٣٥ إلى ٤٠ مثلاً.
(٢) الخرائج والجرائح ٢: ٨٢(٥) ٨٢٧، وعنه المجلسي في بحار الأنوار ٤٢: ٨٨، ١٠٦ ومرآة العقول ٢١: ١٩٨. وانظر المجدي في أنساب الطالبيين: ١٧، ومستدرك سفينة البحار ٢: ١٢١، ومدينة المعاجز ٣: ٢٠٣، والصراط المستقيم للبياضي ٣: ١٣٠ وغيرها.
(٣) انظر المبسوط في الإمامة : ١٢٠
وأمّا الأقوال التي ذهب إليها بعض الشيعة وبعض العامّة فهي:
لأن أُمّ كلثوم كنية لزينب الصغرى(١) أو الكبْرى(٢) أو لرقية(٣) ، أمّا وجود بنت اسمها: أُمّ كلثوم، فلم يعرف عند المحققين، إذ لو كان ذلك لعُرف تاريخ ولادتها، ومكان دفنها وبما أنّ الأخبار خالية من ذلك، فإن هذا يشير إلى التشكيك في وجودها.
وقد ذهب إلى هذا الرأي جمع من العامّة والشيعة، فقد نقل عن الدميري أنه قال: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لمّا تزوج زينب بنت عليّ، فإنّه أصدقها أربعين ألف دينار(٤) .
ومعنى كلام الدميري: أنّ زينب هو اسم لأم كلثوم، وذلك لاشتهار
____________________
(١) انظر الإرشاد للمفيد ١: ٣٥٤، وعنه في بحار الأنوار ٤٢: ٧٤، وهذا هو الرأي المشهور عند المؤرخين.
(٢) وهو ما يفهم من شعر الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي والسيّد عبد الرزاق المقرم الآتي وغيرهم.
(٣) المجدي في أنساب الطالبين للعمري: ١٧، عمدة الطالب لابن عنبة: ٦٣ ينابيع المودة: (٣) ١٤٧، ملحقات إحقاق الحق ١٠: ٤٢٦.
(٤) التراتيب الإدارية ٢: ٤٠٥ عن المختار الكتبي في الأجوبة المهمة.
تزويج عمر بأم كلثوم لا بزينب.
وروى البيهقي عن قثم مولى آل العباس، قال: جمع عبد الله بن جعفر بين ليلى بنت مسعود النهشلية، وكانت امرأة عليّرضياللهعنه ، وبين أُمّ كلثوم بنت عليّ لفاطمةعليهاالسلام (١) ومعنى كلامه: أنّ أُمّ كلثوم هي زينب، لأنّها كانت زوجته على القطع واليقين ولم يثبت طلاقه لها ; حيث ماتت وهي عنده.
وقد كت-ب الشيخ إبراهيم بن يحيى بن محمّد العاملي (ت ١٢١٤ ه-) على جدار مقام السيّدة زينب بدمشق هذه الأبيات لاعتقاده بأنّ زينب هي أُمّ كلثوم:
مقام لعمرو الله ضم كريمة |
زكا الفرع منه البرية والأصلُ |
|
لها المصطفى جَدٌّ، وحيدرة أَبٌ |
وفاطمةٌ أمٌّ وفاروقهم بَعْلُ(٢) |
ومن الشيعة الإمامية: السيّد عبد الرزاق المقرم في بعض كتبه ك- (نوادر الأثر )
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٧: ١٦٧، الطبقات الكبرى لابن سعد ٨: ٤٦٥. وقال ابن حجر في فتح الباري عن ابن مهران أنه قال: جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت عليّ وامرأة علي ليلى بنت مسعود.
وقد حاول الزهري الجمع بين الروايتين - في زينب وأُمّ كلثوم - بأنّه تزوجهما واحدة بعد الأخرى مع بقاء ليلى في عصمته (انظر فتح الباري ٩: ١٢٧ وتهذيب التهذيب ٨: ٣٢٤ ترجمة قثم بن لؤلو).
لكنّ جمعه باطل بنظرنا ; وذلك لصغر سن أُمّ كلثوم عن زينب عندهم، ولأنّ عبد الله الذي هو أكبر أولاد جعفر كان قد تزوج بزينب - أكبر بنات عليّ - أولاً ، ولم يثبت تطليقه لها حتى ماتت عنده، ومن المعلوم بأنّ الشرع لا يجيز الجمع بين الأختين، فتأمل.
(٢) انظر أعيان الشيعة ٥: ٥١٤.
(المخطوط) ، والسيّدة سكينة: ٣٨، وعدة مواضع من كتابهمقتل الحسين .
والشيخ المامقاني فيتنقيح المقال إذ قال: أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين هذه كنية لزينب الصغرى، وقد كانت مع أخيها الحسين بكربلاء، وكانت [ذهبت] مع السجاد إلى الشام، ثم إلى المدينة. وهي جليلة القدر، فهيمة بليغة، وخطبتها في مجلس ابن زياد بالكوفة معروفة، وفي الكتب مسطورة، وإني أعتبرها من الثقات والمشهور بين الأصحاب أنه تزوّجها عمر بن الخطّاب غصباً، كما أصر السيّد المرتضى وصمّم عليه في رسالة عملها في هذه المسألة، وهو الأصحّ، للأخبار المستفيضة(١) .
وقد ذهب إلى هذا الرأي بعض أعلام العامّة والشيعة كذلك:
ففي تاريخ مواليد الأئمة(١) ونور الأبصار(٢) ونهاية الأرب(٣) :... وكان
____________________
(١) انظر كتاب السيّدة سكينة : ٣٨
(٢) انظر تنقيح المقال - ط قديم - (الفصل الثاني في الكنى) ٣: ٧٣.
(٣) وقد اعترض السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ٣: (٤) ٥، (ما بدأ ب-: أُم) على ما قاله الشيخ الطريحي في "تكملة الرجال" بقوله: فما في تكملة الرجال من الجزم بأن زينب الصغرى المكنَّاة أُمّ كلثوم هي زوجة عمر في غير محله، بل هي غيرها.
(٤) مواليد الأئمّة : ١٥
له زينب الصغرى، وأُمّ كلثوم الصغرى من أُمّ ولد.
وإلى هذا ذهب بعض أعلام الشيعة وبعض العامّة. فقد قال النوبختي - من أعلام القرن الثالث الهجري - من الشيعة الإمامية في كتابه "الإمامة ": أُمّ كلثوم كانت صغيرة ومات عنها عمر قبل أن يدخل بها(١) .
وقال الشيخ جعفر النقدي في الأنوارالعلوية :... فروي أنّه [ أي عمر ] لمّا دخل عليها كان ينظر شخصها من بعيد، وإذا دنا منها ضُرِبَ حجاب بينها وبينه فاكتفى بالمصاهرة(٢) .
وقال أبو الحسن العمري في (المجدي في أنساب الطالبيين ): وآخرون من أهلنا يزعمون أنّه لم يدخل بها(٣) .
وقال الزرقاني المالكي (ت ١١٢٢ ه-) في شرح المواهب اللدنية: وأُمّ كلثوم زوجة عمر بن الخطّاب، مات عنها قبل بلوغها(٤) .
هذا، ولم يذكر المسعودي أُمّ كلثوم بنت عليّ في أمهات أولاد عمر في كتابهمروج الذهب ، بل - في المقابل - عدّ عبد الله وعبيد الله وحفصة وزيداً
____________________
(١) البحار ٤٢: ٩١، مناقب آل أبي طالب ٣: ٨٩.
(٢) الأنوار العلوية: ٤٣٥.
(٣) المجدي في أنساب الطالبيين : ١٧
(٤) شرح المواهب اللدنية ٧: ٩
وعاصماً من أُمّ واحدة(١) . وقد ذكر الطبري أسماء أولاد عمر فقال: وزيد الأصغر وعبيد الله قتلا يوم صفين مع معاوية، وأمهما: أُمّ كلثوم بنت جرول بن مالك بن مسيب بن ربيعة، وكان الإسلام فرّق بين عمر وأُمّ كلثوم بنت جرول(٢) .
فملخَّصه: إنّ عمر تزوج بأم كلثوم ودخل بها وأولدها زيداً ورقية.
ونحنُ وإن كان المنهج العلمي يدعونا إلى دراسة الأقوال الثمانية كلّها ثم الوقوف على ضوء ذلك على الرأي المختار.
لكنّ دراسة تلك الأقوال تستدعي الدراسة الوافية لها والترجيح بينها، وهو ممّا يحتاج إلى مزيد وقت لا نمتلكه الآن، فاكتفينا بالتعليق على القول الأخير، على أمل أن نلتقي مع القُرّاء في دراسة شاملة عن هذه القضية، آملين أن نكون قد قدمنا شيئاً في هذا المضمار، مشيرين إلى أن عملنا سيكون في ثلاثة جوانب:
(١) الجانب التاريخي:
وفيه نبيّن ملابسات القول الثامن تاريخياً وعقائدياً واجتماعياً، ونناقش النصوص التاريخية الواردة فيه على وجه التحديد، وهل أن هذا القول يمسّ عقائد الشيعة الإمامية، أم أنّه يمسّ العامّة، أم أنّه لا يمس
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٣٣٠.
(٢) تاريخ الطبري ٣: ٢٦٩، الكامل في التاريخ ٢: ٤٥٠، البداية والنهاية ٧: ١٥٦.
أيّاً منهما، أو أنه يمسهما معاً؟
(٢) الجانب الفقهي:
وفيه بيان لكيفية دخول الروايات الداعمة للرأي الثامن في كتب الفقه والحديث الشيعية، ومدى حجية تلك الأحاديث ودلالتها.
(٣) الجانب العقائدي:
وفيه نبحث عن الإشكاليات المطروحة في هذا الزواج، وأن القول بالتزويج لا يمسّ بعقائد الشيعة بقدر ما يمس بأصول الفكر الآخر، لأنّ لازم هذا القول هو خروج عمر بن الخطّ-اب عن الموازين الأخلاقيّة والضوابط العرفية المتعارف عليها في المجتمعات الإسلاميّة.
وعليه فنحن لسنا - وحسبما أكدّنا - بصدد ترجيح رأي على آخر، أو تبني رأي تاسع في المسألة، بل كلّ ما في الأمر هو بيان ملابسات القول الأخير - أي الثامن - ومحاكمة النصوص فيه، وكيفية تداخل النصوص بين الطائفتين، ومدى تأثيرها على الأصول والمفاهيم عند الفريقين، لا اعتقاداً منا بصحّة تلك الأخبار سنداً أو دلالة، بل إلزاماً للآخرين القائلين بوقوع هذا التزويج ليس أكثر من ذلك.
مؤكدين للقارئ العزيز بأنّ عملنا هذا ما هو إلاّ محاولة بسيطة في هذا السياق، وإجابة لأشهر الأقوال وأكثرها شيوعاً على شبكات الإنترنيت. إذ لم نحقّق بعد كلّ جوانب هذه المسألة للخروج بالنتيجة المطلوبة.
وإليك الآن بعض النصوص في تزويج عمر بن الخطّاب من أُمّ كلثوم، أتينا بها من كتب السير والتاريخ في مدرسة الخلفاء، لتكون مقدمة لما نبغي الوصول إليه.
نصوص في التزويج
ترجم ابن سعد لأُم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب فيالطبقات الكبرى ، فقال:
تزوّجها عمر بن الخطّاب وهي جارية لم تبلغ، فلم تزل عنده إلى أن قُتل، وولدت له: زيد بن عمر ورُقيّة بنت عمر
إلى أن يقول: أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عمر بن الخطّاب خطب إلى عليّ بن أبي طالب ابنته أمّ كلثوم.
فقال عليّ: إنّما حبست بناتي على بني جعفر.
فقال عمر: أنكحنيها يا عليّ، فوالله ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد.
فقال عليّ: قد فعلت.
فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر، وكانوا يجلسون ثَمّ عليّ وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، فإذا كان الشيء يأتي عمر من الآفاق جاءهم فأخبرهم ذلك واستشارهم فيه.
فجاء عمر فقال: رفئّوني. فرفّؤوه وقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة عليّ بن أبي طالب. ثمّ أنشأ يخبرهم فقال: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال: كلّ نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وسببي، وكنت قد صحبته
فأحببت أن يكون هذا أيضاً(١) .
وفيه أيضاً:
قال محمّد بن عمر وغيره: لمّا خطب عمر بن الخطّاب إلى عليّ ابنته أمّ كلثوم قال: يا أمير المؤمنين!! إنّها صبيّة.
فقال: إنّك والله ما بك ذلك، ولكن قد علمنا ما بك. فأمر عليّ بها فصُنّعت، ثمّ أمر ببرد، فطواه وقال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين فقولي: أرسلني أبي يقرئك السلام، ويقول إن رضيت البُرد فأمسكه، وإن سخطته فردّه.
فلمّا أتت عمر قال: بارك الله فيك وفي أبيك قد رضينا.
قال فرجعت إلى أبيها فقالت:
ما نشر البُرد ولا نظر إلا إليّ. فزوّجها إيّاه فولدت له غلاماً يقال له زيد(١) .
وفيالإصابة، وغوامض الأسماء المبهمة ، والنص للأوّل:
عن ابن أبي عمر المقدسي، حدثني سفيان، عن عمرو، عن محمّد بن عليّ: إن
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٣. رفئوني، أي قولوا لي: بالرفاء والبنين، وهذا كان من رسوم الجاهلية، وقد نهى عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فقد روى الكليني في الكافي ٢: ١٩ بإسناده عن البرقي رفعه قال: لمّا زوّج رسول الله فاطمةعليهاالسلام قالوا: بالرفاء والبنين، فقالصلىاللهعليهوآله : لا، بل على الخير والبركة. وفي مسند أحمد ٣: ٤٥١ بسنده عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، قال: تزوج عقيل بن أبي طالب فخرج علينا، فقلنا: بالرفاء والبنين. فقال: مه، لا تقولوا ذلك فإن النبي قد نهانا عن ذلك وقال: قولوا: بارك الله لك، وبارك الله عليك، وبارك لك فيها.
(٢) الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٤، المنتظم ٤: ٢٣٧، تاريخ بن عساكر ١٩: ٤٨٦.
عمر خطب إلى عليّ ابنته أُمّ كلثوم فذكر له صغرها، فقيل له: إنه ردك، فعاوده فقال له عليّ: أَبعثُ بها إليك، فإن رضيتَ فهي امرأتك، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقيها.
فقالت: مه، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك(١) .
وفيالمنتظم لابن الجوزي وتاريخ دمشق لابن عساكر، والنصّ للأول:
أنبأنا الحسين بن محمّد بن عبد الوهاب بإسناده عن الزبير بن بكّار، قال: كان عمر بن الخطّابرضياللهعنه خطب أمّ كلثوم إلى عليّ بن أبي طالب.
فقال له عليّ: صغيرة.
فقال له عمر: زوّجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد.
فقال له عليّ: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتَها زوّجتكها.
فبعثها إليه ببرد وقال لها: قولي: هذا البرد الذي قلت لك.
فقالت ذلك لعمر: فقال: قولي قد رضيته رضي الله عنك، ووضع يده على ساقها وكشفها.
فقالت له: أتفعل هذا؟! لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثمّ خرجت، وجاءت أباها فأخبرته الخبر، وقالت: بعثتني إلى شيخ سوء.
فقال: مهلا يا....(٢) .
____________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة ٨: ٤٦٥، غوامض الأسماء المبهمة ٢: ٧٨٧.
(٢) المنتظم ٤: ٢٣٧، تاريخ دمشق لابن عساكر ١٩: ٤٨٢، الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٤، مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٥(٩) ١٦٠، الفتوحات الإسلامية ٢: ٤٥٥، شرح نهج البلاغة ١٢: ١٠٦، سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠١، الاستيعاب ٤: ١٩٥(٤) ١٩٥٥، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٣ ح ٤٦٨٤.
وفي روايةالطبري : أنّ عليّاً أرسل ابنته إلى عمر فقال لها: انطلقي إلى أمير المؤمنين فقولي له: إن أبي يقرئك السلام، ويقول لك قد قضيتُ حاجتك التي طلبت، فأخذها عمر فضمّها إليه، فقال: إنّي خطبتها إلى أبيها فزوّجنيها.
قيل: يا أمير المؤمنين، ما كنت تريد إليها؟ إنها صبية صغيرة.
فقال: إني سمعت رسول الله يقول: كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي...(١) .
وذكرالخطيب البغدادي بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني: خطب عمر بن الخطّاب إلى عليّ بن أبي طالب ابنته من فاطمة، وأكثر تردده إليه، فقال: يا أبا الحسن ، ما يحملني على كثرة تردّدي إليك إلاّ حديث سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: كلّ سبب وص-هر منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. فأحببت أن يكون لي منكم أهل البيت سبب وصهر.
فقام عليّ فأمر بابنته من فاطمة فزُيِّنت، ثم بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر، فلمّا رآها قام إليها فأخذ بساقها، وقال: قولي لأبيك قد رضيتُ قد رضيتُ قد رضيت فلما جاءت الجارية إلى أبيها، قال لها: ما قال لك أمير المؤمنين؟! قالت: دعاني وقبلّني فلمّا قمت أخذ بساقي وقال: قولي لأبيك قد رضيت، فأنكحها إيّاه، فولدت له: زيد بن عمر بن الخطّاب فعاش
____________________
(١) ذخائر العقبى: ١٦٩ عن الدولابي في الذرية الطاهرة: ١١٤، سيرة ابن إسحاق: ٢٣٣.
حتّى كان رجلاً ثمّ مات(١) .
وروى الزرندي الحنفي فينظم درر السمطين (٢) وابن الجوزي فيالمنتظم (٣) والنص للأول:
إن عمر بن الخطّابرضياللهعنه خطب إلى عليّرضياللهعنه ابنته أُمّ كلثوم ، وهي من فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٤) .
وقال عليّ: إنّها صغيرة.
فقال عمر: زوّجنيها يا أبا الحسن، فإنّي أرغب في ذلك، سمعت رسول الله يقول: كلّ نسب وصهر ينقطع إلا ما كان من نسبي وصهري.
فقال عليّ: إنّي مرسلها إليك تنظر إليها، فأرسلها إليه، وقال لها: اذهبي إلى عمر، فقولي له: يقول لك عليّ: رضيتَ الحلة؟
فأتته، فقالت له ذلك، فقال: نعم، رضي الله عنك، فزوّجه إياها في سنة سبع عشرة من الهجرة، وأصدقها - على ما نقل - أربعين ألف درهم، فلمّا عقد بها جاء إلى مجلس فيه المهاجرين والأنصار وقال: ألا تزفّوني؟! وفي رواية: ألا تهنئوني؟!.
قالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟
قال: تزوجت أُمّ كلثوم بنت عليّ، لقد سمعت رسول الله يقول: كلّ نسب وسبب منقطع إلاّ نسبي وسببي وصهري، وكان بهصلىاللهعليهوآله السبب والنسب فأردت أن أجمع إليه الصهر، فزفّوه ودخل بها في ذي القعدة من
____________________
(١) تاريخ بغداد ٦: ١٨٠.
(٢) نظم درر السمطين: ٢٣٥.
(٣) المنتظم ٤: ٢٣٨.
(٤) لم يكن في النصوص السابقة أنّها من فاطمة بنت رسول الله، فتأمل.
تلك السنة(١) .
وْقالاليعقوبي في تاريخه: وفي هذه السنة (أي سنة سبع عشرة) خطب عمر إلى عليّ بن أبي طالب أُمّ كلثوم بنت عليّ، وأمها فاطمة بنت رسول الله.
فقال عليّ: إنها صغيرة.
فقال: إني لم أرد حيث ذهبت، ولكني سمعتُ رسول الله يقول: كلّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي وصهري، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله(٢) .
____________________
(١) انظر الاستيعاب ٤: ١٩٥(٤) ١٩٥٥.
(٢) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٩.
البحث التاريخي
قبل الدخول في صلب البحث لابُدّ من الوقوف على مقدّمتين:
أولاهما : الوقوف على نظرة العامّة إلى الخليفة والخلافة، وهل أنّ الخليفة عندهم منصوص عليه من قبل الله ورسوله أم لا؟
ثانيهما : ما هي تصوّراتهم عن الخليفة، هل أنّه معصوم أم أنّه إنسان عادي يصيب ويخطئُ؟
أمّاالمقدمة الأوّلى :
من الثابت المشهور عن العامّة أنّهم لا يعتقدون بلزوم كون الخليفة منصوصاً عليه من قبل الله ورسوله، بل إنّ أمر الخلافة عندهم راجعٌ إلى الأمة، فتحصل تارة ببيعة أهل الحلّ والعقد أو ببيعة اثنين، أو واحد، وأُخرى بالشورى، وثالثة بالإجماع، و... فمن أنُتخب صار أماماً للمسلمين وخليفة لرسول الله!!
أمّاالمقدمة الثانية :
فهم لا يقولون بعصمة الخلفاء، بل نراهم يحدّدون ويحصرون عصمة الرسول فيما يبلّغه عن الباري جل شأنه فقط، ومعنى كلامهم: أنّهم يذهبون إلى تخطئة الرسول الأكرم في الموضوعات الخارجية وحتّى في الأحكام الشرعية التي لم ينزل فيها وحي من الله تعالى، لكونه مجتهداً،
والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب.
هذا بصرف النظر عن واقع الخليفة، فالسير التاريخي والوقائع والنصوص أكدّت لنا خطأ الخلفاء وجهلهم في كثير من الأحكام والمواقف، لكنّنا لا نرتضي جرّ هذا القول - وبالمعكوس - على ساحة الرسول الأمينصلىاللهعليهوآله والقول بأنّه كان يخطئُ أو يجتهد في الأحكام الشرعية، لأنّهصلىاللهعليهوآله كان متصلاً بالوحي، يأخذ تعاليمه ومواقفه منه، فلا حاجة به للاجتهاد والإفتاء طبق الظن والتخمين.
نعم، إنهم قالوا بهذا القول كي يرفعوا بضبع بعض الصحابة من خلال الهبوط بمنزلة ومستوى الرسول الأمين، فتراهم يذهبون إلى أن الله تعالى عاتب رسوله على أخذ الفداء من أسرى بدر، وأنَّ العذاب قرب نزوله، ولو نزل لما نجا منه إلاّ عمر.
بهذه النصوص والأقوال أنزلوا الرسول المصطفى إلى منزلة رجل عادي يخطئ ويصيب، ويسبّ ويلعن، ثمّ يطلب الرحمة لمن سبّهم.
ونحن قد أجبنا عن هذه الافتراءات وأمثالها - شارحين كيفية نشوء فكرة اجتهاد النبي، ومن ثمّ تأطُّر مدرسة الاجتهاد والرأي عند العامّة، والأسباب والدواعي الكامنة وراء تناقل مثل هذه الأقوال - في كتابنا (منع تدوين الحديث ) فمن أحب فليرجع إليه.
إذاً يمكن للباحث - وبمطالعة سريعة لتاريخ صدر الإسلام - الوقوف
____________________
(١) انظر التفسير الكبير للرازي ١٥ : ١٩٨ ، المبسوط للسرخسي ١٠ : ١٣٩ ، الاحتجاج للطبرسي ٢ : ٢٤٩
(٢) انظر صحيح البخاري ٥ : ٢٣٣٩ / باب هل يُصلَّى على غير النبي / ح ٦٠٠٠ ، ٤ : ٢٠٠ - ٢٠٠٩ / باب من لعنه النبيصلىاللهعليهوآله / ح ٢٦٠٠ ، وح ٢٦٠١ ، و ٢٦٠٢
على أمور كثيرة صدرت من قبل الشيخين، ومن تبعهم من الخلفاء، كعثمان ومعاوية و... بُنيت على المصلحة الوهمية والرأي الشخصي، وغالبها منافية للأُصول الإسلامية ; ك-: رفع الخليفة الأوّل الرجم عن خالد بن الوليد مع ثبوت دخوله بزوجة مالك بن نويرة وهي في العدّة(١) .
وتعطيل عمر بن الخطّاب لسهم المؤلفة قلوبهم(٢) مع أنّ الله قد فرضه لهم في كتابه العزيز بقوله( ... لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِينِ وَالعامِلِينَ عَلَيْها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) (٣) .
وتشريعه للطلاق ثلاثاً(٤) مع أنّ الباري جل شأنه قال:( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) (٥) .
وابتداعه لصلاة التراويح مع اعتقاده بأنّها بدعة وقوله عنها: نعمت البدعة هي(٦) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٠٣، البداية والنهاية ٦: ٣٥٥، أسد الغابة ١: ٥٨٨، الكامل في التاريخ ٢: ٣٥٨.
(٢) فتح القدير للشوكاني ٢: ٣٧٣.
(٣) التوبة: ٦٠.
(٤) صحيح مسلم ٤: ١٨٣، المستدرك على الصحيحين ٢: ١٩٦، مسند احمد ١: ٣١٤.
(٥) البقرة: ٢٢٩.
(٦) صحيح البخاري ٢: ٧٠٧ / باب فضل من قام رمضان ح ١٩٠٦، موطأ مالك ١: ١١٤ / باب ما جاء في رمضان ح ٢٥٠، تاريخ المدينة ٢: ٧١٣، الطبقات الكبرى ٥: ٥٩، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٠.
وحرق عثمان للمصاحف مع ثبوت نهي الرسول عن حرق التوراة(١) فكيف بالقرآن العزيز؟
كلُّ هذه الأفعال والمواقف وأضعافها من هؤلاء الخلفاء اعتبرت بأنّها شرعية تحت غطاء شرعية المصلحة والاجتهاد!! وعُلِّلَ الأمر بأنّ هؤلاء الخلفاء والصحابة يعرفون مصالح الأحكام وروح التشريع أحسن من غيرهم.
فهل كانوا كذلك؟ وإذا كانوا كذلك فكيف يمكن رفع التعارض بين مواقفهم إذاً؟ ومن هو المحق:
هل أنّ عمر هو المحقّ في تهديده لخالد وقوله له: أرئاءً؟! قتلت امرئ مسلماً ثمّ ن-زوت على امرأته ! والله لأرجمنّك بأحج-ارك، ولا يكلّ-مه خال-د بن الوليد ولا يظنّ إلاّ أن رأي أبي بكر على مثل رأي عم-ر فيه حتى دخل على أبي بكر، فلمّا...(٢) .
أم أن أبا بكر هو المحقّ في قوله: يا عمر! (تأول فأخطأ)(٣) فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين(٤) .
ولماذا يصرّ أبو قتادة الأنصاري على موقفه من خالد.
____________________
(١) كما في حديث عائشة، انظر: الكامل في الضعفاء ١: ٧٧.
(٢) تاريخ الطبري ٢: ٢٧٣، الإصابة ٢: ٥٥، سير أعلام النبلاء ١: ٣٧٨.
(٣) الإصابة ٥: ٧٥٥.
(٤) تاريخ الطبري ٣: ٢٤١، البداية والنهاية ٦: ٢٤١، أسد الغابة ١: ٥٨٨ وغيرها.
ومن هو المحق أبو قتادة، أم أبو بكر في نهيه له؟(١)
وماذا يعني منطق الخليفة الأوّل (تأوّل)؟ وكون أعدائه (المسلمين) من الكافرين؟ هل جاء هذا الموقف لاحتياجه إلى خالد في مواقفه الأُخرى، أم لشيء آخر؟
وكيف ساغ لأبي بكر أن ينهى أبا قتادة عن التعرّض لخالد مع أنّ اعتراض أبي قتادة كان نابعاً من القرآن الكريم والسُنّة المطهرة؟
وماذا يمكننا أن نقول في المؤلفة قلوبهم؟
ومن هو المحق في القرار: هل هو أبو بكر أم عمر؟ فقد جاء في كتب التاريخ: إن أبا بكر كتب إلى عمر بأنّ يعطي المؤلفة قلوبهم حقَّهم، فلما أتوه مزق الكتاب وقال: إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤُمن ومن شاء فليكفر، ولا حاجه لنا بكم.
فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: هل أنت الخليفة أم عمر؟ قال: هو إن شاء الله(٢) .
وبعد هذا، كيف يمكن لغيرنا أن يصحّح المنسوب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر(٣) مع ما يراه من الاختلاف بين مواقفهم.
ولو صحّ هذا الخبر، فلماذا نرى تخلف كثير من الصحابة عما شرعه الشيخان؟ وتخطئتهم لهما في ما اجتهدا فيه في بعض الأحيان؟!
____________________
(١) الكامل في التاريخ ٢: ٣٥٨.
(٢) انظر الدر المنثور ٤: ٢٢٤ في تفسير الآية ٦٠ من سورة التوبة، وتفسير المنار ١٠: ٩٦.
(٣) مسند احمد ٥: ٣٨٢، سُنن الترمذي ٥: ٢٧١.
وما يعني ذلك؟
ألم تكن مواقفهم المخطِّئة للشيخين، وتصريحات الشيخين بأنّهما عاجزان غير عالمين في كثير من الأحايين بما جاء في الذكر الحكيم والسُنّة المطهرة، دالّة على كذب هذه المقولة؟
بل كيف بالخليفة يسأل عن الأحكام لو كان هو الإمام المقتدى المأمور بطاعته والاقتداء به؟
كلّ هذه النصوص تؤكّد على أن المصالح التي صوّرها الإعلام في مدرسة الخلفاء لم تكن شرعية وحقيقية بالمعنى الصحيح للكلمة، بل هي مصالح وهمية تصورها الخلفاء وأنصارهم ومنها وعليها سرى وجرى التشريع الحكومي لاحقاً.
بعد أن اتّضح لك جواب السؤالين السابقين وعُرف أن الخليفة ليس بمعصوم وأن الله لم ينصبه، وقد أخطأ بالفعل في كثير من الأمور، وأنّ المصالح التي تصوّرها لم تكن حقيقية عامة للجميع، بل كثير منها وهمية، أو هي مصالح خاصة فئوية.
فلابد الآن من دراسة مدّعى عمر بن الخطّاب في هذا الأمر، وهل حقاً أنه كان يريد التقرب إلى رسول الله إذ سمع منهصلىاللهعليهوآله : (كلّ سبب أو نسب منقطع إلا سببي ونسبي)(١) أم أنه جعلها وسيلة لأمر آخر.
وهل أنّ اقتراح الزواج يرتبط بأمر سياسي، أم اجتماعي، أم عاطفي، أم غير ذلك؟
____________________
(١) السنن الكبرى ٧: ٦٤، المعجم الكبير للطبراني ٣: ١٤٥، ١١: ١٩٤، الأوسط للطبراني ٦: ٣٥٧، ورواه أيضاً التيمي في مجمع الزوائد ٤: ٢٧١.
نحن لو درسنا سيرة عمر بن الخطّاب قبل وبعد الإسلام لوقفنا على حقيقة أُخرى غير ما يصوره أصحاب السير والتراجم، ولرأيناها تنافي المدّعى كمال المنافاة، لأنّه كان يصرّ في معركة بدر على لزوم قتل كلّ قريب قريبَهُ، وقد طلب بالفعل من رسول الله أن يقتل عمَّه العباس، ومن عليّ أن يقتل أخاه عقيل و.. مع أنّ رسول الله كان يؤكد له بأنّهما جاءا مكرهين للمعركة(١) . وهذه صورة واحدة عن موقفه مع قرابة رسول الله ومفهوم القرب والقرابة عنده في أوائل الإسلام، وعدم وجود ميزة للقرابة عنده.
ولا يخفى عليك بأنّ هذه الرؤية كانت هي السائدة على القرشين ومنهم عمر، فقد ورد في بعض الأخبار: إنّ صفية بنت عبد المطلب مرت على ملأ من قريش فإذا هم يتفاخرون ويذكرون الجاهلية، فقالت: منا رسول الله.
فقالوا: إنّ الشجرة لتنبت في الكبا - أي المزبلة -.
فجاءت إلى النّبي فأخبرته فقالصلىاللهعليهوآله : هجّر يا بلال بالصلاة، فحمد الله وأثنا عليه ثم قال على المنّبر بغضب: أيّها النّاس أنسبوني.
فقالوا: أنت رسول الله ومحمّد بن عبد الله.
فقال: أجل، أنا محمّد بن عبد الله وأنا رسول الله، فما بال أقوام
____________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٧ : ٣٦٣ / باب غزوة / ح ٣٦٧١٧ ، فتح الباري ٧: ٣٢٣ / ح ٣٧٩٣ ، سيرة ابن هشام ٢ : ٤٥٨ تاريخ الطبري ٢ : ٣٤ تفسير ابن كثير ٢ : ٣٢٧ / في تفسير سورة الأنفال
ينقصون أهلي؟ فوالله لأنا أفضلهم أصلاً وخيرهم موضعاً(١) .
وإليك الآن صورة أُخرى تنبئك عن مدى اعتقاد عمر بمنزلة القربى واحترامه للقرابة، تلك الصورة التي وجدناها في خبر تعامله مع صفّيه عمّة رسول الله في المدينة المنوّرة وبعد أن قطع الإسلام شوطاً كبيراً واستحكم، واستقرت مفاهيمه العامّة استقرار كبيراً، ومنها وجوب مودة ذي قُرباه، ومع ذلك لم يأبه عمر:
فقد أخرج الهيثمي عن ابن عبّاس قال:
توفّى ابنٌ لصفّية عمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فبكت عليه وصاحت، فأتاها النبيّصلىاللهعليهوآله فقال لها: يا عمّة ما يبكيك؟
قالت: توفّي ابني.
قال: يا عمّة، من تُوفيِّ له ولد في الإسلام فصبر، بنى الله له بيتاً في الجنّة، فسكتت.
ثمّ خرجت من عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله فاستقبلها عمر بن الخطّاب فقال: يا صفية، قد سمعت صراخك، إنّ قرابتك من رسول الله لا تغني عنك من الله ش-يئاً، فبك-ت، فس-معها النبيّ وكان يكرمها ويح-بها، فقال:
يا عمّة، أتبكين وقد قلتُ لكِ ما قلتُ!!
قالت: ليس ذلك أبكاني يا رسول الله، استقبلني عمر بن الخطّاب فقال:
إنّ قرابتك من رسول الله لن تغني عنك من الله شيئاً.
قال: فغضب النبيّ، وقال: يا بلال، هجّر بالصلاة.
____________________
(١) مجمع الزوائد ٨ : ٢١٧ / باب في كرامة أصله ، إحياء علوم الدين ، للغزالي ٤: ١٠٥/ باب بيان حقيقة النعمة وأقسامها ، ينابيع المودة ٢: ٣٤٨ / الباب ٥٧
فهجّر بلال بالصلاة، فصعد النبيُّ المنبرَ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع، كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي، فإنها موصولة في الدنيا والآخرة(١) .
ومرة أُخرى اعترض على أُمّ هاني بنت أبي طالب بقوله: اعلمي أنّ محمّداً لا يغني عنك شيئاً، فجاءت إلى النّبي، فأخبرته فقالصلىاللهعليهوآله : ما بال أقوام يزعمون أنّ شفاعتي لا تنال أهل بيتي وأنّ شفاعتي تنال " حا " و" حكم "(٢) .
فنحن لو قسنا مدّعى عمر اليوم في الزواج مع ما قاله في نأنأة الإسلام وفي عزّته لحصلنا على نتائج لا ترضي محبّيه وأنصاره، بل تشكّك الجميع في صحّة دعواه.
أمّا لو أحسنّا الظن بمدّعاه وقلنا إنّه حقاً كان يريد القرابة، لأنه عرف منزلتهم لمّا غضب النبي وهجّر بلال بالصلاة...
فلنتساءل: لو كان عمر آمن بقول رسول الله وعرف أنّ قرابته تنفع في الآخرة، مضافاً لما لها من منزلة في الدنيا! فكيف به يحتجّ بالصحبة وقربه إلى رسول الله على الأنصار - كي يبعدهم عن الخلافة - ولا يرتضي أن يسلم الخلافة إلى الإمام عليّ بن أبي طالب وهو أقرب المقرّبين إليهصلىاللهعليهوآله ، مع أن الإمام عليّاً ألزمه بما استدلّ به على الأنصار بقوله:
____________________
(١) مجمع الزوائد ٨: ٢١٦، وينابيع المودة ٢: ١٩٠. ورسول الله بمقولته تلك (ما بال أقوام) أراد الإشارة إلى القبائل المناهضة للرسالة وأنّ هذا الفكر هو فكرٌ لمجموعة منهم ولا يختّص بعمر بن الخطّاب لوحده، والحديث يُدل على القرابة الدينية في إطار الشفاعة وهذا ما سنوضحه لاحقاً.
(٢) سبل الهدى والرشاد ١: ٢٥٤ و ١١: ٤ و"حا" و"حكم" قبيلتان من اليمن.
وَا عَجَبَاهُ أَتَكُونُ الْخِلاَفَةَ بِالصَّحَابَة ولا تكون بِالصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ؟!
فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ |
فَكَيْفَ بِهذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ |
|
وَإِنْ كنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ |
فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وأَقْرَبُ(١) |
بل كيف نقبل دعوى اهتمامه بالقرابة، وهو لا يولّي أحداً منهم السرايا والبلدان أيام حكومته.
بل بمَ يمكن تصحيح مدعاه وأنّه يريد بزواجه من أُمّ كلثوم التقرّب إلى رسول الله عن طريق بنته فاطمة الزهراء، في حين نراه يقول لمن اعترض عليه عند هجومه على دار فاطمة الزهراء: إن فيها فاطمة، قال: وإن(٢) .
أنسي وقوف الرسول الأعظم كلَّ يوم على بابها لمدّة ستّة أشهر بعد نزول آية التطهير يناديها وينادي أهل بيت النبوة : الصلاة الصلاة إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً(٣) ؟!
فما يعني هذا الفعل من رسول الله ، وهل أنّهصلىاللهعليهوآله فعل ذلك لغواً وعن عاطفة (والعياذ بالله) أم للتأكيد على مكانة أهل البيت ؟ بل ماذا يعني وقوف الرسول على بابها لستّة أشهر وهو يكرّر قول الله سبحانه:( إِنَّمَا يُرِيدُ
____________________
(١) انظر نهج البلاغة ٤ : ٤٤ / باب المختار أمير المؤمنينعليهالسلام ومواعظه / ١٩٠
(٢) الإمامة والسياسة ١ : ١٩
(٣) مسند أحمد ٣ :: ٢٥٩ ، ٢٨٥ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٥١ ح ٣٢٠٥ كتاب تفسير القران باب (ومن سورة الأحزاب) المستدرك للحاكم ٣: ١٥٨، مصنف ابن أبي شيبة ٦: ٣٩١ ح ٣٢٢٦٢ كتاب الفضائل باب في فضل فاطمة
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) ؟
وهل هناك ارتباط بين هذه الفترة وبين الفترة التي توفّيت فيها فاطمة بعد رسول الله ، وهي ستة أشهر ، بل ما تعني وصيّتها لبعلها بأن لا يشهد جنازتها أبو بكر وعمر ، وأن يدفنها في الليل ويخفي قبرها(٢) ، وهل أنّه يرتبط بمسألة زواج عمر من أُمّ كلثوم وأنّ إصرار عمر جاء لإبعاد نفسه عمّا كان منه من قبل ؟
بل هل يمكن الجمع بين هذه المواقف وبين ما يدّعيه عن القرابة والقربى اليوم؟
ولو كان حقّاً يعرف منزلة القرابة والقربى ، فلماذا نراه يتخوّف من تولية بني هاشم ، ويحرمهم من خُمس الغنيمة(٣) ؟
بل إذا كانت القرابة لها هذه السمة المعنويّة في الدنيا والآخرة حسب اعتراف عمر ؟ فكيف به لا يحترم ابنة رسول الله ، التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها(٤) ؟ ويقول مستنقصاً مكانتها : وإن !!
إنّ عدم تفهّمهم لتلك الخصائص الإلهية - أو عدم ترتيبهم الآثار عليها -
____________________
(١) المصدر السابق
(٢) مستدرك الوسائل ، للنوري ٢ : ٣٠٤ / باب كراهة أن تتبع الجنازة بالنار والمجمرة / ح ٢٠٤٢ ، عن الجعفريات : ٢٠٥ ، مناقب بن شهرآشوب ٣: ١٣٧ / باب مناقب فاطمةعليهاالسلام ، عن الواقدي
(٣) سُنن أبي داود ٣: ١٤٧ ح ٢٩٨٤، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٣٤٥، سُنن النسائي ٧: ١٢٩.
(٤) انظر تهذيب الكمال ٣٥: ٢٥٠ عن البخاري ٦: ١٥(٨) باب ذب الرجال عن ابنته - وفيه: فإنّما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها، صحيح مسلم ٧: ١٤١، أبي داود ١: ٤٦٠، الترمذي ٥: ٣٥٩.
إنّما يكمن وراءه موروث قديم، وهو: احترام الرئيس ما دام حيّاً، ولا يعار للبنت أهمية، إلاّ بمقدار كونها امرأة لا توازي الرجل ولا تساويه، بل ليس لها أن تطالب بشيء من حقوقها الشرعية، وقد يكون وراء هذا الأمر مصالح وأهداف سياسية أُخرى لا يريدون الكشف عنها.
وقد رأيتَ أنّ بعض النصوص تدّعي أنّ عمر كان يريد " النسب والسبب " رغم افتراض أنّه من قريش، وله نسب مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وبذلك احتجّ في السقيفة، كما أنّ له سبباً من جهة ابنته حفصة، فلا يبقى لمدّعاه مجال من المصداقية.
نعم، في نصوص أُخرى التصريح بأنّه أراد المصاهرة ; وإذا صحّ هذا المدّعى من عمر لكان الأوّلى به أن يسعى إلى تلك المصاهرة مع بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله مباشرة من خلال إحدى بناته ; لا من خلال بنت بنته.
فكما كان عثمان ذا نورين كان يمكن لعمر أن يكون ذا نور واحد، لكنّ التاريخ لم يحدّثنا أنه حاول تلك المصاهرة من إحدى بنات رسول اللهصلىاللهعليهوآله غير فاطمة!!
نعم، أقدم عمر على خطبة فاطمة الزهراء ربّما منافسة لعلي فرّده رسول اللهصلىاللهعليهوآله وانتهى كلّ شيء(١) .
____________________
(١) روى النسائي بإسناده عن بريدة بن الخصيب قال: خطب أبو بكر وعمررضياللهعنه فاطمة، فقال رسول الله: إنها صغيرة، فخطبها عليّ فزوجها منه. وقد صحح الألباني هذا الخبر في صحيح النسائي ٢: ٦٧٨.
وعلق السندي على الخبر بقوله:... ففيه أن الموافقة في السنّ أو المقاربة مرعية، لكونها أقرب إلى المؤالفة نعم ، قد يترك ذاك لما هو أعلى منه كما في تزويج عائشةرضياللهعنه .
لكن الأمر لم يكن كما قاله السندي، بل أغلب النصوص تصرح بأن رسول الله كان ينتظر بها القضاء وأمر الله تعالى إلى من يزوجه انظر الطبقات ٨: ١٩، مجمع الزوائد ٩: ٢٠(٤) ٢١٢، المعجم الكبير ٣: ٣٤.
على أنّنا لا نستبعد أنّ عمر كان على علم يقين من أنّ الإمامة والأئمة من ولد فاطمةعليهاالسلام بنصّ الرسول ، فأراد ذلك لنفسه ، ولمّا ردّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله حاول في أيّام خلافته محاولة ثانية رام من خلالها التزوّج من إحدى بنات فاطمةعليهاالسلام ليكون له منها خَلَف يدّعي من بعد أنّهم أهل الخلافة والإمامة الذين عناهم رسول الله
وربّما يؤيد ذلك خطبة أبي بكر لفاطمة أيضاً وردّ الرسول إيّاه ، وكأنّ الإمام الصادقعليهالسلام أشار إلى ذلك بقوله : لا يَرجع الأمر والخلافة إلى آل أبي بكر وعمر أبداً ، وذلك أنّهم نبذوا القرآن وأبطلوا السنن وعطّلوا الأحكام(١)
هذا كلّه بغض النظر عن أنّ القوم وعمر لم يفهموا كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله على وجهه الصحيح، أو فهموه وحرّفوه، لأنّ مراد رسول الله هو: إن نسبه في إطار المفهوم الديني هو الباقي. وذلك من خلال عليّ والحسنين وولد الحسين ; وهم الأئمّة الإثنا عشر، الذين لا يزال الدين عزيزاً بهم(٢) ، تسعة منهم من ولد الحسين الذي هو من رسول الله ورسول الله منه(٣) .
والمراد بسببه هو: سبب الله الممدود والموصول بين السماء والأرض،
____________________
(١) الكافي ٢ : ٦٠٠ / ح ٨ وانظر تفسير العيّاشي ١: ٥ / ح ٧
(٢) صحيح مسلم ٦: ٣، مسند أحمد ٥: ٩٣، ٩٠، سُنن أبي داود ٢: ٣٠٩.
(٣) مسند أحمد ٤: ١٧٢، سُنن ابن ماجة ١: ٥١، سُنن الترمذي ٥: ٣٢٤، مصنّف ابن أبي شيبة ٧: ٥١٥، الأدب المفرد: ٨٥.
بنص " إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي "(١) .
على أننا اليوم بالضرورة والوجدان لا نرى أولاداً نسبيّين لرسول الله إلاّ أولاد فاطمة الزهراء من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وهذه من نبوءات رسول الله ودلائل نبوته.
وعليه فإن هذه النصوص وغيرها تشكّكنا في مدّعى عمر بن الخطّاب، بل توصلنا إلى أن الأمر لم يكن كما يصوّره أتباع مدرسة الخلفاء، لأنّ العلل والأسباب التي ذكرها عمر - أو ذكروها له - في التزويج لا تتفق مع ما يهدف إليه عمر من هذا الزواج.
____________________
(١) مسند أحمد ٣: ١٨، ٢٧، ٥٩، مصنف ابن أبي شيبة ٧: ١٧٦، المعجم الكبير للطبراني ٣: ٦٦ وعنه السيوطي في الدر المنثور ٢ ٦٠.
إنّ شدّة وغلظة عمر بن الخطّاب لا يمكن لأحد أن ينكرها(١) ، حتّى إن النساء كن يكرهن التزويج منه لنظرته الخاصة والخاطئة إليهن، فجاء فيأنساب الأشراف : أن عمر نهر امرأة لأنّها تكلمت في شيء بقوله: ما أنت وهذا؟! إنما أنتنّ لعُب، فأقبلي على مغزلك، ولا تعرضي فيما ليس من شأنك(٢) ، وقد أقدم عمر على أكثر من امرأة فردَّته.
ففيتاريخ الطبري : قال المدائني: خطب - أي عمر - أُمّ كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك.
فقالت أُمّ كلثوم: لا حاجة لي فيه.
فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين.
قالت: نعم، إنه خشن العيش، شديد على النساء، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته.
فقال: أنا أكفيك.
فأتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! بلغني خبرٌ، أعيذك بالله منه.
قال: وما هو؟
____________________
(١) بل أصبحت مثلاً يقاس به، فمن خطبة لعثمان بن عفان، وبعد أن كثر اعتراض الأمة عليه، قال: "... ألا فقد والله عبتم عليَّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطأكم برجله، وضربكم بيده، وقمعَكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم..." انظر تاريخ الطبري ٣: ٣٧٧.
واللطيف في الأمر أن طه حسين يصف عائشة: كانت شديدة كعمر، انظر مجموعته الكاملة ٤: ٤٥٤.
(٢) أنساب الأشراف: ١٨٩ كما في (دراسة نقدية لمرويات عمر بن الخطّاب) ط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١: ٢٤١.
قال: خطبتَ أُمّ كلثوم بنت أبي بكر؟
قال: نعم.
قال: أفرغبت بي عنها أم رغبت بها عني؟
قال: لا واحدة، ولكنها حدثة، نشأت تحت كنف أُمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها؟! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك.
قال: فكيف بعائشة وقد كلّمتها؟!
قال: أنا لك بها وأدلك على خير منها أُمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، تعلق منها بنسب من رسول الله(١)
وفي نّص آخر: أن رجلاً من قريش قال لعمر بن الخطّاب: ألا تتزوج أُمّ كلثوم بنت أبي بكر، فتحفظه بعد وفاته، وتخلفه في أهله؟
فقال عمر: بلى، إني لأحبّ ذلك، فاذهب إلى عائشة، فاذكر لها ذلك، وعد إليّ بجوابها.
فمضى الرسول إلى عائشة فأخبرها بما قال عمر، فأجابته إلى ذلك وقالت له: حبّاً وكرامة.
ودخل عليها بعقب ذلك المغيرة بن شعبة فرآها مهمومة، فقال لها: ما لك يا أُمّ المؤمنين؟! فأخبرته برسالة عمر، وقالت: إنّ هذه جارية حدثة، وأردت لها ألين عيشاً من عمر، فقال لها: عليَّ أن أكفيك.
وخرج من عندها، فدخل على عمر، فقال: بالرفاء والبنين، فقد بلغني
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣: ٢٧٥ ، شرح النهج ١٢: ٢٢٢
ما أتيته من صلة أبي بكر في أهله، وخطبتك أُمّ كلثوم.
فقال: قد كان ذاك.
قال: إلاّ أنك يا أمير المؤمنين رجلٌ شديد الخلق على أهلك، وهذه صبية حديثة السن، فلا تزال تنكر عليها الشيء فتضربها، فتصيح، فيغمّك ذلك وتتألّم له عائشة، ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه، فتجدّد لهم المصيبة - مع قرب عهدها - في كلّ يوم.
فقال له: متى كنت عند عائشة، واصدقني؟!
فقال: آنفاً.
فقال عمر: أشهد أنهم كرهوني، فضمنتَ لهم أن تصرفني عمّا طلبتُ، وقد أعفيتهم.
فعاد إلى عائشة فأخبرها بالخبر، وأمسك عمر من معاودة خطبتها(١) .
قال المدائني: وخطب [ عمر ] أُمَّ أبان بنت عتبة بن ربيعة، فكرهته وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابساً ويخرج عابساً(٢) .
وجاء فيأُسد الغابة عن الحسن: أن عمر بن الخطّاب خطب إلى قوم من قريش فردوه، وخطب إليهم المغيرة بن شعبة
____________________
(١) أعلام النساء، كحالة ٤: ٢٥٠.
(٢) تاريخ الطبري ٢: ٣٧٠، الكامل في التاريخ ٣: ٤٥١، ٤٥٥، البداية والنهاية ٧: ١٥٧. وفي المعارف لابن قتيبة: ١٧٥ والبدء والتاريخ ٥: ٧٩: أن عمر خطب أُمّ كلثوم بنت أبي بكر، وذلك بعد وفاة أبي بكر، خطبها من عائشة فأنعمت له بها، لكنّ أُمّ كلثوم كرهته، فاحتالت حتى أمسك عنها، فتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا وعائشة... إلخ.
وانظر كذلك كنز العمال ١٣: ٦٢٦ "ح" ٣٧٥٩٠،عن ابن عساكر ٢٥: ٩٦، والروضة الفيحاء في تواريخ النساء: ٣٠٣.
فزوّجوه(١) .
فكلّ الّذين ردّوا عمر علّلوا ذلك بأنّه خشن العيش، يدخل عابساً ويخرج عابساً، وينظر إلى النساء نظرة جاهلية، ويتعامل معهن كأنّهن عبيد، وإليك ما يؤكد صحّة مقولة القوم القرشيين، الذين خطب منهم عمر فردوه، حيث:
قد أخرج ابن ماجه القزويني عن الأشعث بن قيس أنّه قال: ضفت عمر ليلةً، فلمّا كان في جوف الليل قام إلى امرأته يضربها، فحجزت بينهما، فلما أوى إلى فراشه قال لي: يا أشعث!! احفظ عنّي شيئاً سمعته من رسول الله: لا يُسأل الرجل فيم يضرب امرأته، ولا تنم إلاّ وتراً، ونسيت الثالثة(٢) .
وقد مرّ عليك قبل قليل ما قالته أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة حينما خطبها عمر بن الخطّاب بعد أن مات عنها يزيد بن أبي سفيان، فقالت: لا يدخل إلاّ عابساً ولا يخرج إلاّ عابساً، يغلق بابه ويقلّ خيره(٣) .
وما قالته أُمّ كلثوم بنت أبي بكر حينما خطبها عمر " فقالت أُمّ كلثوم: لا حاجة لي فيه. فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين؟! قالت: نعم، إنّه خشن العيش شديد على النساء... "(٤) .
____________________
(١) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ٤: ٦٥.
(٢) سُنن ابن ماجه ١: ٦٩٣، مسند أحمد ١: ٢٠. كنز العمال ١٦: ٤٩٨ و ٤٨٣ ح ٤٥٥٦٦.
(٣) عيون الأخبار ٤: ١٧، تاريخ الطبري ٥: ١٧، الكامل لابن الأثير ٣: ٥٥.
(٤) تاريخ الطبري ٥: ١٧. الكامل في التاريخ ٣: ٥٥ البداية والنهاية ٧: ٥٧، و ٩٣ وج ٦: ٣٦٥.
وروى عليّ بن يزيد: أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عبد الله بن أبي بكر، فمات عنها واشترط عليها أن لا تتزوّج بعده، فتبتلت وجعلت لا تتزوج، وجعل الرجال يخطبونها وجعلت تأبى.
فقال عمر لوليها: اذكرني لها، فذكره لها، فأبت على عمر أيضاً.
فقال عمر: زوّجنيها، فزوجه إياها.
فأتاها عمر، فدخل عليها، فعاركها حتّى غلبها على نفسها، فنكحها، فلمّا فرغ قال: أفُ، أُف، أفُ، أففّ بها، ثمّ خرج من عندها وتركها لا يأتيها، فأرسلت إليه مولاة لها أن تعال فإنّي سأتهيأ لك(١) .
هذا وقد حمل محبّو الخليفة الخبر الأخير على أنّه أراد بيان حكم شرعي، وهو: عدم جواز التبتل في النكاح، أو عدم جواز أخذ المال على أن لا تتزوج، في حين نعلم أنّ عاتكة كانت ثيّباً، والمرأة الثيّب هي مالكة لأمرها، ولا ولاية لأحد عليها، وعلى فرض ثبوت الولاية عليها، يجب أن يُجمع رضاها إلى رضا وليّها.
لكن النص السابق يشير وبوضوح إلى أن عاتكة لم ترضّ بهذا النكاح، وأنّ عمر أكرهها على ذلك وتجاوز عليها بدون أذنها لأنّه "دخل عليها فعاركها حتّى غلبها على نفسها، فنكحها، فلما فرغ قال: أُف، أُف، أُف... " .
على أنّ خبر ابن سعد في الطبقات يدل على أنّ عمر بن الخطّاب كان طامعاً فيها، راغباً بها، لا أنّه فعل ذلك كي يوضّح حكماً شرعياً وهو حرمة التبتّل، لأنه كان قد طلبها قبل ذلك من وليّها فقال " اذكرني لها، فذكره
____________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨: وعنه في كنز العمال ١٣: ٦٣٣.
لها، فأبت على عمر أيضاً ".
وهو يشير إلى ما قلناه، ويوضّح بأنّ وراء نكاح عاتكة شيئاً آخر غير ما يبرّره علماء مدرسة الخلفاء.
فهو لو كان يريد الوقوف أمام التبتل أو تشريع شيء جديد للزمه أن يحقّق ذلك بشكل آخر غير المغالبة ونكاحها بنفسه ثمّ قوله: أُف، أُف، أُف.
وأريد هنا أن أُنبه إلى بعض المفارقات في نصوص التزويج عن عمر وعليّ، وهي بنظري تسيء إلى عمر بن الخطّاب أكثر من أن تخدمه ; لأنّها تؤكّد على أنّ الإمام عليّاً شارك الآخرين بالرأي، فاستشار الإمامين الحسن والحسين(١) وعقيلاً(٢) وعمّه العباس(٣) في تزويجه أُمّ كلثوم.
في حين نرى عمر يكتفي في نكاح عاتكة بإذن أبيها ولا ينظر إلى رضاها ولا إلى إذن إخوانها وأخواتها.
إنّ عمر لو كان حقّاً يريد الزواج مباركاً من عاتكة لكان عليه أن يرسل إليها بعض النساء من أهل بيته بعد العقد برضاها ليأتوا بها إلى عِشّ الزوجية بإعزاز وإكرام لا أن يغالبها ويعاركها، إذ إنّ هذا الفعل لا يصدر إلاّ من رعاع الناس، فكيف بخليفة المسلمين!
نحن وإن كنّا لا نقبل بتلك الروايات القائلة بأنّ الإمام أمير المؤمنين
____________________
(١) ذخائر العقبى: ١٦٩ و ١٧٠، سيرة ابن إسحاق: ٢٤٨، الذرية الطاهرة: ١٥٩، حياة الصحابة ٢: ٥٢٧، كنز العمال ١٦: ٥٣٢، مجمع الزوائد ٤: ٢٧٢، السنن الكبرى ٧: ٦٤.
(٢) المعجم الكبير ٣: ٤٤ و ٤٥، مجمع ٤: ٢٧١، ٢٧٢، ذخائر العقبى: ١٧٠ الذرية الطاهرة: ١٦٠.
(٣) ذخائر العقبى: ١٧٠، الذرية الطاهرة: ١٦٠
زوّج عمر بعد أن استشار الإمام الحسن والحسين وعقيلاً والعباس، لكنّا نؤكّد أنّ هذه النصوص مختلقة على لسان هذا أو ذاك، وهي تسيء بالدرجة الكبرى للخليفة وأتباعه.
وعليه، فالنصوص السابقة وضّحت لنا بأنّ النساء لم يكنّ يرغبن في التزويج بعمر بن الخطّاب، فلو جمعت تلك النصوص إلى نصّ الطبري في تزويج أُمّ كلثوم بنت أبي بكر، لعرفت أن الجميع كانوا يهابونه، ويخافون بطشه، وحتّى عائشة بنت أبي بكر - زوجة الرسول - فإنّها كانت تخافه وتهابه، ولمّا امتنعت أختها أُمّ كلثوم من الزواج من عمر استولى عليها الخوف، فأرسلت إلى عمرو بن العاص - أو إلى المغيرة بن شعبة - تستعين بهما لحلّ المشكلة.
ولو تدبّرت وتعمّقت في كلام عمرو بن العاص لعرفت أنّه هو الآخر كان يهاب عمر ويخاف بطشه، إذ لينه في الخطاب وأُسلوبه في الاستعطاف ليشير إلى أنّ عمرو بن العاص أراد أن يستعطف الخليفة من خلال أخيه أبي بكر فقال له:
"... ولكنّها حدثه، نشأت في كنف أُمّ المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك ".
انظر إلى كلام عمرو بن العاص ومخطّطه الجديد، وهو الداهية، كيف أراد بتلك الكلمات الخفيفة أن يخلق شيئاً من الرقّة المشوبة بالحسّ السياسي ليزجّها زجّاً في قساوة عمر بن الخطّاب، وأن يستبدل أمّ كلثوم بنت أبي بكر بأمّ كلثوم بنت عليّ؟! لأنّه لو حقّق ذلك لما خاف على بنت
عليّ بن أبي طالب كما كان يخاف على بنت أبي بكر، بل لو سطا عمر على أُمّ كلثوم بنت عليّ لآذى علياً، وكان في ذلك سرور لأمثال: عمرو بن العاص و... ولا أدري كيف بعمرو بن العاص وعمر بن الخطّاب يخافان أن يخلفا أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليهما، ولا يخافان رسول الله في بنته وبنت بنته؟!
وعلى أي شيء يمكن حمل هذه النفسية؟
وهل إنّ ذكر هذه النصوص والمواقف في كتب القوم تعدُّ ميزة لأصحاب رسول الله؟
بل كيف بأُمِّ كلثوم بنت عليّ لو خالفت عمر، وقد وقفت على عدم إِطاقة أمثال عمرو بن العاص أن يردّوه عن خلق من أخلاقه؟!
نعم، إن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة قد استغلا علاقة عمر السياسية بأبي بكر، ونفذا من هذه النافذة إلى فكره وعقله، كي يبعداه عن هذا الزواج، خوفاً من سطوته على أُمّ كلثوم بنت أبي بكر؟
فقال له المغيرة: إلاّ أنّك يا أمير المؤمنين رجل شديد الخلق على أهلك، وهذه صبية، حديثة السّن، فلا تزال تنكر عليها الشيء فتضربها، فتصيح، فيغمك ذلك وتتألم له عائشة، ويذكرون أبا بكر، فيبكون عليه، فتجدّد لهم المصيبة في كلّ يوم.
وقد مرّ عليك كلام عمرو بن العاص: ولكنّها حدثة، نشأت تحت كنف أُمّ المؤمنين في لين ورفق وفيك غلظة...
ولمّا عاتب عمر بن الخطّاب عمراً بقوله:
" فكيف بعائشة وقد كلمتها.
قال [ عمرو بن العاص ]: أنا لك بها، وأدلّك على خير منها أُمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب... ".
فكلام عمرو بن العاص: " أدلّك على خير منها " لم يأت اعتقاداً منه بكون أُمّ كلثوم بنت عليّ هي خير من أُمّ كلثوم بنت أبي بكر، وإن كان ذلك من المسلّمات عند المسلمين، لأنّها أقرب قرابة وألصق رحماً برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بل في كلامه إشارة إلى أن أُمّ كلثوم بنت عليّ هي خير من بنت أبي بكر لتعهّد الخدمة في بيت عمر، لأنّه لو ضربها أو سطا بها لكان في ذلك سرور لمخالفي عليّ بن أبي طالب وأعدائه، أمثال: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، و...
فعمرو بن العاص حينما اقترح على عمر بأن يأخذ أمّ كلثوم بنت عليّ كان يعلم بأنّها أرقّ وأوجب حقّاً من أُمّ كلثوم بنت أبي بكر، وهي لا يمكنها أن تتحمل ما لا يتحمله داهية مثل عمرو بن العاص لقوله: "... وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها... ".
وبعد كلّ هذا، فقد اتضح لك بأنّ هذا الاقتراح من عمرو بن العاص لم يأت عن حُسن نية، بل جاء عن سوء نية!
نعم، إنّ ابن العاص أطرّ حقده الدفين ضدّ عليّ وبنيه بإطار الناصح الأمين إذ قال: " أنا لك بها وأدلّك على خير منها "، لكنّ هذا الأمر لا ينطلي على المتدبّر الحكيم، بل إنّ الباحث المحقّق - بل كلّ مطالع في النصوص - يعرف بأنّ عمرو بن العاص كان الموجّه والمنظر لعمر بن الخطّاب للدخول إلى بيت وحرم عليّ بن أبي طالب، أي أنّه رسم لعمر المنهج وأعطى له المبرّر كي يصل إلى هذا الزواج، وبذلك خدم سيّده ونال
من عدوه في آن واحد.
ونحن حينما قلنا قبل قليل بأنّ الجميع كانوا يهابون عمر بن الخطّاب ويخافون بطشه، لا نعني بذلك عدم إمكان أن ينجو أحد من قراره، فقد نجت أُمّ أبان بنت عتبة، وأُمّ كلثوم بنت أبي بكر، وأُمّ سلمة المخزومية(١) ، والقوم من قريش الذين خطب منهم عمر بن الخطّاب فردّوه.
لكنّ هذا الأمر لا يمكن تصوّره واحتماله في مخالف سياسي لعمر بن الخطّاب كعليّ بن أبي طالب، وخصوصاً لمّا علمنا بأنّ أُصول هذا المخطط رسمه عمرو بن العاص أو المغيرة بن شعبة وأمثالهما، ممّن يبغون من وراء مثل تلك المناورات هدفاً، بل أهدافاً سياسية.
نعم، إن أُمّ كلثوم بنت أبي بكر نجت - إن صحّت نجاتها - من الزواج من عمر بمسعى عمرو بن العاص أو المغيرة بن شعبة، مع وقوفنا على خوف عائشة من عقبى مخالفة اختها لهذا الزواج ; لقولها لأمّ كلثوم " ترغبين عن أمير المؤمنين!! ".
هذا، ومن الطبيعي أن لا تكون منزلة عليّ بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عند عمر بن الخطّاب كمنزلة أبي بكر بن أبي قحافة وعائشة بنته؟! وهذا هو الذي جعل الداهيتين!! يدعوانه على الإقدام على الزواج من بنت عليّ وأن يترك بنت أبي بكر.
____________________
(١) حيث أقدم عليها بعد وفاة زوجها عقيب غزوة أحد فردّته ، انظر مسند أحمد ٦: ٣١٣ ، والسنن الكبرى للنسائي ٣: ٢٨٦ ، وتاريخ بغداد ١١ : ٣٥٥
ولو تدبّرت في نصوص زواج عمر من أُمّ كلثوم، لرأيتها ذات مرامي سياسية أكثر من كونها ذات أبعاد اعتقادية أو عاطفية؟ ولرأيت أنّه لم يكن يبغي من زواجه من أُمّ كلثوم النسب والقرابة والصهر من رسول الله، بقدر ما كان يهدف في ذلك إلى أمور أخرى.
فلو كان عمر يريد القرابة حقّاً وكان يعتبر نفسه الوحيد " على ظهر الأرض يرصد من حسن صحابتها ما لا يرصده أحد " فهل يأتي حُسن صحبته لها بالكشف عن ساقها، أو ضمها إلى صدره، أو تقبيلها، أو...
وهل أنّ أُمّ كلثوم بنت عليّ كانت من الإماء والوصائف اللواتي يُبتغى منهنّ غلظ السوق وصحّة الأبدان ليكُنّ أبلغ في المتعة وأقدر على الخدمة؟!
أم أنّها كانت كريمة بني هاشم، وبنت رسول الله وعليّ الكرار وفاطمة البتول، وهي الحرّة الأبيّة التي ادّعى عمر أنّه يريد أن يتقرب بزواجه منها إلى الله ورسوله!!
وهل حقّاً أن عمر رصد بفعلته هذه ما لا يرصده أحد من الرجال؟!
وما يعني كلامه آنف الذكر إذاً لو قسناه مع ما فعله معها حسب النصوص المارة؟! وعلى أي شيء يدل؟
ولو أحبّ عمر أن يحفظ رسول الله في ولده، وأراد التزويج ببنت فاطمة وعليّ، فهل يجوز له اختيار الزواج بهذه الصورة المشينة؟
بل هل يصحّ تزيين عليّ بنته وإرسالها إلى رجل أجنبي طامع فيها؟
وعلى فرض أنّ عليّاً كان موافقاً على هذا الزواج ; فإن التزيين يأت مع لحاظ كونها مؤهّلة للزواج، وأنّ ذلك من شأن النساء لا الرجال، ولذلك
كلّف رسول اللهصلىاللهعليهوآله النساء بتجهيز فاطمة الزهراء والإصلاح من شأنها لعليعليهالسلام . وإذا كان عليٌّ غير راغب في تزويج ابنته لعمر - وفق النصوص - فهل يصحّ أن يزيّن ابنته ويرسلها إليه؟!
وبنظرنا أنّ عمر بن الخطّاب لو كان يريد القرابة ونيل شفاعة الرسول في الآخرة حقاً، لما أقدم على زواجه من طفلة صغيرة لم تبلغ الحلم، بهذا الشكل المزري! لقد روى المسوّر بن محزمة أنّ رسول الله قال: فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما قبضها، وأنّه ينقطع يوم القيامة الأنساب والأسباب إلاّ سببي نسبي(١) . ألا يكون في فعل عمر هذا - مع أُمّ كلثوم، ومواقفه الأخرى من فاطمة - ما يقبض ويغضب الله ورسوله وفاطمة؟؟
وقد يكون في كلام الرسول الأعظم ، الذي سيأتي بعد قليل ، تعريضاً - إن لم يكن تصريحاً - به وبأمثاله الذين أساءوا إلى القربى والعترة وخانوا رسول الله:
فعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول:
ما بال رجال يقولون إنّ رحم رسول الله لا تنفع قومه، بلى والله إنّها موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي يا أيّها الناس فرطكم على
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٣٣٢، مستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٨، وفيه زيادة: وصهري، الجامع الصغير ٢: ٢٠٨ ح ٥٨٣٤، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٦٤، فضل آل البيت للمقريزي: ٦٤.
الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول الله أنا فلان بن فلان، وقال آخر: أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفته، ولكنّكم أحدثتم بعدي وأرتددتم القهقرى (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح)(١) .
بل إلى أي مدى يمكن تصحيح ما قاله علماء مدرسة الاجتهاد والرأي وأنصار الخلفاء لتبرير فعلة عمر بن الخطّاب، من أنّه لم يقصد من تقبيله لها وضمّها إلى صدره، أو كشفه عن ساقها، الريبة والجنس و... لأنّها لم تكن في سنّ من يُطمع فيها، ولم تبلغ بعد، والخليفة أجل وأكرم من هذا الفعل القبيح(٢) .
فلو صحّ ذلك، فماذا نقول عمّا أدركته السيدة أُمّ كلثوم من فعل وقصد عمر، حين تعامله معها، وهي المعنية بالأمر؟
وهل أنّ فهم أعلام العامّة - وبعد ألف عام - هو الأقرب إلى الصواب، أم فهم السيدة أُمّ كلثوم، وهي المعنية بالأمر، والعارفة بلحن وقصد عمر بن الخطّاب في الخِطاب؟!
وعلى أي شيء يدل قولها لأبيها " أرسلتني إلى شيخ سوء ".
____________________
(١) مجمع الزوائد ١٠: ٣٦٤، مستدراك الحاكم ٤: ٧٥، مسند أحمد ٣: ١٨، مسند أبي يعلى ٢: ٤٣٤، وغيرها.. وفي المعجم الأوسط ٥: ٢٠٣ ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع، ليس كما زعموا، أني لأشفع واشفع حتّى من اشفع له ليشفع حتّى إن إبليس ليتطاول في الشفاعة والتوصية.
(٢) قال ابن حجر ٢: ٤٥٧: وتقبيله وضمّه لها على جهة الإكرام ; لأنّها لصغرها لم تبلغ حداً يشتهى حتى يحرم ذلك، ولولا صغرها لما بعث بها أبوها. (انظر ملحقات إحقاق الحق ١٨: ٥٥١ والصوارم المهرقة: ٢٢٠).
أو قولها لعمر نفسه: " لو لم تكن أمير المؤمنين للطمت عينيك ".
ألا تدل هذه الفقرات على أنّ الصبية البريئة (أُمّ كلثوم) قد فهمت مطامع غريزية في نفس عمر بن الخطّاب، حاول تبريرها والإغماض عنها والتعتيم عليها بعض الكتّاب والمؤرخين؟
وهل تساءلت أخي القارئ عن سنّ هذه الطفلة في ذلك التاريخ؟
وهل كانت ممّا يطمع فيها أم لا؟
فلو قبلنا بولادتها في آخر عهد رسول الله، يكون عمرها حينما أرسلها الإمام عليّ - حسب نصّ الطبري وغيره - في حدود السابعة من العمر؟
أمّا لو قلنا بولادتها في السنة السادسة من الهجرة، فيكون عمرها حين الزواج إحدى عشرة سنة، وهي ممّا يُطمع فيها، ويصحّ الزواج منها(١) .
وبنظرنا أنّ كلا الفرضين يسيئان إلى الخليفة عمر بأضعاف ما يسيئان إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
فلو قلنا ببلوغها وأن الإمام عليّاً أرسلها بعد البلوغ، فذلك مخالف للشرع الأقدس، فضلاً عن أنّ غيرة الإنسان العربي تأبى أن يزيّن رجل ابنته ويرسلها إلى من يطمع فيها، ثم يستمع بعد ذلك إلى نقل البنت وهي تحكي عن الرجل، وأنه كشف عن ساقها، وقبلها، وضمها إلى صدره.
____________________
(١) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٠.
فألف ضربة على جسد مسلم غيور، كعلي بن أبي طالب، أهون من القول بهذا الكلام المزري! هذاأولاً .
وثانياً : أنّ تأكيد الإمام عليّعليهالسلام على صغر سنها واستهجان الناس لهذا الزواج(١) من قبل عمر خير دليل على عدم صحة كلام الذهبي، لأن الإمام والناس في ذلك العصر هم أعرف ببلوغ أُمّ كلثوم وصلاحيتها للزواج، أم لا.
أمّا لو قلنا بأنها كانت صبية(٢) - حسبما قالته المصادر - فهي الأخرى لا تتفق، لأنّ التزيين ليس من مهامّ الرجال، بل هي من مهمّة النساء فقط، وهو يكون - حسبما عرفت - بعد حصول الموافقة على التزويج، وبعد وقوع العقد، لا مع الكراهية، وقبل العقد، على أنّها لو كانت صبية لا يُرغب في مثلها فلا معنى لتزيينها وإرسالها لمَن يرغب في نكاحها مزينة، ناهيك عن أنّ الكشف عن ساق الصبية يدل على انحطاط فاعِله بلا ريب.
فأسالك بالله: هل تقبل نفسك مثل هذا التصرّف - أي الكشف عن الساق والتقبيل والضمّ إلى الصدر قبل العقد والزواج - من شيخ في السابعة والخمسين من عمره، أو التاسعة والخمسين، مع صبية في السابعة من العمر " لم تبلغ بعد " بهذا الشكل المزري! وخصوصاً لو عرفنا بأنّ هذا الرجل كانت له زوجة بل زوجات(١) وهو بمنزلة جدّ هذه الصبية.
____________________
(١) مناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: ١١٠، وانظر تاريخ بغداد ٦: ١٨٢ كذلك.
(٢) مر عليك كلام الإمام عليّ "أنها لم تبلغ" أو (لأنها صغيرة) أو (أنها صبية) إلى غيرها من النصوص الدالة على صغرها.
(٣) مثل زينب بنت مظعون الجمحية، وأُمّ حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومية (تزوّجها بعد استشهاد خالد بن سعيد بن العاص بموقعة مرج الصفر ببلاد الشام) ، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة (تزوّجها بعد وفاة زوجها بطاعون عمراس) ، وجميلة بنت ثابت الأنصارية. هذا وقد ذكر عبد السلام بن محسن آل عيسى في كتابه "دراسة نقدية لمرويات عمر " (١: ٢٢٣ ٢٤١ ط السعودية) اسم ١٤ امرأة تزوّجها عمر وأسماء بعض اللواتي خطبهن.
فعمر هو أبو حفصة، وحفصة زوجة رسول الله، فيكون هو والِدُ زوجة جدّ هذه الصبية، وهو رسول الله محمّد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرينَ.
فنحن لو قبلنا هذه النصوص وأردنا الاستدلال بها على التزويج للزمنا قبول تواليه الفاسدة، وإن لم نقبلها فانتفى التزويج والاستدلال به.
ولنا أنّ نتأمل فيما نسب إلى الإمام عليّ في تلك النصوص وقوله لأُمّ كلثوم: " إنّه زوجكِ " ألم يكن نسبة هذا القول إلى عليّ هو للازدراء به وتصحيح موقف عمر، والوصول إلى الأمرين معاً؟ فلو قبلنا شرعية النظر قبل الزواج، فهل التقبيل والكشف عن الساق والضمّ إلى الصدر بريبة هو ممّا جوّزه الشرع كذلك؟
نعم، يمكن تصحيح جزء من ذلك لو تنزلّنا وقلنا بصحّة صدور خبر التزويج، وثبوت رضى الإمام عليّ بذلك، لكن الأمر لم يكن كذلك، لأنّ النصوص تشير إلى عدم رضاه وعدم رضا أهل بيته كعقيل(١) و... بهذا الزواج.
وعلى فرض صحّة الخبر، فالإمام أرسلها إليه، لقناعته بأنّ عمر لو
____________________
(١) مجمع الزوائد ٤: ٢٧١ عن المعجم الكبير للطبراني ٣: ٤٤ وفيه قول عمر: ويح عقيل! سفيه أحمق.
رآها بهذا السّن والصغر لاشمأزَّ من اقتراحه، وممّن اقترح عليه التزويج بها، ولَما رضى بالتزويج بطفلة، كأُمّ كلثوم، لم تبلغ الحلم بعد؟ ولا أدري كيف تصدق صدور هذه النصوص على لسان الإمام عليّ بن أبي طالب، وهو المسلم الغيور والعربي الأبي؟ وتصحيح مقولته: " إنه زوجك "؟
بل يتردّد السؤال على خاطري بشكل آخر: كيف يمكن الجمع بين كراهة الإمام عليّ في تزويج أُمّ كلثوم لعمر، وبين تزيينه لها وأرسالها له؟! إنها من المتناقضات حقاً.
بل كيف يمكن تصديق هذا الأمر، وكلاهما في المدينة؟! إذ كان يمكن لعمر أن يراها في طريقه إلى دار الإمارة أو بالعكس، ولو تصوّر أنّ هناك عسراً في مشاهدتها في بيت عليّ بن أبي طالب، أو في طريقه إلى دار الإمارة أو السوق، فإنّه كان بإمكانه إرسال ابنته حفصة، أو غيرها من أُمّهات المؤمنين وسائر النساء للإطلاع عليها ووصفها له، وذلك هو الدأب الذي كان وما زال عليه المسلمون في الخطبة.
وهل أنّ هذه النقاط تعتبر نقاط قوة في زواج عمر من أُمّ كلثوم، أم هي نقاط ضعف؟
أترك القارئ والسامع للحكم على النصوص بالوضع أو الكذب، أو الصحة والسقم، أو أي شيء آخر يرتضيه.
وأنتقل به إلى كلام المغيرة بن شعبة في مكّة وكيفية تعريضه بالخليفة عمر! وأنّه أراد بقوله إيقافنا وإيقاف الآخرين على حقائق كثيرة في هذا السياق، وهي خافية لحد هذا اليوم على الكثير من الناس، لكنّ قبل أن نأتي بكلامه نذكر خبره حينما كان أميراً على الكوفة من قبل عمر بن الخطّاب، كمقدمة لما نريد قوله: فقد كان المغيرة يخرج كلّ يوم في نصف النهار من دار الإمارة ويلقاه أبو بكرة فيقول: أين يذهب الأمير؟ فيقول: في حاجة. فيقول: إنّ الأمير يُزار ولا يزور. وكان يذهب إلى امرأة يقال لها أُمّ جميل بنت عمرو، وزوجها: الحجاج بن عتيك بن الحارث الجشمي.
فبينما أبو بكرة في غرفة مع إخوته - وهم: نافع، وزياد، وشبل بن معبد، والجميع أولاد سمية فهم أخوة لأُمّ - وكانت أُمّ جميل المذكورة في غرفة أخرى قبالة هذه الغرفة، فضربت الريح باب غرفة أُمّ جميل ففتحته، ونظر القوم فإذا هم بالمغيرة مع المرأة على هيئة الجماع، فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتليتم بها فانظروا، فنظروا حتّى أثبتوا.
فنزل أبو بكرة فجلس حتّى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له: إنّه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا.
قال: وذهب المغيرة ليصلّي بالناس الظهر، ومضى أبو بكرة، فقال: لا والله تصلّي بنا وقد فعلت ما فعلتَ.
فقال النّاس: دعوه فليصلّ، فإنّه الأمير، واكتبو بذلك إلى عمر.
فكتبوا إليه فأمرهم أن يقدموا عليه جميعاً، المغيرة والشهود، فلمّا
قدموا عليه جلس عمر فدعا بالشهود والمغيرة.
فتقدّم أبو بكرة، فقال له [ عمر ]: رأيته بين فخذيها؟
قال: نعم، والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها.
فقال له المغيرة: قد ألطفت في النظر.
فقال أبو بكرة: لم آلُ أن أُثبت ما يخزيك الله به.
فقال عمر: لا والله، حتّى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المِرُوَد في المكحلة.
فقال: نعم، أشهد على ذلك.
فقال: فاذهب عنك مغيرة ذهب ربعك.
ثمّ دعا نافعاً، فقال: علامَ تشهد؟
قال: على مثل شهادة أبي بكرة، قال: لا، حتّى تشهد أنّه ولج فيها ولوج الميل في المكحلة.
قال: نعم، حتّى بلغ قذذه - وهي ريش السهم -.
قال له عمر: اذهب مغيرة فقد ذهب نصفك.
ثمّ دعا الثالث، فقال له: على ما تشهد؟
فقال: على مثل شهادة صاحبي.
فقال له عمر: اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك.
ثمّ كتب إلى زياد - وكان غائباً - فقدم، فلما رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار، فلمّا رآه مقبلاً قال: إني أرى رجلاً لا يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين، ثمّ إنّ عمر رفع رأسه إليه فقال: ما عندك يا سلح الحُباري؟ فقيل: إنّ المغيرة قام إلى زياد فقال: لا مخبأَ لعطر بعد عروس.
فقال له المغيرة: يا زياد! اذكر الله تعالى، واذكر موقف يوم القيامة، فإنّ
الله تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي، إلاّ أن تتجاوز إلى ما لم ترَ ممّا رأيت، فلا يحملنّك سوء منظر رأيتَهُ على أن تتجاوز إلى ما لم ترَ، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها لما رأيت أن يسلك ذكري فيها.
قال: فدمعت عينا زياد واحمرَّ وجهه وقال: يا أمير المؤمنين! أمّا أن أحقّ ما أَحقَّ القومُ فليس عندي، ولكنيّ رأيت مجلساً، وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً، ورايته مستبطنها.
فقال عمر: رأيته يدخل كالميل في المكحلة.
قال: لا، رأيته رافعاً رجليها، فرأيت خصيته تتردّد إلى بين فخذيها، ورأيت حفزاً شديداً، وسمعت نَفَساً عالياً.
فقال عمر: رأيت يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟
فقال: لا.
فقال عمر: الله أكبر، قم إليهم فاضربهم.
فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين ضربة، وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحد عن المغيرة.
فقال أبو بكرة بعد أن ضُرِبَ: أشهد أنّ المغيرة فَعَلَ كذا وكذا، فهمَّ عمر أن يضربه حدّاً ثانياً، فقال له عليّ بن أبي طالب: إن ضربته فارجم صاحبك، فتركه، واستتاب عمر أبا بكرة فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي؟
فقال: أجل.
فقال: لا أشهد بين اثنين ما بقيتُ في الدنيا.
فلمّا ضُربوا الحدَّ قال المغيرة: الله أكبر، الحمدُ لله الذي أخزاكم.
فقال عمر: بل أخزى الله مكاناً رأوك فيه.
وأخرج ابن شيبة في كتاب "أخبار البصرة ": أن أبا بكرة لمّا جُلِد، أمرت أُمُّه بشاة فذبحت وجعلت جلدها على ظهره، فكان يقال: إنّ ذاك من ضرب شديد.
وحكى عبد الرحمن ابن أبي بكرة: أنّ أباه حلف أن لا يكلّم زياداً ما عاش، فلمّا مات أبو بكرة أوصى أن لا يصلي عليه زياد، وأن يصلّي عليه أبو برزة الأسلمي، وكان النبيّ آخى بينهما، وبلغ ذلك
زياداً، فخرج إلى الكوفة وحفظ المغيرة بن شعبة ذلك لزياد وشكره.
ثمّ إن أمّ جميل وافقت عمر بن الخطّاب بالموسم، والمغيرة هناك، فقال له عمر [ معرّضاً به ]: أتعرف هذه المرأة يا مغيرة؟
قال: نعم، هذه أُمّ كلثوم بنت عليّ [ معرّضاً بعمر لتفكيره بها وإصراره على الزواج منها ].
فقال عمر: أتتجاهل عَلَيَّ؟ والله ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتكَ إلاّ خفت أن أُرمى بحجارة من السماء(١) .
وهذا النص يرشدنا إلى أُمور كثيرة، منها مكان وتاريخ هذه المقولة، فهي في مكّة أيام موسم الحج، وقد تكون قبل الزواج المدّعى لعمر من أُمّ كلثوم.
وسواء كان هذا الكلام من المغيرة قبل التزويج أم بعده، ففيه تعريض بعمر بن الخطّاب والإمام عليّ بن أبي طالب معاً، لأنّ تشبيه أمّ كلثوم بنت
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢: ٢٣٨، وفيات الأعيان ٦: ٣٦(٤) ٣٦٧، والمتن منه ، وهو أيضاً في الإيضاح لابن شاذان: ٥٥٢، والصراط المستقيم ٣: ٢٤٨.
عليّ بأُمّ جميل الفاحشة! فيه ما لا يخفى من الانتقاص لأمير المؤمنين كما أنّ في كلامه أكبر التعريض بعمر بن الخطّاب، لأنّ المشاجرة كانت بين عمر بن الخطّاب والمغيرة بن شعبة. فلمّا عرّض عمر بالمغيرة أراد المغيرة أن يجيبه بأنك لم تكن بأقل منّي في مثل هذه الأمور، لتفكيرك الدائم في أُمّ كلثوم بنت عليّ مع أنّها صغيرة وبمنزلة حفيدتك. فإنّ إصرارك الزائد على التزويج بها يشكّك الجميع في حسن نواياك ومقاصدك التي تدعيها، لأنك لو أردت التزويج بها، فإنّ ذلك سوف لن يكون إلاّ بالقوة والإكراه، خصوصاً حينما كان غطاؤك ودعواك هو الحصول على القربى. فلو كنت مُحّقاً فيما تدّعيه لكان عليك أن تحقّقه بالعقد فقط دون الدخول والإيلاد، وأن تكتفي بسببيتك من خلال ابنتك حفصة لرسول الله إذ بذلك حُزت السبب والصلة معاً.
كانت هذه قراءة سريعة لما في كتب الجمهور، وهي ترجع الأمر إلى طلب عمر الجنس بدعوى القربى، وإن كان ورائها أمور سياسية أخرى، وهي إن صحّت تسجّل ظلامة أُخرى لأهل البيت تضاف إلى قائمة الظالمين.
فلو أراد الباحث دراسة مسألة الزواج من أُمّ كلثوم كان عليه دراسة ظروف هذا الزواج وملابساته، إذ إنّ فتح هذا الملف سيكلّف الخليفة وأنصاره الكثير، حيث وقفت على بعض أهدافه، وقد تكون هناك أهداف سياسية أخرى سيقف عليها المطالع في مطاوي كلمات الشيعة.
والآن مع مجمل ما تقوله الشيعة الإمامية بهذا الصدد، حيث إنّ الذي ذهب منهم إلى وقوع الزواج علّل وقوعه بأنّه كان عن جبر وإكراه لا عن طيب خاطر، واستدل على كلامه بأدلة:
منها ما رواه أبو القاسم الكوفي: أنّ عمر بعث العبّاس إلى عليّ يسأله أن يزوّجه بأُمّ كلثوم، فامتنع.
فأخبره بامتناعه فقال: أيأنف من تزويجي؟، والله، لئن لم يزوّجني لأقتلنّه.
فأعلم العبّاس عليّاًعليهالسلام بذلك، فأقام على الامتناع.
فأعلم عمر بذلك، فقال عمر: احضَرْ في يوم الجمعة في المسجد، وكُن قريباً من المنبر لتسمع ما يجري، فتعلم أنّي قادر على قتله إن أردت.
فحضر، فقال عمر للناس: إن هاهنا رجلاً من أصحاب محمّد وقد زنى، وقد اطّلع عليه أمير المؤمنين وحده، فما أنتم قائلون؟
فقال الناس من كلّ جانب: إذا كان أمير المؤمنين اطّلع عليه فما الحاجة إلى أن يطّلع عليه غيره؟! ليمض في حكم الله.
فلمّا انصرف عمر قال للعبّاس: امضِ إلى عليّ فأعلمه بما قد سمعته، فوالله، لئن لم يفعل لأفعلن.
فأعلم العبّاس عليّاً بذلك.
فقالعليهالسلام : أنا أعلم أن ذلك يهون عليه، وما كُنتُ بالذي يفعل ما يلتمسه أبداً.
فأقسم عليه العبّاس أن يجعل أمرها إليه، ومضى العبّاس إلى عمر
فزوّجه إياها(١) .
وقد ورد في نصّ آخر: أنّه أمر الزبير أن يضع درعه على سطح عليّ، فوضعه بالرمح، ليرميه بالسرقة(٢) .
وقال فيأعلام الورى : قال أصحابنا: إنما زوّجها منه بعد مدافعة كثيرة، وامتناع شديد، واعتلال عليه بشيء بعد شيء حتّى ألجأته الضرورة إلى أن ردّ أمرها إلى العبّاس بن عبد المطّلب، فزوّجها إياه(٣) .
وعن كتاب الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبداللهعليهالسلام : لمّا خطب عمر إلى أمير المؤمنينعليهالسلام قال لهعليهالسلام : إنّها صبية.
قال فأتى العبّاس فقال: ما لي؟ أبي بأس؟!
فقال له: وما ذاك؟
قال خطبتُ إلى ابن أخيك فردَّني...
- وفي نصّ المرتضى: فدافعني وصانعني وأنف من مصاهرتي، أما والله لأعوّرن زمزم، ولأهدمنّ السقاية، ولا تركت لكم يابني هاشم منقبة إلاّ هدمتها، ولأقُيمن عليه شهوداً يشهدون عليه بالسرقة، وأحكم عليه بقطعه، فأتاه العبّاس فأخبره، وسأله أن يجعل الأمر إليه، فجعله إليه(٤) .
وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن
____________________
(١) الاستغاثة: ٧٨، والصراط المستقيم ٣: ١٣٠، شرح الأخبار ٢: ٥٠٧.
(٢) الصراط المستقيم ٣: ١٣٠.
(٣) أعلام الورى ١: ٣٩٧، وعنه في بحار الأنوار ٤٢: ٩٣.
(٤) النوادر لأحمد بن عيسى الأشعري: ١٣٠، الكافي ٥: ٣٤٦، الوسائل ٢٠: ٥٦١، مرآة العقول ٢٠: ٤٤ و ٤٥، رسائل المرتضى المجموعة الثالثة: ١٤٩.
سالم، وحمّاد، عن زرارة، عن أبي عبداللهعليهالسلام في تزويج أُمّ كلثوم، فقال: إنّ ذلك فرج غصبناه(١) .
كانت هذه بعض النصوص التي استدل بها من ادّعى وقوع الزواج من أُمّ كلثوم، لكن في إطار الجبر والإكراه وعن تقيّة لا غير.
____________________
(١) الكافي ٥: ٣٤٦، وعنه في وسائل الشيعة ٢٠: ٥٦١ حديث ٢٦٣٤٩ وبحار الأنوار ٤٢: ١٠٦ وراجع الاستغاثة: ٧٨ عن عبد الله بن سنان.
البحث الفقهي
ذكرنا قبل قليل بأن أهل السُنّة ذهبوا إلى وقوع الزواج من أُمّ كلثوم، مستدلّين بنصوص من التاريخ، وفروع من الفقه، وقد ناقشنا بعض النصوص التاريخية منها، وإليك الآن بعض الفروع الفقهيّة:
قال الزيلعي في نصب الراية: أخرج أبو داود والنسائي عن عمّار بن أبي عمّار، قال: شهدت جنازة أُمّ كلثوم، وابنها، فجُعل الغلام ممّا يلي الإمام، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عبّاس، وأبو سعيد، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السُنّة، قال النوويرحمهالله : وسندهُ صحيح.
وفي روايةالبيهقي : وكان في القوم الحسن، والحسين، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله (١) .
قال النووي - شرحاً لكلام صاحب المهذّب -: والسُنّة أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة - : وروى عمّار بن أبي عمّار أنّ زيد بن عمر بن الخطّاب وأُمّه أُمّ كلثوم بنت عليّ (رضي الله عنهم) ماتا، فصلّى عليهما سعيد بن العاص، فجعل زيداً ممّا يليه وأُمّه ممّا تلي القبلة، وفي القوم الحسن والحسين و...(٢) .
____________________
(١) نصب الراية ٢: ٣١٧.
(٢) المجموع ٥: ٢٢٤.
وفي سُنن أبي داود عن عمّار مولى الحارث بن نوفل أنه شهد جنازة أُمّ كلثوم وابنها، فجعل الغلام ممّا يلي الإمام، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عبّاس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة فقالوا: هذه السُنّة(١) .
وفي سُنن النسائي عن نافع قريب من ذلك(٢) .
روىالبيهقي بسنده عن الشعبي، قال: صلَّى ابن عمر على زيد بن عمر وأُمّه أُمّ كلثوم بنت عليّ، فجُعل الرجل ممّا يلي الإمام، والمرأة من خلفه، فصلّى عليهما أربعاً، وخلفه ابن الحنفية والحسين بن عليّ وابن عبّاس...(٣) .
وفى نصّ عن عامر قال: مات زيد بن عمر وأُمّ كلثوم بنت عليّ، فصلّى عليهما ابن عمر، فجُعل زيداً ممّا يليه وأُمّ كلثوم ممّا يلي القبلة، وكبر عليهما أربعاً.
وفي آخر: عن ابن عمر أنّه صلَّى على أُمّ كلثوم بنت عليّ وابنها زيد،
____________________
(١) سُنن أبي داود ٢: ٧٧ باب ٥٦ ح ٣١٩٣، مسند ابن الجعد ١: ٩٨، ١١٤، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه ٣: ١٩٧، عن عمّار مولى بني هاشم في الباب ١٤٠ في جنائز الرجال والنساء الحديث ٨.
(٢) سُنن النسائي ٤: ٧١، السنن الكبرى للنسائي ١: ٦٤١ ح ٢١٠٥، السنن الكبرى ٤: ٣٣، المصنّف لعبد الرزاق ٣: ٤٦٥ ح ٦٣٣٧، المنتقى من السنن المسندة لابن الجارود: ١٤٢ ح ٥٤٥، سُنن الدارقطني ٢: ٦٦.
(٣) السنن الكبرى ٤: ٣٨، تاريخ دمشق ١٩: ٤٩٢، الإصابة ٨: ٤٦٦ ت ١٢٢٣٧.
وجعله ممّا يليه، وكبّر عليهما أربعاً(١) .
ذكر الترمذي في باب ميراث الغرقى، عن نعيم بن خالد، عن عبد العزيز بن محمّد، حدثنا جعفر، عن أبيه: أنّ أُمّ كلثوم وابنها زيداً ماتا في يوم واحد، فالتقت الصائحتان في الطريق، فلم يرث كلّ واحد منهما من صاحبه...(٢) .
عن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم أنّه قال: إنما نقل عليّعليهالسلام أُمّ كلثوم حين قتل عمر، لأنّها كانت مع عمر في دار الإمارة(٣) .
وعن الشعبي، قال: نقل عليّعليهالسلام أُمّ كلثوم بعد قتل عمر بن الخطّاب بسبع ليال، ورواه سفيان الثوري في جامعه، وقال: لأنّها كانت في دار الإمارة(٤) .
____________________
(١) أنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٨: ٤٦٤.
(٢) سُنن الدارمي ٢: ٣٧٩، ومثله في المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٤٦، السنن الكبرى للبيهقي ٦: ٢٢٢، سُنن الدارقطني ٤: ٤٠، ٤٥، من كتاب: الفرائض والسير، بسنديه: عن عبد الله بن عمر بن حفص، وجعفر بن محمّد عن أبيه.
(٣) الآثار لأبي يوسف ١: ١٤٣. وأنظر المصنّف لابن أبي شيبة ٤: ١٣٣، عن الحكيم، ومصنف لعبدالرزاق ٧: ٣٠، رواه بسند آخر عن معمر عن أيوب أو غيره أنّ عليّاً...، ومثله في النوادر: ١٨٦، عن جعفر عن أبيه.
(٤) الأُمّ ٧: ١٨٢، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٤٣٦،المصنّف لابن أبي شيبة ٤: ١٣٣، الباب ١٧٥ ح ٥.
روى الطبراني في الأوسط، بسنده عن الحسن بن الحسن بن عليّ: أنّ عمر بن الخطّاب خطب إلى عليّ أُمّ كلثوم، فقال إنها تصغر عن ذاك.
فقال عمر: إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلاّ سببي ونسبي، فأحببت أن يكون لي من رسول الله سبب ونسب.
فقال عليّ للحسن والحسين: زوّجا عمَّكما.
فقالا: هي امرأة من النساء، تختار لنفسها.
فقام عليٌّ وهو مغضب، فأمسك الحسن بثوبه وقال: لا صبر على هجرانك يا أبتاه.
لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلاّ روح بن عبادة، تفرد به سفيان عن وكيع(١) .
وهناك مسائل أخرى في الشريعة، كجمع الرجل بين زوجة الرجل وبنته(٢) والهدية(٣) والصداق(٤) وغيرها، سنتعرض إليها ضمن بياننا لهذه الفروع الخمسة إن شاء الله تعالى.
____________________
(١) المعجم الأوسط ٦: ٣٥٧، وعنه في مجمع الزوائد ٤: ٢٧٢، السنن الكبرى ٧: ٦٤.
(٢) مرت مصادره في القول الخامس قبل قليل.
(٣) صحيح البخاري ٣: ٢٢٢ / كتاب الجهاد والسير - باب حمل النساء القرب إلى النّاس في الغزو، وكذا في كتاب المغازي ٥: ٣٦، باب ذكر أُمّ سليط، كنز العمال ١٣: ٦٢٣، شرح النهج ١٢: ٧٦.
(٤) سنذكر مصادر الصداق لاحقاً.
هناك أخبار في كتب الشيعة الإماميّة تشابه ما نقلته كتب العامّة، فلنبحث عن ملابسات تلك الأخبار، وهل أنّها أخبار معتمدة شيعياً ، أمّ أنّها كانت لأهل السنّة ثم دخلت في المصادر الحديثية الشيعية، ثم منها إلى الفقه.
قال الشيخ الطوسي في كتابه " الخلاف ":
"مسألة ٥٤١: إذا اجتمع جنازة رجل وصبيّ وخنثى وامرأة، وكان الصبيّ ممّن يُصلّى عليه، قدمت المرأة إلى القبلة، ثمّ الخنثى، ثمّ الصبي .
إلى أن يقول:
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وروى عمّار بن ياسر قال: أُخرجت جنازة أُمّ كلثوم بنت عليّ عليهالسلام وابنها زيد بن عمر، وفي الجنازة الحسن والحسين عليهماالسلام ،وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، فوضعوا جنازة الغلام ممّا يلي الإمام،
والمرأة وراءَهُ، وقالوا: هذا هو السُنّة "(١) .
وقد استدلّ بعض علماء العامّة بهذه المسألة وما يليها - إلزاماً لنا - للدلالة على وقوع التزويج من أُمّ كلثوم.
ولنا فيه مسائل:
الأولى :
أنّ ما رواه الشيخ عن عمّار بن ياسر مرسل، إذ ليس له طريق إليه، وبتتبعنا في كتب الحديث عند الشيعة والعامّة، لم نحصل على خبر يروى بهذا المضمون عن عمّار بن ياسر إلاّ ما حكاه الشيخ في هذه المسألة.
بل كلّ ما في الأمر هو وجودها عند العامّة عن عمّار بن أبي عمّار؟
فنتساءل: هل هذا هو عمّار بن ياسر، أم غيره؟ وهذا ما نوضّحه لك بعد قليل.
بل كيف يكون المعنيّ به عمّار بن ياسر، ذلك الصحابي الجليل الملازم عليّاً، إذ لو كان ذلك لاحتُمل أن يكون الإمام عليّ حاضراً جنازة ابنته أُمّ كلثوم كذلك! لكنّا نرى الخبر يقول: (في الجنازة الحسن والحسين ) وليس فيه ذكر الإمام عليّ.
مع العلم بأنّ عمّار بن ياسر كان قد استشهد تحت لواء عليّ بن أبي طالب في صفين، فلا يُعقل أن يروي واقعة قد حدثت في خلافة بعض بني أُميّة؟!
____________________
(١) الخلاف ١: ٧٢٢، كتاب الجنائز مسألة: ٥٤١
الثانية:
أن الخبر آنف الذكر يخالف ما نقل عن زواج عبد الله بن جعفر من أُمّ كلثوم بعد زينب بنت عليّ، لأن النصّ يقول في زوجته زينب: " فماتت عنده "(١) .
ومن المعلوم أن وفاة السيدة زينب كان إمّا في سنة ٦٢(٢) أو ٦٥(٣) أو ٦٧(٤) في حين أنّ خبر الصلاة على أُمّ كلثوم كان قبل السنة الرابعة والخمسين من الهجرة يقيناً(٥) .
الثالثة:
من الثابت المعلوم أن الشيخ الطوسي أتى بهذا الخبر في كتابه (الخلاف ) استشهاداً وإلزاماً للآخرين لا استدلالاً به، لأنّه كان قد قال - بعد ذكره للمسألة -: "دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وروى عمّار بن ياسر قال: أخرجت... ".
ومن هذا يفهم بأنّ دليل الشيخ كان إجماع الطائفة وأخبارهم الواردة عن الحلبي(٦) وابن بكير(٧) وعمّار الساباطي(٨) و... لا خبر عمّار بن ياسر
____________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٧٠ و ٧١.
(٢) وفاة زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي: ١٤٢.
(٣) معالي السبطين: ٦٨٩، مع بطلة كربلاء لمغنية: ٩٠، أعلام النساء ١: ٥٠٨.
(٤) نزهة الأنام في محاسن الشام ٢: ٣٤٧ و ٣٨١ للبدري، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم كما في معالي السبطين للحائري: ٦٩٠.
(٥) للمزيد أنظر أعيان الشيعة ١٣: ١٢.
(٦) تهذيب الأحكام ٣: ٣٢٣ ح ١٠٠٠٦ و ١٠٠٠٨، الاستبصار ١: ٤٧١ ح ١٨٢٣ و ١٨٢٥.
(٧) الكافي ٣: ١٧٥ ح ٥، تهذيب الأحكام ٣: ٣٢٣ ح ١٠٠٠٧، الاستبصار ١: ٤٧٢ ح ١٨٢٤.
(٨) الكافي ٣: ١٧٤ ح ٢، تهذيب الأحكام ٣: ٣٢٢ ح ١٠٠٤، الاستبصار ١: ٤٧٢ ح ١٨٢٧.
حتّى يرد الإشكال.
مضافاً إلى ذلك أنّا نعلم أن الكتب الفقهية عند الشيعة الإمامية كتبت على نحوين.
أوّلهما : وفق الأصول الحديثية والرجالية الشيعية، فلا يُتعرّضُ فيها إلى آراء المذاهب الأخرى.
وثانيهما : بملاحظة آراء أهل السُنّة والجماعة مع ما للشيعة من أدلة، وهذا ما يسمى بالفقه المقارن أو فقه الخلاف.
فكتاب الشيخ الطوسي "الخلاف " هو من القسم الثاني، إذ لم نره يذكر خبر عمّار بن ياسر في كتابهالمبسوط ، أوالنهاية ، أوالتهذيب ، أو غيرها من كتبه الفقهية الحديثية الفتوائية، بل ذكرهُ في كتابه (الخلاف ) وهو المعني بفقه الخلاف، وهذا يؤكّد بأنّه جاء بهذا الخبر إلزاماً للآخرين، أو استشهاد به على ما ذهب إليه.
وعليه، فدليل الشيخ في هذه المسألة هو: إجماع الفرقة المحقّة، والأخبار الواردة عن أهل بيت النبوةعليهمالسلام والتي وردت في صحاح أخبارهمعليهمالسلام لا ما ذكره عن عمّار...!!
الرابعة:
إنّ عمّاراً هذا ليس بابن ياسر، بل هو عمّار بن أبي عمّار مولى بني هاشم، وفي بعض النصوص مولى الحارث بن نوفل، وعمّار بن أبي عمّار تابعي، وليس بصحابي، وقد روى عن أبي هريرة وابن عبّاس، وخرّج له أبو داود في سُننه(١) والبيهقي(٢) والنسائي وغيرهم.
وعليه، فإنّ الشيخ الطوسي ذكر خبر عمّار في الخلاف بعد ذكره دليل الشيعة، وذلك للاستشهاد به، لا الاستدلال.
وبنظري أنّ الخطأ والتصحيف الواقع في كتاب (الخلاف ) جاء من قِبَل النساخ وقَبْلَ العلاّمة الحلي، إذ لا يعقل أن لا يعرف الشيخ الطوسي - وهو الإمام الرجالي المحدّث - أنّ عمّار بن ياسر قد استشهد في صفّين وأنّه لا يُعقل أن يُحدّث بأمر وقع في خلافة بعض بني أُميّة؟!
نعم، إنّ أوّل من توجّه إلى أنّ عمّاراً هذا ليس بابن ياسر هو العلاّمة الحلي (ت ٧٢٦ ه-) في كتابهمنتهى المطلب ، وهو من كتب فقه الخلاف فقد قال العلاّمة الحلّي في "مختلف الشيعة " - والذي يختص بنقل أقوال علماء الشيعة الإمامية -: "... واحتجّ الشيخ في الخلاف بالإجماع، وبما روى عمّار بن ياسر، قال: أخرجت جنازة أُمّ كلثوم... " (٣) .
وقال في "منتهى المطلب ":
____________________
(١) سُنن أبي داود ٢: ٧٧ ح ٣١٩٣، وفيه: عمّار مولى الحارث بن نوفل.
(٢) السنن الكبرى ٤: ٣٣.
(٣) مختلف الشيعة للعلاّمة الحلّي ٢: ٣١٥.
"...لنا: رواه الجمهور عن عمّار بن أبي عمّار قال: شهدت جنازة أُمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وابنها زيد بن عمر، فوضع الغلام بين يدي الإمام، والمرأة خلفه، وفي الجماعة الحسن والحسين عليهماالسلام وابن عبّاس وابن عمر وثمانون نفساً من الصحابة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذه السُنّة .
ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أحدهما قال... "(١) .
وقال في "تذكرة الفقهاء "، وعند ذكره بعض الفروع: (ب/ لو اجتمع الرجل والمرأة، قال أصحابنا: يجعل رأس المرأة عند وسط الرجل ليقف الإمام موضع الفضيلة فيهما، وكذا لو اجتمع... - إلى أن يقول -:
وفي أخرى: " يسوّى بين رؤوسهم كلّهم، لأنّ أُمّ كلثوم بنت عليّ عليهالسلام وزيداً ابنها توفّيا معاً فأخرجت جنازتهما فصلى عليهما أمير المدينة، فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما، ولا حجة في فعل غير النبي والإمام عليهالسلام )(٢) .
وأنت ترى نباهة العلاّمة الحلّي وعدم تخطيه عن منهجه في كتابيه، فإنّه حينما يذكر الخبر في (مختلف الشيعة ) - وهو المعني بفقه الإمامية واختلاف أعلام الطائفة فيه -، يذكر خبر الخلاف عن عمّار بن ياسر ; أمانة منه في النقل، لكنّه حينما يقارن المسألة مع كتب العامّة، نراه
____________________
(١) منتهى المطلب للعلاّمة الحلي ٧: ٣٥٧.
(٢) تذكرة الفقهاء، للعلاّمة الحلّي ٢: ٦٦.
يشير إلى أنّ المحكيّ عن عمّار بن ياسر مرويٌ في كتب الجمهور عن عمّار بن أبي عمّار التابعي، مولى بني هاشم، لا ابن ياسر الصحابي.
وهذا يرشدنا إلى ضرورة الاعتناء بفقه الخلاف ودراسته في الحوزات العلمية، لكي نضيف إلى فقهنا ما يؤيدنا من فقه العامّة ; نأتي به استشهاداً لا استدلالاً، وهو يعمق استدلالنا وحجّتنا، لأنّ كثيراً من الفروع الفقهية لو قيست مع أمثالها في كتب العامّة لعُرفت من خلالها أمورٌ كثيرة خافية علينا اليوم، لأنّ فقهنا مهيمن وناظر على فقه العامّة، الذي تأثر بالسلطة والسياسة و... بشكل كثير.
إذاً دراسة الأفكار والعقائد والآراء المطروحة في زمن صدور النصّ له الارتباط الكامل في فهم المسائل المختلف فيها عند المسلمين اليوم.
وعليه، فلا يمكن للآخر أن يستدلّ علينا بورود خبر عمّار بن ياسر وأمثاله في "مسالك الأفهام " أو "مجمع الفائدة والبرهان " أو "جواهر الكلام " وغيرها مثلاً، لكونها مأخوذة من كتاب الخلاف، وقد عرفت كيفية دخول هذا الخبر إلى التراث الشيعي.
إنّ هناك عللاً خفية في خبر عمّار بن ياسر (= عمّار بن أبي عمّار) في محكيالخلاف ومرويّ العامّة، يجب الإشارة إلى بعضها:
أحدها : الاختلاف في زيد بن عمر، وهل أنّه مات غلاماً أم رجلاً؟
وهل هناك فرق بينهما في الاستدلال؟
ثم هل أنّه وأُمّه ماتا في يوم واحد، أم على التعاقب؟
الثاني : ما المراد من قول عمّار بن أبي عمّار: (قالوا: إنها السُنّة)؟
هل يعني لزوم جعل المرأة قبلة الغلام، والغلام قبلة الإمام؟ أم أنّهم أرادوا شيئاً آخر؟
وكيف كان التكبير في خبره؟ ولماذا لم يذكره؟
هل كان التكبير على الميت أربعاً (كما صلّى ابن عمر عليهما)؟ أم خمساً (كما عليه إجماع أهل البيت)؟
وما هو حكم الصلاة على المرأة؟ هل السُنّة في أن يكون الإمام عند رأسها (كما تقوله الشيعة(١) )؟ أم عند وسطها أو عجيزتها (كما تقوله العامّة(١) )؟
وهل السُنّة هي التسوية في الجنائز، أم التدرج فيها؟
بل مَن هو الأحق بالصلاة على الميت؟ هل السُنّة أن يصلّي عليها الإمام؟ أم أولياء الميت؟
إلى غيرها من الفروع الفقهية التي يمكن أن تُبحث ضمن هذه المسألة.
جاء فيمختصر تاريخ دمشق :
كانت في زيد وأُمّه سنّتان: ماتا في ساعة واحدة لم يُعرف أيّهما مات قبل الآخر، فلم يورث كلّ واحد منهما صاحبه، ووضعا معاً في موضع الجنائز، فأخّرت أُمّه وقدّم هو ممّا يلي الإمام، فجرت السُنّة في الرجل والمرأة بذلك بعد(٢) .
____________________
(١) انظر في ذلك وسائل الشيعة ٣: ٦١٨، الباب ٢٧.
(٢) صحيح البخاري ٢: ٩١ كتاب الجنائز باب أين يقوم من المرأة والرجل ح ١٢٤٢ وسُنن الترمذي ٢: ٢٤٩ أبواب الجنائز باب ٤٤.
(٣) تاريخ دمشق ١٩: ٤٨(٨) ٤٨٩، مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦١_ ١٦٢.
أمّاالكلام عن الأمر الأوّل: وهل أنّ زيداً مات رجلاً أم غلاماً؟ فقد عرّف الخليل فيالعين (١) والصاحب بن عباد فيالمحيط (٢) وابن سيده فيالمحكم (٣) والأزهري فيالتهذيب (٤) : لغلام ب-"الطارّ الشارب ".
وفيالمصباح المنير للفيومي: الغلام: الابن الصغير، ويطلق على الرجل مجازاً باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: (شيخ)، مجازاً باسم ما يؤول إليه.
وقال الأزهري: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكراً: "غلام" ، وسمعتهم يقولون للكهل: "غلام"، وهو فاش في كلامهم(٥) .
فالغلام حقيقة هو للابن الصغير، وقد يطلق على الشيخ مجازاً باسم ما يؤول إليه حسبما عرفت.
والآن نتساءل عن زيد بن عمر: هل مات صغيراً أم رجلاً؟
فإن قيل بموته صغيراً، فإنه سينافي ما دلّ على أنّه مات رجلاً.
ولو قلنا بأنّه مات رجلاً، فيعارض كونه مات صبيّاً طفلاً صغيراً.
وإليك بعض الكلام في أنّه مات رجلاً:
ذكر ابن حبيب (ت ٢٤٥) فيالمنّمق عند بيانه (حروب بني عدي بن كعب بن لؤي في الإسلام) دور زيد بن عمر في حلّ هذا النزاع، وأنّه
____________________
(١) العين، للخليل ٤: ٤٢٢، مادة: غلم.
(٢) المحيط في اللغة ٥: ٨٨.
(٣) لسان العرب ١٢: ٤٤٠ عن المحكم.
(٤) تهذيب اللغة ٨: ١٤١.
(٥) المصباح المنير: ٤٥٢.
قد مات على أثر شجة أصابته في ظلمة الليل(١) .
وفيأسد الغابة : وكان زيد قد أصيب في حرب كانت بين بني عدي، خرج ليصلح بينهم، فضربه رجل منهم في الظلمة فشجّه وصرعه، فعاش أياماً ثمّ مات(٢) ، وقد رثاه عبد الله بن عامر شعراً(٣) .
وفيسير أعلام النبلاء : كان [ زيد ] من سادة أشراف قريش، توفّي شاباً ولم يعقّب.
وأضاف الذهبي: وكان ذلك في أوائل دولة معاوية(٤) .
وقال الزبير بن بكار: ضرب في حرب كانت بين عدي، في خلافة بعض بني أُميّة، فصرع وحمل فمات(٥) .
وصرحت بعض المصادر: بأنّه كان متزوجاً وله أولاد، أو مات بلا عقب:
ففي هامشتاريخ دمشق قال الزبير: وأما زيد بن عمر، فكان له ولد فانقرضوا(٦) .
____________________
(١) المنمّق: ٣٠٩ ٣٠١.
(٢) أسد الغابة ٥: ٦١٥، الإصابة ٨: ٤٦٥، ت ١٢٢٦٧.
(٣) أسد الغابة ٣: ١٩٠.
(٤) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢.
(٥) المغني ٢: ٤٢١، الشرح الكبير ٢: ٣٤٥.
(٦) تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٤، المغني ٢: ٤٢١ وفيه: (كان رجلاً له أولاد).
وقال محمّد بن سعد في تسمية أولاد عمر بن الخطّاب: " وزيد الأكبر لا بقية له "(١) .
وقد عُدّ زيد بن عمر من العلماء، مع ابن عبّاس، بعد معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان(٢) .
ولمعاوية حكاية طويلة مع زيد بن عمر، تؤكّد على أنّه كان رجلاً يمكنه أن يعترض ويردّ معاوية(٣) .
وقد ذكر ابن معين في تاريخه أسماء عدّة أشخاص كانوا أبناء لزيد بن عمر، كعبد الرحمن، ومحمّد.
كلّ هذه النصوص توضّح لنا: بأنّ زيداً لم يكن صغيراً كما صوّرته نصوص أخرى، بل كان رجلاً له مكانته عند التابعين، حتّى كانوا يعدّونه من العلماء مع ابن عبّاس، بعد معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، كما مرّ عليك في خبر الطبراني في الكبير، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، وغيرهما.
فلو مات زيد في خلافة بعض بني أُميّة وهو غلامٌ، بمعنى: الطّار الشارب، فهذا لا يتّفق مع كونه بمنزلة ابن عبّاس عند الصحابة
____________________
(١) الطبقات لابن سعد ٣: ٢٦٥.
(٢) انظر الآحاد والمثاني ٤: ٨٦، وفيه: عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان العلماء بعد معاذ بن جبل: عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وسلمان، وعبد الله بن سلام، وكان العلماء بعد هؤلاء: زيد بن ثابت، ثم كان بعد زيد ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم، المعجم الكبير ٥: ١٠٨.
(٣) أنظر تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٩ و ٤٨٤، الكامل في التاريخ ٣: ٣٧٣. سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢ مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٩٠.
والتابعين، وأن يعدّوه من العلماء، وهو الآخر لا يتّفق مع تدخله لحلّ حرب من حروب بني عدي.
فلو كان زيد قد عاش إلى خلافة بعض بني أُميّة، فما أخباره في عهد جدّه الإمام عليّعليهالسلام ؟
وهل شارك في معركة الجمل وصفّين معه، أم عليه؟
بل، أيّ شيء خلّف له عمر بن الخطّاب من الميراث؟
وما هي كلمات حفصة وابن عمر وغيرهما من أولاد عمر في أخيهم زيد؟
ولماذا تظهر شخصية زيد بن عمر وأُمّه بعد وفاتهما في المصادر، ولا نرى لهما ذكراً واضحاً دقيقا قبل ذلك؟
وعلى أي شيء يدل هذا؟
كلّ هذه التساؤلات تشكّكنا في وجود شخص اسمه زيد بن عمر وأُمّه أُمّ كلثوم بنت عليّ(١) .
نعم، قد يكون هذا الشخص هو ابن أُمّ كلثوم بنت جرول - حسب ما قالته المصادر - وقد شارك مع أخيه عبيد الله بن عمر مع معاوية في وقعة صفّين، ثّم إنّ المؤرّخين وبلحاظ التطبيع التاريخي والعقائدي جعلوه ابن أُمّ كلثوم بنت عليّ الصغيرة! وذلك لتطبيق الأهداف التي كانوا يرجونها.
____________________
(١) ونحن سنعود - ضمن بحثنا عن خبر القداح في المواريث - إلى هذا الأمر تارة أخرى بإذن الله ومشيئته.
أمّا الكلام عن الأمر الثاني:
وهو قول عمّار: " قالوا : إنّها السُنّة ".
ربّما يكون هذا الكلام مبهماً، حيث لا نعرف مراد المتكلّم - عمّار بن أبي عمّار - من نقله قولهم: (هذا هو السُنّة)، وربّما يقال:
أوّلاً: عنى بكلامه أن السُنّة هي تقديم الغلام إلى الإمام وإبعاد المرأة إلى القبلة.
ثانياً: أراد بها كون التكبير على الميت أربعاً لا خمساً.
ثالثاً: أراد بأنّ الصلاة على الميّت هي للإمام والأمير، لا لأوليائه، وبذلك جرت السُنّة.
رابعاً: المقصود من كلامهم: (هذا هو السُنّة) أي: التسوية بين الموتى لا التدرج، لأن سعيد بن العاص سوّى بينهم، والصحابة أمضوا ذلك.
أو: أنّه أراد بذلك شيئاً آخر.
فلو كان مراده القول الأول، فهو صحيح ; لأنّ السُنّة عندنا هو أن يقدّم الغلام إلى الإمام وتبعد المرأة إلى القبلة، وفي ذلك صحاح مروياتنا(١) .
أمّا لو أراد بذلك القول الثاني، فإنه يخالف فقه أهل البيتعليهمالسلام ، لأنّ أهل البيت كانوا يكبرون خمساً، ولا يرتضون التكبير على الميت أربعاً، فكيف يقبل الإمامان الحسن والحسين وابن الحنفية ما فعله ابن عمر مع أختهم المفترضة؟
والمطالع لفقه الطالبيّين يعرف أنّهم كانوا يصرّون على أنّ التكبير
____________________
(١) انظر أحاديث الباب في وسائل الشيعة ٣: ١٢٤ باب ٣٢.
على الميّت خمسٌ، ولا يرتضون غيره، وهذه حقيقة ثابتة دلّت عليها نصوص كثيرة.
فلو أريد من قولهم: "هذا هو السُنّة" هو التكبير على الميّت أربع تكبيرات فهو باطل لتخالفه مع فقه الطالبيّين(١) ، إلا أنّ نقول بأنّ أمّ كلثوم المفترضة هي بنت أبي بكر لا بنت عليّ، لتخالف فقه علي وأهل بيته مع فقه الحكّام في كثير من الأمور.
كلّ ذلك ونحن نستبعد أن يقدّم الإمام الحسن عبد الله بن عمر للصلاة على أُخته المفترضة، مع علمنا باستفاضة الأخبار في استحباب تقديم الهاشمي على غيره في الصلاة على الميّت(٢) .
وكذا نستبعد أنّ يسمح الإمام الحسن والحسين بصلاة سعيد بن العاص على أُختهم المفترضة، وهم يعلمون عداءه لأهل البيتعليهمالسلام ، فقد جاء في بعض الأخبار: أنّ الإمام الحسين لمّا اضطر للصلاة على سعيد بن العاص قال: اللهم العنه لعناً وبيلاً، وعجل بروحه إلى جهنم تعجيلاً.
فقال له من بجنبه: أهكذا صلاتكم على موتاكم؟!
فقال: لا، بل على أعدائنا. ذكره فيالشفاء وغيره(٣) .
ويضيف صاحب الأزهار: وفي رواية الجامع عن مولى لبني هاشم عن
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٢٦٨ ٢٦٩.
(٢) راجع المعتبر للعلامّة الحلي ٢: ٣٤٧، باب صلاة الميّت، كشف الرموز ١: ١٩٢، باب صلاة الجنائز.
(٣) شرح الأزهار ١: ٤٣١.
دعاء الحسين بن علي على سعيد بن العاص: اللهم املأ جوفه ناراً، واملأ قبره ناراً، وأعد له عندك ناراً، فإنّه كان يوالي عدوك، ويعادي وليك، ويبغض أهل بيت نبيك.
فقلت: هكذا نصلي على عدونا.
ويمكن أنّ نجاب - على فرض التنزل والقبول بالأمر - بأنّ الإمام الحسين قدّم سعيد بن العاص في الصلاة على أخيه وقوله: لولا أنّها سنة ما تقدمت - كما جاء في بعض الأخبار - وهذا لا يمكن تفسيره مع نصب سعيد العداء لأهل البيتعليهمالسلام .
فنقول لأولئك: لو صحّ الخبر فقد تكون تقية، وقد تكون بوصية من الإمام الحسن واستجابة لقوله: " بأنّ لا يراق بسببه محجمة دم " وبذلك يكون المراد من قوله: لولا السنّة في إمضاء الوصيّة(١) .
أمّا لو أراد القول الثالث والرابع فهو ممّا يجب البحث عنه كي نراه هل يتفق مع فقه أهل البيت أم لا؟ وهو ما نرجئه لوقت آخر.
كان هذا بعض الشيء عن مقصود عمّار بن أبي عمّار من جملة: (إنّها السُنّة) ، والآن مع خبر القداح في المواريث.
____________________
(١) انظر هامش الأزهار ٣: ٢١١، الأحكام للإمام يحيى: ١٥٤ وهامش مسند الإمام زيد: ١٧٢.
روى الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي في المطبوع منتهذيب الأحكام (باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم في وقت واحد):
" عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد القمي، عن القدّاح، عن جعفر، عن أبيهعليهماالسلام قال: ماتت أُمّ كلثوم بنت عليّ وابنها زيد بن عمر بن الخطّاب في ساعة واحدة، لا يُدرى أيّهما هلك قبل، فلم يُورَّث أحدهما من الآخر، وصُلِّي عليهما جميعاً "(١) .
السند:
وفي هذا الإسناد جعفر بن محمّد، الذي قال عنه السيّد الخوئي: "جعفر بن محمّد القمي (= جعفر بن محمّد الأشعري)روى عن القدّاح، وروى عنه محمّد بن أحمد بن يحيى، التهذيب: الجزء ٩، " باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم " الحديث ١٢٩٥. أقول: الظاهر إتحاده مع جعفر بن محمّد الأشعري المتقدم " (٢) .
وقد كانرحمهالله قد قال قبل ذلك:
"جعفر بن محمّد الأشعري (= جعفر بن محمّد القمي):وقع في إسناد عدّة من الروايات تبلغ مائة وعشرة موارد، فقد
____________________
(١) تهذيب الأحكام ٩: ٣٦٣ ح ١٢٩٥ وعنه في الوسائل ٢٦: ٣١٤ ح ٣٣٠٦٧ وفيه: عن ابن القدّاح.
(٢) معجم رجال الحديث ٥: ٩٩.
روى عن ابن القدّاح، ورواياته عنه بهذا العنوان تبلغ تسعة وسبعين مورداً، وعن عبد الله بن القدّاح، وعبد الله بن ميمون، وعبد الله بن ميمون القدّاح، وعبد الله الدهقان، والقدّاح ... "(١)
إلى أن يقول:
" أقول: قيل إنّ جعفر بن محمّد هذا هو جعفر بن محمّد بن عبيد الله الآتي، أو جعفر بن محمّد بن عيسى الأشعري، إلاّ أنّ كلاًّ منهما وإن كان محتملاً في نفس الأمر، لكنه لا دليل عليه، فإن جعفر بن محمّد بن عبيد الله لم يثبت أنّه كان أشعرياً، ومجرّد رواية كلّ منهما عن ابن القدّاح لا يثبت الاتّحاد. كما أن أحمد بن محمّد بن عيسى، لم يثبت أنّه كان له أخ يسمى بجعفر.
هذا، ومن المطمأَنّ به أنّ جعفر بن محمّد الأشعري هو جعفر بن محمّد بن عبيد الله الآتي، وذلك فإنّ جعفر بن محمّد الأشعري قد روى عن ابن القدّاح كثيراً يبلغ عددها مئة وتسعة موارد، ولم يذكر له رواية عن غيره إلاّ في مورد واحد... "(٢) .
وقال السيّد الخوئي أيضاً في ترجمة جعفر بن محمّد بن عبيد الله:
____________________
(١) معجم رجال الحديث ٥: ٦٨.
(٢) معجم رجال الحديث ٥: ٦(٨) ٧٠.
" روى عن عبدالله بن ميمون القدّاح، ويروى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى. كامل الزيارات، باب في فضل كربلاء وزيارة الحسين ٨٨ الحديث ١١.
وقال الشيخ (١٥٠): " له كتاب رويناه عن عدّة من أصحابنا، عن أبي المفضّل عن ابن بطّة، عن أحمد بن عبيد الله، عن ابنه، عن جعفر بن محمّد بن عبيد الله وطريقه إليه ضعيف بأبي المفضّل وبأبي بطّة وتقدّم في جعفر بن محمّد الأشعري ما له ربط بالمقام "(١) .
وقد علّق الشيخ التستري في كتابه" قاموس الرجال " على ما قاله الميرزا الأسترآبادي - في جعفر بن محمّد الأشعري من أنّه: جعفر بن محمّد بن عبد الله، الذي يروي عن ابن القدّاح كثيراً، أو جعفر بن محمّد بن عيسى الأشعري، أخو أحمد بن محمّد - بقوله:
" أقول: كان عليه أن يحقّق أولاً موضوعه وموضع وروده، هل ورد في الأخبار أو الرجال؟ ثمّ يردّد في المراد منه "(٢) .
وكيف كان، فجعفر بن محمّد القمّي مشترك بين عدّة أشخاص منهم الثقة، ومنهم غير الثقة، ويمكن للمطالع وبمراجعة كتب مثل كتاب" جامع المقال في ما يتعلّق بأحوال الرجال " للشيخ فخر الدين الطريحي أو (هداية المحدّثين ) للكاظمي، أو غيرها من كتب المشتركات، أن
____________________
(١) معجم رجال الحديث ٥: ٨(٣) ٨٤
(٢) قاموس الرجال للشيخ التستري٢: ٦٦٥.
يستعلم حال ما نحن فيه ; إذ (لمّا يعسر التمييز تقف الرواية )(١) .
إذاً، كان جعفر بن محمّد مشترك بين الثقة وغيره، فهو إمّا جعفر بن محمّد الأشعري، أو جعفر بن محمّد بن عبيد الله، أو جعفر بن محمّد بن عيسى الأشعري، أو أنّ هؤلاء جميعاً شخص واحد، ولمّا تعسر التمييز بينهم وقفت الرواية عن الاحتجاج بها.
مشيرين إلى أنّ الراوي (جعفر بن محمّد القمّي) لم يرو عنه أحد في كتب الحديث بهذا الاسم إلاّ الشيخ الطوسي فيتهذيب الأحكام ، وعنه أخذ الحر العاملي فيوسائل الشيعة .
ففي المطبوع منتهذيب الأحكام : روى الشيخ بسنده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن القمّي جعفر بن محمّد عن القدّاح(٢) .
وفي نسخة صاحب الوسائل منالتهذيب: عن ابن القدّاح(٣) .
فلو كانت الرواية عن ابن القدّاح، فهو عبدالله بن ميمون بن الأسود القدّاح، الثقة حسبما قاله النجاشي(٤) .
وأما لو كان عن القدّاح، فهو ميمون بن الأسود، الذي عدّه الشيخ في رجاله تارة من أصحاب السجّادعليهالسلام (٥) ، وأخرى من أصحاب الباقرعليهالسلام
____________________
(١) انظر جامع المقال في أحوال الرجال : ١٠٣ ، هداية المحدّثين : ١٨٣
(٢) تهذيب الأحكام ٩: ٣٦٢ ح ١٢٩٥، وروى له أيضاً في الاستبصار ١: ٤٧٧ ح ١٨٤٥، بسنده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن جعفر بن حمد بن عبد الله القمّي عن عبد الله بن ميمون القدّاح عن جعفر عن أبيه.
(٣) وسائل الشيعة ٢٦: ٣١٤ ح ٣٣٠٦٧.
(٤) رجال النجاشي: ٢١٣ ت ٥٥٧.
(٥) رجال الشيخ الطوسي: ١٢٠ رقم ١٢٢٣.
قائلاً: ميمون القدّاح مولى بني مخزوم، مكّي(١) .
وثالثة من أصحاب الصادقعليهالسلام قائلاً: ميمون القدّاح المكّي مولى بني هاشم روى عنهما.
ثم جاء السيّد الخوئي برواية الكليني، التي فيها مدح لميمون القدّاح وقال: (وغير بعيد أن يكون ميمون القدّاح مولى لهم سلام الله عليهم، من جهة ولائه لهم سلام الله عليهم أجمعين، ويظهر من الرواية شدّة اختصاصه بهم، كما يدلّ عليه قول ابن شريح فإنّه منهم، وفي هذا مدح عظيم، غير أنّ الرواية ضعيفة بجهالة رواتها) (٢) .
وعليه، فالراوية تعدّ مجهولة، لعدم ورود توثيق في جعفر بن محمّد القمّي، وفي القدّاح.
أمّا لو كان " ابن القدّاح " فهو ثقة، حسبما قاله النجاشي، لكنّها تنحصر في نسخة صاحب الوسائل.
أمّا نُسخ غالب فقهاءنا العظام ك (صاحب المستند )(٣) ، و(الجواهر )(٤) ، و(المسالك )(٥) ، و(مجمع الفائدة والبرهان )(٦) ، و(كشف اللثام )(٧) وغيرهم
____________________
(١) رجال الشيخ الطوسي : ٢٣١ رقم ٣١٣١
(٢) معجم رجال الحديث ٢٠: ١٢٧. وقال الشيخ المامقاني في تنقيح المقال ٣: ٢٦٥ ط قديم: الحديث دلّ على كون الرجل إمامياً، ولم أقف فيه على مدح يدرجه في الحسان. (وانظر قاموس الرجال ١٠: ٣٢٧) وقد أورده ابن داود الحلي في القسم الثاني من رجاله: ٢٨٢ وقال: ميمون القدّاح ين، ق [ جخ ] ملعون. تحت رقم ٥٣١، الطبعة الحيدرية.
(٣) مستند الشيعة ١٩: ٤٥٢ و ٤٦٣.
(٤) جواهر الكلام ٣٩: ٣٠٨.
(٥) مسالك الإفهام ١٣: ٢٧٠.
(٦) مجمع الفائدة والبرهان ١١: ٥٢٩.
(٧) كشف اللثام ٩: ٥٢٥.
فجميعها عن " القدّاح " لا ابنه، وهو مجهول.
ولمّا كان الرواي هو القدّاح ولم يثبت توثيق فيه، وكان في الرواية أيضاً جعفر بن محمّد القمّي المشترك في الرواية، سقطت عن الاعتبار، ولا يؤخذ بها.
وقد علّق العلاّمة المجلسي (ت ١١١١ ه-) في كتابه "ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار " على الحديث الرابع عشر من أحاديث باب الغرقى والمهدوم عليهم بقوله: " مجهول، وجعفر بن محمّد هو ابن عبدالله المجهول "(١) .
____________________
(١) ملاذ الأخيار ١٥: ٣٨٢.
سؤلان؟!
لنا هنا سؤالان:
الأوّل: هل أنّ أُمّ كلثوم وزيداً ماتا في يوم واحد أم لا؟
الثاني: هل يمكن تعميم نصوص توريث الغرقى والمهدوم عليهم على الّذين ماتوا حتف أنفهم - كما في رواية القدّاح - أم لا؟
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل:
فلا يمكن البتّ فيه بهذه السرعة، لأنّ النصوص مختلفة في ذلك، فتارة تصرح بأنّ زيد بن عمر مات وهو غلام(١) .
وأُخرى: مات وهو رجل(٢) .
وثالثة: مات وأُمّه في يوم واحد(٣) .
ورابعة: لم نر قيداً فيها(٤) .
وخامسة: مات على أثر نزاع نشب لبني عدي(٥) .
وسادسة: أن عبد الملك بن مروان سمّ زيداً وأُمّه فماتا، وذلك بعد ما قيل لعبد الملك: هذا ابن عليّ وابن عمر، فخاف على مُلكه فسمّهما(٦) .
____________________
(١) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢، وفيه توفى شاباً ولم يعقد.
(٢) تاريخ المدينة ٢: ٦٥٤.
(٣) أنساب الأشراف: ١٩٠، نسب قريش: ٣٥٣.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٧٠ - ٧١.
(٥) الاستيعاب بهامش الإصابة ٤: ٤٩١، سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢، وفيه: وقعت هوسة بالليل فركب زيد فيها فأصابه حجر فمات، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٧٠، تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٣، ومختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦١.
(٦) المصنّف لعبد الرزاق ٦: ١٦٤ / ح ١٠٣٥٤.
وليس في كلّ تلك النصوص أنّه مات على أثر هدم حائط، أو أنّه غرق في بحر أو ما شابه ذلك.
ولكي نقف على الحقيقة أكثر لا بُدّ من استعراض الحدث في الكتب التاريخية والرواية.
والآن مع خبر ابن حبيب البغدادي (ت ٢٤٥)في المنمّق في أخبار قريش ، إذ أفرد باباً في كتابه بعنوان: (حروب بني عدي بن كعب بن لؤي في الإسلام) أشار فيه إلى وجود رجلين قبل الإسلام كانا أشد النّاس عداوة للرسولصلىاللهعليهوآله :
أحدهما: عمر بن الخطّاب.
والثاني: أبو الجهم بن حذيفة.
وقد فتح الله على عمر بن الخطّاب وهداه إلى الإسلام، أمّا أبو الجهم بن حذيفة فبقي على كفره، حتى أسلم يوم الفتح(١) .
ولمّا أسلم عمر وسمع بقوله تعالى:( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِر ) (٢) طلّق زوجته أُمّ كلثوم بنت جرول والتي كانت تسمى: ب- (مليكة) مع أنه كان قد أولدها عبيد الله وزيداً و...(٣) .
وكان ذلك في الهدنة فخلف عليها أبو الجهم بن حذيفة(٤) .
ولمّا حدث نزاع في بني جهم جاء عبدالله وسليمان ابنا أبي الجهم إلى زيد بن عمر بن الخطّاب ; يسألاه النصر، فأجابهما، وقال: لا هضيمة
____________________
(١) المنمّق: ٢٩٤.
(٢) سورة الممتحنة : ١٠
(٢) البداية والنهاية ٧: ١٥٦.
(٣) الإصابة ٢: ٥١٩.
عليكما ولا ضيم(١) .
فبنو الجهم كانوا يتناقشون ويتباحثون النزاع العائلي بينهم في الصباح نظرياً ولفظياً، ويطبقونه في المساء تطبيقا عملياً، وقد تدخّل زيد بن عمر لحلّ النزاع بين الأخوة، فأصابه شيء، فجرح، وقد أدّى ذلك إلى موته.
وقد كان زيد يتهم خالد بن أسلمَ - أخا زيد بن أسلم، من موالي عمر بن الخطّاب - بأنّه هو ضاربُهُ(٢) الضربة التي أدّت إلى موته.
وقد عاتب عبدالله بن عمر أخاه زيداً بقوله: اتّق الله يا زيد لا تدري من ضربك فلا تتهم خالداً...
كلّ هذه النصوص تؤكّد على أن زيداً - ابن أُمّ كلثوم بنت جرول، أو ابن أُمّ كلثوم بنت فاطمة - كان رجلاً مقبولاً عند الآخرين، بحيث كان يُقدّم على إخوته، أمثال: عبدالله بن عمر وأولاده، ولم يمكن تصوّر تقديمه على أولئك إلاّ لوجاهته ومكانته الاجتماعية.
ومن الطريف في الأمر أنّ غالب المؤرخين يذكرون وجود ابنين لعمر بن الخطّاب:
اسم أحدهما: زيد الأكبر، وهذا ابن أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، الذي مات مع أُمّه في يوم واحد حسبما يقولون(٣) .
وثانيهما: زيد الأصغر، وهو ابن أُمّ كلثوم بنت جرول(٤) .
وفي (المنمّق ) إن الذي تدخّل في النزاع هو ابن أُمّ كلثوم بنت عليّ،
____________________
(١) المنمّق: ٣٠١.
(٢) انظر : تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٩ ، مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦٢ ، والمنمّق : ٣١٠
(٣) عون المعبود ٨: ٦٦٥، عن المنذري.
(٤) تاريخ الطبري ٣: ٢٦٩، تاريخ دمشق ٣٨: ٥٨.
وقد مدحه بعض الشعراء مصرّحاً بأنّه من الفاطميين الذين نصروهم في هذا النزاع(١) .
ولو راجعت ترجمة أُمّ كلثوم بنت جرول في كتب التراجم لرايتها قد ولدت لعمر (عبيد الله وزيداً) قبل الإسلام، فيكون زيد هذا هو أكبر حقيقة من ابن أُمّ كلثوم بنت فاطمة.
فلماذا يطلق على ابن أُمّ كلثوم بنت جرول: الأصغر، ويقال عن ابن أُمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب: الأكبر؟!!
هذا تساؤل يثار ويبحث عن جواب، ولا نرى مَقْنعاً - بعد الوقوف على كلّ هذه الملابسات - بما قالوه: من أنّه سميّ الأصغر: أكبر ; كرامةً لاتصاله برسول الله، وتسمى الأكبر حقيقة: أصغر ; لأنّه ليس له نسبة برسول الله.
ومن الطبيعي لو كان هناك نزاع بين بني جهم أن يتدخّل زيد ابن أُمّ كلثوم بنت جرول ; لكونه أقرب لبني جهم من ابن فاطمة وعليّ، وذلك للعلقة الموجودة بين أولاد عمر وأولاد جهم ; لأن أمّ زيد صارت زوجة أبي جهم بن حذيفة بعد عمر بن الخطّاب.
لكنّا نرى الأمر يختلف حسب فرضهم، حيث إنّهم يذكرون أنّ زيد ابن أُمّ كلثوم بنت عليّ هو الذي تدخّل لحلّ النزاع مع أنّه كان صغيراً في ذلك الوقت، وليس بتلك المكانة التي كان يحظى بها إخوانه في بني جهم. في حين أنّ عصبيتهم القبلية كانت تدعوهم لتدخّل ابن أمّ كلثوم بنت جرول ;
____________________
(١) المنمّق : ٣٠٥ وفيه قول عبد الله بن أبي الجهم :
وزيدٌ اتيناه فهشَّ ولم يَخِمْ |
لدن أن ندبناه ابن خير الفواطمِ |
لأنّه هو الأكبر والأشهر والأعرف عندهم.
ولكي يتأكد لك أنّ القوم سمّوا الأكبر بالأصغر، أقرأ ما قاله ابن شبة فيتاريخ المدينة: زيد الأصغر وعبد الله قُتلا يوم صفيّن زمن معاوية، وأمّهما أُمّ كلثوم بنت جرول (١)
وبنظرنا: إنّ تسليط الضوء على هذه الفترة من تاريخ العرب، وتاريخ زواج عمر من أُمّ كلثوم بنت جرول وطلاقه لها، هو اللغز الذي يمكن أن يفتح به موضوع تزويج عمر من أُمّ كلثوم بنت عليّ.
وأمّاالجواب عن السؤال الثاني :
فهو: إنّه لا خلاف بين الفقهاء في توريث الغرقى والمهدوم عليهم حسب تفصيل مذكور في كتب الفقه، بل الإجماع - بقسميه - دالٌّ عليه، والنصوصُ به متواترة.
لكن هنا تساؤل مفادُهُ: هل يمكن تعميم هذا الحكم على الّذين ماتوا حتف أنفهم في يوم واحد، بحيث لا يعلم أيّهما مات قبل الآخر، أم أنّه يختص بالغرقى والمهدوم عليهم؟
ذهب بعض الفقهاء إلى عدم ذلك ; للأصل، والإجماع الذي نقله صاحبمسالك الإفهام ، ولرواية القدّاح.
وهناك من شك في الإجماع ، وضَعَّف خبر القدّاح، وقال بالتوريث بناءً على أنّ العلّة قطعيّة، وهي: جهالة تقدم موت أحدهما على الآخر، كما
____________________
(١) تاريخ المدينة ٢: ٦٥٤
مال إليه صاحب الرياض.
وقد علّق صاحب الجواهر على كلام صاحب الرياض بقوله:
" ومن الغريب ما في الرياض هنا من الميل إلى الأوّل [أي التوريث ] محتجاً عليه بقوة احتمال كون العلّة المُحْتَجّ بها قطعيّة منقّحة بطريق الاعتبار، لا مستنبطة بطريق المظنة لتلحق بالقياس
المحرم في الشريعة.. "(١) .
وقال الأردبيلي فيمجمع الفائدة والبرهان :
قال [ العلاّمة ] في (المختلف) : لنا أنّ الأصل عدم توريث أحدهما من صاحبه ; لعدم العلم ببقائه بعده، خرج عنه الغرقي والمهدوم عليهم ; للنصوص الدالة عليه، فيبقى الباقي على أصل المنع.
احتجّ: بأنّ العلّة الاشتباه، وهو موجود في القتل والحرق.
والجواب: المنع من التعليل بمطلق الاشتباه، فجاز أن يكون العلّة الاشتباه المستند إلى أحدهما، على أن قول ابن حمزة لا يخلو من قوة.
وأنت تعلم أنّ هذا الاحتجاج يدل على كون الأمر كذلك في مطلق الاشتباه، ولو كان الموت حتف أنفه، والظاهر أنّ لا قائل به، بل نقل الإجماع في (شرح الشرائع) على عدم القائل به.
وتؤيّده رواية القدّاح، عن جعفر عن أبيهعليهماالسلام قال: ماتت
____________________
(١) جواهر الكلام ٣٩: ٣٠٩- ٣١١.
أمّ كلثوم بنت عليّ عليهالسلام وابنها زيد بن عمر بن الخطّاب في ساعة واحدة لا يدرى أيّهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخر، وصلى عليهما جميعاً. ولكنها ضعيفة مع مخالفتها لبعض الأصول (١) .
وعلى كُلّ حال، فإنّ عمدة من قال بعدم التوريث هو الأصل، لا رواية القدّاح، فلو كانت معتبرةً عندهم لما وصلت نوبة الاستدلال إلى الأصل.
وللوقوف على تشعّبات هذه المسألة يمكنك مراجعة كتاب (فقه الصادق ) للسيد صادق الروحاني(٢) ، لأنّ فيه مزيد بيان.
قال المحقّق السبزواري في آخر كتاب (كفاية الأحكام ) عند ذكره الأحكام المتفرقة لهذا الباب:
(مسائل: الأوّلى: من شروط الإرث عند الأصحاب العلم بحياة الوارث بعد موت الموروث، فلو علم موتهما معاً لم يرث أحدهما من الآخر، ولو اشتبه التقدّم والتأخر والمعية لم يرث المشتبه عندهم، إلاّ فيما استثنى، ونقل في (المسالك) الإجماع على ذلك، وقد روى القدّاح عن الصادق عليه السّلام عن أبيه قال: ماتت أُمّ كلثوم بنت عليّ... )
إلى أنّ يقول:
(وفي ثبوت الإجماع تأمّل، والرواية ضعيفة، ولم يذكر الأصحاب احتمال القرعة هاهنا، وهو احتمال صحيح إن لم يثبت إجماع على خلافه، كما هو الظاهر... )(٣) .
____________________
(١) مجمع الفائدة والبرهان ١١ : ٥٢٠
(٢) فقه الصادق ٣٤ : ٣١١
(٣) كفاية الأحكام : ٣٠٧
وبهذا، فقد عرفت أنّ هناك من يذهب إلى إمكان سراية أحكام ميراث الغرقى والمهدوم عليهم إلى مَن مات حتف أنفه ؛ لاتّحاد العلّة في الجميع - وهو الاشتباه - إذ لا يُدرى أيّهما مات قبل الآخر، وهذا يرشدنا إلى إمكان تخطِّي رأي المشهور، وخصوصاً لو قسنا ما نقوله مع ما جاء عن العامّة في هذا الفرع وأمثاله فإنك لو راجعت كتب الصحاح والسُنن عند العامّة لوقفت على نصوص كثيرة عن زيد بن ثابت وغيره، توكّد على عدم التوريث، في حين جاء عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وعليّ بن أبي طالب ما يشير إلى توريث أحدهما من الآخر، نترك بسط الكلام عن هذا الموضوع إلى حينه.
وبهذا فقد وقفنا على عدّة أمُور:
الأوّل:
الشّك في أصل وقوع الزواج، وعلى فرض وقوعه الشّك في ولادة زيد، وعلى فرض ولادته أيّهما هو؟
الثاني:
التشكيك في أنّ يكون زيد وأُمّه قد ماتا في يوم واحد. إذ لا نعرف سبب الموت: هل كان بسبب هدم الحائط أو الغرق؟ أو أنّ بني عدي ضربوا زيداً، أو أنّ عبد الملك بن مروان سمّهما؟ أو...
الثالث :
مسالة التوارث بين الأم والابن وإمكان مخالفته مع فقه أهل البيت.
الرابع:
إنّ قضية الزواج من أوّلها إلى آخرها تضجّ بالإشكالات والتناقضات: في كيفية الخطبة، والتزويج، والولادة، ومن هو المزوِّج، وما هو المهر، وهل كان برضاً أم غصباً، ومن هم أزواج أُمّ كلثوم بنت عليّ و...
وعليه، فقد اتّضح عدم إمكان أن يلزمنا الآخر بهاتين الروايتين
وأمثالهما، والاستدلال على ضوئهما بولادة زيد من عمر بن الخطّاب وأُمّ كلثوم، لأنّ الروايات التي أرادوا الاستدلال بها على الإنجاب كانت هذه، وهي غير صحيحة بنظرنا، ومخالفة للحقائق التاريخية والأصول الشرعية عند الشيعة الإمامية.
أمّا عندهم.
فقد صرّح الزرقاني: بأنّ عمر قد مات عنها قبل بلوغها(١) . وخصوصاً لو أخذنا بنظر الاعتبار اختلاف النصوص.
ففيمختصر تاريخ دمشق : مات زيد وهو صغير(٢) .
وفي آخر: أنها ولدت له زيداً ورقية(٣) .
وفي ثالث: فاطمة وزيداً(٤) .
وفي رابع: عاش حتى صار رجلاً(٥) .
وفي خامس: إنّ لزيد بن عمر عقباً(٦) .
وفي سادس قتل بلا عقب(٧) .
إلى غيرها من الأقوال.
____________________
(١) شرح المواهب اللدنيّة ٧: ٩.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠١، تركة النّبي: ٩٥، الذرية الطاهرة: ١١٨، تاريخ الطبري ٣: ٢٧٠، تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٢.
(٤) المعارف: ١٨٥.
(٥) أنظر: تاريخ دمشق ٩: ٤٨٩، ٤٨٤، الكامل في التاريخ ٣: ٣٧٣، سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢.
(٦) هامش تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٤.
(٧) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢، الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٣.
وأنت تعلم بأنّ ما جاء في كيفية الصلاة على الجنائز كانت رواية عامية، وقد ذكرها فقهاء الإمامية في كتبهم استشهاداً لا استدلالاً، فلا يمكنهم أن يلزمونا بولادة زيد وموته مع أُمّه في يوم واحد طبق محكي الخلاف، وكذا لا يمكن على ضوئه إثبات كون زيد هو ابن لأم كلثوم بنت فاطمة.
أمّا رواية القدّاح، فهي الأخرى متروكة عند أعلامنا ; لجهالة جعفر بن محمّد القمي، ومخالفتها لبعض أصول المذهب.
وقد تكون جملة (بنت عليّ) أو (بنت فاطمة) في هذه الأخبار هي من توضيحات الراوي ذكرها تبرّعاً من عند نفسه، وقد يكون الراوي قد تأثّر بالإشاعات والمؤثّرات الخارجية فأضاف هذه الزيادة، ولو علم بأنّ كلّ ذلك تحريف وتزوير لما فعل ذلك.
بعد كلّ هذا نقول: هذه الأقوال تشكّكنا في صحّة الأخبار المنقولة عن حادثة زيد بن عمر، وموته هو وأُمّه في يوم واحد، وكذا ما نقل من مسألة التوريث بينهما.
(روى الكليني عن حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن عبدالله بن سنان، ومعاوية بن عمّار بن أبي عبدالله، قال: سألته عن المرأة المتوفّى عنها زوجها، أتعتدُّ في بيتها، أو حيث شاءت؟ قال: بل حيث شاءت، إنّ عليّاً لمّا توفّي عمر أتى أمّ كلثوم فانطلق بها إلى بيته )(١) .
وفي آخر:
(فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته)(٢) .
فهذه الرواية هي الأُخرى لا تدلّ على الإنجاب.
فإن قيل: إنّها تدلّ على التزويج، وهو كاف لإثبات المراد.
قلنا: بأن تفسير الخبر جاء معه بقوله في الخبر الآخر: (ذلك فرج غُصبناه)(٣) أو (غُصبنا عليه)(٤) ، وأقصى ما يمكن في الدلالة هو وقوع التزويج عن إكراه، لا عن طيب خاطر.
وهذا لا يفيد شيئاً، بل يشير إلى المنافرة بين عليّ وعمر لا الأخّوة بينهما كما يريدون القول به.
____________________
(١) الكافي ٦: ١١٥ ح ١، وأنظر تهذيب الأحكام ٨: ١٦١، والاستيعاب ٣: ٢٥٢ كذلك، وفي السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٤٣٦ وكنز العمّال ٩: ٦٩٤ عن الشعبي قال: نقل عليّ رضي الله عنه أُمّ كلثوم بعد قتل عمر رضي الله عنه بسبع ليال، ورواه الثوري في جامعه وقال: لأنها كانت في دار الإمارة.
(٢) الكافي ٦: ١١٥ ح ٢، وفي النوادر للراوندي: ١٨٦، عن جعفر الصادق عن أبيهعليهالسلام : نقل عليّ بن أبي طالب ابنته أُمّ كلثوم في عدّتها حين مات زوجها عمر بن الخطّاب، لأنها كانت في دار الإمارة.
(٣) الكافي ٥: ٣٤٦ ح ٢، وسائل الشيعة ٢: ٥٦١ ح ٢٦٣٤٩ بحار الأنوار ٤٢: ١٠٦.
(٤) الاستغاثة ١: ٧٨ و ٨١، شرح الأخبار ٢: ٥٠٧، رسائل المرتضى المجوعة الثالثة: ١٤٩ و ١٥٠، الصراط المستقيم ٣: ١٣٠.
بل الشيخ المجلسي ذهب إلى أكثر من ذلك، وقال: إنّ هذين الخبرين [ أي خبر زرارة(١) وهشام(٢) ] لا يدلان على وقوع تزويج أُمّ كلثوم من عمر، لمنافاتهما لما جاء فيالخرائج والجرائح عن الصفار...(٣) .
واحتمل آخر: بأنّ جملة: (ذلك فرج غُصبناه) جاءت على سبيل المجاراة مع من يدعي ذلك، وليس لها دلالة على وقوع التزويج.
واحتمل ثالث: أنّ الجملة: (ذلك فرج غُصبناه) استفهام استنكاري من الإمامعليهالسلام ، وهي الأخرى لا دلالة لها على وقوع الزواج من أُمّ كلثوم.
وقرأ رابع الجملة هكذا: (ذلك فرجٌ عَصَبْنَاهُ) و(ذلك فرج عَصَبْنَا عليه).
وبنظرنا: إنّ كثيراً من هذه الأقوال هي خلاف الظهور، بل في كلام الإمام ما يشير إلى الإكراه والجبر، وهو لا يدلّ على أكثر من وقوع العقد، إذ المتوفى عنها زوجها تجب عليها العدّة وإن لم يدخل بها.
على أنّه ليس في تلك الأخبار دلالة على أنّ أُمّ كلثوم هي ابنة فاطمة، فقد تكون ابنته من غير فاطمة.
وهذا القول هو الآخر بعيد ; لأنّ علياً لم يتزوّج في زمن فاطمة بامرأة أُخرى، فلا يعقل أن تكون له بنت مؤهلة للزواج من عمر، إلاّ أن نقول بأنّها ربيبته من امرأة أخرى، والربيبة تعد في الشرع من حيث
____________________
(١) الكافي ٥: ٣٤٦ ح ١ بسنده عن زرارة، عن الصادقعليهالسلام وفيه: (إن ذلك فرجٌ غُصبناه).
(٢) الكافي ٥: ٣٤٦ ح ٢ بسنده عن هشام بن سالم، عن الصادقعليهالسلام ، وفيه: أنّ عمر هدَّد باتهام عليّ بالسرقة وقطع يده إن لم يزوّجه ابنته أمّ كلثوم.
(٣) أنظر: الخرائج والجرائح ٢: ٨٢(٥) ٨٢٦ ومرآة العقول ٢٠: ٤٢.
محرميتها بمنزلة البنت، وعند العرب بمنزلة البنت مطلقاً حتى في الإرث وغيره.
وعليه، فلا دلالة لهذا الخبر على الدخول والإنجاب كذلك، وخصوصاً لو قلنا بتنافيه مع ما رواه القطب الراوندي عن الصّفار بإسناده إلى عمر بن أذينة.
وأنّ فقهاءنا حينما قالوا بجواز اعتداد المرأة في غير بيت زوجها قالوا بذلك طبقاً لروايات كثيرة في الباب عندهم، لا لما جاء في خبر تزويج أُمّ كلثوم فقط.
مرّت عليك نصوص العامّة في إيكال الإمام عليّ بن أبي طالب أمر زواج أُمّ كلثوم لابنيه الحسن والحسين(١) ، لكنّ روايات أهل البيت تشير إلى أنّ الإمام قد وكّل أمرها لعمّه العبّاس اتقاءً للحرج(٢) .
وهنا سؤال يطرح نفسه، وهو: لماذا يوكّل الإمام في أمر زواج أُمّ كلثوم ابنيه، وفي آخر عمه العبّاس ولا يزوّجها هو بنفسه، وعلى أي شيء يدلّ هذا ؟ ألم يكن الأنسب - إن صحّ الخبر - أن تكون الوكالة لعمه العبّاس من ابنيه الحسن والحسين ؟ وهل تعقل بأنّ الحسن والحسين قد أغضبا والدهما عليّاً كما جاء في روايات العامّة بل كيف بعلي يغضب من قول الحق وابناه سيّدا شباب أهل الجنة يقولان ذلك، ورسول الله قال عن عليّ: إنّه مع الحقّ والحقّ معه(١) أمّا لو قلنا بأنّ كلامهما كان باطلاً (والعياذ بالله) فكيف يقولان الباطل؟!
وهل تريد هذه الرواية أن تنفي عصمة علي والحسن والحسين ، حيث إنّها تدعي أنّ عليّاًعليهالسلام قال إنّها صغيرة تصغر عن الزواج ، في حين قال الحسن والحسين إنّها امرأة من النساء بالغة عاقلة رشيدة تختار لنفسها فما
____________________
(١) مجمع الزوائد ٤: ٢٧٤، الأوسط ٦: ٣٥٧، حياة الصحابة ٢: ٥٢٧، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ١٣٩.
(٢) الكافي ٥: ٣٤٦، الاستغاثة: ٩١، بحار الأنوار ٤٢: ٩٣، المجموعة الثالثة من رسائل المرتضى: ١٤٩، مرآة العقول ٢٠: ٤٤.
(٣) أنظر الاحتجاج للطبرسي ١: ١٩١.
هو الواقع : هل إنّها صغيرة كما يقول الإمام عليعليهالسلام ؟ أم أنّها امرأة تختار لنفسها كما يقول الحسنانعليهماالسلام ؟ فإمّا أن يكون أحد الطرفين مخالفاً للواقع (والعياذ بالله) أو أن يكون الواضع هو الكذّاب ؟!
ولماذا توضع هذه الرواية على لسان أحد أولاد الإمام الحسنعليهالسلام ؟ ألا تذهب معي إلى أنّ تلك النصوص وضعت للتعريض بعلي والحسن والحسين؟!
إنّ مسألة التوكيل إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على عدم رضا الإمام بهذا الزواج، لكنّ العسر والحرج هما العاملان اللذان ألجئاهعليهالسلام إلى ذلك. ولو راجعت مجمل حياة عمر بن الخطّاب لوقفت على غلظته في الأمور، وضربه ونفيه وحبسه للصحابة، وهو الذي يتّفق مع ما جاء في روايات مدرسة أهل البيت من أنّ عمر قد هدد عليّاً بقطع يده بدعوى السرقة، أو رجمه بدعوى الزنى، وأنّه لبّس ذلك على عامة النّاس بدعوى القربى إلى رسول الله.
إنها مسألة تحتاج إلى تدبّر وتفكّر، فعُد معي أخي القارئ إلى ما روته الشيعة لتقف على ما ورائيات الحديث:
عن أبن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال: لما خطب عمر إلى أمير المؤمنين قال له: إنّها صبية، فأتى العباس فقال مالي؟ أبي بأس؟
قال له: وما ذاك؟ قال: خطبتُ إلى ابن أخيك فردّني أما والله لأعوِّرنَّ زمزم ولا أدع
لكم مكرمة إلاّ هدمتها(١) ، ولأقيمن عليه شاهدين أنّه سرق ولأقطعن يمينه. فأتاه العبّاس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعله إليه(٢) .
وروى الكوفي فيالاستغاثة قال: حدثنا جماعة من مشايخنا الثقات، منهم جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي، عن أحمد بن المفضل، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، قال: سألت جعفر بن محمّد عن تزويج عمر من أُمّ كلثوم، فقال: ذلك فرج غصبنا عليه.
وهذا الخبر مشاكل لما رواه مشايخنا أن عمر بعث العبّاس إلى عليّ (صلوات الله عليه) فسأله أن يزوّجه أمّ كلثوم، فامتنع عليّ من ذلك، فلما رجع العبّاس إلى عمر يخبره بامتناع عليّعليهالسلام وأعلمه بذلك، قال: يا عبّاس ، أيأنف من تزويجي ؟! [ والله لئن لم يزوجني ] لأقتلنه.
فرجع العبّاس إلى عليّعليهالسلام فأعلمه بذلك، فأقام عليعليهالسلام على الامتناع، فأخبر العبّاسُ عمرَ، فقال له: يا عبّاس ، احضر يوم الجمعة في المسجد وكن قريباً مني لتعلم أنّي قادر على قتله.
فحضر العبّاس المسجد، فلمّا فرغ عمر من الخطبة، قال: أيها النّاس إنّ ها هنا رجلاً من عليّة أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله قد زنى وهو محصن، وقد اطّلع عليه أمير المؤمنين وحده، فما أنتم قائلون؟
فقال النّاس من كلّ جانب: إذا كان أمير المؤمنين قد اطّلع عليه فما
____________________
(١) لاحظ محاولة عمر من قبل ذلك قلع ميزاب العبّاس بن عبد المطلب عن الكعبة، راجع سير أعلام النّبلاء ٢: ٩٦.
(٢) النوادر لأحمد بن عيسى الأشعري: ١٣٠ ح ٣٣٢، الكافي ٥: ٣٥٦ ح ٢.
حاجته أن يطلع عليه غيره.
فلمّا انصرف عمر قال للعبّاس: امضِ إليه فأعلمه ما قد سمعت، فوالله لئن لم يفعل لأفعلن.
فصار العبّاس إلى عليّعليهالسلام فعرّفه ذلك.
فقال عليّعليهالسلام : أنا أعلم أنّ ذلك ممّا يهون عليه، وما كنتُ بالذي أفعل ما تلتمسه أبداً.
فقال العبّاس: إن لم تفعل أنتَ فأنا أفعل، وأقسمتُ عليك ألا تخالف قولي وفعلي.
فمضى العبّاس إلى عمر فأعلمه أن يفعل ما يريد من ذلك.
فجمع عمر النّاس فقال: إنّ هذا العبّاس عمّ عليّ، وقد جعل إليه أمر ابنته أُمّ كلثوم، وقد أمره أن يزوّجني منها، فزوّجه العبّاس، وبعث بعد مدة يسيرة فحولها إليه(١) .
كانت هذه بعض النصوص الدالة على توكيل العبّاس في أمر التزويج، وهي قد تتفق مع الأحداث آنذاك.
أما نصوص أهل السُنّة في توكيل الحسن والحسين فهي بعيدة عن الواقع بُعد الأرض عن السماء، وخصوصاً ما جاء من قولهما لعليعليهالسلام : يا أبتاه، مَن بعد عمر!! صحب رسول الله وتوفّي وهو عنه راض، ثم ولي الخلافة بعده، فقال له أبوه: صدقت(٢) ...
وفي آخر: إنّ الحسن والحسين قالا لعلي - حيث أمرهما بتزويجه
____________________
(١) الاستغاثة: ٧(٨) ٧٩، وعنه في مستدرك وسائل الشيعة ١٤: ٤٤(٣) ٤٤٤.
(٢) ذخائر العقبى: ١٧٠.
بقوله: زوِّجا عمّكما -: هي امرأة من النساء تختار لنفسها فقام عليّ مغضباً، فأمسك الحسن بثوبه، وقال: لا صبر لي على هجرانك يا أبتاه، قال: فزوّجاه(١) .
إنّ الحسن والحسينعليهماالسلام لا يخفى عليهما قول أبيهما:
أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحى... حتى إذا مضى الأوّل لسبيله أدلى بها إلى فلان بعده... حتى إذا مضى إلى سبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم(٢)
كما لا يخفى عليهما ظلم عمر لأبيهما وأمّهما وهجومه على دارهم(٣) وإسقاطهم لمحسناً(٤) .
إن سيرة عليّ والحسنين تأبى أشدّ الإباء هذه الفرية، خصوصاً إذا رأيت بعين الاعتبار قول الحسينعليهالسلام وهو صبي صغير لأبي بكر: انزل عن منبر أبي(٥) .
خصوصاً وأنّ الخُلق العلوي الحسني الحسيني أرفع من أن تصدر منه مثل هذه المشادّات التي كانت تصدر من غيرهم.
وقد كانت لبني هاشم وأهل البيت مناكحات ومزاوجات كثيرة مع بعض الصحابة وأولادهم لم نعهد في واحدة منها مثل هذا الهرج والمرج
____________________
(١) المعجم الأوسط ٦: ٣٥٧، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ١١٤.
(٢) نهج البلاغة ١: ٣١، الخطبة الشقشقية الرقم ٣.
(٣) الإمامة والسياسة ١: ١٩.
(٤) البدء والتاريخ ٥: ٢٠، الفصل: ١٧.
(٥) تاريخ دمشق ٣٠: ٣٠٧، شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد ٦: ٤٢.
الذي صوّروه في قضية أمّ كلثوم، وهذا كلّه يدلّ على ما صنعته السياسة القرشية الأموية في التاريخ والشريعة.
وعلى فرض وقوع هذا الزواج المفترض، فإنّ علماء الشيعة خرجوا من هذه المشكلة بأنّ الزواج يأتي على ظاهر الإسلام، فمن شهد الشهادتين يزوَّج إلاّ الناصبي، والأخير لا يُزوّج إلا عند العسر والحرج، إذ دلّت نصوص على ذلك.
وقد روي عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام أنه قال في جواب من قال له: قد أتيت ذنباً لا يغفر الله لك قال: وما هو؟ قال: زوَّجتَ ابنتك رجلاً من بني أُميّة. فقال أبو عبدالله: أسوتي في ذلك رسول الله قد زوج ابنته زينب ، أبا العاص بن ربيعة، وزوّج عثمان بن عفان أُمّ كلثوم فتوفيت، فزوّجه رقية بناتهصلىاللهعليهوآله وخطب عمر إلى عليّ ابنته أُمّ كلثوم، فردّه، فأمّا العبّاس فشكا عليه وتوعد بني عبد المطلب، فأتى العبّاس عليّاً فقال: يا بن أخي! قد ترى ما نحن فيه، وقد توعدك عمر لردّك إيّاه وتوعّدنا. ولم يزل به حتّى جعل أمرها إليه، فزوجها العبّاس منه. فالأفضل والأعلى تزويج أهل الموافقة ومَن لا ينصب العداوة لآل رسول الله، ونكاح المؤمن أفضل من نكاح غيره، ولا باس عند الضرورة بنكاح أهل الخلاف من المسلمين، وكذلك النكاح فيهم، وليس ذلك بمحرّم
البحث العقائدي
هنا سؤالان يطرحان نفسيهما، وقد تطرَّف السمعاني في طرح الثاني منهما:
الأول: هل أنّ الإمام عليّاً زوّج أُمّ كلثوم عن طيب خاطر، أم أنّ تزويجه إياها كان عن إكراه وتقية؟
الثاني: لو كان عمر كافراً، فكيف بالإمام - أو وكيله - يزوّجان الكافر، أَلا يكون الإمام معرّضاً ابنته للزنا؟
ادّعى الجاحظ بأنّ الزواج كان عن طيب خاطر، فقال في كتابهالعثمانية :
ثّم الذي كان من تزويجه أمّ كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله من عمر بن الخطّاب طائعاً راغباً. وعمر يقول: إنّي سمعت رسول الله يقول: إنّه ليس سبب ونسب إلاّ [ وهو ] منقطع إلاّ نسبي. قال عليّ: إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين.
قال: إنّي والله ما أريدها لذاك(١) . فأرسلها إليه، فنظر إليها قبل أن يتزوّجها، ثمّ زوّجها إيّاه، فولدت له زيد بن عمر، وهو قتيل سودان مروان(٢) .
ويُردّ على الجاحظ بأمور:
الأول : أنّ رسول الله لم يزوّج ابنته فاطمة من أبي بكر وعمر وهو مختار، فكيف بعلي يزوج أمّ كلثوم من عمر مختاراً وعن طيب نفس؟ وهو يقف على فارق السن والكفاءة بينهما، فلو زوّجها مختاراً كان قد خالف بذلك ما رجّحه رسول الله من عدم تزويجهم.
الثاني : أنّ عمر نفسه كان يأبى تزوّج الشيخ الكبير بالشابة، كما ستأتي قضيته في ذلك، مضافاً إلى أنّ من البعيد جدّاً أن يُزوّج عليٌّ بنته مختاراً من شخص لا يتكافأ معها من جميع الجهات، خصوصاً مع وجود شباب من بني هاشم - أبناء أخيه جعفر أو من غيرهم - يرغبون في الزواج من ابنة عليّ، فكان على عليّ - إن كان مختاراً - أن يزوجها منهم لا من عمر. بل ليس لعمر أن يقدم على أمّ كلثوم أو يصرّ على الزواج منها، وعليّ يقول له: حبستهن لأولاد أخي جعفر(٣) . فقد يكون في كلام الإمام إشارة
____________________
(١) حسب النصوص التي مَرّت عليك يتضح خلاف هذه الدعوى، فإنه ضمّها وقبّلها وكان طامعاً بها.
(٢) العثمانية: ٢٣٦ و ٢٣٧.
(٣) الطبقات لابن سعد ٨: ٤٦٣، وفيه: حبست بناتي على بني جعفر... وهو أيضاً في تاريخ دمشق ١٩: ٤٨٦، والإصابة ٨: ١٤٦٥.
إلى هذا الخبر: أنّ النّبي نظر إلى أولاد عليّ وجعفر فقال: بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا(١) .
وهذا ليشير إلى أن الإمام كان قد أُمر بحبسهن لأولاد أخيه جعفر، فكيف بعمر يصرّ بالزواج من إحداهن، وهو الذي كان قد يلزم الآخرين بأن ينكح الرجل لمته من النساء، وأن تنكح المرأة لمتها من الرجال، وأُمّ كلثوم ليست من لمة عمر يقيناً، وخصوصاً من جهة الحسب.
فعن المجاشع الأسدي أنّه قال أتي عمر بن الخطّاب بامرأة شابّة زوّجوها شيخاً كبيراً فقتلته، فقال: أيّها النّاس! اتّقوا الله، ولينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال، يعني شبهها(٢) .
فكيف خالف عمر هذه القاعدة؟! أكان مصداقاً للآية الكريمة( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) (٣) إنّه تساؤل فقط؟!
الثالث: إنّ هناك روايات صدرت عن أهل البيت تُصرّح بأنّ علي بن أبي طالب زوّجها مُكرهاً، وقد مرّ عليك قسمٌ من تلك الروايات، وفي نصوص أهل السُنّة - المارّة سابقاً - ما يؤكد ذلك، إذ أنّ قول عمر: " قد علمنا ما بك "(٤) ، أو " لا والله، ما ذاك بك، ولكن أردت منعي "(٥) ، أو قوله للعبّاس كما في روايات الشيعة: " ما لي؟ أبِيَ بأس؟... أما والله لأعورن زمزم، ولا
____________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٣: ٣٩٣ باب الأكفاء ح ٤٣٨٤.
(٢) تاريخ مدينة ٢: ٧٦٩، كنز العمال ١٥: ٧١٦ ح ٤٢٨٥٧.
(٣) البقرة: ٤٤.
(٤) الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٤.
(٥) الكافي ٥: ٣٤٦، رسائل المرتضى - المجموعة الثالثة: ١٤٩.
أدع لكم مكرمة إلاّ هدمتها، ولأقيمن عليه شاهدين بأنّه سرق "(١) أو قوله " لأفعلنّ وأفعلنّ.. ".
كلّ هذه النصوص والسير التاريخي ينقض كلام الجاحظ، ويثبت بأنّه لو كان قد زوّجها فقد زوّجها مُكرهاً لا عن طيب خاطر.
أمّا جواب السؤال الثاني:
فقد قال السمعاني فيالأنساب : لو كان أبو بكر وعمر كافرين لكان عليّ بتزويجه أُمّ كلثوم من عمر كافراً أو فاسقاً، معرّضاً ابنته للزنا ; لأن وطء الكافر للمسلمة زنا محض(٢) .
ونحن قبل الخوض في الإجابة عن كلام السمعاني نقول: ليس الهدف فيما نقوله هنا هو المساس بشخصية عمر بقدر ما يكون بيان وجهة نظر علماء الشيعة في جواب هذا الإشكال، وأنّ ما فرضه السمعاني لا يستلزم كفر عمر ولا وقوع الزنا، بالتقريب الآتي:
أولاً: أنّ القول بالكفر عام ولا يختص بعدم الاعتقاد بالله أو الارتداد عن الدين، فقد يشمل ما قاله الإمام عليّ حينما سئل عن الذين قاتلهم من أهل القبلة، أكافرون هم؟ قال: كفروا بالأحكام، وكفروا بالنعم، كفراً ليس ككفر المشركين الذين دفعوا النبوة ولم يقروا بالإسلام، ولو كانوا كذلك ما حلّت لنا مناكحتهم ولا
____________________
(١) الذرية الطاهرة: ١١٤، ذخائر العقبى: ١٦٧.
(٢) الأنساب للسمعاني ١: ٢٠٧.
ذبائحهم ولا مواريثهم(١) .
ثانياً : أنّ الشرك وما يماثله لا يستبعد وقوعهما عقلاً في الأنبياء والرسل - مع كونهم معصومين من قبل رب العالمين - فكيف بالصحابة ، لقوله تعالى:( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (٢) ، وقوله تعالى لا يدل على الوقوع الفعلي من قبل الرسل ، بل هو من قبيل قوله تعالى:( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلّا اللّهُ لَفَسَدَتَا ) (٣)
وقد روى الكليني بسنده عن ابن محبوب ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، قال : قلت لأبي جعفر [الباقر] إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضاً لله (جلَّ ذكره) وما كان الله ليفتن أمة محمّدصلىاللهعليهوآله من بعده ؟ قال أبو جعفر : أو ما يقرؤون كتاب الله ، أو ليس الله يقول:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) (٤) قال [الراوي] فقلت له : إنّهم يفسرون ذلك على وجه آخر فقال : أو ليس قد أخبر الله (عزّ وجلّ) عن الذين من قبلهم من الأمم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات حيث قال :( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَن آمَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللّهُ مَا
____________________
(١) دعائم الإسلام ١: ٣٨٨، وعنه في مستدرك الوسائل ١١: ٦٦ / الحديث ١٢٤٤٠.
(٢) الزمر : ٦٥
(٣) الأنبياء : ٢٢
(٤) آل عمران : ١٤٤
اقْتَتَلُوا وَلكِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) (١) .
وفي هذا ما يستدل به على أنّ أصحاب محمّد قد اختلفوا من بعده ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر(٢)
ثالثاً : من المعلوم أنّ الأحكام الشرعية تجري على الظواهر لا البواطن، فإن كان في نفسِ شخص كفرٌ أو نفاق أو ما شابه ذلك، فليس على المكلّف أن يرتّب على ذلك الآثار الشرعية، وإنّما تجري الأحكام على ظاهر الإسلام.
وهناك الكثير من المنافقين تركهم الرسول الأكرم وهو يعلم ما في أنفسهم من غلٍّ للإسلام والمسلمين، وقد علم بتظاهر المرأتين عليه(٣) ، وتآمر أصحاب العقبة على رميه من أعلى عقبة هرشي(٤) ، و... فلم يقتل أحداً منهم، بل كان يتألّفهم على الإسلام ويترضّاهم، ويعطيهم من حطام الدنيا من الإبل والشاة والأغنام دون المؤمنين، كلّ ذلك لأنّه مأمور بالتعامل مع النّاس بظواهر الأُمور لا ببواطنها، فحاله حال بقيّة الأنبياء، إذ أنّ نبي الله نوح ونبي الله لوط كانا يتعاملان مع المرأتين اللتين كانتا تحتهما بالظواهر، لا بالبواطن.
وجاء عن رسول الله: إنّما أقضي بينكم بالبينات والأَيْمان، فأيّما رجل
____________________
(١) البقرة : ٢٥٣
(٢) دعائم الإسلام ١: ٣٨٨، وعنه في مستدرك الوسائل ١١: ٦٦ / الحديث ١٢٤٤٠.
(٣) صحيح البخاري ٦: ٦٩، ٧٠،٧: ٤٦، صحيح مسلم ٤: ١٩٢، مسند أحمد ١: ٤٨، سُنن النسائي ٧: ١٣،و ٧١، الدر المنثور ٦: ٢٤٢،و ٢٣٩، كنز العمال ٢: ٥٣٠،و ٥٣٣.
(٤) مسند أحمد ٥: ٤٥٣، المعجم الأوسط ٤: ١٤٦، وعنه في مجمع الزوائد ١: ١١٠، ٦: ١٩٥، تفسير ابن كثير ٢: ٣٨٧.
قطعت له من أخيه شيئاً فإنّما قطعت له قطعة من النار(١) .
وفي آخر: إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ ولعل أحدكم أَلْحَنُ بحجّته من بعض، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فأخذه فإنّما قطع له قطعة من النار(٢) .
وقد جاء هذا الجواب في كلمات علماء الشيعة، إذ قال الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ ه-) فيتمهيد الأصول :
وقد استقر في الشرع أنّ من أظهر الشهادتين جازت مناكحته وإنّ كان على ظاهر اعتقاد يحكم عليه بالكفر به، وعمر كان مظهراً للشهادتين، فلذلك جاز تزويجه. وأدّل دليل على أنّ الصواب في ذلك فعله عليهالسلام ، مع قيام الدلالة على عصمته وأنّ أفعاله حجّة، لأنّه لو كان غير جائز لما جاز منه عليهالسلام ذلك (٣) .
وقال فيكتابه الاقتصاد :
على أنّه من أظهر الشهادتين وتمسك بظاهر الإسلام يجوز مناكحته. وها هنا أمور متعلّقة في الشرع بإظهار كلمة الإسلام كالمناكحة والموارثة والمواكلة والصلاة على الأموات وغير ذلك من أحكام أخر، فعلى هذا سقط السؤال (١) .
وقال الحلبي (ت ٤٤٧ ه-) فيتقريب المعارف :
____________________
(١) الكافي ٧: ٤١٤، تهذيب الأحكام ٦: ٢٢٩، معاني الأخبار: ٢٧٩.
(٢) صحيح البخاري ٣: ١٦٢ و ٨: ٦٢، صحيح مسلم ٥: ١٢٩ سنن أبن ماجة ٢: ٧٧٧، السنن الكبرى للبيهقي ١٠: ١٤٣، ١٤٩.
(٣) تمهيد الأصول: ٣٨(٦) ٣٨٧.
(٤) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: ٣٤٠ - ٣٤١.
على أنّ حال عمر في خلافه لا تزيد على حال عبد الله بن أبي السلول وغيره من المنافقين، وقد كانوا يناكحون في زمن النّبي لإظهار الشهادتين وانقيادهم للملة، وهذه حال عمر... فكما لم يمنع ذلك من مناكحتهم، فكذلك هذا (١) .
وعليه بما أنّ ظاهر عمر بن الخطاب هو الإسلام، إذ يشهد أنّ لا اله إلا الله وأنّ محمّد رسول الله فيمكن تزويجه هذا أوّلاً.
وثانياً : أنّ من يقول: إنّ نصبهم كان ظاهراً معلناً محرزاً، فإنّه يقول: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام إنّما جاراهم وعاملهم وفق الظاهر ولم يعاملهم على ما هم عليه في الواقع من النصب، حفاظاً على هدف أسمى، وهو: أن يبقوا على ظاهر الإسلام خير من تمحى شعائره إلى الأبد ؛ مستدلين بما جاء في كتابهعليهالسلام إلى أهل مصر: حتى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به أعظم من فوت ولايتكم...(٢) .
وقال مثل ذلك للزهراءعليهاالسلام لما دعته لمواجهة الحاكمين، بأنّه يريد أن يبقي ذكر الأذان على المآذن، لأنّه كان قد وقف في آية الانقلاب(٣)
____________________
(١) تقريب المعارف: ٢٢٤.
(٢) أنظر: الغارات ١: ٣٠٥، شرح نهج ١٧: ١٥١ و ٦: ٩٥، المسترشد: ٤١٢.
(٣) إشارة إلى قوله تعالى:( ومَا مُحَمّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّات أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَِلَن يَضُرَّ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران: ١٤٤.
وحديث الحوض(١) على رجوع الأمة القهقرى وانقلابهم على أعقابهم.
فلو حرّم رسول الله أو الإمام علي مناكحتهم وتورثهم وتغسيلهم وتدفينهم لأعلنوا الكفر الصراح ولأعادوا الإسلام إلى الجاهلية المحضة، وبعبارة أخرى: إنّهعليهالسلام رجّح الأهم على المهم في سيرته معهم.
وثالثاً : أنّ الزواج من أُمّ كلثوم - على فرض وقوعه - كان على نحو الإكراه لا عن طيب خاطر، فيكون المكرِه هو الزاني لا البنت ووليّها.
فإنّ القائل بالتزويج من الشيعة يذهب إلى أنّ الإمام قد أجاز هذا العقد ; للحرج والتقية، وقد سئل مسعود العياشي عن أُمّ كلثوم، فقال: كان سبيلها سبيل آسية مع فرعون(٢) . إذاً، هو من قبيل قوله تعالى:( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمانِ ) (٣) .
وليس ببعيد أن يكون سببه الإكراه والجبر، لأنّ تاريخ السلطويين حدّثنا بوقوع مثل ذلك الإكراه كثيراً، وإليك مثالين لذلك:
الأوّل:
أكره الحجّاج الثقفي أسماء بن خارجة الفزاري، وسعيد بن قيس الهمداني - وهما من أنصار عليّ أمير المؤمنين - على تزويج ابنتيهما من رجل أوديّ خامل العشيرة من أتباع الحجّاج.
فقد روى ابن الكلبي عن أبيه، عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قال الحجّاج يوماً لعبد الله بن هاني، وهو رجل من بني أَوْد - حي من قحطان -:... والله ما كافأتك بعد! ثمّ أرسل إلى أسماء بن خارجة سيّد بني فزارة: أن زَوَّجْ عبدالله بن هاني بابنتك.
____________________
(١) راجع: صحيح البخاري ٨: ١٥١، صحيح مسلم ٤: ١٧٩٣، مسند أحمد ١: ٤٠٦.
(٢) الصراط المستقيم ٣: ١٣٠.
(٣) النمل : ١٠٥
فقال: لا والله ولا كرامة!
فدعا بالسياط.
فلما رأى الشرّ قال: نعم أزوجه.
ثمّ بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني - رئيس اليمانية -: زوِّج ابنتك من عبدالله بن أود.
فقال: ومن أوْد! لا والله لا أزوجه ولا كرامة!
فقال: عليّ بالسيف.
فقال: دَعني حتى أشاور أهلي، فشاورهم، فقالوا: زَوِّجه! ولا تعرض نفسك لهذا الفاسق، فزوَّجه.
فقال الحجّاج لعبد الله: قد زوّجتك بنت سيد فزارة وبنت سيد همدان وعظيم كهلان، وما أوْدُ هناك!
فقال: لا تقل أصلح الله الأمير ذاك، فإن لنا مناقب ليست لأحد من العرب.
قال: وما هي.
قال: ما سب أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط.
قال: منقبة والله.
قال: وشهد مِنا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلاً، ما شهد منا مع أبي تراب إلاّ رجل واحد، وكان والله ما علمته امْرَأ سوء، قال: منقبة والله.
قال: ومنا نسوة نَذَرْن: إن قُتل الحسين بن عليّ أن تنحر كلّ واحدة عشر قلائص، ففعلن.
قال: منقبة والله.
قال: وما هنا رجل عُرِضَ عليه شتمُ أبي تراب ولعنه إلاّ فعل وزاد ابنيه حسناً وحسيناً وأمهما فاطمة.
قال: منقبة والله(١) .
الثاني:
وقفت أخيراً - أثناء بحثي عن حياة أجدادي وأعمامي وأبنائهم في كتب النسب - على واقعة أدمت قلبي، كانت قد وقعت لإحدى بنات عمومتي، وذلك بعد قيام الطالبيّين في المدينة والعراق وخراسان في عهد المهدي والرشيد، وسجن الرشيد للإمام موسى بن جعفرعليهالسلام .
فقد كان لجدّنا الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عدّة من الأولاد، أعقب منهم خمسة، أحدهم جدنا الحسن المحدث، والآخر عبد الله العقيقي، فولد لعبد الله العقيقي ولدين هما: بكر وقاسم، وبنت هي: زينب بنت عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين، " تزوجها هارون الرشيد، وفارقها ليلة دخوله بها، يقال: دخل عليها تلك الليلة مع خادم ومعه تكة يريد أنّ يربطها بتلك التكة ; كيلا تمتنع على هارون، فلما دنا منها الخادم رفسته برجلها رفسة كسرت ضلعين من أضلاعه، ففارقها الرشيد ولم يدخل بها، وكان يبعث إليها في كل سنة أربعة الآف دينار جائزة لها "(٢) .
كان هذا نصّ أبو نصر البخاري.
وقال العمري النسابة: وأمّا زينب فذكر صاحب المبسوط العمري أنّ الرشيد زف زينب بنت عبد الله من الحسين الأصغر، فدخل خادم
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٤: ٦١.
(٢) أنظر معالم أنساب الطالبيّن في شرح كتاب (سر الأنساب العلوية): ٢٢٣.
ليربطها بتكة، فرفسته فدقت له ضلعين، فخاف الرشيد وردها من غدها إلى الحجاز، وأجرى عليها أربعة آلاف دينار في السنة، وأدّرها المأمون بعد ذلك(١) .
وقال ابن الطقطقي مثل ذلك(٢) .
نعم، قد يكون في اعتقاد الحجاج بن يوسف وقبله عمر بن الخطّاب بأنّ في مثل هذا التزاوج يقع التآلف والتآخي، وأن العداوة ستتبدل إلى أخوة، وبذلك ترتفع الضغينة بين الطرفين، وقد يكون أنّه أراد إذلال الطالبيين وبني هاشم كما في بعض النصوص:
قال الشافعي: لمّا تزوج الحجّاج بن يوسف ابنة عبد الله بن جعفر، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك بن مروان: أتركت الحجّاج يتزوج ابنة عبد الله بن جعفر؟
قال: نعم، ما بأس بذاك.
قال: أشدّ البأس والله.
قال: وكيف؟
قال: والله - يا أمير المؤمنين - لقد ذهب ما في صدري على الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير.
قال: فكأنّه كان نائماً فأيقظه.
قال: فكتب إليه يعزم عليه في طلاقها، فطلّقها(٣) .
لكن الموجودة فيالبداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة ٨٠ ه-،
____________________
(١) المجدي في أنساب الطالبيين : ٢٠٦.
(٢) الأصيلي في أنساب الطالبيين : ٢٨٣.
(٣) تاريخ دمشق ١٢: ١٢٥، البداية والنهاية ٩: ١٤١، مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٠٥.
ترجمة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: " حتى زوج (عبد الله بن جعفر) الحجّاج بنت رسول الله، وكان الحجّاج يقول: إنّما تزوجها لأذل بها آل أبي طالب... "(١) .
وفيوفيات الأعيان : وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يُسمع بمثلها ، ويقال : إنّ زياد بن أبيه أراد أن يتشبّه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، في ضبط الأمور والحزم والصرامة وإقامة السياسات إلاّ أنّه أسرف وتجاوز الحدّ ، وأراد الحجاج أن يتشبّه بزياد فأهلك ودمّر(٢)
وفيالبداية والنّهاية : وكان الحجاج فيما يزعم يتشبّه بزياد بن أبيه ، وكان زياد يتشبّه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضاً(٣)
إذاً ، لم يكن الزواج في مثل هذه الأمور زواجاً أصيلاً واقعياً، بل امتزجت بمسائل سياسية يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار وأن تلحظ في مثل هكذا تزاوج، بين الخلفاء والأمراء وأهل البيت، ولا يجوز الاكتفاء بالمدعيات والقبول بما يقولونه وأنهم يطلبون نسباً وسبباً إلى رسول الله!!
وثالثاً : أنّ القول بوقوع التزويج لا يضر بعقائد الشيعة على جميع التقادير.
وإليك بعض أقوالهم:
قال الشيخ المفيد فيجواب المسائل السرويّة :
(ثمّ إنّه لو صحّ [ أي التزويج ]لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة
____________________
(١) البداية والنهاية ٩: ٤٢.
(٢) وفيات الأعيان ترجمة الحجاج بن يوسف وعنه في الكنى والألقاب ١: ٢٥٨
(٣) البداية والنّهاية ٩: ١٣٨ وانظر تحفة الأحوذي ٦: ٣٧٣ وشرح النهج ١٢ : ٤٥
في ضلال المتقدّمين على أمير المؤمنين .
أحدهما : أنّ النكاح إنّما هو على ظاهر الإسلام الّذي هو الشهادتان، والصلاة إلى الكعبة، والإقرار بجملة الشريعة، وإن كان الأفضل مناكحة من يعتقد الإيمان، ويكره مناكحة من ضمّ إلى ظاهر الإسلام ضلالاً يخرجه عن الإيمان، إلاّ أنّ الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضالّ مع إظهار كلمة الإسلام زالت الكراهة من ذلك، وأمير المؤمنين كان مضطراً إلى مناكحة الرجل، لأنّه تهدده وتواعده، فلم يأمنه على نفسه وشيعته، فأجابه إلى ذلك ضرورةً.
كما أنّ الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر، وليس ذلك بأعجب من قول لوط:( هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) (١) فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفّار ضلاّل قد أذن الله تعالى في هلاكهم، وقد زوّج رسول الله ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام، أحدهما: عتبة بن أبي لهب، والآخر: أبو العاص بن الربيع، فلما بُعثصلىاللهعليهوآله فرّق بينهما وبين ابنتيه)(٢) .
وقال الشريف المرتضى في كتابهالشافي : (... وأما تزويجه بنته فلم يكن ذلك عن اختيار) .
ثمّ ذكر رحمه الله الأخبار السابقة الدالّة على الاضطرار، ثمّ قال:
(على أنّه لو لم يجرِ ما ذكرناه لم يمتنع أن يزوّجه عليهالسلام لأنّه كان على ظاهر الإسلام والتمسك بشرائعه، وإظهار الإسلام يرجع إلى الشرع فيه، وليس ممّا تحظره العقول، وقد كان يجوز في العقول أن يبيحنا الله تعالى مناكحة المرتدين على اختلاف ردّتهم، وكان يجوز أيضاً أن يبيحنا أن
____________________
(١) هود : ٧٨
(٢) المسائل السروية : ٩١ ، وعنه في بحار الأنوار ٤٢ : ١٠٧.
ننكح اليهود والنصارى، كما أباحنا عند أكثر المسلمين أن ننكح فيهم، وهذا إذا كان في العقول سائغاً فالمرجع في تحليله وتحريمه إلى الشريعة .
وفعل أمير المؤمنينعليهالسلام حجّة عندنا في الشرع، فلنا أن نجعل ما فعله أصلاً في جواز مناكحة مَن ذكروه، وليس لهم أن يلزموا به على ذلك مناكحة اليهود والنصارى وعبّاد الأوثان، لأنّهم إن سألوا عن جوازه في العقل فهو جائز، وإن سألوا عنه في الشرع فالإجماع يحظره ويمنع منه(١) .
وقد قال الشريف المرتضى أيضاً جواباً لما وجه إليه بهذا الصدد:
(اعلم أنا قد بينا في كتابنا (الشافي) في الجواب عن هذه المسألة، وأزلنا الشبهة المعترضة بها، وأفردنا كلاماً استقصيناه واستوفيناه في نكاح أُمّ كلثوم، وإنكاح بنتهصلىاللهعليهوآله من عثمان بن عفان، ونكاحه هو أيضاً عائشة وحفصة، وشرحنا ذلك فبسطناه.
والذي يجب أن يُعتمد في نكاح أُمّ كلثوم، أنّ هذا النكاح لم يكن عن اختيار ولا إيثار، ولكن بعد مراجعة ومدافعة كادت تفضي إلى المخارجة والمجاهرة.
فإنه روي: أن عمر بن الخطّاب استدعى العبّاس بن عبد المطلب فقال له: ما لي؟ أبي بأس؟
فقال له ما يجب أن يقال لمثله في الجواب عن هذا الكلام.
فقال له: خطبتُ إلى ابن أخيك عليِّ بنته أُمّ كلثوم، فدافعني ومانعني
____________________
(١) الشافي ٣: ٢٧٣ ، وبحار الأنوار ٤٢ : ١٠٨
وأنف من مصاهرتي. والله لأعورن زمزم، ولأهدمّن السقاية، ولا تركت لكم يا بني هاشم منقبة إلاّ وهدمتها، ولأقيمنّ عليه شهوداً يشهدون عليه بالسرقه وأحكم بقطعه.
فمضى العبّاس إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فأخبره بما جرى، وخوّفه من المكاشفة التي كانعليهالسلام يتحاماها ويفتديها بركوب كلّ صعب وذلول، فلمّا رأى ثقل ذلك عليه، قال له العبّاس: ردَّ أمرها إليّ حتّى أعمل أنا ما أراه، ففعلعليهالسلام ذلك وعقد عليها العبّاس.
وهذا إكراه يحل له كلّ محرّم، ويزول معه كلّ اختيار، ويشهد بصحّته ما روى عن أبي عبداللهعليهالسلام من قوله وقد سئل عن هذا العقد؟ فقالعليهالسلام : ذلك فرج غصبنا عليه.
وما العجب من أن تبيح التقية والإكراه والخوف من الفتنة في الدين ووقوع الخلاف بين المسلمين، لمن هو الإمام بعد الرسولصلىاللهعليهوآله والمُستخلف على أمّته، أن يمسك عن هذا الأمر ويخرِجَ نفسه منه، ويظهر البيعة لغيره، ويتصرف بين أمره ونهيه، وتنفذ عليه أحكامه، ويدخل في الشورى التي هي بدعة وضلال وظلم ومحال، ومن أن يستبيح - لأجل هذه الأمور المذكورة - عليٌّ ما لو ملك اختياره لما عقد عليه...؟
وقد تبيح الضرورة أكل الميتة وشرب الخمر، فما العجب ممّا هو دونها؟
فأمّا من جحد... وقوع هذا العقد وأنها ولدت أولاداً من عمر [ فليس بمصيب، لأنّ ذلك ] معلوم مشهور، ولا يجوز أن يدفعه إلاّ جاهل أو معاند، وما الحاجة بنا إلى دفع الضرورات والمشاهدات في أمر له مخرج
من الدين(١) .
ولم يكن الأمر بشدة وضراوة ما قاله الشريف المرتضى على منكر إيلادها أولاداً، بحيث لو أنكر أحد الإيلاد لأنكر ضروريّاً من الضرورات والمشاهدات، إذ إنّ هناك بعض علماء الأحناف قد أنكر وقوع هذا الزواج، كالشيخ محمّد إنشاء الله الحنفي المحمدي في كتابه (السر المختوم في رد زواج أُمّ كلثوم ) وقد مرّ عليك كلام الزرقاني المالكيفي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية وغيره، حيث ذهبوا إلى وقوع التزويج لكنّ عمر مات قبل الدخول بها.
ونحن في مناقشتنا لنصيّ زرارة وهشام السابِقَين(١) ونصّ المتوفّى عنها زوجها(٢) لم نقف على وقوع إيلاد أُمّ كلثوم، فكيف اعتبر الشريف المرتضى أنّ ولادتها أولاداً من عمر أمرٌ معلوم مشهور؟! وخصوصاً لو أضفنا إليه كلام الشيخ المجلسي وغيره من إنكار وقوع الزواج(٣) رأساً فضلاً عن الإيلاد.
نعم، إنّ ذلك مشهور عند مدرسة الخلفاء، لكنّ إثباته يحتاج إلى مزيد دراسة وتحقيق، وإنّما رجونا في هذه الرسالة التنبيه على أن القول بوقوع الزواج لا يضرّ المعتقد الشيعي بقدر ما يضر الطرف الآخر ؛ لأن له مخرج من الدين عندنا وليس له مخرج من الدين عندهم وعند عمر بن الخطّاب
____________________-
(١) رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة: ١٤٩ ١٥٠.
(٢) انظر الكافي ٥: ٣٤٦ ح ١ و ٢ باب تزويج أُمّ كلثوم.
(٣) انظر الكافي ٦: ١١٥ ح ١ و ٢، والنوادر للراوندي: ١٨٦ كذلك.
(٤) لمنافاة ذلك لخبر الخرائج والجرائح ٢: ٨٢٥- ٨٢٦.
على وجه الخصوص ، وما حكيناه عن الآخرين لم يكن على حدّ التبّني بل ذكرناه على نحو التنزل والافتراض.
وبهذا، فقد اتضح لك: أنّ القول بوقوع الزواج لا يضرّ بنا، لكن لا يحقّ لنا القول بأنه من الضرورات المشهورات، كما لا يمكننا القول بتواتر الأخبار في ذلك كما ادعاه الشيخ محمّد تقي التستريفي قاموس الرجال إذ قال:
فلم ينكره محقِّقٌ مُحَقَّقاً، فأخبارُنا به متواترة في نكاحها وعدّتها فضلاً عن أخبار العامّة واتّفاق السير. فرواه زرارة وهشام بن سالم عن الصادق عليهالسلام، وعقد الكليني له باباً، وروى عن زرارة كون ذلك غصباً، وروى عن هشام، قال: قال الصادق عليهالسلام : لمّا خطب عمر قال له أمير المؤمنين: إنّها صبية، فلقي عمر العبّاس فقال له: ما لي، أبي بأس؟ أما والله لأعوِّرنَّ زمزم ولا أدع لكم(١)
فكلامهرحمهالله غير صحيح على إطلاقه، حيث إنّ الأخبار ليست متواترة كما قاله، بل أقصى ما يمكن القول عنها: هي مستفيضة، وهناك كثير من المحقّقين قد أنكروا وقوع الزواج مستدلّين بأخبار وأدلة مذكورة في كُتبهم(٢) .
إذ قال الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ ه-) في جواب من ادعى وقوع
____________________
(١) قاموس الرجال ١٢: ٢١٦.
(٢) انظر (السر المختوم في رد زواج أم كلثوم)، و(إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أم كلثوم)، و(تزويج أم كلثوم بنت أمير المؤمنين وإنكار وقوعه) وأمثالها.
التزويج:قلنا: في أصحابنا من أنكر هذا التزويج، ومنهم من أجازه... (١) .
أمّا ما قاله "بأن الأخبار متواترة في نكاحها وعِدتها " فهو الآخر غير صحيح، حيث شكّ البعض من العامّة والخاصة في وقوع الزواج والدخول بها حسبما اتضح لك سابقاً، وإنّ خبر تزويج عمر بجنّية كاف لتضعيف كلام التستري.
وقد مرّ عليك كلام المجلسي في مرآةالعقول - بعد أن أتى بخبر زرارة وهشام - قال:
"أقول: هذان الخبران لا يدلاّن على وقوع تزويج أُمّ كلثوم (رضي الله عنها) ضرورة وتقية وورد في بعض الأخبار ما ينافيه مثل ما رواه القطب الراوندي عن الصفّار... "(٢) .
أما ما روي عن الإمام عليّ من أنّه لمّا توفي عمر أتى أُمّ كلثوم فانطلق بها إلى بيته فليس فيها دلالة على أنّها كانت بنتاً له من فاطمة، فقد تكون ربيبته من أسماء أو من غيرها، وعليه فلا تتفق كتب السير على هذا الكلام حسبما ادعاه الشيخ التستري، ولا اعتبار لأخبار العامّة عند الشيخ نفسه، فكيف قال الجملة السابقة وبضرس قاطع؟!
____________________-
(١) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: ٣٤٠ - ٣٤١، تمهيد الأصول: ٣٨(٦) ٣٨٧.
(٢) مرآة العقول ٢٠: ٤٢.
بقي هنا شيء :
يجب أن لا ننساه ، وهو أنّ بعض الجهلة من أهل السُنّة أرادوا بنقلهم النصوص السابقة، وإثارتهم لهذه المسألة بين الحين والآخر، التأكيد على وقوع هذا الزواج من أُمّ كلثوم، اعتقاداً منهم بأنّ ذلك سيفيد معتقدهم ويبلور أطروحتهم، في حين إنّ الأمر لم يكن كذلك، وإنّه إن دل على شيء فقد دلّ على ما يسيء إلى الخليفة ويشوّه صورته وموقعه بين المسلمين، لأنّ تلك النصوص لا تشير إلاّ إلى الأهواء الجامحة في نفس عمر بن الخطّاب، وخصوصاً لو وقفت على مقولته:ما بقي شيء من أمر الجاهلية إلاّ أنّي لست أبالي أيَّ الناس نكحتُ وأيهم أَنكحتُ (١) .
ومثله ما قالته له زوجته - حينما كان يريد الحاجة -: ما تذهب إلاّ إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن(٢) .
إنّ دعوى القرابة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعيدة عن واقع الأمور، فإن نفسيّة عمر تؤكّد شيئاً آخر، حسبما عرفته من النصوص السابقة، وباعتقادي أنّ تناقل هذه النصوص هي إساءة لعمر أكثر من كونها مكرمة أو فضيلة له.
نعم، إنّهم رجوا من نقلهم نصوص التزويج أن تتحول الكراهية بين عمر وعليّ إلى محبة وصداقة وتزاوج، وهذا لا يمكن أن يؤثر في ترسيخ ما ادّعوه، وأن يقبل في حدود الألفاظ بعيداً عن المواقف، لأنّ حقائق التاريخ تتقاطع مع هذه المقولة.
____________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٢٨٩، كنز العمال ١٦: ٥٣٤ ح ٤٥٧٨٧ (عب، وأبو سعيد).
(٢) المصنّف لعبد الرزاق ٧: ٣٠٣، المعجم الكبير ٩: ٣٣٨، مجمع الزوائد ٤: ٣٠٤ عن الطبراني والحديث عن عمر، تاريخ دمشق ٦٩: ١٨٩.
ولو ألقيت نظرة سريعة على ما حدث بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله من غصب الخلافة، وأخذ البيعة من عليّ قسراً(١) ، وتهديد فاطمة بنت محمّد بإحراق دارها(٢) ، وإسقاط ولدها محسناً(٣) ، وعدم تولية أحد من بني هاشم السراية والولايات(٤) و... لعرفت أنّ الخلاف كان كبيراً لا يُحلُّ بقضية تزويج إِكراهي مفترض.
كلّ هذه الأمور تشير إلى سقم تلك الدعاوي، فإن التراب لا يتحوّل إلى ذهب - كما كانوا يتصورونه - بالألفاظ والمدّعيات، فلو أرادوا القول بوقوع التزويج استناداً إلى نصوص معينة فإنّ عليهم أن يلتزموا بتواليه الفاسدة، وإن لم يقبلوا التوالي فليس لهم الاستناد على تلك النصوص، إذ لا يجوز تبعيض الصفقة، والأخذ بالبعض وترك الآخر.
وهذه الاختلافات - بل المتناقضات في بعض الأحيان - تدعونا لأن نقوم بدراسة شاملة لجميع جوانب الحدث، غير مكتفين بالمشهور المتناقل على الألسن.
فيجب علينا أن نعرف أولاً:
من هي أُمّ كلثوم؟
وما هي أدوارها؟
وهل وقع خلط بين من سُميّت ب-: " أُمّ كلثوم " في تلك الفترة من التاريخ؟
____________________
(١) العقد الفريد ٤: ٢٤٧.
(٢) الجمل للمفيد: ٥٧.
(٣) البدء والتاريخ ٥: ٢٠، الفصل ١٧.
(٤) أنظر مروج الذهب ٢: ٣٢(١) ٣٢٢.
وهل حقاً أنّها ابنة فاطمة(١) ؟
ومن هم الناس في تلك الفترة؟
وما هي الاتجاهات الفكرية والعقائدية والسياسية السائدة آنذاك؟
ومن الذي زوّج أُمّ كلثوم: هل أبوها عليّ؟ أم أخواها الحسن والحسين؟ أم عمّها العباس؟ أم...
ومن هم أزواج أُمّ كلثوم بعد عمر، إن كان قد تزوّجها، هل هو عون بن جعفر ثمّ عبد الله بن جعفر(٢) ؟ أم محمّد ثمّ عبد الله(٣) ؟ أم عون ثم محمّد ثم عبد الله(٤) .
وهل أنّها ولدت لأولاد جعفر أم تركتهم بلا عقب(٥) ؟
بل هل أنها ولدت لعمر أم لا(٦) ؟
ولو كانت الإجابة بالإيجاب، فهل هو زيد فقط - كما نُقل عن
____________________
(١) جاء في الجوهرة ( ص ٤٥) في نسب الإمام عليّ لمحمّد بن أبي بكر التلمساني البري: ولمّا دخل أهله [ أي أهل الحسين بن عليّعليهالسلام ] على يزيد بن معاوية بالشام وهم في حالة سيئة... قالت له أمّ كلثوم بنت عليّ من غير فاطمة: يا يزيد ، بنات رسول الله سبايا أذّلة!...
(٢) أنظر: سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢، أسد الغابة ٥: ٦١٦، نسب قريش لمصعب.
(٣) أنظر: ذخائر العقبى: ١٧١، المعارف: ١٢٢.
(٤) البداية والنهاية ٥: ٣٣٠، سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢، الإصابة ٨: ٤٦٥، الطبقات الكبرى ٨: ٤٦٣.
(٥) قال ابن سعد في الطبقات ٨: ٤٦٣، ولم تلد لأحد منهم شيئاً. ومثل ذلك قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢، أما البيهقي فقد قال في السنن الكبرى ٧: ٧١ فولدت لمحمد بن جعفر جارية يقال لها بتينة.
(٦) في سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢ توفي شاباً ولم يعقب.
الزهري - وغيره(١) ؟ أم أنّها رقية كذلك كما قاله البلاذري وغيره(٢) ؟ أو فاطمة كما قاله ابن قتيبة(٣) .
ومن الذي صلّى عليها: هل سعيد بن العاص(٤) أم عبد الله بن عمر(٥) ، أم
وهل أنّها ماتت وابنها في يوم واحد(٦) ، أم على التعاقب(٧) .
وهل أن زيد بن عمر له أعقاب أم لا ؟
ولماذا لقّب زيد بن عمر من أُمّ كلثوم بنت جرول ب- " الأصغر " مع أنه الأكبر حقيقة؟ وهل يصح ما ادّعوه من أنّهم لقّبوه بذلك كرامة لجدّه رسول
____________________
(١) البداية والنهاية ٥: ٣١٤، ذخائر العقبى: ١٧٠ و ١٧١، مآثر الإنافة ١: ٨٩، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٧١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠١، الاستيعاب بهامش الإصابة ٤: ٤٩١، أنساب الأشراف: ١٩٠.
(٣) المعارف لابن قتيبة: ١٨٥.
(٤) ذخائر العقبى: ١٧١، الطبقات ٨: ٤٦٥، سُنن النسائي ٤: ٧١، سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠٢.
(٥) الطبقات ٨: ٤٦٤، الاستيعاب بهامش الإصابة ٤: ٤٩٢ وفي مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦٢: قيل إن سعيد بن العاص صلّى عليها، والمحفوظ أن عبدالله بن عمر صلّى عليها في إمارة سعيد بن العاص وكبّر أربعاً وخلفه الحسن والحسين وابن الحنفية وابن عبّاس وغيرهم.
(٦) الطبقات ٨: ٤٦٤، سُنن النسائي ٣: ٧١، مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦١، تهذيب تاريخ دمشق ٦: ٢٩، الاستيعاب ٤: ٤٩١، التهذيب ٩: ٣٦٢، المعارف: ١٨٨.
(٧) صرَّح ابن أبي شيبة في مصنفه بأن عبد الملك بن مروان سمّه خوفاً من أن ينازعه الخلافة لأنه ابن الخليفتين، وهذا يشير إلى أنّه كان حياً إلى أواخر القرن الأول الهجري في حين أنّ أمّ كلثوم كانت قد ماتت قبل ذلك، فقد يكون الذي صلّى عليه ابن عمر هو زيد بن أُمّ كلثوم بنت جرول.
الله، ولكونه ابن فاطمة الزهراء؟
وما هو المهر الذي أمهرها عمر؟ هل هو عشرة آلاف دينار(١) ، أم أربعون ألف دينار(٢) أم أربعة آلاف درهم(٣) ، أم أربعون ألف درهم(٤) ، أم أربعون ألفاً بلا تعيين(٥) ، أم مئة ألف بلا تعيين(٦) أم غيرها.
بل كيف يمهرها عمر هذا المبلغ الضخم بقوله: وأعطيت هذا المال العريض إكراماً لمصاهرتي إيّاه(٧) . وهو الذي هدد مَن زاد في مهور النساء بجعل ما زاد على مهر السُنّة في بيت المال، فاعترضت عليه تلك المرأة بقوله تعالى:( وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْمَاً ) (٨) ثمّ رضوخ عمر لكلامها وقوله: كلّ الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال في خدورهن(٩) ، أو: امرأة أصابت ورجل أخطأ(١٠) .
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٩.
(٢) التراتيب الإدارية ٢: ٤٠٥.
(٣) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور: ٦٩.
(٤) الإصابة ٤: ٤٩٢، أسد الغابة ٥: ٦١٥، البداية والنهاية ٥: ٢٣٠، ٧: ١٥٦، الطبقات ٨: ٣٤٠، ٤٦٤، سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠١، المجموع للنووي ٦: ٣٢٧، المصنف لابن أبي شيبة ٣: ٣١٩، كنز العمال ١٣: ٦٢٥، عمدة القاري ٢٠: ١٣٧، مختصر تاريخ دمشق ٩: ١٦١، المنتظم ٤: ٢٣٧.
(٥) سير أعلام النبلاء ٣: ٥٠١، الطبقات ٨: ٤٦٣، نهاية الأرب ١٩: ٣٩١، تاريخ عمر بن الخطّاب: ٢٦٧.
(٦) أنساب الأشراف ٢: ١٦٠.
(٧) التراتيب الإدارية ٢: ٤٠٥.
(٨) النساء: ٢٠.
(٩) انظر في ذلك: كنز العمال ١٦: ٥٣٤ إلى ٥٤٢.
(١٠) مجمع الزوائد ٤: ٢٨٤، السنن الكبرى ٧: ٢٣٣، إرشاد الساري ٨: ٥٧، الدر المنثور ٢: ١٣٣، كنز العمال ٨: ٢٨٨.
وجاء في كتابالسرائر : خطب الناس عمر بن الخطّاب وذلك قبل أن يتزوج أُمّ كلثوم بيومين، فقال: أيّها النّاس لا تغالوا بصدقات النساء، فإنّه لو كان الفضل فيها لكان رسول الله يفعله، كان نبيكم يصدق المرأة من نسائه المحشوَّةَ، وفراشَ الليف، والخاتم، والقدح الكثيف، وما أشبهه، ثم نزل المنبر، فما قام إلاّ يومين أو ثلاثة حتّى أرسل في صداق بنت عليّ أربعين ألفاً(١) .
إنّه ليثير الاستغراب حقاً؟!
إنّ إعطاء عمر هذه الأرقام الخيالية من الأموال - أربعين ألف دينار، عشرة آلاف دينار، مئة ألف - لا يتناسب مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي للناس في ذلك الزمن، بل لا يتّفق مع ما قيل عن زهد عمر وارتزاقه من بيت المال، بل يبعث على التساؤل والتشكيك في صحّة هذه النقول.
ومثل ذلك يأتي كلامنا فيما نقل عن أزواج أُمّ كلثوم بعد عمر، فلو صحّ أنّ أُمّ كلثوم قد تزّوجت عوناً بعد عمر، ثمّ تزوّجها أخوه محمّد بعده، فكيف يمكننا أن نقبل بهذا ونحن نقرأ في كتب التواريخ: أنّ عوناً ومحمّداً ابنا جعفر قد استشهدا بتستر في إيران سنة ١٧ للهجرة(٢) ، مع وقوفنا على أنّ عمر كان قد تزوج بأمّ كلثوم في سنة ١٧ للهجرة ودخل بها في ذي القعدة من تلك السنة، حسبما يقوله المؤرِّخون(٣) .
فمتى تزوّجها عون ومحمّد، في حين أنّ زوجها الأوّل عمر بقي إلى سنة ٢٣ للهجرة؟!
____________________
(١) السرائر ٣: ٦٣٧ (قسم المستطرفات / ما استطرفه من رواية ابن قولويه).
(٢) الإصابة ٤: ٦١٩، ت ٦١٢٢.
(٣) تاريخ الطبري ٣: ١٦٨، ثقات ابن حيان ٢: ٢١٧.
ومثل ذلك تأتي إشكالية زواجها من عبد الله بن جعفر، إذ إنّ في النصوص: أن عليّاً زوّجها بعون ومحمّد وعبد الله أبناء أخيه جعفر بن أبي طالب، فلو صحّ هذا النقل فكيف يتطابق مع ما ثبت من أنّ عبد الله بن جعفر كان زوج العقيلة زينب، التي شهدت واقعة الطف سنة ٦٠ ه- وماتت في ١٥ رجب سنة ٦٢ أو ٦٥ أو سنة ٧٤، وهي عند عبد الله بن جعفر.
فكيف يصحّ القول بأن عليّاً زوّج أُمّ كلثوم من عبد الله بن جعفر بعد أخويه محمّد وعون، في حين إنّ الإمام عليّ كان قد استشهد سنة ٤٠ من الهجرة.
بل ماذا نقول فيما جاء فيأنساب الأشراف ، قال:
كتب معاوية إلى مروان وهو على المدينة أن يخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر - وأُمّها أُمّ كلثوم بنت عليّ وأُمّها فاطمة بنت رسول الله - على ابنه يزيد، ويقضي عن عبد الله دينه وكان خمسين ألف دينار، ويعطيه عشرة آلاف دينار، ويصدقها أربعمئة، ويكرمها بعشرة آلاف دينار.
فبعث مروان إلى ابن جعفر فأخبره.
فقال: نعم، واستثنى رضاء الحسين بن عليّ.
فأتى الحسين فقال له: إنّ الخال والد، وأمرُ هذه الجارية بيدك، فأشهد عليه الحسين بذلك.
ثم قال للجارية: يا بنية إنّا لم تخرج منا غريبة قط، أفأمرك بيدي؟
قالت: نعم.
فأخذ بيد القاسم بن محمّد بن جعفر بن أبي طالب فأدخله المسجد وبنو هاشم وبنو أُميّة مجتمعون، فتكلّم الحسين، فحمد الله وأثنى عليه ثّم قال: إنّ الإسلام دفع الخسيسة وتمّم النقيصة وأذهب اللائِمة، فلا لوم على مسلم إلاّ في أمر مأثم، وإنّ القرابة - التي عظّم الله حقّها وأمر برعايتها وأن
يسأل نبيَّه الأَجر له بالمؤدة لأهلها - قرابتنا أهل البيت...(١) .
بل كيف يمكن الجمع بين الأختين؟ اللهمّ إلاّ أن يقال بأنّ أُمّ كلثوم هذه لم تكن من عليّ وفاطمة، بل هي ربيبته، أي أنّها بنت أسماء - زوجة الإمام عليّ - أو بنت زوجة أُخرى لهعليهالسلام ، والربيبة تعد بمنزلة البنت.
وهذا القول هو الآخر يجب أن يُدرس وأن لا يؤخذ على علاّته، لأنّ كتب التواريخ ذكرت لأسماء ابناً واحداً، وهو محمّد بن أبي بكر، أمّا أُمّ كلثوم بنت أبي بكر فقالوا عنها إنّها بنت حبيبة بنت خارجة الخزرجية، فهي أخت محمّد لكن من أبيه لا من أمه.
بل كيف نرى أُمّ كلثوم تولد لعمر ثلاثة أولاد: زيد، ورقية، وفاطمة، ولا نراها تولد لأبناء جعفر بن أبي طالب أي ولد - وفي قولٍ يتيم: أولدت لمحمد فقط -(٢) .
وهكذا الأمر: نرى أولاد جعفر بن أبي طالب يزوّجون من أمّ كلثوم الواحد منهم تلو الآخر كلّ ذلك بعد أنّ تزوجها عمر.
هل جاء ذلك لتصحيح كلام الإمام عليّ ورضوخاً لأمنيته لأنّه كان قد قال لعمر: حبستهن لأولاد أخي جعفر؟!
هل جاء كلّ هذا صدفة، أمّ هناك أشياء أُخرى وراء الكواليس لم يكشف الستار عنها؟
بلى، إنّ أغلب الأقوال المطروحة تحتاج إلى بحث ودراسة، وهذا هو الذي دعانا إلى أن نتريّث في إعطاء نظرنا النهائي في هذا الموضوع، مكتفين بالتعليق على أشد الأقوال وأشهرها على مواقع الإنترنيت.
____________________
(١) أنساب الأشراف ترجمة معاوية ورواه ابن عساكر في ترجمة مروان ، انظر هامش شواهد التنزيل ٢: ٦٤٤.
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي ٧: ٢٨٣
مؤكدين للقارىء بأنّ أمر الزواج لم يكن ثابتاً متواتراً كما يتصور البعض، بل هناك ملابسات كثيرة يجب دراستها.
إذاً، لا يمكننا القبول بهذه الأخبار على علاّتها، حيث إنّ شخصية أُمّ كلثوم يكتنفها كثير من الغموض من البداية إلى النهاية، وعلى الباحث والمؤرخ أن يدرس كلّ ما جاء عنها في التاريخ، وأن لا يكتفي بدراسة حالة معيّنة منها، لأنّ شخصيتها كامنة في مواقفها وأقوالها، وهذه النصوص كما تراها مضطربة اضطراباً شديداً جداً، فلا يجوز النظر إلى جانب وترك الآخر، لأنّ ذلك خيانة للعلم والتحقيق.
فمما يجب على المحقّقين والباحثين هو الرجوع إلى النصوص مع ملابساتها. فإن أمكنهم الخروج بنتيجة مطلوبة فنعم النتيجة، وإلا فليؤمنوا بأنّ هذه التناقضات أكبر دليل على أنّ في هذا الأمر لغزاً قد يكون متعمّداً، وقد يكون جاء من حالة التشابه بين الأسماء ووحدة المواقف، والأول أقرب للأحداث والملابسات، وهو ما ندعو الباحثين إلى التريّث فيه، وعدم ترجيح رأي على آخر، لأن الوقوف على دور السياسة والأهواء والمصالح في مثل هذه الأمور كفيل بأنّ يحلّ لنا هذا الموضوع.
إن اختلاف النصوص والمدّعيات تدعونا إلى ضرورة بحث ودراسة مثل هذه الأمور، بل تشكّكنا في صحّتها، وتجعلنا نميل إلى عدم ثبوت الأمر إنها تناقضات في التاريخ والشريعة يجب حلها تاركين ذلك لحين وقتها.
سائلين المولى سبحانه أن يوفّقنا لتقديم دراسة موسّعة عن هذا الموضوع، تُرفع فيها كلّ الإشكالات المطروحة في هذه القضيّة، على أمل اللقاء مع القرّاء في وقت آخر إن شاء الله تعالى.
الخلاصة
تلخّص ممّا سبق عدّة أمور:
الأوّل:
أنّ عمر بن الخطّاب لم يكن معصوماً، وقد أخطأ في فهم كثير من الأحكام الشرعية عن اجتهاد أو مصلحة أو... كما يدّعون، وأنّ المصالح لم تكن شرعية، بل هي مصالح شخصية وهمية.
الثاني:
أنّ عمر بن الخطّاب لم يُعر للقربى منزلة، لا في أول الإسلام ولا في فتوّته، ولم يكن على وفاق مع بني هاشم، وأنّ دعوى الحصول على القرابة ما هي إلا غطاء يبتغي من ورائه أمور خفية. وإذا صحّ مدّعاه فكان الأولى به أن يحاول المصاهرة مع رسول الله مباشرة من خلال إحدى بناتهصلىاللهعليهوآله ، لا من خلال بنت بنته.
نعم أقدم على خطبة فاطمة الزهراء فقط، ربّما منافسة لعلي، فردّه رسول الله وانتهى كلّ شيء.
الثالث:
أنّ النساء كنّ يكرهن الزواج من عمر، لكونه شديداً غليظاً، يدخل عابساً ويخرج عابساً، ويعتبرهنّ لعبة، وقد أقدم على الزواج من أُمّ كلثوم بنت أبي بكر، وأُمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة، وأُمّ سلمة المخزوميّة، وخطب إلى قوم من قريش، فردوه، وقد عارك عاتكة بنت زيد فغلبها على نفسها
فنكحها، فلما فرغ قال: أف، أف، أف، أفف بها، ثم خرج من عندها وتركها لا يأتيها.
الرابع:
وقفنا على دور بعض أعداء الإمام عليّ - كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة - في تطبيق وتطبيع هذا الزواج المفترض، وأنّ عائشة استعانت بهما لدفع عمر عن الزواج بأُم كلثوم بنت أبي بكر، وأنّهما أرادا بسعيهم خدمة عمر والإزراء بعلي معاً.
الخامس:
أنّ نصوص أهل السُنّة تشير إلى كون أمر الزواج سياسي عاطفي، وأنّ عمر بن الخطّاب كان يطلب اللّذة بدعوى الحصول على القربى. أمّا النصوص الشيعيّة - الدّالة على الزواج - فتؤكّد على الإكراه والجبر من قبل عمر.
السادس:
تعريض المغيرة بن شعبة بعمر بن الخطّاب لمّا قال له - وهو بالموسم وقد رأى أُمّ جميل - : أتعرف هذه المرأة يا مغيرة ؟ قال: نعم، هذه أُمّ كلثوم بنت عليّ، معرضاً بعمر لتفكيره الدائم بها، وإصراره على الزواج منها، وأنّ هذه الحالة قد ساءت كثيراً من النّاس، لكثرة تردّده على عليّ، ممّا ألجأ عمر بن الخطّاب أن يصعد المنبر ويدافع عن نفسه ويقول: أيها الناس، إنه والله ما حملني على الإلحاح على عليّ بن طالب في ابنته إلاّ أني سمعت رسول الله يقول:(١) .
____________________
(١) مناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: ١١٠، وانظر تاريخ بغداد ٦: ١٨٢ كذلك.
السابع:
ناقشنا في البحث الفقهي الروايات الحاكية لزواج أُمّ كلثوم في كتب الشيعة، مشيرين إلى كيفية دخول تلك الأخبار إلى المصادر الحديثية الشيعيّة، ثم منها إلى الفقه، ومدى حجيتها ودلالتها في تلك الفروع.
الثامن:
فتحنا - ولحدٍّ ما - أثناء البحث الكثير من المواضيع المرتبطة بالموضوع: كتشابه اسم أُمّ كلثوم بنت جرول الخزاعية - زوجة عمر قبل الإسلام - مع ما قيل عن أُمّ كلثوم بنت عليّ، وإمكان استغلال النّهج الحاكم هذا التشابه الاسمي، لكن السؤال يبقى مطروحاً: هل أن زيداً كان ابناً لبنت جرول أو لبنت عليّ؟ وهل أنّه مات صبياً أو غلاماً أو رجلاً وأمثالها، موضحين مدى دلالة تلك النصوص على ما نحن فيه.
التاسع:
أنّ القول بوقوع الزواج لا يسيء إلى الفكر الشيعي بقدر ما هو مسيء إلى الفكر الآخر ; لأنّ له مخرج في الدين عند الشيعة، وعدمه عند السنّة، وأن طرح هذه المسألة بين الحين والآخر لا يخدم الطرف السنّي، بل يشدّد الأزمة بين الطرفين ولا يحلها، ويوقف القاريء الشيعي على ظلامة أهل البيت أكثر ممّا مضى، لأنّه يؤكد ما نقل لهم عن الّذي وقع عليهم.
وفي المقابل يشير إلى تداني المستوى الخلقي لعمر بن الخطّاب، إذ إنّ الكشف عن الساق، والضم إلى الصدر، والتقبيل لا يتلاءم مع الفكر الإسلامي الأصيل، وهذا ما لا يرتضيه أتباع نهج الخلفاء، ولو قرأت كلام السبط ابن الجوزي لرأيته مستاءً من وجود تلك النصوص في كتب قومه، إذ قال:
وذكر جدي في كتابالمنتظم: أنّ عليّاً بعثها إلى عمر لينظرها، وأنّ عمر كشف ساقها ولمسها بيده قلت: هذا قبيح والله، لو كانت أمة لما فعل بها هذا، ثم بإجماع المسلمين لا يجوز لمس الأجنبية، فكيف ينسب إلى عمر هذا (١) .
هذا كلام ابن الجوزي، وقد ذكره في كتابهتذكرة الخواصّ ، وهو أحد أعلام العامّة، ولم تأت تلك النصوص في كتب الشيعة حتى يقال إنّها من وضعهم.
العاشر:
وصلنا إلى أن أُمّ كلثوم المدّعى الزواج بها، فيها الكثير من الغموض:
في أصل وجودها؟
ومقدار عمرها؟
ومن هم أزواجها؟
وكيف خطبة عمر لها؟
ومن كان وليها الذي تولى تزويجها؟
وهل الزواج وقع عن رغبة أو رهبة؟
وهل ولدت أم لا؟
ومن هم أولادها؟
وهل حقاً أنها بنت عليّ أم ربيبته؟
ولو كانت بنته، فهل هي من فاطمة، أو من غيرها أو من أُمّ ولد، أو من غيرها؟
ومتى ماتت وكيف؟ ومن صلّى عليها.
____________________
(١) تذكرة الخواص: ٢٨٨.
فالقضية من البدء إلى الختام محلّ نقض وإبرام، ويحتاج إلى وقت كثير للخروج بنتيجة، وحيث لم يسعنا الوقت لمناقشة جميع تلك الأقوال، فقد اكتفينا بالتعليق على أشدّ الأقوال وأشهرها على مواقع الإنترنيت، لنؤكد بأنّ القول بهذا لا يضرّ بالشيعة بقدر ما هو مضرّ بالآخرين، محيلين القارئ الكريم إلى وقت آخر للبت في هذا الزواج اللغز.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الفهرس
زواج أم كلثوم (زواج اللّغز) قراءة في نصوص زواج عمر من أم كلثوم بنت علي عليهالسلام تأليف السيد علي الشهرستاني ١
زواجُ أُمِّ كلثوم ٣
المقدمة ٩
تمهيد ٢١
والأقوال فيها ثمانية: ٢٤
القول الأوّل: عدم وقوع التزويج بين عمر وأُمّ كلثوم ٢٥
القول الثاني: وقوع التزويج لكنّه كان عن إكراه ٢٥
القول الثالث: إنّ المتزوج منها لم تكن ابنته عليهالسلام بل كانت ربيبته ٢٦
القول الرابع: إن علياً زوّج عمر بن الخطّاب جنّية تشبه أُمّ كلثوم ٢٨
القول الخامس: إنكار وجود بنت لعلي اسمها أُمّ كلثوم ٢٩
القول السادس: أنّ أُمّ كلثوم لم تكن من بنات فاطمة بنت محمّد صلىاللهعليهوآله ، بل كانت من أُمّ ولد ٣١
القول السابع: تزويجها من عمر، لكنّ عمر مات ولم يدخل بها ٣٢
القول الثامن: وهو المشهور عند العامّة ٣٣
محاور البحث ٣٣
نصوص في التزويج ٣٥
قول ابن سعد ٣٧
قول ابن حجر ٣٨
قول ابن الجوزي ٣٩
رواية الطبري ٤٠
قول الخطيب ٤٠
قول الزرندي ٤١
قول اليعقوبي ٤٢
البحث التاريخي ٤٣
مقدمتان ٤٥
عمر ودعوى القرابة: ٥١
عمر وتزوجه من النساء: ٥٩
قول عمر بين الحقيقة والادّعاء: ٦٩
فرضان في تحديد سنّ أُمّ كلثوم: ٧٢
كلام المغيرة بن شعبة في مكّة: ٧٦
مجمل ما تقوله الشيعة: ٨١
البحث الفقهي ٨٤
أخبارٌ في كتب السنة ٨٧
(١) كيفيّة الصلاة على جنازة امرأة وطفل ٨٧
(٢) التكبير على الجنازة: ٨٨
(٣) ميراث الغرقى: ٨٩
(٤) عدّة المتوفّى عنها زوجها: ٨٩
(٥) الوكالة في التزويج: ٩٠
أخبارٌ في كتب الشيعة ٩١
(١) ٢ صلاة الجنائز، وكيفية التكبير على الميت ٩١
وقفة مع خبر عمّار: ٩٧
(٣) ميراث الغرقى والمهدوم عليهم: ١٠٦
(٤) عدة المتوفّى عنها زوجها: ١٢٢
(٥) الوكالة في التزويج: ١٢٥
البحث العقائدي ١٣٣
سؤالان ١٣٥
جواب السؤال الأول: ١٣٥
الخلاصة ١٦٣
الفهرس ١٦٩